{"ً":{"ٌ":36558,"ٍ":"الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["العقيدة/الاعتصام - الشاطبي - ت رضا - المكتبة التجارية 1-2/etsaam0.pdf|الغلاف","العقيدة/الاعتصام - الشاطبي - ت رضا - المكتبة التجارية 1-2/etsaam1.pdf","العقيدة/الاعتصام - الشاطبي - ت رضا - المكتبة التجارية 1-2/etsaam2.pdf|2","العقيدة/الاعتصام - الشاطبي - ت مشهور - ط الأثرية 01-03/03_81356.pdf|3","العقيدة/الإعتصام - الشاطبي - 4 نسخ/etsam4.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الاعْتِصَام\nالمؤلف: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (ت ٧٩٠هـ)\nتحقيق ودراسة:\nالجزء الأول: د. محمد بن عبد الرحمن الشقير\nالجزء الثاني: د سعد بن عبد الله آل حميد\nالجزء الثالث: د هشام بن إسماعيل الصيني\nالناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م\nعدد الأجزاء: ٣\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[الاعتصام للشاطبي]\n\nورد في مقدمة التحقيق:\nيُعَدُّ كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي أحسن ما أُلِّف في التحذير من البدع وبيان أحكامها، فلا نكاد نجد كتابًا تناول البدعة وأحكامها كما تناولها هذا الكتاب، وأغلب من ألف في هذا الموضوع بعد الإمام الشاطبي استفاد منه وتأثر به تأثرًا واضحًا.\n\nوقد فاق هذا الكتاب غيره من الكتب في هذا الموضوع بأمورِ عِدَّة، من أهمها:\n١ - دقة المؤلف في تعريف البدعة، حيث عرفها بتعريف دقيق، ثم شرح التعريف شرحًا وافيًا حدد به معنى البدعة على وجه الدقة، وأزال به ما يقع للكثير من اللبس وعدم التفريق بين البدع والمحرمات بل والمباحات.\n٢ - سعة جمعه للأدلة في الحث على السنة والنهي عن البدعة، سواء من الآيات أو الأحاديث أو الآثار الواردة عن الصحابة ﵃ ومن بعدهم، ودراسة هذه الأدلة والنقول دراسة دقيقة تنبئ عن دِقَّةٍ في الاستنباط، وبراعة في الفهم.\n٣ - حسن ترتيب المؤلف لموضوعات الكتاب، وتقسيمه له على أبواب وفصول ومسائل، وتدرجه في ترتيب هذه الأبواب بحسب موضوعاتها مما يعين القارئ على الفهم والاستيعاب.\n٤ - سعة البحث وطول النفس مع الجودة والإتقان في تحرير المسائل والأحكام المتعلقة بالبدع، وهذه منقبة واضحة لهذا الكتاب جعلته يفوق غيره مما أُلِّف في هذا الباب.\n٥ - تركيز المؤلف على المسائل التي تلتبس على كثير من الناس، ويتخذها المبتدعة وسيلة لترويج بعض البدع، حيث حرر المؤلف القول فيها، وأزال عنها الاشتباه، وذلك كمسألة تقسيم البدعة إلى حسنة وقبيحة، أو تقسيمها بأقسام أحكام الشريعة الخمسة، وكمسألة التفريق بين البدع والمصالح المرسلة والاستحسان، ونحوها من المسائل.\n٦ - قوة المؤلف العلمية، وتأهله لخوض هذا الموضوع، فقد اجتمع له علوم أهلته لهذه المهمة، من علم بالعربية، والأصول، ومقاصد الشريعة ونصوصها، مع قوة في الاستنباط، ورصانة في العبارة.\nومزايا هذا الكتاب تفوت الحصر، نسأل الله أن يجزي مؤلفه خير الجزاء.","ٓ":"1.0","ٔ":68,"ٕ":1,"ٖ":1770153835,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["مقدمة","1","2","3"],"ٚ":[{"title":"مقدمة التحقيق","level":1,"page":5},{"title":"المقدمة","level":2,"page":5},{"title":"منهجنا في تحقيق الكتاب","level":2,"page":12},{"title":"أولا: المقابلة بين النسخ:","level":3,"page":12},{"title":"ثانيا: التعليق:","level":3,"page":13},{"title":"ثالثا: الآيات القرآنية:","level":3,"page":13},{"title":"رابعا: الأحاديث والآثار:","level":3,"page":13},{"title":"خامسا: عزو الأقوال والنصوص:","level":3,"page":13},{"title":"سادسا: ترجمة الأعلام:","level":3,"page":13},{"title":"سابعا: شرح الكلمة الغريبة:","level":3,"page":14},{"title":"ثامنا: التعريف بالفرق:","level":3,"page":14},{"title":"تاسعا: التعريف بالبلدان والأماكن:","level":3,"page":14},{"title":"عاشرا: الفهارس:","level":3,"page":14},{"title":"الدراسة","level":2,"page":16},{"title":"الباب الأول التعريف بالمؤلف","level":3,"page":17},{"title":"الفصل الأول عصر المؤلف","level":4,"page":18},{"title":"المبحث الأول الحالة السياسية","level":5,"page":19},{"title":"المبحث الثاني الحالة الاجتماعية","level":5,"page":22},{"title":"المبحث الثالث الحالة العلمية","level":5,"page":26},{"title":"الفصل الثاني حياة المؤلف الشخصية","level":4,"page":28},{"title":"المبحث الأول اسمه، وكنيته، ونسبه","level":5,"page":29},{"title":"المبحث الثاني مولده، ونشأته، وموطنه","level":5,"page":30},{"title":"المبحث الثالث محنته، وما ابتلي به، واتهامه من خصومه","level":5,"page":31},{"title":"١ - القول بأن الدعاء لا ينفع وأنه لا فائدة فيه:","level":6,"page":31},{"title":"٢ - اتهم ﵀ بالرفض وبغض الصحابة ﵃:","level":6,"page":32},{"title":"٣ - اتهم الإمام الشاطبي ﵀ بالقول بجواز القيام على الأئمة حيث قال:","level":6,"page":33},{"title":"٤ - اتهم الإمام الشاطبي ﵀ بالتزام الحرج والتنطع في الدين:","level":6,"page":33},{"title":"٥ - اتهم أيضا بمعاداة أولياء الله:","level":6,"page":34},{"title":"٦ - اتهم ﵀ بأنه مخالف للسنة والجماعة، حيث قال:","level":6,"page":34},{"title":"المبحث الرابع وفاته","level":5,"page":36},{"title":"الفصل الثالث حياة المؤلف العلمية","level":4,"page":37},{"title":"المبحث الأول طلبه للعلم وشيوخه","level":5,"page":38},{"title":"١ - أبو عبد الله محمد بن الفخار (ت ٧٥٤ هـ):","level":6,"page":38},{"title":"٢ - أبو سعيد فرج بن قاسم بن أحمد بن لب التغلبي (ت ٧٨٢ هـ):","level":6,"page":39},{"title":"٣ - أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد المقري (الجد) (ت ٧٥٩ هـ):","level":6,"page":39},{"title":"٤ - أبو علي منصور بن عبد الله الزواوي:","level":6,"page":40},{"title":"٥ - أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مرزوق الخطيب التلمساني (ت ٧٨١ هـ):","level":6,"page":40},{"title":"٦ - أبو القاسم محمد بن أحمد الشريف الحسني السبتي (ت ٧٦٠ هـ):","level":6,"page":40},{"title":"٧ - أبو عبد الله محمد بن أحمد الشريف التلمساني (ت ٧٧١ هـ):","level":6,"page":41},{"title":"٨ - أبو عبد الله محمد بن أبي الحجاج يوسف بن عبد الله بن محمد اليحصبي اللوشي (ت ٧٥٢ هـ):","level":6,"page":41},{"title":"٩ - أبو عبد الله محمد بن علي بن أحمد البلنسي الأوسي (ت ٧٨٢ هـ):","level":6,"page":41},{"title":"١٠ - أبو جعفر أحمد بن الحسن الكلاعي المعروف بابن الزيات (ت ٧٢٨ هـ):","level":6,"page":42},{"title":"١١ - أبو جعفر أحمد بن آدم الشقوري:","level":6,"page":42},{"title":"المبحث الثاني: تلاميذه","level":5,"page":43},{"title":"المبحث الثالث ثقافته ومؤلفاته","level":5,"page":45},{"title":"فأما كتبه المطبوعة فهي:","level":6,"page":46},{"title":"١ - الموافقات في أصول الشريعة:","level":7,"page":46},{"title":"٢ - الاعتصام:","level":7,"page":48},{"title":"٣ - الإفادات والإنشادات:","level":7,"page":48},{"title":"٤ - فتاوى الإمام الشاطبي:","level":7,"page":48},{"title":"وأما كتبه التي لم تطبع بعد، فمنها:","level":6,"page":48},{"title":"١ - شرح جليل على الخلاصة في النحو: (في أربعة أسفار):","level":7,"page":48},{"title":"٢ - كتاب المجالس:","level":7,"page":48},{"title":"٣ - شرح رجز ابن مالك في النحو (الألفية):","level":7,"page":49},{"title":"٤ - عنوان الاتفاق في علم الاشتقاق.","level":7,"page":49},{"title":"٥ - أصول النحو.","level":7,"page":49},{"title":"المبحث الرابع مكانته العلمية وثناء العلماء عليه","level":5,"page":50},{"title":"المبحث الخامس عقيدته","level":5,"page":52},{"title":"أولا: مسألة كلام الله تعالى:","level":6,"page":57},{"title":"ثانيا: مسألة رؤية الله تعالى يوم القيامة:","level":6,"page":58},{"title":"ثالثا: مسألة الاستواء:","level":6,"page":59},{"title":"رابعا: مسألة علو الله تعالى:","level":6,"page":60},{"title":"خامسا: بقية الصفات السمعية:","level":6,"page":61},{"title":"الباب الثاني التعريف بالكتاب وطبعاته ونسخه الخطية:","level":3,"page":63},{"title":"الفصل الأول التعريف بالكتاب","level":4,"page":64},{"title":"المبحث الأول اسم الكتاب","level":5,"page":65},{"title":"المبحث الثاني موضوع الكتاب","level":5,"page":67},{"title":"المبحث الثالث سبب تأليف الكتاب","level":5,"page":69},{"title":"المبحث الرابع توثيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه","level":5,"page":71},{"title":"المبحث الخامس قيمة الكتاب العلمية","level":5,"page":72},{"title":"الفصل الثاني التعريف بطبعات الكتاب ونسخه الخطية","level":4,"page":74},{"title":"المبحث الأول التعريف بطبعات الكتاب","level":5,"page":75},{"title":"المبحث الثاني التعريف بنسخ الكتاب الخطية","level":5,"page":79},{"title":"النسخة الأولى:","level":6,"page":79},{"title":"النسخة الثانية:","level":6,"page":80},{"title":"النسخة الثالثة:","level":6,"page":81},{"title":"النسخة الرابعة:","level":6,"page":81},{"title":"النسخة الخامسة:","level":6,"page":83},{"title":"النسخة السادسة:","level":6,"page":84},{"title":"نماذج للمخطوطات","level":6,"page":86},{"title":"مقدمة المصنف لكتابه","level":1,"page":114},{"title":"الباب الأول في تعريف البدع وبيان معناها وما اشتق منه لفظا","level":1,"page":153},{"title":"فصل","level":2,"page":164},{"title":"الباب الثاني في ذم البدع وسوء منقلب أصحابها","level":1,"page":169},{"title":"فصل","level":2,"page":179},{"title":"فصل","level":2,"page":215},{"title":"فصل","level":2,"page":234},{"title":"فصل","level":2,"page":257},{"title":"فصل","level":2,"page":281},{"title":"فصل","level":2,"page":296},{"title":"فصل","level":2,"page":341},{"title":"الباب الثالث في أن ذم البدع والمحدثات عام لا يخص محدثة دون غيرها","level":1,"page":352},{"title":"فصل","level":2,"page":359},{"title":"فصل","level":2,"page":387},{"title":"فصل","level":2,"page":393},{"title":"فصل","level":2,"page":405},{"title":"فصل","level":2,"page":412},{"title":"فصل","level":2,"page":428},{"title":"فصل","level":2,"page":444},{"title":"فصل","level":2,"page":466},{"title":"الباب الرابع في مأخذ أهل البدع في الاستدلال","level":1,"page":478},{"title":"فصل","level":2,"page":483},{"title":"فصل","level":2,"page":505},{"title":"فصل","level":2,"page":520},{"title":"فصل","level":2,"page":526},{"title":"فصل","level":2,"page":536},{"title":"فصل","level":2,"page":542},{"title":"فصل","level":2,"page":547},{"title":"فصل","level":2,"page":563},{"title":"فصل","level":2,"page":566},{"title":"فصل","level":2,"page":572},{"title":"الباب الخامس في أحكام البدع الحقيقية والإضافية والفرق بينهما","level":1,"page":614},{"title":"فصل","level":2,"page":616},{"title":"فصل","level":2,"page":622},{"title":"فصل","level":2,"page":633},{"title":"فصل","level":2,"page":637},{"title":"فصل","level":2,"page":651},{"title":"فصل","level":2,"page":665},{"title":"فصل","level":2,"page":671},{"title":"فصل","level":2,"page":679},{"title":"فصل","level":2,"page":690},{"title":"فصل","level":2,"page":702},{"title":"فصل","level":2,"page":710},{"title":"فصل","level":2,"page":718},{"title":"فصل","level":2,"page":733},{"title":"فصل","level":2,"page":753},{"title":"فصل","level":2,"page":765},{"title":"فصل","level":2,"page":771},{"title":"فصل","level":2,"page":782},{"title":"فصل","level":2,"page":799},{"title":"الباب السادس في أحكام البدع وأنها ليست على رتبة واحدة","level":1,"page":826},{"title":"فصل","level":2,"page":830},{"title":"فصل","level":2,"page":833},{"title":"فصل","level":2,"page":838},{"title":"فصل","level":2,"page":842},{"title":"فصل","level":2,"page":847},{"title":"فصل","level":2,"page":850},{"title":"فصل","level":2,"page":862},{"title":"فصل","level":2,"page":877},{"title":"الباب السابع في الابتداع هل يدخل في الأمور العادية؟ أم يختص بالأمور العبادية؟","level":1,"page":889},{"title":"فصل","level":2,"page":901},{"title":"فصل","level":2,"page":950},{"title":"الباب الثامن في الفرق بين البدع والمصالح المرسلة والاستحسان","level":1,"page":969},{"title":"فصل","level":2,"page":999},{"title":"فصل","level":2,"page":1008},{"title":"فصل","level":2,"page":1030},{"title":"فصل","level":2,"page":1034},{"title":"فصل","level":2,"page":1046},{"title":"الباب التاسع في السبب الذي لأجله افترقت فرق المبتدعةعن (جماعة المسلمين)","level":1,"page":1051},{"title":"فصل","level":2,"page":1075},{"title":"فصل","level":2,"page":1086},{"title":"مسائل حديث افتراق الأمم","level":3,"page":1088},{"title":"المسألة الأولى","level":4,"page":1088},{"title":"المسألة الثانية","level":4,"page":1090},{"title":"المسألة الثالثة","level":4,"page":1093},{"title":"المسألة الرابعة","level":4,"page":1100},{"title":"المسألة الخامسة","level":4,"page":1103},{"title":"المسألة السادسة","level":4,"page":1106},{"title":"المسألة السابعة","level":4,"page":1110},{"title":"المسألة الثامنة","level":4,"page":1131},{"title":"المسألة التاسعة","level":4,"page":1142},{"title":"المسألة العاشرة","level":4,"page":1144},{"title":"المسألة الحادية (عشرة)","level":4,"page":1150},{"title":"المسألة الثانية عشرة","level":4,"page":1153},{"title":"المسألة الثالثة عشرة","level":4,"page":1157},{"title":"المسألة الرابعة عشرة","level":4,"page":1159},{"title":"المسألة الخامسة عشرة","level":4,"page":1166},{"title":"المسألة السادسة عشرة","level":4,"page":1170},{"title":"المسألة السابعة عشرة","level":4,"page":1181},{"title":"المسألة الثامنة عشرة","level":4,"page":1183},{"title":"المسألة التاسعة عشرة","level":4,"page":1186},{"title":"المسألة العشرون","level":4,"page":1187},{"title":"المسألة الحادية والعشرون","level":4,"page":1193},{"title":"المسألة الثانية والعشرون","level":4,"page":1197},{"title":"المسألة الثالثة والعشرون","level":4,"page":1202},{"title":"المسألة الرابعة والعشرون","level":4,"page":1203},{"title":"المسألة الخامسة والعشرون","level":4,"page":1205},{"title":"المسألة السادسة والعشرون","level":4,"page":1209},{"title":"الباب العاشر في بيان معنى الصراط المستقيم الذي انحرفت عنه سبل أهل الابتداع فضلت عن الهدى بعد البيان","level":1,"page":1212},{"title":"فصل","level":2,"page":1229},{"title":"فصل","level":2,"page":1245},{"title":"فصل","level":2,"page":1271},{"title":"فصل","level":2,"page":1301},{"title":"الملاحق تعريف الفرق الواردة في الباب التاسع في المسألة السابعة","level":1,"page":1303}],"ٛ":{"مقدمة,2":2,"مقدمة,3":3,"مقدمة,4":4,"مقدمة,5":5,"مقدمة,6":6,"مقدمة,7":7,"مقدمة,8":8,"مقدمة,9":9,"مقدمة,10":10,"مقدمة,11":11,"مقدمة,12":12,"مقدمة,13":13,"مقدمة,14":14,"مقدمة,15":15,"مقدمة,17":16,"مقدمة,19":17,"مقدمة,21":18,"مقدمة,22":19,"مقدمة,23":20,"مقدمة,24":21,"مقدمة,25":22,"مقدمة,26":23,"مقدمة,27":24,"مقدمة,28":25,"مقدمة,29":26,"مقدمة,30":27,"مقدمة,31":28,"مقدمة,32":29,"مقدمة,33":30,"مقدمة,34":31,"مقدمة,35":32,"مقدمة,36":33,"مقدمة,37":34,"مقدمة,38":35,"مقدمة,39":36,"مقدمة,41":37,"مقدمة,42":38,"مقدمة,43":39,"مقدمة,44":40,"مقدمة,45":41,"مقدمة,46":42,"مقدمة,47":43,"مقدمة,48":44,"مقدمة,49":45,"مقدمة,50":46,"مقدمة,51":47,"مقدمة,52":48,"مقدمة,53":49,"مقدمة,54":50,"مقدمة,55":51,"مقدمة,56":52,"مقدمة,57":53,"مقدمة,58":54,"مقدمة,59":55,"مقدمة,60":56,"مقدمة,61":57,"مقدمة,62":58,"مقدمة,63":59,"مقدمة,64":60,"مقدمة,65":61,"مقدمة,66":62,"مقدمة,67":63,"مقدمة,69":64,"مقدمة,70":65,"مقدمة,71":66,"مقدمة,72":67,"مقدمة,73":68,"مقدمة,74":69,"مقدمة,75":70,"مقدمة,76":71,"مقدمة,77":72,"مقدمة,78":73,"مقدمة,79":74,"مقدمة,80":75,"مقدمة,81":76,"مقدمة,82":77,"مقدمة,83":78,"مقدمة,84":79,"مقدمة,85":80,"مقدمة,86":81,"مقدمة,87":82,"مقدمة,88":83,"مقدمة,89":84,"مقدمة,90":85,"مقدمة,91":86,"مقدمة,93":87,"مقدمة,94":88,"مقدمة,95":89,"مقدمة,96":90,"مقدمة,97":91,"مقدمة,98":92,"مقدمة,99":93,"مقدمة,100":94,"مقدمة,101":95,"مقدمة,102":96,"مقدمة,103":97,"مقدمة,104":98,"مقدمة,105":99,"مقدمة,106":100,"مقدمة,107":101,"مقدمة,108":102,"مقدمة,109":103,"مقدمة,110":104,"مقدمة,111":105,"مقدمة,112":106,"مقدمة,113":107,"مقدمة,114":108,"مقدمة,115":109,"مقدمة,116":110,"مقدمة,117":111,"1,5":114,"1,6":115,"1,7":116,"1,8":117,"1,9":118,"1,10":119,"1,11":120,"1,12":121,"1,13":122,"1,14":123,"1,15":124,"1,16":125,"1,17":126,"1,18":127,"1,19":128,"1,20":129,"1,21":130,"1,22":131,"1,23":132,"1,24":133,"1,25":134,"1,26":135,"1,27":136,"1,28":137,"1,29":138,"1,30":139,"1,31":140,"1,32":141,"1,33":142,"1,34":143,"1,35":144,"1,36":145,"1,37":146,"1,38":147,"1,39":148,"1,40":149,"1,41":150,"1,42":151,"1,43":152,"1,45":153,"1,46":154,"1,47":155,"1,48":156,"1,49":157,"1,50":158,"1,51":159,"1,52":160,"1,53":161,"1,54":162,"1,55":163,"1,56":164,"1,57":165,"1,58":166,"1,59":167,"1,60":168,"1,61":169,"1,62":170,"1,63":171,"1,64":172,"1,65":173,"1,66":174,"1,67":175,"1,68":176,"1,69":177,"1,70":178,"1,71":179,"1,72":180,"1,73":181,"1,74":182,"1,75":183,"1,76":184,"1,77":185,"1,78":186,"1,79":187,"1,80":188,"1,81":189,"1,82":190,"1,83":191,"1,84":192,"1,85":193,"1,86":194,"1,87":195,"1,88":196,"1,89":197,"1,90":198,"1,91":199,"1,92":200,"1,93":201,"1,94":202,"1,95":203,"1,96":204,"1,97":205,"1,98":206,"1,99":207,"1,100":208,"1,101":209,"1,102":210,"1,103":211,"1,104":212,"1,105":213,"1,106":214,"1,107":215,"1,108":216,"1,109":217,"1,110":218,"1,111":219,"1,112":220,"1,113":221,"1,114":222,"1,115":223,"1,116":224,"1,117":225,"1,118":226,"1,119":227,"1,120":228,"1,121":229,"1,122":230,"1,123":231,"1,124":232,"1,125":233,"1,126":234,"1,127":235,"1,128":236,"1,129":237,"1,130":238,"1,131":239,"1,132":240,"1,133":241,"1,134":242,"1,135":243,"1,136":244,"1,137":245,"1,138":246,"1,139":247,"1,140":248,"1,141":249,"1,142":250,"1,143":251,"1,144":252,"1,145":253,"1,146":254,"1,147":255,"1,148":256,"1,149":257,"1,150":258,"1,151":259,"1,152":260,"1,153":261,"1,154":262,"1,155":263,"1,156":264,"1,157":265,"1,158":266,"1,159":267,"1,160":268,"1,161":269,"1,162":270,"1,163":271,"1,164":272,"1,165":273,"1,166":274,"1,167":275,"1,168":276,"1,169":277,"1,170":278,"1,171":279,"1,172":280,"1,173":281,"1,174":282,"1,175":283,"1,176":284,"1,177":285,"1,178":286,"1,179":287,"1,180":288,"1,181":289,"1,182":290,"1,183":291,"1,184":292,"1,185":293,"1,186":294,"1,187":295,"1,188":296,"1,189":297,"1,190":298,"1,191":299,"1,192":300,"1,193":301,"1,194":302,"1,195":303,"1,196":304,"1,197":305,"1,198":306,"1,199":307,"1,200":308,"1,201":309,"1,202":310,"1,203":311,"1,204":312,"1,205":313,"1,206":314,"1,207":315,"1,208":316,"1,209":317,"1,210":318,"1,211":319,"1,212":320,"1,213":321,"1,214":322,"1,215":323,"1,216":324,"1,217":325,"1,218":326,"1,219":327,"1,220":328,"1,221":329,"1,222":330,"1,223":331,"1,224":332,"1,225":333,"1,226":334,"1,227":335,"1,228":336,"1,229":337,"1,230":338,"1,231":339,"1,232":340,"1,233":341,"1,234":342,"1,235":343,"1,236":344,"1,237":345,"1,238":346,"1,239":347,"1,240":348,"1,241":349,"1,242":350,"1,243":351,"1,245":352,"1,246":353,"1,247":354,"1,248":355,"1,249":356,"1,250":357,"1,251":358,"1,252":359,"1,253":360,"1,254":361,"1,255":362,"1,256":363,"1,257":364,"1,258":365,"1,259":366,"1,260":367,"1,261":368,"1,262":369,"1,263":370,"1,264":371,"1,265":372,"1,266":373,"1,267":374,"1,268":375,"1,269":376,"1,270":377,"1,271":378,"1,272":379,"1,273":380,"1,274":381,"1,275":382,"1,276":383,"1,277":384,"1,278":385,"1,279":386,"1,280":387,"1,281":388,"1,282":389,"1,283":390,"1,284":391,"1,285":392,"1,286":393,"1,287":394,"1,288":395,"1,289":396,"1,290":397,"1,291":398,"1,292":399,"1,293":400,"1,294":401,"1,295":402,"1,296":403,"1,297":404,"1,298":405,"1,299":406,"1,300":407,"1,301":408,"1,302":409,"1,303":410,"1,304":411,"1,305":412,"1,306":413,"1,307":414,"1,308":415,"1,309":416,"1,310":417,"1,311":418,"1,312":419,"1,313":420,"1,314":421,"1,315":422,"1,316":423,"1,317":424,"1,318":425,"1,319":426,"1,320":427,"1,321":428,"1,322":429,"1,323":430,"1,324":431,"1,325":432,"1,326":433,"1,327":434,"1,328":435,"1,329":436,"1,330":437,"1,331":438,"1,332":439,"1,333":440,"1,334":441,"1,335":442,"1,336":443,"1,337":444,"1,338":445,"1,339":446,"1,340":447,"1,341":448,"1,342":449,"1,343":450,"1,344":451,"1,345":452,"1,346":453,"1,347":454,"1,348":455,"1,349":456,"1,350":457,"1,351":458,"1,352":459,"1,353":460,"1,354":461,"1,355":462,"1,356":463,"1,357":464,"1,358":465,"1,359":466,"1,360":467,"1,361":468,"1,362":469,"1,363":470,"1,364":471,"1,365":472,"1,366":473,"1,367":474,"1,368":475,"1,369":476,"1,370":477,"2,5":478,"2,6":479,"2,7":480,"2,8":481,"2,9":482,"2,10":483,"2,11":484,"2,12":485,"2,13":486,"2,14":487,"2,15":488,"2,16":489,"2,17":490,"2,18":491,"2,19":492,"2,20":493,"2,21":494,"2,22":495,"2,23":496,"2,24":497,"2,25":498,"2,26":499,"2,27":500,"2,28":501,"2,29":502,"2,30":503,"2,31":504,"2,32":505,"2,33":506,"2,34":507,"2,35":508,"2,36":509,"2,37":510,"2,38":511,"2,39":512,"2,40":513,"2,41":514,"2,42":515,"2,43":516,"2,44":517,"2,45":518,"2,46":519,"2,47":520,"2,48":521,"2,49":522,"2,50":523,"2,51":524,"2,52":525,"2,53":526,"2,54":527,"2,55":528,"2,56":529,"2,57":530,"2,58":531,"2,59":532,"2,60":533,"2,61":534,"2,62":535,"2,63":536,"2,64":537,"2,65":538,"2,66":539,"2,67":540,"2,68":541,"2,69":542,"2,70":543,"2,71":544,"2,72":545,"2,73":546,"2,74":547,"2,75":548,"2,76":549,"2,77":550,"2,78":551,"2,79":552,"2,80":553,"2,81":554,"2,82":555,"2,83":556,"2,84":557,"2,85":558,"2,86":559,"2,87":560,"2,88":561,"2,89":562,"2,90":563,"2,91":564,"2,92":565,"2,93":566,"2,94":567,"2,95":568,"2,96":569,"2,97":570,"2,98":571,"2,99":572,"2,100":573,"2,101":574,"2,102":575,"2,103":576,"2,104":577,"2,105":578,"2,106":579,"2,107":580,"2,108":581,"2,109":582,"2,110":583,"2,111":584,"2,112":585,"2,113":586,"2,114":587,"2,115":588,"2,116":589,"2,117":590,"2,118":591,"2,119":592,"2,120":593,"2,121":594,"2,122":595,"2,123":596,"2,124":597,"2,125":598,"2,126":599,"2,127":600,"2,128":601,"2,129":602,"2,130":603,"2,131":604,"2,132":605,"2,133":606,"2,134":607,"2,135":608,"2,136":609,"2,137":610,"2,138":611,"2,139":612,"2,140":613,"2,141":614,"2,142":615,"2,143":616,"2,144":617,"2,145":618,"2,146":619,"2,147":620,"2,148":621,"2,149":622,"2,150":623,"2,151":624,"2,152":625,"2,153":626,"2,154":627,"2,155":628,"2,156":629,"2,157":630,"2,158":631,"2,159":632,"2,160":633,"2,161":634,"2,162":635,"2,163":636,"2,164":637,"2,165":638,"2,166":639,"2,167":640,"2,168":641,"2,169":642,"2,170":643,"2,171":644,"2,172":645,"2,173":646,"2,174":647,"2,175":648,"2,176":649,"2,177":650,"2,178":651,"2,179":652,"2,180":653,"2,181":654,"2,182":655,"2,183":656,"2,184":657,"2,185":658,"2,186":659,"2,187":660,"2,188":661,"2,189":662,"2,190":663,"2,191":664,"2,192":665,"2,193":666,"2,194":667,"2,195":668,"2,196":669,"2,197":670,"2,198":671,"2,199":672,"2,200":673,"2,201":674,"2,202":675,"2,203":676,"2,204":677,"2,205":678,"2,206":679,"2,207":680,"2,208":681,"2,209":682,"2,210":683,"2,211":684,"2,212":685,"2,213":686,"2,214":687,"2,215":688,"2,216":689,"2,217":690,"2,218":691,"2,219":692,"2,220":693,"2,221":694,"2,222":695,"2,223":696,"2,224":697,"2,225":698,"2,226":699,"2,227":700,"2,228":701,"2,229":702,"2,230":703,"2,231":704,"2,232":705,"2,233":706,"2,234":707,"2,235":708,"2,236":709,"2,237":710,"2,238":711,"2,239":712,"2,240":713,"2,241":714,"2,242":715,"2,243":716,"2,244":717,"2,245":718,"2,246":719,"2,247":720,"2,248":721,"2,249":722,"2,250":723,"2,251":724,"2,252":725,"2,253":726,"2,254":727,"2,255":728,"2,256":729,"2,257":730,"2,258":731,"2,259":732,"2,260":733,"2,261":734,"2,262":735,"2,263":736,"2,264":737,"2,265":738,"2,266":739,"2,267":740,"2,268":741,"2,269":742,"2,270":743,"2,271":744,"2,272":745,"2,273":746,"2,274":747,"2,275":748,"2,276":749,"2,277":750,"2,278":751,"2,279":752,"2,280":753,"2,281":754,"2,282":755,"2,283":756,"2,284":757,"2,285":758,"2,286":759,"2,287":760,"2,288":761,"2,289":762,"2,290":763,"2,291":764,"2,292":765,"2,293":766,"2,294":767,"2,295":768,"2,296":769,"2,297":770,"2,298":771,"2,299":772,"2,300":773,"2,301":774,"2,302":775,"2,303":776,"2,304":777,"2,305":778,"2,306":779,"2,307":780,"2,308":781,"2,309":782,"2,310":783,"2,311":784,"2,312":785,"2,313":786,"2,314":787,"2,315":788,"2,316":789,"2,317":790,"2,318":791,"2,319":792,"2,320":793,"2,321":794,"2,322":795,"2,323":796,"2,324":797,"2,325":798,"2,326":799,"2,327":800,"2,328":801,"2,329":802,"2,330":803,"2,331":804,"2,332":805,"2,333":806,"2,334":807,"2,335":808,"2,336":809,"2,337":810,"2,338":811,"2,339":812,"2,340":813,"2,341":814,"2,342":815,"2,343":816,"2,344":817,"2,345":818,"2,346":819,"2,347":820,"2,348":821,"2,349":822,"2,350":823,"2,351":824,"2,352":825,"2,353":826,"2,354":827,"2,355":828,"2,356":829,"2,357":830,"2,358":831,"2,359":832,"2,360":833,"2,361":834,"2,362":835,"2,363":836,"2,364":837,"2,365":838,"2,366":839,"2,367":840,"2,368":841,"2,369":842,"2,370":843,"2,371":844,"2,372":845,"2,373":846,"2,374":847,"2,375":848,"2,376":849,"2,377":850,"2,378":851,"2,379":852,"2,380":853,"2,381":854,"2,382":855,"2,383":856,"2,384":857,"2,385":858,"2,386":859,"2,387":860,"2,388":861,"2,389":862,"2,390":863,"2,391":864,"2,392":865,"2,393":866,"2,394":867,"2,395":868,"2,396":869,"2,397":870,"2,398":871,"2,399":872,"2,400":873,"2,401":874,"2,402":875,"2,403":876,"2,404":877,"2,405":878,"2,406":879,"2,407":880,"2,408":881,"2,409":882,"2,410":883,"2,411":884,"2,412":885,"2,413":886,"2,414":887,"2,415":888,"2,416":889,"2,417":890,"2,418":891,"2,419":892,"2,420":893,"2,421":894,"2,422":895,"2,423":896,"2,424":897,"2,425":898,"2,426":899,"2,427":900,"2,428":901,"2,429":902,"2,430":903,"2,431":904,"2,432":905,"2,433":906,"2,434":907,"2,435":908,"2,436":909,"2,437":910,"2,438":911,"2,439":912,"2,440":913,"2,441":914,"2,442":915,"2,443":916,"2,444":917,"2,445":918,"2,446":919,"2,447":920,"2,448":921,"2,449":922,"2,450":923,"2,451":924,"2,452":925,"2,453":926,"2,454":927,"2,455":928,"2,456":929,"2,457":930,"2,458":931,"2,459":932,"2,460":933,"2,461":934,"2,462":935,"2,463":936,"2,464":937,"2,465":938,"2,466":939,"2,467":940,"2,468":941,"2,469":942,"2,470":943,"2,471":944,"2,472":945,"2,473":946,"2,474":947,"2,475":948,"2,476":949,"2,477":950,"2,478":951,"2,479":952,"2,480":953,"2,481":954,"2,482":955,"2,483":956,"2,484":957,"2,485":958,"2,486":959,"2,487":960,"2,488":961,"2,489":962,"2,490":963,"2,491":964,"2,492":965,"2,493":966,"2,494":967,"2,495":968,"3,5":969,"3,6":970,"3,7":971,"3,8":972,"3,9":973,"3,10":974,"3,11":975,"3,12":976,"3,13":977,"3,14":978,"3,15":979,"3,16":980,"3,17":981,"3,18":982,"3,19":983,"3,20":984,"3,21":985,"3,22":986,"3,23":987,"3,24":988,"3,25":989,"3,26":990,"3,27":991,"3,28":992,"3,29":993,"3,30":994,"3,31":995,"3,32":996,"3,33":997,"3,34":998,"3,35":999,"3,36":1000,"3,37":1001,"3,38":1002,"3,39":1003,"3,40":1004,"3,41":1005,"3,42":1006,"3,43":1007,"3,44":1008,"3,45":1009,"3,46":1010,"3,47":1011,"3,48":1012,"3,49":1013,"3,50":1014,"3,51":1015,"3,52":1016,"3,53":1017,"3,54":1018,"3,55":1019,"3,56":1020,"3,57":1021,"3,58":1022,"3,59":1023,"3,60":1024,"3,61":1025,"3,62":1026,"3,63":1027,"3,64":1028,"3,65":1029,"3,66":1030,"3,67":1031,"3,68":1032,"3,69":1033,"3,70":1034,"3,71":1035,"3,72":1036,"3,73":1037,"3,74":1038,"3,75":1039,"3,76":1040,"3,77":1041,"3,78":1042,"3,79":1043,"3,80":1044,"3,81":1045,"3,82":1046,"3,83":1047,"3,84":1048,"3,85":1049,"3,86":1050,"3,87":1051,"3,88":1052,"3,89":1053,"3,90":1054,"3,91":1055,"3,92":1056,"3,93":1057,"3,94":1058,"3,95":1059,"3,96":1060,"3,97":1061,"3,98":1062,"3,99":1063,"3,100":1064,"3,101":1065,"3,102":1066,"3,103":1067,"3,104":1068,"3,105":1069,"3,106":1070,"3,107":1071,"3,108":1072,"3,109":1073,"3,110":1074,"3,111":1075,"3,112":1076,"3,113":1077,"3,114":1078,"3,115":1079,"3,116":1080,"3,117":1081,"3,118":1082,"3,119":1083,"3,120":1084,"3,121":1085,"3,122":1086,"3,123":1087,"3,124":1088,"3,125":1089,"3,126":1090,"3,127":1091,"3,128":1092,"3,129":1093,"3,130":1094,"3,131":1095,"3,132":1096,"3,133":1097,"3,134":1098,"3,135":1099,"3,136":1100,"3,137":1101,"3,138":1102,"3,139":1103,"3,140":1104,"3,141":1105,"3,142":1106,"3,143":1107,"3,144":1108,"3,145":1109,"3,146":1110,"3,147":1111,"3,148":1112,"3,149":1113,"3,150":1114,"3,151":1115,"3,152":1116,"3,153":1117,"3,154":1118,"3,155":1119,"3,156":1120,"3,157":1121,"3,158":1122,"3,159":1123,"3,160":1124,"3,161":1125,"3,162":1126,"3,163":1127,"3,164":1128,"3,165":1129,"3,166":1130,"3,167":1131,"3,168":1132,"3,169":1133,"3,170":1134,"3,171":1135,"3,172":1136,"3,173":1137,"3,174":1138,"3,175":1139,"3,176":1140,"3,177":1141,"3,178":1142,"3,179":1143,"3,180":1144,"3,181":1145,"3,182":1146,"3,183":1147,"3,184":1148,"3,185":1149,"3,186":1150,"3,187":1151,"3,188":1152,"3,189":1153,"3,190":1154,"3,191":1155,"3,192":1156,"3,193":1157,"3,194":1158,"3,195":1159,"3,196":1160,"3,197":1161,"3,198":1162,"3,199":1163,"3,200":1164,"3,201":1165,"3,202":1166,"3,203":1167,"3,204":1168,"3,205":1169,"3,206":1170,"3,207":1171,"3,208":1172,"3,209":1173,"3,210":1174,"3,211":1175,"3,212":1176,"3,213":1177,"3,214":1178,"3,215":1179,"3,216":1180,"3,217":1181,"3,218":1182,"3,219":1183,"3,220":1184,"3,221":1185,"3,222":1186,"3,223":1187,"3,224":1188,"3,225":1189,"3,226":1190,"3,227":1191,"3,228":1192,"3,229":1193,"3,230":1194,"3,231":1195,"3,232":1196,"3,233":1197,"3,234":1198,"3,235":1199,"3,236":1200,"3,237":1201,"3,238":1202,"3,239":1203,"3,240":1204,"3,241":1205,"3,242":1206,"3,243":1207,"3,244":1208,"3,245":1209,"3,246":1210,"3,247":1211,"3,249":1212,"3,250":1213,"3,251":1214,"3,252":1215,"3,253":1216,"3,254":1217,"3,255":1218,"3,256":1219,"3,257":1220,"3,258":1221,"3,259":1222,"3,260":1223,"3,261":1224,"3,262":1225,"3,263":1226,"3,264":1227,"3,265":1228,"3,266":1229,"3,267":1230,"3,268":1231,"3,269":1232,"3,270":1233,"3,271":1234,"3,272":1235,"3,273":1236,"3,274":1237,"3,275":1238,"3,276":1239,"3,277":1240,"3,278":1241,"3,279":1242,"3,280":1243,"3,281":1244,"3,282":1245,"3,283":1246,"3,284":1247,"3,285":1248,"3,286":1249,"3,287":1250,"3,288":1251,"3,289":1252,"3,290":1253,"3,291":1254,"3,292":1255,"3,293":1256,"3,294":1257,"3,295":1258,"3,296":1259,"3,297":1260,"3,298":1261,"3,299":1262,"3,300":1263,"3,301":1264,"3,302":1265,"3,303":1266,"3,304":1267,"3,305":1268,"3,306":1269,"3,307":1270,"3,308":1271,"3,309":1272,"3,310":1273,"3,311":1274,"3,312":1275,"3,313":1276,"3,314":1277,"3,315":1278,"3,316":1279,"3,317":1280,"3,318":1281,"3,319":1282,"3,320":1283,"3,321":1284,"3,322":1285,"3,323":1286,"3,324":1287,"3,325":1288,"3,326":1289,"3,327":1290,"3,328":1291,"3,329":1292,"3,330":1293,"3,331":1294,"3,332":1295,"3,333":1296,"3,334":1297,"3,335":1298,"3,336":1299,"3,337":1300,"3,338":1301,"3,339":1302,"3,341":1303,"3,343":1304,"3,344":1305,"3,345":1306,"3,346":1307,"3,347":1308,"3,348":1309,"3,349":1310,"3,350":1311,"3,351":1312,"3,352":1313,"3,353":1314,"3,354":1315,"3,355":1316,"3,356":1317,"3,357":1318,"3,358":1319,"3,359":1320,"3,360":1321,"3,361":1322,"3,362":1323,"3,363":1324,"3,364":1325,"3,365":1326,"3,366":1327,"3,367":1328},"ٜ":{"مقدمة":[2,117],"1":[5,370],"2":[5,495],"3":[5,367]},"ٝ":[null,"مقدمة,2","مقدمة,3","مقدمة,4","مقدمة,5","مقدمة,6","مقدمة,7","مقدمة,8","مقدمة,9","مقدمة,10","مقدمة,11","مقدمة,12","مقدمة,13","مقدمة,14","مقدمة,15","مقدمة,17","مقدمة,19","مقدمة,21","مقدمة,22","مقدمة,23","مقدمة,24","مقدمة,25","مقدمة,26","مقدمة,27","مقدمة,28","مقدمة,29","مقدمة,30","مقدمة,31","مقدمة,32","مقدمة,33","مقدمة,34","مقدمة,35","مقدمة,36","مقدمة,37","مقدمة,38","مقدمة,39","مقدمة,41","مقدمة,42","مقدمة,43","مقدمة,44","مقدمة,45","مقدمة,46","مقدمة,47","مقدمة,48","مقدمة,49","مقدمة,50","مقدمة,51","مقدمة,52","مقدمة,53","مقدمة,54","مقدمة,55","مقدمة,56","مقدمة,57","مقدمة,58","مقدمة,59","مقدمة,60","مقدمة,61","مقدمة,62","مقدمة,63","مقدمة,64","مقدمة,65","مقدمة,66","مقدمة,67","مقدمة,69","مقدمة,70","مقدمة,71","مقدمة,72","مقدمة,73","مقدمة,74","مقدمة,75","مقدمة,76","مقدمة,77","مقدمة,78","مقدمة,79","مقدمة,80","مقدمة,81","مقدمة,82","مقدمة,83","مقدمة,84","مقدمة,85","مقدمة,86","مقدمة,87","مقدمة,88","مقدمة,89","مقدمة,90","مقدمة,91","مقدمة,93","مقدمة,94","مقدمة,95","مقدمة,96","مقدمة,97","مقدمة,98","مقدمة,99","مقدمة,100","مقدمة,101","مقدمة,102","مقدمة,103","مقدمة,104","مقدمة,105","مقدمة,106","مقدمة,107","مقدمة,108","مقدمة,109","مقدمة,110","مقدمة,111","مقدمة,112","مقدمة,113","مقدمة,114","مقدمة,115","مقدمة,116","مقدمة,117",null,null,"1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,341","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367"],"ٞ":{"5":[1,2],"12":[3,4],"13":[5,6,7,8,9],"14":[10,11,12,13],"16":[14],"17":[15],"18":[16],"19":[17],"22":[18],"26":[19],"28":[20],"29":[21],"30":[22],"31":[23,24],"32":[25],"33":[26,27],"34":[28,29],"36":[30],"37":[31],"38":[32,33],"39":[34,35],"40":[36,37,38],"41":[39,40,41],"42":[42,43],"43":[44],"45":[45],"46":[46,47],"48":[48,49,50,51,52,53],"49":[54,55,56],"50":[57],"52":[58],"57":[59],"58":[60],"59":[61],"60":[62],"61":[63],"63":[64],"64":[65],"65":[66],"67":[67],"69":[68],"71":[69],"72":[70],"74":[71],"75":[72],"79":[73,74],"80":[75],"81":[76,77],"83":[78],"84":[79],"86":[80],"114":[81],"153":[82],"164":[83],"169":[84],"179":[85],"215":[86],"234":[87],"257":[88],"281":[89],"296":[90],"341":[91],"352":[92],"359":[93],"387":[94],"393":[95],"405":[96],"412":[97],"428":[98],"444":[99],"466":[100],"478":[101],"483":[102],"505":[103],"520":[104],"526":[105],"536":[106],"542":[107],"547":[108],"563":[109],"566":[110],"572":[111],"614":[112],"616":[113],"622":[114],"633":[115],"637":[116],"651":[117],"665":[118],"671":[119],"679":[120],"690":[121],"702":[122],"710":[123],"718":[124],"733":[125],"753":[126],"765":[127],"771":[128],"782":[129],"799":[130],"826":[131],"830":[132],"833":[133],"838":[134],"842":[135],"847":[136],"850":[137],"862":[138],"877":[139],"889":[140],"901":[141],"950":[142],"969":[143],"999":[144],"1008":[145],"1030":[146],"1034":[147],"1046":[148],"1051":[149],"1075":[150],"1086":[151],"1088":[152,153],"1090":[154],"1093":[155],"1100":[156],"1103":[157],"1106":[158],"1110":[159],"1131":[160],"1142":[161],"1144":[162],"1150":[163],"1153":[164],"1157":[165],"1159":[166],"1166":[167],"1170":[168],"1181":[169],"1183":[170],"1186":[171],"1187":[172],"1193":[173],"1197":[174],"1202":[175],"1203":[176],"1205":[177],"1209":[178],"1212":[179],"1229":[180],"1245":[181],"1271":[182],"1301":[183],"1303":[184]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"رسائل جامعية (٦٧)\nـ[الاعْتِصَام]ـ\nالمؤلف: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (المتوفى: ٧٩٠هـ)\nتحقيق ودراسة:\nالجزء الأول: د. محمد بن عبد الرحمن الشقير\nالجزء الثاني: د سعد بن عبد الله آل حميد\nالجزء الثالث: د هشام بن إسماعيل الصيني\nالناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م\nعدد الأجزاء: ٣\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","vol":"مقدمة","page":null},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nأصل هذا الكتاب رسالة جامعية مقدمة من الطالب محمد بن عبد الرحمن الشقير حصل بها على درجة الماجستير بتقدير ممتاز وذلك في عام ١٤١٤ هـ","vol":"مقدمة","page":2},{"text":"الاعتصام","vol":"مقدمة","page":3},{"text":"حقوق الطبع محفوظة لدار ابن الجوزي\nالطبعة الأولى\nمحرم ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م\nحقوق الطبع محفوظة ١٤٢٩ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إليكتروني يمكن استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.","vol":"مقدمة","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>المقدمة</span>\nإن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].\nأما بعد: فقد حذر الله ﷿ من التفرق والاختلاف بعد الائتلاف، فقال ﷾: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وقال ﷾: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩)﴾ [يونس: ١٩].\nوقال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾ [الأنعام: ١٥٩].\nوقال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ [الروم: ٣١، ٣٢].\nوذكر الله ﷿ اختلاف بني إسرائيل في التوراة، فقال سبحانه","vol":"مقدمة","page":5},{"text":"وتعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠)﴾ [هود: ١١٠].\nوالاختلاف واقع في هذه الأمة أكثر من غيرها من الأمم.\nفعن عوف بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: \"افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، وسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار\". قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: \"الجماعة\" (١).\nوقد أمرنا الله ﷿ أن نعتصم بحبله جميعًا ولا نتفرق، فقال ﷾: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وبيَّن قبل ذلك أن مفتاح الاعتصام وعدم الفرقة هو تقوى الله حق تقاته، فأمر به قبل الأمر بالاعتصام، فقال ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.\nوالذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا ليسوا من الذين اتقوا الله حق تقاته، بل هم من الذين اتبعوا أهواءهم، وامتلأت قلوبهم بالبغي والحسد والكبر والهوى وغير ذلك مما ينافي تقوى الله.\nوقد بيَّن الله ﷿ هؤلاء في مواطن من كتابه، وبين السبب الذي لأجله اختلفوا وتفرقوا، فقال تَعَالَى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ [البقرة: ٢١٣].\n_________\n(١) انظر تخريجه في النص المحقق (ص ١٥).","vol":"مقدمة","page":6},{"text":"فبين ﷾ أن الناس كانوا أمة واحدة، فاختلفوا، وأن سبب الاختلاف بينهم هو البغي والظلم.\nوقال ﷾: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)﴾ [آل عمران: ١٩].\nوبيَّن ﷾ أن من أسباب البغي والظلم الْمُوقِعِ في الاختلاف: الحسد الذي يجعل الحاسد يرفض الحق وهو يعرفه، ويجادل عن الباطل، فقال ﷾: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾ [البقرة: ١٠٩].\nثم بيَّن أن فريقًا من الناس يعرفون سبيل الرشد ولا يتخذونه سبيلًا؛ استكبارًا وعنادًا، وهذا من الظلم والبغي، وإن يروا سبيل الغي والضلال يتخذوه سبيلًا، ولذلك صرفهم الله عن طريق الحق جزاءً وفاقًا، فقال ﷾: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)﴾ [الأعر اف: ١٤٦].\nكما بيَّنْ الله ﷿ أن من سننه في خلقه أن يوقع بينهم العداوة والبغضاء إذا تركوا شيئًا من شرعه ولم يعملوا به، فقال ﷾ عن النصارى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾ [المائدة: ١٤].\nوقد اختلفت هذه الأمة كما اختلف مَنْ قبلها من الأمم؛ مصداقًا لقوله - ﷺ -: \"لتتبعن سنن من كان قبلكم\" (١)، وظهرت فيها الفرق التي أخبر\n_________\n(١) انظر تخريجه في النص المحقق (١/ ١٦، ٢/ ٩٢، ٣/ ١٢٨، ١٨٦، ١٨٨).","vol":"مقدمة","page":7},{"text":"عنها النبي - ﷺ - في حديث الافتراق، وادَّعت كل فرقة أنها على الحق وما عداها على الباطل.\nولكن مع وجود هذا الاختلاف والتفرق، فلا يزال في الأمة طائفة منصورة قائمة بالحق، داعية إليه، لا يضرها من خالفها، ولا من خذلها، إلى أن يأتي أمر الله وهم على ذلك.\nولذلك اهتم سلف هذه الأمة بالدعوة إلى الاعتصام بالكتاب والسنة، والتحذير من البدع والأهواء، وكثرت أقوالهم ومؤلفاتهم في هذه المسألة.\nفكُتِبَتْ كتب كثيرة في السنة وبيان منهج السلف الصالح، وفي الرد على أهل الأهواء والبدع.\nومن هذه الكتب الكثيرة، كتاب الإمام أحمد رحمه الله تعالى في \"الرد على الجهمية\"، وكتاب \"السنة\" لعبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل، وكتاب \"خلق أفعال العباد\" للبخاري، وكتاب \"السنة\" لابن أبي عاصم، وكتاب \"السنة\" لمحمد بن نصر المروزي، وكتاب \"الشريعة\" للآجري، و\"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة\" للالكائي، وغير ذلك من كتب السلف رضوان الله عليهم.\nوبعض هذه الكتب، عُنِيَ فيها مؤلفوها بالكتابة في التحذير من الأهواء والبدع، فألف ابن وضاح القرطبي كتابه \"البدع والنهي عنها\"، وألف أبو بكر الطرطوشي كتابه \"الحوادث والبدع\"، وألف أبو شامة كتاب \"الباعث على إنكار البدع والحوادث\"، ولكن اقتصرت هذه الكتب -في الغالب- على النقل المجرد للنصوص الواردة في التحذير من البدع والنهي عنها، دون تحليل لمعانيها، وتحقيق مسائلها، مما جعل الإمام الشاطبي يقوم بتصنيف كتابه الفذ \"الاعتصام\"، الذي أشار رحمه الله تعالى فيه إلى هذه الكتب السابقة، ومأخذه عليها، فقال: \"وإذا استقام هذا الأصل -أي كَتْبَ العلم لحفظ الدين- فَاحْمِلْ عَلَيْهِ كَتْبَ الْعِلْمِ مِنَ السُّنَنِ وَغَيْرِهَا إِذَا خِيفَ عَلَيْهَا الِانْدِرَاسُ، زِيَادَةً عَلَى مَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ؛ مِنَ الْأَمْرِ بِكَتْبِ الْعِلْمِ، وأنا","vol":"مقدمة","page":8},{"text":"أَرْجُو أَنْ يَكُونَ كَتبُ هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي وَضَعْتُ يَدِي فِيهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنِّي رَأَيْتُ بَابَ الْبِدَعِ فِي كَلَامِ الْعُلَمَاءِ مُغْفَلًا جِدًّا إِلَّا مِنَ النَّقْلِ الْجَلِيِّ؛ كَمَا نَقَلَ ابْنُ وَضَّاحٍ، أَوْ يُؤْتَى بِأَطْرَافٍ مِنَ الْكَلَامِ لَا يَشْفِي الْغَلِيلَ بِالتَّفَقُّهِ فِيهِ كَمَا يَنْبَغِي، ولم أجده عَلَى شِدَّةِ بَحْثِي عَنْهُ، إِلَّا مَا وَضَعَ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ الطَّرْطُوشِيُّ، وَهُوَ يَسِيرُ فِي جَنْبِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيهِ، وَإِلَّا مَا وَضَعَ النَّاسُ فِي الْفِرَقِ الثِّنْتَيْنِ وَالسَّبْعِينَ، وَهُوَ فَصْلٌ مِنْ فُصُولِ الْبَابِ وَجُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ، فَأَخَذْتُ نَفْسِي بِالْعَنَاءِ فِيهِ، عَسَى أَنْ يَنْتَفِعَ واضعه، وقارئه، وَنَاشِرُهُ، وَكَاتِبُهُ، وَالْمُنْتَفِعُ بِهِ، وَجَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ، إِنَّهُ ولي ذلك ومُسْدِيه بسعة رحمته\" (١).\nانتهي كلامه رحمه الله تعالى.\nويمتاز كتاب الشاطبي من غيره من الكتب الأخرى التي ألفت في البدع بميزات عدة، أهمها:\n١ - دراسته للآيات والأحاديث والآثار الواردة في معنى البدعة، والتحذير منها، والأمر بلزوم السنة دراسة تحليلية، قائمة على الاستنباط والدقة في الفهم، والتحقيق العلمي للمسائل التي يطرقها.\n٢ - الترتيب العلمي والتسلسلي لموضوعات الكتاب، مما يساعد القارئ على استيعاب موضوعاته، وفهمها.\n٣ - قوة الشاطبي العلمية، والعقلية، ورصانة أسلوبه، ودقة عباراته وألفاظه.\n٤ - شمولية الكتاب لموضوعه، وجمعه لأطراف القضية التي تصدَّى لها، فقد عرَّف البدعة، والمسائل المتعلقة بها، وأسبابها، وذم البدع، وبيَّن سوء منقلب أصحابها، وأن البدع كلها مذمومة، ثم بيَّن مأخذ أهل البدع في الاستدلال، وحكم البدع الحقيقية والإضافية، وبيَّن أن البدع ليست على مرتبة واحدة، وناقش مسألة: هل البدع تدخل في الأمور العادية أو هي خاصة بالأمور العبادية فقط، وعقد فصلًا مُهِمًّا عن الفرق بين البدع\n_________\n(١) (٣/ ١٦).","vol":"مقدمة","page":9},{"text":"والمصالح المرسلة والاستحسان، ثم درس حديث الافتراق دراسة وافية من حيث معناه، وما يندرج تحته من مسائل مُهِمَّة، وأخيرًا عقد بابًا لبيان الصراط المستقيم الذي ينبغي للمسلم سلوكه، وهذا ترتيب دقيق، يدل على عظم فقه صاحبه رحمه الله تعالى.\n٥ - مناقشته للشُّبَه التي تمسك بها أهل البدع، وجعلوها أدلة لبدعهم، وقيامه بنقضها وبيان خطأ الاستدلال بها، وأنها لا تخفي على الراسخين.\nوقد طبع الكتاب عدة طبعات، معظمها مليئة بالسقط والتصحيف والأخطاء (١)، لا يزال معها الكتاب بحاجة إلى خدمة؛ من ضبط نصٍّ، وتخريج أحاديث وآثار، وتعليق على ما لا بُدَّ منه، وغير ذلك؛ مما دفعنا إلى إعادة تحقيقه، والتعليق عليه، فقام الدكتور محمد بن عبد الرحمن الشقير بكتابة قسم الدراسة من بدايته إلى نهاية المبحث الخامس: (قيمة الكتاب العلمية)، وتحقيق الأبواب الثلاثة الأولى.\nوقام الدكتور سعد بن عبد الله آل حميّد بتحقيق الباب الرابع والخامس والسادس والسابع.\nوقام الدكتور هشام بن إسماعيل الصيني بتحقيق الباب الثامن والتاسع والعاشر، وكتابة الملحق الخاص بالفرق في نهاية الكتاب.\nوما سوى ذلك فهو عمل مشترك بين المحققين.\nوأصل هذا العمل كان رسائل علمية بجامعة أم القرى، فالقسم الأول هو أطروحه الدكتور محمد الشقير للماجستير، وقد نوقشت بتاريخ ١٤١٥ هـ، والقسم الثالث هو أطروحة الدكتور هشام الصيني للماجستير أيضًا، وقد نوقشت بتاريخ ١٤١٣ هـ.\nوأما القسم الثاني فلم يتم الاتفاق بين دار ابن الجوزي وبين الطالب\n_________\n(١) ولا نستثني من ذلك سوى الطبعة التي قام بتحقيقها الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان فهي أحسن الطبعات السابقة؛ كما سيأتي بيانه إن شاء الله.","vol":"مقدمة","page":10},{"text":"الذي قام بتحقيقه، فقام الدكتور سعد الحميد بتحقيقه، وكان هذا من أسباب تأخير صدور هذه الطبعة.\nوفيما يلي وصف لخطة العمل في هذا الكتاب:\nفقد قسمنا الكتاب إلى قسمين، تعقبها الفهارس.\n* القسم الأول: الدراسة، وفيه بابان:\n- الباب الأول: التعريف بالمؤلف، وفيه ثلاثة فصول:\nالفصل الأول: عصر المؤلف، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: الحالة السياسية.\nالمبحث الثاني: الحالة الاجتماعية.\nالمبحث الثالث: الحالة العلمية.\nالفصل الثاني: حياة المؤلف الشخصية، وفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: اسمه وكنيته ونسبه ونسبته.\nالمبحث الثاني: مولده ونشأته وموطنه.\nالمبحث الثالث: محنته وما اتهم به.\nالمبحث الرابع: وفاته.\nالفصل الثالث: حياة المؤلف العلمية، وفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: طلبه للعلم وشيوخه.\nالمبحث الثاني: تلاميذه.\nالمبحث الثالث: ثقافته ومؤلفاته.\nالمبحث الرابع: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.\nالمبحث الخامس: عقيدته.\n- الباب الثاني: التعريف بالكتاب وطبعاته ونُسَخِه الْخَطِّيَّة، وفي فصلان:","vol":"مقدمة","page":11},{"text":"الفصل الأول: التعريف بالكتاب، وفيه خمس مباحث:\nالمبحث الأول: اسم الكتاب.\nالمبحث الثاني: موضوعه.\nالمبحث الثالث: سبب تأليفه.\nالمبحث الرابع: توثيق نسبته إلى مؤلِّفه.\nالمبحث الخامس: قيمته العلمية.\nالفصل الثاني: التعريف بطبعات الكتاب، ونُسَخِه الخطّيَّة، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: التعريف بطبعات الكتاب.\nالمبحث الثاني: التعريف بنسخ الكتاب الخطّيَّة.\n* القسم الثاني: النص المحقق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>منهجنا في تحقيق الكتاب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>أولًا: المقابلة بين النسخ:</span>\nقمنا بالمقابلة بين النسخ، واتبعنا طريقة اختيار النص الصحيح، وذلك لعدم توفر نسخة يمكن الاعتماد عليها وجعلها أصلًا، مع ملاحظة ما يلي:\nأ- لا نشير إلى الفروق في لفظ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، والترضي عن الصحابة ﵃، بل نثبت أكمل صيغة وردت في المخطوطات.\nب- لا نشير إلى الفروق بين النسخ في:\n(قال الله تعالى) و(قال تعالى)، بل نثبت أكمل صيغة وردت في المخطوطات.\nجـ- بالنسبة إلى الفروق بين نسخ الاعتصام والكتب التي نقل منها الشاطبي، لا نشير إلا إلى الفروق المهمة بينهما.\nد- إذا أجمعت النسخ على كلمة أو جملة يظهر -من غير جزم- أنها","vol":"مقدمة","page":12},{"text":"خطأ أو فيها سقط، فنثبت ما وجدناه في النسخ في الأغلب، ونشير في الهامش إلى الكلمة أو الجملة التي نظن أنها أقرب إلى الصواب.\nأما إذا أجمعت النسخ على خطأ أو سقط جزمًا، وكان الخطأ في نقل نقله الشاطبي عن بعض الكتب، ووجدنا الصواب في الكتب التي نقل منها، فنثبت الصواب ونشير إلى ذلك في الهامش.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>ثانيًا: التعليق:</span>\nعلقنا على المسائل المهمة التي يُحتاج إليها في فهم النص، أو قد تُشكل على بعض القراء، ولم نعلق على كل مسألة ترد خشية إثقال الحواشِي بالتعليقات التي لا يحتاج إليها -في الغالب- معظم طلبة العلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>ثالثًا: الآيات القرآنية:</span>\nقمنا بمراجعة الآيات القرآنية، وعزوها إلى سورها، مع ذكر أرقام الآيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>رابعًا: الأحاديث والآثار:</span>\nخرجنا الأحاديث والآثار من الكتب المشهورة كالصحيحين والسنن والمسانيد، وأما بالنسبة إلى صحة الحديث، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما، اكتفينا بذلك، وإن كان في غير الصحيحين، ذكرنا حكم العلماء عليه -إن وجد- بالصحة أو الضعف، سواء من العلماء السابقين أو المعاصرين، وقد نجتهد في الحكم على الحديث والأثر أحيانًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>خامسًا: عزو الأقوال والنصوص:</span>\nقمنا بعزو النصوص -التي نقلها الشاطبي- إلى الكتب المطبوعة حسب الاستطاعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>سادسًا: ترجمة الأعلام:</span>\nترجمنا ترجمة مختصرة للأعلام غير المشهورين.","vol":"مقدمة","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>سابعًا: شرح الكلمة الغريبة:</span>\nقمنا بشرح الكلمات الغريبة من معاجم اللغة، وضبطنا بالشكل الكلمات التي تحتاج إلى ضبط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>ثامنًا: التعريف بالفِرَق:</span>\nعرفنا بالفرق من خلال كتب الفرق المشهورة، وذكرنا التعريف في هامش النص، ما عدا الفرق التي سردها الشاطبي أثناء كلامه على مسألة تعيين الفرق في الباب التاسع، وهي أكثر من اثنتين وسبعين فرقة، فقد أفرد لها محقق الباب التاسع ملحقًا خاصًّا في نهاية البحث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>تاسعًا: التعريف بالبلدان والأماكن:</span>\nقمنا بالتعريف بالبلدان والأماكن غير المشهورة، من خلال كتب معاجم البلدان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>عاشرًا: الفهارس:</span>\nقمنا بوضع فهارس علمية تساعد الباحث في الكشف عن مسائل الكتاب، وهي:\n١ - فهرس الآيات القرآنية.\n٢ - فهرس الأحاديث النبوية.\n٣ - فهرس الآثار.\n٤ - فهرس الأعلام.\n٥ - فهرس الفرق.\n٦ - فهرس الأماكن والبقاع.\n٧ - فهرس موضوعات الكتاب.\nوبعد: فهذا ما استطعنا من جهد، فما كان فيه من صواب فهو بتوفيق","vol":"مقدمة","page":14},{"text":"من الله ﷿، وما كان من خطأ فهو من قصور البشر وعجزهم، ولا نقول إلا كما قال الشاطبي ﵀: \"فَالْإِنْسَانُ -وَإِنْ زَعَمَ فِي الْأَمْرِ أَنَّهُ أَدْرَكَهُ وَقَتَلَهُ عِلْمًا- لَا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ إِلَّا وَقَدْ عَقَلَ فِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ عَقَلَ، وَأَدْرَكَ مِنْ عِلْمِهِ مَا لَمْ يَكُنْ أَدْرَكَ قَبْلَ ذَلِكَ، كُلُّ أَحَدٍ يُشَاهِدُ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ عِيَانًا، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِمَعْلُومٍ دون معلوم، ولا بذات دون صفة، ولا فعل دون حكم\" (١).\nو\"المنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه\" (٢).\nوأخيرًا، فإنا نحمد الله ﷿ ونشكره على توفيقه لنا في إتمام هذا العمل.\nثم إنّا نشكر كل من ساعدنا في إتمام هذا الجهد، ونسأل الله ﷿ أن يكتب لهم الأجر ويحط عنهم الوزر، وأن يتقبل عملنا خالصًا لوجهه، ويغفر لنا خطأنا وتقصيرنا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nالمحققون\n_________\n(١) انظر النص المحقق (ص ٢٨٦).\n(٢) \"القواعد\" لابن رجب (ص ٣).","vol":"مقدمة","page":15},{"text":"القسم الأول<span data-type=\"title\" id=toc-14> الدراسة</span>\n* وفيه بابان:\nالباب الأول: التعريف بالمؤلف.\nالباب الثاني: التعريف بالكتاب وطبعاته ونُسخِه الخطيّة.","vol":"مقدمة","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>الباب الأول التعريف بالمؤلف</span>\n* وفيه ثلاثة فصول:\nالفصل الأول: عصر المؤلِّف.\nالفصل الثاني: حياة المؤلف الشخصية.\nالفصل الثالث: حياة المؤلف العلمية.","vol":"مقدمة","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>الفصل الأول عصر المؤلِّف</span>\n* وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: الحالة السياسية.\nالمبحث الثاني: الحالة الاجتماعية.\nالمبحث الثالث: الحالة العلمية.","vol":"مقدمة","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>المبحث الأول الحالة السياسية</span>\nعاش الإمام الشاطبي ﵀ في القرن الثامن الهجري، وكانت حياته في مدينة غرناطة (١) الأندلسية، والتي كان يحكمها في ذلك الوقت ملوك بني نصر، ويسمون كذلك ملوك بني الأحمر، ويعود نسبهم إلى الصحابي الجليل سعد بن عبادة الأنصاري - ﵁ - (٢). وقد حكمت هذه الدولة مملكة غرناطة ما يزيد على قرنين ونصف، حيث نشأت مملكتهم عام ٦٣٥ هـ على يد مؤسس الدولة الغالب بالله أبي عبد الله محمد بن يوسف بن محمد بن نصر بن قيس الخزرجي الأنصاري، وانتهت عام ٨٩٧ هـ على أيدي نصارى إسبانيا (٣).\nوقد عاشت هذه الدولة اضطرابات سياسية بين ملوكها، بعد مؤسسها الأول، فها هو لسان الدين ابن الخطيب (٤) أحد وزراء الدولة المقربين يصور لنا ما وقع بين ملوكها بعد مؤسسها الأول فيقول: \" ... وولِّي بعده ولده\n_________\n(١) غرناطة: بفتح أوله وسكون ثانيه، ثم نون، وبعد الألف طاء مهملة، وأغرناطة بالألف في أوله أسقطها العامة، وهي أقدم مدن كورة البيرة من أعمال الأندلس وأعظمها وأحسنها وأحصنها. انظر: \"معجم البلدان\" لياقوت الحموي (٤/ ١٩٥)، \"الإحاطة في أخبار غرناطة\" للسان الدين ابن الخطيب (١/ ٩١).\n(٢) \"الإحاطة في أخبار غرناطة\" (١/ ١١٩).\n(٣) \"نهاية الأندلس\" لعبد الله عنان (ص ١٣٩).\n(٤) هو محمد بن عبد الله بن سعيد المعروف بلسان الدين ابن الخطيب، ذو الوزارتين، أديب، شاعر، مؤرخ، مشارك في الطب وغيره، ومن كتبه \"الإحاطة في أخبار غرناطة\" و\"اللمحة البدرية في الدولة النصرية\" وغيرهما.\nانظر: \"نفح الطيب\" للمقري (٨/ ١٣٠)، \"شجرة النور الزكية\" لمحمد مخلوف (ص ٢٣٠).","vol":"مقدمة","page":22},{"text":"وسَمِيُّه السلطان -ثاني ملوكها وعظيمها- أبو عبد الله، وطالت مدته إلى أن توفي عام احد وسبع مئة، وولِّي بعده ولده وسَمِيُّه أبو عبد الله محمد، وخُلع يوم الفطر من عام ثمانية وسبع مئة، وتوفي في شوال عام أحد عشر وسبع مئة، وولِّي بعده خالعه أخوه نصر أبو الجيوش، وارتبك أمره، وطلب الأمر ابن عم أبيه السلطان أبو الوليد إسماعيل بن الفرج بن إسماعيل صنو الأمير الغالب بالله أول ملوكهم، فتغلب على دار الإمارة في ثاني ذي القعدة من عام ثلاثة عشر وسبع مئة، وانتقل نصر مخلوعًا إلى مدينة وادي آشي، وتوفي عام اثنين وعشرين وسبع مئة، وتمادى ملك السلطان أبي الوليد إلى الثالث والعشرين من رجب عام خمسة وعشرين وسبع مئة، ووثب عليه ابن عمه في طائفة من قرابته فقتلوه ببابه، وخاب فيما أملوه سعيهم، فقتلوا كلهم يومئذٍ، وتولَّى أمره ولده محمد، واستمر إلى ذي الحجة من عام أربعة وثلاثين وسبع مئة، وقتل بظاهر جبل الفتح بأيدي جنده من المغاربة، وتولَّى الأمر بعده أخوه أبو الحجاج يوسف، ودام ملكه إلى يوم عيد الفطر من عام خمسة وخمسين وسبع مئة، وترامى عليه في صلاته ممرور بمدية في يده فقتله، وقدم لأمره الأكبر من أولاده ... \" (١).\nوابنه هذا هو محمد بن أبي الحجاج، وقد سلب منه ملكه ثم عاد إليه عام ٧٦٣ هـ، \"واستمر ملكه إلى أن توفي عام ٧٩٣ هـ، ودامت فتن داخلية حتى سقطت مملكتهم عام ٨٩٧ هـ على أيدي نصارى إسبانيا\" (٢).\nولا يخفي ما يصوره نص ابن الخطيب السابق من الاضطرابات السياسية الداخلية بين ملوك هذه الدولة.\nوقد عانت هذه الدولة من العدو الخارجي، وهم النصارى الإسبان الذين كانوا يتربصون بهم، ولا يفترون عن مهاجمتهم إلا إذا انشغلوا بالقتال فيما بينهم، وجهاد هذه الدولة ضد النصارى من أروع حسناتها، حيث\n_________\n(١) \"الإحاطة في أخبار غرناطة\" (١/ ١١٩)، \"اللمحة البدرية\" (ص ٣٣ - ٣٤).\n(٢) \"نهاية الأندلس\" لعبد الله عنان (ص ٢٧ - ٥٤، ١٣٩).","vol":"مقدمة","page":23},{"text":"واجهت النصارى ما يزيد على قرنين، مع إحاطة العدو بها، ومع بعدها عن ديار المسلمين.\nوكان من حسنات هذه الدولة إيواؤها للمسلمين الذين كانت تسقط مدنهم في أيدي النصارى.\nوقد كان للعلماء دور هام في الساحة السياسية، ويبرز ذلك في توعيتهم للناس، وتحذيرهم من هذا العدو، وتحريك حمياتهم. قال في أزهار الرياض: \"لما تقلص الإسلام بالجزيرة، واسترد الكفار أكثر أمصارها وقراها على وجه العنوة والصلح والاستسلام، لم يزل العلماء والكتاب والوزراء يحركون حميات ذوي البصائر والأبصار، ويستنهضون عزماتهم في كل الأمصار\" (١).\nولم يقتصر علماء الأندلس على الجهاد باللسان والقلم، بل شاركوا بأنفسهم في المعارك ضد النصارى، ومن ذلك معركة طريف (٢) وغيرها.\nوقد عاصر الإمام الشاطبي ﵀ ما يقارب أربعة ملوك من ملوك هذه الدولة بداية من السلطان أبي الوليد إسماعل بن فرج ٧٢٢ - ٧٢٥ هـ، ونهاية بمحمد بن يوسف بن إسماعيل ٧٥٥ - ٧٩٣ هـ.\nولا يظهر من ترجمة الإمام الشاطبي أنه كان ذا عناية بما يدور في الواقع السياسي، وإنما كان شغله العلم والتعليم، والدعوة إلى السنة والنهي عن البدع، والاجتهاد في الإصلاح. ولا شك أن ذلك من أعظم أسباب قيام الدول وبقائها.\n_________\n(١) \"أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض\" للمقري (١/ ٦٣).\n(٢) هي موقعة وقعت بين المسلمين والنصارى في الأندلس سنة (٧٤١ هـ)، وقد استشهد في هذه المعركة عدد كبير من العلماء، وقد انتصر المسلمون فيها. انظر: \"الإحاطة في أخبار غرناطة\" (٤/ ٣٣٢)، \"نفح الطيب\" (٥/ ١٤).","vol":"مقدمة","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>المبحث الثاني الحالة الاجتماعية</span>\nلقد صور لنا لسان الدين ابن الخطيب الحالة الاجتماعية في مملكة غرناطة تصويرًا حسنًا، ولا سيما أنه كان من أهلها. فقد تكلم عن سكان مملكة غرناطة من حيث قوتهم، وعملتهم، وملابسهم، وحُلِيُّ نسائهم، وأجناسهم البشرية، وتعداد قراهم، وأحوالهم الدينية، بل حتى أوصافهم الخلقية.\nفعن أقواتهم قال ﵀: \"وقوتهم الغالب البر الطيب عامة العام ...، وفواكههم اليابسة عامة العام متعددة، يدخرون العنب سليمًا من الفساد إلى شطر العام، إلى غير ذلك من التين والزبيب والتفاح ..، إلى غير ذلك مما لا ينفد ولا ينقطع مدده إلا في الفصل الذي يُزهد في استعماله\" (١).\nويقول ﵀ عن عملتهم: \"وصرفهم فضة خالصة، وذهب إبريز طيب محفوظ\" (٢).\nوعن خيرات بلادهم قال ﵀: \"ولها معادن جوهرية من ذهب وفضة ورصاص وحديد ..، وقال بعض المؤرخين: ومن كرم أرضنا أنها لا تعدم زريعة بعد زريعة، ورعيًا بعد رعي طول العام، وفي عمالتها المعادن الجوهرية .. \" (٣)، ثم ذكر خيراتها المتعددة.\nوقال عن قرى هذه المملكة: \"وتنيف أسماؤها على ثلاث مئة قرية ما\n_________\n(١) انظر: \"الإحاطة في أخبار غرناطة\" لابن الخطيب (١/ ١٣٧).\n(٢) نفس المرجع (١/ ١٣٧).\n(٣) نفس المرجع (١/ ٩٨ - ٩٩).","vol":"مقدمة","page":25},{"text":"عدا ما يجاور الحضرة من كثير من قرى الإقليم، أو ما استضافته الحصون المجاورة\" (١). ثم شرع في ذكرها.\nوقال في موضع آخر: \"وقد ذكرنا أن أكثر هذه القرى أمصار فيها ما يناهز خمسين خطبة، تنصب فيها لله المنابر، وترفع الأيدي، وتتوجه الوجوه\" (٢).\nوقال عن ألسنتهم وأجناسهم: \"وألسنتهم فصيحة عربية، ويتخللها غرب كثير، وتغلب عليهم الإمالة، وأخلاقهم أبية في معاني المنازعات، وأنسابهم عربية، وفيهم من البربر والمهاجرة كثير\" (٣).\nولقد جمعت مملكة غرناطة كثيرًا من مسلمي الأندلس الذين كانوا يأوون إليها بسبب احتلال النصارى لبلادهم مما أدى إلى استثمار ما في هذه البلاد من خيرات وافرة.\nوأما تجارة غرناطة فقد كانت تجارة واسعة بسبب الثغور الجنوبية البحرية، لا سيما مالقة (٤) والمريّة (٥)، فهي من أغنى الثغور الأندلسية وأزخرها بالحركة التجارية، فاستطاعت غرناطة أن تربط صلات اقتصادية تجارية مع دول أخرى\" (٦).\nويبدو أن الوضع الاقتصادي في زمن الإمام الشاطبي قد اعتراه الضعف حتى إن بيت المال أصبح عاجزًا عن تجديد بناء أسوار الحصون، واختلف\n_________\n(١) نفس المرجع (١/ ١٢٦).\n(٢) انظر: \"الإحاطة في أخبار غرناطة\" (١/ ١٣٢).\n(٣) نفس المرجع (١/ ١٣٤).\n(٤) مالقة: بفتح اللام والقاف، مدينة بالأندلس عامرة من أعمال (رية) سورها على شاطىء البحر بين الجزيرة الخضراء والمرية. \"معجم البلدان\" (٥/ ٤٣).\n(٥) المرية: بالفتح ثم الكسر وتشديد الياء بنقطتين من تحتها، وهي مدينة كبيرة من كورة البيرة من أعمال الأندلس من بناء الأمير الناصر لدين الله عبد الرحمن بن محمد.\nانظر: \"معجم البلدان\" (٥/ ١١٩ - ١٢٠).\n(٦) انظر: \"نهاية الأندلس\" لعبد الله عنان (ص ٣٢٦).","vol":"مقدمة","page":26},{"text":"الفقهاء هل يجوز توظيف ذلك على الأهالي؟ وكان الإمام الشاطبي ممن أفتى بالجواز اعتمادًا على مبدأ المصلحة المرسلة (١).\nومن مظاهر الضعف المالي: استفتاء بعضهم للإمام الشاطبي: \"هل يباح لأهل الأندلس بيع الأشياء التي منع العلماء بيعها من أهل الحرب كالسلاح وغيره، لكونهم محتاجين إلى النصارى في أشياء أخرى من المأكول والملبوس وغير ذلك؟ أم لا فرق بين أهل الأندلس وغيرهم من أرض الإسلام؟ ... \" (٢).\nولعل سبب ما وقع فيه أهل الأندلس من الضيق: بعدهم عن الله والإسراف في التنعم، فقد وصفهم ابن الخطيب بالعناية البالغة بالتّزيُّن، كما ذكر فشو الغناء في بلادهم؛ حيث قال عن نسائهم: \"وقد بلغن من التفنن في الزينة لهذا العهد، والمظاهرة بين المصبغات، والتنفيس بالذهبيات والديباجيات، والتماجن في أشكال الحلي، إلى غاية نسأل الله أن يغض عنهن فيها عين الدهر، ويكفكف الخطب، ولا يجعلها من قبيل الابتلاء والفتنة، وأن يعامل جميع من بها بستره، ولا يسلبهم خفي لطفه بعزته وقدرته\" (٣).\nوقال عن فشو الغناء عندهم: \"والغناء بمدينتهم فاش حتى في الدكاكين التي تجمع صنائعها كثيرًا من الأحداث ... \" (٤).\nوكانت البدع فاشية أيضًا في هذا المجتمع، فقد قال الإمام الشاطبي في مقدمة هذا الكتاب: \" .. لِأَنَّهُ لَمَّا كَثُرَتِ الْبِدَعُ وَعَمَّ ضَرَرُهَا، وَاسْتَطَارَ شَرَرُهَا، وَدَامَ الْإِكْبَابُ عَلَى الْعَمَلِ بِهَا، وَالسُّكُوتُ من المتأخرين على الْإِنْكَارِ لَهَا، وَخَلَفَتْ بَعْدَهُمْ خُلُوفٌ جَهِلُوا أَوْ غفلوا عن القيام بفرض القيام\n_________\n(١) انظر: \"فتاوى الإمام الشاطبي\" (ص ٢٨)، وقريب من هذا ما في \"الاعتصام\" للشاطبي (٢/ ١٢١ - ١٢٣).\n(٢) انظر: \"فتاوى الإمام الشاطبي\" (ص ١٤٤ - ١٤٧).\n(٣) انظر: \"الإحاطة في أخبار غرناطة\" (١/ ١٣٩).\n(٤) المصدر السابق (١/ ١٣٧).","vol":"مقدمة","page":27},{"text":"فِيهَا، صَارَتْ كَأَنَّهَا سُنَنٌ مُقَرَّرَاتٌ، وَشَرَائِعُ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ مُحَرَّرَاتٌ، فَاخْتَلَطَ الْمَشْرُوعُ بِغَيْرِهِ، فَعَادَ الرَّاجِعُ إِلَى مَحْضِ السُّنَّةِ كَالْخَارِجِ عَنْهَا كَمَا تقدم، فالتبس بعضها ببعض ... \" (١).\nولا شك أن فشو المعاصي والبدع، وركون الناس إلى الدنيا سبب في زوال النعم، وقد كانت هذه الأمور سببًا في ذهاب دولة المسلمين بالأندلس.\n_________\n(١) انظر النص المحقق (ص ٣٦).","vol":"مقدمة","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>المبحث الثالث الحالة العلمية</span>\nلقد كان الزمن الذي عاش فيه الإمام الشاطبي من أفضل الأزمنة العلمية، سواء في المشرق أو في المغرب، فقد عاش الإمام الشاطبي في القرن الثامن الهجري، وهو قرن حافل بشخصيات علمية ومؤلفات رائعة في جميع الفنون.\nففي المشرق كان زمن الإمام ابن القيم، والحافظ الذهبي، والإمام ابن كثير، والإمام ابن رجب، وأمثال هؤلاء العلماء الكبار.\nوفي المغرب أيضًا كان المستوى العلمي في أروع مراحله، إذ نجد العلماء الكبار، والفنون المتعددة، والمناظرات العلمية، واهتمام الأمراء بالعلم، وغير ذلك من صور الرقي العلمي.\nيقول الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور: \"وكان العلماء من سائر الفنون متوافرين في بلاد الأندلس. وهذه طائفة كانت في عصر واحد أواخر القرن الثامن، من سنة ٧٧٢ حتى ٨٠٠ ما منها إلا إمام يُعْنَى إليه ويعتمد في علمه عليه؛ مثل ابن جُزَيّ وابن لب وابن الفخار وابن الجياب وابن عاصم في الفقهاء، وأبي حيان وابن الصايغ في النحاة، والشاطبي في الأصول وفلسفة الشريعة، وابن الخطيب وابن زمرك والوزير ابن عاصم في رجال القلم والسياسة، وابن هذيل الحكيم في الفلسفة. إنما كان القضاء الأخير على العلم بالأندلس في القرن التاسع\" (١).\nوقد كان لاهتمام أمراء الدولة النصرية بالعلم وتشجيعهم لأهله دور\n_________\n(١) \"أليس الصبح بقريب\" لابن عاشور (ص ٧٩).","vol":"مقدمة","page":29},{"text":"هام في رفع المستوى العلمي في مملكتهم، خاصة في عهد السلطان أبي الحجاج يوسف بن إسماعيل النصري المتوفي سنة ٧٥٥ هـ، فقد كان عالمًا أديبًا شغوفًا بالعلوم (١).\nواشتهر الأمير أبو الوليد إسماعيل بن السلطان يوسف الثاني المتوفي سنة ٨٠٥ هـ بحبه للأدباء والعلماء، وله في الأدب كتاب \"نثير الجمان في شعر من نظمني وإياه الزمان\"، وقد ترجم فيه لأعلام عصره في الشعر والأدب.\nوأما عن المراكز العلمية في مملكة غرناطة، فاشتهر منها مركزان:\nالأول: الجامع الأعظم، وقد كان مقصدًا لطلاب العلم، كما كان مقصدًا للعباد. ومن أشهر مدرسيه: أبو سعيد فرج بن لب، وأبو بكر أحمد بن جُزَيّ.\nالثاني: المدرسة النصرية، وقد أنشئت هذه المدرسة في عهد السلطان يوسف أبي الحجاج المتوفي سنة ٧٥٥ هـ، وقد قال عنها لسان الدين ابن الخطيب: \"جاءت نسيجة وحدها بهجة وصدرًا وظرفًا وفخامة\" (٢).\nوممن قام بالتدريس فيها محمد بن علي بن أحمد الخولاني المعروف بابن الفخار المتوفي سنة ٧٥٤ هـ (٣)، وفرج بن قاسم بن أحمد بن لب التغلبي المتوفي سنة ٧٨٣ هـ (٤).\nوقد كان من أسباب هذه النهضة العلمية في غرناطة: تجمع مسلمي الأندلس فيها بسب استيلاء النصارى على مدنهم، فاجتمعت في غرناطة ثقافات عديدة، وقدرات علمية متنوعة.\nوأما المذهب السائد عند أهل الأندلس فهو مذهب الإمام مالك ﵀ (٥)، فقد كان هو العمدة في الفتوى والقضاء (٦).\n_________\n(١) انظر: \"الإحاطة في أخبار غرناطة\" لابن الخطيب (١/ ٢٠).\n(٢) نفس المرجع (١/ ٥٠٩).\n(٣) نفس المرجع (٣/ ٣٥).\n(٤) نفس المرجع (٤/ ٢٥٤).\n(٥) انظر: \"الإحاطة في أخبار غرناطة\" لابن الخطيب (١/ ١٣٤).\n(٦) \"فتاوى الإمام الشاطبي\" (ص ٣١).","vol":"مقدمة","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>الفصل الثاني حياة المؤلف الشخصية</span>\n* وفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: اسمه، وكنيته، ونسبه.\nالمبحث الثاني: مولده، ونشأته، وموطنه.\nالمبحث الثالث: محنته، وما ابتلي به، واتهامه من خصومه.\nالمبحث الرابع: وفاته.","vol":"مقدمة","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>المبحث الأول اسمه، وكنيته، ونسبه</span>\nأجمع من ترجم للإمام الشاطبي على أن اسمه: إبراهيم بن موسى بن محمد. ولم يزيدوا على هذا الاسم أحدًا.\nأما كنيته: فقد أجمعوا أيضًا على أن كنيته: أبو إسحاق.\nوأما نسبه: فهو من قبيلة لَخْم، وهي قبيلة من قبائل اليمن، ومنهم كانت ملوك العرب في الجاهلية، وهم آل عمرو بن عدي بن نصر الَّلخْمي (١).\nوأما نسبته: فهو الغرناطي الشاطبي.\nفأما الغرناطي فنسبة إلى مملكة غرناطة التي عاش بها، وتقدم الكلام عليها.\nوأما الشاطبي فنسبة إلى مدينة شاطبة، وهي مدينة في شرق الأندلس (٢).\nولا نعلم سبب نسبته إلى شاطبة، فلعلها كانت مهاجر أسرته قبل غرناطة.\n_________\n(١) انظر:\"الأنساب\" للسمعاني (٥/ ١٣٢)،\"الصحاح\" للجوهري (٢٠٢٨٥)، \"معجم قبائل العرب\" لكحالة (٣/ ١٠١٢).\n(٢) انظر: \"معجم البلدان\" لياقوت (٣/ ٣٠٩).","vol":"مقدمة","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المبحث الثاني مولده، ونشأته، وموطنه</span>\nأما مولده: فلم يذكر أحد ممن ترجم له سنة ولادته ولا مكانها، بل إن منهم من نص على أنه لم يقف عليها، كما قال أحمد بابا التنبكتي (١) -مع سعة ترجمته-: \"ولم أقف على مولده ﵀\" (٢).\nوقد اجتهد الشيخ محمد أبو الأجفان في تقدير سنة ولادته فقال: \"لم يعين المترجمون لأبي إسحاق .. الشاطبي سنة ولادته، ويمكننا أن نقدر الفترة التي ولد فيها، استنتاجًا من تاريخ وفاة شيخه أبي جعفر أحمد بن الزيات الذي كان أسبق شيوخه وفاة، فقد كانت وفاته سنة ٧٢٨ هـ، وهي السنة التي يكون فيها مترجمنا يافعًا، وذلك مما يجعلنا نرجح أن ولادته كانت قبيل سنة ٧٢٠ هـ\" (٣).\nوأما نشأته وموطنه: فقد كانت في غرناطة آخر مملكة للمسلمين بالأندلس، فبها نشأ، وبها طلب العلم، وفيها أصبح عالمًا مفتيًا. ولم يذكر الذين ترجموا له المسائل الدقيقة في نشأته، ولا ذكروا أسرته، وإنما ركزوا على ذكر شيوخه وسماعاته ﵀.\nولم يذكر عن الإمام الشاطبي أنه رحل من غرناطة.\n_________\n(١) هو أحمد بن أحمد بن أحمد بن عمر بن محسن الصنهاجي الماسي السوداني التنبكتي، التكروري المالكي، فقيه عالم مؤرخ، ومن مؤلفاته: \"كفاية المحتاج\"، و\"نيل الابتهاج\". توفي سنة (١٠٣٢ هـ).\nانظر: \"خلاصة الأثر\" للمحبي (١/ ٢١٧٠)، \"شجرة النور الزكية\" (ص ٢٩٨).\n(٢) \"نيل الابتهاج\" (ص ٤٩).\n(٣) انظر: \"مقدمة الأستاذ محمد أبو الأجفان لفتاوى الشاطبي\" (ص ٣٢).","vol":"مقدمة","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>المبحث الثالث محنته، وما ابتلي به، واتهامه من خصومه</span>\nكان لتصدي الإمام الشاطبي لأنواع من البدع التي أَلِفَها الناس واعتادوها أثره في المواجهة، ليس مع العامة والدهماء، بل ومع بعض العلماء، ومنهم من كان من شيوخه، وكان مما اتهم به ﵀:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>١ - القول بأن الدعاء لا ينفع وأنه لا فائدة فيه </span>(١):\nوسبب هذه التهمة أن الإمام الشاطبي لم يلتزم الدُّعَاءَ بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ فِي أَدْبَارِ الصَّلَاةِ حَالَةَ الإمامة (٢)، وقد كان الناس في الأندلس يلتزمونه في ذلك الزمن.\nوممن رمى الإمام الشاطبي بهذه التهمة شيخه أبو سعيد ابن لب (٣).\n_________\n(١) وهذا القول عزاه شارح الطحاوية إلى قوم من المتفلسفة وغالية المتصوفة، محتجِّين بأن المشيئة الإلهية إن اقتضت حصول المطلوب، فلا حاجة إلى الدعاء، وإن لم تقتضه فلا فائدة فيه أيضًا. وقد بين بطلان قولهم بضرورة الدين والعقل والحس والفطرة، وردَّ قولهم بمنع المقدمتين حيث ذكر قسمًا ثالثًا وهو أن تقتضيه المشيئة بشرط لا تقتضيه مع عدمه، وقد يكون الدعاء من شرطه، كما توجب الثواب مع العمل الصالح ..، ثم إنه إذا لم يحصل المطلوب فقد يحصل غيره للسائل من خيري الدنيا والآخرة، كما قال - ﷺ -: \"ما من رجل يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجِّل له دعوته، أو يدَّخِر له من الخير مثلها، أو يصرف عنه من الشر مثلها، قالوا: إذًا نُكْثِر، قال: الله أكثر\" \"المسند\" (٣/ ١٨)، وصححه الألباني في تعليقه على \"شرح الطحاوية\" (ص ٤٦٢)، وانظر: \"شرح الطحاوية\" (ص ٤٦٠ - ٤٦٢).\n(٢) انظر النص المحقق (ص ٢٥).\n(٣) انظر كلامه في: \"المعيار المعرب\" للونشريسي (٦/ ٣٦٩ - ٣٧٠).","vol":"مقدمة","page":34},{"text":"وقد رد الإمام الشاطبي على أصحاب هذا القول، وبيَّن أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، ولا من قوله ولا إقراره، كما لم يفعله أحد من السلف (١).\nورأي الإمام الشاطبي في هذه المسألة هو الصواب، إذ إن هذا العمل من المحدثات، وسبقه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى الحكم ببدعية هذا العمل حيث قال: \"أما دعاء الإمام والمأمومين جميعًا عقيب الصلوات فهو بدعة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>٢ - اتهم ﵀ بالرفض وبغض الصحابة ﵃:</span>\nوسبب هذه التهمة أن الإمام الشاطبي لم يلتزم ذكر الخلفاء الراشدين في الخطبة على الخصوص، واحتج بأن ذلك لم يكن مِنْ شَأْنِ السَّلَفِ فِي خُطَبِهِمْ، وَلَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ فِي أَجْزَاءِ الْخُطَبِ (٣).\nوليس في موقف الإمام الشاطبي من هذه المسألة ما يدل على بغضه للصحابة ﵃، ثم إن له سلفًا فيما ذهب إليه، فقد عزا هذا القول إلى أصبغ (٤)، والعز بن عبد السلام (٥) كما سيأتي في المقدمة.\nوإذا نظرنا إلى أن ذكر الخلفاء الراشدين في الخطبة كان مُلْتَزَمًا به في بيئة الإمام الشاطبي، بل يعد تاركه مبتدعًا، فلا شك أن كسر هذه القاعدة أمر مطلوب، لأن ذكر الخلفاء الراشدين في الخطبة ليس ركنًا فيها ولا واجبًا.\nوالمسألة من المسائل الخلافية، ولشيخ الإسلام ابن تيمية تفصيل فيها؛ حيث ذكر أن من أهل السنة من يفعله ومنهم من يتركه، إلا أنه قد يكون مأمورًا به إذا كان فيه تحصيل لمقصد شرعي؛ كالرد على الخوارج الذين\n_________\n(١) انظر: \"الاعتصام\" (١/ ٣٤٩ - ٣٦٨)، (٢/ ١ - ٦).\n(٢) \"الفتاوى\" (٢٢/ ٥١٩).\n(٣) انظر النص المحقق (ص ٢٦).\n(٤) ستأتي ترجمته في النص المحقق (ص ٢٦).\n(٥) ستأتي ترجمته في النص المحقق (ص ٢٦).","vol":"مقدمة","page":35},{"text":"يبغضون عليًا وعثمان ويكفرونهما (١).\nوالذي رمى الشاطبي بذلك هو شيخه أبو سعيد ابن لب (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>٣ - اتهم الإمام الشاطبي ﵀ بالقول بجواز القيام على الأئمة حيث قال:</span>\n\"وَتَارَةً أُضِيفَ إليَّ الْقَوْلُ بِجَوَازِ الْقِيَامِ عَلَى الْأَئِمَّةِ، وَمَا أَضَافُوهُ إِلَّا مِنْ عَدَمِ ذِكْرِي لهم في الخطبة، وذكرهم فيها محدث لم يكن عليه من تقدم\" (٣).\nوهذه المسألة من جنس المسألة التي قبلها، وليس في موقف الشاطبي منها ما يدل على هذه التهمة، بل له سلف فيما ذهب إليه، فإن ترك الدعاء لأحد في الخطبة هو رأي الإمام الشافعي في كتابه \"الأم\" (١/ ٢٠٢ - ٢٠٣)، والإمام البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢١٧)، والعز بن عبد السلام في \"فتاويه\"، فتوى رقم (١٦).\nوهناك من أجاز الدعاء للسلطان في الخطبة؛ كالطحطاوي في \"حاشيته على مراقي الفلاح\" (ص ٤٢٢)، والإمام النووي في \"روضة الطالبين\" (٤/ ٥٢٧)، والإمام ابن قدامة في \"المغني\" (٢/ ١٥٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>٤ - اتهم الإمام الشاطبي ﵀ بالتزام الحرج والتنطُّع في الدين:</span>\nوسبب هذا كما قال الشاطبي: \"وَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَنِّي الْتَزَمْتُ فِي التَّكْلِيفِ وَالْفُتْيَا الْحَمْلَ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ الْمُلْتَزَمِ لَا أَتَعَدَّاهُ، وَهُمْ يَتَعَدَّوْنَهُ وَيُفْتُونَ بِمَا يُسَهِّلُ عَلَى السَّائِلِ وَيُوَافِقُ هَوَاهُ، وَإِنْ كَانَ شَاذًّا فِي الْمَذْهَبِ الْمُلْتَزَمِ أَوْ فِي غَيْرِهِ، وَأَئِمَّةُ العلم على خلاف ذلك ... \" (٤).\nوليس في موقف الشاطبي أي تنطع، وانما أراد إغلاق باب تتبع\n_________\n(١) انظر: \"منهاج السنة\" (٤/ ١٥٦ - ١٧٠).\n(٢) انظر ذلك في: \"المعيار المعرب\" للونشريسي (٦/ ٣٧١ - ٣٧٢).\n(٣) انظر النص المحقق (ص ٢٧).\n(٤) انظر النص المحقق (ص ٢٧).","vol":"مقدمة","page":36},{"text":"الرخص، وتحكيم الهوى في اختيار الفتوى. وقد تكلم الإمام الشاطبي عن هذه المسألة بشكل أوسع في كتابه الموافقات (١).\nوالصواب أن الفتوى ينبغي أن تكون بالقول الراجح الذي يعضده الدليل، سواء كان في المذهب أو في غيره من المذاهب الأخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>٥ - اتهم أيضًا بمعاداة أولياء الله:</span>\nقال ﵀: \"وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنِّي عَادَيْتُ بَعْضَ الْفُقَرَاءِ الْمُبْتَدِعِينَ الْمُخَالِفِينَ لِلسُّنَّةِ، الْمُنْتَصِبِينَ -بِزَعْمِهِمْ- لِهِدَايَةِ الْخَلْقِ، وَتَكَلَّمْتُ لِلْجُمْهُورِ عَلَى جُمْلَةٍ مِنْ أَحْوَالِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَسَبُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَى الصُّوفِيَّةِ وَلَمْ يَتَشَبَّهُوا بهم\" (٢).\nوقد وصف الإمام الشاطبي طريقة هؤلاء الصوفية في زمنه بقوله: \"حَتَّى صَارَتْ فِي هَذَا الزَّمَانِ الْأَخِيرِ كَأَنَّهَا شَرِيعَةٌ أُخْرَى غَيْرَ مَا أَتَى بِهَا مُحَمَّدٌ - ﷺ -\" (٣).\nولا شك أن هؤلاء تجب معاداتهم في الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>٦ - اتهم ﵀ بأنه مخالف للسنة والجماعة، حيث قال:</span>\n\"وَتَارَةً نُسِبْتُ إِلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ الَّتِي أُمِرَ بِاتِّبَاعِهَا وَهِيَ النَّاجِيَةُ، مَا عَلَيْهِ الْعُمُومُ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الْجَمَاعَةَ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ\" (٤).\nوقد تكلم الإمام الشاطبي عن المراد بالجماعة الواردة في الحديث بشكل أوسع في الباب التاسع من الكتاب (٥).\nوقد رد الإمام الشاطبي هذه الافتراءات بقوله: \"وكذبوا عليَّ في جميع\n_________\n(١) (٤/ ١٤٦).\n(٢) انظر النص المحقق (ص ٢٧).\n(٣) أنظر النص المحقق (ص ١٥١).\n(٤) انظر النص المحقق (ص ٢٧).\n(٥) انظر: \"الاعتصام\" (٢/ ٢٥٨ - ٢٦٧).","vol":"مقدمة","page":37},{"text":"ذَلِكَ، أَوْ وَهِمُوا (١)، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حال\" (٢).\nولا شك أن الإمام الشاطبي كان بريئًا من هذه التهم الزائفة التي لا مستند لها إلا الجهل والتعصب واتباع الهوى، فلم نجد في شيء من كتب الإمام الشاطبي ما يشهد لشيء من هذه المزاعم الكاذبة.\nوقد كان لهذه المزاعم تأثير بالغ في نفس الإمام الشاطبي كما هو واضح من مقدمته للاعتصام، إلا أن ذلك لم يثنه عن الحق، بل ازداد ثباتًا على ما اعتقده وكان من ثمرات ما ابتلي به الإمام الشاطبي اعتناؤه بموضوع البدع والتأليف فيه.\n_________\n(١) هذا أدب رفيع من المؤلف، حيث يلتمس لخصومه العذر مع رميهم له بهذه الاتهامات العظيمة.\n(٢) انظر النص المحقق (ص ٢٨).","vol":"مقدمة","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>المبحث الرابع وفاته</span>\nتوفي الإمام الشاطبي ﵀ في يوم الثلاثاء الثامن من شعبان سنة ٧٩٠ هـ في مدينة غرناطة.\nولم يقع خلاف في تاريخ وفاته ﵀ (١).\n_________\n(١) انظر تاريخ وفاته في: \"برنامج المجاري\" (ص ١٢٢)، \"نيل الابتهاج\" للتنبكتي (ص ٤٩)، \"الفتح المبين في طبقات الأصوليين\" للمراغي (٢/ ٢٠٥)، \"شجرة النور الزكية\" لمخلوف (ص ٢٣)، \"الأعلام\" للزركلي (١/ ٧١)، \"معجم المؤلفين\" لكحالة (١/ ١١٨).","vol":"مقدمة","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>الفصل الثالث حياة المؤلف العلمية</span>\n* وفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: طلبه للعلم وشيوخه.\nالمبحث الثاني: تلاميذه.\nالمبحث الثالث: ثقافته ومؤلفاته.\nالمبحث الرابع: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.\nالمبحث الخامس: عقيدته.","vol":"مقدمة","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>المبحث الأول طلبه للعلم وشيوخه</span>\nلقد اشتغل الإمام الشاطبي بالعلم منذ صباه، وسلك في طلبه مسلكًا تربويًا حسنًا، حيث بدأ بِأُصُولِ الدِّينِ عَمَلًا وَاعْتِقَادًا، ثُمَّ بِفُرُوعِهِ الْمَبْنِيَّةِ على تلك الأصول، وقد امتاز طلبه للعلم بالشمولية حيث لم يقتصر من العلوم على علم دون علم، ولا أفرد عن أنواعه نوعًا دون آخر، ولم يزل كذلك إلى أن منَّ الله عليه، فشرح له مِنْ مَعَانِي الشَّرِيعَةِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي حسابه، وسيأتي نص كلامه عن طلبه للعلم (١).\nوقد أخذ الإمام الشاطبي العلم عن علماء كبار، كان لهم الفضل بعد الله في نبوغه وتقدُّمه في العلم، وقد أجازه بعضهم في ما أخذ عنهم من العلوم، وقد أخذ عن بعضهم العلوم بأسانيدها، وفيما يلي ذكرهم مع إشارة يسيرة لتراجمهم:\n\n١ - أبو عبد الله محمد بن الفخار (٢) (ت ٧٥٤ هـ):\nقال عنه في نفح الطيب: \"الإمام المجمع على إمامته في فن العربية، المفتوح عليه من الله تعالى فيها حفظًا واطلاعًا واضطلاعًا ونقلًا وتوجيهًا، بما لا مطمع فيه لسواه\" (٣). وقد قرأ عليه الإمام الشاطبي القرآن بالقراءات السبع في سبع ختمات، وأكثر عليه في التفقه في العربية وغيرها (٤)، ولازمه إلى أن مات (٥).\n_________\n(١) انظر النص المحقق (ص ١٩).\n(٢) انظر ترجمته في: \"شجرة النور الزكية\" (ص ٢٢٨)، و\"نفح الطيب\" (٥/ ٣٥٥ - ٣٥٩).\n(٣) انظر: \"نفح الطيب\" (٥/ ٣٥٥).\n(٤) انظر: \"برنامج المجاري\" لعبد الله المجاري تلميذ الشاطبي (ص ١١٩).\n(٥) انظر: \"نيل الابتهاج\" للتنبكتي (ص ٤٧).","vol":"مقدمة","page":42},{"text":"٢ - أبو سعيد فرج بن قاسم بن أحمد بن لب التغلبي (١) (ت ٧٨٢ هـ):\nكان مفتي غرناطة، وخطيب الجامع الأعظم، والمدرس بالمدرسة النصرية.\nقال عنه المقِّري: \"قَلَّ من لم يأخذ عنه في الأندلس في وقته\" (٢)، وقد عرض عليه الإمام الشاطبي مختصر ابن الحاجب في الأصول في مجلس واحد، وأجاز له أن يروي عنه (٣)، وقد ناظره الإمام الشاطبي في مسألة دعاء الإمام بعد الصلاة على الهيئة الاجتماعية (٤).\n\n٣ - أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد المقَّري (٥) (الجد) (ت ٧٥٩ هـ):\nإمام علامة، كان قاضي الجماعة بفاس، ومن كتبه: كتاب القواعد، وكتاب الطرف والتحف، وكتاب اختصار المحصل وغيرها.\nوقد تفقه به الإمام الشاطبي، وسمع عليه بعضًا من كتابه المسمى بتكميل التعقيب على صاحب التهذيب، وبعض لمحة العارض تكملة ألفية ابن الفارض من نظمه، وبعض اختصاره لجمل الخونجي، وتمهيد القواعد له أيضًا.\nوسمع عليه جميع كتاب الحقائق والرقائق من تأليفه، وأجازه به وبجميع ثلاثيات البخاري (٦).\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"نثير الجمان\" (ص ١٨٦)، و\"النيل\" (ص ٢١٩ - ٢٢٠)، و\"نفح الطيب\" (٥/ ٤٠٩ - ٥١٤)، و\"الأعلام\" للزركلي (٥/ ١٤٠).\n(٢) انظر: \"نفح الطيب\" للمقري (٥/ ٥١٣).\n(٣) \"برنامج المجاري\" (ص ١١٨).\n(٤) وقد ذكر الإمام الشاطبي هذه المسألة في \"الاعتصام\"، ورد على القائلين بجوازها.\nانظر: \"الاعتصام\" (١/ ٣٤٨ - ٣٤٩)، (٢/ ٣ - ٦).\n(٥) انظر ترجمته في: \"الإحاطة\" (٢/ ١٩١)، و\"نفح الطيب\" (٥/ ٢٠٣).\n(٦) \"برنامج المجاري\" لعبد الله المجاري (ص ١١٩ - ١٢٠).","vol":"مقدمة","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>٤ - أبو علي منصور بن عبد الله الزواوي </span>(١):\nله مشاركة في كثير من العلوم العقلية والنقلية، ونظر في الأصول والمنطق والكلام ..، قدم الأندلس عام ٧٥٣ هـ، وكان حيًا بعد عام ٧٧٠ هـ. قرأ عليه الإمام الشاطبي مختصر منتهي السول والأمل في علمي الأصول والجدل للإمام أبي عمرو بن الحاجب من أول مبادئ اللغة إلى آخره بلفظه إلا يسيرًا منه سمعه بقراءة غيره، وكل ذلك قراءة تفقه ونظر، وأجازه إجازة عامة بشرطها (٢).\n\n٥ - أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مرزوق الخطيب التلمساني (٣) (ت ٧٨١ هـ):\nرحل مع والده للشرق سنة (٧١٨ هـ)، وأخذ في رحلته عن نحو ألفي شيخ من أهل المشرق والمغرب، وبرع في الطب والرواية، ومن تصانيفه شرح العمدة في الحديث (خمس مجلدات)، وشرح الشفا في التعريف بحقوق المصطفي لم يكمل، وشرح الأحكام الصغرى لعبد الحق.\nوقد سمع عليه الإمام الشاطبي جميع الجامع الصحيح للبخاري، بقراءة غيره عليه، وموطأ الإمام مالك بن أنس برواية يحيى بن يحيى، وذلك بالمدرسة النصرية، وأجازه بهما بجميع ما يحمل إجازة عامة بشرطها (٤).\n\n٦ - أبو القاسم محمد بن أحمد الشريف الحسني السبتي (٥) (ت ٧٦٠ هـ):\nرئيس العلوم اللسانية بالأندلس، ولِّي ديوان الإنشاء بغرناطة،\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"نيل الابتهاج\" للتنبكتي (ص ٣٤٥ - ٣٤٧)، و\"الإحاطة في أخبار غرناطة\" لابن الخطيب (٢/ ٣٠٣)، و\"نفح الطيب\" للمقري (٧/ ١٤٧)، و\"شجرة النور الزكية\" لمحمد مخلوف (ص ٢٣٤).\n(٢) \"برنامج المجاري\" (ص ١١٩).\n(٣) انظر ترجمته في: \"نفح الطيب\" للمقري (٥/ ٣٩٠ - ٤١٨)، و\"نيل الابتهاج\" للتنبكتي (ص ٢٦٨)، و\"شجرة النور الزكية\" لمحمد مخلوف (ص ٢٣٦).\n(٤) \"برنامج المجاري\" (ص ١١٩).\n(٥) انظر ترجمته في: \"نفح الطيب\" للمقري (٥/ ١٨٩)، و\"برنامج المجاري\" لعبد الله المجاري (ص ٩٠)، و\"الأعلام\" للزركلي (٦/ ٢٢٤).","vol":"مقدمة","page":44},{"text":"ثم القضاء والخطابة فيها، له شروح في الأدب والنحو.\nوقد ذكره التنبكتي ضمن شيوخ الشاطبي (١)، ونقل عنه الشاطبي بعض الفوائد (٢).\n\n٧ - أبو عبد الله محمد بن أحمد الشريف التلمساني (٣) (ت ٧٧١ هـ):\nمن أعلام المالكية، انتهت إليه إمامتهم بالمغرب، من كتبه المفتاح في أصول الفقه، وشرح جمل الخونجي. بنيت له مدرسة فقام يدرس بها إلى أن مات، ذكره أحمد بابا التنبكتي ضمن شيوخ الشاطبي (٤)، ونقل عنه الشاطبي بعض الشعر (٥).\n\n٨ - أبو عبد الله محمد بن أبي الحجاج يوسف بن عبد الله بن محمد اليحصبي اللوشي (٦) (ت ٧٥٢ هـ):\nاشتهر بالأدب الجيد، وكان خطيبًا بالمسجد الجامع بغرناطة، تزهد في آخر حياته.\nوقد استجازه الإمام الشاطبي فأجازه إجازة عامة (٧).\n\n٩ - أبو عبد الله محمد بن علي بن أحمد البلنسي الأوسي (٨) (ت ٧٨٢ هـ):\nمن علماء غرناطة. لازم شيخ الجماعة ابن الفخار وانتفع به، وكان\n_________\n(١) انظر: \"نيل الابتهاج\" (ص ٤٧).\n(٢) انظر: \"الإفادات والإنشادات\" للشاطبي (ص ٨٩، ١٠١، ١٢٥).\n(٣) انظر ترجمته في: \"نيل الابتهاج\" للتتبكتي (ص ٢٥٥ - ٢٥٦)، و\"الأعلام\" للزركلي (٦/ ٢٢٤).\n(٤) انظر: \"نيل الابتهاج\" (ص ٢٥٧).\n(٥) انظر: \"الإفادات والإنشادات\" للشاطبي (ص ١٢١).\n(٦) انظر ترجمته في: \"الإحاطة\" لابن الخطيب (٢/ ٢٦٩ - ٢٧٢)، و\"نفح الطيب\" للمقري (٥/ ١٢).\n(٧) \"برنامج المجاري\" (ص ١١٩).\n(٨) انظر ترجمته في: \"الإحاطة\" لابن الخطيب (٣/ ٣٨)، و\"نيل الابتهاج\" للتنبكتي (ص ٢٧٠).","vol":"مقدمة","page":45},{"text":"قائمًا على العربية والبيان متقنًا، ألف كتابًا في تفسير القرآن متعدد الأسفار، واستدرك على السهيلي في أعلام القرآن كتابًا نبيلًا.\nوقد ذكره التنبكتي ضمن شيوخ الشاطبي (١)، ونقل عنه الشاطبي في الإفادات (٢).\n\n١٠ - أبو جعفر أحمد بن الحسن الكلاعي المعروف بابن الزيات (٣) (ت ٧٢٨ هـ):\nقال عنه ابن الخطيب: \"كان جليل القدر، كثير العبادة، عظيم الوقار، حسن الخلق\" (٤).\nتصانيفه كثيرة، منها: تلخيص الدلالة في تلخيص الرسالة، والمعارف الربانية واللطائف الروحانية.\nوقد نقل الإمام الشاطبي عنه قوله: \"لو كان لي بيت مال لأنفقته على طلاب العلم، لأنهم قدوتنا وسادتنا ... \" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>١١ - أبو جعفر أحمد بن آدم الشقوري </span>(٦):\nفقيه، نحوي، فرضي، كان يدرِّس بغرناطة كتاب سيبويه، وقوانين ابن أبي الربيع، وألفية ابن مالك، والمدونة الكبرى.\nذكره التنبكتي ضمن شيوخ الإمام الشاطبي (٧).\n_________\n(١) انظر: \"نيل الابتهاج\" (ص ٤٧، ٢٧٠).\n(٢) انظر: \"الإفادات والإنشادات\" (ص ٩٤).\n(٣) انظر ترجمته في: \"الإحاطة\" لابن الخطيب (١/ ٢٨٧)، و\"شجرة النور\" لمخلوف (ص ٢١٢).\n(٤) \"الإحاطة\" لابن الخطيب (١/ ٢٨٧).\n(٥) \"روضة الأعلام\" لابن الأزرق، نقلًا عن مقدمة محمد أبو الأجفان لفتاوى الشاطبي (ص ٣٨).\n(٦) انظر ترجمته في: \"برنامج المجاري\" (ص ١٢٥).\n(٧) انظر: \"نيل الابتهاج\" (ص ٤٧).","vol":"مقدمة","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>المبحث الثاني: تلاميذه</span>\nأخذ عن الإمام الشاطبي عدد من طلاب العلم النجباء، وكان منهم:\n١ - أبو يحيى محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عاصم الغرناطي الإمام العالم المحقق البليغ، صحب الإمام الشاطبي وأخذ عنه وانتفع به، له تأليف كبير في الانتصار للإمام الشاطبي، رد فيه على شيخه أبي سعيد ابن لب في مسألة الدعاء بعد الصلاة، استشهد سنة (٨١٣ هـ) (١).\n٢ - أبو بكر محمد بن محمد بن عاصم الغرناطي الفقيه الأصولي المحدث، أخذ عن أعلام منهم الإمام الشاطبي، وله تآليف كثيرة منها التحفة، وله أرجوزة في الأصول، واختصار الموافقات، توفي سنة (٨٢٩ هـ) (٢).\n٣ - الشيخ أبو عبد الله محمد البياني، تتلمذ على الإمام الشاطبي، وأخذ عنه خلق كثير مثل أبي يحيى بن عاصم وعبد الله بن جزي وغيرهم (٣).\n٤ - أبو جعفر أحمد القصار الأندلسي الغرناطي، تتلمذ على الإمام الشاطبي، وقد قال إن الإمام الشاطبي كان يطالعه ببعض المسائل حين\n_________\n(١) انظر ترجمته في: \"نيل الابتهاج\" للتنبكتي (ص ٢٨٥)، و\"نفح الطيب\" للمقري (٦/ ١٤٨)، و\"شجرة النور الزكية\" لمخلوف (ص ٢٤٧).\n(٢) انظر ترجمته في: \"نيل الابتهاج\" للتنبكتي (ص ٢٨٩)، و\"شجرة النور الزكية\" لمخلوف (ص ٢٤٧).\n(٣) انظر ترجمته في: \"نيل الابتهاج\" للتنبكتي (ص ٣٠٨)، و\"شجرة النور الزكية\" لمخلوف (ص ٢٣١).","vol":"مقدمة","page":47},{"text":"تصنيفه الموافقات، ويباحثه فيها، وبعد ذلك يضعها في الكتاب على عادة الفضلاء ذوي الانصاف (١).\n٥ - أبو عبد الله محمد بن محمد بن علي بن عبد الواحد المجاري الأندلسي له مؤلف ترجم فيه لشيوخه، ومنهم الإمام الشاطبي، وغالب ترجمته تعداد ما قرأ عليه وذكر شيوخه. توفي سنة ٨٦٢ هـ (٢).\n٦ - أبو عبد الله محمد بن علي بن أشرص العالم الجليل الإمام الفقيه، أخذ عن جماعة من العلماء منهم ابن رشيد وأبي جعفر الزيات وابن الفخار وأبي إسحاق الشاطبي. توفي سنة ٨٤٨ هـ (٣).\nهؤلاء هم أشهر تلاميذ الإمام الشاطبي ﵀.\n_________\n(١) انظر: \"نيل الابتهاج\" (ص ٤٩، ٧٦).\n(٢) \"ثبت البلوى\" (ص ١٩٩).\n(٣) \"شجرة النور الزكية\" (ص ٢١٤).","vol":"مقدمة","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المبحث الثالث ثقافته ومؤلفاته</span>\nكان الإمام الشاطبي ﵀ يتمتع بثقافة واسعة، فقد جمع علومًا شتى، ومعارف عديدة، وقد نص في مقدمة الكتاب على أنه نظر في عقليات العلم وشرعياته، وأنه لم يقتصر منه على علم دون علم (١).\nوإذا نظرنا إلى ما تلقاه من العلوم عن شيوخه، أدركنا سعة ما جمع من الفنون. فنجد أن له باعًا في القراءات واللغة والنحو والفقه والأصول والحديث وغيرها، إلا أن تفوقه في علم الأصول ومقاصد الشريعة هو أبرز سماته العلمية.\nوالناظر في كتب الشاطبي يجد فيها خير شاهد على سعة اطلاعه وغزارة علمه، مع الدقة والتحقيق لما يقرره ﵀.\nوله بعض المشاركات الشعرية، ومن ذلك: قصيدته التي قالها بمناسبة تأليف شيخه أبي عبد الله بن مرزوق (٢) لكتاب في شرح الشفا للقاضي عياض (٣)، حين طلب شيخه من علماء الأندلس نظم قصائد تتضمن مدح الشفا ليجعلها في طالعة شرحه عليه، فقال الشاطبي:\nيا من سما لمراقي المجد مقصده ... فنفسه بنفيس العلم قد كلفت\nهذي رياض يروق العلم مخبرها ... هي الشفا لنفوس الخلق إن دنفت\nيجنى بها زهر التقديم أو ثمر الـ ... تعظيم والفوز للأيدي التي اقتطفت\nأبدت لنا من سناها كل واضحة ... حسانه دونها الأطماع قد وقفت\n_________\n(١) انظر النص المحقق (ص ١٩).\n(٢) تقدمت ترجمته ضمن شيوخ الشاطبي.\n(٣) ستأتي ترجمته في النص المحقق (ص ٢٤٥).","vol":"مقدمة","page":49},{"text":"وشيد العقد أركان مؤكدة ... بها على متن أهل الشرع قد وقعت\nقوت القلوب وميزان العقول متى ... حادت عن الحجة الكبرى أو انحرفت\nفيا أبا الفضل حزت الفضل في عرض ... بها أقرت لك الأعلام واعترفت\nوكنت بحر علوم ضل ساحله ... منه استمدت عيون العلم واغترفت\nزارته من نسمات القدس باسمة ... فحركت منه مدح الفكر حين وفت\nحتى إذا طفئت أرجاؤه قذفت ... لنا بدرتها الحسناء وانصرفت\nإن العناية لا يحظى بنائلها ... حريصها بل على التخصيص قد وقفت (١)\nومن شعره ﵀ لما ابتلي بالبدع:\nبليت يا قوم والبلوى منوعة ... بمن أداريه حتى كاد يرديني\nدفع المضرة لا جلب لمصلحة ... فحسبي الله في عقلي وفي ديني (٢)\nوأما مؤلفات الإمام الشاطبي، فقد ألف ﵀ كتبًا نافعة، قال عنها التنبكتي في نيل الابتهاج: \"ألف تآليف نفيسة، اشتملت على تحريرات للقواعد وتحقيقات لمهمات الفوائد\" (٣).\nوهذه الكتب منها المطبوع، ومنها ما لم يطبع، وبعضها لا نعلم عنها شيئًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>فأما كتبه المطبوعة فهي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>١ - الموافقات في أصول الشريعة:</span>\nوهذا الكتاب من أحسن ما ألفه الإمام الشاطبي من الكتب، بل من أحسن ما ألف في موضوعه، وهو في أصول الفقه، إلا أن المؤلف ركز فيه على مقاصد الشريعة وأسرار التكليف، فجاء هذا الكتاب متميزًا على ما قبله من الكتب في هذا الموضوع.\nولقد وجد هذا الكتاب قبولًا وثناء من كثير من العلماء، سواء\n_________\n(١) انظر هذه الأبيات في: \"الإفادات والإنشادات\" للشاطبي (ص ١٥٠)، و\"نيل الابتهاج\" للتنبكتي (ص ٤٩).\n(٢) انظرها في: \"نيل الابتهاج\" (ص ٤٩).\n(٣) \"النيل\" (ص ٤٨).","vol":"مقدمة","page":50},{"text":"المتقدمين أو المتأخرين، فقد قال عنه التنبكتي في نيل الابتهاج: \"وكتاب الموافقات في أصول الفقه كتاب جليل القدر جدًا، لا نظير له، يدل على إمامته وبعد شأوه في العلوم سيما علم الأصول، قال الإمام الحفيد ابن مرزوق: كتاب الموافقات المذكور من أقبل الكتب ... \" (١).\nوقال عنه الشيخ عبد الله دراز في مقدمته على الكتاب: \"لم تقف به الهمة في التجديد والعمارة لهذا الفن عند حد تأصيل القواعد، وتأسيس الكليات المتضمنة لمقاصد الشارع في وضع الشريعة، بل جال في تفاصيل مباحث الكتاب أوسع مجال، وتوصل باستقرائها إلى استخراج درر غوال لها أوثق صلة بروح الشريعة ... \" (٢).\nوالكتاب ينحصر في خمسة أقسام كما قال الإمام الشاطبي في مقدمته:\nالأول: في المقدمات العلمية المحتاج إليها في تمهيد المقصود.\nوالثاني: في الأحكام وما يتعلق بها من حيث تصورها والحكم بها أو عليها، كانت من خطاب الوضع أو من خطاب التكليف.\nوالثالث: في المقاصد الشرعية في الشريعة وما يتعلق بها من الأحكام.\nوالرابع: في حصر الأدلة الشرعية، وبيان ما ينضاف إلى ذلك فيها على الجملة وعلى التفصيل، وذكر مآخذها، وعلى أي وجه يحكم بها على أفعال المكلفين.\nوالخامس: في أحكام الاجتهاد والتقليد، والمتصفين بكل واحد منهما (٣).\nوالكتاب مطبوع عدة طبعات، منها طبعة محققة بعناية الشيخ مشهور حسن سلمان جزاه الله خيرًا.\n_________\n(١) \"النيل\" (ص ٤٨).\n(٢) \"الموافقات\" (١/ ٧).\n(٣) \"المواقفات\" (١/ ٢٣ - ٢٤).","vol":"مقدمة","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>٢ - الاعتصام:</span>\nوهو كتابنا الذي بين أيدينا، وسيأتي الكلام عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>٣ - الإفادات والإنشادات:</span>\nوهذا الكتاب عبارة عن فوائد وطرف وملح وإنشادات نقلها الإمام الشاطبي عن بعض شيوخه، وعن بعض من التقى بهم من العلماء.\nقال في نيل الابتهاج: \"وكتاب الإفادات والإنشادات في كراسين، فيه طرف وتحف وملح أدبيات وإنشادات\" (١).\nوقد حققه الدكتور محمد أبو الأجفان، وطبعته مؤسسة الرسالة سنة ١٤٠٣ هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>٤ - فتاوى الإمام الشاطبي:</span>\nوهذا الكتاب لم يؤلِّفه الشاطبي، وإنما جمعه الدكتور محمد أبو الأجفان من كتب مخطوطة ومطبوعة للشاطبي.\nوقد بلغت هذه الفتاوى ستين فتوى في الفقه والحديث والعقيدة ومسائل البدع.\nوقد طبع هذا الكتاب سنة ١٤٠٥ هـ بمطبعة الكواكب بتونس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>وأما كتبه التي لم تطبع بعد، فمنها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>١ - شرح جليل على الخلاصة في النحو: (في أربعة أسفار):</span>\nقال عنه أحمد بابا التنبكتي في النيل: \"لم يؤلف عليه مثله بحثًا وتحقيقًا فيما أعلم\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>٢ - كتاب المجالس:</span>\nقال في النيل: \"شرح فيه كتاب البيوع من صحيح البخاري، فيه من\n_________\n(١) \"نيل الابتهاج\" (ص ٤٨).\n(٢) نفس المرجع (ص ٤٨).","vol":"مقدمة","page":52},{"text":"الفوائد والتحقيقات ما لا يعلمه إلا الله\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>٣ - شرح رجز ابن مالك في النحو (الألفية) </span>(٢):\nوقد قام بتحقيقه عدد من أساتذة جامعة أم القرى، ولم يطبع بعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>٤ - عنوان الاتفاق في علم الاشتقاق</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>٥ - أصول النحو</span>.\nوالكتابان الأخيران ذكر أحمد بابا أنهما أتلفا في حياته (٣).\n_________\n(١) \"نيل الابتهاج\" (ص ٤٨).\n(٢) انظر: \"الأعلام\" للزركلي (١/ ٧١).\n(٣) انظر: \"نيل الابتهاج\" (ص ٤٨ - ٤٩).","vol":"مقدمة","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>المبحث الرابع مكانته العلمية وثناء العلماء عليه</span>\nللإمام الشاطبي ﵀ مكانة علمية رفيعة، وتبرز مكانته العلمية من خلال ثناء العلماء عليه وعلى كتبه الرائعة.\nفقد أثنى عليه كثير من العلماء المتقدمين والمتأخرين، وسوف أذكر شيئًا من كلامهم على وجه الإجمال:\nفمن ذلك ما ذكره أحمد بابا في ترجمته حيث قال: \" ... الإمام العلامة المحقق القدوة الحافظ الجليل المجتهد، كان أصوليًا، مفسرًا، فقيهًا، محدثًا، لغويًا، بيانيًا، نظارًا، ثبتًا، ورعًا، صالحًا، زاهدًا، سنيًا، إمامًا مطلقًا، بحاثًا مدققًا، جدليًا، بارعًا في العلوم، من أفراد العلماء المحققين الأثبات، وأكابر الأئمة المتفننين الثقات، له القدم الراسخ والإمامة العظمى في الفنون فقهًا وأصولًا وتفسيرًا وحديثًا وعربية وغيرها، مع التحري والتحقيق، له استنباطات جليلة، ودقائق منيفة، وفوائد لطيفة، وأبحاث شريفة، وقواعد محررة محققة، على قدم راسخ من الصلاح\nوالعفة والتحري والورع، حريصًا على اتباع السنة، مجانبًا للبدع والشبهة، ساعيًا في ذلك، مع تثبت تام، منحرف عن كل ما ينحو للبدع وأهلها ... \" (١).\nوقال عنه الإمام الحفيد ابن مرزوق فيما نقل عنه في النيل: \"الإمام المحقق العلامة الصالح أبو إسحاق\" (٢).\nوقال عنه تلميذه عبد الله المجاري: \"الإمام العلامة الشهير، نسيج\n_________\n(١) \"نيل الابتهاج\" (ص ٤٧).\n(٢) نفس المرجع (ص ٤٧).","vol":"مقدمة","page":54},{"text":"وحده، وفريد عصره، أبو إسحاق ... \" (١).\nوهذا بعض ما أثنى عليه به المتقدمون، وأما ثناء المتأخرين عليه فهو كثير، وأكتفي بذكر شيء من كلام الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ في مقدمته على الاعتصام، حيث قال: \"لولا أن هذا الكتاب ألف في عصر ضعف العلم والدين في المسلمين، لكان مبدأ نهضة جديدة لإحياء السنة، وإصلاح شؤون الأخلاق والاجتماع، ولكان المصنف بهذا الكتاب وبصنوه كتاب \"الموافقات\" -الذي لم يسبق إلى مثله سابق أيضًا- من أعظم المجددين في الإسلام، فمثله كمثل الحكيم الاجتماعي عبد الرحمن بن خلدون، كل منهما جاء بما لم يسبق إلى مثله، ولم تنتفع الأمة كما كان يجب بعلمه\" (٢).\nهذا بعضٌ من ثناء العلماء عليه ﵀.\nومن أهم الأسباب التي جعلته يحتل هذه المكانة، وينال هذا الذكر الحسن: ما كان يتحلى به من الصدق مع الله تعالى، وتحرِّي الحق، وتطلُّبه ولزومه، والثبات عليه، وإن خالفه أكثر الناس. وهذا أمر واضح لمن نظر في سيرته، وقرأ كلامه، سيما مقدمته للاعتصام، حيث صدع بالحق، ونهى عن البدع وثبت على موقفه صابرًا محتسبًا، مع كثرة الاتهامات والافتراءات التي وجهت إليه بسبب ذلك. وكان من نتيجة ذلك عنايته بموضوع البدع وتصنيفه فيه.\n_________\n(١) \"برنامج المجاري\" (ص ١١٦).\n(٢) \"الاعتصام\" (١/ ٤).","vol":"مقدمة","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>المبحث الخامس عقيدته </span>(١)\nليس للإمام الشاطبي ﵀ مؤلف مستقل في أبواب العقيدة حتى يمكن الباحث معرفة رأيه في كل مسألة على وجه الدقة، ولكن كتبه لا تخلو من الكلام على بعض المسائل العقدية التي تأتي عَرَضًا في كلامه.\nومن خلال النظر في هذه المسائل نجد أن للمؤلف ميلًا إلى المذهب الأشعري. وقبل ذكر أمثلة من المسائل التي مال فيها الإمام الشاطبي إلى مذهب الأشاعرة، تجدر الإشارة إلى بعض الأفكار المنهجية عند المؤلف في مسائل العقيدة، ومن أهمها:\n١ - يرى الإمام الشاطبي أن خبر الآحاد دليل ظني، وأنه لا يؤخذ به في الأمور القطعية، إلا إذا شهد له أصل قطعي كآية قرآنية أو سنة متواترة.\nوهذا الرأي للإمام الشاطبي هو مضمون كلامه في عدة مواضع من كتبه، ومن ذلك قوله أثناء رده على المبتدعة الذين يردون أحاديث الآحاد جملة: \" .. فعلى كل تقدير خَبَرِ وَاحِدٍ صَحَّ سَنَدُهُ، فَلَا بُدَّ مِنَ اسْتِنَادِهِ إِلَى أَصْلٍ فِي الشَّرِيعَةِ قَطْعِيٍّ فَيَجِبُ قبوله، ومن هنا قبلناه مطلقًا ... \" (٢).\nوقال في معرض رده على المبتدعة الذين يستحسنون بعض البدع، ويحتجون على ذلك بحديث: \"مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ\n_________\n(١) استفدت في هذا المبحث من رسالة ماجستير في الجامعة الإسلامية بعنوان: \"الإمام الشاطبي عقيدته وموقفه من البدع وأهلها\"، للطالب عبد الرحمن آدم علي، وقد أشرف على الرسالة الدكتور أحمد سعد حمدان، وتوفي الطالب ﵀ قبل مناقشتها.\n(٢) \"الاعتصام\" للشاطبي (١/ ٢٣٦).","vol":"مقدمة","page":56},{"text":"حسن\" (١)، قال: \"وَالثَّانِي أَنَّهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ فِي مَسْأَلَةٍ قَطْعِيَّةٍ فلا يسمع\" (٢).\nوقال في موطن آخر: \"كل دليل شرعي إما أن يكون قطعيًا أو ظنيًا، فإن كان قطعيًا، فلا إشكال في اعتباره، وإن كان ظنيًا، فإما أن يرجع إلى أصل قطعي أو لا، فإن رجع إلى قطعي فهو معتبر أيضًا، وإن لم يرجع وجب التثبت فيه ولم يصح إطلاق القول بقبوله ... \" (٣).\nوقد تكلم الإمام الشاطبي في المسألة في مواطن أخرى (٤)، إلا أنها تدور حول ما تقدم.\nوهذا الرأي للإمام الشاطبي متأثر برأي بعض الأشاعرة في المسألة (٥)، وهو رأي مخالف لقول أهل السنة الذين يرون أن خبر الآحاد يفيد العلم إذا احتفَّت به القرائن، وتلقته الأمة بالقبول، وينبني على ذلك الاحتجاج به في المسائل القطعية وغيرها، دون تفريق بين مسائل الاعتقاد أو غيرها.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"مذهب أصحابنا أن أخبار الآحاد المتلقاة بالقبول تصلح لإثبات أصول الديانات\" (٦).\nوقال الإمام ابن القيم نقلًا عن شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأما القسم الثاني من الأخبار فهو ما لا يرويه إلا الواحد العدل ونحوه، ولم يتواتر لفظه ولا معناه، ولكن تلقته الأمة بالقبول عملًا به أو تصديقًا له ..، فهذا يفيد العلم اليقيني عند جماهير أمة محمد - ﷺ - من الأولين والآخرين\" (٧).\n_________\n(١) ذكره الشيخ الألباني في \"السلسلة الضعيفة\" وقال: \"لا أصل له مرفوعًا، وإنما ورد موقوفًا على ابن مسعود\"، وعزاه لأحمد برقم (٣٦٠٠)، والطيالسي في \"مسنده\" (ص ٢٣)، وأبي سعيد بن الأعرابي في \"معجمه\" (٨٤/ ٢)، ثم حسن الشيخ الألباني إسناده موقوفًا على ابن مسعود. انظر: \"السلسلة الضعيفة\" برقم (٥٣٢) (٢/ ١٧).\n(٢) انظر: \"الاعتصام\" (٢/ ١٥٢).\n(٣) \"الموافقات\" للشاطبي (٣/ ١٥).\n(٤) ومن ذلك ما في \"الموافقات\" (٣/ ١٧، ٢٥، ٢٦).\n(٥) انظر: \"أصول الدين\" للبغدادي (ص ١٨)، \"المستصفي\" للغزالي (١/ ١٤٥).\n(٦) \"المسودة\" (ص ٢٤٨).\n(٧) \"مختصر الصواعق المرسلة\" (٢/ ٤٨١ - ٤٨٢).","vol":"مقدمة","page":57},{"text":"وقال في موضع آخر: \"وأما الجزم بصحته فإنه يحتف به من القرائن ما يوجب العلم، إذ القرائن المجردة قد تفيد العلم بمضمونها، فكيف إذا احتفت بالخبر .. \" (١).\nوقال الإمام ابن أبي العز: \"وخبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول، عملًا به، وتصديقًا له، يفيد العلم اليقيني عند جماهير الأمة، وهو أحد مسمى التواتر، ولم يكن بين سلف الأمة في ذلك نزاع\" (٢).\n٢ - جعل الإمام الشاطبي نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، وهذا القول خلاف قول أهل السنة الذين يجعلونها من المحكم (٣)، فيؤمنون بما دلت عليه من المعاني التي تليق به سبحانه، ويفوضون كيفيتها إلى الله سبحانه، فإن علم كيفيتها من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه.\nومما يدل على ذلك من كلامه: قوله: \"وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ فِي الشَّرْعِ أَخْبَارًا تَقْتَضِي ظَاهِرًا خَرْقَ الْعَادَةِ الْجَارِيَةِ الْمُعْتَادَةِ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ الْإِنْكَارَ بِإِطْلَاقٍ، بَلْ لَهُ سَعَةٌ فِي أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُصَدِّقَ بِهِ عَلَى حَسَبِ مَا جَاءَ، وَيَكِلُ عِلْمَهُ إِلَى عَالِمِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] يَعْنِي الْوَاضِحَ الْمُحْكَمَ، وَالْمُتَشَابِهَ الْمُجْمَلَ، إِذْ لَا يَلْزَمُهُ الْعِلْمُ بِهِ، وَلَوْ لَزِمَ الْعِلْمُ بِهِ لَجُعِلَ لَهُ طريقٌ إِلَى مَعْرِفَتِهِ، وَإِلَّا كَانَ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ، وَإِمَّا أَنْ يَتَأَوَّلَهُ عَلَى مَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ مَعَ الْإِقْرَارِ بِمُقْتَضَى الظَّاهِرِ، لِأَنَّ إِنْكَارَهُ إنكارٌ لِخَرْقِ الْعَادَةِ فِيهِ.\nوَعَلَى هَذَا السَّبِيلِ يَجْرِي حُكْمُ الصِّفَاتِ الَّتِي وَصَفَ الْبَارِي بِهَا نَفْسَهُ، لِأَنَّ مَنْ نَفَاهَا نَفَى شِبْهَ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، وَهَذَا مَنْفِيٌّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، فَبَقِيَ الْخِلَافُ فِي نَفْيِ عَيْنِ الصفة أو إثباتها، فالمثبت أثبتها صفة على شرط نفي\n_________\n(١) \"مختصر الصواعق المرسلة\" (٢/ ٣٧٤).\n(٢) \"شرح الطحاوية\" (ص ٣٥٥).\n(٣) فصّل شيخ الإسلام الكلام في المسألة في \"الفتاوى\" (١٣/ ٢٩٤ - ٣١٣). وكذلك في \"التدمرية\" (القاعدة الخامسة).","vol":"مقدمة","page":58},{"text":"التَّشْبِيهِ، وَالْمُنْكِرُ لِأَنْ يَكُونَ ثَمَّ صِفَةٌ غَيْرُ شَبِيهَةٍ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ مُنْكِرٌ لِأَنْ يَثْبُتَ أَمْرٌ إلا على وفق المعتاد\" (١).\nوقال في موضع آخر ضمن كلامه على انحراف المبتدعة واتباعهم للمتشابه: \"ومثاله في ملة الإسلام: مذهب الظَّاهِرِيَّةِ فِي إِثْبَاتِ الْجَوَارِحِ لِلرَّبِّ الْمُنَزَّهِ عَنِ النقائص؛ من العين واليد والرجل والوجه المحسوسات، والجهة، وغير ذلك من الثابت للمحدثات\" (٢).\n٣ - يذهب الإمام الشاطبي إلى القول بتأويل بعض الصفات إذا احتيج إلى التأويل، ويرى أن هناك سعة لمن يأخذ به عند الحاجة.\nوقد تقدم كلامه في الفقرة السابقة (٣)، وهو رأي الأشاعرة في هذه المسألة.\n٤ - يرى الإمام الشاطبي ﵀ أن الخلاف الواقع بين أهل السنة وبين أهل البدع في الصفات خلاف في الفروع، لا في الأصول، ولا سيما إذا وقع ذلك منهم بقصد حسن.\nقال ﵀ وهو يتحدَّث عن عدم تكفير المبتدعة، وأن منهم من ليس بمتبع للهوى بإطلاق: \"وَأَيْضًا فَقَدْ ظَهَرَ مِنْهُمُ اتِّحَادُ الْقَصْدِ مَعَ أهل السنة على الجماعة مِنْ مَطْلَبٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الِانْتِسَابُ إِلَى الشَّرِيعَةِ. وَمِنْ أَشَدِّ مَسَائِلِ الْخِلَافِ -مَثَلًا- مَسْأَلَةُ إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ؛ حَيْثُ نَفَاهَا مَنْ نَفَاهَا، فَإِنَّا إِذَا نَظَرْنَا إِلَى مَقَاصِدَ الْفَرِيقَيْنِ وَجَدْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَائِمًا حَوْلَ حِمَى التَّنْزِيهِ وَنَفْيِ النَّقَائِصِ وَسِمَاتِ الْحُدُوثِ، وَهُوَ مَطْلُوبُ الْأَدِلَّةِ. وَإِنَّمَا وَقَعَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الطَّرِيقِ، وَذَلِكَ لَا يُخِلُّ بِهَذَا الْقَصْدِ فِي الطَّرَفَيْنِ مَعًا، فَحَصَلَ فِي هَذَا الخلاف أشبه الواقع بينه وبين الخلاف والواقع في الفروع\" (٤).\n٥ - نص الإمام الشاطبي على أن مذهب السلف هو الصواب وأنه\n_________\n(١) \"الاعتصام\" (٢/ ٣٢٧).\n(٢) نفس المصدر (١/ ٢٤٠).\n(٣) وانظر أيضًا ما ذكره في: \"الاعتصام\" (٢/ ٣٢٨ - ٣٢٩).\n(٤) انظر: \"الاعتصام\" (٢/ ١٨٧).","vol":"مقدمة","page":59},{"text":"أسلم، إلا أنه ظن أن مذهب السلف في الصفات هو مجرد التصديق والتفويض المطلق. والسلف إنما فوضوا الكيفية وأثبتوا المعنى.\nيقول الشاطبي: \"وأما مسائل الخلاف وإن كثرت، فليست من المتشابهات بإطلاق، بل فيها ما هو منها وهو نادر كالخلاف الواقع فيما أمسك عنه السلف الصالح فلم يتكلموا فيه بغير التسليم له والإيمان بغيبة المحجوب أمره عن العباد؛ كمسائل الاستواء والنزول وأشباه ذلك. وحين سلك الأولون فيها مسلك التسليم وترك الخوض في معانيها دل على أن ذلك هو الحكم عندهم فيها، وهو ظاهر القرآن\" (١).\nوقال بعد ذكره لما ذهب إليه بعض المتأخرين من تأويل الصفات: \"وهي مسألة اجتهادية، ولكن الصواب من ذلك ما كان عليه السلف\" (٢).\nويتضح من آراء الشاطبي المتقدمة أنه متأثر بالأشاعرة في الصفات كما يتضح أنه لم يكن متعصبًا لهذا المذهب.\nولا يبدو موقف الشاطبي واضحًا أمام مسائل الصفات، فنجد أنه أثنى على مذهب السلف وعدَّه أصوب، كما نجد أنه عذر من تأولها، وعَدَّ الجميع مجتهدين.\nولعل سبب هذا الموقف للشاطبي ظنه بأن مذهب السلف تفويض معاني هذه الصفات، وأنه لا يفهم منها شيء، وإلا لو أنه ذهب فيها مذهب أهل السنة والجماعة من إثبات معانيها على الوجه الذي يليق به سبحانه، وتفويض كيفيتها إليه سبحانه، لما وسعه إعذار من تأولها وصرفها عن ظاهرها.\nوأيضًا هناك سبب آخر لموقف الإمام الشاطبي وهو أنه عَدَّ الخلاف في هذه المسائل شِبْهَ الخلاف الواقع في الفروع، فهو مسألة اجتهادية.\nوالصواب أن الخلاف في هذه المسائل العقدية ليس كالخلاف في\n_________\n(١) \"الموافقات\" (٣/ ٩٤).\n(٢) المصدر السابق (٣/ ٩٩).","vol":"مقدمة","page":60},{"text":"مسائل الفروع الاجتهادية، فالخلاف في مسائل الفروع مستساغ، ولكنه في مسائل العقيدة مذموم، ولا يعذر أحد في ترك الحق الذي سار عليه أهل السنة والجماعة الذين أثبتوا معاني هذه الصفات على ما يليق بجلال الله سبحانه، وفوضوا كيفيتها إلى الله تعالى، ويجب توضيح الحق لمن خالف منهجهم ورد هذه الصفات أو صرفها عن ظاهرها لتقوم عليه الحجة ويقطع عذره أمام الله تعالى.\nومما ينبغي التنبيه عليه أن الإمام الشاطبي رغم تأثره بالفكر الأشعري إلا أنا نجده يقدم النقل على العقل، ويعدُّ الدليل حاكمًا على العقل بإطلاق (١)، ويذم طريقة الفلاسفة ومنهجهم (٢).\nوأين هذا الموقف من موقف متعصبي الأشاعرة الذين يرون تقديم العقل على النقل عند التعارض (٣).\nوسوف أذكر الآن موقف الشاطبي من بعض المسائل العقدية التي تأثر فيها بعقيدة الأشاعرة وذلك من خلال كلامه ﵀:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>أولًا: مسألة كلام الله تعالى:</span>\nقال الشاطبي ﵀ في معرض رده على المعتزلة (٤) الذين كان من شبههم في نفي صفة الكلام عن الله تعالى قولهم: فَالْكَلَامُ لَا يُعْقَلُ إِلَّا بِأَصْوَاتٍ وَحُرُوفٍ، وَكُلُّ ذلك من صفات المحدثات ..، قال: \"وَأَمَّا كَوْنُ الْكَلَامِ هُوَ الْأَصْوَاتُ وَالْحُرُوفُ، فَبِنَاءً عَلَى عَدَمِ النَّظَرِ فِي الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ، وَهُوَ مذكور في الأصول\" (٥).\n_________\n(١) انظر: \"الاعتصام\" (١/ ٣١٨).\n(٢) انظر كلامه في ذمهم في: \"الموافقات\" (١/ ٥٥ - ٥٦، ٥٨، ٥٩ - ٦٠)، (٢/ ٤٠٥)، و\"النص المحقق\" (ص ٧١).\n(٣) وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه: \"درء تعارض العقل والنقل\" في الرد على هذا القول الباطل.\n(٤) سيأتي التعريف بهم. انظر النص المحقق (ص ٣٠).\n(٥) انظر: \"الاعتصام\" (٢/ ٣٣٠).","vol":"مقدمة","page":61},{"text":"فالمؤلف يرى أن في قول الأشاعرة بالكلام النفسي مخرجًا من هذا الإشكال الذي أورده المعتزلة.\nوقال أيضًا: \"وهل للقرآن مأخذ في النظر على أن جميع سوره كلام واحد بحسب خطاب العباد، لا بحسبه في نفسه؟ فإن كلام الله في نفسه كلام واحد لا تعدد فيه بوجه ولا باعتبار حسبما تبين في علم الكلام\" (١).\nوقال أيضًا: \"كتاب الله هو أصل الأصول والغاية التي تنتهي إليها أنظار النظار، ومدارك أهل الاجتهاد، وليس وراءه مرمى، لأنه كلام الله القديم\" (٢).\nوهذا الكلام للشاطبي موافق لقول الأشاعرة في المسألة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>ثانيًا: مسألة رؤية الله تعالى يوم القيامة:</span>\nقال الإمام الشاطبي في معرض رده على الذين أنكروا خوارق العادات \"وَالسَّابِعُ: رُؤْيَةُ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ جَائِزَةٌ، إِذْ لَا دَلِيلَ فِي الْعَقْلِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا رُؤْيَةَ إِلَّا عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ عِنْدَنَا، إِذْ يُمْكِنُ أَنْ تَصِحَّ الرُّؤْيَةُ عَلَى أَوْجُهٍ صَحِيحَةٍ لَيْسَ فِيهَا اتِّصَالُ أَشِعَّةٍ، وَلَا مُقَابَلَةٌ وَلَا تَصَوُّرُ جِهَةٍ وَلَا فَضْلُ جِسْمٍ شَفَّافٍ، وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَالْعَقْلُ لَا يَجْزِمُ بِامْتِنَاعِ ذَلِكَ بَدِيهَةً، وَهُوَ إِلَى الْقُصُورِ فِي النَّظَرِ أَمْيَلُ، وَالشَّرْعُ قَدْ جَاءَ بِإِثْبَاتِهَا، فَلَا مَعْدِلَ عن التصديق\" (٤).\nوهذا النص واضح في إثبات الإمام الشاطبي للرؤية على طريقة\n_________\n(١) \"الموافقات\" (٣/ ٢٢٤).\n(٢) المصدر السابق.\n(٣) انظر كلام الأشاعرة في هذه المسألة في: \"كتاب أصول الدين\" للبغدادي (ص ١٠٦ - ١٠٨)، \"الإرشاد\" للجويني (ص ١٢٨ - ١٣٧)، \"الإنصاف\" للباقلاني (ص ٩٦ - ٩٧)، \"شرح الباجوري على الجوهرة\" (ص ٦٤ - ٦٦، ٨٤).\nوانظر في رد أهل السنة عليهم: \"فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" (١٢/ ٥٧٩ - ٥٨١) (٦/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، \"مختصر الصواعق المرسلة\" لابن القيم (٢/ ٤٢٦)، \"شرح العقيدة الطحاوية\" لابن أبي العز (ص ١٨٤ - ١٨٨).\n(٤) انظر: \"الاعتصام\" (٢/ ٣٣٠).","vol":"مقدمة","page":62},{"text":"الأشاعرة الذين ينفون رؤية الله في جهةٍ، بناءً على نفيهم العلو والفوقية له سبحانه (١).\nقال الإمام ابن أبي العز (٢): \"ومن قال: يرى لا في جهة فليراجع عقله، فإما أن يكون مكابرًا لعقله وفي عقله شيء، وإلا فإذا قال يرى لا أمام الرائي، ولا خلفه، ولا عن يمينه، ولا عن يساره، ولا فوقه، ولا تحته؛ رد عليه كل من سمعه بفطرته السليمة، ولهذا ألزم المعتزلة من نفي العلو بالذات بنفي الرؤية، وقالوا كيف تعقل رؤية بلا مقابلة بغير جهة ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>ثالثًا: مسألة الاستواء:</span>\nقال ﵀ أثناء حديثه عن المتشابهات: \"وأما مسائل الخلاف وإن كثرت، فليست من المتشابهات بإطلاق، بل فيها ما هو منها، وهو نادر، كالخلاف الواقع فيما أمسك عنه السلف الصالح، فلم يتكلموا فيه بغير التسليم له والإيمان بغيبه المحجوب أمره عن العباد؛ كمسائل الاستواء وأشباه ذلك، وحين سلك الأولون فيها مسلك التسليم، وترك الخوض في معانيها، دل على أن ذلك هو الحكم عندهم فيها، وهو ظاهر القرآن، لأن الكلام فيما لا يحاط به جهل، ولا تكليف يتعلق بمعناها\" (٣).\nوقال في موضع آخر -مبينًا لقوله: لا تكليف يتعلق بمعناها-: \"المراد أن يتعلق تكليف بمعناه المراد عند الله تعالى، وقد يتعلق به التكليف من حيث هو مجمل، وذلك بأن يؤمن أنه من عند الله، وبأن يجتنب فعله إن كان أفعال العباد، ويجتنب النظر فيه إن كان غير أفعال العباد كقوله:\n_________\n(١) انظر قول الأشاعرة في: \"الملل والنحل\" للشهرستاني (ص ١٠٠)، \"الإنصاف\" للباقلاني (ص ٧٢ - ٧٤، ٢٥٢)، \"أصول الدين\" للبغدادي (ص ٩٧ - ١٠٢).\nوانظر في رد أهل السنة عليهم: \"الفتاوى\" لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٦/ ٨٤، ٨٧)، \"درء تعارض العقل والنقل\" له أيضًا (١/ ٢٥٠)، \"شرح العقيدة الطحاوية\" لابن أبي العز (ص ١٩٥).\n(٢) \"شرح الطحاوية\" (ص ١٩٥).\n(٣) \"الموافقات\" للشاطبي (٣/ ٩٤).","vol":"مقدمة","page":63},{"text":"﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] وأشباه ذلك، هذا معنى أنه لا يتعلق به تكليف، وإلا فالتكليف متعلق بكل موجود، من حيث يعتقد على ما هو عليه، أو يتصرف فيه إن صح تصرف العباد فيه، إلى غير ذلك من وجوه النظر\" (١).\nوفي هذه العبارات يذكر المؤلف أن السلف لم يخوضوا في معنى هذه الصفة ونحوها من الصفات، بل ينهي عن النظر في معناها كما في النص الأخير.\nوهذا الكلام للإمام الشاطبي في هذه الصفة موافق لقول بعض الأشاعرة الذين يفوضون معنى الاستواء إلى الله، ويدعون أنه غير معلوم، ظنًا منهم أن ذلك مذهب السلف، ومنهم من ذهب إلى تأويل الاستواء بالاستيلاء (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>رابعًا: مسألة علو الله تعالى:</span>\nقال الإمام الشاطبي متحدثًا عما يلزم مفسر القرآن معرفته: \"ومن ذلك معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها ومجاري أحوالها حالة التنزيل، وإن لم يكن ثَمَّ سبب خاص لا بد لمن أراد الخوض في علم القرآن منه، وإلا وقع في الشبه والإشكالات التي يتعذر الخروج منها إلا بهذه المعرفة، ولا بد من ذكر أمثلة تعين على فهم المراد، وإن كان مفهومًا: قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] وأشباه ذلك، إنما جرى على معتادهم في اتخاذ الآلهة في الأرض، وإن كانوا مقرين بإلهية الواحد الحق، فجاءت الآيات بتعيين الفوق وتخصيصه\n_________\n(١) \"الموافقات\" للشاطبي (٣/ ٣٤٤).\n(٢) انظر كلام الأشاعرة في هذه المسألة في: \"أصول الدين\" للبغدادي (ص ١١٢ - ١١٤)، \"الملل والنحل\" للشهرستاني (ص ٩٢)، \"تفسير الفخر الرازي\" (١٤/ ١٠٦، ١٢١).\nوانظر في رد أهل السنة عليهم: \"الفتاوى\" (٤/ ٦٧ - ٦٨)، (٥/ ٣٤ - ٣٦)، \"درء تعارض العقل والنقل\" لابن تيمية (١/ ١٤ - ١٦)، \"مختصر الصواعق المرسلة\" لابن القيم (١/ ٥٤ - ٥٥)، \"شرح العقيدة الطحاوية\" لابن أبي العز (ص ٢٨٠ - ٢٨١).","vol":"مقدمة","page":64},{"text":"تنبيهًا على نفي ما ادعوه في الأرض، فلا يكون فيه دليل على إثبات جهة البتة، ولذلك قال تعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦]، فتأمله، واجر على هذا المجرى في سائر الآيات والأحاديث\" (١).\nومن كلامه أيضًا: قوله عند تقسيمه للبدع إلى مكفرة وغير مكفرة: \"لَا شَكَّ فِي أَنَّ الْبِدَعَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا مَا هُوَ كُفْرٌ، كَاتِّخَاذِ الْأَصْنَامِ لتقربَهم إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، وَمِنْهَا مَا لَيْسَ بكفر كالقول بالجهة عند جماعة\" (٢).\nولفظ الجهة وإن كان من الألفاظ المحدثة التي ينبغي أن يُسأل عنها لمعرفة المراد بها، لاحتمالها الحق والباطل، إلا أنا إذا نظرنا إلى النص الأول تبين لنا أن مراد الشاطبي نفي صفة العلو، وهو مذهب الأشاعرة، وهو مخالف لمذاهب أهل السنة الذين يثبتون علو الله تعالى وفوقيته سبحانه بأدلة الكتاب والسنة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>خامسًا: بقية الصفات السمعية:</span>\n(النزول - الضحك - اليد - القدم - الوجه - العين).\nذهب الإمام الشاطبي في هذه الصفات إلى ما ذهب إليه في صفة الاستواء من القول بتفويض معناها، وأن ظاهرها غير مراد، وهو قول بعض الأشاعرة (٤).\nوأوضحُ عبارات الشاطبي في ذلك: ما ذكره في الاعتصام ذامًا لأهل\n_________\n(١) \"الموافقات\" للشاطبي (٣/ ٣٥١).\n(٢) \"الاعتصام\" للشاطبي (٢/ ١٩٧).\n(٣) انظر المسألة في: \"مجموع الفتاوى\" لابن تيمية (٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨)، (٥/ ١٢٢، ١٢٦، ٢٢٧، ٢٣١)، \"الملل والنحل\" للشهرستاني (ص ١٠٠)، \"شرح العقيدة الطحاوية\" لابن أبي العز (ص ٢٨٢)، \"مختصر الصواعق المرسلة\" لابن القيم (٢/ ٣٦٩ - ٣٧٥).\n(٤) انظر قولهم في: \"الإرشاد\" للجويني (ص ١٤٦)، \"الملل والنحل\" للشهرستاني (ص ٩٢)، \"أصول الدين\" للبغدادي (ص ١٠٩ - ١١٢)، \"أقاويل الثقات\" لمرعي بن يوسف الكرمي (ص ١٣٦).","vol":"مقدمة","page":65},{"text":"البدع الذين يتبعون المتشابهات، فقال: \"ومثاله في ملة الإسلام مذهب الظَّاهِرِيَّةِ فِي إِثْبَاتِ الْجَوَارِحِ لِلرَّبِّ الْمُنَزَّهِ عَنِ النقائص: من العين والرجل والوجه المحسوسات، والجهة وغير ذلك من الثابت للمحدثات\" (١).\nوقال أيضًا في سياق كلامه على المتشابه الإضافي:\n\"وأما مسائل الخلاف وإن كثرت فليست من المتشابهات بإطلاق، بل فيها ما هو منها وهو نادر، كالخلاف الواقع فيما أمسك عنه السلف الصالح، فلم يتكلموا فيه بغير التسليم له، والإيمان بغيبه المحجوب أمره عن العباد، كمسائل الاستواء والنزول والضحك واليد والقدم والوجه وأشباه ذلك، وحين سلك الأولون فيها مسلك التسليم وترك الخوض في معانيها دل على أن ذلك هو الحكم عندهم فيها، وهو ظاهر القرآن، لأن الكلام فيما لا يحاط به جهل، ولا تكليف يتعلق بمعناها\" (٢).\nوقال في موضع آخر: \"وإن سُلِّم فالمراد أن لا يتعلق تكليف بمعناه المراد عند الله تعالى، وقد يتعلق به التكليف من حيث هو مجمل، وذلك بأن يؤمن أنه من عند الله، وبأن يجتنب فعله إن كان من أفعال العباد، ويجتنب النظر فيه إن كان من غير أفعال العباد\" (٣).\nوفي هذه النصوص ما يكفي لبيان موقف الشاطبي من هذه الصفات، وهو خلاف قول أهل السنة فيها، حيث أثبتوا معانيها على الوجه الذي يليق به سبحانه، وفوضوا كيفيتها إلى الله (٤).\n_________\n(١) \"الاعتصام\" (١/ ٢٤٠).\n(٢) \"الموافقات\" (٣/ ٩٤).\n(٣) \"الموافقات\" (٣/ ٣٤٤).\n(٤) انظر في الرد على مذهب الأشاعرة: \"فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" (٤/ ٦٧ - ٦٨)، (٥/ ٣٤، ٣٥، ٣٦)، و\"درء تعارض العقل والنقل\" له أيضًا (١/ ١٤ - ١٦)، و\"مختصر الصواعق المرسلة\" لابن القيم (ص ٥٤ - ٥٥).","vol":"مقدمة","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>الباب الثاني التعريف بالكتاب وطبعاته ونُسَخِه الخَطِّيَّة:</span>\n* وفيه فصلان:\nالفصل الأول: التعريف بالكتاب.\nالفصل الثاني: التعريف بطبعات الكتاب ونُسَخِه الخَطيَّة.","vol":"مقدمة","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>الفصل الأول التعريف بالكتاب</span>\n* وفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: اسم الكتاب.\nالمبحث الثاني: موضوع الكتاب.\nالمبحث الثالث: سبب تأليف الكتاب.\nالمبحث الرابع: توثيق نسبة الكتاب إلى مؤلِّفه.\nالمبحث الخامس: قيمة الكتاب العلمية.","vol":"مقدمة","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>المبحث الأول اسم الكتاب</span>\nلقد نص المؤلف في المقدمة على أن اسم كتابه هذا \"الاعتصام\"، حيث قال (١): \"فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى فِي وَضْعِ كِتَابٍ يَشْتَمِلُ عَلَى بَيَانِ الْبِدَعِ وَأَحْكَامِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا من المسائل أصولًا وفروعًا، وسميته بالاعتصام ... \".\nوجاءت هذه التسمية صراحة على الصفحة الأولى من النسخة المدنية المرموز لها بـ (م)، والنسخة المصرية المرموز لها بـ (خ) والنسخة التونسية الثانية المرموز لها بـ (ت)، غير أن اسمه في (م) و(خ) هكذا: \"هذا كتاب الاعتصام في ذم البدع\".\nوأما النسخة المغربية الأولى المرموز لها بـ (ر)، فلم يذكر اسم الكتاب فيها في مقدمة الشاطبي، بل جاء في موضعه بياض بعد قوله: \"وسَمِّيته\"، ومثلها المغربية الثانية المرموز لها بـ (غ)، وجاء اسم الكتاب على غلاف المغربية الأولى (ر) هكذا: \"كتاب الحوادث والبدع في الحض على اتباع أهل السنة واجتناب أهل البدع\"، ومن المفترض أن يذكر هذا الاسم أيضًا على المغربية الثانية (غ)؛ لأنها منسوخة عنها كما سيأتي، غير أنه جاء في موضع التسمية فيها بياض، فلا ندري أهكذا جاء في الأصل، أو هو تصرف ممن قام بالتصوير؟!.\nونص جميع الذين ترجموا للمؤلف على أن اسم كتابه: \"الاعتصام\"، إلا تلميذه عبد الله المجاري (٢)؛ فإنه سمَّاه (٣) \"كتاب الحوادث والبدع\"،\n_________\n(١) في \"مقدمة الكتاب\" (١/ ٤٣).\n(٢) تقدمت ترجمته ضمن تلاميذ المؤلف.\n(٣) في \"برنامجه\" (ص ١١٨).","vol":"مقدمة","page":70},{"text":"فلعله وقعت له النسخة المغربية (ر)، أو نسخة أخرى شبيهة بها، والله أعلم.\nولا شكَّ بأن هذه التسمية غير صحيحة؛ لأن صاحب البيت أدرى بما فيه، وليس بعد تصريح المؤلف باسمه ما يدعو للخلاف، وأما \"كتاب الحوادث والبدع\"، فالمعروف بهذا الاسم هو كتاب أبي بكر الطرطوشي ﵀، فلعل الذي سمَّى كتاب الشاطبي بهذا الاسم نظر إلى موضوع الكتاب، وربطه بشهرة كتاب الطرطوشي ﵀، ولم يرد في نسخته ما ذكره المؤلِّف في المقدمة، أو لم يتنبَّهْ له، والله أعلم.","vol":"مقدمة","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>المبحث الثاني موضوع الكتاب</span>\nلقد نص الإمام الشاطبي على موضوع كتابه في المقدمة حيث قال: \"فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى فِي وَضْعِ كِتَابٍ يَشْتَمِلُ عَلَى بَيَانِ الْبِدَعِ وَأَحْكَامِهَا، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا من المسائل أصولًا وفروعًا ... \" (١).\nوقد جعل المؤلف هذا الكتاب في مقدمة وعشرة أبواب.\nفأما المقدمة فتحدَّث فيها المؤلف عن غُربة الإسلام يوم بدأ، وأنه سيعود غريبًا كما بدأ، مبيِّنًا ذلك بحال النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ ﵃، وما كانوا فيه من القلة والضعف في أول الإسلام، ثم ما من الله به عليهم من القوة والنصر واكتمال الدين، وأن الأمر بقي على هذا الحال حتى عاد الإسلام غريبًا كما بدأ، وذلك بسبب فُشُوِّ البدع، وظهور الفرق الضالة، وقلة المنكرين لها.\nوقد ذكر المؤلف أنه اتبع الكتاب والسنة وصبر على ذلك، مع كثرة المخالفين، ومع كثرة اتهاماتهم له ...، وأنه تتبع البدع لعله يجتنبها، والسنن لعلها يظهرها بالعمل.\nثم ذكر أنه استشار واستخار في وضع كتاب في هذا الموضوع لأهميته وشدة الحاجة إليه.\nوأما أبواب الكتاب العشرة فنسوقها إليك باختصار.\nفالباب الأول: في تعريف البدعة وشرح التعريف.\n_________\n(١) انظر النص المحقق (ص ٤٣).","vol":"مقدمة","page":72},{"text":"والباب الثاني: في ذم البدع وسوء منقلب أهلها من القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين وغيرهم.\nوالباب الثالث: في أن ذم البدع عام من غير تخصيص، وبيان أقسام المبتدعة من حيث الاجتهاد والتقليد، والرد على من ذهب إلى تقسيم البدع إلى حسن وقبيح، أو إلى واجب ومندوب ومباح وحرام ومكروه.\nوالباب الرابع: في مأخذ أهل البدع في الاستدلال، ومناهجهم في الاحتجاج على بدعهم.\nوالباب الْخَامِسُ: فِي أَحْكَامِ الْبِدَعِ الْحَقِيقِيَّةِ وَالْإِضَافِيَّةِ وَالْفَرْقِ بينهما.\nوالباب السَّادِسُ: فِي أَحْكَامِ الْبِدَعِ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى رتبة واحدة، بل هي متفاوتة، فمنها المحرم ومنها المكروه، والمحرم ليس على رتبة واحدة ..، ومنها الكبيرة ومنها الصغيرة.\nوالباب السَّابِعُ: فِي الِابْتِدَاعِ، هَلْ يَدْخُلُ فِي الْأُمُورِ العادية؟ أم يختص بالأمور العبادية؟.\nوالباب الثَّامِنُ: فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْبِدَعِ وَالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ والاستحسان.\nوالباب التاسع: في السبب الذي من أجله افترقت فرق المبتدعة عن جماعة المسلمين. وقد ذكر المؤلف فيه أحاديث الافتراق وبسط الكلام في مسائلها.\nوالباب العاشر: فِي بَيَانِ مَعْنَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي انْحَرَفَتْ عَنْهُ سُبُلُ أَهْلِ الِابْتِدَاعِ فضلَّت عَنِ الْهُدَى بعد البيان، ولم يُتِمَّ المؤلف هذا الباب، وكل جُلُّ ما فيه عن الجهات التي يقع منها الابتداع، وهي الجهل بأدوات الفهم، والجهل بمقاصد الشريعة، وتحسين الظن بالعقل، واتباع الهوى.","vol":"مقدمة","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>المبحث الثالث سبب تأليف الكتاب</span>\nذكر المؤلف في مقدمة الكتاب سبب تأليفه، وهو ظهور البدع، وانكباب الناس على العمل بها، وسكوت المتأخرين عن الإنكار لها، مع أن هذه البدع قد فشت حتى التبست عند الكثير بالسنة (١).\nوذكر أيضًا ﵀ أنه كان قد اجتمع له في البدع والسنن أصول وفروع، فمالت إلى بَثِّها النفس (٢).\nولعل من أهم أسباب تأليف الكتاب: ما ذكره المؤلف من أنه قَلَّما صُنِّف في هذا الموضوع على الخصوص تصنيف، وأن ما صُنِّف فيها غير كاف (٣).\nوقال المؤلف ﵀ في تقرير هذا المعنى: \" ... وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَكُونَ كَتْبُ هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي وَضَعْتُ يَدِي فِيهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، لِأَنِّي رَأَيْتُ بَابَ الْبِدَعِ فِي كَلَامِ الْعُلَمَاءِ مُغْفلًا جِدًّا، إِلَّا مِنَ النَّقْلِ الجَلِىِّ؛ كَمَا نَقَلَ ابْنُ وضَّاح (٤)، أَوْ يُؤْتَى بِأَطْرَافٍ مِنَ الْكَلَامِ لَا يَشْفِي الْغَلِيلَ بِالتَّفَقُّهِ فِيهِ كَمَا يَنْبَغِي، وَلَمْ أَجِدْ عَلَى شِدَّةِ بَحْثِي عَنْهُ إِلَّا مَا وَضَعَ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ الطَّرْطُوشِيُّ (٥)، وهو يسير في جانب مَا يُحتاج إِلَيْهِ فِيهِ، وَإِلَّا مَا وَضَعَ النَّاسُ فِي الفِرَقِ الثِّنْتَيْنِ وَالسَّبْعِينَ، وَهُوَ فَصْلٌ مِنْ فُصُولِ الْبَابِ وَجُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ، فَأَخَذْتُ نَفْسِي بِالْعَنَاءِ فِيهِ، عَسَى أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ واضعه وقارئه وناشره\n_________\n(١) انظر النص المحقق (ص ٣٦).\n(٢) الموضع السابق.\n(٣) الموضع السابق.\n(٤) تأتي ترجمته في الجزء المحقق (ص ٣٩).\n(٥) تأتي ترجمته في الجزء المحقق (ص ٢٦١).","vol":"مقدمة","page":74},{"text":"وَكَاتِبُهُ وَالْمُنْتَفِعُ بِهِ وَجَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ، إِنَّهُ وليُّ ذلك ومُسْديه بسعة رحمته (١).\nهذه هي الأسباب التي دفعت المؤلف إلى تأليف هذا الكتاب.\n_________\n(١) \"الاعتصام\" (٢/ ١١٧ - ١١٨).","vol":"مقدمة","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>المبحث الرابع توثيق نسبة الكتاب إلى مؤلِّفه</span>\nلم تَخْلُ نسخة من نسخ الكتاب الخطية من نسبة هذا الكتاب إلى الإمام الشاطبي ﵀.\nوقد ذكره ضمن تصانيف المؤلف تلميذه عبد الله المجاري (١) في كتابه \"برنامج المجاري\" (٢).\nوذكره أيضًا أحمد بابا التنبكتي في نيل الابتهاج ضمن تصانيفه ﵀ (٣).\nوذكره محمد بن مخلوف في شجرة النور الزكية ضمن مؤلفاته (٤)، والكتاني في فهرس الفهارس (٥)، وسركيس في معجم المطبوعات العربية (٦)، ورضا كحالة في معجم المؤلفين (٧).\nومما يؤكد نسبة هذا الكتاب إلى الإمام الشاطبي: إحالاته فيه إلى كتابه الموافقات، ومن ذلك ما في المقدمة (ص ٢٥)، والباب الثالث (ص ٤٠١)، والباب الثامن (٢/ ١٣٥)، والباب التاسع (٢/ ٢٢٤).\nويؤكد هذه النسبة أيضًا أسلوب المؤلف في هذا الكتاب، فهو أسلوبه في الموافقات.\n_________\n(١) تقدمت ترجمته ضمن تلاميذ المؤلف (ص ٣٨).\n(٢) انظر: \"برنامج المجاري\" (ص ١١٨).\n(٣) \"نيل الابتهاج\" (ص ٤٨).\n(٤) \"شجرة النور الزكية\" (ص ٢٣١).\n(٥) \"فهرس الفهارس\" (١/ ١٩١).\n(٦) \"معجم المطبوعات العربية\" (١/ ١٠٩٠ - ١٠٩١).\n(٧) \"معجم المؤلفين\" (١/ ١١٨ - ١١٩).","vol":"مقدمة","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>المبحث الخامس قيمة الكتاب العلمية</span>\nيُعَدُّ كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي أحسن ما أُلِّف في التحذير من البدع وبيان أحكامها، فلا نكاد نجد كتابًا تناول البدعة وأحكامها كما تناولها هذا الكتاب، وأغلب من ألف في هذا الموضوع بعد الإمام الشاطبي استفاد منه وتأثر به تأثرًا واضحًا.\nوتقدم ذكر كلام المؤلف في إشارته إلى من سبقه ممن كتب في هذا الموضوع، وبيَّن أنها قليلة وغير كافية في هذا الموضوع (١).\nوقد فاق هذا الكتاب غيره من الكتب في هذا الموضوع بأمورِ عِدَّة، من أهمها:\n١ - دقة المؤلف في تعريف البدعة، حيث عرفها بتعريف دقيق، ثم شرح التعريف شرحًا وافيًا حدد به معنى البدعة على وجه الدقة، وأزال به ما يقع للكثير من اللبس وعدم التفريق بين البدع والمحرمات بل والمباحات.\n٢ - سعة جمعه للأدلة في الحث على السنة والنهي عن البدعة، سواء من الآيات أو الأحاديث أو الآثار الواردة عن الصحابة ﵃ ومن بعدهم، ودراسة هذه الأدلة والنقول دراسة دقيقة تنبئ عن دِقَّةٍ في الاستنباط، وبراعة في الفهم.\n٣ - حسن ترتيب المؤلف لموضوعات الكتاب، وتقسيمه له على أبواب وفصول ومسائل، وتدرجه في ترتيب هذه الأبواب بحسب موضوعاتها مما يعين القارئ على الفهم والاستيعاب.\n_________\n(١) انظر النص المحقق (ص ٣٦).","vol":"مقدمة","page":77},{"text":"٤ - سعة البحث وطول النفس مع الجودة والإتقان في تحرير المسائل والأحكام المتعلقة بالبدع، وهذه منقبة واضحة لهذا الكتاب جعلته يفوق غيره مما أُلِّف في هذا الباب.\n٥ - تركيز المؤلف على المسائل التي تلتبس على كثير من الناس، ويتخذها المبتدعة وسيلة لترويج بعض البدع، حيث حرر المؤلف القول فيها، وأزال عنها الاشتباه، وذلك كمسألة تقسيم البدعة إلى حسنة وقبيحة، أو تقسيمها بأقسام أحكام الشريعة الخمسة (١)، وكمسألة التفريق بين البدع والمصالح المرسلة والاستحسان (٢)، ونحوها من المسائل.\n٦ - قوة المؤلف العلمية، وتأهله لخوض هذا الموضوع، فقد اجتمع له علوم أهلته لهذه المهمة، من علم بالعربية، والأصول، ومقاصد الشريعة ونصوصها، مع قوة في الاستنباط، ورصانة في العبارة.\nومزايا هذا الكتاب تفوت الحصر، نسأل الله أن يجزي مؤلفه خير الجزاء.\n_________\n(١) تناول المؤلف هذه المسألة في الباب الثالث (ص ٣٢١ وما بعدها، وص ٣٣٧ وما بعدها).\n(٢) أفرد المؤلف لهذه المسألة الباب الثامن من الكتاب.","vol":"مقدمة","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>الفصل الثاني التعريف بطبعات الكتاب ونُسَخِه الْخَطِّيَّة</span>\n* وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: التعريف بطبعات الكتاب.\nالمبحث الثاني: التعريف بنسخ الكتاب الخطِّيَّة.","vol":"مقدمة","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>المبحث الأول التعريف بطبعات الكتاب</span>\nطُبع كتاب \"الاعتصام\" للشاطبي عدة طبعات، أهمها طبعات ثلاث، وهي:\n١ - الطبعة الأولى: بتعليق وتصحيح الشيخ محمد رشيد رضا ﵀:\nوهي أول طبعة تخرج للكتاب، وقد طُبعت الطبعة الأولى منها في مطبعة المنار بمصر سنة ١٣٣١ هـ.\nوذكر الشيخ رشيد رضا في مقدمته أن اعتماده كان على \"نسخة بخط مغربي في كتب الشيخ محمد محمود الشنقيطي، المحفوظة في دار الكتاب الخديوية\" (١).\nوهذه النسخة هي إحدى النسخ التي اعتمدناها في طبعتنا هذه، ورمزنا لها بالرمز (خ)، وسيأتي وصفها.\nوقد طُبعت هذه الطبعة مرتين:\nالمرة الأولى: في ثلاثة أجزاء: الجزء الأول من أول الكتاب إلى نهاية الباب الرابع، ويقع في ٣٨٨ صفحة.\nالجزء الثاني: من أول الباب الخامس إلى نهاية الثامن، ويقع في ٣٥٦ صفحة.\nالجزء الثالث: من أول الباب التاسع إلى نهاية الكتاب، ويقع في ٢٧٩ صفحة.\n_________\n(١) انظر مقدمة رشيد رضا لـ: \"الاعتصام\" (١/ ٧).","vol":"مقدمة","page":80},{"text":"وفي نهاية الكتاب جدول بالأخطاء المطبعية يقع في ٨ صفحات.\nوقد قدم الشيخ رشيد رضا ﵀ لهذه الطبعة بمقدمة أثنى فيها على الشاطبي، وبيَّن فيها أهمية الكتاب، ومنجهه في التعليق والتصحيح، واعتذر عن التقصير بسبب كثر مشاغله في تلك الفترة، وأنه لم يتسنَّ له وقت كافي للتعليق وتخريج أحاديث الكتاب، وظهر من عبارته أنه لم يحقق نص الكتاب، وإنما حققه شخص آخر، وأعطيت النسخة لرشيد رضا لمراجعة النص والتعليق عليه. ويظهر أن المحقق للنص تصرّف -اجتهادًا- في بعض المواضع، كما أن التحقيق تم على نسخة واحدة، مما أدى إلى ظهور خللٍ بَيِّنٍ في النص.\nولا يوجد تخريج للأحاديث والآثار في هذه النسخة إلا حديث: \"بدأ الإسلام غريبًا\" في بداية الكتاب.\nولكثرة فوائد هذه التعليقات التي سطرها يراع رشيد رضا تم نقلها بتمامها في بعض المواضع من الكتاب.\nوهذه الطبعة نادرة الوجود لقدمها.\nالمرة الثانية: ثم أعيد طبع الكتاب في جزئين، أُصلحت فيها الأخطاء المطبعية، وطبعته المكتبة التجارية الكبرى في مصر.\nينتهي الجزء الأول من هذه الطبعة بنهاية منتصف الباب الخامس، ويقع في ٣٦٨ صفحة.\nويبدأ الجزء الثاني من منتصف الباب الخامس إلى نهاية الكتاب، ويقع في ٣٦٢ صفحة.\nوهذه الطبعة هي الطبعة المشهورة والمتداولة بين الناس، وهي التي تم الاعتماد عليها في هذا التحقيق في نقل أقوال رشيد رضا، وبيان فروقها في بعض أجزاء الكتاب، ورمزنا لها بالرمز (ط).\n٢ - الطبعة الثانية: طبعة دار ابن عفان بتحقيق الشيخ سليم الهلالي:","vol":"مقدمة","page":81},{"text":"وقد تمت طباعتها سنة ١٤١٢ هـ، نشرتها دار ابن عفان في الخبر في المملكة العربية السعودية.\nويقع الكتاب في جزئين: الجزء الأول من بداية الكتاب إلى نهاية الباب الخامس، في ٥١٤ صفحة.\nوالجزء الثاني من بداية الباب السادس إلى نهاية الكتاب، في ٣٦٥ صفحة.\nوقد حقق الكتاب على مخطوط واحد، وهي النسخة المدنية، وسيأتي التعريف بها.\nولكثرة الملاحظات على هذه الطبعة أطال الشيخ مشهور (١) في نقدها؛ بحيث استغرق نقده لها (٦٠) صفحة تقريبًا.\n٣ - الطبعة الثالثة: طبعة مكتبة التوحيد بتحقيق الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان:\nوكانت طباعتها سنة ١٤٢١ هـ، وصدرت عن مكتبة التوحيد بالمنامة - البحرين، وهي أحسن طبعات الكتاب السابقة، وقد صدرت في أربعة مجلدات مع الفهارس، وكان الاعتماد في تحقيقها على طبعة الشيخ رشيد رضا، بالإضافة لنسختين خطيتين، هما: نسخة المدينة النبوية التي رمزنا لها بالرمز (م)، وإحدى النسخ المغربية، وهي التي رمزنا لها بالرمز (ر).\nوكان من دواعي نشر طبعتنا هذه -مع وجود طبعة الشيخ مشهور- ثلاثة أمور:\nأولًا: أن هذا العمل كان موجودًا وشبه مكتمل وشُرع في طباعته وتكميله قبل خروج عمل الشيخ مشهور، فأصله -كما تقدم- رسائل جامعية نوقشت في سنتي (١٤١٣ هـ- ١٤١٥ هـ)، ومن المعلوم أنه يعزُّ على المرء ذهاب جهده الذي أفنى فيه بعض عمره، وكم من الأعمال الموجودة\n_________\n(١) في مقدمة طبعته التي سيأتي التعريف بها (١/ ١٠٨ - ١٦٨).","vol":"مقدمة","page":82},{"text":"في مكتبات العالم الإسلامي بتحقيقات متعددة، ومنها: الكتب الستة وغيرها.\nثانيًا: وجود بعض الاختلاف بين طبعتنا هذه وطبعة الشيخ مشهور، في مواضع من نص كتاب الشاطبي والتعليق عليه، وهو اختلاف له فائدته لطالب العلم ولا شك، ولا نرى ما يستدعي ذكره، فضلًا عن عيب عمل الشيخ وتتبع أخطائه (١)، فالساحة العلمية تستوعب العملين وزيادة، وأهل العلم سيستفيدون من كلا العملين إن شاء الله، فكلّ منهما يكمِّل الآخر.\nعلمًا بأن هناك مقالة نشرت في ملتقى أهل الحديث بعنوان: \"ملحوظات على تحقيق الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان لكتاب الاعتصام للشاطبي\"، كتبها أبو زرعة التميمي النجدي في ٢٢/ ٦/١٤٢٤ هـ، ولم يعتمد في ملاحظاته على نسخة خطية، ولا يعني ذكرنا لهذه المقالة موافقة الكاتب، مع أنه كان يصحبه الأدب فيما كتب -جزاه الله خيرًا- ولكن من الملاحظات ما قد يوافق عليه، ومنها ما هو اختلاف في وجهات النظر، أو هكذا وقع للشيخ مشهور في ما بين يديه من النسخ، والتفصيل في ذلك ليس من مقصودنا.\nثالثًا: تَوَفُّرُ ست نسخ خطِّيَّة عندنا اعتمدناها في التحقيق -كما سيأتي- منها أربع نسخ زائدة على النسخ التي اعتمدها الشيخ مشهور، إحداها الأصل الذي طُبعت عليه نسخة رشيد رضا ﵀.\n_________\n(١) فنحن لا نرى صوابًا ما اعتاده كثير من المحققين؛ من تتبع عيوب المحققين الآخرين، ومحاولة إسقاط أعمالهم، والتطاول عليهم، واتهامهم في علمهم ونيَّاتهم، إلا في أحايين يستدعيها الوضع القائم، بعدل وإنصاف، وبقدر الضرورة، مع الحرص على أن لا يُذْكَرَ إلا ما لا بُدَّ من ذكره بقصد بيان حق، أو تحذير من باطل أو خطأ يضرُّ الأمة، فهذا من النصيحة لله سبحانه، ولرسوله - ﷺ -، ولأئمة المسلمين وعامَّتهم، نسأل الله صلاح النية.","vol":"مقدمة","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>المبحث الثاني التعريف بنسخ الكتاب الخطِّيَّة</span>\nتوفر لدينا ست نسخ خطية لكتاب الاعتصام، وفيما يلي وصفها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>النسخة الأولى:</span>\nالنسخة المغربية الأولى المحفوظة في الخزانة العامة بالرباط تحت رقم (١٦٩٣)، وتقع في (١٥٥) ورقة، في كل ورقة صفحتان، في الصفحة (٣١) سطرًا، في السطر (١٧) كلمة تقريبًا.\nوهي بخط مغربي جيد ومتقن ومشكول في بعض المواضع، وقد لحق بعض صفحاتها شيء من التلف الذي ذهب ببعض الجمل، بل والأسطر أحيانًا.\nوهي أجود النسخ وأكملها، وبها يستقيم نص الكتاب، وينتفي كثير مما قيل عن صعوبة أسلوب الشاطبي الذي كان بسبب سقط وتصحيف وقع في طبعات الكتاب السابقة.\nعلى أن هذه النسخة لا تخلو من بعض السقط والخطأ، ولكنه قليل في جانب كثير صوابها.\nولم يذكر عليها اسم الناسخ، ولا تاريخ النسخ، غير أنه يغلب على الظن أنها أقدم النسخ كما يظهر من خطها، بخلاف باقي النسخ التي ذُكِر تاريخ نسخها، فجميعها متأخرة بعد المئتين وألف للهجرة.\nوكتب اسم الكتاب على غلافها هكذا: \"كتاب الحوادث والبدع في الحض على اتباع أهل السنة واجتناب أهل البدع، تأليف الشيخ الفقيه الإمام","vol":"مقدمة","page":84},{"text":"العالم العلامة المحدث الناقد الراوية الأستاذ النحوي الخطيب البليغ أبي إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى ورضي عنه بمنِّه ويمنه\".\nوهذا يخالف التسمية المعروفة التي نصَّ عليها المصنف في مقدمة الكتاب: \"الاعتصام\"، فإما أن تكون النسخة ... (وتقدمت مناقشة تسمية الكتاب) فالذي يظهر أن المكتوب على غلاف الكتاب ليس بخط الناسخ، فلعل التلف ذهب بالغلاف، ثم اجتهد أحد المطالعين بعد أن رأى موضوع الكتاب يتعلق بالحث على اتباع السنن واجتناب البدع، ولا يعرف عنوان كتاب الشاطبي، وكان مستحضرًا لعنوان كتاب أبي بكر الطرطوشي \"الحوادث والبدع \"، فأثبته عليه، ولم يقرأ مقدمة الكتاب التي نصَّ فيها الشاطبي ﵀ على تسمية كتابه هذا بـ \"الاعتصام\"، والله أعلم.\nوقد رمزنا لها بالرمز (ر).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>النسخة الثانية:</span>\nهي النسخة المغربية الثانية، وهي من محفوظات القصر الملكي بالرباط، وأصلها من مكتبة جامع علي بن يوسف بمراكش، وتقع في (٤٥٩) صفحة حسب الترقيم المكتوب على صفحاتها، وهو غير صحيح (مع ملاحظة أن ترقيم الصفحات فيه خطأ حيث جاء بعد (ص ٢٥٧) صفحة رقم (٢٦٨) ولا يوجد في الحقيقة سقط، بل الكلام متصل ومستقيم).\nويوجد في كل صفحة (٢٥) سطرًا.\nفي كل سطر من (١٢ إلى ١٥) كلمة تقريبًا.\nوخطها مغربي.\nولم يُذكر اسم الناسخ، ولا تاريخ النسخ.\nوقد رمزنا لها بالرمز (غ).\nونكاد نجزم بأنها منسوخة عن النسخة المغربية السابقة (ر)؛ لأن ناسخها يبيض المواضع التي لحقها التلف في نسخة (ر)، وهي أكثر النسخ","vol":"مقدمة","page":85},{"text":"موافقة لها في فروقها، ولم نجد في بداية مصورتها ذكرًا لاسم الكتاب، وإنما كُتِب على غلافها ما نَصُّه: \"تأليف الشيخ الفقيه الإمام العالم العلامة المحدث الناقد الراوية الأستاذ النحوي الخطيب البليغ أبي إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى ورضي عنه\"، وهي نفس العبارة التي على نسخة (ر)، سوى عنوان الكتاب، فإنه لم يظهر على مصورتها، فإما أن يكون الناسخ رأى أن العنوان خطأ فتركه، أو يكون كتبه ولكنه طمس فلم يظهر في المصورة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>النسخة الثالثة:</span>\nالنسخة المدنية المحفوظة في مكتبة المسجد النبوي تحت رقم (٢٩/ ٢١٤)، وعنها نسخة مصورة في مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى برقم (٣٣٩).\nتقع هذه النسخة في (٢٦٥) ورقة، في الورقة صفحتان، وفي الصفحة (٢٥) سطرًا، في كل سطر ما بين (١٠) إلى (١٢) كلمة تقريبًا.\nوقد كتبت بخط مغربي، سنة (١٢٤٨ هـ)، ولم يذكر اسم ناسخها، وقد كُتب في أعلى الغلاف ما نصُّه: \"ملك محمد بن عاشور غفر الله له\".\nثم في أسفل منه: \"هذا كتاب الاعتصام في ذم البدع للإمام أبي إسحاق الشاطبي، تملكه فقير ربه المعتمد على مولاه الأكرم محمد بن (...... ...) في ثاني الجمادين سنة ١٢٤٨\". ثم أسفل منه: \"ملك الهمام الفاضل الشيخ سيدي محمد بن عاشور المالكي مذهبًا، غفر الله له ولمشايخه ولوالديه والمسلمين آمين\".\nوفي بدايتها تعريف موجز بالكتاب وصاحبه وثناء عليهما، ثم فهرس لمحتويات الكتاب.\nوقد رمزنا لها بالرمز (م).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>النسخة الرابعة:</span>\nالنسخة المصرية التي اعتمد عليها رشيد رضا في تحقيقه لهذا الكتاب،","vol":"مقدمة","page":86},{"text":"وهي محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (٣٢ فقه مالكي).\nومسطرتها ٣٢×٢١ سم تقريبًا.\nوتقع في جزئين: الجزء الأول في ٢٧٤ صفحة، والجزء الثاني في ٢٥٦ صفحة.\nفي كل صفحة ٢٣ سطرًا.\nفي كل سطر ما بين ٩ إلى ١٢ كلمة.\nوكتبت بخط مغربي.\nناسخها هو: حسن بن محمد الشلبي (أو: الشبلي).\nتاريخ نسخها: سنة ١٢٩٥ هـ.\nوقد جاء في طُرَّتها ما نصُّه:\n\"هذا كتاب الاعتصام في ذم البدع؛ للإمام أبي إسحاق الشاطبي برَّد الله ثراه، وجعل الجنة مأواه، آمين يا الله\".\nثم في أسفل هذا العنوان هِبَة هذه النسخة من صاحبها لشيخه محمد محمود، ثم وقفيَّة الشيخ هذا الكتاب، وهذا نص الهبة والوقفية: \"الحمد لله، وصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم، اللذين من اعتصم بهم هُدي إلى الصراط المستقيم، وبعد فيقول راقم هذه الحروف: إني وهبت هذا الكتاب الْمُسَمّى بالاعتصام لشيخنا وأستاذنا العالم العلامة سيدي محمد محمود، جعلنا الله وإياه من الفائزين في اليوم الموعود، كتبه فقير ربه محمد العربي زروق، في ١٩ شوال المبارك، سنة ١٣٠٣.\nالحمد لله وحده، وصلى الله على من لا نبي بعده. ثم وقفه مالكه محمد محمود بن التلاميد التركزي في ١٩ شوال سنة ١٣٠٣ على عصبته بعده وقفًا مؤبَّدًا، فمن بدَّله فإثمه عليه، وكتبه محمد محمود لطف الله به، في ١٩ شوال سنة ١٣٠٣\".","vol":"مقدمة","page":87},{"text":"وفي آخر النسخة ما نصه:\n\"انْتَهَى الْقَدْرُ الَّذِي وُجِدَ مِنْ هَذَا التَّأْلِيفِ، ولم يكمله المؤلف رحمه الله تعالى، والحمد لله أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، وصلى الله على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. تم نسخ الجزء الثاني من الاعتصام للإمام الشاطبي في ٢٥ المحرم الحرام، فاتح شهور سنة ١٢٩٥، جعله الله مباركًا علينا وعلى المسلمين أجمعين، على يد كاتبه العبد الفقير الذليل المعترف بالذنب والتقصير: حسن بن محمد الشلبي (أو: الشبلي) الشريف الأمين (...) كان ﵀ ورحم المسلمين أجمعين، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ العظيم، فهو حسبي ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا تسليمًا كثيرًا. انتهي\".\nوقد رمزنا لهذه النسخة بالرمز (خ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>النسخة الخامسة:</span>\nهي النسخة التونسية الأولى المحفوظة في دار الكتب الوطنية بتونس، تحت رقم (٥٤٤).\nوتقع في () صفحة.\nفي كل صفحة قرابة (٣٤) سطرًا.\nفي كل سطر قرابة (١٤) كلمة.\nالناسخ: علي الطوسي.\nتاريخ النسخ: ١٢٨١ هـ.\nوقد جاء في آخر النسخة ما نصه: \"انتهي القدر الذي وجد من هذا الكتاب، وهذا التأليف الجليل، رحمة الله على مؤلفه، ورضي عنه، على يد كاتبه: علي الطوسي، ختم الله له بخير في ١٠ من ثاني الجمادين عام ١٢٨١\".","vol":"مقدمة","page":88},{"text":"ولم يتم تصوير هذه النسخة بشكل يمكن معه الاستفادة منها؛ فقد جاء كثير من أوراقها سوداء لا تمكن قراءتها، وأولها أفضل بكثير من آخرها، بالإضافة إلى أنه ليس فيها فروق تستحق من يعتني بها، ولأننا لم نعثر على الجزء الأول من النسخة التونسية الآتية، فقد تم الاستفادة من هذه النسخة في تحقيق الأبواب الثلاثة الأولى، ورمز لها محقق القسم الأول بالرمز (ت)، وهو عين الرمز للنسخة التونسية التالية في باقي الكتاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>النسخة السادسة:</span>\nالنسخة التونسية الثانية المحفوظة في دار الكتب الوطنية بتونس تحت رقم (٤٩٦) وتقع في جزئين، الجزء الأول مفقود حتى لدى الناسخ؛ كما يتضح من بدايتها والفهرس الذي ذكر في أولها، وأما الجزء الثاني فهو الذي اعتمدناه في هذا التحقيق، ويقع في ٣١٦ صفحة، ويبدأ بالباب السابع، إلى آخر ما وجد من الكتاب.\nوعدد الأسطر في كل صفحة: ٢٢ سطرًا.\nوفي كل سطر: ٧ إلى ١٢ كلمة تقريبًا.\nناسخها: عبده الحاج حموده بوس.\nتاريخ النسخ: ١٢٨٤ هـ.\nوخطها مغربي يصاحبه الشكل لبعض الكلمات.\nوفي بدايتها ما نصُّه: \"بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد النبي المصطفي الأكرم الكريم، وعلى آله وصحبه وسلم\"، ثم تعريف موجز بالكتاب وصاحبه وثناء عليهما، ثم فهرس لمحتويات هذا الجزء الذي وجد من الكتاب، ثم في صفحة الغلاف ما نصُّه: \"هذا النصف الثاني من كتاب الاعتصام\"، ثم في بداية النسخة ما نصُّه: \"بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. قال العلامة النحرير، ناصر السنة، ولسان الدين، النظار المحقق، الشيخ أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى آمين\".","vol":"مقدمة","page":89},{"text":"وجاء في آخرها ما نصه:\n\"انْتَهَى الْقَدْرُ الَّذِي وُجِدَ مِنْ هَذَا التَّأْلِيفِ، ولم يكمله المؤلف رحمه الله تعالى، ووافق الفراغ من نسخ هذا المقدار الموجود على يد كاتبه الفقير إلى ربه المحسن عبده الحاج حموده بوس، كان الله له، وختم بالحسنى عمله، وبلغه فيما يرجوه من ربه أمله. آمين.\nبحمد الله وتوفيقه وحسن عونه صبيحة يوم الجمعة رابع شهر ذي الحجة الحرام كمال عام ١٢٨٤ أربع وثمانين ومائتين وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله بكرة وعشية، ورضي الله تعالى عن أصحاب رسول الله أجمعين، وعن التابعين وتابع التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، آمين آمين آمين\".\nوبالهامش تصحيحات وفروق تدل على أنها قوبلت على نسخة أخرى، ولكن يكثر فيها السقط والبياض، بحيث يصل السقط فيها أحيانًا قرابة الصفحتين، وأما البياض فهو كثير يصل أحيانًا إلى سطرين، وقد استفدنا منها في تحقيق الباب السابع، إلى آخر الكتاب، ورمزنا لها بالرمز (ت).","vol":"مقدمة","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>نماذج للمخطوطات</span>","vol":"مقدمة","page":91},{"text":"صورة غلاف النسخة المغربية الأولى المرموز لها ب (ر)","vol":"مقدمة","page":93},{"text":"الورقة الأولي من نسخة (ر)","vol":"مقدمة","page":94},{"text":"نهاية الكتاب في نسخة (ر)","vol":"مقدمة","page":95},{"text":"الورقة الأخيرة من نسخة (ر)","vol":"مقدمة","page":96},{"text":"صورة غلاف النسخة المغربية الثانية المرموز لها بالرمز (غ)","vol":"مقدمة","page":97},{"text":"الورقة الأولى من نسخة (غ)","vol":"مقدمة","page":98},{"text":"الورقة الأخيرة من نسخة (غ)","vol":"مقدمة","page":99},{"text":"صورة غلاف النسخة المدنية المرموز لها بالرمز (م)","vol":"مقدمة","page":100},{"text":"الورقة التي بعد الغلاف من نسخة (م)","vol":"مقدمة","page":101},{"text":"أول النسخة (م)، وفيها تعريف بالكتاب ومؤلفه وبداية فهرسته","vol":"مقدمة","page":102},{"text":"نهاية فهرسة الكتاب الواقعة في بداية النسخة (م)","vol":"مقدمة","page":103},{"text":"بداية الكتاب في النسخة (م)","vol":"مقدمة","page":104},{"text":"نهاية الكتاب في النسخة (م)","vol":"مقدمة","page":105},{"text":"صورة غلاف النسخة المصرية المرموز لها بالرمز (خ) وهي التي اعتمدها رشيد رضا في طبعته","vol":"مقدمة","page":106},{"text":"بداية النسخة المصرية (خ)","vol":"مقدمة","page":107},{"text":"نهاية النسخة المصرية (خ)","vol":"مقدمة","page":108},{"text":"صورة الصفحة الأولي من المخطوطة التونسية الأولى المرموز لها بـ (ت) وهي المعتمدة في أول الكتاب في الأبواب الثلاثة الأولى","vol":"مقدمة","page":109},{"text":"صورة الصفحة الأخيرة للمخطوطة التونسية الأولى (ت)","vol":"مقدمة","page":110},{"text":"صورة بداية الموجود (وهي النصف الثاني) من النسخة التونسية الثانية المرموز لها بالرمز (ت)، والمعتمدة في الباب السابع وما بعده إلى نهاية الكتاب وفيها تعريف بالكتاب ومؤلفه وفهرس لمحتويات هذا القسم","vol":"مقدمة","page":111},{"text":"نهاية الفهرس في بداية النسخة التونسية الثانية (ت)","vol":"مقدمة","page":112},{"text":"غلاف بداية النصف الثاني من النسخة التونسية الثانية (ت)","vol":"مقدمة","page":113},{"text":"بداية النصف الثاني (وهو الموجود) من النسخة التونسية الثانية (ت)","vol":"مقدمة","page":114},{"text":"نهاية الكتاب في النسخة التونسية الثانية (ت)","vol":"مقدمة","page":115},{"text":"نهاية النسخة التونسية الثانية (ت)","vol":"مقدمة","page":116},{"text":"القسم الثاني النص المحقق","vol":"مقدمة","page":117},{"text":"الاعتصام","vol":"1","page":null},{"text":"حقوق الطبع محفوظة لدار ابن الجوزي\nالطبعة الأولى\nمحرم ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م\nحقوق الطبع محفوظة ١٤٢٩ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.\nدار ابن الجوزي\nللنشر والتوزيع\nالمملكة العربية السعودية: الدمام -شارع الملك فهد- ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٨٢ - الرمز البربدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض -حي الفلاح- مقابل جامعة الإمام - تلفاكس: ٢٧٤٢٨٥٥ - جوال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨ - الإحساء- ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة- ت: ٦٣٤١٩٧٣ - ٦٨١٣٧٠٦ - الخبر- ت: ٨٩٩٩٣٥٦ - فاكس: ٨٩٩٩٣٥٧ - بيروت- هاتف: ٨٦٩٦٠٠/ ٠٣ - فاكس: ٦٤١٨٠١/ ٠١ - القاهرة-ج. م. ع- محمول: ٠١٠٦٨٢٣٧٨٣ - تلفاكس: ٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠\nالبريد الإلكتروني:  aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com","vol":"1","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nالْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَحْمُودِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، الَّذِي بِحَمْدِهِ يُسْتَفْتَحُ كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ، خَالِقِ الْخَلْقِ لِمَا شَاءَ، وَمُيَسِّرِهِمْ (١) عَلَى وَفْقِ عِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ - لَا عَلَى وَفْقِ أَغْرَاضِهِمْ - لِمَا سَرَّ وَسَاءَ، وَمُصَرِّفِهِمْ بِمُقْتَضَى الْقَبْضَتَيْنِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (٢)، وهاديهم (٣) النَّجْدَيْنِ (٤)، فَمِنْهُمْ قَرِيبٌ وَبَعِيدٌ، وَمُسَوِّيهِمْ عَلَى قَبُولِ الْإِلْهَامَيْنِ (٥) فَفَاجِرٌ وَتَقِيٌّ، كَمَا قَدَّرَ أَرْزَاقَهُمْ بِالْعَدْلِ عَلَى حُكْمِ الطَّرَفَيْنِ، فَفَقِيرٌ وَغَنِيٌّ، كُلٌّ مِنْهُمْ جَارٍ عَلَى ذَلِكَ الْأُسْلُوبِ فَلَا يَعْدُوهُ، فَلَوْ تمالؤوا (٦) على أن يسدوا ذلك البَثْقَ (٧) لَمْ يَسُدُّوهُ، أَوْ يَرُدُّوا ذَلِكَ (٨) الْحُكْمَ السَّابِقَ لَمْ يَنْسَخُوهُ وَلَمْ يَرُدُّوهُ، فَلَا إِطْلَاقَ لَهُمْ عَلَى تَقْيِيدِهِ وَلَا انْفِصَالَ ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلاَلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ (٩).\nوَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى (سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا) (١٠) مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرحمة،\n_________\n(١) في (ر): \"وميسيرهم\".\n(٢) يشير المؤلف إلى أحاديث القدر مثل حديث أنس عند أبي يعلى \"إن الله قبض قبضة فقال: هذه إلى الجنة برحمتي، وقبض قبضة فقال: هذه إلى النار ولا أبالي\"، انظر مسند أبي يعلى (٦/ ١٤٤)، وصححه الألباني كما في السلسلة الصحيحة تحت رقم (٤٧).\n(٣) هكذا في (غ) و(ر)، وفيه بقية النسخ: \"وهداهم\".\n(٤) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ *﴾ سورة البلد: آية (١٠) وهما الطريقان: طريق الخير وطريق الشر. انظر تفسير ابن كثير (٤/ ١٨٠).\n(٥) يريد قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا *﴾، سورة الشمس: آية (٨).\n(٦) مالأه على كذا (ممالأة): ساعده، وتمالؤا على الأمر اجتمعوا عليه. الصحاح للجوهري (١/ ٧٣).\n(٧) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"السبق\". قال في القاموس ص٨٦٥: \"بثق النهر ..: كسر شطة لِينبثق الماء، واسم ذلك الموضع: البَثْق\".\n(٨) ساقطة من (غ).\n(٩) سورة الرعد، آية (١٥).\n(١٠) ما بين المعكوفين ساقطة من (ت) و(غ) وأصل (خ)، وهو مثبت في هامش (خ).","vol":"1","page":5},{"text":"وَكَاشِفِ الغُمَّة (١)، الَّذِي نَسَخَتْ شَرِيعَتُهُ كُلَّ شَرِيعَةٍ، وَشَمَلَتْ دَعْوَتُهُ كُلَّ أُمَّةٍ، فَلَمْ يبقَ لِأَحَدٍ حُجَّةٌ دُونَ حُجَّتِهِ، وَلَا اسْتَقَامَ لِعَاقِلٍ طَرِيقٌ سِوَى لَاحِبِ (٢) مَحَجَّته (٣)، وَجَمَعَتْ تَحْتَ حِكْمَتِهَا كُلَّ مَعْنًى مُؤْتَلِفٍ، فَلَا يُسْمَعُ بَعْدَ وَضْعِهَا خِلَافُ مُخَالِفٍ، وَلَا قَوْلُ مُخْتَلِفٍ، فَالسَّالِكُ سَبِيلَهَا مَعْدُودٌ فِي الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ، وَالنَّاكِبُ (٤) عَنْهَا مَصْدُودٌ إِلَى الْفِرَقِ الْمُقَصِّرَةِ أَوِ الْفِرَقِ الْغَالِيَةِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ (٥) الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِشَمْسِهِ الْمُنِيرَةِ، وَاقْتَفَوْا آثَارَهُ اللَّائِحَةَ، وَأَنْوَارَهُ الْوَاضِحَةَ وُضُوحَ الظَّهِيرَةِ، وَفَرَّقُوا بِصَوَارِمِ أَيْدِيهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ بَيْنَ كُلِّ نَفْسٍ فَاجِرَةٍ وَمَبْرُورَةٍ، وَبَيْنَ كُلِّ حُجَّةٍ بَالِغَةٍ وَحُجَّةٍ مُبِيرَةٍ (٦)، وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ السبيل، وسائر الْمُنْتَمِينَ إِلَى ذَلِكَ الْقَبِيلِ (٧)، (وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا) (٨).\nأما بعد فإني أذاكرك (٩) أَيُّهَا الصَّدِيقُ الْأَوْفَى، وَالْخَالِصَةُ الْأَصْفَى، فِي مُقَدِّمَةٍ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهَا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْمَقْصُودِ، وَهِيَ مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: \"بَدَأَ (١٠) الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بدأ فطوبى (١١)\n_________\n(١) الغُمَّة: الكربة، ويقال: أمر غمّه أي مبهم ملتبس. الصحاح (٥/ ١٩٩٨)، والمراد: غمّة الجاهلية وظلامها.\n(٢) في (ط): \"لأحب\" بالهمزة، وفي (غ) و(ر): \"لاجب\" وهو خطأ، واللاحب الطريق الواضح، والتحب فلان محجة الطريق إذا ركبها. لسان العرب لابن منظور (١/ ٧٣٧).\n(٣) المحجة بفتحتين: جادة الطريق. الصحاح (١/ ٢٢٨).\n(٤) نكب عن الطريق: عدل. ويقال: نكب عنه تنكيبًا وتنكب عنه تنكبًا، أي مال وعدل. الصحاح للجوهري (١/ ٢٢٨).\n(٥) ساقطة من (ت).\n(٦) مبيرة أي فاسدة هالكة. انظر لسان العرب (٤/ ٨٦).\n(٧) القبيل: الجماعة تكون من الثلاثة فصاعدًا من قوم شتّى. الصحاح (٥/ ١٧٩٧).\n(٨) ما بين المعكوفين ساقطة من (ت).\n(٩) في (ط): \"أذكرك\".\n(١٠) في (ط): \"بدئ\"، وضبطت الكلمة (في خ وط بضم الباء وكسر الدال)\nقال الإمام النووي: \"بدأ الإسلام\" كذا ضبطناه بدأ بالهمز من الابتداء\". انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٢/ ١٧٦).\n(١١) قال الإمام النووي: \"وطوبى فعلى من الطيب قاله الفراء، قال: وإنما جاءت الواو لضمة الطاء، قال: وفيها لغتان، تقول العرب: طوباك وطوبى لك، وأما معنى طوبى =","vol":"1","page":6},{"text":"لِلْغُرَبَاءِ، قِيلَ: وَمَنِ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِينَ يُصْلِحُونَ عِنْدَ فَسَادِ النَّاسِ (١) \" (٢).\nوَفِي رواية: قيل: ومن الغرباء (٣)؟ قال: \"النُّزَّاع (٤) من القبائل\" (٥)،\n_________\n= فاختلف المفسّرون في معنى قوله تعالى: ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾، فروى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ معناه فرح وقرّة عين، وقال عكرمة: نعم ما لهم ... وقيل: شجرة في الجنّة، وكل هذه الأقوال محتملة في الحديث، والله أعلم\". انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٢/ ١٧٦).\n(١) في (غ): \"الزمان\".\n(٢) رواه الإمام الآجري في كتاب الغرباء عن عبد الله بن مسعود (ص١٩)، والإمام الداني في كتاب السنن الواردة في الفتن (٢٥/ ١) عنه أيضًا. وفي إسناده أبو إسحاق السبيعي مدلس وقد عنعنه. قال عنه الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: اختلط بآخره (٢/ ٧٣)، وانظر تهذيب التهذيب (٨/ ٦٣).\nولكن الحديث صح بشواهده، قال الشيخ الألباني: له شاهدان من حديث سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمرو بن العاص عند الداني بإسنادين صحيحين، ومن شواهده حديث جابر بن عبد الله، وحديث سهل بن سعد، وحديث عبد الرحمن بن سنه، وأصل الحديث في مسلم عن أبي هريرة وليس فيه السؤال (٢/ ١٧٦). وصححه الألباني كما في السلسلة الصحيحة (٣/ ٢٦٧) برقم (١٢٧٣)، وقد استقصى روايات حديث الغربة ودرس أسانيدها الشيخ سليمان العودة في كتابه الغرباء الأولون (ص٢٧ - ٤٧).\n(٣) في (ط): \"ومن الغرباء يا رسول الله\".\n(٤) في (ط): \"النزوع\". والنزاع جمع نزيع وهو الغريب الذي نزع عن أهله وعشيرته، والنزائع من الإبل: الغرائب. انظر شرح السنة للإمام البغوي (١/ ١١٨).\n(٥) روى الحديث بهذه الزيادة الإمام ابن ماجه في سننه في كتاب الفتن، باب بدأ الإسلام غريبًا عن عبد الله بن مسعود ولفظه: \"إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا، فطوبى للغرباء. قال: قيل: ومن الغرباء؟ قال: النزاع من القبائل\"، برقم (٣٩٨٨) (٢/ ١٣٢٠)، ورواه الإمام الدارمي في كتاب الرقاق عن ابن مسعود بنحوه ورقمه (١٢٧٥٥) (٢/ ٤٠٢)، ورواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٧٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (١٣/ ٢٣٦)، والخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث (ص٢٣)، والطحاوي في مشكل الآثار (١/ ٢٩٧)، والآجري في الغرباء (ص٢١ - ٢٢)، والبيهقي في الزهد الكبير (ص٢٠٨)، والبغوي في شرح السنة في كتاب الإيمان وقال: صحيح غريب (١/ ١١٨) كلهم عن حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود.\nوإسناد الحديث ضعيف لأن أبا إسحاق مدلس كان قد اختلط وقد عنعنه في جميع =","vol":"1","page":7},{"text":"وَهَذَا مُجْمَلٌ، وَلَكِنَّهُ (١) مُبَيَّنٌ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى. وَجَاءَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ: \"بَدَأَ (٢) الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ (٣)، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ حِينَ يَفْسُدُ النَّاسُ\" (٤).\nوَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ وَهْبٍ (٥) قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ (٦) وَالسَّلَامُ: \"طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ الَّذِينَ يُمْسِكُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ حِينَ يُتْرَكُ (٧)، وَيَعْمَلُونَ بِالسُّنَّةِ حِينَ تُطفى\" (٨).\nوَفِي رِوَايَةٍ: \"إن الإسلام بدأ (٩) غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى\n_________\n= طرقه، وتقدم الكلام عنه في الحديث الذي قبله. وانظر كلام الشيخ الألباني عن هذه الزيادة في السلسلة الصحيحة عند ذكر حديث الغربة (٣/ ٢٧٠).\n(١) في (خ): \"مجمل بل ولكنه ... \".\n(٢) في (خ): \"بدأ\"، وفي (ط): \"بدئ\".\n(٣) في (م): \"بدى\"، وكذلك في (ط).\n(٤) رواه ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب في نقض عرى الإسلام عن سالم بن عبد الله يقول: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وذكره مع تكرار قوله: \"فطوبى للغرباء ... \" (٧٢)، ورواه البيهقي في الزهد الكبير عن عبد الله بن عمر برقم (٢٠٣) (ص١٤٧)، وفي سنده يحيى بن المتوكل وهو شديد الضعف جدًا. انظر: تهذيب التهذيب (١١/ ٢٧٠)، وميزان الاعتدال للذهبي (١/ ٤٠٤).\n(٥) هو عبد الله بن وهب بن مسلم، الإمام شيخ الإسلام، أبو محمد الفهري، مولاهم المصري الحافظ، مولده سنة ١٢٥هـ. لقي بعض صغار التابعين، وكان من أوعية العلم، ومن كنوز العمل. حدّث عنه خلق كثير وبَعُد صيته. قال عنه ابن عيينة: هذا شيخ أهل مصر، وقال الذهبي: موطأ ابن وهب كبير لم أرَه، وله كتاب الجامع، وكتاب البيعة وغيرها. مات سنة ١٩٧هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (٩/ ٢٢٣)، ترتيب المدارك للقاضي عياض (١/ ٤٢١)، تهذيب التهذيب لابن حجر (٦/ ٧١).\n(٦) ساقطة من (غ) و(ر).\n(٧) في (غ): \"يتركون\".\n(٨) أخرجه الإمام ابن وضاح في كتاب البدع والنهي عنها، باب في نقض عرى الإسلام عن بكر بن عمرو المعافري قال: قال رسول الله ﷺ \"طوبى للغرباء ... \" وذكره بلفظه (ص٧٢)، وبكر بن عمرو قال عنه ابن حجر صدوق عابد من السادسة، مات في خلافة أبي جعفر بعد الأربعين. انظر: التقريب (١/ ١٠٦).\nوهذه الطبقة لم تلق الصحابة ﵃ كما بيَّن ذلك ابن حجر في مقدمته على التقريب (١/ ٦)، وقال الذهبي: \"مات شابًا ما أحسبه تكهل، وكان ذا فضل وتعبّد، محله الصدق\". انظر: الميزان (١/ ٣٤٧)، تهذيب الكمال (١/ ١٥٨)، فالحديث بهذا الإسناد معضل.\n(٩) في (خ): \"بدأ\"، في الموضعين، وفي (ط): \"بدى\" كذلك في الموضعين.","vol":"1","page":8},{"text":"لِلْغُرَبَاءِ\"، قَالُوا (١): يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَكُونُ غَرِيبًا؟ قَالَ: \"كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ فِي حَيِّ كَذَا وَكَذَا (٢): إِنَّهُ لَغَرِيبٌ\" (٣).\nوَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْغُرَبَاءِ: قَالَ (٤): \"الَّذِينَ يُحْيُونَ مَا أَمَاتَ النَّاسُ مِنْ سُنَّتِي\" (٥).\nوَجُمْلَةُ (٦) الْمَعْنَى فِيهِ مِنْ جِهَةِ وَصْفِ الْغُرْبَةِ مَا ظَهَرَ بِالْعِيَانِ وَالْمُشَاهَدَةِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَآخِرِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَفِي جَاهِلِيَّةٍ جَهْلَاءَ، لَا تَعْرِفُ مِنَ الْحَقِّ رسمًا (٧)، ولا تقيم له (٨) فِي مَقَاطِعِ الْحُقُوقِ حُكْمًا، بَلْ كَانَتْ تَنْتَحِلُ (٩) ما وجدت عليه آباءها، وما استحسنته أَسْلَافُهَا، مِنَ الْآرَاءِ الْمُنْحَرِفَةِ، والنِّحَل الْمُخْتَرَعَةِ، وَالْمَذَاهِبِ المبتدعة.\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"قيل\".\n(٢) ساقطة من (غ).\n(٣) أخرجه ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب في نقض عرى الإسلام، وفي سنده مبارك بن فضالة يدلس ويسوّى. قال أبو زرعة عنه: \"إذا قال ثنا فهو ثقة\". انظر: الكاشف للذهبي (٣/ ١٠٤)، تقريب التهذيب (٢/ ٢٢٧)، وقد عنعن الحديث هنا، وهو من مراسيل الحسن.\n(٤) في (غ): \"فقال\".\n(٥) رواه الإمام الترمذي في كتاب الإيمان من سننه، باب ما جاء أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا برقم (٢٦٣٠) عن كثير بن عبد الله بن عمرو عن أبيه عن جده وذكره بلفظ أطول آخره: \"فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنّتي\" وقال: حسن صحيح (٥/ ١٩)، ورواه أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٠)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفي آخره: \"قيل: يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله\" (٢/ ١٢٠)، والخطيب في شرف أصحاب الحديث كالذي عند ابن عبد البر (ص٢٣)، وكذلك البيهقي في الزهد الكبير برقم (٢٠٧) (ص١٥٠)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ٣٥٠)، والبغوي في شرح السنة (١/ ١٢١). ومدار الحديث على كثير بن عبد الله المزني قال عنه ابن حجر: \"ضعيف ومنهم من نسبه إلى الكذب\". انظر: التقريب (٢/ ١٣٢)، وقال عنه الذهبي في الكاشف: \"واه، قال أبو داود: كذاب\" (٣/ ٥).\n(٦) في (غ) و(ر): \"وجملة ما فيه\".\n(٧) الرسم: الأثر. الصحاح (٥/ ١٩٣٢).\n(٨) في (ط): \"به\".\n(٩) تنتحل كذا: أي تدين به، والنحلة الديانة، وقيل: الدعوى. انظر: لسان العرب لابن منظور (١١/ ٦٥٠)، الصحاح للجوهري (٥/ ١٨٢٦).","vol":"1","page":9},{"text":"فَحِينَ قَامَ فِيهِمْ ﷺ بَشِيرًا، وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ، وَسِرَاجًا منيرًا، سرعان (١) مَا عَارَضُوا مَعْرُوفَهُ بِالنُّكْرِ، وَغَيَّرُوا (٢) فِي (٣) وجهِ صَوَابِهِ بِالْإِفْكِ (٤)، وَنَسَبُوا إِلَيْهِ - إِذْ خَالَفَهُمْ فِي الشِّرْعَة (٥)، وَنَابَذَهُمْ فِي النِّحْلَة - كُلَّ مُحَالٍ، وَرَمَوْهُ بِأَنْوَاعِ الْبُهْتَانِ، فَتَارَةً (٦) يَرْمُونَهُ بِالْكَذِبِ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ، الَّذِي لَمْ يُجَرِّبُوا عَلَيْهِ قَطُّ خَبَرًا بِخِلَافِ مَخْبَرِهِ، وَآوِنَةً يَتَّهِمُونَهُ بِالسِّحْرِ، وَفِي عِلْمِهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ وَلَا مِمَّنْ يَدَّعِيهِ، وكَرَّة يَقُولُونَ: إِنَّهُ مَجْنُونٌ مَعَ تَحَقُّقِهِمْ (٧) بِكَمَالِ عَقْلِهِ، وَبَرَاءَتِهِ مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ وَخَبَلِهِ.\nوَإِذَا (٨) دَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ الْمَعْبُودِ بِحَقٍّ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، قَالُوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ *﴾ (٩) مَعَ الْإِقْرَارِ (١٠) بِمُقْتَضَى هَذِهِ الدَّعْوَةِ (١١) الصَّادِقَةِ (١٢): ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١٣).\nوَإِذَا أَنْذَرَهُمْ بَطْشَةَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَنْكَرُوا مَا يشاهدون من (١٤) الأدلة على إمكانه، وقالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ (١٥).\nوَإِذَا خَوَّفَهُمْ نِقْمَةَ اللَّهِ، قَالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١٦)، اعْتِرَاضًا عَلَى صِحَّةِ مَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ (١٧) مِمَّا هو كائن لا محالة.\n_________\n(١) في (خ) و(ت) و(ط): \"فسرعان\".\n(٢) في (غ) و(ر): \"غبروا\" بالباء.\n(٣) في (غ): \"ما في\".\n(٤) الإفك: الكذب، والأفّاك: الكذاب. الصحاح (٤/ ١٥٧٢).\n(٥) الشرعة هي الشريعة، ومنه قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. الصحاح (٣/ ١٢٣٦).\n(٦) في (م) و(خ) (ت) و(ط): \"فتراه\".\n(٧) في (ت): \"تحقيقهم\".\n(٨) في (ط): \"وإذ\".\n(٩) سورة ص، آية (٥).\n(١٠) في (غ): \"مع إقرارهم\".\n(١١) في (غ): \"الدعوى\".\n(١٢) في (ط): \"لصادقة\".\n(١٣) سورة العنكبوت، آية (٦٥).\n(١٤) ساقطة من (غ).\n(١٥) سورة ق، آية (٣).\n(١٦) سورة الأنفال، آية (٣٢).\n(١٧) ساقطة من (ت).","vol":"1","page":10},{"text":"وَإِذَا جَاءَهُمْ بِآيَةٍ خَارِقَةٍ افْتَرَقُوا فِي الضَّلَالَةِ عَلَى فِرَقٍ، وَاخْتَرَقُوا (١) فِيهَا بِمُجَرَّدِ الْعِنَادِ مَا لَا يَقْبَلُهُ أَهْلُ التَّهَدِّي إِلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، كُلُّ ذَلِكَ دُعَاءٌ مِنْهُمْ إِلَى التَّأَسِّي بِهِمْ وَالْمُوَافَقَةِ لَهُمْ عَلَى مَا يَنْتَحِلُونَ، إِذْ (٢) رَأَوْا خِلَافَ الْمُخَالِفِ لَهُمْ فِي بَاطِلِهِمْ رَدًّا لِمَا هُمْ عَلَيْهِ، وَنَبْذًا لِمَا شَدُّوا عَلَيْهِ يَدَ الظِّنَّة (٣)، وَاعْتَقَدُوا إِذْ لَمْ يَتَمَسَّكُوا بِدَلِيلٍ أَنَّ الْخِلَافَ يُوهِنُ الثِّقَةَ، وَيُقَبِّحُ جِهَةَ الِاسْتِحْسَانِ، وَخُصُوصًا حِينَ اجْتَهَدُوا فِي الِانْتِصَارِ بِعِلْمٍ، فَلَمْ يَجِدُوا أَكْثَرَ مِنْ تَقْلِيدِ الْآبَاءِ.\nوَلِذَلِكَ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ (٤) إِبْرَاهِيمَ ﵇ فِي مُحَاجَّةِ قَوْمِهِ:\n﴿مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٥)، فَحَادُوا كَمَا تَرَى عَنِ الْجَوَابِ الْقَاطِعِ الْمُورَدِ مَوْرِدَ السُّؤَالِ إِلَى الِاسْتِمْسَاكِ بِتَقْلِيدِ الْآبَاءِ.\nوَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ *﴾ (٦)، فَرَجَعُوا عَنْ جَوَابِ مَا أُلْزِمُوا إِلَى التَّقْلِيدِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ (٧)، فَأَجَابُوا بِمُجَرَّدِ الْإِنْكَارِ، رُكُونًا إِلَى مَا ذَكَرُوا مِنَ التَّقْلِيدِ، لَا بِجَوَابِ السُّؤَالِ.\nفَكَذَلِكَ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَأَنْكَرُوا مَا تَوَقَّعُوا مَعَهُ زَوَالَ مَا بِأَيْدِيهِمْ، لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ مُعْتَادِهِمْ، وَأَتَى بِخِلَافِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ كُفْرِهِمْ وَضَلَالِهِمْ، حَتَّى أَرَادُوا أَنْ يستزلوه (٨) عَلَى وَجْهِ السِّيَاسَةِ فِي زَعْمِهِمْ، لِيُوقِعُوا بَيْنَهُمْ\n_________\n(١) التخرّق لغة: في التخلق من الكذب، وخرق الكذب اختلقه. لسان العرب (١١/ ٣٦١)، الصحاح (٤/ ١٤٦٧).\n(٢) في (م) و(ت): \"إذا\".\n(٣) الظنّة: التهمة، والجمع الظنن. الصحاح للجوهري (٦/ ٢١٦٠).\n(٤) في (م) و(خ) و(ت): \"على\".\n(٥) سورة الشعراء، آية (٧٠ - ٧٤).\n(٦) سورة الزخرف، آية (٢١).\n(٧) سورة الزخرف، آية (٢٤).\n(٨) في (م) و(ت) \"يستنزلوا\".","vol":"1","page":11},{"text":"وبينه (١) الْمُؤَالَفَةَ وَالْمُوَافَقَةَ وَلَوْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، أَوْ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، أَوْ عَلَى بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَيَقْنَعُوا مِنْهُ بِذَلِكَ، لِيَقِفَ لَهُمْ بِتِلْكَ الْمُوَافَقَةِ وَاهِي بِنَائِهِمْ، فَأَبَى ﵊ إِلَّا الثُّبُوتَ عَلَى مَحْضِ الْحَقِّ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى خَالِصِ (٢) الصَّوَابِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ *لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ *﴾ (٣) إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، فَنَصَبُوا لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ حَرْبَ (٤) الْعَدَاوَةِ، وَرَمَوْهُ بِسِهَامِ الْقَطِيعَةِ، وَصَارَ أَهْلُ السلم كلهم حربًا (٥) عليه (٦) وعاد (٧) الْوَلِيُّ الْحَمِيمُ عَلَيْهِ كَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٨)، فَأَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِ (٩) نَسَبًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ عَنْ مُوَالَاتِهِ، كَأَبِي جَهْلٍ وَغَيْرِهِ، وَأَلْصَقُهُمْ بِهِ رَحِمًا، كَانُوا (١٠) أَقْسَى قُلُوبًا عَلَيْهِ، فَأَيُّ غُرْبَةٍ تُوَازِي هَذِهِ الْغُرْبَةَ؟ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَكِلْه اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ، وَلَا سَلَّطَهُمْ عَلَى النَّيْلِ مِنْ أَذَاهُ، إِلَّا (١١) نيل المضعوفين (١٢)، بَلْ حَفِظَهُ وَعَصَمَهُ، وَتَوَلَّاهُ بِالرِّعَايَةِ وَالْكِلَاءَةِ، حَتَّى بَلَّغَ رِسَالَةَ رَبِّهِ.\nثُمَّ مَا زَالَتِ الشَّرِيعَةُ فِي أَثْنَاءِ نُزُولِهَا، وَعَلَى تَوَالِي تَقْرِيرِهَا، تُبْعِدُ بَيْنَ (١٣) أَهْلِهَا وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ (١٤)، وَتَضَعُ الْحُدُودَ بَيْنَ حقّها وبين ما ابتدعوا، لكن (١٥) عَلَى وَجْهٍ مِنَ الْحِكْمَةِ عَجِيبٍ (١٦)، وَهُوَ التَّأْلِيفُ بَيْنَ أَحْكَامِهَا وَبَيْنَ أَكَابِرِهِمْ فِي أَصْلِ الدِّينِ الأوّل والأصيل، ففي العرب نسبتهم (١٧) إلى أبيهم\n_________\n(١) في (ط): \"وبين\".\n(٢) ساقطة من (غ).\n(٣) سورة الكافرون، آية (١ - ٢).\n(٤) في (م) و(ت): \"حزب\"، وبياض في (غ).\n(٥) في (ت): \"حزبًا\".\n(٦) في (ت): تحتمل \"عليهم\".\n(٧) في (ط): \"عاد\" بدون الواو.\n(٨) بياض في (غ).\n(٩) في (غ) و(ر): \"منه\".\n(١٠) في (غ) و(ر): \"كان\".\n(١١) بياض في (غ).\n(١٢) في (م) و(ت): \"المصقوفين\"، وفي (خ) و(ط): \"المصلوفين\".\n(١٣) في (غ) و(ر): \"ما بين\".\n(١٤) في (ت): \"غيرها\".\n(١٥) في (ط): \"ولكن\".\n(١٦) في (م) و(ت): \"عجيبة\".\n(١٧) في (غ): \"نسبتها\".","vol":"1","page":12},{"text":"إِبْرَاهِيمَ ﵇، وَفِي غَيْرِهِمْ لِأَنْبِيَائِهِمُ الْمَبْعُوثِينَ فِيهِمْ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِ كَثِيرٍ مِنَ الأنبياء ﵈: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١)، وقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ...﴾ (٢).\nوما زال ﵇ يدعو إليها (٣)، فيؤوب إِلَيْهِ الْوَاحِدُ بَعْدَ الْوَاحِدِ عَلَى حُكْمِ الِاخْتِفَاءِ؛ خَوْفًا مِنْ عَادِيَةِ الْكُفَّارِ زَمَانَ (٤) ظُهُورِهِمْ عَلَى دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا اطَّلَعُوا عَلَى الْمُخَالَفَةِ أَنِفُوا، وَقَامُوا وَقَعَدُوا، فَمِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مَنْ لَجَأَ إِلَى قَبِيلِهِ فَحَمَوْهُ عَلَى إِغْمَاضٍ (٥)، أَوْ عَلَى دَفْعِ الْعَارِ فِي الْإِخْفَارِ (٦)، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّ مِنَ الْإِذَايَةِ وَخَوْفِ الغِرَّة (٧)، هِجْرَةً إِلَى اللَّهِ وَحُبًّا فِي الْإِسْلَامِ.\nوَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ (٨) وَزَرٌ (٩) يَحْمِيهِ، وَلَا مَلْجَأٌ يَرْكَنُ إِلَيْهِ (١٠)، فَلَقِيَ مِنْهُمْ مِنَ الشِّدَّةِ وَالْغِلْظَةِ وَالْعَذَابِ أَوِ الْقَتْلِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ، حَتَّى زَلَّ مِنْهُمْ من زلّ (١١) فروجع (١٢) أَمْرُهُ بِسَبَبِ الرُّجُوعِ إِلَى الْمُوَافَقَةِ، وَبَقِيَ مِنْهُمْ مَنْ بَقِيَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، إِلَى أَنْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الرُّخْصَةَ فِي النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى حُكْمِ الْمُوَافَقَةِ (ظَاهِرًا، لِيَحْصُلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الناطق\n_________\n(١) سورة الأنعام، آية (٩٠).\n(٢) سورة الشورى، آية (١٣).\n(٣) في (ط): \"لها\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"زمن\".\n(٥) أي حموه على غض للبصر وتساهل في أمره مع عدم الرغبة الحقيقية في حمايته.\n(٦) الخفير هو المجير، وخفرت الرجل إذا أجرته وكنت له خفيرًا تمنعه. الصحاح للجوهري (٢/ ١٦٤٨).\n(٧) الغرة: الغفلة، واغترّه أي أتاه على غرّة منه. الصحاح للجوهري (٢/ ٧٦٨).\n(٨) ساقطة من (غ).\n(٩) الوَزَرُ: الملجأ، وأصل الوزر الجبل. الصحاح للجوهري (٢/ ٨٤٥).\n(١٠) ساقطة من (ت)، وفي (غ): \"ولا يركن ملجأ إليه\".\n(١١) وهذا نادر في الصحابة ﵃، فلا يفهم من السياق انقسامهم فريقين: فريق زلّ وفريق بقي.\n(١٢) في (خ): \"فرجوع\"، وفي (ن) و(ط): \"فرجع\".","vol":"1","page":13},{"text":"الْمُوَافَقَةُ (١» (٢)، وَتَزُولَ الْمُخَالَفَةُ، فَنَزَلَ إِلَيْهَا مَنْ نَزَلَ عَلَى حُكْمِ التَّقِيَّةِ، رَيْثَمَا يَتَنَفَّسُ (٣) مِنْ كَرْبِهِ، ويَتَرَوَّحُ (٤) مِنْ خِنَاقِهِ، وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ، وَهَذِهِ غربة أيضًا ظاهرة.\nوإنما كان هذا كله (٥) جَهْلًا مِنْهُمْ بِمَوَاقِعِ الْحِكْمَةِ، وَأَنَّ مَا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ ﷺ هُوَ الْحَقُّ ضِدَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ، فَمَنْ جَهِلَ شَيْئًا عَادَاهُ، فَلَوْ عَلِمُوا لَحَصَلَ الْوِفَاقُ، وَلَمْ يُسْمَعِ (٦) الْخِلَافُ (٧)، وَلَكِنَّ سَابِقَ الْقَدَرِ حتَّم عَلَى الْخَلْقِ مَا هُمْ عَلَيْهِ (٨)، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (٩).\nثُمَّ اسْتَمَرَّ مَزِيدُ (١٠) الْإِسْلَامِ، وَاسْتَقَامَ طَرِيقُهُ عَلَى (١١) مُدَّةِ حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمِنْ (١٢) بَعْدِ مَوْتِهِ، وَأَكْثَرِ قَرْنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ الله تعالى عَنْهُمْ، إِلَى أَنْ نَبَغَتْ فِيهِمْ نَوَابِغُ الْخُرُوجِ عَنِ السُّنَّةِ، وَأَصْغَوْا (١٣) إِلَى الْبِدَعِ الْمُضِلَّةِ: كَبِدْعَةِ القدر (١٤)،\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"المؤالفة\".\n(٢) ما بين المعكوفين ساقط من أصل (ت)، وقد أثبت في هامشها.\n(٣) في (ر): \"يتمقس\".\n(٤) الروح بالفتح من الاستراحة، وكذا الراحة. الصحاح (١/ ٣٦٨).\n(٥) ساقطة من (م) و(خ) و(ط) و(ت).\n(٦) في (غ) و(ر): \"يسع\".\n(٧) لا يلزم من علمهم حصول الوفاق، فقد علموا الحق، وقامت عليهم الحجّة، وإنما ضلّوا باتباع الهوى، والإعراض عن الحق.\n(٨) وليس لهم في سابق القدر حجة، فقد جعل الله لهم قدرة واختيارًا، وحجب عنهم العلم بما قدّر.\n(٩) سورة هود، آية (١١٨ - ١١٩)، وسيذكر المؤلف الآية وتفسيرها في بداية الباب التاسع (٢/ ١٦٥) من طبعة كتابنا هذا.\n(١٠) في (خ) و(ت) و(ط): \"تزيد\".\n(١١) (١٢) ساقطة من (غ) و(ر).\n(١٣) في (غ) و(ر): \"والصغو\".\n(١٤) في (غ) و(ر): \"القدرية\" وهي القول بإنكار القدر، وأن الأمر أنف، وأوّل من قال بهذه البدعة معبد الجهني المقتول في بدعته سنة ٨٠هـ، وذلك في آخر زمن الصحابة، وقد تبرّأ الصحابة من مذهبه كابن عمر وأنس وغيرهما ﵃، وقد تبعه على بدعته غيلان الدمشقي الذي قتله هشام بن عبد الملك، والمعتزلة تنفي القدر إلاّ قليل منهم، وكذلك تسمى الجبرية المحتجّون بالقدر (قدرية): أيضًا، والتسمية على الطائفة الأولى أغلب. انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي (ص١٤)، صحيح مسلم بشرح النووي (١/ ١٥٠).=","vol":"1","page":14},{"text":"وَبِدْعَةِ الْخَوَارِجِ (١)، وَهِيَ الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْهَا الْحَدِيثُ بِقَوْلِهِ: \"يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، ويَدَعُون أَهْلَ الْأَوْثَانِ، يقرؤون الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ (٢) \" (٣)، يَعْنِي لَا يَتَفَقَّهُونَ (٤) فِيهِ، بَلْ يَأْخُذُونَهُ عَلَى الظَّاهِرِ (٥)، كَمَا بيَّنه حديث ابن عمر (٦) ﵄ الْآتِي بِحَوْلِ اللَّهِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي آخِرِ عهد الصحابة ﵃.\nثُمَّ لَمْ تَزَلِ الْفِرَقُ تَكْثُرُ حَسْبَمَا (٧) وَعَدَ بِهِ الصَّادِقُ ﷺ، فِي قَوْلِهِ: \"افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى (٨) وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، (وَالنَّصَارَى مِثْلُ ذَلِكَ، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وسبعين فرقة (٩) \" (١٠).\n_________\n= وانظر في موضوع القدر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (٣/ ٢٢ وما بعدها، ٤/ ١٩٢)، مقالات الإسلاميين للأشعري (١/ ٢٩٨)، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (١/ ٧٩).\n(١) هم الذين خرجوا على عليّ ﵁ يوم صفين لإنكارهم التحكيم، فقاتلهم في النهروان وهزمهم، وتشعبت فرقهم، وبلغت العشرين وأشهرها: المحكمة الأولى والنجدات والأزارقة والصفرية والإباضية، ولهم أفكار ضالّة يكادون يجتمعون عليها وهي: تكفير مرتكب الكبيرة، والقول بخلوده في النار، وجواز الخروج على الأئمة الجائرين، وجواز الإمامة في غير قريش، وإنكار التحكيم، ومن أسمائهم الحرورية والشراة والنواصب.\nانظر: الفرق بين الفرق للبغدادي (ص٤٩)، الملل والنحل للشهرستاني (ص١١٤)، مقالات الإسلاميين للأشعري (١/ ٨٦)، الفصل لابن حزم (٤/ ١٨٨).\n(٢) التراقي: جمع ترقوة، وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق، وهما ترقوتان من الجانبين. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (١/ ١٨٧).\n(٣) أخرجه البخاري عن أبي سعيد في كتاب التوحيد (١٣/ ٤١٦ مع الفتح)، ومسلم في كتاب الزكاة (٧/ ١٦٢، شرح النووي)، وأبو داود في كتاب السنة باب في قتال الخوارج (٤/ ٢٤٣)، والنسائي في كتاب الزكاة (٥/ ٨٧)، والإمام أحمد في المسند (٣/ ١٥).\n(٤) في (ت): \"يتفقون\".\n(٥) في (ت): \"الظر\".\n(٦) رواه الإمام البخاري في كتاب استتابة المرتدين من صحيحه، باب قتل الخوارج والملحدين (١٢/ ٢٨٣).\n(٧) في (غ): \"كما\".\n(٨) في (ت): \"ثلاث\".\n(٩) زاد في (خ) و(ر): \"والنصارى مثل ذلك\"، وذلك بعد ذكر الحديث وهو خطأ من الناسخ.\n(١٠) أخرجه أبو داود في كتاب السنة من سننه، باب شرح السنة عن أبي هريرة برقم =","vol":"1","page":15},{"text":"وَفِي (١» الْحَدِيثِ الْآخَرِ: \"لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ (٢) لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ\". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: \"فَمَنْ\" (٣)، وَهَذَا (الحديث (٤) أَعَمُّ مِنَ الْأَوَّلِ) (٥)، فَإِنَّ الْأَوَّلَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ خَاصٌّ بِأَهْلِ الْأَهْوَاءِ (٦)، وَهَذَا الثَّانِي عَامٌّ فِي الْمُخَالَفَاتِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْحَدِيثِ قَوْلُهُ: \"حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ (٧) لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ\". وَكُلُّ صَاحِبِ مُخَالَفَةٍ (٨) فَمِنْ شأنه أن\n_________\n= (٤٥٩٦) (٤/ ١٩٧)، والترمذي، كتاب الإيمان، باب افتراق هذه الأمة، وقال: حسن صحيح، ورقمه (٢٦٤٠) (٥/ ٢٥)، وابن ماجه في كتاب الفتن، باب افتراق الأمم برقم (٣٩٩١) (٢/ ١٣٢١)، وليس فيه ذكر النصارى، والإمام أحمد في مسنده وليس فيه ذكر النصارى (٢/ ٢٣٢)، والآجري في الشريعة (ص١٥)، وابن نصر المروزي في السنة برقم (٥٨) (ص٢٣)، وابن أبي عاصم في السنة وليس فيه ذكر النصارى برقم (٦٦)، والحاكم في المستدرك وقال: \"صحيح على شرط مسلم\" ووافقه الذهبي، ورواه ابن حبان في صحيحه (٨/ ٤٨ مع الإحسان)، ورواه غيرهم. وذكره المؤلف مع رواياته في الباب التاسع من الكتاب مصححًا له، وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (٢٠٣)، (١/ ٣٥٦).\n(١) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).\n(٢) في (غ) و(ر): \"ضب خرب\".\n(٣) أخرجه الإمام البخاري في كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، عن أبي سعيد بلفظ: \"حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه\". انظر: البخاري مع الفتح (٦/ ٤٩٥)، وأخرجه في موضع آخر وهو كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبيّ ﷺ: \"لتتبعن سنن من كان قبلكم\" (١٣/ ٣٠٠)، وأخرجه مسلم في كتاب العلم في النهي عن الاختلاف في القرآن (١٦/ ٢١٩ بشرح النووي)، وأحمد في المسند عنه أيضًا (٣/ ٨٤)، وابن أبي عاصم في السنة برقم (٧٤)، (١/ ٣٧)، ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة في كتاب الفتن، باب افتراق الأمم برقم (٣٩٩٤)، (٣/ ١٣٢٢). والحديث مروي عن عدد من الصحابة ﵃.\n(٤) ساقطة من (ط).\n(٥) ما بين المعكوفين ساقط من (ت)، ويظهر استدراك الناسخ له في الهامش.\n(٦) هذا هو اختيار المؤلف ﵀ كما ذهب إليه في الباب التاسع، عند المسألة الثانية، وذلك بعد ذكره لاحتمالات أخرى، فقال: \"غير أن الأكثر في نقل أرباب الكلام وغيرهم أن الفرقة إنما هي بسبب الابتداع في الشرع على الخصوص وعلى ذلك حمل الحديث من تكلم عليه من العلماء، ولم يعدوا منها المفترقين بسبب المعاصي التي ليست ببدع، وعلى ذلك يقع التفريع إن شاء الله\"، انظر: الاعتصام (٢/ ١٩٤).\n(٧) في (غ): \"ضب خرب\".\n(٨) من هنا بياض في (غ).","vol":"1","page":16},{"text":"يدعو غيره إليها، ويحضّ سِوَاهُ عَلَيْهَا (١)، إِذِ التَّأَسِّي فِي الْأَفْعَالِ وَالْمَذَاهِبِ موضوع طلبه في الجِبِلَّة (٢) (٣)، وبسببه تقع من الْمُخَالِفِ الْمُخَالَفَةُ، وَتَحْصُلُ مِنَ الْمُوَافِقِ الْمُؤَالَفَةُ، وَمِنْهُ تنشأ العداوة والبغضاء للمختلفين (٤).\nوكان (٥) الْإِسْلَامُ فِي أَوَّلِهِ وجِدَّته (٦) (مُقَاوِمًا بَلْ) (٧) ظَاهِرًا، وأهله غالبين (٨)، وَسَوَادُهُمْ أَعْظَمُ الْأَسْوِدَةِ، فَخَلَا مِنْ وَصْفِ الْغُرْبَةِ بِكَثْرَةِ الْأَهْلِ وَالْأَوْلِيَاءِ النَّاصِرِينَ، فَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ - مِمَّنْ لَمْ يَسْلُكْ سَبِيلَهُمْ، أَوْ سَلَكَهُ وَلَكِنَّهُ ابْتَدَعَ فِيهِ - صولةٌ يَعْظُمُ مَوْقِعُهَا، وَلَا قُوَّةٌ يضعف دونها حزب الله المفلحون، فسار (٩) عَلَى اسْتِقَامَةٍ، وَجَرَى عَلَى اجْتِمَاعٍ وَاتِّسَاقٍ، فَالشَّاذُّ مَقْهُورٌ مُضْطَهَدٌ، إِلَى أَنْ أَخَذَ اجْتِمَاعُهُ فِي الِافْتِرَاقِ الْمَوْعُودِ، وَقُوَّتُهُ إِلَى الضَّعْفِ الْمُنْتَظَرِ، وَالشَّاذُّ عَنْهُ تَقْوَى صَوْلَتُهُ، وَيَكْثُرُ سَوَادُهُ.\nوَاقْتَضَى (١٠) سِرُّ التَّأَسِّي الْمُطَالَبَةَ بِالْمُوَافَقَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْغَالِبَ أَغْلَبُ، فَتَكَالَبَتْ عَلَى سَوَادِ السُّنَّةِ الْبِدَعُ وَالْأَهْوَاءُ (١١)، فَتَفَرَّقَ أَكْثَرُهُمْ شِيَعًا.\nوَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ فِي الْخَلْقِ: أَنَّ أَهْلَ الْحَقِّ فِي جَنْبِ أَهْلِ الْبَاطِلِ قَلِيلٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ *﴾ (١٢)، وقوله:\n_________\n(١) في (خ): \"ويحض سؤاله بل سواه عليها\"، وناسخ (خ) يفعل هذا إذا أخطأ حيث يضرب عن الخطأ بقوله بل، ثم يأتي بالصواب.\n(٢) الجبلة: الخلقة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ﴾، والجمع الجبلات. الصحاح للجوهري (٤/ ١٦٥١).\n(٣) كتب في (خ) بعد كلمة الجبلة كلمة غير واضحة، ولعلها \"بداهة\".\n(٤) في (ر): \"بين المختلفين\".\n(٥) في (ط): \"كان\".\n(٦) قال في الصحاح: جد الشيء يجد بالكسرة جدة: صار جديدًا، وهو نقيض الخلق الصحاح (٢/ ٤٥٤).\n(٧) ما بين المعكوفين ساقط من أصل (خ) ومثبت في هامشها.\n(٨) هكذا في (م) و(خ) و(ت)، وفي (ط): \"غالبون\"، على أنها خبر \"وأهله\"، والذي يظهر أن قوله غالبين صحيح أيضًا، على تقدير \"وكان أهله غالبين\".\n(٩) في (خ) و(م) و(ط): \"فصار\".\n(١٠) في (ر): \"فاقتضى\".\n(١١) في (م): \"البدع الأهواء\" بدون واو، وفي (غ): \"سباع الأهوى\".\n(١٢) سورة يوسف، آية (١٠٣).","vol":"1","page":17},{"text":"﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (١)، وَلِيُنْجِزَ (٢) اللَّهُ مَا وَعَدَ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ مِنْ عَوْدِ وَصْفِ الْغُرْبَةِ إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْغُرْبَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا مَعَ فَقْدِ الْأَهْلِ أَوْ قِلَّتِهِمْ، وَذَلِكَ حِينَ يَصِيرُ الْمَعْرُوفُ مُنْكَرًا، وَالْمُنْكَرُ مَعْرُوفًا، وَتَصِيرُ السُّنَّةُ بِدْعَةً، وَالْبِدْعَةُ سُنَّةً، فَيُقَامُ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ بِالتَّثْرِيبِ (٣) وَالتَّعْنِيفِ، كَمَا كَانَ أَوَّلًا يُقَامُ عَلَى أَهْلِ الْبِدْعَةِ، طَمَعًا مِنَ الْمُبْتَدِعِ أَنْ تَجْتَمِعَ كَلِمَةُ الضَّلَالِ، وَيَأْبَى اللَّهُ أَنْ تَجْتَمِعَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَلَا تَجْتَمِعُ الْفِرَقُ كُلُّهُا - عَلَى كَثْرَتِهَا - عَلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ عَادَةً وَسَمْعًا، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ تَثْبُتَ جَمَاعَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ (٤)، غَيْرَ أَنَّهُمْ - لِكَثْرَةِ مَا (٥) تُنَاوِشُهُمُ (٦) الْفِرَقُ الضَّالَّةُ، وَتُنَاصِبُهُمُ (٧) الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ، اسْتِدْعَاءً إِلَى مُوَافَقَتِهِمْ - لَا يَزَالُونَ فِي جِهَادٍ وَنِزَاعٍ، وَمُدَافَعَةٍ وَقِرَاعٍ (٨)، آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَبِذَلِكَ يُضَاعِفُ اللَّهُ لَهُمُ الْأَجْرَ الْجَزِيلَ، وَيُثِيبُهُمْ الثَّوَابَ الْعَظِيمَ.\nفقد تلخّص مما تقدم أن مطالبة المخالف (٩) بِالْمُوَافَقَةِ جارٍ مَعَ الْأَزْمَانِ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ، فَمَنْ وَافَقَ فَهُوَ عِنْدَ الْمُطَالِبِ الْمُصِيبُ (١٠) عَلَى أَيِّ حالٍ كَانَ، وَمَنْ خَالَفَ فَهُوَ الْمُخْطِئُ الْمُصَابُ، وَمَنْ وَافَقَ فَهُوَ الْمَحْمُودُ السَّعِيدُ، وَمَنْ خَالَفَ فَهُوَ الْمَذْمُومُ الْمَطْرُودُ (١١)، وَمَنْ وَافَقَ فَقَدْ سَلَكَ سَبِيلَ الْهِدَايَةِ، وَمَنْ خَالَفَ فقد تاه في طرق (١٢) الضلالة (١٣) والغواية.\n_________\n(١) سورة سبأ، آية (١٣).\n(٢) في (غ) و(ر): \"وينجز\".\n(٣) التثريب هو التعيير والاستقصاء في اللّوم، وثرب عليه تثريبًا قبح عليه فعله. الصحاح (١/ ٩٢).\n(٤) صحت الأحاديث عن عدد من الصحابة في هذا المعنى، بل صرّح عدد من العلماء بتواتر الحديث كابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٦٩)، والسيوطي في قطف الأزهار المتناثرة (ص٢١٦)، وقد جمع الشيخ سلمان بن فهد العودة هذه الأحاديث ودرسها في كتابه صفة الغرباء (ص١٣٧ - ٢٣٣).\n(٥) ساقطة من (ت).\n(٦) التناوش: التناول والانتياش مثله. انظر: اللسان (٦/ ٣٤٩).\n(٧) في (ط): \"تناضبهم\" بالضاد.\n(٨) في (ر): \"وخداع\".\n(٩) في (ت): \"المخالفة\".\n(١٠) في (ت): \"مصيب\".\n(١١) في (ت): \"الطريد\".\n(١٢) في (ت): \"طريق\".\n(١٣) في (م): \"الظلال\". وقد رسمت في جميع النسخ بالظاء، وهو كالمنهج في هذه النسخ. وسوف لن أشير إلى هذا الخلاف إلاّ نادرًا.","vol":"1","page":18},{"text":"وَإِنَّمَا قَدَّمْتُ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ لِمَعْنًى أَذْكُرُهُ: وَذَلِكَ أَنِّي - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - لَمْ أَزَلْ مُنْذُ فَتَقَ لِلْفَهْمِ عَقْلِي، وَوُجِّهَ شَطْرَ (١) الْعِلْمِ طَلَبِي، أَنْظُرُ فِي عَقْلِيَّاتِهِ وَشَرْعِيَّاتِهِ، وَأُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ، لَمْ أَقْتَصِرْ مِنْهُ عَلَى (٢) عِلْمٍ (دُونَ عِلْمٍ) (٣)، وَلَا أَفْرَدْتُ من (٤) أَنْوَاعِهِ نَوْعًا دُونَ آخَرَ، حَسْبَمَا اقْتَضَاهُ الزَّمَانُ والإمكان، وَأَعْطَتْهُ المُنَّة (٥) الْمَخْلُوقَةُ فِي أَصْلِ فِطْرَتِي، بَلْ خُضْتُ فِي لُجَجِهِ (٦) خَوْضَ الْمُحْسِنِ لِلسِّبَاحَةِ، وَأَقْدَمْتُ فِي مَيَادِينِهِ إِقْدَامَ الْجَرِيءِ، حَتَّى كِدْتُ أَتْلَفُ في بعض أعماقه، أو أنقطع (٧) من (٨) رُفْقَتِي الَّتِي بِالْأُنْسِ بِهَا تَجَاسَرْتُ عَلَى مَا قُدِّرَ لِي، غَائِبًا عَنْ مَقَالِ الْقَائِلِ، وَعَذْلِ الْعَاذِلِ، وَمُعْرِضًا عَنْ صَدِّ الصَّادِّ، وَلَوْمِ اللَّائِمِ، إلى أن مَنَّ عليّ الرب الكريم الرؤوف الرَّحِيمُ، فَشَرَحَ لِي مِنْ مَعَانِي الشَّرِيعَةِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابِي، وَأَلْقَى فِي نَفْسِي إلقاء بصيرة (٩) أن كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ لَمْ يَتْرُكَا فِي سَبِيلِ الْهِدَايَةِ لقائلٍ مَا يقول، ولا أبقيا لغيرهما مجالًا يعتدّ به (١٠) فِيهِ، وَأَنَّ الدِّينَ قَدْ كَمُلَ، وَالسَّعَادَةَ الْكُبْرَى فِيمَا وَضَعَ، والطِّلْبَةُ (١١) فِيمَا شَرَعَ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَضَلَالٌ وَبُهْتَانٌ، وَإِفْكٌ وَخُسْرَانٌ، وَأَنَّ الْعَاقِدَ عليهما بكلتا يديه مستمسك بالعروة الوثقى، ومحصل (١٢) لكلية (١٣) الْخَيْرِ دُنْيَا وَأُخْرَى، وَمَا سِوَاهُمَا فَأَحْلَامٌ وَخَيَالَاتٌ وَأَوْهَامٌ، وَقَامَ لِي عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ الْبُرْهَانُ الذي لا شبهة تطرق (١٤) حول\n_________\n(١) شطر العلم أي نحو العلم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. انظر: الصحاح (٢/ ٦٩٧).\n(٢) ساقطة من (م).\n(٣) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).\n(٤) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"عن\".\n(٥) المنّة بالضم: القوة. يقال: هو ضعيف المنّة. الصحاح (٦/ ٢٢٠٧).\n(٦) لجة الماء بالضم معظمه، وكذا (اللج) ومنه بحر لجي. الصحاح (١/ ٣٣٨٠).\n(٧) في (ر): \"وأنقطع\".\n(٨) في (ط): \"في\".\n(٩) عبارة (م) و(خ) و(ط): \"وألقى في نفسي القاصرة\".\n(١٠) ساقطة من (ط).\n(١١) الطِلبة بكسر اللام: الشيء المطلوب. الصحاح (١/ ١٧٢).\n(١٢) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"محصل\".\n(١٣) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"لكلمتي\".\n(١٤) في (غ): \"تطير\"، وفي (ر): \"تطور\".","vol":"1","page":19},{"text":"حِمَاهُ، وَلَا تَرْتَمِي نَحْوَ مَرْمَاهُ ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ (١)، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَالشُّكْرُ كَثِيرًا كَمَا هُوَ (أَهْلُهُ.\nفمن) (٢) هنالك قصرت (٣) نَفْسِي عَلَى الْمَشْيِ فِي طَرِيقِهِ بِمِقْدَارِ مَا يسَّر اللَّهُ فِيهِ، فَابْتَدَأْتُ بِأُصُولِ الدِّينِ عَمَلًا وَاعْتِقَادًا، ثُمَّ بِفُرُوعِهِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى تِلْكَ الْأُصُولِ، وَفِي خِلَالِ ذَلِكَ أَتَبَيَّنُ (٤) مَا هُوَ مِنَ السُّنَنِ أَوْ مِنَ الْبِدَعِ، كَمَا أَتَبَيَّنُ (٥) مَا هُوَ مِنَ الْجَائِزِ وَمَا هُوَ مِنَ الْمُمْتَنِعِ، وأعرض كل (٦) ذَلِكَ عَلَى عِلْمِ الْأُصُولِ الدِّينِيَّةِ وَالْفِقْهِيَّةِ، ثُمَّ أطلب نَفْسِي بِالْمَشْيِ مَعَ الْجَمَاعَةِ الَّتِي سَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ (٧)، فِي الْوَصْفِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ (٨)، وَتَرْكِ الْبِدَعِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا الْعُلَمَاءُ أَنَّهَا بدع مضلّة (٩)، وأعمال مختلقة (١٠).\nوَكُنْتُ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ قَدْ دَخَلْتُ فِي بعض خطط الجمهور من الخطابة والإمامة (١١) ونحوهما (١٢)، فلما أردت الاستقامة على الطريق (١٣)، وَجَدْتُ نَفْسِي غَرِيبًا فِي جُمْهُورِ أَهْلِ الْوَقْتِ، لِكَوْنِ خُطَطِهِمْ قَدْ غَلَبَتْ عَلَيْهَا الْعَوَائِدُ، وَدَخَلَتْ عَلَى سُنَنِهَا (١٤) الْأَصْلِيَّةِ (١٥) شَوَائِبُ مِنَ الْمُحْدَثَاتِ الزَّوَائِدِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِدْعًا فِي الْأَزْمِنَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَكَيْفَ فِي زَمَانِنَا هَذَا؟ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ السلف\n_________\n(١) سورة يوسف، آية (٣٨).\n(٢) بياض في (غ).\n(٣) المثبت ما في (ر) و(غ)، وفي بقية النسخ (قوت).\n(٥) (٤) في (خ) و(ت) و(ط): \"أبين\".\n(٦) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ).\n(٧) سيذكر المؤلف الحديث بتمامه في الباب الثاني (ص٧٤ - ٧٦)، وسأذكر تخريجه هناك.\n(٨) يشير المؤلف ﵀ إلى قول النبيّ ﷺ عندما سئل عن الفرقة الناجية، فقال: \"ما أنا عليه وأصحابي\"، وسيذكره المؤلف في الباب التاسع (٢/ ١٩٠)، وقد رواه الترمذي وغيره. انظر: سنن الترمذي (٥/ ٢٦) برقم (٢٦٤١)، وحسَّنه الألباني، انظر: صحيح سنن الترمذي برقم (٢١٢٩).\n(٩) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ).\n(١٠) في (م) و(غ): \"مختلة\". وفي (ط): \"مختلفة\".\n(١١) في (ر): \"من الإمامة والخطابة\".\n(١٢) في جميع النسخ: \"ونحوها\"، عدا (غ).\n(١٣) في (م) و(ت): \"طريق\".\n(١٤) في (غ): \"سنيتها\".\n(١٥) في (م) و(ت): \"الأصيلة\".","vol":"1","page":20},{"text":"الصَّالِحِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ، كَمَا روي عن أبي الدرداء ﵁ أَنَّهُ قَالَ: \"لَوْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْكُمْ (١) مَا عَرَفَ شَيْئًا مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ إِلَّا الصَّلَاةَ\" (٢). قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ (٣): فَكَيْفَ لَوْ كَانَ الْيَوْمَ؟ قَالَ عِيسَى بْنُ يُونُسَ (٤): فَكَيْفَ لَوْ أَدْرَكَ الْأَوْزَاعِيُّ هَذَا الزَّمَانَ؟\nوَعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ (٥) قَالَتْ: \"دَخَلَ أبو الدرداء وَهُوَ غَضْبَانُ، فَقُلْتُ: مَا أَغْضَبَكَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ فِيهِمْ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ (ص) (٦)، إلاَّ أنهم يصلّون جميعًا\" (٧).\n_________\n(١) في (ر) و(غ): \"إليكم\".\n(٢) رواه عن أبي الدرداء ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب في نقض عرى الإسلام ودفن الدين (ص٦٨)، وروى الإمام ابن بطة في الإبانة عن أبي الدرداء أنه قال: \"لو أن رجلًا كان يعلم الإسلام وأهمّه، ثم تفقّده اليوم ما عرف منه شيئًا\" (١/ ١٨٤). وقول الأوزاعي وعيسى بن يونس (الآتي) مذكور في نفس الموضع عند ابن وضاح.\n(٣) هو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الأوزاعي الفقيه، شيخ الإسلام وعالم أهل الشام، نزل بيروت في آخر عمره فمات بها مرابطًا سنة ١٥٨هـ، وقيل غير ذلك.\nانظر في ترجمته: تهذيب التهذيب (٦/ ٢٣٨)، سير أعلام النبلاء (٧/ ١٠٧)، طبقات ابن سعد (٧/ ٤٨٨)، البداية والنهاية (١٠/ ١١٥).\n(٤) هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله، الإمام القدوة، الحافظ، الحجة، أبو عمرو، وأبو محمد الهمداني، السبيعي الكوفي، وثّقه أحمد وأبو حاتم والنسائي، وطائفة، وكان سنة في الغزو وسنّة في الحج، وكان من أصحاب الأعمش. مات سنة ١٨٧هـ.\nانظر: التاريخ الكبير (٦/ ٤٠٦)، سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٨٩)، تذكرة الحفاظ (١/ ٢٧٩)، تهذيب التهذيب (٨/ ٢٣٧).\n(٥) هي زوج أبي الدرداء، اسمها هجيمة، وقيل: جهيمة الأوصابية الدمشقية، وهي الصغرى، وأما الكبرى فاسمها خيرة، ولا رواية لها في هذه الكتب، والصغرى ثقة فقيهة، عابدة، كبيرة القدر، كان الرجال يقرأون عليها ويتفقهون في الحائط الشمالي بجامع دمشق، وكان عبد الملك بن مروان يجلس في حلقتها وهو خليفة. ماتت سنة ٨١هـ.\nانظر: الكاشف للذهبي (٣/ ٤٤٠)، تقريب التهذيب لابن حجر (٢/ ٦٢١)، البداية والنهاية لابن كثير (٩/ ٥٠).\n(٦) في (غ): \"فيهم من أمر محمد شيئًا\".\n(٧) رواه البخاري في كتاب الأذان، باب فضل صلاة الفجر في جماعة برقم (٦٥٠)، والإمام أحمد في الزهد (٥/ ١٩٥)، ورواه ابن وضاح في البدع النهي عنها، باب في نقض عرى الإسلام (ص٧٤)، ورواه الإمام أحمد في الزهد عند ترجمة أبي الدرداء (ص١٧٢)، ورواه ابن بطة في الإبانة الكبرى (٢/ ٥٧٤)، وذكره أبو بكر الطرطوشي في الحوادث والبدع، (ص١١١).","vol":"1","page":21},{"text":"وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: \"مَا أَعْرِفُ مِنْكُمْ مَا كُنْتُ أَعْهَدُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرَ قَوْلِكُمْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ\"، قُلْنَا: بَلَى يَا أَبَا حَمْزَةَ؟ قَالَ: \"قَدْ صَلَّيْتُمْ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، أَفَكَانَتْ تِلْكَ صَلَاةُ رسول الله ﷺ\"؟ (١).\nوعن الحسن (٢) قَالَ (٣): \"لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَدْرَكَ السَّلَفَ الْأَوَّلَ ثُمَّ بُعِثَ الْيَوْمَ مَا عَرَفَ مِنَ الْإِسْلَامِ شَيْئًا\"، قَالَ: وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى خَدِّهِ ثُمَّ قَالَ: \"إلاَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ\"، ثُمَّ قَالَ: \"أَمَا والله على ذلك لمن عاش في هذه (٤) النكراء (٥) وَلَمْ (٦) يُدْرِكْ ذَلِكَ (٧) السَّلَفَ الصَّالِحَ، فَرَأَى مُبْتَدِعًا يَدْعُو إِلَى بِدْعَتِهِ (٨)، وَرَأَى صَاحِبَ (٩) دُنْيَا يَدْعُو إلى دنياه، فعصمه الله عن (١٠) ذَلِكَ، وَجَعَلَ قَلْبَهُ يَحِنُّ إِلَى ذَلِكَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، يَسْأَلُ عَنْ سُبُلِهِمْ، وَيَقْتَصُّ آثَارَهُمْ، وَيَتَّبِعُ سبيلهم، ليعوّضنّ (١١) أجرًا عظيمًا،\n_________\n(١) رواه الإمام البخاري في كتاب مواقيت الصلاة من صحيحه، باب تضييع الصلاة عن وقتها عن أنس، وذكر روايتين عنه بنحو ما ذكر المؤلف (٢/ ١٣)، ورواه الترمذي عن أنس في كتاب صفة القيامة والرقائق والورع وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث أبي عمران الجوني، وقد روي من غير وجه عن أنس، ورقمه (٢٤٤٧) (٤/ ٥٤٥)، ورواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها بلفظ المؤلف، باب في نقض عرى الإسلام (ص٧٣)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٥١٢). ورواه ابن بطة في الإبانة الكبرى عنه بروايتين (٢/ ٥٧٣ - ٥٧٤)، ورواه ابن عبد البر عنه في جامع بيان العلم (٢/ ٢٠٠)، وذكره الطرطوشي في الحوادث والبدع (ص١١٢)، انظر فتح الباري (٢/ ١٣). قال الإمام ابن حجر في الفتح: صح أن الحجاج وأميره الوليد وغيرهما كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، والآثار في ذلك مشهورة. ثم قال تنبيه: إطلاق أنس محمول على ما شاهده من أمراء الشام والبصرة خاصة وإلا سيأتي في هذا الكتاب أنه قدم المدينة، فقال: \"ما أنكرت شيئًا إلاَّ أنكم لا تقيمون الصفوف\". الفتح (٢/ ١٤).\n(٢) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"أنس\"، والصواب المثبت كما في نسخة (غ) وكما في كتاب البدع والنهي عنها لابن وضاح.\n(٣) ساقطة من (ت).\n(٤) ساقطة من (ط)، وفي (ت): \"ذلك\".\n(٥) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"النكر\".\n(٦) في (م) و(ت): \"أو لم\".\n(٧) ساقطة من (ت).\n(٨) في (ت): \"بدعة\".\n(٩) ساقطة من (ت).\n(١٠) في (ط): \"من\".\n(١١) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"ليعوض\".","vol":"1","page":22},{"text":"فكذلك (١) فَكُونُوا (٢) إِنْ شَاءَ اللَّهُ\" (٣).\nوَعَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ (٤) قَالَ: \"لَوْ أَنَّ رَجُلًا أُنْشِرَ (٥) فِيكُمْ من (٦) السلف ما عرف فيكم (٧) غير هذه القبلة\" (٨).\nوعن (أبي) سهيل (٩) بْنِ مَالِكٍ (١٠) عَنْ أَبِيهِ (١١) قَالَ: \"مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ النَّاسَ إِلَّا النِّدَاءَ بالصلاة\" (١٢).\n_________\n(١) في (ط): \"وكذلك\".\n(٢) في (خ) و(ت): \"فكانوا\".\n(٣) أخرجه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب في نقض عرى الإسلام بنفس اللفظ عن الحسن (ص٧٤).\n(٤) هو الإمام الحجة، عالم الجزيرة ومفتيها، أبو أيوب الجزري الرقي، أعتقته امرأة من بني نصر بن معاوية بالكوفة، فنشأ بها، ثم سكن الرقة، حدّث عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر، قيل: ولد عام ٤٠هـ. وثقه جماعة، وقال أحمد: هو أوثق من عكرمة، وكان ولي خراج الجزيرة وقضاءها، وكان من العابدين. توفي سنة ١١٧هـ، وقيل: ١١٦هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ٧١)، طبقات ابن سعد (٧/ ٤٧٧)، حلية الأولياء (٤/ ٨٢).\n(٥) في (ر): \"انتشر\".\n(٦) ساقطة من (م)، وأصل (ت)، وكتبت في هامش (ت).\n(٧) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(٨) رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب في نقض عرى الإسلام (ص٧٤)، وذكره عنه الإمام ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ١٩٤).\n(٩) في (م) و(ط): \"عن سهل\"، وفي (خ) و(ت) و(غ) و(ر): \"وعن سهيل\"، والمثبت هو الصواب كما في رواية ابن وضاح، وابن عبد البر، والطرطوشي، كما سيأتي في تخريجه.\n(١٠) هو نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي التيمي، أبو سهيل المدني، ثقة من الرابعة، روى عن ابن عمر، وسهل بن سعد، وروى عنه ابن أخيه مالك والدراوردي، ثقة مقرئ بقي إلى زمن السفاح.\nانظر: تقريب التقريب (٢/ ٢٩٦)، الكاشف للذهبي (٣/ ١٧٤).\n(١١) أبوه هو مالك بن أبي عامر الأصبحي جد مالك الإمام، روى عن عمر وعثمان، وروى عنه بنوه أنس وأبو سهيل نافع والربيع. مات سنة ٧٤هـ.\nانظر: الكاشف (٣/ ١٠١)، تقريب التهذيب (٢/ ٢٢٥).\n(١٢) رواه عنه الإمام مالك في الموطأ من رواية يحيى بن يحيى (١/ ٧٢)، ورواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب في نقض عرى الإسلام (ص٧٣) عن عمّه أبي =","vol":"1","page":23},{"text":"إِلَى مَا أَشْبَهَ هَذَا مِنَ الْآثَارِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُحْدَثَاتِ تَدْخُلُ فِي الْمَشْرُوعَاتِ، وَأَنَّ ذلك قد كان قبل زماننا، وأنها (١) تَتَكَاثَرُ عَلَى تَوَالِي الدُّهُورِ إِلَى الْآنَ.\nفَتَرَدَّدَ النَّظَرُ بَيْنَ أَنْ أَتَّبِعَ السُّنَّةَ عَلَى شَرْطِ مُخَالَفَةِ مَا اعْتَادَ النَّاسُ، فَلَا بُدَّ مِنْ حصول نحو مما حصل لمخالفي العوائد، لا سِيَّمَا إِذَا ادَّعَى أَهْلُهَا أَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ هُوَ السُّنَّةُ لَا سِوَاهَا، إِلَّا أَنَّ فِي ذَلِكَ الْعِبْءِ الثَّقِيلِ مَا فِيهِ مِنَ الْأَجْرِ الْجَزِيلِ، (وَبَيْنَ أَنْ أَتْبَعَهُمْ) (٢) عَلَى شَرْطِ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ، فَأَدْخُلَ تَحْتَ تَرْجَمَةِ الضُّلَّالِ، عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، إِلَّا أَنِّي أُوَافِقُ الْمُعْتَادَ، وَأُعَدُّ مِنَ الْمُؤَالِفِينَ (٣) لَا مِنَ الْمُخَالِفِينَ، فَرَأَيْتُ أَنَّ الْهَلَاكَ فِي اتِّبَاعِ السُّنَّةِ هُوَ النَّجَاةُ، وَأَنَّ النَّاسَ لَنْ يُغْنُوا عَنِّي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، فَأَخَذْتُ فِي ذَلِكَ عَلَى حُكْمِ التَّدْرِيجِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، فَقَامَتْ عَلَيَّ القيامة، وتواترت (٤) الْمَلَامَةُ، وفَوَّق (٥) إِلَيَّ الْعِتَابُ سِهَامَهُ، وَنُسِبْتُ إِلَى الْبِدْعَةِ وَالضَّلَالَةِ، وَأُنْزِلْتُ مَنْزِلَةَ أَهْلِ الْغَبَاوَةِ وَالْجَهَالَةِ، وَإِنِّي لَوِ الْتَمَسْتُ لِتِلْكَ الْمُحْدَثَاتِ مَخْرَجًا لَوَجَدْتُ، غَيْرَ أَنَّ ضِيقَ الْعَطَنِ (٦)، وَالْبُعْدَ عَنْ أَهْلِ الْفِطَنِ، رَقَى بِي (٧) مُرْتَقًى صَعْبًا، وَضَيَّقَ عَلَيَّ مَجَالًا رَحْبًا، وَهُوَ كَلَامٌ يُشِيرُ (٨) بِظَاهِرِهِ إِلَى أن اتّباع\n_________\n= سهيل بن مالك عن أبيه وذكره، ورواه الإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم، قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن عمّه أبي سهيل بن مالك عن أبيه وذكره (٢/ ١٩٩)، وذكره الطرطوشي في الحوادث والبدع (ص١١١).\n(١) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"وإنما\".\n(٢) ما بين المعكوفين كتب في (ت): \"ولئن اتبعتهم\".\n(٣) في (غ): \"المولفين\".\n(٤) في (ط): \"وتواترت على الملامة\".\n(٥) الفوق هو موضع الوتر من السهم، والجمع أفواق. يقال: فوقت السهم أي جعلت له فوقًا. وأفقت السهم، أي وضعت فوقه في الوتر لأرمي به.\nلسان العرب (١٠/ ٣٢٠)، الصحاح للجوهري (٤/ ١٥٤٦).\n(٦) في (م) و(خ) وأصل (ت): \"الطعن\". قال الجوهري في الصحاح: \"يقال فلان واسع العطن والبلد، إذا كان رحب الذراع\". انظر: الصحاح (٦/ ٢١٦٥).\n(٧) في (م) و(خ) و(غ): \"في\".\n(٨) من هنا ينتقل ناسخ (غ) إلى قول المؤلف في الباب الأول: \"للسلوك عليها .. \" (ص٤٥).","vol":"1","page":24},{"text":"الْمُتَشَابِهَاتِ، لِمُوَافَقَاتِ الْعَادَاتِ، أَوْلَى مِنِ اتِّبَاعِ الْوَاضِحَاتِ، وَإِنْ خَالَفَتِ السَّلَفَ الْأَوَّلَ.\nوَرُبَّمَا أَلَمُّوا - فِي تَقْبِيحِ مَا وَجَّهْتُ إِلَيْهِ وِجْهَتِي - بِمَا تَشْمَئِزُّ منه القلوب، أو صرحوا (١) بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِ الْفِرَقِ الْخَارِجَةِ عَنِ السُّنَّةِ شَهَادَةً سَتُكْتَبُ وَيُسْأَلُونَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.\nفَتَارَةً نُسِبْتُ إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الدُّعَاءَ لَا يَنْفَعُ، وَلَا فَائِدَةَ فِيهِ - كَمَا يُعْزَى إِلَى بَعْضِ النَّاسِ (٢) - بِسَبَبِ أَنِّي لَمْ أَلْتَزِمِ الدُّعَاءَ بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ فِي أَدْبَارِ الصَّلَاةِ حَالَةَ الْإِمَامَةِ، وَسَيَأْتِي مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمُخَالَفَةِ لِلسُّنَّةِ وَلِلسَّلَفِ الصَّالِحِ وَالْعُلَمَاءِ (٣).\nوَتَارَةً نُسِبْتُ إِلَى الرَّفْضِ (٤) وَبُغْضِ الصَّحَابَةِ ﵃، بِسَبَبِ أَنِّي لَمْ أَلْتَزِمْ ذِكْرَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْهُمْ فِي الْخُطْبَةِ عَلَى الْخُصُوصِ، إِذْ لَمْ (٥) يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِ (٦) السَّلَفِ فِي خُطَبِهِمْ، وَلَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ من العلماء المعتبرين\n_________\n(١) في (خ) و(ط): \"خرجوا\".\n(٢) الذي نسب ذلك إلى الإمام الشاطبي هو شيخه أبو سعيد بن لب. انظر: المعيار المعرب (٦/ ٣٦٩ - ٣٧٠).\n(٣) سيتناول المؤلف هذه المسألة في الباب الخامس، ويبين أنها بدعة، ويرد حجة من قال بها. انظر: الاعتصام المطبوع (١/ ٣٤٩ - ٣٦٨، ٢/ ٣ - ٦).\n(٤) الروافض هم الشيعة، من الإمامية الاثنى عشرية والإسماعيلية، وكلّهم يعتقد أن عليًا ﵁ أولى بالإمامة بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من غيره، وأنه استحق ذلك بالوصية والتعيين مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقد عدّوا الأئمة بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اثني عشر مبتدئين بعليّ ثم الحسن ثم الحسين ﵃ وهكذا، ثم افترقوا بعد جعفر الصادق فصارت منهم إمامية، وإسماعيلية، ومن عقائدهم المتفق عليها القول بالتولّي والتبرّي قولًا وفعلًا وعقدًا إلاّ في حال التقية، وبين عقائدهم من الخلاف ما لا يحصر، وسبب تسميتهم بالروافض رفضهم لنصرة زيد بن علي عند خروجه لما علموا منه موالاة أبي بكر وعمر، فقال: رفضتموني، فسموا رافضة.\nانظر: الملل والنحل للشهرستاني (ص١٤٦ - ١٥٥)، مقالات الإسلاميين (ص٦٥)، دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين لأحمد الجلي (ص١٧٩).\n(٥) في (ر): \"ولم يكن\".\n(٦) في (ط): \"شأن من السلف\".","vol":"1","page":25},{"text":"فِي أَجْزَاءِ الْخُطَبِ. وَقَدْ سُئل أَصْبَغُ (١) عَنْ دُعَاءِ الْخَطِيبِ لِلْخُلَفَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ فَقَالَ: \"هُوَ بِدْعَةٌ وَلَا يَنْبَغِي الْعَمَلُ بِهِ (٢)، وَأَحْسَنُهُ أَنْ يَدْعُوَ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً\"، قِيلَ لَهُ (٣): فَدُعَاؤُهُ لِلْغُزَاةِ وَالْمُرَابِطِينَ؟ قَالَ: \"مَا أَرَى (٤) بِهِ بَأْسًا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَأَمَّا (٥) أَنْ يَكُونَ شَيْئًا (يَصْمُدُ) (٦) لَهُ فِي خُطْبَتِهِ دَائِمًا فَإِنِّي أَكْرَهُ ذَلِكَ\" (٧).\nونصَّ أَيْضًا عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ (٨) عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ لِلْخُلَفَاءِ (٩) فِي الْخُطْبَةِ بِدْعَةٌ غَيْرُ محبوبة (١٠).\n_________\n(١) هو أصبغ بن الفرج بن سعيد بن نافع، مولى عبد العزيز بن مروان، كان كاتب ابن وهب. روى عنه الذهلي والبخاري وابن وضاح، كان فقيهًا حسن القياس عالمًا بمذهب مالك. له كتاب الأصول، وتفسير غريب الموطأ، وكتاب الرد على أهل الأهواء وغيرها. توفي بمصر سنة ٢٢٥هـ.\nانظر: ترتيب المدارك في ترجمة أصحاب مالك للقاضي عياض (١/ ٥٦١)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٥٦)، تقريب التهذيب (١/ ٨١)، الكاشف للذهبي (١/ ٨٤).\n(٢) انظر: فتاوى ابن تيمية (١/ ١٢٩)، البحر الرائق (٢/ ١٥٦)، المدخل (٢/ ٢٧٠)، تحفة المحتاج (١/ ٤٦٠)، الإبداع في مضار الابتداع (٧٥)، الدين الخالص (٤/ ٢١١، ٣٠٦)، إصلاح المساجد (٧٠)، فتاوى محمد رشيد رضا (٤/ ١٣٥٦).\n(٣) ساقطة من (م) و(ر).\n(٤) في (م): \"أراي\".\n(٥) في (ط): \"وإما\".\n(٦) في (م) وأصل (خ) و(ت): \"يحمد\"، والمثبت هو ما صححت به الكلمة في هامش (خ) و(ت) و(ط)، وهي كذلك في المعيار المعرب كما سيأتي.\n(٧) انظر قوله ﵀ في المعيار المعرب للونشريسي (٦/ ٣٨٦).\n(٨) هو عز الدين شيخ الإسلام أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القسم بن الحسن الإمام العلامة، وحيد عصره، وسلطان العلماء، السلمي الدمشقي ثم المصري، الشافعي، ولد سنة ٥٧٧هـ، وقيل ٥٧٨هـ. وكان آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، مع الزهد والورع، أزال كثيرًا من بدع الخطباء، وقد بلغ مرتبة الاجتهاد، برع في الفقه والأصول والعربية، اختصر نهاية المطلب، وله القواعد الكبرى، والقواعد الصغرى، ومقاصد الرعاية وغير ذلك. توفي سنة ٦٦٠هـ.\nانظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٨/ ٢٠٩)، شذرات الذهب (٥/ ٣٠١)، فوات الوفيات للكتبي (٢/ ٣٥٠).\n(٩) ساقطة من (ت).\n(١٠) سئل عز الدين بن عبد السلام في كتاب الفتاوى له: هل يستحب للخطيب ذكر الصحابة في الخطب على ما جرت به العادة في زماننت بألفاظ مسجعة؟ أم تركه أولى لموافقته السلف؟ فأجاب بقوله: \"ذكر الصحابة والخلفاء والسلاطين بدعة غير محبوبة، =","vol":"1","page":26},{"text":"وَتَارَةً أُضِيفَ (١) إِلَيَّ الْقَوْلُ بِجَوَازِ الْقِيَامِ عَلَى الأئمة، وما أضافوه إلاّ من عدم ذكرهم (٢) في الخطبة، وذكرهم فيها مُحْدَثٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَنْ تَقَدَّمَ.\nوَتَارَةً أحمل (٣) عَلَيَّ الْتِزَامُ الْحَرَجِ، وَالتَّنَطُّعُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَنِّي الْتَزَمْتُ - فِي التَّكْلِيفِ وَالْفُتْيَا - الْحَمْلَ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ الْمُلْتَزَمِ، لَا أَتَعَدَّاهُ، وَهُمْ يَتَعَدَّوْنَهُ وَيُفْتُونَ بِمَا يُسَهِّلُ عَلَى السَّائِلِ وَيُوَافِقُ هَوَاهُ، وَإِنْ كَانَ شَاذًّا فِي الْمَذْهَبِ الْمُلْتَزَمِ أَوْ فِي غَيْرِهِ. وَأَئِمَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَلِلْمَسْأَلَةِ بَسْطٌ فِي كِتَابِ الْمُوَافَقَاتُ (٤).\nوَتَارَةً نُسِبْتُ إِلَى مُعَادَاةِ أَوْلِيَاءِ الله تعالى، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنِّي عَادَيْتُ بَعْضَ الْفُقَرَاءِ الْمُبْتَدِعِينَ الْمُخَالِفِينَ لِلسُّنَّةِ، الْمُنْتَصِبِينَ - بِزَعْمِهِمْ - لِهِدَايَةِ الْخَلْقِ، وَتَكَلَّمْتُ لِلْجُمْهُورِ عَلَى جُمْلَةٍ مِنْ أَحْوَالِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَسَبُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَى الصُّوفِيَّةِ وَلَمْ يَتَشَبَّهُوا بِهِمْ (٥).\nوَتَارَةً نُسِبْتُ إِلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، بِنَاءً منهم على أن الجماعة\n_________\n= ولا يذكر في الخطب إلاّ ما يوافق مقاصدهم من الثناء، والدعاء، والترغيب، والترهيب، وتلاوة القرآن ... \" (ص٤٨).\nوقد روى الإمام ابن سعد في الطبقات أن عمر بن عبد العزيز كتب: \"لا تخصوني بشيء من الدعاء، أدعوا للمؤمنين والمؤمنات عامّة، فإن أكن منهم أدخل فيهم\". انظر طبقات ابن سعد (٥/ ٣٧٨).\n(١) في (ت): \"أضاف\".\n(٢) في (خ) و(ط): \"ذكرى لهم\".\n(٣) في (م): \"حمل\".\n(٤) ذكر المؤلف هذه المسألة في كتاب الموافقات له عند المسألة الثالثة من كتاب الاجتهاد، وذلك ضمن كلام طويل حول النهي عن تتبع الرخص، وما يلزم المستفتي والمفتي من الآداب. انظر الموافقات (٤/ ١٤٦).\n(٥) يريد المؤلف بالصوفية هنا أئمة الصوفية المشهورين بالزهد والعبادة، مثل الفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم وغيرهم، وسوف يفرد المؤلف فصلًا مستقلًا في الباب الثاني يذكر فيه أقوالهم في الحثّ على اتّباع الكتاب والسنة والنهي عن البدع (ص١٦٠)، ثم إن المؤلف سيتكلم عن مصطلح التصوّف بشكل مفصل في الباب الثالث، يبيّن فيه ما هو مقبول منه، وما هو مردود (ص٣٨٣) وما بعده.\nوقد تقدم ذكر هذه الاتّهامات وبيان بطلانها في قسم الدراسة (ص٢٤ - ٣٧).","vol":"1","page":27},{"text":"الَّتِي أُمِرَ (١) بِاتِّبَاعِهَا - وَهِيَ النَّاجِيَةُ - مَا عَلَيْهِ العموم [وجماعة الناس في كل زمان وإن خالف السلف الصالح] (٢)، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الْجَمَاعَةَ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ بِحَوْلِ اللَّهِ (٣).\nوَكَذَبُوا عَلَيَّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ (٤)، أَوْ وَهِمُوا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.\nفَكُنْتُ (عَلَى حَالَةٍ) (٥) تُشْبِهُ حَالَةَ الْإِمَامِ الشَّهِيرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُطَّة (٦) الْحَافِظِ مَعَ أَهْلِ زَمَانِهِ، إِذْ حَكَى عَنْ نَفْسِهِ فَقَالَ: \"عَجِبْتُ مِنْ حَالِي فِي سَفَرِي وَحَضَرِي (٧) مَعَ الْأَقْرَبِينَ مِنِّي وَالْأَبْعَدِينَ، وَالْعَارِفِينَ وَالْمُنْكِرِينَ، فَإِنِّي وَجَدْتُ بِمَكَّةَ وَخُرَاسَانَ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَمَاكِنِ أَكْثَرَ مَنْ لَقِيتُ بِهَا - مُوَافِقًا أَوْ مُخَالِفًا - دَعَانِي إِلَى مُتَابَعَتِهِ عَلَى مَا يَقُولُهُ، وَتَصْدِيقِ قَوْلِهِ، وَالشَّهَادَةِ لَهُ، فَإِنْ كُنْتُ صدّقته (٨) فِيمَا يَقُولُ وَأَجَزْتُ لَهُ ذَلِكَ - كَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ هَذَا الزَّمَانِ - سَمَّانِي مُوَافِقًا، وَإِنْ وَقَفْتُ فِي حَرْفٍ مِنْ قَوْلِهِ، أَوْ فِي (٩) شَيْءٍ مِنْ فِعْلِهِ سَمَّانِي مُخَالِفًا، وَإِنْ ذَكَرْتُ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا أَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ بِخِلَافِ ذَلِكَ وارد (١٠)، سمّاني خارجيًا (١١)، وإن قرئ عليّ حديث (١٢) في التوحيد سمّاني\n_________\n(١) في (خ): \"أمرت\".\n(٢) ما بين المعكوفين زيادة من (ر).\n(٣) سيذكر المؤلف الأحاديث في الحثّ على الجماعة، وأقوال العلماء في المراد بها، في الباب التاسع، وذلك في المسألة السادسة عشرة والسابعة عشرة منه (٢/ ٢٥٨ - ٢٦٧) من المطبوع.\n(٤) في (ر): \"وكذبوا في جميع ذلك عليّ\".\n(٥) ما بين المعكوفين ساقط من أصل (ت)، ويظهر استدراك الناسخ له في الهامش.\n(٦) هو عبد الرحمن بن أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن منده بن بطه العبدي الأصبهاني، إمام، محدث، مصنّف، كان سيفًا على أهل البدع، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر. مات سنة (٤٧٠هـ).\nانظر: السير للذهبي (١٨/ ٣٤٩)، ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (٣/ ٢٨)، تكملة الإكمال لابن نقطة (١/ ٣٠٤).\n(٧) في (ت): \"في حضري وسفري\".\n(٨) في (م): \"صدقت\".\n(٩) في (م) و(ت): \"وفي\" بدل قوله \"أو في\".\n(١٠) ساقطة من (ت).\n(١١) تقدم التعريف بالخوارج (ص١١).\n(١٢) هكذا في (م) و(خ) و(ت) وفي (ط): \"قرأت عليه حديثًا\"، وهي هكذا في هامش (خ)، ويظهر التعديل في نسخة (ت) إلى ما في (ط).","vol":"1","page":28},{"text":"مُشَبِّهًا (١)، وَإِنْ كَانَ فِي الرُّؤْيَةِ سَمَّانِي سَالِمِيًّا (٢)، وإن كان في الإيمان سمّاني مرجئيًا (٣)، (وَإِنْ كَانَ فِي الْأَعْمَالِ، سَمَّانِي قَدَرِيًّا (٤» (٥)، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَعْرِفَةِ سَمَّانِي كَرَامِيًّا (٦)، وَإِنْ كَانَ فِي فَضَائِلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ سَمَّانِي نَاصِبِيًّا (٧)، وإن\n_________\n(١) المشبهة: هم الذين يشبّهون الخالق سبحانه بالمخلوقين سواء في الذات أو الصفات، وأول صدور التشبيه من الروافض كالسبئية، والبيانية، والمغيرية، والهشامية وغيرهم. وأهل البدع يتهمون أهل السنة بالتشبيه لإثباتهم الصفات الثابتة في القرآن والسنة على ما يليق بجلاله سبحانه.\nانظر: الفَرْق بين الفِرَق للبغدادي (ص١٧٠)، الملل والنحل للشهرستاني (ص١٠٣).\n(٢) هم المنسوبون إلى أبي عبد الله محمد بن سالم المتوفى سنة ٢٩٧هـ، وابنه أبو الحسن أحمد بن محمد بن سالم، وقيل: أسسها سهل التستري، وقيل من رجالها أبو طالب المكي صاحب قوت القلوب، وعزا إليهم شيخ الإسلام ابن تيمية بعض الأقوال المحدثة في كلام الله تعالى. انظر: الفتاوى (١٢/ ٣١٩ - ٣٢٠، ٥٢٧)، وشذرات الذهب لابن العماد (٣/ ٣٦).\n(٣) المرجئة: هم الذين أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، فالإيمان عندهم هو معرفة الله ومحبته والإقرار بوحدانيته وترك الاستكبار عليه، ويرون أن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، وأكثرهم على أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وكانوا يقولون لا تضرّ مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة، وقيل: إن أول من قال بالإرجاء غيلان الدمشقي، قال الشهرستاني: \"والمرجئة أربعة أصناف: مرجئة الخوارج، ومرجئة القدرية، ومرجئة الجبرية، والمرجئة الخالصة\". وأشهر فرق المرجئة الجهمية والأشاعرة ومرجئة الفقهاء.\nانظر: الفَرْق بين الفِرَق للبغدادي (ص١٥١)، الملل والنحل للشهرستاني (ص١٣٩ - ١٤٦)، مقالات الإسلاميين للأشعري (١/ ١٣٢ - ١٥٤)، التنبيه والرد للملطي (ص٤٧).\n(٤) تقدم التعريف بهم (ص١١).\n(٥) ما بين المعكوفين ساقط من (ت)، واستدرك في هامشها.\n(٦) هم أصحاب محمد بن كرام السجستاني المتوفى سنة ٢٥٥هـ، وهم طوائف بلغ عددهم إلى اثنتي عشرة فرقة، ومن ضلالاتهم زعمهم أن الله تعالى جسم له حد ونهاية، وكذلك قولهم بأن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط، دون التصديق بالقلب، ودون سائر الأعمال، وقولهم بوجوب معرفة الله بالعقل، وقولهم بالحسن والقبح العقليين، وتجويزهم عقد البيعة لإمامين في قطرين، ولابن كرام ضلالات في الفقه كقوله بصحة الصلاة في الثوب النجس، وعلى الأرض النجسة، ومع نجاسة ظاهر البدن.\nانظر: الفرق بين الفرق (ص١١٦)، الملل والنحل (ص١٠٨)، الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (٤/ ٤٥، ٢٠٤ - ٢٠٥).\n(٧) النواصب من أسماء الخوارج كما مرّ (ص١١)، ويطلق على من ناصب عليًا ﵁ العداء.","vol":"1","page":29},{"text":"كَانَ فِي فَضَائِلِ أَهْلِ الْبَيْتِ سَمَّانِي رَافِضِيًّا (١)، وَإِنْ سَكَتُّ (٢) عَنْ تَفْسِيرِ آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ، فَلَمْ أُجِبْ فِيهِمَا [إِلَّا بِهِمَا] (٣)، سَمَّانِي ظَاهِرِيًّا (٤)، وَإِنْ أَجَبْتُ (٥) بِغَيْرِهِمَا سَمَّانِي بَاطِنِيًّا (٦)، وَإِنْ أَجَبْتُ بِتَأْوِيلٍ سَمَّانِي أَشْعَرِيًّا (٧)، وَإِنْ جَحَدْتُهُمَا (٨) سَمَّانِي مُعْتَزِلِيًّا (٩)،\n_________\n(١) مضى ذكرهم (ص٢٣).\n(٢) في (ر): \"سئلت\".\n(٣) ساقطة من (ر).\n(٤) الظاهرية: مذهب فقهي أسّسه داود بن علي الأصبهاني الظاهري المتوفى سنة ٢٧٠هـ، كما يعد الإمام ابن حزم المؤسس الثاني والمقعد لهذا المذهب، ويرى أصحاب هذا المذهب أن مصدر الفقه هو النص فحسب، فلا يأخذون بالقياس، ولا الاستحسان، ولا المصالح المرسلة، قال ابن كثير عن داود الظاهري: قد كان من الفقهاء المشهورين، ولكن حصر نفسه بنفيه للقياس الصحيح، فضاق بذلك ذرعه في أماكن كثيرة من الفقه، وروى عن الإمام أحمد أنه تكلّم فيه بسبب كلامه في القرآن، وأن لفظه به مخلوق.\nانظر: البداية والنهاية لابن كثير (١١/ ٥١)، تاريخ المذاهب الإسلامية لأبي زهرة (ص٥٤٤).\n(٥) في (خ): \"أجبتهم\"، وفي (ر): \"أجبته\" في الموضعين.\n(٦) هم الذين قالوا بأن لكل ظاهر باطنًا، ولكل تنزيل تأويلًا، وهو من أشهر ألقاب الشيعة الإسماعيلية، وقد زعموا أن محمدًا ﷺ أوتي علم التنزيل، وعليّ ﵁ أوتي علم التأويل، وقد تأوّلوا نصوص القرآن والسنّة على ما يوافق أسسهم الضالّة، لهدم الإسلام، وعقائدهم قد خالطتها الفلسفة، بل طغت عليها، ومن المؤسّسين لهذه الدعوة ميمون بن ديصان القداح ومحمد بن الحسين الملقب بدندان، ومنهم حمدان بن قرمط المنسوب إليه القرامطة.\nانظر: الملل والنحل للشهرستاني (ص١٩١)، الفَرْق بين الفِرَق (ص٢١٣)، تاريخ المذاهب الإسلامية لأبي زهرة (ص٥٤).\n(٧) هم المنتسبون إلى أبي الحسن الأشعري المتوفى سنة ثلاثين وثلاثمائة ونيف، وقد أثبتوا سبعًا من الصفات، وتأوّلوا غيرها من الصفات الخبرية، وقالوا في القدر بالكسب، وفي كلام الله بأنه كلام نفسي إلى غير ذلك مما ذهبوا إليه، وقد تأثر مذهبهم بالمعتزلة من جهة وبالسلف من جهة أخرى، علمًا بأن أبا الحسن الأشعري قد عاد إلى مذهب أحمد بن حنبل ﵀ كما نصّ على ذلك في كتبه، ومن رجالهم أبو بكر الباقلاني، والغزالي، والبيضاوي، والرازي.\nانظر: الملل والنحل (ص٩٤)، تاريخ المذاهب الإسلامية (ص١٦٠)، منهج الأشاعرة في العقيدة للدكتور سفر الحوالي.\n(٨) في (م) و(ط): \"حجدتهما\".\n(٩) المعتزلة: هم أصحاب واصل بن عطاء الغزال، وعمرو بن عبيد بعده، وسموا معتزلة =","vol":"1","page":30},{"text":"وَإِنْ كَانَ فِي السُّنَنِ مِثْلَ الْقِرَاءَةِ سَمَّانِي شَفْعَوِيًّا، وَإِنْ كَانَ فِي الْقُنُوتِ سَمَّانِي حَنَفِيًّا (١)، وَإِنْ كَانَ فِي الْقُرْآنِ سَمَّانِي حَنْبَلِيًّا (٢)، وَإِنْ ذكرت رجحان ما ذهب كل واحد منهم (٣) إِلَيْهِ مِنَ الْأَخْبَارِ - إِذْ لَيْسَ فِي الْحُكْمِ وَالْحَدِيثِ مُحَابَاةٌ - قَالُوا: طَعَنَ [فِي تَزْكِيَتِهِمْ] (٤).\nثُمَّ أعجب من ذلك أنهم يسمونني - فيما يقرؤون عَلَيَّ مِنْ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا (٥) يَشْتَهُونَ مِنْ هَذِهِ الْأَسَامِي، وَمَهْمَا وَافَقْتُ بَعْضَهُمْ عَادَانِي غَيْرُهُ، وَإِنْ دَاهَنْتُ جَمَاعَتَهُمْ أَسْخَطْتُ اللَّهَ (٦) ﵎، وَلَنْ يُغْنُوا عني من الله شيئًا. وأنا (٧) مُسْتَمْسِكٌ (٨) بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ\" (٩).\nهَذَا تَمَامُ الْحِكَايَةِ، فَكَأَنَّهُ ﵀ تَكَلَّمَ عَلَى لسان الجميع، فقلما\n_________\n= لاعتزال واصل بن عطاء حلقة الحسن البصري بعد قوله المبتدع في مرتكب الكبيرة، وقيل لاعتزالهم المسلمين ومخالفتهم لهم في هذه القضية، ويسمون القدرية والعدلية وأهل التوحيد، ومن ضلالاتهم نفي صفات الله تعالى، ونفي القدر، والقول بخلق القرآن، ونفي رؤية الله تعالى في الآخرة، والحكم على مرتكب الكبيرة بالخلود في النار إذا مات ولم يتب، ووجوب الخروج على الإمام الظالم، إلى غير ذلك من البدع، وعندهم غلوّ وتعظيم للعقل، وهم فرق كثيرة ربت على العشرين. وقد ابتلي أهل السنة بسببهم بلاء عظيمًا.\nانظر: الملل والنحل بلشهرستاني (ص٤٣)، الفَرْق بين الفِرَق للبغدادي (ص٧٨)، تاريخ المذاهب الإسلامية لأبي زهرة (ص١٢٤)، التنبيه والرد للملطيّ (ص٤٠)، المعتزلة وأصولهم الخمسة للدكتور عواد المعتق.\n(١) وذلك لأن الأحناف يوجبون القنوت في الوتر، والواجب مرتبة عندهم بين السنّة والفرض. انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٢/ ٦٨٥ - ٦٨٨).\n(٢) لعلّهم يسمونه بذلك إذا جاء بدليل يقرر قول الإمام أحمد في أن القرآن كلام الله غير مخلوق، لأنها مسألة اشتهرت عنه ﵀.\n(٣) ساقطة من (ط).\n(٤) ساقط من (ر).\n(٥) في (م) و(خ): \"بما\".\n(٦) في (خ): \"أسخطت عليهم الله\".\n(٧) في (ط): \"واني\".\n(٨) في (ر): \"متمسك\".\n(٩) ذكر هذا القول للإمام عبد الرحمن بن منده الإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ مع اختصار شيء من كلامه. انظر: التذكرة (٣/ ١١٦٦ - ١١٦٧)، وذكرها أيضًا في السير (١٨/ ٣٥١)، وذكرها الإمام ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة (٣/ ٢٨).","vol":"1","page":31},{"text":"تَجِدُ عَالِمًا مَشْهُورًا، أَوْ فَاضِلًا مَذْكُورًا، إِلَّا وقد نبز (١) بِهَذِهِ الْأُمُورِ أَوْ بَعْضِهَا، لِأَنَّ الْهَوَى قَدْ يُدَاخِلُ الْمُخَالِفَ، بَلْ سَبَبُ الْخُرُوجِ عَنِ السُّنَّةِ الْجَهْلُ بِهَا، وَالْهَوَى الْمُتَّبَعُ الْغَالِبُ عَلَى أَهْلِ الْخِلَافِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ حُمِلَ عَلَى صَاحِبِ السُّنَّةِ أَنَّهُ غَيْرُ صَاحِبِهَا، وَرُجِعَ (٢) بِالتَّشْنِيعِ عَلَيْهِ، وَالتَّقْبِيحِ لِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ، حَتَّى يُنْسَبَ هَذِهِ الْمَنَاسِبَ.\nوَقَدْ نُقِلَ عَنْ سَيِّدِ العُبَّاد بَعْدَ الصَّحَابَةِ أُويس الْقَرَنِيِّ (٣) أَنَّهُ قَالَ: \"إِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ، والنهي عن المنكر لم يدع (٤) لِلْمُؤْمِنِ صَدِيقًا، نَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ فَيَشْتُمُونَ أَعْرَاضَنَا، وَيَجِدُونَ على ذَلِكَ أَعْوَانًا مِنَ الْفَاسِقِينَ، حَتَّى وَاللَّهِ لَقَدْ رَمَوْنِي بِالْعَظَائِمِ، وَايْمُ اللَّهِ لَا أَدَعُ أَنْ أَقُومَ فِيهِمْ بِحَقِّهِ\" (٥).\nفَمِنْ هَذَا الْبَابِ يَرْجِعُ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، لِأَنَّ الْمُؤَالِفَ فِيهِ - عَلَى وَصْفِهِ الْأَوَّلِ - قَلِيلٌ، فَصَارَ الْمُخَالِفُ هُوَ الكثير، فاندرست رسوم السنّة حين (٦) مَدَّتِ الْبِدَعُ أَعْنَاقَهَا، فَأُشْكِلَ مَرْمَاهَا (٧) عَلَى الْجُمْهُورِ، فظهر مصداق الحديث الصحيح.\nوَلَمَّا وَقَعَ عَلَيَّ (٨) مِنَ الْإِنْكَارِ (٩) مَا وَقَعَ - مع ما هدى الله إليه وله\n_________\n(١) في (ط): \"نبذ\".\n(٢) في (خ) و(ت): \"روجع\".\n(٣) هو أويس بن عامر القرني، سيد التابعين، وكان زاهدًا عابدًا. بشر النبيّ ﷺ به، وأوصى به أصحابه، سأله عمر أن يدعو له، لورود الخبر في فضله، واستجابة دعوته، فاستغفر له، ذهب إلى الكوفة، فلما اشتهر أمره اختفى عن الناس. قيل: توفي في صفين، وكان مع علي ﵁. انظر طبقات ابن سعد (٦/ ١٦١) حلية الأولياء لأبي نعيم (٢/ ٧٩) وصفة الصفوة لابن الجوزي (٣/ ٤٣)، تقريب التهذيب (١/ ٨٦).\n(٤) في (خ) \"لم يتركا\" وفي (ط): \"لم يدعا\"، والمثبت موافق لما ذكره ابن الجوزي.\n(٥) رواه ابن سعد في الطبقات عن أُويس ﵀ بلفظ أطول (٦/ ١٦٥)، وأشار إلى طرف منه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٨٣)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة بلفظ أطول من هذا (٣/ ٥٤)، وأخرجه ابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف (٨).\n(٦) في (خ) و(ط): \"حتى\".\n(٧) في (م): \"مراماها\".\n(٨) ساقطة من (ت)، واستدركت في هامشها.\n(٩) في (ر): \"ولما وقع من الإنكار علي\".","vol":"1","page":32},{"text":"الحمد - لم أزل أتتبّع (١) الْبِدَعَ الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وحذَّر مِنْهَا، وبيَّن (٢) أَنَّهَا ضَلَالَةٌ، وَخُرُوجٌ عَنِ الْجَادَّةِ (٣)، وَأَشَارَ الْعُلَمَاءُ إِلَى تَمْيِيزِهَا، وَالتَّعْرِيفِ بِجُمْلَةٍ مِنْهَا، لَعَلِّي أَجْتَنِبُهَا (٤) فِيمَا اسْتَطَعْتُ، وَأَبْحَثُ عَنِ السُّنَنِ (٥) الَّتِي كَادَتْ تُطْفِئُ نُورَهَا تِلْكَ الْمُحْدَثَاتُ، لَعَلِّي أَجْلُو بِالْعَمَلِ سَنَاهَا (٦)، وأُعدّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَنْ أَحْيَاهَا؛ إِذْ مَا مِنْ بِدْعَةٍ تُحْدَثُ إِلَّا وَيَمُوتُ مِنَ السُّنَنِ مَا هُوَ فِي مُقَابَلَتِهَا، حَسْبَمَا جَاءَ عَنِ السلف في ذلك.\nفعن ابن عباس ﵄ قَالَ: \"مَا يَأْتِي عَلَى النَّاسِ مِنْ عَامٍ، إِلَّا أَحْدَثُوا فِيهِ بِدْعَةً، وَأَمَاتُوا فِيهِ سُنَّةً، حتى تحيا البدع (٧)، وَتَمُوتَ السُّنَنُ\" (٨).\nوَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ: \"لَا يُحْدِثُ رَجُلٌ (٩) بِدْعَةً إِلَّا تَرَكَ مِنَ السُّنَّةِ مَا هو خيرٌ منها\" (١٠).\nوعن لقمان (عن) (١١) أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ (١٢) أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: \"مَا\n_________\n(١) في (م) و(ر): \"أتبع\".\n(٢) في (م): \"وأبين\".\n(٣) الجادة معظم الطريق، الجمع جواد. الصحاح للجوهري (٢/ ٤٥٢).\n(٤) في (م): \"احتسبها\".\n(٥) في (خ): \"وأبحث عنها عن السنن\".\n(٦) السنا مقصور: ضوء البرق. الصحاح (٦/ ٢٣٨٣).\n(٧) في (ط): \"البدعة\".\n(٨) رواه عن ابن عباس الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب تغير البدع (ص٤٥ - ٤٦)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى \"١/ ١٧٨، ٣٥٠)، والإمام محمد بن نصر في السنة (ص٣٢)، ورواه الإمام اللالكائي في أصول الاعتقاد (١/ ٩٢). وعزاه الهيثمي في مجمع الزوائد إلى الطبراني في الكبير، وقال: رجاله موثقون (١/ ١٩٣)، وذكره الطرطوشي في الحوادث والبدع (ص١١٧).\n(٩) في (ر): \"الرجل\".\n(١٠) أخرجه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب تغير البدع، عن خلاس بن عمرو يرفعه (ص٤٥)، وروى الإمام محمد بن نصر المروزي قريبًا منه مرفوعًا في كتاب السنة، وضعف المحقق سنده (ص٣٢).\n(١١) في جميع النسخ: \"بن\"، وهو خطأ، والصواب المثبت كما في مصادر الأثر.\n(١٢) هو عائذ الله بن عبد الله الخولاني، ولد في حياة النبيّ ﷺ يوم حنين، وسمع من كبار الصحابة كأبي ذر وحذيفة وأبي الدرداء، تولّى القضاء بدمشق، وكان عالم الشام بعد أبي الدرداء. =","vol":"1","page":33},{"text":"أحدثت أمة في دينها بدعة، إلا رفع بها عنهم (١) سنة\" (٢).\nوعن حسان بن عطية (٣) قَالَ: \"مَا أَحْدَثَ قَوْمٌ بِدْعَةً فِي دِينِهِمْ إِلَّا نَزَعَ اللَّهُ (٤) مِنْ سُنَّتِهِمْ مِثْلَهَا، ثُمَّ لَمْ يُعِدْهَا إِلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ\" (٥)، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا جَاءَ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ مُشَاهَدٌ مَعْلُومٌ حَسْبَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شاء الله (٦).\nوَجَاءَ مِنَ التَّرْغِيبِ فِي إِحْيَاءِ السُّنَنِ مَا جَاءَ، فَقَدْ خرَّج ابْنُ وَهْبٍ (٧) حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: \"من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بَعْدِي، فَإِنَّ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنَ النَّاسِ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ (٨) من أجورهم\n_________\n= انظر: تقريب التهذيب لابن حجر (١/ ٣٩٠)، طبقات ابن سعد (٧/ ٤٤٨)، البداية والنهاية (٩/ ٣٦)، الكاشف للذهبي (٢/ ٥٢).\n(١) في (ت): \"عنهم بها\".\n(٢) رواه ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب تغير البدع عن أبي إدريس بلفظ أطول وهو: \"لأن أسمع بناحية المسجد بنار تحترق أحب إليّ من أن أسمع فيه ببدعة ليس لها مغير، وما أحدثت أمة .. وذكره\". وروى الإمام ابن نصر المروزي في السنة الشطر الأول من الأثر دون الثاني (ص٣٢).\n(٣) هو الإمام الحجة أبو بكر حسان بن عطية المحاربي، مولاهم الدمشقي، ثقة، فقيه، عابد، نبيل. روى عن أبي أمامة وسعيد بن المسيب، وروى عنه الأوزاعي وغيره، قال الأوزاعي: ما رأيت أحدًا أكثر عملًا في الخير من حسان بن عطية، وقيل: كان من أهل بيروت، قال الذهبي: قال يحيى بن معين: كان قدريًا، ثم قال: قلت لعله رجع وتاب. بقي إلى حدود سنة ١٣٠هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (٥/ ٤٦٦)، تقريب التهذيب لابن حجر (١/ ١٦٢)، الكاشف للذهبي (١/ ١٥٧)، حلية الأولياء (٦/ ٧٠).\n(٤) في (م): \"إلا نزع من سنتهم\" دون ذكر لفظ الجلالة.\n(٥) رواه عن حسان بن عطية الإمام الدارمي في سننه (١/ ٥٨) برقم (٩٨)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٧٣)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٩٣)، والإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب تغير البدع (ص٤٤)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٣٥١)، وذكره الخطيب التبريزي في مشكاة المصابيح، وصحح الألباني سنده (١/ ٦٦).\n(٦) سيأتي الكلام على هذه النقطة في الباب الثاني (ص٢١٩ - ٢٢١).\n(٧) تقدمت ترجمته ﵀ (ص٤).\n(٨) ساقطة من (م)، وكتبت في (ت) فوق السطر.","vol":"1","page":34},{"text":"شَيْئًا، وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً ضَلَالَةً لَا يَرْضَاهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَإِنَّ عَلَيْهِ إِثْمُ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِ النَّاسِ شَيْئًا\"، وخرَّجه (١) التِّرْمِذِيُّ [بِاخْتِلَافٍ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ مَعَ اتِّفَاقِ الْمَعْنَى، وَقَالَ فِيهِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ (٢).\nوفي الترمذي] (٣) عن أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"يَا بُنَيَّ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ (٤) تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ لَيْسَ (٥) فِي قَلْبِكَ غِشٌّ لِأَحَدٍ، فَافْعَلْ\"، ثُمَّ قَالَ لِي: \"يَا بُنَيَّ وَذَلِكَ مِنْ سُنَّتِي، وَمَنْ أَحْيَا سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ معي في الجنّة\" حديث حسن (٦).\n_________\n(١) في (ط): \"وأخرجه\".\n(٢) رواه الإمام الترمذي في سننه، كتاب العلم برقم (٢٦٧٧)، عن كثير بن عبد الله عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال لبلال بن الحجارث: \"اعلم: قال: ما أَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: اعْلَمْ يَا بلال، قال: ما أَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِنَّهُ مَنْ أحيا سنة من سنتي ... الحديث\"، وقال: حديث حسن (٥/ ٤٤)، وأخرجه ابن ماجه في مقدمة سننه عن كثير بن عبد الله كذلك (١/ ٧٦)، ورواه ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب تغير البدع (ص٤٠)، والبيهقي في الاعتقاد والهداية، باب الاعتصام بالسنة (ص١٥٣)، والبغوي في شرح السنة، وقال: هذا حديث حسن (١/ ٢٣٣)، وروى جزءًا منه ابن أبي عاصم في السنة برقم (٤٢)، كلّهم عن كثير بن عبد الله، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب، وعزاه لابن ماجه والترمذي (وذكر تحسين الترمذي، وقال: بل كثير بن عبد الله متروك كما تقدم)، ولكن للحديث شواهد (١/ ٨٨)، وأورده الخطيب في المشكاة، وضعّفه الألباني بسبب كثير بن عبد الله، ورد تحسين الترمذي، ثم قال: كيف لا، وقد قال الشافعي وأبو داود في كثير هذا: \"ركن من أركان الكذب\"، وقال ابن حبان: \"له عن أبيه عن جده نسخة موضوعة\"، ولهذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي كما قال الذهبي. انظر: مشكاة المصابيح (١/ ٦٠).\n(٣) ما بين المعكوفتين سقط من (ر).\n(٤) ساقطة من (ت).\n(٥) في (ت): \"وليس\".\n(٦) رواه الإمام الترمذي في كتاب العلم من سننه، باب ما جاء في الأخذ بالسنة، واجتناب البدع، وفي سنده علي بن زيد بن جدعان ضعيف كما في التقريب (٢/ ٣٧)، وأورده التبريزي في المشكاة وعزاه للترمذي، وضعّفه الألباني كما في تعليقه على الكتاب بسبب علي بن زيد (١/ ٦٢)، وروى الإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى عن أنس قوله ﷺ: \"من أحيا سنتي فقد أحبّني، ومن أحبّني كان معي في الجنة\" (١/ ٢١١)، وكذلك رواه اللالكائي في أصول الاعتقاد (١/ ٥٣)، ولا يخلو إسناد كلٍّ منهما من مجاهيل، وأورده الشيخ الألباني في ضعيف الجامع وضعفه. وهو برقم (٥٣٦٠)، (ص٧٧٣).","vol":"1","page":35},{"text":"فَرَجَوْتُ بِالنَّظَرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ (١) الِانْتِظَامَ فِي سلك من أحيا سنّة، وأمات بدعة.\nوَعَلَى طُولِ (٢) الْعَهْدِ (٣)، وَدَوَامِ النَّظَرِ اجْتَمَعَ لِي في البدع والسنن أصول قرّرت (٤) أحكامها الشريعة، [وَفُرُوعٌ طَالَتْ أَفْنَانُهَا (٥)، لَكِنَّهَا تَنْتَظِمُهَا تِلْكَ الْأُصُولُ، وَقَلَّمَا تُوجَدُ عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي سَنَحَ فِي الْخَاطِرِ، فَمَالَتْ إِلَى بَثِّهَا النَّفْسُ، وَرَأَتْ أَنَّهُ مِنَ الْأَكِيدِ الطَّلَبِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ رَفْعِ الِالْتِبَاسِ النَّاشِئِ بَيْنَ السُّنَنِ وَالْبِدَعِ (٦)، لِأَنَّهُ لَمَّا كَثُرَتِ الْبِدَعُ وعمَّ ضَرَرُهَا، وَاسْتَطَارَ شَرَرُهَا، وَدَامَ الْإِكْبَابُ (٧) عَلَى الْعَمَلِ بِهَا، وَالسُّكُوتُ (٨) مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنِ الْإِنْكَارِ لَهَا، وَخَلَفَتْ بَعْدَهُمْ خُلُوفٌ جَهِلُوا (٩) أَوْ غَفَلُوا عَنِ الْقِيَامِ بِفَرْضِ الْقِيَامِ فِيهَا، صَارَتْ كَأَنَّهَا سُنَنٌ مُقَرَّرَاتٌ، وَشَرَائِعُ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ (١٠) مُحَرَّرَاتٌ، فَاخْتَلَطَ الْمَشْرُوعُ بِغَيْرِهِ، فَعَادَ الرَّاجِعُ إِلَى مَحْضِ السُّنَّةِ كَالْخَارِجِ عَنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ، فَالْتَبَسَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، فَتَأَكَّدَ الْوُجُوبُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ عِنْدَهُ فِيهَا عِلْمٌ، وَقَلَّمَا صُنِّفَ فِيهَا عَلَى الْخُصُوصِ تَصْنِيفٌ، وَمَا صُنِّفَ فِيهَا فَغَيْرُ كافٍ فِي هَذِهِ الْمَوَاقِفِ، مَعَ أَنَّ الدَّاخِلَ فِي هَذَا الْأَمْرِ الْيَوْمَ فَاقِدُ الْمُسَاعِدِ، عَدِيمُ المعين، فالموالي له (١١) يَخْلُدْ بِهِ إِلَى الْأَرْضِ، وَيُلْقِي لَهُ بِالْيَدِ إِلَى الْعَجْزِ عَنْ بَثِّ الْحَقِّ، بَعْدَ رُسُوخِ العوائد في القلوب، والمعادي (١٢) يرميه (١٣) بالدردبيس (١٤)، وَيَرُومُ (١٥) أَخْذَهُ بِالْعَذَابِ الْبَئِيسِ، لِأَنَّهُ يَرُدُّ (١٦) عَوَائِدَهُ\n_________\n(١) في (خ) و(ت): \"الموضوع\".\n(٢) في (ر): \"طوال\".\n(٣) في (خ): \"العمر\".\n(٤) في (ر): \"قدرت\".\n(٥) قال في اللسان: والفَنَن الغصن، وقيل: الغصن القضيب يعني المقضوب، والفنن ما تشعب منه، والجمع أفنان، انظر: لسان العرب لابن منظور (١٣/ ٣٢٧).\n(٦) ساقطة من (م) و(ت) و(غ)، وأثبتت في هامش (ت).\n(٧) ساقطة من (غ).\n(٨) ما بين المعكوفين ساقط من (ر).\n(٩) في (ر): \"ذهلوا\".\n(١٠) في (غ) و(ر): \"الشريعة\".\n(١١) ساقطة من (م).\n(١٢) ساقطة من (ت).\n(١٣) في (ط): \"يريسه\".\n(١٤) في (ط): \"الأردبيس\"، والصواب المثبت. والدردبيس: الداهية. انظر: الصحاح (٣/ ٩٢٨).\n(١٥) في (ر): \"ويدوم\".\n(١٦) لعل أصلها \"يرى\".","vol":"1","page":36},{"text":"الرَّاسِخَةَ فِي الْقُلُوبِ، الْمُتَدَاوَلَةَ فِي (الْأَعْمَالِ) (١)، دِينًا يُتَعَبَّدُ بِهِ، وَشَرِيعَةً يُسْلَكُ عَلَيْهَا، لَا حُجَّةَ له عليها (٢) (إِلَّا عَمَلُ (٣» (٤) الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ، مَعَ بَعْضِ الْأَشْيَاخِ المعلمين (٥)، كَانُوا مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ أَمْ لَا، وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى أَنَّهُمْ عِنْدَ موافقتهم للآباء والأشياخ مخالفون للسلف الصالح.\nفالمتعرض لمثل هذا الأمر بالقول (٦) يَنْحُو نَحْوَ (٧) عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ فِي الْعَمَلِ، حَيْثُ قَالَ: \"أَلَا وَإِنِّي أُعَالِجُ أَمْرًا لَا يُعِينُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ، قَدْ فَنِيَ عَلَيْهِ الْكَبِيرُ، وكَبُر عَلَيْهِ الصَّغِيرُ، وَفَصُحَ عَلَيْهِ الْأَعْجَمِيُّ، وَهَاجَرَ عَلَيْهِ الْأَعْرَابِيُّ، حَتَّى حَسِبُوهُ دِينًا لَا يَرَوْنَ الْحَقَّ غَيْرَهُ\" (٨).\nوَكَذَلِكَ مَا نَحْنُ (٩) بِصَدَدِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّهُ أَمْرٌ لَا سَبِيلَ إِلَى إِهْمَالِهِ وَلَا يسع أحدًا ممن له مُنَّة فيه (١٠) إِلَّا الْأَخْذُ بِالْحَزْمِ وَالْعَزْمِ فِي بَثِّهِ، بَعْدَ تَحْصِيلِهِ عَلَى كَمَالِهِ، وَإِنْ كَرِهَ الْمُخَالِفُ فَكَرَاهِيَتُهُ لَا حُجَّةَ فِيهَا عَلَى الْحَقِّ إِلَّا يُرَفْعُ مناره، ولا تخسف أَنْوَارُهُ (١١)، فَقَدْ خرَّج أَبُو الطَّاهِرِ السَّلَفِيُّ (١٢) بِسَنَدِهِ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: \"يَا أَبَا هُرَيْرَةَ عَلِّمِ النَّاسَ الْقُرْآنَ وتعلَّمه، فَإِنَّكَ إِنْ مِتَّ وَأَنْتَ كَذَلِكَ زَارَتِ الْمَلَائِكَةُ قَبْرَكَ كَمَا يُزَارُ الْبَيْتُ الْعَتِيقُ، وعلِّم النَّاسَ سُنَّتِي وَإِنْ كَرِهُوا ذَلِكَ، وَإِنْ أَحْبَبْتَ أَلَّا تُوقَفَ عَلَى الصِّرَاطِ طرفة\n_________\n(١) في (م) و(ت) و(خ): \"العمال\"، والمثبت هو ما صححت به الكلمة في هامش (خ)، وهي كذلك في (ط).\n(٢) ساقطة من (ط).\n(٣) ساقطة من (غ).\n(٤) ما بين المعكوفين ساقطة من (م) وأصل (خ) و(ت)، ومثبت في (ط) وهامش (خ) و(ت).\n(٥) هكذا في (ر)، وفي بقية النسخ: \"العالمين\".\n(٦) في (غ): \"هذا الأمر بالقول ينمو\".\n(٧) النحو: القصد والطريق. يقال: نحا نحوه أي قصد قصده. الصحاح (٦/ ٢٥٣).\n(٨) انظر: سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم (ص٤٢).\n(٩) ساقطة من أصل (ت) ومثبتة في هامشها.\n(١٠) ساقط من جميع النسخ عدا (ر).\n(١١) هكذا في جميع النسخ الخطية، وفي (ط) وهامش (خ): \"ولا تكشف وتجلي أنواره\" وهي أصوب.\n(١٢) هو أحمد بن محمد بن إبراهيم سلفة الحافظ الكبير المعمر، أبو طاهر السلفي الأصبهاني، وكان يلقب بصدر الدين وكان شافعي المذهب، أخذ اللغة عن الخطيب التبريزي، وسمع الحديث الكثير، وقد نزل الإسكندرية، وبنيت له فيها مدرسة تعرف باسمه، وأمّا أماليه وكتبه وتعاليقه فكثيرة جدًا. توفي سنة ٥٧٦هـ.\nانظر: البداية والنهاية (١٢/ ٣٢٨)، طبقات الشافعية (٤/ ٢٣٠)، شذرات الذهب (٤/ ٢٧).","vol":"1","page":37},{"text":"عَيْنٍ حَتَّى تَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَلَا تُحْدِثْ فِي دِينِ اللَّهِ حَدَثًا بِرَأْيِكَ\" (١).\nقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْقَطَّانِ (٢): \"وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ كُلَّهُ، مِنْ إِقْرَاءِ كِتَابِ اللَّهِ، وَالتَّحْدِيثِ بِالسُّنَّةِ، أَحَبَّ النَّاسُ أَمْ كَرِهُوا، وَتَرْكِ الْحَدَثِ، حَتَّى إِنَّهُ (٣) كَانَ لَا يَتَأَوَّلُ شَيْئًا مِمَّا رَوَى، تَتْمِيمًا لِلسَّلَامَةِ مِنَ الْخَطَأِ\".\nعَلَى أَنَّ أَبَا الْعَرَبِ التَّمِيمِيِّ (٤) حَكَى عَنِ ابْنِ فَرُّوخَ (٥) أنه كتب إلى\n_________\n(١) في (ر): \"تدخلوا\".\n(٢) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ٣٨٠)، وعزاه الألباني في السلسلة الضعيفة (١/ ٢٨٥) لأبي الفرج ابن مسلمة في مجلس من الأمالي (١٢٠/ ٢)، وإلى السلفي في الأربعين (٢٠/ ١)، وطرق أربعين السلفي لابن عساكر (٥٤/ ١ - ٢)، وقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٢٦٤)، وقال: لا يصح عن رسول الله ﷺ، وقد غطى بعض الرواة عورة عواره بأن قال: حدثنا أبو همام القرشي وهذا عندي من أعظم الخطأ أن يهرج بكذاب، واسمه محمد بن مجيب، قال يحيى بن معين: كذاب عدوّ الله. وقال أبو حاتم الرازي: ذاهب الحديث، وتعقبه السيوطي في اللآلئ المصنوعة بقوله: قلت له طريق آخر. قال أبو نعيم: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر حدثنا محمد بن عبد الرحيم بن شبيب عن محمد بن قدامة المصيصي عن جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة. انظر: الحلية (١/ ٢٢٢). ثم قال الألباني معقبًا على هذا السند: وأنا أتّهم به ابن شبيب هذا، فإن رجال إسناده كلهم ثقات غيره، واتّهمه بالجهالة. وقد حكم عليه الألباني بالوضع كما في السلسلة الضعيفة، وله كلام جيد في هذا الموضع (١/ ٢٨٥).\n(٣) لم يتبين لي المراد بابن القطان هنا.\n(٤) في (ت): \"إن\"، وسقطت من (ر).\n(٥) هو محمد بن أحمد بن تميم بن تمام التميمي، سمع من جماعة أصحاب سحنون، وأكثر رجال أفريقية. وكان رجلًا صالحًا ثقة، عالمًا بالسنن والرجال، كثير الكتب، حسن التقييد. ألّف طبقات علماء أفريقية، وكتاب عباد أفريقية، ومسند حديث مالك، وكتاب التاريخ. توفي سنة ٣٣٣هـ.\nانظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٢/ ٣٣٤)، سير أعلام النبلاء (١٥/ ٣٩٤).\n(٦) هو أبو محمد عبد الله بن فروخ الفارسي، فقيه القيروان في وقته، كان مولده سنة ١١٥هـ، ثم انتقل إلى أفريقية فسكن القيروان وأوطنها، ثم رحل إلى المشرق ولقي جماعة من العلماء منهم مالك وأبو حنيفة والثوري، وكان اعتماده في الحديث والفقه على مالك بن أنس وبصحبته اشتهر، وكان فقيهًا ورعًا ﵀. توفي بمصر سنة ١٧٥هـ.\nانظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (١/ ٣٣٩)، الكاشف للذهبي (٢/ ١٠٥)، تقريب التهذيب لابن حجر (١/ ٤٤٠).","vol":"1","page":38},{"text":"مالك بن أنس (﵁) (١): أن بلدنا كثير البدع، وأنه ألف لهم (٢) كَلَامًا (٣) فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ يَقُولُ لَهُ: \"إِنْ ظَنَنْتَ ذَلِكَ بِنَفْسِكَ خِفْتُ أَنْ تَزِلَّ فَتَهْلِكَ، لَا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ إِلَّا مَنْ كَانَ ضَابِطًا عَارِفًا بِمَا يَقُولُ لَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ (٤) أَنْ يُعَرِّجُوا عَلَيْهِ، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ فَيُخْطِئَ فَيَمْضُوا عَلَى خَطَئِهِ أَوْ يَظْفَرُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ، فَيَطْغَوْا وَيَزْدَادُوا تَمَادِيًا عَلَى ذَلِكَ\" (٥)، انْتَهَى (٦).\nوَهَذَا الْكَلَامُ يَقْضِي لِمِثْلِي بِالْإِحْجَامِ دون الإقدام، وشياع هذا المنكر (٧)، وَفُشُوُّ الْعَمَلِ بِهِ، وَتَظَاهَرُ أَصْحَابِهِ يَقْضِي لِمَنْ لَهُ (بِهَذَا (٨) الْمَقَامِ مُنَّة) (٩) بِالْإِقْدَامِ دُونَ الْإِحْجَامِ؛ لِأَنَّ الْبِدَعَ قَدْ عمَّت، وَجَرَتْ أَفْرَاسُهَا مِنْ غَيْرِ مُغَيِّرٍ (١٠) مِلْءَ أَعِنَّتِهَا.\nوَحَكَى (ابْنُ وَضَّاحٍ (١١) عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ: أَنَّ) (١٢) أَسَدَ بْنَ مُوسَى (١٣)\n_________\n(١) ساقطة من (غ).\n(٢) ساقطة من (ط).\n(٣) في (ت) وهامش (خ): \"كتابًا\".\n(٤) في (م) و(ت): \"يقدروا\".\n(٥) انظر: طبقات علماء إفريقية (ص١١٠)، وترتيب المدارك عند ترجمة ابن فروخ (١/ ٣٤٥)، ورياض النفوس (١/ ١١٨).\n(٦) ساقطة من (ط).\n(٧) في (م) و(ط): \"النكر\".\n(٨) في (م) و(خ): \"بها\"، وفي (ر): \"في هذا\".\n(٩) ساقطة من (غ).\n(١٠) في (ر): \"مغبز\".\n(١١) هو الإمام الحافظ، محدث الأندلس، أبو عبد الله محمد بن وضاح بن بزيع المرواني، مولى صاحب الأندلس عبد الرحمن بن معاوية الداخل، ولد سنة ١٩٩هـ، كان عالمًا بالحديث بصيرًا بطرقه وعلله، ورعًا زاهدًا، صبورًا على نشر العلم، رحل إلى المشرق وطلب الحديث، نفع الله به أهل الأندلس. ومن كتبه: البدع والنهي عنها، والقطعان، والعباد والعوابد. توفي سنة ٢٨٧هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٤٤٥)، الأعلام للزركلي (٧/ ٣٥٨)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٦٤٦)، لسان الميزان (٥/ ٤١٦).\n(١٢) ما بين المعكوفين بياض في (غ).\n(١٣) هو أسد بن موسى بن إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان الأموي، يقال له أسد السنة، روى عن ابن أبي ذئب والليث بن سعد وشعبة، وكانت ولادته سنة ١٣٢هـ، سنة زوال دولة آبائه بني أمية، وقد طلب العلم، ولقي الكبار، ورحل وجمع وصنّف، وله كتاب الزهد وغيره، وكان حريصًا على السنة، شديدًا على أهل البدع، عاش ثمانين سنة ثم توفي سنة ٢١٢هـ.=","vol":"1","page":39},{"text":"كَتَبَ إِلَى أَسَدِ بْنِ الْفُرَاتِ (١): \"اعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ مَا حَمَلَنِي عَلَى الكَتْب إِلَيْكَ مَا أَنْكَرَ (أَهْلُ بِلَادِكَ مِنْ صَالِحِ مَا) (٢) أَعْطَاكَ اللَّهُ مِنْ إِنْصَافِكَ النَّاسَ، وَحُسْنِ حَالِكَ مِمَّا أَظْهَرْتَ مِنَ السُّنَّةِ، وَعَيْبِكَ (لِأَهْلِ الْبِدَعِ، (وَكَثْرَةِ ذِكْرِكَ لَهُمْ) (٣» (٤)، وَطَعْنِكَ عَلَيْهِمْ، فَقَمَعَهُمُ اللَّهُ بِكَ (٥)، وَشَدَّ بِكَ ظَهَرَ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَوَّاكَ عَلَيْهِمْ بِإِظْهَارِ عَيْبِهِمْ، وَالطَّعْنِ عَلَيْهِمْ، وأذلَّهم اللَّهُ بذلك، وصاروا ببدعتهم مستترين. فأبشر أي أَخِي (٦) بِثَوَابِ اللَّهِ (٧)، وَاعْتَدَّ بِهِ مِنْ أَفْضَلِ حَسَنَاتِكَ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ. وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ الْأَعْمَالُ مِنْ إِقَامَةِ كِتَابِ اللَّهِ، وإحياء سنّة رسوله ﷺ؟! وَقَدْ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: \"من أَحْيَا شَيْئًا مِنْ سُنَّتِي كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ\" وَضَمَّ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ (٨)، وَقَالَ: \"أَيُّمَا داعٍ (٩) دَعَا إِلَى هُدًى (١٠) فَاتُّبِعَ عَلَيْهِ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ تَبِعَهُ إِلَى يوم القيامة\" (١١).\n_________\n= انظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ١٦٢)، تهذيب التهذيب لابن حجر (١/ ٢٦٠)، الكاشف للذهبي (١/ ٦٦).\n(١) هو الإمام العلامة، القاضي الأمير، مقدم المجاهدين، أبو عبد الله الحراني ثم المغربي، ولد بحرّان سنة ١٤٤هـ وكان أبوه الفرات بن سنان من أعيان الجند. روى أسد عن مالك الموطأ، وغلب عليه علم الرأي، وكتب علم أبي حنيفة وأخذ عنه شيخه أبو يوسف القاضي، وحصلت بأفريقية له رياسة وإمرة، وأخذوا عنه، وتفقهوا به، توفي بعدما افتتح بلدًا من جزيرة صقلية سنة ٢١٣هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٢٠)، ترتيب المدارك (٢/ ٤٦٥)، وفيات الأعيان (٣/ ١٨٢)، العبر (١/ ٣٦٤)، الإحاطة في أخبار غرناطة (١/ ٤٢٢).\n(٢) بياض في (غ).\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (ت).\n(٤) ما بين المعقوفتين بياض في (غ).\n(٥) في (ر): \"لك\".\n(٦) في (خ) و(ط): \"يا أخي\"، وفي (ت): \"أيا أخي\"، والمثبت هو ما في (م) و(غ)، وكذلك في البدع والنهي عنها لابن وضاح.\n(٧) في (غ): \"ذلك\"، ثم بياض إلى قوله: \"والحج\".\n(٨) مضى تخريجه مع اختلاف في اللفظ، ولم أجده بهذا اللفظ تمامًا. انظر (ص٣٤).\n(٩) ساقطة من (ت).\n(١٠) في (ط): \"هذه\".\n(١١) رواه ابن ماجه في مقدمة سننه عن أنس، ولفظه: \"أيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع، فإن له مثل أوزار من اتّبعه، ولا ينقص من أوزارهم شيئًا، وأيما داع دعا إلى هدى فاتبع، فإن له مثل أجور من اتّبعه، ولا ينقص من أجورهم شيئًا\" (١/ ٧٥)، وفي سنده =","vol":"1","page":40},{"text":"فَمَنْ يُدْرِكُ - يَا أَخِي - هَذَا بِشَيْءٍ مِنْ عمله؟!\nوذكر أيضًا: \"إن (١) عِنْدَ كُلِّ بِدْعَةٍ كِيدَ بِهَا الْإِسْلَامُ وَلِيًّا لِلَّهِ يَذُبُّ عَنْهَا، وَيَنْطِقُ بِعَلَامَتِهَا\" (٢). فَاغْتَنِمْ يَا أَخِي هَذَا الْفَضْلَ وكُنْ مِنْ أَهْلِهِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ فَأَوْصَاهُ، وَقَالَ: \"لِأَنْ يهدي الله بك رجلًا (٣) خَيْرٌ لَكَ مِنْ كَذَا وَكَذَا\" (٤). وَأَعْظَمَ الْقَوْلَ فِيهِ، فَاغْتَنِمْ ذَلِكَ، وَادْعُ إِلَى السُّنَّةِ حَتَّى يَكُونَ لَكَ فِي ذَلِكَ أُلفة وَجَمَاعَةٌ يَقُومُونَ مَقَامَكَ إِنْ حَدَثَ بِكَ حَدَثٌ (٥)، فَيَكُونُونَ أَئِمَّةً بعدك، فيكون لك ثواب ذلك إلى يوم القيامة كما جاء الأثر (٦).\n_________\n= سعد بن سنان. قال عنه ابن حجر في التقريب: صدوق له أفراد. تقريب التهذيب (١/ ٢٨٧).\nويشهد للحديث حديث أبي هريرة في مسلم وغيره بلفظ: \"من دعا إلى هدى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا\". صحيح مسلم بشرح النووي (٨/ ٦٢)، وقد صحح الألباني الحديث كما في صحيح الجامع برقم (٢٧١٢)، (١/ ٥٢٦).\n(١) في (غ): \"إن لله\".\n(٢) روى هذا الأثر الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها عن ابن مسعود وزاد: \"فاغتنموا حضور تلك المواطن وتوكّلوا على الله\" (ص١١)، ورواه أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة مرفوعًا، وقال: تفرّد به عبد الغفار عن سعيد وعنه عباد. انظر: الحلية (١٠/ ٤٠٠)، وانظر: الضعفاء للعقيلي (٣/ ١٠٠)، وراجع السلسلة الضعيفة للألباني (٨٦٩).\n(٣) في (ط): \"رجلًا واحدًا\".\n(٤) روى حديث معاذ ﵁ الإمام أحمد في المسند بلفظ: \"يا معاذ إن يهدي الله على يديك رجلًا من أهل الشرك خير لك من أن يكون لك حُمُر النعم\" (٥/ ٢٣٨). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد عن معاذ، باب فيمن يسلم على يديه أحد. وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات، إلا أن دويد بن نافع لم يدرك معاذًا (٥/ ٣٣٤). ولكن قد صحّ نحوه عن سهل بن سعد وهو في الصحيحين، وذلك في قصة فتح خيبر عندما أعطى النبيّ ﷺ عليًّا ﵁ الراية، وكان مما قاله له: \"فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم\". انظر فتح الباري، كتاب الجهاد، باب فضل من أسلم على يديه رجل (٦/ ١٤٤)، وصحيح مسلم بشرح النووي في كتاب فضائل الصحابة (١٥/ ١٧٨)، ومسند أحمد (٥/ ٣٣٣).\n(٥) في (غ): \"حادث\".\n(٦) مرّ قريبًا في نفس النص.","vol":"1","page":41},{"text":"فاعمل على بصيرة، ونية (١) وحسبة (٢)، فَيَرُدُّ اللَّهُ بِكَ الْمُبْتَدِعَ وَالْمَفْتُونَ الزَّائِغَ الْحَائِرَ، فَتَكُونُ خَلَفًا مِنْ نَبِيِّكَ ﷺ، فأحيِ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ، فَإِنَّكَ لَنْ تَلْقَى اللَّهَ بِعَمَلٍ يُشْبِهُهُ\" (٣).\nانْتَهَى مَا قَصَدْتُ إِيرَادَهُ مِنْ كَلَامِ أَسَدٍ ﵀، وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي (٤) جَانِبَ الْإِقْدَامِ، مَعَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁، أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ فَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ كَلَامِهِ فِي خُطْبَتِهِ، أَنْ قَالَ: \"وَاللَّهِ إِنِّي (٥) لَوْلَا أَنْ أُنْعِشَ (٦) سُنَّةً قَدْ أُمِيتَتْ، أو أميت (٧) بدعة قد أحييت، ما أحببت (٨) أَنْ أَعِيشَ فِيكُمْ فُوَاقًا (٩) \" (١٠).\nوَخَرَّجَ ابْنُ وَضَّاحٍ في كتاب القطعان (١١) من حديث (١٢) الْأَوْزَاعِيِّ (١٣) أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّهُ قَالَ: \"لَنْ يَزَالَ لِلَّهِ نُصَحَاءُ فِي الْأَرْضِ مِنْ عِبَادِهِ يَعْرِضُونَ أَعْمَالَ الْعِبَادَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَإِذَا وَافَقُوهُ حَمِدُوا اللَّهَ، وَإِذَا خَالَفُوهُ عَرَفُوا بِكِتَابِ اللَّهِ ضَلَالَةَ مَنْ ضَلَّ، وَهُدَى مَنِ اهتدى، فأولئك خلفاء الله\" (١٤).\n_________\n(١) ساقطة من (غ).\n(٢) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"حسنة\".\n(٣) أورد هذا النص عن أسد بن موسى الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص١٢).\n(٤) في (ت): \"مقوي\" بدل قوله \"مما يقوي\".\n(٥) ساقطة من (ت).\n(٦) أنعش أي أرفع. ونعشه الله أي رفعه. الصحاح للجوهري (٣/ ١٠٢١).\n(٧) في (خ) و(ط) و(ر): \"أو أن أميت\".\n(٨) ساقطة من (م) و(خ) و(ت).\n(٩) الفواق والفواق ما بين الحلبتين من الوقت، لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر، ثم تحلب. يقال: ما أقام عنده إلا فواقًا. الصحاح للجوهري (٤/ ١٥٤٦).\n(١٠) رواه ابن سعد في الطبقات عنه (٥/ ٣٤٤)، وأبو نعيم في الحلية عند ترجمة عمر بن عبد العزيز ضمن خطبة له (٥/ ٢٩٧)، وابن نصر المروزي في السنة بلفظ أطول (ص١٣)، وابن عبد الحكم في سيرة عمر بن عبد العزيز (ص٤٢).\n(١١) هو كتاب لابن وضاح في الحديث. انظر ترجمته (ص٣٩).\n(١٢) في جميع النسخ: \"وحديث\"، والمثبت ما في (غ) و(ر).\n(١٣) تقدمت ترجمته (ص١٨).\n(١٤) لم أعثر على تخريجه لعدم وجود كتاب القطعان.","vol":"1","page":42},{"text":"وَفِيهِ عَنْ سُفْيَانَ (١) قَالَ: \"اسْلُكُوا سَبِيلَ الْحَقِّ، ولا تستوحشوا من قلة أهله\" (٢).\nفوقع التردد (٣) بَيْنَ النَّظَرَيْنِ.\nثُمَّ إِنِّي أَخَذْتُ فِي ذَلِكَ مَعَ بَعْضِ الْإِخْوَانِ الَّذِينَ أَحْلَلْتُهُمْ مِنْ قَلْبِي مَحَلَّ السُّوَيْدَاءِ (٤)، وَقَامُوا لِي فِي عَامَّةِ أَدْوَاءِ نَفْسِي مَقَامَ الدَّوَاءِ، فَرَأَوْا أَنَّهُ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي لَا شُبْهَةَ فِي طَلَبِ الشَّرْعِ نَشْرُهُ، وَلَا إِشْكَالَ فِي أَنَّهُ بِحَسَبِ الْوَقْتِ مِنْ أَوْجَبِ الْوَاجِبَاتِ، فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى فِي وَضْعِ كِتَابٍ يَشْتَمِلُ عَلَى بَيَانِ الْبِدَعِ وَأَحْكَامِهَا، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ الْمَسَائِلِ أُصُولًا وَفُرُوعًا، وَسَمَّيْتُهُ (٥) بالاعتصام (٦)، وَاللَّهَ أَسْأَلُ (٧) أَنْ يَجْعَلَهُ عَمَلًا خَالِصًا، وَيَجْعَلَ ظِلَّ الْفَائِدَةِ بِهِ مَمْدُودًا لَا قَالِصًا، وَالْأَجْرَ عَلَى الْعَنَاءِ فِيهِ كَامِلًا لَا نَاقِصًا (٨)، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.\nوَيَنْحَصِرُ الْكَلَامُ فِيهِ بِحَسَبِ الْغَرَضِ الْمَقْصُودِ فِي عشرة (٩) أَبْوَابٍ، وَفِي كُلِّ بَابٍ مِنْهَا فُصُولٌ اقْتَضَاهَا بَسْطُ الْمَسَائِلِ الْمُنْحَصِرَةِ فِيهِ، وَمَا انْجَرَّ مَعَهَا من الفروع المتعلقة به (١٠).\n_________\n(١) هو ابن عيينة كما وضحته رواية أبي نعيم وابن الجوزي.\n(٢) رواه أبو نعيم في الحلية عن سفيان بن عيينة (٧/ ٣٠٦)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة عنه ﵀ (٢/ ٢٣٥)، كلاهما يرويه عنه أنه قال: كان يقال: وذكره.\n(٣) المثبت من (غ) و(ر)، وفي بقية النسخ: \"الترديد\".\n(٤) سواد القلب: حبّته، وكذلك أسوده، وسوداؤه، وسويداؤه. الصحاح للجوهري (٢/ ٤٩٢).\n(٥) ساقطة من (غ).\n(٦) ساقطة من (م) و(غ)، ومثبتة في هامش (م).\n(٧) في (ر): \"أسأله\".\n(٨) في أصل (خ): \"كاملًا ناقصًا\"، وصححت في هامشها.\n(٩) هكذا في (غ) و(ر)، وفي بقية النسخ: \"جملة\".\n(١٠) ساقطة من (غ) و(ر).","vol":"1","page":43},{"text":"الباب (١) الأول\nفي تَعْرِيفُ الْبِدَعِ وَبَيَانُ مَعْنَاهَا وَمَا اشْتُقَّ مِنْهُ لفظًا (٢)\nوأصل مادة بَدَعَ لِلِاخْتِرَاعِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ، وَمِنْهُ قول الله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٣)، أي مخترعهما مِنْ غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ (٤) مُتَقَدِّمٍ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٥)، أَيْ مَا كُنْتُ أَوَّلَ (٦) مَنْ جَاءَ بِالرِّسَالَةِ مِنَ اللَّهِ إِلَى الْعِبَادِ، بَلْ تَقَدَّمَنِي كَثِيرٌ مِنَ الرُّسُلِ. وَيُقَالُ: ابْتَدَعَ فَلَانٌ (بِدْعَةً يَعْنِي ابْتَدَأَ) (٧) طَرِيقَةً لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهَا سَابِقٌ. وَهَذَا أَمْرٌ بَدِيعٌ، يُقَالُ فِي الشَّيْءِ الْمُسْتَحْسَنِ (الَّذِي لَا مِثَالَ لَهُ فِي الْحُسْنِ) (٨)، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ مَا هُوَ مِثْلُهُ وَلَا مَا يُشْبِهُهُ.\nوَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى سُمِّيَتِ الْبِدْعَةُ بِدْعَةً، فَاسْتِخْرَاجُهَا لِلسُّلُوكِ عَلَيْهَا هُوَ الِابْتِدَاعُ، وَهَيْئَتُهَا (٩) هِيَ الْبِدْعَةُ، وقد يسمّى العمل المعمول على ذلك الوجه بدعة.\n_________\n(١) في (ت): \"الفصل الأول\"، وصححت في هامشها.\n(٢) التبويب وما بعده ساقط من (م)، إلى قوله: \"وأصل مادة بدع\"، وعبارة (ت): \"الفصل الأول في اشتقاق لفظ البدعة\"، وعبارة (غ): \"الباب الأول في تحقيق البدعة\".\n(٣) سورة البقرة، آية (١١٧).\n(٤) ساقطة من (م) و(خ) و(غ) و(ر)، وأثبتت في هامش (خ).\n(٥) سورة الأحقاف، آية (٩).\n(٦) بياض في (غ)، وأثبتت في هامشها.\n(٧) ساقط من (غ).\n(٨) ساقط من (غ).\n(٩) في (م): \"وهيتها\".","vol":"1","page":45},{"text":"فَمِنْ (١) هَذَا الْمَعْنَى سُمِّيَ الْعَمَلُ الَّذِي لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فِي الشَّرْعِ بِدْعَةً، وَهُوَ إِطْلَاقٌ أَخَصُّ (٢) مِنْهُ فِي اللُّغَةِ حَسْبَمَا يُذْكَرُ بِحَوْلِ الله.\nفنقول (٣): ثَبَتَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ الْأَحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ وَأَقْوَالِهِمْ ثَلَاثَةٌ: حُكْمٌ يَقْتَضِيهِ مَعْنَى الْأَمْرِ، كَانَ لِلْإِيجَابِ أَوِ النَّدْبِ (٤)، وَحُكْمٌ يَقْتَضِيهِ مَعْنَى النَّهْيِ، كَانَ لِلْكَرَاهَةِ أَوِ التَّحْرِيمِ، وَحُكْمٌ يَقْتَضِيهِ مَعْنَى التَّخْيِيرِ، وَهُوَ الْإِبَاحَةُ.\nفَأَفْعَالُ الْعِبَادِ وَأَقْوَالُهُمْ لَا تَعْدُو هَذِهِ الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ: مَطْلُوبٌ فِعْلُهُ، وَمَطْلُوبٌ تَرْكُهُ، وَمَأْذُونٌ فِي فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ.\nوَالْمَطْلُوبُ تَرْكُهُ لَمْ يُطْلَبْ تَرْكُهُ إِلَّا لِكَوْنِهِ مخالفًا للقسمين الآخرين (٥)، لَكِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:\nأَحَدُهُمَا: أَنْ يُطْلَبَ تَرْكُهُ، وينهى عنه لكونه مخالفة خاصة، مع تجرّد (٦) النَّظَرِ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ إِنْ كَانَ محرمًا سمّى فعله (٧) مَعْصِيَةً وَإِثْمًا وَسُمِّيَ (٨) فَاعِلُهُ عَاصِيًا وَآثِمًا، وَإِلَّا لَمْ يُسَمَّ بِذَلِكَ، وَدَخَلَ فِي حُكْمِ الْعَفْوِ حَسْبَمَا هُوَ مبيَّن فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ (٩). وَلَا يُسَمَّى بِحَسَبِ الْفِعْلِ جَائِزًا وَلَا مُبَاحًا، لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْجَوَازِ وَالنَّهْيِ جَمْعٌ بَيْنَ مُتَنَافِيَيْنِ (١٠).\nوَالثَّانِي: أَنْ يُطْلَبَ تَرْكُهُ، وَيُنْهَى عَنْهُ لكونه مخالفة تضاهي (١١) التَّشْرِيعِ، مِنْ جِهَةِ ضَرْبِ الْحُدُودِ، وَتَعْيِينِ الْكَيْفِيَّاتِ، وَالْتِزَامِ الْهَيْئَاتِ الْمُعَيَّنَةِ، أَوِ الْأَزْمِنَةِ الْمُعَيَّنَةِ، مَعَ الدَّوَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَهَذَا هُوَ الِابْتِدَاعُ وَالْبِدْعَةُ، ويسمّى فاعله مبتدعًا.\n_________\n(١) ساقطة من (ر).\n(٢) في (ت): \"أخصر\".\n(٣) ساقط من جميع النسخ عدا (غ)، وفي (ت): \"فصل\"، والصواب المثبت.\n(٤) في (ت): \"للندب\".\n(٥) في (خ) و(ط): \"الأخيرين\".\n(٦) في (ط): \"مجرد\".\n(٧) في (خ) و(ط): \"فعلا\".\n(٨) في (ر): \"سمي\".\n(٩) يريد والله أعلم المكروه، لأنه منهي عنه، لكنه ليس كالمحرم، فلا يسمّى فاعل المكروه عاصيًا ولا آثمًا، ولا يسمى فعله معصية وإثمًا.\n(١٠) في (م): \"متنافين\".\n(١١) هكذا في (غ) و(ر) وهو الأصوب، وفي بقية النسخ: \"لظاهر\".","vol":"1","page":46},{"text":"فَالْبِدْعَةُ إِذَنْ عِبَارَةٌ عَنْ: \"طَرِيقَةٍ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٍ، تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ، يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا الْمُبَالَغَةُ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ\".\nوَهَذَا عَلَى رَأْيِ مَنْ لَا يُدْخِلُ الْعَادَاتِ فِي مَعْنَى (١) الْبِدْعَةِ، وَإِنَّمَا يَخُصُّهَا بِالْعِبَادَاتِ (٢)، وَأَمَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ أَدْخَلَ الْأَعْمَالَ الْعَادِيَّةَ فِي مَعْنَى الْبِدْعَةِ فَيَقُولُ: \"الْبِدْعَةُ طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٌ، تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ (٣)، يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا مَا يُقْصَدُ بِالطَّرِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ.\nوَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ أَلْفَاظِ هَذَا الْحَدِّ، فالطريقة والطريق والسبيل والسنن وَاحِدٍ (٤)، وَهُوَ مَا رُسِمَ لِلسُّلُوكِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قُيِّدَتْ بِالدِّينِ، لِأَنَّهَا فِيهِ تُخْتَرَعُ، وَإِلَيْهِ يُضِيفُهَا (٥) صَاحِبُهَا. وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَتْ طَرِيقَةً مُخْتَرَعَةً فِي الدُّنْيَا عَلَى الْخُصُوصِ لَمْ تُسَمَّ بِدْعَةً، كَإِحْدَاثِ الصَّنَائِعِ وَالْبُلْدَانِ الَّتِي لَا عَهْدَ بِهَا فِيمَا تَقَدَّمَ.\nوَلَمَّا كَانَتِ الطَّرَائِقُ فِي الدِّينِ تَنْقَسِمُ - فَمِنْهَا: مَا لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَمِنْهَا مَا لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِيهَا - خُصَّ مِنْهَا مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْحَدِّ، وَهُوَ الْقِسْمُ الْمُخْتَرَعُ، أي ابْتُدِعَتْ (٦) عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ تَقَدَّمَهَا مِنَ الشَّارِعِ؛ إِذِ الْبِدْعَةُ إِنَّمَا خَاصَّتُهَا أَنَّهَا خَارِجَةٌ عَمَّا رَسَمَهُ الشَّارِعُ، وَبِهَذَا الْقَيْدِ انْفَصَلَتْ عَنْ كُلِّ مَا ظَهَرَ لِبَادِي الرَّأْيِ أَنَّهُ مُخْتَرَعٌ، مِمَّا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالدِّينِ، كَعِلْمِ النَّحْوِ، وَالتَّصْرِيفِ، وَمُفْرَدَاتِ اللُّغَةِ، وَأُصُولِ الْفِقْهِ، وَأُصُولِ الدِّينِ، وَسَائِرِ الْعُلُومِ الْخَادِمَةِ لِلشَّرِيعَةِ، فَإِنَّهَا وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فِي الزمان الأول، فأصولها موجودة\n_________\n(١) ساقطة من أصل (ت)، ومثبتة في هامشها.\n(٢) أما دخول البدعة في العبادات فهو محل اتفاق، وأما دخولها في العادات فمحل خلاف. والذي عليه المؤلف أن البدعة لا تدخل في الأمور العادية إلاّ بضوابط معينة ذكرها في الباب السابع، حيث أفرد هذا الباب لهذا الموضوع (٢/ ٧٣).\n(٣) في (م) و(خ) و(ت): \"الشريعة\"، والصواب المثبت إلحاقًا بما قبلها في التعريف السابق.\n(٤) في (م) و(ت) وأصل (خ): \"وهو واحد\"، وفي (ط): \"وهي بمعنى واحد\".\n(٥) في (ر): \"يضفه\".\n(٦) في (ط) وهامش (خ) و(ت): \"أي طريقة ابتدعت\".","vol":"1","page":47},{"text":"فِي الشَّرْعِ؛ إِذِ الْأَمْرُ بِإِعْرَابِ الْقُرْآنِ مَنْقُولٌ (١)، وَعُلُومُ اللِّسَانِ (٢) هَادِيَةٌ لِلصَّوَابِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَحَقِيقَتُهَا إِذًا أَنَّهَا فِقْهُ التَّعَبُّدِ بِالْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى مَعَانِيهَا كَيْفَ تُؤْخَذُ وَتُؤَدَّى. وَأُصُولُ الْفِقْهِ إِنَّمَا مَعْنَاهَا اسْتِقْرَاءُ كُلِّيَّاتِ الْأَدِلَّةِ، حَتَّى تَكُونَ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ نُصْبَ عَيْنٍ، وَعِنْدَ الطَّالِبِ سَهْلَةُ الْمُلْتَمَسِ (٣).\nوَكَذَلِكَ أُصُولُ الدِّينِ، وَهُوَ عِلْمُ الْكَلَامِ، إِنَّمَا حَاصِلُهُ تَقْرِيرٌ لِأَدِلَّةِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، أَوْ مَا يَنْشَأُ عَنْهَا فِي التَّوْحِيدِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، كَمَا كَانَ الْفِقْهُ تَقْرِيرًا لِأَدِلَّتِهَا في الفروع العملية (٤) (٥).\n_________\n(١) عزا الإمام السيوطي إلى عمر ﵁ الحثّ عليه، كما في الإتقان في علوم القرآن (١/ ٤٨٨)، وذكر الشيخ الألباني أحاديث في الحثّ عليه، وكلّها ضعيفة كما في سلسلة الأحاديث الضعيفة (٣/ ٥٢١)، وضعيف الجامع (ص١٣٣)، وذكر المؤلف في الباب الثالث: أن أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ يَحْكُونَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ هُوَ الَّذِي أَشَارَ عَلَيْهِ بِوَضْعِ شَيْءٍ في النحو، وكذلك ذكر أن ذلك مرويٌّ عن عمر. ثم قال: وَإِذَا كَانَتِ الْإِشَارَةُ مِنْ وَاحِدٍ مِنَ الْخُلَفَاءِ الراشدين صار النحو والنظر في الكلام العربي من سنّة الخلفاء الراشدين، وإن سلم أنه ليس كذلك، فقاعدة المصالح تعمّ علوم العربية، أي تكون من قبيل المشروع. انظر (ص٣٦٩).\n(٢) في (ت): \"الدين\".\n(٣) في (م): \"الملتبس\".\n(٤) في (م): \"العماية\"، وصححت في الهامش \"العملية\"، وفي (خ) و(ت) و(ط): \"العبادية\".\n(٥) سمّى المؤلف أصول الدين هنا علم الكلام، فإن كان يريد بهذا العلم جمع أدلة القرآن والسنّة في العقيدة سواء في التوحيد أو الصفات أو القدر أو غيرها، وتقريرها على منهج أهل السنة والجماعة والسلف الصالح، فلا إشكال إلاّ في تسمية أصول الدين بعلم الكلام. (وهذا قد يكون بسبب إطلاق البعض لهذه التسمية).\nوأمّا إذا أراد بعلم الكلام العلم المبتدع الذي ذمّه السلف ونهوا عنه، وسمّاه المبتدعة أصول الدين، والتوحيد، فقوله غير مسلم، فكيف يكون علم الكلام هو أصول الدين، مع أنه مبتدع نهى عنه سلفنا الصالح، وحذّروا منه، ومن مجالسة أهله بكلام لا يسعنا سرده في هذا الموضع. فأصول الدين حقيقة ما كان من ميراث النبوّة من الكتاب والسنة، فقد اشتمل كتاب الله وسنّة نبيّه ﷺ على مسائل أصول الدين الحقيقية، وقرّراها بأحسن تقرير، وأصح دليل، وأحسن عبارة، وأمّا ما سوى ذلك فلا يصح أن يسمّى أصولًا للدين، فإن أصول الدين هي أهمّ أمور الدين، فكيف لا يبلِّغها رسول الله ﷺ لنا وهي كذلك؟ وقد أدخل المبتدعة في هذا المسمى ما ليس من الدين، من المسائل والدلائل الفاسدة، مثل نفي الصفات والقدر، ونحو ذلك من المسائل، ومثل الاستدلال على حدوث العالم بحدوث الأعراض ... إلى غير ذلك =","vol":"1","page":48},{"text":"فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ تَصْنِيفَهَا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ مُخْتَرَعٌ.\nفَالْجَوَابُ: أَنَّ لَهُ أَصْلًا فِي الشَّرْعِ، فَفِي (١) الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ (٢)، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى الْخُصُوصِ، فَالشَّرْعُ بِجُمْلَتِهِ يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِهِ، وَهُوَ مُسْتَمَدٌّ مِنْ قَاعِدَةِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ، وَسَيَأْتِي بَسْطُهَا بِحَوْلِ اللَّهِ (٣).\nفَعَلَى الْقَوْلِ بِإِثْبَاتِهَا أَصْلًا شَرْعِيًّا لَا إِشْكَالَ فِي أَنَّ كُلَّ عِلْمٍ خَادِمٍ لِلشَّرِيعَةِ دَاخِلٌ تَحْتَ أَدِلَّتِهِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَأْخُوذَةٍ مِنْ جزئي واحد، فليس (٤) بِبِدْعَةٍ أَلْبَتَّةَ.\nوَعَلَى الْقَوْلِ بِنَفْيِهَا لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْعُلُومُ مُبْتَدَعَاتٍ، وَإِذَا دَخَلَتْ في قسم (٥) الْبِدَعِ كَانَتْ قَبِيحَةً؛ لِأَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ من غير استثناء (٦)، كَمَا يَأْتِي (٧) بَيَانُهُ (٨) إِنْ شَاءَ اللَّهُ (٩).\nوَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كَتْبُ الْمُصْحَفِ، وَجَمْعُ الْقُرْآنِ قَبِيحًا، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَيْسَ إِذًا ببدعة (١٠).\n_________\n= مما يعلم بالاضطرار أن نبيّنا ﷺ لم يأتِ به، ولم يَدْعُ إليه، فعلى هذا فعلم الكلام مبتدع، وليس كعلم الفقه ولا غيره. انتهى مع اقتباس من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٦ - ٤٣).\n(١) في (ت): \"وفي\".\n(٢) يريد قوله ﷺ: \"عليكم بسنتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين\"، فإذا ثبت عن عمر أو عليّ ﵄ الأمر بوضع قواعد النحو، فهو من سنّة الخلفاء الراشدين المأمور بها، وليس من البدع، وقد اعتمد المؤلف على الحديث في الإجابة على مثل هذا، وكذلك استدلّ بكتابة الحديث في زمنه ﷺ. (١/ ٣٤٧ - ٣٤٨).\n(٣) سوف يفرد المؤلف الباب الثامن لهذه القاعدة، ويضرب لها عشرة أمثلة، ويذكر الفرق بينها وبين الابتداع، وكذلك الفرق بين الاستحسان والابتداع (٢/ ١١١).\n(٤) في (م) و(ر) و(خ) و(ت) و(ط): \"فليست\".\n(٥) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"علم\".\n(٦) المثبت من (ر)، وفي بقية النسخ: \"إشكال\".\n(٧) في (ر): \"سيأتي\".\n(٨) ساقطة من (م) و(غ) و(ر).\n(٩) سيتناول ذلك في نهاية الباب الثاني (ص٢٥٤)، وبداية الباب الثالث (ص٢٦٧).\n(١٠) سيتكلم المؤلف عن جمع القرآن، وكتابة المصحف في الباب الثالث (ص٣٤٥ - ٣٤٦)، وكذلك سيجعله مثالًا من أمثلة المصالح المرسلة في الباب الثامن (٢/ ١١٥).","vol":"1","page":49},{"text":"ويلزم أيضًا (١) أَنْ يَكُونَ لَهُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، وَلَيْسَ إِلَّا هَذَا النَّوْعُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ، وَهُوَ الْمَأْخُوذُ مِنْ جُمْلَةِ الشَّرِيعَةِ.\nوَإِذَا ثَبَتَ جُزْئِيٌّ فِي الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ، (ثَبَتَ مُطْلَقُ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ) (٢).\nفَعَلَى هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَمَّى عِلْمُ النَّحْوِ، أَوْ غَيْرُهُ مِنْ عُلُومِ اللِّسَانِ، أَوْ عِلْمُ الْأُصُولِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْعُلُومِ الْخَادِمَةِ لِلشَّرِيعَةِ بِدْعَةً أَصْلًا.\nوَمَنْ سَمَّاهُ بِدْعَةً، فَإِمَّا عَلَى الْمَجَازِ كَمَا سَمَّى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قيام الناس (في المسجد) (٣) فِي لَيَالِي رَمَضَانَ بِدْعَةً (٤)، وَإِمَّا جَهْلًا بِمَوَاقِعِ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ، فَلَا يَكُونُ قَوْلُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مُعْتَدًّا بِهِ، وَلَا مُعْتَمَدًا عَلَيْهِ.\nوَقَوْلُهُ فِي الْحَدِّ: (تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ)، يَعْنِي أَنَّهَا تُشَابِهُ الطَّرِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ فِي الحقيقة كذلك، بل هي مضادّة لها، (وبيان مشابها) (٥) مِنْ أَوْجُهٍ مُتَعَدِّدَةٍ:\nمِنْهَا: وَضَعُ الْحُدُودِ كَالنَّاذِرِ لِلصِّيَامِ قَائِمًا لَا يَقْعُدُ، ضَاحِيًا لَا يَسْتَظِلُّ،\n_________\n(١) ساقط من جميع النسخ عدا (غ).\n(٢) ما بين المعكوفين ساقط من أصل (خ)، ومثبت في هامشها.\n(٣) ساقط من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).\n(٤) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان عن عبد الرحمن بن عبد القاريّ أنه قال: خرجت مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرّقون يصلّي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل. ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلّون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون - يريد آخر الليل - وكان الناس يقومون أوّله. البخاري مع الفتح (٤/ ٢٥٠)، ورواه مالك في الموطأ كتاب الصلاة في رمضان، باب ما جاء في قيام رمضان (١/ ١١٤).\n(٥) ما بين القوسين ساقط من جميع النسخ عدا (غ) و(ر)، وعبارة (غ): \"وبيان مشابهته\".","vol":"1","page":50},{"text":"والاختصاء (١) في الانقطاع للعبادة، والاقتصار من المأكل أو الملبس (٢) عَلَى صِنْفٍ دُونَ صِنْفٍ (٣) مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ.\nوَمِنْهَا: الْتِزَامُ الْكَيْفِيَّاتِ وَالْهَيْئَاتِ الْمُعَيَّنَةِ، كَالذِّكْرِ بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ، وَاتِّخَاذُ يَوْمِ وِلَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ عِيدًا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.\nوَمِنْهَا: الْتِزَامُ الْعِبَادَاتِ الْمُعَيَّنَةِ فِي أَوْقَاتٍ مُعَيَّنَةٍ لَمْ يُوجَدْ لَهَا ذَلِكَ التَّعْيِينُ فِي الشَّرِيعَةِ، كَالْتِزَامِ صِيَامِ يَوْمِ النِّصْفِ مِنْ شعبان وقيام ليلته.\nوثم (٤) أوجه أُخر (٥) تُضَاهِي بِهَا الْبِدْعَةُ الْأُمُورَ الْمَشْرُوعَةَ (٦)، فَلَوْ كَانَتْ لَا تُضَاهِي الْأُمُورَ الْمَشْرُوعَةَ لَمْ تَكُنْ بِدْعَةً، لِأَنَّهَا تَصِيرُ مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ الْعَادِيَّةِ.\nوَأَيْضًا فَإِنَّ صَاحِبَ الْبِدْعَةِ إِنَّمَا يَخْتَرِعُهَا لِيُضَاهِيَ بِهَا السُّنَّةَ حَتَّى يَكُونَ مُلَبِّسًا بِهَا عَلَى الْغَيْرِ، أَوْ تَكُونَ هِيَ مِمَّا تَلْتَبِسُ عَلَيْهِ بِالسُّنَّةِ، إذ الإنسان لا يقصد الاستنان (٧) بِأَمْرٍ لَا يُشَابِهُ الْمَشْرُوعَ؛ لِأَنَّهُ إِذْ ذَاكَ لَا يَسْتَجْلِبُ بِهِ فِي ذَلِكَ الِابْتِدَاعِ نَفْعًا، وَلَا يَدْفَعُ بِهِ ضَرَرًا، وَلَا يُجِيبُهُ غَيْرُهُ إِلَيْهِ.\nوَلِذَلِكَ تَجِدُ الْمُبْتَدِعَ يَنْتَصِرُ لِبِدْعَتِهِ بِأُمُورٍ تُخَيِّلُ التَّشْرِيعَ، وَلَوْ بِدَعْوَى الِاقْتِدَاءِ بِفُلَانٍ الْمَعْرُوفِ مَنْصِبُهُ فِي أَهْلِ الْخَيْرِ.\nفَأَنْتَ تَرَى الْعَرَبَ الْجَاهِلِيَّةَ فِي تَغْيِيرِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ كيف تأوّلوا - فيما أحدثوه - احتجاجًا منهم له (٨)؛ كَقَوْلِهِمْ فِي أَصْلِ الْإِشْرَاكِ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٩)، وكترك الحمس (١٠) الوقوف بعرفة\n_________\n(١) المثبت هو ما في (غ) و(ر)، وفي بقية النسخ: \"الاختصاص\"، والمثبت هو الصواب.\n(٢) في (ط): \"من المأكل والملبس\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"غيره\".\n(٤) في (ر): \"ثم\" دون الواو.\n(٥) زيادة في (غ).\n(٦) في (غ): \"الشرعية\".\n(٧) المثبت هو ما في (غ) و(ر)، وفي م (الاستناع) وفي بقية النسخ (الاستتباع).\n(٨) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ).\n(٩) سورة الزمر، آية (٣).\n(١٠) في (م) و(خ): \"الحسن\"، وكتب في هامش (خ): \"الحمس\"، كما كتب في هامش (م): \"الحمس وهم قريش ومن تبعهم\".","vol":"1","page":51},{"text":"لِقَوْلِهِمْ: لَا نَخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ اعْتِدَادًا بِحُرْمَتِهِ (١)، وَطَوَافِ مَنْ طَافَ مِنْهُمْ بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا (٢) قَائِلِينَ: لَا نَطُوفُ بِثِيَابٍ عَصَيْنَا اللَّهَ فِيهَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا وَجَّهُوهُ ليصيِّروه (٣) بِالتَّوْجِيهِ كَالْمَشْرُوعِ، فَمَا ظَنُّكَ (٤) بِمَنْ عُدّ أَوْ عَدَّ نَفْسَهُ مِنْ خَوَاصِّ أَهْلِ الْمِلَّةِ؟ فَهُمْ أَحْرَى بِذَلِكَ، وَهُمُ الْمُخْطِئُونَ وَظَنُّهُمُ الْإِصَابَةَ، وَإِذَا تبيَّن هَذَا ظَهَرَ أَنَّ مُضَاهَاةَ الْأُمُورِ الْمَشْرُوعَةِ ضَرُورِيَّةُ الْأَخْذِ فِي أَجْزَاءِ الْحَدِّ.\nوَقَوْلُهُ: (يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا الْمُبَالَغَةُ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ تَعَالَى)، هُوَ تَمَامُ مَعْنَى الْبِدْعَةِ؛ إِذْ هُوَ الْمَقْصُودُ بِتَشْرِيعِهَا.\nوَذَلِكَ أن أصل الدخول فيها الحثّ (٥) عَلَى الِانْقِطَاعِ إِلَى الْعِبَادَةِ، وَالتَّرْغِيبِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ *﴾ (٦)، فَكَأَنَّ الْمُبْتَدِعَ رَأَى أَنَّ الْمَقْصُودَ هَذَا الْمَعْنَى، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ أَنَّ مَا وَضَعَهُ الشَّارِعُ - فِيهِ - مِنَ الْقَوَانِينِ وَالْحُدُودِ كَافٍ، فَرَأَى (٧) مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ (٨) - لِمَا أُطْلِقَ الْأَمْرُ فِيهِ - مِنْ قَوَانِينَ مُنْضَبِطَةٍ، وَأَحْوَالٍ مُرْتَبِطَةٍ، مَعَ ما يداخل (٩) النفوس من حب الظهور [والذكر بالمناقب التي ينفرد بها الأفراد، واستنباط الفوائد التي لا عهد بها، إذ الدخول في غمار الخلق يميت الهوى، لعدم الظُّهُورِ] (١٠)، أَوْ عَدَمِ مَظِنَّتِهِ، فَدَخَلَتْ فِي هَذَا الضبط شائبة البدعة.\n_________\n(١) نقل الإمام ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ قولًا لعائشة ﵂ حيث قال: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وسائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه ﷺ أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾.\nوانظر: الخبر في صحيح البخاري، كتاب الحج، باب الوقوف بعرفة (١٦٦٥)، وصحيح مسلم، كتاب الحج، باب في الوقوف (١٢١٩).\n(٢) ساقطة من أصل (م) ومثبتة في هامشها.\n(٣) في (ت): \"ليصير\".\n(٤) ساقطة من أصل (ت)، ومثبتة في هامشها.\n(٥) في (ط): \"يحث\".\n(٦) سورة الذاريات، آية (٥٦).\n(٧) في (م) و(غ): \"فؤاد\".\n(٨) في (غ): \"لا بد من\".\n(٩) في (غ): \"يخالط\".\n(١٠) ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).","vol":"1","page":52},{"text":"وَأَيْضًا، فَإِنَّ النُّفُوسَ قَدْ تَمَلُّ وَتَسْأَمُ مِنَ الدوام على العبادات (المشتركة) (١)، فَإِذَا جُدِّدَ لَهَا أَمْرٌ لَا تَعْهَدُهُ حَصَلَ (٢) لها نَشَاطٌ آخَرُ لَا يَكُونُ لَهَا مَعَ الْبَقَاءِ عَلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ، وَلِذَلِكَ قَالُوا: لِكُلِّ جَدِيدٍ لذّة، فحكم (٣) هذا المعنى، قول (٤) من (٥) قَالَ: \"كَمَا تُحدث لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنَ الْفُجُورِ (٦)، (فَكَذَلِكَ تُحدث لَهُمْ مُرَغِّبَاتٌ فِي الْخَيْرِ بِقَدْرِ (مَا حَدَثَ لَهُمْ مِنَ الْفُتُورِ) (٧» (٨) \" (٩).\nوَفِي حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁: \"فَيُوشِكُ قَائِلٌ أَنْ يَقُولَ: مَا هُمْ بِمُتَّبِعِيَّ فَيَتَّبِعُونِي وَقَدْ قَرَّأْتُ (١٠) الْقُرْآنَ، فَلَا يَتَّبِعُنِّي (١١) حَتَّى أَبْتَدِعَ لَهُمْ غَيْرَهُ (١٢)، فَإِيَّاكُمْ وَمَا ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة\" (١٣).\n_________\n(١) في (ط) وهامش (خ) و(ت): \"المرتبة\".\n(٢) في (خ): \"جعل\"، وصححت في هامشها بالمثبت.\n(٣) هكذا في (غ)، وفي بقية النسخ: \"بحكم\".\n(٤) ساقط من جميع النسخ عدا (غ).\n(٥) في (خ): \"كمن\".\n(٦) النص إلى هذا الموضع معزوّ إلى عمر بن عبد العزيز ﵀، وقد قال عنه المؤلف في الباب الثالث: وَأَمَّا مَا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَلَمْ أرَه ثَابِتًا مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ. انظر (ص٣٤٩).\n(٧) ما بين القوسين كتب في (م) و(خ): \"ما أحدثوا من الفجور\"، وصححت في هامشهما المثبت.\n(٨) ما بين المعكوفين ساقط من أصل (ت)، ومثبت في هامشها.\n(٩) هذه المقولة لشيخ الإمام الشاطبي أبي سعيد بن لب كما في المعيار المعرب للونشريسي (٦/ ٣٧٠).\n(١٠) في (خ) و(ط): \"قرأتك\"، وفي (م): \"قرأته\".\n(١١) في (م): ما بمتبعي\"، وفي (ط): \"فلا يتتبعني\"، وفي (غ): ما هم بمتبعي\".\n(١٢) ساقطة من (ت).\n(١٣) رواه الإمام أبو داود في كتاب السنة من سننه، باب لزوم السنة عن ابن شهاب، أن أبا إدريس الخولاني عائذ الله أخبره، أن يزيد بن عميرة، وكان من أصحاب معاذ بن جبل، أخبره، قال: كان لا يجلس مجلسًا للذكر حين يجلس إلاّ قال: الله حكم قسط هلك المرتابون، فقال معاذ بن جبل يومًا: إن من ورائكم فتنًا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن والمنافق والرجل والمرأة والصغير والكبير والعبد والحرّ، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتّبعوني وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمتبعي =","vol":"1","page":53},{"text":"وَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذَا الْقَيْدِ أَنَّ الْبِدَعَ لَا تَدْخُلُ فِي الْعَادَاتِ (١)، فَكُلُّ مَا اخْتُرِعَ مِنَ الطُّرُقِ فِي الدِّينِ مِمَّا يُضَاهِي الْمَشْرُوعَ، وَلَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّعَبُّدُ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ، كَالْمَغَارِمِ الْمُلْزَمَةِ (٢) عَلَى الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا عَلَى نِسْبَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَقَدْرٍ مَخْصُوصٍ مِمَّا يُشْبِهُ فَرْضَ الزَّكَوَاتِ (٣)، وَلَمْ يَكُنْ إِلَيْهَا ضَرُورَةٌ (٤)، وَكَذَلِكَ اتِّخَاذُ الْمَنَاخِلِ، وَغَسْلُ الْيَدِ بِالْأُشْنَانِ (٥)، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ (٦) قَبْلُ، فَإِنَّهَا لا تسمى بدعًا على إحدى الطريقتين.\n_________\n= حَتَّى أَبْتَدِعَ لَهُمْ غَيْرَهُ، فَإِيَّاكُمْ وَمَا ابْتُدِعَ، فَإِنَّ مَا ابتُدِعَ ضَلَالَةٌ، وَأُحَذِّرُكُمْ زَيْغَةَ الْحَكِيمِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ عَلَى لِسَانِ الْحَكِيمِ، وَقَدْ يَقُولُ الْمُنَافِقُ كَلِمَةَ الْحَقِّ، قال: قلت لمعاذ: ما يدريني رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وَأَنَّ الْمُنَافِقَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الْحَقِّ؟ قَالَ: بلى، اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال لها ما هذه، ولا يثنيك ذَلِكَ عَنْهُ، فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ أَنْ يُرَاجِعَ، وَتَلَقَّ الحق إذا سمعته فإن على الحق نورًا، (٤/ ٢٠١). ورواه الإمام الدارمي في المقدمة من سننه، باب تغير الزمان وما يحدث فيه مع اختلاف يسير (١/ ٧٨)، وأخرجه ابن وضاح في البدع والنهي عنها بلفظ مختصر قريب من لفظ المؤلف (ص٣٢)، وأخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١١١)، وأخرجه اللالكائي في أصول الاعتقاد بلفظين متقاربين (١/ ٨٨)، وأخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٣٠٨)، وأخرجه الآجري في الشريعة بلفظين (ص٤٧، ٤٨)، وأخرجه أبو نعيم في الحلية عند ترجمة معاذ ﵁ (١/ ٢٣٢).\n(١) في (غ): \"العبادات\".\n(٢) في (غ) و(ر): \"الملتزمة\".\n(٣) في (ت): \"الزكاة\".\n(٤) يرى المؤلف جواز أخذ هذه المغارم من الناس عند الضرورة، كخلو بيت المال، مع ارتفاع حاجة الجند إلى ما يكفيهم، فللإمام إذا كان عدلًا أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافيًا لهم في الحال، إلى أن يظهر مال بيت المال، وذلك لسدّ الثغور، وحماية الملك المتّسع الأقطار. وقد كانت بلاد الأندلس في زمن المؤلف في حالة خطيرة وحاجة شديدة، لقرب العدوّ، وضعف المسلمين، وبعد ديار المسلمين عنهم. انظر ما قاله المؤلف في الباب الثامن (٢/ ١٢١).\nوأمّا إن لم يكن هناك ضرورة، فلا يرى هذا بدعة وإنما يراه معصية وظلمًا، ولكن إن فشا وصار معمولًا به كالزكاة المشروعة فيراه بدعة، انظر قوله في الباب السابع (٢/ ٨٠).\n(٥) الأشنان والإشنان من الحمض، الذي يغسل به الأيدي. لسان العرب (١٣/ ١٨).\n(٦) في (م): \"لم يكن\".","vol":"1","page":54},{"text":"وَأَمَّا الْحَدُّ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُخْرَى، فَقَدْ تَبَيَّنَ مَعْنَاهُ إِلَّا قَوْلُهُ: (يُقْصَدُ بِهَا مَا يُقْصَدُ بِالطَّرِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ).\nوَمَعْنَاهُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ إِنَّمَا جَاءَتْ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي عَاجِلَتِهِمْ وَآجِلَتِهِمْ، لِتَأْتِيَهُمْ فِي الدَّارَيْنِ عَلَى أَكْمَلِ وُجُوهِهَا، فَهُوَ الَّذِي يَقْصِدُهُ (١) الْمُبْتَدِعُ بِبِدْعَتِهِ (٢)؛ لِأَنَّ الْبِدْعَةَ إِمَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ بِالْعَادَاتِ أَوِ الْعِبَادَاتِ (٣)، فَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِالْعِبَادَاتِ فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَا أَنْ يَأْتِيَ تَعَبُّدَهُ عَلَى أَبْلَغِ مَا يَكُونُ فِي زَعْمِهِ، لِيَفُوزَ بِأَتَمِّ الْمَرَاتِبِ فِي الْآخِرَةِ فِي ظَنِّهِ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِالْعَادَاتِ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا وَضَعَهَا لِتَأْتِيَ أُمُورُ دُنْيَاهُ عَلَى تَمَامِ الْمَصْلَحَةِ فِيهَا. فَمَنْ يَجْعَلُ الْمَنَاخِلَ فِي قِسْمِ الْبِدَعِ فَظَاهِرٌ أَنَّ التَّمَتُّعَ عِنْدَهُ بِلَذَّةِ الدَّقِيقِ الْمَنْخُولِ أَتَمُّ مِنْهُ بِغَيْرِ الْمَنْخُولِ، وَكَذَلِكَ الْبِنَاءَاتُ الْمُشَيَّدَةُ الْمُحْتَفِلَةُ (٤) التَّمَتُّعُ بِهَا أَبْلَغُ مِنْهُ بِالْحُشُوشِ (٥) وَالْخَرِبِ (٦)، وَمِثْلُهُ الْمُصَادَرَاتُ فِي الْأَمْوَالِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أُولِي الْأَمْرِ وَقَدْ أَبَاحَتِ الشَّرِيعَةُ التَّوَسُّعَ فِي التَّصَرُّفَاتِ، فَيَعُدُّ الْمُبْتَدِعُ هَذَا مِنْ ذَلِكَ.\nوَقَدْ ظَهَرَ مَعْنَى الْبِدْعَةِ، وَمَا هِيَ في الشرع والحمد لله.\n_________\n(١) في (ر): \"يقصد\".\n(٢) في (خ): \"بان ببدعته\".\n(٣) في (ر): \"بالعبادات أو العادات\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"المختلفة\".\n(٥) الحش: ما يخرج فيه لقضاء الحاجة. الصحاح (٣/ ١٠٠١).\n(٦) الخربة: موضع الخراب، والجمع خربات وخرب. لسان العرب (١/ ٣٤٧).","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>فصل</span>\nوفي الْحَدِّ أَيْضًا مَعْنًى آخَرُ مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ (١)، وَهُوَ أَنَّ الْبِدْعَةَ مِنْ حَيْثُ قِيلَ فِيهَا: إِنَّهَا طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٌ - إِلَى آخِرِهِ - يَدْخُلُ فِي عُمُومِ لَفْظِهَا الْبِدْعَةُ التَّرْكية، كَمَا يَدْخُلُ فِيهِ الْبِدْعَةُ غَيْرُ التَّرْكِيَّةِ، فَقَدْ يَقَعُ الِابْتِدَاعُ بِنَفْسِ التَّرْكِ تَحْرِيمًا لِلْمَتْرُوكِ (٢) أَوْ غَيْرَ تحريم، فإن الفعل - مثلًا (٣) - قد يَكُونُ حلَالًا بِالشَّرْعِ فَيُحَرِّمُهُ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ، أو يقصد تركه قصدًا. فهذا (٤) التَّرْكِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِأَمْرٍ يُعْتَبَرُ مِثْلُهُ شَرْعًا أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ لِأَمْرٍ يُعْتَبَرُ فَلَا حَرَجَ فِيهِ، إِذْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ تَرَكَ مَا يَجُوزُ تَرْكُهُ، أَوْ (٥) مَا يُطْلَبُ بِتَرْكِهِ، كَالَّذِي يُحَرِّمُ عَلَى نَفْسِهِ الطَّعَامَ الْفُلَانِيَّ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَضُرُّهُ فِي جِسْمِهِ أَوْ عَقْلِهِ أَوْ دِينِهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَا مَانِعَ هُنَا مِنَ التَّرْكِ، بَلْ إِنْ قُلْنَا بِطَلَبِ التداوي للمريض كان (٦) الترك هنا مطلوبًا، وَإِنْ قُلْنَا بِإِبَاحَةِ التَّدَاوِي فَالتَّرْكُ مُبَاحٌ (٧).\nفَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى الْعَزْمِ عَلَى الْحَمِيَّةِ مِنَ الْمُضِرَّاتِ، وأصله قوله عليه الصلاة السلام: \"يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ (٨) فليتزوج\"، (إلى\n_________\n(١) ساقطة من (م) و(ت).\n(٢) في (غ) و(ر): \"للفعل\".\n(٣) ساقطة من (ت).\n(٤) في (ط): \"فبهذا\".\n(٥) في (غ): \"لا\".\n(٦) في (خ) و(ط): \"فإن\"، وفي (ت): \"لأن\".\n(٧) والجمهور على استحباب التداوي، كما نقل ذلك الإمام النووي في شرح مسلم، كتاب السلام، باب لكل داء دواء واستحباب التداوي (١٤/ ١٩١)، والمستحب مطلوب شرعًا.\n(٨) قال الإمام النووي في شرح مسلم: واختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين =","vol":"1","page":56},{"text":"أَنْ قَالَ) (١): \"وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، [فإنه له وجاء\" (٢) فأمر ﵊ بِالصَّوْمِ] (٣) الَّذِي يَكْسِرُ مِنْ شَهْوَةِ الشَّبَابِ حَتَّى لَا تَطْغَى عَلَيْهِ الشَّهْوَةُ، فَيَصِيرَ إِلَى الْعَنَتِ (٤).\nوَكَذَلِكَ إِذَا تَرَكَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمَّا (٥) بِهِ الْبَأْسُ، فَذَلِكَ مِنْ أَوْصَافِ الْمُتَّقِينَ، وَكَتَارِكِ الْمُتَشَابِهِ حَذَرًا مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ، وَاسْتِبْرَاءً لِلدِّينِ وَالْعِرْضِ.\nوَإِنْ كَانَ التَّرْكُ (٦) لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَدَيُّنًا أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَدَيُّنًا فَالتَّارِكُ عَابِثٌ بِتَحْرِيمِهِ الْفِعْلَ، أَوْ بِعَزِيمَتِهِ عَلَى التَّرْكِ. وَلَا يُسَمَّى هَذَا التَّرْكُ بِدْعَةً؛ إِذْ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ لَفْظِ الْحَدِّ إِلَّا عَلَى الطَّرِيقَةِ الثَّانِيَةِ الْقَائِلَةِ إِنَّ (٧) الْبِدْعَةَ تَدْخُلُ فِي (٨) الْعَادَاتِ. وَأَمَّا على الطريقة الأولى، فلا يدخل (٩). لَكِنَّ هَذَا (١٠) التَّارِكَ يَصِيرُ عَاصِيًا بِتَرْكِهِ أَوْ باعتقاده التحريم فيما أحلّ الله.\n_________\n= يرجعان إلى معنى واحد أصحهما أن المراد معناها اللغوي وهو الجماع، فتقديره: من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه وهي مؤن النكاح فليتزوج ... والقول الثاني أن المراد هنا بالباءة مؤن النكاح سمّيت باسم ما يلازمها، وتقديره: من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوج. (مسلم بشرح النووي ٩/ ١٧٣).\n(١) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).\n(٢) أخرجه الإمام البخاري في كتاب النكاح من صحيحه، باب قول النبي \"من استطاع منكم الباءة فليتزوج ... \"، عن ابن مسعود وذكره (٩/ ١٠٦ مع الفتح)، وأخرجه أيضًا في كتاب الصيام (٤/ ١١٩)، وأخرجه مسلم في كتاب النكاح (٩/ ١٧٢ بشرح النووي)، والنسائي في كتاب النكاح من سننه (٦/ ٥٧)، وابن ماجه في كتاب النكاح من سننه (١/ ٥٩٢)، والدارمي في كتاب النكاح من سننه (٢/ ١٧٧)، والإمام أحمد في مواضع من المسند (١/ ٣٧٨، ٤٢٤).\n(٣) ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).\n(٤) العنت: الإثم، وأيضًا الوقوع في أمر شاقّ. الصحاح (١/ ٢٥٨ - ٢٥٩).\n(٥) في (م) و(ت): \"لما\".\n(٦) ساقطة من (ت).\n(٧) في (ر): \"بأن\".\n(٨) في (ت): \"على\".\n(٩) في (غ): \"تدخل\".\n(١٠) ساقطة من (غ).","vol":"1","page":57},{"text":"وَأَمَّا إِنْ كَانَ التَّرْكُ (١) تَدَيُّنًا، فَهُوَ الِابْتِدَاعُ فِي الدِّينِ عَلَى كِلْتَا الطَّرِيقَتَيْنِ، إِذْ قَدْ فَرَضْنَا الْفِعْلَ جَائِزًا شَرْعًا (٢) فَصَارَ التَّرْكُ الْمَقْصُودُ مُعَارَضَةً لِلشَّارِعِ فِي شَرْعِ التَّحْلِيلِ (٣). وَفِي مِثْلِهِ نزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ *﴾ (٤)، فَنَهَى أَوَّلًا عَنْ تَحْرِيمِ الْحَلَالِ، ثُمَّ جَاءَتِ الآية تشعر بأن ذلك اعتداء، (وأن من اعتدى) (٥) لَا يُحِبُّهُ اللَّهُ، وَسَيَأْتِي لِلْآيَةِ تَقْرِيرٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ (٦).\nلِأَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ همَّ أَنْ يُحَرِّمَ عَلَى نَفْسِهِ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، وَآخَرَ (٧) الْأَكْلَ بِالنَّهَارِ، وَآخَرَ إِتْيَانَ النِّسَاءِ، وَبَعْضُهُمْ هَمَّ بِالِاخْتِصَاءِ (٨)، مُبَالَغَةً فِي تَرْكِ شَأْنِ (٩) النِّسَاءِ. وَفِي أَمْثَالِ ذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: \"مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي\" (١٠).\nفَإِذَا كُلُّ مَنْ مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْ تَنَاوُلِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ - مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ - فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، (وَالْعَامِلُ بِغَيْرِ السُّنَّةِ تَدَيُّنًا هُوَ الْمُبْتَدِعُ بِعَيْنِهِ) (١١).\nفَإِنْ قِيلَ: فَتَارِكُ الْمَطْلُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ - نَدْبًا أو وجوبًا - هل يسمى\n_________\n(١) في (م) و(خ): \"التارك\".\n(٢) في (ت): \"شرعيًا\".\n(٣) في (ط): \"التحيلل\".\n(٤) سورة المائدة، آية (٨٧).\n(٥) ما بين المعكوفين ساقط من (ط).\n(٦) وذلك في الباب الخامس، حيث يفرد لها المؤلف فصلًا يبين فيه سبب نزولها، ويذكر فيه مسائلها (١/ ٣٢٣).\n(٧) في (ت): \"والآخر\".\n(٨) غير واضحة في (ت).\n(٩) في (م): \"شبان\".\n(١٠) رواه الإمام البخاري في كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح (٩/ ١٠٤)، ورواه مسلم في كتاب النكاح (٩/ ١٧٥)، والنسائي في نفس الكتاب (٦/ ٦٠)، والإمام أحمد في المسند (٣/ ٢٤١) جميعهم عن أنس ﵁ في قصة الثلاثة الذين تقالوا عبادة النبيّ ﷺ، فأرادوا أن يصنعوا ما ذكر فكان من ردّ النبيّ ﷺ: \"فمن رغب عن سنّتي فليس مني\"، ورواه أيضًا الدارمي عن سعد بن أبي وقاص في قصة رد التبتّل على عثمان بن مظعون (٢/ ١٧٩).\n(١١) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).","vol":"1","page":58},{"text":"مُبْتَدِعًا أَمْ لَا؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ التَّارِكَ لِلْمَطْلُوبَاتِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:\nأَحَدُهُمَا: أَنْ يَتْرُكَهَا لِغَيْرِ التَّدَيُّنِ، إِمَّا كَسَلًا، أَوْ تَضْيِيعًا، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الدَّوَاعِي النَّفْسِيَّةِ، فَهَذَا الضَّرْبُ رَاجِعٌ إِلَى الْمُخَالَفَةِ لِلْأَمْرِ، فَإِنْ كَانَ فِي وَاجِبٍ فَمَعْصِيَةٌ، وَإِنْ كَانَ فِي نَدْبٍ فَلَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ إِذَا كَانَ التَّرْكُ جُزْئِيًّا، وَإِنْ كَانَ (١) كُلِيًّا فَمَعْصِيَةٌ حَسْبَمَا تبيَّن فِي الْأُصُولِ (٢).\nوَالثَّانِي: أَنْ يَتْرُكَهَا تَدَيُّنًا، فَهَذَا الضَّرْبُ مِنْ قَبِيلِ الْبِدَعِ حَيْثُ تَدَيَّنَ بِضِدِّ مَا شَرَعَ اللَّهُ، وَمِثَالُهُ أهل الإباحة القائلون بإسقاط التكليف (٣) إِذَا بَلَغَ السَّالِكُ عِنْدَهُمُ الْمَبْلَغَ الَّذِي حَدُّوهُ (٤).\nفإذا قوله في الحدّ: (طريقة [في الدين] (٥) مُخْتَرَعَةٌ تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ)، يَشْمَلُ (٦) الْبِدْعَةَ التَّرْكِيَّة كَمَا يَشْمَلُ غَيْرَهَا (٧)؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ أَيْضًا تَنْقَسِمُ إِلَى تَرْكٍ وَغَيْرِهِ.\nوَسَوَاءٌ عَلَيْنَا قُلْنَا: إِنَّ التَّرْكَ فِعْلٌ، أَمْ قُلْنَا: إِنَّهُ نَفْيُ الْفِعْلِ، على (٨) الطريقتين المذكورتين في أصول الفقه (٩).\n_________\n(١) ساقطة من (ط).\n(٢) وقد تكلّم المؤلف ﵀ في الموافقات عن هذا فقال: \"إذا كان الفعل مندوبًا بالجزء كان واجبًا بالكل، كالأذان في المساجد الجوامع أو غيرها، وصلاة الجماعة وصلاة العيدين، وصدقة التطوّع، والنكاح، والوتر، والفجر، والعمرة، وسائر النوافل الرواتب، فإنها مندوب إليها بالجزء. ولو فرض تركها جملة لجرح التارك لها. ألا ترى أن في الأذان إظهارًا لشعائر الإسلام، ولذلك يستحق أهل المصر القتال إذا تركوه. وكذلك صلاة الجماعة من داوم على تركها يجرح، فلا تقبل شهادته ... فالترك لها جملة مؤثر في أوضاع الدين إذا كان دائمًا، أمّا إذا كان في بعض الأوقات، فلا تأثير له فلا محظور في الترك\"، الموافقات (١/ ١٣٢).\n(٣) في (ط): \"التكاليف\".\n(٤) يريد بهم غلاة المتصوّفة الذين يسقطون التكليف عن السالك إذا بلغ مرتبة الولاية. انظر كلام المؤلف في الباب الرابع (١/ ٢٤٦).\n(٥) ساقط من جميع النسخ عدا (ر).\n(٦) في (خ): \"يشمل على البدعة\".\n(٧) في (ر): \"الطريق\".\n(٨) ساقطة من (ط).\n(٩) اختلف علماء الأصول في الترك هل هو فعل أو نفي للفعل، فذهب جمهور =","vol":"1","page":59},{"text":"وَكَمَا يَشْمَلُ الْحَدُّ التَّرْكَ يَشْمَلُ أَيْضًا ضِدَّ ذَلِكَ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمُ الِاعْتِقَادِ، وَقِسْمُ الْقَوْلِ، وَقِسْمُ الْفِعْلِ، فَالْجَمِيعُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ.\nوَبِالْجُمْلَةِ، فَكُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْخِطَابُ الشَّرْعِيُّ يَتَعَلَّقُ به الابتداع، (والله أعلم) (١).\n_________\n= الأصوليين على أن الترك فعل، وهو كفّ النفس عن الفعل، بناء على أنه لا تكليف إلاّ بفعل، وذهب أبو هاشم وكثير من الأصوليين إلى أن الترك نفي للفعل وليس فعلًا، بناء على أنه يجوز التكليف بغير فعل.\nانظر: المحصول في علم أصول الفقه للرازي (١/ ٣٥٠)، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ١٩٤)، بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٤٢٩)، حاشية البناني على شرح جمع الجوامع للسبكي (١/ ٢١٤)، نزهة الخاطر العاطر شرح روضة الناظر لعبد القادر الدودمي (١/ ١٢٨).\n(١) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).","vol":"1","page":60},{"text":"الْبَابُ الثَّانِي\nفِي ذَمِّ الْبِدَعِ (١) وَسُوءِ مُنْقَلَبِ أصحابها\nلَا خَفَاءَ أَنَّ الْبِدَعَ (١) مِنْ حَيْثُ تَصَوُّرِهَا يَعْلَمُ الْعَاقِلُ ذَمَّهَا؛ لِأَنَّ اتِّبَاعَهَا خُرُوجٌ عَنِ الصراط المستقسم وَرَمْيٌ فِي عَمَايَةٍ.\nوَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ، وَالنَّقْلِ الشَّرْعِيِّ الْعَامِّ (٢):\nأَمَّا النَّظَرُ فَمِنْ وجوه:\nأحدها: أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِالتَّجَارِبِ (٣) وَالْخِبْرَةِ (٤) السَّارِيَةِ فِي الْعَالَمِ (٥) مِنْ أَوَّلِ الدُّنْيَا إِلَى الْيَوْمِ أَنَّ الْعُقُولَ غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ بِمَصَالِحِهَا، اسْتِجْلَابًا لَهَا، أَوْ مَفَاسِدِهَا، اسْتِدْفَاعًا لَهَا، لِأَنَّهَا إِمَّا دُنْيَوِيَّةٌ أَوْ أُخْرَوِيَّةٌ.\n(فَأَمَّا الدُّنْيَوِيَّةُ) (٦) فَلَا يُسْتَقَلُّ بِاسْتِدْرَاكِهَا عَلَى التَّفْصِيلِ أَلْبَتَّةَ، لَا فِي ابْتِدَاءِ وَضْعِهَا أَوَّلًا، وَلَا فِي اسْتِدْرَاكِ مَا عَسَى أَنْ يَعْرِضَ فِي طَرِيقِهَا، إِمَّا فِي السَّوَابِقِ، وَإِمَّا فِي اللَّوَاحِقِ، لِأَنَّ وَضْعَهَا أَوَّلًا لَمْ يَكُنْ إِلَّا بِتَعْلِيمِ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ آدَمَ ﵇ لَمَّا أُنْزِلَ إِلَى (٧) الْأَرْضِ عُلِّم كَيْفَ يَسْتَجْلِبُ مَصَالِحَ دُنْيَاهُ؛ إِذْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ مَعْلُومِهِ أَوَّلًا، إِلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إن\n_________\n(١) في (ت): \"البدعة\".\n(٢) سيذكر المؤلف أوجه ذم البدع من القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين، وحتى من كلام الصوفية أنفسهم. انظر (ص٧٣ وما بعده\".\n(٣) في (م): \"بالتجاوز\"، وفي (ت): \"بالتجار\".\n(٤) في (م): \"بالتجاوب الخبرة\" بدون الواو.\n(٥) في (م): \"العام\".\n(٦) ما بين المعكوفين ساقط من (م) و(خ) و(ت)، وأثبت في هامش (خ) و(ت).\n(٧) ساقطة من (م).","vol":"1","page":61},{"text":"ذَلِكَ دَاخِلٌ تَحْتَ مُقْتَضَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (١)، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ تَعْلِيمًا غَيْرَ عَقْلِيٍّ، ثُمَّ تَوَارَثَتْهُ ذُرِّيَّتُهُ كَذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ، لَكِنْ فَرَّعَتِ الْعُقُولُ مِنْ أُصُولِهَا تَفْرِيعًا تَتَوَهَّمُ اسْتِقْلَالَهَا بِهِ.\nوَدَخَلَ (٢) فِي الْأُصُولِ الدَّوَاخِلُ حَسْبَمَا أَظْهَرَتْ ذَلِكَ أزمنة الفترات؛ إذ لم تجر مصالح أهل (٣) الْفَتَرَاتِ عَلَى اسْتِقَامَةٍ، لِوُجُودِ الْفِتَنِ وَالْهَرْجِ (٤)، وَظُهُورِ أوجه الفساد (٥).\nفلولا أن الله تعالى منّ (٦) على الخلق ببعثة الأنبياء ﵈ لَمْ تَسْتَقِمْ (٧) لَهُمْ حَيَاةٌ، وَلَا جَرَتْ أَحْوَالُهُمْ عَلَى كَمَالِ مَصَالِحِهِمْ، وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالنَّظَرِ (٨) فِي أَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ.\nوَأَمَّا الْمَصَالِحُ الأُخروية، فَأَبْعَدُ عن مجاري (٩) العقول (١٠) مِنْ جِهَةِ وَضْعِ أَسْبَابِهَا، وَهِيَ الْعِبَادَاتُ مَثَلًا، فَإِنَّ الْعَقْلَ لَا يَشْعُرُ بِهَا عَلَى الْجُمْلَةِ فَضْلًا عَنِ الْعِلْمِ بِهَا عَلَى التَّفْصِيلِ، وَمِنْ جِهَةِ تَصَوُّرِ الدَّارِ الْأُخْرَى وَكَوْنِهَا آتِيَةً، فَلَا بُدَّ وَأَنَّهَا (١١) دَارُ جَزَاءٍ عَلَى الْأَعْمَالِ، فَإِنَّ الَّذِي يُدْرِكُ الْعَقْلُ مِنْ ذَلِكَ مُجَرَّدُ الْإِمْكَانِ أن يشعر به (١٢).\n_________\n(١) سورة البقرة، آية (٣١)، وقد روى نحو هذا القول عن قتادة. انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١/ ٢٨٢).\n(٢) في (م) و(ر) و(ت): \"دخل\"، بدون الواو.\n(٣) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ).\n(٤) الهرج هو القتل كما فسّره النبيّ ﷺ، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"لَا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج، قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: القتل، القتل\"، رواه مسلم (١٨/ ٣١ مع شرح النووي).\nومن معاني الهرج الفتنة والاختلاط. الصحاح (١/ ٣٥٠).\n(٥) أشار المؤلف إلى هذا المعنى في كتاب الموافقات (٢/ ٤٨).\n(٦) في (ط): \"فلولا أن منَّ الله\".\n(٧) في (م) و(خ) و(ت): \"يستقيم\"، وكلا اللفظين صحيح في اللغة.\n(٨) ساقطة من (ت).\n(٩) في (م): \"مجار\"، وفي (ط): \"مصالح\".\n(١٠) في (ط): \"المعقول\".\n(١١) ساقطة من (م) و(ت).\n(١٢) في (خ) و(ط): \"بها\".","vol":"1","page":62},{"text":"وَلَا يَغْتَرَّنَّ ذُو الْحِجَى بِأَحْوَالِ الْفَلَاسِفَةِ الْمُدَّعِينَ لِإِدْرَاكِ الْأَحْوَالِ الْأُخْرَوِيَّةِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ، قَبْلَ النَّظَرِ فِي الشَّرْعِ، فَإِنَّ دَعْوَاهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ بِخِلَافِ مَا عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الشَّرَائِعَ لَمْ تَزَلْ وَارِدَةً عَلَى بَنِي آدَمَ مِنْ جِهَةِ (١) الرُّسُلِ، وَالْأَنْبِيَاءُ أَيْضًا لَمْ يَزَالُوا موجودين في العالم، وهم أكثر، كل ذَلِكَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ ﵇ إِلَى أَنِ انْتَهَتْ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ (٢)، غَيْرَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ كَانَتْ إِذَا أَخَذَتْ فِي الدُّرُوسِ (٣) بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيَائِهِ يبيِّن (٤) لِلنَّاسِ مَا خُلقوا لِأَجْلِهِ، وَهُوَ التَّعَبُّدُ لِلَّهِ.\nفَلَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى مِنَ الشَّرِيعَةِ الْمَفْرُوضَةِ - مَا بَيْنَ زَمَانِ أَخْذِهَا فِي الِانْدِرَاسِ وَبَيْنَ إِنْزَالِ الشَّرِيعَةِ بعدها - بعض الأصول معلومة (٥)، فَأَتَى الْفَلَاسِفَةُ إِلَى تِلْكَ الْأُصُولِ فَتَلَقَّفُوهَا، أَوْ تلقفوا منها، ما أرادوا (٦) أَنْ يُخَرِّجُوهُ عَلَى مُقْتَضَى عُقُولِهِمْ، وَجَعَلُوا ذَلِكَ عَقْلِيًّا لَا شَرْعِيًّا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا، فَالْعَقْلُ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ أَلْبَتَّةَ، وَلَا يَنْبَنِي عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ، وَإِنَّمَا (٧) يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ مُتَقَدِّمٍ مُسَلَّمٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَا يُمْكِنُ فِي أَحْوَالِ الآخرة تصوّر (٨) أَصْلٌ مُسَلَّمٌ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ، وَلِهَذَا المعنى بسطٌ سيأتي إن شاء الله تعالى (٩).\nفَعَلَى الْجُمْلَةِ، الْعُقُولُ لَا تَسْتَقِلُّ بِإِدْرَاكِ مَصَالِحِهَا دُونَ الْوَحْيِ.\nفَالِابْتِدَاعُ مُضَادٌّ لِهَذَا الْأَصْلِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ (١٠) مُسْتَنَدٌ شَرْعِيٌّ بِالْفَرْضِ، فَلَا يَبْقَى إلا ما ادّعوه من العقل.\n_________\n(١) ساقطة من (ر).\n(٢) ساقطة من أصل (خ)، وأثبتت في هامشها.\n(٣) درس الرسم إذا عفا، ودرس الثوب إذا أخلق. الصحاح (٣/ ٩٢٧ - ٩٢٨).\n(٤) في (ت): \"فيبين\".\n(٥) في (ط): \"المعلومة\".\n(٦) المثبت من (ر)، وفي بقية النسخ: \"فأرادوا\".\n(٧) في (ت): \"فإنما\".\n(٨) في (م) و(خ): \"تسلم\"، وفي (ط): \"قبلهم\"، وعبارة (ت): \"قبلهم تسلم أصل مسلم\".\n(٩) وذلك في الباب العاشر حيث جعل المؤلف تحسين الظن بالعقل من أسباب الابتداع في الشريعة، وبسط الكلام عليه هناك. (٢/ ٣١٨ وما بعدها) من المطبوع.\n(١٠) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).","vol":"1","page":63},{"text":"فَالْمُبْتَدِعُ لَيْسَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ بِدْعَتِهِ أَنْ يَنَالَ بِسَبَبِ الْعَمَلِ بِهَا مَا رَامَ تَحْصِيلَهُ مِنْ جِهَتِهَا، فَصَارَتْ كَالْعَبَثِ.\nهَذَا إِنْ قُلْنَا (١): إِنَّ الشَّرَائِعَ جَاءَتْ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ.\nوَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ، فَأَحْرَى أَنْ لَا يَكُونَ صَاحِبُ الْبِدْعَةِ عَلَى ثِقَةٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا إِذْ ذَاكَ مُجَرَّدُ تَعَبُّدٍ وَإِلْزَامٍ مِنْ جِهَةِ الْآمِرِ لِلْمَأْمُورِ، وَالْعَقْلُ بِمَعْزِلٍ عَنْ هَذِهِ الْخُطَّةِ حَسْبَمَا تَبَيَّنَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ (٢).\nوَنَاهِيكَ مِنْ نِحْلَةٍ يَنْتَحِلُهَا صَاحِبُهَا فِي أَرْفَعِ مُطَالَبَةٍ لَا ثِقَةَ بِهَا، وَيُلْقِي مِنْ يَدِهِ مَا هُوَ عَلَى ثِقَةٍ منه:\nوالثاني (٣): أن الشريعة جاءت كاملة تامّة (٤) لَا تَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ وَلَا النُّقْصَانَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِيهَا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (٥).\nوَفِي حَدِيثِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ (٦): وَعَظَنَا رَسُولُ الله ﷺ موعظة (٧)\n_________\n(١) ساقطة من أصل (م)، ومثبتة في هامشها، وفي (غ): \"إذا\".\n(٢) تناول المؤلف هذه القضية في كتاب الموافقات، وذلك في مقدمة قدّمها حول مقاصد الشريعة، وأنها جاءت لمصالح العباد الدنيوية والأخروية. انظر كتاب الموافقات للمؤلف (٢/ ٦ - ٧)، ثم قال: وزعم الرازي أن أحكام الله ليست معلّلة بعلّة البتّة، وأخذ في الردّ عليه. قلت: هذا هو مذهب الأشاعرة الذين نفوا الحكمة الإلهية، وكذلك نفوا أن تكون أحكام الله معلّلة، وانظر قولهم أيضًا في كتاب التمهيد للباقلاني (ص٣٠)، وقد ردّ عليهم أهل السنة والجماعة في كتبهم، فانظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (١٦/ ٩٦ وما بعدها)، ومنهاج السنة له (١/ ١٤١ وما بعدها)، والنبوات له (ص٣٥٨)، وقد أطال الإمام ابن القيم في الرد عليهم في شفاء العليل (ص٣٩١ - ٥٢١).\n(٣) أي من وجوه ذم البدعة من جهة النظر.\n(٤) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).\n(٥) سورة المائدة، آية (٣).\n(٦) هو أبو نجيح العرباض بن سارية السلمي، صحابي، كان من أعيان أهل الصفة، سكن حمص، وروى أحاديث، روى عنه جبير بن نفير وعده، توفي سنة ٧٥هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٣/ ٤١٩)، الإصابة لابن حجر (٢/ ٤٧٣)، الحلية لأبي نعيم (٢/ ١٣).\n(٧) في (م): \"وعظة\".","vol":"1","page":64},{"text":"ذَرَفَتْ مِنْهَا الْأَعْيُنُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ قَالَ: \"تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، وَلَا يَزِيغُ عَنْهَا (١) بَعْدِي إِلَّا هالك، من (٢) يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عرفتم من سنّتي، وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين (٣) مِنْ بَعْدِي\" (٤) الْحَدِيثَ.\nوَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَمُتْ حَتَّى أَتَى بِبَيَانِ جَمِيعِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي أَمْرِ (٥) الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَهَذَا لَا مُخَالِفَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ.\nفَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَالْمُبْتَدِعُ إِنَّمَا مَحْصُولُ قَوْلِهِ بِلِسَانِ حَالِهِ أَوْ (٦) مَقَالِهِ: إِنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تَتِمَّ، وَأَنَّهُ بَقِيَ مِنْهَا أَشْيَاءُ يَجِبُ أَوْ يُسْتَحَبُّ اسْتِدْرَاكُهَا (٧)، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُعْتَقِدًا لِكَمَالِهَا وَتَمَامِهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، لَمْ يَبْتَدِعْ (٨)، وَلَا اسْتَدْرَكَ عَلَيْهَا، وَقَائِلُ هَذَا ضَالٌّ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.\nقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ (٩): سَمِعْتُ مالكًا يقول: \"من ابتدع في الإسلام\n_________\n(١) في (م) و(ر) و(خ): \"عليها\"، وفي (ط): \"عنها\".\n(٢) في (ط): \"ومن\".\n(٣) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ).\n(٤) رواه الإمام ابن ماجه عن العرباض بن سارية في باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين (١/ ١٦)، ورواه الإمام أحمد في المسند (٤/ ١٢٦)، ورواه أبو داود، برقم (٤٦٠٧)، (٤/ ٢٠٠)، وليس فيه: \"تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا وَلَا يَزِيغُ عنها بعدي إلاّ هالك\"، ورواه الترمذي برقم (٢٦٧١)، وليس فيه: \"تركتكم على البيضاء ... \"، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والحاكم (١/ ٩٥)، والبيهقي (١٠/ ١١٤)، وابن حبان (١/ ١٠٤)، واللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٧٤)، والمروزي في السنة (ص٢٦)، والآجري في الشريعة (ص٤٧)، وابن أبي عاصم في السنّة، وقال الألباني في تعليقه على الكتاب: \"حديث صحيح\" (١/ ٢٧). وانظر صحيح الجامع الصغير للألباني (١/ ٤٩٩).\n(٥) ساقطة من (ت).\n(٦) في (ت): \"و\".\n(٧) في (غ): \"إدراكها\".\n(٨) في (م) و(خ): \"لم يبدع\".\n(٩) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ابن الماجشون، أبو مروان، المدني الفقيه، كان مفتي أهل المدينة، روى عن أبيه وعن مالك، وكان رفيق الشافعي، وهو صدوق، وله أغلاط في الحديث، توفي سنة ٢١٤هـ.\nانظر: تقريب التهذيب لابن حجر (١/ ٥٢٠)، الكاشف للذهبي (٢/ ١٨٦).","vol":"1","page":65},{"text":"بدعة يراها حسنة، فقد زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ خَانَ الرِّسَالَةَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١)، فَمَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ دِينًا، فَلَا يَكُونُ الْيَوْمَ دِينًا\" (٢).\nوَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُبْتَدِعَ مُعَانِدٌ لِلشَّرْعِ وَمَشَاقٌّ لَهُ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ قَدْ عيَّن لِمَطَالِبِ الْعَبْدِ طُرُقًا خَاصَّةً، عَلَى وُجُوهٍ خَاصَّةٍ، وَقَصَرَ الْخَلْقَ عَلَيْهَا بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْخَيْرَ فِيهَا، وَأَنَّ الشَّرَّ فِي تعدِّيها، إلى غيرها (٣)؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا أَرْسَلَ الرَّسُولَ ﷺ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.\nفَالْمُبْتَدِعُ رَادٌّ (٤) لِهَذَا كُلِّهِ، فَإِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ ثَمَّ طُرُقًا أُخَر، لَيْسَ (٥) مَا حَصَرَهُ الشَّارِعُ بِمَحْصُورٍ، وَلَا مَا عَيَّنَهُ بمتعيِّن، وأن (٦) الشَّارِعَ يَعْلَمُ وَنَحْنُ أَيْضًا نَعْلَمُ، بَلْ رُبَّمَا يَفْهَمُ مِنِ اسْتِدْرَاكِهِ الطُّرُقَ عَلَى الشَّارِعِ، أَنَّهُ عَلِمَ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ الشَّارِعُ.\nوَهَذَا إِنْ كَانَ مَقْصُودًا لِلْمُبْتَدِعِ، فَهُوَ كُفْرٌ بِالشَّرِيعَةِ وَالشَّارِعِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَقْصُودٍ، فَهُوَ ضَلَالٌ مُبِينٌ.\nوَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁، إِذْ كَتَبَ لَهُ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَأَةَ (٧) يَسْتَشِيرُهُ فِي بَعْضِ الْقَدَرِيَّةِ (٨)، فكتب إليه:\n_________\n(١) سورة المائدة، آية (٣).\n(٢) رواه عنه بسنده الإمام ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ٨٥).\n(٣) المثبت من (ر)، وفي بقية النسخ: \"إلى غير ذلك\".\n(٤) في (م): \"زائد\".\n(٥) في (غ) و(ر): \"وليس\".\n(٦) في (ت): \"لأن\"، وفي (خ) و(ط): \"كأن\".\n(٧) هو عدي بن أرطاة الفزاري الدمشقي، كان أمير البصرة لعمر بن عبد العزيز، روى عن أبي أمامة وغيره، وذكره ابن حبان في الثقات، قتله معاوية بن يزيد بن المهلب سنة اثنتين ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ٥٣)، تقريب التهذيب (٢/ ١٦)، شذرات الذهب لابن العماد (١/ ١٢٤).\n(٨) تقدم ذكرهم والترجمة لهم في المقدمة (ص١١).","vol":"1","page":66},{"text":"\"أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالِاقْتِصَادِ فِي أَمْرِهِ، وَاتِّبَاعِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، وترك ما أحدث المحدثون مما (١) قَدْ جَرَتْ سُنَّتُهُ (٢)، وَكُفُوا مُؤْنَتَهُ، فَعَلَيْكَ بِلُزُومِ السُّنَّةِ، فَإِنَّ السُّنَّةَ إِنَّمَا سنَّها مَنْ قَدْ عَرَفَ مَا فِي خِلَافِهَا مِنَ الْخَطَأِ وَالزَّلَلِ وَالْحُمْقِ وَالتَّعَمُّقِ، فارضَ لِنَفْسِكَ بِمَا (٣) رَضِيَ بِهِ الْقَوْمُ (٤) لِأَنْفُسِهِمْ، فَإِنَّهُمْ عَلَى عِلْمٍ وَقَفُوا، وَبِبَصَرٍ نافذ قد كفوا، ولهم (٥) كانوا على كشف الأمور أقوى، وبفضل لو كان (٦) فِيهِ أَحْرَى، فَلَئِنْ قُلْتُمْ: أَمْرٌ حَدَثَ بَعْدَهُمْ، مَا أَحْدَثَهُ بَعْدَهُمْ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَ غَيْرَ سُنَنِهِمْ، وَرَغِبَ بِنَفْسِهِ عَنْهُمْ، إِنَّهُمْ لَهُمُ السَّابِقُونَ (٧)، فَقَدْ تَكَلَّمُوا مِنْهُ بِمَا يَكْفِي، وَوَصَفُوا مِنْهُ مَا يَشْفِي، فَمَا دُونَهُمْ مُقَصِّرٌ، وَمَا فَوْقَهُمْ محسر (٨)، لقد قصر عنهم (أقوام فجفوا، وطمح عنهم) (٩) آخرون فَغَلَوْا (١٠)، وَأَنَّهُمْ بَيْنَ ذَلِكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ\" (١١).\n_________\n(١) في (خ) و(ط) و(غ): \"فيما\".\n(٢) في (م): \"سنة\".\n(٣) في (ت): \"ما\".\n(٤) في (خ): \"العموم\".\n(٥) في (ط): \"وهم\".\n(٦) في (م) و(ت): \"لو كانوا\"، وفي (خ) و(ط): \"وبفضل كانوا فيه\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"الغابنون\".\n(٨) ساقطة من (غ) و(ر)، وفي رواية أبي داود: \"فما دونهم من مقصر، وما فوقهم من محسر\" (٤/ ٢٠٢)، قال في عون المعبود بعد ذكره أن معنى القصر الحبس، وأن معنى الحسر الكشف: \"وحاصله أن السلف الصالحين قد حبسوا أنفسهم عن كشف ما لم يحتج إلى كشفه من أمر الدين حبسًا لا مزيد عليه، وكذلك كشفوا ما احتيج إلى كشفه من أمر الدين كشفًا لا مزيد عليه\" عون المعبود (١٢/ ٣٧٠).\n(٩) ما بين المعكوفتين ساقط من جميع النسخ، وقد أثبته من سنن أبي داود (٤/ ٢٠٢)، والبدع والنهي عنها لابن وضاح (ص٣٧)، إذ لا يستقيم المعنى إلاّ به.\n(١٠) في (ط): \"فقلوا\".\n(١١) رواه عن عمر بن عبد العزيز الإمام أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب لزوم السنة، تحت رقم (٤٦١٢)، ولفظه أطول من لفظ المؤلف (٤/ ٢٠٢)، ورواه ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب كل محدثة بدعة (ص٣٧)، ورواه ابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٣٢١)، ورواه أبو نعيم في الحلية ضمن ترجمة عمر بن عبد العزيز (٥/ ٣٣٨)، ورواه الإمام أحمد في كتاب الزهد (ص٣٦٠)، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية ضمن ترجمته (٩/ ٢٢٤).","vol":"1","page":67},{"text":"ثُمَّ خُتِمَ الْكِتَابُ بِحُكْمِ مَسْأَلَتِهِ (١):\nفَقَوْلُهُ: \"فَإِنَّ (٢) السُّنَّةَ إِنَّمَا سَنَّهَا مَنْ قَدْ عَرَفَ مَا في خلافها\" هو (٣) مَقْصُودُ الِاسْتِشْهَادِ.\nوَالرَّابِعُ: أَنَّ الْمُبْتَدِعَ قَدْ نَزَّلَ نَفْسَهُ مَنْزِلَةَ الْمُضَاهِي لِلشَّارِعِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ وَضَعَ الشَّرَائِعَ وَأَلْزَمَ الْخَلْقَ الْجَرْيَ عَلَى سُنَنِهَا، وَصَارَ هُوَ الْمُنْفَرِدَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ حَكَمَ بَيْنَ الْخَلْقِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ التَّشْرِيعُ مِنْ مُدْرَكَاتِ الْخَلْقِ لَمْ (٤) تُنَزَّلِ (٥) الشَّرَائِعُ، وَلَمْ يَبْقَ (٦) الْخِلَافُ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَا احْتِيجَ إلى بعث الرسل ﵈.\nفهذا (٧) الَّذِي ابْتَدَعَ فِي دِينِ اللَّهِ قَدْ صيَّر نفسه نظيرًا ومضاهيًا، حَيْثُ شرَّع مَعَ الشَّارِعِ، وَفَتَحَ لِلِاخْتِلَافِ بَابًا، وَرَدَّ قَصْدَ الشَّارِعِ فِي الِانْفِرَادِ بِالتَّشْرِيعِ، وَكَفَى بذلك شرًا (٨).\nوَالْخَامِسُ: أَنَّهُ اتِّبَاعٌ لِلْهَوَى، لِأَنَّ الْعَقْلَ (٩) إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَّبِعًا لِلشَّرْعِ، لَمْ يَبْقَ لَهُ إِلَّا الْهَوَى وَالشَّهْوَةُ (١٠)، وَأَنْتَ تَعْلَمُ مَا فِي اتِّبَاعِ الْهَوَى، وَأَنَّهُ ضَلَالٌ مُبِينٌ، أَلَا تَرَى قول (١١) الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ *﴾ (١٢)، فَحَصَرَ الْحُكْمَ فِي أَمْرَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا عِنْدَهُ، وَهُوَ الْحَقُّ وَالْهَوَى، وَعَزَلَ الْعَقْلَ مُجَرَّدًا إِذْ لَا يُمْكِنُ فِي الْعَادَةِ إِلَّا ذَلِكَ.\n_________\n(١) وهي مسألة القدر كما مرّ، وكما في سنن أبي داود (٤/ ٢٠٢)، تحت رقم (٤٦١٢)، وفيه كلام نفيس في هذه المسألة.\n(٢) في (خ) و(ت): \"من\".\n(٣) في جميع النسخ: \"فهو\" عدا (غ) و(ر).\n(٤) ساقطة من (م) و(خ).\n(٥) في (م) و(خ): \"تزل\".\n(٦) في (ر): \"يقع\".\n(٧) في جميع النسخ: \"هذا\"، والمثبت من (غ) و(ر).\n(٨) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).\n(٩) في (ت): \"العقلل\".\n(١٠) في (م) و(خ): \"الشهوى\".\n(١١) في (ر): \"إلى قول\".\n(١٢) سورة ص، آية (٢٦).","vol":"1","page":68},{"text":"وَقَالَ: ﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ (١)، فَجَعَلَ الْأَمْرَ مَحْصُورًا بَيْنَ أَمْرَيْنِ: اتِّبَاعِ الذِّكْرِ، وَاتِّبَاعِ الْهَوَى.\nوَقَالَ: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ (٢)، وَهِيَ مِثْلُ مَا قَبْلَهَا، وَتَأَمَّلُوا هَذِهِ الْآيَةَ، فَإِنَّهَا صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَّبِعْ هُدَى اللَّهِ فِي هَوَى نَفْسِهِ، فَلَا أَحَدَ أَضَلُّ مِنْهُ.\nوَهَذَا شَأْنُ الْمُبْتَدِعِ، فَإِنَّهُ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ، وَهُدَى اللَّهِ هُوَ الْقُرْآنُ.\nوَمَا بيَّنته الشَّرِيعَةُ (٣)، وبيَّنته الْآيَةُ أَنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى (٤) عَلَى ضَرْبَيْنِ:\nأَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ تَابِعًا لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَلَيْسَ بِمَذْمُومٍ، وَلَا صَاحِبُهُ بِضَالٍّ، كَيْفَ وَقَدْ قَدَّمَ الْهُدَى (٥) فَاسْتَنَارَ بِهِ فِي طَرِيقِ هَوَاهُ، وَهُوَ شَأْنُ الْمُؤْمِنِ التَّقِيِّ (٦).\nوَالْآخَرُ أَنْ يَكُونَ هَوَاهُ هُوَ (٧) الْمُقَدَّمُ بالقصد الأول، كان الأمر والنهي تابعين بالنسبة إِلَيْهِ أَوْ غَيْرَ تَابِعَيْنِ، وَهُوَ الْمَذْمُومُ.\nوَالْمُبْتَدِعُ قدَّم هَوَى نَفْسِهِ عَلَى هُدَى (٨) رَبِّهِ (٩)، فَكَانَ أضلَّ النَّاسِ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ عَلَى هُدًى.\nوَقَدِ انْجَرَّ هُنَا مَعْنًى يَتَأَكَّدُ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ، وهو أن الآيات (١٠) الْمَذْكُورَةَ عيَّنت لِلِاتِّبَاعِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ طَرِيقَيْنِ:\nأَحَدُهُمَا: الشَّرِيعَةُ، وَلَا مِرْيَةَ فِي أَنَّهَا عِلْمٌ وَحَقٌّ وَهُدًى، وَالْآخَرُ الْهَوَى، وَهُوَ الْمَذْمُومُ؛ لِأَنَّهُ لم يذكر في القرآن إلاّ في سياق (١١) الذَّمِّ، وَلَمْ يَجْعَلْ ثَمَّ طَرِيقًا ثَالِثًا، وَمَنْ تتبَّع الْآيَاتِ أَلْفَى ذَلِكَ كَذَلِكَ.\nثُمَّ الْعِلْمُ الَّذِي أُحيل عَلَيْهِ، وَالْحَقُّ الَّذِي حُمِدَ إِنَّمَا هُوَ الْقُرْآنُ وَمَا نَزَلَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١٢).\n_________\n(١) سورة الكهف، آية (٢٨).\n(٢) سورة القصص، آية (٥٠).\n(٣) في (ر): \"وبينت\".\n(٤) في (م) و(ت): \"الهدى\".\n(٥) في (ر): \"الهوى\".\n(٦) في (ر): \"المتقي\".\n(٧) ساقطة من (غ).\n(٨) في (غ): \"هوى\"، وهو خطأ ظاهر.\n(٩) في (خ) و(ط): \"الله\".\n(١٠) المثبت من (ر)، وفي بقية النسخ: \"الآية\".\n(١١) في (م) و(ر) و(ت): \"مساق\".\n(١٢) سورة الأنعام، آية (١٤٣).","vol":"1","page":69},{"text":"وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١).\nوَقَالَ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ *﴾ (٢).\nوَهَذَا كُلُّهُ لِاتِّبَاعِ أَهْوَائِهِمْ فِي التَّشْرِيعِ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ.\nوَقَالَ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ (٣).\nوَهُوَ اتِّبَاعُ الْهَوَى فِي التَّشْرِيعِ، إِذْ حَقِيقَتُهُ افْتِرَاءٌ عَلَى اللَّهِ.\nوَقَالَ: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ (٤)، أَيْ: لَا يَهْدِيهِ دُونَ اللَّهِ شَيْءٌ، وَذَلِكَ بِالشَّرْعِ لَا بِغَيْرِهِ وَهُوَ الْهُدَى (٥).\nوَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، وَأَنَّ الْأَمْرَ دَائِرٌ بَيْنَ الشَّرْعِ وَالْهَوَى تَزَلْزَلَتْ قَاعِدَةُ حُكْمِ الْعَقْلِ الْمُجَرَّدِ، فَكَأَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَقْلِ فِي هَذَا الْمَيْدَانِ مَجَالٌ إِلَّا مِنْ تَحْتِ نَظَرِ الْهَوَى، فَهُوَ إِذًا اتِّبَاعُ الْهَوَى بِعَيْنِهِ فِي تَشْرِيعِ الْأَحْكَامِ. وَدَعِ النَّظَرَ الْعَقْلِيَّ فِي الْمَعْقُولَاتِ الْمَحْضَةِ، فَلَا كَلَامَ فِيهِ هُنَا، وأن أَهْلُهُ قَدْ زَلُّوا أَيْضًا بِالِابْتِدَاعِ، فَإِنَّمَا زَلُّوا مِنْ حَيْثُ وُرُودِ الْخِطَابِ، وَمِنْ حَيْثُ التَّشْرِيعِ، وَلِذَلِكَ عُذِرَ الْجَمِيعُ قَبْلَ إِرْسَالِ الرُّسُلِ، أَعْنِي فِي خَطَئِهِمْ فِي التَّشْرِيعَاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ، حَتَّى جَاءَتِ الرُّسُلُ فَلَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ حُجَّةٌ يَسْتَقِيمُ إِلَيْهَا ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٦)، وَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ.\nفَهَذِهِ قَاعِدَةٌ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مِنْ بَالِ النَّاظِرِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَإِنْ كَانَتْ أُصُولِيَّةً، فهذه نكتتها (٧) مستنبطة من كتاب الله، (وبالله التوفيق) (٨)، انتهى.\n_________\n(١) سورة الأنعام، آية (١٤٤).\n(٢) سورة الأنعام، آية (١٤٠).\n(٣) سورة المائدة، آية (١٠٣).\n(٤) سورة الجاثية، آية (٢٣).\n(٥) في (ر): \"الهوى\".\n(٦) سورة النساء، آية (١٦٥).\n(٧) في (ر): \"نكتبها\".\n(٨) ما بين المعكوفتين ساقط من جميع النسخ عدا (غ).","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>فصل </span>(١)\nوأمّا النقل فمن وجوه:\nأحدها: مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ (٢) مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَمِّ مَنِ ابْتَدَعَ فِي دِينِ اللَّهِ تعالى فِي الْجُمْلَةِ.\nفَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ (٣)، فهذه الآية من أَعْظَمُ الشَّوَاهِدِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ تَفْسِيرُهَا، فَصَحَّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (٤)، قَالَ: \"فَإِذَا رَأَيْتِهِمْ فَاعْرِفِيهِمْ (٥) \" (٦).\nوَصَحَّ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (عن هذه الآية) (٧) ﴿هُوَ\n_________\n(١) يتناول المؤلف في هذا الفصل وما بعده من الفصول وجوه ذم البدع من القرآن والسنّة وأقوال الصحابة والتابعين والصوفية المشهورين.\n(٢) في (غ): \"الحكيم\".\n(٣) سورة آل عمران، آية (٧).\n(٤) سورة آل عمران، آية (٧).\n(٥) في (م) و(ت): \"فاعرفنهم\".\n(٦) رواه الإمام الترمذي في كتاب التفسير من سننه برقم (٢٩٩٣)، وقال: حسن صحيح (٥/ ٢٠٧)، ورواه الإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (٢/ ٦٠٤)، وقد ذكره الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي (٣/ ٣١). وأصل الحديث في الصحيحين عن عائشة ﵂ كما سيأتي.\n(٧) ما بين المعكوفين ساقط من (غ).","vol":"1","page":71},{"text":"الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِذَا (رَأَيْتُمُ) (١) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ (٢) فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ (٣) \" (٤).\nوَهَذَا التَّفْسِيرُ مُبْهَمٌ (٥)، وَلَكِنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: \"فَإِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيهِ فَهُمُ الَّذِينَ عَنَى (٦) اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ\" (٧)، وَهَذَا أبينَ لِأَنَّهُ جَعَلَ عَلَامَةَ الزَّيْغِ الْجِدَالَ فِي الْقُرْآنِ، وَهَذَا الْجِدَالُ مُقَيَّدٌ بِاتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهِ.\nفَإِذًا الذَّمُّ إِنَّمَا لَحِقَ مَنْ جَادَلَ فِيهِ بِتَرْكِ الْمُحْكَمِ - وَهُوَ أُمُّ الْكِتَابِ وَمُعْظَمُهُ - وَالتَّمَسُّكِ بِمُتَشَابِهِهِ (٨).\nوَلَكِنَّهُ بَعْدُ مُفْتَقِرٌ إِلَى تَفْسِيرٍ أَظْهَرَ، فَجَاءَ عَنْ أَبِي غَالِبٍ وَاسْمُهُ حَزَوَّر (٩) قَالَ: كُنْتُ بِالشَّامِ، فبعث المهلب (١٠) سبعين رأسًا من\n_________\n(١) في (م) و(خ) و(ت): \"رأيتهم\".\n(٢) ساقطة من (غ).\n(٣) في (م): \"فاحذرهم\".\n(٤) رواه الإمام البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، باب منه آيات محكمات، عن عائشة وذكره (٨/ ٢٠٩ مع الفتح)، ورواه الإمام مسلم في كتاب العلم من صحيحه (١٦/ ٢١٧ بشرح النووي)، والإمام أبو داود في كتاب السنة من سننه، باب مجانبة أهل الأهواء برقم (٤٥٩٨) (٤/ ١٩٨)، والإمام الترمذي في كتاب التفسير من صحيحه برقم (٢٩٩٤)، وقال: حسن صحيح (٥/ ٢٠٧)، والإمام الدارمي في المقدمة من سننه، باب من هاب الفتيا وكره التبدع والتنطع (١/ ٦٦)، والإمام اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١١٨)، والإمام ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٩)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (٢/ ٦٠٣ - ٦٠٤)، والبيهقي في دلائل النبوة (٦/ ٥٤٥).\n(٥) في (م): \"منهم\".\n(٦) في (خ): \"عن\".\n(٧) رواه الإمام أحمد في المسند (٦/ ٤٨)، والإمام ابن ماجه في المقدمة من سننه برقم (٤٧) (١/ ١٨)، والإمام الآجري في الشريعة (ص٢٦)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (٢/ ٦٠٢)، وصححه الشيخ الألباني كما في صحيح سنن ابن ماجه (١/ ١٤ - ١٥).\n(٨) في (خ): \"بمشابهه\".\n(٩) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"جرور\"، والصواب المثبت، وهو صاحب أبي أمامة ﵁، قيل: اسمه حزور، وقيل: سعد بن الحزور، وقيل: نافع، قال ابن حجر: \"صدوق يخطئ\"، وضعفه النسائي، وقال ابن حبان: لا يحتجّ به.\nانظر: التقريب (٢/ ٤٦٠)، الكاشف للذهبي (٣/ ٣٢٢)، تهذيب التهذيب (١٢/ ١٩٧).\n(١٠) هو أبو سعيد المهلب بن أبي صفرة، واسمه ظالم بن سارق العتكي، كان من ثقات=","vol":"1","page":72},{"text":"الْخَوَارِجِ (١)، فَنُصِبُوا عَلَى دَرَجِ دِمَشْقَ، فَكُنْتُ عَلَى ظهر بيت لي (٢)، فمرّ أبو أمامة ﵁، فَنَزَلْتُ فَاتَّبَعْتُهُ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِمْ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ وقال: \"سبحان الله! ما يصنع الشيطان (٣) بِبَنِي آدَمَ! قَالَهَا ثَلَاثًا، كِلَابُ جَهَنَّمَ، كِلَابُ جَهَنَّمَ، كِلَابُ جَهَنَّمَ، شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - خَيْرُ قَتْلَى مَنْ قَتَلُوهُ، طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ أَوْ قَتَلُوهُ\"، ثُمَّ الْتَفَتَ إليّ فقال: \"يا (٤) أَبَا غَالِبٍ إِنَّكَ بِأَرْضٍ هُمْ بِهَا كَثِيرٌ فَأَعَاذَكَ اللَّهُ مِنْهُمْ\"، قُلْتُ: رَأَيْتُكَ بَكَيْتَ حِينَ رَأَيْتَهُمْ، قَالَ: \"بَكَيْتُ رَحْمَةً حِينَ رَأَيْتُهُمْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، هَلْ تَقْرَأُ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ\"؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَرَأَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ (٥)، وَإِنَّ هَؤُلَاءِ كَانَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَزِيغَ (٦) بِهِمْ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٧)، قُلْتُ: هُمْ هَؤُلَاءِ يَا أَبَا أُمَامَةَ؟ قَالَ: \"نَعَمْ\"، قُلْتُ: مِنْ قِبَلِكَ تَقُولُ أَوْ شَيْءٌ سَمِعْتُهُ (٨) مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: \"إِنِّي إِذًا لَجَرِيءٌ، بَلْ سَمِعْتُهُ (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) (٩) لَا مَرَّةً وَلَا مَرَّتَيْنِ\"، حَتَّى عَدَّ سَبْعًا، ثُمَّ قَالَ: \"إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقُوا عَلَى (١٠) إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تَزِيدُ عَلَيْهَا فِرْقَةً، كُلُّهُا فِي النَّارِ إِلَّا السَّوَادُ الْأَعْظَمُ\"، قُلْتُ: يَا أَبَا أُمَامَةَ أَلَا تَرَى ما فعلوا؟ (١١) قال: عليهم ما حملوا ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ (١٢) الآية.\n_________\n=الأمراء، وكان عارفًا بالحرب، غزا الهند، وولي الجزيرة لابن الزبير، وحارب الخوارج. توفي غازيًا بمرو الروذ سنة اثنتين وثمانين.\nانظر: تقريب التهذيب لابن حجر (٢/ ٢٨٠)، الكاشف للذهبي (٣/ ١٥٩)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٨٣).\n(١) تقدم ذكرهم والتعريف بهم في المقدمة (ص١١).\n(٢) ساقطة من (ت).\n(٣) في (ط): \"السلطان\"، وهو خطأ.\n(٤) ساقطة من (ط).\n(٥) سورة آل عمران، آية (٧).\n(٦) ساقطة من (خ) و(ت) و(ط) و(م).\n(٧) سورة آل عمران، آية (١٠٥ - ١٠٧).\n(٨) في (ط): \"سمعت\".\n(٩) ما بين المعكوفين ساقط من (غ).\n(١٠) ساقطة من (ت).\n(١١) في (غ): \"ما يفعلون\".\n(١٢) سورة النور، آية (٥٤)، ونصّ الآية: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾.","vol":"1","page":73},{"text":"خَرَّجَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي (١) وَغَيْرُهُ (٢).\nوَفِي رِوَايَةٍ قَالَ (٣): \"أَلَا تَرَى مَا فِيهِ (٤) السَّوَادُ الْأَعْظَمُ\" وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ (٥)، وَالْقَتْلُ (٦) يَوْمَئِذٍ ظاهر، قال: \"عليهم ما حملوا ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ (٧) \".\n_________\n(١) هو إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد الأزدي المالكي، قاضي بغداد، وكان إمامًا حافظًا متقنًا فقيهًا، صنّف المسند، وصنف علوم القرآن، وجمع حديث أيوب وحديث مالك، وصنف الموطأ، استوطن بغداد وولي قضاءها حتى مات سنة اثنتين وثمانين ومئتين.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٣٩)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٢٢٥)، شذرات الذهب (٢/ ١٧٨).\n(٢) رواه الإمام اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، سياق ما روي عن النبيّ ﷺ في الحثّ على اتباع الجماعة والسواد الأعظم (١/ ١٠٢ - ١٠٤)، وابن أبي عاصم في السنّة، باب فيما أخبر به النبيّ ﵇ أن أمّته ستفترق، برقم (٦٨) (١/ ٣٤)، والمروزي في السنة (ص٢٢)، والبيهقي في كتاب قتال أهل البغي من سننه، باب الخلاف في قتال أهل البغي (٨/ ١٨٨)، وأبو نعيم الأصبهاني في ذكر أخبار أصبهان (١/ ٢٨٦)، والطبراني في المعجم الكبير برقم (٨٠٣٥)، (٨٠٥١)، (٨٠٥٤)، (٨/ ٣٢١، ٣٢٧، ٣٢٨).\nوروى الخبر من غير ذكر حديث الافتراق الإمام أحمد في المسند (٥/ ٢٥٣، ٢٥٦، ٢٦٩)، والترمذي في كتاب التفسير من سننه برقم (٣٠٠٠)، (٥/ ٢١٠)، وابن ماجه في مقدمة سننه، باب في ذكر الخوارج برقم (١٧٦)، (١/ ٦٢)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٢/ ٦٣٥، ٦٤٣، ٦٤٤)، والآجري في الشريعة (ص٣٥ - ٣٧)، قال الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد: \"رواه الطبراني، ورجاله ثقات\" (٦/ ٢٣٤)، وقال في موضع آخر: \"رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وفيه أبو غالب، وثّقه ابن معين وغيره، وبقية رجال الأوسط ثقات، وكذلك أحد إسنادي الكبير\" المجمع (٧/ ٢٦١ - ٢٦٢). وحسّنه الألباني إن كان روى من غير طريق القطن بن عبد الله، الذي يرويه عن أبي غالب.\nانظر: ظلال الجنة (١/ ٣٤)، وقد رواه غيره من الثقات عن أبي غالب كحماد بن زيد عند البيهقي.\n(٣) في (م) و(ط): \"قال رواته ... \".\n(٤) في (خ): \"في\"، وقد صححت في الهامش.\n(٥) هو الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان بن الحكم، أبو الوليد، كان طالب علم قبل الخلافة، ثم اشتغل بها. ملك ثلاث عشرة سنة استقلالًا، وقبلها منازعًا لابن الزبير تسع سنين. مات سنة ست وثمانين وقد جاوز الستين.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٤٦)، طبقات ابن سعد (٥/ ٢٢٣)، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١٠/ ٣٨٨).\n(٦) في (ر): \"القتيل\".\n(٧) سورة النور، آية (٥٤).","vol":"1","page":74},{"text":"وَخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُخْتَصَرًا، وَقَالَ فِيهِ: \"حَدِيثٌ حَسَنٌ\" (١).\nوخرّجه الطحاوي (٢) أيضًا (٣) باختلاف في بعض الروايات (٤) والألفاظ، وَفِيهِ فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا أُمَامَةَ، تَقُولُ لَهُمْ هَذَا الْقَوْلَ ثُمَّ تَبْكِي! - يَعْنِي قَوْلَهُ: \"شَرُّ قَتْلَى\" إِلَى آخِرِهِ - قَالَ: \"رَحْمَةً لَهُمْ، إِنَّهُمْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَخَرَجُوا مِنْهُ\"، ثُمَّ تَلَا: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ﴾ (٥) حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ قَالَ: \"هُمْ هَؤُلَاءِ\"، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ...﴾ (٦) حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ قَالَ: \"هُمْ هَؤُلَاءِ\" (٧).\nوَذَكَرَ الْآجُرِّيُّ (٨) عَنْ طَاوُسٍ (٩) قَالَ: ذُكِرَ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ الْخَوَارِجُ وَمَا يُصِيبُهُمْ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، فَقَالَ: \"يؤمنون بمحكمه، ويضلّون\n_________\n(١) تقدم تخريجه قريبًا.\n(٢) هو الإمام العلامة الحافظ الكبير أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الحجري المصري الحنفي، برز في علم الحديث وفي الفقه، وكان محدث الديار المصرية وفقيهها، وصنّف كتبًا تدل على سعة علمه. مات سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٧)، البداية والنهاية لابن كثير (١١/ ١٨٦)، الوافي بالوفيات للصفدي (٨/ ٩).\n(٣) في (م) و(ت): \"وأيضًا\".\n(٤) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ).\n(٥) سورة آل عمران، آية (٧).\n(٦) سورة آل عمران، آية (١٠٦).\n(٧) انظر: مشكل الآثار للطحاوي (٢٥١٩).\n(٨) هو الإمام المحدث القدوة، شيخ الحرم الشريف، أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله البغدادي الآجري، صاحب التواليف، منها كتاب الشريعة في السنة وكتاب الثمانين، وأخلاق العلماء، وكان صدوقًا خيّرًا عابدًا صاحب سنة واتباع. مات بمكة سنة ستّين وثلاثمائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٣٣)، تاريخ بغداد (٢/ ٢٤٣)، الوافي بالوفيات (٢/ ٣٧٣).\n(٩) هو طاوس بن كيسان اليماني، الفقيه القدوة، عالم اليمن، سمع من زيد بن ثابت وعائشة وغيرهم، ولازم ابن عباس مدّة، وهو من كبار أصحابه، وكان ثقة فقيه فاضل، وكان من عباد اليمن وسادات التابعين. توفي سنة ١٠٦هـ.\nانظر: تقريب التهذيب لابن حجر (١/ ٣٧٧)، الكاشف للذهبي (٢/ ٣٧)، طبقات ابن سعد (٥/ ٥٣٧).","vol":"1","page":75},{"text":"عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ\"، وَقَرَأَ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ (١) (٢).\nفَقَدْ ظَهَرَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ أَنَّهُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ؛ لِأَنَّ أَبَا أُمَامَةَ ﵁ جَعَلَ الْخَوَارِجَ (٣) دَاخِلِينَ فِي عُمُومِ الْآيَةِ، وَأَنَّهَا (٤) تَتَنَزَّلُ (٥) عَلَيْهِمْ. وَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، إما على معنى (٦) أَنَّهُمْ خَرَجُوا بِبِدْعَتِهِمْ (٧) عَنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَإِمَّا عَلَى أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَخْرُجُوا عنهم، على اختلاف العلماء فيهم (٨).\n_________\n(١) سورة آل عمران، آية (٧).\n(٢) رواه الإمام الآجري في الشريعة (ص٢٧)، والإمام ابن جرير في تفسيره (٣/ ١٨١)، وعزاه ابن حجر في الفتح للإمام الطبري في تهذيبه، وصحح إسناده.\nانظر: فتح الباري (١٢/ ٣٠٠)، وبحثت عنه في تهذيب الآثار فلم أجده.\n(٣) في (ر): \"الخارج\".\n(٤) في (ر): \"لأنها\".\n(٥) في (ت): \"تنزل\".\n(٦) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ).\n(٧) فس (ت): \"من ببدعتهم\".\n(٨) اختلف العلماء في تكفير الخوارج على قولين، فقد صرح بكفرهم القاضي أبو بكر ابن العربي، كما نقل ذلك عنه الحافظ ابن حجر في الفتح (١٢/ ٢٩٩)، وقد احتجّ على كفرهم بالأحاديث الواردة فيهم، مثل قوله ﷺ: \"يمرقون من الإسلام\"، وقوله: \"لأقتلنهم قتل عاد\"، وفي لفظ ثمود، وكل منهما إنما هلك بالكفر وغير ذلك، وجنح إلى هذا القول من المتأخرين تقي الدين السبكي، وذكر أن حجة من كفرهم هو تكفير الخوارج لأعلام الصحابة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنّة، وكذلك احتجّوا بحديث أبي سعيد، وفيه أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وأنه لا يعلق بالسهم شيء من الرمية من دم أو فرث، فهذا التمثيل ظاهر مقصوده أنهم خرجوا من الإسلام. إلى غير ذلك مما استدلّوا به وما ردوا به حجة الآخرين كما هو مبين في الفتح.\nوذهب أكثر أهل الأصول من أهل السنة إلى أن الخوارج فساق، وأن حكم الإسلام يجري عليهم لتلفظهم بالشهادتين، ومواظبتهم على أركان الإسلام، وإنما فسقوا بتكفيرهم المسلمين، مستندين إلى تأويل فاسد، وجرّهم ذلك إلى استباحة دماء مخالفيهم وأموالهم، والشهادة عليهم بالكفر والشرك.\nومما احتجّوا به أيضًا قوله ﷺ في الحديث: \"كمروق السهم، فينظر الرامي إلى سهمه\"، إلى أن قال: \"فيتمارى في الفوقة هل علق بها شيء\". قال ابن بطال: \"ذهب جمهور العلماء إلى أن الخوارج غير خارجين عن جملة المسلمين لقوله: \"يتمارى في الفوق\"، لأن التماري من الشك، وإذا وقع الشك في ذلك لم يقطع عليهم بالخروج=","vol":"1","page":76},{"text":"وَجَعَلَ هَذِهِ الطَّائِفَةَ مِمَّنْ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَزِيغَ بِهِمْ.\nوَهَذَا الْوَصْفُ مَوْجُودٌ فِي أَهْلِ الْبِدَعِ كُلِّهِمْ، مَعَ أَنَّ لَفْظَ الْآيَةِ عَامٌّ فيهم (١) وفي غيرهم، ممن كان على وصفهم (٢).\nأَلَا تَرَى أَنَّ صَدْرَ هَذِهِ السُّورَةِ (٣) إِنَّمَا نَزَلَ فِي نَصَارَى نَجْرَانَ (٤)، وَمُنَاظَرَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي اعْتِقَادِهِمْ فِي عِيسَى ﵇، حَيْثُ تَأَوَّلُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ الْإِلَهُ، أَوْ أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، أَوْ أَنَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ بِأَوْجُهٍ مُتَشَابِهَةٍ، وَتَرَكُوا مَا هُوَ الْوَاضِحُ فِي عُبُودِيَّتِهِ (٥)، حَسْبَمَا نَقَلَهُ أَهْلُ السِّيَر (٦).\n_________\n=من الإسلام، لأن من ثبت له عقد الإسلام بيقين لم يخرج منه إلاّ بيقين، قال: وقد سئل عليّ ﵁ عن أهل النهر هل كفروا؟ قال: من الكفر فروا.\nويظهر ميل الإمام ابن حجر في الفتح إلى القول الأول. انظر فتح الباري (١٢/ ٢٩٩ - ٣٠١). وقد ذكر الإمام النووي في شرح مسلم أن القول بعدم تكفير الخوارج هو مذهب الشافعي وجماهير أصحابه، وذكر أنه الصحيح.\nانظر: صحيح مسلم بشرح النووي (٧/ ١٦٠ - ١٦٥)، ويميل المؤلف إلى هذا القول. انظر الباب التاسع (٢/ ١٨٥ - ١٨٦)، وانظر نيل الأوطار للإمام الشوكاني فقد نقل الخلاف في المسألة (٧/ ١٦٧ - ١٦٨).\n(١) ساقطة من (ط).\n(٢) في (خ) و(ط): \"صفاتهم\"، وفي (ر): \"صفتهم\".\n(٣) في (خ): \"الصورة\"، وهي سورة آل عمران.\n(٤) ذكر ذلك الإمام ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ الآية، فقال: \"وكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران، أن النصارى لما قدموا فجعلوا يحاجون في عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من النبوّة والإلهية، فأنزل الله صدر هذه السورة ردًّا عليهم\".\nانظر: تفسير ابن كثير (١/ ٥٥١)، وانظر أسباب النزول للإمام الواحدي (ص٦٧).\n(٥) في (خ): \"عبوديتهم\".\n(٦) قال الإمام محمد بن إسحاق في سيرته كما نقله عنه ابن كثير في تفسيره: \"فهم يحتجّون في قولهم هو الله، بأنه كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص والأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرًا، وذلك كله بأمر الله، وليجعله الله آية للناس، ويحتجّون في قولهم بأنه ابن الله يقولون لم يكن له أب يعلم، وقد تكلم في المهد بشيء لم يصنعه أحد من بني آدم قبله، ويحتجّون على قولهم بأنه ثالث ثلاثة بقول الله تعالى فعلنا وأمرنا وخلقنا وقضينا، فيقولون: لو كان واحدًا ما قال إلا فعلت وأمرت وقضيت وخلقت، ولكنه هو وعيسى=","vol":"1","page":77},{"text":"ثُمَّ تَأَوَّلَهُ الْعُلَمَاءُ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ عَلَى قَضَايَا دَخَلَ أَصْحَابُهَا تَحْتَ حُكْمِ اللَّفْظِ كَالْخَوَارِجِ، فَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِي الْعُمُومِ.\nثُمَّ تَلَا أَبُو أُمَامَةَ الْآيَةَ الْأُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١)، وفسَّرها بمعنى (٢) ما فسّر به الآية (٣) الأولى (٤)، فهي تقتضي (٥) الْوَعِيدُ وَالتَّهْدِيدُ (٦) لِمَنْ تِلْكَ صِفَتُهُ، وَنَهَى الْمُؤْمِنِينَ أن يكونوا مثلهم.\nونقل عبد بن حميد (٧) عَنْ حُمَيْدِ بْنِ مِهْرَانَ (٨) قَالَ: سَأَلْتُ (٩) الْحَسَنَ: كَيْفَ يَصْنَعُ أَهْلُ (١٠) هَذِهِ (الْأَهْوَاءِ الْخَبِيثَةِ) (١١) بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي آلِ عِمْرَانَ: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (١٢)، قال: \"نبذوها وربّ الكعبة وراء ظهورهم\" (١٣).\n_________\n=ومريم، تعالى الله وتقدس وتنزّه عما يقول الظالمون والجاحدون علوًّا كبيرًا، وفي كل ذلك من قولهم قد نزل القرآن\". انظر تفسير ابن كثير (١/ ٥٥١).\nوقد ذكر خبرهم الإمام ابن سعد في الطبقات (١/ ٣٥٧)، والإمام ابن هشام في السيرة (٢/ ٢٢٢)، والإمام ابن كثير في البداية والنهاية (٥/ ٤٨)، والإمام ابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٦٢٩)، والإمام الواحدي في أسباب النزول (ص١٢٨ - ١٢٩)، وانظر صحيح البخاري (٨/ ٩٣ - مع الفتح)، ومسند الإمام أحمد (١/ ٤١٤).\n(١) سورة آل عمران، آية (١٠٥ - ١٠٧).\n(٢) في (م) و(خ) و(ت): \"بالمعنى\".\n(٣) في (ر): \"الرواية\".\n(٤) المثبت من (غ)، وفي بقية النسخ: \"الأخرى\"، وذلك في نفس الحديث السابق حيث فسر قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ...﴾، وهذه الآية بأن المراد بهما الخوارج. وتقدم تخريج الحديث مستوفى (ص٧٦).\n(٥) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ).\n(٦) في (ت): \"والتشديد والتهديد\".\n(٧) المثبت هو ما في (غ)، وهو الصواب. وفي بقية النسخ: \"ونقل عبيد عن حميد بن مهران ... \".\n(٨) هو حميد بن أبي حميد مهران الخياط الكندي، أو المالكي، ثقة، روى عن الحسن، وروى عنه مسلم وأبو عاصم. انظر الكاشف للذهبي (١/ ١٩٣)، وتقريب التهذيب (١/ ٢٠٤).\n(٩) في (غ): \"سمعت\".\n(١٠) ساقطة من (ت).\n(١١) بياض في (غ).\n(١٣) سورة آل عمران، آية (١٠٥).\n(١٢) ذكر هذا الأثر الإمام السيوطي في الدر المنثور، وعزاه لعبد بن حميد. انظر الدر المنثور (٢/ ٢٨٩).","vol":"1","page":78},{"text":"وعن أبي أمامة ﵁ أَيْضًا قَالَ: \"هُمُ الْحَرُورِيَّةُ\" (١).\nوَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ (٢): سمعت مالكًا ﵁ يَقُولُ: \"مَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَشَدُّ عَلَى أَهْلِ الِاخْتِلَافِ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ مِنْ هذه الآية ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (٣)، قَالَ مَالِكٌ: فَأَيُّ كَلَامٍ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا؟ \"، فَرَأَيْتُهُ يَتَأَوَّلُهَا (٤) لِأَهْلِ الْأَهْوَاءِ (٥).\nوَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ (٦)، وَزَادَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: \"إِنَّمَا هَذِهِ الْآيَةُ لأهل الأهواء\" (٧) (٨).\nوما ذكره مالك (٩) فِي الْآيَةِ قَدْ نُقِلَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ كَالَّذِي تَقَدَّمَ لِلْحَسَنِ (١٠).\nوَعَنْ قَتَادَةَ (١١) فِي قَوْلِهِ: ﴿كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ (١٢) يعني أهل البدع (١٣).\n_________\n(١) وهم الخوارج، وتقدم قول أبي أمامة في الحديث أن المراد بالآية الخوارج. انظر (ص٧٦).\n(٢) هو عبد الله بن وهب، المحدث الكبير، وصاحب مالك. تقدمت ترجمته، وفي (ر): \"ابن يعزوها\".\n(٣) سورة آل عمران، آية (١٠٦ ١٠٧).\n(٤) في (م): \"يناولها\".\n(٥) انظر: الانتقاء لابن عبد البر (٧٠)، وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ٢٩٤)، والبيان والتحصيل لابن رشد (١٦/ ٣٦٢ - ٣٦٣).\n(٦) هو أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسم العتقي، مولاهم المصري، صاحب الإمام مالك، كان عالم الديار المصرية ومفتيها، وكان ثقة مأمونًا، صاحب ورع توفي سنة إحدى وتسعين ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (٩/ ١٢٠)، تقريب التهذيب (١/ ٤٩٥)، ترتيب المدارك (٤/ ٤٣٣).\n(٧) في جميع النسخ: \"لأهل القبلة\"، والمثبت من (غ)، وهو الأنسب لما قبله.\n(٨) ذكر السيوطي في الدر المنثور مثل هذا القول للشعبي، وعزاه لابن أبي حاتم (٢/ ٢٩٢)، وأما قول الإمام مالك فلم أجده.\n(٩) ساقطة من (ط).\n(١٠) تقدم (ص٨١)، والآيتان متجاورتان في المصحف، وقد سبق كلام أبي أمامة ﵁ أن المراد بهما الخوارج (ص٧٨)، وكذلك قول الشعبي كما في هامش (٩).\n(١١) هو قتادة بن دعامة السدوسي، حافظ العصر، وقدوة المفسرين والمحدثين، كان من أوعية العلم، وممن يضرب به المثل في قوة الحفظ. وهو حجة بالإجماع إذا بين السماع، فإنه مدلس معروف بذلك. توفي سنة سبع عشرة ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٦٩)، تقريب التهذيب (٢/ ١٢٣)، الكاشف للذهبي (٢/ ٣٤١).\n(١٢) سورة آل عمران، آية (١٠٥).\n(١٣) ذكره الإمام البغوي في معالم التنزيل عند الآية التي تليها عند قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ (١/ ٣٣٩).","vol":"1","page":79},{"text":"وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (١)، قَالَ: \"تَبْيَضُّ وُجُوهُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أَهْلِ الْبِدْعَةِ\" (٢).\nوَمِنَ الْآيَاتِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *﴾ (٣)، فَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ سَبِيلُ اللَّهِ الَّذِي دَعَا إليه، وهو السنّة، والسُّبُل هي سبل أهل الِاخْتِلَافِ الْحَائِدِينَ (٤) عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَهُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ.\nوَلَيْسَ (٥) الْمُرَادُ سُبُلَ الْمَعَاصِي، لِأَنَّ الْمَعَاصِيَ مِنْ حَيْثُ هِيَ مَعَاصٍ لَمْ يَضَعْهَا أَحَدٌ طَرِيقًا (٦) تُسْلَكُ دَائِمًا عَلَى مُضَاهَاةِ التَّشْرِيعِ، وَإِنَّمَا هَذَا الْوَصْفُ خَاصٌّ بِالْبِدَعِ الْمُحْدَثَاتِ.\nوَيَدُلُّ عَلَى هَذَا (٧) مَا رَوَى إِسْمَاعِيلُ (٨) عَنْ (٩) سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ (١٠)، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ (١١) عَنْ عاصم بن بهدلة (١٢)\n_________\n(١) سورة آل عمران، آية (١٠٦).\n(٢) أخرجه الإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٧٢)، ولفظه: \"فأما الذين ابيضّت وجوههم فأهل السنة والجماعة وأولوا العلم، وأما الذين اسودّت وجوههم فأهل البدع والضلالة\"، وابن أبي حاتم في التفسير (٣٩٥٠)، والآجري في الشريعة (٢٠٧٤)، وذكره الإمام السيوطي في الدر المنثور، وعزاه لابن أبي حاتم وأبو نصر السجزي في الإبانة، والخطيب في تاريخه (٢/ ٢٩١)، وذكره الإمام البغوي في معالم التنزيل (١/ ٣٣٩).\n(٣) سورة الأنعام، آية (١٥٣).\n(٤) في (خ) و(ر): \"الجائرين\".\n(٥) في (م) و(ت): \"ليس\" بدون الواو.\n(٦) في (ر): \"طرقا\".\n(٧) في (ر): \"ذلك\".\n(٨) هو إسماعيل القاضي، وقد مضت ترجمته (ص٧٦).\n(٩) في (ر): \"بن\".\n(١٠) هو أبو أيوب سليمان بن حرب الواشحي، إمام، ثقة، حافظ، تولّى قضاء مكة سنة أربع عشرة ومائتين، ثم عزل سنة تسع عشرة ومائتين. توفي سنة أربع وعشرين ومائتين.\nانظر: التاريخ الكبير للبخاري (٤/ ٨)، السير (١٠/ ٣٣٠)، التقريب (١/ ٣٢٢)، الكاشف (١/ ٣١٢).\n(١١) هو حماد بن زيد بن درهم الأزدي، أبو إسماعيل، إمام، حافظ، ثبت، قال عنه الذهبي في السير: \"لا أعلم بين العلماء نزاعًا في أن حماد بن زيد من أئمة السلف، ومن أتقن الحفاظ وأعدلهم، وأعدمهم غلطًا، على سعة ما روى\"، توفي سنة تسع وسبعين ومائة.\nانظر: التاريخ الكبير (٣/ ٢٥)، السير (٧/ ٤٥٦)، الكاشف (١/ ١٨٧)، التقريب (١/ ١٩٧).\n(١٢) في (خ) و(ط): \"بهالة\"، وهو خطأ، والصواب المثبت.=","vol":"1","page":80},{"text":"عَنْ أَبِي وَائِلٍ (١) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (٢) قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يومًا، وَخَطَّ لَنَا سُلَيْمَانُ خَطًّا طَوِيلًا (٣)، وَخَطَّ عَنْ يمينه وعن يساره، فقال: «هذه (٤) سَبِيلُ اللَّهِ)، ثُمَّ خَطَّ لَنَا خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ) (٥)، وَقَالَ: \"هَذِهِ سُبُلٌ، وَعَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ\"، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ يعني الخطوط ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٦) (٧).\n_________\n=وهو الإمام أبو بكر عاصم بن بهدلة بن أبي النجود الأسدي، مولاهم، وهو المقرئ الكبير، قرأ القرآن على أبي عبد الرحمن السلمي، وزر بن حبيش الأسدي، وحدث عنهما وعن أبي وائل وطائفة، تصدر للإقراء مدة بالكوفة، وكان أحسن الناس صوتًا بالقرآن، قال ابن حجر: صدوق له أوهام، وقال الدارقطني: في حفظه شيء. توفي سنة سبع وعشرين مئة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٥٦)، تهذيب التهذيب لابن حجر (٥/ ٣٨)، الجرح والتعديل للرازي (٦/ ٣٤٠).\n(١) هو الإمام الكبير أبو وائل شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، مخضرم، أدرك النبي ﷺ ولم يره، وروى عن عدد من الصحابة وغيرهم، وكان ثقة كثير الحديث، توفي سنة اثنتين وثمانين.\nانظر: تقريب التهذيب لابن حجر (١/ ٣٥٤)، تهذيب التهذيب له (٤/ ٣٦١)، الكاشف للذهبي (٢/ ١٣).\n(٢) هو ابن مسعود ﵁.\n(٣) كأن الراوي يروي ما فعله سليمان بن حرب وهو يحدث أصحابه.\n(٤) في (ت) و(ر) و(ط): \"هذا\".\n(٥) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).\n(٦) سورة الأنعام، آية (١٥٣).\n(٧) رواه الإمام أحمد في المسند عن ابن مسعود (١/ ٤٣٥ - ٤٦٥)، ورواه الإمام الدارمي في المقدمة من سننه (١/ ٧٨)، ورواه الإمام المروزي في السنة عنه (ص١٠)، ورواه الإمام الآجري في الشريعة (ص١٠)، ورواه ابن جرير في تفسيره عند الآية (٨/ ٨٨)، ورواه الإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنّة (١/ ٨٠ - ٨١)، ورواه الإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٢٩٣ - ٢٩٤)، ورواه الإمام الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٣٩)، قال: صحيح الإسناد لم يخرجاه، وراه ابن عاصم في السنّة (١/ ١٣)، وحسن الشيخ الألباني إسناده في تعليقه على السنة، وكذلك في تعليقه على المشكاة (١/ ٥٨).","vol":"1","page":81},{"text":"قَالَ بَكْرُ (١) بْنُ الْعَلَاءِ (٢): أَحْسَبُهُ أَرَادَ شَيْطَانًا من الإنس، وهي البدع، والله أعلم (٣).\nوالحديث مخرج من طرق.\nوعن عمرو (٤) بْنِ سَلَمَةَ الْهَمْدَانِيِّ (٥) قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا فِي حلقة ابن مسعود ﵁ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُوَ بَطْحَاءُ قَبْلَ أَنْ يُحَصِّبَ (٦)، فَقَالَ لَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ (٧) بْنُ عُمَرَ بْنِ الخطاب ﵄ وَكَانَ أَتَى غَازِيًا ـ: \"مَا الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ \" قَالَ: \"هُوَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ (٨) الَّذِي (٩) ثَبَتَ عَلَيْهِ أَبُوكَ حَتَّى دَخَلَ الْجَنَّةَ\"، ثُمَّ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ ثَلَاثَ أَيْمَانٍ وَلَاءً، ثُمَّ خَطَّ فِي الْبَطْحَاءِ خَطًّا بِيَدِهِ، وَخَطَّ بجنبيه (١٠) (خطوطًا) (١١)، وقال:\n_________\n(١) في (ت): \"أبو بكر\"، وهو خطأ، والصواب المثبت.\n(٢) هو بكر بن محمد بن العلاء بن محمد، أبو الفضل، القشيري. قاض من علماء المالكية من أهل البصرة، انتقل إلى مصر قبل سنة ٣٣٠هـ، وتوفي بها عن نيف وثمانين سنة، توفي سنة ٣٤٤هـ.\nانظر: شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (٢/ ٣٦٦)، الأعلام للزركلي (٢/ ٦٩).\n(٣) لم أجد هذا القول له، وسنن إسماعيل القاضي التي ينقل عنها المؤلف غير موجودة فيما أعلم.\n(٤) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"عمر\"، والصواب المثبت.\n(٥) هو عمرو بن سلمة بن عميرة بن مقاتل بن الحارث الهمداني. روى عن علي وعبد الله بن مسعود ﵄. وكان شريفًا، وهو الذي بعثه الحسن بن علي بن أبي طالب مع محمد بن الأشعث في الصلح بينه وبين معاوية ﵄، وكان ثقة قليل الحديث.\nانظر: طبقات ابن سعد (٦/ ١٧١)، الجرح والتعديل للرازي (٦/ ٢٣٥)، تهذيب التهذيب لابن حجر (٨/ ٤٢).\n(٦) الحصباء: الحصى، وحصبت المسجد تحصيبًا إذا فرشته بها. انظر الصحاح للجوهري (١/ ١١٢).\n(٧) لفظ الجلالة ساقط من (ت)، والذي وجدته في مصادر الأثر \"عبد الله\"، وليس عبيد الله، وكلاهما من ولد عمر ﵁.\n(٨) في (م): \"العكبة\".\n(٩) العبارة في (ت): \"ورب الكعبة هو الذي ... \".\n(١٠) في (ر): \"بجنبتيه\".\n(١١) في (م) و(خ) و(ت): \"خطاطًا\".","vol":"1","page":82},{"text":"تَرَكَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ عَلَى طَرَفِهِ، وَطَرَفُهُ الْآخَرُ فِي الْجَنَّةِ، فَمِنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ أَخَذَ فِي هَذِهِ الْخُطُوطِ هَلَكَ (١).\nوَفِي رِوَايَةٍ: يَا أَبَا (٢) عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ؟ قَالَ: \"تَرَكَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَدْنَاهُ وَطَرَفُهُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَنْ يَمِينِهِ جوادٌّ (٣)، وَعَنْ يَسَارِهِ جوادُ، وَعَلَيْهَا (٤) رِجَالٌ يَدْعُونَ مَنْ مَرَّ بِهِمْ: هَلُمَّ لَكَ هَلُمَّ لَكَ، فَمَنْ أَخَذَ مِنْهُمْ فِي تِلْكَ الطُّرُقِ انْتَهَتْ بِهِ إِلَى النَّارِ، وَمَنِ اسْتَقَامَ إِلَى الطَّرِيقِ الْأَعْظَمِ انْتَهَى بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ\"، ثُمَّ تَلَا (٥) ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ (٦) الْآيَةَ كُلَّهُا\" (٧).\nوَعَنْ مُجَاهِدٍ (٨) فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ (٩) قال: \"البدع والشبهات\" (١٠).\n_________\n(١) سأذكر تخريجه في الأثر بعده لأنه أشهر، وممن ذكر حلف ابن مسعود أن الصراط المستقيم هو ما كان عليه عمر الإمام ابن رجب في جامع العلوم والحكم (ص٢٥١).\n(٢) ساقطة من (ر).\n(٣) جواد جمع جادة. وهي معظم الطريق. انظر الصحاح للجوهري (٢/ ٤٥٢).\n(٤) في (ت): \"عليهم\".\n(٥) ساقطة من أصل (م)، ومثبتة في هامشها.\n(٦) سورة الأنعام، آية (١٥٣).\n(٧) روى هذا الأثر الإمام ابن جرير في تفسيره (٨/ ٨٩)، ورواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، وذكر أن السائل هو عبد الله بن عمر (ص٣٩)، وذكره الإمام القرطبي في تفسيره وعزاه للإمام الطبري في آداب النفوس (٧/ ١٣٨)، وذكره الإمام السيوطي في الدر المنثور وعزاه أيضًا إلى عبد الرزاق وابن مردويه.\nانظر: الدر (٣/ ٣٨٦)، وكذلك فعل الإمام الشوكاني في فتح القدير (٢/ ١٧٩).\n(٨) هو الإمام أبو الحجاج مجاهد بن جبر المكي، شيخ القراء والمفسرين، وهو تلميذ ابن عباس ﵁، أخذ عنه القرآن والتفسير والفقه، مات ﵀ وهو ساجد سنة اثنتين ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٤٩)، تهذيب التهذيب (١٠/ ٤٢)، الكاشف (٣/ ١٠٦).\n(٩) سورة الأنعام، آية (١٥٣).\n(١٠) أخرجه الإمام الدارمي في المقدمة من سننه، باب في كراهية أخذ الرأي (١/ ٧٩) (ص١٢)، وابن جرير في التفسير (١٤٦٨)، وابن أبي حاتم (٨١٠٤)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٢٩٨)، وذكره السيوطي في الدر المنثور، وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ. انظر الدر المنثور (٣/ ٣٨٦).","vol":"1","page":83},{"text":"وعن عبد الرحمن بن مهدي (١) قال (٢): سُئِلَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ﵁ عَنِ السُّنَّةِ؟ قَالَ: \"هِيَ مَا لَا اسْمَ لَهُ غَيْرُ السُّنَّةِ، وَتَلَا ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٣) \" (٤).\nقَالَ بَكْرُ بْنُ الْعَلَاءِ (٥): يُرِيدُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَّ لَهُ خَطًّا (٦)، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.\nفَهَذَا التَّفْسِيرُ (٧) يَدُلُّ عَلَى شُمُولِ الْآيَةِ لِجَمِيعِ طُرُقِ الْبِدَعِ، لَا تَخْتَصُّ بِبِدْعَةٍ دُونَ أُخْرَى.\nوَمِنَ الْآيَاتِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ *﴾ (٨)، فَالسَّبِيلُ الْقَصْدُ هُوَ طَرِيقُ الْحَقِّ، وَمَا سِوَاهُ (من الطرق) (٩) جَائِرٌ عَنِ الْحَقِّ، أَيْ عَادِلٌ عَنْهُ، وَهِيَ طُرُقُ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ، أَعَاذَنَا (١٠) اللَّهُ مِنْ سُلُوكِهَا بِفَضْلِهِ، وَكَفَى بِالْجَائِرِ أَنْ يُحَذَّرَ مِنْهُ، فَالْمَسَاقُ يدل على التحذير والنهي.\n_________\n(١) هو أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري، الإمام، الناقد، سيد الحفاظ، روى عن الإمام مالك وابن الماجشون وغيرهما، وروى عنه ابن المبارك وابن وهب وأحمد وغيرهم. وكان إمامًا حجة قدوة في العلم والعمل. توفي بالبصرة سنة ١٩٨هـ.\n(٢) في جميع النسخ: \"قد\"، عدا (غ).\nانظر: التاريخ الكبير (٥/ ٣٥٤)، الحلية (٩/ ٣)، السير (٩/ ١٩٢)، تقريب التهذيب (١/ ٤٩٩).\n(٣) سورة الأنعام، آية (١٥٣).\n(٤) انظر: كتاب الانتقاء لابن عبد البر (ص٣٥)، وفي معناه ما ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك، قال: سأل رجل مالكًا من أهل السنة يا أبا عبد الله؟ قال: \"الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمي، ولا رافضي، ولا قدري\". انظر: ترتيب المدارك (١/ ١٧٢).\n(٥) تقدمت ترجمته (ص٨٥).\n(٦) في (ت): \"خططًا\".\n(٧) في (خ): \"فهذا الحديث التفسير\".\n(٨) سورة النحل، آية (٩).\n(٩) ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ، عدا (غ) و(ر).\n(١٠) في (غ): \"أنقذنا\".","vol":"1","page":84},{"text":"وَذَكَرَ (١) ابْنُ وَضَّاحٍ (٢) قَالَ: سُئِلَ عَاصِمُ بْنُ بهدلة (٣) وقيل له (٤): يا أبا بكر، أرأيت (٥) قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ *﴾ (٦)؟ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو وَائِلٍ (٧) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ قَالَ: \"خَطَّ عَبْدُ اللَّهِ (٨) خَطًّا مُسْتَقِيمًا، وَخَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَخُطُوطًا عَنْ شِمَالِهِ، فَقَالَ: \"خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَكَذَا، فَقَالَ لِلْخَطِّ الْمُسْتَقِيمِ (هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ)، وَلِلْخُطُوطِ الَّتِي عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ (٩) (هَذِهِ سُبُلٌ مُتَفَرِّقَةٌ (١٠)، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ)، وَالسَّبِيلُ مُشْتَرَكَةٌ\"، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ (١١) إلى آخرها (١٢).\nوعن (١٣) التستري (١٤): ﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ طريق السنة (١٥)، ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ (١٦) يَعْنِي إِلَى النَّارِ، وَذَلِكَ الْمِلَلُ وَالْبِدَعُ (١٧).\nوَعَنْ مجاهد ﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾: \"أي (١٨) المقتصد منها بين الغلوّ\n_________\n(١) في (م): \"ذكر\"، بدون الواو.\n(٢) هو الإمام محمد بن وضاح الأندلسي، محدث الأندلس. مضت ترجمته (ص٣٩).\n(٣) تقدمت ترجمته (ص٨٤).\n(٤) ساقطة من (م) و(ت) و(غ) و(ر).\n(٥) في (خ) و(ت) و(ط): \"هل رأيت\".\n(٦) سورة النحل، آية (٩).\n(٧) تقدمت ترجمته (ص٨٤).\n(٨) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"عبد الله بن عبد الله\".\n(٩) في (ت): \"وعن شماله\".\n(١٠) في (ر): \"مفترقة\".\n(١١) سورة الأنعام، آية (١٥٣).\n(١٢) رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٣٨)، وتقدم تخريجه (ص٨٥).\n(١٣) في (ط): \"عن\" بدون الواو.\n(١٤) هو سهل بن عبد الله بن يونس التستري، شيخ العارفين، الصوفي الزاهد، لقي ذا النون المصري وصحبه، وله كلمات نافعة، ومواعظ حسنة. توفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وقيل: ثلاث وتسعين ومائتين.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٣٠)، حلية الأولياء لأبي نعيم (١٠/ ١٨٩)، شذرات الذهب (٢/ ١٨٢)، طبقات الصوفية للسلمي (ص٢٠٦)، الرسالة القشيرية للقشيري (ص١٨).\n(١٥) في (غ): \"الجنة\".\n(١٦) سورة النحل، آية (٩).\n(١٧) ذكره الإمام البغوي في تفسيره، وعزاه لسهل بن عبد الله وعبد الله بن المبارك. انظر معالم التنزيل (٣/ ٦٣).\n(١٨) ساقطة من (ت).","vol":"1","page":85},{"text":"وَالتَّقْصِيرِ\" (١)، وَذَلِكَ يُفِيدُ أَنَّ الْجَائِرَ هُوَ الْغَالِي أَوِ الْمُقَصِّرُ، وَكِلَاهُمَا مِنْ أَوْصَافِ الْبِدَعِ.\nوَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: \"فَمِنْكُمْ جَائِر\" (٢)، قَالُوا: يَعْنِي هَذِهِ الْأُمَّةَ، فَكَأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَعَ الْآيَةِ قَبْلَهَا يَتَوَارَدَانِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ.\nوَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ *﴾ (٣).\nهَذِهِ الْآيَةُ قَدْ جَاءَ تَفْسِيرُهَا فِي الْحَدِيثِ (٤) من طريق عائشة رضي الله تعالى عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"يَا عَائِشَةُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ مَنْ هُمْ؟ \" قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: \"هُمْ أَصْحَابُ الْأَهْوَاءِ، وَأَصْحَابُ الْبِدَعِ، وَأَصْحَابُ الضَّلَالَةِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. يَا عَائِشَةُ، إِنَّ لِكُلِّ ذَنْبٍ تَوْبَةً مَا خَلَا أَصْحَابَ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ، لَيْسَ لَهُمْ تَوْبَةٌ، وَأَنَا بَرِيءٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مني براء\" (٥).\n_________\n(١) روى ابن جرير عن مجاهد عن الآية قوله: \"طريق الحق على الله\" (٢١٤٩٣)، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٢٤٧٩).\n(٢) ذكره عنه الإمام السيوطي في الدر المنثور (٥/ ١١٥)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف. وذكره الإمام الشوكاني في فتح القدير (٣/ ١٥١)، وذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (٢/ ٨٧٣)، أنها قراءة ابن مسعود أيضًا، وكذلك ذكرها عنه الشوكاني في نفس الموضع السابق.\n(٣) سورة الأنعام، آية (١٥٩).\n(٤) في (غ) و(ر): \"بعض الأحاديث\".\n(٥) رواه الإمام الطبراني في معجمه الصغير عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ (١/ ٢٠٣)، ورواه الإمام ابن أبي عاصم في السنة (ص٨) برقم (٤)، ورواه الإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٣٠٣)، ورواه أبو نعيم في الحلية (٤/ ١٣٨)، وقال أبو نعيم: هذا حديث غريب من حديث شعبة، تفرد به بقية. وقد ذكر الحديث الإمام ابن كثير في تفسيره عند الآية، وقال: وهذا رواه ابن مردويه وهو غريب أيضًا، ولا يصح رفعه (٢/ ٣١٤)، وقال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد: فيه بقية ومجالد بن سعيد وكلاهما ضعيف (١/ ١٩٣). وقال عنه الألباني كما في ظلال الجنة: إسناده ضعيف رجاله موثقون غير مجالد، وهو ابن سعيد وليس بالقوي (ص٨) برقم (٤).","vol":"1","page":86},{"text":"قَالَ (١) ابْنُ عَطِيَّةَ (٢): \"هَذِهِ الْآيَةُ تَعُمُّ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ وَالشُّذُوذِ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ التَّعَمُّقِ فِي الْجِدَالِ، وَالْخَوْضِ فِي الْكَلَامِ، هَذِهِ كُلُّهُا عُرْضَةٌ لِلزَّلَلِ وَمَظِنَّةٌ لِسُوءِ الْمُعْتَقَدِ\" (٣).\nوَيُرِيدُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - بِأَهْلِ التَّعَمُّقِ فِي الْفُرُوعِ مَا ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (٤) فِي فَصْلِ ذَمِّ الرَّأْيِ مِنْ كِتَابِ الْعِلْمِ لَهُ (٥)، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بِحَوْلِ اللَّهِ (٦).\nوَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ (٧) فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي حنيفة ﵁ أنّه\n_________\n(١) في (ر): \"وقال\".\n(٢) هو أبو محمد عبد الحق بن أبي بكر غالب بن عطية المحاربي الغرناطي، كان إمامًا في الفقه، والتفسير، وفي العربية، وكان ذكيًا فطنًا مدركًا، من أوعية العلم، ووالده أحد حفاظ الحديث، تولّى قضاء المرية سنة تسع وعشرين وخمسمائة، توفي سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة.\nانظر: السير (١٩/ ٥٨٦)، العبر (٤/ ٤٣)، شذرات الذهب (٤/ ٥٩)، بغية الملتمس (ص٤٢٧).\n(٣) ذكر ذلك الإمام ابن عطية عند قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ آية (١٥٣) من سورة الأنعام، ولم يذكر ذلك عند هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ آية (١٥٩) من سورة الأنعام، ومعنى الآيتين متقارب. انظر المحرر الوجيز لابن عطية (٥/ ٤٠٠).\n(٤) هو الإمام العلامة أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الأندلسي القرطبي، صاحب التصانيف الفائقة، طلب العلم، وأدرك الكبار، وكان حافظًا متقنًا، صاحب سنة واتّباع، وكان أثريًا ظاهريًا فيما قيل، ثم تحوّل مالكيًا مع ميل إلى فقه الشافعي في مسائل، وكان حافظ المغرب في زمانه، توفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٥٣)، وفيات الأعيان لابن خلكان (٧/ ٦٦)، طبقات الحفاظ للسيوطي (ص٤٣١).\n(٥) ساقطة من (ت).\n(٦) انظر كلام الإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٣٨، ١٣٩)، وسوف يعقد المؤلف فصلًا في ذمّ الرأي وبيان المراد به ضمن هذا الباب (ص١٨٧).\n(٧) هو أبو الحسن علي بن خلف بن بطال البكري القرطبي، يعرف بابن اللجام. كان من كبار المالكية، وكان من أهل العلم والمعرفة، وقد عني بالحديث العناية التامة وقد شرح صحيح البخاري في عدة أسفار، توفي سنة تسع وأربعين وأربعمائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٧٤)، العبر للذهبي (٣/ ٢١٩)، الوافي بالوفيات للصفدي (١٢/ ٥٦).","vol":"1","page":87},{"text":"قَالَ: \"لَقِيتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي (١) رَبَاحٍ (٢) بِمَكَّةَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، قَالَ: أَنْتَ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا؟ قلت: نعم، قال: فمن (٣) أَيِّ الْأَصْنَافِ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِمَّنْ لَا يَسُبُّ السَّلَفَ، وَيُؤْمِنُ بِالْقَدْرِ، وَلَا يُكَفِّرُ أَحَدًا بِذَنْبٍ، فَقَالَ عَطَاءٌ: عَرَفْتَ فَالْزَمْ\" (٤).\nوَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ يَوْمًا يَخْطُبُنَا، فَقَطَعُوا عَلَيْهِ كَلَامَهُ، فَتَرَامَوْا بِالْبَطْحَاءِ، حَتَّى جَعَلْتُ مَا أُبْصِرُ أَدِيمَ السَّمَاءِ، قَالَ: وَسَمِعْنَا صَوْتًا مِنْ بَعْضِ حُجَرِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقِيلَ: هَذَا صَوْتُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: فَسَمِعْتُهَا وَهِيَ تَقُولُ: \"أَلَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ قَدْ بَرِئَ (٥) مِمَّنْ فَرَّقَ دِينَهُ وَاحْتَزَبَ\" (٦)، وَتَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٧).\nقَالَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ (٨): \"أَحْسَبُهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: \"أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ\" أُمَّ سَلَمَةَ، وَأَنَّ ذَلِكَ قَدْ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ كَانَتْ عَائِشَةُ فِي ذلك الوقت حاجّة\" (٩).\n_________\n(١) في (م) و(ط): \"عطاء بن رباح\".\n(٢) هو الإمام أبو محمد عطاء بن أبي رباح القرشي، مولاهم، المكي، ولد في خلافة عثمان، ونشأ بمكة، وحدث عن عدد من الصحابة، كابن عباس وغيره، وكان ثقة، فقيهًا، عالمًا، كثير الحديث. توفي سنة أربع عشرة ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ٧٨)، طبقات ابن سعد (٥/ ٤٦٧)، التاريخ للبخاري (٦/ ٤٦٣).\n(٣) في (ط): \"من\" بدون الفاء.\n(٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٣١٤)، وانظر: مناقب أبي حنيفة للكردي (٧٦)، والعقد الثمين للفاسي (٦/ ٩١).\n(٥) في (ت): \"براء\".\n(٦) ذكر السيوطي في الدر المنثور أثرًا قريبًا منه عن الحسن، وقيّده بيوم مقتل عثمان ﵁، ولفظه: عن الحسن قال: رأيت يوم قتل عثمان ذراع امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ قد أخرجت من بين الحائط والستر، وهي تنادي: ألا إن الله ورسوله بريئان من الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعًا. وقد عزاه إلى عبد بن حميد. انظر الدر المنثور (٣/ ٤٠٣).\n(٧) سورة الأنعام، آية (١٥٩).\n(٨) تقدمت ترجمته (ص٧٦).\n(٩) ذكر الإمام ابن جرير عن أم سلمة أنها قالت: ليتّق الله امرؤ أن لا يكون من رسول الله ﷺ في شيء، ثم قرأت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ (٨/ ١٠٦).","vol":"1","page":88},{"text":"وعن أبي هريرة ﵁ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ (١).\nوَعَنْ أَبِي أمامة ﵁: \"هُمُ الْخَوَارِجُ\" (٢).\nقَالَ الْقَاضِي (٣): \"ظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ (٤) عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنِ ابْتَدَعَ فِي الدِّينِ بِدْعَةً مِنَ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، لِأَنَّهُمْ إِذَا ابْتَدَعُوا تَجَادَلُوا وَتَخَاصَمُوا وتفرقوا وَكَانُوا شِيَعًا [﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾] (٥) \" (٦).\nومنها قوله: ﴿وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ *مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ *﴾ (٧). قُرِئَ ﴿فَارَقُواْ دِينَهُمْ﴾ (٨)، وَفُسِّرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أنهم الخوارج (٩).\n_________\n(١) رواه عنه ابن جرير في تفسيره (٨/ ١٠٥)، وذكره البخاري في خلق أفعال العباد (٦٦)، وذكره ابن كثير عنه (٢/ ٣١٤)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور أيضًا للفريابي وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه. انظر الدر المنثور (٣/ ٤٠٢).\n(٢) ذكره عنه الإمام ابن كثير في تفسيره، وقال: وروي عنه مرفوعًا ولا يصح (٢/ ٣١٤)، وذكره الإمام السيوطي في الدر المنثور عن أبي أمامة، قال: هم الحرورية، وعزاه إلى عبد بن حميد وأبو الشيخ وابن مردويه. انظر: الدر المنثور (٣/ ٤٠٢).\n(٣) هو إسماعيل القاضي كما بينه المؤلف في الصفحة التالية.\n(٤) ساقطة من (غ).\n(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من جميع النسخ، عدا (غ).\n(٦) لم أتمكن من الرجوع إلى قوله لعدم وجود كتابه.\n(٧) سورة الروم، آية (٣١ - ٣٢).\n(٨) هي قراءة حمزة والكسائي كما ذكره الإمام أبو زرعة في كتابه حجة القراءات (ص٢٧٨)، والإمام ابن الجزري في النشر في القراءات العشر (٢/ ٢١٦)، وقرأ الباقون: ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾، وهذا الخلاف في هذه الآية هو نفسه في آية الأنعام: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ (١٥٩)، وقراءة ﴿فارقوا دينهم﴾ مروية عن علي ﵁، روى ذلك الإمام ابن جرير في تفسيره (٨/ ١٠٤)، وذكرها القرطبي في تفسيره (١٤/ ٣٢)، والشوكاني في فتح القدير (٤/ ٢٢٥)، والسيوطي في الدر المنثور، وعزاها أيضًا إلى الفريابي وعبد بن حميد، وابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر الدر المنثور (٣/ ٤٠٢).\n(٩) لم أجد هذا التفسير عن أبي هريرة ﵁، والمفسّرون عند هذه الآية يفسّرونها=","vol":"1","page":89},{"text":"ورواه أبو أمامة ﵁ مَرْفُوعًا (١).\nوَقِيلَ: هُمْ أَصْحَابُ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ، قَالُوا: رَوَتْهُ عَائِشَةُ ﵂ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ (٢).\nوَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا شَأْنُ مَنِ ابْتَدَعَ حَسْبَمَا قَالَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي (٣)، وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي (٤) الْآيِ الْأُخَرِ (٥).\nوَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ (٦).\nفعن ابن عباس ﵄ أَنْ لَبَّسَكُمْ (٧) شِيَعًا: هُوَ الْأَهْوَاءُ الْمُخْتَلِفَةُ (٨).\nوَيَكُونُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ تَكْفِيرُ الْبَعْضِ لِلْبَعْضِ حَتَّى يَتَقَاتَلُوا (٩)، كَمَا جَرَى لِلْخَوَارِجِ حِينَ خَرَجُوا عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.\n_________\n=بما فسروا به آية الأنعام: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ ...﴾ (١٥٩)، وقد تقدم قول أبي هريرة ﵁ أنها في هذه الأمة (ص٩٣).\n(١) ما رواه أبو أمامة ﵁ مرفوعًا ذكره الإمام السيوطي في الدر المنثور عند آية الأنعام: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ ...﴾، وعزاه لابن أبي حاتم والنحاس وابن مردويه (٣/ ٤٠٢)، وقد ذكر الإمام ابن كثير قول أبي أمامة أنهم الخوارج، ثم قال: وروي عنه مرفوعًا ولا يصح (٢/ ٣١٤).\n(٢) تقدم ذكر الحديث (ص٨٦).\n(٣) تقدم كلامه (ص٩٣).\n(٤) ساقطة من (م) و(ت).\n(٥) يريد قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ سورة الأنعام، آية (١٥٩).\n(٦) سورة الأنعام، آية (٦٥).\n(٧) في (ر): \"لبسهم\".\n(٨) رواه عنه الإمام ابن جرير في تفسيره (٧/ ٢٢١)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور أيضًا لابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر الدر المنثور (٣/ ٢٨٣)، وذكره الإمام الطرطوشي في الحوادث والبدع (ص٨٧).\n(٩) قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾، قال: يسلط بعضكم على بعض بالقتل والعذاب. انظر الفقرة السابقة.","vol":"1","page":90},{"text":"وقيل: معنى ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ مَا فِيهِ إِلْبَاسٌ مِنَ الِاخْتِلَافِ (١).\nوَقَالَ مُجَاهِدٌ (٢) وَأَبُو الْعَالِيَةِ (٣): \"إِنَّ الْآيَةَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ\" (٤).\nقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: \"هُنَّ أَرْبَعٌ، ظَهَرَ اثْنَتَانِ (٥) بَعْدَ (٦) وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، فَأُلْبِسُوا شيعًا، وأذيق بعضهم (٧) بَأْسَ بَعْضٍ، وَبَقِيَتِ اثْنَتَانِ، فَهُمَا وَلَا بُدَّ واقعتان: الخسف من تحت أرجلكم، والرجم (٨) والمسخ من فوقكم\" (٩).\n_________\n(١) قال ابن جرير عن قوله ﴿يَلْبِسَكُمْ﴾: \"أو يخلطكم ﴿شِيَعًا﴾: فرقًا، فهو من قولك: لبست عليه الأمر إذا خلطت\". انظر تفسير ابن جرير (٧/ ٢٢١)، وانظر زاد المسير لابن الجوزي (٣/ ٥٩)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٧/ ٩)، وتفسير ابن كثير (٢/ ٢٣٠)، وفتح القدير للشوكاني (٢/ ١٢٦).\nوهذه العبارة هي عبارة الإمام الطرطوشي في الحوادث والبدع (ص٨٧).\n(٢) تقدمت ترجمته (ص٨٧).\n(٣) هو أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي البصري، الإمام، المقرئ المفسر، كان مولى لامرأة من بني رياح بن يربوع، أسلم في خلافة أبي بكر الصديق ﵁، سمع من عدد من الصحابة، حفظ القرآن، وقرأه على أبي بن كعب، وتصدر لإفادة العلم، وبَعُد صيته. توفي سنة تسعين وقيل: ثلاث وتسعين.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٠٧)، حلية الأولياء (٢/ ٢١٧)، شذرات الذهب (١/ ١٠٢).\n(٤) عزو هذا القول إلى مجاهد وأبي العالية هو ما قاله الإمام الطرطوشي في الحوادث والبدع (ص٨٧)، وقبله الإمام ابن جرير في تفسيره (٧/ ٢٢٢)، ورجح الإمام ابن جرير أن الآية للمشركين، إلا أن تهديدها عام لمن سلك سبيلهم من أهل الخلاف على الله ورسوله. انظر تفسير ابن جرير (٧/ ٢٢٥ - ٢٢٦).\n(٥) في (خ) و(ت): \"ثنتان\".\n(٦) ساقطة من (ت).\n(٧) في (خ) و(ط): \"بعضكم\".\n(٨) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ)، وهو الموافق لما في الحوادث والبدع للطرطوشي (ص٨٩)، والمؤلف ينقل عنه هنا.\n(٩) رواه عن أبي العالية الإمام ابن جرير في تفسيره (٧/ ٢٢٢)، ورواه أيضًا عن أُبي بن كعب ﵁ (٧/ ٢٢٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٧٣٩٨)، وذكره الإمام ابن كثير في تفسيره عن أُبي بن كعب (٢/ ٢٢٩)، وذكره السيوطي في الدر المنثور عن أُبي بن كعب، وعزاه أيضًا لابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه وأبي نعيم في الحلية. انظر الدر المنثور (٣/ ٢٨٤).\nوللإمام ابن حجر في الفتح بحث حسن حول الجمع بين هذا الأثر عن أُبي ﵁،=","vol":"1","page":91},{"text":"وَهَذَا كُلُّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ اخْتِلَافَ الْأَهْوَاءِ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مَحْبُوبٍ، وَمَذْمُومٌ غَيْرُ مَحْمُودٍ.\nوَفِيمَا نُقِلَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (١)، قَالَ فِي الْمُخْتَلِفِينَ: \"إِنَّهُمْ أَهْلُ الْبَاطِلِ، ﴿إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ قال: أهل (٢) الحق ليس بينهم اخْتِلَافٌ\" (٣).\nوَرُوِيَ (٤) عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ (٥) أَنَّهُ قَالَ: \"لَوْ كَانَتِ الْأَهْوَاءُ كُلُّهُا (٦) وَاحِدًا لَقَالَ الْقَائِلُ: لَعَلَّ الْحَقَّ فِيهِ، فَلَمَّا تَشَعَّبَتْ وَتَفَرَّقَتْ عَرَفَ كُلُّ ذِي عَقْلٍ أَنَّ الْحَقَّ لَا يتفرّق\" (٧).\nوعن عكرمة (٨): ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ يَعْنِي فِي الْأَهْوَاءِ، ﴿إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ هم أهل السنة\" (٩).\n_________\n=وما ورد من الأحاديث الدالّة على أن الله لا يعذّب هذه الأمة بما عذب به من قبلها. انظر فتح الباري لابن حجر (٨/ ٢٩١).\n(١) سورة هود، آية (١١٨ - ١١٩).\n(٢) في (ط): \"فإن أهل الحق\".\n(٣) رواه عنه الإمام ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٤١)، وذكره ابن عبد البر في الجامع (١٧٥٣)، وعزاه السيوطي أيضًا لأبي الشيخ. انظر الدر المنثور (٤/ ٤٩١).\n(٤) في (م): \"روى\" بدون الواو.\n(٥) هو مطرف بن عبد الله بن الشخير العامري البصري، الإمام، القدوة، كان ثقة، عابدًا، فاضلًا، حدّث عن أبيه ﵁ وعدد من الصحابة، مات سنة ست وثمانين وقيل غير ذلك.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ١٨٧)، تهذيب التهذيب (١٠/ ١٧٣)، شذرات الذهب (١/ ١١٠).\n(٦) ساقطة من (ط).\n(٧) رواه عنه الإمام اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٤٩)، وذكره ابن عبد البر في الجامع (١٧٥٢).\n(٨) هو أبو عبد الله عكرمة بن عبد الله القرشي، مولاهم، وهو مولى ابن عباس، وأصله بربري، ثقة، ثبت، عالم بالتفسير، قد روى عن عدد من الصحابة، ولم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا يثبت عنه بدعة. توفي سنة أربع ومائة، وقيل غير ذلك.\nانظر: تهذيب التهذيب (٧/ ٢٦٣)، شذرات الذهب (١/ ١٣٠)، الجرح والتعديل (٧/ ٧).\n(٩) لم أجده بلفظه، وإنما روى عنه ابن جرير عند الآية قوله: \"لا يزالون مختلفين في الهوى\"، انظر تفسير ابن جرير (١٢/ ١٤٢)، وسنن سعيد بن منصور (٥/ ٣٦٨)، وتفسير ابن أبي حاتم (١١٢٨٩).","vol":"1","page":92},{"text":"ونقل أبو بكر بن ثابت الخطيب (١)، عن منصور بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (٢) قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ الْحَسَنِ وَرَجُلٌ خَلْفِي قَاعِدٌ، فَجَعَلَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (﴿إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ (٣)، قال: نعم ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (٤) عَلَى أَدْيَانٍ شَتَّى، ﴿إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ فَمَنْ رَحِمَ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ\" (٥).\nوَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَالِكِ بْنِ أنس ﵄ أَنَّ أَهْلَ الرَّحْمَةِ لَا يَخْتَلِفُونَ (٦).\nوَلِهَذِهِ الْآيَةِ بسط يأتي بعد هذا (٧)، إِنْ شَاءَ اللَّهُ (٨).\nوَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَمْرٍو (٩) عن (١٠) مصعب (١١) قال: سألت\n_________\n(١) هو أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد البغدادي، كان إمامًا من أئمة الحديث وحفاظه، فقد جمع وصنّف وصحح، وعلّل وجرّح، وعدّل وأرّخ، وصار أحفظ أهل عصره على الإطلاق، وكان من كبار الشافعية، ومن أشهر كتبه تاريخ بغداد. توفي ﵀ سنة ٤٦٠هـ.\nانظر: السير (١٨/ ٧٠، العبر (٢/ ٣١٤)، البداية والنهاية (١٢/ ١٠٨).\n(٢) في (خ) و(ط): \"مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ\"، وهو إضراب عن الخطأ والصواب المثبت، وهو منصور بن عبد الرحمن الغداني الأشل، صدوق يهم. روى عن الحسن والشعبي، وروى عنه ابن علية وابن المفضل.\nانظر: تقريب التهذيب (٢/ ٢٧٦)، الكاشف (٣/ ١٥٦).\n(٣) سورة هود، الآية (١١٨ - ١١٩).\n(٤) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).\n(٥) رواه الإمام ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٤١)، وعزاه السيوطي أيضًا لابن أبي حاتم وأبي الشيخ. انظر الدر المنثور (٤/ ٤٩١)، ورواه عبد الله بن أحمد في السنة عن منصور بن عبد الرحمن قال: سألت الحسن عن قوله: \"ولا يزالون ... \"، فذكره (٢/ ٤٣٠)، وسعيد بن منصور في السنن (٥/ ٣٦٧)، والخطيب في المتفق والمفترق (٣/ ١٩٢٣)، والآجري في الشريعة (٢/ ٧١٩ - ٧٢١).\n(٦) رواه سعيد بن منصور في السنن (٥/ ٣٦٧)، وابن أبي حاتم في التفسير (١١٢٩٦)، والفريابي في القدر (٦١)، وانظر: تفسير ابن جرير (١٢/ ١٤٣)، والمحرر الوجيز لابن عطية (٩/ ٢٤٠)، وتفسير ابن كثير (٢/ ٨٦٦).\n(٧) ساقطة من (ط).\n(٨) تكلم المؤلف عن هذه الآية بشكل أوسع في الباب التاسع. انظر المطبوع (٢/ ١٦٥).\n(٩) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"عمر\".\n(١٠) في جميع النسخ: \"بن\"، والتصويب من صحيح البخاري (٨/ ٤٢٥).\n(١١) مصعب هو ابن سعد بن أبي وقاص ﵁، روى عن أبيه وطلحة، وكان ثقة. توفي بالكوفة سنة ثلاث ومائة.=","vol":"1","page":93},{"text":"أبي (١) ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ (٢) هُمُ الْحَرُورِيَّةُ (٣)؟ قَالَ: لَا، هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، أَمَّا الْيَهُودُ فَكَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ، وَأَمَّا النَّصَارَى فَكَذَّبُوا بِالْجَنَّةِ، وَقَالُوا: لَا طَعَامَ فِيهَا وَلَا شَرَابَ. وَالْحَرُورِيَّةُ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ (٤)، وكان (سعد) (٥) يُسَمِّيهِمُ الْفَاسِقِينَ (٦).\nوَفِي تَفْسِيرِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ (٧) عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: \"قُلْتُ لِأَبِي ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا *﴾ (٨) أَهُمُ الْحَرُورِيَّةُ؟ قَالَ: لَا، أُولَئِكَ أَصْحَابُ الصَّوَامِعِ. ولكن الحرورية الذين قال الله (٩): ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (١٠) \" (١١).\n_________\n=انظر: الكاشف للذهبي (٣/ ١٣٠)، تقريب التهذيب لابن حجر (٢/ ٢٥١).\n(١) عبارة (ط): \"سألت أبي عن قوله تعالى\"، والمثبت هو الموافق لرواية البخاري والمراد بأبيه هو سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁. انظر فتح الباري (٨/ ٤٢٥).\n(٢) سورة الكهف، آية (١٠٣).\n(٣) الحرورية من أسماء الخوارج، سموا بذلك نسبة إلى حروراء، وهي قرية بظاهر الكوفة، وقيل على ميلين منها، نزل بها الخوارج الذين خالفوا عليًا ﵁، وكان ابتداء خروجهم منها.\nانظر: معجم البلدان لياقوت (٣/ ٢٥٦)، فتح الباري (٨/ ٤٢٥).\n(٤) سورة البقرة، آية (٢٧).\n(٥) في جميع النسخ: \"شعبة\"، والتصويب من صحيح البخاري (٨/ ٤٢٥).\n(٦) رواه الإمام البخاري في صحيحه (٨/ ٤٢٥ مع الفتح)، والإمام ابن جرير في تفسيره (١٦/ ٣٣)، وعزاه السيوطي لعبد الرزاق والنسائي، وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه. انظر الدر المنثور (٥/ ٤٦٥).\n(٧) هو أبو عثمان سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني المروزي، الحافظ، الإمام، شيخ الحرم، ومؤلف كتاب السنن، روى عن مالك والليث وغيرهم، وروى عنه الإمام أحمد بن حنبل وأبو ثور وغيرهم. وكان ثقة صادقًا. توفي سنة سبع وعشرين ومائتين.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٨٦)، طبقات ابن سعد (٥/ ٥٠٢)، الجرح والتعديل للرازي (٤/ ٦٨).\n(٨) سورة الكهف، آية (١٠٤).\n(٩) أي الذين قال الله فيهم.\n(١٠) سورة الصف، آية (٥).\n(١١) رواه عبد الله بن أحمد في السنة (٢/ ٦٤١)، وفيه الخوارج بدل من الحرورية، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٧٠)، وابن جرير في تفسيره (١٦/ ٣٣)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور لعبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه (٥/ ٤٦٥).","vol":"1","page":94},{"text":"وَخَرَّجَ عَبْدُ (١) بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ هَذَا الْمَعْنَى بِلَفْظٍ آخَرَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، فَأَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ إلى قوله: ﴿يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ قُلْتُ: أَهُمُ (٢) الْحَرُورِيَّةُ؟ قَالَ: \"لَا (٣)، هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. أَمَّا الْيَهُودُ فَكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَمَّا النَّصَارَى فَكَفَرُوا بِالْجَنَّةِ، وَقَالُوا: لَيْسَ فِيهَا طَعَامٌ وَلَا شَرَابٌ، وَلَكِنَّ الْحَرُورِيَّةُ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ (٤) \" (٥).\n[ففي هذه الروايات عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ أن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ الآية، يشمل أهل البدعة؛ لأن أهل حروراء اجتمعت فيهم هذه الأوصاف التي هي نقض عهد الله وقطع ما أمر الله به أن يوصل، والإفساد في الأرض] (٦).\nفَالْأَوَّلُ (٧): لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ بِشَهَادَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِأَنَّهُمْ تأولوا فيه (٨) التَّأْوِيلَاتِ الْفَاسِدَةَ، وَكَذَا فَعَلَ الْمُبْتَدِعَةُ، وَهُوَ بَابُهُمُ الذي دخلوا منه (٩).\n_________\n(١) في (م) و(خ) و(ط): \"عبيد\"، والصواب المثبت.\nوهو عبد بن حميد ويقال عبد الحميد بن نصر الكسي، ويقال الكشي، الإمام، الحافظ، الحجة، ولد بعد السبعين ومائة. حدّث عنه مسلم والترمذي والبخاري تعليقًا. كان ممن جمع وصنّف. توفي سنة تسع وأربعين ومائتين.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ٢٣٥)، تهذيب التهذيب لابن حجر (٦/ ٤٥٥)، شذرات الذهب لابن العماد (٢/ ١٢٠).\n(٢) في (ر): \"هم\".\n(٣) ساقطة من (ت).\n(٤) سورة البقرة، آية (٢٧).\n(٥) هذا اللفظ هو لفظ الإمام البخاري إلاّ أنه قال هنا: \"كفروا بمحمد\"، وقال هناك: \"كذبوا بمحمد\"، وقد تقدم تخريجه قريبًا.\n(٦) ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ، عدا (غ) و(ر).\n(٧) من هنا يبدأ المؤلف في تنزيل الصفات الواردة في الآية على الخوارج وأعمالهم، علمًا بأن الآية لم تنص على الخوارج، ولم تنزل فيهم. ولكنهم داخلون بوصفهم فيها مع من دخل، وقد ذكر ذلك الإمام ابن كثير في تفسيره (١/ ١٠١). وسوف يشير إلى ذلك المؤلف (ص١٠٥).\n(٨) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).\n(٩) في جميع النسخ \"فيه\" عدا (غ) و(ر).","vol":"1","page":95},{"text":"وَالثَّانِي (١): لِأَنَّهُمْ تَصَرَّفُوا فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ هَذَا التَّصَرُّفَ.\nفَأَهْلُ حَرُورَاءَ (٢) وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْخَوَارِجِ قَطَعُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ (٣) عن قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٤) وغيرها (٥).\nوَكَذَا فَعَلَ سَائِرُ الْمُبْتَدِعَةِ حَسْبَمَا يَأْتِيكَ بِحَوْلِ الله (٦).\nومنه (٧): ما (٨) روي عن عَمْرُو بْنُ مُهَاجِرٍ (٩) قَالَ: (بَلَغَ عُمَرُ بْنُ\n_________\n(١) بعد أن تكلم المؤلف عن نقضهم لعهد الله فإنه يذكر هنا قطعهم لما أمر الله به أن يوصل.\n(٢) تقدم التعريف بها (ص٩٩).\n(٣) سورة الأنعام: آية (٥٧).\n(٤) سورة المائدة: آية (٩٥).\n(٥) يشير المؤلف بهذا الكلام إلى احتجاج الخوارج الذين خرجوا على علي ﵁ استنكارًا للتحكيم. فقد قالوا كيف يحكم الرجال في أمر الله، واحتجوا بقول الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾. وقد أرسل علي ﵁ إليهم ابن عباس ليجادلهم فيما ذهبوا إليه من آراء، وقد أجاب ابن عباس ﵁ عن هذه المسألة بأن الله قد قبل حكم الرجال فيما هو أهون من دماء المسلمين، وذلك مثل قبول حكم الرجال في جزاء الصيد الذي يقتله المحرم، فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ المائدة (٩٥)، ثم أجاب ﵁ عن بقية آرائهم. فرجع منهم ألفان إلى المسلمين.\nانظر هذه القصة في جامع بيان العلم لابن عبد البر (٢/ ١٠٤)، كما ذكرها المؤلف في نفس الكتاب (٢ج١٨٧) من المطبوع. وذكرها ابن الجوزي في تلبيس إبليس (ص١١٢ - ١١٤)، وانظر الكامل في التاريخ لابن الأثير (٣/ ٢٠٢ - ٢٠٣)، وانظر فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١٩/ ٩٠، ٩١).\n(٦) تناول المؤلف مناهج المبتدعة في الاستدلال في الباب الرابع من الكتاب (١/ ٢٢٠ - ٢٨٥) من المطبوع، وخاصة (ص٢٣٧ - ٢٤٥) فإن له تعلقًا بمسألتنا هنا.\n(٧) أي: ومن قَطْع بعض الأدلة عن بعض فعل غيلان الدمشقي الذي قطع أول سورة الإنسان عن آخرها كما سيذكره المؤلف.\n(٨) ساقطة من (م).\n(٩) هو عمرو بن مهاجر بن أبي مسلم الأنصاري الدمشقي، ولي شرطة عمر بن عبد العزيز، وكان ثقة. توفي سنة تسع وثلاثين ومائة.\nانظر: التاريخ الكبير (٦/ ٣٧٣)، تقريب التهذيب (٢/ ٧٩)، والكاشف للذهبي (٢/ ٢٩٦).","vol":"1","page":96},{"text":"عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵀ أَنَّ غَيْلَانَ الْقَدَرِيَّ (١) يَقُولُ فِي الْقَدَرِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَحَجَبَهُ أَيَّامًا، ثُمَّ أَدْخَلَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا غَيْلَانُ، مَا هَذَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْكَ؟ قَالَ عَمْرُو بْنُ مُهَاجِرٍ: فَأَشَرْتُ إِلَيْهِ أَلَّا يَقُولَ شَيْئًا، قَالَ: فَقَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَقُولُ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا *إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا *إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا *﴾ (٢)، قَالَ عُمَرُ: اقْرَأْ إِلَى (٣) آخِرِ السُّورَةِ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا *يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا *﴾ (٤)، ثُمَّ قَالَ: مَا تَقُولُ يَا غَيْلَانُ؟ قَالَ: أَقُولُ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَبَصَّرْتَنِي، وَأَصَمَّ فَأَسْمَعْتَنِي، (وَضَالًّا فَهَدَيْتَنِي) (٥). فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ غَيْلَانُ صَادِقًا وَإِلَّا فَاصْلُبْهُ (٦). قَالَ: فَأَمْسَكَ عَنِ الْكَلَامِ فِي الْقَدَرِ، فَوَلَّاهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ دَارَ الضَّرْبِ بِدِمَشْقَ. فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَفْضَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى هِشَامٍ (٧) تَكَلَّمَ فِي الْقَدَرِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ هِشَامٌ فَقَطَعَ يَدَهُ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ وَالذُّبَابُ عَلَى يَدِهِ، فَقَالَ: يَا غَيْلَانُ، هَذَا قَضَاءٌ وَقَدَرٌ. قَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ مَا هَذَا قَضَاءٌ ولا قدر، فبعث إليه هشام فصلبه\" (٨).\n_________\n(١) هو غيلان بن مسلم الدمشقي، القدري، تنسب إليه فرقة الغيلانية من القدرية، وهو ثاني من تكلم في القدر ودعا إليه، فقد سبقه معبد الجهني، قتل بسبب بدعته وصلب على باب كيسان بدمشق.\nانظر: ميزان الاعتدال (٣/ ٣٣٨) ولسان الميزان (٤/ ٤٢٤) والأعلام للزركلي (٥/ ١٢٤)، والملل والنحل للشهرستاني (ص٤٦).\n(٢) سورة الإنسان: آية (١ - ٣).\n(٣) ساقطة من (ر).\n(٤) سورة الإنسان: آية (٣٠، ٣١).\n(٥) ما بين المعكوفين ساقط من (خ).\n(٦) في (ط): \"فاصلة\"، وفي (ت): \"فأصابه\".\n(٧) هو الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك بن مروان، بويع له بالخلافة بعد أخيه يزيد بن عبد الملك، سنة خمس ومائة، وكان حازم الرأي، ذكيًا، مدبرًا، فيه حلم وأناة. توفي سنة خمس وعشرين ومائة.\nانظر: البداية والنهاية (٩/ ٣٦٥)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٥١)، فوات الوفيات (٤/ ٢٣٨).\n(٨) روى هذه القصة الفريابي في القدر (٢٧٩)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٤/ ٧١٢ - ٧١٣)، والإمام الآجري في الشريعة (ص٢٢٨) بلفظ المؤلف تمامًا، كما=","vol":"1","page":97},{"text":"وَالثَّالِثُ (١): لِأَنَّ الْحَرُورِيَّةَ جَرَّدُوا السُّيُوفَ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ، وَهُوَ غَايَةُ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَذَلِكَ كَثِيرٌ (٢) مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ شَائِعٌ، وَسَائِرُهُمْ يُفْسِدُونَ بِوُجُوهٍ مِنْ إِيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ.\nوَهَذِهِ الْأَوْصَافُ الثَّلَاثَةُ تَقْتَضِيهَا الْفِرْقَةُ الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ (٤)، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.\nوَفِي الْحَدِيثِ: (إِنَّ الْأُمَّةَ تَتَفَرَّقُ عَلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً) (٥).\nوَهَذَا التَّفْسِيرُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى لِمُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ (٦) أَيْضًا، فَقَدْ وَافَقَ أَبَاهُ عَلَى الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ (٧).\nثُمَّ فَسَّرَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ (٨) أَنَّ ذَلِكَ بسبب الزيغ الحاصل فيهم، وذلك قوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (٩)، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى آيَةِ آلِ عِمْرَانَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ (١٠) الْآيَةَ.\nفَإِنَّهُ (١١) ﵁ أَدْخَلَ (١٢) الْحَرُورِيَّةُ في الآيتين بالمعنى، وهو الزيغ\n_________\n=ذكرها بلفظها ومن نفس الطريق الإمام ابن بطة في كتاب القدر من كتاب الإبانة الكبرى (ص٣٣٩ - ٤٤٠)، (وهو رسالة دكتوراه في جامعة أم القرى، بتحقيق الدكتور عبد الله آدم الأثيوبي)، وروى قصته أيضًا مع عمر بن عبد العزيز عبد الله بن أحمد في السنة (٢/ ٤٢٩).\n(١) يريد الوصف الثالث في آية البقرة والرعد، وهو الفساد في الأرض.\n(٢) في (ر): \"في كثير\".\n(٣) سورة آل عمران: آية (١٠٥).\n(٤) سورة الأنعام: آية (١٥٩).\n(٥) تقدم تخريج حديث الافتراق وبيان صحته في المقدمة (ص١٢)، وسوف يذكر المؤلف حديث الافتراق وبعض رواياته في الباب التاسع (٢/ ١٨٩) من المطبوع. وقد جمع الشيخ سلمان العودة أحاديث الافتراق ودرس أسانيدها في كتابه \"صفة الغرباء\" (ص٢٠ - ٥٠).\n(٦) هو ابن سعد بن أبي وقاص. تقدم ذكره (ص٩٩).\n(٧) انظر: الرواية الأولى التي ذكرها المؤلف (ص٩٩).\n(٨) تقدمت هذه الرواية (ص٩٩).\n(٩) سورة الصف: آية (٥).\n(١٠) سورة آل عمران: آية (٧).\n(١١) في (ر): \"فكأنه\".\n(١٢) عبارة (خ) و(ط): \"فإنه أدخل ﵁ ... \".","vol":"1","page":98},{"text":"فِي إِحْدَاهُمَا (١)، وَالْأَوْصَافُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْأُخْرَى (٢) لِأَنَّهَا فيهم موجودة.\nفآية الرعد (٣) تشمل (٤) بِلَفْظِهَا، لِأَنَّ اللَّفْظَ فِيهَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ لُغَةً، وَإِنْ حَمَلْنَاهَا عَلَى الْكُفَّارِ خُصُوصًا فَهِيَ تُعْطِي أَيْضًا فِيهِمْ (٥) حُكْمًا مِنْ جِهَةِ تَرْتِيبِ الْجَزَاءِ (٦) عَلَى الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ (٧) حَسْبَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي الأوصول (٨).\nوَكَذَلِكَ آيَةُ الصَّفِّ، لِأَنَّهَا خَاصَّةٌ بِقَوْمِ مُوسَى ﵇ ومن هنا كان (سعد) (٩) يُسَمِّيهِمُ الْفَاسِقِينَ - أَعْنِي الْحَرُورِيَّةَ ـ، لِأَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ وَاقِعٌ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ جَاءَ فِيهَا: ﴿وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١٠) وَالزَّيْغُ أَيْضًا كَانَ مَوْجُودًا فِيهِمْ، فَدَخَلُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (١١).\nوَمِنْ هُنَا يُفْهَمُ (١٢) أَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ مِنْ أهل البدعة بالحرورية، بل تعم\n_________\n(١) وهي آية الصف ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ رقم (٥).\n(٢) وهي آية البقرة رقم (٢٧)، وآية الرعد رقم (٢٥)، فكلا الآيتين تناول الأوصاف الثلاثة: وهي نقض عهد الله من بعد ميثاقه، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، والإفساد في الأرض.\n(٣) ذكر المؤلف آية الرعد ولم يذكر آية البقرة، فلعله اكتفى بالاستشهاد بها، علمًا بأن الإمام ابن حجر في الفتح تكلم على الآية التي استشهد بها سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ على أنها آية البقرة. انظر الفتح (٨/ ٤٢٥).\n(٤) في (ر): \"تشتمل\".\n(٥) أي: في الخوارج وغيرهم من المبتدعة الذين يتصفون بما ورد في الآية من الصفات.\n(٦) في (ت): \"الأجزاء\".\n(٧) أي المذكورة في آية البقرة رقم (٢٧). انظر هامش (٨).\n(٨) يريد بهذا - والله أعلم - أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وهو قول جمهور الأصوليين. انظر: روضة الناظر لابن قدامة مع شرحه نزهة الخاطر العاطر (٢/ ١٢٣)، إرشاد الفحول للشوكاني (١٣٣)، أصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي (١/ ٢٧٣).\nفي جميع النسخ \"شعبة\"، والصواب \"سعد\" كما في صحيح البخاري، وهو سعد ابن أبي وقاص كما مر في الحديث (ص٩٩).\n(٩) سورة الصف: آية (٥). وتسمية سعد ﵁ لهم بالفاسقين قد يكون بسبب ذكر ذلك في سورة البقرة: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ﴾، ثم وصفهم الله بالأوصاف المذكورة. انظر سورة البقرة: آية (٢٦، ٢٧).\n(١٠) سورة الصف: آية (٥).\n(١١) في (غ): \"يعلم\".","vol":"1","page":99},{"text":"كُلَّ مَنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الْأَوْصَافِ الَّتِي أَصْلُهَا الزَّيْغُ، وَهُوَ الْمَيْلُ عَنِ الْحَقِّ اتِّبَاعًا لِلْهَوَى.\nوَإِنَّمَا فَسَّرَهَا سَعْدٌ ﵁ بِالْحَرُورِيَّةِ، لأنه إنما سئل عنهم، (وإنما سُئِلَ عَنْهُمْ) (١) عَلَى الْخُصُوصِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، لِأَنَّهُمْ من (٢) أَوَّلُ مَنِ ابْتَدَعَ فِي دِينِ اللَّهِ، فَلَا يقتضى ذلك تخصيصًا.\nوأما الآية (٣) المسؤول عَنْهَا أَوَّلًا، وَهِيَ آيَةُ الْكَهْفِ (٤)، فَإِنَّ سَعْدًا نَفَى أَنْ تَشْمَلَ الْحَرُورِيَّةَ.\nوَقَدْ جَاءَ عَنْ علي بن أبي طالب ﵁ أَنَّهُ فَسَّرَ الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا بِالْحَرُورِيَّةِ أَيْضًا. فَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (٥) عَنْ أَبِي (٦) الطُّفَيْلِ (٧) قَالَ: (قَامَ (٨) ابْنُ الكوَّاء (٩) إِلَى عَلِيٍّ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنِ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا\n_________\n(١) ما بين المعكوفين ساقط من (خ) و(ط).\n(٢) ساقطة من (م) و(ط).\n(٣) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).\n(٤) هي آية الكهف رقم (١٠٣) وهي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرَينِ أَعْمَالًا *﴾.\n(٥) تقدم ذكره وترجمته (ص١٠٠).\n(٦) في (ط): \"ابن\".\n(٧) هو الصحابي عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو الليثي الكناني، خاتم من رأى رسول الله ﷺ في الدنيا، كان من شيعة الإمام علي ﵁ وكان ثقة فيما ينقله، صادقًا، عالمًا. شاعرًا، فارسا. شهد مع علي ﵁ حروبه، وعمر دهرًا طويلًا. توفي بمكة سنة عشر ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٣/ ٤٦٧)، الإصابة لابن حجر (٤/ ١١٣)، أسد الغابة لابن الأثير (٣/ ١٤٥).\n(٨) ساقطة من (ت).\n(٩) هو عبد الله بن الكواء اليشكري. خرج مع الخوارج إلى حروراء، وجعلوه أميرًا للصلاة، وكان من أول من بايع عبد الله بن وهب الراسي أمير الخوارج وقد رشحه الخوارج ليجادل الإمام علي ﵁ فيما نقموا عليه، وقد رجع عن مذهب الخوارج، وعاود صحبة علي ﵁.\nانظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير (٣/ ٢٠٢، ٢٠٣)، الملل والنحل للشهرستاني (ص١١٧)، دراسة عن الفرق لأحمد الجلي (ص٥٥)، والفرق بين الفرق (٢/ ١١٧)، لسان الميزان (٤/ ٤٠٦).","vol":"1","page":100},{"text":"وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا *﴾ (١)؟ قَالَ: مِنْهُمْ أَهْلُ حَرُورَاءَ) (٢).\nوَهُوَ أَيْضًا مَنْقُولٌ فِي تَفْسِيرِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ (٣).\nوَفِي جَامِعِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنِ الْآيَةِ، فَقَالَ لَهُ: (ارْقَ إليَّ أُخْبِرْكَ) وَكَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَرَقِيَ إلى دَرَجَتَيْنِ، فَتَنَاوَلَهُ بِعَصًا كَانَتْ فِي يَدِهِ، فَجَعَلَ يضربه بها، ثم قال له (٤) علي ﵁: (أَنْتَ وَأَصْحَابَكَ) (٥).\nوَخَرَّجَ عَبْدُ (بْنُ حُمَيْدٍ) (٦) أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ (٧) قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَوْد (٨) أَنَّ عَلِيًّا ﵁ خَطَبَ النَّاسَ بِالْعِرَاقِ وَهُوَ يَسْمَعُ، فَصَاحَ بِهِ ابْنُ الْكَوَّاءِ مِنْ أَقْصَى الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا أمير المؤمنين، من\n_________\n(١) سورة الكهف: آية (١٠٤).\n(٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٦/ ٣٣ - ٣٤)، وعبد الله بن أحمد في السنة عن أبي الطفيل (٢/ ٦٣٦)، وعبد الرزاق في التفسير (٢/ ٣٤٨)، وابن أبي حاتم في التفسير (٧/ ٢٣٩٣)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور لعبد الرزاق والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن علي ﵁ أنه سئل عن هَذِهِ الْآيَةِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرَينِ أَعْمَالًا *﴾ قال: لا أظن إلا أن الخوارج منهم. انظر الدر المنثور (٥/ ٤٦٥).\n(٣) هو أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، شيخ الإسلام، وإمام الحفاظ، قال ابن عيينة وابن معين وغيرهم: سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث. وقد ساد الناس بالورع والعلم، وكان رأسًا في الزهد والتأله والخوف، رأسًا في الفقه، لا يخاف في الله لومة لائم. توفي سنة إحدى وستين ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٧/ ٢٢٩)، طبقات ابن سعد (٦/ ٣٧١)، حلية الأولياء (٦/ ٣٥٦).\nوانظر: تفسير سفيان الثوري فقد ذكر الخبر عند الآية (ص١٧٩).\n(٤) ساقطة من (م) و(ر).\n(٥) رواه الإمام ابن جرير مختصرًا. انظر: تفسير ابن جرير (١٦/ ٢٧).\n(٦) ما بين المعكوفين ساقط من (م) و(خ) و(ت) و(غ) و(ر).\n(٧) هو محمد بن جبير بن مطعم النوفلي، إمام، فقيه، ثبت، كان أحد العلماء الأشراف، وصاحب كتب وعناية بالعلم، روى عن أبيه وعمر وابن عباس، وروى عنه الزهري وغيره. توفي بالمدينة سنة مائة.\nانظر: التاريخ الكبير (١/ ٥٢)، السير (٤/ ٥٤٣)، والتقريب (٢/ ١٥٠).\n(٨) قال السمعاني في الأنساب: الأودي بفتح الألف وسكون الواو، وفي آخرها الدال المهملة، هذه النسبة إلى أود بن صعب بن سعد العشيرة من مذحج. انظر الأنساب (١/ ٢٢٦).","vol":"1","page":101},{"text":"الأخسرين أعمالًا؟ قال: \"أنت وأصحابك (١) \". فَقُتِلَ ابْنُ الْكَوَّاءِ يَوْمَ الْخَوَارِجِ (٢).\nوَنَقَلَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّ ابْنَ الْكَوَّاءِ سَأَلَهُ (٣) فَقَالَ: (أَنْتُمْ أَهْلُ حَرُورَاءَ، وَأَهْلُ الرِّيَاءِ، وَالَّذِينَ يُحْبِطُونَ الصَّنِيعَةَ بِالْمِنَّةِ (٤).\nفَالرِّوَايَةُ الْأُولَى (٥) تَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ حَرُورَاءَ بَعْضُ مَنْ شَمِلَتْهُ الْآيَةُ وَلَمَّا قَالَ سُبْحَانَهُ فِي وَصْفِهِمْ: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٦)، فوصفهم (٧) بِالضَّلَالِ مَعَ ظَنِّ الِاهْتِدَاءِ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُمُ الْمُبْتَدِعُونَ فِي أَعْمَالِهِمْ عُمُومًا، كَانُوا مِنْ أَهْلِ الكتاب أو لا (٨)، من حيث قال النبي ﷺ: \"كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ\" (٩). وَسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ بِعَوْنِ اللَّهِ (١٠).\nفَقَدْ يَجْتَمِعُ التفسيران في الآية، تفسير سعد ﵁ بأنهم اليهود والنصارى، وتفسير علي ﵁ بِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْبِدْعَةِ، لِأَنَّهُمْ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى الابتداع. ولذلك فسر سعد (١١) كُفْرَ النَّصَارَى بِأَنَّهُمْ تَأَوَّلُوا فِي الْجَنَّةِ غَيْرَ مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَهُوَ التَّأْوِيلُ بِالرَّأْيِ (١٢).\nفَاجْتَمَعَتِ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ (١٣) عَلَى (١٤) ذَمِّ الْبِدْعَةِ وَأَهْلِهَا (١٥)، وَأَشْعَرَ\n_________\n(١) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).\n(٢) تقدم قريبًا.\n(٣) أي: سأله عن الآية المذكورة.\n(٤) ذكر الماوردي في تفسيره مما قيل في الآية: أنهم من يصطنع المعروف ويمن عليه.\nولم يعزه. (٢/ ٥١٠).\n(٥) هي رواية أبي الطفيل عند عبد بن حميد. وتقدمت (ص١٠٦).\n(٦) سورة الكهف: آية (١٠٤).\n(٧) في (ط): \"وصفهم\".\n(٨) في (ت): \"أولى\".\n(٩) سيذكر المؤلف الحديث بتمامه (ص١١٥)، وسأذكر تخريجه هناك.\n(١٠) تكلم المؤلف عن هذا المعنى في آخر فصل من فصول الباب الثاني (ص٢٥٥).\n(١١) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ).\n(١٢) في (ر): \"غير ما هو عليه، وهو التأويل بالرأي\".\n(١٣) وهي آية البقرة: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ (٢٧)، وآية الكهف ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرَينِ أَعْمَالًا *﴾ (١٠٣)، وآية الصف ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (٥). وقد تقدم استشهاد سعد وعلي ﵄ بتلك الآيات.\n(١٤) ساقطة من (م).\n(١٥) ساقطة من (ط).","vol":"1","page":102},{"text":"كلام سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ بِأَنَّ كُلَّ آيَةٍ اقْتَضَتْ وَصْفًا مِنْ أَوْصَافِ المبتدعة فهم مقصودون بِمَا فِيهَا مِنَ الذَّمِّ وَالْخِزْيِ وَسُوءِ الْجَزَاءِ، إِمَّا بِعُمُومِ اللَّفْظِ (١)، وَإِمَّا بِمَعْنَى الْوَصْفِ (٢).\nوَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى (٣) بِكِتَابٍ فِي كَتِفٍ فَقَالَ: (كَفَى بِقَوْمٍ حُمْقًا، أَوْ (٤) قَالَ ضَلًالًا، أَنْ يَرْغَبُوا عَمَّا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ إِلَى غَيْرِ نَبِيِّهِمْ، أَوْ كِتَابٍ إِلَى غَيْرِ كِتَابِهِمْ)، فَنَزَلَتْ: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ (٥) الآية (٦).\nوخرج (٧) عبد بن حميد (٨) عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي\" (٩)، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (١٠) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ (١١).\nوَخَرَّجَ هُوَ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄ في قول الله:\n_________\n(١) مثل آية البقرة (٢٧) ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ وكذلك آية الرعد (٢٥) فإن فيها نفس الأوصاف المذكورة في آية البقرة.\n(٢) مثل آية الصف (٥) ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وتقدم استشهاد سعد ﵁ بهذه الآيات.\n(٣) في (م) و(خ) و(ت): \"أوتى\".\n(٤) في (ت): \"و\" بدل أو.\n(٥) سورة العنكبوت: آية (٥١).\n(٦) رواه الإمام الدارمي في المقدمة من سننه: باب من لم ير كتابة الحديث، عن يحيى بن جعدة مرسلًا (١/ ١٣٤)، ورواه الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره (٢١/ ٧)، ورواه الإمام أبو داود في المراسيل (ص٤٥٤)، ورواه الإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم، باب مختصر في مطالعة كتب أهل الكتاب والرواية عنهم (٢/ ٤١)، وذكره القاضي عياض في الشفا (٢/ ٣٨)، وعزاه الشوكاني في فتح القدير أيضًا للفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم (٤/ ٢٠٩)، وأخرجه الإسماعيلي في معجمه (٣٨٤) عن يحيى بن جعدة، عن أبي هريرة مرفوعًا، وذكره بمعناه.\n(٧) في (خ): \"وخرجه\".\n(٨) في (ط): \"عبد الحميد\"، وتقدمت ترجمة عبد بن حميد (ص١٠٠).\n(٩) رواه الشيخان، وتقدم تخريجه (ص٥٨).\n(١٠) سورة آل عمران: آية (٣١).\n(١١) ذكره الإمام السيوطي في الدر المنثور وعزاه إلى عبد بن حميد (٢/ ٣٠).","vol":"1","page":103},{"text":"﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ *﴾ (١) قَالَ: (مَا قَدَّمَتْ مِنْ عَمَلِ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَمَا أَخَّرَتْ مِنْ سُنَّةٍ يُعْمَلُ بِهَا من بعدها (٢) \" (٣).\nوَهَذَا التَّفْسِيرُ قَدْ يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ، فَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (٤) قَالَ: (مَا قَدَّمَتْ مِنْ خَيْرٍ، وَمَا أَخَّرَتْ مِنْ سُنَّةٍ صَالِحَةٍ يُعْمَلُ بها (٥)، فَإِنَّ لَهُ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَا أَخَّرَتْ مِنْ سُنَّةٍ سَيِّئَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ (٦) من أوزارهم شيئًا) (٧). خرجه ابن المبارك (٨) وَغَيْرُهُ (٩).\nوَجَاءَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ (١٠) وَأَبِي قِلَابَةَ (١١) وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُمْ قَالُوا: (كُلُّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ أَوْ فِرْيَةٍ ذَلِيلٌ\". وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا\n_________\n(١) سورة الانفطار: آية (٥).\n(٢) في (خ) و(ط): \"بعده\".\n(٣) ذكره الإمام السيوطي في الدر المنثور عنه، وعزاه إلى عبد بن حميد (٨/ ٤٣٨)، وقريب منه عند ابن جرير في تفسيره (٣٦٥٥٧).\n(٤) هو ابن مسعود.\n(٥) في (م) و(خ) و(ت): \"يعمل بها من بعدها\".\n(٦) ساقطة من (م) و(ت) و(غ).\n(٧) في (م) و(خ) و(ت) و(غ): \"شيء\"، وما أثبته هو الموافق للرواية.\n(٨) في (ت): \"مالك\".\n(٩) خرج هذا الأثر عن ابن مسعود الإمام ابن المبارك في كتاب الزهد له (ص٥١٧)، وعزاه الإمام السيوطي في الدر المنثور لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم. انظر الدر المنثور (٨/ ٤٣٨). وذكره الإمام البغوي في شرح السنة، باب ثواب من دعا إلى هدى أو أحيا سنة، وذكره بلفظ أخصر (١/ ٢٣٢).\n(١٠) هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران، الإمام الكبير، حافظ العصر، طلب الحديث وهو حدث، ولقي الكبار، وأتقن وجود، وجمع وصنف، وهو ومالك نظيران في الإتقان. توفي سنة ثمان وتسعين ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٥٤)، الجرح والتعديل للرازي (١/ ٣٢)، وتهذيب التهذيب (٤/ ١١٧).\n(١١) هو عبد الله بن زيد بن عمرو، الجرمي، أبو قلابة البصري، كان ثقة فاضلًا كثير الحديث، كثير الإرسال، ابتلي في دينه وبدنه، مات بالشام هاربًا من القضاء سنة أربع ومائة.\nانظر: تقريب التهذيب (١/ ٤١٧)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٦٨)، طبقات ابن سعد (٧/ ١٨٣)، حلية الأولياء (٢/ ٢٨٢).","vol":"1","page":104},{"text":"الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ *﴾ (١) \" (٢).\nوَخَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ (٣) (يَقُولُ: (مَا قَدَّمُوا مِنْ خَيْرٍ، وَآثَارَهُمُ) (٤) الَّتِي أَوْرَثُوا النَّاسَ بَعْدَهُمْ مِنَ الضَّلَالَةِ) (٥).\nوَخَرَّجَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَوْنٍ (٦) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ (٧) أنه قال: إني\n_________\n(١) سورة الأعراف: آية (١٥٢).\n(٢) روى قول سفيان بن عيينة ابن جرير في التفسير (١٥١٦١)، وأبو نعيم في الحلية، ولفظه: \"ليس في الأرض صاحب بدعة إلا وهو يجد ذلة تغشاه، قال: وهي في كتاب الله، قالوا: وأين هي من كتاب الله؟ قال: أما سمعتم قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، قالوا: يا أبا محمد، هذه لأصحاب العجل خاصة. قال: كلا، اتلوا ما بعدها: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ فهي لكل مفتر ومبتدع إلى يوم القيامة. (انظر الحلية ٧/ ٢٨٠). وكذلك ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ٢٦٦)، وذكر ابن كثير قوله مختصرا. انظر تفسيره (٢/ ٣٩٥). وذكر قول سفيان الإمام السيوطي في الدر المنثور، وعزاه لابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان، وأبو الشيخ. انظر الدر المنثور (٣/ ٥٦٥ - ٥٦٦). وروى قول أبي قلابة وابن جرير في التفسير (١٥١٥٨)، والإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٤٣)، وذكره السيوطي عنه في الدر المنثور، وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ. انظر الدر المنثور (٣/ ٥٦٥).\n(٣) سورة يس: آية (١٢).\n(٤) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).\n(٥) أخرجه سفيان الثوري في التفسير (٧٩٢)، وذكره الإمام السيوطي في الدر المنثور. وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر الدر المنثور (٧/ ٤٨). وأشار إلى طرف منه الإمام ابن كثير في تفسيره (٣/ ٩٠٠).\n(٦) هو عبد الله بن عون بن أرطبان المزني، مولاهم، كان من أئمة العلم والعمل، وكان مشهورًا في الحفظ، وفي الفقه، وفي العبادة والفضل، وكان ثقة ثبتًا فاضلًا. توفي سنة إحدى وخمسين ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٦/ ٣٦٤)، تهذيب التهذيب (٥/ ٣٤٦)، شذرات الذهب (١/ ٢٣٠).\n(٧) هو محمد بن سيرين الأنصاري الأنسي البصري، مولى أنس بن مالك ﵁، وكان ﵀ فقيها، عالمًا، ورعا، كثير الحديث. شهد له أهل العلم والفضل بذلك. توفي سنة عشر ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٦٠٦)، طبقات ابن سعد (٧/ ١٩٣)، حلية الأولياء (٢/ ٢٦٣).","vol":"1","page":105},{"text":"أَرَى أَسْرَعَ النَّاسِ رِدَّةً (١) أَصْحَابَ الْأَهْوَاءِ. قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَرَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ (٢): ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (٣) الآية (٤).\nوَذَكَرَ الْآجُرِّيُّ (٥) عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ (٦) أَنَّهُ ذَكَرَ أَصْحَابَ الْأَهْوَاءِ فَقَالَ: (وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي الْجَوْزَاءِ بِيَدِهِ لِأَنْ تَمْتَلِئَ دَارِي قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُجَاوِرَنِي رَجُلٌ مِنْهُمْ، وَلَقَدْ دَخَلُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولاَءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٧» (٨).\nوَالْآيَاتُ الْمُصَرِّحَةُ وَالْمُشِيرَةُ إِلَى ذَمِّهِمْ وَالنَّهْيِ عَنْ مُلَابَسَةِ أَحْوَالِهِمْ كَثِيرَةٌ. فَلْنَقْتَصِرْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، فَفِيهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - الْمَوْعِظَةُ لِمَنِ اتَّعَظَ، والشفاء لما في الصدور.\n_________\n(١) عير واضحة في (ت).\n(٢) في (ت): \"أهل الأهواء\".\n(٣) سورة الأنعام: آية (٦٨).\n(٤) أخرجه الآجري في الشريعة (٢/ ٨٨٩) دون قوله: \"قال ابن عون .. \". رواه الإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى، باب التحذير من قوم يمرضون القلوب، عن ابن عون، قال: كان محمد يرى .. وذكره (٢/ ٤٣١). وأخرج ابن أبي حاتم في التفسير (٤/ ٧٤٢٨) الشطر الثاني منه، وذكره الذهبي في السير (٤/ ٦١٠)، وذكره الإمام السيوطي في الدر المنثور عن ابن سيرين، وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ. انظر الدر المنثور (٣/ ٢٩٢).\n(٥) تقدمت ترجمته (ص٧٨).\n(٦) هو أوس بن عبد الله الربعي البصري، ثقة، من كبار العلماء، حدث عن عائشة وابن عباس وعبد الله بن عمرو ﵃، وكان أحد العباد الذين قاموا على الحجاج، فقيل: إنه قتل يوم الجماجم سنة ثلاث وثمانين.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٧١)، تهذيب التهذيب (١/ ٣٨٣)، شذرات الذهب (١/ ٩٣).\n(٧) سورة آل عمران: آية (١١٩).\n(٨) انظر: الشريعة (٥/ ٢٥٤٨ - ٢٥٤٩) ورواه الإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى، باب التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب ويفسدون الإيمان عن أبي الجوزاء وذكره بلفظين متقاربين أحدهما لفظ المؤلف. انظر الإبانة الكبرى (٢/ ٤٦٨ - ٤٦٩). ورواه الإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة، سياق ما روي عن النبي ﷺ في النهي عن مناظرة أهل البدع .. وذكره بلفظ أخصر من لفظ المؤلف، وليس فيه الاستشهاد بالآية (١/ ١٣١)، وذكره الذهبي في السير (٤/ ٣٧٢).","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>فصل</span>\nالْوَجْهُ الثَّانِي مِنَ النَّقْلِ: مَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nوَهِيَ كَثِيرَةٌ تَكَادُ تَفُوتُ الْحَصْرَ، إِلَّا أَنَّا نَذْكُرُ مِنْهَا مَا تَيَسَّرَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْبَاقِي، وَنَتَحَرَّى فِي ذَلِكَ - بِحَوْلِ اللَّهِ - مَا هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الصِّحَّةِ.\nفَمِنْ ذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: \"مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا (١) مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ\" (٢)، وَفِي رِوَايَةٍ لمسلم: (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) (٣).\nوَهَذَا الْحَدِيثُ عَدَّهُ الْعُلَمَاءُ ثُلُثَ الْإِسْلَامِ (٤)، (لأنه جمع وجوه المخالفة لأمره ﵇) (٥).\n_________\n(١) في (ط): \"في أمرنا هذا\".\n(٢) رواه الإمام البخاري في كتاب الصلح من صحيحه، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود وذكره (٥/ ٣٠١ مع الفتح)، ورواه مسلم في كتاب الأقضية من صحيحه، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور وذكره (١٢/ ١٦ مع النووي)، ورواه ابن ماجه في المقدمة من سننه، باب تعظيم حديث رسول الله ﷺ وذكره (١/ ٧)، ورواه الإمام أحمد في المسند (٦/ ٢٧٠) جميعهم عن عائشة ﵂.\n(٣) رواه بهذا اللفظ الإمام مسلم في نفس الموضع السابق (١٢/ ١٦).\n(٤) وهو مروي عن الإمام أحمد كما ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم، وذكر عن الشافعي أنه قال: هذا الحديث ثلث العلم، ويدخل في سبعين بابا من الفقه. انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب عند شرح حديث (إنما الأعمال بالنيات) (ص٥).\n(٥) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).","vol":"1","page":107},{"text":"وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ مَا كَانَ بِدْعَةً أَوْ مَعْصِيَةً.\nوَخَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ (١) عَبْدِ الله (٢) ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: \"أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ (خَيْرَ الْحَدِيثِ) (٣) كِتَابُ اللَّهِ، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ (٤» (٥).\nوَفِي (٦) رِوَايَةٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ، يَحْمَدُ (اللَّهَ وَيُثْنِي) (٧) عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أهله، ثم يقول: (من يهده الله فلامضل له، ومن يضلل الله فَلَا هَادِيَ (٨) لَهُ، وَخَيْرُ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ) (٩).\nوَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ (١٠): (وَكُلُّ محدثة بدعة، وكل بدعة في النار) (١١).\n_________\n(١) ساقطة من (ت).\n(٢) هو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي، صحابي ابن صحابي غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن أربع وتسعين انظر: الإصابة (١/ ٢٢٢)، أسد الغابة (١/ ٣٠٧)، السير (٣/ ١٨٩).\n(٣) ما بين المعكوفين بياض في (ت).\n(٤) بياض في (ت).\n(٥) رواه الإمام مسلم في صحيحه عن جابر (١٦/ ١٥٣ مع النووي)، والإمام أحمد في المسند (٣/ ٣١٩، ٣٧١)، والإمام النسائي في سننه (٣/ ١٨٨)، والإمام الدارمي في سننه (١/ ٨٠)، والإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٧٦)، والإمام ابن نصر المروزي في السنة (ص٢٧)، والإمام البيهقي في الاعتقاد والهداية (ص١٥٢)، والإمام الآجري في الشريعة (ص٤٥ - ٤٦)، والإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٣٠)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٦).\n(٦) بياض في (ت).\n(٧) ما بين المعكوفين بياض في (ت).\n(٨) بياض في (ت).\n(٩) روى هذه الرواية الإمام مسلم في صحيحه (١٦/ ١٥٦)، والإمام أحمد في المسند (٣/ ٣٧١).\n(١٠) في (ت): \"النسائي\".\n(١١) روى هذه الزيادة الإمام النسائي في سننه عن جابر بلفظ \"وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضالة في النار\" (٣/ ١٨٨)، ورواها أيضًا الإمام الآجري في الشريعة (ص٤٥ - ٤٦). وقد صحح الشيخ ناصر الدين الألباني هذه الزيادة كما في إرواء الغليل (٣/ ٧٣)، وكذلك في تعليقه على المشكاة (١/ ٥١).","vol":"1","page":108},{"text":"وَذَكَرَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ يخطب بهذه الخطبة (١).\nوعن ابن مسعود ﵁ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: \"إِنَّمَا هُمَا اثْنَتَانِ، الْكَلَامُ وَالْهُدَى، فَأَحْسَنُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ، وأحسن الهدى هدى محمد ﷺ، أَلَا وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، إِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ\" (٢).\nوَفِي لَفْظٍ: (غَيْرَ أَنَّكُمْ سَتُحْدِثُونَ وَيُحْدَثُ لَكُمْ، فَكُلُّ مُحْدَثَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ) (٣).\nوَكَانَ ابْنُ مسعود يخطب بها (٤) كُلَّ خَمِيسٍ (٥).\nوَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ (٦): (إِنَّمَا هُمَا اثْنَتَانِ، الْهُدَى وَالْكَلَامُ، فَأَفْضَلُ الْكَلَامِ - أَوْ أَصْدَقُ الْكَلَامِ - كَلَامُ اللَّهِ، وَأَحْسَنُ الْهُدَى هُدَى محمد (٧)، وشر الأمور محدثاتها، ألا (٨) وَكُلُّ (٩) مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، أَلَا لَا يَتَطَاوَلَنَّ (١٠) عَلَيْكُمُ\n_________\n(١) رواه عن عمر ﵁ الإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة برقم (١١٩٧) (٤/ ٦٥٩)، ورواه الإمام محمد بن نصر المروزي في السنة عنه ﵁ (ص٢٨)، ورواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٣١)، ورواه عبد الله بن أحمد في السنة، وله قصة مع الجاثليق (وهو لقب كبير من أمراء الروم) (٢/ ٤٢٣).\n(٢) رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها موقوفًا على ابن مسعود (ص٣١).\n(٣) رواه الإمام الدارمي في المقدمة من سننه عن ابن مسعود (١/ ٧٢)، وابن نصر المروزي في السنة (ص٢٩)، وقوله: \"وكل ضلالة في النار\" رواها ابن نصر في السنة (ص٢٩)، وذكر قريبًا منه الإمام ابن رجب في جامع العلوم والحكم وصححه (ص٢٥٤).\n(٤) في (غ): \"بهذا\".\n(٥) تحديد ابن مسعود يوم الخميس للموعظة ذكره البخاري في كتاب العلم من صحيحه (١/ ١٦٣)،. وقد صرحت بعض الروايات بأنه كان يخطب بهذه الخطبة كل خميس كرواية ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٣١).\n(٦) مطموسة في (ت).\n(٧) في (خ): \"هدى الله بل محمد\". وهو خطأ أضرب عنه الناسخ.\n(٨) ساقط من (م) و(ت).\n(٩) مطموسة في (ت).\n(١٠) في (ت): \"يتطاولون\".","vol":"1","page":109},{"text":"الْأَمْرُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ، وَلَا يُلْهِيَنَّكُمُ الْأَمَلُ، فَإِنَّ كُلَّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ، أَلَا إِنَّ بَعِيدًا مَا لَيْسَ آتِيًا) (١).\nوَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ: (أَحْسَنُ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَأَحْسَنُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآَتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ *﴾ (٢» (٣).\nوَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أن رسول الله ﷺ قَالَ: \"إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ\" (٤).\nوَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مسعود (٥).\n_________\n(١) روى هذه الرواية عبد الرزاق في المصنف (٢٠٠٧٦)، والطبراني في الكبير (٨٥١٨، وابن عبد البر في الجامع (٢٣٠١)، الإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة عن ابن مسعود مرفوعًا إلى قوله: \"فتقسو قلوبكم\". (١/ ٧٧).\n(٢) سورة الأنعام: آية (١٣٤).\n(٣) رواه الإمام البخاري في كتاب الاعتصام بالسنة من صحيحه عن ابن مسعود موقوفًا (١٣/ ٢٤٩) ورواه أيضًا في كتاب الأدب بلفظ أخصر (١٠/ ٥٠٩)، ورواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها دون ذكر الآية (ص٣١)، ورواه الإمام ابن نصر المروزي بلفظ أطول (ص٢٨)، والإمام البيهقي في الاعتقاد والهداية (ص١٥٤).\n(٤) رواه الإمام ابن ماجه في مقدمة سننه عن ابن مسعود مرفوعًا، وما ذكره المؤلف جزء من حديث طويل. انظر سنن ابن ماجه (١/ ١٨)، ورواه الإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة، وزاد \"ألا لا يطول عليكم الأمد فتقسو قلوبكم\" (١/ ٧٧)، ورواه الإمام ابن أبي عاصم في السنة كما أورده المؤلف (١/ ١٦).\nوفي سنده أبو إسحاق السبيعي ثقة عابد، ولكنه مدلس، وقد اختلط بآخره، ولم يصرح بالسماع. انظر تقريب التهذيب (٢/ ٧٣)، تهذيب التهذيب (٨/ ٦٣) وقال عنه الشيخ الألباني في ظلال الجنة: \"حديث صحيح، رجال إسناده كلهم ثقات، رجال مسلم، غير أن أبا إسحاق وهو عمرو بن عبد الله السبيعي مدلس وكان اختلط. ولكن الحديث يشهد له ما قبله وما بعده\". انظر ظلال الجنة (١/ ١٧) ويريد بما قبله حديث جابر المتقدم وهو في مسلم كما مر، ويريد بما بعده حديث العرباض بن سارية وفيه \"اياكم والمحدثات فإن كل محدثة ضلالة\".\n(٥) تقدم حديث جابر في مسلم مرفوعًا (ص١١٥)، وهو في نفس المعنى، وكذلك أثر ابن مسعود هذا جاء مرفوعًا كما خرجناه في الفقرة السابقة، ثم إن أثر ابن مسعود فيه جزء له حكم الرفع وهو قوله: \"وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ\" فإن فيه إخبارًا عن صفة من=","vol":"1","page":110},{"text":"وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"من دعا إلى هدى (١) كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ يَتْبَعُهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ (٢) مِثْلُ آثَامِ مَنْ يَتْبَعُهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا) (٣).\nوَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عنه ﵇ أَنَّهُ قَالَ: (مَنْ سَنَّ سُنَّةَ خَيْرٍ فَاتُّبِعَ عليها فله أجره ومثل أجور من اتبعه غَيْرَ مَنْقُوصٍ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةَ شَرٍّ فَاتُّبِعَ عَلَيْهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهُ وَمِثْلُ أَوْزَارِ مَنِ اتَّبَعَهُ غَيْرَ مَنْقُوصٍ مِنْ أوزارهم شيئًا). خرجه التِّرْمِذِيُّ (٤).\nوَرَوَى التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا وَصَحَّحَهُ، وَأَبُو دَاوُدَ وغيرهما عن الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّ هَذَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ (٥): (أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ (٦) وَالطَّاعَةِ (٧)، وَإِنْ كَانَ عبدًا حبشيًا، فإنه من يعش (٨) منكم\n_________\n=صفاته ﷺ وهو أحد أقسام المرفوع. انظر كلام الإمام ابن حجر في الفتح (١٣/ ٢٥٢).\n(١) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"الهدى\".\n(٢) غير واضحة في (ت).\n(٣) رواه الإمام مسلم في كتاب العلم من صحيحه، باب من سن سنة حسنة .. عن أبي هريرة (١٦/ ٢٢٧ - مع النووي)، والإمام أبو داود في كتاب السنة من سننه برقم (٤٦٠٩)، و(٤/ ٢٠٠)، والإمام الترمذي في كتاب العلم من سننه، باب ما جاء فيمن دعا إلى هدى برقم (٢٦٧٤)، (٥/ ٤٢)، والإمام ابن ماجه في المقدمة من سننه، باب من سن سنة حسنة برقم (٢٠٦)، (١/ ٧٥)، والإمام أحمد في المسند (٣/ ٣٩٧)، والإمام ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٥٢)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٣١١).\n(٤) رواه الإمام مسلم في كتاب الزكاة من صحيحه عن المنذر بن جرير عن أبيه (٧/ ١٠٢ - ١٠٤ مع النووي)، ورواه الإمام الترمذي في كتاب العلم من سننه، باب من دعا إلى هدى عن جرير بن عبد الله بلفظ المؤلف برقم (٢٦٧٥)، (٥/ ٤٢)، ورواه الإمام أحمد في المسند (٤/ ٣٥٧)، والدارمي في سننه (١/ ١٤٠)، وابن خزيمة في صحيحه (٢٤٧٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٩٨٠٢).\n(٥) في (ر): \"قال\".\n(٦) مطموسة في (ت).\n(٧) في (ط): \"والسمع والطاعة لولاة الأمر\".\n(٨) في (م) و(خ) و(ط): \"يعيش\"، والصواب ما أثبته، وبه وردت الرواية.","vol":"1","page":111},{"text":"بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، (وَعَضُّوا عَلَيْهَا) (١) بِالنَّوَاجِذِ (٢)، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، (وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) (٣». وَرُوِيَ عَلَى وُجُوهٍ مِنْ طُرُقٍ (٤).\nوَفِي الصَّحِيحِ عَنْ حُذَيْفَةَ (٥) (أَنَّهُ قَالَ) (٦): يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: (نَعَمْ، قَوْمٌ (يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سنتي) (٧)، ويهتدون بغير هديي) (٨)، وقال: فقلت: هل بَعْدَ ذَلِكَ [الْخَيْرِ] (٩) مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، دعاة على نار) (١٠) جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا (١١) قَذَفُوهُ فِيهَا)، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا قَالَ: «نَعَمْ هُمْ مِنْ) (١٢) جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا). قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ (١٣): (تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ (١٤) وَإِمَامَهُمْ). قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ (١٥) إِمَامٌ وَلَا جَمَاعَةٌ؟ قَالَ: (فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كلها ولو (أن تعض) (١٦) بأصل شجرة حتى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ) (١٧). وَخَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ على نحو آخر (١٨).\n_________\n(١) ما بين المعكوفين بياض في (ت).\n(٢) النواجذ من الأسنان الضواحك، وهي التي تبدو عند الضحك. والأكثر الأشهر أنها أقصى الأسنان. انظر النهاية (٥/ ٢٠).\n(٣) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).\n(٤) تقدم تخريج الحديث مستوفى.\n(٥) في (غ) و(ر): \"خزيمة\" وهو خطأ.\n(٦) ما بين المعكوفين بياض في (ت).\n(٧) ما بين المعكوفين بياض في (ت).\n(٨) في (ت): \"هدى\".\n(٩) في جميع النسخ: \"الشر\" والتصويب من البدع والنهي عنها لابن وضاح، ومصادر التخريج.\n(١٠) ما بين المعكوفين بياض في (ت).\n(١١) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).\n(١٢) ما بين المعكوفين بياض في (ت).\n(١٣) ساقطة من (ت).\n(١٤) بياض في (ت).\n(١٥) ساقطة من جميع النسخ عدا (ر).\n(١٦) ما بين المعكوفين بياض في (ت).\n(١٧) انظر: البدع والنهي عنها لابن وضاح (ص٤٠).\n(١٨) رواه الإمام البخاري في كتاب المناقب من صحيحه عن حذيفة ﵁ مع اختلاف يسير في اللفظ (٦/ ٦١٥ - مع الفتح)، وفي كتاب الفتن (١٣/ ٣٥)، والإمام مسلم في كتاب الإمارة من صحيحه (١٢/ ٢٣٦ - ٢٣٨ - مع النووي)، والإمام ابن ماجه مختصرا برقم (٣٩٧٩)، (٢/ ١٣١٧)، والإمام البغوي في شرح السنة (١٥/ ١٤)، والبيهقي في سننه (٨/ ١٥٦).","vol":"1","page":112},{"text":"وَفِي حَدِيثِ الصَّحِيفَةِ: (الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ (١). مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ (٢) يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا (٣» (٤).\nوَهَذَا الْحَدِيثُ فِي سِيَاقِ الْعُمُومِ، فَيَشْمَلُ كُلَّ حَدَثٍ أُحْدِثَ فِيهَا مِمَّا يُنَافِي الشَّرْعَ، وَالْبِدَعُ مِنْ أَقْبَحِ الْحَدَثِ.\nوقد استدل مالك ﵁ به (٥) فِي مَسْأَلَةٍ تَأْتِي فِي مَوْضِعِهَا بِحَوْلِ اللَّهِ (٦).\nوَهُوَ وَإِنْ (٧) كَانَ مُخْتَصًّا بِالْمَدِينَةِ فَغَيْرُهَا أَيْضًا يدخل في المعنى.\n_________\n(١) عير وثور جبلان في المدينة، انظر معجم البلدان لياقوت الحموي (٣/ ٢٦)، (٦/ ٢٤٦)، وانظر فتح الباري (٤/ ٨٢).\n(٢) كتبت في (ت): \"فوق السطر\".\n(٣) الصرف التوبة، وقيل النافلة. والعدل الفدية، وقيل الفريضة. انظر النهاية لابن الأثير (٣/ ٢٤)، وانظر غريب الحديث للقاسم بن سلام (١/ ٤٥٥)، وقال الإمام ابن حجر في الفتح: واختلف في تفسيرهما، فعند الجمهور الصرف الفريضة والعدل النافلة، ورواه ابن خزيمة بإسناد صحيح عن الثوري، وعن الحسن البصري بالعكس ...، ولم يرجح الحافظ ﵀. انظر الفتح (٤/ ٨٦).\n(٤) رواه الإمام البخاري في كتاب فضائل المدينة من صحيحه، باب حرم المدينة عن علي ﵁ بلفظ أطول (٤/ ٨١ - مع الفتح)، وفي كتاب الجزية والموادعة باب ذمة المسلمين وجوارهم واحدة (٦/ ٢٧٣)، وفي مواضع أخرى، ورواه الإمام مسلم في كتاب الحج من صحيحه، باب فضل المدينة عن علي ﵁ (٩/ ١٤٢ - ١٤٤)، والإمام أبو داود في كتاب الولاء والهبة من سننه، باب في تحريم المدينة برقم (٢٠٣٤)، (٢/ ٢٢٣)، والإمام الترمذي في كتاب الولاء والهبة من سننه، باب ما جاء فيمن تولى غير مواليه برقم (٢١٢٧)، (٤/ ٣٨١)، والإمام أحمد في المسند (١/ ٨١، ١٢٦، ١٥١)، والإمام عبد الله بن أحمد في السنة (٢/ ٥٤٢)، واللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١١٩).\n(٥) في (ط): \"استدل به مالك\".\n(٦) يريد قصة وقعت لعبد الرحمن بن مهدي مع مالك رحمهما الله. وسيأتي ذكرها (ص٢٢٢).\n(٧) في (خ): \"إن\" بدون الواو.","vol":"1","page":113},{"text":"وَفِي الْمُوَطَّأِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْمَقْبَرَةِ، فَقَالَ: \"السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ) الْحَدِيثَ، إِلَى أَنْ قَالَ فِيهِ: (فَلَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، أُنَادِيهِمْ: ألا هلم، أَلَا هَلُمَّ، (أَلَا هَلُمَّ) (١)، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ: فَسُحْقًا، فَسُحْقًا، فَسُحْقًا (٢» (٣).\nحَمَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى (٤) أَنَّهُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ، وَحَمَلَهُ آخَرُونَ عَلَى الْمُرْتَدِّينَ عَنِ الْإِسْلَامِ (٥).\nوَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ مَا خَرَّجَهُ خَيْثَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ (٦) عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ (٧) قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بن مالك ﵁ فقلت (٨): إن ها هنا قَوْمًا يَشْهَدُونَ عَلَيْنَا بِالْكُفْرِ وَالشِّرْكِ، وَيُكَذِّبُونَ بِالْحَوْضِ والشفاعة، فهل\n_________\n(١) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).\n(٢) ساقطة من (ت).\n(٣) رواه الإمام مالك في كتاب الطهارة من الموطأ، باب جامع الوضوء عن أبي هريرة ﵁ (١، ٢٩). ورواه الإمام مسلم في كتاب الطهارة من صحيحه، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء (٣/ ١٣٧ - ١٣٩)، ورواه الإمام ابن ماجه في كتاب الزهد من سننه، باب ذكر الحوض (٢/ ١٤٣٩ - ١٤٤٠)، ورواه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٣٠٠، ٤٠٨).\n(٤) ساقط من (ت).\n(٥) ذهب بعض العلماء إلى أن المراد بهم الذين ارتدوا على عهد أبي بكر ﵁ فقاتلهم أبو بكر، حتى قتلوا وماتوا على الكفر، وقد ذكر عن البخاري عن قبيصة، كما ذكره الحافظ في الفتح، وهو الذي رحجه عياض والباجي. انظر الفتح (١١/ ٣٨٥ - ٣٨٦). ومن العلماء من أدخل أهل الكبائر وأهل البدع في المراد بالحديث كما ذكره الحافظ عن الداودي وغيره. (نفس الموضع).\n(٦) هو أبو الحسن خيثمة بن سليمان بن حيدرة بن سليمان القرشي الشامي، إمام، ثقة، كان محدث الشام، وصنف \"فضائل الصحابة\"، قدم دمشق في آخر عمره وحدث بها، وتوفي سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٥/ ٤١٢)، طبقات الحفاظ (ص٣٥٣)، شذرات الذهب (٢/ ٣٦٥).\n(٧) هو يزيد بن أبان الرقاشي، أبو عمرو البصري، القاص، زاهد ضعيف، مات قبل العشرين ومائة.\nانظر: تقريب التهذيب لابن حجر (٢/ ٣٦١)، الكاشف للذهبي (٣/ ٢٤٠).\n(٨) في (م) و(خ): \"قال\"، وصححت في هامش (خ)، وفي (ت): \"قال فقلت\".","vol":"1","page":114},{"text":"سمعت من رسول الله ﷺ فِي ذَلِكَ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: (بين العبد وبين (١) الكفر أَوِ الشِّرْكِ تَرْكُ الصَّلَاةِ، فَإِذَا تَرَكَهَا فَقَدْ أَشْرَكَ، وَحَوْضِي كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ (٢) إِلَى مَكَّةَ، أَبَارِيقُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، أَوْ قَالَ: كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ. لَهُ مِيزَابَانِ مِنَ الْجَنَّةِ، كُلَّمَا نَضَبَ أَمَدَّاهُ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا، وَسَيَرِدُهُ أَقْوَامٌ ذَابِلَةٌ شِفَاهُهُمْ، فَلَا يُطْعَمُونَ مِنْهُ (٣) قَطْرَةً وَاحِدَةً. مَنْ كَذَّبَ بِهِ الْيَوْمَ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ الشَّرَابَ يَوْمَئِذٍ) (٤).\nفَهَذَا الحديث يدل (٥) عَلَى أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ.\nفَنِسْبَتُهُمْ أَهْلَ الْإِسْلَامِ إِلَى الْكُفْرِ مِنْ أَوْصَافِ الْخَوَارِجِ (٦)، وَالتَّكْذِيبُ بِالْحَوْضِ مِنْ أَوْصَافِ أَهْلِ الِاعْتِزَالِ (٧) وَغَيْرِهِمْ. مَعَ ما\n_________\n(١) ساقط من (ط).\n(٢) أيلة بالفتح مدينة على ساحل بحر القلزم مما يلي الشام .. وقيل هي آخر الحجاز وأول الشام. انظر معجم البلدان لياقوت (١/ ٣٩١).\n(٣) ساقطة من (ر).\n(٤) أخرج أول الحديث أبو يعلى في مسنده (٤١٠٠) عن أنس ﵁، كما أخرجه مسلم عن جابر (١٣٤)، وابن ماجه في السنن (١٠٨٠)، والدارقطني (٢/ ٤١)، وذكر الحافظ في الفتح ذكر آخر الحديث وعزاه إلى البيهقي، ثم قال: \"ويزيد ضعيف، لكن يقويه ما مضى، ويشبه أن يكون الكلام الأخير من كلام أنس\". الفتح (١١/ ٤٦٨). وقد بحثت عنه عند البيهقي فلم أجده. وأحاديث الحوض صحيحة متواترة. انظر هامش (٦).\n(٥) ساقطة من (ط).\n(٦) وقد تقدم في التعريف بالخوارج أن من أصولهم تكفير مرتكب الكبيرة. انظر (ص١١).\n(٧) قال ابن حجر في الفتح نقلًا عن القرطبي في المفهم: \"مما يجب على كل مكلف أن يعلمه ويصدق به أن الله ﷾ قد خص نبيه محمدًا ﷺ بالحوض المصرح باسمه وصفته وشرابه في الأحاديث الصحيحة الشهيرة التي يحصل بمجموعها العلم القطعي ...، وأجمع على إثباته السلف وأهل السنة من الخلف، وأنكرت ذلك طائفة من المبتدعة وأحالوه على ظاهره وغلوا في تأويله من غير استحالة عقلية ولا عادية تلزم من حمله على ظاهره وحقيقته، ولا حاجة تدعو إلى تأويله، فخرق إجماع السلف وفارق مذهب أئمة الخلف\". قال ابن حجر: \"قلت: أنكره الخوارج وبعض المعتزلة\". انظر فتح الباري (١١/ ٤٦٧)، وقال ابن حزم ﵀ في الفصل: \"وأما الحوض فقد صحت الآثار فيه وهو كرامة للنبي ﷺ ولمن ورد عليه من أمته، ولا ندري لمن أنكره متعلقًا، ولا يجوز مخالفة ما صح عن النبي ﷺ في هذا وغيره\" (٤/ ٦٦).=","vol":"1","page":115},{"text":"جاء (١) فِي حَدِيثِ الْمُوَطَّأِ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: \"أَلَا هَلُمَّ\" لِأَنَّهُ عَرَفَهُمْ بالغُرَّة (٢) وَالتَّحْجِيلِ (٣) الَّذِي جَعَلَهُ مِنْ خَصَائِصِ أُمَّتِهِ (٤)، وَإِلَّا فَلَوْ لَمْ يَكُونُوا مِنَ الْأُمَّةِ لَمْ يَعْرِفْهُمْ بِالْعَلَامَةِ الْمَذْكُورَةِ (٥).\nوَصَحَّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَوْعِظَةِ فَقَالَ: (إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا (٦) ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (٧)، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ (٨) يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَأَنَّهُ سَيُؤْتَى (٩) بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ*﴾ (١٠)، فَيُقَالُ: هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ منذ فارقتهم) (١١).\n_________\n=وانظر في الأدلة الواردة في هذه المسألة: السنة لابن أبي عاصم (ص٣٠٧ - ٣٤٧)، الشريعة للآجري (ص٣٥٢ - ٣٥٧)، أصول اعتقاد أهل السنة لللالكائي (٦/ ١١١٦ - ١١٢٦).\n(١) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).\n(٢) الغُرّ جمع الأغر، من الغُرَّة: بياض الوجه. النهاية (٣/ ٣٥٤).\n(٣) أي بيض مواضع الوضوء من الأيدي والوجه والأقدام. النهاية (١/ ٣٤٦).\n(٤) ومعرفة النبي ﷺ لهم بهاتين العلامتين مذكور في حديث الموطأ إلا أن المؤلف اختصره.\n(٥) سوف يتكلم المؤلف على هذه المسألة بشكل أوسع في الباب التاسع (٢/ ١٨٥ - ١٨٧، ٢٠٢ - ٢٠٦).\n(٦) الغُرْل جمع الأغرل، وهو الأقلف. والغرلة القلفة. النهاية (٣/ ٣٦٢).\n(٧) سورة الأنبياء: آية (١٠٤).\n(٨) في (ت): \"ما\".\n(٩) في (م) و(خ): \"يستوفى\"، وفي (ت) و(ط): \"يستدعى\".\n(١٠) سورة المائدة: آية (١١٧ - ١١٨).\n(١١) رواه الإمام البخاري في كتاب الأنبياء من صحيحه، باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ عن ابن عباس مرفوعًا (٦/ ٣٨٦ مع الفتح)، ورواه الإمام مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب فناء الدنيا وبيان الحشر عنه أيضًا (١٧/ ١٩٤)، ورواه الإمام الترمذي في كتاب صفة القيامة من سننه، باب ما جاء في شأن الحشر برقم (٢٤٢٣)، (٤/ ٥٣٢)، والإمام أحمد في المسند عنه أيضًا (١/ ٢٣٥).","vol":"1","page":116},{"text":"وَيَحْتَمِلُ هَذَا الْحَدِيثُ أَنْ يُرَادَ بِهِ أَهْلُ الْبِدَعِ كَحَدِيثِ الْمُوَطَّأِ (١)، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَنِ ارْتَدَّ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ.\nوَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"تَفَرَّقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَالنَّصَارَى مِثْلُ ذَلِكَ، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً\". حَسَنٌ صَحِيحٌ (٢).\nوَفِي الْحَدِيثِ رِوَايَاتٌ أُخَرُ سَيَأْتِي ذِكْرُهَا وَالْكَلَامُ عَلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ (٣)، وَلَكِنَّ الْفِرَقَ فِيهَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ فِرَقُ أَهْلِ الْبِدَعِ (٤).\nوَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا\" (٥). وَهُوَ آتٍ عَلَى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ.\nوَفِي مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ (٦) عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ ﷺ سنن الهدى، وإنهن من\n_________\n(١) تقدم (ص١١٤).\n(٢) رواه الإمام الترمذي في كتاب الإيمان من سننه، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة عن أبي هريرة برقم (٢٦٤٠)، وتقدم تخريج الحديث (ص١٢).\n(٣) وذلك في الباب التاسع من هذا الكتاب (٢/ ١٨٩) من المطبوع.\n(٤) وهو اختيار المؤلف كما ذكره في الباب التاسع (٢/ ١٩٤) من المطبوع.\n(٥) رواه الإمام البخاري في كتاب العلم من صحيحه، باب كيف يقبض العلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وذكره (١/ ١٩٤ مع الفتح)، والإمام مسلم في كتاب العلم من صحيحه، باب رفع العلم وقبضه (١٦/ ٢٢٣ - ٢٢٣٥)، والإمام الترمذي في كتاب العلم من سننه، باب ما جاء في ذهاب العلم (٥/ ٣٠)، والإمام أحمد في المسند (٢/ ١٦٢، ١٩٠)، والإمام ابن ماجه في مقدمة سننه، باب اجتناب الرأي والقياس (١/ ٢٠)، والإمام الدارمي في مقدمة سننه، باب في ذهاب العلم (١/ ٨٩)، والإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ١٤٩، ١٥٠)، والإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٨٧).\n(٦) في (م): \"فيحافظ\".","vol":"1","page":117},{"text":"سُنَنِ الْهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ ﷺ لَضَلَلْتُمْ (١) \" (٢) الْحَدِيثَ.\nفَتَأَمَّلُوا كَيْفَ جُعِلَ تَرْكُ السُّنَّةِ ضَلَالَةً! وَفِي رِوَايَةٍ: \"لَوْ (٣) تركتم سنة نبيكم ﷺ لَكَفَرْتُمْ\" (٤). وَهُوَ أَشَدُّ فِي التَّحْذِيرِ.\nوَفِيهِ أَنَّ النبي ﷺ قال: \"إني تَارِكٌ فِيكُمْ (٥) ثَقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ، فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ\"، وَفِي رِوَايَةٍ \"فِيهِ الْهُدَى\"، \"مَنِ اسْتَمْسَكَ بِهِ وَأَخَذَ بِهِ كَانَ عَلَى الْهُدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ\"، وَفِي رِوَايَةٍ: (مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الْهُدَى وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى ضَلَالَةٍ) (٦).\nوَمِمَّا جَاءَ فِي هَذَا الْبَابِ أَيْضًا مَا خَرَّجَ ابْنُ وَضَّاحٍ وَنَحْوُهُ لِابْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: \"سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ يَأْتُونَكُمْ بِبِدْعٍ مِنَ الْحَدِيثِ لَمْ تَسْمَعُوهُ أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ (٧)، فإياكم وإياهم (٨) لا يفتنونكم) (٩).\n_________\n(١) في (م): \"لظليتم\".\n(٢) رواه الإمام مسلم في كتاب المساجد من صحيحه، باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها عن ابن مسعود (٥/ ١٥٦ مع النووي)، والإمام أحمد في المسند (١/ ٣٨٢، ٤١٤)، والإمام ابن ماجه في كتاب المساجد من سننه، باب المشي إلى الصلاة (١/ ٢٥٥)، والإمام النسائي في كتاب الإمامة من سننه، باب المحافظة على الصلوات (٢/ ١٠٨)، والإمام أبو داود في كتاب الصلاة من سننه، باب في التشديد في ترك الجماعة، بلفظ: \"وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ ﷺ لكفرتم\" (١/ ١٤٨).\n(٣) في (ت): \"ولو\" بالواو.\n(٤) هي رواية أبي داود كما تقدم في تخريج الحديث.\n(٥) في (م) و(خ): \"فيهم\".\n(٦) رواه الإمام مسلم في كتاب فضائل الصحابة من سننه، باب فضائل علي بن أبي طالب ﵁ عن زيد بن أرقم ﵁ وذكره برواياته (١٥/ ١٧٩ - ١٨١ مع النووي)، ورواه الإمام الدارمي في كتاب فضائل القرآن من سننه، باب فضل من قرأ القرآن (١/ ٥٢٤)، ورواه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٣٦٦ - ٣٦٧).\n(٧) في (ط): \"آباؤهم\".\n(٨) في (ط): \"إياهم\" بدون الواو.\n(٩) رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها عن أبي هريرة ﵁ (ص٣٤)،=","vol":"1","page":118},{"text":"وَفِي التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: \"من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بَعْدِي فَإِنَّ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ (١) مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً ضَلَالَةً لَا تُرْضِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ (٢) وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِ (٣) النَّاسِ شَيْئًا\" (٤). حَدِيثٌ حَسَنٌ.\nوَلِابْنِ وَضَّاحٍ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: (مَنْ أَتَى صَاحِبَ بِدْعَةٍ لِيُوَقِّرَهُ فَقَدْ أعان على هدم الإسلام) (٥). (وفي رواية (مَنْ وَقَّرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هدم الإسلام» (٦).\nوعن الحسن ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: (\"أبى الله لصاحب بدعة بتوبة\" وفي رواية: (إن الله حجز التوبة عن كل صاحب بدعة)، وقد تقدم حديث أبي هريرة ﵁ وقول رسول الله ﷺ) (٧): \"أن أحببت\n_________\n=ورواه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه مع اختلاف يسير في اللفظ (١/ ٧٨ مع النووي)، ورواه الإمام أحمد في المسند عنه ﵁ (٢/ ٣٤٩).\n(١) في (ط): \"أن ينقص ذلك\"، وما أثبته هو الموافق لرواية الترمذي.\n(٢) ساقط من (غ).\n(٣) في (خ): \"من أجورهم أوزار\".\n(٤) تقدم تخرج الحديث (ص ٣٤ - ٣٥).\n(٥) حديث عائشة رواه ابن عدي في الكامل (٢/ ٧٣٦)، وضعفه لأجل الحسن بن يحيى الخشني، قال عنه ابن حجر في التقريب: صدوق كثير الغلط (١/ ١٧٢)، وأورده الإمام ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٢٧١). وقال السيوطي في اللآلئ المصنوعة بعد ذكر تضعيف ابن عدي وغيره للخشني: \"وقد توبع على هذا الحديث فأخرجه ابن عساكر في تاريخه وساق سنده من رواية الليث بن سعد عن هشام بن عروة ...، ثم قال: وهذه متابعة قوية. انظر اللآلئ المصنوعة (١/ ٢٥٣). والحديث مروي عن معاذ بن جبل ﵁ مرفوعًا كما في الحلية بلفظ \"من مشى إلى صاحب بدعة ... \"، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وعزاه للطبراني في الكبير، ثم قال: وفيه بقية وهو ضعيف. (١/ ١٩٣)، ورواه ابن وضاح في البدع والنهي عنها عن هشام بن عروة عن أبيه (ص٥٥)، والإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة عن إبراهيم بن ميسرة موقوفًا عليه (١/ ١٣٩)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة تحت رقم (١٨٦٢).\n(٦) ساقط من جميع النسخ عدا (غ).\n(٧) ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ عدا (غ).","vol":"1","page":119},{"text":"أَنْ لَا تُوقَفَ عَلَى الصِّرَاطِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى تَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَلَا تُحْدِثْ فِي دِينِ اللَّهِ حَدَثًا بِرَأْيِكَ\" (١).\nوَعَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: \"مَنِ اقْتَدَى بِي فَهُوَ مِنِّي وَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي\" (٢).\nوَخَرَّجَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (٣): \"سِتَّةٌ أَلْعَنُهُمْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَكُلُّ نَبِيٍّ مجاب: الزائد في كتاب اللَّهِ (٤)، وَالْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللَّهِ، وَالْمُتَسَلِّطُ بِالْجَبَرُوتِ يُذِلُّ بِهِ مَنْ أَعَزَّ اللَّهُ وَيَعِزُّ بِهِ (٥) مَنْ أَذَلَّ (٦) اللَّهُ، وَالتَّارِكُ لِسُنَّتِي، وَالْمُسْتَحِلُّ لِحَرَمِ اللَّهِ، وَالْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِي (٧) مَا حَرَّمَ اللَّهُ\" (٨).\nوَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ ثَابِتٍ الْخَطِيبِ (٩): (سِتَّةٌ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَعَنْتُهُمْ) وَفِيهِ: (وَالرَّاغِبُ عَنْ سُنَّتِي إلى بدعة) (١٠).\n_________\n(١) تقدم تخريجه (ص٣٨).\n(٢) سبق تخريجه ص (٥٨).\n(٣) ساقطة من (ت).\n(٤) في (ط): \"في دين الله\".\n(٥) ساقطة من (م) و(ت) و(غ).\n(٦) في (م) وأصل (خ): \"أضل\"، وصححت في هامش (خ).\n(٧) عترة الرجل أخص أقاربه. وعترة النبي ﷺ بنو عبد المطلب وقيل أهل بيته الأقربون، وهم أولاده وعلي وأولاده. النهاية (٣/ ١٧٧)، وقد وقعت في (ر): \"عرتي\".\n(٨) رواه الإمام الطحاوي في مشكل الآثار عن عائشة ﵂، كما هو عند المؤلف (٤/ ٣٦٦ - ٣٦٧)، والإمام الترمذي في كتاب القدر من سننه برقم (٢١٥٤) (٤/ ٣٩٧)، ورواه الإمام ابن حبان في صحيحه، انظر الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (١٣/ ٦٠)، ورواه الإمام ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٤، ١٤٩)، ورواه الإمام الحاكم في موضعين من المستدرك وصححه، وتعقبه الإمام الذهبي في الموضع الثاني بقوله: \"إسحاق وإن كان من شيوخ البخاري فإنه يأتي بطامات قال فيه النسائي ليس بثقة، وقال أبو داود: واه، وتركه الدارقطني، وأما أبو حاتم فقال صدوق، وعبد الله فلم يحتج به أحد. والحديث منكر بمرة\". انظر المستدرك (١/ ٣٦)، (٤/ ٩٠). وضعفه كذلك الشيخ الألباني كما في ظلال الجنة (١/ ٢٤)، وكذلك ضعفه شعيب الأرناؤوط في تعليقه على الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (١٣/ ٦٠).\n(٩) تقدمت ترجمته (ص٩٣).\n(١٠) رواية الخطيب هذه ذكرها صاحب الكنز تحت رقم (٤٤٠٣٢)، وعزاها للخطيب في المتفق والمفترق، وللدارقطني في الأفراد. انظر كنز العمال (١٦/ ٨٧ - ٨٨)، وكلا الكتابين لم يطبع.","vol":"1","page":120},{"text":"وَفِي الطَّحَاوِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"إِنَّ (١) لِكُلِّ عَابِدٍ شِرَّة (٢)، (وَلِكُلِّ شِرَّة) (٣) فَتْرَةٌ، فَإِمَّا إِلَى سُّنَّةٍ وَإِمَّا إِلَى بِدْعَةٍ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ\" (٤).\nوَفِي مُعْجَمِ الْبَغَوِيِّ (٥) عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو يَحْيَى بْنُ جَعْدَةَ (٦) عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رسول الله ﷺ قال: ذَكَرُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَوْلَاةً لِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالُوا: إِنَّهَا قَامَتِ اللَّيْلَ، وَصَامَتِ النَّهَارَ (٧)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"لَكِنِّي أَنَامُ وَأُصَلِّي، وَأَصُومُ (٨) وَأُفْطِرُ، فَمَنِ اقْتَدَى بِي فَهُوَ مِنِّي، وَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي، إِنَّ لِكُلِّ عَامِلٍ شِرَّة ثُمَّ فَتْرَةً، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى بِدْعَةٍ فَقَدْ ضَلَّ، وَمَنْ كَانَتْ فترته إلى سنة فقد اهتدى\" (٩).\n_________\n(١) في (ت): \"إنا\".\n(٢) قال الإمام المنذري في الترغيب والترهيب عند ذكر الحديث: \"الشِرَّة\" بكسر الشين المعجمة وتشديد الراء وبعدها تاء تأنيث: هي النشاط والهمة، وشِرَّة الشباب أوله وحدته. (١/ ٨٧).\n(٣) ما بين المعكوفين ساقط من (غ) و(ر).\n(٤) رواه الإمام الطحاوي في مشكل الآثار عن عبد الله بن عمرو (٢/ ٨٨)، والإمام أحمد في المسند، وذكر النبي ﷺ الحديث بعدما أمر عبد الله بن عمرو بالاعتدال في الصلاة والصيام والقراءة. انظر المسند (٢/ ١٥٨، ١٨٨، ٢١٠). ورواه الإمام ابن حبان في صحيحه تحت رقم (١١). انظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (١/ ١٨٧)، ورواه ابن أبي عاصم في السنة، وقال الشيخ الألباني في تعليقه على السنة: إسناده صحيح على شرط الشيخين. (١/ ٢٨).\n(٥) لعله يريد معجم الصحابة لأبي القاسم البغوي المتوفى سنة ٣١٧هـ، والكتاب يوجد منه قطعة في مكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة تحت رقم (٧٩١). انظر معجم المصنفات الواردة في فتح الباري (ص٢٥٩، ٣٩٥).\n(٦) هو يحيى بن جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي، ثقة، وقد أرسل عن ابن مسعود ونحوه، من الثالثة.\nانظر: تقريب التهذيب لابن حجر (٢/ ٣٤٤)، الكاشف للذهبي (٣/ ٢٢١).\n(٧) كتب في هامش (خ): \"قائمة الليل، وصائمة النهار\"، وفي المسند ومشكل الآثار ورد الفعل بصيغة المضارع. وصيغة المضارع أقرب إلى الصواب لدلالتها على استمرارها على هذه الحالة.\n(٨) ساقطة من (ر).\n(٩) رواه الإمام الطحاوي في مشكل الآثار عن مجاهد عن جعدة بن هبيرة وذكره، وبإسناد=","vol":"1","page":121},{"text":"وعن أبي (١) وائل (٢) عن عبد الله (٣) ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: \"إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ قَتَلَهُ نَبِيٌّ، وَإِمَامُ ضَلَالَةٍ، وَمُمَثِّلٌ (٤) مِنَ (الْمُمَثِّلِينَ) (٥» (٦).\nوفي منتقى حديث خيثمة بن (٧) سليمان (٨) عن عبد الله (٩) ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"سَيَكُونُ مِنْ بَعْدِي أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مَوَاقِيتِهَا، فَيُحْدِثُونَ الْبِدْعَةَ\"، قال عبد الله بن مسعود ﵁: فكيف أصنع إذا أدركتهم؟ قال: \"تسألني يابن أم عبد (١٠) كَيْفَ تَصْنَعُ. لَا طَاعَةَ لِمَنْ عَصَى اللَّهَ\" (١١).\nوفي الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال\n_________\n=آخر عن مجاهد قال دخلت أنا ويحيى بن جعدة، على رجل من الأنصار وذكره (٢/ ٨٨)، ورواه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٤٠٩)، وذكره الهيثمى في مجمع الزوائد وعزاه لأحمد، ثم قال: ورجاله رجال الصحيح. (٣/ ١٩٦).\n(١) ساقطة من (ط).\n(٢) تقدمت ترجمته (ص٨٤).\n(٣) هو ابن مسعود ﵁.\n(٤) في (غ): \"مثل\".\n(٥) في المخطوط والمطبوع (المسلمين)، وما أثبته هو ما ورد به الحديث.\n(٦) رواه الإمام أحمد في المسند عن ابن مسعود ﵁ (١/ ٤٠٧)، ورواه الطبراني في معجمه الكبير عنه بلفظ: (أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ قَتَلَ نبيًا أو قتله نبي، أو رجل يضل الناس بغير علم، أو مصور يصور التماثيل) (١٠/ ٢٦٠)، وفي سند الطبراني الحارث الأعور وهو ضعيف كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٨٦)، وسند الإمام أحمد جيد كما قال الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (٢٨١).\n(٧) في (ط): \"عن\".\n(٨) تقدمت ترجمته (ص١٢٢).\n(٩) هو ابن مسعود ﵁.\n(١٠) في (خ) و(ت) و(ط): \"عبد الله\". والصواب المثبت، وهو الموافق للرواية.\n(١١) رواه الإمام أحمد في المسند عن ابن مسعود (١/ ٣٩٩ - ٤٠٠، ٤٠٩)، والإمام ابن ماجه في كتاب الجهاد من سننه، باب لا طاعة في معصية الله برقم (٢٨٦٥)، (٢/ ٩٥٦) والبيهقي في كتاب الصلاة من سننه، باب الإمام يؤخر الصلاة والقوم لا يخشونه (٣/ ١٢٤)، والإمام الطبراني في المعجم الكبير برقم (١٠٣٦١)، (١٠/ ٢١٣ - ٢١٤)، قال الشيخ الألباني في الصحيحة: \"قلت: وإسناده جيد على شرط مسلم\". انظر السلسلة الصحيحة برقم (٥٩٠)، (٢/ ١٣٩).","vol":"1","page":122},{"text":"رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: \"مَنْ أَكَلَ طَيِّبًا، وَعَمِلَ فِي سُنَّةٍ، وَأَمِنَ النَّاسُ بَوَائِقَهُ (١) دَخَلَ الْجَنَّةَ\"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا الْيَوْمَ فِي النَّاسِ لَكَثِيرٌ، قَالَ: \"وَسَيَكُونُ فِي قُرُونٍ بَعْدِي\". حَدِيثٌ غَرِيبٌ (٢).\nوَفِي كِتَابِ الطَّحَاوِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ﵁ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: \"كَيْفَ بِكُمْ وَبِزَمَانٍ أَوْ قَالَ: يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ زَمَانٌ يُغَرْبَل (٣) النَّاسُ فِيهِ غَرْبَلَةً، وَتَبْقَى حُثَالَة مِنَ النَّاسِ قَدْ مَرَجَت (٤) عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ، اختلفوا فصاروا (٥) هكذا\" وشبك بين أصابعه، قالوا: كيف (٦) بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"تَأْخُذُونَ بِمَا تَعْرِفُونَ، وَتَذَرُونَ مَا تُنْكِرُونَ، وَتُقْبِلُونَ عَلَى أَمْرِ خاصتكم، وتذرون أمر عامتكم\" (٧).\n_________\n(١) بوائقه أي غوائله وشروره، واحدها بائقة، وهي الداهية. انظر النهاية لابن الأثير (١/ ١٦٢).\n(٢) رواه الإمام الترمذي في كتاب صفة القيامة من سننه عن أبي سعيد وذكره، ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث إسرائيل ..، ثم قال: وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فلم يعرفه إلا من حديث إسرائيل ولم يعرف اسم أبي بشر. انظر سنن الترمذي (٥/ ٥٧٧ - ٥٧٨)، وأبو بشر مجهول كما في تهذيب التهذيب لابن حجر (١٢/ ٢١)، وذكر ابن الجوزي الحديث في العلل المتناهية ثم قال: \"قال أحمد: ما سمعت بأنكر من هذا الحديث، لا أعرف هلال بن مقلاص ولا أبا بشر، وأنكر الحديث إنكارًا شديدًا\" (٢/ ٢٦٣)، وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الجامع برقم (٥٤٧٦).\n(٣) قال ابن الأثير في النهاية بعد ذكره للحديث: \"أي يذهب خيارهم، ويبقى أراذلهم. والمغربل المنتقى، كأنه نقي بالغربال\". النهاية (٣/ ٣٥٢).\n(٤) في (م) و(خ) و(ت): \"مزجت\" بالزاي، وهو خطأ، والصواب المثبت .. قال في النهاية: \"المرج الخلط. ومنه حديث ابن عمرو (قد مرجت عهودهم) أي اختلطت\". (٤/ ٣١٤).\n(٥) في (ط): \"فصارت\".\n(٦) في (ت) و(ط): \"وكيف\".\n(٧) رواه الإمام أبو داود في كتاب الملاحم من سننه، باب الأمر والنهي عن عبد الله بن عمرو بن العاص برقم (٤٣٤٢)، (٤/ ١٢١)، والإمام ابن ماجه في كتاب الفتن من سننه، باب التثبت في الفتنة برقم (٣٩٥٧)، (٢/ ١٣٠٧ - ١٣٠٨)، والإمام أحمد في المسند (٢/ ٢٢١)، والإمام الطحاوي في مشكل الآثار (٢/ ٦٧)، والإمام الحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي (٤/ ٤٣٥)، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (٢٠٥)، (١/ ٣٦٧). وعبد القادر الأرناؤوط في تعليقه على جامع الأصول (١٠/ ٦).","vol":"1","page":123},{"text":"وَخَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ مُرْسَلًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"إِيَّاكُمْ وَالشِّعَابَ\" قَالُوا: وَمَا الشِّعَابُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"الْأَهْوَاءُ\" (١).\nوَخَرَّجَ أَيْضًا: (إِنَّ اللَّهَ لَيُدْخِلُ الْعَبْدَ الْجَنَّةَ بِالسُّنَّةِ يَتَمَسَّكُ بِهَا) (٢).\nوَفِي كِتَابِ السُّنَّةِ لِلْآجُرِّيِّ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ (٣) عَنْ معاذ بن جبل رضي الله تعالى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِذَا حَدَثَ فِي أُمَّتِي الْبِدَعُ، وَشُتِمَ أَصْحَابِي، فَلْيُظْهِرِ الْعَالِمُ عِلْمَهُ، فَمَنْ لَمْ يفعل (ذلك منهم) (٤) فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ\" (٥).\nقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ (٦): فَقُلْتُ لِلْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ: مَا إِظْهَارُ الْعِلْمِ؟ قَالَ: (إِظْهَارُ السُّنَّةِ) (٧) والأحاديث كثيرة.\n_________\n(١) في (غ) و(ر) \"أهل الأهواء\"، ولم أجده بهذا اللفظ، وقريب منه ما رواه الإمام أحمد في المسند عن معاذ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: \"إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية، فإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد) (٥/ ٢٣٢ - ٢٣٣)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وعزاه لأحمد والطبراني، ثم قال: ورجال أحمد ثقات إلا أن العلاء بن زياد قيل أنه لم يسمع من معاذ (٥/ ٢٢٢)، وأعله العراقي في المغني بالانقطاع. (٢/ ٢٠٧).\n(٢) الشفا للقاضي عياض (٢/ ٢٧).\n(٣) هو أبو العباس الوليد بن مسلم الدمشقي عالم أهل الشام وحافظهم، وقد كان من أوعية العلم ولكنه ردئ التدليس، فإذا قال حدثنا فهو حجة، توفي سنة خمس وتسعين ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٩/ ٢١١)، تهذيب التهذيب لابن حجر (١١/ ١٥١).\n(٤) ما بين المعكوفين ساقط من (ط).\n(٥) رواه الإمام الخلال في السنة برقم (٧٨٧)، وضعف المحقق إسناده. انظر السنة للخلال (ص٤٩٤ - ٤٩٥)، ورواه الإمام الآجري بأسانيد ضعيفة عن جابر ﵁، انظر الشريعة لوحه (١٧٦)، وذكره الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة وعزاه لابن عساكر في تاريخه (١٥/ ٢٩٨/١)، والديلمي (١/ ١/٦٦)، وابن رزقويه في جزء من حديثه (ق٢/ ٢)، وحكم عليه الشيخ الألباني بأنه منكر. انظر السلسلة الضعيفة برقم (١٥٠٦).\n(٦) هو عبد الله بن الحسن الساحلي كما هو في إسناد الآجري.\n(٧) انظر: قوله في السنة للخلال (ص٤٩٥).","vol":"1","page":124},{"text":"وَلْيَعْلَمِ الْمُوَفَّقُ أَنَّ بَعْضَ مَا ذُكِرَ مِنَ الأحاديث تقصر (١) عن (٢) رتبة الصحيح، وإنما أوتي (٣) بِهَا عَمَلًا بِمَا أَصَّلَهُ الْمُحَدِّثُونَ فِي أَحَادِيثِ الترغيب والترهيب، إذ قَدْ ثَبَتَ ذَمُّ الْبِدَعِ وَأَهْلِهَا بِالدَّلِيلِ الْقَاطِعِ الْقُرْآنِيِّ وَالدَّلِيلِ السُّنِّيِّ الصَّحِيحِ، فَمَا زِيدَ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا حَرَجَ فِي الْإِتْيَانِ بِهِ إِنْ شاء الله (٤).\n_________\n(١) في (ط): \"يقصر\".\n(٢) في (م): \"على\".\n(٣) في (غ) و(ط): \"أتي\".\n(٤) وقد ذكر الإمام السيوطي ثلاثة شروط لرواية الحديث الضعيف والعمل به.\nالأول: أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب ومن فحش غلطه، (نقل العلائي الاتفاق عليه).\nالثاني: أن يندرج تحت أصل معمول به.\nالثالث: أن لا يعتمد عند العمل به ثبوته بل يعتقد الاحتياط.\nوقيل لا يجوز العمل به مطلقًا، قاله ابن العربي. وقيل يعمل به مطلقًا، وتقدم عزو ذلك إلى أبي داود وأحمد وإنهما يريان ذلك أقوى من رأي الرجال، انتهى. انظر تدريب الراوي للسيوطي (١/ ٢٩٩).\nوقال الشيخ أحمد شاكر في الباعث الحثيث: \"والذي أراه أن بيان الضعف في الحديث الضعيف واجب في كل حال، لأن ترك البيان يوهم المطلع عليه أنه حديث صحيح، خصوصًا إذا كان الناقل له من علماء الحديث الذين يرجع إلى قولهم في ذلك\". (ص٨٦).","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>فصل</span>\nالْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنَ النَّقْلِ مَا جَاءَ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ (١) مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃ فِي ذَمِّ الْبِدَعِ وَأَهْلِهَا، وَهُوَ كَثِيرٌ.\nفمما جاء عن الصحابة ﵃ أجمعين مَا صَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ سُنَّتْ لَكُمُ السُّنَنُ، وَفُرِضَتْ لَكُمُ الْفَرَائِضُ، وَتُرِكْتُمْ عَلَى الْوَاضِحَةِ، إِلَّا أَنْ تَضِلُّوا بِالنَّاسِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَصَفَّقَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى ثُمَّ قَالَ: إِيَّاكُمْ أَنْ تَهْلِكُوا عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: لَا نَجِدُ حَدَّيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَقَدْ (٢) رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا) (٣). إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ.\nوَفِي الصَّحِيحِ عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: \"يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ اسْتَقِيمُوا فَقَدْ سَبَقْتُمْ سبقًا بعيدًا، وإن أَخَذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالًا لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلًالًا بَعِيدًا\".\n_________\n(١) ساقطة من (ت).\n(٢) كتب في (ت): \"إلا بعد\".\n(٣) رواه الإمام البخاري في كتاب الحدود من صحيحه، باب الاعتراف بالزنا، والباب الذي يليه عن عمر ﵁، مع اختلاف يسير في اللفظ (١٢/ ١٣٧، ١٤٤ فتح)، والإمام مسلم في كتاب الحدود من صحيحه، باب حد الزنا وذكره بلفظ البخاري الثاني (١١/ ١٩١ - ١٩٢)، والإمام أبو داود في كتاب الحدود من سننه، باب في الرجم، وذكره قريبًا من لفظ الصحيحين (٤/ ١٤٣) والإمام ابن ماجه في كتاب الحدود من سننه، باب الرجم وذكره بلفظ الصحيحين (٢/ ٨٥٣)، والإمام الترمذي في كتاب الحدود من سننه، باب ما جاء في تحقيق الرجم وذكره بلفظين أحدهما أخصر من الآخر (٤/ ٢٩ - ٣٠)، والإمام الدارمي في كتاب الحدود من سننه، باب في حد المحصنين بالزنا (٢/ ٢٣٤)، ورواه الإمام مالك في كتاب الحدود من الموطأ، باب ما جاء في الرجم (٢/ ٨٢٤)، والإمام أحمد في مواضع من المسند (١/ ٢٣، ٢٩، ٣٦).","vol":"1","page":126},{"text":"وَرُوِيَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فَيَقِفُ عَلَى الحِلَق (١) فَيَقُولُ: (يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ، اسْلُكُوا الطَّرِيقَ، فَلَئِنْ سَلَكْتُمُوهَا لَقَدْ سَبَقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا، وَلَئِنْ أَخَذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا\".\nوفي رواية لابن (٢) الْمُبَارَكِ: (فَوَاللَّهِ لَئِنِ اسْتَقَمْتُمْ (لَقَدْ سَبَقْتُمْ) (٣) سَبْقًا بَعِيدًا) (٤) الْحَدِيثَ.\nوَعَنْهُ أَيْضًا: (أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى النَّاسِ اثْنَتَانِ: أَنْ يُؤْثِرُوا مَا يَرَوْنَ على ما يعلمون، وَأَنْ يَضِلُّوا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ). قَالَ سُفْيَانُ: (وَهُوَ صَاحِبُ الْبِدْعَةِ) (٥).\nوَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ أَخَذَ حَجَرَيْنِ فَوَضَعَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: (هَلْ تَرَوْنَ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَجَرَيْنِ مِنَ النُّورِ؟) قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَا نَرَى بَيْنَهُمَا مِنَ النُّورِ إِلَّا قَلِيلًا. قَالَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَظْهَرَنَّ الْبِدَعُ حَتَّى لا يرى (٦) من الحق إلا قدر ما بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَجَرَيْنِ مِنَ النُّورِ، وَاللَّهِ لَتَفْشُوَنَّ الْبِدَعُ حَتَّى إِذَا تُرِكَ مِنْهَا شَيْءٌ قَالُوا: تركت السنة) (٧).\n_________\n(١) في (خ) و(ت) و(ط): \"الخلق\".\n(٢) في (خ) و(ط): \"ابن\".\n(٣) ما بين المعكوفين ساقط من (م).\n(٤) رواه عن حذيفة ﵁ الإمام البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيحه، باب الاقتداء بسنن رسول الله (١٣/ ٢٥٠ مع الفتح)، وعبد الله بن الإمام أحمد في السنة (١/ ١٣٩)، وابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص١٧ - ١٨)، والإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٧)، والإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٩٠)، وأحمد بن نصر في السنة (ص٣٠)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٣٣٦)، وأورده البغوي في شرح السنة (١/ ٢١٤). وألفاظهم متقاربة.\n(٥) رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب إحداث البدع (ص٤٣)، وفي بابٌ في نقض عرى الإسلام (ص٧٦).\n(٦) في (غ): \"يرى\" بدون لا.\n(٧) رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب في نقض عرى الإسلام ودفن الدين وإظهار البدع (ص٦٥).","vol":"1","page":127},{"text":"وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: (أَوَّلُ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمُ الْأَمَانَةَ، وَآخِرُ مَا تَفْقِدُونَ الصَّلَاةَ، وَلَتُنْقَضَنَّ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، وَلَيُصَلِّيَنَّ (١) نِسَاؤُكُمْ (٢) وَهُنَّ (٣) حُيّض، وَلَتَسْلُكُنَّ طَرِيقَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ القُذَّة (٤) بالقُذَّة وَحَذْوَ النَّعْلِ بالنعلِ (٥)، لَا تُخْطِئُونَ طَرِيقَهُمْ، وَلَا تُخْطِئُ بِكُمْ، وَحَتَّى تَبْقَى فِرْقَتَانِ مِنْ فِرَقٍ (٦) كَثِيرَةٍ، تَقُولُ إِحْدَاهُمَا: مَا بَالُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ؟ لَقَدْ ضَلَّ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ (٧) لا يصلون إِلَّا ثَلَاثًا، وَتَقُولُ الْأُخْرَى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ كإيمان الملائكة، ما فينا (٨) كَافِرٌ وَلَا مُنَافِقٌ، حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَحْشُرَهُمَا مَعَ الدَّجَّالِ) (٩).\nوَهَذَا الْمَعْنَى مُوَافِقٌ لِمَا ثبت من حديث أبي رافع (١٠) ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: \"لَأَلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا على أريكته (١١) يأتيه الأمر من\n_________\n(١) في (ط): \"وليطئن\".\n(٢) في (ت): \"نساؤهم\"، وفي (غ) و(ر): \"نساء\".\n(٣) في (خ) و(ط): \"وبن\"، وهي ساقطة من (ت).\n(٤) قال ابن الأثير في النهاية: القُذَذ ريش السهم، واحدتها قذة، ومنه الحديث \"لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة\" أي كما تقدر كل واحدة منهما على قدر صاحبتها وتقطع\" (٤/ ٢٨).\n(٥) ساقطة من (م)، و(خ) و(ت).\n(٦) في (ت): \"فريق\".\n(٧) سورة هود: آية (١١٤).\n(٨) في (خ) و(ت) و(ط): \"فيها\".\n(٩) رواه عن حذيفة ﵁ الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب في نقض عرى الإسلام بلفظ المؤلف (ص٦٥)، ورواه الإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى مع اختلاف يسير في اللفظ (١/ ١٧٤)، ورواه أيضًا بلفظ أخصر وليس فيه ذكر الفرقتين (٢/ ٥٧١)، ورواه الإمام الآجري في الشريعة مع اختلاف يسير في اللفظ (ص٢٠).\n(١٠) هو أبو رافع القبطي مولى الرسول ﷺ، اسمه إبراهيم، وقيل: أسلم، أو ثابت أو هرمز، كان للعباس أولًا، فوهبه للنبي ﷺ. روى عدة أحاديث، وشهد أحد والخندق. وكان ذا علم وفضل. مات في أول خلافة علي ﵁.\nانظر: الإصابة (١١/ ١٢٨ - ١٢٩)، طبقات ابن سعد (٤/ ٧٣ - ٧٥)، أسد الغابة (١/ ٥٢)، السير (٢/ ١٦).\n(١١) الأريكة: السرير في الحجلة من دونه ستر، ولا يسمى منفردًا أريكة. وقيل هو كل ما اتكئ عليه من سرير أو فراش أو منصة. انظر النهاية (١/ ٤٠).","vol":"1","page":128},{"text":"أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ (١) بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي (٢)، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ\" (٣).\nفَإِنَّ السُّنَّةُ جَاءَتْ مُفَسِّرَةً لِلْكِتَابِ، فَمَنْ أَخَذَ بِالْكِتَابِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِالسُّنَّةِ زَلَّ عَنِ الْكِتَابِ كَمَا زَلَّ عَنِ السُّنَّةِ، فَلِذَلِكَ (٤) يَقُولُ الْقَائِلُ: \"لَقَدْ ضَلَّ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا\" إِلَى آخِرِهِ.\nوَهَذِهِ الْآثَارُ عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ مِنْ تَخْرِيجِ ابْنِ وَضَّاحٍ (٥).\nوَخَرَّجَ أَيْضًا عَنْ (٦) عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: (اتَّبِعُوا آثَارَنَا وَلَا تَبْتَدِعُوا فَقَدْ كُفِيتُمْ) (٧).\nوَخَرَّجَ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: (عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَقَبْضُهُ بِذَهَابِ أَهْلِهِ. عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَتَى يَفْتَقِرُ إِلَى مَا عِنْدَهُ، وَسَتَجِدُونَ أَقْوَامًا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَقَدْ نَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ وإياكم والتبدع والتنطع والتعمق، وعليكم بالعتيق) (٨).\n_________\n(١) مطموسة في (ت).\n(٢) في (ط) كرر لفظ \"لا أدري\".\n(٣) رواه أبو داود في كتاب السنة من سننه، باب لزوم السنة عن أبي رافع (٤/ ١٩٩) وابن ماجه في المقدمة من سننه، باب تعظيم حديث رسول الله ﷺ (١/ ٧)، والترمذي في كتاب العلم من سننه، باب ما نهى عنه أن يقال عند حديث النبي ﷺ، وقال حسن صحيح (٥/ ٣٦)، والإمام أحمد في المسند (٦/ ٨)، والحاكم وصححه (١/ ١٠٨ - ١٠٩)، والإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٨٢)، والإمام الآجري في الشريعة (ص٥٠)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٢٢٨)، والإمام البغوي في شرح السنة، وحسنه (١/ ٢٠٠ - ٢٠١). وصححه الشيخ الألباني. انظر صحيح الجامع برقم (٧٠٤٩) ..\n(٤) في غ (فإذا).\n(٥) تقدم تخريجها قريبًا.\n(٦) ساقطة من (م) و(ت).\n(٧) رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص١٧)، والإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٨٦)، والإمام المروزي في السنة (ص٢٨)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٣٢٧)، وأورده البغوي في شرح السنة (١/ ٢١٤)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح. (١/ ١٨٦).\n(٨) أخرجه الإمام الدارمي في المقدمة من سننه، باب من هاب الفتيا عن ابن مسعود=","vol":"1","page":129},{"text":"وَعَنْهُ أَيْضًا: (لَيْسَ عَامٌ إِلَّا وَالَّذِي (١) بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ. لَا أَقُولُ: عَامٌ أَمْطَرُ مِنْ عَامٍ، وَلَا عَامٌ أَخْصَبُ مِنْ عَامٍ، وَلَا أَمِيرٌ خَيْرٌ مِنْ أَمِيرٍ، وَلَكِنْ ذَهَابُ عُلَمَائِكُمْ وَخِيَارِكُمْ، ثُمَّ يُحْدِثُ قَوْمٌ يَقِيسُونَ الْأُمُورَ بِآرَائِهِمْ فَيُهْدَمُ الْإِسْلَامُ وَيُثْلَمُ) (٢).\nوَقَالَ أَيْضًا: (كَيْفَ أَنْتُمْ إذا ألبستكم (٣) فِتْنَةً يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ، وَيَنْشَأُ فِيهَا الصَّغِيرُ، تجرى (٤) على الناس يحدثونها سنة، إذا غُيِّرَتْ قِيلَ: هَذَا مُنْكَرٌ\" (٥).\nوَقَالَ أَيْضًا: (أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَبْتَدِعُوا وَلَا تَنَطَّعُوا وَلَا تَعَمَّقُوا، وَعَلَيْكُمْ بِالْعَتِيقِ، خُذُوا مَا تَعْرِفُونَ، وَدَعُوا مَا تُنْكِرُونَ) (٦).\nوَعَنْهُ أَيْضًا: (الْقَصْدُ فِي السُّنَّةِ خَيْرٌ من الاجتهاد في البدعة) (٧).\n_________\n=وذكره (١/ ٦٦)، والإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٣٢)، والإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم من قوله: (ستجدون .. إلخ) (٢/ ١٩٣)، والإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٨٧)، والإمام المروزي في السنة (ص٢٩ - ٣٠)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٣٢٤، ٣٣٣)، وذكره البغوي في شرح السنة (١/ ٣١٧).\n(١) وقعت الياء من الكلمة في البياض في نسخة (ت).\n(٢) أخرجه الإمام الدارمي في مقدمة سننه، باب تغير الزمان وما يحدث فيه عن ابن مسعود وذكره (١/ ٧٦)، والإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٤٠، ٨٧) والإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٣٥ - ١٣٦)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه الطبراني في الكبير وفيه مجالد بن سعيد وقد اختلط. (١/ ١٨٥).\n(٣) في (م) و(ت) و(ط): \"ألبستم\"، والمثبت هو الموافق للرواية.\n(٤) في (ت): \"يجري\".\n(٥) رواه الإمام الدارمي في المقدمة من سننه، باب تغير الزمان عن ابن مسعود بلفظ أطول (١/ ٧٥)، ورواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها بلفظين الأول منهما لفظ المؤلف (ص٤١، ٩٦)، ورواه الإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة بلفظ أطول. (١/ ٩١).\n(٦) تقدم بمعناه (ص١٣٩).\n(٧) رواه الإمام الدارمي في مقدمة سننه، باب في كراهية أخذ الرأي عن ابن مسعود ﵁ (١/ ٨٣)، والإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٥٥، ٨٨)،=","vol":"1","page":130},{"text":"وَقَدْ رُوِيَ مَعْنَاهُ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: \"عَمَلٌ قَلِيلٌ فِي سُّنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ عَمَلٍ كَثِيرٍ (١) فِي بِدْعَةٍ\" (٢).\nوَعَنْهُ أَيْضًا خَرَّجَهُ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ (٣) أَنَّهُ قَالَ: \"أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِمَامٌ ضَالٌّ يُضِلُّ (٤) النَّاسَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَمُصَوِّرٌ، وَرَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ قَتَلَهُ نَبِيٌّ\" (٥).\nوَعَنْ أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه (٦) قَالَ: (لَسْتُ تَارِكًا شَيْئًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ) (٧) عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْمَلُ بِهِ إِلَّا عَمِلْتُ بِهِ، إِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا من أمره أن أزيغ) (٨).\n_________\n=والإمام محمد بن نصر في السنة (ص٣٠)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٣٢٠، ٣٢٩، ٣٣٧)، وهو مروي أيضًا عن أبي الدرداء ﵁ كما في أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ٨٨)، وكذلك في السنة للمروزي (ص٣٢).\n(١) كتب في (خ) عند هذا الموضع \"من عمل\"، وهي زيادة من الناسخ.\n(٢) ذكره صاحب الكنز تحت رقم (١٠٩٦)، وعزاه للرافعي عن أبي هريرة ومسند الفردوس عن ابن مسعود (١/ ٢١٩)، ورواه عبد الرزاق في المصنف عن الحسن مرسلًا برقم (٢٠٥٦٨)، (١١/ ٢٩١)، والقضاعي في مسند الشهاب (٢/ ٢٣٩)، وقال عند المناوي في فيض القدير: فيه أبان بن يزيد العطار ليّنه القطان (٤/ ٣٦٢)، وضعفه الألباني كما في ضعيف الجامع تحت رقم (٣٨١١)، (ص٥٥٦).\n(٣) هو قاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف القرطبي، الإمام الحافظ العلامة، محدث الأندلس، صنف سننًا وصحيحًا، وألف كتاب بر الوالدين، وكتاب مسند مالك وكتاب المنتقى في الآثار وكتاب الأنساب، انتهى إليه علو الإسناد بالأندلس مع الحفظ والاتقان، وبراعة العربية، والتقدم في الفتوى، مات بقرطبة سنة أربعين وثلاثمائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٥/ ٤٧٢)، لسان الميزان (٤/ ٤٥٨)، معجم الأدباء (١٦/ ٢٣٦).\n(٤) بياض في (ت).\n(٥) تقدم تخريج الحديث مرفوعًا (ص١٣٠).\n(٦) ساقطة من (ط).\n(٧) ما بين المعكوفين بياض في (ت).\n(٨) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (٢٩٢٦) أبواب الخمس، باب فرض الخمس، وأبو داود في سننه (٢٩٧٠) كتاب الخراج، باب في صفايا رسول الله ﷺ. وذكره القاضي عياض في الشفا (٢/ ٣٩)، ورواه الإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى، باب ذكر ما جاءت به السنة من طاعة رسول الله .. عن أبي بكر ﵁. (١/ ٢٤٦).","vol":"1","page":131},{"text":"وخرج (١) ابن المبارك عن (ابن عمر ﵄ قال: بلغ) (٢) عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إِنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ (٣) يَأْكُلُ أَلْوَانَ الطَّعَامِ، فقال عمر ﵁ لِمَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ (٤): يَرْفَأُ: \"إِذَا عَلِمْتَ أَنَّهُ قَدْ حَضَرَ عَشَاؤُهُ فَأَعْلِمْنِي\"، فَلَمَّا حَضَرَ عشاؤه أعلمه، فأتاه عمر ﵁ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ، فقُرِّب عشاؤه، فَجَاءَ بِثَرِيدِ (٥) لَحْمٍ، فَأَكَلَ عُمَرُ مَعَهُ مِنْهَا (٦)، ثُمَّ قَرَّبَ شِوَاءً فَبَسَطَ يَزِيدُ يَدَهُ، وَكَفَّ عمر ﵁ يَدَهُ، ثُمَّ قَالَ: (وَاللَّهِ يَا يَزِيدُ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ أَطَعَامٌ بَعْدَ طَعَامٍ؟ وَالَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ لَئِنْ خَالَفْتُمْ (٧) عَنْ سُنَّتِهِمْ لَيُخَالَفَنَّ بكم عن طريقهم\" (٨).\nوعن ابن عمر ﵄: (صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ، مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ كَفَرَ) (٩).\n_________\n(١) الواو ساقطة من (ط).\n(٢) ما بين المعكوفين ساقط من (ط).\n(٣) هو يزيد بن أبي سفيان بن حرب بن أمية الأموي، أخو معاوية من أبيه، أسلم ﵁ يوم الفتح، وحسن إسلامه، وشهد حنين، وهو أحد الأمراء الأربعة الذين ندبهم أبو بكر لغزو الروم، وعلى يده كان فتح قيسارية التي بالشام. توفي ﵁ في الطاعون سنة ثمان عشرة.\nانظر: الاستيعاب لابن عبد البر (١١/ ٦٩)، أسد الغابة لابن الأثير (٥/ ٤٩١)، سير أعلام النبلاء (١/ ٣٢٨).\n(٤) ساقط من (ت).\n(٥) في (م) و(غ): \"بثريدة\".\n(٦) ساقط من (ت).\n(٧) في (م) و(خ): \"خالفتهم\"، وصححت في هامش (خ).\n(٨) رواه الإمام ابن المبارك في الزهد (ص٢٠٣).\n(٩) رواه عبد الرزاق في المصنف (٤٢٨١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٢٢)، والبيهقي في السنن الكرى (٥٤١٧)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٧/١٨٥ - ١٨٦)، ورواه الإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، باب فضل السنة ومباينتها لسائر أقاويل علماء الأمة عن صفوان بن محرز القارئ المأزري أنه سأل عبد الله ابن عمر عن الصلاة في السفر، فقال: \"ركعتان. من خالف السنة كفر\". (٢/ ١٩٥)، وذكره الإمام ابن بطة في الإبانة الصغرى بلفظ (من ترك السنة كفر) (ص١٢٣).","vol":"1","page":132},{"text":"وَخَرَّجَ (١) الْآجُرِّيُّ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ (٢) قَالَ: أتى (٣) عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّا لَقِينَا رَجُلًا يَسْأَلُ عَنْ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَمْكِنِّي مِنْهُ، قال: فبينما عمر (٤) ﵁ ذَاتَ يَوْمٍ يُغَدِّي النَّاسَ (إِذْ جَاءَهُ) (٥) عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَعِمَامَةٌ فَتَغَدَّى، حَتَّى (٦) إِذَا فَرَغَ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا *فَالْحَامِلاَتِ وِقْرًا *﴾ (٧)، فَقَالَ عُمَرُ: أَنْتَ هُوَ؟ فَقَامَ إِلَيْهِ مُحْسِرًا عَنْ ذِرَاعَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ (٨) يَجْلِدُهُ حَتَّى سَقَطَتْ عِمَامَتُهُ، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ وَجَدْتُكَ مَحْلُوقًا لَضَرَبْتُ رَأْسَكَ (٩)، أَلْبِسُوهُ ثِيَابَهُ وَاحْمِلُوهُ عَلَى قَتَبٍ (١٠)، ثُمَّ أَخْرِجُوهُ حَتَّى تَقْدَمُوا بِهِ بِلَادَهُ، ثُمَّ لِيَقُمْ خَطِيبًا، ثُمَّ لِيَقُلْ: إِنَّ صَبِيْغًا (١١) طَلَبَ الْعِلْمَ فَأَخْطَأَ. فَلَمْ يَزَلْ وَضِيعًا فِي قومه حتى هلك، وكان سيد قومه) (١٢).\n_________\n(١) هذا الأثر أخره ناسخ (غ) بعد أثر أبيّ الآتي.\n(٢) هو السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة الكندي، وقيل غير ذلك في نسبه، ويعرف بابن أخت النمر، صحابي صغير، له أحاديث قليلة، وحُج به في حجة الوداع وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة، مات سنة إحدى وتسعين وقيل: قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة.\nانظر: أسد الغابة (٢/ ٣٢١)، والاستيعاب (ص٥٧٦)، الإصابة (٢/ ١٢)، السير (٣/ ٤٣٧).\n(٣) في (ت): \"أوتي\".\n(٤) ساقطة من (خ).\n(٥) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).\n(٦) ساقطة من (ت).\n(٧) سورة الذاريات: آيتان (١، ٢).\n(٨) ساقطة من (ت).\n(٩) ذكر الإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى أن عمر ﵁ قال ذلك، لأنه ظن أنه من الخوارج، وقد ورد في الحديث أن سيماهم التحليق. انظر: الإبانة (١/ ٤١٧). وانظر الحديث في صحيح مسلم بشرح النووي عن أبي سعيد (٧/ ١٦٧)، وانظر فتح الباري (١٢/ ٢٩٥).\n(١٠) القِتْبُ والقَتَبُ: إكاف البعير، وقد يؤنث، والتذكير أعم، وفي الصحاح رحل صغير على قدر السنام. انظر لسان العرب لابن منظور (١/ ٦٦٠).\n(١١) قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: صَبِيْغ، بوزن عظيم، وآخره معجمة، ابن عسل ...، ويقال بالتصغير، ويقال ابن سهل الحنظلي، له إدراك، وقصته مع عمر مشهورة. انظر الإصابة، وقد ذكر بعض روايات قصته مع عمر ﵁، وأمر عمر بهجره، ثم توبته بعد ذلك. انظر الإصابة (٣/ ٤٥٨).\n(١٢) روى هذه القصة الإمام الآجري في الشريعة (ص٧٣)، وعبد الرزاق في المصنف (٢٠٩٠٦)، والإمام الدارمي في مقدمة سننه، باب من هاب الفتيا، وذكر أنه تاب=","vol":"1","page":133},{"text":"وَخَرَّجَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرُهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كعب ﵁ أَنَّهُ قَالَ (١): (عَلَيْكُمْ بِالسَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنَّهُ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ عَبْدٍ عَلَى السَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ ذَكَرَ اللَّهَ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ (٢) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ أَبَدًا، وَمَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ عَبْدٍ عَلَى السَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ ذَكَرَ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ فَاقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ إِلَّا كَانَ مَثَلُهُ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ قَدْ يَبُسَ وَرَقُهَا فهي كذلك (إذ) (٣) أَصَابَتْهَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَتَحَاتَّ عَنْهَا وَرَقُهَا إِلَّا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ خَطَايَاهُ كَمَا تَحَاتَّ عَنِ الشجرة ورقها، فإن اقتصادًا في سبيل (٤) وَسُنَّةً خَيْرٌ مِنِ اجْتِهَادٍ فِي خِلَافِ سَبِيلٍ (٥) وَسُنَّةٍ، وَانْظُرُوا أَنْ يَكُونَ عَمَلُكُمْ إِنْ كَانَ اجْتِهَادًا وَاقْتِصَادًا أَنْ يَكُونَ عَلَى مِنْهَاجِ الْأَنْبِيَاءِ وَسُنَّتِهِمْ (٦» (٧).\nوَخَرَّجَ ابْنُ وَضَّاحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: (مَا يَأْتِي عَلَى النَّاسِ مِنْ عَامٍ إِلَّا أَحْدَثُوا فِيهِ بِدْعَةً، وَأَمَاتُوا فِيهِ (٨) سُنَّةً، حَتَّى تَحْيَا الْبِدَعُ وَتَمُوتَ السُّنَنُ\" (٩).\nوَعَنْهُ أَنَّهُ قال: (عليكم (بالاستقامة) (١٠) والأثر، وإياكم والبدع) (١١).\n_________\n=وحسنت توبته (١/ ٦٦ - ٦٧)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٤١٥)، والإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٦٣)، وانظر: الإصابة لابن حجر (٣/ ٣٧٠ - ٣٧٢).\n(١) كتبت في (ت): \"فوق السطر\".\n(٢) في (غ): \"ربه\".\n(٣) في جميع النسخ \"إذا\" عدا (غ).\n(٤) في (خ) و(ت) و(ط): \"سبيل الله\"، والمثبت هو ما في (م) و(غ)، وهو الموافق لمراجع الأثر.\n(٥) في (ط): \"سبيل الله\".\n(٦) ساقطة من (غ).\n(٧) رواه الإمام ابن المبارك في الزهد، باب لزوم السنة (٢/ ٢١)، والإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٥٤)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٣٥٩)، والإمام أبو نعيم في الحلية عند ترجمة أبي ﵁ (١/ ٢٥٣).\n(٨) ساقطة من (ط).\n(٩) تقدم تخريجه في المقدمة (ص٣٢).\n(١٠) في جميع النسخ \"الاستفاضة\" عدا (ر)، وما أثبته هو ما ورد به الأثر عند جميع من أخرجه.\n(١١) رواه عنه ﵁ الإمام الدارمي في سننه (١/ ٦٥)، والإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٣٢)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٣١٩، ٣٣٧) والإمام محمد بن نصر في السنة (ص٢٩)، وذكره البغوي في شرح السنة (١/ ٢١٤).","vol":"1","page":134},{"text":"وَخَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ: (مَنْ أَحْدَثَ رَأْيًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَمْ تَمْضِ بِهِ سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَدْرِ مَا هُوَ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَ اللَّهَ ﷿) (١).\nوَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا: (إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ فِتَنًا يَكْثُرُ فِيهَا الْمَالُ، وَيُفْتَحُ فِيهَا (٢) الْقُرْآنُ، حَتَّى يَأْخُذَهُ (٣) الْمُؤْمِنُ وَالْمُنَافِقُ، وَالرَّجُلُ (٤) وَالْمَرْأَةُ، وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، وَالْعَبْدُ وَالْحُرُّ، فَيُوشِكُ قَائِلٌ أَنْ يَقُولَ: مَا لِلنَّاسِ لَا يَتَّبِعُونِي وَقَدْ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ؟! مَا هُمْ بِمُتَّبِعِيَّ حَتَّى أَبْتَدِعَ لَهُمْ غَيْرَهُ، وَإِيَّاكُمْ وَمَا ابْتُدِعَ فَإِنَّ مَا ابْتُدِعَ ضَلَالَةٌ، وَأُحَذِّرُكُمْ زَيْغَةَ الْحَكِيمِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ عَلَى لِسَانِ الْحَكِيمِ، وَقَدْ يَقُولُ الْمُنَافِقُ كَلِمَةَ الْحَقِّ).\nقَالَ الرَّاوِي: قلت (٥) لمعاذ ﵁: وَمَا (٦) يُدْرِينِي يَرْحَمُكَ اللَّهُ أَنَّ الْحَكِيمَ قَدْ يقول كلمة الضلالة (٧)، وَأَنَّ الْمُنَافِقَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الْحَقِّ؟ قَالَ: \"بلى، اجتنب من كلام الحكيم الْمُشْتَهِرَاتِ (٨) الَّتِي يُقَالُ فِيهَا (٩): مَا هَذِهِ؟ وَلَا يَثْنِيَنَّكَ ذَلِكَ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ أَنْ يُرَاجِعَ، وَتَلَقَّ الْحَقَّ إِذَا سَمِعْتَهُ فَإِنَّ عَلَى الْحَقِّ نُورًا\" (١٠).\nوَفِي رِوَايَةٍ مَكَانَ \"الْمُشْتَهِرَاتِ\" \"الْمُشْتَبِهَاتِ\" (١١)، وَفُسِّرَ بِأَنَّهُ مَا تَشَابَهَ عَلَيْكَ مِنْ قَوْلٍ حَتَّى يقال: ما أراد بهذه الكلمة؟.\n_________\n(١) رواه عنه ﵁ الإمام الدارمي في المقدمة من سننه، باب الفتيا وما فيه من الشدة (١/ ٦٩)، والإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب تغير البدع (ص٤٥)، والبيهقي في المدخل (١٩٠)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ١٨٣).\n(٢) في (م) و(خ) و(ط): \"فيه\"، والمثبت موافق لما ورد في مراجع الأثر.\n(٣) في (ت): \"يأخذ\".\n(٤) ساقطة من (ت).\n(٦) (٥) ساقطة من (ت).\n(٧) في (ط): \"ضلالة\" غير معرفة.\n(٨) في (ط): \"غير المشتهرات\".\n(٩) ساقطة من (م) و(ت). ولفظ أبي داود \"لها\".\n(١٠) تقدم تخريجه في الباب الأول (ص٧٩).\n(١١) هي رواية صالح بن كيسان عن الزهري كما في سنن أبي داود (٤/ ٢٠١)، وفي بعض المصادر \"اجتنب من كلام الحكيم كل متشابه\".","vol":"1","page":135},{"text":"ويريد - والله أعلم (١) - ما لم يشتهر (٢) ظَاهِرُهُ عَلَى مُقْتَضَى السُّنَّةِ حَتَّى تُنْكِرَهُ الْقُلُوبُ، وَيَقُولَ النَّاسُ: مَا هَذِهِ؟ وَذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى مَا يُحْذَرُ مِنْ زَلَّةِ الْعَالِمِ حَسْبَمَا يَأْتِي بِحَوْلِ اللَّهِ (٣).\nوَمِمَّا جَاءَ عَمَّنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ رضي الله تعالى عَنْهُمْ مَا ذَكَرَ ابْنُ وَضَّاحٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: (صَاحِبُ الْبِدْعَةِ لَا يَزْدَادُ اجْتِهَادًا، صِيَامًا وَصَلَاةً، إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا\" (٤).\nوَخَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ (٥) أَنَّهُ قَالَ: (لِأَنْ أَرَى فِي الْمَسْجِدِ نَارًا لَا أَسْتَطِيعُ إِطْفَاءَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَرَى فِيهِ بِدْعَةً لَا أَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَهَا) (٦).\nوَعَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ (٧): (اتَّبِعْ طُرُقَ الْهُدَى وَلَا يَضُرُّكَ قِلَّةُ السَّالِكِينَ وَإِيَّاكَ وَطُرُقَ الضَّلَالَةِ وَلَا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ الْهَالِكِينَ (٨» (٩).\nوَعَنِ الْحَسَنِ: (لَا تُجَالِسْ صَاحِبَ هَوًى (١٠) فَيَقْذِفَ فِي قَلْبِكَ مَا تَتَّبِعُهُ عَلَيْهِ فتهلك، أو تخالفه فيمرض قلبك) (١١).\n_________\n(١) ساقطة من (م).\n(٢) في (م): \"يستمر\".\n(٣) سيذكر المؤلف بعض الأمثلة لعلماء وقعت منهم بعض الزلات. انظر (ص٢٧٥ - ٢٨١).\n(٤) رواه عنه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب كل محدثة بدعة (ص٣٤)، وذكره ابن بطة في الإبانة الصغرى (ص١٣٤).\n(٥) تقدمت ترجمته في المقدمة (ص٣٢).\n(٦) رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٤٣)، والإمام محمد بن نصر في السنة (ص٣٢)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (٢/ ٥١٤)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٢٤).\n(٧) هو الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر اليربوعي، إمام، قدوة، ثبت مشهور بالصلاح، ولد بخراسان، وارتحل وطلب العلم، وحدث بالكوفة عن الأعمش وحميد الطويل وغيرهم، وحدث عنه ابن المبارك ويحيى القطان والشافعي وغيرهم. نزل مكة وتعبد بها إلى أن مات بها أول سنة سبع وثمانين ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٢١)، حلية الأولياء (٨/ ٨٤)، صفة الصفوة (٢/ ٢٣٧)، طبقات الصوفية للسلمي (ص٦)، البداية والنهاية (١٠/ ٢٠٦).\n(٨) في (غ) و(ر): \"السالكين\". والصواب المثبت.\n(٩) لم أجده في كثير من مراجع ترجمته.\n(١٠) في (ت): \"هوا\".\n(١١) رواه عنه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب النهي عن الجلوس مع أهل البدع (ص٥٧).","vol":"1","page":136},{"text":"وَعَنْهُ أَيْضًا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (١). قَالَ: (كَتَبَ اللَّهُ صِيَامَ رَمَضَانَ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ كَمَا كَتَبَهُ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ (٢)، فَأَمَّا الْيَهُودُ فَرَفَضُوهُ، وَأَمَّا النَّصَارَى فَشَقَّ عَلَيْهِمُ الصَّوْمُ فَزَادُوا فِيهِ عَشْرًا، وَأَخَّرُوهُ إِلَى أَخَفِّ مَا يَكُونُ عَلَيْهِمْ فِيهِ الصَّوْمُ مِنَ (٣) الْأَزْمِنَةِ) (٤).\nفَكَانَ الْحَسَنُ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: (عمل قليل في سنة خير من كَثِيرٍ (٥) فِي بِدْعَةٍ) (٦).\nوَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ (٧): (لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْأَهْوَاءِ وَلَا تُجَادِلُوهُمْ، فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَغْمِسُوكُمْ فِي ضَلَالَتِهِمْ، وَيُلَبِّسُوا عَلَيْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ) (٨).\nقَالَ أَيُّوبُ (٩): (وَكَانَ - وَاللَّهِ - من الفقهاء ذوي (١٠) الألباب) (١١).\n_________\n(١) سورة البقرة: آية (١٨٣).\n(٢) في (م) و(خ) و(غ) و(ر): \"قبلكم\".\n(٣) في جميع النسخ (في)، والمثبت من (ر) و(ط).\n(٤) خبر صيام النصارى وتبديلهم له روي عن كثير من السلف، منهم ابن عباس وغيره. انظر الدر المنثور للسيوطي (١/ ٤٢٨ - ٤٣٠).\n(٥) في (ط): \"من عمل كثير\".\n(٦) تقدم تخريجه مرفوعًا (ص١٤٠).\n(٧) تقدمت ترجمته (ص١١٠).\n(٨) رواه الإمام الدارمي في المقدمة من سننه، باب اجتناب أهل الأهواء (١/ ١٢٠)، والإمام الآجري في الشريعة (ص٥٦)، والإمام البيهقي في الاعتقاد والهداية (ص١٥٨)، والإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٣٤)، والإمام ابن سعد في الطبقات (٧/ ١٨٤)، والإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٥٥) والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (٢/ ٤٣٥، ٤٣٧)، وذكره البغوي في شرح السنة (١/ ٢٢٧)، وعبد الله بن أحمد في السنة (١/ ١٣٧).\n(٩) في (ت): \"أبو أيوب\"، وهو أيوب بن أبي تميمة، كيسان السختياني، ثقة، ثبت، حجة، من كبار الفقهاء العباد، قال شعبة: ما رأيت مثله، كان سيد الفقهاء، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة.\nانظر: تقريب التهذيب (١/ ٨٩)، الكاشف (١/ ٩٢).\n(١٠) في (ت): \"ذوو\".\n(١١) روى هذا القول لأيوب الإمام ابن سعد في الطبقات، والإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، وذلك في نفس المواضع السابقة في تخريج قول أبي قلابة.","vol":"1","page":137},{"text":"وعنه (١) أيضًا أنه كان يقول: (وإن أَهْلَ الْأَهْوَاءِ أَهْلُ ضَلَالَةٍ، وَلَا أَرَى مَصِيرَهُمْ إِلَّا إِلَى النَّارِ) (٢).\nوَعَنِ الْحَسَنِ: \"لَا تُجَالِسْ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فَإِنَّهُ يُمْرِضُ قَلْبَكَ\" (٣).\nوَعَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: (مَا ازْدَادَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ اجْتِهَادًا إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا) (٤).\nوَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ: (مَا ابْتَدَعَ رَجُلٌ بِدْعَةً إِلَّا اسْتَحَلَّ السَّيْفَ) (٥).\nوَكَانَ أَيُّوبُ يُسَمِّي أَصْحَابَ الْبِدَعِ خَوَارِجَ، وَيَقُولُ: (إِنَّ الْخَوَارِجَ اخْتَلَفُوا فِي الِاسْمِ وَاجْتَمَعُوا عَلَى السَّيْفِ) (٦).\nوَخَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: (كَانَ رَجُلٌ فَقِيهٌ) يَقُولُ: (مَا أُحِبُّ أَنِّي هَدَيْتُ النَّاسَ كُلَّهُمْ، وَأَضْلَلْتُ رَجُلًا وَاحِدًا) (٧).\nوَخَرَّجَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ (٨): (لَا يَسْتَقِيمُ قَوْلٌ إِلَّا بِعَمَلٍ، وَلَا قَوْلٌ\n_________\n(١) أي: عن أبي قلابة أيضًا.\n(٢) رواه الإمام الدارمي في مقدمة سننه، باب اتباع السنة عن أبي قلابة بلفظ طويل شبَّه فيه أهل الأهواء بالمنافقين (١/ ٥٨)، ورواه ابن سعد في الطبقات كما رواه الدارمي (٧/ ١٨٤)، ورواه الآجري في الشريعة كما هو عند المؤلف (ص٦٤)، وذكره الإمام ابن بطة في الإبانة الصغرى (ص١٣٨).\n(٣) ورواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٥٤)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى بلفظ \"لا تجالسوا أهل الأهواء فإن مجالستهم ممرضة للقلوب، (٢/ ٤٣٨)، ورواه في نفس الموضع عن ابن عباس ﵁، وعن أبي عبد الله الملائي.\n(٤) رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٣٤)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٩)، وذكره ابن الجوزي عنه في صفة الصفوة (٣/ ٢٩٥).\n(٥) رواه عنه الإمام الدارمي في مقدمة سننه، باب اتباع السنة (١/ ٥٨)، والإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٣٤)، والإمام الآجري في الشريعة (ص٦٤)، والإمام ابن سعد في الطبقات (١/ ١٨٤)، والإمام أبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٨٧)، وذكره ابن بطة في الإبانة الصغرى (ص١٣٨).\n(٦) رواه عنه الإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٤٣)، والآجري في الشريعة (٥/ ٢٥٤٩).\n(٧) لم يتيسر تخرجيه لكون الكتاب مخطوطًا.\n(٨) في (غ): \"أنه قال كان يقال: لا يستقيم .. \".","vol":"1","page":138},{"text":"وَعَمَلٌ إِلَّا بِنِيَّةٍ، وَلَا قَوْلٌ وَلَا عَمَلٌ ولانية إِلَّا (١) مُوَافِقًا لِلسُّنَّةِ) (٢).\nوَذَكَرَ الْآجُرِّيُّ أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ (٣) كَانَ يَرَى أَسْرَعَ النَّاسِ رِدَّةً أَهْلَ الأهواء (٤).\nوعن إبراهيم (٥): «لَا تُجَالِسُوا أَصْحَابَ الْأَهْوَاءِ) (٦) وَلَا تُكَلِّمُوهُمْ، فَإِنِّي (٧) أَخَافُ أَنْ تَرْتَدَّ قُلُوبُكُمْ) (٨).\nوَعَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ (٩) قَالَ: (لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ صَاحِبِ بِدْعَةٍ صِيَامًا وَلَا صَلَاةً وَلَا حَجًّا وَلَا جِهَادًا وَلَا عُمْرَةً وَلَا صَدَقَةً (١٠) وَلَا عِتْقًا وَلَا صَرْفًا وَلَا عَدْلًا\" (١١)، زَادَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ: (وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَشْتَبِهُ فِيهِ\n_________\n(١) ساقطة من (م).\n(٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٣٢)، وروى نحوه الإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة عن الحسن بلفظ: \"لا يصح القول إلا بعمل ولا يصح قول وعمل إلا بنية ولا يصح قول وعمل ونية إلا بالسنة\" (١/ ٥٧)، وروى نحوه عن سعيد بن جبير في نفس الموضع. وروى أبو نعيم عن الأوزاعي قريبًا منه. انظر الحلية (٦/ ١٤٣).\n(٣) تقدمت ترجمته (ص١١١).\n(٤) تقدم تخريجه (ص١١١).\n(٥) في (ر): \"هشام بن إبراهيم\" وهو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي اليماني، الإمام الخافظ، فقيه العراق، روى عن كبار التابعين، وكان بصيرًا بعلم ابن مسعود ﵁. واسع الرواية، وكان مفتي أهل الكوفة هو والشعبي. توفي سنة ست وتسعين.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٢٠)، طبقات ابن سعد (٦/ ٢٧٠)، وفيات الأعيان (١/ ٢٥).\n(٦) ما بين المعكوفين ساقط من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(٧) في (ط): \"إني\".\n(٨) رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٥٦)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (٢/ ٤٣٩)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٢٢).\n(٩) هو هشام بن حسان الأزدي القردوسي، الإمام العالم الحافظ، محدث البصرة، احتج به أصحاب الصحاح، وله أوهام مغمورة في سعة ما روى. مات سنة ثمان وأربعين ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٦/ ٣٥٥)، تهذيب التهذيب (١١/ ٣٤)، الجرح والتعديل (٩/ ٥٤).\n(١٠) ساقطة من (ر).\n(١١) رواه عنه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٣٤)، والإمام الآجري في الشريعة عن هشام بن حسان عن الحسن وذكره (ص٦٤)، والإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة عن هشام عن الحسن (١/ ١٣٩).","vol":"1","page":139},{"text":"الْحَقُّ وَالْبَاطِلُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ لَمْ يَنْفَعْ فِيهِ دُعَاءٌ إِلَّا كَدُعَاءِ الغَرِق) (١).\nوَعَنْ يَحْيَى بن أبي كثير (٢): (إِذَا لَقِيتَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فِي طَرِيقٍ فَخُذْ فِي طَرِيقٍ آخَرَ) (٣).\nوَعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: (مَنْ جَالَسَ (٤) صَاحِبَ بِدْعَةٍ نُزِعَتْ (٥) مِنْهُ الْعِصْمَةُ، وَوُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ) (٦).\nوَعَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ (٧) أَنَّهُ كان يقول لابنه: (يا عيسى، أصلح الله (٨) قَلْبَكَ (٩)، وَأَقْلِلْ (١٠) مَالَكَ، وَكَانَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَأَنْ أرى عيسى في مجالس\n_________\n(١) لم يتيسر تخريج هذه الزيادة، لأن الكتاب لا زال مخطوطًا.\n(٢) هو يحيى بن أبي كثير، أبو نصر اليمامي، الطائي مولاهم، أحد الأعلام، ثقة ثبت، لكنه يرسل، وكان من العباد العلماء الأثبات. توفي سنة تسع وعشرين ومائة.\nانظر: الكاشف للذهبي (٣/ ٢٣٣)، تقريب (٢/ ٣٥٦).\n(٣) رواه عنه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٥٥)، والإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٣٧)، والإمام الآجري في الشريعة (ص٦٤)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (٢/ ٤٧٤). وهو مروي كذلك عن الفضيل بن عياض كما في الإبانة (٢/ ٤٧٥).\n(٤) في (غ) و(ر): \"جلس\".\n(٥) في (ط): \"فزعت\".\n(٦) رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها عن كثير أبو سعيد (ص٥٥)، ورواه الإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة عن محمد بن النضر الحارثي بلفظ \"من أصغى سمعه إلى صاحب بدعة وهو يعلم أنه صاحب بدعة نزعت منه العصمة\". (١/ ١٣٦)، ورواه الإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى عن محمد بن النضر بنحو لفظ اللالكائي (٢/ ٤٦٠)، وهو مروي عن سفيان الثوري في الإبانة أيضًا (٢/ ٤٦١).\n(٧) هو العوام بن حوشب بن يزيد الربعي الواسطي، إمام محدث، أسلم جده يزيد علي يد علي بن أبي طالب ﵁ فجعله على شرطته. ذكره أحمد فقال: ثقة ثقة. توفي سنة ثمان وأربعين ومائة. انظر: سير أعلام النبلاء (٦/ ٣٥٤)، تهذيب التهذيب (٨/ ١٦٣)، شذرات الذهب (١/ ٢٤٤).\n(٨) لفظ الجلالة غير موجود في (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(٩) في (غ): \"أصلح الله قلبك\".\n(١٠) في (م) و(خ): \"وأقل\".","vol":"1","page":140},{"text":"أَصْحَابِ الْبَرَابِطِ (١) وَالْأَشْرِبَةِ وَالْبَاطِلِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَرَاهُ يُجَالِسُ أَصْحَابَ الْخُصُومَاتِ) (٢).\nقَالَ ابْنُ وضاح: (يعنى أهل البدع) (٣).\nوقال رجال (٤) لأبي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ (٥): يَا أَبَا بَكْرٍ، مَنِ السني؟ (قال: (السني) (٦) الَّذِي إِذَا (٧) ذُكِرَتِ الْأَهْوَاءُ لَمْ يَغْضَبْ لِشَيْءٍ مِنْهَا) (٨).\nوَقَالَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ (٩): (إِنَّ الَّذِي تعرض (١٠) عليه السنة فيقبلها لغريب (١١)، وأغرب منه صاحبها) (١٢).\n_________\n(١) البَربَط: العود، أعجمي ليس من ملاهي العرب فأعربته حين سمعت به، وفي التهذيب: البربط من ملاهي العجم شبه بصدر البط، والصدر بالفارسية بر فقيل بر بط. انظر لسان العرب لابن منظور (٧/ ٢٥٨).\n(٢) رواه عنه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٥٦).\n(٣) ذكره ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٥٦).\n(٤) في (ت) و(غ): \"رجل\".\n(٥) هو أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي، شيخ مقرئ ومحدث وفقيه، قرأ القرآن وجوده ثلاث مرات على عاصم بن أبي النجود، ذكره أحمد فقال: ثقة، ربما غلط، صاحب قرآن وخير. مات سنة ثلاث وتسعين ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٩٥)، تاريخ البخاري الكبير (٩/ ١٤)، حلية الأولياء (٧/ ٣٠٣)، شذرات الذهب (١/ ٣٣٤).\n(٦) ما بين المعكوفين ساقط من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(٧) ساقطة من (م) و(خ).\n(٨) رواه الإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٦٥)، والآجري في الشريعة (٥/ ٢٢٥٠).\n(٩) هو يونس بن عبيد بن دينار العبدي، الإمام القدوة الحجة، كان من صغار التابعين وفضلائهم، رأى أنس بن مالك، وحدث عن الحسن وابن سيرين وغيرهم، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. مات سنة أربعين ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٦/ ٢٨٨)، طبقات ابن سعد (٧/ ٢٦٠)، الجرح والتعديل (٩/ ٢٤٢).\n(١٠) في (خ) و(ط): \"نعرض\".\n(١١) في (خ) و(ت) و(ط): \"الغريب\".\n(١٢) رواه عنه الإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة بثلاث ألفاظ متقاربة (١/ ٥٨)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢١)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ١٨٥)، والآجري في الشريعة (٥/ ٢٥٥٠).","vol":"1","page":141},{"text":"وعن يحيى بن أبي (١) (عمرو) (٢) (السيباني) (٣) قَالَ: (كَانَ يُقَالُ: يَأْبَى اللَّهُ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ بِتَوْبَةٍ، وَمَا انْتَقَلَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ إِلَّا إِلَى شَرٍّ مِنْهَا) (٤).\nوَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ (٥): (تَعَلَّمُوا الْإِسْلَامِ، فَإِذَا تَعَلَّمْتُمُوهُ فَلَا تَرْغَبُوا عَنْهُ، وَعَلَيْكُمْ بِالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ فَإِنَّهُ الْإِسْلَامُ، وَلَا تُحَرِّفُوا يَمِينًا وَلَا شِمَالًا، وَعَلَيْكُمْ بِسُّنَّةِ نَبِيِّكُمْ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ (٦) أَصْحَابُهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقْتُلُوا صَاحِبَهُمْ (٧)، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ يَفْعَلُوا الَّذِي فَعَلُوا. (قَدْ قَرَأْنَا الْقُرْآنَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقْتُلُوا صَاحِبَهُمْ، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ يَفْعَلُوا الَّذِي فَعَلُوا) (٨)، وَإِيَّاكُمْ وَهَذِهِ الْأَهْوَاءَ الَّتِي تُلْقِي بَيْنَ النَّاسِ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ)، فَحُدِّثَ الْحَسَنُ بِذَلِكَ فَقَالَ ﵀: صَدَقَ وَنَصَحَ. خَرَّجَهُ ابْنُ وَضَّاحٍ وَغَيْرُهُ (٩).\nوَكَانَ مَالِكٌ ﵁ كَثِيرًا مَا يُنْشِدُ:\nوَخَيْرُ أُمُورِ الدِّينِ مَا كان سنة\nوشر الأمور المحدثات البدائع (١٠)\n_________\n(١) ساقطة من (غ).\n(٢) في (م) و(خ) و(ت) و(ط) \"عمر\"، والصواب المثبت.\n(٣) في المخطوط والمطبوع \"الشيباني\"، والصحيح ما أثبته كما في توضيح المشتبه لابن ناصر الدين (٥/ ٢٤٥)، وهو يحيى بن أبي عمرو الشيباني، أبو زرعة الحمصي، ثقة، وروايته عن الصحابة مرسلة، عاش خمسًا وثمانين سنة، وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة.\nانظر: تقريب التهذيب (٢/ ٣٥٥)، الكاشف للذهبي (٣/ ٢٣٢)، تهذيب التهذيب (١١/ ٢٦٠)، تهذيب الكمال للمزي (٣١/ ٤٨٠).\n(٤) رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٦١)، وسيأتي الكلام عن توبة المبتدع وأنها ممكنة (ص٢٣٢).\nتقدمت ترجمته (ص٩٥).\n(٥) ساقطة من (ت).\n(٦) ذكر أبو نعيم في الحلية أن المراد به عثمان ﵁. (٢/ ٢١٨).\n(٧) ما بين المعكوفين ساقط من (غ) و(ر).\n(٨) رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٣٩)، والإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٥٦)، والإمام ابن نصر المروزي في السنة (ص١٣)، والإمام الآجري في الشريعة (ص١٣)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى بلفظ أخصر (١/ ٢٩٩، ٣٣٨)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢١٨).\n(٩) ذكره القاضي عياض ضمن ترجمة الإمام مالك. انظر ترتيب المدارك (١/ ١٦٩)، وابن عبد البر في الانتقاد (ص٧٤).","vol":"1","page":142},{"text":"وَعَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ (١) قَالَ: (أَهْلُ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ آفَةُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، إِنَّهُمْ يَذْكُرُونَ النَّبِيَّ ﷺ وَأَهْلَ بَيْتِهِ فَيَتَصَيَّدُونَ بِهَذَا الذِّكْرِ الْحَسَنِ الْجُهَّالِ (٢) مِنَ النَّاسِ، فَيَقْذِفُونَ بِهِمْ فِي الْمَهَالِكِ، فَمَا أَشْبَهَهُمْ بِمَنْ يَسْقِي الصَّبِر (٣) بِاسْمِ الْعَسَلِ، وَمَنْ يَسْقِي السُّمَّ الْقَاتِلَ بِاسْمِ التِّرْيَاقِ (٤)، فَأَبْصِرْهُمْ (٥)، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَكُنْ أَصْبَحْتَ فِي بَحْرِ الْمَاءِ فَقَدْ أَصْبَحْتَ فِي بَحْرِ الْأَهْوَاءِ الَّذِي هُوَ أَعْمَقُ غَوْرًا، وَأَشَدُّ اضْطِرَابًا، وَأَكْثَرُ صَوَاعِقَ، وَأَبْعَدُ مَذْهَبًا مِنَ الْبَحْرِ وَمَا فِيهِ، فَتِلْكَ (٦) مَطِيَّتُكَ الَّتِي تَقْطَعُ بِهَا سَفَرَ الضَّلَالِ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ) (٧).\nوَعَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ: (اعْلَمْ أَيْ أخي أن الموت اليوم (٨) كَرَامَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ عَلَى السُّنَّةِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، فَإِلَى اللَّهِ نَشْكُو وَحْشَتَنَا، وَذَهَابَ الْإِخْوَانِ، وَقِلَّةَ الْأَعْوَانِ، وَظُهُورَ الْبِدَعِ، وَإِلَى اللَّهِ نَشْكُو عَظِيمَ مَا حَلَّ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ ذَهَابِ الْعُلَمَاءِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ وَظُهُورِ الْبِدَعِ) (٩).\nوَكَانَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ (١٠) يَقُولُ: (اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي بِدِينِكَ، وَبِسُّنَّةِ نَبِيِّكَ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي الْحَقِّ، وَمِنِ اتِّبَاعِ الْهَوَى، وَمِنْ سُبُلِ الضَّلَالَةِ، ومن\n_________\nهو مقاتل بن حيان النبطي البلخي الخراز، إمام محدث، كان من العلماء العاملين، ذا نسك وفضل، وكان صاحب سنة. قال يحيى بن معين: ثقة. توفي في حدود الخمسين ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٦/ ٣٤٠)، تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٧٧)، تاريخ البخاري الكبير (٨/ ١٣).\n(١) في (ط): \"عند الجهال\".\n(٢) الصَّبر بكسر الباء الدواء المر. انظر الصحاح للجوهري (٢/ ٧٠٧).\n(٣) الترياق بكسر التاء دواء السموم (فارسي معرب)، والعرب تسمي الخمر ترياقا وترياقة. انظر الصحاح للجوهري (٤/ ١٤٥٣).\n(٤) في (ت): \"فأبصر بهم\".\n(٥) في (خ) و(ط): \"ففلك\".\n(٦) لم أجده في كثير من مراجع ترجمته.\n(٧) زيادة في (ت).\n(٨) رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها كما عند المؤلف (ص٤٦)، وبلفظ أطول (ص٨٨).\n(٩) هو إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي، أحد العباد الزهاد المشهورين، توفي في سجن الحجاج سنة اثنتين وتسعين، ولم يبلغ الأربعين.\nانظر: الكاشف للذهبي (١/ ٥٠)، الحلية لأبي نعيم (٤/ ٢١٠)، صفة الصفوة لابن الجوزي (٣/ ٩٠).","vol":"1","page":143},{"text":"شُبُهَاتِ الْأُمُورِ، وَمِنَ الزَّيْغِ وَالْخُصُومَاتِ) (١).\nوَعَنْ عُمَرَ بن عبد العزيز ﵀ أنه (٢) كَانَ يَكْتُبُ فِي كُتُبِهِ: (إِنِّي أُحَذِّرُكُمْ مَا مَالَتْ إِلَيْهِ الْأَهْوَاءُ وَالزِّيَغُ الْبَعِيدَةُ) (٣).\nوَلَمَّا بَايَعَهُ الناس صعد الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ نَبِيِّكُمْ نَبِيٌّ، وَلَا بَعْدَ كِتَابِكُمْ كِتَابٌ، وَلَا بَعْدَ سُنَّتِكُمْ سُّنَّةٌ وَلَا بَعْدَ أُمَّتِكُمْ أُمَّةٌ، أَلَا وَإِنَّ الْحَلَالَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ حَلَالٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَلَا وَإِنَّ الْحَرَامَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَلَا وَإِنِّي لَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ وَلَكِنِّي مُتَّبِعٌ، أَلَا وَإِنِّي لَسْتُ بِقَاضٍ وَلَكِنِّي مُنَفِّذٌ، أَلَا وَإِنِّي لَسْتُ بِخَازِنٍ وَلَكِنِّي أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ، أَلَا وَإِنِّي لَسْتُ بِخَيْرِكُمْ وَلَكِنِّي أَثْقَلُكُمْ حِمْلًا (٤)، أَلَا وَلَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ) (٥)، ثُمَّ نزل.\nوفيه قال عروة بن أذينة (٦) من (٧) قصيدة (٨) يَرْثِيهِ بِهَا:\nوَأَحْيَيْتَ فِي الْإِسْلَامِ عِلْمًا وَسُنَّةً\nولم تبتدع حكمًا من الحكم أضجما (٩)\n_________\n(١) رواه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢١١ - ٢١٢)، وذكره ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١١٧٩).\n(٢) ساقطة من (خ) و(ط).\n(٣) انظر: سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم (ص٧١).\n(٤) في (ت): \"حميلا\".\n(٥) روى هذه الخطبة عنه الإمام ابن سعد في الطبقات (٥/ ٣٤٠)، وابن عبد الحكم في سيرة عمر بن عبد العزيز (٤٠ - ٤١).\n(٦) هو عروة بن يحيى (ولقبه أذينة) بن مالك بن الحارث الليثي، شاعر غزل مقدم، من أهل المدينة، وهو معدود من الفقهاء والمحدثين أيضًا، ولكن الشعر أغلب عليه. توفي في حدود الثلاثين ومائة.\nانظر: ترجمته وشيئًا من شعره في الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني (١٨/ ٣٢٢)، فوات الوفيات (٢/ ٤٥١)، الأعلام (٤/ ٢٢٧).\n(٧) في (خ) و(ت) و(ط): \"عن\".\n(٨) المثبت من (ر)، وفي بقية النسخ: \"أذينة\".\n(٩) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"أضجعا\". والضجم: العوج. انظر: القاموس (١١٣١). قال الشيخ محمد رشيد رضا في تعليقه على الكتاب: \"كذا في الأصل، وهو غلط ظاهر، ولعل أصله أسحما: أي أسود حالك السواد، لأن هذا أقرب الكلم في الصورة من أضجعا، وموافق في المعنى لوصفهم البدعة بالسوداء، والسنة بالبيضاء والغراء\" (١/ ٨٧).","vol":"1","page":144},{"text":"فَفِي كُلِّ يَوْمٍ كُنْتَ تَهْدِمُ بِدْعَةً\nوَتَبْنِي لَنَا مِنْ سُنَّةٍ مَا تَهَدَّمَا (١)\nوَمِنْ كَلَامِهِ الَّذِي عُنِيَ بِهِ، وَيَحْفَظُهُ الْعُلَمَاءُ، وَكَانَ يُعْجِبُ مَالِكًا جِدًّا (٢)، وَهُوَ أَنْ قَالَ: (سنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَوُلَاةُ الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ سُنَنًا، الْأَخْذُ بِهَا تَصْدِيقٌ لِكِتَابِ اللَّهِ، وَاسْتِكْمَالٌ لِطَاعَةِ اللَّهِ وَقُوَّةٌ عَلَى دِينِ اللَّهِ، لَيْسَ لِأَحَدٍ تَغْيِيرُهَا، وَلَا تَبْدِيلُهَا، وَلَا النظر في شيء خالفها. مَنْ عَمِلَ بِهَا مُهْتَدٍ، وَمَنِ انْتَصَرَ بِهَا مَنْصُورٌ، وَمَنْ خَالَفَهَا اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَوَلَّاهُ اللَّهُ مَا تَوَلَّى، وَأَصْلَاهُ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (٣).\nوَبِحَقٍّ (٤) مَا كَانَ (٥) يُعْجِبُهُمْ، فَإِنَّهُ كَلَامٌ مُخْتَصَرٌ جَمَعَ أُصُولًا حَسَنَةً مِنَ السُّنَّةِ، مِنْهَا مَا نَحْنُ فِيهِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: (لَيْسَ لِأَحَدٍ تَغْيِيرُهَا، وَلَا تَبْدِيلُهَا، وَلَا النَّظَرُ فِي شَيْءٍ خَالَفَهَا) (٦)، قَطْعٌ لِمَادَّةِ الِابْتِدَاعِ جُمْلَةً.\nوَقَوْلُهُ: (مَنْ عَمِلَ بِهَا مُهْتَدٍ) إِلَى آخِرِ الْكَلَامِ، مَدْحٌ لِمُتَّبِعِ السُّنَّةِ، وَذَمٌّ لِمَنْ خَالَفَهَا (٧) بِالدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ ﷾: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا *﴾ (٨).\n_________\n(١) لم أجد هذه الأبيات في ديوانه، كما لم أجد هذه الأبيات فيما اطلعت عليه من تراجمه.\n(٢) قال القاضي عياض بعد ذكر قول عمر بن عبد العزيز: \"وكان مالك إذا حدث بهذا ارتج سرورًا\". انظر ترتيب المدارك (١/ ١٧٢).\n(٣) رواه الإمام الآجري في الشريعة عن مطرف بن عبد الله يقول: سمعت مالك بن أنس ﵁ إذا ذكر عنده الزائغون في الدين يقول: قال عمر بن عبد العزيز وذكره. انظر الشريعة (ص٤٨، ٦٥، ٣٠٧)، وأبو نعيم في الحلية ضمن ترجمة مالك (٦/ ٣٢٤)، وعبد الله بن أحمد في السنة (١/ ٣٥٧)، واللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٩٤). وابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٣٥٢). وذكره ابن كثير في البداية والنهاية من رواية الخطيب البغدادي (٩/ ٢٢٥)، وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء من قول مالك (٨/ ٩٨)، وعزاه إلى عمر بن عبد العزيز أيضًا ابن أبي زيد في الجامع (ص١١٧)، وابن رجب في جماع العلوم والحكم (ص٢٥٠) والقاضي عياض في ترتيب المدارك (١/ ١٧٢).\n(٤) في هامش (خ): \"ولحق\".\n(٥) في (ط): \"وكان\".\n(٦) في (ط): \"من خالفها\".\n(٧) بعد هذه الكلمة أعاد ناسخ (ت) بعض ما كان كتبه.\n(٨) سورة النساء: آية (١١٥).","vol":"1","page":145},{"text":"ومنها: أن (١) ماسنه وُلَاةُ الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ سُّنَّةَ، لَا بِدْعَةَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ، وَإِنْ (٢) لَمْ يُعْلَمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ نَصٌّ عَلَيْهِ عَلَى الْخُصُوصِ. فَقَدْ جَاءَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَذَلِكَ نَصُّ حَدِيثِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ﵁ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: (فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ (٣)، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ (٤)، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ) (٥).\nفَقَرَنَ ﵇ كَمَا تَرَى - سُنَّةَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بِسُنَّتِهِ.\nوَإِنَّ مِنِ اتِّبَاعِ سُنَّتِهِ اتِّبَاعَ سُنَّتِهِمُ، وَإِنَّ الْمُحْدَثَاتِ خِلَافُ ذَلِكَ لَيْسَتْ مِنْهَا فِي شَيْءٍ، لِأَنَّهُمْ ﵃ فِيمَا سَنُّوهُ، إِمَّا مُتَّبِعُونَ لِسُّنَّةِ نَبِيِّهِمْ ﵇ نَفْسِهَا، وَإِمَّا مُتَّبِعُونَ لِمَا فَهِمُوا من سنته في الجملة أو (٦) في (٧) التفصيل، عَلَى وَجْهٍ يَخْفَى عَلَى غَيْرِهِمْ مِثْلُهُ (٨)، لَا زَائِدَ عَلَى ذَلِكَ. وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ (٩) بِحَوْلِ اللَّهِ.\nعَلَى أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمَ (١٠) نَقَلَ عن يحيى بن آدم (١١) في (١٢) قول\n_________\n(١) ساقطة من (ط).\n(٢) ساقطة من (ت):\n(٣) في (ط): \"والمهتدين\" بالواو.\n(٤) الأشهر أنها أقصى الأسنان وتقدم (ص١١٩).\n(٥) تقدم تخريجه (ص١١٩).\n(٦) في (ط): \"و\" بدل \"أو\".\n(٧) ساقطة من (م) و(ط).\n(٨) ساقطة من (ت).\n(٩) ساقطة من (ت).\n(١٠) هو محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه الحاكم، الإمام الحافظ، شيخ المحدثين، ولد في نيسابور، وطلب الحديث، وسمع من نحو ألفي شيخ، وهو ثقة واسع العلم، بلغت تصانيفه، نحو خمس مئة جزء، وله كتاب المستدرك على الشيخين، وكان فيه تشيع قليل. توفي سنة خمس وأربعمائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٦٢)، البداية والنهاية (١١/ ٣٥٥)، شذرات الذهب (٣/ ١٧٦).\n(١١) هو يحيى بن آدم بن سليمان الأموي، مولاهم، الكوفي، أبو زكريا، أحد الأعلام، ثقة حافظ فاضل، روى عنه أحمد وإسحاق وغيرهم، توفي سنة ثلاث ومائتين.\nانظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٤٠٢)، الكاشف (٣/ ٢١٨)، سير أعلام النبلاء (٩/ ٥٢٢)، التقريب (٢/ ٣٤١).\n(١٢) ساقطة من (ط).","vol":"1","page":146},{"text":"السَّلَفِ الصَّالِحِ: (سُنَّةَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ (١) ﵄) أَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ: أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَاتَ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ السُّنَّةِ، وَأَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ مَعَ (قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ إلى) (٢) قول أحد (٣).\nوما قاله (٤) صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ، فَهُوَ مِمَّا يَحْتَمِلُهُ حَدِيثُ الْعِرْبَاضِ ﵁، فَلَا زَائِدَ إِذًا عَلَى مَا ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يُخَافُ أَنْ تَكُونَ مَنْسُوخَةً بِسُنَّةٍ أُخْرَى، فَافْتَقَرَ الْعُلَمَاءُ إِلَى النَّظَرِ فِي عَمَلِ الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ (٥)، لِيَعْلَمُوا أَنَّ ذَلِكَ هُوَ (٦) الَّذِي مَاتَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ نَاسِخٌ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ (٧) بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ (٨) مِنْ أَمْرِهِ.\nوَعَلَى هذا المعنى عوّل (٩) مالك بن أنس ﵁ فِي احْتِجَاجِهِ بِالْعَمَلِ، وَرُجُوعِهِ إِلَيْهِ عِنْدَ تَعَارُضِ السُّنَنِ (١٠).\nوَمِنَ الْأُصُولِ (١١) الْمُضَمَّنَةِ (١٢) فِي أَثَرِ عُمَرَ بن عبد العزيز أن سنة ولاة\n_________\n(١) ساقطة من (غ)\n(٢) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).\n(٣) انظر: معرفة علوم الحديث للحاكم (ص٨٤ - ٨٥)، والمدخل للبيهقي (٢٩)، والفقيه والمتفقه للخطيب (٢٢٢٨).\n(٤) في (خ) و(ط): \"قال\".\n(٥) وقع حرف العين من الكلمة في البياض في نسخة (ت).\n(٦) مطموسة في (ت).\n(٧) مطموسة في (ت).\n(٨) ساقطة من (غ).\n(٩) غير واضحة في (م)، وفي (خ)، و(ت): \"عن\".\n(١٠) يريد به عمل أهل المدينة، وهو من أصول الإمام مالك التي كان يعتمد عليها، وهو مقدم عنده على خبر الواحد، وذلك في القضايا التي طريقها النقل كمسألة الأذان، وترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ومسألة الصاع، وترك إخراج الزكاة من الخضروات، وغير ذلك من المسائل التي طريقها النقل، واتصل العمل بها في المدينة على وجه لا يخفى مثله، ونقل نقلًا يحج ويقطع العذر.\nانظر: إحكام الفصول في أحكام الأصول لأبي الوليد الباجي (ص٤٨٠ - ٤٨١)، وانظر المسألة في روضة الناظر لابن قدامة (١/ ٢٩٨ - ٣٠٠)، الإحكام في أصول الأحكام للآمدى (١/ ٣٠٢ - ٣٠٥).\n(١١) في (خ): \"الأحوال\".\n(١٢) في (ت): \"المتضمنة\".","vol":"1","page":147},{"text":"الْأَمْرِ (١) وَعَمَلَهُمْ تَفْسِيرٌ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ (٢) ﷺ لِقَوْلِهِ: \"الْأَخْذُ بِهَا تَصْدِيقٌ لِكِتَابِ اللَّهِ (٣)، وَاسْتِكْمَالٌ لِطَاعَةِ اللَّهِ، وَقُوَّةٌ عَلَى دِينِ اللَّهِ\". وَهُوَ أَصْلٌ مُقَرَّرٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ (٤).\nفَقَدْ جَمَعَ كَلَامُ عُمَرَ (٥) ﵀ أُصُولًا حَسَنَةً وَفَوَائِدَ مُهِمَّةً.\nوَمِمَّا يعزى لأبي العباس (٦) الإبياني (٧): (ثَلَاثٌ لَوْ كُتِبْنَ فِي ظُفُرٍ لَوَسِعَهُنَّ، وَفِيهِنَّ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: اتَّبِعْ لَا (٨) تَبْتَدِعْ، اتَّضِعْ لا ترتفع، من (٩) ورع لا يتسع) (١٠).\nوالآثار هنا كثيرة.\n_________\n(١) المراد بولاة الأمر الخلفاء الراشدون ﵃.\n(٢) في (ت): \"رسول الله\".\n(٣) في (غ): \"تصديق لكتاب الله وسنة رسول الله\" والزيادة لم تذكر في قوله آنفًا.\n(٤) وقد قرره المؤلف في كتابه الموافقات (٤/ ٧٤ - ٨٠).\n(٥) في (ط): \"عمر بن عبد العزيز\".\n(٦) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"إلياس\". والصواب المثبت\".\n(٧) في (ط): \"الألباني\"، والصواب المثبت\".\nوهو أبو العباس عبد الله بن أحمد بن إبراهيم التونسي الإبياني، كان عالم أفريقية، وحافظ مذهب مالك، ويميل إلى مذهب الشافعي، ثقة، مأمون، توفي سنة ٣٥٢هـ.\nانظر: الديباج المذهب لابن فرحون (١/ ٤٢٥)، ترتيب المدارك (٣/ ٣٤٧).\n(٨) في (ت): \"ولا\".\n(٩) في (ت): \"ومن\".\n(١٠) عزاه إليه الإمام القرافي في الفروق (٤/ ٢٠٥).","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>فصل</span>\nالْوَجْهُ الرَّابِعُ مِنَ النَّقْلِ مَا جَاءَ فِي ذَمِّ الْبِدَعِ وَأَهْلِهَا عَنِ الصُّوفِيَّةِ الْمَشْهُورِينَ عِنْدَ النَّاسِ (١).\nوَإِنَّمَا خَصَصْنَا هَذَا الْمَوْضِعَ بِالذِّكْرِ - وَإِنْ كَانَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَ النَّقْلِ كِفَايَةٌ - لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْجُهَّالِ يَعْتَقِدُونَ فِيهِمْ أَنَّهُمْ مُتَسَاهِلُونَ فِي الِاتِّبَاعِ، وَأَنَّ اخْتِرَاعَ الْعِبَادَاتِ، وَالْتِزَامَ مَا لَمْ يَأْتِ فِي الشَّرْعِ الْتِزَامُهُ، مِمَّا يَقُولُونَ بِهِ وَيَعْمَلُونَ عَلَيْهِ، وَحَاشَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَعْتَقِدُوهُ أَوْ يَقُولُوا بِهِ، فَأَوَّلُ شَيْءٍ بَنَوْا عَلَيْهِ طَرِيقَتَهُمْ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ وَاجْتِنَابُ مَا خَالَفَهَا، حَتَّى زَعَمَ مُذَكِّرُهُمْ، وَحَافِظُ مَأْخَذِهِمْ، وَعَمُودُ (٢) نِحْلَتِهِمْ، أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ (٣) أَنَّهُمْ إِنَّمَا اخْتُصُّوا بِاسْمِ التَّصَوُّفِ انْفِرَادًا بِهِ عَنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، فَذَكَرَ (أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ\n_________\n(١) يريد المؤلف بالصوفية هنا أوائلهم الذين اشتهروا بالعبادة والزهد كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم ونحوهم. وسيذكر المؤلف عما قريب فساد طريقة الصوفية المتأخرين، وبعدها عن شريعة نبينا ﷺ.\n(٢) في (غ): \"عميد\".\n(٣) هو أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة القشيري، الصوفي صاحب الرسالة، سمع الحديث، وتفقه، وتقدم في الأصول والفروع، وكان عديم النظير في السلوك والتذكير، وله كتاب الرسالة القشيرية في التصوف، وكتاب (نحو القلوب)، وكتاب الجواهر .. وغيرها. ولشيخ الإسلام ابن تيمية ملاحظات على رسالته، كما في الاستقامة لشيخ الإسلام ابن تيمية. وقد توفي ﵀ سنة خمس وستين وأربعمائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (١٨/ ٢٢٧)، البداية والنهاية لابن كثير (١٢/ ١٠٧)، شذرات الذهب لابن العماد (٣/ ٣١٩)، وفيات الأعيان (٣/ ٢٠٥).","vol":"1","page":149},{"text":"لَمْ يَتَّسِمْ (١) أَفَاضِلُهُمْ (٢) فِي عَصْرِهِمْ بَاسِمِ عَلَمٍ (٣) سوى الصحبة، إذ لافضيلة فَوْقَهَا، ثُمَّ سُمي (٤) مَنْ يَلِيهِمُ التَّابِعِينَ وَرَأَوْا هَذَا الِاسْمَ أَشْرَفَ الْأَسْمَاءِ، ثُمَّ قِيلَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ أَتْبَاعُ التَّابِعِينَ، ثُمَّ اخْتَلَفَ النَّاسُ وَتَبَايَنَتِ الْمَرَاتِبُ، فَقِيلَ لِخَوَاصِّ النَّاسِ مِمَّنْ لَهُ شِدَّةُ عناية بأمر الدِّينِ (٥): الزُّهَّادُ وَالْعُبَّادُ.\nقَالَ: ثُمَّ ظَهَرَتِ الْبِدَعُ، وَادَّعَى (٦) كُلُّ فَرِيقٍ أَنَّ فِيهِمْ زُهَّادًا وَعُبَّادًا، فانفرد خواص (٧) أهل السنة، المراعون أنفاسهم (٨) مَعَ اللَّهِ، الْحَافِظُونَ قُلُوبَهُمْ عَنِ الْغَفْلَةِ بِاسْمِ التَّصَوُّفِ (٩).\nهَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ، فَقَدْ عَدَّ هَذَا اللقب (١٠) لهم مَخْصُوصًا بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَمُبَايَنَةِ الْبِدْعَةِ. وَفِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا يَعْتَقِدُهُ الْجُهَّالُ وَمَنْ لَا عِبْرَةَ بِهِ مِنَ الْمُدَّعِينَ لِلْعِلْمِ.\nوَفِي غَرَضِي إِنْ فَسَحَ اللَّهُ فِي الْمُدَّةِ، وَأَعَانَنِي بِفَضْلِهِ، وَيَسَّرَ لِيَ الْأَسْبَابَ أَنْ أُلَخِّصَ في طريق الْقَوْمِ أُنْمُوذَجًا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى صِحَّتِهَا وَجَرَيَانِهَا\n_________\n(١) في (خ): \"يتهم\".\n(٢) في (ت): \"فاضلهم\".\n(٣) في (خ): \"عمهم\".\n(٤) في (ت): \"سموا\".\n(٥) في جميع النسخ \"من الدين\" عدا (غ) و(ر) والمثبت هو الصواب الموافق لما في الرسالة للقشيري.\n(٦) في (ت): \"فادعى\".\n(٧) ساقطة من (ت).\n(٨) في جميع النسخ \"أنفسهم\" عدا (غ) و(ر)، والمثبت هو الصواب الموافق لما في الرسالة للقشيري.\n(٩) انظر: قوله في الرسالة القشيرية (ص٩)، وكلامه هنا غير مسلم، فإن الصوفية ليسوا هم أهل السنة، دعك من قوله خواص أهل السنة، بل إن فيهم مبتدعة ضلال، خارجون عن السنة وأهلها، كابن عربي الضال، وهم مع ذلك فيهم من هو من أهل السنة، ومن أهل الفضل والعبادة، سيما المتقدمون من شيوخهم كالفضيل بن عياض وغيره، وما وقع لأئمة الصوفية من الفضل والصلاح، فإنما هو بسبب اتباع السنة، والتزام أحكام الشريعة، وتقوى الله، لا بسبب التصوف وسوف ينقل المؤلف عن جملة منهم الحث على اتباع السنة، والتزام الشريعة، ليستدل بذلك على من ضل منهم.\n(١٠) ساقطة من (ط).","vol":"1","page":150},{"text":"عَلَى الطَّرِيقَةِ الْمُثْلَى (١)، وَأَنَّهُ إِنَّمَا دَاخَلَتْهَا الْمَفَاسِدُ (٢)، وَتَطَرَّقَتْ إِلَيْهَا الْبِدَعُ مِنْ جِهَةِ قَوْمٍ تَأَخَّرَتْ أَزْمَانُهُمْ عَنْ عَهْدِ ذَلِكَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَادَّعَوُا الدُّخُولَ فِيهَا مِنْ غَيْرِ سُلُوكٍ شَرْعِيٍّ، وَلَا فَهْمٍ لِمَقَاصِدِ أَهْلِهَا، وَتَقَوَّلُوا عَلَيْهِمْ مَا لَمْ يَقُولُوا بِهِ، حَتَّى صَارَتْ فِي هَذَا الزَّمَانِ الْأَخِيرِ كَأَنَّهَا شَرِيعَةٌ أُخْرَى غَيْرَ مَا أَتَى بِهَا مُحَمَّدٌ ﷺ (٣).\nوَأَعْظَمُ (٤) ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَتَسَاهَلُونَ فِي اتِّبَاعِ السُّنَّةِ، وَيَرَوْنَ اخْتِرَاعَ الْعِبَادَاتِ طَرِيقًا لِلتَّعَبُّدِ صَحِيحًا. وَطَرِيقَةُ الْقَوْمِ بَرِيئَةٌ مِنْ هَذَا الْخِبَاطِ بِحَمْدِ اللَّهِ.\nفَقَدَ قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ (٥): (مَنْ جَلَسَ مَعَ صاحب بدعة لم يعط الحكمة) (٦).\nوقيل لإبراهيم بْنِ أَدْهَمَ (٧): إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٨) ونحن ندعوه منذ دهر فلا يستجب لَنَا! فَقَالَ: مَاتَتْ قُلُوبُكُمْ فِي عَشَرَةِ أَشْيَاءَ: أولها: عرفتم الله ولم (٩) تُؤَدُّوا حَقَّهُ. وَالثَّانِي: قَرَأْتُمْ كِتَابَ اللَّهِ وَلَمْ تَعْمَلُوا بِهِ. وَالثَّالِثُ: ادَّعَيْتُمْ حُبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَرَكْتُمْ سُنَّتَهُ. وَالرَّابِعُ:\n_________\n(١) ذكر المؤلف أيضًا أنه يريد التأليف في هذا الموضوع في نهاية الباب الثالث (ص٤٠١)، ولا أعلم أن المؤلف قد ألف كتابًا مستقلًا في هذا الموضوع.\n(٢) في (ر): \"دخلتها\".\n(٣) ساقطة من (غ).\n(٤) وهذا هو الحال حتى في زماننا والله المستعان.\n(٥) في (م) و(ط): \"وأعظم من ذلك\".\n(٦) تقدمت ترجمته (ص١٤٦).\n(٧) رواه الإمام ابن بطة عنه في الإبانة الكبرى (٢/ ٤٦٠)، وأبو نعيم في الحلية ضمن كلام طويل في النهي عن مخالطة أهل البدع (١٠/ ١٠٣)، وأبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية (ص١٠).\n(٨) هو إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر العجلي، وقيل التميمي، إمام زاهد، قدوة، نزل الشام، وحدث عن محمد بن زياد الجمحي صاحب أبي هريرة وابن عجلان، وحدث عنه سفيان الثوري وجماعة، وقد وثقه الدارقطني والنسائي، كان من أبناء الملوك والمياسير، فآثر الآخرة، وأقبل على الزهد والورع. توفي سنة اثنتين وستين ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (٧/ ٣٨٧)، طبقات الصوفية للسلمي (ص٢٧)، حلية الأولياء (٧/ ٣٦٧)، طبقات الشعراني (١/ ٨١)، الرسالة للقشيري (ص٩).\n(٩) سورة غافر: آية (٦٠).\n(١٠) في (ط): \"وهامش\" (خ): \"فلم\".","vol":"1","page":151},{"text":"ادَّعَيْتُمْ عَدَاوَةَ الشَّيْطَانِ وَوَافَقْتُمُوهُ. وَالْخَامِسُ: قُلْتُمْ نُحِبُّ الْجَنَّةَ وَمَا تَعْمَلُونَ لَهَا (١) إِلَى آخِرِ الْحِكَايَةِ.\nوقال ذو النون المصري (٢): (من علامات (٣) المحب (٤) لله مُتَابَعَةُ حَبِيبِ اللَّهِ ﷺ في أخلاقه وأفعاله وأوامره (٥) وسننه (٦» (٧).\nوَقَالَ: إِنَّمَا دَخَلَ الْفَسَادُ عَلَى الْخَلْقِ مِنْ سِتَّةِ أَشْيَاءَ: الْأَوَّلُ: ضَعْفُ النِّيَّةِ بِعَمَلِ الْآخِرَةِ. والثاني: صارت: أبدانهم رهينة (٨) لِشَهَوَاتِهِمْ. وَالثَّالِثُ غَلَبَهُمْ طُولُ الْأَمَلِ مَعَ قِصَرِ الأجل. والرابع: آثروا رضى (٩) المخلوقين على رضى اللَّهِ. وَالْخَامِسُ: اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ، وَنَبَذُوا سُنَّةَ نَبِيِّهِمْ ﷺ، وَالسَّادِسُ: جَعَلُوا زَلَّاتِ السَّلَفِ حُجَّةً لِأَنْفُسِهِمْ، وَدَفَنُوا أَكْثَرَ مَنَاقِبِهِمْ) (١٠).\nوَقَالَ لِرَجُلٍ أَوْصَاهُ: \"لِيَكُنْ آثَرَ الْأَشْيَاءِ عِنْدَكَ وَأَحَبَّهَا إِلَيْكَ إِحْكَامُ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَاتِّقَاءُ مانهاك عنه، فإن ما تعبدك (١١) اللَّهَ بِهِ خَيْرٌ لَكَ مِمَّا تَخْتَارُهُ لِنَفْسِكَ من أعمال البر التي لم (١٢) تَجِبُ عَلَيْكَ، وَأَنْتَ تَرَى أَنَّهَا أَبْلَغُ لَكَ فِيمَا تُرِيدُ، كَالَّذِي يُؤَدِّبُ نَفْسَهُ بِالْفَقْرِ وَالتَّقَلُّلِ وما أشبه ذلك، وإنما\n_________\n(١) رواه بتمامه أبو نعيم في الحلية (٨/ ١٥ - ١٦).\n(٢) هو ذو النون بن إبراهيم المصري، أبو الفيض، ويقال: ثوبان بن إبراهيم، وذو النون لقب. كان واعظًا زاهدًا، روى عن مالك والليث وطائفة، قال الدارقطني روى عن مالك أحاديث فيها نظر. توفي سنة خمس وأربعين ومائتين.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١١/ ٥٣٢)، طبقات الصوفية للسلمي (ص١٥)، الحلية لأبي نعيم (٩/ ٣٣١)، صفة الصفوة لابن الجوزي (٤/ ٣١٥)، الرسالة القشيرية لأبي القاسم القشيري (ص١٠).\n(٣) في (م) و(ط): \"علامة\".\n(٤) في (ط): \"حب الله\".\n(٥) في (ط): \"وأمره\".\n(٦) في (ط): \"وسنته\".\n(٧) رواه عنه أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية (ص٢١)، وأبو القاسم القشيري في الرسالة القشيرية (ص١١).\n(٨) غير واضحة في (م) و(خ) و(ت) و(ط) \"مهيئة\"، والمثبت ما في (غ): \"وهو الصواب\".\n(٩) كتبت في (ط) بالألف الممدودة هكذا \"رضاء\".\n(١٠) لم أجده.\n(١١) في (م): \"تعبد\".\n(١٢) ساقطة من (ط).","vol":"1","page":152},{"text":"لِلْعَبْدِ أَنْ يُرَاعِيَ أَبَدًا مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ فَرْضٍ يُحْكِمُهُ عَلَى تَمَامِ حُدُودِهِ، وَيَنْظُرُ إِلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ فَيَتَّقِيهِ عَلَى إِحْكَامِ مَا يَنْبَغِي، فَإِنَّ الَّذِي قَطَعَ الْعِبَادَ عَنْ رَبِّهِمْ، وَقَطَعَهُمْ عَنْ أَنْ يَذُوقُوا حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، وَأَنْ يَبْلُغُوا حَقَائِقَ الصِّدْقِ، وَحَجَبَ قُلُوبَهُمْ عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْآخِرَةِ، تَهَاوُنُهُمْ بِأَحْكَامِ مَا فُرِضَ عَلَيْهِمْ فِي قُلُوبِهِمْ وَأَسْمَاعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ وَبُطُونِهِمْ وَفُرُوجِهِمْ. وَلَوْ وَقَفُوا عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَأَحْكَمُوهَا لَأُدْخِلَ عَلَيْهِمُ الْبِرُّ إِدْخَالًا تَعْجَزُ أبدانهم وقلوبهم عن حمل ما ورثهم (١) اللَّهُ مِنْ حُسْنِ مَعُونَتِهِ، وَفَوَائِدِ كَرَامَتِهِ، وَلَكِنَّ أكثر القراء والنساك حقروا محقرات الذنوب، وتهاونوا بِالْقَلِيلِ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعُيُوبِ، فَحُرِمُوا لذة ثواب (٢) الصَّادِقِينَ فِي الْعَاجِلِ) (٣).\nوَقَالَ بِشْرٌ الْحَافِي (٤): (رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ فقال لي يابشر، تدري (٥) لم رفعك الله (٦) من (٧) بَيْنَ أَقْرَانِكَ؟) قُلْتُ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قال: (لا تباعك لسنتي (٨)، وَحُرْمَتِكَ (٩) لِلصَّالِحِينَ (١٠)، وَنَصِيحَتِكَ لِإِخْوَانِكَ، وَمَحَبَّتِكَ لِأَصْحَابِي وَأَهْلِ بيتي، هو الذي بلغك منازل الأبرار) (١١).\n_________\n(١) في (ط): \"رزقهم\".\n(٢) في (م) و(خ) و(ط) و(ع): \"ثواب لذة الصادقين\".\n(٣) لم أجده.\n(٤) هو بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء المروزي البغدادي، المشهور بالحافي ولد سنة ١٥٢هـ، وارتحل في العلم وأخذ عن مالك وشريك وحماد بن زيد، وكان رأسًا في الورع والإخلاص، مات ﵀ سنة ٢٢٧هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٦٩)، حلية الأولياء (٨/ ٣٣٦)، طبقات الصوفية (ص٣٩)، الرسالة القشيرية (ص١٤).\n(٥) هكذا في جميع النسخ عدا (ت) فإنها بالهمزة هكذا \"أتدري\"، وفي القشيرية \"تدري\" بدون همزة.\n(٦) لم يكتب لفظ الجلالة في (م) و(غ) وكتب في (خ) \"فوق السطر\".\n(٧) ساقطة من (ط).\n(٨) في (ط): \"سنتي\".\n(٩) في الرسالة القشيرية: \"وخدمتك\".\n(١٠) في (م) و(غ): \"الصالحين\".\n(١١) رواه عنه أبو القاسم القشيري في الرسالة القشيرية (ص١٤).","vol":"1","page":153},{"text":"وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ (١) الرَّازِيُّ (٢): (اخْتِلَافُ النَّاسِ كُلِّهِمْ يَرْجِعُ إِلَى ثَلَاثَةِ أُصُولٍ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا ضِدٌّ، فَمَنْ سَقَطَ عَنْهُ وَقَعَ فِي ضِدِّهِ: التَّوْحِيدُ وَضِدُّهُ الشِّرْكُ، وَالسُّنَّةُ وَضِدُّهَا الْبِدْعَةُ، والطاعة وضدها المعصية) (٣).\nوقال أبو بكر الزقاق (٤) وَكَانَ مِنْ أَقْرَانِ الْجُنَيْدِ: (كُنْتُ (٥) مَارًّا فِي (٦) تِيهِ (٧) بَنِي إِسْرَائِيلَ فَخَطَرَ بِبَالِي أَنَّ عِلْمَ الْحَقِيقَةِ مُبَايِنٌ لِعِلْمِ الشَّرِيعَةِ، فَهَتَفَ بِي هَاتِفٌ: كل حقيقة لاتتبعها الشَّرِيعَةُ فَهِيَ كُفْرٌ) (٨).\nوَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْزَجَانِيُّ (٩): (مِنْ عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ (١٠) عَلَى الْعَبْدِ تَيْسِيرُ الطَّاعَةِ عَلَيْهِ، وَمُوَافَقَةُ السُّنَّةِ فِي أَفْعَالِهِ، وَصُحْبَتُهُ لِأَهْلِ الصَّلَاحِ، وَحُسْنُ أَخْلَاقِهِ مَعَ الْإِخْوَانِ، وَبَذْلُ مَعْرُوفِهِ لِلْخَلْقِ، وَاهْتِمَامُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَمُرَاعَاتُهُ لأوقاته) (١١).\n_________\n(١) في (م): \"معاذ بن يحيى\" وهو خطأ.\n(٢) هو يحيى بن معاذ بن جعفر الرازي، الواعظ، له كلام جيد ومواعظ مشهورة، خرج إلى بلخ وأقام بها مدة، ثم رجع إلى نيسابور، ومات بها سنة ثمان وخمسين ومائتين.\nانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (١٣/ ١٥)، طبقات الصوفية للسلمي (ص١٠٧)، حلية الأولياء لأبي نعيم (١/ ٥١)، الرسالة القشيرية (ص٢١).\n(٣) لم أجده.\n(٤) في (ط): \"الدقاق\" وهو خطأ، وهو أبو بكر أحمد بن نصر الزقاق، كان من أقران الجنيد، ومن أكابر أهل مصر. انظر أقواله في الرسالة القشيرية (ص٢٧)، وذكره ابن الأثير في اللباب (١/ ٥٠٥).\n(٥) مطموسة في (ت).\n(٦) غير واضحة في (ت).\nهو الموضع الذي ضل فيه موسى ﵇ وبنو إسرائيل. أرض بين أيلة ومصر وبحر القلزم وجبال السراة من أرض الشام.\nانظر: معجم البلدان لياقوت الحموي (٢/ ٤٤٦)، مراصد الاطلاع للبغدادي (١/ ٢٨٨).\n(٧) الحلية لأبي نعيم (١٠/ ٣٤٤)، والرسالة للقشيري (٢١).\n(٨) هو أبو علي الحسن بن علي الجوزجاني، من كبار مشايخ خراسان، له التصانيف المشهورة. تكلم في علوم الآفاق والرياضات والمجاهدات، وربما تكلم أيضًا في شيء من علوم المعارف والحكم، صحب محمد بن علي الترمذي ومحمد بن الفضل وهو قريب السن منهم.\nانظر: طبقات الصوفية للسلمي (ص٢٤٦)، حلية الأولياء لأبي نعيم (١٠/ ٣٥٠).\n(٩) في (غ) و(ر): \"المساعدة\".\n(١٠) رواه عنه أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية (ص٢٤٧).","vol":"1","page":154},{"text":"وَسُئِلَ كَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى اللَّهِ؟ فَقَالَ: (الطُّرُقُ إِلَى اللَّهِ كَثِيرَةٌ (١)، وَأَوْضَحُ (٢) الطُّرُقِ، وَأَبْعَدُهَا عَنِ الشُّبَهِ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ قَوْلًا وَفِعْلًا وَعَزْمًا وَعَقْدًا وَنِيَّةً، لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (٣» فَقِيلَ لَهُ (٤): كَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى السُّنَّةِ؟ فَقَالَ: (مُجَانَبَةُ الْبِدَعِ، وَاتِّبَاعُ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ، وَالتَّبَاعُدُ عَنْ مَجَالِسِ الْكَلَامِ وَأَهْلِهِ، وَلُزُومُ طَرِيقَةِ الِاقْتِدَاءِ، وَبِذَلِكَ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (٥» (٦).\nوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ التِّرْمِذِيُّ (٧): (لَمْ يَجِدْ أَحَدٌ تَمَامَ الْهِمَّةِ بِأَوْصَافِهَا إِلَّا أَهْلُ الْمَحَبَّةِ، وَإِنَّمَا أخذوا في ذلك من اتباع (٨) السُّنَّةِ وَمُجَانَبَةِ الْبِدْعَةِ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كان أعلى الخلق (٩) همة، وأقربهم زلفى (١٠» (١١).\nوقال أبو الحسين (١٢) الْوَرَّاقُ (١٣): (لَا يَصِلُ الْعَبْدُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا بالله،\n_________\n(١) الطريق إلى الله واحد، وهو طريق رسول الله ﷺ وما كان عليه أصحابه ﵃، وقد سبق أن تكلم المؤلف عن هذا المعنى عند ذكره لقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. انظر (ص٨٣).\n(٢) في طبقات الصوفية: \"وأصح الطرق\".\n(٣) سورة النور: آية (٥٤).\n(٤) ساقطة من (م) و(غ) و(ر).\n(٥) سورة النحل: آية (١٢٣).\n(٦) طبقات الصوفية للسلمي (ص٢٤٧).\n(٧) هو محمد بن حامد بن محمد الترمذي، وكنيته أبو بكر، من أعيان مشايخ خراسان، وله أصحاب ينتمون إليه.\nانظر عنه طبقات الصوفية للسلمي (ص٢٨٠)، طبقات الشعراني (١/ ٨٦).\n(٨) في (ط): \"باتباع\"، وكذلك هي في هامش (خ).\n(٩) في (ط): \"أعلى الخلق كلهم\".\n(١٠) في (م) و(غ): \"زلفه\"، والمعنى واحد.\n(١١) انظر طبقات الصوفية للسلمي (ص٢٨٢).\n(١٢) في (ط): \"الحسن\".\n(١٣) كتب في هامش (خ) و(ت): \"الداراني\".\nوهو أبو الحسين محمد بن سعد الوراق النيسابوري، من كبار مشايخ نيسابور، ومن قدماء أصحاب أبي عثمان، وكان عالمًا بعلوم الظاهر، ويتكلم في دقائق علوم المعاملات وعيوب الأفعال، مات قبل العشرين وثلاثمائة.\nانظر: طبقات الصوفية للسلمي (ص٢٩٩)، طبقات الشعراني (١/ ٨٧).","vol":"1","page":155},{"text":"وَبِمُوَافَقَةِ حَبِيبِهِ ﷺ فِي شَرَائِعِهِ وَمَنْ جَعَلَ الطَّرِيقَ إِلَى الْوُصُولِ فِي غير الاقتداء يضل من حيث يظن (١) أنه مهتدي (٢» (٣).\nوَقَالَ: \"الصِّدْقُ اسْتِقَامَةُ الطَّرِيقِ فِي الدِّينِ، وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ فِي الشَّرْعِ\" (٤).\nوَقَالَ: (عَلَامَةُ مَحَبَّةِ اللَّهِ مُتَابَعَةُ حَبِيبِهِ ﷺ) (٥).\nوَمِثْلُهُ عن إبراهيم القصار (٦) قَالَ: (عَلَامَةُ مَحَبَّةِ اللَّهِ إِيثَارُ طَاعَتِهِ، وَمُتَابَعَةُ نبيه) (٧).\nوقال أبو (على) (٨) مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ (٩) الثَّقَفِيُّ (١٠): (لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ إِلَّا مَا كَانَ صَوَابًا، وَمِنْ صَوَابِهَا إِلَّا مَا كَانَ خَالِصًا، وَمِنْ خالصها إلا ما وافق السنة\" (١١).\n_________\n(١) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(٢) في (ط): \"مهتد\" بدون الياء، وكذلك اللفظ في طبقات الصوفية.\n(٣) انظر طبقات الصوفية (ص٢٩٩)، وعبارة المؤلف مختصرة.\n(٤) انظر طبقات الصوفية للسلمي (ص٣٠٠).\n(٥) نفس الموضع السابق.\n(٦) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"القمار\"، والصواب المثبت، وهو إبراهيم بن داود الرقي، أبو إسحاق، من أقران الجنيد وابن الجلاء إلا أنه عمر. توفي سنة ست وعشرين وثلاثمائة.\nانظر: طبقات الصوفية للسلمي (ص٣١٩)، الحلية لأبي نعيم (١٠/ ٣٥٤)، صفة الصفوة لابن الجوزي (٤/ ١٩٧).\n(٧) ذكره عنه أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية (ص٣٢١).\n(٨) ساقطة من جميع النسخ، وأثبتها من مصادر ترجمته.\n(٩) في (ت): \"عبد الله\".\n(١٠) هو أبو علي محمد بن عبد الوهاب الثقفي. لقي أبا حفص وحمدون القصار، كان إمامًا في أكثر علوم الشرع. عطل أكثر علومه واشتغل بعلم الصوفية، وكان أحسن المشايخ كلامًا في عيوب النفس وآفات الأعمال. مات سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة.\nانظر: طبقات الصوفية (ص٣٦١)، الرسالة القشيرية (ص٣٤)، طبقات الشعراني (١/ ٩١ - ٩٢).\n(١١) روى هذا القول عنه أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية (ص٣٦٣)، والعمل الصواب هو ما وافق السنة، فلا حاجة للعبارة الأخيرة.","vol":"1","page":156},{"text":"وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ شَيْبَانَ الْقِرْمِيسِينِيُّ (١) صَحِبَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْمَغْرِبِيَّ (٢) وَإِبْرَاهِيمَ الْخَوَاصَّ (٣)، وَكَانَ شَدِيدًا عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ، مُتَمَسِّكًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لَازِمًا لِطَرِيقِ الْمَشَايِخِ وَالْأَئِمَّةِ، حَتَّى قَالَ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنَازِلٍ (٤): \"إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَيْبَانَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَأَهْلِ الْآدَابِ وَالْمُعَامَلَاتِ) (٥).\nوَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَعْدَانَ (٦)، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْجُنَيْدِ (٧) وغيره:\n_________\n(١) في (م) و(خ): \"القرمسيني\" بدون الياء الأولى. قال عنه أبو عبد الرحمن السلمي: وهو أبو إسحاق القرميسيني ... له مقامات في الورع والتقوى يعجز عنها الخلق إلا مثله. ثم ذكر ما ذكره المؤلف عنه.\nانظر: طبقات الصوفية للسلمي (ص٤٠٢)، حلية الأولياء لأبي نعيم (١٠/ ٣٦١)، الرسالة القشيرية لأبي القاسم القشيري (ص٣٦)، السير (١٥/ ٣٩٢).\n(٢) هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل المغربي، كان أستاذ إبراهيم الخواص وإبراهيم ابن شيبان، عاش كما قيل مائة وعشرين سنة، ومات على جبل طور سيناء سنة تسع وسبعين ومائتين وقيل تسع وتسعين.\nانظر: طبقات الصوفية للسلمي (ص٢٤٢)، حلية الأولياء لأبي نعيم (١٠/ ٣٣٥)، البداية والنهاية لابن كثير (١١/ ١٢٥)، صفة الصفوة لابن الجوزي (٤/ ٣٣٦)، القشيرية (ص٣٠).\n(٣) هو أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الخواص، أصله من سر من رأى، لكنه أقام بالري، كان من أقران الجنيد والنوري، له في السياحات والرياضات مقامات يطول شرحها. مات في جامع الري سنة إحدى وتسعين ومائتين.\nانظر: طبقات الصوفية للسلمي (ص٢٨٤)، حلية الأولياء (١٠/ ٣٢٥)، صفة الصفوة لابن الجوزي (٤/ ٩٨)، الرسالة القشيرية (ص٣١).\n(٤) هو عبد الله بن محمد بن منازل، من أجل مشايخ نيسابور، صحب حمدون القصار وأخذ عنه طريقته، كتب الحديث الكثير ورواه. مات بنيسابور سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.\nانظر: طبقات الصوفية للسلمي (ص٣٦٦)، الرسالة القشيرية (ص٣٤)، طبقات الشعراني (١/ ٩٢).\n(٥) هذا النص نقله المؤلف عن طبقات الصوفية لأبي عبد الرحمن السلمي (ص٤٠٢)، وذكره الإمام الذهبي في السير (١٥/ ٣٩٢).\n(٦) هو أبو بكر أحمد بن محمد بن أبي سعدان، بغدادي من أصحاب الجنيد والنوري وهو أعلم مشايخ الوقت بعلوم هذه الطائفة. وكان عالمًا بعلوم الشرع مقدمًا فيه. ينتحل مذهب الشافعي، وكان ذا لسان وبيان.\nانظر ترجمته في: طبقات الصوفية للسلمي (ص٤٢٠)، حلية الأولياء لأبي نعيم (١٠/ ٣٧٧)، طبقات الشعراني (١/ ١٠٠).\n(٧) هو أبو القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد النهاوندي. شيخ الصوفية. ولد سنة نيف=","vol":"1","page":157},{"text":"(الِاعْتِصَامُ بِاللَّهِ هُوَ الِامْتِنَاعُ مِنَ الْغَفْلَةِ وَالْمَعَاصِي وَالْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ) (١).\nوَقَالَ أَبُو عُمَرَ الزَّجَّاجِيُّ (٢) وَهُوَ من أصحاب الجنيد و(النوري) (٣) وَغَيْرِهِمَا: (كَانَ النَّاسُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَتَّبِعُونَ مَا تَسْتَحْسِنُهُ عُقُولُهُمْ وَطَبَائِعُهُمْ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَدَّهُمْ إِلَى الشَّرِيعَةِ وَالِاتِّبَاعِ، فَالْعَقْلُ الصَّحِيحُ الَّذِي يَسْتَحْسِنُ مَا يَسْتَحْسِنُهُ الشَّرْعُ، وَيَسْتَقْبِحُ ما يستقبحه) (٤).\nوقيل لإسماعيل بن (نجيد) (٥) السُّلَمِيِّ (٦) جَدِّ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ (٧) - وَلَقِيَ الْجُنَيْدَ وَغَيْرَهُ ـ: مَا الَّذِي لَا بُدَّ لِلْعَبْدِ منه؟ فقال: (ملازمة\n_________\n=وعشرين ومائتين، وتفقه على أبي ثور، وسمع من السري السقطي وصحبه وصحب أيضًا الحارث المحاسبي، وأتقن العلم، ثم أقبل على شأنه، وتأله وتعبد ونطق بالحكمة، وقلما روى. توفي سنة سبع وتسعين ومائتين.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٤/ ٦٦)، حلية الأولياء (١٠/ ٢٥٥)، طبقات الصوفية (ص١٥٥)، صفة الصفوة (٢/ ٤١٦)، الرسالة القشيرية (ص٢٤).\n(١) انظر طبقات الصوفية للسلمي (ص٤٢٢).\n(٢) هو أبو عمرو محمد بن إبراهيم بن يوسف بن محمد الزجاجي، نيسابوري الأصل صحب أبا عثمان والجنيد والنوري، دخل مكة وأقام بها وصار شيخها، والمنظور إليه فيها، حج قريبًا من ستين حجة. توفي بمكة سنة ثمان وأربعين ومائة.\nانظر: طبقات الصوفية للسلمي (ص٤٣١)، حلية الأولياء لأبي نعيم (١٠/ ٣٧٦)، الرسالة القشيرية (ص٣٦).\n(٣) في (خ) و(ت) و(م) و(ط): \"الثوري\"، والصواب المثبت كما في طبقات الصوفية للسلمي (ص٤٣١). وستأتي ترجمته (ص١٧٨).\n(٤) انظره في طبقات الصوفية للسلمي (ص٤٣٣)، والحلية لأبي نعيم (١٠/ ٣٧٦).\n(٥) في جميع النسخ \"محمد\"، والصواب المثبت كما في مصادر ترجمته.\n(٦) هو أبو عمرو إسماعيل بن نجيد بن أحمد بن يوسف السلمي، الصوفي، كبير الطائفة، ومسند خراسان، سمع أبا مسلم الكجي وعبد الله بن أحمد بن حنبل وجماعة، وحدث عنه سبطه أبو عبد الرحمن السلمي وأبو عبد الله الحاكم، توفي سنة خمس وستين وثلاثمائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (١٦/ ١٤٦)، طبقات الصوفية (ص٤٥٤)، الرسالة للقشيري (ص٣٧).\n(٧) هو محمد بن الحسين بن محمد بن موسى السلمي، أبو عبد الرحمن الصوفي، إمام=","vol":"1","page":158},{"text":"العبودية على السنة، ودوام المراقبة) (١).\nوقال أبو عثمان المغربي (٢): \"التقوى (٣) هِيَ الْوُقُوفُ مَعَ الْحُدُودِ، لَا يُقَصِّرُ فِيهَا وَلَا يَتَعَدَّاهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (٤» (٥).\nوَقَالَ أَبُو يَزِيدَ الْبَسْطَامِيُّ (٦): (عَمِلْتُ فِي الْمُجَاهَدَةِ ثَلَاثِينَ سَنَةً، فَمَا وَجَدْتُ شَيْئًا أَشَدَّ مِنَ الْعِلْمِ وَمُتَابَعَتِهِ، وَلَوْلَا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ لَشَقِيتُ (٧)، وَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةٌ إِلَّا فِي تَجْرِيدِ التَّوْحِيدِ) (٨).\nوَمُتَابَعَةُ العلم هي متابعة السنة لا غيرها.\n_________\n=حافظ محدث، كان شيخ خراسان وكبير الصوفية، حدث أكثر من أربعين سنة قراءة وإملاء، وصنف سننًا وتفسيرًا، وله طبقات الصوفية، توفي سنة اثنتي عشرة وأربعمائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (١٧/ ٢٤٧)، البداية والنهاية لابن كثير (١٢/ ١٤) اللباب لابن الأثير (١/ ٥٤٤).\n(١) ذكره عنه أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية (ص٤٥٥).\n(٢) هو أبو عثمان سعيد بن سلام المغربي، من ناحية قيروان، أقام بالحرم مدة، وكان شيخه. وكان أوحد في طريقته وزهده، لم ير مثله في علو الحال، وصون الوقت، وصحة الحكم بالفراسة. ورد نيسابور ومات بها سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة.\nانظر: طبقات الصوفية للسلمي (ص٤٧٩)، الرسالة القشيرية (ص٣٨)، السير (١٦/ ٣٢٠).\n(٣) في (ط): \"التونسي\".\n(٤) سورة الطلاق: آية (١).\n(٥) انظره في طبقات الصوفية للسلمي (ص٤٨١)، والرسالة القشيرية (ص٣٩).\n(٦) هو أبو يزيد طيفور بن عيسى بن سروشان البسطامي، وكان جده سروشان مجوسيًا فأسلم، وهم ثلاثة إخوة: آدم وطيفور وعلي، وكلهم كانوا زهادًا عبادًا، أرباب أحوال، وهو من أهل بسطام، قال الذهبي: وجاء عنه أشياء مشكلة لا مساغ لها، الشأن في ثبوتها عنه، أو أنه قالها في حال الدهشة والسكر ..، مات سنة إحدى وستين ومائتين، وقيل أربع وثلاثين ومائتين.\nانظر: طبقات الصوفية (ص٦٧)، حلية الأولياء (١٠/ ٣٣)، صفة الصفوة (٤/ ١٠٧)، البداية والنهاية لابن كثير (١١/ ٣٨)، الرسالة القشيرية (ص١٧) والسير للذهبي (١٣/ ٨٨).\n(٧) في طبقات الصوفية: \"لبقيت\"، وكذلك في إحدى نسخ صفة الصفوة، وفي الحلية \"لتعبت\". وفي الرسالة القشيرية مثل الطبقات.\n(٨) عزاه إليه أبو عبد الرحمن السلمي في الطبقات (ص٧٠)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٣٦)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ١٠٧)، وأبو القاسم القشيري في رسالته (ص١٧ - ١٨).","vol":"1","page":159},{"text":"وروى عنه أنه قال: \"قم بنا حتى (١) نَنْظُرُ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي قَدْ شَهَّرَ نفسه بالولاية - وكان رَجُلًا مَقْصُودًا، مَشْهُورًا بِالزُّهْدِ - قَالَ الرَّاوِي: فَمَضَيْنَا، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ رَمَى بِبُصَاقِهِ تِجَاهَ الْقِبْلَةِ (٢)، فَانْصَرَفَ أَبُو يَزِيدَ وَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَقَالَ: (هَذَا غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَى أَدَبٍ مِنْ آدَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَيْفَ (٣) يَكُونُ مَأْمُونًا عَلَى مَا يَدَّعِيهِ؟) (٤).\nوَهَذَا أَصْلٌ أَصَّلَهُ أَبُو يَزِيدَ ﵀ لِلْقَوْمِ، وَهُوَ أَنَّ الْوِلَايَةَ لَا تَحْصُلُ لِتَارِكِ السُّنَّةِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ (٥) جَهْلًا مِنْهُ، فَمَا ظَنُّكَ بِهِ إِذَا كَانَ عَامِلًا بِالْبِدْعَةِ كفاحًا؟\nوقال: (لقد (٦) هَمَمْتُ أَنْ أَسْأَلَ اللَّهَ أَنْ يَكْفِيَنِي مُؤْنَةَ الْأَكْلِ وَمُؤْنَةَ النِّسَاءِ، ثُمَّ قُلْتُ: كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ أَسْأَلَ اللَّهَ هَذَا وَلَمْ يَسْأَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ فَلَمْ أَسْأَلْهُ. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ كَفَانِي مُؤْنَةَ النِّسَاءِ حَتَّى لَا أُبَالِي اسْتَقْبَلَتْنِي امْرَأَةٌ أَمْ حَائِطٌ) (٧).\nوَقَالَ: (لَوْ نَظَرْتُمْ إِلَى رَجُلٍ أُعْطِيَ مِنَ الْكَرَامَاتِ حَتَّى يَرْتَقِيَ فِي الْهَوَاءِ (٨) فَلَا تَغْتَرُّوا بِهِ حَتَّى تَنْظُرُوا كَيْفَ تَجِدُونَهُ عِنْدَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَحِفْظِ الْحُدُودِ، وَآدَابِ (٩) الشَّرِيعَةِ) (١٠).\nوَقَالَ سَهْلٌ التُّسْتُرِيُّ (١١): (كُلُّ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ الْعَبْدُ بِغَيْرِ اقْتِدَاءٍ - طاعة\n_________\n(١) ساقطة من (ت).\n(٢) في (ر): \"معهودًا\".\n(٣) وقد صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ النهي عن البصاق في المسجد كما في حديث أنس ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها\". رواه البخاري (١/ ٥١١)، ومسلم (٥/ ٤١).\n(٤) ساقطة من (ت).\n(٥) رواه عنه أبو القاسم القشيري في رسالته (ص١٨، ١٥٣).\n(٦) ساقطة من (ت).\n(٧) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).\n(٨) رواه عنه أبو القاسم القشيري في رسالته (ص١٨).\n(٩) في (م) و(خ): \"الهوى\".\n(١٠) في الرسالة القشيرية \"وأداء\".\n(١١) رواه عنه أبو نعيم في الحلية (١٠/ ٤٠)، وذكره الإمام ابن كثير في البداية والنهاية (١١/ ٣٨) ضمن ترجمته. ورواه عنه أبو القاسم القشيري في رسالته (ص١٨).\n(١٢) تقدمت ترجمته (ص٨٩).","vol":"1","page":160},{"text":"كَانَ أَوْ مَعْصِيَةً - فَهُوَ عَيْشُ النَّفْسِ - (يَعْنِي بِاتِّبَاعِ الْهَوَى) (١)، وَكُلُّ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ الْعَبْدُ بِالِاقْتِدَاءِ فَهُوَ عِتَابٌ (٢) عَلَى النَّفْسِ) (٣) - يَعْنِي لِأَنَّهُ لَا هَوَى لَهُ فِيهِ - وَاتِّبَاعُ الْهَوَى هُوَ الْمَذْمُومُ، وَمَقْصُودُ الْقَوْمِ تَرْكُهُ أَلْبَتَّةَ.\nوَقَالَ: (أُصُولُنَا سَبْعَةُ أَشْيَاءَ: التَّمَسُّكُ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَالِاقْتِدَاءُ بِسُنَّةِ رَسُولِ الله، وَأَكْلُ الْحَلَالِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَاجْتِنَابُ الْآثَامِ، وَالتَّوْبَةُ، وَأَدَاءُ الْحُقُوقِ) (٤).\nوَقَالَ: (قَدْ أَيِسَ (٥) الْخَلْقُ (٦) مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ (٧) الثَّلَاثِ: مُلَازَمَةُ التَّوْبَةِ، وَمُتَابَعَةُ السُّنَّةِ (وَتَرْكُ أَذَى الْخَلْقِ) (٨» (٩).\n(وَسُئِلَ عَنِ الفُتُوَّة (١٠) فَقَالَ: (اتِّبَاعُ السُّنَّةِ) (١١» (١٢).\nوَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ (١٣): (رُبَّمَا تَقَعُ فِي قَلْبِي النُّكْتَةُ مِنْ نُكَتِ (١٤) الْقَوْمِ أَيَّامًا، فَلَا أَقْبَلُ مِنْهُ (١٥) إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ: الكتاب والسنة) (١٦).\n_________\n(١) ما بين المعكوفين ليس في القشيرية. ولعله من كلام المؤلف.\n(٢) في الرسالة القشيرية \"عذاب\".\n(٣) رواه عنه أبو القاسم القشيري في رسالته (ص١٩).\n(٤) انظره في طبقات الصوفية للسلمي (ص٢١٠).\n(٥) في (ت): \"يئس\".\n(٦) في طبقات الصوفية \"العلماء والحكماء\".\n(٧) في (ت) و(غ): \"الخلال\".\n(٨) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).\n(٩) انظره في طبقات الصوفية للسلمي (ص٢١٠).\n(١٠) ذكر الإمام ابن القيم هذه المنزلة في مدارج السالكين وقال عنها: هي منزلة الإحسان إلى الناس، وكف الأذى عنهم، واحتمال أذاهم. انظر المدارج (٢/ ٣٥٣).\n(١١) الرسالة (١٠٤)، وعزاه إليه الإمام ابن القيم في مدارج السالكين (٢/ ٣٥٦).\n(١٢) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).\n(١٣) هو أبو سليمان عبد الرحمن بن عطية، ويقال عبد الرحمن بن أحمد بن عطية العنسي الداراني، زاهد العصر، ولد في حدود الأربعين ومائة، وروى عن سفيان الثوري وجماعة، وروى عنه أحمد بن أبي الحواري، توفي سنة خمس عشرة ومائتين.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ١٨٢)، طبقات الصوفية للسلمي (ص٧٥)، حلية الأولياء (٩/ ٢٥٤)، صفة الصفوة (٤/ ٢٢٣)، الرسالة القشيرية (ص١٩).\n(١٤) في (م) و(خ) و(ط): \"نكته\".\n(١٥) في (ت): \"منها\".\n(١٦) عزاه إليه أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية (ص٧٨)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٢٢٩)، والقشيري في الرسالة (ص١٩).","vol":"1","page":161},{"text":"وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ (١): (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا بِلَا اتِّبَاعِ سُنَّةٍ فَبَاطِلٌ عَمَلُهُ) (٢).\nوَقَالَ (٣) أَبُو حَفْصٍ الْحَدَّادُ (٤): (مَنْ لَمْ يَزِنْ أَفْعَالَهُ وَأَحْوَالَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَمْ يَتَّهِمْ خَوَاطِرَهُ فَلَا تَعُدَّهُ فِي دِيوَانِ الرِّجَالِ) (٥).\nوَسُئِلَ عَنْ الْبِدْعَةِ فَقَالَ: (التَّعَدِّي فِي الْأَحْكَامِ، وَالتَّهَاوُنُ فِي السُّنَنِ، وَاتِّبَاعُ الْآرَاءِ وَالْأَهْوَاءِ، وَتَرْكُ الِاتِّبَاعِ وَالِاقْتِدَاءِ) (٦).\nقَالَ: (وَمَا ظَهَرَتْ حَالَةٌ عَالِيَةٌ إلا من ملازمة أمر صحيح) (٧).\n_________\n(١) هو أحمد بن عبد الله بن ميمون الثعلبي الغطفاني، وأبو الحواري اسم ميمون. إمام، حافظ، قدوة، شيخ أهل الشام، سمع من سفيان بن عيينة وعبد الله بن إدريس وطائفة، وحدث عنه أبو زرعة الدمشقي، وأبو زرعة الرازي وأبو داود وغيرهم، قال عنه ابن معين: أهل الشام به يمطرون، وكان من بيت ورع وزهد. توفي سنة ثلاثين ومائتين.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ٨٥)، طبقات الصوفية للسلمي (ص٩٨)، حلية الأولياء (١٠/ ٥)، صفة الصفوة (٤/ ٢٣٧)، الرسالة القشيرية (ص٢١).\n(٢) عزاه إليه أبو عبد الرحمن السلمي في الطبقات (ص١٠١)، والذهبي في السير (١٢/ ٨٨)، وابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب (٢/ ١١٠)، وأبو القاسم القشيري في رسالته (ص٢٢).\n(٣) ساقطة من (م) و(خ) و(ط).\n(٤) ساقطة من (ت).\nوهو أبو حفص عمرو بن سلم، ويقال عمرو بن سلمة النيسابوري، تخرج به عامة الأعلام النيسابوريون، منهم أبو عثمان النيسابوري، وشاة الكرماني، وكان أحد الأئمة والسادة. توفي سنة سبع، وقيل أربع وستين ومائتين، وقيل غير ذلك.\nانظر: حلية الأولياء (١٠/ ٢٢٩)، طبقات الصوفية (ص١١٥)، صفة الصفوة (٤/ ١١٨)، الرسالة القشيرية (ص٢٢).\n(٥) انظره في حلية الأولياء (١٠/ ٢٣٠)، صفة الصفوة (٤/ ١٢٠)، الرسالة القشيرية (ص٢٢).\n(٦) رواه عنه أبو عبد الرحمن السلمي في الطبقات (ص١٢٢).\n(٧) رواه عنه أبو عبد الرحمن السلمي في الطبقات (ص١٢١)، وعزاه إليه ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ١٢٠).","vol":"1","page":162},{"text":"وَسُئِلَ حَمْدُونُ الْقَصَّارُ (١): مَتَى (٢) يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَلَى (٣) النَّاسِ؟ فَقَالَ (٤): (إِذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أداء فرض من فرائض الله في علمه، أَوْ خَافَ هَلَاكَ إِنْسَانٍ فِي بِدْعَةٍ يَرْجُو أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْهَا (٥» (٦).\nوَقَالَ: (مَنْ نَظَرَ فِي سِيَرِ السَّلَفِ عَرَفَ تَقْصِيرَهُ وَتَخَلُّفَهُ عَنْ دَرَجَاتِ الرِّجَالِ) (٧).\nوَهَذِهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِشَارَةٌ إِلَى الْمُثَابَرَةِ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ فَإِنَّهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ.\nوَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْجُنَيْدِ (٨) لِرَجُلٍ ذَكَرَ الْمَعْرِفَةَ وَقَالَ: أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ يَصِلُونَ إِلَى تَرْكِ الْحَرَكَاتِ مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ، فَقَالَ الْجُنَيْدِ: (إِنَّ هَذَا قَوْلُ قَوْمٍ تَكَلَّمُوا بإسقاط الأعمال، (والذي يسرق ويزني أحسن حالًا من الذي يقول هذا، وإن العارفين بالله أخذوا الْأَعْمَالِ) (٩) عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَيْهِ يَرْجِعُونَ فِيهَا). قَالَ: (وَلَوْ بَقِيتُ أَلْفَ عَامٍ لَمْ أَنْقُصْ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ ذَرَّةً، إِلَّا أَنْ يُحَالَ بي دونها) (١٠).\n_________\n(١) هو أبو صالح حمدون بن أحمد بن عمارة القصار النيسابوري، شيخ أهل الملامة بنيسابور. ومنه انتشر مذهب الملامة - وهو تخريب الظاهر، وعمارة الباطن، مع التزام الشريعة - وكان عالمًا فقيهًا يذهب مذهب الثوري. توفي سنة إحدى وسبعين ومائتين.\nانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (١٣/ ٥٠)، طبقات الصوفية للسلمي (ص١٢٣)، حلية الأولياء (١٠/ ٢٣١)، صفة الصفوة (٤/ ١٢٢)، الرسالة القشيرية (ص٢٤).\n(٢) بياض في (غ).\n(٣) في (ت): \"عن\"، وصححت في هامشها بما هو مثبت.\n(٤) في (ت): \"قال\".\n(٥) في طبقات الصوفية \"يرجو أن ينجيه الله تعالى منها بعلمه\".\n(٦) رواه عنه السلمي في الطبقات (ص١٢٥)، وأبو القاسم القشيري في رسالته (ص٢٤).\n(٧) انظر قوله في طبقات الصوفية (ص٢٧)، وكذلك هو في صفة الصفوة لابن الجوزي (٤/ ١٢٢)، والرسالة القشيرية (ص٢٤).\n(٨) تقدمت ترجمته (ص١٦٩).\n(٩) ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).\n(١٠) رواه عنه أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية (ص١٥٩)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٢٧٨)، وأبو القاسم القشيري في رسالته (ص٢٤)، وتتمته في الطبقات والحلية \"وإنه لأوكد في معرفتي، وأقوى في حالي\".","vol":"1","page":163},{"text":"وَقَالَ: (الطُّرُقُ كُلُّهُا مَسْدُودَةٌ عَلَى الْخَلْقِ (١) إِلَّا عَلَى مَنِ اقْتَفَى أَثَرَ الرَّسُولِ ﷺ) (٢).\nوَقَالَ: (مَذْهَبُنَا هَذَا مُقَيَّدٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) (٣).\nوَقَالَ: (مَنْ لَمْ يَحْفَظِ الْقُرْآنَ، وَيَكْتُبِ الْحَدِيثَ لَا يُقْتَدَى بِهِ فِي هَذَا الْأَمْرِ، لِأَنَّ (٤) عِلْمَنَا هَذَا مُقَيَّدٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) (٥). وَقَالَ: (علمنا (٦) هَذَا مُشَيَّدٌ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) (٧).\nوقال أبو عثمان (الحيري) (٨): (الصُّحْبَةُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى بِحُسْنِ الْأَدَبِ، وَدَوَامِ الْهَيْبَةِ وَالْمُرَاقَبَةِ، وَالصُّحْبَةُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ، وَلُزُومِ ظَاهِرِ الْعِلْمِ، وَالصُّحْبَةُ مَعَ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ بِالِاحْتِرَامِ وَالْخِدْمَةِ) (٩) إِلَى آخِرِ مَا قَالَ.\nوَلَمَّا تَغَيَّرَ عَلَيْهِ الْحَالُ (١٠) مَزَّقَ ابْنُهُ أَبُو بَكْرٍ قَمِيصًا عَلَى نَفْسِهِ، فَفَتَحَ أَبُو عُثْمَانُ عَيْنَيْهِ وَقَالَ: (خِلَافُ السُّنَّةِ يَا بُنَيَّ فِي الظَّاهِرِ (١١) عَلَامَةُ رِيَاءٍ في الباطن) (١٢).\n_________\n(١) ساقطة من (ت).\n(٢) رواه عنه أبو عبد الرحمن السلمي في الطبقات (ص١٥٩)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٢٥٧)، وأبو القاسم القشيري في رسالته (ص٢٤)، وتتمة قوله في الطبقات والحلية \"واتبع سنته، ولزم طريقته، فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه\".\n(٣) انظره في حلية الأولياء (١٠/ ٢٥٥)، والرسالة القشيرية (ص٢٥).\n(٤) في (م): \"لأنا\".\n(٥) ذكره القشيري في رسالته (ص٢٥)، وأبو نعيم في الحلية مختصرًا (١٠/ ٢٥٥).\n(٦) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(٧) انظر قوله في الرسالة القشيرية (ص٢٥).\n(٨) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"الجبري\".\nوهو أبو عثمان سعيد بن إسماعيل بن سعيد بن منصور الحيري النيسابوري، وأصله من الري، صحب يحيى بن معاذ الرازي وشاة الكرماني وأبا حفص. ومنه انتشرت طريقة التصوف بنيسابور. مات سنة ثمان وتسعين ومائتين.\nانظر ترجمته وأقواله في: طبقات الصوفية للسلمي (ص١٧٠)، حلية الأولياء (١٠/ ٢٤٤)، صفة الصفوة (٤/ ١٠٣)، الرسالة القشيرية (ص٢٥).\n(٩) انظر قوله في الحلية لأبي نعيم (١٠/ ٢٤٥)، وصفة الصفوة لابن الجوزي (٤/ ١٠٥)، والرسالة للقشيري (ص٢٦).\n(١٠) كتب في الحلية وصفة الصفوة عند هذا الموضع \"وقت وفاته\".\n(١١) غير واضحة في (ت).\n(١٢) انظر قوله في الحلية لأبي نعيم (١٠/ ٢٤٥)، صفة الصفوة (٤/ ١٠٦)، الرسالة القشيرية (ص٢٥).","vol":"1","page":164},{"text":"وَقَالَ: (مَنْ أمَّر السُّنَّةَ عَلَى نَفْسِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا (١) نَطَقَ بِالْحِكْمَةِ، وَمَنْ أمَّر الْهَوَى عَلَى نَفْسِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا (٢) نَطَقَ بِالْبِدْعَةِ. قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (٣» (٤).\nوقال أبو الحسين (٥) (النوري) (٦): (مَنْ رَأَيْتَهُ يَدَّعِي مَعَ اللَّهِ حَالَةً تُخْرِجُهُ عَنْ حَدِّ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ فَلَا تَقْرَبَنَّ مِنْهُ) (٧).\nوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْبَلْخِيُّ (٨): (ذَهَابُ الْإِسْلَامِ من أربعة: (أولها) (٩) لا يعملون بما يعلمون، (والثاني) يعملون بما لا يعلمون، (والثالث) لا يتعلمون ما لا يعلمون، (والرابع) يمنعون الناس من التعلم) (١٠).\n_________\n(١) (٢) في (ت): \"أو فعلا\".\n(٣) سورة النور: آية (٥٤).\n(٤) انظر قوله في الحلية لأبي نعيم (١٠/ ٢٤٤)، صفة الصفوة لابن الجوزي (٤/ ١٠٥)، رسالة القشيري (ص٢٦).\n(٥) في (غ): \"الحسن\".\n(٦) في جميع النسخ النووي، وهو خطأ والصحيح ما أثبته.\nوهو أحمد بن محمد الخراساني، يعرف بابن البغوي، وكان شيخ الطائفة بالعراق وأحذقهم بلطائف الحقائق. وله عبارات دقيقة يتعلق بها من انحرف من الصوفية. توفي سنة خمس وتسعين ومائتين.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٤/ ٧٠)، طبقات الصوفية (ص١٦٤)، حلية الأولياء (١٠/ ٢٤٩)، صفة الصفوة (٢/ ٤٣٩)، الرسالة القشيرية (ص٢٦).\n(٧) انظر قوله في حلية الأولياء لأبي نعيم (١٠/ ٢٥٢)، الرسالة القشيرية (ص٢٦).\n(٨) هو محمد بن الفضل بن العباس بن حفص البلخي، ساكن سمرقند، وأصله من بلخ، ولكنه أخرج منها بسبب المذهب، صحب أحمد بن خضرويه وغيره من المشايخ، وأسند الحديث عن قتيبة بن سعيد. مات سنة تسع عشرة وثلاثمائة.\nانظر: طبقات الصوفية للسلمي (ص٢١٢)، حلية الأولياء لأبي نعيم (١٠/ ٢٣٢)، صفة الصفوة لابن الجوزي (٤/ ١٦٥)، الرسالة القشيرية (ص٢٧).\n(٩) قوله \"أولها\" ساقط من جميع النسخ، وأثبته من طبقات الصوفية ومن الحلية. وكذلك قوله: \"والثاني، والثالث، والرابع\".\n(١٠) انظره في: طبقات الصوفية للسلمي (ص٢١٤)، الحلية لأبي نعيم (١٠/ ٢٣٣)، الرسالة للقشيري (ص٢٧).","vol":"1","page":165},{"text":"هَذَا مَا قَالَ، وَهُوَ وَصْفُ صُوفِيَّتِنَا الْيَوْمَ، عِيَاذًا بِاللَّهِ.\nوَقَالَ: (أَعْرَفُهُمْ بِاللَّهِ أَشَدُّهُمْ مُجَاهَدَةً فِي أَوَامِرِهِ، وَأَتْبَعُهُمْ لِسُّنَّةِ نَبِيِّهِ) (١).\nوَقَالَ شَاةُ الْكَرْمَانِيُّ (٢): (مَنْ غَضَّ بَصَرَهُ عَنِ الْمَحَارِمِ (٣)، وَأَمْسَكَ نَفْسَهُ عَنِ الشُّبُهَاتِ (٤)، وَعَمَّرَ بَاطِنَهُ بِدَوَامِ الْمُرَاقَبَةِ، وَظَاهِرَهُ بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ، وَعَوَّدَ نَفْسَهُ أَكْلَ الْحَلَالِ، لَمْ تُخْطِئْ (٥) لَهُ فِرَاسَةٌ) (٦).\nوَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخَرَّازُ (٧): (كُلُّ بَاطِنٍ يُخَالِفُهُ ظَاهِرٌ فَهُوَ بَاطِلٌ) (٨).\nوَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ عَطَاءٍ (٩) - وَهُوَ مِنْ أقران الجنيد ـ: (من ألزم\n_________\n(١) انظره في طبقات الصوفية للسلمي (ص٢١٤).\n(٢) هو أبو الفوارس شاه بن شجاع الكرماني، كان من أبناء الملوك فتزهد، صحب أبا تراب النخشبي وأبا عبيد البسري، وكان من أجلة الفتيان، وعلماء هذه الطبقة. وله رسالات مشهورة، والمثلثة التي سماها مرآة الحكماء. مات قبل الثلاثمائة.\nانظر ترجمته وأقواله في: طبقات الصوفية للسلمي (ص١٩٢)، حلية الأولياء لأبي نعيم (١٠/ ٢٣٧)، صفة الصفوة لابن الجوزي (٤/ ٦٧)، الرسالة للقشيري (ص٢٩).\n(٣) في (ت): \"الحرام\".\n(٤) في الحلية \"الشهوات\"، وكذلك في الرسالة القشيرية.\n(٥) في (خ): \"تخط\".\n(٦) انظر قوله في الحلية لأبي نعيم (١٠/ ٢٣٧)، صفة الصفوة لابن الجوزي (٤/ ٦٧)، الرسالة القشيرية (ص٢٩).\n(٧) هو أحمد بن عيسى الخراز، من أهل بغداد، صحب ذا النون المصري وبشر بن الحارث، والسري السقطي ونظراءهم، وهو من أئمة القوم وجلة مشايخهم. مات سنة تسع وسبعين ومائتين.\nانظر ترجمته وأقواله في: طبقات الصوفية للسلمي (ص٢٢٨)، صفة الصفوة لابن الجوزي (٢/ ٤٣٥)، حلية الأولياء (١٠/ ٢٤٦)، الرسالة القشيرية (ص٢٩).\n(٨) انظره في طبقات الصوفية للسلمي (ص٢٣١)، حلية الأولياء لأبي نعيم (١٠/ ٢٤٥) الرسالة القشيرية (ص٢٩).\n(٩) هو أبو العباس أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء الأدمي، كان من مشايخ الصوفية وعلمائهم، له لسان في فهم القرآن. صحب إبراهيم المارستاني والجنيد ومن فوقهما من المشايخ. وامتحن بسبب الحلاج. توفي سنة تسع وثلاثمائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (١٤/ ٢٥٥)، طبقات الصوفية للسلمي (ص٢٦٥)،=","vol":"1","page":166},{"text":"نفسه آداب السنة (١) نوَّر اللَّهُ قَلْبَهُ بِنُورِ الْمَعْرِفَةِ، وَلَا مَقَامَ أَشْرَفَ مِنْ مَقَامِ مُتَابَعَةِ الْحَبِيبِ ﷺ فِي أَوَامِرِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَخْلَاقِهِ) (٢).\nوَقَالَ أَيْضًا: (أَعْظَمُ الْغَفْلَةِ غَفْلَةُ الْعَبْدِ عَنْ رَبِّهِ ﷿، وَغَفْلَتُهُ عَنْ أَوَامِرِهِ (٣)، وَغَفْلَتُهُ عَنْ آدَابِ مُعَامَلَتِهِ) (٤).\nوَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْخَوَّاصُ (٥): (لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ، وَإِنَّمَا الْعَالِمُ مَنِ اتَّبَعَ الْعِلْمَ، وَاسْتَعْمَلَهُ، وَاقْتَدَى بِالسُّنَنِ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلَ الْعِلْمِ) (٦).\nوَسُئِلَ عَنِ الْعَافِيَةِ فَقَالَ: (الْعَافِيَةُ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: دِينٌ بِلَا بِدْعَةٍ، وَعَمَلٌ بِلَا آفَةٍ، وَقَلْبٌ بِلَا شُغْلٍ وَنَفْسٌ بِلَا شَهْوَةٍ) (٧).\nوَقَالَ: (الصَّبْرُ: الثَّبَاتُ عَلَى أَحْكَامِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) (٨).\nوَقَالَ: بُنَانٌ الْحَمَّالُ (٩) - وَسُئِلَ عَنْ أَصْلِ (١٠) أَحْوَالِ الصُّوفِيَّةِ فَقَالَ ـ: (الثِّقَةُ بِالْمَضْمُونِ، وَالْقِيَامُ بِالْأَوَامِرِ، وَمُرَاعَاةُ السِّرِّ، وَالتَّخَلِّي من الكونين) (١١).\n_________\n=حلية الأولياء لأبي نعيم (١٠/ ٣٠٢)، صفة الصفوة لابن الجوزي (٢/ ٤٤٤)، القشيرية (ص٣٠).\n(١) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"الله\".\n(٢) انظر هذا القول له في طبقات الصوفية، وله تتمة (ص٢٦٨)، وحلية الأولياء (١٠/ ٣٠٢)، وصفة الصفوة (٢/ ٤٤٥)، والرسالة القشيرية (ص٣١).\n(٣) في الرسالة القشيرية \"أوامره ونواهيه\".\n(٤) انظر قوله في طبقات الصوفية للسلمي (ص٢٧١)، الرسالة القشيرية (ص٣١).\n(٥) تقدمت ترجمته (ص١٦٩).\n(٦) رواه عنه أبو عبد الرحمن السلمي في الطبقات (ص٢٨٥)، وأبو القاسم القشيري في رسالته (ص٣١)، وذكره الشعراني في الطبقات الكبرى (١/ ٨٣).\n(٧) الرسالة (ص٢٤).\n(٨) الرسالة (ص٨٥).\n(٩) هو أبو الحسن بنان بن محمد بن حمدان بن سعيد الواسطي، نزيل مصر، ومن يضرب بعبادته المثل، صحب الجنيد وغيره، وكان كبير القدر، لا يقبل من الدولة شيئًا، وله جلالة عجيبة عند الخاص والعام، وقد امتحن في ذات الله فصبر. توفي سنة ست عشرة وثلاثمائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (١٤/ ٤٨٨)، طبقات الصوفية للسلمي (ص٢٩١)، حلية الأولياء (١٠/ ٣٢٤)، صفة الصفوة (٢/ ٤٤٨)، القشيرية (ص٣١).\n(١٠) في طبقات الصوفية \"أجل\"، وكذلك في الرسالة القشيرية.\n(١١) انظر قوله في طبقات الصوفية (ص٢٩٣ - ٢٩٤)، الرسالة القشيرية (ص٣١).","vol":"1","page":167},{"text":"وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ الْبَغْدَادِيُّ (١): (مَنْ عَلِمَ طَرِيقَ الْحَقِّ سَهُلَ عَلَيْهِ سُلُوكُهُ وَلَا دَلِيلَ عَلَى الطَّرِيقِ إِلَى اللَّهِ إِلَّا مُتَابَعَةُ سُنَّةِ (٢) الرَّسُولِ ﷺ فِي أَحْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وأقواله) (٣).\nوقال أبو إسحاق الرقى (٤): (عَلَامَةُ مَحَبَّةِ اللَّهِ إِيثَارُ طَاعَتِهِ وَمُتَابَعَةُ (٥) نَبِيِّهِ) (٦). انتهى.\nوَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٧) الآية.\nوَقَالَ مَمْشَادُ الدِّينَوَرِيُّ (٨): (آدَابُ الْمُرِيدِ فِي الْتِزَامِ حرمات المشايخ، وخدمة (٩) الْإِخْوَانِ، وَالْخُرُوجِ عَنِ الْأَسْبَابِ، وَحِفْظِ آدَابِ الشَّرْعِ على نفسه) (١٠).\n_________\n(١) هو أبو حمزة محمد بن إبراهيم البغدادي البزاز، صحب السري السقطي وبشرا الحافي، وكان عالمًا بالقراءات. توفي سنة تسع وثمانين ومائتين.\nانظر: طبقات الصوفية (ص٢٩٥)، الرسالة القشيرية (ص٣٢).\n(٢) ساقطة من (غ).\n(٣) رواه عنه أبو القاسم القشيري في رسالته (ص٣٢)، وأبو عبد الرحمن السلمي في الطبقات بلفظ أطول مما هنا (ص٢٩٨).\n(٤) في (خ) و(ط): \"الرقاشي\" وهو خطأ.\nوهو أبو إسحاق إبراهيم بن داود الرقي. من كبار مشايخ الشام، ومن أقران الجنيد وابن الجلاء، وقد عمر وعاش إلى سنة ست وعشرين وثلاثمائة.\nانظر الرسالة القشيرية (ص٣٢).\n(٥) في (خ): \"ومتابعته\".\n(٦) رواه عنه أبو القاسم القشيري في رسالته (ص٣٣).\n(٧) سورة آل عمران: آية (٣١).\n(٨) هو من كبار مشايخ الصوفية، صحب يحيى الجلاء ومن فوقه من المشايخ. توفي سنة تسع وتسعين ومائتين.\nانظر: طبقات الصوفية للسلمي (ص٣١٦)، حلية الأولياء لأبي نعيم (١٠/ ٣٥٣)، صفة الصفوة لابن الجوزي (٤/ ٧٨)، الرسالة القشيرية (ص٣٣).\n(٩) في (خ) و(ط): \"وحرمة\".\n(١٠) رواه عنه أبو عبد الرحمن السلمي في الطبقات (ص٣١٨)، وأبو القاسم القشيري في رسالته (ص٣٣).","vol":"1","page":168},{"text":"وَسُئِلَ أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ (١) عَمَّنْ يَسْمَعُ الْمَلَاهِيَ (٢) وَيَقُولُ: هِيَ لِي حَلَالٌ، لِأَنِّي قَدْ وَصَلْتُ إِلَى دَرَجَةٍ لَا يُؤَثِّرُ فِيَّ اخْتِلَافُ (٣) الْأَحْوَالِ. فَقَالَ: (نَعَمْ قَدْ وَصَلَ، وَلَكِنْ (٤) إِلَى سَقَرٍ) (٥).\nوَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنَازِلٍ (٦): (لَمْ يُضَيِّعْ أَحَدٌ فَرِيضَةً مِنَ الْفَرَائِضِ إِلَّا ابتلاه الله بتضييع السنن، (ولم يبتل أحد بتضييع السنن) (٧) إِلَّا يُوشِكُ أَنْ يُبْتَلَى بِالْبِدَعِ) (٨).\nوَقَالَ أَبُو يَعْقُوبَ النَّهْرَجُورِيُّ (٩): (أَفْضَلُ الْأَحْوَالِ مَا قَارَنَ الْعِلْمَ) (١٠).\n_________\n(١) في (ط): \"الروزباري\" بالزاي، وهو خطأ. وهو بياض في (غ).\nوهو أبو علي أحمد بن محمد بن القاسم بن منصور الروذباري، وهو من أهل بغداد، صحب الجنيد وأبا الحسين النوري، وسكن مصر، وصار شيخها، ومات بها سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة.\nانظر: طبقات الصوفية للسلمي (ص٣٥٤)، سير أعلام النبلاء للذهبي (١٦/ ٢٢٧)، حلية الأولياء لأبي نعيم (١٠/ ٣٥٦)، صفة الصفوة لابن الجوزي (٢/ ٤٥٤)، الرسالة القشيرية (ص٣٤).\n(٢) بياض في (غ).\n(٣) في (م) و(ت): \"باختلاف\".\n(٤) بياض في (غ).\n(٥) رواه عنه أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية (ص٣٥٦)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٣٥٦)، والإمام الذهبي في السير (١٦/ ٢٢٧)، والقشيري في رسالته (ص٣٤).\n(٦) تقدمت ترجمته (ص١٦٩).\n(٧) ما بين المعكوفين ساقط من أصل (خ)، ومثبت في هامشها بلفظ \"ولم يبتل بتضييع السنن أحد\"، وكذلك هو في (ط).\n(٨) انظر قوله في طبقات الصوفية للسلمي (ص٣٦٩)، والرسالة القشيرية (ص٣٤).\n(٩) هو أبو يعقوب إسحاق بن محمد النهرجوري، كان من مشايخ الصوفية، صحب الجنيد وعمرو بن عثمان المكي وغيرهم، قال أبو عثمان المغربي: ما رأيت في مشايخنا أنور منه. أقام بالحرم سنين كثيرة مجاورًا، وبه مات سنة ثلاثين وثلاثمائة.\nانظر: طبقات الصوفية للسلمي (ص٣٧٨)، حلية الأولياء (١٠/ ٣٥٦)، سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٣٢)، الرسالة القشيرية (ص٣٥).\n(١٠) رواه عنه أبو القاسم القشيري في رسالته (ص٣٥)، وانظر قوله في نتائج الأفكار القدسية لزكريا الأنصاري (١/ ١٩٥).","vol":"1","page":169},{"text":"وَقَالَ أَبُو عَمْرِو (١) بْنِ نُجَيْدٍ (٢): (كُلُّ حَالٍ لَا يَكُونُ عَنْ نَتِيجَةِ عِلْمٍ (٣) فَإِنَّ ضَرَرَهُ عَلَى صَاحِبِهِ أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِهِ) (٤).\nوَقَالَ بُنْدَارُ (٥) بْنُ الْحُسَيْنِ (٦): (صُحْبَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ تُورِثُ الْإِعْرَاضَ عَنِ الْحَقِّ) (٧).\nوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الطَّمَسْتَانِيُّ (٨): (الطَّرِيقُ واضح، والكتاب والسنة قائم (٩) بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَفَضْلُ الصَّحَابَةِ مَعْلُومٌ لِسَبْقِهِمْ إِلَى الْهِجْرَةِ وَلِصُحْبَتِهِمْ. فَمَنْ صَحِبَ مِنَّا (١٠) الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَتَغَرَّبَ عَنْ نَفْسِهِ وَالْخَلْقِ، وَهَاجَرَ بِقَلْبِهِ إِلَى الله، فهو الصادق المصيب) (١١).\n_________\n(١) في (ت): \"عمر\".\n(٢) تقدمت ترجمته (ص١٧٠).\n(٣) في طبقات الصوفية \"علم وإن جل\".\n(٤) انظر قوله في طبقات الصوفية للسلمي (ص٤٥٥)، وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في الاستقامة (١/ ٩٩)، وهو في الرسالة القشيرية لأبي القاسم القشيري (ص٣٧).\n(٥) في (غ) و(ر): \"بنوان\".\n(٦) هو بندار بن الحسين بن محمد بن المهلب الشيرازي. شيخ الصوفية، كان عالمًا بالأصول، وكان أبو بكر الشبلي يكرمه، ويعظم قدره، كان ذا أموال فأنفقها وتزهد. توفي سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة.\nانظر: طبقات الصوفية للسلمي (ص٤٦٧)، سير أعلام النبلاء للذهبي (١٦/ ١٠٨)، حلية الأولياء لأبي نعيم (١٠/ ٣٨٤)، الرسالة القشيرية (ص٣٨).\n(٧) رواه عنه أبو عبد الرحمن السلمي في الطبقات (ص٤٦٩)، وذكره القشيري في رسالته (ص٣٨).\n(٨) هو أبو بكر الطمستاني الفارسي، كان من أجل المشايخ، وكان أبو بكر الشبلي يبجله، ويعرف له محله، صحب إبراهيم الدباغ وغيره. ورد نيسابور ومات بها سنة أربعين وثلاثمائة.\nانظر: طبقات الصوفية للسلمي (ص٤٧١)، حلية الأولياء لأبي نعيم (١٠/ ٣٨٢)، الرسالة القشيرية (ص٣٨).\n(٩) في طبقات الصوفية: \"قائمان\"، وفي الحلية \"قائمة\".\n(١٠) ساقطة من (غ).\n(١١) انظر قوله في طبقات الصوفية للسلمي (ص٤٧٣)، والحلية لأبي نعيم (١٠/ ٣٨٢)، ولفظهما أطول من لفظ المؤلف، وذكره أبو القاسم القشيري في رسالته كما هو هنا (ص٣٨).","vol":"1","page":170},{"text":"وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ (١) النَّصْرَابَاذِيُّ (٢): (أَصْلُ التَّصَوُّفِ مُلَازَمَةُ الكتاب والسنة، وترك الأهواء والبدع (٣)، وَتَعْظِيمُ حُرُمَاتِ الْمَشَايِخِ، وَرُؤْيَةُ أَعْذَارِ الْخَلْقِ، وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَى الْأَوْرَادِ، وَتَرْكُ ارْتِكَابِ الرُّخَصِ (٤) وَالتَّأْوِيلَاتِ) (٥).\nوَكَلَامُهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ يَطُولُ (٦).\nوَقَدْ نَقَلْنَا عَنْ جُمْلَةٍ مِمَّنِ اشْتُهِرَ مِنْهُمْ يَنِيفُ (٧) عَلَى الْأَرْبَعِينَ شَيْخًا، جَمِيعُهُمْ يُشِيرُ أَوْ يُصَرِّحُ (٨) بِأَنَّ الِابْتِدَاعَ ضَلَالٌ، وَالسُّلُوكَ عَلَيْهِ تِيهٌ، وَاسْتِعْمَالُهُ (٩) رَمْيٌ فِي عَمَايَةٍ، وَأَنَّهُ مُنَافٍ لِطَلَبِ النَّجَاةِ، وَصَاحِبُهُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ وَمَوْكُولٌ إِلَى نَفْسِهِ (١٠)، وَمَطْرُودٌ عَنْ نَيْلِ الْحِكْمَةِ.\nوَأَنَّ الصُّوفِيَّةَ الَّذِينَ نُسِبَتْ إِلَيْهِمُ الطَّرِيقَةُ مُجْمِعُونَ عَلَى تَعْظِيمِ الشَّرِيعَةِ مُقِيمُونَ عَلَى مُتَابَعَةِ السُّنَّةِ، غَيْرُ مُخِلِّينَ بِشَيْءٍ مِنْ آدَابِهَا، أَبْعَدُ النَّاسِ عَنِ الْبِدَعِ وَأَهْلِهَا، وَلِذَلِكَ لَا نَجِدُ (١١) منهم من ينسب (١٢) إلى فرقة (١٣) مِنَ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ وَلَا مَنْ يَمِيلُ إِلَى خِلَافِ السُّنَّةِ، وَأَكْثَرُ مَنْ ذُكِرَ مِنْهُمْ عُلَمَاءُ وَفُقَهَاءُ وَمُحَدِّثُونَ، وَمِمَّنْ يُؤْخَذُ عَنْهُ الدِّينُ أُصُولًا وفروعًا، ومن لم يكن\n_________\n(١) ساقطة من (ت).\n(٢) هو أبو القاسم إبراهيم بن محمد النصراباذي، شيخ الصوفية بخراسان في وقته، سمع أبا العباس السراح وابن خزيمة وغيرهما، وحدث عنه الحاكم والسلمي وجماعة، كان يرجع إلى أنواع من العلوم: من حفظ السير وجمعها، وعلوم التواريخ وغيرها. مات في مكة مجاورًا سنة سبع وستين وثلاثمائة.\nانظر: طبقات الصوفية للسلمي (ص٤٨٤)، سير أعلام النبلاء للذهبي (١٦/ ٢٦٣)، الرسالة القشيرية للقشيري (ص٣٩)، طبقات الشعراني (١/ ١٤٤).\n(٣) في (ط): \"البدع والأهواء\".\n(٤) سوف تذكر مسألة اجتناب الصوفية للرخص في نهاية الباب الثالث وأنها مخالفة للسنة. انظر (ص٣٩٤ - ٣٩٥).\n(٥) انظر قوله في الطبقات للسلمي (ص٤٨٨)، ولفظه هناك أطول، وفي الرسالة القشيرية (ص٣٩).\n(٦) ساقطة من (غ).\n(٧) في (ر): \"نيفت\".\n(٨) في (خ): \"يوح\".\n(٩) غير واضحة في (ت).\n(١٠) غير واضحة في (ت).\n(١١) في (ت): \"تجد\".\n(١٢) في (ت): \"من ينسب منهم\".\n(١٣) في (ت): \"فرق\".","vol":"1","page":171},{"text":"كذلك فلا بد له مِنْ أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا فِي دِينِهِ بِمِقْدَارِ كِفَايَتِهِ (١).\nوَهُمْ كَانُوا أَهْلَ الْحَقَائِقِ (٢) وَالْمَوَاجِدِ، وَالْأَذْوَاقِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَسْرَارِ (٣) التَّوْحِيدِيَّةِ.\nفَهُمُ الْحُجَّةُ لَنَا عَلَى كل من ينتسب إلى طريقتهم، ولا يجري على مناهجهم (٤)، بَلْ يَأْتِي بِبِدَعٍ مُحْدَثَاتٍ، وَأَهْوَاءٍ مُتَّبَعَاتٍ، وَيَنْسُبُهَا إِلَيْهِمْ، تَأْوِيلًا عَلَيْهِمْ، مِنْ قَوْلٍ مُحْتَمِلٍ، أَوْ فِعْلٍ مِنْ قَضَايَا الْأَحْوَالِ، أَوِ (٥) اسْتِمْسَاكًا بِمَصْلَحَةٍ شَهِدَ الشَّرْعُ بِإِلْغَائِهَا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.\nفَكَثِيرًا مَا تَرَى الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ يَتَشَبَّهُ بِهِمْ يَرْتَكِبُ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى فَسَادِهِ شَرْعًا، وَيَحْتَجُّ بِحِكَايَاتٍ هِيَ قَضَايَا أَحْوَالٍ، وإن صَحَّتْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا حُجَّةٌ لِوُجُوهٍ عِدَّةٍ، ويترك من كلامهم وأحوالهم ما هو أوضح (٦) فِي الْحَقِّ الصَّرِيحِ، وَالِاتِّبَاعِ الصَّحِيحِ، شَأْنُ مَنِ اتَّبَعَ مِنَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مَا تَشَابَهَ مِنْهَا (٧).\nوَلَمَّا كَانَ أَهْلُ التَّصَوُّفِ فِي طَرِيقِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَمْرٍ كَسَائِرِ أَهْلِ الْعُلُومِ فِي عُلُومِهِمْ، أَتَيْتُ مِنْ كَلَامِهِمْ بِمَا يَقُومُ منه دليل على مدح (٨) السُّنَّةِ وَذَمِّ الْبِدْعَةِ فِي طَرِيقَتِهِمْ (٩)، حَتَّى يَكُونَ دَلِيلًا لَنَا (١٠) مِنْ جِهَتِهِمْ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ عُمُومًا، وَعَلَى الْمُدَّعِينَ فِي طَرِيقِهِمْ خُصُوصًا. وَبِاللَّهِ التوفيق.\n_________\n(١) ما ذكره المؤلف ليس على إطلاقه، فإن الصوفية قد تأثروا بكل الفرق، الذين نقل منهم المؤلف هم أفاضل، والتسليم لهذا الإطلاق قد يوقع في الحرج، إذ قد يُحتج علينا ببعض أقوالهم المنحرفة، والمؤلف يتألف القوم كما سيأتي أيضًا في نهاية الباب الثالث، وهذا الثناء نسبي وليس مطلقًا، فهم أفضل جنسهم، ولمعرفة حقيقة التصوف راجع: هذه هي الصوفية لعبد الرحمن الوكيل وتنبيه الغبي للبقاعي.\n(٢) في (ت): \"التحقيق\".\n(٣) السين غير واضحة في (ت).\n(٤) في (غ) و(ر): \"منهاجهم\".\n(٥) في (غ): \"و\".\n(٦) في (خ) و(ط): \"واضع\".\n(٧) في (ط): \"بها\".\n(٨) في أصل (خ): \"مدع\"، وكتب في هامشها \"مرعى\"، وفي (م) و(ت) \"مدعى\".\n(٩) في (ت): \"طريقهم\".\n(١٠) ساقطة من (غ).","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>فصل</span>\nالْوَجْهُ (١) الْخَامِسُ مِنَ النَّقْلِ مَا جَاءَ مِنْهُ فِي ذَمِّ الرَّأْيِ الْمَذْمُومِ (٢)، وَهُوَ الْمَبْنِيُّ عَلَى غَيْرِ أُسِّ، وَالْمُسْتَنِدُ إِلَى غَيْرِ أَصْلٍ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُّنَّةٍ، لَكِنَّهُ وَجْهٌ تَشْرِيعِيٌّ فَصَارَ نَوْعًا مِنَ الِابْتِدَاعِ، بَلْ هُوَ الْجِنْسُ فِيهَا، فَإِنَّ جَمِيعَ الْبِدَعِ إِنَّمَا هِيَ رَأْيٌ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ، وَلِذَلِكَ وُصِفَ بِوَصْفِ الضَّلَالِ.\nفَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: \"إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْتَزِعُ الْعِلْمَ مِنَ النَّاسِ بَعْدَ إِذْ أَعْطَاهُمُوهُ انْتِزَاعًا، وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُمْ مَعَ قَبْضِ الْعُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ، فَيَبْقَى نَاسٌ (٣) جُهَّالٌ (يَسْتَفْتُونَ فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ) (٤) فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ\" (٥).\nفَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَذَمُّ الرَّأْيِ عَائِدٌ عَلَى الْبِدَعِ بِالذَّمِّ لَا مَحَالَةَ.\nوَخَرَّجَ (٦) ابْنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرُهُ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ (٧) قال:\n_________\n(١) ساقطة من (غ) و(ر).\n(٢) وهناك آراء محمودة ذكرها الإمام ابن القيم في أعلام الموقعين: أحدها: آراء الصحابة ﵃، ثانيًا: الآراء التي تفسر النصوص، وتبين وجه الدلالة منها، ثالثًا: الآراء التي تواطأت عليها الأمة، وتلقاها الخلف عن السلف، رابعًا: الآراء التي تكون بعد بذل الجهد في البحث عن المسألة في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة. انظر إعلام الموقعين (١/ ٧٩ - ٨٥).\n(٣) في (ت): \"الناس\".\n(٤) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).\n(٥) تقدم تخريجه (ص١٢٥).\n(٦) في (م) و(ر) و(غ): \"خرج\" بدون الواو.\n(٧) هو عوف بن مالك الأشجعي الغطفاني، صحابي من نبلاء الصحابة، شهد فتح مكة، وكانت راية قومه معه، وشهد غزوة مؤتة، مات ﵁ سنة ثلاث وسبعين.\nانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (٢/ ٤٨٧)، الإصابة لابن حجر (٥/ ٤٣)، التاريخ الكبير (٧/ ٥٦).","vol":"1","page":173},{"text":"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، أَعْظَمُهَا فِتْنَةً قَوْمٌ يَقِيسُونَ الدِّينَ بِرَأْيِهِمْ، يُحَرِّمُونَ بِهِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَيُحِلُّونَ بِهِ مَا حَرَّمَ الله\" (١).\nقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (٢): (هَذَا هُوَ الْقِيَاسُ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ، وَالْكَلَامُ فِي الدِّينِ بِالتَّخَرُّصِ وَالظَّنِّ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: \"يُحِلُّونَ الْحَرَامَ، وَيُحَرِّمُونَ الْحَلَالَ\"، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَلَالَ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُّنَّةِ رَسُولِهِ تَحْلِيلُهُ، وَالْحَرَامَ مَا كَانَ (٣) فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُّنَّةِ رسوله تحريمه، فمن جهل\n_________\n(١) رواه الإمام الحاكم في المستدرك، كتاب الفتن والملاحم، وصححه (٤/ ٤٣٠)، والإمام البزار في كشف الأستار، كتاب العلم، باب التحذير من علماء السوء (١/ ٩٨)، والإمام ابن عدي في الكامل، عند ترجمة نعيم بن حماد الخزاعي (٧/ ٢٤٨٣)، والإمام البيهقي في المدخل، باب ما يذكر في ذم الرأي تحت رقم (٢٠٤)، (ص١٨٨)، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد عند ترجمة نعيم بن حماد تحت رقم (٧٢٨٥)، (١٣/ ٣٠٧، ٣٠٨)، وفي الفقيه والمتفقه له (١/ ١٨٠)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى، باب ذكر افتراق الأمم في دينها برقم (٢٥١)، (١/ ٢٢٧)، والإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم، باب ما جاء في ذم القول في دين الله بالرأي والقياس (٢/ ١٣٣ - ١٣٤)، والحديث من طريق نعيم بن حماد عن عيسى بن يونس. ونعيم بن حماد قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق يخطئ كثيرًا (٢/ ٣٠٥)، وقال عنه الذهبي في الكاشف: مختلف فيه (٣/ ١٨٢). وقال عبد الغني بن سعيد: وبهذا الحديث سقط نعيم بن حماد عند كثير من أهل العلم بالحديث، إلا أن يحيى بن معين لم يكن ينسبه إلى الكذب، بل كان ينسبه إلى الوهم، انظر تهذيب التهذيب لابن حجر (١٠/ ٤٦١).\nوقد تابع نعيمًا في روايته عبد الوهاب بن الضحاك وسويد الأنباري وأبو صالح الخرساني والحكم بن المبارك والنظر بن طاهر. انظر هذه المتابعات في تاريخ بغداد (١٣/ ٣١٠، ٣١١)، الكامل لابن عدي (٣/ ١٢٦٤)، (٧/ ٢٤٨٣)، سير أعلام النبلاء للذهبي (١٠/ ٦٠٠ - ٦٠١)، ميزان الاعتدال للذهبي (٤/ ٢٦٧ - ٢٦٨)، التنكيل للمعلمي (١/ ٤٩٦ - ٤٩٧)، وقال عبد الغني بن سعيد: وكل من حدث به عن عيسى بن يونس غير نعيم بن حماد، فإنما أخذه من نعيم. انظر تهذيب التهذيب (١٠/ ٤٦١).\nوقال البيهقي في المدخل (ص١٨٨): تفرد به أبو نعيم بن حماد، وسرقه عنه جماعة من الضعفاء، وهو منكر، وفي غيره من أحاديث الصحاح الواردة في معناه كفاية.\n(٢) تقدمت ترجمته ﵀ (ص٩١).\n(٣) هذه الكلمة ليست عند ابن عبد البر.","vol":"1","page":174},{"text":"ذَلِكَ وَقَالَ فِيمَا سُئِلَ عَنْهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَقَاسَ بِرَأْيِهِ مَا خَرَجَ مِنْهُ عَنِ السُّنَّةِ، فهذا هو (١) الذي قاس الأمور (٢) بِرَأْيِهِ فَضَلَّ وَأَضَلَّ، وَمَنْ رَدَّ الْفُرُوعَ فِي عِلْمِهِ إِلَى أُصُولِهَا فَلَمْ يَقُلْ بِرَأْيِهِ) (٣).\nوَخَرَّجَ ابْنُ الْمُبَارَكِ حَدِيثًا (٤): (إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ثَلَاثًا)، وَإِحْدَاهُنَّ: (أَنْ يُلْتَمَسَ الْعِلْمُ عِنْدَ الْأَصَاغِرِ) (٥)، قِيلَ لِابْنِ الْمُبَارَكِ: مَنِ الْأَصَاغِرُ؟ قَالَ: (الَّذِينَ يَقُولُونَ بِرَأْيِهِمْ. فَأَمَّا صَغِيرٌ يَرْوِي عَنْ كَبِيرٍ فَلَيْسَ بِصَغِيرٍ) (٦).\nوَخَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أَصْبَحَ أَهْلُ الرَّأْيِ أَعْدَاءَ السُّنَنِ، أَعْيَتْهُمُ (٧) الْأَحَادِيثُ أن يعوها، وتفلتت منهم (أن يرووها، فاشتقوها بالرأي، وعنه أيضًا: \"اتقوا الرأي في دينكم\") (٨).\n_________\n(١) ساقطة من (ط).\n(٢) ساقطة من (ط).\n(٣) انظر جامع بيان العلم لابن عبد البر (٢/ ٧٧)، ونقله عنه الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين (١/ ٥٣).\n(٤) ساقطة من (خ).\n(٥) رواه الإمام ابن المبارك في الزهد والرقائق عن أبي أمية الجمحي (١/ ٢٠ - ٢١)، والإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة عنه أيضًا بلفظ (إن من أشاط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر) (١/ ٨٥)، والخطيب في الجامع لآداب الراوي والسامع (١/ ٧٢)، وعزاه الهيثمي في مجمع الزوائد إلى معجم الطبراني الأوسط والكبير، وقال: \"وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف\" (١/ ١٤٠)، ولكن رواية ابن المبارك عنه مقبولة لأنه حدث عنه قبل احتراق كتبه. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر (٥/ ٣٧٣ - ٣٧٩). وصححه الألباني كما في الصحيحة تحت رقم (٦٩٥).\n(٦) انظر قوله في الزهد لابن المبارك (١/ ٢١)، وفي أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي قال ابن المبارك: الأصاغر من أهل البدع (١/ ٨٥)، وانظر قول ابن المبارك في الجامع لآداب الراوي والسامع للخطيب البغدادي (١/ ٧٢).\n(٧) قال في اللسان: \"عي بالأمر عيًا، وعيي وتعايا واستعيا، وهو عي وعيي وعيان عجز عنه ولم يطق إحكامه\". انظر لسان العرب (١٥/ ١١١).\n(٨) ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ عدا (غ)، وذكره الإمام ابن بطة في الإبانة الصغرى بلفظ \"وتفلتت منهم فلم يعوها فقالوا بالرأي\". (ص١٢١).","vol":"1","page":175},{"text":"قَالَ سَحْنُونُ (١): (يَعْنِي الْبِدَعَ) (٢).\nوَفِي رِوَايَةٍ: (إِيَّاكُمْ وَأَصْحَابَ الرَّأْيِ فَإِنَّهُمْ (أَعْدَاءُ السُّنَنِ) (٣)، أَعْيَتْهُمُ الْأَحَادِيثُ (٤) أَنْ يَحْفَظُوهَا (فَقَالُوا بِالرَّأْيِ فَضَّلُوا وَأَضَلُّوا) (٥» (٦).\n(وَفِي رواية لابن وهب: (إِنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ أَعْدَاءُ السُّنَنِ (٧)، أَعْيَتْهُمْ أَنْ يَحْفَظُوهَا) (٨)، وَتَفَلَّتَتْ مِنْهُمْ أَنْ يَعُوهَا، وَاسْتَحْيَوْا حِينَ سُئِلُوا (٩) أَنْ يَقُولُوا: لَا نَعْلَمُ، فَعَارَضُوا السُّنَنَ بِرَأْيِهِمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ) (١٠).\nقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ (١١): (أَهْلُ الرَّأْيِ هُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ) (١٢).\n_________\n(١) هو أبو سعيد عبد السلام بن حبيب بن حسان التنوخي، المغربي القيرواني المالكي فقيه المغرب، وقاضي القيروان، وصاحب المدونة، ويلقب بسحنون، ارتحل وحج وسمع الحديث، ولم يتوسع فيه كما توسع في الفروع، أخذ عنه عدد كبير من الفقهاء، توفي سنة أربعين ومائتين.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ٦٣)، ترتيب المدارك للقاضي عياض (٢/ ٥٨٥)، وفيات الأعيان للصفدي (٣/ ١٨٠).\n(٢) ذكره عنه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٣٤ - ١٣٥).\n(٣) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).\n(٤) ساقط من (خ).\n(٥) ما بين المعكوفين ساقط من (خ).\n(٦) رواه الإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٣٥)، والإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٢٣).\n(٧) في (م) و(خ) و(ط): \"السنة\"، وما أثبته هو ما في (ت) و(غ) وكذلك هو في جامع بيان العلم لابن عبد البر (٢/ ١٣٥).\n(٨) ما بين المعكوفين ساقط من (خ).\n(٩) في (ط) و(ت): \"يسألوا\".\n(١٠) أخرجه الآجري في الشريعة (٤٨)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١/ ١٢٣)، والأصبهاني في الحجة (١/ ٢٠٥)، والإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ١٣٥) والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه (١/ ١٨٠ - ١٨١)، وقد ذكر الإمام ابن القيم ما نقل عن عمر في ذم الرأي ثم قال: وأسانيد هذه الآثار عن عمر في غاية الصحة. إعلام الموقعين (١/ ٥٥).\n(١١) هو عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني، ابن الإمام أبي داود صاحب السنن، وكان علامة حافظًا، روى عن أبيه وعمه وخلق كثير، صنف السنن والمصاحف والناسخ والمنسوخ وغيرها. مات سنة ست عشرة وثلاثمائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٢١)، شذرات الذهب لابن العماد (٢/ ٢٧٣)، ميزان الاعتدال للذهبي (٢/ ٤٣٣).\n(١٢) انظر قوله في جامع بيان العلم لابن عبد البر (٢/ ١٣٥).","vol":"1","page":176},{"text":"وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (مَنْ أَحْدَثَ رَأْيًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَمْ تَمْضِ بِهِ سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَمْ يَدْرِ مَا هُوَ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَ اللَّهَ ﷿) (١).\nوَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: (قُرَّاؤُكُمْ وعلماؤكم (٢) يذهبون، ويتخذ الناس رؤوسًا (٣) جُهَّالًا يَقِيسُونَ الْأُمُورَ بِرَأْيِهِمْ) (٤).\nوَخَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ وغيره عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: (السُّنَّةُ مَا سَنَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، لَا تَجْعَلُوا خَطَأَ (٥) الرَّأْيِ سُنَّةً لِلْأُمَّةِ) (٦).\nوَخَرَّجَ أَيْضًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ (٧) عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (لَمْ يَزَلْ أَمْرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُسْتَقِيمًا حَتَّى أَدْرَكَ فِيهِمُ الْمُوَلَّدُونَ، أَبْنَاءُ سَبَايَا الْأُمَمِ، فأخذوا فيهم بالرأي فأضلوا بني إسرائيل (٨».\n_________\n(١) تقدم تخريجه (ص١٤٤).\n(٢) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).\n(٣) في (ط): \"رؤساء\".\n(٤) رواه عنه الإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٣٦).\n(٥) في جميع النسخ \"حظ\" عدا (غ) و(ر)، وهو الموافق لما عند ابن عبد البر.\n(٦) رواه الإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٣٦).\n(٧) هو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، إمام، ثقة، فقيه، سمع من أبيه وعمه ابن الزبير وغيرهم، وحدث عنه شعبة ومالك والثوري وغيرهم. توفي سنة ست وأربعين ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٦/ ٣٤)، تقريب التهذيب (٢/ ٣١٩)، الكاشف للذهبي (٣/ ١٩٧).\n(٨) روي هذا الأثر مرفوعًا إلى النبي ﷺ، كما روي مرسلًا عن عروة بن الزبير، والمرفوع رواه الإمام ابن ماجه في مقدمة سننه، باب اجتناب الرأي والقياس عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلًا حتى نشأ فيهم المولدون، أبناء سبايا الأمم. فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا\" (١/ ٣١)، ورواه البزار من حديث ابن عمرو مرفوعًا. انظر كشف الأستار عن زوائد البزار (١/ ٩٦)، ورواه الإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى عن واثلة بن الأسقع مرفوعًا (٢/ ٦٢٢). قال الإمام ابن حجر في الفتح بعد ذكر حديث عبد الله بن عمرو في قبض العلم: \"وهي رواية الأكثر، وخالف الجميع قيس بن الربيع، وهو صدوق، ضعف من قبل حفظه، فرواه عن هشام بلفظ: (لم يزل أمر بني إسرائيل ...) أخرجه البزار وقال تفرد به قيس، ثم قال الحافظ: والمحفوظ بهذا اللفظ ما رواه هشام فأرسله ثم ذكر=","vol":"1","page":177},{"text":"وَعَنِ الشَّعْبِيِّ (١): (إِنَّمَا هَلَكْتُمْ حِينَ تَرَكْتُمُ الْآثَارَ وَأَخَذْتُمْ بِالْمَقَايِيسِ) (٢).\nوَعَنِ الْحَسَنِ: (إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِينَ (٣) تَشَعَّبَتْ (٤) بِهِمُ (٥) السُّبُلُ، وَحَادُوا عَنِ الطَّرِيقِ فَتَرَكُوا الْآثَارَ، وَقَالُوا فِي الدِّينِ برأيهم، فضلوا وأضلوا\" (٦).\nوعن دراج أبي السَّمْحِ (٧)، قَالَ: (يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُسَمِّنُ الرجل\n_________\n=من رواه مرسلًا، انظر الفتح (١٣/ ٢٨٥)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وعزاه للبزار، وقال: فيه قيس بن الربيع وثقه شعبة والثوري، وضعفه جماعة، وقال ابن القطان: هذا إسناد حسن (١/ ١٨٥)، وضعفه الشيخ الألباني كما في ضعيف الجامع تحت رقم (٤٧٦٠)، وأحال على السلسلة الضعيفة برقم (٤٣٣٦). ورواه مرسلًا عن عروة بن الزبير الإمام الدارمي في مقدمة سننه، باب التورع عن الجواب فيما ليس فيه كتاب ولا سنة (١/ ٦٢)، والإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٣٦، ١٣٨)، والإمام البيهقي في المدخل برقم (٢٢٢)، وعزاه ابن حجر في الفتح للحميدي في النوادر. انظر الفتح (١٣/ ٢٨٥).\n(١) هو عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار الهمداني الشعبي، الإمام، علامة العصر، ولد في إمرة عمر بن الخطاب ﵁، ورأى عليًا ﵁ وصلى خلفه، وسمع من عدة من كبراء الصحابة، قال ابن عيينة ﵀: علماء الناس ثلاثة: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في زمانه. مات سنة خمس ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (٤/ ٢٩٤)، طبقات ابن سعد (٦/ ٢٤٦)، حلية الأولياء لأبي نعيم (٤/ ٣١٠)، البداية والنهاية لابن كثير (٩/ ٢٣٠).\n(٢) رواه عنه الإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى بلفظ أطول (٢/ ٥١٦)، والإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٣٧).\n(٣) في (ت): \"حتى\".\n(٤) في (ط) و(خ): \"شعبت\".\n(٥) في (ت): \"فيهم\".\n(٦) رواه الإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٣٧).\n(٧) في (خ) و(ط): \"دراج بن السهم بن أسمح\"، وفي (م): \"دراج بن أسمح\"، والصواب ما أثبته.\nوهو دراج بن سمعان أبو السمح السهمي، مولاهم، المصري، القاص، مولى عبد الله بن عمرو، قال ابن حجر: صدوق في حديثه عن أبي الهيثم، ضعيف من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومائة.\nانظر: تقريب التهذيب (١/ ٢٣٥)، الكاشف للذهبي (١/ ٢٢٦).","vol":"1","page":178},{"text":"رَاحِلَتَهُ حَتَّى تَعْقِدَ شَحْمًا، ثُمَّ يَسِيرُ عَلَيْهَا فِي الْأَمْصَارِ حَتَّى تَعُودَ نِقْضًا (١)، يَلْتَمِسُ مَنْ يُفْتِيهِ بِسُّنَّةٍ قَدْ عَمِلَ بِهَا، فَلَا يَجِدُ إِلَّا مَنْ يُفْتِيهِ بِالظَّنِّ) (٢).\nوَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الرَّأْيِ الْمَقْصُودِ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ.\nفَقَدْ (٣) قَالَتْ طَائِفَةٌ: الْمُرَادُ بِهِ رَأْيُ أَهْلِ الْبِدَعِ الْمُخَالِفِينَ لِلسُّنَنِ، لَكِنْ فِي الِاعْتِقَادِ كَمَذْهَبِ جَهْمٍ (٤) وَسَائِرِ مَذَاهِبِ أَهْلِ الْكَلَامِ، لِأَنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوا آرَاءَهُمْ فِي رَدِّ الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ عَنِ (٥) النَّبِيِّ ﷺ، بَلْ وَفِي رَدِّ ظَوَاهِرِ الْقُرْآنِ لِغَيْرِ سَبَبٍ يُوجِبُ الرَّدَّ وَيَقْتَضِي التَّأْوِيلَ، كما قالوا بنفي الرؤية ردًا (٦) للظاهر (٧) بالمحتملات (٨)، ونفي\n_________\n(١) النِقْض، بالكسر: البعير الذي أنضاه السفر، وكذلك الناقة، قال السيرافي: كأن السفر نقض بنيته، انظر لسان العرب (٧/ ٢٤٣).\n(٢) رواه عنه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٩٠)، والإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ١٥٥).\n(٣) ساقطة من (غ) و(ر).\n(٤) هو جهم بن صفوان أبو محرز الراسبي السمرقندي، أسّ الضلالة، ورأس الجهمية تتلمذ على الجعد بن درهم المبتدع، وكان كاتبًا للحارث بن سريج، وخرج معه على الأمويين فقتلا بمرو سنة ١٢٨هـ، ومن ضلالاته، نفي صفات الله، والقول بالجبر، والقول بفناء الجنة والنار.\nانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (٦/ ٢٦)، الفرق بين الفرق للبغدادي (ص١٥٨) الملل والنحل للشهرستاني (ص٨٦).\n(٥) في (خ): \"على\".\n(٦) المثبت من (غ)، وفي بقية النسخ \"نفيًا\".\n(٧) غير واضحة في (ت).\n(٨) وذلك مثل تأويلهم للنظر بالانتظار في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة: ٢٢ - ٢٣)، مع أن دلالة الآية ظاهرة في أن المراد هو النظر بالعين حقيقة، قال الإمام ابن أبي العز في شرح الطحاوية: \"وإضافة النظر إلى الوجه، الذي هو محله، في هذه الآية، وتعديته بأداة \"إلى\" الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدل على خلافه حقيقة موضوعة صريحة في أن الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب ﷻ\". انظر شرح الطحاوية (ص١٨٩).\nوالذين قالوا بنفي رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة هم الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية والمرجئة. وقولهم مخالف للكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وأئمة الدين. وانظر في أدلة أهل السنة وردهم على المبتدعة أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (٣/ ٤٥٤)، والشريعة للآجري (ص٢٥١)، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (ص١٨٨)، ومختصر الصواعق المرسلة لابن القيم (٢/ ٣٥٣)، وفتح الباري لابن حجر (١٣/ ٤٢٦)، ورؤية الله تعالى (للدكتور أحمد الناصر).","vol":"1","page":179},{"text":"عَذَابِ الْقَبْرِ (١)، وَنَفْيِ الْمِيزَانِ (٢)، وَالصِّرَاطِ (٣)، وَكَذَلِكَ رَدُّوا أَحَادِيثَ الشَّفَاعَةِ (٤) وَالْحَوْضِ (٥) إِلَى أَشْيَاءَ يَطُولُ ذِكْرُهَا، وهي مذكورة في كتب الكلام (٦).\n_________\n(١) قال الإمام ابن أبي العز في شرح الطحاوية: \"وقد تواترت الأخبار عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلًا، وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به، ولا نتكلم في كيفيته، إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته، لكونه لا عهد له به في هذه الدار ... \". انظر شرح الطحاوية (ص٣٩٩). وقد قال بنفيه الخوارج والمعتزلة اعتمادًا على العقل في أمر غيبي ليس للعقل فيه مجال، وانظر في أدلة أهل السنة وردهم على المبتدعة أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (٦/ ١١٢٧)، والشريعة للآجري (ص٣٥٨)، ومقالات الإسلاميين للأشعري (٢/ ١١٦)، وشرح الطحاوية لابن أبي العز (ص٣٩٦).\n(٢) والميزان الذي توزن به الأعمال في الآخرة ثابت بالكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ *﴾ سورة الأنبياء: آية (٤٧)، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) رواه البخاري (١١/ ٥٦٦)، ومسلم (١٧/ ١٩)، وقد أنكر الميزان المعتزلة وبعض الطوائف، انظر في أدلة أهل السنة والرد على المبتدعة: أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (١٦/ ١١٧٠)، الشريعة للآجري (ص٣٨٢)، السنة لابن أبي عاصم، باب رقم (١٦٢)، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (ص٤١٧)، مقالات الإسلاميين للأشعري (٢/ ١٦٤)، الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (٤/ ٦٥).\n(٣) قال الإمام السفاريني في لوامع الأنوار البهية: \"اتفقت الكلمة على إثبات الصراط في الجملة، لكن أهل الحق يثبتونه على ظاهره من كونه جسرًا مدودًا على متن جهنم، أحد من السيف، وأدق من الشعر، وأنكر هذا الظاهر القاضي عبد الجبار المعتزلي وكثير من أتباعه زعما منهم أنه لا يمكن عبوره، وإن أمكن ففيه تعذيب، ولا عذاب على المؤمنين والصلحاء يوم القيامة .. \". ثم قال: \"وكل هذا باطل وخرافات لوجوب حمل النصوص على حقائقها، وليس العبور على الصراط بأعجب من المشي على الماء أو الطيران في الهواء والوقوف فيه\". انظر لوامع الأنوار (٢/ ١٩٣)، وانظر في الموضوع: شرح أصول الاعتقاد للالكائي (٦/ ١١٧٧)، شرح العقيدة الطحاوية (ص٤١٥).\n(٤) الذين نفوا الشفاعة لأهل الكبائر هم الخوارج والمعتزلة، بناء على أصلهم الباطل وهو تخليد مرتكب الكبيرة في النار، وأدلة الشفاعة صحيحة متواترة، انظرها على وجه التفصيل في: السنة لابن أبي عاصم (ص٣٥٠ - ٤٠٠)، أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (ص١٠٨٩ - ١١١٥)، الشريعة للآجري (ص٣٣١ - ٣٥١)، وانظر في الرد عليهم: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (٤/ ٦٣)، مقالات الإسلاميين (٢/ ١٦٦)، شرح الطحاوية لابن أبي العز (ص٢٢٩).\n(٥) تقدم التعليق على هذه المسألة (ص١٢٣).\n(٦) تقدم نحو هذا الإطلاق للمؤلف في الباب الأول (ص٤٨)، حيث سمى المؤلف أصول=","vol":"1","page":180},{"text":"وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّمَا الرَّأْيُ الْمَذْمُومُ الْمَعِيبُ الرَّأْيُ الْمُبْتَدَعُ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ مِنْ ضُرُوبِ الْبِدَعِ، فَإِنَّ حَقَائِقَ جَمِيعِ الْبِدَعِ رُجُوعٌ إِلَى الرَّأْيِ، وَخُرُوجٌ عَنِ الشَّرْعِ (١). وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْأَظْهَرُ، إِذِ الْأَدِلَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ لَا تَقْتَضِي بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ مِنَ الْبِدَعِ نَوْعًا دُونَ (٢) نَوْعٍ، بَلْ ظَاهِرُهَا يقتضي (٣) الْعُمُومَ فِي كُلِّ بِدْعَةٍ حَدَثَتْ أَوْ تَحْدُثُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، كَانَتْ مِنَ (٤) الْأُصُولِ أَوِ الْفُرُوعِ (٥)، كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ (٦) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٧) بعد ما حَكَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْخَوَارِجِ (٨).\nوَكَأَنَّ الْقَائِلَ بِالتَّخْصِيصِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لَمْ يَقُلْ بِهِ (٩) بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ، بَلْ أَتَى بِمِثَالٍ مِمَّا تَتَضَمَّنُهُ (١٠) الْآيَةُ، كَالْمِثَالِ الْمَذْكُورِ، فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لِمَا كَانَ (١١) مُشْتَهِرًا في ذلك الزمان، فهو أولى مَا يُمَثَّلُ بِهِ، وَيَبْقَى مَا عَدَاهُ مَسْكُوتًا عَنْ ذِكْرِهِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ، وَلَوْ سُئِلَ عَنِ الْعُمُومِ لَقَالَ بِهِ.\nوَهَكَذَا كُلُّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَقْوَالِ الْخَاصَّةِ بِبَعْضِ أَهْلِ الْبِدَعِ إِنَّمَا تَحْصُلُ عَلَى التَّفْسِيرِ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى مِنْ سُورَةِ آلِ عمران إنما نزلت فِي قِصَّةِ نَصَارَى نَجْرَانَ؟ ثُمَّ نُزِّلت عَلَى الْخَوَارِجِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ (١٢)، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُذْكَرُ فِي التَّفْسِيرِ، إِنَّمَا يَحْمِلُونَهُ عَلَى مَا يشمله\n_________\n=الدين علم الكلام، والصحيح أن كتب العقيدة التي قرر فيها أهل السنة عقيدتهم، وردوا فيها على المبتدعة لا تسمى كتب الكلام، لأن الكلام مذموم، وكتبه مذمومة، بل تسمى كتب العقيدة، أو كتب السنة أو نحوها، وتقدم التعليق على نحو هذا في الموضع المذكور.\n(١) انظر هذا القول في جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٢/ ١٣٨).\n(٢) في (ت): \"وبعد\".\n(٣) في (م) و(خ) و(ط): \"تقتضي\".\n(٤) مطموسة في (ت).\n(٥) فالأول خَاصٌّ بِالِاعْتِقَادِ، وَهَذَا عَامٌّ فِي الْعَمَلِيَّاتِ وَغَيْرِهَا كما ذكر ذلك المؤلف في الباب العاشر (٢/ ٣٣٥) من طبعة رشيد رضا.\n(٦) تقدمت ترجمته ﵀ (ص٧٦).\n(٧) سورة الأنعام: آية (١٥٩).\n(٨) تقدم قوله (ص٩٣).\n(٩) ساقطة من (ت).\n(١٠) في (ت): \"تضمنته\".\n(١١) المثبت من (غ) و(ر)، وفي بقية النسخ \"قال\"، وهي غير واضحة في (خ).\n(١٢) انظر الآية وحمل بعض الصحابة لها على الخوارج (ص٧٥ - ٨١).","vol":"1","page":181},{"text":"الْمَوْضِعُ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ الْحَاضِرَةِ لَا بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ لُغَةً.\nوَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَفْهَمَ أقوال المفسرين المتقدمين، وهو الأولى بمناصبهم (١) فِي الْعِلْمِ، وَمَرَاتِبِهِمْ فِي فَهْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى تَقْرِيرٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ (٢).\nوَقَالَتْ طَائِفَةٌ - وَهُمْ فِيمَا زَعَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ (٣) ـ: الرَّأْيُ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْآثَارِ هُوَ الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ شَرَائِعِ الدِّينِ بِالِاسْتِحْسَانِ وَالظُّنُونِ، وَالِاشْتِغَالُ بِحِفْظِ الْمُعْضِلَاتِ والأُغْلُوطَات (٤)، وَرْدُّ الْفُرُوعِ وَالنَّوَازِلِ (٥) بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ قِيَاسًا، دُونَ رَدِّهَا إِلَى أُصُولِهَا وَالنَّظَرِ فِي عِلَلِهَا وَاعْتِبَارِهَا، فَاسْتُعْمِلَ فِيهَا الرَّأْيُ قَبْلَ أَنْ تُنَزَّلَ، وَفُرِّعَتْ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ، وَتُكُلِّمَ فِيهَا قَبْلَ أَنْ تَكُونَ بِالرَّأْيِ الْمُضَارِعِ (٦) لِلظَّنِّ.\nقَالُوا: لِأَنَّ فِي الِاشْتِغَالِ بِهَذَا وَالِاسْتِغْرَاقِ فِيهِ تَعْطِيلُ السُّنَنِ وَالْبَعْثُ عَلَى جَهْلِهَا، وَتَرْكُ الْوُقُوفِ عَلَى مَا يَلْزَمُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ مِنْهَا وَمِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعَانِيهِ.\nوَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا (٧): أَنَّ عُمَرَ ﵁ لَعَنَ مَنْ سَأَلَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ (٨)، وَمَا جَاءَ مِنَ النهي عن الأغلوطات (٩) - وهي صعاب\n_________\n(١) في (م) و(خ) و(ط): \"لمناصبهم\".\n(٢) وقريب من هذا المعنى ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في أنواع اختلاف السلف في التفسير، وأن غالبه اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد. انظر مقدمة التفسير ضمن الفتاوى (١٣/ ٣٣٣ - ٣٤٤).\n(٣) انظر قولهم في جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٣٩).\n(٤) الأغلوطات جمع أغلوطة. والأغلوطة بالضم ما يغلّط به من المسائل. انظر الصحاح (٣/ ١١٤٧). وقال الإمام الأوزاعي: هي شواذ المسائل وصعابها. انظر: مسند الإمام أحمد (٥/ ٤٣٥)، الإبانة الكبرى (١/ ٤٠٢)، شرح السنة للبغوي (١/ ٣٠٨)، الفقيه والمتفقه للخطيب (٢/ ١١)، المدخل للبيهقي (ص٢٢٩).\n(٥) في (ط): \"النوازع\" وهو خطأ.\n(٦) في (خ): \"المعارض\".\n(٧) في (ت): \"ومنها\".\n(٨) رواه الإمام الدارمي في سننه، باب كراهية الفتيا عن ابن عمر عن أبيه ﵄ (١/ ٦٢)، والإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٣٩، ١٤٣).\n(٩) في (غ) و(ر) \"الغلوطات\"، وقد رواه الإمام أبو داود في سننه، باب التوقي في الفتيا عن=","vol":"1","page":182},{"text":"الْمَسَائِلِ ـ، وَعَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَأَنَّهُ كَرِهَ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا (١)، وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ السَّلَفِ لَمْ يَكُنْ يُجِيبُ إِلَّا عَمَّا نَزَلَ مِنَ النَّوَازِلِ دُونَ مَا لَمْ يَنْزِلْ (٢).\nوَهَذَا الْقَوْلُ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِمَا قَبْلَهُ، لِأَنَّ مَنْ قَالَ بِهِ قَدْ مَنَعَ مِنَ الرَّأْيِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَذْمُومٍ، لِأَنَّ الْإِكْثَارَ مِنْهُ ذَرِيعَةٌ إِلَى الرَّأْيِ الْمَذْمُومِ، وَهُوَ تَرْكُ النَّظَرِ فِي السُّنَنِ اقْتِصَارًا عَلَى الرَّأْيِ.\nوَإِذَا (٣) كَانَ كَذَلِكَ اجْتَمَعَ مَعَ مَا قَبْلُهُ، فَإِنَّ مِنْ عَادَةِ الشَّرْعِ أَنَّهُ إِذَا نَهَى عَنْ شَيْءٍ وَشَدَّدَ فِيهِ مَنَعَ مَا حَوَالَيْهِ وَمَا دَارَ بِهِ وَرَتَعَ حَوْلَ حِمَاهُ. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ ﵇: \"الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ\" (٤)؟ وَكَذَلِكَ\n_________\n=معاوية ﵁، برقم (٣٦٥٦)، (٣/ ٣٢٠)، والإمام أحمد في المسند (٥/ ٤٣٥)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (٢/ ١١)، والبيهقي في المدخل (ص٢٢٩)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٤٠٠)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٣٩)، والطبراني في معجمه الكبير (١٩/ ٣٢٦، ٨٩٢)، والمزي في تهذيب الكمال (١٥/ ٢١)، وفي إسناده عبد الله بن سعد قال عنه الذهبي في الميزان: مجهول (٢/ ٤٢٨)، وانظر ضعيف الجامع للشيخ الألباني برقم (٦٠٣٥)، (ص٨٦٩).\n(١) من ذلك ما أورده الإمام البخاري من الأحاديث في باب ما يكره من كثرة السؤال ومن تكلف ما لا يعنيه. ومنها حديث المغيرة أن النبي ﷺ (كان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) (١٣/ ٢٦٤ فتح). ورواه كذلك الإمام مسلم في كتاب الأقضية من صحيحه، باب النهي عن كثرة المسائل (١٢/ ١٠)، والإمام أحمد في المسند (٤/ ٢٤٦). وانظر ما جمعه ابن عبد البر في جامع بيان العلم عن الموضوع (٢/ ١٤٠).\n(٢) وقد روي ذلك عن عمر وزيد بن ثابت وأبي بن كعب وغيرهم ﵃. انظر ما روي في ذلك في سنن الدارمي، باب كراهية الفتيا (١/ ٦٢ - ٦٤)، جامع بيان العلم لابن عبد البر (٢/ ١٤١ - ١٤٢ - ١٤٣)، الفقيه والمتفقه للخطيب (٢/ ٧ - ٨) المدخل للبيهقي (ص٢٢٥ - ٢٣١).\n(٣) في (ت): \"إذا\" بدون واو.\n(٤) رواه الإمام البخاري في كتاب الإيمان من صحيحه، باب فضل من استبرأ لدينه عن النعمان بن بشير (١/ ١٢٦)، والإمام مسلم في كتاب المساقاة، من صحيحه، باب أخذ الحلال وترك الشبهات (١١/ ٢٧)، والإمام أبو داود في كتاب البيوع من سننه، باب في اجتناب الشبهات برقم (٣٣٢٩)، (٣/ ٢٤٠)، والإمام الترمذي في كتاب البيوع من سننه، باب ما جاء في ترك الشبهات برقم (١٢٠٥)، والإمام النسائي في=","vol":"1","page":183},{"text":"جَاءَ فِي الشَّرْعِ أَصْلُ سَدِّ الذَّرَائِعِ، وَهُوَ مَنْعُ الْجَائِزِ لِأَنَّهُ يَجُرُّ إِلَى غَيْرِ الْجَائِزِ.\nوَبِحَسَبِ عِظَمِ الْمَفْسَدَةِ فِي الْمَمْنُوعِ يَكُونُ اتِّسَاعُ الْمَنْعِ فِي الذَّرِيعَةِ وَشِدَّتُهُ.\nوَمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ يُبَيِّنُ لَكَ عِظَمَ الْمَفْسَدَةِ فِي الِابْتِدَاعِ، فَالْحَوْمُ حَوْلَ حِمَاهُ يَتَّسِعُ جِدًّا، وَلِذَلِكَ تَنَصَّلَ الْعُلَمَاءُ مِنَ الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ وَإِنْ كَانَ جَارِيًا عَلَى الطَّرِيقَةِ، فَامْتَنَعَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُتْيَا بِهِ قَبْلَ نُزُولِ الْمَسْأَلَةِ، وَحَكَوْا فِي ذَلِكَ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: \"لَا تَعْجَلُوا بالبَلِيَّة قَبْلَ نُزُولِهَا، فَإِنَّكُمْ إن لا تفعلوا (١) تشتتت (٢) بِكُمُ الطُّرُقُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا\" (٣).\nوَصَحَّ نَهْيُهُ ﵇ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ (٤) وَقَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَنَهَى عَنْ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا وَعَفَا عَنْ (٥) أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ لَا عَنْ نِسْيَانٍ فلا تبحثوا عنها\" (٦).\n_________\n=كتاب البيوع، باب اجتناب الشبهات (٧/ ٢٤١)، والإمام أحمد في المسند (٤/ ٢٦٧، ٢٦٩، ٢٧٠)، والإمام الدارمي في كتاب البيوع في سننه، باب في الحلال بين ... برقم (٢٥٣٨)، (٢/ ٣١٩).\n(١) هكذا في (ر) ومراجع الأثر، وفي بقية النسخ: \"إن تفعلوا\".\n(٢) في (ط) و(ت): \"تشتت\".\n(٣) أخرجه الإمام الدارمي في المقدمة من سننه، باب التورع عن الجواب فيما ليس فيه كتاب ولا سنة عن وهب بن عمرو الجمحي مرفوعًا (١/ ٦١)، وأخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم عن معاذ مرفوعًا (٢/ ١٤٢)، ورواه الإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى عن معاذ مرفوعًا (١/ ٣٩٥)، ورواه أبو داود في المراسيل مرفوعًا عن معاذ (ص٢٢٤)، وذكره البيهقي في المدخل (ص٢٢٦ - ٢٢٧)، ورواه الخطيب في الفقيه والمتفقه موقوفًا على معاذ (٢/ ١٢)، وروى الموقوف أيضًا الإمام الدارمي في سننه، باب من هاب الفتيا (١/ ٦٨)، وقال الإمام ابن حجر في الفتح بعد ذكره عن أبي سلمة مرفوعًا وعن معاذ: وهما مرسلان يقوي بعض بعضا (١٣/ ٢٦٧ فتح)، وذكره ابن حجر في المطالب العالية (٣/ ١٠٦) وقال أبو حبيب الرحمن الأعظمي معلقًا عليه: قال البوصيري رواه إسحاق بإسناد حسن وأبو بكر بن أبي شيبة. انظر المطالب العالية (٣/ ١٠٦).\n(٤) تقدم ذكر الحديث وتخريجه (ص١٩٨) هامش (٣).\n(٥) ساقطة من (ت).\n(٦) رواه الإمام الدارقطني في كتاب الرضاع من سننه عن أبي ثعلبة الخشني (٤/ ١٨٤) والإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٣٦)، والإمام ابن بطة في الإبانة=","vol":"1","page":184},{"text":"وَأَحَالَ بِهَا جَمَاعَةٌ عَلَى الْأُمَرَاءِ فَلَمْ يَكُونُوا يُفْتُونَ حَتَّى يَكُونَ الْأَمِيرُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى ذَلِكَ، وَيُسَمُّونَهَا صَوَافِيَ الْأُمَرَاءِ (١).\nوَكَانَ جَمَاعَةٌ يُفْتُونَ على الخروج عن العهدة، وأنه رأي وليس (٢) بِعِلْمٍ كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ إِذْ سُئِلَ فِي الْكَلَالَةِ (٣): (أَقُولُ (٤) فِيهَا بِرَأْيِي (٥)، فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ) (٦). ثُمَّ أَجَابَ.\nوَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ (٧) فسأله عن شيء فأملاه (٨) عليه،\n_________\n=الكبرى (١/ ٤٠٧)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (٢/ ٩)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٥٨٩)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ١٧)، وحسنه الإمام النووي كما في الأذكار (ص٥٨٤)، وقال عنه الهيثمي في المجمع: ورجاله رجال الصحيح (١/ ١٧٦)، وله شاهد من حديث أبي الدرداء رواه البيهقي في سننه (١٠/ ١٢)، والإمام الحاكم في المستدرك وصححه (٢/ ٤٠٧)، وانظر شواهد الحديث في الفتح (١٣/ ٢٦٧).\n(١) ومن ذلك ما رواه ابن عبد البر عن هشام بن عروة قال: ما سمعت أبي يقول في شيء قط برأيه، قال وربما سئل عن الشيء فيقول هذا من خالص السلطان. انظر جامع بيان العلم (٢/ ١٤٣)، وروي كذلك عن عمر بن الخطاب أنه قال لأبي مسعود عقبة بن عمرو: \"ألم أنبأ أنك تفتي الناس ولست بأمير؟! ولى حارها من تولى قارها\". رواه عنه ابن عبد البر في نفس الموضع، وروى نحوه الإمام الدارمي في سننه (١/ ٧٣).\n(٢) في (ط): \"ليس\" بدون الواو.\n(٣) الكَلالة هو الميت الذي لا ولد له ولا والد، وهو قول أبي بكر وعمر وعلي ﵃ وجمهور أهل العلم. وتطلق الكلالة على الذين يرثون الميت من عدا والده وولده. انظر: فتح القدير للشوكاني (١/ ٤٣٤)، تفسير ابن كثير (١/ ٩٠٤).\n(٤) في (خ): \"أقوال\".\n(٥) في (ت): \"برأي\".\n(٦) رواه الإمام الدارمي في كتاب الفرائض من صحيحه، باب الكلالة (٢/ ٤٦٢)، والإمام ابن جرير في تفسيره (٤/ ٢٨٤)، وجامع بيان العلم لابن عبد البر (٢/ ٨٣٣)، وسعيد بن منصور في سننه (١/ ١٦٨).\n(٧) هو سعيد بن المسيب بن حزن القرشي المخزومي، عالم أهل المدينة، وسيد التابعين في زمانه، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر ﵁، وسمع عثمان وعلي وغيرهما من الصحابة ﵃، وكان ممن برز في العلم والعمل، وكان يفتي والصحابة أحياء. توفي ﵀ سنة أربع وتسعين. انظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٢١٧)، طبقات ابن سعد (٥/ ١١٩)، تاريخ البخاري الكبير (٣/ ٥١٠)، البداية والنهاية (٩/ ٩٩).\n(٨) في (م) و(غ): \"فأمله\".","vol":"1","page":185},{"text":"ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ رَأْيِهِ فَأَجَابَهُ، فَكَتَبَ الرَّجُلُ، فقال رجل من جلساء (١) سعيد أنكتب (٢) يَا أَبَا (٣) مُحَمَّدٍ رَأْيَكَ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ لِلرَّجُلِ: نَاوِلْنِيهَا، فَنَاوَلَهُ (٤) الصَّحِيفَةَ فَخَرَقَهَا (٥).\nوَسُئِلَ (٦) الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ (٧) عَنْ شَيْءٍ فَأَجَابَ، فَلَمَّا وَلَّى الرَّجُلُ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: لَا تَقُلْ إِنَّ الْقَاسِمَ زَعَمَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْحَقُّ، وَلَكِنْ إِنِ اضْطُرِرْتَ (٨) إِلَيْهِ عَمِلْتَ بِهِ (٩).\nوَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: (قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ تَمَّ هَذَا الْأَمْرُ وَاسْتُكْمِلَ، فَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ نَتَّبِعَ (١٠) آثَارَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا نَتَّبِعَ (١١) الرَّأْيَ، فَإِنَّهُ مَتَى اتُّبِعَ الرَّأْيُ جَاءَ رَجُلٌ آخَرُ أَقْوَى فِي الرَّأْيِ مِنْكَ فَاتَّبَعْتَهُ، فَأَنْتَ كُلَّمَا جَاءَ رَجُلٌ غَلَبَكَ اتَّبَعْتَهُ، أَرَى هَذَا لَا يَتِمُّ) (١٢). ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بِرَأْيِهِ، وَلَكِنَّ كَثِيرًا مَا كَانَ يَقُولُ بَعْدَ أَنْ يَجْتَهِدَ رَأْيَهُ فِي النَّازِلَةِ: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ (١٣) (١٤)، وَلِأَجْلِ الْخَوْفِ عَلَى مَنْ كَانَ يَتَعَمَّقُ فِيهِ لم يزل\n_________\n(١) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"حلفاء\".\n(٢) في (خ) و(ت) و(ط): \"أتكتب\".\n(٣) ساقطة من (ت).\n(٤) في (ت): \"فناولها له\"، وكلمة الصحيفة ساقطة، وكتب في الهامش \"فناوله الصحيفة\".\n(٥) رواه عنه الإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٤٤).\n(٦) بياض في (غ).\n(٧) هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، ولد في خلافة علي ﵁، وكان إمامًا قدوة حافظًا، وهو عالم المدينة في وقته مع سالم وعكرمة، مات سنة سبع ومائة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ٥٣)، طبقات ابن سعد (٥/ ١٨٧)، حلية الأولياء (٢/ ١٨٣)، شذرات الذهب (١/ ١٣٥).\n(٨) في (م) و(خ): \"اضرر\".\n(٩) رواه عنه الإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٤٤).\n(١٠) في (ر): \"تتبع\".\n(١١) في (ر): \"يتبع\".\n(١٢) رواه عنه الإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٤٤).\n(١٣) سورة الجاثية: آية (٣٢).\n(١٤) روى ذلك عنه الإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ٣٣، ١٤٦)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٢٣).","vol":"1","page":186},{"text":"يَذُمُّهُ، وَيَذُمُّ مَنْ تَعَمَّقَ فِيهِ، فَقَدْ كَانَ يُنْحَى (١) عَلَى (٢) أَهْلِ الْعِرَاقِ لِكَثْرَةِ تَصَرُّفِهِمْ بِهِ فِي الْأَحْكَامِ، فَحُكِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ أَشْيَاءَ مِنْ أَخَفِّهَا قَوْلُهُ: \"الِاسْتِحْسَانُ تِسْعَةُ أَعْشَارِ الْعِلْمِ، وَلَا يَكَادُ الْمُغْرِقُ (٣) فِي الْقِيَاسِ إِلَّا يُفَارِقُ السُّنَّةَ\" (٤).\nوَالْآثَارُ الْمُتَقَدِّمَةُ لَيْسَتْ عِنْدَ مَالِكٍ مَخْصُوصَةٌ بِالرَّأْيِ فِي الِاعْتِقَادِ. فَهَذِهِ كُلُّهُا تَشْدِيدَاتٌ فِي الرَّأْيِ وَإِنْ كَانَ جَارِيًا عَلَى الْأُصُولِ حَذَرًا مِنَ الْوُقُوعِ فِي الرَّأْيِ غَيْرِ الْجَارِي عَلَى أَصْلٍ.\nوَلِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ هُنَا كَلَامٌ كَثِيرٌ كَرِهْنَا الْإِتْيَانَ بِهِ (٥).\nوَالْحَاصِلُ مِنْ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الرَّأْيَ الْمَذْمُومَ مَا بُنِيَ عَلَى الجهل واتباع الهوى من غير أصل (٦) يُرْجَعَ إِلَيْهِ، وَمَا كَانَ مِنْهُ ذَرِيعَةً إِلَيْهِ وإن كان في أصله محمودًا، وذلك (عند الإكثار منه والاشتغال به عن النظر في الأصول، وما سواه فهو محمود لأنه) (٧) رَاجِعٌ إِلَى أَصْلٍ شَرْعِيٍّ، فَالْأَوَّلُ دَاخِلٌ تَحْتَ حَدِّ الْبِدْعَةِ، وَتَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ أَدِلَّةُ الذَّمِّ، وَالثَّانِي خارج عنه ولا يكون بدعة أبدًا.\n_________\n(١) في (ت): \"يلحى\".\n(٢) ساقطة من (غ).\n(٣) في (ت): \"المستغرق\".\n(٤) روى الشطر الأول من قوله الإمام ابن حزم في الإحكام (٦/ ١٦)، وأما الجزء الثاني فلم أجده، وقد ذكره المؤلف في الباب الثامن (٢/ ١٣٨) من المطبوع.\n(٥) ولعل المؤلف يريد ما نقله ابن عبد البر عن مالك في ذم أبي حنيفة. انظر جامع بيان العلم (٢/ ١٤٧)، ولكن الإمام ابن عبد البر عاد فتكلم عن أبي حنيفة بكلام منصف. (٢/ ١٤٨ - ١٥٠).\n(٦) في جميع النسخ \"أن\" عدا (غ).\n(٧) ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ عدا (غ).","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>فصل</span>\nالوجه السادس يُذْكَرُ فِيهِ بَعْضُ مَا فِي الْبِدَعِ مِنَ الْأَوْصَافِ الْمَحْذُورَةِ، وَالْمَعَانِي الْمَذْمُومَةِ، وَأَنْوَاعِ الشُّؤْمِ، وَهُوَ كَالشَّرْحِ لِمَا تَقَدَّمَ أَوَّلًا، وَفِيهِ زِيَادَةُ بَسْطٍ، وَبَيَانٍ زَائِدٍ (١) عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي أَثْنَاءِ الْأَدِلَّةِ. فَلْنَتَكَلَّمْ عَلَى مَا يَسَعُ ذِكْرُهُ بِحَسَبِ الْوَقْتِ وَالْحَالِ (٢).\nفَاعْلَمُوا أَنَّ الْبِدْعَةَ لَا يُقْبَلُ مَعَهَا عِبَادَةٌ مِنْ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ وَلَا صَدَقَةٍ وَلَا غَيْرِهَا مِنَ الْقُرُبَاتِ. وَمُجَالِسُ صَاحِبِهَا تُنْزَعُ مِنْهُ الْعِصْمَةُ وَيُوكَلُ إِلَى نَفْسِهِ، وَالْمَاشِي إِلَيْهِ وَمُوَقِّرُهُ مُعِينٌ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ، فَمَا الظَّنُّ بِصَاحِبِهَا؟ وَهُوَ مَلْعُونٌ عَلَى لِسَانِ الشَّرِيعَةِ، وَيَزْدَادُ (٣) مِنَ اللَّهِ بِعِبَادَتِهِ بُعْدًا، وَهِيَ (٤) مَظِنَّةُ إِلْقَاءِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ، وَمَانِعَةٌ مِنَ الشَّفَاعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَرَافِعَةٌ لِلسُّنَنِ الَّتِي تُقَابِلُهَا، وَعَلَى مُبْتَدِعِهَا إِثْمُ (٥) مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ، وتلقى عليه الذلة (في الدنيا) (٦) وَالْغَضَبُ مِنَ اللَّهِ، وَيُبْعَدُ عَنْ حَوْضِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَيُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَعْدُودًا فِي الْكُفَّارِ الْخَارِجِينَ عَنِ الملة، وسؤ (٧) الْخَاتِمَةِ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الدُّنْيَا، وَيَسْوَدُّ وَجْهُهُ في الآخرة، ويعذب بِنَارِ جَهَنَّمَ، وَقَدْ تَبَرَّأَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَتَبَرَّأَ مِنْهُ الْمُسْلِمُونَ، وَيُخَافُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ فِي الدُّنْيَا زِيَادَةً إِلَى عذاب الآخرة.\n_________\n(١) في (م): \"زائدًا\".\n(٢) سوف يذكر المؤلف ما في البدع من الأوصاف المذمومة على وجه الإجمال ثم يفصل القول في كل وصف على حده.\n(٣) في (ت): \"ويزدا\".\n(٤) أي البدعة.\n(٥) في (ت): \"ثم\"، وصححت فوق الكلمة.\n(٦) ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ عدا (غ)، وفي (ر): \"الرضا\".\n(٧) أي ويخاف عليه سوء الخاتمة.","vol":"1","page":188},{"text":"فَأَمَّا (١) أَنَّ الْبِدْعَةَ لَا يُقْبَلُ مَعَهَا عَمَلٌ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ (٢) أَنَّهُ قَالَ: (كَانَ بعض أهل العلم يقول: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ ذِي بِدْعَةٍ صَلَاةً وَلَا صِيَامًا وَلَا صَدَقَةً وَلَا جِهَادًا وَلَا حَجًّا (٣) وَلَا عُمْرَةً وَلَا صَرْفًا وَلَا عَدْلًا) (٤).\nوَفِيمَا كَتَبَ بِهِ أَسَدُ بْنُ مُوسَى (٥): (وَإِيَّاكَ أن يكون لك من أهل (٦) الْبِدَعِ أَخٌ أَوْ جَلِيسٌ أَوْ صَاحِبٌ، فَإِنَّهُ جَاءَ الْأَثَرُ (مَنْ (٧) جَالَسَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ نُزِعَتْ منه العصمة، ووكل إلى نفسه) (٨)، و(من مشى إلى صاحب بدعة مشى في (٩) هَدْمِ الْإِسْلَامِ) (١٠)، وَجَاءَ: (مَا مِنْ إِلَهٍ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَبْغَضُ إِلَى اللَّهِ مِنْ صَاحِبِ هَوًى) (١١)، وَوَقَعَتِ اللَّعْنَةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْهُمْ صَرْفًا وَلَا عدلًا فَرِيضَةً (١٢) وَلَا تَطَوُّعًا (١٣)، وَكُلَّمَا ازْدَادُوا اجْتِهَادًا - صَوْمًا وَصَلَاةً - ازْدَادُوا مِنَ اللَّهِ بُعْدًا. فَارْفُضْ مُجَالَسَتَهُمْ (١٤)، وأذلهم وأبعدهم كما أبعدهم الله (١٥) وَأَذَلَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأئمة الهدى بعده\" (١٦).\n_________\n(١) من هنا يبدأ المؤلف بتفصيل ما أجمله.\n(٢) تقدمت ترجمته ﵀ (ص١٧).\n(٣) مطموسة في (ت).\n(٤) رواه عنه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص١١)، ورواه الإمام الآجري عن الحسن في كتاب الشريعة (ص٦٤)، والإمام اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١/ ١٣٩)، وذكره الإمام ابن بطة في الإبانة الصغرى (ص١٤٢).\n(٥) تقدمت ترجمته (ص١٣٩). وهذه الكتابة كتبها إلى أسد بن الفرات.\n(٦) هذه الكلمة ساقطة من جميع النسخ عدا (غ).\n(٧) مطموسة في (ت).\n(٨) تقدم تخريجه (ص١٥٠).\n(٩) في جميع النسخ \"إليَّ\" عدا (غ).\n(١٠) تقدم تخريجه (ص١٢٧).\n(١١)، روى ابن أبي عاصم في السنة مرفوعًا: \"ما تحت ظل السماء إله يعبد من دون الله أعظم عند الله من هوى متبع\". وأخرجه ابن عدي في الكامل (٥/ ٧١٥)، والطبراني في الكبير (٧٥٠٢)، وابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١٣٩)، وحكم عليه الشيخ الألباني بأنه موضوع كما في تعليقه على السنة.\n(١٢) في (ط): \"ولا فريضة\"، وفي (ت): \"لا فريضة\" بدون الواو.\n(١٣) تقدم تخريج الحديث (ص١٢٠).\n(١٤) في (ر): \"مجالسهم\".\n(١٥) أثبتها من (ر)، وغير موجودة في بقية النسخ.\n(١٦) روى هذا القول لأسد بن موسى ﵀ الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص١٢ - ١٤) بلفظ أطول.","vol":"1","page":189},{"text":"وَكَانَ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ (١) يَقُولُ: (مَا ازْدَادَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ اجْتِهَادًا إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا) (٢).\nوَقَالَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ (٣): (لَا يَقْبَلُ اللَّهُ (٤) مِنْ صَاحِبِ بِدْعَةٍ صَلَاةً وَلَا صِيَامًا وَلَا زَكَاةً وَلَا حَجًّا وَلَا جِهَادًا وَلَا عُمْرَةً وَلَا صَدَقَةً وَلَا عِتْقًا وَلَا صَرْفًا وَلَا عَدْلًا) (٥).\nوَخَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمر ﵄ قَالَ: (مَنْ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّ مَعَ اللَّهِ قَاضِيًا أَوْ رَازِقًا أَوْ يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضَرًّا أَوْ نَفْعًا أَوْ مَوْتًا أَوْ حَيَاةً أَوْ نُشُورًا، لَقِيَ اللَّهَ (٦) فَأَدْحَضَ حُجَّتَهُ، وَأَخْرَسَ (٧) لِسَانَهُ، وَجَعَلَ صَلَاتَهُ وَصِيَامَهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٨)، وَقَطَعَ بِهِ الْأَسْبَابَ، وَكَبَّهُ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ) (٩).\nوَهَذِهِ الأحاديث وما كان نحوها - مما ذكرناه أو لم نذكره - (وإن لم) (١٠) نتضمن (١١) عهدة (١٢) صِحَّتِهَا كُلُّهَا، فَإِنَّ الْمَعْنَى الْمُقَرَّرَ فِيهَا لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ أَصْلٌ صَحِيحٌ لَا مَطْعَنَ فِيهِ.\nأَمَّا أَوَّلًا: فَإِنَّهُ قَدْ (١٣) جَاءَ فِي بَعْضِهَا مَا يَقْتَضِي عَدَمَ الْقَبُولِ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ كَبِدْعَةِ الْقَدَرِيَّةِ (١٤) حَيْثُ قَالَ فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بن عمر ﵄: (إِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وأنهم برآء مني، فوالذي\n_________\n(١) تقدمت ترجمته ﵀ (ص١٤٧).\n(٢) تقدم تخريجه (ص١٤٨).\n(٣) تقدمت ترجمته ﵀ (ص١٤٩).\n(٤) لفظ الجلالة لا يوجد في (م).\n(٥) تقدم تخريجه (ص١٤٩).\n(٦) لفظ الجلالة لا يوجد في (م)، وغير واضح في (ت).\n(٧) في (م) و(خ): \"أخرص\" بالصاد.\n(٨) ساقطة من (غ) و(ر).\n(٩) أخرجه ابن وهب في كتاب القدر برقم (٤)، (٢٥).\n(١٠) ما بين المعكوفين مثبت في (غ) وساقط من بقية النسخ.\n(١١) في (ط): \"تتضمن\"، وفي بقية النسخ (يتضمن)، والمثبت من (غ).\n(١٢) في (خ) و(ط): \"عمدة\".\n(١٣) ساقطة من (غ).\n(١٤) وهم نفاة القدر، وقد تقدم التعريف بهم (ص١١).","vol":"1","page":190},{"text":"يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمْ مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ مَا تَقَبَّلَهُ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ\" (١). ثُمَّ اسْتَشْهَدَ بِحَدِيثِ جِبْرِيلَ الْمَذْكُورِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٢).\nوَمِثْلُهُ حَدِيثُ الْخَوَارِجِ وَقَوْلُهُ فِيهِ: (يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ)، بَعْدَ قَوْلِهِ: (تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ (مَعَ صَلَاتِهِمْ) (٣) وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ وَأَعْمَالَكُمْ مَعَ أَعْمَالِهِمْ) (٤). الْحَدِيثَ.\nوَإِذَا ثَبَتَ في بعضهم هذا لأجل بدعته (٥)، فكل مبتدع يخاف عليه (أن يكون) (٦) مثل من ذكر (٧).\nوأما ثانيًا: فإن كون (٨) الْمُبْتَدِعُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ عَمَلٌ، إِمَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ لَهُ بِإِطْلَاقٍ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ وَقَعَ مِنْ وِفَاقِ سُّنَّةٍ أَوْ خِلَافِهَا، وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ (٩) أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا ابْتَدَعَ فِيهِ خَاصَّةً دُونَ مَا لَمْ يَبْتَدِعْ فِيهِ.\nفَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَيُمْكِنُ عَلَى أَحَدِ أَوْجُهٍ ثَلَاثَةٍ:\nالْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ أَنَّ كُلَّ مُبْتَدِعٍ أَيَّ بِدْعَةٍ كَانَتْ، فَأَعْمَالُهُ لَا تُقْبَلُ مَعَهَا، دَاخَلَتْهَا تِلْكَ الْبِدْعَةُ أَمْ لَا. وَيُشِيرُ إِلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورُ آنِفًا (١٠)، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ وَعَلَيْهِ سَيْفٌ فِيهِ صَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ، فقال: والله ما عندنا\n_________\n(١) انظر قوله ﵁ في صحيح مسلم، كتاب الإيمان (١/ ١٥٦)، والشريعة للآجري (ص١٨٨).\n(٢) وفيه سؤال جبريل ﵇ لنبينا ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان، انظره في الموضع السابق.\n(٣) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).\n(٤) تقدم تخريج الحديث (ص١٢).\n(٥) في (ط): \"بدعة\".\n(٦) ما بين المعكوفين مثبت في (غ)، وساقط من بقية النسخ.\n(٧) في (خ) و(ط): \"ذكره\"، وفي (ت): \"ذكروا\".\n(٨) في (ط): \"كان\".\n(٩) المثبت من (غ) و(ر)، وفي بقية النسخ (يريد).\n(١٠) في (غ) \"أيضًا\".","vol":"1","page":191},{"text":"كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، فَنَشَرَهَا فَإِذَا فِيهَا أَسْنَانُ الْإِبِلِ، وَإِذَا فِيهَا: (الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ عَيْرٍ (١) إِلَى كَذَا. مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ (٢) صَرْفًا وَلَا عَدْلًا) (٣). وَذَلِكَ عَلَى رَأْيِ مَنْ فَسَّرَ الصَّرْفَ وَالْعَدْلَ بِالْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ (٤). وَهَذَا شَدِيدٌ جِدًّا عَلَى أَهْلِ الْإِحْدَاثِ فِي الدِّينِ.\nالثَّانِي (٥): أَنْ تَكُونَ (٦) بِدْعَتُهُ أَصْلًا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ سَائِرُ الْأَعْمَالِ، كَمَا إِذَا (٧) ذَهَبَ إِلَى إِنْكَارِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ بِإِطْلَاقٍ (٨)، فَإِنَّ عَامَّةَ (٩) التَّكْلِيفِ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْأَمْرَ إِنَّمَا يَرِدُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنْ (١٠) كِتَابِ اللَّهِ أَوْ مِنْ سُنَّةِ رسوله، وما تفرع منهما (١١) راجع إليهما.\n_________\n(١) في (خ)، \"يمر\" وصححت في هامشها، وهو اسم جبل في المدينة، وتقدم الحديث بلفظ \"من عير إلى ثور\" (ص١٢٠).\n(٢) في (ت): \"له\".\n(٣) تقدم تخريج الحديث (ص١٢٠).\n(٤) وهو قول الجمهور كما ذكره الإمام ابن حجر في الفتح (٤/ ٨٦)، وتقدم الكلام عليهما (ص١٢٠).\n(٥) أي الوجه الثاني لعدم قبول أعمال المبتدع مطلقًا.\n(٦) في (ت): \"يكون\".\n(٧) ساقطة من (غ).\n(٨) أهل السنة والجماعة يقبلون خبر الأحاد إذا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، سواء كان في المسائل العلمية أو العملية، وقد ذهب إلى إنكاره الرافضة والقاساني وابن داود وبعض أهل الظاهر، انظر نسبة ذلك إليهم في: الإحكام للآمدي (٢/ ٦٥)، روضة الناظر لابن قدامة (١/ ٢٢٢)، مذكرة أصول الفقه للشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ص١٠٧)، السنة ومكانتها في التشريع للشيخ مصطفى السباعي (ص١٦٧)، وانظر في المسألة أيضًا: المحصول للرازي (٢/ ١٧٠) أصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي (١/ ٤٦٧) ومن المبتدعة من ذهب إلى رد حديث الآحاد في مسائل العقيدة دون مسائل الفقه وهو قول الجهمية والمعطلة والمعتزلة والرافضة، وهو خلاف عقيدة أهل السنة والجماعة.\nوانظر في الرد عليهم: الصواعق المرسلة لابن القيم (ص٤٧٠ - ٥٣٢)، شرح الطحاوية لابن أبي العز (ص٣٥٤)، مذكرة أصول الفقه للشيخ الشنقيطي (ص١٠٤)، الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام للشيخ الألباني، رد شبهات الإلحاد عن أحاديث الآحاد للشيخ عبد العزيز بن راشد النجدي.\n(٩) بياض في (غ).\n(١٠) في (خ): تحتمل \"فهي\".\n(١١) في (م) و(ت): \"منه\".","vol":"1","page":192},{"text":"فَإِنْ كَانَ وَارِدًا مِنَ السُّنَّةِ فَمُعْظَمُ نَقْلِ السُّنَّةِ بِالْآحَادِ، بَلْ قَدْ أَعْوَزَ أَنْ يُوجَدَ حَدِيثٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١) مُتَوَاتِرًا (٢).\nوَإِنْ كَانَ وَارِدًا مِنَ الْكِتَابِ فَإِنَّمَا تُبَيِّنُهُ السُّنَّةُ.\nفَكُلُّ مَا لَمْ يُبَيَّنْ فِي الْقُرْآنِ فَلَا بُدَّ لِمُطَّرِحِ نَقْلِ الْآحَادِ أن يستعمل فيه (٣) رأيه، وَهُوَ الِابْتِدَاعُ بِعَيْنِهِ.\nفَيَكُونُ كُلُّ (٤) فَرْعٍ يَنْبَنِي على ذلك بدعة (٥)، لَا (٦) يُقْبَلُ مِنْهُ شَيْءٌ (٧)، كَمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: (كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ (٨) أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) (٩)، وَكَمَا إِذَا كَانَتِ البدعة (في النية) (١٠) الَّتِي يَنْبَنِي عَلَيْهَا كُلُّ عَمَلٍ، فَإِنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى.\nوَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْأَعْمَالَ إِنَّمَا تَلْزَمُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الْأَوْلِيَاءِ الْمُكَاشَفِينَ بِحَقَائِقِ التَّوْحِيدِ، فَأَمَّا مَنْ رُفِعَ لَهُ الحجاب وكوشف\n_________\n(١) سقطت من (ت).\n(٢) لا شك أن الأحاديث المتواترة قليلة بالنسبة للآحاد، ولكنها في نفس الوقت ليست نادرة الوجود، فقد قال الإمام السيوطي في تدريب الراوي نقلًا عن شيخ الإسلام ما ادعاه ابن الصلاح عن عزة المتواتر، وكذا \"ما ادعاه غيره من العدم ممنوع لأن ذلك نشأ عن قلة الاطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال وصفاتهم المقتضية لإبعاد العادة أن يتواطؤا على الكذب، أو يحصل منهم اتفاقًا، قال: ومن أحسن ما يقرر به كون المتواتر موجودًا وجود كثرة في الأحاديث، أن الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقًا وغربًا المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مؤلفيها، إذا اجتمعت على إخراج حديث، وتعددت طرقه تعددًا تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، أفاد العلم اليقيني بصحته إلى قائله، قال: ومثل ذلك في الكتب المشهورة كثيرة، قال الإمام السيوطي: قلت: قد ألفت في هذا النوع كتابًا لم أسبق إلى مثله، سميته الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة ... \" انظر تدريب الراوي (٢/ ١٧٨).\n(٣) ساقطة من (ط).\n(٤) مثبتة من (غ) و(ر)، وساقطة من بقية النسخ.\n(٥) ساقط من (ط).\n(٦) في (غ) و(ر): \"فلا\".\n(٧) غير واضحة في (ت).\n(٨) كتبت في (ت) فوق السطر.\n(٩) تقدم تخريجه (ص١١٤).\n(١٠) ما بين المعكوفين مثبت من (غ) وساقط من بقية النسخ.","vol":"1","page":193},{"text":"بِحَقِيقَةِ مَا هُنَالِكَ، فَقَدِ ارْتَفَعَ التَّكْلِيفُ عَنْهُ، بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَصْلٍ هُوَ كُفْرٌ صَرِيحٌ لا يليق في هذا الموضع ذكره (١).\nومثله (٢) مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ (٣) بَعْضُ الْمَارِقِينَ مِنْ إِنْكَارِ الْعَمَلِ بِالْأَخْبَارِ النَّبَوِيَّةِ جَاءَتْ تَوَاتُرًا أَوْ آحَادًا، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ (٤).\nوَفِي الترمذي عن أبي رافع (٥) ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (٦): \"لَا أَلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ متكئًا على أريكته (٧) يأتيه أَمْرِي مِمَّا (٨) أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي! مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ\". حَدِيثٌ حَسَنٌ (٩).\nوَفِي رِوَايَةٍ: \"أَلَا هَلْ عَسَى رَجُلٌ يَبْلُغُهُ عَنِّي الْحَدِيثُ (١٠) وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، قَالَ: فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَلَالًا حَلَّلْنَاهُ (١١)، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَرَامًا حَرَّمْنَاهُ، وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ\" حَدِيثٌ حسن (١٢).\n_________\n(١) وقد عد شيخ الإسلام ابن تيمية هذا القول من أعظم الكفر، بل عده شر من قول اليهود والنصارى. انظر قوله ﵀ ورده عليهم في الفتاوى (١١/ ٤٠١ - ٤٣٣)، وانظر تلبيس إبليس لابن الجوزي (ص٤٤٣ - ٤٤٥)، وهو قول غلاة الصوفية.\n(٢) المثبت من (غ)، وفي بقية النسخ \"وأمثلة\".\n(٣) كتبت في (ت): فوق السطر.\n(٤) وهذا القول الباطل منسوب إلى غلاة الروافض. ويظهر أنه قول قديم، فقد ناقش الإمام الشافعي أصحابه في كتابه الأم (٧/ ٢٥٠)، وانظر رد الإمام ابن حزم عليهم في الإحكام (٢/ ٨٠)، ومع تهافت هذا المذهب فقد وجد من يدعو إليه في العصر الحديث كفرقة (القرآنيون). وانظر رد شبههم في كتاب السنة ومكانتها في التشريع للشيخ مصطفى السباعي (ص١٥٣ - ١٦٦)، وكتاب فرقة أهل القرآن وموقف الإسلام منها لخادم إلهي بخش.\n(٥) تقدمت ترجمته ﵁ (ص١٣٧).\n(٦) كتبت في (ت): فوق السطر.\n(٧) هو كل ما اتكئ عليه، وقيل غير ذلك. وتقدم (ص١٣٨).\n(٨) المثبت من (غ)، وهو الموافق للرواية، وفي بقية النسخ \"فيما\".\n(٩) تقدم تخريجه (ص١٣٨).\n(١٠) في (ر): \"الحديث عني\".\n(١١) في (غ) و(ر): \"استحللناه\".\n(١٢) وهي الرواية الثانية عند الترمذي برقم (٢٤٦٤).","vol":"1","page":194},{"text":"وَإِنَّمَا جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى الذَّمِّ، وَإِثْبَاتِ أَنَّ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ كَكِتَابِ اللَّهِ، فَمَنْ تَرَكَ ذَلِكَ فَقَدْ بَنَى أَعْمَالَهُ عَلَى رَأْيِهِ لَا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ (١) وَلَا عَلَى سُنَّةِ رسول الله ﷺ.\nومن الأمثلة: ما (٢) إِذَا كَانَتِ الْبِدْعَةُ تُخْرِجُ صَاحِبَهَا عَنِ الْإِسْلَامِ بِاتِّفَاقٍ أَوْ بِاخْتِلَافٍ، إِذْ لِلْعُلَمَاءِ فِي تَكْفِيرِ أَهْلِ الْبِدَعِ قَوْلَانِ (٣). وَفِي الظَّوَاهِرِ (٤) مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كَقَوْلِهِ ﵇ فِي بَعْضِ روايات حديث الخوارج حين ذكر السهم بصفة (٥) الخروج (٦) من الرمِيَّة سَبَقَ (٧) الفرث والدم (٨).\nومن الآيات قوله سبحانه: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٩) الآية ونحو (ذلك من) (١٠) الظَّوَاهِرِ الْمُتَقَدِّمَةِ.\nالْوَجْهُ الثَّالِثُ (١١): أَنَّ صَاحِبَ الْبِدْعَةِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ التَّعَبُّدِيَّةِ أَوْ غَيْرِهَا قَدْ يَجُرُّهُ اعْتِقَادُ بِدْعَتِهِ الْخَاصَّةِ إِلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي يُصَيِّرُ اعْتِقَادَهُ فِي الشَّرِيعَةِ ضَعِيفًا، وَذَلِكَ يُبْطِلُ عليه جميع عمله.\n_________\n(١) لفظ الجلالة غير موجود في جميع النسخ عدا (غ) و(ر).\n(٢) ساقطة من (ط).\n(٣) وهذا القول ليس على الإطلاق في كل بدعة، وإنما المراد بعض البدع العظيمة، كبدعة الخوارج التي ذكرها المؤلف هنا. وتقدم الكلام على مسألة تكفيرهم (ص٧٩). وسيطرق المؤلف مسألة تكفير المبتدعة أيضًا في الباب التاسع (٢/ ١٩٤ - ١٩٨، ٢٠٢ ـ٢٠٦، ٢٤٦ - ٢٤٩).\n(٤) في (ت): \"الظر\".\n(٥) في (خ) و(ط): \"بصيغة\".\n(٦) في (م)، و(خ) و(ط): \"الخوارج\" وفي (ت): \"الخارج\"، والمثبت من (غ).\n(٧) في (خ) و(ت) و(ط): \"بين\"، والصواب المثبت، وهو الموافق للرواية.\n(٨) هذه الرواية في حديث أبي سعيد عند البخاري، كتاب المناقب، برقم (٣٦١٠) (٦/ ٦١٧ - ٦١٨)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة (٧/ ١٦٥)، وأحمد في المسند (٣/ ٥٦)، ورواها عبد الله بن عمرو بن العاص أيضًا كما في المسند (٢/ ٢١٩).\n(٩) سورة آل عمران: آية (١٠٦).\n(١٠) ساقط من (ط).\n(١١) أي من أوجه عدم قبول أعمال المبتدع بإطلاق، وفي (ر): \"والوجه\".","vol":"1","page":195},{"text":"بيان ذلك بأمثلة (١):\nمنها أن يشرك (٢) العقل مع الشرع في التشريع (وهي طريقة أهل التحسين والتقبيح، ولذلك يقولون إن العقل يستقل بالتشريع) (٣)، وَإِنَّمَا يَأْتِي الشَّرْعُ (٤) كَاشِفًا لِمَا اقْتَضَاهُ الْعَقْلُ، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ حَكَّمَ هَؤُلَاءِ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ شَرْعَهُ أَمْ عُقُولَهُمْ؟ بَلْ صَارَ الشَّرْعُ فِي نِحْلَتِهِمْ كَالتَّابِعِ الْمُعِينِ (٥)، لَا حَاكِمًا مُتَّبَعًا، وَهَذَا هُوَ التَّشْرِيعُ الَّذِي لَمْ يَبْقَ لِلشَّرْعِ مَعَهُ أَصَالَةٌ، فَكُلُّ مَا عَمِلَ هَذَا الْعَامِلُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ عَقْلُهُ، وَإِنْ شَرَكَ الشَّرْعَ فَعَلَى حُكْمِ الشَّرِكَةِ، لَا عَلَى إِفْرَادِ الشَّرْعِ، فَلَا يَصِحُّ بِنَاءً عَلَى الدَّلِيلِ (٦) الدَّالِّ عَلَى إِبْطَالِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ، إِذْ هُوَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْكَلَامِ (٧) مِنْ مَشْهُورِ الْبِدَعِ، وكل بدعة ضلالة (٨).\n_________\n(١) في (م) و(خ) و(ط): \"أمثلة\".\n(٢) في (ت): \"يتركب\" وفي (م) و(خ) و(ت): \"يترك\"، والمثبت ما في (غ) و(ر).\n(٣) ما بين المعكوفين مثبت من (غ) و(ر)، وهو ساقط من بقية النسخ.\n(٤) الشين غير واضحة في (ت).\n(٥) ساقطة من (ت).\n(٦) كتبت مرتين في (ت).\n(٧) تقدم هذا الإطلاق للمؤلف، وأنه يريد به علماء العقيدة والأولى استعمال لفظ أنسب لذم الكلام وأهله عند السلف.\n(٨) وهذا القول هو قول المعتزلة والكرامية وغيرهم من أهل المذاهب، فقد ذهبوا إلى أن حسن الأفعال وقبحها صفات ذاتية لها، وأن الشرع ليس له دور إلا الكشف عن تلك الصفات، ورتبوا على ذلك قولهم الباطل، وهو أنه يجب على الله ﷾ فعل ما استحسنه العقل، ويحرم عليه سبحانه فعل ما استقبحه العقل، وقد بنوا على ذلك نفيهم للقدر، ولكن كثيرًا ممن قال بالتحسين والتقبيح العقلي لم يقل بنفي القدر، ولا التزم بما التزم به المعتزلة، لكن القول بأنه لا يقبل لأصحاب هذا القول عمل فيه نظر.\nوقد ذهب الأشاعرة ومن تبعهم من أهل المذاهب إلى نفي التحسين والتقبيح العقليين، وقالوا بأن حسن الأفعال وقبحها لا يعرف إلا بالشرع. ويلزم على قولهم لوازم فاسدة قد التزموها وقالوا بها كجواز ظهور المعجزة على يد الكاذب وأن ذلك ليس بقبيح، وأنه يجوز نسبة الكذب إلى أصدق الصادقين، وأنه لا يقبح منه، وأنه يستوي التثليث والتوحيد قبل ورود الشرع .. وغير ذلك من اللوازم التي انبنت على أن هذه الأشياء لم تقبح بالعقل، وإنما جهة قبحها السمع فقط. انظر مفتاح دار السعادة لابن القيم (٢/ ٤٢).=","vol":"1","page":196},{"text":"وَمِنْهَا أَنَّ (١) الْمُسْتَحْسِنَ لِلْبِدَعِ يَلْزَمُهُ عَادَةً أَنْ يَكُونَ الشَّرْعُ عِنْدَهُ لَمْ يَكْمُلْ بَعْدُ، فَلَا يَكُونُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٢) مَعْنًى يُعْتَبَرُ بِهِ (٣) عِنْدَهُمْ، وَمُحْسِنُ الظَّنِّ مِنْهُمْ يَتَأَوَّلُهَا حَتَّى يُخْرِجَهَا عَنْ ظَاهِرِهَا. وَذَلِكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْفِرَقَ الَّتِي تَبْتَدِعُ الْعِبَادَاتِ أَكْثَرُهَا مِمَّنْ يُكْثِرُ الزُّهْدَ وَالِانْقِطَاعَ وَالِانْفِرَادَ عَنِ الْخَلْقِ، وَإِلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ يَجْرِي أَغْمَارُ (٤) الْعَوَامِّ، وَالَّذِي يَلْزَمُ الْجَمَاعَةَ وَإِنْ كَانَ أَتْقَى خَلْقِ اللَّهِ لَا يُعِدُّونَهُ إِلَّا مِنَ الْعَامَّةِ. وَأَمَّا الْخَاصَّةُ فَهُمْ أَهْلُ تِلْكَ الزِّيَادَاتِ، وَلِذَلِكَ تَجِدُ كَثِيرًا مِنَ المغترين بِهِمْ، وَالْمَائِلِينَ إِلَى جِهَتِهِمْ، يَزْدَرُونَ بِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ (٥) لَمْ يَنْتَحِلْ مِثْلَ مَا انْتَحَلُوا، وَيَعُدُّونَهُمْ مِنَ الْمَحْجُوبِينَ عَنْ أَنْوَارِهِمْ، فَكُلُّ مَنْ يَعْتَقِدُ هَذَا الْمَعْنَى يَضْعُفُ فِي يَدِهِ قَانُونُ الشَّرْعِ الَّذِي ضَبَطَهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ، وَبَيَّنَ حُدُودَهُ الْفُقَهَاءُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، إِذْ لَيْسَ هُوَ عِنْدَهُ فِي طريق السلوك بمنهض حتى يدخل مداخل\n_________\n=وقد ذهب الأشاعرة بناء على هذا إلى نفي الحكمة عن الله تعالى، ولكن من ذهب إلى نفي التحسين والتقبيح العقليين من غير الأشاعرة لم يقل بنفي الحكمة والأسباب.\nوقد توسط أهل السنة في هذه المسألة، فقالوا بأن الحسن والقبح يدركان بالعقل ولكن ذلك لا يستلزم حكمًا في فعل العبد، بل يكون الفعل صالحًا لاستحقاق الأمر والنهي، والثواب والعقاب من الحكيم الذي لا يأمر بنقيض ما أدرك العقل حسنه، أو ينهى عن نقيض ما أدرك العقل قبحه، عملًا في ذلك بمقتضى الحكمة التي هي صفة من صفاته سبحانه ... وهذا قول عامة السلف وأكثر المسلمين.\nانظر هذه المسألة: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٨/ ٤٢٨ - ٤٣٦)، (١١/ ٦٧٦ - ٦٧٧)، درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٤٩٢)، مفتاح دار السعادة للإمام ابن القيم (ص٣٣٤ - ٤٤٦)، شفاء العليل (ص٣٩١ - ٤٣٤)، مدارج السالكين (١/ ٢٣٠)، لوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ٢٨٤)، حقيقة البدعة وأحكامها للأستاذ سعيد بن ناصر الغامدي، وانظر قول المعتزلة في المغني للقاضي عبد الجبار (١٤/ ٧ - ١٨٠)، وقول الأشاعرة في المواقف للإيجي (ص٣٢٣)، والإرشاد للجويني (ص٢٢٨).\n(١) ساقطة من (ت).\n(٢) سورة المائدة: آية (٣).\n(٣) ساقطة من (ت).\n(٤) في (م) و(غ) و(ر): \"غمار\"، قال في الصحاح: \"والغمرة: الزحمة من الناس والماء، والجمع غمار، ودخلت في غمار الناس وغمار الناس، يضم ويفتح، أي في زحمتهم وكثرتهم. ورجل غمر: لم يجرب الأمور\". الصحاح للجوهري (٢/ ٧٧٢ - ٧٧٣).\n(٥) في (ت): \"مثل من\".","vol":"1","page":197},{"text":"خاصتهم، وعند ذلك لا يبقى للعمل (١) فِي أَيْدِيهِمْ رُوحُ الِاعْتِمَادِ الْحَقِيقِيِّ، وَهُوَ بَابُ عَدَمِ الْقَبُولِ فِي (تِلْكَ) (٢) الْأَعْمَالِ، وَإِنْ كَانَتْ بِحَسَبِ ظَاهِرِ الْأَمْرِ مَشْرُوعَةً، لِأَنَّ الِاعْتِقَادَ فِيهَا أَفْسَدَهَا عَلَيْهِمْ، فَحَقِيقٌ أَنْ (٣) لَا يُقْبَلَ مِمَّنْ (٤) هَذَا شَأْنُهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.\nوَأَمَّا الثَّانِي (٥): وَهُوَ أَنْ يُرَادَ بِعَدَمِ الْقَبُولِ لِأَعْمَالِهِمْ مَا ابْتَدَعُوا فِيهِ خَاصَّةً، فَيَظْهَرُ أَيْضًا، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ: (كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عليه أمرنا فهو رد) (٦). وجميع (٧) (ما جاء) (٨) مِنْ قَوْلِهِ: (كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) (٩)، أَيْ إِنَّ صَاحِبَهَا لَيْسَ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَهُوَ مَعْنَى عدم القبول، وفاق قول الله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١٠).\nوَصَاحِبُ الْبِدْعَةِ لَا يَقْتَصِرُ فِي الْغَالِبِ عَلَى الصَّلَاةِ دُونَ الصِّيَامِ، وَلَا عَلَى الصِّيَامِ دُونَ الزَّكَاةِ، وَلَا عَلَى الزَّكَاةِ دُونَ الْحَجِّ، وَلَا عَلَى الْحَجِّ دُونَ الْجِهَادِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ، لِأَنَّ الْبَاعِثَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ حَاضِرٌ مَعَهُ فِي الْجَمِيعِ، وَهُوَ الْهَوَى وَالْجَهْلُ بِشَرِيعَةِ اللَّهِ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ (١١).\nوَفِي الْمَبْسُوطَةِ (١٢) عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى (١٣) أَنَّهُ ذكر الأعراف وأهله\n_________\n(١) في (ط): \"لعمل\".\n(٢) في (م) و(خ) و(ت): \"ذلك\".\n(٣) في (ت): \"أنه\".\n(٤) في (ت): \"لمن\".\n(٥) وتقدم الأول وهو أن يراد عدم قبول أعمالهم بإطلاق.\n(٦) تقدم تخريجه (ص١١٤).\n(٧) في (خ) و(ت) و(ط)، \"والجميع\".\n(٨) ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).\n(٩) تقدم تخريجه (ص١١٥).\n(١٠) سورة الأنعام: آية (١٥٣).\n(١١) وذلك في بداية الباب الرابع (١/ ٢٢١) من المطبوع.\n(١٢) ذكر هذا الكتاب الإمام ابن حجر في الفتح، وعزاه لابن نافع. انظر الفتح (١/ ٣٠٥)، وابن نافع هو أحد تلامذة الإمام مالك.\n(١٣) هو أبو محمد يحيى بن يحيى بن كثير الليثي القرطبي، الإمام، الحجة، رئيس علماء الأندلس وفقيهها، سمع الموطأ من مالك، وتفقه به من لا يحصى كثرة، وبه=","vol":"1","page":198},{"text":"فَتَوَجَّعَ وَاسْتَرْجَعَ، ثُمَّ قَالَ: (قَوْمٌ أَرَادُوا وَجْهًا مِنَ الْخَيْرِ فَلَمْ يُصِيبُوهُ)، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَفَيُرْجَى لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لِسَعْيِهِمْ ثَوَابٌ؟ قَالَ (١): (لَيْسَ فِي خِلَافِ السُّنَّةِ رَجَاءُ ثواب) (٢).\nوَأَمَّا أَنَّ صَاحِبَ الْبِدْعَةِ تُنْزَعُ مِنْهُ الْعِصْمَةُ وَيُوكَلُ إِلَى نَفْسِهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُهُ (٣)، وَمَعْنَاهُ ظاهر جدًا، فإن الله بَعَثَ إِلَيْنَا مُحَمَّدًا ﷺ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ حَسْبَمَا أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ، وَقَدْ كُنَّا قَبْلَ طُلُوعِ ذَلِكَ النُّورِ الْأَعْظَمِ لَا نَهْتَدِي سَبِيلًا، وَلَا نَعْرِفُ مِنْ مَصَالِحِنَا الدُّنْيَوِيَّةِ إِلَّا قَلِيلًا عَلَى غَيْرِ كَمَالٍ، وَلَا مِنْ مَصَالِحِنَا الْأُخْرَوِيَّةِ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، بَلْ كَانَ كُلُّ أَحَدٍ يَرْكَبُ هَوَاهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ (مَا فِيهِ) (٤)، وَيَطْرَحُ هَوَى غَيْرِهِ فَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ، فَلَا يَزَالُ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ وَالْفَسَادُ فِيهِمْ يَخُصُّ وَيَعُمُّ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ لِزَوَالِ الرَّيْبِ وَالِالْتِبَاسِ، وَارْتِفَاعِ الْخِلَافِ الْوَاقِعِ بَيْنَ النَّاسِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ (٥)، وقوله: (﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ معناه: فاختلفوا فبعث الله النبيين كما قال) (٦) ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ (٧).\n_________\n=وبعيسى بن دينار انتشر مذهب مالك بالأندلس. توفي سنة ٢٣٤هـ.\nانظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (١/ ٥٣٤)، شجرة النور الزكية لمحمد مخلوف (ص٦٣ - ٦٤)، تقريب التهذيب (٢/ ٣٦٠).\n(١) في (ت): \"فقال\".\n(٢) أكثر الأقوال في المراد بأهل الأعراف أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، وقد أورد الإمام السيوطي في الدر المنثور عند ذكر آية الأعراف أحاديث تدل على أنهم قوم قتلوا في سبيل الله وهم عاصون لآبائهم، فمنعوا الجنة بمعصية آبائهم، ومنعوا النار بقتلهم في سبيل الله. انظر: الدر المنثور (٣/ ٤٦٤ - ٤٦٥)، فتح القدير للإمام الشوكاني (٢/ ٢٠٩)، ولعل هذا المعنى أقرب إلى مراد يحيى بن يحيى فيما نقل عنه. وهذا القول ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك (٣/ ٣٩١).\n(٣) تقدم (ص١٠٥).\n(٤) ساقطة من (خ).\n(٥) سورة البقرة: آية (٢١٣).\n(٦) ما بين المعكوفين أثبته من (غ) و(ر)، وهو ساقط من بقية النسخ.\n(٧) سورة يونس: آية (١٩).","vol":"1","page":199},{"text":"وَلَمْ يَكُنْ حَاكِمًا بَيْنَهُمْ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، إِلَّا وَقَدْ جَاءَهُمْ بِمَا يَنْتَظِمُ بِهِ شَمْلُهُمْ، وَتَجْتَمِعُ بِهِ كَلِمَتُهُمْ، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى الْجِهَةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا اخْتَلَفُوا، وَهُوَ مَا يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالصَّلَاحِ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ، وَيَدْرَأُ عَنْهُمُ الفساد على الإطلاق، فانحفظت الأديان والدماء والعقول (١) وَالْأَنْسَابُ وَالْأَمْوَالُ مِنْ طُرُقٍ يَعْرِفُ مَآخِذَهَا الْعُلَمَاءُ، وذلك الْقُرْآنِ الْمُنَزَّلِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (المبين بسنته) (٢) قَوْلًا وَعَمَلًا وَإِقْرَارًا، وَلَمْ يُرَدُّوا إِلَى تَدْبِيرِ أَنْفُسِهِمْ، لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ، وَلَا يَسْتَقِلُّونَ بِدَرْكِ مَصَالِحِهِمْ، وَلَا تَدْبِيرِ أَنْفُسِهِمْ.\nفَإِذَا تَرَكَ الْمُبْتَدِعُ هَذِهِ الْهِبَاتِ الْعَظِيمَةَ، وَالْعَطَايَا الْجَزِيلَةَ، وأخذ في استصلاح آخرته (٣) أَوْ دُنْيَاهُ بِنَفْسِهِ بِمَا لَمْ يَجْعَلِ الشَّرْعُ عَلَيْهِ دَلِيلًا، فَكَيْفَ لَهُ بِالْعِصْمَةِ وَالدُّخُولِ تَحْتَ هَذِهِ الرَّحْمَةِ (٤)؟ وَقَدْ حَلَّ يَدَهُ مِنْ حَبْلِ الْعِصْمَةِ إِلَى تَدْبِيرِ نَفْسِهِ، فَهُوَ حَقِيقٌ بِالْبُعْدِ عَنِ الرَّحْمَةِ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ (٥) بعد قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (٦)، فَأَشْعُرُ أَنَّ الِاعْتِصَامَ بِحَبْلِ اللَّهِ هُوَ تَقْوَى اللَّهِ حَقًّا وَأَنَّ مَا سِوَى ذَلِكَ تَفْرِقَةٌ لقوله: ﴿وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾، والفرقة من أخص (٧) أَوْصَافِ الْمُبْتَدِعَةِ، لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ، وَبَايَنَ جَمَاعَةَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ.\nرَوَى عَبْدُ (٨) بْنُ حميد (٩) عن عبد الله (١٠): (أن حبل الله الجماعة) (١١).\n_________\n(١) في (م) و(ت) و(خ) و(ط): \"العقل\".\n(٢) ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ عدا (غ)، وفي (ر): \"بسنة\" ..\n(٣) المثبت من (غ)، وفي بقية النسخ: \"نفسه\".\n(٤) في (غ): \"الترجمة\".\n(٥) سورة آل عمران: آية (١٠٣).\n(٦) سورة آل عمران: آية (١٠٢).\n(٧) ساقطة من (ت)، وفي م وخ وط (أخس).\n(٨) المثبت هو ما في (غ) و(ر)، وبقية النسخ عبد الله.\n(٩) تقدمت ترجمته (ص١٠٠).\n(١٠) هو ابن مسعود ﵁.\n(١١) رواه سعيد بن منصور في سننه برقم (٥٢٠) (٣/ ١٠٨٤)، وابن جرير في تفسيره (٤/ ٣٠)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور لابن المنذر والطبراني، من طريق الشعبي (٢/ ٢٨٧)، وروى الآجري قريبًا منه ضمن خطبة لابن مسعود ﵁. انظر الشريعة (ص١٣)، وذكره كذلك الإمام البغوي في معالم التنزيل (١/ ٣٣٣).","vol":"1","page":200},{"text":"وَعَنْ قَتَادَةَ (١): (حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ هَذَا الْقُرْآنُ وَسُنَنُهُ (٢)، وَعَهْدُهُ إِلَى عِبَادِهِ الَّذِي أَمَرَ أَنْ يعتصم به (٣)، فيه الْخَيْرِ (٤)، وَالثِّقَةُ أَنْ يَتَمَسَّكُوا بِهِ، وَيَعْتَصِمُوا بِحَبْلِهِ) إِلَى آخِرِ مَا قَالَ (٥).\nوَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ﴾ (٦).\nوأما أن الماشي إليه وَالْمُوَقِّرُ (٧) لَهُ مُعِينٌ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ فَقَدْ تقدم من نَقْلُهُ (٨).\nوَرُوِيَ أَيْضًا مَرْفُوعًا: (مَنْ أَتَى صَاحِبَ بِدْعَةٍ لِيُوَقِّرَهُ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ) (٩).\nوَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ (١٠) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَنْ وَقَّرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ) (١١).\nوَيُجَامِعُهَا فِي الْمَعْنَى مَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: \"مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ\" الْحَدِيثَ (١٢).\nفَإِنَّ الْإِيوَاءَ يُجَامِعُ التَّوْقِيرَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ الْمَشْيَ إِلَيْهِ وَالتَّوْقِيرَ لَهُ تَعْظِيمٌ لَهُ لِأَجْلِ بِدْعَتِهِ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الشَّرْعَ يَأْمُرُ بِزَجْرِهِ وَإِهَانَتِهِ وَإِذْلَالِهِ بِمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ هَذَا، كَالضَّرْبِ وَالْقَتْلِ (١٣)، فَصَارَ تَوْقِيرُهُ صُدُودًا عَنِ الْعَمَلِ\n_________\n(١) تقدمت ترجمته ﵀ (ص٨٣).\n(٢) غير واضحة في (م) وفي (غ) و(ر): وسنته.\n(٣) في (خ) و(ط): \"بما\".\n(٤) في (خ) و(ط): \"من الخير\".\n(٥) قال الإمام السيوطي في الدر المنثور: \"وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ قال: بعهد الله وبأمره\". (٢/ ٢٨٧)، وروى عنه أنه القرآن، كما في معالم التنزيل للبغوي (١/ ٣٣٣)، وزاد المسير لابن الجوزي (١/ ٤٣٢ - ٤٣٣).\n(٦) سورة الحج: آية (٧٨).\n(٧) في (ر): \"الموقر\" بغير واو.\n(٨) تقدم (ص٢٠٥)، ضمن كلام أسد بن موسى ﵀.\n(٩) تقدم تخريجه (ص١٢٧).\n(١٠) تقدمت ترجمته (ص١٩١).\n(١١) تقدم تخريجه (ص١٢٧).\n(١٢) تقدم تخريجه (ص١٢٠).\n(١٣) وسوف يتكلم المؤلف عن الأحكام المتعلقة بالمبتدعة من ناحية القيام عليهم من الخاصة والعامة بسبب جنايتهم على الدين. وذلك في الباب الثالث (ص٣٢٥ - ٣٣٢).","vol":"1","page":201},{"text":"بِشَرْعِ الْإِسْلَامِ، وَإِقْبَالًا عَلَى مَا يُضَادُّهُ وَيُنَافِيهِ، وَالْإِسْلَامُ لَا يَنْهَدِمُ إِلَّا بِتَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ، وَالْعَمَلِ بِمَا يُنَافِيهِ.\nوَأَيْضًا فَإِنَّ تَوْقِيرَ صَاحِبِ الْبِدْعَةِ مَظِنَّةٌ لِمَفْسَدَتَيْنِ تَعُودَانِ عَلَى الْإِسْلَامِ بِالْهَدْمِ:\nإِحْدَاهُمَا: الْتِفَاتُ الْجُهَّالِ وَالْعَامَّةِ إِلَى ذَلِكَ التَّوْقِيرِ، فَيَعْتَقِدُونَ فِي الْمُبْتَدِعِ أَنَّهُ أَفْضَلُ النَّاسِ، وَأَنَّ مَا هُوَ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِمَّا عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى اتِّبَاعِهِ عَلَى بِدْعَتِهِ دُونَ اتِّبَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى سُنَّتِهِمْ.\nوَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ إِذَا وُقِّرَ مِنْ أَجْلِ بِدْعَتِهِ صَارَ ذَلِكَ كَالْحَادِي الْمُحَرِّضِ لَهُ عَلَى إِنْشَاءِ الِابْتِدَاعِ فِي كُلِّ شَيْءٍ.\nوَعَلَى كُلِّ حَالٍ (١) فَتَحْيَا الْبِدَعُ، وَتَمُوتُ السُّنَنُ، وَهُوَ هَدْمُ الْإِسْلَامِ بِعَيْنِهِ.\nوَعَلَى ذَلِكَ دَلَّ حَدِيثُ مُعَاذٍ: (فَيُوشِكُ قَائِلٌ أَنْ يَقُولَ: مَا لَهُمْ لَا يَتَّبِعُونِي وَقَدْ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ؟ مَا هُمْ بِمُتَّبِعِيَّ حَتَّى أَبْتَدِعَ لَهُمْ غَيْرَهُ، وَإِيَّاكُمْ وَمَا ابْتُدِعَ، فَإِنَّ مَا ابْتُدِعَ ضَلَالَةٌ) (٢)، فَهُوَ يَقْتَضِي أَنّ السُّنَنَ تَمُوتُ إِذَا أحييت البدع، وإذا ماتت انْهَدَمَ الْإِسْلَامُ.\nوَعَلَى ذَلِكَ دَلَّ النَّقْلُ عَنِ السلف الصالح (٣) زِيَادَةً إِلَى صِحَّةِ الِاعْتِبَارِ، لِأَنَّ الْبَاطِلَ إِذَا عُمِلَ بِهِ لَزِمَ تَرْكُ الْعَمَلِ بِالْحَقِّ كَمَا فِي الْعَكْسِ، لِأَنَّ الْمَحَلَّ الْوَاحِدَ لَا يَشْتَغِلُ (٤) إِلَّا بِأَحَدِ الضِّدَّيْنِ.\nوَأَيْضًا فَمِنَ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ تَرْكُ الْبِدَعِ. فَمَنْ عَمِلَ بِبِدْعَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَدْ تَرَكَ تِلْكَ السُّنَّةَ.\nفَمِمَّا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ ما تقدم ذكره عن حذيقة ﵁ أَنَّهُ أَخَذَ حَجَرَيْنِ فَوَضَعَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: هَلْ ترون ما بين\n_________\n(١) ساقطة من (ت).\n(٢) تقدم تخريجه (ص٥٣).\n(٣) ساقطة من (ط).\n(٤) في (م): \"يستغل\"، وفي (ر): \"يستقل\".","vol":"1","page":202},{"text":"هَذَيْنِ الْحَجَرَيْنِ (١) مِنَ النُّورِ؟ قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَا نَرَى بَيْنَهُمَا (مِنَ النُّورِ) (٢) إِلَّا قَلِيلًا، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَظْهَرَنَّ (٣) الْبِدَعُ حَتَّى لَا يُرَى مِنَ الْحَقِّ إِلَّا قدر ما بين هذين الحجرين من النور، وَاللَّهِ لَتَفْشُوَنَّ الْبِدَعُ حَتَّى إِذَا تُرِكَ مِنْهَا شيء قالوا: تركت السنة) (٤). وله أثر آخَرُ قَدْ (٥) تَقَدَّمَ (٦).\nوَعَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ (٧) أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: (مَا أَحْدَثَتْ أُمَّةٌ فِي دِينِهَا بِدْعَةً إِلَّا رَفَعَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُمْ سنة (٨» (٩).\nوعن حسان بن عطية (١٠) قال: (ما أَحْدَثَ قَوْمٌ بِدْعَةً فِي دِينِهِمْ إِلَّا نَزَعَ اللَّهُ مِنْ سُنَّتِهِمْ مِثْلَهَا، ثُمَّ لَمْ يُعِدْهَا إِلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ\" (١١).\nوَعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ يَرْفَعُهُ: (لَا يُحْدِثُ رَجُلٌ فِي الْإِسْلَامِ بِدْعَةً إِلَّا تَرَكَ مِنَ السُّنَّةِ مَا هُوَ خَيْرٌ منها) (١٢).\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (مَا يَأْتِي عَلَى النَّاسِ مِنْ عَامٍ إِلَّا أَحْدَثُوا فِيهِ بِدْعَةً، وَأَمَاتُوا فِيهِ سُنَّةً، حَتَّى تحيا البدع، وتموت (١٣) السنن\" (١٤).\nوَأَمَّا أَنَّ صَاحِبَهَا مَلْعُونٌ عَلَى لِسَانِ الشَّرِيعَةِ، فَلِقَوْلِهِ ﵊: \"مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ والناس أجمعين\" (١٥).\n_________\n(١) ساقطة من (ت).\n(٢) ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).\n(٣) في (خ): \"لتظهرون\".\n(٤) تقدم تخريجه (ص١٣٦).\n(٥) ساقطة من (ت).\n(٦) تقدم (ص١٣٧).\n(٧) تقدمت ترجمته (ص٣٢).\n(٨) في (ت)، و(ط): \"سنته\".\n(٩) تقدم تخريجه (ص٣٢).\n(١٠) تقدمت ترجمته (ص٣٣).\n(١١) تقدم تخريجه (ص٣٣).\n(١٢) تقدم تخريجه (ص٣٢).\n(١٣) في (ت): \"وتموت فيه السنن\".\n(١٤) تقدم تخريجه (ص٣٢).\n(١٥) تقدم تخريجه (ص١٢٠).","vol":"1","page":203},{"text":"وعُد مِنَ الْإِحْدَاثِ الِاسْتِنَانُ (بِسُنَّةٍ) (١) سُوءٍ لَمْ تَكُنْ.\nوَهَذِهِ اللَّعْنَةُ قَدِ اشْتَرَكَ فِيهَا صَاحِبُ الْبِدْعَةِ مَعَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ إِيمَانِهِ، وَقَدْ شَهِدَ أَنَّ بَعْثَةَ النَّبِيِّ ﷺ حَقٌّ لَا شَكَّ فِيهَا، وَجَاءَهُ الْهُدَى مِنَ اللَّهِ وَالْبَيَانُ الشَّافِي، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ *﴾ (٢) إِلَى آخِرِهَا.\nوَاشْتَرَكَ أَيْضًا مَعَ مَنْ كَتَمَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَبَيَّنَهُ (٣) فِي كِتَابِهِ. وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ *﴾ (٤) إِلَى آخِرِهَا.\nفَتَأَمَّلُوا الْمَعْنَى الَّذِي اشْتَرَكَ الْمُبْتَدِعُ فِيهِ (٥) مَعَ هَاتَيْنِ الْفِرْقَتَيْنِ، وَذَلِكَ مُضَادَّةُ الشَّارِعِ فِيمَا شَرَعَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ الْكِتَابَ وَشَرَعَ الشَّرَائِعَ، وَبَيَّنَ الطَّرِيقَ لِلسَّالِكِينَ عَلَى غَايَةِ مَا يُمْكِنُ مِنَ الْبَيَانِ، فَضَادَّهَا الْكَافِرُ بِأَنْ جَحَدَهَا جَحْدًا (٦)، وَضَادَّهَا كَاتِمُهَا بِنَفْسِ الْكِتْمَانِ، لِأَنَّ الشَّارِعَ يُبَيِّنُ وَيُظْهِرُ، وَهَذَا يَكْتُمُ وَيُخْفِي، وَضَادَّهَا الْمُبْتَدِعُ بِأَنْ وَضَعَ الْوَسِيلَةَ لِتَرْكِ مَا بَيَّنَ وَإِخْفَاءِ (٧) مَا أَظْهَرَ، لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُدْخِلَ الْإِشْكَالَ فِي الْوَاضِحَاتِ، (مِنْ أَجْلِ اتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهَاتِ، لِأَنَّ الْوَاضِحَاتِ) (٨) تَهْدِمُ لَهُ مَا بَنَى عليه في الْمُتَشَابِهَاتِ، فَهُوَ آخِذٌ فِي إِدْخَالِ الْإِشْكَالِ عَلَى الواضح، حتى يُترك (٩)، فبحق (١٠) ما جاءت اللعنة في الابتداع (١١) مِنَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.\nقَالَ أَبُو مصعب (١٢) صاحب مالك ﵁: قدم علينا ابن\n_________\n(١) في (م) و(خ) و(ت): \"بسنته\".\n(٢) سورة آل عمران: الآيتان (٨٦ - ٨٧).\n(٣) في (ت): \"ونبيه\".\n(٤) سورة البقرة: آية (١٥٩).\n(٥) ساقطة من (غ) و(ر).\n(٦) ساقطة من (غ).\n(٧) في (ت): \"وأخفى\".\n(٨) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).\n(٩) في (ط): \"يرتكب\".\n(١٠) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ)، وفي (ر): \"فيحق\".\n(١١) في (خ) و(ط): \"الابتداع به\".\n(١٢) هو أبو مصعب أحمد بن أبي بكر، واسم أبي بكر القاسم بن الحارث الزبيري، روى عن مالك الموطأ وغيره من قوله، وتفقه بأصحابه: المغيرة وابن دينار وغيرهما. تولى=","vol":"1","page":204},{"text":"مَهْدِيٍّ (١) - يَعْنِي الْمَدِينَةَ - فَصَلَّى وَوَضَعَ رِدَاءَهُ بَيْنَ يَدَيِ الصَّفِّ، فَلَمَّا (٢) سَلَّمَ (٣) الْإِمَامُ رَمَقَهُ النَّاسُ بِأَبْصَارِهِمْ، وَرَمَقُوا مَالِكًا، وَكَانَ قَدْ صَلَّى خَلْفَ الْإِمَامِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: مَنْ هَاهُنَا مِنَ الْحَرَسِ (٤)؟ فَجَاءَهُ نَفْسَانِ، فَقَالَ: خُذَا صَاحِبَ هَذَا الثَّوْبِ فَاحْبِسَاهُ فَحُبِسَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: أَمَا خِفْتَ اللَّهَ (٥) وَاتَّقَيْتَهُ أَنْ وَضَعْتَ ثَوْبَكَ بَيْنَ يَدَيْكَ فِي الصَّفِّ، وَشَغَلْتَ الْمُصَلِّينَ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ، وَأَحْدَثْتَ فِي مَسْجِدِنَا شَيْئًا مَا كُنَّا نَعْرِفُهُ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: \"مَنْ أَحْدَثَ فِي مَسْجِدِنَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ\" (٦)، فَبَكَى ابْنُ مَهْدِيٍّ وَآلَى عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ أَبَدًا فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ ولا في غيره (٧).\nوهذا غاية التَّوَقِّي وَالتَّحَفُّظِ فِي تَرْكِ إِحْدَاثِ مَا لَمْ يَكُنْ خَوْفًا مِنْ تِلْكَ اللَّعْنَةِ، فَمَا ظَنُّكَ بِمَا سِوَى وَضْعِ الثَّوْبِ؟\nوَتَقَدَّمَ حَدِيثُ الطَّحَاوِيِّ (٨) (سِتَّةٌ أَلْعَنُهُمْ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ) (٩)، فَذَكَرَ فِيهِمْ التَّارِكَ لسنته ﵊ أخذًا بالبدعة.\nوَأَمَّا أَنَّهُ يَزْدَادُ (١٠) مِنَ اللَّهِ بُعْدًا، فَلِمَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: (صَاحِبُ الْبِدْعَةِ ما يَزْدَادُ (١١) اجْتِهَادًا (١٢)، صِيَامًا وَصَلَاةً (١٣)، إِلَّا ازْدَادَ مِنَ الله بعدًا) (١٤).\n_________\n=قضاء المدينة وكان فقيهها. توفي سنة ٢٤٢هـ.\nانظر: ترتيب المدارك (١/ ٥١٣)، سير أعلام النبلاء (١١/ ٤٣٦)، تقريب التهذيب (١/ ١٢).\n(١) تقدمت ترجمته (ص٨٧).\n(٢) في (م) و(خ): \"فلم\".\n(٣) ساقطة من (م) و(خ).\n(٤) في (ت): \"العرس\".\n(٥) ساقطة من (غ) و(ر).\n(٦) لم أجد الحديث بهذا اللفظ، من تخصيص المسجد نفسه، وقد تقدم حديث علي ﵁ \"الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فعليه لعنة الله ... الحديث\". انظر (ص١٢٠).\n(٧) هذه القصة ذكرها القاضي عياض بلفظها في ترتيب المدارك (١/ ١٧١).\n(٨) تقدمت ترجمته ﵀ (ص٧٧).\n(٩) تقدم تخريجه (ص١٢٨).\n(١٠) في جميع النسخ: \"يزاد\" عدا (غ) و(ر).\n(١١) في (ت): \"يزاد\"، وفي (ر): \"لا يزداد\".\n(١٢) في (ط): \"ما يزداد من الله اجتهادًا\".\n(١٣) في (ت): \"ولا صلاة\".\n(١٤) تقدم تخريجه (ص١٤٦).","vol":"1","page":205},{"text":"وَعَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ (١) قَالَ: \"مَا ازْدَادَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ اجْتِهَادًا إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا) (٢).\nوَيُصَحِّحُ هَذَا النَّقْلَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِي قَوْلِهِ ﵊ فِي (٣) الخوارج: \"يخرج من ضئضيء (٤) هذا قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم (٥) \" إِلَى أَنْ قَالَ: \"يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ\" (٦).\nفَبَيَّنَ أَوَّلًا اجْتِهَادَهُمْ، ثُمَّ بَيَّنَ آخِرًا بُعْدَهُمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.\nوَهُوَ بَيِّنٌ (أَيْضًا (٧) مِنْ) (٨) جِهَةِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ كَمَا تَقَدَّمَ (٩)، فَكُلُّ (١٠) عَمَلٍ يَعْمَلُهُ عَلَى الْبِدْعَةِ فَكَمَا لَوْ لَمْ يَعْمَلْهُ، وَيَزِيدُ (١١) عَلَى تَارِكِ الْعَمَلِ بِالْعِنَادِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ابْتِدَاعُهُ، وَالْفَسَادِ الدَّاخِلِ عَلَى النَّاسِ بِهِ فِي أَصْلِ الشَّرِيعَةِ، وَفِي فُرُوعِ الْأَعْمَالِ والاعتقادات، وهو يظن مع ذلك أن\n_________\n(١) تقدمت ترجمته (ص١٤٧).\n(٢) تقدم تخريجه (ص١٤٨).\n(٣) ساقطة من (ت).\n(٤) قال الزمخشري في الفائق في غريب الحديث فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: \"يخرج من ضئضيء هذا\": أي من أصله، يقال: هو من ضئضيء صدق، وضؤضؤ صدق. انظر الفائق (٢/ ٣٢٥)، شرح الإمام النووي لمسلم (٧/ ١٦٢).\n(٥) في (م): \"صياهم\".\n(٦) رواه الإمام البخاري في كتاب المناقب من صحيحه، باب علامات النبوة، عن أبي سعيد ﵁ بلفظ \"دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يُحَقِّرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرمية ... \" (٦/ ٦١٧ - ٦١٨، فتح)، وأما حديث: \"يخرج من ضئضئيء هذا قوم\" فقد تقدم تخريجه ص١٢، وليس فيه \"تحقرون صلاتكم مع صلاتهم ... \"، والحديث هنا رواه أيضًا الإمام مسلم في كتاب الزكاة من صحيحه (٧/ ١٦٤، ١٦٦)، والإمام ابن ماجه في مقدمة سننه، باب ذكر الخوارج برقم (١٦٩)، (١/ ٦٠)، والإمام أحمد في المسند (٣/ ٣٣).\n(٧) ساقطة من (غ).\n(٨) ساقط من (م) و(خ) و(ت).\n(٩) تقدم الحديث (ص١٢٠).\n(١٠) كتب في (ت) فوق هذه الكلمة \"مـ\"، وكتب بإزائها في الهامش \"فكأنه لم يعمله\".\n(١١) في (ت): \"وزيد\".","vol":"1","page":206},{"text":"بِدْعَتَهُ تُقَرِّبُهُ مِنَ اللَّهِ، وَتُوَصِّلُهُ إِلَى الْجَنَّةِ، وقد ثبت النقل (١) بِأَنَّهُ (٢) لَا يُقَرِّبُ (٣) إِلَى اللَّهِ إِلَّا الْعَمَلُ بِمَا شَرَعَ، وَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي شُرِعَ - وَهُوَ تَارِكُهُ ـ، وَأَنَّ الْبِدَعَ تُحْبِطُ الْأَعْمَالَ - وَهُوَ يَنْتَحِلُهَا.\nوَأَمَّا أَنَّ الْبِدَعَ مَظِنَّةُ إِلْقَاءِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَ أَهْلِ (٤) الْإِسْلَامِ، فَلِأَنَّهَا تَقْتَضِي التَّفَرُّقَ شِيَعًا.\nوَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (٥)، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٦)، وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ *﴾ (٧)، وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٨)، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ فِي هَذَا الْمَعْنَى.\nوَقَدْ بَيَّنَ ﵊ أَنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ، وَأَنَّهَا تَحْلِقُ الدِّينَ (٩).\nوَجَمِيعُ (١٠) هَذِهِ الشَّوَاهِدِ تَدُلُّ (١١) عَلَى وُقُوعِ الافتراق والعداوة عند وقوع الابتداع.\n_________\n(١) في (خ) و(ت) و(ط): \"بالنقل\".\n(٢) في (ت): \"أنه\".\n(٣) في (ط): \"يقربه\".\n(٤) ساقطة من (ت).\n(٥) سورة آل عمران: آية (١٠٥).\n(٦) سورة الأنعام: آية (١٥٣).\n(٧) سورة الروم: آية (٣١، ٣٢).\n(٨) سورة الأنعام: آية (١٥٩).\n(٩) رواه الإمام أبو داود في كتاب الأدب من سننه، باب في إصلاح ذات البين عن أبي الدرداء برقم (٤٩١٩) (٤/ ٢٨٢)، والإمام الترمذي في كتاب صفة القيامة وصححه برقم (٢٥٠٩) (٤/ ٥٧٢ - ٥٧٣)، والإمام أحمد في المسند (٦/ ٤٤٤ - ٤٤٥) والإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٥٠)، والإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٨٥ - ٨٦)، وصححه الشيخ الألباني كما في غاية المرام برقم (٤١٤) (ص٢٣٧).\n(١٠) ساقطة من (ط).\n(١١) في (غ): \"يدل\".","vol":"1","page":207},{"text":"وَأَوَّلُ شَاهِدٍ عَلَيْهِ فِي الْوَاقِعِ قِصَّةُ الْخَوَارِجِ إِذْ (١) عَادَوْا أَهْلَ الْإِسْلَامِ حَتَّى صَارُوا يَقْتُلُونَهُمْ، ويَدَعُون الْكُفَّارَ كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُ الْحَدِيثُ (٢) الصَّحِيحُ (٣).\nثُمَّ يَلِيهِمْ كُلُّ مَنْ كَانَ (٤) لَهُ صَوْلَةٌ منهم، وقرب (٥) من (٦) الْمُلُوكِ، فَإِنَّهُمْ تَنَاوَلُوا (٧) أَهْلَ السُّنَّةِ بِكُلِّ نَكَالٍ وعذاب وقتل أيضًا، حسبما بينه أَهْلِ (٨) الْأَخْبَارِ (٩).\nثُمَّ يَلِيهِمْ كُلُّ مَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً، فَإِنَّ مِنْ شَأْنِهِمْ أَنْ يُثَبِّطُوا النَّاسَ عن اتباع أهل (١٠) الشريعة، ويذمونهم، ويزعمون أنهم الأرجاس (١١) الأنجاس، المكبون عَلَى الدُّنْيَا، وَيَضَعُونَ عَلَيْهِمْ شَوَاهِدَ الْآيَاتِ فِي ذَمِّ الدُّنْيَا وَذَمِّ الْمُكِبِّينَ عَلَيْهَا، كَمَا يُرْوَى عَنْ (عَمْرِو) (١٢) بْنِ عُبَيْدٍ (١٣) أَنَّهُ قَالَ: (لَوْ شَهِدَ عِنْدِي عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ عَلَى شراك نعل ما أجزت شهادتهم\" (١٤).\n_________\n(١) في (خ): \"إذا\".\n(٢) ساقطة من (م) و(خ) و(ط) و(غ).\n(٣) تقدم تخريجه (ص١٢).\n(٤) ساقطة من (ت).\n(٥) في (م) و(خ) و(ت): \"وقرن\"، وفي (ط) \"بقرب\".\n(٦) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).\n(٧) في (غ): \"تنالوا\".\n(٨) في (ط): \"جميع أهل\".\n(٩) وذلك مثل نصرة بعض خلفاء بني العباس للمعتزلة، وسوف يذكر المؤلف بعض الأمثلة على ذلك في الباب الثالث (ص٣١٩ - ٣٢٠).\n(١٠) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ).\n(١١) في جميع النسخ \"الأراجس\" عدا (غ) و(ر).\n(١٢) في (م) و(خ) و(ت): \"عمر\".\n(١٣) هو عمرو بن عبيد بن باب البصري، كان من رؤوس المعتزلة، بل هو المؤسس الثاني للاعتزال بعد واصل بن عطاء، روى عن أبي قلابة والحسن البصري، وكان يكذب لأجل مذهبه، ويروى عن الحسن البصري أشياء لم يقلها، وكان يغر الناس بنسكه وتقشفه. توفي سنة ١٤٢هـ أو ١٤٣هـ.\nانظر عنه: سير أعلام النبلاء (٦/ ١٠٤)، البداية والنهاية (١٠/ ٧٨)، ميزان الاعتدال (٣/ ٢٧٣ - ٢٨٠)، الضعفاء الكبير للعقيلي (٣/ ٢٧٧ - ٢٨٦).\n(١٤) روى هذه المقولة الخبيثة عنه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ضمن ترجمته (١٢/ ١٧٨)، ورواها عنه أيضًا ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال (٥/ ١٠٢).","vol":"1","page":208},{"text":"وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ (١) قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ: كَيْفَ حَدَّثَ (٢) الْحَسَنُ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ وَرَّثَ امْرَأَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عدتها؟ فقال: (إن (٣) عُثْمَانَ لَمْ يَكُنْ سُنَّةً) (٤).\nوَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ حَدَّثَ (٥) الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ فِي السَّكْتَتَيْنِ؟ (٦) فَقَالَ: (ما تصنع بسمرة؟ قبح الله سمرة) (٧). انتهى. بَلْ قَبَّحَ اللَّهُ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ.\nوَسُئِلَ يَوْمًا عَنْ شَيْءٍ فَأَجَابَ فِيهِ. قَالَ الرَّاوِي: قُلْتُ (٨): لَيْسَ هَكَذَا يَقُولُ أَصْحَابُنَا. قَالَ: وَمَنْ أصحابك لا أبا لك؟ قلت: أيوب، ويونس، وَابْنُ عَوْنٍ، وَالتَّيْمِيُّ. قَالَ: (أُولَئِكَ أَنْجَاسٌ أَرْجَاسٌ، أموات غير أحياء\" (٩).\n_________\n(١) هو معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العنبري التميمي، أبو المثنى، البصري، القاضي، ثقة متقن، قال أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، توفي سنة ١٩٦هـ.\nانظر: الكاشف للذهبي (٣/ ١٣٦)، تقريب التهذيب لابن حجر (٢/ ٢٥٧).\n(٢) في الكامل لابن عدي، وتاريخ بغداد للخطيب (حديث).\n(٣) كتب في هامش (خ) و(ت) كلمة \"فعل\"، لتكون العبارة \"أن فعل عثمان لم يكن سنة\"، ولكني وجدت ابن عدي في الكامل رواه عنه كما هو في الأصل، دون ذكر كلمة \"فعل\"، وأما الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد فرواه بلفظ \"أن عثمان لم يكن صاحب سنة\".\n(٤) رواه عنه ابن عدي في الكامل (٥/ ١٠٠)، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (١٢/ ١٧٦). قال الإمام ابن قدامة في الكافي: \"وإن أبانها في مرض موته على غير ذلك، لم يرثها وورثته ما دامت في العدة، لما روي أن عثمان ورث تماضر بنت الأصبغ الكلبية من عبد الرحمن بن عوف، وكان طلقها في مرض موته فبتها، واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكر، فكان إجماعًا، ولأنه قصد قصدًا فاسدًا في الميراث، فعورض بنقيض قصده، كالقاتل\". انظر الكافي (٢/ ٥٦١)، المغني (٦/ ٣٢٩ - ٣٣٠).\n(٥) في تاريخ بغداد للخطيب والكامل لابن عدي (حديث).\n(٦) يريد حديث الحسن عن سمرة بن جندب ﵁ قال: \"سكتتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ ... إذا دخل في صلاته، وإذا فرغ من القراءة ... \" رواه الإمام الترمذي وحسنه برقم (٢٥١) (٢/ ٣٠ - ٣١)، وصححه الشيخ أحمد شاكر في نفس الموضع، ورواه أحمد في المنسند (٥/ ٧)، وأبو داود (٧٧٧، ٧٧٨)، وابن ماجه (٨٤٤، ٨٤٥)، والحاكم (١/ ٢١٥)، وابن خزيمة (١٥٧٨).\n(٧) روى هذه المقولة الخبيثة عنه الخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ١٧٦)، ورواها عنه ابن عدي في الكامل (٥/ ١٠٠)، والدارقطني في أخبار عمرو بن عبيد (رقم ١٩٠٠).\n(٨) في (ر): \"فقلت\".\n(٩) ذكر هذه المقولة له الإمام ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (ص٨٠ - ٨١)،=","vol":"1","page":209},{"text":"فَهَكَذَا أَهْلُ الضَّلَالِ يَسُبُّونَ السَّلَفَ الصَّالِحَ لَعَلَّ بِضَاعَتَهُمْ تَنْفُقُ، ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ (١).\nوَأَصْلُ هَذَا الْفَسَادِ مِنْ قِبَلِ الْخَوَارِجِ، فَهُمْ أول من أفشا (٢) لَعَنَ السَّلَفَ الصَّالِحَ، وَتَكْفِيرِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَمِثْلُ هَذَا كُلِّهِ يُورِثُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ.\nوَأَيْضًا فَإِنَّ فِرْقَةَ النَّجَاةِ - وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ - مَأْمُورُونَ بِعَدَاوَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ (٣)، وَالتَّشْرِيدِ بِهِمْ، وَالتَّنْكِيلِ بِمَنِ انْحَاشَ إِلَى جِهَتِهِمْ بِالْقَتْلِ فَمَا دُونَهُ، وَقَدْ حَذَّرَ الْعُلَمَاءُ مِنْ مُصَاحَبَتِهِمْ وَمُجَالَسَتِهِمْ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ (٤). وَذَلِكَ مَظِنَّةَ إِلْقَاءِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ، لَكِنَّ الدَّرْكَ فِيهَا عَلَى مَنْ تَسَبَّبَ فِي الْخُرُوجِ عَنِ الْجَمَاعَةِ بِمَا أَحْدَثَهُ مِنِ اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، لَا عَلَى التَّعَادِي مُطْلَقًا. كَيْفَ وَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِمُعَادَاتِهِمْ، وَهُمْ مَأْمُورُونَ بِمُوَالَاتِنَا والرجوع إلى الجماعة؟\nوَأَمَّا أَنَّهَا مَانِعَةٌ مِنْ شَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَلِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ قَالَ: \"حَلَّتْ (٥) شَفَاعَتِي لِأُمَّتِي إِلَّا صَاحِبَ بِدْعَةٍ\" (٦).\nوَيُشِيرُ إِلَى صِحَّةِ الْمَعْنَى فِيهِ مَا فِي الصَّحِيحِ قَالَ: \"أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَأَنَّهُ سَيُؤْتَى بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فيؤخذ بهم ذات الشمال - إلى\n_________\n=ورواها عنه الإمام ابن عدي في الكامل (٥/ ٩٩)، والدارقطني في أخبار عمرو بن عبيد (رقم ١٥)، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٢٨٤).\n(١) سورة التوبة: آية (٣٢).\n(٢) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ).\n(٣) في (غ): \"البدعة\".\n(٤) انظر ما تقدم من أقوال الصحابة ومن بعدهم (ص١٤٦ - ١٤٨).\n(٥) ساقطة من (ت).\n(٦) رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب إحداث البدع، من طريق أبي عبد السلام قال سمعت بكر بن عبد الله المزني أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فذكره. انظر البدع والنهي عنها (ص٤٣).\nوقد حكم الشيخ الألباني على الحديث بأنه منكر كما في السلسلة الضعيفة برقم (٢٠٩). قال الشيخ الألباني: قلت فهذا مرسل، بكر هذا تابعي لم يدرك النبي ﷺ، ومع إرساله، فالسند إليه ضعيف، لأن أبا عبد السلام واسمه صالح بن رستم الهاشمي مجهول كما قال الحافظ ابن حجر في التقريب (١/ ٣٥٩). انظر السلسلة الضعيفة (١/ ٢٤٦).","vol":"1","page":210},{"text":"قوله - فَيُقَالُ: هَؤُلَاءِ (١) لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ\". الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ (٢).\nفَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ لهم شفاعة من النبي (٣) ﷺ، وَإِنَّمَا قَالَ: \"فَأَقُولُ (٤) كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ\"، وَيَظْهَرُ مِنْ أَوَّلِ الْحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ الِارْتِدَادَ لَمْ يَكُنِ ارْتِدَادَ كُفْرٍ لِقَوْلِهِ: \"وَإِنَّهُ سَيُؤْتَى بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي\" وَلَوْ كَانُوا مُرْتَدِّينَ عَنِ (٥) الْإِسْلَامِ لَمَا نُسِبُوا إِلَى أُمَّتِهِ، وَلِأَنَّهُ ﵇ أَتَى بِالْآيَةِ وَفِيهَا: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٦)، وَلَوْ عَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُمْ خَارِجُونَ عَنِ الْإِسْلَامِ جُمْلَةً لَمَا ذَكَرَهَا، لِأَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ لَا غُفْرَانَ لَهُ أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا يُرْجَى الْغُفْرَانُ لِمَنْ لَمْ يُخْرِجْهُ عَمَلُهُ عَنِ الْإِسْلَامِ (٧)، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٨).\nوَمِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثُ الْمُوَطَّأِ لِقَوْلِهِ فِيهِ: (فأقول (٩) فسحقًا فسحقًا فسحقًا (١٠» (١١).\nوَأَمَّا أَنَّهَا رَافِعَةٌ لِلسُّنَنِ الَّتِي تُقَابِلُهَا، فَقَدْ تَقَدَّمَ الِاسْتِشْهَادُ عَلَيْهِ فِي أَنَّ الْمُوَقِّرَ (١٢) لِصَاحِبِهَا معين على هدم الإسلام (١٣).\n_________\n(١) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ).\n(٢) تقدم تخريجه (ص١٢٤).\n(٣) في (ط): \"رسول الله\".\n(٤) في (ط) وهامش (خ): \"فأقول لهم\"، وفي (م) و(خ) و(ت) و(ط): فأقول: \"سحقًا\"، وكلمة \"سحقًا\" ليست موجودة في هذا الحديث، وإنما هي في حديث الموطأ المتقدم (ص١٢١).\n(٥) في (ت): \"على\".\n(٦) سورة المائدة: آية (١١٨).\n(٧) قال الشيخ محمد رشيد رضا في تعليقه على الكتاب: \"فيه أن هذه الآية لا تدل على رجاء المغفرة لهم كما قاله المحققون في تفسيرها، ووجهه ختمها بقوله ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فذكر صفتي العزة والحكمة، دون صفتي المغفرة والرحمة، ولو دلت على رجاء المغفرة لهم لدلت على رجاء المغفرة لمن اتخذ المسيح وأمه إلهين من دون الله، لأنها نزلت حكاية عما يقوله المسيح ﵇ في شأنهم، عندما يسأله الله تعالى عن شركهم\".\n(٨) انظر الاعتصام (١/ ١٢١).\nسورة النساء: آية (١١٦).\n(٩) ساقطة من (غ) و(ر).\n(١٠) ساقطة من (خ) و(ط).\n(١١) تقدم تخريجه (ص١٢٤).\n(١٢) في (غ): \"المقر\".\n(١٣) تقدم (ص٢١٩ - ٢٢٠).","vol":"1","page":211},{"text":"وَأَمَّا (١) أَنَّ عَلَى مُبْتَدِعِهَا إِثْمُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٢)، وَلِمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: \"مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وزرها ووزر من عمل بها (إلى يوم القيامة) (٣» (٤) الْحَدِيثَ.\nوَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ: \"مَا مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ\" (٥).\nوَهَذَا التَّعْلِيلُ يُشْعِرُ بِمُقْتَضَى الْحَدِيثِ قَبْلَهُ، إِذْ عَلَّلَ تَعْلِيقَ (٦) الْإِثْمِ عَلَى ابْنِ آدَمَ لِكَوْنِهِ (٧) أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ سَنَّ مَا لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَهُوَ مِثْلُهُ، إِذْ لَمْ يَتَعَلَّقِ الْإِثْمُ بِمَنْ سَنَّ الْقَتْلَ لِكَوْنِهِ قَتْلًا دُونَ غَيْرِهِ، بَلْ لِكَوْنِهِ سَنَّ سُنَّةَ سُوءٍ (لم تكن) (٨)، وَجَعَلَهَا طَرِيقًا مَسْلُوكَةً (٩).\nوَمِثْلُ هَذَا مَا جَاءَ فِي مَعْنَاهُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَوْ يَأْتِي كَقَوْلِهِ: \"من ابْتَدَعَ بِدْعَةً ضَلَالَةً لَا تُرْضِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِ النَّاسِ شَيْئًا\" (١٠). وغير ذلك من الأحاديث. فليتق (١١) امْرُؤٌ رَبَّهُ، وَلْيَنْظُرْ قَبْلَ الْإِحْدَاثِ (فِي أَيِّ) (١٢) مزلة يضع قدمه فإنه (١٣) في\n_________\n(١) ساقطة من (ت).\n(٢) سورة النحل: آية (٢٥).\n(٣) ما بين المعكوفين ساقطة من جميع النسخ عدا (غ).\n(٤) تقدم تخريجه (ص١١٨).\n(٥) رواه الإمام البخاري في كتاب الاعتصام من صحيحه، باب إثم من دعا إلى ضلالة عن عبد الله بن مسعود وذكره (١٣/ ٣٠٢ مع الفتح)، والإمام مسلم في كتاب القسامة من صحيحه، باب بيان إثم من سن القتل (١١/ ١٦٦)، والإمام الترمذي في كتاب العلم من سننه باب ما جاء الدال على الخير كفاعله برقم (٢٦٧٣) (٥/ ٤١)، والإمام ابن ماجه في كتاب الديات، باب التغليظ في قتل مسلم ظلمًا برقم (٢٦١٦) (٢/ ٨٧٣)، والإمام أحمد في المسند (١/ ٣٨٣، ٤٣٠، ٤٣٣).\n(٦) في (ت): \"تعليل\".\n(٧) في (ر): \"بكونه\".\n(٨) ساقط من (ط).\n(٩) في (ت): \"مسلوكًا\".\n(١٠) تقدم تخريجه (ص٣٣).\n(١١) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"فليتق الله\".\n(١٢) ساقط من (ت).\n(١٣) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).","vol":"1","page":212},{"text":"محصول (١) أمره (٢)، يَثِقُ (٣) بِعَقْلِهِ فِي التَّشْرِيعِ، وَيَتَّهِمُ رَبَّهُ فِيمَا شَرَعَ، وَلَا يَدْرِي الْمِسْكِينُ مَا الَّذِي يُوضَعُ لَهُ فِي مِيزَانِ سَيِّئَاتِهِ، مِمَّا لَيْسَ فِي حِسَابِهِ، وَلَا شَعَرَ أَنَّهُ مِنْ عَمَلِهِ، فَمَا مِنْ بِدْعَةٍ يَبْتَدِعُهَا أَحَدٌ فَيَعْمَلُ بِهَا مَنْ بَعْدَهُ، إِلَّا كُتِبَ عَلَيْهِ إِثْمُ ذَلِكَ الْعَامِلِ، زِيَادَةً إِلَى إِثْمِ ابْتِدَاعِهِ أَوَّلًا (٤)، ثُمَّ عَمَلِهِ ثَانِيًا. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ تُبْتَدَعُ فَلَا تَزْدَادُ عَلَى طُولِ الزَّمَانِ إِلَّا مُضِيًّا - حسبما تقدم - واشتهارًا وانتشارًا، فعلى وزان ذَلِكَ يَكُونُ إِثْمُ الْمُبْتَدِعِ لَهَا، كَمَا أَنَّ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.\nوَأَيْضًا فَإِذَا كَانَتْ كُلُّ بِدْعَةٍ (٥) يَلْزَمُهَا إِمَاتَةُ سُّنَّةٍ تُقَابِلُهَا، كَانَ عَلَى الْمُبْتَدِعِ إِثْمُ ذَلِكَ أَيْضًا.\nفَهُوَ إِثْمٌ زَائِدٌ عَلَى إِثْمِ الِابْتِدَاعِ وَذَلِكَ الْإِثْمُ يَتَضَاعَفُ تَضَاعُفَ إِثْمِ الْبِدْعَةِ بِالْعَمَلِ بِهَا، لِأَنَّهَا كُلَّمَا (٦) تَجَدَّدَتْ فِي قَوْلٍ أَوْ عمل تجددت إِمَاتَةِ السُّنَّةِ كَذَلِكَ.\nوَاعْتَبَرُوا ذَلِكَ بِبِدْعَةِ الْخَوَارِجِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَّفَنَا بِأَنَّهُمْ: \"يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ\" (٧) الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ. فَفِيهِ بَيَانُ أَنَّهُمْ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ مِنَ الدِّينِ إِلَّا مَا إِذَا نَظَرَ فِيهِ النَّاظِرُ شَكَّ فِيهِ وَتَمَارَى: هَلْ هُوَ مَوْجُودٌ فِيهِمْ أَمْ لَا؟ وَإِنَّمَا سَبَبُهُ الِابْتِدَاعُ فِي دِينِ اللَّهِ، وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: \"يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ ويدعون أهل الأوثان\"، وقوله: \"يقرأون الْقُرْآنَ لَا يَتَجَاوَزُ تَرَاقِيَهُمْ\" (٨). فَهَذِهِ بِدَعٌ ثَلَاثٌ، أعاذنا الله (٩) من ذلك بفضله.\n_________\n(١) المثبت من (غ)، وفي بقية النسخ \"مصون\"، ولا معنى لها.\n(٢) في (ت): \"أمر\".\n(٣) كتب في هامش (خ): \"قبل الإحداث منزلة ليضع قدمه في مصون أم يثق\". والظاهر أن العبارتين محرفة.\n(٤) في (م): \"ولا\".\n(٥) ساقطة من (م).\n(٦) في (م): \"كلمة\".\n(٧) تقدم تخريجه (ص١٢).\n(٨) تقدم تخريجه (ص١٢).\n(٩) المثبت من (غ)، وفي بقية النسخ \"إعاذة بالله\".","vol":"1","page":213},{"text":"وَأَمَّا أَنَّ صَاحِبَهَا لَيْسَ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ (١)، فَلِمَا جَاءَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: \"إن الله (٢) حجز (٣) التَّوْبَةَ عَلَى كُلِّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ\" (٤).\nوَعَنْ يَحْيَى بن أبي (٥) عمرو السيباني (٦) قَالَ (٧): (كَانَ يُقَالُ: يَأْبَى اللَّهُ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ بِتَوْبَةٍ، وَمَا انْتَقَلَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ إِلَّا إِلَى أشر (٨) منها) (٩). ونحوه عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: (مَا كَانَ رَجُلٌ عَلَى رَأْيٍ\n_________\n(١) المراد بهذا الإطلاق غالب أهل البدع، وسيذكر المؤلف بعد قليل إمكان توبة المبتدع، وقد أنكر شيخ الإسلام ابن تيمية القول بعدم قبول توبته مطلقًا فقال: \"قال طائفة من السلف منهم الثوري: \"البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها\". وهذا معنى ما روي عن طائفة أنهم قالوا: \"إن الله حجر التوبة على كل صاحب بدعة\" بمعنى أنه لا يتوب منها، لأنه يحسب أنه على هدى، ولو تاب لتاب عليه، كما يتوب على الكافر، ومن قال: إنه لا يقبل توبة مبتدع مطلقًا، فقد غلط غلطًا منكرًا، ومن قال: ما أذن الله لصاحب بدعة في توبة، فمعناه ما دام مبتدعًا يراها حسنة لا يتوب منها، كما يرى الكافر أنه على ضلال، وإلا فمعلوم أن كثيرًا ممن كان على بدعة تبين له ضلالها، وتاب الله عليه منها، وهؤلاء لا يحصيهم إلا الله\". انظر مجموع الفتاوى (١١/ ٦٨٤ - ٦٨٥)، وسوف يتكلم المؤلف عن توبة المبتدع في الباب التاسع (٢/ ٢٦٧ - ٢٧٣، ٢٨٠ - ٢٨٢)، وانظر حقيقة البدعة وأحكامها لسعيد بن ناصر الغامدي (٢/ ٣٨٨ - ٤١٤).\n(٢) لفظ الجلالة لم يكتب في أصل (م)، وقد أثبت في هامشها.\n(٣) في (م) و(خ) و(ت) و(ط) و(ر): \"حجر\".\n(٤) رواه الإمام ابن أبي عاصم في السنة، باب ما ذكر عن النبي ﷺ أنه قال: لا يقبل الله عمل صاحب بدعة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله حجز - أو قال حجب - التوبة عن كل صاحب بدعة) (١/ ٢١) برقم (٣٧)، ورواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب هل لصاحب البدعة توبة، وذكره عن أنس (ص٦٢)، وقال عنه الهيثمي في المجمع: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح غير هارون بن موسى الفروي وهو ثقة (١٠/ ١٥٤). وقد صححه الشيخ الألباني كما في السلسلة الصحيحة (٤/ ١٥٤) برقم (١٦٢٠).\n(٥) ساقطة من (ت).\n(٦) في المخطوط والمطبوع \"الشيباني\"، والصحيح المثبت كما تقدم في ترجمته (ص١٢).\n(٧) ساقطة من (ت).\n(٨) تقدمت روايته (ص١٥٢) بلفظ \"شر\"، وهو الموافق لرواية ابن وضاح في البدع والنهي عنها.\n(٩) تقدم تخريجه (ص١٥٢).","vol":"1","page":214},{"text":"مِنَ الْبِدْعَةِ فَتَرَكَهُ إِلَّا إِلَى مَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ) (١).\nخَرَّجَ هَذِهِ الْآثَارَ ابْنُ وَضَّاحٍ (٢).\nوَخَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ (٣) عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العزيز ﵁ أنه كان يقول: (اثنان لا تعاتبهما (٤)، صَاحِبُ طَمَعٍ وَصَاحِبُ هَوًى (٥)، فَإِنَّهُمَا لَا يَنْزِعَانِ) (٦).\nوَعَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ (٧) قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْقَاسِمِ (٨) وَهُوَ يَقُولُ: (مَا كَانَ عَبْدٌ على هوى فَتَرَكَهُ (٩) إِلَّا إِلَى مَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ)، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا فَقَالَ: (تَصْدِيقُهُ فِي حَدِيثٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: \"يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لَا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يَرْجِعَ السهم على فوقه (١٠) \" (١١).\n_________\n(١) رواه عنه ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٦١).\n(٢) تقدمت ترجمته (ص٣٩).\n(٣) تقدمت ترجمته (ص٤).\n(٤) المثبت من (غ) و(ر)، وفي بقية النسخ \"نعاتبها\".\n(٥) في (ت): \"وصاحب بدعة هوى\".\n(٦) لم يمكن تخريجه لكون كتاب ابن وهب مخطوط، وقد طبع جزء يسير منه، ولم أجد فيه شيئًا مما نقل المؤلف.\n(٧) هو عبد الله بن شوذب البلخي الخراساني، سكن البصرة، ثم الشام، كان صدوقًا عابدًا، وقد وثقه جماعة. توفي سنة ١٥٦هـ.\nانظر: تقريب التهذيب (١/ ٤٢٣)، الكاشف للذهبي (٢/ ٨٦).\n(٨) هو عبد الله بن القاسم التيمي البصري، مولى أبي بكر الصديق، روى عن طائفة من الصحابة، وهو من أقران سعيد بن المسيب. قال عنه ابن حجر: مقبول. انظر: تهذيب التهذيب (٥/ ٣٩٥)، تقريب التهذيب (١/ ٤٤١)، الكاشف للذهبي (٢/ ١٠٦).\n(٩) المثبت ما في (غ) و(ر)، وفي بقية النسخ \"تركه\".\n(١٠) قال الإمام النووي في شرح مسلم: \"والفوق والفوقة بضم الفاء هو الحز الذي يجعل فيه الوتر\". (٧/ ١٦٥).\n(١١) رواه الإمام البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه، باب إقرار الفاجر والمنافق عن أبي سعيد (١٣/ ٥٣٥ - ٥٣٦)، والإمام أحمد في المسند (٣/ ١٥، ٦٤)، والقول بتمامه ذكره ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب هل لصاحب البدعة توبة، إلا أن ابن شوذب ليس في إسناد ابن وضاح (ص٦١).","vol":"1","page":215},{"text":"وَعَنْ أَيُّوبَ (١) قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَرَى رَأْيًا فَرَجَعَ عَنْهُ، فَأَتَيْتُ مُحَمَّدًا (٢) فَرِحًا بِذَلِكَ أُخْبِرُهُ، فَقُلْتُ: أَشَعَرْتَ أَنَّ فُلَانًا تَرَكَ رَأْيَهُ الَّذِي كان يرى؟ فقال: \"انظروا (٣) إلى ما (٤) يَتَحَوَّلُ؟ إِنَّ آخِرَ الْحَدِيثِ أَشُدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ أَوَّلِهِ (٥) \" (يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ، ثُمَّ (٦) لَا يَعُودُونَ) \" (٧). وهو حديث أبي ذر ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: \"سَيَكُونُ مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ يقرأون الْقُرْآنَ لَا (٨) يُجَاوِزُ حَلَاقِيمَهُمْ، يَخْرُجُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ) (٩).\nفَهَذِهِ شَهَادَةُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِمَعْنَى هَذِهِ الْآثَارِ، وَحَاصِلُهَا أنه لَا (١٠) تَوْبَةَ لِصَاحِبِ الْبِدْعَةِ عَنْ بِدْعَتِهِ، فَإِنْ خَرَجَ عَنْهَا فَإِنَّمَا يَخْرُجُ إِلَى مَا (١١) هُوَ شَرٌّ مِنْهَا كَمَا فِي حَدِيثِ أَيُّوبَ، أَوْ يَكُونُ مِمَّنْ يُظْهِرُ الْخُرُوجَ عَنْهَا وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَيْهَا بَعْدُ، كَقِصَّةِ غَيْلَانَ (١٢) مَعَ عُمَرَ بْنِ عبد العزيز ﵁ (١٣).\n_________\n(١) هو أيوب السختياني، تقدمت ترجمته (ص١٤٧).\n(٢) لعله ابن سيرين.\n(٣) في (ط): \"انظر\".\n(٤) رسمت في (ط) هكذا \"إلى م\".\n(٥) في (ت) و(ط) كتبت العبارة \"أشد عليهم من الأول، أوله ... \"، وكلمة \"الأول\" أثبتت في هامش (خ). وهي ساقطة من (م)، وكذلك ليست في البدع والنهي عنها لابن وضاح.\n(٦) في (ط) \"وآخره ثم لا يعودون\".\n(٧) انظر البدع والنهي عنها لابن وضاح، باب هل لصاحب البدعة توبة (ص٦٢). وقد روى الخطيب البغدادي نحو هذا القول عن أيوب عندما قال له رجل: إن عمرو بن عبيد قد رجع عن قوله. انظر تاريخ بغداد (١٢/ ١٧٤).\n(٨) في (ط): \"ولا\".\n(٩) رواه الإمام مسلم في كتاب الزكاة عن أبي ذر (٧/ ١٧٤ مع النووي)، والإمام ابن ماجه في مقدمة سننه، باب في ذكر الخوارج (١/ ٦٠) برقم (١٧٠)، والإمام أحمد في المسند (٥/ ٣١)، والإمام الدارمي في كتاب الجهاد من سننه، باب في قتال الخوارج (٢/ ٢٨١ برقم (٢٤٣٤).\n(١٠) ساقطة من (ط).\n(١١) في (غ) و(ر): \"لما\".\n(١٢) هو غيلان الدمشقي القدري. تقدمت ترجمته (ص١٠٢).\n(١٣) تقدمت قصته مع عمر بن عبد العزيز (ص١٠٢).","vol":"1","page":216},{"text":"ويدل عليه (١) أَيْضًا حَدِيثُ الْفِرَقِ إِذْ قَالَ فِيهِ: \"وَإِنَّهُ سيخرج في أمتي أقوام تَتَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ (٢) كَمَا يَتَجَارَى الكَلَب (٣) بِصَاحِبِهِ، لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ\" (٤)، وَهَذَا النَّفْيُ يَقْتَضِي الْعُمُومَ بِإِطْلَاقٍ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ الْعَادِيِّ، إِذْ لا يبعد أن يتوب بعضهم (٥) عَمَّا رَأَى، وَيَرْجِعَ إِلَى الْحَقِّ، كَمَا نُقِلَ عن عبيد اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ (٦)، وَمَا نَقَلُوهُ فِي مناظرة ابن عباس ﵄ الحرورية الخارجين على علي ﵁ (٧)، وفي مناظرة عمر بن عبد العزيز\n_________\n(١) في (خ) و(ط) و(ر): \"على ذلك\".\n(٢) في (م): \"الأهوى\".\n(٣) الكَلَب، بالتحريك، هو داء يعرض للإنسان من عض الكَلْبِ الكَلِبِ، فيصيبه شبه الجنون، وتعرض له أعراض رديئة، ولا يشرب الماء حتى يموت عطشًا.\nانظر: النهاية في غريب الحديث (٤/ ١٩٥).\nوقد تكلم المؤلف عن وجه تشبيه الأهواء بالكلب في الباب التاسع، المسألة الثانية والعشرون (٢/ ٢٧٧).\n(٤) رواه الإمام أبو داود في كتاب السنة من سننه، باب شرح السنة عن معاوية ﵁ أنه قام فقال: ألا إن رسول الله ﷺ قام فينا فقال: \"ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة). زاد يحيى وعمرو في حديثيهما (وإنه سيخرج من أمتي أقوام ... الحديث) (٤/ ١٩٧) (٤٥٩٧)، ورواه الإمام الدارمي في كتاب السير من سننه، باب في افتراق هذه الأمة (دون ذكر الزيادة)، (٢/ ٣١٤) برقم (٢٥١٨)، والإمام أحمد في المسند (٤/ ١٠٢)، والإمام الآجري في الشريعة، باب ذكر افتراق الأمم في دينهم (ص١٨) (دون ذكر الزيادة)، والإمام ابن أبي عاصم في السنة، باب ذكر الأهواء المذمومة (١،٢) (ص٧)، والإمام المروزي في السنة (ص١٩ - ٢٠)، والإمام اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١/ ١٠١، ١٠٢)، والإمام الحاكم في المستدرك وصححه ووافقه الذهبي (١/ ١٢٨)، وحسنه ابن حجر كما في تخريج أحاديث الكشاف (ص٦٣)، وصححه الألباني كما في ظلال الجنة (ص ٧ - ٨). وقد ذكر المؤلف الحديث في الباب التاسع وأفرده بمسائل (٢/ ٢٦٧).\n(٥) مثبتة في (غ)، وساقطة من بقية النسخ.\n(٦) سوف يذكر المؤلف خبره، وما وقع فيه من الخطأ، ثم توبته من ذلك في الباب الثالث (ص٢٧٨ - ٢٨١).\n(٧) هذه المناظرة ذكرها المؤلف في الباب التاسع (٢/ ١٨٧ - ١٨٩)، وقد ذكرها الإمام=","vol":"1","page":217},{"text":"لِبَعْضِهِمْ (١)، وَلَكِنَّ الْغَالِبَ فِي الْوَاقِعِ الْإِصْرَارُ.\nوَمِنْ هُنَالِكَ (٢) قُلْنَا: يَبْعُدُ أَنْ يَتُوبَ بَعْضُهُمْ لِأَنَّ الْحَدِيثَ يَقْتَضِي الْعُمُومَ بِظَاهِرِهِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ (٣).\nوَسَبَبُ ذلك (٤) بعد السماع (٥) أَنَّ الدُّخُولَ تَحْتَ تَكَالِيفِ الشَّرِيعَةِ صَعْبٌ عَلَى النَّفْسِ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُخَالِفٌ لِلْهَوَى، وَصَادٌّ عَنْ سَبِيلِ الشَّهَوَاتِ، فَيَثْقُلُ عَلَيْهَا جِدًّا، لِأَنَّ الْحَقَّ ثَقِيلٌ، وَالنَّفْسَ إِنَّمَا تَنْشَطُ بِمَا يُوَافِقُ هَوَاهَا لَا بِمَا يُخَالِفُهُ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ فَلِلْهَوَى فِيهَا مَدْخَلٌ، لِأَنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى نَظَرِ (٦) مُخْتَرِعِهَا لَا إلى نظر الشارع، (فإن أدخل فيها نظر الشَّارِعِ) (٧) فَعَلَى حُكْمِ التَّبَعِ لَا بِحُكْمِ الْأَصْلِ، مَعَ ضَمِيمَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ الْمُبْتَدِعَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَعَلُّقٍ بِشُبْهَةِ (٨) دَلِيلٍ يَنْسِبُهَا إِلَى الشَّارِعِ، وَيَدَّعِي أَنَّ مَا ذَكَرَهُ هُوَ مَقْصُودُ الشَّارِعِ، فَصَارَ هَوَاهُ مَقْصُودًا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فِي زَعْمِهِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ (٩) عَنْ ذَلِكَ وداعي الهوى مستمسك بجنس (١٠) مَا يَتَمَسَّكُ بِهِ؟ وَهُوَ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ فِي الجملة.\n_________\n=ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٠٤)، والإمام ابن كثير في البداية والنهاية (٧/ ٢٩١).\nوانظر: تلبيس إبليس لابن الجوزي (ص١١٢ - ١١٤)، والكامل لابن الأثير (٣/ ٢٠٢ - ٢٠٣)، فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١٩/ ٩٠، ٩١).\n(١) تقدم (ص١٠٢).\n(٢) في (غ): ذلك.\n(٣) سوف يذكر المؤلف بعض الذين ابتدعوا ثم تابوا في الباب الثالث (ص٢٧٥ - ٢٨١)، وسوف يتكلم عن توبة المبتدع في الباب التاسع (٢/ ٢٦٧ - ٢٧٣، ٢٨٠ - ٢٨٢) من المطبوع.\n(٤) مثبتة في (غ) و(ر)، وساقطة من بقية النسخ.\n(٥) هكذا في (م) وأصل (خ) و(ت). وكتب في هامش (ت) \"عله بعده عن التوبة\" وفي (خ) كتب فوق العبارة حرف مـ أي لا معنى لها، وفي الهامش صححت بعبارة \"وسبب بعده عن التوبة\".\n(٦) غير واضحة في (ت).\n(٧) ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).\n(٨) في (م): \"شبهة\".\n(٩) غير واضحة في (ت).\n(١٠) المثبت من (غ) و(ر)، وفي بقية النسخ: \"بحسن\".","vol":"1","page":218},{"text":"وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ (١) قَالَ: (بَلَغَنِي أَنَّ مَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةَ خلاه (٢) الشيطان والعبادة، وألقى (٣) عَلَيْهِ الْخُشُوعَ وَالْبُكَاءَ كَيْ يَصْطَادَ بِهِ) (٤).\nوَقَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: (أَشَدُّ النَّاسِ عِبَادَةً مَفْتُونٌ) (٥)، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﵊: \"يَحْقِرُ أَحَدَكُمْ صَلَاتَهُ فِي صَلَاتِهِ وَصِيَامَهُ فِي صِيَامِهِ\" (٦) إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ (٧).\nوَيُحَقِّقُ مَا قَالَهُ الْوَاقِعُ كَمَا نُقِلَ فِي الْأَخْبَارِ عَنِ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ. فَالْمُبْتَدِعُ يَزِيدُ في الاجتهاد لينال في الدنيا التعظيم والجاه والمال (٨) وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ الشَّهَوَاتِ، بَلِ التَّعْظِيمُ أعلى (٩) شَهَوَاتِ الدُّنْيَا، أَلَا (١٠) تَرَى إِلَى انْقِطَاعِ الرُّهْبَانِ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ عَنْ جَمِيعِ الْمَلْذُوذَاتِ، وَمُقَاسَاتِهِمْ فِي أَصْنَافِ الْعِبَادَاتِ، وَالْكَفِّ عَنِ الشَّهَوَاتِ؟! وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ خَالِدُونَ فِي جَهَنَّمَ، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ *عَامِلَةٌ\n_________\n(١) تقدمت ترجمته ﵀ (ص١٨).\n(٢) في (خ) و(ت) و(ط): \"ضلالة\"، وهو خطأ. ولا تستقيم العبارة بذلك، والمثبت هو ما في (م) و(غ) و(ر) وهو الموافق لما في الحوادث والبدع. وقد حاول الشيخ رشيد رضا تقريب العبارة فقال: ولعله: \"آلفه الشيطان العبادة\".\n(٣) في (ط): \"أو ألقى\".\n(٤) ذكر هذا القول له الإمام الطرطوشي في الحوادث والبدع (ص٢٩٧)، ولعل المؤلف قد نقله منه، لأن القول الذي بعده موجود في نفس الموضع.\n(٥) رواه الإمام ابن وضاح عن رجل من الصحابة، ولكن بدون ذكر الحديث، وقال بعده: يعني صاحب بدعة.\nانظر: البدع والنهي عنها (ص٦٢ - ٦٣)، وذكره الإمام الطرطوشي في الحوادث والبدع بتمامه (ص٢٩٧).\n(٦) تقدم تخريجه الحديث (ص١٢)، وأكثر الروايات وردت بضمير الجمع في لفظة (صلاته) الثانية وكذلك (صيامه). وهذه الرواية عند الإمام البخاري (١٢/ ٢٩٠).\n(٧) ذكر هذا القول لبعض الصحابة، واحتجاجهم بالحديث الإمام الطرطوشي في الحوادث والبدع (٢٩٧).\n(٨) في (ط): \"والمال والجاه\".\n(٩) في (خ) و(ط): \"على\".\n(١٠) في (ر): \"أولا\".","vol":"1","page":219},{"text":"نَاصِبَةٌ *تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً *﴾ (١) وَقَالَ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرَينِ أَعْمَالًا *الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا *﴾ (٢)، وَمَا (٣) ذَاكَ إِلَّا لِخِفَّةٍ يَجِدُونَهَا فِي ذَلِكَ الالتزام، ونشاط يداخلهم، يَسْتَسْهِلُونَ (٤) بِهِ الصَّعْبَ، بِسَبَبِ مَا دَاخَلَ النَّفْسَ مِنَ الْهَوَى، فَإِذَا بَدَا لِلْمُبْتَدِعِ مَا هُوَ عليه، رآه محبوبًا عنده لاستعباده (٥) لِلشَّهَوَاتِ - وَعَمَلِهِ مِنْ جُمْلَتِهَا (٦) - وَرَآهُ مُوَافِقًا لِلدَّلِيلِ عِنْدَهُ، فَمَا الَّذِي يَصُدُّهُ عَنِ الِاسْتِمْسَاكِ بِهِ، وَالِازْدِيَادِ مِنْهُ، وَهُوَ يَرَى أَنَّ أَعْمَالَهُ أَفْضَلُ من أعمال غيره، واعتقاداته أوفق وأعلى؟! أفبعد البرهان مطلب؟ (٧) ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٨).\nوَأَمَّا أَنَّ الْمُبْتَدِعَ يُلْقَى عَلَيْهِ الذُّلُّ فِي الدُّنْيَا وَالْغَضَبُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ *﴾ (٩) حَسْبَمَا جَاءَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ (١٠)، وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ الْمُتَّخِذِينَ لِلْعِجْلِ إِنَّمَا ضَلُّوا بِهِ حَتَّى (١١) عَبَدُوهُ، لِمَا سَمِعُوا مِنْ خُوَارِهِ، وَلِمَا (أَلْقَى) (١٢) إِلَيْهِمُ السَّامِرِيُّ فِيهِ، فَكَانَ فِي حَقِّهِمْ شُبْهَةً خَرَجُوا بِهَا عن الحق الذي كان في أيديهم، ثم (١٣) قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾، فَهُوَ عُمُومٌ فِيهِمْ وَفِيمَنْ أَشْبَهَهُمْ، مِنْ حَيْثُ كَانَتِ الْبِدَعُ كُلُّهُا افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ حَسْبَمَا أخبر في كتابه في قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ (١٤).\n_________\n(١) سورة الغاشية: آيات (٢ - ٤).\n(٢) سورة الكهف: آيتان (١٠٣ - ١٠٤).\n(٣) في (م) و(ت): \"ما\" بدون الواو.\n(٤) في (ت): \"يستهلون\".\n(٥) المثتب من (ر)، وفي بقية النسخ \"لاستبعاده\".\n(٦) غير واضحة في (ت)، وكتب بإزائها في الهامش \"جهتها\" وكأنها نسخة أخرى.\n(٧) هكذا العبارة في (م) و(ت)، وفي (خ) و(ط): \"أفيفيد البرهان مطلبًا\"، ويظهر تعديل الناسخ لكلمة \"أفبعد\" إلى \"أفيفيد\".\n(٨) سورة المدثر: آية (٣١).\n(٩) سورة الأعراف: آية (١٥٢).\n(١٠) تقدم (ص١١٠).\n(١١) ساقطة من (ت)، وفي (غ): \"حيث\".\n(١٢) ساقطة من (م) وأصل (خ) و(ت)، ومثبتة في (ط) وهامش (خ) و(ت).\n(١٣) مثبتة في (غ): وساقطة من بقية النسخ.\n(١٤) سورة الأنعام: آية (١٤٠).","vol":"1","page":220},{"text":"فَإِذًا كُلُّ مَنِ ابْتَدَعَ فِي دِينِ اللَّهِ فَهُوَ ذَلِيلٌ حَقِيرٌ بِسَبَبِ بِدْعَتِهِ، وَإِنْ ظَهَرَ لبادى الرأي عزه (١) وجبريته، فَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ أَذِلَّاءُ.\nوَأَيْضًا فَإِنَّ الذِّلَّةَ الحاضرة في الدنيا (٢) مَوْجُودَةٌ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ. أَلَا تَرَى أَحْوَالَ الْمُبْتَدِعَةِ فِي زَمَانِ التَّابِعِينَ، وَفِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ؟ حَتَّى تَلَبَّسُوا (٣) بِالسَّلَاطِينِ (٤)، وَلَاذُوا بِأَهْلِ الدُّنْيَا (٥)، وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ اسْتَخْفَى بِبِدْعَتِهِ، وَهَرَبَ بِهَا عَنْ مُخَالَطَةِ الْجُمْهُورِ، وَعَمِلَ بِأَعْمَالِهَا عَلَى التَّقِيَّةِ.\nوَقَدْ (٦) أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتخذوا العجل أن (٧) سَيَنَالُهُمْ مَا وَعَدَهُمْ، فَأَنْجَزَ اللَّهُ وَعْدَهُ، فَقَالَ: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٨).\nوصدق (٩) ذلك الواقع باليهود حيثما حلوا، وفي (١٠) أي زمان (١١) كانوا، لا يزالوان أَذِلَّاءَ مَقْهُورِينَ ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾، وَمِنْ جُمْلَةِ الِاعْتِدَاءِ (١٢) اتِّخَاذُهُمُ الْعِجْلَ، هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الذِّلَّةِ، وَأَمَّا (١٣) الْغَضَبُ فَمَضْمُونٌ بِصَادِقِ الْأَخْبَارِ، فَيُخَافُ أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَدِعُ دَاخِلًا فِي حُكْمِ الغضب والله الواقي بفضله.\nوَأَمَّا الْبُعْدُ عَنْ حَوْضِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فلحديث الموطأ: (فليذادن\n_________\n(١) في (ط): \"في عزة\".\n(٢) كتبت في (ط): \"بين أيدينا\".\n(٣) كتب بإزائها في هامش (ت): \"عله تشبثوا\".\n(٤) وذلك كاستعانة المعتزلة ببعض خلفاء بني العباس في مسألة خلق القرآن.\n(٥) في (خ): \"بأهلها بل بأهل الدنيا\"، وهو خطأ أضرب عنه الناسخ.\n(٦) غير واضحة في (ت).\n(٧) في (م) ضرب على الحرف بخط مائل.\n(٨) سورة البقرة: آية (٦١).\n(٩) غير واضحة في (ت).\n(١٠) المثبت كما في (غ)، وفي بقية النسخ: \"في\" بدون الواو.\n(١١) في (خ): \"في أي مكان وزمان\"، وكذلك (ط)، ولعل كلمة \"مكان\" زيادة من الناسخ فقد كتبت فوق السطر.\n(١٢) في (غ) و(ر): اعتدائهم.\n(١٣) في (م) وأصل (خ): \"ومن\"، وفي هامش (خ) كما هو مثبت.","vol":"1","page":221},{"text":"رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ (١» (٢) الْحَدِيثَ.\nوَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَسْمَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: \"أَنَا عَلَى حَوْضِي أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ، فَيُؤْخَذُ بِنَاسٍ مِنْ دُونِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَشَوْا الْقَهْقَرَى) (٣).\nوَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ (٤): (أَنَا فَرَطُكُمْ (٥) عَلَى الْحَوْضِ، لَيُرْفَعَنَّ إِلَيَّ رِجَالٌ مِنْكُمْ حَتَّى إِذَا تَأَهَّبْتُ (٦) لِأَتَنَاوَلَهُمْ (٧) اخْتَلَجُوا (٨) دُونِي، فَأَقُولُ: أَيْ رَبِّ (٩)، أَصْحَابِي، يَقُولُ: لَا تدري ما أحدثوا (١٠) بَعْدَكَ) (١١).\nوَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمْ مِنَ الدَّاخِلِينَ فِي غِمَارِ (١٢) هَذِهِ الْأُمَّةِ لِأَجْلِ مَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ فِيهِمْ، وَهُوَ الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ (١٣)، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يكون لأهل الكفر\n_________\n(١) في (خ): \"الضلال\".\n(٢) تقدم تخريجه (ص١٢١).\n(٣) رواه الإمام البخاري في كتاب الفتن من صحيحه، باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَآصَّةً﴾ (١٣/ ٣)، وفي كتاب الرقاق، باب في الحوض (١١/ ٤٦٦)، ورواه الإمام مسلم في كتاب الفضائل من صحيحه، باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته (١٥/ ٥٥).\n(٤) هو ابن مسعود ﵁.\n(٥) قال الإمام النووي في شرح مسلم: \"قال أهل اللغة: الفرط بفتح الفاء والراء، والفارط هو الذي يتقدم الوارد ليصلح لهم الحياض والدلاء ونحوها من أمور الاستقاء، فمعنى فرطكم على الحوض سابقكم إليه كالمهيىء له\" (١٥/ ٥٣).\n(٦) في (م) و(ت): \"أهيت\"، وفي (ط) و(غ): \"أهويت\".\n(٧) لفظ البخاري \"لأناولهم\".\n(٨) قال الإمام النووي في شرح مسلم: \"أما اختلجوا، فمعناه اقتطعوا\". (١٥/ ٦٤).\n(٩) في (ت): \"ربي\".\n(١٠) في (ط): \"أحدثوه\".\n(١١) رواه الإمام البخاري في كتاب الفتن، باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَآصَّةً﴾ عن ابن مسعود ﵁ (١٣/ ٣)، والإمام مسلم في كتاب الفضائل من صحيحه، باب حوض نبينا ﷺ وصفته، مع اختلاف في بعض الألفاظ (١٥/ ٥٩)، والإمام أحمد في المسند (١/ ٤٥٥)، والإمام ابن أبي عاصم في السنة برقم (٧٣٦، ٧٦١، ٧٦٢).\n(١٢) غمار الناس زحمتهم وكثرتهم. انظر: الصحاح (٢/ ٧٧٢).\n(١٣) تقدم معنى الغرة والتحجيل (ص١٢٣)، ومعرفة النبي ﷺ لأمته بالغرة والتحجيل=","vol":"1","page":222},{"text":"الْمَحْضِ، كَانَ كُفْرُهُمْ أَصْلًا أَوِ ارْتِدَادًا، وَلِقَوْلِهِ: \"قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ\" (١)، وَلَوْ كَانَ الْكُفْرُ، لَقَالَ: قَدْ كَفَرُوا بَعْدَكَ، وَأَقْرَبُ مَا يُحْمَلُ (٢) عَلَيْهِ تَبْدِيلُ السُّنَّةِ، وَهُوَ وَاقِعٌ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ (٣). ومن قال: إنهم (٤) أهل (٥) النِّفَاقُ فَذَلِكَ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ مَقْصُودِنَا، لِأَنَّ أَهْلَ النِّفَاقِ إِنَّمَا أَخَذُوا الشَّرِيعَةَ تَقِيَّةً لَا تعبدا، فوضعوها غَيْرِ مَوَاضِعِهَا وَهُوَ عَيْنُ الِابْتِدَاعِ. وَيَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى كُلُّ مَنِ اتَّخَذَ السُّنَّةَ وَالْعَمَلَ بِهَا حِيلَةً (٦) وَذَرِيعَةً إِلَى نَيْلِ حُطَامِ الدُّنْيَا، لَا عَلَى التَّعَبُّدِ بِهَا لِلَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ تَبْدِيلٌ لها، وإخراج لها عن وضعها الشرعي.\nوَأَمَّا الْخَوْفُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا، فَلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ مِنَ السَّلَفِ الْأَوَّلِ وَغَيْرَهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَكْفِيرِ (٧) كَثِيرٍ مِنْ فِرَقِهِمْ مِثْلَ الْخَوَارِجِ (٨)، وَالْقَدَرِيَّةِ (٩) وَغَيْرِهِمْ (١٠)، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (١١)، وقوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (١٢) الْآيَةَ.\nوَقَدْ حَكَمَ (١٣) الْعُلَمَاءُ بِكُفْرِ جُمْلَةٍ مِنْهُمْ كَالْبَاطِنِيَّةِ (١٤) وَسِوَاهُمْ، لِأَنَّ مَذْهَبَهُمْ رَاجِعٌ إِلَى مَذْهَبِ الْحُلُولِيَّةِ (١٥) الْقَائِلِينَ بِمَا يُشْبِهُ قَوْلَ النَّصَارَى فِي\n_________\n=وردت في حديث أبي هريرة السابق (ص١٢١)، إلا أن المؤلف اختصره.\n(١) تقدم تخريج الحديث (ص١٢١).\n(٢) في (ت): \"حمل\".\n(٣) وسيتكلم المؤلف عن هذه المسألة أيضًا في المسألة السادسة من الباب التاسع (٢/ ٢٠٢ - ٢٠٦).\n(٤) المثبت من (غ) و(ر)، وفي بقية النسخ: \"إنه\".\n(٥) ساقطة من النسخ عدا (غ).\n(٦) في (م) و(خ): \"حلية\"، وصححت في هامش (خ)، وهي غير واضحة في (ت).\n(٧) ساقطة من (ت).\n(٨) تقدم التعريف بهم (ص١١).\n(٩) تقدم التعريف بهم (ص١١).\n(١٠) سوف يتكلم المؤلف عن مسألة تكفير المبتدعة في الباب التاسع (٢/ ١٩٤ - ١٩٨، ٢٠٢ - ٢٠٦، ٢٤٦ - ٢٤٩)، وتقدم الكلام على تكفير الخوارج (ص٧٩).\n(١١) سورة الأنعام: آية (١٥٩).\n(١٢) سورة آل عمران: آية (١٠٦).\n(١٣) في (م) و(ت) و(ر) و(غ): \"حتم\".\n(١٤) تقدم التعريف بهم (ص٢٨).\n(١٥) الحلولية قوم يزعمون أنه قد حصل لهم الحلول، وهو حلول الله بذاته في الأجسام أو=","vol":"1","page":223},{"text":"اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ (١).\nوَالْعُلَمَاءُ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي أَمْرٍ هَلْ هُوَ كُفْرٌ أَمْ لَا؟ فَكُلُّ عَاقِلٍ يَرْبَأُ (٢) بِنَفْسِهِ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى خُطَّةِ خَسْفٍ كَهَذِهِ، بِحَيْثُ يُقَالُ لَهُ: إِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا هَلْ أَنْتَ كَافِرٌ أَمْ ضَالٌّ غَيْرُ كَافِرٍ؟ أَوْ يُقَالُ (٣): إِنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قالوا بكفرك، وأنت (٤) حلال الدم.\nوَأَمَّا أَنَّهُ يُخَافُ عَلَى صَاحِبِهَا سُوءُ الْخَاتِمَةِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، فَلِأَنَّ (٥) صَاحِبَهَا مُرْتَكِبٌ إِثْمًا، وَعَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى حَتْمًا، وَلَا نَقُولُ الْآنَ: هُوَ عَاصٍ بِالْكَبَائِرِ أَوْ بِالصَّغَائِرِ، بَلْ نَقُولُ: هُوَ مُصِرٌّ عَلَى مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَالْإِصْرَارُ يُعَظِّمُ الصَّغِيرَةَ إِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً حَتَّى تَصِيرَ كَبِيرَةً، وَإِنْ (٦) كَانَتْ كَبِيرَةً فَأَعْظَمُ. وَمَنْ مَاتَ مُصِرًّا عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَيُخَافُ عَلَيْهِ، فَرُبَّمَا إِذَا كُشِفَ الْغِطَاءُ، وَعَايَنَ عَلَامَاتِ الْآخِرَةِ، اسْتَفَزَّهُ الشَّيْطَانُ وَغَلَبَهُ عَلَى قَلْبِهِ، حَتَّى يَمُوتَ عَلَى التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ، وَخُصُوصًا حِين كَانَ مُطِيعًا لَهُ (٧) فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ زَمَانِهِ، مَعَ حُبِّ الدُّنْيَا الْمُسْتَوْلِي عَلَيْهِ.\nقَالَ عَبْدُ (٨) الْحَقِّ الْإِشْبِيلِيِّ (٩): (إِنَّ سُوءَ الخاتمة لا يكون لمن استقام\n_________\n=المخلوقات، وأول من أظهر ذلك في الإسلام هم غلاة الرافضة، بادعائهم حلول الحق في أئمتهم، واشتهر القول بالحلول عن الحلاج ومن تبعه من زنادقة الصوفية.\nانظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي (ص١١٦)، وانظر: كلام الإمام الآجري عن هذه الفرقة في كتابه الشريعة (ص٢٨٥ - ٢٩٠).\n(١) يريد النصارى باللاهوت الله تعالى أو كلمته، ويريدون بالناسوت عيسى ابن مريم ﵊، وقد زعموا حلول اللاهوت بالناسوت.\nانظر: الملل والنحلل للشهرستاني (ص٢٢١)، الجواب الصحيح لشيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ١٦٠).\n(٢) في (م): \"يرءا\"، وصححت في الهامش بما هو مثبت. وفي (ت): \"ينئى\"، وكتب في الهامش \"يرءا\" على أنها نسخة أخرى.\n(٣) في (خ): \"يقال له\".\n(٤) في (غ): \"وأنك\".\n(٥) في (ر): \"فإن\".\n(٦) في (ر): \"وأما إن\".\n(٧) في (ت): \"لله\".\n(٨) غير واضحة في (ت).\n(٩) في (خ): \"الإشبل\"، وهو الإمام الحافظ أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله الأزدي الأندلسي الإشبيلي، سكن مدينة بجاية، فنشر بها علمه، وصنف=","vol":"1","page":224},{"text":"ظَاهِرُهُ، وَصَلُحَ بَاطِنُهُ، مَا سُمِعَ بِهَذَا (١) قَطُّ، وَلَا عُلِمَ بِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لمن كان (٢) له فساد في (٣) العقل (٤)، أَوْ إِصْرَارٌ عَلَى الْكَبَائِرِ، وَإِقْدَامٌ عَلَى الْعَظَائِمِ، أَوْ لِمَنْ كَانَ مُسْتَقِيمًا ثُمَّ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ، وخرج عن سننه، وأخذ في غَيْرِ طَرِيقِهِ (٥)، فَيَكُونُ عَمَلُهُ ذَلِكَ سَبَبًا لِسُوءِ خَاتِمَتِهِ، وَسُوءِ عَاقِبَتِهِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٦».\nوَقَدْ سَمِعْتُ بِقِصَّةِ بَلْعَامَ بْنِ بَاعُورَاءَ (٧) حَيْثُ آتَاهُ اللَّهُ آيَاتِهِ فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ، إلى آخر الآية (٨).\nفهذا ظاهر إذا اعتبرنا البدعة (٩) من حيث هي معصية، فإن (١٠) نَظَرْنَا إِلَى كَوْنِهَا بِدْعَةً، فَذَلِكَ أَعْظَمُ، لِأَنَّ الْمُبْتَدِعَ - مَعَ كَوْنِهِ مُصِرًّا عَلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ - يَزِيدُ عَلَى الْمُصِرِّ بِأَنَّهُ مُعَارِضٌ لِلشَّرِيعَةِ بِعَقْلِهِ، غَيْرُ مُسَلِّمٍ لَهَا فِي تَحْصِيلِ أَمْرِهِ، مُعْتَقِدًا فِي الْمَعْصِيَةِ أَنَّهَا طَاعَةٌ، حَيْثُ حَسَّنَ مَا قَبَّحَهُ الشَّارِعُ، وَفِي الطَّاعَةِ أَنَّهَا لَا تَكُونُ طَاعَةً إِلَّا بِضَمِيمَةِ نَظَرِهِ، فَهُوَ قَدْ قَبَّحَ مَا حَسَّنَهُ الشَّارِعُ، وَمَنْ كَانَ هَكَذَا فَحَقِيقٌ بِالْقُرْبِ مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي جُمْلَةِ مَنْ (١١) ذَمَّ: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ *﴾ (١٢)، والمكر جلب السوء من\n_________\n=التصانيف، وله الأحكام الصغرى والوسطى والكبرى، وكتاب العاقبة في الزهد وغيرها. مات سنة ٥٨١هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٢١/ ٩٨)، شذرات الذهب (٤/ ٢٧١)، العبر (٤/ ٢٤٣).\n(١) في (ت): \"هذا\".\n(٢) ساقطة من (ت).\n(٣) غير واضحة في (ت).\n(٤) في (م): العقد.\n(٥) في (ط): \"في طريق غير طريقه\". وكلمة طريق الأولى كتبت في هامش (خ).\n(٦) سورة الرعد: آية (١١).\n(٧) انظر: خبره في تفسير الإمام ابن كثير عند الآية (٢/ ٤١٩ - ٤٢٢)، وقد ذكر عدة روايات في شأنه.\n(٨) سورة الأعراف: آيات (١٧٥ - ١٧٦).\n(٩) في (م) و(خ) و(ط) و(ت): \"اغتر بالبدعة\" والصواب المثبت.\n(١٠) في (ط): \"فإذا\".\n(١١) في (ت) و(ر): \"ممن\".\n(١٢) سورة الأعراف: آية (٩٩).","vol":"1","page":225},{"text":"حَيْثُ لَا يُفْطَنُ لَهُ، وَسُوءُ الْخَاتِمَةِ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، إِذْ يَأْتِي الْإِنْسَانَ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ بِهِ (١). اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ (٢) الْعَفْوَ والعافية.\nوَأَمَّا اسْوِدَادُ وَجْهِهِ فِي الْآخِرَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ (٣) فِي ذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (٤)، وَفِيهَا أَيْضًا الْوَعِيدُ بِالْعَذَابِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (٥)، وَقَوْلِهِ قَبْلَ ذَلِكَ: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٦).\nحَكَى عِيَاضٌ (٧) عَنْ مَالِكٍ، مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ (٨) عَنْهُ قَالَ: (لَوْ أَنَّ الْعَبْدَ ارْتَكَبَ الكبائر كلها بعد أن لا يشرك (٩) بِاللَّهِ شَيْئًا، ثُمَّ نَجَا مِنْ هَذِهِ (١٠) الْأَهْوَاءِ لَرَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ فِي أَعْلَى جَنَّاتِ (١١) الْفِرْدَوْسِ، لِأَنَّ كُلَّ كَبِيرَةٍ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ هُوَ مِنْهَا عَلَى رَجَاءٍ، وَكُلَّ هَوًى لَيْسَ هُوَ مِنْهُ عَلَى رَجَاءٍ، إِنَّمَا يَهْوِي بِصَاحِبِهِ فِي نار جهنم) (١٢).\n_________\n(١) ساقطة من (غ) و(ر).\n(٢) في (م) و(خ): \"نسلك\".\n(٣) تقدم كلام ابن عباس في الآية المذكورة، وأنها تَبْيَضُّ وُجُوهُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أَهْلِ البدعة (ص٨٣).\n(٤) (٥) سورة آل عمران: آية (١٠٦).\n(٦) سورة آل عمران: آية (١٠٥).\n(٧) هو القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي الأندلسي المالكي، إمام الحديث في وقته، وأعرف الناس بعلومه، وبالنحو واللغة وكلام العرب، توفي ﵀ سنة ٥٤٤هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٢١٢)، الإحاطة في أخبار غرناطة (٤/ ٢٢٢)، البداية والنهاية (١٢/ ٢٢٥).\n(٨) هو عبد الله بن نافع الصائغ، من كبار فقهاء المدينة، كان صاحب رأي مالك، وهو الذي سمع منه سحنون وكبار أتباع أصحاب مالك. توفي سنة ١٨٦هـ.\nانظر: ترتيب المدارك (١/ ٣٥٦)، طبقات ابن سعد (٥/ ٤٣٨)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٧١).\n(٩) في (م) و(خ) و(ت): \"بعد الإشراك بالله\".\n(١٠) في (م): \"هذ\".\n(١١) في (غ) و(ر): \"جنة\".\n(١٢) رواه القاضي عياض في ترتيب المدارك (١/ ١٧٧)، وروى نحوه الإمام أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٢٥)، وروى الإمام البيهقي في الاعتقاد والهداية قريبًا من هذا عن الشافعي. ولفظه \"لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير من أن يلقاه بشيء من الهوى\". (ص/١٥٨).","vol":"1","page":226},{"text":"وأما البراءة منه ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (١).\nوَفِي الْحَدِيثِ: \"أَنَا بَرِيءٌ مِنْهُمْ وَهُمْ بَرَاءٌ مني\" (٢).\nقال ابن عمر ﵄ فِي أَهْلَ الْقَدَرِ: (إِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ بَرَاءٌ مِنِّي) (٣).\nوَجَاءَ عَنِ الْحَسَنِ: (لَا تُجَالِسْ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فَإِنَّهُ يُمْرِضُ قَلْبَكَ) (٤).\nوَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ (٥): (مَنْ جَالَسَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ لَمْ يَسْلَمْ مِنْ إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِتْنَةً لِغَيْرِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَقَعَ بِقَلْبِهِ شَيْءٌ يَزِلُّ بِهِ فَيُدْخِلُهُ النَّارَ، وَإِمَّا أَنْ يَقُولَ: وَاللَّهِ لَا أُبَالِي (٦) مَا تَكَلَّمُوا بِهِ، وَإِنِّي وَاثِقٌ بِنَفْسِي (٧) (فَمَنْ أَمِنَ (٨) اللَّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ عَلَى دِينِهِ سَلَبَهُ إِيَّاهُ) (٩) \" (١٠).\nوَعَنْ يَحْيَى بْنِ (١١) أَبِي كَثِيرٍ (١٢) قَالَ: \"إِذَا لَقِيتَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فِي طَرِيقٍ فَخُذْ فِي طَرِيقٍ آخَرَ\" (١٣).\nوَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ (١٤) قَالَ: (لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْأَهْوَاءِ، وَلَا تُجَادِلُوهُمْ، فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَغْمُرُوكُمْ (١٥) فِي ضَلَالَتِهِمْ، وَيُلَبِّسُوا عَلَيْكُمْ ما كنتم تعرفون) (١٦).\n_________\n(١) سورة الأنعام: آية (١٥٩).\n(٢) تقدم تخريجه (ص٩٠).\n(٣) تقدم تخريجه (ص٢٠٧).\n(٤) تقدم تخريجه (ص١٤٨).\n(٥) تقدمت ترجمته (ص١٠٦).\n(٦) في (ت): \"ما أبالي\".\n(٧) في (ت): \"بالله\".\n(٨) في (خ) و(ط): \"يأمن بغير الله\"، وكلمة \"بغير\" كتبت في (خ) فوق السطر، والصواب المثبت.\n(٩) ما بين المعكوفين كتب في (ت): \"فمن آمن بالله طرفة عين على دينه سلبه إليه\"، وكتب في الهامش: \"صوابه والله أعلم فمن يأمن بغير اللَّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ عَلَى دِينِهِ سَلَبَهُ إِيَّاهُ\".\n(١٠) أخرجه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٥٤).\n(١١) في (ت): \"عن\".\n(١٢) تقدمت ترجمته ﵀ (ص١٥٠).\n(١٣) تقدم تخريجه (ص١٥٠).\n(١٤) تقدمت ترجمته ﵀ (ص١١٠).\n(١٥) تقدم الأثر بلفظ \"يغمسوكم\".\n(١٦) تقدم تخريجه (ص١٤٧).","vol":"1","page":227},{"text":"وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ (١) قَالَ: (لَا تُجَالِسُوا أَصْحَابَ الْأَهْوَاءِ وَلَا تُكَلِّمُوهُمْ، فَإِنِّي (٢) أَخَافُ أَنْ (٣) تَرْتَدَّ قُلُوبُكُمْ) (٤).\nوَالْآثَارُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وَيُعَضِّدُهَا مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: \"الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ\" (٥).\nوَوَجْهُ ذَلِكَ ظَاهِرٌ مُنَبَّهٌ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ أَبِي قِلَابَةَ، إِذْ قَدْ يَكُونُ الْمَرْءُ عَلَى يَقِينٍ (٦) مِنْ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ السُّنَّةِ، فَيُلْقِي لَهُ صَاحِبُ الْهَوَى فِيهِ (٧) هَوًى مِمَّا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ لَا أَصْلَ لَهُ، أَوْ يَزِيدُ لَهُ فِيهِ قَيْدًا مِنْ رَأْيِهِ فَيَقْبَلُهُ قَلْبُهُ، فَإِذَا رَجَعَ إِلَى مَا كَانَ يَعْرِفُهُ، وَجَدَهُ مُظْلِمًا، فَإِمَّا أَنْ يَشْعُرَ بِهِ فَيَرُدَّهُ بِالْعِلْمِ، أَوْ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَشْعُرَ بِهِ فَيَمْضِيَ مَعَ مَنْ هَلَكَ.\nقَالَ ابْنُ وهب: سمعت (٨) مَالِكًا إِذْ جَاءَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ يَقُولُ: \"أَمَّا أَنَا فَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، وَأَمَّا (٩) أَنْتَ فَشَاكٌّ، فَاذْهَبْ إِلَى شَاكٍّ مِثْلِكَ فَخَاصِمْهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ (١٠) الآية\" (١١).\nفَهَذَا شَأْنُ مَنْ تَقَدَّمَ، مِنْ عَدَمِ تَمْكِينِ زائغ القلب أن يُسمع كلامه.\n_________\n(١) هو النخعي. تقدمت ترجمته (ص١٤٩).\n(٢) في (خ) و(ت) و(ط): \"إذا\".\n(٣) ساقطة من (م).\n(٤) تقدم تخريجه (ص١٤٩).\n(٥) رواه الإمام أبو داود في كتاب الأدب من سننه، باب من يؤمر أن يجالس، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: \"الرجل على دين خليله\" تحت رقم (٤٨٣٣)، (٤/ ٢٦١)، والإمام الترمذي في كتاب الزهد من سننه، برقم (٢٣٧٨)، (٤/ ٥٠٩)، والإمام أحمد في المسند (٢/ ٣٠٣، ٣٣٤)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٧١)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (٢/ ٤٣١، ٤٣٢)، والإمام أبو نعيم في الحلية (٣/ ١٦٥)، وقد حسنه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة تحت رقم (٩٢٧)، (٢/ ٦٣٣).\n(٦) غير واضحة في (ت).\n(٧) ساقطة من (ت).\n(٨) هكذا في (ر)، وفي بقية النسخ: \"وسمعت\".\n(٩) ساقطة من (م).\n(١٠) سورة يوسف: آية (١٠٨).\n(١١) ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك (١/ ١٧٢)، ورواه الإمام ابن بطة في الإنابة الكبرى (١/ ٤٠٤)، وذكره أيضًا في الإبابة الصغرى (ص١٥١)، ورواه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٢٤)، وذكره ابن أبي زيد القيرواني في الجامع (ص١٢٥)، والجميع لم يذكر استشهاده بالآية سوى القاضي عياض.","vol":"1","page":228},{"text":"ومثال (١) رَدِّهِ بِالْعِلْمِ جَوَابُهُ لِمَنْ سَأَلَهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢) كَيْفَ اسْتَوَى؟ فَقَالَ لَهُ: \"الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ (٣) بِدْعَةٌ، وَأَرَاكَ (٤) صَاحِبَ بِدْعَةٍ\"، ثم أمر بإخراج السائل (٥).\nومثال (٦) مَا لَا يُقدر عَلَى رَدِّهِ مَا حَكَى الْبَاجِيُّ (٧) قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: \"كَانَ يُقَالُ: لَا تُمَكِّنْ زَائِغَ الْقَلْبِ مِنْ أُذُنِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا يَعْلَقُكَ مِنْ ذَلِكَ\" (٨).\nوَلَقَدْ سَمِعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ - مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ - شَيْئًا مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْقَدَرِ، فَعَلِقَ قَلْبُهُ، فَكَانَ يَأْتِي إِخْوَانَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْصِحُهُمْ، فَإِذَا نَهَوْهُ قَالَ (٩): \"فَكَيْفَ بِمَا عَلِقَ قَلْبِي، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ يَرْضَى (١٠) أَنْ أُلْقِيَ نَفْسِي مِنْ فَوْقِ هَذِهِ الْمَنَارَةِ فَعَلْتُ\" (١١).\nثُمَّ حُكِيَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: \"لَا تُجَالِسِ الْقَدَرِيَّ وَلَا تُكَلِّمْهُ إِلَّا أَنْ تَجْلِسَ إِلَيْهِ فَتُغْلِظَ عَلَيْهِ، لقوله تعالى: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ\n_________\n(١) المثبت من (غ)، وفي بقية النسخ: \"مثل\".\n(٢) سورة طه: آية (٥).\n(٣) ساقطة من (م) و(خ) و(ت)، ومثبتة في (ط) ومصادر قوله. وكتب في هامش (ت): \"عن هذا\".\n(٤) في (ت): \"وأرك\".\n(٥) رواه الإمام اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٣٩٨)، والإمام أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٢٥ - ٣٢٦)، والإمام البيهقي في الأسماء والصفات (ص٤٠٨) وقد جود الإمام ابن حجر طريق ابن وهب عند البيهقي فقال: وأخرج البيهقي بسند جيد عن عبد الله بن وهب ... فذكره. الفتح (١٣/ ٤٠٦ - ٤٠٧). وقد ذكره ابن أبي زيد القيرواني في الجامع (ص١٢٣)، والقاضي عياض في المدارك (١/ ١٧٠ - ١٧١).\n(٦) المثبت ما في (غ)، وفي بقية النسخ: \"ومثل\".\n(٧) هو أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد الأندلسي القرطبي الباجي، ولي القضاء في مواضع من الأندلس، وصنف كتبًا عديدة كالمنتقى في الفقه، والمعاني في شرح الموطأ، وإحكام الفصول في أحكام الأصول في أصول الفقه. توفي سنة ٤٧٤هـ.\nانظر: ترتيب المدارك (٤/ ٨٠٢)، وفيات الأعيان (٢/ ٤٠٨)، سير أعلام النبلاء (١٨/ ٥٣٥).\n(٨) عزاه إلى مالك الإمام ابن أبي زيد القيرواني في الجامع (ص١٢٠).\n(٩) في (ت): \"فقال\".\n(١٠) في (م): \"رضى\".\n(١١) ذكره عن مالك الإمام ابن أبي زيد القيرواني في الجامع (ص١٢٠).","vol":"1","page":229},{"text":"الآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهُ وَرَسُولَهُ﴾ (١) فلا توادوهم (٢) \" (٣).\nوَأَمَّا أَنَّهُ يُخْشَى عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ. فَلِمَا حَكَى عِيَاضٌ (٤) عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ (٥) أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَمَّنْ أَحْرَمَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَرَاءَ الْمِيقَاتِ، فَقَالَ: \"هَذَا مُخَالِفٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، أَخْشَى عَلَيْهِ الْفِتْنَةَ فِي (٦) الدُّنْيَا، وَالْعَذَابَ الْأَلِيمَ فِي الآخرة. أما سمعت قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٧)، وَقَدْ أَمْرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُهَلَّ مِنَ الْمَوَاقِيتِ\" (٨).\nوَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ (٩) عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ (١٠) قَالَ (١١) سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ وَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَبَا (١٢) عبد الله من أين أحرم؟ قال (١٣): \"من ذي\n_________\n(١) سورة المجادلة: آية (٢٢).\n(٢) في (م): \"يوادوهم\".\n(٣) ذكر ابن أبي زيد القيرواني قريبًا منه عن مالك بلفظ: \"لا تسلم على أهل الأهواء، ولا تجالسهم إلا أن تغلظ عليهم، ولا يعاد مريضهم، ولا تحدث عنهم الأحاديث\".\nانظر: الجامع (ص١٢٥).\n(٤) تقدمت ترجمته (ص٢٤٥).\n(٥) تقدمت ترجمته (ص١١٠).\n(٦) بياض في (ت).\n(٧) سورة النور: آية (٦٣).\n(٨) ذكر هذا القول القاضي عياض في ترتيب المدارك ضمن ترجمة الإمام مالك ﵀ (١/ ١٧١ - ١٧٢).\n(٩) هو الإمام العلامة الحافظ القاضي أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن العربي الأندلسي الإشبيلي المالكي، صاحب التصانيف، ارتحل مع أبيه إلى المشرق، فسمع ببغداد ودمشق ومصر وبيت المقدس، وتفقه وبرع، ثم عاد إلى الأندلس بإسناد عال وعلم جم، كان يقال إنه بلغ رتبة الاجتهاد. توفي سنة ٥٤٣هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٩٧)، وفيات الأعيان (٤/ ٢٩٦)، العبر (٤/ ١٢٥) شذرات الذهب (٤/ ١٤١).\n(١٠) هو الزبير بن بكار بن أبي بكر القرشي الأسدي الزبيري، كان حافظًا نسابة، تولى قضاء مكة، روى عن ابن عيينة وغيره، وحدث عنه ابن ماجه وأبو حاتم الرازي وغيرهم، وثقه الدارقطني وغيره. توفي سنة ٢٥٦هـ.\nانظر: ترتيب المدارك (١/ ٥١٤)، سير أعلام النبلاء (١٢/ ٣١١)، تقريب التهذيب (١/ ٢٥٧).\n(١١) عبارة ابن العربي: عن الزبير بن بكار، قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: سمعت مالك .. \".\n(١٢) ساقطة من (م) و(ت) وأصل (خ)، ومثبت في هامش (خ)، وهو الصواب كما في أحكام القرآن لابن العربي.\n(١٣) ساقطة من (ت).","vol":"1","page":230},{"text":"الْحُلَيْفَةِ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ\". فَقَالَ: (إِنِّي (١) أُرِيدُ أَنْ أُحْرِمَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: \"لَا تَفْعَلْ\") (٢)، قَالَ: فَإِنِّي (٣) أُرِيدُ أَنْ أُحْرِمَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْ عِنْدِ الْقَبْرِ، قَالَ: \"لَا تَفْعَلْ، فَإِنِّي أَخْشَى عليك (٤) الفتنة\" (٥)، فقال وأي فتنة في (٦) هَذِهِ؟ (٧) إِنَّمَا هِيَ أَمْيَالٌ أَزِيدُهَا، قَالَ: \"وَأَيُّ فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إِلَى فَضِيلَةٍ قَصَّرَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٨) \" (٩).\nوَهَذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا مَالِكٌ ﵀ تَفْسِيرُ الْآيَةِ (١٠) هِيَ شَأْنُ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَقَاعِدَتُهُمُ الَّتِي يُؤَسِّسُونَ عَلَيْهَا بُنْيَانَهُمْ، فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَنَّهُ نَبِيُّهُ ﷺ، دُونَ مَا اهْتَدَوْا إِلَيْهِ بِعُقُولِهِمْ.\nوَفِي مِثْلِ ذَلِكَ قَالَ (١١) ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ فِيمَا رُوِيَ عنه (١٢) ابْنِ وَضَّاحٍ: \"لَقَدْ هُدِيتُمْ لِمَا لَمْ يَهْتَدِ له نبيكم، [أو] (١٣) إنكم لَتُمْسِكُونَ بِذَنَبِ ضَلَالَةٍ\"، إِذْ مَرَّ بِقَوْمٍ كَانَ رجل يجمعهم فَيَقُولُ (١٤): رَحِمَ اللَّهُ مَنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا (١٥) مَرَّةً \"سُبْحَانَ اللَّهِ\"، فَيَقُولُ الْقَوْمُ، وَيَقُولُ رَحِمَ اللَّهُ مَنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا مَرَّةً \"الْحَمْدُ لله\"، فيقول القوم (١٦).\n_________\n(١) في (م) و(ت): \"فإني\".\n(٢) ما بين المعكوفين ساقط من (خ).\n(٣) في (م) و(غ): \"إني\".\n(٤) في (م): \"عليه\".\n(٥) ساقطة من (م) وأصل (خ)، وأثبت في هامش (خ).\n(٦) ساقطة من (ط).\n(٧) في أحكام القرآن \"هذا\".\n(٨) سورة النور: آية (٦٣).\n(٩) ذكره بسنده إلى الإمام مالك ﵀ الإمام ابن العربي في أحكام القرآن، عند الآية (٣/ ٤٣٢)، وقد رواه الإمام ابن بطة في الإنابة الكبرى بلفظ أخصر من هذا (١/ ٢٦١ - ٢٦٢).\n(١٠) في (غ): \"للآية\".\n(١١) في (ت): \"يقول قال ابن مسعود ... \".\n(١٢) في (م) و(ط): \"عن\".\n(١٣) في جميع النسخ \"وإنكم\"، والصواب ما أثبته، وهو لفظ الإمام ابن وضاح.\n(١٤) المثبت من (غ) و(ر)، وفي بقية النسخ: \"يقول\".\n(١٥) في (ت): \"كذا كذا\".\n(١٦) رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص١٦، ١٨)، و(ص١٩) وهو لفظ=","vol":"1","page":231},{"text":"ثُمَّ إِنَّ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ مِنَ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ الْمُنَافِقِينَ حِينَ أمر رسول الله ﷺ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ، وَهُمُ (١) الَّذِينَ كَانُوا يَتَسَلَّلُونَ (٢) لِوَاذًا (٣).\nوَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ النِّفَاقَ مِنْ أَصْلِهِ بِدْعَةٌ، لأنه وضع (٤) فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى غَيْرِ مَا وَضَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَلِذَلِكَ لَمَّا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنِ الْمُنَافِقِينَ قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اُشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى﴾ (٥)، فمن حيث (نزلت آية النور في المنافقين شملت كل من اتصف بذلك والوصف الذي هو مظنة الفتنة، فَمِنْ حَيْثُ) (٦) كَانَتْ عَامَّةً فِي الْمُخَالِفِينَ عَنْ أَمْرِهِ يَدْخُلُونَ أَيْضًا مِنْ بَابِ أَحْرَى.\nفَهَذِهِ جُمْلَةٌ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى مَا بَقِيَ، إِذْ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ فِيهَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ، وَبَسْطُ مَعَانِيهَا طَوِيلٌ، فلنقتصر على ما ذكرنا وبالله التوفيق.\n_________\n=المؤلف، ورواه الإمام الدارمي في مقدمة سننه، باب في كراهية أخذ الرأي (١/ ٧٩)، ولفظه يقع في قرابة الصفحة. وأورد الإمام الهيثمي بعض روايات هذه القصة في مجمع الزوائد (١/ ١٨٦).\nوسبب نقد ابن مسعود ﵁ لهم هو فعلهم هذه العبادة على هيئة لم يفعلها رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا أصحابه رضوان الله عليهم، فبين ابن مسعود أن حالهم لا يخرج عن أحد أمرين: إما أنهم أفضل مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابه، وإما أنهم على ضلالة. وقد توسم ابن مسعود فيهم أنهم من الخوارج، فكانوا كذلك، حيث قاتلوا يوم النهروان مع الخوارج.\nانظر: سنن الدارمي (١/ ٧٩ - ٨٠).\n(١) في (ت): \"فهم\".\n(٢) في (ت): \"يتسللون منه\".\n(٣) قال الإمام الشوكاني في فتح القدير: \"التسلل الخروج في خفية ..، واللواذ من الملاوذة، وهو أن تستتر بشيء مخافة من يراك، وفي الآية بيان ما كان يقع من المنافقين، فإنهم كانوا يتسللون عن صلاة الجمعة متلاوذين، ينضم بعضهم إلى بعض استتارًا من رسول الله ﷺ\".\nانظر: فتح القدير (٤/ ٥٨)، وقال الإمام ابن الجوزي: \"وقيل هذا كان في حفر الخندق، كان المنافقون ينصرفون من غير أمر رسول الله ﷺ مختفين\".\nانظر: زاد المسير (٦/ ٦٩).\n(٤) في (ط): \"وضع بدعة\".\n(٥) سورة البقرة: آية (١٦).\n(٦) ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).","vol":"1","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>فصل</span>\nوَبَقِيَ مِمَّا هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى ذِكْرِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ شَرْحُ مَعْنًى عَامٍّ يَتَعَلَّقُ بِمَا تَقَدَّمَ. وَهُوَ أَنْ الْبِدَعَ ضَلَالَةٌ، وَأَنَّ الْمُبْتَدِعَ ضَالٌّ وَمُضِلٌّ، وَالضَّلَالَةُ مَذْكُورَةٌ فِي كَثِيرٍ مِنَ النقل المذكور، ويشير إليها في الآيات الِاخْتِلَافِ، وَالتَّفَرُّقِ شِيَعًا، وَتَفَرُّقِ الطُّرُقِ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَعَاصِي، فَإِنَّهَا لَمْ تُوصَفُ فِي الْغَالِبِ بِوَصْفِ الضَّلَالَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ بِدْعَةً أَوْ شِبْهَ (١) الْبِدْعَةِ. وَكَذَلِكَ الْخَطَأُ الْوَاقِعُ فِي الْمَشْرُوعَاتِ - وَهُوَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ (٢) - لَا يُسَمَّى ضَلَالًا، وَلَا يُطْلَقُ عَلَى الْمُخْطِئِ اسْمُ ضَالٍّ، كَمَا لَا يُطْلَقُ على المتعمد لسائر المعاصي (اسم الضال) (٣).\nوَإِنَّمَا ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِحِكْمَةِ قَصْدِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الضَّلَالَ وَالضَّلَالَةَ ضِدُّ الْهَدْيِ والهداية (٤)، وَالْعَرَبُ تُطْلِقُ الْهُدَى حَقِيقَةً فِي الظَّاهِرِ (٥) الْمَحْسُوسِ، فَتَقُولُ: هَدَيْتُهُ الطَّرِيقَ، وَهَدَيْتُهُ إِلَى الطَّرِيقِ. وَمِنْهُ نُقِلَ إِلَى طَرِيقِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ (٦)، ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ *﴾ (٧)، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *﴾، وَالصِّرَاطُ وَالطَّرِيقُ وَالسَّبِيلُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ (٨)، فَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الطَّرِيقِ الْمَحْسُوسِ، وَمَجَازٌ فِي الطَّرِيقِ الْمَعْنَوِيِّ، وَضِدُّهُ الضَّلَالُ (٩)، وَهُوَ الْخُرُوجُ عَنِ الطَّرِيقِ، وَمِنْهُ البعير\n_________\n(١) في (م): \"تشبه\".\n(٢) ساقطة من (ط).\n(٣) ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).\n(٤) في جميع النسخ: \"الهدى\" عدا (غ) و(ر).\n(٥) في (ت): \"الظر\".\n(٦) سورة الإنسان: آية (٣).\n(٧) سورة البلد: آية (١٠).\n(٨) ساقطة من (غ) و(ر).\n(٩) ساقطة من (غ).","vol":"1","page":233},{"text":"الضَّالُّ، وَالشَّاةُ الضَّالَّةُ. وَرَجُلٌ ضَلَّ عَنِ الطَّرِيقِ إِذَا خَرَجَ عَنْهُ، لِأَنَّهُ الْتُبِسَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ هَادٍ يَهْدِيهِ، وَهُوَ الدَّلِيلُ.\nفصاحب البدعة لما غلب عليه الْهَوَى مَعَ الْجَهْلِ بِطَرِيقِ السُّنَّةِ، تَوَهَّمَ أَنَّ مَا ظَهَرَ لَهُ بِعَقْلِهِ هُوَ الطَّرِيقُ الْقَوِيمُ دُونَ غَيْرِهِ، فَمَضَى عَلَيْهِ، فَحَادَ بِسَبَبِهِ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، فَهُوَ ضَالٌّ مِنْ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّهُ رَاكِبٌ لِلْجَادَّةِ (١)، كَالْمَارِّ بِاللَّيْلِ عَلَى الْجَادَّةِ وَلَيْسَ لَهُ دَلِيلٌ يَهْدِيهِ، يُوشِكُ أَنْ يَضِلَّ عنها، فيقع في متلفة (٢)، وَإِنْ كَانَ بِزَعْمِهِ يَتَحَرَّى قَصْدَهَا.\nفَالْمُبْتَدِعُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِنَّمَا ضَلَّ فِي أَدِلَّتِهَا حَيْثُ أَخَذَهَا مَأْخَذَ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ، لَا مَأْخَذَ الِانْقِيَادِ تَحْتَ أَحْكَامِ اللَّهِ. وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُبْتَدِعِ وَغَيْرِهِ، لِأَنَّ الْمُبْتَدِعَ جَعَلَ الْهَوَى أَوَّلَ مَطَالِبِهِ، وَأَخَذَ (٣) الْأَدِلَّةَ بِالتَّبَعِ، وَمِنْ شَأْنِ الْأَدِلَّةِ أَنَّهَا جَارِيَةٌ عَلَى كَلَامِ الْعَرَبِ، وَمِنْ شَأْنِ كلامها الاحتراز فيه بالظواهر، فقلما تجد (٤) فيه نصًا لا يحتمل حسبما قرره من تقدم في غير هذا الْعِلْمِ، وَكُلُّ ظَاهِرٍ يُمْكِنُ (٥) فِيهِ أَنْ يُصْرَفَ عَنْ مُقْتَضَاهُ فِي الظَّاهِرِ (٦) الْمَقْصُودِ، وَيُتَأَوَّلُ عَلَى غَيْرِ مَا قُصِدَ فِيهِ. فَإِذَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ الْجَهْلُ بِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَعَدَمُ الِاضْطِلَاعِ بِمَقَاصِدِهَا، كَانَ الْأَمْرُ أَشَدَّ وَأَقْرَبَ إِلَى التَّحْرِيفِ وَالْخُرُوجِ عن مقاصد الشرع. فكان المدرك أعرق (٧) فِي الْخُرُوجِ عَنِ السُّنَّةِ، وَأَمْكَنُ فِي ضَلَالِ الْبِدْعَةِ، فَإِذَا غَلَبَ الْهَوَى أَمْكَنَ انْقِيَادُ أَلْفَاظِ الْأَدِلَّةِ إِلَى مَا أَرَادَ مِنْهَا.\nوَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّكَ لَا تَجِدُ مُبْتَدِعًا (٨) مِمَّنْ يُنْسَبُ إلى الملة\n_________\n(١) الجادة هي معظم الطريق، وجمعها جواد.\nانظر: الصحاح للجوهري (٢/ ٤٥٢).\n(٢) في (خ) وأصل (م) و(ط): \"متابعة\". وفي (ت): \"متاعب\"، وفي (ر): \"متلفة\".\n(٣) في (ت): \"فأخذ\".\n(٤) في (خ) و(ط) وأصل (م): \"فكما تجب\"، وفي (ت): \"كما تجب\".\n(٥) في (ت): \"ممكن\".\n(٦) في (ت): \"الظر\".\n(٧) في (خ) و(ت): \"أغرق\".\n(٨) في (غ): \"متبوعًا\".","vol":"1","page":234},{"text":"إِلَّا وَهُوَ يَسْتَشْهِدُ عَلَى بِدْعَتِهِ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، فَيُنْزِلُهُ عَلَى مَا وَافَقَ عَقْلَهُ وَشَهْوَتَهُ، وَهُوَ أَمْرٌ ثَابِتٌ فِي الْحِكْمَةِ الْأَزَلِيَّةِ الَّتِي لَا مَرَدَّ لَهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ (١)، وَقَالَ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢)، لَكِنْ إِنَّمَا يَنْسَاقُ لَهُمْ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْمُتَشَابِهُ مِنْهَا لَا الْوَاضِحُ، وَالْقَلِيلُ مِنْهَا لَا الْكَثِيرُ (٣)، وَهُوَ أَدَلُّ الدَّلِيلِ عَلَى اتِّبَاعِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْمُعْظَمَ وَالْجُمْهُورَ مِنَ الْأَدِلَّةِ إِذَا دَلَّ عَلَى أمر بظاهره فهو الحق، فإن جاء مَا (٤) ظَاهِرُهُ الْخِلَافُ فَهُوَ النَّادِرُ وَالْقَلِيلُ، فَكَانَ من حق الناظر (٥) رَدُّ الْقَلِيلِ إِلَى الْكَثِيرِ، وَالْمُتَشَابِهِ إِلَى الْوَاضِحِ، غَيْرَ أَنَّ الْهَوَى زَاغَ بِمَنْ أَرَادَ اللَّهُ زَيْغَهُ، فَهُوَ فِي تِيهٍ، مِنْ حَيْثُ يَظُنُّ أَنَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُبْتَدِعِ فَإِنَّهُ إِنَّمَا جَعَلَ الْهِدَايَةَ إِلَى الْحَقِّ أَوَّلَ مَطَالِبِهِ، وَأَخَّرَ هَوَاهُ - إِنْ كَانَ فَجَعَلَهُ بِالتَّبَعِ، فَوَجَدَ جمهور الأدلة ومعظم الكتاب واضحًا في المطلب (٦) الذي بحث عنه، فركب (٧) الجادة إليه (٨)، وَمَا شَذَّ لَهُ عَنْ (٩) ذَلِكَ، فَإِمَّا أَنْ يَرُدَّهُ إِلَيْهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكِلَهُ إِلَى عَالِمِهِ (١٠)، وَلَا يَتَكَلَّفُ الْبَحْثَ عَنْ تَأْوِيلِهِ.\nوَفَيْصَلُ الْقَضِيَّةِ بَيْنَهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (١١)، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى مَنْ هَذِهِ حَالُهُ مُبْتَدِعًا وَلَا ضَالًّا، وَإِنْ حَصَلَ فِي الْخِلَافِ أَوْ خَفِيَ عَلَيْهِ.\nأَمَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُبْتَدِعٍ فَلِأَنَّهُ اتَّبَعَ الْأَدِلَّةَ مُلْقِيًا إِلَيْهَا حِكْمَةَ (١٢) الِانْقِيَادِ، بَاسِطًا يَدَ الِافْتِقَارِ، مُؤَخِّرًا هَوَاهُ، وَمُقَدِّمًا لِأَمْرِ الله.\n_________\n(١) سورة البقرة: آية (٢٦).\n(٢) سورة المدثر: آية (٣١).\n(٣) في (ط): \"كالكثير\". وهو خطأ.\n(٤) في (ت): \"ما على ظاهره ... \"، وفي (ط): \"على ما ظاهره ... \".\n(٥) في (ط): \"الظاهر\"، وهو خطأ.\n(٦) في (م) و(ط): \"الطلب\".\n(٧) في (ط): \"فوجد\".\n(٨) ساقطة من (خ) و(ت) و(ط).\n(٩) في (ت): \"من\".\n(١٠) في (غ): \"عامله\".\n(١١) سورة آل عمران: آية (٧).\n(١٢) لعل مراد المؤلف أحد معاني الكلمة لغة. قال في الصحاح: وحكمة اللجام: ما أحاط بالحنك. تقول منه حكمت الدابة حكمًا، وأحكمتها أيضًا. الصحاح (٥/ ١٩٠٢). فلعل المؤلف استعار هذا المعنى.","vol":"1","page":235},{"text":"وَأَمَّا كَوْنُهُ غَيْرَ ضَالِّ فَلِأَنَّهُ عَلَى الْجَادَّةِ سَلَكَ، وَإِلَيْهَا (١) لَجَأَ، فَإِنْ خَرَجَ عَنْهَا يَوْمًا فَأَخْطَأَ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ (٢)، بَلْ يَكُونُ مَأْجُورًا حَسْبَمَا بَيَّنَهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: \"إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ، وَإِنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ\" (٣)، وَإِنْ خَرَجَ مُتَعَمِّدًا فَلَيْسَ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ خُرُوجَهُ طَرِيقًا مَسْلُوكًا لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَشَرْعًا يُدَانُ بِهِ.\nعَلَى أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ الذَّنْبُ مَوْقِعَ الِاقْتِدَاءِ قَدْ يُسَمَّى اسْتِنَانًا، فَيُعَامَلُ مُعَامَلَةُ مَنْ سَنَّهُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: \"مَنْ سن سنة سيئة كان عليها وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا\" (٤) الْحَدِيثَ، وَقَوْلُهُ ﵊: \"مَا مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ (٥) كِفْلٌ مِنْهَا لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ\" (٦)، فَسُمِّيَ الْقَتْلُ سُنَّةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ عَمِلَ بِهِ عَمَلًا يُقْتَدَى بِهِ فِيهِ، لَكِنَّهُ لَا يُسَمَّى بِدْعَةً لِأَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ عَلَى أَنْ يَكُونَ تَشْرِيعًا، وَلَا يُسَمَّى ضَلَالًا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي طَرِيقِ (٧) الْمَشْرُوعِ أَوْ فِي مُضَاهَاتِهِ لَهُ. وَهَذَا تَقْرِيرٌ وَاضِحٌ يَشْهَدُ لَهُ الْوَاقِعُ فِي تَسْمِيَةِ (٨) الْبِدَعِ ضَلَالَاتٍ، وَيَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا أَحْوَالُ مَنْ تَقَدَّمَ قَبْلَ\n_________\n(١) في (م) و(ت): \"وإليه\".\n(٢) ساقطة من (غ) و(ر).\n(٣) رواه الإمام البخاري في كتاب الاعتصام من صحيحه، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ عن عمرو بن العاص أنه سمع النبي ﷺ يقول: \"إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر\" (١٣/ ٣١٨ مع الفتح)، والإمام مسلم في كتاب الأقضية من صحيحه، باب بيان أجر الحاكم، عن عمرو بن العاص، بلفظ البخاري (١٢/ ١٣)، والإمام أبو داود في كتاب الأقضية من سننه، باب في القاضي يخطئ، وذكره تحت رقم (٣٥٧٤)، (٣/ ٢٩٧ - ٢٩٨)، والإمام ابن ماجه في كتاب الأحكام من سننه، باب الحاكم يجتهد فيصيب الحق، تحت رقم (٢٣١٤)، (٢/ ٧٧٦)، والإمام أحمد في المسند (٤/ ١٩٨ - ٤٠٢)، كلهم يرويه عن عمرو بن العاص بنحو لفظ البخاري ورواه أحمد عنه بلفظ آخر (٢/ ١٨٧، ٢٠٥)، وقد رواه الإمام الترمذي عن أبي هريرة في كتاب الأحكام من سننه، باب ما جاء في القاضي يصيب ويخطىء، ولفظه قريب من لفظ البخاري المتقدم (١٣٢٦)، (٣/ ٦١٥)، ورواه عنه الإمام النسائي أيضًا في كتاب آداب القضاة من سننه، باب الإصابة في الحكم (٨/ ٢٢٣ - ٢٢٤).\n(٤) تقدم تخريجه (ص١١٨).\n(٥) ساقطة من (غ) و(ر).\n(٦) تقدم تخريجه (ص٢٣٠).\n(٧) في (غ) و(ر): \"ليس بحيرة في طريق\".\n(٨) في (م) و(ت): \"نسبة\".","vol":"1","page":236},{"text":"الْإِسْلَامِ، وَفِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ (١)، (فَإِنَّ الْكُفَّارَ لَمَّا أُمِرُوا بِالْإِنْفَاقِ شَحُّوا عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَأَرَادُوا أَنْ يَجْعَلُوا لِذَلِكَ الشُّحِّ مَخْرَجًا، فقالوا أنطعم من لو شاء الله أطعمه؟) (٢) وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ لَوْ شَاءَ لَمْ يُحْوِجْ أَحَدًا إِلَى أَحَدٍ، لَكِنَّهُ ابْتَلَى عِبَادَهُ لِيَنْظُرَ كيف يعملون، فغطى (٣) هَوَاهُمْ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ الْعَظِيمِ، وَاتَّبَعُوا مَا تَشَابَهَ مِنَ الْكِتَابِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُمْ: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ (٤).\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ (٥)، فَكَأَنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ أَقَرُّوا بِالتَّحْكِيمِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَكُونَ التَّحْكِيمُ عَلَى وَفْقِ أَغْرَاضِهِمْ زَيْغًا عَنِ الْحَقِّ، وَظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ الْجَمِيعَ حَكَمٌ، وَأَنَّ مَا يَحْكُمُ بِهِ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ (٦) أَوْ غَيْرُهُ مِثْلَ مَا يَحْكُمُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، وَجَهِلُوا أَنَّ حُكْمَ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي لَا يُرَدُّ، وَأَنَّ حُكْمَ غَيْرِهِ مَعَهُ مَرْدُودٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ جَارِيًا عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، فَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا﴾ (٧)، لِأَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فيمن دخل في الإسلام (٨)،\n_________\n(١) سورة يس: آية (٤٧).\n(٢) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).\n(٣) في (ط): \"فقص\".\n(٤) سورة يس: آية (٤٧).\n(٥) سورة النساء: آية (٦٠).\n(٦) في (م): \"لقب من الأشراف\"، وفي (خ): \"لعب من الأشراف\"، وكتب فوق كعب رقم ٢ وكتبت في الهامش \"أحد\"، وفي (ت): \"من الأشراف\" وكلمة كعب مطموسة، وكتب في هامشها: عله أحد من الأشراف. وهو أحد زعماء اليهود في زمن النبي ﷺ، وذكر المفسرون أنه المراد بالطاغوت، وقيل غير ذلك.\nانظر: تفسر ابن كثير عند الآية (١/ ٧٨٦)، زاد المسير (٢/ ١١٨ - ١٢٠)، فتح القدير (١/ ٤٨٤).\n(٧) سورة النساء: آية (٦٠).\n(٨) قال الإمام ابن عطية في المحرر الوجيز بعدما ذكر أن الآية نزلت في المنافقين واليهود: \"وقال مجاهد: نزلت في مؤمن ويهودي، وقالت فرقة: نزلت في يهوديين\"،=","vol":"1","page":237},{"text":"لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ كَذَا إِلَى آخِرِهِ. وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا: إنها (١) نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، أَوْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ (٢).\nوَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ﴾ (٣) فَهُمْ (٤) (شَرَّعُوا) (٥) شِرْعَةً، وَابْتَدَعُوا فِي مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ هَذِهِ الْبِدْعَةَ، تَوَهُّمًا أَنَّ ذَلِكَ يُقَرِّبُهُمْ مِنَ اللَّهِ كَمَا يُقَرِّبُ مِنَ اللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ ﵇ مِنَ الْحَقِّ، فَزَلُّوا وَافْتَرَوْا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِذْ زَعَمُوا أَنَّ هَذَا مِنْ ذَلِكَ وَتَاهُوا فِي المشروع، فلذلك قال تَعَالَى عَلَى إِثْرِ الْآيَةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٦)، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ (٧)، فهذه فذلكة مجملة (٨) بعد تفصيل تقدم، وهو قوله تعالى:\n_________\n=ثم نقل عن القاضي أبي محمد قوله عن هذين القولين: \"هذان القولان بعيدان من الاستقامة على ألفاظ الآية\".\nانظر: المحرر الوجيز (٤/ ١١٥). وقال عن لفظ زعم: \"تقول العرب: زعم فلان كذا في الأمر الذي يضعف فيه التحقيق، وتتقوى فيه شبه الإبطال، فغاية درجة الزعم إذا قوى أن يكون مظنونًا ... وكذلك زعم المنافقين أنهم يؤمنون هو مما قويت فيه شبهة الإبطال لسوء أفعالهم، حتى صححها الخبر من الله تعالى عنهم. ومن هذا قول النبي ﷺ: \"بئس مطية الرجل زعموا\".\nانظر: المحرر الوجيز لابن عطية (٤/ ١١٣ - ١١٤).\n(١) في (خ) و(ط): \"إنما\".\n(٢) قال الإمام ابن كثير في سبب نزول الآية: \"أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمد، وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف، وقيل في جماعة من المنافقين ممن أظهر الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية، وقيل غير ذلك، والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هنا\". (١/ ٧٨٦)، وقد ذكر الإمام ابن الجوزي أربعة أقوال في سبب نزول الآية، فانظر زاد المسير (٢/ ١١٨ - ١٢٠)، وأسباب النزول للواحدي (ص١٩١ - ١٩٤).\n(٣) سورة المائدة: آية (١٠٣).\n(٤) في (غ): \"فهؤلاء\".\n(٥) في (م) و(خ) و(ت): \"أشرعوا\".\n(٦) سورة المائدة: آية (١٠٥).\n(٧) سورة الأنعام: آية (١٤٠).\n(٨) في (م) و(خ): \"بجملة\"، وفي (ط): \"لجملة\".","vol":"1","page":238},{"text":"﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ (١) الْآيَةَ. فَهَذَا تَشْرِيعٌ كَالْمَذْكُورِ قَبْلَ (٢) هَذَا، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ (٣) الآية، وَهُوَ تَشْرِيعٌ أَيْضًا بِالرَّأْيِ مِثْلُ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ (٤) إِلَى آخِرِهَا.\nفَحَاصِلُ الْأَمْرِ أَنَّهُمْ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَحَرَّمُوا مَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ مِنَ الرِّزْقِ بِالرَّأْيِ عَلَى جِهَةِ التَّشْرِيعِ، فَلِذَلِكَ قَالَ تعالى: ﴿قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (٥).\nثُمَّ قَالَ تَعَالَى - بَعْدَ تَعْزِيرِهِمْ عَلَى هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي حَرَّمُوهَا (٦)، وَهِيَ مَا فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ آلذَكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي﴾ (٧) ـ: (٨) ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٩).\nوَقَوْلِهِ لَا يَهْدِي يَعْنِي أَنَّهُ يُضِلُّهُ.\nوَالْآيَاتُ الَّتِي قَرَّرَ فِيهَا حَالَ الْمُشْرِكِينَ فِي إِشْرَاكِهِمْ أَتَى فِيهَا بِذِكْرِ الضَّلَالِ، لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ أَنَّهُ (١٠) خُرُوجٌ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، لِأَنَّهُمْ وَضَعُوا آلِهَتَهُمْ لِتُقَرِّبَهُمْ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى (فِي زَعْمِهِمْ، فَقَالُوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (١١» (١٢)، فَوَضَعُوهُمْ مَوْضِعَ مَنْ يُتَوَسَّلُ بِهِ حَتَّى عَبَدُوهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، إِذْ كَانَ أَوَّلُ وَضْعِهَا فيما ذكر العلماء صورًا لقوم يودونهم\n_________\n(١) سورة الأنعام: آية (١٣٦).\n(٢) في (غ): \"فوق\".\n(٣) سورة الأنعام: آية (١٣٧).\n(٤) سورة الأنعام: آية (١٣٨).\n(٥) سورة الأنعام: آية (١٤٠).\n(٦) ساقطة من (ت).\n(٧) سورة الأنعام: آية (١٤٣).\n(٨) من هنا تبدأ جملة مقول القول، وقد قرن الشيخ الهلالي في تحقيقه للكتاب بين المقطعين، وليسا كذلك في القرآن، ثم إن ذلك لا يؤدي مراد المؤلف.\n(٩) سورة الأنعام: آية (١٤٤).\n(١٠) كتبت في (ت) فوق السطر.\n(١١) سورة الزمر: آية (٣).\n(١٢) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).","vol":"1","page":239},{"text":"وَيَتَبَرَّكُونَ بِهِمْ، ثُمَّ عُبِدَتْ فَأَخَذَتْهَا الْعَرَبُ مِنْ (١) غَيْرِهَا عَلَى ذَلِكَ الْقَصْدِ، وَهُوَ الضَّلَالُ الْمُبِينُ.\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٢)، فَزَعَمُوا فِي الْإِلَهِ الْحَقِّ مَا زَعَمُوا مِنَ الباطل، بناء منهم (٣) عَلَى دَلِيلٍ عِنْدَهُمْ مُتَشَابِهٍ فِي نَفْسِ (٤) الْأَمْرِ، حَسْبَمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ السِّيَرِ (٥)، فَتَاهُوا بِالشُّبْهَةِ عَنِ الْحَقِّ، لِتَرْكِهِمُ الْوَاضِحَاتِ، وَمَيْلِهِمْ إِلَى الْمُتَشَابِهَاتِ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آيَةِ آلِ عِمْرَانَ (٦)، فَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ *﴾ (٧).\nوَهُمُ النَّصَارَى، ضَلُّوا فِي عِيسَى ﵇، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِ شَوَاهِدِ الْعُبُودِيَّةِ فِي عِيسَى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ *﴾ (٨).\nوَبَعْدَ ذِكْرِ دَلَائِلِ التَّوْحِيدِ وَتَقْدِيسِ الْوَاحِدِ ﵎ عَنِ اتِّخَاذِ الْوَلَدِ، وَذِكْرِ اخْتِلَافِهِمْ فِي مَقَالَاتِهِمُ الشَّنِيعَةِ (قَالَ) (٩): ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ (١٠).\nوَذَكَرَ اللَّهُ (١١) الْمُنَافِقِينَ وَأَنَّهُمْ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمنوا، وذلك بكونهم (١٢) يَدْخُلُونَ مَعَهُمْ فِي أَحْوَالِ التَّكَالِيفِ عَلَى كَسَلٍ وتقية، أن ذلك\n_________\n(١) مطموسة في (ت).\n(٢) سورة المائدة: آية (٧٣).\n(٣) زيادة في (ت).\n(٤) طمس جزء من الكلمة في (ت).\n(٥) تقدم ذكر شبهتهم وموضع خبرهم عند أهل السير (ص٨٠) هامش (٦).\n(٦) وهي قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ...﴾ الآية. سورة آل عمران: آية (٧).\n(٧) سورة المائدة: آية (٧٧).\n(٨) سورة مريم: آية (٣٤).\n(٩) زيادة في (ط). والسياق يقتضيها.\n(١٠) سورة مريم: آية (٣٨).\n(١١) لفظ الجلالة ليس في (ت).\n(١٢) في (ط): \"لكونهم\".","vol":"1","page":240},{"text":"يُخَلِّصُهُمْ (١)، أَوْ أَنَّهُ (٢) يُغْنِي عَنْهُمْ شَيْئًا، وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا يُخَادِعُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَهَذَا هُوَ الضَّلَالُ بِعَيْنِهِ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ يَفْعَلُ شَيْئًا يَظُنُّ أَنَّهُ لَهُ، فَإِذَا هُوَ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ عَلَى هُدًى مِنْ عَمَلِهِ، وَلَا هُوَ سَالِكٌ عَلَى سَبِيلِهِ، فَلِذَلِكَ قَالَ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ (٣).\nوَقَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي جَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَانُ بِضُرٍّ لاَ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنْقِذُونِ *﴾ (٤).\nمَعْنَاهُ كَيْفَ أَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يُغْنِي شَيْئًا، وَأَتْرُكُ إِفْرَادَ الرَّبِّ الَّذِي بِيَدِهِ الضُّرُّ وَالنَّفْعُ؟ هَذَا خُرُوجٌ عَنْ طَرِيقٍ الحق (٥) إِلَى غَيْرِ طَرِيقٍ ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ *﴾ (٦).\nوَالْأَمْثِلَةُ فِي تَقْرِيرِ (٧) هَذَا الْأَصْلِ كَثِيرَةٌ، جَمِيعُهَا يَشْهَدُ بِأَنَّ الضَّلَالَ فِي غَالِبِ الْأَمْرِ إِنَّمَا يستعمل في موضع (٨) يَزِلُّ صَاحِبُهُ لِشُبْهَةٍ تَعْرِضُ لَهُ، أَوْ تَقْلِيدِ مَنْ عَرَضَتْ لَهُ الشُّبْهَةُ، فَيَتَّخِذُ ذَلِكَ الزَّلَلَ شَرْعًا وَدِينًا يَدِينُ بِهِ، مَعَ وُجُودِ وَاضِحَةِ الطَّرِيقِ الْحَقِّ وَمَحْضِ الصَّوَابِ.\nوَلَمَّا لَمْ يَكُنِ الْكُفْرُ فِي الْوَاقِعِ مُقْتَصِرًا (٩) عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ، بَلْ ثَمَّ طَرِيقٌ آخَرُ، وَهُوَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْعِرْفَانِ عِنَادًا أَوْ ظُلْمًا، ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الصِّنْفَيْنِ فِي السُّورَةِ الْجَامِعَةِ، وَهِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ، فَقَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *﴾ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.\n_________\n(١) لعل الأصل: \"ظنا منهم أن ذلك يخلصهم\"، وقد كتب في هامش (ت): \"ويزعمون أن ذلك يخلصكم أو أنه يغني عنكم شيئًا\"، وكأنها نسخة أخرى، ولا أرى الكلام يستقيم بهذا.\n(٢) في (ت) و(خ): \"أنهم\".\n(٣) سورة النساء: آية (١٤٢ - ١٤٣).\n(٤) سورة يس: آية (٢٣).\n(٥) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).\n(٦) سورة يس: آية (٢٤).\n(٧) في جميع النسخ: \"تقرر\"، والمثبت ما في (غ) و(ر).\n(٨) في (ط): \"موضوع\".\n(٩) في (م) و(ت): \"مقتصرًا به\".","vol":"1","page":241},{"text":"فهذه هي المحجة (١) العظمى التي دعا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إِلَيْهَا.\nثُمَّ قَالَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾، فَالْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ هُمُ الْيَهُودُ، لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ اللَّهِ فِيهِمْ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (٢) يَعْنِي الْيَهُودَ.\nوَالضَّالُّونَ هُمُ النَّصَارَى، لِأَنَّهُمْ ضَلُّوا فِي الْحُجَّةِ فِي عِيسَى ﵇ وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (٣).\nوَيَلْحَقُ بِهِمْ فِي الضَّلَالِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا غَيْرَهُ، لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي أَثْنَاءِ القرآن ما يدل على ذلك، ولأن لفظ القرآن في قوله: ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ يَعُمُّهُمْ وَغَيْرَهُمْ، فَكُلُّ مَنْ ضَلَّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ دَاخِلٌ فِيهِ.\nوَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الضَّالِّينَ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَنْ ضَلَّ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، كَانَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلًا، إِذْ قَدْ (٤) تَقَدَّمَ فِي الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ قبل هذا مثله.\n_________\n(١) في (ط): \"الحجة\".\n(٢) سورة البقرة: آية (١٤٦).\n(٣) رواه الإمام الترمذي في كتاب التفسير من سننه في تفسير سورة الفاتحة، عن عدي بن حاتم ﵁، ضمن حديث طويل، وَفِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: \"فإن اليهود مغضوب عليهم، وإن النصارى ضلال\"، وقال حسن غريب.\nانظر: الحديث برقم (٢٩٥٣، ٢٩٥٤)، (٥/ ١٨٦ - ١٨٧)، ورواه الإمام أحمد في المسند عنه بلفظ: \"إن المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى، (٤/ ٣٧٨ - ٣٧٩)، والإمام ابن جرير الطبري (١/ ٦١ - ٦٤)، وابن حبان كما في موارد الظمآن للهيثمي برقم (١٧١٥)، (ص٤٢٤)، وصححه الشيخ الألباني كما في تعليقه على الطحاوية وقال صحيح، رواه الترمذي وغيره، وصححه ابن حبان.\nانظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص٥٢٦)، صحيح الجامع برقم (٨٢٠٢)، (٢/ ١٣٦٣).\n(٤) في (ت): \"وقد\" بدل \"إذ قد\".","vol":"1","page":242},{"text":"فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١) عَامٌّ فِي كُلِّ ضَالٍّ، كَانَ ضَلَالُهُ كَضَلَالِ أهل (٢) الشرك (٣) والنفاق (٤)، أَوْ كَضَلَالِ الْفِرَقِ الْمَعْدُودَةِ فِي الْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَهُوَ أَبْلَغُ وَأَعْلَى فِي قَصْدِ حَصْرِ أَهْلِ الضَّلَالِ، وَهُوَ اللَّائِقُ بِكُلِّيَّةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَالسَّبْعِ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ الَّذِي أُوتِيهِ مُحَمَّدٌ ﷺ.\nوَقَدْ خَرَجْنَا عَنِ الْمَقْصُودِ بعض الخروج، وَلَكِنَّهُ عَاضِدٌ لِمَا نَحْنُ فِيهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.\n_________\n(١) سورة الأنعام: آية (١٥٣).\n(٢) ساقطة من (خ) و(ط).\n(٣) في (ت): \"الشراك\".\n(٤) في جميع النسخ: \"أو النفاق\"، والمثبت ما في (غ).","vol":"1","page":243},{"text":"الباب الثالث\nفِي أَنَّ ذَمَّ الْبِدَعِ وَالْمُحْدَثَاتِ عَامٌّ لَا يَخُصُّ مُحْدَثَةً (١) دُونَ غَيْرِهَا وَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذِهِ الترجمة (النظر في) (٢) جُمْلَةٌ مِنْ شُبَهِ الْمُبْتَدِعَةِ (٣) الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا.\nفَاعْلَمُوا - رَحِمَكُمُ اللَّهُ - أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ حُجَّةٌ فِي عُمُومِ الذَّمِّ مِنْ أَوْجُهٍ:\nأَحَدُهَا: أَنَّهَا جَاءَتْ مُطْلَقَةً عَامَّةً عَلَى كَثْرَتِهَا. لَمْ يَقَعْ فِيهَا اسْتِثْنَاءٌ أَلْبَتَّةَ وَلَمْ يَأْتِ فيها شيء (٤) مما يَقْتَضِي أَنَّ مِنْهَا مَا هُوَ هُدًى، وَلَا جَاءَ فِيهَا: كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ إِلَّا كَذَا وَكَذَا، وَلَا شَيْءَ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي. فَلَوْ كَانَ هُنَالِكَ (٥) مُحْدَثَةٌ يَقْتَضِي النَّظَرُ الشَّرْعِيُّ فِيهَا الِاسْتِحْسَانَ، أَوْ أَنَّهَا لَاحِقَةٌ بِالْمَشْرُوعَاتِ، لَذُكِرَ ذَلِكَ فِي آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ، لَكِنَّهُ لَا يُوجَدُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْأَدِلَّةَ بِأَسْرِهَا عَلَى حَقِيقَةِ ظَاهِرِهَا (٦) مِنَ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي لَا يَتَخَلَّفُ عن مقتضاها فرد من الأفراد.\nوالثاني: أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الْأُصُولِ الْعِلْمِيَّةِ أَنَّ كُلَّ قَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ، أَوْ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ كُلِّيٍّ إذا تكررت في مواضع كَثِيرَةٍ، وَأُتِيَ بِهَا شَوَاهِدُ عَلَى مَعَانٍ أُصُولِيَّةٍ أَوْ فُرُوعِيَّةٍ، وَلَمْ (٧) يَقْتَرِنْ بِهَا تَقْيِيدٌ وَلَا تخصيص، مع تكررها، وإعادة تقريرها (٨)، فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى بَقَائِهَا عَلَى مُقْتَضَى لَفْظِهَا مِنَ الْعُمُومِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٩)، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى *﴾ (١٠) وما أشبه ذلك،\n_________\n(١) في (خ): \"محدث\".\n(٢) ساقط من جميع النسخ عدا (غ).\n(٣) في (ت): \"المعتزلة\".\n(٤) ساقطة من (خ) و(ط).\n(٥) في (ت): \"هناك\".\n(٦) في (ت): \"ظواهرها\".\n(٧) في (ر): \"لم\".\n(٨) هكذا في (ر) وفي بقية النسخ: \"تقررها\".\n(٩) سورة فاطر: آية (١٨).\n(١٠) سورة النجم: آية (٣٩).","vol":"1","page":245},{"text":"وَبُسِطَ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى ذَلِكَ هُنَالِكَ (١).\nفَمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، إِذْ جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُتَعَدِّدَةِ وَالْمُتَكَرِّرَةِ فِي أَوْقَاتٍ شَتَّى، وَبِحَسَبِ الْأَحْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ أَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَأَنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَمَا كَانَ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْبِدَعَ مَذْمُومَةٌ.\nوَلَمْ يَأْتِ فِي آيَةٍ وَلَا حَدِيثٍ تَقْيِيدٌ وَلَا تَخْصِيصٌ، وَلَا مَا يُفْهَمُ مِنْهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْكُلِّيَّةِ فِيهَا. فَدَلَّ ذَلِكَ دَلَالَةً وَاضِحَةً على أنها على عمومها وإطلاقها.\nوالثالث: إِجْمَاعُ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ يَلِيهِمْ عَلَى ذَمِّهَا كَذَلِكَ (٢)، وَتَقْبِيحِهَا وَالْهُرُوبِ عَنْهَا، وَعَمَّنِ اتَّسَمَ (٣) بِشَيْءٍ مِنْهَا وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ تَوَقُّفٌ وَلَا مَثْنَوِيَّةٌ (٤). فَهُوَ - بِحَسَبِ الِاسْتِقْرَاءِ - إِجْمَاعٌ ثَابِتٌ، فَدَلَّ (٥) عَلَى أَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ لَيْسَتْ بِحَقٍّ، بَلْ هِيَ مِنَ الْبَاطِلِ.\nوالرابع: أَنَّ (٦) مُتَعَقِّلَ الْبِدْعَةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ مُضَادَّةِ الشَّارِعِ، وَاطِّرَاحِ الشَّرْعِ. وَكُلُّ مَا كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَمُحَالٌ أَنْ يَنْقَسِمَ إِلَى حَسَنٍ وَقَبِيحٍ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْهُ مَا يُمْدَحُ وَمِنْهُ مَا يُذَمُّ، إِذْ لَا يَصِحُّ فِي مَعْقُولٍ وَلَا مَنْقُولٍ اسْتِحْسَانُ مُشَاقَّةِ الشَّارِعِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ هَذَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ الثَّانِي (٧).\nوَأَيْضًا فَلَوْ فُرِضَ أَنَّهُ جَاءَ فِي النَّقْلِ اسْتِحْسَانُ بَعْضِ الْبِدَعِ، أَوِ اسْتِثْنَاءُ بَعْضِهَا عَنِ الذَّمِّ لَمْ يُتَصَوَّرْ، لِأَنَّ الْبِدْعَةَ طَرِيقَةٌ تضاهي المشروعة (٨) من غير\n_________\n(١) تناول المؤلف هذه المسألة في كتاب الموافقات، ضمن مسائل العموم والخصوص وقد ذكر من أمثلتها الآية التي ذكرها هنا وهي قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وقوله ﷺ: \"لا ضرر ولا ضرار\" إلى غير ذلك (٣/ ٣٠٦).\n(٢) ساقطة من (ت).\n(٣) في (م) و(خ) و(ت): \"ارتسم\".\n(٤) في (غ): \"ثنوية\".\n(٥) في (ر): \"يدل\".\n(٦) كتبت في (ت) فوق السطر.\n(٧) وذلك عند ذكر ما يدل على ذم البدع من النظر. (ص٦٧ - ٦٩).\n(٨) أي تضاهي الطريقة المشروعة.","vol":"1","page":246},{"text":"أَنْ تَكُونَ كَذَلِكَ. وَكَوْنُ الشَّارِعِ يَسْتَحْسِنُهَا دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا، إِذْ لَوْ قَالَ الشَّارِعُ: الْمُحْدَثَةُ الْفُلَانِيَّةُ حَسَنَةٌ لَصَارَتْ مَشْرُوعَةً، كَمَا أَشَارُوا إِلَيْهِ فِي الِاسْتِحْسَانِ حَسْبَمَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ (١).\nوَلَمَّا ثَبَتَ ذَمُّهَا ثَبَتَ ذَمُّ صَاحِبِهَا، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَذْمُومَةٍ مِنْ حَيْثُ تَصَوُّرِهَا فَقَطْ، بَلْ مِنْ حَيْثُ اتَّصَفَ بِهَا الْمُتَّصِفُ، فَهُوَ إذًا المذموم على الحقيقة، والذم خاصة التَّأْثِيمِ، فَالْمُبْتَدِعُ مَذْمُومٌ آثِمٌ، وَذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ والعموم. ويدل على ذلك أوجه (٢):\nأحدها: أَنَّ الْأَدِلَّةَ الْمَذْكُورَةَ إِنْ جَاءَتْ فِيهِمْ نَصًّا فَظَاهِرٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٣)، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (٤) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَقَوْلِهِ ﵇: \"فَلَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي\" (٥) الْحَدِيثَ - إِلَى سَائِرِ مَا نُصَّ فِيهِ عَلَيْهِمْ (٦)، وَإِنْ كَانَتْ نَصًّا فِي الْبِدْعَةِ فَرَاجِعَةُ الْمَعْنَى إِلَى الْمُبْتَدِعِ (مِنْ غَيْرِ إِشْكَالٍ) (٧)، وَإِذَا رَجَعَ الْجَمِيعُ إِلَى ذَمِّهِمْ رَجَعَ الْجَمِيعُ إِلَى تَأْثِيمِهِمْ.\nوَالثَّانِي: أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْهَوَى هُوَ الْمُتَّبَعُ الْأَوَّلُ فِي الْبِدَعِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ السَّابِقُ فِي حَقِّهِمْ، وَدَلِيلُ الشَّرْعِ كَالتَّبَعِ فِي حَقِّهِمْ.\nوَلِذَلِكَ تَجِدُهُمْ يَتَأَوَّلُونَ كُلَّ دَلِيلٍ خَالَفَ هَوَاهُمْ، وَيَتَّبِعُونَ كُلَّ شُبْهَةٍ وَافَقَتْ أَغْرَاضَهُمْ. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (٨)؟ فَأَثْبَتَ لهم الزيغ أولًا، وهو الميل\n_________\n(١) تناول المؤلف موضوع الاستحسان، وتعلق أهل البدع به، والرد عليهم في الباب الثامن (٢/ ١٣٦).\n(٢) في (ط): \"أربعة أوجه\".\n(٣) سورة الأنعام: آية (١٥٩).\n(٤) سورة آل عمران: آية (١٠٥).\n(٥) تقدم تخريج الحديث (ص١٢١).\n(٦) تقدم ذكر المؤلف للأدلة من القرآن والسنة في ذم البدع وأهلها في الباب الثاني.\n(٧) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).\n(٨) سورة آل عمران: آية (٧).","vol":"1","page":247},{"text":"عَنِ الصَّوَابِ، ثُمَّ اتِّبَاعَ الْمُتَشَابِهِ، وَهُوَ خِلَافُ المحكم، والمحكم (١) الواضح المعنى هُوَ (٢) أُمُّ الْكِتَابِ وَمُعْظَمُهُ. وَمُتَشَابِهُهُ عَلَى هَذَا قَلِيلٌ، فَتَرَكُوا اتِّبَاعَ الْمُعْظَمِ إِلَى اتِّبَاعِ الْأَقَلِّ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يُعْطِي مَفْهُومًا وَاضِحًا، ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَطَلَبًا لِمَعْنَاهُ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا الله، أو يعلمه الله ويعلمه (٣) الراسخون في العلم (٤)، وليس ذلك (٥) إِلَّا بِرَدِّهِ إِلَى الْمُحْكَمِ، وَلَمْ يَفْعَلِ الْمُبْتَدِعَةُ ذَلِكَ.\nفَانْظُرُوا كَيْفَ اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ أَوَّلًا فِي مطالب (٦) الشَّرْعِ، بِشَهَادَةِ اللَّهِ.\nوَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ (٧) الْآيَةَ. فَنَسَبَ إِلَيْهِمُ التَّفْرِيقَ، وَلَوْ كَانَ التَّفْرِيقُ مِنْ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ لَمْ يَنْسُبْهُ إِلَيْهِمْ، وَلَا أتى به في معرض الذَّمِّ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا بِاتِّبَاعِ الْهَوَى.\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٨)، فَجَعَلَ طَرِيقَ الْحَقِّ وَاضِحًا مُسْتَقِيمًا، وَنَهَى عَنِ الْبُنَيَّاتِ (٩). وَالْوَاضِحُ مِنَ الطُّرُقِ وَالْبُنَيَّاتُ (١٠)، كُلُّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالْعَوَائِدِ الْجَارِيَةِ، فَإِذَا وَقَعَ التَّشْبِيهُ بِهَا بطريق\n_________\n(١) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).\n(٢) في (خ) و(ط): \"الذي هو\".\n(٣) ساقطة من (خ) و(ط).\n(٤) يشير المؤلف إلى الاختلاف في الوقف في آية آل عمران المذكورة، والجمهور على أن الوقف على لفظ الجلالة، وروى عن مجاهد وطائفة أن الوقف على قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. وقد وفق شيخ الإسلام ابن تيمية بين القولين ببيان معنى التأويل، فذكر من معانيه التفسير والبيان، فعلى هذا لا إشكال في الوصل. ومن معانيه الحقيقة التي يؤول إليها الكلام كقوله تعالى: ﴿وَقَال ياأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾، فعلى هذا يكون الوقف على لفظ الجلالة، لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمها على الجلية إلا الله ﷿.\nانظر: ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في الرسالة التدمرية (ص٨٩ وما بعدها). وذكر هذه الأقوال ابن كثير في تفسيره عند الآية (١/ ٥٢٠ - ٥٢١).\n(٥) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).\n(٦) في (خ) و(ط): \"مطالبة\".\n(٧) سورة الأنعام: آية (١٥٩).\n(٨) سورة الأنعام: آية (١٥٣).\n(٩) بنيات الطريق هي الطرق الصغار تتشعب من الجادة، وهي الترهات.\nانظر: الصحاح (٦/ ٢٢٨٧).\n(١٠) في جميع النسخ \"البينات\" عدا (غ) و(ر).","vol":"1","page":248},{"text":"الْحَقِّ مَعَ الْبُنَيَّاتِ فِي الشَّرْعِ فَوَاضِحٌ (١) أَيْضًا. فَمَنْ تَرَكَ الْوَاضِحَ وَاتَّبَعَ غَيْرَهُ (٢) فَهُوَ مُتَّبِعٌ لِهَوَاهُ لَا لِلشَّرْعِ.\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (٣)، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَجِيءِ الْبَيَانِ (٤) الشَّافِي، وَأَنَّ التَّفَرُّقَ إِنَّمَا حَصَلَ مِنْ جِهَةِ الْمُتَفَرِّقِينَ لَا مِنْ (٥) جِهَةِ الدَّلِيلِ. (فَهُوَ إذًا) (٦) مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ، وَهُوَ اتِّبَاعُ الْهَوَى بِعَيْنِهِ.\nوَالْأَدِلَّةُ عَلَى هَذَا (كَثِيرَةٌ، تُشِيرُ) (٧) أَوْ تُصَرِّحُ بِأَنَّ كُلَّ (٨) مُبْتَدِعٍ إِنَّمَا يَتَّبِعُ هَوَاهُ، وَإِذَا اتَّبَعَ هَوَاهُ كَانَ مَذْمُومًا وَآثِمًا. وَالْأَدِلَّةُ عَلَيْهِ أَيْضًا (٩) كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ (١٠)، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ (١١)، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ (١٢) وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِذًا كُلُّ مُبْتَدِعٍ مَذْمُومٌ آثم (١٣).\nوالثالث: أن عامة المبتدعة قائلة (١٤) بالتحسين والتقبيح (١٥)، فَهُوَ عُمْدَتُهُمُ الْأُولَى، وَقَاعِدَتُهُمُ الَّتِي يَبْنُونَ عَلَيْهَا الشَّرْعَ، فَهُوَ الْمُقَدَّمُ فِي نِحَلِهِمْ، بِحَيْثُ لَا يَتَّهِمُونَ الْعَقْلَ، وَقَدْ يَتَّهِمُونَ الْأَدِلَّةَ إِذَا (١٦) لَمْ تُوَافِقْهُمْ فِي الظَّاهِرِ (١٧)، حَتَّى يَرُدُّوا كَثِيرًا مِنَ الأدلة الشرعية (بسببه، ولا يرد قضية من قضايا العقل بحسب معارضة الدليل الشرعي) (١٨).\n_________\n(١) في (ت) و(غ) و(ر): \"واضح\".\n(٢) بياض في (ت).\n(٣) سورة آل عمران: آية (١٠٥).\n(٤) في (خ): \"البينات\".\n(٥) بياض في (ت).\n(٦) ما بين المعكوفين مطموس في (ت).\n(٧) ما بين المعكوفين بياض في (ت).\n(٨) بياض في (ت).\n(٩) في (ت): \"أيضًا عليه\".\n(١٠) سورة القصص: آية (٥٠).\n(١١) سورة ص: آية (٢٦).\n(١٢) سورة الكهف: آية (٢٨).\n(١٣) في (خ): \"مذموم وآثم\".\n(١٤) في (ر): \"مائلة\".\n(١٥) تقدم التعليق على هذه المسألة (ص٢١٣).\n(١٦) في (ط): \"إذ\".\n(١٧) في (ت): \"الظر\".\n(١٨) ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).","vol":"1","page":249},{"text":"وَقَدْ عَلِمْتَ أَيُّهَا النَّاظِرُ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا يَقْضِي بِهِ الْعَقْلُ يَكُونُ حَقًّا (١)، وَلِذَلِكَ تَرَاهُمْ يَرْتَضُونَ الْيَوْمَ مَذْهَبًا، وَيَرْجِعُونَ عَنْهُ (٢) غَدًا، (ثُمَّ يَصِيرُونَ بَعْدَ غَدٍ) (٣) إِلَى رَأْيٍ ثَالِثٍ. وَلَوْ كَانَ كُلُّ مَا يَقْضِي بِهِ حَقًّا (٤) لَكَفَى فِي إِصْلَاحِ مَعَاشِ الْخَلْقِ وَمَعَادِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ لِبَعْثَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ (السَّلَامُ فَائِدَةٌ، وَلَكَانَ (٥) عَلَى هَذَا الْأَصْلِ تُعَدُّ (٦» (٧) الرِّسَالَةُ (٨) عَبَثًا لَا مَعْنَى لَهُ، وَهُوَ كُلُّهُ بَاطِلٌ، فَمَا (٩) أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ.\nفَأَنْتَ تَرَى أَنَّهُمْ قَدَّمُوا أَهْوَاءَهُمْ عَلَى الشَّرْعِ، وَلِذَلِكَ سُمُّوا - فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ، وَفِي إِشَارَةِ الْقُرْآنِ - أَهْلَ الْأَهْوَاءِ (١٠)، وَذَلِكَ لِغَلَبَةِ الْهَوَى عَلَى عُقُولِهِمْ وَاشْتِهَارِهِ فِيهِمْ، لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ بالمشتق إنما تطلق (١١) إِطْلَاقَ اللَّقَبِ إِذَا غَلَبَ مَا اشْتُقَّتْ مِنْهُ عَلَى الْمُسَمَّى بِهَا، فَإِذًا تَأْثِيمُ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ مَرْجِعَهُ إِلَى اتِّبَاعِ الرَّأْيِ، وهو اتباع الهوى المذكور آنفًا.\nوالرابع: أَنَّ كُلَّ رَاسِخٍ لَا يَبْتَدِعُ أَبَدًا، وَإِنَّمَا يقع الابتداع ممن لم يتمكن في (١٢) الْعِلْمِ الَّذِي ابْتَدَعَ فِيهِ، حَسْبَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الحديث (١٣)، ويأتي تقريره بحول الله (١٤).\n_________\n(١) تقدم الكلام على العقل وقصوره في بداية الباب الثاني (ص٦٢ - ٦٤).\nوسيفرد المؤلف لهذا الموضوع فصلًا مستقلًا في الباب العاشر، حيث سيذكره كسبب من أسباب الابتداع (٢/ ٣١٨ - ٣٣٧).\n(٢) ساقطة من (غ) و(ر).\n(٣) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).\n(٤) مطموسة في (ت).\n(٥) في (غ): ولو كان.\n(٦) في (م): \"يعد\"، وفي (خ): \"بعده\"، وفي (غ): \"بعد\"، وفي (ر): \"بعث\".\n(٧) ما بين المعكوفين مطموس في (ت).\n(٨) في (غ) و(ر): الرسل.\n(٩) في (م): \"مما\".\n(١٠) أما الحديث الذي سموا فيه بأهل الأهواء، فهو حديث عائشة وقد مر ذكره والحكم عليه (ص٩٠)، وأما الآيات فقد تقدم ذكر المؤلف لها في الوجه الخامس من أوجه ذم البدع من جهة النظر (ص٧٠ - ٧٢).\n(١١) في (م) و(خ) و(ط): \"يطلق\".\n(١٢) في (ط): \"من\".\n(١٣) لعله يريد حديث عبد الله بن عمرو المتقدم: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ من الناس) إلى قوله: حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رؤوسًا جهالًا فسألوهم فأفتوهم فضلوا وأضلوا)، وقد تقدم في الباب الثاني (ص١٢٥).\n(١٤) وذلك في الفصل الآتي (ص٢٧٥)، وانظر بداية الباب الرابع أيضًا.","vol":"1","page":250},{"text":"فَإِنَّمَا يُؤْتَى النَّاسُ مِنْ قِبَلِ جُهَّالِهِمُ الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عُلَمَاءُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَاجْتِهَادُ من اجتهد منهم (١) مَنْهِيٌّ عَنْهُ إِذْ لَمْ يَسْتَكْمِلْ (٢) شُرُوطَ الِاجْتِهَادِ، فَهُوَ عَلَى أَصْلِ الْعُمُومِيَّةِ. وَلَمَّا كَانَ الْعَامِّيُّ حَرَامًا عَلَيْهِ النَّظَرُ فِي الْأَدِلَّةِ وَالِاسْتِنْبَاطِ، (كَانَ الْمُخَضْرَمُ الَّذِي بَقِيَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْجَهَالَاتِ (٣) مِثْلَهُ فِي تَحْرِيمِ الِاسْتِنْبَاطِ) (٤) وَالنَّظَرِ الْمَعْمُولِ بِهِ، فَإِذَا أَقْدَمَ عَلَى مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ كَانَ آثِمًا بِإِطْلَاقٍ.\nوَبِهَذِهِ الْأَوْجُهِ الْأَخِيرَةِ ظَهَرَ وَجْهُ تَأْثِيمِهِ، وَتَبَيَّنَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُجْتَهِدِ الْمُخْطِئِ فِي اجْتِهَادِهِ، وَسَيَأْتِي لَهُ تَقْرِيرٌ أَبْسَطُ مِنْ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ (٥).\nوَحَاصِلُ مَا ذُكِرَ هُنَا أَنَّ كُلَّ مُبْتَدِعٍ آثِمٌ، وَلَوْ فُرِضَ عَامِلًا بِالْبِدْعَةِ الْمَكْرُوهَةِ - إِنْ ثَبَتَ فِيهَا كَرَاهَةُ التَّنْزِيهِ (٦) ـ، لِأَنَّهُ: إِمَّا مُسْتَنْبِطٌ لَهَا فَاسْتِنْبَاطُهُ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ غَيْرُ جَائِزٍ، وَإِمَّا: نَائِبٌ عَنْ صَاحِبِهَا مُنَاضِلٌ عَنْهُ فِيهَا بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى الْمُسْتَنْبِطِ الْأَوَّلِ لَهَا، فَهُوَ آثِمٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ.\nلَكِنْ يَبْقَى هُنَا نَظَرٌ فِي الْمُبْتَدِعِ وَصَاحِبِ الْهَوَى، بِحَيْثُ يَتَنَزَّلُ دَلِيلُ الشَّرْعِ عَلَى مَدْلُولِ اللَّفْظِ فِي الْعُرْفِ الَّذِي وقع التخاطب به، إذ قد (٧) يَقَعُ الْغَلَطُ أَوِ التَّسَاهُلُ (٨)، فَيُسَمَّى مَنْ لَيْسَ بِمُبْتَدِعٍ مُبْتَدِعًا، وَبِالْعَكْسِ إِنْ تُصُوِّرَ، فَلَا بُدَّ مِنْ فَضْلِ (٩) اعْتِنَاءٍ بِهَذَا الْمَطْلَبِ حَتَّى يَتَّضِحَ بِحَوْلِ اللَّهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.\nوَلْنُفْرِدُهُ فِي فَصْلٍ منعزل (١٠):\n_________\n(١) ساقطة من (م) و(ط).\n(٢) في (غ): \"يكمل\".\n(٣) في (ط): \"الجهلات\".\n(٤) ما بين المعكوفين ساقط من (ت)، ولعله وقع سبق نظر للناسخ، فانتقل من كلمة \"الاستنباط\" الأولى إلى ما بعد الثانية.\n(٥) وذلك في الفصل الآتي.\n(٦) وقد قال المؤلف: \"فَلَا يَكَادُ يُوجَدُ فِي الْبِدَعِ - بِحَسَبِ الْوُقُوعِ - مكروه لا زائد فيه على الكراهة. والله أعلم\".\nانظر: (ص٣٢٤). وانظر تقسيم المؤلف للبدع في الباب السادس (٢/ ٣٦).\n(٧) ساقط من (م) و(ط).\n(٨) في (ت): \"والتساهل\".\n(٩) في (خ) و(م) و(ت): \"فصل\".\n(١٠) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"فتقول\".","vol":"1","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>فصل</span>\nلَا يَخْلُو الْمَنْسُوبُ إِلَى الْبِدْعَةِ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِيهَا أَوْ مُقَلِّدًا. وَالْمُقَلِّدُ إِمَّا مُقَلِّدٌ مَعَ الْإِقْرَارِ بِالدَّلِيلِ الَّذِي زَعَمَهُ الْمُجْتَهِدُ دَلِيلًا، وَالْأَخْذُ فِيهِ بِالنَّظَرِ، وَإِمَّا مُقَلِّدٌ لَهُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ كَالْعَامِّيِّ الصِّرْفِ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:\nفَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:\nأَحَدُهُمَا أَنْ يَصِحَّ كَوْنُهُ مُجْتَهِدًا، فَالِابْتِدَاعُ مِنْهُ لَا يَقَعُ إِلَّا فَلْتَةً، وَبِالْعَرَضِ لَا بِالذَّاتِ، وَإِنَّمَا تُسَمَّى غَلْطَةً أَوْ زَلَّةً، لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يَقْصِدْ اتِّبَاعَ الْمُتَشَابِهِ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ، وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِ الْكِتَابِ، أَيْ لَمْ يَتَّبِعْ هَوَاهُ، وَلَا جَعَلَهُ عُمْدَةً (١). وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إِذَا ظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ أَذْعَنَ لَهُ، وَأَقَرَّ بِهِ.\nوَمِثَالُهُ: مَا يُذْكَرُ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ (٢) بْنِ مَسْعُودٍ (٣) أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بِالْإِرْجَاءِ (٤) ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ، وَقَالَ:\nوَأَوَّلُ مَا أُفَارِقُ غَيْرَ شك (٥)\nأفارق ما يقول المرجئونا (٦)\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"عمدته\".\n(٢) ساقطة من (ت).\n(٣) هو عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مسعود الإمام، القدوة، العابد أبو عبد الله الهذلي الكوفي، أخو فقيه المدينة عبيد الله. حدث عن أبيه، وأخيه، وابن المسيب، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو وطائفة، وحدث عنه أبو حنيفة، ومسعر، والمسعودي، وآخرون، وثقه أحمد وغيره، توفي سنة بضع عشرة ومائة.\nانظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٣١٣)، تاريخ البخاري (٧/ ١٣)، تهذيب التهذيب (٨/ ١٧١)، السير (٥/ ١٠٣).\n(٤) تقدمت ترجمة المرجئة (ص٢٧).\n(٥) في (ط): \"شاك\". والمثبت هو الذي في جميع النسخ، وهو المروي عنه.\n(٦) في (م) و(ت) و(ط): \"المرجئون\"، وكتب في هامش (خ): \"المرجئيون\".\nوقد ذكر هذا البيت عنه الإمام المزي في تهذيب الكمال (٢٢/ ٤٥٧)، والإمام ابن حجر في تهذيب التهذيب (٨/ ١٧٢)، وكلهم يذكر رجوعه عن الإرجاء.","vol":"1","page":252},{"text":"وَذَكَر مُسْلِمٌ (١) عَنْ يَزِيدَ بْنِ صُهَيْبٍ الْفَقِيرِ (٢) قَالَ: كُنْتُ قَدْ شَغَفَنِي رَأْيٌ مِنْ رَأْيِ الْخَوَارِجِ، فَخَرَجْنَا (٣) فِي عِصَابَةٍ ذَوِي عَدَدٍ نُرِيدُ أَنْ نَحُجَّ، ثُمَّ نَخْرُجَ عَلَى النَّاسِ. قَالَ: فَمَرَرْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ، فَإِذَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله يحدث القوم - جَالِسٌ (٤) إِلَى سَارِيَةٍ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: وَإِذَا هُوَ قَدْ ذَكَرَ الْجَهَنَّمِيِّينَ (٥)، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ (٦): يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ، مَا هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُونَ؟ وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ (٧)، وَ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ (٨)، فَمَا هَذَا الَّذِي تَقُولُونَ (٩)؟ قَالَ: (فَقَالَ: أَفَتَقْرَأُ) (١٠) الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ (١١): فَهَلْ سَمِعْتَ بِمَقَامِ محمد «ص)؟ - يَعْنِي الَّذِي يَبْعَثُهُ اللَّهُ) (١٢) فِيهِ - قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّهُ مَقَامُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ (عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَحْمُودُ الَّذِي يُخْرِجُ اللَّهُ بِهِ مَنْ يخرج) (١٣).\nقال: ثم نعت وضع الصراط، ومر النَّاسِ عَلَيْهِ. قَالَ: وَأَخَافُ أَلَّا أَكُونَ أَحْفَظُ ذَلِكَ (١٤). قَالَ (١٥): غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ زَعَمَ (١٦) أَنَّ قومًا يخرجون من النار بعد\n_________\n(١) وذلك في كتاب الإيمان من صحيحه (٣/ ٥٠ - ٥٢ بشرح النووي).\n(٢) هو يزيد بن صهيب الفقير أبو عثمان الكوفي، ثقة مقل، حدث عن ابن عمر وجابر وأبي سعيد الخدري، وحدث عنه الحكم وعبد الكريم الجزري ومسعر وعده، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو زُرْعَةَ، وَقَالَ أَبُو حاتم صدوق، لقب بالفقير، لأنه اشتكى فقار ظهره، وهو من كبار شيوخ أبي حنيفة.\nانظر: التارخ الكبير (٨/ ٣٤٢)، السير (٥/ ٢٢٧)، الكاشف للذهبي (٣/ ٢٤٥)، تقريب التهذيب (٢/ ٣٦٦).\n(٣) في (ت): \"خرجنا\".\n(٤) في صحيح مسلم \"جالسًا\"، ونصبها على الحال، وبالرفع على الخبرية.\n(٥) في (ط): \"لجهنميين\"، وهم الذين يخرجهم الله من النار بعد أن كانوا فيها.\n(٦) ساقطة من (ت).\n(٧) سورة آل عمران: آية (١٩٢).\n(٨) سورة السجدة: آية (٢٠).\n(٩) في (غ) و(ر): \"تقول\".\n(١٠) ما بين المعكوفين مطموس في (ت).\n(١١) في (غ): \"فقال\".\n(١٢) ما بين المعكوفين مطموس في (ت).\n(١٣) ما بين المعكوفين مطموس في (ت)، وفي (ط): \"من يخرج من النار\"، والزيادة في هامش (خ) أيضًا، والمثبت هو الموافق لما في صحيح مسلم أيضًا.\n(١٤) في (ر): \"ذاك\".\n(١٥) ساقطة من (ر).\n(١٦) زعم هنا بمعنى قال كما قال النووي في شرح مسلم (٣/ ٥١).","vol":"1","page":253},{"text":"أَنْ يَكُونُوا (١) فِيهَا. قَالَ: يَعْنِي فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِمِ (٢)، فَيَدْخُلُونَ نَهْرًا مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، فَيَغْتَسِلُونَ فِيهِ، فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ الْقَرَاطِيسُ (٣).\nفَرَجَعْنَا وَقُلْنَا (٤): وَيْحَكُمْ! أَتَرَوْنَ الشَّيْخَ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟! فَرَجَعْنَا فَلَا وَاللَّهِ مَا خَرَجَ (٥) مِنَّا غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ، أَوْ كَمَا قَالَ (٦).\nوَيَزِيدُ الْفَقِيرُ مِنْ ثِقَاتِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ (٧)، وَأَبُو زُرْعَةَ (٨)، وَقَالَ أبو حاتم (٩): صدوق (١٠)، وخرج عنه البخاري.\n_________\n(١) في (ط): \"يونوا\".\n(٢) قال الإمام النووي في شرح مسلم عن السماسم: \"وهو هذا السمسم المعروف الذي يستخرج منه الشيرج. قال ابن الأثير: معناه والله أعلم أن السماسم جمع سمسم، وعيدانه تراها إذا قلعت وتركت في الشمس ليؤخذ حبها دقاقًا سودًا كأنها محترقة، فشبه بها هؤلاء ... \" صحيح مسلم بشرح النووي (٣/ ٥١).\n(٣) قال الإمام النووي: القراطيس جمع قرطاس بكسر القاف وضمها لغتان، وهو الصحيفة التي يكتب فيها. شبههم بالقراطيس لشدة بياضهم بعد اغتسالهم، وزوال ما كان عليهم من السواد. صحيح مسلم بشرح النووي (٣/ ٥٢).\n(٤) في (غ) و(ر): \"قلنا\".\n(٥) في (غ) و(ر): \"لا يخرج\".\n(٦) في صحيح مسلم: أو كما قال أبو نعيم. قال الإمام النووي: المراد بأبي نعيم الفضل بن دكين بضم الدال المهملة المذكور في أول الإسناد، وهو شيخ شيخ مسلم، وهذا الذي فعله أدب معروف من آداب الرواه، وهو أنه ينبغي للراوي إذا روى بالمعنى أن يقول عقب روايته أو كما قال احتياطًا وخوفًا من تغيير حصل. صحيح مسلم بشرح النووي (٣/ ٥٢).\n(٧) هو يحيى بن معين بن عون الغطفاني، مولاهم، أبو زكريا البغدادي، إمام المحدثين، وإمام الجرح والتعديل، فضائله كثيرة، توفي سنة ٢٢٣هـ.\nانظر: التاريخ الكبير (٨/ ٣٠٧)، تقريب التهذيب لابن حجر (٢/ ٣٥٨). الكاشف للذهبي (٣/ ٢٣٥).\n(٨) هو عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله بن صفوان النصري، أبو زرعة الدمشقي محدث الشام، ثقة، حافظ، مصنف، مات سنة ٢٨١هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣١١)، تقريب التهذيب (١/ ٤٩٣)، الكاشف (٢/ ١٥٨).\n(٩) هو محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران الحنظلي الغطفاني، كان شيخ المحدثين، وكان من بحور العلم، جمع وصنف، وجرح وعدل، وكان إمامًا حافظًا. توفي سنة ٢٧٧هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٤٧)، تقريب التهذيب (٢/ ١٤٣، الكاشف (٣/ ١٦).\n(١٠) انظر: كلام الأئمة فيه ضمن ترجمته (ص٢٧٦).","vol":"1","page":254},{"text":"وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيُّ (١) كَانَ مِنْ ثقات (٢) أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَمِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ الْعَارِفِينَ بِالسُّنَّةِ، إِلَّا أَنَّ النَّاسَ رَمَوْهُ بِالْبِدْعَةِ بِسَبَبِ قَوْلٍ حُكِيَ عَنْهُ، مِنْ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: بِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ مُصِيبٌ، حَتَّى كَفَّرَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ (٣) وَغَيْرُهُ. وَحَكَى الْقُتَيْبِيُّ (٤) عَنْهُ (٥) كَانَ يَقُولُ: \"إِنَّ الْقُرْآنَ يَدُلُّ عَلَى الِاخْتِلَافِ، فَالْقَوْلُ بِالْقَدَرِ صَحِيحٌ وَلَهُ أَصْلٌ فِي الْكِتَابِ وَالْقَوْلُ بِالْإِجْبَارِ صَحِيحٌ وَلَهُ أَصْلٌ فِي الْكِتَابِ، وَمَنْ قَالَ بِهَذَا فَهُوَ مُصِيبٌ (٦)، لِأَنَّ الْآيَةَ الْوَاحِدَةَ رُبَّمَا دَلَّتْ عَلَى وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ (٧) \" (٨).\nوَسُئِلَ يَوْمًا عَنْ أَهْلِ الْقَدَرِ وَأَهْلِ الْإِجْبَارِ، فقال (٩): \"كُلٌّ مُصِيبٌ، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ عَظَّمُوا اللَّهَ، وَهَؤُلَاءِ قَوْمٌ نَزَّهُوا اللَّهَ\". قَالَ: \"وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْأَسْمَاءِ، فَكَلُّ مَنْ سَمَّى الزَّانِيَ مُؤْمِنًا فَقَدْ أصاب، ومن سماه كافرًا فقد\n_________\n(١) هو عبيد الله بن الحسن بن الحصين بن أبي الحر العنبري البصري، قاضي البصرة ثقة فقيه، روى عن الجريري وطبقته، وروى عنه عبد الرحمن بن مهدي وطائفة ولكن عابوا عليه مسألة تكافؤ الأدلة. مات سنة ١٦٨هـ.\nانظر: التاريخ الكبير للبخاري (٥/ ٣٧٦ - ٣٧٧)، طبقات ابن سعد (٧/ ٢٨٥)، تقريب التهذيب لابن حجر (١/ ٥٣١)، الكاشف للذهبي (٢/ ١٩٧)، تهذيب التهذيب (٧/ ٧).\n(٢) في (خ) و(ت) و(ط): \"ثقة\".\n(٣) لم يتبين لي المراد به، هل هو ابن العربي أو الباقلاني أو غيرهما؟\n(٤) هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، وقيل المروزي، ويقال القتيبي والقتبي، الكاتب الكبير، صاحب التصانيف، نزل بغداد وصنف وجمع وبعد صيته، قال أبو بكر الخطيب: كان ثقة دينًا فاضلًا، من تصانيفه غريب القرآن، وغريب الحديث والمعارف، وكتاب مشكل القرآن، وكان رأسًا في علم اللسان العربي. توفي سنة ٢٧٦هـ.\nانظر: السير (١٣/ ٢٩٦)، تاريخ بغداد للخطيب (١٠/ ١٧٠)، شذرات الذهب (٢/ ١٦٩).\n(٥) ساقطة من جميع النسخ عدا (ر).\n(٦) في تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة \"ومن قال بهذا فهو مصيب، ومن قال بهذا فهو مصيب\".\n(٧) ساقطة من (ت).\n(٨) تتمة الجملة عند ابن قتيبة \"واحتملت معنيين متضادين\".\n(٩) ساقطة من (م) وأصل (خ)، وفي هامش (خ): \"قال\". والمثبت هو ما في (ت) وهو كذلك عند ابن قتيبة.","vol":"1","page":255},{"text":"أَصَابَ، وَمَنْ قَالَ: هُوَ فَاسِقٌ وَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا كَافِرٍ فَقَدْ أَصَابَ (١)، وَمَنْ قَالَ: هُوَ كَافِرٌ وَلَيْسَ بِمُشْرِكٍ فَقَدْ أَصَابَ (٢)، لِأَنَّ الْقُرْآنَ يَدُلُّ عَلَى كُلِّ هَذِهِ الْمَعَانِي\".\nقَالَ: \"وَكَذَلِكَ السُّنَنُ الْمُخْتَلِفَةُ، كَالْقَوْلِ بِالْقُرْعَةِ وَخِلَافِهِ، وَالْقَوْلِ بِالسِّعَايَةِ وَخِلَافِهِ، وَقَتْلِ الْمُؤْمِنِ بِالْكَافِرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَبِأَيِّ ذَلِكَ أَخَذَ الْفَقِيهُ فَهُوَ مُصِيبٌ\". قَالَ: \"وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ الْقَاتِلَ فِي النَّارِ كَانَ مُصِيبًا، (وَلَوْ قَالَ: فِي الْجَنَّةِ كان مصيبًا) (٣)، ولو وقف فيه (٤) وَأَرْجَأَ أَمْرَهُ كَانَ مُصِيبًا إِذَا (٥) كَانَ إِنَّمَا (٦) يُرِيدُ بِقَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ تَعَبَّدَهُ بِذَلِكَ وَلَيْسَ عليه علم المغيب (٧) \" (٨).\nقَالَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ (٩): أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْن أَبِي شَيْخٍ (١٠)، قَالَ: \"كَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحسن بن الحصين (١١) بن أبي الحر يعني (١٢) العنبري البصري\n_________\n(١) وفي تأويل مختلف الحديث زيادة، وهي: \"ومن قال: هو منافق وليس بمؤمن ولا كافر فقد أصاب\".\n(٢) زاد ابن قتيبة: \"ومن قال: هو كافر مشرك فقد أصاب\".\n(٣) ما بين المعكوفين ساقط من (غ).\n(٤) زيادة في (غ) و(ر).\n(٥) في تأويل مختلف الحديث \"إذ\".\n(٦) ساقطة من (غ).\n(٧) في (م) و(ت) و(ط): \"الغيب\"، والمثبت هو ما في (خ) و(غ)، وهو كذلك في تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة.\n(٨) ذكر هذا الخبر بطوله الإمام ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (ص٤٦ - ٤٧). ثم قال الإمام ابن قتيبة: \"وكان يقول في قتال علي لطلحة والزبير وقتالهما له: إن ذلك كله طاعة لله تعالى\".\nثم قال: \"وفي هذا القول من التناقض والخلل ما ترى، وهو رجل من أهل الكلام والقياس وأهل النظر\". (ص٤٧).\n(٩) هو الحافظ الكبير المجود أحمد بن أبي خيثمة صاحب التاريخ الكبير، سمع أباه زهير بن حرب، وأبا نعيم، وأحمد بن حنبل، وكان ثقة عالمًا متقنًا حافظًا بصيرًا بأيام الناس، راوية للأدب، مات سنة ٢٧٩هـ وقد بلغ أربعًا وتسعين سنة.\nانظر: تاريخ بغداد (٤/ ١٦٢)، سير أعلام النبلاء (١١/ ٤٩٢)، لسان الميزان (١/ ١٧٤).\n(١٠) لم أجد ترجمته.\n(١١) في (ط): \"الحسين\" وهو غلط.\n(١٢) المثبت من (غ) و(ر) وفي بقية النسخ \"الحريقي\"، حيث دمجت الكلمتين.","vol":"1","page":256},{"text":"اتهم بأمر عظيم، روي عَنْهُ كَلَامٌ رَدِيءٌ\" (١).\nقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: هَذَا الكلام (٢) الَّذِي ذَكَرَهُ (٣) ابْنُ أَبِي شَيْخٍ عَنْهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ الصواب، وقال: \"إذا أرجع وأنا صاغر (٤)، وَلِأَنْ (٥) أَكُونَ ذَنَبًا فِي الْحَقِّ، أَحَبُّ إِلَيَّ من (٦) أن أكون (٧) رأسًا في الباطل\" (٨). انتهى.\nفَإِنْ ثَبَتَ عَنْهُ مَا قِيلَ فِيهِ، فَهُوَ عَلَى جِهَةِ الزَّلَّةِ مِنَ الْعَالِمِ، وَقَدْ رَجَعَ عَنْهَا رُجُوعَ الْأَفَاضِلِ إِلَى الْحَقِّ، لِأَنَّهُ بِحَسَبِ ظَاهِرِ حَالِهِ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ إِنَّمَا اتَّبَعَ ظَوَاهِرَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ، وَلَمْ (٩) يَتَّبِعْ عَقْلَهُ، وَلَا صَادَمَ الشَّرْعَ بِنَظَرِهِ، فَهُوَ أقرب إلى (١٠) مُخَالَفَةِ الْهَوَى. وَمِنْ ذَلِكَ الطَّرِيقِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وفق للرجوع (١١) إلى الحق.\nوكذلك يزيد الفقير (١٢) فيما ذكر عَنْهُ، لَا كَمَا عَارَضَ الْخَوَارِجَ عَبْدُ اللَّهِ ابن عَبَّاسٍ ﵁، إِذْ طَالَبَهُمْ بِالْحُجَّةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: \"لَا تُخَاصِمُوهُ فَإِنَّهُ مِمَّنْ قَالَ الله (١٣) فيه: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (١٤) \" (١٥)،\n_________\n(١) نقل هذا القول الإمام ابن حجر في تهذيب التهذيب (٧/ ٨).\n(٢) ساقطة من (خ) و(ط).\n(٣) في (غ) و(ر): \"ذكر\".\n(٤) في (م): \"وأنا أصاغر\"، وفي (ت): \"أرجع أصاع\"، وفي (خ): \"وأنا أصاغ\"، وقد كتب فوق الكلمة رقم (٣) وكتب في الهامش بإزائها \"وأنا من الأصاغر\"، والمثبت من (غ) و(ر).\n(٥) الواو ساقطة من (م) و(غ).\n(٦) ساقطة من (ط).\n(٧) ساقطة من (م).\n(٨) ذكر رجوعه إلى الصواب الإمام ابن حجر في تهذيب التهذيب (٧/ ٨)، وعزاه إلى محمد بن إسماعيل الأزدي في ثقاته، وأما قوله: \"إذا أرجع وأنا من الأصاغر\"، فذكره أيضًا، ولكن في مسألة وقعت بينه وبين ابن مهدي.\nانظر: تهذيب التهذيب (٧/ ٧)، تهذيب الكمال (١٩/ ٢٥).\n(٩) في (م) و(غ): \"لم\" بدون الواو.\n(١٠) في جميع النسخ (من) عدا (غ) و(ر).\n(١١) في (م) و(خ) و(ط) و(غ): \"إلى الرجوع\".\n(١٢) تقدمت ترجمته وخبره (ص٢٧٦).\n(١٣) لم يكتب لفظ الجلالة في أصل (ت)، وإنما كتب في هامشها.\n(١٤) سورة الزخرف: آية (٥٨).\n(١٥) تقدم بيان مواضع هذه المناظرة (ص٢٣٦) هامش (٢)، إلا أن المؤلف هناك ذكرها=","vol":"1","page":257},{"text":"فَرَجَّحُوا الْمُتَشَابِهَ عَلَى الْمُحْكَمِ، وَنَاصَبُوا بِالْخِلَافِ السَّوَادَ الأعظم.\nوَأَمَّا إِنْ لَمْ يَصِحَّ بِمِسْبَارِ (١) الْعِلْمِ أَنَّهُ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ، فَهُوَ الْحَرِيُّ بِاسْتِنْبَاطِ مَا خَالَفَ الشَّرْعَ كَمَا تَقَدَّمَ، إِذْ قَدِ اجْتَمَعَ لَهُ مَعَ الْجَهْلِ بِقَوَاعِدِ الشَّرْعِ الْهَوَى الْبَاعِثُ عَلَيْهِ في الأصل، وهوى (٢) التَّبَعِيَّةُ، إِذْ قَدْ (٣) تَحْصُلُ لَهُ مَرْتَبَةُ الْإِمَامَةِ وَالِاقْتِدَاءِ، وَلِلنَّفْسِ (٤) فِيهَا مِنَ اللَّذَّةِ مَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ يَعْسُرُ خُرُوجُ حُبِّ الرِّئَاسَةِ مِنَ الْقَلْبِ إِذَا انْفَرَدَ، حَتَّى قَالَ الصُّوفِيَّةُ: (حب الرئاسة آخر ما يخرج من رؤوس (٥) الصِّدِّيقِينَ)، فَكَيْفَ (٦) إِذَا انْضَافَ إِلَيْهِ الْهَوَى مِنْ أَصْلٍ، وَانْضَافَ إِلَى هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ دَلِيلٌ - فِي ظَنِّهِ - شَرْعِيٌّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ، فيتمكن (٧) الهوى من القلب (٨) (٩) تَمَكُّنًا لَا يُمْكِنُ فِي الْعَادَةِ الِانْفِكَاكُ عَنْهُ، وَجَرَى مِنْهُ مَجْرَى الكَلَبِ (١٠) مِنْ صَاحِبِهِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْفِرَقِ (١١). فَهَذَا النَّوْعُ ظَاهِرٌ أَنَّهُ آثِمٌ فِي ابْتِدَاعِهِ إِثْمَ مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً.\nوَمِنْ أَمْثِلَتِهِ أَنَّ الْإِمَامِيَّةَ مِنَ الشِّيعَةِ (١٢) تَذْهَبُ إِلَى وَضْعِ خَلِيفَةٍ دُونَ النَّبِيِّ ﷺ، وَتَزَعُمُ أَنَّهُ مِثْلُ النبي في العصمة، بناء على أصل لهم متوهم،\n_________\n=مثالًا لمن يتوب من البدع، وهنا على العكس، وقد تاب عدد كبير منهم بعد هذه المناظرة، فالمؤلف جعل التائبين منهم مثالًا على إمكان توبة المبتدع إذا كانت بدعته بسبب اجتهاد خاطئ، كما جعل المعرضين منهم مثالًا على عدم إمكان توبة المبتدع إذا اتبع هواه وعارض الأدلة.\n(١) ساقطة من (ت). والمسبار هو ما يسبر به الجرح.\nانظر: الصحاح (٢/ ٦٧٥).\n(٢) في (خ) و(ط): \"وهو\".\n(٣) ساقطة من (غ) و(ر).\n(٤) في (خ) و(ط): \"والنفس\".\n(٥) في (ط): \"قلوب\".\n(٦) في (ط): \"فكيك\".\n(٧) في (خ) و(ت) و(ط): \"فيمكن\".\n(٨) في (ط): \"قلبه\".\n(٩) كتب في (م) في هذا الموضع: \"إذا انفرد حتى قال الصوفية\" وهي إعادة من الناسخ لبعض ما تقدم.\n(١٠) تقدم بيان المراد به (ص٢٣٥) ..\n(١١) تقدم الحديث وتخريجه (ص٢٣٥).\n(١٢) تقدم التعريف بهم (ص٢٣).","vol":"1","page":258},{"text":"فَوَضَعُوهُ عَلَى أَنَّ الشَّرِيعَةَ أَبَدًا مُفْتَقِرَةٌ إِلَى شَرْحٍ (١) وَبَيَانٍ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ، إِمَّا بِالْمُشَافَهَةِ أَوْ بِالنَّقْلِ مِمَّنْ شَافَهَ الْمَعْصُومَ (٢).\nوَإِنَّمَا وَضَعُوا ذَلِكَ بِحَسَبِ مَا ظَهَرَ لَهُمْ بَادِيَ الرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ وَلَا نَقْلِيٍّ، بَلْ (٣) بِشُبْهَةٍ زَعَمُوا أَنَّهَا عَقْلِيَّةٌ، وَشُبَهٍ مِنَ النَّقْلِ بَاطِلَةٍ، إِمَّا فِي أَصْلِهَا، وَإِمَّا فِي تَحْقِيقِ مَنَاطِهَا. وَتَحْقِيقُ مَا يَدَّعُونَ وَمَا يُرُدُّ عَلَيْهِمْ بِهِ (٤) مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْأَئِمَّةِ (٥)، وَهُوَ يَرْجِعُ فِي الحقيقة إلى دعاو إذا (٦) طُولِبُوا بِالدَّلِيلِ عَلَيْهَا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ، إِذْ لَا بُرْهَانَ لَهُمْ مِنْ جِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ. وَأَقْوَى شُبَهِهِمْ مَسْأَلَةُ اخْتِلَافِ الْأُمَّةِ (٧)، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وَاحِدٍ يَرْتَفِعُ بِهِ الْخِلَافُ، لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ *إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ (٨)، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ إِلَّا إِذَا أُعْطِيَ الْعِصْمَةَ كَمَا أُعْطِيَهَا النَّبِيُّ ﷺ، لأنه وارثه (٩)، وإلا فكل محق ومبطل (١٠) يَدَّعِي أَنَّهُ الْمَرْحُومُ، وَأَنَّهُ الَّذِي وَصَلَ إِلَى الْحَقِّ دُونَ مَنْ سِوَاهُ، فَإِنْ طُولِبُوا (١١) بِالدَّلِيلِ عَلَى الْعِصْمَةِ لَمْ يَأْتُوا بِشَيْءٍ، غَيْرَ أَنَّ لَهُمْ مَذْهَبًا يُخْفُونَهُ، وَلَا يُظْهِرُونَهُ إِلَّا لِخَوَاصِّهِمْ، لأنه كفر محض ودعوى بغير برهان (١٢).\n_________\n(١) في (م) و(ت) و(خ): \"شرع\".\n(٢) قال الشيخ محمد رشيد رضا معلقًا: \"كذا والمعنى إما بالمشافهة من المعصوم، وإما بالنقل ممن أو عمن شافه المعصوم، ولكن الذي ينقل عمن ينقل عن المعصوم مشافهة مثله، مهما تعدد لا تعتبر فيه إلا الثقة بفهمه ونقله، لأن من شافهه كمن شافه من شافههم، كل منهم غير معصوم، فيكتفي منه بالعدالة في الرواية، فلا حاجة إذا إلى غير الرسول من المعصومين، وهو قد بين الشريعة أحسن تبيين\".\n(٣) في (ط): \"بلى\".\n(٤) ساقطة من (ط).\n(٥) في (غ): الأمية، ولا تخلو كتب الفرق والمقالات قديمًا وحديثًا من ذكر بدعتهم، وأكاذيبهم، والرد عليها، ومن أشهرها كتاب منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية، حيث عرض لأدلتهم النقلية والعقلية وأتى عليها من جذورها.\n(٦) في (خ) و(ت) و(ط): \"وإذا\".\n(٧) في (غ): \"الأمم\".\n(٨) سورة هود: آيتان (١١٨ - ١١٩).\n(٩) المثبت من (غ) و(ر)، وفي بقية النسخ: \"وارث\".\n(١٠) في (خ) و(ط): \"أو مبطل\".\n(١١) في (خ): \"طالبوا\".\n(١٢) والمشهور عن خواصهم إبطان الإلحاد، وإظهار حب آل البيت، ليتستروا به، وإلا=","vol":"1","page":259},{"text":"قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ (١) فِي كِتَابِ الْعَوَاصِمِ (٢): (خَرَجْتُ مِنْ بِلَادِي عَلَى الْفِطْرَةِ (٣)، فَلَمْ أَلْقَ فِي طريقي إلا مهتديًا، حتى بَلَغْتُ هَذِهِ الطَّائِفَةَ - يَعْنِي (٤) الْإِمَامِيَّةَ وَالْبَاطِنِيَّةَ (٥) مِنْ فرق الشيعة - فهي أول بدعة لقيت، فلو (٦) فجأتني بدعة مشتبهة (٧) كَالْقَوْلِ بِالْمَخْلُوقِ (٨)، أَوْ نَفْيِ الصِّفَاتِ (٩)، أَوِ الْإِرْجَاءِ (١٠) لم آمن الشيطان. فَلَمَّا رَأَيْتُ حَمَاقَاتِهِمْ أَقَمْتُ عَلَى حَذَرٍ، وَتَرَدَّدْتُ فِيهَا (١١) عَلَى أَقْوَامٍ أَهْلِ عَقَائِدَ سَلِيمَةٍ، وَلَبِثْتُ بَيْنَهُمْ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ (١٢)، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى الشَّامِ فَوَرَدْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَأَلْفَيْتُ فِيهَا (١٣) ثَمَانِيَ وَعِشْرِينَ حلقة ومدرستين، مدرسة للشافعية (١٤) بباب الأسباط وأخرى للحنفية، وكان\n_________\n=فلديهم من العقائد الضالة ما لا يقبله دين الإسلام بحال من الأحوال، كغلوهم في أئمتهم إلي أن أوصلوهم درجة الألوهية، وادعاؤهم تحريف القرآن، وبغضهم للصحابة ولعنهم لهم - رضى الله عن الضحابة - وعلى الشيعة من الله ما يستحقون.\n(١) تقدمت ترجمته ﵀ (ص٢٥٠).\n(٢) كتاب العواصم من القواصم من كتب الإمام ابن العربي، ذكر فيه ما حل بالمسلمين من المصائب، وما يعصم الله به المسلمين، وذكر فيه مواقف الصحابة ﵃ وما وجهه إليهم الأعداء من التهم، فرد عليهم وذب عن الصحابة، وقد ألفه سنة ٥٣٦هـ، وقد نشره شيخ النهضة الجزائرية عبد الحميد بن باديس في جزئين، معتمدًا على نسخة واحدة، ثم نشر الشيخ محب الدين الخطيب ما يتعلق بالصحابة منه، ثم نشره كاملًا، مقارنًا على أربع نسخ الأستاذ عمار الطالبي.\n(٣) مشطوبة في أصل (م)، ومثبتة في هامشها، وفي (ت): \"الفرطة\".\n(٤) قوله: \"يعني الإمامية والباطنية من فرق الشيعة\" من كلام المؤلف، وليس من كلام ابن العربي في العواصم، وذلك لأن ابن العربي قد استفتح كلامه بكلام حول مذهبهم، وكذلك قوله: \"فهي أول بدعة لقيت\" ليست في العواصم.\n(٥) تقدم التعريف بالباطنية (ص٢٨).\n(٦) في (ط): \"ولو\".\n(٧) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"مشبهة\".\n(٨) لعله يريد القول بخلق القرآن، وهو قول الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة والأشاعرة.\n(٩) وهو قول المعتزلة ومن تبعهم أيضًا كما مر في التعريف بهم (ص٢٩).\n(١٠) تقدم الكلام على المرجئة (ص٢٧).\n(١١) أي في هذه الأرض، لأنه قد حذف بعض الكلام لابن العربي يدل على ما ذكرت.\n(١٢) حذف هنا من كلام ابن العربي ما يقارب أربعة أسطر، ذكر فيها ما رأى من الضلالات.\n(١٣) في كتاب العواصم: \"فيه\".\n(١٤) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"الشافعية\".","vol":"1","page":260},{"text":"فيه (١) من رؤوس العلماء، ورؤوس الْمُبْتَدِعَةِ (٢)، وَمِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَثِيرٌ، فَوَعَيْتُ الْعِلْمَ، وَنَاظَرْتُ (٣) كُلَّ طَائِفَةٍ بِحَضْرَةِ شَيْخِنَا أَبِي بَكْرٍ الْفِهْرِيِّ (٤) وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ.\nثُمَّ نزلت إلى الساحل لأغراض (٥)، وكان مملؤًا مِنْ هَذِهِ النِّحَلِ الْبَاطِنِيَّةِ وَالْإِمَامِيَّةِ، فَطُفْتُ فِي مُدُنِ السَّاحِلِ لِتِلْكَ الْأَغْرَاضِ (٦) نَحْوًا مِنْ (٧) خَمْسَةِ أَشْهُرٍ، وَنَزَلْتُ عَكَّا (٨)، وَكَانَ رَأْسَ الْإِمَامِيَّةِ بِهَا حِينَئِذٍ (٩) أَبُو الْفَتْحِ الْعَكِّيُّ، وَبِهَا مِنْ أَهْلِ السنة شيخ يقال له: الفقيه الدبيقي (١٠)، فَاجْتَمَعْتُ بِأَبِي الْفَتْحِ فِي مَجْلِسِهِ وَأَنَا ابْنُ الْعِشْرِينَ، فَلَمَّا رَآنِي صَغِيرَ السِّنِّ، كَثِيرَ الْعِلْمِ، مُتَدَرِّبًا (١١)، وَلِعَ بِي، وَفِيهِمْ - لَعَمْرُ اللَّهِ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى بَاطِلٍ - انْطِبَاعٌ وَإِنْصَافٌ وَإِقْرَارٌ بِالْفَضْلِ إذا ظهر (١٢)، فكان لا يفارقني، ويساومني (١٣)\n_________\n(١) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"فيها\".\n(٢) نص كتاب العواصم: \"وكان فيه من رؤوس العلماء، ورؤوس المبتدعة، على اختلاف طبقاتهم كثير، ومن أحبار اليهود والنصارى والسمرة جمل لا تحصى، فأوفيت على المقصد من طريقه، ووعيت العلم بتحقيقه، ونظرت إلى كل طائفة تناظر، وناظرتها بحضرة شيخنا أبي بكر الفهري .. \". العواصم (ص٦١).\n(٣) في (ت): \"وناظرة\"، وكتب بإزائها في الهامش \"عله وناظرت\".\n(٤) هو الإمام العلامة، شيخ المالكية، أبو بكر محمد بن الوليد بن خلف الفهري الأندلسي الطرطوشي الفقيه، عالم الإسكندرية، لازم القاضي أبا الوليد الباجي، وأخذ عنه مسائل الخلاف، نزل بغداد وبيت المقدس، ثم تحول إلى الثغر، ألف كتاب سراج الملوك للمأمون بن البطائحي، وله كتاب الحوادث والبدع. توفي سنة ٥٢٠هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٩٠)، شذرات الذهب (٤/ ٦٢)، العبر (٤/ ٤٨).\n(٥) نص كتاب العواصم: \"لأغراض نصصتها في كتاب ترتيب الرحلة، وكان الساحل المذكور مملوءًا من هذه النحل الملحدية، والمذاهب الباطنية، والإمامية .. \". العواصم (ص٦١).\n(٦) في كتاب \"العواصم\": \"الأغراض الدينية\".\n(٧) في (ط): \"مى\".\n(٨) في (ط): \"بعكا\"، وفي (ت): \"عكى\"، وفي معجم البلدان لياقوت الحموي \"عكة\" بالهاء، وهي بلد على ساحل بحر الشام من عمل الأردن. معجم البلدان لياقوت (٤/ ١٤٣).\n(٩) كتب مكان هذه الكلمة في (ت): \"ح\".\n(١٠) في (خ) و(ت) و(ط): \"الديبقي\".\n(١١) في (ر): \"مستدربًا\".\n(١٢) في (ت): \"ظهر به\".\n(١٣) نص كتاب العواصم: \"ويسارعني في السؤال والجدال ولا يفاترني\".","vol":"1","page":261},{"text":"الجدال ولا يفاترني (١)، فتكلمت على إبطال (٢) مذهب الإمامية، والقول بالتعليم (٣) مِنَ الْمَعْصُومِ بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ.\nوَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ لِلَّهِ فِي عِبَادِهِ أَسْرَارًا وَأَحْكَامًا، وَالْعَقْلُ لَا يَسْتَقِلُّ بِدَرْكِهَا، فَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ قِبَلِ إِمَامٍ مَعْصُومٍ (٤) فَقُلْتُ لَهُمْ: أَمَاتَ الْإِمَامُ الْمُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ لِأَوَّلِ مَا أَمَرَهُ بِالتَّبْلِيغِ أَمْ هُوَ مُخَلَّدٌ؟ فَقَالَ لِي (٥): \"مَاتَ\"، وَلَيْسَ هَذَا بِمَذْهَبِهِ، وَلَكِنَّهُ تَسَتَّرَ مَعِي (٦)، فَقُلْتُ: هَلْ خَلَفَهُ أَحَدٌ؟ فَقَالَ: خَلَفَهُ وَصِيُّهُ عَلِيٌّ (٧)، قُلْتُ: فَهَلْ قَضَى بِالْحَقِّ وَأَنْفَذَهُ؟ قَالَ: لَمْ يَتَمَكَّنْ لِغَلَبَةِ (٨) الْمُعَانِدِ، قُلْتُ: فَهَلْ أَنْفَذَهُ حِينَ قَدَرَ؟ قَالَ: مَنَعَتْهُ التَّقِيَّةُ (٩) وَلَمْ تُفَارِقْهُ إِلَى الْمَوْتِ (١٠)، إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَقْوَى تَارَةً، وَتَضْعُفُ أُخْرَى (١١)، فَلَمْ يُمْكِنْ إِلَّا المداراة (١٢) لئلا تنفتح (١٣) عليه أبواب الاختلال،\n_________\n(١) في (ت): \"يفاتر بي\".\n(٢) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(٣) في جميع النسخ: \"التعميم\"، عدا نسخة (غ) ففيها المثبت.\n(٤) في هذا الموضع كلام لابن العربي يقع في ستة أسطر يتهمهم فيه بأن قولهم راجع إلى القول بالحلول. انظر: العواصم (ص٦٢ - ٦٣).\n(٥) في (غ): \"ما\".\n(٦) في كتاب العواصم: \"ولكنه تستر معي به، وإنما حقيقة مذهبه أن الله سبحانه يحل في كل معصوم، فيبلغ عنه، فالمبلغ هو الله، ولكن بواسطة حلوله في آدمي فقلت هل خلفه .. \". العواصم (ص٦٣).\n(٧) في (ت): \"عكى\".\n(٨) في (م) و(ت) و(غ) و(ر): \"بغلبه\".\n(٩) وهي من دين الشيعة، يتسترون بها ليخفوا ما يبطنون من الضلال، وينسبونها إلى أئمتهم، كزعمهم أن جعفر الصادق قال؛ \"التقية ديني ودين آبائي\"، وقد فسروا بها موقف علي ﵁ مع الخلفاء قبله، وكذلك موقف الحسن مع معاوية ﵃.\nانظر: كتاب دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين لأحمد الجلي (ص٢١٧).\n(١٠) في العواصم: \"ولم تفارقه من يوم العهد إلى يوم الموت\". العواصم (ص٦٣).\n(١١) في العواصم: \"وتضعف أخرى، فلما ولي بقيت من التقية بقية، فلم يمكن إلا المداراة للأصحاب لئلا ينفتح عليه من الاختلال أبواب .. \".\n(١٢) رسمت في (م) و(خ) و(ت): \"المدارات\".\n(١٣) في (م) و(خ) و(ت): ينفتح، وفي (ر): \"تنفتح\".","vol":"1","page":262},{"text":"قلت وهذه المداراة (١) حَقٌّ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: بَاطِلٌ أَبَاحَتْهُ الضَّرُورَةُ. قُلْتُ: فَأَيْنَ الْعِصْمَةُ؟ قَالَ (٢): إِنَّمَا تُغْنِي (٣) الْعِصْمَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ، قُلْتُ: فَمَنْ بَعْدَهُ إِلَى الْآنَ وَجَدُوا الْقُدْرَةَ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَالدِّينُ مُهْمَلٌ، وَالْحَقُّ مَجْهُولٌ مُخْمَلٌ (٤)؟ قَالَ: سَيَظْهَرُ، قُلْتُ: بِمَنْ؟ قَالَ: بِالْإِمَامِ الْمُنْتَظَرِ، قُلْتُ: لَعَلَّهُ الدَّجَّالُ، فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ إِلَّا ضَحِكَ، وَقَطَعْنَا الْكَلَامَ عَلَى غَرَضٍ مِنِّي لِأَنِّي خِفْتُ أَنْ أفحمه (٥) فَيَنْتَقِمُ مِنِّي فِي بِلَادِهِ.\nثُمَّ قُلْتُ: وَمِنْ أَعْجَبِ مَا فِي هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا أَوْعَزَ (٦) إِلَى مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ فَقَدْ ضَيَّعَ فَلَا عِصْمَةَ لَهُ. وَأَعْجَبُ مِنْهُ أَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى - عَلَى مَذْهَبِهِ - إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا عِلْمَ إِلَّا بِمُعَلِّمٍ، وَأَرْسَلَهُ عَاجِزًا (٧) مضعوفًا (٨)، لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ مَا عَلِمَ، فَكَأَنَّهُ مَا عَلَّمَهُ وَمَا بَعَثَهُ. وَهَذَا عَجْزٌ مِنْهُ وَجَوْرٌ، لَا سِيَّمَا عَلَى مَذْهَبِهِمْ (٩). فَرَأَوْا مِنَ الكلام ما لا يُمْكِنْهُمْ أَنْ يَقُومُوا مَعَهُ بِقَائِمَةٍ (١٠)، وَشَاعَ الْحَدِيثُ، فَرَأَى رَئِيسُ الْبَاطِنِيَّةِ الْمُسَمَّيْنَ بِالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ (١١) أَنْ يَجْتَمِعَ مَعِي، فَجَاءَنِي أَبُو الْفَتْحِ إِلَى مَجْلِسِ الْفَقِيهِ الدبيقي، وقال لي (١٢): إِنَّ رَئِيسَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ رَغِبَ فِي الْكَلَامِ مَعَكَ، فقلت أنا مشغول، فقال: هاهنا (١٣) مَوْضِعٌ مُرَتَّبٌ (١٤) قَدْ جَاءَ إِلَيْهِ، وَهُوَ مَحْرَسُ الطَّبَرَانِيِّينَ، مَسْجِدٌ فِي قَصْرٍ عَلَى الْبَحْرِ، وَتَحَامَلَ عَلَيَّ، فَقُمْتُ مَا بَيْنَ حِشْمَةٍ وَحِسْبَةٍ، وَدَخَلْتُ\n_________\n(١) رسمت كسابقتها \"المدارات\".\n(٢) ساقطة من (ط).\n(٣) في العواصم: \"تتعين\"، وفي إحدى نسخ العواصم: \"تغنى\".\n(٤) في (ت): \"مجمل\".\n(٥) في (م) و(خ) و(ط): \"ألجمه\"، والمثبت هو ما في (ت)، وهو كذلك في العواصم.\n(٦) في (ط): \"أوصى\"، وفي (ت): \"أعوز أوعز\".\n(٧) في (خ): كلمة زائدة في هذا الموضع، وكأنها \"بمعنى\".\n(٨) في (خ) و(ت) و(ط): \"مضطربًا\".\n(٩) لأنهم يقولون لا بد من إمام معصوم يرتفع به الخلاف.\n(١٠) في (ت): \"لقائمة\".\n(١١) تقدم التعريف بهم ضمن الكلام على الباطنية (ص٢٨).\n(١٢) ساقطة من (ط).\n(١٣) في (خ) و(ط): \"هنا\".\n(١٤) في العواصم: \"قريب\".","vol":"1","page":263},{"text":"قصر المحرس، وصعدنا (١) إِلَيْهِ فَوَجَدْتُهُمْ قَدِ اجْتَمَعُوا فِي زَاوِيَةِ الْمَحْرَسِ الشَّرْقِيَّةِ، فَرَأَيْتُ النُّكْرَ فِي وُجُوهِهِمْ، فَسَلَّمْتُ، ثُمَّ قَصَدْتُ جِهَةَ الْمِحْرَابِ، فَرَكَعْتُ عِنْدَهُ رَكْعَتَيْنِ، لَا عَمَلَ لِي فِيهِمَا إِلَّا تَدْبِيرُ الْقَوْلِ مَعَهُمْ، وَالْخَلَاصُ مِنْهُمْ. فَلَعَمْرُ (٢) الَّذِي قَضَى عَلَيَّ بِالْإِقْبَالِ إِلَى أَنْ أُحَدِّثَكُمْ، إِنْ (٣) كُنْتُ رَجَوْتُ الْخُرُوجَ من (٤) ذَلِكَ الْمَجْلِسِ أَبَدًا، وَلَقَدْ كُنْتُ أَنْظُرُ فِي الْبَحْرِ يَضْرِبُ فِي حِجَارَةٍ سُودٍ مُحَدَّدَةٍ تَحْتَ طَاقَاتِ الْمَحْرَسِ، فَأَقُولُ: هَذَا قَبْرِي الَّذِي يَدْفِنُونِي فِيهِ، وَأُنْشِدُ فِي سِرِّي:\nأَلَا هَلْ إِلَى الدُّنْيَا مَعَادٌ؟ وَهَلْ لَنَا ... سِوَى الْبَحْرِ قَبْرٌ؟ أَوْ سِوَى (٥) الْمَاءِ أَكْفَانُ؟\nوَهِيَ كَانَتِ الشِّدَّةَ الرابعة من شدائد عمري التي أَنْقَذَنِي اللَّهُ مِنْهَا. فَلَمَّا سَلَّمْتُ اسْتَقْبَلْتُهُمْ وَسَأَلْتُهُمْ عَنْ أَحْوَالِهِمْ عَادَةً (٦)، وَقَدِ اجْتَمَعَتْ إِلَيَّ نَفْسِي، وَقُلْتُ: أَشْرَفُ مِيتَةٍ فِي أَشْرَفِ مَوْطِنٍ أُنَاضِلُ فِيهِ عَنِ الدِّينِ. فَقَالَ لِي أَبُو الْفَتْحِ - وَأَشَارَ إِلَى فَتًى حَسَنِ الْوَجْهِ ـ: هَذَا سَيِّدُ الطائفة ومقدمها، فدعوت له فسكت، فبدرني وقال: قد بلغتني مجالسك (٧)، وانتهى (٨) إِلَيَّ كَلَامُكَ، وَأَنْتَ تَقُولُ (٩): قَالَ اللَّهُ وَفَعَلَ الله (١٠)، فَأَيُّ شَيْءٍ هُوَ اللَّهُ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ؟! أَخْبِرْنِي وَاخْرُجْ عَنْ هَذِهِ الْمَخْرَقَةِ (١١) الَّتِي جَازَتْ لَكَ عَلَى هَذِهِ الطَّائِفَةِ (١٢) الضَّعِيفَةِ (وَقَدِ احْتَدَّ نَفْسًا، وَامْتَلَأَ غَيْظًا، وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَلَمْ أَشُكَّ أَنَّهُ لَا يُتِمُّ (١٣) الْكَلَامَ إِلَّا) (١٤) وَقَدِ اختطفني أصحابه قبل الجواب\n_________\n(١) في (م): \"وصقنا\"، وفي (خ) و(ت) و(ط): \"وطلعنا\".\n(٢) في (ط): \"فلعمرى\".\n(٣) إن هنا بمعنى (ما).\n(٤) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"عن\".\n(٥) في (ت): \"وسوى\".\n(٦) في (ت): \"غادة\".\n(٧) في (م) و(ت): \"مجالستك\".\n(٨) في (خ) و(ط): \"وأنهى\".\n(٩) ساقطة من (ت).\n(١٠) زيادة في (غ).\n(١١) قال في الصحاح؛ \"والتخرق: لغة من التخلق من الكذب\" (٤/ ١٤٦٧)، وقال في الرائد: \"المخرقة: الكذب والاختلاق\" معجم الرائد لجبران مسعود (١٣٤٣).\n(١٢) في (ت): \"طائفة\".\n(١٣) في (ر): \"لا يتمم\".\n(١٤) ما بين المعكوفين ساقطة من (خ) و(ت) و(ط).","vol":"1","page":264},{"text":"فَعَمَدْتُ - بِتَوْفِيقِ اللَّهِ - إِلَى كِنَانَتِي، وَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا سَهْمًا أَصَابَ حَبَّةَ قَلْبِهِ فَسَقَطَ لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ.\nوَشَرْحُ (١) ذَلِكَ (٢): أَنَّ الْإِمَامَ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيَّ الْحَافِظَ الْجُرْجَانِيَّ (٣) قَالَ: كُنْتُ (٤) أُبَغِّضُ النَّاسَ فِيمَنْ يَقْرَأُ عِلْمَ الْكَلَامِ، فَدَخَلْتُ يومًا إلى الري (٥)، فدخلت (٦) جَامِعَهَا أَوَّلَ دُخُولِي، وَاسْتَقْبَلْتُ سَارِيَةً أَرْكَعُ عِنْدَهَا، وَإِذَا (٧) بِجِوَارِي رَجُلَانِ يَتَذَاكَرَانِ عِلْمَ الْكَلَامِ، فَتَطَيَّرْتُ بِهِمَا (٨)، وَقُلْتُ: أَوَّلَ مَا دَخَلْتُ هَذَا (٩) الْبَلَدَ سَمِعْتُ فِيهِ مَا أَكْرَهُ، وَجَعَلْتُ أُخَفِّفُ الصَّلَاةَ حَتَّى أَبْعُدَ عَنْهُمَا، فَعَلِقَ بِي مِنْ قَوْلِهِمَا: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْبَاطِنِيَّةَ أَسْخَفُ خَلْقِ اللَّهِ عُقُولًا، وينبغي للنحرير ألا يتكلف لهم دليلًا، ولكن (١٠)\n_________\n(١) من هنا يذكر ابن العربي قصة وقعت للحافظ أبي بكر الجرجاني، وكيف استفاد منها، ثم يعود للحديث عن قصته مع الإسماعيلي.\n(٢) ساقطة من (م) و(ت).\n(٣) هو أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس أبو بكر الإسماعيلي الجرجاني الحافظ الكبير، الرحال، سمع الكثير، وحدث، وخرج، وصنف فأفاد وأجاد، وأحسن الانتقاد والاعتقاد، صنف كتابًا على صحيح البخاري فيه فوائد كثيرة، وعلوم غزيرة. توفي سنة ٣٧١هـ.\nانظر: البداية والنهاية لابن كثير (١١/ ٣١٨)، سير أعلام النبلاء للذهبي (١٦/ ٢٩٢).\n(٤) من هنا غير واضح في (غ) إلى قوله: يتذاكران.\n(٥) هي مدينة مشهورة، من أمهات البلاد، وأعلام المدن، بينها وبين نيسابور مائة وستون فرسخًا.\nانظر: معجم البلدان ليلقوت الحموي (٣/ ١١٦).\n(٦) في (خ) و(ط): \"ودخلت\".\n(٧) في (خ) و(ط): \"وإذ\".\n(٨) لقد ورد النهي عن الطِيَرة في أحاديث عديدة منها حديث أبي هريرة في البخاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا طيرة، وخيرها الفأل. قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم). صحيح البخاري (١٠/ ٢١٢ مع الفتح)، وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله ﷺ قال: (الطيرة شرك) ثلاثًا. قال ابن مسعود: وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل. سنن أبي داود، كتاب الطب (٤/ ١٦) إلى غير ذلك من النصوص. ولعل الإمام الإسماعيلي كره ما سمع من الرجلين فعبر عن كراهيته بالتطير.\n(٩) في (خ) و(ط): \"هذه\".\n(١٠) في (ت): \"واليكن\"، وفي (م) و(خ): \"وليكن\".","vol":"1","page":265},{"text":"يطالبهم \"بلم\" فَلَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا. وَسَلَّمْتُ مُسْرِعًا.\nوَشَاءَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ كَشَفَ رَجُلٌ مِنَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ الْقِنَاعَ فِي الْإِلْحَادِ، وَجَعَلَ يُكَاتِبُ وَشْمَكِيرَ (١) الْأَمِيرَ يَدْعُوهُ إِلَيْهِ (٢)، وَيَقُولُ لَهُ: إِنِّي لَا أَقْبَلُ دِينَ مُحَمَّدٍ إِلَّا بِالْمُعْجِزَةِ، فَإِنْ أَظْهَرْتُمُوهَا رَجَعْنَا إِلَيْكُمْ (٣)، وَانْجَرَّتِ الْحَالُ إِلَى أَنِ اخْتَارُوا مِنْهُمْ رَجُلًا لَهُ دَهَاءٌ وَمُنَّة (٤)، فَوَرَدَ عَلَى وَشْمَكِيرَ رَسُولًا، فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ أَمِيرٌ، وَمِنْ شَأْنِ الْأُمَرَاءِ وَالْمُلُوكِ أَنْ تَتَخَصَّصَ عَنِ الْعَوَامِّ، ولا تقلد أحدًا (٥) في عقيدتها (٦)، وإنما حقهم أن يفحصوا (٧) عَنِ الْبَرَاهِينِ. فَقَالَ وَشْمَكِيرُ: اخْتَرْ (٨) رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَتِي، وَلَا أُنْتَدَبُ لِلْمُنَاظَرَةِ بِنَفْسِي، فَيُنَاظِرُكَ بَيْنَ يَدَيَّ. فَقَالَ لَهُ الْمُلْحِدُ: أَخْتاَرُ (٩) أَبَا بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيَّ، لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ (١٠) لَيْسَ مِنْ أَهْلِ عِلْمِ التَّوْحِيدِ (١١)، وَإِنَّمَا كَانَ إِمَامًا فِي الْحَدِيثِ، ولكن كان وشمكير (١٢) - بعاميته (١٣) يَعْتَقِدُ (١٤) أَنَّهُ أَعْلَمُ أَهْلِ الْأَرْضِ بِأَنْوَاعِ الْعُلُومِ.\n_________\n(١) في (ت): \"وشميكر\"، وهو وشمكير بن زيار ملك الري، واستولى على جرجان، وكانت وفاته سنة ٣٥٧هـ.\nانظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير (٧/ ٧٦، ١١٢، ١٤٥، ١٦٧).\n(٢) في العواصم: \"يدعوه إلى الإلحاد\".\n(٣) كفى بالقرآن آية ومعجزة، وإن من حكمة الله أن أبقى هذه الآية ليبقى التحدي بها إلى آخر الدهر، وليس القرآن وحده آية نبينا ﷺ، بل إن آياته ومعجزاته تفوق الحصر، حتى ألفت في ذلك المجلدات كما فعل البيهقي والماوردي وغيرهما، ثم إنه ليس الدليل على صدق نبينا المعجزة فحسب، بل إن خلقه العظيم وسيرته العطرة، وكمال شريعته، ونصرة الله له، أدلة قاطعة وبراهين ساطعة تشهد بصدقه ﷺ.\n(٤) المنة: القوة. الصحاح (٦/ ٢٢٠٧).\n(٥) ساقطة من (ت) و(غ).\n(٦) في (ط): \"عقيدة\".\n(٧) في (م) و(ط): \"يفصحوا\".\n(٨) في (خ) و(ط): \"أختار\".\n(٩) في (خ) و(ط): \"اختر\"، وفي العواصم: \"اخترت\".\n(١٠) في (ر): \"أنه\".\n(١١) يريد علم الكلام، وقد سمى التوحيد، وليس بصحيح، فما أبعد علم الكلام عن التوحيد. وتقدم الكلام عليه في الباب الأول (ص٤٨) هامش (٥) ..\n(١٢) في (ت): \"وشميكر\".\n(١٣) في (ط): \"لعامية\"، وفي (م) و(خ) و(ط) و(ت): \"بعامية فيه\".\n(١٤) ساقطة من (م) و(ت).","vol":"1","page":266},{"text":"فَقَالَ وَشْمَكِيرُ: ذَلِكَ مُرَادِي، فَإِنَّهُ (١) رَجُلٌ جَيِّدٌ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِجُرْجَانَ (٢)، لِيَرْحَلَ إليه إلى غزنة (٣)، فلم يبق أحد من العلماء (٤) إِلَّا يَئِسَ مِنَ الدِّينِ، وَقَالَ: سَيَبْهَتُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ الكافر مذهبًا الإسماعيلي الحافظ [نسبًا] (٥)، وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ أَنْ يَقُولُوا لِلْمَلِكِ: إِنَّهُ لَا علم عنده بذلك لئلا يتهمهم (٦). فلجأوا (٧) إِلَى اللَّهِ فِي نَصْرِ دِينِهِ.\nقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ الْحَافِظُ (٨): فَلَمَّا جَاءَنِي الْبَرِيدُ، وَأَخَذْتُ فِي الْمَسِيرِ، وتدانت بي (٩) الدَّارُ قُلْتُ: إِنَّا لِلَّهِ. وَكَيْفَ أُنَاظِرُ فِيمَا لَا أَدْرِي؟ هَلْ أَتَبَرَّأُ عِنْدَ الْمَلِكِ وَأُرْشِدُهُ إلى من يحسن الجدل، ويعلم حجج (١٠) الله على دينه؟ (١١) وندمت (١٢) على ما سلف من عمري ولم أَنْظُرْ فِي شَيْءٍ مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ، ثُمَّ أَذْكَرَنِي اللَّهُ مَا كُنْتُ سَمِعْتُهُ مِنَ الرَّجُلَيْنِ بِجَامِعِ الرَّيِّ، فَقَوِيَتْ نَفْسِي، وَعَوَّلْتُ عَلَى أَنْ أَجْعَلَ ذَلِكَ عُمْدَتِي، وَبَلَغْتُ الْبَلَدَ، فَتَلَقَّانِي الْمَلِكُ ثُمَّ جَمِيعُ الْخَلْقِ، وَحَضَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ الْمَذْهَبِ مَعَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ النَّسَبِ، وَقَالَ الْمَلِكُ لِلْبَاطِنِيِّ (١٣): أُذْكُرْ قَوْلَكَ يَسْمَعُهُ الْإِمَامُ. فَلَمَّا أَخَذَ فِي ذِكْرِهِ وَاسْتَوْفَاهُ، قال له الحافظ: \"لم\"؟ فلما سَمِعَهَا الْمُلْحِدُ قَالَ: هَذَا إِمَامٌ قَدْ عَرَفَ مقالتي، فبهت (١٤).\n_________\n(١) ساقطة من (م) و(ت) و(غ).\n(٢) جرجان: مدينة عظيمة مشهورة بقرب طبرستان، بناها يزيد بن المهلب بن أبي صفرة.\nانظر: آثار البلاد وأخبار العباد للقزويني (ص٣٤٨).\n(٣) قوله: (إلى غزنة) ساقطة من (غ) و(ر)، وغزنة: مدينة عظيمة، وولاية واسعة في طرف خراسان، وهي الحد بين خراسان والهند.\nانظر: معجم البلدان لياقوت الحموي (٤/ ٢٠١).\n(٤) في (خ) و(ط): \"فلم يبق من العلماء أحد\".\n(٥) في الأصول (مذهبًا)، والتصويب من العواصم.\n(٦) في العواصم: \"لئلا يتهمهم بالحسد\".\n(٧) في (م): \"فلجوا\".\n(٨) ساقطة من (م) و(ت) و(غ) و(ر).\n(٩) في (خ) و(ط): \"لي\".\n(١٠) في (خ) و(ط): \"بحجج\".\n(١١) في العواصم: \"ويعلم حجج الله في خلقه على صحة دينه\".\n(١٢) في (خ) و(ت) و(ط): \"ندمت\" بدون الواو.\n(١٣) في (ط): \"الباطني\"، وفي العواصم: \"وقال الملك للإسماعيلي الباطني\".\n(١٤) في (خ) و(ت) و(ط): \"ففهمت\"، وبعد هذه اللفظة ذكر ابن العربي بعض العبارات=","vol":"1","page":267},{"text":"قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: فَخَرَجْتُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ (١)، وَأَمَرْتُ بِقِرَاءَةِ عِلْمِ الْكَلَامِ، وَعَلِمْتُ أَنَّهُ عُمْدَةٌ مِنْ عُمَدِ الْإِسْلَامِ (٢).\nقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَحِينَ (٣) انْتَهَى بي الْأَمْرُ إِلَى ذَلِكَ الْمَقَامِ (٤) قُلْتُ: إِنْ كَانَ في الأجل نساء (٥) فَهَذَا شَبِيهٌ بِيَوْمِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، فَوَجَّهْتُ (٦) إِلَى أَبِي الفتح الإمامي (٧)، وَقُلْتُ لَهُ: لَقَدْ كُنْتُ فِي لَا شَيْءَ، وَلَوْ خَرَجْتُ مِنْ عَكَّا قَبْلَ أَنْ أَجْتَمِعَ بِهَذَا الْعَالِمِ مَا رَحَلْتُ إِلَّا عَرِيًّا عَنْ نادرة الأيام، انظر (٨) إِلَى حِذْقِهِ بِالْكَلَامِ وَمَعْرِفَتِهِ حَيْثُ (٩) قَالَ لِي: أَيُّ شَيْءٍ هُوَ اللَّهُ؟ وَلَا يَسْأَلُ بِمِثْلِ هذا إلا مثله. ولكن بقيت ها هنا نُكْتَةٌ، لَا بُدَّ مِنْ أَنْ نَأْخُذَهَا الْيَوْمَ عَنْهُ، وَتَكُونُ ضِيَافَتُنَا عِنْدَهُ. لِمَ قُلْتَ: (أَيُّ شَيْءٍ هُوَ اللَّهُ؟)، فَاقْتَصَرْتَ مِنْ حُرُوفِ الِاسْتِفْهَامِ على \"أي\"، وتركت الهمزة وهل وكيف وأين (١٠) وكم وما، وهي (١١) أَيْضًا مِنْ ثَوَانِي حُرُوفِ الِاسْتِفْهَامِ، وَعَدَلْتَ عَنِ اللام (١٢) من حروفه (١٣)، فهذا (١٤) سؤال ثان عن حكمة ثانية، ولأي معنيان (١٥) في\n_________\n=الفارسية التي ذكرهاالملك، ثم قال: فرد مناظره وطرده.\n(١) ساقطة من (م)، وفي (ت) كتبت فوق السطر.\n(٢) المعروف عن علم الكلام أن ضرره أكثر من نفعه، وما فيه من نفع فقليل، والوصول إليه عسير، ثم إن في كتاب الله وسنة رسوله من البراهين والحجج العقلية ما يكفي في الرد على الملاحدة وغيرهم، فإذا وجد الإنسان من نفسه قصورًا عن مناظرة الملاحدة وإفحامهم، فقد يكون من تقصيره في تدبر حجج الله، وقد يكون من ضعفه الشخصي، وعدم قدرته على الجدل، ثم إني لا أرى في القصة ما يثنى به على علم الكلام، فضلًا عن أن يقال إنه عمدة من عمد الإسلام.\nوانظر: ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية عن الغزالي في ذم الكلام، وبيان قلة جدواه وهو كلام خبير به. درء تعارض العقل والنقل (٧/ ١٦٣).\n(٣) في (خ) و(ط): \"وأنا حين\".\n(٤) ساقطة من (ط).\n(٥) في (م) و(ت): \"نفسًا\"، وفي (خ) و(ط): \"تنفس\".\n(٦) في العواصم: \"فرددت وجهي إلى أبي الفتح الإمامي\".\n(٧) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"الإمام\".\n(٨) في (خ) و(ط): \"نظر\".\n(٩) ساقطة من (م) و(ت) و(ر).\n(١٠) في (خ) و(ط): \"وأنى\".\n(١١) في (خ) و(ت) و(ط): \"هي\" بدون الواو.\n(١٢) في (ر) والعواصم: \"الأم\".\n(١٣) في العواصم: \"وعدلت من اللام عن حروفه\".\n(١٤) في (خ) و(ط): \"وهذا\".\n(١٥) في (خ) و(ط): \"وهو أن لأي معنيين\"، والمثبت هو ما في (م) و(ت)، وكذلك في العواصم.","vol":"1","page":268},{"text":"الِاسْتِفْهَامِ. فَأَيَّ الْمَعْنَيَيْنِ قَصَدْتَ بِهَا؟ وَلِمَ سَأَلْتَ بِحَرْفٍ مُحْتَمِلٍ؟ وَلَمْ تَسْأَلْ بِحَرْفٍ مُصَرِّحٍ بِمَعْنًى واحد؟ هل وقع ذلك منك (١) بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا قَصْدِ حِكْمَةٍ؟ أَمْ بِقَصْدِ حِكْمَةٍ؟ فَبَيِّنْهَا لَنَا.\nفَمَا هُوَ إِلَّا أَنِ افْتَتَحْتُ هَذَا الْكَلَامَ، وَانْبَسَطْتُ فِيهِ، وَهُوَ يَتَغَيَّرُ، حَتَّى اصْفَرَّ آخِرًا مِنَ الْوَجَلِ، كَمَا اسْوَدَّ أَوَّلًا مِنَ الْحِقْدِ، وَرَجَعَ أَحَدُ أَصْحَابِهِ الَّذِي كَانَ عَنْ (٢) يَمِينِهِ إِلَى آخَرَ كَانَ بِجَانِبِهِ، وَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا الصَّبِيُّ إِلَّا بَحْرٌ زَاخِرٌ مِنَ الْعِلْمِ، مَا رَأَيْنَا مِثْلَهُ قَطُّ، وهم ما (٣) رأوا أحدًا (٤) بِهِ رَمَقٌ (إِلَّا أَهْلَكُوهُ) (٥)، لِأَنَّ الدَّوْلَةَ لَهُمْ، وَلَوْلَا مَكَانُنَا مِنْ رِفْعَةِ دَوْلَةِ (٦) مَلِكِ الشَّامِ، وأن (٧) والي عكا (٨) كان يحظينا (٩)، مَا تَخَلَّصْتُ مِنْهُمْ فِي الْعَادَةِ أَبَدًا.\nوَحِينَ سَمِعْتُ تِلْكَ الْكَلِمَةَ مِنْ إِعْظَامِي قُلْتُ: هَذَا مَجْلِسٌ عَظِيمٌ، وَكَلَامٌ طَوِيلٌ، يَفْتَقِرُ إِلَى تَفْصِيلٍ، وَلَكِنْ نَتَوَاعَدُ (١٠) إِلَى يَوْمٍ آخَرَ، وَقُمْتُ وَخَرَجْتُ فَقَامُوا كُلُّهُمْ مَعِي، وَقَالُوا: لَا بُدَّ أَنْ تَبْقَى قَلِيلًا، فَقُلْتُ: لَا، وَأَسْرَعْتُ حَافِيًا وَخَرَجْتُ عَلَى الْبَابِ أَعْدُو (١١) حَتَّى أَشْرَفْتُ عَلَى قَارِعَةِ الطريق وبقيت هنالك (١٢) مُبَشِّرًا نَفْسِي بِالْحَيَاةِ، حَتَّى خَرَجُوا (بَعْدِي وَأَخْرَجُوا) (١٣) لي لا لكي (١٤)،\n_________\n(١) زيادة في (غ).\n(٢) ساقطة من (م)، وكتبت في (ت) فوق السطر.\n(٣) ساقطة من (م)، وكتبت في (ت) فوق السطر.\n(٤) في (ط): \"واحدًا\".\n(٥) ما بين المعكوفين ساقط من (م) و(ت) و(غ)، وكتب في هامش (ت): \"عله به رمق إلا هلكوه أو قتلوه\".\n(٦) في (م) و(ت): \"الدولة\".\n(٧) ساقطة من (خ) و(ت) و(ط).\n(٨) في (خ) و(ت): \"عكة\".\n(٩) قال في الصحاح: \"ورجل حظي، إذا كان ذا حظوة ومنزلة، وقد حظي عند الأمير واحتظى به بمعنى\". الصحاح (٦/ ٢٣١٦).\n(١٠) في (م) و(ر): \"يتوعد\".\n(١١) (م): \"أغدو\" وفي (خ): \"أعدوا\".\n(١٢) في (ط): \"هناك\".\n(١٣) ما بين المعكوفين ساقط من (خ).\n(١٤) في (خ) و(ط): \"لا يكي\"، ويظهر أن المراد به الحذاء.","vol":"1","page":269},{"text":"وَلَبِسْتُهَا (١) وَمَشَيْتُ مَعَهُمْ مُتَضَاحِكًا، وَوَعَدُونِي بِمَجْلِسٍ آخَرَ فَلَمْ أُوَفِّ لَهُمْ، وَخِفْتُ وَفَاتِي فِي وَفَائِي (٢).\nقال ابن العربي: وقد كان (٣) قَالَ لِي أَصْحَابُنَا النَّصْرِيَّةُ (٤) بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى: إِنَّ شَيْخَنَا أَبَا الْفَتْحِ نَصْرَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْمَقْدِسِيَّ (٥) اجتمع برئيس من الشيعة الإمامية (٦)، فَشَكَا إِلَيْهِ فَسَادَ الْخَلْقِ، وَأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَصْلُحُ إِلَّا بِخُرُوجِ الْإِمَامِ الْمُنْتَظَرِ، فَقَالَ له (٧) نصر: هل لخروجه ميقات أم لا؟ فقال الشِّيعِيُّ: نَعَمْ، قَالَ لَهُ أَبُو الْفَتْحِ: وَمَعْلُومٌ هُوَ أَوْ مَجْهُولٌ؟ قَالَ: مَعْلُومٌ. قَالَ نَصْرٌ: وَمَتَى يَكُونُ؟ قَالَ: إِذَا فَسَدَ الْخَلْقُ. قَالَ أبو الفتح: فلم (٨) تَحْبِسُونَهُ عَنِ الْخَلْقِ وَقَدْ (٩) فَسَدَ جَمِيعُهُمْ إِلَّا أَنْتُمْ، فَلَوْ فَسَدْتُمْ لَخَرَجَ، فَأَسْرِعُوا بِهِ وَأَطْلِقُوهُ مِنْ سِجْنِهِ، وَعَجِّلُوا بِالرُّجُوعِ إِلَى مَذْهَبِنَا، فَبُهِتَ. قال (١٠) وأظن أنه (١١) سَمِعَهَا عَنْ شَيْخِهِ أَبِي الْفَتْحِ سُلَيْمَانَ بْنِ أيوب الرازي (١٢) الزاهد (١٣). انتهى ما\n_________\n(١) في (غ): ولبست.\n(٢) قال في العواصم: \"وفي ترتيب الرحلة بقية الحديث\". (ص٧١).\n(٣) ساقطة من (ط).\n(٤) الذي يظهر أن هذه النسبة إلى شيخهم نصر بن إبراهيم.\n(٥) هو أبو الفتح نصر بن إبراهيم بن نصر المقدسي، الفقيه، الشافعي، الإمام القدوة المحدث، صاحب كتاب الحجة على تارك المحجة، تفقه على الدارمي وغيره، وتفقه به الغزالي وغيره، وكان صاحب زهد وتقشف. توفي سنة ٤٩٠هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٩/ ١٣٦)، شذرات المذهب (٣/ ٣٩٥)، العبر (٣/ ٣٢٩).\n(٦) ساقطة من (م) و(ت)، وتقدم الكلام على الشيعة (ص٢٣).\n(٧) زيادة في (غ).\n(٨) في (خ) و(ت) و(ط): \"فهل\". والمثبت هو ما في (م)، وهو كذلك في العواصم.\n(٩) في (م): \"قد\" بدون واو.\n(١٠) زيادة في (غ).\n(١١) في (خ) و(ط): \"وأظنه\". والمثبت هو ما في (م) و(ت)، وكذلك هو في العواصم.\n(١٢) هو سليم بن أيوب بن سليم، أبو الفتح، الرازي الشافعي، تفقه بأبي حامد الإسفراييني، وكان فقيهًا، محدثًا، مقرئًا، وقد سكن الشام مرابطًا، ناشرًا للعلم احتسابًا. توفي سنة ٤٤٧هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٦٤٥)، العبر (٣/ ٢١٣)، طبقات الشافعية (٤/ ٣٨٨).\n(١٣) إلى هنا ينتهي ما نقله المؤلف من كتاب العواصم لابن العربي. وهو في العواصم من (ص٥٩) إلى (ص٧٢)، مع وجود بعض الكلام الذي لم ينقله المؤلف.","vol":"1","page":270},{"text":"حَكَاهُ ابْنُ (١) الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ، وَفِيهِ غُنْيَةٌ لِمَنْ عرج على (٢) تَعَرُّفِ أُصُولِهِمْ، وَفِي أَثْنَاءِ الْكِتَابِ مِنْهُ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ.\nالْقِسْمُ (٣) الثَّانِي: يَتَنَوَّعُ أَيْضًا، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَسْتَنْبِطْ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا اتَّبَعَ غَيْرَهُ مِنَ الْمُسْتَنْبِطِينَ، لَكِنْ بِحَيْثُ أَقَرَّ بِالشُّبْهَةِ وَاسْتَصْوَبَهَا، وَقَامَ بِالدَّعْوَةِ بِهَا مَقَامَ مَتْبُوعِهِ، لِانْقِدَاحِهَا فِي قَلْبِهِ، فَهُوَ مِثْلُ الْأَوَّلِ، وَإِنْ لَمْ يَصِرْ إِلَى تِلْكَ الْحَالِ، وَلَكِنَّهُ تَمَكَّنَ حُبُّ الْمَذْهَبِ مِنْ قَلْبِهِ حَتَّى عَادَى عَلَيْهِ وَوَالَى.\nوَصَاحِبُ هَذَا الْقِسْمِ لَا يَخْلُو مِنِ اسْتِدْلَالٍ وَلَوْ عَلَى أَعَمِّ مَا يَكُونُ. فَقَدْ يَلْحَقُ بِمَنْ نَظَرَ فِي الشُّبْهَةِ وَإِنْ كَانَ عَامِيًّا، لِأَنَّهُ (٤) عَرَضَ نفسه (٥) لِلِاسْتِدْلَالِ، وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ النَّظَرَ، وَلَا مَا يَنْظُرُ فِيهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَبْلُغُ مَنِ اسْتَدَلَّ (٦) بِالدَّلِيلِ الْجُمْلِيِّ مَبْلَغَ مَنِ استدل على التفصيل،، وفرق ما (٧) بَيْنَهُمَا فِي التَّمْثِيلِ: إِنَّ الْأَوَّلَ أَخَذَ شُبُهَاتٍ متبوعة (٨) فَوَقَفَ وَرَاءَهَا، حَتَّى إِذَا طُولِبَ فِيهَا بِالْجَرَيَانِ عَلَى مُقْتَضَى الْعِلْمِ تَبَلَّدَ وَانْقَطَعَ، أَوْ خَرَجَ إِلَى مَا لَا يُعْقَلُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَحَسَّنَ الظَّنَّ بِصَاحِبِ الْبِدْعَةِ فَتَبِعَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ دَلِيلٌ عَلَى التَّفْصِيلِ يَتَعَلَّقُ بِهِ، إِلَّا تَحْسِينُ الظن بالمتبوع (٩) خَاصَّةً. وَهَذَا الْقِسْمُ فِي الْعَوَامِّ كَثِيرٌ.\nفَمِثَالُ الْأَوَّلِ: حَالُ حَمْدَانَ (١٠) بْنِ (١١) قَرْمَطٍ الْمَنْسُوبِ إِلَيْهِ القرامطة (١٢)،\n_________\n(١) في (ط): \"أبى\"، وفي (ت): \"بن\" بدون ألف.\n(٢) في (خ) و(ط): \"عن\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"والقسم\".\n(٤) مطموسة في (ت).\n(٥) مثبتة في (غ) و(ر)، وساقطة من بقية النسخ.\n(٦) في (خ) و(ط): \"استدلال\".\n(٧) ساقطة من (خ) و(ت) و(ط) و(غ).\n(٨) في (خ) و(ط): \"مبتدعة\".\n(٩) في (خ) و(ت) و(ط): \"بالمبتدع\".\n(١٠) في (خ) و(ت): \"أحمد\".\n(١١) ساقطة من (غ) و(ر).\n(١٢) القرامطة نسبة إلى حمدان بن قرمط كما ذكر المؤلف، وهي دعوة إسماعيلية باطنية ابتدأت من سواد الكوفة على يد هذا الضال، وانتشرت، وعظمت مصيبتها حتى صارت تهدد الخلافة الإسلامية، وقد اتخذوا الأحساء عاصمة لهم، وهاجموا الحجيج، وقتلوا المسلمين في الحرم، وسرقوا الحجر الأسود زمنًا، وهدف دعوتهم=","vol":"1","page":271},{"text":"إذ كان أحد دعاة الباطنية القرامطة (١) فَاسْتَجَابَ لَهُ جَمَاعَةٌ نُسِبُوا إِلَيْهِ، وَكَانَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ مَائِلًا إِلَى الزُّهْدِ فَصَادَفَهُ (٢) أحد دعاة الباطنية (في طريق) (٣) وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى قَرْيَتِهِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ بَقَرٌ (٤) يسوقها (٥)، فقال له حمدان - وهو لا يعرفه ولا يعرف حاله (٦) ـ: أَرَاكَ سَافَرْتَ عَنْ مَوْضِعٍ بَعِيدٍ، فَأَيْنَ مَقْصِدُكَ؟ فَذَكَرَ مَوْضِعًا هُوَ قَرْيَةُ حَمْدَانَ، فَقَالَ لَهُ حمدان: اركب بقرة من هذه (٧) الْبَقَرِ لِتَسْتَرِيحَ بِهِ عَنْ تَعَبِ الْمَشْيِ، فَلَمَّا رَآهُ مَائِلًا إِلَى الدِّيَانَةِ أَتَاهُ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ وَقَالَ: إِنِّي لَمْ أُومَرْ (٨) بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ (٩): وَكَأَنَّكَ لَا تَعْمَلُ إِلَّا بِأَمْرٍ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ (١٠) حَمْدَانُ: وَبِأَمْرِ مَنْ تَعْمَلُ؟ قَالَ: بِأَمْرِ مَالِكِي وَمَالِكِكَ وَمَنْ لَهُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ، قال: ذلك إذا (١١) هو رب العالمين، قال: قد (١٢) صَدَقْتَ (١٣)، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهَبُ مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ، قَالَ: وَمَا غَرَضُكَ فِي الْبُقْعَةِ الَّتِي أَنْتَ متوجه إليها؟ قال (١٤) أُمِرْتُ أَنْ أَدْعُوَ (١٥) أَهْلَهَا مِنَ الْجَهْلِ إِلَى الْعِلْمِ، وَمِنَ الضَّلَالِ إِلَى الْهُدَى، وَمِنَ الشَّقَاوَةِ إِلَى السَّعَادَةِ، وَأَنْ أَسْتَنْقِذَهُمْ مِنْ (١٦) وَرَطَاتِ الذُّلِّ والفقر، وأملكهم بما يَسْتَغْنُونَ بِهِ عَنِ الْكَدِّ (١٧) وَالتَّعَبِ، فَقَالَ لَهُ حمدان: أنقذني أنقذك الله، وأفض على\n_________\n=نشر الإلحاد، وإبطال الشرائع، عن طريق الدعوة السرية، وأخذ المواثيق والعهود للإمام. انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي (ص٢١٣ وما بعدها)، تلبيس إبليس لابن الجوزي (ص١٢٦)، دراسة عن الفرق لأحمد الجلي (ص٢٨٨).\n(١) زيادة في (غ).\n(٢) في (م) و(خ) و(ت): \"فصاده\".\n(٣) ساقط من (خ) و(ط).\n(٤) في (م): \"معز\".\n(٥) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"يسوقه\".\n(٦) في (ط): \"وهو لا يعرف حاله\".\n(٧) في (م) و(خ) وت) و(ط): \"هذا\".\n(٨) في (خ) و(ط): \"إني لم أومن بل أومر\".\n(٩) ساقطة من (م) و(ت) و(غ).\n(١٠) في (غ): \"قال\".\n(١١) ساقطة من (خ) و(ت) و(ط).\n(١٢) ساقطة من (م) و(ت) و(ط) و(غ).\n(١٣) في (م) و(ت): \"قصدت\".\n(١٤) في (م) و(غ): \"فقال\".\n(١٥) في (خ) و(ت): و(ط) و(غ): \"أدعوا\" بالألف بعد الواو.\n(١٦) ساقطة من (م) و(ت).\n(١٧) في (غ) و(ر): \"الكل\".","vol":"1","page":272},{"text":"من العلم ما تحييني (١) به، فما أشد احتياجي إلى مثل (٢) مَا (ذَكَرْتَهُ (٣)، فَقَالَ لَهُ (٤): وَمَا أُمِرْتُ) (٥) أَنْ أُخْرِجَ السِّرَّ الْمَكْنُونَ إِلَى كُلِّ (٦) أَحَدٍ إِلَّا بَعْدَ الثِّقَةِ بِهِ، وَالْعَهْدِ (إِلَيْهِ، فَقَالَ) (٧): فَمَا (٨) عَهْدُكَ؟ فَاذْكُرْهُ فَإِنِّي مُلْتَزِمٌ لَهُ.\nفَقَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِي وَلِلْإِمَامِ عَهْدَ اللَّهِ عَلَى (٩) نَفْسِكَ (١٠) وَمِيثَاقَهُ (١١) أَلَّا تُخْرِجَ سِرَّ الْإِمَامِ الَّذِي أُلْقِيهِ إِلَيْكَ، وَلَا تُفْشِي سِرِّي أَيْضًا، فَالْتَزَمَ حَمْدَانُ عَهْدَهُ، ثُمَّ انْدَفَعَ (١٢) الدَّاعِي فِي تَعْلِيمِهِ فُنُونَ جَهْلِهِ، حَتَّى اسْتَدْرَجَهُ وَاسْتَغْوَاهُ، وَاسْتَجَابَ (١٣) لَهُ فِي جَمِيعِ مَا ادَّعَاهُ، ثُمَّ انْتُدِبَ لِلدَّعْوَةِ، وَصَارَ أَصْلًا (١٤) مِنْ أُصُولِ هَذِهِ الْبِدْعَةِ، فَسُمِّيَ أَتْبَاعُهُ القرامطة (١٥).\nومثال الثاني ما حكاه الله تعالى (عن الكفار) (١٦) فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ..﴾ (١٧)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ *أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ *قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ *﴾ (١٨).\nوَحَكَى الْمَسْعُودِيُّ (١٩): أَنَّهُ كَانَ فِي أَعْلَى صَعِيدِ مصر رجل من القبط\n_________\n(١) في (م): \"يحييني\".\n(٢) في (خ) و(ط): \"لمثل\".\n(٣) في (خ) و(ط): \"ذكرت\".\n(٤) ساقطة من (م).\n(٥) ما بين المعكوفين بياض في (ت).\n(٦) ساقطة من (غ) و(ر).\n(٧) ما بين المعكوفين بياض في (ت).\n(٨) في (م) و(غ): \"ما\".\n(٩) بياض في (ت).\n(١٠) في (م): \"ونفسك\"، وفي (ت) الواو والنون في البياض.\n(١١) في (خ) و(ط): \"وميثاقك\".\n(١٢) ساقطة من (ت).\n(١٣) نصف الكلمة الأول يقع في البياض في (ت).\n(١٤) في (ت): \"أصيلًا\".\n(١٥) ذكر هذه القصة بتمامها الإمام ابن الجوزي في تلبيس إبليس (ص١٢٧).\n(١٦) ما بين المعكوفين ساقط من (ط).\n(١٧) سورة المائدة: آية (١٠٤).\n(١٨) سورة الشعراء: الآيتان (٧٢ - ٧٤).\n(١٩) هو أبو الحسن علي بن الحسين بن علي من ذرية ابن مسعود، عداده في البغاددة، نزل مصر مدة، وكان أخباريًا، صاحب ملح وغرائب وعجائب وفنون، وله كتاب مروج الذهب وغيره من التواريخ، كان معتزليًا. مات سنة ٣٤٥هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٦٩)، شذرات الذهب (٢/ ٣٧١)، العبر (٢/ ٢٦٩).","vol":"1","page":273},{"text":"ممن يظهر دين النصرانية (ورأي اليعقوبية) (١)، وَكَانَ يُشَارُ إِلَيْهِ بِالْعِلْمِ وَالْفَهْمِ، فَبَلَغَ خَبَرُهُ أَحْمَدَ بْنَ طُولُونَ (٢)، فَاسْتَحْضَرَهُ وَسَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، مِنْ جُمْلَتِهَا: أَنَّهُ أَمَرَ فِي بَعْضِ الأيام - وقد أحضر مَجْلِسَهُ - بَعْضُ أَهْلِ النَّظَرِ لِيَسْأَلَهُ (٣) عَنِ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ، فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ، فقال: دليلي على صحتها وجودي إِيَّاهَا مُتَنَاقِضَةً مُتَنَافِيَةً، تَدْفَعُهَا الْعُقُولُ، وَتَنْفِرُ مِنْهَا (٤) النُّفُوسُ، لِتَبَايُنِهَا وَتَضَادِّهَا، لَا نَظَرَ يُقَوِّيهَا، وَلَا جَدَلَ يُصَحِّحُهَا، وَلَا بُرْهَانَ يُعَضِّدُهَا مِنَ الْعَقْلِ والحس عند أهل التأمل فيها (٥)، وَالْفَحْصِ عَنْهَا، وَرَأَيْتُ مَعَ ذَلِكَ أُمَمًا كَثِيرَةً، وَمُلُوكًا عَظِيمَةً، ذَوِي مَعْرِفَةٍ، وَحُسْنِ سِيَاسَةٍ، وَعُقُولٍ رَاجِحَةٍ، قَدِ انْقَادُوا إِلَيْهَا، وَتَدَيَّنُوا بِهَا، مَعَ مَا ذَكَرْتُ مِنْ تَنَاقُضِهَا فِي الْعَقْلِ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُمْ لَمْ يَقْبَلُوهَا، وَلَا تَدَيَّنُوا بِهَا، إِلَّا لدلائل (٦) شاهدوها، وآيات علموها (٧)، وَمُعْجِزَاتٍ عَرَفُوهَا، أَوْجَبَ انْقِيَادَهُمْ إِلَيْهَا، وَالتَّدَيُّنَ بِهَا.\nفَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: وَمَا (٨) التَّضَادُّ الَّذِي فِيهَا؟ (٩) فَقَالَ: وَهَلْ يُدْرَكُ ذَلِكَ أَوْ تُعْلَمُ غَايَتُهُ؟ مِنْهَا: قَوْلُهُمْ بِأَنَّ الثَّلَاثَةَ وَاحِدٌ، وَأَنَّ الْوَاحِدَ ثَلَاثَةٌ، وَوَصْفُهُمْ لِلْأَقَانِيمِ وَالْجَوْهَرِ وَهُوَ الثَّالُوثِيُّ (١٠)، وَهَلِ الأقانيم في أنفسها قادرة عالمة أم\n_________\n(١) ما بين المعكوفين - أثبته من (غ) و(ر)، وهو ساقط من بقية النسخ.\n(٢) هو أبو العباس أحمد بن طولون التركي، صاحب مصر، أجاد حفظ القرآن، وطلب العلم، وتنقلت به الأحوال، وتأمر، وولي ثغور الشام، ثم إمرة دمشق، ثم ولي الديار المصرية، وكان بطلًا، شجاعًا، جوادًا، من دهاة الملوك، وكان جيد الإسلام، معظمًا لشعائر الله. توفي بمصر سنة ٢٧٠هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٩٤)، الوافي بالوفيات (٦/ ٤٣٠)، النجوم الزاهرة (٣/ ١ - ٢١).\n(٣) في (م): \"يسأله\"، والكلمة غير واضحة في (ت).\n(٤) كتبت مرتين في (ت)، وكتب في هامشها \"عله فيها\".\n(٥) في (م) و(ت) و(غ): \"لها\".\n(٦) في (غ) و(ر): بدلائل.\n(٧) مثبتة في (غ)، وساقطة من بقية النسخ.\n(٨) في (خ): \"وأما\".\n(٩) مطموسة في (ت).\n(١٠) أراد النصارى قاتلهم الله أن يوفقوا بين عقيدتهم الشركية القائلة بثلاثة آلهة وهم الأب والابن وروح القدس، وبين ما في التوراة من نصوص التوحيد والنهي عن الشرك، فقالوا بأن الأب والابن وروح القدس أقانيم، وهي في نفس الوقت جوهر واحد وإله=","vol":"1","page":274},{"text":"لَا؟ وَفِي اتِّحَادِ رَبِّهِمُ الْقَدِيمِ بِالْإِنْسَانِ الْمُحْدَثِ، وَمَا جَرَى فِي وِلَادَتِهِ (١) وَصَلْبِهِ وَقَتْلِهِ. وَهَلْ في التشنيع أكبر وأفحش من إله قد (٢) صُلِبَ وَبُصِقَ فِي (٣) وَجْهِهِ، وَوُضِعَ عَلَى رَأْسِهِ إِكْلِيلُ الشَّوْكِ، وَضُرِبَ رَأْسُهُ بِالْقَضِيبِ، وَسُمِّرَتْ قَدَمَاهُ، ونخس (٤) بِالْأَسِنَّةِ وَالْخَشَبِ جَنْبَاهُ. وَطَلَبَ (٥) الْمَاءَ (٦) فَسُقِيَ الْخَلَّ مِنْ بِطِّيخِ الْحَنْظَلِ؟ فَأَمْسَكُوا عَنْ مُنَاظَرَتِهِ، لِمَا قد أعطاهم من تناقض مذهبه وفساده (٧). انتهى.\nوَالشَّاهِدُ مِنَ الْحِكَايَةِ الِاعْتِمَادُ عَلَى الشُّيُوخِ وَالْآبَاءِ من غير برهان ولا دليل، (ولا شبهة دَلِيلٍ) (٨).\nالْقِسْمُ الثَّالِثُ: يَتَنَوَّعُ أَيْضًا وَهُوَ الَّذِي قَلَّدَ غَيْرَهُ عَلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ثَمَّ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِالتَّقْلِيدِ مِنْهُ، بِنَاءً عَلَى التَّسَامُعِ الْجَارِي بَيْنَ الْخَلْقِ بالنسبة إلى رجوع (٩) الْجَمِّ (١٠) الْغَفِيرِ إِلَيْهِ فِي أُمُورِ دِينِهِمْ مِنْ عالم وغيره، وتعظيمهم له بخلاف ذلك (١١) الْغَيْرِ، أَوْ لَا يَكُونُ ثَمَّ مَنْ هُوَ أولى منه، لكنه لَيْسَ فِي إِقْبَالِ الْخَلْقِ عَلَيْهِ وَتَعْظِيمِهِمْ لَهُ ما يبلغ تلك الرتبة، فإن\n_________\n=واحد ورب واحد، وأخذوا يحملون النصوص ما لا تحتمل لإثبات شركهم، فخالفوا كتب الله من ناحية، كما خالفوا العقول من ناحية أخرى.\nانظر: الجواب الصحيح لابن تيمية (٢/ ٢٤٥)، محاضرات في النصرانية لأبي زهرة (ص١٢٠).\n(١) في (م) و(غ) و(ر): \"ولادة\".\n(٢) ساقطة من (خ) و(ت) و(ط).\n(٣) مطموسة في (ت).\n(٤) رسمت في (خ) هكذا \"نخـ\"، وفي (ط): \"نخز\".\n(٥) في (خ): \"وطلبت\"، وفي (م): \"وصَلُبَ\".\n(٦) ساقطة من (م).\n(٧) لم أجد هذه القصة في مروج الذهب للمسعودي، فلعلها في كتابه أخبار الزمان، وهو كتاب يقع في ثلاثين مجلدًا، وهو مفقود عدا أحد أجزائه فإنه مخطوط.\nانظر: الأعلام للزركلي (٤/ ٢٧).\n(٨) ما بين المعكوفين ساقط من (خ) و(ت) و(ط).\n(٩) ساقطة من (خ) و(ط).\n(١٠) في (غ): \"الجماء\".\n(١١) زيادة من (غ) و(ر).","vol":"1","page":275},{"text":"كَانَ هُنَاكَ (١) مُنْتَصِبُونَ، فَتَرَكَهُمْ هَذَا الْمُقَلِّدُ، وَقَلَّدَ غَيْرَهُمْ فَهُوَ آثِمٌ، إِذْ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى مَنْ أُمِرَ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ، بَلْ تَرَكَهُ وَرَضِيَ لِنَفْسِهِ بِأَخْسَرِ (٢) الصَّفْقَتَيْنِ، فَهُوَ غَيْرُ مَعْذُورٍ، إِذْ قلد دِينِهِ (٣) مَنْ لَيْسَ بِعَارِفٍ بِالدِّينِ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ (٤)، فَعَمِلَ بِالْبِدْعَةِ (وَهُوَ يَظُنُّ) (٥) أَنَّهُ عَلَى الصِّرَاطِ (٦) الْمُسْتَقِيمِ.\nوَهَذَا (٧) حَالُ مَنْ بُعِثَ فِيهِمْ (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ) (٨) عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّهُمْ تركوا دينه (٩) الْحَقَّ، وَرَجَعُوا إِلَى بَاطِلِ (آبَائِهِمْ، وَلَمْ يَنْظُرُوا) (١٠) نظر المستبصر حتى يُفَرِّقُوا (١١) بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ، وَغَطَّى الْهَوَى عَلَى عُقُولِهِمْ دُونَ (١٢) أَنْ يُبْصِرُوا الطَّرِيقَ، فَكَذَلِكَ أَهْلُ هَذَا النوع.\nوقل ما تَجِدُ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ إِلَّا وَهُوَ يُوَالِي فِيمَا ارْتَكَبَ وَيُعَادِي بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ.\nخَرَّجَ الْبَغْوِيُّ (في معجمه) (١٣) عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ الْكِنَانِيِّ (١٤) أَنَّ رَجُلًا وُلِدَ لَهُ غُلَامٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ، وَأَخَذَ بِجَبْهَتِهِ فَنَبَتَتْ شَعْرَةٌ بِجَبْهَتِهِ (١٥) كَأَنَّهَا هُلْبَةُ (١٦) فَرَسٍ، قَالَ فَشَبَّ الْغُلَامُ، فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ الْخَوَارِجِ أجابهم فسقطت الشعرة عن جبهته، فأخذه\n_________\n(١) في (م) و(غ) و(ر): \"هنالك\".\n(٢) في (م) و(غ) و(ر): \"بأخس\".\n(٣) في (خ) و(ط): \"في دينه\".\n(٤) في (ت): \"الظر\".\n(٥) ما بين المعكوفين بياض في (ت).\n(٦) في (م): \"الطريق\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"وهذه\".\n(٨) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).\n(٩) في (خ) و(ط): \"دينهم\".\n(١٠) ما بين المعكوفين بياض في (ت).\n(١١) في (ط): \"حتى لم يفرقوا\".\n(١٢) بياض في (ت).\n(١٣) ساقطة من (خ) و(ت) و(ط).\n(١٤) وقع جزء من الكلمة في البياض في نسخة (ت).\n(١٥) في (غ): \"في جبهته\".\n(١٦) في (خ) و(ت) و(ط): \"سلفة\"، وفي (م): \"هلبة\"، وفي هامشها الهلب بالضم الشعر كله أو ما غلظ منه. وقال في النهاية عن هلبات الفرس: \"أي شعرات، أو خصلات من الشعر، واحدتها هلبة، والهلب الشعر. وقيل هو ما غلظ من شعر الذنب وغيره\". النهاية في غريب الحديث (٥/ ٢٦٩).","vol":"1","page":276},{"text":"أَبُوهُ فَقَيَّدَهُ وَحَبَسَهُ مَخَافَةَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِمْ (١)، قال فدخلنا عليه فوعظناه وَقُلْنَا لَهُ: أَلَمْ تَرَ بَرَكَةَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَعَتْ؟ قَالَ: فَلَمْ نَزَلْ (٢) بِهِ (٣) حَتَّى رَجَعَ عَنْ رَأْيِهِمْ، قَالَ: فَرَدَّ اللَّهُ ﷿ الشَّعْرَةَ فِي جَبْهَتِهِ إِذْ تاب (٤).\nوإن لم يكن هناك منتصبون إلا (٥) هَذَا الْمُقَلِّدِ الْخَامِلِ بَيْنَ النَّاسِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ نَصَّبَ نَفْسَهُ مَنْصِبَ الْمُسْتَحِقِّينَ، فَفِي تَأْثِيمِهِ نَظَرٌ.\nوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ: إِنَّهُ آثِمٌ. وَنَظِيرُهُ مَسْأَلَةُ أَهْلِ الْفَتَرَاتِ (٦)، الْعَامِلِينَ تَبَعًا لِآبَائِهِمْ، وَاسْتِقَامَةً (٧) لِمَا عَلَيْهِ أَهْلُ عَصْرِهِمْ، مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ يَقُولُونَ فِي حُكْمِهِمْ: إِنَّهُمْ عَلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ غابت\n_________\n(١) في (ط): \"يلحق بهم أحد\".\n(٢) في (م) و(ت) و(غ): \"يزل\".\n(٣) ساقطة من (م) و(ت) و(غ).\n(٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٤٥٦)، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، ضعيف.\nانظر: تقريب التهذيب لابن حجر (٤٧٣٤)، والكاشف للذهبي (٣٩٧٥).\n(٥) في جميع النسخ \"إلى\"، عدا (غ) و(ر).\n(٦) وهم الذين كانوا في الأزمنة التي فيها انقطاع من الرسل، وقد اختلف العلماء في حكمهم، وأرجح الأقوال فيهم أن الله يمتحنهم يوم القيامة، وبذلك ورد الحديث، فعن الأسود بن سريع أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: \"أربعة يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا، وأما الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا، وأما الذي مات في الفترة، فيقول رب ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار قال فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا\". رواه أحمد (٤/ ٢٤)، والإمام البيهقي في الاعتقاد والهداية (ص١١١)، وصحح إسناده، ورواه ابن أبي عاصم في السنة عن أبي هريرة (١/ ١٧٦)، وعزاه الهيثمي إلى أحمد والبزار والطبراني، وقال عن لفظ أحمد والبزار: ورجاله رجال الصحيح. المجمع (٧/ ٢١٩)، وصححه الشيخ الألباني.\nانظر: ظلال الجنة (١/ ١٧٦)، والسلسلة الصحيحة برقم (١٤٣٤).\nوانظر المسألة في: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (٨/ ٤٠١)، طريق الهجرتين لابن القيم (ص٣٩٦)، أضواء البيان للشنقيطي (٣/ ٣٧٤).\n(٧) في (خ) و(ط) و(غ): \"واستنامه\".","vol":"1","page":277},{"text":"عَلَيْهِ (١) الشَّرِيعَةُ، وَلَمْ يَدْرِ مَا (٢) يَتَقَرَّبُ بِهِ (٣) إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، (فَوَقَفَ عَنِ الْعَمَلِ) (٤) بِكُلِّ مَا يَتَوَهَّمُهُ الْعَقْلُ (٥) أَنَّهُ يُقَرِّبُ (٦) إِلَى اللَّهِ، وَرَأَى مَا أَهْلُ عَصْرِهِ عَامِلُونَ بِهِ، مِمَّا لَيْسَ لَهُمْ فِيهِ مُسْتَنَدٌ إِلَّا اسْتِحْسَانُهُمْ، فَلَمْ يَسْتَفِزَّهُ (٧) ذَلِكَ عَلَى (٨) الْوُقُوفِ عَنْهُ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الدَّاخِلُونَ حَقِيقَةً تَحْتَ عُمُومِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٩).\nوَقِسْمٌ لَابَسَ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ عَصْرِهِ مِنْ عبادة غير الله، والتحريم والتحليل (١٠) بالرأي، ووافقهم (١١) في اعتقاد ما اعتقدوه من الباطل، فهؤلاء قد (١٢) نص العلماء على أنهم غير معذورين، وأنهم (١٣) مُشَارِكُونَ لِأَهْلِ عَصْرِهِمْ فِي الْمُؤَاخَذَةِ، لِأَنَّهُمْ وَافَقُوهُمْ في العمل والموالاة والمعادات على تلك الشرعة (١٤)، فصاروا (١٥) مِنْ أَهْلِهَا، فَكَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا (١٦).\nوَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يُطْلِقُ الْعِبَارَةَ وَيَقُولُ (١٧): كَيْفَمَا كَانَ لَا يُعَذَّب أحد إلا بعد مجيء (١٨) الرُّسُلِ وَعَدَمِ الْقَبُولِ مِنْهُمْ، وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ قَوْلًا هَكَذَا، فَنَظِيرُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا أَنْ يَأْتِيَ عَالِمٌ أَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ الْمُنْتَصِبِ يُبَيِّنُ السُّنَّةَ مِنَ الْبِدْعَةِ، فَإِنْ رَاجَعَهُ هَذَا الْمُقَلِّدُ فِي أَحْكَامِ دِينِهِ، وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الْأَوَّلِ، فَقَدْ أَخَذَ بِالِاحْتِيَاطِ الَّذِي هُوَ شَأْنُ الْعُقَلَاءِ وَرَجَاءَ (١٩) السلامة، وإن اقتصر على الأول\n_________\n(١) في (غ): \"عنده\"، وفي (ر): \"عنه\".\n(٢) في (غ): \"بما\".\n(٣) ساقطة من (م) و(ت) و(غ).\n(٤) ما بين المعكوفين غير واضح في (ت).\n(٥) في (غ): \"الحق العقل\".\n(٦) في (م) و(غ): \"تقرب\"، وغير واضح في (ت).\n(٧) في (غ) و(ر): \"يستفززه\".\n(٨) في (غ) و(ر): \"عن\".\n(٩) سورة الإسراء: آية (١٥).\n(١٠) في (غ): \"التحليل والتحريم\".\n(١١) في (خ) و(ت) و(ط): \"ووافقوهم\".\n(١٢) ساقطة من (خ) و(ط).\n(١٣) ساقطة من (خ) و(ت) و(ط).\n(١٤) في (غ): الشريعة.\n(١٥) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"فصار\".\n(١٦) سيزيد المؤلف هذا الموضوع بيانًا في الفصل الآتي.\n(١٧) في (غ) و(ر): \"فيقول\".\n(١٨) زيادة في (غ) و(ر).\n(١٩) في (خ) بغير همزة، وكتب في هامش (ت): \"ورجى\" على أنها نسخة أخرى، وهو=","vol":"1","page":278},{"text":"ظهر عناده، لأنه مع هذا الفرق لَمْ يَرْضَ بِهَذَا الطَّارِئِ، وَإِذَا لَمْ يَرْضَهُ كَانَ (١) ذَلِكَ لِهَوًى دَاخَلَهُ، وَتَعَصُّبٍ جَرَى فِي قَلْبِهِ مَجْرَى الكَلَب (٢) فِي صَاحِبِهِ، وَهُوَ إِذَا بَلَغَ هَذَا الْمَبْلَغَ لَمْ يَبْعُدْ (٣) أَنْ يَنْتَصِرَ لِمَذْهَبِ صَاحِبِهِ، وَيُحَسِّنَهُ (٤)، وَيَسْتَدِلَّ عَلَيْهِ بِأَقْصَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فِي عُمُومِيَّتِهِ. وَحُكْمُهُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْقِسْمِ قَبْلَهُ.\nفَأَنْتَ تَرَى صَاحِبَ الشَّرِيعَةِ ﷺ حِينَ بُعِثَ إِلَى أصحاب (٥) أهواء (٦) وبدع قد (٧) اسْتَنَدُوا إِلَى آبَائِهِمْ وَعُظَمَائِهِمْ فِيهَا، وَرَدُّوا مَا جَاءَ (بِهِ النَّبِيُّ) (٨) ﷺ، وَغَطَّى عَلَى قُلُوبِهِمْ رَيْنُ الْهَوَى حَتَّى (الْتَبَسَتْ عَلَيْهِمُ الْمُعْجِزَاتُ) (٩) بِغَيْرِهَا - كَيْفَ صَارَتْ شَرِيعَتُهُ ﷺ حُجَّةً عَلَيْهِمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ (١٠) وَالْعُمُومِ، وَصَارَ الْمَيِّتُ مِنْهُمْ مَسُوقًا (١١) إِلَى النَّارِ (عَلَى الْعُمُومِ) (١٢)، مِنْ غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ الْمُعَانِدِ صَرَاحًا وَغَيْرِهِ، وَمَا (١٣) ذَاكَ إِلَّا لِقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، بِمُجَرَّدِ بَعْثَتِهِ (١٤) وَإِرْسَالِهِ لَهُمْ مُبَيِّنًا لِلْحَقِّ الَّذِي خَالَفُوهُ. فَمَسْأَلَتُنَا شَبِيهَةٌ بِذَلِكَ، فَمَنْ أَخَذَ بِالْحَزْمِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وَمَنْ تَابَعَ الْهَوَى خيف عليه الهلاك، وحسبنا الله.\n_________\n=معطوف على الاحتياط، وإن كان غير مهموز فهو معطوف على أخذ، على أنه فعل ماض.\n(١) ساقطة من (غ).\n(٢) هو الداء المعروف، وتقدم (ص٢٣١).\n(٣) في (غ) و(ر): \"يعد\".\n(٤) ساقطة من (ط).\n(٥) غير واضحة في (ت).\n(٦) في (م): \"أهوى\".\n(٧) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"وقد\".\n(٨) غير واضح في (ت).\n(٩) ما بين المعكوفين غير واضح في (ت).\n(١٠) في (ت): \"الطلاق\".\n(١١) في (غ): \"مسبوقًا\".\n(١٢) ساقط من (غ).\n(١٣) في (م) و(ت) و(غ): \"ما\" بدون الواو.\n(١٤) في (غ): \"بعثته إليهم\"، وفي (ر): \"بعثه\".","vol":"1","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>فصل</span>\nوَلْنَزِدْ هَذَا الْمَوْضِعَ شَيْئًا مِنَ الْبَيَانِ فَإِنَّهُ أَكِيدٌ، لِأَنَّهُ (١) تَحْقِيقُ مَنَاطِ (٢) الْكِتَابِ وَمَا احْتَوَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَسَائِلِ. فَنَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ:\nإِنَّ لَفْظَ \"أَهْلِ الْأَهْوَاءِ\"، وَعِبَارَةَ \"أَهْلِ الْبِدَعِ\" إِنَّمَا تُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى الَّذِينَ ابْتَدَعُوهَا، وَقَدَّمُوا (٣) فِيهَا شَرِيعَةَ (٤) الْهَوَى، بِالِاسْتِنْبَاطِ وَالنَّصْرِ لَهَا، وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَى صِحَّتِهَا فِي زَعْمِهِمْ، حَتَّى عُدَّ خِلَافُهُمْ خِلَافًا، وَشُبَهُهُمْ مَنْظُورًا فِيهَا، وَمُحْتَاجًا إِلَى رَدِّهَا وَالْجَوَابِ عنها، كما تقول فِي أَلْقَابِ الْفِرَقِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ (٥) وَالْقَدَرِيَّةِ (٦) وَالْمُرْجِئَةِ (٧) والخوارج (٨) والباطنية (٩) ومن أشبههم فإنها (١٠) أَلْقَابٌ لِمَنْ قَامَ بِتِلْكَ النِّحَلِ، مَا بَيْنَ مُسْتَنْبِطٍ لَهَا، وَنَاصِرٍ لَهَا، وَذَابٍّ عَنْهَا، كَلَفْظِ \"أَهْلِ (١١) السُّنَّةِ\"، إِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى نَاصِرِيهَا (١٢)، وَعَلَى من استنبط على وفقها، والحامين (١٣) لذمارها (١٤).\n_________\n(١) في (م) و(غ): \"فإنه\".\n(٢) مناط الشيء علته. انظر: علم أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف (ص٦٨).\n(٣) في (م) و(ت): \"وأقوموا\"، وفي هامش (ت): \"وقدموا\"، وفي (غ) و(ر): \"وأقاموا\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"شرعة\".\n(٥) تقدم التعريف بهم (ص٢٩).\n(٦) تقدم التعريف بهم (ص١١).\n(٧) تقدم التعريف بهم (ص٢٧).\n(٨) تقدم التعريف بهم (ص١١).\n(٩) تقدم التعريف بهم (ص٢٨).\n(١٠) في (خ) و(ت) و(ط): \"بأنها\".\n(١١) ساقطة من (ر).\n(١٢) في (ر): \"ناصر لها\".\n(١٣) في (م) و(غ): \"والحاملين على لذمارها\"، وفي (ت): \"والحاملين لذمارها\". قال في الصحاح: الذمار: ما وراء الرجل مما يحق عليه أن يحميه. (٢/ ٦٦٥).\n(١٤) وكذلك يدخل العوام في مسمى أهل السنة والجماعة، إذا اقتدوا بأئمة أهل السنة وهم الصحابة وخيار التابعين وأهل الحديث.\nانظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (٢/ ٢٧١).","vol":"1","page":280},{"text":"وَيُرَشِّحُ ذَلِكَ (١) أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ (٢) يشعر بإطلاق اللفظ على من فعل (٣) ذَلِكَ الْفِعْلَ الَّذِي هُوَ التَّفْرِيقُ، وَلَيْسَ إِلَّا الْمُخْتَرِعُ أَوْ مَنْ قَامَ مَقَامَهُ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ (٤)، وقوله تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ (٥)، فَإِنَّ اتِّبَاعَ الْمُتَشَابِهِ مُخْتَصٌّ بِمَنِ انْتَصَبَ مَنْصِبَ الْمُجْتَهِدِ (٦) لَا بِغَيْرِهِمْ (٧).\nوَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: \"حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عالم اتخذ الناس رؤوسًا (٨) جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم\" (٩)، فأقاموا (١٠) أَنْفُسَهُمْ مَقَامَ الْمُسْتَنْبِطِ لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، الْمُقْتَدَى (١١) بِهِ فِيهَا، بِخِلَافِ الْعَوَامِّ، فَإِنَّهُمْ مُتَّبِعُونَ لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَ عُلَمَائِهِمْ، لِأَنَّهُ (١٢) فَرْضُهُمْ، فَلَيْسُوا بِمُتَّبِعِينَ لِلْمُتَشَابِهِ حَقِيقَةً، وَلَا هُمْ مُتَّبِعُونَ لِلْهَوَى. وَإِنَّمَا يَتَّبِعُونَ مَا يُقَالُ لَهُمْ كَائِنًا مَا كَانَ، فَلَا يُطْلَقُ عَلَى الْعَوَامِّ لَفْظُ \"أَهْلِ الْأَهْوَاءِ\" حَتَّى يخوضوا بأنظارهم فيها، ويحسنوا بها (١٣) وَيُقَبِّحُوا. وَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَعَيَّنُ لِلَفْظِ \"أَهْلِ الْأَهْوَاءِ\" و\"أهل البدع\" مدلول واحد، وهو من (١٤) انتصب للابتداع ولترجيحه على غيره.\nأما (١٥) أهل الغفلة عن ذلك، والسالكون سبيل (١٦) رُؤَسَائِهِمْ (١٧) بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ، فَلَا (١٨).\n_________\n(١) ساقطة من (م) و(ت).\n(٢) سورة الأنعام: آية (١٥٩).\n(٣) في (خ) و(ط): \"جعل\"، وهي غير واضحة في (ت).\n(٤) سورة آل عمران: آية (١٠٥).\n(٥) سورة آل عمران: آية (٧).\n(٦) ساقطة من (غ).\n(٧) في (خ) و(ط): \"لا بغير\".\n(٨) في (خ) و(غ): \"رؤساء\"، وكلاهما روايتان في الحديث.\n(٩) تقدم تخريج الحديث (ص١٢٥).\n(١٠) في (خ) و(ط): \"لأنهم قاموا\".\n(١١) في (خ): \"المنتدا\".\n(١٢) في (ت): \"لأن\".\n(١٣) في (خ) و(ط): \"ويحسنوا بنظرهم\".\n(١٤) في (خ) و(ط): وهو أن من انتصب .. \".\n(١٥) في (ط): \"وأما\".\n(١٦) في (خ) و(ط): \"سبل\".\n(١٧) في (غ) و(ر): وسائلهم.\n(١٨) سوف يبين المؤلف فيما يأتي أن المقلدين لأئمة المبتدعة عندهم نوع استدلال يدخلهم في مسمى أهل الابتداع.","vol":"1","page":281},{"text":"فَحَقِيقَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهَا تَحْتَوِي عَلَى قِسْمَيْنِ: مُبْتَدِعٍ وَمُقْتَدٍ بِهِ.\nفَالْمُقْتَدِي بِهِ كَأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْعِبَارَةِ بِمُجَرَّدِ الِاقْتِدَاءِ، لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ التبع (١)، وَالْمُبْتَدِعُ هُوَ الْمُخْتَرِعُ، أَوِ الْمُسْتَدِلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ الِاخْتِرَاعِ، وَسَوَاءٌ عَلَيْنَا أَكَانَ ذَلِكَ الِاسْتِدْلَالُ مِنْ قَبِيلِ الْخَاصِّ (٢) بِالنَّظَرِ (٣) فِي الْعِلْمِ، أَوْ كَانَ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِدْلَالِ الْعَامِّيِّ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ ذَمَّ أَقْوَامًا قَالُوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٤)، فكأنهم استندوا (٥) إِلَى دَلِيلٍ جُمْلِيٍّ، وَهُوَ الْآبَاءُ إِذْ (٦) كَانُوا عندهم (٧) من أهل العقل والنظر (٨)، وَقَدْ كَانُوا عَلَى هَذَا الدِّينِ، وَلَيْسَ إِلَّا لِأَنَّهُ صَوَابٌ، فَنَحْنُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ خطأ لما ذهبوا إليه.\nوهو نظير استدلال (٩) مَنْ يَسْتَدِلُّ عَلَى صِحَّةِ الْبِدْعَةِ بِعَمَلِ الشُّيُوخِ وَمَنْ يُشَارُ إِلَيْهِ بِالصَّلَاحِ، وَلَا يُنْظَرُ إِلَى كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِي الشَّرِيعَةِ أَوْ من أهل التقليد، ولا إلى (١٠) كَوْنِهِ يَعْمَلُ بِعِلْمٍ أَوْ بِجَهْلٍ (١١)، وَلَكِنَّ مِثْلَ هَذَا يُعَدُّ اسْتِدْلَالًا فِي الْجُمْلَةِ، مِنْ حَيْثُ جُعِلَ عُمْدَةً فِي اتِّبَاعِ الْهَوَى، وَاطِّرَاحِ مَا سِوَاهُ. فَمَنْ أَخَذَ بِهِ فَهُوَ آخِذٌ بِالْبِدْعَةِ (١٢) بِدَلِيلٍ مِثْلِهِ، وَدَخَلَ فِي مُسَمَّى أَهْلِ الِابْتِدَاعِ (١٣)، إذ كان من حق من (١٤) هذا (١٥) سبيله أن ينظر في الحق إذ (١٦) جاءه، ويبحث عنه (١٧)، ويتأنى ويسأل حتى يتبين له الحق (١٨) فيتبعه، أو الباطل (١٩) فيجتنبه.\n_________\n(١) في (ط): \"المتبع\".\n(٢) في (غ): \"الخواص\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"بالناظرين\".\n(٤) سورة الزخرف: آية (٢٢).\n(٥) في (ط): \"استدلوا\".\n(٦) في (خ) و(ط): \"إذا\".\n(٧) في (م): \"عنهم\".\n(٨) ساقطة من (خ) و(ط).\n(٩) ساقطة من (خ) و(ط).\n(١٠) ساقطة من (خ) و(ت) و(ط).\n(١١) في (خ): \"أو يجهل\".\n(١٢) في (غ) و(ر): \"للبدعة\".\n(١٣) ساقطة من (م)، وفي (غ): \"الابتداع\".\n(١٤) ساقطة من (ت).\n(١٥) في (خ) و(ط): \"من كان هذا سبيله\".\n(١٦) في (خ) و(ط)؛ \"أن\".\n(١٧) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(١٨) ساقطة من (خ) و(ط).\n(١٩) في (م) و(غ): \"والباطل\".","vol":"1","page":282},{"text":"وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى رَدًّا عَلَى الْمُحْتَجِّينَ بِمَا (١) تَقَدَّمَ: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ (٢)، وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (٣)، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ (٤)، وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ (٥)، وأمثال ذلك كثير.\nوَعَلَامَةُ مَنْ هَذَا شَأْنُهُ أَنْ يَرُدَّ خِلَافَ مذهبه بما قدر (٦) عَلَيْهِ مِنْ شُبْهَةِ دَلِيلٍ تَفْصِيلِيٍّ أَوْ إِجْمَالِيٍّ، وَيَتَعَصَّبُ لِمَا هُوَ عَلَيْهِ، غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إِلَى غيره، وهو عين اتباع الهوى، (وإذا ظهر اتِّبَاعِ الْهَوَى) (٧) فَهُوَ الْمَذْمُومُ حَقًّا، وَعَلَيْهِ يَحْصُلُ الإثم، فإن كان (٨) مسترشدًا مال إلى الحق حيثما (٩) وَجَدَهُ، وَلَمْ يَرُدَّهُ. وَهُوَ (١٠) الْمُعْتَادُ فِي طَالِبِ الحق، ولذلك بادر المحقون (١١) إِلَى اتِّبَاعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ سِوَى مَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنِ الْبِدْعَةِ، ولم يدخل مع المتعصبين (١٢)، لَكِنَّهُ عَمِلَ بِهَا، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ أَهْلَ الْفَتْرَةِ مُعَذَّبُونَ عَلَى الْإِطْلَاقِ إِذَا اتَّبَعُوا مَنِ اخْتَرَعَ مِنْهُمْ، فَالْمُتَّبِعُونَ لِلْمُبْتَدَعِ إِذَا (١٣) لَمْ يَجِدُوا مُحِقًّا مُؤَاخَذُونَ أَيْضًا، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُعَذَّبُونَ حَتَّى يُبْعَثَ لَهُمُ الرَّسُولُ (١٤) وَإِنْ عَمِلُوا بِالْكُفْرِ، فهؤلاء لا يؤاخذون ما لم يكن فيهم (١٥) محق (١٦)، فإذ ذاك\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"لما\".\n(٢) سورة الزخرف: آية (٢٤).\n(٣) سورة البقرة: آية (١٧٠).\n(٤) نفس الآية السابقة.\n(٥) سورة لقمان، آية (٢١).\n(٦) ساقطة من (خ) و(ط).\n(٧) ما بين المعكوفين ساقط من (خ) و(ط).\n(٨) في (خ) و(ط): \"من كان\".\n(٩) في (خ) و(ط): \"حيث\".\n(١٠) في (غ): \"وهذا\".\n(١١) في (ط): \"المحققون\".\n(١٢) في (خ) و(ط): \"المتعاصيين\"، وفي (م) و(ت): \"المتعاصبين\".\n(١٣) في (م): \"إذ\".\n(١٤) في (غ): \"الرسل\".\n(١٥) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"فيه\".\n(١٦) وإعذار المبتدع الجاهل الذي يشبه أهل الفترة هو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية، كما في الفتاوى (٣٥/ ١٦٤ - ١٦٥)، وقد فصل الكلام في هذه الأحكام وجمع أقوال العلماء فيها الأستاذ سعيد بن ناصر الغامدي في كتابه حقيقة البدعة وأحكامها (وهي رسالة جامعية) (٢/ ٢٢٣ - ٣٢٧).","vol":"1","page":283},{"text":"يُؤَاخَذُونَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ (١) مَعَهُ بَيْنَ (٢) أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَتَّبِعُوهُ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ فيتركوا ما هم عليه، وإما ألا يَتَّبِعُوهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ عِنَادٍ مَا وَتَعَصُّبٍ، فَيَدْخُلُونَ إِذْ ذَاكَ تَحْتَ عِبَارَةِ \"أَهْلِ الْأَهْوَاءِ\" فيأثمون.\nوكل (٣) من (٤) اتبع بيان بن (٥) سَمْعَانَ (٦) فِي بِدْعَتِهِ الَّتِي اشْتُهِرَتْ (٧) عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، مقلدًا لها (٨) على حكم الرضى (٩) بِهَا، وَرَدَّ مَا سِوَاهَا، فَهُوَ فِي الْإِثْمِ مَعَ مَنِ اتَّبَعَ، فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ مَعْبُودَهُ في صورة إنسان (١٠)، وَأَنَّهُ (١١) يَهْلِكُ كُلُّهُ إِلَّا وَجْهَهُ (١٢)، ثُمَّ زَعَمَ أَنَّ رُوحَ الْإِلَهِ حَلَّ فِي عَلِيٍّ، ثُمَّ فِي فُلَانٍ، ثُمَّ فِي بَيَانِ نَفْسِهِ (١٣).\nوَكَذَلِكَ مَنِ اتَّبَعَ الْمُغِيرَةَ (١٤) بْنَ (سَعِيدٍ) (١٥) الْعِجْلِيَّ (١٦) الَّذِي ادعى\n_________\n(١) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"إنه\".\n(٢) في (خ) كتب قوله: \"معه بين\" بلفظ \"معذبين\" وكأن الناسخ دمج الكلمتين معًا.\n(٣) في (غ) و(ر): \"فكل\".\n(٤) ساقطة من (م) و(ت).\n(٥) ساقطة من (م) و(ت) و(خ) و(ط).\n(٦) هو بيان بن سمعان التميمي، وهو من غلاة الشيعة القائلين بإلهية علي ﵁، فقد قال أنه حل في علي جزء إلهي، ثم انتقل من بعده في ابنه محمد بن الحنفية، ثم في أبي هاشم ولد ابن الحنفية، ثم في بيان نفسه، وقد دعا إلى نفسه وكتب إلى محمد بن علي بن الحسين الباقر يدعوه إلى نفسه، وقد قتله خالد بن عبد الله القسري بالعراق وأحرقه بالنار قبل عام ١٢٦هـ.\nانظر: الملل والنحل للشهرستاني (ص١٥٢)، ميزان الاعتدال للذهبي (١/ ٣٥٧)، الفرق بين الفرق للبغدادي (ص١٩٤).\n(٧) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"استمرت\".\n(٨) في (خ) و(ط): \"فيها\".\n(٩) في (خ) و(ط): \"الرضاء\" بالهمزة.\n(١٠) في (ط): \"الإنسان\".\n(١١) في (م): \"وأن\".\n(١٢) في (خ) و(ط): \"وجه\".\n(١٣) انظر: هذه الضلالات المنقولة عنه في مراجع ترجمته.\n(١٤) في (م): \"الغيرة\".\n(١٥) في جميع النسخ: \"سعد\"، والصحيح \"سعيد\" كما في مصادر ترجمته.\n(١٦) هو المغيرة بن سعيد العجلي الذي تنسب إليه فرقة المغيرية من غلاة الشيعة، وكان مولى لخالد القسري، وقد ادعى النبوة، وغلا في حق علي ﵁ وجاء بضلالات في وصف الخالق سبحانه، وقد قتله خالد القسري سنة ١٢٠هـ.=","vol":"1","page":284},{"text":"النُّبُوَّةَ مُدَّةً، وَزَعَمَ أَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى بِالِاسْمِ الْأَعْظَمِ، وَأَنَّ لِمَعْبُودِهِ أَعْضَاءً عَلَى حُرُوفِ الْهِجَاءِ، عَلَى كَيْفِيَّةٍ يَشْمَئِزُّ مِنْهَا قَلْبُ الْمُؤْمِنِ، إِلَى إِلْحَادَاتٍ أُخَرَ (١).\nوَكَذَلِكَ مَنِ اتَّبَعَ الْمَهْدِيَّ الْمَغْرِبِيَّ (٢) الْمَنْسُوبَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ بِدَعِ الْمَغْرِبِ، فَهُوَ في التسمية والإثم (٣) مَعَ مَنِ اتَّبَعَ، إِذَا انْتَصَبَ نَاصِرًا لَهَا، وَمُحْتَجًّا عَلَيْهَا.\nوَقَانَا اللَّهُ شَرَّ التَّعَصُّبِ عَلَى غير بصيرة من الحق بفضله ورحمته.\n_________\n=انظر: الملل والنحل للشهرستاني (ص١٧٦)، ميزان الاعتدال للذهبي (٤/ ١٦٠)، الكامل لابن الأثير (٤/ ٤٢٨).\n(١) انظر: ما كان يقوله من ضلالات في مراجع ترجمته.\n(٢) هو محمد بن عبد الله بن تومرت البربري، المدعى أنه علوي حسني، وأنه الإمام المعصوم، حصل أطرافًا من العلم، وألف عقيدة لقبها بالمرشدة، فيها توحيد وخير بانحراف، فحمل عليها أتباعه، وسماهم الموحدين، ونبز من خالف المرشدة بالتجسيم، وأباح دمه. توفي سنة ٥٢٤هـ، وترجمته في السير فيها خير وشر، وقال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية أنه دخل في أمور منكرة، وفعل أمورًا حسنة.\nانظر: منهاج السنة (٤/ ٩٩)، سير أعلام النبلاء (١٩/ ٥٣٩).\nوسوف يتكلم المؤلف عن بعض أعمال أتباعه في (ص٣٢٠ - ٣٢١)، وكذلك في المجلد الثاني (من المطبوع) (٢/ ٢٢٦، ٣٤٨).\n(٣) في (خ) و(ط): \"الإثم والتسمية\"، وفي (غ): \"وفي الإثم\".","vol":"1","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>فصل</span>\nوإذا (١) ثبت أن المبتدع آثم، فليس (٢) الإثم الْوَاقِعُ عَلَيْهِ عَلَى رُتْبَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ هُوَ عَلَى مَرَاتِبَ مُخْتَلِفَةٍ، (وَاخْتِلَافُهَا يَقَعُ مِنْ جِهَاتٍ بِحَسَبِ النَّظَرِ الْفِقْهِيِّ، فَيَخْتَلِفُ) (٣) مِنْ جِهَةِ كَوْنِ صاحبها (مدعيًا للاجتهاد فيها أو مقلدًا أو من جهة وقوعها في الضروريات أو الحاجيات أو التحسينيات، وكل مرتبة منها لها في نفسها مراتب، وَمِنْ جِهَةِ كَوْنِ صَاحِبِهَا) (٤) مُسْتَتِرًا بِهَا أَوْ معلنًا، (ومن جهة كونه داعيًا لها أو غير داع لها، وَمِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مَعَ الدُّعَاءِ إِلَيْهَا خَارِجًا عَلَى غَيْرِهِ أَوْ غَيْرَ خَارِجٍ) (٥)، وَمِنْ جِهَةِ كَوْنِ الْبِدْعَةِ حَقِيقِيَّةً (٦) أَوْ إِضَافِيَّةً، وَمِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا بَيِّنَةً أَوْ مُشْكِلَةً، وَمِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا كُفْرًا أَوْ غَيْرَ كُفْرٍ، وَمِنْ جِهَةِ الْإِصْرَارِ عَلَيْهَا أَوْ عَدَمِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي (٧) يُقْطَعُ مَعَهَا بِالتَّفَاوُتِ فِي عِظَمِ الْإِثْمِ وَعَدَمِهِ، أَوْ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ.\nوَهَذَا الْمَعْنَى، وَإِنْ لَمْ يَخْفَ عَلَى الْعَالِمِ بِالْأُصُولِ، فَلَا (يَنْبَغِي أَنْ) (٨) يُتْرَكَ التَّنْبِيهُ عَلَى وَجْهِ التَّفَاوُتِ بِقَوْلٍ جَمْلِيٍّ، فَهُوَ الْأَوْلَى فِي هَذَا الْمَقَامِ.\nفَأَمَّا الِاخْتِلَافُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِ صَاحِبِهَا مُدَّعِيًا لِلِاجْتِهَادِ أَوْ مُقَلِّدًا فَظَاهِرٌ، لِأَنَّ الزَّيْغَ فِي قَلْبِ النَّاظِرِ فِي الْمُتَشَابِهَاتِ ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهَا أمكن منه (٩) في قلب\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"إذا\".\n(٢) في (غ) و(ر): \"فعليه\".\n(٣) ما بين المعكوفين ساقط من (خ) و(ت) و(ط).\n(٤) ما بين المعكوفين أثبته من (غ) و(ر)، وسقط من بقية النسخ.\n(٥) ما بين المعكوفين ساقط من (خ) و(ط).\n(٦) في (خ): \"حقيقة\".\n(٧) في (ت): \"الذي\".\n(٨) ما بين المعكوفين ساقط من (خ) و(ط).\n(٩) ساقطة من (م)، وكتبت في (ت) فوق السطر.","vol":"1","page":286},{"text":"الْمُقَلِّدِ، وَإِنِ ادَّعَى النَّظَرَ أَيْضًا، لِأَنَّ الْمُقَلِّدَ النَّاظِرَ لَا بُدَّ مِنِ اسْتِنَادِهِ إِلَى مُقَلَّدِهِ في بعض الأصول التي يبني عليها، والمقلد (١) قد انفرد بها دونه، فهو آخذ بحظ لَمْ (٢) يَأْخُذْ فِيهِ الْآخَرُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمُقَلِّدُ نَاظِرًا لِنَفْسِهِ، فَحِينَئِذٍ (٣) لَا يَدَّعِي رُتْبَةَ التَّقْلِيدِ، فَصَارَ فِي دَرَجَةِ الْأَوَّلِ، وَزَادَ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ تِلْكَ السُّنَّةَ السَّيِّئَةَ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عمل بها. وهذا الثاني قد (٤) عَمِلَ بِهَا، فَيَكُونُ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْ إِثْمِهِ مَا عَيَّنَهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ، فَوِزْرُهُ أَعْظَمُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ.\nوَالثَّانِي دُونَهُ، لِأَنَّهُ إِنْ نَظَرَ وعاند (٥) الحق، واحتج لرأيه، فليس له النظر (٦) إلا فِي (٧) أَدِلَّةٍ جُمْلِيَّةٍ لَا تَفْصِيلِيَّةٍ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ، فَإِنَّ الْأَدِلَّةَ التَّفْصِيلِيَّةَ أَبْلَغُ فِي الِاحْتِجَاجِ عَلَى عَيْنِ (٨) الْمَسْأَلَةِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْجُمْلِيَّةِ، فَتَكُونُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْوِزْرِ (٩) بِمِقْدَارِ الْمُبَالَغَةِ فِي الِاسْتِدْلَالِ.\nوَأَمَّا الِاخْتِلَافُ مِنْ جِهَةِ وُقُوعِهَا فِي الضَّرُورِيَّاتِ (١٠) أَوْ غَيْرِهَا فَالْإِشَارَةُ إِلَيْهِ سَتَأْتِي عِنْدَ التَّكَلُّمِ عَلَى أَحْكَامِ الْبِدَعِ (١١).\nوَأَمَّا الِاخْتِلَافُ مِنْ جِهَةِ الإسرار (١٢) والإعلان، فظاهر أن المسر (١٣) لها (١٤) ضَرَرُهُ (١٥) مَقْصُورٌ عَلَيْهِ، لَا يَتَعَدَّاهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَعَلَى أَيِّ صُورَةٍ فُرِضَتِ الْبِدْعَةُ، مِنْ كَوْنِهَا كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً أَوْ مَكْرُوهَةً (١٦)، هِيَ بَاقِيَةٌ على\n_________\n(١) في (خ) و(ت) و(ط): \"أو المقلد\".\n(٢) في جميع النسخ: \"ما لم\" عدا (ر) و(غ).\n(٣) في (ت) كتبت هكذا \"فح\"، وكذلك في (غ).\n(٤) في (خ) و(ط): \"من\".\n(٥) في (م): \"وعناد\".\n(٦) ساقطة من (خ) و(ط).\n(٧) ساقطة من (خ) و(ط).\n(٨) في (غ) و(ر): \"غير\".\n(٩) في (غ): \"الوزن\".\n(١٠) هي الضروريات الخمس، وهي الدين والنفس والنسل والعقل والمال.\n(١١) وذلك في الباب السادس (٢/ ٣٨ - ٤٩).\n(١٢) في (غ) و(ر): \"الإصرار\".\n(١٣) في (غ): \"المصر\".\n(١٤) في (ط): \"بها\".\n(١٥) في (غ) و(ر): \"ضرورة\".\n(١٦) تناول المؤلف هذه الأحكام للبدعة في الباب السادس (٢/ ٣٦، ٥٧ - ٧٢).","vol":"1","page":287},{"text":"أَصْلِ حُكْمِهَا. فَإِذَا أَعْلَنَ بِهَا - وَإِنْ لَمْ يَدْعُ إِلَيْهَا - فَإِعْلَانُهُ بِهَا (١) ذَرِيعَةٌ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ.\nوَسَيَأْتِي - بِحَوْلِ اللَّهِ - أَنَّ الذَّرِيعَةَ قَدْ تجري مجرى المتذرع إليه (٢) أو تقاربه (٣)، فَانْضَمَّ إِلَى وِزْرِ الْعَمَلِ بِهَا وِزْرُ نَصْبِهَا لمن يقتدى به فيها، فالوزر (٤) فِي ذَلِكَ أَعْظَمُ بِلَا إِشْكَالٍ.\nوَمِثَالُهُ مَا حَكَى الطَّرْطُوشِيُّ (٥) فِي أَصْلِ الْقِيَامِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيِّ (٦) قَالَ: \"لَمْ يَكُنْ عِنْدَنَا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ صَلَاةُ الرَّغَائِبِ هَذِهِ الَّتِي تُصَلَّى فِي رَجَبَ وَشَعْبَانَ (٧). وَأَوَّلُ مَا أُحْدِثَتْ (٨) عِنْدَنَا فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وأربعمئة، قدم علينا في بيت المقدس رجل (٩) يُعْرَفُ بِابْنِ أَبِي الْحَمْرَاءِ، وَكَانَ حَسَنَ التِّلَاوَةِ، فَقَامَ فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَأَحْرَمَ خَلْفَهُ رَجُلٌ، ثُمَّ انْضَافَ إِلَيْهِمَا ثَالِثٌ وَرَابِعٌ، فَمَا خَتَمَهَا إِلَّا وَهُوَ (١٠) فِي جَمَاعَةٍ كَبِيرَةٍ، ثُمَّ جَاءَ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ فَصَلَّى مَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَشَاعَتْ فِي الْمَسْجِدِ، وَانْتَشَرَتِ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَبُيُوتِ النَّاسِ وَمَنَازِلِهِمْ، ثُمَّ اسْتَمَرَّتْ (١١) كَأَنَّهَا سُنَّةٌ إِلَى يومنا هذا (١٢) \".\n_________\n(١) ساقطة من (غ) و(ر).\n(٢) في (غ): \"إليها\".\n(٣) في (خ) و(ط): \"تفارقه\"، والمسألة يأتي الكلام عليها في الباب الخامس (١/ ٣٤٤).\n(٤) في (خ) و(ط): \"والوزر\".\n(٥) تقدمت ترجمته (ص٢٨٥).\n(٦) قال الإمام أبو شامة بعدما ذكر كلام الطرطوشي هنا: قلت: أبو محمد هذا أظنه عبد العزيز بن أحمد بن عمر بن إبراهيم المقدسي، روى عنه مكي بن عبد السلام الرميلي الشهيد، ووصفه بالشيخ الصالح الثقة، والله أعلم.\nانظر: الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص٥١).\n(٧) قال الإمام أبو شامة في التعريف بهذه الصلاة: \"وأما الألفية: فصلاة ليلة النصف من شعبان، سميت بذلك لأنها يقرأ فيها ألف مرة سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *﴾، لأنها مئة ركعة، في كل ركعة يقرأ الفاتحة مرة وبعدها سورة الإخلاص عشر مرات، وهي صلاة طويلة مستثقلة .. \". الباعث على إنكار البدع (ص٥٠).\n(٨) في (م) و(غ): \"حدثت\".\n(٩) في (خ) و(ط): \"قدم علينا رجل في بيت المقدس\".\n(١٠) في (م) و(ت): \"وهم\".\n(١١) في (غ) و(ر): \"استقرت\".\n(١٢) ساقطة من (م) و(غ).","vol":"1","page":288},{"text":"فقلت له: فأنا (١) رأيتك (٢) تُصَلِّيهَا فِي جَمَاعَةٍ، قَالَ: \"نَعَمْ! وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ منها\" (٣).\nوَأَمَّا الِاخْتِلَافُ مِنْ جِهَةِ الدَّعْوَةِ إِلَيْهَا وَعَدَمِهَا (٤)، فَظَاهَرٌ أَيْضًا، لِأَنَّ غَيْرَ الدَّاعِي، وَإِنْ كَانَ عرضه للاقتداء (٥)، فَقَدْ لَا يُقْتَدَى بِهِ، وَيَخْتَلِفُ النَّاسُ فِي تَوَفُّرِ دَوَاعِيهِمْ (٦) عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ، إِذْ قَدْ يَكُونُ خَامِلَ الذِّكْرِ، وَقَدْ يَكُونُ مُشْتَهِرًا وَلَا يُقْتَدَى بِهِ لِشُهْرَةِ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ عِنْدَ الناس منزلة منه.\nوأما (٧) الداعي (٨) إذا دعى إليها فمظنة الاقتداء أحرى (٩) وَأَظْهَرُ، وَلَا سِيَّمَا (١٠) الْمُبْتَدَعِ اللَّسِنِ (١١) الْفَصِيحِ الْآخِذِ بِمَجَامِعِ الْقُلُوبِ، إِذَا أَخَذَ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَأَدْلَى بِشُبْهَتِهِ (١٢) الَّتِي تُدَاخِلُ الْقَلْبَ بِزُخْرُفِهَا (١٣)، كَمَا كَانَ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ (١٤) يَدْعُو النَّاسَ إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْقَدَرِ، وَيَلْوِي بِلِسَانِهِ نسبته إلى الحسن البصري (١٥).\n_________\n(١) مثبتة في (غ) وساقطة من بقية النسخ.\n(٢) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"فرأيتك\".\n(٣) ذكره الطرطوشي في الحوادث والبدع (ص٢٦٦).\n(٤) في (م) و(ت): \"وعدمه\".\n(٥) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"بالاقتداء\".\n(٦) في (م): \"تداعيهم\".\n(٧) في (م) و(غ): \"فأما\".\n(٨) ساقطة من (م) و(ت)، و(غ).\n(٩) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"أقوى\".\n(١٠) في (م) و(ت): \"يسمى\"، وهي ساقطة من (غ).\n(١١) ساقطة من (غ).\n(١٢) في (غ): \"بشبهه\".\n(١٣) في (م): \"يزخرفها\".\n(١٤) هو المبتدع القدري معبد بن خالد الجهني، ويقال إنه ابن عبد الله بن عكيم. وهو أول من أظهر القدر بالبصرة في زمن الصحابة، وقد أخذ بدعته عن رجل نصراني يقال له سوسن، وقد أخذ عنه غيلان الدمشقي، وقتل معبد صلبا في زمن عبد الملك بن مروان سنة ٨٠هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ١٨٥)، الكاشف للذهبي (٣/ ١٤٢)، تقريب التهذيب (٢/ ٢٦٢).\n(١٥) الذي يظهر أن المراد \"عمرو بن عبيد\"، وليس \"معبد الجهني\"، لأن عمرو بن عبيد هو الذي أخذ عن الحسن، وهو الذي كان يكذب عليه، ويدل على أنه المراد القصة التي سيوردها المؤلف عنه.","vol":"1","page":289},{"text":"فَرُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ (١): أَنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ (٢) سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَابَ فِيهَا، وَقَالَ: (هُوَ مِنْ رَأْيِ الْحَسَنِ) فَقَالَ لَهُ الرجل: إِنَّهُمْ (٣) يَرْوُونَ عَنِ الْحَسَنِ خِلَافَ هَذَا، فَقَالَ: «إِنَّمَا قُلْتُ) (٤) لَكَ: هَذَا مِنْ رَأْيِي (٥) الْحَسَنِ) يُرِيدُ نَفْسَهُ (٦).\nوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ (٧): كَانَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قَالَ: (هَذَا مِنْ قَوْلِ (٨) الْحَسَنِ)، فَيُوهِمُ أَنَّهُ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ، وَإِنَّمَا هو قوله (٩).\nوَأَمَّا الِاخْتِلَافُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ خَارِجًا عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ أَوْ غَيْرَ خَارِجٍ، فَلِأَنَّ غَيْرَ الْخَارِجِ لَمْ يَزِدْ عَلَى الدَّعْوَةِ مَفْسَدَةً أُخْرَى يترتب عليها إِثْمٌ، وَالْخَارِجُ زَادَ الْخُرُوجَ عَلَى الْأَئِمَّةِ - وَهُوَ مُوجِبٌ لِلْقَتْلِ - وَالسَّعْيَ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ (١٠)، وَإِثَارَةَ الفتن والحروب (١١)، زيادة (١٢) إلى حصول\n_________\n(١) تقدمت ترجمته ﵀ (ص١١٠).\n(٢) تقدمت ترجمته وحكاية بعض أقواله الرديئة (٢٢٦).\n(٣) ساقطة من (م).\n(٤) ساقطة من (ت).\n(٥) في (م) و(خ) و(ت): رأي بياء واحدة، والصواب المثبت كما في الكامل لابن عدي. وقال الشيخ رشيد رضا: \"رأيي هنا بيائين، الثانية ياء المتكلم، وهذا هو معنى \"لي اللسان بالكلام\"، لأجل التدليس والإيهام، ولكن الناسخ كتبها بياء واحدة كالتي قبلها، لأنه لم يفهم، ولم يعرف الرواية، ولأجل هذا لم يكن يقول: هذا رأي الحسن، وهذا قول الحسن، إذ لا يحتمل هذا إلا معنى واحدًا، فإذا قال: من رأيي الحسن، ومن قولي الحسن، تحذف ياء المتكلم لالتقاء الساكنين، فيكون المسموع: هذا من رأي الحسن، وهذا من قول الحسن، فيقع الإيهام المراد\".\n(٦) رواه عنه من طريق سفيان بن عيينة الإمام ابن عدي في كتاب الكامل في ضعفاء الرجال (٥/ ٩٧).\n(٧) هو محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري، قضى بالبصرة في أيام الرشيد، وكان ثقة. توفي سنة ٢١٥هـ.\nانظر: تهذيب الكمال (٢٥/ ٥٣٩)، طبقات ابن سعد (٧/ ٢٩٤)، تقريب التهذيب (٢/ ١٨٠).\n(٨) في (ر): \"قولي\" بياء.\n(٩) رواه الإمام ابن عدي في الكامل (٥/ ١٠٣).\n(١٠) في (م): \"الفساد\".\n(١١) في (غ): \"الحرب\".\n(١٢) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).","vol":"1","page":290},{"text":"الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَ أُولَئِكَ الْفِرَقِ، فَلَهُ مِنَ الْإِثْمِ الْعَظِيمِ أَوْفَرُ حَظٍّ.\nوَمِثَالُهُ قِصَّةُ الْخَوَارِجِ (١) الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، ويَدَعُون أَهْلَ الْأَوْثَانِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) (٢) وَأَخْبَارُهُمْ شَهِيرَةٌ.\nوَقَدْ لَا يَخْرُجُونَ هَذَا الْخُرُوجَ، بَلْ يَقْتَصِرُونَ عَلَى الدَّعْوَةِ، لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ أَدْعَى إِلَى الْإِجَابَةِ، لِأَنَّ فِيهِ (٣) نَوْعًا مِنَ الْإِكْرَاهِ وَالْإِخَافَةِ، فَلَا هُوَ مُجَرَّدُ دعوة، ولا هو شق للعصا (٤) مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَذَلِكَ أَنْ يَسْتَعِينَ عَلَى دعوته (٥) بِأُولِي الْأَمْرِ مِنَ الْوُلَاةِ وَالسَّلَاطِينِ، فَإِنَّ الِاقْتِدَاءَ هُنَا أَقْوَى بِسَبَبِ (٦) خَوْفِ الْوُلَاةِ فِي الْإِيقَاعِ بِالْآبِي سِجْنًا أَوْ ضَرْبًا أَوْ قَتْلًا، كَمَا اتفق لبشر المريسي (٧) في زمان (٨) الْمَأْمُونِ (٩)، وَلِأَحْمَدَ بْنِ أَبِي (دُؤَادَ) (١٠) فِي خِلَافَةِ\n_________\n(١) تقدم التعريف بهم (ص١١).\n(٢) تقدم تخريج الحديث (ص١٢).\n(٣) ساقطة من (غ).\n(٤) في (ت) و(ط): \"العصا\".\n(٥) في (خ) و(ط): \"دعوة\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"لسبب\".\n(٧) هو بشر بن غياث بن أبي كريمة العدوي مولاهم البغدادي المريسي، كان من الفقهاء، فلما نظر في الكلام غلب عليه، فانسلخ من الورع والتقوى، وجرد القول بخلق القرآن، ودعا إليه، حتى كان عين الجهمية في عصره، وعالمهم، فمقته أهل العلم، وكفره عدة. توفي سنة ١١٨هـ.\nانظر: تاريخ بغداد (٧/ ٥٦) العبر (١/ ٣٧٣)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ١٩٩).\n(٨) في (خ) و(ط) و(غ): \"زمن\".\n(٩) هو أبو العباس عبد الله بن هارون الرشيد، الخليفة العباسي المشهور، ولد سنة ١٧٠هـ، وقرأ العلم والأدب والأخبار والعقليات وعلوم الأوائل، وأمر بتعريب كتبهم وبالغ، ومحاسنه كثيرة في الجملة، وكان يحب العلم، ولم يكن له بصيرة نافذة فيه، فتأثر بمذهب الاعتزال، واعتقده، وامتحن أهل السنة بسببه، فأخذه الله، وكان كثير الغزو. توفي سنة ٢١٨هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٧٢)، البداية والنهاية (١٠/ ٢٨٧)، شذرات الذهب (٢/ ٣٩).\n(١٠) في (م) و(خ) و(ت) و(غ): \"داود\" والصواب المثبت.\nوهو أحمد بن أبي دؤاد الإيادي المعتزلي الجهمي، ولي قضاء القضاة للمعتصم ثم للواثق، وكان موصوفًا بالجود والسخاء والأدب، غير أنه أعلن بمذهب الجهمية، وحمل السلطان على امتحان الناس بخلق القرآن، وأن الله لا يرى في الآخرة، وقد أصيب قبل موته بالفالج أربع سنين، ثم هلك سنة ٢٤٠هـ.=","vol":"1","page":291},{"text":"الْوَاثِقِ (١)، وَكَمَا اتَّفَقَ لِعُلَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ بِالْأَنْدَلُسِ إِذْ صارت ولايتها للمهدويين (٢)، فَمَزَّقُوا (٣) كُتُبَ الْمَالِكِيَّةِ، وَسَمَّوْهَا كُتُبَ الرَّأْيِ، وَنَكَّلُوا بِجُمْلَةٍ مِنَ الْفُضَلَاءِ بِسَبَبِ أَخْذِهِمْ فِي الشَّرِيعَةِ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ، وَكَانُوا هُمْ مُرْتَكِبِينَ لِلظَّاهِرِيَّةِ (٤) الْمَحْضَةِ، الَّتِي هِيَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِدْعَةٌ ظَهَرَتْ بَعْدَ المئتين من الهجرة (٥)، ويا ليتهم وقفوا (٦) على (٧) مَذْهَبَ دَاوُدَ (٨) وَأَصْحَابِهِ، لَكِنَّهُمْ (٩) تَعَدَّوْا ذَلِكَ إِلَى أَنْ قَالُوا بِرَأْيِهِمْ، وَوَضَعُوا لِلنَّاسِ مَذَاهِبَ لَا عَهْدَ لَهُمْ (١٠) بِهَا فِي الشَّرِيعَةِ، وَحَمَلُوهُمْ عَلَيْهَا طَوْعًا أَوْ كُرْهًا، حَتَّى عَمَّ دَاؤُهَا فِي النَّاسِ، وَثَبَتَتْ (١١) زَمَانًا طَوِيلًا، ثُمَّ ذَهَبَ مِنْهَا جملة، وبقيت أخرى إلى اليوم.\n_________\n=انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٠/ ٣٣٣)، سير أعلام النبلاء (١١/ ١٦٩)، العبر (١/ ٤٣١).\n(١) هو الخليفة العباسي أبو جعفر هارون بن المعتصم بالله، ولى الأمر بعهد من أبيه سنة ٢٢٧هـ، وقد استولى أحمد بن أبي دؤاد على الواثق، وحمله على التشدد في المحنة، والدعاء إلى خلق القرآن، وقيل إنه رجع عن ذلك قبيل موته. وكانت خلافته خمس سنين ونصفًا، وقد مات سنة ٢٣٢هـ.\nانظر: البداية والنهاية (١٠/ ٣٢١)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٠٦)، تاريخ بغداد (١٤/ ١٥).\n(٢) في (خ) و(ط): \"للمهديين\"، وهم أتباع المهدي المغربي. وقد تقدم التعريف به (ص٣١٢).\n(٣) في (غ) و(ر): \"فخرقوا\".\n(٤) تقدم التعريف بالظاهرية في المقدمة (ص٢٨).\n(٥) وممن حكم على هذا المذهب بالبدعة الإمام ابن العربي، بل عدهم فرقة من الخوارج، مكفرة على أحد الوجهين.\nانظر: عارضة الأحوذي (١٠/ ١٠)، وكذلك الإمام ابن رشد كما في المعيار المعرب للونشريسي (٢/ ٣٤١)، ولكن قول المالكية شديد في الظاهرية بسبب العداء المذهبي. وقد قال الذهبي في السير عنهم: \" ... وبكل حال فلهم أشياء أحسنوا فيها، ولهم مسائل مستهجنة يشغب عليهم بها\". السير (١٣/ ١٠٦).\n(٦) في (خ) و(ت) و(ط): \"وافقوا\".\n(٧) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(٨) هو داود بن علي بن خلف الأصبهاني، رئيس أهل الظاهر، سمع الحديث وارتحل وناظر وصنف، وكان ورعًا زاهدًا. توفي سنة ٢٧٠هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٩٧)، البداية والنهاية (١١/ ٥١)، وفيات الأعيان (٢/ ٢٥٥).\nفي (غ): \"لكن\".\n(٩) ساقطة من (م) و(ت) و(غ).\n(١٠) في (م) و(خ) و(ت): \"وثبت\".","vol":"1","page":292},{"text":"وَلَعَلَّ الزَّمَانَ يَتَّسِعُ إِلَى ذِكْرِ جُمْلَةٍ مِنْهَا فِي أَثْنَاءِ الْكِتَابِ بِحَوْلِ اللَّهِ (١).\nفَهَذَا (٢) الْوَجْهُ الْوِزْرُ فِيهِ أَعْظَمُ (٣) مِنْ مُجَرَّدِ الدَّعْوَةِ (٤) مِنْ وجهين:\nالأول: الإخافة والإكراه بالإيلام (٥) وَالْقَتْلِ.\nوَالْآخَرُ: كَثْرَةُ الدَّاخِلِينَ فِي الدَّعْوَةِ، لِأَنَّ الْإِعْذَارَ وَالْإِنْذَارَ الْأُخْرَوِيَّ قَدْ لَا يَقُومُ لَهُ كَثِيرٌ (مِنَ النُّفُوسِ) (٦)، بِخِلَافِ الدُّنْيَوِيِّ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ شُرِعَتِ الْحُدُودُ وَالزَّوَاجِرُ فِي الشَّرْعِ، وَ(إِنَّ اللَّهَ (٧) يَزَعُ (٨) بِالسُّلْطَانِ مَا لَا يَزَعُهُ (٩) بِالْقُرْآنِ) (١٠)، فالمبتدع إذا (١١) لم ينتهض (١٢) لإجابة (١٣) دَعْوَتِهِ بِمُجَرَّدِ الْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ الَّذِي يَعِظُ (١٤) بِهِ (١٥)، حَاوَلَ الِانْتِهَاضَ بِأُولِي الْأَمْرِ، لِيَكُونَ (١٦) ذَلِكَ أَحْرَى بالإجابة.\nوَأَمَّا الِاخْتِلَافُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِ الْبِدْعَةِ حَقِيقِيَّةً أَوْ إِضَافِيَّةً، فَإِنَّ الْحَقِيقِيَّةَ أَعْظَمُ وِزْرًا، لِأَنَّهَا التي باشرها النهي (١٧) بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَلِأَنَّهَا (١٨) مُخَالَفَةٌ مَحْضَةٌ، وَخُرُوجٌ عَنِ السنة ظاهر، كالقول بالقدر (١٩)، والقول (٢٠) بالتحسين\n_________\n(١) سوف يتكلم المؤلف عنهم في المجلد الثاني من المطبوع (٢/ ٩٠ - ٩٢، ٢٢٦، ٣٤٨).\n(٢) في (م): \"فهو ذا\".\n(٣) في (م) و(غ): \"أعظم فيه الوزر\".\n(٤) في (خ): \"الدعوى\".\n(٥) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"بالإسلام\".\n(٦) ساقط من (غ).\n(٧) سقط لفظ الجلالة من (م) وأصل (ت)، وكتب في هامش (ت).\n(٨) في (خ) و(ط): \"ليزع\".\n(٩) في (م): \"ينزع\"، وفي (ت) و(غ): \"يزع\".\n(١٠) انظر: تاريخ ابن شبّة (٣/ ٩٨٨).\n(١١) في (ت): \"إذ\".\n(١٢) في (غ): \"ينتضر\"، وفي بقية النسخ: \"ينتصر\" عدا (ر).\n(١٣) في (ط): \"بإجابة\".\n(١٤) في (م): \"بعضه\"، وفي (ت): \"يعضه\"، وفي (غ) و(ر): \"يقص\".\n(١٥) ساقطة من (غ).\n(١٦) في (غ): \"فيكون\".\n(١٧) في (خ) و(ط): \"المنتهي\"، وفي (م) و(ت): \"المنهي\".\n(١٨) في (خ) و(غ): \"لأنها\" بدون الواو، وفي (ت): كتبت الواو بين السطرين.\n(١٩) تقدم التعريف بالقدرية (ص١١).\n(٢٠) ساقطة من (خ) و(ت) و(ط).","vol":"1","page":293},{"text":"وَالتَّقْبِيحِ (١)، وَالْقَوْلِ بِإِنْكَارِ خَبَرِ الِوَاحِدِ (٢)، وَإِنْكَارِ الْإِجْمَاعِ (٣)، وَإِنْكَارِ (٤) تَحْرِيمِ الْخَمْرِ (٥)، وَالْقَوْلِ بِالْإِمَامِ الْمَعْصُومِ (٦)، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.\nفَإِذَا فُرِضَتْ إِضَافِيَّةً، فَمَعْنَى الْإِضَافِيَّةِ أَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ مِنْ وَجْهٍ، وَرَأْيٍ مُجَرَّدٍ مِنْ وَجْهٍ، إِذْ يَدْخُلُهَا مِنْ جِهَةِ الْمُخْتَرِعِ رَأْيٌ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهَا (٧)، فَلَمْ تُنَافِ الْأَدِلَّةَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. هَذَا وَإِنْ كَانَتْ تَجْرِي مَجْرَى الحقيقية (٨)، وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ (٩).\nوَبِحَسَبِ ذَلِكَ الِاخْتِلَافِ يَخْتَلِفُ الْوِزْرُ. ومثاله جعل المصاحف في المساجد (١٠) للقراءة (١١) (إثر (١٢) صلاة (١٣) الصبح) (١٤).\nقَالَ مَالِكٌ: (أَوَّلُ مَنْ جَعَلَ مُصْحَفًا الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ) (١٥). يُرِيدُ (أَنَّهُ) (١٦) أَوَّلُ مَنْ رَتَّبَ الْقِرَاءَةَ فِي الْمُصْحَفِ إِثْرَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي المسجد.\n_________\n(١) تقدم الكلام على هذه المسألة (ص٢١٣).\n(٢) تقدم الكلام على هذه المسألة (ص٢٠٨).\n(٣) الذين أنكروا حجية الإجماع هم الخوارج والشيعة والنظام.\nانظر: نزهة الخاطر شرح روضة الناظر (١/ ٢٧٦)، أصول الفقه الإسلامي للزحيلي (١/ ٥٣٩).\n(٤) في (م) و(غ): \"أو إنكار\".\n(٥) وهم الذين يستحلون الخمر ويسمونها بغير اسمها، وسيتكلم المؤلف عن هذه البدعة في الباب السابع (٢/ ٨٧ - ٨٩).\n(٦) وهو قول الشيعة الإمامية كما تقدم.\n(٧) وذلك كالعبادات المشروعة التي يدخل المبتدع فيها رأيه، فيغير من كيفياتها أو أحوالها أو تفصيلاتها لما لم يقم عليه دليل.\n(٨) أي في أنها بدعة محرمة.\n(٩) وذلك في الباب الخامس، حيث جعله المؤلف في هذا الموضوع (١/ ٢٨٦).\n(١٠) في (م) و(غ): \"المسجد\".\n(١١) في (غ): \"للقراءة فيها\".\n(١٢) في (ط): \"آخر\". وساقطة من (غ).\n(١٣) في (م): \"صلاة فيها\".\n(١٤) ما بين المعكوفين ساقط من (ت)، ومثبت في هامشها على أنه نسخة أخرى، ونص نسخة (خ) \"للقراءة إثر صلاة الصبح بدعة\".\n(١٥) عزاه إلى مالك الإمام الطرطوشي في الحوادث والبدع (ص٣٠٠).\n(١٦) في جميع النسخ \"أن\"، وفي (ط): \"أنه\"، وبها تستقيم العبارة. وهي ساقطة من (غ) و(ر).","vol":"1","page":294},{"text":"قَالَ ابْنُ رُشْدٍ (١): مِثْلَ مَا يُصْنَعُ عِنْدَنَا إِلَى الْيَوْمِ (٢).\nفَهَذِهِ (٣) مُحْدَثَةٌ (٤) - أَعْنِي وَضْعَهُ فِي الْمَسْجِدِ - لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الْمَسْجِدِ مَشْرُوعَةٌ (٥) فِي الجملة، معمول به، إِلَّا أَنَّ تَخْصِيصَ الْمَسْجِدِ بِالْقِرَاءَةِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ هُوَ (٦) الْمُحْدَثُ.\nوَمِثْلُهُ وَضْعُ الْمَصَاحِفِ فِي زماننا للقراءة فيها (٧) يوم الجمعة وتحبيسها على ذلك القصد.\nوَأَمَّا الِاخْتِلَافُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا ظَاهِرَةَ الْمَأْخَذِ أو مشكلة، فلأن الظاهرة عِنْدَ الْإِقْدَامِ عَلَيْهَا مَحْضُ مُخَالَفَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ مشكلة فليست بمحض مخالفة، لإمكان ألا تَكُونَ بِدْعَةً، وَالْإِقْدَامُ عَلَى الْمُحْتَمَلِ أَخْفَضُ رُتْبَةً مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَى الظَّاهِرِ (٨)، وَلِذَلِكَ عَدَّ الْعُلَمَاءُ تَرْكَ الْمُتَشَابِهِ مِنْ قَبِيلِ الْمَنْدُوبِ إِلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَنَبَّهَ الْحَدِيثُ (٩) عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْمُتَشَابِهِ لِئَلَّا يَقَعَ فِي الْحَرَامِ، فَهُوَ حِمًى لَهُ، وأن من (١٠) وَاقَعَ (١١) المتشابه وَقَعَ (١٢) فِي الْحَرَامِ، وَلَيْسَ (١٣) تَرْكُ الْحَرَامِ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ قَبِيلِ الْمَنْدُوبِ، بَلْ مِنْ قَبِيلِ الْوَاجِبِ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ الْفِعْلِ الْمُشْتَبَهِ فِي الْبِدْعَةِ، فَالتَّفَاوُتُ بينهما بين.\n_________\n(١) هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي، شيخ المالكية، وقاضي الجماعة بقرطبة، كان فقيهًا عالمًا عارفًا بالفتوى، بصيرًا بأقوال أئمة المالكية، نافذًا في علم الفرائض والأصول، صنف شرح العتبية فبلغ فيه الغاية. توفي سنة ٥٢٠هـ.\nانظر: السير (١٩/ ٥٠١)، العبر (٤/ ٤٧)، شجرة النور الزكية (١/ ١٢٩).\n(٢) البيان والتحصيل (١٨/ ١٣٠).\n(٣) في (غ) و(ر): \"فهذا\".\n(٤) في (م) و(غ) و(ر): \"محدث\".\n(٥) في (م) و(خ) و(ت): \"مشروع\".\n(٦) ساقطة من (خ) و(ط).\n(٧) ساقطة من (خ) و(ت) و(ط).\n(٨) في (ت): \"الظر\".\n(٩) هو حديث النعمان بن بشير: \"الحلال بين والحرام بين .. \"، وتقدم تخريجه (ص١٩٩).\n(١٠) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(١١) في (خ) و(ط): \"راتع\"، كتب في هامش (خ): \"وإن واقع المتشابه واقع\" على أنها نسخة أخرى، وفي (ت): \"وأن قدم واقع .. \".\n(١٢) في (خ) و(ط): \"راتع\".\n(١٣) في (خ): \"وليس في ترك .. \".","vol":"1","page":295},{"text":"وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ تَرْكَ الْمُتَشَابِهِ مِنْ بَابِ الْمَنْدُوبِ، وَإِنَّ مُوَاقَعَتَهُ مِنْ بَابِ الْمَكْرُوهِ، فَالِاخْتِلَافُ أَيْضًا وَاقِعٌ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، فَإِنَّ الْإِثْمَ فِي الْمُحَرَّمَةِ هُوَ الظَّاهِرُ (١)، وَأَمَّا الْمَكْرُوهَةِ فَلَا إِثْمَ فِيهَا فِي الْجُمْلَةِ، مَا لَمْ يَقْتَرِنْ بها (٢) ما يوجبه (٣)، كَالْإِصْرَارِ عَلَيْهَا، إِذِ الْإِصْرَارُ عَلَى الصَّغِيرَةِ يُصَيِّرُهَا كَبِيرَةً، فَكَذَلِكَ الْإِصْرَارُ عَلَى الْمَكْرُوهِ فَقَدْ يُصَيِّرُهُ صَغِيرَةً، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ فِي مُطْلَقِ التَّأْثِيمِ، وَإِنْ حَصَلَ الْفَرْقُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، بِخِلَافِ الْمَكْرُوهِ مَعَ الصَّغِيرَةِ (٤).\nوَالشَّأْنُ فِي البدع - وإن كانت مكروهة - الدَّوَامِ (٥) عَلَيْهَا، وَإِظْهَارِهَا مِنَ الْمُقْتَدَى بِهِمْ فِي مَجَامِعِ النَّاسِ وَفِي الْمَسَاجِدِ، فَقَلَّمَا تَقَعُ (٦) مِنْهُمْ عَلَى أَصْلِهَا مِنَ الْكَرَاهِيَةِ إِلَّا وَيَقْتَرِنُ بِهَا مَا يُدْخِلُهَا فِي مُطْلَقِ التَّأْثِيمِ، مِنْ إِصْرَارٍ أَوْ تَعْلِيمٍ (٧) أَوْ إِشَاعَةٍ أَوْ تَعَصُّبٍ لَهَا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.\nفَلَا يَكَادُ يُوجَدُ فِي الْبِدَعِ - بِحَسَبِ الْوُقُوعِ - مَكْرُوهٌ لَا زَائِدَ فيه على الكراهية. والله أعلم.\nوَأَمَّا الِاخْتِلَافُ بِحَسَبِ الْإِصْرَارِ عَلَيْهَا أَوْ عَدَمِهِ، فَلِأَنَّ الذَّنْبَ قَدْ يَكُونُ صَغِيرًا فَيَعْظُمُ بِالْإِصْرَارِ عَلَيْهِ. كَذَلِكَ الْبِدْعَةُ تَكُونُ صَغِيرَةً فَتَعْظُمُ بِالْإِصْرَارِ (٨) عليها (٩). فإذا كانت (١٠) فلتة فَهِيَ أَهْوَنُ مِنْهَا إِذَا دَاوَمَ عَلَيْهَا. وَيَلْحَقُ بِهَذَا الْمَعْنَى إِذَا (١١) تَهَاوَنَ بِهَا الْمُبْتَدِعُ وَسَهَّلَ أَمْرَهَا، نَظِيرَ الذَّنْبِ إِذَا تَهَاوَنَ بِهِ، فَالْمُتَهَاوِنُ أعظم وزرًا من غيره.\nوَأَمَّا الِاخْتِلَافُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا كُفْرًا وَعَدَمَهُ فظاهر أيضًا؛ لأن ما هو\n_________\n(١) في (ت): \"الظر\".\n(٢) في (ر): \"لها\".\n(٣) في (خ) و(ت) و(ط): \"يوجبها\".\n(٤) سوف يتكلم المؤلف عن هذه الأحكام على وجه التفصيل في الباب السادس (٢/ ٣٦).\n(٥) في (خ) و(ت) و(ط): \"في الدوام عليها\".\n(٦) في (خ) و(ط): \"فقلما تقدم بل تقع .. \".\n(٧) في (خ) و(ط): \"وتعليم\".\n(٨) في (خ): \"بالإسرار\".\n(٩) ساقطة من (غ) و(ر).\n(١٠) في (غ): \"كان\".\n(١١) في (م): \"لا إذا\". وفي (غ): \"ما إذا\".","vol":"1","page":296},{"text":"كُفْرٌ جَزَاؤُهُ التَّخْلِيدُ فِي الْعَذَابِ - عَافَانَا اللَّهُ - وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَا لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَهُ (١)، حُكْمُ سَائِرِ الْكَبَائِرِ مَعَ الْكُفْرِ فِي الْمَعَاصِي.\nفَلَا بِدْعَةَ أَعْظَمُ وِزْرًا مِنْ بِدْعَةٍ تُخْرِجُ عَنِ الْإِسْلَامِ، كَمَا أَنَّهُ لَا ذَنْبَ أَعْظَمُ مِنْ (٢) ذَنْبٍ يُخْرِجُ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَبِدْعَةُ الْبَاطِنِيَّةِ (٣) وَالزَّنَادِقَةِ ليست كَبِدْعَةِ الْمُعْتَزِلَةِ (٤) وَالْمُرْجِئَةِ (٥) وَأَشْبَاهِهِمْ.\nوَوُجُوهُ التَّفَاوُتِ كَثِيرَةٌ، وَلِظُهُورِهَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لَمْ نَبْسُطِ الْكَلَامَ عَلَيْهَا والله المستعان بفضله (٦).\n_________\n(١) ساقطة من (خ) و(ت) و(ط).\n(٢) في (خ): \"منه من ذنب ... \".\n(٣) تقدم التعريف بهم (ص٢٨).\n(٤) تقدم التعريف بهم (ص٢٩).\n(٥) تقدم التعريف بهم (ص٢٧).\n(٦) ساقطة من (غ) و(ر).","vol":"1","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>فصل</span>\nوَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْفَصْلِ أَمْرٌ آخَرُ، وَهُوَ الْحُكْمُ فِي الْقِيَامِ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ مِنَ الْخَاصَّةِ أَوِ الْعَامَّةِ.\nوَهَذَا (١) بَابٌ كَبِيرٌ فِي الْفِقْهِ، تَعَلَّقَ بِهِمْ مِنْ جِهَةِ جِنَايَتِهِمْ عَلَى الدِّينِ، وَفَسَادِهِمْ فِي الْأَرْضِ، وَخُرُوجِهِمْ عَنْ جَادَّةِ الْإِسْلَامِ إِلَى بُنَيَّاتِ الطَّرِيقِ (٢) الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْهَا قَوْلُ الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٣). وَهُوَ فَصْلٌ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ عَلَى التَّأْثِيمِ (٤)، لَكِنَّهُ مُفْتَقِرٌ إِلَى النَّظَرِ فِي شُعَبٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا مَا تَكَلَّمَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ، وَمِنْهَا مَا (٥) لَمْ يَتَكَلَّمُوا عَلَيْهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ حَدَثَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُجْتَهِدِينَ وَأَهْلِ الْحِمَايَةِ لِلدِّينِ، فَهُوَ بَابٌ يَكْثُرُ التَّفْرِيعُ فِيهِ بِحَيْثُ يَسْتَدْعِي تَأْلِيفًا مُسْتَقِلًّا.\nفَرَأَيْنَا أَنَّ بَسْطَ ذَلِكَ يَطُولُ (٦)، مَعَ أَنَّ الْعَنَاءَ فِيهِ قَلِيلُ الْجَدْوَى فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ، لِتَكَاسُلِ الْخَاصَّةِ عَنِ النَّظَرِ فِيمَا يُصْلِحُ الْعَامَّةَ، وَغَلَبَةِ الْجَهْلِ عَلَى الْعَامَّةِ، حَتَّى إِنَّهُمْ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ، بَلْ قَدِ انْقَلَبَ الْحَالُ إِلَى أَنْ عَادَتِ (٧) السُّنَّةَ بِدْعَةً، (والبدعة سنة) (٨)، فقاموا في غير\n_________\n(١) في (غ): \"وهو\".\n(٢) في (غ) و(ر): \"الطرق\".\n(٣) سورة الأنعام: آية (١٥٣).\n(٤) وقد سبق كلام المؤلف على تأثيم المبتدع، وأن الإثم الواقع عليه ليس على درجة واحدة. (ص ٢٤٧، ٢٤٩، ٢١٥) وتوسع في (ص ٢٨٦)\n(٥) ساقطة من (ت).\n(٦) في (غ) و(ر): \"طويل\".\n(٧) في (ر): \"عدت\".\n(٨) ما بين المعكوفين ساقط من (ط).","vol":"1","page":298},{"text":"مَوْضِعِ الْقِيَامِ، وَاسْتَقَامُوا إِلَى غَيْرِ مُسْتَقَامٍ (١)، فَعَمَّ الدَّاءُ، وَعُدِمَ الْأَطِبَّاءُ، حَسْبَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ.\nفرأينا أن لانفرد هذا المعنى بباب يخصه، وأن لانبسط الْقَوْلَ فِيهِ، وَأَنْ نَقْتَصِرَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى لَمْحَةٍ تَكُونُ خَاتِمَةً لِهَذَا الْبَابِ، فِي الْإِشَارَةِ إِلَى أَنْوَاعِ الْأَحْكَامِ الَّتِي يُقَامُ عَلَيْهِمْ بِهَا (٢) فِي الْجُمْلَةِ لَا فِي التَّفْصِيلِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.\nفَنَقُولُ: إِنَّ الْقِيَامَ عَلَيْهِمْ بِالتَّثْرِيبِ أَوِ التَّنْكِيلِ أَوِ الطَّرْدِ أَوِ الْإِبْعَادِ أَوِ الْإِنْكَارِ هُوَ بِحَسَبِ حَالِ الْبِدْعَةِ فِي نَفْسِهَا، مِنْ كَوْنِهَا عَظِيمَةَ الْمَفْسَدَةِ فِي الدِّينِ أَوْ لَا (٣)، وَكَوْنِ صَاحِبِهَا مُشْتَهِرًا بِهَا أَوْ لَا، وَدَاعِيًا إِلَيْهَا أو لا، ومستظهرًا بالأتباع (أولا) (٤)، وخارجًا على (٥) النَّاسِ أَوْ لَا، وَكَوْنِهِ (٦) عَامِلًا بِهَا عَلَى جهة الجهل بها (٧) أو لا.\nوكل من (٨) هذه الأقسام له اجتهاد (٩) يَخُصُّهُ، إِذْ لَمْ يَأْتِ فِي الشَّرْعِ فِي الْبِدْعَةِ (١٠) حَدٌّ (١١) لَا يُزَادُ عَلَيْهِ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ، كَمَا جَاءَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَعَاصِي، كَالسَّرِقَةِ وَالْحِرَابَةِ وَالْقَتْلِ وَالْقَذْفِ وَالْجِرَاحِ وَالْخَمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. لَا جَرَمَ أَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ مِنَ الْأُمَّةِ نَظَرُوا فِيهَا بِحَسَبِ النَّوَازِلِ، وَحَكَمُوا بِاجْتِهَادِ الرَّأْيِ، تَفْرِيعًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَهُمْ فِي بَعْضِهَا مِنَ النَّصِّ، كَمَا جَاءَ فِي الْخَوَارِجِ (١٢) مِنَ الأمر (١٣) بِقَتْلِهِمْ (١٤)، وَمَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"واستناموا في غير مستنام\".\n(٢) في (غ): \"بها عليهم\".\n(٣) في (خ) و(ط): \"أم لا\".\n(٤) ما بين المعكوفين ساقط من (خ) و(ط).\n(٥) في (خ) و(ط): \"عن\".\n(٦) في (غ): \"وكون\".\n(٧) ساقطة من (ط).\n(٨) ساقطة من (م) و(غ) وكتبت في (ت) فوق السطر.\n(٩) في (خ) و(ط): \"له حكم اجتهادي\".\n(١٠) في (ر): \"للبدع\".\n(١١) عبارة (غ): \"إذا لم يأت في الشرع للبدعة حد\".\n(١٢) تقدم التعريف بهم (ص١١).\n(١٣) في (خ) و(ط): \"الأثر\".\n(١٤) والأحاديث في هذا كثيرة، ومنها حديث علي ﵁: \" .. فإذا لقيتموهم=","vol":"1","page":299},{"text":"﵁ فِي صَبِيغٍ الْعِرَاقِيِّ (١).\nفَخَرَجَ مِنْ مَجْمُوعِ مَا تَكَلَّمَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ أَنْوَاعٌ:\nأَحَدُهَا: الْإِرْشَادُ وَالتَّعْلِيمُ وَإِقَامَةُ الْحُجَّةِ، كَمَسْأَلَةِ ابْنِ عباس ﵄ حِينَ ذَهَبَ إِلَى الْخَوَارِجِ فَكَلَّمَهُمْ حَتَّى رَجَعَ مِنْهُمْ أَلْفَانِ أَوْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ (٢)، (وَمَسْأَلَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَعَ غَيْلَانَ (٣)، وَشِبْهُ ذَلِكَ) (٤).\nوَالثَّانِي: الْهُجْرَانُ، وَتَرْكُ الْكَلَامِ وَالسَّلَامِ، حَسْبَمَا تَقَدَّمَ عَنْ جُمْلَةٍ مِنَ السَّلَفِ فِي هُجْرَانِهِمْ لِمَنْ تَلَبَّسَ بِبِدْعَةٍ، وَمَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ ﵁ في (٥) قصة صبيغ العراقي (٦).\nوالثالث: التغريب (٧) كما غرب عمر (بن الخطاب) (٨) صَبِيغًا، وَيَجْرِي مَجْرَاهُ السَّجْنُ وَهُوَ:\nالرَّابِعُ: كَمَا سجنوا الحلاج (٩) قبل قتله سنين عدة (١٠).\n_________\n=فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة\". رواه مسلم (٧/ ١٦٩ مع النووي).\n(١) في (غ): \"الغراقي\"، وتقدمت ترجمته (ص١٤٣). وانظر قصته وتخريجها في نفس الموضع.\n(٢) تقدمت الإشارة إلى هذه المناظرة (ص٢٣٦)، وقد بينت مواضع ذكرها هناك.\n(٣) تقدمت هذه المناظرة (ص١٠٢)، وقد روى ابن سعد عن عمر بن عبد العزيز ﵀ أنه كان يأمر عامله بدعوة الخوارج إلى الكتاب والسنة قبل قتالهم. انظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٣٥٧ - ٣٥٨).\n(٤) ما بين المعكوفين ساقط من (خ) و(ط).\n(٥) في (خ) و(ط): \"من\".\n(٦) ساقطة من (م) و(غ).\n(٧) أثبتها من (غ) و(ر)، وهي ساقطة من بقية النسخ.\n(٨) ساقط من (خ) و(ط).\n(٩) هو الحسين بن منصور بن محمى الفارسي البيضاوي الصوفي، الزنديق، تبرأ منه سائر الصوفية والمشايخ والعلماء من سوء سيرته ومروقه، ومنهم من نسبه إلى الحلول، ومنهم من نسبه إلى الزندقة وإلى الشعبذة، وقد تستر به طائفة من ذوي الضلال والانحلال، وانتحلوه، وروجوا به على الجهال، وقد أفتى العلماء بقتله فقتل سنة ٣١١هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣١٣)، البداية والنهاية (١١/ ١٤١)، مجموع الفتاوى (٣٥/ ١١٠، ١١٩).\n(١٠) في (خ) و(ط): \"عديدة\"، وقد روى ابن سعد في الطبقات عن عمر بن عبد العزيز أنه=","vol":"1","page":300},{"text":"والخامس (١): ذِكْرُهُمْ بِمَا (٢) هُمْ عَلَيْهِ، وَإِشَاعَةُ بِدْعَتِهِمْ كَيْ يحذروا لئلا (٣) يُغْتَرَّ بِكَلَامِهِمْ، كَمَا جَاءَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السلف في ذلك (٤).\nوالسادس: القتال إِذَا نَاصَبُوا الْمُسْلِمِينَ، وَخَرَجُوا عَلَيْهِمْ، كَمَا قَاتَلَ عَلِيٌّ ﵁ الْخَوَارِجَ وَغَيْرُهُ مِنْ خلفاء السنة.\nوالسابع: القتل إن لم يرجعوا مع الاستتابة، في من (٥) أَظْهَرَ بِدْعَتَهُ، وَأَمَّا مَنْ أَسَرَّهَا، وَكَانَتْ (٦) كُفْرًا أَوْ مَا يَرْجِعُ (٧) إِلَيْهِ، فَالْقَتْلُ بِلَا اسْتِتَابَةٍ (٨) وهو:\nالثامن: لأنه من باب النفاق كالزندقة (٩).\nوالتاسع: تَكْفِيرُ (١٠) مَنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى كُفْرِهِ، كَمَا إِذَا كَانَتِ الْبِدْعَةُ صَرِيحَةً فِي الْكُفْرِ، كَالْإِبَاحِيَّةِ (١١)، والقائلين بالحلول\n_________\n=كتب إلى أحد ولاته: \"ومن أخذت من أسراء الخوارج فاحبسه حتى يحدث خيرًا\". قال الراوي: \"فلقد مات عمر بن عبد العزيز وفي حبسه منهم عدة\".\nانظر الطبقات (٥/ ٣٥٨).\n(١) في (م) و(ت): \"الخامس\" بدون الواو.\n(٢) في (غ) و(ر): \"ما\".\n(٣) في (خ) و(ط): \"ولئلا\".\n(٤) ومن ذلك ما روى اللالكائي عن الحسن أنه قال: \"ليس لصاحب بدعة ولا لفاسق يعلن بفسقه غيبة\". شرح أصول الاعتقاد (١/ ١٤٠)، وروى اللالكائي أيضًا عن عاصم الأحول أنه قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى قَتَادَةَ فَذَكَرَ عَمْرَو بْنَ عبيد، فوقع فيه، فقلت: لا أَرَى الْعُلَمَاءَ يَقَعُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، فَقَالَ: \"يا أحول، أو لا تدري أن الرجل إذا ابتدع فينبغي أن يذكر حتى يحذر .. \".\nانظر: ميزان الاعتدال للذهبي (٣/ ٢٧٣)، شرح أصول الاعتقاد لللالكائي مع بعض الاختلاف اللفظي (٤/ ٧٤٨).\n(٥) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"وهو قد\".\n(٦) في (ت): \"أو كانت\".\n(٧) في (ت): \"ترجع\".\n(٨) في (خ): \"فالقتل بالاستتابة\".\n(٩) في (خ) و(ط) و(غ): \"كالزنادقة\".\n(١٠) في (خ) و(غ): \"الحكم بكفر\".\n(١١) في (غ): \"لا كالإباحية\"، قال البغدادي في الفرق بين الفرق عن أصحاب الإباحة من الخرمية: \"فهؤلاء صنفان، صنف منهم كانوا قبل دولة الإسلام كالمزدكية الذين استباحوا المحرمات وزعموا أن الناس شركاء في الأموال والنساء، والصنف الثاني الخرمدينية، ظهروا في دولة الإسلام، وهم فريقان بابكية ومازيارية، وكلتاهما معروفة=","vol":"1","page":301},{"text":"كالباطنية (١)، أو كانت المسألة من (٢) بَابِ التَّكْفِيرِ بِالْمَآلِ (٣)، فَذَهَبَ الْمُجْتَهِدُ إِلَى التَّكْفِيرِ، كَابْنِ الطَّيِّبِ (٤) فِي تَكْفِيرِهِ جُمْلَةً مِنَ الْفِرَقِ. وينبني (٥) عَلَى ذَلِكَ:\n(الْوَجْهُ الْعَاشِرُ) (٦): وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَرِثُهُمْ وَرَثَتُهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَرِثُونَ أَحَدًا منهم، ولا يغسلون إذا ماتوا، ولا يصلى عَلَيْهِمْ، وَلَا يُدْفَنُونَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، مَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَتِرًا (٧)، فَإِنَّ الْمُسْتَتِرَ يُحْكَمُ لَهُ بحكم الظاهر (٨)، وورثته أعرف به (٩) بالنسبة إلى الميراث.\nوالحادي عَشَرَ: الْأَمْرُ بِأَنْ لَا يُنَاكَحُوا، وَهُوَ مِنْ ناحية الهجران، وعدم المواصلة.\nوالثاني عَشَرَ: تَجْرِيحُهُمْ عَلَى الْجُمْلَةِ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ (١٠)، ولا\n_________\n=بالمحمرة، فالبابكية منهم أتباع بابك الخرمي الذي ظهر بأذربيجان .. واستباح المحرمات، وقتل الكثير من المسلمين .. حتى صلبه المعتصم، وأما مازيار فظهر بجرجان ..، وعظمت فتنته، وصلبه أيضًا المعتصم.\nانظر: الفرق بين الفرق (ص٢٠١ - ٢٠٢).\n(١) تقدم التعريف بهم (ص٢٨).\n(٢) في (ط): \"في\".\n(٣) يريد المؤلف والله أعلم التكفير بلازم القول، وقد ذكر ﵀ في الباب التاسع أَنَّ مَذْهَبَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ: أَنَّ الكفر بالمآل ليس بكفر في الحال.\nانظر: الباب التاسع (٢/ ١٩٧).\n(٤) هو القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد البغدادي ابن الباقلاني، أوحد المتكلمين، ومقدم الأصوليين، صاحب التصانيف، كان يضرب به المثل في ذكائه صنف في الرد على الرافضة والمعتزلة والخوارج وغيرهم، وقد انتصر لطريقه أبي الحسن الأشعري، وقد يخالفه. توفي سنة ٤٠٣هـ.\nانظر: السير (١٧/ ١٩٠)، تاريخ بغداد (٥/ ٣٧٩)، ترتيب المدارك (٤/ ٥٨٥).\n(٥) في (غ): \"فينبني\".\n(٦) ما بين المعكوفين بياض في (ت).\n(٧) في (خ) و(ت) و(ط): \"المستتر\"، وفي (غ) و(ر): \"ما خلا المستسر\".\n(٨) في (ت): \"الظر\".\n(٩) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(١٠) والمسألة ليست محل اتفاق، وقد يختلف الحكم بالنسبة للداعي للبدعة وغيره.\nانظر: المغني لابن قدامة (ص١٦٥ - ١٦٦)، الطرق الحكمية لابن القيم (ص١٧٣ - ١٧٥).","vol":"1","page":302},{"text":"روايتهم (١)، ولا يكونون ولاة (٢) وَلَا قُضَاةً، وَلَا يُنَصَّبُونَ فِي مَنَاصِبِ الْعَدَالَةِ مِنْ إِمَامَةٍ أَوْ خَطَابَةٍ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْ جُمْلَةٍ مِنَ السَّلَفِ رِوَايَةُ جَمَاعَةٍ منهم، واختلفوا في الصلاة (خلف أهل البدع بالجواز والكراهة والمنع، ومنهم من جعل ترك الصَّلَاةِ) (٣) خَلْفَهُمْ مِنْ بَابِ الْأَدَبِ لِيَرْجِعُوا عَمَّا هم عليه.\n_________\n(١) وفي المسألة خلاف، فمن العلماء من يرى رد رواية المبتدع مطلقًا كالإمام مالك ﵀، ومنهم من يرى رد رواية المبتدع الداعي إلى بدعته، أو من كانت بدعته مكفرة، أو روايته مؤيدة لبدعته .. إلخ، وهو قول الإمام أحمد وأكثر أهل العلم، ويرى الإمام الشافعي وغيره قبول رواية أهل الأهواء الذين لا يعرف منهم استحلال الكذب، ولا يشهدون لمن وافقهم، إلا الخطابية فلا يروي عنهم.\nانظر: المسألة في الكفاية في علم الرواية للخطيب (ص١٢١)، فتح المغيث (١/ ٣٢٧)، قواعد التحديث للقاسمي (ص١٩٢ - ١٩٣). رسالة \"البدعة وأثرها في الدراية والرواية\" للشيخ عائض القرني.\n(٢) في (م) و(ت) و(غ) و(ر): \"والين\".\n(٣) ما بين المعكوفين ساقط من (م) و(خ) و(ت) و(ط)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأما الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع، وخلف أهل الفجور، ففيه نزاع مشهور، وتفصيل ليس هذا موضع بسطه، لكن أوسط الأقوال في هؤلاء أن تقديم الواحد من هؤلاء في الإمامة لا يجوز مع القدرة على غيره، فإن من كان مظهرًا للفجور أو البدع يجب الإنكار عليه ونهيه عن ذلك، وأقل مراتب الإنكار هجره لينتهي عن فجوره وبدعته، ولهذا فرق جمهور الأئمة بين الداعية وغير الداعية، فإن الداعية أظهر المنكر فاستحق الإنكار عليه، بخلاف الساكت فإنه بمنزلة من أسر بالذنب، فهذا لا ينكر عليه في الظاهر ...، فإذا كان داعية منع من ولايته وإمامته وشهادته وروايته، لما في ذلك من النهى عن المنكر لا لأجل فساد الصلاة أو اتهامه في شهادته وروايته، فإذا أمكن لإنسان ألا يقدم مظهرًا للمنكر في الإمامة وجب ذلك. لكن إذا ولاه غيره ولم يمكنه صرفه عن الإمامة، أو كان هو لا يتمكن من صرفه إلا بشر أعظم ضررًا من ضرر ما أظهره من المنكر، فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين بتحصيل أعظم الضررين ..، فإذا لم يمكن منع المظهر للبدعة والفجور إلا بضرر زائد على ضرر إمامته، لم يجز ذلك، بل يصلي خلفه ما يمكنه فعلها إلا خلفه، كالجمع والأعياد والجماعة إذا لم يكن هناك إمام غيره، ولهذا كان الصحابة يصلون خلف الحجاج والمختار بن أبي عبيد الثقفي وغيرهما الجمعة والجماعة .. \".\nانظر: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٣/ ٣٤٢ - ٣٤٣)، شرح العقيدة الطحاوية (ص٣٧٣ - ٣٧٧).","vol":"1","page":303},{"text":"والثالث عَشَرَ: تَرْكُ عِيَادَةِ مَرْضَاهُمْ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الزجر والعقوبة.\nوالرابع عشر: ترك شهود جنائزهم كذلك.\nوالخامس عَشَرَ: الضَّرْبُ، كَمَا ضَرَبَ عُمَرُ ﵁ صَبِيغًا.\nوَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ﵁ فِي الْقَائِلِ بِالْمَخْلُوقِ (١): (أَنَّهُ يُوجَعُ ضَرْبًا، ويسجن حتى يتوب (٢» (٣).\nوَرَأَيْتُ فِي بَعْضِ تَوَارِيخِ بَغْدَادَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أنه قال: (حكمي (٤) فِي أَصْحَابِ الْكَلَامِ أَنْ يُضْرَبُوا بِالْجَرَائِدِ، وَيُحْمَلُوا عَلَى الْإِبِلِ، وَيُطَافَ بِهِمْ فِي الْعَشَائِرِ وَالْقَبَائِلِ، وَيُقَالَ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وأخذ في الكلام) (٥)، يعني أهل البدع.\n_________\n(١) أي بخلق القرآن.\n(٢) في (خ) و(ط): \"يموت\".\n(٣) روى نحوه عن مالك الإمام اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٢/ ٣١٤ - ٣١٥)، قال مالك في القائل بخلق القرآن: \"زنديق فاقتلوه\". ترتيب المدارك (١/ ١٧٤).\n(٤) في (ت) و(ط): \"حكم\".\n(٥) رواه عن الإمام الشافعي الإمام أبو نعيم في الحلية (٩/ ١١٦)، وابن عبد البر في الانتقاء (ص٨٠)، والبيهقي في مناقب الشافعي (١/ ٤٦٢)، وذكره ابن الجوزي في تلبيس إبليس (ص١٠٢)، والبغوي في شرح السنة (١/ ٢١٨).","vol":"1","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>فصل </span>(١)\nفَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ هَذَا؟ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الشَّرِيعَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَخْصِيصِ تِلْكَ الْعُمُومَاتِ، وَتَقْيِيدِ تِلْكَ الْمُطْلَقَاتِ، وَفَرَّعَ الْعُلَمَاءُ مِنْهَا كَثِيرًا مِنَ الْمَسَائِلِ، وَأَصَّلُوا مِنْهَا أُصُولًا يُحْتَذَى حَذْوُهَا، عَلَى وَفْقِ مَا ثَبَتَ نَقْلُهُ، إِذِ الظَّوَاهِرُ تَخْرُجُ عَلَى (٢) مُقْتَضَى ظُهُورِهَا بِالِاجْتِهَادِ، وَبِالْحَرِيِّ إِنْ كَانَ مَا يُسْتَنْبَطُ بِالِاجْتِهَادِ مَقِيسًا عَلَى مَحَلِّ التَّخْصِيصِ، فَلِذَلِكَ قَسَّمَ النَّاسُ الْبِدَعَ، وَلَمْ يَقُولُوا بِذَمِّهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ.\nوَحَاصِلُ مَا ذَكَرُوا مِنْ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى أَوْجُهٍ:\nأَحَدُهَا: مَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: \"مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا\" (٣).\nوَخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ\n_________\n(١) يذكر المؤلف في هذا الفصل القول بانقسام البدعة إلى حسنة وقبيحة، وحجة هذا القول، ثم يشرع في الرد عليه من ص٣٣٩ إلى نهاية الفصل.\n(٢) في (غ) و(ر): \"عن\".\n(٣) رواه الإمام مسلم في كتاب الزكاة من صحيحه، باب الحث على الصدقة، عن المنذر بن جرير عن أبيه، وله قصة (٧/ ١٠٢ - ١٠٤)، وفي كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة، عن جرير بن عبد الله (١٦/ ٢٢٥ - ٢٢٦)، ورواه الإمام ابن ماجه في المقدمة من سننه، باب من سن سنة حسنة أو سيئة عنه برقم (٢٠٧) (١/ ٧٤)، والإمام أحمد في المسند (٤/ ٣٥٧ - ٣٥٩).","vol":"1","page":305},{"text":"فله مثل (١) أَجْرُ فَاعِلِهِ\" (٢).\nوَخَرَّجَ أَيْضًا عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَنْ سَنَّ سُنَّةَ خَيْرٍ فَاتُّبِعَ عَلَيْهَا فَلَهُ أَجْرُهُ وَمِثْلُ أُجُورِ (٣) مَنِ اتبعه غير منقوص (٤) من أجورهم شيئا، ومن سَنَّ سُنَّةَ شَرٍّ فَاتُّبِعَ عَلَيْهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهُ (٥) وَمِثْلُ أَوْزَارِ مَنِ اتَّبَعَهُ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (٦) مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا\" حَسَنٌ صَحِيحٌ (٧).\nفَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ صَرِيحَةٌ فِي (٨) أَنَّ مَنْ سَنَّ سُنَّةَ خَيْرٍ فَذَلِكَ خَيْرٌ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ فِيمَنِ ابْتَدَعَ قوله (٩): \"مَنْ سَنَّ\"، فَنُسِبَ الِاسْتِنَانُ إِلَى الْمُكَلَّفِ دُونَ الشَّارِعِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ: مَنْ عَمِلَ سُنَّةً ثَابِتَةً فِي الشَّرْعِ، لَمَا قَالَ: \"مَنْ سَنَّ\"، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: \"مَا مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، لأنه (١٠) أول من سن القتل\" (١١). \"فسن\" هاهنا على حقيقته (١٢)، لأنه اختراع (١٣) لَمْ يَكُنْ قَبْلُ مَعْمُولًا بِهِ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ وُجُودِ آدَمَ ﵇.\nفَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: \"مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً\" أَيْ مَنِ اخْتَرَعَهَا مِنْ نَفْسِهِ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ حَسَنَةً، فَلَهُ مِنَ الْأَجْرِ مَا ذُكِرَ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ مَنْ عَمِلَ سُنَّةً ثَابِتَةً، وَإِنَّمَا الْعِبَارَةُ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى أَنْ يُقَالَ: مَنْ عَمِلَ بِسُنَّتِي أو بسنة (١٤) من سنتي، وما أشبه (١٥) ذلك.\n_________\n(١) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(٢) رواه الإمام مسلم في كتاب الإمارة من صحيحه، باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب، عن أبي مسعود البدري (١٣/ ٣٨، ٣٩)، والإمام الترمذي في كتاب العلم من سننه، باب ما جاء الدال على الخير كفاعله برقم (٢٦٧١)، (٥/ ٤٠)، والإمام أبو داود في كتاب الأدب من سننه، باب في الدال على الخير برقم (٥١٢٩)، (٤/ ٣٣٦)، والإمام أحمد في المسند (٤/ ١٢٠).\n(٣) في (غ): \"فله أجره وأجر من اتبعه\".\n(٤) في (خ): \"منقص\".\n(٥) في (خ) و(ط): \"وزرها\"، والمثبت هو الموافق للرواية.\n(٦) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"منقص\".\n(٧) تقدم تخريج الحديث (ص١١٨).\n(٨) ساقطة من (م) و(ت) و(غ) و(ر) و(ط).\n(٩) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(١٠) في (غ): \"ذلك لأنه\".\n(١١) تقدم تخريج الحديث (ص٢٣).\n(١٢) في (خ) و(ط): \"حقيقة\".\n(١٣) في (ط): \"اخترع\".\n(١٤) في (خ) و(ط): \"سنة\".\n(١٥) في (غ): \"أما أشبه\".","vol":"1","page":306},{"text":"كَمَا خَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِبِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ (١): \"اعْلَمْ\" قال: [ما] (٢) أَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"اعْلَمْ يَا بلال\" قال: [ما] أَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: \"إِنَّهُ مَنْ أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي، فَإِنَّ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ مَنْ عَمِلَ بها، من غير أن ينقص (٣) مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً ضَلَالَةً، لَا تُرْضِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ، كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ آثَامِ (٤) مَنْ عَمِلَ بِهَا، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ من أوزار (٥) النَّاسِ شَيْئًا\" حَدِيثٌ حَسَنٌ (٦).\nوَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"يَا بُنَيَّ، إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ لَيْسَ فِي قَلْبِكَ غِشٌّ لِأَحَدٍ فَافْعَلْ\" ثُمَّ قَالَ لِي: \"يَا بُنَيَّ، وَذَلِكَ مِنْ سُنَّتِي، وَمَنْ أَحْيَا سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ\". حَدِيثٌ حَسَنٌ (٧).\nفَقَوْلُهُ: \"مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي\" وَاضِحٌ فِي الْعَمَلِ بِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: \"مَنْ أَحْيَا سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي\" ظَاهِرٌ فِي السُّنَنِ الثَّابِتَةِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: مَنْ سَنَّ كَذَا، فإنه ظاهر فِي الِاخْتِرَاعِ أَوَّلًا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا فِي السُّنَّةِ.\nوَأَمَّا قَوْلُهُ لِبِلَالِ بْنِ الحارث: \"ومن ابتدع بدعة ضلالة\"، فظاهر في (٨) أَنَّ (٩) الْبِدْعَةَ لَا تُذَمُّ بِإِطْلَاقٍ، بَلْ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ ضَلَالَةً، وَأَنْ تَكُونَ لَا يَرْضَاهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ.\nفَاقْتَضَى (هَذَا كُلُّهُ) (١٠) أَنَّ الْبِدْعَةَ إِذَا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَلْحَقْهَا ذَمٌّ،\n_________\n(١) هو بلال بن الحارث بن عصم بن سعيد المزني، من أهل المدينة، أقطعه النبي ﷺ العقيق، وكان صاحب لواء مزينة يوم الفتح، أحاديثه في السنن وغيرها، مات سنة ٦٠هـ.\nانظر: الإصابة لابن حجر (١/ ١٧٠)، أسد الغابة لابن الأثير (١/ ٢٤٢).\n(٢) ما بين المعكوفين من سنن الترمذي.\n(٣) في (خ) و(ط): \"ينقص ذلك\".\n(٤) في (خ) و(ط): \"إثم\".\n(٥) في (خ) و(ط): \"آثام\"، والمثبت هو الموافق للرواية.\n(٦) تقدم تخريجه (ص٣٣).\n(٧) تقدم تخريج الحديث (ص٣٤).\n(٨) زيادة في (م).\n(٩) في (غ): \"بأن\".\n(١٠) ما بين المعكوفين ساقط من (م) و(ت) و(غ).","vol":"1","page":307},{"text":"وَلَا تَبِعَ صَاحِبَهَا وِزْرٌ، فَعَادَتْ إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ حَسَنَةٌ، وَدَخَلَتْ تَحْتَ الْوَعْدِ بِالْأَجْرِ.\nوَالثَّانِي (١): أَنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ ﵃ وَأَعْلَاهُمُ الصَّحَابَةُ - قَدْ عَمِلُوا بِمَا لَمْ يَأْتِ بِهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ، مِمَّا رَأَوْهُ حَسَنًا، وَأَجْمَعُوا عَلَيْهِ، وَلَا تَجْتَمِعُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَإِنَّمَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى هُدًى (٢) وَمَا هُوَ حَسَنٌ.\nفَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى جَمْعِ الْقُرْآنِ وكَتْبه فِي الْمَصَاحِفِ، وَعَلَى جَمْعِ النَّاسِ عَلَى الْمَصَاحِفِ الْعُثْمَانِيَّةِ، وَاطِّرَاحِ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْقِرَاءَاتِ الَّتِي كَانَتْ مُسْتَعْمَلَةً فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولم يكن في ذلك (٣) نص ولا حظر (٤)، ثُمَّ اقْتَفَى النَّاسُ أَثَرَهُمْ فِي ذَلِكَ الرَّأْيِ الحسن، فجمعوا العلم، ودونوه، وكتبوه، ومن سباقهم في ذلك مالك بن أنس ﵁، وَقَدْ كَانَ مِنْ أَشَدِّهِمُ اتِّبَاعًا، وَأَبْعَدِهِمْ مِنَ الابتداع.\nهذا وإن كانوا (٥) قَدْ نُقِلَ عَنْهُمْ كَرَاهِيَةُ كَتْبِ الْعِلْمِ مِنَ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّمَا هُوَ مَحْمُولٌ: إِمَّا عَلَى الخوف من الاتكال على الكتب استغناء به عَنِ الْحِفْظِ وَالتَّحْصِيلِ، وَإِمَّا عَلَى مَا كَانَ رَأْيًا دُونَ مَا كَانَ نَقْلًا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ ثُمَّ اتَّفَقَ النَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى تَدْوِينِ الْجَمِيعِ لَمَّا ضَعُفَ الْأَمْرُ، وَقَلَّ الْمُجْتَهِدُونَ فِي التَّحْصِيلِ، فَخَافُوا عَلَى الدِّينِ الدُّرُوسَ (٦) جُمْلَةً.\nقَالَ اللَّخْمِيُّ (٧) - لَمَّا ذُكِرَ كَلَامُ مَالِكٍ وغيره في كراهية بيع كتب العلم\n_________\n(١) أي الوجه الثاني في احتجاج من يقسم البدعة إلى حسنة وقبيحة.\n(٢) في (خ) و(ط): \"هذا\".\n(٣) في (م) و(ت) و(غ): \"ولم يكن إذ ذاك\".\n(٤) في (م) و(ت) و(غ) \"حصر\" بالصاد، وفي (خ): \"حضر\" بالضاد، والناسخ يجعل الظاء ضادًا، وما في (م) و(ت) لعله مثل (خ) إلا أن النقطة لم تكتب.\n(٥) في (خ) و(ط): \"كان\".\n(٦) ساقطة من (خ) و(ط).\n(٧) هو علي بن محمد الربعي، المعروف باللخمي القيرواني، رئيس الفقهاء في وقته، له تعليق على المدونة سماه التبصرة، مشهور معتمد في المذهب. توفي سنة ٤٧٨هـ انظر شجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ١١٧).","vol":"1","page":308},{"text":"وَالْإِجَارَةِ عَلَى تَعْلِيمِهِ، وَخَرَّجَ عَلَيْهِ الْإِجَارَةَ عَلَى كتبه، وحكى الخلاف - قال (١): (ولا (٢) أرى أن يختلف اليوم (٣) فِي ذَلِكَ أَنَّهُ جَائِزٌ، لِأَنَّ حِفْظَ النَّاسِ وَأَفْهَامَهُمْ قَدْ نَقَصَتْ، وَقَدْ كَانَ كَثِيرٌ مِمَّنْ تَقَدَّمَ لَيْسَتْ لَهُمْ كُتُبٌ\".\nقَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَاسِمِ (٤) وَلَا لِسَعِيدٍ (٥) كُتُبٌ، وَمَا كُنْتُ أقرأ العلم (٦) عَلَى أَحَدٍ يَكْتُبُ (٧) فِي هَذِهِ الْأَلْوَاحِ، وَلَقَدْ قُلْتُ لِابْنِ شِهَابٍ (٨): (أَكُنْتَ تَكْتُبُ الْعِلْمَ؟)، فَقَالَ: (لا)، فقلت: (أكنت تسألهم (٩) أن يعيدوا (١٠) عَلَيْكَ الْحَدِيثَ؟) فَقَالَ: (لَا) (١١).\nفَهَذَا كَانَ شَأْنُ الناس، فلو سار (١٢) الناس اليوم (١٣) بسيرتهم (١٤)، لضاع العلم (١٥)، ولم يكن يبقى (١٦) منه رسمه (١٧)، وهذا الناس اليوم يقرأون كُتُبَهُمْ، ثُمَّ هُمْ فِي التَّقْصِيرِ عَلَى مَا هم عليه.\n_________\n(١) في (خ) و(ت) و(ط): \"وقال\".\n(٢) في (خ) و(ط): \"لا\" بدون واو.\n(٣) العبارة في (خ) و(ط): \"ولا أرى اليوم أن يختلف\".\n(٤) هو القاسم بن محمد، وقد تقدمت ترجمته (ص٢٠١).\n(٥) هو سعيد بن المسيب، وقد تقدمت ترجمته (ص٢٠١).\n(٦) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(٧) في (غ): \"ولا يكتب\".\n(٨) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، أبو بكر القرشي الزهري حافظ زمانه، وكان فقيهًا حافظًا، متفق على جلالته وإتقانه، وكان أعلم أهل المدينة. توفي سنة ١٢٥هـ.\nانظر: التاريخ الكبير للبخاري (١/ ٢٢٠)، السير (٥/ ٣٢٦)، التقريب (٢/ ٢٠٧)، الكاشف (٣/ ٨٥).\n(٩) في (خ) و(ت) و(ط): \"تحب\"، وساقطة من (م).\n(١٠) في (م) و(ت): \"يقيدوا\"، وفي (خ) و(ط): \"القيدوا\".\n(١١) ذكر ابن عبد البر عن مالك أنه قال: (لم يكن مع ابن شهاب كتاب إلا كتاب فيه نسب قومه، قال: ولم يكن القوم يكتبون، إنما كانوا يحفظون). انظر جامع بيان العلم (١/ ٦٤).\n(١٢) في (م) و(خ) و(ت): \"صار\".\n(١٣) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(١٤) في (خ) و(ط): \"سيرتهم\"، وفي (م) و(ت): \"لسيرتهم\".\n(١٥) كتبت في (ت) فوق السطر.\n(١٦) ساقطة من (خ) و(ط).\n(١٧) نص العبارة في (خ) و(ط): \"ولم يكن بينا منه ولو رسمه أو اسمه\".","vol":"1","page":309},{"text":"وأيضًا فإنه لا خلاف عندنا في مسائر الْفُرُوعِ أَنَّ الْقَوْلَ فِيهَا بِالِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاسِ وَاجِبٌ، وإذا كان كذلك كان إهمال كتابة (١) كُتُبِهَا (٢) وَبَيْعِهَا يُؤَدِّي إِلَى التَّقْصِيرِ فِي الِاجْتِهَادِ، وَأَنْ لَا يُوضَعَ مَوَاضِعَهُ، لِأَنَّ فِي (٣) مَعْرِفَةِ أَقْوَالِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالتَّرْجِيحِ بَيْنَ أَقَاوِيلِهِمْ قُوَّةً وَزِيَادَةٌ فِي وَضْعِ الِاجْتِهَادِ مَوَاضِعَهُ) (٤).\nانْتَهَى مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ. وَفِيهِ إِجَازَةُ الْعَمَلِ بِمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَنْ تَقَدَّمَ، لِأَنَّ لَهُ وَجْهًا صَحِيحًا.\nفَكَذَلِكَ نَقُولُ: كُلُّ مَا كَانَ مِنَ الْمُحْدَثَاتِ لَهُ وَجْهٌ صَحِيحٌ فَلَيْسَ بِمَذْمُومٍ، بَلْ هُوَ مَحْمُودٌ، وَصَاحِبُهُ الَّذِي سَنَّهُ مَمْدُوحٌ، فَأَيْنَ ذَمُّهَا بِإِطْلَاقٍ، أَوْ عَلَى الْعُمُومِ؟!\nوَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁: (تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنَ الْفُجُورِ) (٥).\nفَأَجَازَ - كَمَا تَرَى - إِحْدَاثَ الْأَقْضِيَةِ وَاخْتِرَاعَهَا عَلَى قَدْرِ اخْتِرَاعِ الْفُجَّارِ لِلْفُجُورِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لتلك المحدثات أصل.\n(ومن ذلك تضمين الصناع (٦)، وهو محكي عن الخلفاء ﵃) (٧)، وَقَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵃ (٨).\nوَأَخَذَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ بِقَوْلِ الْمَيِّتِ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ، وَلَمْ يَأْتِ لَهُ فِي\n_________\n(١) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(٢) في (م): \"كتبه كتبها\".\n(٣) ساقطة من (غ).\n(٤) كتاب التبصرة للخمي غير مطبوع، ولا أعلم له كتابًا آخر مطبوعًا.\n(٥) سيأتي تضعيف المؤلف لهذا القول (ص٣٤٩).\n(٦) سيتكلم المؤلف عن هذه المسألة في الباب الثامن، حيث جعلها مثالًا من أمثلة المصالح المرسلة (٢/ ١١٩).\n(٧) ما بين المعكوفين ساقط من (خ) و(ط).\n(٨) سيذكر المؤلف هذه المسألة كمثال للمصالح المرسلة، انظر الباب الثامن (٢/ ١٢٥).","vol":"1","page":310},{"text":"الموطأ بأصل سماعي، وإنما علل بأمر مصلحي (١)، وَفِي مَذْهَبِهِ مِنْ ذَلِكَ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ (٢).\nفَإِنْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا، مَعَ أَنَّهُ مُخْتَرَعٌ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ مِثْلُهُ وَقَدِ اجْتَمَعَا فِي الْعِلَّةِ؟ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مَصَالِحُ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ جَائِزًا، فَلِمَ اجْتَمَعُوا عَلَى جُمْلَةٍ مِنْهَا (٣)، وَفَرَّعَ غَيْرُهُمْ عَلَى بَعْضِهَا (٤)؟ وَلَا يَبْقَى إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمْ يتابعون على ما عمل به (٥) هؤلاء منها (٦) دُونَ غَيْرِهِ (٧)، وَإِنِ اجْتَمَعَا فِي الْعِلَّةِ الْمُسَوِّغَةِ لِلْقِيَاسِ. وَعِنْدَ ذَلِكَ يَصِيرُ الِاقْتِصَارُ تَحَكُّمًا، وَهُوَ بَاطِلٌ، فَمَا أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ، فَثَبَتَ أَنَّ الْبِدَعَ تَنْقَسِمُ (٨).\n\"فَالْجَوَابُ\" وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ أَنْ نَقُولَ:\nأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّ (٩) قَوْلَهُ ﷺ: \"مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً\" الْحَدِيثَ، ليس الْمُرَادُ بِهِ الِاخْتِرَاعَ أَلْبَتَّةَ، وَإِلَّا لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ، إِنْ زَعَمَ مُورِدُ السُّؤَالِ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الدَّلِيلِ مَقْطُوعٌ بِهِ، فَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَظْنُونٌ فَمَا تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَمِّ الْبِدَعِ مَقْطُوعٌ به، فيلزم منه (١٠) التَّعَارُضُ بَيْنَ الْقَطْعِيِّ وَالظَّنِّيِّ، وَالِاتِّفَاقُ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ (أن لا تعارض بينهما لسقوط الظني وعدم اعتباره، فلم يبق إلا أن يقال إنه من قبيل العام والخاص، ولا تعارض بينهما عند المحققين) (١١) ولكن لا دليل (١٢) فيه من وجهين:\n_________\n(١) أثبته من (غ) و(ر)، وفي بقية النسخ: \"مصطلحي\".\n(٢) في (ت): \"كثرة\".\n(٣) ساقطة من (خ) و(ط).\n(٤) نص العبارة في (ت): \"وفرع بعضهم على غيرها غيرهم على بعضها\"، وكأنه صحح الأولى بالثانية.\n(٥) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(٦) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(٧) في (خ) و(ط): \"غيرهم\".\n(٨) إلى هنا ينتهي ما ذكره المؤلف عن القائلين بانقسام البدع إلى حسن وقبيح، ثم يشرع في الجواب عما قالوه.\n(٩) في (ت): \"وهو\".\n(١٠) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(١١) ما بين المعكوفين ساقط من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(١٢) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).","vol":"1","page":311},{"text":"أحدهما: أن (١) يُقَالُ: إِنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُتَعَارِضَيْنِ إِذْ تَقَدَّمَ (٢) أَوَّلًا أَنَّ أَدِلَّةَ الذَّمِّ تَكَرَّرَ عُمُومُهَا فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ (٣)، وَإِذَا (٤) تَعَاضَدَتْ (٥) أَدِلَّةُ الْعُمُومِ مِنْ غَيْرِ (٦) تَخْصِيصٍ، لَمْ يُقْبَلْ (٧) بعد ذلك التخصيص.\nوالثاني: على التنزل (٨) بفقد (٩) التَّعَارُضِ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ الِاسْتِنَانَ بِمَعْنَى الِاخْتِرَاعِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ الْعَمَلُ بِمَا ثَبَتَ مِنَ السنة النبوية، وذلك من وجهين (١٠):\nأحدهما: أن السبب الذي لأجله جاء (١١) الْحَدِيثُ هُوَ الصَّدَقَةُ الْمَشْرُوعَةُ، بِدَلِيلِ مَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ (جَرِيرِ) (١٢) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي صَدْرِ النَّهَارِ، فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ (١٣) - أو العباء (١٤) - متقلدي السيوف، عامتهم من (١٥) مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر (١٦) وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لما رأى بهم (١٧) مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا فأذن وأقام، فصلى ثم خطب، فقال: \" ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (١٨) الآية،\n_________\n(١) في (ط): \"أنه\".\n(٢) في (م) و(غ) و(ر): \"إذ قد مر\".\n(٣) في (ط): \"تخصيصن\".\n(٤) في (م) و(غ) و(ر): \"إذا\" بدون الواو.\n(٥) في (خ) و(ت) و(ط): \"تعارضت\".\n(٦) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(٧) في (م) و(غ): \"تقبل\".\n(٨) في (خ): \"التنزيل\".\n(٩) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"لفقد\".\n(١٠) في (خ) و(ط): \"وذلك لوجهين\".\n(١١) في (خ) و(ط): \"جاء لأجله\".\n(١٢) في جميع النسخ \"جابر\"، والصواب المثبت إذ هو راوي الحديث.\n(١٣) في (خ) و(ت): \"الثمار\"، وهو خطأ، والصواب المثبت.\nقال الإمام النووي في شرح مسلم: (النمار بكسر النون جمع نمرة بفتحها، وهي ثياب صوف فيها تنمير، والعباء بالمد وبفتح العين جمع عباءة وعباية لغتان وقوله مجتابي النمار أي خرقوها وقوروا وسطها) (٧/ ١٠٢).\n(١٤) في (غ): \"والعباء\".\n(١٥) ساقطة من (خ) و(ط).\n(١٦) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"فقمص\". وهي خلاف الرواية أيضًا.\n(١٧) في (خ) و(ت) و(ط): \"لما راءهم\".\n(١٨) سورة النساء: آية (١).","vol":"1","page":312},{"text":"وَالْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ الْحَشْرِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (١)، تَصَدَّقَ (٢) رَجُلٌ مِنْ (٣) دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ، حتى قال: ولو بشق تمرة\" قال: فجاء (٤) رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ. قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حتى رأيت وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَهَلَّلُ (٥) كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ (٦)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا (٧) بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ\" (٨).\nفَتَأَمَّلُوا أَيْنَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (\"مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً\" وَ) (٩) \"مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً\"، تَجِدُوا ذَلِكَ فِيمَنْ عَمِلَ بِمُقْتَضَى الْمَذْكُورِ عَلَى أَبْلَغِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، حيث (١٠) أتى (١١) بِتِلْكَ الصُّرَّةِ، فَانْفَتَحَ بِسَبَبِهِ (١٢) بَابُ الصَّدَقَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَبْلَغِ، فَسُرَّ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى قَالَ: \"مَن سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً\" الْحَدِيثَ، فَدَلَّ (١٣) عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ هَاهُنَا مِثْلُ مَا فَعَلَ ذَلِكَ الصَّحَابِيُّ، وَهُوَ الْعَمَلُ بِمَا ثَبَتَ كَوْنُهُ سُنَّةً، وَأَنَّ الْحَدِيثَ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: \"من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي\" الحديث إلى\n_________\n(١) سورة الحشر: آية (١٨).\n(٢) غير واضحة في (ت).\n(٣) ساقطة من (م) و(خ) و(ت).\n(٤) في (ط): \"فجاءه\".\n(٥) قال الإمام النووي في شرح مسلم: (يتهلل: أي يستنير فرحًا وسرورًا) (٧/ ١٠٣).\n(٦) قال الإمام النووي في شرح مسلم: (وعلى هذا ذكر القاضي وجهين في تفسيره: أحدهما: معناه فضة مذهبة، فهو أبلغ في حسن الوجه وإشراقه، والثاني شبهه في حسنه ونوره بالمذهبة من الجلود، وجمعها مذاهب، وهي شيء كانت العرب تصنعه من جلود، وتجعل فيها خطوطًا مذهبه يرى بعضها أثر بعض). شرح مسلم للنووي (٧/ ١٠٣).\n(٧) ساقطة من (ت).\n(٨) تقدم تخريج الحديث (ص٣٣٣).\n(٩) ما بين المعكوفين ساقط من (ط).\n(١٠) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"حتى\".\n(١١) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(١٢) في (غ): \"بنيته\".\n(١٣) في (م) و(ت): \"يدل\".","vol":"1","page":313},{"text":"قَوْلِهِ: \"وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً ضَلَالَةً\" (١)، فَجَعَلَ مُقَابِلَ تِلْكَ السُّنَّةِ الِابْتِدَاعَ، فَظَهَرَ أَنَّ السُّنَّةَ الْحَسَنَةَ ليست بمبتدعة، وكذلك قوله ﷺ: \"وَمَنْ أَحْيَا سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي\" (٢).\nوَوَجْهُ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ظَاهِرٌ، لِأَنَّهُ ﷺ لما حض (٣) عَلَى الصَّدَقَةِ أَوَّلًا، ثُمَّ جَاءَ ذَلِكَ الْأَنْصَارِيُّ بِمَا جَاءَ بِهِ، فَانْثَالَ (٤) بَعْدَهُ الْعَطَاءُ إِلَى الْكِفَايَةِ، فَكَأَنَّهَا كَانَتْ سُنَّةً أَيْقَظَهَا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِفِعْلِهِ، فَلَيْسَ مَعْنَاهُ مَنِ اخْتَرَعَ سُنَّةً وَابْتَدَعَهَا وَلَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً.\nوَنَحْوَ هَذَا (٥) الْحَدِيثِ فِي رَقَائِقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، مِمَّا يُوضِّحُ معناه، عن حذيفة رضي الله تعالى عنه، قَالَ: قَامَ سَائِلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَ، فَسَكَتَ الْقَوْمُ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا أَعْطَاهُ، فَأَعْطَاهُ الْقَوْمُ، فَقَالَ رسول الله ﷺ: \"من اسْتَنَّ خَيْرًا فَاسْتُنَّ بِهِ، فَلَهُ أَجْرُهُ وَمِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، غَيْرَ مُنْتَقِصٍ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنِ اسْتَنَّ شَرًّا فَاسْتُنَّ بِهِ، فَعَلَيْهِ وِزْرُهُ وَمِثْلُ أَوْزَارِ مَنْ تَبِعَهُ، غَيْرَ مُنْتَقِصٍ من أوزارهم شيئًا (٦) \" (٧).\nفإذن قَوْلُهُ: \"مَنْ سَنَّ سُنَّةً\" مَعْنَاهُ مَنْ عَمِلَ بِسُنَّةٍ، لَا مَنِ اخْتَرَعَ سُنَّةً (٨).\nوَالْوَجْهُ (٩) الثَّانِي مِنْ وَجْهَيِ الْجَوَابِ (١٠): أَنَّ قَوْلَهُ: \"مَنْ سَنَّ سنة\n_________\n(١) تقدم تخريجه (ص٣٣).\n(٢) تقدم تخريجه (ص٣٤).\n(٣) في (خ) و(ط): \"مضى\".\n(٤) انثال: أي انصب، قال في الصحاح: وتناثل الناس إليه، أي انصبوا. انظر الصحاح (٥/ ١٨٢٥).\n(٥) ساقطة من (م) و(ت) و(غ) و(ر).\n(٦) ساقطة من (خ) و(ط).\n(٧) رواه الإمام ابن المبارك في الزهد والرقائق (ص٥١٣)، والإمام أحمد في المسند (٥/ ٣٨٧)، والبزار في مسنده كما في كشف الأستار (١/ ٨٩) برقم (١٥٠)، والطبراني في معجمه الأوسط كما في مجمع البحرين (١/ ٢٢٢ - ٢٢٣) برقم (٢٣٨) وقال الهيثمي في المجمع: رجاله رجال الصحيح إلا أبا عبيدة بن حذيفة وقد وثقه ابن حبان (١/ ١٧٢)، ويشهد له حديث أبي هريرة عند مسلم، وتقدم تخريجه (ص١١٨) وحديث جرير بن عبد الله عند مسلم وغيره، وتقدم تخريجه (ص١١٩).\n(٨) عبارة (غ): \"لا من اخترعها\".\n(٩) في (خ): \"والجواب\".\n(١٠) أي من وجهي الجواب على أن المراد بحديث \"من سن سنة\" العمل بما ثبت من السنة لا الاختراع.","vol":"1","page":314},{"text":"حسنة\" و\"من سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً\" لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ مِنْ أَصْلٍ، لِأَنَّ كَوْنَهَا حَسَنَةً أَوْ سَيِّئَةً لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، لِأَنَّ التَّحْسِينَ وَالتَّقْبِيحَ مُخْتَصٌّ بِالشَّرْعِ، لَا مَدْخَلَ لِلْعَقْلِ فِيهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ (١). وَإِنَّمَا يَقُولُ بِهِ الْمُبْتَدِعَةُ، أَعْنِي التَّحْسِينَ وَالتَّقْبِيحَ بِالْعَقْلِ، فَلَزِمَ أَنْ تَكُونَ (٢) السُّنَّةُ فِي الْحَدِيثِ إما حسنة بالشرع (٣)، وإما قبيحة بالشرع، فلا تصدق (٤) إِلَّا عَلَى مِثْلِ الصَّدَقَةِ الْمَذْكُورَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ السُّنَنِ الْمَشْرُوعَةِ، وَتَبْقَى السُّنَّةُ السَّيِّئَةُ مُنَزَّلَةٌ عَلَى الْمَعَاصِي الَّتِي ثَبَتَ بِالشَّرْعِ كَوْنُهَا مَعَاصِيَ، كَالْقَتْلِ الْمُنَبَّهِ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ آدَمَ، حَيْثُ قَالَ ﵇: \"لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ\" (٥)، وَعَلَى الْبِدَعِ، لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ ذَمُّهَا، وَالنَّهْيُ عَنْهَا بِالشَّرْعِ كَمَا تَقَدَّمَ.\nوَأَمَّا قوله: \"ومن (٦) ابْتَدَعَ بِدْعَةً ضَلَالَةً\"، فَهُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، لِأَنَّ سَبَبَ الْحَدِيثِ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِشَيْءٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ كَالْعُمُومَاتِ الْمُبْتَدَأَةِ التي لم يثبت (٧) لَهَا أَسْبَابٌ.\nوَيَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ قَوْلُهُ: \"وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً\" أَيْ مَنِ اخْتَرَعَهَا، وَشَمَلَ (٨) مَا كَانَ مِنْهَا مُخْتَرَعًا ابْتِدَاءً مِنَ الْمَعَاصِي، كَالْقَتْلِ مِنْ أَحَدِ ابْنَيْ آدَمَ، وَمَا كَانَ مُخْتَرَعًا بِحُكْمِ الْحَالِ، إِذْ (٩) كَانَتْ قَبْلُ مُهْمَلَةً مُتَنَاسَاةً فَأَثَارَهَا عَمَلُ هَذَا الْعَامِلِ.\nفَقَدْ عَادَ الْحَدِيثُ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ - حُجَّةً عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ مِنْ جِهَةِ لَفْظِهِ، وَشَرْحِ الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ لَهُ.\nوَإِنَّمَا يَبْقَى النَّظَرُ فِي قَوْلِهِ: \"وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً ضَلَالَةً\"، وَأَنَّ تَقْيِيدَ\n_________\n(١) تقدم التعليق على مسألة التحسين والتقبيح (ص٢١٣).\n(٢) في (م): \"يكون\".\n(٣) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"في الشرع\".\n(٤) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"يصدق\".\n(٥) تقدم تخريج الحديث (ص٢٣٠).\n(٦) في (خ) و(ط): \"من\" بدون الواو.\n(٧) في (خ) و(ط): \"تثبت\".\n(٨) في (غ): \"ويشمل\".\n(٩) في (خ) و(ت): \"إذا\".","vol":"1","page":315},{"text":"الْبِدْعَةِ بِالضَّلَالَةِ يُفِيدُ مَفْهُومًا (١)، وَالْأَمْرُ فِيهِ قَرِيبٌ، لِأَنَّ الْإِضَافَةَ فِيهِ لَمْ تُفِدْ مَفْهُومًا.\nوَإِنْ قُلْنَا بِالْمَفْهُومِ عَلَى رَأْيِ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ (٢)، فَإِنَّ (٣) الدَّلِيلَ دَلَّ عَلَى تَعْطِيلِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، كَمَا دَلَّ دَلِيلُ تَحْرِيمِ الرِّبَا قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ عَلَى تَعْطِيلِ الْمَفْهُومِ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ (٤) (٥)، وَلِأَنَّ الضَّلَالَةَ لَازِمَةٌ لِلْبِدْعَةِ (٦) بِإِطْلَاقٍ، بِالْأَدِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَلَا مَفْهُومَ أَيْضًا.\nوَالْجَوَابُ (٧) عَنِ الْإِشْكَالِ الثَّانِي (٨): أَنَّ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ، لَا مِنْ قَبِيلِ الْبِدْعَةِ الْمُحْدَثَةِ. وَالْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ قَدْ عَمِلَ بِمُقْتَضَاهَا السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَهِيَ مِنَ الْأُصُولِ الْفِقْهِيَّةِ الثَّابِتَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ، وَإِنْ كَانَ فيها خلاف بينهم (٩)، ولكن لا يعود (١٠) ذلك بقدح (١١) على ما نحن فيه.\n_________\n(١) وهو مفهوم المخالفة، فإذا كانت البدعة المذمومة هي بدعة الضلالة، فالبدعة الحسنة ليست بمذمومة، وسيبين المؤلف بطلان هذا الاستدلال.\n(٢) والقول بمفهوم المخالفة هو رأي الجمهور بضوابطه، والأحناف لا يعدونه حجة.\nانظر: المستصفى للغزالي (٢/ ٤٢)، والإحكام للآمدي (٢/ ١٥٣)، وإرشاد الفحول للشوكاني (١٧٨)، أصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي (١/ ٣٦٧)، أصول الفقه للشيخ أبو زهرة (ص١٤٨).\n(٣) في (م) و(غ): \"لأن\".\n(٤) سورة آل عمران: آية (١٣٠).\n(٥) مفهوم المخالفة المنفي عن الآية هو جواز أكل القليل من الربا إذا لم يكن أضعافًا مضاعفة، وهو مفهوم باطل لأن المراد بتقييد الربا هنا بالأضعاف المضاعفة هو التنفير مما كان يفعله أهل الجاهلية، من الزيادة على رأس المال، ومضاعفة هذه الزيادة سنة بعد أخرى. والذي دل على كون القيد للتنفير هو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ سورة البقرة: آية (٢٧٩).\nانظر: أصول الفقه للدكتور وهبة الزحيلي (١/ ٣٧٢ - ٣٧٣)، أصول الفقه للشيخ أبو زهرة (ص١٥١ - ١٥٢).\n(٦) في (م): \"البدعة\".\n(٧) ساقطة من (م)، وبياض في (غ).\n(٨) وهو احتجاجهم بأن الصحابة ومن بعدهم قد عملوا بما لم يأت به كتاب ولا سنة، كجمع القرآن.\n(٩) انظر هذه المسألة في الباب الثامن (٢/ ١١١ - ١١٢).\n(١٠) في (خ) و(ط): \"يعد\".\n(١١) في (م) و(خ) و(ت): \"قدح\".","vol":"1","page":316},{"text":"أَمَّا جَمْعُ الْمُصْحَفِ، وَقَصْرُ النَّاسِ عَلَيْهِ، فَهُوَ عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ هَذَا الْبَابِ، إِذْ أُنْزِلَ (١) الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ كُلُّهُا شَافٍ كَافٍ، تَسْهِيلًا عَلَى الْعَرَبِ الْمُخْتَلِفَاتِ اللُّغَاتِ (٢)، فَكَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي ذَلِكَ ظَاهِرَةً، إِلَّا أَنَّهُ عَرَضَ فِي إِبَاحَةِ ذَلِكَ بَعْدَ زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتْحٌ لِبَابِ الِاخْتِلَافِ فِي الْقُرْآنِ، حَيْثُ (٣) اخْتَلَفُوا فِي الْقِرَاءَةِ (٤) حَسْبَمَا يَأْتِي بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (٥)، فَخَافَ الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمُ - اخْتِلَافَ الْأُمَّةِ فِي يَنْبُوعِ الْمِلَّةِ، فَقَصَرُوا النَّاسَ عَلَى مَا ثَبَتَ مِنْهَا فِي مصاحف عثمان رضي الله تعالى عَنْهُ، وَاطَّرَحُوا مَا سِوَى ذَلِكَ، عِلْمًا بِأَنَّ مَا اطَّرَحُوهُ مُضَمَّنٌ فِيمَا أَثْبَتُوهُ، لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْقِرَاءَاتِ الَّتِي يُؤَدَّى بِهَا الْقُرْآنُ.\nثُمَّ ضبطوا ذلك أيضًا (٦) بِالرِّوَايَةِ حِينَ فَسَدَتِ الْأَلْسِنَةُ، وَدَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ أَهْلُ الْعُجْمَةِ، خَوْفًا مِنْ فَتْحِ بَابٍ آخَرَ مِنَ الْفَسَادِ، وَهُوَ أَنْ يُدْخِلَ أَهْلُ الْإِلْحَادِ فِي الْقُرْآنِ أَوْ فِي الْقِرَاءَاتِ مَا لَيْسَ مِنْهَا، فَيَسْتَعِينُوا بِذَلِكَ فِي بَثِّ إِلْحَادِهِمْ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ (٧) لَمَّا لَمْ يُمْكِنُهُمُ الدُّخُولُ مِنْ هَذَا الْبَابِ دَخَلُوا مِنْ جِهَةِ التَّأْوِيلِ وَالدَّعْوَى فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ، حَسْبَمَا يَأْتِي ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (٨).\nفَحَقٌّ مَا فَعَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِأَنَّ لَهُ أصْلًا يَشْهَدُ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ الْأَمْرُ بِتَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ، وَذَلِكَ لَا خِلَافَ فِيهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٩)، وَأُمَّتُهُ مِثْلُهُ، وَفِي الْحَدِيثِ: (لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغائب) (١٠) وأشباهه.\n_________\n(١) في (م): \"نزل\".\n(٢) أي اللهجات.\n(٣) غير واضحة في (ت).\n(٤) في (غ) و(ر): \"القراءات\".\n(٥) سوف يتكلم المؤلف عن مسألة جمع القرآن بشيء من البسط في الباب الثامن (٢/ ١١٥ - ١١٧).\n(٦) زيادة في (م).\n(٧) في (ت): \"أنهم\".\n(٨) سيتكلم المؤلف عن مآخذ المبتدعة في الاستدلال في الباب الرابع.\n(٩) سورة المائدة: آية (٦٧).\n(١٠) رواه الإمام البخاري في كتاب العلم من صحيحه، باب قول النبي ﷺ: \"رب مبلغ=","vol":"1","page":317},{"text":"وَالتَّبْلِيغُ كَمَا لَا يَتَقَيَّدُ بِكَيْفِيَّةٍ مَعْلُومَةٍ، لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمَعْقُولِ الْمَعْنَى، فَيَصِحُّ بِأَيِّ شَيْءٍ أمكن من الحفظ والتلقين والكتابة (١) وغيرها، كذلك لَا يَتَقَيَّدُ حِفْظُهُ عَنِ التَّحْرِيفِ وَالزَّيْغِ بِكَيْفِيَّةٍ دُونَ أُخْرَى إِذَا لَمْ يَعُدْ عَلَى الْأَصْلِ بالإبطال (٢)، كَمَسْأَلَةِ الْمُصْحَفِ، وَلِذَلِكَ أَجْمَعَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ.\nوَأَمَّا مَا سِوَى الْمُصْحَفِ فَالْأَمْرُ فِيهِ أَسْهَلُ، فقد ثبت في السنة أصل (٣) كِتَابَةُ الْعِلْمِ، فَفِي الصَّحِيحِ قَوْلُهُ ﷺ: \"اكْتُبُوا لِأَبِي (٤) شَاهٍ\" (٥)، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: (لَيْسَ أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مني (٦)، إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو (٧)، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ، وَكُنْتُ لَا أَكْتُبُ) (٨).\nوَذَكَرَ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّهُ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ (٩) ﷺ كتاب يكتبون له الوحي\n_________\n=أوعى من سامع\" عن أبي بكرة ﵁ (١/ ١٥٧ - ١٥٨) ومسلم في كتاب القسامة من صحيحه، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال (١٦٧ - ١٧٢)، والإمام الدارمي في كتاب المناسك، باب في الخطبة يوم النحر برقم (١٩١٦) (٢/ ٩٣)، والإمام ابن ماجه في المقدمة من سننه، باب من بلغ علمًا برقم (٢٢٣) (١/ ٨٥)، والإمام أحمد في المسند (٥/ ٣٧).\n(١) ساقطة من (غ).\n(٢) في (م) و(ت): \"الابطال\".\n(٣) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(٤) في (خ): \"لي\".\n(٥) رواه الإمام البخاري في كتاب العلم من صحيحه، باب كتابة العلم عن أبي هريرة (١/ ٢٠٥)، وفي كتاب اللقطة، باب كيف تعرف لقطة مكة (٥/ ٨٦ - ٨٧)، والإمام أبو داود في كتاب المناسك من سننه، باب تحريم حرم مكة برقم (٢٠١٧) (٢/ ٢١٨ - ٢١٩)، والإمام الترمذي في كتاب العلم من سننه، باب ما جاء في الرخصة \"في كتابة العلم\" برقم (٢٦٦٧) (٥/ ٣٨)، والإمام أحمد في المسند (٢/ ٢٣٨).\n(٦) ساقطة من (م) و(ت)، وقدمت في (خ) و(ط) على قوله: \"رسول الله ... \".\n(٧) في (خ) و(ت): \"عمر\" وهو خطأ.\n(٨) رواه الإمام البخاري في كتاب العلم من صحيحه، باب كتابة العلم، عن أبي هريرة ﵁ (١/ ٢٠٦)، والإمام الترمذي في كتاب العلم من سننه، باب ما جاء في الرخصة في \"كتابة العلم\" برقم (٢٦٦٨) (٥/ ٣٩)، وفي كتاب المناقب برقم (٣٨٤١) (٥/ ٦٤٤)، والإمام أحمد في المسند (٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩).\n(٩) لفظ الجلالة ليس في (ت).","vol":"1","page":318},{"text":"وَغَيْرَهُ، مِنْهُمْ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَمُعَاوِيَةُ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَغَيْرُهُمْ (١).\nوَأَيْضًا فَإِنَّ الْكِتَابَةَ مِنْ قَبِيلِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ إِذَا تَعَيَّنَ لِضَعْفِ الْحِفْظِ، وَخَوْفِ انْدِرَاسِ الْعِلْمِ، كَمَا خِيفَ (على القرآن فِي زَمَانِ أَبِي بَكْرٍ ﵁، فدليل كَتْب العلم إذا خيف) (٢) دروسه عتيد (٣). وَهُوَ الَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ فِيمَا تَقَدَّمَ (٤) وَإِنَّمَا كَرِهَ (٥) الْمُتَقَدِّمُونَ كَتْبَ الْعِلْمِ لِأَمْرٍ آخَرَ (٦)، لَا لِكَوْنِهِ بِدْعَةً، فَكُلُّ مِنْ سَمَّى كَتْبَ الْعِلْمِ بِدْعَةً فَإِمَّا مُتَجَوِّزٌ، وَإِمَّا غَيْرُ عَارِفٍ بوضع (٧) لَفْظِ الْبِدْعَةِ. فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ على صحة العمل بالبدع.\nوإن تعلق بِمَا وَرَدَ مِنَ الْخِلَافِ فِي الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ، وَأَنَّ الْبِنَاءَ عَلَيْهَا غَيْرُ (٨) صَحِيحٍ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ (٩)، (فَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ) (١٠) إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى الْمُصْحَفِ وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وَإِذَا ثَبَتَ اعْتِبَارُهَا (١١) فِي صُورَةٍ ثَبَتَ اعْتِبَارُهَا مُطْلَقًا، وَلَا يَبْقَى بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ نِزَاعٌ إِلَّا فِي الْفُرُوعِ.\nوَفِي الصَّحِيحِ قَوْلُهُ ﷺ: \"فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ\" (١٢)، فَأَعْطَى الْحَدِيثُ - كَمَا تَرَى - أَنَّ مَا سَنَّهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ\n_________\n(١) وممن ذكر كتَّابه ﷺ الإمام ابن القيم في زاد المعاد (١/ ١١٧)، والتنبيه والإشراف للمسعودي (٢٤٥ - ٢٤٦).\n(٢) ما بين المعكوفين ساقط من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(٣) في (خ) و(ط): \"حينئذ\"، وعتيد يعني: حاضر.\n(٤) تقدم (ص٣٣٧).\n(٥) في (ت): \"ذكر\".\n(٦) تقدم سبب كراهتهم لذلك (ص٣٣٦).\n(٧) في (م) و(ت): \"بموضع\"، وغير واضحة في (غ).\n(٨) ساقطة من (م) و(ت).\n(٩) سيتكلم المؤلف عن هذه المسألة في بداية الباب الثامن (٢/ ١١١ - ١١٢).\n(١٠) ساقط من (غ).\n(١١) في (غ): \"اعتبار\".\n(١٢) تقدم تخريج الحديث (ص٦٦).","vol":"1","page":319},{"text":"لَاحِقٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِأَنَّ مَا سَنُّوهُ لَا يَعْدُو أَحَدَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، فَذَلِكَ سُنَّةٌ لَا بِدْعَةٌ، وَإِمَّا بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ دَلِيلٌ عَلَى إِثْبَاتِهِ سُنَّةً، إِذْ قَدْ أَثْبَتَهُ كذلك صاحب الشريعة ﷺ.\nفدليله مِنَ الشَّرْعِ ثَابِتٌ، فَلَيْسَ بِبِدْعَةٍ، وَلِذَلِكَ أَرْدَفَ الأمر (١) باتباعهم (٢) بِالنَّهْيِ عَنِ الْبِدَعِ بِإِطْلَاقٍ، وَلَوْ كَانَ عَمَلُهُمْ ذَلِكَ بِدْعَةً لَوَقَعَ فِي الْحَدِيثِ التَّدَافُعُ.\nوَبِذَلِكَ يُجَابُ عَنْ مَسْأَلَةِ قَتْلِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ (٣)، لِأَنَّهُ مَنْقُولٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَهُوَ أَحَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَتَضْمِينُ الصُّنَّاعِ (٤)، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ ﵃.\nوَأَمَّا مَا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَلَمْ أَرَهُ ثَابِتًا مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ (٥)، وَإِنْ سُلِّمَ فَرَاجِعٌ: إِمَّا لِأَصْلِ الْمَصَالِحِ المرسلة (وإما لباب تحقيق المناط، وكذلك الأخذ بقول الميت دمي عند فلان من باب الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ) (٦) - إِنْ لَمْ نَقُلْ: إِنَّ أَصْلَهُ قِصَّةُ الْبَقَرَةِ (٧) ـ، وَإِنْ (٨) ثَبَتَ أَنَّ الْمَصَالِحَ الْمُرْسَلَةَ مَقُولٌ بِهَا عِنْدَ السَّلَفِ - مَعَ أَنَّ الْقَائِلِينَ بها يذمون البدع وأهلها، ويتبرأون مِنْهُمْ - دَلَّ عَلَى أَنَّ الْبِدَعَ مُبَايِنَةٌ لَهَا، وَلَيْسَتْ مِنْهَا فِي شَيْءٍ، وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَابٌ تذكر فيه (بعد إن شاء الله) (٩) (١٠).\n_________\n(١) ساقطة من (خ) و(ت) و(ط).\n(٢) في (خ) و(ط): \"اتباعهم\".\n(٣) تكلم المؤلف عن هذه المسألة في الباب الثامن (٢/ ١٢٥ - ١٢٦).\n(٤) تكلم المؤلف عن هذه المسألة في الباب الثامن (٢/ ١١٩).\n(٥) وهو قول عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: (تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ بقدر ما أحدثوا من الفجور)، وتقدم (ص٣٣٨).\n(٦) ما بين المعكوفين ساقط من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(٧) أراد القصة المذكورة في سورة البقرة، والشاهد أنه لما أحياه الله أخبرهم بقاتله، فبنوا الحكم على قوله.\n(٨) في (غ) و(ر): \"وإذا\".\n(٩) ما بين المعكوفين ساقط من (خ) و(ط).\n(١٠) وهو الباب الثامن الذي بين فيه المؤلف الفرق بين المصالح المرسلة والبدع.","vol":"1","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>فصل </span>(١)\nوَمِمَّا يُورَدُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَسَّمُوا الْبِدَعَ بِأَقْسَامِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ الْخَمْسَةِ، وَلَمْ يَعُدُّوهَا قِسْمًا وَاحِدًا مَذْمُومًا، فَجَعَلُوا مِنْهَا مَا هُوَ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ وَمُبَاحٌ وَمَكْرُوهٌ وَمُحَرَّمٌ.\nوَبَسَطَ ذَلِكَ الْقَرَافِيُّ (٢) بَسْطًا شَافِيًا (٣)، وَأَصْلُ مَا أَتَى به من ذلك لشيخه (٤) عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ (٥)، وَهَا أَنَا آتِي بِهِ عَلَى نَصِّهِ، فَقَالَ: \"اعْلَمْ أَنَّ الْأَصْحَابَ - فِيمَا رَأَيْتُ - مُتَّفِقُونَ عَلَى إِنْكَارِ الْبِدَعِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ (٦) وَغَيْرُهُ (٧)، وَالْحَقُّ التَّفْصِيلُ، وَأَنَّهَا خَمْسَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ وَاجِبٌ، وَهُوَ مَا تَنَاوَلَتْهُ قَوَاعِدُ الْوُجُوبِ وَأَدِلَّتُهُ مِنَ الشرع، كتدوين القرآن\n_________\n(١) ويذكر المؤلف في هذا الفصل القائلين بانقسام البدع إلى أقسام الشريعة الخمسة، ثم يشرع في الرد عليهم (ص٣٥٦).\n(٢) هو أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن، أبو العباس، شهاب الدين الصنهاجي القرافي، من علماء المالكية، له مصنفات جليلة في الفقه والأصول منها أنوار البروق في أنواء الفروق، وكتاب الفروق، وكتاب الذخيرة، توفي سنة ٦٨٤هـ.\nانظر: الأعلام للزركلي (١/ ٩٤ - ٩٥)، حسن المحاضرة للسيوطي (١/ ٣١٦)، الديباج المذهب (١/ ٢٣٦).\n(٣) وذلك في كتابه الفروق (٤/ ٢٠٢ - ٢٠٥).\n(٤) في (م) و(خ) و(ط): \"شيخه\".\n(٥) تقدمت ترجمته ﵀ (ص٢٤).\n(٦) هو أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني، المالكي، ويقال له: مالك الصغير وكان أحد من برز في العلم والعمل، وهو الذي لخص المذهب، صنف النوادر والزيادات، والعتبية، والرسالة وغيرها. توفي ﵀ سنة ٣٨٩هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٠)، النجوم الزاهرة (٤/ ٢٠٠)، شذرات الذهب (٣/ ١٣١).\n(٧) ومن المواضع التي ذكر فيها ابن أبي زيد ذم البدع وأهلها ما ذكره في كتابه الجامع في السنن والآداب (ص١٠٥ - ١٢٦).","vol":"1","page":321},{"text":"وَالشَّرَائِعِ إِذَا (١) خِيفَ عَلَيْهَا الضَّيَاعُ، فَإِنَّ (٢) التَّبْلِيغَ لِمَنْ بَعْدَنَا مِنَ الْقُرُونِ وَاجِبٌ إِجْمَاعًا وَإِهْمَالُ ذَلِكَ حَرَامٌ إِجْمَاعًا، فَمِثْلُ هَذَا النَّوْعِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي وُجُوبِهِ.\nالْقِسْمُ الثَّانِي: الْمُحَرَّمُ، وَهُوَ كُلُّ بِدْعَةٍ تَنَاوَلَتْهَا قَوَاعِدُ التَّحْرِيمِ وَأَدِلَّتُهُ مِنَ الشَّرِيعَةِ، كَالْمُكُوسِ، وَالْمُحْدَثَاتِ مِنَ الْمَظَالِمِ، وَالْمُحْدَثَاتِ الْمُنَافِيَةِ لِقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، كَتَقْدِيمِ الْجُهَّالِ عَلَى الْعُلَمَاءِ، وَتَوْلِيَةِ الْمَنَاصِبِ الشَّرْعِيَّةِ مَنْ لَا يَصْلُحُ لها (٣) بِطَرِيقِ (٤) التَّوْرِيثِ، وَجَعْلِ الْمُسْتَنَدِ فِي ذَلِكَ كَوْنَ الْمَنْصِبِ كَانَ لِأَبِيهِ، وَهُوَ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ بأهل.\nالقسم الثالث من (٥) البدع مَنْدُوبٌ (٦) إِلَيْهِ، وَهُوَ مَا تَنَاوَلَتْهُ قَوَاعِدُ النَّدْبِ وأدلته، كصلاة التراويح، وإقامة صُوَرِ الْأَئِمَّةِ وَالْقُضَاةِ وَوُلَاةِ الْأُمُورِ (٧) عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ أَنَّ الْمَصَالِحَ وَالْمَقَاصِدَ الشَّرْعِيَّةَ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِعَظَمَةِ الْوُلَاةِ فِي نُفُوسِ النَّاسِ، وَكَانَ الناس في زمان (٨) الصحابة رضوان الله عليهم مُعْظَمُ تَعْظِيمِهِمْ إِنَّمَا هُوَ بِالدِّينِ وَسَبْقِ الْهِجْرَةِ، ثم اختل النظام، وذهب ذلك القرن، وحدث قَرْنٌ آخَرُ لَا يُعَظِّمُونَ إِلَّا بِالصُّوَرِ، فَتَعَيَّنَ تَفْخِيمُ الصُّوَرِ حَتَّى تَحْصُلَ الْمَصَالِحُ.\nوَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَأْكُلُ خُبْزَ الشَّعِيرِ وَالْمِلْحِ، وَيَفْرِضُ لِعَامِلِهِ نِصْفَ شَاةٍ في (٩) كُلَّ يَوْمٍ، لِعِلْمِهِ بِأَنَّ الْحَالَةَ الَّتِي هُوَ عليها لَوْ عَمِلَهَا (١٠) غَيْرُهُ لَهَانَ فِي نُفُوسِ النَّاسِ، ولم يحترموه، وتجاسروا عليه\n_________\n(١) في (خ) و(ت) و(ط): \"إذ\".\n(٢) في (خ) و(ت) و(ط): \"وإن\".\n(٣) زيادة في (م).\n(٤) في (غ): \"بطريقة\".\n(٥) في (خ) و(ط): \"أن من\"، والمثبت هو الموافق لما في الفروق.\n(٦) في (خ) و(ط) وهامش (ت): \"ما هو مندوب إليه .. \".\n(٧) المراد تحسين مظاهرهم من ملبس ومطعم ومسكن ونحوه، كما سيتبين ذلك فيما يأتي.\n(٨) في (خ) و(ط): \"زمن\".\n(٩) ساقطة من (خ) و(ط) و(ر).\n(١٠) في (خ): \"علمها\".","vol":"1","page":322},{"text":"بِالْمُخَالَفَةِ، فَاحْتَاجَ إِلَى أَنْ يَضَعَ غَيْرَهُ فِي صُورَةٍ أُخْرَى تَحْفَظُ النِّظَامَ.\nوَلِذَلِكَ (١) لَمَّا قَدِمَ الشَّامَ وَجَدَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ قَدِ اتَّخَذَ الْحُجَّابَ، وَاتَّخَذَ الْمَرَاكِبَ النَّفِيسَةَ، وَالثِّيَابَ الْهَائِلَةَ الْعَلِيَّةَ (٢)، وَسَلَكَ مَا سَلَكَهُ الْمُلُوكُ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذلك، فقال له (٣): إِنَّا بِأَرْضٍ نَحْنُ فِيهَا مُحْتَاجُونَ لِهَذَا، فَقَالَ لَهُ: لَا آمُرُكَ وَلَا أَنْهَاكَ، وَمَعْنَاهُ أَنْتَ أَعْلَمُ بِحَالِكَ هَلْ أَنْتَ مُحْتَاجٌ إِلَى هَذَا (٤) (فيكون حسنًا (٥)، أَوْ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ) (٦)، فَدَلَّ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّ أَحْوَالَ الْأَئِمَّةِ وَوُلَاةِ الأمور تختلف باختلاف الأمصار والأعصار (٧) والقرون والأحوال.\nفَكَذَلِكَ يُحْتَاجُ (٨) إِلَى تَجْدِيدِ زَخَارِفَ وَسِيَاسَاتٍ لَمْ تَكُنْ قَدِيمَةً، وَرُبَّمَا وَجَبَتْ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ.\nالقسم الرابع: بدع (٩) مَكْرُوهَةٌ، وَهِيَ مَا تَنَاوَلَتْهُ أَدِلَّةُ الْكَرَاهَةِ مِنَ الشَّرِيعَةِ وَقَوَاعِدِهَا، كَتَخْصِيصِ الْأَيَّامِ الْفَاضِلَةِ أَوْ غَيْرِهَا بنوع من العبادة، ولذلك جاء (١٠) في الصحيح، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ تَخْصِيصِ يَوْمِ الجمعة بصيام، أو ليلته (١١) بِقِيَامٍ (١٢).\nوَمِنْ هَذَا الْبَابِ الزِّيَادَةُ فِي الْمَنْدُوبَاتِ المحدودات، كما ورد في\n_________\n(١) في (م) و(ت): \"وكذلك\".\n(٢) في (غ) و(ر): \"العالية\".\n(٣) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(٤) في (خ) و(ط): \"محتاج إليه\".\n(٥) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(٦) ما بين المعكوفين ساقط من (خ) و(ت) و(ط).\n(٧) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(٨) في (م): \"تحتاجون\"، وفي (غ) و(ر): \"يحتاجون\".\n، والتنبيه والإشراف للمسعودي (٢٤٥ - ٢٤٦).\n(٩) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(١٠) في (خ) و(ت) و(ط): \"ليله\".\n(١١) رواه الإمام مسلم في كتاب الصيام من صحيحه، باب كراهة إفراد يوم الجمعة بصوم لا يوافق عادته عن أبي هريرة (٨/ ١٨ - ١٩ نووي) وروى البخاري في الصحيح النهي عن صيام يوم الجمعة (١٩٨٤، ١٩٨٥)، والإمام أحمد في المسند عن أبي الدرداء (٦/ ٤٤٤).","vol":"1","page":323},{"text":"التسبيح عقب (١) الفريضة ثلاثًا وثلاثين، فتفعل مئة، وَوَرَدَ (٢) صَاعٌ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، فَيَجْعَلُ عَشَرَةَ أَصْوُعٍ (٣)، بِسَبَبِ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِيهَا إِظْهَارُ الِاسْتِظْهَارِ عَلَى الشَّارِعِ، وَقِلَّةُ أَدَبٍ مَعَهُ، بَلْ شَأْنُ الْعُظَمَاءِ إِذَا حَدَّدُوا شَيْئًا وُقِفَ عِنْدَهُ، وَعُدَّ الْخُرُوجُ عَنْهُ قِلَّةَ أَدَبٍ.\nوَالزِّيَادَةُ فِي الْوَاجِبِ أَوْ عَلَيْهِ أَشَدُّ فِي الْمَنْعِ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْأَصْلُ وَالْمَزِيدُ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ نَهَى مَالِكٌ ﵁ عن إيصال صيام (٤) سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ، لِئَلَّا يُعْتَقَدَ أَنَّهَا من رمضان (٥).\nوخرج أبو داود في (سننه) (٦) أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَصَلَّى الْفَرْضَ، وَقَامَ (٧) لِيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ (بْنُ الْخَطَّابِ) (٨): (اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفلك، فبهذا (٩) هلك مَنْ قَبْلَنَا)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"أَصَابَ اللَّهُ بِكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ\" (١٠)، يُرِيدُ عُمَرَ إِنَّ مَنْ قَبْلَنَا وَصَلُوُا النَّوَافِلَ بِالْفَرَائِضِ وَاعْتَقَدُوا الْجَمِيعَ وَاجِبًا، وَذَلِكَ تَغْيِيرٌ لِلشَّرَائِعِ، وَهُوَ حَرَامٌ إِجْمَاعًا.\nالْقِسْمُ الْخَامِسُ: الْبِدَعُ المباحة، وهي ما تناولته أدلة الإباحة\n_________\n(١) في (ت) و(غ) و(ر): \"عقيب\".\n(٢) في (م) و(ت) و(غ) و(ر): \"وورود\".\n(٣) في (خ) و(ت) و(ط): \"أصواع\". والمثبت ذكره الجوهري في الصحاح في جمع صاع (٣/ ١٢٤٧).\n(٤) ساقطة من (خ) و(ط).\n(٥) قال الإمام ابن رشد بعدما ذكر أن صيام الست من شوال مندوب: \"إلا أن مالكًا كره ذلك، إما مخافة أن يلحق الناس برمضان ما ليس في رمضان، وإما لأنه لعله لم يبلغه الحديث أو لم يصح عنده وهو الأظهر\". انظر بداية المجتهد (١/ ٣٠٨ - ٣٠٩).\n(٦) في جميع النسخ: \"مسنده\"، والمثبت هو ما في الفروق، والحديث في سنن أبي داود كما سيأتي.\n(٧) في (ت): \"وكام\".\n(٨) كتبت في (ت) فوق السطر.\n(٩) في (م): \"فهذا\"، وفي (خ) و(ت) و(ط): \"فهكذا\".\n(١٠) رواه الإمام أبو داود في كتاب الصلاة من سننه، باب في الرجل يتطوع في مكانه الذي صلى فيه المكتوبة برقم (١٠٠٧)، (١/ ٢٦٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٧٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٦٩)، وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ص٩٨ - ٩٩).","vol":"1","page":324},{"text":"وَقَوَاعِدُهَا مِنَ الشَّرِيعَةِ، كَاتِّخَاذِ الْمَنَاخِلِ لِلدَّقِيقِ، فَفِي الْآثَارِ: (أَوَّلُ شَيْءٍ أَحْدَثَهُ النَّاسُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اتِّخَاذُ الْمَنَاخِلِ)، لِأَنَّ تَلْيِينَ الْعَيْشِ وَإِصْلَاحَهُ مِنَ الْمُبَاحَاتِ، فَوَسَائِلُهُ مُبَاحَةٌ.\nفَالْبِدْعَةُ إِذَا عُرِضَتْ تُعْرَضُ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَأَدِلَّتِهِ، فَأَيُّ شَيْءٍ تَنَاوَلَهَا مِنَ الْأَدِلَّةِ وَالْقَوَاعِدِ أُلْحِقَتْ بِهِ، مِنْ إِيجَابٍ أَوْ تَحْرِيمٍ أو غيرهما، وَإِنْ نُظِرَ إِلَيْهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ بِالنَّظَرِ إِلَى كَوْنِهَا بِدْعَةً مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ فِيمَا يَتَقَاضَاهَا كُرِهَتْ. فَإِنَّ الْخَيْرَ (١) كُلَّهُ فِي الِاتِّبَاعِ، وَالشَّرَّ كُلَّهُ فِي الِابْتِدَاعِ (٢). (انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ) (٣).\nوَذَكَرَ شَيْخُهُ (٤) فِي قَوَاعِدِهِ (٥)، فِي فَصْلِ البدع منها - بعد ما قَسَّمَ أَحْكَامَهَا إِلَى الْخَمْسَةِ - أَنَّ الطَّرِيقَ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ أَنْ تُعْرَضَ الْبِدْعَةُ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، فَإِنْ دَخَلَتْ فِي قَوَاعِدِ الْإِيجَابِ فَهِيَ وَاجِبَةٌ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَلِلْبِدَعِ الْوَاجِبَةِ أَمْثِلَةٌ:\nأحدها: الاشتغال (بعلم النحو) (٦) الَّذِي (٧) يُفْهَمُ بِهِ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَلَامُ رسوله ﷺ، وذلك واجب، لأن حفظ الشريعة واجب، [ولا يتأتى حفظها إلا بمعرفة ذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو وَاجِبٌ] (٨).\nوَالثَّانِي: حِفْظُ غَرِيبِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنَ اللغة.\nوالثالث: تدوين أصول الفقه.\n_________\n(١) في (ط): \"الخبر\".\n(٢) ذكر هذا التقسيم الإمام القرافي في كتابه الفروق (٤/ ٢٠٢ - ٢٠٥).\n(٣) ما بين المعكوفين ساقط من (ط).\n(٤) هو العز بن عبد السلام ﵀، وتقدمت ترجمته (ص٢٤).\n(٥) هو كتاب قواعد الأحكام في مصالح الأنام (٢/ ١٩٥ - ١٩٦).\n(٦) ما بين المعكوفين ساقط من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(٧) في (خ) و(ط): \"بالذي\". وكتبت كذلك لتستقيم العبارة، لأن ما بين المعكوفين كان ساقطًا.\n(٨) ما بين المعكوفين ساقط من (م) و(خ) و(ت) و(ط).","vol":"1","page":325},{"text":"وَالرَّابِعُ: الْكَلَامُ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، لِتَمْيِيزِ (١) الصَّحِيحِ من السقيم.\nثم قال: وللبدع المحرمة أمثلة:\nمِنْهَا (٢) مَذْهَبُ الْقَدَرِيَّةِ (٣)، وَمَذْهَبُ الْجَبْرِيَّةِ (٤)، وَالْمُرْجِئَةِ (٥)، وَالْمُجَسِّمَةِ (٦)، وَالرَّدُّ عَلَى هَؤُلَاءِ مِنَ الْبِدَعِ الْوَاجِبَةِ.\nقَالَ: وَلِلْمَنْدُوبِ أَمْثِلَةٌ: مِنْهَا إِحْدَاثُ (٧) الرُّبَطِ، وَالْمَدَارِسِ، وَبِنَاءُ الْقَنَاطِرِ (٨)، وَمِنْهَا كُلُّ إِحْسَانٍ لَمْ يُعْهَدْ (٩) فِي العصر (١٠) الأول، (ومنها صلاة التراويح) (١١)، (وَمِنْهَا الْكَلَامُ فِي دَقَائِقِ التَّصَوُّفِ، وَالْكَلَامُ فِي الْجَدَلِ) (١٢)، وَمِنْهَا جَمْعُ الْمَحَافِلِ (١٣) لِلِاسْتِدْلَالِ فِي الْمَسَائِلِ، إِنْ قُصِدَ بِذَلِكَ وَجْهُهُ تَعَالَى.\nقَالَ (١٤): وَلِلْمَكْرُوهَةِ (١٥) أمثلة: منها زخرفة المساجد، وتزويق (١٦) المصاحف.\n_________\n(١) في (خ): \"أو تمييز\".\n(٢) في (غ): \"منه\".\n(٣) تقدم التعريف بهم (ص١١).\n(٤) هم القائلون بأن العبد مجبور على فعله من إيمان أو كفر ومن خير أو شر، وأن العبد لا اختيار له ولا قدرة، وأن الله تعالى هو الذي جبر العباد على الكفر أو الإيمان، وممن قال به الجهمية والنجارية والضرارية.\nانظر: الملل والنحل (ص٨٧)، البرهان للسكسكي (ص٤٢).\n(٥) تقدم التعريف بهم (ص٢٧).\n(٦) المجسمة هم القائلون بأن الله جسم من الأجسام، وشبهوه سبحانه بالمخلوقات، وهو مذهب فرق من الشيعة الغلاة، ومن المبتدعة من يلمز أهل السنة بهذا الوصف.\nانظر: مقالات الإسلاميين للأشعري (١/ ١٠٢ - ١٠٥)، دائرة المعارف الإسلامية (٦/ ٤٦٠).\n(٧) في (خ): \"أحد\".\n(٨) في (غ): \"القناطير\".\n(٩) في (غ) و(ر): \"يعين\".\n(١٠) في (خ) و(ط): \"الصدر\".\n(١١) ما بين المعكوفين ساقط من (ط).\n(١٢) ما بين المعكوفين ساقط من (غ).\n(١٣) عبارة قواعد الأحكام: \"ومنها الكلام في الجدل في جمع المحافل .. \".\n(١٤) بياض في (غ).\n(١٥) في (خ) و(ت) و(ط): \"وللكراهة\".\n(١٦) زوّق الكلام والكتاب حسنه وقومه. انظر الصحاح (٤/ ١٤٩٢)، ولعل مراده ما حدث من التفنن في كتابة المصاحف.","vol":"1","page":326},{"text":"وَأَمَّا تَلْحِينُ الْقُرْآنِ بِحَيْثُ تَتَغَيَّرُ (١) أَلْفَاظُهُ عَنِ الْوَضْعِ الْعَرَبِيِّ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مِنَ الْبِدَعِ الْمُحَرَّمَةِ.\nقال: وللبدع المباحة (٢) أمثلة: منها المصافحة عقيب (٣) صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، وَمِنْهَا التَّوَسُّعُ فِي اللَّذِيذِ مِنَ الْمَأْكَلِ (٤) وَالْمَشْرَبِ (٥) وَالْمَلَابِسِ وَالْمَسَاكِنِ، وَلِبْسِ الطَّيَالِسَةِ (٦)، وَتَوْسِيعِ الْأَكْمَامِ.\nوَقَدِ اخْتُلِفَ (٧) فِي بَعْضِ ذَلِكَ، فَجَعَلَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنِ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ، وَجَعَلَهُ (٨) آخَرُونَ مِنَ السُّنَنِ الْمَفْعُولَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَا بَعْدَهُ، كَالِاسْتِعَاذَةِ وَالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ (٩). انْتَهَى مَحْصُولُ مَا قَالَ.\nوَهُوَ يُصَرِّحُ مَعَ مَا قَبْلَهُ (١٠) بِأَنَّ الْبِدَعَ تَنْقَسِمُ بِأَقْسَامِ الشَّرِيعَةِ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ تُحْمَلَ أَدِلَّةُ ذَمِّ الْبِدَعِ عَلَى الْعُمُومِ، بَلْ لَهَا مُخَصَّصَاتٌ.\nوَالْجَوَابُ (١١): أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ أَمْرٌ مُخْتَرَعٌ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، بَلْ هو في نَفْسُهُ مُتَدَافِعٌ، لِأَنَّ مِنْ حَقِيقَةِ الْبِدْعَةِ أَنْ لَا يَدُلَّ عَلَيْهَا دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ لَا مِنْ نُصُوصِ الشَّرْعِ، وَلَا مِنْ قَوَاعِدِهِ، إِذْ لَوْ كَانَ هُنَالِكَ مَا يَدُلُّ مِنَ الشَّرْعِ عَلَى وُجُوبٍ أَوْ نَدْبٍ أَوْ إِبَاحَةٍ لَمَا كَانَ ثَمَّ بِدْعَةٌ، وَلَكَانَ الْعَمَلُ دَاخِلًا فِي عُمُومِ الأعمال المأمور بها، أو المخير فيها.\n_________\n(١) في (م) و(ت): \"يتغير\".\n(٢) ساقطة من (خ).\n(٣) في (خ) و(ط): \"عقب\".\n(٤) في (غ): \"المآكل\".\n(٥) في (غ) و(ر): \"المشارب\".\n(٦) قال في اللسان: \"والطيلس والطيلسان ضرب من الأكسية ..، والجمع طيالس وطيالسة\". وقال في حاشية الكتاب: قوله: \"ضرب من الأكسية\" أي الأسود.\nانظر: اللسان (٦/ ١٢٥).\n(٧) في (م) و(ت) و(غ) و(ر): \"يختلف\".\n(٨) في (غ): \"ويجعله\".\n(٩) ذكر هذه الأقسام العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام (٢/ ١٩٥ - ١٩٦).\n(١٠) وهو كلام الإمام القرافي السابق.\n(١١) من هنا يبدأ المؤلف في الرد على ما قاله الإمام القرافي وشيخه العز بن عبد السلام من انقسام البدعة إلى واجبة ومحرمة ..، وسوف يستغرق هذا الرد أكثر ما تبقى من هذا الباب، مع بعض الاستطرادات في مسائل التصوف.","vol":"1","page":327},{"text":"فَالْجَمْعُ بَيْنَ كَوْنِ (١) تِلْكَ الْأَشْيَاءِ بِدَعًا، وَبَيْنَ (٢) كَوْنِ الْأَدِلَّةِ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهَا أَوْ نَدْبِهَا أَوْ إِبَاحَتِهَا، جَمْعٌ بَيْنَ مُتَنَافِيَيْنِ.\nأَمَّا الْمَكْرُوهُ مِنْهَا وَالْمُحَرَّمُ (٣) فَمُسَلَّمٌ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا بِدَعًا، لَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، إِذْ لَوْ دَلَّ الدليل على منع أمر ما (٤)، أَوْ كَرَاهَتِهِ (٥)، لَمْ يُثْبِتْ بِذَلِكَ (٦) كَوْنَهُ بِدْعَةً، لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ (٧) مَعْصِيَةً، كَالْقَتْلِ وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهَا. فَلَا بِدْعَةَ يُتَصَوَّرُ فِيهَا ذَلِكَ التَّقْسِيمُ أَلْبَتَّةَ، إِلَّا الْكَرَاهِيَةَ وَالتَّحْرِيمَ، حَسْبَمَا يُذْكَرُ في بابه (٨) (إن شاء الله) (٩).\nفما ذكره الْقَرَافِيُّ (١٠) عَنِ الْأَصْحَابِ مِنَ الِاتِّفَاقِ عَلَى إِنْكَارِ الْبِدَعِ صَحِيحٌ، وَمَا قَسَّمَهُ فِيهَا غَيْرُ صَحِيحٍ.\nومن العجب حكايته (١١) الِاتِّفَاقِ مَعَ (١٢) الْمُصَادَمَةِ بِالْخِلَافِ، وَمَعَ (١٣) مَعْرِفَتِهِ بِمَا يَلْزَمُهُ فِي خَرْقِ الْإِجْمَاعِ، وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا اتَّبَعَ فِي هَذَا التَّقْسِيمِ شَيْخَهُ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ، فإن ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ ظَاهِرٌ مِنْهُ أَنَّهُ سَمَّى الْمَصَالِحَ الْمُرْسَلَةَ بِدَعًا، بِنَاءً - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ أَعْيَانُهَا تَحْتَ النُّصُوصِ الْمُعَيَّنَةِ، وَإِنْ كَانَتْ تُلَائِمُ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ، فَمِنْ هُنَالِكَ جعل القواعد هي الدالة على استحسانها، فتسميته (١٤) لها بلفظ البدع هو (١٥) مِنْ حَيْثُ فُقْدَانِ الدَّلِيلِ الْمُعَيَّنِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ المعيّنة (١٦) واستحسانها من حيث دخولها تحت\n_________\n(١) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(٢) ساقطة من (غ) و(ر).\n(٣) في (غ) و(ر): \"أو المحرم\".\n(٤) زيادة في (م) و(غ).\n(٥) في (م): \"كراهية\"، وفي (ت): \"كراهيته\".\n(٦) في (خ) و(ط): \"ذلك\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"تكون\".\n(٨) وهو الباب السادس من هذا الكتاب (٢/ ٣٦).\n(٩) ما بين المعكوفين ساقط من (م) و(ط) و(ت) و(خ).\n(١٠) تقدم قوله وترجمته (ص٣٥٠).\n(١١) في (ط): \"حكاية\".\n(١٢) في (غ) و(ر): \"ثم\".\n(١٣) في (م) و(ت) و(غ): \"مع\" بدون الواو.\n(١٤) في (خ) و(ط): \"بتسميته\"، والباء غير واضحة في (ت).\n(١٥) في (خ) و(ط): \"وهو\".\n(١٦) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).","vol":"1","page":328},{"text":"الْقَوَاعِدِ، وَلَمَّا بَنَى عَلَى اعْتِمَادِ تِلْكَ الْقَوَاعِدِ اسْتَوَتْ عِنْدَهُ مَعَ الْأَعْمَالِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ النُّصُوصِ الْمُعَيَّنَةِ، وَصَارَ مِنَ الْقَائِلِينَ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ، وَسَمَّاهَا بِدَعًا فِي اللَّفْظِ، كَمَا سَمَّى عُمَرُ ﵁ الْجَمْعَ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ فِي الْمَسْجِدِ بِدْعَةً (١)، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.\nأَمَّا الْقَرَافِيُّ فَلَا عُذْرَ لَهُ فِي نَقْلِ تِلْكَ الْأَقْسَامِ عَلَى غَيْرِ مُرَادِ شَيْخِهِ وَلَا عَلَى مُرَادِ النَّاسِ، لِأَنَّهُ خَالَفَ الْكُلَّ فِي ذَلِكَ التَّقْسِيمِ فَصَارَ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ (٢).\nثُمَّ نَقُولُ: أَمَّا قِسْمُ الْوَاجِبِ فَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ آنِفًا فَلَا نُعِيدُهُ (٣)، وَأَمَّا قِسْمُ التَّحْرِيمِ فَلَيْسَ فِيهِ مَا هُوَ بِدْعَةٌ هَكَذَا بِإِطْلَاقٍ، بَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ مُخَالَفَةٌ لِلْأَمْرِ الْمَشْرُوعِ، فَلَا يَزِيدُ عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ إِلَّا من جهة كونه موضوعًا على وزان الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ اللَّازِمَةِ، كَالزَّكَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ، وَالنَّفَقَاتِ الْمُقَدَّرَةِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (٤)، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ منه طرف (٥).\nفإذن لَا يَصِحُّ أَنْ يُطْلَقَ الْقَوْلُ فِي هَذَا القسم بأنه بدعة دون أن يقسم الأمر في ذلك.\nوَأَمَّا قِسْمُ الْمَنْدُوبِ فَلَيْسَ مِنِ الْبِدَعِ بِحَالٍ، ويتبين (٦) ذَلِكَ بِالنَّظَرِ فِي الْأَمْثِلَةِ الَّتِي مَثَّلَ لَهَا (٧) فصلاة (٨) التراويح في رمضان جماعة في المسجد، قد (٩) قام بها رسول الله (١٠) ﷺ في المسجد، واجتمع الناس خلفه.\n_________\n(١) تقدم تخريج قوله ﵁ في الباب الأول (ص٥٠)، وسيذكره المؤلف قريبًا.\n(٢) في هذا تحامل على الإمام القرافي ﵀، فإن قوله هو قول شيخه العز بن عبد السلام، والتماس العذر لأحدهما دون الآخر غير مقبول.\n(٣) وهو جمع القرآن كما تقدم (ص٣٤٥).\n(٤) وذلك في الباب السابع (٢/ ٨٠ - ٨٢).\n(٥) وذلك (ص٥٤).\n(٦) في (م) و(ح) و(ت) و(ط): \"وتبيين\".\n(٧) في (م) و(غ): \"بها\".\n(٨) في (خ) و(ط): \"بصلاة\".\n(٩) في (خ) و(ط): \"فقد\".\n(١٠) في (ط): \"النبي\".","vol":"1","page":329},{"text":"فَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١) رَمَضَانَ فَلَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَتِ السَّادِسَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا، فَلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ قَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ، فَقُلْنَا (٢): يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ نَفَّلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، قَالَ: فَقَالَ: \"إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ\"، قَالَ: فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ لَمْ يَقُمْ، فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ جَمَعَ أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ، وَالنَّاسَ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا الْفَلَاحُ؟ قَالَ: السَّحُورُ (٣)، ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بنا بقية الشهر. ونحوه في الترمذي قال (٤) فيه: حسن صحيح (٥).\nلكنه ﷺ لَمَّا خَافَ افْتِرَاضَهُ (٦) عَلَى الْأُمَّةِ أَمْسَكَ عَنْ (٧) ذَلِكَ، فَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (٨) ﷺ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى الْقَابِلَةَ فَكَثُرَ النَّاسُ، ثم اجتمعوا من (٩) اللَّيْلَةَ الثَّالِثَةَ أَوِ الرَّابِعَةَ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمُ رسول الله (١٠) ﷺ، فلما أَصْبَحَ قَالَ: \"قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ، فَلَمْ يمنعني من الخروج إلا أني\n_________\n(١) زاد ناسخ (غ) بعض الكلمات هنا ثم عاد إلى رواية الحديث كما هو هنا.\n(٢) في (غ): \"فقلت\".\n(٣) في (ط): \"السجود\".\n(٤) في (ط): \"وقال\".\n(٥) رواه الإمام الترمذي في كتاب الصوم من سننه، باب ما جاء في قيام شهر رمضان عن أبي ذر ﵁، وقال: حسن صحيح، وهو برقم (٨٠٦) (٣/ ١٦٩) والإمام أبو داود في كتاب الصلاة، باب في قيام شهر رمضان برقم (١٣٧٥) (٢/ ٥١)، والإمام النسائي في كتاب قيام الليل وتطوع النهار من سننه، باب قيام شهر رمضان (٣/ ٢٠٢)، والإمام ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في قيام شهر رمضان برقم (١٣٢٧) (١/ ٤٢٠)، والإمام أحمد في المسند (٥/ ١٥٩ - ١٦٠)، والإمام الدارمي في كتاب الصوم من سننه، باب في فضل قيام شهر رمضان (١٧٧٧) (٢/ ٤٢)، والإمام البيهقي في سننه (٢/ ٤٩٤)، وصححه الشيخ الألباني كما في صحيح الجامع برقم (١٦١٥).\n(٦) في (ت): \"على افتراضه\".\n(٧) ساقطة من (غ).\n(٨) في (ط): \"أن النبي\".\n(٩) ساقطة من (خ) و(ت) و(ط).\n(١٠) في (ط): \"فلم يخرج إليهم النبي\".","vol":"1","page":330},{"text":"خَشِيتُ أَنْ يُفْرَضَ (١) عَلَيْكُمْ\" (٢)، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ، وَخَرَّجَهُ (٣) مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ. فَتَأَمَّلُوا، فَفِي هَذَا (٤) الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهَا سُنَّةً، فَإِنَّ قِيَامَهُ أَوَّلًا (٥) بِهِمْ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْقِيَامِ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً فِي رَمَضَانَ، وَامْتِنَاعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْخُرُوجِ خَشْيَةَ الِافْتِرَاضِ لَا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِهِ مُطْلَقًا، لِأَنَّ زَمَانَهُ كَانَ زَمَانَ وَحْيٍ وَتَشْرِيعٍ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ إِذَا عَمِلَ بِهِ النَّاسُ بِالْإِلْزَامِ، فَلَمَّا زَالَتْ عِلَّةُ التَّشْرِيعِ بِمَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجَعَ الْأَمْرُ إِلَى أَصْلِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ الْجَوَازُ، فَلَا نَاسِخَ لَهُ. وَإِنَّمَا لَمْ يُقِمْ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لِأَحَدِ أمرين:\nإما لأنه رأى من (٦) قيام الناس في (٧) آخر الليل، وقوتهم (٨) عليه ما (٩) كَانَ أَفْضَلَ عِنْدَهُ مِنْ جَمْعِهِمْ عَلَى إِمَامٍ أَوَّلَ اللَّيْلِ. ذَكَرَهُ الطَّرْطُوشِيُّ (١٠).\nوَإِمَّا لِضِيقِ زَمَانِهِ ﵁ عَنِ النَّظَرِ فِي هَذِهِ الْفُرُوعِ، مَعَ شُغْلِهِ بِأَهْلِ الرِّدَّةِ (١١)، وَغَيْرِ ذَلِكَ مما هو أوكد (١٢) من صلاة التراويح.\n_________\n(١) في (خ): \"يعرض\".\n(٢) رواه الإمام البخاري في كتاب صلاة التراويح من صحيحه، باب فضل من قام رمضان عن عائشة ﵂ (٤/ ٢٥٠ - ٢٥١ فتح)، والإمام مسلم في كتاب المسافرين من صحيحه، باب الترغيب في صلاة التراويح (٦/ ٤١ نووي)، والإمام أبو داود في كتاب الصلاة من سننه، باب في قيام شهر رمضان برقم (١٣٧٣) (٢/ ٥٠)، والإمام النسائي في كتاب قيام الليل وتطوع النهار من سننه، باب قيام شهر رمضان (٣/ ٢٠٢)، والإمام أحمد في المسند (٦/ ١٨٢ - ١٨٣)، والإمام مالك في الموطأ (١/ ١١٣).\n(٣) في (غ): \"خرجه\".\n(٤) ساقط من (ر).\n(٥) في (خ): \"أولى\".\n(٦) في (خ) و(ت) و(ط): \"أن\".\n(٧) ساقطة من (خ) و(ط) و(ر).\n(٨) في (خ) و(ط): \"وما هم به عليه\"، وفي (ت): \"ومن بهم عليه\".\n(٩) ساقطة من (خ) و(ط).\n(١٠) تقدمت ترجمة الإمام الطرطوشي (ص٢٨٥)، وقوله هذا في كتاب الحوادث والبدع (ص١٣٤ - ١٣٥). وقد راعيت في اختيار الألفاظ ما هو أقرب إلى نص الإمام الطرطوشي.\n(١١) وكذلك هذا السبب ذكره الإمام الطرطوشي في نفس الموضع السابق.\n(١٢) في (ت) و(غ) و(ر): \"آكد\".","vol":"1","page":331},{"text":"فلما تمهد الإسلام في زمان (١) عُمَرَ ﵁، وَرَأَى النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْزَاعًا (٢) كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ، قَالَ: لَوْ جُمِعَتِ النَّاسُ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ، فَلَمَّا تَمَّ لَهُ ذَلِكَ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ قِيَامَهُمْ آخِرَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ، ثُمَّ اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ وَإِقْرَارِهِ (٣)، وَالْأُمَّةُ لَا تجتمع على ضلالة.\nوقد نص الأصوليون على (٤) أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ (٥) (٦).\nفَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ سَمَّاهَا عُمَرُ ﵁ بِدْعَةً، وَحَسَّنَهَا بِقَوْلِهِ: (نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هذه) (٧)، وإذا ثبتت (٨) بدعة ما (٩) مُسْتَحْسَنَةٌ فِي الشَّرْعِ ثَبَتَ مُطْلَقُ الِاسْتِحْسَانِ فِي البدع (١٠).\nفالجواب (١١): أنه (١٢) إِنَّمَا سَمَّاهَا بِدْعَةً بِاعْتِبَارِ ظَاهِرِ الْحَالِ، مِنْ حَيْثُ تَرَكَهَا رَسُولُ (اللَّهِ صَلَّى) (١٣) اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاتَّفَقَ أَنْ لَمْ تَقَعْ فِي زَمَانِ أَبِي بَكْرٍ ﵁، لَا أَنَّهَا بِدْعَةٌ فِي الْمَعْنَى، فَمَنْ سَمَّاهَا بِدْعَةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَلَا مُشَاحَةَ فِي الْأَسَامِي، وَعِنْدَ ذَلِكَ لا (١٤) يَجُوزُ (١٥) أَنْ (١٦) يُسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى جَوَازِ الِابْتِدَاعِ بِالْمَعْنَى الْمُتَكَلَّمِ فِيهِ، لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ تَحْرِيفِ\n_________\n(١) في (خ) و(ط): \"زمن\".\n(٢) قال الحافظ ابن حجر في الفتح: \"أوزاع: بسكون الواو بعدها زاي أي جماعة متفرقون\". (٤/ ٢٥٠). وانظر الصحاح (٣/ ١٢٩٧).\n(٣) جزء من هذه الكلمة واقع في البياض في نسخة (ت).\n(٤) ساقطة من (خ) و(ط).\n(٥) بياض في (ت).\n(٦) انظر في هذه المسألة: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ٣٢٢ - ٣٢٥)، والرسالة للشافعي (٤٧٢)، أصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي (١/ ٥٨٦)، أصول الفقه للشيخ أبي زهرة (ص٢٠٨).\n(٧) تقدم تخريجه (ص٥٠).\n(٨) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"ثبت\".\n(٩) زيادة في (غ) و(ر).\n(١٠) في (غ) و(ر): \"الفدع\".\n(١١) جزء من الكلمة في البياض في نسخة (ت).\n(١٢) ساقطة من (خ) و(ط).\n(١٣) بياض في (ت).\n(١٤) في (خ) و(ط): \"فلا\".\n(١٥) بياض في (ت).\n(١٦) بياض في (ت).","vol":"1","page":332},{"text":"الْكَلِمِ (١) عَنْ مَوَاضِعِهِ. فَقَدْ (٢) قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: (إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٣) ليدع العمل وهو يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ به الناس فيفرض عليهم) (٤) (٥).\nوقد نهى ﷺ عَنِ الْوِصَالِ (٦) رَحْمَةً بِالْأُمَّةِ، وَقَالَ: \"إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي (٧) أَبِيتُ (٨) عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي\" (٩).\nوَوَاصَلَ النَّاسُ بَعْدَهُ لعلمهم بوجه العلة (١٠) في (١١) النَّهْيِ (١٢) حَسْبَمَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.\n_________\n(١) جزء من الكلمة في البياض في نسخة (ت).\n(٢) في (غ) و(ر): \"وقد\".\n(٣) بياض في (ت).\n(٤) جزء من الكلمة في البياض في نسخة (ت).\n(٥) رواه الإمام البخاري في كتاب التهجد من صحيحه، باب تحريض النبي ﷺ على صلاة الليل والنوافل (٣/ ١٠)، والإمام مسلم في كتاب صلاة المسافرين من صحيحه، باب استحباب صلاة الضحى (٥/ ٢٢٨ - ٢٢٩)، والإمام أبو داود في كتاب الصلاة من سننه، باب صلاة الضحى برقم (١٢٩٣) (٢/ ٢٨)، والإمام أحمد في المسند (٦/ ٣٤ - ٣٥، ١٦٨، ١٧٠).\n(٦) الوصال هو صوم يومين فصاعدًا من غير أكل أو شرب بينهما. انظر شرح مسلم للنووي (٧/ ٢١١).\n(٧) بياض في (ت).\n(٨) جزء من الكلمة في البياض في نسخة (ت).\n(٩) رواه الإمام البخاري في كتاب الصوم من صحيحه، باب الوصال ومن قال ليس في الليل صيام عن عائشة ﵂ (٤/ ٢٠٢)، والإمام مسلم في كتاب الصيام من صحيحه، باب النهي عن الوصال (٧/ ٢١١)، والإمام أحمد في مسنده (٣/ ٨)، والإمام مالك في الموطأ في كتاب الصيام، باب النهي عن الوصال (١/ ٣٠١).\n(١٠) في (ط): \"علة\".\n(١١) ساقطة من (ط).\n(١٢) لا يفهم من هذا أن جميع الناس قد واصلوا، بل الوصال مختلف في حكمه، فمن الناس من يرى جوازه، وهو مروي عن ابن الزبير وغيره من السلف، ومنهم من يراه غير جائز، وهو مروي عن مالك وأبي حنيفة والشافعي والثوري ﵏، ومنهم من يرى أنه يجوز من السحر إلى السحر، وهو مروي عن أحمد وإسحاق. انظر هذه الأقوال وأدلتها في زاد المعاد لابن القيم (٢/ ٣٥ - ٣٨)، شرح مسلم للنووي (٧/ ٢١١ - ٢١٢)، فتح الباري لابن حجر (٤/ ٢٠٤ - ٢٠٥).","vol":"1","page":333},{"text":"وَذَكَرَ الْقَرَافِيُّ مِنْ (١) جُمْلَةِ الْأَمْثِلَةِ: إِقَامَةُ صُوَرِ الأئمة والقضاة، إلى آخر مَا قَالَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ (٢) مِنْ قَبِيلِ الْبِدَعِ بِسَبِيلٍ:\nأَمَّا أَوَّلًا: فَإِنَّ التَّجَمُّلَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَوِي الْهَيْئَاتِ وَالْمَنَاصِبِ الرَّفِيعَةِ مَطْلُوبٌ، وَقَدْ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حُلَّةٌ يَتَجَمَّلُ بِهَا لِلْوُفُودِ، وَمِنَ الْعِلَّةِ فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ أَهْيَبُ وَأَوْقَعُ في النفوس، (وأحرى بحصول) (٣) (التَّعْظِيمَ فِي الصُّدُورِ) (٤)، وَمِثْلُهُ التَّجَمُّلُ لِلِقَاءِ (٥) الْعُظَمَاءِ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَشَجِّ (٦) عَبْدِ الْقَيْسِ (٧).\nوَأَمَّا ثَانِيًا: فَإِنْ سَلَّمْنَا أَنْ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ، فَهُوَ مِنْ (٨) قَبِيلِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّهَا ثَابِتَةٌ فِي الشَّرْعِ (٩).\nوَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَأْكُلُ خُبْزَ الشَّعِيرِ، وَيَفْرِضُ لِعَامِلِهِ نِصْفَ شَاةٍ، فَلَيْسَ فِيهِ تَفْخِيمُ صُورَةِ الْإِمَامِ وَلَا عَدَمُهُ، بَلْ فَرَضَ لَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ خَاصَّةً، وَإِلَّا فَنِصْفُ شَاةٍ لِبَعْضِ الْعُمَّالِ قَدْ لَا يَكْفِيهِ لِكَثْرَةِ عيال، وطروق\n_________\n(١) في (ط): \"مي\".\n(٢) ساقطة من (غ).\n(٣) ما بين المعكوفين ساقط من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(٤) ما بين المعكوفين كتب في (خ) و(ط): \"من تعظيم العظماء\".\n(٥) في (خ) و(ت): \"لالقاء\".\n(٦) في (م): \"الشيخ\"، وفي (ت): \"اشيخ\".\n(٧) يشير المؤلف إلى حديث زارع، وكان في وفد عبد القيس، قال: لما قدمنا المدينة فجعلنا نتبادر من رواحلنا، فنقبل يد النبي ﷺ ورجله، قال: وانتظر المنذر الأشج حتى أتى عيبته، فلبس ثوبيه، ثم أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ له: \"إن فيك خلتين يحبهما الله: الحلم والأناة\"، قال: يا رسول الله أنا أتخلق بهما أم الله جبلني عليهما؟ قال: \"بل الله جبلك عليهما\" قل الحمد لله الذي جبلني على خلتين يحبهما الله ورسوله. رواه الإمام أبو داود، واللفظ له، في كتاب الأدب، باب في قبلة الجسد برقم (٥٢٢٤) (٤/ ٣٥٨)، والإمام ابن ماجه في كتاب الزهد من سننه، باب الحلم برقم (٤١٨٧) (٢/ ١٤٠١) والإمام أحمد في المسند (٤/ ٢٠٦)، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (٣/ ١٨١) دون قوله: \"إن فيك .. \" فإنها في صحيح مسلم عن ابن عباس في كتاب الإيمان من صحيحه، باب ذكر وفد عبد القيس (١/ ١٨٩)، والإمام الترمذي في كتاب البر والصلة من سننه، باب ما جاء في التأني والعجلة برقم (٢٠١١) (٤/ ٣٢٢).\n(٨) ساقطة من (م).\n(٩) تقدم القول بإثباتها (ص٥٠).","vol":"1","page":334},{"text":"ضَيْفٍ، وَسَائِرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ لِبَاسٍ وَرُكُوبٍ وَغَيْرِهِمَا، فَذَلِكَ قَرِيبٌ مِنْ أَكْلِ الشَّعِيرِ فِي الْمَعْنَى، وَأَيْضًا فَإِنَّ مَا يَرْجِعُ إِلَى الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ لَا تَجَمُّلَ فِيهِ (١) بِالنِّسْبَةِ إِلَى الظُّهُورِ لِلنَّاسِ.\nوَقَوْلُهُ: (فَكَذَلِكَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَجْدِيدِ زَخَارِفَ وَسِيَاسَاتٍ لَمْ تَكُنْ قَدِيمَةً، وَرُبَّمَا وَجَبَتْ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ (٢» مُفْتَقِرٌ إِلَى التَّأَمُّلِ، فَفِيهِ - عَلَى الْجُمْلَةِ - أَنَّهُ مُنَاقِضٌ لِقَوْلِهِ فِي (٣) آخِرِ الْفَصْلِ (الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ، وَالشَّرُّ كُلُّهُ في الابتداع) مع ما ذكر قبله.\nفإن هذا (٤) كَلَامٌ يَقْتَضِي أَنَّ الِابْتِدَاعَ شَرٌّ كُلُّهُ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَ مَعَ فَرْضِ الْوُجُوبِ، وَهُوَ قَدْ ذَكَرَ أَنَّ الْبِدْعَةَ قَدْ تَجِبُ، وَإِذَا وجبت لزم العمل بها، وهي كما قال تتضمن (٥) الشَّرِّ كُلِّهِ، فَقَدِ اجْتَمَعَ فِيهَا الْأَمْرُ بِهَا، والأمر بتركها، ولا يمكن فيها (٦) الِانْفِكَاكُ - وَإِنْ كَانَا مِنْ جِهَتَيْنِ - لِأَنَّ الْوُقُوعَ يَسْتَلْزِمُ الِاجْتِمَاعَ (٧)، وَلَيْسَا كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ (٨)، لِأَنَّ الِانْفِكَاكَ فِي الْوُقُوعِ مُمْكِنٌ، وَهَاهُنَا إِذَا وَجَبَتْ فَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَى (٩) الْخُصُوصِ، وَقَدْ فَرَضَ أَنَّ الشَّرَّ فِيهَا عَلَى الْخُصُوصِ فَلَزِمَ التَّنَاقُضَ.\nوَأَمَّا عَلَى التَّفْصِيلِ، فَإِنَّ تَجْدِيدَ الزَّخَارِفِ فِيهِ مِنَ الْخَطَأِ مَا لَا يَخْفَى. وَأَمَّا السِّيَاسَاتُ، فَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ فَلَيْسَتْ بِبِدَعٍ، وَإِنْ خَرَجَتْ عَنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ يُنْدَبُ إِلَيْهَا (١٠)؟ وَهِيَ مَسْأَلَةُ النِّزَاعِ.\nوَذَكَرَ فِي قِسْمِ (١١) الْمَكْرُوهِ أَشْيَاءَ هِيَ مِنْ قَبِيلِ (الْبِدَعِ في) (١٢) الجملة\n_________\n(١) ساقطة من (غ).\n(٢) في (خ) و(ت): \"الأموال\".\n(٣) ساقطة من (م) و(ت) و(غ).\n(٤) في (خ) و(ط): \"فهذا\".\n(٥) عبارة (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"لما باتت ضمن\".\n(٦) في (ط) و(غ): \"فيهما\".\n(٧) في (غ): \"الإجماع\".\n(٨) العبارة في (ت): \"وليسا كالدار المغصوبة\".\n(٩) جزء منها في البياض في نسخة (ت).\n(١٠) جزء منها في البياض في نسخة (ت).\n(١١) في (غ): \"القسم\".\n(١٢) بعض أجزاء الكلمتين واقع في البياض في نسخة (ت).","vol":"1","page":335},{"text":"وَلَا كَلَامَ فِيهَا، أَوْ مِنْ قَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ عَلَى الْعِبَادَاتِ الْمَحْضَةِ (أَنْ لَا) (١) يُزَادَ فِيهَا، وَلَا يُنْقَصَ مِنْهَا (٢)، وَذَلِكَ صَحِيحٌ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فيها (٣)، والنقصان منها (٤) بدع منكرة، ممآلاتها (٥) وَذَرَائِعُهَا يُحْتَاطُ بِهَا فِي جَانِبِ النَّهْيِ.\nوَذَكَرَ فِي قِسْمِ الْمُبَاحِ مَسْأَلَةَ الْمَنَاخِلِ، وَلَيْسَتْ - فِي الْحَقِيقَةِ - مِنَ الْبِدَعِ بَلْ هِيَ مِنْ بَابِ التَّنَعُّمِ، وَلَا يُقَالُ فِيمَنْ تَنَعَّمَ بِمُبَاحٍ: إِنَّهُ قَدِ ابْتَدَعَ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ ذَلِكَ - إِذَا اعْتُبِرَ - إِلَى جِهَةِ الْإِسْرَافِ فِي الْمَأْكُولِ، لِأَنَّ الْإِسْرَافَ كَمَا يَكُونُ فِي جِهَةِ الْكَمِّيَّةِ، كَذَلِكَ (٦) يَكُونُ فِي جِهَةِ الْكَيْفِيَّةِ، فَالْمَنَاخِلُ لَا تَعْدُو (٧) الْقِسْمَيْنِ، فإن كان الإسراف مما له (٨) بال (٩) كُرِهَ (١٠)، وَإِلَّا اغْتُفِرَ، مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ الْجَوَازُ.\nوَمِمَّا يَحْكِيهِ أَهْلُ التَّذْكِيرِ مِنَ الْآثَارِ أَنَّ (١١) أَوَّلَ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ: الْمَنَاخِلُ، والشبع، وغسل اليد (١٢) بالأُشْنَان (١٣) بَعْدَ الطَّعَامِ، وَالْأَكْلُ عَلَى الْمَوَائِدِ.\nوَهَذَا كُلُّهُ - إِنْ ثَبَتَ نَقْلًا - لَيْسَ بِبِدْعَةٍ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى أَمْرٍ آخَرَ، وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّهُ بِدْعَةٌ فَلَا نُسَلِّمُ (١٤) أَنَّهَا مُبَاحَةٌ، بَلْ هِيَ ضلالة ومنهي عنها، ولكنا لا نقول (١٥) بذلك.\n_________\n(١) بياض في (ت).\n(٢) في (م) و(ت): \"فيها\".\n(٣) ساقطة من (م) و(ت) و(غ) و(ر).\n(٤) في (م) و(ت) و(غ) و(ر): \"فيها\".\n(٥) جزء من الكلمة في البياض في نسخة (ت) و(غ)، وفي (م) و(ط): \"فحالاتها\".\n(٦) زيادة في (م).\n(٧) في (غ) و(ر): \"لا تعدى\".\n(٨) في (ط): \"من ماله\".\n(٩) ساقطة من (خ) و(ط).\n(١٠) في (خ) و(ط): \"فإن كره\"، وفي (ت): \"اكره\".\n(١١) ساقطة من (م) و(ت) و(غ) و(ر).\n(١٢) في (خ) و(ط): \"اليدين\".\n(١٣) الأشنان والإشنان من الحمض، الذي يغسل به الأيدي. لسان العرب (١٣/ ١٨).\n(١٤) في (ط): \"لسلم\".\n(١٥) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"نقول\" بدون \"لا\".","vol":"1","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>فَصْلٌ</span>\nوَأَمَّا مَا قَالَهُ عِزُّ الدِّينِ (١)، فَالْكَلَامُ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَأَمْثِلَةُ الْوَاجِبِ مِنْهَا مِنْ قَبِيلِ (٢) مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ - كَمَا قَالَ ـ، فَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا بِهِ فِي السَّلَفِ، وَلَا أَنْ يَكُونَ له أصل في الشريعة على الخصوص، لأنه (٣) مِنْ بَابِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ لَا مِنَ (٤) الْبِدَعِ (٥).\nأَمَّا هَذَا الثَّانِي فَقَدْ تَقَدَّمَ (٦)، وَأَمَّا الْأَوَّلُ (٧)، فلأنه لَوْ كَانَ ثَمَّ مَنْ يَسِيرُ إِلَى فَرِيضَةِ الْحَجِّ طَيَرَانًا فِي الْهَوَاءِ (٨)، أَوْ مَشْيًا عَلَى الْمَاءِ، لَمْ (٩) يُعَدَّ مُبْتَدِعًا بِمَشْيِهِ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِنَّمَا هُوَ التَّوَصُّلُ إِلَى مَكَّةَ لِأَدَاءِ الْفَرْضِ، وَقَدْ حَصَلَ عَلَى الْكَمَالِ، فَكَذَلِكَ هَذَا.\nعلى أن هذه الأشياء (١٠) قَدْ ذَمَّهَا بَعْضُ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ فِي طَرِيقَةِ التَّصَوُّفِ، وَعَدَّهَا مِنْ جُمْلَةِ مَا ابْتَدَعَ النَّاسُ، وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَيَكْفِي فِي رَدِّهِ إِجْمَاعُ النَّاسِ قَبْلَهُ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ.\nعَلَى أَنَّهُ نُقِلَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مخيمرة (١١) أنه ذكرت عنده (١٢) العربية،\n_________\n(١) هو العز بن عبد السلام، وقد تقدم قوله في أقسام البدع (ص٣٥٤ - ٣٥٦).\n(٢) في (ط): \"قبل\".\n(٣) في (م) و(ت) و(غ) و(ر): \"ولأنه\".\n(٤) زيادة في (م) و(غ).\n(٥) عبارة (ت): \"لأن البدع\".\n(٦) وهو ما كان من المصالح المرسلة.\n(٧) وهو ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب.\n(٨) في (م) و(غ): \"الهوى\".\n(٩) في (م) و(ت): \"ثم\".\n(١٠) في (ط): \"أشياء\".\n(١١) هو القاسم بن مخيمرة، أبو عروة، الهمداني، الكوفي، الإمام الحافظ، نزيل دمشق، روى عن بعض الصحابة ﵃، وكان ثقة فاضلًا. توفي سنة مائة أو إحدى ومائة.\nانظر: الكاشف للذهبي (٢/ ٣٣٩)، تقريب التهذيب لابن حجر (٢/ ١٢٠).\n(١٢) ساقطة من (م) و(ت) و(غ) و(ر).","vol":"1","page":337},{"text":"فَقَالَ: (أَوَّلُهَا كِبْرٌ وَآخِرُهَا (١) بَغْيٌ) (٢).\nوَحُكِيَ أَنَّ بَعْضَ السَّلَفِ قَالَ: \"النَّحْوُ يُذْهِبُ الْخُشُوعَ مِنَ القلب، ومن (٣) أَرَادَ أَنْ يَزْدَرِيَ النَّاسَ كُلَّهُمْ فَلْيَنْظُرْ فِي النحو\"، ونقل نحوًا (٤) من هذا (٥).\nوَهَذِهِ كُلُّهَا لَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى الذَّمِّ، لِأَنَّهُ لَمْ يُذَمَّ النَّحْوُ مِنْ حَيْثُ هُوَ بِدْعَةٌ، بَلْ مِنْ حَيْثُ مَا يُكْتَسَبُ بِهِ أَمْرٌ زَائِدٌ، كَمَا يُذَمُّ سَائِرُ عُلَمَاءِ السُّوءِ، لَا لِأَجْلِ عُلُومِهِمْ، بَلْ لِأَجْلِ مَا يَحْدُثُ لَهُمْ بِالْعَرَضِ مِنَ الْكِبْرِ بِهِ وَالْعُجْبِ وَغَيْرِهِمَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُ الْعِلْمِ بِدْعَةً، فَتَسْمِيَةُ الْعُلُومِ الَّتِي يُكْتَسَبُ بِهَا أَمْرٌ مَذْمُومٌ بِدَعًا، إِمَّا عَلَى الْمَجَازِ الْمَحْضِ، مِنْ حَيْثُ لم يحتج إليها أولًا، ثم احتيج إليها (٦) بَعْدُ، أَوْ مِنْ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ بِمَوْضُوعِ الْبِدْعَةِ، إِذْ مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يُدَاخِلُ صَاحِبَهَا الْكِبْرُ وَالزَّهْوُ وَغَيْرُهُمَا، وَلَا يَعُودُ ذَلِكَ عَلَيْهَا بذم.\nومما حكى هذا (٧) الْمُتَصَوِّفَةِ (٨) عَنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ الْخَلَفِ، قَالَ: (الْعُلُومُ تِسْعَةٌ، أَرْبَعَةٌ مِنْهَا سُنَّةٌ مَعْرُوفَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَخَمْسَةٌ مُحْدَثَةٌ لَمْ تَكُنْ تُعْرَفُ فِيمَا سلف، قال (٩): فَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ الْمَعْرُوفَةُ: فَعِلْمُ الْإِيمَانِ وَعِلْمُ الْقُرْآنِ، وَعِلْمُ الْآثَارِ، وَالْفَتَاوَى، وَأَمَّا الْخَمْسَةُ الْمُحْدَثَةُ: فَالنَّحْوُ، وَالْعَرُوضُ، وَعِلْمُ الْمَقَايِيسِ (١٠)، وَالْجَدَلِ فِي الْفِقْهِ، وَعِلْمُ الْمَعْقُولِ بِالنَّظَرِ). انْتَهَى (١١).\nوَهَذَا - إِنْ صَحَّ نَقْلُهُ - فَلَيْسَ أَوَّلًا كَمَا قَالَ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ يحكون\n_________\n(١) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"آخرها\" بدون الواو.\n(٢) اقتضاء العلم العمل للخطيب (ص٩١).\n(٣) في (م) و(ت) و(غ) و(ر): \"من\" بدون الواو.\n(٤) في (خ) و(ت) و(ط): \"نحو\" بدون ألف.\n(٥) في (خ) و(ط): \"هذه\".\n(٦) زيادة في (غ).\n(٧) في (خ) و(ط): \"بعض هذه\".\n(٨) في (م) و(غ) و(ر): \"المتصوف\".\n(٩) زيادة في (م) و(ر).\n(١٠) في (م): \"المقايس\".\n(١١) ساقطة من (خ) و(ط).","vol":"1","page":338},{"text":"عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ (١) أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ هُوَ الَّذِي أَشَارَ عَلَيْهِ بِوَضْعِ شَيْءٍ فِي النَّحْوِ، حِينَ سمع الأعرابي (٢) قَارِئًا يَقْرَأُ (٣): ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (٤) بالجر، (فقال برئت مما برئ الله منه، فبلغت عليًا ﵁، فأشار على أبي الأسود فوضع النحو) (٥).\nوقد روى عن ابن أبي مُلَيْكَةَ (٦) أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أمر أن لا يقرئ (٧) الْقُرْآنَ إِلَّا عَالِمٌ بِاللُّغَةِ، وَأَمَرَ أَبَا الْأَسْوَدِ فَوَضَعَ النَّحْوَ. وَالْعَرُوضُ مِنْ جِنْسِ النَّحْوِ، وَإِذَا كَانَتِ الْإِشَارَةُ مِنْ وَاحِدٍ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ صَارَ النَّحْوُ وَالنَّظَرُ فِي الْكَلَامِ (٨) الْعَرَبِيِّ (٩) مِنْ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَيْسَ (١٠) كَذَلِكَ، فَقَاعِدَةُ الْمَصَالِحِ تَعُمُّ (١١) عُلُومَ الْعَرَبِيَّةِ، أَيْ (١٢) (تَكُونُ مِنْ) (١٣) قَبِيلِ الْمَشْرُوعِ، فَهِيَ مِنْ جِنْسِ كَتْبِ الْمُصْحَفِ، وَتَدْوِينِ الشَّرَائِعِ.\nوَمَا ذُكِرَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ قَدْ رَجَعَ عَنْهُ، فَإِنَّ (١٤) أحمد بن يحيى\n_________\n(١) هو ظالم بن عمرو بن سفيان، أبو الأسود الديلي، ويقال الدؤلي، ولد في أيام النبوة، وحدث عن عمر وعلي وأبي وغيرهم، وحدث عنه ابنه ويحيى بن يعمر وآخرون، قال أحمد والعجلي: ثقة، كان أول من تكلم في النحو، وقد تولى قضاء البصرة. توفي سنة ٩٩هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٨١)، تقريب التهذيب (٢/ ٣٩١)، الكاشف (٣/ ٢٧١).\n(٢) في (خ) و(ط): \"أعرابيًا\".\n(٣) زيادة في (م).\n(٤) سورة براءة: آية (٣).\n(٥) ما بين المعكوفين ساقط من (م) و(خ) و(ت) و(ط) و(ر).\n(٦) هو عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة التيمي، المدني، أدرك ثلاثين مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، وقد ولي القضاء لابن الزبير والأذان أيضًا، وكان عالمًا مفتيًا، صاحب حديث وإتقان، وقد وثقه أبو زرعة وأبو حاتم. توفي سنة ١١٧هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ٨٨)، تقريب التهذيب (١/ ٤٣١)، الكاشف (٢/ ٩٥).\n(٧) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"يقرأ\".\n(٨) في (م) و(ت) و(غ) و(ر): \"كلام\".\n(٩) ساقطة من (م) و(ت)، وفي (غ): \"العرب\".\n(١٠) ساقطة من (غ) و(ر).\n(١١) في (غ) و(ر): \"تضم\".\n(١٢) في (م) و(ت) و(غ) و(ر): \"إلى\".\n(١٣) ما بين المعكوفين ساقط من (م) و(ت).\n(١٤) في (خ) و(ت) و(ط) و(غ): \"قال\".","vol":"1","page":339},{"text":"ثَعْلَبًا (١) قَالَ: كَانَ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ فِي الدِّينِ يَعِيبُ النَّحْوَ، وَيَقُولُ: (أَوَّلُ تَعَلُّمِهِ شُغْلٌ، وَآخِرُهُ بغي (٢) يزدري العالم بِهِ النَّاسُ)، فَقَرَأَ يَوْمًا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٣) (بِرَفْعِ اللَّهِ، وَنَصْبِ الْعُلَمَاءِ) (٤)، فقيل له: كفرت من حيث لم (٥) تَعْلَمُ. تَجْعَلُ اللَّهَ يَخْشَى الْعُلَمَاءَ؟ فَقَالَ: (لَا طعنت (٦) على (٧) علم يؤول (٨) بي (٩) إِلَى مَعْرِفَةِ هَذَا أَبَدًا).\nقَالَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّانِيُّ (١٠): الْإِمَامُ الَّذِي ذَكَرَهُ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى هُوَ الْقَاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ (١١). قَالَ: وَقَدْ جَرَى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ كَلَامٌ، وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَنْتَقِصُ النَّحْوِيِّينَ، فَاجْتَمَعَا فِي جِنَازَةٍ فَقَرَأَ ابْنُ سِيرِينَ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ بِرَفْعِ اسْمِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ: كَفَرْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ، تَعِيبُ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُقِيمُونَ كِتَابَ اللَّهِ؟ فَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِنْ كُنْتُ أَخْطَأْتُ فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.\nوَأَمَّا عِلْمُ الْمَقَايِيسِ فَأَصْلُهُ فِي السُّنَّةِ، ثُمَّ فِي علم السلف بالقياس، نعم (١٢) قَدْ جَاءَ فِي ذَمِّ الْقِيَاسِ أَشْيَاءُ حَمَلُوهَا عَلَى الْقِيَاسِ الْفَاسِدِ، (وَهُوَ الْقِيَاسُ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ، وَهُوَ عُمْدَةُ كُلِّ مُبْتَدَعٍ؛ وَأَمَّا الْجَدَلُ في\n_________\n(١) هو أحمد بن يحيى بن يزيد الشيباني مولاهم، البغدادي، إمام النحو، صاحب \"الفصيح والتصانيف\"، وكان يقول: سمعت من القواريري مائة ألف حديث، قال الخطيب: ثقة حجة، دين صالح، مشهور بالحفظ. مات سنة ٢٩١هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٤/ ٥)، معجم الأدباء (٥/ ١٠٢)، النجوم الزاهرة (٣/ ١٣٣).\n(٢) ساقطة من (خ) و(ط).\n(٣) سورة فاطر: آية (٢٨).\n(٤) ما بين المعكوفين ساقط من (م) و(ت) و(غ) و(ر).\n(٥) في (ط): \"لا\".\n(٦) في (م): \"حصنت\"، وفي (ت): \"ضعنت\".\n(٧) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(٨) في (خ) و(ط): \"يدل\".\n(٩) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(١٠) هو عثمان بن سعيد بن عثمان الداني، الإمام المقرئ، عالم الأندلس، مصنف التيسير، وجامع البيان، وكان أحد الأئمة في علم القرآن، رواياته وتفسير معانيه وإعرابه، مع البراعة في علم الحديث والتفسير والنحو. توفي سنة ٤٤٤هـ.\nانظر: السير (١٨/ ٧٧)، العبر (٣/ ٢٠٧)، معرفة القراء الكبار (١/ ٣٢٥).\n(١١) غير واضحة في (خ).\n(١٢) في (خ) و(ت) و(ط): \"ثم\".","vol":"1","page":340},{"text":"الْفِقْهِ) (١)، فَذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ النَّظَرِ فِي الْأَدِلَّةِ، وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَجْتَمِعُونَ لِلنَّظَرِ فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ الَّتِي لَا نَصَّ فِيهَا لِلتَّعَاوُنِ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْحَقِّ، فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَمِنْ قَبِيلِ الْمُشَاوَرَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا (٢)، فَكِلَاهُمَا مَأْمُورٌ بِهِ.\nوَأَمَّا عِلْمُ الْمَعْقُولِ بِالنَّظَرِ، فَأَصْلُ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى احْتَجَّ فِي الْقُرْآنِ عَلَى الْمُخَالِفِينَ لِدِينِهِ بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (٣)، وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٤)، وَقَوْلُهُ: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ (٥).\nوَحَكَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ ﵇ مُحَاجَّتَهُ لِلْكَفَّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ (٦) إلى آخرها.\nوَفِي الْحَدِيثِ حِينَ ذُكِرَتِ الْعَدْوَى: (فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟) (٧) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّهُ مِنَ الْبِدَعِ؟\nوَقَوْلُ عِزِّ الدِّينِ: (إِنَّ الرَّدَّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ (٨)، وَكَذَا «غَيْرُهُمْ) (٩) مِنْ أَهْلِ (١٠) الْبِدَعِ) (١١) مِنَ الْبِدَعِ الْوَاجِبَةِ) غَيْرُ جَارٍ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَهُوَ مِنَ المصالح المرسلة.\n_________\n(١) ما بين المعكوفين ساقط من (خ) و(ط).\n(٢) في (ط): \"به\".\n(٣) سورة الأنبياء: آية (٢٢).\n(٤) سورة الروم: آية (٤٠).\n(٥) سورة فاطر: آية (٤٠).\n(٦) سورة الأنعام: آية (٧٦).\n(٧) رواه الإمام البخاري في كتاب الطب من صحيحه، باب لا عدوى، عن أبي هريرة وَفِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: \"لا عدوى\"، فقام أعرابي فقال: أرأيت الإبل تكون في الرمال أمثال الظباء، فيأتيها البعير الأجرب فتجرب، قال النبي ﷺ: \"فمن أعدى الأول\"، ورواه الإمام مسلم في كتاب السلام، باب لا عدوى ولا طيرة (١٤/ ٢١٣)، والإمام أبو داود في كتاب الطب، باب في الطيرة برقم (٣٩١١) (٤/ ١٦)، والإمام أحمد في المسند (١/ ٣٢٨).\n(٨) تقدم التعريف بهم (ص١١).\n(٩) زيادة من (ط)، وبها تستقيم العبارة.\n(١٠) ساقطة من (ت).\n(١١) ما بين المعكوفين ساقط من (م) و(غ) و(ر).","vol":"1","page":341},{"text":"(وَأَمَّا أَمْثِلَةُ الْبِدَعِ الْمُحَرَّمَةِ فَظَاهِرَةٌ) (١).\nوَأَمَّا أَمْثِلَةُ البدع (٢) الْمَنْدُوبَةِ: فَذَكَرَ مِنْهَا إِحْدَاثَ الرُّبْطِ وَالْمَدَارِسِ، فَإِنْ عَنَى بِالرُّبْطِ مَا بُنِيَ مِنَ الْحُصُونِ وَالْقُصُورِ قَصْدًا لِلرِّبَاطِ (٣) فِيهَا، فَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ مَشْرُوعٌ بِشَرْعِيَّةِ (٤) الرِّبَاطِ، وَلَا بِدْعَةَ فِيهِ، وَإِنْ عنى بالربط ما بني لالتزام سكناها قصدًا (٥) للانقطاع (٦) للعبادة (٧)، فَإِنَّ (٨) إِحْدَاثَ الرُّبْطِ الَّتِي شَأْنُهَا أَنْ تُبْنَى تَدَيُّنًا لِلْمُنْقَطِعِينَ لِلْعِبَادَةِ - فِي زَعْمِ الْمُحْدَثِينَ - وَيُوقَفُ (٩) عَلَيْهَا أَوْقَافٌ يَجْرِي مِنْهَا عَلَى الْمُلَازِمِينَ لَهَا مَا يَقُومُ بِهِمْ فِي مَعَاشِهِمْ مِنْ طَعَامٍ ولباس (١٠) وَغَيْرِهِمَا، لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ لَهَا (١١) أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ أَمْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لها (١٢) أَصْلٌ دَخَلَتْ فِي الْحُكْمِ تَحْتَ قَاعِدَةِ الْبِدَعِ الَّتِي هِيَ ضَلَالَاتٌ، فَضْلًا عَنْ أَنْ تَكُونَ مُبَاحَةً، فَضْلًا عَنْ أَنْ تَكُونَ مُنْدُوبًا إِلَيْهَا، وإن كان لها أصل فليست بِبِدْعَةٍ فَإِدْخَالُهَا تَحْتَ جِنْسِ الْبِدَعِ غَيْرُ صَحِيحٍ.\nثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ فِي التَّصَوُّفِ تَعَلَّقُوا بالصُّفَّة (١٣) الَّتِي كَانَتْ فِي مَسْجِدِ (١٤) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَجْتَمِعُ فِيهَا فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ، وَهُمُ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ...﴾ (١٥) الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (١٦) الآية، فوصفهم (١٧) بِالتَّعَبُّدِ وَالِانْقِطَاعِ إِلَى اللَّهِ بِدُعَائِهِ قَصْدًا لِلَّهِ خَالِصًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمُ انْقَطَعُوا لِعِبَادَةِ اللَّهِ (١٨)، لَا يَشْغَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ شَاغِلٌ، فَنَحْنُ إِنَّمَا صنعنا صُفَّةً مثلها أو تقاربها\n_________\n(١) ما بين المعكوفين ساقط من (غ).\n(٢) مثبتة من (ر)، وساقطة من بقية لانسخ.\n(٣) في (م) و(ت): \"للرابط\".\n(٤) ساقطة من (غ).\n(٥) في (خ) و(ط): \"قصد\".\n(٦) في (خ) و(ط): \"الانقطاع\".\n(٧) في (خ) و(ط): \"إلى العبادة\".\n(٨) في (خ) و(ت) و(ط): \"لأن\".\n(٩) في (ر): \"يوقف\".\n(١٠) في (م) و(ت): \"أو لباس\".\n(١١) في (ر): \"له\".\n(١٢) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(١٣) عبارة (خ): \"تعلقوا بالضبط بالصفة\".\n(١٤) في (غ): \"مساجد\".\n(١٥) سورة الأنعام: آية (٥٢).\n(١٦) سورة الكهف: آية (٢٨).\n(١٧) في (خ) و(ط): \"فوصفهم الله\".\n(١٨) في (خ) و(ت) و(ط): \"لعبادة الله قصدًا لله خالصًا، لا يشغلهم .. \"، وهو سبق نظر من الناسخ.","vol":"1","page":342},{"text":"ليجتمع (١) فِيهَا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْقَطِعَ (٢) إِلَى اللَّهِ، وَيَلْتَزِمَ الْعِبَادَةَ، وَيَتَجَرَّدَ عَنِ الدُّنْيَا وَالشُّغْلِ بِهَا، وَذَلِكَ كَانَ شَأْنُ الْأَوْلِيَاءِ أَنْ (٣) يَنْقَطِعُوا (٤) عَنِ النَّاسِ، وَيَشْتَغِلُوا (٥) بِإِصْلَاحِ بَوَاطِنِهِمْ، وَيُوَلُّوا (٦) وُجُوهَهُمْ شَطْرَ الْحَقِّ، فَهُمْ عَلَى سِيرَةِ مَنْ تَقَدَّمَ. وَإِنَّمَا يُسَمَّى ذَلِكَ بِدْعَةً بِاعْتِبَارٍ مَا، بَلْ هِيَ سُنَّةٌ، وَأَهْلُهَا مُتَّبِعُونَ لِلسُّنَّةِ، فَهِيَ طَرِيقَةٌ خَاصَّةٌ لأناس خاصة (٧)، وَلِذَلِكَ لَمَّا قِيلَ لِبَعْضِهِمْ: فِي (٨) كَمْ تَجِبُ الزَّكَاةُ؟ قَالَ (٩): عَلَى مَذْهَبِنَا أَمْ عَلَى مَذْهَبِكُمْ؟ ثُمَّ قَالَ: (أَمَّا عَلَى مَذْهَبِنَا فَالْكُلُّ لِلَّهِ، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِكُمْ فَكَذَا وَكَذَا، أَوْ كَمَا قَالَ. وَهَذَا كُلُّهُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي جَرَتْ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ هَكَذَا غَيْرَ مُحَقَّقَةٍ، وَلَا مُنَزَّلَةٍ عَلَى الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، وَلَا عَلَى أَحْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.\nوَلَا بُدَّ مِنْ بَسْطِ طَرْفٍ مِنَ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِحَوْلِ اللَّهِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْحَقُّ فِيهَا لِمَنْ أَنْصَفَ، وَلَمْ يُغَالِطْ نَفْسَهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.\nوَذَلِكَ أَنَّ رسول الله ﷺ لما هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ كَانَتِ الْهِجْرَةُ وَاجِبَةً عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ بِاللَّهِ (١٠)، مِمَّنْ كَانَ بِمَكَّةَ (١١) أَوْ غَيْرِهَا، فَكَانَ مِنْهُمْ مَنِ احْتَالَ عَلَى نَفْسِهِ، فهاجر بماله أو بشيء (١٢) مِنْهُ، فَاسْتَعَانَ بِهِ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي حِرْفَتِهِ الَّتِي كَانَ يَحْتَرِفُ مِنْ تِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، كَأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، فَإِنَّهُ هَاجَرَ بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَكَانَ خَمْسَةَ آلَافٍ (أو ستة آلاف) (١٣).\n_________\n(١) في (خ) و(ط): \"يجتمع\".\n(٢) في (خ) و(ط): \"الانقطاع\".\n(٣) ساقطة من (خ) و(ت) و(ط).\n(٤) في (ط): \"ينقطعون\"، وقد كتب هكذا مع الأفعال بعده بناء على أن أداة النصب غير موجودة.\n(٥) في (ط): \"ويشتغلون\".\n(٦) في (ط): \"ويولون\".\n(٧) ساقطة من (ط).\n(٨) في (م) و(ت): \"فيم\"، وفي (خ): \"فيما\".\n(٩) في (خ) و(ت) و(غ) و(ر): \"فقال\".\n(١٠) في (غ) و(ر): \"إليه\".\n(١١) في (غ): \"مكة\" بدون الباء.\n(١٢) في (خ) و(ط): \"شيء\".\n(١٣) ما بين المعكوفين ساقط من (م) و(خ) و(ت) و(ط).","vol":"1","page":343},{"text":"وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِخْلَاصِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ صِفْرَ الْيَدَيْنِ.\nوَكَانَ الْغَالِبُ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْعَمَلَ فِي حَوَائِطِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ معهم كبير فضل في العمل.\nفكان (١) مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَنْ أَشْرَكَهُمُ الْأَنْصَارُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَهُمُ الْأَكْثَرُونَ، بِدَلِيلِ قِصَّةِ بَنِي (٢) النَّضِيرِ، فَإِنَّ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِيَ النَّضِيرِ قَالَ لِلْأَنْصَارِ: \"إِنْ شِئْتُمْ قَسَّمْتُهَا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَتَرَكْتُمْ نَصِيبَكُمْ فِيهَا (٣)، وَخَلَّى الْمُهَاجِرُونَ (٤) بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ دُورِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، فَإِنَّهُمْ عِيَالٌ عَلَيْكُمْ\"، فَقَالُوا: نَعَمْ، فَفَعَلَ ذَلِكَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ، غَيْرَ أَنَّهُ أَعْطَى أَبَا دُجَانَةَ وَسَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ، وَذَكَرَ أَنَّهُمْ (٥) فَقُرَاءُ) (٦).\nوَقَدْ قَالَ الْمُهَاجِرُونَ أَيْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رَأَيْنَا قَوْمًا أَبْذَلَ مِنْ كَثِيرٍ، وَلَا أَحْسَنَ مُوَاسَاةً مِنْ قَلِيلٍ، مِنْ قَوْمٍ نَزَلْنَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ - يَعْنِي الْأَنْصَارَ - لَقَدْ كَفَوْنَا الْمُؤْنَةَ، وَأَشْرَكُونَا فِي الْمَهْنَأِ، حَتَّى لَقَدْ خِفْنَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالْأَجْرِ كُلِّهِ)، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: \"لَا (٧)، مَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ لَهُمْ، وَأَثْنَيْتُمْ عليهم\" (٨).\n_________\n(١) في (خ) و(ط): \"وكان\".\n(٢) في (م): \"أبي\".\n(٣) في (غ): \"منها\".\n(٤) في (غ): \"المهاجرين\".\n(٥) ساقطة من (م) و(ت) و(غ) و(ر).\n(٦) رواه الإمام أبو داود في كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في خبر النضير عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مع اختلاف في اللفظ.\nانظر: السنن برقم (٣٠٠٤)، (٣/ ١٥٥ - ١٥٦)، ورواه الإمام ابن جرير في تفسيره (٢٨/ ٤١)، وصحح الشيخ الألباني إسناده كما في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٥٨٢).\n(٧) في (ر): \"إلا\".\n(٨) رواه الإمام الترمذي في كتاب صفة القيامة من سننه عن أنس ﵁ برقم (٢٤٨٧)، وقال: هذا حديث صحيح حسن غريب من هذا الوجه (٤/ ٥٦٥ - ٥٦٦) والإمام البخاري في الأدب المفرد، باب من لم يجد المكافأة فليدع له (ص٨٧) برقم (٢١٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٥١٤)، والإمام الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي (٢/ ٦٣).","vol":"1","page":344},{"text":"ومنهم من كان يلتقط نوى التمر فيرضخها (١)، وَيَبِيعُهَا عَلَفًا لِلْإِبِلِ، وَيَتَقَوَّتُ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ.\nوَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَجِدْ وَجْهًا يَكْتَسِبُ بِهِ لقوت ولا سكنى (٢)، فَجَمَعَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فِي صُفَّةٍ كَانَتْ فِي مَسْجِدِهِ، وَهِيَ سَقِيفَةٌ كَانَتْ مِنْ جُمْلَتِهِ (٣)، إِلَيْهَا يَأْوُونَ، وَفِيهَا (٤) يَقْعُدُونَ، إِذْ لم يجدوا (منزلًا، كما لَمْ يَجِدُوا) (٥) مَالًا وَلَا أَهْلًا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحُضُّ النَّاسَ عَلَى إِعَانَتِهِمْ (٦) وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ وَصَفَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عَنْهُ إِذْ كَانَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ، وَهُوَ أَعْرَفُ النَّاسِ بِهِمْ، قَالَ فِي الصَّحِيحِ: (وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الْإِسْلَامِ، لَا يَأْوُونَ عَلَى أَهْلٍ وَلَا مَالٍ، وَلَا عَلَى أَحَدٍ، إِذَا أَتَتْهُ - يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ، وَلَا يَتَنَاوَلُ (٧) مِنْهَا شَيْئًا، وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، وَأَصَابَ مِنْهَا، وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا) (٨).\nفَوَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ أَضْيَافُ الْإِسْلَامِ، وَحَكَمَ لَهُمْ - كَمَا تَرَى - بِحُكْمِ الْأَضْيَافِ (٩)، وَإِنَّمَا وَجَبَتِ الضِّيَافَةُ فِي الْجُمْلَةِ، لِأَنَّ مَنْ نَزَلَ بِالْبَادِيَةِ لَا يَجِدُ مَنْزِلًا وَلَا طَعَامًا لِشِرَاءٍ، إِذْ لَمْ يَكُنْ (١٠) لِأَهْلِ الْوَبَرِ أَسْوَاقٌ يَنَالُ مِنْهَا مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، مِنْ طَعَامٍ يُشْتَرَى، وَلَا خَانَاتٌ يؤوى (١١) إِلَيْهَا، فَصَارَ الضَّيْفُ مُضْطَرًّا، وَإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ، فَوَجَبَ عَلَى أَهْلِ الْمَوْضِعِ ضِيَافَتُهُ (١٢) وَإِيوَاؤُهُ (١٣) حَتَّى يَرْتَحِلَ، فَإِنْ كَانَ لَا مَالَ لَهُ فذلك أحرى.\n_________\n(١) في (خ): \"فيرضعها\"، وفي (م) و(ت) و(ط): \"فيرضها\"، قال في القاموس: \"والمرضاخ: حجر يرضخ به النوى\" (ص٢٥١).\n(٢) في (خ) و(ط): \"لسكنى\".\n(٣) في (ت): \"حملته\".\n(٤) في (غ): \"فيها\" بدون الواو.\n(٥) ما بين المعكوفين ساقط من (خ) و(ت) و(ط).\n(٦) في (م) و(ت) و(غ) و(ر): \"إغاثتهم\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"ولم يتناول\".\n(٨) رواه الإمام البخاري في كتاب الرقاق من صحيحه، باب كيف كان عيش النبي ﷺ وأصحابه، عن أبي هريرة ﵁ (١١/ ٢٨١ فتح).\n(٩) في (غ) و(ر): \"الأوضاف\".\n(١٠) ساقطة من (ت).\n(١١) في (خ) و(ت) و(ط): \"يأوي\".\n(١٢) في (غ) و(ر): \"إغاثته\"، وهي ساقطة من (م) و(ت).\n(١٣) ساقطة من (م) و(ت) و(غ) و(ر).","vol":"1","page":345},{"text":"فَكَذَلِكَ أَهْلُ الصُّفَّةِ لَمَّا لَمْ يَجِدُوا مَنْزِلًا آوَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ حَتَّى يَجِدُوا، كَمَا أَنَّهُمْ حِينَ لَمْ يَجِدُوا مَا يَقُوتُهُمْ نَدَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى إِعَانَتِهِمْ.\nوَفِيهِمْ نَزَلَ قَوْلُ الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) الْآيَةَ، فَوَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَوْصَافٍ مِنْهَا أَنَّهُمْ أَحُصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَيْ مُنِعُوا وَحُبِسُوا حِينَ قَصَدُوا الْجِهَادَ مَعَ نَبِيِّهِ ﷺ كأن العدو (٢) أحصرهم، فلا يستطيعون ضربًا في الأرض، لا (٣) لِاتِّخَاذِ الْمَسْكَنِ وَلَا لِلْمَعَاشِ، لِأَنَّ (٤) الْعَدُوَّ قَدْ كَانَ (٥) أَحَاطَ بِالْمَدِينَةِ، فَلَا هُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى الْجِهَادِ حَتَّى يَكْسِبُوا مِنْ غَنَائِمِهِ، وَلَا هُمْ يتصرفون (٦) لِلتِّجَارَةِ (٧) أَوْ غَيْرِهَا لِخَوْفِهِمْ (٨) مِنَ الْكُفَّارِ، وَلِضَعْفِهِمْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، فَلَمْ يَجِدُوا سَبِيلًا لِلْكَسْبِ أصلًا.\nوقد قيل: في (٩) قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ﴾ (١٠) أَنَّهُمْ قَوْمٌ أَصَابَتْهُمْ جِرَاحَاتٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَصَارُوا زَمْنَى (١١).\nوَفِيهِمْ أَيْضًا نَزَلَ (قَوْلُهُ تَعَالَى) (١٢): ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ\n_________\n(١) سورة البقرة: الآيتان (٢٦٧ - ٢٧٣).\n(٢) في (م) و(ت): \"العذر\".\n(٣) ساقطة من (م) و(غ) و(ر).\n(٤) في (خ) و(ت) و(ط): \"كأن\".\n(٥) ساقطة من (خ) و(ط).\n(٦) في (خ) و(ت) و(ط): \"يتفرغون\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"بتجارة\".\n(٨) في (غ) و(ر): \"لخروجهم\".\n(٩) في (خ) و(ط): \"أن\"، وساقطة من (م) و(ت).\n(١٠) سورة البقرة: آية (٢٧٣).\n(١١) زمنى جمع زمن وهو المبتلى. الصحاح للجوهري (٥/ ٢١٣١).\nوقد ذكر القولين في سبب نزول الآية الإمام ابن الجوزي في زاد المسير (١/ ٣٢٧ - ٣٢٨)، والإمام الشوكاني في فتح القدير (١/ ٢٩٣).\n(١٢) ما بين المعكوفين ساقط من (خ) و(ط).\nوالآية نزلت في أهل الصفة وغيرهم من فقراء المهاجرين، فلا يفهم من عبارة المؤلف التخصيص.","vol":"1","page":346},{"text":"دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ (١)، أَلَا تَرَى كَيْفَ قَالَ: ﴿أُخْرِجُوا﴾، وَلَمْ يَقُلْ خَرَجُوا (مِنْ دِيَارِهِمْ) (٢) وَأَمْوَالِهِمْ (٣)، فَإِنَّهُ (٤) قَدْ كَانَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَخْرُجُوا اخْتِيَارًا، فَبَانَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا خرجوا منها اضْطِرَارًا، وَلَوْ وَجَدُوا سَبِيلًا أَنْ لَا يَخْرُجُوا (٥) لفعلوا (٦)، ففيه دليل (٧) على أن الخروج عن (٨) الْمَالِ اخْتِيَارًا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ لِلشَّارِعِ، وَهُوَ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ أَدِلَّةُ (٩) الشَّرِيعَةِ، فَلِأَجْلٍ ذَلِكَ بَوَّأَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصُّفَّةَ.\nفَكَانُوا فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ مَا بَيْنَ طَالِبٍ لِلْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، كَأَبِي هُرَيْرَةَ، فَإِنَّهُ (١٠) قَصَرَ (١١) نَفْسَهُ عَلَى ذَلِكَ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: \"وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ (١٢) (اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ) (١٣) عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا، وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا\" (١٤).\nوَكَانَ (١٥) مِنْهُمْ (١٦) مَنْ يَتَفَرَّغُ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، فَإِذَا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ) (١٧) عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزَا مَعَهُ، وَإِذَا أَقَامَ أَقَامَ مَعَهُ، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ، فصاروا إلى ما صار إليه\n_________\n(١) سورة الحشر: آية (٨).\n(٢) ما بين المعكوفين ساقط من (خ) و(ت) و(ط).\n(٣) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(٤) في (ط): \"فأن\".\n(٥) في (م) و(ت): \"لا خرجوا\"، وعبارة (غ) و(ر): \"سبيلًا إلى إخراجها\".\n(٦) غير واضحة في (غ).\n(٧) في (م) و(غ) و(ر): \"ما يدل\"، واللفظ غير واضح في (ت).\n(٨) في (خ): \"على\"، وفي (ط): \"من\".\n(٩) غير واضحة في (ت).\n(١١) (١٠) غير واضحة في (ت).\n(١٢) جزء من الكلمة في البياض في نسخة (ت).\n(١٣) ما بين المعكوفين غير واضح في (ت).\n(١٤) رواه الإمام البخاري في مواضع من صحيحه.\nانظر: باب حفظ العلم من كتاب العلم (١/ ٢١٣)، والباب الأول من كتاب البيوع، وهو بتمام لفظه هنا (٤/ ٢٨٧)، وفي كتاب الحرث والمزارعة، باب ما جاء في الغرس (٥/ ٢٨)، وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة (١٣/ ٣٢١).\n(١٥) جزء من الكلمة في البياض في نسخة (ت).\n(١٦) غير واضحة في (ت).\n(١٧) غير واضح في (ت).","vol":"1","page":347},{"text":"غَيْرُهُمْ (١)، مِمَّنْ كَانَ لَهُ (٢) أَهْلٌ وَمَالٌ، مِنْ طَلَبِ (٣) الْمَعَاشِ (٤) وَاتِّخَاذِ الْمَسْكَنِ (٥)، لِأَنَّ الْعُذْرَ الَّذِي حَبَسَهُمْ فِي الصُّفَّةِ قَدْ زَالَ، فَرَجَعُوا (٦) إِلَى الأصل لما زال العارض.\nفالذي تحصل (٧) أَنَّ الْقُعُودَ فِي الصُّفَّةِ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا لِنَفْسِهِ، وَلَا بِنَاءَ الصُّفَّةِ لِلْفُقَرَاءِ مَقْصُودًا بِحَيْثُ يُقَالُ: إِنَّ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَلَا هِيَ رُتْبَةٌ (٨) شَرْعِيَّةٌ تُطْلَبُ بِحَيْثُ يُقَالُ: إِنَّ تَرْكَ الِاكْتِسَابِ، وَالْخُرُوجَ عَنِ الْمَالِ، وَالِانْقِطَاعَ إِلَى الزَّوَايَا يُشْبِهُ حَالَةَ أَهْلِ الصُّفَّةِ، وَهِيَ الرُّتْبَةُ (٩) الْعُلْيَا، لِأَنَّهَا (١٠) تَشَبُّهٌ بِأَهْلِ صُفَّةِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ) (١١) عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ (١٢) وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ (١٣) الْآيَةَ (١٤)، وَقَوْلِهِ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ (١٥) الْآيَةَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَا زَعَمَ هَؤُلَاءِ، بَلْ كَانَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.\nوالدليل (على ذلك) (١٦) من العمل أن القعود (١٧) بِالصُّفَّةِ لَمْ يَدُمْ، وَلَمْ يُثَابِرْ أَهْلُهَا وَلَا غَيْرُهُمْ عَلَى الْبَقَاءِ فِيهَا، وَلَا عُمِّرَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَوْ كَانَ مِنْ قَصْدِ الشَّارِعِ ثُبُوتُ تِلْكَ الْحَالَةِ، لَكَانُوا هُمْ أَحَقَّ بِفَهْمِهَا أَوَّلًا، ثُمَّ بِإِقَامَتِهَا وَالْمُكْثِ فِيهَا عَنْ كُلِّ شُغْلٍ، وَأَوْلَى بِتَجْدِيدِ مَعَاهِدِهَا، لكنهم لم يفعلوا ذلك البتة.\n_________\n(١) عبارة (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"فَصَارُوا إِلَى مَا صَارَ النَّاسُ إِلَيْهِ غَيْرُهُمْ\".\n(٢) في (خ) و(ط): \"ذا\".\n(٣) في (خ) و(ط): \"وطلب\"، وهي غير واضحة في (ت).\n(٤) في (خ) و(ط): \"للمعاش\".\n(٥) في (غ) و(ر): \"السكن والمسكن\".\n(٦) غير واضحة في (ت).\n(٧) في (م) و(ت) و(غ) و(ر): \"حصل\".\n(٨) ساقطة من (ط).\n(٩) في (غ) و(ر): \"المرتبة\".\n(١٠) في (غ): \"لأنه\".\n(١١) ساقط من (ت).\n(١٢) في (ر): \"وهم الذين\".\n(١٣) سورة والأنعام: آية (٥٢).\n(١٤) ساقطة من (ط).\n(١٥) سورة الكهف: آية (٢٨).\n(١٦) ما بين المعكوفين ساقط من (خ) و(ت) و(ط).\n(١٧) في (خ) و(ت) و(ط): \"المقصود\".","vol":"1","page":348},{"text":"فَالتَّشَبُّهُ (١) بِأَهْلِ الصُّفَّةِ إِذًا فِي إِقَامَةِ ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَاتِّخَاذِ الزَّوَايَا وَالرَّبْطِ لَا يَصِحُّ (٢).\nفَلْيَفْهَمِ الْمُوَفَّقُ هَذَا الْمَوْضِعَ، فَإِنَّهُ مَزَلَّةُ قَدَمٍ لِمَنْ لَمْ يَأْخُذْ دِينَهُ عَنِ السَّلَفِ الْأَقْدَمِينَ، وَالْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ.\nوَلَا يَظُنُّ الْعَاقِلُ أَنَّ الْقُعُودَ عَنِ الْكَسْبِ، وَلُزُومَ الرَّبْطِ مُبَاحٌ، أَوْ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، أَوْ (٣) أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ، إِذْ لَيْسَ (٤) ذَلِكَ بِصَحِيحٍ، وَلَنْ يَأْتِيَ (٥) آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِأَهْدَى مِمَّا (٦) كَانَ عَلَيْهِ أَوَّلُهَا.\nوَيَكْفِي (٧) الْمِسْكِينَ الْمُغْتَرَّ بِعَمَلِ (٨) الشُّيُوخِ (٩) الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ (١٠) صُدُورَ هَذِهِ الطَّائِفَةِ المتصفين (١١) بِالصُّوفِيَّةِ (١٢) لَمْ يَتَّخِذُوا (١٣) رِبَاطًا (١٤) وَلَا زَاوِيَةً، وَلَا بَنَوْا بِنَاءً يُضَاهُونَ بِهِ الصُّفَّةَ لِلِاجْتِمَاعِ عَلَى التَّعَبُّدِ وَالِانْقِطَاعِ (١٥) عَنْ أَسْبَابِ الدُّنْيَا كَالْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ، وَالْجُنَيْدِ، وَإِبْرَاهِيمَ الْخَوَّاصِ، وَالْحَارِثِ الْمُحَاسَبِيِّ (١٦). وَالشِّبْلِيِّ (١٧)، وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ سَابَقَ فِي هذا الميدان.\n_________\n(١) في (ط) و(غ): \"فالتشبيه\".\n(٢) في (ر): \"له لا يصح\".\n(٣) ساقطة من (خ) و(ت) و(ط).\n(٤) في (غ): \"وليس\".\n(٥) بياض في (ت).\n(٦) في (ط): \"ممن\".\n(٧) في (خ) و(ط): \"ولا كفى\".\n(٨) بياض في (ت).\n(٩) جزء من الكلمة في البياض في نسخة (ت).\n(١٠) في (ط): \"إلى\".\n(١١) في (م): \"المتسمين\".\n(١٢) عبارة (غ) و(ر): \"المنتسبون إلى التصوف\".\n(١٤) (١٣) جزء من الكلمتين في البياض في نسخة (ت).\n(١٥) جزء من الكلمة في البياض في نسخة (ت).\n(١٦) هو أبو عبد الله الحارث بن أسد البغدادي المحاسبي، صاحب التصانيف الزهدية وهو كبير القدر، وقد دخل في شيء يسير من الكلام، فنقم عليه، وورد أن الإمام أحمد أثنى على حال الحارث من وجه، وحذر منه. مات سنة ٢٤٣هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ١١٠)، الحلية (١٠/ ٧٣)، تاريخ بغداد (٨/ ٢١١)، طبقات الصوفية (ص٥٦).\n(١٧) هو دلف بن جعفر الشبلي البغدادي، صاحب الجنيد وغيره، وكان فقيهًا عارفًا بمذهب مالك، وكتب الحديث عن طائفة، وقال الشعر، وله ألفاظ وحكم وحال وتمكن. توفي سنة ٣٣٤هـ.=","vol":"1","page":349},{"text":"وَإِنَّمَا مَحْصُولُ هَؤُلَاءِ (١) أَنَّهُمْ خَالَفُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَخَالَفُوا السَّلَفَ الصَّالِحَ، وَخَالَفُوا شُيُوخَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي انْتَسَبُوا إِلَيْهَا، وَلَا تَوْفِيقَ إِلَّا بِاللَّهِ.\nوَأَمَّا الْمَدَارِسُ: فَلَا (٢) يَتَعَلَّقُ (٣) بِهَا أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ يُقَالُ فِي (٤) مِثْلِهِ (٥) بِدْعَةٌ إِلَّا عَلَى فَرْضِ أَنْ يَكُونَ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُقْرَأَ الْعِلْمُ إِلَّا بِالْمَسَاجِدِ (٦)، وَهَذَا (٧) لَا يُوجَدُ، بَلِ الْعِلْمُ كَانَ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ يُبَثُّ بِكُلِّ (٨) مَكَانٍ مِنْ مَسْجِدٍ أَوْ مَنْزِلٍ، أَوْ سَفَرٍ، أَوْ حَضَرٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، حَتَّى فِي الْأَسْوَاقِ.\nفَإِذَا أَعَدَّ أَحَدٌ من الناس (لقراءة العلم) (٩) مَدْرَسَةً يُعِينُ (١٠) بِإِعْدَادِهَا الطَّلَبَةَ، فَلَا يَزِيدُ ذَلِكَ على إعداده (١١) له (١٢) مَنْزِلًا مِنْ مَنَازِلِهِ، أَوْ حَائِطًا مِنْ حَوَائِطِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَأَيْنَ مَدْخَلُ الْبِدْعَةِ هُاهُنَا؟\nوَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْبِدْعَةَ فِي تَخْصِيصِ ذَلِكَ الموضع (١٣) دون غيره، فالتخصيص (١٤) هَاهُنَا لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ تَعْبُدِيٍّ، وَإِنَّمَا هُوَ (١٥) تَعْيِينٌ بِالْحَبْسِ، كَمَا تَتَعَيَّنُ سَائِرُ الْأَمْوَالِ (١٦) الْمُحْبَسَةِ، وَتَخْصِيصُهَا لَيْسَ بِبِدْعَةٍ، فَكَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِيهِ، بِخِلَافِ الربط، فإنها خصت تشبيهًا بالصُّفَّة، فهما (١٧) لِلتَّعَبُّدِ، فَصَارَتْ تَعَبُّدِيَّةً بِالْقَصْدِ وَالْعُرْفِ، حَتَّى إِنَّ سَاكِنِيهَا مُبَايِنُونَ لِغَيْرِهِمْ فِي النِّحْلَةِ وَالْمَذْهَبِ وَالزِّيِّ والاعتقاد.\n_________\n=انظر: سير أعلام النبلاء (١٥/ ٣٦٧)، المنتظم لابن الجوزي (٦/ ٣٤٧)، حلية الأولياء (١٠/ ٣٦٦)، تاريخ بغداد (١٤/ ٣٨٩).\n(١) يريد الصوفية المتأخرين.\n(٢) في (خ) و(ط): \"فلم\".\n(٣) في (ط): \"يتلق\".\n(٥) (٤) بعض أجزاء الكلمة في البياض في نسخة (ت).\n(٧) (٦) بعض أجزاء الكلمة في البياض في نسخة (ت).\n(٨) في (ر): \"في كل\".\n(٩) ما بين المعكوفين ساقط من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(١٠) في (خ) و(ط): \"يعني\".\n(١١) في (ط): \"إعدادها\".\n(١٢) في (ر): \"لها\".\n(١٣) بعد هذه اللفظة أعاد ناسخ (ت) بعض ما كان كتبه.\n(١٤) كذا في (ر)، وفي بقية النسخ: \"والتخصيص\".\n(١٥) ساقطة من (ت).\n(١٦) في (خ) و(ط): \"الأمور\"، وفي (ت): \"الأموال\".\n(١٧) في (ط): \"بهما\".","vol":"1","page":350},{"text":"وَكَذَلِكَ مَا ذُكِرَ مِنْ بِنَاءِ الْقَنَاطِرِ (١): فَإِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى إِصْلَاحِ الطُّرُقِ، وَإِزَالَةِ الْمَشَقَّةِ عَنْ سَالِكِيهَا، وَلَهُ أَصْلٌ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَهُوَ إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يعد في البدع بحال.\nوقوله: (وكذلك (٢) كل (٣) إِحْسَانٍ لَمْ (٤) يُعْهَدْ (٥) فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ)، فِيهِ تَفْصِيلٌ، فَلَا يَخْلُو (٦) الْإِحْسَانُ الْمَفْرُوضُ (٧) أَنْ يُفْهَمَ من الشريعة أنه مقيد بقيد تعبدي أو لا، فَإِنْ كَانَ مُقَيَّدًا بِالتَّعَبُّدِ الَّذِي لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ إِلَّا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُقَيَّدٍ فِي أَصْلِ التَّشْرِيعِ بِأَمْرٍ (٨) تَعَبُّدِيٍّ، فَلَا يُقَالُ (٩): إِنَّهُ غَيْرُ بِدْعَةٍ (١٠) عَلَى أَيِّ وَجْهٍ وَقَعَ إِلَّا عَلَى أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:\nأَحَدُهَا: أَنْ يخرم (١١) أَصْلًا شَرْعِيًّا، مِثْلَ الْإِحْسَانِ الْمُتْبَعِ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى، وَالصَّدَقَةِ مِنَ الْمِدْيَانِ الْمَضْرُوبِ عَلَى يَدِهِ، وَمَا أشبه ذلك، ويكون (١٢) إِذْ ذَاكَ مَعْصِيَةً.\nوَالثَّانِي: أَنْ يَلْتَزِمَ عَلَى وَجْهٍ لَا يُتَعَدَّى، بِحَيْثُ يَفْهَمُ مِنْهُ الْجَاهِلُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ، فَحِينَئِذٍ (١٣) يَكُونُ الِالْتِزَامُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ (١٤) بِدْعَةً مَذْمُومَةً وَضَلَالَةً، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى (١٥)، فلا تكون إذا مستحبة.\n_________\n(١) في (غ): \"القناطير\".\n(٢) ساقطة من (خ) و(ط).\n(٣) ساقطة من (م) و(ت).\n(٤) ساقطة من (م).\n(٥) في (م): \"العهد\".\n(٦) في (خ) و(ر): \"تحيلو\".\n(٧) أي الذي نفترض وقوعه، لأن العز بن عبد السلام أطلق العبارة.\n(٨) في (ط): \"بأمري\".\n(٩) في (م) و(ر): \"مقال\".\n(١٠) لعلها: \"إنه بدعة\"؛ إذ تستقيم العبارة بحذف كلمة: \"غير\".\n(١١) في (خ) و(ط): \"يخرج\".\n(١٢) في (م) و(ت): \"يكون\" بدون الواو، وفي (غ) و(ر): \"فيكون\".\n(١٣) في (ت) و(غ): \"فح\" وهي كالاختصار لِلَّفظة، وقد تقدم مثل ذلك في هذه النسخة.\n(١٤) في (خ) و(ط): \"المشار إليه البدعة بل بدعة مذمومة .. \"، وناسخ (خ) إذا أخطأ في بعض الألفاظ أضرب عنها بـ (بل) وأعاد كتابة اللفظ الصحيح.\n(١٥) انظر: الباب الخامس (١/ ٢٩٣).","vol":"1","page":351},{"text":"وَالثَّالِثُ: أَنْ يَجْرِيَ عَلَى رَأْيِ مَنْ يَرَى (١) الْمَعْقُولَ الْمَعْنَى وَغَيْرَهُ بِدْعَةً مَذْمُومَةً، كَمَنْ كَرِهَ تَنْخِيلَ الدَّقِيقِ فِي الْعَقِيقَةِ (٢)، فَلَا تَكُونُ عِنْدَهُ الْبِدْعَةُ مُبَاحَةً وَلَا مُسْتَحَبَّةً.\nوَصَلَاةُ التَّرَاوِيحِ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا (٣).\n(وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي دَقَائِقَ التَّصَوُّفِ) فَلَيْسَ بِبِدْعَةٍ بِإِطْلَاقٍ، وَلَا هُوَ مِمَّا صَحَّ بِالدَّلِيلِ بِإِطْلَاقٍ، بَلِ الْأَمْرُ يَنْقَسِمُ، وَلَفْظُ التَّصَوُّفِ لَا بُدَّ مِنْ شَرْحِهِ أَوَّلًا حَتَّى يَقَعَ الْحُكْمُ عَلَى أَمْرٍ مَفْهُومٍ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُجْمَلٌ عِنْدِ هَؤُلَاءِ (٤) الْمُتَأَخِّرِينَ، فَلْنَرْجِعْ إِلَى مَا قَالَ فِيهِ الْمُتَقَدِّمُونَ.\nوَحَاصِلُ مَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ (٥) لَفْظُ التصوف عندهم معنيان:\nأحدهما: أنه (٦) التَّخَلُّقُ بِكُلِّ خُلُقٍ سَنِيّ، وَالتَّجَرُّدُ عَنْ كُلِّ خُلُقٍ (٧) دَنِيّ (٨).\nوَالْآخَرُ: أَنَّهُ الْفَنَاءُ عَنْ نَفْسِهِ، والبقاء بربه (٩).\nوهما في التحقيق (١٠) يرجعان (١١) إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، إِلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا يَصْلُحُ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنِ (الْبِدَايَةِ، وَالْآخِرَ يَصْلُحُ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنِ) (١٢) النِّهَايَةِ، وَكِلَاهُمَا اتِّصَافٌ، إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ لَا يُلْزِمُهُ الْحَالُ (١٣)، وَالثَّانِي يُلْزِمُهُ الْحَالُ.\n_________\n(١) في (م): \"رأى\".\n(٢) في (ط): \"الصيغة\"، وتنقص الكلمة بعض الحروف في نسخة (خ).\nوانظر: المسألة في الباب السابع (٢/ ٧٣ - ٧٤، ٧٧).\n(٣) في (غ) و(ر): \"فيها\"، وتقدم الكلام عليها (ص٣٥٩ - ٣٦٣).\n(٤) ساقطة من (غ).\n(٥) في (خ) و(ت) و(ط): \"فيه\".\n(٦) ساقطة من (خ) و(ط).\n(٧) بياض في (ت).\n(٨) وهذا التعريف منقول عن أبي محمد الجريري كما في الرسالة القشيرية (ص١٦٥).\n(٩) في (خ) و(ط): \"لربه\".\n(١٠) جزء من الكلمة في البياض في نسخة (ت).\n(١١) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(١٢) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).\n(١٣) قال القشيري في رسالته: \"والحال عند القوم معنى يرد على القلب، من غير تعمد منهم، ولا اجتلاب، ولا اكتساب لهم، من طرب أو حزن أو بسط أو قبض أو=","vol":"1","page":352},{"text":"وقد يعتبر (١) فيهما بلحظ آخَرَ، فَيَكُونُ الْأَوَّلُ عَمَلًا تَكْلِيفِيًّا، وَالثَّانِي نَتِيجَتَهُ، وَيَكُونُ الْأَوَّلُ اتِّصَافَ الظَّاهِرِ (٢)، وَالثَّانِي اتِّصَافَ الْبَاطِنِ، وَمَجْمُوعُهُمَا هُوَ التَّصَوُّفُ.\nوَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالتَّصَوُّفُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ لَا بِدْعَةَ فِي الْكَلَامِ فِيهِ، لأنه إنما يرجع (٣) إلى التفقه (٤) الذي (٥) يَنْبَنِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَتَفْصِيلُ آفَاتِهِ وَعَوَارِضِهِ، وَأَوْجُهِ تَلَافِي الْفَسَادِ الْوَاقِعِ فِيهِ بِالْإِصْلَاحِ، وَهُوَ فِقْهٌ صَحِيحٌ، وَأُصُولُهُ (٦) فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ظَاهِرَةٌ، فَلَا يُقَالُ فِي مَثَلِهِ بِدْعَةٌ، إِلَّا إِذَا أَطْلَقَ على فروع الفقه التي لم يُؤْلَف (٧) مِثْلُهَا فِي السَّلَفِ الصَّالِحِ، أَنَّهَا بِدْعَةٌ، كَفُرُوعِ أَبْوَابِ السَّلَمِ، وَالْإِجَارَاتِ، وَالْجِرَاحِ، وَمَسَائِلِ السَّهْوِ، وَالرُّجُوعِ عَنِ الشَّهَادَاتِ، وَبُيُوعِ الْآجَالِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.\nوَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْعُلَمَاءِ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْبِدْعَةِ عَلَى الْفُرُوعِ الْمُسْتَنْبَطَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِيمَا سَلَفَ، وَإِنْ دَقَّتْ مَسَائِلُهَا، فَكَذَلِكَ لَا يُطْلَقُ عَلَى دَقَائِقَ فُرُوعِ الْأَخْلَاقِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ أَنَّهَا بِدْعَةٌ، لِأَنَّ الْجَمِيعَ يَرْجِعُ إِلَى أُصُولٍ شَرْعِيَّةٍ (٨).\nوَأَمَّا بِالْمَعْنَى الثَّانِي (٩) فَهُوَ عَلَى أَضْرُبٍ:\nأَحَدُهَا: يَرْجِعُ إِلَى الْعَوَارِضِ الطَّارِئَةِ عَلَى السَّالِكِينَ، إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ نُورُ التَّوْحِيدِ الْوِجْدَانِيُّ، فَيُتَكَلَّمُ فِيهَا بِحَسَبَ الْوَقْتِ وَالْحَالِ، وَمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي النَّازِلَةِ الْخَاصَّةِ، رُجُوعًا إِلَى الشَّيْخِ الْمُرَبِّي، وَمَا تبين (١٠) له في تحقيق\n_________\n=شوق .. \"، ثم ذكر أن بعضهم يرى بقاءه، وبعضهم يرى أنه يأتي ويزول.\nانظر: الرسالة (١/ ٢٠٦).\n(١) في (خ) و(ط): \"يعبر\".\n(٢) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"بلفظ\".\n(٣) في (ت): \"الظر\".\n(٤) في (ط): \"يرجل\".\n(٥) في (خ) و(ط): \"تفقه\".\n(٦) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(٧) في (غ): \"أصوله\" بدون الواو.\n(٨) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"يلف\".\n(٩) في (غ): \"الشريعة\".\n(١٠) وهو قولهم أن التصوف: الفناء عن نفسه والبقاء بربه.\n(١١) في (م): \"يبن\"، وهي غير واضحة في (ت)، وفي (خ) و(ط) و(غ) و(ر): \"بين\".","vol":"1","page":353},{"text":"مَنَاطِهَا بِفِرَاسَتِهِ الصَّادِقَةِ فِي السَّالِكِ بِحَسَبِهِ وَبِحَسَبِ (١) الْعَارِضِ، فَيُدَاوِيهِ بِمَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الْوَظَائِفِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْأَذْكَارِ الشَّرْعِيَّةِ، أَوْ بِإِصْلَاحِ مَقْصِدِهِ إِنْ عَرَضَ فِيهِ الْعَارِضُ، فَقَلَّمَا يَطْرَأُ الْعَارِضُ (٢) إِلَّا عِنْدَ الْإِخْلَالِ بِبَعْضِ الْأُصُولِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي بُنِي عَلَيْهَا فِي بِدَايَتِهِ، فَقَدْ قَالُوا: (إِنَّمَا حُرِمُوا الْوُصُولَ بِتَضْيِيعِهِمُ الْأُصُولَ) (٣).\nفَمِثْلُ هَذَا لَا بِدْعَةَ فِيهِ لِرُجُوعِهِ إِلَى أَصْلٍ شَرْعِيٍّ، فَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ﵃، فَقَالُوا (٤): يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا (٥) نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا الشَّيْءَ يَعْظُمُ (٦) أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهِ، أَوِ الْكَلَامُ بِهِ، مَا نُحِبُّ أَنَّ لَنَا وَأَنَّا تَكَلَّمْنَا به، قال: (أو قد وَجَدْتُمُوهُ؟) قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: (ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ (٧» (٨).\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَحَدَنَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ، يُعَرِّض بِالشَّيْءِ، لَأَنْ يَكُونَ حُمَمَة (٩) أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، قال: (الله أكبر (١٠)، الله أكبر، اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إلى الوسوسة) (١١).\n_________\n(١) في (م): \"وبحسبه\".\n(٢) في (خ) و(ط): \"العامل بل العارض\"، وهو إضراب عن الخطأ، وقد تقدم كثيرًا في نسخة (خ).\n(٣) ذكره القشيري في رسالته، وعزاه إلى الشيوخ - يريد شيوخ الصوفية - الرسالة (ص٢١١).\n(٤) في (خ) و(غ) و(ر): \"قالوا\".\n(٥) ساقطة من (م) و(ت) و(غ).\n(٦) في (غ): \"نعظم\".\n(٧) في (خ) و(ت) و(ط): \"في الإيمان\".\n(٨) رواه الإمام مسلم في كتاب الإيمان من صحيحه، باب الوسوسة في الإيمان، عن أبي هريرة ﵁ وذكره (٢/ ١٥٣ نووي)، والإمام أبو داود في كتاب الأدب، باب في رد الوسوسة برقم (٥١١١)، (٤/ ٣٣١)، والإمام أحمد في المسند، (٢/ ٣٩٧).\n(٩) هي واحدة الحمم، وهي الرماد والفحم وكل ما احترق من النار. الصحاح (٥/ ١٩٠٥).\n(١٠) في (م) و(خ): كتبت \"الله أكبر\" مرة واحدة، والصواب المثبت.\n(١١) رواه الإمام أبو داود في كتاب الأدب من سننه، باب في رد الوسوسة عن ابن عباس ﵁ برقم (٥١١٢)، (٤/ ٣٣٢)، والإمام أحمد في المسند (١/ ٢٣٥)،=","vol":"1","page":354},{"text":"وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: (مَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ) (١).\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي مِثْلِهِ: (إِذَا وَجَدْتَ (٢) شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقُلْ: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ *﴾ (٣» (٤)، إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ وَهُوَ أصل (٥) صَحِيحٌ مَلِيحٌ.\nوَالثَّانِي: يَرْجِعُ إِلَى النَّظَرِ فِي الكرامات، وخوارق العادات، وما يتعلق بهما (٦)، مِمَّا هُوَ خَارِقٌ (٧) فِي الْحَقِيقَةِ أَوْ غَيْرُ خَارِقٍ، وَمَا هُوَ مِنْهَا يَرْجِعُ إِلَى أَمْرٍ نَفْسِيٍّ أَوْ (٨) شَيْطَانِيٍّ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهَا، فَهَذَا النَّظَرُ (٩) لَيْسَ بِبِدْعَةٍ (كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِبِدْعَةٍ) (١٠) النَّظَرُ فِي الْمُعْجِزَاتِ وَشُرُوطِهَا، والفرق بين النبي والمتنبي، وهو فن (١١) من علم الأصول فحكمه حكمه.\nوالضرب (١٢) الثالث: مَا يَرْجِعُ إِلَى النَّظَرِ فِي مُدْرَكَاتِ النُّفُوسِ مِنَ الْعَالِمِ الْغَائِبِ، وَأَحْكَامِ التَّجْرِيدِ النَّفْسِيِّ، وَالْعُلُومِ المتعلقة بعالم الأرواح،\n_________\n=والإمام ابن أبي عاصم في السنة برقم (٦٥٨) (١/ ٢٩٦)، وحسن الشيخ الألباني إسناد ابن أبي عاصم ثم قال عن إسناد أبي داود وأحمد: \"قلت وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين\".\nانظر: ظلال الجنة (١/ ٢٩٦).\n(١) رواه الإمام مسلم في كتاب الإيمان، باب الوسوسة في الإيمان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خلق الله الخلق فمن خلق الله؟ فمن وجد ... الحديث\" (٢/ ١٥٣)، والإمام أبو داود في كتاب السنة، باب في الجهمية برقم (٤٧٢١) (٤/ ٢٣٠).\n(٢) في (غ) و(ر): \"وجد\".\n(٣) سورة الحديد: آية (٣).\n(٤) رواه الإمام أبو داود في كتاب الأدب من سننه، باب في رد الوسوسة عن ابن عباس موقوفًا عليه برقم (٥١١٠) (٤/ ٣٣١)، وقد حسن الشيخ الألباني إسناده كما في صحيح سنن أبي داود (٣/ ٩٦٢).\n(٥) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(٦) في (خ) و(ط) و(ر): \"بها\".\n(٧) في (غ): \"النظر فيه\".\n(٨) في (غ): \"و\".\n(٩) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(١٠) ما بين المعكوفين ساقط من (غ).\n(١١) ساقط من (خ) و(ط) و(ت) و(غ).\n(١٢) ساقطة من (م) و(ت) و(غ) و(ر).","vol":"1","page":355},{"text":"وَذَوَاتِ الْمَلَائِكَةِ وَالشَّيَاطِينِ، وَالنُّفُوسِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالْحَيَوَانِيَّةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَهُوَ بِلَا شَكٍّ بِدْعَةٌ مَذْمُومَةٌ إِنْ وَقَعَ النَّظَرُ فِيهِ، وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ بِقَصْدِ جَعْلِهِ عِلْمًا يُنْظَرُ فِيهِ، وَفَنًّا يُشْتَغَلُ بِتَحْصِيلِهِ بِتَعَلُّمٍ أَوْ رِيَاضَةٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ فِي السَّلَفِ الصَّالِحِ.\nوَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ نَظَرٌ فَلْسَفِيٌّ، إِنَّمَا يَشْتَغِلُ بِاسْتِجْلَابِهِ، وَالرِّيَاضَةِ لِاسْتِفَادَتِهِ أَهْلُ الْفَلْسَفَةِ الْخَارِجُونَ عَنِ السُّنَّةِ، الْمَعْدُودُونَ (١) فِي الْفَرْقِ الضَّالَّةِ، فَلَا يَكُونُ الْكَلَامُ فِيهِ مُبَاحًا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ.\nنَعَمْ قَدْ يَعْرِضُ مِثْلُهُ (٢) لِلسَّالِكِ، فَيَتَكَلَّمُ فِيهِ مَعَ الْمُرَبِّي حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْ طَرِيقِهِ، وَيُبْعِدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فَرِيقِهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ إِمَالَةِ مَقْصِدِ (٣) السَّالِكِ إِلَى أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ، زِيَادَةً إِلَى الْخُرُوجِ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ بِتَتَبُّعِهِ وَالِالْتِفَاتِ إِلَيْهِ، إِذِ الطَّرِيقُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْإِخْلَاصِ التَّامِّ بِالتَّوَجُّهِ الصَّادِقِ، وَتَجْرِيدِ التَّوْحِيدِ عَنْ الِالْتِفَاتِ (٤) إِلَى (٥) الْأَغْيَارِ، وَفَتْحِ بَابِ الْكَلَامِ (٦) فِي هَذَا الضَّرْبِ مضاد لذلك كله.\nوالضرب (٧) الرابع: يَرْجِعُ إِلَى النَّظَرِ فِي حَقِيقَةِ الْفَنَاءِ، مِنْ حَيْثُ الدُّخُولُ فِيهِ، وَالِاتِّصَافُ بِأَوْصَافِهِ، وَقَطْعُ أَطْمَاعِ النَّفْسِ عَنْ كُلِّ جِهَةٍ (٨) تُوَصِّلُ إِلَى غَيْرِ الْمَطْلُوبِ، وَإِنْ دَقَّتْ، فَإِنَّ أَهْوَاءَ النُّفُوسِ تَدُقُّ وَتَسْرِي مَعَ السَّالِكِ فِي الْمَقَامَاتِ، فَلَا يَقْطَعُهَا إِلَّا مَنْ حَسَمَ مَادَّتَهَا، وَبَتَّ طَلَاقَهَا، وَهُوَ بَابُ الْفَنَاءِ الْمَذْكُورِ.\nوَهَذَا نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْفِقْهِ الْمُتَعَلِّقِ بِأَهْوَاءِ النُّفُوسِ، وَلَا يُعَدُّ مِنَ البدع\n_________\n(١) في (غ): \"المعدون\".\n(٢) ساقطة من (خ) و(ط).\n(٣) في (غ) و(ر): \"قصد\".\n(٤) في (م) و(ت): \"التفات\".\n(٥) ساقطة من (ت).\n(٦) عبارة (خ): \"وفتح باب الأغيار الكلام .. \" وكتب فوق كلمة الأغيار \"سقط\"، ولا معنى لها في الجملة.\n(٧) ساقطة من (م) و(ت) و(غ) و(ر).\n(٨) في (غ) و(ر): \"وجهة\".","vol":"1","page":356},{"text":"لِدُخُولِهِ تَحْتَ جِنْسِ الْفِقْهِ، لِأَنَّهُ - وَإِنْ دَقَّ - رَاجِعٌ إِلَى مَا جَلَّ مِنَ الْفِقْهِ، وَدِقَّتُهُ وَجِلَّتُهُ إِضَافِيَّانِ، وَالْحَقِيقَةُ وَاحِدَةٌ.\nوَثَمَّ أَقْسَامٌ أُخَرُ، جميعها يرجع: إما (١) إِلَى فِقْهِ شَرْعِيٍّ حَسَنٍ فِي الشَّرْعِ، وَإِمَّا إِلَى ابْتِدَاعٍ لَيْسَ بِشَرْعِيٍّ، وَهُوَ قَبِيحٌ فِي الشَّرْعِ.\nوَأَمَّا الْجَدَلُ وَجَمْعُ الْمَحَافِلِ لِلِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْمَسَائِلِ فَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ فِيهِ (٢).\nوَأَمَّا أَمْثِلَةُ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ فَعُدَّ مِنْهَا زَخْرَفَةُ الْمَسَاجِدِ، وَتَزْوِيقُ الْمَصَاحِفِ، وَتَلْحِينُ الْقُرْآنِ بِحَيْثُ تَتَغَيَّرُ (٣) أَلْفَاظُهُ عَنِ الْوَضْعِ الْعَرَبِيِّ (٤)، فَإِنْ أَرَادَ مُجَرَّدَ الْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ اقْتِرَانِ أَمْرٍ آخَرَ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، وَإِنْ أَرَادَ مَعَ اقْتِرَانِ قَصْدِ (٥) التَّشْرِيعِ فَصَحِيحٌ مَا قَالَ، إِذِ (٦) الْبِدْعَةُ لَا تَكُونُ بِدْعَةً إِلَّا مَعَ اقْتِرَانِ هَذَا الْقَصْدِ، فَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ فَهِيَ مَنْهِيٌّ عَنْهَا غَيْرُ بِدَعٍ.\nوَأَمَّا أَمْثِلَةُ البدع المباحة: فعد منها المصافحة عقيب (٧) صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، أَمَّا أَنَّهَا بِدَعٌ فَمُسَلَّمٌ، وَأَمَّا أَنَّهَا مُبَاحَةٌ فَمَمْنُوعٌ، إِذْ لَا دَلِيلَ فِي الشَّرْعِ يَدُلُّ عَلَى تَخْصِيصِ تِلْكَ الْأَوْقَاتِ بِهَا، بَلْ هِيَ مَكْرُوهَةٌ، إِذْ يُخَافُ بِدَوَامِهَا إلحاقها بالصلوات (٨) المذكورة، كما خاف مالك ﵀ وَصْلَ سِتَّةِ أَيَّامٍ (٩) مِنْ شَوَّالٍ بِرَمَضَانَ لِإِمْكَانِ أَنْ يَعُدَّهَا مِنْ رَمَضَانَ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ.\nفَقَدْ قَالَ الْقَرَافِيُّ (١٠): (قَالَ لِي (١١) الشَّيْخُ (١٢) زَكِيُّ الدِّينِ عبد العظيم (١٣)\n_________\n(١) في (خ) و(ط): \"إما يرجع\".\n(٢) انظر: (ص٣٧١).\n(٣) في (م): \"يتغير\"، وفي (ت): \"تحتمل الوجهين\".\n(٤) في (غ): \"وضع العرب\".\n(٥) في (خ) و(ت) و(ط): \"أصل\".\n(٦) في (خ) و(ط): \"إن\".\n(٧) في (خ) و(ط): \"عقب\".\n(٨) في (ط): \"الصلوات\" بدون الباء.\n(٩) ساقطة من (م).\n(١٠) تقدمت ترجمته ﵀ (ص٣٥٠).\n(١١) ساقطة من (خ) و(ط).\n(١٢) في (ر): \"شيخي الشيخ\".\n(١٣) هو زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري الشافعي الحافظ، المحقق، كان عديم النظير في علم الحديث، وقد عمل المعجم، واختصر=","vol":"1","page":357},{"text":"الْمُحَدِّثُ: إِنَّ الَّذِي خَشِيَ مِنْهُ مَالِكٌ رَضِيَ الله تعالى عَنْهُ قَدْ وَقَعَ بِالْعَجَمِ، فَصَارُوا يَتْرُكُونَ الْمُسَحِّرِينَ على عادتهم (١)، وَالْبَوَّاقِينَ وَشَعَائِرَ رَمَضَانَ إِلَى آخَرِ السِّتَّةِ (٢) الْأَيَّامِ، فَحِينَئِذٍ (٣) يُظْهِرُونَ شَعَائِرَ الْعِيدِ، قَالَ: وَكَذَلِكَ شَاعَ عند عوام (٤) مِصْرَ أَنَّ الصُّبْحَ رَكْعَتَانِ إِلَّا فِي يَوْمِ الْجُمْعَةَ، فَإِنَّهُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ لِأَجْلِ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ الْإِمَامَ يُوَاظِبُ عَلَى قِرَاءَةِ سُورَةِ (٥) السَّجْدَةِ يَوْمَ الجمعة (في صلاة الصبح) (٦)، ويسجد فيها (٧)، فَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ تِلْكَ رَكْعَةٌ أُخْرَى وَاجِبَةٌ قَالَ: وَسَدُّ هَذِهِ الذَّرَائِعِ مُتَعَيَّنٌ فِي الدِّينِ، وَكَانَ مالك ﵀ شديد المبالغة في (٨) سد الذرائع (٩».\nوَعَدَّ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنَ الْبِدَعِ الْمُبَاحَةِ التَّوَسُّعَ فِي الْمَلْذُوذَاتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ (١٠).\nوَالْحَاصِلُ مِنْ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ فِيهِ قَدْ (١١) وَضَحَ (١٢) مِنْهُ أَنَّ الْبِدَعَ لَا تَنْقَسِمُ إِلَى ذَلِكَ الِانْقِسَامِ، بَلْ هِيَ مِنْ قَبِيلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، إِمَّا كَرَاهَةً (١٣)، وَإِمَّا (١٤) تَحْرِيمًا، حَسْبَمَا يَأْتِي إن شاء الله تعالى (١٥).\n_________\n=مسلم، وشرح التنبيه، وكان متين الديانة، ذا نسك وورع. توفي سنة ٦٥٦هـ.\nانظر: السير (٢٣/ ٣١٩)، البداية والنهاية (١٣/ ٢٢٤ - ٢٢٥).\n(١) في (ط): \"عاداتهم\".\n(٢) في (م): \"ستة\".\n(٣) في (ت): \"فح\"، وهو مصطلح عند ناسخ (ت) لهذه الكلمة.\n(٤) في (خ) و(ط): \"عامة\".\n(٥) ساقطة من (م) و(ت) و(ر).\n(٦) ما بين المعكوفين ساقط من (م) و(ت) و(غ) و(ر).\n(٧) ساقطة من (م) و(ر).\n(٨) في (غ) و(ر): \"فيها\" وقوله: \"سد الذرائع\" ساقط من (غ) و(ر).\n(٩) في (م) و(ت): \"شديد المبالغة فيها\".\n(١٠) تقدم (ص٣٥٦).\n(١١) ساقطة من (غ).\n(١٢) في (غ): \"واضح\".\n(١٣) في (ر): \"كراهية\".\n(١٤) في (ت): \"أو\".\n(١٥) وذلك في الباب السادس (٢/ ٣٦، ٤٩).","vol":"1","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>فَصْلٌ </span>(١)\nوَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ بَعْضُ الْمُتَكَلِّفِينَ (٢) أَنَّ الصُّوفِيَّةَ هُمُ الْمَشْهُورُونَ بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ، الْمُقْتَدُونَ بِأَفْعَالِ السلف الصالح (٣)، المثابرون في أقوالهم وأفعالهم (٤) عَلَى الِاقْتِدَاءِ التَّامِّ، وَالْفِرَارِ عَمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ جَعَلُوا طَرِيقَتَهُمْ مَبْنِيَّةً عَلَى أَكْلِ الْحَلَالِ، وَاتِّبَاعِ السُّنَّةِ، وَالْإِخْلَاصِ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ (٥)، وَلَكِنَّهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ يَسْتَحْسِنُونَ أَشْيَاءَ لَمْ تَأْتِ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا عَمِلَ بأمثالها السلف الصالح (٦)، فَيَعْمَلُونَ بِمُقْتَضَاهَا، وَيُثَابِرُونَ عَلَيْهَا (٧)، وَيُحَكِّمُونَهَا طَرِيقًا لَهُمْ مهيعًا (٨)، وسنة لا تخالف (٩)، بل ربما (١٠) أوجبوها في\n_________\n(١) يذكر المؤلف في هذا الفصل كلام قوم يرون انقسام البدع إلى محمود ومذموم احتجاجًا ببعض أعمال الصوفية، وسوف يبين المؤلف وجه احتجاجهم، ثم يجيب عنه.\n(٢) في (م) و(ت): \"المكلفين\".\n(٣) ساقطة من (م) و(ت) و(غ) و(ر).\n(٤) في (م) و(ت) و(غ) و(ر): \"أفعالهم وأقوالهم\".\n(٥) ما ذكره بعض المتكلفين عن الصوفية أمر غير صحيح، ومتى كان الصوفية هم المشهورون باتباع السنة؟ بل المعروف أنهم أحدثوا أمورًا ليست من السنة، ولا من عمل السلف الصالح، ثم إن هذا الكلام متناقض في ذاته، فإن هذا المتكلف أثنى عليهم بأنهم المشهورون باتباع السنة، ثم ذكر أنهم عملوا أمورًا لم تأت في كتاب ولا سنة، ثم أكد هذا بالأمثلة كما سيأتي، وأحسن ما في هذا الكلام نقده لزلات الصوفية، وأما الاحتجاج به على انقسام البدع فهو باطل كما سيأتي.\n(٦) ساقطة من (م) و(ت) و(غ) و(ر).\n(٧) في (خ): \"عليهم بل عليها\"، وهو إضراب عن الخطأ. وقد مر كثيرًا.\n(٨) في (خ): \"مهيفًا\". والطريق المهيع هو الواضح الواسع.\nانظر: لسان العرب (١٠/ ٢٥٨).\n(٩) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"تخلف\".\n(١٠) في (ت): \"ربا\".","vol":"1","page":359},{"text":"بَعْضِ الْأَحْوَالِ، فَلَوْلَا أَنَّ فِي ذَلِكَ رُخْصَةً لَمْ يَصِحَّ لَهُمْ مَا بَنَوْا عَلَيْهِ.\nفَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَعْتَمِدُونَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ عَلَى الْكَشْفِ وَالْمُعَايَنَةِ، وَخَرْقِ الْعَادَةِ، فَيَحْكُمُونَ بِالْحِلِّ والحرمة، ويبنون (١) عَلَى ذَلِكَ الْإِقْدَامَ وَالْإِحْجَامَ (٢)، كَمَا يُحْكَى عَنِ المحاسبي (٣) أنه كان إذا تناول طعامًا فيه شُبْهَةٍ يَنْبِضُ (٤) لَهُ عِرْقٌ فِي إِصْبَعِهِ فَيَمْتَنِعُ مِنْهُ (٥).\nوَقَالَ (٦) الشِّبْلِيُّ (٧): (اعْتَقَدْتُ وَقْتًا أَنْ (٨) لَا آكُلَ إِلَّا (٩) مِنْ حَلَالٍ (١٠)، فَكُنْتُ أَدُورُ فِي الْبَرَارِيِّ، فَرَأَيْتُ شَجَرَةَ تِينٍ، فَمَدَدْتُ يَدَيْ إِلَيْهَا لِآكُلَ، فَنَادَتْنِي الشَّجَرَةُ: احْفَظْ عَلَيْكَ (١١) عَهْدَكَ (١٢)، لَا تَأْكُلْ مِنِّي فَإِنِّي لِيَهُودِيٍّ (١٣» (١٤).\nوَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْخَوَّاصُ (١٥) [﵀] (١٦): (دَخَلْتُ خَرِبَةً فِي بَعْضِ الْأَسْفَارِ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ بِاللَّيْلِ، فَإِذَا فِيهَا سَبْعٌ عَظِيمٌ، فَخِفْتُ، فَهَتَفَ بِي هَاتِفٌ اثْبُتْ، فَإِنَّ حَوْلَكَ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلِكٍ يَحْفَظُونَكَ) (١٧).\nفَمِثْلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إِذَا عُرِضَتْ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ ظَهَرَ عَدَمُ الْبِنَاءِ عَلَيْهَا (١٨)، إِذِ الْمُكَاشَفَةُ، أَوِ الْهَاتِفُ الْمَجْهُولُ، أَوْ تحرك (١٩) بَعْضِ الْعُرُوقِ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّحْلِيلِ وَلَا التحريم (٢٠) لإمكانه في نفسه (٢١)، وإلا\n_________\n(١) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"ويثبتون\".\n(٢) في (ر): \"الإحجام\".\n(٣) تقدمت ترجمته (ص٣٨٠).\n(٤) في (م) و(ت): \"يقبض\".\n(٥) ذكر ذلك القشيري في رسالته (ص١٤).\n(٦) غير واضحة في (غ).\n(٧) في (ت) و(ط): \"الشيلي\".\n(٨) ساقطة من (ت).\n(٩) ساقطة من (ت).\n(١٠) في (غ): \"الجلال\"، وفي (ر): \"الحلال\".\n(١١) ساقطة من (غ) و(ر).\n(١٢) في (غ) و(ر): \"عقدك\".\n(١٣) في (غ): \"اليهودي\".\n(١٤) انظر: الموافقات (٢/ ٤٦١)، والرسالة للقشيري (ص١٢) ..\n(١٥) تقدمت ترجمته (ص٣٨١).\n(١٦) ما بين المعكوفين ساقط من (م) و(غ).\n(١٧) الرسالة للقشيري (ص١٦٨).\n(١٨) في (غ): \"بها عليها\".\n(١٩) في (م) و(ت) و(غ) و(ر): \"تحريك\".\n(٢٠) في (غ): \"أو التحريم\".\n(٢١) في (غ): \"أنفاسه\".","vol":"1","page":360},{"text":"لو (١) حضر ذلك الطعام (٢) حاكم أو غيره أكان (٣) يجب عليه أو يندب إلى (٤) الْبَحْثُ عَنْهُ حَتَّى يَسْتَخْرِجَ مِنْ يَدِ وَاضِعِهِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ إِلَى مُسْتَحَقِّهِ؟\nوَلَوْ (٥) هَتَفَ هَاتِفٌ بأن (٦) فلانًا قتل المقتول الفلاني، أو (٧) أَخَذَ مَالَ فُلَانٍ، أَوْ زَنَى، أَوْ سَرَقَ، أكان يجب عليه العمل بقوله؟ أو يكون شاهدًا في بعض تلك (٨) الْأَحْكَامِ؟ بَلْ لَوْ تَكَلَّمَتِ شَجْرَةٌ أَوْ حَجُرٌ بِذَلِكَ، أَكَانَ يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِهِ؟ أَوْ يُبنى (٩) عَلَيْهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ؟ هَذَا مِمَّا لَا يُعْهَدُ فِي الشَّرْعِ مِثْلُهُ. وَلِذَلِكَ قَالَ الْعُلَمَاءُ: لَوْ أَنَّ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ادَّعَى الرِّسَالَةَ، وَقَالَ: آيتي (١٠) أن أدعو (١١) هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتُكَلِّمَنِي، ثُمَّ دَعَاهَا فَأَتَتْ وَكَلَّمَتْهُ (١٢)، وَقَالَتْ: إِنَّكَ كَاذِبٌ، لَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِهِ، لَا دَلِيلًا عَلَى كَذِبِهِ، لِأَنَّهُ تَحَدَّى (١٣) بأمر جاء (١٤) عَلَى وَفْقِ مَا ادَّعَاهُ، وَكَوْنُ الْكَلَامِ تَصْدِيقًا أَوْ تَكْذِيبًا أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ (١٥) مُقْتَضَى الدَّعْوَى، لَا حُكْمٌ لَهُ.\nفَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي هَذِهِ المسألة: إذا فرضنا أن انباض (١٦) الْعِرْقِ لَازِمٌ لِكَوْنِ الطَّعَامِ حَرَامًا، لَا يَدُلُّ ذلك على الحكم (١٧) بالإمساك عنه (١٨)، إذ (١٩) لَمْ يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مُعْتَبَرٌ فِي الشَّرْعِ معلوم.\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"فلو\".\n(٢) ساقطة من (م) (خ) و(ت) و(ط).\n(٣) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"لكان\".\n(٤) ساقطة من (خ) و(ت) و(ط).\n(٥) في (م) و(غ) و(ر): \"أولو\".\n(٦) في (ت): \"فإن\".\n(٧) في (م) و(ت): \"و\" بدل \"أو\".\n(٨) ساقطة من (خ) و(ت) و(ط).\n(٩) في (ت): \"يبقى\".\n(١٠) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"إنني\".\n(١١) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"أدع\".\n(١٢) في (غ): \"فكلمته\".\n(١٣) في (غ): \"تحرى\".\n(١٤) في (خ) و(ط) و(ر): \"جاءه\".\n(١٥) في (م) و(ت): \"على\".\n(١٦) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"انقباض\".\n(١٧) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"أن الحكم\".\n(١٨) من هنا الخط غير واضح في (غ).\n(١٩) في (خ) و(ت) و(ط): \"إذا\".","vol":"1","page":361},{"text":"وكذلك مَسْأَلَةُ الْخَوَاصِّ، فَإِنَّ التَّوَقِّيَ مِنْ مَظَانِّ الْمُهْلِكَاتِ (١) مَشْرُوعٌ، فَخِلَافُهُ يَظْهَرُ أَنَّهُ خِلَافُ الْمَشْرُوعِ، وَهُوَ مُعْتَادٌ فِي أَهْلِ هَذِهِ (٢) الطَّرِيقَةِ.\nوَكَذَلِكَ كَلَامُ الشَّجَرَةِ لِلشِّبْلِيِّ (٣) مِنْ جُمْلَةِ الْخَوَارِقِ، وَبِنَاءَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ غَيْرُ مَعْهُودٍ.\nوَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَبْنُونَ طَرِيقَهُمْ عَلَى اجْتِنَابِ الرُّخَصِ جُمْلَةً، حَتَّى إِنَّ شيخهم المصنف (٤) الَّذِي مَهَّدَ لَهُمُ الطَّرِيقَةَ أَبَا الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيَّ (٥)، قَالَ فِي بَابِ وَصِيَّةِ الْمُرِيدِينَ مِنْ رِسَالَتِهِ: \"إن اختلفت (٦) عَلَى الْمُرِيدِ فَتَاوَى الْفُقَهَاءِ يَأْخُذُ بِالْأَحْوَطِ، وَيَقْصِدُ أَبَدًا الْخُرُوجَ عَنِ (٧) الْخِلَافِ، فَإِنَّ الرُّخَصَ فِي الشَّرِيعَةِ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ، وَأَصْحَابِ الْحَوَائِجِ وَالْأَشْغَالِ، وَهَؤُلَاءِ الطَّائِفَةُ - يَعْنِي الصُّوفِيَّةَ - لَيْسَ لَهُمْ شُغْلٌ سِوَى الْقِيَامِ بِحَقِّهِ سُبْحَانَهُ، وَلِهَذَا قِيلَ: إِذَا انْحَطَّ الْفَقِيرُ عَنْ (٨) دَرَجَةِ الْحَقِيقَةِ إِلَى رُخْصَةِ الشَّرِيعَةِ، فَقَدْ فَسَخَ عَقْدَهُ (مَعَ اللَّهِ) (٩)، وَنَقَضَ عَهْدَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ\" (١٠).\nفَهَذَا الْكَلَامُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِمُ التَّرَخُّصُ فِي مَوَاطِنِ الترخص المشروع، وهو خلاف (١١) مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَالسَّلَفُ الصَّالِحُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.\nفَالْتِزَامُ الْعَزَائِمِ مَعَ وُجُودِ مَظَانِّ (١٢) الرُّخَصِ - الَّتِي قال فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِنَّ اللَّهَ (١٣) يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ\" (١٤) - فِيهِ مَا فِيهِ.\n_________\n(١) في (ر): \"الهلكات\".\n(٢) في (م) و(خ) و(ط): \"هاته\".\n(٣) في (خ) و(ت): \"للشبيلي\".\n(٤) ساقطة من (خ) و(ط).\n(٥) تقدمت ترجمته (ص١٦٠).\n(٦) في (ط): \"اختلف\".\n(٧) في (م) و(ت) و(ر): \"على\".\n(٨) في (خ): \"على\".\n(٩) ما بين المعكوفين ساقط من (خ) و(ط)، وفي (ت): سقط لفظ الجلالة فقط.\n(١٠) انظر: قوله في الرسالة القشيرية (ص٢١٣).\n(١١) ساقطة من (خ) و(ط).\n(١٢) في (ط): \"مضار\".\n(١٣) لفظ الجلالة أثبت في هامش (م)، وكتب في (ت) فوق السطر.\n(١٤) رواه الإمام الطبراني في المعجم الكبير عن ابن عباس ﵁ برقم (١١٨٨٠) =","vol":"1","page":362},{"text":"وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ بِدْعَةٌ اسْتَحْسَنُوهَا قَمْعًا لِلنَّفْسِ عَنْ الِاسْتِرْسَالِ فِي الْمَيْلِ إِلَى الرَّاحَةِ، وَإِيثَارًا إِلَى (١) مَا يُبْنَى (٢) عَلَيْهِ مِنَ الْمُجَاهَدَةِ.\nوَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْقُشَيْرِيَّ جَعَلَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَبْنِي عَلَيْهِ مَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ فِي طَرِيقِهِمْ (الْخُرُوجَ (٣) عن المال، فإن ذلك الذي (٤) يميل به (٥) عن الحق، ولم يوجد مريد دخل (٦) فِي هَذَا الْأَمْرِ وَمَعَهُ عَلَاقَةٌ مِنَ الدُّنْيَا إلا جرته تلك العلاقة (٧) عَنْ قَرِيبٍ إِلَى مَا مِنْهُ خَرَجَ ..) (٨) إِلَى آخَرِ مَا قَالَ.\nوَهُوَ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ مَعَ ظَوَاهِرِ الشَّرِيعَةِ، لِأَنَّا نَعْرِضُ ذَلِكَ عَلَى الحالة الأولى، وهي حَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَصْحَابِهِ الْكِرَامِ، إِذْ لَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا بِالْخُرُوجِ عَنْ مَالِهِ، وَلَا أَمَرَ صَاحِبَ صَنْعَةٍ (٩) بِالْخُرُوجِ عَنْ صَنْعَتِهِ، وَلَا صَاحِبَ تِجَارَةٍ بِتَرْكِ (١٠) تِجَارَتِهِ، وَهُمْ كَانُوا أَوْلِيَاءَ اللَّهِ حَقًّا، وَالطَّالِبُونَ لِسُلُوكِ طَرِيقِ الْحَقِّ صِدْقًا، وَإِنْ سَلَكَ مَنْ بعدهم ألف سنة، لم يدرك (١١) شَأْوَهُمْ، وَلَمْ يَبْلُغْ هُدَاهُمْ (١٢).\nثُمَّ إِنَّهُ كَمَا يَكُونُ الْمَالُ شَاغِلًا فِي الطَّرِيقِ عَنْ بُلُوغِ الْمُرَادِ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ فَرَاغُ الْيَدِ مِنْهُ جُمْلَةً شاغلًا عنه، وليس (أحد\n_________\n= (١١/ ٣٢٣)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٧٦)، والبزار في مسنده كما في كشف الأستار (١/ ٤٦٩)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: رواه الطبراني في الكبير، والبزار، ورجال البزار ثقات، وكذلك رجال الطبراني. المجمع (٣/ ١٦٥) وصحح الألباني إسناده في إرواء الغليل (٣/ ١١).\n(١) في (غ): \"على\".\n(٢) في (م) و(غ) و(ر): \"بنى\".\n(٣) قال القشيري في الرسالة: \"وإذا أراد الخروج عن العلائق، فأولها: الخروج ... \" وذكر ما نقل هنا.\n(٤) ساقطة من (غ).\n(٥) في (خ) و(ط): \"يميل إليه به ... \".\n(٦) عبارة (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"من يدخل\".\n(٧) في (ط): \"لعلاقة\".\n(٨) انظر: الرسالة القشيرية، باب الوصية للمريدين (ص٢١٣).\n(٩) في (خ): \"صنعته\".\n(١٠) في (خ): \"بمن بل بترك تجارته\"، وهو إضراب عن الخطأ.\n(١١) في (خ) و(ت) و(ط): \"يبلغ\".\n(١٢) في (ر): \"مداهم\".","vol":"1","page":363},{"text":"الْعَارِضِينَ) (١) أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِنَ الْآخَرِ، فَأَنْتَ تَرَى كَيْفَ جُعِلَ هَذَا النَّوْعُ - الَّذِي لَمْ يُوجَدْ في السلف - عمدة (٢) وأصلًا (٣) فِي سُلُوكِ الطَّرِيقِ، وَهُوَ كَمَا تَرَى مُحْدَثٌ، فما ذاك (٤) إِلَّا لِأَنَّ الصُّوفِيَّةَ اسْتَحْسَنُوهُ، لِأَنَّهُ بِلِسَانِ جَمِيعِهِمْ يَنْطِقُ.\nوَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ لَا يَصِحُّ لِلشُّيُوخِ التَّجَاوُزُ عَنْ زَلَّاتِ الْمُرِيدِينَ، لِأَنَّ ذَلِكَ تَضْيِيعٌ لِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى (٥)، وَهَذَا النَّفْيُ (٦) الْعَامُ يُسْتَنْكَرُ فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، أَلَا تَرَى إِلَى (٧) مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ: \"أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ، وَذَلِكَ فِيمَا لَمْ يَكُنْ حَدَّا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ\" (٨)، فَلَوْ كَانَ الْعَفْوُ غَيْرَ صَحِيحٍ لَكَانَ مُخَالِفًا لِهَذَا الدَّلِيلِ، وَلَمَا جَاءَ مِنْ فَضْلِ الْعَفْوِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ (٩)، (وَيَرْضَى بِهِ) (١٠)، وَيُعِينُ عَلَيْهِ مَا لَا يُعِينُ عَلَى الْعُنْفِ، وَمِنْ جُمْلَةِ الرِّفْقِ شَرْعِيَّةُ التَّجَاوُزِ وَالْإِغْضَاءِ، إِذِ الْعَبْدُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ زَلَّةٍ وَتَقْصِيرٍ، وَلَا مَعْصُومَ إِلَّا من عصمه (١١) الله.\n_________\n(١) هكذا في (غ) و(ر) وفي أصل (م): \"العاضين\"، وصححت في هامشها بما هو مثبت بين المعكوفين، وفي بقية النسخ \"الماضي\".\n(٢) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"عهده\".\n(٣) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"أصلًا\" بدون واو.\n(٤) في (خ) و(ط) و(ر): \"ذلك\".\n(٥) انظر: هذا الكلام لهم في الرسالة للقشيري (ص٢١٣).\n(٦) في (خ) و(ط): \"الفقير\"، وفي (م) و(ت): \"البغي\".\n(٧) ساقطة من (خ) و(ط).\n(٨) رواه الإمام أبو داود في كتاب الحدود من سننه، باب في الحد يشفع فيه عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رسول الله ﷺ: \"أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود\" (٤/ ١٣١)، ورواه الإمام أحمد في المسند (٦/ ١٨١)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٤٣)، والطحاوي في مشكل الآثار (٣/ ١٢٩)، وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود (٣/ ٨٢٧).\nوانظر: السلسلة الصحيحة برقم (٦٣٨).\n(٩) في (غ): \"العفو\".\n(١٠) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).\n(١١) في (م) و(ت) و(غ) و(ر): \"عصم\".","vol":"1","page":364},{"text":"ومن ذَلِكَ أَخْذُهُمْ عَلَى الْمُرِيدِ أَنْ يُقَلِّلَ مِنْ غِذَائِهِ، لَكِنْ بِالتَّدْرِيجِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ (١)، لَا مَرَّةً (٢) وَاحِدَةً (٣)، وَأَنْ يُدِيمَ الْجُوعَ وَالصِّيَامَ، وَأَنْ يترك التزوج (٤) ما دام في سلوكه، ويعد (٥) ذلك (٦) كُلُّهُ مِنْ مُشْكِلَاتِ التَّشْرِيعِ، بَلْ هُوَ شَبِيهٌ بِالتَّبَتُّلِ الَّذِي رَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ، حَتَّى قَالَ: \"مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي\" (٧).\nوَإِذَا تؤمل (٨) مَا ذَكَرُوهُ فِي شَأْنِ التَّدْرِيجِ فِي تَرْكِ الغذاء (٩) وُجد (١٠) غَيْرَ مَعْهُودٍ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ، وَالْقَرْنِ الْأَفْضَلِ.\nوَمِنْ ذَلِكَ أَشْيَاءُ أَلْزَمُوهَا الْمُرِيدَ حَالَةَ السَّمَاعِ، مِنْ طَرْحِ الْخَرْقِ، وَأَنَّ مِنْ حَقِّ الْمُرِيدِ أَنْ لَا يَرْجِعَ فِي شَيْءٍ خَرَجَ عَنْهُ (١١)، أَلْبَتَّةَ، إِلَّا أَنْ يُشِيرَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ بِالرُّجُوعِ فِيهِ، فَلْيَأْخُذْهُ (١٢) عَلَى نِيَّةِ الْعَارِيَّةِ بِقَلْبِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوحِشَ قَلْبَ الشَّيْخِ (١٣)، إِلَى أَشْيَاءَ اخْتَرَعُوهَا فِي ذَلِكَ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهَا فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ، وذلك من نتائج مجالس (١٤) السماع الذي اعتادوه (١٥).\nوَالسَّمَاعُ فِي طَرِيقَةِ التَّصَوُّفِ لَيْسَ مِنْهَا، لَا بِالْأَصْلِ وَلَا بِالتَّبَعِ، وَلَا اسْتَعْمَلَهُ أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ مِمَّنْ يُشَارُ إِلَيْهِ حَاذِيًا (١٦) فِي طَرِيقِ الخير، وإنما\n_________\n(١) في (ط): \"من\" بدون الواو.\n(٢) انظر: هذا الكلام في باب الوصية للمريدين من رسالة القشيري (ص٢١٤).\n(٣) في (غ) و(ر): \"لا بمرة\".\n(٤) ساقطة من (غ).\n(٥) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"التزويج\".\n(٦) في (م) و(غ) و(ر): \"بعد\".\n(٧) في (م) و(غ) و(ر): \"وذلك\"، وفي (ت): \"ذاك\".\n(٨) تقدم تخريجه الحديث (ص٥٨).\n(٩) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"تأمل\".\n(١٠) في (خ): \"العقد بل الغذاء\" وتقدم نظيره.\n(١١) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"وجده\".\n(١٢) في (ر): \"منه\".\n(١٣) في (م): \"فليأخذ\".\n(١٤) انظر: هذا الكلام في باب الوصية للمريدين من رسالة القشيري (ص٢١٧).\n(١٥) في (غ): \"مسائل\".\n(١٦) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"اعتمدوه\".\n(١٧) في (م) و(ت) و(غ): \"حاديًا\".","vol":"1","page":365},{"text":"رَأَيْتُهُ مَأْخُوذًا بِهِ فِي ذَلِكَ وَفِي غَيْرِهِ عِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ الْآخِذَةِ لِلتَّكْلِيفِ الشَّرْعِيِّ بِالتَّبَعِ (١).\nوَلَوْ تُتُبِّعَ هَذَا الْبَابُ لَكَثُرَتْ مَسَائِلُهُ وَانْتَشَرَتْ، وَظَاهِرُهَا أَنَّهَا اسْتِحْسَانَاتٌ (٢) اتُّخِذَتْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ، وَالْقَوْمُ - كَمَا تَرَى - مُسْتَمْسِكُونَ بِالشَّرْعِ، فَلَوْلَا أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأُمُورِ لَاحِقٌ بِالْمَشْرُوعَاتِ، لَكَانُوا أَبْعَدَ الناس منها، فدل (٣) عَلَى أَنَّ مِنَ الْبِدَعِ (٤) مَا لَيْسَ بِمَذْمُومٍ، بل إن منها ما هو محمود (٥) وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.\n(وَالْجَوَابُ) (٦) أَنْ نَقُولَ - أَوَّلًا ـ: كُلُّ مَا عَمِلَ بِهِ الْمُتَصَوِّفَةُ الْمُعْتَبَرُونَ فِي هَذَا الشَّأْنِ لَا يَخْلُو: إِمَّا (٧) أَنْ يَكُونَ مِمَّا ثبت له أصل في الشريعة أو (٨) لَا، فَإِنْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ فَهُمْ خُلَقَاءُ بِهِ، كَمَا أَنَّ السَّلَفَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ خُلَقَاءُ بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ فَلَا عَمَلَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ السُّنَّةَ حُجَّةٌ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ، وَلَيْسَ عَمَلُ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَّةِ حُجَّةً عَلَى السُّنَّةِ، لِأَنَّ السُّنَّةَ مَعْصُومَةٌ عَنِ الْخَطَأِ، وَصَاحِبَهَا مَعْصُومٌ، وَسَائِرُ الْأُمَّةِ لَمْ تَثْبُتْ لَهُمْ عِصْمَةٌ إِلَّا (٩) مَعَ إِجْمَاعِهِمْ خاصة، وإذا اجتمعوا تضمن إجماعهم دَلِيلًا شَرْعَيًّا، كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.\nفَالصُّوفِيَّةُ كَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ الْعِصْمَةُ، فَيَجُوزُ عَلَيْهِمُ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَالْمَعْصِيَةُ كَبِيرَتُهَا وَصَغِيرَتُهَا، فَأَعْمَالُهُمْ لَا تَعْدُو الْأَمْرَيْنِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْعُلَمَاءُ: كُلُّ كلام منه (١٠) مأخوذ ومتروك (١١)، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ.\n_________\n(١) ساقطة من (ط).\n(٢) في (غ) و(ر): \"مستحسنات\".\n(٣) في (م) و(ت): \"يدل\"، وفي (خ) و(ط): \"ويدل\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"ابتدع\".\n(٥) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"ممدوح\".\n(٦) من هنا يبدأ المؤلف يجيب عن الكلام المتقدم، وهو كلام حسن لولا ما فيه من الاختصار، لأن المؤلف لم يجب عن كل مسألة على حدة، مع أن الموضع مناسب لرد هذه المحدثات. ويظهر في كلام المؤلف مداراة ظاهرة كما سيأتي.\n(٧) ساقطة من (غ) و(ر).\n(٨) في (م) و(خ) و(ط): \"أم\".\n(٩) في (خ) و(ت): \"ولا\".\n(١٠) ساقطة من (خ) و(ت) و(ط).\n(١١) في (خ) و(ط): \"أو متروك\".","vol":"1","page":366},{"text":"وَقَدْ قَرَّرَ ذَلِكَ الْقُشَيْرِيُّ أَحْسَنَ (١) تَقْرِيرٍ، فَقَالَ: (فإن قيل: فهل يكون الولي معصومًا؟ (٢) قِيلَ: أَمَّا وُجُوبًا كَمَا يُقَالُ فِي الْأَنْبِيَاءِ فَلَا (٣)، وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا حَتَّى لَا يُصِرَّ عَلَى الذُّنُوبِ - وَإِنْ حَصَلَتْ مِنْهُمْ (٤) آفَاتٌ أَوْ زَلَاتٌ - فَلَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ فِي وَصْفِهِمْ، قال: ولقد (٥) قيل للجنيد (٦): العارف يَزْنِي؟ (٧) فَأَطْرَقَ مَلِيًّا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (٨» (٩).\nفَهَذَا كَلَامُ منصف، فكما يجوز على غيرهم المعاصي، فالابتداع وَغَيْرِهِ كَذَلِكَ يَجُوزُ عَلَيْهِمْ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَقِفَ مَعَ الِاقْتِدَاءِ بِمَنْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ، ونقف عن (١٠) الِاقْتِدَاءِ بِمَنْ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ، إِذَا ظَهَرَ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ إِشْكَالٌ، بَلْ نَعْرِضُ مَا جَاءَ عَنِ الْأَئِمَّةِ عَلَى (١١) الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَمَا قَبِلَاهُ قَبِلْنَاهُ، وَمَا لَمْ يَقْبَلَاهُ تَرَكْنَاهُ، ولا علينا إذا قَامَ لَنَا الدَّلِيلُ عَلَى اتِّبَاعِ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَقُمْ لَنَا دَلِيلٌ عَلَى اتِّبَاعِ (١٢) أَقْوَالِ الصُّوفِيَّةِ وَأَعْمَالِهِمْ إِلَّا بَعْدَ عَرْضِهَا، وَبِذَلِكَ وَصَّى شُيُوخُهُمْ، وإن كل (١٣) مَا جَاءَ بِهِ صَاحِبُ الْوَجْدِ وَالذَّوْقِ مِنَ الْأَحْوَالِ وَالْعُلُومِ وَالْفُهُومِ، فَلْيَعْرِضْ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنْ قَبِلَاهُ صَحَّ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ، فَكَذَلِكَ مَا رَسَمُوهُ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَأَوْجُهِ الْمُجَاهِدَاتِ، وَأَنْوَاعِ الالتزامات (١٤).\n_________\n(١) في (غ): \"بأحسن\".\n(٢) كتب في هذا الموضع في (خ) و(ط): \"حتى لا يصر على الذنوب\"، وهو سبق نظر من الناسخ.\n(٣) ساقطة من (م) و(خ).\n(٤) في (خ) و(ط) و(م): \"معناه\".\n(٥) في (خ) و(ت): \"لقد\" بدون الواو.\n(٦) تقدمت ترجمته (ص١٦٩).\n(٧) في (خ): \"أيزنى العارف\"، وفي (ت): \"العارف يرب يزني\".\n(٨) سورة الأحزاب: آية (٣٨).\n(٩) انظر: هذا القول في الرسالة القشيرية (ص١٨٧).\n(١٠) في (خ) و(ط): \"على\".\n(١١) ساقطة من (م).\n(١٢) ساقطة من (غ) و(ر).\n(١٣) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"كان\".\n(١٤) والأقرب من هذا كله اتباع الدليل مباشرة، ففي كتاب الله سبحانه وسنة رسوله (ص) =","vol":"1","page":367},{"text":"ثُمَّ نَقُولُ - ثَانِيًا ـ: إِذَا نَظَرْنَا فِي رُسُومِهِمُ الَّتِي حَدُّوا، وَأَعْمَالِهِمُ الَّتِي امْتَازُوا بِهَا عَنْ غَيْرِهِمْ، بِحَسَبِ تَحْسِينِ الظَّنِّ، وَالتَّمَاسِّ أَحْسَنِ الْمَخَارِجَ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهَا مَخْرَجًا، فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا (١) التَّوَقُّفُ عن الاقتداء والعمل، وَإِنْ كَانُوا مِنْ جِنْسِ مَنْ يُقْتَدَى بِهِمْ (٢)، لا ردًا له (٣) وَاعْتِرَاضًا (٤)، بَلْ لِأَنَّا لَمْ نَفْهَمْ وَجْهَ رُجُوعِهِ إِلَى الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ، كَمَا فَهِمْنَا غَيْرَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّا نَتَوَقَّفُ عَنِ (٥) الْعَمَلِ بِالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي يُشْكِلُ عَلَيْنَا وَجْهُ الْفِقْهِ فِيهَا (٦)؟ فَإِنْ سَنَحَ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْعَمَلِ بِهَا وَجْهٌ جَارٍ على الأدلة قبلناه، وإلا فلسنا مطلوبين (٧) بذلك، ولا ضرر علينا في هذا (٨) التَّوَقُّفِ، لِأَنَّهُ تَوَقُّفُ مُسْتَرْشِدٍ، لَا تَوَقُّفُ رَادٍّ مُطَّرِحٍ (٩)، فَالتَّوَقُّفُ هُنَا بِتَرْكِ الْعَمَلِ أَوْلَى وَأَحْرَى (١٠).\nثُمَّ نَقُولُ - ثَالِثًا ـ: إِنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ وَأَشْبَاهَهَا قَدْ صَارَتْ مَعَ ظَاهِرِ (١١) الشَّرِيعَةِ كَالْمُتَدَافِعَةِ، فَيُحْمَلُ كَلَامُ الصُّوفِيَّةِ وَأَعْمَالُهُمْ مَثَلًا عَلَى أَنَّهَا مُسْتَنِدَةٌ إِلَى دَلَائِلَ شَرْعِيَّةٍ، إِلَّا أَنَّهُ (١٢) عَارَضَهَا فِي النقل أدلة أوضح منها (١٣) فِي أَفْهَامِ الْمُتَفَقِّهِينَ (١٤)، وَأَنْظَارِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَأَجْرَى عَلَى المعهود في سائر\n_________\n=ما يغني المسلم عن هذا العناء، فالمطلوب اتباع الدليل لا البحث عن الدليل الذي يعضد أعمال الصوفية أو غيرهم.\n(١) ساقطة من (ر).\n(٢) هذا الكلام غير مسلم، بل قدوتنا رسول الله ﷺ، وخير الهدي هدي محمد ﷺ.\n(٣) في (خ) و(ت) و(ط): \"لهم\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"ولا اعتراضًا عليه\".\n(٥) في (غ): \"على\".\n(٦) وأين هذا من هذا، وما الذي يوقع المسلم في هذ الإشكال وهو في غنى عنه، وهل صارت أعمال الصوفية أدلة شرعية حتى نتعامل معها كذلك!\n(٧) في (م) و(غ): \"بمطلوبين\".\n(٨) زيادة في (غ) و(ر).\n(٩) في (ط): \"مقترح\".\n(١٠) بل هو الواجب على المسلم، لأن الاقتداء بالصوفية في أقوالهم وأعمالهم أمر مردود، فكيف إذا تعارض مع أدلة الشرع.\n(١١) في (غ) و(ر): \"ظواهر\".\n(١٢) في (غ): \"أنها\".\n(١٣) ساقطة من (غ) و(ر).\n(١٤) هذا الحمل لا ينبغي، لأن الأدلة الشرعية واضحة بينة، فلو كانت أقوالهم وأفعالهم معتمدة على دليل لاتضح ذلك، ولم يخف على العلماء الذين نقدوا طريقتهم.","vol":"1","page":368},{"text":"أصناف العلماء، وأنص (١) فِي أَلْفَاظِ الشَّارِعِ مِمَّا ظَنَنَّاهُ مُسْتَنَدَ الْقَوْمِ.\nوَإِذَا تَعَارَضَتِ الْأَدِلَّةُ، وَلَمْ يَظْهَرْ فِي بَعْضِهَا نَسْخٌ، فَالْوَاجِبُ التَّرْجِيحُ، وَهُوَ إِجْمَاعٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ أَوْ كَالْإِجْمَاعِ (٢).\nوَفِي مَذْهَبِ الْقَوْمِ الْعَمَلُ بِالِاحْتِيَاطِ هُوَ الْوَاجِبُ، كَمَا أَنَّهُ مَذْهَبُ غَيْرِهِمْ، فَوَجَبَ بِحَسْبَ الْجَرَيَانِ عَلَى آرَائِهِمْ فِي السُّلُوكِ أَنْ لَا يُعْمَلَ بِمَا رَسَمُوهُ مِمَّا فِيهِ مُعَارَضَةٌ لِأَدِلَّةِ الشَّرْعِ، وَنَكُونُ (٣) فِي ذَلِكَ مُتَّبِعِينَ لِآثَارِهِمْ، مُهْتَدِينَ بِأَنْوَارِهِمْ، خِلَافًا لِمَنْ يُعْرِضُ عَنِ الْأَدِلَّةِ، وَيُصَمِّمُ عَلَى تَقْلِيدِهِمْ فِيمَا لَا يَصِحُّ تَقْلِيدُهُمْ فيه على مذهبهم، فالأدلة الشرعية (٤)، وَالْأَنْظَارُ الْفِقْهِيَّةُ، وَالرُّسُومُ الصُّوفِيَّةُ (٥) تَرُدُّهُ وَتَذُمُّهُ، وَتَحْمَدُ مَنْ تَحَرَّى وَاحْتَاطَ، وَتَوَقَّفَ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ، وَاسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ.\nوَبَقِيَ الْكَلَامُ عَلَى أَعْيَانِ مَا ذكر في السؤال، من أقوالهم وقواعدهم (٦)، وَمَا يَتَنَزَّلُ مِنْهَا عَلَى مُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ، وَكَيْفَ وجه تنزيلها، لَا حَاجَةَ لَنَا (٧) إِلَيْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى جُمْلَةٍ مِنْهَا (٨) فِي كِتَابِ الْمُوَافَقَاتِ (٩)، وَإِنْ فَسَحَ اللَّهُ فِي الْمُدَّةِ، وَأَعَانَ بِفَضْلِهِ بَسَطْنَا (١٠) الْكَلَامَ فِي هَذَا الْبَابِ في كتاب شرح (١١) مَذْهَبِ أَهْلِ التَّصَوُّفِ (١٢)، وَبَيَانِ مَا أُدْخِلَ فِيهِ مِمَّا لَيْسَ بِطَرِيقٍ لَهُمْ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.\n_________\n(١) في (خ) و(ط): \"وأنظر\".\n(٢) اعتبار أقوال الصوفية وأعمالهم في منزلة الأدلة الشرعية التي يرجح بينها أمر غير صحيح، والأولى المصارحة بالحق إلا أن المؤلف أراد أن يتألف الصوفية رغبة منه في هدايتهم.\n(٣) في (م): \"ويكون\".\n(٤) ساقطة من (خ) و(ت) و(ط).\n(٥) في (م): \"للصوفية\".\n(٦) في (خ) و(ت) و(ط): \"وعوائدهم\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"بنا\".\n(٨) في (غ): \"منه\".\n(٩) ومن ذلك ما ذكر في المجلد الثاني (٢/ ٢٤٣، ٢٤٨، ٢٦٨ - ٢٧٣).\n(١٠) في (م): \"ببسطنا\".\n(١١) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(١٢) لا أعلم أن للمؤلف كتابًا بهذا العنوان.","vol":"1","page":369},{"text":"وقد تبين (مما تقدم) (١) أَنْ لَا دَلِيلَ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَحْتَجُّ (٢) به (أهل البدع) (٣) على بدعهم (٤) والحمد لله. انتهى (٥)\n_________\n(١) ما بين المعكوفين ساقط من (م) و(خ) و(ت) و(ط).\n(٢) في (خ) و(ط): \"يحكم\".\n(٣) ما بين المعكوفين ساقط من (خ) و(ت) و(ط).\n(٤) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): \"بدعتهم\".\n(٥) ساقطة من (ر) و(ط).","vol":"1","page":370},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>الباب الرابع\nفي مأخذ أهل البدع في الاستدلال</span>\nكُلُّ خَارِجٍ عَنِ السُّنَّةِ مِمَّنْ يَدَّعِي الدُّخُولَ فِيهَا، وَالْكَوْنَ مَنْ أَهلها، لَا بُدَّ لَهُ من تكلف الاستدلال بأَدلتها على خصوصات مَسَائِلِهِمْ، وإِلا كَذَّبَ اطراحُها دَعْوَاهُمْ، بَلْ كُلُّ مبتدع من هذه الأُمة إِنما (١) يدَّعي أَنه (٢) هُوَ صَاحِبُ السُّنَّةِ دُونَ (٣) مَنْ خالفه من الفرق، فلا يمكنه إِلا (٤) الرُّجُوعُ إِلى التَّعَلُّقِ بِشُبَهِهَا (٥)، وإِذا رَجَعَ إِليها كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَن يأْخذ الِاسْتِدْلَالَ مأْخذ أَهله الْعَارِفِينَ (٦) بِكَلَامِ الْعَرَبِ وَكُلِّيَّاتِ الشَّرِيعَةِ وَمَقَاصِدِهَا، كَمَا كَانَ السَّلَفُ الأَول يأْخُذُونها. إِلا أَن هَؤُلَاءِ (٧) - كَمَا يَتَبَيَّنُ بَعْدُ - لَمْ يَبْلُغُوا مَبْلَغَ النَّاظِرِينَ فِيهَا بإِطلاق (٨)، إِما لِعَدَمِ الرُّسُوخِ فِي مَعْرِفَةِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَالْعِلْمِ بِمَقَاصِدِهَا، وإِما (٩) لِعَدَمِ الرُّسُوخِ فِي الْعِلْمِ بِقَوَاعِدَ الأُصول؛ الَّتِي مِنْ جهتها تستنبط الأَحكام الشرعية، وإمّا للأَمرين (١٠) جَمِيعًا، فبِالْحَرِيّ أَن تَصِيرَ مَآخِذُهُمْ للأَدلة مُخَالَفَةً لمأْخذ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ للأَمرين.\nوإِذا تَقَرَّرَ هَذَا فَلَا بُدَّ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى تِلْكَ الْمَآخِذِ؛ لِكَيْ تُحْذَرَ وتُتَّقَى، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ (١١).\n_________\n(١) في (خ): \"إما أن يدَّعي\"، وفي (م): \"إما يدَّعي\".\n(٢) قوله: \"أنه\" ليس في (خ).\n(٣) في (غ): \"هو\" بدل \"دون\".\n(٤) قوله: \"إلا\" من (غ) و(ر) فقط.\n(٥) في (غ) و(ر): \"بشبهتها\".\n(٦) قوله: \"العارفين\" سقط من (غ).\n(٧) في (خ): \"إلا أن أهل بل هؤلاء\".\n(٨) في (غ) و(ر): \"بالإطلاق\".\n(٩) من قوله: \"لعدم الرسوخ\" إلى هنا سقط من (غ).\n(١٠) في (خ): \"وإما لعدم الأمرين\".\n(١١) قوله: \"وبالله التوفيق\" ليس في (خ).","vol":"2","page":5},{"text":"فَنَقُولُ: قَالَ اللَّهُ ﷾: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (١)، وَذَلِكَ أَن هَذِهِ الْآيَةَ شَمَلَتْ قِسْمَيْنِ هُمَا أَصل الْمَشْيِ عَلَى طَرِيقِ الصَّوَابِ، أَو عَلَى طَرِيقِ الخطأَ:\nأَحدهما: الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، وَهُمُ الثَّابِتُو الأَقدام فِي عِلْمِ الشَّرِيعَةِ. وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ متعذِّرًا إِلا عَلَى مَنْ حَصَّلَ الأَمرين الْمُتَقَدِّمَيْنِ، لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِهِمَا مَعًا عَلَى حَسَبِ مَا تُعْطِيهِ المُنَّة (٢) الإِنسانية، وإِذ ذَاكَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنه رَاسِخٌ فِي الْعِلْمِ. وَمُقْتَضَى الْآيَةُ مَدْحُهُ، فَهُوَ إِذًا أَهلٌ لِلْهِدَايَةِ وَالِاسْتِنْبَاطِ. وَحِينَ خَصَّ أَهل الزَّيْغِ بِاتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهِ، دلَّ التَّخْصِيصُ عَلَى أَنَّ الرَّاسِخِينَ لَا يَتْبَعُونَهُ، فَإِذًا؛ لَا يَتَّبِعُونَ إِلا الْمُحْكَمَ، وَهُوَ أُمُّ الْكِتَابِ ومُعْظَمُه.\nفَكُلُّ دَلِيلٍ خَاصٍّ أَو عَامٍّ شَهِدَ لَهُ مُعْظَمُ الشَّرِيعَةِ فَهُوَ الدَّلِيلُ الصَّحِيحُ، وَمَا سِوَاهُ فَاسِدٌ، إِذ لَيْسَ بَيْنَ الدليل (٣) الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ وَاسِطَةٌ فِي الأَدلّة يُستند إِليها؛ إِذ لَوْ كَانَ ثمَّ ثَالِثٌ لنصَّت عَلَيْهِ الْآيَةُ.\nثُمَّ لَمَّا خُصَّ الزَّائِغُونَ بِكَوْنِهِمْ يَتَّبِعُونَ الْمُتَشَابِهَ، ولم يوصف الراسخون بذلك؛ دل على (٤) أَنَّهم لا يتبعون تأَويله؛ أَي: مآله؛ يريد طلب معناه؛ ليحكموا به على مقتضى أَهوائهم في طلب الفتنة (٥) أَيضًا (٦). فإِن تأَوّلوه فبالرَّد إِلى المحكم، فإن (٧) أَمكن حمله على المحكم بمقتضى القواعد؛ فهو (٨) الْمُتَشَابِهُ الإِضافي لَا الْحَقِيقِيُّ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ نَصٌّ عَلَى حُكْمِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلى الرَّاسِخِينَ، فَلْيَرْجِعْ عِنْدَهُمْ إِلى الْمُحْكَمِ الَّذِي هُوَ أُمّ الْكِتَابِ. وإِن لَمْ يتأَوَّلُوه فَبِنَاءً عَلَى أَنه مُتَشَابِهٌ حقيقي، فيقابلونه بالتسليم\n_________\n(١) سورة آل عمران: الآية (٧).\n(٢) المُنَّة: القُوَّة. \"لسان العرب\" (١٣/ ٤١٥).\n(٣) قوله: \"الدليل\" ليس في (خ) و(م).\n(٤) قوله: \"على\" من (ر) فقط.\n(٥) من قوله: \"ولم يوصف الراسخون\" إلى هنا سقط من (خ) و(م).\n(٦) في (خ) و(م)، بعد قوله: \"أيضًا\" زيادة: \"علم أن الراسخين لا يتبعونه\".\n(٧) في (خ) و(م): \"بأن\".\n(٨) في (خ): \"فهذا\".","vol":"2","page":6},{"text":"وَقَوْلِهِمْ: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، وَهَؤُلَاءِ هُمْ أُولو الأَلباب.\nوَكَذَلِكَ ذَكَرَ فِي أَهل الزَّيْغِ أَنهم يَتَّبِعُونَ الْمُتَشَابِهَ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ، فَهُمْ يَطْلُبُونَ بِهِ أَهواءهم لِحُصُولِ الْفِتْنَةِ، فَلَيْسَ نَظَرِهِمْ إِذًا فِي الدَّلِيلِ نظرَ الْمُسْتَبْصِرِ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَحْتَ حُكْمِهِ، بَلْ نَظَرُ مَنْ حَكَمَ بِالْهَوَى، ثُمَّ أَتى بِالدَّلِيلِ كَالشَّاهِدِ لَهُ، وَلَمْ يَذَكُرْ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الرَّاسِخِينَ، فَهُمْ إِذن بِضِدِّ (١) هَؤُلَاءِ؛ حَيْثُ وَقَفُوا فِي الْمُتَشَابِهِ فلم يحكموا فيه ولا عليه بشيء (٢) سِوَى التَّسْلِيمِ. وَهَذَا الْمَعْنَى خَاصٌّ بِمَنْ طَلَبَ الْحَقَّ مِنَ الأَدلة، لَا يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ طَلَبَ فِي الأَدلة مَا يُصَحِّحُ هَوَاهُ السَّابِقَ.\nوَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَنْ لَيْسَ بِرَاسِخٍ فِي الْعِلْمِ، وهو الزائغ، فحصل له في الآية وَصْفَانِ:\nأَحَدُهُمَا: بِالنَّصِّ، وَهُوَ الزَّيْغُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، وَالزَّيْغُ هُوَ: الْمَيْلُ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ. وَهُوَ ذم لهم.\nوالوصف (٣) الثاني بِالْمَعْنَى الَّذِي أَعطاه التَّقْسِيمُ: وَهُوَ عَدَمُ الرُّسُوخِ فِي الْعِلْمِ، وَكُلٌّ منفيٌّ عَنْهُ الرُّسُوخُ فإِلى الجهل ما هو (٤)، وَمِنْ جِهَةِ الْجَهْلِ حَصَلَ لَهُ الزَّيْغُ؛ لأَن من بقي عليه في (٥) طريق الاستنباط واتباع الأدلة بعض (٦) الجَهالات، لم يحلّ أن يتبع الأَدلة المحكمة (٧) ولا المتشابهة. فلو (٨) فَرَضْنَا أَنه يَتْبَعُ الْمُحْكَمَ؛ لَمْ يَكُنْ اتِّباعه مُفِيدًا لِحُكْمِهِ؛ لإِمكان (٩) أَن يَتْبَعَهُ عَلَى وَجْهٍ وَاضِحِ الْبُطْلَانِ، أَو مُتَشَابِهٍ، فَمَا ظَنُّكَ بِهِ إِذا اتبع نفس (١٠) المتشابه؟\nثم اتِّباعه للمتشابه - لو (١١) كَانَ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِرْشَادِ بِهِ لَا لِلْفِتْنَةِ به ـ\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"على ضد\".\n(٢) قوله: \"بشيء\" ليس في (خ) و(م).\n(٣) قوله: \"الوصف\" من (خ) فقط.\n(٤) في (خ): \"ما هو مائل\".\n(٥) في (خ): \"نفي عنه\" بدل: \"بقي عليه في\".\n(٦) في (خ): \"لبعض\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"لا المحكمة\".\n(٨) في (خ): \"ولو\".\n(٩) في (م): \"بإمكان\".\n(١٠) قوله: \"نفس\" ليس في (خ).\n(١١) في (خ): \"ولو\".","vol":"2","page":7},{"text":"لم يحصل به مقصود على حال، فما ظنك به إِذا اتبعه (١) ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ؟ وَهَكَذَا الْمُحْكَمُ إِذا اتَّبَعَهُ ابتغاءَ الْفِتْنَةِ بِهِ. فَكَثِيرًا مَا تَرَى الْجُهَّالَ يَحْتَجُّونَ لأَنفسهم بأَدلة فَاسِدَةٍ، وبأَدلة صَحِيحَةٍ اقْتِصَارًا بِالنَّظَرِ عَلَى دَلِيلٍ مَا، واطِّراحًا لِلنَّظَرِ فِي غيرهِ من الأدلة الأُصولية، أو الفروعية (٢) الْعَاضِدَةِ لِنَظَرِهِ، أَو الْمُعَارَضَةِ لَهُ.\nوَكَثِيرٌ مِمَّنْ يدَّعي الْعِلْمَ يَتَّخِذُ هَذَا الطَّرِيقَ مَسْلَكًا، وَرُبَّمَا أَفتى بِمُقْتَضَاهُ، وَعَمِلَ عَلَى وَفْقِهِ إِذا كَانَ له فيه غرض (٣).\nوأَعرف مَنْ عَرَضَ لَهُ غَرَضٌ (٤) فِي الْفُتْيَا؛ بِجَوَازِ (٥) تَنْفِيلِ الإِمام الْجَيْشَ جَمِيعَ مَا غَنِمُوا عَلَى طَرِيقَةِ \"مَنْ عَزَّ بَزَّ\" (٦)، لَا طَرِيقَةَ الشَّرْعِ، بناء على نقل عن (٧) بعض العلماء: \"أَنه يجيز (٨) تَنْفِيلُ السَّرِيَّةِ جَمِيعَ مَا غَنِمَتْ\" (٩) ثُمَّ عَزَا ذَلِكَ - وَهُوَ مَالِكِيُّ الْمَذْهَبِ - إِلى مَالِكٍ؛ حَيْثُ قَالَ فِي كَلَامٍ رُوِيَ عَنْهُ (١٠): \"مَا نَفَلَ الإِمام فَهُوَ جَائِزٌ\"، فأَخذ هَذِهِ الْعِبَارَةَ نَصًّا عَلَى جَوَازِ تَنْفِيلِ الإِمام الْجَيْشَ جَمِيعَ مَا غنم، ولم يلتفت في النَّقْل (١١) إِلى أَن السَّرِيَّةَ هِيَ الْقِطْعَةُ مِنَ الْجَيْشِ الداخل (١٢) لبلاد العدو تُغير (١٣) على العدو،\n_________\n(١) في (خ) و(م): \"اتبع\".\n(٢) في (خ) و(م): \"والفروعية\".\n(٣) في (ر): \"عرض\" بالعين.\n(٤) في (خ): \"أو أعرض عن غرض له عرض\"، وفي (م): \"وأعرض\" بدل \"وأعرف\".\n(٥) في (خ) يشبه أن تكون: \"كجواز\".\n(٦) هذا مثل تقوله العرب، ومعناه: من غلب سلب. انظر: \"مجمع الأمثال\" للميداني (٢/ ٣٠٧)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" للنووي (٣/ ٢٠٤).\n(٧) قوله: \"عن\" ليس في (خ) و(م).\n(٨) في (خ): \"يجوز\".\n(٩) قال النووي في \"شرح مسلم\" (١٢/ ٥٥): \"وأجاز النخعي أن تنفل السرية جميع ما غنمت دون باقي الجيش، وهو خلاف ما قاله العلماء كافة\". اهـ. وانظر \"فتح الباري\" (٦/ ٢٤٠).\n(١٠) انظر \"الموطأ\" (٢/ ٤٥٥ و٤٥٦).\n(١١) في (غ) و(ر): \"يلتفت للنقل\".\n(١٢) في (م): \"المداخل\".\n(١٣) في (خ): \"لتغير\".","vol":"2","page":8},{"text":"ثُمَّ تَرْجِعَ إِلى الْجَيْشِ، لَا أَن (١) السَّرِيَّةَ هي الجيش بعينه، ولا التفت (٢) أَيضًا إِلى أَن (٣) النَّفْلَ عِنْدَ مَالِكٍ لَا يَكُونُ إِلا مِنَ الْخُمُسِ (٤)، لَا اخْتِلَافَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ أَعلمه، وَلَا عَنْ أَحد مِنْ أَصحابه، فَمَا نَفَلَ الإِمام مِنْهُ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لأَنه محمول على الاجتهاد.\nوكذلك الأَمر أَبدًا (٥) في كل مسأَلة يُتَّبع فِيهَا الْهَوَى أَولًا، ثُمَّ يَطْلُبُ لَهَا الْمَخْرَجَ مِنْ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ، أَو مِنْ أَدلة الشَّرْعِ. وكلام العرب أَبدًا - لاتساعه وتصرفه - يحتمل أَنحاء (٦) كَثِيرَةٌ، لَكِنْ يَعْلَمُ الرَّاسِخُونَ الْمُرَادَ مِنْهُ مِنْ أَوّله، أَو (٧) آخره، أَو فحواه (٨)، أَو بِسَاطِ حَالِهِ، أَو قَرَائِنِهِ. فَمَنْ لَا يَعْتَبِرُهُ مِنْ أَوله إِلى آخِرِهِ وَيَعْتِبَرُ مَا ابْتَنَى (٩) عَلَيْهِ زَلَّ فِي فَهْمِهِ. وَهُوَ شأْن مَنْ يأْخذ الأَدلة مِنْ أَطراف الْعِبَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَا يَنْظُرُ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ، فَيُوشِكُ أَن يَزِلَّ. وَلَيْسَ هَذَا مِنْ شأْن الرَّاسِخِينَ، وإِنما هُوَ مِنْ شأْن مَنِ اسْتَعْجَلَ (١٠) طَلَبًا لِلْمَخْرَجِ فِي دَعْوَاهُ.\nفَقَدْ حَصَلَ مِنَ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ: أَن الزَّيْغَ (١١) لَا يَجْرِي عَلَى طَرِيقِ الرَّاسِخِ بِغَيْرِ حُكْمِ الِاتِّفَاقِ، وأَن الرَّاسِخَ لَا زَيْغَ مَعَهُ بالقصد البتّة.\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"لأن\".\n(٢) في (م): \"ولا التفت إليه\".\n(٣) قوله: \"أن\" سقط من (م).\n(٤) انظر الموضع السابق من \"الموطأ\".\n(٥) قوله: \"أبدًا\" ليس في (خ).\n(٦) في (خ): \"واحتمالاتها\" بدل: \"يحتمل أنحاء\"، وفي (م): \"يحتمل أنها\".\n(٧) في (خ): \"إلى\".\n(٨) في (خ): \"وفحواه\"، وفي (م): \"أفحواه\".\n(٩) في (غ) و(ر): \"ما انبنى\".\n(١٠) في (غ) و(ر): \"من استعجل الرتبة\".\n(١١) في (غ) و(ر): \"الزائغ\".","vol":"2","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>فَصْلٌ</span>\nإِذا ثَبَتَ هَذَا رَجَعْنَا مِنْهُ إِلى مَعْنَى آخَرَ فَنَقُولُ:\nإِذا تَبَيَّنَ (١) أَن لِلرَّاسِخِينَ طَرِيقًا يَسْلُكُونَهَا فِي اتِّبَاعِ الْحَقِّ، وأَن الزَّائِغِينَ على طريق (٢) غير طريقهم؛ احتجنا (٣) إِلى بيان الطريق التي سلكها هؤلاء لنَجْتَنِبَها (٤)، كما بُيِّن (٥) الطَّرِيقَ الَّتِي سَلَكَهَا الرَّاسِخُونَ لِنَسْلُكَهَا، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ أَهل أُصول الْفِقْهِ وَبَسَطُوا الْقَوْلَ فِيهِ، وَلَمْ يَبْسُطُوا الْقَوْلَ فِي طَرِيقِ الزَّائِغِينَ، فَهَلْ يُمْكِنُ حَصْرُ مَآخِذِهَا أَوْ (٦) لَا؟ فَنَظَرْنَا فِي آيَةٍ أُخرى تَتَعَلَّقُ بِهِمْ كَمَا تَتَعَلَّقُ بِالرَّاسِخِينَ، وهي (٧) قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (٨): ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٩)، فأَفادت الْآيَةُ أَن طَرِيقَ الْحَقِّ وَاحِدَةٌ، وأَن لِلْبَاطِلِ طُرُقًا مُتَعَدِّدَةً لَا وَاحِدَةً، وَتَعَدُّدُهَا لَمْ ينحصر بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ. وَهَكَذَا الْحَدِيثُ المفسِّر لِلْآيَةِ، وَهُوَ قول ابن مسعود ﵁: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يومًا (١٠) خَطًّا؛ فَقَالَ: \"هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ\"، ثُمَّ خَطَّ لَنَا خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ وَقَالَ: \"هَذِهِ سُبُلٌ، على (١١) كل (١٢) سبيل منها شيطان (١٣) يدعو\n_________\n(١) قوله: \"إذا تبين\" ليس في (خ).\n(٢) قوله: \"طريق\" من (خ) فقط.\n(٣) في (خ): \"فاجتمعنا\".\n(٤) في (خ): \"لنتجنبها\".\n(٥) في (خ): \"نبين\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"أم لا\".\n(٧) في (م): \"وهو\".\n(٨) في (خ): \"قوله تعالى\".\n(٩) سورة الأنعام: الآية (١٥٣).\n(١٠) قوله: \"يومًا\" ليس في (خ) و(م).\n(١١) قوله: \"على\" سقط من (م).\n(١٢) من قوله: \"سبيل الله\" إلى هنا سقط من (خ)، وحاول رشيد رضا إصلاحه، وعلَّق عليه بقوله: \"كان الحديث محرّفًا، وفيه حذف\".\n(١٣) في (خ): \"عليه شيطان\".","vol":"2","page":10},{"text":"إِليه\"، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ (١).\nفَفِي الْحَدِيثِ أَنها خُطُوطٌ مُتَعَدِّدَةٌ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ بِعَدَدٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَنَا سَبِيلٌ إِلى حَصْرِ عَدَدِهَا مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ، وَلَا لَنَا أَيضًا سَبِيلٌ إِلى حَصْرِهَا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ أَو الِاسْتِقْرَاءِ.\nأَما الْعَقْلُ؛ فإِنه لَا يَقْضِي (٢) بِعَدَدٍ دُونَ آخَرٍ؛ لأَنه غَيْرُ رَاجِعٍ إِلى أَمر مَحْصُورٍ. أَلا تَرَى أَن الزَّيْغَ رَاجِعٌ إِلى الْجَهَالَاتِ؟ وَوُجُوهُ الْجَهْلِ لَا تَنْحَصِرُ، فَصَارَ طَلَبُ حَصْرِهَا عَنَاءً مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ.\nوأَما الاستقراءُ؛ فَغَيْرُ نَافِعٍ أَيضًا فِي هَذَا المَطْلَب؛ لأَنا لَمَّا نَظَرْنَا في\n_________\n(١) أخرجه البزار في \"مسنده\" (٥/ ٩٩ رقم ١٦٧٧) من طريق جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله، فذكره.\nقال البزار: \"وهذا الحديث قد رواه غير واحد عن أبي وائل\".\nوسنده صحيح.\nوأخرجه أيضًا (٥/ ١١٣ - ١١٤ رقم ١٦٩٤) من طريق أبي معاوية محمد بن خازم، عن الأعمش، عن أبي وائل، به.\nوسنده صحيح أيضًا.\nوأخرجه البزار أيضًا (٥/ ٢٥١ رقم ١٨٦٥) من طريق سفيان الثوري، عن أبيه، عن منذر الثوري، عن الربيع بن خثيم، عن ابن مسعود، به.\nثم قال البزار: \"وهذا الكلام قد روي عن عبد الله من غير وجه نحوه أو قريبًا منه\".\nوسنده صحيح أيضًا.\nوأشهر طرقه ما رواه حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، عن عبد الله؛ قال: خطّ لنا رسول الله ﷺ خطًّا فقال: \"هذا سبيل الله\"، ثم خطّ خطوطًا عن يمينه وعن شماله، فقال: \"وهذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه\"، ثم تلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.\nأخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\" (٥/ ١١٢ رقم ٩٣٥) وهذا لفظه. وأخرجه الطيالسي في \"مسنده\" (ص٣٣ رقم ٢٤٤)، والإمام أحمد في \"المسند\" (١/ ٤٣٥)، والدارمي (١/ ٦٠ رقم ٢٠٨)، وابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ ١٣ رقم ١٧)، والبزار (٥/ ١٣١ رقم ١٧١٨)، ومحمد بن نصر المروزي في \"السنة\" (ص٥)، والنسائي في \"التفسير\" (١/ ٤٨٥ رقم ١٩٤)، وابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (١٢/ ٢٣٠ رقم ١٤١٦٨)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١/ ١٨٠ - ١٨١ رقم ٦ و٧/ الإحسان)، والحاكم (٢/ ٣١٨) وصححه.\nوفي عاصم بن بهدلة كلام يسير في حفظه، وحديثه حسن، ويتقوى بالطرق السابقة.\n(٢) في (غ) و(ر): \"لا يمضي\".","vol":"2","page":11},{"text":"طرق البدع من حين نبغت، وَجَدْنَاهَا تَزْدَادُ عَلَى الأَيام، وَلَا يأْتي زَمَانٌ إِلا وَغَرِيبَةٌ مِنْ غَرَائِبِ الِاسْتِنْبَاطِ تَحْدُثُ، إِلى زَمَانِنَا هَذَا.\nوإِذا كَانَ كَذَلِكَ فَيُمْكِنُ أَن يَحْدُثَ بَعْدَ زَمَانِنَا اسْتِدْلَالَاتٌ أُخر لَا عَهْدَ لَنَا بِهَا فِيمَا تَقَدَّمَ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ كَثْرَةِ الْجَهْلِ، وَقِلَّةِ الْعِلْمِ، وَبُعْدِ النَّاظِرِينَ فِيهِ عَنْ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ، فَلَا يُمْكِنُ إِذًا حَصْرُهَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَلَا يُقَالُ: إِنها تَرْجِعُ إِلى مخالفة الطريق (١) الْحَقِّ؛ فإِن وُجُوهَ الْمُخَالَفَاتِ (٢) لَا تَنْحَصِرُ أَيضًا.\nفَثَبَتَ أَن تَتَبُّعَ هَذَا الْوَجْهِ عَنَاءٌ، لَكِنَّا نَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ أَوجهًا كُلِّيَّةً يُقَاسُ عَلَيْهَا مَا سِوَاهَا.\nفَمِنْهَا: اعْتِمَادُهُمْ عَلَى الأَحاديث الْوَاهِيَةِ الضَّعِيفَةِ، وَالْمَكْذُوبِ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالَّتِي لَا يَقْبَلُهَا أَهل صِنَاعَةِ الْحَدِيثِ (٣) فِي الْبِنَاءِ عَلَيْهَا؛ كَحَدِيثِ الِاكْتِحَالِ يوم عاشوراء (٤)، وإِكرام الديك\n_________\n(١) في (خ): \"طريق\".\n(٢) في (خ): \"أوجه المخالفة\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"التحديث\".\n(٤) قوله: \"عاشوراء\" سقط من (غ).\nوحديث الاكتحال يوم عاشوراء هذا: أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٣/ ٣٦٧ رقم ٣٧٩٧) عن شيخه أبي عبد الله الحاكم بسنده إلى جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"من اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم يرمد أبدًا\".\nوكان قد قال قبل إخراجه الحديث: \"وأما الاكتحال؛ فإنما روي في ذلك بإسناد ضعيف بمرّة\". ثم قال بعد إخراج الحديث: \"جويبر ضعيف، والضحاك لم يلق ابن عباس\".\nوأخرجه ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٢/ ٥٧٣ - ٥٧٤ رقم ١١٤٣) من طريق البيهقي، ثم قال: \"قال الحاكم: أنا أبرأ إلى الله من عهدة جويبر، فإن الاكتحال يوم عاشوراء لم يُرْوَ عن رسول الله ﷺ فيه أثر، وهو بدعة ابتدعها قَتَلة الحسين ﵇، قال أحمد: لا يُشتغل بحديث جويبر، وقال يحيى: ليس بشيء، وقال النسائي والدارقطني: متروك\".\nوقال ابن القيم في \"المنار المنيف\" (ص١١٢ - ١١٣) في الكلام على يوم عاشوراء: \"وأما حديث الاكتحال والادهان والتطيب فمن وضع الكذابين، وقابلهم آخرون فاتخذوه يوم تألم وحزن، والطائفتان مبتدعتان خارجتان عن السنة، وأهل السنة=","vol":"2","page":12},{"text":"الأَبيض (١)، وأَكل الْبَاذِنْجَانِ بنيَّة (٢)، وأَن النَّبِيَّ ﷺ تواجد واهتزّ\n_________\n=يفعلون فيه ما أمر به النبي ﷺ؛ من الصوم، ويجتنبون ما أمر به الشيطان من البدع\".\nونقل المناوي في \"فيض القدير\" (٦/ ٨٢) عن الزركشي أنه قال: \"لا يصح فيه أثر، وهو بدعة\"، وعن ابن رجب قوله: \"كل ما روي في فضل الاكتحال والاختضاب والاغتسال فيه موضوع لا يصح\"، وعن ابن حجر قوله: \"إسناده واهٍ جدًا\"، وعن السخاوي قوله: \"هو موضوع\".\nوالحديث حكم عليه الشيخ الألباني ﵀ بالوضع في \"السلسلة الضعيفة\" (٢/ ٨٩ رقم ٦٢٤).\n(١) حديث إكرام الديك الأبيض: أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (١/ ٢١٠ رقم ٦٧٧)، و\"مسند الشاميين\" (١/ ٢٨ رقم ١٠) من طريق معلَّل بن نُفَيل، عن محمد بن محصن، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"اتخذوا الديك الأبيض؛ فإن دارًا فيها ديك أبيض لا يقربها شيطان ولا ساحر، ولا الدويرات حولها\".\nوذكر الطبراني أنه لم يروه عن إبراهيم بن أبي عبلة إلا محمد بن محصن. ومحمد هذا هو ابن إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن عكاشة بن محصن العكاشي، الأسدي، نسب إلى جده الأعلى، وهو آفة هذا الحديث؛ قال ابن حجر في \"التقريب\" (ترجمة رقم ٦٣٠٨): \"كذبوه\".\nوللحديث طرق أخرى لا يصح منها شيء ذكرها ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٣/ ١٣٥ - ١٣٧ رقم ١٣٤٨ و١٣٤٩) في باب في الديك الأبيض، وذكر أحاديث أخرى (٣/ ١٣٣ رقم ١٣٤٧) في باب فضل الديك، و(٣/ ١٣٨ - ١٤٢ رقم ١٣٥٠ - ١٣٥٤) في باب فضل الديك الأبيض الأفرق، وباب ما ذكر أن في السماء ديكًا، وحكم عليها جميعها بالوضع، فانظرها إن شئت.\nوقال ابن القيم في \"المنار المنيف\" (ص٥٦ رقم ٧٩): \"وبالجملة فكل أحاديث الديك كذب، إلا حديثًا واحدًا: \"إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، فإنها رأت ملكًا\" اهـ.\nقلت: وحديث آخر أيضًا أخرجه أبو داود (٥/ ٣٩٨ رقم ٥٠٦٠) من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تسبوا الديك؛ فإنه يوقظ للصلاة\".\nوسنده صحيح.\n(٢) حديث أكل الباذنجان بنيّة: ذكره الديلمي في \"فردوس الأخبار\" (٣/ ٢٩٥ رقم ٤٧٥٥) عن أبي هريرة بلفظ: \"كلوا الباذنجان، فإنها شجرة رأيتها في جنة المأوى شهدت لله بالحق، ولي بالنبوة، ولعلي بالولاية، فمن أكلها على أنها داء كانت داء، ومن أكلها=","vol":"2","page":13},{"text":"عِنْدَ السَّمَاعِ حَتَّى سَقَطَ الرداءُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ (١)، وَمَا أَشبه ذَلِكَ، فإِن أَمثال هَذِهِ الأَحاديث - على ما هو معلوم - لا يُبنى عيها حكم، ولا تُجعل أَصلًا في\n_________\n=على أنها دواء كانت له دواء\". ولم يذكر له ولده سندًا.\nوذكر السخاوي في \"المقاصد الحسنة\" (ص١٤١ رقم ٢٧٩) حديث: \"الباذنجان لما أكل له\"، وقال: \"باطل لا أصل له، وإن أسنده صاحب تاريخ بلخ\"، ثم ذكر حديث الديلمي السابق وأحاديث أخرى، وقال: \"كلها باطلة\"، ونقل عن بعض الحفاظ قوله: \"إنه من وضع الزنادقة\"، ونقل عن الزركشي قوله: \"وقد لهج به العوام، حتى سمعت قائلًا منهم يقول: هو أصح من حديث \"ماء زمزم لما شرب له\"، وهذا خطأ قبيح\". وانظر \"كشف الخفاء\" (١/ ٢٧٨ - ٢٧٩ رقم ٨٧٤). وأخرج ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٣/ ١٢٤ - ١٢٦ رقم ١٣٣٨) حديث: \"إنما الباذنجان شفاء من كل داء، ولا داء فيه\"، وقال: \"هذا حديث موضوع على رسول الله ﷺ، فلا سقى الله الغيث قبر من وضعه؛ لأنه قصد شَيْنَ الشريعة ... \" إلخ ما قال.\nوانظر حاشية محقق \"الموضوعات\"، و\"لسان الميزان\" (٥/ ٣٧).\n(١) حديث تواجد النبي ﷺ واهتزازه عند السماع:\nأخرجه محمد بن طاهر المقدسي في كتاب: \"السماع\" - كما في \"لسان الميزان\" (٥/ ٢٦٤ - ٢٦٥) ـ، ومن طريقه رواه السهروردي في \"عوارف المعارف\" (ص١٠٨ - ١٠٩)، من طريق الهيثم بن كليب الشاشي، عن أبي بكر عمار بن إسحاق، عن سعيد بن عامر، عن شعبة، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ أنشده أعرابي:\nقد لَسَعَتْ حيّة الهوى كبدي ... فلا طبيب لها ولا راقي\nإلا الحبيب الذي شُغفت به ... فعنده رقيتي وترياقي\nفتواجد حتى سقطت البردة عن منكبيه، فقال معاوية: ما أحسن لهوكم! فقال: \"مهلًا يا معاوية! ليس بكريم من لم يتواجد عند ذكر الحبيب\".\nقال السهروردي: \"فهذا الحديث أوردناه مسندًا كما سمعناه ووجدناه، وقد تكلم في صحته أصحاب الحديث ...، ويخالج سري أنه غير صحيح ... \".\nوذكر شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الحديث في \"الفتاوى\" (١١/ ٥٦٣) عن ابن طاهر والسهروردي، ثم قال: \"فهو حديث مكذوب موضوع باتفاق أهل العلم بهذا الشأن ... \".\nونقل السخاوي في \"المقاصد\" (ص٣٣٣ رقم ٨٥٦) كلام شيخ الإسلام هذا وأقرّه.\nواتهم الذهبي في \"الميزان\" (٣/ ١٦٤) عمار بن إسحاق بهذا الحديث، فقال: \"كأنه واضع هذه الخرافة التي فيها: قد لسعت حية الهوى كبدي، فإن الباقين ثقات\".\nوانظر \"السلسلة الضعيفة\" (٢/ ٣٤ رقم ٥٥٨) للشيخ الألباني.","vol":"2","page":14},{"text":"التَّشْرِيعِ أَبدًا، وَمَنْ جَعَلَهَا كَذَلِكَ فَهُوَ جَاهِلٌ أَو مُخْطِئٌ (١) فِي نَقْلِ الْعِلْمِ، فَلَمْ يُنقل الأَخدُ بشيء منها عَمَّن يُعْتَدّ بِهِ فِي طَرِيقَةِ (٢) الْعِلْمِ، وَلَا طَرِيقَةِ السُّلُوكِ.\nوإِنما أَخذ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالْحَدِيثِ الْحَسَنِ؛ لإِلحاقه (٣) عند بعض (٤) المحدِّثين بِالصَّحِيحِ؛ لأَن سَنَدَهُ لَيْسَ فِيهِ مَنْ يُعاب بجرْحَةٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا. وَكَذَلِكَ أَخذ مَنْ أَخذ مِنْهُمْ بِالْمُرْسَلِ، لَيْسَ إِلاَّ مِنْ حَيْثُ لحق (٥) بالصحيح في أَن المتروك (٦) ذكره كالمذكور المُعَدَّل (٧)، فأَما (٨) مَا دُونُ ذَلِكَ فَلَا يُؤْخَذُ بِهِ بِحَالٍ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ.\nوَلَوْ كَانَ مِنْ شأْن أَهل الإِسلام الذَّابِّين (٩) عَنْهُ الأَخذ مِنَ الأَحاديث بِكُلِّ مَا جَاءَ عَنْ كُلِّ مَنْ جَاءَ، لَمْ يَكُنْ لِانْتِصَابِهِمْ لِلتَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ مَعْنًى - مَعَ أَنهم قَدْ أَجمعوا عَلَى ذَلِكَ ـ، وَلَا كَانَ لِطَلَبِ الإِسناد مَعْنًى يَتَحَصَّلُ، فَلِذَلِكَ جَعَلُوا الإِسناد مِنَ الدِّينِ (١٠)، وَلَا يَعْنُونَ: \"حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ\" مُجَرَّدًا، بَلْ يُرِيدُونَ ذَلِكَ لِمَا تضمَّنه مِنْ مَعْرِفَةِ الرِّجَالِ الَّذِينَ يحدَّث عَنْهُمْ، حتى لا يسند عن مجهول، ولا مُجَرَّح، ولا متهم (١١)، ولا عَمَّن لا تَحْصُلُ (١٢) الثِّقَةُ بِرِوَايَتِهِ؛ لأَن رُوحَ الْمَسْأَلَةِ أَن يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ مِنْ غَيْرِ رِيبَةٍ أَن ذَلِكَ الْحَدِيثَ قَدْ قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ؛ لِنَعْتَمِدَ (١٣) عَلَيْهِ فِي الشَّرِيعَةِ، وَنُسْنِدَ (١٤) إِليه الأَحكام.\n_________\n(١) في (خ): \"جاهل ومخطئ\".\n(٢) في (م): \"يعتمد به طريقه\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"للحاقة\".\n(٤) قوله: \"بعض\" ليس في (خ).\n(٥) في (خ): \"ألحق\".\n(٦) يعني الراوي الساقط من الإسناد في الحديث المرسل.\n(٧) في (خ): \"والمعدل\".\n(٨) في (غ) و(ر): \"وأما\".\n(٩) في (خ): \"اذابين\".\n(١٠) أخرج مسلم في \"مقدمة صحيحه\" (١/ ١٥) عن ابن المبارك أنه قال: \"الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء\".\n(١١) في (غ) و(ر): \"ولا عن متّهم\".\n(١٢) في (خ): \"إلا عمن تحصل\".\n(١٣) في (غ) و(ر): \"ليعتمد\".\n(١٤) في (غ) و(ر): \"وتسند\" وفي (م): \"ويسند\".","vol":"2","page":15},{"text":"والأَحاديث الضَّعِيفَةُ الإِسناد لَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَن النَّبِيَّ ﷺ قَالَهَا، فَلَا يُمْكِنُ أَن يُسْنَدَ إِليها حُكْمٌ، فَمَا ظَنُّكَ بالأَحاديث الْمَعْرُوفَةِ الْكَذِبِ؟\nنَعَمْ؛ الْحَامِلُ عَلَى اعْتِمَادِهَا فِي الْغَالِبِ إِنما هُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْهَوَى المتَّبع، وَهَذَا كُلُّهُ (١) عَلَى فَرْضِ أَن لَا يُعَارِضَ الْحَدِيثَ أَصل مِنْ أُصول الشَّرِيعَةِ، وأَما إِذا كَانَ لَهُ مُعَارَضٌ فأَحْرَى أَن لا يُؤخذ به؛ لأَن الأَخذ به (٢) هَدْمٌ لأَصل مِنْ أُصول الشَّرِيعَةِ، والإِجماع عَلَى مَنْعِهِ إِذا كَانَ صَحِيحًا فِي الظَّاهِرِ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى الْوَهْمِ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، أَو الغلط (٣)، أَو النِّسْيَانِ، فَمَا الظَّنُّ بِهِ إِذا لَمْ يَصِحَّ؟ عَلَى أَنه قَدْ رُوِيَ عَنْ أَحمد بْنِ حَنْبَلٍ أَنه قَالَ: الْحَدِيثُ الضَّعِيفُ خَيْرٌ من القياس (٤). وظاهره يقتضي العمل\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"كله إنما هو\".\n(٢) قوله: \"لأن الأخذ به\" سقط من (خ)، ولذا علق رشيد رضا على قوله \"هدم\"، فقال: كذا!! ولعل الأصل: \"فهو هدم\"، أو: \"لأنه هدم\".\n(٣) في (خ): \"أو الغلط من بعض الرواة\".\n(٤) أخرجه ابن حزم في \"المحلى\" (١/ ٦٨) من طريق عبد الله بن أحمد، عن أبيه أنه قال: \"الحديث الضعيف أحب إلينا من الرأي\". وقال ابن الجوزي في \"التحقيق\" (١/ ١٤٣): \"ومن مذهب أحمد تقديم الحديث الضعيف على القياس\".\nوقد علق رشيد رضا ﵀ بعد هذا الموضع بأسطر بتعليق أخذه عن ابن القيم وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله، فقال: \"قال العلامة ابن القيم في \"أعلام الموقعين\" عند بيان ترجيح أحمد الحديث الضعيف والمرسل على القياس بشرطه ما نصه: وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر، ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه فالعمل به؛ بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن. ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب اهـ.\nوسبقه إلى مثله شيخه ابن تيمية رحمهما الله تعالى، فصرح بأن أول من قسم الحديث إلى ثلاثة أقسام: صحيح وحسن وضعيف: الترمذي، وأن الضعيف الذي يرجحه أحمد على الرأي هو الحسن عند الترمذي ومن اختار تقسيمه، كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وحديث إبراهيم الهجري. فما ضعفوه بعلة تقتضي الترك لا يأخذ به أحمد ولا يرجحه على القياس، وما ضعفوه بعلة من علل الحديث لا تقتضي الترك يأخذ به، ويرجحه على القياس إذا لم يكن ثَمَّ شيء يدفعه من حديث صحيح أو قول صحابي أو إجماع. وهذا الذي يقول به أحمد كان عليه عمل جمهور الفقهاء في عصره الذي تحرر فيه نقد الحديث، أي: لم يكونوا يتركون العمل بكل=","vol":"2","page":16},{"text":"بِالْحَدِيثِ غَيْرِ الصَّحِيحِ؛ لأَنَّه قدَّمه عَلَى الْقِيَاسِ الْمَعْمُولِ بِهِ (١) عِنْدَ جُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ هُوَ إِجماع السَّلَفِ ﵃. فَدَلَّ عَلَى أَنه عنده أَعلى رتبة في العمل من القياس.\nوَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا: أَنه كَلَامُ مُجْتَهِدٍ يَحْتَمِلُ في (٢) اجْتِهَادُهُ الْخَطَأَ وَالصَّوَابَ، إِذ لَيْسَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ يَقْطَعُ الْعُذْرَ، وإِن سُلِّمَ فَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ؛ لإِجماعهم عَلَى طَرْحِ الضَّعِيفِ الإِسناد؛ فَيَجِبُ تأْويله عَلَى أَن يَكُونَ أَراد بِهِ الْحَسَنَ السَّنَدِ وَمَا دَارَ بِهِ (٣) - على القول بإِعماله ـ. أَو أَراد أَنه (٤) \"خَيْرٌ مِنَ الْقِيَاسِ\" لَوْ كَانَ مأْخوذًا بِهِ، فكأَنه يَرُدُّ الْقِيَاسَ بِذَلِكَ الْكَلَامِ مُبَالَغَةً فِي مُعَارَضَةِ مَنِ اعْتَمَدَهُ أَصلًا حَتَّى ردَّ بِهِ الأَحاديث. وَقَدْ كَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَمِيلُ إِلى نَفْيِ الْقِيَاسِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: مَا زِلْنَا نلعن أَهل الرأْي ويلعنوننا (٥)، حتى جاءَ الشافعي فَمَزَجَ (٦) بَيْنَنَا. أَو أَراد بِالْقِيَاسِ الْقِيَاسَ الْفَاسِدَ الَّذِي لَا أَصل لَهُ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إِجماع، فَفَضَّلَ عَلَيْهِ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ وإِن لم يعمل به أَيضًا (٧). فإِذا أَمكن أَن يُحمل كَلَامُ أَحمد عَلَى مَا يُسَوَّغُ، لَمْ يَصِحَّ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ فِي معارضة كلام الأَئمة رضي الله تعالى عنهم.\n_________\n=ما أعله المحدثون، بل ما أعلوه بمثل عدم الثقة بأحد رواته. أما من ضعفوه بالتفرد بزيادة في حديث لم يروها من هم أوثق منه فقد يعمل بحديثه؛ لأن زيادة الثقة حجة. وقد قدم أبو حنيفة حديث القهقهة في الصلاة، وحديث الوضوء بنبيذ التمر، وحديث أكثر الحيض؛ على القياس. وقد ذكر الإمام أحمد جماعة من الضعفاء الذين يروي عنهم في \"المسند\" وذكر أنه يروي عنهم للاعتبار، ولتأييد بعض الروايات ببعض لا للاحتجاج. ومن ذلك قوله في ابن لهيعة: ما كان حديثه بذاك، وما أكتب حديثه إلا للاعتبار به والاستدلال. أنا قد أكتب حديث الرجل كأني أستدل به مع حديث غيره يشتد به، لا أنه حجة إذا انفرد. اهـ.\n(١) قوله: \"به\" ليس في (م).\n(٢) قوله: \"في\" ليس في (خ).\n(٣) كذا في جميع النسخ، وفي هامش (م) كتب بخط يشبه خط الناسخ: \"وما قاربه\"، وكأنه تصويب، والمعنى متقارب، فالمقارب للحديث الحسن هو الحديث الذي فيه ضعف لم يقطع معه بتركه، وهو معنى قول بعضهم في تعريف الحسن: \"هو ما فيه ضعف قريب محتمل\"، وهذا بمعنى قوله: \"وما دار به\"؛ أي: دار في فلكه.\n(٤) قوله: \"أنه\" ليس في (خ) و(م).\n(٥) في (خ) و(م): \"ويلعنونا\".\n(٦) في (خ) و(م): \"فخرج\".\n(٧) في (خ): \"وأيضًا\".","vol":"2","page":17},{"text":"فإِن قيل: هذاكله ردٌّ على الأَئمة الذي اعْتَمَدُوا عَلَى الأَحاديث الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ دَرَجَةَ الصَّحِيحِ، فإِنهم كَمَا نَصُّوا عَلَى اشْتِرَاطِ صِحَّةِ الإِسناد، كَذَلِكَ نَصُّوا أَيضًا (١) عَلَى أَن أَحاديث التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ لَا يُشْتَرَطُ فِي نَقْلِهَا لِلِاعْتِمَادِ عليها (٢) صحةُ الإِسناد، بل إِن كان كذلك (٣) فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وإِلا فَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ نقلها واستند إِليها، فقد فعله الأَئمة كمالك فِي \"الْمُوَطَّأِ\"، وَابْنِ الْمُبَارَكِ فِي \"رَقَائِقِهِ\" (٤)، وأَحمد بْنِ حَنْبَلٍ فِي \"رَقَائِقِهِ\" وَسُفْيَانَ (٥) فِي \"جَامِعِ الْخَيْرِ\"، وَغَيْرِهِمْ.\nفَكُلُّ مَا فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمَنْقُولَاتِ رَاجِعٌ إِلى التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وإِذا جَازَ اعْتِمَادُ مِثْلِهِ، جَازَ فِيمَا كَانَ نَحْوَهُ مما يرجع إِليه؛ كصلاة الرغائب (٦)،\n_________\n(١) في (خ): \"كذلك أيضًا نصوا أيضًا\".\n(٢) قوله: \"عليها\" سقط من (خ) و(م).\n(٣) في (خ) و(م): \"ذلك\".\n(٤) يعني كتابي \"الزهد\" لابن المبارك وأحمد بن حنبل.\n(٥) أي: الثوري.\n(٦) حديث صلاة الرغائب: أخرجه ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٢/ ٤٣٦ - ٤٣٨ رقم ١٠٠٨) من طريق علي بن عبد الله بن جهضم الصوفي، عن علي بن محمد بن سعيد البصري؛ قال: حدثنا أبي؛ قال: حدثنا خلف بن عبد الله - وهو الصغاني ـ، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي ... \"، وهو حديث طويل، وموضع الشاهد منه قوله: \"ولكن لا تغفلوا عن أول ليلة جمعة في رجب، فإنها ليلة تسميها الملائكة: الرغائب، وذلك أنه إذا مضى ثلث الليل لا يبقى ملك في جميع السموات والأرض إلا ويجتمعون في الكعبة وحواليها، ويطلع الله ﷿ عليهم اطلاعة، فيقول: ملائكتي! سلوني ما شئتم، فيقولون: يا ربنا! حاجتنا إليك أن تغفر لصُوّام رجب، فيقول الله ﷿: قد فعلت ذلك\". ثم قال رسول الله ﷺ: \"وما من أحد يصوم يوم الخميس أول خميس في رجب، ثم يصلي فيما بين العشاء والعتمة - يعني ليلة الجمعة - اثنتي عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة، و﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ *﴾ ثلاث مرات، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *﴾ اثنتي عشرة مرة، يفصل بين كل ركعتين بتسليمة ... \" إلخ.\nقال ابن الجوزي عقب إخراجه: \"وهذا حديث موضوع على رسول الله ﷺ، وقد اتهموا به ابن جهضم ونسبوه إلى الكذب، وسمعت شيخنا عبد الوهاب الحافظ يقول: رجاله مجهولون، وقد فتشت عليهم جميع الكتب، فما وجدتهم ... \" إلخ ما قال.=","vol":"2","page":18},{"text":"والمعراج (١)،\n_________\n=وذكر الحافظ ابن حجر في \"لسان الميزان\" (٥/ ٢٥٠ رقم ٥٩٨٣) أن أبا موسى المديني أخرجه في \"وظائف الأوقات\"، ثم قال - أي المديني ـ: \"غريب لا أعلم أني كتبته إلا من رواية ابن جهضم، ورجاله غير معروفين إلى حميد\".\nوذكر الذهبي في \"الميزان\" (٣/ ١٤٢) أن علي بن عبد الله بن جهضم الزاهد هذا هو المتهم بوضع هذا الحديث.\nوقال النووي في \"شرح مسلم\" (٨/ ٢٠) عند شرحه لحديث النهي عن تخصيص يوم الجمعة بصلاة، أو ليلها بصلاة: \"واحتج به العلماء على كراهة هذه الصلاة المبتدعة التي تسمى: الرغائب، قاتل الله واضعها ومخترعها؛ فإنها بدعة منكرة من البدع التي هي ضلالة وجهالة، وفيها منكرات ظاهرة\".\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية في \"مجموع الفتاوى\" (٢٣/ ١٣٥) بعد أن سئل عن صلاة الرغائب هل هي مستحبة أو لا: \"هذه الصلاة لم يصلها رسول الله، ولا أحد من أصحابه، ولا التابعين، ولا أئمة المسلمين، ولا رغّب فيها رسول الله، ولا أحد من السلف، ولا الأئمة ... \" إلى أن قال ﵀:\n\"والحديث المروي في ذلك عن النبي كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بذلك، ولهذا قال المحققون: إنها مكروهة غير مستحبة، والله أعلم\".\nوقال ابن القيم ﵀ في \"المنار المنيف\" (ص٩٥ رقم ١٦٧): \"وكذلك أحاديث صلاة الرغائب ليلة أول جمعة من رجب، كلها كذب مختلق على رسول الله ﷺ\".\nوقال الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ٥٥): \" ... فإن أصل صلاة النافلة سنة مرغب فيها، ومع ذلك فقد كره المحققون تخصيص وقت بها دون وقت، ومنهم من أطلق تحريم مثل ذلك؛ كصلاة الرغائب التي لا أصل لها ... \".\n(١) صلاة المعراج - يعني ليلة سبع وعشرين من رجب ـ: وردت من حديث سلمان الفارسي وأنس ومن قول ابن عباس ﵃.\nأما حديث سلمان: فأخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٣/ ٣٧٣ - ٣٧٤ رقم ٣٨١١)، وفي \"فضائل الأوقات\" (ص٩٥ - ٩٦ رقم ١١)، من طريق خالد بن الهيَّاج، عن أبيه، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ: \"في رجب يوم وليلة، من صام ذلك اليوم وقام تلك الليلة كان كمن صام من الدهر مائة سنة وقام مائة سنة، وهو لثلاث بقين من رجب، وفيه بعث محمد ﷺ\". والحديث ضعفه البيهقي.\nومن طريق البيهقي أخرجه ابن حجر في \"تبيين العجب\" (ص٢٩ - ٣٠)، ثم قال: \"هذا حديث منكر إلى الغاية، وهيّاج هو ابن بسطام التميمي الهروي، روى عن جماعة من التابعين، وضعفه ابن معين، وقال أبو داود: تركوه، وقال صالح بن محمد الحافظ الملقب بجزرة: الهيَّاج منكر الحديث، لا يكتب من حديثه إلا حديثان=","vol":"2","page":19},{"text":"وليلة النصف من شعبان (١)،\n_________\n=أو ثلاثة للاعتبار، ولم أكن أعلم أنه بكل هذا حتى قدمت هراة، فرأيت عندهم أحاديث مناكير كثيرة له، قال الحاكم أبو عبد الله: وهذه الأحاديث التي رآها صالح من حديث الهيَّاج الذنب فيها لابنه خالد، والحمل فيها عليه. وقال يحيى بن أحمد بن زياد الهروي: كل ما أنكر على الهيَّاج فهو من جهة ابنه خالد\".\nوذكر الشوكاني هذا الحديث في \"الفوائد المجموعة\" (ص٤٣٩ رقم ٣) ونقل عن السيوطي أنه قال في \"الذيل\": \"في إسناده هيَّاج، تركوه\".\nوأما حديث أنس: فأخرجه البيهقي أيضًا في \"الشعب\" برقم (٣٨١٢) و\"فضائل الأوقات\" برقم (١٢)، من طريق محمد بن الفضل بن عطية، عن أبان، عن أنس، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"في رجب ليلة يكتب للعامل فيها حسنات مائة سنة، وذلك لثلاث بقين من رجب، فمن صلى فيها اثنتي عشرة ركعة ... \" الحديث.\nقال ابن حجر في \"تبيين العجب\" (ص٣٠) عقب حديث سلمان المتقدم: \"وروينا قريبًا من هذا المتن من حديث أنس بإسناد مظلم رواه البيهقي أيضًا ... \" ثم ذكره.\nوفي إسناده محمد بن الفضل بن عطية وقد كذبوه كما في \"التقريب\" (٦٢٦٥). وشيخه أبان بن أبي عياش متروك كما في \"التقريب\" (١٤٣).\nوأما حديث ابن عباس: فقد أخرجه ابن حجر في \"تبيين العجب\" (ص٢١) من طريق محمد بن زياد اليشكري، عن ميمون بن مهران، عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: \"من صلى ليلة سبع وعشرين من رجب ثنتي عشرة ركعة ... \" الحديث.\nوفي سنده محمد بن زياد اليشكري الطحّان، الأعور وقد كذبوه كما في \"التقريب\" (٥٩٢٧).\nوقد قال الملا علي القاري في \"الأسرار المرفوعة\" (ص٢٨٩): \"وكذا صلاة عاشوراء، وصلاة الرغائب موضوع بالاتفاق، وكذا بقية صلوات ليالي رجب، وليلة السابع والعشرين من رجب ... \" وقال العجلوني في \"كشف الخفاء\" (٢/ ٤٢١): \"وباب صلاة الرغائب، وصلاة نصف شعبان، وصلاة نصف رجب، وصلاة الإيمان، وصلاة ليلة المعراج، وصلاة ليلة القدر، وصلاة كل ليلة من رجب، وشعبان، ورمضان، وهذه الأبواب لم يصح فيها شيء أصلًا\".\n(١) حديث قيام ليلة النصف من شعبان: ورد من حديث علي وابن عمر ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وأنس بن مالك ﵃، ومرسل محمد بن علي الباقر ﵀.\nأما حديث علي ﵁: فله عنه ثلاث طرق:\n١ - الطريق الأولى: أخرجها ابن ماجه (١٣٨٨)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٣٨٢٢)، والفاكهي في \"أخبار مكة\" (١٨٣٧)، جميعهم من طريق ابن أبي سبرة، عن إبراهيم بن محمد، عن معاوية بن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، عن علي بن=","vol":"2","page":20},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ: \"إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها، وصوموا نهارها، فإن الله ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا ... \" الحديث.\nوفي سنده ابن أبي سبرة، وهو أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة، وقد رموه بالوضع كما في التقريب (٨٠٣٠)، فالحديث موضوع من طريقه.\n٢ - الطريق الثانية: أخرجها ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٢/ ٤٤٠ رقم ١٠١٠) من طريق علي بن الحسن، عن سفيان الثوري، عن ليث، عن مجاهد، عن علي بن أبي طالب ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: \"يا علي! من صلى مائة ركعة في ليلة النصف من شعبان ... \" الحديث بطوله.\nوقد حكم عليه ابن الجوزي بالوضع، وأعلّه بجهالة بعض رواته وضعف بعضهم، وأقره السيوطي في \"اللآلئ\" (٢/ ٥٧ - ٥٩).\nوقال الذهبي في \"تلخيص الموضوعات\" (ص١٨٥ - ١٨٦ رقم ٤٣٥): \"والظاهر أنه من وضع علي هذا\"، يعني علي بن الحسن بن يعمر السامي الراوي لهذا الحديث عن سفيان الثوري، فإنه ذكر الحديث في ترجمته في \"ميزان الاعتدال\" (٣/ ١١٩ - ١٢٠) وقال: \"وهو باطل، وهو على هذا في عداد المتروكين عفا الله عنه\"، وكان قد نقل عن ابن حبان قوله في علي هذا: \"لا يحلّ كتب حديثه إلا على جهة التعجب\". ونقل الحافظ ابن حجر في \"اللسان\" (٥/ ٢١١ - ٢١٢) عن الدارقطني قوله: \"مصري يكذب يروي عن الثقات البواطيل\".\n٣ - الطريق الثالثة: أخرجها البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٣/ ٣٨٦ - ٣٨٧ رقم ٣٨٤١)، وابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٢/ ٤٤٤ - ٤٤٥ رقم ١٠١٤)، كلاهما من طريق عثمان بن سعيد بن كثير، عن محمد بن المهاجر، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم؛ قال: قال علي: رأيت رسول الله ﷺ ليلة النصف من شعبان قام فصلى أربع عشرة ركعة ... الحديث.\nقال البيهقي: \"يشبه أن يكون هذا الحديث موضوعًا، وهو منكر، وفي [رواته]ـ مثل عثمان بن سعيد - مجهولون\".\nوقال ابن الجوزي: \"وهذا موضوع أيضًا، وإسناده مظلم، وكأن واضعه يكتب من الأسماء ما يقع له، ويذكر قومًا ما يعرفون، وفي الإسناد محمد بن مهاجر، قال ابن حبان: يضع الحديث\".\nوقال الذهبي في \"تلخيص الموضوعات\" (ص١٨٦ رقم ٤٣٨): \"إسناده مظلم، وفيه كذاب\".\nوأما حديث ابن عمر: فأخرجه ابن الجوزي أيضًا برقم (١٠١١) من طريق الحسين بن إبراهيم، قال: أنبأنا محمد بن جابان المذكِّر ...، فساقه بسنده إلى يزيد بن محمد،=","vol":"2","page":21},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=عن أبيه محمد بن مروان، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ ليلة النصف من شعبان ألف مرّة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *﴾ في مائة ركعة ... \" الحديث.\nوأعله ابن الجوزي بأن في رواته مجاهيل، وقال الذهبي في \"تلخيص الموضوعات\" (ص١٨٦ رقم ٤٣٦): \"وهذا من عمل الحسين بن إبراهيم أو شيخه، والإسناد ظلمة\" وتعقب السيوطي في \"اللآلئ\" (٢/ ٥٩) ابن الجوزي بطريق أخرجها الديلمي من طريق محمد بن عبد الرحمن العرزمي، عن عمرو بن ثابت، عن محمد بن مروان الذهلي، عن أبي يحيى قال: حدثني أربعة وثلاثون من أصحاب النبي ﷺ؛ قالوا: قال رسول الله ﷺ، فذكر مثله سواء.\nوهذا حديث موضوع أيضًا. فمحمد بن عبد الرحمن العرزمي قال عنه الدارقطني: \"متروك الحديث\" كما في \"لسان الميزان\" (٦/ ٣١٩)، وعمرو بن ثابت الحداد رافضي متروك، وقد فصّلت القول فيه في \"سنن سعيد بن منصور\" (٢/ ٥٤٠)، ومحمد بن مروان الذهلي قال عنه الذهبي في \"الميزان\" (٤/ ٣٣): \"لا يكاد يعرف\"، وأبو يحيى لم أعرفه، ولا أظنه القتّات.\nوأما حديث معاذ بن جبل: فأخرجه الأصبهاني في \"الترغيب والترهيب\" (١/ ٢٤٨ - ٢٤٩ رقم ٣٧٤) من طريق سويد بن سعيد، ثنا عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، عن وهب بن منبه، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أحيا الليالي الخمس وجبت له الجنة: ليلة التروية، وليلة عرفة، وليلة النحر، وليلة النصف من شعبان\"، ولم يذكر الخامسة.\nوأخرجه نصر المقدسي في \"جزء من الأمالي\" - كما في \"السلسلة الضعيفة\" (٥٢٢) للشيخ الألباني ـ، وذكر أن الليالي أربع، وذكر ليلة الفطر بدل ليلة النصف من شعبان.\nوفي إسناد الأصبهاني تصحيف في موضعين:\nالأول: قوله: \"عبد الرحمن بن زيد\"، والصواب: \"عبد الرحيم بن زيد\" كما في إسناد المقدسي.\nالثاني: تصحف فيه \"وهب\" إلى: \"دهب\".\nوالحديث ضعيف جدًا؛ فيه ثلاث علل:\n١ - سويد بن سعيد الحدثاني ضعيف، وفي \"التقريب\" (٢٧٠٥): \"صدوق في نفسه، إلا أنه عمي، فصار يتلقن ما ليس من حديثه، فأفحش فيه ابن معين القول\".\n٢ - عبد الرحيم بن زيد العَمِّي متروك، كذبه ابن معين كما في \"التقريب\" (٤٠٨٣).\n٣ - زيد بن الحواري العَمِّي ضعيف كما في \"التقريب\" (٢١٤٣). وقد حكم عليه الشيخ الألباني - في الموضع السابق - بالوضع.\nوأما حديث أبي هريرة: فأخرجه ابن الجوزي (٢/ ٤٤٣ - ٤٤٤ رقم ١٠١٣) من طريق=","vol":"2","page":22},{"text":"وَلَيْلَةِ أَول جُمْعَةٍ مِنْ رَجَبٍ (١)، وَصَلَاةِ الإِيمان (٢) والأُسبوع (٣)، وصلاة بر\n_________\n=بقيّة بن الوليد، عن ليث بن أبي سليم، عن القعقاع بن شور الشيباني، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"من صلى ليلة النصف من شعبان ثنتي عشرة ركعة ... \" الحديث.\nقال ابن الجوزي: \"وهذا موضوع أيضًا، وفيه جماعة مجهولون، وقبل أن نصل إلى بقية وليث وهما ضعيفان، فالبلاء ممن قبلهم\".\nوأقرّه عليه السيوطي في \"اللآلئ\" (٢/ ٥٩).\nوقال الذهبي في \"تلخيص الموضوعات\" (ص١٨٦ رقم ٤٣٧): \"وإسناده ظلمات إلى بقية\".\nوأما حديث أنس بن مالك: فيرويه محمد بن سعيد الميلي، عن محمد بن عمرو البجلي، عن النضر بن شميل، عن شعيب بن عبد الملك، عن الحسن البصري، عن أنس مرفوعًا: \"من صلى ليلة النصف من شعبان خمسين ركعة ... \" فذكر حديثًا طويلًا في فضل من صلى هذه الركعات في تلك الليلة.\nرواه ابن ناصر كما في \"ميزان الاعتدال\" للذهبي (٣/ ٥٦٥ - ٥٦٦)، وقد أعله الذهبي بمحمد بن سعيد الميلي، فقال: \"لا يُدرى من هو\"، وقال عن شيخه محمد بن عمرو البجلي: \"مجهول مثله\".\nثم قال الذهبي: \"فقبّح الله من وضعه! فلقد فاه من الكذب والإفك ما لا يوصف ...، فما أتعجَّب إلا من قلّة ورع ابن ناصر، كيف روى هذا وسكت عن توهينه؟ فإنا لله! \".\nوأما مرسل محمد بن علي الباقر: فأخرجه ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٢/ ٤٤٢ - ٤٤٣ رقم ١٠١٢) من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ ليلة النصف من شعبان ألف مرة قل هو الله أحد في مائة ركعة ... \" الحديث.\nوفي سنده إلى جعفر عدة مجاهيل، ولذلك عقَّب عليه ابن الجوزي وعلى حديثي علي وابن عمر بقوله: \"هذا الحديث لا يُشك في أنه موضوع، وجمهور رواته في الطرق الثلاثة مجاهيل، وفيهم ضعفاء بمرة ... \" إلخ ما قال.\n(١) قوله: \"وليلة أول جمعة من رجب\": هي صلاة الرغائب التي تقدم تخريجها.\n(٢) لم أجد فيها شيئًا.\n(٣) صلاة الأسبوع: هي عدة أحاديث ذكرها ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ٤١٧ - ٤٢٨ رقم ٩٩٣ - ١٠٠١) في فضل صلاة ليلة السبت ويومه، والأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، وحكم عليها بالوضع، واتهم بها الحسين بن إبراهيم وغيره.\nوذكرها ابن القيم في \"المنار المنيف\" (ص٤٨ - ٤٩)، وقال: \"واستمرَّ هذا الكذاب=","vol":"2","page":23},{"text":"الوالدين (١) ويوم عاشوراء (٢)، وصيام رجب (٣)،\n_________\n=الخبيث على حديث طويل فيه من هذه المجازفات، وهو من عمل الحسين بن إبراهيم؛ كذاب يروي عن محمد بن طاهر، ووضع من هذا الضرب أحاديث صلاة يوم الأحد، وليلة الأحد، وصلاة يوم الاثنين، وليلة الاثنين، ويوم الثلاثاء، وليلة الثلاثاء، وهكذا في سائر أيام الأسبوع ولياليه\".\nوقال في موضع آخر (ص٩٥): \"ومنها: أحاديث صلوات الأيام والليالي؛ كصلاة يوم الأحد، وليلة الأحد، ويوم الاثنين، وليلة الاثنين ...، إلى آخر الأسبوع، كل أحاديثها كذب\". وانظر: \"اللآلئ المصنوعة\" (٢/ ٤٨ - ٥٢)، و\"تلخيص الموضوعات\" (ص١٨٠ - ١٨٣ رقم ٤١٨ - ٤٢٦)، و\"الفوائد المجموعة\" (ص٤٤ - ٤٦ رقم ٨٧ - ١٠٢).\n(١) لم أجد فيها شيئًا.\n(٢) حديث صلاة يوم عاشوراء: أخرجه ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٢/ ٤٣٣ رقم ١٠٠٥) من طريق الحسين بن إبراهيم بإسناده إلى محمد بن سهل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من صلى يوم عاشوراء ما بين الظهر والعصر أربعين ركعة ... \" الحديث.\nقال ابن الجوزي: \"وهذا موضوع، وكلمات رسول الله ﷺ منزهة عن هذا التخليط، والرواة مجاهيل، والمتهم به الحسين\". وأقرّه الذهبي في \"تلخيص الموضوعات\" (ص١٨٤ رقم ٤٣٠)، والسيوطي في \"اللآلئ\" (٢/ ٥٤ - ٥٥).\nوأخرج ابن الجوزي قبله (٢/ ٤٣٢ رقم ١٠٠٤) حديثًا من طريق العشاري، بسنده إلى عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أحيا ليلة عاشوراء فكأنما عَبَدَ الله تعالى بمثل عبادة أهل السموات ... \" الحديث، ثم قال: \"هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ، وقد أُدخل على بعض المتأخرين من أهل الغفلة، على أن عبد الرحمن بن أبي الزناد مجروح؛ قال أحمد: هو مضطرب الحديث، وقال يحيى: لا يحتجّ به\".\nثم أعاده بطوله (٢/ ٥٦٧ - ٥٦٩ رقم ١١٤٠) وحكم عليه بالوضع ونقد متنه.\nوالذي يظهر أن ابن أبي الزناد بريء من عهدته، والحمل فيه على أبي طالب العشاري محمد بن علي بن الفتح، فقد قال عنه الذهبي في \"ميزان الاعتدال\" (٣/ ٦٥٦): \"شيخ صدوق معروف، لكن أدخلوا عليه أشياء، فحدّث بها بسلامة باطن، منها حديث موضوع في فضل ليلة عاشوراء\".\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية في \"منهاج السنة\" (٧/ ٤٣٣): \"وليس في عاشوراء حديث صحيح غير الصوم، وكذلك ما يروى في فضل صلوات معينة فيه، فهذا كله كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة، ولم ينقل هذه الأحاديث أحد من أئمة أهل العلم في كتبهم\".\n(٣) حديث صيام رجب: أخرجه أبو الفضل محمد بن ناصر في \"أماليه\" كما في \"تبيين العجب\" (ص١٣ - ١٥)، وابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٢/ ٥٧٦ رقم ١١٤٧)،=","vol":"2","page":24},{"text":"والسابع والعشرين مِنْهُ (١)، وَمَا أَشبه ذَلِكَ، فإِن جميعَها رَاجِعٌ إِلى التَّرْغِيبِ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَالصَّلَاةُ عَلَى الْجُمْلَةِ ثابتٌ أَصلها، وَكَذَلِكَ الصِّيَامُ وَقِيَامُ اللَّيْلِ، كُلُّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلى خيرٍ نُقلت فضيلتُه عَلَى الْخُصُوصِ.\nوإِذا ثَبَتَ هَذَا فَكُلُّ مَا نُقلت فضيلتُه فِي الأَحاديث فَهُوَ مِنْ بَابِ الترغيب، فلا يلزم فيه - بشهادة (٢) أَهل الحديث - صحّة (٣) الإِسناد، بخلاف أَحاديث (٤) الأَحكام.\n_________\n=كلاهما من طريق أبي بكر محمد بن الحسن النقاش، عن أبي عمرو أحمد بن العباس الطبري؛ قال: حدثنا الكسائي؛ قال: حدثنا أبو معاوية؛ قال: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: \"رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي، فمن صام رجب إيمانًا واحتسابًا استوجب رضوان الله الأكبر ... \" الحديث بطوله، واللفظ لابن الجوزي.\nقال ابن ناصر: \"وهذا حديث غريب عالٍ من حديث أبي معاوية الضرير، عن الأعمش، وهو غريب من حديث علقمة عن أبي سعيد، تفرد به أبو عمرو الطبري، ولا يعرف إلا من روايته، ولم نسمعه إلا من رواية أبي بكر النقاش عنه\".\nوتعقبه الحافظ ابن حجر بقوله: \"هذا الكلام لا يليق بأهل النقد، وكيف يروج مثل هذا الباطل على ابن ناصر مع تحققه بأن النقاش وضاع دجال - نسأل الله العافية ـ، فوالله! ما حدث أبو معاوية ولا من فوقه بشيء من هذا قط، وليس الكسائي علي بن حمزة المقدسي النحوي، فقد جزم بأنه غيره الإمام أبو الخطاب ابن دحية، فقال: الكسائي المذكور لا يدرى من هو. وقال بعد أن أخرج الحديث: هذا موضوع\".\nوكان ابن حجر قد قال قبل ذكره للحديث: \"وورد في فضل رجب من الأحاديث الباطلة أحاديث لا بأس بالتنبيه عليها لئلا يُغترّ بها ... \".\nوقال ابن الجوزي عقب الحديث: \"هذا حديث موضوع على رسول الله ﷺ، والكسائي لا يعرف، والنقاش مُتّهم\".\nوأقره السيوطي في \"اللآلئ\" (٢/ ١١٤ - ١١٥)، وابن عراق في \"تنزيه الشريعة\" (٢/ ١٥١ - ١٥٢).\nوقال الذهبي في \"تلخيص الموضوعات\" (ص٢٠٨ رقم ٥٠٧): \"رواه أبو بكر النقاش وهو مُتّهم ...، وهذا الكسائي لا يعرف\".\nوقد ذكر ابن الجوزي وابن حجر أحاديث أخرى في فضل صيام بعض أيام من رجب، وبينا عللها.\n(١) وهو داخل في حديث صلاة المعراج التي تقدم الكلام عنها.\n(٢) في (خ) و(م): \"شهادة\".\n(٣) في (خ): \"بصحة\".\n(٤) قوله: \"أحاديث\" ليس في (خ) و(م).","vol":"2","page":25},{"text":"فإِذًا هذا الوجه من الاستدلال من طرق (١) الراسخين، لا من طرق (١) الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ، حَيْثُ فَرَّقُوا (٢) بَيْنَ أَحاديث الأَحكام فَاشْتَرَطُوا فِيهَا الصِّحَّةَ، وَبَيْنَ أَحاديث التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ فَلَمْ يَشْتَرِطُوا فِيهَا ذَلِكَ.\nفَالْجَوَابُ: أَن مَا ذَكَرَهُ علماءُ الْحَدِيثِ مِنَ التَّسَاهُلِ في أَحاديث الترغيب والترهيب (٣) لا ينتظم مسأَلتنا (٤) المفروضة، بيانه (٥): أَن الْعَمَلَ المتكلَّم فِيهِ إِما أَن يَكُونَ مَنْصُوصًا عَلَى أَصله جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، أَو لَا يَكُونُ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ لَا جُمْلَةً (٦) وَلَا تَفْصِيلًا، أَو يَكُونُ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ جُمْلَةً لَا تَفْصِيلًا.\nفالأَول: لَا إِشكال فِي صِحَّتِهِ، كَالصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ (٧)، وَالنَّوَافِلِ الْمُرَتِّبَةِ لأَسباب وَغَيْرِ أَسباب (٨)، وَكَالصِّيَامِ الْمَفْرُوضِ (٩)، أَو الْمَنْدُوبِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ، إِذَا فُعِلَتْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي نُصَّ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ زيادة ولا\n_________\n(١) في (خ): \"طريق\".\n(٢) أي: الراسخون في العلم.\n(٣) مَا ذَكَرَهُ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ مِنَ التَّسَاهُلِ فِي أحاديث الترغيب والترهيب يعني قول كثير منهم: \"إذا روينا في الثواب والعقاب وفضائل الأعمال تساهلنا في الأسانيد وتسامحنا في الرجال، وإذا روينا في الحلال والحرام والأحكام تشددنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال\"، وردت هذه العبارة عن عبد الرحمن بن مهدي كما في \"المستدرك\" للحاكم (١/ ٤٩٠)، و\"دلائل النبوة\" للبيهقي (١/ ٣٤). وورد معناها عن يحيى القطان، وابن المبارك، والإمام أحمد كما في \"دلائل النبوة\" (١/ ٣٥ - ٣٨)، و\"النكت على كتاب ابن الصلاح\" (٢/ ٨٨٨)، و\"تدريب الراوي\" (١/ ٢٩٨)، وقد علق رشيد رضا ﵀ على هذا الموضع بقوله: \"نذكر هنا ما شرطه المحدثون لجواز العمل بالضعيف في الترغيب والترهيب. قال الحافظ السخاوي في القول البديع - بعد ذكر المسألة وخلاف القاضي أبي بكر ابن العربي فيها إذ جزم بعدم جواز العمل بالضعيف مطلقًا ـ؛ قال: وقد سمعت شيخنا (أي الحافظ ابن حجر) مرارًا يقول وكتبه لي بخطه: إن شرائط العمل بالضعيف ثلاثة: الأول: متفق عليه؛ أن يكون الضعف غير شديد. فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب، ومن فحش غلطه. الثاني: أن يكون مندرجًا تحت أصل عام، فيخرج ما يخترع بحيث لا يكون له أصل أصلًا. الثالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، لئلا ينسب إلى النبي ﷺ ما لم يقله. قال: والأخيران عن ابن عبد السلام وعن صاحبه ابن دقيق العيد، والأول نقل العلائي الاتفاق عليه\" اهـ.\n(٤) في (خ): \"مع مسألتنا\".\n(٥) في (خ): \"وبيانه\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"منصوصا عليه جملة\".\n(٧) في (غ): \"المفروضة\".\n(٨) في (خ): \"وغيرها\" بدل \"وغير أسباب\".\n(٩) في (خ): \"المفرض\".","vol":"2","page":26},{"text":"نُقْصَانٍ؛ كَصِيَامِ عَاشُورَاءَ (١)، أَو يَوْمَ (٢) عَرَفَةَ (٣)، وَالْوَتَرِ بَعْدَ نَوَافِلَ اللَّيْلِ (٤)، وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ (٥). فَالنَّصُّ جاءَ فِي هَذِهِ الأَشياء صَحِيحًا عَلَى مَا شَرَطُوا، فَثَبَتَتْ (٦) أَحكامها مِنَ الْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ وَالِاسْتِحْبَابِ، فإِذا ورد في مثلها أَحاديثُ تُرَغِّب (٧) فيها، أَو تحذِّر (٨) مِنْ تَرْكِ الْفَرْضِ مِنْهَا، وَلَيْسَتْ بَالِغَةً مَبْلَغَ الصِّحَّة، وَلَا هِيَ أَيضًا مِنَ الضَّعْف بِحَيْثُ لَا يَقْبَلُهَا أَحد، أَو كَانَتْ مَوْضُوعَةً لَا يَصِحُّ الِاسْتِشْهَادُ بِهَا، فَلَا بأْس بِذِكْرِهَا وَالتَّحْذِيرِ بِهَا وَالتَّرْغِيبِ، بَعْدَ ثُبُوتِ أَصلها مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ.\nوَالثَّانِي: ظَاهِرٌ أَنه غَيْرُ صَحِيحٍ، وَهُوَ عين البدعة؛ لأَنه لا يرجع إِلاَّ إِلى مجرد (٩) الرأْي الْمَبْنِيّ على الهوى، وهو أَبْعَدُ (١٠) البدع وأَفحشها؛\n_________\n(١) أخرج مسلم في \"صحيحه\" (١١٦٢) من حديث أبي قتادة ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله\".\nوأمر ﷺ بصيامه في حديثي ابن عباس وأبي موسى ﵄ عند البخاري (٢٠٠٤ و٢٠٠٥).\n(٢) في (غ) و(ر): \"ويوم\".\n(٣) جاء في حديث أبي قتادة السابق عند مسلم أنه ﷺ قال: \"صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده\".\n(٤) ورد في الحث على الوتر بعد نوافل الليل أحاديث كثيرة، حتى لقد أفرد البخاري في \"صحيحه\" كتابًا خاصًا بالوتر وأحكامه، ومن جملة ما أخرج فيه: حديث ابن عمر برقم (٩٩٠): أن رجلًا سأل رسول الله (ص) عن صلاة الليل، فقال: \"صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلَّى\".\nوأخرجه مسلم برقم (٧٤٩).\n(٥) ورد في مشروعية الصلاة عند كسوف الشمس عدة أحاديث، حتى لقد أفرد لها البخاري ومسلم كتابين مستقلين في \"صحيحيهما\"، وأخرجا فيهما عدة أحاديث، منها: حديث المغيرة بن شعبة؛ قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله ﷺ: \"إن الشمس والقمر لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم فصلوا وادعوا الله\"، أخرجه البخاري برقم (١٠٤٣)، ومسلم برقم (٩١٥).\n(٦) في (م): \"فثبت\".\n(٧) في (خ) و(م): \"ترغيب\".\n(٨) في (خ): \"أو تحذير\".\n(٩) في (خ): \"إلا لمجرد\".\n(١٠) في (خ): \"أبدع\".","vol":"2","page":27},{"text":"كالرَّهْبَانيَّة المنْفِيَّة عَنِ الإِسلام (١)، والخِصَاء لِمَنْ خَشِيَ العَنَت (٢)، والتعبُّد بِالْقِيَامِ فِي الشَّمس (٣)، أَو بالصَّمْتِ مِنْ غَيْرِ كَلَامِ أَحد (٤)، فَالتَّرْغِيبُ فِي مِثْلِ هَذَا لَا يَصِحُّ؛ إِذ لَا يُوجَدُ فِي الشَّرْعِ، وَلَا أَصل لَهُ يُرَغَّب فِي مِثْلِهِ، أَو يحذَّر من مخالفته.\n_________\n(١) قوله: كالرهبانية المنفية عن الإسلام: يدل عليها قوله تعالى في الآية (٢٧) من سورة الحديد: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾. وسيأتي تخريجه بلفظ: \"لا رهبانية في الإسلام\" (ص٢١٢) من هذا المجلد.\nوأخرج أبو داود في \"سننه\" (٤٨٦٨)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (٣٦٩٤) من طريق عبد الله بن وهب، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء؛ أن سهل بن أبي أمامة حدثه: أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة، فقال أنس: إن رسول الله ﷺ كان يقول: \"لا تشددوا على أنفسكم فيشدَّد عليكم، فإن قومًا شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات، ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾.\nوسنده ضعيف؛ تفرد به سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء، ولم أجد مَنْ وثقه، سوى أن ابن حبان ذكره في \"ثقاته\" (٦/ ٣٥٤)، ولذلك قال الحافظ في \"التقريب\" (٢٣٦٦): \"مقبول\" والحديث ضعفه الشيخ الألباني في \"ضعيف الجامع\" (٦٢٣٢) وانظر ما سيأتي (ص٢٠١ - ٢٠٢).\n(٢) أخرج البخاري في صحيحه (٨/ ٢٧٦ رقم ٤٦١٥) كتاب التفسير، باب لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم.\nمن حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا نغزو مع النبي ﷺ وليس معنا نساء، فقلنا: ألا نختصي؛ فنهانا عن ذلك، فرخص لنا بعد ذلك أن نتزوج المرأة بالثوب، ثم قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. [المائدة: ٨٧].\n(٣) أخرج البخاري في \"صحيحه\" (٦٧٠٤) من حديث ابن عباس ﵄؛ قال: بينا النبي ﷺ يخطب؛ إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي ﷺ: \"مره فليتكلم، وليستظل، وليقعد وليتمّ صومه\".\nقال ابن خزيمة في صحيحه (٣/ ٣٥٢) بعد أن أشار إلى الحديث: \"فأمره رسول الله ﷺ بالوفاء بالصوم الذي هو طاعة، وترك القيام في الشمس، وإن كان القيام في الشمس ليس بمعصية، إلا أن يكون فيه تعذيب، فيكون حينئذٍ معصية\".\n(٤) أخرج البخاري في \"صحيحه\" (٣٨٣٤) من حديث قيس بن أبي حازم؛ قال: دخل أبو بكر على امرأة من أحْمَسَ يقال لها: زينب، فرآها لا تكلَّم، فقال: ما لها لا تكلم؟ قالوا: حجَّت مُصْمِتَةً، قال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحلّ، هذا من عمل الجاهلية، فتكلمت ...، الحديث.","vol":"2","page":28},{"text":"وَالثَّالِثُ: رُبَّمَا يَتَوَهَّمُ أَنه كالأَول؛ مِنْ جِهَةِ أَنه إِذا ثَبَتَ أَصل عِبَادَةٍ فِي الْجُمْلَةِ، فيُسْتَسْهَلُ (١) فِي التَّفْصِيلِ نَقْلُهُ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ مُشْتَرَطِ الصِّحَّةِ. فَمُطْلَقُ التنفُّل (٢) بِالصَّلَاةِ مَشْرُوعٌ، فإِذا جَاءَ تَرْغِيبٌ فِي صَلَاةِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ (٣) فَقَدْ عَضَّدَهُ أَصل التَّرْغِيبِ فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ. وكذلك إِذا ثبت أَصل صيام النافلة (٤)، ثَبَتَ صِيَامُ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ (٥)، وَمَا أَشبه ذَلِكَ. وَلَيْسَ كَمَا توهَّموا؛ لأَن الأَصل إِذا ثَبَتَ فِي الْجُمْلَةِ لَا يَلْزَمُ إِثباته فِي التَّفْصِيلِ، فإِذا ثَبَتَ مُطْلَقُ الصَّلَاةِ لَا يلزم منه إِثبات الظهر أَو العصر (٦) أَو الْوَتَرِ أَو غَيْرِهَا حَتَّى يُنَصّ عَلَيْهَا عَلَى الْخُصُوصِ، وَكَذَلِكَ إِذا ثَبَتَ مُطْلَقُ الصِّيَامِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ إِثبات صَوْمِ رَمَضَانَ أَو عَاشُورَاءَ أَو شَعْبَانَ أَو غَيْرِ ذَلِكَ، حَتَّى يثبت التفصيل (٧) بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ، ثُمَّ يَنْظُرَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَحاديث التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ بِالنِّسْبَةِ إِلى ذَلِكَ الْعَمَلِ الْخَاصِّ الثَّابِتِ بِالدَّلِيلِ الصَّحِيحِ.\nوَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرَ فِي السُّؤَالِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، إِذ لَا ملازمة بين ثبوت التنفُّل الليلي أَو النهاري (٨) فِي الْجُمْلَةِ، وَبَيْنَ قِيَامِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ بِكَذَا وَكَذَا رَكْعَةٍ، يقرأُ فِي كُلِّ رَكْعَةِ مِنْهَا بِسُورَةِ (٩) كَذَا عَلَى الْخُصُوصِ كَذَا وَكَذَا مَرَّةٍ. وَمَثْلُهُ صِيَامُ الْيَوْمِ الْفُلَانِيِّ مِنَ الشَّهْرِ الْفُلَانِيِّ، حَتَّى تَصِيرَ تِلْكَ الْعِبَادَةُ مَقْصُودَةً عَلَى الْخُصُوصِ، لَيْسَ فِي شيءٍ مِنْ ذَلِكَ مَا يَقْتَضِيهِ مطلقُ شَرْعِيَّةِ التنفُّل بِالصَّلَاةِ أَو الصِّيَامِ.\nوَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: أَن تَفْضِيلَ يَوْمٍ مِنَ الأَيام أَو زَمَانٍ مِنَ الأَزمنة بِعِبَادَةٍ مَا يَتَضَمَّنُ حُكْمًا شَرْعَيًّا فِيهِ عَلَى الْخُصُوصِ، كما ثبت لعاشوراء مثلًا\n_________\n(١) في (خ): \"فيسهل\".\n(٢) في (غ): \"التنفيل\".\n(٣) تقدم تخريجه (ص٢٠).\n(٤) قوله: \"النافلة\" ليس في (خ)، و(م).\n(٥) انظر ما تقدم (ص١٩).\n(٦) في (خ): \"والعصر\".\n(٧) في (خ) و(م): \"بالتفصيل\".\n(٨) في (خ): \"الليلي والنهاري\" وفي (م): \"أو النهار\".\n(٩) في (غ) و(ر): \"سور\".","vol":"2","page":29},{"text":"أَو لِعَرَفَةَ (١)، أَو لِشَعْبَانَ (٢) مزيَّةٌ عَلَى مُطْلَقِ التَّنَفُّلِ بِالصِّيَامِ، فإِنه ثَبَتَ لَهُ (٣) مَزِيَّةٌ عَلَى الصِّيَامِ فِي مُطْلَقِ الأَيام. فَتِلْكَ الْمَزِيَّةُ اقْتَضَتْ مَرْتَبَةً فِي الأَحكام أَعلى مِنْ غَيْرِهَا، بِحَيْثُ (٤) لا تفهم (٥) من مطلق مشروعية الصيام (٦) النَّافِلَةِ؛ لأَن مُطْلَقَ الْمَشْرُوعِيَّةِ يَقْتَضِي أَن الْحَسَنَةَ فيه (٧) بِعَشْرِ أَمثالها، إِلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ (٨) فِي الْجُمْلَةِ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يَقْتَضِي أَنه يُكَفِّرُ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ (٩)، فَهُوَ (١٠) أَمر زَائِدٌ عَلَى مُطْلَقِ الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَمَسَاقُهُ يُفِيدُ لَهُ مزيَّة فِي الرُّتْبَةِ، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إِلى الْحُكْمِ.\nفإِذًا هَذَا التَّرْغِيبُ الخاص يقتضي مرتبة في نوع الْمَنْدُوبِ (١١) خَاصَّةً، فَلَا بُدَّ مِنْ رُجُوعِ إِثبات الحكم إِلى الأَحاديث الصحيحة بناءً عل قَوْلِهِمْ: \"إِن الأَحكام لَا تُثْبَتُ إِلا مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ\" (١٢)، وَالْبِدَعُ الْمُسْتَدَلُّ عَلَيْهَا بِغَيْرِ الصَّحِيحِ لا بد فيها من زيادة (١٣) على المشروعات؛ كالتقييد بزمان مّا،\n_________\n(١) تقدم في (ص٢٧) تخريج ما ورد في فضل عاشوراء وعرفة.\n(٢) أخرج البخاري في \"صحيحه\" (١٩٦٩)، ومسلم (١١٥٦/ ١٧٥) من حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نقول: لا يصوم. وما رأيت النبي ﷺ استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان.\n(٣) في (غ): \"فيه\".\n(٤) في (غ): \"من بحيث\"، وكأنه ضرب على \"من\".\n(٥) في (م): \"لا نفهم\".\n(٦) في (خ): \"الصلاة\".\n(٧) قوله: \"فيه\" ليس في (خ).\n(٨) أخرج البخاري (٧٥٠١)، ومسلم (١٢٨) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"يقول الله: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإذا عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإذا عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها، إلى سبعمائة\".\n(٩) تقدم في (ص٢٧) تخريج ما ورد في فضل صيام عاشوراء.\n(١٠) في (غ) و(ر): \"فهذا\".\n(١١) في (خ): \"من المندوب\".\n(١٢) تقدم هذا القول (ص٢٦) والتعليق عليه.\n(١٣) في (خ): \"الزيادة\".","vol":"2","page":30},{"text":"أَو عدد ما، أَو كيفية ما (١)، فيلزم أَن تكون (٢) أَحكام تلك الزيادة (٣) ثَابِتَةً بِغَيْرِ الصَّحِيحِ، وَهُوَ نَاقِضٌ لِمَا أَسَّسَهُ (٤) العلماءُ.\nوَلَا يُقَالُ: إِنهم يُرِيدُونَ أَحكام الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ فَقَطْ؛ لأَنا (٥) نَقُولُ: هَذَا تَحَكُّمٌ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، بَلِ الأَحكام خَمْسَةٌ. فَكَمَا لَا يثبت الوجوب إِلا بالصحيح، كذلك الندب (٦) والإِباحة وغيرهما (٧) لا تثبت (٨) إِلا بِالصَّحِيحِ (٩)، فإِذا ثَبَتَ الْحُكْمُ فَاسْتَسْهِلْ (١٠) أَن يَثْبُتَ فِي أَحاديث التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَلَا عَلَيْكَ.\nفَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ: كُلُّ مَا رُغِّب (١١) فِيهِ إِن ثبت حكمه أو مرتبته في المشروعات من طريق صحيح، فالترغيب (١٢) بِغَيْرِ الصَّحِيحِ مُغْتَفَر، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ التَّرْغِيبِ، فَاشْتَرِطِ الصِّحَّةَ أَبَدًا، وَإِلَّا (١٣) خَرَجْتَ عَنْ طَرِيقِ الْقَوْمِ الْمَعْدُودِينَ فِي أَهْلِ الرسوخ. فلقد غلط في هذا الْمَكَانِ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ يُنسب إِلَى الْفِقْهِ، وَيَتَخَصَّصُ عَنِ الْعَوَامِّ بِدَعْوَى رُتْبَةِ الخَوَاصّ. وَأَصْلُ هَذَا الغلط: عدم فهم معنى (١٤) كلام المحدِّثين في الموضعين، وبالله التوفيق.\n_________\n(١) في (خ): \"بزمان أو عدد أو كيفية ما\"، وفي (م): \"بزمان أو عدد ما أو كيفية ما\".\n(٢) في (خ) و(م): \"يكون\".\n(٣) في (خ) و(م): \"الزيادات\".\n(٤) في (خ) و(م): \"ناقض إلى ما أسسه\".وعلق عليه رشيد رضا بقوله: الظاهر أن يقال: \"لما\".اهـ.\n(٥) في (م): \"لا\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"المندوب\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"وغيرها\".\n(٨) في (م): \"لا يثبت\".\n(٩) من قوله: \"كذلك الندب ... \" إلى هنا سقط من (خ).\n(١٠) في (خ): \"فاشتهل\".\n(١١) في (غ) و(ر): \"كل مرغب\".\n(١٢) علق رشيد رضا هنا بقوله: لعله سقط من هنا لفظ \"فيه\".\n(١٣) في (غ) و(ر): \"وإن\" بدل: \"وإلا\".\n(١٤) قوله: \"معنى\" من (غ) و(ر).","vol":"2","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>فَصْلٌ</span>\nوَمِنْهَا ضِدُّ هَذَا؛ وَهُوَ رَدُّهم لِلْأَحَادِيثِ التي جاءت (١) غير موافقة لأغراضهم ومذاهبم، وَيَدَّعُونَ أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِلْمَعْقُولِ (٢)، وغيرُ جاريةٍ عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ، فَيَجِبُ رَدُّهَا؛ كَالْمُنْكِرِينَ لِعَذَابِ الْقَبْرِ (٣)، والصراط (٤)، والميزان (٥)،\n_________\n(١) في (خ) و(م): \"جرت\".\n(٢) في (غ) و(ر): \"للعقول\".\n(٣) عذاب القبر ثابت بالكتاب والسنة. فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ *﴾ سورة غافر: الآية (٤٦).\n(٤) وأما السنة: فأخرج البخاري في \"صحيحه\" رقم (١٣٧٢) من حديث عائشة ﵂: أن يهودية دخلت عليها، فذكرت عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر. فسألت عائشة رسول الله ﷺ عن عذاب القبر، فقال: \"نعم، عذاب القبر حق\". قالت عائشة ﵂: فما رأيت رسول الله ﷺ بعدُ صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر.\n(٥) الصراط ثابت بالسنة الصحيحة. فأخرج البخاري في \"صحيحه\" رقم (٧٤٣٩)، ومسلم في \"صحيحه\" رقم (١٨٣)، كلاهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ حديث الرؤية الطويل، وفيه: \"ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم، قلنا: يا رسول الله! وما الجسر؟ قال: مدحضةٌ مَزِلَّة ... \" الحديث. قال الحافظ في \"مقدمة الفتح\" (ص٩٨): قوله: \"ثم يؤتى بالجسر\"؛ أي: الصراط، وهو القنطرة بين الجنة والنار يمر عليها المؤمنون.\n(٦) الميزان ثابت بالكتاب والسنة.\nقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ سورة الأنبياء: الآية (٤٧). وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ *فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ *﴾ سورة القارعة: الآيتان (٦، ٧). وأخرج البخاري في \"صحيحه\" رقم (٦٤٠٥)، ومسلم في \"صحيحه\" رقم (٢٦٩٤)، من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم\".","vol":"2","page":32},{"text":"وَرُؤْيَةِ اللَّهِ ﷿ فِي الْآخِرَةِ (١). وَكَذَلِكَ حديث الذباب ومَقْلِه، وأنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وفِي الْآخَرِ دَوَاءً، وَأَنَّهُ يقدِّم الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ (٢). وَحَدِيثُ الَّذِي أَخَذَ أَخَاهُ بطنُه فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِسَقْيه الْعَسَلَ (٣)، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَنْقُولَةِ نَقْلَ الْعُدُولِ.\nوربما قَدَحُوا فِي الرُّوَاةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رَضِيَ الله تعالى عنهم - وحاشاهم (٤) ـ، وَمَنِ (٥) اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ مِنَ المحدِّثين عَلَى عَدَالَتِهِمْ وَإِمَامَتِهِمْ، كُلُّ ذَلِكَ لِيَرُدُّوا بِهِ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ فِي الْمَذْهَبِ، وَرُبَّمَا رَدُّوا فَتَاوِيَهُمْ وَقَبَّحُوهَا فِي أَسْمَاعِ الْعَامَّةِ؛ لينفِّروا الْأُمَّةَ (٦) عَنْ أَتْبَاعِ السنة وأهلها، كما روي (٧) عن بكر بن حمران قَالَ: قَالَ عَمْرُو (٨) بْنُ عُبَيْدٍ: لَا يُعْفَى عن اللص\n_________\n(١) رؤية الله جل وعلا ثابتة بالكتاب والسنة:\nقال تَعَالَى: ﴿وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ *﴾ سورة القيامة: الآيتان (٢٢، ٢٣).\nوفي حديث أبي سعيد المتقدم في التعليق قبل السابق، الذي أخرجه البخاري ومسلم في ذكر الصراط: قوله: قلنا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: \"هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوًا؟ \" قلنا: لا. قال: \"فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما ... \" الحديث.\n(٢) حديث الذباب: أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٣٣٢٠) من حديث عبيد بن حنين، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: \"إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في إحدى جناحيه داء والأخرى شفاء\".\nوأخرجه أبو داود (٣٨٤٤)، وابن خزيمة برقم (١٠٥)، وابن حبان برقم (١٢٤٦/ الإحسان) من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة، وفيه: \"وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء\".\n(٣) حديث العسل: أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٥٦٨٤)، ومسلم في \"صحيحه\" رقم (٢٢١٧) كلاهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٤) قوله: \"وحاشاهم\" ليس في (غ) و(ر) و(م).\n(٥) في (خ): \"فمن\".\n(٦) في (خ): \"لينفروا الأئمة بل الأمة\"، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: نص النسخة: \"لينفروا الأئمة بل الأمة\". اهـ، وانظر التعليق بعد الآتي.\n(٧) أخرج القصة العقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ٢٨٦)، وابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ١٠١)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (١٢/ ١٧٨).\n(٨) في (خ): \"رسول بل عمرو\"، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: نص النسخة: \"رسول بل عمرو\"، وكلاهما من الإضراب عن الغلط مع إبقائه، وتقدم مثله مرارًا. اهـ.","vol":"2","page":33},{"text":"دُونَ السُّلْطَانِ. قَالَ: فَحَدَّثْتُهُ بِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ أُمية عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ قَالَ: \"فَهَلَّا (١) قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟ \" (٢) قَالَ: أَتَحْلِفُ بِاللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ\n_________\n(١) في (خ): \"فهل\".\n(٢) حديث صفوان: \"فهلا قبل أن تأتيني به\":\nأخرجه أبوداود (٤٣٩٤)، والنسائي (٤٨٨٣) - واللفظ له ـ، وابن الجارود (٨٢٨)، والدارقطني (٣/ ٢٠٤ رقم ٣٦٢)، والحاكم (٤/ ٣٨٠)، والضياء في \"المختارة\" (٨/ ١٩ رقم ٩)، جميعهم من طريق عمرو بن حماد بن طلحة، عن أسباط، عن حميد ابن أخت صفوان بن أمية، عن صفوان بن أمية قال: كنت نائمًا في المسجد على خميصة لي ثمنها ثلاثون درهمًا، فجاء رجل فاختلسها مني، فأُخذ الرجل فأتي به النبي ﷺ، فأمر به ليقطع، فأتيته فقلت: أتقطعه من أجل ثلاثين درهمًا؟! أنا أبيعه وأنسئه ثمنها. قال: \"فهلا كان هذا قبل أن تأتيني به؟ \".\nوفي سنده حميد ابن أخت صفوان وهو مقبول كما في \"التقريب\" (١٥٧٨)، واختلف في اسمه؛ فقال بعضهم: \"جعيد\".\nوقد توبع حميد هذا:\nفأخرجه أحمد (٣/ ٤٠١) و(٦/ ٤٦٥)، ومن طريقه النسائي (٤٨٧٩)، من طريق محمد بن جعفر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عطاء، عن طارق بن مرقع، عن صفوان، به.\nوطارق بن مرقع هذا مقبول كما في \"التقريب\" (٣٠٢٣).\nوقد أخرجه النسائي قبل هذا (٤٨٧٨) من طريق يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، فجعله من رواية عطاء عن صفوان، وأسقط من الإسناد طارق بن مرقع.\nثم أخرجه النسائي أيضًا (٤٨٨٠) من طريق الأوزاعي؛ قال: حدثني عطاء بن أبي رباح؛ أن رجلًا سرق ...، فذكره هكذا مرسلًا. وكذا رواه البيهقي في \"السنن\" (٨/ ٢٦٥) من طريق بكار بن الخصيب، عن حبيب، عن عطاء مرسلًا.\nوله طرق أخرى عن صفوان:\nفأخرجه النسائي (٤٨٨١) من طريق عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن صفوان بن أمية، به.\nقال ابن القطان في \"بيان الوهم\" (٣/ ٥٧٠): \"ولكن الطريق المذكورة يمكن أن تكون منقطعة، فإنها من رواية عبد الملك المذكور، عن عكرمة، عن صفوان بن أمية، وعكرمة لا أعرف أنه سمع من صفوان، وإنما يرويه عن ابن عباس\".\nوابن القطان هنا يشير إلى ما رواه النسائي أيضًا (٤٨٨٢)، والدارمي (٢/ ١٧٢) من طريق أشعث بن سوّار، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: كان صفوان نائمًا ...، فذكره. قال النسائي عقبه: \"أشعث ضعيف\".\nوأخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" (٦/ ٤٦٥ - ٤٦٦) من طريق عفان، عن وهيب،=","vol":"2","page":34},{"text":"قاله؟ قلت: أفتحلف أنت بِاللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يقله؟ قال: فحلف بالله\n_________\n=عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن صفوان، به.\nوهذا سند صحيح إن كان طاوس سمع من صفوان، وقد قال ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١١/ ٢١٩): \"وطاوس سماعه من صفوان بن أمية ممكن؛ لأنه أدرك زمن عثمان\".\nوحكم الشيخ الألباني على هذا الإسناد بالصحة على شرط الشيخين، وذكر كلام ابن عبد البر، ثم قال: \"زد على ذلك أن طاوسًا ليس موصوفًا بالتدليس، فمثله يحمل حديثه على الاتصال، فالسند صحيح\".\nقلت: يمكن التسليم بما ذكره الشيخ ﵀ على مذهب مسلم بن الحجاج ومن تبعه، أما على مذهب البخاري فلا.\nومما يغلب جانب الانقطاع: أن الحديث أخرجه معمر في \"جامعه\" الملحق بـ\"المصنف\" لعبد الرزاق (١٠/ ٢٣٠ رقم ١٨٩٣٩) عن عبد الله بن طاوس، عن طاوس قال: قيل لصفوان ...، فذكره هكذا مرسلًا.\nوقد أخرجه النسائي (٤٨٨٤) من طريق حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن صفوان، به. وخولف حماد بن سلمة.\nفرواه زكريا بن إسحاق وإبراهيم بن ميسرة عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس.\nأما رواية زكريا بن إسحاق: فأخرجها الدارقطني (٣/ ٢٠٥ - ٢٠٦ رقم ٣٦٦)، والحاكم (٤/ ٣٨٠) من طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد عنه.\nوأما رواية إبراهيم بن ميسرة: فأخرجها الطبراني في \"الكبير\" (٨/ ٤٧ رقم ٧٣٢٦).\nقال الحاكم: \"صحيح الإسناد\"، ووافقه الذهبي.\nوتعقبهما الألباني بقوله: \"وهو كما قالا، ولكني أتعجب منهما كيف لم يصححاه على شرط الشيخين؛ فإنه من طريقين عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني، ثنا زكريا بن إسحاق، وهذا رجاله كلهم ثقات من رجال الشيخين، وزكريا هذا ثقة اتفاقًا، فلا يضرّه مخالفة حماد بن سلمة له في إسناده ...، ويبدو أن طاوسًا كان له في هذا الحديث إسنادان: أحدهما: عن ابن عباس، والآخر: عن صفوان، وأنه كان تارة يرويه عن هذا، وتارة عن هذا، فرواه عمرو بن دينار عنه على الوجهين، وابنه على الوجه الآخر، والله أعلم\".\nوأخرجه البيهقي في \"السنن\" (٨/ ٢٦٥) من طريق الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن طاوس، عن النبي ﷺ مرسلًا. وهذا يقوي رواية معمر السابقة، وأن الصواب في رواية طاوس الإرسال.\nوأخرجه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٨٣٤ رقم ٢٨) عن الزهري، عن صفوان بن عبد الله بن صفوان؛ أن صفوان بن أمية قيل له ...، فذكره هكذا مرسلًا.=","vol":"2","page":35},{"text":"ـ الذي لا إله إلا هو - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقُلْهُ (١). فَحَدَّثْتُ بِهِ ابْنَ عَوْنٍ. قَالَ: فَلَمَّا عَظُمت الحلقة قال (٢): [يا بكر] (٣) حَدِّث القوم (٤).\nوَقَدْ جَعَلُوا الْقَوْلَ بِإِثْبَاتِ الصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ وَالْحَوْضِ قَوْلًا بِمَا لَا يُعْقَلُ. وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُهُمْ: هَلْ يَكْفُرُ مَنْ قَالَ بِرُؤْيَةِ الْبَارِي فِي الْآخِرَةِ؟ فَقَالَ: لَا يَكْفُرُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ مَا لَا يَعْقِلُ، وَمَنْ قَالَ مَا لَا يَعْقِلُ فَلَيْسَ بِكَافِرٍ (٥).\nوَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى نَفْيِ أَخْبَارِ الْآحَادِ جُمْلَةً (٦)، وَالِاقْتِصَارِ عَلَى مَا اسْتَحْسَنَتْهُ (٧) عُقُولُهُمْ فِي فَهْمِ الْقُرْآنِ، حَتَّى أَبَاحُوا الْخَمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الْآيَةَ (٨). فَفِي هؤلاءِ وَأَمْثَالِهِمْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا أُلفينّ أَحدكم مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يأْتيه الأَمر مِنْ أَمري مِمَّا أَمرت بِهِ أَو نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لا أَدري، ما وجدنا في\n_________\n=فالحديث بطرقه السابقة موصولها ومرسلها يغلب على الظن ثبوته، وقد صححه ابن عبد الهادي في \"التنقيح\" كما في \"نصب الراية\" (٣/ ٣٦٩)، وقال ابن كثير في \"تحفة الطالب\" (ص٢٢٣): \"وهذا الحديث روي من طرق كثيرة متعددة يشد بعضها بعضًا، ومن الرواة من أرسله، ومنهم من وصله\".\nوصححه الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ في \"إرواء الغليل\" (٧/ ٣٤٥ رقم ٢٣١٧).\n(١) من قوله: \"قال: فحلف بالله\" إلى هنا سقط من (م) و(خ)، والمثبت من (غ) و(ر) ومن مصادر التخريج.\n(٢) أي: ابن عون.\n(٣) في جميع النسخ: \"يا أبا بكر\"، وهو خطأ، والمثبت هو الصواب كما في مصادر التخريج، وكما في أول السياق، وجاءت على الخطأ في \"الكامل\" المطبوع، ولكنها على الصواب في مخطوطة أحمد الثالث (ل٦١٢/ب)، وتصحف \"حمران\" في \"تاريخ بغداد\" إلى: \"حمدان\"، وانظر \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٣٨٣ رقم ١٤٩٥).\n(٤) قوله: \"القوم\" سقط من (خ) و(م).\n(٥) أعاد المؤلف هذا الكلام في (ص٤٥) بأبسط مما هنا.\n(٦) سيأتي رد المصنف عليهم (ص٤٣ و٤٥).\n(٧) في (خ): \"ما استحسنه\".\n(٨) سورة المائدة، الآية (٩٣).","vol":"2","page":36},{"text":"كتاب الله اتبعناه (١) (٢).\n_________\n(١) في (م) و(غ): \"اتبعنا\" بدون هاء.\n(٢) أخرجه الحميدي في \"مسنده\" (٥٥١)، والشافعي في \"الأم\" (٧/ ١٥)، وفي \"الرسالة\" (٢٩٥)، وأبو داود في \"سننه\" (٤٦٠٥)، والترمذي (٢٦٦٣)، وابن ماجه (١٣)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٢٠٩)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١/ ٣١٦ رقم ٩٣٤ و٩٣٥)، وابن حزم في \"الإحكام\" (٢/ ٢١٠)، جميعهم من طريق سفيان بن عيينة، عن سالم أبي النضر، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبي رافع، عن النبي ﷺ بنفس السياق الذي ذكره الشاطبي.\nوتابع سفيان على روايته هكذا: ابن لهيعة عند الإمام أحمد في \"المسند\" (٦/ ٨). وأخرجه الحميدي في الموضع السابق عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، عن النبي ﷺ مرسلًا.\nوأخرجه الترمذي والطحاوي والطبراني مقرونًا بالرواية السابقة؛ من طريق سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، عبيد الله بن أبي رافع، عن أبي رافع، عن النبي ﷺ.\nقال الترمذي: \"هذا حديث حسن. وروى بعضهم عن سفيان عن ابن المنكدر، عن النبي ﷺ مرسلًا، وسالم أبي النضر، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن النبي ﷺ. وكان ابن عيينة إذا روى هذا الحديث مع الانفراد بيَّن حديث محمد بن المنكدر من حديث سالم أبي النضر، وإذا جمعهما روى هكذا\".اهـ.\nوأخرج الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ١٠٨ - ١٠٩) هذا الحديث من طريق الشافعي والحميدي عن سفيان عن سالم أبي النضر، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن النبي ﷺ، ثم قال الحاكم: \"قد أقام سفيان بن عيينة هذا الإسناد، وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. والذي عندي أنهما تركاه لاختلاف المصريين في هذا الإسناد\".\nثم أخرجه من طريقين فيهما اختلاف مع طريق سفيان، ثم قال: \"أنا على أصلي الذي أصّلته في خطبة هذا الكتاب: أن الزيادة من الثقة مقبولة، وسفيان بن عيينة حافظ ثقة ثبت، وقد خبر وحفظ، واعتمدنا على حفظه بعد أن وجدنا للحديث شاهدين بإسنادين صحيحين\".\nوقد عرض الدارقطني هذا الاختلاف في الحديث في \"العلل\" (٧/ ٧ - ١٠ رقم ١١٧٢) ثم قال: \"والصواب: قول من قال: عن أبي النضر، عن ابن أبي رافع، عن أبيه\".\nوهي رواية سفيان بن عيينة ومن وافقه.\nوللحديث شاهد من حديث المقدام بن مَعْدِي كَرِب الكندي؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل يَنْثَني شبعانًا على أريكته يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلالٍ=","vol":"2","page":37},{"text":"وهذا وعيد شديد تضمَّنه النهي اللاحِقُ (١) بمن ارتكب ردَّ السُّنَّة.\nولما ردّوها بتحكيم (٢) الْعُقُولِ؛ كَانَ الْكَلَامُ مَعَهُمْ رَاجِعًا إِلَى أَصْلِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الأُصول، وسيأْتي لَهُ بَيَانٌ إِن شاءَ اللَّهُ.\nوَقَالَ عُمَرُ بْنُ النَّضْرِ: سُئِلَ عَمْرُو (٣) بْنُ عُبَيْدٍ يَوْمًا عَنْ شيءٍ - وَأَنَا عِنْدَهُ ـ، فَأَجَابَ فِيهِ (٤). فَقُلْتُ لَهُ: لَيْسَ هَكَذَا يَقُولُ أَصْحَابُنَا. قَالَ: وَمَنْ أصحابك لا أَبا لك؟! قلت: أيوب، ويونس، وَابْنُ عَوْنٍ، وَالتَّيْمِيُّ. قَالَ: أُولَئِكَ أَنْجَاسٌ أَرْجَاسٌ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ (٥) (٦).\nوَقَالَ ابْنُ عُلَيَّة: حَدَّثَنِي الْيَسَع؛ قَالَ: تَكَلَّمَ وَاصِل - يَعْنِي ابْنَ عَطَاءٍ ـ\n_________\n=فأَحِلّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرِّموه ... \" الحديث.\nأخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" (٤/ ١٣٠ - ١٣١ رقم ١٧١٧٤)، وأبو داود في \"سننه\" (٤٦٠٤)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١٢/الإحسان)، ثلاثتهم من طريق عبد الرحمن بن أبي عوف الجُرَشي، عن المقدام، به. وسنده صحيح.\nوأخرجه الإمام أحمد أيضًا (٤/ ١٣٢ رقم ١٧١٩٤)، والدارمي (١/ ١٤٤)، والترمذي (٢٦٦٤)، وابن ماجه (١٢)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ١٠٩)، جميعهم من طريق معاوية بن صالح، عن الحسن بن جابر، عن المقدام بن معدي كرب، به نحو سابقه، وزاد: \"ألا وإن ما حرّم رسول الله ﷺ مثل ما حرّم الله\".\nقال الترمذي: \"هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه\"، وصححه الحاكم.\n(١) في (خ) و(م): \"لاحق\".\n(٢) في (خ) و(م): \"بتحكم\".\n(٣) في (خ) و(م): \"عمر\".\n(٤) قوله: \"فيه\" ليس في (غ) و(ر).\n(٥) قوله: \"أموات غير أحياء\" ليس في (غ).\n(٦) حكاية عمر بن النضر مع عمرو بن عبيد: أخرجها ابن قتيبة في \"تأويل مختلف الحديث\" (ص٩٣)، والعقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ٢٨٤)، وابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ٩٨ - ٩٩)، ثلاثتهم من طريق يحيى بن حميد الطويل، عن عمر بن النضر، فذكر القصة.\nكذا وقع هنا وعند ابن عدي في \"الكامل\": عمر بن النضر.\nوعند ابن قتيبة: \"عمرو بن النضر\". وفي \"الضعفاء\" للعقيلي: \"يحيى بن النضر\"، وهو تصحيف فيما يظهر. وقد علق الذهبي في \"الميزان\" (٣/ ٢٧٤) القصة عن يحيى بن حميد، عن عمرو بن النضر، كذا سماه. ولم أجد من ترجم لعمر بن النضر، وأما عمرو بن النضر ففي \"لسان الميزان\" (٥/ ٣٦٦) ترجمة لعمرو بن النضر الذي يروي عن إسماعيل بن أبي خالد، وهو مجهول.","vol":"2","page":38},{"text":"يَوْمًا، قَالَ: فَقَالَ عَمْرُو (١) بْنُ عُبَيْدٍ: أَلا تسمعون؟ ما كلام الحسن وابن سيرين عند ما تسمعون إلا خِرْقَةُ حَيْضَةٍ مُلقاة.\nوكان وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الِاعْتِزَالِ، فَدَخَلَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ عَمْرُو (١) بْنُ عُبَيْدٍ فأُعجب بِهِ، فَزَوَّجَهُ أُخته، وَقَالَ لَهَا (٢): زَوَّجْتُكِ بِرَجُلٍ مَا يَصْلُحُ إِلا أَن يَكُونَ خَلِيفَةً (٣).\nثُمَّ تَجَاوَزُوا الْحَدَّ حَتَّى رَدُّوا الْقُرْآنَ بِالتَّلْوِيحِ وَالتَّصْرِيحِ لرأْيهم السُّوءِ.\nفَحَكَى عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ: أَنه سَمِعَ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ؛ أَنه قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَمْرِو (٤) بْنِ عُبَيْدٍ - وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى دُكَّانِ عُثْمَانَ الطَّوِيلِ ـ، فأَتاه رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبا عُثْمَانَ! مَا سَمِعْتُ مِنَ الْحَسَنِ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ (٥)؟ قَالَ: تُرِيدُ أَنْ (٦) أُخْبِرَكَ برأْيٍ حَسَنٍ؟ قَالَ: لَا أُريد إِلا مَا سَمِعْتَ مِنَ الْحَسَنِ. قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: كَتَبَ اللَّهُ عَلَى قَوْمٍ الْقَتْلَ فَلَا يَمُوتُونَ إِلَّا قَتْلًا، وَكَتَبَ عَلَى قَوْمٍ الْهَدْمَ فَلَا يَمُوتُونَ إِلَّا هَدْمًا، وَكَتَبَ عَلَى قَوْمٍ الْغَرَقَ فَلَا يَمُوتُونَ إِلَّا غَرَقًا، وَكَتَبَ عَلَى قَوْمٍ الْحَرِيقَ فَلَا يَمُوتُونَ إِلَّا حَرْقًا. فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ الطَّوِيلُ: يَا أَبَا عُثْمَانَ! لَيْسَ هَذَا قَوْلَنَا. قَالَ عَمْرٌو (٧): قد قلت: أتريد (٨) أن أخبرك (٩) برأي الحسن (١٠)، فأبى،\n_________\n(١) في (خ) و(م) \"عمر\".\n(٢) قوله: \"لها\" من (خ) فقط.\n(٣) في (م): \"ما يصلح أن يكون إلا خليفة\".\nوقول ابن علية هذا: أخرجه العقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ٢٨٥)، وابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ١٠٣)، كلاهما من طريق مؤمل بن هشام، عن إسماعيل بن علية، به.\nومن قوله: \"وكان وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الاعتزال ... \" إلى آخره هو من قول إسماعيل، وسنده صحيح، وأما احتقار عمرو بن عبيد للحسن وابن سيرين، فهو من رواية إسماعيل، عن اليسع بن قيس أبي مسعدة ولم أجد من وثقه.\n(٤) في (خ) و(م): \"عمر\".\n(٥) الآية (١٥٤) من سورة آل عمران.\n(٦) قوله: \"أن\" ليس في (خ).\n(٧) في (خ) و(م) \"عمر\".\n(٨) في (خ) و(م): \"أريد\".\n(٩) في (م): \"أخبر\".\n(١٠) كذا في جميع النسخ و\"الكامل\" لابن عدي الذي نقلت منه هذه الحكاية - كما سيأتي ـ، وحق العبارة أن يقال: \"برأي حسن\".","vol":"2","page":39},{"text":"أفأكذب (١) عَلَى الْحَسَنِ (٢)؟\nوَعَنِ الأَثرم، عَنْ أَحمد بْنِ حَنْبَلٍ؛ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ؛ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَمْرِو (٢) بْنِ عُبَيْدٍ، فجاءَه عُثْمَانُ بْنُ فُلَانٍ، فَقَالَ: يَا أَبا عُثْمَانَ! سَمِعْتُ - وَاللَّهِ - بِالْكُفْرِ! قَالَ: مَا هُوَ؟ لَا تَعْجَلْ بِالْكُفْرِ؛ قَالَ: هَاشِمٌ الأَوقص زَعَمَ أَنَّ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ *﴾ (٣)، وَقَوْلَ اللَّهِ ﷿: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا *﴾ (٤): لَمْ يَكُنْ هَذَا فِي أُم الْكِتَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿حم *وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ *إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ *وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ *﴾ (٥)، فَمَا الْكُفْرُ إِلَّا هَذَا؟ فَسَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ تَكَلَّمَ فَقَالَ: وَاللَّهِ! لَوْ كَانَ الأَمر كَمَا تَقُولُ مَا كَانَ عَلَى أَبِي لَهَبٍ مِنْ لَوْمٍ، وَلَا كَانَ عَلَى الْوَحِيدِ مِنْ لَوْمٍ. قَالَ عُثْمَانُ - فِي مَجْلِسِهِ ـ: هَذَا وَاللَّهِ الدِّينُ. قَالَ مُعَاذٌ: ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ: فَذَكَرْتُهُ لِوَكِيعٍ، فَقَالَ: يُسْتَتَابُ قَائِلُهَا فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا ضربت عنقه (٦).\n_________\n(١) في (خ): \"فأنا أكذب\"، وفي (م): \"فأبى أكذب\"، والمثبت من (غ) و(ر).\n(٢) حكاية عمرو بن علي عمن يثق به، عن عمرو بن عبيد: علّقها ابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ١٠٢) عن عمرو بن علي. وسندها ضعيف لجهالة من حدّث عمرو بن علي بها.\n(٣) سورة المسد: الآية (١).\n(٤) سورة المدثر: الآية (١١).\n(٥) سورة الزخرف الآيات: (١ - ٤).\n(٦) أخرج هذه القصة ابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ١٠٤ - ١٠٥) من طريق إسحاق، عن الأثرم، فذكرها بتمامها إلى قوله: \"هذا والله الدين\"، ونسب عثمان، فقال: \"عثمان بن خاش، وهو أخو السميري\"، ثم قال ابن عدي: \"وحكى عمرو بن علي، عن مُعَاذٌ، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ: \"فَذَكَرْتُهُ لِوَكِيعٍ؛ قال: يُسْتَتَابُ قَائِلُهَا، فَإِنْ تابَ وَإِلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ\".\nومعاذ هو ابن معاذ العنبري. وسند القصة صحيح، عدا قول وكيع، فإن ابن عدي علقه عن عمرو بن علي، عن معاذ، ولم يسنده، وأسنده الخطيب البغدادي في \"تاريخه\" (١٢/ ١٧٢) بسند صحيح.\nوأخرج القصة من طريق معاذ دون قول وكيع: الفسوي في \"تاريخه\" (٢/ ٢٦٢)، والنسائي في \"الكنى\" - كما في \"لسان الميزان\" (٥/ ١٣٦) ـ، والعقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ٢٨٤ - ٢٨٥)، واللالكائي في \"شرح أصول الاعتقاد\" (٤/ ٨١٣ رقم ١٣٦٩ و١٣٧٠)، والخطيب في \"تاريخه\" (١٢/ ١٧٠ - ١٧١).","vol":"2","page":40},{"text":"وَمِثْلُ هَذَا مَحْكِيّ، لَكِنْ (١) عَنْ (٢) بَعْضِ الْمَرْمُوقِينَ من أئمة الحديث (٣).\nفروي عن عليّ بن المديني (٤)، عن مُؤَمَّل، عن الحسن بن وهب الجُمَحِي؛ قال: كان الذي (٥) بَيْنِي وَبَيْنَ فُلَانٍ (٦) خَاصٌّ، فَانْطَلَقَ بأَهله إِلَى بِئْرِ مَيْمُونٍ، فَأَرْسَلَ إليَّ: أَن ائْتِنِي، فأَتيته عَشِيَّةً فبِتُّ عِنْدَهُ. قَالَ: فَهُوَ فِي فُسْطَاط وَأَنَا فِي فُسْطَاطٍ آخَرَ، فَجَعَلْتُ أَسْمَعُ صَوْتَهُ اللَّيْلَ كُلَّهُ كأَنه دَوِيّ النَّحْل. قَالَ: فَلَمَّا أَصبحنا جاءَ بِغَدَائِهِ فتغدَّينا. قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ (٧) مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ مِنَ الإِخاء وَالْحَقِّ. قَالَ (٨): فَقَالَ لِي: أَدعوك إِلَى رأْي الْحَسَنِ (٩). قَالَ: وَفَتَحَ لِي شَيْئًا مِنَ الْقَدَرِ. قَالَ: فَقُمْتُ مِنْ عِنْدِهِ فَمَا كَلَّمْتُهُ بِكَلِمَةٍ حَتَّى لَقِيَ الله. قال: فإني (١٠) يومًا خارج من الطَّوَافِ (١١) وَهُوَ دَاخِلٌ - أَوْ أَنا (١٢) دَاخِلٌ وَهُوَ خارج ـ، فأَخذ بيدي فقال: يا أَبا عمرو! (١٣) حَتَّى مَتَى؟ حَتَّى مَتَى؟ قَالَ (١٤): فَلَمْ أكلِّمْه، فقال (١٥) لِي (١٦): أَرأَيت لَوْ أَن رَجُلًا قَالَ: إِنَّ (١٧) ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ لَيْسَتْ مِنَ الْقُرْآنِ، ما كنت قائلًا (١٨) لَهُ؟ قَالَ (١٩): فَنَزَعْتُ يَدِي مِنْ يَدِهِ. قَالَ عَلِيٌّ: قَالَ مُؤَمَّلٌ: فَحَدَّثْتُ بِهِ سُفْيَانَ بْنَ عيينة، فقال (٢٠): ما\n_________\n(١) قوله: \"لكن\" ليس في (ر) و(غ).\n(٢) قوله: \"عن\" ليس في (م).\n(٣) يعني: عبد الله بن أبي نجيح.\n(٤) في (خ): \"المدائني\"، وفي (م): \"المذنبي\"، وفي (غ): \"المدني\".\n(٥) في (خ) و(م): \"الذي كان\".\n(٦) لم يفصح المصنف باسمه، وفي الموضع الآتي من \"الضعفاء\" للعقيلي: \"ابن نجيح\"، وصوابه: \"ابن أبي نجيح\".\n(٧) في (خ): \"قال: وذكر\".\n(٨) قوله: \"قال\" ليس في (غ) و(ر).\n(٩) كذا في جميع النسخ والموضع الآتي من \"الضعفاء\" للعقيلي الذي نقل عنه المصنف.\n(١٠) في (خ) و(م): \"فأنا\".\n(١١) في (خ) و(م): \"خارج من الطريق في الطواف\".\n(١٢) في (غ) و(ر): \"وأنا\".\n(١٣) في (خ): \"يا أبا عمر\".\n(١٤) قوله: \"قال\" ليس في (غ).\n(١٥) في (غ) و(ر) و(م): \"قال\".\n(١٦) في (خ) و(م): \"مالي\".\n(١٧) قوله: \"إن\" ليس في (خ).\n(١٨) في (خ): \"تقول\".\n(١٩) في (م): \"قال قال\".\n(٢٠) في (غ) و(ر): \"قال\".","vol":"2","page":41},{"text":"كنت (١) أرى بلغ (٢) هذا كله (٣).\nقال عليّ: وسمعت [أبا] (٤) أحمد (٥) ـ[يعني الزبيري] (٦) ـ؛ قال: حدثني أَنَا (٧) سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ عَنْ مُعَلَّى الطّحَّان بِبَعْضِ حَدِيثِهِ (٨)، فَقَالَ: مَا أَحوج صَاحِبَ (٩) هَذَا (١٠) إِلَى أَنْ يُقْتَلَ؟ (١١).\nفَانْظُرُوا إِلَى تَجَاسُرِهِمْ عَلَى كتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص)! كُلُّ ذَلِكَ تَرْجِيحٌ لِمَذَاهِبِهِمْ عَلَى مَحْض الْحَقِّ، وأَقربهم إلى هيئة (١٢) الشريعة من يتطلّب لها المخرج، فيتأَوّل لها (١٣) الواضحات، ويتبع المتشابهات،\n_________\n(١) في (خ) و(م): \"فقال لي كنت\".\n(٢) علق رشيد رضا هنا بقوله: كذا! ولعل أصله: \"ما كنت أرى أنه بلغ\" إلخ. اهـ.\n(٣) سند هذه القصة ضعيف، فشيخ علي بن المديني هو مُؤَمَّل بن إسماعيل البصري، وهو صدوق، لكنه سيء الحفظ كما في \"التقريب\" (٧٠٧٨).\nوالراوي للقصة الحسن بن وهب الجمحي، قاضي مكة، مترجم في \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٣٩ رقم ١٧٠)، ولم أجد من وثقه.\nوأخرج هذه القصة العقيلي في \"الضعفاء\" (٢/ ٣١٧ - ٣١٨)، وعنه أخذ المصنف.\n(٤) في (غ) و(ر): \"أنا\".\n(٥) في (خ): \"وسمعته أنا وأحمد بن\" وفي (م): \"وسمعته أنا أحمد بن\"، وعلق رشيد رضا هنا بقوله: \"بياض في الأصل\".\n(٦) ما بين المعقوفين سقط من (ر)، و(غ)، وفي موضعه بياض في (خ) و(م)، فأثبته من مصادر التخريج.\n(٧) في (م): \"أبان\".\n(٨) أي: ببعض حديث ابن أبي نجيح كما في مصادر التخريج.\n(٩) قوله: \"صاحب\" ليس في (غ) و(ر).\n(١٠) في (خ): \"هذا الرأي\"، وفي (م): \"هذا الران\"، والمثبت من (ر) و(غ)، وهو الموافق لما في مصادر التخريج.\n(١١) قول سفيان هذا أخرجه العقيلي في \"الضعفاء\" (٤/ ٢١٤ - ٢١٥)، وابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (١/ ٤٨ - ٤٩) و(٨/ ٣٣١)، وابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٣٧٢).\nوسنده إلى سفيان صحيح، لكن العمدة في هذا النقل على مُعَلّى الطّحّان، وهو متّهم، فلا يليق الاعتماد في هذا والذي قبله - قصة الحسن بن وهب - على ما لم يثبت عن ابن أبي نجيح الذي تحرّج المصنف من الإفصاح عن اسمه، فإن ثبت مثله من طرق غير هذه فطريقة أهل العلم معروفة فيمن تلبّس ببدعة وهو متأوِّل، مع كونه ثقة في حديثه، فيقبلون حديثه، ويردّون عليه بدعته، وأمره إلى الله.\n(١٢) في (خ) و(م): \"هيبة\".\n(١٣) قوله: \"لها\" ليس في (غ) و(ر).","vol":"2","page":42},{"text":"وسيأْتي. وَالْجَمِيعُ دَاخِلُونَ تَحْتَ ذَمِّهَا.\nوَرُبَّمَا احْتَجَّ طائفة من نابغة الْمُبْتَدَعَةِ عَلَى رَدِّ الأَحاديث بأَنها إِنما تُفِيدُ الظَّنَّ (١)، وَقَدْ ذُمّ الظنُّ فِي الْقُرْآنِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ﴾ (٢)، وَقَالَ: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٣)، وَمَا جاءَ فِي مَعْنَاهُ، حَتَّى أَحَلُّوا أَشياءَ مِمَّا حَرَمَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَلَيْسَ تَحْرِيمُهَا فِي القرآن نصًا، وإنما قصدوا بذلك (٤) أَنْ يَثْبُتَ لَهُمْ مِنْ أَنظار عُقُولِهِمْ مَا استحسنوا.\nوالظن المراد في الآيات (٥) وَفِي الْحَدِيثِ (٦) أَيْضًا غَيْرُ مَا زَعَمُوا، وَقَدْ وجدنا له (٧) محامل (٨) ثلاثة:\nأحدها: أنه (٩) الظَّنُّ فِي أُصول الدِّينِ، فَإِنَّهُ لَا يُغْنِي عِنْدَ الْعُلَمَاءِ؛ لِاحْتِمَالِهِ النَّقِيضَ عِنْدَ الظَّانِّ، بِخِلَافِ الظَّنِّ فِي الْفُرُوعِ فَإِنَّهُ مَعْمُولٌ بِهِ عِنْدَ أهل الشريعة للدليل الدالّ على إعماله، فكأنّ الظن مذموم (١٠)، إِلَّا مَا تَعَلَّقَ بِالْفُرُوعِ مِنْهُ (١١)، وَهَذَا صَحِيحٌ ذكره العلماءُ في الْمَوْضِعِ (١٢).\nوَالثَّانِي: أَنَّ الظَّنَّ هُنَا هُوَ تَرْجِيحُ أَحَدِ النَّقِيضَيْنِ عَلَى الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ مرجِّح، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَذْمُومٌ هُنَا؛ لِأَنَّهُ مِنَ التحكُّم، وَلِذَلِكَ أُتْبِعَ فِي الْآيَةِ بِهَوَى النَّفْسِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ﴾، فَكَأَنَّهُمْ مَالُوا إِلَى أَمْرٍ بِمُجَرَّدِ (١٣) الْغَرَضِ وَالْهَوَى، لَا بِاتِّبَاعِ الْهُدَى الْمُنَبِّهِ\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"ظنا\".\n(٢) سورة النجم: الآية (٢٣).\n(٣) سورة النجم: الآية (٢٨).\n(٤) في (خ): \"من ذلك\".\n(٥) في (خ) و(م): \"الآية\".\n(٦) يعني حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: \"إيّاكم والظن! فإن الظن أكذب الحديث .... \" إلخ. أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٥١٤٣ و٦٠٦٤ و٦٠٦٦ و٦٧٢٤)، ومسلم (٢٥٦٣).\n(٧) قوله: \"له\" ليس في (غ) و(ر).\n(٨) في (خ) و(م) \"محال\".\n(٩) قوله: \"أنه\" ليس في (خ) و(م).\n(١٠) في (خ): \"مذمومًا\".\n(١١) في (خ): \"منه بالفروع\".\n(١٢) علق رشيد رضا هنا بقوله: كذا! ولعل الأصل: \"في هذا الموضع\".\n(١٣) في (ر) و(غ): \"مجرد\".","vol":"2","page":43},{"text":"عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (١)، وَلِذَلِكَ أَثْبَتَ ذَمَّهُ (٢)، بِخِلَافِ الظَّنِّ الَّذِي أَثَارَهُ دَلِيلٌ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَذْمُومٍ فِي الْجُمْلَةِ؛ لأَنه خَارِجٌ عَنِ اتِّبَاعِ الْهَوَى، وَلِذَلِكَ أُثبت وعُمل بِمُقْتَضَاهُ حَيْثُ يَلِيقُ الْعَمَلُ بِمِثْلِهِ؛ كَالْفُرُوعِ.\nوَالثَّالِثُ: أَنَّ الظَّنَّ عَلَى ضَرْبَيْنِ:\n١ - ظَنٌّ يَسْتَنِدُ إِلَى أَصْلٍ قَطْعِيٍّ، وَهَذِهِ (٣) هِيَ الظُّنُونُ الْمَعْمُولُ بِهَا في الشريعة أينما وقعت؛ لأنها إذا (٤) اسْتَنَدَتْ إِلَى أَصل مَعْلُومٍ، فَهِيَ مِنْ قَبِيلِ المعلوم، ومن جِنْسُهُ (٥).\n٢ - وَظَنٌّ لَا يَسْتَنِدُ إِلَى قَطْعِيٍّ، بَلْ إِمَّا مُسْتَنِدٌ إِلَى غَيْرِ شيءٍ (٦) أَصْلًا، وَهُوَ مَذْمُومٌ - كَمَا تَقَدَّمَ ـ، وَإِمَّا مُسْتَنِدٌ إِلَى ظَنٍّ مثله، فذلك الظَّنُّ إِنِ اسْتَنَدَ أَيضًا إِلَى قَطْعِيٍّ، فكالأَول، أَو إِلى ظَنِيٍّ (٧)، رَجَعْنَا إِلَيْهِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى قَطْعِيٍّ، وَهُوَ مَحْمُودٌ، أَو إِلى غَيْرِ شيءٍ، وَهُوَ مَذْمُومٌ.\nفَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ: كُلُّ خَبَرِ واحدٍ صَحَّ سَنَدُهُ، فَلَا بُدَّ مِنَ اسْتِنَادِهِ إِلَى أَصل فِي الشَّرِيعَةِ قَطْعِيٍّ، فَيَجِبُ قَبُولُهُ، وَمِنْ هُنَا قَبِلْنَاهُ مُطْلَقًا (٨)، كَمَا أَنَّ ظُنُونَ الْكُفَّارِ غَيْرُ مُسْتَنِدَةٍ إِلَى شيءٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ رَدِّهَا وَعَدَمِ اعْتِبَارِهَا، وَهَذَا الْجَوَابُ الأَخير مُسْتَمَدٌّ مَنْ أَصلٍ وَقَعَ بَسْطُهُ فِي كِتَابِ \"الْمُوَافَقَاتِ\" (٩) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.\nوَلَقَدْ بالغ بعض الغالين (١٠) فِي رَدِّ الْأَحَادِيثِ، وَرَدِّ قَوْلِ مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى مَا فِيهَا (١١)، حَتَّى عَدُّوا الْقَوْلَ بِهِ مُخَالِفًا لِلْعَقْلِ، وَالْقَائِلَ بِهِ مَعْدُودًا (١٢) فِي الْمَجَانِينِ.\n_________\n(١) من قوله: \"لا باتباع الهدى\" إلى هنا سقط من (خ).\n(٢) قوله: \"ولذلك أثبت ذمه\" ليس في (غ) و(ر)، وقوله: \"ذمه\" ليس في (م).\n(٣) في (م): \"وهذا\".\n(٤) قوله: \"إذا\" ليس في (خ) و(م).\n(٥) في (خ): \"وجنسه\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"إما غير مستند إلى شيء\".\n(٧) في (م): \"ظن\".\n(٨) مقولة المصنف هنا سرت إليه بسبب تأثره بالأشاعرة وعلم الكلام، وسيأتي له مقولة شبيهة بها (ص٢٣٨)، فانظر تعليقي عليها هناك إن شئت.\n(٩) انظر: \"الموافقات\" (٣/ ١٨٤ وما بعدها).\n(١٠) في (غ): \"القائلين\" وفي (خ) و(م): \"الضالين\".\n(١١) في (م): \"من فيها\".\n(١٢) في (خ) و(م): \"معدود\".","vol":"2","page":44},{"text":"فحكى أبو بكر (١) ابن الْعَرَبِيِّ (٢) عَنْ بَعْضِ مَنْ لَقِيَ بِالْمَشْرِقِ مِنَ الْمُنْكِرِينَ لِلرُّؤْيَةِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَلْ يَكْفُرُ مَنْ يَقُولُ بإِثبات رُؤْيَةِ الْبَارِي أَم لَا؟ فَقَالَ (٣): لَا! لأَنه قَالَ بِمَا (٤) لَا يَعْقِلُ، ومن قال بما لا يعقل فلا (٥) يَكْفُرُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فَهَذِهِ مَنْزِلَتُنَا عِنْدَهُمْ، فليعتبر الموفَّق فيما يُؤَدِّي إِلَيْهِ اتِّبَاعُ الْهَوَى، أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ.\nوَزَلَّ بَعْضُ الْمَرْمُوقِينَ فِي زَمَانِنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَزَعَمَ أَن خَبَرَ الْوَاحِدِ زعم كله (٦)، بعد ما حكى الأَثر (٧): \"بئس مطية الرجل زعموا\" (٨)،\n_________\n(١) قوله: \"أبو بكر\" من (خ) فقط.\n(٢) في \"العواصم\" (ص٣٣ - ٣٤).\n(٣) في (غ) و(م) و(ر): \"قال\".\n(٤) في (ر) و(غ): \"ما\".\n(٥) في (خ): \"لا\".\n(٦) في (خ): \"كله زعم\".\n(٧) في (خ): \"وهو ما حكي في الأثر\".\n(٨) أخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" (٣٧٧)، والإمام أحمد في \"المسند\" (٤/ ١١٩) و(٥/ ٤٠١)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٧٦٢)، وأبو داود في \"سننه\" (٤٩٣٣)، والطحاوي في \"شرح مشكل الآثار\" (١٨٦)، جميعهم من طريق الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي مسعود الأنصاري؛ قال: قيل له: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول في زعموا؟ قال: \"بئس مطية الرجل\".\nوعند بعضهم: \"عن أبي قلابة قال: قال أبو عبد الله لأبي مسعود، أو قال أبو مسعود لأبي عبد الله\".\nوفي رواية أحمد سمى أبا عبد الله هذا، فقال: \"يعني حذيفة\".\nوقال أبو داود عقب روايته: \"أبو عبد الله: حذيفة\".\nوأخرجه القضاعي في \"مسند الشهاب\" (١٣٣٥) من طريق الأوزاعي، ثم قال: \"أظن أبا عبد الله المذكور في هذا الحديث: حذيفة بن اليمان؛ لأنه كان مع أبي مسعود بالكوفة، وكانوا يتجالسون ويسأل بعضهم بعضًا، وكنية حذيفة: أبو عبد الله\".\nوقد أعلّ الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (١٠/ ٥٥١) هذه الرواية، واستظهر من طريقة البخاري إعلاله للحديث أيضًا؛ فإن البخاري بوّب بقوله: \"باب ما جاء في زعموا\"، ثم أخرج برقم (٦١٥٨) حديث أم هانئ بنت أبي طالب في قولها للنبي ﷺ: \"زعم ابن أمي أنه قاتلٌ رجلًا قد أجرته: فلان بن هبيرة\"، فقال رسول الله ﷺ: \"قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ! \".\nفذكر ابن حجر - في شرحه لهذا الحديث - حديث أبي مسعود، ثم قال: \"أخرجه أحمد وأبو داود، ورجاله ثقات، إلا أن فيه انقطاعًا. وكأن البخاري أشار إلى ضعف هذا الحديث بإخراجه حديث أم هانئ وفيه قولها: \"زعم ابن أمي\"، فإن أم=","vol":"2","page":45},{"text":"والأَثر الْآخَرُ: \"إِياكم وَالظَّنَّ! فَإِنَّ الظَّنَّ أَكذب الْحَدِيثِ\" (١)، وَهَذِهِ مِنْ كَلَامِ هَذَا المتأَخر وَهْلَة (٢)، عفا الله عنه.\n_________\n=هانئ أطلقت ذلك في حق علي ولم ينكر عليها النبي ﷺ\".\nومقصود ابن حجر بالانقطاع: أي بين أبي قلابة وأبي مسعود وحذيفة، فإنه لم يسمع منهما.\nوقد أوضح ذلك ابن عساكر في: \"الأطراف\" - كما في \"تحفة الأشراف\" (٣/ ٤٥)، فقال - عقب الحديث ـ: \"لم يسمع منهما أبو قلابة\".\nويشكل على هذا الإعلال: رواية الطحاوي في \"شرح مشكل الآثار\" (١٨٥)، والحسن بن سفيان في \"مسنده\" - كما في \"النكت الظراف\" (٣/ ٤٥ - ٤٦) - للحديث من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، وفيها يقول أبو قلابة: \"حدثني أبو عبد الله؛ قال: قال النبي ﷺ\".\nوقد اعتمد ابن حجر على هذه الرواية في نفي كون أبي عبد الله هذا هو حذيفة، فقال في \"النكت\": \"وفي تفسير \"أبي عبد الله\" في هذا الحديث بأنه حذيفة نظر؛ لأن الوليد بن مسلم روى هذا الحديث ... \"، ثم ذكره، ثم قال: \"فعلى هذا فأبو عبد الله آخر غير حذيفة؛ لأن أبا قلابة ما أدرك حذيفة\".\nوقال في \"التهذيب\" (٤/ ٥٤٨ - ٥٤٩): \"وأبو قلابة لم يسمع من حذيفة، فالظاهر أنه غيره\".\nلكن صنيعه هنا ينافي إعلاله له في \"فتح الباري\" بالانقطاع، بل قال في \"الإصابة\" (١١/ ٢٤١ - ٢٤٢) عن رواية الحسن بن سفيان في \"مسنده\" من طريق الوليد: \"وسنده صحيح متصل أُمن فيه من تدليس الوليد وتسويته ... \"، ثم ذكر قول أبي داود: \"أبو عبد الله هذا هو حذيفة بن اليمان\"، ثم تعقبه بقوله: \"كذا قال! وفيه نظر؛ لأن أبا قلابة لم يدرك حذيفة، وقد صرّح في رواية الوليد بأن أبا عبد الله حدثه، والوليد أعرف بحديث الأوزاعي من وكيع\".\nقلت: هذا لو كان المخالف للوليد وكيعًا فقط، أما وقد تابعه أئمة حفاظ؛ كابن المبارك، وروايته في كتاب \"الزهد\"، وكأبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، وروايته عند البخاري في \"الأدب المفرد\" والطحاوي في \"شرح مشكل الآثار\"، فإن رواية الوليد تُعَدّ شاذة؛ لمخالفته ثلاثة من الأئمة الحفاظ، وعليه فالراجح ضعف هذا الحديث للانقطاع بين أبي قلابة وبين حذيفة وأبي مسعود، والله أعلم.\n(١) تقدم تخريجه (ص٤٣).\n(٢) في (غ) و(ر): \"ونقله\"، وعلق رشيد رضا هنا بقوله: لعله: \"زلَّة\".اهـ.","vol":"2","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>فَصْلٌ</span>\nوَمِنْهَا تَخَرُّصُهُم عَلَى الْكَلَامِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الْعَرَبِيَّيْنِ، مَعَ العرْوِ (١) عَنْ عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ الذي به يفهم (٢) عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَيَفْتَاتُونَ عَلَى الشَّرِيعَةِ بِمَا فَهِمُوا، وَيَدِينُونَ بِهِ، وَيُخَالِفُونَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، وإنما دخلوا في ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ تَحْسِينِ الظَّنِّ بأَنفسهم، وَاعْتِقَادِهِمْ أَنهم مِنْ أَهل الِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِنْبَاطِ، وَلَيْسُوا كَذَلِكَ، كَمَا حُكي عَنْ بَعْضِهِمْ أَنه سُئِلَ عَنْ قول الله تعالى: ﴿رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ (٣)، فَقَالَ: هُوَ هَذَا الصَّرْصَرُ؛ يَعْنِي صَرَّار اللَّيْلِ (٤)، وَعَنِ النَّظَّام أَنه كَانَ يَقُولُ: إِذَا آلَى المرءُ (٥) بِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ مُوْلِيًا. قَالَ: لأَن الإِيلاء مُشْتَقٌّ مِنَ اسْمِ اللَّهِ (٦).\nوَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ (٧): إنه أُتْخِمَ من أكل الشَّجْرَةِ (٨)، يَذْهَبُونَ إِلَى قَوْلِ الْعَرَبِ: \"غَوِيَ الْفَصِيلُ\": إِذَا أَكْثَرَ مِنَ اللَّبَنِ حَتَّى بَشِمَ (٩)، وَلَا يُقَالُ فِيهِ غَوَى وَإِنَّمَا غَوَى مِنَ الغَيّ (١٠).\n_________\n(١) في (غ): \"العدول\".\n(٢) في (خ): \"يفهم به\".\n(٣) سورة آل عمران: الآية (١١٧).\n(٤) ذكر هذه الرواية ابن قتيبة في \"تأويل مختلف الحديث\" (ص١٢) نقلًا عن الطاعنين على أصحاب الحديث.\n(٥) قوله: \"المرء\" ليس في (غ) و(م) و(ر).\n(٦) ذكر قول النظام هذا ابن قتيبة في المرجع السابق (ص٢٢).\n(٧) سورة طه: الآية (١٢١).\n(٨) في (خ): \"لكثرة أكله من الشجرة\"، وفي (م): \"أتخم من الشجرة\".\n(٩) في (غ) و(ر): \"يبشم\". وقد حكى هذا القول ابن قتيبة أيضًا (ص٧٣).\n(١٠) علق رشيد رضا هنا بقوله: يعني أن مصدر: \"غوى الرجل\": الغي، ومثله الغواية،=","vol":"2","page":47},{"text":"وفي قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ (١): أَيْ أَلقينا فِيهَا، كأَنه عِنْدَهُمْ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: \"ذَرَّتُهُ الرِّيحُ\" وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لأَنَّ (٢) ذرأْنا مهموز، وذرته غير مهموز، وكذلك لا يكون (٣) من \"أَذْرَتْهُ الدابة عن ظهرها\"؛ لعدم الهمز (٤)، وَلَكِنَّهُ رُبَاعِيٌّ، وذرأْنا ثُلَاثِيٌّ.\nوَحَكَى ابْنُ قُتَيْبَةِ (٥) عَنْ بِشْر الْمِرِّيْسِي أَنه كَانَ يَقُولُ لِجُلَسَائِهِ (٦): قَضَى اللَّهُ لَكُمُ الْحَوَائِجَ عَلَى أَحسن الْوُجُوهِ وأهيؤُها (٧)، فَسَمِعَ قَاسِمٌ التَّمَّار قَوْمًا يَضْحَكُونَ، فَقَالَ: هَذَا كما قال الشاعر:\nإِنَّ سُلَيْمَى واللهُ يَكْلَؤُها ... ضَنَّت بشيءٍ ما كان يَرْزَؤُها\nوَبِشْرٌ المِرِّيسي (٨) رَأْسٌ فِي الرأْي، وَقَاسِمٌ التَّمَّار رأْس فِي أَصْحَابِ الْكَلَامِ (٩).\nقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ (١٠): وَاحْتِجَاجُهُ لِبِشْرٍ (١١) أَعْجَبُ مِنْ لَحْنِ بِشْرٍ.\nوَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى تَحْلِيلِ شَحْمِ الْخِنْزِيرِ بِقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ (١٢)، فَاقْتَصَرَ عَلَى تَحْرِيمِ اللَّحْمِ دُونَ غَيْرِهِ (١٣)، فَدَلَّ عَلَى أَنه حَلَالٌ.\nوَرُبَّمَا سلَّم بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مَا قَالُوا، وَزَعَمَ أَن الشَّحْمَ إِنما حَرُمَ بالإِجماع، والأَمر أَيسر مِنْ ذَلِكَ، فإِن اللَّحْمَ يُطلق (١٤) على الشحم وغيره\n_________\n=وهي بالفتح مصدر \"غِوَى\" كرِضى، وأما مصدر \"غَوِيَ الفصيل\"، فهو الغَوَى. اهـ.\n(١) الآية (١٧٩) من سورة الأعراف.\n(٢) في (م): \"لأنا\".\n(٣) في (خ): \"وكذلك إذا كان\"، وفي (م): \"وكذلك يكون\".\n(٤) حكاه أيضًا ابن قتيبة (ص٧٣ - ٧٤).\n(٥) في (خ) و(م): \"ابن تيمية\"، والمثبت من (غ)، وهو الصواب؛ فهذه الحكاية في \"تأويل مختلف الحديث\" (ص٨٧).\n(٦) في (خ): \"لجسائه\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"أهيئها\"، وهو الصواب لغة، لكن الحكاية سيقت لإثبات لحن بشر.\n(٨) قوله: \"المريسي\" سقط من (ر).\n(٩) في (خ): \"في علم الكلام\".\n(١٠) في الموضع السابق.\n(١١) في (خ): \"ببشر\".\n(١٢) سورة البقرة: آية (١٧٣)، وسورة المائدة: آية (٣)، وسورة النحل: آية (١١٥).\n(١٣) ذكر هذا ابن قتيبة أيضًا (ص٦٦).\n(١٤) في (غ) و(ر): \"ينطلق\".","vol":"2","page":48},{"text":"حَقِيقَةً، حَتَّى إِذَا خُصّ بِالذِّكْرِ قِيلَ: شَحْمٌ؛ كما قيل (١): عِرْق، وعَصَب، وجلد. ولوكان عَلَى مَا قَالُوا؛ لَزِمَ أَن لَا يَكُونُ العِرْق ولا العصب (٢) وَلَا الْجِلْدُ وَلَا المُخّ وَلَا النُّخَاع وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا خُصَّ بِالِاسْمِ مُحَرَّمًا، وَهُوَ خُرُوجٌ عَنْ الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِ الْخِنْزِيرِ.\nوَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ خَفِيِّ هَذَا الْبَابِ: مَذْهَبُ الْخَوَارِجِ في زعمهم أنه (٣) لا تحكيم للرجال (٤)؛ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ (٥)، فَإِنَّهُ مَبْنيٌّ عَلَى أَن اللَّفْظَ وَرَدَ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ، فَلَا يَلْحَقُهُ تَخْصِيصٌ، فَلِذَلِكَ أَعْرَضُوا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٦)، وقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٧)، وَإِلَّا فَلَوْ عَلِمُوا تَحْقِيقًا قَاعِدَةَ الْعَرَبِ فِي (٨) أَن الْعُمُومَ يُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ (٩)؛ لَمْ يُسْرِعُوا (١٠) إلى الإنكار، ولقالوا في أنفسهم: لَعَلَّ (١١) هذا العام مخصوص! فيتأَوَّلون.\nوفي (١٢) الموضع وَجْهٌ آخَرُ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِ هَذَا.\nوَكَثِيرًا مَا يُوقِعُ (١٣) الْجَهْلُ بِكَلَامِ الْعَرَبِ فِي مخازٍ (١٤) لَا يَرْضَى بِهَا عَاقِلٌ، أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنَ الْجَهْلِ وَالْعَمَلِ بِهِ بِفَضْلِهِ.\nفَمِثْلُ هَذِهِ الِاسْتِدْلَالَاتِ لا يُعْبَأُ بها، وتسقط مكالمة أصحابها (١٥)،\n_________\n(١) في (خ): \"يقال\".\n(٢) في (خ): \"العرق والعصب\".\n(٣) في (خ): \"أن\".\n(٤) قوله: \"للرجال\" ليس في (خ) و(م).\n(٥) سورة الأنعام: آية (٥٧)، وسورة يوسف: الآيتان (٤٠، ٦٧).\n(٦) سورة النساء: آية (٣٥).\n(٧) سورة المائدة: آية (٩٥).\n(٨) قوله: \"في\" ليس في (غ) و(ر).\n(٩) في (خ): \"لم يرد به الخصوص\". وعلق عليه رشيد رضا بقوله: كذا! والمعنى المراد: أن من العموم ما يراد به الخصوص. اهـ.\n(١٠) في (غ) و(ر): \"يتسرعوا\".\n(١١) في (خ): \"هل\" بدل \"لعل\".\n(١٢) في (غ) و(ر): \"في\".\n(١٣) في (م): \"يقع\".\n(١٤) في (خ) و(م): \"مجاز\".\n(١٥) في (خ): \"أهلها\".","vol":"2","page":49},{"text":"ولا يُعَدُّ خلاف أمثالهم خلافًا. فكلّ (١) ما اسْتَدَلُّوا (٢) عَلَيْهِ مِنَ الْأَحْكَامِ الْفُرُوعِيَّةِ أَو الأُصولية فَهُوَ عَيْنُ الْبِدْعَةِ، إِذْ هُوَ (٣) خُرُوجٌ عَنْ طَرِيقَةِ كَلَامِ الْعَرَبِ إِلَى اتِّبَاعِ الْهَوَى.\nفَحَقٌّ مَا حُكي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ حَيْثُ قَالَ: \"إِنَّمَا هَذَا الْقُرْآنُ كلام [الله] (٤)، فضعوه على (٥) مواضعه، ولا تتبعوا فيه (٦) أهواءَكم\" (٧)؛ أَيْ: فَضَعُوهُ عَلَى مَوَاضِعِ الْكَلَامِ، وَلَا تخرجوه عن\n_________\n(١) قوله: \"خلافًا فكل\" سقط من (خ). وعلق رشيد رضا على قوله: \"أمثالهم\" بقوله: \"أي لا يُعَدّ خلافًا فيذكر في المسائل التي يختلف فيها العلماء لتعارض الأدلة، إذ لا دليل عليه، ولا شبهة دليل؛ لأنه مبني على الغلط والجهل بمدلولات الألفاظ. قال الشاعر:\nوليس كل خلاف جاء معتبرًا\nإلا خلاف له حظ من النظر\"\n(٢) في (خ): \"وما استدلوا\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"أو هو\".\n(٤) ما بين المعقوفين من مصادر التخريج.\n(٥) قوله: \"على\" ليس في (خ) و(م).\n(٦) في (خ) و(م): \"به\" بدل \"فيه\".\n(٧) أخرجه بهذا اللفظ الإمام أحمد في \"الزهد\" (ص٦٢ رقم ١٩١) من طريق رشدين، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عمر.\nورشدين هو ابن سعد، وهو ضعيف كما في \"التقريب\" (١٩٥٣).\nوابن شهاب الزهري لم يدرك عمر ﵁.\nوقد أخرجه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (١/ ٥٩٢ رقم ٥٢٣) من طريق عبد الله بن وهب، عن يونس، به بلفظ: \"القرآن كلام الله\".\nفهذه متابعة لرشدين، فيبقى الأثر ضعيفًا لإرساله.\nوله طريقان آخران عن عمر ﵁.\nالأول: طريق جرير، عن ليث بن أبي سليم، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء عبد الله بن هانئ، عن عمر ﵁ أنه قال: \"إن هذا القرآن كلام الله، فلا أعرفنّكم ما عطفتموه على أهوائكم\".\nأخرجه الدارمي في \"سننه\" (٢/ ٤٤٠ - ٤٤١)، وعثمان بن سعيد في \"الرد على الجهمية\" (٣٠٤)، وعبد الله بن أحمد في \"السنة\" (١١٧ و١١٨)، والآجري في \"الشريعة\" (١٦٨)، وابن بطة في \"الإبانة\" (٢١ الرد على الجهمية)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٥٢١).\nورواه ابن بطة برقم (٢٢) بلفظ: \"إن هذا القرآن إنما هو كلام الله، فضعوه مواضعه\".\nومداره على ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، وفي \"التقريب\" (٥٧٢١): \"صدوق اختلط جدًا، ولم يتميز حديثه فتُرك\".\nالثاني: طريق أبي عبد الرحمن السلمي؛ قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول على منبره: \"أيها الناس! إن هذا القرآن كلام الله، فلا أعرفن ما عطفتموه=","vol":"2","page":50},{"text":"ذَلِكَ، فَإِنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ طَرِيقِهِ الْمُسْتَقِيمِ إِلَى اتِّبَاعِ الْهَوَى.\nوَعَنْهُ أَيْضًا: \"إِنَّمَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٌ تأوَّل الْقُرْآنَ عَلَى غَيْرِ تأْويله، وَرَجُلٌ يُنْفِسُ الْمَالَ عَلَى أَخِيهِ\" (١).\nوَعَنِ الْحَسَنِ رضي الله تعالى عنه أَنه قِيلَ لَهُ: أَرَأَيت الرَّجُلَ يَتَعَلَّمُ الْعَرَبِيَّةَ لِيُقِيمَ بِهَا لِسَانَهُ وَيُقِيمَ بِهَا مَنْطِقَهُ؟ قَالَ: نعم، فليتعلَّمْها، فإِن الرجل\n_________\n=على أهوائكم ... \" إلخ.\nأخرجه الآجري في \"الشريعة\" (١٦٧)، وابن بطة في \"الإبانة\" (٢٣/ الرد على الجهمية)، كلاهما من طريق أبي جعفر محمد بن صالح بن ذريح، عن محمد بن عبد الحميد التميمي، عن أبي إسحاق الفزاري، عن الحسن بن عبيد الله النخعي، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، به.\nوفي سنده محمد بن عبد الحميد التميمي ولم أجد من ترجمه، وكذا قال محقق \"الإبانة\"، والدكتور الدميجي في تحقيقه لـ\"الشريعة\" (١/ ٤٩٠ رقم ١٥٥)، وأما الأخ الوليد بن محمد في تحقيقه لـ\"الشريعة\" الذي صار العزو إليه، فرجّح أنه محمد بن عبد المجيد التميمي المترجم عند الخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٢/ ٣٩٢)، وهو ضعيف، ولم يذكر الخطيب أنه يروي عن أبي إسحاق الفزاري، ولا عنه محمد بن صالح بن ذريح، فالله أعلم.\n(١) كذا جاء لفظ هذا الأثر في جميع النسخ. وقد ذكره المؤلف في \"الموافقات\" (٤/ ٢٨٠) باللفظ نفسه، إلا أنه قال: \"ينافس الملك على أخيه\". ولفظه في \"الموافقات\" أخرجه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (٢٣٦٤) من طريق عمرو بن دينار،؛ قال: قال عمر ﵁ ...، فذكره.\nوسنده منقطع، فعمرو بن دينار لم يدرك عمر.\nوأخرج البزار في \"مسنده\" (١/ ٤٠٧ رقم ٢٨٦) من طريق أبي معشر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، وعن عمر بن عبد الله مولى غُفرة؛ قالا: قدم على أبي بكر مال من البحرين ...، فذكر حديثًا طويلًا فيه ذكر مقتل عمر، واستخلافه للنفر الستة، وفيه يقول عمر ﵁: \"وإنما أتخوف عليكم أحد رجلين: رجل تأوّل القرآن على غير تأويله فيقاتل عليه، ورجل يرى أنه أحق بالملك من صاحبه فيقاتل عليه\".\nقال البزار: \"وهذا الحديث قد روي نحو كلامه عن عمر في صفة مقتله من وجوه، ولا نعلم روي عن زيد بن أسلم عن أبيه بهذا التمام إلا من حديث أبي معشر عن زيد، عن أبيه\".\nوأبو معشر هذا اسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي، وهو ضعيف أسنّ واختلط كما في \"التقريب\" (٧١٥٠).\nوذكر الهيثمي هذا الحديث في \"مجمع الزوائد\" (٥/ ٦٢٠ - ٦٢٣) وقال: \"في الصحيح طرف منه، رواه البزار، وفيه أبو معشر نجيح ضعيف يعتبر بحديثه\".","vol":"2","page":51},{"text":"يقرأُ بالآية فَيَعْيَا بوجهها (١) فَيَهْلَكُ (٢).\nوَعَنْهُ أَيضًا قَالَ: أَهلكتهم (٣) الْعُجْمَةُ (٤)، يتأَوَّلون (٥) القرآن على غير تأْويله (٦).\n_________\n(١) في (خ): \"فيعياه توجيهها\".\n(٢) أخرجه أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص٣٥٠)، وسعيد بن منصور في \"سننه\" (١/ ١٦٧ رقم ٣٨)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢/ ٢٦٠)، ثلاثتهم من طريق حماد بن زيد، عن يحيى بن عتيق؛ قال: قلت للحسن ...، فذكره.\nوسنده صحيح كما بينته في تعليقي على \"سنن سعيد بن منصور\".\n(٣) في (خ): \"أهلكتكم\".\n(٤) في (غ) و(ر) و(م): \"العجمية\".\n(٥) في (خ): \"تتأولون\".\n(٦) أخرجه البخاري في \"خلق أفعال العباد\" (ص٩٨ رقم ٣١٢) من طريق سليمان بن حرب، وفي \"التاريخ\" (٥/ ٩٣ - ٩٤) و(٦/ ٨٤) من طريق الحكم بن المبارك، كلاهما عن حماد بن زيد، عن زيد النميري، عن الحسن قال: \"أهلكتهم العجمة\".\nكذا وقع في \"خلق أفعال العباد\": \"زيد النميري\"، وفي \"التاريخ\": \"عبيدة بن زيد\"، وهو اختلاف في اسم هذا الراوي، وهناك من يقول أيضًا: \"عبد الله بن زيد النميري\"، وهو جد عمر بن شبة.\nانظر: الخلاف في تسميته في الموضعين السابقين من \"تاريخ البخاري\"، و\"بيان خطأ البخاري\" (ص٥٦ رقم ٢٥٦)، وتعليق الشيخ عبد الرحمن المعلمي عليه، وانظر: \"الثقات\" لابن حبان (٧/ ٣٥).\nوالنميري هذا مجهول الحال لم أجد من وثقه من المعتبرين، فالأثر ضعيف لأجله.","vol":"2","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>فَصْلٌ</span>\nوَمِنْهَا: انْحِرَافُهُمْ عَنِ الأُصول الْوَاضِحَةِ إِلَى اتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهَاتِ الَّتِي لِلْعُقُولِ فِيهَا مَوَاقِفُ، وَطَلَبُ الأَخذ بِهَا تأْويلًا كَمَا أَخبر اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ إِشَارَةً إِلَى النَّصَارَى فِي قَوْلِهِمْ بِالثَّالُوثِيِّ؛ بِقَوْلِهِ (١): ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (٢). وَقَدْ عَلِمَ العلماءُ أَن كُلَّ دَلِيلٍ فِيهِ اشْتِبَاهٌ وإِشكال لَيْسَ بِدَلِيلٍ فِي الْحَقِيقَةِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ مَعْنَاهُ وَيَظْهَرَ الْمُرَادُ مِنْهُ. وَيُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ أَن لَا يُعَارِضَهُ أَصل قَطْعِيٌّ. فَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ مَعْنَاهُ لإِجمال أَو اشْتِرَاكٍ، أَو عَارَضَهُ قَطْعِيٌّ؛ كَظُهُورِ تَشْبِيهٍ، فَلَيْسَ بِدَلِيلٍ؛ لأنَّ حَقِيقَةَ الدَّلِيلِ أَن يَكُونَ ظَاهِرًا فِي نَفْسِهِ، وَدَالًّا عَلَى غَيْرِهِ، وَإِلَّا احْتِيجَ إِلَى دَلِيلٍ عَلَيْهِ (٣)، فَإِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ صِحَّتِهِ فأَحْرَى أَن لَا يَكُونَ دَلِيلًا (٤).\nوَلَا يُمْكِنُ أَنْ تعارِض الفروعُ الجزئيةُ الأُصولَ الكليةَ؛ لأنَّ الْفُرُوعَ الْجُزْئِيَّةَ إِنْ لَمْ تَقْتَضِ عَمَلًا، فَهِيَ فِي مَحَلِّ التوقُّف، وَإِنِ اقْتَضَتْ عَمَلًا فَالرُّجُوعُ إلى الأُصول هو الصراط المستقيم، وتُتَأوَّلُ (٥) الجزئيّات حتى\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"فقوله.\n(٢) سورة آل عمران: الآية (٧).\n(٣) قوله: \"عليه\" ليس في (خ).\n(٤) من المعلوم أن لنفاة الصفات مسلكين في النفي، وهما: ١ - التأويل. ٢ - التفويض.\nوكلام الشاطبي ﵀ هنا، وفي مواضع عدّة من كتبه يدل على أنه ممن سلك مسلك المفوِّضة الذين يجعلون نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يعقل معناه، وقد جمع الشيخ ناصر الفهد - وفقه الله - شتات كلام الشاطبي في هذا، ورد على شبهته في كتابه \"الإعلام بمخالفات الموافقات والاعتصام\" (ص٣٠ - ٣٩)، فانظره إن شئت.\n(٥) في (م): \"ويتأول\"، وفي (خ): \"ويتناول\".","vol":"2","page":53},{"text":"تَرْجِعَ (١) إِلَى الكلِّيَّات، فَمَنْ عَكْسَ الأَمر حَاوَلَ شَطَطًا، وَدَخَلَ فِي حُكْمِ الذَّمِّ؛ لأَن مُتَّبِعَ المتشابهات (٢) مَذْمُومٌ، فَكَيْفَ يُعْتَدُّ بِالْمُتَشَابِهَاتِ دَلِيلًا؟ أَوْ يُبْنَى (٣) عَلَيْهَا حُكْمٌ مِنَ الأَحكام؟ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ دَلِيلًا فِي نَفْسِ الأَمر، فَجَعْلُهَا دَلِيلًا (٤) بِدْعَةٌ محدثة (٥).\nوَمِثَالُهُ فِي مِلَّة الْإِسْلَامِ: مَذَاهِبُ (٦) الظَّاهِرِيَّةِ فِي إِثبات الْجَوَارِحِ (٧) لِلرَّبِّ - المنزَّه عَنِ النَّقَائِصِ ـ؛ مِنَ العين واليد والرجل والوجه المحسوسات، وَالْجِهَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الثَّابِتِ لِلْمُحْدَثَاتِ (٨).\nوَمِنَ الْأَمْثِلَةِ أَيْضًا: أَن جَمَاعَةً زَعَمُوا أَن الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ؛ تعلُّقًا بِالْمُتَشَابِهِ (٩)، وَالْمُتَشَابُهُ الَّذِي تعلَّقوا بِهِ على وجهين: عقلي - في زعمهم ـ، وسمعي.\n_________\n(١) قوله: \"ترجع\" ليس في (خ).\n(٢) في (خ): \"الشبهات\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"ويبنى\".\n(٤) قوله: \"دليلًا\" ليس في (خ).\n(٥) في (خ): \"فجعلها بدعة محدثة هو الحق\".\n(٦) في (خ): \"مذهب\".\n(٧) في (غ): \"الجوار\"؛ سقطت الحاء.\n(٨) علق رشيد رضا ﵀ على هذا الموضع بقوله: \"إن كان يريد بالظاهرية: المجسِّمة المشبِّهة الذين زعموا أن لله تعالى جوارح كأعضاء البشر، فهو مصيب، وإن أراد بهم أهل الأثر الذين أثبتوا له تعالى ما أثبته لنفسه على لسان رسوله ﷺ؛ من العلو والصفات المعبَّر عنها بأسماء الجوارح، مع تنزيهه عن مشابهة الخلق فهو مخطئ؛ لأن هؤلاء هم أهل السنة، ومن عداهم المبتدعة؛ لمخالفتهم للسلف. ولا فرق بين أسماء الجوارح وأسماء المعاني؛ كالعلم والكلام، فإن علم الله ليس كعلم البشر، ويده التي أثبتها لنفسه ليست كيد الإنسان أيضًا، وعقيدة التنزيه هي التي تنفي التشبيه\".اهـ.\nومن الواضح من تتبع كلام الإمام الشاطبي ﵀ في كتابه هذا وفي \"الموافقات\" أن مراده هم أهل الأثر الذين أثبتوا صفات الله ﷿ كما يليق بجلاله؛ حيث مشى ﵀ في هذا الباب على طريقة الأشاعرة.\nوقد تتبع هذه المواضع الأخ ناصر بن حمد الفهد في رسالة \"الإعلام بمخالفات الموافقات والاعتصام\"، وناقشها ببيان الحق الذي أخطأه المؤلف فيها.\nأما تعليق سليم الهلالي على هذا الموضع بأن مراد الشاطبي هم المشبهة، ثم قوله: \"فمن تتبع عقيدة المصنف من سياق كتابه وجد ما يثلج صدره\"، فهو كلام من لم يتتبع عقيدة المصنف في سياق كتابه!!\n(٩) في (غ) و(ر): \"بالمتشابهات\".","vol":"2","page":54},{"text":"فَالْعَقْلِيُّ: أَن صِفَةَ الْكَلَامِ مِنْ جُمْلَةِ الصِّفَاتِ، وذات الله تعالى عندهم بريئة من التركيب جملة، وإثبات صفات للذات (١) قَوْلٌ بِتَرْكِيبِ الذَّاتِ، وَهُوَ مُحَالٌ؛ لأَنه وَاحِدٌ عَلَى الإِطلاق، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُتَكَلِّمًا بِكَلَامٍ قَائِمٍ بِهِ، كَمَا لَا يَكُونُ قَادِرًا بِقُدْرَةٍ قَائِمَةٍ بِهِ، أَو عَالِمًا بِعِلْمٍ قَائِمٍ بِهِ، إِلَى سَائِرِ الصِّفَاتِ.\nوأَيضًا فَالْكَلَامُ لَا يُعْقَلُ إِلَّا بأَصوات وَحُرُوفٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْمُحْدَثَاتِ، وَالْبَارِي مُنَزَّه عَنْهَا.\nوَبَعْدَ هَذَا الأَصل يَرْجِعُونَ إِلَى تأْويل قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٢) وأَشباهه.\nوأَما السَّمْعي (٣): فَنَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٤)، وَالْقُرْآنُ إِما (٥) أَن يَكُونَ شَيْئًا، أَو لَا شَيْءَ، وَلَا شَيْءٌ عَدَمٌ، وَالْقُرْآنُ ثَابِتٌ، هَذَا خِلْفٌ. وَإِنْ كَانَ شَيْئًا فَقَدْ شَمِلَتْهُ الْآيَةُ، فَهُوَ إِذًا مَخْلُوقٌ، وَبِهَذَا اسْتَدَلَّ الْمَرِيسِيُّ عَلَى عبد العزيز المكِّي رحمه الله تعالى (٦).\nوَهَاتَانِ الشُّبْهَتَانِ أَخذٌ فِي التعلُّق بِالْمُتَشَابِهَاتِ، فإِنهم قَاسُوا (٧) الْبَارِي عَلَى البريَّة، وَلَمْ يَعْقِلُوا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ، فَتَرَكُوا مَعَانِيَ الْخِطَابِ، وَقَاعِدَةَ الْعُقُولِ.\nأَما تَرْكُهُمْ لِلْقَاعِدَةِ: فَلَمْ يَنْظُرُوا فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٨)، وهذه الآية نقلية عَقْلِيَّةٌ؛ لأَن الْمُشَابِهَ (٩) لِلْمَخْلُوقِ فِي وَجْهٍ مَا مَخْلُوقٌ مِثْلُهُ؛ إِذْ مَا وَجَبَ للشيءِ وَجَبَ لمثله، فكما تكون الآية دليلًا على\n_________\n(١) في (م) و(خ): \"الذات\".\n(٢) سورة النساء: الآية (١٦٤).\n(٣) في (غ) و(ر): \"وإما سمعي\".\n(٤) سورة الزمر: آية (٦٢).\n(٥) في (م): \"إما شيء\"، وكأنه ضرب على قوله: \"شيء\".\n(٦) انظر: الإشارة إلى هذه المناظرة والكلام حول هذا الاستدلال ورد أهل العلم عليه في \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٣٢).\n(٧) في (غ) و(ر): \"قالوا\".\n(٨) سورة الشورى: آية (١١).\n(٩) في (خ): \"المتشابه\".","vol":"2","page":55},{"text":"المشبِّهة (١)، تكون دليلًا على هؤلاء (٢)؛ لأَنهم عَامَلُوهُ فِي التَّنْزِيهِ مُعَامَلَةَ الْمَخْلُوقِ؛ حَيْثُ توهَّموا أَن اتِّصاف ذَاتِهِ بِالصِّفَاتِ يَقْتَضِي التَّرْكِيبَ فِي الذَّات (٣).\nوأَما تَرْكُهُمْ لِمَعَانِي الْخِطَابِ (٤): فَإِنَّ الْعَرَبَ لَا تَفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: \"السَّمِيعُ الْبَصِيرُ\"، أو \"السميع (٥) الْعَلِيمُ\"، أَو \"الْقَدِيرُ\" - وَمَا أَشبه ذَلِكَ - إِلا مَنْ لَهُ سَمْعٌ وَبَصَرٌ وَعِلْمٌ وَقُدْرَةٌ اتَّصف بِهَا، فإِخراجها عَنْ (٦) حَقَائِقِ مَعَانِيهَا الَّتِي نَزَلَ الْقُرْآنُ بِهَا خُرُوجٌ عَنْ أُم الْكِتَابِ إِلى اتِّبَاعِ مَا تَشَابَهُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ؛ حيث (٧) رَدُّوا هَذِهِ الصِّفَاتِ إِلى الأَحوال الَّتِي هِيَ الْعَالِمِيَّةُ وَالْقَادِرِيَّةُ، فَمَا أَلزموه فِي الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ لَازِمٌ لَهُمْ فِي الْعَالِمِيَّةِ وَالْقَادِرِيَّةِ؛ لأَنها إِما مَوْجُودَةٌ، فَيَلْزَمُ التَّرْكِيبُ، أَو مَعْدُومَةٌ، وَالْعَدَمُ نَفْيٌ مَحْضٌ.\nوَأَمَّا كَوْنُ الْكَلَامِ هُوَ الأَصوات وَالْحُرُوفُ، فبناءً على النظر في كلام النفس (٨)، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الأُصول (٩).\nوأَما الشُّبْهَةُ السَّمْعِيَّةُ: فكأَنها عِنْدَهُمْ بالتَّبَعِ؛ لأَن الْعُقُولَ عِنْدَهُمْ هِيَ الْمُعْتَمِدَةُ (١٠)، وَلَكِنَّهُمْ يُلْزِمُهُمْ بِذَلِكَ الدَّلِيلُ مِثْلُ مَا فرّوا منه؛ لأَن قوله\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"على الشبهة\"، وفي (خ): \"على نفي الشبه\".\n(٢) في (خ) و(م): \"دليلًا لهؤلاء\".\n(٣) قوله: \"في الذات\" ليس في (خ).\n(٤) في (غ) و(ر) و(م): \"وأما معاني الخطاب\".\n(٥) في (خ): \"والسميع\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"على\" بدل \"عن\".\n(٧) في (خ): \"وحيث\".\n(٨) في (خ): \"على عدم النظر في الكلام النفسي\".\n(٩) مشى المؤلف ﵀ هنا على طريقة الأشاعرة في القول بأن كلام الله ﷿ معنى نفسي لا تعدد فيه، وليس بحرف ولا صوت. وذلك منهم فرار من إثبات الحرف والصوت في كلام الله ﷿ لما توهّموه في ذلك من التشبيه.\nومعتقد أهل السنة: أن كلام الله ﷿ قديم النوع حادث الآحاد، وأنه يتكلم بصوت، وأنه لم يزل متكلمًا إذا شاء ومتى شاء.\nانظر تفصيل ذلك في: \"الرد على من أنكر الحرف والصوت للسجزي\"، و\"فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" (٥/ ٤٦٣، ٥٣٣، ٥٥٣)، (٦/ ٦٣٢ - ٦٣٩)، و\"مختصر الصواعق\" لابن القيم (ص٥٠٠).\n(١٠) في (خ): \"هي العمدة المعتمدة\".","vol":"2","page":56},{"text":"تعالى: ﴿اللَّهِ (١) خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ إِما أَن يَكُونَ عَلَى عُمُومِهِ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ شيءٌ، أَو لَا؟ فَإِنْ كَانَ عَلَى عمومه لزمهم في ذاته وأحوالها التي أثبتوها عوضًا من الصفات، وإن لم يكن عَلَى عُمُومِهِ (٢)، فَتَخْصِيصُهُ إِمَّا بِغَيْرِ دَلِيلٍ - وَهُوَ التحكُّم ـ، وَإِمَّا بِدَلِيلٍ، فأَبرزوه حَتَّى نَنْظُرَ (٣) فِيهِ، وَيَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي الإِرادة إِن رَدُّوا الْكَلَامَ إِلَيْهَا، وَكَذَلِكَ غَيْرُهَا مِنَ الصِّفَاتِ إِنْ أَقرُّوا بِهَا، أَوِ الأَحوال إِن أَنْكَرُوهَا، وَهَذَا الْكَلَامُ معهم بحسب الوقت.\nوالذي يليق بموضوع المسألة (٤) أَنواع أُخر مِنَ الأَدلة الَّتِي تَقْتَضِي كَوْنَ هَذَا الْمَذْهَبِ بِدْعَةً لَا يُلَائِمُ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ (٥).\nومن أغرب (٦) ما يوضع ههنا: مَا حَكَاهُ الْمَسْعُودِيُّ (٧) - وَذَكَرَهُ الآجُرِّي فِي كِتَابِ \"الشريعة\" (٨)\n_________\n(١) لفظ الجلالة: \"الله\" ليس في (غ) و(ر).\n(٢) من قوله: \"لزمهم في ذاته\" إلى هنا سقط من (خ) و(م).\n(٣) في (خ) و(ر) و(غ): \"تنظر\".\n(٤) في (خ): \"يليق بالمسألة\".\n(٥) في (خ): \"الشريعة\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"ومن أقرب\".\n(٧) في \"مروج الذهب\" (٤/ ٢١٦ - ٢٢٠) بلا إسناد.\n(٨) (١/ ٢٣٩ - ٢٤٤ رقم ٢١٦) عن شيخه أبي عبد الله جعفر بن إدريس القزويني، عن أحمد بن الممتنع بن عبد الله القرشي التيمي، عن صالح بن علي، به.\nوشيخ الآجري جعفر بن إدريس القزويني ضعفه الدارقطني كما في \"لسان الميزان\" (٢/ ٣١٢ رقم ١٩٩١).\nولكنه لم ينفرد بها، بل تابعه أحمد بن سندي الحداد؛ قال: قرئ على أحمد بن الممتنع - وأنا أسمع ـ؛ قيل له: أخبركم صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور الهاشمي ...، فذكرها.\nأخرج هذه الرواية الخطيب في \"تاريخه\" (١٠/ ٧٥ - ٧٨)، ومن طريقه ابن الجوزي في \"مناقب الإمام أحمد\" (ص٤٣٢ - ٤٣٦).\nوأحمد بن الممتنع الذي عليه مدار هذا الطريق قال عنه الدارقطني: \"صالح\" كما في \"تاريخ بغداد\" (٥/ ١٧٠).\nوصالح بن علي الهاشمي لم يتبين من حاله سوى ما جاء في رواية الآجري: \"وكان من وجوه بني هاشم وأهل الجلالة والشأن منهم\".\nولما أخرج الخطيب الرواية السابقة قال: \"أخبرنا أبو بكر عبد الله بن حمويه بن أبزك=","vol":"2","page":57},{"text":"بِأَبْسَطِ (١) مِمَّا ذَكَرَهُ الْمَسْعُودِيُّ، وَاللَّفْظُ هُنَا لِلْمَسْعُودِيِّ مَعَ إِصْلَاحِ بَعْضِ الأَلفاظ ـ؛ قَالَ: ذَكَرَ صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ الْهَاشِمِيُّ قَالَ: حَضَرْتُ يَوْمًا مِنَ الأَيام جُلُوسَ الْمُهْتَدِي لِلْمَظَالِمِ، فرأَيت مِنْ سُهُولَةِ الوصول [إليه] (٢)، وَنُفُوذِ الْكُتُبِ عَنْهُ إِلَى النَّوَاحِي فِيمَا يُتَظَلَّمُ بِهِ إِلَيْهِ مَا اسْتَحْسَنْتُهُ، فأَقبلت أَرمقه بِبَصَرِي، إِذَا نَظَرَ فِي الْقَصَصِ، فإِذا رَفَعَ طَرْفَهُ إليَّ أَطرقت، فكأَنه عَلِمَ مَا فِي نَفْسِي.\nفَقَالَ لِي: يَا صَالِحُ! أَحسب أَن فِي نَفْسِكِ شَيْئًا تُحِبُّ أَن تَذْكُرَهُ - قَالَ - فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا أَمير الْمُؤْمِنِينَ! فأَمسك. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ جُلُوسِهِ أَمر أَن لَا أَبرح، وَنَهَضَ، فجلست جلوسًا طويلًا، ثم دعاني (٣)، فَقُمْتُ إِليه وَهُوَ عَلَى حَصِيرِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ لِي: يَا صَالِحُ! أَتحدثني بِمَا فِي نَفْسِكَ؟ أَم أُحدثك؟ فَقُلْتُ: بَلْ هُوَ مِنْ أَمير المؤمنين أحسن.\n_________\n=الهمذاني - بها ـ؛ قال: سمعت أبا بكر أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي الحافظ - وحدثنا بحديث الشيخ الأَذَني ومناظرته مع ابن أبي دؤاد بحضرة الواثق ـ، فقال: الشيخ هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد بن إسحاق الأَذْرَمي\".\nوأخرج الخطيب أيضًا (٤/ ١٥١ - ١٥٢) هذه القصة من طريق طاهر بن خلف؛ قال: سمعت محمد بن الواثق - الذي يقال له: المهتدي بالله - يقول: كان أبي إذا أراد أن يقتل رجلًا أحضرنا ذلك المجلس، فأُتي بشيخ مخضوب مقيد ...، فذكر القصة، ومن طريقه أخرجها ابن الجوزي أيضًا (ص٤٣١).\nوذكر الذهبي في \"السير\" (١٠/ ٣٠٧ - ٣٠٩) القصة من هذا الطريق وطريق عبيد الله بن يحيى، عن إبراهيم بن أسباط، قال: حمل رجل مقيد ...، فذكرها، ثم قال الذهبي: \"في إسنادها مجاهيل، فالله أعلم بصحتها\".\nوقال الحافظ ابن حجر في ترجمة عبد الله بن محمد بن إسحاق الأَذْرمي من \"التهذيب\" (٢/ ٤٢٠): \"القصة مشهورة حكاها المسعودي وغيره، ورواها الشيرازي في \"الألقاب\" بإسناد له قال فيه: إن الشيخ المناظر هو الأذرمي هذا. ورواها ابن النجار في ترجمة محمد بن الجهم السامي، فذكر أن الرجل من أهل أذنة، وأنه كان مؤدِّبًا بها\".\n(١) في (غ) و(ر): \"أبسط\".\n(٢) ما بين المعقوفين زيادة من \"مروج الذهب\".\n(٣) قوله: \"ثم دعاني\" ليس في (خ) و(م).","vol":"2","page":58},{"text":"فقال: كأني (١) بك وقد استحسنت ما رأيت (٢) مِنْ مَجْلِسِنَا، فَقُلْتُ: أَيّ خَلِيفَةٍ خَلِيفَتُنَا! إِنْ لَمْ يَكُنْ يَقُولُ (٣) بِقَوْلِ أَبِيهِ مِنَ الْقَوْلِ بخلق القرآن. [فقلت: نعم] (٤). فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ عَلَى ذَلِكَ بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ، حتى أُقْدِمَ (٥) عَلَى الْوَاثِقِ (٦) شَيْخٌ (٧) مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ من \"أَذَنَة\" (٨)؛ من الثَّغْر الشامي، مُقَيَّدٌ طوَالٌ (٩)، حَسَنَ الشَّيْبة، فسلَّم غيرَ هَائِبٍ، وَدَعَا فأَوجز، فرأَيت الْحَيَاءَ مِنْهُ فِي حَمَالِيق عَيْنَيِ الْوَاثِقِ وَالرَّحْمَةَ عَلَيْهِ.\nفَقَالَ: يَا شَيْخُ (١٠)! أَجِبْ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحمد بْنَ أَبي دُؤَاد (١١) عَمَّا يسأَلك عَنْهُ. فَقَالَ: يَا أَمير الْمُؤْمِنِينَ! أَحمد يَصْغُرُ وَيَضْعُفُ وَيَقِلُّ عِنْدَ الْمُنَاظَرَةِ. فَرَأَيْتُ الْوَاثِقَ وقد (١٢) صار مكان الرحمة عليه والرِّقَّة له غَضَبًا (١٣)، فَقَالَ: أَبو عَبْدِ اللَّهِ يَصْغُرُ وَيَضْعُفُ وَيَقِلُّ (١٤) عِنْدَ مُنَاظَرَتِكَ؟ فَقَالَ: هوِّن عَلَيْكَ يَا أَمير المؤمنين! أَتأْذن (١٥) فِي كَلَامِهِ؟ فَقَالَ لَهُ الْوَاثِقُ: قَدْ أَذنت (١٦) لك.\nفأَقبل الشَّيْخُ عَلَى أَحْمَدَ، فَقَالَ: يَا أَحمد! إِلامَ دَعَوْتَ النَّاسَ؟ فَقَالَ أَحْمَدُ: إِلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، فَقَالَ (١٧) لَهُ الشَّيْخُ: مَقَالَتُكَ هَذِهِ الَّتِي دَعَوْتَ النَّاسَ إِلَيْهَا مِنَ الْقَوْلِ بِخَلْقِ القرآن، أَداخلة في الدين فلا يكون\n_________\n(١) في (خ): \"كأنني\".\n(٢) قوله: \"ما رأيت\" ليس في (خ) و(م).\n(٣) في (خ): \"يقل\".\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة من \"مروج الذهب\".\n(٥) في (م): \"قدم\".\n(٦) قوله: \"على الواثق\" ليس في (غ) و(ر).\n(٧) في (خ): \"شيخًا\".\n(٨) قوله: \"من أذنة\" ليس في (غ) و(ر).\nوأذنة: بلد من الثغور قرب المصِّيصة بنيت سنة (١٩٠هـ) في وقت هارون الرشيد. انظر: \"معجم البلدان\" (١/ ١٣٣).\n(٩) في (خ): \"مقيدًا طوالًا\".\n(١٠) في (غ) و(ر): \"أيا شيخ\".\n(١١) في (غ) و(ر) و(م): \"داود\".\n(١٢) في (غ) و(ر): \"قد\".\n(١٣) في (خ): \"الرحمة غضبًا عليه\".\n(١٤) في (خ): \"يقلل\".\n(١٥) في (خ): \"أتأذن لي\".\n(١٦) قوله: \"قد أذنت\" ليس في (غ).\n(١٧) في (غ) و(ر): \"قال\".","vol":"2","page":59},{"text":"الدِّينُ تَامًّا إِلَّا بِالْقَوْلِ بِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الشَّيْخُ: فَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعَا النَّاسَ إِلَيْهَا أَم تَرَكَهُمْ؟ قَالَ: تركهم (١). قال له: فَعَلِمَها (٢) أَم لَمْ يَعْلَمْهَا؟ قَالَ: عَلِمَهَا. قَالَ: فَلِمَ دَعَوْتَ النَّاسَ إِلَى مَا لَمْ يَدْعُهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِ (٣) وَتَرَكَهُمْ مِنْهُ؟ فأَمْسَكَ. فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَمير الْمُؤْمِنِينَ! هَذِهِ وَاحِدَةٌ.\nثُمَّ قَالَ لَهُ: أَخبرني يَا أَحمد! قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٤) الآية؛ فقلت أنت: إن (٥) الدِّينُ لَا يَكُونُ تَامًّا إِلَّا بِمَقَالَتِكَ بِخَلْقِ القرآن، فالله ﷿ أَصْدَقُ (٦) فِي تَمَامِهِ وَكَمَالِهِ أَمْ أَنت فِي نُقْصَانِكَ (٧)؟ فأَمسك. فَقَالَ الشَّيْخُ (٨): يَا أَمير الْمُؤْمِنِينَ! وَهَذِهِ ثَانِيَةٌ.\nثُمَّ قَالَ بَعْدَ سَاعَةٍ: أَخبرني يَا أَحْمَدُ! قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿يَا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن ربِّكَ وَإِن لَّم تَفْعَل فَمَا بَلَّغتَ رِسَالاَتِهِ﴾ (٩)، فَمَقَالَتُكَ هَذِهِ الَّتِي دَعَوْتَ النَّاسَ إِلَيْهَا فِيمَا بَلَّغَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْأُمَّةِ أَمْ لَا؟ فأمْسَكَ. فَقَالَ (١٠) الشَّيْخُ (١١): يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! وَهَذِهِ ثَالِثَةٌ.\nثُمَّ قَالَ له (١٢) بَعْدَ سَاعَةٍ: أَخبرني يَا أَحمد! لمَّا عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَالَتَكَ هذه التي دعوت الناس إلى القول بها (١٣): اتَّسع له أَنْ (١٤) أَمسك عَنْهُمْ أَم لَا؟ قَالَ أَحْمَدُ: بَلِ اتَّسَع لَهُ ذَلِكَ. فَقَالَ الشَّيْخُ: وَكَذَلِكَ لأَبي بَكْرٍ؟ وَكَذَلِكَ لِعُمَرَ؟ وَكَذَلِكَ لِعُثْمَانَ؟ وَكَذَلِكَ لَعَلِّيٍّ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ـ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَصَرَفَ وَجْهَهُ إِلَى الْوَاثِقِ وَقَالَ: يَا أَمير الْمُؤْمِنِينَ! إِذَا لَمْ (١٥) يَتَّسِعْ لَنَا مَا اتَّسع لِرَسُولِ الله ﷺ ولأَصحابه فلا وسَّع الله علينا. فقال الْوَاثِقُ: نَعَمْ! لَا وسَّع اللَّهُ عَلَيْنَا إِذَا لم\n_________\n(١) في (خ) و(م) \"لا\" بدل \"تركهم\".\n(٢) في (خ): \"يعلمها\".\n(٣) قوله: \"إليه\" ليس في (غ) و(ر) و(م).\n(٤) سورة المائدة: الآية (٣).\n(٥) قوله: \"إن\" ليس في (خ).\n(٦) في (خ): \"فالله تعالى ﷿ صدق\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"نقصانه\".\n(٨) قوله: \"الشيخ\" ليس في (غ) و(ر).\n(٩) سورة المائدة: الآية (٦٧). وهكذا جاء في سائر النسخ: \"رسالاته\"، وهي قراءة نافع وابن عامر وأبي بكر كما في \"حجة القراءات\" (ص٢٣٢). وقرأ الباقون: \"رسالته\".\n(١٠) في (غ): \"وقال\".\n(١١) قوله: \"الشيخ\" ليس في (غ) و(م) و(ر).\n(١٢) قوله: \"له\" ليس في (خ) و(م).\n(١٣) في (خ): \"دعوت الناس إليها\".\n(١٤) في (خ): \"عن أن\".\n(١٥) قوله: \"لم\" ليس في (غ) و(ر).","vol":"2","page":60},{"text":"يَتَّسِعْ لَنَا مَا اتَّسَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولأَصحابه (١). ثُمَّ قَالَ الْوَاثِقُ: اقْطَعُوا قُيُودَهُ. فَلَمَّا فُكَّت جَاذَبَ عَلَيْهَا، فَقَالَ الْوَاثِقُ: دَعُوهُ! ثُمَّ قَالَ: يَا شَيْخُ! لِمَ جَاذَبْتَ عَلَيْهَا؟ قَالَ: لأَني عَقَدْتُ فِي نيَّتي أَنْ أُجاذب عَلَيْهَا، فَإِذَا أَخَذْتُهَا أَوصيت أَن تُجعل بين بدني وكفني حتى (٢) أقول: يا رب! سل عبدك: لم قيَّدني ظلمًا وأراع (٣) فيَّ أَهلي؟ فبكى الواثق، وبكى (٤) الشيخ، وبكى (٤) كل مَنْ حَضَرَ (٥). ثُمَّ قَالَ لَهُ الْوَاثِقُ: يَا شَيْخُ! اجْعَلْنِي فِي حلٍّ، فَقَالَ: يَا أَمير الْمُؤْمِنِينَ! مَا خَرَجْتُ مِنْ مَنْزِلِي حَتَّى جَعَلْتُكَ فِي حلٍّ إِعْظَامًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِقَرَابَتِكَ مِنْهُ. فتهلَّل وَجْهُ الْوَاثِقِ وسُرّ، ثُمَّ قَالَ لَهُ (٦): أَقم عندِي آنَسُ بِكَ (٧)، فَقَالَ لَهُ: مَكَانِي فِي ذَلِكَ الثَّغر أَنفع، وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَلِي حَاجَةٌ، قَالَ: سَلْ مَا بَدَا لَكَ. قَالَ: يأْذن أَمِيرُ المؤمنين في الرجوع (٨) إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخْرَجَنِي مِنْهُ هَذَا الظَّالِمُ (٩). قَالَ: قَدْ أَذنت لَكَ، وأَمر لَهُ بِجَائِزَةٍ فَلَمْ يَقْبَلْهَا، فَرَجَعْتُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ عَنْ (١٠) تِلْكَ الْمَقَالَةِ، وَأَحْسَبُ أَيضًا أنَّ الْوَاثِقَ رَجَعَ عَنْهَا.\nفتأَمَّلوا هَذِهِ الْحِكَايَةَ فَفِيهَا عِبْرَةٌ لأُولي الأَلباب، وَانْظُرُوا كَيْفَ مأْخذ (١١) الْخُصُومِ فِي إِفْحَامِهِمْ (١٢) لِخُصُومِهِمْ، بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ.\nوَمَدَارُ الْغَلَطِ فِي هَذَا الْفَصْلِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ؛ إنما هو (١٣)\n_________\n(١) في (خ) زيادة \"فلا وسع الله علينا\".\n(٢) في (خ): \"ثم\" بدل \"حتى\".\n(٣) في (خ) و(م): \"وارتاع\".\n(٤) قوله: \"بكى\" ليس في (خ) في كلا الموضعين.\n(٥) في (ر) و(غ): \"حضره\".\n(٦) قوله: \"له\" ليس في (غ) و(ر).\n(٧) في (غ): \"أبك\".\n(٨) في (خ): \"رجوعي\".\n(٩) في (خ) فوق كلمة \"الظالم\": \"هو ابن أبي دؤاد\".\n(١٠) في (خ) و(م): \"على\".\n(١١) في (م): \"يأخذ\".\n(١٢) في (خ): \"إحجامهم\".\n(١٣) في (خ): \"حَرْفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ\".","vol":"2","page":61},{"text":"الْجَهْلُ بِمَقَاصِدِ الشَّرْعِ، وَعَدَمِ ضَمِّ أَطرافه بَعْضِهَا إلى بعض (١)؛ فإِن مأْخذ الأَدلة عِنْدَ الأَئمة الرَّاسِخِينَ إِنما هي (٢) عَلَى أَن تُؤْخَذَ الشَّرِيعَةُ كَالصُّورَةِ الْوَاحِدَةِ بِحَسْبِ مَا ثَبَتَ مِنْ كلِّيَّاتها وجزئيَّاتها المرتَّبة عَلَيْهَا، وَعَامِّهَا الْمُرَتَّبِ عَلَى خَاصِّهَا؛ وَمُطْلَقِهَا الْمَحْمُولِ عَلَى مقيدها، ومجملها المفسَّر بمبيَّنها (٣)، إِلَى مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ مَنَاحِيهَا (٤). فإِذا حَصَلَ لِلنَّاظِرِ مِنْ جُمْلَتِهَا حُكْمٌ مِنَ الأَحكام فذلك هو الذي نطقت (٥) به حين استُنطقت (٦).\nوَمَا مِثْلُهَا إِلَّا مَثَلُ الإِنسان الصَّحِيحِ السَّويّ، فكما أَن الإِنسان لا يكون إِنسانًا يستنطق فينطق (٧) بِالْيَدِ وَحْدَهَا، وَلَا بِالرِّجْلِ وَحْدَهَا (٨)، وَلَا بالرأْس وَحْدَهُ، وَلَا بِاللِّسَانِ وَحْدَهُ، بَلْ بِجُمْلَتِهِ الَّتِي سُمّي بِهَا إِنسانًا، كَذَلِكَ الشَّرِيعَةُ لَا يُطْلَبُ مِنْهَا الْحُكْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الِاسْتِنْبَاطِ إِلَّا بِجُمْلَتِهَا، لَا مِنْ دَلِيلٍ مِنْهَا أَي دَلِيلٍ كَانَ، وَإِنْ ظَهَرَ لِبَادِي الرأْي نُطْقُ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، فإِنما هُوَ توهُّمي لَا حَقِيقِيٌّ؛ كَالْيَدِ إِذَا اسْتُنْطِقَتْ فإِنما تَنْطِقُ توهُّمًا لَا حَقِيقَةً، مِنْ حَيْثُ عَلِمْتَ أَنها يَدُ إِنْسَانٍ، لَا مِنْ حَيْثُ هِيَ إِنسان؛ لأَنه مُحَالٌ.\nفشأْن الرَّاسِخِينَ تَصَوُّرُ (٩) الشَّرِيعَةِ صُورَةً وَاحِدَةً يَخْدِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا؛ كأَعضاء الإِنسان إِذا صُوِّرَتْ صُورَةً متَّحدة.\nوشأْن متَّبعي (١٠) الْمُتَشَابِهَاتِ أَخذ دَلِيلٍ مَا أَيّ دَلِيلٍ كَانَ، عَفْوًا وأَخذًا أَوَّليًا، وإِن كَانَ ثمَّ ما يعارضه من كلي أو جزئي، فكما أن (١١) الْعُضْوَ الْوَاحِدَ لَا يُعْطَى فِي مَفْهُومِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ حُكْمًا حَقِيقَيًّا، فمُتَّبعه متَّبعُ متشابهٍ، وَلَا يَتْبَعُهُ إِلَّا مَنْ فِي قَلْبِهِ زَيْغٌ كَمَا شَهِدَ اللَّهُ بِهِ، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ (١٢).\n_________\n(١) في (خ): \"لبعض\"، وفي (م): \"ببعض\".\n(٢) في (خ): \"هو\".\n(٣) في (خ): \"بينها\"، وفي (م): \"ببينها\".\n(٤) في (م): \"مناخيها\".\n(٥) في (خ): \"فذلك الذي نظمت\".\n(٦) في (خ) و(م): \"استنبطت\".\n(٧) في (خ): \"إنسانًا حتى يستنطق فلا ينطق\".\n(٨) في (م) و(ر): \"وحده\".\n(٩) في (غ) و(ر): \"تصوير\".\n(١٠) في (غ) و(ر): \"مبتغي\".\n(١١) في (خ): \"فكان\".\n(١٢) سورة النساء: آية (٨٧)، وفي (خ): \"ومن أصدق من الله قيلًا\".","vol":"2","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>فَصْلٌ</span>\nوَعِنْدَ ذَلِكَ نَقُولُ:\nمِنَ اتِّباع الْمُتَشَابِهَاتِ: الأَخذ (١) بالْمُطْلَقَات قَبْلَ النَّظَرِ فِي مُقَيِّداتِها، أَوْ بالعمومات (٢) مِنْ غَيْرِ تأَمُّل: هَلْ لَهَا مُخَصَّصَاتٌ أَم لَا؟ وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ؛ بأَن (٣) يَكُونَ النَّصُّ مُقَيَّدًا فَيُطْلَقُ، أَوْ خَاصًّا فيُعَمّ بالرأْي مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ سِوَاهُ، فإِن هَذَا الْمَسْلَكَ رميٌ فِي عَمَايَةٍ، واتباعٌ لِلْهَوَى فِي الدَّلِيلِ، وَذَلِكَ أَن الْمُطْلَقَ الْمَنْصُوصَ عَلَى تَقْيِيدِهِ مُشْتَبِهٌ إِذَا لَمْ يُقَيَّدْ، فَإِذَا قُيِّدَ صَارَ وَاضِحًا، كَمَا أَن إِطلاق الْمُقَيَّدِ رَأْي فِي ذَلِكَ الْمُقَيَّدِ مُعَارِضٌ لِلنَّصِّ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ.\nفَمِثَالُ الْأَوَّلِ: أَن الشَّرِيعَةَ قَدْ وَرَدَ طَلَبُهَا عَلَى الْمُكَلَّفِينَ عَلَى الإِطلاق وَالْعُمُومِ، وَلَا يَرْفَعُهَا عُذْرٌ إِلا الْعُذْرُ الرَّافِعُ لِلْخِطَابِ رأْسًا، وَهُوَ زَوَالُ الْعَقْلِ، فَلَوْ بَلَغَ الْمُكَلَّفُ فِي مَرَاتِبِ الْفَضَائِلِ الدِّينِيَّةِ إِلى أَيِّ رُتْبَةٍ بَلَغَ؛ بَقِيَ التَّكْلِيفُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ إِلَى الْمَوْتِ، وَلَا رُتْبَةَ لِأَحَدٍ يَبْلُغُهَا فِي الدِّينِ (٤) كَرُتْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ رُتْبَةِ أَصحابه الْبَرَرَةِ، وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُمْ مِنَ التَّكْلِيفِ مِثْقَالُ (٥) ذَرَّةٍ، إِلا مَا كَانَ مِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآحَادِ، كالزَّمِنِ لَا يُطَالَبُ بِالْجِهَادِ، والمُقْعَدِ لا يطالب (٦) في الصلاة (٧) بالقيام (٨)،\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"أن يؤخذ\".\n(٢) في (غ) و(ر) و(م): \"أو في العمومات\".\n(٣) في (غ) و(ر) و(م): \"أن\".\n(٤) في (غ) و(ر) و(م): \"ولا رتبة يبلغها في الدين لأحد\".\n(٥) في (م): \"مثال\".\n(٦) في (خ) و(م): \"لا يطلب\".\n(٧) في (م) و(خ): \"بالصلاة\".\n(٨) في (خ): \"قائمًا\".","vol":"2","page":63},{"text":"والحائض لا تطلب بِالصَّلَاةِ الْمُخَاطَبِ بِهَا فِي حَالِ حَيْضِهَا، وَلَا مَا أَشبه ذَلِكَ.\nفَمَنْ رأَى أَن التَّكْلِيفَ قَدْ يَرْفَعُهُ الْبُلُوغُ إِلَى مَرْتَبَةٍ مَّا مِنْ مَرَاتِبِ الدِّينِ - كَمَا يَقُولُهُ أَهل الْإِبَاحَةِ ـ، كَانَ قَوْلُهُ بِدَعَةً مُخْرِجَةً عَنِ الدِّينِ (١).\nوَمِنْهُ دَعَاوَى أَهل الْبِدَعِ عَلَى الأَحاديث الصَّحِيحَةِ مُنَاقَضَتُهَا لِلْقُرْآنِ، أَوْ مُنَاقِضَةُ بَعْضِهَا بَعْضًا، وَفَسَادُ مَعَانِيهَا، أَو مُخَالَفَتُهَا لِلْعُقُولِ، كَمَا حَكَمُوا بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ ﷺ للمتحاكِمَيْن إِلَيْهِ: \"وَالَّذِي نفسي بيده! لأَقضينَّ بينكما بكتاب الله: مائة الشَّاةِ وَالْخَادِمُ ردٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَعَلَى امْرَأَةِ هَذَا (٢) الرَّجْمُ، واغْدُ يَا أُنَيْسُ (٣)! عَلَى امرأَة هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا\"، فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ، فَرَجَمَهَا (٤).\nقَالُوا: هَذَا مُخَالِفٌ لِكِتَابِ اللَّهِ؛ لأَنه قَضَى بِالرَّجْمِ وبالتغريب، وَلَيْسَ لِلرَّجْمِ وَلَا لِلتَّغْرِيبِ فِي كِتَابِ اللَّهِ ذَكَرَ، فَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ بَاطِلًا فَهُوَ مَا أَردنا، وإِن كَانَ حَقًا فَقَدْ نَاقَضَ كِتَابَ اللَّهِ بِزِيَادَةِ الرَّجْمِ وَالتَّغْرِيبِ.\nفَهَذَا اتِّبَاعٌ لِلْمُتَشَابِهِ (٥)؛ لأَن الْكِتَابَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَفِي الشَّرْعِ أيضًا (٦) يتصَرَّف عَلَى وُجُوهٍ: مِنْهَا الْحُكْمُ وَالْفَرْضُ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (٨)، ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ (٩)، فَكَانَ الْمَعْنَى: لأَقضين بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ؛ أَي: بِحُكْمِ اللَّهِ الَّذِي شُرِّعَ لَنَا، كَمَا أَن الكتاب يطلق على القرآن، فتخصيصهم\n_________\n(١) يعني قول بعض المتصوفة القائلين بسقوط التكاليف الشرعية عمن وصل مرتبة الولاية، انظر في هذا القول والرد عليه: \"فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" (٢/ ٩٥)، و(٧/ ٥٠٣).\n(٢) في (خ): \"المرأة هذه\".\n(٣) في (خ) و(م): \"يا أنس\".\n(٤) أخرجه البخاري (٢٣١٤ و٢٣١٥ و٢٦٩٥ و٢٦٩٦)، ومسلم (١٦٩٧ و١٦٩٨).\n(٥) في (غ) و(ر): \"المتشابه\".\n(٦) قوله: \"أيضًا\" ليس في (خ).\n(٧) سورة النساء: آية (٢٤).\n(٨) سورة البقرة: آية (١٨٣). وفي (غ) و(ر): \"القصاص\" بدل \"الصيام\".\n(٩) سورة النساء: آية (٧٧). وقوله: \"القتال\" ليس في (م).","vol":"2","page":64},{"text":"الكتاب بأَحد المحملين (١) مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ اتِّبَاعٌ لِمَا تَشَابَهَ مِنَ الأَدلة.\nوفي الحديث: \"مثل أُمتي كمثل المطر (٢)، لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَم آخِرُهُ\" (٣). قَالُوا: فَهَذَا يَقْتَضِي أَنه لَمْ يَثْبُتْ لأَول هَذِهِ الأُمة فَضْلٌ عَلَى الْخُصُوصِ دُونَ آخِرِهَا، وَلَا الْعَكْسُ، ثُمَّ نُقِلَ: \"إِن الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ\" (٤). فَهَذَا يقتضي تفضيل الأَولي\n_________\n(١) في (خ): \"المحامل\".\n(٢) في (خ) و(م): \"كمطر\".\n(٣) أخرجه الطيالسي (٢٠٢٣)، وأحمد (٣/ ١٣٠ و١٤٣)، والترمذي (٢٨٦٩)، وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٢٤٦)، جميعهم من طريق حماد بن يحيى الأبحّ، عن ثابت البناني، عن أنس، به.\nقال الترمذي: \"هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه\".\nوفي سنده حماد بن يحيى الأبحّ وهو صدوق يخطئ كما في \"التقريب\" (١٥١٧).\nوأخرجه الرامهرمزي في \"الأمثال\" برقم (٦٨ و٦٩) من طريق إبراهيم بن حمزة بن أنس، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، ومن طريق هدبة بن خالد، عن عبيد بن مسلم السابري، عن ثابت.\nوقال الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" (٧/ ٦): \"وهو حديث حسن له طرق يرتقي بها إلى الصحة\".\nوأخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (٧٢٢٦/ الإحسان)، والبزار (١٤١٢)، والرامهرمزي (٧٠)، ثلاثتهم من طريق فضيل بن سليمان، عن موسى بن عقبة، عن عبيد بن سليمان الأغرّ، عن أبيه، عن عمار بن ياسر، به.\nوعبيد بن سليمان الأغر ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٧/ ١٥٦)، وذكره البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٥/ ٤٤٢ رقم ١٤٣٩) وقال: \"حديثه لا يصح\"، وذكره في \"الضعفاء\" أيضًا كما في \"تهذيب الكمال\" (١٩/ ٢١٢)، فاستدرك ذلك عليه أبو حاتم كما في \"الجرح والتعديل\" (٥/ ٤٠٧ رقم ١٨٨٨) فقال: \"لا أرى في حديثه إنكارًا، يحوّل من كتاب \"الضعفاء\" الذي ألّفه البخاري\"، وذكره العقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ١١٥) تبعًا لشيخه البخاري، وقال: \"ولا يصح حديثه\"، وقال ابن حجر في \"التقريب\" (٤٤٠٧): \"صدوق\".\nوفضيل بن سليمان النّميري البصري صدوق له خطأ كثير كما في \"التقريب\" (٥٤٦٢).\nوللحديث طرق أخرى ذكرها الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ في \"السلسلة الصحيحة\" (٢٢٨٦) وحكم على الحديث بمجموعها بالصحة.\n(٤) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (١٤٥) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":65},{"text":"ن وَالْآخَرِينَ عَلَى الْوَسَطِ، ثُمَّ نُقِلَ: \"خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ\" (١)، فَاقْتَضَى أَن الأَولين أَفضل عَلَى الإِطلاق.\nقَالُوا: فَهَذَا تَنَاقُضٌ، وَكَذَبُوا! لَيْسَ ثَمَّ تَنَاقُضٌ وَلَا اخْتِلَافٌ.\nوَذَلِكَ أَن التَّعَارُضَ إِذا ظَهَرَ لِبَادِيَ الرأْي في المنقولات الشَّرْعِيَّةِ، فإِما أَن (٢) لَا يُمْكِنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَصلًا، وإِما أَن يُمْكِنَ، فإِن لَمْ يُمْكِنْ فهذا الفرض يفرض (٣) بَيْنَ قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ، أَو بَيْنَ ظَنِّيَّيْنِ، فأَما بَيْنَ قَطْعِيَّيْنِ فَلَا يَقَعُ فِي الشَّرِيعَةِ (٤)، وَلَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ؛ لأَن تَعَارُضَ الْقَطْعِيَّيْنِ مُحَالٌ. فَإِنْ وَقْعَ بَيْنَ قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ بَطُلَ الظَّنِّيُّ، وَإِنَّ وقع بين ظنيين فههنا لِلْعُلَمَاءِ فِيهِ التَّرْجِيحُ، وَالْعَمَلُ بالأَرجح مُتَعَيَّنٌ، وإِن أَمكن الْجَمْعُ، فَقَدِ اتَّفَقَ النُّظَّار عَلَى إِعْمَالِ وجه الجمع، وإن كان له وجه ضعيف (٥)، فَإِنَّ الْجَمْعَ أَولى عِنْدَهُمْ، وَإِعْمَالَ الأَدلة أَولى مِنْ إِهْمَالِ بَعْضِهَا، فَهَؤُلَاءِ الْمُبْتَدَعَةُ لَمْ يَرْفَعُوا بهذا الأَصل رأْسًا، إما جهلًا به، وإما (٦) عِنَادًا.\nفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَوْلُهُ: \"خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي\" هُوَ الأَصل فِي الْبَابِ، فَلَا يَبْلُغُ أحد شَأْوَ الصَّحَابَةِ (٧) ﵃. وَمَا سِوَاهُ يَحْتَمِلُ التأْويل عَلَى حَالٍ أَو زَمَانٍ أَو فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ.\nوأَما قَوْلُهُ: \"فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ\": لَا نَصَّ فِيهِ عَلَى التَّفْضِيلِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، بَلْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى جزاءٍ حَسَنٍ، وَيَبْقَى النَّظَرُ في كونه مثل جزاءِ الصحابة،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ بلفظ: \"خير الناس قرني ... \" الحديث.\nوأما لفظ: \"خير القرون\" فهو الذي اشتهر عند بعض أهل العلم - ومنهم الشاطبي ـ، ولم يخرجه الشيخان، بل يندر وجوده في كتب الحديث.\n(٢) قوله: \"أن\" ليس في (م).\n(٣) قوله: \"يفرض\" ليس في (خ) و(م).\n(٤) في (م): \"الشرعية\".\n(٥) في (خ): \"وإن كان وجه الجمع ضعيفًا\".\n(٦) في (خ): \"أو\" بدل \"وإما\".\n(٧) في (خ): \"أحد منا مبلغ الصحابة\"، وفي (م): \"أحدنا الصحابة\".","vol":"2","page":66},{"text":"أَو دونه، أو فوقه محتملًا (١)، فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، فَلَا بُدَّ من حمله على محكم الأَصل الأَول ولا إشكال.\nومن ذلك: قولهم بالتناقض بين (٢) قَوْلِهِ ﷺ: \"لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنَ مَتَّى\" (٣)، وَ\"لَا تخيِّروا ين الأَنبياء\" (٤)، وبين قوله (٥): \"أَنا سيد ولد (٦) آدم\" (٧)، ونحوه.\nووجه الجمع بينهما ظاهر (٨).\n_________\n(١) في (خ): \"محتمل\".\n(٢) في (خ): \"من\" بدل \"بين\".\n(٣) كذا ذكر المصنف هذا الحديث! وهو ناقل له عن \"تأويل مختلف الحديث\" لابن قتيبة (ص١٣٢) وإن لم يصرح به.\nوالصواب في لفظ الحديث: \"لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن مَتَّى\".\nأخرجه البخاري (٣٣٩٥)، ومسلم (٢٣٧٧)، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.\n(٤) أخرجه البخاري (٢٤١٢ و٦٩١٦)، ومسلم (٢٣٧٤، ١٦٣) من حديث أبي سعيد.\nوأخرجه البخاري أيضًا (٣٤١٤)، ومسلم (٢٣٧٣) من حديث أبي هريرة بلفظ: \"لا تفضلوا بين أنبياء الله\".\n(٥) في (خ) و(م): \"وبيني وقوله\".\n(٦) في (خ): \"ولد سيد\".\n(٧) أخرجه مسلم (٢٢٧٨) من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: \"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة\".\nوأخرجه أيضًا (١٩٤) هو والبخاري (٣٣٤٠) من حديث أبي هريرة بلفظ: \"أنا سيد الناس يوم القيامة\". وجاء في نسختي (خ) و(م) زيادة: \"ولا فخر\" في آخر لفظ الحديث، وهذه الزيادة ليست في لفظ الصحيحين، وإنما أخرجها الترمذي (٣١٤٨ و٣٦١٥)، وابن ماجه (٤٣٠٨)، وأحمد في \"المسند\" (٣/ ٢ رقم ١٠٩٨٧)، جميعهم من طريق علي بن زيد بن جُدْعان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، به، وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\".\nوفي سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف كما في \"التقريب\" (٤٧٦٨).\n(٨) وقد جمع بينها ابن قتيبة في الموضع السابق بعدة وجوه، لكن من أحسن ما قيل في الجمع بينها: أنه ﷺ قال هذا قبل أن يعلم أنه أفضل من يونس، فلما علم ذلك قال: \"أنا سيد ولد آدم ... \".\nوقيل: إنه ﷺ قال هذا زجرًا عن أن يتخيّل أحد من الجاهلين شيئًا من حطّ مرتبة يونس ﷺ من أجل ما في القرآن العزيز من قصته. قال العلماء: وما جرى ليونس ﷺ لم يحطّه من النبوة مثقال ذرّة، وخصّ يونس بالذكر لما ذكرناه من ذكره في القرآن بما ذُكر. اهـ. من \"شرح النووي\" (١٥/ ١٣٢).=","vol":"2","page":67},{"text":"وَمِنْهُ: أَنهم قَالُوا فِي قَوْلِهِ ﷺ: \"إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسُ يَدَهُ فِي الإِناء حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فإِن أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَين بَاتَتْ يَدُهُ\" (١): إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُفْسِدُ (٢) آخِرُهُ أَوله، فَإِنَّ أَوله صَحِيحٌ لَوْلَا قَوْلُهُ: \"فَإِنَّ أَحدكم لا يدري\" كذ، فما منا أَحد إِلا وقد (٣) درى أن يده باتت حيث بات بدنه (٤). وأَشد الأُمور أَن يَكُونَ مسَّ بِهَا فَرْجَهُ، وَلَوْ أَن رَجُلًا فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْيَقَظَةِ لَمَا طُلِبَ بِغَسْلِ يَدِهِ، فَكَيْفَ يُطْلَبُ بِالْغَسْلِ (٥) وَلَا يَدْرِي هَلْ مسَّ فَرْجَهُ أَم لَا؟\nوَهَذَا الِاعْتِرَاضُ مِنَ النَّمَطِ الَّذِي (٦) قَبْلَهُ، إِذ النَّائِمُ قَدْ يَمَسُّ (٧) فَرْجَهُ فَيُصِيبُهُ شيءٌ مِنْ نجاسة بقيت (٨) فِي الْمَحَلِّ؛ لِعَدَمِ اسْتِنْجَاءٍ تَقَدَّمَ النَّوْمَ، أَو لكونه استجمر فعرق (٩) مَوْضِعِ الِاسْتِجْمَارِ، وَهُوَ لَوْ كَانَ يَقْظَانَ فَمَسَّ لعلم بالنجاسة إِذا علقت بيده، فيغسلها قبل غمسها فِي الإِناء لِئَلَّا يُفْسِدَ الماءَ، وإِذا أَمكن هَذَا لَمْ يَتَوَجَّهْ الِاعْتِرَاضُ.\nفَجَمِيعُ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ رَاجِعٌ إِلى إِسقاط الأَحاديث بالرأْي الْمَذْمُومِ الَّذِي تَقَدَّمَ الِاسْتِشْهَادُ (١٠) عَلَيْهِ أَنَّهُ من البدع المحدثات.\n_________\n=وقال ابن حجر في \"فتح الباري\" (٦/ ٤٥٢): \"وقيل: خصّ يونس بالذكر لما يخشى على من سمع قصته أن يقع في نفسه تنقيص له، فبالغ في ذكر فضله لسدّ هذه الذريعة\".\n(١) أخرجه البخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٧٨) من حديث أبي هريرة.\n(٢) كذا في (خ)، وهو الصواب الموافق لما عند ابن قتيبة المنقول عنه هذا النص (ص٨٨)، وفي باقي النسخ: \"يُفَسِّر\" بالراء.\n(٣) قوله: \"وقد\" ليس في (خ).\n(٤) في (خ) و(م): \"درى أين باتت يده\".\n(٥) في (غ) و(ر): \"بغسل\".\n(٦) قوله: \"الذي\" ليس في (غ) و(م) و(ر).\n(٧) في (م): \"مس\".\n(٨) قوله: \"بقيت\" ليس في (خ).\n(٩) في (خ): \"يكون استجمر فرق\".\n(١٠) في (خ): \"استشهاد\"، وفي (م): \"استشهادنا\".","vol":"2","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>فَصْلٌ</span>\nوَمِنْهَا: تَحْرِيفُ الْأَدِلَّةِ عَنْ مَوَاضِعِهَا؛ بِأَنْ يَرِدَ الدَّلِيلُ عَلَى مَنَاطٍ، فَيُصْرَفُ عَنْ ذَلِكَ الْمَنَاط إِلى أَمر آخَرَ مُوهِمًا أَن الْمَنَاطَيْن وَاحِدٌ، وَهُوَ مِنْ خفيَّات تَحْرِيفِ الكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. وَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَن من أقرَّ بالإِسلام، ويذم تَحْرِيفَ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، لَا يلجأُ إِلَيْهِ صُرَاحًا (١) إِلَّا مَعَ اشتباهٍ يَعْرِضُ لَهُ، أَو جَهْلٍ يَصُدُّهُ عَنِ الْحَقِّ، مَعَ هَوَىً يَعْمِيهِ عَنْ أَخذ الدَّلِيلِ مَأْخَذه، فَيَكُونُ بِذَلِكَ السَّبَبِ مُبْتَدَعًا.\nوَبَيَانُ ذَلِكَ: أَن الدَّلِيلَ الشَّرْعِيَّ إِذا اقْتَضَى أَمرًا فِي الْجُمْلَةِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْعِبَادَاتِ مَثَلًا، فأَتى بِهِ المُكَلَّف فِي الْجُمْلَةِ أَيضًا؛ كَذِكْرِ اللَّهِ، والدعاءِ، وَالنَّوَافِلِ المستحبَّات، وَمَا أَشبهها مِمَّا يُعْلَمُ مِنَ الشَّارِعِ فِيهَا التَّوْسِعَةُ؛ كَانَ الدليل عاضدًا لعمله (٢) مِنْ جِهَتَيْنِ: مِنْ جِهَةِ مَعْنَاهُ، وَمِنْ جِهَةِ عَمَلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ بِهِ. فَإِنْ أَتى الْمُكَلَّفُ فِي ذَلِكَ الأَمر بِكَيْفِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ، أَو زَمَانٍ مخصوص، أَو مكان مخصوص، مُقَارِنًا (٣) لِعِبَادِةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَالْتَزَمَ ذَلِكَ بِحَيْثُ صَارَ مُتَخَيَّلًا (٤) أَن الْكَيْفِيَّةَ، أَو الزَّمَانَ، أَو الْمَكَانَ مَقْصُودٌ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ أَن يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ؛ كَانَ الدَّلِيلُ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُسْتَدَلِّ عَلَيْهِ.\nفَإِذَا نَدَبَ الشَّرْعُ مَثَلًا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ، فَالْتَزَمَ قَوْمٌ الِاجْتِمَاعَ عَلَيْهِ عَلَى لسان واحد، أو صوت واحد (٥)، أَو فِي وَقْتٍ مَعْلُومٍ مَخْصُوصٍ عَنْ سَائِرِ\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"صراخًا\".\n(٢) في (خ) و(م): \"لعلمه\".\n(٣) في (خ) و(م): \"أو مقارنًا\".\n(٤) في (ر) و(غ) و(م): \"مخيلًا\".\n(٥) في (خ) و(م): \"وبصوت\" بدل قوله: \"أو صوت واحد\".","vol":"2","page":69},{"text":"الأَوقات، لَمْ يَكُنْ فِي نَدْبِ الشَّرْعِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّخْصِيصِ المُلْتَزَم، بَلْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ؛ لأَن الْتِزَامَ الأُمور غَيْرِ اللَّازِمَةِ شَرْعًا شأْنها أَن تُفْهِم التَّشْرِيعَ، وخصوصًا مع من يُقْتَدَى به، وفي (١) مجامع الناس؛ كالمساجد، فإِنها إِذا أُظْهِرَتْ (٢) هَذَا الإِظهار، وَوُضِعَتْ فِي الْمَسَاجِدِ كَسَائِرِ الشَّعَائِرِ الَّتِي وَضَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسَاجِدِ وَمَا أَشبهها؛ كَالْأَذَانِ، وَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ، وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَالْكُسُوفِ؛ فُهِم مِنْهَا بِلَا شَكٍّ أَنها سنن، إن لم يفهم منها الفريضة (٣)، فأَحرى أَن لَا يَتَنَاوَلَهَا الدَّلِيلُ الْمُسْتَدَلُّ بِهِ، فصارت من هذه الجهة بدعًا محدثة، يَدُلُّك (٤) على (٥) ذلك: ترك التزام السلف الصالح لِتِلْكَ الأَشياء، أَوْ عَدَمِ (٦) الْعَمَلِ بِهَا، وَهُمْ كَانُوا أَحق بِهَا وأَهلها لَوْ كَانَتْ مَشْرُوعَةً عَلَى مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ؛ لأَن الذِّكْرَ قَدْ نَدَبَ إِلَيْهِ الشَّرْعُ نَدْبًا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، حَتَّى إِنه لم يُطْلَب فيه تكثيرٌ من عِبَادَةٍ (٧) مِنَ الْعِبَادَاتِ مَا طَلَبَ مِنَ التَّكْثِيرِ من الذكر؛ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * ...﴾ الْآيَةَ (٨)، وَقَوْلِهِ: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٩)، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *﴾ (١٠) بخلاف سائر العبادات.\nومثل ذلك (١١): الدُّعَاءُ، فإِنه ذِكْرُ اللَّهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَلْتَزِمُوا فِيهِ كَيْفِيَّاتٍ، وَلَا قيَّدوه بأَوقات مَخْصُوصَةٍ بحيث يشعر (١٢) بِاخْتِصَاصِ التَّعَبُّدِ بِتِلْكَ الأَوقات، إِلَّا مَا عيَّنه الدَّلِيلُ؛ كَالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، وَلَا أَظهروا مِنْهُ إِلَّا\n_________\n(١) في (خ): \"في\".\n(٢) في (خ) و(م): \"ظهرت\".\n(٣) في (خ): \"إذ لم تفهم منها الفرضية\".\n(٤) في (خ): \"بذلك\".\n(٥) في (خ): \"وعلى\".\n(٦) في (م): \"وعدم\".\n(٧) في (خ): \"لم يطلب في تكثير عبادة\".\n(٨) سورة الأحزاب: آية (٤١).\n(٩) سورة الجمعة: آية (١٠).\n(١٠) الآية: (٤٥) من سورة الأنفال. ومن قوله: \"وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ﴾ ... \" إلى هنا من (ر) فقط، وسقط من باقي النسخ.\n(١١) في (خ) و(م): \"ومثل هذا\".\n(١٢) في (خ): \"تشعر\".","vol":"2","page":70},{"text":"مَا نَصَّ (١) الشَّارِعُ عَلَى إِظْهَارِهِ؛ كَالذِّكْرِ فِي الْعِيدَيْنِ (٢) وَشِبَهِهِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَكَانُوا مُثَابِرِينَ على إخفائه وستره (٣). ولذلك قال لهم حِينَ رَفَعُوا أَصواتهم: \"أَرْبِعُوا (٤) عَلَى أَنفسكم، إِنَّكُمْ لا تدعون أَصَمَّ ولا غائبًا\" (٥) وأَشباهه، فلم يُظْهِرُوهُ (٦) فِي الْجَمَاعَاتِ.\nفَكُلُّ مَنْ خَالَفَ هَذَا الأَصل فَقَدْ خَالَفَ إِطْلَاقَ الدَّلِيلِ أوَّلًا؛ لأنَّه قَيَّدَ فِيهِ بالرأْي، وَخَالَفَ مَنْ كَانَ أَعرف مِنْهُ بِالشَّرِيعَةِ، وَهُمُ السَّلَفُ الصَّالِحُ ﵃، بل قد (٧) كان النبي ﷺ يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَهُوَ ﵇ يُحِبُّ أَن يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ (٨) أَن يَعْمَلَ به (٩) الناس فيفرض عليهم (١٠).\nوفي فصل البيان (١١) من كتاب \"الْمُوَافَقَاتِ\" (١٢) جُمْلَةٌ مِنْ هَذَا، وَهُوَ مَزَلَّةُ قَدَمٍ. فَقَدْ يُتَوهَّم أَن إِطلاق اللَّفْظِ يُشْعِرُ بِجَوَازِ كل ما يمكن أن يفرض (١٣) في مدلوله وقوعًا، وليس كذلك، وخصوصًا (١٤) في العبادات؛\n_________\n(١) قوله: \"نص\" في موضعه بياض في (خ). وعلق عليه رشيد رضا بقوله: بياض في الأصل، ولو وضع فيه كلمة \"نص\" أو \"حث\" لصحّ المعنى، ولعله الأصل. اهـ.\n(٢) الأدلة عليه كثيرة؛ منها: قوله تعالى في آية الصيام: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥].\nوأخرج البخاري (٩٧١)، ومسلم (٨٩٠) من حديث أم عطية ﵂؛ قالت: كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد، حتى نخرج البكر من خدرها، حتى نخرج الحيّض، فيكنّ خلف الناس، فيكبِّرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته.\n(٣) في (خ) و(م): \"وسره\".\n(٤) في (خ): \"أرفقوا\".\n(٥) أخرجه البخاري (٤٢٠٥)، ومسلم (٢٧٠٤) من حديث أبي موسى ﵁.\n(٧) (٦) في (خ): \"ولم يظهرونه\".\nقوله: \"قد\" ليس في (خ).\n(٨) في (خ): \"خوفًا\".\n(٩) قوله: \"خشية أن يعمل به\" سقط من (م)، وكتب الناسخ بالهامش ما نصه: \"لعل هنا سقطًا، وهو: خوف أن يعمل به\".\n(١٠) أخرجه البخاري (١١٢٨)، ومسلم (٧١٨) من حديث عائشة ﵂.\n(١١) انظر: \"الموافقات\" (٤/ ٧٣).\n(١٢) في (خ): \"وفي فصل من الموافقات\"، وفي (م): \"وفي فصل الموافقات\".\n(١٣) قوله: \"أن يفرض\" ليس في (خ).\n(١٤) في (خ): \"وليس خصوصًا\".","vol":"2","page":71},{"text":"فَإِنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى التعبُّد عَلَى (١) حَسَبِ مَا تُلُقِّيَ عن (٢) النَّبِيُّ ﷺ وَالسَّلَفُ الصَّالِحُ؛ كَالصَّلَوَاتِ حِينَ وُضِعَتْ بَعِيدَةً عَنْ مَدَارِكِ الْعُقُولِ فِي أَركانها وَتَرْتِيبِهَا وأَزمانها وَكَيْفِيَّاتِهَا وَمَقَادِيرِهَا، وَسَائِرِ مَا كَانَ مِثْلَهَا - حَسْبَمَا يُذْكَرُ فِي بَابِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِن شَاءَ الله تعالى ـ، فَلَا يَدْخُلُ الْعِبَادَاتِ الرأْي وَالِاسْتِحْسَانُ هَكَذَا مُطْلَقًا؛ لأَنه كالمنافي لوضعها؛ لأن (٣) العقول لا تدرك معانيها على التفصيل.\nولذلك (٤) حَافَظَ العلماءُ عَلَى تَرْكِ إِجراء الْقِيَاسِ فِيهَا؛ كَمَالِكِ بْنِ أَنس ﵁، فإِنه حَافَظَ عَلَى طَرْحِ الرأْي جِدًّا، وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهَا مِنْ أَنواع الْقِيَاسِ إِلا قِيَاسَ نَفْيِ الْفَارِقِ، حَيْثُ اضطُرَّ (٥) إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنَ العلماء وإِن تفاوتوا، هم (٦) مُحَافِظُونَ جَمِيعًا فِي الْعِبَادَاتِ عَلَى الِاتِّبَاعِ لِنُصُوصِهَا ومنقولاتها، بخلاف غيرها من العادات، فإنهم قد اتبعوا فيها المعاني، حتى قال مالك فيها بالمصالح المرسلة والاستحسان، مع بُعد قاعدتها عن التعبديَّات اتباعًا للمعاني المفهومة من الشرع على التفصيل، ولم يُر أشدّ محافظة على الاتباع للسلف الصالح منه، حسبما قاله العلماء عنه، غير أن العبادات - كالذكر والدعاء ونوافل الصلوات والصدقات - إن فَهِم فيها توسعة عمل عليها (٧) بحسبها (٨) لَا مُطْلَقًا، فَإِنَّ الإِنسان قَدْ أُمر بِذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ - مَثَلًا ـ. فالمخصِّص (٩) كَالْمُخَالِفِ لِمَفْهُومِ التَّوْسِعَةِ، وإِن لَمْ يُفْهَمْ مِنْ ذَلِكَ تَوَسُّعُهُ فَلَا بد من الرجوع إلى أَصل الوقوف (١٠) مع\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"وعلى\".\n(٢) قوله: \"عن\" ليس في (خ) و(م). وعلق عليه رشيد رضا بقوله: لعله: \"تُلُقِّيَ عن النبي ... \" إلخ. اهـ.\n(٣) في (خ): \"ولأن\".\n(٤) في (خ): \"وكذلك\".\n(٥) في (خ): \"أظهر\" بدل \"اضطر\"، وعلق عليها رشيد رضا بقوله: كذا! ولعلها: \"اضطر\".اهـ.\n(٦) في (خ): \"فهم\".\n(٧) من قوله: \"من العادات فإنهم قد اتبعوا\" إلى هنا سقط من (خ) و(م).\n(٨) في (خ): \"فبحسبها\".\n(٩) في (غ) و(ر) و(م): \"فالتخصيص\".\n(١٠) في (خ) و(م): \"الوقف\".","vol":"2","page":72},{"text":"الْمَنْقُولِ؛ لأَنا إِن خَرَجْنَا عَنْهُ شَكَكْنَا فِي كَوْنِ الْعِبَادَةِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ مَشْرُوعَةً، أَوْ قَطَعْنَا بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَشْرُوعَةٍ (١) عَلَى الطَّرِيقَتَيْنِ المنبَّه عَلَيْهِمَا (٢) فِي كِتَابِ \"الْمُوَافَقَاتِ\"، فَيَتَعَيَّنُ الرُّجُوعُ إِلَى المنقول وقوفًا معه مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ.\nثُمَّ إِذَا فَهِمْنَا التَّوْسِعَةَ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ اعْتِبَارِ أَمر آخَرَ؛ وَهُوَ أَن يَكُونَ الْعَمَلُ بِحَيْثُ لَا يوهم التخصيص بزمان (٣) دون غيره، أَو مكان (٤) دُونَ غَيْرِهِ، أَو كَيْفِيَّةٍ دُونَ غَيْرِهَا، أَوْ يُوهِمُ انْتِقَالَ الْحُكْمِ مِنْ الِاسْتِحْبَابِ - مَثَلًا - إِلَى السُّنَّةِ أَو الْفَرْضِ، لأَنه قَدْ يَكُونُ الدَّوَامُ عَلَيْهِ عَلَى كَيْفِيَّةٍ مَّا فِي مَجَامِعِ النَّاسِ، أَوْ مَسَاجِدِ (٥) الْجَمَاعَاتِ، أَو نَحْوِ ذَلِكَ؛ مُوهِمًا لِكَوْنِهِ سُنَّةً أَو فَرْضًا، بَلْ هُوَ كَذَلِكَ.\nأَلا تَرَى أَن كُلَّ مَا أَظهره رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَوَاظَبَ عَلَيْهِ في جَمَاعَةٌ إِذا لَمْ يَكُنْ فَرْضًا فَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ العلماءِ؛ كَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ والاستسقاءِ وَالْكُسُوفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ بِخِلَافِ قِيَامِ اللَّيْلِ وَسَائِرِ النَّوَافِلِ، فإِنها مُسْتَحِبَّاتٌ، وَنَدَبَ ﷺ إِلَى إخفائها، وكان يخفيها، وإن أظهرها فيومًا مّا من غير إكثار، ولا يضرّ الدوام على النوافل (٦) مع إِخْفَائِهَا (٧)، وَإِنَّمَا يَضُرُّ إِذَا كَانَتْ تُشَاعُ وَيُعْلَنُ بِهَا.\nوَمِنْ أَمثلة هَذَا الأَصل: الْتِزَامُ الدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ بِالْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ مُعْلَنًا بِهَا فِي الْجَمَاعَاتِ، وسيأْتي بَسْطُ ذَلِكَ فِي بَابِهِ إِن شاءَ الله تعالى.\n_________\n(١) قوله: \"أو قطعنا بأنها ليست بمشروعة\" ليس في (خ).\n(٢) في (خ): \"عليها\"، وفي (م): \"المنية عليها\". وعلق عليه رشيد رضا بقوله: لعله: \"عليهما\"، بل هو المتعين. اهـ.\n(٣) في (خ): \"زمانًا\" وفي (م): \"زمان\".\n(٤) في (خ): \"أو مكانًا\".\n(٥) في (غ) و(ر): \"ومساجد\".\n(٦) في (ر): \"النافلة\".\n(٧) من قوله: \"وكان يخفيها\" إلى هنا سقط من (خ) و(م).","vol":"2","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>فَصْلٌ</span>\nوَمِنْهَا: بناءُ (١) طَائِفَةٍ مِنْهُمُ الظَّوَاهِرَ الشَّرْعِيَّةَ عَلَى تأْويلات لَا تُعْقَلُ يَدَّعُونَ فِيهَا أَنَّهَا هِيَ (٢) الْمَقْصُودُ وَالْمُرَادُ، لَا مَا يَفْهَمُ الْعَرَبِيُّ مِنْهَا (٣)، مُسْنَدَةً (٤) عِنْدَهُمْ إِلى أَصل لَا يُعْقَلُ، وذلك أَنهم فيما ذكر العلماءُ: قَوْمٌ أَرادوا إِبطال الشَّرِيعَةِ (٥)، جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، وإِلقاءَ ذلك فيما بين المسلمين (٦) لينحلَّ الدِّينُ فِي أَيْدِيهِمْ، فَلَمْ يُمْكِنْهُمْ إِلقاء ذَلِكَ صَرَاحًا، فيُرَدُّ ذَلِكَ فِي وُجُوهِهِمْ، وَتَمْتَدُّ (٧) إليهم أَيدي الحكام، فصرفوا عنايتهم (٨) إِلَى التَّحَيُّل عَلَى مَا قَصَدُوا بأَنواع مِنَ الحيل، من جملتها: صرف الهمم (٩) عن (١٠) الظَّوَاهِرِ، إِحَالَةً عَلَى أَن لَهَا بَوَاطِنَ هِيَ الْمَقْصُودَةُ، وأَن الظَّوَاهِرَ غَيْرُ مُرَادَةٍ. فَقَالُوا: كُلُّ مَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ مِنَ الظَّوَاهِرِ فِي الكتاليف وَالْحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَالْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ، فَهِيَ أَمثلة وَرُمُوزٌ إِلَى بَوَاطِنَ.\nفَمِمَّا زَعَمُوا فِي الشَّرْعِيَّاتِ: أَنَّ الْجَنَابَةَ مُبَادَرَةُ الدَّاعِي لِلْمُسْتَجِيبِ (١١) بإِفشاءِ سِرٍّ إِليه قَبْلَ أَن يَنَالَ رُتْبَةَ الِاسْتِحْقَاقِ. وَمَعْنَى (١٢) الْغُسْلِ: تَجْدِيدُ الْعَهْدِ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ. وَمَعْنَى مجامعة البهيمة مفاتحة (١٣) من لا عهد له\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"فناء\".\n(٢) قوله: \"هي\" ليس في (غ) و(ر) و(م).\n(٣) قوله: \"منها\" سقط من (خ).\n(٤) في (م): \"مستندة\".\n(٥) قوله: \"الشريعة\" مكرر في (غ).\n(٦) في (خ) و(م): \"الناس\" بدل \"المسلمين\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"تمتد\".\n(٨) في (خ): \"أعناقهم\".\n(٩) في (خ): \"الهم\".\n(١٠) في (خ): \"من\".\n(١١) قوله: \"للمستجيب\" ليس في (غ).\n(١٢) في (غ) و(ر): \"وهي\".\n(١٣) في (خ): \"مقابحة\".","vol":"2","page":74},{"text":"ولم يؤدّ شيئًا من صدقة النجوى - وهي مائة وَتِسْعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا عِنْدَهُمْ ـ. قَالُوا: فَلِذَلِكَ أَوجب الشَّرْعُ الْقَتْلَ عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهَا (١)، وإِلا فَالْبَهِيمَةُ مَتَى يَجِبُ الْقَتْلُ عَلَيْهَا؟\nوَالِاحْتِلَامُ (٢): أَنْ يَسْبِقَ لِسَانُهُ إِلى إفشاءِ السِّرِّ فِي غَيْرِ محلِّه، فعليه الغسل؛ أَي: تجديد المعاهدة، والطهور (٣): هُوَ التَّبَرُّؤُ مِنَ اعْتِقَادِ كُلِّ مَذْهَبٍ سِوَى مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ. وَالتَّيَمُّمُ: الأَخذ مِنَ المأْذون إِلَى أَن يَسْعَدَ (٤) بِمُشَاهَدَةِ (٥) الدَّاعِي وَالْإِمَامِ (٦). وَالصِّيَامُ: هُوَ الإِمساك عَنْ كَشْفِ السِّرِّ.\nوَلَهُمْ مِنْ هَذَا الإِفك كثير من الأُمور الإِلهية، وأُمور التَّكْلِيفِ، وأُمور الْآخِرَةِ، وَكُلُّهُ (٧) حَوْمٌ عَلَى إِبْطَالِ الشَّرِيعَةِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، إِذْ هُمْ ثَنَوِيَّةٌ وَدَهْرِيَّة وإباحِيَّة، مُنْكِرُونَ لِلنُّبُوَّةِ (٨) وَالشَّرَائِعِ وَالْحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْمَلَائِكَةِ، بَلْ هُمْ مُنْكِرُونَ لِلرُّبُوبِيَّةِ (٩)، وَهُمُ المُسَمَّون بِالْبَاطِنِيَّةِ (١٠).\nوَرُبَّمَا تمسَّكوا بالحروف والأَعداد؛ كقولهم (١١): إن (١٢) الثقب (١٣) في (١٤) رأَس الآدمي سبع، والنجوم (١٥) السَّيَّارة سبعة (١٦)، وأَيام الأُسبوع سبعة (١٥)، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَن دُورَ الأَئمة سَبْعَةٌ سبعة (١٧)، وبه يتمّ. وأَن\n_________\n(١) في (خ): \"به\".\n(٢) في (م): \"والاستلام\".\n(٣) في (خ): \"والطهر\".\n(٤) في (غ) يشبه أن تكون: \"يشهد\" بدل \"يسعد\".\n(٥) في (م): \"مشاهدة\".\n(٦) في (م): \"أو الإمام\".\n(٧) في (غ): \"وكلها\".\n(٨) في (م): \"للتوبة\".\n(٩) في (غ): \"للرسل\".\n(١٠) علق رشيد رضا على هذا الموضع بقوله: انقسمت الباطنية إلى عدة فرق، يجمعهم القول بجعل ظواهر النصوص غير مرادة، والذهاب في تأويلها مذاهب من التحكم لا تتفق مع اللغة في مجاز ولا كناية، والقول بإمام معصوم، وقد يسمونه باسم آخر، ويجعلونه بعد ذلك إلهًا، وآخر فرقهم البابية والبهائية. اهـ.\n(١١) قوله: \"كقولهم\" ليس في (خ) و(م).\n(١٢) في (خ): \"بأن\".\n(١٣) في (م): \"النقب\".\n(١٤) في (غ) و(ر) و(م): \"على\" بدل \"في\".\n(١٥) في (خ): \"والكواكب\" بدل \"والنجوم\".\n(١٦) في (خ) و(م): \"سبع\".\n(١٧) قوله: \"سبعة\" الثانية ليس في (خ).","vol":"2","page":75},{"text":"الطبائع أَربع، وفصول السنة أربعة (١)، فدل على أن الأصول (٢) الأَربعة هِيَ (٣): السَّابِقُ وَالتَّالِي - الْإِلَهَانِ (٤) عِنْدَهُمْ ـ، وَالنَّاطِقُ والأساس - وهما الإِمامان ـ. والبروج اثنا عشر، فدل (٥) على الحجج الاثني عَشَرَ (٦)، وَهُمُ الدُّعَاةُ إِلى أَنواع مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَجَمِيعُهَا لَيْسَ فِيهِ مَا يُقَابَلُ بِالرَّدِّ؛ لأَن كُلَّ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُبْتَدَعَةِ سِوَى هَؤُلَاءِ رُبَّمَا (٧) يَتَمَسَّكُونَ بِشُبْهَةٍ تَحْتَاجُ (٨) إِلَى النَّظَرِ فِيهَا مَعَهُمْ، أَمَّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ خَلَعُوا فِي الْهَذَيَانِ الرِّبْقَةَ، وَصَارُوا (٩) عُرْضَةً للَّمز، وَضُحْكَةً لِلْعَالِمِينَ. وَإِنَّمَا يَنْسِبُونَ (١٠) هَذِهِ الأَباطيل إِلى الإِمام الْمَعْصُومِ الَّذِي زعموه، وإبطال هذه الْإِمَامَةِ (١١) مَعْلُومٌ فِي كُتُبِ المتكلِّمين، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ نُكْتَةٍ مُخْتَصَرَةٍ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ.\nفَلَا يَخْلُو أَن يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ إِما من جهة دعوى بالضرورة وَهُوَ مُحَالٌ (١٢)؛ لأَن الضَّرُورِيَّ هُوَ (١٣) مَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْعُقَلَاءُ عِلْمًا وَإِدْرَاكًا، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ.\nوإما من جهة الإِمام المعصوم بسماعهم منه لتلك التأْويلات، فيقال (١٤) لِمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ: مَا الَّذِي دَعَاكَ إِلَى تصديق الإمام المعصوم دون (١٥) تصديق محمد ﷺ مع (١٦) المعجزة، وليس لإمامك معجزة؟ والقرآن (١٧) يَدُلُّ عَلَى أَن الْمُرَادَ ظَاهِرُهُ، لَا مَا زَعَمْتَ. فَإِنْ قَالَ: ظَاهِرُ الْقُرْآنِ رُمُوزٌ إِلَى بواطن فهمها الإِمام (١٨) المعصوم، ولم يفهمها الناس،\n_________\n(١) في (خ) و(م): \"أربع\".\n(٢) في (خ): \"أصول\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"وهي\".\n(٤) في (غ): \"الإمامان\" ويشبه أن تكون هكذا في (ر).\n(٥) في (خ): \"يدل\".\n(٦) في (خ) و(م): \"على أن الحجج اثنا عشر\".\n(٧) في (خ): \"وربما\".\n(٨) في (غ) و(ر): \"يحتاج\".\n(٩) في (م): \"صاروا\".\n(١٠) في (غ) و(ر): \"يسندون\".\n(١١) في (خ): \"وإبطال الأئمة\".\n(١٢) في (غ) و(ر): \"الضرورة وإما محال\".\n(١٣) قوله: \"هو\" من (خ) فقط.\n(١٤) قوله: \"فيقال\" سقط من (م)، وفي (خ) \"فنقول\".\n(١٥) قوله: \"تصديق الإمام المعصوم دون\" ليس في (خ)، وقوله: \"المعصوم\" سقط من (غ) و(ر).\n(١٦) في (خ): \"سوى\" بدل \"مع\".\n(١٧) في (خ) و(م): \"فالقرآن\".\n(١٨) قوله: \"الإمام\" ليس في (غ) و(ر).","vol":"2","page":76},{"text":"فَتَعَلَّمْنَاهَا مِنْهُ. قِيلَ لَهُمْ: مِنْ أَي جِهَةٍ تعلمتموها منه (١)؟ أَبمشاهدة قلبه بالعين؟ أَم (٢) بسماع منه؟ فلا بُدَّ (٣) مِنْ الِاسْتِنَادِ إِلى السَّمَاعِ بالأُذن. فَيُقَالُ: فَلَعَلَّ لَفْظَهُ ظَاهِرٌ لَهُ بَاطِنٌ لَمْ تَفْهَمْهُ، وَلَمْ يُطْلِعْكَ عَلَيْهِ، فَلَا يُوثَقُ بِمَا فَهِمْتَ مِنْ ظَاهِرِ لَفْظِهِ. فإِن قَالَ: صَرَّحَ بِالْمَعْنَى (٤)، وَقَالَ: مَا ذَكَرْتُهُ ظَاهِرٌ لَا رَمْزَ فِيهِ، وَالْمُرَادُ ظَاهِرُهُ. قِيلَ لَهُ (٥): وَبِمَاذَا عَرَفْتَ قَوْلَهُ لك (٦): إِنه ظاهر لا رمز فيه، أَنه (٧) كَمَا قَالَ؟ إِذ يُمْكِنُ أَن يَكُونَ لَهُ بَاطِنٌ لَمْ تَفْهَمْهُ أَيْضًا (٨)، فَلَا يَزَالُ الْإِمَامُ يُصَرِّحُ بِاللَّفْظِ وَالْمَذْهَبُ يَدْعُو إِلَى أَنَّ لَهُ فِيهِ رَمْزًا. وَلَوْ (٩) فَرَضْنَا أَنَّ الْإِمَامَ أَنْكَرَ الْبَاطِنَ، فَلَعَلَّ تَحْتَ إِنكاره رَمْزًا (١٠) لَمْ تَفْهَمْهُ أَيْضًا (١١)، حَتَّى لَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الظَّاهِرِ على (١٢) أَنه لَمْ يَقْصِدْ إِلا الظَّاهِرَ، لَاحْتَمَلَ أَن يكون في طلاقه رمز هو بَاطِنُهُ، وَلَيْسَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ. فإِن قَالَ: ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى حَسْمِ بَابِ التَّفْهِيمِ. قِيلَ لَهُ (١٣): فأَنْتم حسمتموه بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فإِن الْقُرْآنَ دَائِرٌ عَلَى تَقْرِيرِ الْوَحْدَانِيَّةِ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ، وَالْحَشْرِ، وَالنَّشْرِ، والأَنبياء، وَالْوَحْيِ، وَالْمَلَائِكَةِ، مُؤَكَّدًا ذَلِكَ كُلَّهُ بِالْقَسَمِ، وأَنتم تَقُولُونَ: إِن ظَاهِرَهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَإِنَّ تَحْتَهُ رَمْزًا. فإِن جَازَ ذَلِكَ عِنْدَكُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لمصلحةٍ وسرٍّ لَهُ فِي الرَّمْزِ؛ جَازَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَعْصُومِكُمْ أَنْ يَظْهَرَ لَكُمْ خِلَافُ مَا يُضْمِرُهُ لِمَصْلَحَةٍ وسرٍّ لَهُ فِيهِ، وَهَذَا لَا مَحِيصَ لَهُمْ عَنْهُ.\nقَالَ أَبو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ (١٤) ﵀ (١٥): يَنْبَغِي أَن يَعْرِفَ الإِنسان أَن رُتْبَةَ هَذِهِ الْفِرْقَةِ هِيَ (١٦) أَخسُّ مِنْ رُتْبَةِ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْ فِرَقِ الضَّلَالِ؛ إذ لا\n_________\n(١) قوله: \"منه\" ليس في (غ).\n(٢) في (خ): \"أو\".\n(٣) في (خ): \"ولا بد\".\n(٤) في (غ): \"بالمعاني\".\n(٥) قوله: \"له\" ليس في (غ) و(ر).\n(٦) قوله: \"لك\" ليس في (خ).\n(٧) في (خ): \"بل أنه\".\n(٨) قوله: \"أيضًا\" ليس في (غ) و(ر).\n(٩) قوله: \"لو\" ليس في (غ) و(ر).\n(١٠) في (م): \"رمز\".\n(١١) من قوله: \"فلا يزال الإمام\" إلى هنا سقط من (خ).\n(١٢) قوله: \"على\" ليس في (خ).\n(١٣) قوله: \"له\" من (خ) فقط.\n(١٤) قوله: \"الغزالي\" من (خ) فقط.\n(١٥) في \"فضائح الباطنية\" (ص٥٢).\n(١٦) قوله: \"هي\" من (خ) فقط.","vol":"2","page":77},{"text":"تَجِدُ (١) فِرْقَةً تَنْقُضُ مَذْهَبَهَا بِنَفْسِ الْمَذْهَبِ سِوَى هذه الفرقة (٢) الَّتِي هِيَ الْبَاطِنِيَّةُ؛ إِذ مَذْهَبُهَا إِبطال النَّظَرِ، وتغيير الأَلفاظ عن موضوعاتها (٣) بِدَعْوَى الرَّمْزِ، وَكُلُّ مَا يُتَصَوَّرُ أَن تَنْطِقَ بِهِ أَلسنتهم فإِما نَظَرٌ أَو نَقْلٌ، أَما النظر فقد أَبطلوه، وأَما النقل فَقَدْ جوَّزوا أَنْ يُرَادَ بِاللَّفْظِ غَيْرُ مَوْضُوعِهِ، فَلَا يَبْقَى لَهُمْ مُعْتَصِمٌ (٤)، وَالتَّوْفِيقُ بِيَدِ اللَّهِ.\nوَذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي \"الْعَوَاصِمِ\" (٥) مأْخذًا آخَرَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ أَسهل مِنْ هَذَا - وَقَالَ: إِنهم (٦) لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهِ ـ، وَهُوَ أَن يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ مَا يَدْعُونَهُ السُّؤَالَ بِـ\"لِمَ؟ \" خَاصَّةً، فَكُلُّ مَنْ وَجَّهْتَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ سُقِطَ فِي يَدِهِ، وَحَكَى فِي ذَلِكَ حكاية ظريفة يحسن موقعها هاهنا (٧).\nقال ابن العربي (٨): خَرَجْتُ مِنْ بِلَادِي عَلَى الْفِطْرَةِ، فَلَمْ أَلْقَ في طريقي إلا مهتديًا، حتى بَلَغْتُ هَذِهِ الطَّائِفَةَ - يَعْنِي الْإِمَامِيَّةَ وَالْبَاطِنِيَّةَ مِنْ فرق الشيعة ـ، فهي أول بدعة لقيت، فلو فجأتني بدعة مشتبهة كالقول بخلق القرآن، أَوْ نَفْيِ الصِّفَاتِ، أَوِ الْإِرْجَاءِ؛ لَمْ آمَنْ الشيطان. فَلَمَّا رَأَيْتُ حَمَاقَاتِهِمْ أَقَمْتُ عَلَى حَذَرٍ، وَتَرَدَّدْتُ فِيهَا عَلَى أَقْوَامٍ أَهْلِ عَقَائِدَ سَلِيمَةٍ، وَلَبِثْتُ بَيْنَهُمْ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى الشَّامِ فوردت بيت المقدس، فألفيت فيها ثمانيًا وعشرين حلقة ومدرستين: مدرسة للشافعية بباب الأسباط، وأخرى للحنفية، وكان فيه من رؤوس العلماء، ورؤوس الْمُبْتَدِعَةِ، وَمِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَثِيرٌ، فَوَعَيْتُ الْعِلْمَ، وَنَاظَرْتُ كُلَّ طَائِفَةٍ بِحَضْرَةِ شَيْخِنَا أَبِي بكر الفهري وغيره من أهل السنة.\n_________\n(١) في (م): \"لا نجد\".\n(٢) قوله: \"الفرقة\" ليس في (خ) و(م).\n(٣) في (خ): \"موضوعها\".\n(٤) في (غ): \"معصوم\".\n(٥) صفحة (٤٤).\n(٦) في (غ) و(ر): \"إنه\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"هاهنا موقعها\".\n(٨) في \"العواصم\" (ص٤٥ - ٥٣)، وسبق أن أورد المصنف كلام ابن العربي هذا في المجلد الأول (ص٢٦٠)، مع بعض الاختلاف، ولم ترد هذه القصة في (خ) و(م)؛ اكتفاء بورودها في أول موضع.","vol":"2","page":78},{"text":"ثُمَّ نَزَلْتُ إِلَى السَّاحِلِ لِأَغْرَاضٍ، وَكَانَ مَمْلُوءًا مِنْ هَذِهِ النِّحَلِ الْبَاطِنِيَّةِ والإِمامية، فَطُفْتُ فِي مُدُنِ السَّاحِلِ لِتِلْكَ الْأَغْرَاضِ نَحْوًا مِنْ خَمْسَةِ أَشْهُرٍ، وَنَزَلْتُ عَكَّا (١)، وَكَانَ رَأْسَ الإِمامية بِهَا حينئذٍ أَبُو الْفَتْحِ العَكِّي، وَبِهَا مِنْ أَهْلِ السنة شيخ يقال له: الفقيه الدبيقي، فَاجْتَمَعْتُ بِأَبِي الْفَتْحِ فِي مَجْلِسِهِ وَأَنَا ابْنُ الْعِشْرِينَ، فَلَمَّا رَآنِي صَغِيرَ السِّنِّ، كَثِيرَ الْعِلْمِ، متدرِّبًا، وَلِعَ بِي، وَفِيهِمْ - لَعَمْرُ اللَّهِ! وَإِنْ كَانُوا عَلَى بَاطِلٍ - انْطِبَاعٌ وَإِنْصَافٌ وَإِقْرَارٌ بِالْفَضْلِ إذا ظهر، فكان لا يفارقني، ويساومني في الجدال ولا يفاترني، فتكلمت على إبطال مذهب الإمامية، والقول بالتعليم مِنَ الْمَعْصُومِ بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ.\nوَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ لِلَّهِ فِي عِبَادِهِ أسرارًا وأحكامًا، والعقل لا يستقلّ بإدراكها، فَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ قِبَلِ إِمَامٍ مَعْصُومٍ. فَقُلْتُ لَهُمْ: أَمَاتَ الْإِمَامُ المبلِّغ عَنِ اللَّهِ لِأَوَّلِ مَا أَمَرَهُ بِالتَّبْلِيغِ أَمْ هُوَ مُخَلَّد؟ فَقَالَ لِي: \"مَاتَ\"، وَلَيْسَ هَذَا بِمَذْهَبِهِ، وَلَكِنَّهُ تستَّر مَعِي. فَقُلْتُ: هَلْ خَلَفَهُ أَحَدٌ؟ فقال: خَلَفَهُ وصيُّه عَليّ. فقلت: فهل قضى بالحق وأنفذه؟ أم لا؟ قال: لم يتمكَّن بغلبة الْمُعَانِدِ. قُلْتُ: فَهَلْ أَنْفَذَهُ حِينَ قَدَرَ؟ قَالَ: مَنَعَتْهُ التَّقِيَّةُ وَلَمْ تُفَارِقْهُ إِلَى الْمَوْتِ، إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَقْوَى تَارَةً، وَتَضْعُفُ أُخْرَى، فَلَمْ يمكن إلاّ المُدَاراة لِئَلَّا تَنْفَتِحَ عَلَيْهِ أَبْوَابُ الِاخْتِلَالِ. قُلْتُ: وَهَذِهِ المداراة حق أم لا؟ قال: بَاطِلٌ أَبَاحَتْهُ الضَّرُورَةُ. قُلْتُ: فَأَيْنَ الْعِصْمَةُ؟ قَالَ: إِنَّمَا تُغْنِي الْعِصْمَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ، قُلْتُ: فَمَنْ بَعْدَهُ إِلَى الْآنَ وَجَدُوا الْقُدْرَةَ أَمْ لَا؟ قال: لا. قلت: فالدين مهمل، والحق خامل؟ قَالَ: سَيَظْهَرُ. قُلْتُ: بِمَنْ؟ قَالَ: بِالْإِمَامِ الْمُنْتَظَرِ. قُلْتُ: لَعَلَّهُ الدَّجَّالُ؟ فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ إِلَّا ضَحِكَ، وَقَطَعْنَا الْكَلَامَ عَلَى غَرَضٍ مِنِّي لِأَنِّي خفت أن أفحمه فَيَنْتَقِمُ مِنِّي فِي بِلَادِهِ.\nثُمَّ قُلْتُ: وَمِنْ أَعْجَبِ مَا فِي هَذَا الْكَلَامِ: أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا أَوْعَزَ إِلَى مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ فَقَدْ ضيَّع فَلَا عِصْمَةَ لَهُ. وَأَعْجَبُ مِنْهُ: أن الباري تعالى\n_________\n(١) وهي بلد على ساحل بحر الشام كما في \"معجم البلدان\" (٤/ ١٤٣).","vol":"2","page":79},{"text":"ـ عَلَى مَذْهَبِهِ - إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا عِلْمَ إلا بمعلم، وأرسله عاجزًا مضعوفًا، لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ مَا عَلِمَ، فَكَأَنَّهُ مَا عَلَّمَهُ وَمَا بَعَثَهُ. وَهَذَا عَجْزٌ مِنْهُ وَجَوْرٌ، لَا سيَّما عَلَى مَذْهَبِهِمْ. فَرَأَوْا مِنَ الْكَلَامِ مَا لَمْ يُمْكِنْهُمْ أَنْ يَقُومُوا مَعَهُ بِقَائِمَةٍ، وَشَاعَ الْحَدِيثُ، فَرَأَى رَئِيسُ الْبَاطِنِيَّةِ المُسَمَّيْن بِالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ أَنْ يَجْتَمِعَ مَعِي. فَجَاءَنِي أَبُو الْفَتْحِ إلى مجلس الفقيه الدبيقي، وقال لي: إِنَّ رَئِيسَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ رَغِبَ فِي الْكَلَامِ مَعَكَ، فقلت: أنا مشغول، فقال: هاهنا مَوْضِعٌ مرتَّب قَدْ جَاءَ إِلَيْهِ، وَهُوَ مَحْرَسُ الطَّبَرَانيين - مَسْجِدٌ فِي قَصْرٍ عَلَى الْبَحْرِ ـ، وَتَحَامَلَ عَلَيَّ، فقمت ما بين حشمة وحسبة، ودخلنا قصر الْمَحْرَس، وصعدنا إِلَيْهِ، فَوَجَدْتُهُمْ قَدِ اجْتَمَعُوا فِي زَاوِيَةِ الْمَحْرَسِ المشرقية، فرأيت النكراء فِي وُجُوهِهِمْ، فَسَلَّمْتُ، ثُمَّ قَصَدْتُ جِهَةَ الْمِحْرَابِ، فَرَكَعْتُ عِنْدَهُ رَكْعَتَيْنِ، لَا عَمَلَ لِي فِيهِمَا إِلَّا تَدْبِيرُ الْقَوْلِ مَعَهُمْ، وَالْخَلَاصُ مِنْهُمْ. فَلَعَمْرُ الَّذِي (١) قَضَى عَلَيَّ بِالْإِقْبَالِ إِلَى أَنْ أُحَدِّثَكُمْ، إِنْ كُنْتُ رَجَوْتُ الْخُرُوجَ عَنْ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ أبدًا، ولقد كنت أنظر إلى الْبَحْرِ يَضْرِبُ فِي حِجَارَةٍ سُودٍ مُحَدَّدَةٍ تَحْتَ طَاقَاتِ الْمَحْرَسِ، فَأَقُولُ: هَذَا قَبْرِي الَّذِي يَدْفِنُونِي فِيهِ، وَأُنْشِدُ فِي سِرِّي:\nأَلَا هَلْ إِلَى الدُّنْيَا مَعَادٌ؟ وَهَلْ لَنَا ... سِوَى الْبَحْرِ قَبْرٌ؟ أَوْ سِوَى الْمَاءِ أَكْفَانُ\nوَهِيَ (٢) كَانَتِ الشِّدَّةَ الرابعة من شدائد عمري التي أَنْقَذَنِي اللَّهُ مِنْهَا، فَلَمَّا سَلَّمْتُ اسْتَقْبَلْتُهُمْ وَسَأَلْتُهُمْ عَنْ أَحْوَالِهِمْ عَادَةً، وَقَدِ اجْتَمَعَتْ إليَّ نَفْسِي، وَقُلْتُ: أَشْرَفُ مِيتَةٍ فِي أَشْرَفِ مَوْطِنٍ أُنَاضِلُ فِيهِ عَنِ الدِّينِ. فَقَالَ لِي أَبُو الْفَتْحِ - وَأَشَارَ إِلَى فَتًى حَسَنِ الْوَجْهِ ـ: هَذَا سَيِّدُ الطائفة ومقدَّمها، فدعوت له وسكتّ، فبدرني وقال لي: قد بلغتني مجالسك، وانتهى إِلَيَّ كَلَامُكَ، وَأَنْتَ تَقُولُ: قَالَ اللَّهُ وَفَعَلَ الله، فَأَيُّ شَيْءٍ هُوَ اللَّهُ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ؟! أَخْبِرْنِي وَاخْرُجْ عَنْ هَذِهِ المَخْرَقَة (٣) الَّتِي جَازَتْ لك على هذه\n_________\n(١) في (ر): \"فلعمر الله\"، ثم صوبت في الهامش.\n(٢) قوله: \"وهي\" من (ر) فقط.\n(٣) أي: الكذب والاختلاق.","vol":"2","page":80},{"text":"الطَّائِفَةِ الضَّعِيفَةِ وَقَدِ احْتَدَّ نَفَسًا، وَامْتَلَأَ غَيْظًا، وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَلَمْ أَشُكَّ أَنَّهُ لَا يُتِمُّ الْكَلَامَ إِلَّا وَقَدِ اخْتَطَفَنِي أَصْحَابُهُ قَبْلَ الْجَوَابِ. فَعَمَدْتُ - بِتَوْفِيقِ اللَّهِ - إِلَى كِنَانَتِي، وَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا سَهْمًا أَصَابَ حَبَّةَ قَلْبِهِ فَسَقَطَ لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ.\nوَشَرْحُ ذَلِكَ: أَنَّ الْإِمَامَ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيَّ الْحَافِظَ الْجُرْجَانِيَّ قَالَ: كُنْتُ أُبَغِّضُ النَّاسَ فِيمَنْ يَقْرَأُ عِلْمَ الْكَلَامِ، فدخلت يومًا إلى الرَّيّ (١)، فدخلت جَامِعَهَا أوَّل دُخُولِي، وَاسْتَقْبَلْتُ سَارِيَةً أَرْكَعُ عِنْدَهَا، وَإِذَا بِجِوَارِي رَجُلَانِ يَتَذَاكَرَانِ عِلْمَ الْكَلَامِ، فتطيَّرت بِهِمَا، وَقُلْتُ: أَوَّلَ مَا دَخَلْتُ هَذَا الْبَلَدَ سَمِعْتُ فِيهِ مَا أَكْرَهُ، وَجَعَلْتُ أخفِّف الصَّلَاةَ حَتَّى أُبْعِدَ عَنْهُمَا، فَعَلِقَ بِي مِنْ (٢) قَوْلِهِمَا: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْبَاطِنِيَّةَ أَسْخَفُ خَلْقِ اللَّهِ عُقُولًا، وينبغي للنحرير ألا يتكلَّف لَهُمْ دَلِيلًا، وَلَكِنْ يُطَالِبُهُمْ بِـ\"لِمَ؟ \" فَلَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا، وسلَّمت مُسْرِعًا.\nوَشَاءَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ كَشَفَ رَجُلٌ مِنَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ الْقِنَاعَ فِي الْإِلْحَادِ، وَجَعَلَ يُكَاتِبُ وَشْمَكِيرَ الْأَمِيرَ يَدْعُوهُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ لَهُ: إِنِّي لَا أَقْبَلُ دِينَ مُحَمَّدٍ إِلَّا بِالْمُعْجِزَةِ، فَإِنْ أَظْهَرْتُمُوهَا رَجَعْنَا إِلَيْكُمْ، وانجرَّت الْحَالُ إِلَى أَنِ اخْتَارُوا منهم جلًا لَهُ دَهَاءٌ وَمُنَّة (٣)، فَوَرَدَ عَلَى وَشْمَكِيرَ رَسُولًا، فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ أَمِيرٌ، وَمِنْ شَأْنِ الْأُمَرَاءِ وَالْمُلُوكِ أَنْ تَتَخَصَّصَ عَنِ الْعَوَامِّ، وَلَا تقلِّد في عقيدتها، وإنما حقهم أن يفحصوا عن البراهين. فقال له وَشْمَكِيرُ: اخْتَرْ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَتِي، وَلَا أُنْتَدَبُ لِلْمُنَاظَرَةِ بِنَفْسِي، فَيُنَاظِرُكَ بَيْنَ يَدَيَّ. فَقَالَ لَهُ الْمُلْحِدُ: أَخْتاَرُ أَبَا بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيَّ؛ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ عِلْمِ التَّوْحِيدِ، وَإِنَّمَا كان إمامًا في الحديث، ولكن كان\n_________\n(١) لرَّيّ: مدينة مشهورة، من أمهات البلاد، وأعلام المدن، كثيرة الفواكه والخيرات، وهي محط الحاج على طريق السابلة، وقضية بلاد الجبال، بينها وبين نيسابور مِئَةٌ وستون فرسخًا، وإلى قزوين سبعة وعشرون فرسخًا اهـ من \"معجم البلدان\" (٣/ ١١٦).\n(٢) قوله: \"من\" ليس في (غ).\n(٣) الْمُنَّةُ: القوَّة، وخصّ بعضهم به قوّة القلب. \"لسان العرب\" (١٣/ ٤١٥).","vol":"2","page":81},{"text":"وشمكير - بعامِّيَّتِهِ - يعتقد فيه أنه أعلم وجه الْأَرْضِ (١) بِأَنْوَاعِ الْعُلُومِ.\nفَقَالَ وَشْمَكِيرُ: ذَلِكَ مُرَادِي، رَجُلٌ جيِّد. فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بجُرْجان (٢) لِيَرْحَلَ إِلَيْهِ إِلَى غَزْنَةَ (٣). فَلَمْ يَبْقَ أحد من العلماء إلاّ أَيِسَ مِنَ الدِّين، وَقَالَ: سَيَبْهَتُ الإسماعيليُّ الكافرُ مَذْهَبًا الإسماعيليَّ الحافظَ نسبًا، وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ أَنْ يَقُولُوا للملِكِ: إِنَّهُ لَا علم عنده بذلك لئلا يتهمهم، فلجأوا إِلَى اللَّهِ فِي نَصْرِ دِينِهِ.\nقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: فَلَمَّا جَاءَنِي الْبَرِيدُ، وَأَخَذْتُ فِي الْمَسِيرِ، وَتَدَانَتْ بي الدَّارُ؛ قُلْتُ: إِنَّا لِلَّهِ! وَكَيْفَ أُنَاظِرُ فِيمَا لَا أَدْرِي؟ هَلْ أَتَبَرَّأُ عِنْدَ الْمَلِكِ وَأُرْشِدُهُ إلى من يحسن الجَدَلَ، ويعلم حجج الله على دينه؟ وندمت على ما سلف من عمري ولم أَنْظُرْ فِي شَيْءٍ مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ، ثُمَّ أَذْكَرَنِي اللَّهُ مَا كُنْتُ سَمِعْتُهُ مِنَ الرَّجُلَيْنِ بِجَامِعِ الرَّيّ، فَقَوِيَتْ نَفْسِي، وعَوَّلت عَلَى أَنْ أَجْعَلَ ذَلِكَ عُمْدَتِي، وَبَلَغْتُ الْبَلَدَ، فَتَلَقَّانِي الْمَلِكُ ثم جمع الْخَلْقِ، وَحَضَرَ الإسماعيليُّ الْمَذْهَبِ مَعَ الإسماعيليِّ النَّسَبِ، وَقَالَ الْمَلِكُ لِلْبَاطِنِيِّ: أُذْكُرْ قَوْلَكَ يَسْمَعُهُ الْإِمَامُ. فَلَمَّا أَخَذَ فِي ذِكْرِهِ وَاسْتَوْفَاهُ، قَالَ لَهُ الحافظ: \"لِمَ\"؟ فلما سَمِعَهَا الْمُلْحِدُ قَالَ: هَذَا إِمَامٌ قَدْ عَرَفَ مَقَالَتِي، فبُهِتَ.\nقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: فَخَرَجْتُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَرْتُ بِقِرَاءَةِ عِلْمِ الْكَلَامِ، وَعَلِمْتُ أَنَّهُ عُمْدَةٌ مِنْ عُمَدِ الْإِسْلَامِ (٤).\nقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَحِينَ انتهى بي الْأَمْرُ إِلَى ذَلِكَ الْمَقَامِ قُلْتُ: إِنْ كَانَ في الأجل نساء فَهَذَا شَبِيهٌ بِيَوْمِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، فوجَّهت إِلَى أَبِي الفتح الإمامي، وَقُلْتُ لَهُ: لَقَدْ كُنْتُ فِي لَا شَيْءَ، ولو خرجت من عَكّا قبل أن\n_________\n(١) في (غ): \"وجه الله\".\n(٢) جرجان: مدينة مشهورة عظيمة بين طبرستان وخراسان. \"معجم البلدان\" (٢/ ١١٩).\nغَزْنَةُ: مدينة عظيمة، وولاية واسعة في طرف خراسان، وهي الحدّ بين الهند وخراسان \"معجم البلدان\" (٤/ ٢٠١).\n(٣) انظر تعليق الشيخ محمد الشقير على هذا الكلام في الجزء الأول من هذا الكتاب (ص٢٦٨).","vol":"2","page":82},{"text":"أَجْتَمِعَ بِهَذَا الْعَالِمِ مَا رَحَلْتُ إِلَّا عَرِيًّا عن نادرة الأيام، انظر إلى حذفه بالكلام ومعرفته؛ قَالَ لِي: أَيُّ شَيْءٍ هُوَ اللَّهُ؟ وَلَا يسأل مثل هَذَا إِلَّا مِثْلُهُ. وَلَكِنْ بَقِيَتْ هَاهُنَا نُكْتَةٌ لا بد أَنْ نَأْخُذَهَا الْيَوْمَ عَنْهُ، وَتَكُونُ ضِيَافَتُنَا عِنْدَهُ. لِمَ قُلْتَ: \"أَيُّ شَيْءٍ هُوَ اللَّهُ\"؟ فَاقْتَصَرْتَ مِنْ حُرُوفِ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى \"أَيِّ\"، وَتَرَكْتَ الْهَمْزَةَ وهل وكيف وأين وكم وما، وهي أَيْضًا مِنْ ثَوَانِي حُرُوفِ الِاسْتِفْهَامِ، وعَدَلْتَ عَنِ اللام (١) من حروفه، فهذا سؤال ثاني عن حكمة ثانية، ولأي معنيان فِي الِاسْتِفْهَامِ، فَأَيَّ الْمَعْنَيَيْنِ قَصَدْتَ بِهَا؟ ولِمَ سألتَ بِحَرْفٍ مُحْتَمِلٍ (٢)؟ وَلَمْ تَسْأَلْ بِحَرْفٍ مُصَرِّحٍ بمعنى واحد؟ هل وقع ذلك منك بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا قَصْدِ حِكْمَةٍ؟ أَمْ بِقَصْدِ حِكْمَةٍ؟ فبيِّنْها لَنَا.\nفَمَا هُوَ إِلَّا أَنِ افْتَتَحْتُ هَذَا الْكَلَامَ، وَانْبَسَطْتُ فِيهِ، وَهُوَ يَتَغَيَّرُ، حَتَّى اصفرَّ آخِرًا مِنَ الوَجَل، كَمَا اسْوَدَّ أَوَّلًا مِنَ الْحِقْدِ، وَرَجَعَ أَحَدُ أَصْحَابِهِ الَّذِي كَانَ عَنْ يَمِينِهِ إِلَى آخَرَ كَانَ بِجَانِبِهِ، وَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا الصَّبِيُّ إِلَّا بَحْرٌ زَاخِرٌ مِنَ الْعِلْمِ، مَا رَأَيْنَا مِثْلَهُ قَطُّ، وهم ما رأوا أحدًا به رَمَقٌ؛ لِأَنَّ الدَّوْلَةَ لَهُمْ، وَلَوْلَا مَكَانُنَا مِنْ رِفْعَةِ الدولة ملك الشام، وأن والي عكا كان يحظينا، مَا تخلَّصت مِنْهُمْ فِي الْعَادَةِ (٣) أَبَدًا.\nوَحِينَ سَمِعْتُ تِلْكَ الْكَلِمَةَ مِنْ إِعْظَامِي؛ قُلْتُ: هَذَا مَجْلِسٌ عَظِيمٌ، وَكَلَامٌ طَوِيلٌ، يَفْتَقِرُ إِلَى تَفْصِيلٍ، ولكن يتواعد إِلَى يَوْمٍ آخَرَ، وَقُمْتُ وَخَرَجْتُ فَقَامُوا كُلُّهُمْ مَعِي، وَقَالُوا: لَا بُدَّ أَنْ تَبْقَى قَلِيلًا، فَقُلْتُ: لَا، وَأَسْرَعْتُ حَافِيًا وَخَرَجْتُ عَلَى الْبَابِ أغدو حتى أشرفت على قارعة الطريق، وبقيت هنالك مُبَشِّرًا نَفْسِي بِالْحَيَاةِ، حَتَّى خَرَجُوا بَعْدِي، وَأَخْرَجُوا لي [لالكي] (٤)، وَلَبِسْتُهَا، وَمَشَيْتُ مَعَهُمْ مُتَضَاحِكًا، وَوَعَدُونِي بِمَجْلِسٍ آخَرَ فَلَمْ أُوْفِ لَهُمْ، وَخِفْتُ وَفَاتِي فِي وَفَائِي.\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"الام\".\n(٢) في (غ): \"مكتمل\".\n(٣) في (غ): \"الغادة\".\n(٤) في (ر) و(غ): \"الألكى\"، وتقدم على الصواب في (١/ ٢٦٩)، وكذا هو على الصواب=","vol":"2","page":83},{"text":"قال ابن العربي: وقد كان قَالَ لِي أَصْحَابُنَا النَّصْرِيَّةُ بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى: إِنَّ شَيْخَنَا أَبَا الْفَتْحِ نَصْرَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْمَقْدِسِيَّ اجْتَمَعَ بِرَئِيسٍ مِنَ الشِّيعَةِ، فَشَكَا إِلَيْهِ فَسَادَ الْخَلْقِ، وَأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَصْلُحُ إِلَّا بخروج الإمام المنتظر، فقال له نصر: هل لخروجه ميقات معلوم أَمْ لَا؟ قَالَ الشِّيعِيُّ: نَعَمْ، قَالَ لَهُ أبو الفتح: ومعلوم هو أم مَجْهُولٌ؟ قَالَ: مَعْلُومٌ. قَالَ نَصْرٌ: وَمَتَى يَكُونُ؟ قَالَ: إِذَا فَسَدَ الْخَلْقُ. قَالَ أَبُو الْفَتْحِ: فلم تحبسونه عن الخلق قد فَسَدَ جَمِيعُهُمْ إِلَّا أَنْتُمْ، فَلَوْ فَسَدْتُمْ لَخَرَجَ، فَأَسْرِعُوا بِهِ وَأَطْلِقُوهُ مِنْ سِجْنِهِ، وَعَجِّلُوا بِالرُّجُوعِ إلى مذهبنا، فبُهِتَ. وأظن أنه سَمِعَهَا عَنْ شَيْخِهِ أَبِي الْفَتْحِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَيُّوبَ الرَّازِيِّ الزَّاهِدِ. انْتَهَى مَا حَكَاهُ ابْنُ العربي عن نفسه وغيره، وفيه غُنية في هذا المقام.\nوَتَصَوُّرُ الْمَذْهَبِ كافٍ فِي ظُهُورِ بُطْلَانِهِ، إِلَّا أَنه مَعَ ظُهُورِ فَسَادِهِ وبُعده عَنِ الشَّرْعِ قَدِ اعْتَمَدَهُ طَوَائِفُ، وَبَنَوْا عَلَيْهِ بِدَعًا فَاحِشَةً، مِنْهَا: مَذْهَبُ الْمَهْدِيِّ الْمَغْرِبِيِّ، فإِنه عَدَّ نَفْسَهُ الْإِمَامَ الْمُنْتَظَرَ، وأَنه مَعْصُومٌ، حَتَّى أَن مَنْ شَكَّ فِي عِصْمَتِهِ، أَو فِي (١) أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ المنتظر فهو كَافِرٌ.\nوَقَدْ زَعَمَ ذَوُوهُ أَنه أَلَّف فِي الإِمامة كِتَابًا ذَكَرَ فِيهِ أَن اللَّهَ اسْتَخْلَفَ آدَمَ وَنُوحًا وإِبراهيم وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدًا ﵈، وأَن مدة الخلافة\n_________\n=في بعض نسخ \"العواصم\"، وفي بعضها: \"لالكتى\"، وهو صحيح أيضًا، وهو الذي أثبته المحقق. واللالكة - ويقال: اللالجةِ ـ: ضرب من النعال كما في حاشية د. إحسان عباس على \"معجم الأدباء\" لياقوت الحموي (١/ ٣٧٣) (ترجمة أحمد بن علي أبي الحسن البتّي، الكاتب)؛ تعليقًا على قوله: \"وكان يلبس الخفين، والمبطّنة، ويتعمم العمَّة الثغرية، وإن لبس لالجة لم تكن إلا مربديّة\".\nووقع في \"الكامل\" لابن الأثير (١٠/ ١١٥): \"فنصب منجنيقًا ...، وخرج جماعة من العامة فأخذوه، وجرى عنده قتال كثير، فأخذ بعض العامة لالكة من رجليه فيها المسامير الكثيرة، ورمى بها أميرًا يقال له: جاولي الأسدي وكبيرهم، فأصاب صدره، فوجد لذلك ألمًا شديدًا، وأخذ اللاكة، وعاد عن القتال إلى صلاح الدين، وقال: قد قاتلنا أهل الموصل بحماقات ما رأينا بعد مثلها، وألقى اللاكة، وحلف أنه لا يعود يقاتل عليها أنَفَةً حين ضرب بهذه\".اهـ.\n(١) قوله: \"في\" ليس في (غ) و(ر).","vol":"2","page":84},{"text":"ثَلَاثُونَ سُنَّةً، وَبَعْدَ ذَلِكَ فِرَق وأَهواءُ، وشُح مُطاع، وهَوًى مُتَّبع، وَإِعْجَابُ كُلِّ ذِي رَأْيٍ برَأْيِهِ، فَلَمْ يَزَلِ الأَمر عَلَى ذَلِكَ، وَالْبَاطِلُ ظَاهِرٌ وَالْحَقُّ كَامِنٌ، وَالْعِلْمُ مَرْفُوعٌ - كَمَا أَخبر ﵊ والجهل ظاهر، لم يَبْقَ مِنَ الدِّينِ إِلَّا اسْمُهُ، وَلَا مِنَ الْقُرْآنِ إِلا رَسْمُه، حَتَّى جاءَ اللَّهُ بالإِمام، فأَعاد الله بِهِ الدِّينَ - كَمَا قَالَ ﵊: \"بَدَأَ الْإِسْلَامُ (١) غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ\" (٢)، وَقَالَ: إِنَّ طَائِفَتَهُ هُمُ الغرباءُ، زَعْمًا مِنْ غَيْرِ بُرْهَانٍ زَائِدٍ عَلَى الدَّعْوَى، وَقَالَ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ: جاءَ اللَّهُ بِالْمَهْدِيِّ وَطَاعَتُهُ صَافِيَةٌ نقيَّة، لَمْ يُرَ (٣) مِثْلُهَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ، وأَن بِهِ قَامَتِ (٤) السَّمَوَاتُ والأَرض، وَبِهِ (٥) تَقُومُ، وَلَا ضِدَّ لَهُ (٦)، وَلَا مِثْلَ، ولا ندّ (٧)، وكذب! تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِ، وَهَذَا كَمَا نزَّل أَحَادِيثَ التِّرْمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ فِي الْفَاطِمِيِّ (٨) عَلَى نفسه وأَنه هو\n_________\n(١) في (خ): \"الدين\" بدل \"الإسلام\".\n(٢) تقدم تخريجه (ص٦٥).\n(٣) في (م): \"تر\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"قد قامت\".\n(٥) في (خ): \"به\".\n(٦) قوله: \"له\" ليس في (غ).\n(٧) في (غ) و(ر): \"ولا ندّ ولا مثل\".\n(٨) يعني أحاديث المهدي، ومن أهمها: حديث ابن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وأم سلمة ﵃.\nأما حديث ابن مسعود: فيرويه عاصم بن أبي النَّجود، عن زرّ بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: \"لو لم يبق من الدنيا إلا يوم، لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يُبعث فيه رجل مني - أو: من أهل بيتي - يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلمًا وجورًا\".\nأخرجه أبو داود (٤٢٨١) واللفظ له، والترمذي (٢٢٣٠ و٢٢٣١)، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\".\nوصححه ابن حبان (٦٨٢٤ و٦٨٢٥/ الإحسان).\nوأما حديث أبي سعيد: فأخرجه أحمد (٣/ ١٧، ٢١ - ٢٢، ٢٦ - ٢٧، ٢٨، ٣٦، ٣٧، ٥٢، ٧٠)، وأبو يعلى (٩٨٧، ١١٢٨)، وابن حبان (٦٨٢٣، ٦٨٢٦)، ثلاثتهم من طريق أبي الصديق النَّاجي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: \"لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلمًا وعدوانًا، ثم يخرج رجل من أهل بيتي - أو عترتي ـ، فيملؤها قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وعدوانًا\".\nوسنده صحيح. وأخرجه الترمذي (٢٢٣٢) وحسنه.=","vol":"2","page":85},{"text":"بِلَا (١) شَكٍّ.\nوأَول إِظهاره لِذَلِكَ: أَنه قَامَ فِي أَصحابه خَطِيبًا، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الفعَّال لما يريد، القاضي بما يشاءُ، لَا رادَّ لأَمره، وَلَا معقِّب لِحُكْمِهِ، وصلى الله على النبي المبشِّر بالمهدي الذي (٢) يملأُ الأَرض قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا، يَبْعَثُهُ اللَّهُ إِذا نُسخ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ، وأُزيل العدل بالجور، مكانه المغرب (٣) الأَقصى، وزمانه آخر الزمان (٤)، واسمه اسم النبي ﵊، وَنَسَبَهُ نَسَبُ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ ظَهَرَ جَوْرُ الأُمراء، وامتلأَت الأَرض بِالْفَسَادِ، وَهَذَا آخِرُ الزَّمَانِ، وَالِاسْمُ الِاسْمُ، والنَّسَبُ النَّسَبُ، وَالْفِعْلُ الْفِعْلُ، يُشِيرُ إِلى مَا جاءَ فِي أَحاديث الفاطمي.\nفلما فرغ من كلامه (٥) بَادَرَ (٦) إِليه مِنْ أَصحابه عَشَرَةٌ، فَقَالُوا: هَذِهِ الصِّفَةُ لَا تُوجَدُ إِلا فِيكَ، فأَنت الْمَهْدِيُّ، فَبَايَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَحْدَثَ فِي دِينِ اللَّهِ أَحْدَاثًا كَثِيرَةً زِيَادَةً إِلَى الْإِقْرَارِ بِأَنَّهُ الْمَهْدِيُّ المعلوم، والتخصيص\n_________\n=وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٥٥٨)، وصححه على شرط مسلم.\nوأخرجه (٤/ ٥٥٧) هو وأبو داود (٤٢٨٤) من طريق أبي نضرة، عن أبي سعيد.\nوانظر تخريجه بتوسُّع في تعليقي على \"مختصر المستدرك\" (١١٥٠ و١١٥١) إن شئت.\nوأما حديث أم سلمة: فأخرجه أبو داود (٤٢٨٣) من طريق زياد بن بيان، عن\nعلي بن نفيل، عن سعيد بن المسيب، عن أم سلمة قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: \"المهدي من عترتي من ولد فاطمة\".\nوأخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٣٤٦) وقال: \"في إسناده نظر\".\nوأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ١٩٦) وقال: \"والبخاري إنما أنكر من حديث زياد بن بيان هذا الحديث، وهو معروف به\".\nوأخرجه العقيلي في \"الضعفاء\" (٢/ ٧٥) و(٣/ ٢٥٤) وقال: \"لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به\".\nوأعله ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (١٤٤٦).\n(١) في (غ) و(ر): \"غير\" بدل \"بلا\".\n(٢) قوله: \"الذي\" ليس في (خ).\n(٣) في (خ): \"بالمغرب\".\n(٤) في (خ): \"الأزمان\".\n(٥) قوله: \"من كلامه\" ليس في (خ) و(م).\n(٦) في (خ): \"نادر\".","vol":"2","page":86},{"text":"بِالْعِصْمَةِ، ثُمَّ وُضِعَ ذَلِكَ فِي الْخُطَبِ، وضُرِبَ فِي السِّكَك، بَلْ كَانَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ عِنْدَهُمْ ثالثة الشهادتين (١)، فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهَا، أَو شَكَّ فِيهَا، فَهُوَ كَافِرٌ كَسَائِرِ الْكُفَّارِ. وَشَرَعَ الْقَتْلَ فِي مَوَاضِعَ لَمْ يَضَعْهُ الشَّرْعُ فِيهَا، وَهِيَ نَحْوٌ مَنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا؛ كَتَرْكِ امْتِثَالِ أَمر مَنْ يَستمع أَمره، وَتَرْكِ حُضُورِ مَوَاعِظِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَالْمُدَاهَنَةُ إِذا ظَهَرَتْ فِي أَحد قُتِل، وأَشياءُ كثيرة.\nوكان مذهبه الظَّاهِرِيَّةَ (٢)، وَمَعَ ذَلِكَ فَابْتَدَعَ أَشياءَ؛ كوجوهٍ مِنَ التثويب؛ إِذ كانوا ينادون عند الصلاة بـ\"تاصاليت (٣) الإِسلام\" و\"بتقام (٤) تاصاليت\" (٢) و\"سودرتن\" (٥) و\"باردي\" (٦) و\"أَصبح وَلِلَّهِ الْحَمْدُ\" (٧) وَغَيْرِهِ (٨)، فَجَرَى الْعَمَلُ بِجَمِيعِهَا فِي زَمَانِ الموحِّدين، وَبَقِيَ أَكثرها بَعْدَمَا انْقَرَضَتْ دَوْلَتُهُمْ، حَتَّى إِني أَدركت بِنَفْسِي فِي جَامِعِ غَرْنَاطَةَ الأَعظم الرضا عَنِ الإِمام الْمَعْصُومِ، الْمَهْدِيِّ الْمَعْلُومِ، إِلى أَن أُزيلت وبقيت أَشياءُ كثيرة غُفل عَنْهَا أَو أُغفلت (٩).\nوَقَدْ كَانَ السُّلْطَانُ أَبو العُلَى (١٠) إِدريس بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ عَلِيٍّ مِنْهُمْ، ظَهَرَ لَهُ قُبْحُ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْابْتِدَاعَاتِ، فأَمر - حين استقرّ بمرَّاكش خليفة (١١) - بإِزالة جميع ما ابتُدع\n_________\n(١) في (خ) و(م): \"الشهادة\".\n(٢) في (خ): \"البدعة الظاهرية\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"تاصليت\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"وتقام\"، وفي (م) يشبه أن تكون: \"وبيقام\".\n(٥) في (خ): \"وسوردين\"، وفي (م): \"وسودرين\".\n(٦) في (ر) و(غ): \"وتاردي\"، وسيأتي غير هذا الضبط.\n(٧) ذكر أبو العباس الناصري في \"الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى\" (١/ ٩٦) في ترجمة محمد بن تومرت: أنه أول من أحدث \"أصبح ولله الحمد\" في أذان الصبح. وانظر \"معجم المناهي اللفظية\" للشيخ بكر أبو زيد، لفظة \"أصبح ولله الحمد\"، وما سيأتي (ص٢٥٩).\n(٨) في (ر) و(غ): \"وغير ذلك\".\n(٩) في (ر) و(غ): \"وأغفلت\".\n(١٠) في (خ): \"العلاء\"، وهو خطأ، انظر: ترجمته في \"سير أعلام النبلاء\" (٢٢/ ٣٤٢).\n(١١) في (خ): \"خليفته\".","vol":"2","page":87},{"text":"مِنْ قَبْلِهِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ رِسَالَةً إِلى الأَقطار يأَمر (١) فيها بتغيير تلك السِّيَر (٢)، وَيُوصِي بِتَقْوَى اللَّهِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وأَنه قَدْ نَبَذَ الْبَاطِلَ وأَظهر الْحَقَّ، وأَن لا مهدي إلاَّ عيسى (٣)، وأَن ما ادعوا من أَنه (٤) الْمَهْدِيُّ بِدْعَةٌ أَزالها، وأَسقط اسْمَ مَنْ لَا تُثْبِتُ عِصْمَتُهُ.\nوَذَكَرَ أَن أَباه الْمَنْصُورَ هَمَّ بأَن (٥) يَصْدَعَ بِمَا بِهِ صَدْعَ، وأَن يرقع الخرق الَّذِي رَقَعَ، فَلَمْ يُسَاعِدْهُ الأَجل لِذَلِكَ، ثُمَّ لَمَّا مَاتَ وَاسْتُخْلِفَ ابْنُهُ أَبو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَقَّبُ بِالرَّشِيدِ، وَفَدَ إِليه جَمَاعَةٌ (٦) مِنْ أَهل ذلك المذهب الْمُتَسَمِّين بالموحِّدين، فَفَتَلُوا مِنْهُ فِي الذِّرْوة وَالْغَارِبِ، وَضَمِنُوا عَلَى (٧) أَنفسهم الدُّخُولَ تَحْتَ طَاعَتِهِ، وَالْوُقُوفَ عَلَى قَدَمِ الْخِدْمَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالْمُدَافَعَةَ عَنْهُ بِمَا اسْتَطَاعُوا، لَكِنْ عَلَى شَرْطِ ذِكْرِ الْمَهْدِيِّ وَتَخْصِيصِهِ بِالْعِصْمَةِ فِي الْخُطْبَةِ وَالْمُخَاطَبَاتِ، وَنَقْشِ اسْمِهِ الْخَاصِّ فِي السِّكَكِ، وإِعادة الدعاء بعد الصلاة، والنداء عليها بـ\"تاصاليت (٨) الإِسلام\" عند كمال الأَذان، و\"بتقام (٩) تاصاليت\" (٨)، وَهِيَ إِقامة الصَّلَاةِ، وَمَا أَشبه ذَلِكَ من\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"فأمر\".\n(٢) في (خ): \"السنن\".\n(٣) وهذا خطأ آخر أيضًا، ومعالجة للبدعة ببدعة أخرى؛ وهي إنكار المهدي الذي من أهل البيت، وقد صح في ذكره أحاديث، منها ما تقدم (ص٨٥ - ٨٦).\nوالقول بأنه لا مهدي إلا عيسى اعتُمد فيه على حديث أخرجه ابن ماجه (٤٠٣٩) وغيره من طريق يونس بن عبد الأعلى، عن الشافعي، عن محمد بن خالد الجندي، عن أبان بن صالح، عن الحسن البصري، عن أنس، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: \"لا مهدي إلا عيسى\".\nوهو ضعيف جدًا.\nفمحمد بن خالد الجندي مجهول كما في \"التقريب\" (٥٨٨٦).\nوالمتن منكر.\nوانظر: التفصيل في تخريجه والكلام عليه في تعليقي على \"مختصر المستدرك\" (١٠٩٥) إن شئت.\n(٤) في (خ): \"وأن ما ادعوه أنه\".\n(٥) في (غ) و(ر): \"أن\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"جملة\" بدل \"جماعة\".\n(٧) في (غ) و(ر) و(م): \"عن\" بدل \"على\".\n(٨) في (غ) و(ر) و(م): \"تاصليت\"، وتقدم اللفظ قبل بضعة أسطر.\n(٩) في (غ) و(ر): \"وتقام\"، وفي (م) يشبه أن تكون: \"وتيقام\".","vol":"2","page":88},{"text":"\"سودرتن\" (١)، و\"قادري\" (٢)، وَ\"أَصبح وَلِلَّهِ الْحَمْدُ\"، وَغَيْرِ ذَلِكَ.\nوَقَدْ كَانَ الرَّشِيدُ اسْتَمِرَّ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا رَسَمَ أَبوه مِنْ تَرْكِ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَلَمَّا انْتَدَبَ الموحدون إِلى الطاعة اشترطوا إِعادة مَا تَرَكَ، فأَسعفوا فِيهِ، فَلَمَّا احْتَلُّوا مَنَازِلَهُمْ أَيامًا وَلَمْ يَعُدْ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْعَوَائِدِ، سَاءَتْ ظُنُونُهُمْ، وَتَوَقَّعُوا انْقِطَاعَ مَا هُوَ عُمْدَتُهُمْ فِي دِينِهِمْ، وَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّشِيدَ، فَجَدَّدَ تأَنيسهم بإِعادتها.\nقال المؤرِّخ: فيالله! مَاذَا (٣) بَلَغَ مِنْ سُرُورِهِمْ (٤)! وَمَا كَانُوا فِيهِ مِنْ الِارْتِيَاحِ لِسَمَاعِ تِلْكَ الأُمور، وَانْطَلَقَتْ أَلسنتهم بالدعاء لخليفتهم بالنصر والتأييد، وشملت الأَفراح الكبير منهم وَالصَّغِيرَ (٥)، وَهَذَا (٦) شأَن صَاحِبِ الْبِدْعَةِ أَبدًا (٧)، فَلَنْ يُسَرَّ بأَعظم (٨) مِنَ انْتِشَارِ بِدَعَتِهِ وإِظهارها، ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ (٩)، وَهَذَا كُلُّهُ دَائِرٌ عَلَى الْقَوْلِ بالإِمامة وَالْعِصْمَةِ الذي هو رأْي الشيعة.\n_________\n(١) في (خ) و(م): \"سودرين\".\n(٢) في (ر) و(غ): \"وما ردي\"، وتقدم غير هذا الضبط.\n(٣) في (غ) و(ر): \"إذا\".\n(٤) في (م): \"شرورهم\".\n(٥) في (خ): \"الأفراح منهم الكبير والصغير\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"هذا\".\n(٧) قوله: \"أبدًا\" ليس في (خ).\n(٨) في (خ) و(م): \"يسرنا عظم\".\n(٩) سورة المائدة: الآية (٤١).","vol":"2","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>فَصْلٌ </span>(١)\nوَمِنْهَا: رَأْيُ قومٍ تَغَالوا (٢) فِي تَعْظِيمِ شُيُوخِهِمْ، حَتَّى أَلحقوهم بِمَا لَا يَسْتَحِقُّونَهُ (٣). فَالْمُقْتَصِدُ (٤) فِيهِمْ (٥) يَزْعُمُ أَنه لَا وليَّ (٦) لِلَّهِ أَعظم مِنْ فُلَانٍ، وَرُبَّمَا أَغلقوا بَابَ الْوِلَايَةِ دُونَ سَائِرِ الأُمّة إِلا هَذَا الْمَذْكُورَ، وَهُوَ بَاطِلٌ مَحْضٌ، وَبِدْعَةٌ فَاحِشَةٌ؛ لأَنه لَا يُمْكِنُ أَن يَبْلُغَ المتأَخرون أَبدًا مَبَالِغَ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَخَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ (٧) الَّذِينَ رأَوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَآمَنُوا بِهِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ (٨)، وَهَكَذَا يَكُونُ الأَمر أَبدًا إِلى قِيَامِ السَّاعَةِ. فأَقوى مَا كَانَ أَهل الإِسلام فِي دِينِهِمْ وأَعمالهم وَيَقِينِهِمْ وأَحوالهم فِي أَول الإِسلام، ثم لا يزال (٩) يَنْقُصُ شَيْئًا فَشَيْئًا إِلى آخَرِ الدُّنْيَا، لَكِنْ لَا يَذْهَبُ الْحَقُّ جُمْلَةً، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ طَائِفَةٍ تَقُومُ بِهِ وَتَعْتَقِدُهُ، وَتَعْمَلُ بِمُقْتَضَاهُ على حسبهم في زمانهم (١٠)، لا على (١١) مَا كَانَ عَلَيْهِ الأَوّلون مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لأَنه لَوْ أَنفق أَحد مِنَ المتأَخرين وَزْنَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحد مِنْ أَصحاب رسول الله ﷺ وَلَا نَصِيفَه حَسْبَمَا أَخبر عَنْهُ الصَّادِقُ ﷺ (١٢). وإِذا\n_________\n(١) قوله: \"فصل\" ليس في (غ) و(ر).\n(٢) في (خ): \"التغالي\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"بما لا يستحقون\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"فالمقتصر\".\n(٥) في (خ): \"منهم\".\n(٦) في (غ): \"الأولى\".\n(٧) قوله: \"القرن\" ليس في (خ).\n(٨) قوله: \"ثم الذين يلونهم\" الثانية ليس في (خ)، وهو بهذا يشير إلى الحديث المتقدم تخريجه (ص٦٦).\n(٩) في (خ): \"لا زال\".\n(١٠) في (خ): \"إيمانهم\"، وفي (م): \"أمانهم\".\n(١١) قوله: \"على\" ليس في (خ).\n(١٢) قوله: \"حَسْبَمَا أَخْبَرَ عَنْهُ الصَّادِقُ ﷺ\" ليس في (خ).=","vol":"2","page":90},{"text":"كَانَ ذَلِكَ فِي الْمَالِ، فَكَذَلِكَ فِي (١) سَائِرِ شُعَبِ الإِيمان، بِشَهَادَةِ التَّجْرِبَةِ الْعَادِيَّةِ.\nولِمَا تقدَّم أَول الكتاب من (٢) أَنه لَا يَزَالُ الدِّينُ فِي نَقْصٍ فَهُوَ أَصل (٣) لا شك فيه، وهو عَقْدُ (٤) أَهل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَكَيْفَ يَعْتَقِدُ بَعْدَ ذَلِكَ في أَحدٍ (٥) أَنه ولي أَهل الأَرض ليس (٦) فِي الأُمة وَلِيٌّ غَيْرُهُ؟ لَكِنَّ الْجَهْلَ الْغَالِبَ، وَالْغُلُوَّ فِي التَّعْظِيمِ، وَالتَّعَصُّبِ لِلنِّحَلِ، يُؤَدِّي إِلى مِثْلِهِ أَو أَعظم مِنْهُ.\nوَالْمُتَوَسِّطُ يَزْعُمُ أَنه مساوٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ، إِلا أَنه لَا يأَتيه الْوَحْيُ (٧). بَلَغَنِي هَذَا عَنْ طائفة من الغالين في شيخهم، الحاملين لطريقته (٨) فِي زَعْمِهِمْ، نَظِيرَ مَا ادَّعَاهُ بَعْضُ تَلَامِذَةِ الْحَلاّج فِي شَيْخِهِمْ، عَلَى الِاقْتِصَادِ مِنْهُمْ فِيهِ، وَالْغَالِي (٩) يَزْعُمُ فِيهِ أَشنع مِنْ هَذَا، كَمَا ادَّعَى أَصحاب الحَلاّج فِي الحَلاّج.\nوَقَدْ حَدَّثَنِي بَعْضُ الشُّيُوخِ أَهل الْعَدَالَةِ وَالصِّدْقِ فِي النَّقْلِ أَنه قال: أَقمت زمانًا في بعض قرى (١٠) الْبَادِيَةِ، وَفِيهَا مِنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ الْمُشَارِ إِليها كَثِيرٌ. قَالَ: فَخَرَجْتُ يَوْمًا مِنْ مَنْزِلِي لِبَعْضِ شأَني، فرأَيت رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ قَاعِدَيْنِ يَتَحَدَّثَانِ (١١)، فَاتَّهَمْتُ (١٢) أَنهما يتحدَّثان فِي بَعْضِ فُرُوعِ طَرِيقَتِهِمْ، فَقَرُبْتُ مِنْهُمَا عَلَى اسْتِخْفَاءٍ لأَسمع مِنْ كَلَامِهِمْ - إِذ من شأنهم الاستخفاء\n_________\n=والحديث أخرجه البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١) من حديث أبي سعيد الخدري، وأخرجه مسلم (٢٥٤٠) من حديث أبي هريرة.\n(١) قوله: \"في\" ليس في (م).\n(٢) قوله: \"من\" ليس في (خ) و(م).\n(٣) في (خ): \"أصلي\".\n(٤) في (خ) و(م): \"عند\".\n(٥) قوله: \"أحد\" ليس في (خ).\n(٦) في (خ): \"وليس\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"جبريل\".\n(٨) في (خ): \"لطريقتهم\".\n(٩) في (خ): \"والقالي\".\n(١٠) في (خ): \"القرى\".\n(١١) قوله: \"يتحدثان\" ليس في (خ).\n(١٢) كذا في جميع النسخ! ولعل صوابه: \"فتوهَّمت\"؛ قاله رشيد رضا.","vol":"2","page":91},{"text":"بأَسرارهم ـ، فتحدَّثا (١) فِي شَيْخِهِمْ وعِظَمِ مَنْزِلَتِهِ، وأَنه لَا أَحد (٢) فِي الدُّنْيَا مِثْلَهُ، فَقَالَ أَحدهما لِلْآخَرِ: أَتحب الْحَقَّ هُوَ النَّبِيُّ، قَالَ: نَعَمْ (٣)، وطَرَبَا لهذا المقالة طَرَبًا عَظِيمًا، ثُمَّ قَالَ أَحدهما لِلْآخَرِ: أَتحب (٤) الْحَقَّ؟ هُوَ كَذَا (٥)، قَالَ: نَعَمْ، هَذَا هُوَ الْحَقُّ. قَالَ الْمُخْبِرُ لِي (٦): فَقُمْتُ مِنْ ذَلِكَ الموضع (٧) فارًّا أَن تصيبني معهم قَارِعَة.\nوهذا نمط من نَمَطُ (٨) الشِّيعَةِ الإِماميَّة، وَلَوْلَا الغُلُوّ فِي الدِّينِ والتَّكَالُبُ عَلَى نَصْرِ الْمَذْهَبِ، وَالتَّهَالُكِ فِي مَحَبَّةِ الْمُبْتَدَعِ، لَمَا وَسِعَ ذَلِكَ عَقْلُ أَحد، وَلَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: \"لتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ\" (٩)، الْحَدِيثَ. فَهَؤُلَاءِ غَلَوْا كَمَا غَلَتِ النَّصَارَى فِي عِيسَى ﵇؛ حَيْثُ قَالُوا: إِن الله هو المسيح ابن مريم، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ *﴾ (١٠)، وفي الحديث: \"لا تُطْرُونِي كَمَا أَطرت النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ (١١)، وَلَكِنْ قُولُوا (١٢): عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ\" (١٣).\nوَمَنْ تأَمَّل هَذِهِ الأَصناف وَجَدَ لَهَا مِنَ الْبِدَعِ فِي فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ كَثِيرًا؛ لأَن الْبِدْعَةَ إِذا دَخَلَتْ (١٤) في (١٥) الأَصل سَهلَتْ مداخلتها الفروع.\n_________\n(١) في (م): \"فتحدثنا\".\n(٢) في (خ): \"لأحد\".\n(٣) قوله: \"فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: أَتُحِبُّ الْحَقَّ هُوَ النَّبِيُّ، قال: نعم\"، سقط من (خ)، وانظر التعليق بعد الآتي.\n(٤) في (غ) و(ر): \"أتريد\".\n(٥) في (خ): \"هو النبي\".\n(٦) قوله: \"لي\" ليس في (خ).\n(٧) قوله: \"الموضع\" سقط من (م)، وفي (خ): \"المكان\".\n(٨) قوله: \"من نمط\" ليس في (خ) و(م).\n(٩) أخرجه البخاري (٣٤٥٦ و٧٣٢٠)، ومسلم (٢٦٦٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(١٠) قوله تعالى: \"قل\" ليس في (خ).\n(١١) الآية (٧٧) من سورة المائدة.\n(١٢) قوله: \"ابن مريم\" من (خ) فقط.\n(١٣) في (م): \"قالوا\".\n(١٤) أخرجه البخاري (٣٤٤٥) من حديث عمر ﵁.\n(١٥) في (ر): \"داخلت\".\n(١٦) قوله: \"في\" ليس في (غ) و(ر).","vol":"2","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>فَصْلٌ</span>\nوأَضعف هؤلاءِ احْتِجَاجًا: قَوْمٌ اسْتَنَدُوا فِي أَخذ الأَعمال إِلى الْمَنَامَاتِ، وأَقبلوا وأَعرضوا بِسَبَبِهَا، فيقولون: رأَينا فلانًا الرجل الصالح في النوم (١)، فَقَالَ لَنَا: اتْرُكُوا كَذَا، وَاعْمَلُوا كَذَا. وَيَتَّفِقُ مثل هذا كثيرًا للمُتَرَسِّمين (٢) برَسْم التَّصَوُّفِ، وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: رأَيت النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّوْمِ، فَقَالَ لِي كَذَا، وأَمرني بِكَذَا؛ فَيَعْمَلُ بِهَا، وَيَتْرُكُ بِهَا (٣)، مُعْرِضًا عَنِ الْحُدُودِ الْمَوْضُوعَةِ فِي الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ خَطَأٌ؛ لأَن الرُّؤْيَا مِنْ غَيْرِ الأَنبياءِ لَا يُحْكَمُ بِهَا شَرْعًا عَلَى حَالٍ، إِلا أَن نعرضها عَلَى مَا فِي أَيدينا مِنَ الأَحكام الشَّرْعِيَّةِ، فإِن سَوَّغَتْهَا عُمل بِمُقْتَضَاهَا، وإِلا وَجَبَ تَرْكُهَا والإعراض عنها، وإِنما فائدتها البشارة والنذارة (٤) خَاصَّةً، وأَما اسْتِفَادَةُ الأَحكام فَلَا، كَمَا يُحْكَى عَنِ الكِتَّاني ﵀ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ من الْمَنَامِ، فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ أَن لَا يُمِيتَ قَلْبِي، فَقَالَ: قُلْ كُلَّ يَوْمٍ أَربعين مَرَّةً: \"ياحي يَا قَيُّومُ! لَا إِله إِلا أَنت\" (٥)، فَهَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ لَا إِشكال فِي صِحَّتِهِ، وَكَوْنُ الذِّكْرِ يُحْيِي الْقَلْبَ صَحِيحٌ شَرْعًا، وَفَائِدَةُ الرُّؤْيَا التنبيه على الخير، وهي (٦) من\n_________\n(١) قوله: \"في النوم\" ليس في (خ) و(م).\n(٢) في (خ): \"للمتمرسين\"، وفي (م): \"للمرتسمين\". وعلق عليها رشيد رضا بقوله: تمرَّس بالشيء: احتكّ به، وتمرّس بدينه: تلعب به وعبث كما يعبث البعير. والمراد بهم هنا: المقلّدون للصوفية في رسومهم الظاهرة، دون أخلاقهم وأعمالهم. اهـ.\n(٣) قوله: \"بها\" ليس في (غ) و(ر).\n(٤) في (خ): \"أو النذارة\".\n(٥) ذكر قول الكتاني هذا القشيري في \"رسالته\" (ص١٧٧).\n(٦) في (خ) و(م):\"وهو\".","vol":"2","page":93},{"text":"نَاحِيَةِ الْبِشَارَةِ، وإِنما يَبْقَى الْكَلَامُ فِي التَّحْدِيدِ بالأَربعين، وإِذا لم يؤخذ (١) عَلَى اللُّزُومِ اسْتَقَامَ.\nوَعَنْ أَبي يَزِيدَ البِسْطَامي ﵀؛ قَالَ: رأَيت رَبِّي فِي الْمَنَامِ، فَقُلْتُ: كَيْفَ الطريق إِليك؟ فقال: اترك نفسك وتعال (٢).\nوشاهد (٣) هَذَا الْكَلَامِ مِنَ الشَّرْعِ مَوْجُودٌ، فَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ صَحِيحٌ؛ لأَنه كَالتَّنْبِيهِ لِمَوْضِعِ (٤) الدَّلِيلِ؛ لأَن تَرْكَ النَّفْسِ مَعْنَاهُ تَرْكُ هَوَاهَا بإِطلاق، وَالْوُقُوفُ عَلَى قَدَمِ الْعُبُودِيَّةِ، وَالْآيَاتُ تَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى *فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى *﴾ (٥)، وَمَا أَشبه ذَلِكَ. فَلَوْ رأَى فِي النَّوْمِ قائلًا يقول له (٦): إِن فُلَانًا سَرَقَ فَاقْطَعْهُ، أَو عَالِمٌ فاسأَله، أَو اعْمَلْ بِمَا يَقُولُ لَكَ، أَو فُلَانٌ زنى فحُدَّه، أَوْ ما (٧) أَشبه ذَلِكَ؛ لَمْ يَصِحَّ لَهُ الْعَمَلُ حَتَّى يَقُومَ لَهُ الشَّاهِدُ فِي الْيَقَظَةِ، وإِلا كَانَ عَامِلًا بِغَيْرِ شَرِيعَةٍ؛ إِذ لَيْسَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحْيٌ.\nوَلَا يُقَالُ: إِن الرُّؤْيَا مِنْ أَجزاءِ النُّبُوَّةِ (٨)، فَلَا ينبغي أَن تهمل، وأَيضًا فإِن (٩) الْمُخْبِرَ فِي الْمَنَامِ قَدْ يَكُونُ النَّبِيَّ ﷺ، وَهُوَ قَدْ قَالَ: \"مَنْ رآني في النوم فقد رآني (١٠)، فإِن الشَّيْطَانَ لَا يتمثَّل بِي\" (١١). وإِذا كَانَ كذلك (١٢)؛ فإخباره له (١٣) في النوم كإِخباره في اليقظة.\n_________\n(١) في (خ) و(م): \"يوجد\".\n(٢) ذكر قول أبي يزيد هذا القشيري في \"رسالته\" (ص١٧٧).\n(٣) في (خ) و(م): \"وشأن\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"لوضع\".\n(٥) سورة النازعات: الآيتان (٤٠، ٤١).\n(٦) قوله: \"له\" ليس في (غ) و(خ).\n(٧) في (خ): \"وما\".\n(٨) أخرج البخاري في \"صحيحه\" (٦٩٩٤)، ومسلم (٢٢٦٤) من حديث أنس بن مالك ﵁، عن عبادة بن الصامت ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"رؤيا المؤمن جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ\".\n(٩) في (خ): \"إن\".\n(١٠) في (خ) و(م): \"رآني حقًا\".\n(١١) أخرجه البخاري (١١٠)، ومسلم (٢٢٦٦) من حديث أبي هريرة.\n(١٢) قوله: \"كذلك\" ليس في (خ) و(م).\n(١٣) قوله: \"له\" ليس في (خ).","vol":"2","page":94},{"text":"لأَنا نَقُولُ: إِن كَانَتِ الرُّؤْيَا مِنْ أَجزاء النبوة، فليست بالنسبة (١) إِلينا من كمال الوحي، بل جزءًا مِنْ أَجزائه، والجزءُ لَا يَقُومُ مَقَامَ الكُلّ فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ، بَلْ إِنما يَقُومُ مَقَامَهُ من (٢) بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَقَدْ صُرِفَتْ إِلى جِهَةِ الْبِشَارَةِ وَالنِّذَارَةِ، وَفِيهَا كَافٌ (٣).\nوأَيضًا فإِن الرُّؤْيَا الَّتِي هي جزء من النبوة (٤) من شرطها أَن تكون صالحة، ومن (٥) الرَّجُلِ الصَّالِحِ، وَحُصُولُ الشُّرُوطِ مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ، فَقَدْ تَتَوَفَّرُ، وَقَدْ لَا تَتَوَفَّرُ.\nوأَيضًا فَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ إِلى الْحُلْمِ، وَهُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وإِلى حديث النفس، وقد تكون بسبب هَيَجَان بعض الأَخْلاَط (٦)، فمتى تتعيَّن الصالحة حتى يحكم بها، وتترك غَيْرَ الصَّالِحَةِ؟.\nوَيَلْزَمُ أَيضًا عَلَى ذَلِكَ أَن يَكُونَ تَجْدِيدَ وَحْيٍ بِحُكْمٍ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ، وهو منفي (٧) بالإِجماع.\nيُحْكَى أَن شَرِيكَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ القاضي دخل يومًا (٨) عَلَى الْمَهْدِيِّ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: علَيَّ بِالسَّيْفِ والنّطْع! قَالَ: ولِمَ يَا أَمير الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: رأَيت فِي مَنَامِي كأَنك تطأُ بِسَاطِي وأَنت مُعْرِضٌ عَنِّي، فَقَصَصْتُ رُؤْيَايَ عَلَى مَنْ عَبَرَهَا. فَقَالَ لِي: يُظْهِرُ لَكَ طَاعَةً وَيُضْمِرُ مَعْصِيَةً. فَقَالَ لَهُ شَرِيكٌ: وَاللَّهِ! مَا رُؤْيَاكَ بِرُؤْيَا إِبراهيم الخليل ﵇، ولا مُعَبِّرُكَ (٩) بيوسف (١٠) الصديق ﵇، أَفبالأَحلام (١١) الكاذبة تضرب أَعناق المؤمنين؟ فاسْتَحْيَى المهدي، وقال له (١٢): اخرج عني، ثم صرفه وأَبعده.\n_________\n(١) قوله: \"بالنسبة\" ليس في (خ) و(م).\n(٢) في (خ) و(م): \"في\".\n(٣) كذا في جميع النسخ. وعلق عليها رشيد رضا بقوله: \"كذا! ولعل في الكلام حذفًا\".\n(٤) في (خ): \"جزء من أجزاء النبوة\".\n(٥) في (خ): \"من\".\n(٦) في (خ): \"أخلاط\".\n(٧) في (م) و(خ): \"منهي عنه\" بدل \"منفي\".\n(٨) قوله: \"يومًا\" ليس في (خ).\n(٩) في (خ): \"ولا أن معبرك\".\n(١٠) في (ر) و(غ) و(م): \"يوسف\".\n(١١) في (خ): \"فبالأحلام\".\n(١٢) قوله: \"له\" ليس في (خ).","vol":"2","page":95},{"text":"وَحَكَى الْغَزَالِيُّ عَنْ بَعْضِ الأَئمة أَنه أَفتى بِوُجُوبِ قَتْلِ رَجُلٍ يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، فَرُوجِعَ فِيهِ، فَاسْتَدَلَّ بأَن رَجُلًا رأَى فِي مَنَامِهِ إِبليس قد اجتاز بباب هذه (١) المدينة ولم يدخلها؟ فقيل له (٢): هَلاّ (٣) دَخَلْتَهَا؟ فَقَالَ: أَغناني عَنْ دُخُولِهَا رَجُلٌ يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، فَقَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَقَالَ: لَوْ أَفتى إِبليس بِوُجُوبِ قَتْلِي فِي الْيَقَظَةِ هَلْ تقلِّدونه في فتواه؟ فقالوا: لا! قال (٤): فقوله فِي الْمَنَامِ لَا يَزِيدُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْيَقَظَةِ.\nوأَما الرُّؤْيَا الَّتِي يُخْبِرُ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّائِي بِالْحُكْمِ، فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِيهَا أَيضًا؛ لأَنه إِذا أَخبر بحكم موافق لشريعته، فالعمل (٥) بما استقرّ من شريعته (٦)، وإِن أَخبر بمخالف، فمحال؛ لأَنه ﷺ لَا يَنْسَخُ بَعْدَ مَوْتِهِ شَرِيعَتَهُ الْمُسْتَقِرَّةَ فِي حَيَاتِهِ؛ لأَن الدِّينَ لَا يَتَوَقَّفُ اسْتِقْرَارُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى حُصُولِ الْمَرَائِي النَّوْمِيَّةِ؛ لأَن ذَلِكَ بَاطِلٌ بالإِجماع. فَمَنْ رأَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَا عَمَلَ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ نَقُولُ: إِن رُؤْيَاهُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ؛ إِذ لَوْ رَآهُ حَقًّا لَمْ يُخْبِرْهُ بِمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ.\nلَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: \"مَنْ رَآنِي فِي النَّوْمِ فَقَدَ رَآنِي\"، وَفِيهِ تأْويلان:\nأَحدهما: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ (٧) إِذ سُئِلَ عَنْ حَاكِمٍ شَهِدَ عِنْدَهُ عَدْلَانِ مَشْهُورَانِ بِالْعَدَالَةِ فِي قَضِيَّةٍ، فَلَمَّا نَامَ (٨) الْحَاكِمُ ذَكَرَ أَنه رأَى النَّبِيَّ ﷺ، وقال (٩) له: لا تَحْكُمُ (١٠) بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، فإِنَّها بَاطِلَةٌ (١١). فأَجاب بأَنه لا\n_________\n(١) قوله: \"هذه\" ليس في (خ) و(م).\n(٢) قوله: \"له\" ليس في (خ) و(م).\n(٣) في (ر) و(غ): \"فهلا\"، وفي (خ): \"هل\" بدل \"هلا\".\n(٤) في (خ): \"فقال\".\n(٥) في (خ): \"فالحكم\" بدل \"فالعمل\".\n(٦) قوله: \"من شريعته\" ليس في (خ) و(م).\n(٧) في \"فتاويه\" (١/ ٦١٢).\n(٨) في (غ) و(ر): \"قام\".\n(٩) في (خ): \"فقال\".\n(١٠) في (م): \"تحكم\"، وفي (خ): \"ما تحكم\".\n(١١) في (غ) و(ر): \"باطل\".","vol":"2","page":96},{"text":"يَحِلُّ لَهُ أَن يَتْرُكَ الْعَمَلَ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ؛ لأَن ذَلِكَ إِبطال لأَحكام الشَّرِيعَةِ بِالرُّؤْيَا، وَذَلِكَ بَاطِلٌ لَا يَصِحُّ أَن يُعْتَقَد، إِذ لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ مِنْ نَاحِيَتِهَا إِلا الأَنبياء الَّذِينَ رُؤْيَاهُمْ وَحْيٌ، وَمَنْ سِوَاهُمْ إِنما رُؤْيَاهُمْ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وأَربعين جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ (١).\nثُمَّ قَالَ: وَلَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ: \"مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَآنِي حَقًّا (٢) \": أَن كُلَّ مَنْ رأَى فِي مَنَامِهِ أَنه رَآهُ فَقَدْ رَآهُ حَقِيقَةً؛ بِدَلِيلٍ أَن الرَّائِيَ قَدْ يَرَاهُ مَرَّاتٍ عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَيَرَاهُ الرَّائِي عَلَى صِفَةٍ، وَغَيْرِهِ عَلَى صفة أُخرى. ولا يجوز أَن تختلف صورة (٣) النَّبِيِّ ﷺ وَلَا صِفَاتُهُ، وإِنما مَعْنَى الْحَدِيثِ: \"مَنْ رَآنِي عَلَى صُورَتَيِ الَّتِي خُلِقْتُ عَلَيْهَا، فَقَدْ رَآنِي، إِذ لَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي\"، إِذ لَمْ يَقُلْ: مَنْ رأَى أَنه رَآنِي، فَقَدْ رَآنِي، وإِنما قَالَ: مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَآنِي. وأَنّى لِهَذَا الرَّائِي الذي رأَى أَنه رآه على صورته أَنه رَآهُ عَلَيْهَا وإِن ظَنَّ أَنه رَآهُ؟ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَن تِلْكَ الصُّورَةَ (٤) صُورَتُهُ (٥) بعينها، هذا (٦) مَا لَا طَرِيقَ لأَحد إِلى مَعْرِفَتِهِ.\nفَهَذَا ما نقل ابْنِ (٧) رُشْدٍ، وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلى أَن الْمَرْئِيَّ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ، وإِن اعتقد الرائي أَنه هو.\nوالتأْويل (٨) الثَّانِي: يَقُولُهُ علماءُ التَّعْبِيرِ: إِن الشَّيْطَانَ قَدْ يأَتي النَّائِمَ فِي صُورَةٍ مَّا مِنْ مَعَارِفِ الرائي وغيرهم، فيشير له إِلى رجل ويقول (٩): هذا فلان النبي، أَو هذا (١٠) الْمِلْكُ الْفُلَانِيُّ، أَو مَنْ (١١) أَشبه هؤلاءِ مِمَّنْ لا يتمثل الشيطان به، فيوقع اللَّبْسَ عَلَى الرَّائِي بِذَلِكَ، وَلَهُ عَلَامَةٌ عِنْدَهُمْ. وإِذا كان كذلك أَمكن أَن يكلمه ذلك (١٢) المشار إِليه بالأَمر والنهي غير\n_________\n(١) تقدم تخريجه (ص٩٤).\n(٢) تقدم تخريجه (ص٩٤).\n(٣) في (خ) و(م): \"صور\".\n(٤) قوله: \"الصورة\" ليس في (غ) و(ر).\n(٥) قوله: \"صورته\" ليس في (م).\n(٦) في (خ): \"وهذا\".\n(٧) في (خ): \"عن أبي\" بدل (ابن).\n(٨) قوله: \"التأويل\" ليس في (غ) و(ر) و(م).\n(٩) في (خ): \"آخر\" بدل \"ويقول\".\n(١٠) في (خ) و(م): \"وهذا\".\n(١١) في (غ): \"أو ممن\".\n(١٢) قوله: \"ذلك\" ليس في (خ).","vol":"2","page":97},{"text":"الْمُوَافِقَيْنِ لِلشَّرْعِ، فَيَظُنُّ الرَّائِي أَنه مِنْ قِبَلِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَلَا يُوثِقُ بِمَا يَقُولُ لَهُ (١) أَو يأَمر (٢) أَو يَنْهَى.\nوَمَا أَحرى هَذَا الضَّرْب أَن (٣) يَكُونَ الأَمر أَو النَّهْيُ فِيهِ مُخَالِفًا (٤)، كما أَن (٥) الأَول حقيق بأَن يَكُونَ فِيهِ مُوَافِقًا، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَبْقَى فِي المسأَلة إِشكال. نَعَمْ لَا يَحْكُمُ بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيَا حَتَّى يَعْرِضَهَا عَلَى الْعِلْمِ؛ لإِمكان اخْتِلَاطِ أَحد الْقِسْمَيْنِ بِالْآخَرِ. وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَلَا يَسْتَدِلّ بِالرُّؤْيَا (٦) فِي الأَحكام إِلا ضَعِيفُ الْمُنَّةِ (٧). نعم يأْتي العلماء (٨) بالمرائي (٩) تأَنيسًا وَبِشَارَةً وَنِذَارَةً خَاصَّةً، بِحَيْثُ لَا يَقْطَعُونَ بِمُقْتَضَاهَا حُكْمًا، وَلَا يَبْنُونَ عَلَيْهَا أَصلًا، وَهُوَ الِاعْتِدَالُ فِي أَخذها، حَسْبَمَا فُهم مِنَ الشَّرْعِ فيها، والله أَعلم.\n_________\n(١) قوله: \"له\" ليس في (ر) و(غ) و(م).\n(٢) في (خ): \"أو يا\".\n(٣) في (ر) و(غ): \"بأن\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"والنهي مخالفًا\".\n(٥) في (خ) و(م): \"لكمال\". وذكر رشيد رضا في (ص٢٦٥) من المجلد الثاني في موضع آخر أن لفظ \"الأول\" لا يظهر له معنى في هذا الموضع والموضع الآخر محل التعليق، وهو الآتي في (ص١٠٠).\n(٦) قوله: \"بالرؤيا\" ليس في (م)، وفي (غ) و(ر): \"بالأحلام\".\n(٧) الْمُنَّةُ - بالضم ـ: هي القوّة، وخص بعضهم بها قوة القلب. انظر: \"لسان العرب\" (١٣/ ٤١٥).\n(٨) قوله: \"العلماء\" ليس في (خ) و(م).\n(٩) في (خ): \"المرئي\" وفي (م): \"المرائي\".","vol":"2","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>فَصْلٌ</span>\n\nوَقَدْ رأَينا أَن نَخْتِمَ الْكَلَامَ فِي الْبَابِ بفصلٍ جَمَعَ جُمْلَةً مِنْ الِاسْتِدْلَالَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وغيرها مما (١) فِي مَعْنَاهَا، وَفِيهِ مِنْ نُكَتِ هَذَا الْكِتَابِ جُمْلَةٌ أُخرى، فَهُوَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِليه بِحَسْبَ الْوَقْتِ وَالْحَالِ، وإِن كَانَ فِيهِ طُولٌ، وَلَكِنَّهُ يَخْدِمُ مَا نَحْنُ فِيهِ إِن شَاءَ اللَّهُ تعالى.\nوَذَلِكَ أَنه وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ قَوْمٍ يتسمَّون بالفقراءِ، يَزْعُمُونَ أَنهم سَلَكُوا طَرِيقَ الصُّوفِيَّةِ، فَيَجْتَمِعُونَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي، ويأَخذون فِي الذِّكْرِ الجَهْري (٢) عَلَى صوتٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ فِي الغناءِ وَالرَّقْصِ إِلى آخَرَ اللَّيْلِ، وَيَحْضُرُ مَعَهُمْ بَعْضُ المتسمِّين بِالْفُقَهَاءِ، يَتَرَسَّمُونَ بِرَسْمِ الشُّيُوخِ الْهُدَاةِ إِلى سُلُوكِ ذَلِكَ الطَّرِيقِ: هَلْ هَذَا الْعَمَلُ صَحِيحٌ فِي الشَّرْعِ أَم لَا؟.\nفَوَقَعَ الْجَوَابُ بأَن ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَاتِ، الْمُخَالَفَةِ طَرِيقَةَ (٣) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَطَرِيقَةَ أَصحابه والتابعين لهم بإِحسان، فنفع الله بِذَلِكَ مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ.\nثُمَّ إِن الجواب وصل (٤) إِلى بعض البلدان، فقامت القيامة عَلَى الْعَامِلِينَ بِتِلْكَ الْبِدَعِ، وَخَافُوا انْدِرَاسَ طَرِيقَتِهِمْ، وَانْقِطَاعَ أَكلهم بِهَا، فأَرادوا الِانْتِصَارَ لأَنفسهم، بَعْدَ أَن راموا ذلك بالانتساب إِلى شُيُوخِ الصُّوفِيَّةِ الَّذِينَ ثَبَتَتْ فَضِيلَتُهُمْ، وَاشْتُهِرَتْ فِي الِانْقِطَاعِ إِلى اللَّهِ، وَالْعَمَلِ بِالسُّنَّةِ طَرِيقَتُهُمْ، فلم يستقم (٥) لَهُمْ الِاسْتِدْلَالُ؛ لِكَوْنِهِمْ عَلَى ضِدِّ مَا كَانَ عليه القوم، فإِنهم\n_________\n(١) قوله: \"مما\" ليس في (خ).\n(٢) في (خ): \"الجهوري\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"لطريقة\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"رحل\".\n(٥) في (م): \"يستقر\".","vol":"2","page":99},{"text":"كانوا قد بَنَوْا نِحْلَتَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أُصول: الِاقْتِدَاءُ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي الأَخلاق والأَفعال، وأَكل الْحَلَالِ، وإِخلاص النِّيَّةِ فِي جَمِيعِ الأَعمال، وهؤلاء قد خالفوهم في جميع (١) هذه الأُصول، فلم يُمْكِنُهُمُ الدُّخُولُ تَحْتَ تَرْجَمَتِهِمْ.\nوَكَانَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ سأَل بَعْضَ شُيُوخِ الوقت في مسأَلة تشبه هذه، ولكن (٢) حَسَّن ظَاهِرَهَا بِحَيْثُ يَكَادُ بَاطِنُهَا يَخْفَى عَلَى غَيْرِ المتأَمِّل، فأَجاب عَفَا اللَّهُ عَنْهُ عَلَى مُقْتَضَى ظَاهِرِهَا مِنْ غَيْرِ تعرُّض إِلى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ، وَلَمَّا سَمِعَ بَعْضُهُمْ بِهَذَا الْجَوَابِ أَرسل بِهِ (٣) إِلى بَلْدَةٍ أُخرى، فأُتي بِهِ، فَرَحَلَ إِلى غَيْرِ بَلَدِهِ وَشَهَرَ فِي شِيعَتِهِ أَن بِيَدِهِ حُجَّةً لِطَرِيقَتِهِمْ تَقْهَرُ كُلَّ حُجَّةٍ، وأَنه طَالِبٌ لِلْمُنَاظَرَةِ فِيهَا، فدُعيَ لِذَلِكَ، فَلَمْ يَقُمْ فِيهِ وَلَا قَعَدَ، غير أَنه قال: هَذِهِ (٤) حُجَّتِي، وأَلقى بِالْبِطَاقَةِ الَّتِي بِخَطِّ الْمُجِيبِ، وكان هو وَأَشْيَاعُهُ (٥) يَطِيرُونَ بِهَا فَرَحًا، فَوَصَلَتِ المسأَلة إِلى غَرْنَاطَةَ، وطُلب مِنَ الْجَمِيعِ النَّظَرُ فِيهَا، فَلَمْ يَسَعْ أَحَدًا (٦) لَهُ قُوَّةٌ عَلَى النَّظَرِ فِيهَا إلاَّ (٧) أَن يُظْهِرَ وَجْهَ الصَّوَابِ فِيهَا (٨) الَّذِي يُدَانُ اللَّهُ بِهِ؛ لأَنه مِنَ النَّصِيحَةِ الَّتِي هِيَ الدِّينُ الْقَوِيمُ، وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ.\nوَنَصُّ خُلَاصَةِ السُّؤَالِ: مَا يَقُولُ الشَّيْخُ فُلَانٌ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَجْتَمِعُونَ فِي رِبَاطٍ عَلَى ضَفَّةِ البحر في الليالي الفاضلة، يقرؤُون جُزْءًا مِنَ الْقُرْآنِ، وَيَسْتَمِعُونَ مِنْ كُتُبِ الْوَعْظِ وَالرَّقَائِقِ مَا أَمكن فِي الْوَقْتِ، وَيَذْكُرُونَ اللَّهَ بأَنواع التَّهْلِيلِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ، ثُمَّ يَقُومُ مِنْ بَيْنِهِمْ قوَّالٌ يَذْكُرُ شَيْئًا فِي مَدْحِ النَّبِيِّ ﷺ، وَيُلْقِي مِنَ السَّمَاعِ مَا تَتُوق النَّفْسُ إِليه (٩) وَتَشْتَاقُ سَمَاعَهُ؛ مِنْ\n_________\n(١) قوله: \"جميع\" ليس في (خ) و(م).\n(٢) في (خ) و(م): \"لكن\".\n(٣) في (ر) و(غ): \"فيه\".\n(٤) في (خ): \"إن هذه\" ..\n(٥) في (خ): \"هو ومجيبه وأشياعه\"، وعلق عليها رشيد رضا بقوله: كذا! ولعلها: \"ومحبه\"، أو: \"ومحبوه\".\n(٦) في (خ) و(غ): \"أحد\".\n(٧) في (خ): \"الأول\" بدل \"إلا\". وعلق عليه رشيد رضا بقوله: لفظ \"الأول\" لا يظهر له معنى هنا، وكذا في السطر (١٩) من الصحيفة (٢٦٣)، والظاهر أن المقام مقام الاستثناء، وأن العبارة ربما دخل فيها التحريف والسقط. اهـ. وانظر التعليق رقم (٥) (ص٩٨).\n(٨) قوله: \"فيها\" ليس في (غ) و(ر).\n(٩) في (غ) و(م): \"ما تشوق النفوس إليه\".","vol":"2","page":100},{"text":"صِفَاتِ (١) الصَّالِحِينَ، وَذِكْرِ آلَاءِ اللَّهِ وَنَعْمَائِهِ، وَيُشَوِّقُهُمْ بِذِكْرِ الْمَنَازِلِ الْحِجَازِيَّةِ، وَالْمَعَاهِدِ النَّبَوِيَّةِ، فَيَتَوَاجَدُونَ اشْتِيَاقًا لِذَلِكَ، ثُمَّ يَأْكُلُونَ مَا حَضَرَ مِنَ الطَّعَامِ، ويحمدون الله تعالى، وَيُرَدِّدُونَ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَيَبْتَهِلُونَ بالأَدعية (٢) إِلَى اللَّهِ فِي صَلَاحِ أُمُورِهِمْ، وَيَدْعُونَ لِلْمُسْلِمِينَ ولإِمامهم وَيَفْتَرِقُونَ.\nفَهَلْ يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى مَا ذَكَرَ؟ أَم يَمْنَعُونَ وَيُنْكِرُ عَلَيْهِمْ؟ وَمَنْ دَعَاهُمْ مِنَ المحبِّين إِلى مَنْزِلِهِ بِقَصْدِ التبرُّك، هَلْ (٣) يُجِيبُونَ دَعْوَتَهُ وَيَجْتَمِعُونَ عَلَى الْوَجْهِ (٤) الْمَذْكُورِ أَم لَا؟.\nفأَجاب بِمَا مَحْصُولُهُ: مَجَالِسُ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ هِيَ رِيَاضُ الْجَنَّةِ، ثُمَّ أَتَى بِالشَّوَاهِدِ عَلَى طَلَبِ ذِكْرِ اللَّهِ. وأَما الإِنشادات الشِّعْرِيَّةُ؛ فإِنما الشِّعْرُ كلامٌ، حَسَنُهُ حَسَنٌ، وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ، وَفِي الْقُرْآنِ فِي شعراءِ الإِسلام: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٥)؛ وَذَلِكَ أَنَّ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ (٦) بْنَ رَوَاحَةَ، وَكَعْبًا لَمَّا سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ *﴾ (٧) الآيات، بكوا عند سماعها، فنزل الاستثناءُ (٨).\n_________\n(١) في (ر) و(غ): \"صفة\".\n(٢) في (ر) و(غ): \"الأدعية\".\n(٣) في (م): \"فهل\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"على الوصف\".\n(٥) سورة الشعراء: آية (٢٢٧).\n(٦) قوله: \"عبد الله\" ليس في (غ) و(ر).\n(٧) سورة الشعراء: آية (٢٢٤).\n(٨) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢٦٠٤٢)، ومن طريقه وطريق آخر أخرجه ابن أبي حاتم في \"التفسير\" (١٦٠٦٨ و١٦٠٧٧)، وأخرجه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (١٩/ ٤١٨ و٤١٩)، ثلاثتهم من طريق محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيْط، عن أبي الحسن سالم البرّاد مولى تميم الداري؛ قال: لما نزلت: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ *﴾؛ جاء حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ، وكعب بن مالك ...، الحديث.\nوأخرجه ابن أبي حاتم (١٦٠٦٧ و١٦٠٧٤)، والحاكم في \"المستدرك\" (٣/ ٤٨٨)، كلاهما من طريق الوليد بن كثير، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي الحسن مولى بني نوفل؛ أَنَّ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ رواحة أتيا النبي ﷺ حين نزلت: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ *﴾ ...، الحديث.\nوسكت عنه الحاكم والذهبي.\nوالحديث بهذا الإسناد ضعيف لإرساله.\nوفي سنده أبو الحسن سالم البرّاد الذي قال عنه ابن إسحاق في روايته: \"مولى تميم=","vol":"2","page":101},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=الداري\"، وقال الوليد بن كثير: \"مولى بني نوفل\"، ولم يذكر أن اسمه سالم.\nفبناء على رواية ابن إسحاق، فهو مجهول الحال؛ ذكره ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٩/ ٣٥٦ رقم ١٦١٠)، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. وذكره البخاري في \"الكنى\" من \"تاريخه\" (٩/ ٢٢ رقم ١٧٠)، ووقع عنده: \"أبو الحسن البزاز مولى تميم الداري، نسبه محمد بن إسحاق، يعد في أهل المدينة ... \"، ثم ذكر رواية له عن علي ﵁، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.\nوبناء على رواية الوليد بن كثير، فيكون هو المترجم عند البخاري في الموضع السابق برقم (١٦٨)، والذي قال عنه البخاري: \"أبو الحسن مولى الحارث بن نوفل الهاشمي، سمع ابن عباس، روى عنه عمرو بن معتب\".\nونقل ابن أبي حاتم في الموضع السابق رقم (١٦٠٨) عن أبيه أنه وثقه، وقال: \"سئل أبو زرعة عن أبي الحسن مولى بني نوفل، فقال: مدني ثقة\".\nوعلى أي الحالين فهو تابعي وليس بصحابي، فالحديث مرسل وقد ذكر الحافظ ابن حجر في \"الإصابة\" (١١/ ٣٢ - ٣٣) في القسم الأول من يمكن أن يشتبه بهذا، فقال: \"أبو البرّاد غلام تميم الداري\"، وذكر أن المستغفري ذكره في الصحابة، وذكر له حديثًا ذكر أن سنده ضعيف، وفيه أن تميمًا الداري ﵁ أمر غلامه هذا أن يسرج المسجد، فرآه النبي ﷺ يزهر، فقال: \"من فعل هذا؟ \" قالوا: تميم يا رسول الله! قال: \"نوّرت الإسلام نوَّر الله عليك في الدنيا والآخرة، أما إنه لو كانت لي ابنة لزوجتكها\"، فقال نوفل بن الحارث بن عبد المطلب: لي ابنة يا رسول الله! تسمى: أم المغيرة بنت نوفل، فافعل فيها ما أردت، فأنكحه إياها على المكان؛ أي: في مكانه.\nوهذا لو صح وثبت أنه هو فيمكن أن يجمع بين قولي محمد بن إسحاق والوليد بن كثير، فيكون أصل ولائه لتميم الداري، ثم لبني نوفل عن طريق إرث أم المغيرة لزوجها تميم أوهبته لها.\nوللحديث ثلاث طرق أخرى:\n١ - أخرجها ابن أبي حاتم في \"التفسير\" (١٦٠٧٠) من طريق بشر بن عمارة، عن أبي روق عطية بن الحارث، عن الضحاك، عن ابن عباس، ذكر أن الله استثنى، فقال: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ يعني: حسان، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك؛ كانوا يذبّون عن رسول الله ﷺ وأصحابه بهجاء المشركين.\nوسنده ضعيف لضعف بشر بن عمارة كما في ترجمته في \"التقريب\" (٧٠٣).\nوالضحاك بن مزاحم الهلالي لم يسمع من ابن عباس؛ باعترافه على نفسه بذلك. انظر: \"تهذيب الكمال\" (١٣/ ٢٩٣ - ٢٩٤).\n٢ - أخرجها ابن سعد في \"الطبقات\" (٣/ ٥٢٨)، وابن أبي حاتم برقم (١٦٠٦٩)،=","vol":"2","page":102},{"text":"وَقَدْ أُنْشِدَ الشِّعْرُ بَيْنَ يَدي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١)، وَرَقَّت نفسُهُ الْكَرِيمَةُ، وذَرَفَتْ عَيْنَاهُ لأَبيات أُخت النَّضْر؛ لِمَا طُبِعَ عليه من الرأفة والرحمة (٢).\n_________\n=كلاهما من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن عروة؛ قال: لما نزلت: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ *﴾ إلى قوله: ﴿يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ﴾؛ قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله! قد علم الله أني منهم، فأنزل الله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾.\nوعروة تابعي، فالسند ضعيف لإرساله.\n٣ - أخرجها ابن جرير الطبري (١٩/ ٤١٨) من طريق شيخه محمد بن حميد الرازي، عن سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار؛ قال: نزلت: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ *﴾ إلى آخر السورة في حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك.\nوسنده ضعيف جدًا؛ فبالإضافة لإرساله، وجهالة الراوي عن عطاء بن يسار، فإنه من رواية محمد بن حميد الرازي وقد اتهمه بالكذب عدد من الأئمة. انظر: ترجمته بطولها في \"تهذيب الكمال\" (٢٥/ ٩٧ - ١٠٨).\n(١) روى البخاري (٤٥٣، ٣٢١٢)، ومسلم (٢٤٨٥)، كلاهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن عمر مرّ بحسّان وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه، فقال: قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله! أسمعت رسول الله ﷺ يقول: \"أجب عني، اللهم أيده بروح القدس\". قال: نعم.\nوأخرج الترمذي (٢٨٤٧)، والنسائي (٢٨٧٣، ٢٨٩٣)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٤٥٢١، ٥٧٨٨/ الإحسان)، وابن خزيمة (٢٦٨٠)، من حديث أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة بين يديه يمشي وهو يقول:\nخلوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تنزيله\nضربًا يُزيل الْهَاَم عن مَقِيْلِهِ ... ويُذهل الخليل عن خليله\nفقال له عمر: يا ابن رواحة! بين يدي رسول الله ﷺ وفي حرم الله تقول الشعر؟!\nفقال له النبي ﷺ: \"خلِّ عنه يا عمر! فلهي أسرع فيهم من نَضْح النَّبل\".\nقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقد روى عبد الرزاق هذا الحديث أيضًا عن معمر ... \"، وذكر كلامًا اعترض عليه الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" (٧/ ٥٠٢)، ومال إلى تصحيح الحديث، وذكر أن له طريقين إحداهما على شرط الشيخين، والأخرى على شرط مسلم، فانظره إن شئت.\n(٢) ذكرها ابن إسحاق في \"السيرة\" كما في \"السيرة\" لابن هشام (٣/ ٤٢ - ٤٣) بلا إسناد، وهي في قصة قتل النبي ﷺ للنضر بن الحارث يوم بدر صبرًا، فقالت أخته قُتيلة بنت الحارث أبياتًا مطلعها:\nيا راكبًا إن الأُثَيْل مظنّة ... من صبح خامسةٍ وأنت موفّق=","vol":"2","page":103},{"text":"وأَما (١) التَّوَاجُدُ عِنْدَ السَّمَاعِ، فَهُوَ فِي الْأَصْلِ أثر (٢) رِقَّة النَّفْسِ، وَاضْطِرَابُ الْقَلْبِ، فيتأَثّر الظَّاهِرُ بتأَثُّر الْبَاطِنِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٣)؛ أَيِ: اضْطَرَبَتْ رَغَبًا أَو رَهَبًا (٤). وَعَنِ اضْطِرَابِ الْقَلْبِ يَحْصُلُ اضْطِرَابُ الْجِسْمِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾ (٥) ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ (٦). وقال: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ (٧). فإِنّما التَّوَاجُدُ رِقَّةٌ نَفْسِيَّةٌ، وَهَزَّةٌ قَلْبِيَّةٌ، وَنَهْضَةٌ رُوحَانِيَّةٌ. وَهَذَا هُوَ التَّوَاجُدُ عَنْ وَجْدٍ، وَلَا يسع (٨) فِيهِ نَكِيرٌ مِنَ الشَّرْعِ. وَذَكَرَ السُّلَمي (٩) أَنَّهُ كان يستدل بهذه الآية في (١٠) حركة الوَاجِد (١١) فِي وَقْتِ السَّمَاعِ؛ وَهِيَ (١٢): ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا﴾ (١٣) ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا﴾ (١٤) الآية. وكان يقول: إِن القلوب\n_________\n=إلى أن قالت:\nأمحمدٌ! يا خير ضَنْءِ كريمةٍ ... في قومها والفحل فحلٌ مُعْرق\nما كان ضرّك لو مَنَنْتَ وربما ... منّ الفتى وهو المغيظ المحنق\nفقال ﷺ: \"لو بلغني هذا قبل قتله لمننت عليه\".\nولم يذكر لها ابن إسحاق سندًا، فهي لا تصح، وليس في سياق ابن إسحاق بكاء النبي ﷺ.\nوقد ذكرها أبو عمر ابن عبد البر في \"الاستيعاب\" (١٣/ ١٣٧ - ١٣٩)، وفيها: \"فلما بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذلك بكى حتى أخضلت الدموع لحيته، وقال: لو بلغني شعرها قبل أن أقتله لعفوت عنه\".\nولكن وقع عنده أنها قتيلة بنت النضر، لا أخته، فالله أعلم. ولم يذكر ابن عبد البر للقصة إسنادًا، ولكن قال: \"ذكر هذا الخبر عبد الله بن إدريس في حديثه، وذكره الزبير\"، ثم نقل عن الزبير - يعني ابن بكار - قوله: \"وسمعت بعض أهل العلم يغمز أبياتها هذه، ويذكر أنها مصنوعة\".\n(١) في (م): \"وإنما\".\n(٢) قوله: \"أثر\" ليس في (خ) و(م).\n(٣) سورة الأنفال: آية (٢).\n(٤) في (غ) و(ر): \"ورهبًا\".\n(٥) إلى هنا انتهى ذكر الآية في (خ) و(م)، وبعده: \"الآية\".\n(٦) سورة الكهف: آية (١٨).\n(٧) سورة الذاريات: آية (٥٠).\n(٨) في (خ): \"يسمع\".\n(٩) في (غ) و(ر) و(م): \"ذكره السلمي\".\n(١٠) في (خ): \"على\".\n(١١) في (خ) و(م): \"الوجد\".\n(١٢) قوله: \"وهي\" ليس في (غ) و(م) و(ر).\n(١٣) إلى هنا انتهى ذكر الآية في (غ) و(ر) و(م).\n(١٤) سورة الكهف: آية (١٤).","vol":"2","page":104},{"text":"مَرْبُوطَةٌ بِالْمَلَكُوتِ، حَرَّكَتْهَا (١) أَنوار الأَذكار، وَمَا يَرِدُ عَلَيْهَا مِنْ فُنُونِ السَّمَاعِ.\nوَوَرَاءَ هَذَا تَوَاجُدٌ لاَ عَنْ وَجْد، فَهُوَ مَنَاطُ الذَّمّ؛ لِمُخَالَفَةِ ما ظهر لما بطن، وقد يغرب (٢) فِيهِ الأَمر عِنْدَ الْقَصْدِ إِلَى اسْتِنْهَاضِ الْعَزَائِمِ، وَإِعْمَالِ الْحَرَكَةِ فِي يَقَظَةِ الْقَلْبِ النَّائِمِ. يَا أَيُّها النَّاسُ ابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكُوا (٣)، وَلَكِنْ (٤) شَتَّان مَا بَيْنَهُمَا (٥).\nوأَما مَنْ دَعَا طَائِفَةً إِلى مَنْزِلِهِ؛ فَتُجَابُ دَعْوَتُهُ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ قَصْدُهُ ونيَّته، فَهَذَا مَا ظَهَرَ تَقْيِيدُهُ عَلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ، وَاللَّهُ يتولَّى السَّرَائِرَ، وَإِنَّمَا الأَعمال بالنيات. انتهى ما قيَّده.\n_________\n(١) في (خ): \"وحركتها\".\n(٢) كذا في جميع النسخ. وعلق عليه رشيد رضا بقوله: لعله: \"يعزب\".\n(٣) علق رشيد رضا ﵀ على هذا الموضع بقوله: \"لعله أراد حديث: \"اتلوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا\"، فاقتبسه بالمعنى، وهو في \"سنن ابن ماجه\" من حديث سعد بن أبي وقاص بسند جيد\".\nوهذا الحديث الذي ذكره رشيد رضا هو: ما أخرجه ابن ماجه (١٣٣٧ و٤١٩٦)، وأبو يعلى (٦٨٩)، والبيهقي (١٠/ ٢٣١)، ثلاثتهم من طريق الوليد بن مسلم، حدثنا أبو رافع، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الرحمن بن السائب؛ قال: قدم علينا سعد بن أبي وقاص وقد كُفّ بصره، فسلمت عليه، فقال: من أنت؟ فأخبرته، فقال: مرحبًا بابن أخي! بلغني أنك حسن الصوت بالقرآن، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، وتغنّوا به، فمن لم يتغنّ به فليس منا\".\nوفي سنده أبو رافع إسماعيل بن رافع بن عويمر الأنصاري المدني، القاصّ، وهو ضعيف الحديث كما في \"التقريب\" (٤٤٦).\nوتابعه عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي مليكة وهو ضعيف أيضًا كما في \"التقريب\" (٣٨٣٧)، وروايته عند البزار في \"مسنده\" (٤/ ٦٩ رقم ١٢٣٥)، والدورقي في \"مسند سعد\" (١٢٨ و١٢٩).\nومدار الحديث على عبد الرحمن بن السائب بن أبي نهيك المخزومي، ويقال: اسمه عبد الله، ويقال: هو عبيد الله بن أبي نهيك، وهو مقبول كما في \"التقريب\" (٣٨٩٤).\n(٤) في (ر) و(غ): \"لكن\".\n(٥) في (غ): \"ما هنا\" وفي (م) و(ر): \"ما هما\".","vol":"2","page":105},{"text":"فكان مما (١) ظهر لي في بيان (٢) هَذَا الْجَوَابِ: أَن مَا ذَكَرَهُ (٣) فِي مَجَالِسِ الذكر صحيح إِذا كَانَ عَلَى حَسَبِ مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَجْتَمِعُونَ لِتُدَارِسِ الْقُرْآنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، حَتَّى يَتَعَلَّمَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَيَأْخُذَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، فَهُوَ مَجْلِسٌ مِنْ مَجَالِسِ الذِّكْرِ الَّتِي جاءَ فِي مِثْلِهَا مِنْ حديث أَبي هريرة ﵁، عنه ﵇ (٤): \"مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وحَفَّت بِهِمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ\" (٥)، وَهُوَ الَّذِي فَهِمَهُ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ مِنْ الاجتماع على تلاوة كتاب (٦) اللَّهِ.\nوَكَذَلِكَ الِاجْتِمَاعُ عَلَى الذِّكْرِ، فإِنه اجْتِمَاعٌ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ، فَفِي رِوَايَةٍ أُخرى (٧) أَنه قَالَ: \"لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ، إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ ... \"، الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ، لَا الِاجْتِمَاعُ لِلذِّكْرِ عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ. وإِذا اجْتَمَعَ الْقَوْمُ عَلَى التَّذَكُّرِ لِنِعَمِ اللَّهِ، أَو التَّذَاكُرِ فِي الْعِلْمِ إِن كَانُوا عُلَمَاءَ، أَو كَانَ فِيهِمْ عَالِمٌ فَجَلَسَ إِليه متعلِّمون، أَو اجْتَمَعُوا يُذَكِّر (٨) بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالْعَمَلِ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَالْبُعْدِ عَنْ مَعْصِيَتِهِ - وَمَا أَشبه ذَلِكَ مِمَّا كَانَ يَعْمَلُ بِهِ رسول الله ﷺ في أَصحابه، وَعَمِلَ بِهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ ـ، فَهَذِهِ الْمَجَالِسُ كُلُّهَا مَجَالِسُ ذِكْرٍ (٩)، وَهِيَ الَّتِي جاءَ فِيهَا مِنَ الأَجر مَا جاءَ.\nكَمَا يُحْكى عَنْ ابن (١٠) أَبِي لَيْلَى أَنه سُئِلَ عَنِ الْقَصَصِ، فَقَالَ: أَدركت أَصحاب مُحَمَّدٍ ﷺ يجلسون (١١) ويحدِّث هذا بما سمع، ويحدِّث\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"ما\".\n(٢) قوله: \"بيان\" ليس في (خ) و(م).\n(٣) في (خ): \"أن ذكره\"، وقوله: \"أن ما ذكره\" مكرر في (غ).\n(٤) في (خ) \"عن النبي ﷺ\".\n(٥) أخرجه مُسْلِمٌ (٢٦٩٩) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.\n(٦) في (خ): \"كلام\" بدل \"كتاب\".\n(٧) أخرجه مسلم (٢٧٠٠) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄.\n(٨) في (ر) و(غ): \"فذكر\".\n(٩) في (ر): \"ذكر الله\".\n(١٠) قوله: \"ابن\" سقط من (غ) و(ر).\n(١١) في (ر) و(غ): \"يجالسون\".","vol":"2","page":106},{"text":"هذا (١) بِمَا سَمِعَ، فأَما أَن يُجلسوا خَطِيبًا فَلَا (٢).\nوَكَالَّذِي (٣) نَرَاهُ (٤) مَعْمُولًا بِهِ فِي الْمَسَاجِدِ؛ مِنَ اجْتِمَاعِ الطَّلَبَةِ عَلَى مُعَلِّمٍ يُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنَ، أَوْ عِلْمًا من العلوم الشرعية، أَو يجتمع (٥) إِليه الْعَامَّةُ، فَيُعَلِّمُهُمْ أَمر دِينِهِمْ، ويذكِّرهم بِاللَّهِ، ويبيِّن لَهُمْ سُنَّةَ نَبِيِّهِمْ لِيَعْمَلُوا بِهَا، ويبيِّن لَهُمُ الْمُحْدَثَاتِ الَّتِي هِيَ ضَلَالَةٌ لِيَحَذَرُوا مِنْهَا، ويجتنبوا (٦) مَوَاطِنَهَا وَالْعَمَلَ بِهَا.\nفَهَذِهِ مَجَالِسُ الذِّكْرِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَهِيَ الَّتِي حَرَمَها (٧) اللَّهُ أَهلَ الْبِدَعِ مِنْ هؤلاءِ الفقراءِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنهم سَلَكُوا طَرِيقَ (٨) التصوُّف، فقلَّما (٩) تَجِدُ مِنْهُمْ مَنْ يُحْسِنُ قراءَة الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ إِلَّا عَلَى اللَّحْنِ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهَا، وَلَا يَعْرِفُ كَيْفَ يتعبَّد، وَلَا كَيْفَ يَسْتَنْجِي أَو يتوضأَ أَو يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَكَيْفَ يَعْلَمُونَ (١٠) ذَلِكَ وَهُمْ قَدْ حُرِمُوا مَجَالِسَ الذِّكْرِ الَّتِي تَغْشَاهَا الرَّحْمَةُ، وَتَنْزِلُ فِيهَا السَّكِينَةُ، وَتَحُفُّ بِهَا الْمَلَائِكَةُ؟ فَبِانْطِمَاسِ هَذَا النُّورِ عَنْهُمْ ضَلُّوا، فَاقْتَدَوْا بِجُهَّالٍ أَمثالهم، وأَخذوا يقرؤُون الأَحاديث النَّبَوِيَّةَ وَالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ فَيُنْزِلُونَهَا عَلَى آرَائِهِمْ، لَا عَلَى مَا قَالَ أَهل الْعِلْمِ فِيهَا. فَخَرَجُوا عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ إِلى أَنْ يَجْتَمِعُوا، وَيَقْرَأَ أَحَدُهُمْ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ يَكُونُ حَسَنَ الصَّوْتِ، طيِّب النَّغْمَةِ، جيِّد التَّلْحِينِ، تُشْبِهُ قِرَاءَتُهُ الغناءَ الْمَذْمُومَ، ثُمَّ يَقُولُونَ: تَعَالَوْا نَذْكُرُ (١١) اللَّهَ! فيرفعون أصواتهم ويُمَشُّون (١٢)\n_________\n(١) في (خ) و(م): \"وهذا\" بدل \"ويحدث هذا\".\n(٢) أخرجه ابن وضاح في \"البدع والنهي عنها\" (٤٠) من طريق عيسى بن يونس، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم بن عتيبة؛ قال: سألت عبد الرحمن بن أبي ليلى عن القصص ...، فذكره.\nوسنده ضعيف لضعف محمد بن أبي ليلى الراوي عن الحكم، فقد قال عنه ابن حجر في \"التقريب\" (٦١٢١): \"صدوق سيء الحفظ جدًا\".\n(٣) في (خ): \"وكان كالذي\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"تراه\".\n(٥) في (خ): \"تجتمع\".\n(٦) في (خ): \"ويتجنبوا\".\n(٧) في (ر) و(غ): \"حرم\".\n(٨) قوله: \"طريق\" من (خ) فقط.\n(٩) في (خ): \"وقلما\".\n(١٠) في (غ) و(ر): \"يعملون\".\n(١١) في (خ) و(غ) و(ر): \"تذكروا\".\n(١٢) في (خ): \"يمشون\".","vol":"2","page":107},{"text":"ذَلِكَ الذِّكْرَ مُدَاوَلَةً، طَائِفَةٌ فِي جِهَةٍ، وَطَائِفَةٌ فِي جِهَةٍ أُخرى، عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ يُشْبِهُ الغناءَ، وَيَزْعُمُونَ أَن هَذَا مِنْ مَجَالِسِ الذِّكْرِ الْمَنْدُوبِ إِليها، وَكَذَبُوا! فإِنه لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ أَولى بإِدراكه وَفَهْمِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ، وإِلا فأَين فِي الْكِتَابِ أَوْ فِي السنة الاجتماع للذكر على صوت واحد جهرًا عَالِيًا؟ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً (١) إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٢). وَالْمُعْتَدُونَ فِي التَّفْسِيرِ: هُمُ الرَّافِعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بالدعاءِ.\nوَعَنْ أَبي مُوسَى قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَجْهَرُونَ بِالتَّكْبِيرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: \"أيها الناس (٣)! أَربعوا على أَنفسكم، إنكم ليس تَدْعُونَ أَصمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنكم تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا، وَهُوَ مَعَكُمْ\" (٤). وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ تَمَامِ تَفْسِيرِ الْآيَةِ. وَلَمْ يَكُونُوا ﵃ يُكَبِّرُونَ عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ، وَلَكِنَّهُ نَهَاهُمْ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ لِيَكُونُوا مُمْتَثِلِينَ لِلْآيَةِ. وَقَدْ جاءَ عَنِ السَّلَفِ أَيضًا النَّهْيُ عَنِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ بِالْهَيْئَةِ الَّتِي يَجْتَمِعُ عَلَيْهَا هؤلاءِ الْمُبْتَدِعُونَ (٥)، وجاءَ عَنْهُمُ النَّهْيُ عَنِ الْمَسَاجِدِ المتَّخذة لذلك، وهي الرُّبُطُ التي يشبِّهونها (٦) بالصُّفَّة. ذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ وضَّاح (٧) وَغَيْرُهُمَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ لِمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ.\nفَالْحَاصِلُ مِنْ هؤلاءِ أَنهم حسَّنوا الظَّنَّ بأنفسهم (٨) فيما هم عليه (٩)، وأَساؤوا الظَّنَّ بِالسَّلَفِ الصَّالِحِ أَهل الْعَمَلِ (١٠) الرَّاجِحِ الصَّرِيحِ (١١)، وأَهل الدين\n_________\n(١) في (خ) \"وخيفة\".\n(٢) سورة الأعراف: آية (٥٥).\n(٣) قوله: \"أيها الناس\" ليس في (خ) و(م).\n(٤) أخرجه البخاري (٢٩٩٢ و٤٢٠٢ و٦٣٨٤ و٦٦١٠ و٧٣٨٦)، ومسلم (٢٧٠٤).\n(٥) تقدم تخريجه (في القسم الأول ص٢٥١).\n(٦) في (خ) و(م): \"يسمونها\".\n(٧) في \"البدع والنهي عنها\" (ص٣٤ وما بعدها).\n(٨) في (خ) و(م): \"بأنهم\" بدل \"بأنفسهم\"، وهي صحيحة بمراعاة التعليق التالي.\n(٩) في (خ): \"فيما هم عليه مصيبون\"، وكذا في (م)، لكن طمس على قوله: \"مصيبون\".\n(١٠) في (غ) و(ر) و(م): \"بالسلف الصالح والعمل\".\n(١١) قوله: \"الراجح الصريح\" من (خ) فقط.","vol":"2","page":108},{"text":"الصَّحِيحِ. ثُمَّ لَمَّا طَالَبَهُمْ (١) لِسَانُ الْحَالِ بِالْحُجَّةِ، أخذوا كلام المجيب وهم لا يعلمونه (٢)، وقوَّلوه مَا لَا يَرْضَى بِهِ العلماءُ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي كَلَامٍ آخَرَ؛ إِذ سُئِلَ عن ذكر فقراء زماننا، فأَجاب بأَن الغالب في (٣) مجالس الذكر المذكورة في الأَحاديث أَنها هِيَ (٤) الَّتِي يُتْلَى (٥) فِيهَا الْقُرْآنُ، وَالَّتِي يُتَعَلَّم فِيهَا الْعِلْمُ وَالدِّينُ، وَالَّتِي تُعمر بِالْوَعْظِ (٦) وَالتَّذْكِيرِ بِالْآخِرَةِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ؛ كَمَجَالِسِ (٧) سُفْيَانَ الثوري، والحسن، وابن سيرين، وأَضرابهم.\nوأما (٨) مَجَالِسُ الذِّكْرِ اللِّسَانِيِّ: فَقَدْ صُرِّح بِهَا فِي (٩) حَدِيثِ الْمَلَائِكَةِ السَّيَّاحين (١٠)، لَكِنْ لَمْ يُذكر فِيهِ جهر (١١) بِالْكَلِمَاتِ، وَلَا رَفْعَ أَصوات، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ. لَكِنَّ الأَصل الْمَشْرُوعَ إِعلان الْفَرَائِضِ وَإِخْفَاءُ النَّوَافِلِ، وأَتى بِالْآيَةِ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا *﴾ (١٢)، وَبِحَدِيثِ: \"أَربعوا عَلَى أَنفسكم\" (١٣). قَالَ: وفقراءُ الْوَقْتِ قد تحيَّزوا (١٤) بآيات (١٥)،\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"طلبهم\".\n(٢) في (خ): \"لا يعلمون\".\n(٣) قوله: \"الغالب في\" ليس في (خ) و(م).\n(٤) قوله: \"هي\" ليس في (غ) و(م) و(ر).\n(٥) في (خ): \"يختلا\". وعلق عليها رشيد رضا بقوله: في الأصل: \"يختلا\" هكذا، فصححها ناسخ الورق الذي نطبع عنه، فجعلها: \"يختلى\"، وكلاهما غلط. اهـ.\n(٦) في (خ): \"بالعلم\" بدل \"بالوعظ\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"كمجاليس\".\n(٨) في (خ) و(م): \"أما\".\n(٩) قوله: \"في\" ليس في (ر) و(غ).\n(١٠) أخرجه الإمام أحمد (٢/ ٢٥١ - ٢٥٢)، والترمذي (٣٦٠٠) كلاهما من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - أو عن أبي سعيد، هو شكّ، يعني الأعمش ـ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"إن لله ملائكة سيّاحين في الأرض، فُضُلًا عن كتّاب الناس، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تبادروا: هلمّوا إلى بغيتكم ... \" الحديث بطوله.\nوقد أخرجه البخاري (٦٤٠٨) من طريق جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ولم يشك ـ، عن النبي ﷺ قال: \"إن لله ملائكة يطوفون في الطرق ... \" الحديث.\nوأخرجه مسلم (٢٦٨٩) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"إن لله ﵎ ملائكة سيارة ... \" الحديث.\n(١١) في (خ): \"جهرًا\".\n(١٢) سورة مريم: الآية (٤).\n(١٣) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(١٤) في (خ) و(م): \"تخيروا\".\n(١٥) في (غ): \"بئات\"، وفي (م): يشبه أن تكون: \"بنات\".","vol":"2","page":109},{"text":"وَتَمَيَّزُوا بأَصوات، هِيَ إِلى الاعتداءِ أَقرب مِنْهَا إِلى الاقتداءِ، وَطَرِيقَتُهُمْ إِلى اتِّخَاذِهَا مَأْكَلَةً وَصِنَاعَةً أَقرب مِنْهَا إِلى اعْتِدَادِهَا قُرْبَةً وَطَاعَةً. انْتَهَى مَعْنَاهُ عَلَى اخْتِصَارِ أَكثر الشَّوَاهِدِ.\nوَهِيَ دَلِيلٌ عَلَى أَن فَتْوَاهُ الْمُحْتَجَّ بِهَا لَيْسَ مَعْنَاهَا مَا رَامَ هؤلاءِ الْمُبْتَدَعَةُ، فإِنه سُئِلَ فِي هَذِهِ عَنْ فقراءِ الْوَقْتِ، فأَجاب بذمِّهم، وأَن حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَتَنَاوَلُ عَمَلَهُمْ. وَفِي الأُولى إِنَّمَا سُئِلَ عَنْ قوم يجتمعون لقراءَة كتاب الله (١)، أَو لِذِكْرِ اللَّهِ. وَهَذَا السُّؤَالُ يَصْدُقُ عَلَى قَوْمٍ يَجْتَمِعُونَ مَثَلًا فِي الْمَسْجِدِ، فَيَذْكُرُونَ اللَّهَ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي نَفْسِهِ، أَو يَتْلُو الْقُرْآنَ لِنَفْسَهُ (٢)، كَمَا يَصْدُقُ عَلَى مَجَالِسِ المعلِّمين والمتعلِّمين، وَمَا أَشبه ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عليه، فلا يَسَعُهُ ولا غيره (٣) مِنَ العلماءِ إِلا أَن يَذْكُرَ مَحَاسِنَ ذَلِكَ والثواب عليه، فلما سئل عن أَهل الابتداع (٤) فِي الذِّكْرِ وَالتِّلَاوَةِ، بَيَّن مَا يَنْبَغِي أَن يَعْتَمِدَ عَلَيْهِ الْمُوَفَّقُ، وَلَا تَوْفِيقَ إِلا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ (٥).\nوأَما مَا ذَكَرَهُ فِي الإِنشادات الشِّعْرِيَّةِ، فَجَائِزٌ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُنْشِدَ الشِّعْرَ الَّذِي لَا رَفَثَ فِيهِ، وَلَا يذكِّر بِمَعْصِيَةٍ، وَأَنْ يَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِهِ إِذا أُنْشِدَ، عَلَى الْحَدِّ الَّذِي كَانَ يُنْشَدُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَو عَمِلَ بِهِ (٦) الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَمَنْ يُقتدى بِهِ مِنَ العلماءِ؛ وَذَلِكَ أَنه كَانَ يُنشد ويُسمع لِفَوَائِدَ (٧)، مِنْهَا: الْمُنَافَحَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وعن الإسلام وأَهله، فكانوا في زمانه يعارضون به الكفار في أشعارهم التي يذمون فيها الإسلام وأهله، ويمدحون بها الكفر وَأَهْلِهِ (٨)، وَلِذَلِكَ كَانَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁ قَدْ نُصب لَهُ مِنْبَرٌ فِي الْمَسْجِدِ يُنْشِدُ عَلَيْهِ إِذا وَفَدَتِ الْوُفُودُ؛ حَتَّى يقولوا:\n_________\n(١) في (خ): \"لقراءة القرآن\".\n(٢) في (خ): \"نفسه\".\n(٣) في (خ) و(م): \"وغيره\".\n(٤) في (خ) و(م): \"البدع\".\n(٥) قوله: \"العلي العظيم\" من (خ) فقط.\n(٦) قوله: \"به\" ليس في (غ) و(ر).\n(٧) في (غ) و(ر): \"الفوائد\".\n(٨) من قوله: \"فكانوا في زمانه\" إلى هنا سقط من (خ) و(م).","vol":"2","page":110},{"text":"خَطِيبُهُ أَخطب مِنْ خَطِيبِنَا، وَشَاعِرُهُ أَشعر مِنْ شاعرنا، ويقول له ﷺ: \"اهْجُهُمْ وَجِبْرِيلُ مَعَكَ\" (١)، وَهَذَا مِنْ بَابِ الْجِهَادِ في سبيل الله، ليس للفقراءِ مِنْ فَضْلِهِ فِي غِنَائِهِمْ بِالشِّعْرِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ.\nوَمِنْهَا: أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَعَرَّضُونَ لِحَاجَاتِهِمْ، وَيَسْتَشْفِعُونَ بِتَقْدِيمِ الأَبيات بَيْنَ يَدَيْ طَلَبَاتِهِمْ؛ كَمَا فعل كعب (٢) بن زهير ﵁ (٣)، وأُخت\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد (٦/ ٧٢)، وأبو داود (٤٩٧٦)، والترمذي (٢٨٤٦)، والطبراني (٤/ ٣٧ رقم ٣٥٨٠)، والحاكم (٣/ ٤٨٧) جميعهم من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه وهشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة، قالت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يضع لحسان منبرًا في المسجد يقوم عليه قائمًا يفاخر ...، الحديث.\nقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح غريب، وهو حديث ابن أبي الزناد\".\nوقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه\".\nوفي سنده عبد الرحمن بن أبي الزناد - واسم أبي الزناد عبد الله بن ذكوان ـ، المدني، وهو صدوق تغيّر حفظه لما قدم بغداد كما في \"التقريب\" (٣٨٨٦)، ولكنه لم ينفرد به.\nفقد أخرجه الطبراني برقم (٣٥٨١) عن شيخه محمد بن هشام المعروف بابن أبي الدميك، عن إبراهيم بن زياد سَبَلان، عن إسماعيل بن مجالد، عن هلال الوزّان، عن عروة، عن عائشة، أن النبي ﷺ وضع لحسّان منبرًا ينشد عليه هجاء المشركين.\nوهذا إسناد حسن رجاله ثقات، عدا إسماعيل بن مجالد فهو مختلف فيه كما ترى ذلك في ترجمته في \"تهذيب الكمال\" (٣/ ١٨٤ - ١٨٧)، والراجح أنه صدوق كما هو اختيار الذهبي في \"الكاشف\" (٤٠٣)، وأما ابن حجر فقال في \"التقريب\" (٤٨٠): \"صدوق يخطئ\".\nوقوله ﷺ لحسان: \"اهجهم وجبريل معك\": أخرجه البخاري (٣٢١٣)، ومسلم (٢٤٨٦).\n(٢) قوله: \"كعب\" ليس في (خ).\n(٣) أي: في قصيدته المشهورة: بانت سعاد.\nوهذه القصيدة وقصتها برغم شهرتها فليس لها إسناد يصح، ويبدو أن لإبراهيم بن المنذر الحزامي فيها مؤلفًا، فقد قال الحاكم في \"المستدرك\" (٣/ ٥٨٣): \"هذا حديث له أسانيد قد جمعها إبراهيم بن المنذر الحزامي\".\nوقد جمع طرقها وتكلم عليها الشيخ إسماعيل الأنصاري ﵀ في رسالة له فيها مفردة، وكذا الشيخ الدكتور سعود الفنيسان.\nومن أشهر طرقها: ما أخرجه ابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٢٧٠٦)، والحاكم في \"المستدرك\" (٣/ ٥٧٩)، وعنه البيهقي في \"سننه\" (١٠/ ٢٤٣)، كلاهما=","vol":"2","page":111},{"text":"النضر بن الحارث (١)، مثل مَا يَفْعَلُ (٢) الشعراءُ مَعَ الكبراءِ، هَذَا لَا حَرَجَ فِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الشِّعْرِ ذِكْرُ مَا لَا يَجُوزُ. وَنَظِيرُهُ فِي سَائِرِ الأَزمنة تَقْدِيمُ الشُّعَرَاءِ (٣) للخلفاءِ وَالْمُلُوكِ وَمَنْ (٤) أَشبههم قِطَعًا من أَشعارهم بين يدي حاجاتهم؛ لا كما (٥) يفعله فقراء (٦) الوقت المتجرِّدون (٧) للسِّعَايَةِ عَلَى النَّاسِ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الِاكْتِسَابِ. وفي الحديث: \"لا تحلّ (٨) الصَّدَقَةُ لِغَنيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّة سوِيّ\" (٩)، فَإِنَّهُمْ يُنْشِدُونَ الأَشعار الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ وَذِكْرُ\n_________\n=من طريق إبراهيم بن المنذر الحزامي، عن الحجاج بن ذي الرقيبة بن عبد الرحمن بن كعب بن زهير، عن أبيه، عن جده.\nوصحح الحاكم هذا الطريق، وفيه الحجاج بن ذي الرقيبة بن عبد الرحمن بن كعب بن زهير، ولم أجد له ترجمة، ولا لأبيه وجده.\nوله طرق أخرى معضلة ومرسلة تجدها عند الحاكم والبيهقي في \"السنن\" و\"دلائل النبوة\" (٥/ ٢٠٧ - ٢١١)، وعند ابن حجر في \"الإصابة\" (٨/ ٢٨٩ - ٢٩٢).\n(١) تقدم تخريجه (ص١٠٣ - ١٠٤).\n(٢) في (غ) و(ر): \"مثل يفعل\".\n(٣) في (خ) و(م): \"الشعر\".\n(٤) في (ر) و(غ): \"وما\" بدل \"ومن\".\n(٥) في (خ) و(م): \"كما\".\n(٦) في (خ): \"أهل\" بدل \"فقراء\".\n(٧) في (خ) و(م): \"المجردون\".\n(٨) في (خ): \"لا تصح\".\n(٩) هو حديث صحيح، ورد عن عدّة من الصحابة، منهم: عبد الله بن عمرو، وأبو هريرة، ومن حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار، عن رجلين من الصحابة.\nأما حديث عبد الله بن عمرو: فأخرجه الطيالسي (٢٢٧١)، وعبد الرزاق (٧١٥٥)، وابن أبي شيبة (١٠٦٦٣)، والدارمي (١/ ٣٨٦)، وأبو داود (١٦٣١)، والترمذي (٦٥٢)، وابن الجارود (٣٦٣)، جميعهم من طريق سعد بن إبراهيم، عن ريحان بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: \"لا تحلّ الصدقة لغني، ولا لذي مرّة سويّ\".\nقال الترمذي: \"حديث حسن\".\nوفي سنده ريحان بن يزيد العامري وهو مقبول كما في \"التقريب\" (١٩٨٧).\nوأما حديث أبي هريرة: فأخرجه ابن أبي شيبة (١٠٦٦٤)، والإمام أحمد في \"المسند\" (٢/ ٣٧٧ و٣٨٩)، وابن ماجه (١٨٣٩)، والنسائي (٢٥٩٧)، وابن الجارود (٣٦٤)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٣٢٩٠/ الإحسان)، جميعهم من طريق أبي بكر بن عياش، عن أبي حَصِيْن عثمان بن عاصم، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، به مثله.\nوسالم بن أبي الجعد كثير الإرسال عن الصحابة كما في \"التقريب\" (٢١٨٣)، ولم يصرح بالسماع هنا، ولم أجد من نصّ على أنه سمع من أبي هريرة ﵁،=","vol":"2","page":112},{"text":"رَسُولِهِ؛ وَكَثِيرًا مَا يَكُونُ فِيهَا مَا لَا يَجُوزُ شَرْعًا، ويَتَمَندَلُونَ (١) بِذِكْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي الأَسواق والمواضع القذرة، ويجعلون ذلك آلة لأَخذ (٢) مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ، لَكِنْ بأَصواتٍ مُطْرِبَةٍ يُخَافُ بسببها الفتنة (٣) عَلَى النساءِ وَمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ مِنَ الرِّجَالِ.\nوَمِنْهَا: أَنهم رُبَّمَا أَنشدوا الشِّعْرَ فِي الأَسفار الجهادية تنشيطًا لِكَلاَلِ\n_________\n=وقال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٢/ ٣٩٩): \"قال صاحب \"التنقيح\": رواته ثقات، إلا أن أحمد بن حنبل قال: سالم بن أبي الجعد لم يسمع من أبي هريرة\".\nوأبو بكر بن عياش ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح كما في \"التقريب\" (٨٠٤٢).\nولكنه لم ينفرد به، فقد أخرجه الدارقطني (٢/ ١١٨) من طريق إسرائيل، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، به. وأخرجه أبو يعلى (٦١٩٩)، وابن خزيمة (٢٣٨٧)، والحاكم (١/ ٤٠٧)، والبيهقي (٧/ ١٣ - ١٤)، جميعهم من طريق سفيان بن عيينة، عن منصور، عن أبي حازم، عن أبي هريرة يبلغ به، فذكره مثله.\nويبدو أن سفيان كان يشك في رفعه، ففي رواية البيهقي: \"فقيل لسفيان: هو عن النبي ﷺ؟ قال: لعلّه\".\nوهذا سند صحيح إن سلم من علّة شك سفيان، أو مخالفة إسرائيل له في الطريق السابقة التي رواها عن منصور، عن سالم.\nوأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٧٨٥٩)، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (٨٨٥)، كلاهما من طريق وهب بن بقية، عن خالد الطحان الواسطي، عن حصين بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، به مثله.\nوسنده صحيح إن كان حصين سمع من أبي حازم، فإني لم أجد من نص عليه.\nأما حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار: فأخرجه ابن أبي شيبة (١٠٦٦٦)، وأحمد (٤/ ٢٢٤)، وأبو داود (١٦٣٠)، والنسائي (٢٥٩٨)، جميعهم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار؛ قال: أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي ﷺ يسألانه عن الصدقة، قال: فرفع فيهما البصر وصوّبه، وقال: \"إنكما لجلدان\"، فقال: \"أما إن شئتما أعطيتكما، ولا حظّ فيها لغني ولا لقوي مكتسب\".\nوسنده صحيح. وقال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٢/ ٤٠١): \"قال صاحب \"التنقيح\": حديث صحيح، ورواته ثقات. قال الإمام أحمد ﵁: ما أجوده من حديث! هو أحسنها إسنادًا\".\nوللحديث طرق أخرى ذكرها جميعها الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ في \"الإرواء\" (٨٧٧)، وحكم عليه بمجموعها بالصحة.\n(١) أي: يتظاهرون.\n(٢) في (م): \"بأخذ\".\n(٣) قوله: \"الفتنة\" ليس في (خ) و(م).","vol":"2","page":113},{"text":"النفوس، وتنبيهًا للرواحل أَن تنهض بأثقالها (١)، وَهَذَا حَسَنٌ، لَكِنَّ الْعَرَبَ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ تَحْسِينِ النَّغَمَات مَا يَجْرِي مَجْرَى مَا النَّاسُ عَلَيْهِ الْيَوْمَ، بَلْ كَانُوا يُنْشِدُونَ الشِّعْرَ مطلقًا من غير أَن يَعْتَمِلُوا (٢) هَذِهِ التَّرْجيعات الَّتِي حَدَثَتْ بِعَدَهُمْ، بَلْ كَانُوا يرقِّقون الصوت ويُمَطِّطُونه على وجهٍ يَلِيقُ بأُمّية (٣) الْعَرَبِ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا صَنَائِعَ الْمُوسِيقَى (٤)، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ إِلذاذ (٥) وَلَا إِطراب يُلْهِي، وإنما كان لهم فيه (٦) شيء من النشاط؛ كما كان أَنْجَشَةُ (٧) وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَحْدُوَانِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٨)، وَكَمَا كَانَ الأَنصار يَقُولُونَ عِنْدَ حَفْرِ (٩) الْخَنْدَقِ:\nنَحْنُ الَّذين (١٠) بَايَعُوا مُحَمَّدَا ... عَلَى الْجِهَادِ مَا حَيِينَا أَبدًا\nفيجيبهم رسول الله (١١) ﷺ بِقَوْلِهِ (١٢): اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الْآخِرَهْ، فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ (١٣) \".\nوَمِنْهَا: أَن يتمثَّل الرَّجُلُ بِالْبَيْتِ أَو الأَبيات مِنَ الْحِكْمَةِ فِي نَفْسِهِ لِيَعِظَ نَفْسَهُ، أَو يُنَشِّطها، أَوْ يُحَرِّكها لِمُقْتَضَى مَعْنَى الشِّعْرِ، أَو يذكرها لغيره (١٤) ذِكْرًا مُطْلَقًا؛ كَمَا حَكَى أَبو الْحَسَنِ القَرَافي الصُّوفي عن الحسن: أَن قومًا\n_________\n(١) في (خ) و(م): \"في أثقالها\".\n(٢) في (خ) و(م): \"يتعلموا\".\n(٣) علق رشيد رضا هنا بقوله: لعله: \"لا يليق\".اهـ.\n(٤) في (خ) و(م): \"المويسقي\".\n(٥) في (م): \"لداد\".\n(٦) \"فيه\" زيادة من (غ).\n(٧) في (م): \"نحشة\".\n(٨) أما حديث عبد الله بن رواحة: فتقدم تخريجه (ص١٠٣). وأما حديث أنجشة: فأخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٦١٤٩ و٦١٦١ و٦٢٠٢ و٦٢١٠ و٦٢١١)، ومسلم (٢٣٢٣)، كلاهما من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في بعض أسفاره، وغلام أسود يقال له: أنجشة يحدو، فقال له رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"يَا أنجشة! رويدك سوقًا بالقوارير\".\n(٩) قوله: \"حفر\" سقط من (ر)، واستدرك في الهامش، ولم يتَّضح جيدًا في التصوير.\n(١٠) في (خ): \"الذون\".\n(١١) قوله: \"رسول الله\" ليس في (خ).\n(١٢) قوله: \"بقوله\" من (خ) فقط.\n(١٣) أخرجه البخاري (٢٨٣٤ و٢٨٣٥)، ومسلم (١٨٠٥).\n(١٤) قوله: \"لغيره\" ليس في (خ).","vol":"2","page":114},{"text":"أَتوا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، فَقَالُوا: يَا أَمير الْمُؤْمِنِينَ! إِن لَنَا إِمامًا إِذا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ تغنَّى، فَقَالَ عُمَرُ: مَنْ هُوَ؟ فذُكر لَهُ (١) الرَّجُلُ، فَقَالَ: قُومُوا بِنَا إِليه، فإِنا إِن وجَّهنا إِليه يَظُنُّ أَنّا تجسَّسنا عَلَيْهِ أَمره. قَالَ: فَقَامَ عُمَرُ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصحاب النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى أَتوا الرَّجُلَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا أَن نَظَرَ إِلى عُمَرَ قَامَ فَاسْتَقْبَلَهُ، فَقَالَ: يَا أَمير الْمُؤْمِنِينَ! مَا حَاجَتُكَ؟ وَمَا جاءَ بِكَ؟ إِن كَانَتِ الْحَاجَةُ لَنَا كُنَّا أَحقَّ بِذَلِكَ مِنْكَ أَن نأْتيك، وإِن كَانَتِ الْحَاجَةُ لَكَ فأَحق مَنْ عَظَّمْنَاهُ خليفةُ خليفةِ (٢) رسول ﷺ. قَالَ لَهُ عُمَرُ: وَيَحَكَ! بَلَغَنِي عَنْكَ (٣) أَمر ساءَني! قَالَ: وَمَا هو يا أَمير المؤمنين؟ فإني أعينك من نفسي، قال له عمر: بلغني أنك إذا صلَّيت تغنَّيت. قال: نعم يا أمير المؤمنين (٤)! فقال (٥) عمر (٦): أتتمجَّن (٧) فِي عِبَادَتِكَ؟ قَالَ: لَا يَا أَمير المؤمنين، ولكنها (٨) عِظَةٌ أَعِظُ بها نفسي. فقال (٩) عُمَرُ: قُلْها، فإِن كَانَ كَلَامًا حَسَنًا قُلْتُهُ (١٠) مَعَكَ، وإِن كَانَ قَبِيحًا نَهَيْتُكَ عَنْهُ. فَقَالَ:\nوفُؤَادٌ كُلَّما عَاتَبْتُهُ ... عَادَ في (١١) الهُجْران يَبْغي تَعَبي (١٢)\nلَا أَراهُ الدَّهْرَ إِلاّ لاهِيًا ... فِي تَمَادِيْهِ فَقَدْ بَرّحَ بِي\nيَا قَرِينَ السُّوء مَا هَذَا الصِّبا ... فَنِيَ العُمر كَذَا فِي اللَّعِبِ (١٣)\nوشَبَابٌ بَانَ (١٤) عَنِّي فمَضَى ... قَبْلَ أَن أَقْضِيَ مِنْهُ أَرَبِي\nمَا أُرجّي (١٥) بَعْدَهُ إِلا الفَنَا ... ضَيَّقَ الشَّيْبُ عَلَيّ مَطْلَبي\n_________\n(١) قوله: \"له\" ليس في (خ).\n(٢) في (م) ضرب على قوله: \"خليفة\" الأولى، وفي (خ): \"خليفة\" مرة واحدة.\n(٣) في (خ): \"عنك عنك\".\n(٤) من قوله: \"فإني أعينك\" إلى هنا سقط من (خ) و(م).\n(٥) في (ر) و(غ): \"قال\".\n(٦) قوله: \"عمر\" ليس في (خ).\n(٧) في (ر) و(غ): \"أوتتمجن\".\n(٨) في (خ) و(م): \"لكنها\".\n(٩) في (خ) و(م): \"قال\".\n(١٠) في (م): \"قلت\".\n(١١) في (خ) و(م): \"في مدى\" بدل \"عاد في\".\n(١٢) في (م): \"تعب\" وفي (غ) و(ر): \"لعبي\".\n(١٣) في (م): \"ما للعب\".\n(١٤) في (م): \"بار\".\n(١٥) في (م): \"ما أرجو\".","vol":"2","page":115},{"text":"وَيْحَ نَفْسِي! لَا أَرَاهَا أَبدًا ... فِي جميلٍ لَا، وَلَا فِي (١) أَدَبِ\nنفسُ لَا كنتِ وَلَا كَانَ الْهَوَى ... رَاقِبِي المَوْلى وخافِي وارْهَبي\nقال (٢): فقال عمر رضي الله تعالى عَنْهُ:\nنفسُ لَا كنتِ وَلَا كَانَ الْهَوَى ... رَاقِبِي الْمَوْلَى وَخَافِي وَارْهَبِي\nثُمَّ قَالَ عُمَرُ (٣): عَلَى هَذَا فليغنِّ مَنْ غنَّى (٤).\nفتأَمَّلوا قَوْلَهُ: \"بلغني عنك أَمر ساءَني\"، مَعَ قَوْلِهِ: \"أَتتمجَّن فِي عِبَادَتِكَ\"، فَهُوَ مِنْ أَشدّ مَا يَكُونُ فِي الإِنكار، حتّى (٥) أَعلمه أَنه يردد على (٦) لِسَانُهُ أَبياتَ حِكْمةٍ فِيهَا عِظَةٌ (٧)، فَحِينَئِذٍ (٨) أَقرّه وَسَلَّمَ لَهُ.\nهَذَا وَمَا أَشبهه كَانَ فِعْلَ الْقَوْمِ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يَقْتَصِرُوا فِي التَّنْشِيطِ لِلنُّفُوسِ وَلَا الْوَعْظِ عَلَى مجرَّد الشِّعْرِ، بَلْ وَعَظُوا أَنْفُسَهُمْ بِكُلِّ مَوْعِظَةٍ، وَلَا كَانُوا يَسْتَحْضِرُونَ لِذِكْرِ الأَشعار المغنِّين، إِذ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ طَلَبَاتِهِمْ، وَلَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنَ الغناءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي أَزماننا (٩) شيءٌ، وإِنّما دَخَلَ فِي الإِسلام بَعْدَهُمْ حِينَ خَالَطَ الْعَجَمُ الْمُسْلِمِينَ.\nوَقَدْ بيَّن ذَلِكَ أَبو الْحَسَنِ القَرَافي، فَقَالَ: إِن (١٠) الْمَاضِينَ مِنَ الصَّدْرِ الأَوّل حُجَّة عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، وَلَمْ يَكُونُوا يُلَحِّنون الأَشعار وَلَا يُنَغِّمُونَها\n_________\n(١) قوله: \"في\" ليس في (م).\n(٢) قوله: \"قال\" ليس في (غ) و(ر).\n(٣) قوله: \"عمر\" من (خ) فقط.\n(٤) أخرج هذه القصة ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٤٤/ ٣١٢) من طريق الفضل بن عمير بن تميم المروزي، عن عبيد الله بن محمد العيشي، عن أبيه، عن مزيدة بن قعنب الرهاوي؛ قال: كنا عند عمر ...، فذكرها مع اختلاف يسير.\nولم أجد ترجمة لمزيدة بن قعنب ولا للفضل بن عمير.\n(٥) في (غ): \"على\".\n(٦) قوله: \"على\" ليس في (خ) و(م).\n(٧) في (خ): \"موعظة\".\n(٨) في (غ): \"ثم\".\n(٩) في (غ) و(ر): \"أزمنتنا\"، وفي (خ): \"أزمات\" وعلق عليها رشيد رضا بقوله: في الأصل: \"أزمات\"، فهو تحريف ظاهر. اهـ.\n(١٠) في (خ): \"أي\".","vol":"2","page":116},{"text":"بأَحسن (١) مَا يَكُونُ مِنَ النَّغَم، إِلا مِنْ وَجْهِ إِرسال الشِّعْرِ واتِّصال الْقَوَافِي. فإِن كَانَ صوتُ أَحدهم أَشْجَى (٢) مِنْ صَاحِبِهِ كَانَ ذَلِكَ مَرْدُودًا إِلى أَصل الخِلْقة لَا يَتَصَنَّعون وَلَا يَتَكَلّفون.\nهَذَا مَا قَالَ (٣). فَلِذَلِكَ نصَّ العلماءُ عَلَى كَرَاهِيَةِ ذَلِكَ المُحْدَث، وَحَتَّى سُئل مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ﵁ عَنِ الغناءِ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ (٤) أَهل المدينة، فقال: إِنما يفعله عندنا (٥) الفُسّاق (٦). وَلَا كَانَ (٧) المتقدِّمون أَيضًا يَعُدُّون الغناءَ جُزْءًا مِنْ أَجزاءِ طَرِيقَةِ التعبُّد، وَطَلَبِ رقَّة النفوس، وخشوع القلوب، حتى يقصدوه قَصْدًا، ويتعمَّدوا اللَّيَالِي الْفَاضِلَةِ، فَيَجْتَمِعُوا لأَجل الذِّكْرِ الجَهْري، ثم الغناء (٨)، والشَّطْح، والرَّقْص، والتَّغَاشِي، والصِّيَاح، وَضَرْبِ الأَقدام عَلَى وزن إيقاع الأَكُفِّ (٩) أَو الْآلَاتِ، وَمُوَافَقَةِ (١٠) النَّغَمَات. هَلْ فِي كَلَامِ النبي ﷺ أو عمله (١١) الْمَنْقُولِ فِي الصِّحَاحِ (١٢)، أَوْ عَمَلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، أَو أَحدٍ من العلماءِ من ذَلِكَ (١٣) أَثر؟ أَو فِي كَلَامِ المُجِيب مَا يُصَرِّحُ بِجَوَازِ مِثْلِ هَذَا؟.\nبَلْ سُئل عَنْ إِنشاد الأَشعار بالصَّوامع كَمَا يَفْعَلُهُ المؤذِّنون الْيَوْمَ فِي الدعاءِ بالأَسحار؟ فأَجاب بأَن ذَلِكَ بِدْعَةٌ مُضَافَةٌ إِلى بِدْعَةٍ؛ لأَن الدعاءَ بِالصَّوَامِعِ بِدْعَةٌ، وإِنشاد الشِّعْرِ وَالْقَصَائِدِ (١٤) بِدْعَةٌ أُخْرَى، إِذ لَمْ يكن ذلك\n_________\n(١) في (ر): \"فأحسن\".\n(٢) في (خ): \"أشجن\".\n(٣) قوله: \"هذا ما قال\" مكرر في (غ).\n(٤) في (ر) و(غ): \"يتعلمه\".\n(٥) قوله: \"عندنا\" ليس في (خ) و(م).\n(٦) رواه عبد الله بن أحمد في \"العلل\" (١٥٨١) عن أبيه، عن إسحاق بن عيسى الطباع؛ أنه سأل مالكًا ...، فذكره. وسنده حسن.\n(٧) في (خ): \"ولكن\".\n(٨) قوله: \"ثم الغناء\" ليس في (خ) و(م).\n(٩) في (خ) و(م): \"الكف\".\n(١٠) في (م): \"وموافقات\".\n(١١) في (خ): \"وعمله\".\n(١٢) في (ر) و(غ): \"الصحيح\".\n(١٣) قوله: \"من ذلك\" ليس في (خ): وقوله: \"من\" ليس في (م).\n(١٤) في (ر) و(غ) و(م): \"وإنشاد القصائد\".","vol":"2","page":117},{"text":"فِي زَمَنِ (١) السَّلَف المُقْتَدَى بِهِمْ.\nكَمَا أَنه سُئِلَ عَنِ الذِّكْر الجَهْري أَمام الْجِنَازَةِ، فأَجاب بأَن السُّنَّة فِي اتِّباع (٢) الْجَنَائِزِ الصَّمْت والتَّفَكُّر والاعتبار، وأَن ذلك فعل السلف. قال (٣): وَاتِّبَاعُهُمْ سُنّة، وَمُخَالَفَتُهُمْ بِدْعَةٌ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَنْ يأْتِيَ آخرُ هَذِهِ الأُمَّة بأَهدى مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَوّلُها (٤).\nوأَما مَا ذَكَرَهُ (٥) المُجِيب فِي التَّوَاجُدِ عِنْدَ السَّماع مِنْ أَنَّهُ أَثر رِقَّةِ النَّفس وَاضْطِرَابِ الْقَلْبِ، فإِنه لَمْ يبيِّن ذَلِكَ الأَثر مَا هُوَ، كَمَا أَنه لَمْ يبيِّن مَعْنَى الرِّقَّة، وَلَا عرَّج عَلَيْهَا بتفسيرٍ يُرشد إلى معنى (٦) التَّوَاجُدِ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ، وإِنما فِي كَلَامِهِ أَن ثَمَّ أَثرًا ظَاهِرًا يَظْهَرُ عَلَى جِسْمِ المُتَوَاجِد، وَذَلِكَ الأَثر يَحْتَاجُ إِلى تَفْسِيرٍ. ثُمَّ التَّوَاجُدُ يَحْتَاجُ إِلَى شرحٍ بِحَسَبَ مَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِ فِيهِ (٧).\nوَالَّذِي يَظْهَرُ فِي التَّوَاجُد (٨) مَا كَانَ يَبْدُو عَلَى جملةٍ مِنْ أَصحاب رَسُولِ الله ﷺ، وهو البُكاءُ، واقْشِعْرَارُ الجِلْد التَّابِعِ لِلْخَوْفِ، الْآخِذِ (٩) بمَجَامِع الْقُلُوبِ، وَبِذَلِكَ وَصَفَ اللَّهُ عِبَادَهُ فِي كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ\n_________\n(١) في (ر) و(م): \"زمان\".\n(٢) في (غ): \"التباع\".\n(٣) قوله: \"قال\" ليس في (خ) و(م).\n(٤) لم أجده بهذا اللفظ، والظاهر أن المصنف عبَّر بالمعنى عما اشتهر عن الإمام مالك ﵀ من قوله: \"لا يصلح آخر هذا الأمر إلا ما أصلح أوله\"، وهذا ينسب إليه مباشرة كما في \"منهاج السنة\" (٢/ ٤٤٤) وغيره.\nبينما أسنده ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٢٣/ ١٠) بسند صحيح من طريق أشهب، عن الإمام مالك قال: كان وهب بن كيسان يقعد إلينا، ولا يقوم أبدًا حتى يقول لنا: اعلموا أنه لا يُصلح آخر هذا الأمر إلا ما أصلح أوله. قلت: يريد ماذا؟ قال: يريد في بادئ الإسلام، أو قال: يريد التقوى.\n(٥) في (غ) و(ر): \"وأما ما ذكر\".\n(٦) في (خ) و(م) \"فهم\".\n(٧) قوله: \"فيه\" ليس في (خ).\n(٨) من قوله: \"وذلك الأثر\" إلى هنا سقط من (غ) و(ر).\n(٩) في (ر): \"لا لاخذ\".","vol":"2","page":118},{"text":"جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ (٢)، وَقَالَ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (٣).\nوعن عبد الله بن الشِّخِّير ﵁؛ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصلّي، وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كأَزِيزِ المِرْجَلِ؛ يَعْنِي مِنَ الْبُكَاءِ (٤).\nوالأَزِيزُ: صوتٌ يشبه غَلَيان القِدْر.\nوَعَنِ الْحَسَنِ؛ قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ *مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ *﴾ (٥)، فَرَبَى لَهَا رَبْوةً، عِيد مِنْهَا عِشْرِينَ يَوْمًا (٦).\nوعن عُبيد (٧) بن [عُمَير] (٨)؛ قال: صلَّى بنا عمر بن الخطاب\n_________\n(١) سورة الزمر: الآية (٢٣).\n(٢) سورة المائدة: الآية (٨٣).\n(٣) سورة الأنفال: الآيات (٢ - ٤).\n(٤) أخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" (١٠٩) وأبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص١٣٦)، وأحمد في \"المسند\" (٤/ ٢٥ و٢٦)، وأبو داود في \"سننه\" (٩٠٤)، والترمذي في \"الشمائل\" (٣١٥)، والنسائي (١٢١٤)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٩٠٠)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٦٦٥، و٧٥٣/ الإحسان)، جميعهم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن مُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، عن أبيه ﵁، به.\nوسنده صحيح.\n(٥) سورة الطور: الآيتان (٧ و٨).\n(٦) أخرجه أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص١٣٦ - ١٣٧) من طريق هشام بن حسان، عن الحسن البصري، فذكره.\nوسنده ضعيف؛ لأن الحسن البصري لم يسمع من عمر ﵁، فإنه إنما ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر كما في \"تهذيب الكمال\" (٦/ ٩٧). والراوي عن الحسن هو هشام بن حسان، وفي روايته عنه مقال، لأنه لم يسمع منه أكثر حديثه فيما يقال، انظر \"تهذيب الكمال\" (٣٠/ ١٨٤ - ١٩٣).\n(٧) قوله: \"عبيد\" جاء في آخر السطر في نسخة (م)، فألحق به بخط مغاير قوله: \"الله\"، وهكذا جاء في طبعة رشيد رضا: \"عبيد الله\".\n(٨) في جميع النسخ: \"عمر\"، والتصويب من مصادر التخريج.","vol":"2","page":119},{"text":"﵁ صَلَاةَ الْفَجْرَ، فَافْتَتَحَ سُورَةَ يُوسُفَ فقرأَها، حَتَّى إِذا (١) بَلَغَ: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (٢) بكى (٣) حتى انقطع، فركع (٤).\nوَفِي رِوَايَةٍ: لِمَا انْتَهَى إِلى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٥) بَكَى حَتَّى سُمِعَ نَشِيجُهُ مِنْ وراءِ الصُّفوف (٦).\nوَعَنْ أَبي صَالِحٍ؛ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ أَهل الْيَمَنِ فِي زَمَانِ (٧) أَبي بَكْرٍ ﵁؛ سَمِعُوا الْقُرْآنَ، فَجَعَلُوا يَبْكُونَ، فَقَالَ أَبو بكر: هكذا كُنّا ثُمَّ قَسَت القلوب (٨).\n_________\n(١) قوله: \"إذا\" ليس في (غ) و(ر).\n(٢) سورة يوسف: الآية (٨٤).\n(٣) في (غ) و(ر): \"فبكى\".\n(٤) قوله: \"فركع\" ليس في (خ) و(م).\nوهذا الأثر أخرجه أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص١٣٧) من طريق النضر بن إسماعيل، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، به. وفي سنده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو صدوق، إلا أنه سيء الحفظ جدًا كما في \"التقريب\" (٦١٢١).\nوذكر ابن حجر في \"فتح الباري\" (٢/ ٢٠٦) أن ابن المنذر أخرجه من طريق عبيد بن عمير.\nولم ينفرد به ابن أبي ليلى.\nفقد أخرجه أبو عبيد في الموضع السابق من طريق ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن علقمة بن وقاص، عن عمر مثله، إلا أنه ذكر صلاة العتمة بدل الفجر.\nوعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ثقة فقيه فاضل، إلا أنه كان يدلِّس كما في \"التقريب\" (٤٢٢١)، ولم يصرِّح بالسماع.\nويتقوَّى أيضًا بالطريق الآتية.\n(٥) سورة يوسف: آية (٨٦).\n(٦) هذه الرواية أخذها المصنف - كما أخذ الروايتين قبلها - من \"فضائل القرآن\" لأبي عبيد. ولكن أبا عبيد لم يسند هذه الرواية، وإنما أخرجها مسندة: عبد الرزاق في \"المصنف\" (٢٧١٦)، وسعيد بن منصور في \"سننه\" (١١٣٨ / التفسير)، وابن سعد في الطبقات (٦/ ١٢٦)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٥٥١٦)، جميعهم من طريق عبد الله بن شداد بن الهاد؛ قال: سمعت نشيج عمر بن الخطاب ﵁، وإني لفي آخر الصفوف: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾.\nوسنده صحيح.\n(٧) في (غ) و(ر): \"زمن\".\n(٨) في (خ) و(م): \"هكذا كنا حتى قست قلوبنا\".=","vol":"2","page":120},{"text":"وَعَنِ ابْنِ أَبي لَيْلَى: أَنه قرأَ سُورَةَ مَرْيَمَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى السَّجْدَةِ: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (١)، فَسَجَدَ بِهَا، فَلَمَّا رَفَعَ رأُسه قَالَ: هَذِهِ السَّجْدَةُ قَدْ سَجَدْنَاهَا، فأَين البكاءُ؟ (٢).\nإِلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآثَارِ الدالَّة عَلَى أَنَّ أَثَرَ الْمَوْعِظَةِ الَّذِي يَكُونُ بِغَيْرِ تصنُّع إِنَّمَا هُوَ عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ وَمَا أَشْبَهَهَا.\nوَمِثْلُهُ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (٣) - ذكره بعض المفسرين ـ، وذلك أنهم (٤) لَمَّا أَلقى اللَّهُ الإِيمان فِي قُلُوبِهِمْ؛ حَضَرُوا عِنْدَ مَلِكِهِمْ دِقْيَانُوسَ الْكَافِرِ، فتحرَّكت فأْرة أَو هِرَّة خاف لأَجلها الملك، فنظر الفتية بعضهم إِلى بَعْضٍ، وَلَمْ يَتَمَالَكُوا أَن (٥) قَامُوا مصرِّحين بِالتَّوْحِيدِ، مُعْلِنِين بِالدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ، مُنْكِرِينَ عَلَى الْمَلِكِ (٦) نِحْلَةَ الْكُفْرِ، باذِلين أَنفسهم فِي ذَاتِ اللَّهِ، فأَوعدهم، ثم أجّلهم (٧)، فَتَوَاعَدُوا الْخُرُوجَ إِلَى الْغَارِ، إِلَى أَن كَانَ مِنْهُمْ مَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ. فليس في شيءٍ من (٨) ذَلِكَ صَعْقٌ وَلَا صِياح (٩)، وَلَا شَطح، وَلَا تَغَاشٍ مُسْتَعْمَلٌ، وَلَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ شأْن فقرائنا اليوم.\n_________\n=والأثر أخرجه أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص١٣٥)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٣٣ - ٣٤)، كلاهما من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح ذكوان السمان، فذكره.\nوسنده رجاله ثقات، لكنه ضعيف لإرساله؛ فإن أبا صالح لم يسمع من أبي بكر ﵁ كما في \"المراسيل\" لابن أبي حاتم (٢٠١)، و\"جامع التحصيل\" (ص١٧٤).\n(١) سورة مريم: آية (٥٨).\n(٢) أخرجه أبو عبيد في \"فضائل القرآن (ص١٤٠) من طريق إسماعيل بن مجالد، عن هلال الوزّان، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، به.\nوفي سنده إسماعيل بن مجالد بن سعيد الهمداني وهو صدوق، إلا أنه يخطئ كما في \"التقريب\" (٤٨٠)، فالحديث ضعيف لأجله.\n(٣) سورة الكهف: آية (١٤).\n(٤) في (خ): \"أنه\"،\n(٥) في (خ): \"إلى أن\".\n(٦) قوله: \"على الملك\" ليس في (غ) و(م).\n(٧) في (خ) و(م): \"أخلفهم\".\n(٨) قوله: \"شيء من\" ليس في (خ).\n(٩) قوله: \"ولا صياح\" ليس في (غ).","vol":"2","page":121},{"text":"وخرَّج (١) سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي \"تَفْسِيرِهِ\" (٢) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ (٣) عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ قَالَ: قلت لِجَدَّتي أَسماءَ: كيف كان يصنع (٤) أَصحاب رسول الله ﷺ إِذا قَرَؤُوا الْقُرْآنَ؟ قَالَتْ: كَانُوا كَمَا نَعَتَهُم اللَّهُ: تَدْمَعُ أَعينهم، وتَقْشَعِرّ جُلُودُهُمْ. قُلْتُ: إِنَّ نَاسًا (٥) هَاهُنَا إِذا سَمِعُوا ذَلِكَ تأْخذهم عَلَيْهِ غَشْيَة. فَقَالَتْ: أَعوذ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.\nوخرج أَبو (٦) عبيد (٧) من حديث أَبي حَازِمٍ؛ قَالَ: مرَّ ابْنُ عُمَرَ بِرَجُلٍ مِنْ أَهل الْعِرَاقِ سَاقِطٌ وَالنَّاسُ حَوْلَهُ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا (٨): إِذا قُرِئ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، أَو سَمِعَ اللَّهَ يُذْكَر خرَّ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَاللَّهِ إِنا لَنَخْشَى الله وما (٩) نسقط. وهذا إنكار.\n_________\n(١) في (ر) و(غ) و(م): \"خرج\".\n(٢) وهو جزء من \"السنن\"، والأثر فيه برقم (٩٥)، وسنده صحيح، وقد خرجته وتكلمت عنه هناك، فانظره إن شئت.\n(٣) قوله: \"عبد الله بن\" مكرر في (غ) و(ر).\n(٤) قوله: \"يصنع\" سقط من (خ) و(م).\n(٥) في (خ): \"نسا\".\n(٦) في (خ) و(م): \"ابن\".\n(٧) في \"فضائل القرآن\" (ص٢١٤) من طريق سعيد بن عبد الرحمن الجُمَحي؛ قال: سمعت أبا حازم يقول: مرَّ ابن عمر ...، فذكره.\nوسنده حسن، فسعيد بن عبد الرحمن الجُمَحي ليس به بأس كما قال الإمام أحمد، وقد وثقه ابن معين وابن نمير وموسى بن هارون والعجلي وأبو عبد الله الحاكم، وقال عنه أحمد ما تقدم. وقال النسائي: \"لا بأس به\". وقال ابن عدي: \"له أحاديث غرائب حسان، وأرجو أنها مستقيمة، وإنما يهم عندي في الشيء بعد الشيء، فيرفع موقوفًا، أو يصل مرسلًا، لا عَنْ تَعَمُّد\". وقال أبو حاتم: \"صالح\". وقال يعقوب بن سفيان: \"ليِّن الحديث\". وقال زكريا الساجي: \"يروي عن هشام وسهيل أحاديث لا يتابع عليها\". وبالغ ابن حبان في تضعيفه. وقال ابن حجر: \"صدوق له أوهام، وأفرط ابن حبان في تضعيفه\". انظر: \"تهذيب الكمال\" (١٠/ ٥٢٨ - ٥٣٢)، و\"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٣٠)، و\"التقريب\" (٢٣٦٣).\nوأخرجه البغوي في \"تفسيره\" (٤/ ٧٧)، وابن الجوزي في \"تلبيس إبليس\" (ص٢٨٢)، كلاهما من طريق سعيد بن عبد الرحمن، به.\n(٨) في (غ) و(ر): \"فقا\".\n(٩) في (خ): \"ولا\".","vol":"2","page":122},{"text":"وَقِيلَ لِعَائِشَةَ ﵂ (١): إِن قَوْمًا إِذا سمعوا القرآن صَعِقُوا (٢)! فَقَالَتْ: إِنَّ (٣) الْقُرْآنَ أَكرم مِنْ أَن (٤) تَنْزِفَ عَنْهُ عُقُولُ الرِّجَالِ، وَلَكِنَّهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٥).\nوَعَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنه سُئِلَ عَنِ الْقَوْمِ يُقرأُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ فيُصْعَقون، فَقَالَ: ذَلِكَ فِعْلُ الْخَوَارِجِ (٦).\nوَخَرَّجَ أَبُو نعيم (٧)\n_________\n(١) أخرجه أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص٢١٤ - ٢١٥) من طريق هشام بن حسان؛ قال: قيل لعائشة ...، فذكره.\nوسنده ضعيف؛ فهشام بن حسان لم يلق أحدًا من الصحابة كما قال ابن المديني، انظر: \"جامع التحصيل\" (ص٢٩٣).\n(٢) قوله: \"صعقوا\" سقط من (م)، وفي (خ): \"إذا سمعوا القرآن يغشى عليهم\".\n(٣) قوله: \"إن\" ليس في (غ) و(ر)، وليس هو في الطبعة التي صار العزو إليها من \"فضائل القرآن\" لأبي عبيد، وهو مثبت في بعض نسخه؛ كما في النسخة المغربية بتحقيق أحمد الخياضي رقم (٣٧٤).\n(٤) في (م): \"أكرم ميزان\".\n(٥) سورة الزمر: آية (٢٣).\n(٦) أخرجه أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص٢١٥) من طريق زيد بن الحباب، عن مسيّب العنبري، عن قتادة، عن أنس، به.\nوفي سنده مسيّب العنبري ولم أجد له ترجمة.\nوالظاهر أنه تصحّف عن \"شبيب بن مهران أبي زياد القسملي البصري\" المترجم في \"التاريخ الكبير\" للبخاري (٤/ ٢٣٣)، \"والجرح والتعديل\" (٤/ ٣٦٠)، فإنه يروي عن قتادة، وعنه زيد بن الحباب، وقد أخرج هذا الأثر من طريقه البخاري في الموضع السابق عن قتادة، وذكر - أي البخاري - أن زيد بن الحباب رواه عنه.\nثم وجدته في الطبعة المغربية من \"فضائل القرآن\" لأبي عبيد (٣٧٥): \"شبيب العبدي\"، وهو ابن مهران، فزال الإشكال والحمد لله.\nوأخرجه ابن الجوزي في \"تلبيس إبليس\" (ص٢٨٢) من طريق إبراهيم بن الحجاج، عن شبيب، به. ولم يتكلم البخاري ولا ابن أبي حاتم عن شبيب بجرح ولا تعديل، وقد ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٦/ ٤٤٣)، وذكره الذهبي في \"ميزان الاعتدال\" (٣٦٦٢)، ونقل عن السيف ابن المجد الحافظ قوله: \"فيه بعض الكلام\".\n(٧) في \"الحلية\" (٣/ ١٦٧)، ومن طريقه ابن الجوزي في \"تلبيس إبليس\" (ص٢٨٢ - ٢٨٣)، من طريق سليمان بن أحمد الطبراني، عن شيخه محمد بن العباس، عن=","vol":"2","page":123},{"text":"عن عامر (١) بن عبد الله بن الزبير (٢)؛ قَالَ: جِئْتُ أَبي، فَقَالَ: أَين كُنْتَ؟ فَقُلْتُ: وَجَدْتُ أَقوامًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَيَرْعُدُ أَحدُهم حَتَّى يُغشى عَلَيْهِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ (٣)، فَقَعَدْتُ مَعَهُمْ. فقال: لا تقعدْ معهم (٤) بعدها. فرآني كأَنه لَمْ يأَخذ ذَلِكَ فيَّ، فَقَالَ: رأَيت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتْلُو الْقُرْآنَ، ورأَيت أَبا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَتْلُوَانِ الْقُرْآنَ (٥)، فَلَا يُصِيبُهُمْ هَذَا، أَفتَرَاهُم أَخشعَ لِلَّهِ مَنْ أَبي بكر وعمر؟ فرأَيت أن ذلك كذلك، فتركتهم. انتهى (٦).\nوَهَذَا يُشْعِر (٧) بأَن ذَلِكَ كلَّه تعمُّلٌ وتكلُّفٌ لَا يُرضى بِهِ أهلُ الدِّين.\nوَسُئِلَ مُحَمَّدُ بن سيرين عن الرجل يُقْرَأُ عنده القرآن (٨) فَيَصْعَقُ؛ فَقَالَ: مِيعَادُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ أَن يُجْلَسَ عَلَى حَائِطٍ، ثُمَّ يُقرأُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ مِنْ أَوّله إِلى آخِرِهِ، فإِن وَقَعَ فَهُوَ كما قال (٩).\n_________\n=الزبير بن بكار، عن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، به.\nوالطبراني أخرجه في \"المعجم الكبير\" كما في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٣٧٧ رقم ١٧٦٥٠).\nوالزبير بن بكار أخرجه في \"الموفقيات\" كما في \"الدر المنثور\" (٧/ ٢٢٢).\nوسنده ضعيف لضعف عبد الله بن مصعب كما يتضح من ترجمته في \"لسان الميزان\" (٤/ ٣٦٠).\n(١) في (خ) و(م): \"جابر\" بدل \"عامر\".\n(٢) في (خ): \"أن ابن الزبير ﵁\".\n(٣) سقط لفظ الجلالة \"الله\" من (ر).\n(٤) قوله: \"معهم\" ليس في (خ)، و(م).\n(٥) قوله: \"القرآن\" ليس في (م).\n(٦) قوله: \"انتهى\" ليس في (خ).\n(٧) قوله: \"يشعر\" ليس في (خ).\n(٨) قوله: \"القرآن\" ليس في (خ).\n(٩) أخرجه أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص٢١٥) من طريق زيد بن الحباب، عن حمران بن عبد العزيز وجرير بن حازم؛ أنهما سمعا محمد بن سيرين ...، فذكره.\nكذا جاء فيه: \"حمران بن عبد العزيز\"، وصوابه: \"عمران\".\nفقد أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٢/ ٢٦٥) من طريق زياد بن يحيى، عن عمران بن عبد العزيز؛ قال: سمعت محمد بن سيرين، فذكره.\nومن طريق أبي نعيم أخرجه ابن الجوزي في \"تلبيس إبليس\" (ص٢٨٣).\nوأخرجه ابن الجوزي أيضًا من طريق أبي عمر حفص بن عمر الضرير، عن جرير بن حازم، عن ابن سيرين، به.=","vol":"2","page":124},{"text":"وهذا الكلام أصل (١) حَسَنٌ في الفرق بين (٢) الْمُحِقِّ والْمُبْطِلِ؛ لأَنه إِنما كَانَ عِنْدَ الْخَوَارِجِ نَوْعًا مِنَ القِحَّة (٣) فِي النُّفُوسِ الْمَائِلَةِ عَنِ الصَّوَابِ، وَقَدْ تُغَالِطُ النَّفْسُ فِيهِ فَتَظُنُّهُ انْفِعَالًا صَحِيحًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أَنه لَمْ يظهر على (٤) أَحدٍ من الصحابة هُوَ (٥) وَلَا مَا يُشْبِهُهُ، فإِن مَبْنَاهُمْ كَانَ على الحق، فلم يكونوا لِيَسْتَعْمِلوا (٦) فِي دِينِ اللَّهِ (٧) هَذِهِ اللُّعَبَ الْقَبِيحَةَ المُسْقِطة للأَدب والمروءَة.\nنَعَمْ قَدْ لَا يُنكر اتِّفَاقُ الغَشْي وَنَحْوِهِ، أَو الْمَوْتِ لِمَنْ سَمِعَ الْمَوْعِظَةَ بحقٍّ فضعُف عَنْ مُصَابَرَةِ الرِّقَّة الْحَاصِلَةِ بِسَبَبِهَا، فَجَعَلَ ابْنُ سِيرِينَ ذَلِكَ الضَّابِطَ مِيزَانًا للمُحِقّ والمُبْطِل، وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ فإِن القِحَةَ لَا تَبْقَى مَعَ خَوْفِ السُّقوط مِنَ الْحَائِطِ (٨)، فَقَدِ اتَّفَقَ من ذلك بعض النوادر ظهر (٩) فيها (١٠) عذر المُتَواجِد (١١).\nفحُكي عَنْ أَبي (١٢) وَائِلٍ؛ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عبد الله بن مسعود ﵁ وَمَعَنَا الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْم (١٣)، فَمَرَرْنَا عَلَى حَدَّاد، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَنْظُرُ إِلى حديدةٍ فِي النَّارِ، فَنَظَرَ الرَّبِيعُ إِليها فَتَمَايَلَ ليَسْقُط. ثُمَّ إِن عَبْدَ اللَّهِ مَضَى كَمَا هُوَ حَتَّى أَتينا عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ عَلَى أَتُّون (١٤)، فَلَمَّا رَآهُ عَبْدُ اللَّهِ وَالنَّارُ تَلْتَهِبُ فِي جَوْفِهِ قرأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ\n_________\n=قال حفص بن عمر: وكان محمد بن سيرين يذهب إلى أن هذا تصنُّع، وليس بحقٍّ من قلوبهم.\nفتبين بهذه الطرق أن سنده صحيح إلى ابن سيرين.\n(١) قوله: \"أصل\" ليس في (خ).\n(٢) قوله \"الفرق بين\" ليس في (خ) و(م).\n(٣) القِحّةُ: الجفاء، والقُحّ: هو الجافي من الناس. انظر: \"لسان العرب\" (٢/ ٥٥٣).\n(٤) في (م): \"عن\".\n(٥) في (خ): \"لا هو\".\n(٦) في (خ): \"يستعملوا\".\n(٧) في (م): \"في الدين الله\".\n(٨) قوله: \"من الحائط\" من (خ) فقط\n(٩) في (خ): \"وظهر\".\n(١٠) في (ر) و(غ): \"فيه\".\n(١١) في (خ): \"التواجد\".\n(١٢) في (م): \"عن ابن أبي\".\n(١٣) في (خ): \"خيثمة\"، وفي (م): \"خيثم\".\n(١٤) الأَتّون: هو موقد النار كما سيأتي عند المصنِّف، وانظر \"لسان العرب\" (١٣/ ٧). وفي (ر): \"أثون\" بالثاء.","vol":"2","page":125},{"text":"سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا *﴾، إلى قوله: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ (١)؛ قال (٢): فَصَعِقَ الرَّبِيعُ - يَعْنِي غُشي عَلَيْهِ ـ، فَاحْتَمَلْنَاهُ فأَتينا بِهِ أَهله. قَالَ: ورابَطَهُ عَبْدُ اللَّهِ إِلى الظُّهْرِ فَلَمْ يُفِقْ؛ فَرَابَطَهُ إِلى الْمَغْرِبِ فأَفاق؛ ورجع عبد الله إِلى أَهله (٣).\nفهذه حالة (٤) طرأَت لِوَاحِدٍ (٥) مَنْ أَفاضل التَّابِعِينَ بِمَحْضَرِ صَحَابِيٍّ، ولم ينكر عليه لعلمه بأَن (٦) ذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ طَاقَتِهِ، فَصَارَ بِتِلْكَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، فَلَا حَرَجَ إِذًا.\nوحُكي أَن شابًّا كان يصحب الجنيد إِمام الصُّوفِيَّةِ فِي وَقْتِهِ (٧)، فَكَانَ الشَّابُّ إِذا سَمِعَ شَيْئًا مِنَ الذِّكْرِ يَزْعَقُ، فَقَالَ لَهُ الجنيد يومًا: إِن فعلت\n_________\n(١) سورة الفرقان: الآيتان (١٢، ١٣).\n(٢) قوله: \"قال\" ليس في (خ) و(م).\n(٣) أخرجه أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص١٣٨ - ١٣٩)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" كما في \"تفسير ابن كثير\" (٦/ ١٠٤)، والعقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ٣٨٢)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٢/ ١١٠)، وابن الجوزي في \"تلبيس إبليس\" (ص٢٧٩)، جميعهم من طريق أبي بكر بن عيّاش، عن عيسى بن سُليم، عن أبي وائل، به.\nوفي سنده عيسى بن سُليم ذكره العقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ٣٨٢)، ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: \"لا أعرفه\".\nوأنه قال أيضًا: \"حدثنا يحيى بن آدم؛ قال: سمعت حمزة الزيات قال لسفيان: - أي الثوري - إنهم يروون عن ربيع بن خثيم أنه صعق! قال: ومن يروي هذا؟ إنما كان يرويه ذلك القاص، فلقيته فقلت: عمن تروي أنت ذا؟ منكرًا له\".\nقال ابن الجوزي في \"تلبيس إبليس\" (ص٢٨٠) عقب ذكره لهذه الحكاية: \"فهذا سفيان الثوري ينكر أن يكون الربيع بن خثيم جرى له هذا؛ لأن الرجل كان على السَّمْت الأول، وما كان في الصحابة من يجري له مثل هذا، ولا التابعين. ثم نقول - على تقدير الصحة ـ: إن الإنسان قد يغشى عليه من الخوف، فيسكنه الخوف ويسكته، فيبقى كالميت، وعلامة الصادق أنه لو كان على حائط لوقع؛ لأنه غائب، فأما من يدعي الوجد ويتحفظ من أن تزل قدمه، ثم يتعدى إلى تخريق الثياب وفعل المنكرات في الشرع، فإنا نعلم قطعًا أن الشيطان يلعب به\".\nوذكر الذهبي في \"ميزان الاعتدال\" (٦٥٦٦) عيسى بن سليم هذا وقال: \"لا يعرف\".\n(٤) في (خ): \"حالات\".\n(٥) في (غ) و(ر): \"بواحد\".\n(٦) في (خ): \"أن\".\n(٧) في (خ): \"الجنيد ﵁ وهو إمام الصوفية إذ ذاك\".","vol":"2","page":126},{"text":"ذَلِكَ مَرَّةً أُخرى لَمْ تَصْحَبْنِي. فَكَانَ إِذا سَمِعَ شَيْئًا يَتَغَيَّرُ، وَيَضْبِطُ نَفْسَهُ حَتَّى كَانَ يقطر كلّ شعرة من بدنه بِقَطْرةٍ (١)، فَيَوْمًا مِنَ الأَيام صَاحَ صَيْحَةً تَلِفَتْ نَفْسُهُ (٢).\nفَهَذَا الشَّابُّ قَدْ ظَهَرَ فِيهِ مِصْدَاقُ مَا قَالَهُ السَّلَفُ؛ لأَنه لَوْ كَانَتْ صَيْحَتُهُ الأُولى غَلَبَةً (٣) لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ضَبْطِ نَفْسِهِ، وإِن كَانَ بِشِدَّةٍ، كَمَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ضَبْطِ نَفْسِهِ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْم (٤)، وَعَلَيْهِ أَدّبه الشَّيْخُ (٥) حِينَ أَنكر عليه وأوعده (٦) بالفُرْقَةِ، إِذْ فَهِمَ مِنْهُ أَن تِلْكَ الزَّعْقَةَ مِنْ بَقَايَا رُعُونَةِ النَّفْسِ، فَلَمَّا خَرَجَ الأَمر عَنْ كَسْبِهِ (٧) - بِدَلِيلِ مَوْتِهِ ـ، كَانَتْ صَيْحَتُهُ عَفْوًا لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيهَا إِن شاءَ اللَّهُ.\nبِخِلَافِ هؤلاءِ الْقَوْمِ (٨) الَّذِينَ لَمْ يشُمُّوا مِنْ أَوصاف الفضلاءِ رائحة، فأَخذوا في التشبُّه (٩) بهم، فأَبرز لهم هواهم التشبه بالخوارج، وياليتهم وقفوا عند هذا الحدّ المذموم، ولكنهم (١٠) زادوا على ذلك الرَّقْص والزَّفَن (١١) وَالدَّوَرَانَ وَالضَّرْبَ عَلَى الصُّدُورِ، وَبَعْضُهُمْ يَضْرِبُ عَلَى رأْسه، وَمَا أَشبه ذَلِكَ مِنَ الْعَمَلِ الْمُضْحِكِ للحمقى، لكونه من أَعمال الصبيان\n_________\n(١) في (خ): \"حَتَّى كَانَ يَقْطُرُ الْعَرَقُ مِنْهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ من بدنه قطرة\".\n(٢) أخرج هذه الحكاية القشيري في \"الرسالة\" (ص٢٠٤) عن شيخه أبي حاتم السجستاني؛ قال: سمعت أبا نصر السراج يقول: سمعت عبد الواحد بن علوان يقول: كان شاب يصحب الجنيد ...، فذكرها.\nوذكرها أيضًا الغزالي في \"الإحياء\" (٢/ ٣٠٢)، وشيخ الإسلام ابن تيمية في \"الاستقامة\" (١/ ٣٩٩).\n(٣) في (خ): \"غلبته\".\n(٤) في (خ) و(م): \"خيثم\".\n(٥) كتب في (خ) بخط دقيق فوق كلمة \"الشيخ\": (أي الجنيد).\n(٦) في (خ) و(م): \"ووعده\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"على كسبه\".\n(٨) في (ر) و(غ): \"الفقراء\".\n(٩) في (خ) و(م): \"بالتشبه\".\n(١٠) في (خ): \"ولكن\".\n(١١) الزّفَن: هو الرقص، وأصله: اللعب والدفع والضرب بالرجل. انظر: \"لسان العرب\" (١٣/ ١٩٧)، و\"التعاريف\" للمناوي (ص٣٨٦ - ٣٨٧).","vol":"2","page":127},{"text":"والمجانين، المُبْكي للعقلاءِ، رحمةً لمن يَتَّخذ (١) مِثْلُ هَذَا طَرِيقًا إِلى اللَّهِ، وتشبُّهًا (٢) بِالصَّالِحِينَ.\nوَقَدْ صَحّ مِنْ حَدِيثِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سارية ﵁؛ أنه (٣) قَالَ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ منها القلوب ...، الحديث (٤).\n_________\n(١) في (خ): \"رحمة لهم؛ إذْ لم يتخذ\"، وفي (م): \"رحمة لهم ولم يتخذ\".\n(٢) في (م): \"وتشبيهًا\".\n(٣) قوله: \"أنه\" ليس في (خ).\n(٤) حديث صحيح كما قال المصنف، وقد روي عن العرباض ﵁ من أربع طرق:\n١ و٢: طريقا عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر الكلاعي: أخرجهما الإمام أحمد (٤/ ١٢٦ - ١٢٧) من طريق الوليد بن مسلم، ثنا ثور بن يزيد، ثنا خالد بن معدان؛ قال: ثنا عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر؛ قال: أتينا العرباض بن سارية - وهو ممن نزل فيه: ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ ـ، فسلمنا وقلنا: أتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين، فقال عرباض: صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح ذات يوم، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله! كأن هذه موعظة مودِّع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: \"أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، فتمسكوا بها، وعَضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة\".\nومن طريق أحمد أخرجه أبو داود (٤٥٩٩).\nوأخرجه ابن أبي عاصم (٣٢ و٥٧)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٥/الإحسان)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٩٧)، ثلاثتهم من طريق الوليد بن مسلم، به، ولفظ ابن أبي عاصم مختصر.\nوأخرجه أحمد (٤/ ١٢٦)، والدارمي (١/ ٤٤)، والترمذي (٢٦٧٦)، والحاكم (١/ ٩٥ - ٩٦)، جميعهم من طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد، عن ثور بن يزيد، به، ولم يذكروا حجر بن حجر.\nوأخرجه ابن ماجه (٤٤) من طريق عبد الملك بن الصباح، عن ثور، به ولم يذكر حجر بن حجر أيضًا.\nوكذا أخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (٣١ و٥٤) من طريق عيسى بن يونس، عن ثور، مختصرًا.\nوأخرجه أحمد (٤/ ١٢٧)، والترمذي في الموضع السابق، وابن أبي عاصم (٢٧)،=","vol":"2","page":128},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=ثلاثتهم من طريق بقية، حدثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، به، ولم يذكروا حجر بن حجر، ووقع في رواية أحمد: \"عن ابن أبي بلال\" بدل \"عبد الرحمن بن عمرو\".\nوأخرجه أحمد أيضًا (٤/ ١٢٧)، والحاكم (١/ ٩٦)، كلاهما من طريق محمد بن إبراهيم التيمي، عن خالد بن معدان، به دون ذكر حجر بن حجر أيضًا، ووقع عند أحمد: \"عن أبي بلال\"، فلعله سقط منه: \"ابن\"، فيكون كالرواية السابقة، ويبقى النظر: هل هو عبد الرحمن بن عمرو، وكنية أبيه: \"أبو بلال\"، فتتفق الرواية؟ أو يكون رجلًا آخر، فيكون في الحديث اختلاف؟ ولم يترجم ابن حجر في \"تعجيل المنفعة\" لابن أبي بلال، ولا لأبي بلال، فالظاهر أنه يرى أنه عبد الله بن أبي بلال الخزاعي المترجم في \"التهذيب\" (٢/ ٣١١)، فإن كان كذلك فهو اختلاف لا يؤثر إلا على طريقي بحير بن سعد ومحمد بن إبراهيم عن خالد، ولا يؤثر على باقي الطرق.\nوقد صحح الحديث ابن حبان كما تقدم، وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح\"، وقال الحاكم: \"هذا إسناد صحيح على شرطهما جميعًا، ولا أعرف له علة\".\nوكان قد قال قبل ذلك: \"هذا حديث صحيح ليس له علّة، وقد احتجّ البخاري بعبد الرحمن بن عمرو وثور بن يزيد ... \".\nوكان قد ذكر قبل ذلك أن البخاري احتجّ بعبد الرحمن بن عمرو، وهو وهم منه، فلعله التبس عليه بغيره ممن روى له البخاري، وأما عبد الرحمن هذا فهو ابن عمرو بن عَبَسَة السُّلَمي، الشامي، روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه، ولم يرو له البخاري، وهو مقبول كما في \"التقريب\" (٣٩٩١)، وقد تابعه حُجْر بن حُجْر الكَلاَعي الحمصي، وهو مقبول مثله كما في \"التقريب\" (١١٥٢).\nوقد أخرجه أحمد (٤/ ١٢٦)، وابن أبي عاصم (٣٣ و٥٦ و٥٨)، والحاكم (١/ ٩٦)، من طريق معاوية بن صالح، عن ضمرة بن حبيب، عن عبد الرحمن بن عمرو، عن العرباض، به.\nوأخرجه ابن أبي عاصم (٣٠) من طريق يحيى بن جابر، عن عبد الرحمن بن عمرو، به مختصرًا.\n٣ - طريق يحيى بن أبي المطاع، عن العرباض. أخرجه ابن ماجه (٤٢)، وابن أبي عاصم (٢٦ و٥٥)، والحاكم (١/ ٩٧)، ثلاثتهم من طريق عبد الله بن العلاء بن زبر، عن يحيى، به.\n٤ - طريق المهاجر بن حبيب، عن العرباض. أخرجه ابن أبي عاصم (٢٨ و٢٩ و٥٩) مختصرًا.\nوصحح الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ هذا الحديث في تعليقه على \"السنة\" لابن أبي عاصم.","vol":"2","page":129},{"text":"فقال الإمام العالم السني أبو بكر الآجُرِّي (١) ﵁ (٢): مَيِّزوا هَذَا الْكَلَامَ؛ فَإِنَّهُ (٣) لم يقل (٤): صَرَخْنا من موعظته، وَلَا زَعَقْنا (٥)، وَلَا طَرَقْنا عَلَى رَؤُوسِنَا، وَلَا ضَرَبْنَا عَلَى صُدُورِنَا، وَلَا زَفَنّا، وَلَا رَقَصْنَا - كَمَا يَفْعَلُ كَثِيرٌ مِنَ الْجُهَّالِ؛ يَصْرُخُونَ عِنْدَ الْمَوَاعِظِ وَيَزْعَقُونَ، وَيَتَغَاشَوْنَ (٦) ـ. قَالَ: وَهَذَا (٧) كُلُّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ يَلْعَبُ بِهِمْ، وَهَذَا كُلُّهُ بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ، وَيُقَالُ (٨) لِمَنْ فَعَلَ هَذَا:\nاعْلَمْ (٩) أَن النَّبِيَّ ﷺ أَصدق النَّاسِ مَوْعِظَةً، وأَنصح النَّاسَ لأُمته، وأَرقّ النَّاسِ قَلْبًا، وَخَيْرَ الناس: من (١٠) جاءَ بعده - ولا يَشُكُّ فِي ذَلِكَ عَاقِلٌ ـ، مَا صَرَخُوا عِنْدَ موعظته، ولا زَعَقُوا، ولا رقصوا، ولا زَفَنُوا، وَلَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا لَكَانُوا أَحقَّ النَّاسِ بِهَذَا (١١) أَن يَفْعَلُوهُ بَيْنَ يَدَيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَكِنَّهُ بِدْعَةٌ وَبَاطِلٌ وَمُنْكَرٌ فَاعْلَمْ ذَلِكَ. انْتَهَى كَلَامُهُ، وَهُوَ وَاضِحٌ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ.\nوَلَا بُدَّ مِنَ النظر في الأَمر (١٢) الْمُوجِبِ للتأَثُّر الظَّاهِرِ فِي السَّلَفِ الأَوَّلين مَعَ هؤلاءِ المُدَّعين، فَوَجَدْنَا الأَوّلين يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الأَثر بسبب سماع (١٣) ذكر الله تعالى، وَبِسَبَبِ سَمَاعِ (١٤) آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ (١٥)، وَبِسَبَبِ رُؤْيَةٍ اعتباريَّة؛ كَمَا فِي قِصَّةِ الرَّبِيعِ عِنْدَ رؤيته للحدَّاد وللأَتُّون (١٦) - وَهُوَ مَوْقَدُ النَّارِ ـ، وَلِسَبَبِ قراءَةٍ فِي صَلَاةٍ أَو غيرها، ولم نجد أَحدًا\n_________\n(١) قوله: \"الآجري\" متقدم في (خ) على قوله: \"العالم\".\n(٢) مظنَّة كلام الآجري هذا: كتابه \"أخلاق أهل القرآن\"، ولم أجد فيه هذا الكلام، ونقل بعضه ابن الجوزي في \"تلبيس إبليس\" (ص٢٨١).\n(٣) قوله: \"فإنه\" من (خ) فقط.\n(٤) في (غ): \"يقولوا\".\n(٥) قوله: \"ولا زعقنا\" ليس في (خ).\n(٦) في (خ): \"ويتناشون\".\n(٧) في (ر) و(غ): \"هذا\".\n(٨) في (غ) و(ر) و(م): \"يقال\".\n(٩) في (م): \"علم\".\n(١٠) في (غ): \"فمن\"، وفي (ر): \"ممن\".\n(١١) في (خ): \"أحق الناس به\".\n(١٢) في (خ): \"الأمر كله\".\n(١٣) قوله: \"سماع\" ليس في (خ).\n(١٤) في (خ): \"ذكر الله أو بسماع\".\n(١٥) قوله: \"وبسبب سماع آية من كتاب الله\" مكرر في (غ).\n(١٦) في (خ): \"والأتون\".","vol":"2","page":130},{"text":"مِنْهُمْ - فِيمَا نَقَلَ العلماءُ - يَسْتَعْمِلُونَ الترنُّم بالأَشعار لِتَرِقَّ نُفُوسُهُمْ، فتتأَثر ظَوَاهِرُهُمْ، وَطَائِفَةُ الفقراءِ عَلَى الضدّ منهم؛ فإِنهم يسمعون (١) الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ وَالْوَعْظَ وَالتَّذْكِيرَ فَلَا تتأَثر ظَوَاهِرُهُمْ (٢)، فإِذا قام المُزَمْزِمُ (٣) تسابقوا (٤) إلى حركاتهم المعروفة لهم، فَبِالْحَرِيِّ أَن لا يتأَثَّروا إلا (٥) عَلَى تِلْكَ الْوُجُوهِ الْمَكْرُوهَةِ الْمُبْتَدَعَةِ؛ لأَن الْحَقَّ لَا يُنْتِجُ إِلا حَقًّا، كَمَا أَن الْبَاطِلَ لَا يُنْتِجُ إِلا بَاطِلًا.\nوَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ يَنْبَنِي النَّظَرُ فِي حَقِيقَةُ الرِّقَّة الْمَذْكُورَةِ، وَهِيَ المحرِّكة لِلظَّاهِرِ. وَذَلِكَ أَن الرِّقَّةَ ضِدُّ الْغِلَظِ، فتقول: هَذَا رَقِيقٌ لَيْسَ بِغَلِيظٍ، وَمَكَانٌ رَقِيقٌ: إِذَا كان ليِّن التراب، ضدُّه (٦) الغليظ، فإِذ وُصِفَ بِذَلِكَ الْقَلْبُ (٧) فَهُوَ رَاجِعٌ إِلى لِينِهِ وتأَثره ضِدُّ الْقَسْوَةِ، ويُشْعِر بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٨)؛ لأَن القلب الرقيق إذا وردت عَلَيْهِ الْمَوْعِظَةُ خَضَعَ لَهَا وَلاَنَ وانْقَادَ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٩)؛ فإِن الوَجَلَ تأَثُّرٌ وَلِينٌ يَحْصُلُ فِي الْقَلْبِ بِسَبَبِ الْمَوْعِظَةِ، فَتَرَى الْجِلْدَ مِنْ أَجل ذَلِكَ يَقْشَعِرّ، وَالْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَاللِّينُ إِذا حلَّ بِالْقَلْبِ - وهو باطن الإِنسان ـ، وَحَلَّ (١٠) بِالْجِلْدِ بِشَهَادَةِ اللَّهِ - وَهُوَ ظَاهِرُ الإِنسان ـ، فَقَدْ حَلَّ الِانْفِعَالُ بِمَجْمُوعِ الإِنسان، وَذَلِكَ يَقْتَضِي السُّكُونَ لا الحركة والانزعاج، والسكوت لا الصياح،\n_________\n(١) في (خ) و(م): \"يستعملون\".\n(٢) من قوله: \"وطائفة الفقراء\" إلى هنا مُكرر في (خ).\n(٣) في (خ): \"المزمر\". والزَّمْزَمَةُ: الأصوات التي تدار وتتابع من الخياشيم والحلوق ولا تكاد تفهم، ويقال لصوت الرَّعد إذا تتابع: زَمْزَمَة، وزَمْزَمَ الأسد: إذا صوَّت، وَتَزَمْزَمَتْ الإبل: إذا هدرت، وفرس مُزَمْزِمٌ في صوته: إذا كان يطرِّب فيه. انظر \"لسان العرب\" (١٢/ ٢٧٣ - ٢٧٤).\n(٤) في (غ) و(ر) و(م): \"سابقوا\"، والمثبت من (خ).\n(٥) قوله: \"إلا\" ليس في (خ).\n(٦) في (خ): \"ومثله\" بدل: \"ضده\".\n(٧) قوله: \"القلب\" ليس في (خ).\n(٨) سورة الزمر: آية (٢٣).\n(٩) سورة الأنفال: آية (٢)، وقوله تعالى: \"قلوبهم\" ليس في (ر) و(غ).\n(١٠) في (خ): \"حل\".","vol":"2","page":131},{"text":"وَهِيَ (١) حَالَةُ السَّلَف الأوَّلين - كَمَا تَقَدَّمَ ـ. فإِذا رأَيت أَحدًا سَمِعَ مَوْعِظَةً - أَيّ مَوْعِظَةٍ كَانَتْ ـ؛ فظهر (٢) عَلَيْهِ مِنَ الأَثر مَا ظَهَرَ عَلَى السَّلَفِ الصَّالِحِ؛ عَلِمْتَ أَنها رِقَّةٌ هِيَ أَوّل الوَجْد، وأَنها صَحِيحَةٌ لَا اعْتِرَاضَ فِيهَا.\nوإِذا رأَيت أَحدًا سَمِعَ مَوْعِظَةً قُرْآنِيَّةً أَو سُنِّية أَو حِكَمِيَّة فَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْآثَارِ شيء، حتى يسمع شعرًا مترنّمًا (٣) به (٤)، أَو غِنَاءً مُطْرِبًا فتأَثَّر؛ فإِنه لَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ فِي الْغَالِبِ مِنْ تِلْكَ الْآثَارِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ انْزِعَاجٌ بِقِيَامٍ، أَو دَوَرَانٍ، أَو شَطح، أَو صِيَاحٍ، أَو مَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ. وَسَبَبُهُ: أَن الَّذِي حلَّ بِبَاطِنِهِ لَيْسَ بالرِّقَّة الْمَذْكُورَةِ أَوّلًا، بَلْ هُوَ الطَّرَبُ الَّذِي يُنَاسِبُ الغناءَ؛ لأَن الرِّقَّة ضِدُّ الْقَسْوَةِ - كَمَا تَقَدَّمَ ـ، وَالطَّرَبُ ضِدُّ الْخُشُوعِ - كَمَا يَقُولُهُ الصُّوفِيَّةُ ـ، وَالطَّرَبُ مُنَاسِبٌ لِلْحَرَكَةِ؛ لأَنه ثَوَرَانُ الطِّبَاعِ، وَلِذَلِكَ اشترك مع الإِنسان فيه الحيوان (٥)؛ كالإِبل والخيل (٦)؛ وَمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ مِنَ الأَطفال، وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَالْخُشُوعُ ضِدُّه؛ لأَنه رَاجِعٌ إِلى السُّكُون، وَقَدْ فُسِّر بِهِ لُغَةً، كَمَا فُسِّر الطَّرَب بأَنه خِفّة تصيب (٧) الإِنسان مِنْ حُزْنٍ، أَو سُرُورٍ.\nقَالَ (٨) الشَّاعِرُ (٩):\nطربَ الْوَالِهِ (١٠) أَو كالمُخْتَبَل (١١)\n_________\n(١) في (م): \"هي\".\n(٢) في (خ) و(م): \"فيظهر\".\n(٣) في (خ): \"مرقَّما\" وفي (م): \"مرنّمًا\".\n(٤) قوله: \"به\" ليس في (خ) و(م).\n(٥) في (خ): \"اشترك فيه مع الإنسان الحيوان\".\n(٦) في (خ) و(م): \"والنحل\".\n(٧) في (خ): \"تصحب\".\n(٨) في (ر): \"وقال\".\n(٩) قوله: \"قال الشاعر\" سقط من (غ). وهذا عجز بيت للنابغة الجعدي، وصدره:\nوأراني طَرِبًا في إثرهم\n........................\nانظر \"أدب الكاتب\" لابن قتيبة (١/ ١٨).\n(١٠) في (خ): \"الوالد\".\n(١١) في (خ) و(م): \"أو كالمتخيل\"، وصوبت بهامش (م) بخط مغاير.\nوعلق رشيد رضا على هذا الموضع بقوله: شطر من أبيات للنابغة الجعدي، والشطر=","vol":"2","page":132},{"text":"وَالتَّطْرِيبُ: مَدُّ الصَّوْتِ وَتَحْسِينُهُ.\nوَبَيَانُهُ: أَن الشِّعْرَ الْمُغَنَّى بِهِ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَى أَمرين:\nأَحدهما: مَا فِيهِ مِنَ (١) الْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ، وَهَذَا مُخْتَصٌّ بِالْقُلُوبِ، فَفِيهَا تَعْمَلُ وَبِهَا تَنْفَعِلُ، وَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ يُنْسَبُ السَّمَاعُ إِلى الأَرواح.\nوَالثَّانِي: مَا فِيهِ مِنَ النَّغَمات المُرَتَّبة عَلَى النِّسَب التَّلْحِينِيَّةِ، وَهُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي الطِّبَاعِ (٢) فيُهيِّجها (٣) إِلى مَا يُنَاسِبُهَا، وَهِيَ الْحَرَكَاتُ عَلَى اخْتِلَافِهَا، فَكُلُّ تأَثر في القلب من جهة السماع يحصُلُ (٤) عنه آثار السكون وَالْخُضُوعِ فَهُوَ رِقَّة، وَهُوَ التَّوَاجُدُ الَّذِي أَشار إِليه كَلَامُ المُجِيبِ، وَلَا شَكَّ أَنه مَحْمُودٌ. وَكُلُّ تأَثُّر يَحْصُلُ عَنْهُ ضِدّ السُّكُون؛ فَهُوَ طَرَبٌ لَا رِقَّة فِيهِ (٥) وَلَا تَوَاجُدَ، وَلَا هُوَ عِنْدَ شُيُوخِ الصُّوفِيَّةِ مَحْمُودٌ، لَكِنَّ هؤلاءِ الفقراءِ لَيْسَ لَهُمْ مِنَ التَّوَاجُدِ - فِي الْغَالِبِ - إِلا الثَّانِي الْمَذْمُومَ. فَهُمْ إِذًا مُتَوَاجِدُونَ بِالنَّغَمِ وَاللُّحُونِ، لَا يُدْرِكُونَ مِنْ مَعَانِي الْحِكْمَةِ شَيْئًا (٦)، فَقَدْ بَاؤُوا (٧) إِذًا بأَخسر الصَّفْقَتَيْنِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ.\nوإِنما جاءَهم الْغَلَطُ مِنْ جِهَةِ اخْتِلَاطِ المناطَيْن عَلَيْهِمْ، وَمِنْ جِهَةِ أَنهم استدلُّوا بِغَيْرِ دَلِيلٍ. فقوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ (٨)، وَقَوْلُهُ: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾ (٩): لا دليل فيه على هذا الْمَعْنَى. وَكَذَلِكَ (١٠) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا﴾ (١١): كذا (١٢) أَيْنَ فيه أَنهم قاموا\n_________\n=الأول: \"وأراني طربًا في إثرهم\"، والواله: الثاكل (وكان في نسختنا: الوالد). والمختبل - بفتح الباء ـ: من اختبل عقله؛ أي: جُنّ، (وكان في نسختنا: المتخيل). اهـ.\n(١) قوله: \"من\" ليس في (م).\n(٢) في (خ): \"الطبائع\".\n(٣) في (ر) و(غ): \"فتهيجها\".\n(٤) في (خ): \"تحصل\".\n(٥) قوله: \"فيه\" من (خ) فقط.\n(٦) في (ر) و(غ): \"شحة\".\n(٧) في (م): \"بانوا\"، وفي (ر): \"باءو\".\n(٨) سورة الذاريات: الآية (٥٠).\n(٩) سورة الكهف: الآية (١٨).\n(١٠) في (غ): \"وكذا\".\n(١١) الآية: (١٤) من سورة الكهف. وقوله: \"ربنا\" من (خ) فقط.\n(١٢) قوله: \"كذا\" ليس في (خ).","vol":"2","page":133},{"text":"يَرْقُصُونَ؟ أَو يَزْفُنُون؟ أَو يَدُورُونَ عَلَى أَقدامهم؟ أو نحو (١) ذَلِكَ؟ فَهُوَ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ الدَّاخِلِ تَحْتَ هَذَا الباب (٢).\nوَوَقَعَ فِي كَلَامِ المُجيب لَفْظُ السَّمَاعِ غَيْرَ مُفَسَّر، ففهم مِنْهُ الْمُحْتَجُّ أَنه الغناءُ الَّذِي تَسْتَعْمِلُهُ (٣) شِيعَتُهُ، وَهُوَ فَهْمُ عُمُومِ النَّاسِ، لَا فَهْمُ الصُّوفِيَّةِ، فإِنه (٤) عندهم ينطلق (٥) عَلَى كُلِّ صَوْتٍ أَفاد حِكْمَةً يَخْضَعُ لَهَا القلب، ويلين لها الجلد، وهو الذي يَجِدُون فيه (٦) ويتواجدون عِنْدَهُ (٧) التَّوَاجُدَ الْمَحْمُودَ، فَسَمَاعُ الْقُرْآنِ عِنْدَهُمْ سَمَاعٌ، وَكَذَلِكَ سَمَاعُ السُّنَّةِ، وَكَلَامُ الحكماءِ والفضلاءِ، حَتَّى أَصوات الطَّيْرِ وَخَرِيرُ الماءِ، وَصَرِيرُ الْبَابِ. وَمِنْهُ سماع المنظوم أَيضًا إِذا أَعطى حِكْمَةً، وَلَا يَسْتَمِعُونَ هَذَا الأَخير إِلا فِي الْفَرَطِ بَعْدَ الْفَرَطِ (٨)، وَعَلَى غَيْرِ اسْتِعْدَادٍ، وَعَلَى غَيْرِ وَجْهِ الإلْذاذ (٩) وَالْإِطْرَابِ، ولا هم ممن يداوم (١٠) عَلَيْهِ أَو يَتَّخِذُهُ عَادَةً؛ لأَن ذَلِكَ كُلَّهُ قَادِحٌ فِي مَقَاصِدِهِمُ الَّتِي بَنَوْا عَلَيْهَا.\nوَلِذَلِكَ (١١) قال الجُنيد ﵀: إِذا رأَيت المُرِيد يُحِبُّ السَّمَاع فَاعْلَمْ أَن فِيهِ بقيَّةً مِنَ البَطَالة (١٢).\nوَإِنَّمَا لَهُمْ مِنْ سَمَاعِهِ إِنِ اتَّفَقَ: وَجْهُ الْحِكْمَةِ - إِنْ كَانَ فيه حكمة ـ،\n_________\n(١) في (خ): \"ونحو\".\n(٢) في (خ): \"الجواب\".\n(٣) في (م): \"يستعمله\".\n(٤) في (م): \"فإنهم\".\n(٥) في (خ): \"يطلق\".\n(٦) في (م): \"عنده\" بدل \"فيه\".\n(٧) في (خ): \"وهو الذي يتواجدون عنده\".\n(٨) قوله: \"بعد الفرط\" ليس في (خ)، وعلق عليه بهامش (م) بقوله: \"الفرط: الحين، وأن تأتيه بعد الأيام، لا لأكثر من خمسة عشر، ولا أقل من ثلاثة\".\n(٩) في (خ): \"الالتذاذ\".\n(١٠) في (م): \"يدوم\".\n(١١) قوله: \"ولذلك\" ليس في (خ).\n(١٢) أخرجه القشيري في \"الرسالة\" (ص٢٠٣) من طريق شيخه أبي عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي؛ قال: سمعت عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الرازي يقول: سمعت الجنيد يقول ...، فذكره.\nوعن القشيري نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في \"الاستقامة\" (١/ ٣٩٥).","vol":"2","page":134},{"text":"فَاسْتَوَى عِنْدَهُمُ النَّظْم والنَّثْر. وإِن أَطلق أَحد مِنْهُمُ السَّمَاعَ عَلَى الصَّوْتِ الْحَسَنِ الْمُضَافِ إِلَى شعر أو غيره (١)، فمن حيث فهم منه (٢) الْحِكْمَةَ لَا مِنْ حَيْثُ يُلَائِمُ الطِّبَاع؛ لأَن من سمعه منهم مِنْ حَيْثُ يَسْتَحْسِنُهُ فَهُوَ مُتَعَرِّضٌ لِلْفِتْنَةِ، فَيَصِيرُ إِلى ما صار إليه أهل (٣) السَّمَاعُ المُلِذّ المُطْرِب.\nوَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَن السَّمَاعَ عِنْدَهُمْ مَا تَقَدَّمَ: مَا ذُكر (٤) عَنْ أَبي عُثْمَانَ الْمَغْرِبِيِّ أَنه قَالَ: مَنِ ادَّعَى السماع ولم يسمع صوت الطيور (٥) وصرير الباب وتصفيق الرياح فهو مُفْتَرٍ مُدَّعٍ (٦). وقال الحصري: أَيْشٍ أَعمل بسماع ينقطع إذا انقطع (٧) من (٨) يُسمع مِنْهُ؟ يَنْبَغِي (٩) أَن يَكُونَ سَمَاعُكَ سَمَاعًا مُتَّصِلًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ (١٠).\nوَعَنْ أَحمد بْنِ سَالِمٍ (١١) قَالَ: خَدَمْتُ سَهْلَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيَّ\n_________\n(١) من قوله: \"على الصوت الحسن\" إلى هنا سقط من (خ).\n(٢) قوله: \"منه\" ليس في (خ).\n(٣) قوله: \"أهل\" ليس في (خ) و(م).\n(٤) قوله: \"ما ذكر\" سقط من (غ).\n(٥) في (خ) و(م): \"الطير\".\n(٦) أخرجه القشيري في \"الرسالة\" (ص٢٠١) من طريق شيخه أبي عبد الرحمن السلمي؛ قال: سمعت أبا عثمان المغربي يقول ...، فذكره. وعن القشيري نقله شيخ الإسلام في \"الاستقامة\" (١/ ٤١٢).\n(٧) قوله: \"إذا انقطع\" ليس في (خ) و(م).\n(٨) في (خ): \"ممن\".\n(٩) في (خ): \"وينبغي\".\n(١٠) أخرجه القشيري في الموضع السابق من طريق شيخه محمد بن أحمد بن محمد التميمي؛ قال: سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت الحصري يقول في بعض كلامه ...، فذكره.\nوعن القشيري نقله شيخ الإسلام في \"الاستقامة\" (١/ ٤١٦ - ٤١٧). وذكره الغزالي في \"إحياء علوم الدين\" (١/ ٢٨٦).\n(١١) كذا في جميع الأصول. ورجّح نور الدين شريبة في تعليقه على \"طبقات الصوفية\" للسلمي (ص٢٠٨) أنه محمد بن أحمد بن سالم البصري، وذكر أن كثيرًا ما يخلطون بينه وبين أبي الحسن أحمد بن محمد بن أحمد بن سالم.\nقلت: أبو الحسن أحمد أبوه، فلو قال: يخلطون بينه وبين أبيه لكان أجود. وسبب الخلط أنه وأبوه من تلامذة سهل التستري، فإذا جاء في خبر: \"قال ابن سالم\" لم يتميز من هو. وانظر سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٧٢).\nوقصة سهل هاهنا يرويها الابن محمد بن أحمد، ومن طريقه أخرجها القشيري في \"الرسالة\" (ص٢٠٥).","vol":"2","page":135},{"text":"سِنِينَ، فَمَا رأَيته تَغَيَّرَ عِنْدَ سَمَاعِ شيءٍ يَسْمَعُهُ مِنَ الذِّكْرِ أَو الْقُرْآنِ أَو غَيْرِهِ، فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ قُرئ بَيْنَ يديه: ﴿فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١): رأيته (٢) تغيَّر وارْتَعَدَ وَكَادَ يَسْقُطُ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى حَالِ صَحْوه سأَلته عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: يَا حَبِيبِي! ضَعُفْنَا.\nوَقَالَ السُّلَمى: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عُثْمَانَ الْمَغْرِبِيِّ وَوَاحِدٌ يَسْتقي الماءَ مِنَ الْبِئْرِ عَلَى بَكَرة، فَقَالَ لِي: يَا أَبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! تَدْرِي أَيْشٍ تَقُولُ هَذِهِ الْبَكْرَةُ؟ فَقُلْتُ: لَا. فَقَالَ: تَقُولُ: اللَّهُ اللَّهُ (٣).\nفَهَذِهِ الْحِكَايَاتُ وأَشباهها تَدُلُّ عَلَى أَن السَّمَاعَ عِنْدَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ، وأَنهم لَا يُؤْثِرُونَ سَمَاعَ الأَشعار عَلَى غيرها، فضلًا عن (٤) أَن يَتَصَنَّعُوا فِيهَا بالأَغاني المُطْربة. وَلَمَّا طَالَ الزَّمَانُ وَبَعُدُوا عَنْ أَحوال السَّلَفِ الصَّالِحِ، أَخذ الْهَوَى فِي التَّفْرِيعِ فِي السَّمَاعِ حَتَّى صَارَ يُسْتَعْمَلُ مِنْهُ الْمَصْنُوعُ عَلَى قَانُونِ الأَلحان؛ فَتَعَشَّقَتْ بِهِ الطِّباع، وَكَثُرَ الْعَمَلُ بِهِ وَدَامَ - وإِن كَانَ قَصْدُهُمْ بِهِ الرَّاحَةَ فَقَطْ ـ، فَصَارَ قَذًى (٥) فِي طَرِيقِ سُلُوكِهِمْ فَرَجَعُوا بِهِ القَهْقَرى، ثُمَّ طال الأَمَدُ حتى اعتقده الجهال من أهل (٦) هذا (٧) الزمان (٨) وما قاربه قربة (٩)، وجُزْءًا (١٠) من أَجزاءِ طريقة التصوف، وهو الأَدْهَى والأمَرّ (١١).\nوَقَوْلُ المُجِيب: وأَما مَنْ دَعَا طَائِفَةً إِلى منزله فتجاب دعوته، وله في\n_________\n(١) سورة الحديد: الآية (١٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَلاَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ليس في (خ) و(م).\n(٢) قوله: \"رأيته\" ليس في (خ) و(م).\n(٣) في (خ): \"الله\" مرة واحدة.\nوقول السلمي هذا أخرجه القشيري في الموضع السابق عنه.\nوعن القشيري نقله ابن القيم في \"مدارج السالكين\" (٢/ ٤١٢ - ٤١٣).\n(٤) في (خ) و(م): \"على\" بدل \"عن\".\n(٥) في (ر) و(غ): \"قد جاء\" بدل \"قذى\" وفي (م): \"قد\"، والمثبت من (خ) فقط.\n(٦) قوله: \"أهل\" سقط من (م).\n(٧) قوله: \"هذا\" سقط من (غ).\n(٨) في (خ): \"الجهال في هذا الزمان\".\n(٩) في (خ): \"أنه قربة\".\n(١٠) في (م): \"جزءًا\".\n(١١) قوله: \"الأمر\" ليس في (خ) و(م).","vol":"2","page":136},{"text":"دعوته (١) قصده: مطابق بحسب ما ذُكر أَوْ لا؛ فإن مَنْ (٢) دَعَا قَوْمًا إِلى مَنْزِلِهِ لتعلُّم آيَةٍ أَو سُورَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ (٣)، أَو سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَو مُذَاكَرَةٍ فِي عِلْمٍ، أَو فِي نعم الله، أَو مؤانسة بشعر (٤) فِيهِ حِكْمَةٌ لَيْسَ فِيهِ غناءٌ مَكْرُوهٌ وَلَا صَحِبَهُ شَطْحٌ وَلَا زَفَن وَلَا صِيَاحٌ، وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ، ثُمَّ أَلْقَى إِليهم شيئًا مِنَ الطَّعَامِ (٥) عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التكلُّف وَالْمُبَاهَاةِ، ولم يقصد بذلك بدعة، ولا امتيازًا بفرقة تَخْرُجُ بأَفعالها وأَقوالها عَنِ السُّنَّةِ (٦)، فَلَا شَكَّ فِي اسْتِحْسَانِ ذَلِكَ؛ لأَنه دَاخِلٌ فِي حُكْمِ المأْدُبَةِ الْمَقْصُودِ بِهَا حُسْنَ العِشْرَةِ بَيْنَ الْجِيرَانِ (٧) والإِخوان، والتودُّد بَيْنَ الأَصحاب، وَهِيَ فِي حُكْمِ الِاسْتِحْبَابِ، فإِن كَانَ فِيهَا تَذَاكُرٌ فِي عِلْمٍ أَو نَحْوِهِ، فَهِيَ مِنْ بَابِ التَّعَاوُنِ عَلَى الخير.\nومثاله ما يحكى عن محمد بن خفيف؛ قَالَ: دَخَلْتُ يَوْمًا عَلَى الْقَاضِي عَلِيِّ بْنِ أَحمد، فَقَالَ لِي: يَا أَبا (٨) عَبْدِ اللَّهِ! قلت (٩): لبيك أَيها القاضي، فقال (١٠): هَاهُنَا أَحكي (١١) لَكُمْ حِكَايَةً تَحْتَاجُ أَن (١٢) تَكْتُبَهَا بِمَاءِ الذَّهَبِ. فَقُلْتُ: أَيها الْقَاضِي! أَما الذَّهَبُ فَلَا أَجده، وَلَكِنِّي أَكتبها بِالْحِبْرِ الْجَيِّدِ. فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنه قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحمد بْنِ حَنْبَلٍ: إِنَّ الْحَارِثَ المُحَاسِبي يَتَكَلَّمُ فِي عُلُومِ الصُّوفِيَّةِ، وَيَحْتَجُّ عَلَيْهِ بِالْآيِ، فَقَالَ أَحمد: أَحب أَن أَسمع كَلَامَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ. فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا أَجمعك مَعَهُ. فَاتَّخَذَ دَعْوَةً، وَدَعَا الْحَارِثَ وَأَصْحَابَهُ، وَدَعَا أَحمد. فَجَلَسَ أحمد (١٣) بِحَيْثُ يَرَى الْحَارِثَ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فتقدَّم وصلَّى بِهِمُ الْمَغْرِبَ، وأَحضر الطَّعَامَ، فَجَعَلَ يأْكل وَيَتَحَدَّثُ معهم، فقال أَحمد: هذا من السنة.\n_________\n(١) قوله: \"في دعوته\" من (خ) فقط.\n(٢) قوله: \"من\" ليس في (خ) و(م).\n(٣) لفظ الجلالة: \"الله\" ليس في (م).\n(٤) في (خ) و(م): \"في شعر\".\n(٥) في (غ): \"طعام\".\n(٦) علق رشيد رضا هنا بقوله: هذا خبر \"بأن\" في قول: بأن من دعى. اهـ.\n(٧) في (م): \"الميزان\" وكتب في الحاشية: \"لعله الجيران\".\n(٨) في (م): \"فقال لي أبا\".\n(٩) في (ر) و(غ): \"فقلت\".\n(١٠) في (خ): \"قال\".\n(١١) قوله: \"أحكي\" من (خ) فقط.\n(١٢) قوله: \"أن\" من (خ) فقط.\n(١٣) قوله: \"أحمد\" ليس في (خ) و(م).","vol":"2","page":137},{"text":"فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعَامِ وَغَسَلُوا أَيديهم جَلَسَ الْحَارِثُ وَجَلَسَ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ: مَنْ أَراد مِنْكُمْ أَن يسأَل شَيْئًا فليسأَل، فَسُئِلَ عَنِ الإِخلاص، وعن الرياءِ، ومسائل كثيرة فأجاب عنها (١)، واستشهد بِالْآيِ وَالْحَدِيثِ، وأَحمد يَسْمَعُ لَا يُنْكِرُ شَيْئًا من ذلك. فلما مرَّ (٢) هَوِيٌّ مِنَ اللَّيْلِ أَمر الْحَارِثُ قَارِئًا يقرأُ شَيْئًا من القرآن على الحَدْرِ (٣)، فقرأَ، فبكى بعضهم وانْتَحَبَ آخَرُونَ، ثُمَّ سَكَتَ القارئُ، فَدَعَا الْحَارِثُ بِدَعَوَاتٍ خِفَافٍ، ثُمَّ قَامَ إِلى الصَّلَاةِ. فَلَمَّا أَصبحوا قال أَحمد: قد كان بلغني (٤) أَن ها هنا مَجَالِسَ لِلذِّكْرِ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهَا، فإِن كَانَ هَذَا مِنْ تِلْكَ الْمَجَالِسِ فَلَا أُنكر مِنْهَا شَيْئًا (٥).\nفَفِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ أَن أَحوال الصُّوفِيَّةِ تُوزَنُ بِمِيزَانِ الشَّرْعِ، وأَن مَجَالِسَ الذِّكْرِ لَيْسَتْ مَا زَعَمَ هؤلاءِ، بَلْ مَا تَقَدَّمَ لَنَا ذِكْرُهُ، وأَما (٦) مَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا اعْتَادُوهُ فَهُوَ مما يُنكر.\n_________\n(١) قوله: \"فأجاب عنها\" ليس في (خ).\n(٢) قوله: \"مرّ\" في موضعه بياض في (خ)، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: بياض في الأصل، ولعل الساقط كلمة \"مضى\"، يقال: مضى هدء، وهدى من الليل، وجئتك بعد هدء من الليل. اهـ.\n(٣) في (غ) و(ر): \"الحذَر\"، وفي (خ) يشبه أن تكون: \"الحدو\"، والمثبت من (م).\n(٤) في (غ) و(ر): \"يبلغني\".\n(٥) هذه الحكاية أخرجها الحاكم - كما في \"ميزان الاعتدال\" (١/ ٤٣٠)، و\"طبقات الشافعية\" لابن السبكي (٢/ ٢٧٩) ـ، فقال: سمعت أحمد بن إسحاق الصِّبْغي؛ سمعت إسماعيل بن إسحاق السراج يقول: قال لي أحمد بن حنبل: يبلغني أن الحارث هذا يكثر الكون عندك، فلو أحضرته منزلك وأجلستني في مكان أسمع كلامه ...، ثم ذكر الحكاية، وفيها: ثم ابتدأ رجل منهم وسأل الحارث، فأخذ في الكلام - وكأن على رؤوسهم الطير ـ، فمنهم من يبكي، ومنهم من يخنّ، ومنهم من يزعق، وهو في كلامه، فصعدت الغرفة، فوجدت أحمد قد بكى حتى غُشي عليه ...، إلى أن قال: فلما تفرقوا قال أحمد: ما أعلم أني رأيت مثل هؤلاء، ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا، وعلى هذا فلا أرى لك صحبتهم.\nوأخرجها الخطيب البغدادي في \"تاريخ بغداد\" (٨/ ٢١٤) من طريق محمد بن نعيم الضّبّي - وهو أبو عبد الله الحاكم ـ، عن أحمد بن إسحاق الصبغي، به.\nقال الذهبي عقب ذكره لها في \"الميزان\": \"قلت: إسماعيل وثّقه الدارقطني، وهذه حكاية صحيحة السند منكرة، لا تقع على قلبي، أستبعد وقوع هذا من مثل أحمد\".\n(٦) في (ر) و(غ): \"وأن\".","vol":"2","page":138},{"text":"وَالْحَارِثُ الْمُحَاسَبِيُّ مِنْ كِبَارِ الصُّوفِيَّةِ المُقْتدى بِهِمْ (١)، فإِذًا لَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُجِيبِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ هؤلاءِ المتأَخِّرون (٢)؛ إِذ بَايَنُوا الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.\nوالأَمثلة فِي الْبَابِ كَثِيرَةٌ لَوْ تُتُبِّعَتْ لَخَرَجْنَا عَنِ الْمَقْصُودِ، وإِنما ذَكَرْنَا أَمثلة تبيِّن مِنَ اسْتِدْلَالَاتِهِمُ الْوَاهِيَةِ مَا يُضَاهِيهَا، وَحَاصِلُهَا الْخُرُوجُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي أَوْضَحَهُ العلماءُ، وَبَيَّنَهُ الأَئمة، وَحَصَرَ أَنواعه الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ.\nوَمَنْ نَظَرَ إِلى طُرُقِ (٣) أَهل الْبِدَعِ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَرَفَ أَنَّهَا لَا تَنْضَبِطُ؛ لأَنها سَيَّالة لَا تَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ، وعلى (٤) وَجْهٍ يَصِحُّ لِكُلِّ زائغٍ وكافرٍ أَن يَسْتَدِلَّ عَلَى زَيْغِهِ وكفرِهِ؛ حَتَّى يَنْسِبَ النِّحْلَةَ الَّتِي الْتَزَمَهَا إِلى الشَّرِيعَةِ.\nفَقَدْ رأَينا وَسَمِعْنَا عَنْ بَعْضِ الْكُفَّارِ أَنه اسْتَدَلَّ عَلَى كُفْرِهِ بِآيَاتِ الْقُرْآنِ؛ كَمَا اسْتَدَلَّ بَعْضُ النَّصَارَى عَلَى تَشْرِيكِ (٥) عيسى مع الله في الربوبية (٦) بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ (٧)، واستدل\n_________\n(١) لكن أنكر عليه الإمام أحمد وبعض أئمة عصره أمورًا ظهرت منه. ذكر الخطيب في \"تاريخه\" (٨/ ٢١٥ - ٢١٦) أن أبا القاسم النصراباذي قال: \"بلغني أن الحارث المحاسبي تكلم في شيء من الكلام، فهجره أحمد بن حنبل، فاختفى في دار ببغداد ومات فيها، ولم يصلّ عليه إلا أربعة نفر\".\nوذكر عن سعيد بن عمرو البرذعي أنه قال: \"شهدت أبا زرعة - وسئل عن الحارث المحاسبي وكتبه ـ، فقال للسائل: إياك وهذه الكتب! هذه كتب بدع وضلالات، عليك بالأثر، فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب. قيل له: في هذه الكتب عبرة، قال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة، بلغكم أن مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والأئمة المتقدمين، صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس وهذه الأشياء؟ هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم، يأتونا مرة بالحارث المحاسبي، ومرة بعبد الرحمن الديبلي، ومرة بحاتم الأصم، ومرة بشقيق، ثم قال: ما أسرع الناس إلى البدع! \".\n(٢) في (ر) و(غ): \"لهؤلاء المتأخرين\".\n(٣) في (خ): \"طريق\".\n(٤) في (خ): \"وعلى كل\".\n(٥) في (غ): \"تشريع\".\n(٦) قوله: \"في الربوبية\" ليس في (خ) و(م).\n(٧) سورة النساء: الآية (١٧١).","vol":"2","page":139},{"text":"على كونهم (١) مِنْ (٢) أَهْلِ الْجَنَّةِ بِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ (٣) تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (٤) الْآيَةَ. وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ الْيَهُودِ عَلَى تَفْضِيلِهِمْ عَلَيْنَا بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (٥). وبعض الحلولية استدل على قوله بقول الله تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ (٦). والتناسُخِيّ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ *﴾ (٧).\nوكذلك يمكن (٨) كُلُّ مَنِ اتَّبَعَ الْمُتَشَابِهَاتِ، أَو حَرَّفَ المَنَاطَات، أَو حمَّل الآيات مالا تحتمله عند السلف الصالح، أَو تمسَّك بالواهية من (٩) الأحاديث، أَو أَخذ (١٠) الأَدلة (١١) ببادي الرأْي: أَن (١٢) يَسْتَدِلَّ عَلَى كُلِّ فِعْلٍ أَو قَوْلٍ أَو اعْتِقَادٍ وَافَقَ غَرَضَهُ بِآيَةٍ أَو حَدِيثٍ لا يعوز ذلك (١٣) أَصلًا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ اسْتِدْلَالُ كُلِّ فِرْقَةٍ شُهِرَتْ بِالْبِدْعَةِ عَلَى بِدْعَتِهَا بِآيَةٍ أَو حَدِيثٍ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ - حَسْبَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ـ، وَسَيَأْتِي لَهُ نَظَائِرُ أَيضًا إِن شاءَ اللَّهُ. فَمَنْ طَلَبَ خَلَاصَ نَفْسِهِ تثبَّت حَتَّى يَتَّضِحَ لَهُ الطَّرِيقُ، وَمَنْ تَسَاهَلَ رَمَتْهُ أَيدي الْهَوَى فِي مَعَاطِبَ لَا مُخَلِّصَ لَهُ مِنْهَا، إِلا مَا شاءَ الله.\n_________\n(١) قوله: \"كونهم من\" سقط من (م).\n(٢) في (خ): \"أن الكفار\" بدل \"كونهم\".\n(٣) في (ر) و(غ): \"بقوله\".\n(٤) سورة البقرة: الآية (٦٢).\n(٥) سورة البقرة: الآيتان (٤٧ و١٢٢).\n(٦) سورة الحجر: الآية (٢٩)، وسورة ص: الآية (٧٢).\n(٧) سورة الانفطار: الآية (٨). ووقع في (غ): \"ربك\" بدل \"ركبك\".\n(٨) قوله: \"يمكن\" ليس في (خ).\n(٩) قوله: \"من\" ليس في (خ).\n(١٠) في (غ): \"وأخذ\".\n(١١) في (خ): \"بالأدلة\".\n(١٢) في (خ): \"له أن\".\n(١٣) في (خ): \"لا يفوز بذلك\".","vol":"2","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>الْبَابُ الْخَامِسُ\nفِي أَحْكَامِ الْبِدَعِ الْحَقِيقِيَّةِ والإِضافية والفرق بينهما</span>\nوَلَا بُدَّ قَبْلَ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ مِنْ تَفْسِيرِ الْبِدْعَةِ الْحَقِيقِيَّةِ والإِضافية (١)، فَنَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ:\nإِن الْبِدْعَةَ الْحَقِيقِيَّةَ هِيَ الَّتِي لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ لَا مِنْ كِتَابٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا إِجماع، وَلَا قِيَاسٍ (٢)، وَلَا اسْتِدْلَالٍ مُعْتَبَرٍ عِنْدَ أَهل الْعِلْمِ، لَا فِي الْجُمْلَةِ، وَلَا فِي التَّفْصِيلِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ بِدْعَةً - كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ـ؛ لأَنها شيءٌ مُخْتَرَعٌ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ، وإِن (٣) كَانَ المبتَدِعُ يأْبى أَن (٤) يُنْسَبَ إِليه الْخُرُوجُ عَنِ الشَّرْعِ، إِذ هُوَ مُدَّعٍ أَنه دَاخِلٌ بِمَا اسْتَنْبَطَ تَحْتَ مُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ، لَكِنَّ تِلْكَ الدَّعْوَى غَيْرُ صَحِيحَةٍ لَا فِي نَفْسِ الأَمر وَلَا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ. أَما بِحَسَبَ ما في (٥) نفس الأَمر فبالفرض (٦)، وأَما بِحَسَبِ الظَّاهِرِ فإِن أَدلته شُبَهٌ لَيْسَتْ بأَدلّة إِن ثَبَتَ (٧) أَنه اسْتَدَلَّ، وإِلا فالأَمر وَاضِحٌ (٨).\nوأَما الْبِدْعَةُ الإِضافية فَهِيَ الَّتِي لَهَا شَائِبَتَانِ: إِحداهما (٩) لَهَا مِنَ الأَدلة مُتَعَلَّق، فَلَا تَكُونُ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ بِدْعَةً. والأُخرى لَيْسَ لَهَا مُتَعَلَّق إِلا مِثْلَ مَا (١٠) لِلْبِدْعَةِ الْحَقِيقِيَّةِ. فَلَمَّا كَانَ الْعَمَلُ الَّذِي لَهُ شَائِبَتَانِ لَمْ\n_________\n(١) في (غ): \"والإضافة\".\n(٢) قوله: \"ولا قياس\" ليس في (خ).\n(٣) في (غ) و(ر): \"هذا وإن\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"من أن\".\n(٥) قوله: \"ما في\" ليس في (خ).\n(٦) في (خ): \"فبالعرض\".\n(٧) في (خ): \"إن تثبت\"، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: كذا في الأصل، ولعله: \"إن ثبت\"، أو: \"هذا إن ثبت\".اهـ.\n(٨) في (ر): \"أوضح\".\n(٩) في (خ): \"أحدهما\".\n(١٠) قوله: \"ما\" ليس في (غ) و(ر).","vol":"2","page":141},{"text":"يَتَخَلَّصْ لأَحد الطَّرَفَيْنِ؛ وَضَعْنَا لَهُ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ؛ وَهِيَ: \"الْبِدْعَةُ الإِضافية\"؛ أَي: أَنها بِالنِّسْبَةِ إِلى إِحدى (١) الْجِهَتَيْنِ سُنَّةٌ؛ لأَنها مُسْتَنِدَةٌ إِلى دَلِيلٍ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلى الْجِهَةِ الأُخرى بِدْعَةٌ؛ لأَنها مُسْتَنِدَةٌ إِلى شُبْهَةٍ لَا إِلى دَلِيلٍ، أَو غَيْرِ مُسْتَنِدَةٍ إِلى شيءٍ.\nوَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى: أَن الدَّلِيلَ عَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ الْأَصْلِ قَائِمٌ، وَمِنْ جِهَةِ الْكَيْفِيَّاتِ أَو الأَحوال أَو التفاصيل أو الأوقات (٢) لم يقم عليها (٣) دليل (٤)، مَعَ أَنها مُحْتَاجَةٌ إِليه؛ لأَن الْغَالِبَ وُقُوعُهَا فِي التَّعَبُدِيَّاتِ، لَا فِي الْعَادِيَّاتِ (٥) المَحْضَة؛ كَمَا سيأتي ذكره (٦) إِن شاء الله.\nثُمَّ نَقُولُ بَعْدَ هَذَا: إِن الْحَقِيقِيَّةَ لَمَّا كَانَتْ أَكثر وأَعم وأَشهر فِي النَّاسِ ذِكْرًا، وبها (٧) افترقت الْفِرَقُ، وَكَانَ النَّاسُ شِيَعًا، وَجَرَى مِنْ أَمثلتها مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ - وَهِيَ أَسبق فِي فَهْمِ العلماءِ ـ؛ تَرَكْنَا الْكَلَامَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ الأَحكام، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَلَّمَا تَخْتَصُّ بِحُكْمٍ دُونَ الإِضافية، بل هما معًا تشتركان (٨) فِي أَكثر الأَحكام الَّتِي هِيَ مَقْصُودُ هَذَا الْكِتَابِ أَنْ تُشْرَحَ (٩) فِيهِ، بِخِلَافِ الْإِضَافِيَّةِ، فَإِنَّ لَهَا أَحْكَامًا خَاصَّةً وَشَرْحًا خَاصًّا - وَهُوَ الْمَقْصُودُ فِي هَذَا الْبَابِ ـ، إِلا أَن الإِضافية أَوّلًا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا يَقْرُبُ مِنَ الْحَقِيقِيَّةِ حَتَّى تَكَادَ الْبِدْعَةُ تُعَدُّ حَقِيقِيَّةً، وَالْآخَرُ يَبْعُدُ مِنْهَا حتى تكاد تكون (١٠) سُنَّةً مَحْضَة.\nوَلَمَّا انْقَسَمَتْ هَذَا الِانْقِسَامَ (١١)؛ صَارَ من الأَكيد الكلام عَلَى كُلِّ قِسْمٍ عَلَى حِدَتِه، فَلْنَعْقِدْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فُصُولًا بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ الوقت والحال (١٢)، وبالله التوفيق.\n_________\n(١) في (خ): \"أحد\".\n(٢) قوله: \"الأوقات\" ليس في (خ) و(م).\n(٣) في (غ) و(ر): \"معها\" بدل: \"عليها\".\n(٤) قوله: \"دليل\" ليس في (خ) و(م).\n(٥) في (خ): \"العاديا\" وفي (م): \"العادات\".\n(٦) في (خ): \"كما سنذكره\".\n(٧) قوله: \"بها\" ليس في (خ) و(م).\n(٨) في (خ) و(م) \"يشتركان\".\n(٩) في (غ) و(ر): \"أو تشرح\".\n(١٠) في (خ): \"حتى يكاد يعد\" وفي (م): \"حتى تعد\".\n(١١) في (خ): \"الأقسام\".\n(١٢) قوله: \"والحال\" ليس في (خ) و(م).","vol":"2","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>فَصْلٌ</span>\nقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي شأْن عِيسَى ﵇ وَمَنِ اتَّبَعَهُ: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (١).\nفخرَّج عَبْدُ (٢) بْنُ حُمَيْدٍ وإِسماعيل بْنُ إِسحاق القاضي وغيرهما (٣) عن\n_________\n(١) سورة الحديد: آية (٢٧).\n(٢) في (خ): \"عبد الله\".\n(٣) أخرجه الطيالسي في \"مسنده\" (٣٧٦) فقال: حدثنا الصعق بن حزن، عن عقيل الجعدي، عن أبي إسحاق، عن سويد بن غفلة، عن عبد الله بن مسعود فذكره إلى قوله: \"يزحف على استه\"، وفيه زيادة.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في \"المسند\" (٣٢١)، وأبو يعلى في \"مسنده\" كما في \"المطالب العالية\" (٣٠٣٨/ ٣)، ومحمد بن نصر في \"السنة\" (ص٢١)، وابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢٣/ ٢٠٤ - ٢٠٥)، والطبراني في \"الكبير\" (١٠/ ٢٢٠ رقم ١٠٥٣١)، و\"الأوسط\" (٤٤٧٩)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٤٨٠)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ١٧٧)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٩٥١٠)، جميعهم من طريق الصعق بن حزن، به، وبعضهم ذكره بتمامه، وبعضهم نقص منه.\nوأخرجه أيضًا عبد بن حميد والحكيم الترمذي في \"نوادر الأصول\" وابن المنذر وابن مردويه كما في \"الدر المنثور\" (٨/ ٦٤).\nقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\"، فتعقبه الذهبي بقوله: \"ليس بصحيح، فإن الصعق - وإن كان موثقًا ـ، فإن شيخه منكر الحديث، قاله البخاري\".\nوقول البخاري هذا تجده في \"التاريخ الكبير\" (٧/ ٥٣ - ٥٤).\nوالحديث ذكره ابن أبي حاتم في \"العلل\" (١٩٧٧)، ونقل عن أبيه قوله: \"منكر، لا يشبه حديث أبي إسحاق، ويشبه أن يكون عقيل هذا أعرابيًا، والصعق لا بأس به\".\nوأخرجه ابن أبي حاتم في \"التفسير\" - كما في \"تفسير ابن كثير\" (٨/ ٥٤ - ٥٥)، والطبراني في \"الكبير\" (١٠٣٥٧)، والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (٧٤٧)،=","vol":"2","page":143},{"text":"عبد الله بن مسعود ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"هَلْ تَدْرِي أَيَّ النَّاسِ أَعلم؟ \" قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعلم. قَالَ: \"أَعلم النَّاسِ أَبصرهم بِالْحَقِّ إِذا اخْتَلَفَ النَّاسُ، وإِن كَانَ مقصِّرًا فِي الْعَمَلِ، وإِن كَانَ يَزْحَفُ عَلَى اسْتهِ (١) وَاخْتَلَفَ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا عَلَى ثِنْتَيْنِ (٢) وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، نَجَا مِنْهَا ثَلَاثٌ وَهَلَكَ سَائِرُهَا: فِرْقَةٌ آزَتِ (٣) الْمُلُوكَ وَقَاتَلَتْهُمْ عَلَى دِينِ اللَّهِ وَدِينِ عيسى ابن مريم ﵉ حَتَّى قُتِلُوا، وَفِرْقَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ طَاقَةٌ بِمُؤَازَاةِ الْمُلُوكِ، فَأَقَامُوا عَلَى دِينِ اللَّهِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ (٤) قَوْمِهِمْ، فَدَعَوْهُمْ إِلَى دِينِ اللَّهِ وَدِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فَأَخَذَتْهُمُ الْمُلُوكُ (٥)، فَقَتَلَتْهُمْ، وقطَّعتهم بِالْمَنَاشِيرِ. وَفِرْقَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ طَاقَةٌ (٦) بمُؤَازَاةِ الْمُلُوكِ، وَلَا بِأَنْ يُقِيمُوا بَيْنَ ظَهَرَانَيْ قَوْمِهِمْ فَيَدْعُوهُمْ إِلى دِينِ اللَّهِ وَدِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (٧)، فَسَاحُوا فِي الْجِبَالِ وترهَّبوا فِيهَا، هُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ ﷿ فِيهِمْ (٨): ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. فالمؤمنون الذين آمنوا بي\n_________\n=وابن عساكر في \"تاريخه\" (١٠/ ٣١٣ مخطوط)، جميعهم من طريق بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده عبد الله.\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٥١٥): \"رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح غير بكير بن معروف، وثقه أحمد وغيره، وفيه ضعف\".\nوقال ابن حجر في \"التقريب\" (٧٧٦) عن بكير هذا: \"صدوق فيه لين\"، فالحديث ضعيف بهذا الإسناد لأجله.\n(١) في (خ): يشبه أن تكون: \"أليتيه\".\n(٢) في (خ): \"اثنتين\".\n(٣) أي: قاومت؛ من آزَيْتُه: إذا حاذيته، يقال: فلان إزاءٌ لفلان: إذا كان مقاومًا له. انظر \"لسان العرب\" (١٤/ ٣٢). وضبطت في (ر): \"أزّت\"، وعُلِّق عليها في الهامش بما نصه: \"أَزّيت الرجل: ساويته\".\n(٤) في (م): \"ظهران\"، وكتب في الهامش: \"لعله ظهراني\".\n(٥) من قوله: \"فأقاموا على دين الله\" إلى هنا سقط من (غ) و(ر).\n(٦) في (ر) و(غ): \"طاقات\".\n(٧) من قوله: \"حتى قتلوا\" إلى هنا سقط من (خ).\n(٨) قوله: \"فيهم\" من (خ) فقط.\n(٩) قوله تعالى: \"فما رعوها حق رعايتها\" سقط من (غ) و(ر).","vol":"2","page":144},{"text":"وصدَّقوا بِي، وَالْفَاسِقُونَ الَّذِينَ كذَّبوا بِي (١) وَجَحَدُوا بي\" (٢).\nوَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَحاديث الْكُوفِيِّينَ، وَالرَّهْبَانِيَّةُ فِيهِ بمعنى اعتزال الخلق بالسياحة (٣) في الجبال (٤)، واطِّراح الدُّنْيَا وَلَذَّاتِهَا مِنَ النساءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَمِنْهُ: لُزُومُ الصَّوَامِعِ والدِّيارات (٥) - عَلَى مَا كَانَ عليه كثير من النَّصَارَى (٦) قَبْلَ الإِسلام ـ، مَعَ الْتِزَامِ الْعِبَادَةِ، وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ.\nوَيُحْتَمَلُ أَن يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ مُتَّصِلًا وَمُنْفَصِلًا. فإِذا بَنَيْنَا عَلَى الِاتِّصَالِ، فكأَنه يَقُولُ: مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ الْعَمَلُ بِهَا ابتغاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ. فَالْمَعْنَى: أَنها مِمَّا كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ (٧)؛ أَي: مِمَّا شُرِعَتْ (٨) لَهُمْ، لَكِنْ بِشَرْطِ قَصْدِ الرِّضوان، فما رعوها حق رعايتها؛ يُرِيدُ أَنَّهُمْ تَرَكُوا رِعَايَتَهَا حِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ؛ لأَن قَصْدَ الرِّضْوَانِ إِذا كَانَ شَرْطًا فِي الْعَمَلِ بِمَا شُرِعَ لَهُمْ؛ فَمِنْ حَقِّهِمْ أَن يَتَّبِعُوا ذَلِكَ الْقَصْدَ، فإِلى أَيْنَ سَارَ (٩) بِهِمْ سَارُوا، وإِنما شَرَعَ لَهُمْ عَلَى شَرْطِ أَنه إِذا نُسخ بِغَيْرِهِ رجعوا إِلى ما أُحكم وتركوا مَا نُسخ، وَهُوَ مَعْنَى ابْتِغَاءَ الرِّضْوَانِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فإِذا لَمْ يَفْعَلُوا وأَصرُّوا عَلَى الأَوّل كَانَ ذَلِكَ اتِّباعًا لِلْهَوَى لَا اتِّبَاعًا لِلْمَشْرُوعِ، واتباع المشروع هو الذي يحصل به الرضوان، وقصد الرضوان؛ فلذلك قال الله تَعَالَى (١٠): ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. فَالَّذِينَ آمِنُوا هُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الرَّهْبَانِيَّةَ ابتغاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ، وَالْفَاسِقُونَ هُمُ الْخَارِجُونَ عَنِ الدُّخُولِ فِيهَا بِشَرْطِهَا؛ إِذ لَمْ يُؤْمِنُوا بِرَسُولِ اللَّهِ (ص).\n_________\n(١) قوله: \"بى\" ليس في (خ).\n(٢) قوله: \"بي\" ليس في (خ) و(م).\n(٣) في (خ) و(م): \"في السياحة\".\n(٤) قوله: \"في الجبال\" ليس في (خ).\n(٥) في (خ): \"والديارت\".\n(٦) في (خ) و(م): \"عليه أمر النصارى\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"كتب لهم\".\n(٨) في (غ) و(ر): \"شرع\".\n(٩) في (خ): \"أسار\"، وعلق عليها رشيد رضا بقوله: كذا في الأصل! ولعل صوابه: \"أسارهم\"، أو: \"سار بهم\". ومعنى \"أساره\": جعله يسير كسيره، ولا يظهر معه معنى لباء الملابسة والمصاحبة. اهـ.\n(١٠) في (خ) و(م): \"بذلك قال تعالى\".","vol":"2","page":145},{"text":"إِلا أَن هَذَا التَّقْرِيرَ يَقْتَضِي أَن الْمَشْرُوعَ لَهُمْ يُسَمَّى (١) ابْتِدَاعًا، وَهُوَ خِلَافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدُّ الْبِدْعَةِ.\nوَالْجَوَابُ أَنه يُسَمَّى (٢) بِدْعَةً مِنْ حَيْثُ أَخلّوا بِشَرْطِ الْمَشْرُوعِ، إِذ شَرَطَ عليهم فيه شرط (٣) فَلَمْ يَقُومُوا بِهِ. وإِذا كَانَتِ الْعِبَادَةُ مَشْرُوطَةً بشرط فعُمِلَ (٤) بِهَا دُونَ شَرْطِهَا لَمْ تَكُنْ عِبَادَةً عَلَى وَجْهِهَا وَصَارَتْ بِدْعَةً، كَالْمُخِلِّ قَصْدًا بِشَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ؛ مِثْلَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، أَو الطَّهَارَةِ، أَو غيرها، بحيث (٥) عَرَفَ بِذَلِكَ وعَلِمَه فَلَمْ يَلْتَزِمْهُ، ودأَب عَلَى الصَّلَاةِ دُونَ شَرْطِهَا، فَذَلِكَ الْعَمَلُ مِنْ قَبِيلِ الْبِدَعِ. فَيَكُونُ ترهُّب النَّصَارَى صَحِيحًا قَبْلَ بَعْثِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ (٦) ﷺ، فَلَمَّا بُعث وَجَبَ الرُّجُوعُ عَنْ ذَلِكَ كلِّه إِلى مِلَّتِهِ، فالبقاءُ عَلَيْهِ مَعَ نَسْخِهِ بَقَاءً عَلَى مَا هُوَ بَاطِلٌ بِالشَّرْعِ، وَهُوَ عَيْنُ الْبِدْعَةِ.\nوإِذا بَنَيْنَا عَلَى أَن الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ - وَهُوَ قَوْلُ فَرِيقٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ ـ، فَالْمَعْنَى: مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ أَصلًا؛ وَلَكِنَّهُمُ (٧) ابْتَدَعُوهَا ابتغاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ، فَلَمْ يَعْمَلُوا بِهَا بِشَرْطِهَا، وَهُوَ الإِيمان بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ إِذ بُعث إِلى النَّاسِ كَافَّةً.\nوإِنما سُمِّيَتْ بِدْعَةً عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لأَمرين:\nأَحدهما: يَرْجِعُ إِلى أَنها بِدْعَةٌ حَقِيقِيَّةٌ - كَمَا تَقَدَّمَ ـ؛ لأَنها دَاخِلَةٌ تَحْتَ حَدِّ الْبِدْعَةِ.\nوَالثَّانِي: يَرْجِعُ إِلى أَنها بِدْعَةٌ إِضافية؛ لأَن ظَاهِرَ الْقُرْآنِ دَلَّ عَلَى أَنها لَمْ تَكُنْ مَذْمُومَةً فِي حَقِّهِمْ بِإِطْلَاقٍ، بَلْ لأَنهم أَخلّوا بِشَرْطِهَا، فَمَنْ لَمْ يُخِلَّ مِنْهُمْ بِشَرْطِهَا، وَعَمَلِ (٨) بِهَا قَبْلَ بَعْثِ النَّبِيِّ ﷺ حَصَلَ لَهُ فِيهَا أجر،\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"سمي\".\n(٢) في (غ) و(ر): \"سمي\".\n(٣) قوله: \"فيه شرط\" سقط من (خ) و(م).\n(٤) في (خ) و(م): \"فيعمل\".\n(٥) في (خ) و(م): \"فحيث\".\n(٦) قوله: \"رسول الله\" ليس في (غ) و(ر).\n(٧) في (غ): \"ولكن\".\n(٨) في (غ) و(ر): \"أو عمل\".","vol":"2","page":146},{"text":"حَسْبَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾؛ أَي: أَنَّ مَنْ عَمِلَ بِهَا (١) فِي وَقْتِهَا ثُمَّ آمَنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ بَعْثِهِ وفَّيناه أَجره.\nوإِنما قُلْنَا: إِنها فِي هَذَا الْوَجْهِ إِضافية؛ لأَنها لَوْ كَانَتْ حَقِيقِيَّةً لَخَالَفُوا بِهَا شَرْعَهُمُ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ؛ لأَن هَذَا حَقِيقَةُ الْبِدْعَةِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ بها أَجر، بل كانوا يستحقون بها (٢) الْعِقَابَ لِمُخَالَفَتِهِمْ لأَوامر اللَّهِ وَنَوَاهِيهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنهم إنما (٣) فعلوا ما كان جائزًا لهم فعله، وعند ذلك تكون بدعتهم جائزًا لهم فعلها (٤)، فَلَا تَكُونُ بِدْعَتُهُمْ حَقِيقِيَّةً، لَكِنَّهُ يُنْظَرُ عَلَى أَي مَعْنَى أُطْلِقَ عَلَيْهَا لَفْظُ الْبِدْعَةِ، وسيأْتي بعدُ (٥) بِحَوْلِ اللَّهِ.\nوَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَهَذَا الْقَوْلُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الأُمة مِنْهُ حُكْمٌ؛ لأَنه قد (٦) نُسِخَ فِي شَرِيعَتِنَا، فَلَا رهبانيَّة فِي الإِسلام (٧)، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: \"مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي\" (٨).\nعَلَى أَن ابْنَ الْعَرَبِيِّ (٩) نَقَلَ فِي الْآيَةِ أَربعة أَقوال: الأَول: مَا تَقَدَّمَ (١٠). وَالثَّانِي: أَن الرَّهْبَانِيَّةَ رَفْضُ النِّسَاءِ، وَهُوَ الْمَنْسُوخُ فِي شَرْعِنَا (١١). وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا (١٢) اتخاذ الصوامع للعزلة. والرابع: أنها (١٣)\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"عمل فيها\".\n(٢) قوله: \"بها\" ليس في (خ).\n(٣) قوله: \"إنما\" ليس في (خ).\n(٤) من قوله: \"وعند ذلك تكون\" إلى هنا سقط من (خ).\n(٥) قوله: \"بعد\" ليس في (ر).\n(٦) قوله: \"قد\" ليس في (خ) و(م).\n(٧) يشير إلى الحديث الآتي تخريجه (ص٢١٢).\n(٨) هذا جزء من حديث أخرجه البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١)، كلاهما من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٩) في \"أحكام القرآن\" (٤/ ١٧٤٤).\n(١٠) وهو ما سبق في حديث ابن مسعود (ص١٤٤)، والرهبانية فيه بمعنى اعتزال الخلق بالسياحة في الجبال والترهب فيها.\n(١١) في (غ) و(ر): \"شريعتنا\".\n(١٢) قوله: \"أنها\" ليس في (خ).\n(١٣) قوله: \"أنها\" سقط من (خ).","vol":"2","page":147},{"text":"السِّياحة. قَالَ: وَهُوَ مَنْدُوبٌ إِليه فِي دِينِنَا عِنْدَ فَسَادِ الزَّمَانِ (١).\nوَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي (٢) أَنها بِدْعَةٌ؛ لأَن الَّذِينَ ترهَّبوا قَبْلَ الْإِسْلَامِ إِنما فَعَلُوا ذلك فرارًا منهم بدينهم، ثم سُمِّيت (٣) بِدْعَةً، وَالنَّدْبُ إِليها يَقْتَضِي أَن لَا ابْتِدَاعَ (٤) فِيهَا، فَكَيْفَ يَجْتَمِعَانِ؟ وَلَكِنْ للمسأَلة فِقْهُ (٥) يُذكر بحول الله.\nوقيل: إِن قوله (٦) تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ معناه (٧): أَنهم تَرَكُوا الْحَقَّ، وَأَكَلُوا لُحُومَ الْخَنَازِيرِ، وَشَرِبُوا الْخَمْرَ، وَلَمْ يَغْتَسِلُوا مِنْ جَنَابَةٍ، وَتَرَكُوا الْخِتَانَ، ﴿فَمَا رَعَوْهَا﴾ يعني: الطاعة والملة ﴿حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾، فالهاءُ رَاجِعَةٌ إِلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، وَهُوَ الْمِلَّةُ الْمَفْهُومُ (٨) مَعْنَاهَا مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾؛ لأَنه يَفْهَمُ مِنْهُ أَن ثَمَّ مِلَّةٌ مُتَّبَعَةٌ؛ كَمَا دَلَّ (٩) قَوْلُهُ: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ *﴾ (١٠) على معنى (١١) الشَّمْسِ، حَتَّى عَادَ عَلَيْهَا (١٢) الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿حَتَّى (١٣) تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (١٤)، وَكَانَ الْمَعْنَى عَلَى هَذَا الْقَوْلِ: مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ عَلَى هَذَا (١٥) الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلُوهُ، وإِنما أَمرناهم بِالْحَقِّ، فَالْبِدْعَةُ فِيهِ إِذًا حَقِيقِيَّةٌ لَا إِضافية، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الَّذِي قَالَ بِهِ أَكثر الْعُلَمَاءِ، فَلَا نَظَرَ فيه بالنسبة إِلى هذه الأُمة.\n_________\n(١) الذي في أحكام القرآن لابن العربي قوله: الثاني اتخاذ الصوامع للعزلة، وذلك مندوب إليه عند فساد الزمان، اهـ ولم يذكره عند السياحة كما في نقل الشاطبي عنه.\n(٢) قوله: \"يقتضي\" ليس في (غ).\n(٣) في (خ): \"وسميت\"، وفي هامش (م) ما نصه: \"ولعلها: سماها\".\n(٤) في (غ): \"أن الابتداع\".\n(٥) في (خ): \"فقد\"، ولذا أشكلت العبارة على رشيد رضا، فعلق على قوله: \"للمسألة\" فقال: كذا! ولعل كلامًا سقط من الناسخ هو \"بيان\"، أو نحوه. اهـ.\n(٦) في (خ): \"معنى قوله\".\n(٧) قوله: \"معناه\" ليس في (خ).\n(٨) في (م): \"المفهومة\".\n(٩) في (غ): \"دل عليه\".\n(١٠) سورة ص: الآية (٣١). وقوله: \"الصافنات الجياد\" من (ر) فقط.\n(١١) قوله: \"معنى\" من (غ) و(ر) فقط.\n(١٢) في (م): \"عليه\".\n(١٣) قوله تعالى: \"حتى\" ليس في (خ).\n(١٤) سورة ص: الآية (٣٢). وعلق رشيد رضا ﵀ على هذا الموضع بقوله: في تفسير الآية وجه آخر، وهو: أن ضمير \"توارت\" يرجع إلى الخيل التي عبر عنها بلفظ الخيل. وكذلك ضمير \"ردوها علي\"، وهذا الوجه أصح لفظًا ومعنى. اهـ.\n(١٥) قوله: \"هذا\" ليس في (غ) و(ر).","vol":"2","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>فصل </span>(١)\nوخرَّج سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ (٢) وإِسماعيل الْقَاضِي عَنْ أَبي أُمامة الْبَاهِلِيِّ ﵁ أَنه قَالَ: أَحدثتم قِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ، إِنما كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ، فَدُومُوا عَلَى القيام إذ (٣) فعلتموه ولا تتركوه، فإِن ناسًا (٤) مِنْ بَنِي إِسرائيل (٥) ابْتَدَعُوا بِدَعًا لَمْ يَكْتُبْهَا اللَّهُ عَلَيْهِمُ ابْتَغَوْا بِهَا رِضْوَانَ اللَّهِ، فَلَمْ يَرْعَوْهَا (٦) حَقَّ رِعَايَتِهَا، فَعَاتَبَهُمُ اللَّهُ بِتَرْكِهَا فَقَالَ: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ إلى آخر (٧) الآية.\nوفي رواية سعيد (٨): فإِن نَاسًا مِنْ بَنِي إِسرائيل ابْتَدَعُوا بِدْعَةً ابتغاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ، فَلَمْ يَرْعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا، فعاتبهم الله بتركها، فتلا (٩) هذه\n_________\n(١) قوله: \"فصل\" ليس في (خ)، وفي موضعه بياض في (م).\n(٢) في \"سننه\" (ل١٨٠/أ)، فقال: نا هشيم؛ قال: نا زكريا بن أبي مريم الخزاعي؛ قال: سمعت أبا أمامة يحدث ...، فذكره.\nوأخرجه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢٣/ ٢٠٦) من طريق يعقوب بن إبراهيم، عن هشيم، به.\nوسنده ضعيف لضعف زكريا بن أبي مريم الخزاعي، فقد ذُكر لشعبة، فجعل يتعجب، ثم ذكره فصاح صيحة دلّت على أنه لم يرضه كما قال ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٥٩٢ - ٥٩٣)، وقال أبو داود: \"لم يرو عنه إلا هشيم\"، وقال النسائي: \"ليس بالقوي\"، وقال الساجي: \"تكلموا فيه\"، وقال الدارقطني: \"يعتبر به\"؛ كما في \"لسان الميزان\" (٣/ ٣٣١ رقم ٣٥٢٠)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٤/ ٢٦٣).\n(٣) المثبت من (م)، وفي باقي النسخ \"إذا\".\n(٤) في (خ): \"أناسًا\".\n(٥) علق رشيد رضا على هذا الموضع بقوله: فيه: أن الذين ابتدعوا الرهبانية أتباع المسيح، لا بني إسرائيل خاصة. اهـ.\n(٦) في (خ): \"فما رعوها\".\n(٧) قوله: \"إلى آخر\" ليس في (خ).\n(٨) قوله: \"سعيد\" ليس في (خ) و(م).\n(٩) في (خ): \"وتلا\".","vol":"2","page":149},{"text":"الآية: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ (١) إِلَى آخَرِ (٢) الْآيَةِ.\nوَهَذَا الْقَوْلُ يَقْرُبُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ يُرِيدُ أَنهم قَصَّرُوا فِيهَا وَلَمْ يَدُومُوا عَلَيْهَا.\nقَالَ بَعْضُ نَقْلَةِ التَّفْسِيرِ: وَفِي (٣) هَذَا التأْويل لُزُومُ الْإِتْمَامِ لِكُلِّ مَنْ بدأَ بِتَطَوُّعٍ وَنَفْلٍ، وأنه يلزمه (٤) أن يرعاه (٥) حَقَّ رَعْيِهِ (٦).\nقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ (٧): وَقَدْ زَاغَ قوم (٨) عن منهج الصواب، فظنوا (٩) أَنَّهَا رَهْبَانِيَّةٌ كُتِبَتْ (١٠) عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَن الْتَزَمُوهَا. قال: وليس يخرج هذا من (١١) مَضْمُونِ الْكَلَامِ، وَلَا يُعْطِيهِ أُسْلُوبُهُ وَلَا مَعْنَاهُ، وَلَا يُكْتَبُ عَلَى أَحد شَيْءٌ إِلا بِشَرْعٍ أَو نَذْرٍ. قَالَ: وَلَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَهل الْمِلَلِ، وَاللَّهُ أَعلم (١٢).\nوَهَذَا الْقَوْلُ محتاج إِلى النظر والتأَمل إِذا بنينا على (١٣) الْعَمَلَ عَلَى وَفْقِهِ، إِذ أَكثر الْعُلَمَاءِ عَلَى الْقَوْلِ الأَول، فإِن هَذِهِ الْمِلَّةَ لَا بِدْعَةَ فِيهَا، وَلَا تَحْتَمِلُ الْقَوْلَ بِجَوَازِ الِابْتِدَاعِ بِحَالٍ؛ للقطع بالدليل؛ إِذ كُلَّ (١٤) بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ - حَسْبَمَا تَقَدَّمَ (١٥) ـ، فَالْأَصْلُ أَن يُتْبَعَ الدَّلِيلُ، وَلَا عَمَلَ عَلَى خِلَافِهِ.\nوَمَعَ ذَلِكَ فَلَا نُخَلِّي - بِحَوْلِ اللَّهِ - قَوْلَ أَبي أُمامة ﵁ مِنْ نَظَرٍ صَحِيحٍ (١٦) عَلَى وِفْقِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، وإِن كَانَ فِيهِ بُعد بِالنِّسْبَةِ إِلى ظَاهِرِ الأَمر، وَذَلِكَ أَنه عَدَّ عَمَلَ عُمَرَ ﵁ فِي جمع الناس في\n_________\n(١) قوله تعالى: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ من (غ) فقط.\n(٢) قوله: \"إلى آخر\" ليس في (خ).\n(٣) في (غ) و(ر): \"في\".\n(٤) قوله: \"وأنه يلزمه\" ليس في (خ).\n(٥) في (غ) و(ر): \"يرعه\"، وفي (خ): \"وأن يرعاه\".\n(٦) في (خ): \"رعايته\".\n(٧) في \"أحكام القرآن\" (٤/ ١٧٤٥).\n(٨) قوله: \"قوم\" ليس في (خ) و(م).\n(٩) في (خ): \"من يظن\".\n(١٠) في (غ): \"كتب\".\n(١١) في (خ): \"عن\" بدل \"من\".\n(١٢) قوله: \"أعلم\" ليس في (خ).\n(١٣) قوله: \"على\" ليس في (خ).\n(١٤) في (غ): \"إن كان\". وفي (ر): \"إن كل\".\n(١٥) (ص١٠٨) من المجلد الأول، وسيأتي تخريجه أيضًا (ص٣١٨).\n(١٦) في (غ): \"صح\". وفي (ر): \"يصح\".","vol":"2","page":150},{"text":"الْمَسْجِدِ (١) عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ فِي رَمَضَانَ بِدْعَةً؛ لِقَوْلِهِ حِينَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَهُمْ يُصَلُّونَ: نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفضل (٢).\nوَقَدْ مَرَّ أَنه إِنما سمَّاها بدعة بِاعْتِبَارٍ مَّا، وأَن قِيَامَ الإِمام بِالنَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ فِي رَمَضَانَ سُنَّةٌ، عَمِلَ بِهَا صَاحِبُ السُّنَّةِ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَإِنَّمَا تَرَكَهَا خَوْفًا مِنْ الِافْتِرَاضِ (٣)، فَلَمَّا انْقَضَى زَمَنُ الْوَحْيِ زَالَتِ الْعِلَّةُ فَعَادَ (٤) الْعَمَلُ بِهَا إِلَى نِصَابِهِ، إِلا أَن ذَلِكَ لَمْ يتأَتَّ لأبي بكر رضي الله تعالى عَنْهُ زَمَانَ (٥) خِلَافَتِهِ؛ لِمُعَارَضَةِ مَا هُوَ أَولى بِالنَّظَرِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ صَدْرُ خِلَافَةِ عُمَرَ ﵁، حَتَّى تَأَتَّى النَّظَرُ فَوَقَعَ مِنْهُ ما عُلم (٦)، لَكِنَّهُ صَارَ فِي ظَاهِرِ الأَمر كأَنه أَمر لم يَجْر عليه (٧) عملُ مَنْ تَقَدَّمَهُ دَائِمًا، فَسَمَّاهُ بِذَلِكَ الِاسْمِ، لَا أَنه أَمر عَلَى خِلَافِ مَا ثَبَتَ من السنة.\nفكأَنّ أَبا أُمامة ﵁ اعتبر فيه نظر ترك (٨) الْعَمَلِ بِهِ، فَسَمَّاهُ إِحداثًا، مُوَافَقَةً لِتَسْمِيَةِ عُمَرَ ﵁، ثُمَّ أَمر بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى مَا فَهِمَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ من أَن ترك الرعاية هو ترك الدوام، وأنهم قصدوا إِلى (٩) الْتِزَامِ عملٍ لَيْسَ بِمَكْتُوبٍ، بَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ، فَلَمْ يُوفُوا بِمُقْتَضَى مَا الْتَزَمُوهُ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ فِي التطوُّعات غَيْرِ (١٠) اللَّازِمَةِ، وَلَا السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ، يَقَعُ (١١) عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحدهما أَن تُؤْخَذَ عَلَى أَصلها فِيمَا اسْتَطَاعَ الإِنسان، فَتَارَةً يَنْشَطُ لَهَا (١٢)، وَتَارَةً لَا يَنْشَطُ، أَوْ يُمْكِنُهُ تَارَةً بِحَسْبِ الْعَادَةِ وَلَا يُمْكِنُهُ أُخْرَى لِمُزَاحَمَةِ أشغالٍ وَنَحْوِهَا، وما أشبه ذلك؛ كالرجل يكون\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"الناس بالمسجد\".\n(٢) تقدم تخريجه في الجزء الأول (ص٥٠).\n(٣) سيأتي تخريجه (ص١٥٥).\n(٤) في (خ): \"فعادت\".\n(٥) في (غ) و(ر): \"زمن\".\n(٦) قوله: \"ما علم\" ليس في (خ) و(م).\n(٧) في (خ) و(م): \"به\".\n(٨) في (خ): \"ذلك\".\n(٩) في (خ) و(م): \"دوامهم على\" بدل \"الدوام وأنهم قصدوا إلى\".\n(١٠) في (خ): \"الغير\"، وعلق عليها رشيد رضا بقوله: كلمة \"غير\" لا يدخل عليها حرف التعريف. اهـ.\n(١١) قوله: \"يقع\" ليس في (غ) و(ر).\n(١٢) في (غ): \"له\".","vol":"2","page":151},{"text":"لَهُ الْيَوْمَ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ فَيَتَصَدَّقُ وَلَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ غَدًا، أَوْ يَكُونُ لَهُ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَنْشَطُ للعطاءِ، أَو يَرَى إِمساكه أَصلح فِي عَادَتِهِ الْجَارِيَةِ لَهُ، أَو غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأَمور الطَّارِئَةِ للإِنسان. فَهَذَا الوجه لا حَرَج على أَحدٍ في ترك (١) التطوُّعات كلها (٢)، ولا عَتَبَ (٣) وَلَا لَوْمَ عَلَيْهِ (٤)، إِذ لَوْ كَانَ ثَمَّ لَوْمٌ أَوْ عُتْبٌ لَمْ يَكُنْ تَطَوُّعًا، وَهُوَ خلاف الفرض.\nوالثاني: أَن تؤخذ مأْخذ الْمُلْتَزِمَاتِ، كَالرَّجُلِ يَتَّخِذُ لِنَفْسِهِ وَظِيفَةً رَاتِبَةً مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ فِي وَقْتٍ مِنَ الأَوقات، كالتزام قيام حظٍّ من الليل مثلًا، أو صيام (٥) يَوْمٍ بِعَيْنِهِ لفضلٍ ثَبَتَ فِيهِ عَلَى الْخُصُوصِ؛ كَعَاشُورَاءَ وَعَرَفَةَ (٦)، أَو يتَّخذ وَظِيفَةً مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ (٧)، وَمَا أَشبه ذَلِكَ. فَهَذَا الْوَجْهُ أَخذت فِيهِ التَّطَوُعَاتُ مأْخذ الْوَاجِبَاتِ مِنْ وجه؛ لأَنه لما نوى الدؤوب عليها في الاستطاعة، أَشبهت الواجبات أو السنن (٨) الراتبة، كما أَنه لما (٩) كَانَ ذَلِكَ الإِيجاب غَيْرَ لَازِمٍ بِالشَّرْعِ لَمْ يَصِرْ وَاجِبًا؛ إِذ تَرْكُه أَصلًا لَا حَرَجَ فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ؛ أَعني تَرْكَ الِالْتِزَامِ. وَنَظِيرُهُ عِنْدَنَا النَّوَافِلُ الرَّاتِبَةُ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ، فَإِنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ فِي الأَصل، وَمِنْ حَيْثُ صَارَتْ رَوَاتِبَ أَشبهت السُّنَنَ وَالْوَاجِبَاتِ.\nوَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ حِينَ (١٠) صَلَّاهُمَا فَسُئِلَ عَنْهُمَا، فَقَالَ: \"يا ابنة أَبي أُمَيَّة! سأَلت عن\n_________\n(١) في (ر) و(غ): \"أخذ\" بدل \"ترك\"، وفي (م) يشبه أن تكون: \"اخر\" ووضع عليها إشارة، وكتب في الحاشية: \"لعله ترك\".\n(٢) في (غ) و(م) و(ر): \"كلها عليه\"، والمثبت من (خ) فقط، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: لعله سقط من هنا كلمة \"وفيه\".اهـ.\n(٣) قوله: \"ولا عتب\" ليس في (خ) و(م).\n(٤) قوله: \"عليه\" من (خ) فقط، وهو في باقي النسخ بعد قوله: \"كلها\".\n(٥) في (خ): \"وصيام\".\n(٦) في (ر) و(غ): \"أو عرفة\".\nوتقدم ذكر الدليل على فضل صيام هذين اليومين (ص٢٧) من هذا الجزء.\n(٧) وفي فضله قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ سورة غافر: آية (٥٥) وغيرها من الآيات.\n(٨) في (خ): \"والسنن\".\n(٩) في (خ) و(م): \"لو\" بدل \"لما\".\n(١٠) في (خ): \"من\" بدل \"حين\"، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: لعله \"حين صلاهما\".اهـ.","vol":"2","page":152},{"text":"الركعتين بعد العصر؟ إنه (١) أَتى نَاسٌ مِنْ عَبَدَ الْقَيْسِ (٢) بالإِسلام مِنْ قَوْمِهِمْ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَهُمَا هَاتَانِ\" (٣)؛ لأَنه سُئِلَ عَنْ صَلَاتِهِ لَهُمَا بعد ما نهى عنهما، لأنه (٤) ﷺ كَانَ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الظهر كالنوافل الراتبة، فلما فَاتَتَاهُ صَلَّاهُمَا بَعْدَ وَقْتِهِمَا، كالقضاءِ لَهُمَا حَسْبَمَا يقضى الواجب.\nفصار إذًا (٥) لهذا النوع من التطوع حالة بَيْنَ حَالَتَيْنِ، إِلا أَنه رَاجِعٌ إِلى خِيْرَةِ المُكَلَّف، بِحَسَبَ مَا فَهِمْنَا مِنَ الشَّرْعِ. وإِذا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ فَهِمْنَا مِنْ مَقْصُودِ الشَّرْعِ أَيضًا الأَخذ بالرِّفْق والتيسير، وأَن لا يلتزم (٦) المُكَلّف مَا لَعَلَّهُ يَعْجِزُ عَنْهُ أَو يَحْرَجُ (٧) بِالْتِزَامِهِ، فَإِنْ الِالْتِزَامَ (٨) إِن لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ النذر (٩) الَّذِي يُكره ابْتِدَاءً، فَهُوَ يَقْرُبُ مِنَ الْعَهْدِ الَّذِي يَجْعَلُهُ الإِنسان بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، وَالْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ مَطْلُوبٌ فِي الْجُمْلَةِ، فَصَارَ الإِخلال بِهِ مكروهًا.\nوالدليل على صحة الأَخذ بالرفق والتيسير (١٠)، وأَنه الأَولى وَالْأَحْرَى - وإِن كَانَ الدَّوَامُ عَلَى الْعَمَلِ أَيضًا مَطْلُوبًا عَتِيدًا (١١) - فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (١٢): ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ (١٣) عَلَى قَوْلِ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: أَن (١٤) الْكَثِيرَ مِنَ الأَمر وَاقِعٌ فِي التَّكَالِيفِ الإِسلامية. وَمَعْنَى\n_________\n(١) قوله: \"إنه\" ليس في (خ) و(م).\n(٢) في (غ) و(ر): \"عبد قيس\".\n(٣) أخرجه البخاري (١٢٣٣ و٤٣٧٠)، ومسلم (٨٣٤).\n(٤) في (خ): \"فإنه\".\n(٥) في (خ): \"ح\" بدل \"إذا\"، وهو اختصار لقوله: \"حينئذٍ\".\n(٦) في (خ): \"لا يلزم\".\n(٧) في (خ): \"يخرج\".\n(٨) في (خ): \"ترك الالتزام\".\n(٩) في (خ): \"القدر\".\n(١٠) قوله: \"والتيسير\" ليس في (خ) و(م).\n(١١) في (غ): \"مطلوب عتيد\"، وفي (م) و(ر): \"مطلوبًا عتيد\". وعتيد: تأتي بعدة معاني، منها: إذا جَسُمَ الشيء قيل له: عتيد. ومنها: المُعَدّ الحاضر. انظر: \"لسان العرب\" (٣/ ٢٧٩ - ٢٨٠).\n(١٢) في (غ) و(ر): \"في القرآن والسنة كقوله تعالى\"، وعلق رشيد رضا على هذا الموضع بقوله: الظاهر أن قوله: \"في الكتاب والسنّة\" صفة للدليل، وأن الآية خبر المبتدأ باعتبار لفظها؛ أي: والدليل؛ قوله: ﴿وَاعْلَمُوا﴾ إلخ. اهـ.\n(١٣) سورة الحجرات: الآية (٧).\n(١٤) في (ر) و(غ): \"بأن\".","vol":"2","page":153},{"text":"\"لَعَنتُّم\": لَحَرَجْتُمْ، وَلَدَخَلَتْ عَلَيْكُمُ الْمَشَقَّةُ، وَدِينُ اللَّهِ لَا حَرَجَ فِيهِ: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ﴾ بالتسهيل والتيسير ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ الْآيَةَ.\nوإِنما بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحة (١)، ووَضْعِ الإِصْرِ والأَغلال الَّتِي كَانَتْ عَلَى غَيْرِهِمْ (٢). وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي صفة نبيه ﷺ: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٣)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٤)، وَقَالَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا *﴾ (٥). وَسَمَّى اللَّهَ تَعَالَى الأَخذ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى النَّفْسِ اعتداءً، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا﴾ (٦) ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٧).\n_________\n(١) في (خ): \"السمحا\".\nوقد بوب البخاري ﵀ في كتاب الإيمان من \"صحيحه\" (١/ ٩٣) بقوله: باب الدين يسر، وقول النبي ﷺ: \"أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة\" اهـ.\nوهذا التعليق قال عنه الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (١/ ٩٤): \"وهذا الحديث المعلق لم يسنده المؤلف في هذا الكتاب؛ لأنه ليس من شرطه. نعم وصله في كتاب \"الأدب المفرد\"، وكذا وصله أحمد بن حنبل وغيره من طريق محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، وإسناده حسن، استعمله المؤلف في الترجمة لكونه متقاصرًا عن شرطه، وقوّاه بما دل على معناه؛ لتناسب السهولة واليسر\".\nوالظاهر أن الحافظ حسّن إسناده لوجود محمد بن إسحاق، واستقرّ عنده أن كلًّا من داود بن الحصين وعكرمة ثقة، بل أخرج البخاري لكلٍّ منهما، إلا أنه لم يخرج لداود شيئًا من روايته عن عكرمة، وإنما أخرج له عن شيوخ آخرين، ورواية داود بن الحصين عن عكرمة منكرة، والغريب أن ابن حجر نفسه قال في ترجمة داود هذا في \"التقريب\" (١٧٨٩): \"ثقة إلا في عكرمة\"، فغابت عنه هذه العلة.\nثم إن الحافظ ابن حجر ﵀ أورد لهذا الحديث طرقًا في \"تغليق التعليق\" (٢/ ٤١ - ٤٣) لا يخلو شيء منها من مقال، وبعضها مراسيل جيدة، وقوّى الحديث بمجموعها، وانظر: \"هدي الساري\" (ص٢٠).\n(٢) لقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطِّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ...﴾ سورة الأعراف: الآية (١٥٧).\n(٣) سورة التوبة: الآية (١٢٨).\n(٤) سورة البقرة: الآية (١٨٥).\n(٥) سورة النساء: الآية (٢٨).\n(٦) إلى هنا انتهى ذكر الآية في (خ) و(م).\n(٧) سورة المائدة: الآية (٨٧).","vol":"2","page":154},{"text":"وَمِنَ الأَحاديث كَثِيرٌ؛ كمسأَلة الْوِصَالِ.\nفَفِي الْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنها قَالَتْ: نَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ، قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ! قَالَ: \"إني لست كهيئتكم، إِني أَبيت عند ربي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي\" (١).\nوَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: وَاصَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي آخِرِ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَوَاصَلَ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: \"لَوْ مُدَّ لنا الشهر لواصلنا وصالًا يَدَع (٢) المتعمِّقون تعمُّقَهم\" (٣). وَهَذَا إِنكار.\nوَعَنْ أَبي هريرة ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: فإِنك يَا رَسُولَ اللَّهِ تُوَاصِلُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"وأَيكم مِثْلِي؟ إِني أَبيت عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي\" (٤). فَلَمَّا أبوا أَن ينتهوا عن الوصال واصل بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رأَوا الْهِلَالَ، فَقَالَ: \"لَوْ تأَخَّر الشَّهْرُ لَزِدْتُكُمْ\"؛ كالْمُنَكِّل حِينَ أَبوا أَن يَنْتَهُوا (٥).\nوَمِنْ ذَلِكَ: مَسْأَلَةُ قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ بِهِمْ فِي رَمَضَانَ (٦)، فإِنه تَرَكَهُ مَخَافَةَ (٧) أَن يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، فَيَعْجِزُوا (٨) عَنْهُ، فَيَقَعُوا فِي الإِثم وَالْحَرَجِ، فَكَانَ ذلك رِفقًا منه بهم.\nقال القاضي ابن الطَّيِّبُ (٩): يُحْتَمَلُ أَن يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى أَوحى إِليه أَنه\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٩٦٤)، ومسلم (١١٠٥).\n(٢) في (خ): \"حتى يدع\".\n(٣) أخرجه البخاري (٧٢٤١)، ومسلم (١١٠٤).\n(٤) في (غ) و(ر): \"إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني\"، وعلق رشيد رضا عليه بقوله: المشهور في تفسيره: يعطيني قوة الطاعم والشارب. اهـ.\n(٥) أخرجه البخاري (١٩٦٥)، ومسلم (١١٠٣)\n(٦) أخرجه البخاري (٧٢٩ و٧٣١)، ومسلم (٧٨١ و٧٨٢) من حديث زيد بن ثابت وعائشة ﵄، وفي حديث زيد قال ﷺ: \"فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة: صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة\".\n(٧) في (ر) و(غ): \"حماية\".\n(٨) في (خ): \"فيعجزون\".\n(٩) في (خ) و(م): \"أبو الطيب\"، والصواب ما أثبته من (غ) و(ر)، فقد ذكر هذا النقل الباجي في \"المنتقى\" (١/ ٢٠٥)، فقال: \"قال القاضي أبو بكر .. \"، ثم ذكره. وأبو بكر هذا هو ابن الطيب المالكي، وهو غير أبي الطيب الطبري الشافعي المعروف بالمحب، علمًا بأن الحافظ ابن حجر قال في \"فتح الباري\" (٣/ ١٣): \"وأجاب=","vol":"2","page":155},{"text":"إِن وَاصَلَ هَذِهِ الصَّلَاةَ مَعَهُمْ فُرِضَتْ (١) عَلَيْهِمْ.\nوَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: إِن كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَدَعُ العمل وهو يحب أَن يعمل به خشية أَن يعمل به الناس فيفرض عليهم (٢).\nوَقَدْ قِيلَ: هَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ ﷺ: \"لَا تَخُصّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بصيام\" (٣).\nوقال (٤) الْمُهَلَّب (٥): \"وجهه: خَشْيَةُ أَن يُسْتَمرَّ عَلَيْهِ فَيُفْرَضَ\".\nوَبِهَذَا الْمَعْنَى يَجْتَمِعُ النَّهْيُ مَعَ قَوْلِ مَالِكٍ ﵁ فِي \"الْمُوَطَّأِ\" (٦)، وَلَا يَكُونُ فِيهِ إِشْكَالٌ.\nوَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ الحَوْلاءِ بِنْتِ تُوَيْت (٧)؛ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي امْرَأَةٌ، فَقَالَ: \"مَنْ هَذِهِ؟ \" فَقُلْتُ: امرأَة لَا تَنَامُ تُصَلِّي، فقال: \"عليكم من الأعمال ما تطيقون\" (٨).\nوفي لفظ (٩): هذه الحولاء بنت تُوَيْت (١٠)، زعموا أنها لا تنام الليل (١١)، فَقَالَ ﷺ: \"لَا تَنَامُ اللَّيْلَ! خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لا يسأَم الله حتى تسأَموا\".\n_________\n=المحب الطبري بأنه يحتمل ... \"، ثم ذكر هذا النقل، فالظاهر أنه تصحيف بسبب تشابه الرسم بين \"ابن الطيب\" و\"أبي الطيب\"، والله أعلم.\n(١) في (غ) و(ر): \"فرضها\".\n(٢) أخرجه البخاري (١١٢٨)، ومسلم (٧١٨).\n(٣) أخرجه مسلم (١١٤٤).\n(٤) في (خ) و(م): \"قال\".\n(٥) هو المهلب بن أبي صفرة أسيد بن عبد الله الأسدي، الأندلسي، أحد شُرّاح \"صحيح البخاري\"، توفي سنة (٤٣٥هـ). انظر ترجتمه في \"سير أعلام النبلاء\" (١٧/ ٥٧٩)، و\"الديباج المذهب\" (٦٠١).\n(٦) (١/ ٣١١) برواية يحيى الليثي، ونص عبارة مالك: \"لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحرّاه\".\n(٧) في (ر) و(غ): \"تريت\".\n(٨) أخرجه البخاري (٤٣ و١١٥١)، ومسلم (٧٨٥/ ٢٢١)، واللفظ لمسلم.\n(٩) عند مسلم (٧٨٥/ ٢٢٠).\n(١٠) في (ر) و(غ): \"تريت\".\n(١١) من قوله: \"فقال: عليكم من الأعمال\" إلى هنا سقط من (خ) و(م). وبعد هذا الموضع في (ر) زيادة: \"منكرًا عليها والله أعلم غير راضٍ\"، وأشار الناسخ إلى أنها محذوفة.","vol":"2","page":156},{"text":"فأَعاد لفظ: \"لا تنام الليل\" (١) مُنْكِرًا عَلَيْهَا - وَاللَّهُ أَعلم ـ، غَيْرَ راضٍ فِعْلَهَا؛ لما خافه عليها من المَلَلِ (٢) والسَّآمة، أَو تَعْطِيلِ حَقٍّ آكَدٍ (٣).\nوَنَحْوُهُ حَدِيثُ أَنس ﵁ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ - وَحَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ ـ، فَقَالَ: \"مَا هَذَا\"؟! قَالُوا: حَبْلٌ لِزَيْنَبَ تُصَلِّي، فإِذا كَسَلت أَو فَتَرَتْ أَمسكت بِهِ. فَقَالَ: \"حُلّوه، لِيُصَلّ أحدُكم نشاطَه، فإِذا كَسَلَ أَو فَتَرَ قَعَدَ\". وَفِي رِوَايَةٍ قال (٤): \"لَا، حُلّوه\" (٥).\nوَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو (٦) ﵄ قَالَ: بَلَغَ النبيَّ ﷺ أَنِّي أَصوم أَسْرُدُ، وأُصلي اللَّيْلَ، فإِما أَرسل إِليَّ، وإِما لَقِيتُهُ، فَقَالَ: \"أَلَمْ أُخبر أَنك تَصُومُ لَا تُفْطِرُ، وَتَصِلِي اللَّيْلَ؟ فَلَا تَفْعَلْ؛ فإِن لِعَيْنِكَ حَظًّا، وَلِنَفْسِكِ حَظًّا، ولأَهلك حَظًّا، فَصُمْ وأَفطر، وصَلِّ وَنَمْ ... \"، الْحَدِيثَ (٧).\nوَفِي رِوَايَةٍ (٨) عَنْ أَبِي سَلَمَةَ (٩) قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو (١٠) بْنِ الْعَاصِ ﵄؛ قَالَ: كُنْتُ أَصوم الدَّهْرَ، وأَقرأُ الْقُرْآنَ كُلَّ ليلة، قال (١١): فإِما ذُكِرْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وإِما أَرسل إِليَّ، فأَتيته فَقَالَ: \"أَلَمْ أُخبر أَنك تَصُومُ الدَّهْرَ، وَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ؟ \" فقلت (١٢): بلى يا رسول الله! ولم أُرِدْ بذلك (١٣) إِلا الخير، قال: \"فإن بحسبك (١٤) أَن تصوم كل شهر ثلاثة أَيام\"، فَقَلَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِني أُطِيقُ أَفضل مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: \"فإِن لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولزَوْرِك (١٥) عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا\". قَالَ: \"فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ نَبِيِّ اللَّهِ، فإِنه كَانَ أَعبد النَّاسِ\". قَالَ: فَقَلَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ؟ قَالَ: \"كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا\". قَالَ: \"وَاقْرَأِ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ\". قَالَ: فَقَلَتْ (١٦): يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِني أَطيق أَفضل مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: \"فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عِشْرِينَ\". قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: (١٧) \"فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ، وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ؛ فإِن لِزَوْجِكَ عليك حقًّا،\n_________\n(١) قوله: \"الليل\" ليس في (خ).\n(٢) في (خ) و(م): \"الكلل\".\n(٣) في (خ): \"أوكد\".\n(٤) قوله: \"قال\" ليس في (خ) و(م).\n(٥) أخرجه البخاري (١١٥٠)، ومسلم (٧٨٤)، واللفظ الأول لمسلم، والآخر للبخاري.\n(٦) في (خ) و(م): \"عبد الله بن عمر\"، وبهامش (م) ما نصه: \"لعله ابن عمرو بفتح العين\".\n(٧) أخرجه البخاري (١١٣١ و١٩٧٥)، ومسلم (١١٥٩/ ١٨٦)، واللفظ لمسلم.\n(٨) عند مسلم برقم (١١٥٩/ ١٨٢).\n(٩) في (خ) و(م): \"ابن سلمة\".\n(١٠) في (خ) عمر.\n(١١) قوله: \"قال\" ليس في (خ).\n(١٢) في (خ): \"فقال\"، وفي (م): \"فقالت\".\n(١٣) في (خ): \"ولم أر في ذلك\".\n(١٤) في (خ): \"فإن كان كذلك أو فإن كذلك فحسبك\"، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: نص \"صحيح مسلم\": فقلت: بلى يا رسول الله، ولم أُرِدْ بذلك إلا الخير، قال: \"فإن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام\".","vol":"2","page":157},{"text":"ولزَوْرك (١) عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِجَسَدِكِ عَلَيْكَ حَقًّا\". قَالَ: فشدَّدت فُشدِّد (٢) عليَّ. قَالَ: وَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: \"إِنك لَا تَدْرِي لَعَلَّكَ يَطُولُ بِكَ عُمُرٌ\". قَالَ: فَصِرْتُ إِلى الَّذِي قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ. فَلَمَّا كَبِرْتُ وَدِدْتُ أَني كُنْتُ قَبِلْتُ رُخْصَةَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ.\nوَفِي رِوَايَةٍ (٣) قَالَ: \"صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، وَذَلِكَ صِيَامُ داود، وهو أَعدل الصيام\". قال: فقلت (٤): فإِني (٥) أُطِيقُ أَفضل مِنْ ذَلِكَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"لَا أَفضل مِنْ ذَلِكَ\". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: لأَن أَكون قَبِلْتُ الثَّلَاثَةَ الأَيام الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحب إِليَّ مِنْ أَهلي وَمَالِيَ.\nوَفِي التِّرْمِذِيِّ (٦) عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: ذُكر رَجُلٌ عِنْدَ\n_________\n(١) في (خ) و(م): \"ولزوارك\"، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: الرواية الصحيحة في كل موضع: \"ولزورك\" بغير ألف، وهم الزائرون؛ كالسفر؛ بمعنى: المسافرين، والشرب؛ بمعنى الشاربين. اهـ.\n(٢) في (م): \"قلت\".\n(٣) من قوله: \"فاقرأه في كل عشرين\" إلى هنا سقط من (خ)، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: زاد في \"الصحيح\" بين الشهر والسبع: قال: \"فاقرأه في كل عشرين\"، فَقَلَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ من ذلك، قال: \"فاقرأه في كل عشر\"، قَالَ: فَقَلَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي أُطِيقُ أفضل من ذلك .. إلخ. اهـ.\n(٤) في (خ) و(م): \"ولزوارك\".\n(٥) في (خ): \"فشدد الله\".\n(٦) عند مسلم برقم (١١٥٩/ ١٨١).\n(٧) في (م): \"قلت\".\n(٨) في (خ): \"إني\".\n(٩) برقم (٢٥١٩) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن نبيه، عن محمد بن المنكدر، عن جابر ...، فذكره.\nثم ضعفه الترمذي بقوله: \"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه\".\nوفي سنده محمد بن عبد الرحمن بن نبيه وهو مجهول كما في \"التقريب\" (٦١٢٤).","vol":"2","page":158},{"text":"رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعِبَادَةٍ واجتهاد، وذُكر عنده آخر بِدَعَةٍ (١)، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: \"لَا يُعْدَلُ (٢) بالدَّعَة\" (١).\nوالدَّعَةُ (١) هنا: المراد بها (٣): الرِّفْقُ وَالتَّيْسِيرُ. قَالَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ: \"حَسَنٌ غَرِيبٌ\" (٤).\nوَعَنْ أَنس ﵁ قَالَ (٥): جاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلى بُيُوتِ أَزواج النَّبِيِّ ﷺ يسأَلون عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كأَنهم تقالُّوها، فَقَالُوا: وأَين نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ؟ قد (٦) غَفَرَ اللَّهُ لَهُ (٧) مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (٨) وَمَا تأَخر. فَقَالَ أَحدهم: أَما أَنا فإِني أُصلي اللَّيْلَ أَبدًا، وَقَالَ الْآخَرُ: إِني أَصوم الدَّهْرَ وَلَا أُفطر، وَقَالَ الْآخَرُ: إِني أَعتزل النساءَ فَلَا أَتزوج أَبدًا. فجاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: \"أَنتم الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَما وَاللَّهِ إِني لأَخشاكم لِلَّهِ وأَتقاكم لَهُ، لَكِنِّي أَصوم وأُفطر، وأُصلي وأَرقد، وأَتزوج النساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سنَّتي فَلَيْسَ مِنِّي\" (٩).\nوالأَحاديث فِي هَذَا (١٠) الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ، وهي بجملتها تدلّ على الأَخذ في الأعمال بالتسهيل (١١) وَالتَّيْسِيرِ، وإِنما يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنْ عَدَمِ الِالْتِزَامِ، وإِن تُصُوِّر مَعَ الِالْتِزَامِ فَعَلَى جِهَةِ مَا لَا يَشُقُّ الدَّوَامُ فِيهِ حسبما نفسِّره (١٢) الآن.\n_________\n(١) كذا جاء عند المصنف، والذي في الترمذي: \"بِرِعَةٍ\"، و\"الرِّعَة\": المصدر من الورع كما في \"النهاية\" (٥/ ١٧٤)، و\"لسان العرب\" (٨/ ٣٨٨).\n(٢) في (غ) و(ر): \"لا نعدل\".\n(٣) في (خ): \"والدعة المراد بها هنا\".\n(٤) هذا جاء في بعض نسخ الترمذي، ويظهر أن النسخ التي حذف منها قوله: \"حسن\" أجود كما تجد ذلك محكيًّا عن التّرمذي عند المزي في \"تحفة الأشراف\" (٢/ ٣٧٥)، و\"تهذيب الكمال\" (٢٥/ ٦٤٥).\n(٥) قوله: \"قال\" ليس في (غ) و(ر).\n(٦) في (خ): \"وقد\".\n(٧) في (غ): \"غفر له\".\n(٨) في (ر): \"من ذنبه ما تقدم\"، ووضع عليهما الناسخ علامتي التقديم والتأخير.\n(٩) تقدم تخريجه ص (١٤٧).\n(١٠) قوله: \"هذا\" ليس في (خ)، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: أي: في هذا المعنى، أو: في المعنى الذي نتكلم فيه. ويوشك أن يكون سقط من النسخ لفظ \"هذا\".اهـ.\n(١١) في (خ) و(م): \"الأخذ في التسهيل\".\n(١٢) في (ر) و(غ): \"نفسر\".","vol":"2","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>فَصْلٌ</span>\nفأَما إِن الْتَزَمَ أَحد ذَلِكَ (١) الْتِزَامًا، فعلى أحد (٢) وَجْهَيْنِ: إِما عَلَى جِهَةِ النَّذْرِ، وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ ابْتِدَاءً. أَلا تَرَى إِلى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا (٣) يَنْهَانَا عَنِ النَّذْرِ؛ يَقُولُ: \"إِنه لَا يَرُدُّ شَيْئًا، وإِنما يُسْتَخرج بِهِ مِنَ الشَّحيح\" (٤). وَفِي رِوَايَةٍ (٥): \"النَّذْرُ لَا يُقَدِّم شَيْئًا وَلَا يُؤَخِّره، وإِنما يُسْتَخْرَجُ به من البخيل\". وفي رواية (٦) أخرى: أنه ﵇ نهى عن النذر وقال: \"إنه لا يأتي بخير، وَإِنَّمَا يُسْتَخرج بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ\" (٧)؟\nوَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (٨): \"لَا تَنْذُرُوا، فإِن النَّذْرَ لَا يُغْنِي مِنَ الْقَدَرِ شَيْئًا، وإِنما يُستخرج بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ\" (٩).\nوإِنما وَرَدَ هَذَا الْحَدِيثُ - وَاللَّهُ أَعلم - تَنْبِيهًا عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي أَنها كَانَتْ تَنْذُرُ: إِن شَفَى الله مريضي فعليَّ صوم كذا، أو إن (١٠) قَدِمَ غَائِبِي، أَو إِن أَغناني اللَّهُ (١١) فَعَلَيَّ صَدَقَةُ كَذَا، فَيَقُولُ: لَا يُغْنِي مِنْ قَدَرِ الله\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"ذلك أحد\".\n(٢) قوله: \"أحد\"، ليس في (خ) و(م).\n(٣) قوله: \"يومًا\" ليس في (ر) و(غ).\n(٤) أخرجه البخاري (٦٦٠٨)، ومسلم (١٦٣٩/ ٢)، واللفظ لمسلم.\n(٥) عند مسلم (١٦٣٩/ ٣).\n(٦) عند مسلم أيضًا (١٦٣٩/ ٤).\n(٧) من قوله: \"وفي رواية أخرى\" إلى هنا سقط من (خ) و(م).\n(٨) قوله: \"قال\" سقط من (ر).\n(٩) أخرجه البخاري (٦٦٠٩ و٦٦٩٤)، ومسلم (١٦٤٠)، واللفظ له.\n(١٠) في (غ) و(ر): \"وإن\".\n(١١) لفظ الجلالة: \"الله\" من (خ) فقط.","vol":"2","page":160},{"text":"شيئًا، بل من قدر الله له المرض أو الصحة (١)، أَوِ الْغِنَى أَوِ الْفَقْرَ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فالنذر لا يوضع (٢) سببًا لغير ذلك (٣)؛ كَمَا وُضِعَت صِلَةُ الرَّحِمِ سَبَبًا فِي الزِّيَادَةِ فِي الْعُمُرِ مَثَلًا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ (٤) الْعُلَمَاءُ، بَلِ النَّذْرُ وَعَدَمُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَلَكِنَّ اللَّهَ (٥) يَسْتخرج بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ؛ بِشَرْعِيَّة الْوَفَاءِ بِهِ (٦)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُّمْ﴾ (٧)، وَقَوْلِهِ ﷺ: \"مَنْ نَذَرَ أَن يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ\" (٨)، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ العلماءِ، كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ (٩).\nوَوَجْهُ النَّهْيِ: أَنه مِنْ بَابِ التَّشْدِيدِ عَلَى النَّفْسِ، وَهُوَ الَّذِي تقدَّم الاستشهاد على كراهيته.\nوأَما (١٠) عَلَى جِهَةِ الِالْتِزَامِ غَيْرِ النَّذْرِيِّ (١١)؛ فكأَنه نَوْعٌ مِنَ الْوَعْدِ، والوفاءُ بِالْعَهْدِ (١٢) مَطْلُوبٌ، فكأَنه أَوجب عَلَى نَفْسِهِ مَا لَمْ يُوجِبْهُ عَلَيْهِ الشَّرْعُ، فَهُوَ تَشْدِيدٌ أَيضًا، وَعَلَيْهِ يأْتي مَا تقدم في (١٣) حَدِيثِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ أَتوا يسأَلون عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِقَوْلِهِمْ (١٤): أَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ؟ ... إِلَخْ، وَقَالَ أَحدهم (١٥): أَما أَنا (١٦) فأَفعل كَذَا ... إلى آخره (١٧).\nوَنَحْوُهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُخبر أَن عبد الله بن عمرو ﵄ يَقُولُ: لَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ ولأَصومنّ النَّهَارَ مَا عِشْت (١٨).\n_________\n(١) في (خ): \"الصحة أو المرض\".\n(٢) في (خ): \"لم يوضع\".\n(٣) في (خ): \"لذلك\" بدل \"لغير ذلك\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"فسره\" وفي (م): \"ذكر\".\n(٥) في (ر) و(غ): \"ولكن أنه\".\n(٦) قوله: \"به\" ليس في (ر) و(غ).\n(٧) سورة النحل: الآية (٩١).\n(٨) أخرجه البخاري (٦٦٩٦ و٦٧٠٠).\n(٩) انظر \"فتح الباري\" (١١/ ٥٧٥).\n(١٠) هذا هو الوجه الثاني.\n(١١) في (غ) و(ر): \"النذر\".\n(١٢) في (ر): \"بالوعد\".\n(١٣) في (خ): \"من\".\n(١٤) في (خ): \"وقولهم\".\n(١٥) من قوله: \"أين نحن\" إلى هنا سقط من (غ) و(م) و(ر).\n(١٦) في (م): \"أما نحن\".\n(١٧) تقدم تخريجه (ص١٤٧)، وانظر (ص١٥٩).\n(١٨) تقدم تخريج حديث عبد الله بن عمرو (ص١٥٧).","vol":"2","page":161},{"text":"وَلَيْسَ بِمَعْنَى النَّذْرِ؛ إِذ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَقُلْ لَهُ: \"صُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيام\"، صم كذا، صُمْ كَذَا (١)، وَلَقَالَ لَهُ: أَوف بِنَذْرِكَ؛ لأَنه ﷺ يقول (٢): \"مَنْ نَذَرَ أَن يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ\" (٣).\nفأَما الِالْتِزَامُ بِالْمَعْنَى النَّذْرِيِّ، فَلَا بُدَّ مِنَ الوفاءِ بِهِ وُجُوبًا لَا نَدْبًا - عَلَى مَا قَالَهُ العلماءُ ـ، وجاءَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، فَلَا نُطَوِّل (٤) به.\nوأَما بالمعنى الثَّانِي: فالأَدلة تَقْتَضِي الوفاءَ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ، ولكن لا تبلغ مبلغ الإيجاب وإن بلغت (٥) مَبْلَغَ الْعِتَابِ عَلَى التَّرْكِ (٦)، حَسْبَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الآية (٧) فِي مأْخذ أَبي أُمامة (٨) ﵁، فإنه لما نظر إلى ترتيب عمر ﵁ (٩) لِلْقِيَامِ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً؛ كَانَ ذَلِكَ بِصُورَةِ النَّوَافِلِ (١٠) الرَّاتِبَةِ (١١) الْمُقْتَضِيَةِ لِلدَّوَامِ فِي الْقَصْدِ الأَول، فأَمرهم بِالدَّوَامِ (١٢) حَتَّى لَا يَكُونُوا كَمَنْ عَاهَدَ ثُمَّ لَمْ يُوفِ بِعَهْدِهِ فَيَصِيرَ مُعَاتَبًا، لَكِنَّ هَذَا الْقَسَمَ عَلَى وَجْهَيْنِ (١٣):\nالْوَجْهُ (١٤) الأَول: أَن يَكُونَ فِي نَفْسِهِ مِمَّا لا يطاق، أَو مما فيه حرج ومَشَقَّة (١٥) فادِحَة، أَو يؤدِّي (١٦) إِلى تَضْيِيعِ مَا هُوَ أَولى، فهذه هي الرهبانية\n_________\n(١) في (خ): \"صم كذا\" مرة واحدة.\n(٢) في (خ): \"قال\".\n(٣) تقدم تخريجه قبل بضعة أسطر.\n(٤) في (خ): \"نطيل\".\n(٥) قوله: \"مبلغ الإيجاب وإن بلغت\" ليس في (خ).\n(٦) ومن هذا النوع - وهو العتاب على الترك وإن لم يبلغ مبلغ الإيجاب ـ: قوله ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: \"يَا عَبْدَ اللَّهِ! لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ\". أخرجه البخاري (١١٥٢)، ومسلم (١١٥٩/ ١٨٥).\n(٧) في (خ): \"الأدلة\".\n(٨) تقدم تخريج حديث أبي أمامة هذا (ص١٤٩).\n(٩) من قوله: \"فإنه لما نظر\" إلى هنا ليس في (خ) و(م).\n(١٠) قوله:: \"النوافل\" مكرر في (ر).\n(١١) في (غ): \"المراتبة\".\n(١٢) في (م): \"في الدوام\".\n(١٣) في (غ) و(ر): \"أوجه\".\n(١٤) قوله: \"الوجه\" ليس في (غ) و(ر).\n(١٥) في (خ): \"أو مشقة\".\n(١٦) قوله: \"أو يؤدي\" سقط من (ر) و(غ).","vol":"2","page":162},{"text":"الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ: \"مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي\" (١)، وسيأْتي الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ إِن شاءَ اللَّهُ.\nوَالْوَجْهُ (٢) الثَّانِي (٣): أَنْ لَا يَكُونَ فِي الدُّخُولِ فِيهِ مَشَقَّةٌ وَلَا حَرَجٌ، وَلَكِنَّهُ عِنْدَ الدَّوَامِ عَلَيْهِ تَلْحَقُ بِسَبَبِهِ الْمَشَقَّةُ وَالْحَرَجُ، أَوْ تَضْيِيعُ مَا هُوَ آكَدُ (٤)، فَهَاهُنَا أَيضًا يَقَعُ النَّهْيُ ابْتِدَاءً، وَعَلَيْهِ دَلَّتِ الأَدلة الْمُتَقَدِّمَةُ، وجاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ (٥) تَفْسِيرُ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: فشدَّدت فَشُدِّد عليَّ، وَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: \"إِنك لَا تَدْرِي لَعَلَّكَ يَطُولُ بِكَ عُمُرٌ\".\nفتأَمَّلوا كَيْفَ اعْتُبِرَ فِي الْتِزَامِ مَا لَا يُلْزَمُ ابْتِدَاءً: أَنْ يَكُونَ بحيث لا يشقّ عليه الدوام (٦) إِلى الْمَوْتِ! قَالَ: فَصِرْتُ إِلى الَّذِي قَالَ رسول الله ﷺ، فلما كَبِرْتُ وَدِدْتُ أَنِّي (٧) كُنْتُ (٨) قَبِلْتُ رُخْصَةَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ.\nوَعَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى (٩) يَنْبَغِي أَن يُحْمَلَ قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبي قَتَادَةَ (١٠) ﵁: كَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ يَوْمَيْنِ وَيُفْطِرُ يومًا؟ قال: \"ويطيق ذلك أحد\"؟ ثم قال في صيام (١١) يوم (١٢) وإفطار يومين: \"وَدِدْتُ أَني طُوِّقت ذَلِكَ\". فَمَعْنَاهُ - وَاللَّهُ أَعلم ـ: \"وَدِدْتُ أَني طُوِّقت الدَّوَامَ عَلَيْهِ\"، وإِلا فَقَدْ كَانَ يُوَاصِلُ الصِّيَامَ وَيَقُولُ: \"إِني لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِني أَبَيْتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي\" (١٣).\nوَفِي الصَّحِيحِ: \"كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، ويفطر حتى نقول: لا يصوم\" (١٤).\n_________\n(١) تقدم تخريجه (ص١٤٧).\n(٢) قوله: \"والوجه\" من (خ) فقط.\n(٣) في (غ) و(م) و(ر): \"والثاني\".\n(٤) في (خ): \"أوكد\".\n(٥) تقدم تخريجه (ص١٥٨).\n(٦) في (خ): \"الدوام عليه\".\n(٧) في (خ): \"أنّني\".\n(٨) قوله: \"كنت\" ليس في (خ).\n(٩) قوله: \"المعنى\" ليس في (غ) و(ر).\n(١٠) أخرجه مسلم (١١٦٢).\n(١١) قوله: \"صيام\" سقط من (م).\n(١٢) في (خ): \"في يوم صوم\".\n(١٣) تقدم تخريجه (ص ١٥٥).\n(١٤) أخرجه البخاري (١٩٦٩)، ومسلم (١١٥٦/ ١٧٥).","vol":"2","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>فَصْلٌ</span>\nإِذا ثَبَتَ هَذَا: فَالدُّخُولُ فِي عَمَلٍ عَلَى نيَّة الِالْتِزَامِ لَهُ إِن كَانَ فِي المُعْتاد بحيث إِذا داوم عليه أَورث ما لا ينبغي (١)، فلا ينبغي اعتقاد (٢) هذا الالتزام؛ لأنه (٣) مَكْرُوهٌ ابْتِدَاءً، إِذ هُوَ مؤدٍّ إِلى أُمور جَمِيعُهَا منْهِيٌّ عَنْهُ:\nأَحدها: أَن اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَهدى إليه (٤) فِي هَذَا الدِّينِ التَّسْهِيلَ وَالتَّيْسِيرَ، وَهَذَا المُلْتَزِمُ يُشْبه مَنْ لَمْ يَقْبَلْ هديَّته، وَذَلِكَ يُضَاهِي ردَّها عَلَى مُهْديها، وَهُوَ غَيْرُ لَائِقٍ بِالْمَمْلُوكِ مَعَ سَيِّدِهِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالْعَبْدِ مَعَ رَبِّهِ؟.\nوَالثَّانِي: خَوْفُ التَّقْصِيرِ أَوِ الْعَجْزِ عَنِ الْقِيَامِ بما هو أَولى وآكد في الشرع، وقد قال (٥) ﷺ (٦) إِخبارًا عَنْ دَاوُدَ ﵇: \"كَانَ (٧) يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ (٨) إِذا لاَقَى\"، تَنْبِيهًا عَلَى أَنه لَمْ يُضْعِفْهُ الصيام عن لقاءِ العدو، فِيَفِرّ أو يترك (٩) الجهاد في مَظَانّ (١٠) تأكيده (١١) بسبب ضعفه.\n_________\n(١) قوله: \"ما لا ينبغي\" سقط من (م).\n(٢) في (خ): \"أورث مللًا ينبغي أن يعتقد أن\"، وفي هامش (م) - تعليقًا على هذا الموضع ـ: \"افتقاد أو ابتعاد\".\n(٣) قوله: \"لأنه\" ليس في (خ)، وفي (م): \"أنه\".\n(٤) قوله: \"إليه\" زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) في (خ): \"وقال\"، بدل \"وقد قال\".\n(٦) في إحدى روايات حديث عبد الله بن عمرو عند البخاري (١٩٧٧ و١٩٧٩)، ومسلم (١١٥٩/ ١٨٦).\n(٧) في (خ): \"إنه كان\"، وكذا في (ر)، ولكن أشار الناسخ إلى حذف \"إنه\".\n(٨) في (ر): \"ولا يعد\".\n(٩) في (خ): \"ويترك\".\n(١٠) في (خ) و(م): \"مواطن\".\n(١١) في (خ): \"تكبده\".","vol":"2","page":164},{"text":"وَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁: إِنك لَتُقِلُّ الصَّوْمَ! فَقَالَ: إِنه يَشْغَلُنِي عَنْ قراءَة الْقُرْآنِ، وقراءَة الْقُرْآنِ أَحبّ إِليَّ مِنْهُ (١).\nوَلِذَلِكَ (٢) كَرِهَ مَالِكٌ إِحياءَ اللَّيْلِ كُلَّه، وَقَالَ: لَعَلَّهُ يُصْبِحُ مَغْلُوبًا، وَفِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسوة (٣). ثُمَّ قَالَ: لَا بأْس بِهِ مَا لَمْ يَضُرّ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ (٤).\nوَقَدْ جاءَ فِي صِيَامِ (٥) يَوْمِ عَرَفَةَ أَنه يُكَفِّرُ سَنْتَيْنِ (٦)، ثُمَّ إِن الإِفطار فِيهِ لِلْحَاجِّ أَفضل؛ لأَنه قُوَّةٌ عَلَى الْوُقُوفِ وَالدُّعَاءِ، ولابن وهب في ذلك حكاية (٧).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٨٩٠٩)، والطبراني في \"الكبير\" (٩/ ١٧٥ رقم ٨٨٦٨)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢٠١٨ و٢٠١٩)، ثلاثتهم من طريق الأعمش، عن شقيق، عن ابن مسعود، به. وتصحف \"شقيق\" في رواية ابن أبي شيبة وإحدى روايات البيهقي إلى \"سفيان\".\nوسنده صحيح.\nوأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٧٩٠٣)، ومن طريقه الطبراني (٨٨٧٠)، من طريق سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد؛ قال: كان عبد الله يقلّ الصيام، فقلنا له: إنك تقلّ الصيام! قال: إني إذا صمت ضعفت عن الصلاة، والصلاة أحبّ إليّ من الصيام.\nوسنده صحيح أيضًا.\nوأخرجه الطبراني (٨٨٦٩ و٨٨٧٥) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، به، وزاد: \"فإن صام صام ثلاثًا من الشهر\".\nوله طرق أخرى عند عبد الرزاق والطبراني\n(٢) في (م): \"وكذلك\"، ويشبه أن تكون هكذا في (غ).\n(٣) في (ر): \"أسوة حسنة\"، وأشار الناسخ إلى حذف قوله: \"حسنة\".\n(٤) انظر: \"مواهب الجليل شرح مختصر خليل\" (١/ ٤١٠)، و\"الموافقات\" (٢/ ٢٥٠).\n(٥) في (ر) و(غ): \"صوم\".\n(٦) أخرجه مسلم (١١٦٢)، وتقدم (ص٢٧) من هذا الجزء.\n(٧) انظرها في \"ترتيب المدارك\" (٣/ ٢٣٩).\nوقد ذكر المؤلف هذه الحكاية في \"الموافقات\" (٢/ ٢٥٠) فقال: \"ونحو هذا ما حكى عياض عن ابن وهب: أنه آلى أن لا يصوم يوم عرفة أبدًا؛ لأنه كان في الموقف يومًا صائمًا، وكان شديد الحر، فاشتد عليه. قال: فكان الناس ينتظرون الرحمة، وأنا أنتظر الإفطار\".","vol":"2","page":165},{"text":"وَقَدْ جاءَ فِي الْحَدِيثِ: \"إِنَّ لأَهلك عَلَيْكَ حقًا، ولزَوْرِك (١) عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفَسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا\" (٢)، فَإِذَا انْقَطَعَ إِلى عِبَادَةٍ لَا تَلْزَمُهُ فِي الأَصل، فَرُبَّمَا أَخلّ بشيءٍ مِنْ هَذِهِ الْحُقُوقِ.\nوَعَنْ أَبي جحيفة رضي الله تعالى عنه؛ قال: آخَى (٣) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ وأَبي الدَّرْداءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبا الدَّرْدَاءِ (٤)، فرأَى أُم الدَّرْدَاءِ متبذِّلة، فَقَالَ: مَا شأْنك مُتَبَذِّلَةً؟ قَالَتْ: إِن أَخاك أَبا الدَّرْدَاءِ ليس (٥) لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا. قَالَ: فَلَمَّا جاءَ أَبو الدَّرْدَاءِ قَرَّبَ إِليه طَعَامًا، فَقَالَ (٦): كُلْ فإِني صَائِمٌ؛ قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تأْكل. قَالَ: فأَكل، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبو الدَّرْدَاءِ لِيَقُومَ، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: نَمْ، فَنَامَ ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ لَهُ: نَمْ، فَنَامَ (٧)، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ قَالَ لَهُ سلمان: قم الآن، فقاما (٨) فصلَّيا، فقال (٩): إِن لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولضيفك عليك حقًا، وإن لأهلك (١٠) عَلَيْكَ حَقًّا، فأَعط لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فأَتيا النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: \"صَدَقَ سَلْمَانُ\". قَالَ التِّرْمِذِيُّ (١١): \"صَحِيحٌ\".\nوَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ جَمَعَ التَّنْبِيهَ عَلَى حَقِّ الأَهل بالوطءِ وَالِاسْتِمْتَاعِ، وَمَا يَرْجِعُ إِليه، والضيف بالخدمة والتّأْنِيس والمُوَاكلة وَغَيْرِهَا، وَالْوَلَدِ بِالْقِيَامِ عَلَيْهِمْ بِالِاكْتِسَابِ وَالْخِدْمَةِ، وَالنَّفْسِ بِتَرْكِ إِدْخَالِ المشقَّات عَلَيْهَا، وَحَقِّ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ بِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ، وَبِوَظَائِفَ أُخر؛ فَرَائِضَ وَنَوَافِلَ آكد مما هو فيه.\n_________\n(١) في (خ): \"ولزوارك\".\n(٢) تقدم تخريجه (ص١٥٧).\n(٣) قوله: \"آخى\" مكرر في (خ).\n(٤) قوله: \"فزار سلمان أبا الدرداء\" سقط من (ر) و(غ).\n(٥) في (خ): \"ليست\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"قال\".\n(٧) قوله: \"فنام\" سقط من (ر) و(غ).\n(٨) في (غ) و(ر): \"فقام\".\n(٩) في (خ): \"فقال سلمان\".\n(١٠) في (خ): \"ولأهلك\".\n(١١) في \"جامعه\" (٢٤١٣)، وعنه أخذ المصنف هذا الحديث، وفاته أن البخاري أخرجه في \"صحيحه\" (١٩٦٨).","vol":"2","page":166},{"text":"والواجب أَن يُعْطَى كُلُّ (١) ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وإِذا الْتَزَمَ الإِنسان أَمرًا مِنَ الأُمور الْمَنْدُوبَةِ، أَو أَمرين، أَو ثَلَاثَةً، فَقَدْ يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنِ الْقِيَامِ بِغَيْرِهَا، أَو عن إكماله (٢) عَلَى وَجْهِهِ، فَيَكُونُ مَلُومًا.\nوَالثَّالِثُ: خَوْفُ كَرَاهِيَةِ النَّفْسِ لِذَلِكَ الْعَمَلِ المُلْتَزَم؛ لأَنه قَدْ فُرِضَ (٣) من جنس ما يشق الدوام عليه، فبدخول (٤) المشقة لَا يُقَرِّبُ (٥) مِنْ وَقْتِ الْعَمَلِ إِلا وَالنَّفْسُ تَشْمَئِزّ مِنْهُ، وتَوَدّ لَوْ لَمْ تَعْمَلْ، أَو تتمنَّى لَوْ لَمْ تَلْتَزِمْ، وإِلى هَذَا الْمَعْنَى يشير حديث عائشة رضي الله تعالى عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنه قَالَ: \"إِن هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فأَوْغِلُوا فيه بِرِفْق، ولا تُبَغِّضوا إِلى أنفسكم (٦) عِبَادَةَ اللَّهِ، فإِن الْمُنْبَتَّ لَا أَرضًا قَطَعَ وَلَا ظَهَرًا أَبقى\" (٧). فشبَّه المُوغِلَ بالعُنْف بالْمُنْبَتّ؛ وهو المنقطع في بعض الطريق تَعْنِيفًا عَلَى الظَّهْرِ - وَهُوَ الْمَرْكُوبُ - حَتَّى وَقَفَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى السَّيْرِ، وَلَوْ رَفَقَ بِدَابَتِهِ (٨) لوصل إِلى رأْس المسافة.\n_________\n(١) في (خ): \"لكل\".\n(٢) في (خ) و(م): \"كماله\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"لأنه بالفرض\".\n(٤) في (خ): \"فتدخل\"، وفي (م): \"فيدخل\".\n(٥) في (خ): \"بحيث لا يقرب\".\n(٦) في (خ): \"لأنفسكم\".\n(٧) أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٣٨٨٥) من طريق علي بن معبد، عن عبيد الله بن عمرو، عن محمد بن سوقة، عن محمد بن المنكدر، عن عائشة ﵂، به.\nقال البيهقي: \"ورواه أبو عقيل يحيى بن المتوكل، عن محمد بن سوقة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، ورواه أبو معاوية، عن محمد بن سوقة، عن محمد بن المنكدر، عن النبي ﷺ مرسلًا، وهو الصحيح. وقيل غير ذلك\".\nفما دام الراجح إرساله، فهو ضعيف.\nوله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وسيأتي في (ص١٧٣)، وآخر مختصر من حديث أنس بن مالك، ولا يصح شيء منهما، ولا يثبت الحديث من هذه الطرق، فانظر الكلام عليه مُطَوَّلًا إن شئت في \"كشف الخفاء\" (١/ ٣٠٠)، و(٢/ ٢٨٤)، و\"الأجوبة المرضية\" للسخاوي (١/ ١٠ - ١٥ رقم ٢) وحاشية المحقق، وحاشية الشيخ مشهور بن حسن على \"الموافقات\" (٢/ ٢٣٦)، وحاشية الشيخ عبد الرحمن الفريوائي على \"الزهد\" لوكيع (٢٣٤).\n(٨) في (ر) و(غ): \"على دابته\".","vol":"2","page":167},{"text":"فَكَذَلِكَ الإِنسان عُمُرُهُ مَسَافَةٌ، وَالْغَايَةُ الْمَوْتُ، وَدَابَّتُهُ نفسه، فكما هو مطلوب بِالرِّفْقِ عَلَى الدَّابَّةِ حَتَّى يَصِلَ بِهَا، فَكَذَلِكَ هُوَ مَطْلُوبٌ بِالرِّفْقِ (١) بِنَفْسِهِ حَتَّى يَسْهُلَ عَلَيْهَا قَطْعُ مَسَافَةِ الْعُمُرِ؛ بِحِمْلِ التَّكْلِيفِ، فَنَهَى فِي الْحَدِيثِ عَنِ التسبُّب فِي تَبْغِيض الْعِبَادَةِ لِلنَّفْسِ، وَمَا نَهَى الشَّرْعُ عَنْهُ لَا يَكُونُ حَسَنًا.\nوخرَّج الطبري (٢) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا *﴾ ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا *﴾: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا وَمُعَاذًا فَقَالَ: \"انْطَلِقَا فبشِّرا، ويَسِّرا وَلَا تعسِّرا، فإِني قد أُنزلت عليَّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا *وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا *﴾.\nوخرَّج مُسْلِمٌ (٣) عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبي بُرْدَةَ عَنْ أَبيه، عَنْ جَدِّهِ: أَن النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ وَمُعَاذًا إِلى الْيَمَنِ، فَقَالَ: \"بشِّرا وَلَا تُنَفِّرا، ويَسِّرا وَلَا تُعَسِّرا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا\".\nوَعَنْهُ (٤): أَن النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذا بَعَثَ أَحدًا مِنْ أَصحابه فِي بَعْضِ أَمره قَالَ: \"بشِّروا وَلَا تُنَفِّروا، ويَسِّروا وَلَا تُعَسِّروا\"، وَهَذَا نَهْيٌ عَنِ التَّعْسِيرِ الَّذِي الْتِزَامُ (٥) الْحَرَجِ في التعبد نوع منه.\n_________\n(١) من قوله: \"على الدابة\" إلى هنا سقط من (خ) و(غ) و(ر)، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: كذا في الأصل!.\n(٢) لم أجده في \"تفسيره\"، ولا في المطبوع من \"تهذيب الآثار\"، ولا في \"تاريخه\".\nوأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" كما في \"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٤٣٠)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١/ ٢٤٧ - ٢٤٨ رقم ١١٨٤١)، كلاهما من طريق عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي، عن شيبان، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، به.\nوعبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي هذا ضعيف؛ قال أبو حاتم: \"ليس بقوي\"، وضعفه الدارقطني في رواية، وفي أخرى قال: \"متروك الحديث\"، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" وقال: \"يعتبر حديثه من غير روايته عن أبيه\". انظر: \"الضعفاء\" لابن الجوزي (١٨٩٧)، و\"ميزان الاعتدال\" (٧٨٧١)، و\"لسان الميزان\" (٥١١٣).\n(٣) برقم (١٧٣٣)، وأخرجه البخاري أيضًا (٣٠٣٨).\n(٤) عند مسلم أيضًا (١٧٣٢).\n(٥) في (غ) و(ر) و(م): \"إلزام\".","vol":"2","page":168},{"text":"وَفِي الطَّبَرِيِّ (١) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (٢) قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَجُلٍ يُصَلِّي عَلَى صَخْرَةٍ بِمَكَّةَ، فأَتى نَاحِيَةَ مَكَّةَ، فَمَكَثَ مَلِيًّا، ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَجَدَ الرجل يصلي على حاله، فقال: \"يا أَيُّهَا (٣) النَّاسُ! عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ وَالْقِسْطِ - ثَلَاثًا ـ، فإِن الله لا يَمَلُّ (٤) حَتَّى تَمَلّوا\".\nوَعَنْ بُرَيْدَةَ الأَسْلمي (٥): أَن النَّبِيَّ ﷺ رأَى رَجُلًا يصلي، فقال: \"من\n_________\n(١) لعله في المفقود من \"تهذيب الآثار\"، فإني لم أجده في شيء من كتب الطبري المطبوعة.\nوالحديث أخرجه ابن ماجه (٤٢٤١)، وأبو يعلى (١٧٩٦ و١٧٩٧)، ومن طريقه ابن حبان في \"صحيحه\" (٣٥٧/الإحسان)، كلاهما من طريق عيسى بن جارية، عن جابر ﵁، به.\nوسنده ضعيف؛ فعيسى بن جارية الأنصاري المدني: فيه لين كما في \"التقريب\" (٥٣٢٣).\nوقوله ﷺ: \"فإن الله لن يملّ حتى تملوا\" مخرج في \"صحيح البخاري\" (١٩٧٠)، ومسلم (٧٨٢).\n(٢) في (م): \"جابر أن عبد الله\".\n(٣) في (خ) و(م): \"أيها\".\n(٤) في (خ) و(م): \"لن يمل\".\n(٥) كذا ذكر المصنف! والراوي إنما هو محجن بن الأدرع، فالظاهر أن المصنف رأى ذكر بريدة في أول الحديث، ثم اختصره فأخذ آخره؛ وهو موضع الشاهد.\nفالحديث أخرجه الطيالسي (١٢٩٥ و١٢٩٦)، وأحمد في \"المسند\" (٤/ ٣٣٨)، أما الطيالسي فمن طريق أبي عوانة، وأما أحمد فمن طريق شعبة، كلاهما عن أبي بشر - جعفر بن إياس ـ، عن عبد الله بن شقيق، عن رجاء بن أبي رجاء؛ قال: كان بريدة على باب المسجد، فمرّ مِحْجن عليه وسَكَبَة يصلي، فقال بريدة - وكان فيه مزاح - لمحجن: ألا تصلي كما يصلي هذا؟ فقال محجن: إن رسول الله ﷺ أخذ بيدي، فصعد على أحد، فأشرف على المدينة، فقال: \"ويل أمها قرية يدعها أهلها خير ما تكون - أو كأخير ما تكون ـ، فيأتيها الدجال فيجد على كل باب من أبوابها ملكًا مصلتًا بجناحه، فلا يدخلها\". قال: ثم نزل وهو آخذ بيدي، فدخل المسجد، وإذا هو برجل يصلي، فقال لي: \"من هذا؟ \" فأثنيت عليه خيرًا، فقال: \"اسكت! لا تُسمعه فتهلكه\". قال: ثم أتى حجرة امرأة من نسائه، فنفض يده من يدي، قال: \"إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره\". وهذا لفظ أحمد.\nوفي سنده رجاء بن أبي رجاء الباهلي، البصري، وهو مقبول كما في \"التقريب\" (١٩٣٢).","vol":"2","page":169},{"text":"هَذَا؟ \" فَقُلْتُ: هَذَا فُلَانٌ، فَذَكَرْتُ مِنْ عِبَادَتِهِ وَصَلَاتِهِ، فَقَالَ: \"إِن خَيْرَ دِينِكُمْ أَيسره\" (١).\nوَهَذَا مشعر بِعَدَمِ الرِّضَا بِتِلْكَ الْحَالَةِ، وإِنما ذَلِكَ مَخَافَةَ الكراهية للعمل، وكراهية العمل مظنَّة الترك (٢) الَّذِي هُوَ مَكْرُوهٌ لِمَنْ أَلزم نَفْسَهُ لأَجل نَقْضِ الْعَهْدِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الرَّابِعُ.\nوَقَدْ مَرَّ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فإِن قوله ﷺ: \"فإِن الْمُنْبَتَّ لا أَرضًا قَطَع، ولا ظهرا أَبقى\" مع قوله: \"ولا تُبَغِّضوا إِلى أَنفسكم (٣) عبادة الله (٤) \" يَدُلُّ عَلَى أَن بُغْضَ الْعَمَلِ وَكَرَاهِيَتَهُ مَظِنَّةُ الانقطاع، ولذلك مثّل ﷺ بالْمُنْبَتّ - وَهُوَ الْمُنْقَطِعُ (٥) عَنِ اسْتِيفَاءِ الْمَسَافَةِ ـ، وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ عَلَى التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ.\nوَالْخَامِسُ: الْخَوْفُ مِنَ الدُّخُولِ تَحْتَ الْغُلُوِّ فِي الدِّينِ، فإِن الْغُلُوَّ هُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي الْأَمْرِ، وَمُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِيهِ إِلى حَيِّز الْإِسْرَافِ، وَقَدْ دلَّ عَلَيْهِ مِمَّا تَقَدَّمَ أَشياء، حيث قال ﷺ: \"يَا أَيها النَّاسُ! عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ (٦) ... \"، الْحَدِيثَ (٧).\nوَقَالَ الله ﷿: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (٨).\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قال لي رسول الله (ص) غَدَاةَ الْعَقَبَة: \"الْقُطْ (٩) لِي حَصَيَاتٍ (١٠) مِنْ حَصَى الخَذْف، فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ (١١) قَالَ: \"بأَمثال هَؤُلَاءِ (١٢)، إِياكم وَالْغُلُوَّ في الدين! فإِنما هلك مَن\n_________\n(١) في (خ): \"يسره\".\n(٢) في (خ) و(م): \"للترك\".\n(٣) في (خ): \"إلى نفسكم\".\n(٤) في (خ): \"العبادة\".\n(٥) قوله: \" (ص) بالمنبت وهو المنقطع\" مكرر في (م).\n(٦) في (خ): \"أنفسكم بالقصد\".\n(٧) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(٨) سورة النساء: الآية (١٧١)، وسورة المائدة: الآية (٧٧).\n(٩) في (خ): \"اجمع\"بدل \"القط\"، وسقط من أصل (م) وأثبت في الهامش هكذا: \"أبغ\".\n(١٠) في (ر) و(غ): \"حصاة\".\n(١١) في (غ) و(ر): \"وضعتهن بيده\".\n(١٢) في (خ): \"فأمثال هؤلاء، ما مثل هؤلاء\".","vol":"2","page":170},{"text":"كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ (١) \".\nفأَشار إِلى أَن الْآيَةَ فِي النَّهْيِ عَنِ الْغُلُوِّ يَشْتَمِلُ مَعْنَاهَا عَلَى كُلِّ مَا هُوَ (٢) غُلُوٌّ وإِفراط، وأَكثر هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمُقَيَّدَةِ آنِفًا، خَرَّجَهَا (٣) الطَّبَرِيُّ (٤).\nوخرَّج أَيضًا (٥) عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ؛ قَالَ: \"كَانَ يُقَالُ: اعْمَلْ وأَنت مُشْفِق، وَدَعِ الْعَمَلَ وأَنت تحبه، عملٌ دَائِمٌ وإِن قَلّ (٦) \".\nوأَتى معاذًا رجُلٌ فقال: أَوصني؛ قال: أَمطيعني أَنت؟ قَالَ: نَعَمْ؛ قَالَ (٧): صَلّ وَنَمْ، وصُمْ وأَفطر (٨)، واكْتَسِبْ، وَلَا تأْت اللَّهَ إِلا وأَنت مسلم، وإِياك ودعوة المظلوم! (٩).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٣٩٠٧)، وأحمد في \"المسند\" (١/ ٢١٥ و٣٤٧)، وابن ماجه (٣٠٢٩)، وابن أبي عاصم في \"السنة\" (٩٨)، والنسائي (٤٠٦٣)، وأبو يعلى (٢٤٢٧ و٢٤٧٢)، وابن الجارود (٤٧٣)، وابن خزيمة (٢٨٦٧ و٢٨٦٨)، وابن حبان (٣٨٧١/الإحسان)، والحاكم (١/ ٤٦٦)، جميعهم من طريق عوف بن أبي جميلة، عن زياد بن حصين، عن أبي العالية، عن ابن عباس، به.\nوسنده صحيح، وصححه الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ في \"الصحيحة\" (١٢٨٣)، وحكى تصحيحه أيضًا عن النووي وشيخ الإسلام ابن تيمية.\n(٢) في (ر) و(غ): \"من هو\".\n(٣) في (خ): \"أخرجها\".\n(٤) في المفقود من \"تهذيب الآثار\" فيما يظهر.\n(٥) وأخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" (١٣٣٣)، ووكيع في \"الزهد\" (٢٣٢)، والمروزي في \"زوائد الزهد\" (١١١٠)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٤٩٧١)، جميعهم من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن يحيى بن جعدة أنه قال: \"كان يقال: اعمل وأنت مشفق، ودع العمل وأنت تحبه، عمل صالح دائم وإن قلّ\".\nورجاله ثقات، إلا أن حبيب بن أبي ثابت كثير الإرسال والتدليس كما في \"التقريب\" (١٠٩٢)، ولم يصرِّح بالسماع.\n(٦) كذا في النسخ الثلاث، إلا أن هناك علامة على هذا الموضع في (خ)، وكتب في الهامش: \"خير من عمل كثير منقطع\"؛ على أنه تكملة لكلام يحيى بن جعدة، وكأنه بخط الناسخ.\n(٧) في (خ): \"قل\".\n(٨) في (خ): \"وأفطر وصم\".\n(٩) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٤٦٨٦)، والإمام أحمد في \"الزهد\" (ص٢٢٥)،=","vol":"2","page":171},{"text":"وعن إِسحاق بن سُويد (١) قال: تعبَّدَ عبدُ الله (٢) بن مُطَرِّف، فقال له مُطَرِّف (٣): \"يَا عَبْدَ اللَّهِ! الْعِلْمُ أَفضل مِنَ الْعَمَلِ، وَالْحَسَنَةُ بَيْنَ السَّيِّئَتَيْنِ، وَخَيْرُ الأُمور أَوسطها، وشر السَّيْر الحَقْحَقَةُ (٤) \".\nومعنى قوله: \"الْحَسَنَةَ بَيْنَ السَّيِّئَتَيْنِ\": أَنَّ الْحَسَنَةَ هِيَ الْقَصْدُ والعدل، والسيئتان (٥): مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ وَالتَّقْصِيرُ، وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَى مَعْنَاهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ...﴾ الْآيَةَ (٦)، وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا ...﴾ الآية (٧). ومعنى الحَقْحَقَة: أَرفع السير، وأَتعبه للظهر (٨)، وهو راجع إِلى الغلو والإفراط.\n_________\n=وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٢٣٣)، ثلاثتهم من طريق عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن معاذ، به. وزاد أحمد وأبو نعيم بعد قوله: \"وهل أنت مطيعني؟ \": \"قال: إني على طاعتك لحريص\".\nوفي سنده عبد الله بن سَلِمةَ المرادي، الكوفي، وهو صدوق، إلا أنه تغير حفظه كما في \"التقريب\" (٣٣٨٤).\n(١) في هذا الموضع إشارة لحق في (خ)، وكتب الناسخ ما نصه: \"أن رسول الله ﷺ قال\" على أن الكلام الآتي مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ.\n(٢) في (خ): \"لعبد الله\" بدل \"تعبد عبد الله\".\n(٣) قوله: \"فقال له مطرف\" ليس في (خ) و(م).\n(٤) قول مطرِّف هذا أخرجه أبو عبيد في \"غريب الحديث\" (٢/ ٣٩٧ - ٣٩٨)، ومن طريقه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٣٨٨٨)، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٠٩)، كلاهما من طريق إسماعيل بن عليَّة، عن إسحاق بن سويد، به.\nوسنده صحيح.\nوأخرجه الطبري في \"تفسيره\" (١٩/ ٣٠٠) من طريق كعب بن فروخ، عن قتادة، عن مطرِّف بن عبد الله قال: \"خير هذه الأمور أوساطها، والحسنة بين السيئتين\". فقلت لقتادة: ما الحسنة بين السيئتين؟ فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ ...﴾ الآية.\nوأخرجه الدارمي في \"سننه\" (١/ ١٠٠) من طريق المسعودي، عن عون بن عبد الله، عن مطرِّف بن عبد الله بن الشخِّير أنه قال لابنه: \"يا بني! إن العلم خير من العمل بلا علم\".\n(٥) في (خ): \"والسيئتين\".\n(٦) سورة الإسراء: الآية (٢٩).\n(٧) سورة الفرقان: الآية (٦٦).\n(٨) في (خ): \"وإتعاب الظهر\"، ويبدو أنها كانت في (م) كما هو مثبت هنا، وحاول أحد=","vol":"2","page":172},{"text":"وَنَحْوُهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُرّة الجُعْفي قَالَ: \"الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ، وَالْحَسَنَةُ بَيْنَ السَّيِّئَتَيْنِ\" (١).\nوَعَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ (٢): إِن هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فلا تُقَذِّرْ (٣) إِليك دِينَ اللَّهِ، وأَوْغِل بِرِفْقٍ، فإِن المُنْبَتّ لم يقطع بُعْدًا ولم يَسْتَبْقِ ظهرًا، اعمل (٤) عَمَلَ المرءِ الَّذِي يَرَى أَنه لَا يَمُوتُ إِلا هرمًا (٥)، وَاحْذَرْ حَذَرَ المرءِ الَّذِي يَرَى أَنه يَمُوتُ غَدًا.\nوخرَّج ابْنُ وَهْبٍ نَحْوَهُ عَنْ عَبْدِ الله بن عمرو (٦) بن العاص (٧).\n_________\n=المطالعين إصلاحها كما في (خ)، فصعب عليه ذلك، وصعبت قراءتها، فكتب في الهامش: \"وإتعاب\"، ولم يتعرض لقوله: \"للظهر\".\n(١) أخرجه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (١٩/ ٣٠٠) من طريق ابن حميد، عن حكام، عن عنبسة، عن العلاء بن عبد الكريم، عن يزيد بن مرة الجعفي، به.\nوابن حميد هو محمد بن حميد الرازي، وهو متهم بالكذب؛ اتهمه جمع من الأئمة، منهم أبو حاتم وأبو زرعة وصالح جزرة وغيرهم كما في \"تهذيب الكمال\" (٢٥/ ٩٧ - ١٠٨).\n(٢) لم أجد رواية كعب الأحبار هذه.\n(٣) في (خ): \"فلا تبغض\".\n(٤) في (خ): \"\"واعمل\".\n(٥) في (خ): \"اليوم\" بدل \"إلا هرمًا\"، وفي (م): \"إلا يومًا\".\n(٦) في (خ): \"عمر\".\n(٧) أخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" (١٣٣٤) عن محمد بن عجلان: أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: \"إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق، ولا تبغضوا إلى أنفسكم عبادة الله، فإن المنبتّ لا بَلَغَ بُعدًا، ولا أبقى ظهرًا. واعمل عمل امرئٍ يظن أنه لا يموت إلا هرمًا. واحذر حذر امرئٍ يحسب أنه يموت غدًا\".\nوسنده منقطع إن لم يكن معضلًا، فمحمد بن عجلان لم يدرك عبد الله بن عمرو بن العاص.\nوخولف فيه عبد الله بن المبارك.\nفأخرجه البيهقي في \"السنن\" (٣/ ١٩)، وفي \"شعب الإيمان\" (٣٨٨٦) من طريق أبي صالح، عن الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن مولى لعمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ، به هكذا مرفوعًا، وفيه ذكر الواسطة بين ابن عجلان وعبد الله بن عمرو.\nورواية ابن المبارك أرجح من هذه، مع أن كلا الطريقين ضعيف، لكن رواية الليث هذه يرويها عنه كاتبه أبو صالح عبد الله بن صالح الجهني وهو صدوق، إلا أنه كثير الغلط، وفيه غفلة، وهو ثبت في كتابه كما في \"التقريب\" (٣٤٠٩).\nومولى عمر بن عبد العزيز مجهول لا يدرى من هو.","vol":"2","page":173},{"text":"وَهَذِهِ إِشارة إِلى الأَخذ بِالْعَمَلِ الَّذِي يَقْتَضِي المداومة عليه من غير حرج.\nوعن عمير (١) بن إِسحاق قال (٢): لَمَنْ (٣) أَدركت مِنْ أَصحاب رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكثر مِمَّنْ سَبَقَنِي مِنْهُمْ، فَمَا رأَيت قَوْمًا أَيسر سِيرَةً، وَلَا أَقل تَشْدِيدًا مِنْهُمْ (٤).\nوَقَالَ الْحَسَنُ: دِينُ اللَّهِ وُضِعَ فَوْقَ التَّقْصِيرِ وَدُونَ الْغُلُوِّ (٥).\nوالأَدلة فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ (٦)، جَمِيعُهَا رَاجِعٌ إِلى أَنه لَا حَرَجَ فِي الدِّينِ. وَالْحَرَجُ كَمَا يَنْطَلِقُ عَلَى الْحَرَجِ الْحَالِيِّ - كَالشُّرُوعِ فِي عِبَادَةٍ شَاقَّةٍ فِي نَفْسِهَا ـ، كذلك ينطلق على الحرج المآلي (٧)؛ إذا (٨) كَانَ الحرجُ لَازِمًا مَعَ الدَّوَامِ؛ كَقِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو (٩) ﵄، وَغَيْرِ ذَلِكَ (١٠) مِمَّا تَقَدَّمَ. مَعَ أَن الدَّوَامَ مَطْلُوبٌ حسبما اقتضاه قول أَبي أُمامة (١١)\n_________\n(١) في (خ) و(م): \"وعن عمر\".\n(٢) في (م): \"قا\"، وهذا وقع بسبب تصويبها والكلامة التي تليها بخط مغاير فيما يظهر.\n(٣) قوله: \"لمن\" سقط من (خ)، وهو مصوب في (م) كما ذكرت في التعليق السابق.\n(٤) أخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (٧/ ٢٢٠)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٥٥٤٩)، والدارمي في \"سننه\" (١/ ٥١)، وعبد الله بن أحمد في \"زوائد فضائل الصحابة\" (١٩٥٩)، وابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ٦٩)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (١٠٤٩)، جميعهم من طريق عبد الله بن عون، عن عمير بن إسحاق؛ قال: كان من أدركت ... فذكره.\nوسنده صحيح إلى عمير بن إسحاق.\nوعمير بن إسحاق أبو محمد مولى بني هاشم هذا مقبول كما في \"التقريب\" (٥٢١٤)، وانظر الموضع السابق من \"الكامل\" لابن عدي.\n(٥) أخرجه الإمام أحمد في \"الزهد\" (ص٣٤٤) من طريق محمد بن جعفر، عن عوف، عن الحسن، فذكره.\nوسنده صحيح.\n(٦) قوله: \"كثيرة\" ليس في (خ).\n(٧) أي: الذي يصير إليه حال الإنسان ويرجع.\n(٨) كذا في جميع النسخ، وأثبتها رشيد رضا: \"إذ\"!.\n(٩) في (خ): \"عمر\".\n(١٠) في (خ): \"وغيرها\".\n(١١) المتقدم (ص١٤٩).","vol":"2","page":174},{"text":"﵁ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾، وَقَوْلُهُ ﷺ: \"أَحب الْعَمَلِ إِلى اللَّهِ مَا دَاوَمَ (١) عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وإِن قَلّ (٢) \". فَلِذَلِكَ كَانَ ﷺ إِذا عَمِلَ عَمَلًا أَثبته (٣)، حَتَّى قَضَى رَكْعَتَيْ (٤) ما بعد الظهر (٥) بعد العصر (٦).\nهذا وإِن (٧) كَانَ الْعَامِلُ لَا يَنْوِي الدَّوَامَ فِيهِ، فَكَيْفَ به (٨) إِذا عَقَدَ فِي نِيَّتِهِ أَن لَا يَتْرُكَهُ؟ فَهُوَ أَحرى بِطَلَبِ الدَّوَامِ، فَلِذَلِكَ (٩) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو (١٠): \"يَا عَبْدَ اللَّهِ! لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ الليل\"، وهو حديث صحيح (١١). فنهاه ﷺ أَن يَكُونَ مِثْلَ فُلَانٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي كراهيته للترك (١٢) مِنْ ذَلِكَ الْفُلَانِ (١٣) وَغَيْرِهِ.\nفَالْحَاصِلُ: أَن هَذَا الْقِسْمَ الَّذِي هُوَ مَظِنَّة للمشقَّة عِنْدَ الدَّوَامِ: مطلوب الترك لعلّة أَكثرية يُفْهَمُ (١٤) عند تقريرها (١٥) أَنها إِذا فُقِدَتْ زَالَ طَلَبُ التَّرْكِ، وإِذا ارْتَفَعَ طَلَبُ التَّرْكِ رَجَعَ إِلى أَصل الْعَمَلِ؛ وَهُوَ طَلَبُ الْفِعْلِ.\nفَالدَّاخِلُ فِيهِ عَلَى الْتِزَامِ شَرْطِهَ دَاخِلٌ فِي مَكْرُوهٍ ابْتِدَاءً مِنْ وَجْهٍ؛ لِإِمْكَانِ عدم الوفاءِ بالشرط، وفي مندوبٍ (١٦) إِليه حَمْلًا عَلَى ظَاهِرِ الْعَزِيمَةِ عَلَى الْوَفَاءِ.\nفَمِنْ حَيْثُ النَّدْبُ أَمره الشَّارِعُ بِالْوَفَاءِ؛ وَمِنْ حَيْثُ الْكَرَاهِيَةُ كَرِهَ لَهُ أَن يَدْخُلَ فِيهِ.\n_________\n(١) في (خ) و(م): \"ما دام\".\n(٢) أخرجه البخاري (١٩٧٠)، ومسلم (٧٨٢).\n(٣) كما في \"صحيح مسلم\" (٧٤٦/ ١٤١) من حديث عائشة ﵂.\n(٤) في (غ) و(ر) و(خ): \"ركعتين\".\n(٥) في (خ): \"مابين الظهر والعصر\" بدل \"ما بعد الظهر\".\n(٦) أخرجه البخاري (١٢٣٣ و٤٣٧٠).\n(٧) في (خ): \"إن\".\n(٨) قوله: \"به\" ليس في (خ) و(م).\n(٩) في (غ) و(ر): \"ولذلك\".\n(١٠) في (خ) و(م): \"\"لعبد الله بن عمر\".\n(١١) متفق عليه، وتقدم تخريجه (ص١٦٢).\n(١٢) في (خ): \"كراهة الترك\".\n(١٣) في (خ): \"لفلان\".\n(١٤) في (خ): \"تفهم\"، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: كذا في نسختنا! ولعل الأصل: لعلّة كثرته، ففهم. اهـ.\n(١٥) في (خ) و(م): \"تقريره\".\n(١٦) في (خ): \"المندوب\".","vol":"2","page":175},{"text":"وحين صارت الكراهية (١) هي المُقَدَّمة كان دخوله في العمل بقصد (٢) الْقُرْبَةِ يُشْبِهُ الدُّخُولَ فِيهِ بِغَيْرِ أَمر، فأَشبه الْمُبْتَدِعَ الدَّاخِلَ فِي عِبَادَةٍ غَيْرِ مأْمور بِهَا. فَقَدْ يُسْتَسْهَلُ بِهَذَا (٣) الِاعْتِبَارِ إِطلاق الْبِدْعَةِ عَلَيْهَا كَمَا اسْتَسْهَلَهُ أَبو أُمامة ﵁ (٤).\nوَمِنْ حَيْثُ كَانَ الْعَمَلُ مأْمورًا بِهِ ابْتِدَاءً قَبْلَ النَّظَرِ فِي الْمَآلِ، أَو مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْمَشَقَّةِ، أَو مَعَ اعْتِقَادِ الْوَفَاءِ بِالشَّرْطِ: أَشبه صاحبُه مَنْ دَخَلَ فِي نَافِلَةٍ قَصْدًا للتعبُّد بِهَا، وَذَلِكَ صَحِيحٌ جارٍ عَلَى مُقْتَضَى أَدلة النَّدْبِ، وَلِذَلِكَ أَمر بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ بِالْوَفَاءِ، كَانَ نَذْرًا أَو الْتِزَامًا بِالْقَلْبِ غَيْرَ نَذْرٍ، وَلَوْ كَانَ بِدْعَةً دَاخِلَةً فِي حَدِّ الْبِدْعَةِ لَمْ يُؤْمَرْ بِالْوَفَاءِ، وَلَكَانَ عَمَلُهُ بَاطِلًا.\nوَلِذَلِكَ جاءَ فِي الْحَدِيثِ: أَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رأَى رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْسِ، فَقَالَ: \"مَا بَالُ هَذَا؟ \" فَقَالُوا: نَذَرَ أَن لَا يَسْتَظِلَّ، وَلَا يَتَكَلَّمَ، وَلَا يَجْلِسُ، وَيَصُومَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"مره (٥) فليجلس وليتكلم ويَسْتَظِلّ (٦)، وَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ\" (٧).\nفأَنت تَرَى كَيْفَ أَبطل عَلَيْهِ التعبُّد (٨) بِمَا لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ البتَّةَ (٩)، وأَمره بِالْوَفَاءِ بِمَا هُوَ مَشْرُوعٌ فِي الأَصل، فَلَوْلَا أَنَّ لِلْفَرْقِ (١٠) بَيْنَهُمَا مَعْنًى لَمْ يَكُنْ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا مَعْنًى مَفْهُومٌ. وأَيضًا فإِذا كَانَ الدَّاخِلُ مأْمورًا بِالدَّوَامِ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَن يَكُونَ الدُّخُولُ طَاعَةً، بلا بُدٍّ (١١)؛ لِأَنَّ الْمُبَاحَ - فَضْلًا عَنِ الْمَكْرُوهِ وَالْمُحَرَّمِ - لَا يُؤْمَرُ بِالدَّوَامِ عَلَيْهِ، وَلَا نَظِيرَ لِذَلِكَ في الشريعة. وعليه\n_________\n(١) في (خ): \"الكراهة\".\n(٢) في (خ): \"لقصد\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"فقد\" بدل \"بهذا\".\n(٤) في حديثه المتقدم (ص١٤٩).\n(٥) في (خ): \"مروه\".\n(٦) في (خ): \"وليستظل\".\n(٧) تقدم تخريجه (ص٢٨).\n(٨) في (خ) و(م): \"التبدع\".\n(٩) قوله: \"البتة\"، ليس في (خ).\n(١٠) المثبت من (غ)، وفي باقي النسخ: \"فلولا الفرق\".\n(١١) في (خ): \"بل لا بد\".","vol":"2","page":176},{"text":"يَدُلُّ (١) قَوْلُهُ ﷺ: \"مَنْ نَذَرَ أَن يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ (٢) \"، وَلِأَنَّ اللَّهَ مَدَحَ مَنْ أَوفى بِنَذْرِهِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ (٣) فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ وَتَرْتِيبِ (٤) الْجَزَاءِ الْحَسَنِ، وَفِي آيَةِ الْحَدِيدِ: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ (٥)، وَلَا يَكُونُ الأَجر إِلا عَلَى مَطْلُوبٍ شَرْعًا.\nفتأَمّلوا هَذَا الْمَعْنَى فَهُوَ الَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِ عَمَلُ السَّلَفِ الصَّالِحِ ﵃ بِمُقْتَضَى الأَدلة، وَبِهِ يَرْتَفِعُ إِشكال التَّعَارُضِ الظَّاهِرِ لِبَادِيَ الرأْي، حَتَّى تَنْتَظِمَ الْآيَاتُ والأَحاديث وَسِيَر مَنْ تقدم، والحمد لله.\nغير أَنه يبقى بعد هذا (٦) إِشكالان قويان، بالنظر (٧) فِي الْجَوَابِ عَنْهُمَا يَنْتَظِمُ مَعْنَى المسأَلة عَلَى تمامه بحول الله (٨)، فلنعقد في كل إِشكال فصلًا.\n_________\n(١) في (خ): \"أيد\" بدل \"يدل\".\n(٢) أخرجه البخاري (٦٦٩٦ و٦٧٠٠) من حديث عائشة ﵂.\n(٣) سورة الإنسان: الآية (٧).\n(٤) في (خ): \"وترتب\".\n(٥) سورة الحديد: الآية (٢٧).\n(٦) في (خ): \"بعدها\".\n(٧) في (خ): \"وبالنظر\".\n(٨) قوله: \"بحول الله\" ليس في (خ).","vol":"2","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>فَصْلٌ</span>\nالْإِشْكَالُ الْأَوَّلُ\nإِن مَا تَقَدَّمَ مِنَ الأدلة على كراهية الالتزامات التي يشق دوامها مُعَارَضٌ بِمَا دلَّ عَلَى خِلَافِهِ. فَقَدَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُومُ حَتَّى تورَّمت قَدَمَاهُ، فَيُقَالُ لَهُ: أَو لَيْسَ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ (١) مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تأَخر؟ فَيَقُولُ: \"أَفلا أَكون عَبْدًا شكورًا (٢)؟ \" ويظل في (٣) الْيَوْمَ الطَّوِيلَ فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ صَائِمًا (٤)، وَكَانَ ﷺ يُوَاصِلُ الصِّيَامَ وَيَبِيتُ عِنْدَ رَبِّهِ يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ (٥)، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ اجْتِهَادِهِ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ. وَفِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسوة حسنة، ونحن مأْمورون بالتأَسِّي به.\nفإِن أَبيتم هَذَا الدَّلِيلَ بِسَبَبِ أَنه ﷺ كَانَ مَخْصُوصًا بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ رَبُّهُ يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ، وَكَانَ يُطِيقُ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا تُطِيقُهُ أُمته، فَمَا قَوْلُكُمْ فِيمَا ثَبَتَ مِنْ ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وأَئمة الْمُسْلِمِينَ الْعَارِفِينَ بِتِلْكَ الأَدلة الَّتِي اسْتَدْلَلْتُمْ بِهَا عَلَى الْكَرَاهِيَةِ؟ حَتَّى إِن بَعْضَهُمْ قعد من رجليه (٦) من كثرة التَّنَفُّل (٧)، وصارت جبهة بعضهم كرُكْبة\n_________\n(١) في (م): \"غفر لك\".\n(٢) أخرجه البخاري (١١٣٠)، ومسلم (٢٨١٩) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.\n(٣) قوله: \"في\" ليس في (خ) و(م).\n(٤) أخرجه البخاري (١٩٤٥)، ومسلم (١١٢٢) من حديث أبي الدرداء ﵁ قال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في شهر رمضان في حرّ شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة.\n(٥) أخرجه البخاري (٧٢٩٩)، ومسلم (١١٠٣/ ٥٨) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.\n(٦) في (م): \"رحله\".\n(٧) في (خ) و(م): \"التبتل\".","vol":"2","page":178},{"text":"البَعير (١) مِنْ كَثْرَةِ السُّجُودِ.\nوجاءَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ (٢) ﵁ أَنه كَانَ إِذا صَلَّى العشاءَ أَوتر بِرَكْعَةٍ يقرأُ فِيهَا الْقُرْآنَ كُلَّه (٣)، وَكَمْ مِنْ رجلٍ صَلَّى الصُّبْحَ بوضوء العشاء كذا وكذا (٤) سَنَةً؟! وسَرَدَ الصِّيَامَ (٥) كَذَا وَكَذَا (٦) سَنَةً (٧)؟! وَكَانُوا هُمُ الْعَارِفِينَ بِالسُّنَّةِ لَا يَمِيلُونَ عَنْهَا لَحْظَةً.\nوروي عن ابن عمر وابن الزبير ﵃ أَنهما كانا يواصلان (٨) الصيام (٩)،\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"العنز\".\n(٢) قوله: \"بن عفان\" ليس في (غ) و(ر).\n(٣) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير من \"سننه\" (١٥٨)، وهو صحيح بمجموع طرقه التي استوفيتها في تعليقي على الموضع السابق من \"السنن\"، فانظره إن شئت.\n(٤) في (خ) و(م): \"كذا كذا\".\n(٥) في (غ) و(ر): \"الصوم\".\n(٦) في (م): \"كذا كذا\".\n(٧) أخرج البخاري في \"صحيحه\" (٢٨٢٨) عن أنس ﵁ قال: كان أبو طلحة لا يصوم على عهد النبي ﷺ من أجل الغزو، فلما قبض النبي ﷺ لم أره مفطرًا إلا يوم فطر أو أضحى.\nوذكر البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٣/ ٦٣ فما بعد)، و(٣/ ٤٣٠ فما بعد) جملة من ذلك، ومنه: ما أخرجه برقم (٣٢٢٠) بسند صحيح أن المعتمر بن سليمان التيمي قال لمحمد بن عبد الأعلى: لولا أنك من أهلي ما حدثتك هذا عن أبي: مكث أربعين سنة يصوم يومًا ويفطر يومًا، ويصلي صلاة الفجر بوضوء العشاء. وانظر رقم (٢٩٥٠/بتحقيق د. عبد العلي).\n(٨) في (غ): \"يواصليان\".\n(٩) قال البيهقي في \"الشعب\" (٣/ ٤٠٥): \"وروينا عن عمر وابن عمر وأبي طلحة وعائشة ﵃ في سرد الصيام، ورويناه عن سعيد بن المسيب\".اهـ.\nأما ابن عمر: فأخرج الفريابي في \"الصيام\" (١٣٤) من طريق سعيد بن أبي هلال؛ أن نافعًا حدثه؛ أن عبد الله بن عمر كان إذا حضر لم يفطر، وكان يصل شعبان برمضان، ويقول: الليل أفضل.\nوحسن سنده المحقق، وفي النفس من تفرد سعيد بن أبي هلال بهذا عن نافع!.\nوانظر \"شرح مسلم\" للنووي (٨/ ٤٠).\nوأما ابن الزبير: فأخرج ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٩٥٩٩) من طريق وكيع، عن الأسود بن شيبان، عن أبي نوفل ابن أبي عقرب؛ قال: دخلت على ابن الزبير صبيحة خمسة عشر من الشهر وهو مواصل.=","vol":"2","page":179},{"text":"وأَجاز مَالِكٌ (١) - وَهُوَ إِمام فِي الِاقْتِدَاءِ - صِيَامَ الدهر (٢)؛ يعني إِذا أَفطر أَيام الأضحى والفطر، وحمل النهي في ذلك على أَن المراد إِذا لم يفطر أَيام (٣) الْعِيدِ.\nوَمِمَّا (٤) يُحْكَى عَنْ أُويس القَرَني ﵁: أَنه كَانَ يَقُومُ لَيْلَهُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَيَقُولُ: بلغني أَن لله عبادًا قيامًا أَبدًا، ثم يركع أُخرى حتى يصبح، ثم يقول: بلغني أَن لله عبادًا ركوعًا أَبدًا، ثم يسجد لَيْلَهُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَيَقُولُ: بَلَغَنِي أَن لِلَّهِ عبادًا (٥) سجودًا أَبدًا (٦)،\n_________\n=وصحح إسناده ابن حجر في \"الفتح\" (٤/ ٢٠٤).\nوأخرج ابن جرير في \"تفسيره\" (٣٠٢٨) عن هشام بن عروة؛ قال: كان عبد الله بن الزبير يواصل سبعة أيام، فلما كبر جعلها خمسًا، فلما كبر جدًّا جعلها ثلاثًا.\nوسنده صحيح إن كان هشام سمع من عمه عبد الله بن الزبير.\nوأخرج أبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٣٣٥)، والحاكم في \"المستدرك\" (٣/ ٥٤٩)، ومن طريقه البيهقي في \"الشعب\" (٣٦١٣)، كلاهما من طريق روح بن عبادة، عن حبيب بن الشهيد، عن عبد الله بن أبي مليكة قال: كان ابن الزبير يواصل سبعة أيام، ثم يصبح يوم الثامن وهو أَلْيَثُنا؛ يعني: أقوانا. وسنده صحيح.\n(١) في (غ): \"مالك بن أنس\".\n(٢) ذكر مالك في \"الموطأ\" (١/ ٣٠٠) أنه سمع أهل العلم يقولون: لا بأس بصيام الدهر إذا أفطر الأيام التي نهى رسول الله ﷺ عن صيامها.\nثم قال مالك: \"وذلك أحب ما سمعت إليّ في ذلك\".\n(٣) من قوله: \"الأضحى والفطر\" إلى هنا سقط من (خ) و(م).\n(٤) في (غ) و(ر): \"وما\".\n(٥) من قوله: \"قيامًا أبدًا\" إلى هنا سقط من (خ) و(م)، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: للأثر تَتِمَّة، يدلّ باقي الكلام على أنه كان موجودًا في الأصل، وسقط من النسخ، وتلك الزيادة هي: \"إن لله عبادًا ركوعًا أبدًا، وعبادًا قيامًا أبدًا\".اهـ.\n(٦) أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٢/ ٨٧) من طريق أبي زرعة الرازي، عن سعيد بن أسد بن موسى، عن ضمرة بن ربيعة، عن أصبغ بن زيد؛ قال: كان أويس القرني إذا أمسى يقول: هذه ليلة الركوع، فيركع حتى يصبح، وكان يقول إذا أمسى: هذه ليلة السجود، فيسجد حتى يصبح ...، ثم ذكر كلامًا آخر.\nوسنده منقطع، فأصبغ بن زيد لم يدرك أويس القرني.\nوأخرجه ابن عساكر في \"تاريخه\" (٩/ ٤٤٣) من طريق عبد الله بن أبي زياد، عن سيار، عن جعفر بن سليمان، عن إبراهيم بن عيسى اليشكري، فذكره بنحو ما تقدم وزاد القيام.=","vol":"2","page":180},{"text":"ويريد (١) أَنه يَتَنَفَّلُ بِالصَّلَاةِ، فَتَارَةً يُطَوِّلُ فِيهَا الْقِيَامَ، وَتَارَةً الرُّكُوعَ، وَتَارَةً السُّجُودَ.\nوَعَنِ الأَسود بْنِ يَزِيدَ أَنه كَانَ يُجْهِدُ نَفْسَهُ فِي الصَّوْمِ وَالْعِبَادَةِ حَتَّى يَخْضَرّ جسدُه ويَصْفَرّ، فَكَانَ عَلْقَمَةُ يَقُولُ لَهُ: وَيْحَكَ! لِمَ تُعَذِّبْ هَذَا الْجَسَدَ؟ فَيَقُولُ: إِن الْأَمْرَ جِدٌّ، إِن الْأَمْرَ (٢) جِدٌّ (٣).\n_________\n=وإبراهيم بن عيسى اليشكري له ترجمة في \"الجرح والتعديل\" (٣/ ١١٧ رقم ٣٥٢)، وذكر أنه يروي عن الحسن البصري، فيبعد أن يكون لحق أويسًا القرني الذي قتل بصفين سنة (٣٥) كما في \"التقريب\" (٥٨٦).\nوفي سنده أيضًا سيار بن حاتم العنزي وهو متكلم فيه، وفي \"التقريب\" (٢٧٢٩): \"صدوق له أوهام\".\n(١) في (خ): \"يريد\".\n(٢) في (غ) و(ر): \"والأمر\" بدل \"إن الأمر\" الثانية.\n(٣) أخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" (١٥٠٢) عن محمد بن طلحة؛ أخبرني عبد الرحمن بن ثروان: أن الأسود بن يزيد ...، فذكره.\nوعبد الرحمن بن ثروان هذا صدوق، إلا أنه ربما خالف كما في \"التقريب\" (٣٨٤٧).\nوالراوي عنه محمد بن طلحة بن مصرِّف اليامي، وهو صدوق، إلا أن له أوهامًا كما في \"التقريب\" (٦٠٢٠).\nوأخرجه الإمام أحمد في \"الزهد\" (ص٤١٧) من طريق حجاج، عن محمد بن طلحة، به.\nومن طريق أحمد أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٢/ ١٠٣).\nوأخرجه الإمام أحمد أيضًا من طريق معمر بن سليمان الرَّقّي، عن عبد الله بن بشر - وهو قاضي الرّقّة ـ: أن علقمة بن قيس والأسود بن يزيد حجّا، فكان الأسود صاحب عبادة، فصام يومًا، فراح الناس بالهجير وقد تربّد وجهه، فأتاه علقمة، فضرب على فخذه فقال: ألا تتقي الله يا أبا عمرو في هذا الجسد؟ علام تعذب هذا الجسد؟ فقال الأسود: يا أبا شبل! الجدّ الجدّ!\nومن طريق أحمد أخرجه أبو نعيم (٢/ ١٠٤).\nوسنده ضعيف؛ فعبد الله بن بشر قاضي الرّقّة لا يمكن أن يكون أدرك الأسود وعلقمة، فإنه لم يدرك من بعدهما فضلًا عنهما.\nفقد قال أبو حاتم الرازي - كما في \"المراسيل\" لابنه (ص١١٥) ـ: \"لا يثبت له سماع من الحسن، ولا من ابن سيرين، ولا من عطاء، ولا من الأعمش، وإنما يقول: كتب إليّ أبو بكر بن عياش عن الأعمش ـ، ولا من الزهري، ولا من قتادة، ... \" وذكر غيرهم.=","vol":"2","page":181},{"text":"وعن أَنس بن سيرين (١): أَن امرأَة مَسْرُوقٍ قَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي حَتَّى تورَّمت قَدَمَاهُ، فَرُبَّمَا جَلَسْتُ خَلْفَهُ أَبكي مِمَّا أَراه يَصْنَعُ بِنَفْسِهِ (٢).\nوَعَنِ الشَّعْبِيِّ (٣)؛ قَالَ: غُشي على مسروق في يومٍ صائفٍ وهو\n_________\n=ومع ذلك فعبد الله هذا متكلم فيه، وفي \"التقريب\" (٣٢٤٨): \"اختلف فيه قول ابن معين وابن حبان، وقال أبو زرعة والنسائي: لا بأس به، وحكى البزار أنه ضعيف في الزهري خاصة\".\nوأخرجه أحمد أيضًا، وأبو نعيم (٢/ ١٠٤)، كلاهما من طريق أبي أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير، عن حنش بن الحارث، عن علي بن مدرك؛ قال: قال علقمة للأسود: لم تعذب هذا الجسد - وهو يصوم ـ؟ قال: الراحة أريد له.\nوعلي بن مدرك النخعي إنما يروي عن تلاميذ الأسود وعلقمة كما في ترجمته من \"تهذيب الكمال\" (٢١/ ١٢٧)، ولم يذكر أنه روى عنهما.\nوأخرج أبو نعيم (٢/ ١٠٣) من طريق يزيد بن عطاء، عن علقمة بن مرثد؛ قال: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين، منهم الأسود بن يزيد، كان مجتهدًا في العبادة؛ يصوم حتى يخضرّ جسده ويصفرّ، وكان علقمة بن قيس يقول له: لم تعذب هذا الجسد؟ قال: راحة هذا الجسد أريد.\nوعلقمة بن مرثد كسابقه علي بن مدرك كما يتضح من ترجمته في \"تهذيب الكمال\" (٢٠/ ٣٠٩).\nوالراوي عنه يزيد بن عطاء اليشكري لين الحديث كما في \"التقريب\" (٧٨٠٨).\nوقد يخالج النفس شعور بأن هذه الطرق - على ما في كل منها من ضعف - يشدّ بعضها بعضًا، لكن معظمها مراسيل قد يكون مصدرها واحدًا.\nوالمتن يدل على شدة اجتهاد الأسود ﵀ في العبادة، ويكثر الصيام حتى أضعفه، فاصفرّ لونه، ومن شدة الجهد أحيانًا والنصب تعلوه سمرة مع الصفرة، وهو اخضرار اللون في عرف الناس.\nولا شك أن هذا اجتهاد من الأسود ﵀، لكن السنة أحبّ إلينا من اجتهاده، وتقدم في كلام الشاطبي ﵀ ما فيه غنية عن الإعادة.\n(١) في (خ) و(م): \"وعن أنس بن مالك\"، زاد في (خ): \"﵁\"، والمثبت هو الصواب.\n(٢) أخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (٦/ ٨١) من طريق عارم بن الفضل، والخطيب في \"تاريخه\" (١٣/ ٢٣٤) من طريق أزهر بن مروان، كلاهما عن حماد بن زيد، عن أنس بن سيرين، به.\nوسنده صحيح.\n(٣) في (خ): \"الشعبيني\"، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: لعله \"الشعبي\"، أو \"الشعباني\"،=","vol":"2","page":182},{"text":"صَائِمٌ، فَقَالَتْ لَهُ ابْنَتُهُ: أَفْطِرْ؛ قَالَ: مَا أَردتِ بِي؟ قَالَتْ: الرِّفْقَ؛ قَالَ: يَا بُنَيَّة! إِنما طلبت الرفق لنفسي (١) فِي يومٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلف سَنَةٍ (٢).\nوَعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْم أَنه قَالَ: أَتيت أُويسًا (٣) القَرَني فَوَجَدْتُهُ قَدْ صَلَّى الصُّبْحَ وَقَعَدَ، فَقُلْتُ: لَا أَشْغَلُهُ عَنِ التَّسْبِيحِ، فَلَمَّا كَانَ وَقْتَ الصَّلَاةِ قَامَ فَصَلَّى إِلى الظُّهْرِ، فَلَمَّا صَلَّى الظُّهْرَ صَلَّى إِلى الْعَصْرِ، فَلَمَّا صَلَّى الْعَصْرَ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ إِلى الْمَغْرِبِ، فَلَمَّا صَلَّى الْمَغْرِبَ صَلَّى إِلى الْعِشَاءِ، فَلَمَّا صَلَّى العشاءَ صَلَّى إِلى الصُّبْحِ، فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ جَلَسَ فأَخذته عَيْنُهُ، ثُمَّ انْتَبَهَ (٤) فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِني أَعوذ بِكَ مِنْ عَيْنٍ نَوّامة، وبطن لا يشبع (٥) (٦).\nوَالْآثَارُ فِي هَذَا (٧) الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ عَنِ الْأَوَّلِينَ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى الْأَخْذِ بِمَا هُوَ شَاقٌّ فِي الدَّوَامِ، وَلَمْ يَعُدَّهُمْ أَحد بِذَلِكَ مُخَالِفِينَ لِلسُّنَّةِ، بَلْ عَدُّوهم مِنَ السَّابِقِينَ، جَعَلَنَا اللَّهُ منهم.\n_________\n=أو \"الشعيثي\"، وهذا الأخير هو الأقرب إلى الرسم، وهو نسبة محمد بن عبد الله بن المهاجر، وعبد الرحمن بن حماد. اهـ.\n(١) من قوله: \"في يوم صائف\" إلى هنا سقط من (خ).\n(٢) أخرجه الخطيب في \"تاريخه\" (١٣/ ٢٣٤) من طريق علي بن الحسن الشامي، عن سفيان الثوري، عن فطر بن خليفة، عن الشعبي، به.\nومن طريق الخطيب أخرجه المزي في \"تهذيب الكمال\" (٢٧/ ٤٥٦)، وفيه: \"السامي\" بدل \"الشامي\"، وهو الصواب.\nوعلي بن الحسن السامي هذا متكلم فيه بشدة، حتى اتهمه الدارقطني بالكذب كما في \"لسان الميزان\" (٥/ ٢١١ - ٢١٢)، وحكم الأئمة على رواياته بأنها موضوعة.\n(٣) في (خ): \"أويس\".\n(٤) في (م): \"أتيته\".\n(٥) في (خ) و(م): \"لا تشبع\".\n(٦) أخرجه ابن عساكر في \"تاريخه\" (٩/ ٤٤٣) من طريق عبد الرحمن بن صالح، عن سعيد بن عبد الله بن الربيع بن خثيم، عن نسير بن ذعلوق، عن بكر بن ماعز، عن الربيع، به.\nوسعيد بن عبد الله بن الربيع بن خثيم مجهول الحال؛ سكت عنه البخاري في \"تاريخه\" (٣/ ٤٨٩ - ٤٩٠)، وابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٣٨)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٨/ ٢٦٣).\n(٧) قوله \"هذا\" ليس في (خ).","vol":"2","page":183},{"text":"وأَيضًا فإِن النَّهْيَ لَيْسَ عَنِ الْعِبَادَةِ الْمَطْلُوبَةِ، بَلْ هُوَ (١) عَنِ الْغُلُوِّ فِيهَا غُلُوًا يُدْخِل الْمَشَقَّةَ عَلَى الْعَامِلِ، فإِذا فَرَضْنَا مَنْ فُقِدَتْ فِي حَقِّهِ تِلْكَ الْعِلَّةُ، فَلَا يَنْتَهِضُ النَّهْيُ فِي حَقِّهِ، كَمَا إِذا قَالَ الشَّارِعُ: لَا يقض الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ (٢) - وَكَانَتْ عِلَّةُ النَّهْيِ تَشْوِيشَ الْفِكْرِ عَنِ اسْتِيفَاءِ الْحُجَجِ ـ، اطَّرَدَ النَّهْيُ مَعَ كُلِّ مُشَوِّش، وَانْتَفَى عِنْدَ انْتِفَائِهِ، حَتَّى إِنه مُنْتَفٍ مَعَ وُجُودِ الْغَضَبِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا يَمْنَعُ مِنَ اسْتِيفَاءِ الْحُجَجِ. وَهَذَا صَحِيحٌ جارٍ عَلَى الأُصول.\nوَحَالُ مَنْ فُقدت فِي حَقِّهِ الْعِلَّةُ حَالُ مَنْ يَعْمَلُ بِحُكْمِ غَلَبة الْخَوْفِ أَو الرَّجَاءِ أَو الْمَحَبَّةِ، فإِن الْخَوْفَ سَوْطٌ سائق (٣)، والرجاءُ حادٍ قائد، والمحبة سيل (٤) حَامِلٌ. فَالْخَائِفُ إِن وَجَدَ الْمَشَقَّةَ فَالْخَوْفُ مِمَّا هو أَشق يحمله على الصبر على مَا هُوَ أَهون، وإِن كَانَ الْعَمَلُ (٥) شَاقًّا. وَالرَّاجِي يَعْمَلُ وإِن (٦) وَجَدَ الْمَشَقَّةَ؛ لِأَنَّ رجاءَ الرَّاحَةِ التَّامَّةِ يَحْمِلُهُ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى بَعْضِ التَّعَبِ. وَالْمُحِبُّ يَعْمَلُ بِبَذْلِ الْمَجْهُودِ شَوْقًا إِلى الْمَحْبُوبِ، فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ الصَّعْبُ، وَيَقْرُبُ عَلَيْهِ الْبَعِيدُ، ويَفْنَى الْقُوَى (٧)، وَلَا يَرَى أَنه أَوفى بِعَهْدِ الْمَحَبَّةِ، ولا قام بشكر النعمة، ويعمر الْأَنْفَاسَ وَلَا يَرَى أَنه قَضَى نَهْمَتَهُ (٨).\nوإِذا كَانَ كَذَلِكَ صَحَّ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَجَازَ الدُّخُولُ فِي الْعَمَلِ الْتِزَامًا مَعَ الْإِيغَالِ فِيهِ، إِما مُطْلَقًا، وإِما مَعَ ظَنِّ انْتِفَاءِ الْعِلَّةِ، وإِن دَخَلَتِ الْمَشَقَّةُ فِيمَا بَعْدُ، إِذا صَحَّ من (٩) العامل الدوام على العمل، ويكون ذلك\n_________\n(١) قوله: \"هو\" ليس في (ر) و(غ).\n(٢) أخرجه البخاري (٧١٥٨)، ومسلم (١٧١٧)، من حديث أبي بكرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: \"لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"شرط سابق\".\n(٤) في (م): \"سبيل\".\n(٥) قوله: \"العمل\" ليس في (غ).\n(٦) في (غ) و(ر): \"إن\".\n(٧) في (م): \"وهي القوى\"، وفي موضعها طمس في (خ)، وأثبتها رشيد رضا هكذا: \"وهو القوي\"، واعتماده على (خ).\n(٨) في (خ): \"تهمته\".\n(٩) في (خ): \"مع\" بدل \"من\".","vol":"2","page":184},{"text":"جَارِيًا عَلَى مُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ وَعَمَلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ ﵃.\nوَالْجَوَابُ: أَن مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَدلة النَّهْيِ صحيح صريح، وما نُقل عن الأوَّلين من الإيغال (١) يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ أَوجه:\nأَحدها: أَن يُحْمَلَ عَلَى (٢) أَنهم إِنما عَمِلُوا عَلَى التَّوَسُّطِ، الَّذِي هُوَ مظنة الدوام، فلم يلزموا أَنفسهم ما لَعَلَّه (٣) يُدْخِل عَلَيْهِمُ الْمَشَقَّةَ حَتَّى يَتْرُكُوا بِسَبَبِهِ مَا هُوَ أَولى، أَو يَتْرُكُوا الْعَمَلَ، أَو يُبَغِّضُوهُ لِثِقَلِهِ عَلَى أَنفسهم، بَلِ الْتَزَمُوا مَا كَانَ عَلَى النُّفُوسِ سَهْلًا فِي حَقِّهِمْ، فإِنما طَلَبُوا الْيُسْرَ لَا الْعُسْرَ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ حَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَالَ مَنْ تَقَدَّمَ النَّقْلُ عَنْهُ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ بِنَاءً عَلَى أَنهم إِنما عَمِلُوا بمَحْض السنَّة وَالطَّرِيقَةِ الْعَامَّةِ لِجَمِيعِ المُكَلَّفين، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الطَّبَرِيِّ فِي الْجَوَابِ. وَمَا تَقَدَّمَ فِي السُّؤَالِ مِمَّا يَظْهَرُ مِنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ فَقَضَايَا أَحوال يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ، إِذا ثَبَتَ أَن الْعَامِلَ مِمَّنْ يُقتدى بِهِ.\nوَالثَّانِي: يُحْتَمَلُ أَن يَكُونُوا (٤) عَمِلُوا عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِيمَا اسْتَطَاعُوا، لَكِنْ على غير جِهَةِ (٥) الِالْتِزَامِ، لَا بِنَذْرٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَقَدْ يَدْخُلُ الْإِنْسَانُ فِي أَعمال (٦) يَشُقُّ الدَّوَامُ عَلَيْهَا (٧)، وَلَا يَشُقُّ فِي الْحَالِ، فيَغْتَنِم نَشَاطَهُ فِي حَالِهِ خَاصَّةٍ، غَيْرَ نَاظِرٍ فِيهَا (٨) فِيمَا يأَتي، ويكون فيه جاريًا (٩) عَلَى أَصل رَفْعِ الْحَرَجِ، حَتَّى إِذا لَمْ يَسْتَطِعْهُ تَرَكَهُ وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَنْدُوبَ لَا حَرَجَ فِي تَرْكِهِ فِي الْجُمْلَةِ.\nويُشْعِر بهذا المعنى: ما فِي الْحَدِيثِ (١٠) عَنْ عَائِشَةَ ﵂\n_________\n(١) قوله: \"من الإيغال\" ليس في (خ) و(م).\n(٢) قوله: \"على\" ليس في (خ).\n(٣) في (خ): \"بما لعله\".\n(٤) في (غ): \"يكون\".\n(٥) في (خ): \"لكن لا على جهة\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"عمل\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"عليه\".\n(٨) قوله: \"فيها\" ليس في (غ) و(ر).\n(٩) في (خ): \"جاريًا فيه\".\n(١٠) في (خ): \"ما في هذا الحديث\".","vol":"2","page":185},{"text":"قالت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ، وَمَا رأَيته اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلا رَمَضَانَ ...، الْحَدِيثَ (١).\nفتأَمّلوا وَجْهَ اعْتِبَارِ النَّشَاطِ وَالْفَرَاغِ (٢) مِنَ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ، أَو القوة في الأَعمال. وكذلك قوله (٣) - في صيام يوم وإِفطار يومين ـ: \"ليتني طُوِّقْتُ ذلك\" (٤): إِنما يريد - والله أَعلم - (٥) الْمُدَاوَمَةَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ (٦) كَانَ يُوَالِي الصِّيَامَ حَتَّى يقولوا: لا يفطر.\nولا يُعْتَرَضُ هذا المأْخذ بقوله ﷺ: \"أَحب الْعَمَلِ إِلى اللَّهِ مَا دَاوَمَ (٧) عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وإِن قَلّ\" (٨)، وأنه (٩) كان عمله دِيمَةً (١٠)؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَمَلِ الَّذِي يَشُقُّ (١١) فِيهِ الدوام.\nوأَما ما نقل عنهم من إِدامة (١٢) صَلَاةِ الصُّبْحِ بوضوءِ الْعِشَاءِ، وَقِيَامُ جَمِيعِ اللَّيْلِ، وَصِيَامُ الدَّهْرِ، وَنَحْوُهُ، فَيُحْتَمَلُ أَن يَكُونَ عَلَى الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ أَن لَا يَلْتَزِمَ ذَلِكَ. وإِنما يَدْخُلُ فِي الْعَمَلِ حَالًا يَغْتَنِمُ نَشَاطَهُ، فإِذا أَتى زَمَانٌ آخَرُ وَجَدَ فِيهِ النشاط أَيضًا، ولم (١٣) يخلّ بما هو أَولى، عمل به (١٤) كَذَلِكَ، فَيَتَّفِقُ أَن يَدُومَ لَهُ (١٥) هَذَا النَّشَاطُ زَمَانًا طَوِيلًا، وَفِي كُلِّ حَالَةٍ هُوَ فِي فُسْحَةِ التَّرْكِ، لَكِنَّهُ يَنْتَهِزُ (١٦) الْفُرْصَةَ مَعَ الأَوقات، فَلَا بُعْدَ فِي أَن يَصْحَبَهُ النَّشَاطُ إِلَى آخر العمر، فيظنه (١٧) الظان التزامًا\n_________\n(١) تقدم تخريجه (ص١٦٣).\n(٢) في (ر) و(غ): \"وجه اغتنام النشاط أو الفراغ\".\n(٣) قوله: \"قوله\" ليس في (ر) و(غ)، وعلق رشيد رضا على هذا الموضع بقوله: \"أي: عبد الله بن عمرو\".اهـ.\n(٤) تقدم تخريجه في (ص١٦٣).\n(٥) قوله: \"والله أعلم\" ليس في (خ) و(م).\n(٦) قوله: \"قد\" ليس في (غ).\n(٧) في (خ) و(م): \"ما دام\".\n(٨) تقدم تخريجه (ص١٧٤).\n(٩) في (خ) و(م): \"وأن\".\n(١٠) في (خ) و(م): \"دائمًا\".\n(١١) في (م): \"لا يشق\"، و\"لا\" ملحقة.\n(١٢) في (خ): \"أدلة\" بدل \"إدامة\".\n(١٣) في (خ) و(م): \"وإذا لم\".\n(١٤) قوله: \"به\" ليس في (خ) و(م).\n(١٥) في (غ): \"يدوم له على\".\n(١٦) في (غ) و(ر): \"الترك لا ينتهز\".\n(١٧) في (غ): \"فيظن\".","vol":"2","page":186},{"text":"وليس بالتزام. وهذا (١) صحيح، ولاسيما (٢) مَعَ سَائِقِ (٣) الْخَوْفِ، أَو حَادِي الرَّجَاءِ، أَو حامل المحبة، وهو معنى قوله ﷺ: \"وجعلت قرة عيني في الصلاة\" (٤).\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"وهو\".\n(٢) في (غ) و(ر): \"لا سيما\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"سابق\".\n(٤) روي من حديث أنس والمغيرة، ومن طريق سليمان بن طرخان التيمي وليث بن أبي سليم مرسلًا.\nأما حديث أنس، فله عنه ثلاث طرق:\nالأول: طريق ثابت البناني، وله عنه أربع طرق:\n١ - طريق سلام بن سليمان أبي المنذر القارئ.\nأخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" (٣/ ١٢٨ و١٩٩ و٢٨٥)، ومحمد بن نصر المروزي في \"تعظيم قدر الصلاة\" (٣٢٢ و٣٢٣) و\"النسائي (٣٩٣٩)، وأبو يعلى (٣٤٨٢ و٣٥٣٠)، والعقيلي في \"الضعفاء\" (٢/ ١٦٠)، والبيهقي في \"السنن\" (٧/ ٧٨)، جميعهم من طريق سلام أبي المنذر، عن ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: \"حبّب إليّ من الدنيا: النساء، والطيب، وجعلت قرّة عيني في الصلاة\".\nوسلام بن سليمان أبو المنذر القارئ صدوق يهم كما في \"التقريب\" (٢٧٢٠).\n٢ - طريق جعفر بن سليمان الضُّبعي.\nأخرجه النسائي برقم (٣٩٤٠)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ١٦٠)، كلاهما من طريق سيار بن حاتم العنزي، عن جعفر، عن ثابت، عن أنس، به كسابقه.\nقال الحاكم: \"صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه\".\nوفي سنده سيار بن حاتم العنزي، وهو صدوق له أوهام كما في \"التقريب\" (٢٧٢٩).\n٣ - طريق سلام بن أبي خبزة.\nأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ٣٠٣) من طريقه، عن ثابت وعلي بن زيد، عن أنس، به كسابقه.\nقال ابن عدي: \"وقد رواه أيضًا عن أنس: سلام أبو المنذر وجعفر بن سليمان الضبعي من رواية سيار عنه، وأما حديث علي بن زيد عن أنس فلا أعرفه إلا من رواية سلام بن أبي خبزة\".\nوسلام بن أبي خبزة العطار، البصري متروك كما قال النسائي، وقال ابن المديني: \"يضع الحديث\"، وقال أبو حاتم الرازي: \"ليس بقوي، وليس بكذاب\"، وقال أبو زرعة: \"منكر الحديث\"، وقال الساجي: \"متروك الحديث، وكان عابدًا\"، وقال البخاري: \"ضعفه قتيبة جدًا\". انظر ترجمته في الموضع السابق من \"الكامل\"، و\"لسان الميزان\" (٤/ ٥٩ - ٦٠).=","vol":"2","page":187},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=وقد ذهب الدارقطني إلى إعلال رواية ثابت هذه بالإرسال، فنقل عنه الضياء في \"المختارة\" (٥/ ١١٣) قوله: \"رواه سلام أبو المنذر وسلامة بن أبي الصهباء وجعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس. وخالفهم حماد بن زيد، عن ثابت، مرسلًا. والمرسل أشبه بالصواب\".\n٤ - طريق قتادة.\nأخرجه النسائي (٣٩٤١) من طريق إبراهيم بن طهمان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: \"لم يكن شيء أحبّ إلى رسول الله ﷺ بعد النساء من الخيل\".\nوهذا متن غير السابق، ولكنه يدل على جزء من الحديث؛ وهو محبة النبي ﷺ للنساء، وقد يكون المذكور في الحديث السابق - \"النساء والطيب\" - من جملة ما يحب النبي ﷺ، وليس كل ما يحب، ولذلك ذكر في هذا الحديث الخيل.\nوربما أراد النسائي بهذا إعلال أحد الحديثين بالآخر، والله أعلم.\nالثاني: طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة.\nأخرجه المروزي في \"تعظيم قدر الصلاة\" (٣٢١)، والطبراني في \"الأوسط\" (٥٧٧٢)، و\"الصغير\" (٧٤١)، والخطيب في \"تاريخه\" (١٤/ ١٩٠)، جميعهم من طريق يحيى بن عثمان، عن الهقل بن زياد، عن الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، به مرفوعًا.\nقال الطبراني: \"لم يروه عن الأوزاعي إلا الهقل، تفرد به يحيى\".\nوقال الخطيب: \"تفرد برواية هذا الحديث هكذا موصولًا هقل بن زياد، عن الأوزاعي، ولم أره إلا من رواية يحيى بن عثمان عن هقل. وخالفه الوليد بن مسلم، فرواه عن الأوزاعي، عن إسحاق، عن النبي ﷺ مرسلًا، لم يذكر فيه أنسًا\"، ثم ساقه بسنده إلى الوليد.\nوأخرج الضياء في \"المختارة\" (١٥٣٣) هذا الحديث من طريق الطبراني، ونقل قول الطبراني في تفرد هقل عن الأوزاعي، ويحيى بن عثمان عن هقل، ثم تعقبه بقوله: \"لم ينفرد به يحيى، فقد رواه عنه عمرو كما قدمنا\".\nوكان قد قدّم رواية الحديث برقم (١٥٣٢) من طريق أبي محمد الحسن بن محمد المخلدي بسنده عن عمرو بن هاشم البيروتي، عن هقل، به.\nونقل الضياء أيضًا عن البرديجي أنه أعلّ هذا الحديث بقول: \"إنما العلّة من قبل الراوي الذي هو دون الأوزاعي\".\nوتعقبه الضياء بأنه أعلّ رواية في الصحيحين أو أحدهما غير هذه، وهي من رواية إسحاق عن أنس، وقال إنها منكرة.\nوذهب الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ إلى تصحيح هذه الرواية في \"الصحيحة\"=","vol":"2","page":188},{"text":"فلذلك (١) قام ﷺ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ (٢)، وَامْتَثَلَ أَمر رَبِّهِ فِي قوله تعالى:\n_________\n= (١٨٠٩)، وذكر إعلال الخطيب البغدادي، وردّه بأمرين:\nأـ أن هقل بن زياد زاد الوصل، وزيادة الثقة مقبولة.\nب - أنه - أي هقل بن زياد - في الأوزاعي أوثق من الوليد.\nثم ذكر أقوال الموثقين ليحيى بن عثمان، وذكر متابعة عمرو بن هاشم له عند المخلدي في \"الفوائد\" (ق٢٩٠/ ١)، وهي التي رواها الضياء من طريقه كما سبق.\nويحيى بن عثمان الحربي هذا متكلم فيه، وإن وثقه بعض الأئمة، ويظهر أن كلامهم فيه متجه إلى روايات يرويها عن هقل بن زياد وهم فيها، ولذلك قال عنه ابن حجر في \"التقريب\" (٧٦٥٧): \"صدوق تكلموا في روايته عن هقل\".\nوأما متابعة عمرو بن هاشم له عند المخلدي في \"فوائده\": فإن عمرو بن هاشم البيروتي متكلم فيه، ولذا يقول عنه الحافظ ابن حجر في \"التقريب\" (٥١٦٢): \"صدوق يخطئ\".\nويمكن أن تتقوى رواية يحيى بن عثمان برواية عمرو بن هاشم لو لم يكن هناك مخالفة، أما مع وجود المخالفة في رواية الأوزاعي له مرسلًا، فلا يتجه كلام الشيخ الألباني في اعتراضه على إعلال الخطيب البغدادي للحديث، بل إعلال هذه الرواية بالإرسال هو الأقوى، وقد أشار لهذا الضياء في نهاية كلامه حيث قال: \"وقد رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن إسحاق: أن رسول الله ﷺ\".\nوأما حديث المغيرة بن شعبة ﵁: فأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٢٠/ ٤٢٠ رقم ١٠١٢) من طريق أبي حذيفة، عن سفيان، عن زياد بن علاقة، عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ: \"جعلت قرة عيني في الصلاة\".\nوسنده ضعيف؛ فيه أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي، وهو صدوق سيئ الحفظ، وكان يصحِّف كما في \"التقريب\" (٧٠٥٩).\nوأما مرسل التيمي وليث: فأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٧٩٣٩) من طريق ابن التيمي - وهو معتمر بن سليمان ـ، عن أبيه، وعن ليث؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"حبب إليّ الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة\".\nوسنده ضعيف لإرساله.\nهذا ما وجدته من طرق لهذا الحديث، وهي كما ترى لا تخلو طريق منها من مقال، وأحسنها الطريق الأولى لحديث أنس - من رواية سلام أبي المنذر وجعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس ـ، وقد صحح سندها الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" (١١/ ٣٤٥)، وحسّنها في \"التلخيص الحبير\" (١٥٣٠)، وقال عنها الذهبي في \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ١٧٧): \"وإسناده قوي\"، وصححه الشيخ الألباني في الموضع السابق من \"الصحيحة\"، والله أعلم.\n(١) في (غ) و(ر): \"فكذلك\".\n(٢) تقدم تخريجه (ص١٧٨).","vol":"2","page":189},{"text":"﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا *﴾ (١) الآية، والله أعلم (٢).\nوَالثَّالِثُ: أَن دُخُولَ المَشَقَّة وَعَدَمَهُ عَلَى المكلَّف فِي الدَّوَامِ أَو غَيْرِهِ لَيْسَ أَمْرًا مُنْضَبِطًا، بل هو إضافي يختلف (٣) بِحَسَبِ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي قوَّة أَجسامهم، أَو فِي (٤) قُوَّةِ عَزَائِمِهِمْ، أَو فِي قُوَّةَ يَقِينِهِمْ، أَو نحو ذلك من أَوصاف أَجسامهم وأَنْفُسِهِمْ (٥)، فَقَدْ يَخْتَلِفُ الْعَمَلُ الْوَاحِدُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى رَجُلَيْنِ؛ لأَن أَحدهما أَقوى جِسْمًا، أَو أَقوى عَزِيمَةً، أَو يقينًا بالموعود، وَالْمَشَقَّةُ قَدْ تَضْعُفُ بِالنِّسْبَةِ إِلى قُوَّةِ هَذِهِ الأُمور وأَشباهها، وَتَقْوَى (٦) مَعَ ضَعْفِهَا.\nفَنَحْنُ نَقُولُ: كُلُّ عَمَلٍ يَشُقُّ الدَّوَامُ عَلَى مِثْلِهِ (٧) بِالنِّسْبَةِ إِلَى زَيْدٍ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَلَا يَشُقُّ على عمرو فَلَا يُنْهَى عَنْهُ. فَنَحْنُ نَحْمِلُ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ الأَوّلون مِنَ الأَعمال عَلَى أَنه لَمْ يَكُنْ شَاقًّا عَلَيْهِمْ؛ وإِن كَانَ مَا هُوَ أَقل مِنْهُ شَاقًّا عَلَيْنَا، فَلَيْسَ عَمَلُ مِثْلِهِمْ بِمَا عَمِلُوا بِهِ حُجَّةً لَنَا أَن نَدْخُلَ فيما دخلوا فيه، إلا بشرط أَن يتّحد (٨) مَنَاطُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَهُوَ أَن يَكُونَ ذَلِكَ الْعَمَلُ لَا يَشُقُّ الدَّوَامُ عَلَى مثله علينا (٩).\nوَلَيْسَ كَلَامُنَا فِي هَذَا لِمُشَاهَدَةِ (١٠) الْجَمِيعِ، فإِن التوسُّط والأَخذ بالرفق (١١) هو الأَحرى (١٢) بِالْجَمِيعِ، وَهُوَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الأَدلة، دُونَ الإِيغال الَّذِي لَا يَسْهُلُ مِثْلُهُ عَلَى جَمِيعِ الخلق ولا أَكثرهم، بل (١٣) على القليل النادر منهم.\n_________\n(١) سورة المزمل: الآية (٢).\n(٢) قوله: \"والله أعلم\" ليس في (خ) و(م).\n(٣) في (خ) و(م): \"مختلف\".\n(٤) قوله: \"في\" ليس في (غ) و(ر).\n(٥) في (م): \"وأنفاسهم\"، وفي (خ): \"أو أنفاسهم\".\n(٦) في (م): \"ويقوى\".\n(٧) في (ر) و(غ): \"عليه\" بدل: \"على مثله\".\n(٨) في (خ): \"يتمد\" وفي (غ) و(ر): \"يتخذ\".\n(٩) قوله: \"علينا\" ليس في (خ) و(م).\n(١٠) في (ر) و(غ): \"لشهادة\".\n(١١) في (غ): \"بالأفق\".\n(١٢) في (خ): \"هو الأولى والأحرى\".\n(١٣) في (خ): و(م): \"إلا\" بدل \"بل\".","vol":"2","page":190},{"text":"وَالشَّاهِدُ لِصِحَّةِ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ ﷺ: \"إِني لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِني أَبيت عند ربي يطعمني ويسقيني\" (١)، يريد ﷺ: أَنه لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ الْوِصَالُ، وَلَا يَمْنَعُهُ عَنْ قضاءِ حَقِّ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْخَلْقِ. فَعَلَى هذا: من رُزِقَ أنموذجًا مما أُعطيه ﷺ فَصَارَ يُوغِلُ فِي الْعَمَلِ مَعَ قوَّته وَنَشَاطِهِ وَخِفَّةِ الْعَمَلِ عَلَيْهِ، فَلَا حَرَجَ.\nوأَما رَدُّهُ ﷺ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو (٢): فَيُمْكِنُ أَن يَكُونَ شَهِدَ بأَنه لَا يُطِيقُ الدَّوَامَ، وَلِذَلِكَ وَقَعَ لَهُ مَا كَانَ مُتَوقَّعًا، حَتَّى قَالَ: ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ، وَيَكُونُ عَمَلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَابْنِ عُمَرَ (٣) وَغَيْرِهِمَا فِي الْوِصَالِ جَارِيًا عَلَى أَنهم أُعطوا حَظًّا مِمَّا أُعطيه رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَصلٍ مَذْكُورٍ فِي كِتَابِ \"الْمُوَافَقَاتِ\" (٤) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَمَلِ الْمَنْقُولِ عن السلف مخالفة لما سبق.\n_________\n(١) تقدم تخريجه (ص١٥٥).\n(٢) في (خ) و(م): \"عمر\".\nوانظر تخريج حديث عبد الله بن عمرو هذا وردّ النبي ﷺ عليه (ص١٥٧).\n(٣) تقدم تخريجه (ص١٧٩).\n(٤) انظر: \"الموافقات\" (٢/ ٢٣٩ - ٢٤٥).","vol":"2","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>فَصْلٌ</span>\nلَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ فِي تَعْلِيلِ النَّهْيِ، وأَنه يقتضي انتفاءَه عند انتفاءِ العلَّة، وَمَا ذَكَرُوهُ فِيهِ صَحِيحٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَفِيهِ فِي التَّفْصِيلِ نَظَرٌ. وَذَلِكَ أَن العِلّة رَاجِعَةٌ إِلى أَمرين: أَحدهما: الْخَوْفُ مِنْ الِانْقِطَاعِ والتَّرْك إِذا التزم الدوام (١) فِيمَا يَشُقُّ فِيهِ الدَّوَامُ، وَالْآخَرُ: الْخَوْفُ (٢) مِنَ التقصير فيما هو آكَدُ (٣) مِنْ حَقِّ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْخَلْقِ.\nأَما الأَول: فإِن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَصَّل فِيهِ أَصلًا رَاجِعًا إِلى قَاعِدَةٍ مَعْلُومَةٍ لَا مَظْنُونَةٍ، وَهِيَ (٤): بَيَانُ أَن الْعَمَلَ الْمُوَرِّثَ لِلْحَرَجِ عِنْدَ الدَّوَامِ مَنْفِيٌّ عَنِ الشَّرِيعَةِ، كَمَا أَن أَصل الْحَرَجِ مَنْفِيٌّ عَنْهَا؛ لأَنه ﷺ بُعِثَ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ (٥)، وَلَا سَمَاحَ مَعَ دُخُولِ الحرج. فكل من أَلزم نفسه ما يلقاه (٦) فيه الحرج فقد خرج (٧) عَنْ الِاعْتِدَالِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَصَارَ إِدْخَالُهُ لِلْحَرَجِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ تلقاءِ نَفْسِهِ، لَا مِنَ الشَّارِعِ؛ فإِن دَخَلَ فِي الْعَمَلِ عَلَى شَرْطِ الوفاءِ؛ فإِن وفَّى (٨) فَحَسَنٌ بَعْدَ الْوُقُوعِ، إِذْ قَدْ ظَهَرَ أَن ذَلِكَ الْعَمَلَ إِما غَيْرُ شَاقٍّ؛ لأَنه قَدْ أَتى بِهِ بِشَرْطِهِ، وإِما شاقٌّ صَبَرَ عَلَيْهِ فَلَمْ يُوَفّ النَّفْسَ حَقَّها مِنَ الرِّفْقِ، وَسَيَأْتِي.\nوإِن لَمْ يُوَفّ، فكأَنه نَقَضَ عَهْدَ اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدٌ، فَلَوْ بَقِيَ عَلَى أَصل بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْ الِالْتِزَامِ لم يدخل عليه ما يُتّقى منه.\n_________\n(١) قوله: \"الدوام\" ليس في (خ) و(م).\n(٢) قوله: \"الخوف\" ليس (غ).\n(٣) في (خ): \"الآاكد\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"وهو\".\n(٥) تقدم تخريجه (ص١٥٤).\n(٦) في (خ): \"ما يلقى\".\n(٧) في (خ) و(م): \"يخرج\".\n(٨) في (غ) و(ر): \"فأوفى\" بدل \"فإن وفى\".","vol":"2","page":192},{"text":"لَكِنْ لِقَائِلٍ أَن يَقُولَ: إِن النَّهْيَ هَاهُنَا مُعَلَّل (١) بِالرِّفْقِ الرَّاجِعِ إِلى الْعَامِلِ؛ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنها: \"نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة بهم\" (٢)، فكأَنه قَدِ اعْتَبَرَ حَظّ النَّفْسِ فِي التعبُّد، فَقِيلَ لَهُ: افْعَلْ وَاتْرُكْ؛ أَي: لَا تَتَكَلَّفْ ما يشق عليك، كما لم تُكلّف (٣) فِي الْفَرَائِضِ مَا يَشُقُّ عَلَيْكَ؛ لأَن اللَّهَ إِنما وَضَعَ الْفَرَائِضَ عَلَى الْعِبَادِ عَلَى وجهٍ مِنَ التَّيْسِيرِ مُشْتَرَك لِلْقَوِيِّ (٤) وَالضَّعِيفِ، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَالرَّجُلِ والمرأَة، حَتَّى إِذَا كَانَ بعض الفرائض يُدْخِل الحرج على المُكَلّف أُسقط (٥) عَنْهُ جُمْلَةً أَو عُوِّض (٦) عَنْهُ مَا لَا حَرَجَ فِيهِ، كَذَلِكَ النَّوَافِلُ المتكلَّم فِيهَا.\nوإِذا رُوعِيَ حَظُّ النَّفْسِ: فَقَدْ صَارَ الأَمر فِي الإِيغال إِلى الْعَامِلِ، فَلَهُ أَن لَا يمكِّنها مِنْ حظِّها، وأَن (٧) يَسْتَعْمِلَهَا (٨) فِيمَا قَدْ يَشُقُّ عَلَيْهَا بِالدَّوَامِ، بِنَاءً عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمُؤَصَّلَةِ فِي أُصول \"الْمُوَافَقَاتِ\" (٩) فِي إِسقاط الْحُظُوظِ، فَلَا يَكُونُ إِذًا مَنْهِيًّا - عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ ـ. فَكَمَا يَجِبُ عَلَى الإِنسان حَقٌّ لِغَيْرِهِ مَا دَامَ طَالِبًا لَهُ، وَلَهُ الخِيرة فِي تَرْكِ الطَّلَبِ بِهِ فَيَرْتَفِعُ الْوُجُوبُ، كَذَلِكَ جاءَ النَّهْيُ حِفْظًا عَلَى حظوظ النفوس (١٠)، فَإِذَا أَسقطها صَاحِبُهَا زَالَ النَّهْيُ، وَرَجَعَ الْعَمَلُ إِلى أَصل النَّدْبِ.\nوَالْجَوَابُ: أَن حُظُوظَ النُّفُوسِ بِالنِّسْبَةِ إِلى الطَّلَبِ بِهَا قَدْ يُقَالُ: إِنه مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَقَدْ يُقَالُ: إِنه من حقوق العباد. فإِن قلنا: إِنه\n_________\n(١) في (خ): \"معلق\".\n(٢) في (خ) و(م): \"رحمة لهم\".\nوحديث عائشة هذا أخرجه البخاري (١٩٦٤)، ومسلم (١١٠٥).\n(٣) في (خ): \"كما تتكلف\".\n(٤) في (خ): \"يشترك فيه القوي\".\n(٥) في (خ): \"يسقط\".\n(٦) في (خ): \"يعوض\".\n(٧) قوله: \"وأن\" ليس في (غ) و(ر).\n(٨) في (غ) و(ر): \"ويستعملها\".\n(٩) انظر: \"الموافقات\" (١/ ٢٣٣ وما بعدها)، و(١/ ٣٥٧ وما بعدها)، و(٢/ ٢٥١ وما بعدها).\n(١٠) في (خ): \"النفس\".","vol":"2","page":193},{"text":"من حقوق الله (١) فَلَا يَنْهَضُ مَا قُلْتُمْ؛ إِذ لَيْسَ للمكلَّف خِيَرَةٌ فِيهِ. فَكَمَا أَنه مُتعبَّد بِالرِّفْقِ بِغَيْرِهِ، كَذَلِكَ هُوَ مكلَّفٌ بِالرِّفْقِ بِنَفْسِهِ، وَدَلَّ عَلَى ذلك قوله ﷺ (٢): \"إِن لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ... \" (٣)، إِلى آخَرِ الْحَدِيثِ. فَقَرَنَ حَقَّ النَّفْسِ بِحَقِّ الْغَيْرِ فِي الطَّلَبِ فِي (٤) قَوْلِهِ: \"فأَعط كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ\"، ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ حَقًّا مِنَ الْحُقُوقِ.\nوَلَا يُطلق هَذَا اللَّفْظُ إِلا عَلَى مَا كَانَ لَازِمًا. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ: أَنه لَا يَحِلُّ للإِنسان أَن يُبِيحَ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ دَمَهُ، وَلَا قَطْعَ طرفٍ مِنْ أَطرافه، وَلَا إِيلامه بشيءٍ مِنَ الْآلَامِ. وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَثِمَ وَاسْتَحَقَّ الْعِقَابَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.\nوإِن قُلْنَا: إِنه مِنْ حَقِّ الْعَبْدِ وَرَاجِعٌ إِلى خِيَرَتِهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الإِطلاق؛ إِذ قَدْ تَبَيَّنَ فِي الأُصول أَن حُقُوقَ الْعِبَادِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَةً مِنْ حَقِّ اللَّهِ.\nوَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ - فِيمَا نَحْنُ فِيهِ ـ: أَنه لَوْ كَانَ إِلى خِيَرَتِنَا بإِطلاق لَمْ يَقَعِ النَّهْيُ فِيهِ عَلَيْنَا، بَلْ كُنَّا نُخَيَّر فيه ابتداءً، وإلى ذلك؛ فإِنه لو كان لخِيرَةِ (٥) المُكَلَّفِ مَحْضًا؛ لجاز للناذر لِعِبَادةٍ (٦) أَن يَتْرُكَهَا مَتَى شاءَ وَيَفْعَلَهَا مَتَى شاءَ.\nوَقَدِ اتَّفَقَ الأَئمة عَلَى وُجُوبِ الوفاءِ بِالنَّذْرِ، فيجري ما أَشبهه (٧) مَجْرَاهُ. وأَيضًا فَقَدْ فَهِمْنَا مِنَ الشَّرْعِ أَنه حبَّب إِلينا الإِيمان وزيَّنه فِي قُلُوبِنَا، وَمِنْ جُمْلَةِ التَّزْيِينِ: تَشْرِيعُهُ عَلَى وجهٍ يُستحسن الدُّخُولُ فِيهِ، وَلَا يَكُونُ هَذَا مَعَ شَرْعِيَّةِ الْمَشَقَّاتِ. وإِذا كَانَ الإِيغال فِي الأَعمال مِنْ شأْنه فِي الْعَادَةِ أَن يُورثَ الكَلَلَ (٨) وَالْكَرَاهِيَةَ وَالِانْقِطَاعَ - الذي هو كالضِّدّ لتحبيب الإِيمان\n_________\n(١) قوله: \"فإن قلنا: إنه من حقوق الله\" سقط من (خ) و(م).\n(٢) تقدم تخريجه (ص١٥٧).\n(٣) قوله: \"حقًا\" ليس في (م).\n(٤) في (غ) و(ر): \"الذي هو\" بدل \"في\".\n(٥) في (خ): \"بخيرة\".\n(٦) في (خ): \"العبادة\".\n(٧) في (خ): \"ما أشبه\".\n(٨) في (غ) و(ر): \"الكلال\".","vol":"2","page":194},{"text":"وَتَزْيِينِهِ فِي الْقُلُوبِ (١) ـ، كَانَ مَكْرُوهًا؛ لأَنه عَلَى خِلَافِ وَضْعِ الشَّرِيعَةِ، فَلَمْ يَنْبَغِ أَن يَدْخُلَ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ.\nوأَما (٢) الثَّانِي: فإِن الْحُقُوقَ المتعلِّقة بالمكلَّف عَلَى أَصناف كَثِيرَةٍ، وأَحكامها تَخْتَلِفُ حَسْبَمَا تُعْطِيهِ أُصول الأَدلة، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنه إِذَا تَعَارَضَ عَلَى المكلَّف حَقَّان وَلَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ مَا هُوَ آكَدُ فِي مُقْتَضَى الدَّلِيلِ. فَلَوْ تَعَارَضَ عَلَى الْمُكَلَّفِ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ لقُدِّم الْوَاجِبَ عَلَى الْمَنْدُوبِ، وَصَارَ الْمَنْدُوبُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ غَيْرَ مَنْدُوبٍ، بَلْ صَارَ واجبَ التَّرْكِ عَقْلًا أَو شَرْعًا؛ مِنْ بَابِ \"مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ\".\nوإِذا صَارَ وَاجِبَ التَّرْكِ، فَكَيْفَ يَصِيرُ الْعَامِلُ بِهِ إِذ ذَاكَ متعبِّدًا لله (٣) به، بل هو متعبد بمطلوب الترك في الجملة، فأَشبه التعبد بالبدعة من هذا الوجه، ولكنه مع ذلك مُتَعَبِّدٌ (٤) بِمَا هُوَ مَطْلُوبٌ فِي أُصول الأَدلة؛ لأَن دليل الندب عتيد، ولكنه عرض فيه (٥) بالنسبة إِلى هذا المتعبّد (٦) مَانِعٌ مِنَ الْعَمَلِ بِهِ، وَهُوَ حُضُورُ الْوَاجِبِ، فإِن عَمِلَ بِالْوَاجِبِ فَلَا حَرَجَ فِي تَرْكِ الْمَنْدُوبِ عَلَى الْجُمْلَةِ، إِلا أَنه غَيْرُ مُخْلِصٍ مِنْ جِهَةِ ذَلِكَ الِالْتِزَامِ الْمُتَقَدِّمِ، وَقَدْ مَرَّ مَا فِيهِ. وإِن عَمِلَ بِالْمَنْدُوبِ عَصَى بِتَرْكِ الواجب.\nويبقى (٧) النظر في المندوب: هل وقع موقعه من النَّدْبِ أَم لَا؟ فإِن قُلْنَا (٨): إِن تَرْكَ الْمَنْدُوبِ هُنَا وَاجِبٌ عَقْلًا، فَقَدْ يَنْهَضُ الْمَنْدُوبُ سَبَبًا لِلثَّوَابِ مَعَ مَا فِيهِ؛ مِنْ كَوْنِهِ مَانِعًا مِنْ أَداءِ الْوَاجِبِ. وإِن قُلْنَا (٩): إِنه وَاجِبٌ شَرْعًا، بَعُدَ مِنَ انْتِهَاضِهِ سَبَبًا لِلثَّوَابِ إِلا عَلَى وَجْهٍ مَا، وَفِيهِ أَيضًا مَا فِيهِ.\nفأَنت تَرَى مَا فِي الْتِزَامِ النَّوَافِلِ على كل تقدير فُرِضَ (١٠) إِذا كان\n_________\n(١) علق عليه رشيد رضا بقوله: جواب \"وإذا كان الإيغال\" إلخ. اهـ.\n(٢) قوله: \"وأما\" في مكانه بياض في (غ).\n(٣) في (غ) و(ر): \"إليه\" بدل \"لله\".\n(٤) من قوله: \"بمطلوب الترك\" إلى هنا سقط من (خ) و(م).\n(٥) في (خ) و(م): \"مع ذلك\" بدل \"عرض فيه\".\n(٦) في (خ) و(م): \"التعبد\".\n(٧) في (خ) و(م): \"وبقي\".\n(٨) في (خ): \"قلت\".\n(٩) علق رشيد رضا هنا بقوله: المناسب للشق الأول من الترديد: \"وإن قلت\".اهـ.\n(١٠) في (خ): \"فرضًا\".","vol":"2","page":195},{"text":"مؤدِّيًا لِلْحَرَجِ (١)، وَهَذَا كُلُّهُ إِذا كَانَ الِالْتِزَامُ صَادًّا عَنِ الوفاءِ بِالْوَاجِبَاتِ مُبَاشَرَةً، قَصْدًا أَو غَيْرَ قَصْدٍ، وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ مَعَ أَبي الدَّرْدَاءِ ﵄ (٢)، إِذ كَانَ الْتِزَامُ قِيَامِ اللَّيْلِ مَانِعًا له من أَداءِ حَقِّ (٣) الزَّوْجَةِ؛ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَكَذَلِكَ الْتِزَامُ صِيَامِ النَّهَارِ.\nوَمِثْلُهُ لَوْ كَانَ الْتِزَامُ صَلَاةِ الضُّحَى أَو غَيْرِهَا مِنَ النَّوَافِلِ مُخِلًاّ بقيامه على مريضه المُشْرِف، أَو القيام (٤) على إِعانة أَهله بِالْقُوتِ، أَو مَا أَشبه (٥) ذَلِكَ. وَيَجْرِي مَجْرَاهُ - وإِن لَمْ يَكُنْ فِي رُتْبَتِهِ ـ: أَن لَوْ كَانَ ذَلِكَ الِالْتِزَامُ يُفْضِي بِهِ إِلى ضَعْفِ بَدَنِهِ، أَو نَهْكِ (٦) قُوَاهُ، حَتَّى لَا يقدر على الاكتساب على أَهله (٧)، أَو أَداءِ فَرَائِضِهِ عَلَى وَجْهِهَا، أَو الْجِهَادِ، أَو طَلَبِ الْعِلْمِ، كَمَا نَبَّه عَلَيْهِ حَدِيثُ داود ﵇ (٨): أَنه كان يصوم يوما وَيُفْطِرُ يَوْمًا (٩)، وَلَا يَفِرُّ إِذا لَاقَى.\nوَقَدْ جاءَ فِي مَفْرُوضِ الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ مِنَ التَّخْيِيرِ مَا جاءَ، ثُمَّ إِن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ عَامَ الْفَتْحِ: \"إِنكم قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عدوِّكم، وَالْفِطْرُ أَقوى لَكُمْ\". قَالَ أَبو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁: فأَصبحنا مِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ. قَالَ: ثُمَّ سِرْنَا فَنَزَلْنَا مَنْزَلًا، فَقَالَ: \"إِنكم تصبِّحون عدوَّكم وَالْفِطْرُ أَقوى لَكُمْ، فأَفطروا\". قَالَ: فَكَانَتْ عَزِيمَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١٠).\nوَهَذِهِ إِشارة إِلى أَن الصِّيَامَ رُبَّمَا أَضعف عَنْ مُلَاقَاةِ الْعَدُوِّ وَعَمَلِ الْجِهَادِ، فَصِيَامُ النفل أَولى بهذا الحكم.\n_________\n(١) في (ر) و(غ): \"إلى الحرج\".\n(٢) تقدم تخريجه (ص١٦٦).\n(٣) في (خ) و(م): \"حقوق\".\n(٤) في (خ): \"والقيام\".\n(٥) في (غ) و(ر): \"وما أشبه\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"ونهك\".\n(٧) في (خ): \"لأهله\".\n(٨) تقدم تخريجه (ص١٥٧).\n(٩) قوله: \"يومًا\" الثاني سقط من (خ).\n(١٠) أخرجه مسلم (١١٢٠) من حديث أبي سعيد.","vol":"2","page":196},{"text":"وعن (١) جَابِرٍ ﵁: أَن النَّبِيَّ ﷺ رأَى رَجُلًا يُظَلَّل عَلَيْهِ، وَالزِّحَامُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: \"لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ\" (٢)؛ يَعْنِي: أَن الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ وإِن كان واجبًا، ليس بِرًّا (٣)، إِذا بلغ به الإِنسان إلى (٤) ذَلِكَ الْحَدَّ، مَعَ وُجُودِ الرُّخْصَةِ. فَالرُّخْصَةُ إِذًا مَطْلُوبَةٌ فِي مِثْلِهِ، بِحَيْثُ تَصِيرُ بِهِ (٥) آكَدَ مِنْ أَداءِ الْوَاجِبِ، فَمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي أَصله أَولى.\nفَالْحَاصِلُ (٦) أَن كُلَّ (٧) مَنْ أَلزم نَفْسَهُ شَيْئًا يَشُقُّ عَلَيْهِ (٨)، فَلَمْ يأْت طَرِيقَ البِرِّ على حَدِّه.\n_________\n(١) قوله: \"وعن\" في موضعه بياض في (غ).\n(٢) أخرجه البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥).\n(٣) في (خ) و(م): \"ليس برًّا في السفر\".\n(٤) قوله: \"إلى\" ليس في (خ) و(م).\n(٥) قوله: \"به\" ليس في (غ) و(ر).\n(٦) في (غ) و(ر): \"فحصل\".\n(٧) قوله: \"كل\" ليس في (غ) و(ر)، وقوله: \"أن كل\" ملحق في (م).\n(٨) علق رشيد رضا هنا بقوله: جملة \"يشق عليه\" خبر إن، بمعنى: أن الإلزام يستتبع المشقة دائمًا، ولكن تقدم ما ينافي الكلية. وقوله: \"فلم يأت\" إلخ: عطف للماضي على المستقبل، ولعل في العبارة تحريفًا. اهـ.","vol":"2","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>فَصْلٌ</span>\nإِذا ثَبَتَ مَا تَقَدَّمَ وَرَدَ الإِشكال الثَّانِي: وَهُوَ أَن الْتِزَامَ النَّوَافِلِ الَّتِي يَشُقُّ الْتِزَامُهَا مُخَالَفَةٌ لِلدَّلِيلِ، وإِذا خَالَفَتْ فَالْمُتَعَبِّدُ بِهَا على ذلك التَّقْدِيرِ مُتَعَبِّدٌ بِمَا لَمْ يُشْرَعْ، وَهُوَ عَيْنُ الْبِدْعَةِ. فإِما أَن تَنْتَظِمَهَا أَدلة ذَمِّ الْبِدْعَةِ، أَو لَا؟ فإِن انْتَظَمَتْهَا أَدلة الذَّمِّ، فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لأَمرين:\nأَحدهما: أَن رَسُولَ اللَّهِ (ص) لَمَّا كَرِهَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو (١) مَا كره فقال (٢) لَهُ (٣): إِني أُطيق أَفضل مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ (٤) ﷺ: \"لَا أَفضل مِنْ ذَلِكَ\"، تَرَكَهُ بَعْدُ عَلَى الْتِزَامِهِ. وَلَوْلَا أَن عبد الله بن عمرو (٥) فَهِمَ مِنْهُ بَعْدَ نَهْيِهِ الإِقرار عَلَيْهِ لَمَا الْتَزَمَهُ وَدَاوَمَ (٦) عَلَيْهِ، حَتَّى قَالَ: لَيْتَنِي قَبِلْتُ رخصة رسول الله ﷺ! فَلَوْ قُلْنَا: إِنها (٧) بِدْعَةٌ - وَقَدْ ذُمَّ كُلُّ بِدْعَةٍ عَلَى الْعُمُومِ ـ، لَكَانَ مُقِرًّا لَهُ عَلَى خطإٍ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، كَمَا أَنه لَا يَنْبَغِي أَن يُعْتَقَدَ فِي الصَّحَابِيِّ أَنه خَالَفَ أَمر رسول الله ﷺ قَصْدًا لِلتَّعَبُّدِ بِمَا نَهَاهُ عَنْهُ. فَالصَّحَابَةُ ﵃ أَتقى لِلَّهِ مِنْ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ مَا ثَبَتَ عَنْ غَيْرِهِ (٨) مِنْ وِصَالِ الصِّيَامِ وأَشباهه. وإِذا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُمْكِنْ أَن يقال: إِنها بدعة.\nوالثاني (٩): أَن الْعَامِلَ بِهَا دَائِمًا بِشَرْطِ الوفاءِ إِن الْتَزَمَ الشرط فأَداها\n_________\n(١) في (م): \"عمر\". وحديث عبد الله بن عمرو هذا تقدم (ص ١٥٧ - ١٥٨).\n(٢) في (خ): \"وقال\".\n(٣) قوله: \"له\" ليس في (غ) و(ر).\n(٤) في (خ): \"فقال له\".\n(٥) قوله: \"بن عمرو\" ليس في (خ) و(م).\n(٦) في (غ) و(ر): \"ودام\".\n(٧) في (ر) و(غ): \"إنه\".\n(٨) يعني: عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ﵃، وتقدم تخريج حديثيهما (ص١٧٩ - ١٨٠).\n(٩) في (خ) و(م): \"الثاني\".","vol":"2","page":198},{"text":"عَلَى وَجْهِهَا فَقَدْ حَصَلَ مَقْصُودُ الشَّارِعِ، فَارْتَفَعَ النَّهْيُ إِذًا، فَلَا مُخَالَفَةَ لِلدَّلِيلِ، فَلَا ابْتِدَاعَ. وإِن لم يلتزم أَداءَها، فإِن كان باختياره (١) فَلَا إِشكال فِي الْمُخَالَفَةِ الْمَذْكُورَةِ؛ كالنَّاذِرِ (٢) يَتْرُكُ المنذور (٣) من غير (٤) عُذْرٍ، وَمَعَ (٥) ذَلِكَ فَلَا يُسَمَّى تَرْكُهُ بِدْعَةً، ولا عمله في وقت العمل بدعة، فلا (٦) يُسَمَّى بِالْمَجْمُوعِ (٧) مُبْتَدِعًا. وإِن كَانَ لعارضٍ (٨) - مرضٍ أَو غَيْرِهِ مِنَ الأَعذار ـ، فَلَا نُسَلِّم (٩) أَنه مُخَالِفٌ، كَمَا لَا يَكُونُ مُخَالِفًا فِي الْوَاجِبِ إِذا عَارَضَهُ فِيهِ عَارِضٌ؛ كَالصِّيَامِ لِلْمَرِيضِ، وَالْحَجِّ لِغَيْرِ الْمُسْتَطِيعِ، فَلَا ابْتِدَاعَ إِذًا.\nوأَما إِن لَمْ تَنْتَظِمْهَا (١٠) أَدلة الذَّمِّ، فَقَدْ ثَبَتَ أَن مِنْ أَقسام الْبِدَعِ مَا لَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ (١١)، بَلْ هُوَ مِمَّا يُتَعَبَّد بِهِ، وَلَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ وَلَا غَيْرِهَا مِمَّا لَهُ أَصل عَلَى الْجُمْلَةِ. وَحِينَئِذٍ يَشْمَلُ هَذَا الأَصل كُلَّ مُلْتَزَمٍ تعبُّديٍّ، كَانَ لَهُ أَصل أَم لا؟ لكن بحيث (١٢) يَكُونُ لَهُ أَصل عَلَى الْجُمْلَةِ، لَا عَلَى التَّفْصِيلِ؛ كَتَخْصِيصِ لَيْلَةِ مَوْلِدِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْقِيَامِ فِيهَا، وَيَوْمِهِ بِالصِّيَامِ، أَو بِرَكَعَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، وَقِيَامِ ليلةِ أَول جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ، وَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَالْتِزَامِ الدعاءِ جهرًا بآثار الصلوات مع انتصاب الإِمام لذلك (١٣)، وما أَشبه ذلك مما له أَصل جُمليّ (١٤)، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَنْخَرِمُ كُلُّ مَا تَقَدَّمَ تأْصيله.\nوالجواب عن الأَول - أَي (١٥) الإِقرار (١٦) ـ: صَحِيحٌ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَن يَجْتَمِعَ (١٧) مَعَ نهي (١٨) الْإِرْشَادُ لأَمر خَارِجِيٍّ؛ فإِن النَّهْيَ لَمْ يَكُنْ لأَجل\n_________\n(١) في (خ) و(م): \"باختيار\".\n(٢) في (م): \"فالناذر\"، وأشار بهامش (خ) إلى أنه كذلك في نسخة.\n(٣) في (خ) و(م): \"المندوب\".\n(٤) في (خ): \"بغير\".\n(٥) في (ر) و(غ): \"وقع\" بدل \"ومع\".\n(٦) في (خ): \"ولا\".\n(٧) في (خ): \"بالجموع\".\n(٨) في (غ) و(ر): \"العارض\".\n(٩) في (ر) و(غ): \"فلا يسلم\".\n(١٠) في (غ) و(ر): \"ينتظمها\".\n(١١) قوله: \"عنه\" ليس في (خ).\n(١٢) في (خ): \"فحيث\".\n(١٣) قوله: \"لذلك\" ليس في (خ) و(م).\n(١٤) في (خ): \"جلي\".\n(١٥) في (م): \"أن\" بدل \"أي\".\n(١٦) قوله: \"أي الإقرار\" ليس في (غ) و(ر).\n(١٧) أي: الإقرار.\n(١٨) في (خ): \"النهي\".","vol":"2","page":199},{"text":"خَلَلٍ فِي نَفْسِ الْعِبَادَةِ، وَلَا فِي رُكْنٍ مِنْ أَركانها، وإِنما كَانَ لأَجل الْخَوْفِ مِنْ أَمر متوقَّع؛ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: إِن النَّهْيَ عَنِ الْوِصَالِ إِنما كان رحمة بالأُمّة، وَقَدْ وَاصَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْ تَبِعَهُ فِي الْوِصَالِ (١) كالمنكِّل (٢) بِهِمْ (٣)، وَلَوْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ إِليهم لَمَا فعل (٤).\nفانظروا (٥) كَيْفَ اجْتَمَعَ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ كَوْنُهُ عِبَادَةً وَمَنْهِيًّا عَنْهُ، لَكِنْ بِاعْتِبَارَيْنِ. وَنَظِيرُهُ فِي الْفِقْهِيَّاتِ: مَا يَقُولُهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ فِي الْبَيْعِ بَعْدَ نداءِ الْجُمُعَةِ، فإِنه نُهِيَ عَنْهُ (٦)، لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ بَيْعًا، بَلْ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مَانِعًا مِنْ حُضُورِ الْجُمُعَةِ، فَيُجِيزُونَ الْبَيْعَ بعد الوقوع، ولا يجعلونه (٧) فَاسِدًا، وإِن وُجِدَ التَّصْرِيحُ بِالنَّهْيِ فِيهِ، لِلْعِلْمِ بأَن النَّهْيَ لَيْسَ بِرَاجِعٍ إِلى نَفْسِ الْبَيْعِ، بل إِلى أَمر يجاوره، ولذلك يعلل جماعة ممن قال (٨) بفسخ البيع بأَنه (٩) زَجْرٌ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ، لَا لأَجل النَّهْيِ عَنْهُ، فَلَيْسَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ أَيضًا، وَلَا النَّهْيُ رَاجِعٌ إِلى نَفْسِ الْبَيْعِ.\nفالأَمر بِالْعِبَادَةِ شيءٌ، وَكَوْنُ المكلَّف يُوفِي بِهَا أَوْ لَا شيءٌ آخَرُ. فَإِقْرَارُ النَّبِيِّ ﷺ عبد الله بن عمرو (١٠) ﵄ عَلَى مَا الْتَزَمَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا الْتَزَمَ (١١)، وَنَهْيُهُ إِيّاه ابْتِدَاءً لَا يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ، وإِلا لَزِمَ التَّدَافُعُ، وَهُوَ مُحَالٌ. إِلا أَن هَاهُنَا نَظَرًا (١٢) آخَرَ، وَهُوَ: أَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَارَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كَالْمُرْشِدِ للمكلَّف، وكالمتبرِّع (١٣) بِالنَّصِيحَةِ عِنْدَ\n_________\n(١) من قوله: \"إنما كان رحمة\" إلى هنا سقط من (خ).\n(٢) في (خ): \"كالتنكيل\".\n(٣) تقدم تخريجه (ص١٩٣).\n(٤) في (ر) و(غ): \"فصل\".\n(٥) في (خ): \"فانظر\".\n(٦) قوله: \"عنه\" ليس في (غ) و(م) و(ر).\n(٧) في (خ) و(م): \"ويجعلونه\".\n(٨) في (خ): \"يقول\".\n(٩) في (غ): \"فإنه\"، وأثبتها رشيد رضا في طبعته: \"لأنه\"، ثم استشكل العبارة، فعلق على قوله: \"للمتبايعين\" فقال: \"هذا نص نسختنا فليتأمل! \".اهـ، مع أن الذي في نسخة (خ) - التي اعتمدها رشيد رضا ـ: \"بأنه\" كما هنا!.\n(١٠) في (خ) و(م): \"فَإِقْرَارُ النَّبِيِّ ﷺ لِابْنِ عمر\".\n(١١) قوله: \"دليل على صحة ما التزم\" سقط من (خ).\n(١٢) في (خ): \"نظر\".\n(١٣) في (خ): \"وكالمبتدع\".","vol":"2","page":200},{"text":"وُجُودِ مَظِنَّة الِاسْتِنْصَاحِ، فَلَمَّا اتَّكل (١) المكلَّف عَلَى اجْتِهَادِهِ دُونَ نَصِيحَةِ النَّاصِحِ الأَعرف بِعَوَارِضِ النُّفُوسِ، صَارَ كَالْمُتَّبِعِ لرأْيه مَعَ وُجُودِ النَّصِّ، وإِن كَانَ (٢) بتأْويل، فإِن سُمِّيَ فِي اللَّفْظِ بِدْعَةً فَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وإِلا فَهُوَ مُتَّبِعٌ لِلدَّلِيلِ الْمَنْصُوصِ مِنْ صَاحِبِ النَّصِيحَةِ، وَهُوَ الدَّال عَلَى الِانْقِطَاعِ إِلى اللَّهِ تَعَالَى بِالْعِبَادَةِ.\nوَمِنْ هُنَا قِيلَ فِيهَا: إِنها بِدْعَةٌ إِضافية لَا حَقِيقِيَّةٌ، وَمَعْنَى كَوْنِهَا إِضافية: أَن الدَّلِيلَ فِيهَا مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلى من (٣) يَشُقُّ عَلَيْهِ الدَّوَامُ (٤) عَلَيْهَا، وَرَاجِحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلى مَنْ وفَّى (٥) بِشَرْطِهَا، وَلِذَلِكَ وفَّى (٥) بِهَا عَبْدُ الله بن عمرو (٦) ﵄ بعد ما ضَعُفَ، وإِن دَخَلَ عَلَيْهِ فِيهَا بَعْضُ الْحَرَجِ، حَتَّى تَمَنّى قَبُولَ الرُّخْصَةِ، بِخِلَافِ الْبِدْعَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، فإِن الدَّلِيلَ عَلَيْهَا مَفْقُودٌ حَقِيقَةً، فَضْلًا عَنْ أَن يَكُونَ مَرْجُوحًا. فَهَذِهِ المسأَلة تُشْبِهُ مسأَلة خطإِ الْمُجْتَهِدِ، فَالْقَوْلُ فِيهِمَا (٧) مُتَقَارِبٌ، وسيأْتي الْكَلَامُ فيها إِن شاءَ اللَّهُ تَعَالَى.\nوأَما قَوْلُ السَّائِلِ فِي الْإِشْكَالِ: إِنِ الْتَزَمَ الشَّرْطَ فأَدَّى الْعِبَادَةَ عَلَى وَجْهِهَا ...، إِلى آخِرِهِ، فَصَحِيحٌ، إِلا (٨) قَوْلَهُ (٩): \"إِن (١٠) تَرَكَهَا لِعَارِضٍ فَلَا حَرَجَ كَالْمَرِيضِ\"، فإِن مَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ ثمَّ قِسْمٌ آخَرُ، وَهُوَ: أَن يَتْرُكَهَا بسببٍ تسبَّبَ هُوَ فيه، وإِن ظهر أَنه ليس من سببه. فإِن تارك الْجِهَادِ - مَثَلًا - بِاخْتِيَارِهِ مُخَالَفَةٌ ظَاهِرَةٌ، وتَرْكَه لِمَرَضٍ ونَحْوِهِ (١١) لَا مُخَالَفَةَ فِيهِ. فإِن عَمِلَ فِي سبب يُلْحِقُهُ عادة بالمرضى، حَتَّى لَا يَقْدِرَ عَلَى الْجِهَادِ، فَهَذِهِ وَاسِطَةٌ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ؛ فَمِنْ حَيْثُ تَسَبُّبُهُ فِي الْمَانِعِ لا يكون\n_________\n(١) في (خ): \"تكلف\".\n(٢) في (غ) و(ر): \"كانت\".\n(٣) في (خ): \"بالنسبة لمن\".\n(٤) في (غ): \"الدليل\".\n(٥) في (ر) و(غ): \"أوفى\"، وكانت هكذا في (م) ثم صوّبت.\n(٦) في (خ) و(م): \"عمر\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"فيها\".\n(٨) في (ر) و(غ): \"إلى\" بدل\" \"إلا\".\n(٩) يعني في الإشكال المتقدم (ص١٩٨).\n(١٠) في (خ): \"فإن\".\n(١١) في (خ): \"أو نحوه\".","vol":"2","page":201},{"text":"مَحْمُودًا عَلَيْهِ، وَهُوَ نَظِيرُ الْإِيغَالِ فِي الْعَمَلِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ فِي كَرَاهِيَةِ الْعَمَلِ، أَو في (١) التقصير عن (٢) الْوَاجِبِ، وَهَذَا الْمُكَلَّفُ قَدْ خَالَفَ النَّهْيَ. وَمِنْ حيث وقع له الحرج المانع في العادة (٣) من أَداء العبادة (٤) عَلَى وَجْهِهَا قَدْ يَكُونُ مَعْذُورًا. فَصَارَ هُنَا نَظَرٌ بَيْنَ نَظَرَيْنِ لَا يتخلَّص مَعَهُ الْعَمَلُ إِلى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.\nوأَما قَوْلُهُ: ثَبَتَ أَن مِنْ أَقسام الْبِدَعِ مَا لَيْسَ بِمَنْهِيٍّ (٥) عَنْهُ، فليس كما قال؛ وذلك أَن المندوب مِنْ حَيْثُ هُوَ مَنْدُوبٌ يُشْبِهُ الْوَاجِبَ مِنْ جِهَةِ مُطْلَقِ الأَمر، وَيُشْبِهُ الْمُبَاحَ مِنْ جِهَةِ رفع الحرج عن (٦) التارك، فهو واسطة بين الطرفين لا يتخلَّص (٧) إِلى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، إِلا أَن قَوَاعِدَ الشَّرْعِ شَرَطَتْ فِي نَاحِيَةِ الْعَمَلِ شَرْطًا، كَمَا شَرَطَتْ فِي نَاحِيَةِ تَرْكِهِ شَرْطًا، فَشَرْطُ الْعَمَلِ بِهِ أَن لَا يَدْخُلَ فِيهِ مُدْخَلًا يُؤَدِّيهِ إِلى الْحَرَجِ المؤَدّي إِلى انْخِرَامِ النَّدْبِ فِيهِ رأْسًا، أَو انْخِرَامِ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ، وَمَا وراءَ هَذَا مَوْكُولٌ إِلى خِيَرَةِ المكلَّف، فإِذا دَخَلَ فِيهِ فَلَا يَخْلُو أَن يَدْخُلَ فِيهِ عَلَى قَصْدِ انْخِرَامِ الشَّرْطِ أَوْ لَا، فإِن كَانَ كَذَلِكَ، فَهُوَ الْقِسْمُ الَّذِي يأْتي إِن شاءَ الله، وحاصله أَن الشارع طلبه (٨) بِرَفْعِ الْحَرَجِ، وَهُوَ يُطَالِبُ نَفْسَهُ بِوَضْعِهِ، وإِدخاله عَلَى نَفْسِهِ، وَتَكْلِيفِهَا مَا لَا يُسْتَطَاعُ، مَعَ زِيَادَةِ الإِخلال بِكَثِيرٍ مِنَ الْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ الَّتِي هِيَ أَولى مِمَّا دَخَلَ فِيهِ، وَمَعْلُومٌ أَن هَذِهِ (٩) بِدْعَةٌ مَذْمُومَةٌ.\nوإِن دَخَلَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْقَصْدِ، فَلَا يَخْلُو أَن يَجْرِيَ الْمَنْدُوبُ عَلَى مَجْرَاهُ أَوْ لَا، فإِن أَجراه كَذَلِكَ بأَن يَفْعَلَ مِنْهُ (١٠) مَا اسْتَطَاعَ إِذا وَجَدَ نَشَاطًا، وَلَمْ يُعَارِضْهُ مَا هُوَ أَولى مِمَّا دخل فيه (١١)، فهذا هو (١٢) محض\n_________\n(١) قوله: \"في\" ليس في (خ).\n(٢) في (خ): \"على\" بدل \"عن\".\n(٣) في (خ) و(م): \"العبادة\".\n(٤) في (خ): \"من أدائها\".\n(٥) في (غ): \"منهي\".\n(٦) في (خ): \"على\" بدل \"عن\".\n(٧) في (خ): \"لا يتخلى\".\n(٨) علق رشيد رضا هنا بقوله: كذا! ولعله: \"طالبه\".اهـ.\n(٩) في (ر) و(غ): \"هذا\".\n(١٠) في (م): \"منهما\".\n(١١) قوله: \"مما دخل فيه\" من (خ) فقط.\n(١٢) في (خ) و(م): \"فهو\" بدل \"فهذا هو\".","vol":"2","page":202},{"text":"السُّنَّةِ الَّتِي لَا مَقَالَ فِيهَا؛ لِاجْتِمَاعِ الأَدلة عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ الْعَمَلِ، إِذ قَدْ أُمر، فَهُوَ غَيْرُ تَارِكٍ، وَنُهِيَ عَنِ الْإِيغَالِ وإِدخال الْحَرَجِ، فَهُوَ مُتَحَرِّز، فَلَا إِشكال فِي صِحَّتِهِ، وهو كان (١) شأْنَ القرن (٢) الأَول وما بعده (٣)، وإِن لَمْ يُجْرِهِ عَلَى مَجْراه، وَلَكِنَّهُ أَدخل فِيهِ رأْي الِالْتِزَامِ وَالدَّوَامِ، فَذَلِكَ الرأْي مَكْرُوهٌ ابْتِدَاءً.\nلَكِنْ فُهِمَ مِنَ الشَّرْعِ أَن الوفاءَ - إِن حَصَلَ - فَهُوَ - إِن شاءَ اللَّهُ - كَفَّارَةُ النَّهْيِ، فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْقِسْمِ معنى البدعة؛ لأَن الله تعالى مَدَحَ الْمُوفِينَ بِالنَّذْرِ (٤) وَالْمُوفِينَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عَاهَدُوا (٥)، وإِن لَمْ يَحْصُلِ الوفاءُ تَمَحَّضَ وَجْهُ النَّهْيِ، وربما أَثِمَ في الالتزام النَّذْرِيّ (٦)، ولأَجل احْتِمَالِ عَدَمِ الْوَفَاءِ أَطلق عَلَيْهِ لَفْظُ الْبِدْعَةِ، لَا لأَجل أَنه عَمَلٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، بَلِ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَائِمٌ.\nوَلِذَلِكَ إِذا الْتَزَمَ الإِنسان بَعْضَ الْمَنْدُوبَاتِ الَّتِي يَعْلَمُ أَو يَظُنُّ أَن الدَّوَامَ فِيهَا لَا يُوقِعُ فِي حَرَجٍ أَصلًا - وَهُوَ (٧) الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنَ الأَوجه الثَّلَاثَةِ المنبَّه عَلَيْهَا - لَمْ يَقَعْ فِي نهي، بل في محض المندوب (٨)؛ كَالنَّوَافِلِ الرَّوَاتِبِ مَعَ الصَّلَوَاتِ، وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ في آثارها، وذكر اللسان (٩) المُلْتَزَمِ بالعَشِيّ والإِبكار، وَمَا أَشبه ذَلِكَ مِمَّا لَا يُخِلُّ بِمَا هُوَ أَولى، وَلَا يُدْخِلُ حَرَجًا بِنَفْسِ الْعَمَلِ بِهِ وَلَا بِالدَّوَامِ عَلَيْهِ.\n_________\n(١) في (غ): \"كون\".\n(٢) قوله: \"القرن\" سقط من (م)، وفي (خ): \"السلف\" بدل \"القرن\".\n(٣) في (خ): \"ومن بعدهم\".\n(٤) في قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا *﴾ سورة الدهر: الآية (٧).\n(٥) في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ...﴾ إلى أن قال: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ سورة البقرة: الآية (١٧٧).\n(٦) في (خ): \"غير النذري\".\n(٧) في (ر): \"وهذا\"، والظاهر أنها هكذا أيضًا في (غ)، إلا أنها لم تتضح في مصورتها.\n(٨) في (خ): \"المندوبات\".\n(٩) في (خ): \"والذكر اللساني\".","vol":"2","page":203},{"text":"وَفِي هَذَا الْقِسْمِ جاءَ التَّحْرِيضُ عَلَى الدَّوَامِ صَرِيحًا، وَمِنْهُ كَانَ جَمْعُ عُمَرَ ﵁ النَّاسَ فِي رَمَضَانَ فِي الْمَسْجِدِ (١)، وَمَضَى عَلَيْهِ النَّاسُ؛ لأَنه كَانَ أَولًا سُنَّةً ثَابِتَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٢)، ثُمَّ إِنه أَقام لِلنَّاسِ بِمَا كَانُوا قَادِرِينَ عَلَيْهِ وَمُحِبِّينَ فِيهِ، وَفِي شَهْرٍ وَاحِدٍ مِنَ السَّنَةِ لَا دَائِمًا، وَمَوْكُولًا إِلى اخْتِيَارِهِمْ؛ لأَنه قَالَ: وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفضل.\nوَقَدْ فَهِمَ السَّلَفُ الصَّالِحُ أَن الْقِيَامَ فِي الْبُيُوتِ أَفضل، فَكَانَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ (٣) يَنْصَرِفُونَ فَيَقُومُونَ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ: \"نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ! \"، فأَطلق عَلَيْهَا لَفْظَ الْبِدْعَةِ - كَمَا تَرَى - نَظَرًا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِلى اعْتِبَارِ الدَّوَامِ، وإِن كَانَ شهرًا في السنة، أَو أَنه (٤) لَمْ يَقَعْ فِيمَنْ قَبْلَهُ عَمَلًا دَائِمًا، أَو أَنه أَظهره فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ مُخَالِفًا لِسَائِرِ النَّوَافِلِ، وإِن كَانَ ذَلِكَ فِي أَصله وَاقِعًا (٥) كَذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ الْقِيَامِ عَلَى الْخُصُوصِ وَاضِحًا قَالَ: \"نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ! \"، فَحَسَّنَهَا بِصِيغَةِ \"نِعْم\" الَّتِي تَقْتَضِي مِنَ الْمَدْحِ مَا تَقْتَضِيهِ (٦) صِيغَةُ التَّعَجُّبِ؛ لَوْ قَالَ: مَا أَحسنها مِنْ بِدْعَةٍ! وَذَلِكَ يُخْرِجُهَا قَطْعًا عَنْ كَوْنِهَا بِدْعَةً.\nوَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى جَرَى كَلَامُ أَبي أُمامة ﵁ (٧) مستشهدًا\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٠١٠) من حديث عبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ قال: خرجت مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط. فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئٍ واحد لكان أمثل، ثم عزم، فجمعهم على أُبَيّ بن كعب. ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلّون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد: آخر الليل، وكان الناس يقومون أوّله. اهـ.\n(٢) يشير إلى حديث عائشة الذي أخرجه البخاري (٧٢٩)، ومسلم (٧٦١) في قيامه ﷺ في رمضان، وقيام أناس معه لما رأوه، فصنع ذلك ليلتين أو ثلاثًا، ثم لم يخرج لهم بعد ذلك، وقال: \"إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل\".\n(٣) في (ر) و(غ): \"منهم كثير\".\n(٤) في (خ): \"وأنه\".\n(٥) في (خ): \"واقعًا في أصله\".\n(٦) في (ر) و(غ): \"يقتضيه\".\n(٧) الذي تقدم تخريجه (ص١٤٩).","vol":"2","page":204},{"text":"بِالْآيَةِ حَيْثُ قَالَ: أَحدثتم قِيَامَ رَمَضَانَ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ، إِنما مَعْنَاهُ مَا ذَكَرْنَاهُ، ولأَجله قَالَ: فَدُومُوا عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ بِدْعَةً عَلَى الْحَقِيقَةِ لنَهى عَنْهُ، وَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ أَجْرَيْنَا الكلام على ما نهى ﷺ عَنْهُ مِنَ التعبُّد المخوِّفِ الحَرَجَ فِي الْمَآلِ؛ وَاسْتَسْهَلْنَا وَضْعَ ذَلِكَ فِي قِسْمِ الْبِدَعِ الْإِضَافِيَّةِ؛ تَنْبِيهًا عَلَى وَجْهِهَا وَوَضْعِهَا فِي الشَّرْعِ مَوَاضِعَهَا، حَتَّى لَا يغترَّ بِهَا مُغْتَرٌّ فيأْخذها عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا، وَيَحْتَجَّ بِهَا عَلَى الْعَمَلِ بِالْبِدْعَةِ الْحَقِيقِيَّةِ قِيَاسًا عَلَيْهَا، وَلَا يَدْرِي مَا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. وإِنما تجشَّمنا إِطلاق اللَّفْظِ هُنَا؛ وكان ينبغي أَن لا نفعل (١) لولا الضرورة؛ وبالله التوفيق.\n_________\n(١) في (خ) و(م): \"لا يفعل\".","vol":"2","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>فصل</span>\nقال الله تبارك (١) وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ *وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلاَلًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ *﴾ (٢). رُوِيَ (٣) فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَخبار (٤) جُمْلَتُهَا تَدُورُ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ تَحْرِيمُ مَا أَحل اللَّهُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ تديُّنًا، أَو شبه التديُّن، وأَن (٥) الله (٦) نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَجَعَلَهُ اعْتِدَاءً، وَاللَّهُ لَا يحب المعتدين. ثم قرّر الإباحة تقريرًا زائدًا عَلَى مَا تَقَرَّرَ بِقَوْلِهِ (٧): ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلاَلًا طَيِّبًا﴾، ثُمَّ أَمرهم بِالتَّقْوَى، وَذَلِكَ مُشْعِرٌ بأَن تَحْرِيمَ مَا أَحل اللَّهُ خَارِجٌ عَنْ دَرَجَةِ التَّقْوَى.\nفخرَّج إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي مِنْ حَدِيثِ أَبي قِلَابَةَ ﵁ قَالَ: أَراد نَاسٌ مِنْ أَصحاب رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَن يَرْفُضُوا الدُّنْيَا، ويتركوا (٨) النساءَ، ويترهَّبوا (٩)، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فغلَّظ فِيهِمُ الْمَقَالَةَ، فَقَالَ: \"إِنما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالتَّشْدِيدِ؛ شدَّدوا عَلَى أَنفسهم، فشدَّد اللَّهُ عَلَيْهِمْ (١٠)، فأُولئك بَقَايَاهُمْ فِي الدِّيَارِ وَالصَّوَامِعِ، اعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وحُجّوا، واعتمروا، واستقيموا يُسْتَقَمْ (١١) بكم\" (١٢). قال: ونزلت فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ\n_________\n(١) قوله: \"تبارك\" من (ر) فقط.\n(٢) سورة المائدة: الآيتان (٨٧، ٨٨).\n(٣) قوله: \"روي\" في موضعه بياض في (غ).\n(٤) سيذكرها المصنف فيما يلي.\n(٥) قوله: \"وأن\" ليس في (خ) و(م).\n(٦) في (خ) و(م): \"والله\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"لقوله\".\n(٨) في (خ) و(م): \"وتركوا\".\n(٩) في (خ) و(م): \"وترهبوا\".\n(١٠) في (ر) و(غ): \"فشدد عليهم\".\n(١١) في (خ) و(م): \"يستقيم\".\n(١٢) قوله: \"بكم\" سقط من (غ) و(ر).","vol":"2","page":206},{"text":"آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (١).\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ١٩٢)، والمروزي في \"زياداته على الزهد\" (ص٣٦٥ رقم ١٠٣١)، وابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٤/ ١٨ رقم ٣٢٢٤)، و(١٠/ ٥١٥ رقم ١٢٣٤١)، ثلاثتهم من طريق أيوب بن أبي تميمة السختياني، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، به، مرسلًا.\nوسنده ضعيف لإرساله، وضعفه الطبري فقال عقب روايته له ولغيره من الأحاديث: \"فإن هذه أخبار لا يثبت بمثلها في الدين حجة؛ لِوَهْي أسانيدها\".\nوأخرج الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٧/ ٢١٦ رقم ٦٨٩٧) من طريق عمران القطان، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة؛ قال: قال رسول الله (ص): \"أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وحجوا واعتمروا، واستقيموا يُستقم بكم\".\nوقد جوّد إسناده المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (١/ ٥٨٤ رقم ١١٠٥)، وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢٠٢): \"رواه الطبراني في الكبير والأوسط والصغير، وفي إسناده عمران القطان، وقد استشهد به البخاري، ووثقه أحمد وابن حبان، وضعفه آخرون\".\nومع ما في عمران القطان من جرح، فإن الحديث من رواية الحسن البصري عن سمرة، وهو لم يسمع منه إلا أحاديث معروفة، وليس هذا منها.\nوأخرج البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٩٧)، والطبراني في \"الكبير\" (٦/ ٧٣ رقم ٥٥٥١)، والبيهقي في \"الشعب\" (٣٨٨٤)، ثلاثتهم من طريق عبد الله بن صالح، عن أبي شريح، عن سهل بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: \"لا تشددوا على أنفسكم، فإنما هلك من كان قبلكم بتشديدهم على أنفسهم، وستجدون بقاياهم في الصوامع والديارات\".\nوفي سنده عبد الله بن صالح الجهني، أبو صالح المصري كاتب الليث، وهو صدوق، إلا أنه كثير الغلط، وهو ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة؛ كما في \"التقريب\" (٣٤٠٩).\nوأخرجه أبو داود في \"سننه\" (٤٨٦٨) من طريق سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء؛ أن سهل بن أبي أمامة حدثه: أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة؛ فقال أنس: إن رسول الله ﷺ كان يقول: \"لا تشددوا على أنفسكم فيشدَّد عليكم، فإن قومًا شددوا على أنفسهم فشدَّد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات ﴿وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا﴾.\nوفي سنده سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء الكناني، المصري، وهو مقبول كما في \"التقريب\" (٢٣٦٦)، وتقدم الحديث والكلام عنه (ص٢٧ - ٢٨). وأخشى أن يكون هذا اختلافًا بين سعيد هذا وأبي شريح على سهل بن أبي أمامة، ولولاه لكان الحديث حسنًا بمجموع هذه الطرق.=","vol":"2","page":207},{"text":"وَفِي التِّرْمِذِيِّ (١) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِن رَجُلًا أَتى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: \"يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِني إِذا أَصَبْتُ اللَّحْمَ انْتَشَرْتُ لِلنِّسَاءِ وأَخذتني شَهْوَتِي، فحرَّمت علَيّ اللَّحْمَ\"، فأَنزل اللَّهُ الْآيَةَ. حَدِيثٌ حَسَنٌ (٢).\nوَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رَهْطٍ مِنْ أَصحاب رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِنْهُمْ: أَبو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ وعبد الله بن مَسْعُودٍ (٣) وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعون والمِقْداد بْنُ الأَسود الكِنْدي وسالم مولى أَبي حذيفة ﵃؛ اجْتَمَعُوا فِي دَارِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعون الجُمَحي، فتوافقوا أَن يَجُبّوا (٤) أَنفسهم، وأَن (٥) يَعْتَزِلُوا النِّسَاءَ، وَلَا يأْكلوا لَحْمًا وَلَا دَسَمًا، وأَن يَلْبَسُوا المُسُوح (٦)، وَلَا يأْكلوا مِنَ الطَّعَامِ إِلا قُوتًا، وأَن يَسِيحُوا فِي الأَرض كَهَيْئَةِ الرُّهْبَانِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ من أَمرهم،\n_________\n=وانظر تعليقي على الحديث رقم (٧٧١) من \"سنن سعيد بن منصور\"، وانظر (ص٢٧ - ٢٨ و١٥٤) من هذا المجلد.\n(١) أخرجه الترمذي برقم (٣٠٥٤)، والطبري (١٢٣٥٠)، وابن أبي حاتم (٦٦٨٧)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢٧٧ رقم ١١٩٨١)، وابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ١٧٠)، جميعهم من طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد، عن عثمان بن سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس، به.\nقال الترمذي: \"هذا حديث حسن غريب، ورواه بعضهم من غير حديث عثمان بن سعد مرسلًا ليس فيه: عن ابن عباس. ورواه خالد الحذّاء عن عكرمة مرسلًا\".اهـ.\nوعثمان بن سعد الكاتب ضعيف كما في \"التقريب\" (٤٥٠٣)، فالحديث ضعيف لأجله.\nومع هذا فقد خالفه الثقة خالد الحذّاء، فرواه عن عكرمة مرسلًا، ليس فيه ذكر لابن عباس، وسيذكره المصنف (ص٢١١).\nوقد أخرجه ابن جرير الطبري (١٢٣٣٧ و١٢٣٣٨ و١٢٣٤٠ و١٢٣٥١)، وفصّلت الكلام عنه في تعليقي على الحديث رقم (٧٧١) من \"سنن سعيد بن منصور\".\n(٢) القائل: \"حديث حسن\" هو الترمذي كما في التعليق السابق.\n(٣) في (خ) و(م): \"وابن مسعود\".\n(٤) أي: يقطعوا مذاكيرهم كما سيأتي في آخر الرواية.\n(٥) في (خ) و(م): \"بأن\".\n(٦) الْمُسُوح: الأكسية من الشعر. انظر: \"لسان العرب\" (٢/ ٥٩٦).","vol":"2","page":208},{"text":"فأَتى عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ فِي مَنْزِلِهِ فَلَمْ يجده في منزله (١)، وَلَا إِيَّاهُمْ، فَقَالَ لِامْرَأَةِ عُثْمَانَ - أُم حَكِيمٍ ابْنَةِ أَبي أُمية بْنِ حَارِثَةَ السُّلَمِيِّ ـ: \"أَحقّ مَا بَلَغَنِي عَنْ زَوْجِكِ وأَصحابه؟ \" قَالَتْ: مَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فأَخبرها، فَكَرِهَتْ أَن لَا تحدِّث (٢) رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حين سألها (٣)، وكرهت أَن تبدي على زوجها، فقالت: يا رسول الله! (٤) إِن كان أَخبرك عثمان فقد صدقك (٥). فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"قُولِي لِزَوْجِكِ وأَصحابه إِذا رَجَعُوا: إِن رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ لَكُمْ: إِني آكُلُ وأَشرب، وَآكُلُ اللَّحْمَ والدَّسَم، وأَنام، وَآتِي النساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي\". فَلَمَّا رَجَعَ عثمان وأَصحابه أَخبرته (٦) امرأَته بِمَا أَمر بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: لَقَدْ بَلَغَ رسولَ اللَّهِ ﷺ أَمرُنا فَمَا أَعجبه، فذَرُوْا مَا كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ونزل فيهم (٧): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ - قَالَ: مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْجِمَاعِ - ﴿وَلاَ تَعْتَدُوا﴾ - قَالَ: فِي قَطْعِ الْمَذَاكِيرِ - ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾؛ قال: الحلال (٨) إلى الحرام (٩).\n_________\n(١) في (خ): \"فلم يجده فيه\".\n(٢) في (ر) و(غ): \"أن تحدث\".\n(٣) قوله: \"حين سألها\" ليس في (خ) و(م).\n(٤) قوله: \"يا رسول الله\" ليس في (خ) و(م).\n(٥) في (خ): \"صدق\".\n(٦) في (خ): \"أخبرتهم\".\n(٧) في (خ) و(م): \"فيها\".\n(٨) في (م): \"الجدال\".\n(٩) هذا الحديث أورده القرطبي في \"تفسيره\" (٢/ ١٩)، ولم يعزه لأحد.\nولم أجد أحدًا أخرج هذا الحديث بهذا السياق، وفيه ذكر أن اسم زوجة عثمان: أم حكيم ابنة أبي أمية. ولكن ذكر الحافظ ابن حجر في \"الإصابة\" (١٣/ ١٩٦) أن هذه رواية الكلبي في \"تفسيره\"، عن أبي صالح، عن ابن عباس.\nوالكلبي هذا هو محمد بن السائب، وهو متهم بالكذب، ورمي بالرفض كما في \"التقريب\" (٥٩٣٨).\nومع ذلك فهو يروي عن أبي صالح باذام، وقد روى ابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٦٩) عن سفيان الثوري؛ قال: قال لي الكلبي: قال لي أبو صالح: \"كل ما حدثتك كذب\".\nفهو كذب علي أي الحالين: إن صدق الكلبي في هذا أو كذب.","vol":"2","page":209},{"text":"وَفِي الصَّحِيحِ (١) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ مَعَنَا نِسَاءٌ، فَقُلْنَا: أَلا نَخْتَصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ؛ فَرَخَّصَ لَنَا بَعْدَ ذَلِكَ أَن نتزوج المرأَة بالثوب (٢) - يَعْنِي وَاللَّهُ أَعلم: نِكَاحَ الْمُتْعَةِ (٣) الْمَنْسُوخَ ـ، ثُمَّ قرأَ (٤) ابن مسعود: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾.\nوَذَكَرَ إِسماعيل عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَر: أَن عثمان بن مَظْعون ﵁ همَّ بِالسِّيَاحَةِ، وَهُوَ يَصُومُ (٥) النَّهَارَ، وَيَقُومُ (٦) اللَّيْلَ، وَكَانَتِ امرأَته امرأَةً عَطِرَةً، فَتَرَكَتِ الكُحْل والخِضَاب، فَقَالَتْ لَهَا امرأَة مِنْ أَزواج النَّبِيِّ ﷺ: أَمُشْهِدٌ (٧) أَنت أَم مُغِيب (٨)؟ فقالت: بل مُشْهِد (٩)، غَيْرَ أَن عُثْمَانَ لَا يُرِيدُ النساءَ. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَلَقِيَهُ رسول الله ﷺ فقال له (١٠): \"يا عثمان (١١)! أَتؤْمن بِمَا نؤْمن (١٢) بِهِ؟ \" قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: \"فَاصْنَعْ مِثْلَ مَا نَصْنَعُ\" (١٣)، ﴿لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية (١٤).\n_________\n(١) تقدم تخريجه (ص٢٨).\n(٢) زاد رشيد رضا هنا قوله: \"إلى أجل\"، وعلق عليه بقوله: سقط من نسختنا فقط \"إلى أجل\"، وهو ثابت في \"الصحيح\".اهـ.\n(٣) قوله: \"المتعة\" ثابت في نسخة (خ) التي اعتمد عليها رشيد رضا، ومع ذلك علق على هذا الموضع بقوله: سقط لفظ \"المتعة\" من نسختنا، ولا يصح المعنى بدونه. اهـ.\n(٤) في (م): \"ثم قال قرأ\".\n(٥) في (ر) و(غ): \"صوم\".\n(٦) في (ر) و(غ): \"وقيام\".\n(٧) في (خ): \"أشهيد\"، وفي (م): \"أشهد\".\n(٨) امرأة مُشهِد: إذا كان زوجها حاضرًا عندها، وامرأة مُغيب: إذا كان زوجها غائبًا عنها. انظر: \"النهاية\" لابن الأثير (٢/ ٥١٥).\n(٩) في (خ): \"شهيد\" وفي (م): \"شهد\".\n(١٠) قوله: \"فقال له\" سقط من (م)، وقوله: \"له\" ليس في (غ) و(ر).\n(١١) قوله: \"يا عثمان\" ليس في (خ) و(م).\n(١٢) في (غ): \"تؤمن\".\n(١٣) في (م): \"تصنع\".\n(١٤) كذا ذكر المصنف عن إسماعيل بن إسحاق أنه رواه من طريق يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ ...، فذكره مرسلًا.\nولم أجد رواية إسماعيل بن إسحاق هذه.\nلكن الحديث أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" (٦/ ١٠٦) من طريق مؤمّل بن=","vol":"2","page":210},{"text":"وخرَّج سعيد بن منصور (١) عن حصين (٢)، عَنْ أَبي مَالِكٍ (٣)؛ قَالَ: نَزَلَتْ فِي عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وأَصحابه؛ كَانُوا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ كَثِيرًا مِنَ الطَّعَامِ والنساءِ، وهمَّ بَعْضُهُمْ أَن يَقْطَعَ ذكره، فأَنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ﴾ الآية.\nوعن عكرمة (٤): قال: كان ناس من أصحاب رسول الله ﷺ همّوا بترك النساء واللحم والخصاء، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ ...﴾ الْآيَةَ (٥).\nوَعَنْ قَتَادَةَ: قَالَ: نَزَلَتْ فِي نَاسٍ من أصحاب رسول الله (ص) أَرادوا أَن يتخلّوا من الدُّنْيَا (٦)، وَتَرَكُوا (٧) النساءَ وترهَّبوا (٨)، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبي طالب (٩) وعثمان بن مظعون (١٠).\n_________\n=إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن إسحاق بن سويد، عن يحيى بن يعمر وأبي فاختة، عن عائشة، به.\nوسنده ضعيف لضعف مؤمل من قبل حفظه.\nوانظر الأحاديث الآتية.\n(١) في \"سننه\" (٤/ ١٥١٥ رقم ٧٧١).\nوأوضحت في تعليقي على الحديث هناك من أخرجه، وأنه ضعيف لإرساله، وذكرت له شواهد تدلّ على صحة معناه، فانظره إن شئت.\n(٢) في (خ) و(م): \"خضير\". وهو: حصين بن عبد الرحمن السُّلَمي.\n(٣) هو: غزوان الغفاري.\n(٤) في (م): \"فأنزل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ﴾ \".\n(٥) قوله تعالى: \"طيبات\" من (غ) فقط.\n(٦) صنيع المصنف هذا يوهم أن حديث عكرمة هذا أخرجه أيضًا سعيد بن منصور، وهو لم يخرجه. وتقدم تخريجه (ص٢٠٨) في الكلام على حديث ابن عباس، وهو مرسل أيضًا.\n(٧) من قوله: \"وعن عكرمة\" إلى هنا ليس في (خ) و(م).\n(٨) في (خ): \"عن الدنيا\" وفي (غ): \"من ذلك الدنيا\".\n(٩) في (غ): \"ويترك\"، وفي (ر): \"ويتركوا\".\n(١٠) في (ر) و(غ): \"ويترهبوا\".\n(١١) قوله: \"طالب\" ليس في (م).\n(١٢) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ١٩١ - ١٩٢) عن معمر، عن قتادة، به.\nومن طريق عبد الرزاق وطريق يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" (١٢٣٤٢ و١٢٣٤٤).=","vol":"2","page":211},{"text":"وخرَّج ابْنُ الْمُبَارَكِ (١) أَن عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ أَتى النَّبِيَّ ﷺ؛ فَقَالَ: ائذن لنا (٢) فِي الاختصاءِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: \"لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَصَى وَلَا اخْتَصَى (٣)، إِن خصاءَ (٤) أُمتي الصِّيَامُ\". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ائْذَنْ لنا فِي السِّيَاحَةِ، قَالَ: \"إِن سِيَاحَةَ أُمتي الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ\". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ائذن لنا فِي الترهُّب (٥)، قَالَ: \"إِن ترهُّب أُمتي الْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ (٦) لِانْتِظَارِ الصَّلَاةِ\".\nوَفِي الصَّحِيحِ (٧): ردَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التبتُّل على عثمان بن مظعون، ولو أَذِنَ له لَاخْتَصَيْنَا (٨).\nوَهَذَا كُلُّهُ وَاضِحٌ فِي أَن جَمِيعَ هَذِهِ الأَشياء تَحْرِيمٌ لِمَا هُوَ حَلَالٌ فِي الشَّرْعِ، وإِهمال لِمَا قَصَدَ الشَّارِعُ إِعماله - وإِن كَانَ يَقْصِدُ سُلُوكَ طَرِيقِ الْآخِرَةِ ـ؛ لأَنه نَوْعٌ من الرهبانية، ولا رهبانية (٩) في الإِسلام (١٠).\n_________\n=وسنده ضعيف لإرساله أيضًا.\n(١) في \"الزهد\" (٨٤٥) من طريق رِشدين بن سعد، عن ابن أنعم، عن سعد بن مسعود: أن عثمان بن مظعون ...، فذكره.\nوسنده ضعيف لإرساله، فسعد بن مسعود تابعي كما في \"المراسيل\" لابن أبي حاتم (ص٧١)، ورشدين بن سعد ضعيف كما في \"التقريب\" (١٩٥٣).\n(٢) في (خ): \"لي\".\n(٣) علق رشيد رضا هنا بقوله: الذي نعرفه من الحديث: \"أو اختصى\".اهـ.\n(٤) في (خ) و(م): \"اختصاء\".\n(٥) في (ر) و(غ): \"الترهيب\".\n(٦) قوله: \"في المساجد\" سقط من (غ) و(ر).\n(٧) أخرجه البخاري (٥٠٧٣ و٥٠٧٤)، ومسلم (١٤٠٢) من حديث سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁.\n(٨) في (خ): \"لاختصى\".\n(٩) قوله: \"ولا رهبانية\" ليس في (خ) و(م).\n(١٠) قال الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" (٩/ ١١١): \"وأما حديث: \"لا رهبانية في الإسلام\" فلم أره بهذا اللفظ، لكن في حديث سعد بن أبي وقاص عند الطبراني: \"إن الله أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة\"، وعن ابن عباس رفعه: \"لا صرورة في الإسلام\". أخرجه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم\".اهـ.\nوفي (٩/ ١١٨) ذكر أن حديث: \"إن الله أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة\" أخرجه=","vol":"2","page":212},{"text":"وإِلى مَنْعِ تَحْرِيمِ الْحَلَالِ (١) ذَهَبَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ؛ إِلا أَنه إِذا كَانَ التَّحْرِيمُ غير مَحْلوف عليه فلا كفَّارة فيه (٢)، وإِن كَانَ مَحْلُوفًا عَلَيْهِ، فَفِيهِ الْكَفَّارَةُ، وَيَعْمَلُ (٣) الْحَالِفُ بِمَا أَحل اللَّهُ لَهُ.\nوَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَ إِسماعيل الْقَاضِي عَنْ مَعْقِل بْنِ مُقَرِّن (٤): أَنه سأَل ابن مسعود ﵁ فقال: إِني حلفت على (٥) أَن لَا أَنام عَلَى فِرَاشِي سَنَةً (٦)، قَالَ (٧): فتلا عبد الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا ...﴾ الْآيَةَ (٨)، ادنُ فَكُلْ (٩)، وكَفِّر (١٠) عَنْ يَمِينِكَ، ونَمْ على فراشك.\nوفي (١١) رواية: أن معقلًا كان (١٢) يكثر الصوم والصلاة، فحلف أَن\n_________\n=الطبراني من طريق سعيد بن العاص، لا سعد بن أبي وقاص، وهذا هو الصحيح، والأول تصحيف.\nفالحديث أخرجه الطبراني (٦/ ٦٢ رقم ٥٥١٩) من طريق إبراهيم بن زكريا، ثنا أبو أمية الطائفي، حدثني جدي، عن جده سعيد بن العاص: أن عثمان بن مظعون قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ائْذَنْ لِي فِي الاختصاء، فقال له: \"يا عثمان! إن الله قد أبدلنا بالرهبانية الحنفية السمحة، والتكبير على كل شَرَف، فإن كنت منا فاصنع كما نصنع\".\nوالحديث بهذا الإسناد ضعيف جدًا؛ فيه إبراهيم بن زكريا العبدسي وهو ضعيف جدًا؛ قال أبو حاتم: حديثه منكر، وقال ابن عدي: حدث بالبواطيل، وقال: يأتي عن مالك بأحاديث موضوعة. انظر: \"لسان الميزان\" (١/ ١٤٦ - ١٤٨). وانظر ما تقدم (ص٢٧ - ٢٨)، وتخريج حديث: \"أحبّ الدين إلى الله الحنيفية السمحة\" (ص١٥١ - ١٥٢)، وانظر (ص١٠١ - ١٠٢).\n(١) أي: على النفس كما صنع عثمان بن مظعون وأصحابه، وكما في قوله تعالى في سورة التحريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، وما ذكر في سبب نزولها.\nوأما تحريم الحلال المجمع عليه كحكم شرعي، فهذا كفر، وليس من هذا الباب؛ كما سينبه عليه المصنف (ص٢١٨ فما بعد).\n(٢) قوله: \"فيه\" ليس في (خ).\n(٣) في (ر) و(غ): \"وليعمل\".\n(٤) قوله: \"ابن مقرن\" ليس في (خ)، وفي (غ) و(ر): \"مغرق\".\n(٥) قوله: \"على\" ليس في (خ) و(م).\n(٦) قوله: \"سنة\" سقط من (غ) و(ر).\n(٧) قوله: \"قال\" ليس في (خ) و(م).\n(٨) سورة المائدة: آية (٨٧).\n(٩) قوله: \"ادن فكل\" من (خ) فقط.\n(١٠) في (غ) و(ر) و(م): \"كفر\".\n(١١) في (غ): \"ففي\".\n(١٢) في (خ): \"\"كان معقل\"، وفي (م): \"كان معقلًا\".","vol":"2","page":213},{"text":"لا ينام على فراشه، فأَتى عبد الله بن مسعود (١) ﵁ فسأَله عَنْ ذَلِكَ؟ فقرأَ عَلَيْهِ الْآيَةَ (٢).\nوَعَنِ مغيرة؛ قَالَ: قُلْتُ لِإِبْرَاهِيمَ - فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ـ: أَهو الرَّجُلُ يحرِّم الشيءَ مِمَّا أَحل اللَّهُ لَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ (٣).\nوَعَنْ مَسْرُوقٍ؛ قَالَ: أُتِي عَبْدُ اللَّهِ (٤) بضَرْع (٥)، فَقَالَ لِلْقَوْمِ: ادْنُوَا، فأَخذوا يَطْعَمُونَ، فَقَالَ رَجُلٌ: إِني حَرَّمت الضَّرْع (٦). فَقَالَ عبد الله: هذا من (٧) خطوات الشيطان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ (٨) مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية (٩)، ادنُ فكُلْ، وكفِّر عَنْ يَمِينِكَ (١٠).\nوَعَلَى ذَلِكَ جَرَّتِ الفُتيا فِي الإِسلام: أَن كُلَّ مَنْ حرَّم عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا أَحل اللَّهُ لَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ بشيءٍ، فليأْكل إِن كان مأْكولًا،\n_________\n(١) في (خ) و(م): \"فأتى ابن مسعود\".\n(٢) هو حديث صحيح أخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\" (٧٧٣)، فانظر تخريجه هناك إن شئت، وانظر معه رقم (٧٧٢ و٧٧٤).\n(٣) أخرج ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (١٢٣٣٩) من طريق شيخه سفيان بن وكيع، عن جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ـ؛ قال: كانوا حرّموا الطِّيب واللحم، فأنزل الله تعالى هذا فيهم.\nوسنده ضعيف جدًا.\nفسفيان بن وكيع كان صدوقًا، إلا أنه ابتلي بورّاقه؛ فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنصح فلم يقبل، فسقط حديثه كما في \"التقريب\" (٢٤٦٩).\nومغيرة بن مقسم ثقة متقن، إلا أنه كان يدلِّس؛ ولا سيّما عن إبراهيم كما في \"التقريب\" (٦٨٩٩)، وهذا من روايته عن إبراهيم.\n(٤) أي: ابن مسعود.\n(٥) الضَّرْع: هو الخِلْفُ، مَدَرُّ اللبن لكل ذات ظِلْفٍ أو خُفّ. انظر: \"لسان العرب\" (٨/ ٢٢٢ - ٢٢٣).\n(٦) في (ر) و(غ): \"الزرع\".\n(٧) قوله: \"من\" ليس في (خ) و(م).\n(٨) إلى هنا انتهى ذكر الآية في (م).\n(٩) قوله: \"الآية\" ليس في (خ).\n(١٠) أخرجه سعيد بن منصور (٧٧٢) بسند صحيح، وقد استوفيت تخريجه هناك.","vol":"2","page":214},{"text":"وَلْيَشْرَبْ إِن كَانَ مَشْرُوبًا، وَلْيَلْبَسْ إِن كَانَ مَلْبُوسًا، وَلْيَمْلِكْ إِن كَانَ مَمْلُوكًا. وكأَنه إِجماع مِنْهُمْ مَنْقُولٌ عَنْ مَالِكٍ وأَبي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ.\nوَاخْتَلَفُوا فِي الزَّوْجَةِ. وَمَذْهَبُ مَالِكٍ: أَن التحريم طلاق كطلاق الثَّلَاثِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ (١) بَاطِلٌ (٢)؛ لأَن الْقُرْآنَ شَهِدَ بِكَوْنِهِ اعْتِدَاءً، حَتَّى إِنه إِن حرم على نفسه وَطْءَ أَمته غير قاصد (٣) بِهِ الْعِتْقَ، فَوَطْؤُهَا حَلَالٌ. وَكَذَلِكَ سَائِرُ الأَشياء: من اللباس والمسكن (٤) والكلام (٥) وَالصَّمْتِ وَالِاسْتِظْلَالِ والاسْتِضْحَاءِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ (٦) الْحَدِيثُ فِي النَّاذِرِ لِلصَّوْمِ قَائِمًا فِي الشَّمْسِ سَاكِتًا، فإِنه تَحْرِيمٌ لِلْجُلُوسِ، وَالِاسْتِظْلَالِ، وَالْكَلَامِ (٧)، وَالنَّبِيُّ ﷺ أَمره بِالْجُلُوسِ وَالتَّكَلُّمِ وَالِاسْتِظْلَالِ. قَالَ مَالِكٌ (٨): أَمَرَهُ أَنْ يُتِمَّ مَا كَانَ لِلَّهِ (٩) فيه طاعة، ويترك ما كان عليه فيه مَعْصِيَةٌ.\nفتأَملوا كَيْفَ جَعَلَ مَالِكٌ تَرْكَ الْحَلَالِ مَعْصِيَةً! وَهُوَ مُقْتَضَى الْآيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَعْتَدُوا﴾ الْآيَةَ، وَمُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ (١٠) ﵁ لِصَاحِبِ الضَّرْع: هَذَا مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ.\nوَقَدْ ضعَّف ابْنُ رُشْدٍ الحَفِيدُ (١١) الِاسْتِدْلَالَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِالْحَدِيثِ، وَتَفْسِيرَ مَالِكٍ لَهُ، وَذَكَرَ أَن قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ: \"وَيَتْرُكْ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِيهِ مَعْصِيَةٌ\" لَيْسَ بِالظَّاهِرِ أَن تَرْكَ الْكَلَامِ مَعْصِيَةٌ، وَقَدْ أَخبر اللَّهُ تَعَالَى أَنه نَذْر مَرْيَمَ (١٢). قَالَ: وَكَذَلِكَ يُشْبِهُ أَن يَكُونَ الْقِيَامُ [في الشمس] (١٣) ليس\n_________\n(١) قوله: \"فهو\" ليس في (غ) و(ر).\n(٢) في (ر) و(غ): \"فباطل\".\n(٣) في (خ): \"وطء أمة غيره قاصدًا\" وفي (م): \"وطء أمة غيره قاصد\".\n(٤) قوله: \"والمسكن\" ليس في (غ).\n(٥) قوله: \"والكلام\" ليس في (خ).\n(٦) تقدم تخريجه (ص١٧٦).\n(٧) في (خ): \"والكلام والاستظلال\".\n(٨) في \"الموطأ\" (٢/ ٤٧٦) بنحو ما هنا.\n(٩) في (خ) و(م): \"أمره ليتم ما كان له\".\n(١٠) المتقدم في الصفحة السابقة.\n(١١) في \"بداية المجتهد\" (١/ ٣١٠).\n(١٢) في قوله تعالى في سورة مريم (٢٦): ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾.\n(١٣) في جميع النسخ: \"للشمس\"، والمثبت من \"بداية المجتهد\".","vol":"2","page":215},{"text":"بمعصية (١)، إِلا ما يتعلق بذلك (٢) مِنْ جِهَةِ تَعَبِ الْجِسْمِ وَالنَّفْسِ، وَقَدْ يُسْتَحَبُّ لِلْحَاجِّ أَن لَا يَسْتَظِلَّ (٣). فإِن قِيلَ: فِيهِ معصية، فبالقياس عَلَى مَا نُهي عَنْهُ مِنَ التَّعَبِ، لَا بِالنَّصِّ، والأَصل فِيهِ أَنه مِنَ الْمُبَاحَاتِ.\nوَمَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَلَمْ يَقُلْ مَالِكٌ فِي الْحَدِيثِ مَا قَالَ اسْتِنْبَاطًا مِنْهُ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنه اسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ المتكلَّم فِيهَا، وَحَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَيْهَا، فَتَرْكُ الْكَلَامِ - وإِن كَانَ في الشرائع الأُوَل مَشْرُوعًا ـ، فَهُوَ مَنْسُوخٌ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ، فَهُوَ عَمَلٌ فِي مَشْرُوعٍ بِغَيْرِ مَشْرُوعٍ. وَكَذَلِكَ الْقِيَامُ فِي الشمس زيادة في العبادة (٤) مِنْ بَابِ تَحْرِيمِ الْحَلَالِ، وإِن استُحبّ فِي موضعٍ، فلا يلزم استحبابه في آخر.\n_________\n(١) في (خ) و(م): \"معصية\"، والمثبت من (غ) و(ر)، وهو موافق لما في \"بداية المجتهد\".\n(٢) قوله: \"بذلك\" ليس في (خ).\n(٣) هذا الاستحباب يحتاج إلى دليل يدل عليه، ولا أعلم في ذلك دليلًا.\n(٤) قوله: \"في العبادة\" ليس في (خ) و(م).","vol":"2","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>فَصْلٌ</span>\nوَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ مَسَائِلُ\nإِحْدَاهَا (١): أَن تحريم الحلال وما أَشبه ذلك يُتَصَوَّر على (٢) أَوجه:\nالأَول: التَّحْرِيمُ الْحَقِيقِيُّ، وَهُوَ الْوَاقِعُ مِنَ الْكُفَّارِ، كالبَحِيْرَةِ، والسَّائِبَةِ، والوَصِيْلَةِ، والحَامِي، وَجَمِيعِ مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى تحريمَه عَنِ الْكَفَّارِ بالرأْي المَحْض. ومنه قول الله ﵎ (٣): ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ (٤)، وَمَا أَشبهه مِنَ التَّحْرِيمِ الْوَاقِعِ فِي الإِسلام رأْيًا مجرَّدًا.\nوالثاني (٥): أَن يَكُونَ مجرَّدَ تركٍ لَا لِغَرَضٍ؛ بَلْ لأَن النفس تكرهه بطبعها، أَو لا تتذكَّره (٦) حَتَّى تَسْتَعْمِلَهُ، أَو لَا تَجِدُ ثَمَنَهُ، أَو تشتغل بما هو آكد منه (٧)، أَو ما (٨) أَشبه ذَلِكَ. وَمِنْهُ تَرْكُ النَّبِيِّ ﷺ لأَكل الضَّبّ لِقَوْلِهِ فِيهِ: \"إِنه لَمْ يَكُنْ بأَرض قَوْمِي، فأَجدني أَعافه\" (٩)، وَلَا يُسَمّى مِثْلُ هَذَا تَحْرِيمًا؛ لأَن التَّحْرِيمَ يَسْتَلْزِمُ القصد إِليه، وهذا ليس كذلك.\nوالثالث (١٠): أَن يَمْتَنِعَ لنَذْرهِ التحريمَ، أَو مَا يَجْرِي مجرى النذر من\n_________\n(١) في (خ): \"أحدهما\"، وفي (م): \"أحدها\".\n(٢) في (خ): \"في\" بدل \"على\".\n(٣) في (خ): \"ومنه قوله تعالى\"، وفي (م): \"ومنه قول الله تعالى\".\n(٤) سورة النحل: الآية (١١٦).\n(٥) في (خ) و(م): \"الثاني\".\n(٦) في (خ): \"تكرهه\".\n(٧) قوله: \"منه\" ليس في (خ) و(م).\n(٨) في (خ): \"وما\".\n(٩) أخرجه البخاري (٥٣٩١ و٥٥٣٧)، ومسلم (١٩٤٥ و١٩٤٦).\n(١٠) في (خ) و(م): \"الثالث\".","vol":"2","page":217},{"text":"الْعَزِيمَةِ الْقَاطِعَةِ لِلْعُذْرِ، كَتَحْرِيمِ النَّوْمِ عَلَى الْفِرَاشِ سَنَةً، وَتَحْرِيمِ الضَّرْع، وَتَحْرِيمِ الِادِّخَارِ لغدٍ، وَتَحْرِيمِ الليِّن من الطعام واللباس، وتحريم الوَطْءِ أو (١) الاسْتِلْذاذ بالنساءِ في الجملة، وما أَشبه ذلك.\nوالرابع (٢): أَن يَحْلِفَ عَلَى بَعْضِ الْحَلَالِ أَن لَا يَفْعَلَهُ؛ وَمِثْلُهُ قَدْ يُسَمَّى تَحْرِيمًا. قَالَ إِسماعيل الْقَاضِي: إِذا قَالَ الرَّجُلُ لأَمته (٣): وَاللَّهِ لَا أَقربك (٤)! فَقَدْ حَرَّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ بِالْيَمِينِ، فإِذا غَشِيَهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ. وأَتى بِمَسْأَلَةِ ابْنِ مُقَرِّن فِي سُؤَالِهِ ابنَ مَسْعُودٍ ﵁ إِذ قَالَ: إِني حَلَفْتُ أَن لَا أَنام عَلَى فِرَاشِي سَنَةً. قَالَ: فَتَلَا عبد الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٥) الْآيَةَ، وَقَالَ لَهُ (٦): كَفِّر عَنْ يَمِينِكَ، وَنَمْ عَلَى فِرَاشِكَ (٧).\nفأَمره أَن لَا يحرِّم مَا أَحلّ اللَّهُ لَهُ (٨)، وأَن يكفِّر مِنْ أَجل الْيَمِينِ.\nفَهَذَا الإِطلاق يَقْتَضِي أَنه نَوْعٌ مِنَ التَّحْرِيمِ، وَلَهُ وَجْهٌ ظَاهِرٌ؛ فَقَدْ أَشار إِسْمَاعِيلُ (٩) إِلى أَن الرَّجُلَ كَانَ إِذا حَلَفَ أَن لَا يَفْعَلَ شَيْئًا مِنَ الْحَلَالِ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ، حَتَّى نَزَلَتْ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ، فلأجل (١٠) ما كان قَبْلُ من التحريم - وإن (١١) وردت الكفارة - يُسَمَّى (١٢) تَحْرِيمًا، وَمِنْ ثَمَّ - وَاللَّهُ أَعلم - سُمِّيت كَفّارة.\nالمسأَلة (١٣) الثَّانِيَةُ (١٤): أَن الْآيَةَ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا يَنْظُرُ فِيهَا عَلَى أَي مَعْنًى يُطلق التَّحْرِيمُ مِنْ تلك المعاني (١٥).\n_________\n(١) في (خ): \"و\".\n(٢) في (خ) و(م): \"الرابع\".\n(٣) من هنا سقط من نسخة (غ) ورقة واحدة.\n(٤) في (خ): \"أقربها\".\n(٥) إلى هنا انتهى ذكر الآية في (م) و(ر).\n(٦) سورة المائدة: الآية (٨٧).\n(٧) قوله: \"وقال له\" سقط من (م) و(ر).\n(٨) تقدم تخريجه (ص ٢١٣ - ٢١٤).\n(٩) قوله: \"له\" سقط من (م).\n(١٠) في (خ): \"إليه إسماعيل\"، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: لعل \"إليه\" زائدة، إلا أن يكون في الكلام حذف بعد كلمة \"إسماعيل\".اهـ.\n(١١) في (خ): \"لأجل\".\n(١٢) في (خ): \"ولما\".\n(١٣) في (خ): \"سمي\".\n(١٤) قوله: \"المسألة\" من (خ) فقط.\n(١٥) في (ر) و(م): \"والثانية\".\n(١٦) قوله: \"من تلك المعاني\" سقط من (خ).","vol":"2","page":218},{"text":"أَما الأَوّل: فلا مدخل له ها هنا؛ لأَن التَّحْرِيمَ تَشْرِيعٌ كَالتَّحْلِيلِ، وَالتَّشْرِيعُ لَيْسَ إِلا لِصَاحِبِ الشَّرْعِ، اللَّهُمَّ إِلا أَن يُدْخِلَ مبتدعٌ رأْيًا كَانَ مِنْ أَهل الْجَاهِلِيَّةِ، أَو مِنْ أَهل الإِسلام؛ فَهَذَا أَمر آخَرُ يُجَلُّ السلفُ الصَّالِحُ عَنْ مِثْلِهِ؛ فَضْلًا عَنْ أَصحاب رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْخُصُوصِ.\nوَقَدْ وَقَعَ للمُهَلَّب (١) فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ مَا قَدْ يُشعر بأَن الْمُرَادَ فِي الْآيَةِ التَّحْرِيمُ بِالْمَعْنَى الأَول، فَقَالَ: التَّحْرِيمُ إِنما هُوَ لِلَّهِ ولرسوله ﷺ، فَلَا (٢) يحلُّ لأَحد أَن يحرِّم شَيْئًا، وَقَدْ وَبَّخَ اللَّهُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: ﴿لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا﴾ (٣)، فَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ الاعتداءِ. وَقَالَ: ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَا (٤) تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ (٥). قَالَ: فَهَذَا كلُّه حُجَّة فِي أَن تَحْرِيمَ النَّاسِ لَيْسَ بشيءٍ.\nوَمَا قَالَهُ المُهَلَّب يردُّه السبب في نزول الآية، وليس فيه ما يُشْعِرُ بهذا المعنى، وإنما نصّت الأسباب على التحريم بالمعنى الثالث (٦) كَمَا تَقَرَّرَ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُعَدِّ المُحرِّمُ الحكمَ لِغَيْرِهِ كَمَا هُوَ شأْن التَّحْرِيمِ بِالْمَعْنَى الأَول، فَصَارَ مَقْصُورًا عَلَى المحرِّمِ دُونَ غَيْرِهِ.\nوأَما التَّحْرِيمُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي: فَلَا حَرَجَ فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ؛ لأَن بَوَاعِثَ النُّفُوسِ عَلَى الشَّيْءِ أَو صوارفها (٧) عنه لا تنضبط لقانون (٨) معلوم، فقد يمتنع الإِنسان من الحلال لأَلَمٍ (٩) يَجِدُهُ فِي اسْتِعْمَالِهِ، كَكَثِيرٍ مِمَّنْ يَمْتَنِعُ مِنْ شُرْبِ الْعَسَلِ لوَجَعٍ يَعْتريه بِهِ، حَتَّى يحرِّمه على نفسه، لا بمعنى التحريم\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" لابن حجر (٩/ ٣٧٢).\n(٢) في (ر): \"قال لا\" بدل \"فلا\".\n(٣) سورة المائدة: الآية (٨٧).\n(٤) سورة النحل: الآية (١١٦).\n(٥) في (خ): \"لم\".\n(٦) من قوله: \"فيه ما يشعر بهذا\" إلى هنا سقط من (خ) و(م).\n(٧) في (خ): \"أو صارفها\"، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: لعل في الأصل: \"أو صوارفها\"؛ ليناسب جميع البواعث. اهـ.\n(٨) في (خ): \"بقانون\".\n(٩) في (خ): \"لأمر\" بدل \"لألم\".","vol":"2","page":219},{"text":"الأَول، وَلَا الثَّالِثِ، بَلْ بِمَعْنَى التوقِّي مِنْهُ كما يتوقَّى (١) سائر المُؤْلِمات.\nويدخل ها هنا بِالْمَعْنَى امْتِنَاعُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَكل الثُّومِ؛ لأَنه كَانَ يُنَاجِي الْمَلَائِكَةَ (٢)، وهي تتأَذَّى من رائحته (٣)، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا تُكْرَهُ (٤) رَائِحَتُهُ.\nوَلَعَلَّ هَذَا الْمَحْمَلَ (٥) أَولى مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِن الثُّومَ وَنَحْوَهُ (٦) كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ (٧) بِالْمَعْنَى المُخْتَصّ بِالشَّارِعِ، وَالْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ دَاخِلٍ فِي مَعْنَى الآية (٨).\nوأَما التحريم بالمعنى الرَّابِعِ فَيُحْتَمَلُ أَن يَدْخُلَ فِي عِبَارَةِ التَّحْرِيمِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٩) قَدْ (١٠) شَمِلَ التَّحْرِيمَ بِالنَّذْرِ، وَالتَّحْرِيمَ بِالْيَمِينِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: ذِكْرُ الْكَفَّارَةِ (١١) بَعْدَهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (١٢) إلى آخرها.\nوَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنه كَانَ تَحْرِيمًا مجرَّدًا قَبْلَ نُزُولِ الْكَفَّارَةِ، وأَن جَمَاعَةً مِنَ الْمُفَسِّرِينَ قالوا في قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (١٣): إِن التَّحْرِيمَ كَانَ بِالْيَمِينِ حِينَ حَلَفَ النَّبِيُّ ﷺ أَن لَا يَشْرَبَ العسل (١٤)، وسيأْتي ذكر ذلك بحول الله تعالى.\nفإِن قِيلَ: هَلْ يَكُونُ قَوْلُ الرَّجُلِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِني إِذا أَصبت اللَّحْمَ انْتَشَرْتُ للنساءِ (١٥) ...، الْحَدِيثَ: مِنْ قَبِيلِ التحريم الثاني لا من\n_________\n(١) في (خ): \"تتوقى\".\n(٢) أخرجه البخاري (٨٥٥)، ومسلم (٥٦٤).\n(٣) في (ر) و(م): \"رائحتها\".\n(٤) في (ر): \"وكذلك سائر ما تكره\".\n(٥) في (خ) و(م): \"المحل\".\n(٦) في (ر) و(م): \"ونحوها\".\n(٧) قال الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٥٧٥): واختُلف في حقه هو ﷺ، فقيل: كان ذلك محرمًا عليه، والأصح أنه مكروه لعموم قوله: \"لا\" في جواب: \"أحرام هو\" اهـ.\n(٨) في (خ): \"الأمر\" بدل: \"الآية\".\n(٩) سورة المائدة: الآية (٨٧).\n(١٠) في (م): \"فقد\".\n(١١) في (خ): \"الكفار\".\n(١٢) سورة المائدة: الآية (٨٩).\n(١٣) سورة التحريم: الآية (١).\n(١٤) أخرجه البخاري (٤٩١٢)، ومسلم (١٤٧٤).\n(١٥) تقدم تخريجه (ص٢٠٨).","vol":"2","page":220},{"text":"الثَّالِثِ؛ لأَن الرَّجُلَ قَدْ يُحَرِّمُ الشيءَ لِلضَّرَرِ الْحَاصِلِ بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا أَنه لَيْسَ بتحريم في الحقيقة (١)، فكذلك ها هنا لَا يُرِيدُ بِالتَّحْرِيمِ النَّذْرَ (٢)، بَلْ يُرِيدُ بِهِ التَّوَقِّي خاصة (٣)؛ أَي: إِني أَخاف عَلَى نَفْسِي العَنَتَ، وَكَانَ هَذَا الْمَعْنَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - هُوَ مَقْصُودَ الصَّحَابِيِّ ﵁.\nفَالْجَوَابُ: أَن مَنْ يَلْحَقُه الضرر وقتًا مّا بِتَناول شيءٍ (٤)، يُمْكِنُهُ أَن يُمسك عَنْهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ؛ إِذ التارك (٥) لأَمر لَا يَلْزَمُهُ أَن يَكُونَ محرِّمًا لَهُ، فَكَمْ مِنْ رَجُلٍ تَرَكَ (٦) الطَّعَامَ الْفُلَانِيَّ، أَو النكاح لأَنه في الْوَقْتِ (٧) لَا يَشْتَهِيهِ، أَو لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَعذار، حَتَّى إِذا زَالَ عُذْرُهُ تَنَاوُلَ مِنْهُ، وقد ترك ﷺ أَكل الضَّبّ (٨)، وَلَمْ يَكُنْ تَرْكُهُ مُوجِبًا لِتَحْرِيمِهِ له (٩).\nوَالدَّلِيلُ عَلَى أَن الْمُرَادَ بِالتَّحْرِيمِ الظَّاهِرُ، وأَنه لَا يَصِحُّ - وإِن كَانَ لِعُذْرٍ - (١٠): أَن النَّبِيَّ ﷺ ردَّ عَلَيْهِ بِالْآيَةِ، فَلَوْ كَانَ وُجُودُ مِثْلِ تِلْكَ الأَعذار مُبِيحًا لِلتَّحْرِيمِ بِالْمَعْنَى الثَّالِثِ لَوَقَعَ التَّفْصِيلُ فِي الْآيَةِ بالنسبة إِلى من حرَّم لعذر أَو لغير عُذْرٍ.\nوأَيضًا فإِن الِانْتِشَارَ لِلنِّسَاءِ لَيْسَ بِمَذْمُومٍ؛ فإِن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: \"مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الباءَة فَلْيَتَزَوَّجْ\" (١١) الْحَدِيثَ؛ فإِذا أَحب الإِنسان قضاءَ الشَّهْوَةِ تَزَوَّجَ فَحَصَلَ لَهُ مَا فِي الْحَدِيثِ زِيَادَةً إِلى النَّسْل الْمَطْلُوبِ فِي المِلَّة؛ فكأَن مُحرِّم مَا يَحْصُلُ بِهِ الانتشار ساعٍ في التشبه بالرهبانية، فكان (١٢) ذَلِكَ مُنْتَفِيًا (١٣) عَنِ الإِسلام كَسَائِرِ مَا ذُكر في الآية.\n_________\n(١) في (خ): \"ليس بتحريم حقيقة\".\n(٢) في (ر): \"التدين\" بدل \"النذر\".\n(٣) قوله: \"خاصه\" سقط من (خ).\n(٤) في (خ): \"وقت ما يتناول شيئًا\".\n(٥) في (خ): \"والتارك\" بدل \"إذ التارك\".\n(٦) في (ر): \"يترك\".\n(٧) علق رشيد رضا هنا بقوله: لعل الأصل: \"في ذلك الوقت\"؛ أي الذي ترك فيه ما ذُكر. اهـ.\n(٨) تقدم تخريجه قريبًا (ص٢١٧).\n(٩) قوله: \"له\" من (ر) فقط.\n(١٠) في (خ): \"تقدم\" بدل \"لعذر\".\n(١١) أخرجه البخاري (١٩٠٥)، ومسلم (١٤٠٠).\n(١٢) في (خ): \"وكان\".\n(١٣) في (ر): \"منهيًا\".","vol":"2","page":221},{"text":"والمسألة (١) الثالثة (٢): أَن هَذِهِ الْآيَةَ يُشْكِلُ مَعْنَاهَا مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًاّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ (٣) الْآيَةَ، فإِن اللَّهَ أَخبر عَنْ نَبِيٍّ مِنْ أَنبيائه - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنه حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ حَلَالًا، فَفِيهِ دَلِيلٌ لِجَوَازِ (٤) مِثْلِهِ.\nوَالْجَوَابُ: أَنه لَا دَلِيلَ فِي الْآيَةِ؛ لأَن مَا تَقَدَّمَ يُقَرِّرُ أَن لَا تَحْرِيمَ فِي الإِسلام، فَيَبْقَى مَا كَانَ شَرْعًا لِغَيْرِنَا مَنْفِيًّا، عَنْ شَرْعِنَا كَمَا تَقَرَّرَ فِي الأُصول.\nخرَّج الْقَاضِي إِسماعيل وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَن إِسرائيل - وهو يعقوب النبي (٥) ﵇ أَخذه عِرْقُ النَّسَا (٦)، فَكَانَ يَبِيتُ وله (٧) زُقَاءٌ (٨)، فجعل عليه إِن شفاه الله لَيُحَرِّمَنَّ عليه الْعُرُوقَ، وَذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ. قَالُوا: فَلِذَلِكَ تَسُلّ (٩) اليهود العروق (١٠)؛ أن (١١) لا يأكلوها (١٢).\nوَفِي رِوَايَةٍ: جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ أَن لَا يأْكل لحوم الإِبل. قال (١٣): فحرَّمته اليهود (١٤).\n_________\n(١) قوله: \"والمسألة\" ليس في (م) و(ر).\n(٢) في (ر) و(م): \"والثالثة\".\n(٣) سورة آل عمران: الآية (٩٣).\n(٤) إلى هنا انتهى سقط الورقة من (غ).\n(٥) في (خ) و(م): \"أن إسرائيل النبي يعقوب\".\n(٦) النَّسا: على وزن عصا: عرق من الوَرك إلى الكعب، والأفصح أن يقال له: \"النَّسا\" لا: \"عرق النَّسا\". انظر: \"لسان العرب\" (١٥/ ٣٢١).\n(٧) في (م) و(خ): \"وعليه\".\n(٨) زُقاءٌ: أي: صياح كما جاء مُصَرَّحًا به في بعض الطرق.\n(٩) في (خ): \"نسل\".\n(١٠) قوله: \"العروق\" سقط من (خ) و(م).\n(١١) قوله: \"أن\" ليس في (خ).\n(١٢) في (خ) \"لا يأكلونها\".\n(١٣) قوله: \"قال\" ليس في (غ) و(ر).\n(١٤) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ١٢٦)، ويزيد بن هارون في كتاب \"النكاح\" كما في \"الفتح\" (٩/ ٣٧٢) ومن - طريقه البيهقي (١٠/ ٨) ـ، وأخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\" (٣/ ١٠٦٧) رقم (٥٠٨)، والطبري في \"تفسيره\" (٧/ ١٠ - ١٢) من طرق عن ابن عباس، به.\nوسنده صحيح كما بينته في تعليقي على \"سنن سعيد بن منصور\"، وقد صححه الحافظ ابن حجر في الموضع السابق من \"الفتح\".","vol":"2","page":222},{"text":"وَعَنِ الكَلْبي (١): أَن يَعْقُوبَ ﵇ قَالَ: إِنِ اللهُ شَفَاني لأُحَرِّمَنَّ أَطيبَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ - أَو قال: أَحبَّ الطعام والشراب (٢) - إِليَّ. فَحَرَّمَ لُحُومَ الإِبل وأَلبانها.\nقَالَ الْقَاضِي: الَّذِي نَحْسَبُ - وَاللَّهُ أَعلم ـ: أَن إِسرائيل حِينَ حرَّم على نفسه ما حرَّم من الحلال (٣) لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَنْهِيًّا عَنْ ذَلِكَ، وأَنهم كَانُوا إِذا حرَّموا عَلَى أَنفسهم شيئًا من الحلال حُرِّم عليهم، كما كان الحالف إِذا حلف أَلاّ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنَ الْحَلَالِ (٤) لَمْ يَجُزْ لَهُ (٥) أَن يفعله (٦)، حَتَّى نَزَلَتْ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٧). وَالْحَالِفُ إِذا حَلَفَ عَلَى شيءٍ وَلَمْ يَقُلْ: \"إِن شاءَ اللَّهُ\" كَانَ بِالْخِيَارِ، إِن شاءَ فَعَلَ وكَفَّر، وإِن شاءَ لَمْ يَفْعَلْ. قَالَ: وَهَذِهِ الأَشياءُ (٨) وَمَا أَشبهها مِنَ الشَّرَائِعِ يَكُونُ فِيهَا النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ، فَكَانَ النَّاسِخُ فِي هَذَا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٩). قَالَ: فَلَمَّا وَقَعَ النهيُ لَمْ يَجُزْ للإِنسان أَن يَقُولَ: الطَّعَامُ عليَّ حَرَامٌ، وَمَا أَشبه ذَلِكَ مِنَ الْحَلَالِ. فإِن قَالَ إِنسان شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ كَانَ قَوْلُهُ بَاطِلًا، وإِن حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ بِاللَّهِ كَانَ لَهُ أَن يَأْتيَ الذي هو خير، ويُكَفِّر عن يمينه.\nوالمسألة (١٠) الرَّابِعَةُ (١١): أَن نَقُولَ: مِمَّا يُسْأَلُ عَنْهُ: قَوْلُهُ تعالى:\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ١٢٦). والكلبي هو: محمد بن السائب، متهم بالكذب، ورمي بالرفض كما في \"التقريب\" (٥٩٣٨).\nقال الطبري بعد أن ذكر الأقوال في تفسير الآية: \"وأولى هذه الأقوال بالصواب: قول ابن عباس الذي رواه الأعمش، عن حبيب، عن سعيد، عنه: أن ذلك العروق ولحوم الإبل ... \". انظر: \"تفسير الطبري\" (٧/ ١٥).\n(٢) في (خ): \"أو الشراب\".\n(٣) في (خ): \"على نفسه من الحلال ما حرم\".\n(٤) من قوله: \"حرم عليهم\" إلى هنا سقط من (خ).\n(٥) في (خ): \"لهم\".\n(٦) في (خ) و(م): \"يفعلوه\".\n(٧) سورة التحريم: الآية (٢).\n(٨) قوله: \"الأشياء\" سقط من (غ) و(ر).\n(٩) سورة المائدة: الآية (٨٧).\n(١٠) قوله: \"والمسألة\" من (خ) فقط.\n(١١) في (ر) و(غ) و(م): \"والرابعة\".","vol":"2","page":223},{"text":"﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (١) الآية؛ لأن (٢) فِيهَا (٣) إِخبارًا (٤) بأَنه ﵊ حَرَّم عَلَى نَفْسِهِ مَا أَحلَّه اللَّهُ (٥)؛ وَقَدْ نَزَلَ (٦) عَلَيْهِ: ﴿لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا﴾ (٧). وَمِثْلُ هَذَا يُجَلُّ مَقَامُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ فِيهِ، وأَن يكون منهيًّا عن شيء (٨) هو اعتداء (٩) ثُمَّ يأْتيه، حَتَّى يُقَالَ لَهُ فِيهِ: لِمَ تفعل؟ فلا بد من النظر في هذا (١٠) الْمُعَارِض (١١).\nوَالْجَوَابُ: أَن آيَةَ التَّحْرِيمِ إِن كَانَتْ هِيَ السابقةَ عَلَى آيَةِ العُقُود، فَظَاهِرٌ أَنها مُخْتَصَّة بِالنَّبِيِّ ﷺ، إِذ لَوْ أُريد: الأُمّة - على قول من قال به (١٢) مِنَ الأُصوليين - لَقَالَ: لِم تُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ؟ كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (١٣) الْآيَةَ، وَهُوَ بَيِّن؛ لأَن سُورَةَ التَّحْرِيمِ قَبْلَ آية الأَحزاب، ولذلك لَمَّا آلَى النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا بِسَبَبِ هَذِهِ الْقِصَّةِ نَزَلَ عليه في سورة الأَحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَِزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ (١٤) تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا *﴾ (١٥) إلى آخرها (١٦). وأَيضًا فيُحتمل أَن يكون التحريم بمعنى الحلف على أَن لا\n_________\n(١) سورة التحريم: الآية (١).\n(٢) في (خ) و(م): \"فإن\".\n(٣) في (غ): \"فيه\".\n(٤) في (خ): \"إخبار\".\n(٥) في (غ) و(ر): \"ما أُحلّ له\".\n(٦) في (خ): \"يدل\".\n(٧) سورة المائدة: الآية (٨٧).\n(٨) قوله: \"شيء\" سقط من (م).\n(٩) في (خ): \"وأن يكون منهيًا عنه اعتداء\".\n(١٠) في (خ): \"هذه\".\n(١١) في (خ) و(م): \"المصارف\" بدل \"المعارض\".\n(١٢) قوله: \"به\" سقط من (خ).\n(١٣) سورة الطلاق: الآية (١).\n(١٤) إلى هنا انتهت الآية في (خ) و(م).\n(١٥) سورة الأحزاب: الآية (٢٨).\n(١٦) في (خ): \"إلخ\" بدل \"إلى آخرها\".\nوحديث التخيير أخرجه البخاري (٤٧٨٥)، ومسلم (١٤٧٥) من حديث عائشة ﵂؛ قالت: لما أُمر رسول الله ﷺ بتخيير أزواجه بدأ بي، فقال: \"إني ذاكر لك أمرًا، فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك\". قالت: قد علم أن أبويّ لم يكونا ليأمراني بفراقه. قالت: ثم قال: \"إن الله ﷿ قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَِزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا *وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا *﴾ =","vol":"2","page":224},{"text":"يَفْعَلَ، وَالْحَلِفُ إِذا وَقَعَ فَصَاحِبُهُ مُخَيّر بَيْنَ أَن يَتْرُكَ المَحْلوف عَلَيْهِ، وَبَيْنَ أَن يَفْعَلَهُ ويُكَفِّر. وَقَدْ جاءَ فِي آيَةِ التَّحْرِيمِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (١)، فدل على أَنه كان يمينًا حَلَفَ ﷺ بِهَا.\nوَذَلِكَ أَن النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا التحريم، فقال جماعة: إِنه كَانَ تَحْرِيمًا لأُم وَلَدِهِ مَارِيَةَ القِبْطِيَّة (٢) - بِنَاءً على أَن الآية نزلت في شأْنها،\n_________\n= [الأحزاب: ٢٨، ٢٩]. قالت: فقلت: في أيِّ هذا أستأمر أبويّ؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. قالت: ثم فعل أزواج رسول الله ﷺ مثل ما فعلت.\nوأخرج البخاري أيضًا (٢٤٦٨)، ومسلم (١٤٧٩) قصة الإيلاء بطولها من رواية ابن عباس، عن عمر بن الخطاب ﵄.\n(١) سورة التحريم: الآية (٢).\n(٢) جاء ذلك عن جمع من الصحابة؛ منهم ابن عباس، وعمر، وأبو هريرة، وأنس ﵃.\n١ - أما حديث ابن عباس:\nفأخرجه البزار (٢٢٧٤/كشف الأستار)، والطبراني في \"الكبير\" (١١/ ٨٦)، والبيهقي (٧/ ٣٥٢) من طريق مسلم الأعور، عن مجاهد، عن ابن عباس، به.\nومسلم هو: ابن كيسان الأعور ضعيف كما في \"التقريب\" (٦٦٨٥).\nوأخرجه البيهقي (٧/ ٣٥٣) من طريق الحسين بن الحسن بن عطية بن سعد، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس، به.\nوإسناده مسلسل بالضعفاء.\nوأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٨٧٦٤)، وابن مردويه في \"تفسيره\" كما في \"الفتح\" (٩/ ٣٧٧ و٢٨٩) من طريق سعيد بن أبي هلال، عن يزيد بن رومان، عن ابن عباس في قصة طويلة، وفيها الجمع بين ذكر العسل وذكر مارية في سبب النزول. والذي في \"الصحيحين\" ذكر العسل فحسب؛ على خلاف في التي سقت العسل للنبي ﷺ. وفي غيرهما ذكر مارية فحسب كما سيأتي.\nقال الحافظ: \"رواته لا بأس بهم\".\nلكن يزيد بن رومان لا يعرف له سماع من ابن عباس، وبين وفاتيهما أكثر من ستين سنة، وقد ذُكر في ترجمته أنه لم يسمع من أبي هريرة، ووفاة أبي هريرة قبل وفاة ابن عباس بنحو عشر سنين.\nوسعيد بن أبي هلال نقل الساجي عن أحمد أنه اختلط.\nوأخرجه ابن مردويه كما في \"الفتح\" (٩/ ٢٨٩) من طريق الضحاك، عن ابن عباس، وفيه زيادة: أن النبي ﷺ قال لحفصة: لا تخبري عائشة حتى أبشرك ببشارة: إن أباك يلي هذا الأمر بعد أبي بكر إذا أنا مِتّ.=","vol":"2","page":225},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=والضحّاك لم يسمع من ابن عباس، ولذلك ضعفه الحافظ ابن حجر.\n٢ - وأما حديث عمر:\nفأخرجه الهيثم بن كليب في \"مسنده\"، ومن طريقه الضياء في \"المختارة\" (١/ ٣٠٠)؛ قال: ثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، به.\nقال ابن كثير في \"تفسيره\" (٨/ ١٨٦): إسناده صحيح، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد اختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه \"المستخرج\".\nقلت: عبد الملك هذا قال فيه الدارقطني: لا يُحتج بما انفرد به.\nوقال أيضًا: صدوق، كثير الخطأ في الأسانيد والمتون، كان يحدِّث من حفظه، فكثرت الأوهام منه. اهـ.\nولعل هذا منها؛ فإن هذا الإسناد مما تتوافر الدواعي على تحصيله ونقله؛ ولو كان عند غيره لصاح به، فكيف يتفرد به؟ والله أعلم.\nوأخرجه الدارقطني في \"سننه\" (٤/ ٤١ رقم ١٢٢) من طريق عبد الله بن شبيب، عن إسحاق بن محمد، عن عبد الله بن عمر، عن سالم أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن علي بن الحسين، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب، ثم أخرجه بعده (٤/ ٤٢ رقم ١٢٣) من طريق عبد الله بن شبيب أيضًا، عن أحمد بن محمد بن عبد العزيز، عن كتاب أبيه، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، به.\nوفي إسنادهما عبد الله بن شبيب: واهٍ، قال أبو أحمد الحاكم: ذاهب الحديث.\n٣ - وأما حديث أبي هريرة:\nفأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٢٣١٦)، والعقيلي في \"الضعفاء (٤/ ١٥٥)، كلاهما من طريق هشام بن إبراهيم المخزومي، عن موسى بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري، مولاهم، عن عمه، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، به، وفيه ذكر أن الذي يلي الخلافة من بعده أبو بكر، ثم من بعده عمر.\nوفي سنده موسى بن جعفر، قال العقيلي: \"مجهول بالنقل، لا يتابع على حديثه، ولا يصح إسناده، ولا يعرف إلا به\". وذكره الذهبي في \"الميزان\" (٨٨٥٣) وقال: \"لا يعرف، وخبره ساقط\"، ثم ذكر الحديث، وقال: \"قلت: هذا باطل\"، وضعفه الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٢٨٩).\n٤ - وأما حديث أنس: فهو أمثلها، وقد أخرجه النسائي (٧/ ٧١)، والضياء في \"المختارة\" (٥/ ٧٠) من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، به.\nوصححه الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٣٧٦) فقال: \"وهو أصح طرق هذا السبب، وله شاهد مرسل أخرجه الطبري بسند صحيح عن زيد بن أسلم\".=","vol":"2","page":226},{"text":"وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ: الْحَسَنُ، وَقَتَاَدَةُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَنَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ـ، أَو كَانَ تَحْرِيمًا لِعَسَلِ زَيْنَبَ (١) - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ـ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: إِنما كَانَ تَحْرِيمًا بِيَمِين.\nقَالَ إِسماعيل بْنُ إِسحاق: يُمْكِنُ أَن يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ حَرَّمَهَا - يَعْنِي جاريته - بيمين بالله (٢)؛ لأَن الرَّجُلَ إِذا قَالَ لأَمته: وَاللَّهِ! لَا أَقْرَبُكِ، فَقَدْ حَرَّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ بِالْيَمِينِ، فإِذا غَشِيَهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفّارة الْيَمِينِ، ثُمَّ أَتى بمسأَلة ابْنِ مُقَرِّن (٣).\nوَيُمْكِنُ أَن يَكُونَ السّببُ شُرْبَ العَسَلِ، وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ (٤) مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيج؛ قَالَ فيه: \"بل (٥) شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْش، فَلَنْ أَعُودَ لَهُ؛ وَقَدْ حَلَفْتُ، فَلَا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحدًا\". وإِذا كَانَ كَذَلِكَ، فَلَمْ يَبْقَ فِي المسأَلة إِشكال. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَارِيَةِ وَالْعَسَلِ فِي الْحُكْمِ؛ لأَن تَحْرِيمَ الْجَارِيَةِ كَيْفَ مَا (٦) كان؛ بمنزلة تحريم ما يؤكل ويُشرب.\n_________\n=وأخرجه الحاكم (٢/ ٤٩٣)، وعنه البيهقي (٧/ ٣٥٣) من طريق محمد بن بكير الحضرمي، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، به.\nقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي.\nومحمد بن بكير لم يرو له مسلم شيئًا، وهو صدوق يخطئ كما قال الحافظ في \"التقريب\" (٥٨٠٢).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ٦٥٧) بعد أن ذكر طرق الحديث: \"وهذه الطرق يقوي بعضها بعضًا\".\nوقال في \"التلخيص\" (٣/ ٤٢٢): \"وبمجموع هذه الطرق يتبين أن للقصة أصلًا أحسب، لا كما زعم القاضي عياض أن هذه القصة لم تأت من طريق صحيح، وغفل ﵀ عن طريق النسائي التي سلفت فكفى بها صحة. والله الموفق\".اهـ.\nوقال في \"اللسان\" (٧/ ١٧٤): \"وأما قصة مارية فلها طرق كثيرة؛ تشعر بأن لها أصلًا\".\nوصحح الحافظ أيضًا في \"الفتح\" (١٢/ ٣٤٣) نزول الآية في القصتين: العسل ومارية.\n(١) أخرجه البخاري (٤٩١٢)، ومسلم (١٤٧٤).\n(٢) في (خ) و(م): \"بيمين الله\".\n(٣) وهو الذي حرم على نفسه أن ينام على فراشه سنة. وتقدم صفحة (٢١٣).\n(٤) تقدم تخريجه في التعليق رقم (١).\n(٥) قوله: \"بل\" ليس في (خ) و(م).\n(٦) قوله: \"ما\" من (خ) فقط.","vol":"2","page":227},{"text":"وأَما إِن فَرَضْنَا أَنَّ آيَةَ الْعُقُودِ هِيَ السابقةُ عَلَى آيَةِ التَّحْرِيمِ: فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ كالأَول:\nأَحَدُهُمَا: أَن يَكُونَ التَّحْرِيمُ - فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ - بِمَعْنَى الحَلِف.\nوَالثَّانِي: أَن تَكُونَ آيَةُ الْعُقُودِ غَيْرَ مُتَنَاوِلَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وأَن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا﴾ (١) لَا يَدْخُلُ (٢) فِيهِ؛ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِذَلِكَ مِنَ الأُصوليين، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَبْقَى فِي الْقَضِيَّةِ مَا يُنظر فِيهِ، وَلَا يكون للمُحْتَجّ بالآية مُتَعَلَّق، والله أَعلم.\n_________\n(١) سورة المائدة: الآية (٨٧).\n(٢) في (خ): \"لا تدخل\".","vol":"2","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>فَصْلٌ</span>\nإِذا ثَبَتَ هَذَا، فَكُلُّ مَنْ عَمِلَ عَلَى هَذَا الْقَصْدِ (١) فَعَمَلُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لأَنه عَامِلٌ إِما بِغَيْرِ شَرِيعَةٍ؛ لأَنه لَمْ يَتَّبِعْ أدلَّتها (٢)، وإِما عَامِلٌ بِشَرْعٍ مَنْسُوخٍ، وَالْعَمَلُ بِالْمَنْسُوخِ مَعَ الْعِلْمِ بِالنَّاسِخِ بَاطِلٌ بِلَا خِلَافٍ؛ لأَن الترهُّب وَالِامْتِنَاعَ مِنَ اللَّذَّاتِ (٣) والنساءِ (٤) وَغَيْرِ ذَلِكَ إِن كَانَ مَشْرُوعًا فَفِيمَا قَبْلَ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ مِنَ الشَّرَائِعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: \"لَكِنِّي أَصوم وأُفطر، وأُصلي (٥) وَأَرْقُدُ (٦)، وأَتزوج النساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي\" (٧)، وَهُوَ مَعْنَى الْبِدْعَةِ.\nفإِن قِيلَ: فَقَدْ تَقَدَّمَ (٨) مِنْ نَقْلِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي الرَّهْبَانِيَّةِ: أَنَّهَا السِّيَاحة واتِّخاذ الصَّوَامِعِ للعُزْلَة. قَالَ: وَذَلِكَ مَنْدُوبٌ إِليه فِي دِينِنَا عِنْدَ فَسَادِ الزَّمَانِ.\nوَقَدْ بَسَطَ الْغَزَالِيُّ هَذَا الْفَصْلَ فِي \"الإِحياء\" (٩) حين (١٠) ذَكَرَ الْعُزْلَةِ، وَذَكَرَ فِي كِتَابِ \"آدَابِ النِّكَاحِ\" (١١) مِنْ ذَلِكَ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ. وَحَاصِلُهُ: أَن ذَلِكَ مَشْرُوعٌ، بَلْ هُوَ الأَولى عِنْدَ عُرُوضِ الْعَوَارِضِ، وَعِنْدَمَا يَصِيرُ النِّكَاحُ وَمُخَالَطَةُ النَّاسِ وَبَالًا عَلَى الإِنسان، ومؤدِّيًا إِلى اكْتِسَابِ الْحَرَامِ وَالدُّخُولِ\n_________\n(١) في (ر) و(غ): \"العهد\".\n(٢) في (م): \"أدلته\".\n(٣) قوله: \"اللذات\" ليس في (خ).\n(٤) في (خ): \"النساء\".\n(٥) في (غ): قدم قوله: \"وأصلي\" على قوله: \"وأفطر\"، ثم وضع عليهما علامتي التقديم والتأخير (مـ مـ).\n(٦) في (خ) و(م): \"وأنام\".\n(٧) تقدم تخريجه (ص١٤٧).\n(٨) تقدم (ص١٤٧).\n(٩) (٢/ ٢٢٢).\n(١٠) في (خ): \"عند\".\n(١١) من \"الإحياء\" (٢/ ٢٢ - ٣٧).","vol":"2","page":229},{"text":"فِيمَا لَا يَجُوزُ، كَمَا جاءَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: \"يُوشِكُ أَن يَكُونَ خيرَ مالِ الْمُسْلِمِ غنمٌ (١) يَتْبَعُ بها شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْر، يَفِرّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَن\" (٢). وَسَائِرُ مَا جاءَ فِي هَذَا الْمَعْنَى.\nوَأَيْضًا فإِن اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا *﴾ (٣). والتَّبَتُّلُ - عَلَى مَا قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسلم ـ: رَفْضُ الدُّنْيَا؛ مِنْ قَوْلِهِمْ: بَتَلْتُ الحَبْلَ بَتْلًا: إِذا قطعته، ومعناه: انقطع مِنْ كُلِّ شيءٍ إِلا مِنْهُ.\nوَقَالَ الْحَسَنُ (٤) وغيره: بَتِّل إِليه نفسَكَ واجْتَهِد. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ (٥): تفرَّغْ لِعِبَادَتِهِ. هَذَا إِلى مَا جاءَ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنَ الِانْقِطَاعِ إِلى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَفْضِ أَسْبَابِ الدُّنْيَا، والتخلِّي عَنِ الْحَوَاضِرِ إِلى الْبَوَادِي، وَاتِّخَاذِ الخَلَوَات فِي الْجِبَالِ والبَرارِي، حَتَّى إِن بَعْضَ الْجِبَالِ الشاميَّة قد خصَّها الله بالأَولياءِ والمنقطعين؛ كجبل (٦) لُبْنَانَ وَنَحْوِهِ.\nفَمَا وَجْهُ ذَلِكَ (٧)؟\nفَالْجَوَابُ: أَن الرَّهبانية إِن كانت بالمعنى (٨) المقرَّر في الشرائع (٩) الأُوَلِ، فَلَا نسلِّم أَنَّهَا فِي شَرْعِنَا؛ لِمَا تقدم من الأَدلة الدالّة (١٠) عَلَى نَسْخِهَا، كَانَتْ لعارِضٍ أَوْ لِغَيْرٍ عارِض، إِذ لا رهبانية في الإِسلام (١١)،\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"غنمًا\".\n(٢) أخرجه البخاري (١٩).\n(٣) سورة المزمل: الآية (٨).\n(٤) أخرجه الطبري في \"التفسير\" (٢٣/ ٦٨٨) من طريق أشعث بن سَوّار، عن الحسن البصري، وسنده ضعيف لضعف أشعث بن سَوّار؛ كما في \"التقريب\" (٥٢٨).\n(٥) هو: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ وقوله هذا: أخرجه الطبري في \"التفسير\" (٢٣/ ٦٨٩) بسند صحيح إليه.\n(٦) في (م) و(خ): \"إلى\" بدل \"كجبل\".\n(٧) أي: ما وجه كلام ابن العربي؟ وقوله: \"ذلك\" سقط من (غ) و(ر).\n(٨) في (م): \"بمعنى\".\n(٩) في (خ): \"في شرائع\" وفي (م): \"بالشرائع\".\n(١٠) قوله: \"الدالة\" ليس في (خ).\n(١١) تقدم تخريج حديث: \"لا رهبانية في الإسلام\" (ص٢٧ - ٢٨ و٢١٢).","vol":"2","page":230},{"text":"وقد ردَّ رسول الله (ص) (١) التبُّتل (٢) حَسْبَمَا تَقَدَّمَ (٣).\nوإِن كَانَتْ بِمَعْنَى الِانْقِطَاعِ إِلى اللَّهِ حَسْبَمَا شَرَع، وَعَلَى (٤) حدِّ مَا انْقَطَعَ إِلَيْهِ (٥) رسولُ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ المُخَاطَب بِقَوْلِهِ: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ (٦)، فهذا هو الذي نحن في تقريره: أنه (٧) السُّنَّة المُتَّبَعَةُ، والهَدْيُ الصَّالِحُ، وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ. وَلَيْسَ فِي كَلَامِ زَيْدِ بْنِ أَسلم وَغَيْرِهِ فِي معنى التبتُّل ما يُنَافِرُ (٨) هَذَا الْمَعْنَى؛ لأَن رَفْض الدُّنْيَا لَيْسَ بِمَعْنَى طَرْح اتِّخَاذِهَا جُمْلَةً، وَتَرْكِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، بَلْ بِمَعْنَى تَرْكِ الشُّغل بِهَا عَمَّا كُلِّف الإِنسان بِهِ مِنَ الْوَظَائِفِ الشَّرْعِيَّةِ.\nوَاجْعَلْ سِيَرَ السَّلَفِ الصالح فيها (٩) مِرْآةً لَكَ تَنْظُرُ فِيهَا مَعْنَى التبتُّل عَلَى وجهه (١٠)؛ اقْتِداءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَلَقَدْ كَانُوا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ مُكْتَسِبِينَ لِلْمَالِ، متمتِّعين (١١) بِهِ فِيمَا أُبيح لَهُمْ، مُنْفِقِين لَهُ حَيْثُ نُدبوا، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِقُلُوبِهِمْ مِنْهُ شَيْءٌ، إِذا عَنَّ لَهُمْ أَمر أَو نَهْي، بَلْ قَدَّموا أَمر اللَّهِ وَنَهْيَهُ عَلَى حُظُوظِ أَنْفُسِهِمُ الْعَاجِلَةِ (١٢) عَلَى وجهٍ لَمْ يُخِلَّ بِحُظُوظِهِمْ فِيهِ، وَهُوَ التوسُّط الذي تقدم تقريره (١٣).\nثُمَّ نَدَبَهُمُ الشَّارِعُ إِلى اتِّخَاذِ الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ، فَبَادَرُوا إِلى الِامْتِثَالِ، وَلَمْ يَقُولُوا: هُوَ شَاغِلٌ لَنَا عَمَّا أُمرنا بِهِ؛ لأَن هَذَا الْقَوْلَ مُشْعِرٌ بِالْغَفْلَةِ عَنْ مَعْنَى التَّكْلِيفِ بِهِ، فإِن الأَصل الشَّرْعِيَّ: أَن كلَّ مَطْلُوبٍ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُتعبَّد بِهِ إِلى اللَّهِ تَعَالَى، ويُتقرب بِهِ إِلَيْهِ. فَالْعِبَادَاتُ (١٤) المَحْضَة ظاهرٌ فِيهَا ذَلِكَ، وَالْعَادَاتُ (١٥) كلُّها إِذا قُصد بِهَا امْتِثَالُ أمر الله عبادات؛ إِلا أنه إِذا\n_________\n(١) قوله: \"رسول الله\" ليس في (خ).\n(٢) في (ر) و(غ): \"المتبتل\".\n(٣) انظر صفحة (٢٠٦ - ٢٠٨).\n(٤) في (غ) و(ر): \"على\".\n(٥) في (م): \"ما انقطع إلى الله\".\n(٦) سورة المزمل: الآية (٨).\n(٧) في (خ) و(م): \"وأنه\".\n(٨) في (خ) و(م): \"ما يناقض\".\n(٩) قوله: \"فيها\" ليس في (خ) و(م).\n(١٠) في (خ): \"على وجه\".\n(١١) قوله: \"متمتعين\" سقط من (خ) و(م).\n(١٢) في (خ): \"الفاصلة\".\n(١٣) في (خ) و(م): \"ذكره\" بدل \"تقريره\".\n(١٤) في (ر) و(غ): \"بالعبادات\".\n(١٥) في (غ) و(ر) و(خ): \"والعبادات\".","vol":"2","page":231},{"text":"لم (١) يقصد بها ذلك القصد (٢)، ونَحَى (٣) بِهَا نَحْوَ الْحَظِّ مُجَرَّدًا، فَإِذْ ذَاكَ لَا تَقَعُ مُتَعَبَّدًا بِهَا، وَلَا مُثَابًا عَلَيْهَا، وإِن صَحّ وُقُوعُهَا شَرْعًا.\nفَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى تَعَالَى عَنْهُمْ قَدْ فَهِمُوا هَذَا الْمَعْنَى، وَلَا يُمْكِنُ مَعَ فَهْمِه أَنْ تَتَعَارَضَ (٤) الأَوامر فِي حَقِّهِمْ، وَلَا فِي حَقٍّ مَنْ فَهِمَ مِنْهَا ما فهموا (٥)، فالتبتُّل عَلَى هَذَا الْوَجْهِ صَحِيحٌ أَصِيلٌ فِي الْجَرَيَانِ عَلَى السُّنَّةِ، وَكَذَلِكَ كَلَامُ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ صَحِيحٌ إِذا \"أَخَذَ هَذَا المأْخذ؛ أي: لا تتبع الهوى (٦) وَاتَّبِعْ أَمر رَبِّكَ؛ فإِنه الْعَلِيمُ بِمَا يَصْلُح لَكَ، وَالْقَائِمُ عَلَى تَدْبيرك، وَلِذَلِكَ قَالَ عَلَى أَثرها: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا *﴾ (٧)؛ أَيْ: فَكَمَا أَنَّهُ (٨) وَكِيلٌ لَكَ بِالنِّسْبَةِ إِلى مَا لَيْسَ مِنْ كَسْبِك، فَكَذَلِكَ هُوَ وَكِيلٌ عَلَى مَا هُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ كَسْبك؛ مِمَّا هُوَ (٩) تَكْلِيفٌ فِي حَقِّك. وَمِنْ جُمْلَةِ مَا تَوَكّل لَكَ فِيهِ: أَنْ لَا تُدخِل نَفْسَكَ في عملٍ تُحرَج بسببه حالًا أو مآلًا.\nوَقَدْ فُسِّرَ التبتُّلُ بأَنه الإِخلاص، وَهُوَ قَوْلُ مجاهد (١٠) والضحاك (١١).\n_________\n(١) في (خ): \"إلا أنه لم\"، وفي (م): \"إلا أنه ما لم\".\n(٢) في (غ): \"المقصود\".\n(٣) في (خ) و(م): \"يجيء\".\n(٤) في (م): \"يتعارض\".\n(٥) في (خ): \"ما فهموا منها\".\n(٦) في (خ): \"أي: اتبع الهوى\"، فأصلحها رشيد رضا هكذا: \"أي اتبع الهدى\"، ثم علق عليه بقوله: في الأصل: \"اتبع الهوى\" بالواو، ولعل في الكلام تحريفًا ونقصًا. اهـ ..\n(٧) سورة المزمل: الآية (٩).\n(٨) في (خ): \"أي: بك وإنه\".\n(٩) قوله: \"هو\" سقط من (ر).\n(١٠) أخرجه آدم بن أبي إياس في \"تفسيره\" المطبوع باسم \"تفسير مجاهد\" (ص٧٠٠) عن شيبان بن عبد الرحمن النحوي، عن منصور بن المعتمر، عن مجاهد: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾؛ يقول: أخلص إليه إخلاصًا.\nوسنده صحيح.\nوأخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" (٢٣/ ٦٨٨) من طريق سفيان الثوري وجرير بن عبد المجيد، كلاهما عن منصور به.\n(١١) أخرجه ابن جرير الطبري من الموضع السابق، فقال: حُدِّثت عن الحسين؛ قال: سمعت أبا معاذٍ يقول: ثنا عبيد؛ قال: سمعت الضحاك يقول - في قوله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ ـ؛ قال: أخلص إليه إخلاصًا.\nوسنده ضعيف لإبهام شيخ ابن جرير.","vol":"2","page":232},{"text":"وَقَالَ قَتَادَةُ: أَخْلِصْ لَهُ الْعِبَادَةَ وَالدَّعْوَةَ (١).\nفَعَلَى هذا التفسير لا مُتَعَلَّق (٢) فيها لمَوْرِدِ السؤال.\nوإِذا تَقَرَّرَ هَذَا فَالْفِرَارُ مِنَ الْعَوَارِضِ بِالسِّيَاحَةِ (٣)، وَاتِّخَاذُ الصَّوَامِعِ، وسُكْنَى الْجِبَالِ وَالْكُهُوفِ؛ إِن كَانَ عَلَى شَرْطِ أَن لَا يُحرِّموا مَا أَحل اللَّهُ مِنَ الأُمور الَّتِي حَرَّمها الرُّهبان، بَلْ عَلَى حدِّ مَا كَانُوا عَلَيْهِ (٤) فِي الحَوَاضِر (٥) ومَجَامع النَّاسِ، لَا يشدِّدون عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِمِقْدَارِ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، فَلَا إِشكال فِي صِحَّةِ هَذِهِ الرَّهْبَانِيَّةِ، غَيْرَ أَنها لَا تُسَمَّى رَهْبَانِيَّةً إِلا بنوعٍ مِنَ المَجَاز، أَو النَّقْلِ الْعُرْفِيِّ الَّذِي لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ مُعْتَادُ اللُّغَةِ، فَلَا تَدْخُلُ في مقتضى قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً (٦) ابْتَدَعُوهَا﴾ (٧)، لَا فِي الِاسْمِ، وَلَا فِي الْمَعْنَى.\nوإِن كان على التزام ما التزمه الرهبان المتقدمون (٨)، فَلَا نسلِّم أَنه فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ مَنْدُوبٌ إِليه ولا مباح، بل هو مما لا يجوز؛ لأَنه كالتشريع (٩) بِغَيْرِ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَا يَنْتَظِمُهُ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: \"يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خيرُ مالِ الْمُسْلِمِ غنمًا يَتْبَعُ بها شَعَفَ الْجِبَالِ، وَمَوَاقِعَ القَطْر، يَفِرّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ\" (١٠)، وإِنما ينتظمه معنى قوله ﵇ (١١): \"مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي\" (١٢).\nوأَما مَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ تَفْضِيلِهِ الْعُزْلَةَ على المخالطة، وترجيح العُزْبَةِ على اتّخاذ الأَهل (١٣) عِنْدَ اعْتِوَارِ (١٤) الْعَوَارِضِ، فَذَلِكَ (١٥) يُسْتَمَدّ مَنْ أَصلٍ آخر، لا من هنا.\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٢٣/ ٦٨٨) بسند حسن.\n(٢) في (خ): \"لا تعلق\".\n(٣) في (خ): \"وإذا تقرر هذا فالسياحة\".\n(٤) قوله: \"عليه\" من (خ) فقط.\n(٥) في (م): \"الخواص\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"رهبانية\".\n(٧) سورة الحديد: الآية (٢٧).\n(٨) قوله: \"المتقدمون\" ليس في (خ) و(م).\n(٩) في (خ) و(م): \"كالشرع\".\n(١٠) تقدم تخريجه صفحة (٢٣٠).\n(١١) من قوله: \"يوشك أن يكون\" إلى هنا سقط من (خ) و(م).\n(١٢) تقدم تخريجه صفحة (١٤٧).\n(١٣) في (خ) و(م): \"أهل\".\n(١٤) في (ر) و(غ): \"عند اعتراض\".\n(١٥) في (ر) و(غ): \"فكذلك\".","vol":"2","page":233},{"text":"وَبَيَانُهُ: أَن الْمَطْلُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةَ لَا تَخْلُو (١) أَنْ يَكُونَ الْمُكَلَّفُ قَادِرًا عَلَى الِامْتِثَالِ فِيهَا، مَعَ سلامته عند العمل بها من (٢) وقوعه في وجه (٣) مَنْهِيٍّ عَنْهُ أَوْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ قَادِرًا فِي مَجَارِي الْعَادَاتِ بِحَيْثُ لَا يُعَارِضُهُ مَكْرُوهٌ أَوْ مُحَرَّم، فَلَا إِشكال فِي كَوْنِ الطَّلَبِ مُتَوَجِّهًا عَلَيْهِ بِقَدْرِ اسْتِطَاعَتِهِ، عَلَى حَدّ مَا كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ عَلَيْهِ قَبْلَ وُقُوعِ الْفِتَنِ، وإِن لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ إِلا بِوُقُوعِهِ فِي مَكْرُوهٍ أَو مُحَرَّمٍ، فَفِي بقاءِ الطَّلَبِ هُنَا تَفْصِيلٌ - بِحَسْبَ مَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ أَبي حَامِدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ـ؛ إِذ يَكُونُ الْمَطْلُوبُ مَنْدُوبًا، لَكِنَّهُ لَا يَعْمَلُ بِهِ إِلا بِوُقُوعِهِ فِي مَمْنُوعٍ، فَالْمَنْدُوبُ سَاقِطٌ عَنْهُ بِلَا إِشكال، كالمندوب للصدقة على المحتاج لا يجد (٤) بِيَدِهِ إِلا مَالُ الْغَيْرِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ بِالنَّدْبِ؛ لأَنه يَقَعُ بِسَبَبِهِ فِي التصرُّف في مال الغير بغير إِذنه، وذلك لَا يَجُوزُ (٥)، فَهُوَ كَالْفَاقِدِ لِمَا يَتَصَدَّق بِهِ. وكالقائم عَلَى مَرِيضِهِ الْمُشْرف (٦)، أَوْ دَفْنِ مَيِّتٍ يَخَافُ عليه (٧) تَغَيُّرَهُ (٨) بِتركه، ثُمَّ يَقُومُ يُصَلّي نَافِلَةً، وَالْمُتَزَوِّجُ لَا يَجِدُ إِلا مَالًا حَرَامًا، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ.\nوَقَدْ يَكُونُ الْمَطْلُوبُ وَاجِبًا، إِلا أَنَّ وُقُوعَهُ فِيهِ يُدْخِلُه فِي مَكْرُوهٍ - وَهَذَا غيرُ معتدِّ بِهِ؛ لأَن الْقِيَامَ بِالْوَاجِبِ آكَدُ ـ، أَوْ يُوقِعُهُ فِي مَمْنُوعٍ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَتَعَارَضُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، إِلا أَنَّ الْوَاجِبَاتِ لَيْسَتْ عَلَى وزَانٍ وَاحِدٍ، كَمَا أَنَّ المحرَّمات كَذَلِكَ، فَلَا بُدَّ مِنَ الْمُوَازَنَةِ، فإِن ترجَّح جَانِبُ الْوَاجِبِ صَارَ المُحَرَّمُ في حكم العَفْو، أو في حُكْمِ التَّلافِي إِن كَانَ مِمَّا تُتَلاَفَى مفسدَتُه، وإِن تَرَجَّحَ جَانِبُ المُحَرّم سَقَطَ حُكْمُ الْوَاجِبِ، أو طُلب بالتَّلافِي، وإِن تَعادلا (٩)\n_________\n(١) في (م): \"لا يخلو\".\n(٢) في (ر) و(غ): \"ومن\".\n(٣) قوله: \"وجه\" ليس في (خ) و(م).\n(٤) قوله: \"يجد\" سقط من (خ) و(م).\n(٥) في (خ) و(م): \"بغير إذنه ولا يجوز\"، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: لعله حذف من هنا كلمة؛ هي: \"هو\" أو \"ذلك\".اهـ.\n(٦) أي: مُشْرف على الوفاة.\n(٧) قوله: \"عليه\" ليس في (خ) و(م).\n(٨) في (خ): \"تغييره\".\n(٩) في (خ): \"وإن كان تعادلا\"، وفي (م): \"وإن تعادل\"، وعلق رشيد رضا عليها بقوله: \"كان\" زائدة لا حاجة إليها. اهـ.","vol":"2","page":234},{"text":"فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ، فَهُوَ مَجَالُ نظرِ المُجْتَهِدين، والأَولى - عِنْدَ جَمَاعَةٍ - رعايةُ جَانِبِ المُحَرَّم؛ لأَن درءَ الْمَفَاسِدِ آكَدُ مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ.\nفإِذا كَانَتِ الْعُزْلَةُ مُؤَدِّيَةً إِلى السَّلَامَةِ، فَهِيَ الأَولى فِي أَزمنة الْفِتَنِ، وَالْفِتَنُ لَا تَخْتَصّ بِفِتَنِ الحروب فقط؛ بل (١) هي (٢) جَارِيَةٌ فِي الْجَاهِ وَالْمَالُ وَغَيْرِهِمَا مِنْ مُكْتَسَبات الدُّنْيَا، وَضَابِطُهَا: مَا صَدّ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ، ومثل هذا النَّظَر (٣) يَجْرِي بَيْنَ الْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ، وَبَيْنَ الْمَكْرُوهِينَ.\nوإِن كَانَتِ العزلةُ مُؤَدِّيَةً إِلى تَرْك الجُمُعات، وَالْجَمَاعَاتِ، والتعاون على الطاعات، وأشباه ذلك؛ فإِنها أَيْضًا سَلَامَةٌ (٤) مِنْ جِهَةٍ أُخرى (٥)، وَيَقَعُ التَّوَازُنُ بَيْنَ المأْمورات وَالْمَنْهِيَّاتِ. وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ، إِذا أَدَّى إِلى الْعَمَلِ بِالْمَعَاصِي، وَلَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِهِ مَعْصِيَةٌ كَانَ تَرْكُهُ أَولى.\nوَمِنْ أَمثلة ذَلِكَ - غَيْرَ أَنه مُشْكِلٌ ـ: مَا ذَكَرَهُ (٦) الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ بِسَنَدِهِ إِلى حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ أَنه قال لمَعْن بن ثَوْر السُّلَمي (٧): هَلْ تَدْرِي لِمَ اتَّخَذَتِ النَّصَارَى الدِّيَارَاتِ؟ قَالَ مَعْن: ولِمَ؟ قال: إِنه لما أحدثت (٨) الملوك في دينها (٩) البدع، وضيَّعوا أَمر النبيين، وأكلوا الخنزير (١٠)، اعْتَزَلُوهُمْ فِي الدِّيارات، وَتَرَكُوهُمْ وَمَا ابْتَدَعُوا، فتَخَلَّوا للعبادة. قال حبيب لمَعْن: فهل لك؟ قال: ليس بيوم ذلك (١١).\n_________\n(١) قوله: \"بل\" ليس في (خ) و(م).\n(٢) في (م) و(خ): \"فهي\".\n(٣) قوله: \"النظر\" ليس في (خ) و(م).\n(٤) في (م): \"سالمة\".\n(٥) في عبارة المؤلف اختصار شديد والذي يظهر من معناها: أن العزلة في بعض الأزمان قد تكون سلامة من الفتن؛ وإن كان سيترتب عليها فوات مصلحة الجمعات والجماعات والتعاون على الطاعات، فتقع الموازنة بين المصلحة الفائتة والمفسدة المدفوعة وترجح أولاهما بالتحصيل أو الدفع.\n(٦) في (غ) و(ر): \"ما ذكر\".\n(٧) قوله: \"السلمي\" ليس في (خ) و(م).\n(٨) في (خ) و(م): \"أحدث\".\n(٩) قوله: \"في دينها\" ليس في (خ) و(م).\n(١٠) في (خ) و(م): \"الخنازير\".\n(١١) أخرجه ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٥٩/ ٤٣٢) من طريق أحمد بن المعلى، عن العباس بن عثمان، عن الوليد بن مسلم، نا ابن جابر وعبد الله بن العلاء بن زَبْر؛ قالا: سمعنا عطية بن قيس يقول: قال حبيب ...، فذكره.=","vol":"2","page":235},{"text":"فاقْتَضَى أَنَّ مِثْلَ مَا فَعَلَتْهُ (١) النَّصَارَى مَشْرُوعٌ في ديننا، وليس (٢) كَذَلِكَ، وَمُرَادُهُ: أَنَّ اعْتِزَالَ النَّاسِ عِنْدَ اشْتِهَارِهِمْ بِالْبِدَعِ وَغَلَبَةِ الأَهواءِ عَلَى حدِّ مَا شُرع فِي دِينِنَا مَشْرُوعٌ (٣)، لَا أَنَّ نَفْسَ مَا فعلت النصارى في رهبانيتها يشرع (٤) لَنَا؛ لِمَا ثَبَتَ مِنْ نَسَخِهِ.\nفَعَلَى هَذِهِ الأَحْرُف جَرَى كَلَامُ الإِمام أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ نَقَلَ هُوَ عَنْهُمْ، وَاحْتَجَّ بِهِمْ. وَيَدُلُّ عى ذَلِكَ: أَنَّ جَمَاعَةً مِمَّنْ نُقِلَ عَنْهُمُ التَّرْغِيبُ في العُزْبة (٥) كانوا متزوّجين، ولم يكن ذلك مانعًا لهم (٦) مِنَ البقاءِ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ، بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى التَّحَرِّي فِي الْمُوَازَنَةِ بَيْنَ مَا يَلْحَقُهُمْ بِسَبَبِ التزوُّج؛ فَلَا إِشكال إِذًا عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ فِي كَلَامِ الْغَزَالِيِّ وَلَا غَيْرِهِ (٧) مِمَّنْ سَلَكَ مسْلَكَه؛ لأَنهم بَنَوْا عَلَى أَصلٍ قَطْعي فِي الشَّرْعِ، مُحْكَمٍ لَا يَنْسَخُهُ شَيْءٌ؛ وَلَيْسَ مِنْ مسأَلتنا بِسَبِيلٍ، وَلَكِنْ ثَمَّ تَحْقِيقٌ زَائِدٌ لَا يَسَعُ إِيراده هَاهُنَا، وَأَصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ كِتَابِ \"الْمُوَافَقَاتِ\"، مَنْ تَمَرَّنَ فِيهِ حَقَّقَ هَذَا الْمَعْنَى عَلَى التَّمَامِ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.\nوَالْحَاصِلُ: أَن مَضْمون هَذَا الْفَصْلِ يَقْتَضِي أَن العمل على الرهبانيَّة المنفيَّة في الآية قصدًا (٨) بِدْعَةٌ مِنَ الْبِدَعِ الْحَقِيقِيَّةِ لَا الإِضافية، لِرَدّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهَا أصلًا وفرعًا.\n_________\n=وإسناده لا بأس به.\nوقد ترجم ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٨/ ٢٧٦) لمعن بن ثور، فقال: معن بن ثور: قال: اجتمع هو وحبيب بن مسلمة، فسألا راهبًا في صومعته عن سبب احتباسه.\nروى عنه عطية بن قيس، سمعت أبي يقول ذلك.\nوذكر ابن عساكر عبارة ابن أبي حاتم، ثم قال: كذا قال! والمحفوظ ما تقدم. اهـ؛ أي: باللفظ الذي ساقه الشاطبي، والله أعلم.\n(١) في (غ) و(ر): \"ما فعلت\".\n(٢) قوله: \"وليس\" من (غ) و(ر) فقط.\n(٣) قوله: \"مشروع\" سقط من (خ).\n(٤) في (خ): \"متيسر\" وفي (م): \"مشروع\".\n(٥) في (م) و(خ): \"العزلة\".\n(٦) قوله: \"لهم\" ليس في (خ) و(م).\n(٧) في (ر) و(غ): \"وغيره\".\n(٨) قوله: \"قصدًا\" سقط من (خ) و(م).","vol":"2","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>فَصْلٌ</span>\nثَبَتَ بِمَضْمُونِ هَذِهِ الْفُصُولِ المتقدِّمة آنِفًا أَنَّ الحَرَج مَنْفِيٌّ عَنِ الدِّينِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا؛ وإِن كَانَ قَدْ ثَبَتَ أَيْضًا فِي الأُصول الْفِقْهِيَّةِ عَلَى وَجْهٍ مِنَ الْبُرْهَانِ أَبْلَغَ، فَلْنَبْنِ عليه فنقول:\nقد فهم قوم من أحوال (١) السَّلَفِ الصَّالِحِ وأَهل الِانْقِطَاعِ إِلى اللَّهِ - مِمَّنْ ثبتت وِلَايَتُهُمْ - أَنَّهُمْ كَانُوا يشدِّدون عَلَى أَنفسهم، ويُلزمون غيرهم الشدَّة أيضًا، فأقرّ هؤلاء الشدَّة (٢) وَالْتِزَامَ (٣) الحَرَج دَيْدَنًا فِي سُلُوكِ طَرِيقِ الْآخِرَةِ، وعَدُّوا (٤) مَنْ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ هَذَا الِالْتِزَامِ (٥) مقصِّرًا مَطْرُودًا (٦) وَمَحْرُومًا وربَّما فَهِمُوا ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ الإِطلاقات الشَّرْعِيَّةِ، فرشَّحوا (٧) بِذَلِكَ مَا الْتَزَمُوهُ، فأَفضى الأَمر بِهِمْ إِلى الْخُرُوجِ عَنِ السُّنَّةِ إِلى الْبِدْعَةِ الْحَقِيقِيَّةِ أَو الإِضافية.\nفَمِنْ ذَلِكَ: أَن يَكُونَ للمُكَلَّف طَرِيقَانِ فِي سُلُوكِهِ لِلْآخِرَةِ: أَحدهما: سَهْلٌ، وَالْآخِرُ صَعْبٌ، وَكِلَاهُمَا فِي التوصُّل إِلى الْمَطْلُوبِ عَلَى حدٍّ وَاحِدٍ؛ فيأْخذ بَعْضُ الْمُتَشَدِّدِينَ بِالطَّرِيقِ الأَصعب الَّذِي يشقُّ عَلَى المكلَّف مثلُه، وَيَتْرُكُ الطَّرِيقَ الأَسهل؛ بِنَاءً عَلَى التَّشْدِيدِ على النفس، كالذي يجد للطهارة\n_________\n(١) في (خ): \"أصول\"، وعلق عليها رشيد رضا بقوله: كلمة \"أصول\" لا يظهر لها معنى هاهنا. اهـ.\n(٢) قوله: \"فأقر هؤلاء الشدة\" ليس في (خ) و(م).\n(٣) في (ر) و(غ): \"وإلزام\".\n(٤) في (خ): \"وعدول\".\n(٥) في (ر) و(غ): \"الإلزام\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"ومطرودًا\".\n(٧) أي: فَقَوَّوا ودعموا، يقال: ترشح: إذا قوي على المشي مع أمه.\nوقال الأصمعي: إذا وضعت الناقة ولدها فهو شليل، فإذا قوي ومشى فهو راشح. \"لسان العرب\" (٢/ ٤٤٩)","vol":"2","page":237},{"text":"ماءَين: سخن وبارد، فيتحرَّى الباردَ الشاقَّ استعمالُه، ويتركُ الْآخَرَ؛ فَهَذَا لَمْ يُعْطِ النَّفْسَ حقَّها الَّذِي طَلَبَهُ الشَّارِعُ مِنْهُ، وَخَالَفَ دَلِيلَ رَفْعِ الْحَرَجِ مِنْ غَيْرِ مَعْنًى زَائِدٍ، فَالشَّارِعُ لَمْ يَرْضَ بشرعيَّة مِثْلِهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (١): ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٢)، فَصَارَ متَّبعًا لِهَوَاهُ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي قَوْلِهِ ﵊: \"أَلا أَدلكم عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟: إِسْباغ الوضوءِ عِنْدَ الكَرِيهَات ... \" (٣) الْحَدِيثَ؛ مِنْ حَيْثُ كَانَ الإِسباغ مَعَ كَرَاهِيَةِ النَّفْسِ سَبَبًا لمَحْو الْخَطَايَا وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ للإِنسان أَن يَسْعَى فِي تَحْصِيلِ هَذَا الأَجر، وذلك (٤) بإِكراه النَّفْسِ، وَلَا يَكُونُ إِلا بتَحَرِّي إِدخال الْكَرَاهِيَةِ عَلَيْهَا؛ لأَنا نَقُولُ: لَا دَلِيلَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَا قُلْتُمْ، وإِنما فِيهِ أَنَّ الإِسباغ مَعَ وُجُودِ الْكَرَاهِيَةِ، فَفِيهِ أَمر زَائِدٌ؛ كَالرَّجُلِ يَجِدُ مَاءً بَارِدًا فِي زَمَانِ الشتاءِ، وَلَا يَجِدُهُ سُخْنًا، فَلَا يَمْنَعُهُ شدَّةُ بَرْدِه عَنْ كَمَالِ الإِسباغ.\nوأَما الْقَصْدُ إِلى الْكَرَاهِيَةِ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَقْتَضِيهِ، بَلْ فِي الأَدلة الْمُتَقَدِّمَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَرْفُوعٌ عَنِ الْعِبَادِ، وَلَوْ سُلِّم أَنَّ الْحَدِيثَ يَقْتَضِيهِ؛ لَكَانَتْ أَدِلَّةُ رَفْعِ الْحَرَجِ تَعَارُضُهُ، وَهِيَ قطعيَّة (٥)، وخبر الواحد ظَنّي (٦)؛\n_________\n(١) في (م): \"قال تعالى\".\n(٢) سورة النساء: الآية (٢٩).\n(٣) أخرجه مُسْلِمٌ (٢٥١) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.\n(٤) قوله: \"وذلك\" ليس في (خ) و(م).\n(٥) من قوله: \"بل في الأدلة المتقدمة\" إلى هنا مكرر في (خ).\n(٦) رحم الله الشاطبي! فقد سرت إليه هذه المقولة التي لا تتناسب مع منهجه الذي دعى إليه؛ منهج الالتزام بالكتاب والسنة بفهم سلف الأمة. فإطلاق القول بأن خبر الواحد ظني ليس بصحيح؛ لأن خبر الواحد عندهم يعم ما ليس بمتواتر، وإن كان مرويًّا من طرقٍ عدّة لم تبلغ حدّ التواتر عندهم، وهذا يتنافى أولًا مع حكم الله تعالى في الشهادة. قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾؛ فشهادة الشاهدين تراق بها الدماء، وتستباح الأموال والفروج، فهل يمكن أن يقبل في شرع الله ما هو ظني، والظن أكذب الحديث! ولم يكن الصحابة ﵃ إذا استثبتوا يزيدون على شهادة آخر مع الواحد؛ كما في قصة عمر بن الخطاب مع أبي موسى الأشعري ﵄ في حديث الاستئذان، وشهادة أبي سعيد الخدري لأبي موسى بذلك.\nفإن قيل: لعلّ الشاطبي يعني خبر الواحد الفرد، ولا يعني ما اصطلح عليه أهل=","vol":"2","page":238},{"text":"فَلَا تَعَارُضَ بَيْنِهِمَا؛ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى تَقْدِيمِ الْقَطْعِيِّ، وَمِثْلُ الْحَدِيثِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ (١).\nوَمِنْ ذَلِكَ: الِاقْتِصَارُ مِنَ المأْكول عَلَى أَخْشَنِه (٢) وأَفْظَعهِ لمجرَّد التَّشْدِيدِ، لَا لِغَرَضٍ سِوَاهُ، فَهُوَ مِنَ النَّمَطِ الْمَذْكُورِ فَوْقَه؛ لأَن الشَّرْعَ لَمْ يَقْصِدْ إِلى تَعْذِيبِ النَّفْسِ فِي التَّكْلِيفِ (٣)، وَهُوَ أَيْضًا مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ ﵊: \"إِن لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا\" (٤). وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يأْكل الطَّيِّب إِذا وَجَدَهُ (٥) وَكَانَ يُحِبُّ الحلواءَ وَالْعَسَلَ (٦)، وَيُعْجِبُهُ لَحْمُ الذِّرَاعِ (٧)، ويُسْتَعْذَب لَهُ الماءُ (٨)، فأَين التَّشْدِيدُ مِنْ هذا؟\n_________\n=الكلام؛ قلنا: وهذا فيه ما فيه! ولكنه لا يعنيه، ولو عناه لكان أهون.\nفخبر الواحد الفرد ليس بصحيح أنه ظني بإطلاق، بل إذا احتفت به قرائن فإنه يفيد العلم؛ كما تجد تفصيله في كثير من الكتب التي تناولت هذا الموضوع بالتفصيل، ومن ذلك: \"مختصر الصواعق\" لابن القيم، و\"حجية خبر الآحاد\" للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين.\nومع هذا فالشاطبي متابع لأهل الكلام في مصطلحهم هذا.\n(١) إلى هنا انتهى ذكر الآية في (خ) و(م).\n(٢) سورة التوبة: الآية (١٢٠).\n(٣) في (ر) و(غ): \"خشنه\".\n(٤) أخرج البخاري (١٨٦٥)، ومسلم (٦٤٢) من حديث أنس: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى شيخًا يُهَادى بين ابنيه، فقال: \"ما بال هذا؟ \" قالوا: نذر أن يمشي. قال: \"إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني\"، وأمره أن يركب.\n(٥) تقدم تخريجه صفحة (١٥٧).\n(٦) ومنه أكله اللحم. انظر: \"صحيح البخاري\" (٤٧١٢) (٥٠٩٧)، و\"صحيح مسلم\" (١٩٤).\n(٧) أخرجه البخاري (٥٢٦٨)، ومسلم (١٤٧٤) من حديث عائشة ﵂.\n(٨) أخرجه البخاري (٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٩) أخرجه أحمد (٦/ ١٠٨)، وأبو داود (٣٧٣٥)، وابن حبان (٥٣٣٢)، والحاكم (٤/ ١٣٨) من طريق الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبي ﷺ كان يُستعذب له الماء من بيوت السُّقيا.\nقال الحاكم: \"صحيح على شرط مسلم\".\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٧٤): \"إسناده جيد\".\nوقد توبع عليه الدَّرَاوَرْدي من أوجهٍ لا يصح منها شيء؛ فقد تابعه:=\n١ - عامر بن صالح بن عبد الله بن عروة بن الزبير:","vol":"2","page":239},{"text":"وَلَا يَدْخُلُ الِاسْتِعْمَالُ الْمُبَاحُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ (١)؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الإِسراف الْخَارِجُ عَنْ حَدّ المباح، بدليل ما تقدم.\n_________\n=أخرج حديثه ابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ٨٣)، وأبو الشيخ في \"أخلاق النبي ﷺ\" (٣/ ٤٣٢)، وعامر هذا متروك الحديث كما في \"التقريب\" (٣١١٣).\n٢ - محمد بن المنذر، وأخوه عبيد الله، وعبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة.\nأخرجه أبو الشيخ (٣/ ٤٣٢)، والبغوي في \"شرح السنّة\" (٣٠٥٠) من طريق محمد بن المنذر.\nوأخرجه أبو الشيخ (٣/ ٤٣٢) من طريق عبيد الله بن المنذر وعبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة، ثلاثتهم عن هشام بن عروة، به.\nومحمد بن المنذر يروي الأحاديث الموضوعة عن هشام كما قال الحاكم وأبو نعيم، وقال ابن حبان: \"لا يحلّ كتب حديثه إلا على سبيل الاعتبار\" انظر \"الميزان\" (٨٢٠٨) و\"لسان الميزان\" (١٢٧٤).\nوعبد الله بن محمد متروك الحديث ضعيف الحديث جدًا كما قال أبو حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٥/ ١٥٨ رقم ٧٢٩). وعبيد الله بن المنذر ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٧/ ١٥٢)، والحافظ في \"اللسان\" (٤/ ١١٦)، وأحال فيه إلى ترجمة أخيه محمد (٥/ ٣٩٤)، والعراقي في \"ذيل الميزان\" صفحة (٣٥٢)، وذكر له ولأخيه محمد حديثًا عن هشام بن عروة، استغربه الدارقطني وقال: \"لم يتابعا عليه\"، والله أعلم.\nوأخرج مسلم (٣٠١٣) حديث جابر الطويل وفيه: \"وكان رجل من الأنصار يبرد لرسول الله ﷺ الماء في أشجاب له على حمارة من جريد\".\nوأخرج البخاري (٥٦١١)، ومسلم (٩٩٨) من حديث أنس قال: \"كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالًا من نخل، وكان أحبّ مالِهِ إليه بَيْرُحاء، وكانت مستقبل المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها، ويشرب من ماء فيه طيب ... \" الحديث.\nقال الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" (١٠/ ٧٤ - ٧٥): وذكر الواقدي من حديث سلمى امرأة أبي رافع: \"كان أبو أيوب حين نزل عنده ﷺ يستعذب له الماء من بئر مالك بن النضر والد أنس\"، ثم كان أنس وهند وحارثة أبناء أسماء يحملون الماء إلى بيوت نسائه من بيوت السقيا، وكان رباح الأسود عبده يستقي له من بئر عرس مرة، ومن بيوت السقيا مرة.\nقال ابن بطال: استعذاب الماء لا ينافي الزهد ولا يدخل في الترفُّه المذموم، بخلاف تطييب الماء بالمسك ونحوه، فقد كرهه مالك لما فيه من السَّرَف، وأما شرب الماء الحلو وطلبه فمباح، فقد فعله الصالحون، وليس في شرب الماء الملح فضيلة. اهـ.\n(١) سورة الأحقاف: الآية (٢٠).","vol":"2","page":240},{"text":"فإِذًا الاقتصار على البشيع في المأْكول مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ تنطُّعٌ، وَقَدْ مرَّ مَا في (١) قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٢) الْآيَةَ (٣).\nوَمِنْ ذَلِكَ: الِاقْتِصَارُ فِي الْمَلْبَسِ عَلَى الخَشْن مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، فإِنه مِنْ قَبِيلِ التَّشْدِيدِ والتنطُّع الْمَذْمُومِ، وَفِيهِ أَيضًا مِنْ قَصْد الشُّهْرة مَا فِيهِ.\nوَقَدْ رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ الْحَارِثِيِّ أَنه قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبي طالب ﵁: اعْدِني (٤) عَلَى أَخي عَاصِمٍ. قَالَ: مَا بَالَهُ؟ قَالَ: لَبِسَ العباءَ يُرِيدُ النُّسُك. فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: عليَّ بِهِ. فأُتي بِهِ مُؤْتَزِرًا (٥) بعباءَة (٦)، مُرْتَدِيًا بالأُخرى (٧)، شَعْثَ الرأْس وَاللِّحْيَةِ، فعبَّس فِي وَجْهِهِ وَقَالَ: وَيْحَكَ! أَما اسْتَحْيَيْتَ مِنْ أَهلك؟ أَما رَحِمْتَ وَلَدَكَ؟ أَترى اللَّهَ أَباح لَكَ الطَّيِّبَاتِ وَهُوَ يَكْرَهُ أَن تَنَالَ مِنْهَا شَيْئًا؟ بَلْ أَنت أَهون عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ (٨)! أَما سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ *﴾ إِلى قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ *﴾ (٩)؟ أَفترى اللَّهُ أَبَاحَ هَذِهِ لِعِبَادِهِ إِلا لِيَبْتَذِلُوهُ (١٠) ويحمدوا الله عليه؛ فيثيبهم عَلَيْهِ؟ وإِن ابْتِذَالَكَ نِعَمَ اللَّهِ بِالْفِعْلِ خَيْرٌ مِنْهُ بِالْقَوْلِ. قَالَ عَاصِمٌ: فَمَا بَالَكَ فِي خُشُونة مأْكَلِك وَخُشُونَةِ مَلْبسك؟ قَالَ: وَيْحَكَ! إِن اللَّهَ فَرَضَ عَلَى أَئمة الْحَقِّ أَن يُقَدِّرُوا أَنفسهم بضعفة الناس (١١).\n_________\n(١) في (خ) و(م): \"وقد مرّ ما فيه في\".\n(٢) سورة المائدة: الآية (٨٧).\n(٣) قوله: \"الآية\" من (خ) و(م) فقط.\n(٤) كذا في جميع النسخ، وكأن ناسخ (م) استشكلها فوضع عليها ثلاث نقاط (. . .)، وأما رشيد رضا فأثبتها: \"اغد بي\".\n(٥) في (ر) و(غ): \"متزررًا\".\n(٦) في (خ): \"العباءة\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"بأخرى\".\n(٨) في (خ): \"منها من ذلك\".\n(٩) سورة الرحمن: الآيات (١٠ - ٢٢).\n(١٠) علق رشيد رضا هنا بقوله: الابتذال ضد الصون، وما يستعمل يبتذل؛ فالمراد استعمال النعم والطيبات والانتفاع بها، ويستعمل الابتذال في لازمه، وهو الامتحان والاحتقار، وليس بمراد هنا. اهـ.\n(١١) رواه ابن الجوزي في \"تلبيس إبليس\" صفحة (٢٤٧) من طريق ابن الأنباري، عن أبيه، عن أبي عكرمة الضبي، عن مسعود بن بشر، عن أبي عبيدة معمر بن المثنى به.\nوإسناده معضل؛ فبين أبي عبيدة والربيع مفاوز، ومسعود وأبو عكرمة لم أقف لهما على ترجمة، والله أعلم.","vol":"2","page":241},{"text":"فتأَمّلوا كَيْفَ لَمْ يُطَالِبِ اللَّهُ الْعِبَادَ بِتَرْكِ الْمَلْذُوذَاتِ؛ وإِنما طَالَبَهُمْ بِالشُّكْرِ عَلَيْهَا إِذا تَنَاوَلُوهَا. فالمُتَحَرِّي لِلِامْتِنَاعِ مَنْ تَنَاوَلَ مَا أَباحه اللَّهُ من غير مُوجِبٍ شَرْعي مُفْتَئِت عَلَى الشَّارِعِ (١)، وَكُلُّ مَا جاءَ عَنِ الْمُتَقَدِّمِينَ من الامتناع عن بعض المتناولات ليس (٢) مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وإِنما امْتَنَعُوا مِنْهُ لِعَارِضٍ شَرْعِيٍّ يَشْهَدُ الدَّلِيلُ بِاعْتِبَارِهِ، كَالِامْتِنَاعِ مِنَ التوسُّع لضيق الحلال (٣) في يده، أَو لأَن التناول (٤) ذَرِيعَةٌ (٥) إِلى مَا يُكْرَهُ أَو يُمْنَعُ، أَو لأَن فِي المُتَنَاوَلِ وَجْهُ شُبْهَةٍ تَفَطَّنَ إِليه التَّارِكُ وَلَمْ يَتَفَطَّنْ إِليه غَيْرُهُ مِمَّنْ عَلِمَ بِامْتِنَاعِهِ. وَقَضَايَا الأَحوال لَا تُعَارِضُ الأَدلة بِمُجَرَّدِهَا؛ لِاحْتِمَالِهَا فِي أَنفسها. وَهَذِهِ المسأَلة مذكورةٌ عَلَى وجهها في كتاب \"الموافقات\" (٦)، والحمد لله (٧).\nوَمِنْ ذَلِكَ الِاقْتِصَارُ فِي الأَفعال وَالْأَحْوَالِ (٨) عَلَى مَا يُخَالِفُ مَحَبَّةَ النُّفُوسِ، وَحَمْلُهَا عَلَى ذَلِكَ فِي كُلِّ شيءٍ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ، فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ التَّشْدِيدِ. أَلا تَرَى أَن الشَّارِعَ أَباح أَشياءَ مِمَّا فِيهِ قضاءُ نَهْمَةِ النَّفْسِ وتمتُّعها واستلذاذُها؟ فَلَوْ كَانَتْ مخالفتُها بِرًّا لشُرِعَ، ولنُدِبَ النَّاسَ إِلى تَرْكِهِ، فَلَمْ يَكُنْ مُبَاحًا، بَلْ مندوبَ التَّرْكِ، أَو مكروهَ الْفِعْلِ.\nوأَيضًا فإِن اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ فِي الأُمور المُتَنَاوَلةِ - إِيجابًا أَو نَدْبًا - أَشياءَ مِنَ المُسْتَلَذَّات الْحَامِلَةِ عَلَى تَنَاوُلِ تِلْكَ الْأُمُورِ، لِتَكُونَ تِلْكَ اللَّذَّاتِ كَالْحَادِيَ إِلى الْقِيَامِ بِتِلْكَ الأُمور، كَمَا جَعَلَ فِي الأَوامر إَذا امْتُثلت، وَفِي النَّوَاهِي إِذا اجْتُنبت أُجورًا (٩). مُنْتَظَرَةً؛ وَلَوْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ، وجعل في\n_________\n(١) علق رشيد رضا هنا بقوله: يقال: افتأت على فلان افتئاتًا، وافتأت افتياتًا: إذا تصرف بشيء من شؤونه بدون إذنه ولا رضاه. اهـ.\n(٢) قوله: \"ليس\" ليس في (خ).\n(٣) في (خ): \"الحال\".\n(٤) في (خ) و(م): \"المتناول\".\n(٥) في (ر) و(غ): \"خديعة\".\n(٦) انظر \"الموافقات\" (٤/ ٨ و٨٧).\n(٧) قوله: \"والحمد لله\" ليس في (خ) و(م).\n(٨) في (غ) و(ر): \"والأقوال\".\n(٩) في (خ): \"أجروا\".","vol":"2","page":242},{"text":"الأَوامر إِذا تُركت وَالنَّوَاهِي إِذا ارتُكبت جَزَاءً عَلَى خِلَافِ الأَول؛ لِيَكُونَ جَمِيعُ ذَلِكَ مُنْهِضًا لِعَزَائِمِ المكلَّفين فِي الِامْتِثَالِ، حَتَّى إِنه وَضَعَ لأَهل الامتثال المثابرين على المتابعة (١) فِي أَنفس التَّكَالِيفِ أَنواعًا مِنَ اللَّذَّاتِ الْعَاجِلَةِ، والأَنوار الشَّارِحَةِ لِلصُّدُورِ، مَا لَا يَعْدِلُهُ مِنْ لَذَّاتِ الدُّنْيَا شَيْءٌ، حَتَّى يَكُونَ سَبَبًا لاسْتِلْذاذ الطَّاعَةِ، والفِرَار إِليها، وَتَفْضِيلِهَا عَلَى غَيْرِهَا، فَيَخِفَّ عَلَى الْعَامِلِ العملُ، حَتَّى يَتَحَمَّلَ مِنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ قَادِرًا قبلُ عَلَى (٢) تحمُّله إِلا بالمشقَّة (٣) الْمَنْهِيِّ عَنْهَا؛ فإِذا سَقَطَتْ سَقَطَ النَّهْيُ.\nبَلْ تأَمّلوا كَيْفَ وَضَعَ للأَطعمة عَلَى اخْتِلَافِهَا (٤) لذّاتٍ مُخْتَلِفَاتِ الأَلوان، وللأَشربة (٥) كَذَلِكَ، وَلِلْوِقَاعِ (٦) الْمَوْضُوعِ سببًا لاكتساب العيال - وهو أَشد تَعَبًا (٧) على النَّفْسِ - لذَّةً أَعْلَى مِنْ لَذَّةِ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ، إِلى غير ذلك من الأُمور الخارجة عَنْ نَفْسِ المُتَنَاوَلِ (٨)، كَوَضْعِ الْقَبُولِ فِي الأَرض، وَتَرْفِيعِ الْمَنَازِلِ، والتقدُّم (٩) عَلَى سَائِرِ النَّاسِ فِي الأُمور العِظَام (١٠)، وهي أَيضًا تقتضي لذّاتٍ تُسْتَصْغَرُ في جَنْبَهَا لذّاتُ الدُّنْيَا.\nوإِذا كَانَ كَذَلِكَ، فأَين هذا الوَضْع (١١) الْكَرِيمُ مِنَ الرَّبِّ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ؟ فَمَنْ يأْتي مُتَعَبِّدًا - بِزَعْمِهِ - بِخِلَافِ مَا وَضَعَ الشَّارِعُ لَهُ مِنَ الرِّفْقِ وَالتَّيْسِيرِ والأَسباب الْمُوصِلَةِ إِلى مَحَبَّتِهِ، فيأْخذ بالأَشق والأَصعب، ويجعله\n_________\n(١) في (خ): \"الثائرين على المبايعة\".\n(٢) قوله: \"على\" ليس في (خ) و(م).\n(٣) في (غ) و(ر): \"لا بالمشقة\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"اختلاف\".\n(٥) في (ر) و(غ): \"والأشربة\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"للوقاع\".\n(٧) في (ر) و(غ): \"نصبًا\".\n(٨) في (غ) و(ر): \"التناول\".\n(٩) في (غ) و(ر): \"والتقديم\".\n(١٠) في (خ) و(م): \"العظائم\".\n(١١) في (خ): \"الموضع\".","vol":"2","page":243},{"text":"هُوَ السُّلَّمَ الْمُوصِلَ وَالطَّرِيقَ الأَخص؛ هَلْ هَذَا كُلُّهُ إِلا غَايَةٌ فِي الْجَهَالَةِ وتَلَفٌ فِي تِيهِ (١) الضَّلَالَةِ؟ عَافَانَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ.\nفإِذا سَمِعْتُمْ بِحِكَايَةٍ تَقْتَضِي تَشْدِيدًا عَلَى هَذَا السَّبِيلِ، أَو (٢) يَظْهَرُ مِنْهَا تنطُّع أَو تكلُّف، فإِما أَن يَكُونَ صَاحِبُهَا مِمَّنْ يُعتبر كَالسَّلَفِ الصالح ﵃، أَو مِنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَا يُعرف وَلَا ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ عِنْدَ أَهل الحَلّ والعَقْد مِنَ العلماءِ، فإِن كَانَ الأَول فَلَا بُدَّ أَن يَكُونَ عَلَى خِلَافِ مَا ظَهَرَ لِبَادِيَ الرأْي - كَمَا تَقَدَّمَ ـ، وإِن كَانَ الثَّانِي فَلَا حُجّة فِيهِ، وإِنما الحُجَّة فِي الْمُقْتَدِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فهذه أمثلة (٣) خمسة في التشديد على النفس (٤) فِي سُلُوكِ طَرِيقِ الْآخِرَةِ يُقَاسُ عَلَيْهَا مَا سواها.\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"من تيه\".\n(٢) قوله: \"أو\" ليس في (غ) و(ر).\n(٣) قوله: \"أمثلة\" ليس في (خ) و(م).\n(٤) قوله: \"على النفس\" ليس في (خ) و(م).","vol":"2","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>فَصْلٌ</span>\nقَدْ يَكُونُ أَصل الْعَمَلِ مَشْرُوعًا، وَلَكِنَّهُ يَصِيرُ جَارِيًا مَجْرَى الْبِدْعَةِ مِنْ بَابِ الذَّرَائِعِ، وَلَكِنْ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي فَرَغْنَا مِنْ ذِكْرِهِ.\nوَبَيَانُهُ: أَن الْعَمَلَ يَكُونُ مَنْدُوبًا إِليه - مَثَلًا - فيَعمل بِهِ الْعَامِلُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ عَلَى وَضْعِهِ الأَول مِنَ النَّدْبِيَّة، فَلَوِ اقْتَصَرَ الْعَامِلُ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ لَمْ يَكُنْ بِهِ بأْس، وَيَجْرِي مَجْرَاهُ إِذا دَامَ عَلَيْهِ فِي خَاصِّيَّتِهِ (١) غَيْرَ مُظْهِرٍ لَهُ دَائِمًا، بَلْ إِذا أَظهره لَمْ يُظْهِرْهُ عَلَى حُكْمِ الْمُلْتَزَمَاتِ مِنَ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ وَالْفَرَائِضِ اللَّوَازِمِ، فَهَذَا صَحِيحٌ لَا إِشكال فِيهِ. وأَصله نَدْبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لإِخفاء النَّوَافِلِ وَالْعَمَلِ بِهَا فِي الْبُيُوتِ، وَقَوْلُهُ: \"أَفضل الصَّلَاةِ صَلَاتُكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ إِلا الْمَكْتُوبَةَ\" (٢). فَاقْتَصَرَ فِي الإِظهار عَلَى الْمَكْتُوبَاتِ - كَمَا تَرَى ـ؛ وإِن كَانَ ذَلِكَ فِي مَسْجِدِهِ ﵇، أَو فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، أَو في مسجد بيت المقدس، حتى قَالُوا: إِن النَّافِلَةَ فِي الْبَيْتِ أَفضل مِنْهَا فِي أَحد هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، بِمَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ. وَجَرَى مَجْرَى الْفَرَائِضِ فِي الْإِظْهَارِ: السُّنَنُ (٣)؛ كَالْعِيدَيْنِ وَالْخُسُوفِ والاستسقاءِ وَشِبْهِ ذَلِكَ، فَبَقِيَ مَا سِوَى ذَلِكَ حُكْمُهُ الإِخفاء، وَمِنْ هُنَا ثَابَرَ السَّلَفُ الصَّالِحُ ﵃ عَلَى إِخفاءِ الأَعمال فيما استطاعوا وخفَّ (٤) عَلَيْهِمْ الاقتداءُ (٥) بِالْحَدِيثِ، وَبِفِعْلِهِ ﵊؛ لأَنه القدوة والأسوة.\n_________\n(١) في (ر) و(غ) \"خاصته\".\n(٢) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٧٣١ و٦١١٣ و٧٢٩٠)، ومسلم (٧٨١).\n(٣) في (خ): \"والسنن\".\n(٤) في (خ) و(م): \"أو خف\".\n(٥) في (غ) و(ر): \"اقتداء\".","vol":"2","page":245},{"text":"وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهَا إِذا عُمِلَ بها في البيوت دائمًا (١) أَن تقام (٢) جَمَاعَةً فِي الْمَسَاجِدِ البتَّةَ، مَا عَدَا رَمَضَانَ - حَسْبَمَا (٣) تَقَدَّمَ ـ، وَلَا فِي الْبُيُوتِ دَائِمًا، وإِن وَقَعَ (٤) ذَلِكَ فِي الزَّمَانِ الأَول فِي الفَرَط (٥)؛ كَقِيَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَمَا بَاتَ عِنْدَ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ (٦)، وَمَا ثَبَتَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: \"قُومُوا (٧) فلأُصلِّ لَكُمْ\" (٨).\nوَمَا فِي \"الموطإِ\" (٩) مِنْ صَلَاةِ يَرْفَأ (١٠) مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَقْتَ الضُّحَى، فَمِنْ فِعْلِهِ فِي بَيْتِهِ وَقْتًا مَّا، فلا حَرَج، وقد نصّ (١١) العلماءُ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ بِهَذَا الْقَيْدِ الْمَذْكُورِ - وإِن كَانَ الْجَوَازُ قَدْ وَقَعَ فِي \"الْمُدَوَّنَةِ\" (١٢) مُطْلَقًا ـ، فَمَا ذَكَرَهُ تَقْيِيدٌ لَهُ، وأَظن ابْنَ حبيب نقله (١٣) عَنْ مَالِكٍ مُقَيَّدًا، فإِذا اجْتَمَعَ فِي النَّافِلَةِ أَن تُلْتَزَم (١٤) التزام السُّنَنَ الرَّوَاتِبَ، إِما دَائِمًا، وإِما فِي أَوقات مَحْدُودَةٍ وَعَلَى وَجْهٍ مَحْدُودٍ، وأُقيمت فِي الْجَمَاعَةِ، وكان ذلك (١٥) فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا الْفَرَائِضُ، أَو المواضع التي تقام\n_________\n(١) قوله: \"دائمًا\" ليس في (غ) و(ر).\n(٢) في (خ) و(م): \"أن يقام\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"كما\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"وإنما وقع\".\n(٥) علق رشيد رضا هنا بقوله: كذا! ولا يظهر لهذه الكلمة هنا معنى. والمثل الذي ذكره ثابت في \"الصحيح\"؛ هو أن ابن عباس أراد أن يعرف صلاة النبي ﷺ في الليل، فبات عند خالته ميمونة في ليلتها، فلما قام النبي ﷺ من الليل قام معه، واقتدى به، فصلى إحدى عشرة ركعة، فهي قيامه ووتره ﷺ. اهـ.\n(٦) أخرجه البخاري (١١٧)، ومسلم (٧٦٣).\n(٧) تكرر قوله \"قوموا\" في (غ).\n(٨) أخرجه البخاري (٣٨٠)، ومسلم (٦٥٨) عن أنس ﵁.\n(٩) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ١٥٤) عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه قال: دخلت على عمر بن الخطاب بالهاجرة، فوجدته يسبِّح، فقمت وراءه، فقرّبني حتى جعلني حذاءه عن يمينه، فلما جاء يرفأ؛ تأخّرت، فصففنا وراءه.\nوسنده صحيح ..\n(١٠) في (م): \"يرقا\".\nوأوضح رشيد رضا أن يرفأ هذا هو خادم عمر ﵁.\n(١١) في (خ): \"ونص\".\n(١٢) \"المدونة\" (١/ ٩٦).\n(١٣) في (خ): \"نقل\"، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: لعله: \"نقله\"، أو: \"نقل ذلك\".اهـ.\n(١٤) في (خ) و(م): \"يلتزم\".\n(١٥) قوله: \"وكان ذلك\" ليس في (خ) و(م).","vol":"2","page":246},{"text":"فِيهَا السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ؛ فَذَلِكَ ابْتِدَاعٌ (١).\nوَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أَنه لَمْ يأْت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَا عَنْ أَحد مِنَ (٢) أَصحابه، ولا التَّابِعِينَ لَهُمْ بإِحسان (٣) فعلُ هَذَا الْمَجْمُوعِ هَكَذَا مَجْمُوعًا، وإِن أَتى مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تِلْكَ التقييدات مشروعًا (٤). فالتقييد في المطلقات التي لم يثبت (٥) بدليل الشرع تقييدها رأيٌ (٦) في التشريع، كما أَن إِطلاق المُقَيَّدات شرعًا رأْي فِي التَّشْرِيعِ (٧)، فَكَيْفَ إِذا عَارَضَهُ الدَّلِيلُ؛ وَهُوَ الأَمر بإِخفاءِ النَّوَافِلِ مَثَلًا؟\nوَوَجْهُ دُخُولِ الِابْتِدَاعِ هُنَا: أَن كُلَّ مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ رسول الله ﷺ من النَّوَافِلِ وأَظهره فِي الْجَمَاعَاتِ فَهُوَ سُنَّة، فَالْعَمَلُ بِالنَّافِلَةِ الَّتِي (٨) لَيْسَتْ بِسُنَّةٍ - عَلَى طَرِيقِ الْعَمَلِ بِالسُّنَّةِ - إِخراج لِلنَّافِلَةِ عَنْ مَكَانِهَا الْمَخْصُوصِ بِهَا شَرْعًا. ثُمَّ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اعْتِقَادُ الْعَوَامِّ فِيهَا، وَمَنْ لَا عِلْمَ عِنْدِهِ أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَهَذَا فَسَادٌ عَظِيمٌ لِأَنَّ اعْتِقَادَ مَا لَيْسَ بِسُنَّةٍ سُنَّةً (٩)، وَالْعَمَلَ بِهَا عَلَى حَدِّ الْعَمَلِ بِالسُّنَّةِ: نحوٌ مِنْ تَبْدِيلِ الشَّرِيعَةِ (١٠)، كَمَا لَوِ اعْتَقَدَ فِي الْفَرْضِ أَنه لَيْسَ بِفَرْضٍ، أَو فيما (١١) ليس بفرض أَنه فرض، ثم عمل على وَفْقَ اعْتِقَادِهِ، فإِنه فَاسِدٌ، فَهَبِ العَمَلَ فِي الأَصل صَحِيحًا، فإِخراجه عَنْ بَابِهِ اعْتِقَادًا وَعَمَلًا مِنْ بَابِ إِفساد الأَحكام الشَّرْعِيَّةِ، وَمِنْ هُنَا ظهر عذر السلف الصالح ﵃ فِي تَرْكِهِمْ سُنَنًا قَصْدًا؛ لِئَلَّا يَعتقد الجاهلُ أَنها مِنَ الْفَرَائِضِ؛ كالأُضحية وَغَيْرِهَا؛ كَمَا تَقَدَّمَ ذكره (١٢).\n_________\n(١) في (خ): \"اتباع\".\n(٢) قوله: \"أحد من\" ليس في (خ) و(م).\n(٣) في (ر) و(غ): \"لهم بإحسان لهم\".\n(٤) قوله: \"مشروعًا\" ليس في (خ).\n(٥) في (م): \"تثبت\".\n(٦) في (غ): \"برأي\".\n(٧) من قوله: \"كما أن إطلاق\" إلى هنا سقط من (خ) و(م).\n(٨) قوله: \"التي\" ليس في (م).\n(٩) قوله: \"سنة\" ليس في (خ).\n(١٠) في (ر) و(غ): \"الشرعية\".\n(١١) في (خ): \"أو ما\" وفي (م): \"أو بما\".\n(١٢) في (خ) و(م): \"ذلك\" بدل \"ذكره\".\nوترك بعض السلف الأضحية لئلا يعتقد الجاهل أنها من الفرائض لم يتقدم الكلام عنه، ولكنه سيأتي (ص٣٤٦).","vol":"2","page":247},{"text":"ولأَجله أَيضًا نَهَى أَكثرهم عَنِ اتِّبَاعِ الْآثَارِ؛ كَمَا خَرَّجَ الطَّحَاوِيُّ وَابْنُ وَضَّاحٍ وغيرُهما عَنْ مَعْرُور (١) بْنِ سُوَيد الأَسدي قَالَ: وَافَيْتُ الْمَوْسِمَ مَعَ أَمير الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فلما انصرف (٢) إِلَى الْمَدِينَةِ انْصَرَفْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا صَلَّى لَنَا صَلَاةَ الْغَدَاةِ فقرأَ فِيهَا: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ *﴾ (٣) و﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ *﴾ (٤)، ثُمَّ رأَى نَاسًا يَذْهَبُونَ مَذْهَبًا، فَقَالَ: أَيْنَ يَذْهَبُ هؤلاءِ؟ قَالُوا: يَأْتُونَ مَسْجِدًا هَاهُنَا صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ (٥): إِنما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا، يَتَّبعون آثَارَ أَنبيائهم، فاتّخَذوها كَنَائِسَ وبِيَعًا، مَنْ أَدركته الصَّلَاةُ فِي شيءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلْيُصَلِّ فِيهَا، وإِلا فَلَا يتعمَّدْها (٦).\nوَقَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ (٧): سَمِعْتُ عِيسَى بْنَ يُونُسَ مُفْتِي أَهل طَرَسُوس يَقُولُ: أَمر عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ بِقَطْعِ الشَّجَرَةِ الَّتِي بُويِعَ تَحْتَهَا النَّبِيُّ ﷺ، فَقَطَعَهَا؛ لأَن النَّاسَ كَانُوا يَذْهَبُونَ فَيُصَلُّونَ تحتها، فخاف عليهم الفتنة (٨).\n_________\n(١) في (خ): \"معزوز\".\n(٢) في (خ): \"انصرفنا\".\n(٣) إلى هنا انتهى ذكر الآية في (خ) و(م).\n(٤) سورة الفيل: الآية (١).\n(٥) سورة قريش: الآية (١).\n(٦) في (ر) و(غ) و(م): \"قال\".\n(٧) أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١١٨)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٥٣)، وابن وضاح في \"البدع والنهي عنها\" (١٠٤، ١٠٥) جميعهم من طريق الأعمش، عن معرور بن سويد به.\nوإسناده صحيح.\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٥٦٩): ثابت عن عمر.\n(٨) في \"البدع والنهي عنها\" (١٠٦).\n(٩) زاد ابن وضاح قوله: قال عيسى بن يونس: وهو عندنا من حديث ابن عون، عن نافع: أن الناس كانوا يأتون الشجرة، فقطعها عمر.\nوهذا الأثر أخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ١٠٠) من طريق عبد الوهاب بن عطاء، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٧٥٤٥) من طريق معاذ بن معاذ، كلاهما عن عبد الله بن عون، عن نافع؛ قال: كان الناس يأتون الشجرة التي يقال لها: شجرة الرضوان، فيصلّون عندها؛ قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فأوعدهم فيها، وأمر بها فقُطعت.\nوسنده رجاله ثقات، لكنه منقطع بين نافع وعمر ﵁، ولذا صححه الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٧/ ٤٤٨) إلى نافع، فقال: \"ثم وجدت عند ابن سعد بإسناد=","vol":"2","page":248},{"text":"قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ (١): وَكَانَ مَالِكُ بْنُ أَنس وَغَيْرُهُ مِنَ علماءِ الْمَدِينَةِ يَكْرَهُونَ إِتيان تِلْكَ الْمَسَاجِدِ، وَتِلْكَ الْآثَارِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، ما عدا قُباءَ وحده (٢).\nقال: وَسَمِعْتُهُمْ يَذْكُرُونَ أَن سُفْيَانَ (٣) دَخَلَ مَسْجِدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَصَلَّى فِيهِ، وَلَمْ يَتَّبِعْ تِلْكَ الْآثَارَ، وَلَا الصَّلَاةَ (٤) فِيهَا. وَكَذَلِكَ فَعَلَ غَيْرُهُ أَيضًا مِمَّنْ يُقتدى بِهِ.\nوَقَدِمَ وَكِيعٌ أَيضًا مَسْجِدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَلَمْ يعدُ فعلَ سُفْيَانَ.\nقَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ (٥): فَعَلَيْكُمْ بِالِاتِّبَاعِ لأَئمة الْهُدَى الْمَعْرُوفِينَ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَنْ مَضَى: كَمْ مِنْ أَمر هُوَ الْيَوْمَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ كَانَ مُنْكَرًا عِنْدَ مَنْ مَضَى؟\nوَقَدْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ كُلَّ بِدْعَةٍ وإِن كَانَتْ فِي خَيْرٍ (٦).\nوَجَمِيعُ هَذَا ذَرِيعَةٌ لِئَلَّا يُتّخذ سُنَّةً مَا لَيْسَ بِسُنَّةٍ، أَو يُعَدّ مَشْرُوعًا ما ليس بمشروع (٧).\nوَقَدْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ الْمَجِيءَ إِلى بَيْتِ المَقْدِس خِيفَةَ أَن يُتَّخذ ذَلِكَ سُنَّةً، وَكَانَ يَكْرَهُ مجيءَ قُبُورِ الشُّهَدَاءِ (٨)، وَيَكْرَهُ مجيءَ قُباءَ خَوْفًا مِنْ ذَلِكَ، مَعَ مَا جاءَ فِي الآثار من الترغيب فيه (٩).\n_________\n=صحيح عن نافع ... \"، فذكره.\nوقد أخرجه الفاكهي في \"أخبار مكة\" (٥/ ٢٨٧٦) من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن عُلَيَّة؛ ثنا ابن عون؛ قال: بلغ عمر ...، فذكره هكذا بإسقاط نافع من الإسناد، وهذا أشد انقطاعًا، لكن رواية ابن أبي شيبة وابن سعد أرجح، لاتفاق ثقتين على روايته عن ابن عون، عن نافع.\n(١) في \"البدع والنهي عنها\" صفحة (٨٨).\n(٢) وقع في المطبوع من \"البدع والنهي عنها\": \"وأحدًا\".\n(٣) أي: الثوري.\n(٤) في (ر): \"إلا الصلاة\"، ويشبه أن تكون هكذا في (غ).\n(٥) في \"البدع والنهي عنها\" صفحة (٨٩).\n(٦) المصدر السابق صفحة (٩١).\n(٧) في (خ) و(م): \"ما ليس معروفًا\".\n(٨) أي: لمن كان بالمدينة من غير شدّ رحل إليها؛ لأن شدّ الرحال للقبور محرّم.\n(٩) انظر \"البدع والنهي عنها\" صفحة (٩١).","vol":"2","page":249},{"text":"وَلَكِنْ لَمَّا خَافَ العلماءُ عَاقِبَةَ ذَلِكَ تَرَكُوهُ.\nوَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ وأَشْهَب: سَمِعْنَا مَالِكًا يَقُولُ لما أَتاها (١) سَعْدُ (٢) بْنُ أَبي وَقَّاصٍ؛ قَالَ: وَدِدْتُ أَن رِجْلِي تَكَسَّرت وأَني لَمْ أَفعل (٣) (٤).\nوَسُئِلَ ابْنُ كِنَانَةَ عَنِ الْآثَارِ الَّتِي تَرَكُوا بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ: أَثبت مَا فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا قُباءَ (٥)، إِلا أَن مَالِكًا كَانَ يَكْرَهُ مَجِيئَهَا خَوْفًا مِنْ أَن تُتَّخَذَ (٦) سُنَّةً (٧).\nوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ حَسَّانَ (٨): كُنْتُ أَقرأُ عَلَى ابْنِ نَافِعٍ، فَلَمَّا مَرَرْتُ بِحَدِيثِ التَّوْسعة ليلة عاشوراءَ (٩)\n_________\n(١) في (خ) و(م): \"أتاه\".\n(٢) في (م): \"سعيد\".\n(٣) في (ر) و(غ): \"أن رجلي تكسر ولم أفعل\"، والمثبت موافق لما في \"البدع والنهى عنها\".\n(٤) انظر: \"البدع والنهي عنها\" صفحة (٩١).\n(٥) في (ر) و(غ): \"أثبت ما عندنا في ذلك\".\n(٦) في (خ) و(م): \"يتخذ\".\n(٧) انظر \"البدع والنهي عنها\" صفحة (٩١).\n(٨) كما في المصدر السابق.\n(٩) حديث التوسعة على العيال يوم عاشوراء:\nورد من حديث عبد الله بن مسعود، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وموقوفًا على عمر بن الخطاب.\n١ - أما حديث عبد الله بن مسعود: فأخرجه العقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ٢٥٢)، وابن حبان في \"المجروحين\" (٣/ ٩٧)، والطبراني في \"الكبير\" (١٠/ ٧٧ رقم ١٠٠٠٧)، والبيهقي في \"الشعب\" (٣٥١٣)، وابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ٢١١)، والخطيب في \"الموضح\" (٢/ ٢٧٧)، جميعهم من طريق الهَيْصَم بن الشَّدَّاخ، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"من وسَّع على عياله يوم عاشوراء؛ لم يزل في سعةٍ سائرَ سنته\".\nووقع عند العقيلي: \"يحيى بن وثاب\" بدل \"إبراهيم\".\nقال العقيلي: \"ولا يثبت في هذا عن النبي ﷺ شيء، إلا شيء يروى عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر مرسلًا، به\".\nذكر العقيلي هذا الحديث في ترجمة علي بن المهاجر العيشي، وذكر أنه يروي عن هيصم بن الشماخ [كذا!]، ثم قال: \"كلاهما مجهول، والحديث غير محفوظ\". وذكره ابن حبان في ترجمة هيصم بن الشداخ من \"المجروحين\"، وقال عنه: \"شيخ يروي عن الأعمش الطّامّات في الروايات، لا يجوز الاحتجاج به\". وأما ابن عدي فذكره في ترجمة علي بن أبي طالب الدهّان الراوي له عن الهيصم، ثم قال: \"وهذا=","vol":"2","page":250},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=الحديث بهذا الإسناد لا أعلم يرويه غير علي بن أبي طالب\".\nقلت: وفي بعض المصادر المتقدمة التي أخرجته جاء من رواية علي بن المهاجر، وهذا يوهم أن علي بن أبي طالب الدّهان توبع عليه، فيستدرك على ابن عدي، وليس كذلك، فقد أخرج الخطيب في الموضع السابق من \"الموضح\" هذا الحديث من طريق علي بن مهاجر، ثم قال: \"وهو علي بن أبي طالب الدهّان ... \"، ثم أخرج الحديث مرة أخرى بتسميته علي بن أبي طالب، ثم قال: \"قال لنا أبو نعيم: لم يروه عن الأعمش إلا الهيصم، وعنه علي بن أبي طالب، واسم أبي طالب: مهاجر\".\nوذكر ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (١١٤٢) هذا الحديث، وذكر قول العقيلي وابن حبان، وتَعَقَّبَه السيوطي في \"اللآلئ\" (٢/ ١١١) بالطرق الآتية.\nوقال الذهبي في ترجمة علي بن مهاجر من \"الميزان\" (٣/ ١٥٨ رقم ٥٩٥٠): \"لا يُدرى من هو، والخبر موضوع\".\nويدلّ على وضعه: تفرُّد علي بن المهاجر به، عن شيخه الهيصم بن الشَّدَّاخ، عن الأعمش، وعلي وشيخه متكلم فيهما بما سبق ذكره، والأعمش إمام مشهور مكثر جدًّا من الحديث، والرواة عنه كُثُر، ومنهم أئمة كشعبة والثوري، فأين كانوا عن هذا الحديث الذي لا يعرف إلا من طريق هذا المتهم: الهيصم؟!! وانظر \"لسان الميزان\" (٧/ ٢٧٧).\n٢ - وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه: العقيلي في \"الضعفاء\" (٤/ ٦٥)، وابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢٠٠)، وأبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (١/ ١٩٨)، والبيهقي في \"الشعب\" (٣٥١٥) - من طريق ابن عدي ـ، وابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (٩١٠) - من طريق العقيلي ـ، جميعهم من طريق حجاج بن نصير، عن محمد بن ذكوان، عن يعلى بن حكيم، عن سليمان بن أبي عبد الله، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: ...، فذكره.\nذكر العقيلي هذا الحديث فيما ينتقد على محمد بن ذكوان، وزاد عقب إخراجه له قوله: \"وسليمان بن أبي عبد الله مجهول بالنقل، والحديث غير محفوظ\".\nوذكره ابن عدي فيما ينتقد على محمد بن ذكوان.\nوأعله ابن الجوزي بكلام العقيلي، وكذا صنع في \"الموضوعات\" (٢/ ٥٧٢ - ٥٧٣). وللحديث ثلاث علل.\nأـ حجاج بن نُصير الفَسَاطيطي ضعيف، كان يقبل التلقين كما في \"التقريب\" (١١٤٨).\nب - محمد بن ذكوان الأزدي الطّاحي، ويقال: الجَهْضَمي؛ قال عنه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ٧٩ رقم ٢٠٦): \"منكر الحديث\"، وكذا قال أبو حاتم الرازي=","vol":"2","page":251},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=كما في \"الجرح والتعديل\" (٧/ ٢٥١ رقم ١٣٧٨)، وكذا قال النسائي كما في الموضع السابق من \"الكامل\" لابن عدي، وقال مرة: \"ليس بثقة، ولا يكتب حديثه\"؛ كما في \"تهذيب الكمال\" (٢٥/ ١٨٢).\nفإن قيل: وثقه يحيى بن معين؛ قلنا: لعله التبس عليه بآخر، وانظر رَدّ المعلِّمي لتوثيقه في تعليقه على \"الفوائد المجموعة\" (ص٩٨ - ٩٩).\nجـ الراوي عن أبي هريرة: سليمان بن أبي عبد الله، وهو مقبول كما في \"التقريب\" (٢٥٩٧)، وتقدم قول العقيلي عنه: \"مجهول بالنقل، والحديث غير محفوظ\".\nوبهذه العلل الثلاث يتضح أن الحديث ضعيف جدًا، ولا ينجبر ضعفه بتعدد طرقه، فضلًا عن أن يكون صحيحًا أو حسنًا. ومن هنا يتضح ما في قول الحافظ العراقي من البعد؛ حيث قال في \"أماليه\": \"لحديث أبي هريرة طرق صحح بعضها ابن ناصر الحافظ، وأورده ابن الجوزي في \"الموضوعات\" من طريق سليمان بن أبي عبد الله عنه، وقال: سليمان مجهول، وسليمان ذكره ابن حبان في الثقات، فالحديث حسن على رأيه\" اهـ من \"المقاصد الحسنة\" (ص٤٣١).\n٣ - وأما حديث أبي سعيد الخدري: فقال إسحاق بن راهويه في \"مسنده\" - كما في \"اللآلئ (٢/ ١١٢) ـ: أنبأنا عبد الله بن نافع؛ حدثني أيوب بن سليمان بن ميناء، عن رجل، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من وسع على عياله ... \"، الحديث.\nوأخرجه البيهقي في \"الشعب\" (٣٥١٤) و\"فضائل الأوقات\" (٢٤٥) من طريقين عن عبد الله بن نافع، به.\nوهذا سند ضعيف جدًّا أيضًا فيه ثلاث علل:\nأـ الراوي عن أبي سعيد مبهم لا يُدْرَى من هو؟\nب - الراوي عنه: أيوب بن سليمان بن ميناء غير معروف، ولم يرو عنه سوى عبد الله بن نافع - وسيأتي بيان حاله ـ، وذكره البخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ٤١٧ رقم ١٣٣١) وقال: \"روى عنه عبد الله بن نافع الصائغ المدني، مرسل\"، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وكذا ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٢٤٨ رقم ٨٨٥). وقد ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٦/ ٦١) وقال: \"يروي المقاطيع\"، وقاعدة ابن حبان معروفة في توثيق المجاهيل.\nجـ عبد الله بن نافع الصائغ المخزومي، مولاهم، أبو محمد المدني: ثقة إذا حدث من كتابه، وأما حفظه فضعيف، ولذا يقول عنه ابن حجر في \"التقريب\" (٣٦٨٣): \"ثقة صحيح الكتاب، في حفظه لين\"، ولم يتبين أن هذا الحديث من كتابه، ولو تبين فالعلتان الأوليان فيهما كفاية في إعلاله.\nولحديث أبي سعيد هذا طريق أخرى أخرجها الطبراني في \"الأوسط\" (٩٣٠٢) من=","vol":"2","page":252},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=طريق محمد بن إسماعيل الجعفري؛ ثنا عبد الله بن سلمة الرَّبَعي، عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعَة، عن أبيه، عن أبي سعيد، به. ثم قال الطبراني: \"لا يُروى هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري إلا بهذا الإسناد، تفرَّد به محمد بن إسماعيل الجعفري\".\nوقال الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ١٨٩): \"رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن إسماعيل الجعفري؛ قال أبو حاتم: منكر الحديث\".\nقلت: الجعفري؛ هذا قال عنه أبو حاتم الرازي: \"منكر الحديث، يتكلمون فيه\"؛ كما في \"الجرح والتعديل\" (٧/ ١٨٩ رقم ١٠٧٣)، وقال عنه أبو نعيم: متروك، كما في \"لسان الميزان\" (٦/ ١٥١ رقم ٧١٢٣)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٩/ ٨٨) وقال: \"يغرب\".\nوفي سنده أيضًا عبد الله بن سلمة الرَّبعَي، وهو متروك؛ كما في \"لسان الميزان\" (٤/ ٢٩٥ رقم ٤٦٦٣ و٤٦٦٤).\n٤ - وأما حديث جابر: فله عنه طريقان:\nأـ أخرجه البيهقي في \"الشعب\" (٣٥١٢) من طريق محمد بن يونس، عن عبد الله بن إبراهيم الغفاري، عن عبد الله بن أبي بكر - ابن أخي محمد بن المنكدر ـ، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبي ﷺ، به.\nقال البيهقي: \"هذا إسناد ضعيف\".\nوقال الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ في \"تمام المنة\" (ص٤١٠ - ٤١١): \"فهذا إسناد موضوع من أجل محمد بن يونس - وهو الكُدَيمي ـ، فإنه كذاب، قال ابن عدي: قد اتُّهم الكديمي بالوضع، وقال ابن حبان: لعله قد وضع أكثر من ألف حديث.\nوشيخه: عبد الله بن إبراهيم الغفاري؛ قال الذهبي: وهو عبد الله بن أبي عمرو المدني، يدلِّسونه لوهنه، نسبه ابن حبان إلى أنه يضع الحديث، وذكر له ابن عدي في فضل أبي بكر وعمر حديثين، وهما باطلان، قال الحاكم: يروي عن جماعة من الضعفاء أحاديث موضوعة. قلت [أي: الألباني]: وهذا منها، فإن شيخه عبد الله بن أبي بكر - ابن أخي محمد بن المنكدر - ضعيف كما في \"الميزان\" اهـ.\nب - أخرجه ابن عبد البر في \"الاستذكار\" (١٠/ ١٤٠ رقم ١٤٢٩٤) من طريق محمد بن معاوية؛ قال: حدثنا الفضل بن الحباب؛ قال: حدثنا هشام بن عبد الملك الطيالسي؛ قال: حدثنا شعبة، عن أبي الزبير، عن جابر؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ ...، فذكره.\nقال جابر: جرّبناه فوجدناه كذلك. وقال أبو الزبير وقال شعبة مثله.\nوهذا الحديث ذكره الحافظ ابن حجر في ترجمة أبي خليفة الفضل بن الحباب من=","vol":"2","page":253},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\"لسان الميزان\" (٦/ ١٩)، فقال: \"روى عنه ابن عبد البر في الاستذكار من طريقه حديثًا منكرًا جدًّا، ما أدري من الآفة فيه! ... وشيوخ ابن عبد البر الثلاثة مُوَثّقون، وشيخهم محمد بن معاوية هو ابن الأحمر راوي السنن عن النسائي وثقه ابن حزم وغيره، فالظاهر أن الغلط فيه من أبي خليفة، فلعل ابن الأحمر سمعه منه بعد احتراق كتبه، والله أعلم\".\nقلت: ولو كان الحديث مرويًا عن شعبة بهذه الصفة لما غفل عنه أصحاب المصنفات المشهورة ودواوين الإسلام المعروفة ولم يوجد إلا عند ابن عبد البر المتأخر!\n٥ - وأما حديث عبد الله بن عمر: فأخرجه الدارقطني في \"الأفراد\" - كما في \"اللآلئ\" (٢/ ١١٢)، و\"كشف الخفاء\" (٢/ ٢٨٤) ـ، ومن طريقه أخرجه ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (٩٠٩)، من طريق محمد بن موسى بن سهل؛ قال: نا يعقوب بن خرة الدّبّاغ؛ قال: نا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه؛ قال: قال رسول الله ﷺ ...، فذكره.\nقال ابن الجوزي: \"حديث ابن عمر منكر من حديث الزهري عن سالم، وإنما يُروى هذا من قول إبراهيم بن محمد بن المنتشر، ويعقوب بن خرة ضعيف\"، وهذا قول الدارقطني. وذكر الحافظ ابن حجر في \"اللسان\" قول الذهبي في يعقوب بن خرة الدباغ: \"عن سفيان بن عيينة، ضعفه الدارقطني. قلت: له خبر باطل لعله وهم\". ثم قال ابن حجر: \"قال الدارقطني في الأفراد: حدثنا محمد بن موسى بن سهل ... \"، فذكر هذا الحديث، ثم ذكر قول الدارقطني الذي حكاه ابن الجوزي، ثم قال: \"وقال - أي الدارقطني - في المؤتلف والمختلف: يعقوب بن خرة - بالخاء المعجمة - شيخ من أهل فارس، يحدِّث عن أزهر بن سعد السَّمّان وسفيان بن عيينة وغيرهما، لم يكن بالقوي في الحديث\".\nولحديث ابن عمر هذا طريق آخر: أخرجه الخطيب في \"رواة مالك\" - كما في اللآلئ (٢/ ١١٣) ـ، من طريق هلال بن خالد، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ ...، فذكره.\nقال الخطيب: \"في إسناده غير واحد من المجهولين، ولا يثبت عن مالك\".\nوقال المعَلِّمي في \"حاشيته على الفوائد المجموعة\" (ص٩٩): \"سند مظلم\"، ثم ذكر كلام الخطيب، ثم قال: \"وآخر المجهولين: هلال بن خالد، روى عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، وفي ترجمته من لسان الميزان: هذا باطل\".\n٦ - وأما حديث عمر بن الخطاب ﵁ الموقوف عليه: فأخرجه ابن عبد البر في \"الاستذكار\" (١٤٢٩٧) من طريق ابن وضّاح؛ قال: حدثنا أبو محمد العابد، عن بهلول بن راشد، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب؛=","vol":"2","page":254},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=قال: قال عمر بن الخطاب: من وسَّع على أهله يوم عاشوراء؛ وسَّع الله عليه سائر السنة.\nقال يحيى بن سعيد: جربنا ذلك فوجدناه حقًّا.\nوأبو محمد العابد شيخ ابن وضاح لم أعرفه، وسعيد بن المسيب روايته عن عمر مرسلة، والحديث موقوف وليس بمرفوع.\nومن خلال ما تقدم يتضح أن الحديث لا ينجبر ضعفه بهذه الطرق، وقد ذهب البيهقي إلى أنه يتقوَّى بها فقال في \"الشعب\" (٧/ ٣٧٩) بعد أن ذكر طرقه: \"هذه الأسانيد وإن كانت ضعيفة، فهي إذا ضُمَّ بعضها إلى بعض أخذت قوَّة، والله أعلم\".\nوذهب إلى تصحيحه أيضًا الحافظ أبو الفضل ابن ناصر، والعراقي كما في \"المقاصد الحسنة\" (ص٤٣١ رقم ١١٩٣)، والسيوطي في \"اللآلئ المصنوعة\" (٢/ ١١١ - ١١٣)، والشوكاني في \"الفوائد المجموعة\" (ص٩٨ - ١٠٠) حيث قال: \"طرقه يقوي بعضها بعضًا\"، وذهب إلى تضعيفه الإمام أحمد كما سيأتي، والعقيلي، وابن عدي، وابن حبان كما سبق نقله عنهم، وابن الجوزي؛ فذكره في \"العلل المتناهية\" و\"الموضوعات\" - كما سبق ـ، ونقد طرقه التي أوردها. كما ذهب إلى تضعيفه الذهبي - كما سبق ـ، ومن المتأخرين: الشيخ عبد الرحمن المعلمي، والشيخ ناصر الدين الألباني رحمهما الله، وتقدم النقل عنهما.\nومن أجود من نقد الحديث وأعلّه: شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله.\nأما ابن القيم فقال في \"المنار المنيف\" (ص١١١ - ١١٣): \"ومنها [يعني: الأحاديث الباطلة]: أحاديث الاكتحال يوم عاشوراء، والتزيُّن، والتوسعةِ، والصلاة فيه، وغير ذلك من فضائل لا يصح منها شيء، ولا حديث واحد، ولا يثبت عن النبي ﷺ فيه شيء غير أحاديث صيامه، وما عداها فباطل، وأمثل ما فيها: \"من وسَّع على عياله يوم عاشوراء؛ وسّع الله عليه سائر سنته\"، قال الإمام أحمد: لا يصحّ هذا الحديث. وأما حديث الاكتحال، والادّهان، والتطيُّب: فمن وضع الكذّابين، وقابلهم آخرون فاتخذوه يوم تألُّم وحُزن، والطائفتان مبتدعتان خارجتان عن السنّة. وأهل السنّة يفعلون فيه ما أمر به النبي ﷺ من الصوم، ويجتنبون ما أمر به الشيطان من البدع\" اهـ.\nوأما شيخ الإسلام ابن تيمية فتكلم عنه في مواضع عدَّة؛ \"كمنهاج السنة\" (٧/ ٣٩)، و\"اقتضاء الصراط المستقيم\" (١/ ٣٠٠).\nوسئل في \"الفتاوى\" (٢٥/ ٢٩٩ - ٣٠١) عما يفعله الناس في يوم عاشوراء؛ من الكحل، والاغتسال، والحنّاء، والمصافحة، وطبخ الحبوب، وإظهار السرور، وغير ذلك إلى الشارع، فهل ورد في ذلك عن النبي ﷺ حديث صحيح أم لا؟ وإذا لم يَرِدْ حديث صحيح في شيء من ذلك، فهل يكون فعل ذلك بدعة أم لا؟ وما تفعله=","vol":"2","page":255},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=الطائفة الأخرى من المأْتَمِ، والحزن، والعطش، وغير ذلك؛ من النَّدْبِ، والنِّياحة، وقراءة المصروع، وشَقّ الجيوب، هل لذلك أصل أم لا؟\nفأجاب: الحمد لله رب العالمين، لم يَرِدْ في شيءٍ من ذلك حديث صحيح عن النبي ﷺ، ولا عن أصحابه، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة، ولا غيرهم، ولا رَوى أهلُ الكتب المعتمدة في ذلك شيئًا، لا عن النبي ﷺ، ولا الصحابة، ولا التابعين، لا صحيحًا، ولا ضعيفًا، لا في كتب الصحيح، ولا في السنن، ولا المسانيد، ولا يعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة، ولكن روى بعض المتأخرين في ذلك أحاديث؛ مثل ما رووا: أن من اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد من ذلك العام، ومن اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض ذلك العام، وأمثال ذلك ...، ورووا فضائل في صلاة يوم عاشوراء، ورووا أن في يوم عاشوراء توبة آدم، واستواء السفينة على الجودِيّ، ورَدَّ يوسف على يعقوب، وإنجاء إبراهيم من النار، وفداء الذبيح بالكبش، ونحو ذلك. ورووا في حديثٍ موضوع مكذوب على النبي ﷺ أنه من وسَّع على أهله يوم عاشوراء؛ وسَّع الله عليه سائر السنة. ورواية هذا كله عن النبي ﷺ كذب، ولكنه معروف من رواية سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه؛ قال: بلغنا أنه من وسَّع على أهله يوم عاشوراء؛ وسّع الله عليه سائر سنته، وإبراهيم بن محمد بن المنتشر من أهل الكوفة، وأهل الكوفة كان فيهم طائفتان: طائفة رافضة يظهرون موالاة أهل البيت، وهم في الباطن إما ملاحدة زنادقة، وإما جهال وأصحاب هوى، وطائفة ناصِبَة تبغض عليًّا وأصحابه؛ لمّا جرى من القتال في الفتنة ما جرى. وقد ثبت في \"صحيح مسلم\" عن النبي ﷺ أنه قال: سيكون في ثقيف كذّاب ومُبِيرٌ، فكان الكذاب هو المختار بن أبي عبيد الثقفي، وكان يظهر موالاة أهل البيت، والانتصار لهم وقتل عبيد الله بن زياد أمير العراق الذي جهّز السَّرِيَّة التي قتلت الحسين بن علي ﵄، ثم إنه أظهر الكذب، وادّعى النبوة،\nوأن جبريل ﵇ ينزل عليه، حتى قالوا لابن عمر وابن عباس؛ قالوا لأحدهما: إن المختار بن أبي عبيد يزعم أنه ينزل عليه؟ فقال: صدق، قال الله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ *تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ *﴾ [الشعراء: ٢٢١، ٢٢٢] وقالوا للآخر: إن المختار يزعم أنه يوحى إليه؟ فقال: صدق ﴿وَإِنَّ الشَّيْاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَولِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]. وأما المبير: فهو الحجاج بن يوسف الثقفي، وكان منحرفًا عن علي وأصحابه، فكان هذا من النواصب، والأول من الروافض اهـ.\nوقال في (٢٥/ ٣١٢ - ٣١٣):\nوالصحيح: أنه يستحب لمن صامه أن يصوم معه التاسع؛ لأن هذا آخر أمر النبي ﷺ؛ لقوله: لئن عشت إلى قابل؛ لأصومنَّ التاسع مع العاشر؛ كما جاء ذلك=","vol":"2","page":256},{"text":"قال لي: حَوِّقْ (١) عَلَيْهِ، قُلْتُ: وَلِمَ ذَلِكَ يَا أَبا مُحَمَّدٍ؟ قال: خوفًا من أَن يُتّخذ سنة.\n_________\n=مُفَسَّرًا في بعض طرق الحديث، فهذا الذي سنة رسول الله ﷺ. وأما سائر الأمور؛ مثل اتخاذ طعامٍ خارجٍ عن العادة، إما حبوب، وإما غير حبوب، أو تجديد لباس، أو توسيع نفقة، أو اشتراء حوائج العام ذلك اليوم، أو فعل عبادة مختصة؛ كصلاة مختصة به، أو قصد الذبح، أو ادّخار لحوم الأضاحي ليطبخ بها الحبوب، أو الاكتحال، أو الاختضاب، أو الاغتسال، أو التصافح، أو التزاور، أو زيارة المساجد والمشاهد ونحو ذلك، فهذا من البدع المنكرة التي لم يسنّها رسول الله، ولا خلفاؤه الراشدون، ولا استحبها أحد من أئمة المسلمين، لا مالك، ولا الثوري، ولا الليث بن سعد، ولا أبو حنيفة، ولا الأوزاعي، ولا الشافعي، ولا أحمد بن حنبل، ولا إسحاق بن راهويه، ولا أمثال هؤلاء من أئمة المسلمين وعلماء المسلمين، وإن كان بعض المتأخرين من أتباع الأئمة قد كانوا يأمرون ببعض ذلك، ويروون في ذلك أحاديث وآثارًا، ويقولون: إن بعض ذلك صحيح، فهم مخطئون غالطون بلا ريبٍ عند أهل المعرفة بحقائق الأمور، وقد قال حرب الكرماني في \"مسائله\": سُئل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث: من وسَّع على أهله يوم عاشوراء؟ فلم يره شيئًا، وأعلى ما عندهم: أثر يُروى عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه أنه قال: بلغنا: أنه من وسّع على أهله يوم عاشوراء؛ وسّع الله عليه سائر سنته. قال سفيان بن عيينة: جرّبناه منذ ستّين عامًا فوجدناه صحيحًا. وإبراهيم بن محمد كان من أهل الكوفة، ولم يذكر ممن سمع هذا، ولا عمَّن بلغه، فلعل الذي قال هذا من أهل البدع الذين يبغضون عليًّا وأصحابه، ويريدون أن يقابلوا الرافضة بالكذب مقابلة الفاسد بالفاسد، والبدعة بالبدعة. وأما قول ابن عيينة: فإنه لا حُجَّة فيه، فإن الله سبحانه أنعم\nعليه برزقه، وليس في إنعام الله بذلك ما يدل على أن سبب ذلك كان التوسيع يوم عاشوراء، وقد وسع الله على من هم أفضل الخلق من المهاجرين والأنصار، ولم يكونوا يقصدون أن يوسعوا على أهليهم يوم عاشوراء بخصوصه، وهذا كما أن كثيرًا من الناس ينذرون نذرًا لحاجة يطلبها، فيقضي الله حاجته، فيظن أن النذر كان السبب اهـ، والله أعلم.\n(١) في (خ) و(م): \"حرق\"، والمثبت من (ر) و(غ)، وهو الصواب. ومعنى \"حَوِّقْ\": أي: اجعل عليه دائرة؛ كما يتضح من \"لسان العرب\" (١٠/ ٧١)، كأنه قال: اضرب عليه. وقد اعتمد رشيد رضا ﵀ على نسخة (خ) فقط، وفيها: \"حرق\" بالراء، فعلّق عليه بقوله: لعلّها: \"حوق\" بالواو؛ يقال: حوق عليه الكلام: إذا خلطه وأفسده عليه بحيث لا يفهم، أو لا يقرأ إلا إذا كان مكتوبًا. وهو من الحُوَاقة؛ أي: الكناسة التي يختلط بها ما يكنس بعضه ببعض. ويقال: حَاقَ الدار بالمِحْوَقَة: كنسها. ومما حفظته من صبيان المكتب - إذ كنا نتعلّم الخطّ ـ: \"حَوِّق عليه\"؛ أي السطر - مثلًا ـ؛ أي:=","vol":"2","page":257},{"text":"فَهَذِهِ أُمور جَائِزَةٌ أَو مَنْدُوبٌ إِليها، وَلَكِنَّهُمْ كَرِهُوا فِعْلَهَا خَوْفًا مِنَ الْبِدْعَةِ؛ لأَن اتِّخَاذَهَا سُنَّةً إِنما هُوَ بأَن يُوَاظِبَ النَّاسُ عَلَيْهَا مُظْهِرِينَ لَهَا، وَهَذَا شأْن السُّنَّةِ، وإِذا جَرَتْ مَجْرَى السُّنَنِ صَارَتْ مِنَ الْبِدَعِ بِلَا شَكٍّ.\nفإِن قيل: فكيف (١) صَارَتْ هَذِهِ الأَشياءُ مِنَ الْبِدَعِ الإِضافية، وَالظَّاهِرُ مِنْهَا أَنها بِدَعٌ حَقِيقِيَّةٌ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ إِذَا عُمل بِهَا عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّهَا سُنَّةٌ، فَهِيَ حَقِيقِيَّةٌ إِذْ لَمْ يضَعْها صاحبُ السُّنّة؛ رسول الله ﷺ على هَذَا الْوَجْهِ (٢)، فَصَارَتْ (٣) مِثْلَ مَا إِذا صَلَّى الظُّهْرَ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَاعْتَقَدَهَا عِبَادَةً، فإِنها بِدْعَةٌ مِنْ غَيْرِ إِشكال، هَذَا إِذَا نَظَرْنَا إِلَيْهَا بمآلِها، وإِذا نَظَرْنَا إِليها أَوّلًا فَهِيَ مَشْرُوعَةٌ مِنْ غَيْرِ نِسْبَةٍ إِلى بِدْعَةٍ أَصلًا؟\nفَالْجَوَابُ: أَن السُّؤَالَ صَحِيحٌ، إِلا أَن لِوَضْعِهَا أَولًا نَظَرَيْنِ:\nأَحدهما: مِنْ حَيْثُ هِيَ مَشْرُوعَةٌ؛ فَلَا كَلَامَ فِيهَا.\nوَالثَّانِي: مِنْ حَيْثُ صَارَتْ كَالسَّبَبِ الْمَوْضُوعِ لِاعْتِقَادِ الْبِدْعَةِ أَو لِلْعَمَلِ بِهَا عَلَى غَيْرِ السُّنَّةِ، فَهِيَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ (٤) غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ؛ لأَن وَضْعَ الأَسباب لِلشَّارِعِ لَا للمُكَلَّف، وَالشَّارِعُ لَمْ يَضَعِ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ قباءَ أَو بَيْتِ الْمَقْدِسِ - مَثَلًا - سَبَبًا لأَنْ تُتَّخَذَ سُنَّةً، فَوَضْعُ المُكَلَّف لَهَا كَذَلِكَ رأْي غَيْرُ مُسْتَنِدٍ إِلى الشَّرْعِ، فَكَانَ ابْتِدَاعًا.\n_________\n=رمِّجْه، أو اجعل حوله خطًّا ليُعلم أنه غير مقصود. وهو استعمال عربي. وأما \"حرق عليه\" بالراء، فلا يظهر له معنى هنا، إلا إذا كانوا استعملوا التحريق بمعنى برد المعدن بالمبرد في حكّ الحروف المكتوبة بِمِبْراةِ القلم، ولم أره\" اهـ.\n(١) في (خ) و(م): \"كيف\".\n(٢) في (خ): \"لم توجه\"، وعلق رشيد رضا عليه بقوله: \"لعلّه: على هذا الوجه\" اهـ.\n(٣) في (ر) و(غ): \"وصارت\".\n(٤) في (خ): \"البدعة\" بدل \"الوجه\"، ووضع الناسخ عليها ما يدل على استشكاله لها: (سـ)، ولذا لم يثبتها رشيد رضا في طبعته، وعلق على موضعها بقوله: لعل الأصل: \"من هذا القبيل\"، أو: \"من هذا الوجه\"، وكتب في الأصل: \"فهي من هذه البدعة غير مشروعة\"، ووضع فوق كلمة البدعة علامة الترميج. اهـ.","vol":"2","page":258},{"text":"وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِهَا بِدْعَةً إِضافية.\nأَما إِذا استقرَّ السَّبَبُ وَظَهَرَ عَنْهُ مُسَبِّبُهُ الَّذِي هُوَ اعْتِقَادُ الْعَمَلِ سُنَّةً، وَالْعَمَلُ عَلَى وَفْقِهِ، فَذَلِكَ بِدْعَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لَا إِضافية، وَلِهَذَا الأَصل أَمثلة كَثِيرَةٌ وَقَعَتِ الإِشارة إِليها فِي أَثناءِ (١) الْكَلَامِ، مَعْنَى لِلتَّكْرَارِ.\nوإِذا ثَبَتَ فِي الأُمور الْمَشْرُوعَةِ أَنها قَدْ تُعَدُّ بِدَعًا بالإِضافة، فَمَا ظَنُّكَ بالبدع الحقيقية؛ فإِنها قد يجتمع (٢) فِيهَا أَن تَكُونَ حَقِيقِيَّةً وإِضافية مَعًا لَكِنْ من جهتين، فإِن (٣) بِدْعَةُ \"أَصْبِحْ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ\" (٤) فِي نداءِ الصُّبح ظَاهِرَةٌ، ثُمَّ لَمَّا عُمِلَ بِهَا فِي الْمَسَاجِدِ وَالْجَمَاعَاتِ، مُوَاظَبًا عَلَيْهَا، لَا تُتْرَكُ كَمَا لَا تترك الواجبات وما أشبهها، كان تشريعُها (٥) أَولًا يلزمه أَن يُعتقد فيها الْوُجُوبَ أَو السُّنَّةَ، وَهَذَا ابْتِدَاعٌ ثانٍ إِضافي. ثُمَّ إِذا اعتُقِد فِيهَا ثَانِيًا السُّنِّيَّة (٦) أَو الفَرَضِيَّة صَارَتْ بِدْعَةً مِنْ ثَلَاثَةِ أَوجه، وَمِثْلُهُ يَلْزَمُ فِي كُلِّ بِدْعَةٍ أُظهرت والتُزِمَتْ. وأَما إِذا خَفِيَتْ وَاخْتُصَّ بِهَا صَاحِبُهَا فالأَمر عَلَيْهِ أخفّ، فيالله وَيَا لِلْمُسْلِمِينَ! مَاذَا يَجْنِي الْمُبْتَدِعُ عَلَى نَفْسِهِ مِمَّا لَا يَكُونُ فِي حِسَابِهِ؟ وَقَانَا اللَّهُ شرور أَنفسنا بفضله.\n_________\n(١) في (م): \"استثناء\".\n(٢) في (خ) و(م): \"تجتمع\".\n(٣) في (خ) و(م): \"فإذًا\".\n(٤) انظر (ص٨٧ - ٨٩) من هذا المجلد.\n(٥) في (خ) و(م): \"تشريعًا\".\n(٦) في (ر) و(غ): \"السنة\".","vol":"2","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>فَصْلٌ</span>\nمِنْ تَمَامِ مَا قَبْلَهُ\nوَذَلِكَ أَنه وقعت نازلة بإمام (١) مسجدٍ تَرَك مَا عَلَيْهِ النَّاسُ بالأَندلس؛ مِنَ الدعاءِ لِلنَّاسِ بِآثَارِ الصَّلَوَاتِ بِالْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ عَلَى الدَّوَامِ - وَهُوَ أَيضًا مَعْهُودٌ فِي أَكثر الْبِلَادِ، فإِن الإِمام إِذا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ يَدْعُو لِلنَّاسِ ويؤمِّن الْحَاضِرُونَ ـ، وَزَعَمَ التَّارِك أَن تَرْكَهُ بِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَنه لَمْ يَكُنْ مِنْ (٢) فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولا فعل الأَئمة بعده؛ حَسْبَمَا نَقَلَهُ العلماءُ فِي دَوَاوِينِهِمْ عَنِ السَّلَفِ والفقهاءِ.\nأَما أَنه لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَظَاهِرٌ؛ لأَن حَالَهُ ﵇ فِي أَدبار الصَّلَوَاتِ - مكتوبات أَو نوافل - كان بَيْنَ أَمرين: إِما أَن يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرًا هُوَ فِي العُرف غَيْرُ دُعَاءٍ، فَلَيْسَ لِلْجَمَاعَةِ مِنْهُ حَظٌّ، إِلا أَن يَقُولُوا مِثْلَ قَوْلِهِ، أَو نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ؛ كَمَا فِي غَيْرِ أَدبار الصَّلَوَاتِ؛ كَمَا جاءَ أَنه كَانَ (٣) يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ: \"لَا إِله إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعطيت، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَتْ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ\" (٤).\nوَقَوْلُهُ: \"اللَّهُمَّ أَنت السَّلَامُ، وَمِنْكَ السلام تباركت ذا (٥) الجلال\n_________\n(١) في (خ) و(م): \"إمام\".\n(٢) قوله: \"من\" ليس في (خ) و(م).\n(٣) قوله: \"كان\" ليس في (غ) و(ر).\n(٤) أخرجه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣) من حديث المغيرة بن شعبة.\n(٥) في (خ) و(م): \"تباركت وتعاليت يا ذا\".","vol":"2","page":260},{"text":"والإِكرام\" (١).\nوَقَوْلُهُ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * (٢) وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ *﴾ ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣)، ونحو ذلك، فإِنما كان يقوله فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ كَسَائِرِ الأَذكار، فَمَنْ قَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ فَحَسَنٌ، وَلَا يُمْكِنُ فِي هَذَا كله هيئة اجتماع.\nوإِن كان دعاءً فَعَامَّةُ مَا جاءَ مِنْ دَعَائِهِ ﵇ بَعْدَ الصَّلَاةِ - مِمَّا سُمِعَ مِنْهُ - إِنما كَانَ يَخُصُّ بِهِ نَفْسَهُ دُونَ الْحَاضِرِينَ، كَمَا فِي التِّرْمِذِيِّ (٤) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنه كَانَ إِذا قَامَ إِلى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ رَفَعَ يَدَيْهِ ...، الْحَدِيثَ، إِلى قَوْلِهِ: وَيَقُولُ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الصَّلَاةِ: \"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ما قدَّمْتُ وما أخَّرْتُ، وما أَسررت وَمَا أَعلنت، أَنت إِلهي (٥) لَا إِله إِلا أَنت\". حسن صحيح (٦).\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٥٩١) من حديث ثوبان، و(٥٩٢) من حديث عائشة، وهو موافق لسياق نسختي (ر) و(غ)، وأما ما جاء في (خ) و(م) من زيادة: \"وتعاليت\"، فلم أجده في شيء من طرق هذا الحديث، فأظنه خطأ من الناسخين بسبب ما اعتاده العامة من ذكر هذه الزيادة غير الصحيحة في هذا الذكر.\n(٢) إلى هنا انتهى ذكر الآية في (خ) و(م)، وبعده قال: \"الآية\".\n(٣) الآيات: (١٨٠ و١٨١ و١٨٢) من سورة الصافات.\nوالحديث أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٠٣)، والطيالسي (٢٣١٢)، وعبد بن حميد (٩٥٢) و(٩٥٤)، والحارث بن أبي أسامة في \"مسنده\" (١٩٠/بغية الباحث)، وأبو يعلى (١١١٨)، وأبو الشيخ في \"طبقات المحدثين بأصبهان\" (٢/ ٣١)، وابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" (١١٩)، والطبراني في \"الدعاء\" (٦٥١)، والخطيب في \"التاريخ\" (١٣/ ١٣٨) وفي \"الموضح\" (٢/ ٤٨٥)، والحافظ ابن حجر في \"نتائج الأفكار\" (٢/ ٢٨٨)، من طريق أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ كان إذا سلّم من الصلاة قال - ثلاث مرات ـ: ...، فذكر الآيات.\nوأبو هارون العبدي: متروك، ومنهم من كذبه كما في \"التقريب\" (٤٨٧٤).\n(٤) برقم (٣٤٢٣)، وهو في مسلم (٢٠١) و(٢٠٢) فكان عزوه له أولى.\n(٥) قوله: \"أنت إلهي\" سقط من (غ) و(ر).\n(٦) هذا كلام الترمذي، والحديث أخرجه مسلم في \"صحيحه\" كما تقدم.","vol":"2","page":261},{"text":"وَفِي رِوَايَةِ أَبي دَاوُدَ (١): كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ: \"اللَّهُمَّ! اغْفِرْ لِي مَا قدَّمت، وَمَا أَخَّرت، وَمَا أَسررت، وَمَا أَعلنت، وَمَا أَسرفت، وَمَا أَنت أَعلم بِهِ مِنِّي، أَنت الْمُقَدِّم، وأَنت المُؤَخِّر، لَا إِله إِلا أَنت\".\nوخرَّج أَبو دَاوُدَ (٢): كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقول دُبُرَ صلاته (٣): \"اللَّهُمَّ ربَّنا وربَّ كُلِّ شيءٍ، أَنا شَهِيدٌ [أَنك أَنت الرب وحدَكَ لا شريكَ لك، اللَّهُمَّ ربَّنا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، أَنا شَهِيدٌ] (٤) أَن مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، اللَّهُمَّ ربَّنا وَرَبَّ كُلِّ شيءٍ، أَنا شَهِيدٌ أَن الْعِبَادَ كلَّهم إِخوة، اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ (٥) شيءٍ اجْعَلْنِي مُخْلَصًا لَكَ وأَهلي فِي كُلِّ سَاعَةٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، يَا ذَا الْجَلَالِ والإِكرام، اسْمَعْ واستجب، الله أَكبر الأكبر (٦)، الله نور السموات والأَرض، الله أَكبر الأَكبر (٧)، حسبي الله ونعم الوكيل\".\nولأَبي داود في الباب (٨): \"رَبِّ أَعنِّي وَلَا تُعِنْ عليَّ، وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عليَّ (٩)، وامْكُرْ لي ولا تَمْكُر (١٠) عليَّ، واهدني ويَسِّر هدايَ إِليَّ،\n_________\n(١) في \"سننه\" برقم (٧٥٦).\n(٢) في \"سننه\" برقم (١٥٠٣). وأخرجه أحمد (٤/ ٣٦٩)، والنسائي في \"الكبرى\" (٩٩٢٩)، وأبو يعلى (٧٢١٦) والطبراني في \"الكبير\" (٥١٢٢) وابن السني (١١٤)، والبيهقي في \"الشعب\" (١/ ٤٣٣) من طريق داود الطُّفاوي، عن أبي مسلم البجلي، عن زيد بن أرقم ...، فذكره.\nوإسناده ضعيف؛ داود هو: ابن راشد الطفاوي، قال ابن معين: ليس بشيء.\nوقال الحافظ في \"التقريب\": (١٧٩٣) \"لين الحديث\".\nوأبو مسلم البجلي لا يعرف كما قال الذهبي في \"الميزان\" (١٠٦٠٤).\n(٣) في (غ) و(م): \"كل صلاته\"، وفي (خ): \"كل صلاة\".\n(٤) ما بين المعقوفين سقط من جميع النسخ، فاستدركته من \"سنن أبي داود\".\n(٥) قوله: \"كل\" سقط من (م).\n(٦) في (خ) و(م): \"الله أكبر، الله أكبر\".\n(٧) في (خ) و(م): \"الله أكبر، الله أكبر\".\n(٨) قوله: \"الباب\" سقط من (خ) و(م)، واجتهد رشيد رضا فوضع بدلًا منه: \"رواية\"، وعلق عليها بقوله: حذف لفظ \"رواية\" من نسختنا. اهـ.\n(٩) قوله: \"علي\" سقط من (ر).\n(١٠) في (خ) و(م): \"وأمكن لي ولا تمكن عليّ\" والمثبت من (ر) و(غ)، وهو الموافق لما في \"سنن أبي داود\".","vol":"2","page":262},{"text":"وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عليَّ ... \" إِلى آخَرَ الْحَدِيثِ (١).\nوَفِي النَّسَائِيِّ (٢) أَنه ﵊ كان يقول في دبر الفجر إِذا\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (١٥١٠)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٢٨٠ - ٢٨١)، وعبد بن حميد (٧١٧)، وأحمد (١/ ٢٢٧)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٦٦٤) و(٦٦٥)، والترمذي (٣٥٥١)، وابن ماجه (٣٨٣٠)، والنسائي في \"الكبرى\" (١٠٤٤٣)، وابن أبي عاصم في \"السنة\" (٣٨٤)، وابن حبان (٩٤٧) و(٩٤٨)، والطبراني في \"الدعاء\" (١٤١١)، والحاكم (١/ ٥١٩ - ٥٢٠)، جميعهم من طريق طليق بن قيس، عن ابن عباس، به.\nوسنده صحيح، وقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\".\n(٢) في \"الكبرى\" (٩٩٣٠)، وكذا أخرجه الطيالسي (١٧١٠)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٢٣٤)، وأحمد (٦/ ٣٠٥، ٣١٨، ٣٢٢) وابن ماجه (٩١٥)، وغيرهم من طريق موسى بن أبي عائشة، عن مولى لأم سلمة، عن أم سلمة به.\nوإسناده ضعيف لجهالة مولى أم سلمة.\nقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (١/ ١١٤): \"هذا إسناد رجاله ثقات، خلا مولى أم سلمة فإنه لم يُسَمّ، ولم أر أحدًا ممن صنف في المبهمات ذكره، ولا أدري ما حاله\". اهـ.\nوأخرجه الدارقطني في \"الأفراد\" كما في \"النكت الظراف\" للحافظ ابن حجر (١٣/ ٤٦)، ومن طريقه الخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٤/ ٣٩)، عن المحاملي، عن أحمد بن إدريس المخرمي، حدثنا شاذان، حدثنا سفيان الثوري، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد بن الهاد عن أم سلمة.\nقال الدارقطني: لم يقل فيه: \"عن عبد الله بن شداد\" عدا المخرمي عن شاذان. اهـ.\nقال الخطيب: غيره يرويه عن سفيان، عن موسى، عن مولى لأم سلمة.\nقلت: وأحمد بن إدريس الذي في سنده ذكره الخطيب ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ثم هو مخالف لرواية أصحاب سفيان الثقات أمثال وكيع وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الرزاق حيث رووه على الوجه المتقدم، خلا عبد الرحمن بن مهدي حيث قال: عن سفيان، عن موسى، عمَّن سمع أم سلمة؛ كما عند أحمد في \"المسند\" (٦/ ٣١٨).\nولم أقف في مصادر ترجمة عبد الله بن شداد على وصفه بأنه مولى لأم سلمة.\nوأخرجه الطبراني في \"الصغير\" (٧٣٥) من طريق عامر بن إبراهيم، عن النعمان بن عبد السلام، عن سفيان، عن الشعبي، عن أم سلمة به.\nقال الطبراني: \"لم يروه عن سفيان إلا النعمان، تفرد به عامر\".\nقلت: الصواب من حديث سفيان: ما رواه أصحابه الثقات كما مضى، ثم الشعبي لا يُعرف له سماع من أم سلمة، والله أعلم.","vol":"2","page":263},{"text":"صَلَّى: \"اللَّهُمَّ إِني (١) أَسأَلك عِلْمًا نَافِعًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا\".\nوَعَنْ بَعْضِ الأَنصار قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ: \"اللَّهُمَّ! اغْفِرْ لِي، وتُبْ عليَّ إِنك أَنت التَّوَّابُ الْغَفُورُ (٢) ... \"، حَتَّى بلغ (٣) مِائَةَ مَرَّةٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَن هَذِهِ الصَّلَاةَ كَانَتْ صَلَاةَ الضُّحَى (٤).\nفتأَملوا سِيَاقَ هَذِهِ الأَدعية كلِّها مَسَاقَ تَخْصِيصِ نَفْسِهِ بِهَا دُونَ النَّاسِ، أفيكون (٥) مِثْلَ هَذَا حُجَّةً لِفِعْلِ النَّاسِ الْيَوْمَ؟! إِلا أَن يُقَالَ: قَدْ جاءَ الدعاءُ لِلنَّاسِ فِي مَوَاطِنَ، كَمَا فِي الْخُطْبَةِ الَّتِي اسْتَسْقَى فِيهَا للناس (٦)، وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَيُقَالُ: نَعَمْ! فأَين الْتِزَامُ ذَلِكَ جهرًا للحاضرين في دبر كل صلاة؟\n_________\n(١) في (غ): \"إنك\".\n(٢) في (غ): \"الرحيم\" بدل \"الغفور\"، وكذا كانت في (ر)، ثم صوبت في الهامش.\n(٣) في (خ) و(م): \"يبلغ\".\n(٤) هذا الحديث يرويه حصين بن عبد الرحمن السلمي، واختلف عليه فيه: فرواه شعبة، وابن فضيل، وعباد بن العوام، وعبد العزيز بن مسلم، عن هلال بن يِسَاف، عن زاذان، عن رجل من الأنصار به.\nأخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٣٤)، وأحمد (٥/ ٣٧١)، والنسائي في الكبرى (٦/ ٣١) رقم (٩٩٣١) و(٩٩٣٢) و(٩٩٣٣) و(٩٩٣٤).\nوصرح زاذان بالتحديث عند ابن أبي شيبة والنسائي.\nوإسناده صحيح، وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ١٤٣): \"رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح\".\nوخالفهم خالد بن عبد الله، فرواه عن حصين، عن هلال، عن زاذان، عن عائشة.\nأخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٩٩٣٥).\nقال النسائي عقبه: حديث شعبة، وعبد العزيز بن مسلم، وعباد بن العوام أولى عندنا بالصواب من حديث خالد وبالله التوفيق. وقد كان حصين بن عبد الرحمن اختلط في آخر عمره. اهـ.\nقلت: اختلاط حصين بن عبد الرحمن لا يضر هنا، فشعبة ممن روى عنه قبل الاختلاط، وكذا خالد بن عبد الله، فعاد الأمر إلى ترجيح رواية شعبة ومن معه على رواية خالد لكثرة عددهم أولًا، ولأن شعبة أحفظ من خالد ثانيًا، والله أعلم.\n(٥) في (خ) و(م): \"فيكون\".\n(٦) قوله: \"للناس\" ليس في (خ) و(م).\nوخطبته ﷺ التي استسقى فيها للناس أخرج حديثها البخاري في \"صحيحه\" (٩٣٢)، ومسلم (٨٩٧).","vol":"2","page":264},{"text":"ثُمَّ نَقُولُ: إِن العلماءَ يَقُولُونَ فِي مِثْلِ الدعاءِ وَالذِّكْرِ الْوَارِدِ عَلَى إِثْرِ الصَّلَاةِ: إِنه مُسْتَحَبٌّ، لَا سُنَّةٌ وَلَا وَاجِبٌ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَمرين:\nأَحَدُهُمَا: أَن هَذِهِ الأَدعية لَمْ تكن منه ﵇ عَلَى الدَّوَامِ.\nوَالثَّانِي: أَنه لَمْ يَكُنْ يَجْهَرُ بِهَا دَائِمًا، وَلَا يُظْهِرُهَا لِلنَّاسِ فِي غَيْرِ مُوَاطِنِ التَّعْلِيمِ، إِذ لَوْ كَانَتْ عَلَى الدَّوَامِ وَعَلَى الإِظهار لَكَانَتْ سُنَّةً، وَلَمْ يسعِ العلماءَ أَن يقولوا فيها بغير السنة، إِذ خاصية السنة (١) - حَسْبَمَا ذَكَرُوهُ ـ: الدَّوَامُ والإِظهار فِي مَجَامِعِ النَّاسِ. وَلَا يُقَالُ: لَوْ كَانَ دُعَاؤُهُ ﵇ سِرًّا لَمْ يُؤْخَذْ عَنْهُ، لأَنا نَقُولُ: مَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ الإِسرار فَلَا بُدَّ أَن يَظْهَرَ منه، أَو يظهر منه وَلَوْ مَرَّةً، إِما بِحُكْمِ الْعَادَةِ، وإِما (٢) بِقَصْدِ التَّنْبِيهِ عَلَى التَّشْرِيعِ.\nفإِن قِيلَ: ظَوَاهِرُ الأَحاديث (٣) تدل على الدوام (٤)؛ بِقَوْلِ الرُّوَاةِ: \"كَانَ يَفْعَلُ\"، فإِنه يَدُلُّ عَلَى الدَّوَامِ؛ كَقَوْلِهِمْ: \"كَانَ حَاتِمٌ يُكْرِمُ الضِّيفَانِ\". قُلْنَا: ليس كذلك، بل تطلق (٥) على الدوام، وعلى الكثرة (٦) وَالتَّكْرَارِ عَلَى الْجُمْلَةِ، كَمَا جاءَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: أَنه ﵊ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ (٧).\nوَرَوَتْ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ ﵊ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ من غير أَن يَمَسَّ ماء (٨).\n_________\n(١) في (خ) و(م): \" إذ خاصيته\".\n(٢) قوله: \"وإما\" ليس في (خ) و(م)، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: يظهر أن في العبارة تحريفًا وحذفًا، ولعل الأصل: \"فلا بدّ أن يظهر منه إِمَّا بِحُكْمِ الْعَادَةِ، وَإِمَّا بِقَصْدِ التَّنْبِيهِ عَلَى التشريع\".اهـ.\n(٣) في (ر) و(غ): \"الحديث\".\n(٤) في (خ) و(م): \"على أن الدوام\".\n(٥) كذا في (غ) و(ر)، وفي (خ) و(م): \"يطلق\"، والمثبت أصوب؛ لأن الضمير يعود على ظواهر الأحاديث التي يتكلم عنها المؤلف.\n(٦) في (خ): \"الكثير\" وفي (م): \"الكثر\".\n(٧) أخرجه البخاري (٢٨٦) ومسلم (٣٠٥).\n(٨) أخرجه أبو داود (٢٢٨)، والترمذي (١١٨)، وابن ماجه (٥٨١ - ٥٨٣)، والنسائي في \"الكبرى\" (٩٠٥٢ - ٩٠٥٤) وغيرهم من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن الأسود، عن عائشة، به.\nوأعله يزيد بن هارون، وأحمد وغيرهما، يرون أنه غلط من أبي إسحاق. انظر تفصيل ذلك في \"الإمام\" لابن دقيق العيد (٣/ ٨٧).","vol":"2","page":265},{"text":"بل قد تأتي (١) فِي بَعْضِ الأَحاديث: \"كَانَ يَفْعَلُ\" فِيمَا لَمْ يَفْعَلْهُ إِلا مَرَّةً وَاحِدَةً، نَصَّ عَلَيْهِ أَهل الْحَدِيثِ (٢).\nوَلَوْ كَانَ يُدَاوِمُ (٣) الْمُدَاوَمَةَ التَّامَّةَ لَلَحِقَ بِالسُّنَنِ؛ كَالْوَتْرِ وَغَيْرِهِ، وَلَوْ سُلِّم، فأَين هَيْئَةُ الِاجْتِمَاعِ؟\nفَقَدْ حَصَلَ أَن الدُّعَاءَ بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ دَائِمًا لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَمَا لَمْ يَكُنْ من (٤) قوله، ولا من (٣) إِقراره.\nوَرَوَى الْبُخَارِيُّ (٥) مِنْ حَدِيثِ أُم سَلَمَةَ: أَنه ﷺ كَانَ يَمْكُث إِذا سَلَّم يَسِيرًا. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَتَّى ينصرف النساء (٦) فِيمَا نَرَى.\nوَفِي مُسْلِمٍ (٧) عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَن النَّبِيَّ ﷺ (٨) كَانَ إِذا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إِلا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ أَنت (٩) السَّلَامُ وَمِنْكَ السلام تباركت ذَا (١٠) الْجَلَالِ والإِكرام\".\nوأَما فِعْلُ الأَئمة بَعْدَهُ: فَقَدْ نَقَلَ الفقهاءُ مِنْ حَدِيثِ أَنس - فِي غير كتب الصحيح ـ: صلّيت خلف النبي ﷺ، فَكَانَ إِذا سَلَّمَ (١١) يَقُومُ، وَصَلَّيْتُ خَلَفَ أَبي بَكْرٍ ﵁، فَكَانَ إِذا سَلَّمَ وَثَبَ كأَنه عَلَى رَضْفَةٍ (١٢)؛ يَعْنِي: الحَجَر المُحْمَى.\n_________\n(١) في (خ) و(م): \"يأتي\"، والمثبت من (غ) و(ر)، وهو أصوب؛ لأن الضمير يعود إلى ظواهر الأحاديث أيضًا.\n(٢) انظر \"فتح الباري\" (٢/ ٢٤٧)، و\"توضيح الأفكار\" (١/ ٢٧٩).\n(٣) علق رشيد رضا على هذا الموضع بقوله: أي: على ما ذكر من الأدعية والأذكار، ويوشك أن يكون قد سقط من الناسخ ما يدل على ذلك. اهـ.\n(٤) قوله: \"من\" ليس في (خ) و(م).\n(٥) برقم (٨٤٩) و(٨٧٥).\n(٦) في (خ) و(م): \"الناس\".\n(٧) برقم (٥٩٢)، وتقدم (ص٢٤٤).\n(٨) قوله: \"أن النبي ﷺ\" ليس في (خ).\n(٩) في (ر) و(غ): \"إنك أنت\".\n(١٠) في (خ) و(م): \"يا ذا\".\n(١١) في (ر) و(غ): \"فكان يسلم\".\n(١٢) أخرجه عبد الرزاق (٣٢٣١) عن ابن جريج؛ حُدِّثت عن أنس، به.\nوإسناده ضعيف لإبهام شيخ ابن جريج. وسمّاه عبدُ الله بن فرّوخ عطاءً؛ ولا يثبت:\nأخرجه ابن خزيمة (١٧١٧)، وابن عدي (٤/ ١٩٩ - ٢٠٠)، والطبراني في \"الكبير\" (١/ ٢٥٢ رقم ٧٢٧)، والحاكم (١/ ٢١٦)، وعنه البيهقي (٢/ ١٨٢)، وأخرجه الضياء في \"المختارة\" (٢٣٣٤) (٢٣٣٥) جميعهم من طريق عبد الله بن فرّوخ، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أنس.=","vol":"2","page":266},{"text":"وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ الصِّقِلِّي عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ خَارِجَةَ: أَنه كَانَ يَعِيب عَلَى الأَئمة قعودَهم بَعْدَ السَّلَامِ، وَقَالَ: إِنما كَانَتِ الأَئمة سَاعَةَ تسلِّم (١) تَقُومُ (٢).\nوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: جُلُوسُهُ بدعة (٣).\n_________\n=قال الحاكم: \"هذا حديث صحيح رواته [ثقات] غير عبد الله بن فرّوخ؛ فإنهما لم يخرجاه، لا لجرح فيه، وهذه سنة مستعملة لا أحفظ لها غير هذا الإسناد\".\nفتعقبه الذهبي بقوله: \"قال البخاري يعرف وينكر. وقال ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة\".\nوقال البيهقي: \"تفرد به عبد الله بن فرّوخ المصري، وله أفراد، والله أعلم، والمشهور: عن أبي الضحى، عن مسروق: كان أبو بكر الصديق ﵁ إذا سلم قام كأنه جالس على الرضف، وروينا أنه سلم ثم قام\" اهـ.\nوقال الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ١٤٦): \"وفيه عبد الله بن فروخ، قال إبراهيم الجوزجاني: أحاديثه مناكير\".\nوأخرجه ابن شاهين في \"الناسخ والمنسوخ\" رقم (٢٢٧) من طريق يحيى بن عثمان بن صالح، عن سعيد بن أبي مريم، وعمرو بن الربيع بن طارق، كلاهما عن ابن فرّوخ، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس به.\nوسنده ضعيف لمخالفة يحيى بن عثمان لباقي الرواة الذين جعلوه عن أنس، ويحيى هذا صدوق، لكن ليّنه بعضهم لكونه حدّث من غير أصله؛ كما في \"التقريب\" (٧٦٥٥).\nورواية مسروق التي أشار إليها البيهقي أخرجها عبد الرزاق (٣٢١٤)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٢٧٠).\nورواية مسروق عن أبي بكر مرسلة. انظر \"جامع التحصيل\" صفحة (٢٧٧).\n(١) في (خ) و(م): \"يسلم\".\n(٢) الأثر في \"المدونة\" (١/ ١٣٥) من طريق عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد؛ أن أبا الزناد أخبره؛ قال: سمعت خارجة بن زيد بن ثابت يعيب على الأئمة قعودهم بعد التسليم، وقال: إنما كانت الأئمة ساعة تسلم تنقلع مكانها.\nوهذا سند صحيح.\nوأخرجه البيهقي في \"سننه\" (٢/ ١٨٢) من طريق ابن جريج؛ أخبرني زياد، عن أبي الزناد؛ قال: سمعت خارجة ...، فذكره.\n(٣) كذا ذكره الشاطبي هنا عن ابن عمر!! وهو مذكور في \"المدونة\" (١/ ١٣٥) عن ابن وهب؛ قال: بلغني عن أبي بكر الصديق أنه كان إذا سلم لكأنه على الرضف حتى يقوم، وأن عمر بن الخطاب قال: جلوسه بعد السلام بدعة.\nولما ذكر البيهقي في الموضع السابق أثر خارجة بن زيد المتقدم؛ قال: \"وروينا عن=","vol":"2","page":267},{"text":"وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (١) ﵁ قَالَ: لأَن يَجْلِسَ عَلَى الرَّضْف (٢) خَيْرٌ لَهُ مِنْ ذَلِكَ.\nوَقَالَ مَالِكٌ فِي \"الْمُدَوَّنَةِ\" (٣): إِذا سَلَّمَ فَلْيَقُمْ وَلَا يَقْعُدْ، إِلا أَن يَكُونَ فِي سفرٍ أَو فِي فِنَائِه.\nوعدَّ الفقهاءُ إِسراع الْقِيَامِ سَاعَةَ يُسَلِّمُ مِنْ فَضَائِلِ الصَّلَاةِ، وَوَجَّهُوا ذَلِكَ بأَن جُلُوسَهُ هُنَالِكَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ فِيهِ كبر وترفُّعٌ على الجماعة، وانفراده بموضع عَنْهُمْ يَرى بِهِ الداخلُ أَنه إِمامهم، وأَما انفراده به حال (٤) الصلاة فضرورة (٥).\nقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا الَّذِينَ اسْتَفَدْنَا بِهِمْ (٦): وإِذا كَانَ هَذَا فِي انْفِرَادِهِ فِي الْمَوْضِعِ، فَكَيْفَ بِمَا انْضَافَ إِليه مِنْ تقدُّمه أَمامهم فِي التوسُّل بِهِ بالدعاءِ وَالرَّغْبَةِ، وتأْمينهم عَلَى دُعَائِهِ جَهْرًا؟ قَالَ: وَلَوْ كَانَ هَذَا حَسَنًا لَفَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ ﵃، وَلَمْ يَنقل ذَلِكَ (٧) أَحد مِنَ العلماءِ، مَعَ تَوَاطُئِهِمْ (٨) عَلَى نَقْلِ جَمِيعِ أُموره، حَتَّى: هَلْ كَانَ يَنْصَرِفُ مِنَ الصَّلَاةِ عَنِ الْيَمِينِ؟ أَو عَنِ (٩) الشِّمَالِ؟\nوَقَدْ نَقَلَ ابْنُ بَطَّال (١٠) عَنْ علماءِ السَّلَفِ إِنكارَ ذَلِكَ، وَالتَّشْدِيدَ فِيهِ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ.\n_________\n=الشعبي وإبراهيم النخعي أنهما كرهاه، ويُذكر عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، والله تعالى أعلم\" اهـ. وقد ذكر ابن بطال في \"شرح صحيح البخاري\" (٢/ ٤٦٢) أن ابن عمر قال: \"الإمام إذا سلم قام\"، ثم نقل عن عمر قوله: \"جلوس الإمام بعد السلام بدعة\".\n(١) أخرجه في \"المدونة\" (١/ ١٣٥) عن ابن وهب؛ قال: قال ابن مسعود: يَجْلِسَ عَلَى الرَّضْفِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ذَلِكَ. وسنده معضل بين ابن وهب وابن مسعود.\n(٢) الرَّضْفُ: الحجارة المُحْماة كما في \"النهاية\" (٢/ ٢٣١)، وتقدم (ص٢٦٦) بيان المصنف لمعناها.\n(٣) (١/ ١٣٥).\n(٤) في (غ) و(ر): \"حالة\".\n(٥) في (خ) و(م): \"فضروري\".\n(٦) في (خ): \"منهم\" وكتب فوقها \"صح\".\n(٧) قوله: \"ذلك\" ليس في (خ)، ولذا علق رشيد رضا على موضعه بقوله: الظاهر أنه قد سقط من الكلام مفعول قوله: \"ولم يقل\"، ولعل الأصل: \"ولم ينقل ذلك أحد من العلماء\".اهـ.\n(٨) في (ر) و(غ): \"تواظبهم\".\n(٩) في (ر) و(غ): \"على اليمين أو على\".\n(١٠) في \"شرح صحيح البخاري\" (٢/ ٤٦١ - ٤٦٢).","vol":"2","page":268},{"text":"هَذَا مَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ بَعْدَ أَن جَعَلَ الدعاءَ بإِثر الصَّلَاةِ بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ دَائِمًا بِدْعَةً قَبِيحَةً، وَاسْتَدَلَّ عَلَى عَدَمِ ذَلِكَ فِي الزَّمَانِ الأَول بسرعة القيام للانصراف (١)؛ لأَنه مُنَافٍ للدعاءِ لَهُمْ وتأْمينهم عَلَى دُعَائِهِ، بِخِلَافِ الذِّكْر، وَدُعَاءِ الإِنسان لِنَفْسِهِ، فإِن الِانْصِرَافَ وَذَهَابَ الإِنسان لِحَاجَتِهِ غَيْرُ منافٍ لَهُمَا.\nفَبَلَغَتِ الْكَائِنَةُ (٢) بَعْضَ شُيُوخِ الْعَصْرِ فَرَدَّ عَلَى ذَلِكَ الإِمام رَدًّا أَقْذَعَ (٣) فِيهِ، عَلَى خِلَافِ مَا عَلَيْهِ (٤) الرَّاسِخُونَ، وَبَلَغَ مِنَ الرَّدِّ - بِزَعْمِهِ (٥) - إِلى أَقصى غَايَةِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَاسْتَدَلَّ بأُمور إِذا تأَمّلها الفَطِن عَرَفَ مَا فِيهَا، كالأَمر بالدعاءِ إِثر الصَّلَاةِ قُرْآنًا وَسُنَّةً، وَهُوَ - كَمَا تَقَدَّمَ - لَا دَلِيلَ فِيهِ، ثُمَّ ضَمَّ إِلى ذَلِكَ جَوَازَ الدعاءِ بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ فِي الْجُمْلَةِ، لا فِي (٦) أَدبار الصَّلَوَاتِ، وَلَا دَلِيلَ فِيهِ أَيضًا - كما تقدم ـ؛ لاختلاف المَنَاطَيْن (٧).\nوأَما فِي التَّفْصِيلِ: فَزَعَمَ أَنه مَا زَالَ (٨) مَعْمُولًا بِهِ فِي جَمِيعِ أَقطار الأَرض - أَو فِي جُلِّها (٩) - مِنَ الأَئمة فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، إِلا نَكِيرَ أَبي عَبْدِ الله البارُوني (١٠)، ثم أَخذ في ذَمِّه.\n_________\n(١) في (خ): \"والانصراف\"، وفي (م): \"الانصراف\".\n(٢) أي: الواقعة التي ذكرها في أول الفصل (ص٢٦٠). وعلق رشيد رضا هنا بقوله: المراد بالكائنة: الواقعة التي ذكرها في أول الفصل من ترك بعض أئمة الصلاة ما جرى عليه الناس من دعاء الإمام وتأمين الناس. اهـ.\n(٣) في (م): \"أمرع\"، ويشبه أن تكون كذلك في (خ).\n(٤) في (غ) و(ر): \"على خلاف ما فعله\".\n(٥) في (خ): \"على زعمه\".\n(٦) في (خ) و(م): \"إلا في\".\n(٧) في (خ) و(م): \"المتأصلين\".\n(٨) في (ر) و(غ): \"مازل\".\n(٩) قوله: \"أو في جلها\" ليس في (غ).\n(١٠) قوله: \"الباروني\" ليس في (خ).\nوالباروني هو: محمد بن الحسن بن محمد اليحصبي، نزيل تلمسان. قال ابن الخطيب: كان من صدور الفقهاء، حسن التعليم، أخذ عن القاضي أبي الحسن الصغير وأبي زيد الجزولي وغيرهما، ودرس في غرناطة وسبتة وغيرهما. وكانت فيه خدمة وجرت عليه بسببها محنة. مات بتلمسان سنة (٧٣٤).\nانظر: \"الدرر الكامنة\" للحافظ ابن حجر (٥/ ١٦٥).","vol":"2","page":269},{"text":"وهذا النقل تَجَوُّزٌ (١) بِلَا شَكٍّ؛ لأَنه نَقْلُ إِجماعٍ يَجِبُ عَلَى النَّاظِرِ فِيهِ والمُحْتَجّ بِهِ (٢) - قَبْلَ الْتِزَامِ عُهْدَتِهِ - أَن يبحث عنه بحث أَهل العلم (٣) عَنِ الإِجماع؛ لأَنه لَا بُدَّ مِنَ النَّقْلِ عَنْ جَمِيعِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ هَذِهِ الأُمة، مِنْ أَول زَمَانِ الصَّحَابَةِ ﵃ إِلى الْآنِ، هَذَا أَمر مَقْطُوعٌ بِهِ. وَلَا خِلَافَ أَنه لَا اعْتِبَارَ بإِجماع الْعَوَامِّ وإِن ادَّعَوُا الإِمامة.\nوَقَوْلُهُ: \"مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ\": تَجَوُّزٌ، بَلْ مَا زَالَ الإِنكار عَلَيْهِمْ مِنَ الأَئمة. فَقَدْ نَقَلَ الطَّرْطُوشِي (٤) عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ أَشياء تخدم المسأَلة، فحصل إِنكار مالك لما فِي زَمَانِهِ، وإِنكار الإِمام الطَّرْطُوشِيِّ فِي زَمَانِهِ، وَاتَّبَعَ هَذَا أَصحابه، وَهَذَا أَصحابه. ثُمَّ القَرَافي (٥) قَدْ عَدَّ ذَلِكَ مِنَ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ عَلَى مذهب مالك، وسلّمه وَلَمْ يُنْكِرْهُ (٦) عَلَيْهِ أَهلُ زَمَانِهِ - فِيمَا نَعْلَمُهُ ـ، مَعَ زَعْمِهِ أَن مِنَ الْبِدَعِ مَا هُوَ حَسَنٌ.\nثُمَّ الشُّيُوخُ الَّذِينَ كَانُوا بالأَندلس حِينَ دَخَلَتْها هَذِهِ الْبِدْعَةُ - حَسْبَمَا يُذْكَرُ بِحَوْلِ اللَّهِ - قد أَنكروها، وكان من معتقدهم في تركها (٧): أَنه مذهب مالك. وكان الزاهد أَبو عبد الله ابن مُجَاهِدٍ (٨) وَتِلْمِيذُهُ أَبو عَمْرَانَ المِيْرَتُلِّي (٩) - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - مُلْتَزِمَيْنِ لِتَرْكِهَا، حَتَّى اتَّفَقَ لِلشَّيْخِ أَبي عَبْدِ الله في ذلك ما سيذكر (١٠) إِن شاءَ الله (١١).\n_________\n(١) في (خ): \"تهور\".\n(٢) قوله: \"به\" ليس في (غ) و(ر).\n(٣) قوله: \"العلم\" سقط من (خ) و(م). وقوله: \"أهل\" يشبه أن تكون \"أصل\" في (خ).\n(٤) في \"الحوادث والبدع\" صفحة (٦٥ - ٦٦).\n(٥) في \"الفروق\" (٤/ ٤٩١) في الفرق الرابع والسبعين بعد المئتين، وهو آخر الفروق.\n(٦) في (ر) و(غ): \"ينكر\".\n(٧) في (خ) و(م): \"في ذلك\".\n(٨) هو: الزاهد القدوة: محمد بن أحمد بن عبد الله الأنصاري، أبو عبد الله ابن المجاهد الأشبيلي، الأندلسي، قرأ العربية، ولازم أبا بكر ابن العربي مدة، وتوفي سنة أربع وسبعين وخمس مئة، عن بضع وثمانين سنة. ترجمته في \"العبر\" (٣/ ٦٦)، و\"السير\" (٢٠/ ٥٤٣).\n(٩) هو: الإمام العارف، زاهد الأندلس، أبو عمران موسى بن حسين بن موسى بن عمران القيسي، الميْرَتُلّي، صاحب الشيخ أبي عبد الله ابن المجاهد، توفي سنة أربع وست مئة، عن اثنتين وثمانين سنة. ترجمته في \"السير\" (٢١/ ٤٧٨ رقم ٢٤٢)، و\"تاريخ الإسلام\" (ص١٦٤ رقم ٢١٧/وفيات ٦٠١ - ٦١٠).\n(١٠) في (م): \"ما سيذكره\"، وفي (خ) يشبه أن تكون: \"ما سنذكره\".\n(١١) انظر المجلد الثالث (ص٢٣١).","vol":"2","page":270},{"text":"قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا - رَادًّا عَلَى بَعْضِ مَنْ نصر هذا العمل: بأَنا (١) قَدْ شَاهَدْنَا الأَئمة (٢) الْفُقَهَاءَ الصُّلَحَاءَ، الْمُتَّبِعِينَ لِلسُّنَّةِ، المُتَحَفِّظين بأُمور دِينِهِمْ يَفْعَلُونَ (٣) ذَلِكَ أَئمة ومأَمومين، وَلَمْ نَرَ مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ إِلا مَنْ شَذّ فِي أَحواله ـ، فَقَالَ (٤): وأَما احْتِجَاجُ (٥) مُنْكِرِ ذَلِكَ بأَن هَذَا لَمْ يَزَلِ النَّاسُ يَفْعَلُونَهُ، فَلَمْ يأْت بشيءٍ؛ لأَن النَّاسَ الَّذِينَ يُقْتَدى بِهِمْ ثَبَتَ أَنهم لَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَهُ. قَالَ: ولما كثرت (٦) البدع والمخالفات، وتواطَأَ النَّاسِ عَلَيْهَا؛ صَارَ الْجَاهِلُ (٧) يَقُولُ: لَوْ كَانَ هَذَا مُنْكَرًا لَمَا فَعَلَهُ النَّاسُ. ثُمَّ حَكَى أَثر \"الْمُوَطَّأِ\" (٨): \"مَا أَعرف شَيْئًا مِمَّا أَدركت عَلَيْهِ النَّاسَ إِلا النداءَ بِالصَّلَاةِ\". قَالَ: فإِذا كَانَ هَذَا فِي عَهْدِ التَّابِعِينَ يَقُولُ: كَثُرَتِ الإِحداثات، فَكَيْفَ بِزَمَانِنَا؟! ثُمَّ هَذَا الإِجماع لَوْ ثَبَتَ لَزِمَ مِنْهُ مَحْظُورٌ؛ لأَنه مُخَالِفٌ لِمَا نُقِلَ عَنِ الأَوّلين مِنْ تَرْكِهِ، فَصَارَ نَسْخُ إِجماع بإِجماع، وَهَذَا مُحَالٌ فِي الأُصول.\nوأَيضًا فلا يكون (٩) مُخَالَفَةُ المتأَخرين لإِجماع الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى سُنَّةٍ حُجَّةً عَلَى تِلْكَ السُّنَّةِ أَبدًا، فَمَا أَشبه هَذِهِ المسأَلة بما حُكي عن أَبي علي بن شَاذَان (١٠)\n_________\n(١) في (خ) و(م): \"فإنا\". والمعنى: أن من نصر هذا العمل يقول: إنا قد شاهدنا الأئمة ... إلخ، وسيأتي الرد عليه.\n(٢) في (خ): \"العمل الأئمة\"، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: لعله: \"من الأئمة\".اهـ.\n(٣) في (غ): \"يفعل\"، وفي (م): \"يعفلون\".\n(٤) أي: الشيخ في ردّه.\n(٥) في (خ): \"اجتماع\".\n(٦) في (خ) و(م): \"كانت\" بدل \"كثرت\".\n(٧) في (م): \"الجهال\".\n(٨) ساقه الإمام مالك ﵀ في \"الموطأ\" (١/ ٧٢) عن عمِّه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه؛ أنه قال ...، فذكره.\n(٩) في (غ) و(ر): \"يجوز\" بدل \"يكون\".\n(١٠) في (خ) و(م): \"أبي علي بشاذان\"، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: \"شاذان لقب رجلين من رواة الحديث، أحدهما: الأسود بن عامر أبو عبد الرحمن الشامي، نزيل بغداد، مات سنة ٢٠٨، وثانيهما عبد العزيز بن عثمان بن جبلة، مات سنة ٢٢١، وظاهر أن في عبارة نسختنا تحريفًا\" اهـ. وليس ابن شاذان هذا واحدًا ممن ذكر، بل هو: الإمام الفاضل، مسند العراق، أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان، البغدادي، البزّاز. انظر ترجمته في \"سير أعلام النبلاء\" (١٧/ ٤١٥ - ٤١٨).\nوقد أخرج هذه الحكاية من طريقه: ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٢٧/ ٣٧٢).","vol":"2","page":271},{"text":"بسند يرفعه إِلى عَبْدِ اللَّهِ (١) بْنِ إِسحاق الجَعْفَري؛ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ - يَعْنِي ابْنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ ﵃ يُكْثِرُ الْجُلُوسَ إِلى رَبِيعَةَ (٢)، فَتَذَاكَرُوا (٣) يَوْمًا [السنن] (٤)، فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ فِي الْمَجْلِسِ: لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى (٥) هَذَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَرأَيت إِن كَثُرَ الْجُهَّالُ حَتَّى يَكُونُوا هُمُ الحُكّام، أَفهم الْحُجَّةُ عَلَى السُّنَّة؟ فَقَالَ رَبِيعَةُ: أَشهد أَن هَذَا كَلَامُ أَبناء الأَنبياءِ. انْتَهَى.\nإِلا أَني لا أَقول الجهال، بل (٦) أَقول: أَرأَيت إِن كَثُرَ المُقَلِّدون، ثُمَّ أَحدثوا بِآرَائِهِمْ فَحَكَمُوا بِهَا، أَفهم الْحُجَّةُ عَلَى السُّنّة؟ لا (٧) وَلَا كَرَامَةَ!\nثُمَّ عَضَّدَ مَا ادَّعَاهُ بأَشياء مِنْ جُملتها: قَوْلُهُ: وَمِنْ أَمثال النَّاسِ: \"أَخطئ مَعَ النَّاسِ وَلَا تُصِبْ وَحْدَكَ\"؛ أَي: إِن خطأَهم هُوَ الصَّوَابُ، وَصَوَابَكَ هُوَ الخطأُ.\nقَالَ: وهو معنى (٨) ما جاءَ في الحديث (٩): \"عليك بالجماعة، فإِنما يأْكل الذِّئبُ (١٠) القَاصِيَةَ\" (١١). فَجَعَلَ تاركَ الدُّعَاءِ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ\n_________\n(١) في (خ) و(م): \"أبي عبد الله\".\n(٢) يعني ابن عبد الرحمن المعروف بربيعة الرأي.\n(٣) في (ر) و(غ): \"فتذاكرا\".\n(٤) ما بين معقوفتين زيادة من \"تاريخ دمشق\".\n(٥) قوله: \"على\" ليس في (خ) و(م)، ولذا علق رشيد رضا عليه بقوله: لعل الأصل: \"ليس العمل على هذا\"؛ أي: الذي تقولونه. اهـ.\n(٦) قوله: \"لا أقول الجهال بل\" ليس في (خ) و(م).\n(٧) قوله: \"لا\" ليس في (خ) و(م).\n(٨) في (خ) و(م): \"قال: ومعنى\".\n(٩) في (خ) و(م): \"حديث\".\n(١٠) قوله: \"الذئب\" سقط من (خ) و(م)، ولذا علق عليه رشيد رضا بقوله: لفظ الحديث: \"فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية\".\n(١١) أخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" (١٠٣٤)، وأحمد (٥/ ١٩٦) و(٦/ ٤٤٦)، وأبو داود (٥٤٧)، والنسائي (٢/ ١٠٦ - ١٠٧ رقم ٨٤٧)، وابن خزيمة (١٤٧٦)، وابن حبان (٢١٠١/الإحسان)، والبغوي (٧٩٣)، والحاكم (١/ ٢١١) و(٢/ ٤٨٢)، والبيهقي في \"السنن\" (٣/ ٥٤)، وفي \"الشعب\" (٣/ ٥٧)، جميعهم من طريق زائدة بن قدامة، عن السائب بن حُبيش، عن مَعْدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما من ثلاثة في قرية، ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة، إلا قد=","vol":"2","page":272},{"text":"مُخَالِفًا للإِجماع - كَمَا تَرَى ـ، وَحَضَّ عَلَى اتِّبَاعِ النَّاسِ وَتَرْكِ الْمُخَالَفَةِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: \"لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ\" (١)، وكُلُّ ذَلِكَ مَبْنيٌّ عَلَى الإِجماع الَّذِي ذَكَرُوا (٢): أَن الْجَمَاعَةَ هُمْ جماعة الناس كيف كانوا، وسيأْتي (٣) بيان (٤) مَعْنَى الْجَمَاعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ الفِرَق، وأَنها المُتَّبِعَةُ للسُّنَّة وإِن كَانَتْ رَجُلًا وَاحِدًا فِي الْعَالَمِ.\nقَالَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ (٥): \"لَا تعبأَ بِمَا يُفْرَضُ (٦) مِنَ الْمَسَائِلِ، ويُدَّعى فِيهَا الصِّحَّة بمُجَرَّد التَّهْويل، أَو بِدَعْوَى أَن لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَقَائِلُ ذَلِكَ لَا يَعْلَمُ أَحدًا قَالَ فِيهَا بِالصِّحَّةِ فَضْلًا عَنْ نَفْيِ الْخِلَافِ فِيهَا، وَلَيْسَ الْحُكْمُ فِيهَا مِنَ الجَلِيَّات الَّتِي لَا يُعْذَرُ (٧) المخالف فيها (٨).\nقَالَ: وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ قَالَ الإِمام أَحمد بن حنبل (٩): \"من\n_________\n=استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية\".\nقال السائب: يعني بالجماعة: الصلاة في الجماعة.\nقال الحاكم: هذا حديث صدوق رواته، شاهد لما تقدَّمه، متفق على الاحتجاج برواته، إلا السائب بن حبيش، وقد عُرِفَ من مذهب زائدة أنه لا يحدث إلا عن الثقات اهـ.\nوإسناده حسن، فالسائب قال فيه الدارقطني: صالح الحديث، ووثقه ابن حبان والعجلي، وقال الذهبي في \"الكاشف\" (١٧٨٨): صدوق، وصححه النووي في \"الخلاصة\" كما في \"نصب الراية\" (٢/ ٢٤).\n(١) أخرجه مسلم (٤٣٢) من حديث ابن مسعود ﵁.\n(٢) علق رشيد رضا هنا بقوله: كذا في نسختنا، والظاهر أن الناسخ قد أسقط كلامًا من هذا الموضع، وأقل ما يفهم به الكلام أن يقال: \"وأن الجماعة\" إلخ. اهـ.\n(٣) في الجزء الثالث (ص٢١٠) وانظر (٢٠٦).\n(٤) قوله: \"بيان\" ليس في (خ) و(م).\n(٥) هو شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀، وكلامه هذا في \"إقامة الدليل على بطلان التحليل\" المطبوع ضمن \"الفتاوى الكبرى\" (٣/ ٣٧٠) أفاده الشيخ بكر أبو زيد في مقدمته لكتاب \"الموافقات\" للشاطبي (١/و). قال: وربما أن الشاطبي - رحمه الله تعالى - لم يسمّه، ولم يسترسل بذكره والنقل عنه؛ اتقاءً لما وقع في الخُلوف من عداوته، والنفرة منه. اهـ.\n(٦) في (خ) و(م): \"يعرض\".\n(٧) في (خ): يشبه أن تكون: \"لا يقدر\".\n(٨) قوله: \"فيها\" سقط من (خ) و(م)، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: \"كذا في نسختنا\".\n(٩) أخرجه ابن حزم في \"إحكام الأحكام\" (٤/ ٥٧٣)، و\"المحلى\" (٩/ ٣٦٥)، و(١٠/ ٤٢٢) من طريق عبد الله بن أحمد، عن أبيه.","vol":"2","page":273},{"text":"ادَّعى الإِجماع فَهُوَ كَاذِبٌ، وإِنما هَذِهِ دَعْوَى بِشْرٍ (١)، وَابْنِ عُلَيَّة (٢)، يُرِيدُونَ أَن يُبْطِلُوا السُّنَنَ بِذَلِكَ\". يَعْنِي أَحمد: أَن المتكلِّمين فِي الْفِقْهِ من (٣) أَهل الْبِدَعِ إِذا نَاظَرْتَهُمْ بِالسُّنَنِ وَالْآثَارِ قَالُوا: هَذَا خِلَافُ الإِجماع (٤)، وَذَلِكَ الْقَوْلُ الَّذِي يُخَالِفُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ لَا يَحْفَظُونَهُ إِلا عَنْ بَعْضِ فقهاءِ أَهل (٥) الْمَدِينَةِ أَوْ فقهاءِ (٦) الْكُوفَةِ - مَثَلًا ـ، فيدَّعون الإِجماع مِنْ قلَّة مَعْرِفَتِهِمْ بأَقاويل العلماءِ، واجْتِرَائهم عَلَى رَدِّ السُّنن بالآراءِ، حتى كان بعضهم تُسْرَدُ عَلَيْهِ الأَحاديث الصَّحِيحَةُ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَنَحْوِهِ من الأَحكام فلا يجد له (٧) مُعْتَصَمًا إِلا أَن يَقُولَ: هَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحد مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ إِلا أَبا حنيفة أَو مالكًا (٨) [وأصحابهما] (٩)، لَمْ يَقُولُوا بِذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ لَهُ عِلْمٌ لرأَى مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ مِمَّنْ (١٠) قَالَ بِذَلِكَ خَلْقًا كَثِيرًا\" (١١).\nفَفِي هَذَا الْكَلَامِ إِرشاد لِمَعْنَى مَا نَحْنُ فِيهِ، وأَنه لَا يَنْبَغِي أَن يُنقل حُكْمٌ شَرْعِيٌّ عَنْ أَحد مِنْ أَهل الْعِلْمِ إِلا بَعْدَ تحقُّقه والتثبُّت؛ لأَنه مُخْبِرٌ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ، فإِياكم وَالتَّسَاهُلَ! فإِنه مَظِنَّة (١٢) الخروج عن الطريق الواضح إِلى البُنَيَّات (١٣).\n_________\n(١) في (خ): \"كفر\" بدل \"بشر\".\nوبشر هذا هو: ابن غياث المرِّيسي، الجهمي.\n(٢) هو: إبراهيم بن إسماعيل بن علية، جهمي هالك، قال الشافعي: هو ضال. انظر ترجمته في \"اللسان\" (١/ ١٢٠).\n(٣) في (خ) و(م): \"على\".\n(٤) قوله: \"الإجماع\" سقط من (خ) و(م).\n(٥) قوله: \"أهل، ليس في (خ).\n(٦) في (غ) و(ر): \"وفقهاء\".\n(٧) في (خ) و(م): \"لها\".\n(٨) في في (خ) و(م): \"أو مالك\".\n(٩) ما بين المعقوفين زيادة من \"الفتاوى الكبرى\".\n(١٠) في (خ): \"فمن\".\n(١١) إلى هنا انتهى النقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية.\n(١٢) في (غ) و(ر): \"فهو مظنة\".\n(١٣) لم تنقط الباء والنون في (خ) و(م)، فأشبهت: \"السيئات\".","vol":"2","page":274},{"text":"ثُمَّ عَدَّ مِنَ الْمَفَاسِدِ فِي (١) مُخَالَفَةِ الْجُمْهُورِ: أَنه يرميهم بالتجهيل أو التضليل (٢)، وهذه (٣) دعوى على (٤) مَنْ خَالَفَهُ فِيمَا قَالَ، وَعَلَى تَسْلِيمِهَا، فَلَيْسَتْ بمَفْسَدة عَلَى فَرْضِ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ، وَقَدْ جاءَ عَنِ السَّلَفِ الْحَضُّ عَلَى الْعَمَلِ بِالْحَقِّ، وَعَدَمِ (٥) الاسْتِيحَاشِ مِنْ قِلَّةِ أَهله (٦).\nوأَيضًا فَمَنْ شَنَّع عَلَى الْمُبْتَدَعِ بِلَفْظِ الِابْتِدَاعِ، فأَطلق الْعِبَارَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلى الْمُجْتَمَعِينَ يَوْمَ عَرَفَةَ بَعْدَ الْعَصْرِ للدعاءِ (٧) فِي غَيْرِ عَرَفَةَ ...، إِلى نَظَائِرِهَا، فتَشْنِيعُهُ حَقّ كما نقوله (٨) بِالنِّسْبَةِ إِلى بِشْرٍ المِرِّيسي ومَعْبدٍ الجُهَني وَفُلَانٍ وفلان، ولا نَدْخُلُ (٩) بِذَلِكَ - إِن شاءَ اللَّهُ - فِي حَدِيثِ: \"مَنْ قَالَ: هَلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أَهْلَكُهُم\" (١٠)؛ لأَن الْمُرَادَ أَن يَقُولَ ذَلِكَ ترفُّعًا عَلَى النَّاسِ وَاسْتِحْقَارًا، وأَما إِن قاله تَحَزُّنًا وتحسُّرًا عليهم (١١) فلا بأْس.\nقال بعضهم: ونحن نرجو أَن نُؤْجَرَ (١٢) عَلَى ذَلِكَ إِن شاءَ اللَّهُ.\nفَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ ليس على وجهه (١٣).\n_________\n(١) قوله: \"في\" سقط من (غ) و(ر).\n(٢) في (خ) و(م): \"والتضليل\".\n(٣) في (خ) و(م): \"وهذا\".\n(٤) قوله: \"على\" ليس في (خ) و(م).\n(٥) في (ر) و(غ): \"وعن\".\n(٦) أخرج البيهقي في \"الزهد\" (٢٣٨) من طريق أبي حاتم الرازي؛ ثنا أبو عبد الله النَّجَّار - ثقة ـ؛ قال: قال سفيان بن عينية: الْزَم الحق، ولا تستوحش لقلة أهله.\nوأخرج أيضًا برقم (٢٣٩) من طريق الحسن بن عمرو؛ قال: سمعت بشرًا يقول: قال سفيان: اسلك طريق الحق، ولا تستوحش منه وإن كان أهله قليلًا.\nوأخرجه أيضًا برقم (٢٤٠) عن الحسين بن زياد قال: إنما رضيت بكلمة سمعتها من الفضيل بن عياض؛ قال الفضيل: لا تستوحش طريق الهدى لقلّة أهله، ولا تغترّ بكثرة الناس.\nوأخرج الخطيب البغدادي في \"تاريخه\" (٩/ ٣٧٧) من طريق أحمد بن بشر بن سليمان الشيباني قال: كتب رجل إلى رجل: أما بعد: فليكن أوّل عملك الهداية بالطريق، ولا تستوحش لقلّة أهله، فإن إبراهيم كان أمة قانتًا لله، لا للملوك، فلا تستوحش مع الله، ولا تستأنس بغير الله.\n(٧) انظر التفصيل فيه فيما يأتي (ص٢٧٨)، وانظر (ص٣١٦ و٣٥٥).\n(٨) في (خ) و(م): \"يقوله\".\n(٩) في (خ) و(م): \"ولا يدخل\".\n(١٠) أخرجه مسلم (٢٦٢٣).\n(١١) قوله: \"عليهم\" ليس في (خ) و(م).\n(١٢) في (خ): \"نعرج\".\n(١٣) في (غ) و(ر): \"وجه\".","vol":"2","page":275},{"text":"وعَدَّ مِنَ الْمَفَاسِدِ: الخوفَ مِنْ فَسَادِ نيَّته بِمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنَ العُجْب والشُّهرة الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، فكأَنه يَقُولُ: اتْرُكْ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ فِي زَمَانِ الْغُرْبَةِ خَوْفَ الشُّهرة وَدُخُولِ العُجْب. وَهَذَا شَدِيدٌ مِنَ الْقَوْلِ، وَهُوَ مُعَارَض (١) بِمِثْلِهِ، فإِن انْتِصَابه لأَن يَكُونُ دَاعِيًا لِلنَّاسِ بإِثر (٢) صَلَوَاتِهِمْ دَائِمًا مَظِنَّةٌ لِفَسَادِ نيَّته بِمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنَ العُجْب والشُّهرة، وَهُوَ تَعْلِيلُ القَرَافي (٣)، وَهُوَ أَوْلَى؛ لأَنه (٤) فِي طَرِيقِ الِاتِّبَاعِ، فَصَارَ تَرْكُهُ لِلدُّعَاءِ لَهُمْ مَقْرُونًا بالاقتداءِ (٥)، بِخِلَافِ الدَّاعِي، فإِنه فِي غَيْرِ طَرِيقِ مَنْ تَقَدَّمَ؛ فَهُوَ أَقرب إِلى فَسَادِ النِّيَّةِ.\nوعَدَّ مِنْهَا مَا يُظَنّ بِهِ مِنَ (٦) الْقَوْلِ برأْي أَهل الْبِدَعِ الْقَائِلِينَ بأَن الدعاءَ غَيْرُ نَافِعٍ، وَهَذَا كَالَّذِي قَبْلَهُ؛ لأَنه يَقُولُ لِلنَّاسِ: اتْرُكُوا اتِّبَاعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَرْكِ الدُّعَاءِ بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ بَعْدَ الصلوات لئلا يُظَنَّ بك (٧) الِابْتِدَاعُ، وَهَذَا كَمَا تَرَى.\nقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ (٨): وَلَقَدْ كَانَ شَيْخُنَا أَبو بَكْرٍ الفِهْري (٩) يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ الرُّكُوعِ، وَعِنْدَ رَفْعِ الرأْس مِنْهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَتَفْعَلُهُ الشِّيعَةُ. قَالَ: فحضر عندي يومًا في مَحْرَس ابن الشَّوَّاء (١٠) بالثَّغْر - مَوْضِعِ تَدْرِيسِي - عِنْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ مِنَ المَحْرس الْمَذْكُورِ، فَتَقَدَّمَ إِلى الصَّفِّ الأَول وأَنا فِي مُؤَخَّرِهِ قاعدٌ عَلَى طَاقَاتِ البحر، أَتَنَسَّم الريح\n_________\n(١) في (غ): \"من القول ومعارض\".\n(٢) في (ر) و(غ): \"بآثار\".\n(٣) في \"الفروق\" (٤/ ٤٩١) آخر الفروق.\n(٤) قوله: \"لأنه\" سقط من (خ).\n(٥) في (غ): \"بالابتداء\".\n(٦) قوله: \"من\" سقط من (غ) و(ر).\n(٧) كذا في جميع النسخ، وعلق الشيخ رشيد رضا ﵀ عليه بقوله: المناسب لقوله: \"اتركوا\": أن يقول هنا: \"بكم\"، ويعبر عن هذا المعنى بعبارة أخرى، فيقال: ابتدعوا بالفعل لئلا يظن - باطلًا - أنكم ابتدعتم، أو اتركوا السُّنَّة بالفعل لئلا تتهموا - بتركها - بسوء الظن. اهـ.\n(٨) في \"أحكام القرآن\" (٤/ ١٩١٢) ونقله عنه القرطبي في \"تفسيره\" (١٩/ ٢٨١).\n(٩) هو الإمام أبو بكر محمد بن الوليد الطرطوشي صاحب كتاب \"الحوادث والبدع\" انظر ترجمته في \"السير\" (١٩/ ٤٩٠ - ٤٩٦).\n(١٠) في (خ): \"أبي الشعراء\"، وفي (م): \"أبي الشواء\".","vol":"2","page":276},{"text":"مِنْ شِدَّةِ الحَرّ، وَمَعِي فِي صَفٍّ وَاحِدٍ أَبو ثمنة رايس (١) البحر وقائده مع نفرٍ (٢) مِنْ أَصحابه يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، ويتطلَّع عَلَى مَرَاكِبَ الْمَنَارِ (٣)، فَلَمَّا رَفَعَ الشَّيْخُ الفِهْري يَدَيْهِ فِي الرُّكُوعِ وَفِي رَفْعِ الرأْس مِنْهُ؛ قَالَ أَبو ثَمَنَةَ وأَصحابه: أَلا تَرَوْنَ إِلى هَذَا المَشْرِقي كَيْفَ دَخَلَ مَسْجِدَنَا؟ قُومُوا إِليه فَاقْتُلُوهُ، وَارْمُوا بِهِ فِي الْبَحْرِ؛ فَلَا يَرَاكُمْ أَحد. فَطَارَ قَلْبِي مِنْ بَيْنِ جَوَانِحِي، وَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! هَذَا الطَّرْطُوشي فَقِيهُ الْوَقْتِ! فَقَالُوا لِي (٤): ولِمَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ؟ فَقُلْتُ: كَذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُ (٥)، وَهُوَ مَذْهَبُ مالك (٦) في رواية أَهل المدينة عنه، وجعلت أُسَكِّنُهم وأُسَكِّتُهم (٧) حَتَّى فَرَغَ مِنْ صِلَاتِهِ، وَقُمْتُ مَعَهُ إِلى المَسْكَن من المَحْرس، ورأَى تَغَيُّر (٨) وجهي فأَنكره، وسأَلني فأَعلمته، فضحك، وقال: ومن (٩) أَين لِي أَن أُقتل عَلَى سُنَّة؟ فَقُلْتُ لَهُ: وَيَحِلُّ لَكَ هَذَا؟! فإِنك بَيْنَ قَوْمٍ إِن قُمْتُ بِهَا قَامُوا عَلَيْكَ، وَرُبَّمَا ذَهَبَ دَمُكَ، فَقَالَ: دَعْ هَذَا الْكَلَامَ وَخُذْ فِي غيره.\nفتأَملوا هَذِهِ (١٠) القصَّة فَفِيهَا الشفاءُ؛ إِذ لَا مَفْسَدَةَ في الدنيا توازي\n_________\n(١) كذا في جميع النسخ! وفي \"أحكام القرآن\" و\"تفسير القرطبي\": \"رئيس\"، وهو الذي أثبته رشيد رضا ﵀.\n(٢) في (خ) و(م): \"في نفر\".\n(٣) في \"أحكام القرآن\" و\"تفسير القرطبي\": \"على مراكب تحت الميناء\".\n(٤) قوله: \"فقالوا لي\" مكرر في (غ).\n(٥) ورد في ذلك عدّة أحاديث، منها: حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذا قام في الصلاة رفع يديه حتى يكونا حَذْوَ منكبيه، وكان يفعل ذلك حين يكبِّر للركوع، ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع.\nأخرجه البخاري (٧٣٦)، ومسلم (٣٩٠)، وأخرجا (٧٣٧) و(٣٩١) عن مالك بن الحويرث نحوه.\nوللبخاري في ذلك \"جزء رفع اليدين في الصلاة\"، فانظره إن شئت.\n(٦) نقل ابن أبي زيد في \"النوادر\" (١/ ١٧٠) عن ابن وهب أنه قيل لمالك: أيرفع يديه إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع؟ قال: نعم. وانظر \"البيان والتحصيل\" (١/ ٣٧٤ - ٣٧٦).\n(٧) في (خ): \"أسكتهم وأسكنهم\".\n(٨) في (خ) و(م): \"تغيير\".\n(٩) في (خ) و(م): \"من\"\n(١٠) في (خ): \"في هذه\".","vol":"2","page":277},{"text":"مفسدة إِماتة النفس (١)، وَقَدْ حَصَلَتِ النِّسْبَةُ إِلى الْبِدْعَةِ، وَلَكِنَّ الطَّرْطُوشي ﵀ لم (٢) ير ذَلِكَ شَيْئًا، فَكَلَامُهُ لِلِاتِّبَاعِ أَولى مِنْ كَلَامِ هَذَا الرَّادّ، إِذ بَيْنَهُمَا فِي الْعِلْمِ مَا بَيْنَهُمَا.\nوأَيضًا فَلَوِ اعتُبر مَا قَالَ لَزِمَ اعتبار مثله (٣) فِي كُلِّ مَنْ أَنكر الدعاءَ بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعُ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي غَيْرِ عَرَفَةَ، وَمِنْهُمْ: نَافِعٌ مولى ابن عمر (٤)، ومالك (٥)،\n_________\n(١) الظاهر أنه يعني المفاسد الدنيوية، ولعل هذا مراده بقوله: \"في الدنيا\"، وأما إن أراد: في هذه الحياة، فمفسدة الدين أعظم من مفسدة إماتة النفس، كما قال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١].\nوالسياق واضح - فيما أرى ـ، فهو يتحدث عن رغبة ذاك الجاهل في قتل الطرطوشي ﵀، وقد استشكله رشيد رضا ﵀، فعلّق عليه بقوله: \"قوله: النفس، الصواب أن يقال: السنّة، كما يقتضيه سياق الكلام\".\n(٢) قوله: \"لم\" سقط من (خ) و(م)، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: كذا في نسختنا! والسياق يقتضي النفي؛ أي: كان لا يرى ذلك شيئًا. والأظهر أن تكون العبارة: لم ير ذلك شيئًا. اهـ.\n(٣) في (خ) و(م): \"اعتباره بمثله\".\n(٤) أخرجه ابن وضاح في \"البدع والنهي عنها\" (١١٤) بسند صحيح إلى أبي حفص المدني؛ قال: اجتمع الناس يوم عرفة في مسجد النبي ﷺ يدعون بعد العصر، فخرج نافع مولى ابن عمر من دار آل عمر، فقال: أيها الناس! إن الذي أنتم عليه بدعة، وليست بسنّة، إنا أدركنا الناس ولا يصنعون مثل هذا، ثم رجع فلم يجلس، ثم خرج الثانية ففعل مثلها، ثم رجع. وأبو حفص المدني هذا هو عمر بن عبد الله مولى غُفْرة، وهو ضعيف كما في \"التقريب\" (٤٩٦٨)، لكن أرى أن مثل هذا يحتمل منه، فإن الراوي المضعف من قبل حفظه يحتمل الأئمة روايته إذا كان فيها قصة حدثت له.\n(٥) قال في \"العتبية\" (١/ ٢٧٤ /البيان والتحصيل): \"وسئل مالك عن الجلوس يوم عرفة في المساجد في البلدان بعد العصر للدعاء، فكره ذلك، فقيل له: فإن الرجل يكون في مجلسه، فيجتمع إليه الناس ويكبِّرون؟ قال: ينصرف، ولو أقام في منزله كان أحبّ إليّ\".\nوقال الطرطوشي في \"الحوادث والبدع\" (ص١٢٧): \"قال مالك بن أنس: ولقد رأيت رجالًا ممن أقتدي بهم يتخلّفون عشيَّة عرفة في بيوتهم. قال: وإنما مفاتيح هذه الأشياء من البدع، ولا أحب للرجل الذي قد عَلِمَ أن يقعد في المسجد في تلك العشيَّة مخافة أن يُقتدى به، وليقعد في بيته\". وذكر نقولا أخرى عن مالك. وانظر ما تقدم (ص٢٧٥)، وما يأتي (ص٣١٦ و٣٥٥)، و\"الموافقات\" للمصنف (٣/ ٤٩٧ - ٤٩٨).","vol":"2","page":278},{"text":"والليث (١)، وعطاء (٢)، وَغَيْرُهُمْ مِنَ السَّلَفِ (٣)، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ لَازِمٍ فمسأَلتنا كَذَلِكَ.\nثُمَّ خَتَمَ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ الإِجماعي بِقَوْلِهِ: وَقَدِ اجْتَمَعَ أَئمة الإِسلام فِي مساجد الجماعات في هذه الأَعصار في (٤) جميع الأَقطار على الدعاءِ أَدبار الصلوات (٥)، فَيُشْبِهُ أَن يَدْخُلَ ذَلِكَ مَدْخَلَ حُجَّة إِجماعيَّة عصريَّة.\nفإِن أَراد الدعاءَ عَلَى هَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ دَائِمًا لَا يُتْرَكُ كَمَا يُفْعَلُ بِالسُّنَنِ - وَهِيَ مسأَلتنا المفروضة ـ، فقد تقدم ما فيه.\n_________\n(١) قال الطرطوشي في الموضع السابق: \"قال الحارث بن مسكين: كنت أرى الليث بن سعد ينصرف بعد العصر يوم عرفة، فلا يرجع إلى قرب المغرب\".\n(٢) أي الخراساني، نقله عنه الطرطوشي في الموضع السابق فقال: \"وقال عطاء الخراساني: إِن استطعت أَن تخلو عشية عرفة بنفسك فافعل\".\n(٣) من الواضح أن المصنف أخذ هذه النقول عن الطرطوشي ﵀، فإنه حكى جميع الأقوال السابقة وزاد عليها النقل عن إبراهيم النخعي أنه قال: \"الاجتماع يوم عرفة أمرٌ مُحْدَث\"، ونقل عن أبي وائل شقيق بن سلمة أنه كان لا يأتي المسجد عشيّة عرفة.\nوهذان النقلان أسندهما ابن وضّاح في \"البدع والنهي عنها\" (١١٥، ١١٦) بسندين صحيحين عنهما.\n(٤) في (خ): \"في\".\n(٥) في (خ) و(م): \"الصلاة\".","vol":"2","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>فَصْلٌ</span>\nثُمَّ أَتى بمأْخذ آخَرَ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى صِحَّة مَا زَعَمَ، وَهُوَ أَن الدعاءَ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ لَمْ يَرِدْ فِي الشَّرْعِ نَهْيٌ عَنْهُ، مَعَ وُجُودِ التَّرْغِيبِ فِيهِ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَوُجُودِ الْعَمَلِ بِهِ، فإِن صَحّ أَن السَّلَفَ لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ، فَالتَّرْكُ لَيْسَ بموجبٍ لحكمٍ فِي الْمَتْرُوكِ؛ إِلا جَوَازَ التَّرْكِ وَانْتِفَاءَ الْحَرَجِ خَاصَّةً، لَا تَحْرِيمَ وَلَا كَرَاهِيَةَ.\nوَجَمِيعُ مَا قَالَهُ مُشْكِلٌ عَلَى قَوَاعِدِ الْعِلْمِ، وَخُصُوصًا فِي الْعِبَادَاتِ - الَّتِي هِيَ مسأَلتنا ـ، إِذ لَيْسَ لأَحد مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَن يَخْتَرِعَ فِي الشريعة من رأْيه أَمرًا لا يدُلّ (١) عَلَيْهِ مِنْهَا دَلِيلٌ؛ لأَنه عَيْنُ الْبِدْعَةِ، وَهَذَا كَذَلِكَ، إِذ لَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى اتِّخَاذِ الدُّعَاءِ جَهْرًا لِلْحَاضِرِينَ فِي آثَارِ الصَّلَوَاتِ دَائِمًا، عَلَى حَدِّ مَا تُقَامُ السُّنَنُ (٢)، بِحَيْثُ يُعَدّ الخارج عنها (٣) خَارِجًا عَنْ جَمَاعَةِ أَهل الإِسلام، مُتَحَيِّزًا (٤) ومتميِّزًا إِلى سَائِرِ مَا ذُكر. وَكُلُّ مَا لَا دليلَ (٥) عليه فَهُوَ الْبِدْعَةُ.\nوإِلى هَذَا (٦): فإِن ذَلِكَ الْكَلَامَ يُوهِمُ أَن اتِّبَاعَ المتأَخرين المقلِّدين خَيْرٌ مِنَ اتباع السلف الصالحين (٧)، ولو كان في أَحدِ جائِزَيْن، فكيف إِذا كان في أَمرين أَحدهما مُتَيَقَّنٌ أَنه صَحِيحٌ، وَالْآخِرُ مَشْكُوكٌ فيه؟ فيتّبع\n_________\n(١) في (خ): \"لا يوجد\"، وفي (م): \"لا يدخل\".\n(٢) قوله: \"السنن\" سقط من (خ)، وفي (غ) \"السنة\".\n(٣) في (خ) و(م): \"عنه\".\n(٤) في (خ) و(م): \"متجزًا\"، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: كذا في الأصل! ولعله: \"متحيزًا ومتميزًا\".اهـ.\n(٥) في (خ): \"ما لا يدل\"، وقد أثبت رشيد رضا العبارة هكذا: \"وكل ما لا يدل عليه دليل\"، فزاد قوله: \"دليل\"، وقال في الحاشية: سقط لفظ \"دليل\" من الأصل. اهـ.\n(٦) علق رشيد رضا هنا بقوله: لعله: \"وعلى هذا\".اهـ.\n(٧) في (خ) و(م): \"الصالحين من السلف\".","vol":"2","page":280},{"text":"الْمَشْكُوكُ فِي صِحَّتِهِ، وَيُتْرَكُ مَا لَا مِرْيَةَ في صحته، ويؤنِّب (١) مَنْ يَتَّبِعُهُ.\nثُمَّ إِطلاقه الْقَوْلَ بأَن التَّرْكَ لَا يُوجِبُ حُكْمًا فِي الْمَتْرُوكِ إِلا جَوَازَ التَّرْك، غَيْرَ جارٍ عَلَى أُصول الشَّرْعِ الثَّابِتَةِ. فلنقرِّر (٢) هُنَا أَصلًا لِهَذِهِ المسأَلة لَعَلَّ اللَّهَ يَنْفَعُ به من أَنصف من نَفْسِهِ:\nوَذَلِكَ أَن سُكُوتَ الشَّارِعِ عَنِ الْحُكْمِ في مسأَلة مّا، أَو تَرْكِهِ لأَمر مَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:\nأَحدهما: أَن يَسْكُتَ عَنْهُ أَو يَتْرُكَهُ لأَنه لَا دَاعِيَةَ لَهُ تَقْتَضِيهِ، وَلَا مُوجِبَ يُقَرَّرُ لأَجله، وَلَا وَقَعَ سببُ تقريرِه؛ كَالنَّوَازِلِ الْحَادِثَةِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، فإِنها لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً ثُمَّ سَكَتَ عَنْهَا مَعَ وُجُودِهَا، وإِنما حَدَثَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَاحْتَاجَ أَهل الشَّرِيعَةِ إِلى النَّظَرِ فِيهَا وإِجرائها عَلَى مَا تَبَيَّنَ فِي الكُلِّيَّات الَّتِي كَمُلَ بِهَا الدِّينُ، وإِلى هَذَا الضَّرْبِ يَرْجِعُ جَمِيعُ مَا نَظَرَ فيه السلف الصالح مما لم (٣) يُبَيِّنْهُ (٤) رسول الله ﷺ على الْخُصُوصِ مِمَّا هُوَ مَعْقُولُ الْمَعْنَى؛ كَتَضْمِينِ الصُّنَّاع، ومسأَلة الْحَرَامِ (٥)، والجَدّ مَعَ الإِخوة، وعَوْل الْفَرَائِضِ، وَمِنْهُ: جَمْعُ الْمُصْحَفِ، ثُمَّ تَدْوِينُ الشَّرَائِعِ، وَمَا أَشبه ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُحْتَجْ فِي زَمَانِهِ ﵇ إِلى تَقْرِيرِهِ؛ لِتَقْدِيمِ (٦) كُلِّيَّاته الَّتِي تستنبط مِنْهَا، إِذا (٧) لَمْ تَقَعْ أَسباب الْحُكْمِ فِيهَا، ولا الفتوى بها منه ﵊، فَلَمْ يُذْكَرْ لَهَا حُكْمٌ مَخْصُوصٌ.\nفَهَذَا الضَّرْب إِذا حَدَثَتْ أَسبابه فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فيه وإِجرائه على\n_________\n(١) في (م): \"ويؤلب\"، ولم تتضح في (خ) بسبب كثافة حبر التصوير عليها، لكن أثبتها رشيد رضا هكذا: \"ولولعا\"، وقال: \"كذا في الأصل\".\n(٢) في (خ) و(م): \"فنقول\".\n(٣) قوله: \"لم\" سقط من \"غ\".\n(٤) في (خ) و(م): \"يسنّه\".\n(٥) أي: إذا قال لامرأته: أنت عليَّ حرام، أيقع طلاقًا؟ أو يكفّر كفارة يمين؟. انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (١١/ ٥٩).\n(٦) في (خ): \"للتقديم\". وعلق عليها رشيد رضا بقوله: \"كذا في الأصل! وهو محرف، ولعل في الكلام حذفًا أيضًا، والمعنى المراد ظاهر، وهو: أن ما لم يحتج إلى تقريره في عصر النبوة من جزئيات الأحكام؛ قد وجد في الشريعة من القواعد الكلية ما يدخل فيه، ويستنبط هو منه\".اهـ.\n(٧) في (خ) و(م): \"إذ\".","vol":"2","page":281},{"text":"أُصوله إِن كَانَ مِنَ العادِيَّات، أَو مِنَ العباديات (١) الَّتِي لَا يُمْكِنُ الِاقْتِصَارُ فِيهَا عَلَى مَا سُمِعَ، كَمَسَائِلِ السَّهْو والنِّسيان فِي أَجْزَاء (٢) الْعِبَادَاتِ. وَلَا إِشكال فِي هَذَا الضَّرْبِ؛ لأَن أُصول الشَّرْعِ عَتِيدة، وأَسباب تِلْكَ (٣) الأَحكام لَمْ تَكُنْ فِي زَمَانِ الْوَحْيِ، فَالسُّكُوتُ عَنْهَا عَلَى الْخُصُوصِ لَيْسَ بِحُكْمٍ يَقْتَضِي جَوَازَ التَّرْكِ أَو غَيْرَ ذَلِكَ، بَلْ إِذا عُرِضَتِ النَّوَازِل رُوجِعَ بِهَا أُصولها فَوُجِدَتْ فِيهَا، وَلَا يَجِدُهَا مَنْ لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ، وإِنما يَجِدُهَا الْمُجْتَهِدُونَ الْمَوْصُوفُونَ فِي عِلْمِ أُصول الْفِقْهِ.\nوَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَن يَسْكُتَ الشَّارِعُ عَنِ الْحُكْمِ الْخَاصِّ، أَو يَتْرُكَ أَمرًا مَا مِنَ الأُمور (٤)، ومُوجِبُهُ الْمُقْتَضِي لَهُ قَائِمٌ، وَسَبَبُهُ فِي زَمَانِ الْوَحْيِ وَفِيمَا بَعْدَهُ مَوْجُودٌ ثَابِتٌ، إِلا أَنه لَمْ يُحدَّدْ فِيهِ أَمرٌ زَائِدٌ على ما كان في ذلك الوقت، فالسكوت في هذا الضرب كالنص على أَن القصد الشرعي فيه أَن لا يزاد فيه عَلَى مَا كَانَ (٥) مِنَ الْحُكْمِ الْعَامِّ فِي أَمثاله، وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ؛ لأَنه لَمَّا كَانَ المعنى المُوجِبُ لشرعيَّة الحكم العملي (٦) الْخَاصِّ مَوْجُودًا، ثُمَّ لَمْ يُشْرَعْ، وَلَا نَبَّهَ على استنباطه (٧)؛ كَانَ صَرِيحًا فِي أَن الزَّائِدَ عَلَى مَا ثَبَتَ هُنَالِكَ بِدْعَةٌ زَائِدَةٌ، وَمُخَالِفَةٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ؛ إِذ فُهِمَ مِنْ قَصْدِهِ الْوُقُوفُ عِنْدَ مَا حدَّ هُنَالِكَ، لَا الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ، وَلَا النُّقْصَانُ مِنْهُ.\nوَلِذَلِكَ مِثَالٌ فِيمَا نُقل عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنس فِي سَمَاعِ أَشهب وَابْنِ نَافِعٍ هُوَ غايةٌ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، وَذَلِكَ أَن مَذْهَبَهُ فِي سُجُودِ الشُّكْرِ الْكَرَاهِيَةُ، وأَنه لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ، وَعَلَيْهِ بَنَى كَلَامَهُ.\nقَالَ فِي \"الْعُتْبِيَّةِ\" (٨): وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يأْتيه الأَمر يُحِبُّهُ\n_________\n(١) في (خ): \"العبادات\".\n(٢) في (خ): \"إجراء\".\n(٣) في (خ) و(م): \"ذلك\".\n(٤) قوله: \"من الأمور\" سقط من (غ) و(ر).\n(٥) من قوله: \"في ذلك الوقت\" إلى هنا سقط من (خ) و(م).\n(٦) في (خ) و(م): \"العقلي\".\n(٧) في (خ) و(م): \"السبطا\"، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: \"كذا! \".\n(٨) انظر \"البيان والتحصيل\" (١/ ٣٩٢)، و\"الموافقات\" للمصنف (٣/ ١٥٨ و٢٧١ - ٢٧٢). وأخرجه ابن وضاح في \"البدع والنهي عنها\" (١١١) بسنده عن أشهب؛ قال: سألت مالكًا عن الحديث الذي جاء: أن أبا بكر الصدّيق لما أتاه خبر اليمامة سجد ...، فذكره.","vol":"2","page":282},{"text":"فَيَسْجُدُ لِلَّهِ ﷿ شُكْرًا؟ فَقَالَ: لَا يفعل! ليس (١) هَذَا مِمَّا مَضَى مِنْ أَمر النَّاسِ. قِيلَ لَهُ: إِن أَبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ فِيمَا يَذْكُرُونَ - سَجَدَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شُكْرًا لِلَّهِ (٢)، أَفسمعت ذَلِكَ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ ذَلِكَ، وأَنا أَرى أَن (٣) قَدْ كَذَبُوا عَلَى (٤) أَبي بَكْرٍ، وَهَذَا مِنَ الضَّلَالِ أَن يَسْمَعَ المرءُ الشيءَ فَيَقُولُ: هَذَا شيء (٥) لم أَسمع له خلافًا. فقيل له: إِنما نسأَلك لنعلم رأْيك فنرد ذلك به. فقال: نأْتيك بشيء آخر أَيضًا (٦) لم تسمعه مني: قد فُتِحَ على رسول الله (٧) ﷺ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْدَهُ، أَفسمعت أَن أَحدًا مِنْهُمْ فعل مثل هذا؟ إِذا جاءك مثل هذا (٨) مما قَدْ كَانَ فِي النَّاسِ وَجَرَى عَلَى أَيديهم لا يسمع (٩) عَنْهُمْ فِيهِ شَيْءٌ، فَعَلَيْكَ بِذَلِكَ، فإِنه لَوْ كان لذُكر؛ لأَنه من أَمر\n_________\n(١) قوله: \"ليس\" سقط من (خ) و(م).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٨٤١٣)، والبيهقي في \"سننه\" (٢/ ٣٧١)، كلاهما من طريق مِسْعَر، عن أبي عون الثقفي محمد بن عبيد الله، عن رجل لم يُسَمِّه: أن أبا بكر لما فتح اليمامة سجد.\nوهذا سند ضعيف لإبهام شيخ أبي عون، وذكر البيهقي أنه قيل: عن مِسْعر، عن أبي عون محمد بن عبيد الله، عن يحيى بن الجزار؛ أي: هو المبهم، ولكن البيهقي لم يسنده، ولعله يعني ما أسنده ابن أبي شيبة في الموضع السابق برقم (٨٤١٤) من طريق وكيع، عن مسعر، عن أبي عون الثقفي، عن يحيى بن الجزار: أن النبي ﷺ مرَّ به رجل به زمانة، فسجد، وأبو بكر، وعمر.\nفإن كان قصد هذا: فليس هو في فتح اليمامة، وإن كان يشهد لمسألة سجود الشكر في الجملة، ومع ذلك فهو ضعيف؛ لأن يحيى بن الجزار لم يُذكر له سماع من أبي بكر ﵁، ولا أظنه أدركه؛ كما يتضح من \"الجرح والتعديل\" (٩/ ١٣٣ رقم ٥٦١) و\"تهذيب الكمال\" (٣١/ ٢٥١ - ٢٥٣).\nوأخرج هذا الأثر عبد الرزاق في \"المصنف\" (٥٩٦٣) عن سفيان الثوري، عن أبي سلمة، عن أبي عون؛ قال: سجد أبو بكر حين جاءه فتح اليمامة.\nومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن المنذر في \"الأوسط\" (٥/ ٢٨٨ رقم ٢٨٨٢). وهذا الوجه أشد انقطاعًا من سابقه، لكن طريق مسعر أرجح، والله أعلم.\n(٣) علق رشيد رضا هنا بقوله: لعله: \"أنهم\".اهـ.\n(٤) في (غ): \"على ذلك\".\n(٥) قوله: \"شيء\" سقط من (خ).\n(٦) من قوله: \"لم أسمع له خلافًا\" إلى هنا سقط من (خ) و(م).\n(٧) في (خ) و(م): \"فتح الله على رسول الله\".\n(٨) قوله: \"جاءك مثل هذا\" سقط من (خ) و(م).\n(٩) في (خ) و(م): \"على أيديهم سمع\".","vol":"2","page":283},{"text":"النَّاسِ الَّذِي قَدْ كَانَ فِيهِمْ، فَهَلْ سَمِعْتَ أَن أَحدًا منهم سجد؟ فهذا إِجماع، إِذا (١) جاءَك أَمر لا تعرفه فدعه.\nهذا (٢) تَمَامَ الرِّوَايَةِ. وَقَدِ احْتَوَتْ عَلَى فَرْضِ سُؤَالٍ والجواب عنه (٣) بِمَا تَقَدَّمَ.\nوَتَقْرِيرُ السُّؤَالِ أَن يُقَالَ فِي الْبِدْعَةِ - مَثَلًا ـ: إِنها فعلٌ سَكَتَ الشارعُ عَنْ حُكمه فِي الفِعل والتَّرك، فَلَمْ يَحْكم عَلَيْهِ بِحُكْمٍ عَلَى الْخُصُوصِ، فالأَصل جَوَازُ فِعْلِهِ، كَمَا أَن الأَصل (٤) جواز تركه، إِذ هو في (٥) مَعْنَى الْجَائِزِ، فإِن كَانَ لَهُ أَصل جُمْلي فأَحْرَى أَن يَجُوزَ فِعْلُهُ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى مَنْعِهِ أَو كَرَاهَتِهِ (٦)، وإِذا كَانَ كَذَلِكَ، فَلَيْسَ هُنَا مُخَالَفَةٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ، وَلَا ثَمَّ دَلِيلٌ خَالَفَهُ هَذَا النَّظَرُ، بَلْ حَقِيقَةُ مَا نَحْنُ فِيهِ أَنه (٧) أَمر مَسْكُوتٌ عَنْهُ عِنْدَ الشارع، والسكوت من الشَّارِعِ لَا يَقْتَضِي مُخَالَفَةً وَلَا مُوَافَقَةً، وَلَا يُعَيِّن الشَّارِعُ قَصْدًا مَا دُونَ ضِدِّهِ وَخِلَافِهِ، وإِذا ثَبَتَ هَذَا فَالْعَمَلُ بِهِ لَيْسَ بمخالفٍ؛ إِذ لَمْ يَثْبُتُ فِي الشَّرِيعَةِ نَهْيٌ عَنْهُ.\nوَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ: مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ ﵀، وَهُوَ أَن السُّكُوتَ (٨) عَنْ حُكْمِ الْفِعْلِ أَو التَّرْك هُنَا إِذا وُجِدَ الْمَعْنَى المُقْتَضي لَهُ إِجماعٌ مِنْ كلِّ سَاكِتٍ عَلَى أَن لَا زَائِدَ عَلَى مَا كَانَ؛ إِذ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَائِقًا شَرْعًا أَو سَائِغًا لَفَعَلُوهُ، فَهُمْ كَانُوا أَحقَّ بإِدراكه وَالسَّبْقِ إِلى الْعَمَلِ به، وذلك إِذا نظرنا إِلى المصالح (٩)؛ فإِنه لَا يَخْلُو: إِما (١٠) أَن يَكُونَ فِي هذا (١١) الْأَحْدَاثِ مَصْلَحَةٌ أَوْ لَا. وَالثَّانِي لَا يَقُولُ بِهِ أَحد. والأَول إِما أَن تَكُونَ تِلْكَ الْمَصْلَحَةُ الْحَادِثَةُ آكَدَ (١٢) مِنَ الْمَصْلَحَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي زمان التشريع (١٣) أَو لا. ولا يمكن أَن تكون (١٤)\n_________\n(١) في (خ) و(م): \"وإذا\".\n(٢) قوله: \"هذا\" ليس في (خ) و(م).\n(٣) قوله: \"عنه\" ليس في (خ).\n(٤) في (خ) و(م): \"أصل\".\n(٥) قوله: \"في\" ليس في (خ) و(م).\n(٦) في (غ) و(ر): \"كراهيته\".\n(٧) قوله: \"أنه\" سقط من (غ) و(ر).\n(٨) في (خ) و(م): \"التشديد\" بدل \"السكوت\".\n(٩) في (خ) و(م): \"المصلحة\".\n(١٠) قوله: \"إما\" ليس في (غ) و(ر).\n(١١) في (خ) و(م): \"هذه\".\n(١٢) في (خ): \"أوكد\".\n(١٣) في (خ) و(م): \"التكليف\" بدل \"التشريع\".\n(١٤) في (خ) و(م): \"يكون\".","vol":"2","page":284},{"text":"آكد (١) مع كون المُحْدَثَةِ زيادةً؛ لأَنها زِيَادَةَ (٢) تَكْلِيفٍ، وَنَقْصُهُ (٣) عَنِ المُكلَّف أَحْرَى بالأَزمنة المتأَخِّرة؛ لِمَا يُعْلَم مِنْ قُصُورِ الهِمَم وَاسْتِيلَاءِ الْكَسَلِ، ولأَنه خلافُ بَعْثِ النَّبِيِّ ﷺ بالحَنِيفية السَّمْحَة (٤)، ورَفْعِ الحَرَجِ عَنِ الأُمَّة، وَذَلِكَ فِي تَكْلِيفِ الْعِبَادَاتِ؛ لأَن الْعَادَاتِ أَمر آخَرُ - كَمَا سيأْتي - وَقَدْ مَرَّ مِنْهُ (٥)، فَلَمْ يَبْقَ إِلا أَن تَكُونُ (٦) الْمَصْلَحَةُ الظَّاهِرَةُ الْآنَ مُسَاوِيَةً لِلْمَصْلَحَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي زَمَانِ التَّشْرِيعِ، أَو أَضعف مِنْهَا. وعند ذلك يصير هذا (٧) الإِحداث عَبْثًا، أَو اسْتِدْرَاكًا عَلَى الشَّارِعِ؛ لأَن تِلْكَ الْمَصْلَحَةَ الْمَوْجُودَةَ فِي زَمَانِ التَّشْرِيعِ إِن حَصَلَتْ للأَولين مِنْ غَيْرِ هَذَا الإِحداث، فالإِحداث (٨) إِذًا عَبَثٌ، إِذ لَا يَصِحُّ أَن يَحْصُلَ للأَولين دون الآخرين، مع فرض التزام العمل بما عمل به الأَوَّلون من ترك الزيادة، وإِن لم تحصل للأَولين وحصلت للآخرين (٩)، فَقَدْ صَارَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ تَشْرِيعًا بَعْدَ الشَّارِعِ يسبب (١٠) للآخرين (١١) ما فات للأَولين (١٢)، فَلَمْ يَكْمُلِ (١٣) الدِّينُ إِذًا دُونَهَا، وَمَعَاذَ اللَّهِ من هذا المأْخذ.\n_________\n(١) قوله: \"آكد\" سقط من (خ) و(م)، فعلق عليه رشيد رضا بقوله: \"انظر أين اسم يكون وخبره؟ الظاهر أنه سقط من الناسخ، والمعنى الذي يقتضيه السياق، ويتعين مما يأتي هو: نفي كون المصلحة الحادثة آكد؛ لأنه سيقول: إنها مساوية أو أضعف. فلعل أصل الكلام: \"ولا يمكن أن تكون آكد\"، وقوله: \"مع كون المحدثة\" إلخ؛ تعليل للنفي\".اهـ.\n(٢) قوله: \"لأنها زيادة\" سقط من (خ) و(م).\n(٣) في (خ): \"ونقضه\"، وعلق عليها رشيد رضا بقوله: \"كذا! ولعل الأصل: \"نقصه\" بالصاد المهملة؛ أي: نقص التكليف وتخفيفه\". اهـ.\n(٤) حديث \"بعثت بالحنيفية السمحة\" تقدم تخريجه (ص١٥٤).\n(٥) كذا في جميع النسخ. وعلق الشيخ رشيد رضا ﵀ على هذا الموضع بقوله: \"كذا ولعل الأصل: (وقد مر شيء منه) أو ما هو بمعنى هذا\".\n(٦) في (ر) و(غ): \"يكون\".\n(٧) في (خ): \"هذه\".\n(٨) قوله: \"فالإحداث\" سقط من (خ)، و(م)، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: لعل الأصل: فهي إذًا عبث. اهـ.\n(٩) من قوله: \"مع فرض التزام\" إلى هنا سقط من (خ) و(م).\n(١٠) في (خ) و(م): \"بسبب\".\n(١١) في (خ) و(م): \"الأخرى\".\n(١٢) علق رشيد رضا هنا بقوله: لعل إلا بسبب للآخرين ما فات الأولين. اهـ.\n(١٣) في (غ): \"يكن\".","vol":"2","page":285},{"text":"وَقَدْ ظَهَرَ مِنَ الْعَادَاتِ الْجَارِيَةِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ: أَن تَرْكَ الأَولين لأَمر مَا مِنْ غَيْرِ أَن يُعَيِّنوا فِيهِ وَجْهًا مَعَ احْتِمَالِهِ فِي الأَدلّة الجُمْليَّة، وَوُجُودِ المَظِنَّة (١)، دَلِيلٌ عَلَى أَن ذَلِكَ الأَمر لَا يُعْمَلُ بِهِ، وأَنه إِجماع مِنْهُمْ عَلَى تَرْكِهِ.\nقَالَ ابْنُ رُشْد (٢) فِي شَرْحِ مسأَلة \"الْعُتْبِيَّةِ\": الْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنه (٣) لم يَرَهُ مِمَّا شُرِعَ فِي الدِّينِ - يَعْنِي سُجُودَ الشُّكْرِ - فَرْضًا وَلَا نَفْلًا، إِذ لَمْ يأْمر (٤) بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا فَعَلَهُ، وَلَا أَجمع الْمُسْلِمُونَ عَلَى اخْتِيَارِ فِعْلِهِ، وَالشَّرَائِعُ لا تثبت إِلا من أَحد هذه الوجوه (٥). قَالَ: وَاسْتِدْلَالُهُ عَلَى أَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ وَلَا الْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ: بأَن ذَلِكَ لَوْ كَانَ لَنُقِلَ: صحيحٌ (٦)؛ إِذ لا يَصِحّ أَن تتوفَّر دواعي المسلمين (٧) عَلَى تَرْكِ نَقْلِ شَرِيعَةٍ مِنْ شَرَائِعَ الدِّينِ، وقد أُمروا بِالتَّبْلِيغِ.\nقَالَ: وَهَذَا أَصل مِنَ الأُصول (٨)، وَعَلَيْهِ يأْتي إِسقاط الزَّكَاةِ مِنَ الخُضَر والبُقُول - مَعَ وجوب (٩) الزكاة فيها بعموم قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: \"فِيمَا سَقَتِ السَّماءُ وَالْعُيُونُ والبَعْلُ: العُشُر، وَفِيمَا سُقِيَ بالنَّضْح: نصف العشر\" (١٠) ـ؛ لأَنا لو أَنزلنا (١١) ترك نقل أَخذ النبي ﷺ الزَّكَاةَ مِنْهَا كالسُّنَّة الْقَائِمَةِ فِي أَن لَا زكاة فيها، فكذلك نُنْزِل (١٢) تَرْكُ نَقْلِ السُّجُودِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الشُّكْرِ كَالسُّنَّةِ الْقَائِمَةِ فِي أَن لا سجود فيها. ثم حَكَى (١٣)\n_________\n(١) في (ر) و(غ): \"ووجودًا مظنة\".\n(٢) في \"البيان والتحصيل\" (١/ ٣٩٣).\n(٣) أي: الإمام مالك.\n(٤) في (خ) و(م): \"يؤمر\".\n(٥) كذا في (غ) و(ر)، وهو الموافق لما في \"البيان والتحصيل\"، وفي (خ) و(م): \"الأمور\" بدل \"الوجوه\".\n(٦) خبر: \"واستدلاله\"؛ أي: واستدلاله صحيح.\n(٧) في (خ) و(م): \"أن تتوفر الدواعي\".\n(٨) في \"البيان والتحصيل\": \"وهذا أيضًا من الأصول\".\n(٩) في (خ) و(م): \"وجود\".\n(١٠) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٢٧٠) واللفظ له، والبخاري (١٤٨٣) من حديث ابن عمر. وأخرجه مسلم (٩٨١) بنحوه من حديث جابر.\n(١١) في (خ) و(م): \"لأنا نزلنا\".\n(١٢) في (خ): \"نزل\" وفي (م): \"تنزل\".\n(١٣) يعني: ابن رشد.","vol":"2","page":286},{"text":"خِلَافَ الشَّافِعِيِّ وَالْكَلَامَ عَلَيْهِ. وَالْمَقْصُودُ مِنَ المسأَلة: تَوْجِيهُ مَالِكٍ لَهَا مِنْ حَيْثُ إِنها بِدْعَةٌ، لَا تَوْجِيهُ أَنها بِدْعَةٌ عَلَى الإِطلاق (١).\nوَعَلَى هَذَا النَّحْوِ جَرَى بَعْضُهُمْ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ المحلِّل، وأَنه بِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ؛ مِنْ حَيْثُ وُجِد فِي زَمَانِهِ ﵇ الْمَعْنَى المُقْتَضي لِلتَّخْفِيفِ والترخيص للزوجين بإِجازة التحليل ليتراجعا كما كانا أَوّل مرَّة، وأَنه لَمَّا لَمْ يُشَرِّعْ ذَلِكَ مَعَ حِرْصِ امرأَة رِفَاعَةَ (٢) عَلَى رُجُوعِهَا إِليه؛ دَلّ عَلَى أَن التَّحْلِيلَ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ لَهَا وَلَا لِغَيْرِهَا. وَهُوَ أَصل صَحِيحٌ، إِذا اعتُبِر؛ وَضَحَ بِهِ مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ؛ لأَن الْتِزَامَ الدعاءِ بِآثَارِ الصَّلَوَاتِ جَهْرًا لِلْحَاضِرِينَ فِي مَسَاجِدِ الجماعات لو كان مُسْتَحسنًا (٣) شَرْعًا - أَو جَائِزًا ـ؛ لَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَولى بِذَلِكَ (٤) أَن يَفْعَلَهُ.\nوَقَدْ عَلَّل المُنْكِرُ هَذَا الْمَوْضِعَ بِعلَلٍ تَقْتَضِي الْمَشْرُوعِيَّةَ، وَبَنَى عَلَى فَرْضِ أَنه لَمْ يأْت مَا يُخَالِفُهُ، وأَن الأَصل الْجَوَازُ فِي كُلِّ مَسْكُوتٍ عنه.\nأَما أَن الأَصل الجواز فيُمنع (٥)؛ لأَن طَائِفَةً مِنَ الْعُلَمَاءِ يَذْهَبُونَ إِلى أَن الأَشياءَ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْعِ عَلَى الْمَنْعِ دُونَ الإِباحة، فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَ مِنَ الْجَوَازِ؟ وإِن سَلَّمَنَا لَهُ مَا قَالَ، فَهَلْ هُوَ عَلَى الإِطلاق أَم لَا؟ أَما فِي العاديَّات فمُسَلَّم، وَلَا نُسَلِّم أَن مَا نَحْنُ فيه من العاديَّات، بل من العباديَّات، وَلَا يَصِحُّ أَن يُقَالَ فِيمَا فِيهِ تعبُّد: إِنه مُخْتَلِفٌ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ: هَلْ هُوَ عَلَى الْمَنْعِ، أَم هُوَ عَلَى الإِباحة؟ بَلْ هو أبدًا (٦) على المنع؛ لأَن\n_________\n(١) تقدم في بداية بحث المسألة ذكر ما يستدل به على مشروعية سجود الشكر.\n(٢) حديث امرأة رفاعة: أخرجه البخاري (٥٢٦٠)، ومسلم (١٤٣٣)، من حديث عائشة ﵂: أن امرأة رفاعة جاءت إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن رفاعة طلقني فَبَتّ طلاقي، وإني نكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير القُرَظي، وإنما معه مثل الهَدَبَة، فقال ﷺ: \"لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا! حتى يذوق عُسَيْلتك، وتذوقي عُسَيْلته\".\n(٣) في (خ) و(م): \"صحيحًا\" بدل \"مستحسنًا\".\n(٤) في (م): \"بأولى فذلك\".\n(٥) في (خ): \"فيمتنع\"، ويبدو أنها كانت هكذا في (م)، ثم طمست التاء.\n(٦) في (خ) و(م): \"أمر زائد\" بدل \"أبدًا\".","vol":"2","page":287},{"text":"التعبُّدِيَّات (١) إِنما وَضْعُها (٢) لِلشَّارِعِ، فَلَا يُقَالُ فِي صلاةٍ سادسةٍ - مَثَلًا ـ: إِنها عَلَى الإِباحة، فللمُكَلَّف وَضْعُهَا - عَلَى أَحد الْقَوْلَيْنِ - لِيَتَعَبَّدَ بِهَا لِلَّهِ؛ لأَنه بَاطِلٌ بإِطلاق، وَهُوَ أَصل كُلِّ مُبْتَدَعٍ يُرِيدُ أَن يَسْتَدْرِكَ عَلَى الشَّارِعِ. وَلَوْ سُلِّم أَنه مِنْ قَبِيلِ العاديَّات، أَو مِنْ قَبِيلِ مَا يُعْقَل مَعْنَاهُ، فَلَا يَصِحُّ الْعَمَلُ بِهِ أَيضًا؛ لأَن تركَ الْعَمَلِ بِهِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَمِيعِ عُمُرِهِ، وَتَرْكَ السَّلَفِ الصَّالِحِ لَهُ عَلَى تَوَالي أَزْمِنَتِهم قَدْ تقدَّم أَنه نصٌّ فِي التَّرْك، وإِجماعٌ مِنْ كُلِّ مَنْ تَرَك؛ لأَن عَمَلَ الإِجماع كنصِّه، كما أَشار إِليه مالك في كلامه (٣).\nوأَيضًا فما يُعَلِّل به (٤) لَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِهِ، وَقَدْ أَتى الرَّادُّ بأَوجه مِنْهُ:\nأَحدها: أَن الدعاءَ بِتِلْكَ الْهَيْئَةِ لِيُظْهِرَ وَجْهَ التَّشْرِيعِ فِي الدعاءِ، وأَنه بِآثَارِ الصَّلَوَاتِ مَطْلُوبٌ.\nوَمَا قَالَهُ يَقْتَضِي أَن يَكُونَ سُنَّةً بِسَبَبِ الدَّوَامِ والإِظهار فِي الْجَمَاعَاتِ وَالْمَسَاجِدِ، وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ اتِّفَاقًا (٥) مِنَّا وَمِنْهُ، فَانْقَلَبَ إِذًا وَجْهُ التَّشْرِيعِ.\nوأَيضًا فإِن إِظهار التَّشْرِيعِ كَانَ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ أَولى، فَكَانَتْ تِلْكَ الْكَيْفِيَّةُ المتكلَّم فِيهَا أَولى بالإِظهار (٦)، ولَمّا (٧) لَمْ يَفْعَلْهُ ﵊؛ دلَّ على الترك مَعَ وُجُودِ الْمَعْنَى المُقْتَضي، فَلَا يُمْكِنُ بَعْدَ زَمَانِهِ فِي تِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ إِلا التَّرْكُ.\nوَالثَّانِي: أَن الإِمام يَجْمَعُهُمْ عَلَى الدعاءِ لِيَكُونَ بِاجْتِمَاعِهِمْ أَقربَ إِلى الإِجابة.\nوهذه العلة كانت موجودة (٨) في زمانه ﵊؛ لأَنه لَا يَكُونُ أَحدٌ أَسرعَ إِجابةً لِدُعَائِهِ مِنْهُ؛ إِذ كَانَ مجابَ الدَّعْوَةِ بِلَا إِشكال، بِخِلَافِ غَيْرِهِ - وإِن عَظُم قَدْرُهُ فِي الدِّينِ ـ، فَلَا يَبْلُغُ رُتْبَتَهُ، فَهُوَ كَانَ أَحقَّ بأَن يَزِيدَهُمُ الدُّعَاءَ لَهُمْ خَمْسَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ والليلة زيادة إِلى دعائهم لأَنفسهم.\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"التعبدات\".\n(٢) في (خ): \"وضعوا\"، ولذا علق عليه رشيد رضا بقوله: لعله: إنما وضعها للشارع. اهـ.\n(٣) أي: المتقدم (ص٢٨٤).\n(٤) في (خ) و(م): \"له\".\n(٥) في (غ) و(ر): \"سنة باتفاق\".\n(٦) في (خ) و(م): \"للإظهار\"، وفي (ر): \"بالإظها\".\n(٧) في (غ): \"لما\".\n(٨) قوله: \"موجودة\" سقط من (خ).","vol":"2","page":288},{"text":"وأَيضًا: فإِن قَصْدَ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الدعاءِ لَا يَكُونُ بَعْدَ زَمَانِهِ أَبلغ فِي الْبَرَكَةِ مِنَ اجتماعٍ يَكُونُ فِيهِ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ ﷺ وأَصحابه، فكانوا بالتَّنَبُّه (١) لِهَذِهِ المَنْقَبَة أَولى.\nوَالثَّالِثُ: قَصْدُ التَّعْلِيمِ للدعاءِ؛ ليأْخذوا مِنْ دُعَائِهِ مَا يَدْعُونَ بِهِ لأَنفسهم؛ لِئَلَّا يَدْعُوَا بِمَا لَا يَجُوزُ عَقْلًا أَو شَرْعًا.\nوَهَذَا التَّعْلِيلُ لَا يَنْهَضُ؛ فإِن النَّبِيَّ ﷺ كَانَ المعلِّمَ الأَوَّل، وَمِنْهُ تلقَّينا أَلفاظ الأَدعية وَمَعَانِيهَا، وَقَدْ كَانَ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَجْهَلُ قَدْرَ الرُّبُوبِيَّةِ فَيَقُولُ (٢):\nربَّ العبادِ ما لنا وما لَكَا (٣) ... أَنْزِلْ عَلَيْنا الغَيْثَ لا أَبالَكَا (٤)\nوقال الآخر (٥):\nلا هُمَّ إِن كُنْتَ الَّذِي بعَهْدِي ... ولَمْ تُغَيِّرْكَ الأُمورُ بَعْدِي\nوَقَالَ الْآخَرُ:\nأَبَنِيَّ لَيْتي (٦) لَا أُحِبُّكُمُ ... وَجَدَ الإِلهُ بكُمُ كما أَجِدُ\n_________\n(١) في (خ) و(م): \"بالتنبيه\".\n(٢) قال المُبَرِّد في \"الكامل\" (٣/ ١١٣٩/تحقيق د. محمد الدالي):\nوسمع سليمان بن عبد الملك رجلًا من الأعراب في سنة جَدْبَةٍ يقول:\nربَّ العبادِ ما لَنا ومالَكا ... قد كنت تَسْقينا فما بدا لكَ\nأنزل علينا الغيث لا أبا لكا\nفأخرجه سليمانُ أحسنَ مُخْرَجٍ، فقال: أشهد أن لا أبا له، ولا ولد، ولا صاحبة. اهـ.\nوانظر الخبر أيضًا في \"لسان العرب\" (١٤/ ١٢).\nوكان المبرِّد قد قال قبل سياق القصة - وهو يتحدّث عن كلمة \"لا أبا لك\" ـ: \"وهذه كلمة فيها جفاء، والعرب تستعملها عند الحثّ على أخذ الحق والإغراء، وربما استعملتها الجفاة من الأعراب عند المسألة والطلب، فيقول القائل للأمير والخليفة: انظر في أمر رعيّتك لا أبا لك! ... \"، ثم ساق القصة.\n(٣) في (خ) و(م): ومالك\".\n(٤) في (خ) و(م): \"لا أبالك\".\n(٥) ذكر هذا الرَّجَز ابن سيده في \"المخصّص\" (٣/ ٤)، وابن منظور في \"لسان العرب\" (٢/ ٤٦١/مادة \"روح\") بلفظ:\nلا هُمَّ إنْ كنتَ الذي كَعَهدي ... ولم تُغَيِّرْك السِّنونَ بعدي\nوذكرا أنه من جفاء الأعراب، ولم ينسباه لأحد.\n(٦) كذا في (خ)، وفي باقي النسخ: \"ليتني\".","vol":"2","page":289},{"text":"وَهِيَ أَلفاظ يَفْتَقِرُ أَصحابها إِلى التَّعْلِيمِ، وَكَانُوا قريبي (١) عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، تُعَامِلُ الأَصنامَ معاملةَ الربِّ الْوَاحِدِ سُبْحَانَهُ، وَلَا تُنَزِّهه كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، فَلَمْ يُشْرِعْ لَهُمْ دُعَاءً بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ فِي آثَارِ الصلوات دائمًا ليعلِّمهم أَو يغنيهم عن (٢) التعلُّم (٣) إِذا صَلَّوْا مَعَهُ، بَلْ علَّم فِي مَجَالِسِ التَّعْلِيمِ، وَدَعَا لِنَفْسِهِ إِثر الصَّلَاةِ حِينَ بَدَا لَهُ ذَلِكَ؛ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِذ ذَاكَ إِلى النَّظَرِ لِلْجَمَاعَةِ، وَهُوَ كَانَ أَولى الْخَلْقِ بِذَلِكَ.\nوَالرَّابِعُ: أَن فِي الِاجْتِمَاعِ عَلَى الدعاءِ تَعَاوُنًا عَلَى البِرّ وَالتَّقْوَى، وَهُوَ مأْمور بِهِ.\nوهذا الاحتجاج (٤) ضَعِيفٌ؛ فإِن النَّبِيَّ ﷺ هُوَ الَّذِي أُنزل عَلَيْهِ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِّرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٥)، وَكَذَلِكَ فَعَلَ، وَلَوْ كَانَ الِاجْتِمَاعُ للدعاءِ إِثر الصَّلَاةِ جَهْرًا لِلْحَاضِرِينَ مِنْ بَابِ البرِّ وَالتَّقْوَى؛ لَكَانَ أَوّل سَابِقٍ إِليه، لَكِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ أَصلًا، وَلَا أَحدٌ بَعْدَهُ حَتَّى حَدَثَ مَا حَدَثَ، فَدَلَّ عَلَى أَنه لَيْسَ عَلَى ذَلِكَ الوجه ببرٍّ (٦) وَلَا تَقْوَى.\nوَالْخَامِسُ: أَن عامَّة النَّاسِ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، فَرُبَّمَا لَحَن، فَيَكُونُ الَّلحْنُ سَبَبَ عدمِ الإِجابة. وحَكَى عَنِ الأَصْمَعي في ذلك حكاية شعريَّة لا فقهيَّة (٧).\n_________\n(١) في (خ): \"قرب\" وفي (م): \"قربى\".\n(٢) في (خ): \"أو يعينهم على\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"التعليم\".\n(٤) في (خ) و(م): \"الاجتماع\".\n(٥) سورة المائدة: الآية (٢).\n(٦) في (خ) و(م): \"بر\".\n(٧) الظاهر أنه يعني ما أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٤/ ٣٢٠ رقم ١٥٦٥) من طريق أبي عبد الله الحاكم؛ قال: سمعت أبا بكر الإسماعيلي يقول: أخبرني المرزباني؛ حدثني محمد بن الفضل؛ حدثني الرياشي؛ قال: مرّ الأصمعي برجل يدعو ويقول في دعائه: يا ذو الجلال والإكرام، فقال له الأصمعي: يا هذا! ما اسمك؟ فقال: ليث، فقال الأصمعي:\nيُناجي ربَّه باللَّحْن لَيْثٌ ... لِذاكَ إذا دعاه لا يُجيب\nومن طريق البيهقي رواها ابن عساكر في \"تاريخه\" (٣٧/ ٨٠ - ٨١). وفي سند الحكاية محمد بن الفضل ولم يتضح لي من هو؟\nوالراوي عنه هو محمد بن عمران بن موسى المرزباني معتزلي متكلم فيه. انظر ترجمته في: \"تاريخ بغداد\" (٣/ ١٣٥ رقم ١١٥٩)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٦/ ٤٤٧ - ٤٤٩)، و\"لسان الميزان\" (٥/ ٣٢٦ رقم ١٠٧٧).","vol":"2","page":290},{"text":"وهذا الاحتجاج (١) إِلى اللَّعِبِ أَقرب مِنْهُ إِلى الْجَدِّ، وأَقرب مَا فِيهِ أَن أَحدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ لَا يُشْتَرَطُ فِي الدعاءِ أَن لَا يَلْحَنَ كَمَا يَشْتَرِط الإِخلاصَ وصدقَ التَّوَجُّه (٢)، وعزمَ المسأَلة، وغيرَ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ. وتعلُّمُ (٣) اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ لإِصلاح الأَلفاظ فِي الدعاءِ - وإِن كَانَ الإِمامُ أَعرفَ بِهِ ـ؛ هُوَ كَسَائِرِ مَا يَحْتَاجُ إِليه الإِنسان مِنْ أَمر دِينِهِ. فإِن كَانَ الدُّعَاءُ مُسْتَحَبًّا، فالقراءَة وَاجِبَةٌ، وَالْفِقْهُ فِي الصَّلَاةِ كَذَلِكَ، فإِن كَانَ تعليمُ (٤) الدُّعَاءِ إِثر الصَّلَاةِ مَطْلُوبًا، فَتَعْلِيمُ (٥) فِقْهِ الصَّلَاةِ آكَدُ، فَكَانَ مِنْ حَقِّه أَن يَجْعَلَ ذَلِكَ مِنْ وَظَائِفِ آثار الصلوات (٦).\nفإِن قال (٧) بموجبه في الحِزْبِ (٨) الْمُتَعَارَفِ، فَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَجْتَثّ أَصله؛ لأَن السَّلَفَ الصَّالِحَ كَانُوا أَحقَّ بالسَّبْق إِلى فَضْلِهِ؛ لِجَمِيعِ مَا ذُكر فِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ، وَلِذَلِكَ قَالَ مالك بن أنس (٩) فِيهَا: أَترى النَّاسَ الْيَوْمَ كَانُوا أَرغبَ فِي الْخَيْرِ مِمَّنْ مَضَى؟ وَهُوَ إِشارة إِلى الأَصل الْمَذْكُورِ، وَهُوَ أَن الْمَعْنَى المُقْتَضي للإِحداث - وَهُوَ الرَّغْبَةُ فِي الْخَيْرِ - كَانَ أَتمَّ فِي السَّلَفِ الصالح، وهم لم يفعلوه، فدل أَنَّهُ لَا يُفْعَل.\nوأَما مَا ذُكِرَ مِنْ آداب (١٠) الدعاءِ: فكُلُّه مما لَا يتعيَّن لَهُ (١١) إِثر الصَّلَاةِ، بِدَلِيلِ: أَن رسول الله ﷺ علَّم مِنْهَا جُمْلَةً كَافِيَةً، وَلَمْ يُعَلِّم مِنْهَا شَيْئًا إِثر الصَّلَاةِ، وَلَا تَرَكَهُمْ دُونَ تَعْلِيمٍ ليأْخذوا ذَلِكَ مِنْهُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ، أَو لِيَسْتَغْنُوا بِدُعَائِهِ (١٢) عَنْ تَعْلِيمِ ذَلِكَ، وَمَعَ أَن الْحَاضِرِينَ للدعاءِ لَا يَحْصُلُ لهم من الإِمام فِي ذَلِكَ كَبِيرُ شَيْءٍ، وإِن حَصَلَ فَلِمَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ دُونَ مَنْ بَعُدَ.\n_________\n(١) في (خ) و(م): \"الاجتماع\".\n(٢) في (خ) و(م): \"التوجيه\"، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: أي: توجيه القلب إلى الله تعالى المأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾، ويحتمل أن يكون: \"التوجه\" الذي مطاوع التوجيه. اهـ.\n(٣) في (ر) و(غ): \"وتعليم\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"تعلم\".\n(٥) في (ر) و(غ): \"فتعلم\".\n(٦) في (خ) و(م): \"الصلاة\".\n(٧) في (خ) و(م): \"فإن قيل\".\n(٨) في (م): \"المحزب\"، وفي (خ) يشبه أن تكون: \"المحرف\".\n(٩) قوله: \"ابن أنس\" من (غ) و(ر) فقط، ونقل المصنف كلام مالك هذا في \"الموافقات\" (٣/ ٤٩٧).\n(١٠) في (غ) و(ر): \"أدب\".\n(١١) قوله: \"له\" ليس في (غ).\n(١٢) في (غ): \"عن دعائه\".","vol":"2","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>فَصْلٌ</span>\nثُمَّ اسْتَدَلَّ الْمُسْتَنصر (١) بِالْقِيَاسِ، فَقَالَ: وإِن صَحَّ أَن السَّلَف لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ؛ فَقَدَ عَمِلَ السَّلَفُ بِمَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ مَنْ قَبْلَهُمْ مِمَّا (٢) هُوَ خَيْرٌ. ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: قَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁: \"تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقضية بِقَدْرِ مَا أَحدثوا مِنَ الْفُجُورِ\" (٣)، فَكَذَلِكَ تَحْدُثُ لَهُمْ مُرَغِّبات فِي (٤) الْخَيْرِ بِقَدْرِ مَا أَحدثوا مِنَ الفُتُور.\nوَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ غيرُ جارٍ عَلَى الأُصول: أَمّا أَوّلًا: فإِنه فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ، وَهُوَ مَا أَشار إِليه مَالِكٌ فِي مسأَلة \"العتبيَّة\" (٥)، فَذَلِكَ من باب فساد الاعتبار.\n_________\n(١) في (ر) و(غ): \"المنتصر\".\n(٢) في (خ): \"بما\".\n(٣) لم أجده مسندًا، وإنما ذكره ابن أبي زيد القيرواني في \"الرسالة\" (ص٢٤٥) في \"باب في الأقضية والشهادات\" تعليقًا. وقال ابن فرحون المالكي في \"تبصرة الحكام\" في المسألة (٢١٧): \"مسألة: قال ابن وضاح: قلت لسحنون: إن ابن عجلان قال لي: إنه يُحَلِّف اليهوديَّ يوم السبت، والنصرانيَّ يوم الأحد، وقال: إني رأيتهم يرهبون ذلك. فقال لي سحنون: ومن أين أخذه ابن عجلان؟ قال: قلت: من قول مالك: يُحَلّفون حيث يعظِّمون، فسكت. قال ابن وضاح: فكأنه أعجبه. وقلت له أيضًا: إن ابن عاصم عندنا يحلِّف الناس بالطلاق، يغلِّظ عليهم. فقال لي: ومن أين أخذ ذلك؟ قلت له: من الأثر المروي من قول عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. فقال لي: مثل ابن عاصم يتأوّل هذا! قاله ابن الهندي في وثائقه. وابن عاصم هذا: حسين بن عاصم، روى عن ابن القاسم وأشهب، ودخل الأندلس، وكان محتسبًا بها في السوق\".اهـ.\nويرد هذا القول كثيرًا في كتب المالكية، وقد ذكره الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (١٣/ ١٤٤) نقلًا عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، ونسبه لمالك، وكذا الزرقاني في \"شرح الموطأ\" (٤/ ٤٤).\n(٤) في (غ) و(ر): \"من\" بدل \"في\".\n(٥) المتقدمة (ص٢٨٢ - ٢٨٣).","vol":"2","page":292},{"text":"وأَما ثَانِيًا: فإِنه قِيَاسٌ عَلَى نَصٍّ لَمْ يثبت بعدُ من طريقٍ صحيح؛ إِذ من الناس من طعن فيه، ومن شرط الأَصل الْمَقِيسِ عليه أن يثبت النقل فيه مِنْ طريقٍ (١) مَرْضِيٍّ، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ.\nوأَما ثَالِثًا: فإِن كَلَامَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فرعٌ اجتهاديٌّ جَاءَ عَنْ رجلٍ مجتهدٍ يُمْكِنُ أَن يخطىء فِيهِ؛ كَمَا يُمْكِنُ أَن يُصِيبَ، وإِنما حَقِيقَةُ الأَصل أَن يأْتي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَو عَنْ أَهل الإِجماع، وَهَذَا لَيْسَ عَنْ (٢) وَاحِدٍ (٣) مِنْهُمَا.\nوأَما رَابِعًا: فإِنه قِيَاسُ بِغَيْرِ مَعْنًى جَامِعٍ، أَو بِمَعْنَى جَامِعٍ طَرْدِيٍّ (٤)، وَلَكِنَّ الْكَلَامَ فِيهِ سيأْتي - إِن شاءَ اللَّهُ - فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ وَالْبِدَعِ.\nوَقَوْلُهُ: \"إِن السَّلَفَ عَمِلُوا بِمَا لَمْ يَعْمَلْ به من قبلهم\": حاشا لِلَّهِ أَن يَكُونُوا مِمَّنْ يَدْخُلُ تَحْتَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ.\nوَقَوْلُهُ: \"مِمَّا هُوَ خَيْرٌ\": أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلى السلف فما عملوا به (٥) خير، وأَما فرعه المقيس فَكَوْنُهُ خَيْرًا دَعْوَى؛ لأَن كَوْنَ الشَّيْءِ خَيْرًا أَوْ شَرًّا لَا يَثْبُتُ إِلا بِالشَّرْعِ، وأَما العقل فبمعزل عن ذلك، فليُثْبِتْ (٦) أَوّلًا أَن (٧) الدعاءَ عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ خَيْرٌ شَرْعًا.\nوأَما قِيَاسُهُ عَلَى قَوْلِهِ: \"تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ\": فَمِمَّا تقدم (٨). وفيه\n_________\n(١) من قوله: \"صحيح إذ من الناس\" إلى هنا سقط من (خ) و(م).\n(٢) قوله: \"عن\" ليس في (غ) و(ر).\n(٣) في (ر): \"واحدًا\".\n(٤) علق رشيد رضا ﵀ على هذا الموضع بقوله: \"لعل الأصل: غير طردي\".\n(٥) قوله: \"به\" ليس في (خ) و(م).\n(٦) من قوله: \"وأما العقل فبمعزل\" إلى هنا سقط من (خ).\n(٧) في (خ): \"أو لأن\".\n(٨) علق رشيد رضا ﵀ على هذا الموضع بقوله:\nكذا والظاهر أنه سقط منه شيء، ولعل أصله: \"فمما تقدم يعلم بطلانه\".اهـ. والذي يظهر لي أنه لم يسقط منه شيء، وإنما عنى المؤلف: أن هذا القول مردود بالأمور الأربعة التي ذكرها قبل عدة أسطر.","vol":"2","page":293},{"text":"أَمْرٌ آخَرُ، وَهُوَ التَّصْرِيحُ بأَن إِحداث الْعِبَادَاتِ جَائِزٌ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِ عُمَرَ، وإِنما كَلَامُ عُمَرَ - بَعْدَ تَسْلِيمِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ - فِي مَعْنًى عَادِيٍّ يَخْتَلِفُ فِيهِ مَنَاطُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ فِيمَا تقدم؛ كتضمين الصُّنّاع واشتراط الخلطة (١)، أَو الظِّنّة فِي تَوْجِيهِ الأَيْمَان، دُونَ مُجَرَّدِ الدَّعَاوَى، فَيَقُولُ: إِن الأَولين تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِمْ بَعْضُ الأَحكام لِصِحَّةِ الأَمانة وَالدِّيَانَةِ وَالْفَضِيلَةِ، فَلَمَّا حَدَثَتْ (٢) أَضدادها اخْتَلَفَ الْمَنَاطُ فَوَجَبَ اخْتِلَافُ الْحُكْمِ، وَهُوَ حكمٌ رادعٌ أَهلَ الْبَاطِلِ عَنْ بَاطِلِهِمْ، فأَثَرُ هَذَا الْمَعْنَى ظَاهِرٌ مُنَاسِبٌ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ؛ فإِنه عَلَى الضِّدِّ مِنْ ذَلِكَ، أَلا ترى أَن الناس قد (٣) وَقَعَ فِيهِمُ الْفُتُورُ عَنِ الْفَرَائِضِ فَضْلًا عَنِ النوافل - وهي ما هي في (٤) الْقِلَّةِ وَالسُّهُولَةِ ـ؟ فَمَا ظَنُّكَ بِهِمْ إِذا زِيدَ عليهم أَشياء أُخَرُ يرغبون فيها، ويُحَرِّضون (٥) عَلَى اسْتِعْمَالِهَا، فَلَا شَكَّ أَنَّ الْوَظَائِفَ تَتَكَاثَرُ حَتَّى يؤديَ إِلى أَعظم مِنَ الْكَسَلِ الأَول، أَو إِلى (٦) ترك الجميع، فإِن حدث للعامل بالبدعة هوىً (٧) فِي بِدْعَتِهِ، أَو لِمَنْ شَايَعَهُ فِيهَا، فَلَا بد من كسله عَمَّا (٨) هُوَ أَولى (٩).\nفَنَحْنُ نَعْلَمُ أَن سَاهِرَ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ (١٠) لِتِلْكَ الصَّلَاةِ المُحْدَثة لَا يأْتيه الصُّبْحُ إِلا وَهُوَ نَائِمٌ، أَو فِي غاية الكسل، فيُخِلّ\n_________\n(١) قوله: \"واشتراط الخلطة\" سقط من (خ) و(م).\n(٢) في (غ): \"حصلت\".\n(٣) في (خ): \"إذا\".\n(٤) في (خ): \"من\".\n(٥) في (خ) و(م): \"ويرخصون\"، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: كذا! والترخيص هنا غير مناسب، ولا يتعدى بعلى، فلعل الأصل: \"ويحضون\" اهـ.\n(٦) في (خ): \"وإلى\".\n(٧) في (خ) و(م): \"هو\".\n(٨) في (خ) و(م): \"مما\".\n(٩) علق رشيد رضا على هذا الموضع بقوله: ظاهرٌ أن في هذه العبارة غلطًا، والمعنى المفهوم من السياق: أن صاحب البدعة إذا كان يعرض له الكسل في بدعته ولمن شايعه عليها، فلا بدّ من عروض الكسل له في غيرها من الأعمال بالأَولى؛ لأن نظرية البدعة أنها - بجدَّتها - تُحدث نشاطًا بعد الفتور كما تقدم. اهـ.\n(١٠) انظر ما تقدم (ص٢٠).","vol":"2","page":294},{"text":"بِصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمُحْدَثَاتِ، فَصَارَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ عَائِدَةً عَلَى مَا هُوَ أَولى مِنْهَا بالإِبطال أَو الإِخلال. وقد مرَّ في النقل (١) أَن بدعة لا تُحْدَثُ (٢) إِلا وَيَمُوتُ مِنَ السُّنَّة مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا.\nوأَيضًا فإِن هَذَا الْقِيَاسَ مُخَالِفٌ لأَصل شَرْعِيٍّ، وَهُوَ طَلَبُ النَّبِيِّ ﷺ بالسهولة وَالرِّفْقَ وَالتَّيْسِيرَ وَعَدَمَ التَّشْدِيدِ (٣)، وَزِيَادَةُ وَظِيفَةٍ لَمْ تُشْرَعْ، فَتَظْهَرُ وَيُعْمَلُ بِهَا دَائِمًا فِي مَوَاطِنِ السُّنَنِ، فَهُوَ تَشْدِيدٌ بِلَا شَكٍّ. وإِن سَلَّمْنَا مَا قَالَ، فَقَدْ وَجَدَ كُلُّ مُبْتَدَعٍ مِنَ الْعَامَّةِ السَّبِيلَ إِلى إِحداث الْبِدَعِ، وأَخذ هَذَا الْكَلَامِ بِيَدِهِ حجَّةً وَبُرْهَانًا عَلَى صِحَّةِ مَا يُحْدِثُهُ كَائِنًا مَا كَانَ، وَهُوَ مَرْمًى بَعِيدٌ.\nثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الدعاءِ إِثر الصَّلَاةِ في الجملة، ونقل في ذلك\n_________\n(١) قوله: \"في النقل\" سقط من (خ) و(م).\n(٢) في (خ) و(م): \"أن كل بدعة تحدث\".\n(٣) في ذلك عدة أحاديث، منها: ما أخرجه البخاري (٢٩٣٥ و٦٠٢٤)، ومسلم (٢١٦٥)، كلاهما من حديث عائشة ﵂ قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ، فقالوا: السام عليكم. قالت عائشة: ففهمتها، فقلت: وعليكم السام واللعنة. قالت: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"مهلًا يا عائشة! إن الله يحب الرفق في الأمر كله\"، فقلت: يا رسول الله! أو لم تسمع ما قالوا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"قد قلت: وعليكم\". وأخرج مسلم برقم (٢٥٩٣): عنها ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"يا عائشة! إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه\".\nوأخرج أيضًا برقم (٢٥٩٤) عنها ﵂: أن النبي ﷺ قال: \"إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه\". فهذا ما يتعلق بالسهولة والرفق.\nوأما ما يتعلق بالتيسير وعدم التشديد:\nفقد أخرج البخاري (٣٠٣٨)، ومسلم (١٧٣٣)، كلاهما من حديث أبي موسى الأشعري: أن النبي ﷺ بعث معاذًا وأبا موسى إلى اليمن، قال: \"يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا\". وأخرج البخاري أيضًا (٦٩)، ومسلم (١٧٣٤)، من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"يسروا ولا تعسروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا\".\nولفظ مسلم: \"وسكِّنوا\" بدل \"وبشروا\".","vol":"2","page":295},{"text":"عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ أَنواعًا مِنَ الْكَلَامِ، وَلَيْسَ محلَّ النِّزَاعِ (١)، بَلْ جَعَلَ الأَدلةَ شَامِلَةً لِتِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَعَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الأَحاديث وَالْآثَارُ وَعَمَلُ النَّاسِ وَكَلَامُ الْعُلَمَاءِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى كَمَا قَدْ ظَهَرَ. قَالَ: وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنه ﵇ كَانَ الإِمام فِي الصَّلَوَاتِ، وأَنه لَمْ يَكُنْ لِيَخُصَّ نَفْسَهُ بِتِلْكَ الدَّعَوَاتِ، إِذ قَدْ جاءَ مِنْ سُنَّتِهِ: \"لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَن يَؤُمَّ قَوْمًا إِلا بإِذنهم، وَلَا يَخُصَّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ؛ فإِن فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ\" (٢). فتأَملوا يَا أُولي الأَلباب! فَإِنَّ عَامَّةَ النُّصُوصِ فِيمَا سُمِعَ مِنْ أَدعيته فِي أَدبار الصَّلَوَاتِ إِنما كَانَ دُعَاءً لِنَفْسِهِ، وَهَذَا الْكَلَامُ يَقُولُ فِيهِ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَخُصَّ نفسه بالدعاء دون الجماعة، وهذا تناقض، واللهَ (٣) نسأَل التوفيق.\n_________\n(١) علق رشيد رضا على هذا الموضع بقوله: لفظ \"محل\" منصوب؛ خبر ليس؛ أي: وليس هذا محل النزاع. اهـ.\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" (٥/ ٢٨٠)، وأبو داود (٩١)، والترمذي (٣٥٧)، وابن ماجه (٩٢٣)، والفسوي في \"المعرفة\" (٢/ ٣٥٥)، والطبراني في \"مسند الشاميين\" (١٠٤٢) جميعهم من طريق حبيب بن صالح، عن يزيد بن شريح، عن أبي حي المؤذن، عن ثوبان، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال: \"لا يحل لامرئ من المسلمين أن ينظر في جوف بيت امرئ حتى يستأذن، فإن نظر فقد دخل، ولا يؤم قومًا فيختص نفسه بدعاء دونهم، فإن فعل فقد خانهم، ولا يصلي وهو حقن حتى يتخفف\". واللفظ لأحمد. وأخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (١٠٩٣) من طريق محمد بن الوليد، عن يزيد بن شريح، به، ثم قال: \"أصح ما يروى في هذا الباب هذا الحديث\".\nوقال الترمذي: \"حديث ثوبان حديث حسن. وقد روي هذا الحديث عن معاوية بن صالح، عن السفر بن نسير، عن يزيد بن شريح، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ. وروي هذا الحديث عن يزيد بن شريح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ. وكأن حديث يزيد بن شريح عن أبي حي المؤذن، عن ثوبان في هذا: أجود إسنادًا وأشهر\". وهذا الاختلاف الذي ذكره الترمذي على يزيد بن شريح ذكره الدارقطني أيضًا في \"العلل\" (١٥٦٨)، ومال - كالترمذي - إلى ترجيح رواية من رواه عن يزيد، عن أبي حي، عن ثوبان.\nوكيفما كان الحديث فهو ضعيف؛ فمداره على يزيد بن شريح الحضرمي، الحمصي، وهو مقبول كما في \"التقريب\" (٧٧٧٩)، ولم يتابع، ولذا ضعفه الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ في \"ضعيف الجامع\" (٦٣٣٤).\n(٣) قوله: \"والله\" مكرر في (ر)، وفي (خ): \"ومن الله\".","vol":"2","page":296},{"text":"وإِنما حَمَلَ النَّاسُ الْحَدِيثَ عَلَى دعاءِ الإِمام فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ مِنَ السُّجُودِ وَغَيْرِهِ، لَا فِيمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ هَذَا المتأوِّل، وَلَمَّا لَمْ يصحَّ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ عِنْدَ مَالِكٍ؛ أَجاز للإِمام أَن يَخُصَّ نَفْسَهُ بالدعاءِ دُونَ المأْمومين، ذَكَرَهُ فِي \"النَّوَادِرِ\" (١).\nوَلَمَّا اعْتَرَضَهُ كَلَامُ الْعُلَمَاءِ وَكَلَامُ السَّلَفِ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، أَخذ يتأَوَّل ويوجّه كلامهم على طريقته المرتكبة (٢)، ووقع له فيه (٣) كَلَامٌ عَلَى غَيْرِ تأَمُّل لَا يَسْلَم ظَاهِرُهُ مِنَ التَّنَاقُضِ وَالتَّدَافُعِ لِوُضُوحِ أَمره، وَكَذَلِكَ فِي تأْويل الأَحاديث الَّتِي نَقَلَهَا، لَكِنْ تَرَكْتُ هُنَا اسْتِيفَاءَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا لِطُولِهِ، وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ (٤).\n_________\n(١) واسمه الكامل: \"النوادر والزيادات على ما في المدونة وغيرها من الأمهات\" لابن أبي زيد القيرواني. انظر (١/ ١٩٣) منه.\n(٢) علق رشيد رضا ﵀ على هذا الموضع بقوله: كذا ولعله: \"المرتبكة\"، وفي (ر) يشبه أن تكون: \"المرتكية\".\n(٣) في (خ) و(م): \"في\" بدل \"فيه\".\n(٤) في (غ): \"والله أعلم\" بدل \"والحمد لله على ذلك\"، وقوله: \"على ذلك\" ليس في (ر). وقد علق رشيد رضا على هذا الموضع بقوله: هاهنا ينتهي النصف الأول من الكتاب بحسب التقسيم الأول الذي وجدنا عليه نسختنا. اهـ.\nوفي (خ): بعد هذا الموضع ما نصه: كمل النصف الأول من كتاب الاعتصام للعلامة النّحرير الشيخ أبي إسحاق الشاطبي بحمد الله وحسن عونه، على يد العبد الفقير الذليل المرسي حسونة بن محمد الشيلي الأمين السوسي، غفر الله ذنوبه، وستر بمنِّه عيوبه والمسلمين آمين. وكان الفراغ منه في شوال المبارك يوم الأربعاء من عام ١٢٩٤ عرفنا الله خيره وخير ما بعده ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأسَدِّ الكريم، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. أول النصف الثاني قول المؤلف: فصل، ويمكن أن يدخل في البدع الإضافية كل عمل اشتبه أمره فلم يتبين أهو بدعة فينهى عنه، أو غير بدعة فيعمل به ... إلخ.","vol":"2","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>فَصْلٌ </span>(١)\nوَيُمْكِنُ أَن يَدْخُلَ فِي الْبِدَعِ الإِضافية كُلُّ عَمَلٍ اشْتَبَهَ أَمره فَلَمْ يتبيَّن: أَهو بِدْعَةٌ فيُنْهَى عَنْهُ؟ أَم غَيْرُ بِدْعَةٍ فيُعمل به؟ فإِنا إِذا اعتبرناه بالأَحكام الشرعية وجدناه من المشتبهات التي نُدِبنا (٢) إِلى تَرْكِهَا حَذَرًا مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْظُورِ (٣)، وَالْمَحْظُورُ هُنَا هُوَ الْعَمَلُ بِالْبِدْعَةِ. فإِذًا العاملُ بِهِ لَا يَقْطَعُ أَنه عَمِلَ بِبِدْعَةٍ، كَمَا أَنه (٤) لَا يَقْطَعُ أَنه عَمِلَ بسُنَّة، فَصَارَ مِنْ جِهَةِ هَذَا التَّرَدُّدِ غَيْرَ عَامِلٍ بِبِدْعَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، وَلَا يُقَالُ أَيضًا: إِنه خَارِجٌ عَنِ الْعَمَلِ بِهَا جُمْلَةً.\nوَبَيَانُ ذَلِكَ: أَن النَّهْيَ الْوَارِدَ فِي الْمُشْتَبِهَاتِ (٥) إِنما هُوَ حِمَايَةٌ أن يوقع (٦) فِي ذَلِكَ الْمَمْنُوعِ الْوَاقِعِ فِيهِ الِاشْتِبَاهُ، فإِذا اخْتَلَطَتِ الْمَيْتَةُ بالذَّكِيَّة نَهَيْنَاهُ عَنِ الْإِقْدَامِ، فإِن أَقدم أَمكن عِنْدَنَا أَن يَكُونَ آكِلًا لِلْمَيْتَةِ (٧) فِي الِاشْتِبَاهِ (٨)؛ فَالنَّهْيُ الأَخف إِذًا مُنْصَرِفٌ نَحْوَ الْمَيْتَةِ فِي الِاشْتِبَاهِ، كَمَا انْصَرَفَ إِليها النَّهْيُ الأَشدّ في التحقُّق.\n_________\n(١) هذا الفصل هو بداية الجزء الثاني من نسخة (خ)، وجاء في بداية الجزء قبل ذكر الفصل ما نصه: \"بسم الله الرحمن الرحيم. صلى الله على سيدنا محمد وسلم\".\nومن بداية هذا الجزء ابتدأت نسخة (ت)، وأولها قبل ذكر الفصل ما نصه: \"بسم الله الرحمن الرحيم. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال العلامة النحرير، ناصر السنة، ولسان الدين، النظار، المحقق، الشيخ أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى، آمين\".\n(٢) في (خ): \"ندبني ندبنا\".\n(٣) يشير إلى قوله ﷺ: \"الحلال بَيِّن، والحرام بَيِّن، وبينهما مُشَبَّهات لا يعلمها كثير من الناس ... \" الحديث. أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٥٢)، ومسلم برقم (١٥٩٩).\n(٤) قوله: \"أنه\" ليس في (ت).\n(٥) في (ر) و(غ): \"المتشابهات\".\n(٦) في (خ) و(ت): \"يقع\". بدل \"يوقع\".\n(٧) في (ر) و(غ): \"الميتة\".\n(٨) قوله: \"في الاشتباه\" ليس في (غ) و(ر).","vol":"2","page":298},{"text":"وَكَذَلِكَ اخْتِلَاطُ الرَّضِيعة بالأَجنبية: النَّهْيُ فِي الِاشْتِبَاهِ مُنْصَرِفٌ إِلى الرَّضِيعَةِ كَمَا انْصَرَفَ إِليها فِي التحقُّق، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمُشْتَبِهَاتِ، إِنما يَنْصَرِفُ نَهْيُ الإِقدام عَلَى الْمُشْتَبَهِ إِلى خُصُوصِ الْمَمْنُوعِ الْمُشْتَبَهِ، فإِذًا الْفِعْلُ الدَّائِرُ بَيْنَ كَوْنِهِ سُنَّةً أَو بدعة إِذا نهي عنه؛ من (١) باب الاشْتِباه، فالنهي منصرف إِلى العمل بالبدعة؛ كما انصرف إِليه عند تعيُّنها، فهو إِذًا في الِاشْتِبَاهِ (٢) نَهْيٌ عَنِ الْبِدْعَةِ فِي الْجُمْلَةِ، فَمَنْ أَقدم على الْعَمَلِ فَقَدْ أَقدم عَلَى (٣) منهيٍّ عَنْهُ فِي بَابِ الْبِدْعَةِ؛ لأَنه مُحْتَمَلٌ أَن يَكُونَ بِدْعَةً فِي نَفْسِ الأَمر، فَصَارَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ كَالْعَامِلِ بِالْبِدْعَةِ المنهيِّ عَنْهَا. وَقَدْ مرَّ أَن الْبِدْعَةَ الإِضافية هِيَ الْوَاقِعَةُ ذَاتُ وَجْهَيْنِ، فَلِذَلِكَ قِيلَ: إِن هَذَا الْقِسْمَ مِنْ قَبِيلِ الْبِدَعِ الإِضافية، ولهذا النوع أَمثلة:\nأَحدها: إِذا تَعَارَضَتِ الأَدلة عَلَى الْمُجْتَهِدِ فِي أَن الْعَمَلَ الفلانيَّ مَشْرُوعٌ يُتَعَبَّد بِهِ، أَو غَيْرُ مَشْرُوعٍ فَلَا يُتعبَّد بِهِ (٤)، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ جمع بين الدليلين (٥)، ولا إِسقاط (٦) أَحَدهما (٧) بِنَسْخٍ أَوْ تَرْجِيحٍ أَو غَيْرِهِمَا؛ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الأُصول أَن فَرْضَهُ التوقُّف. فَلَوْ عَمِل بمَقتضى دَلِيلِ التَّشْرِيعِ مِنْ غَيْرِ مرجِّح لَكَانَ عَامِلًا بِمُتَشَابِهٍ؛ لِإِمْكَانِ صحَّة الدَّلِيلِ بعدم المشروعية. وقد نهى الشرع عن الإقدام على المتشابهات، كما أنه لو أَعمل دليل عدم المشروعية من غير مرجِّح، لكان عاملًا بمتشابه (٨)، فَالصَّوَابُ الْوُقُوفُ عَنِ الْحُكْمِ رأْسًا، وَهُوَ الْفَرْضُ في حقِّه.\n_________\n(١) في (خ) و(م) و(ت): \"في\" بدل \"من\".\n(٢) من قوله: \"فالنهي منصرف\" إلى هنا سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٣) قوله: \"العمل فقد أقدم على\" سقط من (خ).\n(٤) قوله: \"به\" سقط من (غ) و(ر).\n(٥) في (ت): \"الدليل\"، ثم صوبت في الهامش.\n(٦) في (خ): \"أو إسقاط\". وفي (م): \"والإسقاط\"، وفي (ت): \"وإسقاط\"، وصوبت في الهامش هكذا: \"أو إسقاط\".\n(٧) في (م): \"لأحدهما\".\n(٨) من قوله: \"وقد نهى الشرع\" إلى هنا سقط من (خ) و(م) و(ت).","vol":"2","page":299},{"text":"وَالثَّانِي: إِذا تَعَارَضَتِ الأَقوال عَلَى المقلِّد فِي المسأَلة بِعَيْنِهَا، فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يَكُونُ الْعَمَلُ بِدْعَةً، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِبِدْعَةٍ، وَلَمْ يتبَّين لَهُ الأَرجح مِنَ العالِمَيْن بأَعْلَمِيَّةٍ أَو غَيْرِهَا؛ فَحَقُّهُ الْوُقُوفُ وَالسُّؤَالُ عَنْهُمَا حَتَّى يتبيَّن لَهُ الأَرجح، فَيَمِيلُ إِلى تَقْلِيدِهِ دُونَ الْآخَرِ، فإِن أَقدم عَلَى تَقْلِيدِ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ (١) مرَجِّح؛ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُجْتَهِدِ إِذَا أَقْدَمَ عَلَى الْعَمَلِ بأَحد الدَّلِيلَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، فَالْمِثَالَانِ فِي الْمَعْنَى وَاحِدٌ.\nوَالثَّالِثُ: أَنَّهُ ثَبَتَ فِي الصِّحاح (٢) عن الصحابة ﵃: أَنهم كَانُوا (٣) يَتَبَرَّكُونَ (٤) بأَشياء مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nفَفِي الْبُخَارِيِّ (٥) عَنْ أَبي جُحَيفة ﵁ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بالهَاجِرَة، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فتوضّأَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يأْخذون مِنْ فَضْلِ وَضُوئِه فيتمسَّحون بِهِ ...، الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: كَانَ إِذا توضأَ يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضوئه.\nوَعَنِ المِسْوَرِ ﵁ (٦) - فِي حَدِيثِ الْحُدَيْبِيَةِ ـ: \"وَمَا تَنَخَّم (٧) النَّبِيُّ ﷺ نُخَامة إِلا وَقَعَتْ فِي كَفّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ\".\nوَخَرَّجَ غَيْرُهُ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرًا؛ في التبرُّك بشعره، (٨) وثوبه، (٩)\n_________\n(١) في (ت): \"بدون\" بدل: \"من غير\".\n(٢) في (م): \"الصحايح\".\n(٣) قوله: \"كانوا\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(٤) علق رشيد رضا هنا بقوله: لعل الأصل: \"كانوا يتبركون\".اهـ.\nبرقم (١٨٧)، ولكن قوله: \"كان إذا توضأ يقتتلون على وضوئه\" ليس في رواية أبي جحيفة هذه، وإنما في رواية المسور بن مخرمة الآتية.\n(٥) أخرجه البخاري (٢٧٣١ و٢٧٣٢).\nفي (خ) و(م) و(ت): \"انتخم\".\n(٦) أخرج مسلم في \"صحيحه\" (١٣٠٥) من حديث أنس: أنه ﷺ في حجّته قال للحلاَّق: \"خذ\"، وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس.\nوأخرجه البخاري (١٧١) من حديثه أيضًا: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا حلق رأسه كان أبو طلحة أول من أخذ.\n(٧) أخرج مسلم في \"صحيحه\" (٢٠٦٩) من طريق عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر ﵄: أن أسماء أخرجت له جبّة رسول الله (ص)، فقالت: هذه كانت عند عائشة حتى قُبِضَتْ، فلما قبضت قبضتها، وكان النبي ﷺ يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى يُستشفى بها.","vol":"2","page":300},{"text":"وغيرهما (١)، حتى إنه ﷺ (٢) مَسَّ ناصِيَةَ (٣) أَحدِهم بِيَدِهِ، فَلَمْ يَحْلِقْ ذَلِكَ الشَّعْرَ (٤) الَّذِي مَسَّهُ ﵇ حَتَّى مَاتَ (٥).\nوَبَالَغَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ حَتَّى شَرِبَ دَمَ حِجَامته (٦)، إِلى أَشياء\n_________\n(١) كاحتفاظ أنس ﵁ بإنائه ﷺ؛ كما في \"صحيح البخاري\" (٣١٠٩ و٥٦٣٨).\n(٢) قوله: \" (ص) \" زيادة من (ت) فقط.\n(٣) في (خ) و(م) و(ت): \"بإصبعه\" بدل \"ناصيته\".\n(٤) قوله: \"الشعر\" ليس في (غ) و(ر).\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٧٧٩) عن شيخه ابن جريج؛ قال: حدثني عثمان بن السائب مولاهم، عن أبيه السائب مولى أبي محذورة، وعن أم عبد الملك بن أبي محذورة؛ أنهما سمعاه من أبي محذورة، قال أبو محذورة: خرجت في عشرة فتيان مع النبي ﷺ إلى حنين ...، الحديث، وفيه: فكان أبو محذورة لا يجزّ ناصيته ولا يفرقها؛ لأن رسول الله ﷺ مسح عليها.\nوفي إسناد المطبوع من \"المصنف\" تصحيف في الإسناد أقمته من \"مسند أحمد\" (٣/ ٤٠٨) حيث رواه من طريق عبد الرزاق.\nوهذا سند ضعيف، فعثمان بن السائب الجُمَحي، المكي، مولى أبي محذورة مقبول كما في \"التقريب\" (٤٥٠٢).\nوأبوه مقبول كذلك كما في \"التقريب\" (٢٢١٦).\nوأم عبد الملك بن أبي محذورة مقبولة كذلك كما في \"التقريب\" (٨٨٤٥).\n(٦) ورد فيه عدة أحاديث تجدها في \"العلل المتناهية\" لابن الجوزي (٢٨٥ و٢٨٦)، و\"التلخيص الحبير\" (١٧ - ١٩) لابن حجر، ولا يثبت منها شيء، وأحسنها: ما رواه موسى بن إسماعيل، عن هنيد بن القاسم، عن عامر بن عبد الله بن الزبير؛ أن أباه حدثه: أنه أتى النبي ﷺ وهو يحتجم، فلما فرغ قال: \"يا عبد الله! اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد\". فلما برز عن رسول الله ﷺ، عمد إلى الدم فشربه، فلما رجع قال ﷺ: \"يا عبد الله! ما صنعت؟ \" قال: جعلته في أخفى مكان علمت أنه يخفى عن الناس. قال ﷺ: \"لعلك شربته؟ \" قال: نعم. قال ﷺ: \"ولم شربت الدم؟ ويل للناس منك، وويل لك من الناس\". أخرجه البزار (٢٢١٠)، وأبو يعلى في \"مسنده\" كما في \"المطالب\" (٣٨٢٩/ ١)، وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٥٧٨)، والحاكم في \"المستدرك\" (٣/ ٥٥٤)، والبيهقي في \"السنن\" (٧/ ٦٧)، ورواه الطبراني كما في الموضع السابق من \"التلخيص الحبير\"، ومن طريقه رواه أبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٣٢٩ - ٣٣٠).\nورواه الضياء في \"المختارة\" (٢٦٦ و٢٦٧) من طريق أبي يعلى والطبراني. والحديث سكت عنه الحاكم والذهبي، وقال الحافظ ابن حجر: \"وفي إسناده الهنيد بن القاسم ولا بأس به، لكنه ليس بالمشهور بالعلم\".=","vol":"2","page":301},{"text":"لهذا (١) كَثِيرَةٍ. فَالظَّاهِرُ فِي مِثْلِ هَذَا النَّوْعِ أَنْ يكون مشروعًا في حق كل (٢) مَنْ ثَبَتَتْ وَلاَيَتُه وَاتِّبَاعُهُ لسُنَّة رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأَن يُتَبَرَّكَ بِفَضْلِ وَضُوئِهِ، ويتدلَّك بِنُخَامَتِهِ، ويُسْتشفى بِآثَارِهِ كلِّها، ويُرجى فيها (٣) نحوٌ مما كان يُرجى (٤) فِي آثَارِ المَتْبوعِ الأَعظم (٥) ﷺ (٦).\nإِلا أَنه عَارَضَنَا (٧) فِي ذَلِكَ أَصل مقطوعٌ بِهِ فِي مَتْنه، مشكلٌ فِي تَنْزِيلِهِ، وَهُوَ أَن الصَّحَابَةَ ﵃ بَعْدَ موته ﷺ لَمْ يَقَعْ مِنْ أَحد مِنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلى مَنْ خَلَّفَهُ، إِذ لَمْ يَتْرُكِ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَهُ فِي الأُمة أَفضلَ مِنْ أَبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ (٨) ﵁، فَهُوَ كَانَ خليفتَه، وَلَمْ يُفعل بِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ (٩)، وَلَا عُمَرَ بن الخطاب (١٠)، وهو كان أَفضلَ الأُمة بعده، ثم كذلك عثمان بن عفان (١١)، ثم عليّ بن أبي طالب (١٢)، ثُمَّ (١٣) سَائِرُ (١٤) الصَّحَابَةِ الَّذِينَ لَا أَحد أَفضل مِنْهُمْ فِي الأُمة، ثُمَّ (١٥) لَمْ يَثْبُتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ مَنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ مَعْرُوفٍ أَن متبرِّكًا تَبَرَّكَ بِهِ عَلَى أَحد تِلْكَ الْوُجُوهِ أَو نَحْوِهَا، بَلِ اقْتَصَرُوا فِيهِمْ عَلَى الاقتداءِ بالأَفعال والأَقوال والسِّيَر التي اتّبعوا\n_________\n=قلت: هنيد بن القاسم مجهول الحال، لم يرو عنه سوى موسى بن إسماعيل، ولم يذكر فيه البخاري (٨/ ٢٤٩) ولا ابن أبي حاتم (٩/ ١٢١) جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٥/ ٥١٥)، فالحديث ضعيف لأجله.\n(١) كذا في جميع النسخ، وعلق عليه رشيد رضا ﵀ بقوله: \"لعله: كهذا\".\n(٢) قوله: \"كل\" من (غ) و(ر) فقط.\n(٣) قوله: \"فيها\" سقط من (خ).\n(٤) قوله: \"يرجى\" سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٥) في (خ): \"الأصل\" بدل \"الأعظم\"، وفي (ت): \"الأصلي\"، وعلق عليها رشيد رضا بقوله: \"يظهر أن الجملة محرفة\".\n(٦) علق رشيد رضا هنا بقوله: قد استفاض أنه ﷺ كان ينهى عن الغلو في تعظيمه. اهـ.\n(٧) في (غ) و(ر): \"عارضها\".\n(٨) قوله: \"الصديق\" ليس في (ت).\n(٩) قوله: \"ذلك\" سقط من (خ).\n(١٠) قوله: \"ابن الخطاب\" من (غ) و(ر) فقط، وفي (خ) و(ت) زيادة: \"﵄\".\n(١١) قوله: \"ابن عفان\" من (غ) و(ر) فقط.\n(١٢) قوله: \"ابن أبي طالب\" من (غ) و(ر) فقط.\n(١٣) قوله: \"ثم\" سقط من (خ).\n(١٤) في (ت): \"وسائر\" بدل \"ثم سائر\".\n(١٥) قوله: \"ثم\" ليس في (غ) و(ر).","vol":"2","page":302},{"text":"فِيهَا النَّبِيَّ ﷺ، فَهُوَ إِذًا إِجماع مِنْهُمْ عَلَى تَرْكِ تِلْكَ الأَشياء كُلِّهَا.\nوَبَقِيَ النَّظَرُ فِي وَجْهِ تَرْكِ مَا تركوا منه، وهو يحتمل (١) وَجْهَيْنِ:\nأَحدهما: أَنْ يَعْتَقِدُوا فِيهِ (٢) الِاخْتِصَاصَ، وَأَنَّ مَرْتَبَةَ (٣) النُّبُوَّةِ يَسَعُ فِيهَا ذَلِكَ كُلُّهُ؛ لِلْقَطْعِ بِوُجُودِ مَا الْتَمَسُوا (٤) مِنَ الْبَرْكَةِ وَالْخَيْرِ؛ لأَنه ﷺ كَانَ نُورًا كلُّه فِي ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ (٥)، فَمَنِ الْتَمَسَ مِنْهُ نُورًا وَجَدَهُ عَلَى أَي جِهَةٍ الْتَمَسَهُ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنَ الأُمة، فإِنه (٦) وإِن حَصَلَ لَهُ مِنْ نُورِ الاقتداءِ بِهِ والاهتداءِ بِهَدْيِهِ مَا شاءَ اللَّهُ؛ لَا يَبْلُغُ مَبْلَغَهُ على حال، ولا يوازيه (٧) فِي مَرْتَبَتِهِ، وَلَا يُقَارِبُهُ (٨)، فَصَارَ هَذَا النَّوْعُ مُخْتَصًّا بِهِ كَاخْتِصَاصِهِ بِنِكَاحِ مَا زَادَ عَلَى الأَربع (٩)، وإِحْلالِ بُضْع الواهِبَةِ نفسَها لَهُ (١٠)، وَعَدَمِ\n_________\n(١) في (خ): \"ما تركوا منه ويحتمل\".\n(٢) في (ر) و(غ): \"فيها\".\n(٣) في (خ) و(م): \"مرتبته\".\n(٤) في (ر) و(غ): \"ما التمسوه\".\n(٥) لقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥].\nقال ابن جرير في \"تفسيره\" (١٠/ ١٤٣): \"يعني بالنور محمدًا ﷺ، الذي أنار الله به الحق، وأظهر به الإسلام، ومحق به الشرك، فهو نور لمن استنار به ... \" إلخ.\n(٦) قوله: \"فإنه\" سقط من (خ) و(ت).\n(٧) في (خ) و(ت): \"حال توازيه\"، وفي (م): \"حال وتوازيه\".\n(٨) في (خ) و(ت): \"ولا تقاربه\".\n(٩) أخرجه أحمد (٢/ ٤٤)، والترمذي (١١٢٨)، وابن ماجه (١٩٥٣)، وابن حبان (٤١٥٦ و٤١٥٧ و٤١٥٨)، وغيرهم من طريق معمر، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه: أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي ﷺ: \"اختر منهن أربعًا\".\nوهذا سند ظاهره الصحة، لكنه معلول من قبل كثير من الأئمة، وصوابه: أنه عن الزهري مرسلًا كما تجد تفصيل ذلك في \"إرواء الغليل\" (١٨٨٣)، وحاشية \"المسند\" بتحقيق الأرناؤوط (٨/ ٢٢١ - ٢٢٤).\nولكن الحديث جرى عليه عمل أهل العلم كما حكاه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما، ولذا صححه الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ بهذا الاعتبار، وبماله من شواهد، والله أعلم.\n(١٠) حديث الواهبة نفسها أخرجه البخاري (٢٣١٠)، ومسلم (١٤٢٥)، كلاهما من حديث سهل بن سعد ﵁ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إني قد وهبت لك من نفسي ...، الحديث.","vol":"2","page":303},{"text":"وُجُوبِ القَسْم عَلَى الزَّوْجَاتِ (١) وَشِبْهِ ذَلِكَ. فَعَلَى هَذَا المأْخذ: لَا يَصِحُّ لِمَنْ بَعْدَهُ الاقتداءُ بِهِ فِي التبرُّك عَلَى أَحد تِلْكَ الْوُجُوهِ وَنَحْوِهَا، وَمَنِ اقْتَدَى بِهِ كَانَ اقْتِدَاؤُهُ بِدْعَةً، كَمَا كَانَ الاقتداءُ بِهِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى أَربع نسوة بدعة.\nوالثاني (٢): أَن لَا يَعْتَقِدُوا الِاخْتِصَاصَ، وَلَكِنَّهُمْ تَرَكُوا ذَلِكَ مِنْ بَابِ الذَّرَائِعِ خَوْفًا مِنْ أَن يُجعل ذَلِكَ سُنَّة - كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي اتِّبَاعِ الْآثَارِ وَالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ ـ، أَو لأَن (٣) الْعَامَّةَ لَا تَقْتَصِرُ فِي ذَلِكَ عَلَى حَدّ، بَلْ تَتَجَاوَزُ فِيهِ الْحُدُودَ، وَتُبَالِغُ (٤) بِجَهْلِهَا فِي الْتِمَاسِ الْبَرَكَةِ؛ حَتَّى يُدَاخِلَهَا للمتبرَّك بِهِ تعظيمٌ يَخْرُجُ (٥) به عن الحَدّ، فربما اعتقدت (٦) فِي المتبرَّك بِهِ مَا لَيْسَ فِيهِ، وَهَذَا التبرُّك هُوَ أَصل الْعِبَادَةِ، ولأَجله قَطَعَ عُمَرُ بن الخطاب (٧) ﵁ الشَّجَرَةَ الَّتِي بُويِعَ تَحْتَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٨)، بَلْ هُوَ كَانَ أصلَ عِبَادَةِ الأَوثان فِي الأُمم الْخَالِيَةِ - حَسْبَمَا ذَكَرَهُ أَهل السِّيَرِ (٩) ـ، فَخَافَ عُمَرُ\n_________\n(١) علق رشيد رضا ﵀ على هذا الموضع بقوله: \"لعل أصله: وعدم وجوب القسم عليه للزوجات\".\nوالدليل على هذا الحكم قوله تعالى في سورة الأحزاب (٥١): ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾.\nقال القرطبي في \"تفسيره\" (١٤/ ٢١٤): \"واختلف العلماء في تأويل هذه الآية، وأصح ما قيل فيها: التوسعة على النَّبِيِّ ﷺ فِي تَرْكِ القسم، فكان لا يجب عليه القسم بين زوجاته، وهذا القول هو الذي يناسب ما مضى، وهو الذي ثبت معناه في \"الصحيح\" ...، ثم استدل بحديث عائشة ﵂ الذي أخرجه البخاري (٤٧٨٨)، ومسلم (١٤٦٤)، قالت: كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ، وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾؛ قلت ما أرى ربك إلا يسارع في هواك.\n(٢) في (خ) و(م) و(ت): \"الثاني\".\n(٣) في (غ) يشبه أن تكون: \"أو كأن\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"وتبلغ\".\n(٥) في (م): \"تخرج\".\n(٦) في (خ) و(م) و(ت): \"اعتقد\".\n(٧) قوله: \"ابن الخطاب\" من (غ) و(ر) فقط.\n(٨) تقدم تخريجه (ص٢٤٨) من هذا المجلد.\n(٩) أخرج البخاري (٤٩٢٠) عن ابن عباس ﵄ قال: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بَعْدُ. أما ودّ فكانت لكَلْب بدُومة الجَنْدل، وأما سُوَاع فكانت لهُذيل، وأما يَغُوث فكانت لمُراد، ثم لبني غُطَيف بالجُرْف عند سبأ، وأما=","vol":"2","page":304},{"text":"﵁ أَن يَتَمَادَى الْحَالُ فِي الصَّلَاةِ إِلى تِلْكَ الشَّجَرَةِ حَتَّى تُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَكَذَلِكَ يتَّفِق عِنْدَ التوغُّل فِي التَّعْظِيمِ.\nوَلَقَدْ حَكَى الْفَرْغَانِيُّ مذيِّل \"تَارِيخِ الطَّبَرِيِّ\" عَنِ الحَلاَّج أَن أَصحابه بَالَغُوا فِي التَّبَرُّكِ بِهِ حَتَّى كَانُوا يَتَمَسَّحُونَ بِبَوْلِهِ، وَيَتَبَخَّرُونَ بِعَذْرَتِهِ، حَتَّى ادَّعَوْا فِيهِ الإِلهية، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (١).\nولأَن الْوِلَايَةَ وإِن ظَهَرَ لَهَا فِي الظَّاهِرِ آثَارٌ، فَقَدْ يَخْفَى أَمرها؛ لأَنها فِي الْحَقِيقَةِ رَاجِعَةٌ إِلى أَمر بَاطِنٍ لَا يَعْلَمُهُ إِلا اللَّهُ، فَرُبَّمَا ادُّعيت الْوِلَايَةُ لِمَنْ لَيْسَ بِوَلِيٍّ، أَو ادَّعَاهَا (٢) هُوَ لِنَفْسِهِ، أَو أَظهر (٣) خَارِقَةً مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ هِيَ مِنْ بَابِ الشَّعْوَذَة، لَا مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ، أَو من باب السِّيميَاء (٤)، أَو الْخَوَاصِّ، أَو غَيْرِ ذَلِكَ. وَالْجُمْهُورُ (٥) لَا يعرفون الْفَرْقَ بَيْنَ (٦) الْكَرَامَةِ وَالسِّحْرِ، فيعظِّمون مَنْ لَيْسَ بِعَظِيمٍ، وَيَقْتَدُونَ بِمَنْ لَا قُدْوَةَ فِيهِ - وَهُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ ـ، إِلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَفَاسِدِ. فترك الصحابة ﵃ (٧) الْعَمَلَ بِمَا تَقَدَّمَ - وإِن كَانَ لَهُ أَصل ـ؛ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنَ الْفَسَادِ فِي الدِّينِ.\n_________\n=يعوق فكانت لهَمْدان، وأما نسر فكانت لحِمْيَر لآل ذي الكِلاَع؛ أسماء رجالٍ صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسَّخ العلم عُبدت.\n(١) وتجد ذلك محكيًا في \"سير أعلام النبلاء\" (١٤/ ٣٣٧ و٣٣٩ و٣٤٧).\n(٢) في (ر) و(غ): \"وادعاها\".\n(٣) في (ر) و(غ): \"وأظهر\".\n(٤) قوله: \"السّيميا\" مكانها بياض في (خ) و(م)، وفي (ت): \"السِّحر\".\nوعلق رشيد رضا عليه بقوله: بياض في الأصل، ولعل الساقط لفظ: \"السحر\"، فإنه سيذكره قريبًا. اهـ.\nوتجد تعريف السيمياء في \"كشف الظنون\" (٢/ ١٠٢٠)، وخلاصته: أنها ضرب من السحر، وانظر التعليق الآتي برقم (١) (ص٣٢٣).\n(٥) يعني: عامة الناس، لا جمهور أهل العلم.\n(٦) في (ت): \"والجمهور لا يفرقون بين\".\n(٧) قوله: \"فترك الصحابة ﵃\" من (ت) فقط، وبدلًا منها في باقي النسخ: \"فتركوا\".","vol":"2","page":305},{"text":"وَقَدْ يَظْهَرُ بأَول وَهْلَةٍ (١) أَن هَذَا الْوَجْهَ الثَّانِيَ أَرجح؛ لِمَا ثَبَتَ فِي الأُصول الْعِلْمِيَّةِ: أَنَّ كُلَّ مَزِيَّةٍ (٢) أَعطيَها النَّبِيُّ ﷺ فإِن لأُمته أنموذجًا منها، مالم يدلَّ دليل على الاختصاص؛ كما ثبت أَن كل ما عمل به ﵇ فإِن اقتداء الأمة به مشروع، مالم يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ (٣).\nإِلا أَن الْوَجْهَ الأَول أَيضًا رَاجِحٌ (٤) مِنْ جِهَةٍ أُخرى، وَهُوَ إِطباقهم عَلَى التَّرْك (٥)؛ إِذ لَوْ كَانَ اعْتِقَادُهُمُ التَّشْرِيعَ لَعَمِلَ به بَعْضُهُمْ بَعْدَهُ، أَو عَمِلُوا بِهِ وَلَوْ فِي بَعْضِ الأَحوال، إِما وُقُوفًا مَعَ أَصل الْمَشْرُوعِيَّةِ، وإِما بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِ انتفاءِ العِلَّة الْمُوجِبَةِ لِلِامْتِنَاعِ.\nوَقَدْ خَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ فِي \"جَامِعِهِ\" (٦) من حديث يونس بن يزيد، عن\n_________\n(١) في (ر) و(غ): \"النظر\" بدل: \"وهلة\".\n(٢) في (خ): يشبه أن تكون: \"قربة\"، وفي (غ) و(ر): \"أن كل ما مزية\".\n(٣) من قوله: \"كما ثبت\" إلى هنا سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٤) في (ت): \"راجح أيضًا\".\n(٥) في (خ) و(م): \"التبرك\".\n(٦) لم أجده في المطبوع من \"جامع ابن وهب\".\nوقد أخرجه عبد الرزاق في \"جامع معمر\" الملحق بـ\"المصنف\" (١٩٧٤٨)، عن معمر، عن الزهري؛ قال: حدثني من لا أتهم من الأنصار ...، فذكره بنحوه. وأخرجه ابن أبي الدنيا في \"مكارم الأخلاق\" (٢٧٣) من طريق الأوزاعي، عن الزهري مرسلًا دون ذكر القصة. وذكر الشيخ ناصر الدين الألباني هذا الحديث في \"الصحيحة\" (٢٩٩٨)، وقال عقب ذكره لهذا الطريق: \"وهذا الإسناد رجاله ثقات، غير الرجل الأنصاري. فإن كان تابعيًّا فهو مرسل، ولا بأس به في الشواهد، وإن كان صحابيًا فهو سند صحيح؛ لأن جهالة اسم الصحابي لا تضر كما هو مقرر في علم الحديث. ويغلب على الظن أنه أنس بن مالك ﵁ الذي في الطريق الأولى؛ فإنه أنصاري، ويروي عنه الإمام الزهري كثيرًا\" اهـ.\nويعني الشيخ بالطريق الأولى: ما نقله عن الخلعي في \"الفوائد\" (١٨/ ٧٣/١) من أنه روى هذا الحديث من طريق عمرو بن بكر السكسكي، عن ابن جابر، عن أنس ...، فذكره.\nثم قال الشيخ: \"وهذا سند ضعيف جدًا، عمرو بن بكر السكسكي متروك كما في \"التقريب\"، لكن الحديث قد روي جلّه من وجوه أخرى يدل مجموعها على أن له أصلًا ثابتًا\"، ثم ذكر هذا الطريق والطريق الآتي.=","vol":"2","page":306},{"text":"ابْنِ شِهَابٍ؛ قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنَ الأَنصار: أَن رسول الله ﷺ كَانَ إِذا توضأَ أَو تَنَخَّمَ ابْتَدَرَ مَنْ حَوْلَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وضوءَه وَنُخَامَتَهُ فَشَرِبُوهُ وَمَسَحُوا بِهِ جُلُودَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُمْ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ سأَلهم: \"لِمَ تَفْعَلُونَ هَذَا؟ \" قَالُوا: نَلْتَمِسُ الطُّهُورَ وَالْبَرَكَةَ بذلك، فقال لِهَمِّ (١) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ \"من كان منكم يحب أَن يحبه اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلْيَصْدُقِ الْحَدِيثَ، وَلْيُؤَدِّ الأَمانة، وَلَا يُؤْذِ جَارَهُ\".\nفإِن صَحَّ هَذَا النَّقْلُ فَهُوَ مُشْعِرٌ بأَن الأَولى تركُه (٢)، وأَن يتحرَّى مَا\n_________\n=فقد أخرجه ابن أبي الدنيا في \"مكارم الأخلاق\" (٢٦٦)، وأبو نعيم في \"المعرفة\" (٢/ ٥٠/ب)، والبيهقي في \"الشعب\" (١٥٣٣)، ثلاثتهم من طريق مسلم بن إبراهيم، عن الحسن بن أبي جعفر، عن أبي جعفر الأنصاري، عن الحارث بن الفضل - أو ابن الفضيل ـ، عن عبد الرحمن بن أبي قراد، أن النبي ﷺ توضأ يومًا ...، فذكره بنحوه.\nوالحسن بن أبي جعفر الجُفْري ضعيف الحديث مع عبادته وفضله كما في \"التقريب\" (١٢٣٢).\nوخالفه يحيى بن أبي عطاء، فرواه عن أبي جعفر - واسمه عمير بن يزيد الخطمي ـ، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن أبي قراد ...، فذكره.\nأخرجه ابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (١٣٩٧)، والطبراني في \"الأوسط\" (٦٥١٧)، وأبو نعيم في الموضع السابق، جميعهم من طريق عبيد بن واقد القيسي، عن يحيى بن أبي عطاء.\nفالمخالفة هنا وقعت في أمرين:\n١ - في تسمية الصحابي أبا قراد بدل عبد الرحمن بن أبي قراد.\n٢ - وفي تسمية الراوي عنه عبد الرحمن بن الحارث بدل الحارث بن فضيل.\nوهذه الطريق أضعف من سابقتها؛ فيحيى بن أبي عطاء مجهول كما في \"الميزان\" (٩٥٨٨).\nوالراوي عنه عبيد بن واقد القيسي ضعيف كما في \"التقريب\" (٤٤٣١).\nوقد حسن الشيخ الألباني الحديث بمجموع هذه الطرق في الموضع السابق من \"الصحيحة\"، وعندي فيه توقف، والله أعلم.\n(١) قوله: \"لهم\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(٢) علق رشيد رضا ﵀ على هذا الموضع بقوله: \"قد يقال: إن هذا يدل على الإنكار وكراهة النبي ﷺ لهذا الفعل، ويؤيده: ما ثبت من مجموع سيرته؛ من كراهة الغلوّ فيه، وإطرائه، وحبه التواضع، ومساواة الناس بنفسه في المعاملات كلها، إلا ما=","vol":"2","page":307},{"text":"هو الآكَدُ والأَحْرَى (١) من وظائف التكليف، وما يَلْزَمُ (٢) الإِنسان فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إِلا مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الرُّقْية وَمَا يَتْبَعُهَا، أَو دُعَاءِ الرَّجُلِ لِغَيْرِهِ عَلَى وجهٍ سيأْتي بِحَوْلِ اللَّهِ.\nفَقَدْ صَارَتِ المسأَلة مَنْ أَصلها دَائِرَةً بَيْنَ أَمرين: أَن تَكُونَ مَشْرُوعَةً، وأَن تَكُونَ بِدْعَةً (٣)، فَدَخَلَتْ تحت حكم المتشابه، والله أَعلم.\n_________\n=خصّه الله به، حتى إنه طلب أن يقتصّ منه مَنْ لعلّه آذاه - وهو القائد والمربّي الذي جعله الله أولى بالمؤمنين من أنفسهم ـ، ولم يعرف من الأحوال التي تبرّكوا فيها بفضل وضوئه وببصاقه إلا يوم الحديبية. وظهر له يومئذٍ حكمة؛ فإن مندوب المشركين في صلح الحديبية لما حدثهم بما رأى من ذلك؛ هابوا النبي ﷺ، وخافوا قتال المسلمين، فلعلّ المسلمين قصدوا هذا لهذا\". اهـ.\n(١) في (غ) و(ر): \"الآكد الأحرى\".\n(٢) في (خ) و(م): \"ولا يلزم\" - وكذا كانت في (ت)، ثم صوبت في الهامش هكذا: \"مما يلزم\".\n(٣) قوله: \"وأن تكون بدعة\" سقط من (خ) و(ت)، ولأجله علق رشيد رضا في نهاية الفصل بقوله: ينظر أين الأمر الثاني؟ ولعل الساقط: \"أو تكون غير مشروعة\".اهـ.","vol":"2","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>فَصْلٌ</span>\nوَمِنَ الْبِدَعِ الإِضافية الَّتِي تَقْرُبُ مِنَ الْحَقِيقِيَّةِ (١): أَن يَكُونَ أَصل الْعِبَادَةِ مَشْرُوعًا، إِلا أَنها تُخْرَج عَنْ أَصل شَرْعِيَّتِهَا بِغَيْرِ دَلِيلٍ، توهُّمًا أَنها بَاقِيَةٌ عَلَى أَصلها تَحْتَ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ، وَذَلِكَ بأَن يُقَيَّد إِطلاقها بالرأْي، أَو يُطْلَق تقييدُها، وَبِالْجُمْلَةِ فَتَخْرُجُ عَنْ حَدِّها الَّذِي حُدَّ لَهَا.\nوَمِثَالُ ذَلِكَ أَن يُقَالَ: إِن الصَّوْمَ فِي الْجُمْلَةِ مَنْدُوبٌ إِليه لَمْ يخصَّه الشَّارِعُ (٢) بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، وَلَا حَدَّ فِيهِ زَمَانًا (٣) دُونَ زَمَانٍ، مَا عَدَّا مَا نُهي عن صيامه على الخصوص كالعيدين (٤)، أو نُدِب (٥) إِليه على الخصوص كعرفة وعاشوراء (٦). يقول (٧): فأنا أخصّ (٨) مِنْهُ يَوْمًا مِنَ الْجُمْعَةِ (٩) بِعَيْنِهِ، أَو أَيامًا مِنَ الشَّهْرِ بأَعيانها، لَا مِنْ جِهَةِ مَا عيَّنه الشارع، فإِن ذلك ظاهر، بل (١٠) مِنْ جِهَةِ اخْتِيَارِ المُكَلّف؛ كَيَوْمِ الأَربعاء مَثَلًا فِي الْجُمْعَةِ، وَالسَّابِعِ وَالثَّامِنِ فِي الشَّهْرِ، وَمَا أَشبه ذَلِكَ، بِحَيْثُ لَا يَقْصِدُ بِذَلِكَ وَجْهًا بعينه مما يقصده العاقل؛ كفراغه في ذلك الوقت من الأشغال المانعة من الصوم، أَو تَحَرِّي أَيام النشاط والقوة، بل يُصَمِّم على تلك\n_________\n(١) في (خ): \"الحقيقة\".\n(٢) في (ر) و(غ): \"الشرع\".\n(٣) في (خ) و(م): \"زمان\".\n(٤) ورد النهي في عدة أحاديث، منها: ما أخرجه البخاري (١٩٩٣)، ومسلم (١١٣٨)، كلاهما مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام يومين: يوم الأضحى ويوم الفطر.\n(٥) في (خ) و(م) و(ت): \"وندب\".\n(٦) تقدم ما ورد في فضل عرفة وعاشوراء (ص٢٧).\n(٧) قوله: \"يقول\" سقط من (ت)\n(٨) في (خ) و(ت): \"فإذا خص\".\n(٩) الجمعة هنا بمعنى الأسبوع.\n(١٠) في (خ) و(ت): \"بأنه\" بدل \"بل\".","vol":"2","page":309},{"text":"الأَيام تصميمًا (١) لَا يَنْثَنِي عَنْهُ. فإِذا قِيلَ لَهُ: لِمَ خَصَّصَتْ تِلْكَ الأَيام دُونَ غَيْرِهَا؟ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِذَلِكَ حُجَّةٌ غَيْرَ التَّصْمِيمِ، أَو يَقُولُ: إِن الشَّيْخَ الْفُلَانِيَّ مَاتَ فِيهِ، أَو مَا أَشبه ذَلِكَ. فَلَا شَكَّ أَنه رَأْيٌ مَحْضٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، ضَاهَى بِهِ تَخْصِيصَ الشَّارِعِ أَيامًا بأَعيانها (٢) دون غيرها، فصار ذلك (٣) التَّخْصِيصُ مِنَ المُكَلَّف بِدْعَةً؛ إِذ هِيَ تَشْرِيعٌ بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ.\nوَمِنْ ذَلِكَ تَخْصِيصُ الأَيام الْفَاضِلَةِ بأَنواع مِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي لَمْ تُشْرَعْ لَهَا تَخْصِيصًا؛ كَتَخْصِيصِ الْيَوْمِ الْفُلَانِيِّ بِكَذَا وَكَذَا مِنَ الرَّكَعَاتِ، أَو بِصَدَقَةِ كَذَا وَكَذَا، أَو اللَّيْلَةِ الْفُلَانِيَّةِ بِقِيَامِ كَذَا وَكَذَا رَكْعَةٍ، أَو بِخَتْمِ الْقُرْآنِ فِيهَا، أَو مَا أَشبه ذَلِكَ (٤)، فإِن ذَلِكَ التَّخْصِيصَ وَالْعَمَلَ بِهِ إِذا لَمْ يَكُنْ بِحُكْمِ الْوِفَاقِ، أَو بقصدٍ يَقْصِدُ مِثْلَهُ أَهلُ العقل؛ كالفراغ (٥) وَالنَّشَاطِ، كَانَ تَشْرِيعًا زَائِدًا.\nوَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي أَن يَقُولَ: إِن هَذَا الزَّمَانَ (٦) ثَبَتَ فَضْلُهُ عَلَى غَيْرِهِ، فَيَحْسُنُ فِيهِ إِيقاع الْعِبَادَاتِ؛ لأَنا نَقُولُ: هَذَا الحُسن هَلْ ثَبَتَ لَهُ أَصل أَم لا؟ فإِن ثبت فليست مسأَلتنا (٧)؛ كَمَا ثَبَتَ الْفَضْلُ فِي قِيَامِ لَيَالِي رَمَضَانَ (٨)، وَصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيام مِنْ كُلِّ شَهْرٍ (٩)، وَصِيَامِ الإثنين (١٠)\n_________\n(١) من قوله: \"يقصده العاقل\" إلى هنا سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٢) في (ت): \"بعينها\".\n(٣) قوله: \"ذلك\" من (غ) و(ر) فقط.\n(٤) قوله: \"ذلك\" سقط من (ر). وعلق رشيد رضا ﵀ على هذا الموضع بقوله: \"ومنه: صلاة الرغائب، وصلاة ليلة النصف من شعبان. ومنه: تخصيص أيام معينة لزيارة القبور والصدقة عندها؛ كأول جمعة من رجب، كل ذلك من البدع والتشريع الذي لم يأذن به الله. وقد يتصل بالبدعة الواحدة بدع ومعاصٍ أخرى توجب تركها - ولو لم تكن بدعة ـ؛ لسدّ ذريعة هذه المفاسد\". اهـ.\n(٥) في (خ) و(ت): \"والفراغ\".\n(٦) في (ر) و(غ): \"القرآن\" بدل \"الزمان\".\n(٧) في (خ) و(م) و(ت): \"فإن ثبت فمسئلتنا\"، وعلق رشيد رضا بقوله: \"أي: فهو مسألتنا\".اهـ.\n(٨) أخرج البخاري (٢٠٠٨)، ومسلم (٧٥٩) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه\".\n(٩) أخرج البخاري (١٩٨١)، ومسلم (٧٢١) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام.\n(١٠) أخرج مسلم (١١٦٢) من حديث أبي قتادة: أنه ﷺ سئل عن صوم يوم الإثنين، قال: \"ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت - أو أنزل عليَّ - فيه\"، وانظر التعليق الآتي.","vol":"2","page":310},{"text":"والخميس (١)، وإِن (٢) لَمْ يَثْبُتْ فَمَا مُسْتَنَدُكَ فِيهِ وَالْعَقْلُ لَا يُحَسِّنُ وَلَا يُقَبِّحُ، وَلَا شَرْعَ يُسْتَنَدُ إِليه؟ فَلَمْ يَبْقَ إِلا أَنه ابْتِدَاعٌ فِي التَّخْصِيصِ؛ كإِحداث الْخُطَبِ، وتحرِّي خَتْمِ الْقُرْآنِ فِي بَعْضِ لَيَالِي رَمَضَانَ.\nوَمِنْ ذَلِكَ: التحدُّث مَعَ الْعَوَامِّ بِمَا لَا تَفْهَمُهُ وَلَا تَعْقِلُ مَغْزاه (٣)، فإِنه مِنْ بَابِ وَضْعِ الْحِكْمَةِ غَيْرَ مَوْضِعِهَا، فَسَامِعُهَا إِما أَن يَفْهَمَهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا - وَهُوَ الغالب ـ، وذلك (٤) فتنة تؤدي إِلى التكذيب بالحق، أَو إِلى (٥) العمل بالباطل. وإِما أَن لَا يَفْهَمُ مِنْهَا شَيْئًا، وَهُوَ أَسلم، وَلَكِنَّ المُحَدِّث لَمْ يُعْطِ الْحِكْمَةَ حَقَّها مِنَ الصَّوْن، بل صار في التحدُّث بها كالعابث بنعمة الله.\n_________\n(١) وردت عدة أحاديث في فضل صيام الإثنين والخميس، ذكرها الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ في \"إرواء الغليل\" (٩٤٨ و٩٤٩)، وصحح الحديث بمجموعها، ومنها:\nحديث أسامة بن زيد ﵁ الذي أخرجه الإمام أحمد (٥/ ٢٠١)، والنسائي (٢٣٥٨)، وفيه: قلت: يا رسول الله! إنك تصوم حتى لا تكاد تفطر، وتفطر حتى لا تكاد أن تصوم، إلا يومين، إن دخلا في صيامك وإلا صمتهما! قال: \"أي يومين\"؟ قلت: يوم الإثنين ويوم الخميس، قال: \"ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم\".\nوقد روياه من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن ثابت بن قيس، عن أبي سعيد المقبري، عن أسامة، به.\nوثابت بن قيس هذا هو الغفاري، أبو الغصن المدني، وهو صدوق يهم كما في \"التقريب\" (٨٣٦)، وقد حسن حديثه هذا الشيخ الألباني في الموضع السابق، كما حسنه قبله المنذري في \"مختصر السنن\" (٣/ ٣٢٠).\nوقد توبع ثابت؛ فأخرجه أبو داود (٢٤٢٨) من طريق مولى قدامة بن مظعون، عن مولى أسامة، عن أسامة. ومولى قدامة ومولى أسامة كلاهما مجهول. انظر \"تهذيب الكمال\" (٣٥/ ٩٧).\nوأخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢١١٩) من طريق أبي بكر بن عياش، عن عمر بن محمد، عن شرحبيل بن سعد، عن أسامة، به.\nوشرحبيل بن سعد المدني صدوق اختلط بآخره كما في \"التقريب\" (٢٧٧٩)،\nفالحديث حسن بمجموع هذه الطرق، ويتقوى بالطرق الأخرى على ما فيها من ضعف.\n(٢) في (خ) و(م) و(ت): \"فإن\".\n(٣) في (خ) و(ت): \"معناه\".\n(٤) في (خ) و(م): \"وهو\".\n(٥) في (خ): \"وإلى\".","vol":"2","page":311},{"text":"ثُمَّ إِنْ أَلقاها (١) لِمَنْ لَا يَعْقِلُهَا (٢) فِي معرض الانتفاع بها (٣) بَعْدَ تعقُّلها؛ كَانَ مِنْ بَابِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ، وَقَدْ جاءَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ.\nفَخَرَّجَ أَبو دَاوُدَ (٤) حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنه نهى عن الغَلُوطات (٥). قَالُوا: وَهِيَ صِعَابُ (٦) الْمَسَائِلِ، أَو شِرَارُ الْمَسَائِلِ.\nوَفِي التِّرْمِذِيِّ - أَو غَيْرِهِ (٧) ـ: أَن رَجُلًا أَتى النبي ﷺ فقال: يا\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"إلقاءها\".\n(٢) في (ر) و(غ): \"لمن يعقلها\".\n(٣) قوله: \"بها\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(٤) في \"سننه\" (٣٦٤٨) من طريق عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن عبد الله بن سعد، عن الصُّنَابِجي، عن معاوية؛ أن النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الغلوطات.\nوأخرجه الإمام أحمد (٥/ ٤٣٥)، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٥/ ١٠٦)، والفسوي في \"المعرفة\" (١/ ٣٠٥)، والطبراني في \"الكبير\" (١٩/ ٣٨٠ رقم ٨٩٢)، وفي \"الأوسط\" (٨/ ١٣٧ رقم ٨٢٠٤)، جميعهم من طريق عيسى بن يونس، به.\nزاد بعضهم عن الأوزاعي قوله: \"الغلوطات: صعاب المسائل وشدادها\". وأخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\" بتحقيق الأعظمي (١١٧٩) عن عيسى بن يونس، به، إلا أنه لم يسمّ معاوية ﵁، وإنما قال: \"عن رجل من أصحاب النبي ﷺ\".\nثم قال سعيد: \"هذا عن معاوية، ولكنه لم يسمِّه\".\nوكذا رواه الإمام أحمد في الموضع السابق من \"مسنده\"، والحارث في \"مسنده\" (٦٢/ بغية الباحث)، كلاهما من طريق روح، عن الأوزاعي.\nومدار الحديث على عبد الله بن سعد بن فروة البجلي وهو مجهول كما قال أبو حاتم. وقال دُحَيم: لا أعرفه. وقال الساجي: ضعفه أهل الشام في الحديث. وذكره ابن حبان في \"الثقات\" وقال: يخطئ. اهـ من \"تهذيب الكمال\" (٥/ ٢٠)، و\"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٣٤٤). ومع ذلك ففي الحديث اختلاف على الأوزاعي أشار إليه الدارقطني في \"العلل\" (٧/ ٦٧)، ورجح رواية عيسى بن يونس.\nومنه يتبيّن أن الحديث ضعيف، وضعفه الشيخ الألباني ﵀ في \"ضعيف الجامع\" (٦٠٣٥).\n(٥) في (ت): \"الأغلوطات\".\n(٦) في (خ): \"صفات\". وعلق عليه رشيد رضا ﵀ بقوله: في نسختنا: \"صفات\"، وهو غلط، والغلوطات جمع غلوطة - بالفتح ـ؛ قيل: هي غلوط؛ من الغلط؛ كحلوب، أو ركوب، جعلت أسماء، فألحقت بها التاء؛ كحلوبة، وركوبة. وقيل: أصلها: أغلوطة، حذفت همزاتها المضمومة للتخفيف. والأغلوطة: ما يغلط فيه، وما يغلط به من المسائل الصعاب. اهـ.\n(٧) أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٢٤)، وابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\"=","vol":"2","page":312},{"text":"رَسُولَ اللَّهِ! أَتيتك لتعلِّمني مِنْ غَرَائِبِ الْعِلْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (١) ﷺ: \"مَا صَنَعْتَ فِي رأْس الْعِلْمِ؟ \" قَالَ: وَمَا رأْس الْعِلْمِ؟ قَالَ: \"هَلْ عَرَفْتَ الرَّبَّ؟ \" قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: \"فَمَا صَنَعْتَ فِي حَقِّهِ؟ \" قَالَ: مَا شاءَ اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"اذْهَبْ فأَحكم مَا هُنَالِكَ، ثُمَّ تَعَالَ أُعَلِّمْكَ مِنْ غَرَائِبِ الْعِلْمِ\".\nوَهَذَا المعنى هو مقتضى الحكمة: أَلاّ تعلَّم (٢) الْغَرَائِبُ إِلا بَعْدَ إِحكام الأُصول، وإِلا دَخَلَتِ الْفِتْنَةُ. وَقَدْ قَالُوا فِي الْعَالِمِ الرَّبَّانِيِّ: إِنه الَّذِي يُرَبِّي بِصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ (٣).\nوَهَذِهِ الْجُمْلَةُ شَاهِدُهَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مَشْهُورٌ. وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَى ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ (٤)، فَقَالَ: \"بَابُ مَنْ خَصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ كَرَاهِيَةَ (٥) أَن لَا يَفْهَمُوا\"، ثُمَّ أَسند (٦) عَنْ عليِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ ﵁ أَنه قَالَ: \"حَدِّثوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحبّون أَن يُكَذَّب اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟ \" (٧)، ثُمَّ ذَكَرَ (٨) حَدِيثَ مُعَاذٍ الَّذِي أَخبر بِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ تأَثُّمًا، وإِنما لَمْ يَذْكُرْهُ إِلا عِنْدَ مَوْتِهِ؛ لأَن النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يأْذن لَهُ فِي ذَلِكَ لِمَا خَشِيَ مِنْ تَنْزِيلِهِ غَيْرَ منزلته، وعلّمه معاذًا لأنه من أَهله.\n_________\n= (١/ ٦٩١)، كلاهما من طريق خالد بن أبي كريمة، عن عبد الله بن المسور: إن رجلا أتى النبي ﷺ ...، فذكره هكذا معضلًا؛ فإن عبد الله بن المسور بن عون الهاشمي إنما يروي عن التابعين، ومع ذلك فقد رماه جمع من أهل العلم بالكذب ووضع الحديث كما في \"لسان الميزان\" (٤/ ٣٥٨ - ٣٥٩).\n(١) قوله: \"رسول الله\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(٢) في (خ) و(م): \"لا تعلم\"، وفي (ت): \"فلا تعلم\".\n(٣) علق هذا القول البخاري في \"صحيحه\" (١/ ١٦٠) في كتاب العلم، باب العلم قبل القول والعمل.\n(٤) في كتاب العلم من \"صحيحه\" (١/ ٢٢٥).\n(٥) في (غ) و(ر): \"كراهة\".\n(٦) برقم (١٢٧).\n(٧) علق رشيد رضا هنا بقوله: حديث علي هذا أورده البخاري موقوفًا عليه. ورواه الديلمي في \"مسند الفردوس\" عنه مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ. و\"يعرفون\" في الحديث: ضدّ ينكرون، لا ضد يجهلون؛ أي: حدثوهم بما تصل عقولهم إلى فهمه دون ما يعزّ عليها فتعدّه منكرًا ومحالًا، فهو بمعنى حديث ابن مسعود الذي يذكر بعده عن مسلم. اهـ.\n(٨) برقم (١٢٨).","vol":"2","page":313},{"text":"وفي مسلم (١) موقوفًا (٢) على (٣) ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: \"مَا أَنت بمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً\".\nقَالَ ابْنُ وَهْبٍ (٤): وَذَلِكَ أَن يتأَوَّلوه غَيْرَ تأْويله، وَيَحْمِلُوهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ.\nوَخَرَّجَ شُعْبَة (٥) عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ الْحَضْرَمِيِّ أَنه قَالَ: إِن عَلَيْكَ فِي عِلْمِكَ حَقًّا، كَمَا أَن عَلَيْكَ فِي مَالِكِ حَقًّا، لَا تحدِّث بِالْعِلْمِ غَيْرَ أَهله فَتَجْهَلُ، وَلَا تَمْنَعِ الْعِلْمَ أَهله فتأْثم، وَلَا تحدِّث بِالْحِكْمَةِ عِنْدَ السفهاءِ فيكذِّبوك (٦)، وَلَا تحدِّث بِالْبَاطِلِ عِنْدَ الحكماءِ فَيَمْقَتُوكَ.\nوَقَدْ ذَكَرَ العلماءُ هَذَا الْمَعْنَى فِي كُتُبِهِمْ وَبَسَطُوهُ بَسْطًا شَافِيًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وإِنما نبَّهنا عَلَيْهِ لأَن كَثِيرًا مِمَّنْ لَا يَقْدُر قدرَ هَذَا الْمَوْضِعِ يَزِلّ فِيهِ، فيحدِّث النَّاسَ بِمَا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الشَّرْعِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ هَذِهِ الأُمة.\nوَمِنْ ذَلِكَ أَيضًا: جَمِيعُ مَا تقدم في فصل: السُّنَّةِ الَّتِي يَكُونُ الْعَمَلُ بِهَا ذَرِيعَةً إِلى البدعة (٧)؛ من حيث إِنها أَنواع (٨) عُمِلَ بها لم (٩) يعمل\n_________\n(١) في مقدمة \"صحيحه\" (١/ ١١).\n(٢) في (خ): \"مرفوعًا\".\n(٣) في (خ) و(ت) و(م): \"عن\" بدل \"على\".\n(٤) لم أجده.\n(٥) كذا في (ت)، ويشبه أن تكون هكذا في (خ) \"أيضًا\"، وفي (م): \"سقية\"، وفي (غ) و(ر): \"شقبة\"، وفي ظَني أنها متصحفة إما عن \"سعيد\" وهو ابن منصور الذي يخرج المصنف عنه كثيرًا، أو عن \"سنيد\"، - وهو لقب لحسين بن داود ـ، وهذا أخرج الحديث من طريقه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (٧٠٨)، عن عيسى بن يونس، عن حريز بن عثمان، عن سليمان بن سمير، عن كثير بن مرة، به. وأخرجه الإمام أحمد في \"الزهد\" (ص٤٦٢)، والدارمي في \"مقدمة السنن\" (١/ ١٠٥)، والرامهرمزي في \"المحدث الفاصل\" (ص٥٧٥)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (١٦٣٠/ ط السلفية)، وفي \"المدخل\" (٦١٨)، والخطيب في \"الجامع\" (٧٥٤ و٧٨٢)، جميعهم من طريق حريز بن عثمان، عن سلمان - أو سليمان - بن سمير، عن كثير، به.\nوسلمان - أو سليمان - بن سُمَير الألهاني، الشامي مقبول كما في \"التقريب\" (٢٤٨٨).\n(٦) في (ت) و(م): \"فيكذبونك\".\n(٧) انظر (ص٢٢٩).\n(٨) قوله: \"أنواع\" سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٩) في (ت) و(خ): \"ولم\".","vol":"2","page":314},{"text":"بِهَا (١) سَلَفُ هَذِهِ (٢) الأُمة.\nوَمِنْهُ: تَكْرَارُ السُّورَةِ الْوَاحِدَةِ فِي التِّلَاوَةِ أَو فِي الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ، فإِن التِّلَاوَةَ لَمْ تُشْرَعْ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ، وَلَا أَن يُخَصَّ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ (٣) دُونَ شيءٍ، لَا فِي صَلَاةٍ وَلَا فِي غَيْرِهَا، فَصَارَ المخصِّص لَهَا عَامِلًا برأْيه فِي التعُّبد لِلَّهِ.\nوَخَرَّجَ ابْنُ وَضَّاحٍ (٤) عَنْ مُصْعَبٍ قَالَ: سُئِل سُفْيَانُ عَنْ رَجُلٍ يُكْثِرُ قراءَة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *﴾، لَا يقرأُ غَيْرَهَا كَمَا يَقْرَؤُهَا، فَكَرِهَهُ وَقَالَ: إِنما أَنتم مُتَّبِعُونَ، فَاتَّبِعُوا الأَوّلين، وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْهُمْ نَحْوُ هَذَا، وإِنما أُنزل الْقُرْآنُ ليُقرأ وَلَا يُخَصّ شَيْءٌ دُونَ شَيْءٍ.\nوَخَرَّجَ أَيضًا (٥) - وَهُوَ فِي \"العتبيَّة\" (٦) مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ - عن مالك ﵀: أَنه سُئِل عن قراءَة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *﴾ مرارًا في ركعة واحدة (٧)، فَكَرِهَ ذَلِكَ، وَقَالَ: هَذَا مِنْ مُحْدَثَاتِ الأُمور الَّتِي أَحدثوا.\nوَمَحْمَلُ هَذَا عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ (٨) مِنْ بَابِ الذَّرِيعة، ولأَجل ذَلِكَ لَمْ يأْت مِثْلُهُ عَنِ السَّلَفِ (٩)، وإِن كَانَتْ تَعْدِلُ ثُلُثَ القرآن؛ كما في \"الصحيح\" (١٠)، وهو صحيح من التأويل (١١)، فتأَمله في الشرح (١٢).\n_________\n(١) قوله: \"بها\" سقط من (م)، وفي موضعه علامة لحق، ولم يظهر في التصوير.\n(٢) قوله: \"هذه\" ليس في (غ) و(ر).\n(٣) في (خ) و(ت) و(م): \"شيئًا\".\n(٤) في \"البدع والنهي عنها\" (١٠٨) من طريق شيخه محمد بن عمرو الغزي، عن مصعب، به. وأعله المحقق بالانقطاع بين محمد بن عمرو الغزي ومصعب - وهو إما ابن ماهان، أو ابن المقدام ـ؛ فإنه لم يدرك أيًّا منهما.\n(٥) أي ابن وضاح برقم (١٠٩) بسند صحيح عن مالك.\n(٦) كما في شرحها: \"البيان والتحصيل\" لابن رشد (١/ ٣٧١).\n(٧) في (خ) و(ت) و(م): \"الركعة الواحدة\".\n(٨) في الموضع السابق من \"البيان والتحصيل\".\n(٩) في (غ): \"السبب\" بدل \"السلف\".\n(١٠) أي: \"صحيح البخاري\" (٥٠١٣) من حديث أبي سعيد، ومسلم (٨١١ و٨١٢) من حديث أبي الدرداء وأبي هريرة.\n(١١) قوله: \"من التأويل\" ليس في (خ) و(ت) و(م).\n(١٢) أي: \"البيان والتحصيل\" شرح \"العتبيّة\".","vol":"2","page":315},{"text":"وَفِي الْحَدِيثِ أَيضًا مَا يُشْعِرُ بأَن التَّكْرَارَ كَذَلِكَ عَمَلٌ مُحْدث فِي مَشْرُوعِ الأَصل بِنَاءً عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِيهِ.\nوَمِنْ ذلك قراءَة القرآن بهيئة الاجتماع، وكذلك الِاجْتِمَاعِ (١) عشيَّة عَرَفَةَ فِي الْمَسْجِدِ للدعاءِ؛ تشبُّهًا بأَهل عَرَفة (٢)، ونقل الأَذان يوم الجمة مِنَ الْمَنَارِ وَجَعْلُهُ قُدَّامَ الإِمام.\nفَفِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ (٣): وَسُئِلَ (٤) عَنِ القُرى الَّتِي لَا يَكُونُ فِيهَا إِمام إِذا صَلَّى بِهِمْ رَجُلٌ مِنْهُمُ الْجُمْعَةَ: أَيخطب بِهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ! لَا تَكُونُ الْجُمْعَةُ إِلا بِخِطْبَةٍ. فَقِيلَ لَهُ: أَفيؤذِّن قُدَّامه؟ قَالَ: لَا، وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِفِعْلِ أَهل الْمَدِينَةِ.\nقَالَ ابْنُ رُشْدٍ (٥): الأَذان بَيْنَ يَدَيِ الإِمام فِي الْجُمْعَةِ مَكْرُوهٌ؛ لأَنه مُحْدَثٌ. قَالَ: وأَول مَنْ أَحدثه هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وإِنما كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذا زَالَتِ (٦) الشَّمْسُ وَخَرَجَ؛ رَقَى الْمِنْبَرَ، فإِذا رَآهُ الْمُؤَذِّنُونُ - وَكَانُوا ثَلَاثَةً - قَامُوا فأَذّنوا في المَشْرُبَة (٧) واحدًا بعد واحد كما يؤذِّنون (٨) فِي غَيْرِ الْجُمْعَةِ، فإِذا فَرَغُوا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي خُطْبَتِهِ (٩).\n_________\n(١) قوله: \"وكذلك الاجتماع\" سقط من (ت) و(خ) و(م).\n(٢) انظر ما تقدم (ص٢٧٥ و٢٧٨)، وما سيأتي (ص٣٥٥)، وعلق رشيد رضا هنا بقوله: ومثله بالأَوْلى: ما استُحدث بعدُ من الاجتماع لقراءة الختمات والتهاليل والموالد ونحو ذلك في أيام مخصوصة، أو عند حدوث حوادث مخصوصة، وقد صار بعض ذلك من شعائر الدين؛ تُرِكَ كثير من الفرائض والسنن، وحلّت هذه البدع محلّها. اهـ.\n(٣) أي: في \"العتبية\" كما في \"البيان والتحصيل\" (١/ ٢٤٣).\n(٤) أي: الإمام مالك.\n(٥) في الموضع السابق من \"البيان والتحصيل\".\n(٦) قوله: \"إذا زالت\" مكرر في (غ).\n(٧) في (خ): \"المشرفة\" وكانت في (ت): \"المشربة\"، ثم صوبت في الهامش: \"المشرفة\"، وربما كان ذلك إشارة إلى أنه في نسخة. والمشرُبَة - بضمّ الراء، ويجوز فتحها ـ: هي الغرفة المرتفعة كما في \"فتح الباري\" (١/ ٤٨٨).\n(٨) في (خ): \"يؤذن\".\n(٩) أخرج البخاري (٩١٣) من حديث السائب بن يزيد ﵁: أن الذي زاد التأذين=","vol":"2","page":316},{"text":"ثم تلاه على ذلك (١) أَبو بكر وعمر ﵄، فزاد عُثْمَانُ ﵁ لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ - أَذانًا بالزَّوْرَاءِ (٢) عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ، يُؤْذِنُ النَّاسُ فِيهِ بِذَلِكَ أَن الصَّلَاةَ قَدْ حَضَرَتْ، وتَرَكَ الأَذان في المَشْرُبَة (٣) بَعْدَ جُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، فَاسْتَمَرَّ الأَمر عَلَى ذَلِكَ إِلى زَمَانِ هشام بن عبد الملك (٤)، فنقل الأَذان الذي كان بالزَّوْراءِ إِلى المَشْرُبَة (٣)، ونقل الأَذان الذي كان بالمَشْرُبَة (٣) بَيْنَ يَدَيْهِ، وأَمرهم أَن يؤذِّنوا صَفًّا (٥). وَتَلَاهُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ بَعْدِهِ مِنَ الخلفاءِ إِلى زَمَانِنَا هَذَا. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ بِدْعَةٌ. قَالَ: وَالَّذِي فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والخلفاءُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَهُ هُوَ السُّنَّةُ.\nوذكر ابن حبيب ما كان من (٦) فعله ﵇ وفعل (٧) الخلفاء\n_________\n=الثالث يوم الجمعة: عثمان بن عفان ﵁ حين كثر أهل المدينة، ولم يكن للنبي ﷺ مؤذِّن غير واحد، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام؛ يعني على المنبر.\nوعن قوله: \"مؤذن واحد\" قال الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٢/ ٣٩٦): وعُرِفَ بهذا الرد على ما ذكر ابن حبيب: أنه ﷺ كان إذا رقى المنبر وجلس أذّن المؤذنون - وكانوا ثلاثة - واحد بعد واحد، فإذا فرغ الثالث قام فخطب، فإنه دعوى تحتاج لدليل، ولم يرد ذلك صريحًا من طريق متصلة يثبت مثلها، ثم وجدته في \"مختصر البويطي\" عن الشافعي. اهـ.\nكذا جاء في أصل \"الفتح\"، وعلق عليها بأن في مخطوطة الرياض: \"المزني\" بدل \"البويطي\"، وهو الصواب - فيما يظهر ـ؛ ففي \"مختصر المزني\" (ص٢٧): أن الشافعي قال: \"وحُكي في أداء الخطبة استواء النبي ﷺ على الدرجة التي تلي المستراح قائمًا، ثم سلّم وجلس على المستراح حتى فرغ المؤذنون ... \" إلخ.\nولم يذكر الشافعي ﵀ دليلًا على هذا، وحديث البخاري يردّ هذا القول، والله أعلم.\n(١) قوله: \"على ذلك\" ليس في (خ) و(ت).\n(٢) أخرجه البخاري (٩١٢) عن السائب بن يزيد ﵁، وتقدم ذكر إحدى طرقه في التعليق قبل السابق.\nوالزَّوْراء: قيل: إنه حجر كبير عند باب المسجد، وقيل: هي دار في السوق يقال لها: الزوراء، انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٣٩٤).\n(٣) في (خ): \"المشرفة\".\n(٤) قوله: \"بن عبد الملك\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(٥) كذا في جميع النسخ، والذي في \"البيان والتحصيل\": \"أن يؤذنوا معًا\"، ولعله أصوب.\n(٦) قوله: \"من\" سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٧) في (ت): \"وفعله\".","vol":"2","page":317},{"text":"بعده كما ذكره (١) ابْنُ رُشْدٍ - وكأَنه (٢) نَقَلَهُ مِنْ كِتَابِهِ ـ، وَذَكَرَ قصة هشام، ثم قال: والذي كان مِنْ (٣) فِعْلِ (٤) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هو (٥) السَّنَّةُ.\nوَقَدْ حَدَّثَنِي أَسد بْنُ مُوسَى، عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْم، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (٦): أَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: \"أَفضل الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الأُمور مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ\" (٧).\nوَمَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ - مِنْ أَن (٨) الْأَذَانَ عِنْدَ صُعُودِ الإِمام على المنبر كان باقيًا في زمان عُثْمَانَ ﵁ مُوَافِقٌ لِمَا نَقَلَهُ أَرْبَابُ النَّقْلِ الصَّحِيحِ، وأَن عُثْمَانَ لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَهُ إِلَّا الْأَذَانَ عَلَى الزَّوْرَاءِ، فَصَارَ إِذًا نَقْلُ هِشَامٍ الأَذانَ المشروعَ فِي المَنَار إِلى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ بِدْعَةٌ فِي ذَلِكَ الْمَشْرُوعِ.\nفَإِنْ قِيلَ: فَكَذَلِكَ أَذان الزَّوْراء مُحْدَث أَيضًا، بَلْ هُوَ مُحْدَثٌ مِنْ أَصله، غَيْرُ مَنْقُولٍ مِنْ مَوْضِعِهِ، فَالَّذِي يُقَالُ هُنَا يُقَالُ مِثْلُهُ فِي أَذان هِشَامٍ، بَلْ هو أَخفّ منه.\n_________\n(١) في (خ) و(ت) و(م): \"ذكر\".\n(٢) أي: ابن رشد.\n(٣) قوله: \"من\" سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٤) في (ت): \"فعله\".\n(٥) في (خ) و(م) و(ت): \"هي\".\n(٦) في (خ) و(م) و(ت): \"جعفر بن محمد بن جابر بن عبيد الله\".\n(٧) كذا جاءت رواية الحديث في جميع النسخ! وقد سقط من إسناده الواسطة بين جعفر بن محمد وجابر؛ وهو محمد بن علي بن الحسين والد جعفر.\nفالحديث أخرجه ابن وضاح في \"البدع والنهي عنها\" (٥٦) من طريق أسد بن موسى؛ قال: نا يحيى بن سليم الطائفي؛ قال: سمعت جعفر بن محمد يحدِّث عن أبيه، عن جابر بن عبد الله ...، فذكره.\nوأخرجه الدارمي في \"سننه\" (١/ ٦٩)، من طريق محمد بن أحمد بن أبي خلف، عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ محمد، عن أبيه، عن جابر.\nوأخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" (٣/ ٣١٠) من طريق مصعب بن سلام عن جعفر، عن أبيه، عن جابر.\nوكذا رواه مسلم في \"صحيحه\" (٨٦٧) من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي وسليمان بن بلال وسفيان الثوري، ثلاثتهم عن جعفر، ولفظه: \"خير الهدي\" بدل \"أفضل الهدي\".\n(٨) قوله: \"أن\" ليس في (غ) و(ر).","vol":"2","page":318},{"text":"فَالْجَوَابُ: أَن أَذان الزَّوْراء وُضِعَ هُنَالِكَ عَلَى أَصله؛ مِنَ الإِعلام بِوَقْتِ الصَّلَاةِ، وَجَعَلَهُ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ؛ لأَنه لَمْ يَكُنْ ليُسْمَعَ إِذا وُضِع بِالْمَسْجِدِ كَمَا كَانَ فِي زمانِ مَنْ قَبْله، فَصَارَتْ كَائِنَةً أُخرى لَمْ تَكُنْ فِيمَا تَقَدَّمَ، فَاجْتَهَدَ لَهَا كَسَائِرِ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ. وَحِينَ كَانَ مَقْصُودَ الأَذان الإِعلام فَهُوَ باقٍ كَمَا كَانَ، فَلَيْسَ وَضْعُهُ هُنَالِكَ بمنافٍ؛ إِذ لَمْ تُخْتَرع فِيهِ أَقاويل مُحْدَثَةٌ، وَلَا ثَبْتَ أَن الأَذان بِالْمَنَارِ أَو فِي سَطْحِ الْمَسْجِدِ تَعَبُّد (١) غَيْرُ معقول المعنى، فهو من (٢) المُلائم مِنْ أَقسام الْمُنَاسِبِ، بِخِلَافِ نَقْلِهِ (٣) مِنَ (٤) الْمَنَارِ إِلى مَا بَيْنَ يَدَيِ الإِمام، فإِنه قَدْ أُخرج بِذَلِكَ أَولًا عَنْ أَصله مِنَ الإِعلام؛ إِذ لَمْ يُشرع لأَهل الْمَسْجِدِ إِعلام بِالصَّلَاةِ إِلا بالإِقامة، وأَذان جَمْعِ الصَّلَاتَيْنِ مَوْقُوفٌ عَلَى محلِّه، ثُمَّ أَذانهم عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ زِيَادَةٌ فِي الْكَيْفِيَّةِ، فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ وَاضِحٌ، وَلَا اعْتِرَاضَ بِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ.\nوَمِنْ ذَلِكَ الأَذان والإِقامة فِي الْعِيدَيْنِ، فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (٥) اتِّفَاقَ الفقهاءِ عَلَى أَن لَا أَذان وَلَا إِقامة فِيهِمَا (٦)، وَلَا فِي شيءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْمَسْنُونَاتِ وَالنَّوَافِلِ، وإِنما الأَذان لِلْمَكْتُوبَاتِ، وَعَلَى هَذَا مَضَى عَمَلُ الخلفاءِ: أَبي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَجَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ ﵃، وَعُلَمَاءِ التَّابِعِينَ، وَفُقَهَاءِ الأَمصار. وأَول مَنْ أَحدث الأَذان والإِقامة فِي الْعِيدَيْنِ - فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ ـ: هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ؛ أَراد أَن يُؤْذِنَ النَّاسَ بالأَذان بِمَجِيءِ (٧) الإِمام، ثُمَّ بدأَ بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ كَمَا بدأَ بِهَا مروان (٨)،\n_________\n(١) قوله: \"تعبد\" ليس في (غ) و(ر).\n(٢) قوله: \"من\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(٣) قوله: \"بخلاف نقله\" مكرر في (ت).\n(٤) في (غ) و(ر): \"عن\" بدل \"من\"، وفي (خ): \"إلى\"، وعلق عليها رشيد رضا بقوله: \"لعل الأصل: من المنار\". اهـ.\n(٥) في \"الاستذكار\" (٧/ ١٢).\n(٦) ويدل عليه ما أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٨٨٧) من حديث جابر ﵁ قال: صليت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة.\n(٧) في (غ) و(ر): \"لمجيء\".\n(٨) كما في \"صحيح البخاري\" (٩٥٦) و\"صحيح مسلم\" (٨٨٩).","vol":"2","page":319},{"text":"ثُمَّ أَمر بالإِقامة بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْخُطْبَةِ ليُؤْذِنَ الناسَ (١) بِفَرَاغِهِ مِنَ الْخُطْبَةِ (٢) وَدُخُولِهِ فِي الصلاة لبعدهم عنه. قال: وذلك حين كثُر الناس فكان يخفى عليهم مجيء إمامهم وفراغه مِنَ الْخُطْبَةِ وَدُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ لِبُعْدِهِمْ عَنْهُ (٣). قَالَ: وَلَمْ يَرِدْ مَرْوَانُ وَهِشَامٌ إِلَّا الِاجْتِهَادَ (٤) فِيمَا رأَيا (٥)، إِلا أَنه لَا يَجُوزُ اجْتِهَادٌ فِي خِلَافِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي ابْنُ الماجِشُون: أَنه سَمِعَ مَالِكًا يَقُولُ: مِنْ أَحدث فِي هَذِهِ الأُمة شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَلَفُهَا، فَقَدْ زَعَمَ أَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَانَ الرِّسَالَةَ؛ لأَن اللَّهَ يَقُولُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (٦)، فَمَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ دِينًا فَلَا يَكُونُ الْيَوْمَ دِينًا (٧).\nوَقَدْ رُوِيَ أَن الَّذِي أَحدث الأَذان معاوية (٨) ﵁، وَقِيلَ: زِيَادٌ، وأَن ابْنَ الزُّبَيْرِ فَعَلَهُ آخِرَ إِمارته (٩)، وَالنَّاسُ عَلَى خِلَافِ هَذَا النَّقْلِ.\nوَلِقَائِلٍ أَن يَقُولَ: إِن الأَذان هَنَا نَظِيرُ أَذان الزَّوْراء لعثمان\n_________\n(١) في (غ) \"ليؤذن الناس فيه\".\n(٢) من قوله: \"ليؤذن الناس\" إلى هنا سقط من أصل (ر)، واستدرك في الهامش، ولم يتضح بأكمله في المصورة.\n(٣) من قوله: \"قال وذلك حين كثر الناس\" إلى هنا سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٤) المثبت من (غ) و(ر) و(ت)، وفي (خ) و(م): \"ولم يرد مروان وهشام الاجتهاد\"، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: \"لعل الأصل: إلا الاجتهاد\".اهـ.\n(٥) في (ر) و(غ): \"رأياه\".\n(٦) سورة المائدة: الآية (٣).\n(٧) أخرجه ابن حزم في \"إحكام الأحكام\" (٦/ ٢٢٥) من طريق عبد الملك بن حبيب، به.\n(٨) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٥٦٦٤)، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٢/ ٤٥٣).\n(٩) أخرج البخاري في \"صحيحه\" (٩٥٩) من طريق هشام بن يوسف، عن ابن جريج؛ قال: أخبرني عطاء أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير في أول ما بويع له: إنه لم يكن يؤذّن بالصلاة يوم الفطر، وإنما الخطبة بعد الصلاة.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٥٦٦٢) من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن ابن جريج، عن عطاء: أن ابن الزبير سأل ابن عباس، - قال: وكان الذي بينهما حسن - فقال: لا تؤذن ولا تقم، فلما ساء الذي بينهما أذّن وأقام.","vol":"2","page":320},{"text":"﵁، فَمَا (١) تَقَدَّمَ فِيهِ مِنَ التَّوْجِيهِ الِاجْتِهَادِيِّ جارٍ هُنَا. وَلَا يَكُونُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مُخَالِفًا للسُّنّة؛ لأَن قِصَّةَ هِشَامٍ نَازِلَةٌ لَا عَهْدَ بِهَا فِيمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ إِعلام بِمَجِيءِ الإِمام لِخَفَاءِ مَجِيئِهِ عَنِ النَّاسِ لِبُعْدِهِمْ عَنْهُ، ثُمَّ الإِقامة للإِعلام (٢) بِالصَّلَاةِ، إِذ لَوْلَا هِيَ لَمْ يَعْرِفُوا دُخُولَهُ فِي الصَّلَاةِ، فَصَارَ ذَلِكَ أَمرًا لَا بُدّ مِنْهُ كأَذان الزَّوْراء.\nوالجواب: أَن مجيء الإِمام لَمَّا (٣) لم يشرع فيه أذان (٤) - وإِن خَفِيَ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ لِبُعْدِهِ بِكَثْرَةِ النَّاسِ ـ، فَكَذَلِكَ لَا يُشْرَعُ فِيمَا بَعْدُ؛ لأَن العلة كانت موجودة ثم لم يشرع (٥)، إِذ لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ العِلَّة غَيْرَ مُؤَثِّرَةٍ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ ثُمَّ تَصِيرُ مُؤَثِّرَةً.\nوأَيضًا: فإِحداث الأَذان والإِقامة انْبَنَى عَلَى إِحداث تَقْدِيمِ الْخُطْبَةِ عَلَى الصَّلَاةِ، وَمَا انْبَنَى عَلَى المُحْدَث مُحْدَث.\nولأَنه لَمَّا لَمْ يُشْرَعْ فِي النَّوَافِلِ أَذان وَلَا إِقامة عَلَى حَالٍ؛ فَهِمْنَا مِنَ الشَّرْعِ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ النَّفْلِ وَالْفَرْضِ لِئَلَّا تَكُونَ (٦) النَّوَافِلُ كَالْفَرَائِضِ فِي الدعاءِ إِليها، فَكَانَ إِحداث الدُّعَاءِ إِلَى النَّوَافِلِ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا.\nوَبِهَذِهِ الأَوجه الثَّلَاثَةِ يَحْصُلُ الْفَرْقُ بَيْنَ أَذان الزَّوْراء وَبَيْنَ مَا نَحْنُ فِيهِ، فَلَا يَصِحُّ أَن يُقَاسَ أَحدهما عَلَى الْآخَرِ، والأَمثلة فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ.\nوَمِنْ نَوَادِرِهَا الَّتِي لَا يَنْبَغِي (٧) أَن تُغفل: مَا جَرَى بِهِ عَمَلُ جُمْلَةٍ مِمَّنْ يَنْتَمِي إِلَى طَرِيقَةِ (٨) الصُّوفِيَّةِ؛ مِنْ تربُّصهم (٩) ببعض العبادات أَوقاتًا معلومة (١٠) غَيْرَ مَا وقَّته الشَّرْعُ فِيهَا، فَيَضَعُونَ نَوْعًا من العبادات المشروعة\n_________\n(١) في (خ) و(ت) و(م): \"فيما\".\n(٢) قوله: \"للإعلام\" سقط من (غ) و(ر).\n(٣) قوله: \"لما\" سقط من (خ) و(ت).\n(٤) في (خ): \"الأذان\".\n(٥) في (خ) و(م) و(ت): \"تشرع\".\n(٦) في (خ) و(ت) و(م): \"يكون\".\n(٧) في (غ): \"لا تنبغي\".\n(٨) في (غ): \"طريق\".\n(٩) في (ر) و(غ): \"بتربصهم\" بدل \"من تربصهم\".\n(١٠) في (خ) و(م): \"معطوفة\"، واجتهد رشيد رضا ﵀، فأثبتها: \"مخصوصة\"، والمثبت من (غ) و(ر) و(ت).","vol":"2","page":321},{"text":"فِي زَمَنِ (١) الرَّبِيعِ، وَنَوْعًا آخَرَ فِي زَمَنِ (١) الصَّيْفِ، وَنَوْعًا آخَرَ فِي زَمَنِ (١) الْخَرِيفِ، وَنَوْعًا آخَرَ فِي زَمَنِ (١) الشتاءِ.\nوَرُبَّمَا وَضَعُوا لأَنواعٍ (٢) مِنَ الْعِبَادَاتِ لِبَاسًا مَخْصُوصًا، وَطِيبًا مَخْصُوصًا (٣)، وَأَشْبَاهُ ذلك من الأَوضاع الفلسفية، يضعونها شرعيَّة؛ أَي مُتَقرَّبًا بِهَا إِلى الْحَضْرَةِ الإِلهية فِي زَعْمِهِمْ، وَرُبَّمَا وَضَعُوهَا عَلَى مَقَاصِدَ غَيْرِ شَرْعِيَّةٍ؛ كأَهل التَّصْرِيفِ بالأَذكار (٤) وَالدَّعَوَاتِ لِيَسْتَجْلِبُوا بِهَا الدُّنْيَا مِنَ الْمَالِ والجَاهِ والحُظْوَة ورِفْعة الْمَنْزِلَةِ، بَلْ لِيَقْتُلُوا بِهَا إِن شَاؤُوا أَو يُمْرِضوا، أَو يَتَصَرَّفُوا وَفْقَ أَغراضهم، فَهَذِهِ كُلُّهَا بِدَعٌ مُحْدَثَاتٌ بَعْضُهَا أَشد مِنْ بَعْضٍ؛ لِبُعْدِ هَذِهِ الأغراض عن (٥) مقاصد الشريعة الأُمِّيَّة (٦) الْمَوْضُوعَةِ (٧)، مُبَرَّأَة (٨) عَنْ مَقَاصِدِ المتخرِّصين (٩)، مُطَهَّرة لِمَنْ تمسَّك بِهَا عَنْ أَوْضَارِ اتِّبَاعِ الْهَوَى، إِذ كُلُّ مُتَدَيِّن (١٠) بِهَا، عَارِفٌ بِمَقَاصِدِهَا؛ ينزِّهها عَنْ أَمثال هَذِهِ الْمَقَاصِدِ الْوَاهِيَةِ. فَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى بُطْلَانِ دَعَاوِيهِمْ فِيهَا مِنْ بَابِ شُغْلِ الزَّمَانِ بِغَيْرِ مَا هُوَ أَولى. وَقَدْ تَقَرَّرَ - بِحَوْلِ اللَّهِ - فِي أَصْلِ الْمَقَاصِدِ مِنْ كِتَابِ \"الْمُوَافَقَاتِ\" (١١) مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ حُكْمُ هَذَا النَّمَط وَالْبُرْهَانِ عَلَى بُطْلَانِهِ، لَكِنْ (١٢) عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ مُفِيدٍ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.\nوَهَذَا كُلُّهُ إِن فَرَضْنَا أَصل الْعِبَادَةِ مَشْرُوعًا، فإِن كَانَ أَصلها غَيْرَ مَشْرُوعٍ؛ فَهِيَ بِدْعَةٌ حَقِيقِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ؛ كالأَذكار وَالْأَدْعِيَةِ الَّتِي يَزْعُمُ (١٣)\n_________\n(١) في (غ): \"زمان\".\n(٢) في (خ) و(غ): \"الأنواع\".\n(٣) قوله: \"وطيبًا مخصوصًا\" سقط من (خ).\n(٤) في (م): \"بأذكار\".\n(٥) في (ر) و(غ): \"من\".\n(٦) أثبتها رشيد رضا ﵀ اجتهادًا ـ: \"الشريعة الإسلامية\"، والنسخ كلها متفقه على ما هو مثبت.\n(٧) قوله: \"الموضوعة\" سقط من (ت).\n(٨) في (ت): \"المبرأة\".\n(٩) في (م) يشبه أن تكون: \"المتحرضين\".\n(١٠) في (غ): \"متزين\".\n(١١) أطال المصنف ﵀ في \"الموافقات\" في الكلام على المقاصد بقسميها: ما يتعلق بمراد الشارع، وما يتعلق بمراد المكلف، فانظره إن شئت (٢/ ٧) فما بعد.\n(١٢) في (م): \"لاكل\".\n(١٣) في (ت) و(خ) و(م): \"والأدعية بزعم\".","vol":"2","page":322},{"text":"أهلها أَنها مبنيَّة عَلَى عِلْمِ الْحُرُوفِ (١)، وَهُوَ الَّذِي اعْتَنَى بِهِ الْبَوْنِيُّ (٢) وَغَيْرُهُ مِمَّنْ حَذَا حَذْوَه أَو قَارَبَهُ، فإِن ذَلِكَ الْعِلْمَ فَلْسَفَةٌ أَلطف من فلسفة معلِّمهم الأَوّل؛ وهو أَرُسْطَاطَالِيس (٣)، فردّوها إِلى أَوضاع الحروف المعجمة (٤)، وَجَعَلُوهَا هِيَ الْحَاكِمَةَ فِي الْعَالَمِ، وَرُبَّمَا أَشاروا عِنْدَ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى تِلْكَ الأَذكار وَمَا قُصِدَ بِهَا إِلى تحرِّي الأَوقات والأَحوال الْمُلَائِمَةِ لِطَبَائِعِ الْكَوَاكِبِ؛ لِيَحْصُلَ التأْثير عِنْدَهُمْ وَحْيًا، فَحَكَّمُوا الْعُقُولَ والطبائع - كما ترى ـ، وتوجّهوا شطرها، وأَعرضوا\n_________\n(١) وهو المسمى: \"علم السيمياء\" الذي يزعمون فيه أن لحروف الهجاء أسرارًا وخواص مركّبة ومفردة، والحق أنه من التنجيم، وداخل في ضروب السحر وإن قيل فيه ما قيل، وهو الذي يُعنى به المتصوِّفة الذين يجنحون إلى كشف حجاب الحسّ، ويرغبون في حصول الخوارق على أيديهم، فانظر - إن شئت - تعريفه بتوسع في \"كشف الظنون\" (١/ ٤١٣ و٦٥٠)، وانظر كلام المصنف الآتي، والتعليق المتقدم برقم (٤) (ص٣٠٥).\n(٢) هو أبو العباس أحمد بن علي بن يوسف القرشي، البوني، المتوفى سنة (٦٢٢هـ)، وقيل: سنة (٦٣٠هـ)، صاحب كتاب \"شمس المعارف ولطائف العوارف\"، وكتاب \"لطائف الإشارات في أسرار الحروف العلويات\" و\"أسرار الأدوار وتشكيل الأنوار في الطلسمات\"، و\"أسرار الحروف والكلمات\"، و\"إظهار الرموز وإبداء الكنوز\"، و\"تنزيل الأرواح في قوالب الأشباح\"، و\"رسالة الشهود في الحقائق على طريقة علم الحروف\"، و\"شرف التشكيليات الشكليات وأسرار الحروف العدديات\"، وغيرها من الكتب كما في \"كشف الظنون\" (١/ ٨٢ و٨٣ و١١٨ و٤٩٤ و٨٧٥)، و(٢/ ١٠٤٥ و١٠٦٢ و١١٦١ و١٢٧٠ و١٤١١ و١٥٥١ و١٥٥٣ و١٨٩١).\nوهذه الكتب تنبئك عن حاله الذي لا يُعرف إلا على سبيل الذم كما عند المصنف هنا، أو عند من غرق في التصوف فَعَدّ السحرة والدجالين شيوخًا عارفين كما في نقل المناوي عنه في مواطن متعددة من \"فيض القدير\"، وكما في المواضع المتقدمة من \"كشف الظنون\"، وإلا فالواجب على أهل الإسلام التحذير من كتب هذا الرجل، والتوجيه بإحراقها وإتلافها، فإنك أول ما تجد عند السحرة والدجالين في هذا الزمن كتاب \"شمس المعارف\" مع غيره من الكتب التي يأكل بها السحرة أموال الناس بالباطل، وكلها تحوم حول الحروف وأسرارها المكتومة زعموا، والتجربة؛ كما في \"كشف الظنون\" (٢/ ١٧٢٠) عند ذكره لكتاب \"مطلع العزائم\" للبوني هذا؛ قال: \"استخرجه من السرّ المكتوم، وذكر فيه خواصّ غريبة، وتأثيرات مجرَّبة جرّبها بنفسه ... \" إلخ.\n(٣) كذا في (خ) و(م)، وفي (ت): \"أرسطاليس\"، وفي (غ) و(ر): \"أرطسوطاليس\".\n(٤) قوله: \"المعجمة\" ليس في (خ) و(م) و(ت).","vol":"2","page":323},{"text":"عَنْ رَبِّ الْعَقْلِ وَالطَّبَائِعِ، وإِن ظَنُّوا أَنهم يَقْصِدُونَهُ اعْتِقَادًا (١) فِي اسْتِدْلَالِهِمْ لِصِحَّةِ مَا انْتَحَلُوا عَلَى وُقُوعِ الْأَمْرِ وَفْقَ مَا يَقْصِدُونَ. فإِذا تَوَجَّهُوا بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ (٢) الْمَفْرُوضِ عَلَى الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ حصل، سواء عليهم أَنفعًا كان (٣) أَم ضُرًّا، وَخَيْرًا كَانَ أَم شَرًّا، وَيَبْنُونَ عَلَى ذَلِكَ اعْتِقَادَ بُلُوغِ النِّهَايَةِ فِي إِجَابَةِ الدُّعَاءِ، أَو حصول (٤) نَوْعٌ مِنْ كَرَامَاتِ الأَولياء، كَلَّا! لَيْسَ طَرِيقُ الحق (٥) مِنْ مُرَادِهِمْ، وَلَا كَرَامَاتِ الأَولياء أَو إِجابة الدُّعَاءِ مِنْ نَتَائِجِ أَورادهم، فَلَا تَلَاقِي بَيْنَ الأَرض والسماءِ، وَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ النَّارِ والماءِ.\nفإِن قُلْتَ: فَلِمَ يَحْصُلُ التأْثير حَسْبَمَا قَصَدُوا؟ فَالْجَوَابُ: أَن ذَلِكَ فِي الأَصل مِنْ قَبِيلِ الْفِتْنَةِ الَّتِي اقْتَضَاهَا فِي الْخَلْقِ: ﴿ذَلِكَ﴾ (٦) ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٧) فَالنَّظَرُ (٨) إِلى وَضْعِ الأَسباب والمسبَّبات أَحكامٌ وَضَعَهَا الْبَارِي تَعَالَى فِي النُّفُوسِ يَظْهَرُ عِنْدَهَا مَا شاءَ اللَّهُ مِنَ التأْثيرات (٩)، عَلَى نَحْوِ مَا\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"اعتمادًا\".\n(٢) في (ت): \"بالدعاء والذكر\".\n(٣) قوله: \"كان\" سقط من (ت) و(خ) و(م).\n(٤) في (خ) و(م): \"أو حصل\"، وفي (ت): \"ولو حصل\".\n(٥) قوله: \"الحق\" سقط من (ت) و(خ) و(م) و(ت).\n(٦) قوله: \"ذلك\" ليس في (غ) و(ر).\n(٧) سورة فصلت: الآية (١٢).\n(٨) في (غ) و(ر): \"وبالنظر\".\n(٩) هذا من الأخطاء التي وقع فيها المصنف ﵀ بسبب تأثره بمعتقد الأشاعرة في مسألة السبب والمسبَّب. وقد نبّه على هذا الأخ الفاضل الشيخ ناصر الفهد في كتابه \"الإعلام بمخالفات الموافقات والاعتصام\" (ص١١٢ - ١١٦)، ومن جملة ما قال: \"وهذا الكلام كلام الأشاعرة - الذين اقتفوا آثار الجهمية في إنكار الأسباب ـ، فإنهم أنكروا أن يكون للأسباب أي تأثير على المسبَّبات، وقالوا: إنه ليس في النار قوة الإحراق، ولا في الماء قوة الإغراق، ولا في السِّكِّين قوة القطع. قالوا: ولكن الله يخلق المسببات عند وجود هذه الأسباب، لا بها. فعند وجود النار يخلق الله الإحراق، بلا تأثير من النار، وعند وجود السكِّين يخلق الله القطع بلا تأثير من السكّين، وهكذا. ويقولون: إن الله قد أجرى العادة بخلق المسببات عند وجود هذه الأسباب، وكل هذا طردًا لعقيدتهم في الجبر، وأنه لا فاعل إلا الله ... \"، ثم أخذ في بيان الحق في هذه المسألة، فانظره إن شئت.","vol":"2","page":324},{"text":"يظهر على المعين (١) عند الإِصابة بالعين (٢)، وَعَلَى الْمَسْحُورِ عِنْدَ عَمَلِ السِّحْرِ، بَلْ هُوَ بِالسِّحْرِ أَشبه؛ لِاسْتِمْدَادِهِمَا مِنْ أَصل وَاحِدٍ. وَشَاهِدُهُ: مَا جاءَ فِي الصَّحِيحِ - خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ (٣) - مِنْ حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِن اللَّهَ يَقُولُ: أَنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وأَنا مَعَهُ إِذا دَعَانِي\". وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ (٤): \"أَنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ\"، وَشَرْحُ هَذِهِ الْمَعَانِيَ لَا يَلِيقُ بِمَا نَحْنُ فِيهِ.\nوَالْحَاصِلُ: أَن وَضْعَ الأَذكار وَالدَّعَوَاتِ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ: مِنَ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَاتِ، لَكِنْ تَارَةً تَكُونُ الْبِدْعَةُ فِيهَا إِضافية؛ بِاعْتِبَارِ أَصل الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَتَارَةً تَكُونُ حَقِيقِيَّةً (٥).\n_________\n(١) في (ت) و(خ): \"المعيون\".\n(٢) قوله: \"بالعين\" من (غ) و(ر) فقط.\n(٣) في \"صحيحه\" (٢٦٧٥) وأخرجه البخاري أيضًا (٧٤٠٥ و٧٥٠٥)، وفي لفظه: \"وأنا معه إذا ذكرني\".\n(٤) أخرج هذه الرواية: الإمام أحمد في \"المسند\" (٤/ ١٠٦)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٦٣٣ و٦٣٤ / الإحسان)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٢٤٠)، جميعهم من طريق هشام بن الغاز، عن حيّان أبي النضر، عن واثلة بن الأسقع، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\nقَالَ الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\". وسنده صحيح.\nحيان أبو النضر الأسدي وثقه ابن معين، وقال: أبو حاتم: صالح كما في \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٢٤٤ - ٢٤٥ رقم ١٠٨٨).\nوهشام بن الغاز بن ربيعة الجرشي، الدمشقي، نزيل بغداد: ثقة كما في \"التقريب\" (٧٣٥٥).\nوأخرجه الإمام أحمد أيضًا (٣/ ٤٩١) من طريق الوليد بن سليمان وسعيد بن عبد العزيز، كلاهما عن حيان أبي النضر، به.\n(٥) قوله: \"وتارة تكون حقيقية\" سقط من (خ) و(ت).","vol":"2","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>فَصْلٌ</span>\nفإِن قِيلَ: فَالْبِدَعُ الإِضافية هَلْ يُعْتَدُّ بِهَا عباداتٍ حَتَّى تَكُونَ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ مُتَقَرَّبًا بِهَا إِلى اللَّهِ تَعَالَى، أَم لَا تَكُونُ كَذَلِكَ؟\nفإِن كَانَ الأَول فَلَا تأْثير إِذًا لِكَوْنِهَا بِدْعَةً، وَلَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ، إِذ لَا يَخْلُو (١) مِنْ أَحد الأَمرين (٢): إِما أَن لَا يُعتبر بِجِهَةِ الِابْتِدَاعِ فِي الْعِبَادَةِ الْمَفْرُوضَةِ، فَتَقَعُ مَشْرُوعَةً يُثَابُ عَلَيْهَا، فَتَصِيرُ جِهَةَ الِابْتِدَاعِ مُغْتَفِرَةً، فَلَا عَلَى الْمُبْتَدَعِ (٣) فِيهَا أَن يَبْتَدِعَ. وإِما أَن يُعتبر بِجِهَةِ الِابْتِدَاعِ، فَقَدْ صَارَ لِلِابْتِدَاعِ أَثر فِي ترتُّب الثَّوَابِ، فَلَا يصح أَن يكون منهيًّا (٤) عَنْهُ بإِطلاق، وَهُوَ خِلَافُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ عُمُومِ الذَّمِّ فِيهِ. وإِن كَانَ الثَّانِي: فَقَدِ اتَّحَدَتْ البدعة الإِضافية مع الحقيقية؛ فالتقسيم (٥) الَّذِي انْبَنَى عَلَيْهِ الْبَابُ الَّذِي نَحْنُ فِي شرحه لا فَائِدَةَ فِيهِ.\nفَالْجَوَابُ: أَن حَاصِلَ الْبِدْعَةِ الإِضافية أَنها لَا تَنْحاز إِلى جَانِبٍ مَخْصُوصٍ فِي الجملة، بل يتجاذبها الأَصلان - أَصل السُّنَّةِ وأَصل الْبِدْعَةِ ـ، لَكِنْ مِنْ وَجْهَيْنِ. وإِذا كَانَ كَذَلِكَ اقْتَضَى النَّظَرُ السَّابِقُ لِلذِّهْنِ أَن يُثَابَ الْعَامِلُ بِهَا مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ مَشْرُوعٌ، ويُعاتب مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، إِلا أَن هَذَا النَّظَرَ لا يتحصل؛ لأَنه مجمل.\n_________\n(١) في (ر) و(غ): \"لا تخلو\".\n(٢) في (ر) و(غ): \"أمرين\".\n(٣) في (ر) و(غ): \"جهة الابتداع معتبرة بما على المبتدع\".\n(٤) في (ت) و(خ) و(م): \"منفيًا\" بدل \"منهيًا\".\n(٥) تصحَّفت الكلمة على رشيد رضا ﵀ هكذا: \"بالتقسيم\"، فأشكل عليه باقي العبارة، فعلّق في نهاية هذا السطر - بعد قوله: \"لا فائدة فيه\" - بقوله: \"كذا! ولعل أصله: ولا فائدة فيه\".","vol":"2","page":326},{"text":"والذي ينبغي أن يقال: إِن (١) جهة البدعة في العمل لا تخلو (٢) أَن تَنْفَرِدَ أَو تَلْتَصق، وإِن الْتَصَقَتْ فَلَا تَخْلُو أَن تَصِيرَ وَصْفًا لِلْمَشْرُوعِ غَيْرَ مُنْفَكٍّ؛ إِما بالقصد، أَو بالوضع الشرعي، أو (٣) الْعَادِيِّ، أَو لَا (٤) تَصِيرُ وَصْفًا. وإِن لَمْ تَصِرْ وصفًا، فإِما أَن يكون وضعها ذريعة (٥) إِلى أَن تَصِيرَ وَصْفًا أَوْ لَا.\nفَهَذِهِ أَربعة أَقسام لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهَا فِي تحصيل هذا المطلوب بحول الله تعالى:\nفأَما الْقِسْمُ الأَول - وَهُوَ أَن تَنْفَرِدَ الْبِدْعَةُ عَنِ الْعَمَلِ الْمَشْرُوعِ ـ: فَالْكَلَامُ فِيهِ ظَاهِرُ مِمَّا تَقَدَّمَ، إِلا أَنَّهُ إِن كَانَ وَضْعُهُ عَلَى جِهَةِ التعبُّد فَبِدْعَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، وإِلا فَهُوَ فِعْلٌ مِنْ جُمْلَةِ الأَفعال الْعَادِيَّةِ، لَا مَدْخَلَ لَهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ. فَالْعِبَادَةُ سَالِمَةٌ وَالْعَمَلُ الْعَادِيُّ خَارِجٌ (٦) مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.\nمِثَالُهُ: الرَّجُلُ يُرِيدُ القيام إِلى الصلاة فيَتَنَحْنَحُ مثلًا، أَو يَمْتَخِطُ (٧)، أَو يَمْشِي خُطُوَاتٍ، أَو يَفْعَلُ شَيْئًا وَلَا يقصد بذلك (٨) وَجْهًا رَاجِعًا إِلى الصَّلَاةِ، وإِنما يَفْعَلُ ذَلِكَ عادة أَو تعزُّزًا (٩)، فَمِثْلُ هَذَا لَا حَرَجَ فِيهِ فِي نَفْسِهِ، وَلَا بِالنِّسْبَةِ إِلى الصَّلَاةِ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْعَادَاتِ الْجَائِزَةِ، إِلا أَنه يُشْتَرَطُ فِيهِ أَيضًا أَن لَا يَكُونَ بِحَيْثُ يُفْهَمُ مِنْهُ الِانْضِمَامُ إِلى الصَّلَاةِ (١٠) عَمَلًا أَو قَصْدًا، فإِنه إِذ ذَاكَ يَصِيرُ بِدْعَةً. وسيأْتي بَيَانُهُ إِن شاءَ اللَّهُ.\nوَكَذَلِكَ أَيضًا إِذا فَرَضْنَا أَنه فَعَلَ فعلًا قَصْدَ التقرُّب مما لم يشرع\n_________\n(١) في (ت) و(خ): \"في\" بدل \"إن\".\n(٢) في (ت) و(م) و(خ): \"لا يخلو\".\n(٣) قوله: \"أو\" سقط من (خ).\n(٤) في (ت) و(خ) و(م): \"ولا\".\n(٥) قوله: \"ذريعة\" سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٦) في (ر) و(غ): \"خارجي\".\n(٧) في (خ) و(ت): \"يتمخَّط\".\n(٨) في (خ) و(م): \"بذا\" بدل \"بذلك\".\n(٩) كذا في (غ) و(ر)! وفي (خ) و(م) و(ت): \"تغرزًا\"، أو \"تقرزًا\". وأما رشيد رضا فأثبتها: \"تقززًا\"، ولم تنقط الراء في نسخة (خ) التي اعتمد هو عليها!.\n(١٠) من قوله: \"وهو من جملة العادات\" إلى هنا سقط من (غ).","vol":"2","page":327},{"text":"أَصلًا، ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُ إِلى الصَّلَاةِ الْمَشْرُوعَةِ، وَلَمْ يَقْصِدْ فِعْلَهُ لأَجل الصَّلَاةِ، وَلَا كَانَ مَظِنَّةً لأَن (١) يُفْهَمَ مِنْهُ انْضِمَامُهُ إِليها، فَلَا يَقْدَحُ فِي الصَّلَاةِ، وإِنما يَرْجِعُ الذَّمُّ فِيهِ إِلى الْعَمَلِ بِهِ عَلَى الِانْفِرَادِ.\nوَمِثْلُهُ: لَوْ أَراد الْقِيَامَ إِلى الْعِبَادَةِ، فَفَعَلَ عِبَادَةً مَشْرُوعَةً مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الِانْضِمَامِ، وَلَا جَعْلِهِ (٢) عُرْضَةً لِقَصْدِ انْضِمَامِهِ، فَتِلْكَ الْعِبَادَتَانِ عَلَى أَصالتهما (٣). وَكَقَوْلِ الرَّجُلِ عِنْدَ الذَّبْحِ أَو الْعِتْقِ: اللَّهُمَّ مِنْكَ وإِليك، عَلَى غَيْرِ الْتِزَامٍ (٤) وَلَا قَصْدِ الِانْضِمَامِ، وَكَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الطَّوَافِ لَا بِقَصْدِ الطَّوَافِ وَلَا عَلَى الِالْتِزَامِ، فَكُلُّ عِبَادَةٍ هُنَا مُنْفَرِدَةٌ عَنْ صَاحِبَتِهَا؛ فَلَا حَرَجَ فِيهَا (٥).\nوَعَلَى ذَلِكَ نَقُولُ: لَوْ فَرَضْنَا (٦) أَن الدعاءَ بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ وقع من أَئمة الصلوات في (٧) المساجد في بعض الأَوقات للأَمر يحدث؛ من قَحْطٍ، أَو خوفٍ، ونحوه (٨) مِنْ مُلِمٍّ؛ لَكَانَ جَائِزًا (٩)؛ لأَنه (١٠) عَلَى الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، إِذ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ عَلَى وجهٍ يُخاف مِنْهُ مَشْرُوعِيَّةُ الِانْضِمَامِ، وَلَا كَوْنُهُ سُنَّةً تُقَامُ فِي الْجَمَاعَاتِ وَيُعْلَنُ بِهِ فِي الْمَسَاجِدِ، كَمَا (١١) دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دعاءَ الاستسقاءِ بِهَيْئَةِ (١٢) الِاجْتِمَاعِ وَهُوَ يَخْطُبُ (١٣)، وَكَمَا أَنَّهُ دَعَا أَيضًا (١٤) فِي غَيْرِ أَعقاب\n_________\n(١) في (ر) و(غ): \"أن\".\n(٢) في (خ) و(م): \"ولأجله\".\n(٣) في (ر) و(غ): \"فكلتا العبادتين على أصالتها\".\n(٤) في (ر) و(غ): \"على غير الالتزام\".\n(٥) في (ر) و(غ): \"فيهما\".\n(٦) قوله: \"لو فرضنا\" مكرر في (م).\n(٧) قوله: \"الصلوات في\" من (غ) و(ر) فقط.\n(٨) قوله: \"ونحوه\" من (غ) و(ر) فقط.\n(٩) في (م): \"جائز\".\n(١٠) في (ر) و(غ): \"إلا أنه\".\n(١١) في (غ) و(ر): \"وكما\".\n(١٢) في (غ): \"على هيئة\".\n(١٣) رواه البخاري (١٠٢٩) تعليقًا، وفيه: \"فرفع رسول الله ﷺ يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم معه يدعون\" الحديث. ووصله الإسماعيلي وأبو نعيم والبيهقي كما قال الحافظ في \"الفتح\"، ثم رواه في \"تغليق التعليق\" (٢/ ٣٩٢) من طريق المحاملي، عن محمد بن إسماعيل الترمذي، عن أيوب بن سليمان بن بلال، عن أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن أنس ﵁ به.\n(١٤) في (ت): \"وكما أنه أيضًا دعا\".","vol":"2","page":328},{"text":"الصَّلَوَاتِ عَلَى هَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ (١)، لَكِنْ فِي الفَرْطِ، وَفِي بَعْضِ الأَحَايِين كَسَائِرِ الْمُسْتَحَبَّاتِ الَّتِي لَا يُتربَّص بها وقت (٢) بِعَيْنِهِ، وكيفيَّة بِعَيْنِهَا.\nوَخَرَّجَ الطَّبَرِيُّ (٣) عَنْ أَبي سعيد مولى [أبي] (٤) أَسيد؛ قَالَ: كَانَ عُمَرُ ﵁ إِذا صَلَّى العشاءَ أَخرج النَّاسَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَتَخَلَّفَ لَيْلَةً مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ، فأَتى عَلَيْهِمْ (٥) فَعَرَفَهُمْ، فأَلقى دِرَّتَه وَجَلَسَ مَعَهُمْ، فَجَعَلَ يَقُولُ: يَا فُلَانُ! ادْعُ اللَّهَ لَنَا، يَا فُلَانُ! ادْعُ اللَّهَ لَنَا، حَتَّى صَارَ الدعاءُ إِلى عمر (٦)، فَكَانُوا يَقُولُونَ: عُمَرُ فَظٌّ غَلِيظٌ، فَلَمْ أَر أَحدًا مِنَ النَّاسِ تِلْكَ السَّاعَةَ أَرقَّ مِنْ عُمَرَ ﵁؛ لَا ثَكْلَى وَلَا أَحدًا (٧).\n_________\n(١) كما جاء في الحديث الذي رواه الفضل بن العلاء؛ قال: حدثنا إسماعيل بن أمية، عن محمد بن قيس، عن أبيه؛ أنه أخبره: أن رجلًا جاء زيد بن ثابت فسأله عن شيء؟ فقال له زيد: عليك بأبي هريرة؛ فإني بينما أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد ذات يوم ندعو الله ونذكر ربنا خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حتى جلس إلينا، فسكتنا، فقال: \"عودوا للذي كنتم فيه\". قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة، وجعل رسول الله ﷺ يؤمِّن على دعائنا، ثم دعا أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك مثل ما سألك صاحباي هذان، وأسألك علمًا لا يُنسى، فقال رسول الله ﷺ: \"آمين\"، فقلنا: يا رسول الله! ونحن نسأل الله علمًا لا يُنسى، فقال: \"سبقكما بها الغلام الدوسي\". أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٥٨٧٠)، والطبراني في \"الأوسط\" (١٢٢٨)، والحاكم في \"المستدرك\" (٣/ ٥٠٨)، وقال: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\". وقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن إسماعيل إلا الفضل، ولا يروى عن زيد بن ثابت إلا بهذا الإسناد\".\n(٢) في (خ): \"وقتا\".\n(٣) قوله: \"الطبري\" سقط من (خ)، وفي (غ): \"الطبراني\"، والمثبت من (ر) و(م) و(ت)، وهو الصواب، ويدل عليه قول المصنف (ص٣٣٣): \"وهذه الآثار من تخريج الطبري في تهذيب الآثار\".\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة من مصادر التخريج وترجمته الآتية.\n(٥) في (ر) و(غ): \"إليهم\".\n(٦) في (خ) و(ت) و(م): \"غير\".\n(٧) أخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (٣/ ٢٩٤) من طريق يزيد بن هارون، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٣٣٠) من طريق شعبة، كلاهما عن سعيد بن إياس الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد مولى أبي أسيد - وعند الطحاوي: مولى الأنصار ـ؛ قال: كان عمر بن الخطاب يعسّ المسجد بعد العشاء ...، فذكره بلفظ أطول من هذا.\nوسنده رجاله ثقات، عدا أبي سعيد مولى أبي أسيد الساعدي الأنصاري، فقد ذكره ابن سعد في \"الطبقات\" (٥/ ٨٨) و(٧/ ١٢٨)، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا،=","vol":"2","page":329},{"text":"وَعَنْ سَلْم (١) العَلَوي (٢) قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لأَنس ﵁ يومًا: يا\n_________\n=وذكر أنه روى عن عمر وعلي ﵄، وذكره مسلم في \"الكنى\" (١٣٥٦)، وذكر أنه شهد مقتل عثمان ﵁، وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٥٨٨)، وروى بسند فيه ضعف عنه أنه قال: كان في بيتي أبو ذر وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان، فحضرت الصلاة، فتقدم أبو ذر، فجذبه حذيفة، فالتفت إلى ابن مسعود، فقال: كذلك يا ابن مسعود؟ قال: نعم، قال: فقدّموني وكنت أصغرهم، فصليت بهم.\nوذكر ابن حجر في القسم الثالث من \"الإصابة\" (١١/ ١٨٧) أبا سعيد هذا، وقال: ذكره ابن مندة في الصحابة، ولم يذكر ما يدل على صحبته، لكن ثبت أنه أدرك أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فيكون من أهل هذا القسم. قال ابن مندة: \"روى عنه أبو نضرة [العَوَقي] قصة مقتل عثمان بطولها\"، وهو كما قال، وقد رويناها من هذا الوجه، وليس فيها ما يدل على صحبته. اهـ.\nوالقسم الثالث من \"الإصابة\" جعله ابن حجر للمخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام.\nوأما قصة مقتل عثمان، فقد رواها أبو الشيخ في \"طبقات المحدثين بأصبهان\" (٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨) من طريق أبي سعيد هذا.\n(١) في (ت): \"وعن سالم\".\n(٢) هو سَلْم بن قيس العَلَوي، البصري، ضعيف كما في \"التقريب\" (٢٤٨٦).\nوهذا الحديث من الأحاديث التي ذكر المصنف (ص٣٣٣) أنه خرجها من \"تهذيب الآثار\" للطبري، ولم أجد من أخرجه من هذا الطريق سواه. لكن أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٦٣٣) من طريق عمر بن عبد الله الرومي؛ قال: أخبرني أبي، عن أنس بن مالك؛ قال: قيل له: إن إخوانك أتوك من البصرة - وهو يومئذٍ بالزاوية - لتدعو لهم. قال: اللهم اغفر لنا وارحمنا، وآتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. فاستزادوه، فقال مثلها، فقال: إن أوتيتم هذا فقد أوتيتم خير الدنيا والآخرة.\nوعمر بن عبد الله الرومي مقبول، وأبوه كذلك؛ كما في \"التقريب\" (٤٩٦٤ و٣٤٦٢)، وقد توبعا.\nفالحديث أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (٣٣٩٧) من طريق شيخه إبراهيم بن الحجاج السَّامي؛ حدثنا حماد - وهو ابن سلمة ـ، عن ثابت؛ أنهم قالوا لأنس: ادع لنا، فقال: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. قالوا: زدنا، فأعادها، قالوا: زدنا، قال: ما تريدون؟ سألت لكم خير الدنيا والآخرة. قال أنس: فكان رسول الله ﷺ يكثر أن يدعو: \"اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار\".=","vol":"2","page":330},{"text":"أَبا حَمْزَةَ! لَوْ دَعَوْتَ لَنَا بِدَعَوَاتٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً - قَالَ: فأَعادها مِرَارًا ثَلَاثًا ـ، فَقَالَ: يَا أَبا حمزة! لو دعوت لنا (١)، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ.\nفإِذا كَانَ الأَمر عَلَى هَذَا فَلَا إِنكار فِيهِ، حَتَّى إِذا دَخَلَ فِيهِ أَمر زَائِدٌ صَارَ الدعاءُ بِتِلْكَ (٢) الزِّيَادَةِ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ. فَقَدْ جاءَ فِي دعاءِ الإِنسان لِغَيْرِهِ (٣) الْكَرَاهِيَةُ عَنِ السَّلَفِ (٤)، لَا عَلَى حُكْمِ الأَصالة، بَلْ بِسَبَبِ مَا يَنْضَمُّ إِليه مِنَ الأُمور المُخْرِجَةِ عَنِ الْأَصْلِ. وَلِنَذْكُرَهُ هُنَا لِاجْتِمَاعِ أَطراف المسأَلة فِي التَّنْبِيهِ (٥) عَلَى الدعاءِ بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ بِآثَارِ الصَّلَوَاتِ فِي الْجَمَاعَاتِ دَائِمًا.\nفَخَرَّجَ الطَّبَرِيُّ (٦) عَنْ مُدْرِك بْنِ عِمْرَانَ؛ قَالَ: كَتَبَ رَجُلٌ إِلى عُمَرَ ﵁: إني أصبت ذنبًا (٧) فَادْعُ اللَّهَ لِي. فَكَتَبَ إِليه عُمَرُ: إِني لَسْتُ بِنَبِيٍّ، وَلَكِنْ إِذا أُقيمت الصَّلَاةُ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ لِذَنْبِكَ.\nفإِبَايَةُ عُمَرَ ﵁ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَيْسَ مِنْ جِهَةِ أَصل الدعاءِ، وَلَكِنْ مِنْ جِهَةٍ أُخرى، وإِلا تَعَارَضَ كلامه مع ما تقدم، فكأَنه فهم\n_________\n=وسنده صحيح، وصححه ابن حبان؛ فأخرجه في \"صحيحه\" (٩٣٨/ الإحسان) من طريق أبي يعلى.\nوأصل الحديث في \"الصحيحين\".\nفأخرجه البخاري (٤٥٢٢ و٦٣٩٨)، ومسلم (٢٦٩٠)، كلاهما من طريق عبد العزيز بن صهيب - واللفظ لمسلم ـ؛ قال: سأل قتادة أنسًا: أي دعوة كان يدعو بها النبي ﷺ أكثر؟ قال: كان أكثر دعوة يدعو بها يقول: \"اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حسنة، وقنا عذاب النار\". قال: وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، فإن أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه.\n(١) قوله: \"لنا\" ليس في (خ) و(ت) و(م).\n(٢) في (خ): \"الدعاء فيه بتلك\".\n(٣) في (م): \"في دعائه الإنسان لغير\".\n(٤) سيأتي نقل المصنف لبعض الآثار في ذلك.\n(٥) في (خ): \"التشبيه\".\n(٦) أي: في \"تهذيب الآثار\" كما قال المصنف (ص٣٣٣). ومدرك بن عمران لم أجد من ترجم له، وقد يكون في نسبه تصحيف، فيكون إما مدرك بن عمارة بن عقبة بن أبي مُعَيط المترجم في \"الجرح والتعديل\" (٨/ ٣٢٧ رقم ١٥١١)، و\"تعجيل المنفعة\" (١٠١٥)، أو مدرك بن عوف البَجلي الذي ذكره ابن أبي حاتم في الموضع السابق من \"الجرح والتعديل\" برقم (١٥٠٩)، وذكر أنه يروي عن عمر، ولم أجد من وثقهما من المعتبرين.\n(٧) قوله: \"إني أصبت ذنبًا\" سقط من (خ) و(م) و(ت).","vol":"2","page":331},{"text":"من السائل أَمرًا زائدًا على التماس (١) الدعاءِ، فَلِذَلِكَ قالَ: لستُ بِنَبِيٍّ.\nويدلُّك عَلَى هَذَا: مَا رُوِيَ (٢) عَنْ سَعْدِ (٣) بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁: أَنه لَمَّا قَدِمَ الشَّامَ أَتاه رَجُلٌ فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي (٤)، فَقَالَ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، ثُمَّ أَتاه آخَرٌ فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي، فَقَالَ: لَا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ وَلَا لِذَاكَ (٥)، أَنبي أَنا؟!.\nفَهَذَا أَوضح فِي أَنه فَهِمَ مِنَ السَّائِلِ (٦) أَمْرًا زَائِدًا، وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ فِيهِ أَنَّهُ مِثْلُ النَّبِيِّ، أَوْ أَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلى أَن يَعْتَقِدَ ذَلِكَ، أَو يعتقد أَنه سنة تُلْتَزَم (٧)، أَو تجري (٨) فِي النَّاسِ مَجْرَى السُّنَنِ المُلْتَزَمة (٩).\nوَنَحْوُهُ (١٠) عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ: أَن رَجُلًا قَالَ لِحُذَيْفَةَ ﵁: اسْتَغْفِرْ لِي. فَقَالَ: لَا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ! ثُمَّ قَالَ: هَذَا يَذْهَبُ إِلى نسائه فيقول: استغفرَ لي حذيفة، أَترضى أَن أَدعو الله أَن يجعلك (١١) مِثْلَ حُذَيْفَةَ؟ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنه وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَمر زَائِدٌ يَكُونُ الدعاءُ لَهُ ذَرِيعَةً حَتَّى يَخرُج عَنْ أَصله؛ لِقَوْلِهِ بَعْدَ مَا دَعَا (١٢) عَلَى الرَّجُلِ (١٣): هَذَا يَذْهَبُ إِلى نسائه فيقول كذا؛ أَي: فيأْتي نساؤه (١٤) أيضًا (١٥) لِمِثْلِهَا، ويَشْتهر الأَمر حَتَّى يُتَّخذ سُنّة، ويُعتقَد في حذيفة ما لا يدعيه هُوَ لِنَفْسِهِ، وَذَلِكَ يَخْرُجُ الْمَشْرُوعُ عَنْ كَوْنِهِ مَشْرُوعًا، ويؤدِّي إِلى التشيُّع وَاعْتِقَادِ أَكثر مِمَّا يحتاج إِليه.\n_________\n(١) قوله: \"التماس\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(٢) وقد تكون: \"ما رَوَى\" على المبني للمعلوم، فيكون الضمير عائدًا إلى الطبري، فيكون أخرجه في \"تهذيب الآثار\" أيضًا.\n(٣) في (م): \"سعيد\".\n(٤) في (غ): \"استغفر لي الله\".\n(٥) في (ر) و(غ): \"لذلك\".\n(٦) في (م): \"المسائل\".\n(٧) في (خ) و(ت) و(م): \"تلزم\".\n(٨) في (خ) و(ت) و(م): \"يجري\".\n(٩) في (م): \"المتزمة\".\n(١٠) أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٢٧٧) من طريق جرير، عن الأعمش، عن أبي ظبيان.\nومن طريق شعبة، عن الأعمش، عن زيد بن وهب به.\nوسنده صحيح، والاختلاف في شيخ الأعمش لا يؤثر في صحة الأثر؛ فإما أن يكون للأعمش فيه شيخان - أبو ظبيان وزيد بن وهب ـ، وإما أن ترجح رواية شعبة، وعلى كلا الوجهين فالأثر صحيح، والله أعلم.\n(١١) في (ت) و(خ): \"تكن\" وفي (م): \"تكون\" بدل \"يجعلك\".\n(١٢) في (خ) و(م): \"ما دل\" بدل \"ما دعا\".\n(١٣) في (ت): \"لقوله بعدُ ما يدل على قصد الرجل\".\n(١٤) في (خ): \"نساءه\".\n(١٥) قوله: \"أيضًا\" ليس في (خ) و(م) و(ت).","vol":"2","page":332},{"text":"وَقَدْ تبيَّن هَذَا الْمَعْنَى بِحَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ عُلَيَّة، عَنِ ابْنِ عَوْن؛ قَالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلى إِبراهيم فَقَالَ: يَا أَبا عِمْرَانَ! ادْعُ اللَّهَ أَن يَشْفِيَنِي. فِكْرَهَ ذَلِكَ إِبراهيم وقَطَّبَ (١)، وَقَالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلى حُذَيْفَةَ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَن يَغْفِرَ لِي. فَقَالَ: لَا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ! فتنحَّى الرَّجُلُ فَجَلَسَ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ قَالَ: فأَدخلك اللَّهُ مُدْخَلَ حُذَيْفَةَ، أَقد رَضِيتَ الْآنَ؟ يأْتي أَحدكم الرَّجُلَ كأَنه قد أَحْصَى شأْنه، كأنه (٢). ثُمَّ ذَكَرَ إِبراهيم السُّنَّة، فرغَّب فِيهَا، وَذَكَرَ مَا أَحدث النَّاسُ؛ فَكَرِهَهُ (٣).\nوَرَوَى مَنْصُورٌ، عَنْ إِبراهيم قَالَ: كَانُوا يَجْتَمِعُونَ فَيَتَذَاكَرُونَ فَلَا يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اسْتَغْفِرْ لَنَا (٤).\nفتأَملوا يَا أُولي الأَلباب ماذا كَرِهَ (٥) العلماءُ مِنْ هَذِهِ الضَّمَائِم (٦) المُنْضَمَّة إِلى الدعاءِ، حَتَّى كَرِهُوا الدعاءَ إِذا انْضَمَّ إِليه مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمة. فَقِسْ بِعَقْلِكَ (٧) مَاذَا كانوا يقولون في دعائنا اليوم بآثار الصلوات (٨)، بَلْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُوَاطِنِ، وَانْظُرُوا إِلى إشارة (٩) إِبراهيم بترغيبه (١٠) فِي السُّنَّةِ وَكَرَاهِيَةِ (١١) مَا أَحدث النَّاسُ؛ بَعْدَ تَقْرِيرِ مَا تَقَدَّمَ.\nوَهَذِهِ الْآثَارُ مِنْ تَخْرِيجِ الطبري في \"تهذيب (١٢) الآثار\" (١٣) له.\n_________\n(١) في (غ): \"ونطق\". ومعنى \"قَطَّبَ\": أي زَوَى ما بين عينيه، وعَبَس من الغضب. \"لسان العرب\" (١/ ٦٨٠).\n(٢) قوله: \"كأنه\" سقط من (خ) و(ت)، وهو مكرر في (ر).\n(٣) أخرجه ابن سعد في \"الطبقات الكبرى\" (٦/ ٢٧٦) من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري، عن عبد الله بن عون، به.\nوإسناده صحيح.\nوإبراهيم هذا هو: النخعي.\n(٤) لم أقف عليه، والمصنف أخذه عن \"تهذيب الآثار\" للطبري كما سيأتي.\n(٥) في (ت) و(خ) و(م)؛ \"ما ذكره\".\n(٦) في (خ): \"الاضام\"، وفي (ت): \"العظائم\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"بفضلك\".\n(٨) في (خ) و(ت) و(م): \"الصلاة\".\n(٩) في (خ) و(م): \"استبارة\".\n(١٠) في (خ): \"ترغيبه\".\n(١١) في (خ): \"وكراهيته\".\n(١٢) في (م): \"تهديث\".\n(١٣) في القسم المفقود منه فيما يظهر.","vol":"2","page":333},{"text":"وعلى هذا ينبغي (١) أن يُحْمل (٢) مَا خَرَّجَهُ ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ نَبْهان، عَنْ أَيوب، عَنْ أَبي قِلَابَةَ، عَنْ أَبي الدرداءِ ﵁: أَنا ناسًا من أَهل الكوفة قالوا (٣): إن إخوانك (٤) من أهل الكوفة (٥) يقرؤون عَلَيْكَ السَّلَامَ، ويأْمرونك أَن تدعُوَ لَهُمْ وَتُوصِيَهُمْ. فقال: اقرؤوا (٦) ﵈، ومروهم أَن يعطوا القرآن [بخزائمهم] (٧)، فإِنه يَحْمِلُهُمْ - أَو يأْخذ بِهِمْ - عَلَى الْقَصْدِ وَالسُّهُولَةِ، ويجنِّبهم الجَوْرَ والحُزُونة (٨)، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنه دَعَا لَهُمْ.\nوأَما الْقِسْمُ الثَّانِي - وَهُوَ أَنْ يَصِيرَ الْعَمَلُ الْعَادِيُّ أَو غَيْرُهُ كَالْوَصْفِ لِلْعَمَلِ المشروع، إِلا أَن الدليل دلَّ (٩) عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ الْمَشْرُوعَ لَمْ يَتَّصِفْ فِي الشَّرْعِ بِذَلِكَ الْوَصْفِ ـ: فَظَاهِرُ (١٠) الأَمر انْقِلَابُ الْعَمَلِ المشروع غير\n_________\n(١) في (ت) و(خ): \"ينبني\".\n(٢) قوله: \"أن يحمل\" سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٣) في (م): \"قال\"، وفي (ت): \"قالوا له\"، إلا أن قوله: \"له\" ملحق في الهامش.\n(٤) في (غ) و(ر): \"لإخوانك\".\n(٥) من قوله: \"قالوا إن إخوانك\" إلى هنا سقط من (خ).\n(٦) في (م): \"اقرأ\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"بحزائمهم\" بالحاء، وفي (م): \"بحرائهم\"، أو: \"بحرابهم\"، وفي (خ) و(ت): \"حقه\"، والتصويب من مصادر التخريج، وهو قريب مما في (غ) و(ر). وأما معناه: فقال ابن الأثير في \"النهاية في غريب الحديث\" (٢/ ٢٩): \"الخزام: جمع خِزَامة، وهي حَلَقة من شعر تجعل في أحد جانبي مَنْخِرَي البعير، ومنه: حديث أبي الدرداء: \"اقرأ ﵈، ومُرْهم أن يُعْطوا القرآن بخزائمهم\"؛ هي: جمع خِزَامة؛ يريد به الانقياد لحكم القرآن، وإلقاء الأزِمَّة إليه. ودخول الباء في \"خزائمهم\" - مع كون أعطى يتعدّى إلى مفعولين ـ؛ كدخولها في قوله: أعطى بيده: إذا انقاد ووكل أمره إلى من أطاعه ... \" إلخ.\n(٨) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ١٤١ رقم ٣٠١٦٢)، وعبد الرزاق (٣/ ٣٦٨ رقم ٥٩٩٦)، والدارمي (٢/ ٥٢٦) من طريق أيوب به.\nوأبو قلابة لم يسمع من أبي الدرداء كما قال أبو حاتم. انظر (ص٢١١) من \"جامع التحصيل\".\n(٩) قوله: \"دل\": سقط من (خ).\n(١٠) علق رشيد رضا ﵀ على هذا الموضع بقوله: جواب \"أمّا\"؛ أي: فظاهر الأمر فيه ... إلخ، وما قبله اعتراض. اهـ.","vol":"2","page":334},{"text":"مَشْرُوعٍ. ويبيِّن (١) ذَلِكَ مِنَ الأَدلة: عُمُومُ قَوْلِهِ ﵊: \"كُلُّ عملٍ ليسَ عَلَيْهِ أَمرُنا فَهُوَ رَدٌّ\" (٢). وَهَذَا الْعَمَلُ عِنْدَ اتِّصَافِهِ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ عملٌ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمره ﵊؛ فَهُوَ إِذًا ردٌّ؛ كَصَلَاةِ (٣) الْفَرْضِ مَثَلًا إِذا صَلَّاهَا الْقَادِرُ الصَّحِيحُ قَاعِدًا، أَو سبَّح فِي مَوْضِعِ القراءَة، أَو قرأَ (٤) فِي مَوْضِعِ التَّسْبِيحِ، وَمَا أَشبه ذَلِكَ.\nوَقَدْ نَهَى ﵊ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ (٥)، وَنَهَى عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا (٦)، فَبَالَغَ كَثِيرٌ مِنَ العلماءِ فِي تَعْمِيمِ النَّهْيِ، حَتَّى عَدُّوا صَلَاةَ الْفَرْضِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ دَاخِلًا تَحْتَ النَّهْيِ، فَبَاشَرَ النهيُ الصَّلَاةَ لِأَجْلِ اتِّصَافِهَا بأَنها وَاقِعَةٌ فِي زَمَانٍ مَخْصُوصٍ، كَمَا اعْتَبَرَ فِيهَا الزَّمَانَ بِاتِّفَاقٍ فِي الْفَرْضِ، فَلَا تُصَلَّى الظُّهْرُ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَلَا الْمَغْرِبُ قَبْلَ الْغُرُوبِ.\nوَنَهَى ﵊ عَنْ صِيَامِ الْفِطْرِ والأَضحى (٧)، وَالِاتِّفَاقُ عَلَى بُطْلَانِ الْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشهر الْحَجِّ. فكلُّ مَنْ تعبَّد لِلَّهِ تَعَالَى بشيءٍ مِنْ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ الْوَاقِعَةِ فِي غَيْرِ أَزمانها فقد تعبَّد بِبِدْعَةٍ حَقِيقِيَّةٍ لَا إِضافية، فَلَا جِهَةَ لَهَا إِلى (٨) الْمَشْرُوعِ، بَلْ غَلَبَتْ عَلَيْهَا جِهَةُ الِابْتِدَاعِ، فَلَا ثَوَابَ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ.\nفَلَوْ فَرَضْنَا قَائِلًا يَقُولُ بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ الْوَاقِعَةِ في وقت الكراهية، أَو\n_________\n(١) في (خ): \"وتبين\"، وفي (م): \"ويتبين\" وفي (ت) \"وتبيين\".\n(٢) أخرجه البخاري (٢٦٩٧) بلفظ: \"من أحدث في أمرنا ... \"، ومسلم (١٧١٨) (١٨) بلفظ: \"من عمل عملًا ... \".\n(٣) في (ر) و(غ): \"فهو إذًا مردود كالصلاة\".\n(٤) في (غ) و(ر) و(م): \"وقرأ\".\n(٥) أخرجه البخاري (٥٨١)، ومسلم (٨٢٦) من حديث عمر ﵁.\n(٦) أخرجه البخاري (٥٨٢)، ومسلم (٨٢٨) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄.\n(٧) تقدم تخريجه (ص٣٠٩).\n(٨) في (غ): \"على\".","vol":"2","page":335},{"text":"صِحَّةِ (١) الصَّوْمِ الْوَاقِعِ يَوْمَ (٢) الْعِيدِ. فَعَلَى فَرْضِ (٣) أَن النَّهْيَ رَاجِعٌ إِلى أَمرٍ لَمْ يَصِرْ للعبادة كالوصف (٤)، بل لأَمرٍ (٥) مُنْفَكٍّ مُنْفَرِدٌ حَسْبَمَا تَبَيَّنَ بِحَوْلِ اللَّهِ.\nوَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْقِسْمِ: مَا جَرَى بِهِ الْعَمَلُ فِي بَعْضِ النَّاسِ؛ كَالَّذِي حَكَى القَرَافي (٦) عَنِ العَجَم فِي اعْتِقَادِ كَوْنِ صَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، فإِن قراءَة سُورَةِ السَّجْدَةِ لَمَّا الْتُزِمَتْ فِيهَا وحُوفظ عَلَيْهَا؛ اعْتَقَدُوا فِيهَا الرُّكْنِيّة، فَعَدُّوهَا رَكْعَةً ثَالِثَةً، فَصَارَتِ السَّجْدَةُ إِذًا وصفًا (٧) لازمًا، أو جزءًا (٨) مِنْ صَلَاةِ صُبْحِ الْجُمْعَةِ، فَوَجَبَ أَن تَبْطُلَ.\nوَعَلَى هَذَا (٩) التَّرْتِيبِ: يَنْبَغِي أَن تَجْرِيَ الْعِبَادَاتُ الْمَشْرُوعَةُ إِذا خُصَّت بأَزمان مَخْصُوصَةٍ بالرأْي المُجَرَّد، من حيث فهمنا أَن للزمان تلبُّسًا بالأَعمال. وعلى الجملة (١٠): فصيرورة ذلك الزائد وصفًا للمزيد فِيهِ مُخْرِجٌ لَهُ عَنْ أَصله، وَذَلِكَ أَن الصِّفَةَ مَعَ الْمَوْصُوفِ - مِنْ حَيْثُ (١١) هِيَ صِفَةٌ له لا تفارقه - هي من جملته.\nولذلك لا نقول (١٢): إِن الصفة غير الموصوف (١٣) إِذا كانت لازمة له\n_________\n(١) في (ر) و(غ): \"وصحة\".\n(٢) قوله: \"يوم\" غير مقروء في (م)، يشبه أن يكون: \"بين\".\n(٣) علق رشيد رضا ﵀ على هذا الموضع بقوله: قوله: \"فعلى فرض\" إلخ: معناه: فقول هذا القائل مبني - أو يبنى - على فرض كذا. اهـ.\n(٤) علق رشيد رضا أيضًا على هذا الموضع بقوله: قوله: \"لم يصر\" إلخ: لا يصحّ إلا إذا كان قد سقط من الكلام وصف لكلمة \"أمر\"؛ كأن يكون أصل الكلام: راجع إلى أمر عارض، وفرّع عليه قوله: \"لم يصر\" إلخ. ويحتمل أن يكون الأصل: \"إلى أمر لم يصر للعبادة كالوصف\".اهـ. ولا أرى لازمًا لهذا التعليق.\n(٥) في (ت) و(خ): \"الأمر\".\n(٦) في الفرق الخامس بعد المائة من كتاب \"الفروق\" (٢/ ٣١٥).\n(٧) في (ر) و(غ): \"وضعًا\".\n(٨) في (ت) و(خ): \"وجزءًا\".\n(٩) في (غ): \"وهذا على\".\n(١٠) في (خ) و(م) و(ت): \"على الجملة\".\n(١١) قوله: \"حيث\" سقط من (م).\n(١٢) في (خ) و(ت): \"وذلك لأنا نقول\".\n(١٣) في (خ) و(م): \"الصفة مع غير الموصوف\"، وعلق عليها بهامش (خ) بما نصه:=","vol":"2","page":336},{"text":"حَقِيقَةً أَو اعْتِبَارًا، وَلَوْ فَرَضْنَا (١) ارْتِفَاعَهَا عَنْهُ لَارْتَفَعَ الْمَوْصُوفُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَوْصُوفٌ بِهَا؛ كَارْتِفَاعِ الإِنسان بِارْتِفَاعِ النَّاطِقِ أَو الضَّاحِكِ. فإِذا كَانَتِ الصِّفَةُ الزَّائِدَةُ عَلَى الْمَشْرُوعِ عَلَى هَذِهِ النِّسْبَةِ؛ صَارَ الْمَجْمُوعُ مِنْهُمَا غَيْرَ مَشْرُوعٍ، فَارْتَفَعَ اعتبار المشروع الأَصل (٢).\nوَمِنْ أَمثلة ذَلِكَ أَيضًا (٣): قراءَة الْقُرْآنِ بالإِدارة عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ، فإِن تِلْكَ الْهَيْئَةَ زَائِدَةٌ على مشروعية القراءَة، وكذلك الذِّكر (٤) الجَهْري (٥) الَّذِي اعْتَادَهُ أَربابُ الزَّوايا.\nوَرُبَّمَا لطُفَ اعْتِبَارُ الصِّفَةِ فَيَشُكُّ فِي بُطْلَانِ الْمَشْرُوعِيَّةِ، كَمَا وَقَعَ فِي \"الْعُتْبِيَّةِ\" (٦) عَنْ مَالِكٍ؛ فِي مسأَلة الِاعْتِمَادِ في الصلاة حتى (٧) لَا يحرِّك رِجْلَيْهِ، وأَن أَول مَنْ أَحدثه رَجُلٌ قَدْ عُرِفَ. قَالَ: وَقَدْ كَانَ مُسَاءً (٨) - أَي: يساءُ الثناءُ (٩) عَلَيْهِ ـ، فَقِيلَ لَهُ: أَفَعِيبَ ذلك عليه (١٠)؟ قال: قد عِيبَ ذلك عليه (١١)، هذا مَكْرُوهٌ مِنَ الْفِعْلِ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا أَن الصَّلَاةَ بَاطِلَةٌ، وَذَلِكَ لِضَعْفِ وَصْفِ الِاعْتِمَادِ أَن يُؤَثِّرَ فِي الصَّلَاةِ، ولُطْفُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلى كَمَالِ هَيْئَتِهَا.\nوَهَكَذَا يَنْبَغِي أَن يَكُونَ النَّظَرُ فِي المسأَلة بِالنِّسْبَةِ إِلى اتِّصَافِ الْعَمَلِ بِمَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، أَو لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ. فإِذا غَلَبَ الوصف على العمل؛ كان أَقربَ\n_________\n=\"صوابه - والله أعلم ـ: أن الصفة هي عين الموصوف\"، وهذا هو المثبت في (ت).\n(١) في (غ) و(ر) و(م): \"فرضت\".\n(٢) في (ت): \"الأصلي\"، والمثبت من باقي النسخ، وعلق رشيد رضا على هذا الموضع بقوله: كذا! ولعلها: \"الأصلي\"، أو: \"في الأصل\".اهـ.\n(٣) قوله: \"أيضًا\" سقط من (ت).\n(٤) قوله: \"الذكر\" سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٥) في (خ): \"الجهر\".\n(٦) كما في \"البيان والتحصيل\" (١/ ٢٩٦).\n(٧) قوله: \"حتى\" سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٨) في \"البيان\": \"مسمتًا\".\n(٩) في (خ) و(م): \"إلينا\".\n(١٠) قوله: \"ذلك عليه\" سقط من (خ) و(م).\n(١١) من قوله: \"قد عرف\" إلى هنا في موضعه بياض في (ت).","vol":"2","page":337},{"text":"إِلى الْفَسَادِ، وإِذا لَمْ يَغْلِبْ لَمْ يَكُنْ أَقربَ، وبقي في حكم النظر، فيدخل ها هنا نظرُ الاحتياطِ لِلْعِبَادَةِ إِذا (١) صَارَ الْعَمَلُ فِي الِاعْتِبَارِ مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ.\nوَاعْلَمُوا أَنه (٢) حَيْثُ قُلْنَا: إِن الْعَمَلَ الزَّائِدَ عَلَى الْمَشْرُوعِ (٣) يَصِيرُ وَصْفًا له (٤) - أَو كَالْوَصْفِ - فإِنما يُعْتَبَرُ بأَحد أُمور ثَلَاثَةٍ: إِما بِالْقَصْدِ، وإِما بِالْعَادَةِ، وإِما بِالشَّرْعِ.\nأَما بالقصد: فظاهر (٥)، بل هو أصل التغيير (٦) فِي الْمَشْرُوعَاتِ بِالزِّيَادَةِ (٧) أَو النُّقْصَانِ (٨).\nوأَما (٩) بِالْعَادَةِ (١٠): فَكَالْجَهْرِ وَالِاجْتِمَاعِ فِي الذِّكْرِ الْمَشْهُورِ بَيْنَ متصوِّفة الزَّمَانِ؛ فإِن بَيْنَهُ وَبَيْنَ الذِّكْرِ الْمَشْرُوعِ بَوْنًا بَعِيدًا؛ إِذ هُمَا كالمتضادَّين عَادَةً.\nوَكَالَّذِي حَكَى ابْنُ وضَّاح، عَنِ الأَعمش، عَنْ بَعْضِ أَصحابه؛ قَالَ: مَرَّ عَبْدُ اللَّهِ بِرَجُلٍ يقُصّ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى أَصحابه وَهُوَ يَقُولُ: سبِّحوا (١١) عَشْرًا، وَهَلِّلُوا عَشْرًا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنكم لأَهدى مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أَو أَضل؛ بل هذه (١٢)؛ يعني: أضل (١٣).\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"إذ\".\n(٢) في (ت): \"واعلموا أننا\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"إن العمل على الزائد على المشروع\".\n(٤) في (خ) و(م) و(ت): \"لها\".\n(٥) في (غ) و(ر): \"أما القصد فظاهره\".\n(٦) في (م): \"التشريع\".\n(٧) من قوله: \"أما بالقصد\" إلى هنا سقط من (خ).\n(٨) في (غ) و(ر): \"والنقصان\". ومن قوله: \"أما بالقصد\" إلى هنا سقط من (ت).\n(٩) في (خ): \"أما\".\n(١٠) في (ر) و(غ): \"وأما العادة\".\n(١١) في (غ) و(ر): \"فسبحوا\".\n(١٢) قوله: \"بل هذه\" مكرر في (ر).\n(١٣) أخرجه ابن وضاح في \"البدع والنهي عنها\" رقم (٢٣) من طريق يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن بعض أصحابه، به.\nوشيخ الأعمش لم يُسمَّ، ويحيى بن عيسى صدوق يخطئ، كما في \"التقريب\" (٧٦٦٩).=","vol":"2","page":338},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: أَن رَجُلًا كَانَ يَجْمَعُ النَّاسَ فَيَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ مَنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا مَرَّةً: سُبْحَانَ اللَّهِ! قَالَ: فَيَقُولُ الْقَوْمُ، وَيَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ مَنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا مَرَّةً: الْحَمْدُ لِلَّهِ. قَالَ: فَيَقُولُ الْقَوْمُ. قَالَ: فَمَرَّ بِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ فقال لهم: لقد (١) هديتم لما لم يُهْدَ له (٢) نَبِيُّكُمْ! وإِنكم لتُمْسِكون بِذَنَبِ ضَلَالَةٍ (٣).\nوذُكِر لَهُ: أَن أناسًا بِالْكُوفَةِ يسبِّحون بالحَصَى فِي الْمَسْجِدِ، فأَتاهم وَقَدْ كَوَّمَ كلُّ رجل (٤) منهم بين يديه كُومَةً (٥) مِنْ حَصَى. قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ يَحْصُبُهُم بِالْحَصَى حَتَّى أَخرجهم مِنَ الْمَسْجِدِ، وَيَقُولُ: لَقَدْ أَحدثتم بِدْعَةً وَظُلْمًا، وَقَدْ فَضَلتم أَصحاب مُحَمَّدٍ ﷺ علمًا (٦)!.\n_________\n=لكن الأثر ثابت عن ابن مسعود ﵁، وجاء عنه من طرق كثيرة:\nفقد أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٩/ ١٢٨) رقم (٨٦٣٩) من طريق إسرائيل، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن هلال، عن ابن مسعود به بنحوه.\nوإسناده صحيح.\nوأخرجه عبد الرزاق (٥٤٠٨) - ومن طريقه الطبراني (٩/ ١٢٥) رقم (٨٦٢٩) - عن ابن عيينة، عن بيان، عن قيس بن أبي حازم؛ قال: ذكر لابن مسعود ...، فذكره بنحوه.\nوإسناده صحيح.\nوأخرجه الدارمي في \"سننه\" (١/ ٦٠ - ٦١)، والطبراني (٩/ ١٢٧) رقم (٨٦٣٦) من طريقين عن عمرو بن سَلِمة، عن ابن مسعود به، وفيه قصة.\n(١) قوله: \"لقد\" سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٢) قوله: \"له\" سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٣) أخرجه ابن وضاح في \"البدع والنهي عنها\" رقم (٢٤) من طريق الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة: أن رجلًا ...، فذكره.\nوإسناده صحيح إلى عبدة، وعبدة لا تعرف له رواية عن ابن مسعود؛ وإنما يروي عن أصحاب ابن مسعود، وانظر ما قبله.\n(٤) في (غ) و(ر): \"واحد\" بدل \"رجل\".\n(٥) في (ت) و(خ): \"كومًا\".\n(٦) أخرجه ابن وضاح في \"البدع والنهي عنها\" رقم (٢١) من طريق عبيد الله بن عمر العمري، عن سيار (في المطبوع: \"يسار\" وهو خطأ) أبي الحكم: أن عبد الله بن مسعود حُدِّث: أن أناسًا ...، فذكره.\nوإسناده صحيح إلى سيار أبي الحكم، وهو لم يسمع من ابن مسعود، لكن يشهد له ما قبله، والله أعلم.","vol":"2","page":339},{"text":"فهذه أُمور أَخرجت الذكر (١) المشروع عن وَصْفه المعتبر شرعًا إلى وَصْفٍ آخر، فلذلك جعله بدعة، والله أعلم.\nوأَما الشرع (٢): فكالذي (٣) تَقَدَّمَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الأَوقات الْمَكْرُوهَةِ (٤)، أَو الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ إِذا صُلِّيَتْ قَبْلَ أَوقاتها، فإِنا قَدْ فَهِمَنَا مِنَ الشَّرْعِ الْقَصْدَ إِلى النَّهْيِ عَنْهَا، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ لَا يَكُونُ مُتَعَبَّدًا بِهِ (٥). وَكَذَلِكَ صِيَامُ يَوْمِ الْعِيدِ (٦).\nوَخَرَّجَ ابْنُ وَضَّاح (٧) مِنْ حَدِيثِ أَبان بْنِ أَبِي عياش (٨)؛ قَالَ: لَقِيتُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيَّ، فَقُلْتُ لَهُ: قَوْمٌ مِنْ إِخوانك مِنَ أَهل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ لَا يَطْعَنُونَ عَلَى أَحد مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يَجْتَمِعُونَ فِي بَيْتِ هَذَا يَوْمًا وَفِي بَيْتِ هَذَا يَوْمًا، وَيَجْتَمِعُونَ يَوْمَ النَّيْروز والمَهْرجان ويصومونهما؟ فَقَالَ طَلْحَةُ: بِدْعَةٌ مِنْ أَشدّ (٩) الْبِدَعِ، وَاللَّهِ لَهُمْ أَشدّ تَعْظِيمًا للنَّيْروز والمَهْرجان مِنْ عِيدِهِمْ (١٠). ثُمَّ اسْتَيْقَظَ أَنس بْنُ مَالِكٍ ﵁، فَرَقَيْتُ إِلَيْهِ وسأَلته كَمَا سأَلت طَلْحَةَ، فردَّ عليّ مثل قول طلحة، كأَنهما كانا على مِيعاد.\n_________\n(١) قوله: \"الذكر\" ليس في (غ) و(ر).\n(٢) من قوله: \"عن وصفه المعتبر\" إلى هنا سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٣) في (ت) و(خ): \"كالذي\".\n(٤) انظر: (ص٣٣٥).\n(٥) قوله: \"به\" سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٦) انظر: (ص٣٠٩).\n(٧) في \"البدع والنهي عنها\" رقم (٣٠) من طريق الربيع بن صَبِيح، عن أَبان بن أبي عياش، به.\nوأَبان: متروك الحديث كما في \"التقريب\" (١٤٣)، والربيع: صدوق سيء الحفظ كما في \"التقريب\" أيضًا (١٩٠٥).\n(٨) في (خ) و(م): \"عباس\" وهو خطأ.\n(٩) في هامش (ت) ما نصه: \"من أشر البدع\"؛ كأنه تصويب لما في الأصل، أو نقله من نسخة أخرى.\n(١٠) في (ت) و(خ): \"عبادتهم\"، وفي المطبوع من \"البدع والنهي عنها\": \"غيرهم\".","vol":"2","page":340},{"text":"فَجَعَلَ صَوْمَ تِلْكَ الأَيام مِنْ تَعْظِيمِ مَا تعظِّمه النصارى (١)، وذلك (٢) القصد لو كان (٣)؛ أَفسدَ (٤) العبادة، فَكَذَلِكَ مَا كَانَ نَحْوَهُ.\nوَعَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ: أَن رَجُلًا قَالَ لِلْحَسَنِ (٥): يَا أَبا سَعِيدٍ! مَا تَرَى فِي مَجْلِسِنَا هَذَا؟ قَوْمٌ مِنَ أَهل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، لَا يَطْعَنُونَ عَلَى أَحد نَجْتَمِعُ (٦) فِي بَيْتِ هَذَا يَوْمًا، وَفِي بَيْتِ هَذَا يَوْمًا، فنقرأُ كِتَابَ اللَّهِ وَنَدْعُو ربنا، ونصلي على النبي ﷺ (٧)، وَنَدْعُو لأَنفسنا وَلِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: فَنَهَى الْحَسَنُ عَنْ ذَلِكَ أَشد النَّهْيِ (٨).\nوَالنَّقْلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ، فَلَوْ لَمْ يَبْلُغِ؛ الْعَمَلُ الزَّائِدُ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ كَانَ أَخف، وَانْفَرَدَ الْعَمَلُ بِحُكْمِهِ، وَالْعَمَلُ الْمَشْرُوعِ بِحُكْمِهِ، كَمَا حَكَى ابْنُ وَضَّاحٍ عَنْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبي بَكْرَةَ؛ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ الأَسود بْنِ سَرِيع، وَكَانَ مَجْلِسُهُ فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، فَافْتَتَحَ سُورَةَ بني إِسرائيل حتى بلغ ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ (٩)، فَرَفَعَ أَصواتهم الَّذِينَ كَانُوا حَوْلَهُ جُلُوسًا، فجاءَ مُجَالِدُ بْنُ مَسْعُودٍ متوكِّئًا (١٠) عَلَى عَصَاهُ، فَلَمَّا رآه القوم قالوا: مرحبًا، مَرْحَبًا (١١) اجْلِسْ. قَالَ: مَا كُنْتُ لأَجلس إِليكم، وإِن كان\n_________\n(١) علق رشيد رضا ﵀ على هذا الموضع بقوله: لعل الصواب: \"المجوس\"؛ فإنه من أعيادهم. اهـ.\n(٢) في (خ): \"وذاك\".\n(٣) علق رشيد رضا أيضًا هنا بقوله: \"كان\" تامّة؛ أي: لو وُجِد. اهـ.\n(٤) في (ت): \"لأفسد\".\n(٥) أي: البصري.\n(٦) في (خ): \"تجتمع\".\n(٧) من قوله: \"وندعو ربنا\" إِلى هنا سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٨) أَخرجه ابن وضاح في \"البدع والنهي عنها\" رقم (٢٩) من طريق الربيع بن صَبيح، عن يونس بن عبيد به.\nوالربيع بن صَبيح: تقدم قريبًا أنه صدوق سيء الحفظ.\n(٩) سورة الإسراء، الآية: (١١١).\n(١٠) كذا في (خ) و(ت)، وفي باقي النسخ: \"فتوكأ\"، وعند ابن وضاح: \"يتوكأ\".\n(١١) قوله: \"مرحبًا\" الثانية من (ر) و(غ) فقط، وهو موافق لما في المطبوع من \"البدع والنهي عنها\" لابن وضاح.","vol":"2","page":341},{"text":"مجلسكم حسنًا، ولكنكم (١) صنعتم (٢) قُبَيْل (٣) شيئًا أَنكر الْمُسْلِمُونَ، فإِياكم وَمَا أَنكر الْمُسْلِمُونَ (٤)!.\nفَتَحْسِينُهُ الْمَجْلِسَ كَانَ لقراءَة الْقُرْآنِ، وأَما رَفْعُ الصَّوْتِ فَكَانَ خَارِجًا عَنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَنْضَمَّ إِلى الْعَمَلِ الْحَسَنِ، حَتَّى إِذا انضمَّ إِليه صَارَ المجموعُ غيرَ مَشْرُوعٍ.\nوَيُشْبِهُ هَذَا (٥) مَا فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ (٦)، عَنْ مَالِكٍ فِي الْقَوْمِ يَجْتَمِعُونَ جميعًا فيقرؤون فِي السُّورَةِ الْوَاحِدَةِ، مِثْلَ مَا يَفْعَلُ أَهل الإِسكندرية، فكره ذلك، وأَنكر أَن يكون هذا (٧) مِنْ عَمَلِ النَّاسِ (٨).\nوَسُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيضًا عَنْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَحَكَى الْكَرَاهِيَةَ عَنْ مَالِكٍ، وَنَهَى عَنْهَا، وَرَآهَا بِدْعَةً (٩).\nوَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخرى عن مالك (١٠): وسئل عن القراءَة في المسجد (١١)، فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ بالأَمر الْقَدِيمِ، وإِنما هُوَ شيءٌ أُحدِث (١٢). قال: (١٣) وَلَمْ يأْت آخِرُ هَذِهِ الأُمة بأَهدى مِمَّا كان عليه أَولها، والقرآن حسن.\n_________\n(١) قوله: \"ولكنكم\" سقط من (غ) و(ر).\n(٢) في (ر) و(غ): \"وصنعتم\".\n(٣) في (خ) و(ت): \"قبلي\"، وفي المطبوع من \"البدع\": \"قبل\".\n(٤) أَخرجه ابن وضاح في \"البدع والنهي عنها\" رقم (٣٤) من طريق علي بن زيد، عن عبد الرحمن بن أَبي بكرة به.\nوإسناده ضعيف لضعف علي بن زيد، وهو ابن جدعان؛ كما في \"التقريب\" (٤٧٦٨).\n(٥) في (ت): \"ويشبه ذلك\".\n(٦) انظر: \"البيان والتحصيل\" (١/ ٢٩٨)، و\"الحوادث والبدع\" للطرطوشي صفحة (١٦٢)، و\"الموافقات\" للمصنف (٣/ ٤٩٧).\n(٧) قوله: \"هذا\" سقط من (خ) و(ت) و(م).\n(٨) علق رشيد رضا ﵀ على هذا الموضع بقوله: \"أي: من عمل جماعة المسلمين في المدينة وهو ما كان يحتجّ به مالك؛ أي: فهو بدعة\".\n(٩) انظر: \"البيان والتحصيل\" (٢/ ١٧).\n(١٠) انظر: \"البيان والتحصيل\" (١/ ٢٤٢)، و\"الموافقات\" للمصنف (٣/ ٤٩٧).\n(١١) في (خ) و(م) و(ت): \"بالمسجد\".\n(١٢) في (خ): \"وأحدث\".\n(١٣) قوله: \"قال\" من (غ) و(ر) فقط.","vol":"2","page":342},{"text":"قَالَ ابْنُ رُشْدٍ (١): يُرِيدُ التِزَام (٢) القراءَة فِي الْمَسْجِدِ بإِثر صَلَاةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ عَلَى (٣) وَجْهٍ مَّا مَخْصُوصٌ حَتَّى يَصِيرَ ذَلِكَ كُلُّهُ (٤) سُنَّةً، مِثْلَ مَا بِجَامِعِ (٥) قُرْطُبَةَ إِثر صَلَاةِ الصُّبْحِ. قَالَ: فرأَى ذَلِكَ بِدْعَةً.\nفَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ: \"وَالْقُرْآنُ حَسَنٌ\" يَحْتَمَلُ أَن يُقَالَ: إِنه يَعْنِي أَن تِلْكَ الزِّيَادَةَ مِنْ الِاجْتِمَاعِ، وَجَعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ مُنْفَصِلٌ لَا يَقْدَحُ فِي حُسْنِ قراءَة الْقُرْآنِ، وَيَحْتَمَلُ - وَهُوَ الظَّاهِرُ - أَنه يَقُولُ: قراءَة (٦) القرآن (٧) حسن على غير هذا (٨) الوجه، لا على هذا الْوَجْهِ (٩)؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ (١٠): \"مَا يُعْجِبُنِي أَن يقرأَ الْقُرْآنُ إِلا فِي الصَّلَاةِ وَالْمَسَاجِدِ، لَا فِي الأَسواق والطُّرُق\"، فَيُرِيدُ أَنه لا يقرأُ إِلا على النحو الذي كان يَقْرَؤُهُ السَّلَفُ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قراءَة الإِدارة مَكْرُوهَةٌ عِنْدَهُ فَلَا تُفعل أَصلًا، وتحرَّزَ بقوله: \"والقرآن حسن\" من توهُّم مُتَوهِّم (١١) أَنه يَكره قراءَة الْقُرْآنِ مُطْلَقًا، فَلَا يَكُونُ فِي كَلَامِ مَالِكٍ دَلِيلٌ عَلَى انْفِكَاك الِاجْتِمَاعِ مِنَ القراءَة، وَاللَّهُ أَعلم.\nوأَما الْقِسْمُ الثَّالِثُ - وَهُوَ أَن يَصِيرَ الوَصْف عُرْضَةً لِأَنْ يَنْضَمَّ إِلى الْعِبَادَةِ حَتَّى يُعتقد فِيهِ أَنه مِنْ أَوصافها أَو جزءٌ مِنْهَا ـ: فَهَذَا الْقِسْمُ يُنْظَرُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ النَّهْيِ عَنِ الذَّرائع، وَهُوَ وإِن كَانَ فِي الْجُمْلَةِ مُتَّفِقًا عَلَيْهِ، فَفِيهِ فِي التَّفْصِيلِ نِزَاعٌ بَيْنَ العلماءِ؛ إِذ لَيْسَ كُلُّ ما هو ذَريعة إِلى ممنوع يُمْنَع،\n_________\n(١) في \"البيان والتحصيل\" (١/ ٢٤٢).\n(٢) في \"البيان والتحصيل\": \"يريد أن التزام\".\n(٣) في \"البيان والتحصيل\": \"أو على\".\n(٤) في \"البيان والتحصيل\": \"كأنه\".\nولعله أشبه بالصواب.\n(٥) في \"البيان والتحصيل\": \"ما يفعل بجامع\".\n(٦) في (ت): \"قراءته\".\n(٧) قوله: \"القرآن\" سقط من (خ) و(ت).\n(٨) قوله: \"هذا\" سقط من (م)، وفي (خ) و(ت): \"ذلك\" بدل \"هذا\".\n(٩) قوله: \"لا على هذا الوجه\" ليس في (خ).\n(١٠) انظر: \"البيان والتحصيل\" (١/ ٢٤٢).\n(١١) قوله: \"متوهم\" سقط من (خ).","vol":"2","page":343},{"text":"بدليل الخلاف الواقع في أَصل (١) بُيُوعِ الْآجَالِ، وَمَا كَانَ نَحْوَهَا، غَيْرَ أَن أَبا بَكْرٍ الطَّرْطُوشي يَحْكِي الِاتِّفَاقَ فِي هَذَا النَّوْعِ اسْتِقْرَاءً مِنْ مَسَائِلَ وَقَعَتْ لِلْعُلَمَاءِ مَنَعُوهَا سَدًا لِلذَّرِيعَةِ، وإِذا ثَبَتَ الْخِلَافُ فِي بَعْضِ التَّفَاصِيلِ لَمْ يُنْكَر أَن يَقُولَ بِهِ قَائِلٌ فِي بَعْضِ مَا نَحْنُ (٢) فِيهِ، ولنُمَثِّله أَوَّلًا، ثُمَّ نَتَكَلَّمْ عَلَى حُكْمِهِ بِحَوْلِ اللَّهِ.\nفَمِنْ ذلك: ما جاءَ في الحديث مِنْ نَهي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَن يُتَقَدَّم شهرُ رَمَضَانَ بِصِيَامِ يَوْمٍ أَو يومين (٣). ووجه ذَلِكَ عِنْدَ العلماءِ: مَخَافةَ أَن يُعَدَّ ذَلِكَ مِنْ جُملة رَمَضَانَ.\nوَمِنْهُ: مَا ثَبَتَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ (٤) ﵁: أَنه كان لا يقصر في السفر (٥)، فيقال له: أَلست (٦) قَصَرْتَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ؟ فَيَقُولُ: بَلَى! وَلَكِنِّي إِمام النَّاسِ، فيَنْظر إِليَّ الأَعرابُ وأَهل الْبَادِيَةِ أُصلي رَكْعَتَيْنِ، فَيَقُولُونَ: هكذا فُرِضَت (٧).\n_________\n(١) قوله: \"أصل\" سقط من (ت) و(خ) و(م).\n(٢) في (م): \"ما نحو\".\n(٣) أخرجه البخاري (١٩١٤)، ومسلم (١٠٨٢) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.\n(٤) قوله: \"ابن عفان\" من (غ) و(ر) فقط.\n(٥) علّق رشيد رضا ﵀ على هذا الموضع بقوله: \"أخطأ من قال: إن عثمان لم يكن يقصر في السفر مطلقًا، وإنما نُقل عنه أنه صلى تمامًا في منى في آخر خلافته، وأنكر عليه ابن مسعود، وكان هذا من أسباب التّأَلُّب عليه، أو: من حجج الذين تألّبوا عليه. وما علل به هنا أحد الأجوبة عنه، ولكنه معزوّ إليه، ولو صحّ عنه لما اعتذر العلماء عنه بعدّة أعذار، أقواها: أنه كان قد تزوّج ونوى الإقامة، أو أن الزواج بعد إقامة\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"أليس\".\n(٧) أما إتمام عثمان ﵁ للصلاة بمنى: فثابت في \"الصحيحين\" من عدّة طرق، منها: ما أخرجه البخاري (١٠٨٤)، ومسلم (٦٩٥) من طريق عبد الرحمن بن يزيد؛ قال: صلى بنا عثمان بن عفان ﵁ بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود ﵁، فاسترجع! ثم قال: صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر الصديق ﵁ بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب ﵁ بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبّلتان. وأما جعل سبب إتمام عثمان ﵁، مراعاة حال الأعراب: فأخرجه أبو داود=","vol":"2","page":344},{"text":"فَالْقَصْرُ فِي السَّفَرِ سُنَّةٌ أَو وَاجِبٌ، وَمَعَ ذلك تَرَكَه (١) خوفًا أَن يُتَذرَّعَ بِهِ لأَمرٍ (٢) حادثٍ فِي الدِّينِ غير مشروع.\nومنه قصة عمر بن الخطاب (٣) ﵁ في غَسْله الاحتلام (٤) من ثوبه (٥) حَتَّى أَسفر (٦)، وَقَوْلُهُ لِمَنْ رَاجَعَهُ فِي ذَلِكَ، وأَن يَأْخُذَ مِنْ أَثْوَابِهِمْ مَا يُصَلِّي بِهِ، ثُمَّ يَغْسِلُ ثَوْبَهُ عَلَى السِّعَةِ: لَوْ فعلتُه لَكَانَتْ سُنَّة، بَلْ أَغْسِلُ مَا رأَيت، وأَنْضَحُ مالم أَرَ (٧).\n_________\n= (١٩٦٤)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٤٢٥) من طريق أيوب، عن الزهري: أن عثمان بن عفان أتم الصلاة بمنى من أجل الأعراب، لأنهم كثروا عَامَئذٍ، فصلى بالناس أربعًا ليعلمهم أن الصلاة أربع.\nوأخرجه البيهقي (٣/ ١٤٤) من طريق عبد الرحمن بن حميد، عن أبيه، عن عثمان: أنه أتم الصلاة بمنى، ثم خطب الناس فقال: يا أيها الناس! إن السنة سنة رسول الله ﷺ وسنة صاحبيه؛ ولكنه حدث العام من الناس [طَغَامٌ] فخفت أَن يَسْتَنّوا.\nوأخرجه عبد الرزاق (٤٢٧٧) عن ابن جريج؛ قال: بلغني أنه أوفى أربعًا بمنى قطُّ من أجل أن أعرابيًا ناداه في مسجد الخيف بمنى: يا أمير المؤمنين! مازلت أصليها ركعتين منذ رأيتك عام أول صليتها ركعتين، فخشي عثمان أن يظن جهال الناس إنما الصلاة ركعتين؛ وإنما كان أوفاها بمنى قطُّ.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٥٧١): \"وهذه طرقٌ يقوِّي بعضها بعضًا، ولا مانع أن يكون هذا أصل سبب الإتمام\".\n(١) في (غ) و(ر): \"فتركه\".\n(٢) في (ت): \"إلى أمر\".\n(٣) قوله: \"ابن الخطاب\" من (غ) و(ر) فقط.\n(٤) في (خ): \"في غسله من الاحتلام\"، وفي (ت): \"في عدم غسله ثوبه من الاحتلام حتى أسفر\".\n(٥) قوله: \"من ثوبه\" سقط من (خ).\n(٦) علق رشيد رضا أيضًا على هذا الموضع بقوله: \"هذا نص نسخة الكتاب. والمراد: أنه تأخر عن الصلاة إلى وقت الإسفار؛ اشتغالًا بغسل ثوبه من أثر الاحتلام؛ إذ لم يكن له سواه\".\n(٧) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٥٠)، ومن طريقه الطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٥٢)، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب: أنه اعتمر مع عمر بن الخطاب ...، فذكره.\nقال ابن معين: يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب بعضهم يقول: سمعت عمر، وهذا باطل؛ إنما هو: عن أبيه؛ سمع عمر. انظر: \"تهذيب الكمال\" (٣١/ ٤٣٦).=","vol":"2","page":345},{"text":"وَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ أَسيد: شَهِدْتُ أَبا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، وَكَانَا لَا يُضَحِّيَان؛ مَخَافَةَ أَن يُرَى أَنها وَاجِبَةٌ (١).\nوَنَحْوُ ذَلِكَ عن [أبي] (٢) مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: إِني لأَترك أُضحيتي - وإِني (٣) لمن أَيْسَرِكم - مخافة أَن يَظُنّ الجيران أَنها واجبة (٤).\n_________\n=وأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٤٤٦) عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه: أن عمر أصابته جنابة ...، فذكره هكذا بزيادة أبيه.\nوتابع معمرًا عليه ابن جريج، فقد أخرجه عبد الرزاق (٩٣٥) عن معمر وابن جريج - قرنهما ـ، عن هشام بن عروة، به كسابقه. ولكن عبد الرزاق عاد فأخرجه (١٤٤٥) عن ابن جريج وحده، ولم يذكر \"عن أبيه\". ثم أخرجه عبد الرزاق برقم (١٤٤٨) من طريق معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه.\nوهذا سند صحيح، وتؤيده الطريق السابقة، وقال الزرقاني في \"شرحه للموطأ\" (١/ ١٥٠): قال أبو عبد الملك: هذا مما عُدَّ أن مالكًا وهم فيه؛ لأن أصحاب هشام: الفضل بن فضالة، وحماد بن سلمة، ومعمرًا قالوا: عن هشام، عن أبيه عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه، فسقط لمالك \"عن أبيه\".\n(١) ذكره الشافعي في \"الأم\" (٢/ ٢٢٤) بلاغًا قال: بلغنا أن أبا بكر وعمر ... فذكره.\nوأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٤/ ٣٨١)، والطبراني في \"الكبير\" (٣/ ١٨٢)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (٤/ ١٧٤)، والبيهقي (٩/ ٢٦٥)، وابن حزم في \"المحلى\" (٧/ ٣٥٨) من طريق جماعة عن الشعبي، عن حذيفة بن أَسِيد به.\nوعلقه ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٣/ ١٩٤).\nقال الدارقطني في \"العلل\" (١/ ٢٨٦): \"محفوظ عن الشعبي، عنه\".\nوصححه النووي في \"المجموع\" (٨/ ٢٧٩)، والحافظ في \"الدراية\" (٢/ ٢١٥)، والشيخ الألباني في \"الإرواء\" (٤/ ٣٥٥).\n(٢) في جميع النسخ: \"ابن\"، والتصويب من مصادر التخريج.\n(٣) في (غ) و(ر): \"قال وإني\".\n(٤) أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٣٨٣)، وسعيد بن منصور كما في \"التلخيص الحبير\" (٤/ ١٤٥)، والبيهقي (٩/ ٢٦٥)، وابن حزم في \"المحلى\" (٧/ ٣٥٨) من طريق أبي وائل، عن أبي مسعود به.\nوعلّقه ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٢٣/ ١٩٤).\nوإسناده صحيح، وصححه الحافظ في \"التلخيص\" (٤/ ١٤٥)، والشيخ الألباني في \"الإرواء\" (٤/ ٣٥٥).","vol":"2","page":346},{"text":"وَكَثِيرٌ مِنْ هَذَا عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ.\nوَقَدْ كَرِهَ (١) مَالِكٌ (٢) إِتْباعَ رَمَضَانَ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، وَوَافَقَهُ أَبو حَنِيفَةَ، فَقَالَ: لَا أَستحبها، مَعَ مَا جاءَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ (٣)، وأَخبر مَالِكٌ (٤) عَنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُقتدى بِهِ (٥): أَنهم كَانُوا لَا يَصُومُونَهَا وَيَخَافُونَ بِدَعَتَهَا.\nوَمِنْهُ: ما تقدم (٦) في اتباع الآثار (٧)؛ كمجيءِ \"قبا\" (٨)، وَنَحْوِ ذَلِكَ.\nوَبِالْجُمْلَةِ: فكلُّ عَمَلٍ أَصله ثَابِتٌ شَرْعًا، إِلا أَن فِي إِظهار (٩) الْعَمَلِ بِهِ والمُدَاومة (١٠) عَلَيْهِ مَا يُخاف أَن يُعتقد أَنه سُنَّةٌ، فَتَرْكُهُ مَطْلُوبٌ فِي الْجُمْلَةِ أَيضًا، مِنْ بَابِ سَدّ الذَّرائع، وَلِذَلِكَ كَرِهَ مَالِكٌ دعاءَ التوجُّه بَعْدَ الإِحرام، وَقَبْلَ القراءَة (١١)، وَكَرِهَ غَسْلَ اليد قبل الطعام (١٢)، وأَنكر على\n_________\n(١) في (خ): \"وقد ذكره\".\n(٢) في \"الموطأ\" (١/ ٣١١). وانظر ما تقدم (ص٣٥٧ - ٣٥٨) من المجلد الأول، وما سيأتي (ص٣٥٥ و٤٩١ - ٤٩٣).\n(٣) أخرج مسلم (١١٦٤) من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ مرفوعًا: \"من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر\".\n(٤) في الموضع السابق من \"الموطأ\".\n(٥) قوله: \"به\" سقط من (ر).\n(٦) (ص٢٤٨) من هذا المجلد.\n(٧) علق رشيد رضا ﵀ على هذا الموضع بقوله: \"أي: ترك الصحابة اتباع الأماكن التي صلى فيها النبي ﷺ، أو جلس فيها، ونهيهم عند ذلك\".\n(٨) انظر \"البدع والنهي عنها\" لابن وضاح (ص٩١).\n(٩) في (ر) و(غ): \"الإظهار\".\n(١٠) في (ر) و(غ): \"أو المداومة\".\n(١١) المقصود بالإحرام هنا: التكبير للصلاة، قال في \"المدونة\" (١/ ٦٦): \" .... وكان مالك لا يرى هذا الذي يقوله الناس، سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، وكان لا يعرفه\".\nوقال: \"قال مالك: ومن كان وراء الإمام، ومن هو وحده، ومن كان إِمامًا، فلا يَقُل: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ولكن يكبروا، ثم يبتدؤا القراءة\".\nوهو في كتب المالكية، ففي \"التاج والإكليل\" (١/ ٥٣٨): أن ابن حبيب قال في دعاء التوجه: \"يقوله بعد الإقامة، وقبل الإحرام\".\n(١٢) ذكر القاضي عياض في \"ترتيب المدارك\" (٢/ ٩٩) أن الإمام مالكًا دخل على=","vol":"2","page":347},{"text":"مَنْ جَعَلَ ثَوْبَهُ فِي الْمَسْجِدِ أَمامه فِي الصف (١).\nفلنرجع (٢) إِلى مَا كُنَّا فِيهِ: فَاعْلَمُوا أَنه إِن ذَهَبَ مجتهدٌ إِلى عَدَمِ سَدِّ الذَّرِيعة فِي غَيْرِ مَحلِّ النَّصِّ مِمَّا يَتَضَمَّنُهُ (٣) هَذَا الْبَابُ، فَلَا شَكَّ أَن الْعَمَلَ الْوَاقِعَ عِنْدَهُ مَشْرُوعٌ، وَيَكُونُ لِصَاحِبِهِ أَجْره. وَمَنْ ذَهَبَ إِلى سَدِّها - وَيَظْهَرُ (٤) ذَلِكَ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ ـ، فَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ الْعَمَلَ مَمْنُوعٌ، وَمَنْعُهُ يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ أَنه مَلُوم عليه، وموجب للذَّم، إِلا أَن يذهب ذاهب (٥) إِلى أَن النَّهْيَ فِيهِ رَاجِعٌ إِلى أَمر مُجَاوِرٍ، فَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ وَاشْتِبَاهٍ رُبَّمَا يُتَوَهَّم فِيهِ انْفِكَاكُ الأَمرين، بِحَيْثُ يَصِحُّ أَن يَكُونَ الْعَمَلُ مأْمورًا بِهِ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ، وَمَنْهِيًّا عَنْهُ مِنْ جِهَةِ مَآلِهِ. وَلَنَا فِيهِ مَسْلَكَانِ:\nأَحدهما: التمسُّك بمجرَّد النَّهْيِ فِي أَصل المسأَلة؛ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ (٦)، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٧). وفي الحديث: أَنه ﵊ نهى أَن يُجْمَعَ بين المُتَفَرِّق (٨)، ويُفَرَّقَ بين (٩)\n_________\n=عبد الملك بن صالح أمير المدينة، فجلس ساعة، ثم دعا بالطعام والوضوء، فقال: ابدأوا بأبي عبد الله، فقال مالك: إن أبا عبد الله - يعني نفسه - لا يغسل يده، فقال: لِمَ؟! قال: ليس هو الذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا، إنما هو من زيّ الأعاجم، وقد نهى عمر عن أمر الأعاجم، وكان عمر إذا أكل مسح يده بباطن قدمه. فقال له عبد الملك: أأترك يا أبا عبد الله؟! فقال: إي والله! فما عاد إلى ذلك ابن صالح. قال مالك: ولا آمر الرجل أن لا يغسل يده، ولكن إذا جعل ذلك كأنه واجب عليه، فلا! أميتوا سنة العجم، وأحيوا سنن العرب، أما سمعت قول عمر ﵀: تمعددوا، واخشوشنوا، وامشوا حفاة، وإياكم وزيّ الأعاجم؟!.\n(١) وقصته في ذلك مع ابن مهدي سيذكرها المؤلف بتمامها (ص ٤٠٨) فراجعها هناك.\n(٢) في (خ): \"ولنرجع\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"ينتضمه\".\n(٤) في (م): \"وتظهر\".\n(٥) قوله: \"ذاهب\" سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٦) سورة البقرة: الآية (١٠٤).\n(٧) سورة الأنعام: الآية (١٠٨).\n(٨) في (ر) و(غ): \"المفترق\".\n(٩) قوله: \"بين\" ليس في (خ) و(م) و(ت).","vol":"2","page":348},{"text":"المُجْتَمِع خشية الصدقة (١). ونهى عن البيع والسَّلَف (٢)، وَعَلَّلَهُ العلماءُ بِالرِّبَا المُتَذَرَّع إِليه فِي ضِمْنِ السَّلَفِ. وَنَهَى عَنِ الخَلْوة بالأَجنبيات، وَعَنْ سَفَرِ المرأَة مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ (٣)، وأَمر النساءَ بِالِاحْتِجَابِ عَنْ أَبصار الرِّجَالِ (٤)، وَالرِّجَالَ بغَضّ الأَبصار (٥)، إِلى أَشباه ذَلِكَ مِمَّا عَلَّلُوا الأَمر فِيهِ وَالنَّهْيَ بالتذرُّع لَا بِغَيْرِهِ.\nوَالنَّهْيُ أَصله أَن يَقَعَ عَلَى المنهيِّ عَنْهُ وإِن كَانَ مُعَلَّلًا، وصَرْفُهُ إِلى أَمر مُجَاوِرٍ (٦) خِلَافُ أَصل الدَّلِيلِ، فَلَا يُعْدَلُ عَنِ الأَصل إِلا بِدَلِيلٍ. فكلُّ عِبَادَةٍ نُهِيَ عَنْهَا فَلَيْسَتْ بِعِبَادَةٍ؛ إِذ لَوْ كَانَتْ عِبَادَةً لَمْ يُنْهَ عَنْهَا، فَالْعَامِلُ بِهَا عَامِلٌ بِغَيْرِ مَشْرُوعٍ، فَإِذَا اعتَقد فِيهَا التعبُّد مَعَ هَذَا النَّهْيِ كَانَ مُبْتَدِعًا بِهَا.\nلَا يُقَالُ: إِن نَفْسَ التَّعْلِيلِ يُشْعِر بالمُجاورة، وإِن الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ غَيْرُ الَّذِي أُمر بِهِ، وانفكاكها مُتَصَوَّر؛ لأَنا نَقُولُ: قَدْ تقرَّر أَن المجاوِر إِذا صَارَ كَالْوَصْفِ اللَّازِمِ انْتَهَضَ النَّهْيُ عَنِ الْجُمْلَةِ، لَا عَنْ نَفْسِ الْوَصْفِ بِانْفِرَادِهِ، وَهُوَ مُبَيَّن في القسم الثاني.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٤٥٠) من حديث أنس ﵁.\n(٢) علق رشيد رضا على هذا الموضع بقوله: لعل الأصل: \"عن بيع السلف\".اهـ.\nوالحديث أخرجه الطيالسي (٢٢٥٧)، وابن أبي شيبة (٤/ ٤٥١)، وأحمد (٢/ ١٧٤ - ١٧٥، و١٧٨ - ١٧٩)، وأبو داود (٣٥٠٤)، والترمذي (١٢٣٤)، والنسائي (٧/ ٢٨٨)، والحاكم (٢/ ١٧)، والبيهقي (٥/ ٣٤٠) وغيرهم من طريق عمرو بن شعيب؛ قال: حدثني أبي، عن أبيه، حتى ذكر عبد الله بن عمرو؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"لا يحلّ سلف وبيع ... \" الحديث.\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nوصححه الحاكم، وابن عبد البر. كما في \"التمهيد\" (٢٤/ ٣٨٤).\n(٣) أخرجه البخاري (٣٠٠٦)، ومسلم (١٣٤١)، كلاهما مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ قال: سمعت النبي ﷺ يخطب؛ يقول: \"لا يخلونّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم\".\n(٤) لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَِزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ﴾ الآية ولقوله ﷺ لسودة: \"واحتجبي منه\". أخرجه البخاري (٢٠٥٣)، ومسلم (١٤٥٧).\n(٥) لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ الآية.\n(٦) في (م): \"مجاوز\".","vol":"2","page":349},{"text":"والمسلك (١) الثَّانِي: مَا دلَّ فِي بَعْضِ مَسَائِلِ الذَّرَائِعِ على أَن الذريعة (٢) فِي الْحُكْمِ بِمَنْزِلَةِ المُتَذرَّع إِليه، وَمِنْهُ: مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ (٣) مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: \"إن (٤) مِنْ أَكبر الْكَبَائِرِ أَن يَسُبَّ الرجلُ وَالِدَيْهِ\". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَهَلْ يسبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ (٥)؟! قَالَ: \"نَعَمْ (٦)؛ يسبُّ أَبا الرَّجُلِ فيسُبّ أباه (٧)، ويسبُّ أُمَّه فيسبُّ أُمَّه\" (٨). فَجَعَلَ سَبَّ الرَّجُلِ لِوَالِدَيْ (٩) غَيْرِهِ بِمَنْزِلَةِ سَبِّه لوالدي (١٠) نفسه، حتى عَدَّها (١١) تَرْجَمَهُ عَنْهَا بِقَوْلِهِ: \"أَن يَسُبَّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ\"، وَلَمْ يَقُلْ: أَن يَسُبَّ الرَّجُلُ وَالِدَيْ مَنْ يَسُبُّ وَالِدَيْهِ، أَو نَحْوَ ذَلِكَ. وَهُوَ غَايَةُ في مَعْنَى مَا نَحْنُ فِيهِ.\nوَمِثْلُهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ مَعَ أُمّ وَلَد زَيْدِ بْنِ أَرْقَم ﵁، وَقَوْلُهَا: أَبلغي (١٢) زيدَ بْنَ أَرقم أَنه قَدْ أَبطل جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِن لَمْ يَتُبْ (١٣). وَإِنَّمَا يَكُونُ هَذَا الْوَعِيدُ فِيمَنْ فَعَلَ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ، لَا\n_________\n(١) في (ت) و(خ) و(م): \"المسلك\".\n(٢) في (ت) و(خ): \"الذرائع\".\n(٣) أخرجه البخاري (٥٩٧٣)، ومسلم (٩٠) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.\n(٤) قوله: \"إن\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(٥) قوله: \"والديه\" مكرر في (ر).\n(٦) قوله: \"نعم\" سقط من (غ) و(ر).\n(٧) في (ت) و(خ): \"فيسب أباه وأمه\".\n(٨) قوله: \"ويسب أمه فيسب أمه\" سقط من (ت) و(خ)، وقوله: \"فيسب أمه\" سقط من (م).\n(٩) في (غ): \"والدي\".\n(١٠) في (خ) و(م) و(ت): \"لوالديه\".\n(١١) قوله: \"عدها\" سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(١٢) في (خ) و(م): \"أبلغني\".\n(١٣) في (خ): \"يبت\"، ولذا علق عليها رشيد رضا بقوله: \"العبارة كما ترى مبتورة، ولعل ها هنا حذفًا، وفي سائر الكلام تحريفًا.\nوالحديث أخرجه عبد الرزاق (٨/ ١٨٤ - ١٨٥) واللفظ له، وأحمد كما في \"إعلام الموقعين\" (٣/ ١٦٧)، و\"نصب الراية\" (٤/ ١٦)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (١/ ٥٤٦)، والدارقطني (٣/ ٥٢)، والبيهقي (٥/ ٣٣٠ - ٣٣١) من طريق أبي إسحاق، عن امرأته: أنها دخلت على عائشة في نسوة، فسألتها امرأة فقالت: يا أم المؤمنين! كانت لي جارية، فبعتها من زيد بن أرقم بثمان مئة إلى أجل، ثم اشتريتها منه بست مئة، فنقدته الست مئة وكتبت عليه ثمان مئة. فقالت عائشة: بئس والله ما اشتريت! وبئس والله ما اشترى! أخبري زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب. فقالت المرأة: أرأيت إن أخذت رأس مالي ورددت عليه الفضل؟ قالت:=","vol":"2","page":350},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى﴾ الآية أو قالت: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ الآية.\nوأخرجه عبد الرزاق (٨/ ١٨٥)، وابن حزم في \"المحلى\" (٩/ ٤٩) من طريق سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن امرأته قالت: سمعت امرأة أبي السفر سألت عائشة فذكرته.\nوامرأة أبي السفر ذكرها ابن سعد في \"الطبقات\" (٨/ ٤٨٨)، وابن حجر في \"تعجيل المنفعة\" (١٧٢٢).\nوأخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (٨/ ٤٨٧)، والدارقطني (٣/ ٥٢) ومن طريقه ابن الجوزي في \"التحقيق\" (٢/ ١٨٤)، وأخرجه البيهقي (٥/ ٣٣١) من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن أمه العالية بنت أيفع قالت: حججت أنا وأم محبة فدخلنا على عائشة فسلمنا عليها ... فقالت لها أم محبة: كانت لي جارية ... فذكرته.\nقال الدارقطني: أم محبة والعالية مجهولتان لا يحتج بهما.\nوكذا أعله الشافعي في \"الأم\" (٣/ ٣٨)، وابن حزم في \"المحلى\" (٧/ ٢٩) و(٩/ ٤٧، ٤٩).\nورد هذا الإعلال ابن القيم، وابن التركماني، وابن الجوزي، وابن عبد الهادي بأن العالية معروفة غير مجهولة.\nقال ابن التركماني: \"العالية معروفة، روى عنها زوجها وابنها وهما إمامان، وذكرها ابن حبان في \"الثقات\" من التابعين، وذهب إلى حديثها هذا الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة وأصحابه، ومالك، وابن حنبل، والحسن بن صالح ... \". \"الجوهر النقي\" (٥/ ٣٣٠).\nوقال ابن الجوزي في \"التحقيق\" (٢/ ١٨٤): قالوا: العالية امرأة مجهولة، فلا يقبل خبرها، قلنا: بل هي امرأة جليلة القدر معروفة، ذكرها محمد بن سعد في كتاب \"الطبقات\" فقال: العالية بنت أيفع بن شراحيل امرأة أبي إسحاق السبيعي سمعت من عائشة. اهـ وانظر: \"الطبقات\" (٨/ ٤٨٧) وقال ابن القيم: \"وفي الحديث قصة تدل على أنه محفوظ، وأن العالية لم تختلق هذه القصة ولم تضعها، بل يغلب على الظن غلبة قوية صدقها فيها وحفظها لها ... \".\nانظر: \"تهذيب السنن\" (٩/ ٢٤٦).\nوقال في \"إعلام الموقعين\" (٣/ ١٦٧): \"رواه أحمد وعمل به، وهذا حديث فيه شعبة، وإذا كان شعبة في حديث فاشدد يديك به، فمن جعل شعبة بينه وبين الله فقد استوثق لدينه ... \" إلخ كلامه ﵀.\nوقال ابن كثير في \"تفسيره\" (١/ ٤٨٤): \"وهذا الأثر مشهور\". وقال ابن عبد الهادي في \"التنقيح\" - كما في \"نصب الراية\" (٤/ ١٦) ـ: \"إسناده جيد\".\nوانظر ترجمة امرأة أبي السفر في \"الطبقات\" (٨/ ٤٨٨)، و\"تعجيل المنفعة\" (١٧٢٢)، وترجمة أم محبة في \"الطبقات\" (٨/ ٤٨٨).","vol":"2","page":351},{"text":"مِمَّا (١) فِعْلُهُ كَبِيرَةٌ، حَتَّى نَزَعَتْ (٢) آخِرًا بِالْآيَةِ: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (٣)، وهي نازلة في عَيْن (٤) الْعَمَلِ بِالرِّبَا، فعدَّت الْعَمَلَ بِمَا يُتَذَرَّعُ بِهِ إِلى الرِّبَا (٥) بِمَنْزِلَةِ الْعَمَلِ بِالرِّبَا، مَعَ أَنا نَقْطَعُ أَن زَيْدَ بْنَ أَرقم وأُمَّ وَلَدِهِ لم يقصدا قَصْدَ الرِّبَا، كَمَا لَا يُمْكِنُ ذَا عَقْلٍ أَن يَقْصِدَ وَالِدَيْهِ بالسَّبّ.\nوإِذا ثَبَتَ هَذَا الْمَعْنَى فِي بَعْضِ الذَّرَائِعِ؛ ثَبَتَ فِي الْجَمِيعِ، إِذ لا فرق يُدَّعى (٦) فيما (٧) لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ، إِلا أُلزِمَ (٨) الخصمُ مِثْلَهُ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ. فَلَا عِبَادَةَ أَو مُبَاحًا يُتَصَوَّر فِيهِ أَن يَكُونَ ذَرِيعَةً إِلى غَيْرِ جَائِزٍ، إِلا وَهُوَ غَيْرُ عِبَادَةٍ وَلَا مُبَاحٍ.\nلكن هذا القسم إِنما يكون النهي عنه (٩) بِحَسَبِ مَا يَصِيرُ وَسِيلَةً إِليه فِي مَرَاتِبِ النَّهي، إِن كَانَتِ الْبِدْعَةُ مِنْ قَبِيلِ الْكَبَائِرِ، فَالْوَسِيلَةُ كَذَلِكَ، أَو مِنْ (١٠) قَبِيلِ الصَّغَائِرِ، فَهِيَ كَذَلِكَ، أَو من قبيل المكروهات فَهِيَ كَذَلِكَ (١١)، وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ المسأَلة يتَّسع، وَلَكِنَّ هَذِهِ الإِشارة كَافِيَةٌ فِيهَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.\n_________\n(١) في (خ) و(م) و(ت): \"لا ممن\".\n(٢) في (خ): \"ترغب\".\nومعنى \"نزعت\": استشهدت.\n(٣) سورة البقرة: الآية (٢٧٥).\n(٤) في (خ) و(ت) و(م): \"غير\".\n(٥) قوله: \"إلى الربا\" سقط من (ت).\n(٦) في (خ) و(م): \"فيما لم يدعى\".\n(٧) في (ت): \"إذ لا فرق فيما يدعى وفيما\".\n(٨) في (ت): \"إلا إلزام\".\n(٩) قوله: \"عنه\" سقط من (خ) و(م)، وفي (ت): \"فيه\" بدل \"عنه\".\n(١٠) في (خ) و(م): \"كذلك ومن\".\n(١١) قوله: \"أو من قبيل المكروهات فهي كذلك\" سقط من (خ) و(م) و(ت).","vol":"2","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>الْبَابُ السَّادِسُ\nفِي أَحكام الْبِدَعِ وأَنها لَيْسَتْ على رتبة واحدة</span>\nاعْلَمْ أَنا (١) إِذا بَنَيْنَا عَلَى أَن الْبِدَعَ مُنْقَسِمَةٌ إِلى الأَحكام الْخَمْسَةِ؛ فَلَا إِشكال فِي اختلاف رُتبها (٢)؛ لأَن النَّهْيَ مِنْ جِهَةِ انْقِسَامِهِ إِلى نَهْيِ الْكَرَاهِيَةِ وَنَهْيِ التَّحْرِيمِ يَسْتَلْزِمُ (٣) أَن أَحدهما أَشد فِي النَّهْيِ مِنَ الْآخَرِ، فإِذا انْضَمَّ إِليهما (٤) قِسْمُ الإِباحة؛ ظَهَرَ الِاخْتِلَافُ فِي الأَقسام، فإِذا اجْتَمَعَ إِليها قِسْمُ النَّدْبِ وَقِسْمُ الْوُجُوبِ؛ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِيهَا أَوضح، وَقَدْ مَرَّ مِنْ أَمثلتها أَشياءَ كَثِيرَةٌ؛ لَكِنَّا لَا نَبْسُطُ الْقَوْلَ فِي هَذَا التَّقْسِيمِ، وَلَا بَيَانِ رُتَبِهِ بالأَشد والأَضعف؛ لأَنه إِما أَن يكون تقسيمًا حقيقيًا أَو لا، فإِن لم يكن (٥) حقيقيًا فالكلام فيه عناءٌ، وإِن كان حقيقيًا (٦) فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنه غَيْرُ صَحِيحٍ، فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّفْرِيعِ عَلَى مَا لَا يَصِحُّ، وإِن عَرَضَ فِي ذَلِكَ نَظَرٌ أَو تَفْرِيعٌ فإِنما يذكرُ بِحُكْمِ التَّبَعِ بِحَوْلِ اللَّهِ (٧).\nفإِذا خَرَجَ عَنْ هَذَا التَّقْسِيمِ ثَلَاثَةُ أَقسام: قِسْمُ الْوُجُوبِ، وَقِسْمُ النَّدْبِ، وَقِسْمُ الإِباحة؛ انْحَصَرَ النَّظَرُ فِيمَا بقي، وهو الذي يثبت (٨) مِنَ التَّقْسِيمِ، غَيْرَ أَنه وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهَا على وجه واحد، وَنِسْبَةٍ (٩) إِلَى الضَّلَالَةِ وَاحِدَةٌ؛ فِي قَوْلِهِ: \"إِياكم وَمُحْدَثَاتِ الأُمور؛ فإِن كل محدثة بدعة،\n_________\n(١) في (م): \"أن\".\n(٢) في (خ) و(ت) و(م): \"رتبتها\".\n(٣) في (م) و(خ): \"يستلزم من\".\n(٤) في (خ) و(م): \"إليها\".\n(٥) من قوله: \"تقسيمًا حقيقيًا\" إلى هنا سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٦) في (ت) و(خ): \"وإن كان غير حقيقي\".\n(٧) لفظ الجلالة: \"الله\" سقط من (خ) و(م)، واستشكله ناسخ (خ)، فوضع ثلاث نقاط (. . .) فوق قوله: \"بحول\"، وفي (ت): \"فنقول\" بدل \"بحول الله\".\n(٨) في (خ): \"ثبت\".\n(٩) في (خ) و(م): \"ونسبته\".","vol":"2","page":353},{"text":"وكل (١) بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ (٢) \" (٣). وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ بِدْعَةٍ.\nفَيَقَعُ السُّؤَالُ: هَلْ لَهَا حكمٌ وَاحِدٌ أَم لَا (٤)؟\nفَنَقُولُ: ثَبَتَ في الأُصول أَن الأَحكام الشرعية خمسة، يخرج عَنْهَا الثَّلَاثَةُ، فَيَبْقَى حُكْمُ الْكَرَاهِيَةِ وَحُكْمُ التَّحْرِيمِ، فَاقْتَضَى النَّظَرُ انْقِسَامَ الْبِدَعِ إِلى الْقِسْمَيْنِ؛ فَمِنْهَا بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ، وَمِنْهَا بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ، وَذَلِكَ أَنها داخلة تحت جنس المنهيَّات؛ والمنهيات (٥) لا تعدو الكراهة أَو التحريم، فَالْبِدَعُ كَذَلِكَ. هَذَا وَجْهٌ.\nوَوَجْهٌ ثَانٍ: أَن (٦) البدع إِذا تُؤُمِّل معقولُها وجدت رتبها مُتَفَاوِتَةً.\nفَمِنْهَا مَا هُوَ كُفْرٌ صُرَاحٌ؛ كَبِدْعَةِ الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي نَبَّه عَلَيْهَا الْقُرْآنُ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ (٧) الآية، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ (٨) وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ﴾ (٩)، وَكَذَلِكَ بِدْعَةُ الْمُنَافِقِينَ حَيْثُ اتَّخَذُوا الدِّينَ ذَرِيعَةً لِحِفْظِ النَّفْسِ وَالْمَالِ (١٠)، وَمَا أَشبه ذَلِكَ مِمَّا لا يُشَكّ أَنه كُفْرٌ صُرَاحٌ.\nوَمِنْهَا مَا هُوَ مِنَ الْمَعَاصِي الَّتِي لَيْسَتْ بِكُفْرٍ، أَو يُخْتَلَفُ (١١): هَلْ هِيَ كُفْرٌ أَم لَا! كَبِدْعَةِ الْخَوَارِجِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَمَنْ (١٢) أَشبههم مِنَ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ.\n_________\n(١) قوله \"محدثة بدعة وكل\" سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٢) قوله: \"وكل ضلالة في النار\" سقط من (غ) و(ر).\n(٣) سبق تخريجه (ص١٠٨) من المجلد الأول، و(ص٣١٨) من هذا المجلد.\n(٤) في (ت): \"أو لا\".\n(٥) قوله: \"والمنهيات\" سقط من (خ) و(م) و(ت)، ولذا أشكلت العبارة على رشيد رضا فعلّق على هذا الموضع بقوله: لعله سقط من هنا كلمة: \"وهي\". اهـ.\n(٦) في (ت): \"وهو أن\".\n(٧) سورة الأنعام: الآية (١٣٦).\n(٨) سورة الأنعام: الآية (١٣٩).\n(٩) سورة المائدة: الآية (١٠٣).\n(١٠) كما في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *﴾ [الآية: (٢) من سورة المنافقون].\n(١١) في (ت): \"أو يختلف فيها\".\n(١٢) في (ر) و(غ): \"وما\".","vol":"2","page":354},{"text":"ومنها ما هو معصية ويُتَّفَقُ على أَنها (١) ليست بِكُفْرٍ؛ كَبِدْعَةِ التَّبَتُّل (٢)، وَالصِّيَامِ قَائِمًا فِي الشَّمْسِ (٣)، والخِصَاءِ (٤) بِقَصْدِ قَطْعِ شَهْوَةِ الْجِمَاعِ (٥).\nوَمِنْهَا مَا هُوَ مَكْرُوهٌ كَمَا يَقُولُ مَالِكٌ فِي إِتباع رَمَضَانَ بسِتٍّ مِنْ شَوَّالَ (٦)، وقراءَة الْقُرْآنِ بالإِدارة (٧)، وَالِاجْتِمَاعِ للدعاءِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ (٨)، وَذِكْرُ السَّلَاطِينِ فِي خُطْبَةِ الْجُمْعَةَ - عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيُّ (٩) ـ، وَمَا أَشبه ذَلِكَ (١٠).\nفَمَعْلُومٌ أَن هذه البدع ليست في رتبة واحدة، ولا على نسبة واحدة (١١)، فلا يصح على (١٢) هَذَا أَن يُقَالَ: إِنها عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ، هُوَ (١٣) الْكَرَاهَةُ فَقَطْ، أَو التَّحْرِيمُ (١٤) فَقَطْ.\nوَوَجْهٌ (١٥) ثَالِثٌ: أَن الْمَعَاصِيَ مِنْهَا صَغَائِرُ، وَمِنْهَا كَبَائِرُ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِكَوْنِهَا وَاقِعَةً فِي الضَّرُورِيَّاتِ، أَوِ الْحَاجِيَّاتِ، أَو التَّكْمِيلِيَّاتِ (١٦)، فإِن كَانَتْ فِي الضَّرُورِيَّاتِ فهي أَعظم الكبائر، وإِن وقعت في التحسينّيات فَهِيَ أَدنى رُتْبَةٍ بِلَا إِشكال، وإِن وَقَعَتْ في الحاجيّات فمتوسطة بين الرتبتين.\n_________\n(١) في (خ) و(م): \"عليها\" بدل: \"على أنها\"، وفي (ت): \"عليها أنها\". وعلق رشيد رضا على هذا الموضع بقوله: لعل الأصل، \"على أنها ليست بكفر\".اهـ.\n(٢) تقدم (ص٢٠٦ - ٢٠٩) تخريج حديث ردّ النبي ﷺ التبتُّل عَلَى عُثْمَانَ بن مظعون.\n(٣) تقدم (ص٢٨) تخريج حديث ابن عباس في قصة نذر أبي إسرائيل أن يصوم ولا يستظلّ.\n(٤) تقدم (ص٢٨) حديث ابن مسعود في النهي عن الخصاء خشية العنت.\n(٥) في (ر) و(غ): \"النكاح\".\n(٦) انظر: (ص٣٤٧).\n(٧) راجع صفحة (٣٣٧).\n(٨) انظر: ما تقدم (ص٢٧٥ و٢٧٨ و٣١٦).\n(٩) قال العز بن عبد السلام في \"فتاويه\" (ص٣٩٣ - ٣٩٥، تحقيق محمد جمعة): \"ذكر الصحابة والخلفاء ﵃ والسلاطين بدعة غير محبوبة، ولا يذكر في الخطبة إلا ما يوافق مقاصدها .. \" إلخ ما قال.\n(١٠) قوله: \"ذلك\" سقط من (ر).\n(١١) قوله: \"ولا على نسبة واحدة\" سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(١٢) في (ت) و(م) و(خ): \"مع\" بدل \"على\".\n(١٣) في (غ): \"وهو\".\n(١٤) في (خ) و(م): \"والتحريم\".\n(١٥) في (م) و(خ): \"وجه\"، ولذا علق عليها رشيد رضا بقوله: لعل الأصل: \"ووجه ثالث\".اهـ.\n(١٦) قوله: \"أو التكميليات\" سقط من (ت).","vol":"2","page":355},{"text":"ثُمَّ إِن كُلَّ رُتْبَةٍ مِنْ هَذِهِ الرُّتَب لَهَا مُكَمِّل، وَلَا يُمْكِنُ فِي المُكَمِّل أَن يَكُونَ فِي رُتْبَةِ المكمَّل؛ فإِن المُكَمِّل (١) مَعَ المُكَمَّل (٢) فِي نِسْبَةِ الْوَسِيلَةِ مَعَ الْمَقْصِدِ، وَلَا تَبْلُغُ الْوَسِيلَةُ رُتْبَةَ الْمَقْصِدِ، فَقَدْ ظَهَرَ تَفَاوُتُ رُتَب المعاصي والمخالفات.\nوأَيضًا فإِن الضَّرُورِيَّاتِ إِذا تُؤُمِّلَتْ وُجِدَتْ عَلَى مَرَاتِبَ فِي التأْكيد وَعَدَمِهِ، فَلَيْسَتْ مَرْتَبَةُ النَّفْسِ كَمَرْتَبَةِ الدِّينِ، ولذلك (٣) تُسْتَصْغَرُ حُرْمَةُ النَّفْسِ فِي جَنْبِ حُرْمَةِ الدِّينِ، فَيُبِيحُ الكفرُ الدمَ (٤)، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الدِّينِ مُبِيحٌ لِتَعْرِيضِ النَّفْسِ لِلْقَتْلِ والإِتلاف (٥)؛ فِي الأَمر بِمُجَاهَدَةِ (٦) الْكُفَّارِ وَالْمَارِقِينَ عَنِ الدِّين (٧).\nوَمَرْتَبَةُ الْعَقْلِ وَالْمَالِ (٨) لَيْسَتْ كَمَرْتَبَةِ النَّفْسِ، أَلا تَرَى أَن قَتْلَ النفس يُبيح القصاص (٩) بالقتل، بِخِلَافِ الْعَقْلِ (١٠) وَالْمَالِ (١١)؟ وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا بَقِيَ (١٢).\nوإِذا نُظِر فِي مَرْتَبَةِ النَّفْسِ (١٣) تَبَايَنَتِ الْمَرَاتِبُ، فَلَيْسَ قَطْعُ الْعُضْوِ كَالذَّبْحِ، وَلَا الْخَدْشُ كَقَطْعِ الْعُضْوِ، وَهَذَا كلُّه محلُّ بيانه الأُصول.\n_________\n(١) في (غ) و(ر) و(م): \"فإن التكميل\".\n(٢) قوله: \"المكمل\" سقط من (م).\n(٣) في (خ) و(ت): \"وليس\" بدل \"ولذلك\".\nلقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ...﴾ الآية، وقوله ﷺ: \"لا يحلّ دم امرئٍ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة\". أخرجه البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٧٧٦).\n(٤) في (ر) و(غ): \"ولإتلاف\".\n(٥) في (ر) و(غ): \"بجهاد\" وفي (م): \"مجاهد\".\n(٦) لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية.\n(٧) في (ر) و(غ): \"أو المال\".\n(٨) في (خ) و(ت): \"مبيح للقصاص\".\n(٩) قوله: \"بخلاف العقل\" سقط من (ر)، وفي موضعه بياض في (غ).\n(١٠) لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ..﴾ الآية.\n(١١) قوله: \"سائر ما بقي\" سقط من (ر)، وفي موضعه بياض في (غ).\n(١٢) قوله: \"مرتبة النفس\" سقط من (ر) وفي موضعه بياض في (غ).","vol":"2","page":356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>فصل</span>\nوإِذا كَانَ كَذَلِكَ: فَالْبِدَعُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَعَاصِي، وَقَدْ ثَبَتَ التَّفَاوُتُ فِي الْمَعَاصِي، فَكَذَلِكَ يُتَصَوَّر مِثْلُهُ فِي الْبِدَعِ. فَمِنْهَا (١): مَا يَقَعُ فِي رتبة (٢) الضَّرُورِيَّاتِ؛ أَي: أَنه إِخلال بِهَا، وَمِنْهَا: مَا يَقَعُ فِي رُتْبَةِ الحاجِيَّات، وَمِنْهَا: مَا يَقَعُ في رتبة التحسينيَّات، وَمَا يَقَعُ فِي رُتْبَةِ الضَّرُورِيَّاتِ: مِنْهُ (٣) مَا يَقَعُ فِي الدِّينِ، أَو النَّفْسِ، أَو النَّسْلِ، أَوِ الْعَقْلِ، أَو الْمَالِ.\nفَمِثَالُ وُقُوعِهِ فِي الدِّينِ: مَا تَقَدَّمَ مِنِ اخْتِرَاعِ الْكُفَّارِ وَتَغْيِيرِهِمْ (٤) ملة إِبراهيم ﵇، في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ﴾ (٥).\nفَرُوِيَ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ فِيهَا أَقوال كَثِيرَةٌ، وَفِيهَا عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ (٦): أَن الْبَحِيرَةَ مِنَ الإِبل: هي التي يُمْنَعُ (٧) دَرُّها للطواغيت، والسائبة: هي التي\n_________\n(١) في (م): \"فمنهما\".\n(٢) قوله: \"رتبة\" سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٣) في (خ) و(م): \"ومنه\"، وفي (ت): \"ومنها\".\n(٤) في (خ) و(م): \"وتغيرهم\".\n(٥) سورة المائدة: الآية (١٠٣).\n(٦) أخرجه البخاري (٤٦٢٣)، ومسلم (٢٨٥٦)، وابن جرير في \"تفسيره\" (١١/ ١٣١) رقم (١٢٨٤٠).\nقال الأستاذ محمود شاكر ﵀ في تحقيقه لـ\"تفسير ابن جرير\": \"في المطبوعة والمخطوطة: \"يمنع\" بالعين، وصوابه بالحاء\".اهـ. كذا قال؛ وفيه نظر. قال أبو عبيدة: كانوا يحرمون وبرها ولحمها وظهرها ولبنها على النساء، ويحلون ذلك للرجال، وما ولدت فهو بمنزلتها، وإن ماتت اشترك الرجال والنساء في أكل لحمها. انظر \"الفتح\" (٨/ ٢٨٤).\n(٧) في (ت) و(خ): \"يمنح\"، وفي باقي النسخ: \"يمنع\" بالعين، وكتب بجوارها بهامش (م):=","vol":"2","page":357},{"text":"يسيِّبونها لِطَوَاغِيتِهِمْ، وَالْوَصِيلَةُ: هِيَ النَّاقَةُ تبكِّر بالأُنثى، ثُمَّ تُثنِّي بالأُنثى؛ يَقُولُونَ: وَصَلَتْ أُنْثَيَيْنِ (١) لَيْسَ بَيْنَهُمَا ذَكَرٌ، فَيَجْدَعُونَهَا لِطَوَاغِيتِهِمْ. وَالْحَامِي: هُوَ الْفَحْلُ مِنَ الإِبل، كَانَ يَضْرِبُ الضِّراب الْمَعْدُودَةَ؛ فإِذا بَلَغَ ذَلِكَ قَالُوا: حَمِيَ ظَهْرُهُ، فيُترك، فيسمُّونه: الْحَامِيَ.\nوَرَوَى إِسماعيل الْقَاضِي عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسلَم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِني لأَعلم - أَو إِني (٢) لأَعرف - أَول مَنْ سَيَّبَ السَّوائِب، وأَول من غير عهد إِبراهيم ﵇\". قَالُوا (٣): مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: عَمْرُو (٤) بْنُ لُحَيٍّ أَبو بَنِي كَعْبٍ، لَقَدْ رأَيته يجُرّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، يُؤْذِي ريحُه أَهلَ النَّارِ، وإِني لأَعرف أَول مَنْ بَحَّر البَحَائِر. قَالُوا: مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: رَجُلٌ مِنْ بَنِي مُدْلِج، وَكَانَتْ لَهُ نَاقَتَانِ فجَدَع (٥) أُذُنَيهما (٦) وَحَرَّمَ أَلْبَانَهُمَا، ثُمَّ شَرِبَ أَلبانهما بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَقَدْ رأَيته فِي النَّارِ هو وهما يَعَضَّانه بأَفواههما، ويَخْبِطانه (٧) بأَخفافهما\" (٨).\n_________\n=\"يمنح\"، وكأنه يشير إلى أنها في نسخة كذلك، أو جعله تصويبًا. وانظر التعليق السابق.\n(١) في (ر) و(غ) و(م): \"اثنتين\".\n(٢) قوله: \"لأعلم أو إني\" سقط من (خ) و(ت).\n(٣) في (خ): \"قال: قالوا\".\n(٤) في (ت): \"عمر\".\n(٥) في (غ) و(م) و(ت): \"فجذع\".\n(٦) في (ر) و(غ): \"آذانهما\"، وفي (م): \"أذناهما\".\n(٧) في (ر) و(غ): \"ويخبطان\".\n(٨) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ١٩٧)، ومن طريقه ابن جرير في \"تفسيره\" (١١/ ١٢٠) عن معمر.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٢٥٥ رقم ٣٥٨١٩) من طريق هشام بن سعد. كلاهما عن زيد بن أسلم به.\nوإسناده ضعيف لإرساله.\nوأخرجه البخاري (٤٦٢٣) عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: \"رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، كان أول من سيّب السوائب\".\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ٢٨٥): \"زاد في رواية أبي صالح عن أبي هريرة عند مسلم: \"وبحّر البحيرة، وغيّر دين إسماعيل\". وروى عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم مرسلًا ... فذكره، ثم قال: \"والأول أصح\".اهـ.=","vol":"2","page":358},{"text":"وَحَاصِلُ مَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ: تَحْرِيمُ مَا أَحلّ اللَّهُ عَلَى نِيَّةِ التَّقَرُّبِ بِهِ إِليه، مَعَ كَوْنِهِ حَلَالًا بِحُكْمِ (١) الشَّرِيعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.\nوَلَقَدْ هَمَّ بَعْضُ أَصحاب رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَن يحرموا على أَنفسهم بعض (٢) ما أَحل الله لهم (٣)، وإِنما كَانَ قَصْدُهُمْ بِذَلِكَ الانقطاعَ إِلى اللَّهِ عَنِ الدُّنْيَا وأَسبابها وَشَوَاغِلِهَا، فَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فأَنزل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ *﴾ (٤).\nوسيأْتي شَرْحُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي الْبَابِ السَّابِعِ إِن شاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَهُوَ دليلٌ عَلَى أَن تَحْرِيمَ مَا أَحل اللَّهُ - وإِن كَانَ بِقَصْدِ سُلُوكِ طَرِيقِ الْآخِرَةِ - منهيٌّ عَنْهُ، وَلَيْسَ فِيهِ اعْتِرَاضٌ عَلَى الشَّرْعِ وَلَا تَغْيِيرٌ لَهُ، وَلَا قُصِدَ فِيهِ الِابْتِدَاعُ، فَمَا ظَنُّكَ بِهِ (٥) إِذا قُصِدَ بِهِ التَّغْيِيرُ وَالتَّبْدِيلُ كَمَا فَعَلَ الكفار؛ أَو قصد به الابتداع في الشريعة، وتمهيد سبيل الضلالة؟\n_________\n=أي أن طريق أبي صالح عن أبي هريرة التي فيها أن عمرو بن لحي هو الذي بحر البحائر أصح من طريق زيد بن أسلم التي فيها أنه رجل من بني مدلج، والله أعلم.\n(١) في (ت): \"يحكم\".\n(٢) قوله: \"بعض\" سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٣) قوله: \"لهم\" سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٤) سورة المائدة: الآية (٨٧)، والحديث تقدم تخريجه (ص٢٠٦ - ٢٠٧).\n(٥) قوله: \"به\" سقط من (ت).","vol":"2","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>فصل</span>\nوَمِثَالُ مَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ: مَا ذُكر مِنْ نِحَلِ الْهِنْدِ فِي تَعْذِيبِهَا (١) أَنفسها بأَنواع العذاب الشنيع، والتمثيل الفظيع، وَالْقَتْلِ بالأَصناف الَّتِي تَفْزَعُ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَتَقْشَعِرُّ مِنْهَا الْجُلُودُ، كلُّ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ اسْتِعْجَالِ الْمَوْتِ لِنَيْلِ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى (٢) - فِي زَعْمِهِمْ ـ، وَالْفَوْزِ بِالنَّعِيمِ الأَكمل، بَعْدَ الْخُرُوجِ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ الْعَاجِلَةِ، ومبنيٌّ عَلَى (٣) أُصول لَهُمْ فَاسِدَةٍ اعْتَقَدُوهَا، وبنوا عليها أَعمالهم، حتى (٤) حَكَى الْمَسْعُودِيُّ (٥) وَغَيْرُهُ مِنْ ذَلِكَ أَشياءَ فَطَالَعَهَا مِنْ هُنَالِكَ.\nوَقَدْ وَقَعَ الْقَتْلُ فِي الْعَرَبِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَكِنْ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَهُوَ قتل الأَولاد لسببين (٦): أَحَدُهُمَا: خَوْفُ الإِملاق، وَالْآخِرُ: دَفْعُ الْعَارِ الَّذِي كَانَ لَاحِقًا لَهُمْ بِوِلَادَةِ الإِناث، حَتَّى أَنزل اللَّهُ فِي ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ *بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ *﴾ (٨)، وَقَوْلَهُ ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ *يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ *﴾ (٩).\n_________\n(١) في (ر) و(غ): \"الهندي تعذيبها\".\n(٢) في (غ): \"العليا\".\n(٣) في (ر) و(غ): \"ومبني عن\"، وفي (ت): \"وهو مبني على\".\n(٤) قوله: \"حتى\" سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٥) في \"مروج الذهب\" (١/ ٧٤ - ٨٣).\n(٦) في (خ) و(م): \"لشيئين\".\n(٧) سورة الإسراء: الآية (٣١).\n(٨) سورة التكوير: الآيتان (٨، ٩).\n(٩) إلى هنا انتهى ذكر الآية في (ت) و(خ) و(م)، وبعدها قال: \"الآية\".\n(١٠) الآيتان (٥٨، ٥٩) من سورة النحل.","vol":"2","page":360},{"text":"وَهَذَا الْقَتْلُ مُحْتَمَلٌ (١) أَن يَكُونَ دِينًا وَشِرْعَةً ابْتَدَعُوهَا، وَيُحْتَمَلُ أَن يَكُونَ عَادَةً تعوَّدوها (٢)، بِحَيْثُ لَمْ يَتَّخِذُوهَا شِرْعَةً، إِلا أَن اللَّهَ تَعَالَى (٣) ذمَّهم عَلَيْهَا، فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهَا بِالْبِدْعَةِ بَلْ بِمُجَرَّدِ الْمَعْصِيَةِ، فَنَظَرْنَا هَلْ نَجِدُ لأَحد المُحْتَمَلَيْن عَاضِدًا يَكُونُ هُوَ الأَولى (٤) فِي حَمْلِ الْآيَاتِ عَلَيْهِ؟ فَوَجَدْنَا قَوْلَهُ ﷾: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ (٥)، فإِن الْآيَةَ صرَّحت أَن لِهَذَا التَّزْيِينِ سَبَبَيْنِ: أَحدهما: الإِرداءُ وَهُوَ الإِهلاك، وَالْآخَرُ: لَبْس الدِّينِ، وهو قوله: ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلا بِتَغْيِيرِهِ وَتَبْدِيلِهِ، أَو الزِّيَادَةِ فِيهِ، أَو النُّقْصَانِ مِنْهُ، وَهُوَ الِابْتِدَاعُ بِلَا إِشكال، وإِنما كَانَ دِينُهُمْ أَولًا دينَ أَبيهم إِبراهيم (٦)؛ فَصَارَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا بَدَّلُوا فِيهِ، كالبَحيرة، والسَّائبة، ونَصْب الأَصنام، وَغَيْرِهَا، حَتَّى عُدَّ مِنْ جُمْلَةِ دِينِهِمُ الَّذِي يَدِينُونَ بِهِ.\nوَيُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى بَعْدُ: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾، فَنَسَبَهُمْ إِلى الافتراءِ - كَمَا تَرَى ـ، وَالْعِصْيَانُ مِنْ حيث هو عصيان لا يكون افتراءًا، وإِنما يقع الافتراءُ في نفس التشريع، وفي أَن هَذَا الْقَتْلَ مِنْ جُمْلَةِ مَا جاءَ مِنَ الدِّينِ. وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى عَلَى إِثر ذَلِكَ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا﴾ (٧)، فَجَعَلَ قَتْلَ الْأَوْلَادِ مَعَ تَحْرِيمِ مَا أَحل اللَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الِافْتِرَاءِ، ثُمَّ خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾، وَهَذِهِ خاصِّيَّة الْبِدْعَةِ - كَمَا تَقَدَّمَ ـ، فإِذًا ما فعلت الهند نحوٌ مما فعلت الجاهلية. وسيأْتي ذكر (٨) مَذْهَبُ الْمَهْدِيِّ الْمَغْرِبِيِّ فِي شَرْعِيَّةِ الْقَتْلِ.\nعَلَى (٩) أَن بَعْضَ الْمُفَسِّرِينَ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ\n_________\n(١) في (ت): \"يحتمل\".\n(٢) في (خ) و(م) \"تعودها\".\n(٣) في (غ): \"أن تعالى\".\n(٤) في (ر) و(غ): \"أولى\".\n(٥) سورة الأنعام: الآية (١٣٧).\n(٦) قوله: \"إبراهيم\" سقط من (خ) و(ت) و(م).\n(٧) قوله: \"قد ضلوا\" ليس في (غ) و(ر).\n(٨) قوله: \"ذكر\" سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٩) في (غ): \"مع\".","vol":"2","page":361},{"text":"لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾: أَنَّهُ (١) قَتْلُ الأَولاد (٢) عَلَى جِهَةِ النَّذْرِ وَالتَّقَرُّبِ بِهِ إِلى اللَّهِ، كَمَا فَعَلَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فِي ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ أَبِي النَّبِيِّ ﷺ (٣).\n_________\n(١) في (ت): \"أن\" بدل \"أنه\".\n(٢) قوله: \"شركاؤهم أنه قتل الأولاد\" سقط من (غ)، وقوله: \"شركاؤهم\" ليس في (ر).\n(٣) أخرجه ابن جرير في \"تاريخه\" (٢/ ٣٢٧) قال: حدثني يونس بن عبد الأعلى؛ قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب، أنه أخبره: أن امرأة نذرت أن تنحر ابنها عند الكعبة في أمر إن فعلته، ففعلت ذلك الأمر، فقدمت المدينة لتستفتي عن نذرها، فجاءت عبد الله بن عمر، فقال لها عبد الله بن عمر: لا أعلم الله أمر في النذر إلا الوفاء به، فقالت المرأة: أفأنحر ابني؟ قال ابن عمر: قد نهاكم الله أن تقتلوا أنفسكم، فلم يزدها عبد الله بن عمر على ذلك. فجاءت عبد الله بن عباس فاستفتته، فقال: أمر الله بوفاء النذر، والنذر دين، ونهاكم أن تقتلوا أنفسكم، وقد كان عبد المطلب بن هاشم نذر إن توافى له عشرة رهط، أن ينحر أحدهم، فلما توافى له عشرة، أقرع بينهم أيهم ينحر؟ فطارت القرعة على عبد الله بن عبد المطلب، وكان أحب الناس إلى عبد المطلب، فقال عبد المطلب: اللهم هو أو مئة من الإبل! ثم أقرع بينه وبين الإبل، فطارت القرعة على المئة من الإبل، فقال ابن عباس للمرأة: فأرى أن تنحري مئة من الإبل مكان ابنك ... \".\nوأخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (١/ ٨٨) عن الواقدي، عن محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، عن ابن عباس بنحوه.\nلكن هذه متابعة لا يُفرح بها، فمحمد بن عمر الواقدي متروك كما في \"التقريب\" (٦٢١٥).\nوظاهر إسناد ابن جرير الصحة، لكن يشكل عليه أن الحديث أخرجه عبد الرزاق (٥/ ٣١٣) رقم (٩٧١٨) عن معمر عن الزهري قال: إن أول ما ذكر من عبد المطلب ...، فذكره في قصة.\nفهذا يدلّ على أن الحديث مرسل، وأن الطريق الموصولة معلولة.\nوأخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" (٢١/ ٨٥)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٥٦/ ٢٠٠)، والخلعي في \"فوائده\" كما في \"إتحاف المهرة\" (١٣/ ٣٦٤) من طريق عبيد الله بن محمد العتبي، عن أبيه، حدثني عبد الله بن سعيد، عن الصُّنابحي قال: حضرنا مجلس معاوية بن أبي سفيان، فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق ابني إبراهيم، فقال بعضهم: الذبيح إسماعيل، وقال بعضهم: بل إسحاق الذبيح، فقال معاوية: سقطتم على الخبير؛ كنا عند رسول الله ﷺ فأتاه الأعرابي فقال: يا رسول الله! خلَّفتُ البلاد يابسةً، والماء يابسًا، هلك المال، وضاع العيال، فعد عليَّ بما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين! فتبسم رسول الله ﷺ ولم ينكر عليه. فقلنا: يا أمير المؤمنين،=","vol":"2","page":362},{"text":"وهذا القول (١) قَدْ يُشْكِلُ؛ إِذ يُقَالُ: لَعَلَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا اقْتَدَوْا فِيهِ بأَبيهم إِبراهيم ﵇؛ لأَن اللَّهَ أَمره بِذَبْحِ ابْنِهِ، فَلَا يكون ذلك اختراعًا وافتراءًا؛ لرجوعه (٢) إِلى أَصل صحيح، وهو عمل أَبيهم إبراهيم (٣) ﵇. وإِن صح هذا القول تُؤُوِّل (٤) فعلُ إِبراهيم ﵇ عَلَى أَنه لَمْ يكن شريعة لمن بعده من ذريته، فوجه اختراعه دينًا ظاهرٌ، لاسيما عِنْدَ عُرُوضِ شُبْهَةِ الذَّبْحِ، وَهُوَ شأْن أَهل الْبِدَعِ، إِذ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ شُبْهَةٍ يَتَعَلَّقُونَ بِهَا؛ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.\nوَكَوْنُ ما يفعل (٥) أَهل الْهِنْدِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ ظَاهِرٌ جِدًّا.\nوَيَجْرِي مَجْرَى إِتلاف النَّفْسِ: إِتلاف بَعْضِهَا؛ كَقَطْعِ عُضْوٍ مِنَ الأَعضاء، أَو تَعْطِيلِ مَنْفَعَةٍ مِنْ مَنَافِعِهِ بِقَصْدِ التَّقَرُّبِ إِلى اللَّهِ بِذَلِكَ، فَهُوَ من\n_________\n=وما الذبيحان؟ قال: إن عبد المطلب لما أُمر بحفر زمزم؛ نذر لله إن سهَّل الله أمرها أن ينحر بعض ولده، فأخرجهم فأسهم بينهم، فخرج السهم لعبد الله، فأراد ذبحه، فمنعه أخواله من بني مخزوم، وقالوا: أَرْضِ ربَّك وَافْدِ ابنك. قال: ففداه بمائة ناقة. قال: فهو الذبيح، وإسماعيل الثاني.\nوأخرجه الحاكم (٢/ ٥٥٤) من طريق عبيد الله بن محمد العتبي، عن عبد الله بن سعيد، عن الصُّنابحي به.\nكذا جاء الراوي عن الصُّنابحي: \"عبد الله بن سعيد\" عند ابن جرير، والحاكم، وفي الأصلين الخطيين لـ\"إتحاف المهرة\"، وكذا فيما عزاه السخاوي والسيوطي وغيرهما.\nووقع في \"تاريخ ابن عساكر\": \"عبد الله بن سعد\"، وهو الذي أثبته محقق \"إتحاف المهرة\"، فاقتضى التنبيه.\nوالحديث سكت عليه الحاكم. وقال الذهبي: إسناده واهٍ.\nوقال ابن الجوزي في \"المنتظم\" (١/ ٢٧٨): لا يثبت.\nوقال ابن كثير في \"تفسيره\" (٧/ ٣٠): وهذا الحديث غريب جدًا.\nوقال السيوطي في \"الدر المنثور\" (٧/ ١٠٥) بعد أن عزاه للآمدي في \"مغازيه\" وابن مردويه: سنده ضعيف.\nوقال في \"الفتاوى\" (٢/ ٣٥): هذا حديث غريب، وفي إسناده من لا يعرف حاله. وانظر \"السلسلة الضعيفة\" (١٦٧٧) للألباني ﵀، والله أعلم.\n(١) في (م) و(ت) و(خ): \"القتل\" بدل \"القول\".\n(٢) في (م) و(خ): \"لرجوعها\".\n(٣) قوله: \"إبراهيم\" زيادة من (ت) فقط.\n(٤) في (ت) و(خ) و(م): \"وتؤول\".\n(٥) في (خ) و(م): \"ما تفعل\".","vol":"2","page":363},{"text":"جُمْلَةِ الْبِدَعِ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الْحَدِيثُ حَيْثُ قَالَ: ردَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التبتُّلَ [على] (١) عثمان بن مظعون، ولو أَذن لَهُ لَاخْتَصَيْنَا (٢).\nفالخصاءُ بِقَصْدِ (٣) التَّبَتُّلِ وَتَرْكِ الْاشْتِغَالِ بِمْلَابَسَةِ النِّسَاءِ وَاكْتِسَابِ الأَهل وَالْوَلَدِ مَرْدُودٌ مَذْمُومٌ، وَصَاحِبُهُ مُعْتَدٍ غَيْرُ مَحْبُوبٍ عِنْدَ اللَّهِ، حَسْبَمَا بيَّنه (٤) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٥)، وكذلك فقؤ العينين (٦) لئلا ينظر إِلى مالا يحل له، أو ما أَشبه ذلك (٧).\n_________\n(١) في (ت) و(خ) و(م): \"عن\"، والتصويب مما تقدم (ص٢١٢).\n(٢) تقدم تخريجه (ص٢١٢).\n(٣) من قوله: \"التبتل على عثمان\" إلى هنا سقط من (ر) و(غ).\n(٤) في (خ) و(ت) و(م): \"نبه\".\n(٥) سورة المائدة: الآية (٨٧).\n(٦) في (غ) و(ر) و(ت): \"العين\".\n(٧) قوله: \"أو ما أشبه ذلك\" سقط من (خ) و(م) و(ت).","vol":"2","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>فصل</span>\nوَمِثَالُ مَا يَقَعُ فِي النَّسْلِ: مَا ذُكِر من أنكحة الجاهلية التي كانت معهودة فيهم (١)، ومعمولًا بها، ومُتَّخذة (٢) فيها (٣) كالدين المُسْتَتِبّ (٤)، وَالْمِلَّةِ الْجَارِيَةِ الَّتِي لَا عَهْدَ بِهَا فِي شَرِيعَةِ إِبراهيم ﵇ وَلَا غَيْرِهِ، بَلْ كَانَتْ مِنْ جُمْلَةِ مَا اخْتَرَعُوا وَابْتَدَعُوا، وَهُوَ عَلَى أَنواع:\nفجاءَ عَنْ عَائِشَةَ أُم الْمُؤْمِنِينَ ﵂: أَن النِّكَاحَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَربعة أَنْحَاءَ:\nالأَول مِنْهَا: نِكَاحُ النَّاسِ الْيَوْمَ؛ يخطُب الرَّجُلُ إِلى الرَّجُلِ وليَّته أَو ابْنَتَهُ (٥) فيُصْدِقُها ثُمَّ يَنِكحُها.\nوَالثَّانِي: نِكَاحُ الِاسْتِبْضَاعِ؛ كَالرَّجُلِ يَقُولُ لامرأَته إِذا طهرتْ مَنْ (٦) طَمْثِها: أَرسلي إِلَى فُلَانٍ فاستَبْضِعي مِنْهُ، وَيَعْتَزِلُهَا زوجها، ولا يمسُّها أَبدًا حتى يتبيَّن حملُها من ذلك الرجل الذي تَسْتَبْضِعُ (٧) مِنْهُ، فإِذا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا؛ أَصابها زَوْجُهَا إِذا أَحب، وإِنما يَفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي نَجَابة الْوَلَدِ، فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ الِاسْتِبْضَاعِ.\nوَالثَّالِثُ: أَن يجتمع (٨) الرَّهْط ما دون العشرة، فيدخلون (٩) على\n_________\n(١) في (خ) و(ت): \"فيها\".\n(٢) في (ت): \"ومتحدة\".\n(٣) قوله: \"فيها\" ليس في (غ) و(ر).\n(٤) في (ت) و(خ): \"المنتسب\".\n(٥) في (ر) و(غ): \"وليته وابنته\".\n(٦) قوله: \"من\" سقط من (م).\n(٧) في (ت) و(خ) و(م): \"يستبضع\".\n(٨) في (خ): \"يجمع\".\n(٩) في (خ) و(م): \"فيدلون\"، وكذا في \"أصل نسخة (ت) كما ذكر ناسخها، ولكنه أثبتها: \"فيتداولون\".","vol":"2","page":365},{"text":"المرأَة، كلهم يصيبها، فإِذا حملت ووضعته، ومرَّت ليالٍ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا؛ أَرسلت إِليهم، فَلَمْ يَسْتَطِعْ مِنْهُمْ رَجُلٌ (١) أَن يَمْتَنِعَ؛ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا، تَقُولُ: قَدْ عَرَفْتُمُ (٢) الَّذِي كَانَ مَنْ أَمركم، وَقَدْ وَلَدْتُ، فَهُوَ ابْنُكَ يا فلان! تُسمِّي (٣) مَنْ أحبَّت بِاسْمِهِ، فيُلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْهُ الرَّجُلُ.\nوَالرَّابِعُ: أَنْ يجتمع الناس الكثير (٤) فَيَدْخُلُونَ عَلَى المرأَة لَا تَمْنَعُ مَنْ جاءَها، وهُنَّ الْبَغَايَا، كُنْ يَنْصِبن عَلَى أَبوابهن راياتٍ تَكُونُ عَلَمًا، فَمَنْ أَرادهن دَخَلَ عَلَيْهِنَّ، فإِذا حَمَلَتْ إِحداهن وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا؛ جَمَعُوا لَهَا وَدَعَوْا لَهَا (٥) الْقَافَةَ، ثُمَّ أَلحقوا وَلَدَهَا بِالَّذِي يَرَوْنَ، فالْتَاطَ (٦) بِهِ ودُعيَ ابْنَهُ، لَا يَمْتَنِعُ (٧) مِنْ ذَلِكَ. فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ نبيَّه ﷺ بِالْحَقِّ؛ هَدَمَ نِكَاحِ الْجَاهِلِيَّةِ، إِلا نِكَاحَ النَّاسِ الْيَوْمَ. وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الْبُخَارِيِّ (٨) مَذْكُورٌ (٩).\nوَكَانَ لَهُمْ أَيضًا سننٌ أُخرُ فِي النكاح (١٠) خارجةٌ (١١) عن مقتضى (١٢) الْمَشْرُوعِ؛ كَوِرَاثَةِ النساءِ كُرْهًا (١٣)، وَكَنِكَاحِ مَا نَكَحَ الأَب (١٤)، وأَشباه ذلك، كلُّها (١٥) جَاهِلِيَّةٌ جَارِيَةٌ (١٦) مَجْرَى الْمَشْرُوعَاتِ عِنْدَهُمْ، فَمَحَا الإِسلامُ ذلك كلَّه والحمد لله.\n_________\n(١) في (غ): \"رجل منهم\".\n(٢) في (ر) و(غ) و(م): \"عرفت\".\n(٣) في (خ): \"فتسمي\".\n(٤) في (ت) و(خ): \"الكثيرون\".\n(٥) في (ر) و(غ): \"لهم\".\n(٦) أي: التزق به. \"لسان العرب\" (٧/ ٣٩٥).\n(٧) في (ر): \"ألا يمتنع\"، وكذا كان في (غ)، ثم ضرب على الألف.\n(٨) \"صحيح البخاري\" (٥١٢٧).\n(٩) في (ر) و(غ): \"مذكور في البخاري\".\n(١٠) في (ت): \"سنن في النكاح أخر\".\n(١١) في (خ) و(ت) و(م): \"خارج\".\n(١٢) قوله: \"مقتضى\" من (ر) و(غ) فقط.\n(١٣) قال ابن عباس: \"كانوا إذا مات الرجل؛ كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، وهم أحق بها من أهلها، فنزلت الآية\" يعني قوله تعالى في سورة النساء [الآية: ١٩]: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾. أخرجه البخاري (٤٥٧٩).\n(١٤) في (ر) و(غ): \"الآباء\" ودل على وجود هذا النكاح عندهم: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢].\n(١٥) قوله: \"كلها\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(١٦) في (م): \"خارجية\".","vol":"2","page":366},{"text":"ثُمَّ أَتى بَعْضُ مَنْ نُسِبَ إِلى الْفِرَقِ ممَّن حرَّف التأْويل فِي كِتَابِ اللَّهِ، فأَجاز نِكَاحَ أَكثر مِنْ أَربع نِسْوَةٍ (١)، إِما اقْتِدَاءً - فِي زَعْمِهِ - بِالنَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ أُحِلّ لَهُ أَكثرُ مِنْ ذَلِكَ أَن يَجْمَعَ بَيْنَهُنَّ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلى إِجماع الْمُسْلِمِينَ: أَن ذَلِكَ خَاصٌّ بِهِ ﵇ (٢)، وإِما تَحْرِيفًا (٣) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ (٤)؛ فأَجاز الجمع بين تسع نسوة في ملك (٥)، ولم يفهم المراد من الواو (٦)، ولا من قوله: ﴿مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾، فأَتى بِبِدْعَةٍ أَجراها فِي هَذِهِ الأُمة لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا وَلَا مُسْتَنَدَ فِيهَا.\nوَيُحْكَى عَنِ الشِّيعَةِ (٧) أَنها تَزْعُمُ أَن النَّبِيَّ ﷺ أَسقط عَنْ أَهل بَيْتِهِ وَمَنْ دَانَ بحبِّهم جَمِيعَ الأَعمال، وأَنهم غَيْرُ مُكَلَّفِينَ إِلا بما تطوّعوا به (٨)، وأَن الْمَحْظُورَاتِ مُبَاحَةٌ لَهُمْ؛ كَالْخِنْزِيرِ، وَالزِّنَا، وَالْخَمْرِ، وَسَائِرِ الْفَوَاحِشِ، وَعِنْدَهُمْ نِسَاءٌ يُسَمَّيْنَ: النَّوابات (٩) يَتَصَدَّقْنَ بِفُرُوجِهِنَّ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ رَغْبَةً فِي الأَجر، وَيَنْكِحُونَ ما شاؤوا من الأَخوات والبنات\n_________\n(١) وهم: الشيعة.\n(٢) قال ابن كثير ﵀ في \"تفسيره\" (١/ ٤٥١): \"قال الشافعي: وقد دلّت سنة رسول الله ﷺ المبينة عن الله: أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله ﷺ أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة.\nوهذا الذي قاله الشافعي مجمع عليه بين العلماء؛ إلا ما حكي عن طائفة من الشيعة: أنه يجوز الجمع بين أكثر من أربع إلى تسع\".اهـ.\n(٣) المثبت من (ت)، وفي (خ): \"تحريكًا\" وفي (م): \"تحريك\" وفي (ر) و(غ): \"لقويفًا\".\n(٤) سورة النساء: الآية ٣.\n(٥) في (خ): \"ذلك\".\n(٦) في (ت) و(خ): \"الراوي\"، وفي (م): \"الراو\".\n(٧) علق رشيد رضا ﵀ على هذا الموضع بقوله: \"يريد بعض فرق الشيعة الباطنية المارقين من الإسلام كما سيأتي في كلامه من عزو ذلك إلى العبيدية المعروفين بالفاطميين، فلا يتوهمنّ أحد أن الشيعة الإمامية أو الزيدية يقولون بذلك\".اهـ.\n(٨) قوله: \"به\" سقط من (خ) و(ت).\n(٩) في (ر) و(غ): \"التوابات\"، وفي (ت): \"الثوابات\".","vol":"2","page":367},{"text":"والأُمهات، لا حرج عليهم (١)، ولا في تكثير النساءِ. ومِنْ هؤلاء هم (٢) العُبَيْديَّة الَّذِينَ مَلَكُوا مِصْرَ وإِفريقية (٣).\nوَمِمَّا يُحْكَى عنهم في ذلك: أَنه يكون للمرأَة منهم (٤) ثلاثة (٥) أَزواج وأَكثر في بيت واحد يستولدونها، وتَنسب (٦) الْوَلَدَ لِكُلِّ (٧) وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَيَهْنَأُ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، كَمَا الْتَزَمَتِ الْإِبَاحِيَّةُ خَرْقَ هَذَا الْحِجَابَ بِإِطْلَاقٍ، وَزَعَمَتْ أَن الأَحكام الشَّرْعِيَّةَ إِنما هي خاصة بالعوام، وأَما الخواص عندهم (٨) فَقَدْ تَرَقَّوا عَنْ تِلْكَ الْمَرْتَبَةِ، فالنساءُ بإِطلاقٍ حلالٌ لَهُمْ، كَمَا أَن جَمِيعَ مَا فِي الْكَوْنِ مِنْ رَطْبٍ ويابسٍ حلالٌ لَهُمْ أَيضًا، مُسْتَدِلِّينَ (٩) عَلَى ذَلِكَ بِخُرَافَاتِ عَجَائِزَ لَا يَرْضَاهَا ذو عقل ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (١٠)، فَصَارُوا أَضرَّ عَلَى الدِّين مِنْ مَتْبُوعِهِمْ إِبليس، وكأنّ الشاعر إنما كَنَى عنهم (١١) لعنهم الله بقوله (١٢):\nوكنتُ امرَءًا مِنْ جُنْد إِبليسَ فَانْتَهَى ... بيَ الفسقُ حتَّى صَارَ إِبليسُ مِنْ جُنْدِي\nفَلَوْ ماتَ قَبْلي كنتُ أُحْسِنُ بعدَه ... طرائقَ فِسْقٍ ليسَ يُحْسنُها بعدي\n_________\n(١) علق رشيد رضا هنا بقوله: لعله سقط من هنا: \"في ذلك\".اهـ.\n(٢) كذا في جميع النسخ! وعلّق رشيد رضا على هذا الموضع بقوله: لا بد أن تكون كلمة \"من\" أو كلمة \"هم\" زائدة.\n(٣) في (ت): \"أفريقية ومصر\".\n(٤) قوله: \"منهم\" سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٥) في (ت): \"ثلاث\".\n(٦) في (ر) و(غ): \"وينسب\".\n(٧) في (ر) و(غ): \"إلى كل\".\n(٨) في (ت) و(خ): \"منهم\" وفي (م): \"عنهم\".\n(٩) قوله: \"مستدلين\" مكرر في (ت).\n(١٠) الآية: (٣٠) من سورة التوبة، والآية: (٤) من سورة المنافقون.\n(١١) قوله: \"وكأن الشاعر إنما كنى عنهم\" سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(١٢) علق رشيد رضا هنا بقوله: \"أي: قول الشاعر منهم\".","vol":"2","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>فصل</span>\nوَمِثَالُ مَا يَقَعُ فِي الْعَقْلِ: أَن الشَّرِيعَةَ بَيَّنَتْ أَن حُكْمَ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ لَا يَكُونُ إِلا بِمَا شَرَعَ فِي دِينِهِ عَلَى أَلسنة أَنبيائه وَرُسُلِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ (٢) إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ﴾ (٣) وقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ (٤)، وأَشباه ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ والأَحاديث.\nفخرجتْ عَنْ هَذَا الأَصل فرقةٌ زَعَمَتْ أَن الْعَقْلَ لَهُ مَجَالٌ فِي التَّشْرِيعِ، وأَنه مُحَسِّنٌ ومُقَبِّحٌ، فَابْتَدَعُوا فِي دِينِ اللَّهِ مَا لَيْسَ فِيهِ.\nوَمِنْ ذَلِكَ: أَن الْخَمْرَ لَمَّا حُرِّمت، وَنَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي شأْن مَنْ مَاتَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ وهو يشربها (٥) قولُه تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ (٦) الْآيَةَ؛ تأَوّلها قَوْمٌ - فِيمَا ذُكِر - عَلَى أَن الْخَمْرَ حَلَالٌ، وأَنها دَاخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فِيمَا طَعِمُوا﴾ (٧).\nفَذَكَرَ إِسماعيل بْنُ إِسحاق، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (٨) ﵁، قَالَ: شَرِبَ نفرٌ مِنْ أَهل الشَّامِ الخمرَ وَعَلَيْهِمْ يزيد بن أَبي سفيان،\n_________\n(١) سورة الإسراء: الآية (١٥).\n(٢) إلى هنا انتهى ذكر الآية في (خ) و(م) و(ت).\n(٣) سورة النساء: الآية (٥٩).\n(٤) سورة الأنعام: الآية (٥٧).\n(٥) في (ت): \"يشير بها\".\n(٦) الآية: (٩٣) من سورة المائدة. وقوله تعالى: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ من (ر) و(غ) فقط.\n(٧) من قوله تعالى: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ إلى هنا سقط من (ت).\n(٨) قوله: \"ابن أبي طالب\" من (ر) و(غ) فقط.","vol":"2","page":369},{"text":"فَقَالُوا: هِيَ لَنَا حَلَالٌ، وتأَوّلوا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا ...﴾، الْآيَةَ. قَالَ: فَكَتَبَ فِيهِمْ إِلى عُمَرَ. قَالَ: فَكَتَبَ عُمَرُ إِليه: أَن ابْعَثْ بِهِمْ إِليَّ قَبْلَ أَن يُفْسِدوا مَنْ قِبَلَكَ. فَلَمَّا قَدِمُوا على (١) عُمَرَ؛ اسْتَشَارَ فِيهِمُ النَّاسَ، فَقَالُوا: يَا أَمير الْمُؤْمِنِينَ! نَرَى أَنهم قَدْ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ، [وشَرَعوا] (٢) فِي دِينِهِ مَا لَمْ يأْذن بِهِ، فَاضْرِبْ أَعناقهم، وعليٌّ ﵁ سَاكِتٌ؛ قَالَ: فَمَا تَقُولُ يَا أَبا الْحَسَنِ؟! فَقَالَ: أَرى أَن تَسْتَتِيبَهُمْ، فإِن تَابُوا جَلَدْتَهُمْ ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ لِشُرْبِهِمُ الْخَمْرَ، وإِن لَمْ يَتُوبُوا ضربتَ أَعناقهم، فإِنهم قَدْ (٣) كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ [وَشَرَعُوا] (٣) فِي دِينِ اللَّهِ مَا لَمْ يأْذن بِهِ الله (٤). فاستتابهم (٥)، فتابوا، فضربهم ثمانين ثمانين (٦).\n_________\n(١) إلى هنا انتهى ذكر الآية في (خ) و(م) و(ت).\n(٢) في (م) و(خ): \"إلى\".\n(٣) في جميع النسخ: \"أشرعوا\"، والتصويب من مصادر التخريج.\n(٤) قوله: \"قد\" سقط من (م) و(ر) و(غ).\n(٥) لفظ الجلالة: \"الله\" من (غ) فقط، ولم يتضح في (ر)، وسقط من باقي النسخ.\n(٦) قوله: \"فاستتابهم\" في موضعه بياض في (غ).\n(٧) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٤٩٩ رقم ٢٨٤٠٠)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (٣/ ١٥٤) عن ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي، به.\nوإسناده ضعيف، عطاء بن السائب اختلط، وابن فضيل ممن روى عنه بعد الاختلاط.\nقال أبو حاتم: وما روى عنه ابن فضيل ففيه غلط واضطراب، رفع أشياء كان يرويها عن التابعين، فرفعها إلى الصحابة. انظر: \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٣٣٤).\nوقال الفسوي: وكان عطاء تغير بأَخَرَةٍ، فرواية جرير وابن فضيل وطبقتهم ضعيفة. انظر: \"المعرفة والتاريخ\" (٣/ ٨٤).\nواختلف على عطاء فيه أيضًا:\nفرواه ابن حزم في \"الإحكام\" (٧/ ٤٥١) من طريق حماد بن سلمة، عن عطاء، عن محارب بن دثار: أن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ شربوا الخمر ...، الحديث.\nوحماد بن سلمة ممن قيل: إنه سمع من عطاء قبل الاختلاط وبعده، ثم هو مرسل كما قال ابن حزم.=","vol":"2","page":370},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=وهذا الأثر له عن علي طرق أخرى:\n١ - فمنها: ما أخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٨٤٢)، وعنه الشافعي في \"مسنده\" (ص٢٨٦)، وابن حزم في \"إحكام الأحكام\" (٧/ ٤٥٠) عن ثور بن زيد: أن عمر ... فذكره.\nوهذا معضل؛ فإن ثور بن زيد الديلي من أتباع التابعين. انظر: \"تهذيب الكمال\" (٤/ ٤١٦).\nووصله النسائي في \"الكبرى\" (٣/ ٢٥٢، ٢٥٣)، والدارقطني (٣/ ١٦٦)، والحاكم (٤/ ٣٧٥)، والبيهقي (٨/ ٣٢٠ - ٣٢١) من طريق يحيى بن فليح، عن ثور، عن عكرمة، عن ابن عباس به مطولًا.\nويحيى بن فليح قال فيه ابن حزم: مجهول البتة، والحجة لا تقوم بمجهول. وقال مرة: ليس بالقوي. انظر: \"الإحكام\" (٧/ ٤٥٣)، و\"اللسان\" (٧/ ٣٤٢).\n٢ - ومنها: ما أخرجه عبد الرزاق (٧/ ٣٧٨) ومن طريقه ابن حزم في \"الإحكام\" (٧/ ٤٥٠) عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة: أن عمر شاور الناس في جلد الخمر ...، وهذا مرسل؛ فعكرمة إنما ولد بعد وفاة عمر ﵁.\n٣ - ومنها: ما أخرجه الطحاوي في \"شرح المعاني\" (٣/ ١٥٣)، والدارقطني (٣/ ١٥٧)، والحاكم (٤/ ٣٧٤ - ٣٧٥)، والبيهقي (٨/ ٣٢٠) من طريق أسامة بن زيد، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن وبرة الكلبي؛ قال: أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر فذكره.\nووقع عند الدارقطني والبيهقي: ابن وبرة.\nوإسناده ضعيف؛ وبرة الكلبي ذكره الحافظ في \"اللسان\" (٩١٠٥) وقال: قال ابن حزم في \"الإنصاف\": مجهول.\nوأسامة بن زيد هو الليثي صدوق يهم ولا يحتمل هذا منه عن الزهري.\nوأخرجه أبو داود (٤٤٨٩) من طريق أسامة بن زيد، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن أزهر فذكره.\nوأخرجه أحمد (٤/ ٨٨)، من طريق أسامة ولم يذكر قصة خالد، وفيه تصريح الزهري بالسماع من عبد الرحمن بن أزهر.\nووهم فيه أسامة على الزهري، فقد صرّح الإمام أحمد أن الزهري لم يسمع من عبد الرحمن بن أزهر، نقله ابن أبي حاتم في ترجمة الزهري من \"المراسيل\" له صفحة (١٩١).\nوقد بيّن أبو داود في \"سننه\" أن بينهما عبد الله بن عبد الرحمن بن الأزهر.\nأخرجه أبو داود (٤٤٨٨)، ومن طريقه البيهقي في \"السنن\" (٨/ ٣٢٠)، وأخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٥٢٨٣) من طريق عقيل بن خالد، عن الزهري، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أزهر عن أبيه، به.=","vol":"2","page":371},{"text":"فَهَؤُلَاءِ اسْتَحَلُّوا بالتأْويل مَا حَرَّمَ اللَّهُ بِنَصِّ (١) الْكِتَابِ، وَشَهِدَ فِيهِمْ عَلِيٌّ ﵁، وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ؛ بأَنهم شَرَعُوا (٢) فِي دِينِ اللَّهِ، وَهَذِهِ هِيَ الْبِدْعَةُ بِعَيْنِهَا، فَهَذَا وَجْهٌ.\nوأَيضًا فإِن بَعْضَ الْفَلَاسِفَةِ الإِسلاميين تأَول فِيهَا غَيْرَ هَذَا (٣)، وأَنه إِنما يَشْرَبُهَا لِلنَّفْعِ لَا لِلَّهْوِ، وَعَاهَدَ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ، فكأَنها عِنْدَهُمْ (٤) دواء (٥) مِنَ الأَدوية، أَوْ غِذَاءٌ صَالِحٌ يَصْلُحُ لِحِفْظِ الصِّحَّة، وَيُحْكَى هَذَا الْعَهْدُ عَنِ ابْنِ سِينَا (٦).\nورأَيت في كلام بعض (٧) الناس ممن عرف به أَنه كَانَ يَسْتَعِينُ فِي سَهَرِهِ لِلْعِلْمِ وَالتَّصْنِيفِ وَالنَّظَرِ بِالْخَمْرِ، فإِذا رأَى مِنْ نَفْسِهِ كَسَلًا أَو فَتْرة؛ شَرِبَ مِنْهَا قَدْرَ مَا يُنَشِّطه وَيَنْفِي عَنْهُ الْكَسَلَ. بَلْ ذَكَرُوا فِيهَا (٨) أَن لَهَا حَرَارَةً خَاصَّةً (٩) تَفْعَلُ أَفعالًا (١٠) كَثِيرَةً: تُطَيِّبُ (١١) النفسَ، وتُصَيِّر الإِنسان مُحِبًّا لِلْحِكْمَةِ، وتجعلهُ حسنَ الْحَرَكَةِ، وَالذِّهْنِ، وَالْمَعْرِفَةِ؛ فإِذا اسْتَعْمَلَهَا عَلَى الِاعْتِدَالِ عرف الأَشياء، وفهمها، وتذكرها بعد النسيان (١٢).\n_________\n=وعبد الله هذا لم يوثقه إلا ابن حبان، وقال الحافظ في \"التقريب\": مقبول، والله تعالى أعلم.\n(١) في (خ): \"وبنص\" وعلق عليه رشيد رضا بقوله: إما أن يكون أصل العبارة: \"بنص الكتاب\" بغير واو، وإما أن يكون: \"بالإجماع وبنص الكتاب\".اهـ.\n(٢) المثبت من (خ)، وفي باقي النسخ: \"أشرعوا\".\n(٣) في (ر) و(غ): \"هذه\".\n(٤) في (ر) و(غ): \"عنده\".\n(٥) قوله: \"دواء\" من (ر) و(غ) فقط.\n(٦) نقل الذهبي في \"السير\" (١٧/ ٥٣٢) عن ابن سينا قوله: وكنت أسهر، فمهما غلبني النوم شربت قدحًا.\n(٧) في (ت) و(خ) و(م): \"في بعض كلام\".\n(٨) قوله: \"فيها\" سقط من (ت).\n(٩) في (م): \"خالصة\".\n(١٠) في (خ) و(م): \"أفعال\".\n(١١) في (غ): \"وتطب\"، وفي (ر) و(م): \"وتطيب\".\n(١٢) علق رشيد رضا ﵀ على هذا الموضع بقوله: \"كان المفتونون بالخمر من الأطباء والشعراء ينسبون إليها هذه الخواص. نعم! إن سُمَّها يحدث تنبيهًا في الأعصاب، ولكن يعقبه فتور وضعف بمقتضى سنّه ردّ الفعل، فإن عاودها الشارب - على حدّ قول أبي نوّاس: وداوني بالتي كانت هي الداء ـ؛ زاد ذلك الضعف والفتور، حتى ينتهي=","vol":"2","page":372},{"text":"فَلِهَذَا - وَاللَّهُ أَعلم - كَانَ ابْنُ سِينَا لَا يَتْرُكُ اسْتِعْمَالَهَا - عَلَى مَا ذُكر عَنْهُ ـ، وَهُوَ كُلُّهُ ضَلَالٌ مُبِينٌ، عِيَاذًا (١) بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ.\nوَلَا يُقَالُ: إِن هَذَا دَاخِلٌ تَحْتِ مسأَلة التَّدَاوِي بِهَا، وَفِيهَا خِلَافٌ شَهِيرٌ؛ لأَنا نَقُولُ: إِنما ثَبَتَ عَنِ ابْنِ سِينَا أَنه كَانَ يستعملها استعمال الأُمور المنشِّطة من الكسل، والحافظة (٢) لِلصِّحَّةِ، وَالْقُوَّةِ عَلَى الْقِيَامِ بِوَظَائِفِ الأَعمال، أَو مَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ، لَا فِي الأَمراض المؤثِّرة فِي الأَجسام. وإِنما الْخِلَافُ فِي اسْتِعْمَالِهَا فِي الأَمراض لَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، فَهُوَ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ متقوِّلون عَلَى شَرِيعَةِ اللَّهِ، مُبْتَدِعُونَ فِيهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ رأْي أَهل الإِباحة فِي الْخَمْرِ وَغَيْرِهَا، وَلَا تَوْفِيقَ إِلا بِاللَّهِ.\n_________\n=بالجنون أو غيره من الأمراض القاتلة بإجماع أطباء هذا العصر\".اهـ.\n(١) في (ر) و(غ) و(م): \"عائذًا\".\n(٢) في (خ) و(ت): \"والحفظ\".","vol":"2","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>فصل</span>\nوَمِثَالُ مَا يَقَعُ فِي الْمَالِ (١): أَن الْكُفَّارَ قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ (٢)، فإِنهم لما استحلّوا العمل به؛ احتجّوا بقياسٍ فاسدٍ، فَقَالُوا: إِذا فَسَخَ الْعَشَرَةَ الَّتِي اشْتَرَى بِهَا إِلى شَهْرٍ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ إِلى شَهْرَيْنِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ بَاعَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ إِلى شَهْرَيْنِ، فأَكذبهم اللَّهُ تَعَالَى وَرَدَّ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾؛ أَي (٣): لَيْسَ الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا. فَهَذِهِ مُحْدَثَةٌ أَخذوا بِهَا مُسْتَنِدِينَ إِلى رأْيٍ فاسدٍ، فَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ المُحْدَثات؛ كَسَائِرِ مَا أَحدثوا فِي الْبُيُوعِ الْجَارِيَةِ بَيْنَهُمُ، الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْخَطَرِ (٤) وَالْغَرَرِ.\nوَكَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ قَدْ شَرَعَتْ أَيضًا أَشياءَ فِي الأَموال؛ كَالْحُظُوظِ الَّتِي (٥) كَانُوا يُخْرِجُونَهَا للأَمير مِنَ الغنيمة، حتى قال شاعرهم (٦):\n_________\n(١) في (غ): \"الآمال\".\n(٢) سورة البقرة: الآية (٢٧٥).\n(٣) قوله: \"أي\" سقط من (خ)، وعلق رشيد رضا على موضعه بقوله: لعله سقط من هنا كلمة \"أي\".اهـ.\n(٤) في (ر) و(غ): \"الخطار\".\n(٥) في (خ) و(ت) و(م): \"الذي\".\n(٦) هو عبد الله بن عَنَمَةَ الضّبِّي شاعر مخضرم كما في \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٣٤٥ - ٣٤٦ رقم ٥٩٩)، وهذه القصيدة قالها يرثي بها بسطام بن قيس لما قُتل، ومطلعها:\nلأُِمّ الأرضِ وَيْلٌ ما أَجنَّتْ ... غَدَاةَ أضرَّ بالحَسَن السبيلُ\nوقد نسبت هذه القصيدة للأصمعي؛ كما في \"الأصمعيات\" (ص٣٢)، ولعلّه اعتمادًا على قول أبي علي القالي في \"الأمالي\" (١/ ١٤٢): \"وأنشدنا الأصمعي: لك المرباع منها والصفايا - وحكمك والنشيطة والفضول\"، ولا يلزم من إنشاد الأصمعي لها أن يكون هو القائل. وانظر \"البيان والتبيين\" للجاحظ (١/ ١٩٩)، و\"الحماسة\" لأبي تمَّام (١/ ٤٢٠)، و\"معجم مقاييس اللغة\" لابن فارس (٢/ ٤٧٩)، و\"تاريخ دمشق\" لابن=","vol":"2","page":374},{"text":"لَكَ المِرْبَاعُ فِيهَا والصَّفَايا ... وحُكْمُكَ والنَّشِيطَةُ والفُضُولُ\nفالمِرْباع: رُبع المَغْنَم يأْخذه الرَّئِيسُ. والصَّفَايا: جَمْعُ صَفِيّ (١)، وَهُوَ مَا يَصْطَفِيهِ الرَّئِيسُ لِنَفْسِهِ مِنَ المغنم. والحُكْمُ: ما يَحكم (٢) فيه مِنَ الْمَغْنَمِ (٣). والنَّشِيطَةُ: مَا يَغْنَمُهُ الْغُزَاةُ فِي الطَّرِيقِ، قَبْلَ بُلُوغِهِمْ إِلى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَصَدُوهُ، فَكَانَ (٤) يَخْتَصُّ بِهِ الرَّئِيسُ دُونَ غَيْرِهِ. والفُضُولُ: مَا يَفْضُلُ مِنَ الْغَنِيمَةِ عِنْدَ الْقِسْمَةِ.\nوَكَانَتْ تَتَّخِذُ الأَرضين تَحْمِيهَا عَنِ النَّاسِ أَنْ لَا يَدْخُلُوهَا وَلَا يَرْعَوْهَا، فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ بِقِسْمَةِ الغنيمة في قوله تعالى: ﴿(٥) عع ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ ...﴾ (٦) إلى آخر الْآيَةَ (٧)؛ ارْتَفَعَ حُكْمُ هَذِهِ الْبِدْعَةِ، إِلا بَعْضُ مَنْ جَرَى فِي الإِسلام عَلَى حُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَعَمِلَ بأَحكام الشَّيْطَانِ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ عَلَى الْعَمَلِ بأحكام الله تعالى.\nوكذلك جاءَ (٨): \"لا حِمَى إِلا لِلّه (٩) ورسولِه (١٠) \"، ثُمَّ جَرَى بَعْضُ النَّاسِ (١١) - مِمَّنْ (١٢) آثَرَ الدُّنْيَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ - عَلَى سَبِيلِ حُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ (١٣)، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١٤). ولكن الآية\n_________\n=عساكر (٣٣/ ٢٩٦)، و\"الكامل\" لابن الأثير (١/ ٤٨٨)، و\"لسان العرب\" (٧/ ٤١٤ - ٤١٥)، و(٨/ ١٠١)، و(١١/ ٥٢٦)، و(١٤/ ٤٦٢).\n(١) في (ت): \"صفية\".\n(٢) في (ر) و(غ): \"ما تحكم\".\n(٣) قوله: \"والحكم ما يحكم فيه من المغنم\" سقط من (خ) و(ت).\n(٤) في (غ) و(م) و(ر): \"فكأنه\"\n(٥) قوله: \"واليتامى\" سقط من (غ).\n(٦) سورة الأنفال: الآية (٤١).\n(٧) من قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ إلى هنا ليس في (خ) و(م)، ومن قوله تعالى: ﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ إلى هنا ليس في (ت).\n(٨) علق رشيد رضا على هذا الموضع بقوله: لعله سقط من هنا كلمة: \"في الحديث\".اهـ.\n(٩) في (خ) و(م) و(ت): \"لا حمى إلا حمى الله\".\n(١٠) أخرجه البخاري (٢٣٧٠) و(٣٠١٢).\n(١١) قوله: \"الناس\" ليس في (غ) و(ر).\n(١٢) في (غ) و(ر) و(م): \"من\".\n(١٣) بعد هذا الموضع في (ت) زيادة: \"وقال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ \".\n(١٤) الآية: (٥٠) من سورة المائدة.","vol":"2","page":375},{"text":"والحديث وما كان في معناهما أَثبتت (١) أَصلًا فِي الشَّرِيعَةِ مُطَّرِدًا لَا يَنْخَرِم، وَعَامًّا لَا يَتَخَصَّص، ومُطْلَقًا لَا يَتَقَيَّد (٢)؛ وَهُوَ أَن الصَّغِيرَ مِنَ المُكَلَّفين وَالْكَبِيرَ، وَالشَّرِيفَ وَالدَّنِيءَ، وَالرَّفِيعَ وَالْوَضِيعَ؛ فِي أَحكام الشَّرِيعَةِ سَوَاءٌ، فَكُلُّ مَنْ خَرَجَ عَنْ مُقْتَضَى هَذَا الأَصل خَرَجَ مِنَ السُّنَّةِ إِلى الْبِدْعَةِ، وَمِنَ الِاسْتِقَامَةِ إِلى الِاعْوِجَاجِ.\nوَتَحْتَ هَذَا الرَّمْزِ تَفَاصِيلُ عظيمةُ الموقعِ، لَعَلَّهَا تُذكر فيما (٣) بعد إِن شاءَ الله تعالى، وقد أُشير إِلى جملة منها (٤).\n_________\n(١) في (خ): \"أثبت\".\n(٢) في (ت): \"لا يقيد\".\n(٣) قوله: \"فيما\" سقط من (غ) و(ر).\n(٤) قوله: \"وقد أشير إلى جملة منها\" سقط من (غ) و(ر).","vol":"2","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>فصل</span>\nإِذا تَقَرَّرَ أَن الْبِدَعَ لَيْسَتْ فِي الذَّمِّ وَلَا فِي النَّهْيِ عَلَى رُتْبَةٍ (١) وَاحِدَةٍ، وأَن مِنْهَا مَا هُوَ مَكْرُوهٌ، كَمَا أَن مِنْهَا مَا هُوَ مُحَرَّمٌ، فَوَصْفُ الضَّلَالَةِ لَازِمٌ لَهَا، وشاملٌ لأَنواعها؛ لِمَا ثَبَتَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: \"كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ\" (٢).\nلَكِنْ يَبْقَى هَاهُنَا إِشكال، وَهُوَ: أَنَّ الضَّلَالَةَ ضِدَّ الْهُدَى؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اُشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى﴾ (٣)، وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ (٤)، وأَشباه ذَلِكَ مِمَّا قُوبِلَ فِيهِ (٥) بَيْنَ الْهُدَى وَالضَّلَالِ، فإِنه يَقْتَضِي أَنهما ضِدَّان، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ تُعْتَبَرُ فِي الشَّرْعِ، فَدَلَّ عَلَى أَن الْبِدَعَ الْمَكْرُوهَةَ خُرُوجٌ عَنِ الهُدَى.\nوَنَظِيرِهِ فِي المخالفات التي ليست ببدع: المكروه (٦) مِنَ الأَفعال؛ كَالِالْتِفَاتِ الْيَسِيرِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غير حاجة (٧)، والصلاة وهو يدافعه\n_________\n(١) في (ت): \"درجة\" بدل \"رتبة\".\n(٢) سبق تخريجه (١/ ١٠٨)، و(ص٣١٨) من هذا المجلد.\n(٣) سورة البقرة: الآية (١٦).\n(٤) سورة الزمر: الآيتان (٣٦، ٣٧).\n(٥) في (غ) و(م) و(ر): \"به\".\n(٦) في (خ) و(م) و(ت): \"المكروهة\".\n(٧) لما أخرجه البخاري (٧٥١) من حديث عائشة ﵂ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عن الالتفات في الصلاة؟ فقال: \"هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد\".\nقال الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٢/ ٢٣٤): قوله: \"باب الالتفات في الصلاة\": لم يبيِّن المؤلف [يعني البخاري] حكمه، لكن الحديث دلّ على الكراهة، وهو إجماع؛ لكن الجمهور على أنها للتنزيه، وقال المتولي: يحرم إلا للضرورة، وهو قول أهل الظاهر. وورد في كراهية الالتفات صريحًا على غير شرطه عدة أحاديث، منها عند أحمد وابن خزيمة من حديث أبي ذر رفعه: \"لا يزال الله مقبلًا على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه عنه انصرف. اهـ.","vol":"2","page":377},{"text":"الأَخبثان (١)، وَمَا أَشبه ذَلِكَ.\nوَنَظِيرُهُ فِي الْحَدِيثِ: \"نهينا عن اتِّباع الجنائز، ولم يُعْزَم (٢) عَلَيْنَا\" (٣).\nفَالْمُرْتَكِبُ لِلْمَكْرُوهِ لَا يَصِحُّ أَن يُقَالَ فِيهِ: مخالفٌ (٤) وَلَا عاصٍ، مَعَ أَن الطَّاعَةَ ضدُّها الْمَعْصِيَةُ، وَفَاعِلُ الْمَنْدُوبِ مُطِيعٌ لأَنه فَاعِلُ ما أُمر بِهِ، فإِذا اعْتَبَرْتَ الضِّدَّ؛ لَزِمَ أَن يَكُونَ فَاعِلُ الْمَكْرُوهِ عَاصِيًا؛ لأَنه فاعلٌ مَا نُهِيَ عَنْهُ، لَكِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ إِذْ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ عاصٍ، فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ فَاعِلُ الْبِدْعَةِ الْمَكْرُوهَةِ ضَالًّا (٥)، وإِلا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ اعْتِبَارِ الضِّدِّ فِي الطَّاعَةِ وَاعْتِبَارِهِ فِي الْهُدَى، فَكَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْبِدْعَةِ الْمَكْرُوهَةِ لَفْظُ الضَّلَالَةِ، فَكَذَلِكَ يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ الْمَكْرُوهِ لَفْظُ الْمَعْصِيَةِ، وإِلا فَلَا يُطْلَقُ عَلَى الْبِدْعَةِ الْمَكْرُوهَةِ لَفْظُ الضَّلَالَةِ، كَمَا لَا يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ الْمَكْرُوهِ لَفْظُ الْمَعْصِيَةِ.\nإِلا أَنه قَدْ تَقَدَّمَ عُمُومُ لَفْظِ الضَّلَالَةِ لِكُلِّ بِدْعَةٍ، فليَعُمّ لَفْظُ الْمَعْصِيَةِ لِكُلِّ فِعْلٍ مَكْرُوهٍ، لَكِنَّ (٦) هَذَا بَاطِلٌ، فَمَا لَزِمَ عَنْهُ كَذَلِكَ.\nوَالْجَوَابُ: أَن عُمُومَ لَفْظِ الضَّلَالَةِ لِكُلِّ بِدْعَةٍ ثَابِتٌ - كَمَا تَقَدَّمَ بسطه ـ، وما أَلْزَمتم (٧) في الفعل المكروه غير لازم. أَما أَوَّلًا (٨): فإِنه لَا يَلْزَمُ فِي الأَفعال أَن تُجرى عَلَى الضِّدِّية الْمَذْكُورَةِ إِلا بَعْدَ استقراءِ الشَّرْعِ، ولمّا استقرأنا موارد الأَحكام الشرعية؛ وجدنا بين الطاعة (٩) وَالْمَعْصِيَةِ وَاسِطَةً مُتَّفَقًا عَلَيْهَا - أَو كَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا ـ؛ وهي المباح، وحقيقته: أَنه ليس بطاعة ولا معصية (١٠) من حيث هو مباح.\n_________\n(١) لما أخرجه مسلم (٥٦٠) من حديث عائشة ﵂ مرفوعًا: \"لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان\".\n(٢) في (خ) و(ت) و(م): \"يحرم\".\n(٣) أخرجه البخاري (٣١٣)، ومسلم (٩٣٨) من حديث أم عطية ﵂.\n(٤) في (خ): \"مخالفًا\".\n(٥) قوله: \"ضالًا\" ليس في (غ) و(ر).\n(٦) في (غ) و(ر): \"ولكن\".\n(٧) في (خ) و(م) و(ت): \"التزمتم\".\n(٨) قوله: \"أما أولًا\" سقط من (خ) و(ت).\n(٩) في (خ) و(ت): \"وجدنا للطاعة\".\n(١٠) قوله: \"ولا معصية\" سقط من (خ).","vol":"2","page":378},{"text":"فالأَمر وَالنَّهْيُ ضِدَّان، بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا أَمر وَلَا نَهْيٌ، وإِنما يَتَعَلَّقُ بِهَا التَّخْيِيرُ.\nوإِذا تأَمّلنا الْمَكْرُوهَ - حَسْبَمَا قَرَّرَهُ الأُصوليون ـ؛ وَجَدْنَاهُ ذَا طَرَفَيْنِ:\nطَرَفٌ مِنْ حَيْثُ هُوَ منهيٌّ عَنْهُ، فَيَسْتَوِي مَعَ الْمُحَرَّمِ فِي مُطْلَق النَّهْيِ، فَرُبَّمَا يُتَوهَّمُ أَن مُخَالَفَةَ نَهْيِ الْكَرَاهِيَةِ مَعْصِيَةً مِنْ حَيْثُ اشْتَرَكَ مَعَ الْمُحَرَّمِ فِي مُطْلَقِ الْمُخَالَفَةِ.\nغَيْرَ أَنه يَصُدُّ عَنْ هَذَا الإِطلاق الطَّرَفَ الْآخَرَ، وَهُوَ أَن يُعْتَبَرَ مِنْ حَيْثُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى فَاعِلِهِ ذَمّ شَرْعِيٌّ، وَلَا إِثْمٌ وَلَا عِقَابٌ (١)، فَخَالَفَ الْمُحَرَّمَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَشَارَكَ الْمُبَاحَ فِيهِ؛ لأَن الْمُبَاحَ لَا ذَمّ عَلَى فَاعِلِهِ، وَلَا إِثْمَ وَلَا عِقَابَ (٢)، فَتَحَامَوْا أَن يُطْلِقُوا (٣) عَلَى مَا هَذَا شأْنه عِبَارَةَ الْمَعْصِيَةِ.\nوإِذا ثَبَتَ هَذَا وَوَجَدْنَا بين الطاعة والمعصية واسطة يصح أَن يدخل تحتها المكروه؛ لم يصح أن يتناوله ضد الطاعة، فلا يطلق عليه لفظ المعصية، بخلاف الهدى والضلال؛ فإنه لا واسطة بينهما في الشرع يصح أن (٤) ينسب إِليها لفظ (٥) الْمَكْرُوهُ مِنَ الْبِدَعِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ﴾ (٦). فليس إِلا حق، وهو الهدى، أَو الضلال (٧)، وهو باطل (٨)، فالبدع المكروهة ضلال.\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"عتاب\".\n(٢) من قوله: \"فخالف المحرم\" إلى هنا سقط من (غ) و(ر).\n(٣) قوله: \"أن يطلقوا\" سقط من (غ) و(ر).\n(٤) من قوله: \"يدخل تحتها\" إلى هنا سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٥) قوله: \"لفظ\" سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٦) سورة يونس: الآية (٣٢).\n(٧) في (خ): \"والضلال\".\n(٨) علق رشيد رضا ﵀ على هذا الموضع بقوله: كان الظاهر أن يكون الضلال المعطوف على خبر ليس مساويًا له في التعريف والتنكير، وكلٌّ من خبري المبتدأ مساويًا للآخر كذلك؛ بأن يقول: \"فليس إلا حق، وهو الهدى، وضلال هو الباطل\"، ويجوز تعريف [الجميع].اهـ.","vol":"2","page":379},{"text":"وأَما ثَانِيًا: فإِن إِثبات قَسْمِ الْكَرَاهَةِ فِي الْبِدَعِ عَلَى الْحَقِيقَةِ مِمَّا يُنْظَرُ (١) فِيهِ، فَلَا يَغْتَرّ (٢) المُغْتَرّ بإِطلاق الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الفقهاءِ لَفْظُ الْمَكْرُوهِ عَلَى بَعْضِ الْبِدَعِ (٣)، وإِنما حَقِيقَةُ الْمَسْأَلَةِ: أَن الْبِدَعَ لَيْسَتْ عَلَى رُتْبَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الذَّمِّ - كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ـ، وأَما تَعْيِينُ الْكَرَاهَةِ (٤) الَّتِي مَعْنَاهَا نَفْيُ إِثم فَاعِلِهَا، وَارْتِفَاعُ الْحَرَجِ عنه (٥) البتَّةَ، فَهَذَا مِمَّا لَا يَكَادُ يُوجَدُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مِنَ الشَّرْعِ، وَلَا مِنْ كَلَامِ الأَئمة عَلَى الْخُصُوصِ.\nأَما الشَّرْعُ فَفِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ؛ لأَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَدَّ عَلَى مَنْ قَالَ: أَما أَنا فأَقوم اللَّيْلَ وَلَا أَنام، وَقَالَ الْآخَرُ (٦): أَما أَنا فَلَا أَنكح النساءَ ...، إِلى آخِرِ مَا قَالُوا، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ ﷺ وَقَالَ: \"مَنْ رَغِبَ عَنْ سنتي فليس مني\" (٧).\nوهذه العبارة من (٨) أَشد شيءٍ فِي الإِنكار، وَلَمْ يَكُنْ مَا الْتَزَمُوا إِلا فِعْلَ مَنْدُوبٍ أَو تَرْكَ مَنْدُوبٍ إِلى فِعْلِ مَنْدُوبٍ آخَرَ، وَكَذَلِكَ مَا فِي الحديث: أَنه ﷺ رأَى رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْسِ فَقَالَ: \"مَا بَالُ هَذَا؟ \" فَقَالُوا (٩): نذر أَن لا يستظل ولا يتكلم ولا يَجْلِسُ وَيَصُومَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"مُرْهُ (١٠) فليجلس وليتكلم وَلِيَسْتَظِلَّ وَلِيُتِمَّ صَوْمَهُ\" (١١). قَالَ مَالِكٌ (١٢): \"أَمره أَن يُتِمَّ مَا كَانَ لِلَّهِ عَلَيْهِ فِيهِ طَاعَةٌ، وَيَتْرُكُ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِيهِ مَعْصِيَةٌ\".\nوَيُعَضِّدُ هَذَا الَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ: مَا فِي الْبُخَارِيِّ (١٣) عن قيس بن أَبي\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"ما ينظر\".\n(٢) في (غ) و(ر): \"يغترن\".\n(٣) قوله: \"البدع\" سقط من (خ) و(ت)، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: ربما سقط من هنا كلمة: \"البدع\".اهـ.\n(٤) في (ر): \"الكراهية\".\n(٥) قوله: \"عنه\" سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٦) قوله: \"الآخر\" سقط من (غ) و(ر).\n(٧) تقدم تخريجه (ص١٤٧) من هذا المجلد.\n(٨) قوله: \"من\" سقط من (خ)، و(م) و(ت).\n(٩) قوله: \"فقالوا\" سقط من (خ)، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: كذا! ولعل الأصل: \"قالوا: نذر\"، أو: \"قيل: نذر\" إلخ. اهـ.\n(١٠) في (ت): \"مروه\".\n(١١) تقدم تخريجه صفحة (٢٨).\n(١٢) في \"الموطأ\" (٢/ ٤٧٦)، مع اختلاف يسير.\n(١٣) انظر \"صحيح البخاري\" رقم (٣٨٣٤).","vol":"2","page":380},{"text":"حَازِمٍ قَالَ: دَخَلَ أَبو بَكْرٍ (١) عَلَى امرأَةٍ من قيسٍ (٢) يُقَالُ لَهَا: زَيْنَبُ، فَرَآهَا لَا تَتَكَلَّمُ، فَقَالَ: مالها لا تتكلم (٣)؟ قالوا (٤): حَجَّتْ مُصْمِتَةً (٥). قَالَ لَهَا: تكلَّمي؛ فإِن هَذَا لَا يَحِلُّ، هَذَا مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فتكلَّمت ...، الحديث إلى آخره (٦).\nوَقَالَ مَالِكٌ أَيضًا (٧) - فِي قَوْلِهِ ﵊: \"مِنْ نَذَرَ أَن يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ\" (٨) ـ: إِن ذَلِكَ أَن يَنْذُرَ الرَّجُلُ أَن يمشي إِلى الشام، أَو إِلى مصر، أَو أَشباه ذلك (٩) مما ليس لله (١٠) فيه طاعة، إن كَلَّم فُلَانًا (١١)، فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ إِن هُوَ (١٢) كلَّمه؛ لأَنه (١٣) لَيْسَ لِلَّهِ فِي هَذِهِ الأَشياء طَاعَةٌ (١٤)، وإِنما يُوفِي لِلَّهِ بِكُلِّ نَذْرٍ له (١٥) فِيهِ طَاعَةٌ؛ مِنْ مَشْيٍ إِلى بَيْتِ اللَّهِ، أَو صيامٍ، أَو صدقةٍ، أَوْ صلاةٍ، فَكُلُّ ما كان لِلَّهِ (١٦) فِيهِ طَاعَةٌ؛ فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ نذره.\n_________\n(١) قوله: \"أبو بكر\" سقط من (خ)، وعلق على موضعه رشيد رضا بقوله: \"أي: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلخ\".\n(٢) كذا في جميع النسخ! والذي في \"صحيح البخاري\": \"امرأة من أحْمَس\".\n(٣) قوله: \"لا تتكلم\" سقط من (خ).\n(٤) في (خ) و(م): \"فقال\"، وفي (ت) \"فقيل\".\n(٥) في (غ) و(ر): \"مضمنة\".\n(٦) في (ت): \"فتكلمت إلى آخر الحديث\".\n(٧) في \"الموطأ\" أيضًا (٢/ ٤٧٦) برواية يحيى الليثي، وانظر رواية أبي مصعب (٢/ ٢١٧)، ورواية سويد بن سعيد (ص٢١٩)، مع اختلاف يسير فيها جميعها.\n(٨) تقدم تخريجه (ص١٧٧).\n(٩) في (خ): \"وإلى مصر وأشباه ذلك\".\n(١٠) قوله: \"لله\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(١١) في (خ): \"أو أن لا أكلم فلانًا\"، وفي أصل (ت): \"أو إن كلم فلانًا\"، وكتب في الهامش: \"لا أكلم\"، وهي بهذا تكون موافقة لـ (خ)، والمثبت من (م)، وهو الموافق لـ\"الموطأ\"، وجميع هذا سقط من (غ) و(ر) كما سيأتي.\n(١٢) في (م): \"أهو\" بدل \"إن هو\".\n(١٣) في (خ): \"إن هو كلمه؛ لأنه إن كلم فلانًا فليس عليه في ذلك شيء أهو كلمه لأنه\"، وهو تكرار.\n(١٤) من قوله: \"إن كلم فلانًا\" إلى هنا سقط من (غ) و(ر).\n(١٥) قوله: \"له\" سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(١٦) في (خ) و(م) و(ت): \"فكل ما لله\".","vol":"2","page":381},{"text":"فتأَمّل (١) كَيْفَ جَعَلَ الْقِيَامَ [فِي الشَّمْسِ] (٢)، وتَرْكَ الْكَلَامَ، ونَذْرَ المَشْيِ إِلى الشَّامِ أَو مِصْرَ معاصيَ، حتى فسر بها (٣) الْحَدِيثَ الْمَشْهُورَ، مَعَ أَنها فِي أَنفسها أَشياء مُبَاحَاتٍ (٤)، لَكِنَّهُ لَمَّا أَجراها مَجْرَى مَا يُتَشَرَّعُ (٥) به، ويُدانُ اللهُ بِهِ؛ صَارَتْ عِنْدَ مالكٍ معاصيَ لِلَّهِ، وكُلِّيَّةُ قَوْلِهِ: \"كلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ\" شَاهِدَةٌ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَالْجَمِيعُ يَقْتَضِي التأْثيم وَالتَّهْدِيدَ وَالْوَعِيدَ، وَهِيَ خَاصِّيَّةُ المُحَرَّم.\nوَقَدْ مرَّ (٦) مَا رَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّار عن مالك (٧) وأَتاه (٨) رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبا عَبْدِ اللَّهِ! من أَين أُحْرِم؟ قال: من ذي الحليفة؛ مِنْ حَيْثُ أَحرم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ: إِني أُريد أَن أُحْرِمَ من المسجد، فقال: لا تفعل. قال: إِني أُريد أَن أحرم من المسجد من (٩) عند الْقَبْرِ (١٠): قَالَ: لَا تَفْعَلْ؛ فإِني أَخشى عَلَيْكَ الْفِتْنَةَ. قَالَ: وأَي فِتْنَةٍ فِي هَذَا؟ إِنما هِيَ أَميال أَزيدها، قَالَ: وأَي فِتْنَةٍ أَعظم من أَن ترى أَنك سبقت إِلى فضيلةٍ قَصَّرَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ إِني سَمِعْتُ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١١).\nفأَنت تَرَى أَنه خَشِيَ عَلَيْهِ الْفِتْنَةَ فِي الإِحرام مِنْ مَوْضِعٍ فَاضِلٍ لَا بُقْعَةَ أَشرف منه (١٢)،\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"تأمل\".\n(٢) في جميع النسخ: \"للشمس\".\n(٣) في (خ) و(م): \"فيها\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"أنفسنا أشياء مباحة\".\n(٥) في (م): \"ما يشرع\".\n(٦) في الجزء الأول (ص٢٣٠ - ٢٣١)، وهناك نقله عن أبي بكر ابن العربي، والنص عند ابن العربي في كتابه \"أحكام القرآن\" (٣/ ١٤١٢ - ١٤١٣)؛ حيث ساقه بسنده عن الزبير بن بكار؛ قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: سمعت مالك بن أنس وأتاه رجل ...، فذكر القصة.\nوأخرجها ابن بطة في \"الإبانة\" (١/ ٢٦١ - ٢٦٢ رقم ٩٨) من طريق حميد بن الأسود؛ قال: قال رجل لمالك بن أنس ...، فذكرها.\n(٧) قوله: \"عن مالك\" سقط من (خ) و(م).\n(٨) في (ت): \"أنه أتاه\".\n(٩) قوله: \"من\" ليس في (غ) و(ر).\n(١٠) في (ت): \"من عند القبر الشريف\".\n(١١) الآية: (٦٣) من سورة النور.\n(١٢) قول المصنف هذا مما لا دليل عليه، بل الدليل يعارضه، يوضح ذلك ويُجَلّيه كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في \"الفتاوى\" (٢٧/ ٣٧) حين سئل عن التربة التي دُفِن فيها النبي ﷺ: هل هي أفضل من المسجد الحرام؟ فأجاب بقوله: \"وأما التربة التي=","vol":"2","page":382},{"text":"وَهُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَوْضِعُ قَبْرِهِ (١)، لَكِنَّهُ أَبعدُ مِنَ الْمِيقَاتِ، فَهُوَ زيادةٌ فِي التَّعَبِ قَصْدًا لِرِضَا اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَبَيَّنَ أَن مَا اسْتَسْهَلَهُ مِنْ ذَلِكَ الأَمر اليسير في بادي الرأْي يُخَافُ عَلَى صَاحِبِهِ الْفِتْنَةَ فِي الدُّنْيَا، وَالْعَذَابَ فِي الْآخِرَةِ، وَاسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ (٢). فَكُلُّ مَا كَانَ مِثْلَ (٣) ذَلِكَ دَاخِلٌ - عِنْدَ مَالِكٍ - فِي مَعْنَى الْآيَةِ؛ فأَين كَرَاهِيَةُ (٤) التَّنْزِيهِ فِي هَذِهِ الأُمور الَّتِي يَظْهَرُ بأَول النَّظَرِ أَنها سَهْلَةٌ وَيَسِيرَةٌ (٥)؟\nوَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: أَخبرني ابْنُ الْمَاجِشُونِ: أَنه سَمِعَ مَالِكًا يَقُولُ: التَّثْوِيبُ (٦) ضَلَالٌ. قَالَ مَالِكٌ: وَمِنْ أَحدث فِي هَذِهِ الأُمة شَيْئًا (٧) لم يكن\n_________\n=دُفن فيها النبي ﷺ فلا أعلم أحدًا من الناس قال إنها أفضل من المسجد الحرام، أو المسجد النبوي، أو المسجد الأقصى؛ إلا القاضي عياض، فذكر ذلك إجماعًا، وهو قول لم يسبقه إليه أحد فيما علمناه، ولا حجة عليه، بل بدن النبي ﷺ أفضل من المساجد، وأما ما فيه خُلِقَ، أو ما فيه دُفِنَ فلا يلزم - إذا كان هو أفضل - أن يكون ما منه خُلِق أفضل، فإن أحدًا لا يقول: إن بدن عبد الله أبيه أفضل من أبدان الأنبياء؛ فإن الله يخرج الحي من الميت، والميت من الحي، ونوح نبي كريم، وابنه الْمُغْرَقُ كافر، وإبراهيم خليل الرحمن، وأبوه آزر كافر. والنصوص الدالّة على تفضيل المساجد مطلقة لم يُسْتَثْنَ منها قبور الأنبياء، ولا قبور الصالحين. ولو كان ما ذكره حقًَّا؛ لكان مَدْفَنُ كل نبي، بل وكل صالح أفضل من المساجد التي هي بيوت الله، فيكون بيوت المخلوقين أفضل من بيوت الخالق التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وهذا قول مبتدع في الدين، مخالف لأصول الإسلام\". وسئل أيضًا في نفس الموضع عن رجلين تجادلا، فقال أحدهما: إن تربة محمد النبي ﷺ أفضل من السموات والأرض، وقال الآخر: الكعبة أفضل، فمع من الصواب؟ فأجاب: \"الحمد لله، أما نفس محمد ﷺ فما خلق الله خلقًا أكرم عليه منه، وأما نفس التراب فليس هو أفضل من الكعبة البيت الحرام، بل الكعبة أفضل منه، ولا يعرف أحد من العلماء فضّل تراب القبر على الكعبة إلا القاضي عياض، ولم يسبقه أحد إليه، ولا وافقه أحد عليه، والله أعلم\".اهـ.\n(١) في (ت): \"قبره الشريف\".\n(٢) في (خ) و(م): \"في الآية\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"بمثل\".\n(٤) في (ت): \"فإن كراهة\".\n(٥) في (ت): \"سهلة يسيرة\".\n(٦) سيأتي معنى التثويب.\n(٧) في (ت): \"ومن أحدث شيئًا في هذه الأمة\".","vol":"2","page":383},{"text":"عَلَيْهِ سَلَفُهَا فَقَدْ زَعَمَ أَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَانَ الرِّسَالَةَ (١)؛ لأَن اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٢)، فَمَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ دِينًا؛ لَا يَكُونُ الْيَوْمَ دِينًا (٣).\nوإِنما التَّثْوِيبُ الَّذِي كَرِهَهُ: أَن الْمُؤَذِّنَ كَانَ إِذا أَذَّنَ فأَبطأَ النَّاسُ؛ قَالَ بَيْنَ الأَذان والإِقامة: \"قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَّاحِ\" (٤)، وَهُوَ قَوْلُ إِسحاق بن رَاهَوَيْهِ: أَنه التَّثْوِيبُ المُحْدَث.\nقَالَ التِّرْمِذِيُّ (٥) - لَمَّا نقل هذا عن إِسحاق (٦) ـ: \"وَهَذَا الَّذِي قَالَ (٧) إِسحاق هُوَ التَّثْوِيبُ الَّذِي قَدْ كَرِهَهُ أَهل الْعِلْمِ، وَالَّذِي أَحدثوه بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ\".\nوإِذا اعتُبِر هَذَا اللَّفْظُ فِي نَفْسِهِ فَكُلُّ أَحد يَسْتَسْهِلُّهُ في بادي الرأْي؛ إِذ لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى التَّذْكِيرِ بِالصَّلَاةِ.\nوقصَّة صبيغٍ الْعِرَاقِيِّ ظَاهِرَةٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى.\nفَحَكَى ابْنُ وَهْبٍ؛ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنس؛ قَالَ: جَعَلَ صَبِيغ يَطُوفُ بِكِتَابِ اللَّهِ (٨) مَعَهُ، وَيَقُولُ: مَنْ يَتَفَقَّهْ يُفقِّهه اللَّهُ، مَنْ يَتَعَلَّمْ يُعلِّمْه اللَّهُ؛ فأَخذه عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَضَرَبَهُ بِالْجَرِيدِ الرَّطْب، ثُمَّ سَجَنَهُ حَتَّى إِذا خَفَّ الَّذِي بِهِ؛ أَخرجه فَضَرَبَهُ، فَقَالَ: يَا أَمير الْمُؤْمِنِينَ! إِن كُنْتَ تُرِيدُ قَتْلِي فأَجهز عَلَيَّ، وإِلا فَقَدْ شفيتني شفاك الله، فخلاّه عمر بن الخطاب (٩).\n_________\n(١) في (خ) و(م) و(ت): \"خان الدين\"، والمثبت من (ر) و(غ)، وهو الموافق لما في \"الإحكام\" لابن حزم، ولما تقدم في الجزء الأول (ص٦٥ - ٦٦)، ولما سيأتي (ص٣٩٨ و٤٠١).\n(٢) سورة المائدة: الآية (٣).\n(٣) أخرجه ابن حزم في \"إحكام الأحكام\" (٦/ ٧٩١)، وتقدم هذا القول في الجزء الأول (ص٦٥ - ٦٦)، وسيأتي (٣٩٨ و٤٠١) من هذا الجزء.\n(٤) انظر: \"البيان والتحصيل\" (١/ ٤٣٥).\n(٥) في \"جامعه\" (١/ ٣٨٠).\n(٦) في (خ) و(ت) و(م): \"سحنون\" بدل \"إسحاق\".\n(٧) قوله: \"قال\" سقط من (م).\n(٨) لفظ الجلالة \"الله\" ليس في (غ) و(ر).\n(٩) قوله: \"ابن الخطاب\" من (غ) و(ر) فقط.","vol":"2","page":384},{"text":"قال ابن وهب: قال لي (١) مَالِكٌ: وَقَدْ ضَرَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ صَبِيغًا حِينَ بَلَغَهُ مَا يَسأَل عنه من القرآن، وغير ذلك (٢). انتهى.\nوَهَذَا الضَّرْبُ إِنما كَانَ لِسُؤَالِهِ عَنْ أُمورٍ مِنَ الْقُرْآنِ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا عَمَلٌ، وَرُبَّمَا نُقل عَنْهُ أَنه كَانَ يسأَل عَنِ السَّابِحَاتِ سَبْحًا، وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا وأَشباه ذَلِكَ، وَالضَّرْبُ إِنما يَكُونُ لِجِنَايَةٍ أَرْبَتْ (٣) عَلَى كَرَاهِيَةِ التَّنْزِيهِ؛ إِذ لَا يُسْتَبَاحُ دَمُ (٤) امرئٍ (٥) مُسْلِمٍ، وَلَا عرضُه بمكروه كراهية تنزيه (٦)، ووجه ضَرْبُهُ إِياه: خَوَّفَ الِابْتِدَاعِ فِي الدِّينِ؛ أَن يَشْتَغِلَ مِنْهُ (٧) بِمَا لَا يَنْبَني عَلَيْهِ عَمَلٌ، أَو أَن (٨) يَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً لِئَلَّا يَبْحَثَ عَنِ الْمُتَشَابِهَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ (٩)، وَلِذَلِكَ لَمَّا قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا *﴾ (١٠)؛ قَالَ: هَذِهِ الْفَاكِهَةُ، فَمَا الأَبّ؟ ثُمَّ قَالَ (١١): ما أمرنا بهذا.\n_________\n(١) قوله: \"لي\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(٢) أخرجه ابن وضاح في \"البدع والنهي عنها\" (١٥٢). وإسناده معضل؛ مالك لم يلقَ عمر.\nوقصة عمر مع صبيغ مشهورة جاءت عنه بأسانيد متعددة، أمثلها ما أخرجه الدارمي (١/ ٦٦)، والآجري في \"الشريعة\" (١/ ٢١٠) من طريق يزيد بن خصيفة، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ؛ قَالَ: أَتَى عُمَرَ ...، فذكره.\nقال الحافظ في \"الإصابة\" (٥/ ١٦٩: ترجمة صبيغ): إسناده صحيح.\nوانظر: ترجمة صبيغ في \"تاريخ ابن عساكر\" (٢٣/ ٤٠٨).\n(٣) كذا في جميع النسخ، غير أن ترتيب نقط الكلمة في (خ) أوهم أن تكون: \"أرتب\"، فعلق رشيد رضا عليها بقوله: في الأصل: \"أرتب\"، وهو تحريف ظاهر، والمعنى: أن الضرب لا يمكن أن يُرَتّب على كراهية التنزيه. اهـ.\n(٤) في (خ): \"ذم\".\n(٥) قوله: \"امرئ\" سقط من (ت).\n(٦) في (غ) و(ر): \"التنزيه\".\n(٧) في (ر) و(غ): \"عنه\" بدل \"منه\".\n(٨) في (خ): \"وأن\".\n(٩) علق رشيد رضا ﵀ على هذا الموضع بقوله: \"المشهور في قصة صبيغ: أنه كان يسأل عن المتشابهات، فيفتح بها باب التشكيك في القرآن، وأن عمر ضربه ثم نفاه من المدينة، وأمر باجتنابه لأجل ذلك. وقد ذكره الحافظ في القسم الثالث من الإصابة، وذكر ملخص الروايات في قصته مع عمر\" اهـ.\n(١٠) سورة عبس: الآية (٣١).\n(١١) قوله: \"قال\" سقط من (ر) و(غ).","vol":"2","page":385},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: نُهينا عَنِ التكلُّف (١) (٢).\nوَجَاءَ فِي قِصَّةِ صَبيغ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنِ اللَّيْثِ: أَنه ضَرَبَهُ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَراد أَن يَضْرِبَهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ لَهُ صَبيغ: إِن كُنْتَ تُرِيدُ قَتْلِي فَاقْتُلْنِي قَتْلًا جَمِيلًا، وإِن كُنْتَ تُرِيدُ أَن تُدَاوِيَنِي فَقَدْ وَاللَّهِ بَرِئْتُ. فأَذن لَهُ إِلى أَرضه، وَكَتَبَ إِلى أَبي مُوسَى الأَشعري ﵁: أَن لَا يُجَالِسَهُ أَحد مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الرَّجُلِ، فَكَتَبَ أَبو مُوسَى إِلى عُمَرَ: أَن قَدْ حَسُنت هيئته (٣)، فكتب عَمَرُ: أَن يأْذن لِلنَّاسِ بِمُجَالَسَتِهِ (٤).\nوَالشَّوَاهِدُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى أَن الهيِّن عِنْدَ النَّاسِ مِنَ الْبِدَعِ شديدٌ وَلَيْسَ بهيِّن، ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ (٥).\nوأَما كَلَامُ الْعُلَمَاءِ: فإِنهم وإِن أَطلقوا الْكَرَاهِيَةَ فِي الأُمور الْمَنْهِيِّ عَنْهَا؛ لَا يَعْنُونَ بِهَا كَرَاهِيَةَ (٦) التَّنْزِيهِ فَقَطْ، وإِنما هَذَا اصْطِلَاحٌ للمتأَخرين (٧) حين أَرادوا أَن يفرِّقوا بين القَبِيلَيْن، فَيُطْلِقُونَ لَفْظَ الْكَرَاهِيَةِ عَلَى كَرَاهِيَةِ التَّنْزِيهِ فَقَطْ، ويخصّون كراهية التحريم بلفظ التحريم، أو المنع، وأَشباه ذلك.\nوأَما المتقدمون من السلف: فإِنه لَمْ يَكُنْ مِنْ شأْنهم فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ صَرِيحًا أَن يَقُولُوا: هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ، وَيَتَحَامَوْنَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ خَوْفًا مِمَّا فِي الْآيَةِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ\n_________\n(١) في (خ): \"التكليف\".\n(٢) هذا الأثر يرويه أنس عن عمر، وإسناده صحيح، وله عن أنس ستة طرق تجدها مفصّلة في تخريجي لـ\"سنن سعيد بن منصور\" (١/ ١٨١) فما بعدها.\nوقوله: \"نهينا عن التكلف\": أخرجه البخاري (٧٢٩٣).\n(٣) في (خ): \"سيئته\".\n(٤) أخرجه الدارمي (١/ ٦٧)، وابن وضاح في \"البدع والنهي عنها\" (١٥١) من طريق الليث، عن محمد بن عجلان، عن نافع، به. ورواية نافع عن عمر مرسلة.\nوسبق قريبًا تخريج قصة صبيغ وبيان صحتها.\n(٥) سورة النور: الآية (١٥).\n(٦) في (غ): \"كراهة\".\n(٧) في (ر) و(غ): \"المتأخرين\".","vol":"2","page":386},{"text":"وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ (١)، وحَكى مَالِكٌ عمَّن تقدَّمه هَذَا الْمَعْنَى (٢).\nفإِذا وُجِدَتْ فِي كَلَامِهِمْ فِي الْبِدْعَةِ أَو غَيْرِهَا \"أَكره هَذَا، وَلَا أُحِبُّ هَذَا، وَهَذَا مَكْرُوهٌ\" وَمَا أَشبه ذَلِكَ، فَلَا تَقْطَعَنَّ عَلَى أَنهم يُرِيدُونَ التَّنْزِيهَ فَقَطْ فإِنه إِذا دَلَّ الدَّلِيلُ فِي (٣) جَمِيعِ الْبِدَعِ عَلَى أَنها (٤) ضَلَالَةٌ فَمِنْ أَين يُعَدُّ فِيهَا مَا هُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهِيَةَ التَّنْزِيهِ (٥)؟ اللَّهُمَّ إِلا أَن يُطْلِقُوا لَفْظَ الْكَرَاهِيَةِ عَلَى مَا يَكُونُ لَهُ أَصل فِي الشَّرْعِ، وَلَكِنْ يُعَارِضُهُ أَمر آخَرُ مُعْتَبَرٌ فِي الشَّرْعِ فَيُكْرَهُ لأَجله، لَا لأَنه بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ؛ عَلَى تفصيل يذكر في موضعه إن شاء الله (٦).\nوأَما ثَالِثًا: فإِنا إِذا تأَملنا حَقِيقَةَ الْبِدْعَةِ - دَقَّتْ أَوجَلَّت - وَجَدْنَاهَا (٧) مُخَالِفَةً لِلْمَكْرُوهِ مِنَ الْمَنْهِيَّاتِ الْمُخَالَفَةَ التَّامَّةَ. وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ أَوجه:\nأَحدها: أَن مُرْتَكِبَ الْمَكْرُوهِ إِنما قَصْدُهُ نَيْلُ غَرَضِهِ وَشَهْوَتِهِ الْعَاجِلَةِ متَّكلًا عَلَى الْعَفْوِ اللَّازِمِ فِيهِ، وَرَفْعِ الْحَرَجِ الثَّابِتِ فِي الشَّرِيعَةِ، فَهُوَ إِلى الطَّمَعِ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ أَقرب.\nوأَيضًا: فَلَيْسَ عَقَدُهُ الْإِيمَانِيُّ بِمُتَزَحْزِحٍ، لأَنه يَعْتَقِدُ الْمَكْرُوهَ مَكْرُوهًا كَمَا يَعْتَقِدُ الْحَرَامَ حَرَامًا وإِن ارْتَكَبَهُ، فَهُوَ يَخَافُ اللَّهَ وَيَرْجُوهُ، وَالْخَوْفُ والرجاءُ شُعْبَتَانِ مِنْ شُعَبِ الإِيمان.\nفَكَذَلِكَ مُرْتَكِبُ الْمَكْرُوهِ يَرَى أَن التُّرْكَ أَولى في حقه من الفعل، وأَن\n_________\n(١) سورة النحل: الآية (١١٦).\n(٢) قال ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (٢/ ١٠٧٥ رقم ٢٠٩١): \"وذكر ابن وهب وعتيق بن يعقوب: أنهما سمعا مالك بن أنس يقول: لم يكن من أمر الناس ولا مَنْ مضى من سلفنا، ولا أدري أحدًا أقتدي به يقول في شيءٍ: هذا حلال، وهذا حرام، ما كانوا يجترؤون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره هذا ... \" إلخ. ونقل نحوه القرطبي في \"تفسيره\" (١٠/ ١٩٦)، وابن رجب في \"جامع العلوم\" (ص٥٢٥).\n(٣) في (ت): \"على أن\" بدل \"في\".\n(٤) قوله: \"على أنها\" ليس في (ت).\n(٥) في (ت): \"كراهة تنزيه\".\n(٦) قوله: \"إن شاء الله\" من (ر) و(غ) فقط.\n(٧) في (خ): \"وجدنا\".","vol":"2","page":387},{"text":"نَفْسَهُ الأَمّارة زَيَّنت لَهُ الدُّخُولَ فِيهِ. ويَوَدُّ لَوْ لَمْ يَفْعَلْ، وأَيضًا فَلَا يَزَالُ - إِذا تَذَكَّرَ - منكسرَ الْقَلْبِ؛ طَامِعًا فِي الإِقلاع، سَوَاءٌ عَلَيْهِ أَخذ فِي أَسباب الإِقلاع أَم لَا.\nوَمُرْتَكِبُ أَدنى الْبِدَعِ يَكَادُ يَكُونُ عَلَى ضِدِّ هَذِهِ الأَحوال، فإِنه يَعُدُّ مَا دَخَلَ فِيهِ حسنًا، بل يراه أَولى مما (١) حدَّ له الشارع، فأَين مع هذا خَوْفُهُ أَو رَجَاؤُهُ، وَهُوَ يَزْعُمُ أَن طَرِيقَهُ أَهدى سَبِيلًا، وَنِحْلَتَهُ أَولى بِالِاتِّبَاعِ؟\nهَذَا وإِن كان زعمه لشبهة (٢) عَرَضَتْ فَقَدْ شَهِدَ الشَّرْعُ بِالْآيَاتِ والأَحاديث أَنه مُتَّبِعٌ لِلْهَوَى. وسيأْتي لِذَلِكَ تَقْرِيرٌ إِن شاءَ اللَّهُ.\nوَقَدْ مَرَّ فِي أَول الْبَابِ الثَّانِي تَقْرِيرٌ لِجُمْلَةٍ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي تُعَظِّمُ أَمر الْبِدَعِ عَلَى الإِطلاق، وَكَذَلِكَ مَرَّ فِي آخِرِ الْبَابِ أَيضًا أُمور ظَاهِرَةٌ فِي بُعْدِ مَا بينها (٣) وَبَيْنَ كَرَاهِيَةِ التَّنْزِيهِ، فَرَاجِعْهَا هُنَالِكَ يَتَبَيَّنْ لَكَ مِصْدَاقَ مَا أُشير إِليه هَاهُنَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.\nوَالْحَاصِلُ: أَن النِّسْبَةَ بَيْنَ الْمَكْرُوهِ مِنَ الأَعمال وبين أَدنى البدع (٤) بعيدُ المُلْتَمَس.\n_________\n(١) في (خ): \"بما\".\n(٢) في (م): \"بشبهة\".\n(٣) في (خ) و(م): \"بينهما\".\n(٤) قوله: \"وبين أدنى البدع\" سقط من (ت).","vol":"2","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>فصل</span>\nإِذا (١) ثَبَتَ هَذَا انْتَقَلْنَا مِنْهُ إِلى مَعْنًى آخَرَ\nوَهُوَ أَن المُحَرَّم يَنْقَسِمُ فِي الشَّرْعِ إِلى مَا هُوَ صَغِيرَةٌ، وإِلى مَا هُوَ كَبِيرَةٌ - حَسْبَمَا تبيَّن فِي عِلْمِ الأُصول الدِّينِيَّةِ ـ، فَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي الْبِدَعِ الْمُحَرَّمَةِ: إِنها تَنْقَسِمُ إِلى الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ اعْتِبَارًا بِتَفَاوُتِ دَرَجَاتِهَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بأَن الْمَعَاصِيَ تَنْقَسِمُ إِلى الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ. وَلَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا عَلَى أَوجه وَجَمِيعُ مَا قَالُوهُ لَعَلَّهُ لَا يُوفِي بِذَلِكَ الْمَقْصُودِ عَلَى الْكَمَالِ فَلْنَتْرُكِ التَّفْرِيعَ عَلَيْهِ.\nوأَقرب وَجْهٍ (٢) يُلْتَمَسُ لِهَذَا الْمَطْلَبِ مَا تَقَرَّرَ فِي كِتَابِ \"الْمُوَافِقَاتِ\" (٣) أَن الْكَبَائِرَ مُنْحَصِرَةٌ فِي الإِخلال بِالضَّرُورِيَّاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي كُلِّ مِلَّة، وَهِيَ: الدِّينُ، وَالنَّفْسُ، وَالنَّسْلُ، وَالْعَقْلُ، وَالْمَالُ، وكل ما نُصَّ عليه منها (٤) رَاجِعٌ إِليها، وَمَا لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ جَرَتْ في الاعتبار النظري (٥) مَجْرَاهَا، وَهُوَ الَّذِي يَجْمَعُ أَشتات مَا ذَكَرَهُ العلماءُ وَمَا لَمْ يَذْكُرُوهُ مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ.\nفَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي كَبَائِرَ الْبِدَعَ: مَا أَخَلَّ مِنْهَا بأَصل مِنْ هَذِهِ الضَّرُورِيَّاتِ فَهُوَ كبيرة، وما لا، فهي صَغِيرَةٌ (٦)، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ لِذَلِكَ أَمثلة أَول الْبَابِ.\nفَكَمَا انْحَصَرَتْ كَبَائِرُ الْمَعَاصِي أَحسن انْحِصَارٍ - حَسْبَمَا أُشِيرَ إِليه فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ ـ؛ كَذَلِكَ تَنْحَصِرُ كَبَائِرُ الْبِدَعِ أَيضًا، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْتَرِضُ (٧) فِي\n_________\n(١) في (ر) و(غ): \"وإذا\".\n(٢) في (ت): \"شيء\" بدل \"وجه\".\n(٣) (٢/ ٥١١).\n(٤) قوله: \"منها\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(٥) في (خ) و(ت) و(م): \"النظر\".\n(٦) في (ت): \"فهو صغيرة\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"يفترض\".","vol":"2","page":389},{"text":"المسأَلة إِشكال عَظِيمٌ عَلَى أَهل الْبِدَعِ يَعْسُر التخلّص منه (١) فِي إِثبات الصَّغَائِرِ فِيهَا. وَذَلِكَ أَن جَمِيعَ الْبِدَعِ رَاجِعَةٌ إِلى الإِخلال بِالدِّينِ، إِما أَصلًا، وإِما فَرْعًا؛ لأَنها إِنما أُحدثت لتُلْحَقَ بِالْمَشْرُوعِ؛ زِيَادَةً فِيهِ، أَو نُقْصَانًا (٢) مِنْهُ، أَو تَغْيِيرًا لقوانينه (٣)، أَو مَا يَرْجِعُ إِلى ذَلِكَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بمختص بالعبادات دون العادات - إِن قلنا بدخولها في العادات (٤) ـ، بل تشمل (٥) الْجَمِيعِ (٦).\nوإِذا كَانَتْ بِكُلِّيَّتِهَا إِخلالًا بِالدِّينِ؛ فَهِيَ إِذًا إِخلال بَأَوّل الضَّرُورِيَّاتِ، وَهُوَ الدِّينُ، وَقَدْ أَثبت الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ (٧) أَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَقَالَ فِي الفِرَقِ: \"كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلا وَاحِدَةٌ\" (٨)، وَهَذَا (٩) وَعِيدٌ أَيضًا (١٠) لِلْجَمِيعِ عَلَى التَّفْصِيلِ.\nهذا وإِن تَفَاوَتَتْ مَرَاتِبُهَا فِي الإِخلال بِالدِّينِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بمُخْرِجٍ لَهَا عَنْ أَن تَكُونَ كَبَائِرَ، كَمَا أَن الْقَوَاعِدَ الْخَمْسَ أَركان الدِّينِ، وَهِيَ مُتَفَاوِتَةٌ فِي التَّرْتِيبِ، فَلَيْسَ الإِخلال بِالشَّهَادَتَيْنِ (١١) كالإِخلال بِالصَّلَاةِ، وَلَا الْإِخْلَالُ بِالصَّلَاةِ كالإِخلال بِالزَّكَاةِ، وَلَا الإِخلال بِالزَّكَاةِ كالإِخلال بِرَمَضَانَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُهَا، مَعَ أن (١٢) الإِخلال بكل واحدٍ (١٣) مِنْهَا كَبِيرَةٌ، فَقَدْ آلَ النَّظَرُ (١٤) إِلى أَن كل بدعة كبيرة.\n_________\n(١) المثبت من (ت)، وفي باقي النسخ: \"عنه\" بدل \"منه\".\n(٢) في (ر) و(غ): \"أو نقصًا\".\n(٣) في (خ) و(ت): \"لقوافيه\" وفي (م): \"أو تغيير القوانية\".\n(٤) في (ت): \"في العبادات\".\n(٥) في (خ): \"تمنع\" بدل \"تشمل\"، وعلق عليها رشيد رضا بقوله: لعل هنا كلمة \"في\" ساقطة. اهـ.\n(٦) في (ت): \"بل تقع في الجميع\".\n(٧) تقدم تخريجه صفحة (١٠٨) من المجلد الأول، و(ص٣١٨) من هذا المجلد.\n(٨) أخرجه أحمد (٤/ ١٠٢)، وأبو داود (٤٥٩٧)، والدارمي (٢/ ٢٤١) وغيرهم من حديث معاوية ﵁.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: حديث صحيح مشهور، وجوّد أسانيده العراقي، وحسّنه الحافظ ابن حجر؛ كما في \"السلسلة الصحيحة\" (٢٠٤) وانظر (ص١٠٨) من المجلد الأوّل.\n(٩) في (ر) و(غ): \"وهو\".\n(١٠) في (ت): \"وهذا أيضًا وعيد\".\n(١١) في (خ) و(م): \"في الشهادتين\".\n(١٢) قوله: \"أن\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(١٣) قوله: \"واحد\" من (ر) و(غ) فقط.\n(١٤) في (ر) و(غ): \"آل هذا النظر\".","vol":"2","page":390},{"text":"ويجاب عنه بأَنه إن كان (١) هذا النظر (٢) يدل على ما ذُكر؛ فَفِي (٣) النَّظَرِ مَا يَدُلُّ مِنْ جِهَةٍ أُخرى عَلَى إِثبات الصَّغِيرَةِ مِنْ أَوجه:\nأَحدها: أَنا نَقُولُ: الإِخلال بِضَرُورَةِ النَّفْسِ كَبِيرَةٌ بِلَا إِشكال، وَلَكِنَّهَا عَلَى مَرَاتِبَ، أَدناها لَا يُسَمَّى كَبِيرَةً، فَالْقَتْلُ كَبِيرَةٌ، وَقَطْعُ الأَعضاءِ مِنْ غَيْرِ إِجهاز (٤) كبيرة دونها، وقطع عُضْوٍ واحد فقط (٥) كَبِيرَةٌ دُونَهَا، وهَلُمّ جَرَّا إِلى أَن تَنْتَهِيَ (٦) إِلى اللَّطْمَةِ، ثُمَّ إِلى أَقل خَدْشٍ يُتَصَوَّرُ، فَلَا يَصِحُّ أَن يُقَالَ فِي مَثَلِهِ كَبِيرَةٌ، كَمَا قَالَ (٧) العلماءُ فِي السَّرِقَةِ: إِنها كَبِيرَةٌ؛ لأَنها إِخلال بِضَرُورَةِ الْمَالِ. فإِن كَانَتِ السَّرِقَةُ فِي لُقمة، أَو تطفيفٍ بِحَبَّةٍ (٨)، فَقَدْ عَدُّوهُ من الصغائر، وهكذا (٩) فِي ضَرُورَةِ الدِّينِ أَيْضًا.\nفَقَدْ جاءَ فِي بَعْضِ الأَحاديث عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: \"أَول مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمُ الأَمانة، وَآخِرُ مَا تَفْقِدُونَ الصَّلَاةَ، ولتُنْقَضَنّ عُرَى الإِسلام (١٠) عُرْوَةً عُرْوَةً (١١)، ولَيُصَلِّيَنّ نِسَاءٌ وهُنَّ حُيَّضٌ\"، ثُمَّ قال: \"وَحَتَّى (١٢) تَبْقَى فِرْقَتَانِ مِنْ فِرَقٍ كَثِيرَةٍ تَقُولُ إِحداهما: مَا بَالُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ؟ لَقَدْ ضَلَّ مَنْ كَانَ قَبْلنا، إِنما قَالَ اللَّهُ: ﴿وَأَقِمِ (١٣) الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ (١٤)، لا تُصَلّون إِلا ثلاثًا. وتقول الأُخرى (١٥): إِنا لمؤمنون (١٦) بِاللَّهِ إِيمان الْمَلَائِكَةِ، مَا فِينَا كَافِرٌ، حقٌّ على الله أَن يحشرهما مع الدجال\" (١٧).\n_________\n(١) قوله: \"كان\" سقط من (م).\n(٢) في (خ) و(ت): \"ويجاب عنه بأن هذا النظر\".\n(٣) في (ت): \"وفي\".\n(٤) أي: من غير قتل.\n(٥) قوله: \"فقط\" من (ر) و(غ) فقط.\n(٦) في (ر) و(غ): \"ينتهي\".\n(٧) في (ر) و(غ): \"يقول\".\n(٨) في (ت): \"حبة\".\n(٩) في (خ) و(م) و(ت): \"وهذا\".\n(١٠) في (خ): \"الإيمان\" بدل \"الإسلام\".\n(١١) قوله: \"عروة\" الثانية سقط من (م).\n(١٢) في (خ) و(م) و(ت): \"حتى\".\n(١٣) في جميع النسخ: \"أقم\".\n(١٤) الآية: (١١٤) من سورة هود.\n(١٥) في (خ) و(م): \"أخرى\".\n(١٦) في في (خ) و(م) و(ت): \"لنؤمن\".\n(١٧) أخرجه الخلال في \"السنة\" (ق١٢٣/ب)، وابن بطة في \"الإبانة\" (٨)، كلاهما من=","vol":"2","page":391},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=طريق الإمام أحمد، عن أبي عامر العقدي عبد الملك بن عمرو، عن عكرمة بن عمار، عن أبي عبد الله الفلسطيني؛ قال: حدثني عبد العزيز أخو حذيفة، عن حذيفة بن اليمان ...، فذكره. وأخرجه الخلال أيضًا (ق/١٢٣/ب - ١٢٤/أ) من طريق الإمام أحمد، عن عبد العزيز بن عبد الوارث، عن عكرمة، به، إلا أنه قال: \"أول ما تفقدون من دينكم الخشوع\".\nوأخرجه ابن وضاح في \"البدع والنهي عنها\" (١٥٥) من طريق أسد بن موسى، والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٤٦٩) من طريق الإمام أحمد، كلاهما عن عبد الرحمن بن مهدي، عن عكرمة بن عمار، به.\nوأخرجه أحمد في \"الزهد\" (ص٢٦٣ رقم ١٠٠٠)، وابن أبي شيبة (٧/ ١٤٠)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٢٨١) ثلاثتهم من طريق وكيع، عن عكرمة، به بلفظ: \"أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة\".\nوسنده ضعيف لجهالة حال حميد أبي عبد الله الفلسطيني وعبد العزيز أخي حذيفة.\nوأخرجه أبو عمرو الداني في \"الفتن\" (٢٧١) من طريق ليث بن أبي سُلَيم، عن ابن حصين، عن حميد أبي عبد الله؛ قال: سمعت حذيفة ...، فذكره هكذا بإسقاط عبد العزيز أخي حذيفة من الإسناد، ولعل هذا من تخليط ليث بن أبي سليم.\nوأخرجه الآجري في \"الشريعة\" (٣٥) من طريق هشام بن عمار، عن عبد الحميد بن حبيب، عن الأوزاعي، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن الصنابحي، عن حذيفة، به موقوفًا.\nومن طريق الآجري أخرجه الداني في \"الفتن\" (٢٢٥ و٢٧٤).\nوأخرجه الداني أيضًا (٢٧٣) من طريق موسى بن أعين، عن الأوزاعي، عن رجل من أهل الحجاز، عن الصنابحي، عن حذيفة قال: \"لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، ويكون أول نقضه الخشوع حتى لا ترى خاشعًا\".اهـ.\nوأخرجه ابن وضاح (١٩٢) من طريق نعيم بن حماد؛ قال: نا عثمان بن كثير، عن محمد بن مهاجر؛ قال: حدثني أيوب بن جندب بن بشر، عن حذيفة، به ببعضه وزيادة لم ترد في باقي الروايات.\nوذكر بعضه مختصرًا البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٨/ ٣٣٣) من طريق أبي قيس، عن حذيفة.\nوأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٥٢٨ - ٥٢٩) من طريق محمد بن سنان القزاز؛ ثنا [عمر] بن يونس بن القاسم اليمامي؛ ثنا جهضم بن عبد الله القيسي، عن عبد الأعلى بن عامر، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن ابن عمر ﵄؛ قال: كنت في الحطيم مع حذيفة، فذكر حديثًا، ثم قال: لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، وليكونن أئمة مضلون ...، فذكر حديثًا طويلًا ليس من حديثنا، وصرح فيه=","vol":"2","page":392},{"text":"فهذا الأَثر - وإِن لم نلتزم (١) عُهْدَةَ صحَّتِه - مِثَالٌ مِنْ أَمثلة (٢) المسأَلة.\nفَقَدْ نَبَّه عَلَى أَن فِي آخِرِ الزَّمَانِ مَنْ (٣) يَرَى أَن الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةَ ثَلَاثٌ (٤) لَا خَمْسٌ، وبَيَّن أَن مِنَ النساءِ مَنْ يُصَلِّينَ وَهُنَّ حُيَّضٌ، كأَنه يُعْنَى بِسَبَبِ التَّعَمُّق وَطَلَبِ الِاحْتِيَاطِ بالوَسْوَاسِ الْخَارِجِ عَنِ السُّنَّة، فَهَذِهِ مَرْتَبَةٌ دُونَ الأُولى.\nوَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ (٥) أَن بَعْضَ النَّاسِ زَعَمَ أَن الظُّهْرَ خَمْسُ رَكْعَاتٍ لَا أَربع رَكْعَاتٍ.\nثُمَّ وَقَعَ فِي \"الْعُتْبِيَّةِ\" (٦): قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَسَمِعْتُ (٧) مَالِكًا يَقُولُ: أَول مَنْ أَحدث الِاعْتِمَادَ فِي الصَّلَاةِ - حَتَّى لَا يُحَرِّكَ رِجْلَيْهِ - رَجُلٌ قَدْ عُرِفَ وسُمِّيَ، إِلا أَني لَا أُحِبُّ أَن أَذكره، وقد كان مُسَاءً (٨). فقيل له: أفعيب ذلك عَلَيْهِ (٩)؟ قَالَ (١٠): قَدْ عِيبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَهَذَا مكروه من الفعل. قالوا: ومعنى (١١) مُسَاءً (١٢)؛ أي: يساءُ الثناءُ عليه.\n_________\n=بأنه سمعه من النبي ﷺ. وصححه الحاكم، فتعقبه الذهبي بقوله: \"قلت: بل منكر؛ فعبد الأعلى ضعفه أحمد وأبو زرعة، وأما جهضم فثقة، ومحمد بن سنان كذبه أبو داود\". وانظر كلامي عن الحديث في تعليقي على \"مختصر المستدرك\" (١١٤٣).\n(١) في (خ) و(م): \"تلتزم\".\n(٢) في (خ) و(م): \"الأمثلة المسألة\"، ثم صوبت في (م). وعلق رشيد رضا عليها بقوله: لعل \"الـ\" الداخلة على كلمة: \"الأمثلة\" زائدة. اهـ.\n(٣) في (م): \"أن من\".\n(٤) في (ت): \"ثلاثة\".\n(٥) لم أجد قول ابن حزم هذا.\n(٦) كما في شرحها: \"البيان والتحصيل\" (١٧/ ٥٤٩) وتقدم صفحة (٣٣٧).\n(٧) في (ت): \"سمعت\".\n(٨) زاد في (ت) و(خ) و(م) في هذا الموضع قوله: \"أي: يساء الثناء عليه\"، وهي زيادة لا داعي لها مع وجود تفسير المصنف لمعنى \"مساء\" في آخر النص.\n(٩) من قوله: \"فقيل له\" إلى هنا سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(١٠) في (خ): \"فقال\".\n(١١) قوله: \"ومعنى\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(١٢) في (خ) و(ت) و(م): \"ومساء\".","vol":"2","page":393},{"text":"قَالَ ابْنُ رُشْدٍ (١): جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ أَن يُرَوِّحَ (٢) الرَّجُلُ قَدَمَيْهِ فِي الصَّلَاةِ، قَالَهُ فِي \"الْمُدَوَّنَةِ\" (٣)، وإِنما كَرِهَ أَن يُقْرِنَهُمَا حَتَّى لَا يَعْتَمِدَ عَلَى إِحداهما دُونَ الأُخرى، لأَن ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ حُدُودِ الصَّلَاةِ، إِذ لَمْ يأْت ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَا عَنْ أَحد مِنَ السَّلَفِ، وَالصَّحَابَةِ المَرْضِيِّين الكرام (٤)، وَهُوَ مِنْ مُحْدَثَاتِ الأُمور. انْتَهَى.\nفَمِثْلُ هَذَا إِن كَانَ يَعُدُّه فاعلُه مِنْ مَحَاسِنِ الصَّلَاةِ - وإِن لم يأْت به أَثر - أَفَيُقَال (٥) في مثله: إِنه من كبائر الْبِدَعِ، كَمَا يُقَالُ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الْخَامِسَةِ في الظهر أو نحوها؟! (٦) بَلْ إِنما يُعَدّ مِثْلُهُ مِنْ صَغَائِرِ الْبِدَعِ؛ إِن سَلَّمْنَا أَن لَفْظَ الْكَرَاهِيَةِ فِيهِ مَا لا يُراد (٧) بِهِ (٨) التَّنْزِيهُ، وإِذا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَمْثِلَةِ فِي قَاعِدَةِ الدِّينِ، فَمِثْلُهُ يُتَصَوَّرُ فِي سَائِرِ الْبِدَعِ الْمُخْتَلِفَةِ الْمَرَاتِبِ، فَالصَّغَائِرُ فِي الْبِدَعِ ثَابِتَةٌ؛ كَمَا أَنها فِي الْمَعَاصِي ثَابِتَةٌ.\nوَالثَّانِي: أَن الْبِدَعَ تَنْقَسِمُ إِلَى مَا هِيَ كُلِّيَّةٌ فِي الشَّرِيعَةِ، وإِلى جُزْئِيَّةٍ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَن يَكُونَ الْخَلَلُ الْوَاقِعُ بِسَبَبِ الْبِدْعَةِ كُلِّيًّا فِي الشَّرِيعَةِ، كَبِدْعَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّينَ، وَبِدْعَةِ إِنكار الأَخبار السُّنِّيَّةِ اقْتِصَارًا عَلَى الْقُرْآنِ، وَبِدْعَةِ الْخَوَارِجِ فِي قَوْلِهِمْ: لَا حُكْمَ إِلا لِلَّهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْبِدَعِ الَّتِي لَا تَخُصُّ فَرْعًا مِنْ فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ دُونَ فَرْعٍ، بَلْ تجدها تَنْتَظِمُ مَا لَا يَنْحَصِرُ مِنَ الْفُرُوعِ الْجُزْئِيَّةِ، أَو يَكُونُ الْخَلَلُ الْوَاقِعُ جُزْئِيًّا إِنَّمَا يأْتي فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ دُونَ بَعْضٍ، كَبِدْعَةِ التَّثْوِيبِ بِالصَّلَاةِ الَّذِي قَالَ فِيهِ مَالِكٌ: التَّثْوِيبُ ضَلَالٌ (٩)، وبدعة الأَذان والإِقامة في\n_________\n(١) في الموضع السابق من \"البيان والتحصيل\".\n(٢) في (ر) و(غ): \"يتروح\".\n(٣) (١/ ١٠٧).\n(٤) قوله: \"الكرام\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(٥) في (خ) و(ت): \"فيقال\".\n(٦) في (خ): \"ونحوها\".\n(٧) (خ) و(م): \"ما يراد\"، وفي (ت): \"مما يراد\".\n(٨) في (ر) و(غ): \"بها\".\n(٩) انظر: \"البيان والتحصيل\" (١/ ٤٣٥)، و\"مواهب الجليل\" (١/ ٤٣١) وتقدم (ص٣٨٣)، وسيأتي (ص٩ و٤١٠).","vol":"2","page":394},{"text":"الْعِيدَيْنِ (١)، وَبِدْعَةِ (٢) الِاعْتِمَادِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى إِحدى (٣) الرِّجْلَيْنِ (٤)، وَمَا أَشبه ذَلِكَ. فَهَذَا الْقِسْمُ لَا تَتَعَدَّى فِيهِ الْبِدْعَةُ مَحَلَّهَا، وَلَا تَنْتَظِمُ (٥) تَحْتَهَا غيرَها حَتَّى تَكُونَ أَصلًا لَهَا.\nفَالْقِسْمُ الأَول إِذا عُدَّ مِنَ الْكَبَائِرِ اتَّضَحَ مَغْزَاهُ، وأَمكن أَن يَكُونَ مُنْحَصِرًا دَاخِلًا تَحْتَ عُمُومِ الثِّنْتَيْنِ وَالسَّبْعِينَ فِرْقَةٍ، وَيَكُونُ الْوَعِيدُ الْآتِي فِي الْكِتَابِ والسنة مخصوصًا به لاعامًّا فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ، وَيَكُونُ مَا عَدَا ذَلِكَ - وهو القسم الثاني (٦) - مِنْ قَبِيلِ اللَّمَم الْمَرْجُوِّ فِيهِ الْعَفْوُ الَّذِي لَا يَنْحَصِرُ إِلى ذَلِكَ الْعَدَدِ، فَلَا قَطْعَ على أَن جميعها من قَبِيلِ الكبائر (٧)، وَقَدْ ظَهَرَ وَجْهُ انْقِسَامِهَا.\nوَالثَّالِثُ: أَن الْمَعَاصِيَ قَدْ ثَبَتَ انْقِسَامُهَا إِلى الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ، وَلَا شَكَّ أَن الْبِدَعَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَعَاصِي - عَلَى مُقْتَضَى الأَدلة الْمُتَقَدِّمَةِ ـ، وَنَوْعٌ مِنْ أَنواعها، فَاقْتَضَى إِطلاق التَّقْسِيمِ أَنَّ الْبِدَعَ تَنْقَسِمُ أَيضًا، وَلَا تُخَصُّ وحدها (٨) بِتَعْمِيمِ الدُّخُولِ فِي الْكَبَائِرِ، لأَن ذَلِكَ تَخْصِيصٌ مِنْ غَيْرِ مُخَصِّص، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُعْتَبَرًا لَاسْتُثْنِيَ مَنْ تَقَدَّم مِنَ العلماءِ الْقَائِلِينَ (٩) بِالتَّقْسِيمِ قِسْمُ الْبِدَعِ، فَكَانُوا يَنُصّون عَلَى أَن الْمَعَاصِيَ - مَا عَدَّا الْبِدَعَ - تَنْقَسِمُ إِلى الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ، إِلا أَنهم لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلى الاستثناءِ، وأَطلقوا الْقَوْلَ بِالِانْقِسَامِ، فَظَهَرَ أَنه شَامِلٌ لِجَمِيعِ أَنواعها.\nفإِن (١٠) قِيلَ: إِن ذَلِكَ التَّفَاوُتَ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى إِثبات الصَّغِيرَةِ مُطْلَقًا، وإِنما يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنها تَتَفَاضَلُ، فَمِنْهَا ثَقِيلٌ وأَثقل، ومنها خفيف\n_________\n(١) تقدمت الإشارة إليه صفحة (٣١٩).\n(٢) في (ر) و(غ): \"وبدعة ترك\".\n(٣) في أصل (ت): \"كلا\"، وأشار في الهامش إلى أن في نسخة: \"إحدى\" بدل \"كلا\".\n(٤) تقدمت الإشارة إليه في الصفحة السابقة.\n(٥) في (ر) و(غ): \"ينتظم\".\n(٦) قوله: \"وهو القسم الثاني\" من (ر) و(غ) فقط.\n(٧) قوله: \"الكبائر\" سقط من (م)، وفي (خ) و(ت) بدلًا منه: \"واحد\".\n(٨) في (خ) و(م): \"ولا يخصص وجوهًا\" وفي (ت): \"ولا تخصص وجوهًا\".\n(٩) قوله: \"القائلين\" سقط من (غ).\n(١٠) قوله: \"فإن\" سقط من (م).","vol":"2","page":395},{"text":"وأَخف، وَالْخِفَّةُ هَلْ تَنْتَهِي إِلى حَدٍّ تُعَدُّ الْبِدْعَةُ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ اللَّمَم؟ هَذَا فِيهِ نَظَرٌ، وَقَدْ ظَهَرَ مَعْنَى الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ فِي الْمَعَاصِي غَيْرِ الْبِدَعِ.\nوأَما فِي الْبِدَعِ فَثَبَتَ (١) لَهَا أَمران:\nأَحدهما: أَنها مُضَادَّةٌ لِلشَّارِعِ (٢) وَمُرَاغَمَةٌ لَهُ، حَيْثُ نَصَّبَ الْمُبْتَدِعُ نَفْسَهُ نَصْبَ الْمُسْتَدْرِكِ عَلَى الشَّرِيعَةِ، لَا نَصْبَ الْمُكْتَفِي بِمَا حُدَّ لَهُ.\nوَالثَّانِي: أَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ - وإِن قَلَّت - تشريعٌ زَائِدٌ أَو نَاقِصٌ، أَو تَغْيِيرٌ للأَصل الصَّحِيحِ، وكلُّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ عَلَى الِانْفِرَادِ، وَقَدْ يَكُونُ مُلْحَقًا بِمَا هُوَ مَشْرُوعٌ، فَيَكُونُ قَادِحًا فِي الْمَشْرُوعِ. وَلَوْ فَعَلَ أَحد مِثْلَ هذا في نفس (٣) الشريعة عامدًا لكفر، إِذِ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ فِيهَا أَوِ التَّغْيِيرُ - قلَّ أَو كَثُر - كُفْرٌ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا قَلَّ مِنْهُ وَمَا كَثُرَ (٤)، فَمَنْ فَعَلَ مِثْلِ ذَلِكَ بتأْويل فَاسِدٍ، أَو برأْي (٥) غالطٍ رَآهُ، وأَلْحَقَه (٦) بالمشروع، إِذا لم نُكَفِّرْه (٧)؛ لَمْ يَكُنْ فِي حُكْمِهِ فَرْقٌ بَيْنَ مَا قَلّ مِنْهُ (٨) وَمَا كَثُرَ، لأَن الجميعَ جِنَاية لا تحتملها (٩) الشَّرِيعَةُ بقليلٍ وَلَا بكثيرٍ.\nوَيُعَضِّدُ هَذَا النَّظَرَ: عُمُومُ الأَدلة فِي ذَمِّ الْبِدَعِ مِنْ غَيْرِ استثناء، فلا فرق إذًا (١٠) بَيْنَ بِدْعَةٍ جُزْئِيَّةٍ، وَبِدَعَةٍ كُلِّيَّةٍ، وَقَدْ حَصَلَ الْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الأَول وَالثَّانِي.\nوأَما الثَّالِثُ: فَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لأَن قَوْلَهُ ﵇: \"كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ\" (١١)، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ السلف الصالح ﵃ (١٢)؛ يدل\n_________\n(١) في (ت): \"فظهر\" بدل \"فثبت\".\n(٢) في (م): \"للشارعة\".\n(٣) في (ر) و(غ): \"تفسير\".\n(٤) في (ت): \"ما قلّ منه أو كثر\".\n(٥) في (ت): \"أو رأي\".\n(٦) في (خ) و(م) و(ت): \"أو ألحقه\".\n(٧) في (خ): \"تكفره\"، وفي (ت): \"يكفر\".\n(٨) قوله: \"منه\" ليس في (ر) و(غ).\n(٩) في (ت) و(م) و(خ): \"لا تحملها\".\n(١٠) في (خ) و(م) و(ت): \"فالفرق\" بدل قوله: \"فلا فرق إذًا\".\n(١١) تقدم تخريجه صفحة، (١٠٨) من المجلد الأول، و(ص٣١٨) من هذا المجلد.\n(١٢) قوله: \"الصالح ﵃\" من (ر) و(غ) فقط.","vol":"2","page":396},{"text":"عَلَى عُمُومِ الذَّمِّ فِيهَا. وَظَهَرَ أَنها مَعَ الْمَعَاصِي لَا تَنْقَسِمُ ذَلِكَ الِانْقِسَامَ، بَلْ إِنما يَنْقَسِمُ مَا سِوَاهَا مِنَ الْمَعَاصِي، وَاعْتَبِرْ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْبَابِ الثَّانِي يَتَبَيَّنْ لَكَ عدم الفرق فيها. وأَقرب (١) عِبَارَةً تُنَاسِبُ هَذَا التَّقْرِيرَ أَن يُقَالَ: كُلُّ بدعةٍ كبيرةٌ عظيمةٌ (٢)، بالإِضافة (٣) إِلى مُجَاوَزَةِ حُدُودِ اللَّهِ بِالتَّشْرِيعِ، إِلا أَنها وإِن عَظُمَتْ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، فإِذا نُسِبَ بَعْضُهَا إِلى بَعْضٍ تَفَاوَتَتْ رُتَبُها (٤)، فَيَكُونُ مِنْهَا صِغَارٌ وَكِبَارٌ (٥)، إِما بِاعْتِبَارِ أَن بَعْضَهَا أَشد عِقَابًا مِنْ بَعْضٍ، فَالْأَشَدُّ عِقَابًا أَكبر مِمَّا دُونَهُ، وإِما بِاعْتِبَارِ فَوْتِ الْمَطْلُوبِ فِي الْمَفْسَدَةِ، فَكَمَا انْقَسَمَتِ الطَّاعَةُ بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ إِلى الْفَاضِلِ والأَفضل، لِانْقِسَامِ مَصَالِحِهَا إِلى الْكَامِلِ، والأَكمل، انْقَسَمَتِ الْبِدَعُ لِانْقِسَامِ مَفَاسِدِهَا إِلى الرَّذِلِ والأَرْذَلِ، والصِّغَرِ والكِبَرِ، مِنْ بَابِ النِّسَبِ والإِضافات، فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ كَبِيرًا فِي نَفْسِهِ، لَكِنَّهُ صَغِيرٌ (٦) بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ أَكبر مِنْهُ، كما يكون كبيرًا بالنسبة إلى ما هو (٧) أصغر مِنْهُ (٨).\nوَهَذِهِ الْعِبَارَةُ قَدْ سَبَقَ إِليها إِمام الْحَرَمَيْنِ (٩) لَكِنْ فِي انْقِسَامِ الْمَعَاصِي إِلى الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ فَقَالَ: الْمَرَضِيُّ عِنْدَنَا أَن كُلَّ ذَنَبٍ كبيرة وَعَظِيمٌ بالإِضافة إِلى مُخَالَفَةِ اللَّهِ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ: مَعْصِيَةُ اللَّهِ أَكبر مِنْ مَعْصِيَةِ الْعِبَادِ قَوْلًا مُطْلَقًا، إِلا (١٠) أَنها وإِن عَظُمَتْ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، فإِذا نُسِبَ بَعْضُهَا إِلى بَعْضٍ تَفَاوَتَتْ رُتَبُهَا، ثُمَّ ذَكَرَ مَعْنًى مَا تَقَدَّمَ. وَلَمْ يُوَافِقْهُ غَيْرُهُ عَلَى مَا قَالَ، وإِن كَانَ لَهُ وَجْهٌ فِي النَّظَرِ وَقَعَتِ الإِشارة إِليه فِي كتاب \"الموافقات\" (١١).\n_________\n(١) في (خ): \"وأقرب منها\".\n(٢) في (ر) و(غ): \"وعظيمة\".\n(٣) في (ت): \"بالنسبة\" بدل \"بالإضافة\".\n(٤) في (م) و(ت) و(خ): \"رتبتها\".\n(٥) في (خ) و(م) و(ت): \"صغارًا وكبارًا\".\n(٦) في (ت) و(خ) و(م): \"صغيرًا\".\n(٧) من قوله: \"أكبر منه\" إلى هنا سقط من (م).\n(٨) من قوله: \"كما يكون كبيرًا\" إلى هنا سقط من (خ) و(ت).\n(٩) أي: الجويني في كتاب \"الإرشاد\" (ص٣٢٨)، والمصنف نقلها بتصرف، ونقلها الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" عن الجويني (١٠/ ٤٠٩)، وأطال في ذكر الخلاف في ضابط الكبيرة، فانظره إن شئت.\n(١٠) في (م): \"إلى\".\n(١١) راجع الموافقات (٣/ ٥٣٧).","vol":"2","page":397},{"text":"ولكن الظواهر تأْبى (١) ذَلِكَ - حَسْبَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ مِنَ العلماءِ ـ، وَالظَّوَاهِرُ فِي الْبِدَعِ لَا تأْبى كَلَامَ الإِمام إِذا نُزِّل عَلَيْهَا - حَسْبَمَا تَقَدَّمَ - فَصَارَ اعْتِقَادُ الصَّغَائِرِ فِيهَا يَكَادُ يَكُونُ مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ، كَمَا صَارَ اعتقاد نفي كراهة التَّنْزِيهُ (٢) عَنْهَا مِنَ الْوَاضِحَاتِ.\nفليُتَأَمَّلْ هَذَا الموضعُ أَشدّ التأَمل، ولْيُعْطَ مِنَ الإِنصاف حقَّه، وَلَا يُنظر إِلى خِفَّةِ الأَمر فِي الْبِدْعَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلى صُورَتِهَا وإِن دَقَّت، بَلْ يُنظر إِلى مُصَادَمَتِهَا لِلشَّرِيعَةِ، وَرَمْيِهَا لَهَا بِالنَّقْصِ وَالِاسْتِدْرَاكِ، وأَنها لَمْ تُكَمَّلْ بَعْدُ حَتَّى يُوضَعَ فِيهَا، بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَعَاصِي فإِنها لَا تَعُودُ عَلَى الشَّرِيعَةِ بتنقيصٍ وَلَا غضٍّ مِنْ جَانِبِهَا، بَلْ صَاحِبُ الْمَعْصِيَةِ مُتَنَصِّل مِنْهَا، مُقِرٌّ لله بمخالفته لِمُحْكَمِها (٣).\nوَحَاصِلُ الْمَعْصِيَةِ أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ فِي فِعْلِ الْمُكَلَّفِ لِمَا يُعْتَقَدُ صِحَّتَهُ مِنَ الشَّرِيعَةِ، وَالْبِدْعَةُ حَاصِلُهَا مُخَالَفَةٌ فِي اعْتِقَادِ كَمَالِ الشَّرِيعَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنس: مِنْ أَحدث فِي هَذِهِ الأُمة شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَلَفُهَا فَقَدْ زَعَمَ أَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خان الرسالة، لأَن اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٤) ...، إِلى آخِرِ الْحِكَايَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ (٥).\nوَمِثْلُهَا جَوَابُهُ لِمَنْ أَراد أَن يُحْرِمَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَقَالَ: أَي فِتْنَةٍ فِي هَذَا (٦)؟ إِنما هِيَ أَميال أَزيدها. فَقَالَ: وأَي فِتْنَةٍ أَعظم مِنْ أَن تَظُنَّ أَنك فَعَلْتَ فِعْلًا قَصَّرَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ ...، إِلى آخِرِ الْحِكَايَةِ، وقد تقدمت أَيضًا (٧).\n_________\n(١) في (خ) و(ت): \"الظاهر يأبى\"، وفي (م): \"الظاهر تأبى\".\n(٢) في (خ) و(م): \"الكراهية التنزيه\"، وفي (ت): \"الكراهية التنزيهية\".\n(٣) في (خ): \"لحكمها\"، وفي (ت): \"في حكمها\"، وفي (م): \"محكمها\".\n(٤) سورة المائدة: الآية (٣).\n(٥) (ص٦٥ - ٦٦) من الجزء الأول، و(ص٣٨٤، وستأتي (ص٤٠١) من هذا الجزء ووقع في (خ) و(ت) و(م): \"وقدمت\".\n(٦) في (خ) و(م) و(ت): \"أي فتنة فيها\".\n(٧) انظر: صفحة (٢٥٠) من القسم الأول.","vol":"2","page":398},{"text":"فإِذًا لا (١) يَصِحُّ أَن يَكُونَ فِي الْبِدَعِ مَا هُوَ صغيرة ولا كبيرة (٢).\nفَالْجَوَابُ: أَن ذَلِكَ يَصِحُّ بِطَرِيقَةٍ يُظْهِرُ إِن شاءَ الله أَنها تحقيق في تشعيب (٣) هَذِهِ المسأَلة.\nوَذَلِكَ أَن صَاحِبَ الْبِدْعَةِ يُتَصَوَّر أَن يَكُونَ عَالِمًا بِكَوْنِهَا بِدْعَةً، وأَن يَكُونَ غَيْرَ عَالِمٍ بِذَلِكَ، وَغَيْرُ الْعَالِمِ بِكَوْنِهَا بِدْعَةً عَلَى ضَرْبَيْنِ، وَهُمَا: الْمُجْتَهِدُ (٤) فِي اسْتِنْبَاطِهَا وَتَشْرِيعِهَا، وَالْمُقَلِّدُ لَهُ فِيهَا. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فالتأْويل يُصَاحِبُهُ فِيهَا وَلَا يُفَارِقُهُ إِذا حَكَمْنَا لَهُ بحكم أهل الإِسلام، فأما العالم بها فإنه لو لم يتأول لم يصح أن ينسب إلى أَهْلِ الْإِسْلَامِ (٥)، لأَنه مُصَادِمٌ لِلشَّارِعِ مُرَاغَمٌ لِلشَّرْعِ بِالزِّيَادَةِ فِيهِ، أَوِ النُّقْصَانِ مِنْهُ، أَو التَّحْرِيفِ لَهُ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ تأْويل كَقَوْلِهِ: هِيَ بِدْعَةٌ، وَلَكِنَّهَا مُسْتَحْسَنَةٌ، أَو يَقُولُ: إِنها بِدْعَةٌ، وَلَكِنِّي رأَيت فُلَانًا الْفَاضِلَ يَعْمَلُ بِهَا، أَو يأمر بِهَا (٦)، أَو يقِرُّ بِهَا، وَلَكِنَّهُ يَفْعَلُهَا لِحَظٍّ عاجل؛ كفاعل الذنب (٧) لقضاءِ حَظِّه (٨) العاجل مِنْ خَوْفٍ (٩) عَلَى حَظِّه (١٠)، أَو فِرَارًا مِنَ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ فِي اتِّبَاعِ السُّنَّةِ، كَمَا هُوَ الشأْن الْيَوْمَ فِي كَثِيرٍ مِمَّنْ يُشَارُ إِليه، وما أَشبه ذلك (١١).\nوأَما غير العالم بها (١٢)، وهو (١٣) الواضع لها: فإِنه لا يمكن أَن\n_________\n(١) قوله: \"لا\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(٢) قوله: \"ولا كبيرة\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(٣) في (خ) و(م): \"تشغيب\" وفي (ت): \"تَشَعُّب\"، وذكر في الحاشية أن في نسخة: \"تشعيب\".\n(٤) في (خ) و(ت) و(م): \"المجتهد والمقلد\"، وفي هامش (ت) ما نصه: \"أظن صوابه - والله أعلم ـ: بحذف المقلد الأول\".\n(٥) من قوله: \"فأما العالم\" إلى هنا سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٦) قوله: \"أو يأمر بها\" سقط من (خ) و(ت).\n(٧) في (ت): \"كفاعل الذهب\"، ثم صوبت في الهامش هكذا: \"المذهب\".\n(٨) في (ر) و(غ): \"حقه\" بدل \"حظه\".\n(٩) في (ت): \"خوفًا\" بدلًا من \"من خوف\".\n(١٠) في (خ): \"لِقَضَاءِ حَظِّهِ الْعَاجِلِ خَوْفًا عَلَى حَظِّهِ، أَوْ فرارًا من خوف على حظه\".\n(١١) قوله: \"وما أشبه ذلك\" سقط من (ت).\n(١٢) قوله: \"بها\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(١٣) قوله: \"وهو\" سقط من (ت).","vol":"2","page":399},{"text":"يَعْتَقِدَهَا (١) بِدَعَةً، بَلْ هِيَ عِنْدَهُ مِمَّا يلحق بالمشروعات، كَقَوْلِ مِنْ جَعْلِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ يُصَامُ لأَنه يَوْمُ مَوْلِدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَجَعْلَ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الأَول مُلْحَقًا بأَيام الأَعياد لأَنه ﵇ وُلِدَ فِيهِ، وَكَمَنَ عَدَّ السَّمَاعَ وَالْغَنَاءَ مِمَّا يُتقرَّب بِهِ إِلى اللَّهِ بِنَاءً عَلَى أَنه يَجْلِبُ الأَحوال السُّنِّيَّةَ، أَو رَغِبَ فِي الدعاءِ بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ فِي أَدبار الصَّلَوَاتِ دَائِمًا بِنَاءً عَلَى مَا جاءَ في ذلك حالة الوحدة، أَو زَادَ فِي الشَّرِيعَةِ أَحاديث مَكْذُوبَةً لِيَنْصُرَ فِي زَعْمِهِ سُنَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَمَّا قِيلَ لَهُ: إِنك تَكْذِبُ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ: \"مِنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فليتبوأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ\" (٢)؛ قَالَ: لَمْ أَكذب عَلَيْهِ، وإِنما كَذَبْتُ لَهُ.\nأَو نَقَّصَ مِنْهَا تأْويلًا عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي ذَمِّ الْكُفَّارِ: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٣)، فأَسقط اعْتِبَارَ الأَحاديث الْمَنْقُولَةِ بِالْآحَادِ لِذَلِكَ، وَلِمَا أَشبهه (٤)؛ لأَن خبر الواحد ظني (٥)، فهذا كله من قبيل التأْويل.\nوأَما الْمُقَلِّدُ: فَكَذَلِكَ أَيضًا؛ لأَنه يَقُولُ: فلانٌ المُقْتَدَى به يعمل بهذا العمل، أو يُفتي به (٦)؛ كَاتِّخَاذِ الْغِنَاءِ جُزْءًا مِنْ أَجزاءِ طَرِيقَةِ التَّصَوُّفِ بناءً منهم عَلَى أَنَّ شُيُوخَ التَّصَوُّفِ قَدْ سَمِعُوهُ وَتَوَاجَدُوا عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَاتَ بِسَبَبِهِ، وَكَتَمْزِيقِ الثِّيَابِ عِنْدَ التَّوَاجُدِ بِالرَّقْصِ وَسِوَاهُ لأَنهم قَدْ فَعَلُوهُ، وأَكثر مَا يَقَعُ مِثْلَ هَذَا فِي هؤلاءِ المنتمين إِلى التصوف.\nوربما احتجوا على بدعهم (٧) بالجُنَيد، والبِسْطامي، والشِّبْلي،\n_________\n(١) قوله: \"يعتقدها\" في موضعه بياض في (ر) و(غ).\n(٢) قوله ﷺ: \"مِنْ كَذَبَ عَلِيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النار\": ورد عن عدد كثير من الصحابة، منهم: أبو هريرة ﵁، وحديثه أخرجه البخاري (١١٠) و(٦١٩٧)، ومسلم في \"المقدمة\" (٣).\n(٣) سورة النجم: الآية (٢٨).\n(٤) في (خ): \"أشبه\".\n(٥) سبق أن بيّنتُ (ص٢٣٨ - ٢٣٩) أن المصنف ﵀ متأثر بموقف الأشاعرة من أخبار الآحاد، فانظر تعليقي على عبارته هناك إن شئت.\n(٦) في (خ): \"ويتني\" وفي (م): \"أو يثني به\"، وفي (ت): \"أو يثني عليه\".\n(٧) في (ت): \"بدعتهم\".","vol":"2","page":400},{"text":"وغيرهم؛ فيما صَحَّ عنهم (١)، أَو لَمْ يَصِحّ، وَيَتْرُكُونَ أَن يَحْتَجُّوا (٢) بِسُنَّةِ الله ورسوله ﷺ، وهي التي لا شائبة في هداها (٣)، إذَا نَقَلها الْعُدُولُ، وفسَّرها أَهلُها المُكِبّون عَلَى فَهْمِهَا وَتَعَلُّمِهَا (٤)، وَلَكِنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يُقرّون بالخلاف للسنّة بَحْتًا (٥)، بَلْ يَدْخُلُونَ تَحْتَ أَذيال التَّأْوِيلِ، إِذ لَا يَرْضَى مُنْتَمٍ إِلى الإِسلام بإِبداءِ صَفْحَةِ الْخِلَافِ لِلسُّنَّةِ (٦) أَصلًا.\nوإِذا كَانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُ مَالِكٍ: من أَحدث في هذه الأَمة شيئا لم يَكُنْ عَلَيْهِ سَلَفُهَا فَقَدْ زَعَمَ أَن النَّبِيَّ ﷺ خَانَ الرِّسَالَةَ (٧)، وَقَوْلُهُ لِمَنْ أَراد أَن يُحْرِمَ مِنَ الْمَدِينَةِ: أَيُّ فِتْنَةٍ أَعظم مِنْ أَن تَظُنَّ (٨) أَنك سَبَقْتَ إِلى (٩) فَضِيلَةٍ قصَّر عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ ...، إِلى آخِرِ الْحِكَايَةِ - وَقَدْ تقدم (١٠) ذكر (١١) ذلك (١٢) ـ: إنما (١٣) هو (١٤) إِلزام لِلْخَصْمِ (١٥) عَلَى عَادَةِ أَهل النَّظَرِ، كأَنه يقول له (١٦): يلزمك في هذا القول كذا، لا أنه (١٧) يقول له (١٨): قَصَدْتَ إِليه قَصْدًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ إِلَى ذَلِكَ مُسْلِمٌ.\nوَلَازِمُ الْمَذْهَبِ: هَلْ هُوَ مَذْهَبٌ أَم لَا؟ هِيَ مسأَلة مُخْتَلَفٌ فِيهَا بَيْنَ أَهل الأُصول، وَالَّذِي كَانَ يَقُولُ (١٩) بِهِ شُيُوخُنَا البِجَائِيّون (٢٠) والمغربيون\n_________\n(١) في (خ) و(م) و(ت): \"عندهم\" بدل \"عنهم\".\n(٢) لو قال: \"ويتركون الاحتجاج\" لكان أجود.\n(٣) في (خ) و(م) و(ت): \"فيها\" بدل \"في هداها\".\n(٤) في (ر) و(غ): \"تفهمها ونقلها\".\n(٥) في (خ): \"بختًا\" وفي (م): \"تحتًا\". والبَحْتُ: الخالص من الشيء.\n(٦) قوله: \"للسنة\" سقط من (ر) و(غ).\n(٧) تقدم قريبًا (ص٣٨٤ و٣٩٨)، فانظره إن شئت.\n(٨) في (ر) و(غ): \"يظن\".\n(٩) قوله: \"إلى\" سقط من (م).\n(١٠) تقدمت صفحة (٢٥٠) من القسم الأول.\n(١١) قوله: \"ذكر\" تصحف في (غ) إلى \"صدر\".\n(١٢) قوله: \"وقد تقدم ذكر ذلك\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(١٣) في (ر) و(غ): \"وإنما\".\n(١٤) قوله: \"هو\" سقط من (خ) و(م).\n(١٥) المعنى: أن قول مالك إلزام للخصم.\n(١٦) قوله: \"له\" من (ر) و(غ) فقط.\n(١٧) في (م) و(خ): \"لأنه\".\n(١٨) قوله: \"له\" ليس في (خ) و(م).\n(١٩) في (ر) و(غ): \"يفتي\" بدل \"يقول\".\n(٢٠) في (م) يشبه أن تكون: \"البجابيون\". والبِجَائيّون: نسبة إلى بِجَايَةَ - بالكسر، وتخفيف=","vol":"2","page":401},{"text":"وَيَرَوْنَ أَنه رأْي الْمُحَقِّقِينَ أَيضًا: أَن لَازِمَ المذهب ليس بمذهب، فلذلك (١) إِذا قُرِّر عليه (٢) الْخَصْمِ أَنكره غَايَةَ الإِنكار، فإِذًا اعْتِبَارُ ذَلِكَ الْمَعْنَى عَلَى التَّحْقِيقِ لَا يَنْهَضُ، وَعِنْدَ ذَلِكَ تستوي البدعة مع المعصية، فكما أن المعاصي (٣) صَغَائِرٌ وَكَبَائِرٌ (٤)، فَكَذَلِكَ الْبِدَعُ.\nثُمَّ إِن الْبِدَعَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: كُلِّيَّةٌ وجُزئيَّة:\nفَأَمَّا الْكُلِّيَّةُ: فَهِيَ السَّائِرة (٥) فِيمَا لَا يَنْحَصِرُ مِنْ فُرُوعِ (٦) الشَّرِيعَةِ، وَمِثَالُهَا: بِدَعُ الْفِرَقِ الثَّلَاثِ وَالسَّبْعِينَ، فإِنها مُخْتَصَّة بالكُلِّيّات مِنْهَا دُونَ الْجُزْئِيَّاتِ، حَسْبَمَا يتبيَّن (٧) بعدُ إِن شاءَ الله تعالى.\nوأَما الْجُزْئِيَّةُ: فَهِيَ الْوَاقِعَةُ (٨) فِي الْفُرُوعِ الْجُزْئِيَّةِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ دُخُولُ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ الْبِدَعِ تحت الوعيد بالنار، وإِن دخل (٩) تحت وَصْفِ الضَّلال (١٠)، كَمَا لَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي سَرِقَةِ لِقِمَّةٍ، أَو التَّطْفِيفِ بِحَبَّةٍ، وإِن كَانَ دَاخِلًا تَحْتَ وَصْفِ السَّرِقَةِ، بَلِ الْمُتَحَقِّقُ دُخُولُ عَظَائِمِهَا وَكُلِّيَّاتِهَا كَالنِّصَابِ فِي السَّرِقَةِ، فَلَا تَكُونُ تِلْكَ الأَدلةُ واضحةَ الشمولِ لَهَا، أَلَّا تَرَى أَنَّ خَوَاصَّ الْبِدَعِ (١١) غَيْرُ ظَاهِرَةٍ فِي أَهل الْبِدَعِ الْجُزْئِيَّةِ غَالِبًا؟ كالفُرْقة وَالْخُرُوجِ عَنِ الْجَمَاعَةِ، وإِنما تَقَعُ الْجُزْئِيَّاتُ فِي الْغَالِبِ كالزَّلَّة والفَلْتَةِ، وَلِذَلِكَ لَا يَكُونُ اتِّبَاعُ الْهَوَى فِيهَا مَعَ حُصُولِ التأْويل فِي فَرْدٍ مِنْ أَفراد الْفُرُوعِ، وَلَا الْمَفْسَدَةُ الحاصلة بالجزئية كالمفسدة الحاصلة بالكلية.\n_________\n=الجيم، وألف، وياء، وهاء ـ: وهي مدينة على ساحل البحر بين إفريقية والمغرب. انظر: \"معجم البلدان\" (١/ ٣٣٩).\n(١) قوله: \"فلذلك\" سقط من (ر) و(غ).\n(٢) في (خ) و(ت): \"على\".\n(٣) قوله: \"فكما أن المعاصي\" سقط من (خ).\n(٤) في (ت): \"كبائر وصغائر\".\n(٥) في (خ) و(ت): \"السارية\".\n(٦) في (م): \"مرفوع\" بدل: \"من فروع\".\n(٧) في (خ): \"يتعين\"، وعلق عليها رشيد رضا بقوله: \"لعله: يتبين\".\n(٨) في (ر) و(غ): \"الرابعة\".\n(٩) في (خ) و(م) و(ت): \"دخلت\".\n(١٠) في (خ) و(م) و(ت): \"الوصف بالضلال\".\n(١١) في (ر) و(غ): \"البدعة\".","vol":"2","page":402},{"text":"فَعَلَى هَذَا: إِذا اجْتَمَعَ فِي الْبِدْعَةِ وَصْفَانِ: كَوْنُهَا جُزْئِيَّةً، وَكَوْنُهَا بالتأْويل (١)؛ صَحَّ أَن تَكُونَ صَغِيرَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\nوَمِثَالُهُ: مسأَلة مَنْ نَذَرَ أَن يصوم قائمًا لا يجلس، وضاحيًا لا يَسْتَظِلُّ (٢)، وَمَنْ حرَّم عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا أَحل اللَّهُ؛ مِنَ النَّوْمِ، أَو لَذِيذِ الطَّعَامِ، أَو النِّسَاءِ، أَو الأَكل (٣) بِالنَّهَارِ، وَمَا أَشبه ذلك مما تقدم ذكره (٤)، أَو يأْتي.\nغَيْرَ أَن الْكُلِّيَّةَ وَالْجُزْئِيَّةَ قَدْ تَكُونُ ظَاهِرَةً، وَقَدْ تَكُونُ خَفِيَّةً، كَمَا أَن التأْويل قَدْ يُقَرِّبُ مأْخذه وَقَدْ يُبَعِّدُ، فَيَقَعُ الإِشكال فِي كَثِيرٍ مِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا الْفَصْلِ، فَيَعُدُّ كَبِيرَةً مَا هُوَ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَبِالْعَكْسِ، فَيُوكَلُ النَّظَرُ فيه إِلى الاجتهاد، وبالله التوفيق (٥). انتهى (٦).\n_________\n(١) قوله: \"بالتأويل\"سقط من (غ)، وفي موضعه علامة لحق، ولم يظهر اللحق في التصوير.\n(٢) تقدم تخريجه صفحة (٢٨) من هذا الجزء.\n(٣) من قوله: \"شيئًا مما أحل الله\" إلى هنا بياض في (غ)، وسببه: أنها منقولة عن (ر)، وهذا ملحق بالهامش كما سيأتي، ولم يتضح موضع البياض.\n(٤) انظر: صفحة (٢٨ و٣٥٩ و٣٦٣ - ٣٦٤ و٣٨٠ فما بعدها).\n(٥) قوله: \"وبالله التوفيق\" من (ر) و(غ) فقط.\n(٦) قوله: \"انتهى\" ليس في (ر) و(غ).\nومن قوله: \"شيئًا مما أحل الله من النوم\" إلى آخر الفصل ملحق بهامش (ر)، ولم يتضح بعضه بسبب التصوير، ومن الواضح أن بعضه قد تآكل لمجيئه في طرف الورقة، ولذا بيّض ناسخ (غ) لبعضه - كما تقدم ـ، وهو الجزء الذي في طرف الورقة.","vol":"2","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>فصل</span>\nوإذا سلَّمنا (١): إِنَّ مِنَ الْبِدَعِ مَا يَكُونُ صَغِيرَةً؛ فَذَلِكَ بِشُرُوطٍ:\nأَحَدُهَا: أَن لَا يُدَاوِمَ عَلَيْهَا، فإِن الصَّغِيرَةَ مِنَ الْمَعَاصِي لِمَنْ دَاوَمَ عَلَيْهَا تَكْبُرُ بِالنِّسْبَةِ إِليه؛ لأَن ذَلِكَ نَاشِئٌ عَنِ (٢) الإِصرار عَلَيْهَا، والإِصرار عَلَى الصَّغِيرَةِ يُصَيِّرها كَبِيرَةً، وَلِذَلِكَ قَالُوا: \"لَا صَغِيرَةَ مَعَ إِصرار، وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ\" (٣)، فَكَذَلِكَ الْبِدْعَةُ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ، إِلا أَن الْمَعَاصِيَ مِنْ شأْنها فِي الْوَاقِعِ (٤) أَنها قَدْ يُصِرُّ عَلَيْهَا، وَقَدْ لَا يُصِرُّ عَلَيْهَا، وَعَلَى ذَلِكَ يَنْبَني طرحُ الشَّهَادَةِ، وسُخْطَةُ الشَّاهِدِ بِهَا أَو عَدَمُهُ، بِخِلَافِ الْبِدْعَةِ فإِن شأْنها في الواقع المداومة عليها (٥)، وَالْحِرْصِ عَلَى أَن لَا تُزَالَ (٦) مِنْ مَوْضِعِهَا، وأَن تَقُومَ عَلَى تَارِكِهَا الْقِيَامَةُ، وَتَنْطَلِقَ عَلَيْهِ أَلسنة الْمَلَامَةِ، وَيُرْمَى بالتَّسْفِيهِ والتَّجْهِيل، ويُنْبَزُ بالتَّبْديع والتَّبْديل (٧)، ضِدَّ مَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ هَذِهِ الأُمة، والمُقْتَدَى بِهِمْ مِنَ الأَئمة.\nوَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: الاعتبار والنقل.\n_________\n(١) في (خ) و(م) و(ت): \"وإذا قلنا\" بدل: \"وإذا سلمنا\".\n(٢) في (م): \"على\".\n(٣) أخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" (٨/ ٢٤٥)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣/ ٩٣٤)، واللالكائي في \"السنة\" (١٩١٩)، ثلاثتهم من طريق شبل بن عباد، عن قيس بن سعد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رجلًا سأله عن الكبائر: أسبع هي؟ قال: هي إلى السبعمئة أقرب، إلا أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع إصرار. وإسناده صحيح.\n(٤) في (ت): \"إلا أن المعاصي في الواقع من شأنها\".\n(٥) قوله: \"عليها\" من (ر) و(غ) فقط.\n(٦) في (م): \"ألا نزال\".\n(٧) في (خ) و(م) و(ت): \"والتضليل\" بدل \"والتبديل\".","vol":"2","page":404},{"text":"أما الاعتبار (١): فإِن أَهل الْبِدَعِ كَانَ مِنْ شأْنهم الْقِيَامُ بِالنَّكِيرِ عَلَى أَهل السُّنَّةِ إِن كَانَ لَهُمْ عُصْبَة، أَو لَصَقُوا بِسُلْطَانٍ تَجْرِي أَحكامه فِي النَّاسِ، وَتَنْفُذُ أَوامره فِي الأَقطار، وَمَنْ طَالَعَ سَيْرَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يَخْفَى.\nوأَما النَّقْلُ: فَمَا ذَكَرَهُ السَّلَفُ مِنْ أَن الْبِدْعَةَ إِذا أُحدثت، لَا تَزِيدُ إِلا مُضِيًّا، وَلَيْسَتْ (٢) كَذَلِكَ الْمَعَاصِي، فَقَدْ يَتُوبُ صَاحِبُهَا ويُنيب إِلى اللَّهِ، بَلْ قَدْ جاءَ مَا يَشُدّ (٣) ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الفِرَق، حَيْثُ جاءَ فِي بَعْضُ الرِّوَايَاتِ: \"تَتَجَارَى (٤) بِهِمْ تِلْكَ الأَهواءُ كَمَا يَتَجَارَى (٥) الكَلَبُ بِصَاحِبِهِ\" (٦). وَمِنْ هُنَا جَزَمَ السَّلَفُ بأَن الْمُبْتَدِعَ لَا تَوْبَةَ لَهُ مِنْهَا حسبما تقدم.\nوَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَن لَا يَدْعُوَ (٧) إِلَيْهَا، فإِن الْبِدْعَةَ قَدْ تَكُونُ صَغِيرَةً بالإِضافة، ثُمَّ يَدْعُو مبتدعها إِلى القول بها، والعمل بمقتضاها (٨)، فَيَكُونُ إِثم ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَيْهِ؛ فإِنه الَّذِي (٩) أَثارها، وبسببه كَثُرَ (١٠) وقوعُها والعملُ بِهَا؛ فإِن الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ (١١) قَدْ أَثبت (١٢) أَن كُلَّ مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً؛ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا، لَا يُنْقِص ذَلِكَ مِنْ أَوزارهم شَيْئًا، وَالصَّغِيرَةُ مع الكبيرة إِنما تفاوتهما (١٣) بِحَسَبِ كَثْرَةِ الإِثم وقِلَّته، فَرُبَّمَا تُسَاوِي الصغيرةُ - مِنْ هَذَا الْوَجْهِ - الكبيرةَ، أَو تُرْبي عَلَيْهَا.\nفَمِنْ حَقِّ الْمُبْتَدِعِ إِذا ابْتُلِيَ بِالْبِدْعَةِ أَن يقتصر بها (١٤) عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَحْمِلَ مَعَ وِزْرِهِ وَزَرَ غيره.\n_________\n(١) قوله: \"أما الاعتبار\" ليس في جميع النسخ، سوى (ت)، فإنه ملحق بهامشها، وهو المتفق مع السياق.\n(٢) في (ر) و(غ): \"ليس\".\n(٣) في (ت): \"ما يؤيد\" بدل \"ما يشد\".\n(٤) في (ر) و(غ): \"تتجازى\".\n(٥) في (غ): \"يتجازى\".\n(٦) انظر: صفحة (٣٩٠) من هذا الجزء.\n(٧) في (ر) و(غ): \"يدعى\".\n(٨) في (خ) و(م) و(ت): \"على مقتضاها\".\n(٩) قوله: \"الذي\" ليس في (غ) و(ر).\n(١٠) في (خ) و(م): \"ونسبة كثرة\"، وفي (ت): \"وسبب كثرة\".\n(١١) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (١٠١٧).\n(١٢) في (ر) و(غ): \"أنبأ\" بدل \"أثبت\".\n(١٣) في (م) و(خ): \"تفاوتها\".\n(١٤) قوله: \"بها\" ليس في (خ) و(م) و(ت).","vol":"2","page":405},{"text":"وفي هذا الوجه قد يتعذّر الخروج عنه (١)؛ فإِن الْمَعْصِيَةَ فِيمَا بَيْنُ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ يَرْجُو فِيهَا مِنَ التَّوْبَةِ وَالْغُفْرَانِ مَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ مع الدعاءِ إِليها، وقد مَرّ من ذلك (٢) فِي بَابِ ذَمِّ الْبِدَعِ، وَبَاقِي الْكَلَامِ فِي المسأَلة سيأْتى إِن شاء الله.\nوَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَن لَا تَفْعَلُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي هِيَ مُجْتَمَعَاتُ النَّاسِ، أَو الْمَوَاضِعُ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا السُّنَنُ، وَتُظْهَرُ فِيهَا أَعلام الشَّرِيعَةِ؛ فأَما إِظهارها فِي الْمُجْتَمَعَاتِ مِمَّنْ يُقْتَدى بِهِ، أَو ممن يُحَسَّن (٣) بِهِ الظَّنَّ؛ فَذَلِكَ مِنْ أَضرّ الأَشياءِ على سنة الإِسلام، فإِنها لا تعدو أحد (٤) أَمرين: إِما أَن يُقْتَدى بِصَاحِبِهَا فِيهَا، فإِن الْعَوَامَّ أَتباع كلِّ ناعِقٍ؛ لَا سِيَّمَا الْبِدَعَ الَّتِي وُكِّل الشَّيْطَانُ بِتَحْسِينِهَا (٥) لِلنَّاسِ، وَالَّتِي لِلنُّفُوسِ فيها هَوًى (٦)، وإِذا اقتُدي بِصَاحِبِ الْبِدْعَةِ الصَّغِيرَةِ كَبُرت بِالنِّسْبَةِ إِليه، لأَن كُلَّ مَنْ دَعَا إِلى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا، فَعَلَى حَسَبِ (٧) كَثْرَةِ الأَتباع يَعْظُمُ عَلَيْهِ الوِزْرُ.\nوَهَذَا بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِي صَغَائِرَ الْمَعَاصِي، فإِن الْعَالِمَ مَثَلًا إِذا أَظهر الْمَعْصِيَةَ - وإِن صَغُرَتْ ـ؛ سَهُلَ عَلَى النَّاسِ ارْتِكَابُهَا، فإِن الْجَاهِلَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ هَذَا الْفِعْلُ كَمَا قَالَ (٨) مِنْ أَنه ذَنْبٌ، لَمْ يَرْتَكِبْهُ، وإِنما ارْتَكَبَهُ لأَمر عَلِمَه دُونَنَا، فَكَذَلِكَ الْبِدْعَةُ إِذا أَظهرها العالم، اقتُدِيَ (٩) به (١٠) فيها لا محالة (١١)؛ فإِنها مَظِنَّة (١٢) التقرُّب فِي ظَنِّ الْجَاهِلِ؛ لأَن الْعَالِمَ يَفْعَلُهَا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ، بَلِ الْبِدْعَةُ أَشدّ فِي هَذَا الْمَعْنَى؛ إِذ الذَّنْبُ قَدْ لَا يُتّبعُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْبِدْعَةِ، فَلَا يَتَحَاشَى أَحد عَنِ اتِّبَاعِهِ، إِلا مَنْ كَانَ عَالِمًا بأَنها بدعة\n_________\n(١) قوله: \"عنه\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(٢) قوله: \"من ذلك\" من (ر) و(غ) فقط.\n(٣) قوله: \"يحسن\" سقط من (خ) و(م) و(ت)، وعلق رشيد رضا على موضعه بقوله: لعل الأصل: \"بمن يحسن به الظن\".اهـ.\n(٤) قوله: \"أحد\" من (ر) و(غ) فقط.\n(٥) في (ر) و(غ): \"لتحسينها\".\n(٦) في طبعة رشيد رضا: \"للنفوس في تحسينها هوى\"، مع أن نسخة (خ) موافقة لما هنا!\n(٧) قوله: \"حسب\" سقط من (ت).\n(٨) في (ر) و(غ): \"قيل\".\n(٩) في (خ) و(م) و(ت): \"المقتدى\".\n(١٠) قوله: \"به\" سقط من (خ) و(م).\n(١١) في (ر) و(غ): \"لا مخالفة\".\n(١٢) في (ت) و(خ) و(م): \"فإنها في مظنة\".","vol":"2","page":406},{"text":"مذمومة، فحينئذ تصير (١) فِي دَرَجَةِ الذَّنْبِ، فإِذا كَانَتْ (٢) كَذَلِكَ صَارَتْ كَبِيرَةً بِلَا شَكٍّ، فإِن كَانَ دَاعِيًا إِليها فَهُوَ (٣) أَشد، وإِن كَانَ الْإِظْهَارُ بَاعِثًا عَلَى الِاتِّبَاعِ؛ فبالدعاءِ يَصِيرُ (٤) أَدعى إِليه.\nوَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ: أَن رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسرائيل ابْتَدَعَ بِدْعَةً فَدَعَا النَّاسَ إِليها فَاتُّبعَ، وأَنه لَمَّا عَرَفَ (٥) ذَنْبَهُ عَمَدَ إِلى تَرْقُوَتِهِ فَنَقَبَهَا، فأَدخل (٦) فِيهَا حَلْقَةً، ثُمَّ جَعَلَ فِيهَا سِلْسِلَةً، ثم أوثقها في شجرة؛ فجعل يَبْكِي ويَعِجّ إِلى رَبِّهِ، فأَوحى اللَّهُ إِلى نَبِيِّ تِلْكَ الأُمة: أَن لَا تَوْبَةَ لَهُ (٧)، قَدْ غُفِرَ لَهُ الَّذِي أَصاب؛ فَكَيْفَ بِمَنْ أَضَلَّ (٨) من الناس (٩)، فَصَارَ مِنْ أَهل (١٠) النَّارِ (١١) (١٢)؟!.\nوأَما اتِّخَاذُهَا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا السُّنَنُ: فَهُوَ كالدعاءِ إِليها بالتصريح؛ لأَن محل (١٣) إِظهار الشعائر (١٤) الإِسلامية يوهم (١٥) أَن كل ما\n_________\n(١) في (م) و(ت) و(خ): \"يصير\".\n(٢) في (ر) و(غ): \"كان\".\n(٣) في (ت): \"فهي\".\n(٤) كذا في (خ) و(ت)، وفي (ر) و(غ): \"فالدعاء نصًا\" وفي (م): \"فالدعاء نصٌ\".\n(٥) في (ت): \"علم\" بدل \"عرف\".\n(٦) في (ت): \"فثقبها وأدخل\".\n(٧) قوله: \"له\" سقط من (ر) و(غ).\n(٨) في (خ) و(م) و(ت): \"ضل\".\n(٩) قوله: \"من الناس\" من (ر) و(غ) فقط.\n(١٠) قوله: \"أهل\" في موضعه بياض في (م).\n(١١) قوله: \"فصار من أهل النار\" سقط من (ر) و(غ) وفي \"البدع\" لابن وضاح (٧٢): \"فكيف من أضل فصار إلى النار\".\n(١٢) أخرجه ابن وضاح في \"البدع والنهي عنها\" (٧٢) من طريق أسد بن موسى، قال: نا بعض أصحابنا، عن إسماعيل بن عياش، عن أبان بن أبي عياش، عن الحسن به.\nوإسناده ضعيف جدًا؛ لإبهام شيخ أسد، ولأن أبان بن أبي عيّاش البصري متروك؛ كما في \"التقريب\" (١٤٣)، ولأن إسماعيل بن عيّاش الحمصي ضعيف إذا روى عن غير الشاميين، ففي \"التقريب\" (٤٧٧): \"صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلِّط في غيرهم\"، وهذا من روايته عن أبان، وهو بصري، ثم لو صَحّ هذا عن الحسن البصري لما كان حجّة؛ لأنه من الإسرائيليات، وليس هناك ما يحوج الشاطبي ﵀ لإيراد مثل هذه الحكايات التي لا تصح، وتنافي ما هو معلوم من الدين بالضرورة من فتح باب التوبة!!.\n(١٣) في (خ): \"عمل\" بدل \"محل\"، وفي (م): \"محمل\"، وفي (ت): \"محال\".\n(١٤) في (ت) و(خ): \"الشرائع\".\n(١٥) في (ت) و(خ): \"توهم\".","vol":"2","page":407},{"text":"أُظهر فِيهَا فَهُوَ مِنَ الشَّعَائِرِ، فكأَنّ المُظْهِرَ لَهَا يَقُولُ: هَذِهِ سُنَّةٌ فَاتَّبِعُوهَا.\nقَالَ أَبو مُصْعَبٍ (١): قَدِمَ عَلَيْنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، فصلَّى، وَوَضَعَ رداءَه بَيْنَ يَدَيِ الصَّفِّ، فَلَمَّا سلَّم الإِمام رَمَقَهُ (٢) النَّاسُ بأَبصارهم، ورَمَقوا مَالِكًا - وَكَانَ قَدْ صَلَّى خَلْفَ الإِمام ـ، فَلَمَّا سلَّم قَالَ: مَنْ هَاهُنَا مِنَ الحَرَس؟ فجاءَه نَفْسَانِ، فَقَالَ: خُذَا صَاحِبَ هَذَا الثَّوْبِ فَاحْبِسَاهُ، فحُبِسَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنه ابْنُ مَهْدِيٍّ، فوجَّه إِليه وَقَالَ لَهُ (٣): أَمَا خِفْتَ (٤) اللَّهَ واتَّقَيْتَه أَن وَضَعْتَ ثَوْبَكَ بَيْنَ يَدَيْكَ فِي الصَّفِّ، وَشَغَلْتَ الْمُصَلِّينَ بِالنَّظَرِ إِليه، وَأَحْدَثْتَ فِي مَسْجِدِنَا شَيْئًا مَا كُنَّا نَعْرِفُهُ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: \"مَنْ أَحْدَثَ فِي مَسْجِدِنَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجمعين\" (٥)؟ فَبَكَى ابْنُ مَهْدِيٍّ، وَآلَى عَلَى نَفْسِهِ أَن لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ أَبدًا فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَا فِي غَيْرِهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ عن ابن مهدي (٦) قال: فقلت للحرسِيَّيْن: تذهبان بي إلى أبي (٧) عبد الله؟ قالا: إِن شئت، فذهبا (٨) بي (٩) إِليه، فَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ! تُصَلِّي مُسْتَلبًا (١٠)؟! فَقُلْتُ: يَا أَبا عَبْدِ اللَّهِ! إِنه كَانَ يَوْمًا حارًّا - كما\n_________\n(١) ذكرها القاضي عياض في \"ترتيب المدارك\" (٢/ ٤٠)، وتقدمت في الجزء الأول (ص٢٠٤ - ٢٠٥).\n(٢) في (غ): \"رمقوا\"، ويشبه أن تكون هكذا في (ر).\n(٣) قوله: \"له\" ليس في (ر) و(غ).\n(٤) في (خ) و(م) و(ت): \"ما خفت\".\n(٥) الحديث أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (١٨٦٧ و٧٣٠٦)، ومسلم (١٣٦٦ و١٣٦٧)، كلاهما من طريق عاصم بن سليمان الأحول؛ قال: قلت لأنس بن مالك: أَحْرَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المدينة؟ قال: نعم! ما بين كذا إلى كذا، فمن أحدث فيها حدثًا، قال: ثم قال لي: هذه شديدة: \"مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يوم القيامة صَرْفًا ولا عَدْلًا\". قال: فقال ابن أنس: أو آوى مُحْدثًا. اهـ. واللفظ لمسلم.\nولا شك أن أول ما ينصرف إليه هذا الحديث من المدينة: مسجد النبي ﷺ، ولذلك جعل مالك ﵀ السياق هكذا: \"من أحدث في مسجدنا ... \" إلخ، وأما لفظ الحديث، فهو الذي تقدم.\n(٦) ذكرها القاضي عياض في الموضع السابق.\n(٧) قوله: \"أبي\" سقط من (م) \".\n(٨) في (خ): و(ت): \"فذهبنا\".\n(٩) قوله: \"بي\" من (ر) و(غ) فقط، والمثبت موافق لما في \"ترتيب المدارك\".\n(١٠) في (ر) و(غ): \"متسلبًا\"، وفي (م): \"مستلب\".","vol":"2","page":408},{"text":"رأَيت ـ، فَثَقُلَ رِدَائِي عَلَيَّ، فَقَالَ: آللَّهُ! مَا أَردت بِذَلِكَ (١) الطَّعْنَ عَلَى مَنْ مَضَى وَالْخِلَافَ عَلَيْهِ (٢)؟ قُلْتُ: آللَّهُ (٣)! قَالَ: خَلِّيَاهُ.\nوَحَكَى ابْنُ وَضَّاحٍ (٤) قَالَ: ثوَّبَ الْمُؤَذِّنُ بِالْمَدِينَةِ فِي زَمَانِ مَالِكٍ، فأَرسل إِليه مَالِكٌ فجاءَه، فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: مَا هَذَا الَّذِي (٥) تَفْعَلُ؟ فَقَالَ: أَردت أَن يعرف الناس طلوع الفجر فيقوموا، فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: لَا تَفْعَلْ! لَا تُحْدِثْ (٦) فِي بَلَدِنَا شَيْئًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ! قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهَذَا الْبَلَدِ عَشْرَ سِنِينَ، وأَبو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، فَلَمْ يَفْعَلُوا هَذَا، فَلَا تُحْدِثْ فِي بَلَدِنَا مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ! فكَفَّ الْمُؤَذِّنُ عَنْ ذَلِكَ، وأَقام زَمَانًا، ثُمَّ إِنه تَنَحْنَحَ فِي المَنارة عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فأَرسل إِليه مالك، فقال له: ما هذا (٧) الَّذِي تَفْعَلُ؟ قَالَ: أَردت أَن يَعْرِفَ النَّاسُ طُلُوعَ الْفَجْرِ، فَقَالَ لَهُ: أَلَمْ أَنْهَك أَن لَا تُحْدِثَ عِنْدِنَا مَا لَمْ يَكُنْ؟ فَقَالَ: إِنما نهيتني عن التَّثْويب (٨)! فقال له مالك (٩): لا تفعل! فَكَفَّ أيضًا (١٠) زَمَانًا، ثُمَّ جَعَلَ يَضْرِبُ الْأَبْوَابَ، فأَرسل إِليه مالك (١١)، فقال له (١٢): مَا هَذَا الَّذِي تَفْعَلُ؟ فَقَالَ (١٣): أَردت أَن يَعْرِفَ النَّاسُ طُلُوعَ الْفَجْرِ، فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: لَا تَفْعَلْ! لَا تُحْدِثْ (١٤) فِي بَلَدِنَا مَا لم يكن فيه!.\n_________\n(١) في (م): \"أبذلك\".\n(٢) في (ر) و(غ): \"عليهم\".\n(٣) علق رشيد رضا على هذا الموضع بقوله: هذا قسم حذفت أداته؛ لقّنه القَسَم، فحلف على ما لقّنه، فكأنه قال له: قل: والله! ما أردت بهذا الطعن ...، إلخ، فقال: والله؛ أي: ما أردت ذلك. اهـ.\n(٤) في \"البدع والنهي عنها\" (١٠٣) تعليقًا.\n(٥) قوله: \"الذي\" سقط من (خ) و(م) و(ت)، وقوله: \"مالك ما هذا الذي\" مكرر في (غ).\n(٦) في (ت): \"ولا تحدث\".\n(٧) قوله: \"هذا\" سقط من (خ).\n(٨) في (م): \"الثويب\".\n(٩) قوله: \"مالك\" من (ر) و(غ) فقط، وهو مثبت في \"البدع والنهي عنها\".\n(١٠) قوله: \"أيضًا\" من (ر) و(غ) فقط، وهو مثبت في \"البدع والنهي عنها\".\n(١١) في (ر) و(غ): \"فأرسل مالك فيه\".\n(١٢) قوله: \"له\" من (ر) و(غ) فقط، وهو مثبت في \"البدع والنهي عنها\".\n(١٣) في (ت): \"قال\".\n(١٤) في (م): \"لا تجدث\".","vol":"2","page":409},{"text":"قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ: وَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ التَّثْوِيبَ. قال (١): وإِنما أُحدث هذا بالعراق.\nقيل لابن وَضَّاحٍ: فَهَلْ كَانَ يُعمل بِهِ بِمَكَّةَ (٢)، أَو الْمَدِينَةِ، أَو مِصْرَ، أَو غَيْرِهَا مِنَ الأَمصار؟ فَقَالَ: مَا سَمِعْتُهُ إِلا عِنْدَ بَعْضِ الْكُوفِيِّينَ والإِباضيين (٣).\nفتأَمّل كَيْفَ مَنَعَ مَالِكٌ مِنْ إِحداث أَمرٍ يَخِفُّ شأْنه عند الناظر فيه ببادي الرأْي، وَجَعْلِهِ أَمرًا مُحْدَثًا، وَقَدْ قَالَ فِي التَّثْوِيبِ: إِنه ضَلَالٌ (٤). وَهُوَ بَيِّنٌ؛ لأَن كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَلَمْ يُسَامِحْ المؤذن (٥) فِي التَّنَحْنُحِ، وَلَا فِي ضَرْبِ الأَبواب؛ لأَن ذَلِكَ جَدِيرٌ بأَن يُتَّخَذَ سُنَّةً، كَمَا مَنَعَ مِنْ وَضْعِ الرِّدَاءِ (٦) عبدَ الرحمن بنَ مهدي خوفًا (٧) أَن يَكُونَ حَدَثًا أَحدثه.\nوَقَدْ أَحدث بِالْمَغْرِبِ المُتَسَمِّي (٨) بِالْمَهْدِيِّ (٩) تَثْوِيبًا عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: \"أَصبح وَلِلَّهِ الْحَمْدُ\"؛ إِشعارًا بأَن الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ، لإِلزام الطَّاعَةِ، وَلِحُضُورِ الْجَمَاعَةِ، وللْغُدوِّ (١٠) لكل (١١) ما يؤمرون به، فَمَحَضَهُ (١٢) هؤلاءِ المتأَخرون تَثْوِيبًا بِالصَّلَاةِ كالأَذان.\nوَنَقَلَ أَيضًا إِلى أَهل الْمَغْرِبِ الْحِزْبَ الْمُحْدَثَ بالإِسكندرية، وَهُوَ الْمُعْتَادُ فِي جَوَامِعِ الأَندلس وَغَيْرِهَا، فَصَارَ ذَلِكَ كُلُّهُ سَنَةً فِي الْمَسَاجِدِ إِلى الْآنَ، فإِنا لله وإِنا إِليه راجعون!.\n_________\n(١) أي: ابن وضاح.\n(٢) في (ت): \"في مكة\".\n(٣) إلى هنا انتهى كلام ابن وضاح من كتابه السابق عقب ذكره لحكاية مالك.\n(٤) تقدم تخريجه صفحة (٣٨٣ و٣٩٤).\n(٥) في (خ) و(م) و(ت): \"للمؤذن\".\n(٦) في (خ) و(ت): \"رداء\".\n(٧) في (ت) و(خ): \"خوف\".\n(٨) في (ت): \"المسمى\".\n(٩) هو: محمد بن عبد الله بن تومرت. انظر ترجمته مطوَّلة في \"سير أعلام النبلاء\" (١٩/ ٥٣٩)، وانظر طرفًا من أخباره وإحداثاته فيما ساقه المؤلف (ص٨٤ فما بعد).\n(١٠) قوله: \"وللغدو\" في موضعه بياض في (ت).\n(١١) في (ت): \"ولكل\"، ويبدو أنها واو \"وللغدو\".\n(١٢) كذا في (ر) و(غ)، وفي (خ): \"فيخصه\"، وفي (م): \"فبحصه\"، وفي (ت) يشبه أن=","vol":"2","page":410},{"text":"وَقَدْ فُسِّرَ التَّثْوِيبَ الَّذِي أَشار إِليه مَالِكٌ: بأَن الْمُؤَذِّنَ كَانَ إِذا أَذَّن فأَبطأَ النَّاسُ؛ قَالَ بَيْنَ الأَذان والإِقامة: \"قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَّاحِ\" (١)، وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِمْ عِنْدَنَا: الصَّلَاةُ، رَحِمَكُمُ اللَّهُ!.\nوَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (٢) بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنه دخل مسجدًا يريد (٣) أَن يُصَلِّيَ فِيهِ، فثوَّب الْمُؤَذِّنُ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَقَالَ: اخْرُجْ بِنَا (٤) مِنْ عِنْدِ هَذَا الْمُبْتَدَعِ! وَلَمْ يَصُلِّ فيه (٥).\nقال ابن رشد (٦): وهو (٧) نَحْوٌ مِمَّا كَانَ يُفعل عِنْدَنَا بِجَامِعِ قُرْطُبَةَ؛ مِنْ أَنْ يُفْرِدُ (٨) الْمُؤَذِّنُ بَعْدَ أَذَانِهِ قَبْلَ الْفَجْرِ النداءَ عِنْدَ الْفَجْرِ بِقَوْلِهِ: حَيَّ عَلَى الصلاة، ثم تُرِكَ. قَالَ: وَقِيلَ: إِنما عَنَى بِذَلِكَ قَوْلَ الْمُؤَذِّنِ فِي أَذانه: حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ؛ لأَنها كَلِمَةٌ زَادَهَا فِي الأَذان مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ من الشيعة.\n_________\n=تكون: \"فتخصه\". ومعنى \"فمحضه\": أي: جعلوه خالصًا للصلاة؛ بمعنى خصّوها به، وهذا يقرب مما في (خ) و(ت)، والله أعلم.\n(١) انظر ما تقدم (ص٣٨٣ - ٣٨٤ و٣٩٤) من هذا الجزء.\n(٢) قوله: \"عبد الله\" من (ر) و(غ) فقط.\n(٣) قوله: \"يريد\" ليس في (م)، وفي (خ) و(ت): \"أراد\".\n(٤) علق رشيد رضا على هذا الموضع بقوله: \"يظهر أنه كان معه صاحب قال له ذلك. وهل كان في كلام المصنف تصريح بذلك سقط من الناسخين أم لا؟ الله أعلم\".اهـ. وليس هناك سقط، ولكن المصنف لم يذكر اسم مجاهد في الرواية، وهو كان مع ابن عمر.\n(٥) هذا الأثر أخذه المصنف - فيما يظهر - من \"البيان والتحصيل\" لابن رشد (١/ ٤٣٥)؛ فإنه ذكره هناك، ثم ذكر الكلام الآتي نقله عنه. وقد أخرجه أبو داود (٥٣٨) - ومن طريقه البيهقي (١/ ٤٢٤) - من طريق سفيان الثوري، عن أبي يحيى القتّات، عن مجاهد؛ قال كنت مع ابن عمر ...، فذكره.\nقال: النووي في \"المجموع\" (٣/ ١٠٦): \"ليس إسناده بالقوي\".اهـ. وعِلّته أبو يحيى القتات فإنه لين الحديث كما في \"التقريب\" (٨٥١٢).\nوأخرجه عبد الرزاق (١/ ٤٧٥) عن ابن عيينة، عن ليث، عن مجاهد، به، وليث هو: ابن أبي سُليم، وهو ضعيف. انظر \"التقريب\" (٥٧٢١).\n(٦) في \"البيان والتحصيل\" (١/ ٤٣٥ - ٤٣٦).\n(٧) كذا في (ر) و(غ) و\"البيان والتحصيل\"، وفي باقي النسخ: \"وهذا\".\n(٨) كذا في جميع النسخ، وفي \"البيان والتحصيل\" \"يعود\" بدل \"يفرد\".","vol":"2","page":411},{"text":"وَوَقَعَ فِي الْمَجْمُوعَةِ (١): أَن مَنْ سَمِعَ التَّثْوِيبَ وَهُوَ (٢) فِي الْمَسْجِدِ خَرَجَ عَنْهُ، كَفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ ﵄.\nوَفِي المسأَلة كَلَامٌ، والمقصود (٣) مِنْهُ التَّثْوِيبُ الْمَكْرُوهُ الَّذِي قَالَ فِيهِ مَالِكٌ: إِنه ضَلَالٌ، وَالْكَلَامُ يَدُلُّ عَلَى التَّشْدِيدِ فِي الأُمور الْمُحْدَثَةِ أَن تَكُونَ فِي مَوَاضِعِ الْجَمَاعَةِ (٤)، أَو فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا السُّنَنُ، ويُحَافَظُ فيها (٥) عَلَى الْمَشْرُوعَاتِ أَشد الْمُحَافَظَةِ، لأَنها إِذا أُقيمت هُنَالِكَ أَخذها النَّاسُ وَعَمِلُوا بِهَا، فَكَانَ وِزْرُ ذَلِكَ عَائِدًا عَلَى الْفَاعِلِ أَوَّلًا، فيَكْثُر (٦) وِزْرُهُ، ويَعْظُم خطر بدعته.\nوَالشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَن لَا يَسْتَصْغِرَهَا وَلَا يَسْتَحْقِرُهَا - وإِن فَرَضْنَاهَا صَغِيرَةً ـ، فإِن ذَلِكَ اسْتِهَانَةٌ بِهَا، وَالِاسْتِهَانَةُ بِالذَّنْبِ أَعظم مِنَ الذَّنْبِ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِعِظَمِ مَا هُوَ صَغِيرٌ. وَذَلِكَ أَن الذَّنْبَ لَهُ نَظَرَانِ: نَظَرٌ (٧) مِنْ جِهَةِ رُتْبَتِهِ في الشرع (٨)، وَنَظَرٌ مِنْ جِهَةِ مُخَالَفَةِ الرَّبِّ الْعَظِيمُ بِهِ.\nفأَما النَّظَرُ الأَول: فَمِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ يُعَدّ صَغِيرًا إِذا (٩) فَهِمْنَا مِنَ الشَّرْعِ أَنه صَغِيرٌ، لأَنا نضعه حيث وضعه الشرع.\nوأَما النظر (١٠) الْآخَرُ: فَهُوَ رَاجِعٌ إِلى اعْتِقَادِنَا فِي الْعَمَلِ به؛ حيث نَسْتَحْقِرُ مواجهة (١١) الرَّبِّ سُبْحَانَهُ بِالْمُخَالَفَةِ، وَالَّذِي كَانَ يَجِبُ فِي حَقِّنَا أَن نَسْتَعْظِمَ ذَلِكَ جِدًّا، إِذ لَا فَرْقَ فِي التَّحْقِيقِ بَيْنَ الْمُوَاجَهَتَيْنِ: الْمُوَاجَهَةُ بِالْكَبِيرَةِ، والمواجهة بالصغيرة.\n_________\n(١) انظر: \"البيان والتحصيل\" (١/ ٤٣٥ و٤٣٦).\n(٢) قوله: \"وهو\" ليس في (ر) و(غ).\n(٣) في (خ): \"المقصود\".\n(٤) في (ت): أن لا تكون في مواضع الجماعات\".\n(٥) في (خ) و(ت) و(م): \"والمحافظة\" بدل \"ويحافظ فيها\".\n(٦) في (ر) و(غ): \"فيكبر\".\n(٧) قوله: \"نظر\" ليس في (خ).\n(٨) في (خ) و(م): \"الشرط\". بدل \"الشرع\"، وفي هامش (م) كتب: \"لعله الشرع\".\n(٩) في (ت) و(م): \"إذ\".\n(١٠) قوله: \"النظر\" ليس في (خ) و(ت) و(م).\n(١١) في (م): \"نستحر مواجهة\" وفي (خ) و(ت): \"نستحرم جهة\".","vol":"2","page":412},{"text":"وَالْمَعْصِيَةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ مَعْصِيَةٌ لَا يُفَارِقُهَا (١) النَّظَران فِي الْوَاقِعِ أَصلًا؛ لأَن تصوُّرَها (٢) مَوْقُوفٌ عَلَيْهِمَا (٣)، فَالِاسْتِعْظَامُ لِوُقُوعِهَا مَعَ كَوْنِهَا يُعْتَقَدُ فِيهَا أَنها صَغِيرَةٌ لَا يَتَنَافَيَانِ، لأَنهما اعْتِبَارَانِ مِنْ جهتين: فالعاصي وإِن تعمد (٤) الْمَعْصِيَةَ لَمْ يَقْصِدْ بِتَعَمُّدِهِ الِاسْتِهَانَةَ بِالْجَانِبِ العَلِيِّ الرَّبَّانِيِّ، وإِنما قَصَدَ اتِّبَاعِ شَهْوَتِهِ مَثَلًا فِيمَا جَعَلَهُ الشَّارِعُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا، فَيَقَعُ الإِثم عَلَى حَسَبِهِ، كَمَا أَن الْبِدْعَةَ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا صَاحِبُهَا مُنَازَعَةَ الشَّارِعِ وَلَا التَّهَاوُنَ بِالشَّرْعِ، وإِنما قَصَدَ الْجَرْيَ عَلَى مُقْتَضَاهُ، لَكِنْ بتأْويلٍ زَادَهُ وَرَجَّحَهُ عَلَى غَيْرِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذا تَهَاوَنَ بِصِغَرِهَا فِي الشَّرْعِ فإِنه إِنما تَهَاوَنَ بِمُخَالَفَةِ الْمَلِكِ الْحَقِّ، لأَن النَّهْيَ حَاصِلٌ، وَمُخَالَفَتُهُ حَاصِلَةٌ، وَالتَّهَاوُنُ بِهَا عَظِيمٌ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ: \"لَا تَنْظُرْ إِلى صِغَرِ الْخَطِيئَةِ، وَانْظُرْ إِلى عَظَمَةِ من واجهته (٥) بها\" (٦).\n_________\n(١) في (غ): \"لا يوافقها\".\n(٢) في (غ): \"تصورهما\".\n(٣) في (خ) و(م): \"عليها\".\n(٤) في (خ) و(ت) و(م): \"يعمل\" بدل \"تعمد\"، وعلق رشيد رضا قبلها بقوله: لعله سقط من هنا كلمة: \"كان\".اهـ.\n(٥) في (خ): \"أوجهته\".\n(٦) هذا نصُّ حديثٍ رُوي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ وَلَا يصحُّ؛ وإنما المشهور أنه من قول بلال بن سعد.\nفأما المرفوع: فقد جاء من حديث ابن عمر، وعمرو بن العاص، وأبي هريرة ﵃.\nأخرجها ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (١٢٨٩ و١٢٩٠ و١٢٩١) من طريقهم، ثم قال: فهذا مشهور من كلام بلال بن سعد، وإنما رفعه إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الكذابون. فأما حديث ابن عمر: ففيه غالب بن عبيد الله، قال يحيى: ليس بثقة، وقال ابن حبان يروي المعضلات عن الثقات، لا يجوز الاحتجاج به. وأما حديث عمرو: ففيه محمد بن إسحاق العكاشي، وهو الذي تفرد به، وقد سبق ذكره في كتابنا هذا، وأنه كذاب، وقال الدارقطني: يضع الحديث. وأما حديث أبي هريرة: ففيه سليمان بن عمرو، وهو أبو داود النخعي، وقد سبق في كتابنا أن أحمد بن حنبل قال: هو كذاب، وقال مرّة: كان يضع الحديث، وكذلك قال يحيى: هو ممن يعرف بالكذب ووضع الحديث\".\nوأخرج العقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ٤٣١) حديث ابن عمر من طريق غالب بن عبيد الله، ثم قال: \"ليس له أصل مسند، ولا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به، وإنما=","vol":"2","page":413},{"text":"وَفِي الصَّحِيحِ أَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: \"أَي يَوْمٍ هَذَا؟ \"، قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الأَكبر، قَالَ: \"فإِن دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وأَعراضكم بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يومكم هذا، في بلدكم هذا، ألا (١) لَا يَجْنِي جانٍ إِلا عَلَى نَفْسِهِ، أَلا لَا يَجْنِي جانٍ عَلَى وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودٌ على والده، أَلا وإِن الشيطان قد أيِسَ (٢) أَن يُعبد (٣) في بلدكم هذا (٤) أَبدًا، ولكن ستكون (٥) لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرون (٦) مِنْ أَعمالكم، فَسَيَرْضَى به\" (٧).\n_________\n=يروى هذا عن بلال بن سعد\"، ثم رواه بإسناده عن بلال بن سعد، ثم قال: \"وهذا أولى من رواية غالب\".\nونحوه كلام أبي نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٧٨).\nوانظر: لقول بلال بن سعد: \"الزهد\" لابن المبارك (١/ ٢٤)، و\"الزهد\" للإمام أحمد (١/ ٣٨٤)، و\"تاريخ بغداد\" (٣/ ٢٨٠)، و\"شعب الإيمان\" (١/ ٢٦٩) و(٥/ ٤٣٠)، و\"تهذيب الكمال\" (٤/ ٢٩٥)، و\"السير\" (٥/ ٩١)، و\"طبقات الحنابلة\" (١/ ٣٢١).\n(١) قوله: \"ألا\" من (ر) و(غ) فقط.\n(٢) في (خ) و(م) و(ت) \"يئس\".\n(٣) في (ت) و(خ) و(م): \"أن لا يعبد\".\n(٤) في (ر) و(غ): \"بلادكم هذه\" وفي (م): \"بلدكم هذه\".\n(٥) في (خ) و(ت) و(م): \"ولا تكون\" بدل \"ولكن ستكون\".\n(٦) في (خ) و(م): \"يحتقرون\".\n(٧) الحديث لم يخرج في \"الصحيحين\" بهذا اللفظ، ولذا علق رشيد رضا عليه بقوله: كذا في نسخة الكتاب! ولا أذكر لأحد روايته بهذا اللفظ، وفي حديث عمرو بن الأحوص عند أصحاب السنن - ما عدا أبا داود ـ: \"ألا إن الشيطان قد أَيِسَ أن يعبد في بلدكم هذا أبدًا، ولكن سيكون له طاعة في بعض ما تحقرون من أعمالكم، فيرضى بها\".اهـ.\nولعل المصنف أراد: \"وفي الحديث الصحيح\"، فالحديث أخرجه بهذا اللفظ الترمذي (٢١٥٩)، وابن ماجه (٣٠٥٥)، والنسائي في \"الكبرى\" (٤١٠٠) من طريق أبي الأحوص، عن شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أبيه، به.\nقال الترمذي: \"حسن صحيح، ولا نعرفه إلا من حديث شبيب بن غرقدة\".\nوفي إسناده ضعف؛ سليمان بن عمرو قال فيه ابن القطان: مجهول كما في \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٨٦ رقم ٣٦٣)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٤/ ٣١٤)،. وقال الحافظ في \"التقريب\" (٢٦١٣): مقبول.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٣٦٨) وغيره من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: \"إن الشيطان قد أيس أن يعبد بأرضكم هذه، ولكنه قد رضي منكم بما تحقرون\".=","vol":"2","page":414},{"text":"فَقَوْلُهُ ﵊: \"فَسَيَرْضَى بِهِ\": دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ الخَطْبِ فِيمَا يُسْتَحْقَرُ.\nوَهَذَا الشَّرْطُ مِمَّا اعْتَبَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فإِنه ذَكَرَ فِي \"الإِحياءِ\" (١): أَن مِمَّا تَعْظُمُ بِهِ الصَّغِيرَةُ: أَن يَسْتَصْغِرَهَا. قَالَ: فإِن الذَّنْبَ كُلَّمَا اسْتَعْظَمَهُ الْعَبْدُ مِنْ نَفْسِهِ صَغُرَ عِنْدَ اللَّهِ، وَكُلَّمَا اسْتَصْغَرَهُ كَبُرَ عِنْدَ اللَّهِ: ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ وَبَسَطَهُ.\nفإِذا تَحَصَّلَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ؛ فإِذْ ذَاكَ يُرْجَى أَن تَكُونَ صغيرُتها صَغِيرَةً (٢)، فإِن تَخَلَّفَ شَرْطٌ مِنْهَا أَو أَكثر؛ صَارَتْ كَبِيرَةً، أَو خِيفَ أَن تَصِيرَ كَبِيرَةً (٣)، كَمَا (٤) أَن المعاصي كذلك، والله أعلم.\n_________\n=وإسناده صحيح.\nوأخرجه الحميدي (١/ ٥٤ رقم ٩٨) من طريق إبراهيم الهجري؛ أنه سمع أبا الأحوص يقول: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"إن الشيطان قد أيس أن تُعبد الأصنام بأرضكم هذه، أو بلدكم هذا؛ ولكنه قد رضي منكم بالمحقِّرات من أعمالكم، فاتقوا المحقرِّات، فإنهن من الموبقات ... \"، الحديث.\nوفي سنده إبراهيم بن مسلم الهَجَري وهو مُتَكلَّم فيه، لكن الراوي عنه هنا سفيان بن عيينة، وروايته عنه جيدة كما بينته في تعليقي على \"سنن سعيد بن منصور\" (١/ ٤٤ رقم ٧).\nوالحديث أصله في \"الصحيحين\" دون موضع الشاهد.\nفقد أخرجه البخاري (٦٧)، ومسلم (١٦٧٩)، كلاهما من حديث أبي بكرة ﵁؛ في ذكر خطبته ﷺ في حجة الوداع، لكن المخرج منه مما يتفق مع هذا الحديث إلى قوله: \"في بلدكم هذا\".\nوأخرج مسلم (٢٨١٢) حديث جابر ﵁؛ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم\"، والله أعلم.\n(١) (٤/ ٣٢).\n(٢) قوله: \"صغيرة\" سقط من (ر) و(غ).\n(٣) قوله: \"أو خيف أن تصير كبيرة\" ليس في (ر) و(غ).\n(٤) في (غ): \"مع\" بدل \"كما\"، ثم صوبت في الهامش.","vol":"2","page":415},{"text":"الْبَابُ السَّابِعُ\nفِي الِابْتِدَاعِ (١) هَلْ يَدْخُلُ فِي الأُمور (٢) العادية؟ أَم يختص بالأُمور الْعِبَادِيَّةِ؟\nقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِّ الْبِدْعَةِ مَا يَقْتَضِي الْخِلَافَ فِيهِ: هَلْ يَدْخُلُ فِي الأُمور الْعَادِيَّةِ؟ أَم لَا؟\nأَما الْعِبَادِيَّةُ: فَلَا إِشكال فِي دُخُولِهِ (٣) فِيهَا، وَهِيَ عَامَّةُ (٤) الْبَابِ، إِذ الأُمور الْعِبَادِيَّةُ إِما أَعمال قَلْبِيَّةٌ وأُمور اعْتِقَادِيَّةٌ، وإِما أَعمال جَوَارِحَ مِنْ قَوْلٍ، أَو فِعْلٍ، وَكِلَا الْقِسْمَيْنِ قَدْ دَخَلَ فِيهِ الِابْتِدَاعُ؛ كَمَذْهَبِ الْقَدَرِيَّةِ، وَالْمُرْجِئَةِ، وَالْخَوَارِجِ، وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَكَذَلِكَ مَذْهَبُ (٥) الإِباحة (٦)، وَاخْتِرَاعِ الْعِبَادَاتِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ، وَلَا أَصل مرجوع إِليه.\nوأَما الْعَادِيَّةُ (٧): فَاقْتَضَى النَّظَرُ وُقُوعَ الْخِلَافِ فِيهَا، وأَمثلتها ظَاهِرَةٌ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي تَقْسِيمِ الْبِدَعِ، كالمُكُوس، والمحدثات (٨) مِنَ المَظَالِم (٩)، وَتَقْدِيمِ الْجُهَّالِ عَلَى العلماءِ فِي الولايات العلمية، وتولية المناصب الشريفة (١٠) من\n_________\n(١) في (ت): \"في أن الابتداع\".\n(٢) قوله: \"الأمور\" سقط من (ت).\n(٣) قوله: \"في دخوله\" ليس في (ر) و(غ).\n(٤) قوله: \"وهي عامة\" مكرر في (غ).\n(٥) في (ر) و(غ): \"مذاهب\".\n(٦) في (ت) و(م): \"الإباحية\".\n(٧) في (غ): \"العبادية\".\n(٨) في (خ) و(م) و(ت): \"والمحدثة\".\n(٩) في (خ): \"الظالم\".\n(١٠) كذا في جميع النسخ، والمصنف استفاد هذه العبارة من \"الفروق\" للقرافي (٤/ ٣٤٦)، كما يدل عليه ذكره له فيما يأتي، ووقع عند القرافي: \"الشرعية\" بدل \"الشريفة\".","vol":"2","page":416},{"text":"ليس لها بأَهل؛ بل (١) بِطْرِيقِ الْوِرَاثَةِ، وإِقامة صُوَرِ الأَئمة وَوُلَاةِ الأُمور وَالْقُضَاةِ، وَاتِّخَاذِ الْمَنَاخِلِ، وَغَسْلِ الْيَدِ بالأَشنان، وَلُبْسِ الطَّيَالِسِ (٢)، وَتَوْسِيعِ الأَكمام (٣)، وأَشباه ذَلِكَ مِنَ الأُمور الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِي الزَّمَنِ (٤) الْفَاضِلِ، وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ، فإِنها أُمور جَرَتْ فِي النَّاسِ، وكثُر الْعَمَلُ بِهَا، وَشَاعَتْ وَذَاعَتْ، فَلَحِقَتْ بِالْبِدَعِ، وَصَارَتْ كَالْعِبَادَاتِ المُخْتَرعة الْجَارِيَةِ فِي الأُمة، وَهَذَا مِنَ الأَدلة الدَّالَّةِ عَلَى مَا قُلْنَا، وإِليه مَالَ الْقَرَافِيُّ (٥) وَشَيْخُهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ (٦)، وَذَهَبَ إِليه بَعْضُ السَّلَفِ.\nفَرَوَى أَبو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ (٧) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَسلم أَنه وُلد لَهُ وَلَدٌ - قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الطُّوسِيُّ - فَقَالَ لِي (٨): اشْتَرِ كَبْشَيْنِ (٩) عَظِيمَيْنِ. وَدَفَعَ إِليَّ دَرَاهِمَ، فَاشْتَرَيْتُ له، وأَعطاني عشرة دراهم، فقال (١٠) لي:\n_________\n(١) قوله: \"بل\" من (ر) و(غ) فقط.\n(٢) في (ر) و(غ): \"الطيالسة\".\n(٣) قال ابن القيم ﵀ في \"زاد المعاد\" (١/ ١٤٠).\n\" ... وأما هذه الأكمام الواسعة الطوال التي هي كالأخراج: فلم يلبسها هو ولا أحد من أصحابه البَتَّة، وهي مخالفة لسنته، وفي جوازها نظر، فإنها من جنس الخيلاء ... \".\nوقال الشوكاني ﵀ في \"نيل الأوطار\" (٢/ ١٠٨) بعد أن نقل كلام ابن القيم:\n\"وقد صار أشهر الناس بمخالفة هذه السنة في زماننا هذا العلماء، فيُرى أحدهم وقد جعل لقميصه كُمّين يصلح كل واحد منهما أن يكون جُبّة أو قميصًا لصغير من أولاده، أو يتيم، وليس في ذلك شيء من الفوائد الدنيوية إلا العبث، وتثقيل المؤنة على النفس، ومنع الانتفاع باليد في كثير من المنافع، وتعريضه لسرعة التمزق وتشويه الهيئة، ولا الدينية إلا مخالفة السنة والإسبال والخيلاء\".\n(٤) في (ر) و(غ): \"الزمان\".\n(٥) في الفرق الثاني والخمسون والمئتان من \"الفروق\" (٤/ ٣٤٨ - ٣٤٩).\n(٦) في كتابه \"قواعد الأحكام في مصالح الأنام\" (٢/ ١٩٥ - ١٩٦)، وتقدم نقل المصنف لكلام القرافي وابن عبد السلام بطوله، والردّ عليه في (١/ ٣٢١ - ٣٢٥ فما بعد)، ونقله النووي أيضًا في \"تهذيب الأسماء واللغات\" (٣/ ٢٠) عن العز ابن عبد السلام.\n(٧) في \"حلية الأولياء\" (٩/ ٢٤٣ - ٢٤٤).\n(٨) قوله: \"لي\" ليس في (خ) و(ت) في هذا الموضع، بل جاء متأخرًا بعد الكلمة الآتية.\n(٩) في (خ) و(ت): \"اشتر لي كبشين\"، وانظر التعليق السابق.\n(١٠) في (خ) و(م) و(ت): \"عشرة أخرى وقال\".","vol":"2","page":417},{"text":"اشتر (١) بها (٢) دقيقًا وَاخْبِزْهُ (٣). قَالَ: فَنَخَلْتُ الدَّقِيقَ، وَخَبَزْتُهُ، ثُمَّ جِئْتُ بِهِ، فَقَالَ: نَخَلْتَ هَذَا؟ وأَعطاني عَشَرَةً أُخرى وَقَالَ (٤): اشْتَرِ بِهِ دَقِيقًا وَلَا تَنْخُلْهُ وَاخْبِزْهُ، فَخَبَزْتُهُ وَحَمَلْتُهُ إِليه، فَقَالَ لِي: يَا أَبا عَبْدِ اللَّهِ! الْعَقِيقَةُ سُنَّةٌ، وَنَخْلُ الدَّقِيقِ بِدْعَةٌ، وَلَا يَنْبَغِي أَن يَكُونَ فِي السُّنَّةِ بِدْعَةٌ، وَلَمْ أُحِبَّ أَن يَكُونَ ذَلِكَ الْخُبْزُ فِي بيتي بعد أَن يكون (٥) بِدْعَةً.\nوَمُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ هَذَا: هُوَ الَّذِي فَسَّر به الحديثَ إِسحاقُ بن رَاهَوَيْهِ (٦) - حَيْثُ سُئِلَ عَنِ السَّوَادِ الأَعظم فِي قوله ﷺ: \"عليكم بالسواد الأَعظم\" (٧)؟ ـ،\n_________\n(١) في (م): \"اشتر لي\" بدل \"لي اشتر\".\n(٢) في (م): \"به\" بدل \"بها\".\n(٣) في (خ) و(م) و(ت): \"دقيقًا ولا تنخله واخبزه\".\n(٤) في (خ): \"وقال لي\".\n(٥) قوله: \"يكون\" سقط من (م)، وفي (خ) و(ت): \"كان\".\n(٦) كما في \"الحلية\" (٩/ ٢٣٨ - ٢٣٩) لأبي نعيم، وسيورد المصنف السياق كاملًا في الجزء الثالث (ص٢١٨) نقلًا عن أبي نعيم.\n(٧) الحديث أخرجه عبد بن حميد (١٢٢٠)، وابن ماجه (٣٩٥٠)، وابن أبي عاصم في \"السنة\" (٨٤)، وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٧٩)، و(٦/ ٣٢٨)، واللالكائي في \"شرح أصول اعتقاد أهل السنة\" (١٥٣) جميعهم من طريق معان بن رفاعة، عن أبي خلف الأعمى، عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافًا فعليكم بالسواد الأعظم\".\nوإسناده ضعيف جدًا.\nأبو خلف الأعمى: متروك ورماه ابن معين بالكذب كما في \"التقريب\" (٨١٤٣)، ومعان لين الحديث كما في \"التقريب\" (٦٧٩٥).\nقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٣/ ٢٢٨): وهذا إسناد ضعيف لضعف أبي خلف الأعمى ...، وقد روي هذا الحديث من حديث أبي ذر، وأبي مالك الأشعري، وابن عمر، وأبي نضرة، وقدامة بن عبد الله الكلابي وفي كلها نظر، قاله شيخنا العراقي ﵀ اهـ.\nوقال الشيخ الألباني ﵀ في \"ظلال الجنة\" (١/ ٤١): إسناده ضعيف جدًا.\nوأخرجه الترمذي (٢١٦٧)، وابن أبي عاصم في \"السنة\" (٨٠)، والحاكم (١/ ١١٦)، وأبو عمرو الداني في \"السنن الواردة\" في \"الفتن\" (٣٦٨) من طريق المعتمر بن سليمان، عن أبي سفيان سليمان بن سفيان المدني، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر به.\nووقع عند الداني: \"عمرو بن دينار\" وكذا في المطبوع من \"المستدرك\"، وهو اختلاف=","vol":"2","page":418},{"text":"فَقَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ (١) وأَصحابه، حَسْبَمَا يأْتي - إِن شاءَ الله تعالى - فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ (٢).\nوأَيضًا فإِن تُصُوِّر في العبادات (٣) وقوع الابتداع (٤)؛ تُصُوِّر (٥) فِي الْعَادَاتِ؛ لأَنه لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، فالأُمور الْمَشْرُوعَةُ تَارَةً تَكُونُ عِبَادِيَّةً وَتَارَةً عَادِيَّةً، فَكِلَاهُمَا مَشْرُوعٌ مِنْ قِبَلِ الشَّارِعِ (٦)، فَكَمَا تَقَعُ الْمُخَالَفَةُ بِالِابْتِدَاعِ فِي أَحدهما؛ تَقَعُ فِي الْآخَرِ.\nوَوَجْهٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَن الشَّرْعَ جاءَ بِالْوَعْدِ بأَشياء تَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ هِيَ خَارِجَةً عَنْ سُنَّتِهِ، فَتَدْخُلُ فِيمَا تَقَدَّمَ تَمْثِيلُهُ؛ لأَنها مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ.\nفَفِي الصَّحِيحِ (٧) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (٨) ﵁ قال: قال لَنَا (٩) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِنكم سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وأُمورًا (١٠) تُنْكِرُونَهَا\"، قَالُوا: فَمَا تأْمرنا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"أَدّوا إِليهم حَقَّهُمْ، وَسَلُوا اللَّهَ (١١) حقَّكم\".\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنه قَالَ: \"مَنْ كَرِهَ مِنْ أَميره شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"مَنْ رأَى من أَميره شيئًا يكرهه فليصبر\n_________\n=في إسناد هذا الحديث على سبعة أوجه كما ذكر الحاكم؛ ومرجعها جميعها إلى أبي سفيان سليمان بن سفيان المدني، وهو ضعيف كما في \"التقريب\" (٢٥٧٨)، ولذا ضعفه الترمذي بقوله: \"هذا حديث غريب من هذا الوجه\".\nوقال الحافظ في \"إتحاف المهرة\" (٨/ ٥٣١): ويظهر من هذا ضعف الحديث لا قوته؛ لأن سليمان ضعفه ابن معين وابن المديني وأبو حاتم وغيرهم. اهـ.\nوقد جاء الحديث من أوجه أخرى، وفيها كلها نظر كما نقل البوصيري عن شيخه العراقي.\n(١) قوله: \"بن أسلم\" ليس في (خ) و(ت).\n(٢) انظر (ص٢١٨) من الجزء الثالث.\n(٣) في (م): \"العباديات\".\n(٤) في (ت): \"وقوع البدع\".\n(٥) في (خ) و(ت) و(م): \"وقع\" بدل \"تصور\".\n(٦) في (ت): \"الشرع\".\n(٧) أخرجه البخاري (٣٦٠٤) و(٧٠٥٢)، ومسلم (١٨٤٣).\n(٨) يعني: ابن مسعود.\n(٩) قوله: \"لنا\" من (ر) فقط.\n(١٠) في (م): \"وأمور\" وفي (ت) صوب قوله: \"أثرة وأمورًا\" في الهامش إلى \"إمرة وأمراء\".\n(١١) قوله: \"الله\" من (ر) و(غ) فقط.","vol":"2","page":419},{"text":"عَلَيْهِ، فإِنه مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ، مَاتَ مِيتةً جَاهِلِيَّةً\" (١).\nوَفِي الصَّحِيحِ (٢) أَيضًا: \"إِذا أُسْنِدَ الأَمر إِلى غَيْرِ أَهله فَانْتَظِرُوا السَّاعَةَ\".\nوَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ (٣) ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: \"يَتَقَارَبُ الزمان، وينقص (٤) الْعِلْمُ، ويُلْقَى الشُّحُّ (٥)، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، ويَكْثُر الهَرْجُ\". قالوا (٦): يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّما (٧) هُوَ؟ قَالَ: \"القَتْل القَتْل\".\nوَعَنْ أَبي مُوسَى (٨) ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: \"إِن بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ (٩) لأَيامًا (١٠) يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ وَيُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الهَرَجْ\". والهَرْجُ: الْقَتْلُ.\nوَعَنْ حُذَيْفَةَ (١١) ﵁؛ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ، رأَيت أَحدَهما، وأَنا أَنتظر الْآخَرَ، حدثنا أَن الأَمانة نزلت في جذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ علموا من السنة، وحدثنا عن رفعها؛ قال: \"ينام الرجل النَّوْمة، فتُقبض الأَمانة مِنْ قَلْبِهِ، فيَظَلّ أَثَرُهَا مثل الوَكْتِ (١٢)، ثم\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٧٠٥٣)، ومسلم (١٨٤٩).\n(٢) أخرجه البخاري (٥٩ و٦٤٩٦).\n(٣) أخرجه البخاري (٨٥) و(٧٠٦١)، ومسلم (١٥٧).\n(٤) أثبتها رشيد رضا في طبعته: \"ويقبض\" بدل \"وينقص\".\n(٥) علق رشيد رضا هنا بقوله: في رواية أحمد والشيخين هنا زيادة: \"ويظهر الجهل\".اهـ.\n(٦) في (خ) و(ت) و(م): \"قال\".\n(٧) في (ر) و(غ): \"أيُّم\".\n(٨) أخرجه البخاري (٧٠٦٢)، ومسلم (٢٦٧٢).\n(٩) قوله: \"الساعة\" سقط من (خ) و(ت).\n(١٠) تقدم في التعليق السابق أن قوله: \"الساعة\" سقط من (خ) و(ت)، فعلق رشيد رضا هنا بقوله: روي بلفظ: \"إن من ورائكم أيامًا\" إلخ. رواه الترمذي وابن ماجه عنه. اهـ.\n(١١) أخرجه البخاري (٦٤٩٧) و(٧٠٨٦) و(٧٢٧٦)، ومسلم (١٤٣).\n(١٢) في هامش (ت): \"الكَوْيت\"، كأنه تصويب، وهو غريب! والوَكْتُ: الأثر اليسير في الشيء، والنقط فيه من غير لونه. انظر: \"النهاية\" لابن الأثير (٥/ ٢١٧)، و\"لسان العرب\" (٢/ ١٠٨).","vol":"2","page":420},{"text":"يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ، فَيَبْقَى أَثرها مِثْلَ أَثر (١) المَجْلِ (٢)، كجَمْرٍ دَحْرَجْتَه (٣) على رجلك فَنَفِطَ (٤)، فتراه مُنْتَبِرًا (٥) وَلَيْسَ فِيهِ شيءٌ، وَيُصْبِحُ النَّاسُ (٦) يَتَبَايَعُونَ، وَلَا يَكَادُ أَحد يُؤَدِّي الأَمانة، فَيُقَالُ: إِن فِي بَنِي فَلَانٍ رَجُلًا أَمينًا، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعقله! وَمَا أَظْرَفَهُ! وَمَا أَجلده! وَمَا فِي قلبه مثقالُ حبة من (٧) خَرْدَلٍ مِنْ إِيمان ... \"، الْحَدِيثَ.\nوَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ (٨) ﵁: أَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ، يَكُونُ (٩) بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عظيمة، دعواهما وَاحِدَةٌ، وَحَتَّى (١٠) يُبعثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ (١١) أَنه رَسُولٌ، وَحَتَّى يُقْبَضَ العلمُ، ثُمَّ قَالَ: وَحَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ\" ...، إِلى آخِرِ الْحَدِيثِ.\nوَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"يخرج (١٢) في آخر الزمان قوم (١٣) أَحداث الأَسنان، سفهاءُ الأَحلام، يقرؤون الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ تَراقِيَهم، يَقُولُونَ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ البَرِيَّة، يَمْرُقون مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُق\n_________\n(١) قوله: \"أثر\" سقط من (ر) و(غ).\n(٢) قوله: \"المجل\" في موضعه بياض في (ت)، وفي (م): \"المحل\". والمَجْلُ: هو أثر العمل في الكف يعالج بها الإنسان الشيء حتى يغلظ جلدها. انظر: \"النهاية\" (٤/ ٣٠٠)، و\"لسان العرب\" (١١/ ٦١٦).\n(٣) في (ت): \"كجمرة طرحت\" بدل \"كجمر دحرجته\".\n(٤) في (ت): \"فنفطت\". والنَّفَط، بالتحريك: المَجْل، وقد نفِطت يده - بالكسر - نَفْطًا ونفيطًا، وتنفّطت: قرحت من العمل. وقيل: هو ما يصيبها بين الجلد واللحم. انظر: \"لسان العرب\" (٧/ ٤١٦)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٢/ ١٦٩).\n(٥) في (م): \"منتفرًا\" وفي (خ) تحتمل: \"منتثر\" و\"منتبر\"، وفي موضعها بياض في (ت).\nوالنَّبْر بالكلام: الهمز. وكل شيء رَفَعَ شيئًا فقد نَبَرَهُ. والنَّبْرَةُ: الوَرْم في الجسد. انظر \"النهاية\" (٥/ ٧)، و\"لسان العرب\" (٥/ ١٨٩)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٢/ ١٦٩).\n(٦) قوله: \"الناس\" سقط من (م).\n(٧) قوله: \"من\" من (ر) و(غ) فقط.\n(٨) أخرجه البخاري (٣٦٠٨ و٣٦٠٩ و٦٩٣٥ و٧١٢١)، ومسلم (١٥٧).\n(٩) في (ر) و(غ): \"تكون\".\n(١٠) في (خ): \"حتى\".\n(١١) في (خ): \"زعم\".\n(١٢) في (ت) و(خ): \"تخرج\".\n(١٣) قوله: \"قوم\" سقط من (ت) و(خ).","vol":"2","page":421},{"text":"السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّة\" (١).\nوَمِنْ حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عنه ﷺ أنه قَالَ (٢): \"بَادِرُوا بالأَعمال فِتَنًا (٣) كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يصبح الرجل مُؤْمِنًا، وَيُمْسِي كَاَفِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا، وَيُصْبِحُ كَاَفِرًا (٤)؛ يبيع (٥) دينَه بِعَرَضٍ من (٦) الدُّنْيَا\" (٧).\nوفسَّر ذَلِكَ الْحَسَنُ (٨)؛ قَالَ: \"يُصْبِحُ محرِّمًا لِدَمِ أَخيه وَعِرْضِهِ وَمَالِهِ، وَيُمْسِي مُسْتَحِلًّا لَهُ، ويمسي محرِّمًا لدم أخيه وعرضه وماله، ويصبح مُسْتَحِلًّا لَهُ\" (٩)؛ كأَنه تأَوّله عَلَى الْحَدِيثِ الْآخَرِ: \"لا ترجعوا بعدي كفارًا\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٥٣٦) و(١٥/ ٣٠٤)، وأحمد (١/ ٤٠٤)، والترمذي (٢١٨٨)، وابن ماجه (١٦٨)، وأبو يعلى (٥٤٠٢) من طريق عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حُبيش، عن ابن مسعود به.\nقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوإسناده حسن من أجل عاصم هذا فهو صدوق حسن الحديث.\nوأصل الحديث متفق عليه من حديث علي وأبي سعيد الخدري ﵄.\nأما حديث علي: فأخرجه البخاري (٣٦١١)، ومسلم (١٠٦٦) بلفظ: \"يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرميّة، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة\".\nوأما حديث أبي سعيد: فأخرجه البخاري (٣٣٤٤)، ومسلم (١٠٦٤) بلفظ: \"يخرج في هذه الأمة قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، فيقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرميّة، فينظر الرامي إلى سهمه، إلى نصله، إلى رصافه، فيتمارى في الفوقة هل علق بها من الدم شيء؟ \".\n(٢) المثبت من (ت)، وفي باقي النسخ: \"عنه ﵇ قال\".\n(٣) علق رشيد رضا هنا بقوله: هذا الحديث رواه مسلم وأحمد والترمذي، لكن بغير هذا اللفظ الذي أورده المؤلف هنا. والمراد: الاجتهاد في الأعمال قبل حصول الشواغل؛ بسبب الفتن الكثيرة. اهـ.\n(٤) قوله: \"ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا\" سقط من (ت) و(خ) و(م).\n(٥) في (غ): \"يبلغ\"، وفي (خ): \"فيبيع\"\n(٦) قوله: \"من\" سقط من (خ) و(ت).\n(٧) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (١١٨).\n(٨) أي: البصري.\n(٩) من قوله: \"ويمسي محرمًا\" إلى هنا سقط من (خ) و(م) و(ت). وقول الحسن هذا أخرجه الترمذي (٢١٩٨) من طريق هشام بن حسان، عن الحسن به.=","vol":"2","page":422},{"text":"يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ\" (١)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\nوَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِن مِنْ أَشراط السَّاعَةِ أَن يُرفع الْعِلْمُ، ويظهر الجهل، ويفشوَ الزنا، وتُشْرَبَ (٢) الخمر، ويكثر (٣) النساءُ، ويَقِلّ الرجال، حتى يكون لخمسين (٤) امرأَة قَيِّمٌ وَاحِدٌ\" (٥).\nوَمِنْ غَرِيبِ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِذا فعلتْ أُمتي خَمْسَ عَشْرَةَ (٦) خَصْلَةً حلَّ بها البلاءُ. قيل: وما هُنَّ (٧) يا رسول الله؟ قال: إِذا كان (٨) الْمَغْنَمُ دُوَلًا، والأَمانة مَغْنَمًا (٩)، وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا، وأَطاع الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وعقَّ أُمه، وبرَّ صَدِيقَهُ، وَجَفَا أَباه، وَارْتَفَعَتِ الأَصوات فِي الْمَسَاجِدِ، وَكَانَ زعيمُ الْقَوْمِ أَرذَلهم، وأُكرم الرجلُ مَخَافَةَ شَرِّه، وشُرِبت (١٠) الْخُمُورُ، ولُبِس الْحَرِيرُ، واتُّخِذَت القِيَان وَالْمَعَازِفُ، ولَعَنَ آخرُ هَذِهِ الأُمة أَوَّلَها، فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ ريحًا حمراءَ، أو خسفًا، أَو مَسْخًا\" (١١).\n_________\n=وفي رواية هشام عن الحسن مقال؛ لأنه كان يرسل عنه؛ كما في \"التقريب\" (٧٢٨٩).\n(١) أخرجه البخاري (١٢١)، ومسلم (٦٥) من حديث جرير ﵁.\n(٢) في (خ) و(م): \"ويشرب\"، وفي (ت): \"وشرب\".\n(٣) في (ت): \"وتكثر\".\n(٤) في (خ) و(ت): \"للخمسين\".\n(٥) أخرجه البخاري (٨٠)، ومسلم (٢٦٧١).\n(٦) في (م): \"عشر\".\n(٧) في (خ): \"وما هي\".\n(٨) قوله: \"كان\" سقط من (م)، وفي موضعه علامة لحق، ولم يظهر شيء في الهامش، وفي (خ) و(ت): \"صار\" بدل \"كان\".\n(٩) في (م) و(ت) و(خ): \"مغرمًا\".\n(١٠) في (م): \"وشرب\".\n(١١) أخرجه الترمذي (٢٢١٠)، وابن حبان في \"المجروحين\" (٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧)، والطبراني في \"الأوسط\" (٤٦٩)، وأبو عمرو الداني في \"السنن الواردة في الفتن\" (٣/ ٦٨٣)، والخطيب (٣/ ١٥٨)، وابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (٢/ ٨٥٠)، جميعهم من طريق فرج بن فضالة، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن علي، عن علي، به ووقع عند الترمذي: محمد بن عمرو بن علي عن علي.\nقال الذهبي في \"الميزان\" (٣/ ٣٤٥): وشذَّ الترمذي فقال: \"عن محمد بن عمرو بن=","vol":"2","page":423},{"text":"وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قريب من هذا، وفيه: \"وتُعُلِّم لغير الدين\" (١).\nوفيه: \"وساد (٢) الْقَبِيلَةَ فاسقُهم، وَكَانَ زعيمُ الْقَوْمِ أَرذلهم\".\nوَفِيهِ: \"وظهرت (٣) القَيْنات وَالْمَعَازِفُ\".\nوَفِي آخِرِهِ: \"فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحًا حمراءَ، وَزَلْزَلَةً، وَخَسْفًا، وَمَسْخًا، وَقَذْفًا، وآياتٍ تَتَابَعُ، كنِظامٍ بَالٍ (٤) قُطِعَ سلكُه فتتابع\" (٥).\n_________\n=علي عن علي\"، كذا قال!.اهـ. وقال أيضًا: \"ولا يعرف من اسمه عمرو في أولاد علي\".\nوسند هذا الحديث ضعيف لضعف فرج بن فضالة، كما في \"التقريب\" (٥٤١٨)، وقال الترمذي: \"هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث علي بن أبي طالب إلا من هذا الوجه، ولا نعلم أحدًا رواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري غير الفرج بن فضالة، والفرج بن فضالة قد تكلم فيه بعض أهل الحديث، وضعفه من قبل حفظه\".\nوجاء الحديث عن فرج بن فضالة بإسناد آخر وفيه زيادة.\nأخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٣٥٨) من طريق سويد بن سعيد، عن فرج بن فضالة، عن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، عن حذيفة، به.\nقال أبو نعيم: غريب من حديث عبد الله بن عبيد بن عمير، لم يروه عنه فيما أعلم إلا فرج بن فضالة. اهـ.\nومع ضعف فرج بن فضالة فعبد الله بن عبيد عن حذيفة مرسل كما قال أبو نعيم نفسه في (٣/ ٣٥٦).\nوسويد بن سعيد ضعيف، وفي \"التقريب\" (٢٦٩٠): \"صدوق في نفسه، إلا أنه عمي، فصار يتلقّن ما ليس من حديثه، فأفحش فيه ابن معين القول\".\nوانظر: \"السلسلة الضعيفة\" للألباني ﵀ (١١٧٠) و(١١٧١). والله أعلم.\n(١) قوله: \"وتعلم لغير الدين\" سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٢) في (خ) و(م): \"ساد\".\n(٣) في (خ): \"ظهرت\".\n(٤) قوله: \"بال\" ليس في (غ) و(ر).\n(٥) أخرجه الترمذي (٢٢١١) من طريق المستلم بن سعيد، عن رميح الجذامي، عن أبي هريرة، به.\nوضعّفه الترمذي بقوله: \"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه\".\nوإسناده ضعيف؛ رميح هذا قال فيه الذهبي في \"الميزان\" (٢/ ٥٤): \"لا يعرف\"، وقال الحافظ في \"التقريب\" (١٩٥٧): \"مجهول\".","vol":"2","page":424},{"text":"فَهَذِهِ الأَحاديث وأَمثالها مِمَّا أَخبر بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنه يَكُونُ فِي هَذِهِ الأُمة بَعْدَهُ: إِنما هُوَ - فِي الْحَقِيقَةِ - تبديل للأَعمال (١) الَّتِي كَانُوا أَحقَّ بالعَمل بِهَا، فَلَمَّا عُوِّضُوا منها غيرها، وفشا فيها حتى (٢) كأَنه مِنَ الْمَعْمُولِ بِهِ تَشْرِيعًا، كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْحَوَادِثِ الطَّارِئَةِ عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّن القرافي (٣) ومن ذهب مذهبه، فأكثرها جارٍ في العادات، لا في العبادات؛ فليكن الابتداع ثابتًا في العادات كما اتفق على جريانه (٤) فِي الْعِبَادَاتِ.\nوَالَّذِينَ ذَهَبُوا إِلى أَنه مُخْتَصٌّ بالعبادات لا يُسَلِّمون جميع ما ذكره (٥) الأَوّلون (٦).\nأَما مَا تَقَدَّمَ عَنِ الْقَرَافِيِّ وَشَيْخِهِ (٧): فَقَدْ مَرَّ الْجَوَابُ عَنْهُ (٨)، فإِنها (٩) معاصٍ فِي الْجُمْلَةِ، وَمُخَالَفَاتٌ لِلْمَشْرُوعِ، كالمُكُوس، وَالْمَظَالِمِ، وَتَقْدِيمِ الْجُهَّالِ عَلَى العلماءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.\nوَالْمُبَاحُ مِنْهَا (١٠) كَالْمَنَاخِلِ، إِنْ فُرِضَ مُبَاحًا - كَمَا قَالُوا ـ: فإِنما إِباحته بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، فَلَا ابْتِدَاعَ (١١) فِيهِ.\nوإِن فُرِضَ مكروهًا - كما أَشار إليه كلام (١٢) محمد بن أَسلم - (١٣):\n_________\n(١) في (ت) و(خ) و(م): \"الأعمال\".\n(٢) قوله: \"حتى\" من (ر) و(غ) فقط.\n(٣) في \"الفروق\" (٤/ ٣٤٨ - ٣٤٩)، وتقدم هذا (ص٣٧٥).\n(٤) من قوله: \"القرافي ... \" إلى هنا سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٥) قوله: \"ما ذكره\" سقط من (خ) وجاء في (ت) و(م): \"ذلك\" بدلًا منه.\nوبسبب سقط قوله: \"ما ذكره\" أشكلت العبارة على رشيد رضا، فعلّق على هذا الموضع بقوله: كذا! ولا بدّ أن يكون قد سقط من هذا كلام، ولعل أصله: \"لا يسلمون جميع ما قاله الأولون\"، أو: \"جميع ما ذهب إليه الأولون\".اهـ.\n(٦) في (ت): \"ويقولون\" بدل \"الأولون\".\n(٧) أي: العز بن عبد السلام. راجع ص (٤١٦ - ٤١٧).\n(٨) انظر (ص٣٢٧) فما بعد من المجلد الأول.\n(٩) في (ت): \"بأنها\".\n(١٠) قوله: \"منها\" ليس في (غ) و(ر).\n(١١) في (ت) و(خ) و(م): \"اتباع\".\n(١٢) قوله: \"كلام\" سقط من (خ) و(ت).\n(١٣) المتقدم ص (٤١٧ - ٤١٨).","vol":"2","page":425},{"text":"فَوَجْهُ الْكَرَاهِيَةِ عِنْدَهُ كَوْنُهَا عُدَّت مِنَ الْمُحْدَثَاتِ؛ إِذ في الأَثر (١): \"أَول مَا أُحدث بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَنَاخِلُ\" (٢)، أَو كَمَا قَالَ، فَأَخَذَ (٣) بِظَاهِرِ اللَّفْظِ مَنْ أَخذ بِهِ، كَمُحَمَّدِ بن أَسلم. وظاهرٌ (٤) أَن ذَلِكَ مِنْ نَاحِيَةِ السَّرَف والتَّنَعُّم الَّذِي أَشار إِلى كَرَاهِيَتِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ (٥) الْآيَةَ، لَا مِنْ جِهَةِ أَنه بِدْعَةٌ.\nوَقَوْلُهُمْ: كَمَا يُتَصَوَّر ذَلِكَ فِي الْعِبَادَاتِ يُتَصَوَّر فِي الْعَادَاتِ: مُسَلَّم، وَلَيْسَ كَلَامُنَا فِي الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ، وإِنما كلامنا (٦) فِي الْوُقُوعِ، وَفِيهِ النِّزَاعُ.\nوأَما مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنَ الأَحاديث: فَلَيْسَ فِيهَا عَلَى المسأَلة دَلِيلٌ وَاحِدٌ، إِذ لَمْ يُنَصَّ عَلَى أَنها بِدَعٌ أَو مُحْدَثَاتٌ، أَو مَا يُشِيرُ إِلى ذَلِكَ الْمَعْنَى. وأَيضًا إِن عدُّوا كُلَّ مُحْدَثِ من (٧) الْعَادَاتِ بِدَعَةً، فَلْيَعُدّوا جَمِيعَ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مِنَ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَالْكَلَامِ وَالْمَسَائِلِ النَّازِلَةِ الَّتِي لَا عَهْدَ بِهَا (٨) فِي الزَّمَانِ الأَول بِدَعًا، وَهَذَا شَنِيعٌ، فإِن مِنَ الْعَوَائِدِ (٩) ما يختلف (١٠) بحسب الأَزمان والأَمكنة والاسم، أفيكون (١١) كُلُّ مَنْ خَالَفَ الْعَرَبَ الَّذِينَ أَدركوا الصَّحَابَةَ رضي الله تعالى عنهم واعتادوا مثل عوائدهم\n_________\n(١) في (خ) و(م): \"الأمر\"، وفي موضعه بياض في (ت)، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: كذا في الأصل. اهـ. ويعني بالأصل: (خ).\n(٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقال الغزالي في \"الإحياء\" (١/ ١٢٦): ويقال: أول ما ظهر من البدع بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أربع: المناخل، والأسنان، والموائد، والشبع.\nوفي \"صحيح البخاري\" (٥٤١٣) عن سهل بن سعد قال: ما رأى رسول الله ﷺ منخلًا من حين ابتعثه الله حتى قبضه.\nوفي \"الطبقات\" لابن سعد (١/ ٤٠٨) عن سهل بن سعد: ما رأيت منخلًا في ذاك الزمان ... \".\n(٣) في (ر) و(غ): \"وأخذ\".\n(٤) في (خ) و(ت): \"وظاهره\".\n(٥) سورة الأحقاف: الآية (٢٠).\n(٦) في (خ) و(م): \"وإنما الكلام\".\n(٧) قوله: \"من\" من (ر) و(غ) فقط.\n(٨) في (ر) و(غ): \"لها\" بدل \"بها\".\n(٩) في (ر) و(غ): \"شنيع ومن العوائد\" وفي (م): \"شنيعًا من العوائد\"، والمثبت من (خ) و(ت).\n(١٠) في (خ) و(م) و(ت): \"ما تختلف\".\n(١١) في (ت) و(خ): \"فيكون\".","vol":"2","page":426},{"text":"غيرَ مُتَّبعين لَهُمْ؟! هَذَا مِنَ (١) المُسْتنكَر جِدًّا!!.\nنَعَمْ لَا بُدَّ مِنَ الْمُحَافَظَةِ فِي الْعَوَائِدِ الْمُخْتَلِفَةِ عَلَى الْحُدُودِ (٢) الشَّرْعِيَّةِ، وَالْقَوَانِينِ الْجَارِيَةِ عَلَى مُقْتَضَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.\nوَأَيْضًا: فَقَدْ يَكُونُ الْتِزَام الزِّيِّ (٣) الواحد، أو الحالة (٤) الْوَاحِدَةِ، أَوِ الْعَادَةِ الْوَاحِدَةِ تَعَبًا (٥) ومشقَّة؛ لِاخْتِلَافِ الأَخلاق والأَزمنة والبقاع والأَحوال، والشريعة تأْبى التضييق (٦) والحرج في كل ما دَلَّ (٧) الشَّرْعُ عَلَى جَوَازِهِ، وَلَمْ يَكُنْ ثمَّ مُعَارِض.\nوإِنما جَعَلَ الشَّارِعُ مَا تَقَدَّمَ فِي الأَحاديث الْمَذْكُورَةِ مِنْ فَسَادِ الزَّمَانِ وأَشراط السَّاعَةِ: لِظُهُورِهَا وفُحْشِها بِالنِّسْبَةِ (٨) إِلى مُتَقَدَّمِ الزَّمَانِ، فإِن الْخَيْرَ كَانَ أَظهر، والشرَّ كَانَ أَخفى وأَقلّ، بِخِلَافِ آخِرِ الزَّمَانِ فإِن الأَمر فِيهِ عَلَى العكس، فالشر (٩) فِيهِ أَظهر، وَالْخَيْرُ أَخفى وَأَقَلُّ (١٠).\nوأَما كَوْنُ تِلْكَ الْأَشْيَاءُ بِدَعًا: فَغَيْرُ مَفْهُومٍ عَلَى الطَّرِيقَتَيْنِ فِي حَدِّ الْبِدْعَةِ، فَرَاجِعِ النَّظَرَ فِيهَا (١١) تَجِدْهُ كَذَلِكَ.\nوَالصَّوَابُ فِي المسأَلة طَرِيقَةٌ أُخرى وَهِيَ (١٢) تَجْمَعُ (١٣) شَتَاتَ النَّظَرَيْنِ، وَتُحَقِّقُ الْمَقْصُودَ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ، وَهُوَ الَّذِي بُني عَلَيْهِ تَرْجَمَةُ هَذَا الْبَابِ، فَلْنُفْرِدْهُ فِي فصلٍ عَلَى حِدَته، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ للصواب.\n_________\n(١) قوله: \"من\" سقط من (ر)، وفي موضعه علامة لحق، ولم يظهر شيء في التصوير، ويبدو أنه مما تآكل من أطراف النسخة؛ لأن ناسخ (غ) بيّض لموضع \"من\"، مما يدل على عدم وقوفه على اللحق؛ لأنها منقولة عنها\n(٢) قوله: \"على الحدود\" سقط من (ت).\n(٣) قوله: \"الزي\" في موضعه بياض في (خ)، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: بياض في الأصل، ولعل مكانه: \"الزي\".اهـ.\n(٤) في (ت) و(خ): \"والحالة\".\n(٥) في (ر) و(غ): \"عناء\" بدل \"تعبًا\".\n(٦) في (غ): \"الضييق\".\n(٧) في (خ) و(م) و(ت): \"والحرج فيما دل\".\n(٨) قوله: \"بالنسبة\" سقط من (م).\n(٩) في (خ) و(ت) و(م): \"والشر\".\n(١٠) قوله: \"وأقل\" سقط من (خ) و(ت).\n(١١) في (ت) و(غ): \"فيه\".\n(١٢) في (م): \"هي\".\n(١٣) في (ر) و(غ): \"لجمع\".","vol":"2","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>فصل</span>\nأَفعال الْمُكَلَّفِينَ - بِحَسَبِ النَّظَرِ الشَّرْعِيِّ فِيهَا - عَلَى ضَرْبَيْنِ:\nأَحَدُهُمَا: أَن تَكُونَ مِنْ قَبِيلِ التعبُّدات.\nوَالثَّانِي: أَن تَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الْعَادَاتِ.\nفأَما الأَول: فَلَا نَظَرَ فِيهِ هَاهُنَا.\nوأَما الثَّانِي - وَهُوَ الْعَادِيُّ ـ: فَظَاهِرُ النَّقْلِ عَنِ السَّلَف الأَوَّلين أَن المسأَلة مُخْتَلَفٌ فِيهَا، فَمِنْهُمْ مَنْ يُرشِدُ كلامُه إِلى أَن الْعَادِيَّاتِ كَالْعِبَادِيَّاتِ، فَكَمَا أَنا مأَمورون فِي الْعِبَادَاتِ بأَن لا نُحْدِثَ فيها، فكذلك في (١) الْعَادِيَّاتُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسلم (٢)، حَيْثُ كَرِه فِي سُنَّة الْعَقِيقَةِ مُخَالَفَةَ مَنْ قَبِلَهُ فِي أَمرٍ عاديٍّ، وَهُوَ اسْتِعْمَالُ المَنَاخِل، مَعَ الْعِلْمِ (٣) بأَنه مَعْقُولُ الْمَعْنَى، نَظَرًا مِنْهُ - وَاللَّهُ أَعلم - إِلى أَن الأَمر بِاتِّبَاعِ (٤) الأَوّلين - عَلَى الْعُمُومِ - غَلَبَ عَلَيْهِ جِهَةُ التَّعَبُّدِ، وَيَظْهَرُ أَيضًا مِنْ كَلَامِ مَنْ قَالَ: أَول مَا أَحدث النَّاسُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَنَاخِلُ (٥).\nويُحكى عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَبي (٦) راشد أَنه قال: لولا أن أخالف (٧) مَنْ كَانَ قَبْلِي؛ لَكَانَتِ الجَبَّانَةُ (٨) مَسْكَنِي إِلى أَن أَموت (٩).\n_________\n(١) قوله: \"في\" من (ر) و(غ) فقط.\n(٢) تقدم تخريجه صفحة (٤١٧ - ٤١٨).\n(٣) قوله: \"مع العلم\" مكرر في (ر).\n(٤) في (ت): \"إلى أن اتباع\".\n(٥) راجع صفحة (٤١٧ - ٤١٨ و٤٢٥ - ٤٢٦).\n(٦) قوله: \"أبي\" سقط من (ر) و(غ).\n(٧) في (م): \"لولا أني أخالف\" وفي (خ) و(ت): \"لولا أني أخاف\".\n(٨) الجَبَّانَةُ: الصحراء. انظر \"لسان العرب\" (١٣/ ٨٥).\n(٩) أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٥/ ٧٧) من طريق أبيه، عن عبد الله بن محمد بن عمر،=","vol":"2","page":428},{"text":"والسُّكْنَى (١) عَادِيٌّ بِلَا (٢) إِشكال.\nوَعَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ يَكُونُ قِسْمُ الْعَادِيَّاتِ دَاخِلًا فِي قِسْمِ الْعِبَادَيَّاتِ، فَدُخُولُ الِابْتِدَاعِ فِيهِ ظَاهِرٌ، والأَكثرون عَلَى خِلَافِ هَذَا، وَعَلَيْهِ نَبْنِي الْكَلَامَ فَنَقُولُ:\nثَبَتَ فِي الأُصول الشَّرْعِيَّةِ أَنه لَا بُدَّ فِي كُلِّ عَادِيٍّ مِنْ شائبةِ التعبُّد؛ لأَن مَا لَمْ يُعْقَلْ مَعْنَاهُ عَلَى التَّفْصِيلِ مِنَ المأْمور بِهِ، أَو المنهيِّ عَنْهُ (٣) فَهُوَ الْمُرَادُ بالتعبُّديّ، وَمَا عُقِلَ معناه وعُرِفَت (٤) مصلحته أَو مفسدته على التفصيل (٥) فَهُوَ الْمُرَادُ بِالْعَادِيِّ. فَالطَّهَارَاتُ وَالصَّلَوَاتُ وَالصِّيَامُ وَالْحَجُّ\n_________\n=عن محمد بن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، عن خلف بن حوشب؛ قال:\nكنا مع الربيع بن أبي راشد، فسمع رجلًا يقرأ:\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [الآية: (٥) من سورة الحج]، فقال: لولا أن أخالف من كان قبلي ما زايلت مسكني حتى أموت.\nونقل محقق \"الحلية\" عن \"تحصيل البغية\" أن في رواية:\n\"لولا أن أخالف من كان قبلي لكانت الجبانة مسكني حتى أموت\".\nوهو الموافق لما عند المصنف.\nوالنص أورده ابن الجوزي في \"صفة الصفوة\" (٣/ ١٠٩) الذي هو مختصر للحلية دون إسناد.\nوإسناد أبي نعيم رجاله ثقات، عدا عبد الله بن محمد بن عمر، فلم أعرفه، وقد يكون عبد الله بن محمد بن يحيى بن أبي عمر، أو عبد الله بن محمد بن عمران، والله أعلم.\nوقد أخرجه أبو نعيم أيضًا من طريق سعيد بن سلمة الثوري، عن محمد بن يحيى العبدي، عن أبي غسان، عن عبد السلام بن حرب، عن خلف بن حوشب؛ قال: قال لي الربيع بن أبي راشد: اقرأ علي، فقرأت عليه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾، فقال: لولا أن تكون بدعة، لسِحْتُ - أوهِمْتُ - في الجبال.\nولم أعرف سعيد بن سلمة الثوري، ولا شيخه محمد بن يحيى العبدي، إلا أن يكون محمد بن يحيى الذهلي، فإنه الذي يروي عن أبي غسان مالك بن إسماعيل.\n(١) علق رشيد رضا هنا بقوله: ربما سقط من هنا كلمة: \"أمر\".اهـ.\n(٢) في (ر) و(غ): \"فلا\".\n(٣) قوله: \"عنه\" سقط من (م).\n(٤) في (ر) و(غ): \"وما عرف معناه وعقلت مصلحته\".\n(٥) قوله: \"على التفصيل\" سقط من (خ) و(ت).","vol":"2","page":429},{"text":"كلها تعبدي، والبيع والشراء والنكاح وَالطَّلَاقُ (١) والإِجارات وَالْجِنَايَاتُ كُلُّهَا عَادِيٌّ؛ لأَن أَحكامها معقولة المعنى. ومع أنها معقولة المعنى (٢) لا بُدَّ (٣) فِيهَا مِنَ التعبُّد، إِذ هِيَ مُقَيَّدة بأُمور شَرْعِيَّةٍ لَا خِيرَةَ للمُكَلَّف فِيهَا، كَانَتِ اقْتِضَاءً أَو تَخْيِيرًا، فإِن التَّخْيِيرَ فِي التعبُّدات إِلزام؛ كَمَا أَن الاقتضاءَ إِلزام حَسْبَمَا تَقَرَّرَ بُرْهَانُهُ فِي كِتَابِ \"الْمُوَافَقَاتِ\" (٤) ـ. وإِذا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَقَدْ ظَهَرَ اشْتِرَاكُ الْقِسْمَيْنِ فِي مَعْنَى التَّعَبُّدِ. فإِن جاءَ الِابْتِدَاعُ فِي الأُمور الْعَادِيَّةِ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ، صَحَّ دُخُولُهُ فِي الْعَادِيَّاتِ كَالْعِبَادِيَّاتِ، وإِلا فَلَا.\nوَهَذِهِ هِيَ النُّكْتَةُ الَّتِي يَدُورُ عليها حكم الباب، ويتبين ذلك بِبَسْطِ الأَمثلة (٥): فَمِمَّا أَتى بِهِ الْقَرَافِيُّ (٦): وَضْعُ المُكُوس فِي مُعَامَلَاتِ النَّاسِ، فَلَا يَخْلُو هَذَا الْوَضْعُ الْمُحَرَّمُ أَن يَكُونَ عَلَى قصدِ حَجْرِ التصرُّفات وَقْتًا مَا، أَو فِي حَالَةٍ مَّا، لِنَيْلِ حُطام الدنيا، على هَيْئة غَصْب الْغَاصِبِ، وسَرِقة السَّارِقِ، وقَطْع الْقَاطِعِ لِلطَّرِيقِ، وَمَا (٧) أَشبه ذَلِكَ، أَو يَكُونَ عَلَى قَصْدِ وَضْعِهِ عَلَى النَّاس (٨)؛ كالدَّيْن الْمَوْضُوعِ، والأَمر المَحْتوم (٩) عليهم دائمًا،\n_________\n(١) في (خ) و(ت) و(م): \"والبيع والنكاح والشراء والطلاق\"، والمثبت من (ر) و(غ)، وهو أنسب للسياق.\n(٢) قوله: \"ومع أنها معقولة المعنى\" سقط من (خ) و(ت).\n(٣) في (خ) و(ت): \"ولا بد\".\n(٤) (٢/ ٥٢٩).\n(٥) في (خ) و(م) و(ت): \"ويتبين ذلك بالأمثلة\".\n(٦) في \"الفروق\" (٤/ ٣٤٦)؛ حيث قسم البدع إلى خمسة أقسام، وفي القسم الثاني منها قال: \"القسم الثاني: محرَّم، وهو بِدْعَةٍ تَنَاوَلَتْهَا قَوَاعِدُ التَّحْرِيمِ وَأَدِلَّتُهُ مِنَ الشَّرِيعَةِ؛ كالمكوس، والمحْدثات من المظالم الْمُنَافِيَةِ لِقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ؛ كَتَقْدِيمِ الجُهّال عَلَى الْعُلَمَاءِ، وتَوْلية المناصب الشرعية من لا يصلح لها بطريق التوارث، وجعل المستند لذلك كَوْنَ الْمَنْصِبِ كَانَ لِأَبِيهِ، وَهُوَ فِي نَفْسِهِ ليس بأهل\". وانظر (ص٣٢١) فما بعد من المجلد الأول.\nوقد استشكل رشيد رضا قول المصنف هنا: \"فمما أتى به القرافي: وضع المكوس\"، فقال: لعله سقط من هنا كلمة \"من جواز\"، أو \"في مسألة\".اهـ.\nولا أرى في العبارة إشكالًا، فمعناها: مما أتى به القرافي - أي: ذكره - في أقسام البدع: فرض المكوس.\n(٧) في (ر) و(غ): \"أو ما\".\n(٨) في (م) يشبه أن تكون: \"التاس\".\n(٩) في (م): \"المحترم\".","vol":"2","page":430},{"text":"أَو في أَوقات محدودة، وعلى (١) كيفيات مضروبة، بحيث تضاهي التشريع (٢) الدَّائِمَ الَّذِي يُحمل عَلَيْهِ الْعَامَّةُ، وَيُؤْخَذُونَ بِهِ، وتُوجَّه عَلَى الْمُمْتَنِعِ مِنْهُ الْعُقُوبَةُ (٣)، كَمَا فِي أَخذ زَكَاةِ الْمَوَاشِي وَالْحَرْثِ وَمَا أَشبه ذَلِكَ.\nفأما الأول: فلا إشكال أنه مجرّد معصية إذا كان ظُلمًا وتعدِّيًا من غير سبب ظاهر، ولا يقال في هذا: إنه بدعة؛ لخروجه عن حدِّ البدعة (٤).\nوأما (٥) الثَّانِي: فَظَاهِرٌ أَنه بِدْعَةٌ، إِذ هُوَ تَشْرِيعُ زَائِدٌ، وإِلزامٌ للمكلَّفين يُضَاهِي إِلزامهم الزَّكَاةَ (٦) الْمَفْرُوضَةَ، وَالدِّيَاتِ الْمَضْرُوبَةَ، وَالْغَرَامَاتِ الْمَحْكُومِ بِهَا فِي أَموال الغُصَّاب والمتعدين، بَلْ صَارَ فِي حقِّهم كَالْعِبَادَاتِ الْمَفْرُوضَةِ، وَاللَّوَازِمِ (٧) الْمَحْتُومَةِ، أَو مَا أَشبه ذَلِكَ. فَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ يَصِيرُ بِدْعَةً بِلَا شَكٍّ؛ لأَنه شَرْعٌ مُستدرك، وسَنن (٨) فِي التَّكْلِيفِ مَهْيَعٌ (٩)، فَتَصِيرُ المُكُوسُ عَلَى هَذَا الْفَرْضِ لَهَا نَظَرَانِ:\nنَظَرٌ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا مُحَرَّمَةً عَلَى الْفَاعِلِ أَن يَفْعَلَهَا، كَسَائِرِ أَنواع الظُّلْمِ.\nوَنَظَرٌ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا اخْتِرَاعًا لِتَشْرِيعٍ يُؤخذ بِهِ النَّاسُ إِلى الْمَوْتِ (١٠) كَمَا يُؤْخَذُونَ بِسَائِرِ التَّكَالِيفِ. فَاجْتَمَعَ فِيهَا نَهْيَانِ: نَهْيٌ عَنِ الْمَعْصِيَةِ، وَنَهْيٌ عَنِ الْبِدْعَةِ، وَلَيْسَ ذلك بموجود (١١) في البدع في القسم الأَوّل،\n_________\n(١) في (ت) و(خ): \"على\" بدون واو.\n(٢) في (خ) و(ت): \"المشروع\".\n(٣) في (ر) و(غ): \"العقوبات\".\n(٤) من قوله: \"فأما الأول ... \" إلى هنا سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٥) في (خ): \"فأما\".\n(٦) في (ر) و(غ): \"الزكوات\".\n(٧) في (ت): \"والإلزامات\".\n(٨) في (خ): \"وسن\".\n(٩) مَهْيَعٌ: واضح وبيِّن. انظر \"لسان العرب\" (٨/ ٣٧٩).\n(١٠) من قوله: \"كسائر أنواع ... \" إلى هنا سقط من (غ) و(ر).\n(١١) في (خ) و(ت): \"موجودًا\" وفي (م): \"موجود\".","vol":"2","page":431},{"text":"وإِنما يوجد فيه (١) النهي من جهة كونه (٢) تَشْرِيعًا مَوْضُوعًا عَلَى النَّاسِ أَمرَ وجوبٍ أَو ندبٍ، إِذ لَيْسَ فِيهِ جِهَةٌ أُخرى يَكُونُ بِهَا مَعْصِيَةً؛ بَلْ نَفْسُ التَّشْرِيعِ هُوَ نَفْسُ الْمَمْنُوعِ.\nوَكَذَلِكَ تَقْدِيمُ الْجُهَّالِ عَلَى العلماءِ، وَتَوْلِيَةُ الْمَنَاصِبِ الشَّرْعِيَّةِ (٣) مَنْ لَا يَصْلُحُ (٤) بِطَرِيقِ التَّوْرِيثِ، هُوَ مِنْ قَبِيلِ مَا تَقَدَّمَ، فإِن جَعْلَ الْجَاهِلِ (٥) فِي مَوْضِعِ الْعَالِمِ حَتَّى يَصِيرَ مُفْتِيًا فِي الدِّينِ، وَمَعْمُولًا بِقَوْلِهِ فِي الأَموال والدماءِ والأَبضاع وَغَيْرِهَا مُحَرَّمٌ فِي الدِّينِ، وَكَوْنُ ذَلِكَ يُتّخذ (٦) دَيْدَنًا حَتَّى يَصِيرَ (٧) الِابْنُ مُسْتَحِقًّا لِرُتْبَةِ الأَب - وإِن لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الأَب فِي ذَلِكَ الْمَنْصِبِ - بِطَرِيقِ الْوِرَاثَةِ أَو غَيْرِ ذَلِكَ، بحيث يشيع هذا العمل ويطَّرد، ويَعُدّه (٨) النَّاسُ كَالشَّرْعِ الَّذِي لَا يُخالف؛ بِدَعَةً (٩) بِلَا إِشكال، زِيَادَةً إِلى الْقَوْلِ بالرأْي غَيْرِ الْجَارِي عَلَى الْعِلْمِ، وَهُوَ بِدْعَةٌ، أَو سببُ البدعةِ كَمَا سيأْتي تَفْسِيرُهُ إِن شاءَ اللَّهُ، وَهُوَ الَّذِي بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: \"حَتَّى إِذا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ؛ اتَّخَذَ الناس رؤساءَ (١٠) جهالا، فَسُئلوا، فأَفتوا بغير علم، فضَلّوا وأَضلوا\" (١١)، وإِنما ضلوا وأضلوا؛ لأَنهم أَفتوا بالرأْي؛ إِذ لَيْسَ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ.\nوأَما إِقامة صُوَرِ الأَئمة وَالْقُضَاةِ وَوُلَاةِ الأُمور (١٢) عَلَى خِلَافِ ما كان\n_________\n(١) في (خ) و(م) و(ت): \"به\".\n(٢) في (خ) و(ت) و(م): \"كونها\".\n(٣) في (ت) و(خ): \"الشريفة\".\n(٤) في (ر) و(غ): \"لا يصلح بها\"، وفي (ت): \"لا يصلح لها\"، وعلّق رشيد رضا هنا بقوله: أي: لا يصلح هنا. اهـ.\n(٥) في (م): \"الجهال\".\n(٦) في (ت): \"يصير\"، وذكر بهامشها أن في نسخة: \"يتخذ\".\n(٧) في (ت): \"يكون\" بدل \"يصير\".\n(٨) في (خ) و(ت) و(م): \"ويرده\".\n(٩) قال رشيد رضا: قوله: \"بدعة\": هو خبر: \"وكذلك تقديم الجهال\".اهـ.\n(١٠) في (خ): \"رءوسًا\".\n(١١) أخرجه البخاري (١٠٠) و(٧٣٠٧)، ومسلم (٢٦٧٣) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.\n(١٢) في (خ) و(ت) و(م): \"الأمر\".","vol":"2","page":432},{"text":"عَلَيْهِ السَّلَفُ: فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْبِدْعَةَ لَا تُتَصوّر هُنَا، وَذَلِكَ صَحِيحٌ (١)؛ فإِن تَكَلَّفَ أَحد فِيهَا ذَلِكَ فَيَبْعُدُ جِدًّا، وَذَلِكَ بِفَرْضِ أَن يُعْتَقَدَ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ أَنه مِمَّا يَطلب بِهِ الأَئمةُ عَلَى الْخُصُوصِ تَشْرِيعًا خَارِجًا عَنْ قَبِيلِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ، بِحَيْثُ يُعَدّ مِنَ الدِّينِ الَّذِي يَدِينُ بِهِ هؤلاءِ الْمَطْلُوبُونَ بِهِ، أَو يَكُونُ ذَلِكَ مِمَّا يُعَدُّ خَاصًّا بالأَئمة دُونَ غَيْرِهِمْ، كَمَا يَزْعُمُ بَعْضُهُمْ أَن خَاتَمَ الذَّهَبِ جَائِزٌ لِذَوِي (٢) السُّلْطَانِ، أَو يَقُولُ: إِن الْحَرِيرَ جَائِزٌ لَهُمْ لُبْسُهُ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَهَذَا أَقرب مِنَ الأَول فِي تَصَوُّرِ الْبِدْعَةِ فِي حَقِّ هَذَا الْقِسْمِ.\nوَيُشْبِهُهُ عَلَى قُرْبٍ: زَخْرَفَةُ الْمَسَاجِدِ، إِذ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَعْتَقِدُ أَنها مِنْ قَبِيلِ تَرْفِيعِ بُيُوتِ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ تَعْلِيقُ الثُريَّات (٣) الْخَطِيرَةِ الأَثمان، حَتَّى يُعَدّ الإِنفاق فِي ذَلِكَ إِنفاقًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ إِذا اعتُقِدَ فِي زَخَارِفِ الْمُلُوكِ وإِقامة صُوَرِهِمْ أَنها مِنْ جُمْلَةِ تَرْفِيعِ الإِسلام، وإِظهار (٤) مَعَالِمِهِ وَشَعَائِرِهِ، أَو قصد ذلك في فعله أَوّلًا فإنَّه (٥) ترفيع للإِسلام بما (٦) لَمْ يأْذن اللَّهُ بِهِ. وَلَيْسَ مَا حَكَاهُ القرافي عن معاوية ﵁ (٧) مِنْ قَبِيلِ هَذِهِ الزَّخَارِفِ، بَلْ مِنْ قَبِيلِ المُعتاد فِي اللِّبَاسِ، وَالِاحْتِيَاطِ (٨) فِي الْحِجَابِ مَخَافةً من انْخِراقِ خَرْقٍ يَتّسع (٩) فلا يُرْقَع، هَذَا إِن صَحَّ مَا قَالَ، وإِلا فَلَا يُعَوّل (١٠) عَلَى نَقْلِ الْمُؤَرِّخِينَ وَمَنْ لَا يُعتبر مِنَ الْمُؤَلِّفِينَ، وأَحرى أَلَّا (١١) يَنْبَنِيَ عَلَيْهِ حُكْمٌ.\nوأَما مسأَلة الْمَنَاخِلِ: فَقَدْ مَرَّ مَا فِيهَا، وَالْمُعْتَادُ فِيهَا أَنه (١٢) لَا يُلْحِقها أَحد بالدِّين وَلَا بِتَدْبِيرِ الدُّنْيَا، بِحَيْثُ لَا يَنْفَكّ عَنْهُ؛ كالتشريع، فلا نطوِّل به.\n_________\n(١) في (ر) و(غ): \"وذلك وهو صحيح\".\n(٢) في (ر) و(غ): \"لذي\".\n(٣) في (ر): \"الثرييات\".\n(٤) في (م): \"وظهار\".\n(٥) في (خ) و(ت) و(م): \"بأنه\".\n(٦) في (ت): \"مما\" بدل \"بما\".\n(٧) في (ت): \"عن سيدنا معاوية\".\n(٨) في (ر) و(غ): \"والاحتفاظ\".\n(٩) في (ر) و(غ): \"يتبع\".\n(١٠) في (ر) و(غ): \"يعدل\".\n(١١) في (ت) و(خ) و(م): \"أن\" بدل: \"ألا\"، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: لعل الأصل: \"وأحرى ألا ينبني عليه حكم\".اهـ ..\n(١٢) في (خ): \"والمعتاد ما فيها أنه\" وفي (غ): \"والمعتاد فيها أنها\".","vol":"2","page":433},{"text":"وَعَلَى ذَلِكَ التَّرْتِيبِ يُنظر فِيمَا قَالَهُ ابْنُ عبد السلام (١) من غير فرق، فيتبيّن (٢) مَجَالَ الْبِدْعَةِ فِي الْعَادِيَّاتِ (٣) مِنْ مَجَالِ غَيْرِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيضًا (٤) فِيهَا كَلَامٌ فَرَاجِعْهُ إِن احْتَجْتَ إِليه (٥).\nوأَما وَجْهُ النَّظَرِ فِي أَمثلة الْوَجْهِ الثَّالِثِ (٦) مِنْ أَوجه دُخُولِ الِابْتِدَاعِ فِي الْعَادَاتِ (٧) عَلَى مَا أُريد تَحْقِيقُهُ: فَنَقُولُ: إِن مدار (٨) تِلْكَ الأَحاديث عَلَى بِضْعَ عَشْرَةَ (٩) خَصْلَةً، يُمْكِنُ ردُّها إِلى أُصول هِيَ كُلُّهَا أَو غَالِبُهَا بِدَعٌ، وَهِيَ: قِلّةُ الْعِلْمِ، وَظُهُورُ الْجَهْلِ، والشُّحُّ، وقبضُ الأَمانة، وتحليلُ الدِّماءِ، وَالزِّنَا، والحريرِ، والغِناءِ، والرِّبا والخمرِ، وكونُ المَغْنَمِ دُوَلًا، وَالزَّكَاةُ مَغْرِمًا، وارتفاعُ الأَصوات فِي الْمَسَاجِدِ، وتقديمُ الأَحداث، ولَعْنُ آخرِ الأُمّةِ أَوَّلَها، وخروجُ الدَّجَّالِينَ، ومفارقةُ الْجَمَاعَةِ (١٠).\nأَما قِلّةُ الْعِلْمِ، وَظُهُورُ الْجَهْلِ: فَبِسَبَبِ التفقُّه للدنيا (١١)، وهذا إِخبارٌ بمُقَدِّمةٍ نتيجتُها (١٢): الفُتيا بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ حَسْبَمَا جاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: \"إِن اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ ... \" (١٣)، إِلى آخِرِهِ (١٤)، وَذَلِكَ أَن النَّاسَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ قائدٍ يَقُودُهُمْ في الدين بخزائمهم (١٥)، وإِلا\n_________\n(١) تقدم (ص٤١٦ - ٤١٧).\n(٢) في (ت) و(خ) و(م): \"فتبين\".\n(٣) في (م): \"العديات\".\n(٤) انظر (ص٣٢١ و٣٢٥ فما بعد) من المجلد الأول.\n(٥) قوله: \"إن احتجت إليه\" ليس في (ت).\n(٦) أي المتقدم (ص٤١٩).\n(٧) في (ت) و(خ): \"العاديات\".\n(٨) في (خ) و(م): \"مدارك\". بدل \"مدار\"، وكذا في أصل (ت)، ثم صوبت في الهامش.\n(٩) في (ت): \"عشر\".\n(١٠) انظر: حديث علي ﵁ صفحة (٤٢٣).\n(١١) علق رشيد رضا هنا بقوله: لعله: \"التفرغ للدنيا\".اهـ.\nولا داعي لهذا الاستدراك، فكلام المصنف لا غموض فيه.\n(١٢) في (خ): \"نتجتها\".\n(١٣) تقدم تخريجه صفحة (٤٣٢).\n(١٤) في (ت): \"إلى آخر الحديث\".\n(١٥) في (خ): \"بحرائمهم\"، وفي (ت) و(م): \"بجرائمهم\" وتقدم تعريف الخزامة (ص٣٣٤).","vol":"2","page":434},{"text":"وقع الهَرْجُ (١)، وفسد النظام، فيضطرون إِلى الرجوع (٢) إِلى مَنِ انْتَصَبَ لَهُمْ مَنْصِبَ الْهِدَايَةِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ عَالِمًا، فَلَا بُدَّ أَن يَحْمِلَهُمْ عَلَى رأْيه فِي الدِّينِ، لأَن الْفَرْضَ أَنه جَاهِلٌ، فيُضِلّهم عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ؛ كَمَا أَنَّهُ ضَالٌّ (٣) عَنْهُ، وَهَذَا عَيْنُ الِابْتِدَاعِ؛ لأَنه التَّشْرِيعُ بِغَيْرِ (٤) أَصلٍ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ. وَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنه لَا يُؤتى الناسُ قَطّ مِنْ قِبل (٥) عُلَمَائِهِمْ (٦)؛ وإِنما يؤتَون مِنْ قِبَلِ أَنه إِذا مَاتَ عُلَمَاؤُهُمْ؛ أَفتى مَنْ لَيْسَ بِعَالَمٍ، فَيُؤْتَى (٧) النَّاسُ مَنْ قِبَلِهِ؛ وسيأْتي (٨) لِهَذَا الْمَعْنَى بَسْطٌ أَوسع مِنْ هَذَا إِن شاءَ اللَّهُ.\nوأَما الشحُّ: فإِنه مُقَدِّمَةٌ لِبِدْعَةِ الِاحْتِيَالِ عَلَى تَحْلِيلِ الْحَرَامِ؛ وَذَلِكَ أَن النَّاسَ يشحُّون بأَموالهم، فَلَا يَسْمَحُونَ بِتَصْرِيفِهَا فِي مَكَارِمِ الأَخلاق، وَمَحَاسِنِ الشِّيَم؛ كالإِحسان بِالصَّدَقَاتِ، والهِبَات، والمُواساة، والإِيثار عَلَى النَّفْسِ، وَيَلِيهِ أَنواع الْقَرْضِ الْجَائِزِ، ويليه التجاوز في المعاملات بإِنظار المعسر، أو بالإِسقاط (٩)؛ كما قال تعالى (١٠): ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١١)؛ وَهَذَا كَانَ شأْن مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، ثُمَّ نَقَصَ الإِحسان بِالْوُجُوهِ الأُوَل؛ فَتَسَامَحَ النَّاسُ بِالْقَرْضِ، ثُمَّ نَقَصَ (١٢) ذَلِكَ؛ حَتَّى صَارَ الْمُوسِرُ لَا يَسْمَحُ بِمَا فِي يَدَيْهِ، فَيُضْطَرُّ المعسر\n_________\n(١) المقصود بالهَرْج هنا - فيما يظهر ـ: كثرة الفتن المفضية إلى كثرة القتال. فالهَرْجُ يطلق على الاختلاط، والفتنة في آخر الزمان، وشدّة القتل وكثرته، وكثرة النكاح، وأصل الهرج: الكثرة في الشيء. انظر \"النهاية\" (٥/ ٢٥٦)، و\"لسان العرب\" (٢/ ٣٨٩).\n(٢) في (ت) و(خ): \"الخروج\".\n(٣) في (ت): \"ضل\".\n(٤) في (ر) و(غ): \"لغير\".\n(٥) في (م): \"قبيل\".\n(٦) في (ت) و(خ): \"العلماء\".\n(٧) في (ت) و(خ): \"فتؤتى\".\n(٨) (ص٩٩) من المجلد الثالث.\n(٩) كما في قوله ﷺ: \"من سره أن ينجيه الله فلينفس عن معسر، أو يضع عنه\". أخرجه مسلم (١٥٦٣).\nوفي (خ) و(م) و(ت): \"وبالإسقاط\".\n(١٠) قوله: \"تعالى\" ليس في (خ).\n(١١) سورة البقرة: الآية (٢٨٠).\n(١٢) في (خ): \"نقض\".","vol":"2","page":435},{"text":"إِلى أَن يَدْخُلَ فِي الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي ظَاهِرُهَا الْجَوَازُ، وَبَاطِنُهَا الْمَنْعُ؛ كَالرِّبَا، والسَّلَف الَّذِي يَجُرّ النَّفْع (١)، فَيُجْعَلُ بَيْعًا فِي الظَّاهِرِ، وَيَجْرِي فِي النَّاسِ شَرْعًا شَائِعًا، وَيَدِينُ (٢) بِهِ الْعَامَّةُ، وَيَنْصِبُونَ هَذِهِ الْمُعَامَلَاتِ مَتَاجِرَ، وأَصلها الشُّحّ بالأَموال، وحُبّ الزَّخَارِفِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَالشَّهَوَاتِ الْعَاجِلَةِ، فإِذا كَانَ كَذَلِكَ؛ فبالحَرِيّ (٣) أَن يَصِيرَ ذَلِكَ ابْتِدَاعًا فِي الدِّينِ، وأَن يُجعل مِنْ أَشراط السَّاعَةِ.\nفإِن قِيلَ: هَذَا انْتِجَاعٌ (٤) مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ، وتكلُّفٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ.\nفَالْجَوَابُ: أَنه لَوْلَا أَن (٥) ذَلِكَ مَفْهُومٌ مِنَ الشَّرْعِ لَمَا قِيلَ بِهِ.\nفَقَدْ رَوَى أَحمد فِي \"مُسْنَدِهِ\" (٦) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄\n_________\n(١) في (م): \"المنع\".\n(٢) في (ت): \"وتدين\".\n(٣) في (خ): \"فالجري\".\n(٤) المعنى: أن هذا استنباط بعيد. والانْتِجاع: طلب الكلأ ومساقط الغيث؛ كما في \"النهاية\" (٥/ ٢١)، و\"لسان العرب\" (٨/ ٣٤٧)؛ وذلك بالتكلّف في طلبه عن بعد.\n(٥) قوله: \"أن\" سقط من (ر) و(غ).\n(٦) (٢/ ٢٨ رقم ٤٨٢٥) من طريق أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر، به.\nوأخرجه الطرسوسي في \"مسند ابن عمر\" (٢٢)، والطبراني في \"الكبير\" (١٢/ ٤٣٢ رقم ١٣٥٨٣)، والبيهقي في \"الشعب\" (٤٢٢٤)، ثلاثتهم من طريق أبي بكر بن عياش، به.\nقال ابن القطان في \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٢٩٥ - ٢٩٦): \"حديث صحيح رجاله ثقات\".\nوتعقَّب الحافظ ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٤٥ رقم ١١٨٣) ابن القطان بقوله: \"وعندي: أن إسناد الحديث الذي صححه ابن القطان معلول؛ لأنه لا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحًا؛ لأن الأعمش مدلِّس، ولم [يذكر] سماعه من عطاء، وعطاء يحتمل أن يكون عطاء الخراساني، فيكون منه تدليس التسوية؛ بإسقاط نافع بين عطاء وابن عمر، فرجع الحديث إلى الإسناد الأول، وهو المشهور\".اهـ.\nوقول الحافظ عن عطاء المذكور هنا: \"يحتمل أن يكون عطاء: الخراساني\": ينفيه التصريح في بعض الطرق بأنه ابن أبي رباح!.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية في \"الفتاوى الكبرى\" (٣/ ١٣٣): \"وهذان إسنادان=","vol":"2","page":436},{"text":"قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: \"إِذا ضَنَّ الناسُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، وَتَبَايَعُوا بالعِيْنَةِ، وَاتَّبَعُوا أَذناب الْبَقَرِ، وَتَرَكُوا الْجِهَادَ في سبيل الله، أَنزل الله بهم بلاءًا، فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم\".\n_________\n=حسنان أحدهما يشدّ الآخر ويقوّيه\"؛ يعني: هذا الطريق، وطريق عطاء الخراساني عن نافع الآتي ذكره. ثم قال شيخ الإسلام: \"فأما رجال الأول: فإنهم مشاهير، لكن نخاف أن لا يكون الأعمش سمعه من عطاء، أو أن عطاء لم يسمعه من ابن عمر.\nوالإسناد الثاني: يبيِّن أن للحديث أصلًا محفوظًا عن ابن عمر ... \" إلخ كلامه الآتي ذكره. وقال في \"القواعد النورانية\" (ص١٥): \"وقد ورى أحمد وأبو داود بإسنادين جيِّدين ... \"، ثم ذكره. وحسّنه أيضًا ابن القيم كما سيأتي.\nوأخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (٥٦٥٩) من طريق إسماعيل بن عليّة، والطبراني في \"الكبير\" (١٢/ ٤٣٣ رقم ١٣٥٨٥) من طريق عبد الوارث بن سعيد، كلاهما عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن عمر، به.\nوأخرجه الروياني في \"مسنده\" (١٤٢٢) من طريق محمد بن حميد الرازي، عن جرير، وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٣١٣ - ٣١٤)، و(٣/ ٣١٩) من طريق أبي كدينة البجلي، كلاهما - جرير وأبو كدينة - عن ليث، عن عطاء، عن ابن عمر، به هكذا بإسقاط عبد الملك بن أبي سليمان من سنده، فلست أدري هل هذا من تخليط ليث بن أبي سليم، أو ممن دونه؟ فليث قال عنه الحافظ ابن حجر في \"التقريب\" (٥٧٢١) \"صدوق اختلط جدًا، ولم يتميّز حديثه، فتُرك\".\nقال أبو نعيم بعد أن رواه: \"رواه الأعمش عن عطاء ونافع، ورواه راشد الحمّاني، عن ابن عمر نحوه\". وقال أيضًا: \"حديث غريب من حديث عطاء، عن ابن عمر، رواه الأعمش أيضًا عنه، ورواه فضالة بن حصين، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر\".\nوطريق فضالة هذه التي أشار إليها أبو نعيم: أخرجها العسكري في \"تصحيفات المحدثين\" (١/ ١٩١)، وابن شاهين في \"الأفراد\" (١/ ١) - كما في \"السلسلة الصحيحة\" للألباني (١١) ـ، كلاهما عن فضالة بن حصين، عن نافع، عن ابن عمر، به.\nثم قال ابن شاهين: \"تفرّد به فضالة\".\nوفضالة هذا قال فيه أبو حاتم: \"مضطرب الحديث\". \"الجرح والتعديل\" (٧/ ٧٨).\nوللحديث طريق أخرى يرويها عطاء الخراساني، عن نافع، عن ابن عمر، به، وسيأتي الكلام عنها في التعليق الآتي.","vol":"2","page":437},{"text":"وَرَوَاهُ أَبو دَاوُدَ أَيضًا (١)، وَقَالَ فِيهِ: \"إِذا تبايعتم بالعينة، وأَخذتم\n_________\n(١) في \"سننه\" (٣٤٦٢). وأخرجه الدولابي في \"الكنى\" (٢/ ٦٥)، وابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ٣٦٠)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٥/ ٢٠٨ - ٢٠٩)، والبيهقي (٥/ ٣١٦) جميعهم من طريق حيوة بن شريح، عن إسحاق أبي عبد الرحمن، عن عطاء الخراساني، عن نافع، عن ابن عمر، به.\nقال أبو نعيم: \"غريب من حديث عطاء عن نافع، تفرد به حيوة عن إسحاق\".\nوقال المنذري في \"مختصر السنن\" (٥/ ١٠٢ - ١٠٣): \"في إسناده إسحاق بن أسيد أبو عبد الرحمن الخراساني، نزيل مصر، لا يحتج بحديثه، وفيه أيضًا عطاء الخراساني وفيه مقال\".\nوضعف هذه الطريق ابن القطان في \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٢٩٥).\nومدار هذا الطريق على عطاء بن أبي مسلم الخراساني، وهو صدوق يهم كثيرًا ويرسل ويدلس كما في \"التقريب\" (٤٦٣٣).\nوإسحاق بن أَسيد أبو عبد الرحمن الخراساني قال عنه ابن حجر في \"التقريب\" (٣٤٤): \"فيه ضعف\".\nوذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في \"إقامة الدليل\" من \"الفتاوى الكبرى\" (٣/ ١٣٣) إسناد عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر السابق، وهذا الإسناد، ثم قال: \"والإسناد الثاني يبين أن للحديث أصلًا محفوظًا عن ابن عمر، فإن عطاء الخراساني ثقة مشهور، وحيوة بن شريح كذلك وأفضل، وأما إسحاق بن عبد الرحمن [كذا!] فشيخ روى عنه أئمة المصريين؛ مثل حيوة بن شريح، والليث بن سعد، ويحيى بن أيوب وغيرهم\"، ثم ذكر رواية ليث بن أبي سليم، عن عطاء، عن ابن عمر، ثم قال: \"وهذا يبيِّن أن للحديث أصلًا عن عطاء\"، وذكر ابن القيم كلامه هذا في \"تهذيب السنن\" (٥/ ١٠٤)، وأقرّه.\nوذكر الحديث أيضًا في \"الجواب الكافي\" (ص٣٠) وحسَّنه.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٤٢ و٨٢)، والخطيب في \"تاريخه\" (٤/ ٣٠٧)، وابن عساكر في \"تاريخه\" (١/ ١٦١) من طريق أبي جناب، عن شهر بن حوشب، عن ابن عمر، به.\nوأبو جناب هو: يحيى بن أبي حية ضعفوه لكثرة تدليسه.\nوشهر بن حوشب صدوق كثير الإرسال والأوهام كما في \"التقريب\" (٢٨٤٦).\nوله شاهد من حديث جابر:\nأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٤٥٥ من طريق بشير بن زياد الخراساني، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر، به.\nقال ابن عدي: \"وبشير بن زياد هذا ليس بالمعروف، إلا أنه يروي عن المعروفين ما لا يتابعه أحد عليه ... \".\nوبالجملة فجميع طرق الحديث لا تخلو من ضعف، وتقدم أن ابن القطان صححه، وقوّاه شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وصححه الشيخ الألباني في \"السلسلة=","vol":"2","page":438},{"text":"أَذناب الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ؛ سَلَّطَ الله عليكم ذُلًاّ لا ينزعه حَتَّى تَرْجِعُوا إِلى دِينِكُمْ\".\nفتأَمل كَيْفَ قَرَنَ التبايُعَ بالعِيْنَة بِضِنَّةِ النَّاسِ (١)؟ فأَشعر بأَن (٢) التَّبَايُعَ بِالْعِينَةِ يَكُونُ عَنِ الشُّحِّ بالأَموال، وَهُوَ مَعْقُولٌ فِي نَفْسِهِ، فإِن الرَّجُلَ لَا يَتَبَايَعُ أَبدًا هَذَا التَّبَايُعَ وَهُوَ يَجِدُ مَنْ يُسْلِفُه، أَو مَنْ يُعينه فِي حَاجَتِهِ، إِلا أَن يَكُونَ سَفِيهًا لَا عَقْلَ لَهُ.\nوَيَشْهَدُ لِهَذَا الْمَعْنَى مَا خَرَّجَهُ أَبو دَاوُدَ أَيضًا (٣) عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: \"سيأْتي عَلَى النَّاسِ زمانٌ عَضُوضٌ، يَعَضُّ المُوسِرُ عَلَى مَا فِي يديه، ولم يؤْمر بذلك؛ قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (٤)، ويُبَايِعُ المُضْطَرّون، وقد نهى ﵇ عن بيع المُضْطَرّ، وبيع الغَرَر، وبيع الثمر قبل أن يُدرك.\nوخرَّجه أحمد بن حنبل وسعيد بن منصور (٥).\n_________\n=الصحيحة\" (١١)، والله أعلم.\n(١) في (ت): \"بشحَّة الناس\"، وصوبت في الهامش، وفي (م): \"بضحة\".\n(٢) في (ت): \"فأشعر أن أن\".\n(٣) في \"سننه\" (٣٣٨٢)، وسيأتي تخريجه، والكلام عليه.\n(٤) سورة البقرة: الآية (٢٣٧).\n(٥) الحديث أخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\" ومن طريقه البيهقي (٦/ ١٧)، وابن حزم في \"المحلى\" (٩/ ٢٢)، وضعّفه. وأخرجه أحمد (١/ ١١٦)، وأبو داود في الموضع السابق، جميعهم من طريق هشيم؛ أخبرنا صالح بن رستم، عن شيخ من بني تميم؛ قال: خطبنا علي ...، فذكره.\nوإسناده ضعيف؛ لإبهام الشيخ من بني تميم. وصالح بن رستم قال فيه الحافظ ابن حجر في \"التقريب\" (٢٨٧٧): صدوق كثير الخطأ.\nوأخرجه ابن مردويه كما في \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٤٢٦) من طريق عبيد الله بن الوليد الوصافي، عن عبد الله بن عبيد، عن عَلَى: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال ..، فذكره هكذا مرفوعًا إلى النبي ﷺ، لا من قول علي.\nوإسناده ضعيف لضعف عبيد الله بن الوليد الوَصَّافي كما في \"التقريب\" (٤٣٨١).\nوعبد الله بن عبيد هو ابن عمير الليثي ثقة؛ لكنه لا يعرف له سماع من علي، وبين=","vol":"2","page":439},{"text":"وخرج سعيد (١) عن حذيفة في معنى الحديث (٢) أَنَّهُ ﷺ قَالَ: \"إِنَّ بعد زمانكم هذا زمانًا عَضُوضًا، يَعَضُّ الموسر على ما في يديه، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (٣): ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٤)، ويَنْهَدُ (٥) شِرَارُ خَلْقِ اللَّهِ يُبَايِعُونَ كُلَّ مُضْطَرّ، أَلا إِن بَيْعَ الْمُضْطَرِّ حَرَامٌ، الْمُسْلِمُ أَخو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخُونُهُ، إِن كَانَ عِنْدَكَ خَيْرٌ فعُدْ بِهِ عَلَى أَخيك، وَلَا تَزِدْه (٦) هَلَاكًا إِلى هَلَاكِهِ\".\nوَهَذِهِ الأَحاديث الثَّلَاثَةُ - وإِن كانت أَسانيدها ليست هناك ـ: فهِيَ (٧) مِمَّا يُعَضِّدُ (٨) بَعْضُهُ بَعْضًا، وَهُوَ خَبَرٌ حَقٌّ في نفسه يشهد له الواقع.\n_________\n=وفاتيهما أكثر من سبعين سنة، وقد ذُكر في ترجمته أنه لم يسمع من عائشة، فعلي من باب أولى، والله أعلم. انظر \"تهذيب الكمال\" (١٥/ ٢٥٩ - ٢٦١)، و\"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٣٠٨).\n(١) أخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\" كما في \"المحلى\"، (٩/ ٢٢)، و\"إعلام الموقعين\" (٣/ ١٧٠) عن هشيم، عن كوثر بن حكيم، عن مكحول؛ بلغني عن حذيفة ...، فذكره.\nوأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\"، وأبو يعلى في \"مسنده\" كما في \"تفسير ابن كثير\" (٥/ ٥١٠)، كلاهما من طريق هشيم، به. وسنده ضعيف جدًا.\nفكوثر بن حكيم قال عنه البخاري ويعقوب بن شيبة: منكر الحديث، وقال أحمد والدارقطني: متروك الحديث، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ. انظر: \"لسان الميزان\" (٦/ ٧٤ - ٧٥).\nويضاف إليه جهالة الواسطة بين مكحول وحذيفة.\nوضعفه ابن حزم، وقال ابن كثير: \"هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي إسناده ضعف\".\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وهذا الإسناد وإن لم تجب به حجة، فهو يعضد الأول، مع أنه خبر صدق، بل هو من دلائل النبوة؛ فإن عامة العينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نفقة يضن عليه الموسر بالقرض ... \" \"الفتاوى الكبرى\" (٣/ ١٣٧).\n(٢) يعني: الحديث السابق.\n(٣) من قوله: \" ﴿وَلاَ تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ \" إلى هنا سقط من (ت) و(خ) و(م).\n(٤) سورة سبأ: الآية (٣٩).\n(٥) في (خ) يشبه أن تكون: \"وينشد\"، وفي (ت): \"ويشهد\". ومعنى: يَنْهَدُ: ينهض. انظر: \"النهاية (٥/ ١٣٣).\n(٦) في (م): \"تزيده\".\n(٧) قوله: \"فهي\" ليس في (خ) و(م)، وفي (غ): \"فهذا\".\n(٨) في (غ): \"يعضده\".","vol":"2","page":440},{"text":"قَالَ بَعْضُهُمْ (١): عَامَّةُ الْعِينَةِ (٢) إِنَّمَا تَقَعُ مِنْ رَجُلٍ يُضْطَرُّ إِلى نَفَقَةٍ يَضِنّ عَلَيْهِ الْمُوسِرِ بالقرض، إِلا أَن يُربحه في المائة ما أَحب (٣)، فيبيعه ثَمَنُ الْمِائَةِ بِضَعْفِهَا أَو نَحْوِ ذَلِكَ، ففسَّر بَيْعُ الْمُضْطَرِّ بِبَيْعِ العِينة، وَبَيْعُ الْعِينَةِ إِنما هُوَ الْعَيْنُ (٤) بأَكثر مِنْهَا إِلى أَجل - حَسْبَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي الْفِقْهِيَّاتِ ـ، فَقَدْ صَارَ الشُّحُّ إِذًا سَبَبًا فِي دُخُولِ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ فِي البيوع.\nفإِن قيل: كلامنا في البدعة، لا فِي فَسَادِ (٥) الْمَعْصِيَةِ؛ لأَن هَذِهِ الأَشياء بُيُوعٌ فَاسِدَةٌ، فَصَارَتْ مِنْ بَابٍ آخَرَ لَا كَلَامَ لَنَا فِيهِ.\nفَالْجَوَابُ: أَن مَدْخَلَ الْبِدْعَةِ هَاهُنَا مِنْ بَابِ الِاحْتِيَالِ الَّذِي أَجازه بَعْضُ النَّاسِ، فَقَدْ عَدَّهُ العلماءُ مِنَ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَاتِ، حَتَّى قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي كتابٍ (٦) وضِعَ فِي الحِيَل (٧): \"من وضعَ هذا الكتاب (٨) فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ سَمِعَ بِهِ فَرَضِيَ بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ حَمَلَهُ مِنْ كُورة إِلَى كُورَةٍ (٩) فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَرَضِيَ بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ.\nوَذَلِكَ أَنه وَقَعَ (١٠) فِيهِ احتيالات (١١) بأَشياء مُنْكَرَةٍ، حَتَّى احْتَالَ عَلَى فِرَاقِ الزَّوْجَةِ زوجها بأَن تَرْتَدَّ\".\n_________\n(١) هو شيخ الإسلام ابن تيمية في \"إقامة الدليل\" (٣/ ١٣٧/الفتاوى الكبرى)، وعنه ابن القيم في \"إعلام الموقعين\" (٣/ ١٧٠) مع اختلاف يسير.\n(٢) في (ر) و(غ): \"الفتنة\".\n(٣) في (ت): \"ما يحب\".\n(٤) في (ت): \"إنما هو بيع العين\"، لكن قوله: \"بيع\" ملحق، وليس في الأصل.\n(٥) في (خ) و(م): \"في البدعة في فساد\"، وكذا كان في (ت)، وألحق الناسخ في الهامش حرف \"لا\" قبل قوله: \"فساد\".\n(٦) في (ت): \"في حق كتاب\".\n(٧) نقله عن ابن المبارك أيضًا شيخُ الإسلام ابن تيمية في \"الفتاوى الكبرى\" (٣/ ١٦٨ - ١٦٩).\nوانظر: \"الموافقات\" للمصنف (٣/ ١٢٤ - ١٢٥) و(٥/ ١٨٨)، و\"الفتاوى الكبرى\" (٣/ ١٧٠) و\"الفتح\" لابن حجر (١٢/ ٣٢٦).\n(٨) قوله: \"الكتاب\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(٩) كُوَرة - على وزن صُورة ـ: المدينة. انظر: \"لسان العرب\" (٥/ ١٥٤).\n(١٠) في (ر) و(غ): \"وضع\" بدل \"وقع\".\n(١١) في (خ) و(ت) و(م): \"الاحتيالات\".","vol":"2","page":441},{"text":"وقال إِسحاق بن رَاهَوَيْهِ عَنْ سُفْيَانَ (١) بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ: أَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكَ قَالَ فِي قِصَّةِ بِنْتِ (٢) أَبي رَوْح حَيْثُ أُمرت بِالِارْتِدَادِ، وَذَلِكَ فِي أَيام أَبي غَسَّانَ (٣)، فَذَكَرَ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَهُوَ مُغَضَّبٌ (٤): \"أَحدثوا فِي الْإِسْلَامِ، وَمَنْ كَانَ أَمر بِهَذَا فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ كَانَ هَذَا الْكِتَابُ عِنْدَهُ أَو فِي بَيْتِهِ ليأْمر به أَو صَوَّبَهُ (٥) وَلَمْ يأْمر بِهِ فَهُوَ (٦) كَافِرٌ\". ثُمَّ قَالَ ابْنُ المُبَارَكٍ: \"مَا أَرى الشيطان كان (٧) يُحْسِن مِثْلَ هَذَا، حَتَّى جاءَ هؤلاءِ فأَفادها منهم فأَشاعها حينئذ، أو كان (٨) يحسنها ولم يَجِدْ (٩) مَنْ يُمْضِيهَا فِيهِمْ، حَتَّى جاءَ هؤلاءِ\" (١٠).\nوإِنما وُضِعَ هَذَا الْكِتَابُ وأَمثاله لِيَكُونَ حُجَّةً عَلَى زَعْمِهِمْ فِي أَن يَحْتَالُوا لِلْحَرَامِ حَتَّى يصير حلالًا (١١)، وللواجب حتى يصير (١٢) غَيْرَ وَاجِبٍ، وَمَا أَشبه ذَلِكَ مِنَ الأُمور الْخَارِجَةِ عَنْ نِظَامِ الدِّينِ، كَمَا أَجازوا نِكَاحَ الْمُحَلِّلِ، وَهُوَ احتيالٌ عَلَى رَدّ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا لِمَنْ طَلَّقَهَا، وأَجازوا إِسقاط فَرْضِ الزَّكَاةِ بِالْهِبَةِ المستعارة (١٣) (١٤)، وأَشباه ذلك فقد ظهر وجه\n_________\n(١) قوله: \"عن سفيان\" جاء مكررًا في (غ)، وفي (خ): \"عن سفيان عن عبد الملك\".\n(٢) في (ر) و(غ): \"ابن\".\n(٣) في (ت): \"أيام بني غسان\".\n(٤) في (ر) و(غ): \"معضب\" بالعين المهملة.\n(٥) في \"الفتاوى الكبرى\": \"هَوِيَه\".\n(٦) قوله: \"فهو\" ليس في (ر) و(غ).\n(٧) قوله: \"كان\" من (ر) و(غ) فقط.\n(٨) في (خ) و(م): \"وكان\" والمثبت من (ت) و\"الفتاوى الكبرى\" (٣/ ١٦٨) وهو الأنسب، والله أعلم.\n(٩) علق رشيد رضا هنا بقوله: لعل الأصل: \"ولو كان يحسنها لم يجد\".اهـ. وسبب قوله هذا ما تقدم في التعليق السابق.\n(١٠) من قوله: \"فأفادها منهم\" إلى هنا سقط من (ر) و(غ).\n(١١) في (م): \"حتى يصير حرامًا\"، وعليها علامة، فالظاهر أنها صوبت في الهامش، ولم يظهر التصويب في التصوير.\n(١٢) في (خ) و(م) و(ت): \"يكون\" بدل \"يصير\".\n(١٣) في (ت): \"المستعادة\".\n(١٤) بيَّن المصنف هذا في \"الموافقات\" (٥/ ١٨٧) فقال:\n\" ... ومنها قاعدة الحيل؛ فإن حقيقتها المشهورة: تقديم عمل ظاهرِ الجواز لإبطال=","vol":"2","page":442},{"text":"الإِشارة فِي الأَحاديث الْمُتَقَدِّمَةِ الْمَذْكُورِ (١) فِيهَا الشُّحُّ، وأَنها (٢) تتضمن ابتداعًا كما تتضمن معاصي جملة (٣).\nوأَما قبض الأَمانة فعبارة عن شياع الْخِيَانَةِ، وَهِيَ مِنْ سِمَاتِ أَهل النِّفَاقِ، وَلَكِنْ قد سَارَ (٤) فِي النَّاسِ بَعْضُ أَنواعها تَشْرِيعًا، وحُكيت عَنْ قَوْمٍ مِمَّنْ يَنْتَمِي إِلى الْعِلْمِ، كَمَا حُكيت عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الأُمراءِ، فإِن أَهل الْحِيَلِ الْمُشَارِ إِليهم إِنما بَنَوْا فِي بَيْعِ الْعِينَةِ عَلَى إِخفاءِ مَا لَوْ أَظهروه لَكَانَ الْبَيْعُ فاسدًا، فأَخفوه ليُظْهِرَ (٥) صحته، فإِن بيعه الثوب بمئةٍ وَخَمْسِينَ إِلى أَجل (٦) لَكِنَّهُمَا (٧) أَظهرا وَسَاطَةَ الثَّوْبِ، وأَنه هُوَ الْمَبِيعُ وَالْمُشْتَرَى، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بِدَلِيلِ الواقع.\nوكالذي (٨) يَهَبُ مَالَهُ عِنْدَ رأْس الْحَوْلِ قَائِلًا بِلِسَانِ حاله أو مقاله (٩): أَنا غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلى هَذَا (١٠) الْمَالِ، وأَنت أَحوج إِليه مِنِّي، ثُمَّ يَهَبُهُ، فإِذا جاءَ الْحَوْلُ الْآخَرُ قَالَ الْمَوْهُوبُ (١١) لَهُ لِلْوَاهِبِ مِثْلَ المقالة الأُولى، والجميع فِي الْحَوْلَيْنِ (١٢) فِي تَصْرِيفِ الْمَالِ سواءٌ، أَليس هذا خلاف\n_________\n=حكم شرعي، وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر؛ فمآل العمل فيها خرم قواعد الشريعة في الواقع، كالواهب ماله عند رأس الحول فرارًا من الزكاة؛ فإن أصلَ الهبة على الجواز، ولو منع الزكاة من غير هبة لكان ممنوعًا؛ فإن كل واحد منهما ظاهر أمره في المصلحة أو المفسدة، فإذا جمع بينهما على هذا القصد؛ صار مآل الهبة المنع من أداء الزكاة - وهو مفسدة - ولكن هذا بشرط القصد إلى إبطال الأحكام الشرعية\".\n(١) في (خ) و(م): \"المذكورة\".\n(٢) في (ر) و(غ): \"وإنما\".\n(٣) علق رشيد رضا هنا بقوله: قوله: \"جملة\": الأظهر أن يقال: \"جمة\".اهـ.\n(٤) في (م): \"قد صار\" وفي (خ): \"ولكن يوجد\"، وفي (ت): \"ولكن قد يوجد\".\n(٥) كذا في جميع النسخ، وأثبتها رشيد رضا: \"لتظهر\"، والمعنى: ليظهر البائع صحته، وقد يكون صحيح العبارة: \"ليظهروا\".\n(٦) كذا في جميع النسخ، وعلق عليها رشيد رضا بقوله: أين خبر \"إنّ\"؟.اهـ.\nأقول: لعل خبرها: جملة قوله: بمئةٍ وخمسين إلى أجل، فيكون المعنى: فإنه يبيع الثوب المئة بمئةٍ وخمسين إلى أجل.\n(٧) في (ت): \"كأنهما\" بدل \"لكنهما\".\n(٨) في (خ): \"وكذلك\".\n(٩) في (خ): \"ومقاله\".\n(١٠) في (ت): \"لهذا\".\n(١١) في (ت) و(خ) و(م): \"المهاب\".\n(١٢) في (خ) و(م): \"والجميع في الحالين، بل في الحولين\"، وليست الزيادة في أصل (ت)، وإنما ذكرت في الهامش على أنها في نسخة، وليس الأمر كذلك، بل هذا من=","vol":"2","page":443},{"text":"الأَمانة؟ وَالتَّكْلِيفُ مَنْ أَصله أَمانة فِيمَا بَيْنُ العبد وربه، فالعمل بخلافها (١) خِيَانَةٌ.\nوَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ كَانَ يُجيز (٢) الزِّينَةَ، وَيَرُدُّ مِنَ الْكَذِبِ، وَمَعْنَى الزِّينَةِ التَّدْلِيسُ بِالْعُيُوبِ، وَهَذَا خِلَافُ الأَمانة وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.\nوأَيضًا فإِن كثيرًا من الأُمراءِ يَحْتَجِنُون (٣) أَموال المسلمين لأنفسهم (٤) اعْتِقَادًا مِنْهُمْ أَنها لَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِينَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَقِدُ نَوْعًا مِنْ ذَلِكَ فِي الْغَنَائِمِ المأَخوذة عُنْوةً مِنَ الْكُفَّارِ، فَيَجْعَلُونَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، ويَحْرِمون الْغَانِمِينَ (٥) مِنْ (٦) حُظُوظِهِمْ مِنْهَا تأْويلًا عَلَى الشَّرِيعَةِ بِالْعُقُولِ، فَوَجْهُ الْبِدْعَةِ هَا هَنَا ظَاهِرٌ.\nوَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ فِي تَمْثِيلِ الْبِدَعِ الدَّاخِلَةِ فِي الضَّرُورِيَّاتِ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا.\nوَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا النَّمَطِ (٧): كَوْنُ الْغَنَائِمِ تَصِيرُ (٨) دُوَلًا (٩)، وَقَوْلُهُ: \"سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وأُمورًا (١٠) تُنْكِرُونَهَا\"، ثُمَّ قَالَ: \"أَدّوا إِليهم حقَّهم، وَسَلُوا الله حَقَّكُم\" (١١) (١٢).\n_________\n=الإضراب عن الخطأ، وتقدم مثل هذا.\n(١) في (ت) و(خ) و(م): \"بخلافه\".\n(٢) في (خ) و(م) و(ت): \"يحقر\" بدل \"يجيز\".\n(٣) في (ت) و(خ): \"يحتاجون\"، وفي (م): \"يحتحنون\". ومعنى قوله: \"يحتجنون\" أي: يختصّون به لأنفسهم دون الناس، أو يقتطعون ويسرقون. انظر: \"لسان العرب\" (١٣/ ١٠٨ و١٠٩).\n(٤) في (خ) و(ت): \"أموال الناس\" بدل \"أموال المسلمين لأنفسهم\".\n(٥) في (م): \"الغنائم\"، وكتب في هامشها: \"لعله: الغانمين\".\n(٦) قوله: \"من\" ليس في (ر) و(غ).\n(٧) قوله: \"النمط\" ليس في (ت).\n(٨) قوله: \"تصير\" ليس في (ر) و(غ).\n(٩) يعني المصنف بكلامه هذا: حديث علي بن أبي طالب ﵁ الذي تقدم تخريجه ص (٤٢٣ - ٤٢٤)، وهو حديث ضعيف.\n(١٠) في (خ): \"وأمراء\". وفي هامش (ت) ما نصه: \"صوابه - والله أعلم ـ:،إِمْرَةً وأُمَرَاءَ\".\n(١١) في (خ) يشبه أن تكون: \"حقهم\"، أو: \"دقهم\".\n(١٢) تقدم تخريجه صفحة (٤١٩).","vol":"2","page":444},{"text":"وأَما تحليل الدماء والزنى (١) والحرير والغناء والربا (٢) وَالْخَمْرِ: فَخَرَّجَ أَبو دَاوُدَ وأَحمد وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبي مَالِكٍ الأَشعري ﵁: أَنه سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (٣): \"ليشربنَّ نَاسٌ مِنْ أُمتي الْخَمْرَ يُسَمّونها بِغَيْرِ اسْمِهَا\". زَادَ ابْنُ مَاجَهْ: \"يُعْزَفُ عَلَى رؤوسهم بِالْمَعَازِفِ والقَيْنات، يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمُ الأَرض، وَيَجْعَلُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ\" (٤).\nوَخَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبي عامر أو أبي مَالِكٍ (٥) الأَشعري؛ قَالَ فِيهِ: \"لِيَكُونَنَّ مِنْ أُمتي أَقوام (٦) يَسْتَحِلّون الخَزَّ (٧)، وَالْحَرِيرَ، وَالْخَمْرَ، وَالْمَعَازِفَ، ولينزلنَّ أَقوام إِلى جَنْبِ عَلَمٍ (٨)، تَرُوحُ عَلَيْهِمْ سارِحَةٌ (٩) لَهُمْ، يأْتيهم رَجُلٌ لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلينا غدًا، فيُبيِّتهم الله، ويضعُ العَلَم،\n_________\n(١) في (ت) و(خ) و(م): \"والربا\" بدل \"والزنى\".\n(٢) قوله: \"والربا\" من (ر) و(غ) فقط.\n(٣) قوله: \"يقول\" ليس في (خ)، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: ربما سقط من هنا كلمة: \"يقول\".اهـ.\n(٤) أخرجه أحمد (٥/ ٤٣٢)، والبخاري في \"تاريخه\" (١/ ٣٠٥) و(٧/ ٢٢١)، وأبو داود (٣٦٨٨)، وابن ماجه (٤٠٢٠)، وابن حبان (٦٧٥٨) وغيرهم من طريق حاتم بن حريث عن مالك بن أبي مريم، عن عبد الرحمن بن غنم حدثني أبو مالك الأشعري به.\nومالك بن أبي مريم وثقه ابن حبان وقال الذهبي: لا يعرف.\nوللحديث شواهد كثيرة يصح بها أفاض بذكرها الشيخ الألباني في \"الصحيحة\" (٩٠) فلا نطيل بذكرها.\n(٥) في (خ): \"وأبي مالك\".\n(٦) قوله: \"أقوام\" سقط من (م).\n(٧) كذا في جميع النسخ بالمعجمتين! وعلق عليه رشيد رضا بقوله: الرواية المشهورة بمهملتين، وسيأتي ذكر هذا اللفظ وتفسيره في حديث آخر في (ص٨٨ و٨٩).اهـ. يعني به رواية أبي داود الآتية، وتفسير المصنف للخَزّ. وهذه الرواية - \"الخَزّ\" بالمعجمتين - خطأ، والصواب: \"الحِرَ\" بالمهملتين. قال الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٥): ضبطه ابن ناصر بالحاء المهملة المكسورة، والراء الخفيفة، وهو الفَرْجُ، وكذا هو في معظم الروايات من \"صحيح البخاري\"، ولم يذكر عياض ومن تبعه غيره. وأغرب ابن التين فقال: إنه عند البخاري بالمعجمتين. وقال ابن العربي: هو بالمعجمتين تصحيف؛ وإنما رويناه بالمهملتين، وهو الفرج، والمعنى: يستحلون الزنى. اهـ.\n(٨) هو: الجبل كما سيأتي.\n(٩) في بعض نسخ البخاري: \"يروح عليهم بسارحة\".","vol":"2","page":445},{"text":"وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ\" (١).\nوَفِي \"سُنَنِ أَبي دَاوُدَ\" (٢): \"لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمتي أَقوام يَسْتَحِلُّونَ الخزَّ وَالْحَرِيرَ\"، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: \"يَمْسَخُ مِنْهُمْ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ\".\nوالخزُّ هُنَا: نَوْعٌ مِنَ الْحَرِيرِ، لَيْسَ الخَزَّ المأْذون فيه (٣) الْمَنْسُوجُ مِنْ حَرِيرٍ (٤) وَغَيْرِهِ.\nوَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: \"وَلِيَنْزِلَنَّ (٥) أَقْوَامٌ\": يَعْنِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْ هؤلاءِ المُسْتَحِلّين، وَالْمَعْنَى: إِنَّ هؤلاءِ المُسْتَحِلّين يَنْزِلُ مِنْهُمْ أَقوام إِلى جَنْبِ عَلَمٍ - وَهُوَ (٦) الْجَبَلُ ـ، فَيُوَاعِدُهُمْ رجل (٧) إِلى الغد؛ فَيُبَيِّتُهُم الله\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٥٩٠) تعليقًا فقال: \"باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه\". وقال هشام بن عمار، حدثنا صدقة، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثنا عطية بن قيس الكلابي، حدثني عبد الرحمن بن غنم، حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري فذكره.\nووصله ابن حبان (٦٧٥٤)، والطبراني (٣٤١٧)، والبيهقي (٣/ ٢٧٢) و(١٠/ ٢٢١)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٦٧/ ١٨٨)، والحافظ في \"تغليق التعليق\" (٥/ ١٧ - ١٨).\nقال الحافظ: وهذا حديث صحيح لا علة له، ولا مطعن له، وقد أعلّه أبو محمد ابن حزم بالانقطاع بين البخاري وصدقة بن خالد، وبالاختلاف في اسم أبي مالك، وهذا كما تراه قد سقته من رواية تسعة عن هشام متصلًا؛ فيهم مثل: الحسن بن سفيان، وعبدان، وجعفر الفريابي، وهؤلاء حفاظ أثبات.\nوقال أيضًا: ثم إن الحديث لم ينفرد به هشام بن عمار ولا صدقة كما ترى.\nوقال أيضًا: وله عندي شواهد أُخر، كرهت الإطالة بذكرها، وفيما أوردته كفاية لمن عقل وتدبر، والله الموفق. اهـ. \"تغليق التعليق\" (٥/ ٢٢).\nوانظر: \"تهذيب السنن\" لابن القيم (٥/ ٢٧٠ - ٢٧٢)، و\"السلسلة الصحيحة\" (٩١).\n(٢) (٤٠٣٩).\n(٣) في (خ) و(م): \"فيها\".\n(٤) في (ر) و(غ): \"الحرير\".\n(٥) في (ر) و(غ): \"لينزلن\" بلا واو.\n(٦) قوله: \"علم وهو\" سقط من (ر)، وفي موضعه علامة لحق، ولم يظهر اللحق في التصوير، ويبدو أنه ليس هناك لحق، أو أنه تآكل من هامشها؛ لأن ناسخ (غ) بيض لهاتين الكلمتين، وهي منسوخة من (ر).\n(٧) قوله: \"رجل\" ليس في (خ).","vol":"2","page":446},{"text":"ـ وَهُوَ أَخذ الْعَذَابِ لَيْلًا ـ، وَيَمْسَخُ مِنْهُمْ آخَرِينَ؛ كما في حديث أَبي داود، وكما (١) في الحديث قَبْلُ (٢)؛ حَيْثُ قَالَ (٣): يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمُ الأَرض، وَيَمْسَخُ منهم قردة وخنازير. وكأَن الخسف ها هنا (٤) هو التَّبْيِيتُ الْمَذْكُورَ فِي الْآخَرِ.\nوَهَذَا نَصٌّ فِي أَن هؤلاءِ الَّذِينَ اسْتَحَلّوا هَذِهِ الْمَحَارِمَ كَانُوا متأَوِّلين فِيهَا؛ حَيْثُ زَعَمُوا [أَن] (٥) الشَّرَابَ الَّذِي شَرِبُوهُ لَيْسَ هُوَ الْخَمْرُ، وإِنما لَهُ اسْمٌ آخَرُ، إِما النَّبِيذُ أَو غَيْرُهُ، وإِنما الْخَمْرُ عَصِيرُ الْعِنَبِ النِّيْءِ، وَهَذَا رأْي طَائِفَةٍ مِنَ الْكُوفِيِّينَ، وَقَدْ ثَبَتَ أَن كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ (٦).\nقَالَ بَعْضُهُمْ (٧): وإِنما أَتى (٨) عَلَى هؤلاءِ حَيْثُ اسْتَحَلُّوا الْمُحَرَّمَاتِ بِمَا ظَنُّوهُ مِنِ انْتِفَاءِ الِاسِمِ، وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلى وُجُودِ الْمَعْنَى المُحَرِّم وَثُبُوتِهِ. قَالَ: وَهَذِهِ بِعَيْنِهَا شُبْهَةُ (٩) الْيَهُودِ فِي اسْتِحْلَالِهِمْ بيع الشَّحْم بعد جَمْلِه (١٠)،\n_________\n(١) في (خ): \"كما\".\n(٢) في (م): \"قيل\".\n(٣) قوله: \"قال\" سقط من (خ).\n(٤) في (ر) و(غ): \"الخسف هنا\".\n(٥) ما بين معقوفين سقط من جميع النسخ، والسياق يقتضيه، وقد أثبته أيضًا محمد رشيد رضا.\n(٦) أخرجه مسلم (٢٠٠٣) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام ... \" الحديث.\n(٧) هو شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى ـ، وقوله هذا في \"إقامة الدليل\" من \"الفتاوى الكبرى\" (٣/ ١٢٩)، ومن الجدير بالذكر أن المصنف ﵀ قد استفاد في كثير من مباحث هذا الفصل - وهو الحيل - من كلام شيخ الإسلام ﵀ حيث نقل كثيرًا من عباراته، والمصنف إنما لم يصرح باسمه \"اتقاءً لما وقع في الخُلُوف من عداوته، والنفرة منه\" كما سبق نقله عن الشيخ بكر أبو زيد في تقديمه لـ\" الموافقات \" (ا/و)، والله أعلم.\n(٨) في (ت): \"أوتي\".\n(٩) في (ت): \"هي شبهة\".\n(١٠) أي: بعد إذابته.\nوالحديث أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٢٢٢٣ و٣٤٦٠)، ومسلم (١٥٨٢)، كلاهما من رواية ابن عباس، عن عمر بن الخطاب ﵃؛ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"لعن الله اليهود؛ حُرِّمت عليهم الشحوم، فجَمَلوها، فباعوها\".\nوأخرجه البخاري (٢٢٢٤)، ومسلم (١٥٨٣) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: \"قاتل الله اليهود، حرم الله عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها\".","vol":"2","page":447},{"text":"واستحلال (١) أَخذ الحِيْتان يومَ الأَحد (٢) بِمَا أَوقعوها بِهِ يَوْمَ السَّبْتِ فِي الشِّبَاك والحَفائِر مِنْ فِعْلِهِمْ يَوْمَ الْجُمْعَةِ؛ حَيْثُ قَالُوا: لَيْسَ هَذَا بصيدٍ، ولا عملٍ في (٣) يوم السبت، وليس هذا باستباحة الشحم (٤) (٥).\n_________\n(١) قوله: \"بيع الشحم بعد جمله، واستحلال\" سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٢) في (خ): \"الأخذ\".\n(٣) قوله: \"في\" ليس في (خ) و(ت).\n(٤) في (خ) و(ت) و(م): \"الشح\"، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: كذا! ولعله \"السبت\"، والعبارة كلها مضطربة ليست سالمة من التحريف. اهـ.\n(٥) الحديث أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٣٢٢ - ٣٢٣) من طريق الإمام الشافعي؛ أخبرني يحيى بن سُلَيم؛ ثنا ابن جريج، عن عكرمة؛ قال: دخلت على ابن عباس ﵄ وهو يقرأ في المصحف قبل أن يذهب بصره وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك يا ابن عباس جعلني الله فداك؟ قال: فقال: هل تعرف أَيْلَة؟ قلت: وما أيلة؟ قال: قرية كان بها ناس من اليهود، فحرّم الله عليهم الحيتان يوم السبت، فكانت حيتانهم تأتيهم يوم سبتهم شُرَّعًا بيضاء سمان كأمثال المخاض بأفنائهم وأبنياتهم، فإذا كان في غير يوم السبت لم يجدوها ولم يدركوها إلا في مشقة ومؤونة شديدة، فقال بعضهم لبعض - أَوْ مَنْ قال ذلك منهم ـ: لعلّنا لو أخذناها يوم السبت وأكلناها في غير يوم السبت! ففعل ذلك أهل بيت منهم، فأخذوا فشووا، فوجد جيرانهم ريح الشوي، فقالوا: والله ما نرى إلا أصاب بني فلان شيء، فأخذها آخرون، حتى فشا ذلك فيهم وكثر ...، الحديث بطوله.\nقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\".\nومن طريق الحاكم أخرجه البيهقي في \"السنن\" (١٠/ ٩٢).\nوأخرج ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (١٣/ ١٨٨ رقم ١٥٢٧١) قطعة منه من طريق سلام بن سالم الخزاعي، عن يحيى بن سليم، وليس فيها موضع الشاهد.\nوالحديث شديد الضعف جدًا؛ له علّة خفيت على الحاكم، وهي أن ابن جريج لم يسمع من عكرمة كما نص عليه المزي في \"تهذيب الكمال\" (١٨/ ٣٤٢).\nوأكّد ذلك: أن عبد الرزاق أخرجه في \"تفسيره\" (٢/ ٢٤٠) عن ابن جريج؛ قال: حدثني رجل، عن عكرمة ...، فذكره بطوله.\nومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن جرير في الموضع السابق برقم (١٥٢٧٢).\nوأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٨٤٤٧ و٨٤٥٥ و٨٤٥٧) مفرَّقًا، فقال: ذكر أحمد بن محمد بن عثمان الدمشقي؛ ثنا محمد بن شعيب بن شابور؛ أخبرني عبد الله بن المبارك: أنه سمع أبا بكر الهُذلي وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي يحدِّثان عن عكرمة مولى ابن عباس ...، فذكره.\nفأوضحت هذه الرواية أن أبا بكر الهذلي يروي الحديث عن عكرمة، والهذلي هذا=","vol":"2","page":448},{"text":"بَلِ الَّذِي يَسْتَحِلّ الْخَمْرَ زَاعِمًا أَنه (١) لَيْسَ خمرًا، مع علمه (٢) بأَن معناه معنى الْخَمْرَ، وَمَقْصُودُهُ مَقْصُودُ الْخَمْرُ، أَفسدُ (٣) تأْويلًا؛ مِنْ جِهَةِ أَن أَهل الْكُوفَةِ مِنْ أَكثر (٤) النَّاسِ قِيَاسًا (٥)؛ فَلَئِنْ كَانَ مِنَ الْقِيَاسِ مَا هُوَ حَقٌّ، فإِن قِيَاسَ الْخَمْرِ المَنْبوذةِ عَلَى الْخَمْرِ العَصِيرةِ مِنَ الْقِيَاسِ فِي مَعْنَى الأَصل، وَهُوَ مِنَ الْقِيَاسِ الجَليّ؛ إِذ لَيْسَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَرْقِ مَا يُتوهَّم أَنه مُؤَثِّرٌ فِي التَّحْرِيمِ.\nفإِذا كَانَ هؤلاءِ الْمَذْكُورُونَ فِي الْحَدِيثِ إِنما شَرِبُوا الْخَمْرَ اسْتِحْلَالًا لَهَا؛ لَمَّا ظَنُّوا أَن المُحَرَّمَ مجردُ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، وَظَنُّوا أَن لَفْظَ الْخَمْرِ لَا يَقَعُ عَلَى غَيْرِ عَصِيرِ الْعِنَبِ النِّيْءِ، فشُبهتهم فِي اسْتِحْلَالِ الْحَرِيرِ والمعازف أَظهر، فإِنه قد (٦) أُبيح الحرير للنساءِ (٧) مطلقًا (٨)،\n_________\n=من شيوخ ابن جريج، مع كونه من أقرانه؛ كما في \"تهذيب الكمال\" (٣٣/ ١٥٩). فبما أن ابن جريج معروف بالتدليس، وهو لم يسمع من عكرمة، ورواية عبد الرزاق للحديث عنه أوضحت أنه يرويه عن واسطة أبهمه، عن عكرمة، ورواية ابن المبارك أوضحت أن أبا بكر الهذلي يروي هذا الحديث عن عكرمة، والهذلي هذا من شيوخ ابن جريج، فالذي يغلب على الظن أنه هو الذي أبهمه ابن جريج ودلّسه، وهو أخباري متروك الحديث كما في \"التقريب\" (٨٠٥٩).\nوأما رواية الحاكم: ففيها يحيى بن سُلَيم الطائفي، وهو صدوق سيِّء الحفظ كما في \"التقريب\" (٧٦٦٣)، والله أعلم.\n(١) قوله: \"أنه\" سقط من (خ).\n(٢) في (ت): \"مع العلم\".\n(٣) في (خ): \"فسد\".\n(٤) قوله: \"من أكثر\" مكرر في (ت).\n(٥) كذا جاءت العبارة في جميع النسخ، وتقدم أن المصنف أخذها عن شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه \"إقامة الدليل على إبطال التحليل\" (ص١٢٨ - ١٢٩) المطبوع في الجزء الثالث من \"الفتاوى الكبرى\"، ونص العبارة هناك: \"أفسد تأويلًا من جهة أن الخمر اسم لكل شراب أسكر كما دلّت عليه النصوص، ومن جهة أن أهل الكوفة من أكثر الناس قياسًا\".\n(٦) قوله: \"قد\" من (ر) و(غ) فقط.\n(٧) قوله: \"للنساء\" سقط من (خ).\n(٨) لقول النبي ﷺ وقد كان بإحدى يديه حرير وبالأخرى ذهب ـ: \"هذان حرامان على ذكور أمتي حلال لإناثهم\".\nأخرجه عبد بن حميد (٨٠)، وابن أبي شيبة (٨/ ٣٥١)، وأحمد (١/ ٩٦)، والنسائي (٨/ ١٦٠ - ١٦١ رقم ٥١٤٤ و٥١٤٥ و٥١٤٦ و٥١٤٧)، وابن ماجه (٣٥٩٥) =","vol":"2","page":449},{"text":"وَلِلرِّجَالِ (١) فِي بَعْضِ الأَحوال (٢)، فَكَذَلِكَ (٣) الْغِنَاءُ والدَّفُّ قَدْ أُبيح فِي العُرْسِ وَنَحْوِهِ (٤)، وأُبيح مِنْهُ الحِدَاء (٥) وَغَيْرُهُ، وَلَيْسَ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنْ دلائل التحريم ما في الخمر (٦)، فظهر أَن القوم الَّذِينَ (٧) يُخْسَفُ بِهِمْ وَيُمْسَخُونَ (٨)، إِنما فُعِلَ (٩) ذَلِكَ بهم (١٠) من جهة التأْويل الفاسد الذي\n_________\n=وغيرهم، من حديث علي بن أبي طالب ﵁.\nوفي إسناده ضعف واختلاف، وفي الباب عن جمع من الصحابة منهم: عمر، وابن عباس، وأبو موسى، وعبد الله بن عمرو، وزيد بن أرقم، وواثلة بن الأسقع، وعقبة بن عامر، ﵃ أجمعين.\nوأسانيدها لا تخلو من مقال.\nقال الشوكاني في \"نيل الأوطار\" (٢/ ٩٩): \"وهذه الطرق متعاضدة بكثرتها، ينجبر الضعف الذي لم تخل منه واحدة منها\".\nوصححه بمجموع طرقه الشيخ الألباني ﵀ في \"الإرواء\" (٢٧٧)، وانظر: \"نصب الراية\" (٤/ ٢٢٢).\nقال النووي في \"شرح مسلم\" (١٤/ ٣٢): \"هذا الذي ذكرناه من تحريم الحرير على الرجال وإباحته للنساء هو مذهبنا ومذهب الجماهير\".\n(١) في (ر) و(غ): \"وللنساء\" بدل \"وللرجال\".\n(٢) أخرج البخاري في \"صحيحه\" (١٩١٩) و(٥٨٣٩)، ومسلم (٢٠٧٦) من حديث أنس ﵁: أن النبي ﷺ رخص للزبير وعبد الرحمن في لبس الحرير لحكَّة بهما.\n(٣) في (ت): \"وكذلك\".\n(٤) أخرج البخاري (٥١٦٢) من حديث عائشة ﵂: أنها زَفّت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال نبي الله ﷺ: \"يا عائشة! ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو\".\nوأخرج أيضًا (٥١٤٧) من حديث خالد بن ذكوان قال: قالت الرُّبَيِّع بنت معوِّذ بن عفراء: جاء النبي ﷺ يدخل حين بُني عليَّ، فجلس على فراشي كمجلسك مني، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدَّف ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر، إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال: دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين\".\n(٥) أخرج البخاري (٦١٤٩) ومسلم (٢٣٢٣) واللفظ له من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ في بعض أسفاره وغلام أسود يقال له أنجشة يحدو. فقال له رسول الله ﷺ: \"يا أنجشة! رويدك سوقًا بالقوارير\".\n(٦) في (ر) و(غ): \"التحريم في الخمر\".\n(٧) في (خ) و(ت) و(م): \"فظهر ذم الذين\".\n(٨) قوله: \"ويمسخون\" ليس في (ر) و(غ).\n(٩) في (ر) و(غ): \"يفعل\".\n(١٠) في (ت): \"إنما فعل بهم ذلك\".","vol":"2","page":450},{"text":"اسْتَحَلُّوا بِهِ الْمَحَارِمَ بِطَرِيقِ الحِيْلَةِ، وأَعرضوا (١) عَنْ مَقْصُودِ الشَّارِعِ وَحِكْمَتِهِ فِي تَحْرِيمِ هَذِهِ الأَشياء.\nوَقَدْ خَرَّجَ ابنُ بَطَّة (٢) عَنِ الأَوزاعي: أَن (٣) النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: \"يأْتي على الناس زمانٌ يَسْتَحِلّون الرِّبَا (٤) بِالْبَيْعِ\". قَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي الْعِينَةَ.\nورُوي في استحلال الزنا (٥) حديثٌ رَوَاهُ إِبراهيم الْحَرْبِيُّ، عَنْ أَبي ثَعْلَبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (٦): \"أَوَّلُ دينكم نبوّةٌ ورحمة، ثم ملك وَرَحْمَةٌ (٧)، ثُمَّ مُلْكٌ وجَبْرِيَّة، ثُمَّ مُلْكٌ عَضُوضٌ يُسْتَحَلُّ فيه الحِر والحرير\" (٨)؛ يريد\n_________\n(١) في (خ) و(ت) و(م): \"واعترضوا\".\n(٢) لأبي عبد الله ابن بطَّة ﵀ جزء في إبطال الحيل كما في \"الفتاوى الكبرى\" (٣/ ٥٣٠) لشيخ الإسلام ابن تيمية. وهذا الحديث أخذه المصنف عن ابن تيمية، فإنه ذكره في \"إقامة الدليل\" (٣/ ١٣٠/ الفتاوى الكبرى) هكذا عن ابن بطة، ثم قال: \"وهذا المرسل بيِّن في تحريم هذه المعاملات التي تسمّى بيعًا في الظاهر، وحقيقتها ومقصودها حقيقة الربا، والمرسل صالح للاعتضاد باتفاق الفقهاء، وله من المسند ما يشهد له، وهي الأحاديث الدالّة على تحريم العينة ... \" إلخ.\nوعن شيخ الإسلام ابن تيمية أخذه تلميذه ابن القيم، فذكره في \"إعلام الموقعين\" (٢/ ١٦٦) و\"مختصر السنن\" (٥/ ١٠٧).\n(٣) في (ر) و(غ): \"عن\" بدل \"أن\".\n(٤) في (خ): \"يستحلون فيه الربا\".\n(٥) في (خ) و(م) و(ت): \"الربا\" بدل \"الزنا\" والمثبت من (ر) و(غ)، وهو الصواب الموافق لسياق الحديث، ويوافق ما في \"إقامة الدليل\" (٣/ ١٣٠/ الفتاوى الكبرى).\n(٦) في (ت): \"أنه قال\".\n(٧) قوله: \"ثم ملك ورحمة\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(٨) كذا في (ر) و(غ)، وهو الموافق لما في \"بيان الدليل\". وفي (م): \"الحرير والحر\"، وفي (ت): \"والخز\" بدل \"والحرير\"، ويشبه أن تكون هكذا في (خ)، أو: \"والخمر\". والحديث أخرجه الطيالسي (٢٢٥) ومن طريقه البيهقي في \"السنن\" (٨/ ١٥٩)، و\"الدلائل\" (٦/ ٣٤٠)، و\"الشعب\" (٥/ ١٦ - ١٧). وأخرجه أبو يعلى (٨٧٣)، والطبراني (١/ ١٥٦ - ١٥٧ رقم ٣٦٧) و(٢٠/ ٥٣ رقم ٩١)، من طريق ليث بن أبي سليم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي ثعلبة، عن أبي عبيدة ومعاذ ﵄.\nوأخرجه البزار (٤/ ١٠٩) رقم (١٢٨٣) عن أبي عبيدة ﵁ فقط.\nوسنده ضعيف لضعف ليث بن أبي سليم كما في \"التقريب\" (٥٧٢١)، وعبد الرحمن بن=","vol":"2","page":451},{"text":"اسْتِحْلَالَ الْفُرُوجِ الْحَرَامِ. والحِر - بِكَسْرِ الحاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالرَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ (١) ـ: الفَرْجُ.\nقَالُوا: وَيُشْبِهُ - وَاللَّهُ أَعلم - أَن يُرَادَ بِذَلِكَ: ظُهُورُ اسْتِحْلَالِ نِكَاحِ المُحَلِّل، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ اسْتِحْلَالَ الْفُرُوجِ المُحَرّمة، فإِن الأُمة لَمْ يَسْتَحِلّ أَحدٌ مِنْهَا الزِّنَا الصَّرِيحَ، وَلَمْ يُرِدْ بِالِاسْتِحْلَالِ مُجَرّدَ الْفِعْلِ، فإِن هذا لم يزل موجودًا (٢) فِي النَّاسِ، ثُمَّ لَفْظُ الِاسْتِحْلَالِ إِنما يُستعمل فِي الأَصل فِيمَنِ اعْتَقَدَ الشَّيْءَ حَلَالًا، وَالْوَاقِعُ كَذَلِكَ، فإِن هَذَا المُلْكَ العَضُوضَ الَّذِي كَانَ بَعْدَ المُلْكِ والجَبْرِيَّة (٣) قَدْ كَانَ فِي أَواخر عصر التابعين، وفي تِلْكَ الأَزمان صَارَ فِي أُولي الأَمر مَنْ يُفْتِي بِنِكَاحِ المُحَلِّل وَنَحْوِهِ، وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذلك من يفتي به أَصلًا.\n_________\n=سابط لم يدرك أبا ثعلبة كما في \"تهذيب الكمال\" (٣٣/ ١٦٨)، و\"الإصابة\" (٧/ ٣٢٥).\nوأخرجه أبو عمرو الداني في \"الفتن وأشراط الساعة\" (٣٣٤) من طريق إسحاق بن أبي يحيى الكعبي، عن المعتمر بن سليمان، عن ليث، عن عبد الرحمن بن سابط عن النبي ﷺ مرسلًا.\nوإسحاق هذا هالك كما في \"الميزان\" (١/ ٢٠٥).\nوأخرجه الدارمي (٢/ ١٥٥)، والبزار (٤/ ١٠٨) رقم (١٢٨٢)، والطبراني في \"الكبير\" (٢٢/ ٣٢٣ رقم ٥٩١) و\"مسند الشاميين\" (١٣٦٩) من طريق مكحول، عن أبي ثعلبة، عن أبي عبيدة، وإسناده منقطع، فمكحول لم يدرك أبا ثعلبة. انظر \"تهذيب الكمال\" (٢٨/ ٤٦٦).\nوله شاهد بنحوه من حديث حذيفة ﵁ دون قوله: \"يستحل فيه الحر والحرير\".\nأخرجه الطيالسي (٤٣٩)، وعنه أحمد (٤/ ٢٧٣).\nوشاهد آخر من حديث عمر ﵁ أخرجه الباغندي في \"مسند عمر\" صفحة (٦). انظر: \"السلسة الضعيفة\" (٣٠٥٥). والحديث صححه الألباني ﵀ في \"الصحيحة\" رقم (٥)، وقوله: \"يستحل فيه الحر والحرير\" صحيح كما سبق، والله أعلم.\n(١) في (ر) و(غ): \"الخفيفة\".\n(٢) في (خ) و(م) و(ت): \"معمولًا\" بدل \"موجودًا\".\n(٣) في (خ): \"والخيرية\".","vol":"2","page":452},{"text":"ويؤيد ذلك: أَن (١) فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ الْمَشْهُورِ: أَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لعن آكل الربا، ومُوكِلَهُ (٢)، وشاهِدَيه، وَكَاتِبَهُ، والمُحَلِّلَ، والمُحَلَّلَ لَهُ (٣).\nوَرَوَى أَحمد (٤) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: \"مَا\n_________\n(١) في (خ): \"أنه\".\n(٢) قوله: \"وموكله\" سقط من (خ).\n(٣) أخرجه الطيالسي في \"مسنده\" (٤٠١)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٥١٠٠ و١٠٧٩٣ و١٥٣٥٠)، وأحمد في \"المسند\" (٣٨٨١ و٤٠٩٠ و٤٤٢٨)، والنسائي (٥١٠٢)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (٥٢٤١)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٣٢٥٢)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١٧٢٦)، جميعهم من طريق الأعمش، عن عبد الله بن مرَّة، عن الحارث بن عبد الله الأعور، عن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: إن آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه، والواشمة، والمستوشمة للحُسْن، والمُسْتَحِلّ، والمُسْتَحَلّ له، ولاوي الصدقة، والمرتدّ أعرابيًا بعد هجرته؛ ملعونون على لسان محمد يوم القيامة. اهـ، وهذا لفظ الطيالسي.\nوسنده ضعيف لضعف الحارث الأعور؛ كما في \"التقريب\" (١٠٣٦)، وفي سنده اختلاف تجده عند الدارقطني في \"العلل\" (٦٩٢)، وصوب الدارقطني منه هذا الوجه الذي ذكرته.\nوأخرج مسلم في \"صحيحه\" (١٥٩٧) من طريق علقمة بن قيس، عن عبد الله بن مسعود؛ قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا، وموكله. قال علقمة: قلت: وكاتبه، وشاهديه؟ قال: إنما نحدِّث بما سمعنا. اهـ.\nفهذا الحديث فيه دلالة على ضعف رواية الحارث الأعور السابقة، وجميع الروايات التي رويت عن ابن مسعود بذكر \"وكاتبه وشاهديه\"؛ لأنه يخبر هنا أنه ما سمعه من النبي ﷺ.\nوإنما تصح هذه اللفظة من غير طريقه، فقد أخرجه مسلم أيضًا (١٥٩٨) من طريق جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: \"هم سواء\".\nوأما لعن المحلِّل والمحلَّل له: فقد روي من حديث ابن مسعود ﵁، قال: لعن رسول الله ﷺ الواشمة والمتوشّمة، والواصلة والموصولة، والمحلِّل والمحلَّل له، وآكل الربا ومطعمه.\nأخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" (١/ ٤٤٨ و٤٦٢ رقم ٤٢٨٣ و٤٢٨٤ و٤٤٠٣)، والنسائي في \"سننه\" (٣٤١٦)، كلاهما من طريق سفيان الثوري، عن أبي قيس عبد الرحمن بن ثروان، عن هزيل بن شرحبيل، عن عبد الله بن مسعود، به.\nوسنده حسن، وانظر التعليق الآتي.\n(٤) أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" (١/ ٤٠٢ رقم ٣٨٠٩)، وأبو يعلى في \"مسنده\"=","vol":"2","page":453},{"text":"ظهر في قوم الربا والزنى (١) إِلا أَحلُّوا بأَنفسهم عقابَ اللَّهِ\".\nفَهَذَا يُشْعِرُ بأَن التحليل من الزنا؛ كما يشعر بأَن (٢) الْعِينَةَ مِنَ الرِّبَا.\nوَقَدْ جاءَ عَنِ ابْنِ عباس ﵄ موقوفًا ومرفوعًا - قَالَ: \"يأْتي عَلَى النَّاسِ زمانٌ يُستحَلُّ فِيهِ خمسةُ أَشياء بخمسة أَشياء (٣): يَسْتَحِلُّونَ الخمرَ بأَسماء يُسَمّونها بِهَا، والسُّحْتَ بالهديَّة، والقتلَ بالرَّهْبة، وَالزِّنَا بِالنِّكَاحِ، وَالرِّبَا بِالْبَيْعِ\" (٤)، فإِن الثلاثة (٥) المذكورة أَولًا قد بُيِّنَتْ (٦)، وأَما استحلال (٧) السُّحْت الَّذِي هُوَ العَطِيَّة لِلْوَالِي وَالْحَاكِمِ وَنَحْوِهِمَا باسم\n_________\n= (٤٩٨١)، ومن طريقه ابن حبان في \"صحيحه\" (٤٤١٠)، كلاهما من طريق شريك، عن سماك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: \"لعن الله آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه\". قال: وقال: \"ما ظهر في قوم الربا والزنى إلا أحلّوا بأنفسهم عقاب الله ﷿\".\nوفي سنده شريك بن عبد الله النخعي، القاضي، وهو صدوق، إلا أنه يخطئ كثيرًا كما في \"التقريب\" (٢٨٠٢)، فالحديث ضعيف لأجله.\nويدلّ على ضعفه: ما تقدم في الحديث السابق من اعتراض عبد الله بن مسعود على رواية: \"وكاتبه وشاهديه\"، وإخباره بأنه ما سمعها من رسول الله ﷺ، والله أعلم.\n(١) قوله: \"والزنى\" سقط من (ر) و(غ).\n(٢) في (خ) و(ت) و(م): \"أن\".\n(٣) قوله: \"بخمسة أشياء\" سقط من (خ) و(ت).\n(٤) نقل المصنف هذا الحديث من \"إقامة الدليل\" (٣/ ١٣١/ الفتاوى الكبرى) لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فإنه قال: \"روي موقوفًا على ابن عباس، ومرفوعًا إلى النبي ﷺ ... \"، ثم ذكر الحديث، ثم قال: \"وهذا الخبر صدق، فإن الثلاثة المقدّم ذكرها قد بُيِّنت ... \" إلخ.\nولم أجده من طريق ابن عباس، ولكن أخرجه الخطابي في \"غريب الحديث\" (١/ ٢١٨) من طريق سويد، عن ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن النبي ﷺ، به.\nوسنده معضل، فالأوزاعي من أتباع التابعين.\nوقد ذكره الديلمي في \"الفردوس\" (٣٤٥٩) عن أبي أمامة، ولم أقف على سنده.\n(٥) في \"إقامة الدليل\" لشيخ الإسلام ابن تيمية المطبوع ضمن \"الفتاوى الكبرى\" (٣/ ١٣١): \"وهذا الخبر صدق؛ فإن الثلاثة\"، وهذا النص منقول من هناك كما تقدم.\n(٦) في (خ) و(م) و(ت): \"سُنّتْ\"، والمثبت من (ر) و(غ)، وهو الموافق لما في \"إقامة الدليل\".\n(٧) قوله: \"استحلال\" سقط من (خ) و(ت).","vol":"2","page":454},{"text":"الهدية: فهو ظاهر، وأما وَاسْتِحْلَالُ (١) الْقَتْلِ بِاسْمِ الإِرهاب الَّذِي يُسَمِّيهِ (٢) ولاةُ الظُّلْمِ سِيَاسَةَ، وأُبَّهَةَ الْمُلْكِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ: فَظَاهِرٌ أَيضًا (٣)؛ وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ أَنواع شَرِيعَةِ (٤) الْقَتْلِ الْمُخْتَرَعَةِ.\nوَقَدْ وَصَفَ النَّبِيُّ ﷺ الْخَوَارِجَ بِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الْخِصَالِ (٥)، فَقَالَ: \"إِن مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا (٦) يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لا يجاوز حَنَاجِرَهُمْ، يَقْتُلُونَ أَهل الإِسلام، ويَدَعون أَهل الأَوثان، يَمْرُقون مِنَ الدِّين (٧) كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ\" (٨).\nوَلَعَلَّ هؤلاءِ المُرادون (٩) بُقُولُهُ ﵊ فِي حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: \"يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا ... \" (١٠)، الْحَدِيثَ (١١)؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ قَالَ: يُصْبِحُ مُحَرِّمًا لِدَمِ أَخيه وَعِرْضِهِ، وَيُمْسِي مُسْتَحِلًاّ ...، إِلى آخِرِهِ (١٢).\nوقد وَضَعَ القتل أيضًا (١٣) شَرْعًا مَعْمُولًا بِهِ عَلَى غَيْرِ (١٤) سُنَّةِ اللَّهِ، وسنة رسوله ﷺ: المُتَسَمِّي بِالْمَهْدِيِّ الْمَغْرِبِيِّ (١٥) الَّذِي زَعَمَ أَنه المُبَشَّرُ بِهِ فِي الأَحاديث، فَجَعَلَ الْقَتْلَ عِقَابًا فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ صِنْفًا، ذَكَرُوا مِنْهَا: الْكَذِبَ، وَالْمُدَاهَنَةَ، وأَخَذَهم أَيضًا بِالْقَتْلِ فِي تَرْكِ امْتِثَالِ أَمر مَنْ يُسْتَمَعُ\n_________\n(١) في (خ) و(ت): \"فهو ظاهر واستحلال\"، وفي (م): \"فهو ظاهر باستحلال\".\n(٢) في (ر) و(غ): \"تسميه\"، والمثبت موافق لما في \"إقامة الدليل\".\n(٣) إلى هنا انتهى نقله من \"إقامة الدليل\".\n(٤) في (ر) و(غ): \"شرعية\".\n(٥) قوله: \"الخصال\" في موضعه بياض في (ت).\n(٦) في (غ): \"قوم\".\n(٧) في (ر) و(غ): \"الإسلام\" بدل \"الدين\".\n(٨) أخرجه البخاري (٣٣٤٤) ومسلم (١٠٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٩) في (ر) و(غ): \"مرادون\"، وفي (ت): \"هم المرادون\".\n(١٠) تقدم تخريجه صفحة (٤٢٢).\n(١١) قوله: \"الحديث\" ليس في (ت).\n(١٢) تقدم تخريجه صفحة (٤٢٢ - ٤٢٣).\n(١٣) قوله: \"أيضًا\" من (ر) و(غ) فقط.\n(١٤) قوله: \"غير\" ليس في (غ) و(ر).\n(١٥) هو محمد بن عبد الله بن تومرت. انظر أخباره في \"سير أعلام النبلاء\" (١٩/ ٥٣٩)، وسبق (ص٨٤ فما بعد) أن ساق المصنف بعض أخباره وبدعه التي أحدثها.","vol":"2","page":455},{"text":"أَمْرُهُ، وَبَايَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ يَعِظُهم (١) فِي كُلِّ وَقْتٍ ويُذَكِّرُهم، وَمَنْ لَمْ يَحْضُرْ أُدِّب، فإِن تَمَادَى قُتِلَ، وكلُّ مَنْ لَمْ (٢) يتأَدَّبْ بِمَا أَدَّبَ بِهِ ضُرب بِالسَّوْطِ المَرَّة وَالْمَرَّتَيْنِ، فإِن ظَهَرَ مِنْهُ عِنادٌ فِي تَرْكِ امْتِثَالِ الأَوامر قُتِلَ، وَمَنْ داهَنَ عَلَى أَخيه، أَو أَبيه، أَو ابنه (٣)، أَو مَنْ يَكْرُمُ عَلَيْهِ (٤)، أَو المُقَدَّم عَلَيْهِ (٥)؛ قُتِلَ، وكُلُّ مَنْ شَكَّ (٦) فِي عِصْمَتِهِ قُتِلَ، أَو شَكّ فِي (٧) أَنه المهديُّ المُبَشَّرُ بِهِ، وكُلُّ من خالف أَمره؛ أَمر أَصحابه فَعَرَّوْهُ (٨)، فَكَانَ أَكثرُ تأْديبه القتلَ - كَمَا تَرَى ـ، كَمَا أَنه كَانَ مِنْ رأْيه أَن لَا يُصَلَّى خَلَفَ إِمام أَو خَطِيبٍ يأْخذ أَجرًا عَلَى الإِمامة أَو الْخَطَابَةِ، وَكَذَلِكَ لُبْسُ الثِّيَابِ الرَّفِيعَةِ - وإِن كَانَتْ حَلَالًا ـ، فَقَدْ حَكَوْا عَنْهُ قَبْلَ أَن يَسْتَفْحِلَ أَمرُه (٩) أَنه تَرَكَ الصَّلَاةَ خَلْفَ خَطِيبِ أَغْمَات (١٠) بِذَلِكَ السَّبَبِ، فَقَدِم خطيبٌ آخر فجاء (١١) في ثيابٍ حَفِيلَةٍ (١٢) تُبَايِنُ التواضع - زعموا (١٣) ـ، فتَرَكَ الصلاة خلفه أَيضًا (١٤).\nوَكَانَ مِنْ رأْيه: تركُ الرأْي، واتباعُ مَذَاهِبِ (١٥) الظاهرية. قال\n_________\n(١) في (غ): \"يعظمهم\".\n(٢) قوله: \"لم\" سقط من (ر) و(غ)، وفي موضعه بياض في (غ) وعلامة لحق في (ر)، ولم يظهر اللحق في الهامش.\n(٣) قوله: \"أو ابنه\" من (ر) و(غ) فقط.\n(٤) قوله: \"عليه\" سقط من (خ) و(ت).\n(٥) قوله: \"عليه\" سقط من (غ).\n(٦) في (ر) و(غ): \"يشك\".\n(٧) قوله: \"في\" ليس في (ر) و(غ).\n(٨) في (ر) و(غ): \"بغزوه\"، وفي موضعها بياض في (ت).\n(٩) قوله: \"أمره\" سقط من (غ).\n(١٠) أَغْمات: ناحية في بلاد البربر من أرض المغرب قرب مراكش. \"معجم البلدان\" (١/ ٢٢٥).\n(١١) قوله: \"فجاء\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(١٢) التحفيل: التزيين. انظر \"القاموس المحيط\" (١/ ١٢٧٣).\n(١٣) علق رشيد رضا على هذا الموضع بقوله: كلمة \"زعموا\" جملة معترضة تؤذن بالبراءة مما يُحكى عنهم، وأفصح منه أن يقال: بزعمهم؛ كما قال تعالى: ﴿فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾.اهـ.\n(١٤) قوله: \"أيضًا\" ليس في (خ) و(ت).\n(١٥) في (ت): \"مذهب\".","vol":"2","page":456},{"text":"العلماءُ (١): وَهُوَ (٢) بِدْعَةٌ ظَهَرَتْ فِي الشَّرِيعَةِ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ (٣). وَمِنْ رأْيه: أَن التَّمَادِيَ عَلَى ذَرَّةٍ مِنَ الْبَاطِلِ كَالتَّمَادِي عَلَى الْبَاطِلِ كُلِّه.\nوذَكَر فِي كِتَابِ \"الإِمامة\" أَنه هُوَ الإِمام، وأَصحابه هُمُ الْغُرَبَاءُ الَّذِينَ قِيلَ (٤) فِيهِمْ: \"بدأَ الإِسلام (٥) غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بدأَ (٦)، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ\" (٧).\nوَقَالَ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ: \"جاءَ اللَّهُ بِالْمَهْدِيِّ، وَطَاعَتُهُ صَافِيَةٌ نَقِيَّة، لَمْ يُرَ مِثْلُهَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ، وَأَنَّ بِهِ قَامَتِ السَّمَوَاتُ والأَرض، وَبِهِ تَقُومُ، وَلَا ضِدّ لَهُ، وَلَا (٨) مِثْلَ، ولا نِدّ\". انتهى (٩).\nوكذب (١٠)! فالمهدي: عيسى ابن مريم (١١) ﵇ (١٢).\nوَكَانَ يأْمرهم بِلُزُومِ الحِزْب بَعْدَ صلاة الصبح، وبعد المغرب (١٣)، وأَمر (١٤) الْمُؤَذِّنِينَ إِذا طَلَعَ الْفَجْرُ أَن يُنَادُوا: \"أَصبح وَلِلَّهِ الْحَمْدُ\" (١٥)، إِشعارًا - زَعَمُوا - بأَن الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ لإِلزام الطَّاعَةِ، وَلِحُضُورِ الْجَمَاعَةِ، وللغُدُوِّ لِكُلِّ ما يؤمرون به.\n_________\n(١) قوله: \"العلماء\" ليس في (ر) و(غ).\n(٢) أي: مذهب الظاهرية.\n(٣) قوله: \"بعد المائتين\" سقط من (غ).\n(٤) قوله: \"قيل\" سقط من (م).\n(٥) في (ت) \"بُدئ الدين\"، وذكر بهامشها أن في نسخة: \"الإسلام\" بدل \"الدين\".\n(٦) في (ت): \"كما بُدئ\".\n(٧) أخرجه مسلم (١٤٥).\n(٨) قوله: \"ولا\" سقط من (ر) و(غ).\n(٩) قوله: \"انتهى\" في موضعه بياض في (ت).\n(١٠) في (ت): \"وقد كذب\".\n(١١) قوله: \"ابن مريم\" من (ر) و(غ) فقط.\n(١٢) قال المصنف ﵀ كلامه هذا بناء على حديث: \"لا مهدي إلا عيسى\".\nأخرجه ابن ماجه (٤٠٣٩) وغيره، وهو حديث ضعيف جدًا، ومتنه منكر كما بينته في تخريجي لـ\"مختصر استدراك الذهبي على مستدرك الحاكم\" لابن الملقن (٧/ ٣٢٧٦ رقم ١٠٩٥)، فانظره إن شئت.\n(١٣) في (ت): \"وبعد صلاة المغرب\".\n(١٤) في (خ) و(م) و(ت): \"فأمر\".\n(١٥) سبق الكلام على هذه البدعة صفحة (٨٧ و٨٨).","vol":"2","page":457},{"text":"وَلَهُ (١) اخْتِرَاعَاتٌ وَابْتِدَاعَاتٌ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا، وَجَمِيعُ ذلك راجع (٢) إِلى أَنه قَائِلٌ (٣) برأْيه فِي الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ، مع زعمه أَنه غير قَائِلٌ بالرأْي؛ وَهُوَ التَّنَاقُضُ بِعَيْنِهِ، فَقَدْ ظَهَرَ إِذًا (٤) جَرَيَانُ تِلْكَ الأَشياء عَلَى الِابْتِدَاعِ.\nوأَما كَوْنُ الزَّكَاةِ مَغْرَمًا: فَالْمَغْرَمُ مَا (٥) يَلْزَمُ أَداؤه مِنَ الدُّيُونِ وَالْغَرَامَاتِ، كَانَ (٦) الْوُلَاةُ يُلْزِمُونَهَا النَّاسَ بشيءٍ مَعْلُومٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلى قِلَّةِ مَالِ الزَّكَاةِ أَو كَثْرَتِهِ، أَو قُصُورِهِ عَنِ النِّصَابِ أَو عَدَمِ قُصُورِهِ، بَلْ يأْخذونهم بِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ إِلى الْمَوْتِ، وَكَوْنُ هَذَا بِدَعَةً ظَاهِرٌ.\nوأَما ارْتِفَاعُ الأَصوات فِي الْمَسَاجِدِ: فَنَاشِئٌ عَنْ بِدْعَةِ الْجِدَالِ فِي الدِّينِ، فإِن مِنْ عادة قراءَة العلم وإِقرائه، وسماعه وإِسماعه (٧) أَن يَكُونَ فِي الْمَسَاجِدِ، وَمِنْ آدَابِهِ (٨) أَن لَا تُرْفَعَ فِيهِ الأَصوات فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ، فَمَا ظَنُّك بِهِ فِي الْمَسَاجِدِ؟ فَالْجِدَالُ فِيهِ زِيَادَةُ الْهَوَى؛ فإِنه غَيْرُ مَشْرُوعٍ فِي الأَصل. فَقَدْ جَعَلَ العلماءُ مِنْ عَقَائِدِ الإِسلام: تَرْكَ الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ فِي الدِّينِ، وَهُوَ الْكَلَامُ فِيمَا لَمْ يُؤْذَنْ (٩) فِي الْكَلَامِ فِيهِ؛ كَالْكَلَامِ فِي الْمُتَشَابِهَاتِ مِنَ الصِّفَاتِ والأَفعال وَغَيْرِهِمَا (١٠)، وَكَمُتَشَابِهَاتِ الْقُرْآنِ. ولأَجل (١١) ذَلِكَ جاءَ (١٢) فِي الْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنها قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ ...﴾ (١٣) الآية،\n_________\n(١) في (غ): \"ولعله\".\n(٢) قوله: \"راجع\" سقط من (خ) و(م) و(ت)، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: كذا في الأصل! والمعنى الوارد يدل على أنه قائل برأيه. اهـ.\n(٣) في (ت): \"قال\".\n(٤) في (غ): \"أيضًا\" بدل \"إذًا\".\n(٥) قوله: \"ما\" سقط من (خ) و(ت).\n(٦) في (ت): \"كأن\".\n(٧) قوله: \"وإسماعه\" ليس في (ر) و(غ).\n(٨) في (ر) و(غ): \"أدبه\".\n(٩) في (خ) و(م): \"يأذن\".\n(١٠) انظر تعليقي على كلام الشاطبي (ص٥٤)؛ حيث عدّ نصوص الصفات من المتشابه، وهو مذهب المفوِّضة من نفاة الصفات.\n(١١) في (ر) و(غ): \"لأجل\" بلا واو.\n(١٢) قوله: \"جاء\" سقط من (ر) و(غ).\n(١٣) سورة آل عمران: الْآيَةَ (٧).","vol":"2","page":458},{"text":"قَالَ: \"فإِذا رَأَيْتُم الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيهِ فَهُمُ الَّذِينَ عَنى اللَّهُ، فَاحْذَرُوهُم\" (١).\nوَفِي الْحَدِيثِ: \"مَا ضلَّ قومٌ بَعْدَ (٢) هُدًى إِلا أُوتوا الْجَدَلَ\" (٣).\nوجاءَ عَنْهُ ﵇ أَنه قَالَ: \"لَا تُماروا فِي الْقُرْآنِ، فَإِنَّ المِراء (٤) فِيهِ كُفْرٌ\" (٥).\n_________\n(١) في (ر) و(غ): \"فاحذرهم\". والحديث أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٤٥٤٧)، ومسلم (٢٦٦٥).\n(٢) قوله: \"بعد\" مكرر في (ت).\n(٣) في (ت): \"الجدال\". والحديث أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٢ و٢٥٦)، والترمذي (٣٢٥٣)، وابن ماجه (٨)، والروياني في \"مسنده\" (٢/ ٢٧٤)، والطبري في \"تفسيره\" (٢١/ ٦٢٩)، والعقيلي (١/ ٢٨٦)، والطبراني في \"الكبير\" (٨/ ٢٧٧)، والسهمي في \"تاريخ جرجان\" (١/ ٧٣)، والحاكم (٢/ ٤٤٧ - ٤٤٨) من طرق عن الحجاج بن دينار، عن أبي غالب، عن أبي أمامة، به.\nقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح، إنما نعرفه من حديث حجاج بن دينار، وحجاج ثقة مقارب الحديث، وأبو غالب اسمه حَزَوَّر\".\nوقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nوالحديث حسنه الشيخ الألباني في \"صحيح الجامع\" (٥٦٣٣)، والله أعلم.\n(٤) في (ر) و(غ): \"مراء\".\n(٥) حديث صحيح ورد عن عدد من الصحابة، وأحسنها حديثا أبي هريرة وأبي جهيم بن الحارث.\nأولًا: أما حديث أبي هريرة ﵁: فيرويه عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن، وروي عن أبي سلمة من خمس طرق:\n١ - طريق محمد بن عمرو بن علقمة: أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" (٢/ ٢٨٦ و٤٢٤ و٤٧٥ و٥٠٣ و٥٢٨ رقم ٧٨٤٨ و٩٤٧٩ و١٠١٤٣ و١٠٥٣٩ و١٠٨٣٤)، ومن طريقه أبو داود في \"سننه\" (٤٦٠٣)، وأخرجه البزار في \"مسنده\" (٢٣١٣/كشف)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١٤٦٤/الإحسان)، والطبراني في \"الأوسط\" (٢٤٧٨)، والآجري في \"الشريعة\" (١٤٠)، والهروي في \"ذم الكلام\" (١٦٥)، وابن بطة في \"الإبانة\" (٧٩١ و٧٩٢)، واللالكائي في \"شرح أصول الاعتقاد\" (١٨١ و١٨٢)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٢٣)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ١٣٤ و٢١٥)، و(٨/ ٢١٣)، وفي \"أخبار أصبهان\" (١/ ٢٧٢ و٢٩٢)، و(٢/ ١٢٣)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢٠٥٩).\nقال الهروي - بعد أن رواه ـ: \"وهذا الحديث قد اضطُرِبَ فيه على أبي سلمة من=","vol":"2","page":459},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=وجوه: فرواه محمد بن عمرو هكذا، وليس هو بالمحفوظ، وإن كان أشهر في الناس، فإن الحفاظ - منصور بن المعتمر، وسفيان الثوري، وابن أبي زائدة - خالفوه فيه ... \"، ثم أخذ في ذكر الخلاف، وخلاصته ترجيحه لرواية من رواه منقطعًا ليس فيه ذكر لأبي سلمة، وهو إعلال عجيب لم أجد من سبقه إليه، أو وافقه عليه! وقد ذكر الدارقطني هذا الحديث في \"العلل\" (١٧٩٠)، وذكر الاختلاف فيه، وذكر رواية محمد بن عمرو هذه، ولم يعلّها، وهي من أجود طرق هذا الحديث، وباقي الطرق توافقها - كما سيأتي ـ، ولا تعلّها.\n٢ - طريق عمر بن أبي سلمة، عن أبيه: أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" (٢/ ٤٧٨ رقم ١٠٢٠٢) من طريق شيخيه وكيع وعبد الرحمن بن مهدي، كلاهما عن سفيان الثوري، عن سعد بن إبراهيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"جدال في القرآن كفر\".\nوكذا أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢٠٦٠) من طريق محمد بن يوسف الفريابي وأبي أحمد الزبيري، كلاهما عن سفيان، به.\nورواه الهروي في \"ذم الكلام\" (١٦٩) من طريق محمد بن المثنى، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، فأسقط أبا سلمة من الإسناد، وجعل الهروي هذه الرواية من الروايات التي أعلّ بها رواية محمد بن عمرو؛ كما سبق نقله عنه، مع أن الإمام أحمد رواه - كما سبق - عن عبد الرحمن بن مهدي بإثبات أبي سلمة في إسناده، فرواية الهروي هذه خطأ بلا شك، والوهم إما من محمد بن المثنى، أو ممن دونه.\nوأخرجه الإمام أحمد أيضًا (٢/ ٤٩٤ رقم ١٠٤١٤) عن شيخه حجاج بن محمد الأعور، عن شيبان بن عبد الرحمن النحوي، عن منصور بن المعتمر، عن سعد بن إبراهيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، به.\nوكذا أخرجه الدارقطني في \"العلل\" (٩/ ٣١٧) من طريق آدم بن أبي إياس، عن شيبان؛ بذكر أبي سلمة في إسناده.\nوكذا أخرجه الهروي (١٦٦) من طريق موسى بن سهل الرملي، عن آدم بن أبي إياس، ثم حكم عليها بأنها وهم، وصوّب رواية الباغندي، عن طاهر بن خالد، عن آدم؛ بإسقاط أبي سلمة من الإسناد، مع أن الدارقطني أخرجه فيما سبق من طريق شيخه عبد الله بن محمد بن سعيد الحمال، عن طاهر بن خالد؛ بإثبات أبي سلمة، ولم يذكر الدارقطني في رواية منصور هذه أن أحدًا أسقط منها أبا سلمة، وهذا يؤكد خطأ رواية الهروي، وخطأ الهروي في إعلال هذا الحديث.\nلكن هناك اختلاف آخر في رواية منصور هذه، وهو: أن ابن أبي شيبة أخرج هذا الحديث في \"المصنف\" (١٠/ ٥٢٩ رقم ١٠٢١٨/الهندية) فقال: حدثنا يحيى بن يعلى=","vol":"2","page":460},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nالتيمي، عن منصور، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ...، فذكره هكذا بإسقاط عمر بن أبي سلمة.\nومن طريق ابن أبي شيبة رواه الآجري في \"الشريعة\" (١٤١).\nورواه أبو يعلى في \"مسنده\" (٥٨٩٧) من طريق عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى بن يعلى كذلك، ورواية يحيى بن يعلى هذه شاذة، والصواب رواية شيبان، وهذا الذي رجحه الدارقطني كما سيأتي، ويؤكد ذلك: أن عمرو بن أبي قيس رواه عن منصور كرواية شيبان؛ بزيادة عمر بن أبي سلمة؛ كما ذكر الدارقطني.\nوقد أخرج رواية عمرو بن أبي قيس هذه الهروي (١٦٦)، لكن ليس فيها ذكر لأبي سلمة، وأرى أنه لا يُعَوَّل على هذه الطرق التي أخرجها الهروي بإسقاط أبي سلمة؛ لمخالفتها لما ذكره الأئمة ورووه.\nوأخرج الحديثَ أيضًا الإمامُ أحمد في \"المسند\" (٣/ ٢٥٨ رقم ٧٥٠٨) من طريق زكريا بن أبي زائدة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، به هكذا بإسقاط عمر بن أبي سلمة.\nوأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٢٣) من طريق عبد الملك بن محمد الرقاشي، عن أبي عاصم الضحَّاك بن مخلد النبيل، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، به.\nوهذه الطريق غريبة جدًا! ولو كان هذا الحديث مرويًّا من طريق شعبة لما تفرَّد به الحاكم المتأخر، والظاهر أن الخطأ فيه من عبد الملك الرقاشي، فإنه قد اختلط.\nتنبيه: وقع في \"المستدرك\" المطبوع: \"سعيد\" بدل \"شعبة\"، وهذا يحصل كثيرًا في الكتب بسبب تشابه الرسم، وقد نقله الحافظ ابن حجر في \"إتحاف المهرة\" (١٦/ ١٤٨ - ١٤٩ رقم ٢٠٥٣٤)، على الصواب.\nوللحديث طرق أخرى عن سعد بن إبراهيم سيأتي ذكرها في كلام الدارقطني.\nفهذه الطرق تبيِّن أنه اختُلِفَ في هذا الحديث على سعد بن إبراهيم، فرواه سفيان الثوري عنه، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، ورواه زكريا بن أبي زائدة عن سعد، فأسقط عمر بن أبي سلمة، ورواه منصور بن المعتمر فاختُلِفَ عليه، فرواه يحيى بن يعلى عنه، عن سعد بن إبراهيم بإسقاط عمر بن أبي سلمة، ورواه شيبان بن عبد الرحمن وعمرو بن أبي قيس عن منصور، عن سعد بزيادة عمر، فترجح روايتهما على رواية يحيى بن يعلى، وترجح رواية منصور هذه ورواية سفيان الثوري على رواية زكريا بن أبي زائدة، وهذا الذي رجحه الدارقطني، فإنه سئل عن هذا الحديث في \"العلل\" (١٧٩٠)؟ فقال: \"يرويه سعد بن إبراهيم ومحمد بن عمرو، واختُلِفَ فيه على سعد: فرواه منصور بن المعتمر عن سعد، واختلف عنه: فرواه أبو المحيّاة يحيى بن يعلى عن منصور، عن سعد، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.=","vol":"2","page":461},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=وخالفه عمرو بن أبي قيس وشيبان، فروياه عن منصور، عن سعد، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة. وكذلك روي عن أيوب السَّختياني، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة. وكذلك رواه الثوري عن سعد بن إبراهيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه. واختُلِفَ عن ليث بن أبي سُليم: فرواه أبو كدينة يحيى بن المهلّب عن ليث، عن سعد بن إبراهيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، وأرسله معتمر والطفاوي عن ليث، فقالا عنه: عن سعد، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وقال زهير وزائدة وجرير: عن ليث، عن سعد، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وكذلك قال زكريا بن أبي زائدة وسليمان التيمي: عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وقال إبراهيم [يعني: ابن سعد] عن أبيه: عن أبي سلمة - أو: عن حميد ـ، مرسلًا عن النبي ﷺ. والصحيح قول الثوري ومن تابعه\".اهـ.\nوبناء على ما تقدم فالحديث صحيح بمجموع طريقي محمد بن عمرو وعمر بن أبي سلمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ويتقوى بالطرق الأخرى الآتية.\n٣ - طريق أبي حازم سلمة بن دينار، عن أبي سلمة؛ لا أعلمه إلا عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: \"نزل القرآن على سبعة أحرف، المراء في القرآن كفر - ثلاث مرات ـ، فما عرفتم منه فاعملوا، وما جهلتم منه فردّوه إلى عالمه\".\nأخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" (٢/ ٣٠٠ رقم ٧٩٨٩)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨٠٩٣)، وابن جرير في \"تفسيره\" (١/ ٢١ رقم ٧)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (٦٠١٦)، ومن طريقه ابن حبان في \"صحيحه\" (٧٤/الإحسان)، وأخرجه الدارقطني في \"الأفراد\" (٥٥٧٦/أطرافه)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (١١/ ٢٦).\nوذكر ابن كثير في \"تفسيره\" (١/ ٣٤٨) طريق أبي يعلى، ثم قال: \"وهذا إسناد صحيح، ولكن فيه علّة بسبب قول الراوي: لا أعلمه إلا عن أبي هريرة\".\nولكن هذه العلة الناشئة من شك الراوي مرتفعة بالطرق السابقة التي ترجح أنه عن أبي هريرة، وقد صححه ابن حبان بإخراجه له في \"صحيحه\".\n٤ - طريق عروة بن الزبير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"المراء في القرآن كفر\".\nأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٤٢١٢)، و\"الصغير\" (٥٧٤)، والخطيب في \"تاريخه\" (١١/ ١٣٦)، كلاهما من طريق محمد بن حمير، عن شعيب بن أبي الأشعث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، به.\nقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن هشام بن عروة إلا شعيب بن أبي الأشعث، تفرد به محمد بن حمير\".\nوأعلّ أبو حاتم الرازي هذا الطريق بقوله في \"العلل\" (١٧١٤): \"هذا حديث=","vol":"2","page":462},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=مضطرب ليس هو صحيح الإسناد، عروة عن أبي سلمة لا يكون، وشعيب مجهول\".\n٥ - طريق الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"المراء في القرآن كفر\".\nأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٣٦٦٦)، والصغير (٤٩٦) من طريق يحيى بن المتوكل، عن عنبسة الحدّاد، عن الزهري، به، ثم قال: \"لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا عنبسة الحداد\".\nوذكر محقق \"علل الدارقطني\" (٧/ ٢٨٠) أن البزار أخرجه في \"مسنده\" (ق٣١/ ٢/مسند أبي هريرة)، من طريق يحيى بن المتوكل، ثم قال: \"وهذا الحديث لا نعلم أحدًا رواه عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة إلا عنبسة، وهو رجل ليس بالقوي\".\nوسئل عنه الدارقطني في \"العلل\" (١٣٥١)؟ فقال: \"يرويه عنبسة بن مهران أبو محمد، عن الزهري، واختُلِفَ عنه: فرواه يحيى بن المتوكل وحفص بن عمر النجار أبو عمران، عن عنبسة، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، ورواه أبو عاصم [يعني: النبيل] وعبد الله [يعني: ابن رجاء] وبحر السَّقَّاء، عن عنبسة، عن الزهري، عن سعيد وحده، عن أبي هريرة. ورواه أبو مسلم الكجي، عن أبي عاصم موقوفًا، وغيره يرويه عن أبي عاصم مرفوعًا، وهو محفوظ عن أبي عاصم، وعنبسة ضعيف\".\nثانيًا: أما حديث أبي الجُهَيم: فأخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" (٤/ ١٦٩ - ١٧٠ رقم ١٧٥٤٢)، وابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (١/ ٤٣ - ٤٤ رقم ٤١)، والهروي في \"ذم الكلام\" (١٧٥)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٨/ ٢٨١ - ٢٨٢)، جميعهم من طريق سليمان بن بلال، عن يزيد بن خصيفة، عن بسر بن سعيد؛ قال: حدثني أبو جهيم: أن رجلين اختلفا في آية من القرآن، فقال هذا: تلقّيتها من رسول الله ﷺ، وقال الآخر: تلقيّتها من رسول الله ﷺ، فسألا النبي ﷺ؟ فقال: \"القرآن يُقرأ على سبعة أحرف، فلا تماروا في القرآن، فإن مراء في القرآن كفر\". واللفظ للإمام أحمد، ومن طريقه أخرجه ابن بطة في \"الإبانة\" (٨٠١).\nوأخرجه أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص٣٣٧)، والحارث بن أبي أسامة في \"مسنده\" (٧٢٤/بغية الباحث)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢٠٦٩)، والخطيب في \"تالي التلخيص\" (٢٩)، والبغوي في \"شرح السنّة\" (١٢٢٨)، جميعهم من طريق إسماعيل بن جعفر، عن يزيد بن خصيفة، عن مسلم بن سعيد مولى ابن الحضرمي، عن أبي جهيم، به.\nوجاء في رواية أبي عبيد: \"عن يزيد بن خصيفة، عن مسلم بن سعيد مولى ابن الحضرمي، وقال غيره: عن بسر بن سعيد، عن أبي جهيم\".=","vol":"2","page":463},{"text":"وَعَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: \"إِنَّ الْقُرْآنَ يصدِّق بعضُه بَعْضًا (١)، فَلَا تُكَذِّبوا بَعْضَهُ (٢) بِبَعْضِ، ما علمتم منه فاقبلوه، وما لم تعلموا منه فَكِلُوه إِلى عالمه\" (٣).\n_________\n=\nوأخرجه الحارث أيضًا مرة أخرى (٧٢٥) من طريق خالد بن القاسم، عن إسماعيل بن جعفر، عن يزيد بن خصيفة، عن بسر بن سعيد مولى الحضرمي، عن أبي جهيم. وأخشى أن يكون هذا خطأ من خالد بن القاسم؛ لأن الذين رووه عن إسماعيل بن جعفر - ومنهم أبو عبيد ـ؛ قالوا: عن مسلم بن سعيد.\nوقد أشار البخاري في \"تاريخه\" (٧/ ٢٦٢ رقم ١١٠٦) لهذا الاختلاف بين روايتي سليمان بن بلال وإسماعيل بن جعفر، فقال: \"مسلم بن سعيد مولى ابن الحضرمي: عن أبي جهيم، عن النبي ﷺ قال: أنزل القرآن على سبعة أحرف، قاله إسماعيل بن جعفر عن يزيد بن خصيفة، وقال سليمان بن بلال: عن يزيد بن خصيفة، عن بسر بن سعيد، عن أبي جهيم\".\nوهذا الاختلاف يحتمل أحد أمرين:\n١ - ترجيح أحد الوجهين.\n٢ - الحكم بصحة الوجهين، وإلى هذا مال الشيخ أحمد شاكر ﵀، فقال في تعليقه على \"تفسير ابن جرير\" (١/ ٤٤): \"للحديث طريقان: إسماعيل بن جعفر يرويه عن يزيد بن خصيفة، عن مسلم بن سعيد، وسليمان بن بلال يرويه عن يزيد بن خصيفة، عن بسر بن سعيد، وهو أخو مسلم بن سعيد\"، وذكر أن أبا عبيد أشار أثناء الإسناد إلى الرواية الأخرى، دون أن يذكر إسنادها، ثم قال: \"فيكون يزيد بن خصيفة سمع الحديث من الأخوين: مسلم وبسر ابني سعيد\".اهـ.\nفإن كان الحديث محفوظًا عن مسلم وبسر ابني سعيد كليهما، أو عن بسر وحده فهو صحيح الإسناد، وإن كان محفوظًا عن مسلم وحده فهو شاهد قوي لحديث أبي هريرة السابق، وقد صحح سنده الحافظ ابن كثير في \"فضائل القرآن\" (ص١٩)، والله أعلم.\n(١) قوله: \"بعضًا\" ليس في (غ).\n(٢) في (م): \"بعضها\".\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"جامع معمر\" (١١/ ٢١٦ رقم ٢٠٣٦٧/المصنف) عن معمر، عن الزهري، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ قال: سمع رسول الله ﷺ قومًا يتدارؤون في القرآن، فقال ...، فذكره.\nومن طريق عبد الرزاق أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" (٢/ ١٨٥ رقم ٦٧٤١)، والبخاري في \"خلق أفعال العباد\" (٢١٨)، والطبراني في \"الأوسط\" (٢٩٩٥)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢٠٦٢)، و\"المدخل إلى السنن\" (٧٩٠).=","vol":"2","page":464},{"text":"وقال ﵇: \"اقرؤوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قلوبُكم، فإِذا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ فَقُومُوا عَنْهُ\" (١).\nوَخَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قَالَ: إِياكم وَالْخُصُومَاتِ فِي الدِّينِ! فإِنها تُحْبِطُ الأَعمال (٢).\nوَقَالَ النَّخْعِيُّ فِي قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ (٣) قال: الجدال والخصومات في الدين (٤).\n_________\n=وأخرجه الإمام أحمد أيضًا (٢/ ١٧٨ و١٩٥ - ١٩٦ رقم ٦٦٦٨ و٦٨٤٥ و٦٨٤٦)، وابن ماجه (٨٥) كلاهما من طريق داود بن أبي هند، عن عمرو بن شعيب، به.\nوأخرجه أحمد أيضًا (٢/ ١٨١ رقم ٦٧٠٢) من طريق أبي حازم سلمة بن دينار، عن عمرو بن شعيب، به.\nوسنده حسن لأجل الخلاف في عمرو بن شعيب.\nوأصل الحديث أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٢٦٦٦) من طريق عبد الله بن رباح الأنصاري؛ أن عبد الله بن عمرو قال: هجّرت إلى رسول الله ﷺ يومًا، فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله ﷺ يُعرف في وجهه الغضب، فقال: \"إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب\".\n(١) أخرجه البخاري (٥٠٦٠)، ومسلم (٢٦٦٧) من حديث جندب بن عبد الله البجلي.\n(٢) أخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\" (٧٢٣) ومن طريقه الهروي في \"ذم الكلام\" (٢/ ١٦٢/أ).\nوأخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" (١٠/ ١٣٧ رقم ١١٦٠٠)، والآجري في \"الشريعة\" (١/ ١٨٨)، وابن بطة في \"الإبانة\" (٢/ ٥٠١ - ٥٠٢، رقم ٥٦٢، ٥٦٤)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٢/ ٣٠١)، واللالكائي في \"شرح أصول الاعتقاد\" (١/ ١٤٥ - ١٤٦ رقم (٢٢١)، وعنه الأصبهاني في \"الحجة في بيان المحجة\" (١/ ٣١٣ - ٣١٤)، جميعهم من طريق العوام بن حوشب عن معاوية به.\nوإسناده صحيح.\nولفظ أبي نعيم وابن بطة (٥٦٣): \"كان يقال: الخصومات ... \"، وقد استوفيت الكلام عليه في تخريجي لـ\"سنن سعيد بن منصور\".\n(٣) سورة المائدة: الآية (٦٤).\n(٤) أخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\" (٧٢٢)، وابن جرير (١٠/ ١٣٧ رقم ١١٥٩٩) وابن بطة (٢/ ٥٠٠ رقم ٥٥٨)، والهروي في \"ذم الكلام\" (٢/ ١٦٨/ب)، وابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (٢/ ١١٤)، وإسناده صحيح.","vol":"2","page":465},{"text":"وَقَالَ مَعْنُ بْنُ عِيسَى (١): انْصَرَفَ مَالِكٌ يَوْمًا إِلى الْمَسْجِدِ وَهُوَ متكئٌ عَلَى يَدِي، فَلَحِقَهُ رجل يقال له: أَبو الجويرة (٢) يُتَّهم بالإِرجاءِ، فَقَالَ: يَا أَبا عَبْدِ اللَّهِ! اسمع مني شيئًا أُكلمك به، وأُحاجُّك، وأُخبرك برأْيي. فَقَالَ لَهُ: احْذَرْ أَن أَشهد عَلَيْكَ! قَالَ: وَاللَّهِ! مَا أُريد إِلا الْحَقَّ، اسْمَعْ مِنِّي (٣)، فإِن كَانَ صَوَابًا فَقُلْ بهِ، أَو فَتَكَلَّم. قَالَ (٤): فإِن غَلَبَتْنِي؟ قَالَ: اتَّبِعْني. قَالَ: فإِن غَلَبْتُكَ؟ قَالَ اتَّبعتك (٥). قَالَ (٤): فإِن جاءَ رجل فكلمناه فغَلَبنا؟ قال: اتبعناه. فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا بِدِينٍ وَاحِدٍ، وأَراك تَنْتَقِلُ.\nوَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَنْ جَعَلَ دِينَهُ غَرَضًا لِلْخُصُومَاتِ أَكثر التَّنَقُّل (٦).\nوَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ الْجِدَالُ في الدين بشيءٍ (٧).\n_________\n(١) هذه الحكاية نقلها المصنف من \"ترتيب المدارك\" للقاضي عياض (٢/ ٣٨)، وذكرها الذهبي في \"السير\" (٨/ ١٠٦) عن القاضي عياض.\nوأسندها الآجري في \"الشريعة\" (١١٧) عن الفريابي، عن إبراهيم بن المنذر الحزامي، عن معن بن عيسى.\nوسندها صحيح.\nومن طريق الآجري أخرجها ابن بطة في \"الإبانة\" (٥٨٣)، ولها عنده طريق أخرى (٥٨٤) يرويها الوليد بن مسلم، عن مالك. ولها طرق أخرى مختصرة انظرها في \"ذم الكلام\" للهروي (٤/ ١١٣ - ١١٤رقم ٨٦٩ - ٨٧١)، و\"شرح أصول الاعتقاد\" للالكائي (٢٩٣ و٢٩٤)، \"والحلية\" لأبي نعيم (٦/ ٣٢٤)، و\"شعب الإيمان\" للبيهقي (١٤/ ٥٣١ - ٣٥٢).\n(٢) في (م) و(ت) و(خ): \"الجديرة\"، والمثبت من (ر) و(غ)، وهو موافق لبعض النسخ الخطية لـ\"ترتيب المدارك\" كما ذكر المحقق. وجاءت الكلمة مضطربة في مصادر التخريج التي ذكرتها.\n(٣) قوله: \"مني\" ليس في (ر) و(غ).\n(٤) في (ت): \"قال له مالك\".\n(٥) في (ر) و(غ): \"أتبعك\".\n(٦) أخرجه الدارمي (١/ ٩١)، والآجري في \"الشريعة\" (١٨٩١)، وابن بطة (٥٦٦، ٥٦٨، ٥٦٩، ٥٧٧، ٥٧٨، ٥٨٠)، وابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (١٧٧٠) واللالكائي (٢١٦).\nوإسناده صحيح.\n(٧) ذكره ابن عبد البر في \"الانتقاء\" (ص٣٤)، ويشهد له ما تقدم عنه قبل هذا.","vol":"2","page":466},{"text":"وَالْكَلَامُ فِي ذَمِّ الْجِدَالِ (١) كَثِيرٌ، فإِذا كَانَ مَذْمُومًا؛ فَمَنْ جَعَلَهُ مَحْمُودًا وعَدَّه (٢) مِنَ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ بإِطلاق فَقَدِ ابْتَدَعَ فِي الدِّينِ. وَلَمَّا كَانَ اتباعُ الْهَوَى أَصلَ الِابْتِدَاعِ؛ لَمْ يُعْدَم صاحبُ الْجِدَالِ أَن يماريَ ويطلبَ الغَلَبة، وَذَلِكَ مَظِنَّة رَفْعِ الأَصوات.\nفإِن قِيلَ: عددتَ رَفْعَ الأَصوات من فروع الجدل وخواصِّه، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَرَفْعُ الأَصوات قَدْ يَكُونُ في العلم، ولذلك كُرِه رفع الصوت (٣) فِي الْمَسْجِدِ (٤)، وإِن كَانَ فِي الْعِلْمِ أَو فِي غَيْرِ الْعِلْمِ.\nقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي \"الْمَبْسُوطِ\": رأَيت مَالِكًا يَعِيبُ عَلَى أَصحابه رَفْعَ (٥) أَصواتهم فِي الْمَسْجِدِ (٦).\nوَعَلَّلَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ مسلمة بعلَّتين:\nإِحداهما: أَنه يجب أَن يُنَزَّهَ الْمَسْجِدَ عَنْ مِثْلِ هَذَا؛ لأَنه مما أُمر بِتَعْظِيمِهِ وَتَوْقِيرِهِ.\nوَالثَّانِيَةُ: أَنه مبنيٌّ لِلصَّلَاةِ، وقد أُمرنا أَن نأَتيها وعلينا السكينة\n_________\n(١) في (ر) و(غ): \"الجدل\".\n(٢) في (غ): \"وظنه\" بدل \"وعده\".\n(٣) في (خ) و(ت): \"الأصوات\".\n(٤) أخرج البخاري في \"صحيحه\" (٤٧٠) عن السائب بن يزيد قال: كنت قائمًا في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت، فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما. قال: من أنتما - أو من أين أنتما؟ - قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما! ترفعان أصواتكما فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nقال الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" (١/ ٥٦١): \"ووردت أحاديث في النهي عن رفع الصوت لكنها ضعيفة؛ أخرج ابن ماجه بعضها\".\n(٥) في (ر) و(غ): \"رفعهم\".\n(٦) ذكره محمد بن يوسف العبدري في \"التاج والإكليل\" (٦/ ١٥) عن ابن القاسم. هكذا، ونقل ابن أبي زيد القيرواني في \"النوادر والزيادات\" (١/ ٥٣٦) أن ابن القاسم قال في \"المجموعة\": \"قال مالك: ولا ينبغي رفع الصوت في المسجد في العلم ولا في غيره، وكان الناس ينهون عن ذلك\".","vol":"2","page":467},{"text":"وَالْوَقَارُ، فأَن (١) يُلْزَمَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهَا المتَّخذ لَهَا أَولى (٢).\nوَرَوَى مَالِكٌ: أَن عُمَرَ بْنَ الخطاب ﵁ بنى رَحْبَةً في نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ تسمَّى البُطَيْحاء (٣)، وَقَالَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَن يَلْغَط، أَو يُنْشِدَ شِعْرًا، أَو يَرْفَعَ صَوْتَهُ؛ فَلْيَخْرُجْ إِلى هَذِهِ الرَّحْبَةِ (٤).\nفإِذا كَانَ كَذَلِكَ، فَمِنْ أَين يَدُلُّ ذَمُّ رَفْعِ (٥) الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى الْجَدَلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؟\nفَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:\nأَحدهما: أَن رَفْعَ (٦) الصَّوْتِ مِنْ خَوَاصِّ الْجَدَلِ الْمَذْمُومِ، أَعني فِي أَكثر الأَمر دُونَ الفَلتات؛ لأَن رَفْعَ الصَّوْتِ (٧) وَالْخُرُوجَ عَنِ الِاعْتِدَالِ فِيهِ ناشئٌ عَنِ الْهَوَى فِي الشيءِ المتكلَّم فِيهِ، وأَقرب الْكَلَامِ الْخَاصِّ بِالْمَسْجِدِ إِلى رَفْعِ الصَّوْتِ: الْكَلَامُ فِيمَا لَمْ يُؤْذَن فِيهِ، وَهُوَ الْجِدَالُ (٨) الَّذِي نبَّه عَلَيْهِ الْحَدِيثُ المتقدم.\n_________\n(١) في (ر) و(غ): \"فَبِأن\"، وفي (م): \"بأن\".\n(٢) في (ت): \"وعلينا السكينة والوقار، فإن كان يلزم ذلك في نفسها، ففي موضعها المتخذ لها أولى\"، وفي الهامش: \"في غير محلها\"؛ كأنه يريده بدلًا من قوله: \"في نفسها\".\n(٣) في (ر) و(غ): \"البطحاء\".\n(٤) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ١٧٥)، هكذا: أنه بلغه: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ بنى رحبة ... إلخ. كذا جاء بلاغًا في رواية يحيى الليثي عن مالك.\nوأخرجه البيهقي في \"السنن\" (١٠/ ١٠٣) من طريق يحيى بن بكير، عن مالك؛ حدثني أبو النضر، عن سالم بن عبد الله؛ أن عمر بن الخطاب ...، فذكره.\nوذكر ابن عبد البر في \"الاستذكار\" (٦/ ٣٥٥) أن في رواية القعنبي، ومطرِّف، وأبي مصعب عنه، عن أبي النضر، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر: أن عمر بن الخطاب ...، فذكره.\nوهذا إسناد صحيح.\n(٥) في (ر): \"رفع ذم\"، وكتب الناسخ عليهما علامتي التقديم والتأخير.\n(٦) في (خ): \"يرفع\".\n(٧) قوله: \"الصوت\" سقط من (م)، وفي موضعه علامة لحق، ولم يظهر اللحق في التصوير.\n(٨) في (ر) و(غ): \"الجدل\".","vol":"2","page":468},{"text":"وأَيضًا: لَمْ يَكْثُرِ الْكَلَامُ جِدًّا فِي نَوْعٍ مِنْ أَنواع الْعِلْمِ فِي الزَّمَانِ الْمُتَقَدِّمِ إِلا فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، وإِلى غَرَضِهِ تَصَوَّبَتْ (١) سِهَامُ النقد والذم، فهو إِذًا هو.\nوَقَدْ رُوي عَنْ عَمِيرَةَ (٢) بْنِ أَبي نَاجِيَةَ المصري أَنه رأَى قومًا يتمارون (٣) فِي الْمَسْجِدِ وَقَدْ عَلَتْ أَصواتهم، فَقَالَ: هؤلاءِ قَوْمٌ قَدْ مَلّوا الْعِبَادَةَ، وأَقبلوا عَلَى الْكَلَامِ، اللَّهُمَّ! أَمِتْ عُمَيْرَةَ، فَمَاتَ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فِي الْحَجِّ، فرأَى رَجُلٌ (٤) فِي النَّوْمِ قَائِلًا يقول له (٥): مات هذه الليلة نصف الناس، فعرف (٦) تلك الليلة، فجاءَ فيها (٧) مَوْتُ عُمَيْرَةَ هَذَا (٨).\nوَالثَّانِي: أَنا لَوْ سَلَّمْنَا أَن مجرد رفع الصوت لا يَدُلُّ (٩) عَلَى مَا قُلْنَا؛ لَكَانَ أَيضًا مِنَ الْبِدَعِ إِذا عُدَّ كأَنه مِنَ الْجَائِزِ فِي جَمِيعِ أَنواع الْعِلْمِ، فَصَارَ مَعْمُولًا بِهِ لَا يُتَّقَى (١٠)، وَلَا يُكَفّ عَنْهُ، فَجَرَى (١١) مَجْرَى الْبِدَعِ الْمُحْدَثَاتِ.\nوأَما تَقْدِيمُ الأَحداث عَلَى غَيْرِهِمْ: فَمِنْ (١٢) قَبِيلِ ما تقدم في كثرة الجهل (١٣)، وقلة العلم، كان ذلك التقديم في رُتَب العلم أَو غيره، لأَن\n_________\n(١) في (ر) و(غ): \"عربت\" بدل: \"تصوبت\".\n(٢) في (م): \"غيره\" بدل \"عميرة\".\n(٣) في (خ) و(م): \"يتعارون\" بالعين المهملة، وفي (ت): \"يتغايرون\"، وصوبها في الهامش: \"يتعازرون\"، وذكر أن في نسخة: \"ويتعارون\".\n(٤) في (م): \"رجلًا\".\n(٥) قوله: \"له\" ليس في (خ).\n(٦) في (ت) و(خ): \"فعرفت\".\n(٧) قوله: \"فيها\" ليس في (خ) و(ت).\n(٨) أورد هذه القصة المزي في \"تهذيب الكمال\" (٢٢/ ٤٠٠).\n(٩) في (ت) و(م) و(خ): \"رفع الأصوات يدل\".\n(١٠) في (م): \"لا نقي\"، وفي (ت): \"لا ينهى\"، وفي (خ): \"لا نفي\"، أو \"لا يفي\"؛ لم تنقط نونًا ولا ياءً، وعلق عليها رشيد رضا بقوله: الكلمة غير منقوطة في الأصل، وتحتمل بالتصحيف والتحريف عدة احتمالات. اهـ.\n(١١) قوله: \"فجرى\" سقط من (خ)، وعلق على موضعه رشيد رضا بقوله: كذا! ولعل أصله: فجرى مجرى البدع المحدثات. اهـ.\n(١٢) قوله: \"فمن\" لم يتضح في مصورة (خ)، وأثبته رشيد رضا: \"من\"، وعلق عليه بقوله: لعل الأصل: \"فمن\".اهـ.\n(١٣) في (خ) و(ت) و(م): \"الجهال\".","vol":"2","page":469},{"text":"الحَدَثَ أَبدًا أَو فِي غَالِبِ الأَمر غِرٌّ لم يَتَحنَّكْ، ولم يرتَضْ في صناعته (١) رياضةً تُبَلِّغه مبالغ الشيوخ الراسخي (٢) الأَقدام فِي تِلْكَ الصِّنَاعَةِ، وَلِذَلِكَ قَالُوا فِي المَثَلِ:\nوابنُ اللَّبُون إِذا مَا لُزَّ فِي قَرَنٍ ... لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعيسِ (٣)\nهَذَا إِن حملنا الحَدَثَ على حداثة السن، وهو نصٌّ فِي (٤) حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، فإِن حَمَلْنَاهُ (٥) عَلَى حَدَثَانِ الْعَهْدِ بِالصِّنَاعَةِ، وَيَحْتَمِلُهُ قوله في الحديث (٦): \"وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرذلهم\" (٧)، وَقَوْلُهُ: \"وَسَادَ الْقَبِيلَةَ فَاسِقُهُمْ\" (٨) وَقَوْلُهُ: \"إِذا أُسند الأَمر إِلى غَيْرِ أَهله\" (٩)، فَالْمَعْنَى فِيهَا وَاحِدٌ، فإِن الْحَدِيثَ الْعَهْدَ بالشيءِ لَا يَبْلُغُ مَبَالِغَ الْقَدِيمِ الْعَهْدِ فِيهِ.\nولذلك يحكى عن الشيخ أَبي مَدْيَن (١٠) ﵀: أَنه سئل عن\n_________\n(١) في (م): \"صناعة\".\n(٢) في (خ): \"الراسخين\".\n(٣) البيت لجرير بن عطية، انظر: \"ديوانه\" برواية محمد بن حبيب (١/ ١٢٨). و\"ابن اللبون\": هو ولد الناقة إذا استكمل سنتين، فأمه لبون؛ لأنها وضعت غيره، فصار لها لبن، وهو في هذه الحالة ضعيف. و\"لُزَّ\": شُدّ. و\"القَرَن\": الحبل. والبعيران إذا قُرِنا في قَرَنٍ واحدٍ فقد لُزّا. و\"البُزْلُ\": جمع بازِلٍ، وهو من الإبل ما كان في التاسعة؛ لأن نابه يَبْزُل؛ أي: ينْشَقّ ويطلع. و\"القناعيس\": جمع قِنْعاس، وهو الجمل الضخم العظيم. و\"الصولة\": الوثبة والسَّطوة\nوهذا البيت قاله جرير بن عطيّة يعرِّض فيه بِعَدِيّ بن الرِّقاع العاملي، ويقول له: إن ابن اللبون إذا ما قُرِن ببازِلٍ؛ لم يُطِقْ ما يطيقه البازل من الصبر على السير العنيف، فكذلك الشاعر الضعيف لا يستطيع مصاولة الشاعر الفحل، ولا مجاراته؛ أراد بذلك الفخر على مَهْجُوِّه عدي بن الرقاع. انظر شرح العلاّمة محمود محمد شاكر لـ\"طبقات فحول الشعراء\" للجُمَحي (٢/ ٣٨٥).\n(٤) قوله: \"في\" ليس في (ر) و(غ).\n(٥) في (م): \"عملناه\".\n(٦) قوله: \"في الحديث\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(٧) تقدم تخريجه (ص٤٢٣).\n(٨) تقدم تخريجه صفحة (٤٢٤).\n(٩) تقدم تخريجه صفحة (٤٢٠).\n(١٠) هو: شعيب بن حسين الأندلسي، الزاهد، شيخ أهل المغرب، كان من أهل العمل والاجتهاد، منقطع النظير في العبادة والنسك. انظر: \"السير\" (٢١/ ٢١٩).","vol":"2","page":470},{"text":"الأَحداث الذين نهى شيوخ الصوفية عن صحبتهم (١)؟ فَقَالَ: الحَدَث: الَّذِي لَمْ يَسْتَكْمِلِ الأَمر بَعْدُ، وإِن كَانَ ابنَ ثَمَانِينَ سَنَةً.\nفإِذًا: تَقْدِيمُ الأَحداث عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ الْجُهَّالِ (٢) عَلَى غَيْرِهِمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِيهِمْ: \"سُفَهَاءَ الأَحلام\" (٣)، وقال (٣): \"يقرؤُون الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ ... \"، إِلى آخِرِهِ، وَهُوَ مُنَزَّلٌ عَلَى الْحَدِيثِ الْآخَرِ فِي الْخَوَارِجِ: \"إِن (٤) مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا (٥) قَوْمًا يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ ... \" (٦)، إِلى آخِرِ الْحَدِيثِ؛ يَعْنِي: أَنهم لَمْ يَتَفَقَّهُوا (٧) فِيهِ، فَهُوَ فِي أَلسنتهم لَا فِي قُلُوبِهِمْ.\nوأَما لعنُ آخرِ هَذِهِ (٨) الأُمّة أَوَّلَها: فظاهر مما ذكره (٩) العلماءُ عَنْ بَعْضِ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ، فإِن الْكَامِلِيَّةَ (١٠) مَنَ الشِّيعَةِ كَفَّرَتِ الصَّحَابَةَ ﵃؛ حِينَ لَمْ يَصْرِفُوا الْخِلَافَةَ إِلى عَلِيٍّ ﵁ (١١) بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَفَّرَتْ عَلِيًّا ﵁ حين لم يأْخذ بحقه فيها.\nوأَما ما دون (١٢) ذلك مما يوقف فيه عند السبب (١٣): فمنقول موجود (١٤) في الكتب (١٥)، وإِنما فعلوا ذلك لمذاهب سوء لهم رأَوها،\n_________\n(١) في (ت) و(م) و(خ): \"عنهم\".\n(٢) في (خ): \"الجهل\".\n(٣) تقدم تخريجه صفحة (٤٢١ - ٤٢٢).\n(٤) قوله: \"إن\" ليس في (خ).\n(٥) قوله: \"هذا\" سقط من (م).\n(٦) تقدم تخريجه صفحة (٤٥٥).\n(٧) في (م): \"يتفهموا\" بدل \"يتفقهوا\".\n(٨) قوله: \"هذه\" سقط من (ر) و(غ).\n(٩) في (خ) و(ت) و(م): \"ذكر\".\n(١٠) الكاملية: أصحاب أبي كامل، الذي كفَّر جميع الصحابة بتركهم بيعة علي ﵁، وطعن في علي أيضًا بتركه طلب حقه، ولم يعذره في القعود. قال: وكان عليه أن يخرج ويظهر الحق. وكان يقول: الإمامة نور يتناسخ من شخص إلى شخص، وذلك النور في شخص يكون نبوة، وفي شخص يكون إمامة، وربما تتناسخ الإمامة فتصير نبوة، وقال بتناسخ الأرواح وقت الموت.\nانظر: \"الملل والنحل\" للشهرستاني (١/ ١٧٤ - ١٧٥).\n(١١) من قوله: \"حين لم يصرفوا\" إلى هنا سقط من (غ)، وفي (م): \"إلى علي ﵃\".\n(١٢) في (م): \"وأما دون\".\n(١٣) في (م): \"السب\".\n(١٤) في (ت): \"فموجود منقول\".\n(١٥) في (غ): \"الكتاب\".","vol":"2","page":471},{"text":"فبنوا عليها ما يضاهيها من السوءِ والفحشاءِ، فلذلك عُدُّوا من فرق أَهل البدع.\nقَالَ مُصْعَبُ الزُّبَيْري (١) وَابْنُ نَافِعٍ: دَخَلَ هَارُونُ - يَعْنِي الرَّشِيدَ - الْمَسْجِدَ (٢) فَرَكَعَ، ثُمَّ أَتى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَتى مَجْلِسَ (٣) مَالِكٍ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ ورحمة الله وبركاته، قال له مالك: وعليكَ السلام - يا أَمير المؤمنين - ورحمة الله وبركاته (٤). ثم قال لمالك: هَلْ لِمَنْ سَبَّ أَصحاب رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الفَيْء حَقٌّ؟ قَالَ: لَا! وَلَا كَرَامَةَ وَلَا مَسَرَّة! قَالَ: مَنْ أَين قُلْتَ ذَلِكَ؟ قَالَ: قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ (٥)، فَمَنْ عَابَهُمْ (٦) فَهُوَ كَافِرٌ، وَلَا حَقَّ لِكَافِرٍ (٧) فِي الْفَيْءِ.\nوَاحْتَجَّ مَرَّةً أُخرى فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ ﴿وَأَمْوَالِهِمْ﴾ (٨)﴾ (٩)، إِلى آخر الآيات الثلاث، قال: فهم أَصحاب رسول الله ﷺ الَّذِينَ هَاجَرُوا مَعَهُ، وأَنصاره، ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ (١٠)، فَمَنْ عَدَا هؤلاءِ، فَلَا حَقَّ لَهُمْ فِيهِ (١١).\n_________\n(١) في (ت) و(م): \"الزبيدي\".\n(٢) في (ت): \"للمسجد\".\n(٣) في (غ): \"مسجد\" بدل \"مجلس\".\n(٤) من قوله: \"قال له مالك\" إلى هنا سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٥) سورة الفتح: الآية (٢٩).\n(٦) في (ر) و(غ): \"عانهم\".\n(٧) في (ر) و(غ): \"للكافر\".\n(٨) زاد في (ت): \"يبتغون فضلًا من الله\".\nسورة الحشر: الآية (٨).\n(٩) سورة الحشر: الآية (١٠).\n(١٠) ذكره القاضي عياض في \"ترتيب المدارك\" (٢/ ٤٦) كما هنا، والظاهر أن المصنف أخذه عنه.\nولم أجده مسندًا من طريق مصعب الزبيري وابن نافع، ولكن أخرجه اللالكائي في \"شرح أصول الاعتقاد\" (٢٤٠٠)، والبيهقي في \"سننه\" (٦/ ٣٧٢)، وابن عبد البر في \"الانتقاء\" ص (٣٦) ثلاثتهم من طريق إبراهيم بن المنذر، عن معن بن عيسى، عن مالك، بذكر شطره الثاني المتعلق بآيات سورة الحشر، ولم يذكر قصة هارون الرشيد.\nوأخرجه ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٤٤/ ٣٩١) من طريق البيهقي.=","vol":"2","page":472},{"text":"وَفِي فِعْلِ خَوَاصِّ الْفَرْقِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى كثير (١).\nوأَما بعث الدجّالين (٢): فقد كان من (٣) ذَلِكَ جُمْلَةً، مِنْهُمْ مَنْ تَقَدَّمَ فِي زَمَانِ بَنِي الْعَبَّاسِ وَغَيْرِهِمْ.\nوَمِنْهُمْ مَعَدٌّ مِنَ (٤) الْعُبَيْدِيَةِ (٥) الَّذِينَ مَلَكُوا إِفريقية، فَقَدَ حُكِيَ عَنْهُ أَنه جَعَلَ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُ: أَشهد أَن مَعَدًّا رَسُولَ اللَّهِ، عِوَضًا مِنْ كَلِمَةِ الْحَقِّ: \"أَشهد أَن محمدًا رسول الله\"، ففعل المؤذن (٦)، فَهَمَّ المسلمون بقتله، ثم رأوا (٧) رفعه (٨) إِلى مَعَدٍّ لِيَرَوْا هَلْ هَذَا عَنْ أَمره؟ فَلَمَّا انْتَهَى كَلَامُهُمْ إِليه، قَالَ: ارْدُدْ عَلَيْهِمْ أَذانهم لعنهم الله.\n_________\n=وأخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٣٢٧) من طريق سوار بن عبد الله العنبري، عن أبيه، عن مالك نحو سياق معن بن عيسى، ثم أخرجه من طريق أبي عروة - وهو رجل من ولد الزبير ـ؛ قال: كنا عند مالك، فذكروا رجلًا ينتقص أصحاب رسول الله ﷺ، فقرأ مالك هذه الآية: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ﴾ حتى بلغ ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾، فقال مالك: من أصبح في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فقد أصابته الآية.\nومن طريق أبي نعيم أخرجهما الضياء المقدسي في \"النهي عن سب الأصحاب\" (٣٢ و٣٣).\nوقال ابن العربي في \"أحكام القرآن\" (٤/ ١٧٧٨): \"رواه عنه سوار بن عبد الله وأشهب وغيرهما؛ قالوا: قال مالك: من سبّ أصحاب رسول الله ﷺ فلا حقّ له في الفيء، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ اهـ.\nوذكر القرطبي في \"تفسيره\" (١٦/ ٢٩٦ - ٢٩٧) قول مالك هذا من طريق أبي عروة الزبيري السابق، وعزاه للخطيب البغدادي، ثم قال: \"قلت: لقد أحسن مالك في مقالته، وأصاب في تأويله، فمن نقص واحدًا منهم أو طعن عليه في روايته، فقد ردّ على ربّ العالمين، وأبطل شرائع المسلمين ... \"، ثم أخذ في ذكر بعض الأدلة من الكتاب والسنّة الدالة على فضل الصحابة ﵃.\n(١) قوله: \"كثير\" سقط من (ر) و(غ).\n(٢) في (م): \"الداجلين\".\n(٣) قوله: \"من\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(٤) علق رشيد رضا هنا بقوله: هو اسم أول خلفاء العبيديين، الملقب بالمعز لدين الله. اهـ.\n(٥) في (ت): \"العبيديين\".\n(٦) قوله: \"ففعل المؤذن\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(٧) قوله: \"رأوا\" سقط من (م).\n(٨) في (خ) و(ت): \"رفعوه\" بدل \"رأوا رفعه\".","vol":"2","page":473},{"text":"ومن يدَّعي لنفسه العصمة، فهو يشبه مَنْ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ، وَمَنْ يَزْعُمُ أَنه بِهِ قَامَتِ السَّمَوَاتُ والأَرض، فَقَدْ جَاوَزَ دَعْوَى النُّبُوَّةِ، وَهُوَ الْمَغْرِبِيُّ المُتَسَمِّي بِالْمَهْدِيِّ (١).\nوَقَدْ كَانَ فِي الزَّمَانِ الْقَرِيبِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْفَازَازِيَّ ادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَاسْتَظْهَرَ عَلَيْهَا بأُمور مُوْهِمَةٍ لِلْكَرَامَاتِ، والإِخبار بالمُغَيَّبات، وَمُخَيَّلَةٍ لِخَوَارِقِ الْعَادَاتِ، تَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ من العوام جملة، ولقد سمعت أَن (٢) بَعْضَ طَلَبَةِ ذَلِكَ الْبَلَدَ الَّذِي احْتَلَّهُ (٣) هَذَا البائس (٤) - وهو (٥) مالقة (٦) - أَخذ (٧) ينظر في قوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٨)، وَهَلْ (٩) يُمْكِنُ تأْويله؟ وَجَعَلَ يُطَرِّقُ إِليه الِاحْتِمَالَاتِ (١٠)، ليُسَوِّغ إِمكانَ بعثِ نبيٍّ بَعْدَ (١١) مُحَمَّدٍ ﷺ، وَكَانَ مقتلُ هَذَا الْمُفْتَرِي على يَدَي (١٢) شيخ شيوخنا الأُستاذ (١٣) أَبي جعفر ابن الزبير ﵀ (١٤).\n_________\n(١) في (ت): \"وهو المهدي المغربي\". وانظر ما ذكره المصنف من أخبار هذا المتسمِّي بالمهدي (ص٨٤ - ٨٩) من هذا المجلد.\n(٢) قوله: \"أن\" ليس في (خ) و(ت) و(م).\n(٣) في (خ): \"اختله\" بالخاء المعجمة.\n(٤) في (خ): \"الباس\".\n(٥) في (ت): \"وهي\".\n(٦) مالقة: مدينة بالأندلس، عامرة، من أعمال رية، سورها على شاطئ البحر بين الجزيرة الخضراء والمرية. \"معجم البلدان\" (٥/ ٤٣).\n(٧) في (خ) و(ت): \"آخذًا\"، وفي (م): \"آخر\".\n(٨) سورة الأحزاب: الآية (٤٠).\n(٩) في (ت): \"وأنه هل\".\n(١٠) في (خ): \"الاحتمال\"، وصححت فوقها.\n(١١) قوله: \"بعد\" سقط من (ر) و(غ).\n(١٢) في (خ) و(ت): \"يد\".\n(١٣) قوله: \"الأستاذ\" من (ر) و(غ) فقط.\n(١٤) أبو جعفر ابن الزبير هذا اسمه: أحمد بن إبراهيم بن الزبير الأندلسي، ترجم له الحافظ ابن حجر في \"الدرر الكامنة\" (١/ ٨٩ - ٩١ رقم ٢٣٢)، وذكر قصته مع الفازازي هذا، فقال: ومن مناقبه أن الفازازي الساحر لما ادعى النبوة قام عليه أبو جعفر بمالقة، فاستظهر عليه بتقرُّبه إلى أميرها بالسحر، وأوذي أبو جعفر، فتحوّل إلى غرناطة، فاتفق قدوم الفازازي رسولًا من أمير مالقة، فاجتمع أبو جعفر بصاحب غرناطة، ووصف له حال الفازازي فأذن له إذا انصرف بجواب رسالته أن يخرج إليه ببعض أهل البلد،=","vol":"2","page":474},{"text":"وَلَقَدْ حَكَى بَعْضُ مُؤَلِّفِي الْوَقْتِ؛ قَالَ: حَدَّثَنِي شيخنا أَبو الحسن بن الجياب ﵀ (١)؛ قَالَ: لَمَّا أُمر بالتأَهُّب يَوْمَ قَتْلِهِ وَهُوَ فِي السِّجْنِ الَّذِي أُخرج مِنْهُ إِلى مَصْرَعِهِ؛ جهر بتلاوة سورة ﴿يس *﴾، فقال له أَحد الدَّعَرَةِ (٢) ممن جمع السجن بينهما: واقرأ (٣) قرآنك، لأَي شيءٍ تَتَطَفَّلْ (٤) على قرآننا (٥) اليوم (٦)؟ أَو ما (٧) فِي مَعْنَى هَذَا، فَتَرَكَهَا مَثَلًا بِلَوْذَعِيَّتِهِ (٨).\nوأَما مفارقة الجماعة: فبدعتها ظاهرة، ولذلك يُجَازَى (٩) بالمِيْتَةِ الجاهلية (١٠)، وقد ظهر هذا (١١) فِي الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُمْ؛ كَالْعُبَيْدِيَّةِ وأَشباههم.\nفهذا أَيضًا مِنْ جُمْلَةِ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الأَحاديث، وباقي\n_________\n=ويطالبه من باب الشرع، ففعل، فثبت عليه الحدّ، وحكم بقتله، فضُرب بالسيف، فلم يَجُلْ فيه، فقال أبو جعفر: جرِّدوه، فوجدوا جسده مكتوبًا، فغسل، ثم وجد تحت لسانه حجرًا لطيفًا فنزعه، فجال فيه السيف حينئذٍ. اهـ.\n(١) هو: علي بن محمد بن سليمان، أبو الحسن ابن الجياب الأنصاري، الغرناطي، من مشايخ لسان الدين ابن الخطيب صاحب كتاب \"الإحاطة\"، مولده عام ثلاث وسبعين وستمئة، وتوفي سنة تسع وأربعين وسبعمئة. انظر ترجمته في \"الديباج المذهب\" (٢/ ١١١ رقم ٢٠)، و\"نفح الطيب\" (٥/ ٤٣٤).\n(٢) في (خ): \"الذعرة\"، وفي (م): \"الزعرة\". والمقصود: أحد الفسّاق الفجرة. انظر \"لسان العرب\" (٤/ ٢٨٦).\n(٣) في (ت): \"اقرأ\".\n(٤) في (م) و(خ): \"تتفضل\" بدل \"تتطفل\".\n(٥) في (غ): \"قراءتنا\".\n(٦) قوله: \"اليوم\" سقط من (ت).\n(٧) قوله: \"ما\" ليس في (خ) و(ت).\n(٨) في (ت): \"فتركها امتثالًا للوذعيته\"، وذكر في الهامش أن في نسخة: \"فتركها مثلًا بلوذعيته\".\nواللَّوْذَعي: هو الظريف الحديد الفؤاد واللسان. انظر \"لسان العرب\" (٨/ ٣١٧).\n(٩) علق رشيد رضا على هذا الموضع بقوله: أي: يجازى مفارقها، ولعل الفاعل قد سقط من الأصل بسهو الناسخ. اهـ.\n(١٠) لما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري (٧٠٥٣)، ومسلم (١٨٤٩)، عن ابن عباس مرفوعًا: \" ... فإنه من خرج من السلطان شبرًا مات ميتة جاهلية\".\n(١١) قوله: \"هذا\" ليس في (خ) و(م) و(ت).","vol":"2","page":475},{"text":"الْخِصَالِ الْمَذْكُورَةِ عَائِدٌ إِلى نَحْوٍ آخَرَ؛ كَكَثْرَةِ النساءِ، وقِلَّةِ الرِّجَالِ (١)، وتَطاوُلِ (٢) النَّاسِ فِي الْبُنْيَانِ (٣)، وتَقَارُبِ الزمان (٤).\nفالحاصل: أَن أَكثر هذه (٥) الْحَوَادِثِ الَّتِي أَخبر بِهَا النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَنها تَقَعُ وَتَظْهَرُ وَتَنْتَشِرُ (٦) في الأُمة (٧) أُمور مُبْتَدَعَةٌ عَلَى مُضَاهَاةِ التَّشْرِيعِ، لَكِنْ مِنْ جِهَةِ التعبُّد، لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا عاديَّة، وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي هِيَ بِدْعَةٌ، والمعصية التي لَيْسَتْ (٨) بِبِدْعَةٍ.\nوإِن الْعَادِيَّاتِ مِنْ حيثُ هِيَ عَادِيَّةٌ لَا بِدْعَةَ فِيهَا، وَمِنْ حَيْثُ يُتعبَّدُ بِهَا أَو تُوضَعُ وَضْعَ التعبُّد تَدْخُلُهَا الْبِدْعَةُ، وَحَصَلَ بِذَلِكَ اتِّفَاقُ الْقَوْلَيْنِ، وَصَارَ الْمَذْهَبَانِ مَذْهَبًا واحدًا، وبالله التوفيق.\n_________\n(١) تقدم تخريجه صفحة (٤٢٣).\n(٢) في (ر) و(غ): \"وتتطاول\".\n(٣) تقدم تخريجه صفحة (٤٢١).\n(٤) تقدم تخريجه صفحة (٤٢١).\n(٥) قوله: \"هذه\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(٦) في (م): \"وتنشر\".\n(٧) قوله: \"في الأمة\" سقط من (خ).\n(٨) في (خ): \"التي هي ليست\".","vol":"2","page":476},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>فصل</span>\nفإِن قِيلَ: أَما الِابْتِدَاعُ؛ بِمَعْنَى أَنه نَوْعٌ مِنَ التَّشْرِيعِ عَلَى وَجْهِ التعبُّد فِي العادِيّات من حيث هو (١) توقيت معلوم مَقُولٌ (٢) بإِيجابه (٣) أَو إِجازته (٤) بالرأْي - كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمثلة بدع الخوارج ومن داناهم من الفرق الخارجة عَنِ الْجَادَّةِ ـ: فَظَاهَرَ (٥).\nوَمِنْ (٦) ذَلِكَ: الْقَوْلُ بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّ، وَالْقَوْلِ بِتَرْكِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَمَا أَشبه ذَلِكَ.\nفَالْقَوْلُ بأَنه بِدْعَةٌ قَدْ تبيَّن وَجْهُهُ وَاتَّضَحَ مَغْزاه، وإِنما يَبْقَى وَجْهٌ آخَرُ يُشْبِهُهُ وَلَيْسَ بِهِ، وَهُوَ أَن الْمَعَاصِي وَالْمُنْكِرَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ قَدْ تَظْهَرُ وَتَفْشُو (٧)، وَيَجْرِي الْعَمَلُ بِهَا بَيْنَ النَّاسِ عَلَى وجهٍ لَا يَقَعُ لَهَا إِنكار مِنْ خَاصٍّ وَلَا عَامٍّ، فَمَا كَانَ مِنْهَا هَذَا شأْنه: هَلْ يُعَدُّ مِثْلُهُ بِدَعَةً أَم لَا؟\nفَالْجَوَابُ: أَن مِثْلَ هَذِهِ المسأَلة لها نظران:\n_________\n(١) قوله: \"هو\" سقط من (ت)، ولم يتضح في (خ)، وفي (ر) و(غ): \"هي\"، والمثبت من (م).\n(٢) كذا في (ر) و(غ)، وفي باقي النسخ: \"معقول\".\n(٣) أثبتها رشيد رضا: \"فإيجابه\"، وانظر التعليق بعد الآتي.\n(٤) في (م): \"أو إجارته\".\n(٥) علق رشيد رضا على هذا الموضع بقوله: قوله: \"فظاهر\": جواب \"أما الابتداع\" في أول الفصل، وما بينهما اعتراض. وقوله فيه: \"فإيجابه\": مبتدأ، خبره: \"من أمثلة بدع الخوارج\".\n(٦) في (ر) و(غ): \"من\".\n(٧) في (م) و(غ) و(ت): \"وتفشوا\".","vol":"2","page":477},{"text":"أَحدهما: نظر من حيث وقوعها عملًا وَاعْتِقَادًا فِي الأَصل، فَلَا شَكَّ أَنها مخالَفَةٌ لَا بِدْعَةٌ، إِذ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ كَوْنِ الممنوع أَو المكروه غير بدعة أَن لا يَنْتَشِر ولا يظهر (١)، كما (٢) أَنه ليس من شرط (٣) البدعة (٤) أَن تشتهر (٥) ولا تُسَرّ (٦)، بل المخالفة (٧) مخالفة (٨)؛ ظهرت (٩) أَمْ لا (١٠)، واشتهرت (١١) أَم لا، والبدعة بدعة؛ ظهرت أَم لَا، وَاشْتُهِرَتْ أَم لَا (١٢)، وَكَذَلِكَ دَوَامُ الْعَمَلِ بها (١٣) أَو عَدَمِ دَوَامِهِ: لَا يؤثِّر فِي وَاحِدَةٍ منهما، فالمبتدع (١٤) قد يقلع عن بدعته، وَالْمُخَالِفُ قَدْ يَدُومُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ إِلى الْمَوْتِ، عِيَاذًا بِاللَّهِ!.\nوَالثَّانِي: نظرٌ مِنْ جِهَةِ مَا يَقْتَرِنُ بِهَا مِنْ خَارِجٍ، فَالْقَرَائِنُ قَدْ تَقْتَرِنُ، فَتَكُونُ سَبَبًا فِي مَفْسَدَةٍ حاليَّة، وَفِي مَفْسَدَةٍ مآليَّة، كِلَاهُمَا رَاجِعٌ إِلى اعْتِقَادِ الْبِدْعَةِ.\nأَما الْحَالِيَّةُ فبأَمرين:\nالأَول: أَن يَعْمَلَ بِهَا الْخَوَاصُّ مِنَ النَّاسِ عُمُومًا، وَخَاصَّةً الْعُلَمَاءَ خُصُوصًا، وَتَظْهَرُ مِنْ جِهَتِهِمْ، وَهَذِهِ مَفْسَدَةٌ فِي الإِسلام ينشأُ عَنْهَا عَادَةً مِنْ جِهَةِ الْعَوَامِّ اسْتِسْهالُها واسْتِجَازَتُها؛ لأَن العالم المنتصب مُفْتٍ (١٥)\n_________\n(١) في (خ) و(ت): \"أن لا ينشرها ولا يظهرها\"، وفي (م): \"أن لا ينشر ولا يظهر\".\n(٢) قوله: \"كما\" ليس في (خ).\n(٣) في (ت): \"شرطها\".\n(٤) قوله: \"البدعة\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(٥) في (خ) و(م) و(ت): \"تنشر\".\n(٦) قوله: \"ولا تسر\" ليس في (خ) و(ت)، وفي (م): \"ولا تر\".\n(٧) في (خ) و(ت): \"بل لا تزول المخالفة\".\n(٨) قوله: \"مخالفة\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(٩) في (ت): \"سواء ظهرت\".\n(١٠) في (خ) و(م) و(ت): \"أو لا\".\n(١١) في (ت): \"أو اشتهرت\".\n(١٢) من قوله: \"والبدعة بدعة ... \" إلى هنا سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(١٣) قوله: \"بها\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(١٤) في (خ) و(م) و(ت): \"والمبتدع\".\n(١٥) في (خ) و(ت): \"مفتيًا\".","vol":"2","page":478},{"text":"لِلنَّاسِ (١) بِعَمَلِهِ (٢) كَمَا هُوَ مُفْتٍ بِقَوْلِهِ (٣)، فإِذا نظر الناس إِليه وهو يعمل بأَمر هو مخالفة (٤)؛ حَصَلَ فِي اعْتِقَادِهِمْ جَوَازُهُ، وَيَقُولُونَ: لَوْ كَانَ مَمْنُوعًا أَو مَكْرُوهًا لَامْتَنَعَ مِنْهُ العالِمُ.\nهَذَا، وإِن نصَّ عَلَى مَنْعه أَو كَرَاهَتِهِ (٥)، فإِن عَمَلَهُ معارِضٌ لِقَوْلِهِ، فإِما أَن يَقُولَ الْعَامِّيُّ: إِن العالِمَ خَالَفَ بِذَلِكَ، وَيَجُوزُ عَلَيْهِ (٦) مِثْلَ ذَلِكَ، وَهُمْ عُقَلَاءُ النَّاسُ، وَهُمُ الأَقلون.\nوإِما أَن يَقُولَ: إِنه وَجَدَ فِيهِ رُخْصَةً، فإِنه لو كان كما قال؛ لم يعمل (٧) به، فيُرَجِّح (٨) بين قوله وفعله، والفعل أَبلغ (٩) مِنَ الْقَوْلِ فِي جِهَةِ التأَسِّي - كَمَا تبيَّن فِي كِتَابِ \"الْمُوَافَقَاتِ\" (١٠) ـ، فَيَعْمَلُ العامِّيُّ بِعَمَلِ الْعَالِمِ؛ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِهِ، فَيَعْتَقِدُهُ جَائِزًا، وهؤلاءِ هُمُ الأَكثرون.\nفَقَدْ صَارَ عَمَلُ الْعَالِمِ عِنْدَ الْعَامِّيِّ حُجَّةً، كَمَا كَانَ قَوْلُهُ حُجَّةً عَلَى الإِطلاق وَالْعُمُومِ فِي الفُتيا، فَاجْتَمَعَ عَلَى الْعَامِّيِّ الْعَمَلُ مع اعتقاد الجواز بشُبْهَةِ دليل، وهذا هو (١١) عين البدعة.\nبل قد وقع مثل هذا في طائفة ممن تَمَيَّزَ عن العامّة بانتصابٍ في رتبة\n_________\n(١) قوله: \"مفت للناس\" سقط من (غ)، وفي موضعه علامة لحق، ولم يظهر اللحق في التصوير.\n(٢) في (ت) و(خ) و(م): \"بعلمه\".\n(٣) في (ت): \"بفعله\"، وذكر الناسخ في الهامش أن في نسخة: \"بقوله\".\n(٤) علق رشيد رضا على هذا الموضع بقوله: كذا في الأصل! وهو تحريف ظاهر، والمعنى مفهوم من القرينة، وهو: فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ النَّاسُ يَعْمَلُ مَا يَأْمُرُ هو بمخالفته - أي بتركه ـ؛ حصل في اعتقادهم جوازه. اهـ.\n(٥) في (م): \"أو كراهيته\".\n(٦) أي: على العالِمِ.\n(٧) قوله: \"يعمل\" سقط من (خ).\n(٨) في (ر) و(غ): \"فيترجح\"، وفي (م): \"فترجح\".\n(٩) في (ت) و(خ) و(م): \"أغلب\" بدل \"أبلغ\".\n(١٠) (٤/ ٩١).\n(١١) قوله: \"هو\" ليس في (خ) و(م) و(ت).","vol":"2","page":479},{"text":"الْعُلَمَاءِ، فَجَعَلُوا العملَ بِبِدْعَةِ الدعاءِ بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ فِي آثَارِ الصَّلَوَاتِ، وقراءةَ الحِزْب حُجَّةً فِي جَوَازِ الْعَمَلِ بِالْبِدَعِ فِي الْجُمْلَةِ، وأَن مِنْهَا مَا هُوَ حَسَنٌ، وَكَانَ مِنْهُمْ مَنِ ارْتَسَمَ فِي طَرِيقَةِ التصوُّف، فأَجاز التعبُّدَ لِلَّهِ بِالْعِبَادَاتِ الْمُبْتَدَعَةِ، وَاحْتَجَّ بالحِزْب والدعاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ؛ كَمَا تَقَدَّمَ.\nوَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَقَدَ أَنه مَا عَمِلَ بِهِ إِلا لمُسْتَند، فَوَضَعَهُ فِي كِتَابٍ، وَجَعَلَهُ فقهًا؛ كبعض أَماريد (١) البربر (٢) ممن قيَّد على رسالة ابن أَبي زَيْدٍ (٣).\nوأَصل جَمِيعَ ذَلِكَ (٤): سُكُوتُ الْخَوَاصِّ عَنِ البيان، أَو العمل (٥) بِهِ عَلَى الغَفْلة، وَمِنْ هُنَا تُسْتَشْنَعُ زَلَّةُ العالم؛ فقد قالوا (٦): ثَلَاثٌ يَهْدِمْنَ (٧) الدِّينَ: زَلّةُ الْعَالِمِ (٨)، وجِدَالُ منافقٍ بالقرآن، وأَئِمَة مُضِلّون (٩).\n_________\n(١) في (ر) و(غ): \"أفاريد\".\n(٢) في (ت) و(خ) و(م): \"الرس\" بدل \"البربر\".\n(٣) في (خ): \"على الأمة ابن زيد\"، وفي (م): \"على الآلة ابن أبي نريد\"، وأصل (ت) موافق لما هو مثبت هنا، لكن كتب في الهامش: \"على الآلة ابن زيد\"، وكأنه تصويب للعبارة.\n(٤) في (ت): \"ذلك كله\".\n(٥) في (خ): \"والعمل\".\n(٦) ورد ذلك عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁.\nأخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" (١٤٧٥)، والفريابي في \"صفة المنافق\" (ص٥٤)، كلاهما من طريق مالك بن مغول، عن أبي حصين، عن زياد بن حُدَير؛ قال: قال عمر بن الخطاب رضوان الله عليه: يهدم الزمان ثلاث: ضيعة عالم، ومجادلة منافق بالقرآن، وأئمة مضلّون.\nوسنده صحيح.\nوأخرجه الدارمي (١/ ٧١) من طريق أبي إسحاق السبيعي، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ١٩٦) من طريق مغيرة، كلاهما عن الشعبي، عن زياد بن حُدَير؛ قال: أتيت عمر بن الخطاب ...، فذكره.\nوتصحف \"حدير\" عند أبي نعيم إلى \"جرير\".\nوأخرجه البيهقي في \"المدخل إلى السنن\" (٨٣٢) من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن عمر، ليس فيه ذكر لزياد بن حدير.\n(٧) في (ت) و(خ): \"تهدم\"، وفي (م): \"يهدم\".\n(٨) في (ر) و(غ): \"عالم\".\n(٩) في (خ): \"ضالون\".","vol":"2","page":480},{"text":"وَكُلُّ ذَلِكَ عَائِدٌ وبالُه (١) عَلَى الْعَالَمِ (٢). وزلَلُهُ المذكورُ عِنْدَ العلماءِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:\nأَحدهما: زَلَلُه (٣) فِي النَّظَرِ، حَتَّى يُفْتيَ بِمَا خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَيُتَابَعُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ الفُتْيَا بِالْقَوْلِ.\nوَالثَّانِي: زَلَلُه في العمل بالمخالفات، فَيُتَابَعُ أَيضًا عليها على التأَويل المذكور، وهو في الاعتبار قائمٌ مَقَامَ الفُتيا بالقول؛ إِذ قد عَلِمَ أَنه مُتَّبَعٌ ومنظورٌ إِليه، وهو مع ذلك يُظْهِر بفعله (٤) ما ينهى عنه الشارع، فكأَنه مُفْتٍ به؛ على ما تقرر في الأُصول.\nوَالثَّانِي: مِنْ قِسْمَيِ الْمُفْسِدَةِ الحاليَّة: أَن يَعْمَلَ بها العوام، وتشيع فيهم، وتظهر فيما بينهم (٥)، فلا ينكرها الخواصّ، ولا يرفعون لها رأْسًا (٦)، وَهُمْ (٧) قَادِرُونَ عَلَى الإِنكار، فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَالْعَامِّيُّ مِنْ شأْنه إِذا رأَى أَمرًا يَجْهل حكمَه يعمل العامل به فلا يُنْكر عَلَيْهِ، اعْتَقِدُ أَنه جَائِزٌ، وأَنه حَسَنٌ، أَو أَنه مَشْرُوعٌ، بِخِلَافِ مَا إِذا أُنكر عَلَيْهِ (٨)، فإِنه يَعْتَقِدُ أَنه عَيْبٌ، أَو أَنه غَيْرُ مَشْرُوعٌ، أَو (٩) أَنه لَيْسَ مَنْ فِعْلِ الْمُسْلِمِينَ.\nهَذَا أَمر يَلْزَمُ مَنْ لَيْسَ بِعَالِمٍ (١٠) بِالشَّرِيعَةِ؛ لأَن مستنده الخواصّ والعلماءُ في الجائز مع غَيْرِ الْجَائِزِ.\nفإِذا عُدِمَ الإِنكار مِمَّنْ شأْنه الإِنكار، مَعَ ظُهُورِ الْعَمَلِ وَانْتِشَارِهِ، وَعَدَمِ خَوْفِ الْمُنْكِرِ، وَوُجُودِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَفعل (١١)، دَلَّ عند العوام\n_________\n(١) في (ت): \"وباله عائد\".\n(٢) في (خ): \"عالم\". وعلق عليه رشيد رضا بقوله: كذا! ولعل أصله: \"على العالم\" بفتح اللام؛ على حدّ قولهم: إذا زلّ العالِم - بالكسر - زل العالَم - بالفتح - اهـ.\n(٣) قوله: \"زلله\" ليس في (ر) و(غ).\n(٤) في (خ) و(م): \"بقوله\".\n(٥) قوله \"فيما بينهم\" ليس في (ت) و(خ) و(م).\n(٦) في (ت) و(خ) و(م): \"رؤوسهم\".\n(٧) قوله: \"وهم\" سقط من (خ).\n(٨) قوله: \"عليه\" سقط من (ر) و(غ).\n(٩) قوله: \"أو\" سقط من (خ) و(م).\n(١٠) في (ت): \"عالم\".\n(١١) أي: لم يفعل العالم إنكار المنكر.","vol":"2","page":481},{"text":"أَنه فِعْلٌ جَائِزٌ لَا حَرَجَ فِيهِ (١)، فنشأَ فِيهِ هَذَا الاعتقادُ الفاسدُ بتأْويلٍ يُقْنَعُ بِمِثْلِهِ مِنَ الْعَوَامِّ (٢)، فَصَارَتِ الْمُخَالَفَةُ بِدَعَةً؛ كَمَا فِي الْقِسْمِ الأَول.\nوَقَدْ ثَبَتَ فِي الأُصول أَن العالِمَ فِي النَّاسِ قائِمٌ مقامَ النَّبِيِّ ﵊، والعلماءُ وَرَثَةُ الأَنبياءِ (٣)، فَكَمَا أَن النَّبِيَّ ﷺ يَدُلُّ عَلَى الأَحكام بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وإِقراره، كَذَلِكَ وارِثُهُ يَدُلُّ عَلَى الأَحكام بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وإِقراره. واعْتَبِرْ ذَلِكَ بِبَعْضِ مَا أُحدِثَ فِي الْمَسَاجِدِ مِنَ الأُمور الْمَنْهِيّ عَنْهَا فَلَمْ يُنْكِرْهَا (٤) العلماءُ، أَو عَمِلُوا بِهَا فَصَارَتْ بَعْدُ (٥) سُنَنًا وَمَشْرُوعَاتِ؛ كَزِيَادَتِهِمْ مَعَ الأَذان: \"أَصبح ولله الحمد\"، و\"الوضوء للصلاة\"، و\"تأَهّبوا للصلاة (٦) \"، ودعاء المؤذّنين بالليل في الصوامع؛\n_________\n(١) قوله: \"فيه\" سقط من (ر) و(غ).\n(٢) علق رشيد رضا هنا بقوله: كذا! ولعل الأصل: \"من كان من العوام\" اهـ.\n(٣) هو جزء من حديث أبي الدرداء الطويل في فضل العلم والعلماء، وقد أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" (٥/ ١٩٦)، والدارمي في \"سننه\" (١/ ٩٨)، وأبو داود (٣٦٣٦)، والترمذي (٢٦٨٢)، وابن ماجه (٢٢٣)، وابن حبان (٨٨/الإحسان)، وابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (١٦٩ - ١٧٧)، والخطيب في \"الرحلة\" (٤ - ٦)، جميعهم من طريق عاصم بن رجاء، عن داود بن جميل، عن كثير بن قيس، عن أبي الدرداء، به، وفي بعض طرقه اختلاف تجد الكلام عليه عند الترمذي وابن عبد البر وغيرهما.\nوسنده ضعيف لضعف داود بن جميل، وكثير بن قيس الشامي، كما في \"التقريب\" (١٧٨٨ و٥٦٥٩).\nوأخرجه أبو داود (٣٦٣٧) من طريق محمد بن الوزير الدمشقي، حدثنا الوليد - وهو ابن مسلم ـ؛ قال: لقيت شبيب بن شيبة فحدثني به عن عثمان بن أبي سودة، عن أبي الدرداء ...، فذكره.\nوسنده ضعيف لجهالة شبيب بن شيبة الشامي، كما في \"التقريب\" (٢٧٥٦)، وقد حسن بعض أهل العلم هذا الحديث بهذين الطريقين، وأطال محقق \"جامع بيان العلم\" في الكلام عليه، فانظره إن شئت، وللحافظ ابن رجب رسالة مفردة في \"شرح حديث أبي الدرداء\" هذا، وهي مطبوعة.\n(٤) لم يتضح قوله: \"ينكرها\" في (م)، فأشبه: \"ينظرها\"، أو كلمة نحوها، وكذا في (ت)؛ تشبه أن تكون: \"ينهزها\"، ثم صوبت في الهامش هكذا: \"يغيرها\".\n(٥) في (ر) و(غ): \"تعد\".\n(٦) قوله: \"للصلاة\" سقط من (ت) و(خ) و(م).","vol":"2","page":482},{"text":"وربما احْتَجّ (١) على صحّة (٢) ذلك (٣) بعضُ الناس بما وقع (٤) في \"نوازل ابن سهل\" (٥) غفلة منه (٦) عما عَلَيْهِ فِيهِ (٧)، وَقَدْ قَيَّدْنَا فِي ذَلِكَ جُزْءًا مُفْرَدًا، فَمَنْ أَراد الشفاءَ فِي المسأَلة فَعَلَيْهِ به، وبالله التوفيق.\nوخرج أَبو داود (٨) قَالَ: اهْتَمَّ النَّبِيُّ ﷺ للصلاة كيف يجمع الناس لها، فقيل له (٩): انْصِبْ رَايَةً عِنْدَ حُضُورِ الصَّلَاةِ، فإِذا رأَوها أَذِنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ. قَالَ: فذُكِرَ لَهُ القُنْعُ (١٠) - يَعْنِي الشَّبُّور، وَفِي رِوَايَةٍ: شَبّور اليهود ـ، فلم يعجبه ذلك (١١)، وَقَالَ: \"هُوَ مِنْ أَمر الْيَهُودِ\". قَالَ: فذُكِرَ لَهُ النَّاقُوسُ، فَقَالَ: \"هُوَ مِنْ أَمر النَّصَارَى\". فَانْصَرَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ (١٢) بْنِ عَبَدِ رَبِّهِ وَهُوَ مُهْتَمٌّ لِهَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأُرِيَ الأَذان فِي مَنَامِه ...، إِلى آخِرِ الْحَدِيثِ.\nوَفِي مُسْلِمٍ (١٣) عَنْ أَنس (١٤) بْنِ مَالِكٍ أَنه قَالَ: ذَكَرُوا أَن يُعْلِمُوا (١٥)\n_________\n(١) في (خ) و(م): \"احتجوا\".\n(٢) قوله: \"على صحة\" سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٣) في (ت): \"في ذلك\".\n(٤) في (خ): \"بما وضع\".\n(٥) طبع بعنوان: \"ديوان الأحكام الكبرى، النوازل والأعلام لابن سهل\"، والموضع المشار إليه هنا تجده فيه في (٢/ ١١٥٨).\n(٦) قوله: \"منه\" ليس في (ت) و(خ) و(م).\n(٧) علق رشيد رضا على هذا الموضع بقوله: لعل الأصل؛ \"وَرُبَّمَا احْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ، وَبِمَا وُضِعَ فِي نَوَازِلِ ابْنِ سَهْلٍ غفلة عما أخذ عليه فيه\"، أو أن في الكلام حذفًا غير ما ذكر تصح به العبارة. اهـ.\n(٨) في \"سننه\" (٤٩٨)، ومن طريقه البيهقي في \"السنن\" (١/ ٣٩٠)، وصححه الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٢/ ٨١)، ونقل تحسين ابن عبد البر له، وصححه الشيخ الألباني ﵀ في \"صحيح سنن أبي داود\" (٤٦٨).\n(٩) قوله: \"له\" ليس في (ت) و(خ) و(م).\n(١٠) في (ت) و(خ) و(م): \"القمع\". والقُنْعُ - بضم القاف وسكون النون ـ: البوق، كما سيأتي، وانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٤/ ١١٥).\n(١١) قوله: \"ذلك\" ليس في (ت) و(خ) و(م).\n(١٢) في (ت) و(م): \"يزيد\".\n(١٣) انظر: \"صحيح مسلم\" رقم (٣٧٨)، وأخرجه البخاري أيضًا (٦٠٣ و٦٠٥ و٦٠٧ و٣٤٥٧).\n(١٤) في (م): \"ابن أنس\".\n(١٥) في (ت) و(م): \"يعملوا\"، وصوبت في هامش (ت): \"يُعَلِّموا\" هكذا مضبوطة!.","vol":"2","page":483},{"text":"وَقْتَ الصَّلَاةِ بشيءٍ يَعْرِفُونَهُ، فَذَكَرُوا أَن يُنَوِّرُوا نَارًا، أَو يَضْرِبُوا نَاقُوسًا، فأُمر بلالٌ أَن يَشْفَعَ الأَذان وَيُوَتِرَ الإِقامة.\nوالقُنْعُ والشَّبّور: هُوَ (١) الْبُوقُ، وَهُوَ القَرْنُ الَّذِي وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ (٢).\nفأَنت تَرَى كَيْفَ كَرِهَ النبيُّ ﷺ شأَنَ الْكُفَّارِ، فَلَمْ يَعْمَلْ عَلَى مُوَافَقَتِهِ. فَكَانَ ينبغي لمن ارْتَسَمَ (٣) بِسِمَةِ الْعِلْمِ أَن يُنْكِرَ مَا أُحدث مِنْ ذَلِكَ فِي الْمَسَاجِدِ إِعلامًا بالأَوقات، أَو غيرَ إِعلامٍ بِهَا.\nأَما الرَّايَةُ: فَقَدْ وُضِعَت إِعلامًا بالأَوقات، وَذَلِكَ شَائِعٌ فِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ، حَتَّى إِن الأَذان مَعَهَا قَدْ صَارَ فِي حُكْمِ التَّبَع (٤).\nوأَما البوق: فهو العَلَم عندنا (٥) فِي رَمَضَانَ عَلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَدُخُولِ وَقْتِ الإِفطار، ثُمَّ هُوَ عَلَمٌ أَيضًا بِالْمَغْرِبِ والأَندلس عَلَى وَقْتِ السُّحُورِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً.\nوالحديثُ قَدْ جَعَلَ علمًا على الانتهاء (٦): نداءَ ابن أُم مكتوم؛ لقوله ﵇ (٧): \"إِن بلالًا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى يناديَ ابنُ أُم\n_________\n(١) في (خ): \"وهو\".\n(٢) يعني الذي أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٦٠٤)، ومسلم (٣٧٧)، كلاهما من طريق نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قال: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون، فيتحيّنون الصلوات، وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: قرنًا مثل قرن اليهود ...، الحديث.\n(٣) لم تتضح الكلمة في (خ)، وأثبتها رشيد رضا في طبعته: \"اتسم\".\n(٤) علق رشيد رضا ﵀ على هذا الموضع بقوله: \"في بعض بلاد الشام يرفعون علمًا من منارة الجامع الذي يكون فيه الموقِّت لأجل أن يراه المؤذنون من سائر المنارات فيؤذنون في وقت واحد، وإنما يكون ذلك في وقت الظهر والعصر والمغرب\" اهـ.\n(٥) قوله: \"عندنا\" من (ر) و(غ) فقط.\n(٦) في (ت) و(خ) و(م): \"قد جعل علمًا لانتهاء\".\n(٧) أخرجه البخاري (٦١٧ و٢٦٥٦)، ومسلم (١٠٩٢)، ولم يذكر مسلم قوله: \"وكان ابن أم مكتوم ... \" إلخ.","vol":"2","page":484},{"text":"مَكْتُومٍ\" (١). قَالَ ابْنُ شِهَابٍ (٢): وَكَانَ ابْنُ أُم مَكْتُومٍ رَجُلًا أَعمى لَا يُنادي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصبحت أَصبحت.\nوَفِي مُسْلِمٍ وأَبي دَاوُدَ: \"لَا يَمْنَعَنَّ أَحدَكم نداءُ (٣) بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ (٤)؛ فإِنه يؤذِّن لِيَرْجِعَ قائمَكُم، وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ ... \" (٥)، الْحَدِيثَ. فقد جعل أَذان بلال لأَن يُنَبِّه (٦) النائمَ لِمَا يَحْتَاجُ إِليه مِنْ سَحُورِهِ وَغَيْرِهِ.\nفَالْبُوقُ مَا شأْنه وَقَدْ كَرِهَهُ ﵊؟ وَمِثْلُهُ النَّارُ الَّتِي تُرفع دَائِمًا فِي أَوقات الليل، وبالعِشاءِ (٧)، والصبح (٨)، وفي (٩) رَمَضَانَ أَيضًا، إِعلامًا بِدُخُولِهِ، فَتُوقَدُ (١٠) فِي دَاخِلِ المسجد، ثم في وقت السحور تُرْفَعُ (١١) فِي المَنار إِعلامًا بِالْوَقْتِ (١٢)، والنارُ شِعَارُ (١٣) الْمَجُوسِ فِي الأَصل.\nقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ (١٤): أَولُ من اتّخذ البخور في المساجد (١٥) بَنُو بَرْمَك: يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ خالد، ملَّكهما الوالي أَمرَ الدِّين (١٦)،\n_________\n(١) من قوله: \"لقوله ﵇ ... \" إلى هنا سقط من (ت) و(خ) و(م).\n(٢) هو الراوي للحديث عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، ولكن لم يعينه البخاري في روايته، وإنما جاء تعيينه في رواية الإسماعيلي والطحاوي كما قال الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" (٢/ ١٠٠).\n(٣) في (ر) و(غ): \"أذان\" بدل \"نداء\".\n(٤) في (م): \"سحور\".\n(٥) أخرجه البخاري (٦٢١) ومسلم (١٠٩٣)، وأبو داود (٢٣٣٩) من حديث ابن مسعود ﵁.\n(٦) كذا في (ر) و(غ)، وفي باقي النسخ: \"ينتبه\".\n(٧) في (ت) و(ر) و(غ): \"بالعشاء\" بدون واو.\n(٨) في (م): \"الصبح\" بدون واو.\n(٩) في (خ): \"في\" بدون واو.\n(١٠) في (ت): \"والصبح إعلامًا بدخولها، وفي رمضان أيضًا توقد\".\n(١١) في (ت) و(خ) و(م): \"ثم ترفع\".\n(١٢) في (غ): \"إعلامًا بالنار\".\n(١٣) في (ت): \"من شعار\".\n(١٤) في \"العواصم\" (ص٦٢).\n(١٥) في (ت) و(م) و(خ): \"المسجد\".\n(١٦) بهامش (ت): \"الدولة\"؛ يعني بدل \"الدين\".","vol":"2","page":485},{"text":"فَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ، حَاجِبًا، وَيَحْيَى وَزِيرًا، ثُمَّ ابْنُهُ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى. قَالَ: وَكَانُوا بَاطِنِيَّةً؛ يَعْتَقِدُونَ آراءَ الْفَلَاسِفَةِ، فأَحيوا المجوسيَّة، وَاتَّخَذُوا البخور في المساجد - وإِنما كانت (١) تُطَيَّبُ بالخَلوق ـ، فزادوا التَّجْمير ليَعْمُروها (٢) بالنار منقولة؛ حتى يجعلوها عند الأُنس (٣) بِبَخُورِهَا ثَابِتَةً. انْتَهَى (٤).\nوَحَاصِلُهُ أَن النَّارَ لَيْسَ إِيقادُها فِي الْمَسَاجِدِ مِنْ شأْن السَّلف الصَّالِحِ، وَلَا كَانَتْ مِمَّا تُزَيَّن بِهَا المساجدُ البتَّةَ، ثُمَّ أُحدث التَّزْيِينُ (٥) بِهَا حَتَّى صَارَتْ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُعَظَّم بِهِ رَمَضَانُ، وَاعْتَقَدَ الْعَامَّةُ هَذَا كَمَا اعْتَقَدُوا طَلَبَ الْبُوقِ فِي رَمَضَانَ في المساجد، حتى لقد سأَل بعض الناس (٦) عنه:\n_________\n(١) قوله: \"كانت\" سقط من (خ) و(م) و(ت).\n(٢) في (خ): \"ويعمرونها\"، وفي (م): \"ويعمروها\"، وفي (ت): \"وتعميرها بالنار\"، ثم بياض مكان قوله: \"منقولة ... \" إلى \"ثابتة\"، ثم ذكر في الهامش أن في نسخة: \"وَيُعَمِّرُونَهَا بِالنَّارِ مَنْقُولَةً حَتَّى يَجْعَلُوهَا عِنْدَ الْأَنْدَلُسِ ببخورها ثابتة\".\n(٣) في (خ) و(م): \"الأندلس\"، وكذا بهامش (ت) كما سبق.\n(٤) الذي يظهر أن مقصود ابن العربي ﵀ من قوله: \"أول من اتخذ البخور في المساجد بنو برمك ... \": إنما هو البخور الذي كان يصاحبه إيقادٌ للنار في المساجد؛ والذي فيه إحياء لدين المجوسية، ويؤيده قوله: \"ليعمروها بالنار ... \"، وهذا الذي فهمه المصنف ﵀ حيث قال: \"وحاصله أن النار ليس إيقادها في المساجد من شأن السَّلف الصالح\".\nأما أصل تبخير المساجد على غير هذا النحو فمعروف عند السَّلف؛ بل وُصِفَ غيرُ واحد ممن كان يفعل ذلك بـ\"المُجْمِر\".\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٢٣٥) عن نُعيم بن عبد الله المُجْمِر: \"وُصِفَ هو وأبوه بذلك؛ لأنهما كانا يبخران مسجد النبي ﷺ\". ويؤيد هذا ما نقله رشيد رضا ﵀ عن بعض المؤرخين: \"أن البرامكة زينوا للرشيد وضع المجامر في الكعبة المشرفة، ليأنس المسلمون بوضع النار في أعظم معابدهم، والنار معبودُ المجوس، والظاهر أن البرامكة كانوا من رؤساء جمعيات المجوس السرية التي تحاول هدم الإسلام وسلطة العرب وإعادة الملك للمجوس، وإنما فتك بهم هارون الرشيد لأنه وقف على دخائلهم\". اهـ. والله أعلم.\n(٥) في (ت) و(م) و(خ): \"التزين\".\n(٦) قوله: \"الناس\" سقط من (خ) و(م) و(ت).","vol":"2","page":486},{"text":"أَهو سُنَّةٌ أَم لَا؟ وَلَا يَشُكُّ أَحد (١) أَن غَالِبَ الْعَوَامِّ يَعْتَقِدُونَ أَن مِثْلَ هَذِهِ الأُمور مَشْرُوعَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ تَرْكِ الْخَوَاصِّ الإِنكار عَلَيْهِمْ.\nوَكَذَلِكَ أَيضًا: لمَّا لَمْ يُتَّخَذِ النَّاقُوسُ للإِعلام، حَاوَلَ الشَّيْطَانُ فِيهِ بِمَكِيدَةٍ أُخرى؛ فَعُلِّق بِالْمَسَاجِدِ، واعتُدَّ بِهِ فِي جُمْلَةِ الْالَآتِ الَّتِي تُوقَدُ عَلَيْهَا النِّيرَانَ، وتُزخرف بِهَا الْمَسَاجِدُ، زِيَادَةً إِلى زَخْرَفَتِهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا تُزَخْرَفُ الْكَنَائِسُ والبِيَع.\nوَمِثْلُهُ: إِيقادُ الشَّمعِ بجبل عرفة (٢) لَيْلَةَ الثَّامِنِ (٣)، ذَكَرَ (٤) النَّوَوِيُّ أَنها مِنَ الْبِدَعِ الْقَبِيحَةِ، وأَنها ضَلَالَةٌ فَاحِشَةٌ جُمِعَ فِيهَا أَنواعٌ مِنَ الْقَبَائِحِ؛ مِنْهَا: إِضاعة الْمَالِ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ، وَمِنْهَا: إِظهار شَعَائِرِ الْمَجُوسِ، وَمِنْهَا: اخْتِلَاطُ الرِّجَالِ والنساءِ، وَالشَّمْعُ بَيْنَهُمْ، وَوُجُوهُهُمْ بَارِزَةٌ، وَمِنْهَا: تقديم دخول عرفة قبل وقتها المشروع (٥). انتهى.\nوَقَدْ ذَكَرَ الطَّرْطُوشِيُّ (٦) فِي إِيقاد الْمَسَاجِدِ فِي رَمَضَانَ بَعْضَ هَذِهِ الأُمور، وَذَكَرَ أَيضًا قَبَائِحَ سِوَاهَا.\nفأَين هَذَا كُلُّهُ مِنْ إِنكار مَالِكٍ تَنَحْنُحَ (٧) المؤذِّن، أَو ضَرْبِهِ الْبَابَ ليُعْلِمَ بِالْفَجْرِ، أَو وضعَ الرداءِ (٨)، وَهُوَ أَقرب مَرَامًا وأَيسرُ خَطْبًا؟ فمن هنا\n_________\n(١) قوله: \"أحد\" ليس في (ت).\n(٢) في (ت) و(خ) و(م): \"إيقاد الشمع بعرفة\".\n(٣) كذا! والمعروف ليلة التاسع، وهي ليلة عرفة؛ كما ذكره النووي في الموضع الآتي ذكره.\n(٤) في (غ): \"ذكره\".\n(٥) انظر: \"الإيضاح في مناسك الحج والعمرة\" للإمام النووي صفحة (٢٩٥).\n(٦) في كتابه \"الحوادث والبدع\". (ص١٠٣) فما بعد، لكن لم أر له كلامًا عن إيقاد المساجد، وإنما تكلم عن بدع المساجد.\n(٧) في (خ): \"لتنحنح\" وفي (م): \"تنحنحن\".\n(٨) تقدم إنكار مالك صفحة (٤٠٨ - ٤٠٩).","vol":"2","page":487},{"text":"تنشأْ (١) بِدَعٌ مُحْدَثَاتٌ، يَعْتَقِدُهَا الْعَوَامُّ سُنَنًا بِسَبَبِ سكوت العلماءِ والخواص عن الإِنكار، أَو بسبب (٢) عَمَلِهِمْ بِهَا.\nوأَما الْمَفْسَدَةُ الْمَالِيَّةُ: فَهِيَ عَلَى فرض (٣) أَن يكون الناس عالمين (٤) بحكم المخالفة، وأَنها مخالفة (٥) قد ينشأُ الصغير على رؤيتها وظهورها، أَو يدخل فِي الإِسلام أَحد مِمَّنْ يَرَاهَا شَائِعَةً ذَائِعَةً فَيَعْتَقِدُونَهَا جَائِزَةً أَو مَشْرُوعَةً؛ لأَن الْمُخَالَفَةَ إِذا فَشَا فِي النَّاسِ فعلُها مِنْ غَيْرِ إِنكار؛ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْجَاهِلِ بِهَا فَرْقٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْمُبَاحَاتِ أَو الطَّاعَاتِ (٦).\nوَعِنْدَنَا (٧): كَرَاهِيَةُ العلماءِ أَن يَكُونَ الْكُفَّارُ صَيَارِفَةً فِي أَسواق الْمُسْلِمِينَ؛ لِعَمَلِهِمْ (٨) بِالرِّبَا، فَكُلُّ مَنْ يَرَاهُمْ مِنَ العامة؛ صيارفةً وَتُجَّارًا فِي أَسواقنا مِنْ غَيْرِ إِنكار؛ يَعْتَقِدُ أَن ذلك جائز؛ كذلك المعصية (٩).\nوأَنت تَرَى مَذْهَبَ مَالِكٍ الْمَعْرُوفَ فِي بِلَادِنَا: أَن الحلِيَّ المَصُوغَ (١٠) مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (١١) لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ إِلا وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَلَا اعْتِبَارَ بِقِيمَةِ الصِّياغة أَصلًا (١٢)، والصَّاغَةُ عندنا كلهم أَو غالبهم إِنما يتبايعون ذلك\n_________\n(١) في (خ) و(ت) و(م): \"وأيسر خطبًا من أن تنشأ\".\n(٢) في (ت) و(خ) و(م): \"وبسبب\".\n(٣) علق رشيد رضا على هذا الموضع بقوله: قوله: \"على فرض\": ظرف خبر قوله: \"فهي\"، والجملة من المبتدأ والخبر؛ خبر قوله: \"وأما المفسدة المالية\".اهـ.\n(٤) في (ت) و(م) و(خ): \"عاملين\".\n(٥) قوله: \"مخالفة\" ليس في (ت) و(خ) و(م).\n(٦) في (ر) و(غ): \"والطاعات\".\n(٧) في (ر) و(غ): \"فعندنا\".\n(٨) في (خ): \"لعلمهم\" وعلق عليه رشيد رضا بقوله: لعل أصله: \"لعملهم\"، أو: \"لتعاملهم بالربا\".\n(٩) قوله: \"المعصية\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(١٠) في (خ) و(م): \"الموضوع\". وعلق عليه رشيد رضا بقوله: قوله: \"الموضوع\": لعل الصواب: \"المصنوع\".\n(١١) في (م): \"أو الفضة\".\n(١٢) علق رشيد رضا هنا بقوله: في كتاب \"إعلام الموقعين\" للمحقق ابن القيم بيان وتحقيق لاعتبار قيمة الصياغة، وجواز بيع الحلي بأكثر من زنته لأجل ذلك. اهـ.","vol":"2","page":488},{"text":"على (١) أَن يَسْتَفْضِلوا (٢) قِيمَةَ الصِّيَاغَةِ أَو إِجارَتَها (٣)، وَيَعْتَقِدُونَ أَن ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُمْ، وَلَمْ يَزَلِ العلماءُ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ ومَنْ بَعْدَهُمْ يتحفَّظون مِنْ أَمثال هَذِهِ الأَشياء، حَتَّى كَانُوا يَتْرُكُونَ السُّنن خَوْفًا مِنِ اعْتِقَادِ الْعَوَامِّ أَمرًا هُوَ أَشد مِنْ تَرْكِ السُّنَنِ، وأَولى أَن يَتْرُكُوا الْمُبَاحَاتِ أَنْ لَا (٤) يُعتقد فِيهَا أَمر (٥) لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُ هَذَا فِي بَابِ الْبَيَانِ مِنْ كِتَابِ \"الْمُوَافَقَاتِ\" (٦) ..\nفَقَدْ ذَكَرُوا أَن عُثْمَانَ ﵁ كَانَ لَا يَقْصُرُ فِي السَّفَرِ، فَيُقَالُ لَهُ: أَليس قَدْ قَصَرْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَيَقُولُ: بَلَى! وَلَكِنِّي إِمام النَّاسِ، فَيَنْظُرُ إِليَّ الأَعراب وأَهل الْبَادِيَةِ أُصلي رَكْعَتَيْنِ فَيَقُولُونَ: هَكَذَا فُرِضَتْ الصلاة (٧) (٨).\nقَالَ الطَّرْطُوشِيُّ (٩): تأَملوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ! فإِن فِي الْقَصْرِ قَوْلَيْنِ لأَهل الإِسلام:\nمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: فريضة، ومن أَتَمَّ فإِنه يأْثم (١٠) وَيُعِيدُ أَبدًا.\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: سُنَّةٌ، يُعِيدُ مَنْ أَتَمَّ فِي الْوَقْتِ؛ ثُمَّ اقْتَحَمَ عُثْمَانُ تَرْكَ الْفَرْضِ أَو السُّنَّةِ (١١)؛ لَمَّا خَافَ مِنْ سوءِ العاقبة، وأَن (١٢) يعتقد الناس أَن الفرض ركعتان.\n_________\n(١) في (ت) و(خ) و(م): \"يتبايعون على ذلك\".\n(٢) في (ت): \"بأن يستفصلوا\".\n(٣) في (م): \"أو إجازتها\".\n(٤) في (ت): \"لئلاّ\".\n(٥) في (م): \"أمرًا\".\n(٦) (٤/ ١٠٢) وما بعدها.\n(٧) قوله: \"الصلاة\" ليس في (ت) و(خ) و(م).\n(٨) تقدم صفحة (٣٤٤). وعلق عليه رشيد رضا بقوله: تقدم ذكر هذه المسألة مع تنبيه في الحاشية على ما أجابوا به عن عثمان فيها. اهـ.\n(٩) في \"الحوادث والبدع\" (ص٤٣).\n(١٠) في (ت) و(خ) و(م): \"فإنما يتم\".\n(١١) في (ت): \"السنة أو الفرض\".\n(١٢) في (ت) و(خ) و(م): \"أن\" بدون واو.","vol":"2","page":489},{"text":"وَكَانَ الصَّحَابَةُ ﵃ لَا يُضَحُّون؛ يعني أَنهم لا يلتزمون ذلك (١).\nقال حُذَيْفَةُ بْنُ أَسيد: شَهِدْتُ أَبا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ وَكَانَا (٢) لَا يُضَحِّيان مَخَافَةَ أَن يُرى أَنها وَاجِبَةٌ (٣).\nوَقَالَ بِلَالٌ: لَا أُبالي أَن أُضَحِّيَ بكبش (٤) أَو بِدِيكٍ (٥).\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنه كَانَ يَشْتَرِي لَحْمًا بِدِرْهَمٍ يَوْمَ الأَضحى، وَيَقُولُ لِعِكْرِمَةَ: مَنْ سأَلك فَقُلْ: هَذِهِ أُضحية ابن عباس (٦).\n_________\n(١) قوله: \"ذلك\" ليس في (خ) و(ت)، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: لعل المفعول وهو \"الأضحية\" سقط من قلم الناسخ. اهـ.\n(٢) قوله: \"وكانا\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(٣) تقدم تخريجه صفحة (٣٤٦).\n(٤) في (ت) و(خ): \"بكبشين\".\n(٥) أخرجه عبد الرزاق (٨١٥٦)، وابن حزم في \"المحلى\" (٧/ ٣٥٨) من طريق سويد بن غَفَلَة؛ سمعت بلالًا ...، فذكره ولم يذكر قوله: \"بكبش\". وإسناده صحيح.\nوذكره الطرطوشي في \"الحوادث\" (ص٤٣).\n(٦) أثر ابن عباس هذا علّقه الشافعي في \"الأم\" (٢/ ٢٢٤)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٣/ ١٩٤) عن عكرمة، عن ابن عباس.\nوأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٨١٤٦) من طريق أبي معشر، عن رجل مولى لابن عباس؛ قال: أرسلني ابن عباس أشتري له لحمًا بدرهمين، وقال: قل: هذه ضحيّة ابن عباس.\nوسنده ضعيف؛ لضعف أبي معشر نجيح بن عبد الرحمن السِّندي؛ كما في \"التقريب\" (٧١٥٠).\nوأما شيخه المبهم: فقد أوضحته رواية ابن حزم؛ حيث ذكر في \"المحلى\" (٧/ ٣٥٨) أنه يرويه من طريق وكيع، عن أبي معشر المديني، عن عبد الله بن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس: أنه أعطى مولى له درهمين وقال: اشتر بهما لحمًا، ومن لقيك فقل: هذه أضحية ابن عباس.\nوعبد الله بن عمير هذا ثقة، كما في \"التقريب\" (٣٥٣٧).\nوأخرجه البيهقي في \"سننه\" (٩/ ٢٦٥) من طريق أبي محمد يحيى بن منصور القاضي، عن محمد بن عمرو بن النضر الحَرَشي المعروف بقشمرد، عن عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن سلمة بن بخت، عن عكرمة، به.=","vol":"2","page":490},{"text":"وقال [أبو] (١) مَسْعُودٍ: إِني لأَترك أُضحيتي - وإِني لَمِنْ أَيْسَرِكُم - مَخَافَةَ أَن يَظُنَّ الجيران أَنها وَاجِبَةٌ (٢).\nوَقَالَ طَاوُسٌ (٣): مَا رأَيت بَيْتًا أَكثر لَحْمًا وَخُبْزًا وَعِلْمًا (٤) مِنْ بَيْتِ ابْنِ عَبَّاسٍ، يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ كُلَّ يَوْمٍ، ثُمَّ لَا يذبح يوم العيد! وإِنما كان يَفْعَلُ ذَلِكَ لِئَلَّا يَظُنَّ النَّاسُ أَنها وَاجِبَةٌ، وَكَانَ إِمامًا يُقْتَدَى بِهِ.\nقَالَ الطَّرْطُوشِيُّ (٥): وَالْقَوْلُ فِي هَذَا كَالَّذِي قَبْلَهُ، وإِن لأَهل الإِسلام قَوْلَيْنِ فِي الأُضحية.\nأَحدهما: سُنَّة.\nوَالثَّانِي: وَاجِبَةٌ، ثُمَّ اقْتَحَمَتِ الصَّحَابَةُ تركَ السُّنَّة حَذَرًا مِنْ أَن يَضَعَ الناسُ الأَمرَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ، فيعتقدونها (٦) فريضة.\nوقال (٧) مالك في \"الموطأ\" (٨) في صيام ستة أَيام (٩) بَعْدَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ: \"إِنه لَمْ يَرَ أَحدًا مِنْ أَهل الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ يَصُومُهَا\". قَالَ: \"وَلَمْ يَبْلُغْني ذَلِكَ عَنْ أَحد مِنَ السَّلَف، وإِنّ أَهل الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ وَيَخَافُونَ بِدْعَتَهُ، وأَن يُلْحِق أَهلُ الْجَهَالَةِ والجَفاءِ بِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ مِنْهُ لَوْ رأَوا فِي ذَلِكَ رُخْصَةً من أَهل العلم، ورأَوهم يفعلون (١٠) ذلك (١١) \".\n_________\n=وسنده رجاله ثقات، عدا محمد بن عمرو، فلم أجد من ترجم له، سوى الحافظ ابن حجر فإنه قال في \"نزهة الألباب\" (٢/ ٩١ - ٩٢ رقم ٢٢٤٩): \"قَشْمُرَد: هو محمد بن عمرو بن النضر النيسابوري، الحافظ، ويقال له: كشْمُرَد؛ بالكاف\".\n(١) في جميع النسخ: \"ابن\"، وتقدم تصويبه (ص٣٤٦).\n(٢) تقدم تخريجه صفحة (٣٤٦).\n(٣) لم أجد من أخرج قول طاوس هذا، ولكن ذكره الطرطوشي هكذا في \"الحوادث والبدع\" (ص٤٣)، فالظاهر أن المصنف أخذه عنه.\n(٤) في (ت) و(خ) و(م): \"وعملًا\".\n(٥) في \"الحوادث والبدع\" (ص٤٣ - ٤٤).\n(٦) في (ر) و(غ): \"فيعتقدوها\".\n(٧) في (خ) و(م) و(ت): \"قال\".\n(٨) (١/ ٣١١)، وانظر ما تقدم (١/ ٣٥٧ - ٣٥٨)، و(ص٣٤٧ و٣٥٥) من هذا المجلد.\n(٩) قوله: \"أيام\" سقط من (خ).\n(١٠) في (ت) و(م) و(خ): \"يقولون\".\n(١١) في (م): \"تلك\" بدل \"ذلك\".","vol":"2","page":491},{"text":"فَكَلَامُ مَالِكٍ هُنَا لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنه لَمْ يَحْفَظِ الْحَدِيثَ (١) كَمَا توهَّم بعضُهم، بَلْ لَعَلَّ كَلَامَهُ مُشْعِرٌ بأَنه يَعْلَمُهُ، لَكِنَّهُ (٢) لَمْ يَرَ الْعَمَلَ عَلَيْهِ وإِن كَانَ مُسْتَحَبًّا فِي الأَصل؛ لِئَلَّا يَكُونَ ذَرِيعَةً لِمَا قَالَ، كَمَا فَعَلَ الصَّحَابَةُ ﵃ فِي الأُضحية، وَعُثْمَانُ فِي الإِتمام فِي السَّفَرِ (٣).\nوَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ مَا هُوَ أَغرب مِنْ هَذَا - وإِن كَانَ هُوَ الأَصل ـ، فَذَكَرَ: أَن النَّاسَ كَانُوا إِذا صَلّوا فِي الصَّحْن مِنْ جَامِعِ الْبَصْرَةِ أَو الكوفة، وَرَفَعُوا مِنَ السُّجُودِ؛ مَسَحُوا جِباهَهُمْ مِنَ التُّراب؛ كأَنه (٤) كان مفروشًا بالتراب، فأَمر زياد بإِلقاءِ الحصى في صحن المسجد، وقال: لستُ آمَنُ أَن يَطُولَ (٥) الزَّمَانُ، فَيَظُنُّ الصَّغِيرُ إِذا نشأَ أَن مَسْحَ الْجَبْهَةِ مِنْ أَثر السُّجُودِ سُنَّة فِي الصَّلَاةِ.\nوَهَذَا فِي مُبَاحٍ، فَكَيْفَ بِهِ فِي الْمَكْرُوهِ أَو الْمَمْنُوعِ؟\nوَلَقَدْ بَلَغَنِي فِي هَذَا الزَّمَانِ عَنْ بَعْضِ مَنْ هُوَ حَدِيثُ عهد بالإِسلام أَنه قال في الخمر: إِنها (٦) لَيْسَتْ بحرامٍ، وَلَا عَيْبَ فِيهَا، وإِنما الْعَيْبُ أَن يُفْعَلَ بِهَا مَا لَا يصلُح؛ كَالْقَتْلِ وشِبْهِه.\nوَهَذَا الِاعْتِقَادُ لَوْ كَانَ مِمَّنْ نشأَ في الإِسلام لكان (٧) كُفْرًا، لأَنه إِنكارٌ لِمَا (٨) عُلِمَ مِنْ دِينِ الأُمة ضَرُورَةً، وَسَبَبُ ذَلِكَ: تركُ الإِنكار مِنَ الوُلاة عَلَى شَارِبِهَا، والتَّخْلِيَةُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اقْتِنَائِهَا، وشهرةُ تجارة (٩) أَهل الذمة فيها، وأَشباه ذلك.\n_________\n(١) يعني: حديث أبي أيوب في فضل صيام ست من شوال، وتقدم تخريجه (ص٣٤٧).\n(٢) في (ر) و(غ): \"لكن\".\n(٣) تقدم تخريجها في الصفحة السابقة والتي قبلها.\n(٤) في (ت): \"لأنه\" بدل \"كأنه\"، وذكر في الهامش أن في نسخة: \"كأنه\".\n(٥) في (ت) و(خ): \"من أن يطول\".\n(٦) قوله: \"إنها\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(٧) في (ت) و(خ) و(م): \"كان\".\n(٨) في (غ): \"كما\".\n(٩) كذا في (ر) و(غ)، وفي (م): \"بجاره\"، أو: \"فجاره\"، وفي (ت): \"وشهرته بحارة\"،=","vol":"2","page":492},{"text":"وَلَا مَعْنَى لِلْبِدْعَةِ، إِلا أَن يَكُونَ الْفِعْلُ في اعتقاد المعتقد (١) مشروعًا، وليس بمشروع (٢). وهذا المآل مُتَوَقَّعٌ أَو وَاقِعٌ؛ فَقَدْ حَكَى الْقَرَافِيُّ (٣) عَنِ العجم ما يقتضي أَن ستة الأَيام مِنْ شَوَّالٍ مُلْحَقَةٌ عِنْدَهُمْ بِرَمَضَانَ؛ لإِبقائهم حَالَةَ رَمَضَانَ الْخَاصَّةَ بِهِ كَمَا (٤) هِيَ إِلى تَمَامِ السِّتَّةِ الأَيام، وَكَذَلِكَ وَقَعَ عِنْدَنَا مِثْلُهُ، وقد مَرَّ منه (٥) فِي الْبَابِ الأَول (٦).\nوجميعُ هَذَا مَنُوطٌ إِثمه بِمَنْ يَتْرُكُ الإِنكار مِنَ الْعُلَمَاءِ أَو غَيْرِهِمْ، أَو مَنْ (٧) يَعْمَلُ بِبَعْضِهَا بمرأَى مِنَ النَّاسِ، أَو في جوامعهم (٨)، فإِنهم الأَصل في انْتِشاءِ (٩) هذه الاعتقادات في المعاصي أَو غيرها.\nوإِذا تَقَرَّرَ هَذَا: فَالْبِدْعَةُ تنشأُ عَنْ (١٠) أَربعة أَوجه:\nأَحدها - وَهُوَ أَظهر الأَقسام ـ: أَن يَخْتَرِعَهَا الْمُبْتَدِعُ.\nوَالثَّانِي: أَن يَعْمَلَ بِهَا الْعَالِمُ عَلَى وجه المخالفة، فيفهمها الجاهل مشروعة.\n_________\n=أو: \"وشهرته لجارة\"، ولم تتضح في (خ)، وأثبتها رشيد رضا ﵀ \"وشهرته بحارة\" واستشكل معناها وقال: \"ينظر ما مراده بهذه الجملة، والظاهر أنه كان لأهل الذمّة في الأندلس حارات يسكنونها وحدهم، أو يكثرون فيها، وأن الخمر كانت تباع فيها؛ كما هي الحال في بعض بلاد المسلمين بالمشرق\".اهـ.\n(١) في (ت) و(خ): \"المبتدع\" بدل \"المعتقد\".\n(٢) في (ت): \"وليس هو بمشروع\".\n(٣) في الفرق الخامس بعد المئة من \"كتاب الفروق\" (٢/ ٣١٤)؛ حيث ذكر عن المالكية أن تأخير صيام ستة أيام من شوال أفضل؛ لئلا يتطاول الزمان، فيلحق برمضان عند الجهال. ثم نقل عن شيخه عبد العظيم المنذري أنه قال: إن الذي خشي منه مالك رحمه الله تعالى قَدْ وَقَعَ بِالْعَجَمِ، فَصَارُوا يَتْرُكُونَ المسحِّرين عَلَى عادتهم، والقوانين وشعائر رمضان، إلى آخر الستة الأيام، فحيئذٍ يظهرون شعائر العيد. اهـ.\n(٤) في (ت) و(خ) و(م): \"الخاصة بكما\".\n(٥) قوله: \"منه\" ليس في (خ) و(م) و(ت).\n(٦) انظر (١/ ٥٠).\n(٧) في (غ): \" أو ممن\".\n(٨) في (ت) و(خ) و(م): \"مواقعهم\".\n(٩) يعني: ابتداء، ويدل عليه كلام المصنف الآتي. ووقع في (ت) و(خ) و(م): \"انتشار\".\n(١٠) في (ر) و(غ): \"على\".","vol":"2","page":493},{"text":"وَالثَّالِثُ: أَن يَعْمَلَ بِهَا الْجَاهِلُ مَعَ سُكُوتِ الْعَالِمِ عَنِ الإِنكار، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، فَيَفْهَمَ الْجَاهِلُ أَنها لَيْسَتْ بِمُخَالَفَةٍ.\nوَالرَّابِعُ: مِنْ بَابِ الذرائع، وهو (١): أَن يَكُونَ الْعَمَلُ فِي أَصله مَعْرُوفًا، إِلا أَنه يَتَبَدَّلُ الِاعْتِقَادُ فِيهِ مَعَ طُولِ الْعَهْدِ بِالذِّكْرَى (٢).\nإِلا أَن هَذِهِ الأَقسام لَيْسَتْ عَلَى وزانٍ واحدٍ، وَلَا يَقَعُ اسْمُ الْبِدْعَةِ عَلَيْهَا بِالتَّوَاطُؤِ، بَلْ هِيَ فِي القُرب وَالْبُعْدِ عَلَى تَفَاوُتٍ:\nفالأَول: هُوَ الْحَقِيقُ بِاسْمِ الْبِدْعَةِ، فإِنها تؤخذ عنه (٣) بِالنَّصِّ عَلَيْهَا.\nوَيَلِيهِ الْقِسْمُ الثَّانِي: فإِن الْعَمَلَ يشبه (٤) التَّنْصِيصُ بِالْقَوْلِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ أَبلغ مِنْهُ فِي مَوَاضِعَ - كَمَا تبَّين فِي الأُصول ـ، غَيْرَ أَنه لا يتنزَّل (٥) هاهنا من كل وجه منزلته؛ بدليل (٦): أَن العالِمَ قَدْ يَعْمَلُ وَيَنُصُّ عَلَى قُبح عَمَلِهِ، وَلِذَلِكَ قَالُوا (٧): لَا تَنْظُرْ إِلى عَمَلِ الْعَالِمِ، وَلَكِنْ سَلْهُ يَصْدُقْكَ، وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحمد أَو غَيْرُهُ:\nاعْمَلْ بعِلْمِي وَلَا تَنْظُر إِلى عَمَلِي ... يَنْفَعْكَ عِلْمِي وَلا يَضْرُرْكَ (٨) تَقْصِيرِي (٩)\n_________\n(١) في (خ) و(م): \"وهي\".\n(٢) في (ت): \"بالأصلي\" بدل \"بالذكرى\".\n(٣) في (ت) و(خ) و(م): \"علة\".\n(٤) في (خ) و(م): \"يشبهه\".\n(٥) في (ت) و(م) و(خ): \"لا ينزل\".\n(٦) في (خ): \"منزلة الدليل\". وفي (ت) و(م): \"منزلة دليل\".\n(٧) القائل هو: إياس بن معاوية القاضي، وقوله هذا أخرجه وكيع في \"أخبار القضاة\" (١/ ٣٥٠)، والسهمي في \"تاريخ جرجان\" (١/ ٢١٣ رقم ٣٢٨)، كلاهما من طريق حماد بن سلمة، عن إياس بن معاوية قال: لا تنظر إلى ما يعمل الفقيه، فإنه يصنع الأشياء يكرهها، ولكن سَلْه يخبرك بالحق.\nهذا لفظ وكيع، ونحوه لفظ السهمي، إلا أنه قال: \"العالم\" بدل \"الفقيه\"، وقال: \"ولكن قل له\" بدل \"ولكن سله\".\nوذكر المزي في \"تهذيب الكمال\" (٣/ ٤٣٣) أن عمر بن شبّة قال: حدثنا موسى بن إسماعيل؛ قال: حدثنا حماد بن سلمة؛ قال: قال إياس ...، فذكره مثل لفظ السهمي.\nوذكره ابن القيم في \"إعلام الموقعين\" (٣/ ١٦٩) معلَّقًا عن إياس.\n(٨) في (ت) و(خ) و(م): \"يضرك\".\n(٩) انظر: \"جمهرة خطب العرب\" (٢/ ٢٧٧).","vol":"2","page":494},{"text":"وَيَلِيهِ الْقِسْمُ الثَّالِثُ: فإِن تَرْكَ الإِنكار - مَعَ أَن رُتبة المُنْكِر رتبةُ مَنْ يُعَدُّ (١) ذَلِكَ مِنْهُ إِقرارًا - يَقْتَضِي أَن الْفِعْلَ غيرُ مُنْكَر، ولكن لا يتنزَّل (٢) مَنْزِلَةَ مَا قَبْلَهُ؛ لأَن الصَّوَارِفَ لِلْقُدْرَةِ كثيرة، فقد (٣) يَكُونُ التَّرْكُ لِعُذْرٍ؛ بِخِلَافِ الْفِعْلِ، فإِنه لَا عُذْرَ فِي فِعْلِ الإِنسان بِالْمُخَالَفَةِ، مَعَ عِلْمِهِ بكونها مُخَالَفَةً.\nوَيَلِيهِ الْقِسْمُ الرَّابِعُ: لأَن الْمَحْظُورَ الحاليَّ فيما تقدم غير واقع (٤) فيه بالفرض، فلا تبلغ المفسدة المُتَوَقَّعة أَن تُعَدَّ في رُتْبَةَ (٥) الْوَاقِعَةِ أَصلًا، فَلِذَلِكَ كَانَتْ مِنْ بَابِ الذَّرَائِعِ، فَهِيَ إِذًا لَمْ تَبْلُغْ أَن تَكُونَ فِي الْحَالِ بِدْعَةً، فَلَا تَدْخُلُ بِهَذَا النَّظَرِ تَحْتَ حَقِيقَةِ الْبِدْعَةِ.\nوأَما الْقِسْمُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ: فَالْمُخَالَفَةُ فِيهِ بِالذَّاتِ، وَالْبِدْعَةُ مِنْ خَارِجٍ، إِلا أَنها لَازِمَةٌ لُزُومًا عَادِيًّا، وَلُزُومُ الثَّانِي أَقوى من لزوم الثالث، والله أَعلم.\n_________\n(١) في (ت) و(خ) و(م): \"بعد\".\n(٢) في (ت) و(خ) و(م): \"ولكن يتنزل\".\n(٣) في (خ) و(م): \"قد\".\n(٤) في (غ) يشبه أن تكون \"واقف\".\n(٥) في (ت) و(خ) و(م): \"أن تعدّى رتبة\".","vol":"2","page":495},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>الْبَابُ الثَّامِنُ\nفِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْبِدَعِ وَالْمَصَالِحِ المرسلة والاستحسان</span>\nهَذَا الْبَابُ يُضْطَرُّ إِلَى الْكَلَامِ فِيهِ عِنْدَ النَّظَرِ فِيمَا هُوَ/ بِدْعَةٌ وَمَا لَيْسَ بِبِدْعَةٍ؛ فإن كثيرًا من الناس عدُّوا أكثر (صور) (١) الْمَصَالِحِ/ الْمُرْسَلَةِ (٢) بِدَعًا، وَنَسَبُوهَا إِلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَجَعَلُوهَا حُجَّةً فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ (مِنْ) (٣) اخْتِرَاعِ الْعِبَادَاتِ.\nوَقَوْمٌ جَعَلُوا الْبِدَعَ تَنْقَسِمُ بِأَقْسَامِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ؛ فَقَالُوا: إِنَّ مِنْهَا مَا هُوَ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ، وعدُّوا مِنَ الْوَاجِبِ كَتْبَ الْمُصْحَفِ وَغَيْرِهِ، وَمِنَ الْمَنْدُوبِ الِاجْتِمَاعُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ.\nوَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَصَالِحَ الْمُرْسَلَةَ يَرْجِعُ مَعْنَاهَا إِلَى اعْتِبَارِ الْمُنَاسِبِ (٤) الَّذِي لَا يَشْهَدُ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ، فَلَيْسَ لَهُ عَلَى هَذَا شاهد شرعي على الخصوص،\n_________\n(١) ما بين القوسين زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) اختلفت تعريفات الأصوليين للمصلحة المرسلة، وأفضلها هو تعريف الشاطبي والذي سيأتي في (ص٨)، والموافقات (١ ١٦)، وانظر بقية التعريفات في المراجع التالية: المستصفى للغزالي (١ ٢٨٦)، وروضة الناظر (ص١٤٨)، ومعالم طريقة السلف في أصول الفقه (ص٤١٣ - ٤١٨)، رحلة الحج للشنقيطي (ص١٧٥)، رسالة المصالح المرسلة للشنقيطي، منهج الشنقيطي في تفسير آيات الأحكام (ص٣٤٠ - ٣٤٨)، وهي رسالة ماجستير بجامعة أم القرى إعداد عبد الرحمن السديس. وقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية بكلام مهم في المصالح المرسلة والعمل بها في مجموع الفتاوى (١١ ٣٤٢).\n(٣) في (م): كلمة غير واضحة.\n(٤) المناسب سيذكره الشاطبي مشروحًا (ص٧).","vol":"3","page":5},{"text":"ولا كونه (مناسبًا) (١) بِحَيْثُ إِذَا عُرِضَ عَلَى الْعُقُولِ تَلَقَّتْهُ بِالْقَبُولِ. وَهَذَا بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِي الْبِدَعِ الْمُسْتَحْسَنَةِ؛ فَإِنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى أُمُورٍ فِي الدِّينِ مَصْلَحِيَّةٍ - فِي زَعْمِ وَاضِعِيهَا - فِي الشَّرْعِ عَلَى الْخُصُوصِ.\nوَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنْ كَانَ اعْتِبَارُ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ حَقًّا، فَاعْتِبَارُ الْبِدَعِ الْمُسْتَحْسَنَةِ حَقٌّ، لِأَنَّهُمَا يَجْرِيَانِ مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ.\n/وَإِنْ لَمْ يَكُنِ اعْتِبَارُ الْبِدَعِ حَقًّا، لَمْ يَصِحَّ اعْتِبَارُ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ.\nوَأَيْضًا فَإِنَّ الْقَوْلَ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، بَلْ قَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْأُصُولِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:\nفَذَهَبَ الْقَاضِي (٢) وَطَائِفَةٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ إِلَى رَدِّهِ، وَأَنَّ الْمَعْنَى لَا يُعْتَبَرُ مَا لَمْ يَسْتَنِدْ إِلَى أَصْلٍ، وَذَهَبَ مَالِكٌ (٣) إِلَى اعْتِبَارِ ذَلِكَ (وَبَنَى) (٤) الْأَحْكَامَ عَلَيْهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمُعْظَمُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى التَّمَسُّكِ بِالْمَعْنَى/ الَّذِي لَمْ يَسْتَنِدْ إِلَى أَصْلٍ صَحِيحٍ، لَكِنْ بِشَرْطِ قُرْبِهِ مِنْ مَعَانِي الْأُصُولِ الثَّابِتَةِ، هَذَا مَا حَكَى الْإِمَامُ الْجُوَيْنِيُّ (٥).\nوَذَهَبَ الْغَزَالِيُّ إِلَى أَنَّ الْمُنَاسِبَ إِنْ وَقَعَ فِي رُتْبَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّزْيِينِ لَمْ يُعْتَبَرْ حَتَّى يَشْهَدَ لَهُ أصل لمعين، وَإِنْ/ وَقَعَ فِي رُتْبَةِ الضَّرُورِيِّ فَمَيْلُهُ إِلَى قَبُولِهِ، لَكِنْ (بِشَرْطٍ) (٦). قَالَ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يؤدي إليه اجتهاد/ مجتهد.\n_________\n(١) في (ط): \"قياسا\".\n(٢) وهو القاضي الباقلاني ووافقه أكثر الشافعية، والمتأخرون من الحنابلة، وبعض الحنفية. انظر: تيسير التحرير (٤ ١٧١)، والإحكام للآمدي (٤ ١٦٠).\n(٣) ذهب مالك إلى أنه حجة مطلقًا، وهو منقول عن الشافعي في القديم. انظر: شرح تنقيح الفصول (٤٤٦ - ٤٤٧)، وشرح الإسنوي (٣ ١٣٥).\n(٤) في (غ) و(ر): \"وبناء\".\n(٥) انظر: البرهان (٢ ١١١٣).\n(٦) في (غ) و(ر): \"بشروط\".","vol":"3","page":6},{"text":"وَاخْتَلَفَ (قَوْلُهُ) (١) فِي الرُّتْبَةِ الْمُتَوَسِّطَةِ، وَهِيَ رُتْبَةُ الْحَاجِيِّ (٢)، فَرَدَّهُ فِي/ الْمُسْتَصْفَى (٣) وَهُوَ آخِرُ قَوْلَيْهِ، وقبله في شفاء الغليل (٤) كَمَا قَبِلَ مَا قَبْلَهُ.\nوَإِذَا اعْتُبِرَ مِنَ الْغَزَالِيِّ اخْتِلَافُ قَوْلِهِ، فَالْأَقْوَالُ خَمْسَةٌ، فَإِذًا الرَّادُّ لِاعْتِبَارِهَا لَا يَبْقَى لَهُ فِي الْوَقَائِعِ (٥) الصَّحَابِيَّةِ مستند إلا أنها (بدع) (٦) / مُسْتَحْسَنَةٌ - كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِي الِاجْتِمَاعِ لِقِيَامِ رَمَضَانَ: نِعْمَتِ البدعة هذه - إذ لا يمكنهم ردها لإجماعهم عَلَيْهَا.\nوَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الِاسْتِحْسَانِ فَإِنَّهُ - عَلَى ما (بينه) (٧) الْمُتَقَدِّمُونَ - رَاجِعٌ إِلَى الْحُكْمِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَالنَّافِي لَهُ لَا يَعُدُّ الِاسْتِحْسَانَ سَبَبًا، فَلَا يُعْتَبَرُ في الأحكام (الحكمة) (٨) البتة، فصار كالمصالح المرسلة (إذ) (٩) قِيلَ بِرَدِّهَا.\nفَلَمَّا كَانَ هَذَا الْمَوْضِعُ مَزَلَّةَ قَدَمٍ لِأَهْلِ الْبِدَعِ أَنْ يَسْتَدِلُّوا عَلَى بِدْعَتِهِمْ من جهته، كان (من) (١٠) الْحَقُّ الْمُتَعَيَّنُ النَّظَرَ فِي مَنَاطِ الْغَلَطِ الْوَاقِعِ لِهَؤُلَاءِ، حَتَّى (يَتَبَيَّنَ) (١١) أَنَّ الْمَصَالِحَ الْمُرْسَلَةَ لَيْسَتْ مِنَ الْبِدَعِ فِي وِرْدٍ وَلَا صَدْرٍ، بِحَوْلِ الله، والله الموفق.\nفنقول:/ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبُ (١٢) الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ الْحُكْمُ لَا يخلو من ثلاثة أقسام:\n_________\n(٢) (١) ما بين القوسين ساقط من (م).\nرتبة الحاجيات: هي ما يفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب. انظر: الموافقات (٢/ ٤).\n(٣) انظر: المستصفى (١ ٢٩٣ وما بعدها).\n(٤) انظر: شفاء الغليل (ص٢٠٩)، وللوقوف على تفصيل مسألة المصالح المرسلة راجع المحصول للرازي (٢ ٢١٨ - ٢٢٥)، والإبهاج (٣ ١٧٧ - ١٨٨)، وفصلها الواعي في البدعة والمصالح المرسلة (ص٢٤١ - ٢٨٧)، وحقيقة البدعة وأحكامها لسعيد الغامدي (٢ ١٤٦ - ١٨٩).\n(٥) في: (م) و(ط) و(خ): \"في الواقع له في الوقائع الصحابية\". وكذلك في (ت) إلا أنه في هامشها كتب: \"بحذف في الواقع له\".\n(٦) في (ط): \"بدعة\".\n(٧) في (م) وفي (خ): \"بياض بقدر كلمة وفي (غ) و(ر): صوّر.\n(٨) ما بين القوسين زيادة من (غ) و(ر).\n(٩) في (ط) و(غ) و(ر): \"إذا\".\n(١٠) ما بين القوسين ساقط من (ط).\n(١١) في (م): تبين.\n(١٢) انظر: رسالة المصالح المرسلة للشنقيطي (ص٩)، ورحلة الحج (ص١٧٥ - ١٨١)،=","vol":"3","page":7},{"text":"أَحَدُهَا: أَنْ يَشْهَدَ الشَّرْعُ بِقَبُولِهِ، فَلَا إِشْكَالَ فِي صِحَّتِهِ، وَلَا خِلَافَ فِي إِعْمَالِهِ، وَإِلَّا كان مناقضة للشريعة/ (كشرعية) (١) الْقِصَاصِ حِفْظًا لِلنُّفُوسِ وَالْأَطْرَافِ وَغَيْرِهَا.\nوَالثَّانِي: مَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِرَدِّهِ فَلَا سَبِيلَ إِلَى قَبُولِهِ، إِذِ الْمُنَاسَبَةُ لَا تَقْتَضِي الْحُكْمَ لِنَفْسِهَا، وَإِنَّمَا ذلك مذهب أهل التحسين (والتقبيح) (٢) الْعَقْلِيِّ (٣)، بَلْ (إِذَا) (٤) ظَهَرَ الْمَعْنَى وَفَهِمْنَا مِنَ الشَّرْعِ اعْتِبَارَهُ فِي اقْتِضَاءِ الْأَحْكَامِ، فَحِينَئِذٍ نَقْبَلُهُ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْمَصْلَحَةِ عِنْدَنَا:/ مَا (فُهِمَ) (٥) رِعَايَتُهُ فِي حَقِّ الْخَلْقِ مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَسْتَقِلُّ الْعَقْلُ بِدَرْكِهِ عَلَى حَالٍ، فَإِذَا لَمْ يَشْهَدِ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِ ذلك المعنى، بل (برده) (٦) كان مردودًا باتفاق المسلمين.\n(ومثاله) (٧) مَا حَكَى الْغَزَالِيُّ عَنْ بَعْضِ أَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ أنه دخل على\n_________\n=والمحصول (٣ ٢١٨ - ٢١٩)، والمدخل لابن بدران (ص٢٩٣ - ٢٩٤).\n(١) في باقي النسخ ما عدا (غ) و(ر) كشريعة.\n(٢) ما بين القوسين زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى ـ: \"وأما مسألة تحسين العقل وتقبيحه ففيها نزاع مشهور بين أهل السنة والجماعة من الطوائف الأربعة وغيرهم. فالحنفية وكثير من المالكية والشافعية والحنبلية يقولون بتحسين العقل وتقبيحه، وهو قول الكرامية والمعتزلة، وهو قول أكثر الطوائف من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس وغيرهم، وكثير من الشافعية والمالكية والحنبلية ينفون ذلك، وهو قول الأشعرية، لكن أهل السنة متفقون على إثبات القدر ... والمعتزلة وغيرهم من القدرية يخالفون في هذا ... وقد ظن بعض الناس أن من يقول بتحسين العقل وتقبيحه ينفي القدر ويدخل مع المعتزلة في مسألة التعديل والتجوير وهذا غلط بل جمهور المسلمين لا يوافقون المعتزلة على ذلك ولا يوافقون الأشعرية على نفي الحكم والأسباب، بل جمهور طوائف المسلمين يثبتون القدر ويقولون إن الله خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها ... إلخ. انظر مجموع الفتاوى (٨ ٤٢٨ - ٤٣٦)، باختصار. وقد فصل الكلام فيها ابن القيم رحمه الله تعالى في مفتاح دار السعادة (ص٣٣٤ - ٤٤٦)، وشفاء العليل (ص٣٩١ - ٤٣٤).\n(٤) في (غ) و(ر): \"بياض بمقدار كلمة\" وساقطة من (ر).\n(٥) في (غ) و(ر): \"فهم الشرع\".\n(٦) في (ط): \"يرده\".\n(٧) في (ط): \"ومثال\"","vol":"3","page":8},{"text":"بَعْضِ السَّلَاطِينِ فَسَأَلَهُ عَنِ الْوِقَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَقَالَ: عَلَيْكَ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَلَمَّا خَرَجَ رَاجَعَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ (وَقَالُوا لَهُ) (١): الْقَادِرُ عَلَى إِعْتَاقِ الرَّقَبَةِ كَيْفَ يُعْدَلُ بِهِ إِلَى الصَّوْمِ، وَالصَّوْمُ وَظِيفَةُ الْمُعْسِرِينَ، وَهَذَا الْمَلِكُ يَمْلِكُ عَبِيدًا غَيْرَ مَحْصُورِينَ؟ فَقَالَ (لَهُمْ) (٢): لَوْ قُلْتُ لَهُ عَلَيْكَ إِعْتَاقُ رَقَبَةٍ لَاسْتَحْقَرَ ذَلِكَ وَأَعْتَقَ عَبِيدًا مِرَارًا، فَلَا يَزْجُرُهُ إِعْتَاقُ الرَّقَبَةِ، وَيَزْجُرُهُ صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ.\nفَهَذَا الْمَعْنَى مُنَاسِبٌ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ مَقْصُودُ الشَّرْعِ مِنْهَا الزَّجْرُ، وَالْمَلِكُ لَا يَزْجُرُهُ الْإِعْتَاقُ، وَيَزْجُرُهُ الصِّيَامُ. وَهَذِهِ الْفُتْيَا بَاطِلَةٌ/ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ/ بَيْنَ قائلَين: قَائِلٌ بِالتَّخْيِيرِ، وَقَائِلٌ بِالتَّرْتِيبِ، فَيُقَدِّمُ الْعِتْقَ عَلَى الصِّيَامِ، فَتَقْدِيمُ الصِّيَامِ بالنسبة (للغني) (٣) لَا قَائِلَ بِهِ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ جَاءَ عَنْ مَالِكٍ شَيْءٌ يُشْبِهُ هَذَا، لَكِنَّهُ عَلَى صَرِيحِ الْفِقْهِ.\nقَالَ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ (٤): \"حَنَثَ الرشيد في يمين فجمع العلماء فأجمعوا (على) (٥) أَنَّ عَلَيْهِ/ عِتْقَ رَقَبَةٍ. فَسَأَلَ مَالِكًا، فَقَالَ: صيام ثلاثة أيام. (فقال: ثم أنا معدم؟ وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ فأقمتني مقام المعدم؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين كل ما في يديك ليس لك فعليك صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) (٦). وَاتَّبَعَهُ عَلَى ذَلِكَ إِسْحَاقُ بن إبراهيم من فقهاء قرطبة (٧).\n_________\n(١) في (م) و(غ) و(ر): \"وقال\".\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (م) و(غ) و(ر).\n(٣) في (غ) و(ر): \"إلى الغني\".\n(٤) هو: يحيى بن عبد الله بن بكير المصري ولد سنة ١٥٥هـ سمع من مالك، والليث بن سعد وابن لهيعة وغيرهم، وأخرج له الشيخان وابن ماجه، ومات ٢٣١هـ. انظر: التاريخ الكبير (٨ ٢٨٤)، والجرح والتعديل (٩ ١٦٥)، وسير أعلام النبلاء (١٠ ٦١٢)، وتهذيب التهذيب (١ ٢٣٧).\n(٥) ما بين القوسين زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) ما بين القوسين زيادة من (غ) و(ر).\n(٧) هو: شيخ المالكية بقرطبة، أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن مسرة التجيبي، فقيه قدوة، مات في ٣٥٢هـ، هكذا قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٦ ٧٩ - ٨٠)، وكرر ترجمته في (١٦ ١٠٧)، وذكر أنه توفي في ٣٥٤هـ، وذكر الضبي ترجمته في بغية الملتمس (١ ٢٨٧)، أنه توفي سنة ٣٥٢ هـ، ومثله الحميدي في جذوة المقتبس (١ ٢٥٨)، ومثله ابن الفرضي في تاريخ علماء الأندلس (١/ ١٤٣).","vol":"3","page":9},{"text":"(حَكَى) (١) ابْنُ بِشْكُوَالَ (٢) أَنَّ الْحَكَمَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (٣) أرسل (للفقهاء) (٤) وَشَاوَرَهُمْ فِي مَسْأَلَةٍ نَزَلَتْ بِهِ، (فَذَكَرَ) (٥) لَهُمْ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ عَمَدَ إِلَى إِحْدَى كَرَائِمِهِ (٦) وَوَطِئَهَا فِي رَمَضَانَ؛ فَأَفْتَوْا بِالْإِطْعَامِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ سَاكِتٌ. فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: مَا يَقُولُ الشَّيْخُ فِي فَتْوَى أَصْحَابِهِ؟ / فَقَالَ لَهُ (إسحاق) (٧): لَا أَقُولُ بِقَوْلِهِمْ، وَأَقُولُ بِالصِّيَامِ./ فَقِيلَ لَهُ: أليس مذهب مالك الإطعام؟ فقال لهم: (لم تحفظوا) (٨) مَذْهَبَ مَالِكٍ، (إِلَا إِنْ كُنْتُمْ) (٩) تُرِيدُونَ مُصَانَعَةَ أمير المؤمنين (١٠)،/ إنما أمر مالك بِالْإِطْعَامِ لِمَنْ لَهُ مَالٌ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَا مال له، إنما هو (مال بيت) (١١) المسلمين. فأخذ بقوله أمير المؤمنين (وشكره) (١٢) عليه. انتهى.\nوَهَذَا صَحِيحٌ، نَعَمْ حَكَى ابْنُ بَشْكُوَالَ أَنَّهُ اتَّفَقَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ مِثْلُ هَذَا فِي رَمَضَانَ، فَسَأَلَ الْفُقَهَاءَ عَنْ تَوْبَتِهِ مِنْ ذلك\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"بياض بمقدار كلمة\".\n(٢) هو الإمام محدث الأندلس أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن مسعود بن موسى بن بشكوال الأنصاري القرطبي، ولد سنة ٤٩٤هـ؛ وله عدة تصانيف، ومات في سنة ٥٧٨هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٢١ ١٣٩)، والوفيات لابن خلكان (٢ ٢٤٠)، وابن كثير في البداية والنهاية (١٢ ٣١٢)، وابن العماد في شذرات الذهب (٤ ٢٦١).\n(٣) هو: الحكم بن عبد الرحمن بن محمد المستنصر بالله، كان حسن السيرة، جامعًا للعلم، مكرمًا للأفاضل، جمع من الكتب ما لم يجمعه أحد من الملوك، ولد في سنة ٣٠٢هـ، ومات سنة ٣٦٦هـ. انظر: تاريخ علماء الأندلس (١ ٣١)، وبغية الملتمس (١ ٤٠)، وجذوة المقتبس (١ ٤٢)، وسير أعلام النبلاء (٨ ٢٦٩)، وكررها في (١٦ ٢٣٠)، ونفح الطيب (١ ٣٨٦).\n(٤) في (ط) و(م) و(خ) و(غ) و(ر): \"في الفقهاء\".\n(٥) في (ت): \"وذكر\".\n(٦) علق رشيد رضا (٢ ١١٤)، هنا فقال: المراد بكرائمه عقائل نسائه الحرائر، لا بناته كما هو المستعمل في عرف زماننا.\n(٧) ما بين القوسين زيادة من (غ) و(ر).\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"تحفظون\".\n(٩) في (ط) و(ت) و(خ): \"أنكم\".\n(١٠) في (م) زيادة: \"فقال لهم\". وفي (غ) و(ر): \"قال لهم\".\n(١١) في (غ) و(ر): \"بيت مال\".\n(١٢) في سائر النسخ ما عدا (ت): \"وشكر له\".","vol":"3","page":10},{"text":"(وَكَفَّارَتِهِ) (١). فَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى (٢): يُكَفِّرُ ذَلِكَ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ. فَلَمَّا (بَرَزَ) (٣) ذَلِكَ مِنْ يَحْيَى سَكَتَ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ حَتَّى خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ، فَقَالُوا لِيَحْيَى: مَا لَكَ لَمْ تُفْتِهِ بِمَذْهَبِنَا عَنْ مَالِكٍ (مِنْ) (٤) أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ العتق (والإطعام) (٥) وَالصِّيَامِ؟ فَقَالَ لَهُمْ: لَوْ فَتَحْنَا (لَهُ) (٦) هَذَا الْبَابَ سَهُلَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَأَ كُلَّ يَوْمٍ وَيُعْتِقَ رَقَبَةً، وَلَكِنْ حَمَلْتُهُ عَلَى أَصْعَبِ الْأُمُورِ لِئَلَّا يَعُودَ (٧).\nفَإِنْ صَحَّ هَذَا عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى ﵀، وَكَانَ كَلَامُهُ عَلَى ظاهره، كان مخالفًا للإجماع.\n(القسم) (٨) الثَّالِثُ: مَا سَكَتَتْ عَنْهُ الشَّوَاهِدُ الْخَاصَّةُ، فَلَمْ تَشْهَدْ بِاعْتِبَارِهِ وَلَا بِإِلْغَائِهِ، فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ:\n/أَحَدُهُمَا: (أَنْ) (٩) يَرِدَ نَصٌّ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ المعنى، كتعليل منع (القاتل الميراث بالمعاملة) (١٠) بِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ (عَلَى) (١١) تَقْدِيرِ أَنْ لَمْ يَرِدْ نَصٌّ عَلَى وَفْقِهِ، (فَإِنَّ) (١٢) هَذِهِ الْعِلَّةَ لَا عَهْدَ بِهَا فِي تَصَرُّفَاتِ الشَّرْعِ بِالْفَرْضِ/ وَلَا (تلائمها) (١٣) بِحَيْثُ يُوجَدُ لَهَا جِنْسٌ مُعْتَبَرٌ، فَلَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِهَا، وَلَا بِنَاءُ الْحُكْمِ عَلَيْهَا بِاتِّفَاقٍ، وَمِثْلُ هَذَا تَشْرِيعٌ مِنَ الْقَائِلِ بِهِ/ فَلَا يمكن قبوله.\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (غ) و(ر).\n(٢) هو: يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس بن شملال فقيه الأندلس المصمودي القرطبي، ولد سنة ١٥٢هـ، ومات سنة ٢٣٤هـ. انظر: تاريخ علماء الأندلس (٢ ٨٩٨)، وبغية الملتمس (٢ ٦٨٥) وجذوة المقتبس (٢ ٦٠٩)، وسير أعلام النبلاء (١٠ ٥١٩)، وتهذيب التهذيب (١١ ٣٠٠)، وغيرها.\n(٣) في (ر): \"بدر\".\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (غ) و(ر).\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (ت): \"الطعام\".\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (م).\n(٧) انظر القصة في: ترتيب المدارك (٢/ ٥٤٢)، ووفيات الأعيان (٦/ ١٤٥)، ونفح الطيب (٢/ ١٠ - ١١).\n(٨) ما بين القوسين زيادة من (ت).\n(٩) في (م): \"ألا\".\n(١٠) في باقي النسخ مع عدا (غ) و(ر): \"القتل للميراث فالمعاملة\".\n(١١) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(١٢) في (غ) و(ر): \"بأن\".\n(١٣) في باقي النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"بملائمها\".","vol":"3","page":11},{"text":"وَالثَّانِي: أَنْ يُلَائِمَ تَصَرُّفَاتِ الشَّرْعِ، وَهُوَ أَنْ يُوجَدَ لِذَلِكَ الْمَعْنَى جِنْسٌ اعْتَبَرَهُ (الشَّارِعُ) (١) فِي الْجُمْلَةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ مُعَيَّنٍ، وَهُوَ الِاسْتِدْلَالُ الْمُرْسَلُ (٢) الْمُسَمَّى بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ/ وَلَا بُدَّ مِنْ بَسْطِهِ بالأمثلة حتى يتبين وجهه بحول الله تعالى.\nولنقتصر على عشرة أمثلة:\n(أَحَدُهَا) (٣): أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اتفقوا على جمع (القرآن في) (٤) الْمُصْحَفِ، وَلَيْسَ ثَمَّ نَصٌّ عَلَى جَمْعِهِ وكَتْبه أَيْضًا، بَلْ قَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: كَيْفَ نَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ/ اللَّهِ ﷺ؟ فَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ ﵁ مَقْتَلَ (أَهْلِ) (٥) الْيَمَامَةِ، وإذا عنده عمر ﵁ فقال أَبُو بَكْرٍ: (إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ) (٥): إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ استحرَّ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يستحرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ فِي الْمَوَاطِنِ كُلِّهَا، فَيَذْهَبَ قُرْآنٌ كَثِيرٌ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ لِي: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِي ذَلِكَ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لَهُ، وَرَأَيْتُ فِيهِ الَّذِي رَأَى عُمَرُ./ قَالَ زَيْدٌ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا (نَتَّهِمُكَ) (٦)، قَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ.\nقَالَ زَيْدٌ: فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِنْ\n_________\n(١) في (م) و(غ) و(ر): \"الشرع\".\n(٢) الاستدلال يقصد به أحد معنيين: أحدهما: مثل الاستصلاح تمامًا، والاستصلاح هو: ترتيب الحكم الشرعي على المصلحة المرسلة. فهو - كما يقول ابن بدران ـ: اتباع المصلحة المرسلة. والثاني: ما يشمل الأدلة المختلف فيها، وترتيب الأحكام على وفقها كالاستصحاب والاستحسان وغيرهما. انظر: المدخل لابن بدران (ص٢٩٣)، وضوابط المصلحة للبوطي (ص٣٥٢).\n(٣) في (ط): \"المثال الأول\".\n(٤) ما بين القوسين زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) ما بين القوسين زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) في (م): \"كلمة غير واضحة\". وفي (خ): \"لا تقصر\".","vol":"3","page":12},{"text":"ذَلِكَ. فَقُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رسول الله ﷺ؟ فقال أَبُو بَكْرٍ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ يراجعني في ذلك أبو بكر (وعمر) (١) حتى شرح الله صدري للذي شرح (صدورهما له) (٢) فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والعسب (٣) واللخاف (٤) ومن صدور (الرجال) (٥). (فوجدت آخر سورة براءة مع حذيفة بن ثابت ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ حتى ختم السورة) (٦).\nفَهَذَا عَمَلٌ لَمْ يُنْقَلْ فِيهِ خِلَافٌ عَنْ أحد من الصحابة ﵃.\nثُمَّ رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ كَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ (مع أهل) (٧) الْعِرَاقِ فِي فَتْحِ أَرْمِينِيَّةَ (٨) وَأَذْرَبِيجَانَ (٩)، فَأَفْزَعَهُ اخْتِلَافُهُمْ/ فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ كَمَا اخْتَلَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إلى حفصة: (أن) (١٠)\n_________\n(١) ما بين القوسين زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) في (ط) و(غ) و(ر): \"له صدورهما\". وفي (خ) و(ت): \"صدورهما\".\n(٣) العسب هو جريد النخل. انظر: لسان العرب مادة عسب.\n(٤) اللخاف: بالكسر: هو حجارة بيض عريضة رقاق واحدتها (لخْفة)، انظر: لسان العرب مادة لخف.\n(٥) في باقي النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الرجل\".\n(٦) ما بين القوسين زيادة من (غ) و(ر)، والحديث أخرجه البخاري (٤٩٨٦ و٧١٩١)، وأبو داود الطيالسي في مسنده (ص٣)، وأبو عبيد في فضائل القرآن (٣ - ٤٩) (ص١٥٢)، وبرقم (٨ - ٤٩) (ص١٥٥)، وأحمد في المسند (٧٧ و٢١١٣٥)، والترمذي (٣١٠٣)، والنسائي في السنن الكبرى (٧٩٩٥ و٨٠٠٢ و٨٢٨٨)، وأبو بكر المروزي في مسند الصديق (٤٥)، وأبو يعلى في مسنده (٦٤، ٦٥، ٧١، ٩١)، وابن أبي داود في المصاحف (١٢ و١٣ و١٤) وابن حبان (٤٥٠٦ و٤٥٠٧)، والطبراني في الكبير (٤٩٠١ - ٤٩٠٣)، والبيهقي في السنن (٢٢٠٢ و٢٠١٩٣)، وأخرجه مختصرًا جدًا أبو علي الأشيب في جزئه (٤٧).\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"وأهل\".\n(٨) بفتح الهمزة وقيل بكسرها، بلاد واسعة تقع بين أران وبلاد الكرج والروم والجزيرة وأذربيجان. معجم البلدان (١ ١٦٠).\n(٩) تقع بين أران وإرمينية والجزيرة والعراق وجيلان والديلم، وأهم مدنها تبريز. انظر: معجم البلدان (١ ١٢٨).\n(١٠) ما بين القوسين زيادة من (غ) و(ر).","vol":"3","page":13},{"text":"أَرْسِلِي (إِلَيَّ بِالصُّحُفِ) (١) / نَنْسَخُهَا/ فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نردها عليك. فأرسلت حفصة (به) (٢) إِلَى عُثْمَانَ، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَإِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدِ بن العاصي (٣) وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ (٤) فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَنْسَخُوا (الصُّحُفَ) (٥) فِي الْمَصَاحِفِ، ثُمَّ قَالَ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ:/ مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ (أَنْتُمْ) (٦) وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ؛ فَإِنَّهُ نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ.\nقَالَ: فَفَعَلُوا، حَتَّى (إِذَا) (٧) نَسَخُوا (الصُّحُفَ) (٨) فِي الْمَصَاحِفِ، بَعَثَ عُثْمَانُ فِي كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِنْ تِلْكَ الْمَصَاحِفِ/ الَّتِي نَسَخُوهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ (٩).\nفَهَذَا أَيْضًا إِجْمَاعٌ آخَرُ فِي كَتْبِهِ، وَجَمْعِ الناس على قراءة (لا) (١٠)\n_________\n(١) في (م) و(غ) و(ر): \"بالصحف\". وفي (ت): \"بالمصحف\" وكتب في هامشها: \"بالصحيفة\".\n(٢) في (م): \"بالصحف\". وفي (خ) و(ت): \"إلي بالمصحف. وفي رواية البخاري والترمذي: إلينا بالصحف.\n(٣) هو: سعيد بن العاص بن أبي أحيحة القرشي الأموي، قال أبو حاتم: له صحبة، وقال الذهبي: لم يرو عن النبي ﷺ، وروى عن عمر وعائشة، وهو مقل. مات سنة ٥٧ أو ٥٨هـ. انظر: التاريخ الكبير (٣ ٥٠٢)، وطبقات ابن سعد (٥ ٣٠)، وتاريخ الطبري (٥ ٢٩٣)، ومعجم الطبراني الكبير (٦ ٧٣). وسير أعلام النبلاء (٣ ٤٤٤).\n(٤) هو عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، قال الذهبي: ولا صحبة لعبد الرحمن، بل له رؤية، وتلك صحبة مقيدة. وروى عن أبيه، وعمر، وعثمان، وعلي، وأم المؤمنين حفصة، وطائفة ومات قبل معاوية. انظر: التاريخ الكبير (٥ ٢٧٢)، وطبقات ابن سعد (٥ ٥)، وسير أعلام النبلاء (٣ ٤٨٤).\n(٥) في (م) و(خ) و(ت): \"المصحف\"، وفي (غ) و(ر)، ورواية البخاري والترمذي: الصحف في المصاحف.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (غ) و(ر).\n(٧) زيادة من (ط) و(غ) و(ر).\n(٨) في (خ): \"المصحف\".\n(٩) أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن (٤٩٨٧)، والترمذي (٣١٠٤)، والنسائي في السنن الكبرى (٧٩٨٨)، وأبو يعلى (٩٢)، وابن حبان (٤٥٠٧).\n(١٠) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"لم\".","vol":"3","page":14},{"text":"يحصل منها فِي الْغَالِبِ اخْتِلَافٌ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا إِلَّا فِي الْقِرَاءَاتِ حَسْبَمَا نَقَلَهُ الْعُلَمَاءُ الْمُعْتَنُونَ بِهَذَا الشَّأْنِ. فَلَمْ يُخَالِفْ فِي الْمَسْأَلَةِ إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، فَإِنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ طَرْحِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْقِرَاءَةِ الْمُخَالِفَةِ لِمَصَاحِفِ عُثْمَانَ، وَقَالَ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، وَيَا أَهْلَ الْكُوفَةِ اكْتُمُوا الْمَصَاحِفَ الَّتِي عِنْدَكُمْ وَغُلُّوهَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١)، (فالقوا الله بِالْمَصَاحِفِ) (٢).\nفَتَأَمَّلْ كَلَامَهُ فَإِنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ فِي جَمْعِهِ، وَإِنَّمَا خَالَفَ (أَمْرًا) (٣) آخَرَ، وَمَعَ ذَلِكَ فقد قال ابن (شهاب) (٤): بَلَغَنِي أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ رِجَالٌ مِنْ أَفَاضِلِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٥).\nوَلَمْ يَرِدْ نَصٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَا صَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمْ رَأَوْهُ مَصْلَحَةً تُنَاسِبُ تَصَرُّفَاتِ الشَّرْعِ قَطْعًا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى حِفْظِ الشَّرِيعَةِ/ وَالْأَمْرُ بِحِفْظِهَا مَعْلُومٌ، وَإِلَى مَنْعِ الذَّرِيعَةِ لِلِاخْتِلَافِ فِي أَصْلِهَا الَّذِي هُوَ الْقُرْآنُ، وَقَدْ عُلم النَّهْيُ عَنِ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ.\nوَإِذَا اسْتَقَامَ هَذَا الْأَصْلُ فَاحْمِلْ عَلَيْهِ كَتْبَ الْعِلْمِ مِنَ السُّنَنِ وَغَيْرِهَا، إِذَا خِيفَ عَلَيْهَا الِانْدِرَاسُ، زِيَادَةً عَلَى مَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ مِنَ الْأَمْرِ بكَتْبِ الْعِلْمِ.\nوَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَكُونَ كَتْبَ هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي وَضَعْتُ يَدِي فِيهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنِّي رَأَيْتُ بَابَ الْبِدَعِ فِي كَلَامِ العلماء مُغْفَلًا جدًا إلا من النقل (الجملي) (٦) / كما (نقل) (٧) ابن وضاح (٨)، أو يؤتى (فيه) (٩) بأطراف من\n_________\n(١) سورة آل عمران: الآية (١٦١).\n(٢) في سائر النسخ: \"وألقوا إليه بالمصاحف، والمثبت من (غ) و(ر) وسنن الترمذي، والأثر أخرجه الترمذي بعد سياقه للحديث السابق، وأخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٦ - ٤٩).\n(٣) في (غ) و(ر): \"في أمر\".\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"هشام\"، والصواب ابن شهاب، وفي الترمذي (٣١٠٤) قال الزهري.\n(٥) انظر: الترمذي (٣١٠٤).\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الجلي\".\n(٧) في (ر): \"فعل\".\n(٨) الإمام الحافظ المحدث أبو عبد الله محمد بن وضاح المرواني، تقدمت ترجمته (١ ٣٩).\n(٩) ما بين القوسين زيادة من (غ) و(ر).","vol":"3","page":15},{"text":"الْكَلَامِ لَا (يَشْفِي) (١) الْغَلِيلَ بِالتَّفَقُّهِ فِيهِ/ كَمَا ينبغي، ولم (أجده) (٢) عَلَى شِدَّةِ بَحْثِي عَنْهُ إِلَّا مَا وَضَعَ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ الطَّرْطُوشِيُّ (٣)، وَهُوَ يَسِيرُ فِي جَنْبِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيهِ، وَإِلَّا مَا وَضَعَ النَّاسُ فِي الْفِرَقِ الثِّنْتَيْنِ وَالسَّبْعِينَ، وَهُوَ فَصْلٌ مِنْ فُصُولِ الْبَابِ وَجُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ، فأخذت نفسي بالعناء فيه، عسى (الله أن ينفع) (٤) به واضعه، وقارئه، وَنَاشِرُهُ، وَكَاتِبُهُ، وَالْمُنْتَفِعُ بِهِ، وَجَمِيعُ (الْمُسْلِمِينَ) (٥)، إِنَّهُ ولي ذلك ومسديه (بسعة) (٦) رحمته.\n/الْمِثَالُ الثَّانِي:\nاتِّفَاقُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى حَدِّ شَارِبِ الْخَمْرِ ثَمَانِينَ (٧)، وَإِنَّمَا مُسْتَنَدُهُمْ فِيهِ الرُّجُوعُ إِلَى الْمَصَالِحِ وَالتَّمَسُّكُ بِالِاسْتِدْلَالِ الْمُرْسَلِ.\nقَالَ الْعُلَمَاءُ: لَمْ يَكُنْ فِيهِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدٌّ مُقَدَّرٌ، وَإِنَّمَا جَرَى الزَّجْرُ فِيهِ مَجْرَى التَّعْزِيرِ، وَلَمَّا انْتَهَى الْأَمْرُ إِلَى أبي بكر ﵁ (قدره) (٨) عَلَى طَرِيقِ النَّظَرِ بِأَرْبَعِينَ، ثُمَّ/ انْتَهَى الْأَمْرُ إلى (عمر) (٩) ﵁ فَتَتَابَعَ النَّاسُ، فَجَمَعَ الصَّحَابَةَ ﵃ فَاسْتَشَارَهُمْ؛ فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁/\n_________\n(١) في (ت): \"تشفي\".\n(٢) في (ط) و(خ) و(ت): \"أجد\" وفي (ر): \"لم أجده\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"أبو الوليد الطرطوشي\"، والمشهور أنه أبو بكر وهو أبو بكر محمد بن الوليد بن خلف بن سليمان الأندلسي الطرطوشي، تقدمت (٤) ترجمة (١ ٢٦١).\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"أن ينتفع\".\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (غ) و(ر).\n(٧) في (م): \"سعة\".\n(٨) ضرب شارب الخمر ثمانين أخرجه من حديث السائب بن يزيد، البخاري برقم (٦٧٧٩) وأحمد (٣/ ٤٤٩) والبيهقي في السنن الكبرى (١٧٣١٤)، وأخرجه من حديث أنس بن مالك، البيهقي في السنن الكبرى (١٧٣١٠ - ١٧٣١٣) وأخرجه من حديث عبد الرحمن بن أزهر، أبو داود (٤٤٨٨، ٤٤٨٩) والطبراني في الأوسط (١٩١٦) وفي الكبير (١٠٠٣) والدارقطني في سننه (٢٢٧) والبيهقي في السنن الكبرى (١٧٣١٥ - ١٧٣٢٠)، وأخرجه من حديث وبرة الكلبي البيهقي في الكبرى (١٧٣١٧)، وأخرجه من حديث ابن عباس، البيهقي في الكبرى (١٧٣٢١، ١٧٣٢٢) وأخرجه من حديث علي بن أبي طالب، البيهقي في الكبرى (١٧٣٢٤، ١٧٣٢٥) وأخرجه من حديث عبد الله بن أبي الهذيل، البيهقي (١٧٣٢٣).\n(٩) في (غ) و(ر) و(ط): \"قرره\".\n(١٠) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"عثمان\".","vol":"3","page":16},{"text":"مَنْ سَكِرَ (هَذَى) (١) وَمَنْ (هَذَى) (١٣) افْتَرَى، فَأَرَى عَلَيْهِ حَدَّ الْمُفْتَرِي (٢).\nوَوَجْهُ إِجْرَاءِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الاستدلال المرسل (٣) أن الصحابة (رأوا) (٤) الشَّرْعَ (يُقِيمُ) (٥) الْأَسْبَابَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مَقَامَ الْمُسَبَّبَاتِ، وَالْمَظِنَّةَ مَقَامَ الْحِكْمَةِ، فَقَدْ جَعَلَ الْإِيلَاجَ/ فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ يَجْرِي مَجْرَى الْإِنْزَالِ، وَجَعَلَ الْحَافِرَ لِلْبِئْرِ فِي مَحَلِّ الْعُدْوَانِ وَإِنْ لَمْ يكن ثم مُرد كَالْمُرْدِي نَفْسَهُ، وَحَرَّمَ الْخَلْوَةَ بِالْأَجْنَبِيَّةِ حَذَرًا مِنَ الذَّرِيعَةِ إِلَى الْفَسَادِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ (المسائل) (٦)، فَرَأَوُا الشُّرْبَ ذَرِيعَةً إِلَى الِافْتِرَاءِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ (كثرة) (٧) الهذيان (عند السكر) (٨) فإنه (أول) (٩) سابق إلى السكران.\n_________\n(١) في (ط): \"هذر\"، والهذر: الكلام الذي لا يعبأ به، وهو قريب من الهذيان، لأن الهذيان: كلام غير معقول، وهذى: إذا هذر بكلام لا يفهم. انظر: لسان العرب، مادة هذر وهذى.\n(٢) انظر: الموطأ (١٥٣٣)، ومصنف عبد الرزاق (٧ ٣٧٨) برقم (١٣٥٤٢)، ومسند الشافعي (ص٢٨٦) وبنحوه أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٥٢٨٩) والحاكم (٨١٣١، ٨١٣٢)، وذكر الأثر ابن حجر في التلخيص الحبير (٤ ٧٥)، وبيّن أنه منقطع من رواية مالك، وقد وصله النسائي والحاكم، وقال: \"وفي صحته نظر لما ثبت في الصحيحين عن أنس أن النبي ﷺ جلد في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانون فأمر به عمر\"، ولا يقال: يحتمل أن يكون عبد الرحمن وعلي أشارا بذلك جميعًا لما ثبت في صحيح مسلم عن علي في جلد الوليد بن عقبة أنه جلده أربعين وقال: جلد رسول الله أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلُّ سنة، وهذا أحبّ إليّ، فلو كان هو المشير بالثمانين ما أضافها إلى عمر، ولم يعمل بها لكن يمكن أن يقال: إنه قال لعمر باجتهاده، ثم تغير اجتهاده\".\n(٣) وانظر ما ذكره الغزالي في هذه المسألة، وإجرائها على المصالح المرسلة في: المستصفى (١ ٣٠٥ - ٣٠٦).\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"أو\".\n(٥) في (م) و(خ): \"تقيم\". وفي تعليق المطبوعة (في نسخة ثانية - الشريعة تقيم - كما يستفاد من هامش الأصل).\n(٦) في (ط) و(م) و(خ): \"الفساد\". وفي (ت): \"المفاسد\". وصححت في هامشها بـ\"المسائل\".\n(٧) في (م): \"كثرة هذا\".\n(٨) ما بين القوسين زيادة من (غ) و(ر).\n(٩) في (م): \"أو\".","vol":"3","page":17},{"text":"قَالُوا: فَهَذَا مِنْ/ أَوْضَحِ الْأَدِلَّةِ عَلَى (إِسْنَادِ) (١) الْأَحْكَامِ إِلَى الْمَعَانِي الَّتِي (لَا أَصُولُ) (٢) لَهَا - يعني على (الخصوص) (٣) - وهو مقطوع (به) (٤) من الصحابة ﵃.\nالمثال الثالث:\nإن الخلفاء الراشدين ﵃ قَضَوْا بِتَضْمِينِ الصُّنَّاعِ. قَالَ عَلِيٌّ ﵁: لَا يُصْلِحُ النَّاسَ إِلَّا ذَاكَ (٥).\nوَوَجْهُ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ أَنَّ النَّاسَ لَهُمْ حَاجَةٌ إِلَى الصُّنَّاعِ، وَهُمْ يَغِيبُونَ عَنِ الْأَمْتِعَةِ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ، وَالْأَغْلَبُ عَلَيْهِمُ التَّفْرِيطُ، وَتَرْكُ الْحِفْظَ، فَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ تَضْمِينُهُمْ مَعَ مَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَى اسْتِعْمَالِهِمْ لَأَفْضَى ذَلِكَ إِلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا تَرْكُ الِاسْتِصْنَاعِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَذَلِكَ شَاقٌّ عَلَى/ الْخَلْقِ، وإما أن يعملوا ولا يضمنوا (عند دعواهم) (٦) الْهَلَاكَ وَالضَّيَاعَ، فَتَضِيعُ الْأَمْوَالُ، وَيَقِلُّ الِاحْتِرَازُ، وَتَتَطَرَّقُ الخيانة، فكانت المصلحة (في) (٧) التَّضْمِينَ، هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: لَا يُصْلِحُ النَّاسَ إِلَّا (ذَاكَ) (٨).\n/وَلَا يُقَالُ: إِنَّ هَذَا (نَوْعٌ) (٩) من الفساد؛ وهو تضمين البريء، إذ\n_________\n(١) في (م): \"إسقاط\".\n(٢) في (م): \"الأصول\".\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الخصوص به\".\n(٤) ما بين القوسين زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) أخرجه الشافعي في الأم (٧/ ٩٦) ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (١١٤٤٤). وقال الشافعي: وقد روى من وجهٍ لا يثبت أهل الحديث مثله أن علي بن أبي طالب ضمّن الغسّال والصباغ وقال: لا يصلح الناس إلا ذلك\". وأخرجه من نفس الطريق ابن أبي شيبة (٤/ ٣٦٠) رقم (٢١٠٥١)، وابن حزم في المحلى (٨/ ٢٠٢) وضعف سند الأثر ابن حجر في التلخيص الحبير (٣/ ٦١) ثم ذكر متابعتين للأثر.\nوانظر مسألة تضمين الصناع والكلام فيها في: المغني (٦ ١٠٥ - ١١٥)، والمعيار المعرب (١٣ ١٦٢ - ١٧١)، والمدونة (٣ ٣٧٢ - ٣٨٥).\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"ذلك بدعواهم\".\n(٧) ما بين القوسين زيادة من (غ) و(ر).\n(٨) في (م) و(غ) و(ر): \"ذلك\".\n(٩) في (م) و(خ): \"النوع\".","vol":"3","page":18},{"text":"لَعَلَّهُ مَا أَفْسَدَ وَلَا فَرَّطَ؛ فَالتَّضْمِينُ مَعَ/ (هذا) (١) (الإمكان نوع) (٢) مِنَ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إِذَا تَقَابَلَتِ الْمَصْلَحَةُ والمضرة فشأن العقلاء النظر إلى التفاوت، ووقوع التَّلَفِ مِنَ الصُّنَّاعِ مِنْ غَيْرِ تَسَبُّبٍ وَلَا تفريط بعيد، (والغالب) (٣) (عند فوات) (٤) الأموال (أنها) (٥) لَا تَسْتَنِدُ إِلَى التَّلَفِ السَّمَاوِيِّ، بَلْ تَرْجِعُ إلى صنع العباد على (وجه) (٦) الْمُبَاشَرَةِ أَوِ التَّفْرِيطِ.\nوَفِي الْحَدِيثِ: (لَا ضَرَرَ ولا ضرار) (٧)، وتشهد لَهُ الْأُصُولُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ (نهى) (٨) أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَقَالَ: (دَعِ النَّاسَ (٩) يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ) (١٠)، وَقَالَ: (لَا تلقوا الركبان بالبيع، حتى يهبط\n_________\n(١) في (ط) و(ت): \"ذلك\".\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"كان نوعًا\".\n(٣) في (ت): \"وغالب\".\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الفوت فوت\".\n(٥) في (ط) و(خ) و(ت): \"وأنها\".\n(٦) ما بين القوسين زيادة من (غ) و(ر).\n(٧) قال الألباني في إرواء الغليل (٨٩٦): صحيح، روي من حديث عبادة بن الصامت، وعبد الله بن عباس، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، جابر بن عبد الله، وعائشة بنت أبي بكر الصديق، وثعلبة بن أبي مالك القرظي، وأبي لبابة ﵃. ثم ساق التخريج مطولًا، وأهم من عزى إليه الحديث هم: ابن ماجه (٢٣٤٠ و٢٣٤١)، والإمام أحمد في المسند (١ ٣١٣) و(٥ ٣٢٦ - ٣٢٧)، والطبراني في الكبير (٣ ١٣٦ ١) و(١ ٧٠ ١)، وفي الأوسط (١ ١٤١)، والدارقطني (٥٢٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦ ٦٩)، ومالك في الموطأ (٢ ٧٤٥ ٣١). ثم قال - حفظه الله ـ: فهذه طرق كثيرة لهذا الحديث قد جاوزت العشر، وهي وإن كانت ضعيفة مفرداتها؛ فإن كثيرًا منها لم يشتد ضعفها، فإذا ضم بعضها إلى بعض تقوى الحديث ... انظر: الإرواء (٣ ٤٠٨ - ٤١٤).\n(٨) في (ط) و(م): \"نهى عن\".\n(٩) في (ت): \"الناس في غفلاتهم\".\n(١٠) هذا الحديث أخرجه جم كبير من أهل العلم، منهم البخاري في الصحيح (٢١٥٨ - ٢١٦٣)، ومسلم (١٤١٣ و١٥١٥ و١٥٢٠ - ١٥٢٣)، ومالك في الموطأ (١٣٦٦) وأبو داود الطيالسي (١٧٥٢ و١٩٣٠) وأحمد في المسند (١ ١٦٣ و٣٦٨) (٢ ٤٢ و١٥٣ و٢٣٨ و٢٤٣ و٢٥٤ و٢٧٤ و٣٧٩ و٣٩٤ و٤٠٢ و٤٢٠ و٤٦٥ و٤٨١ و٤٨٤، و٤٨٧ و٤٩١، ٥٠١ و٥١٢ و٥٢٥)، (٣ ٣٠٧ و٣١٢ و٣٨٦ و٣٩٢)، (٤ ٣١٤)، (٥ ١١)، وإسحاق بن راهويه (١٥٩)، وابن الجعد (٢٦٣٧ و٢٧٧٥ و٣٠١٤)، وابن ماجه (٢١٧٥ - ٢١٧٧)، والترمذي (١٢٢٢ و١٢٢٣)، والنسائي (٣٢٣٩ و٤٤٩٢ - ٤٤٩٧=","vol":"3","page":19},{"text":"بِالسِّلَعِ (إِلَى) (١) الْأَسْوَاقِ) (٢) وَهُوَ مِنْ بَابِ تَرْجِيحِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ، فَتَضْمِينُ الصُّنَّاعِ من ذلك القبيل.\n/الْمِثَالُ الرَّابِعُ:\nأَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الضَّرْبِ بِالتُّهَمِ (٣)، وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى جَوَازِ السَّجْنِ فِي التُّهَمِ (٤)، وَإِنْ كَانَ السَّجْنُ نَوْعًا مِنَ الْعَذَابِ/، وَنَصَّ أَصْحَابُهُ عَلَى جَوَازِ الضَّرْبِ (٥)، وَهُوَ عِنْدَ الشُّيُوخِ مِنْ قَبِيلِ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ\n_________\n=و٤٥٠٠ و٤٥٠٢ و٤٥٠٦ و٤٥٠٧)، وابن الجارود في المنتقى (٥٦٣ و٥٧٣ و٥٧٧)، وأبو يعلى (٦٤٣ و٦٤٤ و١٨٣٩ و٢١٦٩ و٢٧٦٧ و٢٧٧٦ و٢٨٣٨ و٥٨٠٧ و٥٨٨٤ و٥٨٨٧ و٦١٨٧ و٦٣٤٥)، وابن حبان (٤٩٦٠ - ٤٩٦٧)، والطبراني في الصغير (٤٦٦)، وفي الأوسط (١١٣٩)، وفي الكبير (٦٩٣٠ و٧٤٨٧ و١٠٩٢٣ و١٣٢٨٠ و١٣٥٤٥ و١٣٥٤٧) وغيرهم.\nمن حديث جابر ﵁، بلفظ: (لا يبيع حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض).\n(١) ساقطة من (م) و(غ) و(ر).\n(٢) أخرجه البخاري (٢١٦٥)، ومسلم (١٥١٧)، ومالك (١٣٦٦)، وأحمد (٢ ١٥٦ و٣٩٤ و٤٦٥)، (٤ ٣١٤)، وابن ماجه (٢١٧٩)، وأبو داود برقم (٣٤٣٦)، والنسائي (٤٤٨٧ و٤٤٩٦)، وأبو يعلى (٦٣٢١ و٦٣٤٥)، والدارقطني (٣ ٢٧٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠٦٩٧) وغيرهم.\n(٣) اختلف العلماء، في الإقرار بالإكراه سواء كان الإكراه بالضرب أو بغيره على قولين: الأول: ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية إلى إلغاء الإقرار وعدم ترتب أي أثر عليه. الثاني: مذهب المالكية في العموم، عدم لزوم الإقرار للمستكره بغير حق؛ أي أن المستكره بعد زوال الإكراه مخير بين أن يجيز الإقرار وبين ألا يجيزه. انظر عدد من المسائل في الضرب بالتهم في: المعيار المعرب (٢ ٣٧٩ - ٣٨٠ و٤٠٣ و٤٣٣ - ٤٣٤)، وانظر: جامع أحكام القرآن للقرطبي (١٠ ١١٨ - ١٢٥) في تفسير سورة النحل: الآية (١٠٦)، وأحكام القرآن لابن العربي (١ ٢٣٣ - ٢٣٤)، في تفسير سورة البقرة: الآية (٣٥٦) وفي (٣ ١٠٨٦)، في تفسير سورة يوسف: الآية (٣٣) وفي (٣ ١١٧٦)، في تفسير سورة النحل: الآية (١٠٦)، وفي (٣ ١٢٩٧ - ١٢٩٨)، في تفسير سورة الحج: الآية (٤٠)، وراجع المستصفى للغزالي (١ ١٤١). وتفصيل الخلاف في الفقه الإسلامي للزحيلي (٥ ٤٠٨ - ٤٠٩).\n(٤) انظر تفصيل المسألة في: الطرق الحكمية لابن القيم (ص١١٠ وما بعدها).\n(٥) وذكر الغزالي أن مالكًا قال بجواز ضرب المتهم للاستنطاق، انظر: المستصفى (١ ١٤١).","vol":"3","page":20},{"text":"لَمْ (يَكُنِ) (١) (الضَّرْبُ وَالسَّجْنُ) (٢) بِالتُّهَمِ لَتَعَذَّرَ اسْتِخْلَاصُ الْأَمْوَالِ مِنْ أَيْدِي السرَّاق، والغصَّاب، إِذْ قَدْ يَتَعَذَّرُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ، فَكَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي التَّعْذِيبِ وسيلة إلى التحصيل بالتعيين (أو) (٣) الإقرار.\nفَإِنْ قِيلَ: هَذَا فَتْحُ بَابِ (تَّعْذِيبِ) (٤) الْبَرِيءِ. (قِيلَ) (٥): (فَفِي) (٦) الْإِعْرَاضِ عَنْهُ إِبْطَالُ اسْتِرْجَاعِ الْأَمْوَالِ، بَلِ الْإِضْرَابُ عَنِ التَّعْذِيبِ أَشَدُّ ضَرَرًا، إِذْ لَا يُعَذَّبُ أَحَدٌ (لِمُجَرَّدِ) (٧) الدَّعْوَى، بَلْ مَعَ اقْتِرَانِ (قَرِينَةٍ) (٨) تَحِيكُ فِي النَّفْسِ، وَتُؤَثِّرُ فِي الْقَلْبِ نَوْعًا مِنَ الظَّنِّ؛ فَالتَّعْذِيبُ - فِي الْغَالِبِ - لا يصادف البريء، وإن أمكن مصادفته (فمغتفر) (٩)، كما اغتفر فِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ.\nفَإِنْ قِيلَ:/ لَا فَائِدَةَ (فِي الضَّرْبِ) (١٠)، وَهُوَ لَوْ أَقَرَّ لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ.\nفَالْجَوَابُ: إِنَّ لَهُ فائدتين (١١):\nأحدهما: أَنْ يُعَيِّنَ الْمَتَاعَ، فَتَشْهَدُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ لِرَبِّهِ، وَهِيَ/ فَائِدَةٌ ظَاهِرَةٌ.\nوَالثَّانِيَةُ: أَنَّ غَيْرَهُ قَدْ يَزْدَجِرُ حَتَّى لَا يَكْثُرَ الْإِقْدَامُ/ فَتَقِلَّ أَنْوَاعُ هَذَا الْفَسَادِ.\n/وَقَدْ عَدَّ لَهُ سَحْنُونُ (١٢) فَائِدَةً ثالثة: وهو الإقرار حالة التعذيب؛\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"يثبت\".\n(٢) في (ر): كتبت هكذا: (السجنخ والضربق) إشارة إلى تقديم كلمة (الضرب) على كلمة (السجن).\n(٣) في (ط) و(خ): \"و\".\n(٤) في (ط): \"التعذيب\". وفي (ت): \"لتعذيب\".\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (غ).\n(٦) في (ت): \"في\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"بمجرد\".\n(٨) في (غ) و(ر): \"تهمة\".\n(٩) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فتغتفر\".\n(١٠) في (غ) و(ر): \"للضرب\".\n(١١) في (ت): \"فائدتان\".\n(١٢) هو: فقيه المغرب أبو سعيد، عبد السلام بن حبيب بن حسان التنوخي تقدمت ترجمته.","vol":"3","page":21},{"text":"(فإنه) (١) يؤخذ عنده بما (أقر) (٢) (به) (٣) فِي تِلْكَ الْحَالِ. قَالُوا: وَهُوَ ضَعِيفٌ. فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (٤) (وَلَكِنْ) (٥) / نَزَّلَهُ سَحْنُونُ عَلَى مَنْ أُكْرِهَ بِطَرِيقٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ، كَمَا إِذَا أُكْرِهَ عَلَى طَلَاقِ زَوْجَتِهِ، أَمَّا إِذَا أُكْرِهَ بِطْرِيقٍ صَحِيحٍ فَإِنَّهُ يؤخذ به كالكافر يُسْلِمُ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ بِهِ، وقد تتفق له (هذه) (٦) الْفَائِدَةِ عَلَى مَذْهَبِ غَيْرِ سَحْنُونَ إِذَا أَقَرَّ حَالَةَ التَّعْذِيبِ ثُمَّ تَمَادَى عَلَى الْإِقْرَارِ بَعْدَ أمنه، فيؤخذ به.\nقال الغزالي - بعد ما حَكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَقُولُ بِذَلِكَ ـ: وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَالْمَسْأَلَةُ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ - قَالَ ـ: ولسنا نحكم (ببطلان مذهب) (٧) مَالِكٍ عَلَى الْقَطْعِ، فَإِذَا وَقَعَ النَّظَرُ فِي تَعَارُضِ الْمَصَالِحِ، كَانَ ذَلِكَ قَرِيبًا مِنَ النَّظَرِ في تعارض الأقيسة المؤثرة.\nالمثال الخامس:\nإنا إذا (قدَّرنا) (٨) إِمَامًا مُطَاعًا (مُفْتَقِرًا) (٩) إِلَى تَكْثِيرِ الْجُنُودِ لِسَدِّ الثُّغُورِ وَحِمَايَةِ الْمُلْكِ الْمُتَّسِعِ الْأَقْطَارِ، وَخَلَا بَيْتُ المال (عن الْمَالِ) (١٠)، (وَارْتَفَعَتْ) (١١) حَاجَاتُ الْجُنْدِ إِلَى مَا (لَا) (١٢) يَكْفِيهِمْ، فَلِلْإِمَامِ إِذَا كَانَ عَدْلًا أَنْ يُوَظِّفَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ مَا يَرَاهُ كَافِيًا لَهُمْ فِي الحال، إلى أن يظهر مال (في) (١٣) بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ إِلَيْهِ النَّظَرُ فِي تَوْظِيفِ ذَلِكَ عَلَى الْغَلَّاتِ وَالثِّمَارِ (أَوْ) (١٤) غَيْرِ ذَلِكَ، كَيْلَا يُؤَدِّيَ تَخْصِيصُ النَّاسِ بِهِ (إِلَى) (١٥) إِيحَاشِ الْقُلُوبِ، وَذَلِكَ يَقَعُ قَلِيلًا مِنْ كَثِيرٍ، بِحَيْثُ لا يجحف بأحد ويحصل\n_________\n(١) في (ط): \"بأنه\".\n(٢) في (ط): \"أقد\".\n(٣) ما بين القوسين زيادة من (غ).\n(٤) سورة البقرة: الآية (٢٥٦).\n(٥) في (غ) و(ر): \"وقد\".\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ): \"بهذه\".\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"بمذهب\".\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (م): \"قررنا\".\n(٩) في (م): \"مفتقر\".\n(١٠) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(١١) في (غ): \"وارهقت\".\n(١٢) زيادة من (ط).\n(١٣) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٤) في (ط): \"و\".\n(١٥) زيادة من (ط) و(خ) و(غ) و(ر).","vol":"3","page":22},{"text":"(الْغَرَضُ) (١) الْمَقْصُودُ.\n/وَإِنَّمَا لَمْ يُنْقَلْ مِثْلُ (هَذَا) (٢) عَنِ الْأَوَّلِينَ لِاتِّسَاعِ (مَالِ) (٣) بَيْتِ الْمَالِ فِي زمانهم بخلاف زماننا؛ فإن القضية فيه (أخرى) (٤)، وَوَجْهُ الْمَصْلَحَةِ هَنَا/ ظَاهِرٌ؛ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يفعل الإمام ذلك (لانحلَّ) (٥) النظام (وبطلت) (٦) شَوْكَةُ الْإِمَامِ، وَصَارَتْ دِيَارُنَا عُرْضَةً لِاسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ.\nوإنما نظام ذلك كله شوكة الإمام (بعدته) (٧) (فالذين يحذرون) (٨) من الدواهي لو (تنقطع) (٩) عَنْهُمُ الشَّوْكَةُ، (يَسْتَحْقِرُونَ) (١٠) بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهَا أَمْوَالَهُمْ كُلَّهَا، فَضْلًا عَنِ الْيَسِيرِ/ مِنْهَا، فَإِذَا عُورِضَ هَذَا الضَّرَرُ الْعَظِيمُ بِالضَّرَرِ اللَّاحِقِ لَهُمْ بِأَخْذِ الْبَعْضِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَلَا يُتَمَارَى فِي تَرْجِيحِ الثَّانِي (على) (١١) الْأَوَّلِ/ وَهُوَ مِمَّا يُعْلَمُ مِنْ مَقْصُودِ الشَّرْعِ قبل النظر في الشواهد (والملاءمة) (١٢) (ألا ترى) (١٣) أَنَّ الْأَبَ/ فِي طِفْلِهِ، أَوِ الْوَصِيَّ فِي يَتِيمِهِ، أَوِ الْكَافِلَ فِيمَنْ يَكْفُلُهُ، مَأْمُورٌ بِرِعَايَةِ الْأَصْلَحِ لَهُ، وَهُوَ يَصْرِفُ مَالَهُ إِلَى وُجُوهٍ مِنَ النَّفَقَاتِ أَوِ الْمُؤَنِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا، وَكُلُّ مَا يَرَاهُ سَبَبًا لِزِيَادَةِ مَالِهِ أَوْ حِرَاسَتِهِ مِنَ التَّلَفِ جَازَ لَهُ بَذْلُ الْمَالِ فِي تَحْصِيلِهِ، وَمَصْلَحَةُ الْإِسْلَامِ عَامَّةٌ لَا تَتَقَاصَرُ عَنْ مَصْلَحَةِ طِفْلٍ، وَلَا نَظَرُ (إِمَامِ) (١٤) الْمُسْلِمِينَ (يَتَقَاعَدُ) (١٥) عَنْ نَظَرِ وَاحِدٍ مِنَ الْآحَادِ فِي حَقِّ محجوره.\n_________\n(١) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٢) في (غ) و(ر): \"ذلك\".\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (غ) و(ر).\n(٤) في (خ) و(ط) و(م): \"أحرى\" وكذا في (ت) لكنها صححت في الهامش بـ\"أخرى\".\n(٥) ما بين القوسين زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"بطلت\".\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"بعدله\".\n(٨) في (م): \"فالذي يحذر\".\n(٩) في (م): \"انقطع\". وفي (غ) و(ر): \"انقطعت\".\n(١٠) في (م) و(غ) و(ر): \"يستحقر\".\n(١١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"عن\".\n(١٢) ما بين القوسين زيادة من (غ) و(ر).\n(١٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"والملاءمة الأخرى\".\n(١٤) في (غ) و(ر): \"لإمام\".\n(١٥) في (غ) و(ر): \"يتقا\".","vol":"3","page":23},{"text":"ولو وطئ الكفار أرض الإسلام لوجب (على الكافة) (١) بِالنُّصْرَةِ، وَإِذَا دَعَاهُمُ الْإِمَامُ وَجَبَتِ الْإِجَابَةُ، وَفِيهِ (إِتْعَابُ) (٢) النُّفُوسِ وَتَعْرِيضُهَا إِلَى الْهَلَكَةِ، زِيَادَةً إِلَى إِنْفَاقِ الْمَالِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِحِمَايَةِ الدِّينِ، وَمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ.\nفَإِذَا قَدَّرْنَا هُجُومَهُمْ، وَاسْتَشْعَرَ الْإِمَامُ فِي الشَّوْكَةِ ضَعْفًا وَجَبَ عَلَى الْكَافَّةِ إِمْدَادُهُمْ، كَيْفَ وَالْجِهَادُ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَاجِبٌ عَلَى الْخَلْقِ (٣).\nوَإِنَّمَا يَسْقُطُ (بِاشْتِغَالِ) (٤) الْمُرْتَزَقَةِ (بِهِ) (٥)، فَلَا يُتَمَارَى فِي بَذْلِ الْمَالِ لِمِثْلِ ذَلِكَ. (وَإِذَا) (٦) قَدَّرْنَا انْعِدَامَ الْكُفَّارِ الَّذِينَ/ (يُخَافُ) (٧) مِنْ جِهَتِهِمْ، فَلَا يُؤْمَنُ (مِنَ) (٨) انْفِتَاحِ بَابِ الْفِتَنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَالْمَسْأَلَةُ عَلَى حَالِهَا كَمَا كَانَتْ، وَتَوَقُّعُ الْفَسَادِ عَتِيدٌ، فَلَا بُدَّ مِنَ الْحُرَّاسِ. فَهَذِهِ مُلَاءَمَةٌ صَحِيحَةٌ، إِلَّا أَنَّهَا فِي مَحَلِّ ضَرُورَةٍ، فَتُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا، فَلَا يَصِحُّ هَذَا الْحُكْمُ إِلَّا مَعَ وُجُودِهَا، وَالِاسْتِقْرَاضُ فِي (الْأَزَمَاتِ) (٩) إِنَّمَا يَكُونُ حَيْثُ (يُرْجَى) (١٠) / لِبَيْتِ الْمَالِ دَخْلٌ يُنْتَظَرُ أَوْ يُرْتَجَى، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يُنْتَظَرْ شَيْءٌ وَضَعُفَتْ وُجُوهُ الدَّخْلِ (بِحَيْثُ) (١١) لَا يُغْنِي كَبِيرُ شَيْءٍ، فلا بد من جريان حكم التوظيف.\n_________\n(١) ما بين القوسين زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) في (غ) و(ر): \"إتباع\".\n(٣) اختلف العلماء في وجوب الجهاد على المسلمين في كل عام على قولين: الأول: الجمهور على أن غزوة واحدة في العام تسقط الفريضة، والباقي تطوع، وحجتهم على ذلك أن الجزية تجب بدلًا عن الجهاد، والجزية لا تجب في السنة أكثر من مرة اتفاقًا، فليكن بدلها كذلك. الثاني: أنه يجب غزو الكفار في عقر دارهم كلما أمكن ذلك من غير تحديد، وقوى هذا المذهب ابن حجر. انظر أهمية الجهاد في نشر الدعوة الإسلامية (ص١٣١ - ١٣٣)، وانظر مصادره التالية: المبسوط للسرخسي (١٠ ٣)، وتفسير القرطبي (٨ ١٥٢)، وفتح الباري (٦ ٢٨).\n(٤) في (غ) و(ر): \"لاشتغال\".\n(٥) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٦) في (غ) و(ر): \"وإن\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"نخاف\".\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (خ) و(ت) و(غ) و(ر).\n(٩) في (غ) و(ر): \"الأوقات\".\n(١٠) في (غ) و(ر): \"يرجى أن يكون\".\n(١١) في (ط): \"بحديث\".","vol":"3","page":24},{"text":"وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نَصَّ عَلَيْهَا الْغَزَالِيُّ فِي مَوَاضِعَ من كتبه (١)، وَتَلَاهُ فِي تَصْحِيحِهَا ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ (٢) لَهُ، وَشَرْطُ جَوَازِ/ ذَلِكَ كُلِّهِ عِنْدَهُمْ عَدَالَةُ الْإِمَامِ، وَإِيقَاعُ التَّصَرُّفِ فِي أَخْذِ الْمَالِ (وإعطائه) (٣) على الوجه المشروع (والله أعلم) (٤).\nالْمِثَالُ السَّادِسُ:\nأَنَّ الْإِمَامَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يعاقب بأخذ المال على بعض الجنايات (٥)، فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، حَسْبَمَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ (٦).\nعَلَى أَنَّ الطَّحَاوِيَّ حَكَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ فَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَنْعِهِ (٧).\nفَأَمَّا الْغَزَالِيُّ فَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ/ قَبِيلِ الْغَرِيبِ الَّذِي لَا عَهْدَ بِهِ/ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَا يُلَائِمُ تَصَرُّفَاتِ الشَّرْعِ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْعُقُوبَةَ الْخَاصَّةَ لَمْ تَتَعَيَّنْ، لِشَرْعِيَّةِ الْعُقُوبَاتِ الْبَدَنِيَّةِ بِالسِّجْنِ وَالضَّرْبِ (وَغَيْرِهِمَا) (٨).\nقَالَ:/ فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ شَاطَرَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي مَالِهِ، حَتَّى أَخَذَ رَسُولُهُ (فَرْدَ) (٩) نَعْلِهِ وَشَطْرَ عِمَامَتِهِ (١٠).\nقُلْنَا: الْمَظْنُونُ مِنْ عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يَبْتَدِعِ الْعِقَابَ بِأَخْذِ الْمَالِ عَلَى خِلَافِ الْمَأْلُوفِ مِنَ الشَّرْعِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِعَلَمِ عُمَرَ (باختلاط ماله) (١١) بالمال/ المستفاد من الولاية وإحطاته بتوسعته (ولعله سبر) (١٢) المال فرأى شطر ماله\n_________\n(١) انظر: المستصفى (١ ٣٠٣ - ٣٠٤).\n(٢) أحكام القرآن (١/ ٤٦٠).\n(٣) ساقط من (ت).\n(٤) ما بين القوسين زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) هكذا في (ط) و(م) و(غ) و(ر)، وعلق رشيد رضا فقال: ينظر أين جواب (لو)، وما موقع الفاء في قوله (فاختلف العلماء).\n(٦) انظر: شفاء الغليل (١ ٢٤٣).\n(٧) انظر: شرح معاني الآثار (٣ ١٤٥).\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (ت).\n(٩) في (ط) و(خ): \"برد\".\n(١٠) انظر: تاريخ ابن جرير (٣ ٤٣٦ - ٤٣٧).\n(١١) في (م) و(خ) و(غ) و(ر): \"باختلاطهما له\".\n(١٢) في (ط) و(م) و(خ) و(غ) و(ر): \"فلعله ضمن\".","vol":"3","page":25},{"text":"مِنْ فَوَائِدَ الْوِلَايَةِ، فَيَكُونُ اسْتِرْجَاعًا لِلْحَقِّ لَا عُقُوبَةً فِي الْمَالِ، لِأَنَّ هَذَا مِنَ الْغَرِيبِ الَّذِي لَا يُلَائِمُ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ هَذَا مَا قال.\n(وَلِمَا فَعَلَ) (١) عُمَرُ ﵁ وَجْهٌ آخَرُ غَيْرُ هَذَا، وَلَكِنَّهُ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى الْعُقُوبَةِ (بِالْمَالِ) (٢)، كَمَا قَالَ الْغَزَالِيُّ.\n/وَأَمَّا مذهب مالك ﵀ (٣)، فَإِنَّ الْعُقُوبَةَ فِي الْمَالِ عِنْدَهُ (ضَرْبَانِ) (٤):\nأَحَدُهُمَا: كَمَا صَوَّرَهُ الْغَزَالِيُّ، فَلَا مِرْيَةَ فِي أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، عَلَى أَنَّ ابْنَ الْعَطَّارِ (٥) فِي (وثائقه) (٦) صغى إلى إجازة ذلك، فقال: في (إجارة) (٧) أَعْوَانِ الْقَاضِي إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْتُ مَالٍ، أنها على الطالب، فإن (أدين) (٨) المطلوب كانت الإجارة عَلَيْهِ.\nوَمَالَ إِلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ (٩)، وَرَدَّهُ عَلَيْهِ (ابن الفخار) (١٠) القرطبي وقال: إن\n_________\n(١) هكذا في جميع النسخ ولعل الصواب: ولفعل عمر ... إلخ. أو يكون المعنى: (وللذي فعل عمر ...) باعتبار (ما): موصولة.\n(٢) في (غ) و(ر): \"في المال\".\n(٣) مسألة التعزير بالعقوبات المالية بسطها ابن القيم رحمه الله تعالى في الطرق الحكمية (ص٢٧٣ - ٢٧٧).\n(٤) في (غ) و(ر): \"على ضربين\".\n(٥) هو محمد بن أحمد بن عبد الله المعروف بابن العطار، كان فقيهًا نحويًا، وكان يزري بأصحابه المفتين، فحملوا عليه بالعداوة، توفي سنة ٣٩٩هـ. انظر: ترتيب المدارك (٤ ٦٥٠)، والديباج المذهب (٢ ٢٣١).\n(٦) في (ط): \"رقائقه\". وهو خطأ، والصواب (وثائقه) كما في (م) و(خ) و(ت) و(غ) و(ر)، وفي معلمة الفقه المالكي (ص٢١): (الوثائق: هي العقود التي يسجلها الموثقون العدول) وهي كثيرة جدًا في المغرب وبلاد الأندلس. انظر: المصدر السابق (ص٢١ - ٢٣).\n(٧) في (ط) و(خ) و(ت): \"إجازة\".\n(٨) في (م) و(ت) و(غ) و(ر): \"كلمة غير واضحة\". وفي (ر): \"لدّ\".\n(٩) هو: أبو الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد القرطبي المالكي (الجد)، وهو شارح العتبية المسمى (البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل)، توفي سنة ٥٢٠هـ. انظر: بغية الملتمس (١ ٧٤)، وأزهار الرياض (٣ ٥٩)، والسير (١٩ ٥٠١)، وشذرات الذهب (٤ ٦٢).\n(١٠) في (خ) و(ط): \"ابن النجار\". والصواب: \"ابن الفخار\" وهو: محمد بن عمر بن=","vol":"3","page":26},{"text":"ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْعُقُوبَةِ فِي الْمَالِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عَلَى حَالٍ.\nوَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ جِنَايَةُ الْجَانِي فِي نَفْسِ ذَلِكَ الْمَالِ أَوْ فِي عِوَضِهِ، فَالْعُقُوبَةُ فِيهِ عِنْدَهُ ثَابِتَةٌ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الزَّعْفَرَانِ الْمَغْشُوشِ إِذَا وُجِدَ بِيَدِ الَّذِي غَشَّهُ: إِنَّهُ يُتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ.\n(وَذَهَبَ) (١) ابْنُ الْقَاسِمِ (٢)، وَمُطَرِّفٌ (٣)، وَابْنُ الْمَاجِشُونَ (٤) إِلَى أَنَّهُ يُتَصَدَّقُ بِمَا قَلَّ منه دون ما كثر.\nوذلك محكي (نحوه) (٥) عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَأَنَّهُ أَرَاقَ اللَّبَنَ الْمَغْشُوشَ بِالْمَاءِ (٦)، وَوَجَّهَ ذَلِكَ التَّأْدِيبَ لِلْغَاشِّ، وَهَذَا التَّأْدِيبُ لَا نَصَّ يَشْهَدُ له (ولكنه) (٧) مِنْ بَابِ الْحُكْمِ عَلَى الْخَاصَّةِ لِأَجْلِ الْعَامَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ، فِي مَسْأَلَةِ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ (٨).\n_________\n=يوسف المالكي القرطبي أبو عبد الله كان من أهل العلم والذكاء والحفظ والفهم. مات عام ٤١٩هـ. ترجمته في: الصلة لابن بشكوال (٢/ ٧٤٧)، والديباج المذهب (٢/ ٢٣٥).\n(١) في (خ): \"ذهب\".\n(٢) هو عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة أبو عبد الله تلميذ الإمام مالك وعالم ديار مصر ومفتيها، تقدمت ترجمته (١ ٧٩).\n(٣) لم يحدد من هو، وفي تاريخ علماء الأندلس (١١) شخصًا اسمه (مطرف)، وكلهم متقاربون في الذكر بالفقه والعلم. انظر: المصدر السابق (٢ ٨٣٣ - ٨٣٧).\n(٤) هو: أبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله الماجشون، تلميذ الإمام مالك ﵀، توفي سنة ٢١٣هـ وقيل سنة ٢١٤هـ، وقال المعلق على السير: (والماجشون: بكسر الجيم وفتحها وضمها، وعلى كسرها اقتصر السمعاني في الأنساب، وابن خلكان في الوفيات، والنووي في شرح مسلم، وابن حجر في التقريب، وابن فرحون في الديباج المذهب، وفي شرح الشفاء: معناه: الأبيض المشرب بحمرة، معرب (ماه كون) معناه: لون القمر. انظر: شرح القاموس (٤ ٣٤٨). انظر: السير (١٠ ٣٥٩)، وطبقات ابن سعد (٥ ٤٤٢)، وترتيب المدارك (٢ ٣٦٠)، ووفيات الأعيان (٣ ١٦٦)، وتهذيب التهذيب (٦ ٤٠٨).\n(٥) زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) ذكر ابن تيمية أن مالك روى عن عمر بن الخطاب أنه طرح اللبن المغشوش بالماء، انطر: مجموع الفتاوى (٢٨/ ١١٥)، وذكره ابن القيم في الطرق الحكمية (ص٢٧٥).\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"لكن\".\n(٨) انظر: (ص١٨).","vol":"3","page":27},{"text":"عَلَى أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ اللَّخْمِيَّ (١)، قَدْ وَضَعَ له أصلًا شرعيًا، وذلك أنه/ ﷺ أَمَرَ بِإِكْفَاءِ الْقُدُورِ الَّتِي (أُغْلِيَتْ) (٢) بِلُحُومِ الْحُمُرِ قَبْلَ أَنْ تُقَسَّمَ (٣)، وَحَدِيثُ الْعِتْقِ بِالْمُثْلَةِ (٤) (أَيْضًا مِنْ ذَلِكَ) (٥).\nوَمِنْ مَسَائِلِ مَالِكٍ فِي الْمَسْأَلَةِ: (إذا) (٦) اشترى مسلم/ من نصراني خمرًا (فإنها تكسر) (٧) عَلَى الْمُسْلِمِ، وَيُتَصَدَّقُ بِالثَّمَنِ أَدَبًا لِلنَّصْرَانِيِّ/ إِنْ كَانَ النَّصْرَانِيُّ لَمْ يَقْبِضْهُ، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى فَرَّعَ أَصْحَابُهُ فِي مَذْهَبِهِ، وَهُوَ كُلُّهُ مِنَ الْعُقُوبَةِ فِي الْمَالِ، إِلَّا أَنَّ وَجْهَهُ مَا تقدم.\n/الْمِثَالُ السَّابِعُ:\nأَنَّهُ لَوْ طَبَّقَ الْحَرَامُ الْأَرْضَ، أَوْ نَاحِيَةً مِنَ الْأَرْضِ يَعْسُرُ الِانْتِقَالُ (مِنْهَا) (٨) وَانْسَدَّتْ طُرُقُ الْمَكَاسِبِ (الطَّيِّبَةِ) (٩)، ومسَّت الْحَاجَةُ إِلَى الزيادة\n_________\n(١) هو: علي بن موسى بن زياد اللخمي، من أهل قرطبة، يكنى أبا الحسن، توفي بعد السبعين وثلثمائة. انظر: تاريخ علماء الأندلس (٢ ٥٣٣).\n(٢) في (غ) و(ر): \"غليت\".\n(٣) أخرجه البخاري برقم (٢٤٧٧، ٤١٩٦، ٥٤٩٦. ٦١٤٨، ٦٨٩١)، ومسلم (١٩٣٧ - ١٩٣٨)، وأحمد في المسند (٢ ٢١ و١٤٣)، (٣ ١٢٥ و١٦٤)، (٤ ٢٩١، ٣٥٤ و٣٥٦)، وابن ماجه (٣١٩٦)، وأبو يعلى (١٧٢٨ و٢٨٢٨ و٥٥٢٦)، وابن حبان (٥٢٧٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٩٢٣٨ و١٩٢٤٥ و١٩٢٤٦ و١٩٢٥٠).\n(٤) وردت عدة أحاديث في العتق بالمُثلة، منها ما أخرجه ابن ماجه (٢٦٨٠)، وأبو داود برقم (٤٥١٩)، أنه جاء رجل مستصرخ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فقال له: (ما لك؟ قال: شر، أبصر لسيده جارية له فغار، فجبَّ مذاكيره. فقال: اذهب فأنت حر، قال: يا رسول الله، على من نصرتي؟ قال: نصرتك على كل مسلم)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، وذكر ابن سعد في الطبقات (٧ ٥٠٥)، أن اسم العبد هو سندر، وذكر الحديث السابق فيه، وأخرج الحاكم في المستدرك (٨١٠٢)، من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ: (من مثَّل بعبده فهو حر وهو مولى الله ورسوله)، وقال الذهبي: \"حمزة هو النصيبي يضع الحديث\". وفي الباب عن سمرة بن جندب وأبي هريرة، انظرها في: جامع الأصول (٨ ٧٦ - ٧٨) ونصب الراية (٤ ١٧٦).\n(٥) في (ت): \"من ذلك أيضًا\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"ما إذا\".\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فإنه يكسر\".\n(٨) في (م) و(غ) و(ر): \"عنها\".\n(٩) في (م): \"الطيب\".","vol":"3","page":28},{"text":"عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ، فَإِنَّ ذَلِكَ سَائِغٌ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَدْرِ الضَّرُورَةِ، وَيَرْتَقِيَ إِلَى قَدْرِ الحاجة في الوقت والملبس والمسكن، إذ لو (اقتصروا) (١) عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ لَتَعَطَّلَتِ الْمَكَاسِبُ وَالْأَشْغَالُ/، وَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ فِي مُقَاسَاةِ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَهْلِكُوا، وَفِي ذَلِكَ خَرَابُ الدِّينِ، لَكِنَّهُ لَا ينتهي إلى (مقدار) (٢) التَّرَفُّهِ وَالتَّنَعُّمِ، كَمَا لَا يَقْتَصِرُ عَلَى مِقْدَارِ الضَّرُورَةِ.\nوَهَذَا مُلَائِمٌ لِتَصَرُّفَاتِ الشَّرْعِ، وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَى عَيْنِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ أَجَازَ أَكْلَ/ الْمَيْتَةِ (لِلْمُضْطَرِّ) (٣)، وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْخَبَائِثِ الْمُحَرَّمَاتِ.\nوَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ الِاتِّفَاقَ عَلَى جَوَازِ الشِّبَعِ عِنْدَ تَوَالِي الْمَخْمَصَةِ (٤)، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا إِذَا لَمْ (تَتَوَالَ) (٥) هَلْ يَجُوزُ لَهُ الشِّبَعُ أَمْ لَا؟ وَأَيْضًا فَقَدَ أَجَازُوا أَخْذَ مَالِ الْغَيْرِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ أَيْضًا، فَمَا نَحْنُ فِيهِ لَا يَقْصُرُ عَنْ ذَلِكَ.\nوَقَدْ بَسَطَ الْغَزَالِيُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْإِحْيَاءِ بَسْطًا شَافِيًا جدًا (٦)، وذكرها (أيضًا) (٧) في كتبه الأصولية كالمنخول (٨)، وشفاء (الغليل) (٩).\nالْمِثَالُ الثَّامِنُ:\nأَنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ، وَالْمُسْتَنَدُ فِيهِ الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ؛ إِذْ لَا نَصَّ عَلَى عَيْنِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَكِنَّهُ (مَنْقُولٌ) (١٠) عَنْ عُمَرَ بن الخطاب ﵁ (١١)،\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"اقتصر\".\n(٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) ساقطة من (غ) و(ر).\n(٤) انظر: أحكام القرآن (١ ٥٥)، في تفسير سورة البقرة: الآية (١٧٣).\n(٥) في (م) و(ت): \"تتوالى\".\n(٦) انظر: الإحياء (٤ ١٩١).\n(٧) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٨) المنخول (ص٣٦٥).\n(٩) في (ط): \"العليل\". وانظر: شفاء الغليل (ص٢٤٥ - ٢٤٦).\n(١٠) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"المنقول\".\n(١١) قتل الجماعة بالواحد: أخرجه البخاري في كتاب الديات، باب إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب أم يقتص منهم كلهم برقم (٦٨٩٦) عن ابن عمر ﵄ أن غلامًا قتل غيلة، فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم. وروى ابن أبي شيبة في المصنف (٩ ٢٩٦) برقم (٧٥٢٩)، عن سعيد بن المسيب: أن عمر قتل ثلاثة نفر من=","vol":"3","page":29},{"text":"وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ (١).\nوَوَجْهُ/ الْمَصْلَحَةِ أَنَّ الْقَتِيلِ مَعْصُومٌ، وَقَدْ قُتِلَ عَمْدًا، فَإِهْدَارُهُ دَاعٍ إِلَى خَرْمِ أَصْلِ الْقَصَاصِ، وَاتِّخَاذِ الِاسْتِعَانَةِ وَالِاشِتِرَاكَ ذريعة إلى (التشفي) (٢) بِالْقَتْلِ إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا قَصَاصَ فِيهِ، وَلَيْسَ أَصْلُهُ قَتْلَ/ الْمُنْفَرِدِ فَإِنَّهُ قَاتِلٌ تَحْقِيقًا، وَالْمُشْتَرِكُ لَيْسَ بِقَاتِلٍ تَحْقِيقًا.\n/فَإِنْ قِيلَ: هَذَا أَمْرٌ بَدِيعٌ فِي الشَّرْعِ، وَهُوَ قَتْلُ غَيْرِ الْقَاتِلِ؟\nقُلْنَا: لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَمْ يُقْتَلُ إِلَّا الْقَاتِلُ، وَهُمْ الْجَمَاعَةُ مِنْ حَيْثُ الِاجْتِمَاعُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، فَهُوَ مُضَافٌ إِلَيْهِمْ تَحْقِيقًا إِضَافَتُهُ/ إِلَى الشَّخْصِ الْوَاحِدِ، وَإِنَّمَا التَّعْيِينُ فِي تَنْزِيلِ الْأَشْخَاصِ مَنْزِلَةَ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ؛ وَقَدْ دَعَتْ إِلَيْهِ الْمَصْلَحَةُ، فَلَمْ يَكُنْ مُبْتَدِعًا مَعَ مَا فِيهِ مِنْ حِفْظِ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ فِي حَقْنِ الدِّمَاءِ، وَعَلَيْهِ يَجْرِي عِنْدَ مَالِكٍ قَطْعُ الْأَيْدِي باليد الواحدة، وقطع الأيدي في النصاب (الواحد) (٣).\n_________\n=أهل صنعاء بامرأة، ونحوه أنه قتل سبعة من أهل صنعاء برجل، وأنه قال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعهم. انظر: المصنف لابن أبي شيبة (٩ ٣٤٧) برقم (٧٧٤٣ - ٧٧٤٥)، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، والمغيرة بن شعبة ﵄، انظر: المصدر السابق (٧٧٤٦ - ٧٧٤٩)، وانظر: مصنف عبد الرزاق (١٨٠٦٩ - ١٨٠٧١) و(١٨٠٧٣ - ١٨٠٧٩)، وهو مذهب ابن عباس كما في المصنف لعبد الرزاق (٩ ٤٧٥ - ٤٨٠)، وانظر: السنن الكبرى للبيهقي (٨ ٤٠ - ٤١)، والموطأ (١٥٨٤).\n(١) ذهب جمع من العلماء إلى قتل الجماعة بالواحد، ذكر منهم ابن قدامة: عمر، وعلي، والمغيرة بن شعبة، وابن عباس ﵃، وسعيد بن المسيب، والحسن، وأبو سلمة، وعطاء وقتادة، وهو مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. وحكي عن الإمام أحمد في رواية أنهم لا يقتلون وتجب عليهم الدية، وهو قول ابن الزبير، والزهري، وابن سيرين، وحبيب بن أبي ثابت، وربيعة، وداود، وابن المنذر وحكي عن ابن عباس، وذهب معاذ بن جبل وابن الزبير وابن سيرين والزهري أنه يقتل منهم واحد ويؤخذ من الباقين حصصهم من الدية. انظر: المغني (٩ ٣٦٦ - ٣٦٧)، وفتح الباري (١٢ ٢٣٦ - ٢٣٧).\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"السعي\".\n(٣) في (ط) و(خ) و(م): \"الواجب\"، وكذا في (ت) لكن صححت في الهامش بـ: \"الواحد\".","vol":"3","page":30},{"text":"الْمِثَالُ التَّاسِعُ:\nإِنَّ الْعُلَمَاءَ نَقَلُوا الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَةَ الْكُبْرَى لَا تَنْعَقِدُ إِلَّا لِمَنْ نَالَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ وَالْفَتْوَى فِي عُلُومِ الشَّرْعِ (١)، كَمَا أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا أَيْضًا - أَوْ كَادُوا أَنْ يَتَّفِقُوا - عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ بَيْنَ النَّاسِ لَا يحصل إلا لمن رقي (رُتْبَةِ) (٢) الِاجْتِهَادِ (٣)، وَهَذَا صَحِيحٌ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَلَكِنْ إِذَا فُرِضَ خُلُوُّ الزَّمَانِ عَنْ مُجْتَهِدٍ يَظْهَرُ بَيْنَ النَّاسِ، وَافْتَقَرُوا إِلَى إِمَامٍ يُقَدِّمُونَهُ لِجَرَيَانِ الْأَحْكَامِ وَتَسْكِينِ ثَوْرَةِ الثَّائِرِينَ، وَالْحِيَاطَةِ عَلَى دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِقَامَةِ الْأَمْثَلِ مِمَّنْ لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ (٤)، لِأَنَّا بَيْنَ أَمْرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُتْرَكَ النَّاسُ فَوْضًى، وَهُوَ عَيْنُ الْفَسَادِ وَالْهَرَجِ، وَإِمَّا أَنْ يُقَدِّمُوهُ فَيَزُولُ الْفَسَادُ بَتَّةً، وَلَا يَبْقَى إِلَّا فَوْتُ الِاجْتِهَادِ، وَالتَّقْلِيدُ كَافٍ بِحَسَبِهِ.\nوَإِذَا ثَبَتَ/ هَذَا فَهُوَ نَظَرٌ مَصْلَحِيٌّ يشهد له وضع أصل الإمامة (بل هو) (٥) مَقْطُوعٌ/ بِهِ بِحَيْثُ لَا يَفْتَقِرُ فِي صِحَّتِهِ وَمُلَاءَمَتِهِ إِلَى شَاهِدٍ.\nهَذَا - وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ (مخالفًا) (٦) لما نقلوا من الإجماع (فإن\n_________\n(١) اختلف العلماء في اشتراط بلوغ مرتبة الاجتهاد في إمام المسلمين، فذهب بعض العلماء إلى اشتراط الاجتهاد فيه، حكاه الجويني في غياث الأمم، وقال الرملي: وهو مذهب الشافعي، وهو قول الماوردي وأبي يعلى، وعبد القاهر البغدادي، والقرطبي صاحب أحكام القرآن وابن خلدون. وذهب آخرون من العلماء إلى عدم اشتراط الاجتهاد، ذكر ذلك الشهرستاني، ورأي ابن حزم أنه من الشروط المستحبة لا من الواجبة، وهو مذهب أكثر الحنفية وقول الغزالي. انظر تفصيل المسألة في الإمامة العظمى للدكتور عبد الله الدميجي (ص٢٤٧ - ٢٥١).\n(٢) في (ط) و(خ) و(ت): \"في رتبة\".\n(٣) حكى ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢ ٨٦) أنه لا يجوز لغير المجتهد أن يتقلد القضاء، ولا يجوز للإمام توليته.\n(٤) جاء في هامش نسخة (ت) ما نصه: \"قلت: رأيت في أجوبة الشيخ محمد بن سحنون أنه إذا اتفق أن أهل بلد كلهم فساق فلا بد من إقامة وظائف الدين فيهم من القضاء والإمامة والعدالة واختيار الأمثل فالأمثل منهم لذلك، وإلا تعطلت أحوال الناس، وبطلت مراسم الدين\".\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"وهو\".\n(٦) في (م): \"مخالف\".","vol":"3","page":31},{"text":"الْإِجْمَاعِ) (١) (فِي) (٢) الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا انْعَقَدَ/ عَلَى فَرْضِ أَنْ لَا يَخْلُوَ الزَّمَانُ (مِنْ) (٣) مُجْتَهِدٍ، فَصَارَ مِثْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِمَّا لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ، فصح الاعتماد فيه على المصلحة.\nالْمِثَالُ الْعَاشِرُ:\nإِنَّ الْغَزَالِيَّ قَالَ فِي بَيْعَةِ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ: إِنْ رَدَدْنَا فِي مبدأ التولية بين مجتهد في علوم (الشريعة) (٤) وَبَيْنَ مُتَقَاصِرٍ عَنْهَا، فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُ الْمُجْتَهِدِ؛ لِأَنَّ اتّباعَ/ الناظرِ علمَ نفسهِ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلَى (صاحب) (٥) اتّباعِ عِلْمِ غَيْرِهِ (بِالتَّقْلِيدِ) (٦) وَالْمَزَايَا لَا سَبِيلَ إِلَى إِهْمَالِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى مُرَاعَاتِهَا.\nأَمَّا إِذَا انْعَقَدَتِ الْإِمَامَةُ (بِالْبَيْعَةِ) (٧) أَوْ تَوْلِيَةِ الْعَهْدِ لِمُنْفَكٍّ عَنْ رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ، وَقَامَتْ لَهُ الشَّوْكَةُ، وَأَذْعَنَتْ لَهُ الرِّقَابُ، بِأَنْ خَلَا الزَّمَانُ عَنْ قُرَشِيٍّ مُجْتَهِدٍ مُسْتَجْمِعٍ جَمِيعَ الشَّرَائِطِ، وَجَبَ الِاسْتِمْرَارُ.\nوإن قدر حضور قرشي (٨) مجتهد مستجمع (للورع) (٩) وَالْكِفَايَةِ وَجَمِيعِ شَرَائِطِ الْإِمَامَةِ، وَاحْتَاجَ/ الْمُسْلِمُونَ فِي خلع الأول إلى (تعرض) (١٠) لِإِثَارَةِ فِتَنٍ وَاضْطِرَابِ أُمُورٍ،/ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ خلعه والاستبدال به، بل تجب عليهم\n_________\n(١) زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"وفي\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"عن\".\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الشرائع\".\n(٥) زيادة من هامش (ت). وفي (ر): \"على اتباعه\".\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فالتقليد\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"بالبدعة\".\n(٨) اشتراط القرشية وردت به نصوص صريحة، وهو قول جمهور علماء المسلمين، ولم يخالف في ذلك إلا الخوارج وبعض المعتزلة والأشاعرة. انظر: الإمامة العظمى (ص٢٦٥ - ٢٩٥).\n(٩) في (م): \"لنردع\". وفي (ت) و(ط) و(خ): \"للفروع\".\n(١٠) في (ط) و(خ): \"تعرضه\".","vol":"3","page":32},{"text":"الطَّاعَةُ لَهُ، وَالْحُكْمُ بِنُفُوذِ وِلَايَتِهِ، وَصِحَّةِ إِمَامَتِهِ، لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ (الْعِلْمَ) (١) مَزِيَّةٌ رُوعِيَتْ فِي الْإِمَامَةِ تَحْصِيلًا لِمَزِيدِ الْمَصْلَحَةِ فِي الِاسْتِقْلَالِ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنِ التَّقْلِيدِ، وَأَنَّ الثَّمَرَةَ الْمَطْلُوبَةَ مِنَ (الإمامة) (٢) تُطْفِئُةُ الْفِتَنُ الثَّائِرَةُ مِنْ تَفَرُّقِ الْآرَاءِ الْمُتَنَافِرَةِ، فَكَيْفَ (يَسْتَجِيزُ) (٣) الْعَاقِلُ تَحْرِيكَ الْفِتْنَةِ، وَتَشْوِيشَ النِّظَامِ، وَتَفْوِيتَ أَصْلِ الْمَصْلَحَةِ فِي الْحَالِ، تَشَوُّفًا إِلَى مَزِيدِ دَقِيقَةٍ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ النَّظَرِ وَالتَّقْلِيدِ؟.\n/قَالَ: وَعِنْدَ هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَقِيسَ الْإِنْسَانُ مَا يَنَالُ الْخَلْقَ مِنَ الضَّرَرِ بِسَبَبِ عُدُولِ الْإِمَامِ عَنِ النَّظَرِ إِلَى التَّقْلِيدِ بِمَا يَنَالُهُمْ لَوْ تَعَرَّضُوا لِخَلْعِهِ وَالِاسْتِبْدَالِ بِهِ، أَوْ حَكَمُوا بِأَنَّ إِمَامَتَهُ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ (٤).\nهَذَا مَا قَالَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ بِحَسَبَ النَّظَرِ الْمَصْلَحِيِّ، وَهُوَ مُلَائِمٌ لِتَصَرُّفَاتِ الشَّرْعِ، وَإِنْ لَمْ يُعَضِّدْهُ نَصٌّ عَلَى التَّعْيِينِ.\nوَمَا قَرَّرَهُ هُوَ أَصْلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ؛ قِيلَ لِيَحْيَى بْنِ يَحْيَى: الْبَيْعَةُ مَكْرُوهَةٌ؟ قَالَ: لَا. قِيلَ لَهُ: فَإِنْ كَانُوا أَئِمَّةَ جَوْرٍ؟ فَقَالَ: قَدْ بَايَعَ ابْنُ عُمَرَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَبِالسَّيْفِ أَخَذَ الْمُلْكَ. أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ مَالِكٌ عَنْهُ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ، وَأَمَرَ لَهُ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ محمد ﷺ.\nقَالَ يَحْيَى: وَالْبَيْعَةُ خَيْرٌ مِنَ الْفُرْقَةِ.\nقَالَ: وَلَقَدْ أَتَى مَالِكًا الْعُمَرِيَّ (٥) فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، بَايَعَنِي أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ، وَأَنْتَ تَرَى سِيرَةَ أَبِي جَعْفَرٍ، فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: أَتَدْرِي مَا الَّذِي مَنَعَ عُمَرَ بن عبد العزيز ﵀/ أن يولي رجلًا صالحًا؟ فقال/\n_________\n(١) في (ت): \"للعلم\".\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الإمام\".\n(٣) في (م): \"يستجر\" وفي (ت): \"يستحل\".\n(٤) انظر: فضائح الباطنية (ص١١٩).\n(٥) هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁، من أقران مالك، كان مشهورًا بالوعظ عابدًا زاهدًا، توفي سنة ١٨٤هـ. انظر: السير (٨ ٣٧٣)، وتهذيب التهذيب (٥/ ٣٠٢).","vol":"3","page":33},{"text":"العمري: لا أدري، فقال مَالِكٌ: لَكِنِّي أَنَا أَدْرِي، إِنَّمَا كَانَتِ الْبَيْعَةُ لِيَزِيدَ بَعْدَهُ، فَخَافَ عُمَرُ إِنْ وَلَّى رَجُلًا صَالِحًا أَنْ لَا يَكُونَ لِيَزِيدَ بُدٌّ مِنَ الْقِيَامِ، فَتَقُومُ هَجْمَةٌ، فَيَفْسَدُ مَا لَا يُصْلَحُ، فَصَدَرَ رَأْيُ هَذَا الْعُمَرِيِّ (عَلَى رَأْيِ) (١) مَالِكٍ.\nفَظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ إِذَا خِيفَ عِنْدَ خَلْعِ غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ، وَإِقَامَةِ الْمُسْتَحِقِّ أَنْ تَقَعَ فِتْنَةٌ وَمَا لَا يَصْلُحُ، فَالْمَصْلَحَةُ فِي التَّرْكِ.\nوَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: لَمَّا خَلَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ حَشَمَهُ وَوَلَدَهُ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ/ الْقِيَامَةِ) وَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى بَيْعَةِ/ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْكُمْ خَلْعَهُ وَلَا تَابَعَ/ فِي هَذَا الْأَمْرِ إِلَّا كَانَتِ الْفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ (٢).\n(قَالَ) (٣) ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْخَيَّاطِ: إِنَّ بَيْعَةَ عَبْدِ اللَّهِ لِيَزِيدَ كَانَتْ كُرْهًا، وَأَيْنَ يَزِيدُ مَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَكِنْ رَأَى بِدِينِهِ وَعِلْمِهِ التَّسْلِيمَ لِأَمْرِ اللَّهِ وَالْفِرَارَ عَنِ التَّعَرُّضِ لِفِتْنَةٍ فِيهَا مِنْ ذَهَابِ الأموال والأنفس ما لا يخفى، (بخلع) (٤) يَزِيدَ، (لَوْ) (٥) تَحَقَّقَ أَنَّ الْأَمْرَ يَعُودُ فِي نصابه، فكيف ولا يعلم ذلك؟ (قال) (٦): وَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ فَتَفَهَّمُوهُ (وَالْزَمُوهُ) (٧) تَرْشُدُوا إِنْ شاء الله.\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"عن\".\n(٢) قصة ابن عمر والحديث الذي رواه، أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٨ ١٥٩ - ١٦٠)، (٩ ١٤٢ - ٣٢٠)، وقد روى الحديث عدد من الصحابة، انظر البخاري كتاب الجزية والموادعة، باب إثم الغادر للبر والفاجر برقم (٣١٨٦ - ٣١٨٨ و٦١٧٧ - ٧١١١، ٦٩٦٦، ٦١٧٨)، ومسلم (٣ ١٣٥٩ - ١٣٦١)، من رقم (١٧٣٥ - ١٧٣٨)، والترمذي برقم (٢١٩١، ١٥٨١)، وابن ماجه برقم (٢٨٧٣، ٢٨٧٢)، وأبو داود برقم (٢٧٥٦).\n(٣) في (غ) و(ر): \"بياض بمقدار كلمة\".\n(٤) في (ط) و(م) و(خ): \"فخلع\".\n(٥) في (م): \"أو\". وفي (ت): \"و\".\n(٦) زيادة من (غ) و(ر).\n(٧) في (غ) و(ر): \"والتزموه\".","vol":"3","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>فَصْلٌ</span>\nفَهَذِهِ (أَمْثِلَةٌ عَشَرَةٌ) (١) تُوَضِّحُ لَكَ (الْوَجْهَ الْعَمَلِيَّ) (٢) فِي الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ، وَتُبَيِّنُ لَكَ اعْتِبَارَ أُمُورٍ:\nأَحَدُهَا: الْمُلَاءَمَةُ لِمَقَاصِدِ الشَّرْعِ بِحَيْثُ لَا تُنَافِي أَصْلًا مِنْ أُصُولِهِ، وَلَا دَلِيلًا مِنْ (أدلته) (٣).\nوالثاني: أَنَّ عَامَّةَ النَّظَرِ فِيهَا إِنَّمَا هُوَ فِيمَا عقل (معناه) (٤) وجرى على (ذوق) (٥) المناسبات المعقولة (المعنى) (٦) الَّتِي إِذَا عُرِضَتْ عَلَى الْعُقُولِ تَلَقَّتْهَا بِالْقَبُولِ، فَلَا مَدْخَلَ لَهَا فِي التَّعَبُّدَاتِ، وَلَا مَا جَرَى مَجْرَاهَا مِنَ الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ، لِأَنَّ عَامَّةَ التَّعَبُّدَاتِ لَا يُعْقَلُ لَهَا مَعْنًى عَلَى التَّفْصِيلِ (٧)، كَالْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ فِي زَمَانٍ مَخْصُوصٍ دُونَ غيره، والحج، ونحو ذلك (٨).\nفليتأمل/ النَّاظِرُ الْمُوَفَّقُ كَيْفَ وُضِعَتْ عَلَى التَّحَكُّمِ الْمَحْضِ المنافي للمناسبات التفصيلية (٩).\n_________\n(١) في (ت): \"الأمثلة العشرة\".\n(٢) في (ت): \"أوجه العلم\".\n(٣) في (ط) و(خ): \"دلائله\".\n(٤) في (ط): \"منها\".\n(٥) في (ط): \"دون\".\n(٦) زيادة من (غ) و(ر).\n(٧) في هامش (ت) ما نصه: \"قوله: على التفصيل؛ يعني لما كانت الصلوات خمسًا؟ ولماذا كان الركوع كذا والسجود كذا؟ إلى غير ذلك من سائر العبادات في صورها وأزمنتها وأمكنتها كلية وجزئية، وأما من حيث معقوليتها إجمالًا وهو وضعها لأجل التعبد لله وحده بالطاعة، في التذلل له سبحانه والخضوع لعزته وجلاله، فإنها من هذه الجهة معقولة معلومة\".\n(٨) مسألة تعليل العبادات واختلاف العلماء فيها، فصَّلها أحمد الريسوني في رسالته: نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي (ص١٨٥ - ٢٣٢).\n(٩) في هامش (ت) ما نصه: \"قلت: وكذلك لتحقق كمال الطاعة والعبودية من العبد العاجز=","vol":"3","page":35},{"text":"أَلَا تَرَى/ أَنَّ الطَّهَارَاتِ - عَلَى اخْتِلَافِ/ أَنْوَاعِهَا - قَدِ اخْتَصَّ كُلُّ نَوْعٍ مِنْهَا بِتَعَبُّدٍ مُخَالِفٍ جِدًا لِمَا يَظْهَرُ (لِبَادِي) (١) الرَّأْيِ؟\nفَإِنَّ الْبَوْلَ وَالْغَائِطَ خَارِجَانِ نَجِسَانِ يَجِبُ بِهِمَا تَطْهِيرُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ دُونَ الْمَخْرَجَيْنِ فَقَطْ، وَدُونَ جَمِيعِ الْجَسَدِ، فَإِذَا خَرَجَ الْمَنِيُّ أَوْ دَمُ الْحَيْضِ وَجَبَ غسل جميع الجسد دون المخرج فقط، ودون أعضاء الوضوء.\nثم (ذلك) (٢) التطهير واجب مع نظافة/ الأعضاء، وَغَيْرُ وَاجِبٍ مَعَ قَذَارَتِهَا بِالْأَوْسَاخِ وَالْأَدْرَانِ، إِذَا فُرِضَ أَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ.\nثُمَّ التُّرَابُ - وَمِنْ شَأْنِهِ التَّلْوِيثُ - يَقُومُ مَقَامَ الْمَاءِ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ التَّنْظِيفُ، ثُمَّ نَظَرْنَا فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ فَلَمْ نَجِدْ فِيهَا مُنَاسَبَةً لِإِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ فِيهَا، لِاسْتِوَاءِ الْأَوْقَاتِ فِي ذَلِكَ.\nوَشُرِعَ لِلْإِعْلَامِ بِهَا أَذْكَارٌ مَخْصُوصَةٌ/ لَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ مِنْهَا/، فَإِذَا أُقِيمَتِ ابْتَدَأَتْ إِقَامَتُهَا بِأَذْكَارٍ أَيْضًا، ثُمَّ شُرِعَتْ (رَكَعَاتُهَا) (٣) مُخْتَلِفَةً بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ، وَكُلُّ رَكْعَةٍ لَهَا رُكُوعٌ وَاحِدٌ وَسُجُودَانِ دُونَ الْعَكْسِ، إِلَّا صَلَاةَ (خُسُوفِ/ الشَّمْسِ) (٤) فَإِنَّهَا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ كَانَتْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ دُونَ أَرْبَعٍ أو ست أو غير ذَلِكَ مِنَ الْأَعْدَادِ، فَإِذَا دَخَلَ الْمُتَطَهِّرُ الْمَسْجِدَ أمر بتحيته بركعتين دون واحدة (كالوتر) (٥)، أَوْ أَرْبَعٍ كَالظُّهْرِ، فَإِذَا سَهَا فِي صَلَاةٍ سجد سجدتين دون سجدة واحدة، وإذا قرأ سَجْدَةٍ، سَجَدَ وَاحِدَةً دُونَ اثْنَتَيْنِ.\nثُمَّ أُمِرَ بِصَلَاةِ النَّوَافِلِ، وَنُهِيَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، وَعَلَّلَ النَّهْيَ بِأَمْرٍ غَيْرِ مَعْقُولِ الْمَعْنَى.\n_________\n=الضعيف لسيده ومولاه القادر القوي، لأن معرفة علة الخدمة تكسر سورة المهابة والتعظيم لجانب المخدوم\".\n(١) في (غ) و(ر): \"ببادي\".\n(٢) في (م): \"ذكر\". وفي (ط) و(خ) و(ت): \"إن\".\n(٣) في (م): \"ركعتاها\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"الخسوف\".\n(٥) في (ط) و(خ): \"كالموتر\".","vol":"3","page":36},{"text":"ثُمَّ شُرِعَتِ الْجَمَاعَةُ فِي بَعْضِ النَّوَافِلِ، كَالْعِيدَيْنِ، وَالْخُسُوفِ، وَالِاسْتِسْقَاءِ، دُونَ صَلَاةِ اللَّيْلِ (١)، وَرَوَاتِبِ النَّوَافِلِ.\nفَإِذَا صِرْنَا إِلَى غُسْلِ الْمَيِّتِ وَجَدْنَاهُ لَا معنى له معقولًا، لأنه غَيْرُ مُكَلَّفٍ، ثُمَّ أُمِرْنَا بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ بِالتَّكْبِيرِ دُونَ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ تَشَهُّدٍ وَالتَّكْبِيرُ (عليه) (٢) أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ دُونَ اثْنَتَيْنِ أَوْ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْأَعْدَادِ (٣).\nفَإِذَا صِرْنَا إِلَى الصِّيَامِ وَجَدْنَا فِيهِ مِنَ التَّعَبُّدَاتِ غَيْرِ المعقولة (المعنى) (٤) كثيرًا (أيضًا) (٥)، كَإِمْسَاكِ النَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ، وَالْإِمْسَاكِ عَنِ الْمَأْكُولَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ، دُونَ الْمَلْبُوسَاتِ وَالْمَرْكُوبَاتِ، وَالنَّظَرِ/ وَالْمَشْيِ/ وَالْكَلَامِ، وأشباه ذلك، وكان (الإمساك عن) (٦) الْجِمَاعُ (وَهُوَ) (٧) رَاجِعٌ إِلَى الْإِخْرَاجِ - كَالْمَأْكُولِ - وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الضِّدِّ ـ.\nوَكَانَ شَهْرُ رَمَضَانَ - وَإِنْ كَانَ قَدْ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ - وَلَمْ يَكُنْ أَيَّامَ الْجُمَعِ، وَإِنْ كَانَتْ خَيْرَ أَيَّامٍ طَلَعَتْ عَلَيْهَا الشَّمْسُ، أَوْ كَانَ الصِّيَامُ أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ أَوْ أَقَلَّ، ثُمَّ الْحَجُّ أَكْثَرَ تَعَبُّدًا مِنَ الْجَمِيعِ.\nوَهَكَذَا تَجِدُ عَامَّةَ التَّعَبُّدَاتِ فِي كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ.\n(فَاعْلَمُوا) (٨) أَنَّ فِي هَذَا الِاسْتِقْرَاءِ مَعْنًى يُعْلَمُ مِنْ مَقَاصِدِ الشرع أنه قصد قصده، ونحى نَحْوَهُ،/ (وَاعْتُبِرَتْ جِهَتُهُ) (٩)؛ وَهُوَ أَنَّ مَا كَانَ من\n_________\n(١) ويستثنى من ذلك قيام الليل من شهر رمضان، لأن النبي ﷺ فعله، ثم تركه خوفًا أن يفرض على الأمة، ثم أعاد ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، والمسألة مشهورة.\n(٢) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٣) ثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كبر على الميت أربع وخمس وست وسبع وتسع تكبيرات. انظر تفصيل المسألة في فتح الباري (٣ ٢٤٠ - ٢٤١)، وشرح صحيح مسلم (٧ ٣٢ - ٢٤)، وأحكام الجنائز للألباني (ص١١١ - ١١٤).\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٦) ما بين القوسين زيادة من (ت).\n(٧) في (خ): \"هو\".\n(٨) في (ط) و(خ): \"ما علموا\".\n(٩) سقط من (غ) و(ر).","vol":"3","page":37},{"text":"التَّكَالِيفِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، فَإِنَّ قَصْدَ الشَّارِعِ (فيه) (١) أَنْ يُوقِفَ (عِنْدَهُ) (٢) وَيَعْزِلَ عَنْهُ النَّظَرَ الِاجْتِهَادِيَّ جُمْلَةً، وَأَنْ يُوكَلَ إِلَى وَاضِعِهِ وَيُسَلَّمَ لَهُ فيه، سواء عَلَيْنَا أَقُلْنَا: إِنَّ التَّكَالِيفَ مُعَلَّلَةٌ بِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، أَمْ لَمْ نَقُلْهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا قَلِيلًا مِنْ مَسَائِلِهَا/ ظَهَرَ فِيهَا مَعْنًى فَهِمْنَاهُ مِنَ الشَّرْعِ، فَاعْتَبَرْنَا بِهِ أَوْ شَهِدْنَا فِي بَعْضِهَا بِعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَالْمَسْكُوتِ عَنْهُ، فَلَا حَرَجَ حِينَئِذٍ، فَإِنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ فَلَا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ، فَهُوَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى لِلْمُتَفَقِّهِ فِي الشَّرِيعَةِ والوَزَر (٣) الْأَحْمَى.\nوَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَالَ حُذَيْفَةُ ﵁: (كُلُّ عِبَادَةٍ لَمْ يَتَعَبَّدْهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَا تعبَّدوها؛ فَإِنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَدَعْ لِلْآخِرِ مَقَالًا، فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ، وَخُذُوا بِطَرِيقِ مَنْ كَانَ قبلكم)، ونحوه لابن مسعود أيضًا (٤).\n_________\n(١) زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) في (م): \"عند\".\n(٣) الوزر بفتح الواو والزاي: هو الملجأ. انظر: لسان العرب مادة (وزر).\n(٤) أثر حذيفة بن اليمان أخرجه ابن المبارك في الزهد (٤٧) وبنحوه ابن أبي شيبة في المصنف (١٦٦٥١ و١٨٩٨٥)، والبخاري (٧٢٨٢)، نحوه مختصرًا، وابن وضاح في البدع والنهي عنها (١٠ و١١ و١٢ و١٥ و١٦)، وعبد الله في السنة (١٠٦)، ومحمد بن نصر المروزي في السنة (٨٦ و٨٧)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٨٠٩)، وابن بطة في الإبانة (١٩٦ و١٩٧)، واللالكائي (١١٩)، وأبو نعيم في الحلية (١ ٢٨٠)، والخطيب في تاريخه (٣ ٤٤٦). وهذا النص يظهر أن الشاطبي أخذه من الطرطوشي في كتابه الحوادث والبدع كما في (ص٢٩٨).\nوأثر ابن مسعود أخرجه وكيع في الزهد (٣١٥) بلفظ: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وكل بدعة ضلالة)، وعنه أحمد في الزهد (ص٢٠٢)، والدارمي برقم (٢٠٥)، وابن وضاح في البدع والنهي عنها برقم (١٤)، والطبراني في الكبير برقم (٨٧٧٠)، وابن بطة برقم (١٧٥)، ومحمد بن نصر المروزي في السنة برقم (٧٨)، واللالكائي برقم (١٠٤)، والبيهقي في المدخل (٢٠٤)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (١ ٢١٨)، كلهم من طريق الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن مسعود، وأخرجه أبو خيثمة في كتاب العلم برقم (٥٤) عن جرير عن العلاء عن حماد عن إبراهيم، قال: قال عبد الله بن مسعود ..، بنحوه، وأخرجه ابن وضاح في البدع والنهي عنها (١٢) من طريق قتادة عن ابن مسعود، بنحوه.","vol":"3","page":38},{"text":"وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ.\nوَلِذَلِكَ الْتَزَمَ مَالِكٌ فِي الْعِبَادَاتِ عَدَمَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمَعَانِي وَإِنْ ظَهَرَتْ/ لِبَادِي الرَّأْيِ، وُقُوفًا مَعَ مَا فُهِمَ مِنْ مَقْصُودِ الشَّارِعِ فِيهَا مِنَ التَّسْلِيمِ (لها) (١) عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ/ فِي إِزَالَةِ الْأَخْبَاثِ/ وَرَفْعِ الْأَحْدَاثِ، إِلَى مُطْلَقِ النَّظَافَةِ الَّتِي اعْتَبَرَهَا غَيْرُهُ، حَتَّى اشْتَرَطَ فِي رَفْعِ الْأَحْدَاثِ النِّيَّةَ، وَلَمْ يَقُمْ غَيْرُ الْمَاءِ مَقَامَهُ عِنْدَهُ وَإِنْ حَصَلَتِ النَّظَافَةُ، حَتَّى يَكُونَ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَامْتَنَعَ مِنْ إِقَامَةِ غَيْرِ التَّكْبِيرِ وَالتَّسْلِيمِ وَالْقِرَاءَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَقَامَهَا فِي التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ/ وَالْإِجْزَاءِ، وَمَنَعَ مِنْ إِخْرَاجِ القِيَم فِي الزَّكَاةِ، (وَاقْتَصَرَ) (٢) فِي الْكَفَّارَاتِ عَلَى مُرَاعَاةِ الْعَدَدِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.\nوَدَوَرَانِهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى الْوُقُوفِ مَعَ مَا حَدَّهُ الشَّارِعُ دُونَ مَا يَقْتَضِيهِ مَعْنًى مُنَاسِبٌ - إِنْ تَصَوَّرَ - لِقِلَّةِ ذَلِكَ فِي التَّعَبُّدَاتِ وَنُدُورِهِ، بِخِلَافِ قِسْمِ الْعَادَاتِ الَّذِي هُوَ جَارٍ عَلَى الْمَعْنَى الْمُنَاسِبِ الظَّاهِرِ لِلْعُقُولِ؛ فَإِنَّهُ اسْتَرْسَلَ فِيهِ اسْتِرْسَالَ الْمُدِلِّ الْعَرِيقِ/ فِي فَهْمِ الْمَعَانِي الْمَصْلَحِيَّةِ، نَعَمْ (مَعَ) (٣) مُرَاعَاةِ مَقْصُودِ الشَّارِعِ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْهُ، وَلَا يُنَاقِضَ أَصْلًا مِنْ أُصُولِهِ، حَتَّى لَقَدِ اسْتَشْنَعَ الْعُلَمَاءُ كَثِيرًا مِنْ وُجُوهِ اسْتِرْسَالِهِ زَاعِمِينَ أَنَّهُ خَلَعَ الرِّبْقَةَ (٤)، وَفَتَحَ بَابَ التَّشْرِيعِ، وَهَيْهَاتَ مَا أَبْعَدَهُ مِنْ ذَلِكَ ﵀ بَلْ هُوَ الَّذِي رَضِيَ لِنَفْسِهِ فِي فِقْهِهِ بِالِاتِّبَاعِ، بِحَيْثُ يُخَيَّلُ لِبَعْضٍ (الناس) (٥) أَنَّهُ مُقَلِّدٌ لِمَنْ قَبْلُهُ، بَلْ هُوَ صَاحِبُ البصيرة في دين الله - حسبما بين (ذلك) (٦) أصحابه في (كتب) (٧) سِيَرِهِ.\nبَلْ حُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يُبْغِضُ مَالِكًا\n_________\n(١) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٢) في (ط) و(خ): \"واختصر\".\n(٣) ساقطة من (غ) و(ر).\n(٤) الربق بكسر الراء المشددة وفتحها: الخيط، واستعيرت للإسلام، فتقول: خلع ربقة الإسلام: أي عقده. انظر لسان العرب مادة ربق.\n(٥) زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) زيادة من (م).\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"كتاب\".","vol":"3","page":39},{"text":"فَاعْلَمْ أَنَّهُ مُبْتَدِعٌ (١).\nوَهَذِهِ غَايَةٌ/ فِي الشَّهَادَةِ بِالِاتِّبَاعِ.\nوَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَخْشَى عَلَيْهِ الْبِدْعَةَ - يعني المبغض لمالك (٢) ـ.\nوقال ابن مهدي (٣): إِذَا رَأَيْتَ الْحِجَازِيَّ يُحِبُّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ فَاعْلَمْ أَنَّهُ صَاحِبُ سُنَّةٍ، وَإِذَا رَأَيْتَ أَحَدًا يَتَنَاوَلُهُ فَاعْلَمْ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ (السُّنَّةِ) (٤).\nوَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى (بْنِ هِشَامٍ) (٥): مَا سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ لَعَنَ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا/ رَجُلَيْنِ: أَحَدُهُمَا رَجُلٌ ذُكِرَ لَهُ أَنَّهُ لَعَنَ مَالِكًا، وَالْآخَرُ بِشْرُ الْمُرَيْسِيُّ (٦).\nوَعَلَى الْجُمْلَةِ فَغَيْرُ مَالِكٍ أَيْضًا مُوَافِقٌ لَهُ فِي أَنَّ أَصْلَ الْعِبَادَاتِ عَدَمُ مَعْقُولِيَّةِ الْمَعْنَى، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ التفاصيل، فالأصل متفق عليه (بين) (٧) الْأُمَّةِ، مَا عَدَّا الظَّاهِرِيَّةَ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يُفَرِّقُونَ بين العبادات والعادات، بل الكل تعبد غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، فَهُمْ أَحْرَى بِأَنْ لَا يَقُولُوا بِأَصلِ الْمَصَالِحِ، فَضلًا عَنْ أَنْ يَعْتَقِدُوا المصالح المرسلة.\nوالثالث: أَنَّ حَاصِلَ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ يَرْجِعُ إِلَى حِفْظِ أَمْرٍ ضَرُورِيٍّ، وَرَفْعِ حَرَجٍ لَازِمٍ فِي الدِّينِ، وأيضًا (فرجوعها) (٨) إلى حفظ الضروري من\n_________\n(١) انظر: ترتيب المدارك (١ ١٦٩ - ١٧٠).\n(٢) المصدر السابق (١ ١٧٠).\n(٣) هو: الإمام عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري، تقدمت ترجمته (١ ٨٤).\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (غ) و(ر)، وقول ابن مهدي أخرجه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (١ ٢٥) وانظر: ترتيب المدارك (١ ١٧٠).\n(٥) في (م) و(ت) و(خ) و(ر): \"بن بسام\"، وفي (غ) و(ر): \"إبراهيم بن يحيى\". فقط بدون زيادة ولم أقف له على ترجمة، ووقفت على من اسمه: إبراهيم بن يحيى بن هشام في تفسير ابن كثير في تفسير سورة النمل: الآية (١٥). والله أعلم.\n(٦) هو بشر بن غياث بن أبي كريمة العدوي مولاهم البغدادي المريسي تقدمت ترجمته.\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"عند\".\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): مرجعها.","vol":"3","page":40},{"text":"بَابِ مَا (لَا) (١) يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ/ فَهِيَ إِذًا مِنَ الْوَسَائِلِ لَا مِنَ الْمَقَاصِدِ، وَرُجُوعُهَا إِلَى رَفْعِ الْحَرَجِ رَاجِعٌ إِلَى بَابِ التَّخْفِيفِ لَا إِلَى التَّشْدِيدِ.\n/أَمَّا رُجُوعُهَا إِلَى ضَرُورِيٍّ (فَقَدْ ظَهَرَ) (٢) مِنَ الْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ.\nوَكَذَلِكَ رُجُوعُهَا إِلَى رَفْعِ حَرَجٍ لَازِمٍ، وَهُوَ إِمَّا لَاحِقٌ بِالضَّرُورِيِّ، وَإِمَّا مِنَ الْحَاجِيِّ، وَعَلَى كُلِّ تقدير فليس فيها ما يرجع إلى (التحسين) (٣) وَالتَّزْيِينِ الْبَتَّةَ، فَإِنْ جَاءَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فإما من باب آخر (لا) (٤) مِنْهَا،/ كَقِيَامِ رَمَضَانَ فِي الْمَسَاجِدِ جَمَاعَةً - حَسْبَمَا تَقَدَّمَ (٥) - وَإِمَّا مَعْدُودٌ مِنْ قَبِيلِ الْبِدَعِ الَّتِي أَنْكَرَهَا السَّلَفُ الصَّالِحُ كَزَخْرَفَةِ الْمَسَاجِدِ وَالتَّثْوِيبِ بِالصَّلَاةِ (٦)، وهو من قبيل ما (لا) (٧) يُلَائِمُ.\nوَأَمَّا كَوْنُهَا فِي الضَّرُورِيِّ مِنْ قَبِيلِ الْوَسَائِلِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ (فظاهر من الأمثلة المذكورة وأشباهها، وحقيقة ما لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ) (٨)، إِنْ نُصَّ عَلَى اشْتِرَاطِهِ، فَهُوَ شَرْطٌ شَرْعِيٌّ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّ نَصَّ الشَّارِعِ فِيهِ قَدْ كَفَانَا مُؤْنَةَ النَّظَرِ فِيهِ.\nوَإِنْ لَمْ يُنَصَّ/ عَلَى اشْتِرَاطِهِ، فَهُوَ إِمَّا عَقْلِيٌّ أَوْ عَادِيٌّ؛ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ شَرْعِيًّا، كَمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عَلَى كَيْفِيَّةٍ مَعْلُومَةٍ؛ فَإِنَّا لَوْ فَرَضْنَا حِفْظَ/ الْقُرْآنِ والعلم بغير (الكتب عاديًا) (٩) مطردًا لصح (لنا حفظه به) (١٠)\n_________\n(١) في (ط): \"لم\".\n(٢) في (غ) و(ر): \"فظاهر\".\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"التقبيح\".\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (ط).\n(٥) في (ص٥).\n(٦) التثويب بالأذان ذكره الشاطبي في الاعتصام (٢ ٧٠) قال: وَقَدْ فَسَّرَ التَّثْوِيبَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ مَالِكٌ بأن المؤذن كان إذا أبطأ النَّاسُ قَالَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَّاحِ، وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِمْ عِنْدَنَا: الصَّلَاةُ رَحِمَكُمُ اللَّهُ.\n(٧) ما بين القوسين زيادة من (غ).\n(٨) ما بين القوسين زيادة من (غ) و(ر).\n(٩) في (ط) و(خ): \"كتب\".\n(١٠) هكذا في (غ)، وفي باقي النسخ كتبت هكذا: (ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَصَالِحِ الضَّرُورِيَّةِ يَصِحُّ لَنَا حفظها) وهو انتقال نظر من النسَّاخ، فإنك إذا تأملت النص تجد بعد سطر جملة (لصح ذلك .... إلى - الضرورية) وهي مقحمة في غير مكانها، والصواب=","vol":"3","page":41},{"text":"كَمَا أَنَّا لَوْ فَرَضْنَا حُصُولَ مَصْلَحَةِ الْإِمَامَةِ الْكُبْرَى بِغَيْرِ إِمَامٍ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ النَّصِّ بِهَا لَصَحَّ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَصَالِحِ الضَّرُورِيَّةِ، وإذا ثَبَتَ هَذَا، لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُسْتَنْبَطَ مِنْ بَابِهَا شَيْءٌ مِنَ الْمَقَاصِدِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِوَسَائِلَ.\nوَأَمَّا كَوْنُهَا فِي الْحَاجِيِّ مِنْ بَابِ التَّخْفِيفِ فَظَاهِرٌ أَيْضًا، وَهُوَ أَقْوَى فِي الدَّلِيلِ (الرَّافِعِ لِلْحَرَجِ) (١)؛ فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَشْدِيدٍ وَلَا زِيَادَةِ تَكْلِيفٍ، وَالْأَمْثِلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِهَذَا الْأَصْلِ أَيْضًا.\nإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ، عُلِمَ أَنَّ الْبِدَعَ كَالْمُضَادَّةِ لِلْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ، لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ مَا عُقِلَ مَعْنَاهُ عَلَى التَّفْصِيلِ، وَالتَّعَبُّدَاتُ مِنْ حَقِيقَتِهَا أَنْ لَا يُعْقَلَ مَعْنَاهَا عَلَى التَّفْصِيلِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْعَادَاتِ إِذَا دَخَلَ فِيهَا الِابْتِدَاعُ فَإِنَّمَا يَدْخُلُهَا مِنْ جِهَةٍ مَا فِيهَا مِنَ التَّعَبُّدِ لَا بِإِطْلَاقٍ.\n/وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْبِدَعَ فِي عَامَّةِ أَمْرِهَا لَا تُلَائِمُ مَقَاصِدَ الشَّرْعِ، بَلْ إِنَّمَا/ تُتَصَوَّرُ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا مُنَاقِضَةً لِمَقْصُودِهِ - كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُفْتِي لِلْمَلِكِ بِصِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ - وَإِمَّا مَسْكُوتًا (عَنْهَا) (٢) فِيهِ، كَحِرْمَانِ الْقَاتِلِ وَمُعَامَلَتِهِ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ النَّصِّ بِهِ.\nوَقَدْ تَقَدَّمَ (٣) نَقْلُ الْإِجْمَاعِ عَلَى اطِّرَاحِ الْقِسْمَيْنِ وَعَدَمِ اعْتِبَارِهِمَا، وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ يَلْحَقُ بِالْمَأْذُونِ فِيهِ، إِذْ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ خَرْقُ الْإِجْمَاعِ لِعَدَمِ الْمُلَاءَمَةِ، وَلِأَنَّ الْعِبَادَاتِ لَيْسَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْعَادَاتِ فِي أَنَّ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ كَالْمَأْذُونِ فيه، إن قيل بذلك (بل هي) (٤) تُفَارِقُهَا. إِذْ لَا يُقْدَمُ عَلَى اسْتِنْبَاطِ عِبَادَةٍ لَا أَصْلَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا/ مَخْصُوصَةٌ بِحُكْمِ الْإِذْنِ الْمُصَرَّحِ بِهِ، بِخِلَافِ الْعَادَاتِ، وَالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مَا تَقَدَّمَ مِنِ اهْتِدَاءِ الْعُقُولِ لِلْعَادِيَّاتِ فِي الْجُمْلَةِ، وَعَدَمِ اهْتِدَائِهَا لِوُجُوهِ التَّقَرُّبَاتِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وقد أشير إلى هذا\n_________\n=أن سائر النسخ ما عدا (غ) الجملة تكون هكذا (لصح لنا حفظها) ما عدا (م) فهي: حفظه. وأمّا نسخة (غ) فهي المثبتة أعلاه.\n(١) ساقط من (غ) وفي (ر) بياض.\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"عنه\".\n(٣) انظر: (ص٩) من النص المحقق.\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فهي\".","vol":"3","page":42},{"text":"الْمَعْنَى فِي كِتَابِ الْمُوَافِقَاتِ (١) وَإِلَى هَذَا (٢).\n/ (فَإِذَا) (٣) ثبت أن المصالح المرسلة ترجع إما إِلَى حِفْظِ ضَرُورِيٍّ مِنْ بَابِ الْوَسَائِلِ أَوْ إِلَى التَّخْفِيفِ، فَلَا يُمْكِنُ إِحْدَاثُ الْبِدَعِ مِنْ جِهَتِهَا وَلَا الزِّيَادَةُ فِي الْمَنْدُوبَاتِ، لِأَنَّ الْبِدَعَ من باب/ (المقاصد لا مِنْ بَابِ الْوَسَائِلِ) (٤)، لِأَنَّهَا مُتَعَبَّدٌ (بِهَا) (٥) بِالْفَرْضِ، ولأنها زيادة في التكليف، وهو مضاد لِلتَّخْفِيفِ.\nفَحَصَلَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنْ لَا تَعَلُّقَ (لِلْمُبْتَدِعِ) (٦) بِبَابِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ إِلَّا الْقِسْمَ الْمُلْغَى بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَحَسْبُكَ بِهِ مُتَعَلِّقًا، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.\nوَبِذَلِكَ كُلِّهِ (يُعْلَمُ) (٧) مِنْ قَصْدِ الشَّارِعِ أَنَّهُ لَمْ يَكِلْ شَيْئًا مِنَ التَّعَبُّدَاتِ إِلَى آرَاءِ الْعِبَادِ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْوُقُوفُ عِنْدَ مَا حَدَّهُ، وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ بِدْعَةٌ؛ كَمَا أَنَّ النُّقْصَانَ مِنْهُ بِدْعَةٌ، وَقَدْ مَرَّ لَهُمَا أَمْثِلَةٌ كثيرة (وستأتي أخرٌ) (٨)، في أثناء الكتاب بحول الله.\n_________\n(١) الموافقات (١ ١٣٧ - ١٣٨) و(٢ ٢١١ - ٢١٥).\n(٢) هكذا في جميع النسخ.\n(٣) في (غ): \"فقد\".\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الوسائل\".\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (ت).\n(٦) في (غ) و(ر): \"لمبتدعٍ\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"تعلم\".\n(٨) في (ط): \"وسيأتي أخيرًا\"، وفي (خ) و(ت): \"وسيأتي آخرًا\"، وفي م: \"سيأتي أخرى\".","vol":"3","page":43},{"text":"/<span data-type=\"title\" id=toc-145>فصل</span>\nوَأَمَّا الِاسْتِحْسَانُ (١)، فَلِأَنَّ لِأَهْلِ الْبِدَعِ أَيْضًا تَعَلُّقًا بِهِ؛ فَإِنَّ الِاسْتِحْسَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا (بمستحسِن) (٢)، وَهُوَ إِمَّا الْعَقْلُ أَوِ الشَّرْعُ.\nأَمَّا الشَّرْعُ فَاسْتِحْسَانُهُ وَاسْتِقْبَاحُهُ قَدْ فَرَغَ مِنْهُمَا، لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ اقْتَضَتْ ذَلِكَ، فَلَا فَائِدَةَ لِتَسْمِيَتِهِ اسْتِحْسَانًا، وَلَا لِوَضْعِ تَرْجَمَةٍ لَهُ زَائِدَةٍ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ/ والإجماع، وما ينشأ (عنهما) (٣) مِنَ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِدْلَالِ؛ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْعَقْلُ هُوَ المستحسِن، فَإِنْ كَانَ بِدَلِيلٍ فَلَا فَائِدَةَ لِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ، لِرُجُوعِهِ إِلَى الْأَدِلَّةِ لَا إِلَى غَيْرِهَا، وَإِنْ/ كَانَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ/ فَذَلِكَ هُوَ البدعة التي تُستحسن.\n(ويشبهه) (٤) قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّهُ (مَا يستحسنه) (٥) المجتهد بعقله، ويميل إليه برأيه (٦).\n_________\n(١) ذكر ابن قدامة ثلاث تعريفات للاستحسان، فقال: له ثلاثة معان: أحدها: أن المراد به العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص من كتاب أو سنة. الثاني: أنه ما يستحسنه المجتهد بعقله. الثالث: قولهم: الْمُرَادَ بِهِ دَلِيلٌ يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ، لا يقدر على التعبير عنه. انظر: روضة الناظر (ص١٤٧) وهناك تعريفات أخرى، انظر: التعريفات للجرجاني (ص١٨ - ١٩)، والإحكام للآمدي (٤ ١٥٦ - ١٦٠)، والموافقات (٤ ٢٠٥ - ٢٠٦)، والاستصلاح لمصطفى الزرقا (ص٢٣).\n(٢) في (م): \"مستحسن\". وفي (غ) و(ر): \"من مستحسن\".\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"عنها\".\n(٤) في (ط) و(م) و(خ): \"ويشهد\"، وفي (ت): \"يشهد لذلك\".\n(٥) في (م) و(ط): \"يستحسنه\".\n(٦) هذا القول هو قول أبي حنيفة، ذكره عنه السبكي في الإبهاج (٣ ١٩٠)، وابن قدامة في روضة الناظر (ص١٤٧).","vol":"3","page":44},{"text":"قَالُوا: وَهُوَ عِنْدُ هَؤُلَاءِ مِنْ جِنْسِ مَا يُسْتَحْسَنُ فِي الْعَوَائِدِ، وَتَمِيلُ إِلَيْهِ الطِّبَاعُ؛ فَيَجُوزُ الْحُكْمُ بِمُقْتَضَاهُ إِذَا لَمْ يُوجَدُ فِي الشَّرْعِ (ما ينافيه، ففي هَذَا) (١) الْكَلَامُ مَا بيَّن أَنَّ ثَمَّ مِنَ التَّعَبُّدَاتِ مَا لَا يَكُونُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى بِالْبِدْعَةِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْقَسِمَ إِلَى حَسَنٍ وَقَبِيحٍ، إِذْ لَيْسَ كُلُّ اسْتِحْسَانٍ (باطلًا، كما أنه لَيْسَ كُلُّ اسْتِحْسَانٍ) (٢) حَقًّا.\nوَأَيْضًا فَقَدْ يَجْرِي عَلَى التَّأْوِيلِ الثَّانِي لِلْأُصُولِيِّينَ فِي الِاسْتِحْسَانِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ: دَلِيلٌ يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ لَا تُسَاعِدُهُ الْعِبَارَةُ عَنْهُ، وَلَا يَقْدِرُ على إظهاره (٣)، وهذا التأويل (للاستحسان يساعد البدعة) (٤) لِأَنَّهُ يَبْعُدُ فِي مَجَارِي الْعَادَاتِ أَنْ يَبْتَدِعَ أحد بدعة من غير شبهة دليل (تنقدح) (٥) لَهُ، بَلْ عَامَّةُ الْبِدَعِ لَا بُدَّ لِصَاحِبِهَا مِنْ مُتَعَلِّقِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، لَكِنْ قَدْ يُمْكِنُهُ إِظْهَارُهُ وَقَدْ لَا يُمْكِنُهُ - وَهُوَ الْأَغْلَبُ - فَهَذَا مِمَّا يَحْتَجُّونَ بِهِ.\nوَرُبَّمَا/ يَنْقَدِحُ لِهَذَا الْمَعْنَى وَجْهٌ بِالْأَدِلَّةِ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِهَا أَهْلُ التَّأْوِيلِ الْأَوَّلُونَ، وَقَدْ أَتَوْا بِثَلَاثَةِ أَدِلَّةٍ:\nأَحَدُهَا: قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ/ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ (٧)، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ *الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (٨)، (فأحسنه) (٩) هو ما تستحسنه عقولهم.\nوالثاني: (قَوْلُهُ) (١٠) ﵊: \"مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حسنًا فهو\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"ما ينافي هذا\".\n(٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) انظر: روضة الناظر (ص١٤٨)، والإحكام للآمدي (٤ ١٥٧).\n(٤) في (ط) و(غ) و(م): \"فالاستحسان يساعده لبعده\"، وفي (ت): \"للاستحسان لا يساعده لبعده\".\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"ينقدح\".\n(٦) سورة الزمر: الآية (٥٥).\n(٧) سورة الزمر: الآية (٢٣).\n(٨) سورة الزمر: الآية (١٧، ١٨).\n(٩) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٠) في (م): \"في قوله\".","vol":"3","page":45},{"text":"عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ\" (١).\nوَإِنَّمَا (يَعْنِي) (٢) بِذَلِكَ مَا رأوه بعقولهم، وإلا (فلو) (٣) كَانَ حُسْنُهُ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، لَمْ يَكُنْ مِنْ حُسْنِ مَا يَرَوْنَ، إِذْ لَا مَجَالَ لِلْعُقُولِ فِي التَّشْرِيعِ عَلَى مَا زَعَمْتُمْ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْحَدِيثِ فَائِدَةٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا (رأوه) (٤) برأيهم.\nوالثالث: أَنَّ الْأُمَّةَ قَدِ اسْتَحْسَنَتْ دُخُولَ الْحَمَّامِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ/ أُجْرَةٍ، وَلَا تَقْدِيرِ مُدَّةِ اللَّبْثِ وَلَا تَقْدِيرِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَلَا سَبَبَ لِذَلِكَ إِلَّا أَنَّ الْمُشَاحَّةَ فِي مِثْلِهِ (قَبِيحَةٌ) (٥) فِي الْعَادَةِ، فَاسْتَحْسَنَ النَّاسُ/ تَرْكَهُ، مَعَ أَنَّا نَقْطَعُ (بأن) (٦) الْإِجَارَةَ الْمَجْهُولَةَ، أَوْ مُدَّةَ الِاسْتِئْجَارِ أَوْ مِقْدَارَ الْمُشْتَرَى إِذَا جُهِلَ فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ، وَقَدِ اسْتُحْسِنْتَ إِجَارَتُهُ مَعَ مُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ، فَأَوْلَى أَنْ يُجَوَّزَ إذا لم يخالف دليلًا.\n_________\n(١) قال الألباني في السلسلة الضعيفة (٢ ١٦)، برقم (٥٣٢): موضوع، رواه الخطيب (٤ ١٦٥) ... وقال: تفرد به النخعي قلت (الألباني): وهو كذاب ... ولهذا قال الحافظ ابن عبد الهادي: إسناده ساقط، والأصح وقفه على ابن مسعود، نقله في الكشف (٢ ١٨٨)، انتهى كلام الألباني. والحديث ثبت موقوفًا على ابن مسعود ﵁، أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥ ٢١١)، برقم (٣٦٠٠)، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح، وهو في مجمع الزوائد (١ ١٧٧ - ١٧٨) وقال الهيثمي: رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. انتهى كلام أحمد شاكر، وقال الألباني في السلسلة الضعيفة برقم (٥٣٣) عن حديث ابن مسعود: لا أصل له مرفوعًا، وإنما ورد عن ابن مسعود ... أخرجه أحمد (رقمه ٣٦٠٠)، والطيالسي في مسنده (٢٣)، وأبو سعيد الأعرابي في معجمه (٨٤ ٢)، من طريق عاصم عن زر بن حبيش عنه، وهذا إسناد حسن، وروى الحاكم ... وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وقال الحافظ السخاوي: هو موقوف حسن. قلت (الألباني): وكذا رواه الخطيب في الفقيه والمتفقه (١٠٠ ٢)، من طريق المسعودي عن عصام به، إلا أنه قال: أبي وائل بدل زر بن حبيش ... إلخ. ثم علق الألباني على الحديث تعليقًا مهما فانظره في السلسلة الضعيفة (٢ ١٧ - ١٩).\n(٢) في (م): \"ينبغي\".\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"لو\".\n(٤) في (خ): \"رواه\".\n(٥) في (م) و(غ) و(ر): \"قبيح\".\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"أن\".","vol":"3","page":46},{"text":"فَأَنْتَ تَرَى أَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ مَزَلَّةُ قَدَمٍ أَيْضًا لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْتَدِعَ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: إِنِ اسْتَحْسَنْتُ كَذَا وَكَذَا فَغَيْرِي مِنَ الْعُلَمَاءِ قَدِ اسْتَحْسَنَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا (بُدَّ) (١) مِنْ فَضْلِ اعْتِنَاءٍ بِهَذَا الْفَصْلِ، حَتَّى لَا يَغْتَرَّ بِهِ جَاهِلٌ أَوْ زَاعِمٌ أَنَّهُ عَالَمٌ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، فَنَقُولُ:\nإِنَّ الِاسْتِحْسَانَ يَرَاهُ مُعْتَبَرًا فِي الْأَحْكَامِ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ، بِخِلَافِ الشَّافِعِيِّ (٢) فَإِنَّهُ مُنْكِرٌ لَهُ جِدًّا حَتَّى قَالَ: من استحسن فقد شرَّع (٣). والذي يُستقرى مِنْ/ مَذْهَبِهِمَا أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى الْعَمَلِ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ، (هَكَذَا) (٤) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، قَالَ: فَالْعُمُومُ إِذَا اسْتَمَرَّ، وَالْقِيَاسُ إِذَا اطَّرَدَ، فَإِنَّ مَالِكًا وَأَبَا حَنِيفَةَ يَرَيَانِ تَخْصِيصَ الْعُمُومِ بِأَيِّ دَلِيلٍ كَانَ مِنْ ظَاهِرٍ أَوْ مَعْنَى - قَالَ - وَيَسْتَحْسِنُ مَالِكٌ أَنْ يَخُصَّ بِالْمَصْلِحَةِ، وَيَسْتَحْسِنُ أَبُو حَنِيفَةَ أَنْ يَخُصَّ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ مِنَ الصَّحَابَةِ الْوَارِدِ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ - قَالَ ـ: وَيَرَيَانِ مَعًا تَخْصِيصَ الْقِيَاسِ ونقض الْعِلَّةِ، وَلَا يَرَى الشَّافِعِيُّ لِعِلَّةِ الشَّرْعِ/ - إِذَا ثَبَتَ - تَخْصِيصًا.\nهَذَا مَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. ويشعر بذلك تفسير الكرخي (٥): أَنَّهُ الْعُدُولُ عَنِ الْحُكْمِ فِي الْمَسْأَلَةِ بِحُكْمِ نَظَائِرِهَا إِلَى خِلَافِهِ لِوَجْهٍ أَقْوَى (٦).\nوَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ الْقِيَاسُ الَّذِي يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ؛ لأن العلة (لمَّا) (٧) كَانَتْ عِلَّةً بِأَثَرِهَا، سَمَّوْا الضَّعِيفَ الْأَثَرِ قِيَاسًا، والقوي الأثر\n_________\n(١) زيادة من (ط) و(ت) و(غ) و(ر).\n(٢) انظر: روضة الناظر ص١٤٧ - ١٤٨، علم أصول الفقه لخلاف ص٧٩ - ٨٣، ومصادر التشريع لخلاف ص٧٠، وأدلة التشريع المختلف في الاحتجاج بها للربيعة ص١٧٥ - ١٦٨، والاستصلاح للزرقا ص٢٣ - ٣٣.\n(٣) لم أجد هذا النص في كتب الشافعي، ولكن ذكره عن الشافعي جمع من العلماء منهم الآمدي في الإحكام (٤ ٢٠٩) والإبهاج شرح المنهاج (٣ ١٨٨).\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"وهكذا\".\n(٥) هو أبو الحسن عبيد الله بن الحسين بن دلال البغدادي الكرخي، انتهت إليه رئاسة المذهب، توفي سنة ٣٤٠هـ. انظر: تاريخ بغداد (١٠ ٣٥٣)، والجواهر المضية (١ ٣٠٦)، السير (١٥ ٤٢٦)، وغير ذلك.\n(٦) انظر: الإحكام للآمدي (٤ ١٥٨).\n(٧) زيادة من (غ) و(ر). وفي هامش (ت): \"إن\".","vol":"3","page":47},{"text":"اسْتِحْسَانًا، أَيْ قِيَاسًا مُسْتَحْسَنًا، وَكَأَنَّهُ/ نَوْعٌ مِنَ الْعَمَلِ بِأَقْوَى الْقِيَاسَيْنِ، وَهُوَ يَظْهَرُ مِنِ اسْتِقْرَاءِ مَسَائِلِهِمْ فِي الِاسْتِحْسَانِ بِحَسَبِ النَّوَازِلِ الْفِقْهِيَّةِ.\nبَلْ قَدْ جَاءَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ/ الِاسْتِحْسَانَ تِسْعَةُ أعشار العلم (١). ورواه أَصْبُغُ (٢) عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ.\nقَالَ أَصْبُغُ فِي الِاسْتِحْسَانِ: قَدْ يَكُونُ أَغْلَبَ مِنَ القياس (٣).\nوجاء عن مالك: إن المغرق فِي/ الْقِيَاسِ يَكَادُ يُفَارِقُ السُّنَّةَ (٤).\nوَهَذَا الْكَلَامُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِالْمَعْنَى الَّذِي تَقَدَّمَ قَبْلُ، وَأَنَّهُ مَا يَسْتَحْسِنُهُ الْمُجْتَهِدُ بِعَقْلِهِ/ أَوْ أَنَّهُ دَلِيلٌ يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ تَعَسُرُ عِبَارَتُهُ عَنْهُ، فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَكُونُ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الْعِلْمِ، وَلَا أَغْلَبَ مِنَ الْقِيَاسِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ الْأَدِلَّةِ.\n/وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: الِاسْتِحْسَانُ إِيثَارُ تَرْكِ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ وَالتَّرَخُّصِ، (لِمُعَارَضَةِ) (٥) مَا يُعَارَضُ بِهِ فِي بَعْضِ مُقْتَضَيَاتِهِ، وقسَّمه أَقْسَامًا عدَّ مِنْهَا أَرْبَعَةَ أَقْسَامِ، وَهِيَ: تَرْكُ الدَّلِيلِ للعرف، وتركه للمصلحة، (وتركه للإجماع) (٦)، وتركه (في اليسير) (٧) لِرَفْعِ الْمَشَقَّةِ (وَإِيثَارِ التَّوْسِعَةِ) (٨).\nوحدَّه غَيْرُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ بِأَنَّهُ عِنْدَ مَالِكٍ: اسْتِعْمَالُ مَصْلَحَةٍ جُزْئِيَّةٍ فِي مُقَابَلَةِ قِيَاسٍ كُلِّيٍّ. قَالَ: فَهُوَ تَقْدِيمُ الِاسْتِدْلَالِ الْمُرْسَلِ عَلَى الْقِيَاسِ.\nوَعَرَّفَهُ ابْنُ رُشْدٍ فَقَالَ: الِاسْتِحْسَانُ الَّذِي يَكْثُرُ استعماله حتى يكون\n_________\n(١) أخرجه ابن حزم في الإحكام بسند متصل (٦ ١٦).\n(٢) هو أصبغ بن الفرج بن نافع المصري المالكي، تقدمت ترجمته (١/ ٢٦).\n(٣) انظر: الإحكام لابن حزم (٦ ١٦).\n(٤) لم أجده عن مالك، وقد جعله المصنف من قول أصبغ لا مالكًا كما في الموافقات (٤ ٢١٠).\n(٥) في هامش (ت) كتبت: \"لمعاوضة\".\n(٦) زيادة من (غ) و(ر).\n(٧) في (ط) و(خ) و(ت): \"لليسير\".\n(٨) في (ت): \"وإيثارًا للتوسعة\".","vol":"3","page":48},{"text":"أعم من القياس هو: أن يكون (طرد القياس) (١) يُؤَدِّي إِلَى غُلُوٍّ فِي الْحُكْمِ وَمُبَالَغَةٍ فِيهِ، فَيُعْدَلَ عَنْهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لِمَعْنًى يُؤَثِّرُ فِي الْحُكْمِ يَخْتَصُّ بِهِ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ.\nوَهَذِهِ تَعْرِيفَاتٌ قَرِيبٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ.\nوَإِذَا كَانَ هذا معناه (عند) (٢) مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ فَلَيْسَ بِخَارِجٍ عَنِ الْأَدِلَّةِ الْبَتَّةَ؛ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ يُقَيِّدُ بَعْضُهَا وَيُخَصِّصُ بَعْضُهَا بَعْضًا كَمَا فِي الْأَدِلَّةِ/ السُّنِّيَّةِ/ مَعَ الْقُرْآنِيَّةِ، وَلَا يَرُدُّ الشَّافِعِيُّ مِثْلَ هَذَا أَصْلًا، فَلَا حُجَّةَ فِي تَسْمِيَتِهِ اسْتِحْسَانًا لِمُبْتَدَعٍ عَلَى حَالٍ.\nوَلَا بُدَّ مِنَ الْإِتْيَانِ بِأَمْثِلَةٍ تُبَيِّنُ الْمَقْصُودَ بِحَوْلِ اللَّهِ، وَنَقْتَصِرُ عَلَى عَشَرَةِ أَمْثِلَةٍ:\nأَحَدُهَا: أَنْ يُعْدَلَ بِالْمَسْأَلَةِ عَنْ نَظَائِرِهَا بِدَلِيلِ الْكِتَابِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٣) فَظَاهِرُ اللَّفْظِ الْعُمُومُ فِي جَمِيعِ/ مَا (يُتَمَوَّلُ) (٤) بِهِ، وَهُوَ مَخْصُوصٌ فِي الشَّرْعِ بِالْأَمْوَالِ الزَّكَوِيَّةِ خاصة، فلو قال قائل: مالي صَدَقَةٌ. فَظَاهِرُ لَفْظِهِ يَعُمُّ كُلَّ مَالٍ، وَلَكِنَّا نَحْمِلُهُ عَلَى مَالِ الزَّكَاةِ، لِكَوْنِهِ ثَبَتَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ.\nقَالَ الْعُلَمَاءُ: وَكَأَنَّ هَذَا يَرْجِعُ إِلَى تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِعَادَةِ فَهْمِ خِطَابِ الْقُرْآنِ. وَهَذَا الْمِثَالُ أَوْرَدَهُ الْكَرْخِيُّ تَمْثِيلًا لِمَا قاله في/ الاستحسان.\nوالثاني: أَنْ يَقُولَ الْحَنَفِيُّ: سُؤْرُ سِبَاعِ الطَّيْرِ نَجِسٌ، قِيَاسًا عَلَى سِبَاعِ الْبَهَائِمِ. وَهَذَا ظَاهِرُ الْأَثَرِ، وَلَكِنَّهُ ظَاهِرٌ اسْتِحْسَانًا، لِأَنَّ السَّبْعَ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ، وَلَكِنْ لِضَرُورَةِ تَحْرِيمِ لَحْمِهِ، فَثَبَتَتْ نَجَاسَتُهُ (لمجاورة) (٥) رُطُوبَاتِ لُعَابِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَارَقَهُ الطَّيْرُ، لِأَنَّهُ يَشْرَبُ بِمِنْقَارِهِ وَهُوَ طَاهِرٌ بِنَفْسِهِ، فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِطَهَارَةِ سُؤْرِهِ، لِأَنَّ هَذَا أَثَرٌ قَوِيٌّ وإن خفي، فترجح على\n_________\n(١) في (ط): \"طرحا لقياس\".\n(٢) في (ط): \"عن\".\n(٣) سورة التوبة: الآية (١٠٣).\n(٤) في (م): \"يتعول\".\n(٥) في (ط): \"بمجاورة\".","vol":"3","page":49},{"text":"الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ أَمْرُهُ جَلِيًّا، وَالْأَخْذُ بِأَقْوَى القياسين متفق عليه.\nوالثالث: أَنْ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: إِذَا/ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا، وَلَكِنْ عيَّن كُلُّ وَاحِدٍ (جهة) (١) غير الجهة التي عيَّنها (غيره) (٢)، فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يُحَدَّ، وَلَكِنِ اسْتُحْسِنَ حَدُّهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ إِلَّا مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ، فَإِذَا عيَّن كُلُّ وَاحِدٍ «منهم) (٣) دَارًا، فَلَمْ يَأْتِ عَلَى كُلِّ مَرْتَبَةٍ بِأَرْبَعَةٍ؛ لِامْتِنَاعِ/ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى رُتْبَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِذَا عيَّن كُلُّ وَاحِدٍ) (٤) زَاوِيَةً فَالظَّاهِرُ تَعَدُّدُ الْفِعْلِ، وَيُمْكِنُ التزاحف.\nفإذا قيل: الْقِيَاسُ أَنْ لَا يُحد، فَمَعْنَاهُ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعِ الْأَرْبَعَةُ عَلَى زِنًا وَاحِدٍ، ولكنه (يقول) (٥) فِي الْمَصِيرِ إِلَى الْأَمْرِ الظَّاهِرِ تَفْسِيقُ (الْعُدُولِ) (٦)؛ فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَحْدُودًا صَارَ الشُّهُودُ فَسَقَةً، وَلَا سَبِيلَ إِلَى (ذَلِكَ) (٧) مَا وَجَدْنَا إِلَى/ الْعُدُولِ عَنْهُ سَبِيلًا، فَيَكُونُ حَمْلُ الشُّهُودِ عَلَى مُقْتَضَى الْعَدَالَةِ عِنْدَ/ الْإِمْكَانِ يَجُرُّ ذَلِكَ الْإِمْكَانَ الْبَعِيدَ، فَلَيْسَ هَذَا حُكْمًا بِالْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا/ تَمَسُّكٌ بِاحْتِمَالِ تَلَقِّي الْحُكْمِ مِنَ (الْقُرْآنِ) (٨)، وَهَذَا يرجع في الحقيقة إلى تحقيق (مناطه) (٩).\nوالرابع: أَنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنْ يَتْرُكَ الدَّلِيلَ (لِلْعُرْفِ) (١٠)، فَإِنَّهُ رَدَّ الْأَيْمَانَ (إِلَى الْعُرْفِ) (١١)، مَعَ أَنَّ اللُّغَةَ تَقْتَضِي فِي أَلْفَاظِهَا غير ما\n_________\n(١) زيادة من (غ).\n(٢) في (ط) و(غ): \"الآخر\"، وساقطة من (خ) و(م).\n(٣) زيادة من (ت).\n(٤) ساقط من (غ).\n(٥) كذا في جميع النسخ، وقال رشيد رضا: لعل أصله (يؤول) فإن الزنا إذا لم يثبت بشهادة من شهدوا به، يؤول الأمر إلى قذفهم للمشهود عليه وهو فسق، والله أعلم.\n(٦) في (غ): \"الأمور\".\n(٧) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٨) في (ت): \"القرائن\" ولعلها أصوب، وكتب في هامشها: \"القرآن\".\n(٩) في (م) و(خ) و(ت): \"مناط\".\n(١٠) ما بين القوسين ساقط من (ت). وانظر: الجواهر الثمينة في بيان أدلة عالم المدينة للمشاط (ص٢٦٩ - ٢٧٢)، وكتاب أصول الفقه وابن تيمية للمنصور (٢ ٥٠٩ - ٥٣٠).\n(١١) في (ت): \"للعرف\".","vol":"3","page":50},{"text":"يَقْتَضِيهِ الْعُرْفُ، كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَا دَخَلْتُ مَعَ فلان بيتًا. فلا يحنث (بدخوله) (١) (معه المسجد وما أشبه ذلك ووجهه أن اللفظ يقتضي الحنث بِدُخُولِ) (٢) كُلِّ مَوْضِعٍ يُسَمَّى بَيْتًا (فِي اللُّغَةِ) (٣) وَالْمَسْجِدِ يُسَمَّى بَيْتًا فَيَحْنَثُ عَلَى ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّ عُرْفَ النَّاسِ أَنْ لَا يُطْلِقُوا هَذَا اللَّفْظَ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ بِالْعُرْفِ (عَنْ) (٤) مُقْتَضَى اللَّفْظِ، فلا يحنث.\n/والخامس: ترك الدليل للمصلحة، كَمَا فِي تَضْمِينِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرِكِ (٥)، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَانِعًا، فَإِنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ، كَتَضْمِينِ صَاحِبِ الحمَّام الثِّيَابَ، وَتَضْمِينِ صَاحِبِ السَّفِينَةِ، وَتَضْمِينِ السَّمَاسِرَةِ الْمُشْتَرِكِينَ، وَكَذَلِكَ حمَّال الطَّعَامِ - عَلَى رَأْيِ مَالِكٍ - فَإِنَّهُ ضَامِنٌ، ولاحق عنده بالصنَّاع، والسبب في ذلك (عين) (٦) السَّبَبِ فِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ.\nفَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا مِنْ بَابِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ لَا مِنْ بَابِ الِاسْتِحْسَانِ.\nقُلْنَا: نَعَمْ، إِلَّا أَنَّهُمْ (صَوَّرُوا الِاسْتِحْسَانَ تصور الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْقَوَاعِدِ) (٧) بِخِلَافِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يُتَصَوَّرُ فِي مَسْأَلَةِ التَّضْمِينِ، فَإِنَّ/ الْأُجَرَاءَ مُؤْتَمَنُونَ بِالدَّلِيلِ/ لَا بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، فَصَارَ تَضْمِينُهُمْ فِي حَيِّزِ (الْمُسْتَثْنَى) (٨) مِنْ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، فَدَخَلَتْ تحت معنى\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"بدخول\".\n(٢) زيادة من (غ).\n(٣) زيادة من (غ) و(ر).\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"على\".\n(٥) الأجير المشترك: هو الذي يقع العقد معه على عمل معين، كخياطة ثوب، وبناء حائط، وحمل شيء إلى مكان معين، أو على عمل في مدة لا يستحق جميع نفعه فيها، كالكحَّال والطبيب، سمي مشتركًا لأنه يقبل أعمالًا لاثنين وثلاثة وأكثر في وقت واحد، ويعمل لهم، فيشتركون في منفعته واستحقاقها، فسمي مشتركًا لاشتراكهم في منفعته. انظر: المغني لابن قدامة (٦ ١٠٥ - ١٠٦).\n(٦) في (ط) و(خ) و(م): \"بعد\". وفي (غ) و(ر): \"هو\".\n(٧) في (غ): \"تصوير الاستحسان من العوايد\". وفي (ت): \"صورا الاستحسان بصور ... \". وفي هامشها: \"تصورا الاستحسان تصور ... إلخ\".\n(٨) في (ت): \"الاستثناء\" وكتبت في هامشها: \"المستثنى\".","vol":"3","page":51},{"text":"الاستحسان (بذلك) (١) (النظر) (٢).\nوالسادس: أنهم يحكون الإجماع عَلَى إِيجَابِ الْغَرْمِ عَلَى مَنْ (قَطَعَ) (٣) ذَنَبَ بَغْلَةِ الْقَاضِي، يُرِيدُونَ غَرْمَ قِيمَةِ الدَّابَّةِ لَا قِيمَةَ النَّقْصِ الْحَاصِلِ فِيهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ ظَاهِرٌ، فإن (مثل) (٤) بَغْلَةَ الْقَاضِي لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهَا إِلَّا لِلرُّكُوبِ، وَقَدِ امْتَنَعَ رُكُوبُهُ لَهَا بِسَبَبِ فُحْشِ ذَلِكَ العيب، حتى صارت بالنسبة إلى (ركوبه أو) (٥) رُكُوبِ مِثْلِهِ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ، فَأَلْزَمُوا الْفَاعِلَ غَرْمَ قِيمَةِ الْجَمِيعِ، وَهُوَ/ مُتَّجِهٌ بِحَسَبِ الْغَرَضِ الْخَاصِّ، وَكَانَ الْأَصْلُ أَنْ لَا يَغْرَمَ إِلَّا قِيمَةَ مَا نَقَّصَهَا الْقَطْعُ خَاصَّةً، لَكِنِ اسْتَحْسَنُوا/ مَا تَقَدَّمَ.\nوَهَذَا الْإِجْمَاعُ مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ، فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَاتُ قَوْلَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِ، وَلَكِنَّ الْأَشْهَرَ فِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ مَا تَقَدَّمَ حسبما نص عليه القاضي عبد الوهاب (٦).\nوالسابع: تَرْكُ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ فِي الْيَسِيرِ لِتَفَاهَتِهِ وَنَزَارَتِهِ لِرَفْعِ الْمَشَقَّةِ، وَإِيثَارِ التَّوْسِعَةِ عَلَى الْخَلْقِ، فَقَدْ أَجَازُوا التَّفَاضُلَ الْيَسِيرَ فِي الْمُرَاطِلَةِ (٧) الْكَثِيرَةِ، وَأَجَازُوا البيع (والصرف) (٨) إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا تَابِعًا لِلْآخَرِ، وَأَجَازُوا بَدَلَ الدِّرْهَمِ النَّاقِصِ بِالْوَازِنِ (٩) لِنَزَارَةِ مَا بَيْنَهُمَا، وَالْأَصْلُ الْمَنْعُ فِي الْجَمِيعِ، لِمَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّ/ الْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ، وَالذَّهَبَ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ سواء بسواء، وأن مَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى (١٠)، وَوَجْهُ ذلك أن التافه في حكم\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"بهذا\".\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (ت).\n(٣) في (م): \"قط\".\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) هو القاضي عبد الوهاب بن علي بن نصر التغلبي المالكي صاحب كتاب التلقين، وهو مختصر في الفقه المالكي، يقول عنه الذهبي: وهو من أجود المختصرات، توفي سنة ٤٢٢هـ. انظر: السير (١٧ ٤٢٩)، وتاريخ بغداد (١١ ٣١)، وترتيب المدارك (٤ ٦٩١).\n(٧) يعني الوزن بالرطل، انظر: لسان العرب مادة رطل.\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ): \"بالصرف\".\n(٩) يعني: درهم تام الوزن، المصدر السابق مادة وزن.\n(١٠) أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب بيع الشعير بالشعير برقم (٢١٧٤ - ٢١٧٧)،=","vol":"3","page":52},{"text":"الْعَدَمِ، وَلِذَلِكَ لَا تَنْصَرِفُ إِلَيْهِ الْأَغْرَاضُ فِي الْغَالِبِ، وَأَنَّ الْمَشَاحَّةَ فِي الْيَسِيرِ قَدْ تُؤَدِّي إِلَى الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ، وَهُمَا مَرْفُوعَانِ عَنِ الْمُكَلَّفِ.\nوالثامن: أَنَّ فِي الْعُتْبِيَّةِ (١) مِنْ سَمَاعِ أَصْبُغَ (٢) فِي الشَّرِيكَيْنِ يَطَآنِ الْأَمَةَ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، فَتَأْتِي بِوَلَدٍ فَيُنْكِرُ أَحَدُهُمَا الْوَلَدَ دُونَ الْآخَرِ: أَنَّهُ/ يَكْشِفُ مُنْكِرَ الْوَلَدِ عَنْ/ وَطْئِهِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ، (فَإِنْ كَانَ فِي صِفَتِهِ مَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْإِنْزَالُ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى إِنْكَارِهِ، وَكَانَ كَمَا لَوِ اشْتَرَكَا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ يَدَّعِي الْعَزْلَ مِنَ الْوَطْءِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ) (٣) فَقَالَ أصبغ: إني أستحسن ها هنا أَنْ أُلْحِقَهُ بِالْآخَرِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَا سَوَاءً، فَلَعَلَّهُ غَلَبَ وَلَا يَدْرِي.\nوَقَدْ قَالَ عَمْرُو بن العاص ﵁ فِي (نَحْوِ) (٤) هَذَا: إِنَّ الْوِكَاءَ قَدْ يَنْقَلِبُ - قال ـ: (والاستحسان فِي الْعِلْمِ) (٥)، قَدْ يَكُونُ أَغْلَبَ مِنَ الْقِيَاسِ،/ ثُمَّ حَكَى عَنْ مَالِكٍ مَا تَقَدَّمَ (ووجَّهَ) (٦) ذلك ابن رشد بأن الأصل: (أن) (٧) مَنْ وَطِئَ أَمَتَهُ فَعَزَلَ عَنْهَا وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لحق به وإن كان له منكرًا، ووجب على قياس ذلك إذا كانت (أمة) (٨) بين رجلين (فوطئاها) (٩) جميعًا\n_________\n=ومسلم برقم (١٥٨٤)، والترمذي برقم (١٢٤٣، ١٢٤٠)، وأبو داود (٤٨ - ٤٩)، والنسائي (٧ ٢٧٣ - ٢٧٥)، وابن ماجه (٢٢٥٩، ٢١٦٠).\n(١) (٢) العتبية، وتسمى (المستخرجة من السماعات مما ليس في المدونة) وشرحها ابن رشد - الجد - في كتابه: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل في مسائل المستخرجة. والعتبية هي من تأليف محمد بن أحمد العتبي القرطبي - المالكي (ت٣٥٥هـ) له ترجمة في تاريخ علماء الأندلس (٢/ ٦٣٤) والسير (١٢/ ٣٣٥)، وأصبغ هو: أصبغ بن الفرج الذي مرت ترجمته (١/ ٢٦)، وهو الذي يرد في العتبية ويروي غالبًا عن ابن القاسم تلميذ الإمام مالك. انظر: دراسات في مصادر الفقه المالكي (ص١١٠ - ١٣٩).\n(٣) ساقط من (غ) و(ر).\n(٤) في (ت): \"مثل\".\n(٥) في (ط) و(م) و(خ): [والاستحسان ها هنا أَنْ أُلْحِقَهُ بِالْآخَرِ وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَا فِي العلم]. وهو خطأ وجملة \"ها هنا ... - إلى قوله - أن يكونا\" يظهر أنها انتقال نظر من الناسخ، فهي موجودة بعينها قبل سطر. وفي نسخة ت: والاستحسان ها هنا أن ألحقه بالآخر (ثم بياض بمقدار نصف سطر) ثم تكملة النص من قول: ثم حكى عن مالك ... إلخ.\n(٦) في (م) و(غ) و(ر): \"وجه\".\n(٧) زيادة من (ت) و(غ) و(ر).\n(٨) زيادة من (غ) و(ر).\n(٩) في (م): \"فوطئها\".","vol":"3","page":53},{"text":"فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ وَعَزَلَ أَحَدُهُمَا (عَنْهَا) (١) (فَأَنْكَرَ) (٢) الْوَلَدَ وَادَّعَاهُ الْآخَرُ الَّذِي لَمْ يَعْزِلْ عَنْهَا، أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا إِذَا كَانَا جَمِيعًا يَعْزِلَانِ أَوْ يُنْزِلَانِ، وَالِاسْتِحْسَانُ - كَمَا قَالَ - أَنْ (يَلْحَقَ) (٣) الْوَلَدُ بِالَّذِي ادَّعَاهُ وأقر أنه كان ينزل، (ويبرأ) (٤) مِنْهُ الَّذِي أَنْكَرَهُ وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ يَعْزِلُ، لِأَنَّ الْوَلَدَ يَكُونُ/ مَعَ الْإِنْزَالِ غَالِبًا، وَلَا يَكُونُ مَعَ الْعَزْلِ إِلَّا نَادِرًا، فَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْوَلَدَ إِنَّمَا هُوَ لِلَّذِي ادَّعَاهُ وَكَانَ يُنْزِلُ، لَا الَّذِي أَنْكَرَهُ وَهُوَ يَعْزِلُ، وَالْحُكْمُ (بِغَلَبَةِ) (٥) الظَّنِّ أَصْلٌ فِي الْأَحْكَامِ، وَلَهُ فِي هَذَا الْحُكْمِ (تَأْثِيرٌ) (٦)، فَوَجَبَ أَنْ يُصَارَ إليه استحسانًا كما قال أصبغ. (انتهى) (٧)، وهو ظاهر فيما نحن فيه.\nوالتاسع: ما تقدم أولًا من أن الأمة اسْتَحْسَنَتْ دُخُولَ الْحَمَّامِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ أُجْرَةٍ، وَلَا تَقْدِيرِ مُدَّةِ/ اللَّبْثِ، وَلَا تَقْدِيرِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْمَنْعُ إِلَّا أَنَّهُمْ (أجازوه) (٨) لا (لما) (٩) قَالَ الْمُحْتَجُّونَ عَلَى الْبِدَعِ، بَلْ لِأَمْرٍ آخَرَ هُوَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ/ الَّذِي لَيْسَ بِخَارِجٍ عَنِ الْأَدِلَّةِ، فَأَمَّا تَقْدِيرُ الْعِوَضِ فَالْعُرْفُ هُوَ الَّذِي قَدَّرَهُ فَلَا/ حَاجَةَ إِلَى التَّقْدِيرِ، وَأَمَّا مُدَّةُ اللَّبْثِ وَقَدْرُ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقَدَّرًا بِالْعُرْفِ أَيْضًا، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ لِلضَّرُورَةِ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ لِقَاعِدَةٍ فِقْهِيَّةٍ، وَهِيَ: أَنَّ نَفْيَ/ جَمِيعِ الْغَرَرِ فِي الْعُقُودِ لَا يُقَدَرُ عليه، وهو يضيق أبواب المعاملات (ويحسم) (١٠) أبواب (المعاوضات) (١١).\nونفي (الغرر) (١٢) إِنَّمَا يَطْلُبُ تَكْمِيلًا وَرَفْعًا لِمَا عَسَى أَنْ يقع من نزاع،\n_________\n(١) ساقط من (غ) و(ر).\n(٢) في (ت): \"وأنكر\".\n(٣) في (م): \"تلحق\".\n(٤) في (م): \"سرى\". وفي (ط) و(خ): \"وتبرأ\".\n(٥) في (غ) و(ر): \"لغلبة\".\n(٦) في (م): \"تأثر\".\n(٧) زيادة من (م).\n(٨) في (ط) و(خ): \"أجازوا\".\n(٩) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"كما\".\n(١٠) في (ط): \"وهو تحسيم\". وفي (م) و(خ) و(ت): \"وهو يحسم\".\n(١١) في (م): \"العارضات\". وفي (غ) و(ر): \"المعارضات\" والتصحيح من (ت) حيث كتبت في الهامش مصححة \"المعاوضات\" وفي (ط) و(خ): \"المفاوضات\".\n(١٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الضرر\".","vol":"3","page":54},{"text":"فَهُوَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُكَمِّلَةِ، وَالتَّكْمِيلَاتِ إِذَا أَفْضَى اعْتِبَارُهَا إِلَى إِبْطَالِ الْمُكَمِّلَاتِ سَقَطَتْ جُمْلَةً؛ تَحْصِيلًا لِلْمُهِمِّ - حَسْبَمَا تَبَيَّنَ فِي الْأُصُولِ - فَوَجَبَ أَنْ يُسَامِحَ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ الْغَرَرِ الَّتِي (لَا) (١) يَنْفَكُّ عَنْهَا، إِذْ يَشُقُّ طَلَبُ الِانْفِكَاكِ عَنْهَا، فَسُومِحَ الْمُكَلَّفُ بِيَسِيرِ الْغَرَرِ، لِضِيقِ الِاحْتِرَازِ مَعَ تَفَاهَةِ مَا يَحْصُلُ مِنَ (الْغَرَرِ) (٢)، وَلَمْ يُسَامَحْ فِي كَثِيرِهِ إِذْ لَيْسَ فِي مَحَلِّ الضَّرُورَةِ، وَلِعَظِيمِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَرِ، لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْ بَعْضِ (أَنْوَاعِهِ) (٣) مِمَّا يَعْظُمُ فِيهِ الْغَرَرُ، فَجُعِلَتْ أُصُولًا يقاس عليها (غيرها) (٤) (فصار) (٥) الْقَلِيلِ أَصْلًا فِي عَدَمِ الِاعْتِبَارِ وَفِي الْجَوَازِ، (وصار) (٦) الكثير (أصلًا) (٧) في المنع، ودار في الأصلين فروع تجاذب الْعُلَمَاءُ النَّظَرَ فِيهَا، فَإِذَا (قلَّ الْغَرَرُ) (٨) وَسَهُلَ الْأَمْرُ، وَقَلَّ النِّزَاعُ، وَمَسَّتِ الْحَاجَةُ إِلَى الْمُسَامَحَةِ فَلَا بُدَّ مِنَ الْقَوْلِ بِهَا، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَسْأَلَةُ التَّقْدِيرِ فِي مَاءِ الْحَمَّامِ، وَمُدَّةِ اللبث.\nقال العلماء: ولقد/ بالغ مالك ﵀ في هذا الباب وأمعن فيه، فجوَّز أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْأَجِيرَ بِطَعَامِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَنْضَبِطُ مِقْدَارُ أَكْلِهِ، لِيَسَارِ أَمْرِهِ وَخِفَّةِ خَطْبِهِ، وَعَدَمِ الْمُشَاحَّةِ، وَفَرْقٌ/ (بَيْنَ تَطَرُّقٍ) (٩) يَسِيرِ الْغَرَرِ إِلَى الْأَجَلِ فَأَجَازَهُ، وَبَيْنَ تَطَرُّقِهِ/ لِلثَّمَنِ فَمَنَعَهُ، فَقَالَ: يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَشْتَرِيَ سِلْعَةً إِلَى الْحَصَادِ أَوْ (إِلَى) (١٠) الْجَذَاذِ، وَإِنْ كَانَ الْيَوْمَ بِعَيْنِهِ لَا يَنْضَبِطُ، وَلَوْ بَاعَ سِلْعَةً بِدِرْهَمٍ أَوْ مَا يُقَارِبُهُ لَمْ يَجُزْ، وَالسَّبَبُ فِي التفرقة (أن) (١١) الْمُضَايَقَةُ فِي تَعْيِينِ الْأَثْمَانِ وَتَقْدِيرِهَا لَيْسَتْ فِي العرف (كالمضايقة) (١٢) فِي الْأَجَلِ، إِذْ قَدْ يُسَامِحُ الْبَائِعُ فِي التَّقَاضِي الْأَيَّامَ، وَلَا يُسَامِحُ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ على حال.\n_________\n(١) زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (ت): \"الغرض\".\n(٣) في (م) و(خ): \"أعوانه\".\n(٤) في (ط) و(خ) و(ت): \"غير\".\n(٥) زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) في (ر): \"صار\".\n(٧) زيادة من (غ) و(ر).\n(٨) في (م): \"قال الخطر\". وفي (غ) و(ر): \"قلَّ الخطر\".\n(٩) في (غ) و(ر): \"بين يسير تطرق\".\n(١٠) ما بين القوسين ساقط من (م).\n(١١) زيادة من (غ) و(ت) و(ر).\n(١٢) في (م): \"والمضايقة\".","vol":"3","page":55},{"text":"/وَيُعَضِّدُهُ مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ (١) ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِشِرَاءِ الْإِبِلِ إِلَى خُرُوجِ الْمُصَدِّقِ (٢) وَذَلِكَ لا (ينضبط) (٣) يومه ولا (تُعين) (٤) / سَاعَتَهُ، وَلَكِنَّهُ عَلَى التَّقْرِيبِ وَالتَّسْهِيلِ.\nفَتَأَمَّلُوا كَيْفَ وَجْهُ الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْأُصُولِ الثَّابِتَةِ (بِالْحَرَجِ) (٥) وَالْمَشَقَّةِ، وَأَيْنَ هَذَا مِنْ زَعْمِ الزَّاعِمِ (أَنَّهُ) (٦) اسْتِحْسَانُ العقل بحسب العوائد فقط، (يتبين لكم) (٧) (بَوْنُ) (٨) مَا بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ.\nالْعَاشِرُ: أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ مِنْ جُمْلَةِ أَنْوَاعِ الِاسْتِحْسَانِ مُرَاعَاةَ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ (٩) وَهُوَ أَصْلٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ، يَنْبَنِي عَلَيْهِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ.\nمِنْهَا: أَنَّ الْمَاءَ الْيَسِيرَ إِذَا حَلَّتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ الْيَسِيرَةُ وَلَمْ تُغَيِّرْ أَحَدَ/ أَوْصَافِهِ أَنَّهُ لَا يُتَوَضَّأُ بِهِ بَلْ يَتَيَمَّمُ وَيَتْرُكُهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ (بِهِ) (١٠) وَصَلَّى، أَعَادَ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ، وَلَمْ يُعِدْ بَعْدَ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا قَالَ: يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، مُرَاعَاةً لقول من يقول: إنه طاهر مطهر (ويرى) (١١) جَوَازُ الْوُضُوءِ بِهِ ابْتِدَاءً، وَكَانَ قِيَاسُ هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يُعِيدَ أَبَدًا إِذْ لَمْ (يَتَوَضَّأْ) (١٢) إِلَّا بِمَاءٍ يَصِحُّ لَهُ تَرْكُهُ، وَالِانْتِقَالُ عَنْهُ إلى التيمم.\n_________\n(١) هكذا في جميع النسخ والصواب: عبد الله بن عمرو بن العاص.\n(٢) أخرجه أحمد في المسند - طبعة الأرناؤوط - (١١/ ١٦٤) برقم (٦٥٩٣) وبرقم (٧٠٢٥) واستفاض المحقق في دراسة إسناده وذكر شواهده. وأخرجه أبو داود (٣٣٥٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤ ٦٠)، والدارقطني في السنن (٢٦١ - ٢٦٤) والحاكم في المستدرك (٢٣٤٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠٣٠٨ - ١٠٣٠٩)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (٣٣٥٧)، وقال ابن حجر في فتح الباري (٤ ٤٢٠): \"إسناده قوي\"، وضعفه ابن القطان، وأعلّه باضطراب السند، كما في نصب الراية (٤ ٤٧).\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (ت): يضبط.\n(٤) في (ط) و(خ) و(م): يعين.\n(٥) في (غ): \"للحرج\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"أنها\".\n(٧) في (ط) و(خ) و(م): فتبين لك.\n(٨) في ت: بالوزن.\n(٩) مسألة مراعاة خلاف العلماء، انظر ما ذكره ابن عرفة في المعيار المعرب (٦ ٣٧٧ - ٣٧٩) والموافقات (٤ ٨ - ٨٦).\n(١٠) ساقط من (غ) و(ر).\n(١١) في (ط) و(خ): \"ويروى\".\n(١٢) في م: يتضوا.","vol":"3","page":56},{"text":"وَمِنْهَا: قَوْلُهُمْ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ الَّذِي يَجِبُ فَسْخُهُ: إِنْ لَمْ يُتَّفَقْ/ /عَلَى فَسَادِهِ فَيُفْسَخُ بِطَلَاقٍ، وَيَكُونُ فِيهِ الْمِيرَاثُ، وَيَلْزَمُ فِيهِ الطَّلَاقُ عَلَى حَدِّهِ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ، فَإِنِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى فَسَادِهِ، فُسِخَ بِغَيْرِ طَلَاقٍ، وَلَا يَكُونُ فِيهِ مِيرَاثٌ، وَلَا يَلْزَمُ فِيهِ طَلَاقٌ.\nومنها: (مِنْ) (١) نَسِيَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وكبَّر لِلرُّكُوعِ، وَكَانَ مع الإمام (أنه) (٢) يتمادى (مراعاة) (٣) لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ، فَإِذَا سلَّم/ الْإِمَامُ/ أَعَادَ هَذَا الْمَأْمُومُ.\n/وَهَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ جِدًّا فِي الْمَذْهَبِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ رَاعَى دَلِيلَ الْمُخَالِفِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، لِأَنَّهُ تَرَجَّحَ عنده (فيها) (٤)، وَلَمْ يَتَرَجَّحْ عِنْدَهُ فِي بَعْضِهَا فَلَمْ يُرَاعِهِ.\nولقد كتبت في مسألة مراعاة الخلاف (٥) (سؤالًا) (٦) إِلَى بِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَإِلَى بِلَادِ أَفْرِيقِيَّةَ لِإِشْكَالٍ عَرَضَ فِيهَا مِنْ وَجْهَيْنِ:\nأَحَدُهُمَا: مِمَّا يَخُصُّ هَذَا الْمَوْضِعَ عَلَى فَرْضِ صِحَّتِهَا، وَهُوَ مَا أَصْلُهَا مِنَ الشَّرِيعَةِ (وعلامَ) (٧) تُبْنَى مِنْ قَوَاعِدِ أُصُولِ الْفِقْهِ، فَإِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ الْآنَ أَنَّ الدَّلِيلَ هُوَ الْمُتَّبَعُ فَحَيْثُمَا صَارَ صِيرَ إِلَيْهِ، ومتى (ما ترجح) (٨) لِلْمُجْتَهِدِ أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ - وَلَوْ بِأَدْنَى وُجُوهِ التَّرْجِيحِ - وَجَبَ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ وَإِلْغَاءُ مَا سِوَاهُ، عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْأُصُولِ، فإذن رُجُوعُهُ - أَعْنِي الْمُجْتَهِدَ - إِلَى قَوْلِ الْغَيْرِ إِعْمَالٌ لدليله المرجوح (عنده) (٩)، وإهمال\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"مسألة من\". وحذفها يناسب أسلوب المصنف.\n(٢) في (م) و(ط) و(خ): \"أن\".\n(٣) زيادة من (غ) و(ر).\n(٤) ما بين القوسين زيادة من (ت).\n(٥) وهي موجودة في المعيار المعرب (٦ ٣٨٧ - ٣٩٦).\n(٦) زيادة من (غ) و(ر).\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (ط): \"على ما\". والصواب هو المثبت؛ لأن \"ما\" الاستفهامية إذا دخلت عليها حروف الجرِّ تحذف ألفها.\n(٨) في (ط) و(خ): \"رجح\".\n(٩) في (م): \"عند\".","vol":"3","page":57},{"text":"(لِلدَّلِيلِ) (١) الرَّاجِحِ عِنْدَهُ، الْوَاجِبِ عَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ (وَذَلِكَ) (٢) عَلَى خِلَافِ الْقَوَاعِدِ.\nفَأَجَابَنِي (بَعْضُهُمْ) (٣) بِأَجْوِبَةٍ، مِنْهَا الْأَقْرَبُ وَالْأَبْعَدُ، إِلَّا أَنِّي رَاجَعْتُ بَعْضَهُمْ بِالْبَحْثِ، وَهُوَ أَخِي وَمُفِيدِي أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْقِبَابِ (٤) رحمة الله عليه، فكتب إلي بما (أردت أن أثبته ها هنا لأن فيه شرحًا لما نحن فيه، وذلك أنه كتب إلي ما) (٥) نَصُّهُ: (وَتَضَمَّنَ الْكِتَابُ الْمَذْكُورُ عَوْدَةَ السُّؤَالِ فِي مَسْأَلَةِ مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ، وَقُلْتُمْ: إِنَّ رُجْحَانَ إِحْدَى الأمارتين على الأخرى إن (اقتضى) (٦) / تقديمها على الأخرى، اقتضى ذلك عدم (اعتبار) (٧) (الْمَرْجُوحَةِ) (٨) مُطْلَقًا، وَاسْتَشْنَعْتُمْ أَنْ (يَقُولَ الْمُفْتِي: هَذَا لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً) (٩)، وَبَعْدَ الْوُقُوعِ يَقُولُ بِجَوَازِهِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْمَمْنُوعُ إِذَا فُعِلَ جَائِزًا. وَقُلْتُمْ: إنه إنما يتصور الجمع في (مثل) (١٠) هذا النحو في منع التنزيه لا (في) (١١) مَنْعِ التَّحْرِيمِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا (أَوْرَدْتُمْ) (١٢) في المسألة.\nوكلها إيرادات (سديدة) (١٣) صَادِرَةٌ عَنْ قَرِيحَةٍ قِيَاسِيَّةٍ مُنْكِرَةٍ/ لِطَرِيقَةِ الِاسْتِحْسَانِ،/ وَإِلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ مَيْلُ فَحَوْلٍ (مَنِ) (١٤) الْأَئِمَّةِ والنظار، حتى\n_________\n(١) في (م): \"الدليل\".\n(٢) في (م): \"وكذلك\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"جماعة\".\n(٤) هو أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن الجذامي، أبو العباس القباب، فقيه مالكي، ولي القضاء بجبل طارق، توفي سنة ٧٧٨، وقيل ٧٧٩هـ. انظر: الديباج المذهب (١ ١٨٧)، وشجرة النور (١ ٢٣٥).\n(٥) زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) زيادة من (غ) و(ر) والمعيار. وجميع الزيادات التي في المعيار أضعها بين قوسين هكذا ()، وهي في المعيار (٦ ٣٨٧ - ٣٩٦).\n(٧) زيادة من (غ) و(ر).\n(٨) في (ت): \"المرجوحية\".\n(٩) في المعيار هكذا: يقول المفتي ابتداء: \"هذا لا يجوز\"، ونصّ المعيار أقرب إلى الصواب.\n(١٠) ما بين القوسين زيادة من (ت).\n(١١) زيادة من المعيار.\n(١٢) في المعيار: أودعتموه.\n(١٣) في (ط) و(خ): \"شديدة\".\n(١٤) ساقط من (غ) و(ر).","vol":"3","page":58},{"text":"قال الإمام أبو عبد الله الشافعي - (﵀) ـ: مَنِ اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّعَ.\nوَلَقَدْ ضَاقَتِ الْعِبَارَةُ عن معنى أصل الاستحسان ـ/ كما في (كريم) (١) عِلْمِكُمْ - حَتَّى قَالُوا: أَصَحُّ عِبَارَةٍ فِيهِ أَنَّهُ مَعْنًى يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ تَعْسُرُ الْعِبَارَةُ عَنْهُ. فَإِذَا كَانَ هَذَا أَصْلُهُ الَّذِي (تَرْجِعُ) (٢) / فروعه إليه، فكيف (ما) (٣) يبنى/ عليه؟ (لا بُدَّ) (٤) أَنْ تَكُونَ الْعِبَارَةُ عَنْهَا أَضْيَقَ.\nوَلَقَدْ كُنْتُ أَقُولُ: (بِمِثْلِ مَا قَالَ) (٥) هَؤُلَاءِ الْأَعْلَامُ فِي طَرْحِ الِاسْتِحْسَانِ، وَمَا بُنِيَ عَلَيْهِ، لَوْلَا أنه اعتضد وتقوى (بوجدانه) (٦) كثيرًا في فتاوى الخلفاء وأعلام الصحابة (بمحضر جمهورهم) (٧) مَعَ عَدَمِ النَّكِيرِ، فَتُقَوِّي ذَلِكَ عِنْدِي غَايَةً، وَسَكَنَتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَانْشَرَحَ إِلَيْهِ الصَّدْرُ، وَوَثِقَ بِهِ الْقَلْبُ، لِلْأَمْرِ بِاتِّبَاعِهِمْ، وَالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ، ﵃.\nفَمِنْ ذَلِكَ، الْمَرْأَةُ يَتَزَوَّجُهَا رَجُلَانِ ولا يعلم الآخر بتقدم نكاح غيره (عليه) (٨) إِلَّا بَعْدَ الْبِنَاءِ، (فَأَبَانَهَا عَلَيْهِ) (٩) بِذَلِكَ عُمَرُ (١٠) ومعاوية (١١)\n_________\n(١) زيادة من المعيار.\n(٢) في (م) و(غ) و(ر): \"مرجع\"، وفي المعيار: ترجح، وفي (خ): \"يرجع\".\n(٣) في (ت): \"بما\".\n(٤) هكذا في (م) و(غ) و(ر): \"وفي المعيار\"، وفي (ط) و(خ): فلا بد.\n(٥) في (ت): بما قال به. وفي (غ) و(ر): \"مقال\".\n(٦) في (ط): \"لوجدانه\".\n(٧) في جميع النسخ: وجمهورهم، والتصحيح من المعيار و(غ) و(ر).\n(٨) زيادة من المعيار و(غ) و(ر).\n(٩) في المعيار و(ت) و(غ) و(ر): \"فأفاتها\".\n(١٠) أثر عمر مذكور في المدونة (٤/ ١٦٩) من طريق ابن وهب عن معاوية بن صالح عن يحيى بن سعيد أنه قال: (إن عمر بن الخطاب قضى في الوليين ينكحان المرأة ولا يعلم أحدهما بصاحبه إنها للذي دخل بها، فإن لم يكن دخل بها أحدهما فهي للأول). ويحيى بن سعيد لم يسمع من عمر.\n(١١) أثر معاوية أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٦/ ٢٣٣) برقم (١٠٦٣٦) قال: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني ابن أبي مليكة أن موسى بن طلحة أنكح بالشام يزيد بن معاوية .... إلخ، فظاهر السند صحيح.","vol":"3","page":59},{"text":"والحسن (١) (رضي الله تعالى عنهم جميعهم، ونسب مثله أيضًا لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (٢» (٣) ﵁، وَكُلُّ مَا (أَوْرَدْتُمْ) (٤) فِي قَضِيَّةِ السُّؤَالِ وَارِدٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ إِذَا تَحَقَّقَ أَنَّ الَّذِي لَمْ يَبِنِ هُوَ الْأَوَّلُ، فَدُخُولُ الثَّانِي بِهَا دُخُولٌ بزوج غيره، وكيف يكون غلطه على زوج (غيره) (٥) / مبيحًا (لوطئها) (٦) عَلَى الدَّوَامِ، وَمُصَحِّحًا لِعَقْدِهِ الَّذِي لَمْ يُصَادِفْ مُحِلًّا، (وَمُبْطِلًا) (٧) لِعَقْدِ نِكَاحٍ مُجْمَعٍ عَلَى صِحَّتِهِ (ولزومه) (٨)، لِوُقُوعِهِ عَلَى وَفْقِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا؟ وَإِنَّمَا (الْمُنَاسِبُ) (٩) أَنَّ الْغَلَطَ يَرْفَعُ عَنِ الْغَالِطِ الْإِثْمَ وَالْعُقُوبَةَ، لَا إِبَاحَةَ زَوْجِ غَيْرِهِ دَائِمًا، وَمَنْعَ زَوْجِهَا مِنْهَا.\nوَمِثْلُ (ذَلِكَ) (١٠) مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ فِي مَسْأَلَةِ امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ: أَنَّهُ إِنْ قَدِمَ الْمَفْقُودُ قَبْلَ نِكَاحِهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ نِكَاحِهَا وَالدُّخُولِ بِهَا (بَانَتْ) (١١)، وَإِنْ (كَانَ) (١٢) بَعْدَ الْعَقْدِ، وَقَبْلَ الْبِنَاءِ فَقَوْلَانِ؛ فَإِنَّهُ يُقَالُ: الْحُكْمُ لَهَا بِالْعِدَّةِ مِنَ الْأَوَّلِ إِنْ كَانَ/ قَطْعًا (لِعِصْمَتِهِ) (١٣) فَلَا حَقَّ لَهُ فيها\n_________\n(١) إن كان الحسن هو ابن علي بن أبي طالب فهو مذكور في أثر معاوية السابق، وإن كان الحسن البصري، فلم أقف على قوله.\n(٢) أثر علي أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٦/ ٢٣١) برقم (١٠٦٢٦) عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الكريم أن أبا موسى أخبره أن وليين كلاهما جائز نكاحه ... إلخ وعبد الكريم لم يتبيّن لي من هو؟ فمحتمل أن يكون عبد الكريم بن أبي المخارق البصري، وهو ضعيف كما في التقريب (٤١٥٦) ومحتمل أن يكون: عبد الكريم بن مالك الجزري وهو ثقة كما في التقريب (٤١٥٤)، كما أن أبا موسى المذكور في الأثر، جاء في بقية الأثر أنه جار لعبيد الله بن الحر الجعفي أحد أفراد القصة اللذين نكحا امرأة واحدة، فيكون أبو موسى مجهولًا، والله أعلم.\nوجاء بنحوه في السنن الكبرى للبيهقي (٧/ ١٤١) برقم (١٣٥٨٧) من طريق خلاس بن عمرو الهجري عن علي، وفي روايته عن علي كلام، قيل أنه كتاب وقع له ولم يسمع من علي. انظر: جامع التحصيل (ص١٧٢).\n(٣) زيادة من المعيار و(غ) و(ر).\n(٤) في (غ) و(ر): \"أورد\".\n(٥) في (م): \"غير\".\n(٦) زيادة من (غ) و(ر).\n(٧) في (م): \"ولا مبطلًا\".\n(٨) زيادة من المعيار.\n(٩) ساقط من (غ) و(ر).\n(١٠) ساقط من (غ) و(ر).\n(١١) في (م) و(غ) و(ر): \"فاتت\".\n(١٢) في (ط) و(خ) و(ت): \"كانت\".\n(١٣) في المعيار: بعصمته.","vol":"3","page":60},{"text":"وَلَوْ قَدِمَ قَبْلَ تَزَوُّجِهَا، أَوْ لَيْسَ بِقَاطِعٍ للعصمة، فكيف تباح لغيره وهي فِي عِصْمَةِ الْمَفْقُودِ؟.\nوَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ (١) فِي ذَلِكَ أَغْرَبُ وَهُوَ أَنَّهُمَا قَالَا: إِذَا قَدِمَ الْمَفْقُودُ يخيَّر بَيْنَ امْرَأَتِهِ أَوْ صداقها، فإن (اختارها بقيت له، وإن) (٢) اخْتَارَ صَدَاقَهَا بَقِيَتْ لِلثَّانِي، (فَأَيْنَ) (٣) هَذَا مِنَ الْقِيَاسِ؟\nوَقَدْ صَحَّحَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا النَّقْلَ عَنِ الْخَلِيفَتَيْنِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵄، وَنَقَلَ/ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ بِمِثْلِ ذَلِكَ أَوْ أَمْضَى الْحُكْمَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَشْهَرُ عَنْهُ خِلَافُهُ، وَمِثْلُهُ في قضايا الصحابة كثير (من) (٤) ذلك (رضي الله عن جميعهم) (٥).\n(قال ابن المعذل) (٦): لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ حَضَرَهُمَا وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَقَامَ أَحَدُهُمَا فَأَوْقَعَ الصَّلَاةَ/ بِثَوْبٍ نَجِسٍ (مِجَانًا) (٧)، وَقَعَدَ الآخر حتى خرج الوقت «ثم صلاها) (٨) بثوب طاهرٍ ما استوت (حالتهما) (٩) عند مسلم، ولا تقاربت. يعني/ أن الذي صلى في الوقت بالنجاسة عامدًا أجمع الناس أنه لا يساويه مؤخرها حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ) (١٠) (وَلَا يُقَارِبُهُ) (١١) مَعَ نَقْلِ غير واحد\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٧/ ٨٥) برقم (١٢٣١٧) عن عمر وعثمان، وورد بنحوه عن عثمان وعلي في السنن الكبرى للبيهقي (٧/ ٢٤٧) برقم (١٥٣٥٢) وبنحوه قصة الذي اختطفته الجن وتخيير عمر له. أخرجها ابن أبي شيبة (٣/ ٥٢٣)، وابن حزم في المحلى (١٠/ ١٣٤)، وذكرها ابن عبد البر في التمهيد (١٣/ ٢٦٥ - ٢٦٦)،\n(٢) زيادة من المعيار و(غ) و(ر).\n(٣) في (غ) و(ر): \"فليس\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"ومن\".\n(٥) ما بين القوسين زيادة من (ت)\n(٦) في (ط): \"قال ابن المعدل\"، وفي (غ) و(ر): \"قال ابن معذل\"، وفي المعيار: قول ابن المعدل، وهو أحمد بن المعذل بن غيلان العبدي، من كبار فقهاء المالكية، لم يذكروا سنة وفاته. انظر: الديباج المذهب (١ ١٤١)، والسير (١١ ٥١٩)، والتنكيل (١ ٢٠٢).\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (ت).\n(٨) في المعيار: وصلاها.\n(٩) في (غ) و(ر): \"حالهما\".\n(١٠) زيادة في المعيار و(غ) و(ر).\n(١١) في (ط): \"ولا يغار به\". في (ت): \"لم يستويا عند مسلم\".","vol":"3","page":61},{"text":"من الأشياخ الإجماع على وجوب (الإعادة على من صلى بالنجاسة عامدًا ووجوب الطهارة من) (١) النَّجَاسَةِ (٢) حَالَ الصَّلَاةِ، وَمِمَّنْ نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ، وَالْمَازِرِيُّ (٣) وصحَّحه الْبَاجِيُّ (٤)، وَعَلَيْهِ مَضَى عَبْدُ الْوَهَّابِ (٥) فِي تَلْقِينِهِ.\nوَعَلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي أَوْرَدْتُمْ، أَنَّ الْمَنْهِيَّ/ عنه ابتداء غير معتبر، أحرى (أن يكون) (٦) أَمْرِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ بِعَكْسِ مَا قَالَ (ابْنُ معذل) (٧)؛ لِأَنَّ الَّذِي صلَّى بَعْدَ الْوَقْتِ قَضَى مَا فرط فيه؛ والآخر لم (يصل) (٨) كَمَا أُمِرَ، وَلَا قَضَى شَيْئًا، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْهِيٍّ عَنْهُ ابْتِدَاءً غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بَعْدَ وُقُوعِهِ.\nوَقَدْ صَحَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ (٩) حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، فَإِنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ التي تزوج نفسها) (١٠).\n_________\n(١) ما بين القوسين زيادة من (ت). وفي (غ) و(ر): \"بدل الجملة بجانية\".\n(٢) بعد هذه الكلمة في (ط) و(خ) هكذا: عَامِدًا جَمْعَ النَّاسِ أَنَّهُ لَا يُسَاوِي مُؤَخِّرَهَا (حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ وَلَا يُقَارِبُهُ مَعَ نَقْلِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْأَشْيَاخِ الْإِجْمَاعَ) عَلَى وُجُوبِ النجاسة حال الصلاة.\nوما بين القوسين زيادة من (م). والجملة هكذا لا تفهم أبدًا، والتصحيح هو كما ورد في المعيار و(ت).\n(٣) هو محمد بن عني بن عمر التميمي المازري المالكي، صاحب كتاب المعلم بفوائد شرح مسلم، كان من أئمة المالكية، توفي في سنة ٥٣٦هـ. انظر: السير (٢٠ ١٠٤)، وشجرة النور (١ ١٢٧)، وأزهار الرياض (٣ ١٦٥).\n(٤) هو أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد الباجي، ولد سنة ٤٠٣هـ. وله تصانيف كثيرة، وتوفي سنة ٤٧٤هـ. انظر: السير (١٨ ٥٣٥)، نفح الطيب (٢ ٦٧).\n(٥) هو القاضي عبد الوهاب بن علي بن نصر المالكي، تقدمت ترجمته (٣/ ٥٢).\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (ت): \"بكون\".\n(٧) في (ط) و(خ) و(ت): \"ابن المعدل\".\n(٨) في (ط) و(خ) و(ت): \"يعمل\".\n(٩) أورده الدارقطني في سننه (٣ ٢٢٧) ولم يتكلم عليه بتصحيح أو تضعيف، ومسند أبي هريرة من العلل لم يطبع بعد، ويحتمل أن يكون تصحيحه فيه، والله تعالى أعلم.\n(١٠) أخرجه ابن ماجه (١٨٨٢)، والدارقطني (٣ ٢٢٧)، برقم (٢٥ و٢٦ و٢٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٣٤١٠ و١٣٤١٢ و١٣٤١٣)، وغيره، ويظهر أن الجملة الأخيرة، وهي قوله: (فإن الزانية هي التي تزوج نفسها) موقوفة على أبي هريرة ﵁.=","vol":"3","page":62},{"text":"وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: (أيما امرأة نكحت بغير إذن (وليها) (١) فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - فَإِنْ دَخَلَ بِهَا، فَالْمَهْرُ لَهَا بِمَا (أَصَابَ) (٢) مِنْهَا) (٣)، فَحَكَمَ أَوَّلًا بِبُطْلَانِ الْعَقْدِ، وَأَكَّدَهُ بِالتَّكْرَارِ ثَلَاثًا،/ وَسَمَّاهُ زِنًا، وَأَقَلُّ (مُقْتَضَيَاتِهِ) (٤) عَدَمُ اعْتِبَارِ هَذَا الْعَقْدِ جُمْلَةً، لَكِنَّهُ ﷺ عَقَّبَهُ بِمَا اقْتَضَى اعْتِبَارَهُ بَعْدَ الْوُقُوعِ بِقَوْلِهِ: وَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا. وَمَهْرُ الْبَغِيِّ حَرَامٌ (٥).\nوَقَدْ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ (٦)، (فعلل) (٧) النهي عن استحلالهم (٨) بِابْتِغَائِهِمْ فَضْلَ اللَّهِ وَرِضْوَانَهُ مَعَ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ تعالى،\n_________\n=أشار إلى ذلك البيهقي في السنن الكبرى عقب الحديث ونقله الزيلعي عن ابن معين كما في نصب الراية (٣ ١٨٨)، وقال الألباني في إرواء الغليل: صحيح دون الجملة الأخيرة - يقصد قوله: (فإن الزانية هي التي تزوج نفسها) - انظر: إرواء الغليل (٦ ٢٤٨ - ٢٤٩).\n(١) في (ط) و(خ) و(ت) و(غ): \"مواليها\"، وما أثبته هو ما يوجد في (م) ويوافق رواية الدارقطني.\n(٢) في (م): \"استحل\".\n(٣) الحديث أخرجه جمع كبير من العلماء منهم الدارقطني - وهي الرواية التي ذكرت في النص - انظر: سنن الدارقطني (٣ ٢٢١ و٢٢٥ - ٢٢٦)، وأبو داود برقم (٢٠٨٣)، والترمذي (٣ ٤٠٧)، برقم (١١٠٢)، وابن ماجه (١ ٦٠٥)، برقم (١٨٧٩)، والإمام أحمد في المسند (٦ ١٦٥، ٤٧)، والدارمي (٢ ١٣٧)، وعبد الرزاق في المصنف (١٠٤٧٢)، وابن أبي شيبة (٤ ١٢٨)، وابن حبان (٩ ٣٨٤)، برقم (٤٠٧٤)، وقال الأرناؤوط: إسناده حسن. والحاكم (٢ ١٦٨)، والبيهقي (٧ ١٢٤، ١١٣، ١٠٥ - ١٣٨، ١٢٥)، والبغوي في شرح السنة (٩ ٣٨) برقم (٢٢٦٢)، وغيرهم من أصحاب كتب السنة، وقد تكلم العلماء في إسناد هذا الحديث كلامًا طويلًا، انظر ما ذكره ابن حبان في صحيحه (٩ ٣٨٤ - ٣٨٦)، والترمذي في السنن (١ ٤٠٥ - ٤١١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧ ١٠٧ - ١١٠)، وابن حجر في التلخيص الحبير (٣ ١٥٧)، والألباني في إرواء الغليل (٦ ٢٤٣)، واستفدت هذا التخريج من التخريج الموسع لأبي إسحاق الحويني في جنة المرتاب (ص٤٠٧ - ٤٢٩).\n(٤) في (م): \"مقتضاته\".\n(٥) أخرجه البخاري (٢٢٣٧)، ومسلم (١٥٦٨).\n(٦) سورة المائدة: الآية (٢).\n(٧) في (غ) و(ر): \"فلعل\".\n(٨) في المعيار: فصل النهي عن استحلالهم. وفي (ط) و(خ) و(م) و(ت): \"استحلاله\".","vol":"3","page":63},{"text":"الَّذِي لَا يَصِحُّ مَعَهُ عِبَادَةٌ، وَلَا يُقْبَلُ عَمَلٌ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الْحُكْمُ الْآنَ مَنْسُوخًا، فَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ (الِاسْتِدْلَالَ بِهِ) (١) فِي هَذَا الْمَعْنَى.\nوَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الصِّدِّيقِ ﵁: وَسَتَجِدُ (أَقْوَامًا) (٢) (زَعَمُوا أَنَّهُمْ) (٣) حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ، فَذَرْهُمْ وَمَا زَعَمُوا أَنَّهُمْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ له (٤).\nولهذا/ (لا) (٥) يسبى الراهب (ويترك) (٦) له ماله (أو) (٧) ما قل منه، على خلاف فِي ذَلِكَ، وَغَيْرُهُ مِمَّنْ لَا يُقَاتِلُ يُسْبَى وَيُمْلَكُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِمَا زَعَمَ أَنَّهُ حَبَسَ نَفْسَهُ لَهُ، وَهِيَ عِبَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَتْ عِبَادَتُهُ أَبْطَلَ الْبَاطِلِ/ فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ اعْتِبَارُ عبادة (المسلم) (٨) عَلَى (وَفْقِ) (٩) / دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ لَا يُقْطَعُ بِخَطَأٍ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ يَظُنُّ ذَلِكَ ظَنًّا، وَتَتَبُّعُ (مِثْلِ هَذَا) (١٠) يَطُولُ.\nوَقَدِ اخْتُلِفَ فِيمَا تَحَقَّقَ فِيهِ نَهْيٌ مِنَ الشَّارِعِ: هَلْ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؟ وَفِيهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ مَا لا يخفى عليكم، فكيف بهذا؟\n_________\n(١) في المعيار: الاستبدال به.\n(٢) في (غ) و(ر): \"قومًا\".\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (ت).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٣٧٧)، من طريق الزهري عن أبي بكر، وبرقم (٩٣٧٨)، من طريق أبي عمران الجوني عن أبي بكر، وأخرجه مالك في الموطأ (٩٦٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٩٧٢٧)، كلاهما من طريق يحيى بن سعيد عن أبي بكر، وأخرجه أبو بكر المروزي في مسند أبي بكر (٢١) من طريق كوثر بن حكيم، قال عنه الإمام أحمد: \"متروك الحديث\" وضعفه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة كما في الجرح والتعديل (٧ ١٧٦).\nوأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٥ ١٧٩)، من طريق ابن المسيب عن أبي بكر وذكر عقبه إنكار الإمام أحمد لهذه الرواية، وأخرجه أيضًا برقم (١٩٧٢٨)، من طريق صالح بن كيسان عن أبي بكر، وبرقم (١٩٧٢٨)، من طريق يزيد بن أبي مالك الشامي عن أبي بكر، فجميع الطرق منقطعة بين أبي بكر الصديق ومن روى عنه، ما عدا رواية المروزي وهي ضعيفة الإسناد.\n(٥) ساقطة من المعيار.\n(٦) في (ت) و(خ): وترك.\n(٧) في (ت): و.\n(٨) في (ت) و(غ) و(ر): مسلم.\n(٩) في المعيار: وجه.\n(١٠) في (ت): ذلك.","vol":"3","page":64},{"text":"وَإِذَا خَرَجَتِ الْمَسْأَلَةُ (الْمُخْتَلَفُ فِيهَا) (١) إِلَى أَصْلٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، فَقَدْ خَرَجَتْ عَنْ حَيِّزِ الْإِشْكَالِ، ولم يبق إلا الترجيح لبعض تلك (المسائل) (٢)، وَيُرَجِّحُ كُلُّ أَحَدٍ مَا ظَهَرَ لَهُ بِحَسَبِ مَا وُفِّقَ لَهُ، وَلْنَكْتَفِ بِهَذَا الْقَدْرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.\n/انْتَهَى مَا كَتَبَ لِي بِهِ، وَهُوَ بَسْطُ أَدِلَّةٍ شَاهِدَةٍ لِأَصْلِ الِاسْتِحْسَانِ، فَلَا/ يُمْكِنُ مَعَ هَذَا التَّقْرِيرِ كُلِّهِ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَحْسِنَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ (شرعي) (٣) أصلًا.\n_________\n(١) ساقطة من المعيار.\n(٢) في (م) و(غ) و(ر): \"المذاهب\".\n(٣) زيادة من (غ) و(ر).","vol":"3","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>فصل</span>\nفَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَلْنَرْجِعْ إِلَى مَا احْتَجُّوا بِهِ أَوَّلًا، فَأَمَّا مَنْ حَدَّ الِاسْتِحْسَانَ بِأَنَّهُ: مَا يَسْتَحْسِنُهُ الْمُجْتَهِدُ بِعَقْلِهِ، وَيَمِيلُ إِلَيْهِ بِرَأْيِهِ. فَكَانَ هَؤُلَاءِ يَرَوْنَ هَذَا النَّوْعَ مِنْ جُمْلَةِ أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَقْلَ يُجَوِّز أَنْ يَرِدَ الشَّرْعَ بِذَلِكَ، بَلْ يُجَوِّز أَنْ يَرِدَ بِأَنَّ مَا سَبَقَ إِلَى أَوْهَامِ الْعَوَامِّ - مَثَلًا - فَهُوَ حُكْمُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَيَلْزَمُهُمُ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ، وَلَكِنْ لَمْ يَقَعْ مِثْلُ (هَذَا) (١)، وَلَمْ (يُعْرَفِ) (٢) التَّعَبُّدُ بِهِ، لَا بِضَرُورَةٍ، وَلَا بِنَظَرٍ، وَلَا بِدَلِيلٍ مِنَ الشَّرْعِ قَاطِعٍ وَلَا مَظْنُونٍ، فَلَا يَجُوزُ (إِسْنَادُهُ لِحُكْمِ اللَّهِ) (٣) لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ تَشْرِيعٍ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ.\nوَأَيْضًا فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ حَصَرُوا نَظَرَهُمْ فِي الْوَقَائِعِ الَّتِي لَا نُصُوصَ فِيهَا فِي الِاسْتِنْبَاطِ، وَالرَّدِّ إِلَى مَا فَهِمُوهُ مِنَ الْأُصُولِ الثابتة، ولم يقل أحد منهم (قط) (٤): إِنِّي حَكَمْتُ فِي هَذَا بِكَذَا/ لِأَنَّ طَبْعِي مَالَ إِلَيْهِ، أَوْ لِأَنَّهُ يُوَافِقُ مَحَبَّتِي/ وَرِضَائِي. وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لَاشْتَدَّ عَلَيْهِ النَّكِيرُ، وَقِيلَ لَهُ مِنْ أَيْنَ لَكَ أَنْ تَحْكُمَ عَلَى عباد اللَّهِ بِمَحْضِ مَيْلِ النَّفْسِ وَهَوَى الْقَلْبِ؟ هَذَا مَقْطُوعٌ بِبُطْلَانِهِ.\nبَلْ كَانُوا يَتَنَاظَرُونَ وَيَعْتَرِضُ بَعْضُهُمْ (٥) عَلَى مَأْخَذِ بَعْضِ، (وَيَنْحَصِرُونَ إِلَى) (٦) ضَوَابِطِ الشَّرْعِ.\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"ذلك\".\n(٢) في (غ) و(ر): \"يقع\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"إسناد الحكم إليه\".\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) في (ط) و(خ): \"ويعترض بعضهم بعضا\".\n(٦) في (ط): \"ويحصرون\"، وفي (خ): \"ويحصرون إلى\".","vol":"3","page":66},{"text":"وَأَيْضًا فَلَوْ رَجَعَ الْحُكْمُ إِلَى مُجَرَّدِ الِاسْتِحْسَانِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُنَاظَرَةِ فَائِدَةٌ، لِأَنَّ النَّاسَ تَخْتَلِفُ أَهْوَاؤُهُمْ/ وَأَغْرَاضُهُمْ فِي الْأَطْعِمَةِ، وَالْأَشْرِبَةِ وَاللِّبَاسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.\n/وَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى مُنَاظَرَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، لمَ كَانَ هَذَا الْمَاءُ (أَشْهَى) (١) عِنْدَكَ مِنَ الْآخَرِ؟ وَالشَّرِيعَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ.\nعَلَى أَنَّ أَرْبَابَ الْبِدَعِ الْعَمَلِيَّةِ أَكْثَرُهُمْ لَا يُحِبُّونَ أَنْ يُنَاظِرُوا أَحَدًا، وَلَا يُفَاتِحُونَ عَالِمًا وَلَا غَيْرَهُ فِيمَا (يبتدعون) (٢)، خَوْفًا مِنَ الْفَضِيحَةِ أَنْ لَا يَجِدُوا مُسْتَنَدًا شَرْعِيًّا، وَإِنَّمَا شَأْنُهُمْ/ إِذَا وَجَدُوا عَالِمًا أَوْ لَقَوْهُ أَنْ يُصَانِعُوا، وَإِذَا وَجَدُوا جَاهِلًا عَامِّيًّا أَلْقَوْا عَلَيْهِ فِي الشَّرِيعَةِ الطَّاهِرَةِ إِشْكَالَاتٍ، حَتَّى (يزلزلوه) (٣) ويخلطوا (عليه) (٣)، (ويلبسوا) (٤) (دينه) (٣)، فإذا عرفوا (منه) (٣) الحيرة والالتباس ألقوا إليه مِنْ بِدَعِهِمْ عَلَى التَّدْرِيجِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَذَمُّوا أَهْلَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُمْ أَهْلُ الدُّنْيَا الْمُكِبُّونُ عَلَيْهَا، وَأَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ، وَرُبَّمَا أَوْرَدُوا عَلَيْهِمْ مِنْ كَلَامِ غُلَاةِ الصُّوفِيَّةِ شَوَاهِدَ عَلَى مَا يُلْقُونَ (إِلَيْهِمْ) (٣)، حَتَّى يَهْوُوا (بِهِمْ) (٣) فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَأَمَّا أَنْ يَأْتُوا الْأَمْرَ مِنْ بَابِهِ وَيُنَاظِرُوا عَلَيْهِ الْعُلَمَاءَ الرَّاسِخِينَ فَلَا.\nوَتَأَمَّلْ مَا نَقَلَهُ الْغَزَالِيُّ فِي اسْتِدْرَاجِ الْبَاطِنِيَّةِ غَيْرَهُمْ إِلَى مَذْهَبِهِمْ، تَجِدُهُمْ لَا يَعْتَمِدُونَ إِلَّا عَلَى خَدِيعَةِ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ تَقْرِيرِ عِلْمٍ، وَالتَّحَيُّلِ/ عَلَيْهِمْ بِأَنْوَاعِ الْحِيَلِ، حَتَّى يُخْرِجُوهُمْ (عن) (٥) السُّنَّةِ، أَوْ عَنِ الدِّينِ جُمْلَةً، وَلَوْلَا الْإِطَالَةُ لأتيت بكلامه، فطالعه في كتابه:/ (فَضَائِحُ) (٦) الْبَاطِنِيَّةِ (٧).\nوَأَمَّا الْحَدُّ الثَّانِي (٨) فَقَدْ رُد بِأَنَّهُ لَوْ فَتَحَ هَذَا الْبَابَ لَبَطَلَتِ الْحُجَجُ وَادَّعَى كُلُّ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ، وَاكْتَفَى بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ؛ فَأَلْجَأَ الْخَصْمَ إِلَى الْإِبْطَالِ، وَهَذَا\n_________\n(١) زيادة من (ط) و(خ). وفي (غ) و(ر): \"أطيب\".\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"يبتغون\".\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (ت): \"جميع الضمائر بالجمع\".\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (غ) و(ر).\n(٥) في (ط) و(خ) و(ت): \"من\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"في فضائح\".\n(٧) انظر: فضائح الباطنية (ص٢١ - ٣٢).\n(٨) راجع (ص٤٥).","vol":"3","page":67},{"text":"يجر فسادًا لا خفاء (به) (١)، وَإِنْ سلَّم فَذَلِكَ الدَّلِيلُ إِنْ كَانَ فَاسِدًا فَلَا عِبْرَةَ/ بِهِ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فَلَا ضَرَرَ فِيهِ.\nوأما الدليل الأول فلا متعلق (فيه) (٢)، فَإِنَّ (أَحْسَنَ الِاتِّبَاعِ إِلَيْنَا) (٣) اتِّبَاعُ الْأَدِلَّةِ (الشَّرْعِيَّةِ) (٤)، وَخُصُوصًا الْقُرْآنَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ/ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ (٥)، وَجَاءَ فِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ - خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: \"أَمَّا بَعْدُ، فَأَحْسَنُ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ\" (٦)، فَيَفْتَقِرُ أَصْحَابُ/ الدَّلِيلِ أَنْ يُبَيِّنُوا أَنَّ مَيْلَ الطِّبَاعِ أَوْ أَهْوَاءِ النُّفُوسِ مِمَّا أُنْزِلَ إِلَيْنَا، فضلًا عن أن (يكون) (٧) مِنْ أَحْسَنِهِ.\nوَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (٨) يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ أَنَّ مَيْلَ النُّفُوسِ يُسَمَّى قَوْلًا، وَحِينَئِذٍ يُنْظَرُ إِلَى (كَوْنِهِ) (٩) أَحْسَنَ الْقَوْلِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا كُلُّهُ فَاسِدٌ.\nثُمَّ إِنَّا نُعَارِضُ هَذَا الِاسْتِحْسَانَ بِأَنَّ عُقُولَنَا تَمِيلُ إِلَى إِبْطَالِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ الْأَدِلَّةُ (الشَّرْعِيَّةُ) (١٠) الْمُتَلَقَّاةُ مِنَ الشَّرْعِ.\nوَأَيْضًا فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ اسْتِحْسَانُ الْعَوَامِّ وَمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ، إِذَا فَرَضَ أَنَّ الْحُكْمَ يَتَّبِعُ مُجَرَّدَ مَيْلِ (النفوس) (١١) وهوى الطباع، وذلك محال،\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"له\".\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"به\".\n(٣) في (م): \"الاتباع أحسن إلينا\"، وفي (غ) و(ر): \"اتباع ما أنزل إلينا\".\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (ت).\n(٥) سورة الزمر: الآية (٢٣).\n(٦) أخرجه مسلم برقم (٨٦٧)، وأحمد في المسند (٣ ٣١٠ و٣١٩ و٣٧١)، والدارمي (١ ٨٠) برقم (٢٠٦)، وابن ماجه (١ ١٧) برقم (٤٥)، والنسائي في السنن الكبرى (١ ٥٥٠) برقم (١٧٨٦) و(٣ ٤٤٩)، برقم (٥٨٩٢) وفي المجتبى (٣ ١٨٨)، برقم (١٥٧٨)، وأبو يعلى في المسند (٤ ٨٥)، برقم (٢١١١)، وابن الجارود في المنتقى (٢٩٧)، وابن خزيمة في صحيحه (٣ ١٤٣)، برقم (١٧٨٥)، وابن حبان في صحيحه (١ ١٨٦)، برقم (١٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣ ٢٠٦ و٢١٣ و٢١٤)، برقم (٥٥٤٤ و٥٥٨٩ - ٥٥٩١).\n(٧) في (ط): \"يقول\".\n(٨) سورة الزمر: الآية (١٨).\n(٩) في (غ) و(ر): \"قوله\".\n(١٠) ساقط من (غ) و(ر).\n(١١) ساقط من (غ) و(ر).","vol":"3","page":68},{"text":"لِلْعِلْمِ بِأَنَّ ذَلِكَ مُضَادٌّ لِلشَّرِيعَةِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَدِلَّتِهَا.\nوَأَمَّا الدَّلِيلُ الثَّانِي، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ مِنْ أَوْجُهٍ:\nأَحَدُهَا: أَنَّ ظَاهِرَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنْ مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ (بجملتهم) (١) حَسَنًا فَهُوَ حَسَنٌ، وَالْأُمَّةُ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى بَاطِلٍ، فَاجْتِمَاعُهُمْ عَلَى حُسْنِ شَيْءٍ يَدُلُّ عَلَى حسنه شرعًا، لأن الإجماع يَتَضَمَّنُ دَلِيلًا شَرْعِيًّا؛ فَالْحَدِيثُ/ دَلِيلٌ عَلَيْكُمْ لَا لكم (٢).\nوالثاني: أَنَّهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ فِي مَسْأَلَةٍ قَطْعِيَّةٍ فَلَا يسمع (٣)\nوالثالث: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُرَدْ بِهِ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ، وأريد (به) (٤) بَعْضُهُمْ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ اسْتِحْسَانُ الْعَوَامِّ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعٍ، لَا يُقَالُ: إِنَّ الْمُرَادَ اسْتِحْسَانُ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا تَرْكٌ لِلظَّاهِرِ، فَيَبْطُلُ الِاسْتِدْلَالُ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي اشْتِرَاطِ الاجتهاد؛ لأن المستحسن بالفرض (لا ينحو إلى الْأَدِلَّةِ) (٥) فَأَيُّ حَاجَةٍ إِلَى اشْتِرَاطِ الِاجْتِهَادِ؟.\nفَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا يُشْتَرَطُ حَذَرًا مِنْ مُخَالَفَةِ الْأَدِلَّةِ/ فَإِنَّ الْعَامِّيَّ لَا يَعْرِفُهَا. قِيلَ:/ بَلِ الْمُرَادُ اسْتِحْسَانٌ يَنْشَأُ عَنِ الْأَدِلَّةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ قَصَرُوا أَحْكَامَهُمْ عَلَى اتِّبَاعِ الْأَدِلَّةِ، وَفَهْمِ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ.\n(فَالْحَاصِلُ) (٦) أنَّ تَعَلُّقَ الْمُبْتَدِعَةِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ تَعَلُّقٌ بِمَا لَا يُغْنِيهِمْ وَلَا يَنْفَعُهُمُ الْبَتَّةَ،/ لَكِنْ/ رُبَّمَا يَتَعَلَّقُونَ في آحاد (بدعهم) (٧) بِآحَادٍ شُبَهٍ سَتُذْكَرُ فِي مَوَاضِعِهَا إِنْ شَاءَ الله، ومنها ما قد قضى.\n_________\n(١) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٢) في هامش (ت): \"قلت: بل الإجماع أول أدلة الدين وأساسهما لأن الكتاب والسنّة إنما ثبت أمرهما ووصل إلينا بإجماع الصحابة ﵃، فمن هذه الحيثية كان له فضل التقدم والمزية\".\n(٣) يرى الشاطبي أن خبر الآحاد دليل ظني، ولا يعمل به إلا إذا استند إلى أصل قطعي في الشريعة وأن خبر الآحاد لا يؤخذ به في الأمور القطعية، هذا ما صرح به في الجزء الأول من الاعتصام (ص٢٣٥ - ٢٣٦) (نسخة رشيد رضا)، وهذا الرأي خلاف مذهب أهل السنة في هذه المسألة، إذ يرون وجوب الأخذ بأحاديث الآحاد في المسائل العلمية والعملية.\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) في (ط): \"لا ينحصر في الأدلة، وفي (خ) و(ت) و(غ) و(ر): \"لا ينحصر إلى الأدلة\".\n(٦) في (ر): \"فالجاهل\".\n(٧) في (ط) و(خ) و(ت): \"بدعتهم\".","vol":"3","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>فصل</span>\nفإن قيل: أفليس في (بعض) (١) الْأَحَادِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى مَا يَقَعُ فِي الْقَلْبِ (وَيَحِيكُ) (٢) فِي النَّفْسِ، وَإِنْ لَمْ/ يَكُنْ ثَمَّ دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلَى حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ وَلَا غَيْرُ صَرِيحٍ؟ فَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: \"دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ، فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَالْكَذِبَ رِيبَةٌ\" (٣).\nوخرَّج مُسْلِمٌ عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رسول الله ﷺ عن الْبِرِّ وَالْإِثْمِ فَقَالَ: \"الْبِرُّ (حُسْنُ) (٤) الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ الناس عليه\" (٥).\n_________\n(١) زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) في (ط): \"ويجري\".\n(٣) قول الشاطبي: فقد جاء في الصحيح. لعله يقصد به صحيح ابن حبان وابن خزيمة لأن الحديث ليس في الصحيحين، ولا أحدهما، وإنما أخرج الحديث أبو داود الطيالسي في مسنده (١١٧٨)، وأحمد في المسند (١ ٢٠٠) و(٣ ١١٢)، والدارمي في سننه (٢٥٣٢ و٢٧٨٩)، والترمذي (٢٥١٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤١٦)، والنسائي (٨ ٣٢٧)، وفي الكبرى (٥٢٢٠)، وأبو يعلى في مسنده (٦٧٦٢ و٧٤٩٢)، وابن خزيمة في الصحيح (٢٣٤٨)، والطبراني في الصغير (٢٨٤)، وفي الكبير (٢٧٠٨ و٢٧١١) و(٢٢ ٨١ برقم ١٩٧) و(٢٢ ١٤٧ برقم ٣٩٩)، وأبو الشيخ في طبقات أصبهان (١ ١٩١) و(٤ ٩١)، والحاكم في المستدرك (٢١٦٩)، وصححه الذهبي، وبرقم (٢١٧٠)، وبرقم (٧٠٤٦)، وقال الذهبي: \"سنده قوي\". وأخرجه ابن حبان (٧٢٢)، والخطيب في تاريخ بغداد (٢ ٢٢٠ و٣٨٦)، (٦ ٣٨٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠٦٠١).\n(٤) في (م): \"خلق\".\n(٥) أخرجه مسلم برقم (٢٥٥٣)، وأحمد في المسند (٤ ٨٢)، والبخاري في الأدب المفرد (٢٩٥ و٣٠٢)، والترمذي (٢٣٨٩)، والطبراني في مسند الشاميين (٩٨٠)، وابن حبان=","vol":"3","page":70},{"text":"وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ (١) ﵁ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ/ مَا الْإِيمَانُ؟ قال: \"إذا سرتك (حسناتك) (٢) وساءتك (سيئاتك) (٣) فأنت مؤمن قال: يا رسول الله، فما الإثم؟ قَالَ: إِذَا حَاكَ شَيْءٌ فِي صَدْرِكَ فَدَعْهُ\" (٤).\nوَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: \"دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ\" (٥).\nوَعَنْ وَابِصَةَ (٦) ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ فَقَالَ: \"يَا وَابِصَةُ، اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ\" (٧).\nوَخَرَّجَ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَنَّ رَجُلًا سأل\n_________\n= (٣٩٧)، والحاكم (٢١٧٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢٠٥٧٤)، والقضاعي في مسنده (٥٣).\n(١) هو صُدي بن عجلان بن وهب بن عريب الباهلي، صاحب رسول الله ﷺ ونزيل حمص، توفي سنة ٨٦هـ. انظر: السير (٣ ٣٥٩)، وطبقات ابن سعد (٧ ٤١١)، وأسد الغابة (٣ ١٦).\n(٢) في (م) و(غ) و(ر): \"حسنتك\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"سيئتك\".\n(٤) أخرجه معمر في الجامع (٢٠١٠٤)، وابن المبارك في الزهد (٨٢٥)، وأحمد في المسند (٥ ٢٥٢ - ٢٥٦)، والحارث في مسنده - بغية الباحث - (١١)، والطبراني في الكبير (٧٥٣٩ و٧٥٤٠)، وفي مسند الشاميين (٢٣٣)، وابن حبان في الصحيح (١٧٦)، والحاكم (٣٣)، وقال الذهبي: \"على شرطهما\". وبرقم (٣٤ و٢١٧١).\n(٥) أخرجه الإمام أحمد (٣/ ١٥٣) وأخرجه موقوفًا على أنس ﵁ في المسند (٣ ١١٢)، وتقدم تخريج الحديث بتوسع في الصفحة السابقة.\n(٦) هو وابصة بن معبد بن عتبة بن الحارث الأسدي، وفد على رسول الله ﷺ سنة تسع، وروى عن النبي ﷺ وعبد الله بن مسعود ﵁ وأم قيس بنت محصن وغيرهم. انظر: الإصابة (٣ ٢٦٢).\n(٧) أخرجه أحمد (٤ ٢٢٨)، والدارمي في السنن (٢٥٣٣)، والحارث في مسنده - بغية الباحث - (٢٦٠)، وأبو يعلى (١٥٨٦ و١٥٨٧)، والطبراني في الكبير (٢٢ ١٤٨ - ١٤٩).","vol":"3","page":71},{"text":"رسول الله ﷺ/ فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَحِلُّ لِي مِمَّا يَحْرُمُ عَلَيَّ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ/ ﷺ، فَرَدَّ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ يَسْكُتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ؟ فَقَالَ: أَنَا ذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ - وَنَقَرَ بِإِصْبَعِهِ ـ: \"مَا أَنْكَرَ قَلْبُكَ فَدَعْهُ\" (١).\nوَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: الْإِثْمُ (حُوَازُّ) (٢) الْقُلُوبِ، فَمَا حَاكَ مِنْ شَيْءٍ فِي قَلْبِكَ فَدَعْهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ فِيهِ نَظْرَةٌ فَإِنَّ لِلشَّيْطَانِ فِيهِ مَطْمَعًا (٣).\nوَقَالَ أَيْضًا: الْحَلَالُ بيِّن وَالْحَرَامُ بيِّن، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، فَدَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ (٤).\nوَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁: أَنَّ الْخَيْرَ طُمَأْنِينَةٌ، وَأَنَّ الشَّرَّ رِيبَةٌ، فَدَعْ مَا يريبك إلى ما لا يريبك (٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٨٢٤ و١١٦٢) وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٢٣٠): (هذا إسناد مرسل صحيح، رجاله ثقات، فإن ابن لهيعة صحيح الحديث إذا روى عنه العبادلة، وابن المبارك أحدهم). وذكر الحديث ابن حجر في الإصابة (٥ ٢٤٤) وبيّن أن عبد الرحمن بن معاوية تابعي.\n(٢) في (م) و(خ): \"خوار\"، وفي (غ) و(ر): \"حراز\". والصواب حواز: وهي الأمور التي تحز في القلوب، أي تؤثر فيها، كما يؤثر الحز في الشيء. انظر مادة حوز من لسان العرب.\n(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٩ ١٦٣) برقم (٨٧٤٩، ٨٧٤٨)، وقال الهيثمي في المجمع (١ ١٧٦): رواه الطبراني كله بأسانيد رجالها ثقات. وذكره في كنز العمال (٣ ٤٣٤)، برقم (٧٣٢٠)، وروي مرفوعًا إلى النبي ﷺ وسيأتي تخريجه قريبًا.\n(٤) أخرجه موقوفًا على ابن مسعود النسائي في المجتبى (٥٣٩٧، ٥٣٩٨)، وفي السنن الكبرى (٥٩٤٥، ٥٩٤٦)، وقال النسائي عقبه: \"هذا حديث جيد جيد\". وأخرجه الدارمي (١٦٥، ١٦٨)، والطبراني في الكبير (٨٩٢٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢٠١٣٠).\nوالحديث أصله مرفوع إلى النبي ﷺ أخرجه البخاري من حديث النعمان بن بشير برقم (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩)، وابن ماجه (٣٩٨٤)، والترمذي (١٢٠٥)، وأبو داود (٣٣٢٩، ٣٣٣٠)، والنسائي (٤٤٥٣، ٥٧١٠).\nوالحديث مرفوعًا إلى النبي ﷺ مروي في غالب الكتب المسندة من رواية النعمان بن بشير وابن عمر وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله.\n(٥) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٩ ٧)، في تفسير سورة الملك: آية (١٥)،=","vol":"3","page":72},{"text":"وقال شريح: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ، فَوَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ فَقْدَ شَيْءٍ تَرَكْتُهُ ابْتِغَاءَ وجه الله (١).\nفهذه (الأحاديث والآثار) (٢) ظَهَرَ مِنْ مَعْنَاهَا الرُّجُوعُ فِي جُمْلَةٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إِلَى مَا يَقَعُ بِالْقَلْبِ/ وَيَهْجِسُ بِالنَّفْسِ وَيَعْرِضُ بِالْخَاطِرِ، وَأَنَّهُ إِذَا اطْمَأَنَّتِ النَّفْسُ/ إِلَيْهِ فَالْإِقْدَامُ عَلَيْهِ صَحِيحٌ، وَإِذَا تَوَقَّفَتْ أَوِ ارْتَابَتْ فَالْإِقْدَامُ عَلَيْهِ مَحْظُورٌ، وَهُوَ عَيْنُ مَا وَقَعَ إِنْكَارُهُ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى الِاسْتِحْسَانِ/ الَّذِي يَقَعُ بِالْقَلْبِ وَيَمِيلُ إِلَيْهِ الْخَاطِرُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ هُنَالِكَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ أَوْ كَانَ هَذَا (التَّقْرِيرُ) (٣) مُقَيَّدًا بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ لَمْ يُحِلْ بِهِ عَلَى مَا فِي النُّفُوسِ وَلَا عَلَى مَا يَقَعُ بِالْقُلُوبِ، مَعَ أَنَّهُ عِنْدَكُمْ عَبَثٌ وَغَيْرُ مُفِيدٍ، كَمَنْ يُحِيلُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى الْأُمُورِ الْوِفَاقِيَّةِ، أَوِ (الْأَفْعَالِ) (٤) الَّتِي لَا ارْتِبَاطَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ شَرْعِيَّةِ الْأَحْكَامِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ (لِاسْتِحْسَانِ) (٥) الْعُقُولِ وَمَيْلِ النُّفُوسِ أَثَرًا فِي شَرْعِيَّةِ الْأَحْكَامِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.\nوَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا قَدْ زَعَمَ الطَّبَرِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْآثَارِ (٦) أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ السَّلَفِ قَالُوا بِتَصْحِيحِهَا، وَالْعَمَلِ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ (ظَاهِرُهَا) (٧)، وَأَتَى بِالْآثَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمَا، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ آخَرِينَ الْقَوْلَ بِتَوْهِينِهَا وَتَضْعِيفِهَا، وإحالة معانيها.\n_________\n=وأصله حديث مرفوع إلى النبي ﷺ أخرجه من حديث الحسن بن علي، الترمذي (٢٥١٨)، وصححه الألباني، وأخرجه النسائي (٥٧١١)، والحاكم في المستدرك (٢١٦٩)، وصححه الذهبي، وبرقم (٢١٧٠)، وبرقم (٧٠٤٦)، وقال الذهبي: \"سنده قوي\".\nوأخرجه مرفوعًا من حديث واثلة بن الأسقع الطبراني في الكبير (٢٢ ٨١).\n(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٦ ١٣٦)، وهناد في الزهد (٩٣٩)، ونعيم بن حماد في زوائد الزهد لابن المبارك (٣٨).\n(٢) في (م): \"الأدلة\"، وهو ساقط من (ط) و(خ). وفي (غ) و(ر): \"أدلة\".\n(٣) في (ت): \"بياض بمقدار كلمة\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"الأعمال\".\n(٥) في (م): \"الاستحسان\".\n(٦) لم أجده في المطبوع من تهذيب الآثار.\n(٧) في (خ): \"ظاهر\"، وفي (غ) و(ر): \"ظاهر هذه\".","vol":"3","page":73},{"text":"/ (ورأيت كلامه) (١) وترتيبه بالنسبة إلى ما نحن فيه/ (لائقًا) (٢)\nأَنْ/ يُؤْتَى بِهِ عَلَى وَجْهِهِ، فَأَتَيْتُ بِهِ عَلَى تَحَرِّي مَعْنَاهُ دُونَ (لَفْظِهِ) (٣) لِطُولِهِ، فَحَكَى عَنْ جَمَاعَةٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا شَيْءَ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ إِلَّا وَقَدْ بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِنَصٍّ عَلَيْهِ أَوْ بِمَعْنَاهُ، فَإِنْ كَانَ حَلَالًا فَعَلَى الْعَامِلِ بِهِ - إِذَا كَانَ عَالِمًا - تَحْلِيلُهُ، أَوْ حَرَامًا فَعَلَيْهِ تَحْرِيمُهُ، أَوْ مَكْرُوهًا غَيْرَ حَرَامٍ، فَعَلَيْهِ اعْتِقَادُ التَّحْلِيلِ أَوِ التَّرْكِ (تَنْزِيهًا) (٤).\nفأما العمل بِحَدِيثِ النَّفْسِ وَالْعَارِضِ فِي الْقَلْبِ فَلَا، فَإِنَّ اللَّهَ حَظَرَ ذَلِكَ عَلَى نَبِيِّهِ فَقَالَ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ/ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٥) فَأَمَرَهُ بِالْحُكْمِ بِمَا أَرَاهُ (اللَّهُ) (٦) لَا بِمَا رآه، وحدثته (به) (٧) نفسه، (فغيره) (٨) من البشر أَوْلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ جَاهِلًا فَعَلَيْهِ مَسْأَلَةُ الْعُلَمَاءِ دُونَ مَا حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ (٩).\nوَنُقِلَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ خَطَبَ (النَّاسَ) (١٠) فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ سُنَّتْ لَكُمُ السُّنَنُ، وَفُرِضَتْ لَكُمُ الْفَرَائِضُ، وَتُرِكْتُمْ عَلَى الْوَاضِحَةِ، (إِلَّا) (١١) أَنْ تَضِلُّوا (بِالنَّاسِ) (١٢) يَمِينًا وَشِمَالًا (١٣).\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ حلال أو\n_________\n(١) في (م): \"كلامه\"، وفي سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"وكلامه\".\n(٢) في (ط) و(ت): \"لائق\".\n(٣) في (م) و(غ) و(ر): \"نصه\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"تنزها\".\n(٥) سورة النساء: الآية (١٠٥).\n(٧) (٦) ساقط من (غ) و(ر).\n(٨) في (م): \"فغير\".\n(٩) في هامش (ت) ما نصّه: \"قلت - والله أعلم - إن مورد هذه الأحاديث وما في معناها ليس هو مما يتعلق بشيء من إحداث الشريعة المنزهة عن صدورها من آراء الخلق وأنظارهم، والخواطر والهواجس الفائضة من أنفسهم وقلوبهم، وإنما المراد بذلك ما يشبه معنى الاستخارة في الأمور العادية من الإقدام على شيء أو الإحجام عنه، ولا يبعد أن يكون ذلك في المتشابهات، وإن كان المأمور به من الشارع الترك استبراءً للدين، وأما المعنى الذي حاولوا الاحتجاج به أهل البدع، فلا سبيل إلى دخوله في الشرعيات أصلًا\".\n(١٠) زيادة من (غ) و(ر).\n(١١) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٢) في (غ) و(ر): \"بين الناس\".\n(١٣) تقدم تخريجه (١ ١٣٥).","vol":"3","page":74},{"text":"حرام (بين) (١) فَهُوَ كَذَلِكَ، وَمَا سُكِتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عُفِيَ عَنْهُ (٢).\n/وَقَالَ مَالِكٌ: قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ تَمَّ هَذَا الْأَمْرُ وَاسْتُكْمِلَ (فَيَنْبَغِي) (٣) أَنْ تُتَّبَعَ آثَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَلَا تتبع الرأي، فإنه (من اتَّبَعَ) (٤) الرَّأْيَ (جَاءَهُ) (٥) رَجُلٌ آخَرُ أَقْوَى فِي الرَّأْيِ (مِنْهُ فَاتَّبَعَهُ) (٦)، (فَكُلَّمَا غَلَبَهُ رَجُلٌ اتَّبَعَهُ أُري أن هذا الأمر بَعْدُ لَمْ يَتِمَّ) (٧).\n/ (وَاعْمَلُوا) (٨) مِنَ الْآثَارِ بِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي إِذَا اعتصمتم به، كتاب الله) (٩).\n(وفي حديث أبي هريرة: (إني قد خلفت فيكم شيئين لن تضلوا بعدي أبدًا ما أخذتم بهما، وعملتم بما فيهما: كِتَابَ اللَّهِ) (١٠) وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا علي (الحوض) (١١» (١٢).\n_________\n(١) زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) أخرجه أبو داود (٣٨٠٠) والحاكم في المستدرك (٧١١٣) وقال: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ ٣٣٠) برقم (١٩٢٤٣).\n(٣) في جامع بيان العلم: فإنما ينبغي.\n(٤) في (م): \"متى ما اتبع\"، وفي جامع بيان العلم: متى اتبع.\n(٥) في (م): \"وجامع بيان العلم\": جاء.\n(٦) في (م): \"منك فاتبعته\"، وفي جامع بيان العلم: منك فاتبعه.\n(٧) في (م): \"فكلما غلبك رجل اتبعته، أرى هذا بعد لم تتم. وفي جامع بيان العلم: \"فَأَنْتَ كُلَّمَا جَاءَ رَجُلٌ غَلَبَكَ اتَّبَعْتَهُ، أَرَى هذا لا يتم\" جامع بيان العلم (٢٠٧٢، ٢١١٧).\n(٨) في (م): \"وأعتلو\".\n(٩) أخرجه مسلم (١٢١٨)، وابن ماجه (٣٠٧٤)، وأبو داود (١٩٠٥)، والنسائي في السنن الكبرى (٤٠٠١)، والمنتقى لابن الجارود (٤٦٩)، وابن خزيمة في الصحيح (٢٨٠٩)، وابن حبان في الصحيح (١٤٥٧ و٣٩٤٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨٦٠٩).\n(١٠) ما بين () زيادة من (غ) و(ر).\n(١١) في (م): \"حوضي\".\n(١٢) أخرجه الحاكم (٣١٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢٠١٢٤)، وابن عدي في الكامل (٤ ٦٨). وقد وردت روايات أخرى للحديث منها: رواية زيد بن أرقم أخرجها الترمذي (٣٧٨٨)، والنسائي في السنن الكبرى (٨١٤٨ و٨٤٦٤)، والطبراني في الكبير (٢٦٨١=","vol":"3","page":75},{"text":"وروي عن عمرو بن (شعيب) (١) خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يومًا وهم يجادلون في القرآن، فخرج وجهه أَحْمَرُ كَالدَّمِ فَقَالَ: (يَا قَوْمُ، عَلَى هَذَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، جَادَلُوا فِي الْقُرْآنِ وَضَرَبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فَمَا كَانَ مِنْ حَلَالٍ فَاعْمَلُوا بِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ حَرَامٍ فَانْتَهُوا عَنْهُ، وَمَا كَانَ مِنْ مُتَشَابِهٍ فَآمِنُوا بِهِ) (٢).\nوَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ يَرْفَعُهُ/ قَالَ: (مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فِيهِ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَافِيَةٌ، فَاقْبَلُوا مِنَ اللَّهَ عَافِيَتَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ/ لَمْ يَكُنْ (لِيَنْسَى) (٣) شَيْئًا ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٤» (٥).\n_________\n=و٤٩٦٩ و٤٩٧١ و٤٩٨٠ و٤٩٨١ و٤٩٨٦)، والحاكم (٤٥٧٦ و٤٧١١ و٦٢٧٢).\nومن رواية أبي سعيد الخدري أخرجها ابن الجعد في مسنده (٢٧١١)، وأحمد في المسند (٣ ١٧)، وفي فضائل الصحابة (٩٩٠ و١٣٨٢ و١٣٨٣)، وأبو يعلى في المسند (١٠٢٧)، والطبراني في الكبير (٢٩٧٩)، وأبو الشيخ في طبقات أصبهان (٢ ١٩٤)، وابن عدي في الكامل (٦ ٦٦)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (٢ ٢٥٠) و(٤ ٣٦٢).\nومن رواية ابن عباس أخرجها الحاكم (٣١٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢٠١٢٣).\nومن رواية حذيفة بن أسيد أخرجها الطبراني في الكبير (٢٦٨٣ و٣٠٥٢).\nومن رواية زيد بن ثابت أخرجها أحمد في الفضائل (١٠٣٢)، وعبد بن حميد في المنتخب (٢٤٠)، والطبراني في الكبير (٤٩٢١ - ٤٩٢٣).\nومن رواية ابن عمر أخرجها عبد بن حميد في المنتخب (٨٥٨).\n(١) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٢) رواية عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ خرج على بعض أصحابه وهو يتجادلون في القدر - وليس في القرآن كما في المتن - أخرجه أحمد في المسند (٢ ١٧٨)، والبخاري في خلق أفعال العباد (ص٦٣)، وبنحوه في المسند (٢ ١٨٥ و١٩٢)، والنسائي في السنن الكبرى (٥ ٣٣)، برقم (٨٠٩٥)، وبنحوه أخرجه مسلم في الصحيح (٤ ٢٠٥٣) برقم (٢٦٦٦) وغيره.\n(٣) في (م): \"ينسى\"، وفي رواية الحاكم (نسيا).\n(٤) سورة مريم: الآية (٦٤).\n(٥) أخرجه الدارقطني في سننه (٢ ١٣٧)، برقم (١٢)، والحاكم (٢ ٤٠٦)، برقم (٣٤١١)، وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، وقال الذهبي: (صحيح)، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٠ ١٢)، برقم (١٩٥٠٨)، وورد بنحوه عن سلمان=","vol":"3","page":76},{"text":"/قَالُوا: فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ وَرَدَتْ بِالْعَمَلِ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَالْإِعْلَامُ بِأَنَّ الْعَامِلَ بِهِ لَنْ يَضِلَّ، وَلَمْ يَأْذَنْ (لِأَحَدٍ) (١) فِي الْعَمَلِ بِمَعْنًى ثَالِثٍ غَيْرِ مَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَوْ كَانَ ثَمَّ ثَالِثٌ لَمْ يَدَعْ بَيَانَهُ، (فَدَلَّ) (٢) على (أنه) (٣) لا ثالث، و(أن) (٤) من ادَّعَاهُ فَهُوَ مُبْطِلٌ.\nقَالُوا: فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّهُ ﷺ قَدْ سنَّ لِأُمَّتِهِ وَجْهًا ثَالِثًا وَهُوَ قَوْلُهُ: (اسْتَفْتِ قَلْبَكَ) (٥)، وَقَوْلُهُ: (الْإِثْمُ حُوَّازُ) (٦) الْقُلُوبِ) (٧) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.\nقُلْنَا: لَوْ صَحَّتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ لَكَانَ ذَلِكَ إِبْطَالًا لِأَمْرِهِ بِالْعَمَلِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إذا صحَّا مَعًا؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَمْ تَرِدْ بِمَا اسْتَحْسَنَتْهُ النُّفُوسُ وَاسْتَقْبَحَتْهُ، وَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ وَجْهًا ثَالِثًا لَوْ خَرَجَ شَيْءٌ مِنَ الدِّينِ عَنْهُمَا، (وَلَيْسَ) (٨) بِخَارِجٍ، فَلَا ثَالِثَ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ.\nفَإِنْ قِيلَ: قَدْ يَكُونُ قَوْلُهُ: (اسْتَفْتِ قَلْبَكَ) وَنَحْوَهُ أَمْرًا لِمَنْ لَيْسَ فِي مَسْأَلَتِهِ نَصٌّ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَاخْتَلَفَتْ فِيهِ الْأُمَّةُ، فَيُعَدُّ وَجْهًا ثَالِثًا.\nقُلْنَا: (لَا يَجُوزُ) (٩) ذَلِكَ لِأُمُورٍ:\nأَحَدُهَا: أَنَّ كُلَّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ بِعَيْنِهِ قَدْ نُصِبَتْ عَلَى حُكْمِهِ دَلَالَةٌ، فَلَوْ كَانَ فَتْوَى/ الْقَلْبِ، وَنَحْوِهِ دَلِيلًا لَمْ يَكُنْ (لِنَصْبِ) (١٠) الدَّلَالَةِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَيْهِ معنى، فيكون/ عبثًا، وهو باطل.\n_________\n=الفارسي في سنن ابن ماجه (٢ ١١١٧)، برقم (٣٣٦٧)، والترمذي (٤ ٢٢٠)، برقم (١٧٢٦) - وحسنه الألباني - والطبراني في المعجم الكبير (٦ ٢٥٠ و٢٦١)، برقم (٦١٢٤ و٦١٥٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩ ٣٢٠ و١٠ ١٢) برقم (١٩١٧٥ و١٩٥٠٦ و١٩٥٠٧)، وورد بنحوه عن ابن عباس موقوفًا، انظر (ص٧٥).\n(١) في (غ) و(ر): \"لأمته\".\n(٢) في (ط): \"فعدل\".\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"أن\".\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) سبق تخريجه (ص٧١) ت٧.\n(٦) في (م): \"جواز\"، وفي (خ) و(ت): \"خوار\".\n(٧) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٥٤٣٤)، وورد موقوفًا، حيث تقدم (ص٧٢) ت٣.\n(٨) في (ت): \"ولا\".\n(٩) في (خ): \"يجوز\".\n(١٠) في (ط): \"لنصت\".","vol":"3","page":77},{"text":"وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١)، فَأَمَرَ الْمُتَنَازِعِينَ بِالرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ دُونَ حديث النفوس وفُتيا القلوب.\nوالثالث: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٢)، فَأَمَرَهُمْ بِمَسْأَلَةِ أَهْلِ الذِّكْرِ لِيُخْبِرُوهُمْ بِالْحَقِّ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ أَنْ يَسْتَفْتُوا فِي ذلك أنفسهم.\nوالرابع: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ/ لِنَبِيِّهِ احْتِجَاجًا عَلَى من أنكر وحدانيته: ﴿ت ث ج ح خ د﴾ (٣) إِلَى آخِرِهَا، فَأَمَرَهُمْ بِالِاعْتِبَارِ (بِعِبْرَتِهِ) (٤) / وَالِاسْتِدْلَالِ بِأَدِلَّتِهِ عَلَى صِحَّةِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ أن يستفتوا فيه نفوسهم ويصدروا عَمَّا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ قُلُوبُهُمْ، وَقَدْ وَضَعَ الْأَعْلَامَ وَالْأَدِلَّةَ، فَالْوَاجِبُ/ فِي كُلِّ مَا وَضَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ الدَّلَالَةَ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِأَدِلَّتِهِ عَلَى مَا دلت (عليه) (٥) دُونَ فَتْوَى النُّفُوسِ، وَسُكُونِ الْقُلُوبِ/ مِنْ أَهْلِ الجهل بأحكام الله.\nهذا مَا حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ عَمَّنْ تَقَدَّمَ، ثُمَّ (اخْتَارَ) (٦) إِعْمَالَ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ، إِمَّا لِأَنَّهَا صَحَّتْ عِنْدَهُ (أَوْ صَحَّ) (٧) مِنْهَا عِنْدَهُ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ معانيها؛ كحديث: \"الْحَلَالُ بيِّن وَالْحَرَامُ بيِّن وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ\" (٨) إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ صَحِيحٌ خرَّجه الْإِمَامَانِ، ولكنه لم يُعملها في كل (شيء) (٩) مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، إِذْ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي تَشْرِيعِ الْأَعْمَالِ وَإِحْدَاثِ التَّعَبُّدَاتِ، فَلَا يُقَالُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِحْدَاثِ الْأَعْمَالِ: إِذَا اطْمَأَنَّتْ نَفْسُكَ إِلَى هَذَا الْعَمَلِ فَهُوَ بِرٌّ، أَوِ اسْتَفْتِ قَلْبِكَ فِي إِحْدَاثِ هَذَا الْعَمَلِ، فَإِنِ اطْمَأَنَّتْ إليه نفسك فاعمل به وإلا فلا.\n_________\n(١) سورة النساء: الآية (٥٩).\n(٢) سورة النحل: الآية (٤٣).\n(٣) سورة الغاشية: الآية (١٧).\n(٤) في (م) و(غ) و(ر): \"بعبرة\".\n(٥) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٦) في (م): \"اخبار\".\n(٧) في (ر): \"وأصح\".\n(٨) تقدم تخريجه (١/ ١٨٣).\n(٩) زيادة من (غ) و(ر).","vol":"3","page":78},{"text":"وكذلك (بالنسبة) (١) إِلَى التَّشْرِيعِ التُّرْكِيِّ، لَا يَتَأَتَّى تَنْزِيلُ مَعَانِي الْأَحَادِيثِ عَلَيْهِ بِأَنْ يُقَالَ: إِنِ اطْمَأَنَّتْ نَفْسُكَ إِلَى تَرْكِ الْعَمَلِ الْفُلَانِيِّ فَاتْرُكْهُ، وَإِلَّا فَدَعْهُ، أَيْ فَدَعِ التَّرْكَ وَاعْمَلْ بِهِ، وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ إِعْمَالُ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِيمَا أَعْمَلَ فِيهِ قَوْلَهَ ﵊: \"الْحَلَالُ بيِّن وَالْحَرَامُ بيِّن\" الْحَدِيثَ.\nوَمَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الْعَادَاتِ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالنِّكَاحِ وَاللِّبَاسِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِي هَذَا الْمَعْنَى، فَمِنْهُ مَا هُوَ بَيِّنُ الْحِلِّيَّةِ وَمَا هُوَ بَيِّنُ التَّحْرِيمِ/ وَمَا فِيهِ إِشْكَالٌ، وَهُوَ الْأَمْرُ الْمُشْتَبَهُ الَّذِي لَا يُدْرَى أَحَلَالٌ/ هُوَ أَمْ حَرَامٌ؟ (فَإِنَّ تَرْكَ الْإِقْدَامِ أَوْلَى مِنَ الْإِقْدَامِ مَعَ جَهَلَةٍ بِحَالِهِ، نَظِيرَ قَوْلِهِ ﵇: \"إِنِّي لِأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي، (فَلَوْلَا) (٢) أَنِّي أَخْشَى أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا\" (٣).\nفَهَذِهِ التَّمْرَةُ لَا شَكَّ أَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ إِحْدَى (الحالتين) (٤): إِمَّا مِنَ الصَّدَقَةِ وَهِيَ حَرَامٌ عَلَيْهِ/ وَإِمَّا مِنْ غَيْرِهَا وَهِيَ حَلَالٌ لَهُ، فَتَرَكَ أَكْلَهَا حَذَرًا مِنْ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.\nقَالَ الطَّبَرِيُّ: فَكَذَلِكَ حَقُّ اللَّهِ تعالى عَلَى الْعَبْدِ - فِيمَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مِمَّا هُوَ فِي سَعَةٌ مِنْ تَرْكِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ، أَوْ مما هو غير واجب (عليه) (٥) أن يدع ما يريبه فيه إِلَى مَا لَا يُرِيبُهُ، إِذْ يَزُولُ بِذَلِكَ عن نفسه الشك، كمن يريد\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"في النسبة\".\n(٢) في (خ): \"فلو\".\n(٣) أخرجه البخاري برقم (٢٠٥٥ و٢٤٣١)، ومسلم (١٠٧٠ و١٠٧١)، وبنحوه في صحيفة همام بن منبه (٩٤)، وإسحاق بن راهويه في المسند (٤٨٣)، وأحمد في المسند (٢ ١٨٠ و١٩٣ و٣١٧) و(٣ ١١٩ و١٣٢ و١٨٤ و٢٥٨ و٢٩١)، وأبو داود (١٦٥١ و١٦٥٢)، وأبو يعلى في مسنده (٢٨٦٢ و٢٩٧٥ و٣٠١١ و٣٠٩٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢ ٩ و١٠)، وابن حبان في صحيحه (٣٢٩٢ و٣٢٩٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠٦٠٠ و١١٨٧٦ و١١٨٧٧ و١٣٠١٢ - ١٣٠١٤).\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الحالين\".\n(٥) زيادة من (غ) و(ر).","vol":"3","page":79},{"text":"خِطْبَةَ امْرَأَةٍ فَتُخْبِرُهُ امْرَأَةٌ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْهُ وَإِيَّاهَا، وَلَا يَعْلَمُ صِدْقَهَا مَنْ كَذِبِهَا، فَإِنْ تَرَكَهَا/ أَزَالَ عَنْ نَفْسِهِ الرِّيبَةَ اللَّاحِقَةَ لَهُ بِسَبَبِ إِخْبَارِ الْمَرْأَةِ، وَلَيْسَ (تَزَوُّجُهُ) (١) إِيَّاهَا بِوَاجِبٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقْدَمَ، فَإِنَّ النَّفْسَ لَا تَطْمَئِنُّ إِلَى حِلِّيَّة تِلْكَ (الزَّوْجَةِ) (٢).\nوَكَذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا أَشْكَلَ أَمْرُهُ فِي الْبُيُوعِ فَلَمْ يَدْرِ (أَحَلَالٌ) (٣) هُوَ أَمْ (حَرَامٌ) (٤)؟ فَفِي تَرْكِهِ سُكُونُ النَّفْسِ وَطُمَأْنِينَةَ الْقَلْبِ، كَمَا فِي الْإِقْدَامِ شَكٌّ، هَلْ هُوَ آثِمٌ أَمْ لَا؟ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵇ لِلنَّوَّاسِ وَوَابِصَةُ ﵄، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ الْمُشْتَبِهَاتِ، لَا مَا ظَنَّ أُولَئِكَ مِنْ أنه أمر للجهال أن يعملوا بِمَا رَأَتْهُ أَنْفُسُهُمْ، وَيَتْرُكُوا مَا/ اسْتَقْبَحُوهُ دُونَ أَنْ يَسْأَلُوا عُلَمَاءَهُمْ.\nقَالَ الطَّبَرِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتَ عليَّ حَرَامٌ، فَسَأَلَ/ الْعُلَمَاءَ فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ بَانَتْ (مِنْكَ) (٥) بِالثَّلَاثِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا حَلَالٌ غَيْرَ أَنَّ عَلَيْكَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ إِلَى نِيَّتِهِ إِنْ أَرَادَ الطَّلَاقَ فَهُوَ طَلَاقٌ، أَوِ الظِّهَارَ فَهُوَ ظِهَارٌ، أَوْ يَمِينًا فَهُوَ يَمِينٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ.\nأَيَكُونُ هَذَا اخْتِلَافًا فِي الْحُكْمِ كَإِخْبَارِ الْمَرْأَةِ بِالرِّضَاعِ فَيُؤْمَرُ هُنَا بِالْفِرَاقِ، كَمَا يُؤْمَرُ هُنَاكَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَهَا خَوْفًا مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْظُورِ (أَوْ لَا) (٦)؟\nقِيلَ: حُكْمُهُ فِي مَسْأَلَةِ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ أَحْوَالِهِمْ، وَأَمَانَتِهِمْ وَنَصِيحَتِهِمْ، ثُمَّ يُقَلِّدُ/ الْأَرْجَحَ. فَهَذَا مُمْكِنٌ، (وَالْحَزَّازَةُ) (٧) مرتفعة بهذا\n_________\n(١) في (م) و(غ) و(ر): \"تزويجها\".\n(٢) في (غ) و(ر): \"الزوجية\".\n(٣) في (ط): \"حلال\".\n(٤) في (م) و(غ) و(ر): \"لا\".\n(٥) في (غ) و(ر): \"منه\".\n(٦) في (م): \"أولى\"، وفي (غ) و(ر): \"أم لا\".\n(٧) في (م): \"الحزارة\".","vol":"3","page":80},{"text":"الْبَحْثِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا بَحَثَ مَثَلًا عَنْ أَحْوَالِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّ (الْحَزَّازَةَ) (١) لَا تَزُولُ، وَإِنْ أَظْهَرَ الْبَحْثُ أَنَّ أَحْوَالَهَا غَيْرُ حَمِيدَةٍ، فَهُمَا عَلَى (هَذَا) (٢) مُخْتَلِفَانِ، وَقَدْ يَتَّفِقَانِ فِي الْحُكْمِ إِذَا بَحَثَ عَنِ الْعُلَمَاءِ فَاسْتَوَتْ أَحْوَالُهُمْ عِنْدَهُ، (بحيث) (٣) لَمْ يَثْبُتْ لَهُ تَرْجِيحٌ لِأَحَدِهِمْ، فَيَكُونُ الْعَمَلُ الْمَأْمُورُ بِهِ مِنَ الِاجْتِنَابِ كَالْمَعْمُولِ بِهِ فِي مَسْأَلَةِ المُخبرة بِالرَّضَاعِ سَوَاءٌ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ. انْتَهَى مَعْنَى كَلَامِ الطَّبَرِيِّ.\nوَقَدْ أَثْبَتَ فِي مَسْأَلَةِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْمُسْتَفْتِي أَنَّهُ غَيْرُ مخيَّر، بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ مَنِ الْتَبَسَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فَلَمْ يَدْرِ أحلال هو أو حَرَامٌ) (٤)، فَلَا خَلَاصَ لَهُ مِنَ الشُّبْهَةِ إِلَّا باتباع أفضلهم وَالْعَمَلُ بِمَا (أَفْتَى) (٥) بِهِ، وَإِلَّا (فَالتُّرْكُ) (٦) إِذْ لَا تَطْمَئِنُّ النَّفْسُ إِلَّا بِذَلِكَ حَسْبَمَا اقْتَضَتْهُ الأدلة المتقدمة.\n_________\n(١) في (م): \"الحزارة\".\n(٢) ساقط من (غ) و(ر).\n(٣) زيادة من (غ) و(ر).\n(٤) ما بين القوسين () من الصفحة السابقة إلى هنا سقط من (ت)، وهو قريب من صفحتين.\n(٥) في (غ) و(ر): \"أتى\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"الترك\".","vol":"3","page":81},{"text":"/<span data-type=\"title\" id=toc-148>فصل</span>\nثُمَّ يَبْقَى فِي هَذَا الْفَصْلِ الَّذِي فَرَغْنَا مِنْهُ إِشْكَالٌ عَلَى كُلِّ مَنِ اخْتَارَ اسْتِفْتَاءَ الْقَلْبِ مُطْلَقًا أَوْ بِقَيْدٍ، وَهُوَ الَّذِي رَآهُ الطبري، وذلك أَنَّ حَاصِلَ الْأَمْرِ يَقْتَضِي أَنَّ فَتَاوَى الْقُلُوبِ وَمَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النُّفُوسُ مُعْتَبَرٌ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهُوَ التَّشْرِيعُ بِعَيْنِهِ، فَإِنَّ طُمَأْنِينَةَ النَّفْسِ (وسكون) (١) الْقَلْبُ مُجَرَّدًا عَنِ الدَّلِيلِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُعْتَبَرَةً أَوْ غَيْرَ مُعْتَبَرَةٍ شَرْعًا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعْتَبَرَةً فَهُوَ خِلَافُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ (تِلْكَ) (٢) الْأَخْبَارُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ (بِتِلْكَ) (٣) الْأَدِلَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَبَرَةً فَقَدْ صَارَ ثَمَّ قسم ثالث غير الكتاب والسنة، وهو (عين) (٤) مَا نَفَاهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ.\nوَإِنْ قِيلَ: إِنَّهَا تُعْتَبَرُ فِي الْإِحْجَامِ دُونَ الْإِقْدَامِ، لَمْ (تَخْرُجْ) (٥) (بذلك) (٦) عَنْ الْإِشْكَالِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْإِقْدَامِ وَالْإِحْجَامِ فِعْلٌ لَا بُدَّ أَنْ يَتَعَلَّقَ به حكم شرعي، وهو الجواز أو عدمه، وَقَدْ عُلِّقَ ذَلِكَ بِطُمَأْنِينَةِ النَّفْسِ أَوْ عَدَمِ طمأنينتها، فإن كان ذلك عن دليل: (فالحكم مبني على الدليل لا على نفس الطمأنينة أو عدمها وإن لم يكن عن دليل) (٧) فهو ذلك الأول بعينه (فالإشكال) (٨) بَاقٍ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ.\nوَالْجَوَابُ: / أَنَّ الْكَلَامَ الأوّل صحيح، وإنما النظر في تحقيقه.\n_________\n(١) في (م): \"والسكون\".\n(٢) ساقط من (غ) و(ر).\n(٣) في (غ) و(ر): \"فتلك\".\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"غير\".\n(٥) في (غ) و(ر): \"يخرج\".\n(٦) في (ط) و(م) و(خ): \"تلك\".\n(٧) زيادة من (غ) و(ر).\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (ط).","vol":"3","page":82},{"text":"/فَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ تَفْتَقِرُ إِلَى نَظَرَيْنِ، نَظَرٍ فِي دَلِيلِ الْحُكْمِ، وَنَظَرٍ فِي مَنَاطِهِ (١)، فأما النظر في دليل الحكم (فإن الدليل) (٢) لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِلَّا مِنَ الْكِتَابِ (أو السنة) (٣) أَوْ مَا يَرْجِعُ إِلَيْهِمَا (مِنْ) (٤) إِجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ طُمَأْنِينَةُ النَّفْسِ، وَلَا نَفْيُ رَيْبِ الْقَلْبِ إِلَّا مِنْ/ جِهَةِ اعْتِقَادِ كَوْنِ الدَّلِيلِ/ دَلِيلًا أَوْ غَيْرَ دليل، ولا يقول (بذلك) (٥) أحد - إِلَّا أَهْلَ الْبِدَعِ الَّذِينَ يَسْتَحْسِنُونَ (الْأَمْرَ) (٦) بِأَشْيَاءَ لَا دَلِيلَ (عَلَيْهَا) (٧)، أَوْ يَسْتَقْبِحُونَ كَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ إِلَّا طُمَأْنِينَةَ النَّفْسِ - أَنَّ الْأَمْرَ كما زعموا، وهو مخالف لإجماع المسلمين.\nوأما النظر (الثاني الذي هو) (٨) فِي مَنَاطِ الْحُكْمِ، فَإِنَّ الْمَنَاطَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا/ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فَقَطْ، بل (قد) (٩) (يَثْبُتُ) (١٠) بِدَلِيلٍ غَيْرِ شَرْعِيٍّ، أَوْ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فلا يشترط (في تحقيقه) (١١) بُلُوغَ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ، بَلْ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعِلْمُ فَضْلًا عَنْ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَامِّيَّ إِذَا سَأَلَ عَنِ الْفِعْلِ الَّذِي لَيْسَ مِنْ جِنْسِ/ الصَّلَاةِ إِذَا فَعَلَهُ الْمُصَلِّي هَلْ تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ (له) (١٢) (العالم) (١٣): إِنْ كَانَ يَسِيرًا فَمُغْتَفَرٌ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فمبطل. (لم يفتقر) (١٤) في اليسير إِلَى أَنْ يُحَقِّقَهُ (لَهُ) (١٥) الْعَالِمُ، بَلِ الْعَاقِلُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْفِعْلِ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ، فَقَدِ انْبَنَى ها هنا الْحُكْمُ - وَهُوَ الْبُطْلَانُ أَوْ عَدَمُهُ - عَلَى مَا يَقَعُ بِنَفْسٍ الْعَامِّيُّ، وَلَيْسَ وَاحِدًا مِنَ الْكِتَابِ أو\n_________\n(١) المناط: هي علة الحكم، لأنها مكان نوطه أي تعليقه. انظر مذكرة الشنقيطي (ص٢٩١).\n(٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) في (ط) و(خ): \"والسنة\".\n(٤) في (ط) و(خ): \"عن\".\n(٥) زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) في (ت): \"الأمور\".\n(٧) ساقطة من (م).\n(٨) ما بين القوسين زيادة من (ت).\n(٩) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٠) في (م): \"تثبت\".\n(١١) في (ط) و(خ) و(ن): \"فيه\"، وهي ساقطة من (م).\n(١٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٣) في (ط) و(خ) و(ت): \"العامي\".\n(١٤) في (ط): \"لم يغتفر\". وفي (ت): \"ولم يفتقر\".\n(١٥) ساقط من (غ) و(ر).","vol":"3","page":83},{"text":"السُّنَّةِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَا وَقَعَ بِقَلْبِهِ دَلِيلًا على حكم، وإنما هو (تحقيق) (١) مَنَاطُ الْحُكْمِ، فَإِذَا تَحَقَّقَ لَهُ الْمَنَاطُ بِأَيِّ وَجْهٍ تَحَقَّقَ، فَهُوَ الْمَطْلُوبُ فَيَقَعُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِدَلِيلِهِ الشَّرْعِيِّ.\nوَكَذَلِكَ إِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْفَوْرِ فِي الطَّهَارَةِ، وَفَرَّقْنَا بَيْنَ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ فِي التَّفْرِيقِ الْحَاصِلِ أَثْنَاءَ الطَّهَارَةِ (٢)، فَقَدْ يَكْتَفِي الْعَامِّيُّ بِذَلِكَ حَسْبَمَا يَشْهَدُ قَلْبُهُ فِي الْيَسِيرِ أَوِ الْكَثِيرِ، فَتَبْطُلُ طَهَارَتَهُ أَوْ تَصِحُّ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ الْوَاقِعِ فِي الْقَلْبِ، لِأَنَّهُ نَظَرَ فِي مَنَاطِ الْحُكْمِ.\n/فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَمَنْ مَلَكَ لَحْمَ شَاةٍ ذَكِيَّةٍ حلَّ لَهُ أَكْلُهُ، لِأَنَّ حلّيته ظاهرة عنده، (إذ) (٣) حصل له شرط الحلية (فتحقق) (٤) مَنَاطِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، أَوْ مَلَكَ لَحْمَ شَاةٍ مَيِّتَةٍ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَكْلُهُ، لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ ظاهر من جهة/ فقده شرط الحلية (وهو الذكاة) (٥) فتحقق (مناطه) (٦) بالنسبة إليه، وكل واحد من (هذين) (٧) الْمَنَاطَيْنِ رَاجِعٌ إِلَى مَا وَقَعَ بِقَلْبِهِ، وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ، لَا بِحَسَبِ الْأَمْرِ فِي نَفْسِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّحْمَ قَدْ يَكُونُ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ فَيَعْتَقِدُ وَاحِدٌ حِلِّيَّتَهُ بِنَاءً عَلَى مَا تَحَقَّقَ لَهُ مِنْ (مَنَاطِهِ) (٨) بِحَسَبِهِ، وَيَعْتَقِدُ آخَرُ تَحْرِيمَهُ بِنَاءً عَلَى مَا تَحَقَّقَ لَهُ مِنْ مَنَاطِهِ بِحَسَبِهِ، فَيَأْكُلُ أَحَدُهُمَا حَلَالًا وَيَجِبُ عَلَى الْآخَرِ الِاجْتِنَابُ لِأَنَّهُ حَرَامٌ،/ وَلَوْ كَانَ مَا يَقَعُ بِالْقَلْبِ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ لَمْ يَصِحَّ هَذَا الْمِثَالُ، وَكَانَ محالًا (شرعًا) (٩)، لأن (أدلة) (١٠) الشرع لا (تتناقض) (١١) / أبدًا.\n_________\n(١) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٢) في (خ) تكرار وهو: وَفَرَّقْنَا بَيْنَ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ فِي التَّفْرِيقِ الْحَاصِلِ أثناء الطهارة.\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"إذا\".\n(٤) في (م): \"يتحقق\"، وفي (ت) و(خ) و(ط): \"لتحقق\".\n(٥) زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"مناطها\".\n(٧) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٨) في (ط) و(م) و(خ) و(غ) و(ر): \"مناطها\".\n(٩) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٠) في (م): \"الدلة\".\n(١١) في (ط): \"تناقض\".","vol":"3","page":84},{"text":"فَإِذَا فَرَضْنَا لَحْمًا أَشْكَلَ عَلَى الْمَالِكِ تَحْقِيقُ مَنَاطِهِ (لَمْ) (١) يَنْصَرِفْ إِلَى إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ، كَاخْتِلَاطِ الميتة (بالذكية) (٢)، واختلاط الزوجة بالأجنبية.\nفها هنا قَدْ وَقَعَ الرَّيْبُ وَالشَّكُّ وَالْإِشْكَالُ وَالشُّبْهَةُ.\nوَهَذَا الْمَنَاطُ مُحْتَاجٌ إِلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ يبيِّن حُكْمَهُ، (وهو) (٣) تِلْكَ الْأَحَادِيثُ/ الْمُتَقَدِّمَةُ، كَقَوْلِهِ: \"دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلا مَا لَا يَرِيبُكَ\"، وَقَوْلُهُ: \"الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ\" (٤)، كأنه يقول: إذا (اعتبرت) (٥) بِاصْطِلَاحِنَا مَا تَحَقَّقْتَ مَنَاطَهُ فِي الْحِلِّيَّةِ أَوِ الْحُرْمَةِ؛ فَالْحُكْمُ فِيهِ مِنَ الشَّرْعِ بيِّن، وَمَا أَشْكَلَ عَلَيْكَ تَحْقِيقُهُ فَاتْرُكْهُ وَإِيَّاكَ وَالتَّلَبُّسَ بِهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ - إِنْ صَحَّ ـ: \"اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَإِنْ أَفْتَوْكَ\" (٦)، فَإِنَّ تَحْقِيقَكَ لِمَنَاطِ مَسْأَلَتِكَ أَخَصُّ (بِكَ) (٧) مِنْ تَحْقِيقِ غَيْرِكَ لَهُ إِذَا كَانَ مِثْلَكَ.\nوَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِيمَا إِذَا أَشْكَلَ عَلَيْكَ الْمَنَاطُ وَلَمْ يُشْكِلْ عَلَى غَيْرِكَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ مَا عَرَضَ لَكَ.\n/وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ أَفْتَوْكَ)، أَيْ: إِنْ نَقَلُوا (إِلَيْكَ) (٨) الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ فَاتْرُكْهُ وَانْظُرْ مَا يُفْتِيكَ بِهِ قَلْبُكَ، فَإِنَّ هَذَا بَاطِلٌ، وَتَقَوُّلٌ عَلَى التَّشْرِيعِ الْحَقِّ، وَإِنَّمَا/ الْمُرَادُ مَا يَرْجِعُ إِلَى تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ.\nنَعَمْ قَدْ لَا يَكُونُ (لَكَ دُرْبَةٌ) (٩) أو (أنس) (١٠) بتحقيقه، فيحققه لك\n_________\n(١) في (م) و(خ) و(غ) و(ر): \"فلم\". وأشار المحقق لنسخة (ط) أن أصل المخطوط عنده (فلم) فعدلها لأنها جواب (فإذا).\n(٢) في (م) و(ت): \"بالمذكية\".\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"وهي\".\n(٤) تقدم تخريجه (ص٧١).\n(٥) في (م) و(غ) و(ر): \"عبرنا\". وفي (ط) و(خ): \"اعتبرنا\".\n(٦) تقدم تخريجه (ص٧١).\n(٧) في (غ) و(ر): \"به\".\n(٨) في (غ) و(ر): \"لك\".\n(٩) في (ط): \"ذلك درية\". وفي (خ): \"لك درية\".\n(١٠) في (ط): \"أنسا\".","vol":"3","page":85},{"text":"غَيْرُكَ، وَتَقَلِّدُهُ فِيهِ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ خَارِجَةٌ عَنِ الْحَدِيثِ، كَمَا أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ أَيْضًا (مَوْقُوفًا) (١) عَلَى تَعْرِيفِ الشَّارِعِ، كَحَدِّ الْغِنَى الْمُوجِبِ لِلزَّكَاةِ، فَإِنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، فَحَقَّقَهُ الشَّارِعُ بِعِشْرِينَ دِينَارًا (أَوْ) (٢) مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا/ النَّظَرُ هُنَا فِيمَا وُكِلَ تَحْقِيقُهُ إِلَى الْمُكَلَّفِ.\nفَقَدْ ظَهَرَ مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ وَأَنَّ الْأَحَادِيثَ لَمْ تَتَعَرَّضْ لِاقْتِنَاصِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ طُمَأْنِينَةِ النَّفْسِ أَوْ مَيْلِ الْقَلْبِ كَمَا أَوْرَدَهُ السَّائِلُ الْمُسْتَشْكِلُ، وَهُوَ تَحْقِيقٌ بَالِغٌ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الذي بنعمته تتم الصالحات.\n_________\n(١) في (م): \"موقوف\".\n(٢) في (ط): \"و\".","vol":"3","page":86},{"text":"/<span data-type=\"title\" id=toc-149> الْبَابُ التَّاسِعُ\nفِي السَّبَبِ الَّذِي لِأَجْلِهِ افْتَرَقَتْ فرق المبتدعةعن (جماعة المسلمين) </span>(١)\nفَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنَّ الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى ذَمِّ/ الْبِدْعَةِ، وَكَثِيرًا مِنَ الْأَحَادِيثِ أَشْعَرَتْ بِوَصْفٍ لِأَهْلِ الْبِدْعَةِ، وَهُوَ الْفِرْقَةُ الْحَاصِلَةُ، حَتَّى يَكُونُوا بسببها شيعًا متفرقة، لا ينتظم شملهم (الإسلام) (٢)، وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمَ (لَهُمْ) (٣) بِحُكْمِهِ.\nأَلَّا تَرَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٤)، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ *مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ (٥)، وقوله تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا/ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٦)، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى وصف التفرق.\nوفي الحديث: \"ستفترق أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً\" (٧)، وَالتَّفَرُّقُ/ نَاشِئٌ عَنِ الِاخْتِلَافِ فِي الْمَذَاهِبِ وَالْآرَاءِ إِنْ جَعْلَنَا التَّفَرُّقَ مَعْنَاهُ بِالْأَبْدَانِ - وَهُوَ الْحَقِيقَةُ - وَإِنْ جَعْلَنَا مَعْنَى التَّفَرُّقِ فِي الْمَذَاهِبِ، فَهُوَ الِاخْتِلَافُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ (٨).\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"أهل السنة\".\n(٢) في (ط) و(خ) و(ت): \"بالإسلام\".\n(٣) ساقط من (غ) و(ر).\n(٤) سورة الأنعام: الآية (١٥٩).\n(٥) سورة الروم: الآيتان (٣١، ٣٢).\n(٦) سورة الأنعام: الآية (١٥٣).\n(٧) سيأتي تخريجه - إن شاء الله تعالى - (ص١٢٢).\n(٨) سورة آل عمران: الآية (١٠٥).","vol":"3","page":87},{"text":"فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ مَا سَبَبُهُ؟ وَلَهُ سَبَبَانِ:\nأَحَدُهُمَا: لَا كَسْبَ للعباد فِيهِ، وَهُوَ الرَّاجِعُ إِلَى سَابِقِ الْقَدَرِ.\nوَالْآخَرُ: هُوَ الْكَسْبِيُّ؛ وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالْكَلَامِ/ عَلَيْهِ فِي هذا الباب، إلا (أنا) (١) نَجْعَلَ السَّبَبَ الْأَوَّلَ مُقَدِّمَةً، فَإِنَّ فِيهَا مَعْنًى أصيلًا يجب (التنبه) (٢) لَهُ عَلَى مَنْ أَرَادَ التَّفَقُّهَ فِي الْبِدَعِ، فَنَقُولُ - وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ ـ:\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ *إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (٣)، فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ أَبَدًا، مَعَ أَنَّهُ (لَوْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُمْ مُتَّفِقِينَ لكان (قادرًا) (٤) على ذلك، لَكِنْ سَبَقَ الْعِلْمُ الْقَدِيمُ أَنَّهُ) (٥) إِنَّمَا خَلَقَهُمْ لِلِاخْتِلَافِ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي الآية وأن قوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ مَعْنَاهُ: وَلِلِاخْتِلَافِ خَلَقَهُمْ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: خَلَقَهُمْ لِيَكُونُوا فَرِيقًا فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقًا فِي السَّعِيرِ (٦). وَنَحْوَهُ عَنِ الْحَسَنِ (٧).\nفَالضَّمِيرُ فِي خَلَقَهُمْ عَائِدٌ عَلَى النَّاسِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ مِنْهُمْ إِلَّا مَا سَبَقَ (في) (٨) العلم، وليس المراد ها هنا الِاخْتِلَافُ فِي الصُّوَرِ، كالحَسَنِ (وَالْقَبِيحِ) (٩)، وَالطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ، وَلَا فِي الْأَلْوَانِ كَالْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، وَلَا فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ كَالتَّامِّ الْخَلْقِ (وَالنَّاقِصِ الْخَلْقِ) (١٠)، وَالْأَعْمَى والبصير، والأصم\n_________\n(١) في (ط): \"أن\".\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"التثبت\".\n(٣) سورة هود: الآيتان (١١٨ - ١١٩).\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (ط) و(خ) و(ت).\n(٦) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٨٧٤٢)، واللالكائي برقم (٩٦٨).\n(٧) أخرجه أبو داود في سننه (٤٦١٥)، وصححه الألباني، وبنحوه أخرجه عبد الله في السنة (٢ ٤٣٠)، برقم (٩٥٠)، والطبري في تفسيره (١٥ ٥٣٢، ٥٣٦)، برقم (١٨٧٠٦ و١٨٧٢٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦ ٢٠٩٥)، برقم (١١٢٩٥ و١١٢٩٧ و١١٢٩٨)، والآجري في الشريعة (٣١٣ و٣١٤)، واللالكائي (٩٦٨).\n(٨) في (غ) و(ر): \"به\".\n(٩) في (م) و(غ) و(ر): والقبح.\n(١٠) ما بين القوسين ساقط من (ط) و(خ) و(ت).","vol":"3","page":88},{"text":"وَالسَّمِيعِ، وَلَا فِي/ الْخُلُقِ كَالشُّجَاعِ وَالْجَبَانِ، وَالْجَوَادِ وَالْبَخِيلِ، وَلَا فِيمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَوْصَافِ الَّتِي هُمْ مُخْتَلِفُونَ فِيهَا.\nوَإِنَّمَا الْمُرَادُ اخْتِلَافٌ آخَرُ، وَهُوَ الِاخْتِلَافُ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ لِيَحْكُمُوا فِيهِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى/: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً/ وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ (١)، وَذَلِكَ الِاخْتِلَافُ فِي الْآرَاءِ وَالنِّحَلِ وَالْأَدْيَانِ وَالْمُعْتَقَدَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَا يَسْعَدُ الْإِنْسَانُ بِهِ أَوْ يَشْقَى في الآخرة والدنيا.\nهَذَا هُوَ/ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي ذُكِرَ فيها الاختلاف الحاصل بين الخلق، (إلا) (٢) أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ الْوَاقِعَ بَيْنَهُمْ عَلَى أَوْجُهٍ:\n/أَحَدُهَا: الِاخْتِلَافُ فِي أَصْلِ النِّحْلَةِ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، مِنْهُمْ عَطَاءٌ قَالَ: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ *إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (قَالَ) (٣): \"الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسُ، وَالْحَنِيفِيَّةُ، وَهُمُ الَّذِينَ رَحِمَ رَبُّكَ (الْحَنِيفِيَّةُ) \" (٤). خرَّجه ابْنُ وَهْبٍ (٥).\n/وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ لِبَادِيِ الرَّأْيِ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ.\nوَأَصْلُ هَذَا الِاخْتِلَافِ هُوَ فِي التَّوْحِيدِ وَالتَّوَجُّهُ لِلْوَاحِدِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ، فَإِنَّ النَّاسَ فِي عَامَّةِ الْأَمْرِ لَمْ يَخْتَلِفُوا (فِي) (٦) أَنَّ لَهُمْ مدبَّرًا يدبِّرهم، وَخَالِقًا أَوَجَدَهُمْ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِهِ عَلَى آرَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ، مِنْ قَائِلٍ بِالِاثْنَيْنِ أو\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية (٢١٣).\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (ط).\n(٣) في (ط) و(خ): \"قال - قال\".\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (ت). والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (١١٢٨٨)، وابن جرير في تفسيره (١٥ ٥٣١ - ٥٣٢)، برقم (١٨٧٠٠ و١٨٧٠١)، ولم أجد الأثر في الجزء المطبوع من جامع ابن وهب - وهو في مجلدين - وتوجد منه قطعة مخطوطة، لكني لم أجد الأثر فيه، وباقي كتاب الجامع في حكم المفقود.\n(٥) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم المصري، ولد سنة ١٢٥هـ. ومات سنة ١٩٧هـ، وهو إمام ثقة، وله عدة كتب منها الجامع، وهو الذي يكثر الشاطبي من النقل عنه انظر: طبقات ابن سعد (٧ ٥١٨)، والتاريخ الكبير (٥ ٢١٨)، والسير (٩ ٢٢٣).\n(٦) في (م): \"من\".","vol":"3","page":89},{"text":"بالخمسة، أو بالطبيعة أو بالدهر، أَوْ بِالْكَوَاكِبِ، إِلَى أَنْ قَالُوا بِالْآدَمِيِّينَ (وَالشَّجَرِ وَالْحِجَارَةِ) (١) وَمَا يَنْحِتُونَ بِأَيْدِيهِمْ (٢).\nوَمِنْهُمْ مَنْ أَقَرَّ بِوَاجِبِ الْوُجُودِ الْحَقِّ لَكِنْ عَلَى آرَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ أَيْضًا، إِلَى أَنْ بَعْثَ اللَّهُ الْأَنْبِيَاءَ مُبَيِّنِينَ لِأُمَمِهِمْ حَقَّ مَا اخْتَلَفُوا (فِيهِ) (٣) مِنْ بَاطِلِهِ، فَعَرَفُوا بِالْحَقِّ عَلَى مَا يَنْبَغِي، ونزَّهوا رَبَّ الْأَرْبَابِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ مِنْ نِسْبَةِ الشُّرَكَاءِ وَالْأَنْدَادِ، وَإِضَافَةِ الصَّاحِبَةِ وَالْأَوْلَادِ، فَأَقَرَّ بِذَلِكَ مَنْ أَقَرَّ بِهِ، وَهُمُ الدَّاخِلُونَ تَحْتَ مُقْتَضَى قوله: ﴿إِلاَّ مَنْ/ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ وَأَنْكَرَ مَنْ أَنْكَرَ، فَصَارَ إِلَى مُقْتَضَى قَوْلِهِ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٤)، وَإِنَّمَا دَخَلَ الْأَوَّلُونَ تَحْتَ وَصْفِ الرَّحْمَةِ لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا عَنْ وَصْفِ الِاخْتِلَافِ إِلَى وَصْفِ الْوِفَاقِ/ وَالْأُلْفَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ (٥)، وهو منقول عن جماعة من المفسرين.\n_________\n(١) في (خ) و(ت): \"والشجر بالحجارة\". وفي (ط): \"وبالشجر والحجارة\".\n(٢) القائلون في الربوبية بالاثنين هم الثنوية، وهم القائلون بأن النور والظلمة أزليان قديمان. وهم فرق، وهي المانوية: أصحاب ماني بن فاتك الحكيم الذي ظهر في زمن سابور بن أردشير. والمزدكية: أصحاب مزدك، وهو الذي ظهر في أيام قباذ والد أنوشروان. والديصانية: أصحاب ديصان، أثبتوا أصلين، نورًا وظلامًا. والمرقيونية: أصحاب مرقيون، أثبتوا أصلين متضادين، النور والظلمة، وأثبتوا أصلًا ثالثًا، وهو المعدل الجامع، وهو سبب المزاج، فإن المتنافرين المتضادين لا يمتزجان إلا بجامع.\nوالذين قالوا بخمسة آلهة هم الكينوية: فزعموا بالأصلين، النور والظلمة، وزعموا أن هناك أصولًا ثلاثة: النار والأرض والماء، وأن هذه الموجودات حدثت من هذه الأصول، دون الأصلين اللذين أثبتهما الثنوية، وهما النور والظلمة. انظر: الملل والنحل للشهرستاني (١ ٢٤٤ - ٢٥٥)، والفصل لابن حزم (١ ٨٦ - ٩٢).\nوالقائلون بعبادة الكواكب: هم أصحاب الهياكل، التي هي السيارات السبع، وهم من فرق الصابئة. انظر: الملل للشهرستاني (٢ ٤٩ - ٥١).\nوأما عباد الآدميين فهم كثير، فاليهود عبدوا عُزيرًا، والنصارى عبدوا عيسى بن مريم، والباطنية عبدوا أئمتهم، وغيرهم من أهل الشرك.\n(٣) زيادة من (ط) و(غ) و(ر).\n(٤) سورة هود: الآية (١١٩).\n(٥) سورة آل عمران: الآية (١٠٣).","vol":"3","page":90},{"text":"/وخرَّج ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾: خَلَقَ أَهْلَ الرَّحْمَةِ أَنْ لَا يَخْتَلِفُوا (١).\nوَهُوَ معنى ما نقل عن مالك وطاووس فِي جَامِعِهِ (٢).\nوَبَقِيَ الْآخَرُونَ عَلَى وَصْفِ الِاخْتِلَافِ، إِذْ خَالَفُوا الْحَقَّ الصَّرِيحَ، وَنَبَذُوا الدِّينَ الصَّحِيحَ.\nوَعَنْ مَالِكٍ أَيْضًا قَالَ: الَّذِينَ رَحِمَهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا (٣).\nوَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ/ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ (٤) (معنى) (٥): كان الناس أمة واحدة فاختلفوا، (أنه تعالى أخبر) (٦) فِي الْآيَةِ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا وَلَمْ يَتَّفِقُوا، فَبَعَثَ النَّبِيِّينَ لِيَحْكُمُوا بَيْنَهُمْ فِيمَا (اخْتَلَفُوا) (٧) فِيهِ مِنَ الْحَقِّ، وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا هَدَاهُمُ (اللَّهُ) (٨) لِلْحَقِّ مِنْ ذَلِكَ الِاخْتِلَافِ.\nوَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: \"نَحْنُ الْآخَرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مَنْ قَبِلْنَا، وَأُوتِينَاهُ مَنْ بَعْدِهِمْ، هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، فاليهود غدًا والنصارى بعد غد\" (٩).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ٢٠٩٥) برقم (١١٢٩٦)، وبنحوه أخرجه الفريابي في كتاب القدر (٦١).\n(٢) أثر مالك تقدم تخريجه (٣/ ٨٦)، وأما أثر طاووس فقد أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ٢٠٩٥) برقم (١١٢٩٣) من طريق ابن وهب.\n(٣) لم أجده عن الإمام مالك رحمه الله تعالى بهذا النص، ولكن ورد بنحوه كما تقدم في (٣/ ٨٨)، كما ورد بنحوه عن ابن المبارك، كما في تفسير ابن جرير (١٥ ٥٣٣)، برقم (١٨٧١٠).\n(٤) سورة البقرة: الآية (٢١٣).\n(٥) في (ط) و(م) و(خ): \"ومعنى\".\n(٦) في (ط) و(م) و(خ) و(غ) و(ر): \"فبعث الله النبيين فأخبر\".\n(٧) زيادة من (ط) و(غ) و(ر).\n(٨) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٩) أخرجه البخاري (٧٤٩٥، ٧٠٣٦، ٦٨٨٧، ٦٦٢٤، ٣٤٨٦، ٦٩٢٦، ٨٩٦، ٨٧٦، ٢٣٨)، ومسلم برقم (٨٥٥)، وفي صحيفة همام بن منبه (١)، وإسحاق بن راهويه في=","vol":"3","page":91},{"text":"وخرَّج ابْنُ وَهْبٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ (١) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، فَهَذَا يَوْمُ أَخَذَ مِيثَاقَهُمْ لَمْ يَكُونُوا أُمَّةً وَاحِدَةً غَيْرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ.\nفَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مبشِّرين/ ومنذرين، فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ من الحق بإذنه.\nوَاخْتَلَفُوا فِي يَوْمِ الْجُمْعَةَ، فَاتَّخَذَ الْيَهُودُ يَوْمَ السَّبْتِ، وَاتَّخَذَ النَّصَارَى يَوْمَ الْأَحَدِ، فَهَدَى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ لِيَوْمِ الْجُمْعَةِ.\nوَاخْتَلَفُوا/ فِي الْقِبْلَةِ، فَاسْتَقْبَلَتِ النَّصَارَى الْمَشْرِقَ، وَاسْتَقْبَلَتِ الْيَهُودُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَهَدَى اللَّهُ أَمَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ لِلْقِبْلَةِ.\n/وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْكَعُ وَلَا/ يَسْجُدُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْجُدُ وَلَا يَرْكَعُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يصلي (وهو) (٢) يَتَكَلَّمُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي وَهُوَ يَمْشِي، وَهَدَى الله أمة محمد ﷺ للحق من ذلك.\nواختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم من يصوم (عن) (٣) بعض الطعام، وهدى الله أمة محمد ﷺ لِلْحَقِّ مِنْ ذَلِكَ.\nوَاخْتَلَفُوا فِي إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: كَانَ يَهُودِيًّا، وَقَالَتِ النصارى: (كان) (٤) نَصْرَانِيًّا، وَجَعَلَهُ اللَّهُ حَنِيفًا/ مُسْلِمًا، فَهَدَى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ لِلْحَقِّ من ذلك.\n_________\n=مسنده (٢٩١)، وأحمد في مسنده (٢ ٢٤٩ و٢٧٤ و٣١٢ و٣٤١ و٤٧٣، ٥٠٢ و٥٠٤)، والنسائي في المجتبى (١٣٦٧)، وفي السنن الكبرى (١٦٥٤)، وأبو يعلى في مسنده (٦٢٦٩)، والطبراني في مسند الشاميين (١٣٦)، والدارقطني في سننه (٢ ٣)، والخطيب في تاريخ بغداد (٢ ١٦٠ و٢٥٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٣٢٠ و٥٣٥٤ و٥٤٥٣)، وأخرجه بلفظ مقارب مسلم (٨٥٦)، وابن ماجه (١٠٨٣)، والنسائي في المجتبى (١٣٦٨)، وفي الكبرى (١٦٥٢)، وأبو يعلى في المسند (٦٢١٦).\n(١) هو أبو عبد الله زيد بن أسلم العدوي العمري، أحد فقهاء التابعين، توفي سنة ١٣٦هـ. انظر: الجرح والتعديل (٣ ٥٥٤)، وتهذيب التهذيب (٣ ٣٩٥).\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"ولا\".\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"من\".\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).","vol":"3","page":92},{"text":"وَاخْتَلَفُوا فِي عِيسَى ﵇، فَكَفَرَتْ بِهِ الْيَهُودُ، وَقَالُوا لِأُمِّهِ بُهْتَانًا عَظِيمًا، وَجَعَلَتْهُ النَّصَارَى إِلَهًا وَوَلَدًا، وَجَعَلَهُ اللَّهُ رَوْحَهُ وَكَلِمَتَهُ، فَهَدَى الله أمة محمد ﷺ للحق من ذلك (١).\nثُمَّ إِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُتَّفِقِينَ قَدْ يَعْرِضُ لَهُمُ الاختلاف بحسب القصد الثاني (لا بالقصد) (٢) الأول، فإن الله تعالى (حكم) (٣) بِحِكْمَتِهِ أَنْ تَكُونَ فُرُوعُ هَذِهِ (الْمِلَّةِ) (٤) قَابِلَةً لِلْأَنْظَارِ، وَمَجَالًا لِلظُّنُونِ، وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ النُّظَّارِ أن النظريات لا يمكن الاتفاق (عليها) (٥) عَادَةً، فَالظَّنِّيَّاتُ/ عَرِيقَةٌ فِي إِمْكَانِ الِاخْتِلَافِ، لَكِنْ فِي الْفُرُوعِ دُونَ الْأُصُولِ، وَفِي الْجُزْئِيَّاتِ دُونَ الْكُلِّيَّاتِ، فَلِذَلِكَ (لَا يَضُرُّ) (٦) هَذَا الِاخْتِلَافُ.\nوَقَدْ نَقَلَ الْمُفَسِّرُونَ عَنِ الْحَسَنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ قَالَ: أَمَّا أَهْلُ رَحْمَةِ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ/ اخْتِلَافًا (يَضُرُّهُمْ) (٧).\nيَعْنِي لِأَنَّهُ فِي مسائل الاجتهاد التي لا نص/ فيها يقطع (٨) الْعُذْرِ، بَلْ لَهُمْ فِيهِ أَعْظَمُ الْعُذْرِ، وَمَعَ أَنَّ الشَّارِعَ (لَمَّا عَلِمَ) (٩) أَنَّ هَذَا (النَّوْعَ) (٩) مِنَ الِاخْتِلَافِ وَاقِعٌ، أَتَى فِيهِ بِأَصْلٍ يُرْجَعُ إِلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١٠)، فكل اختلاف من هذا القبيل\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٤/ ٢٨٤) برقم (٤٠٦١) - طبعة أحمد شاكر - قال: حدثني به يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد ... إلخ، وهذا سند صحيح عن ابن زيد، لكن الأثر عن زيد وليس عن ابنه عبد الرحمن، والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٣٧٨) برقم (١٩٩٤) عن يونس بن عبد الأعلى قال: أنبأ ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه ... إلخ، وهذا سند صحيح إن شاء الله.\n(٢) في (ط) و(خ): \"لا بقصد\".\n(٣) في (م): \"حكيم\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"الأمة\".\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فيها\".\n(٦) في (م): \"لا يصير\". وفي (غ) و(ر): \"لا يضير\".\n(٧) في (م) و(غ) و(ر): \"يضيرهم، والأثر تقدم تخريجه (٣/ ٨٨) حاشية (٧).\n(٨) في (ط) و(خ): \"بقطع\".\n(٩) ساقط من (غ) و(ر).\n(١٠) سورة النساء: الآية (٥٩).","vol":"3","page":93},{"text":"حُكْمُ اللَّهِ فِيهِ أَنْ يُرَدَّ إِلَى اللَّهِ، وَذَلِكَ رَدُّهُ إِلَى كِتَابِهِ، وَإِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَذَلِكَ رَدُّهُ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ حَيًّا، وَإِلَى سُنَّتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ الْعُلَمَاءُ ﵃.\nإِلَّا أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَلْ هُمْ دَاخِلُونَ تحت قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (١) أَمْ لَا؟\nوَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَدْخُلَ تَحْتَ مُقْتَضَاهَا أَهْلُ هَذَا الِاخْتِلَافِ مِنْ أَوْجُهٍ:\nأَحَدُهَا: أَنَّ الْآيَةَ اقْتَضَتْ أَنَّ أَهْلَ الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِينَ مُبَايِنُونَ لِأَهْلِ الرَّحْمَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ/ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ (٢) فإنها اقتضت قسمين: أهل الاختلاف ومرحومين، فَظَاهِرُ التَّقْسِيمِ أَنَّ أَهْلَ الرَّحْمَةِ لَيْسُوا مَنْ أَهْلِ الِاخْتِلَافِ، وَإِلَّا كَانَ قَسْمُ الشَّيْءِ قَسِيمًا لَهُ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ.\nوَالثَّانِي: أَنَّهُ قال فيها: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾، فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ وَصْفَ الِاخْتِلَافِ لَازِمٌ لَهُمْ حَتَّى أُطْلِقَ عَلَيْهِمْ لَفْظُ اسْمِ الْفَاعِلِ الْمُشْعِرِ بالثبوت، وأهل الرحمة مبرؤون مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ/ وَصْفَ الرَّحْمَةِ يُنَافِي الثُّبُوتَ عَلَى الْمُخَالَفَةِ، بَلْ إِنْ خَالَفَ أَحَدُهُمْ فِي مَسْأَلَةٍ/ فَإِنَّمَا يُخَالِفُ فِيهَا تَحَرِّيًا لِقَصْدِ الشَّارِعِ فِيهَا، حَتَّى إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ الْخَطَأُ فِيهَا رَاجَعَ نَفْسَهُ وَتَلَافَى أَمْرَهُ، فَخِلَافُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ بِالْعَرْضِ لَا بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ، فَلَمْ يَكُنْ وَصْفُ الاختلاف لازمًا (له) (٣) وَلَا ثَابِتًا، فَكَانَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالْفِعْلِ الَّذِي يَقْتَضِي الْعِلَاجَ وَالِانْقِطَاعَ أَلْيَقَ فِي الْمَوْضِعِ.\n//وَالثَّالِثُ: أَنَا نَقْطَعُ بِأَنَّ الْخِلَافَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ وَاقِعٌ مِمَّنْ حَصَلَ لَهُ مَحْضُ الرَّحْمَةِ/ وَهُمُ الصحابة ﵃، وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵃، بِحَيْثُ لَا يَصِحُّ إِدْخَالُهُمْ فِي قِسْمِ الْمُخْتَلِفِينَ بِوَجْهٍ،\n_________\n(١) سورة هود: الآية (١١٨).\n(٢) سورة هود: الآيتان (١١٨، ١١٩).\n(٣) زيادة من (غ) و(ر).","vol":"3","page":94},{"text":"فَلَوْ كَانَ الْمُخَالِفُ مِنْهُمْ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ مَعْدُودًا مَنْ أَهْلِ الِاخْتِلَافِ - وَلَوْ بِوَجْهٍ مَا - لَمْ يَصِحَّ إِطْلَاقُ الْقَوْلِ فِي حَقِّهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الرَّحْمَةِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ.\nوَالرَّابِعُ: أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ جَعَلُوا اخْتِلَافَ الْأُمَّةِ فِي الْفُرُوعِ ضَرْبًا مِنْ ضُرُوبِ الرَّحْمَةِ (١)، وَإِذَا كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الرَّحْمَةِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ خَارِجًا مَنْ قِسْمِ أَهْلِ الرَّحْمَةِ.\nوَبَيَانُ كَوْنِ الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ رَحْمَةً مَا رُوِيَ/ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ (٢) قَالَ: لَقَدْ نَفَعَ اللَّهُ بِاخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي (الْعَمَلِ) (٣)، لا يعمل العامل بعلم رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَّا رَأَى أَنَّهُ فِي سَعَةٍ (٤).\nوعن (ضمرة عن رجاء بن جميل) (٥) قَالَ: اجْتَمَعَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَجَعَلَا يَتَذَاكَرَانِ الْحَدِيثَ - قَالَ ـ: فَجَعَلَ عُمَرُ يَجِيءُ بِالشَّيْءِ يُخَالِفُ فِيهِ الْقَاسِمَ - قَالَ ـ: (وجعل ذلك يشق على القاسم) (٦) حتى\n_________\n(١) سيذكر الشاطبي بعد قليل عددًا ممن جعل الاختلاف في الفروع ضربًا من ضروب الرحمة، وانظر كذلك ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (٣٠ ٧٩ - ٨١)، (٣٧ ٢٤ - ٢٥)، وانظر ما ذكره ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢ ٩٦ وما بعدها).\n(٢) هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، ولد في خلافة علي ﵁، وتوفي سنة ١٠٥ وقيل ١٠٦هـ. انظر: طبقات ابن سعد (٥ ١٨٧)، وحلية الأولياء (٢ ١٨٣)، والسير (٥ ٥٣).\n(٣) في جامع بيان العلم: (أعمالهم).\n(٤) خرَّجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢ ٩٠٠) برقم (١٦٨٦).\n(٥) في سائر النسخ: \"وعن ضمرة بن رجاء قال\"، والتصحيح من جامع بيان العلم (٢ ٩٠١). وضمرة هو: ضمرة بن ربيعة الفلسطيني أبو عبد الله الرملي، وثقه ابن معين والنسائي وابن سعد، توفي سنة ٢٠٢هـ. انظر: طبقات ابن سعد (٧ ٤٧١)، والتاريخ الكبير (٤ ٣٣٧)، وتهذيب الكمال (١٣ ٣١٦) ورجاء بن جميل هو الأيلي، روى عن القاسم بن محمد والزهري وربيعة، قال عنه أبو حاتم: \"شيخ\". انظر: التاريخ الكبير (٣ ٣١٣)، والجرح والتعديل (٣ ٥٠٢)، والثقات لابن حبان (٦ ٣٠٦).\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"وجعل القاسم يشق ذلك عليه\". والتصحيح من (غ) و(ر)، وهو موافق لرواية ابن عبد البر في جامع بيان العلم.","vol":"3","page":95},{"text":"تبين فِيهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَا تَفْعَلُ، فَمَا يسرني (أن لي) (١) بِاخْتِلَافِهِمْ حُمُر النَّعَمِ (٢).\nوَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنِ القاسم (عن أبيه) (٣) أيضًا (أنه) (٤) قَالَ: لَقَدْ أَعْجَبَنِي قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَا أَحِبُّ أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ (لم يختلفوا) (٥)، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَوْلًا وَاحِدًا لَكَانَ النَّاسُ فِي ضِيقٍ، وَإِنَّهُمْ أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِهِمْ، فَلَوْ أخذ رجل بقول أحدهم كان (في سِعَةً) (٦).\nوَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُمْ فَتَحُوا لِلنَّاسِ بَابَ الِاجْتِهَادِ وَجَوَازَ الِاخْتِلَافِ فِيهِ، لِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَفْتَحُوهُ لَكَانَ الْمُجْتَهِدُونَ فِي ضِيقٍ، لِأَنَّ مَجَالَ الاجتهاد (مجالات) (٧) الظنون،/ (والظنون) (٨) لَا تَتَّفِقُ عَادَةً - كَمَا تَقَدَّمَ - فَيَصِيرُ أَهْلُ الِاجْتِهَادِ مَعَ (تَكْلِيفِهِمْ) (٩) / بِاتِّبَاعِ مَا غَلَبَ عَلَى ظُنُونِهِمْ مُكَلَّفِينَ بِاتِّبَاعِ (خِلَافِهِ) (١٠)، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الضِّيقِ، فَوَسَّعَ اللَّهُ عَلَى الْأُمَّةِ بِوُجُودِ الْخِلَافِ/ الْفُرُوعِي فِيهِمْ، فَكَانَ فَتْحُ بَابِ لِلْأُمَّةِ لِلدُّخُولِ فِي هَذِهِ الرَّحْمَةِ، فَكَيْفَ لَا يَدْخُلُونَ فِي قِسْمِ (مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) فَاخْتِلَافُهُمْ فِي الْفُرُوعِ كاتفاقهم فيها، والحمد لله.\n_________\n(١) زيادة من (غ) و(ر): \"وجامع بيان العلم\".\n(٢) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ٩٠١) برقم (١٦٨٨).\n(٣) ساقط من جميع النسخ، والتصحيح من جامع بيان العلم، وأبو القاسم هو: محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، ولد في حجة الوداع وقت الإحرام، ورواية ابنه عنه مرسلة على ما ذكر الذهبي في السير (٣ ٤٨١ - ٤٨٢) وانظر: التاريخ الكبير (١ ١٢٤) والكامل (٣ ٣٥٢).\n(٤) زيادة من (غ) و(ر): \"وجامع بيان العلم\".\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"وجامع بيان العلم\": لا يختلفون.\n(٦) في (ط): \"سنة\"، وفي (م) و(خ): \"سعة\"، والتصحيح من (غ) و(ر) وجامع بيان العلم، والأثر مخرج فيه (٢ ٩٠١) برقم (١٦٨٩).\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"ومجالات\".\n(٨) زيادة من (غ) و(ر).\n(٩) في (م): \"تكليهم\".\n(١٠) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"خلافهم\".","vol":"3","page":96},{"text":"وبين هذين (الطرفين) (١) واسطة أدنى من (المرتبة) (٢) الأولى، وأعلى من (المرتبة) (٢) الثَّانِيَةِ، وَهِيَ أَنْ يَقَعَ/ الِاتِّفَاقُ فِي أَصْلِ الدِّينِ، وَيَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي بَعْضِ قَوَاعِدِهِ الْكُلِّيَّةِ، وَهُوَ الْمُؤَدِّي إِلَى التَّفَرُّقِ شِيَعًا.\nفَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ تَنْتَظِمُ هَذَا الْقِسْمَ مِنَ الِاخْتِلَافِ، وَلِذَلِكَ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّ أُمَّتَهُ تَفْتَرِقُ عَلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً (٣)، وَأَخْبَرَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تَتَّبِعُ سَنن مَنْ كان (قبلها) (٤) شبرًا بشبر وذراعًا بذراع (٥)، (ويشمل) (٦) ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ الْوَاقِعَ فِي الْأُمَمِ قَبِلْنَا، وَيُرَشِّحُهُ وَصْفُ أَهْلِ الْبِدَعِ بِالضَّلَالَةِ وَإِيعَادُهُمْ بِالنَّارِ، وَذَلِكَ بَعِيدٌ مِنْ تَمَامِ الرَّحْمَةِ.\nوَلَقَدْ كَانَ ﵊ حَرِيصًا عَلَى أُلْفَتِنَا وَهِدَايَتِنَا، حَتَّى (إنه) (٧) ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ - لَمَّا حَضَرَ النَّبِيُّ ﷺ (الوفاة) (٨) قَالَ: وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الخطاب ﵃ فقال ﷺ: \"هلمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ\"، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الْوَجَعُ، وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ فَحَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ وَاخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يقول: قرِّبوا (دواة) (٩) يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ كَمَا قَالَ عُمَرُ، فَلَمَّا (كَثُرَ) (١٠) اللَّغَطُ وَالِاخْتِلَافُ/ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قُومُوا عَنِّي،/ فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إن الرزيَّة كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ (١١).\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الطريقين\".\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الرتبة\".\n(٣) سيأتي تخريجه (ص١٢٢).\n(٤) في (غ) و(ر): \"قبلنا\".\n(٥) سيأتي تخريجه (ص١٢٢).\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"وشمل\".\n(٧) زيادة من (غ) و(ر).\n(٨) زيادة من (ت).\n(٩) زيادة من (ت).\n(١٠) في (ت) و(غ) و(ر): \"أكثروا\".\n(١١) أخرجه البخاري (١١٤) و(٥٦٦٩، ٤٤٣٢، ٤٤٣١، ٣١٦٨، ٣٠٥٣، ٧٣٦٦)، ومسلم (١٦٣٧)، والحميدي في مسنده (٥٢٦)، وأحمد في مسنده (١ ٢٢٢، ٣٢٤، ٣٣٠، ٣٥٥)، والنسائي في السنن الكبرى (٥٨٥٤)، وأبو يعلى في مسنده (٢٤٠٩)، والطبراني في المعجم الكبير (١٢٥٠٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٨٥٢٧).","vol":"3","page":97},{"text":"فَكَانَ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَحْيًا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّهُ إِنْ كَتَبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ لَمْ يَضِلُّوا بَعْدَهُ الْبَتَّةَ، فَتَخْرُجُ الْأُمَّةُ عَنْ مقتضى قوله: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ بِدُخُولِهَا تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾، فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا مَا سَبَقَ بِهِ عِلْمَهُ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ، كَمَا اخْتَلَفَ غَيْرُهُمْ، رَضِيَنَا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، وَنَسْأَلُهُ أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَيُمِيتَنَا عَلَى ذَلِكَ بِفَضْلِهِ.\n(وَقَدْ ذَهَبَ) (١) جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُخْتَلِفِينَ فِي الْآيَةِ أَهْلُ الْبِدَعِ، وَأَنَّ مَنْ رَحِمَ ربك أهل السنة، ولكن لهذا (الاختلاف) (٢) أَصْلٌ يَرْجِعُ إِلَى سَابِقِ الْقَدَرِ/ لَا مُطْلَقًا، بَلْ مَعَ إِنْزَالِ الْقُرْآنِ مُحْتَمِلُ الْعِبَارَةِ لِلتَّأْوِيلِ، وهذا مما لَا بُدَّ مِنْ/ بَسْطِهِ.\nفَاعْلَمُوا أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي بَعْضِ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ/ لَا يَقَعُ فِي (العادة) (٣) الْجَارِيَةِ بَيْنَ المتبحِّرين فِي عِلْمِ الشَّرِيعَةِ، الْخَائِضِينَ فِي لُجَّتِهَا الْعُظْمَى، (الْعَالِمَيْنِ) (٤) (بِمَوَارِدِهَا وَمَصَادِرِهَا) (٥).\nوَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ اتِّفَاقُ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، وَعَامَّةُ الْعَصْرِ الثَّانِي عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا وَقَعَ اخْتِلَافُهُمْ فِي القسم المفروغ منه آنفًا، بل كل خلاف عَلَى الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ وَقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ أَسْبَابٌ ثَلَاثَةٌ قَدْ تَجْتَمِعُ وَقَدْ تَفْتَرِقُ:\nأَحَدُهَا: أَنْ يَعْتَقِدَ الْإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ أَوْ يُعْتَقَدَ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الدِّينِ - وَلَمْ يَبْلُغْ/ تِلْكَ (الدَّرَجَةَ) (٦) - فَيَعْمَلُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَعُدُّ رَأْيَهُ رَأْيًا وَخِلَافُهُ خِلَافًا، وَلَكِنْ تَارَةً يَكُونُ ذَلِكَ فِي جُزْئِيٍّ وَفَرْعٍ مِنَ الفروع، وتارة (يكون) (٧) / في كلي وأصل مِنْ أُصُولِ الدِّينِ - كَانَ مِنَ الْأُصُولِ الِاعْتِقَادِيَّةِ أو من الأصول العملية - فتراه آخذًا ببعض جزئيات الشريعة في\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"فذهب\".\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الكتاب\" ومثلها في هامش (ت).\n(٣) في (ط) و(ت): \"العاديات\" وصححت في الهامش، وفي (خ): \"العاديا\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"العالم\".\n(٥) في (ت): \"بمصادرها ومواردها\".\n(٦) ساقط من (غ) و(ر).\n(٧) ساقط من (غ) و(ر).","vol":"3","page":98},{"text":"هدم/ كلياتها، حتى يصير منها (إلى) (١) مَا ظَهَرَ لَهُ بَادِيَ رَأْيِهِ مِنْ غَيْرِ إِحَاطَةٍ بِمَعَانِيهَا وَلَا رُسُوخٍ فِي فَهْمِ مَقَاصِدِهَا، وَهَذَا هُوَ الْمُبْتَدَعُ، وَعَلَيْهِ نَبَّهَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: \" (إِنَّ الله لا يقبض العلم) (٢) انتزاعًا يتنزعه مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رؤساء جهالا فسئلوا، (فأفتوا) (٣) بغير علم، فضلوا وأضلوا\" (٤).\nقال بعض (أهل العلم) (٥): (تدبروا) (٦) هذا الحديث (فإنه) (٧) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْتَى النَّاسُ قَطُّ مِنْ قِبَلِ عُلَمَائِهِمْ، وَإِنَّمَا يؤتَون مِنْ قِبل أَنَّهُ إِذَا مَاتَ عُلَمَاؤُهُمْ أَفْتَى مَنْ لَيْسَ بِعَالِمٍ، فَيُؤْتَى النَّاسُ مِنْ قِبَلِهِ، وَقَدْ صُرِّف (٨) هَذَا الْمَعْنَى تَصْرِيفًا، (فَقِيلَ) (٩): مَا خَانَ أَمِينٌ قَطُّ وَلَكِنَّهُ ائْتَمَنَ غَيْرَ أَمِينٍ فَخَانَ. قَالَ: وَنَحْنُ نَقُولُ: مَا ابْتَدَعَ عَالِمٌ قَطُّ، وَلَكِنَّهُ استفتي من ليس بعالم (فضل وأضل) (١٠).\nقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: بَكَى رَبِيعَةُ يَوْمًا بُكَاءً شَدِيدًا، فَقِيلَ لَهُ: مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِكَ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِ اسْتُفْتِيَ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ (١١).\nوَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"قِبل الساعة سنون (خدَّاعات) (١٢) يصدَّق فيهن الكاذب، (ويكذَّب) (١٣) فيهن/\n_________\n(١) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"لا يقبض الله العلم\".\n(٣) ساقطة من (م).\n(٤) تقدم تخريجه (١/ ١١٧).\n(٥) في (م) و(غ) و(ر): \"العلماء\"، وهو أبو بكر الطرطوشي، كما في الباعث (ص١٧٤).\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"تقدير\". وفي الحوادث والبدع: فتدبروا.\n(٧) زيادة من (غ) و(ر): \"والحوادث والبدع\".\n(٨) في الباعث: \"صرف عمر\".\n(٩) في الباعث: \"فقال\".\n(١٠) ما بين القوسين زيادة من (م) و(غ) و(ر): \"والباعث\"، وساقط من (ط) و(خ) وفي (ت): \"فضل\" فقط.\n(١١) ذكره الطرطوشي في الحوادث والبدع (ص١٧٥)، وبنحوه في جامع بيان العلم (٢/ ١٢٢٥) برقم (٢٤١٠)، والتمهيد (٣/ ٥)، والكواكب النيرات (١/ ٣١).\n(١٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"والحوادث والبدع\": خداعًا.\n(١٣) في (م): \"ويذكر\".","vol":"3","page":99},{"text":"الصَّادِقُ، وَيَخُونُ فِيهِنَّ الْأَمِينُ، وَيُؤْتَمَنُ الْخَائِنُ، وَيَنْطِقُ/ فِيهِنَّ الرُّوَيْبِضَةُ\" (١).\nقَالُوا: هُوَ الرَّجُلُ التَّافَةُ الْحَقِيرُ ينطق في أمور العامة، (لأنه) (٢) لَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي أُمُورِ الْعَامَّةِ، فَيَتَكَلَّمُ.\nوَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ (مَتَى) (٣) يَهْلِكُ النَّاسُ، إِذَا جَاءَ الْفِقْهُ مِنْ قَبِلَ الصَّغِيرِ اسْتَعْصَى عَلَيْهِ الْكَبِيرُ، وَإِذَا جَاءَ الْفِقْهُ مِنْ قِبَلِ الْكَبِيرِ تَابَعَهُ الصَّغِيرُ فَاهْتَدَيَا (٤).\nوَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا أَخَذُوا الْعِلْمَ مِنْ (أَكَابِرِهِمْ) (٥)، فَإِذَا أَخَذُوهُ عَنْ أَصَاغِرِهِمْ وَشِرَارِهِمْ هَلَكُوا (٦).\nوَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا أَرَادَ عُمَرُ بِالصِّغَارِ (٧) / فَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: هُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ (٨) (وَهُوَ) (٩) مُوَافِقٌ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ أَصَاغِرُ فِي الْعِلْمِ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ صَارُوا أَهْلَ بدع.\n_________\n(١) الحديث لم يخرجه البخاري، بل هو في مسند أحمد (٢ ٢٩١ و٣٣٨) و(٣ ٢٢٠)، وقال أحمد شاكر (١٥ ٣٧)، برقم (٧٨٩٩): \"إسناده حسن، ومتنه صحيح\". وفي (١٦ ١٩٤) برقم (٨٤٤٠)، وصحح سنده أحمد شاكر كما في تعليقه على حديث رقم (٧٨٩٩)، وأخرجه ابن ماجه (٤٠٣٦)، وأبو يعلى في مسنده (٣٧١٥)، والطبراني في المعجم الكبير (١٨ ٦٧)، برقم (١٢٣ - ١٢٥)، وفي مسند الشاميين (٤٧ - ٤٨)، والحاكم في المستدرك (٨٤٣٩ و٨٥٦٤)، وقال: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\". وقال الذهبي: \"صحيح\". وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (١٨٨٧).\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (ت): \"كأنه\".\n(٣) في (ط) و(خ): \"من\".\n(٤) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٠٥٥ و١٠٥٦)، وصححه ابن حجر في فتح الباري (١٣ ٣٠١ - ٣٠٢)، وعزاه إلى مصنف قاسم بن أصبغ.\n(٥) في (غ) و(ر): \"كبرائهم\".\n(٦) أخرجه معمر بن راشد في جامعه المطبوع مع مصنف عبد الرزاق (١١/ ٢٤٦) برقم (٢٠٤٤٦)، وابن المبارك في الزهد (٨١٥)، والطبراني في الكبير (١٤١٩) برقم (٨٥٨٩ - ٨٥٩٢)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١/ ٦١٦) برقم (١٠٥٧ - ١٠٦٠)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٤٩)، واللالكائي برقم (١٠١)، وعزاه ابن حجر في الفتح (١٣/ ٢٩١) ليعقوب بن شيبة وأبي عبيد.\n(٧) وذكر الخلاف ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١ ٦١٠ وما بعدها).\n(٨) انظر: الزهد لابن المبارك (١ ٢٠)، حاشية رقم (٢) و(٢ ٢٨١)، حاشية رقم (١)، وذكره ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١ ٦١٢)، واللالكائي برقم (١٠٢).\n(٩) في (غ) و(ر): \"وهذا\".","vol":"3","page":100},{"text":"وَقَالَ الْبَاجِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَصَاغِرُ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدِهِ - قَالَ ـ: وَقَدْ كَانَ عُمَرُ يستشير الصغار، وكان القراء (أصحاب) (١) مُشَاوَرَتِهِ كُهُولًا وَشُبَّانًا - قَالَ ـ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْأَصَاغِرِ مَنْ لَا قَدْرَ لَهُ وَلَا حَالَ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِنَبْذِ الدِّينِ وَالْمُرُوءَةِ، فَأَمَّا مَنِ الْتَزَمَهُمَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَسْمُوَ أَمْرُهُ، وَيَعْظُمُ قَدْرُهُ.\n/وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا التَّأْوِيلَ مَا خَرَّجَهُ ابْنُ وَهْبٍ بِسَنَدٍ مَقْطُوعٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: الْعَامِلُ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ كَالسَّائِرِ على غير الطريق، وَالْعَامِلُ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ مَا يُفْسِدُ/ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ، فَاطْلُبُوا الْعِلْمَ طَلَبًا (لَا يَضُرُّ بترك) (٢) العبادة، واطلبوا الْعِبَادَةَ طَلَبًا (لَا يَضُرُّ بِتَرْكِ) (١) الْعِلْمِ، فَإِنَّ قَوْمًا طَلَبُوا الْعِبَادَةَ وَتَرَكُوا الْعِلْمَ حَتَّى خَرَجُوا بِأَسْيَافِهِمْ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَلَوْ طَلَبُوا الْعِلْمَ لَمْ يَدُلَّهُمْ عَلَى مَا فَعَلُوا (٣).\nيَعْنِي الْخَوَارِجَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّهُمْ قرأوا القرآن ولم (يتفقّهوا) (٤) حَسْبَمَا أَشَارَ/ إِلَيْهِ الْحَدِيثُ: \"يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ\" (٥).\nوَرُوِيَ عَنْ مَكْحُولٍ (٦) أَنَّهُ قَالَ: تفقه الرعاع فساد (الدنيا) (٧)، وتفقه السفلة فساد (الدين) (٨).\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"والحوادث والبدع\": أهل.\n(٢) في جامع بيان العلم (١ ١٦٤) - الطبعة القديمة ـ: لا يضر وفي طبعة الزهيري (٩٠٥): \"لا تضروا\".\n(٣) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٩٠٥).\n(٤) في (م) و(خ) و(ت): \"يتفهموا\".\n(٥) سيأتي تخريجه (ص١١٤).\n(٦) هو أبو عبد الله مكحول الدمشقي: عالم أهل الشام، وهو من أوساط التابعين وأقران الزهري، واختلفوا في وفاته، فقيل: سنة ١١٢، وقيل ١١٣، وقيل ١١٤، وقيل ١١٦هـ. انظر: طبقات ابن سعد (٧ ٤٥٣) وحلية الأولياء (٥ ١٧٧)، وتهذيب التهذيب (١٠ ٢٨٩).\n(٧) في جميع النسخ ما عدا (غ) و(ر)، والحوادث للطرطوشي: (الدين والدنيا)، وفي جامع بيان العلم (الدين).\n(٨) في جامع بيان العلم (الدنيا). والأثر أخرجه ابن عبد البر في المصدر السابق برقم (١٠٧١).","vol":"3","page":101},{"text":"وَقَالَ (الْفِرْيَابِيُّ) (١): كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ إِذَا رَأَى هَؤُلَاءِ النَّبْطَ يَكْتُبُونَ الْعِلْمَ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَ هؤلاء يكتبون العلم يشتد/ عليك، فقال: كَانَ الْعِلْمُ فِي الْعَرَبِ وَفِي سَادَاتِ النَّاسِ، وَإِذَا خَرَجَ عَنْهُمْ وَصَارَ إِلَى هَؤُلَاءِ النَّبْطِ وَالسَّفَلَةِ غُيِّر الدِّينُ (٢).\nوَهَذِهِ الْآثَارُ أَيْضًا إِذَا حملت على التأويل المتقدم (استدت) (٣) وَاسْتَقَامَتْ، لِأَنَّ ظَوَاهِرَهَا مُشَكَّلَةٌ، وَلَعَلَّكَ إِذَا اسْتَقْرَيْتَ/ أَهْلَ الْبِدَعِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ أَوْ أَكْثَرَهُمْ وَجَدْتَهُمْ من أبناء سبايا الأمم، (وممن) (٤) / لَيْسَ لَهُ أَصَالَةٌ فِي اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، فَعَمَّا قَرِيبٍ يُفْهَمُ كِتَابُ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ، كَمَا أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي مَقَاصِدِ الشريعة فهمها على غير وجهها.\n/وَالثَّانِي مِنْ أَسْبَابِ الْخِلَافِ: اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَهْلُ الْبِدَعِ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ، لِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ فَلَمْ يَأْخُذُوا الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ مَأْخَذَ الِافْتِقَارِ إِلَيْهَا، وَالتَّعْوِيلِ عَلَيْهَا، حَتَّى يَصْدُرُوا عَنْهَا، بَلْ قَدَّمُوا أَهْوَاءَهُمْ، وَاعْتَمَدُوا عَلَى آرَائِهِمْ، ثُمَّ جَعَلُوا الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ مَنْظُورًا فِيهَا مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ، وَأَكْثَرُ هَؤُلَاءِ (هُمْ) (٥) أَهْلُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ، وَمِنْ مال (إلى جانبهم من) (٦) الْفَلَاسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ.\nوَيَدْخُلُ فِي غِمَارِهِمْ مَنْ كَانَ منهم (يغشى) (٧) السَّلَاطِينَ لِنَيْلِ مَا عِنْدَهُمْ، أَوْ طَلَبًا لِلرِّيَاسَةِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَمِيلَ مَعَ النَّاسِ بِهَوَاهُمْ، وَيَتَأَوَّلَ عَلَيْهِمْ فِيمَا أَرَادُوا، حَسْبَمَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ ونقله الثقات من مصاحبي السلاطين.\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (ت). والفريابي هو محمد بن يوسف بن واقد الفريابي، لأنه هو المشهور بالرواية عن سفيان الثوري، ولد سنة بضع وعشرين ومائة وهو من رجال الكتب الستة، وتوفي سنة ٢١٢هـ. انظر: التاريخ الكبير (١ ٢٦٤) والجرح والتعديل (٨ ١١٩) وتهذيب التهذيب (٩ ٣٣٥).\n(٢) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٠٧٢).\n(٣) في (ط) و(خ) و(م): \"اشتدت\".\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (ت): \"ومن\".\n(٥) ساقط من (غ) و(ر).\n(٦) في (م): \"إلى - بياض - من الفلاسفة\"، وفي (ط): \"إلى من\".\n(٧) في (ط): \"يخشى\". وفي (م): \"غشى\".","vol":"3","page":102},{"text":"فَالْأَوَّلُونَ ردُّوا كَثِيرًا مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِعُقُولِهِمِ، وأساءوا الظَّنَّ بِمَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وحسَّنوا ظَنَّهُمْ بِآرَائِهِمُ الْفَاسِدَةِ، حَتَّى رَدُّوا كَثِيرًا مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ وَأَحْوَالِهَا مِنَ الصراط والميزان، وحشر الأجساد، والنعيم والعذاب (الجسمي) (١)، وَأَنْكَرُوا رُؤْيَةَ الْبَارِي، وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ، بَلْ صيُّروا الْعَقْلَ شَارِعًا جَاءَ الشَّرْعُ أَوْ لَا، بَلْ إِنْ جَاءَ فَهُوَ كَاشِفٌ لِمُقْتَضَى مَا حَكَمَ بِهِ الْعَقْلُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَّنَاعَاتِ.\nوَالْآخَرُونَ خَرَجُوا عَنِ الْجَادَّةِ إِلَى الْبَنِيَّاتِ، وَإِنْ كانت مخالفة (لصلب) (٢) الشَّرِيعَةِ، حِرْصًا عَلَى أَنْ يَغْلِبَ عَدْوُهُ، أَوْ يفيد وليه، أو يجر إلى (نفعه) (٣).\n/كَمَا ذَكَرُوا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ لبابة (٤) «ابن أَخِي) (٥) الشَّيْخِ ابْنِ لُبَابَةَ) (٦) الْمَشْهُورِ/ فَإِنَّهُ عُزِلَ عَنِ قَضَاءِ الْبِيرَةِ (٧) ثُمَّ عُزِلَ عَنِ الشُّورَى لِأَشْيَاءَ نُقِمَتْ/ عَلَيْهِ - وَسَجَّلَ/ بِسَخْطَتِهِ الْقَاضِي حَبِيبُ بن زياد (٨)، وَأَمَرَ بِإِسْقَاطِ عَدَالَتِهِ وَإِلْزَامِهِ بَيْتَهُ، وَأَنْ لَا يفتي أحدًا.\n_________\n(١) في (م): \"الجسيمين\".\n(٢) ساقط من (غ) و(ر).\n(٣) في سائر النسخ (نفسه) وصححت في هامش (ت) بـ: \"نفعه\".\n(٤) هو محمد بن يحيى بن لبابة أبو عبد الله الملقب ببرجون، كان أحفظ أهل الزمان للمذهب، توفي سنة ٣٣٦هـ. انظر: الديباج المذهب (٢ ٢٠٠).\n(٥) في النسخ: أخي، والصواب من كتب التراجم، وسيأتي.\n(٦) ما بين () ساقط من (غ) و(ر): \"وابن لبابة\" هو محمد بن عمر بن لبابة القرطبي، انتهت إليه الإمامة في المذهب، وتوفي سنة ٣١٤هـ. (تنبيه): ذكر الذهبي اسمه: محمد بن يحيى بن عمر بن لبابة، والصواب محمد بن عمر وهو عم محمد بن يحيى الآنف الذكر، وهذا يظهر من سيرة الرجلين ووفاتهما بالمقارنة من خلال المصادر التالية: السير (١٤ ٤٩٥)، والديباج المذهب (٢ ١٨٩ و٢٠٠)، وجذوة المقتبس (١ ١٢٧)، وبغية الملتمس (١ ١٤٧)، والله تعالى أعلم.\n(٧) ألبيرة: قرية كبيرة من قرى الأندلس، متصلة بأراضي قرية قبرة، قريبة من قرطبة. انظر: معجم البلدان (١ ٢٨٩).\n(٨) هو القاضي: أحمد بن محمد بن زياد بن عبد الرحمن اللخمي، من أهل قرطبة يكنى أبا القاسم، ويعرف بالحبيب، سمع من ابن وضاح وغيره، واستقضي في صدر أيام الإمام الناصر لدين الله، وتوفي سنة ٣١٢هـ. انظر ترجمته في: قضاة قرطبة (ص٢٠٤)، وتاريخ علماء الأندلس (١ ٧١).","vol":"3","page":103},{"text":"ثُمَّ إِنَّ النَّاصِرَ احْتَاجَ إِلَى شِرَاءِ مُجَشِّرٍ (١) مِنْ أَحْبَاسِ الْمَرْضَى بِقُرْطُبَةَ (بِعَدْوَةِ) (٢) النَّهْرِ، فَشَكَا إلى القاضي ابن بقي (٣) ضرورته إليه لمقابلته مَنْزَهَهُ، وَتَأَذِّيهِ بِرُؤْيَتِهِمْ (أَوَانَ) (٤) تَطَلُّعِهِ مِنْ عَلَالِيهِ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ بَقِيٍّ: لَا حِيلَةَ عِنْدِي فِيهِ/ وَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُحَاطَ بِحُرْمَةِ الْحَبْسِ. فَقَالَ لَهُ: (تَكَلَّمْ) (٥) مَعَ الْفُقَهَاءِ فِيهِ وَعَرِّفْهُمْ رَغْبَتِي، وَمَا أَجْزَلَهُ مِنْ أَضْعَافِ الْقِيمَةِ فِيهِ، فَلَعَلَّهُمْ أَنْ يَجِدُوا لِي فِي ذَلِكَ رُخْصَةً.\nفَتَكَلَّمَ ابْنُ بَقِيٍّ مَعَهُمْ فَلَمْ يَجِدُوا إِلَيْهِ سَبِيلًا، فَغَضِبَ النَّاصِرُ عَلَيْهِمْ، وَأَمَرَ (الْوُزَرَاءَ) (٦) بِالتَّوْجِيهِ فِيهِمْ إِلَى الْقَصْرِ، وَتَوْبِيخِهِمْ، فَجَرَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَعْضِ الْوُزَرَاءِ مُكَالَمَةٌ، وَلَمْ يَصِلِ النَّاصِرُ مَعَهُمْ إِلَى مَقْصُودِهِ.\nوَبَلَغَ ابْنَ لُبَابَةَ هَذَا الْخَبَرُ (فرفع إلى) (٧) الناصر (يغضُّ) (٨) من أصحابه الفقهاء، ويقول (له) (٩): إِنَّهُمْ حَجَرُوا عَلَيْهِ وَاسِعًا، وَلَوْ كَانَ حَاضِرًا لأفتاه بجواز المعاوضة، وتقلد حقًا، وناظر أصحابه فيها، فوقع (هذا) (٩) الْأَمْرُ بِنَفْسِ النَّاصِرِ، وَأَمَرَ بِإِعَادَةِ مُحَمَّدِ بْنِ لُبَابَةَ إِلَى الشُّورَى عَلَى حَالَتِهِ الْأَوْلَى، ثُمَّ أَمَرَ الْقَاضِي بِإِعَادَةِ الْمَشُورَةِ/ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَاجْتَمَعَ الْقَاضِي وَالْفُقَهَاءُ وَجَاءَ ابْنُ لَبَابَةَ آخِرَهُمْ، وَعَرَّفَهُمُ الْقَاضِي ابْنُ بَقِيٍّ بِالْمَسْأَلَةِ الَّتِي جَمَعَهُمْ (مِنْ أَجْلِهَا) (١٠) وَغِبْطَةِ الْمُعَاوَضَةِ (فِيهَا) (١١)، فَقَالَ جَمِيعُهُمْ بِقَوْلِهِمُ الْأَوَّلِ مِنَ الْمَنْعِ مِنْ تَغْيِيرِ الْحَبْسِ عَنْ وَجْهِهِ - وَابْنِ لُبَابَةَ سَاكِتٌ - فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي: ما\n_________\n(١) المجشر: هو حوض لا يستقى فيه لجشره، أي وسخه وقذره، انظر: المعجم الوسيط مادة جشر (١ ٧٢٤).\n(٢) في (م): \"بفدوة\".\n(٣) هو القاضي: أحمد بن بقي بن مخلد بن يزيد أبو عبد الله، كان بليغ اللسان، أنيس المجلس، له أخلاق كريمة، توفي سنة ٣٤٤هـ. انظر ترجمته في: قضاة قرطبة (ص٢٢٢)، وتاريخ علماء الأندلس (١ ٨٠)، والديباج المذهب (١ ١٧٠).\n(٤) في (خ): \"وأن\".\n(٥) في (غ) و(ر): \"فتكلم\".\n(٦) في (م): \"الازراء\".\n(٧) في (ط): \"فدفع\". وكلمة (إلى) ساقطة من (م).\n(٨) في (خ) و(ط) و(ت): \"بعضًا\".\n(٩) ما بين القوسين زيادة من (ت).\n(١٠) في (غ) و(ر): \"لأجلها\".\n(١١) زيادة من (م).","vol":"3","page":104},{"text":"تَقُولُ أَنْتَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: أَمَّا قَوْلُ إِمَامِنَا مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فَالَّذِي قَالَهُ أَصْحَابُنَا الْفُقَهَاءُ، وَأَمَّا أَهْلُ الْعِرَاقِ فَإِنَّهُمْ لَا يُجِيزُونَ الْحَبْسَ أَصْلًا، وَهُمْ عُلَمَاءُ/ أَعْلَامٌ (يَقْتَدِي) (١) بِهِمْ أَكْثَرُ الْأُمَّةِ، وَإِذَا بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْحَاجَةِ/ إِلَى هَذَا الْمُجَشِّرِ مَا بِهِ، فَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَرِدَ عَنْهُ، وَلَهُ فِي السنة فسحة، وأنا أقول (فيه) (٢) بِقَوْلِ أَهَّلِ الْعِرَاقِ، وَأَتَقَلَّدُ ذَلِكَ رَأْيًا.\nفَقَالَ لَهُ الْفُقَهَاءُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! تَتْرُكُ قَوْلَ مَالِكٍ الَّذِي أَفْتَى بِهِ أَسْلَافَنَا وَمَضَوْا عَلَيْهِ وَاعْتَقَدْنَاهُ بعدهم، وأفتينا به لا نحيد (عنه) (٣) بِوَجْهٍ، وَهُوَ رَأْيُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَرَأْيُ الْأَئِمَّةِ آبَائِهِ؟\nفَقَالَ لَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: (نَاشَدْتُكُمُ) (٤) اللَّهَ الْعَظِيمَ، أَلَمْ تَنْزِلْ/ بِأَحَدٍ مِنْكُمْ مَلَمَّةٌ بَلَغَتْ بِكُمْ أَنْ أَخَذْتُمْ فِيهَا بِغَيْرِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي خَاصَّةِ أَنْفُسِكُمْ، وَأَرْخَصْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فِي ذَلِكَ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَوْلَى بِذَلِكَ، فَخُذُوا بِهِ مَأْخَذَكُمْ، وَتَعَلَّقُوا بِقَوْلِ مَنْ يُوَافِقُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَكُلُّهُمْ قُدْوَةٌ، فَسَكَتُوا. فَقَالَ لِلْقَاضِي: أَنْهِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فُتْيَايَ. فَكَتَبَ الْقَاضِي إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِصُورَةِ الْمَجْلِسِ، وَبَقِيَ مَعَ أَصْحَابِهِ بِمَكَانِهِمْ إِلَى أَنْ أَتَى الْجَوَابُ/ بأن يؤخذ له بفتيا محمد بن يحيى بْنِ لُبَابَةَ/ وَيُنَفَّذَ ذَلِكَ وَيُعَوَّضَ الْمَرْضَى مِنْ هذا المجشر (بأملاكه بمِنْيَة عَجَب) (٥)، وَكَانَتْ عَظِيمَةَ الْقَدْرِ جِدًّا، تَزِيدُ أَضْعَافًا عَلَى الْمِجْشَرِ.\nثُمَّ جِيءَ (بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ أمير المؤمنين) (٦) منه إلى ابن لبابة (بولايته) (٧) خُطَّةِ الْوَثَائِقِ لِيَكُونَ هُوَ الْمُتَوَلِّيَ لِعَقْدِ هَذِهِ المعاوضة، فهنئ\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"يهتدي\".\n(٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) في (ط) و(خ): \"عنهم\".\n(٤) في (خ): \"أنشدتكم\".\n(٥) في (ط) و(ت): \"بأملاك ثمينة عجيبة\". وفي (م): \"بأملاك ثمينة عجب\". ومِنْية عَجَب من أرباض قرطبة وهي القرى حولها، والنسبة إليها الميني، ومنها المحدّث محمد بن عبد الله الميني. انظر: التكملة لكتاب الصلة (١/ ٢٩٦)، ونفح الطيب (١/ ٤٦٥، ٢/ ٢٥٧)، ومعجم البلدان (٥/ ٢١٨).\n(٦) في (غ) و(ر): \"من عند أمير المؤمنين بكتاب\".\n(٧) في جميع النسخ ما عدا (غ): \"بولاية\".","vol":"3","page":105},{"text":"بِالْوِلَايَةِ، وَأَمْضَى الْقَاضِي الْحُكْمَ بِفَتْوَاهُ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ وَانْصَرَفُوا، فَلَمْ يَزَلِ ابْنُ لُبَابَةَ يَتَقَلَّدُ خُطَّةَ الْوَثَائِقِ وَالشُّورَى إِلَى أَنْ مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ (١).\nقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: ذَاكَرْتُ بَعْضَ مَشَايِخِنَا مَرَّةً بِهَذَا الْخَبَرِ، فَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ هَذَا الْخَبَرُ الَّذِي حَلَّ سِجِلَّ السُّخْطَةِ إِلَى سِجِلِّ السُّخْطَةِ، فَهُوَ أَوْلَى وَأَشَدُّ فِي السُّخْطَةِ مِمَّا تَضَمَّنَهُ - أَوْ كَمَا قَالَ (٢) ـ.\nفَتَأَمَّلُوا كيف اتباع الهوى (وإلى أين) (٣) يَنْتَهِيَ بِصَاحِبِهِ.\nفَشَأْنُ مِثْلِ هَذَا لَا يَحُلُّ أَصْلًا مِنْ وَجْهَيْنِ:\n/أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمْ (يَتَحَقَّقِ) (٤) الْمَذْهَبُ الَّذِي حَكَمَ بِهِ، لِأَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ لَا يُبْطِلُونَ الْإِحْبَاسَ هَكَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَمَنْ حكى عنهم ذلك، فإما على غير تثبت، وَإِمَّا أَنَّهُ كَانَ قَوْلًا لَهُمْ رَجَعُوا عَنْهُ، بَلْ مَذْهَبُهُمْ يَقْرُبُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ حَسْبَمَا هو مذكور في كتب الحنفية (٥).\nوالثاني: أَنَّهُ إِنْ سَلَّمَنَا صِحَّتَهُ فَلَا يَصِحُّ لِلْحَاكِمِ أن (يرجِّح) (٦) في حكمه (أحد) (٧) القولين (بالصحبة أو الإمارة) (٨) أو قضاء الحاجة، وإنما التَّرْجِيحُ بِالْوُجُوهِ الْمُعْتَبَرَةِ شَرْعًا، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، فَكُلُّ مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى تَقْلِيدِ قَوْلٍ غَيْرِ مُحَقَّقٍ، أَوْ رَجَّحَ بِغَيْرِ مَعْنَى مُعْتَبَرٍ، فَقَدْ خَلَعَ الرِّبْقَةَ، وَاسْتَنَدَ إِلَى غَيْرِ شَرْعٍ، عَافَانَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ.\nفَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ فِي الْفُتْيَا مِنْ جُمْلَةِ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَاتِ في دين الله تعالى،\n_________\n(١) في (ط) و(خ): \"كتاب التاريخ أولًا بالأرقام ثم كتابة\".\n(٢) انظر القصة بطولها في: ترتيب المدارك (٢ ٣٩٨ - ٤٠٢).\n(٣) في (ط) و(خ): \"وأولى أن\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"يحقق\".\n(٥) لمعرفة الخلاف في الأحباس وأقوال العلماء فيه، انظر: الحجة، لمحمد بن الحسن ٣ ٤٦ والهداية شرح البداية (٣ ١٣) والمبسوط (١٢ ٢٧) والأم (٤ ٥٨) ومواهب الجليل (٦ ١٨) والمغني (٦ ١٨٥ - ١٨٦) والمبدع لابن مفلح (٥ ٣١٢).\n(٦) في (ط) و(خ) و(ت): \"يرجع\".\n(٧) في (ط) و(خ) و(ت): \"في أحد\".\n(٨) في (ط) و(خ) و(ت): \"بالمحبة والإمارة\".","vol":"3","page":106},{"text":"كَمَا أَنَّ تَحْكِيمَ/ الْعَقْلِ عَلَى الدِّينِ مُطْلَقًا مُحْدَثٌ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ بَعْدُ إِنْ شَاءَ الله.\nوقد ثبت بهذا الوجه اتِّبَاعِ الْهَوَى، وَهُوَ أَصْلُ الزَّيْغِ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ - (أَيْ مَيْلٌ عَنِ الْحَقِّ) (١) - ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (٢)، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الْآيَةِ؛ فَمِنْ شَأْنِهِمْ أَنْ يَتْرُكُوا/ الْوَاضِحَ ويتَّبعوا الْمُتَشَابِهَ، عَكْسَ مَا عَلَيْهِ الْحَقُّ فِي نَفْسِهِ.\nوَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَذُكِرَتِ الْخَوَارِجُ (عِنْدَهُ) (٣) وَمَا يُلْقُونَ فِي الْقُرْآنِ - فَقَالَ: يُؤْمِنُونَ بِمُحَكِّمِهِ، وَيَهْلِكُونَ عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ. وَقَرَأَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآيَةَ. خرَّجه ابْنُ وَهْبٍ (٤).\n/وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذمِّه الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (٥) وَلَمْ يَأْتِ/ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرُ الْهَوَى إِلَّا فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ.\nحَكَى ابْنُ وَهَبٍ عَنْ طاووس أَنَّهُ قَالَ: مَا ذَكَرَ اللَّهُ (هَوًى فِي الْقُرْآنِ) (٦) إِلَّا ذَمَّهُ (٧).\nوَقَالَ: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ (٨)، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.\n/وَحَكَى أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ أَنَّ رَجُلًا سأل إبراهيم\n_________\n(١) ساقطة من (ر).\n(٢) سورة آل عمران: الآية (٧).\n(٣) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٤) تقدم تخريجه (٣/ ٧٦).\n(٥) سورة الجاثية: الآية (٢٣).\n(٦) في (غ) و(ر): \"الهوى\".\n(٧) أخرجه اللالكائي برقم (٢٢٨). وأخرجه الهروي في ذم الكلام - ت الأنصاري - برقم (٤٧١) من قول سليمان الأحوال، بينما رواية اللالكائي رفعها سليمان الأحول إلى طاووس.\n(٨) سورة القصص: الآية (٥٠).","vol":"3","page":107},{"text":"النَّخَعِيَّ عَنِ الْأَهْوَاءِ، أَيُّهَا خَيْرٌ؟ فَقَالَ: مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ من خير، وما هي إلا زينة (من) (١) الشَّيْطَانِ وَمَا الْأَمْرُ إِلَّا الْأَمْرُ الْأَوَّلُ (٢)، يَعْنِي: مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ (٣).\nوَخَرَّجَ عَنِ الثوري أن رجلًا أتى إلى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فقال (له) (٤): أَنَا عَلَى هَوَاكَ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْهَوَى كُلُّهُ ضَلَالَةٌ، أَيُّ شَيْءٍ أَنَا عَلَى هواك (٥).\nوالثالث مِنْ أَسْبَابِ الْخِلَافِ: (التَّصْمِيمُ عَلَى اتِّبَاعِ الْعَوَائِدِ وَإِنْ فَسَدَتْ أَوْ كَانَتْ مُخَالِفَةً لِلْحَقِّ) (٦).\nوَهُوَ اتِّبَاعُ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْآبَاءُ وَالْأَشْيَاخُ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، وَهُوَ التَّقْلِيدُ الْمَذْمُومُ، فَإِنَّ اللَّهَ ذَمَّ بذلك في كتابه، كقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ (٧) ثُمَّ قَالَ: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ *﴾ (٨) وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ *أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ *﴾ (٩) (فَنَبَّهَهُمْ) (١٠) عَلَى وَجْهِ الدَّلِيلِ الْوَاضِحِ فَاسْتَمْسَكُوا بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِ الْآبَاءِ/ فَقَالُوا: ﴿بَلْ وَجَدْنَا/ آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (١١) وهو مقتضى\n_________\n(١) زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) أخرجه الآجري في الشريعة برقم (١٢٥).\n(٣) بنحوه أخرجه عثمان بن سعيد الدارمي في نقضه على بشر - ت السماري - (٢١٤)، والآجري في الشريعة برقم (١٢٥)، وأخرجه الدارمي مختصرًا في سننه (١/ ٦٣) برقم (٢٢٤).\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) المصدر السابق برقم (١٢٦)، وصحح المحقق سنده، وعزاه إلى عبد الرزاق في المصنف (١١ ١٢٦)، برقم (٢٠١٠٢)، وبنحوه في اللالكائي (١ ١٣٠)، برقم (٢٢٥)، والإبانة في الكبرى برقم (٢٣٨)، والهروي في ذم الكلام (ق٥٤ أ)، وهو في المطبوعة - ت الأنصاري - برقم (٤٩٤).\n(٦) في هامش (ت) ما نصّه: \"قلت: وهذا أقوى الأسباب في إقامة أهل الضلال على ضلالتهم وشدة التمسك بها من الكفر فما دونه عياذًا بالله\".\n(٧) سورة الزخرف: الآية (٢٣).\n(٨) سورة الزخرف: الآية (٢٤).\n(٩) سورة الشعراء: الآيتان (٧٢، ٧٣).\n(١٠) في (ت): \"بياض بمقدار كلمة\".\n(١١) سورة الشعراء: الآية (٧٤).","vol":"3","page":108},{"text":"الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: \"اتَّخَذَ النَّاسُ رؤوسًا جُهَّالًا\" (١) إِلَى آخِرِهِ، فَإِنَّهُ يُشِيرُ إِلَى الِاسْتِنَانِ بِالرِّجَالِ كَيْفَ كَانَ.\nوَفِيمَا يُرْوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: إِيَّاكُمْ وَالِاسْتِنَانَ بِالرِّجَالِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ/ الْجَنَّةِ ثُمَّ يَنْقَلِبُ لِعِلْمِ اللَّهِ فِيهِ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَمُوتُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَنْقَلِبُ لِعِلْمِ اللَّهِ فِيهِ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَمُوتُ وَهُوَ مِنْ/ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ، فَبِالْأَمْوَاتِ لَا بِالْأَحْيَاءِ (٢).\nفَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْأَخْذِ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الدِّينِ، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ على عمل أحد البتة، حتى (يتثبت) (٣) فيه ويسأل عن حكمه، إذ لعل (الرجل) (٤) الْمُعْتَمِدَ عَلَى عَمَلِهِ يَعْمَلُ عَلَى خِلَافِ السُّنَّةِ.\nوَلِذَلِكَ قِيلَ: لَا تَنْظُرْ إِلَى عَمَلِ الْعَالِمِ، ولكن سله يصدقك.\nوقالوا: (أضعف العلم الرؤية) (٥) أن يكون رأى فلانًا (يعمل فيعمل) (٦) مِثْلَهُ. وَلَعَلَّهُ فَعَلَهُ سَاهِيًا (٧). وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ ثَابِتٌ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى وَجْهٍ لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ.\nوَقَوْلُ عَلِيٍّ ﵁: (فَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ فَبِالْأَمْوَاتِ) نُكْتَةٌ فِي الْمَوْضِعِ. يَعْنِي الصحابة ﵁ وَمَنْ جَرَى (مَجْرَاهُمْ) (٨) مِمَّنْ يُؤْخَذُ بِقَوْلِهِ وَيُعْتَمَدُ عَلَى فَتْوَاهُ.\nوَأَمَّا غَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَحُلَّ ذَلِكَ الْمَحَلَّ فَلَا، كَأَنْ يَرَى الْإِنْسَانُ رَجُلًا\n_________\n(١) سبق تخريجه (١/ ١١٧).\n(٢) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٨٨١)، وابن حزم في الإحكام (٦/ ٣١٨)، وابن بطة في الإبانة قسم القدر (١٥٧٢).\n(٣) في (م): \"يثبت\". وفي (ر): ينتسب.\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) في (ط) و(م) و(خ): \"ضعف الرؤية\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"يفعل فيفعل\".\n(٧) أخرجه ابن حزم في الإحكام (٦/ ٢١٩) من قول عطاء الخرساني.\n(٨) ساقطة من (م).","vol":"3","page":109},{"text":"يحسن اعتقاده فيه فيفعل فِعْلًا مُحْتَمَلًا أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا أَوْ غَيْرَ مَشْرُوعٍ فَيَقْتَدِي بِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فِي التَّعَبُّدِ، وَيَجْعَلُهُ حُجَّةً فِي دِينِ اللَّهِ؛ فهذا هو الضلال/ بعينه، ما لَمْ يُتَثَبَّتْ بِالسُّؤَالِ وَالْبَحْثِ عَنْ حُكْمِ الْفِعْلِ ممن هو أهل (للفتوى) (١).\n//وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الَّذِي مَالَ بِأَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ عَوَامِّ الْمُبْتَدِعَةِ، (إِذَا اتَّفَقَ أَنْ) (٢) يَنْضَافَ إِلَى شَيْخٍ جَاهِلٍ أَوْ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الْعُلَمَاءِ، فَيَرَاهُ يَعْمَلُ عَمَلًا فَيَظُنُّهُ عِبَادَةً فَيَقْتَدِي بِهِ، كَائِنًا مَا كَانَ ذَلِكَ الْعَمَلُ، مُوَافِقًا لِلشَّرْعِ أَوْ مُخَالِفًا، وَيَحْتَجُّ بِهِ عَلَى مَنْ يُرْشِدُهُ/ وَيَقُولُ: كَانَ الشَّيْخُ فُلَانٌ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وَكَانَ يَفْعَلُهُ، وَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُقْتَدَى بِهِ من علماء الظَّاهِرِ، فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ (رَاجِعٌ) (٣) إِلَى (تَقْلِيدِ) (٤) مَنْ حَسُنَ ظَنُّهُ فِيهِ أَخْطَأَ أَوْ أَصَابَ، كالذين قلدوا/ آبائهم سَوَاءً، وَإِنَّمَا قُصَارَى هَؤُلَاءِ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ آبَاءَنَا أَوْ شُيُوخَنَا لَمْ يَكُونُوا يَنْتَحِلُونَ مِثْلَ هذه الأمور سدى، وما هي إلا (معضودة) (٥) بالدلائل (ومنصورة بالبراهين) (٦) مَعَ أَنَّهُمْ (يَرون ويُرون) (٧) أَنْ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، وَلَا بُرْهَانَ يَقُودُ إِلَى الْقَوْلِ بِهَا.\n_________\n(١) في (ط) و(م) و(خ): \"الفتوى\".\n(٢) ساقطة من (م) و(غ) و(ر).\n(٣) في (غ) و(ر): \"رجوع\".\n(٤) في (م) و(خ) و(ت): \"التقليد\".\n(٥) في (ط) و(خ) و(ت) و(م): \"مقصودة\".\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"والبراهين\".\n(٧) في (ط) و(خ) و(ت): \"يرون، وضبطها بالشكل\" من (غ) و(ر).","vol":"3","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>فصل</span>\nهَذِهِ الْأَسْبَابُ الثَّلَاثَةُ رَاجِعَةٌ فِي التَّحْصِيلِ إِلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ: وَهُوَ الْجَهْلُ بِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وَالتَّخَرُّصِ على معانيها بالظن من غير تثبت، (و) (١) الْأَخْذِ فِيهَا بِالنَّظَرِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَكُونُ/ ذَلِكَ من راسخ في العلم، ألا ترى أَنَّ الْخَوَارِجَ (٢) كَيْفَ خَرَجُوا عَنِ الدِّينِ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ (الصَّيْدِ الْمَرْمِيِّ) (٣) لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ يقرأون الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ (٤)، يَعْنِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أنهم لا يتفقهون فيه حَتَّى يَصِلَ إِلَى قُلُوبِهِمْ لِأَنَّ الْفَهْمَ رَاجِعٌ إِلَى الْقَلْبِ؛ فَإِذَا لَمْ يَصِلْ إِلَى الْقَلْبِ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ فَهْمٌ عَلَى حَالٍ، وَإِنَّمَا يَقِفُ عِنْدَ مَحَلِّ الْأَصْوَاتِ وَالْحُرُوفِ (الْمَسْمُوعَةِ) (٥) (فَقَطْ) (٦)، وَهُوَ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ مَنْ يَفْهَمُ وَمَنْ لَا يَفْهَمُ، وَمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: \"إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعَلَمَ انْتِزَاعًا\" إِلَى آخِرِهِ (٧).\n/وَقَدْ وَقَعَ لِابْنِ عَبَّاسٍ تَفْسِيرُ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى مَا نَحْنُ فِيهِ، فخرَّج أَبُو عُبَيْدٍ (٨) فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ (٩) فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ إبراهيم التيمي (١٠) قَالَ: خَلَا عُمَرُ ﵁ ذَاتَ يوم، فجعل يحدث نفسه:\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"أو\".\n(٢) الخوارج: تقدم تعريفهم (١ ١٥).\n(٣) في (ت): \"يد الرامي\".\n(٤) سيأتي تخريجه (٣/ ١١٤).\n(٥) زيادة من (م).\n(٦) في (م) و(غ) و(ر): \"قط\".\n(٧) سبق تخريجه (١/ ١١٧).\n(٨) هو أبو عبيد القاسم بن سلام بن عبد الله البغدادي، تقدمت ترجمته.\n(٩) هو الحافظ سعيد بن منصور بن شعبة، شيخ الحرم أبو عثمان الخرساني المروزي، تقدمت ترجمته (١ ٩٤).\n(١٠) هو إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي، تقدمت ترجمته (١/ ١٤٣).","vol":"3","page":111},{"text":"كَيْفَ تَخْتَلِفُ هَذِهِ الْأُمَّةُ وَنَبِيُّهَا وَاحِدٌ فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ/ ﵄ فَقَالَ: كَيْفَ تَخْتَلِفُ هَذِهِ الْأُمَّةُ وَنَبِيُّهَا وَاحِدٌ وَقِبْلَتُهَا وَاحِدَةٌ - زَادَ سَعِيدٌ وَكِتَابُهَا وَاحِدٌ - (قَالَ) (١): فَقَالَ: ابن عباس يا أمير المؤمنين: (إنّا) (٢) أنزل علينا القرآن فقرأناه، وعلمنا (فِيمَ أنزل) (٣) وأنه سيكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن ولا يدرون فيمَ نزل، فيكون (لهم) (٤) فِيهِ رَأْيٌ فَإِذَا كَانَ (كَذَلِكَ) (٥) اخْتَلَفُوا وَقَالَ سَعِيدٌ: فَيَكُونُ لِكُلِّ قَوْمٍ فِيهِ رَأْيٌ، فَإِذَا كان لَكُلِّ قَوْمٍ فِيهِ رَأْيٌ اخْتَلَفُوا، فَإِذَا اخْتَلَفُوا اقتتلوا. قال: (فزجره) (٦) عمر، (وانتهره) (٧).\nفانصرف ابن عباس، ونظر عمر فيمَ قَالَ/ فَعَرَفَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ وَقَالَ: (أَعِدْ) (٨)، عَلَيَّ مَا قُلْتَهُ. فَأَعَادَ عَلَيْهِ؛ (فَعَرَفَ) (٩) / عُمَرُ قَوْلَهُ وَأَعْجَبَهُ (١٠).\nوَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ هُوَ الْحَقُّ، فَإِنَّهُ إِذَا عَرَفَ الرَّجُلَ فيمَ (نَزَلَتِ) (١١) الْآيَةُ أَوِ السُّورَةُ عَرَفَ مَخْرَجَهَا وَتَأْوِيلَهَا وَمَا قُصِدَ بِهَا، فَلَمْ يَتَعَدَّ ذَلِكَ (فِيهَا) (١٢) وإذا جهل فيمَ (أُنْزِلَتِ) (١٣) احْتَمَلَ النَّظَرُ فِيهَا أَوْجُهًا، فَذَهَبَ كُلُّ إِنْسَانٍ مَذْهَبًا لَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ الْآخَرُ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مِنَ الرُّسُوخِ فِي الْعِلْمِ مَا يَهْدِيهِمْ إِلَى الصَّوَابِ، أَوْ يَقِفُ بِهِمْ دُونَ اقْتِحَامِ حِمَى الْمُشْكِلَاتِ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الْأَخْذِ بِبَادِيِ الرَّأْيِ، أَوِ التَّأْوِيلِ بِالتَّخَرُّصِ الَّذِي لَا يغني من\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (ت) و(غ) و(ر).\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ): \"إنما\".\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فيما أنزل\".\n(٤) في (ط): \"لكل قوم\".\n(٥) في (م) و(غ) و(ر): \"لهم فيه رأي\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"فزبره\".\n(٧) في (ط): \"وانتهره علي\".\n(٨) في (ط): \"أعده\".\n(٩) في (ط) و(م) و(خ): \"فعرفه\".\n(١٠) أخرجه أَبُو عُبَيْدٍ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ (١٧ - ٦) وَسَعِيدُ بْنُ منصور في سننه - تحقيق الحميد - برقم (٤٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٠٨٦)، والخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (١٥٨٧) وهو منقطع لأن إبراهيم التيمي لم يدرك عمر بن الخطاب، لكن الأثر صحّ بسند صحيح أخرجه معمر بن راشد في جامعه (٢٠٣٦٨) عن علي بن بَذِيمة عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس ..\n(١١) في (غ) و(ر): \"أنزلت\".\n(١٢) ساقط من (غ) و(ر).\n(١٣) في (غ) و(ر): \"نزلت\".","vol":"3","page":112},{"text":"الْحَقِّ شَيْئًا، إِذْ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا.\nوَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ مَا خَرَّجَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ بُكَيْرٍ (١) أَنَّهُ سَأَلَ نافعًا: كيف (كان) (٢) رَأْيُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْحَرُورِيَّةِ (٣)؟ قَالَ: يَرَاهُمْ شِرَارَ خَلْقِ/ اللَّهِ، (إِنَّهُمُ) (٤) انْطَلَقُوا إِلَى آيَاتٍ أنزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين (٥). (وفسَّر) (٦) سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: مِمَّا يَتَّبِعُ الْحَرُورِيَّةُ مِنَ الْمُتَشَابِهِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٧) وَيَقْرِنُونَ مَعَهَا: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (٨)، فَإِذَا رَأَوُا الْإِمَامَ يَحْكُمُ بِغَيْرِ الْحَقِّ/ قَالُوا: قد كفر، ومن كفر عَدَلَ بِرَبِّهِ؛ فَقَدْ أَشْرَكَ، فَهَذِهِ/ الْأُمَّةُ مُشْرِكُونَ فَيَخْرُجُونَ (فَيَقْتُلُونَ) (٩) مَا رَأَيْتُ، لِأَنَّهُمْ يَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ (١٠).\nفَهَذَا مَعْنَى الرَّأْيِ الَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ النَّاشِئُ عَنِ الْجَهْلِ بِالْمَعْنَى الذي (نزل فيه) (١١) القرآن.\nوَقَالَ نَافِعٌ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنِ الْحَرُورِيَّةِ قَالَ: يُكَفِّرُونَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ؛ وَيَنْكِحُونَ النِّسَاءَ فِي عِدَدِهِنَّ، وَتَأْتِيهِمُ المرأة فينكحها الرجل منهم ولها زوج [فتكون المرأة عندهم لها زوجان] زيادة من الموطأ. فلا أعلم أحدًا أحق بالقتال (والقتل) (١٢) (من الحرورية) (١٣).\n_________\n(١) هو بكير بن عبد الله الأشج الثقة الحافظ أبو عبد الله القرشي المدني، من صغار التابعين، توفي سنة ١٢٧هـ. انظر: التاريخ الكبير (٢ ١١٣) والسير (٦ ١٧٠)، وتهذيب التهذيب (١٠ ٤١٢).\n(٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) تقدم تعريفهم (١/ ١٥).\n(٤) في (ت): \"لأنهم\".\n(٥) أخرجه ابن وهب كما في كتاب المحاربة من الموطأ تحقيق موراني (ص٤٢). وعلقه البخاري في صحيحه (١٢ ٢٩٥ مع الفتح)، وذكر ابن حجر أن الأثر أخرجه ابن جرير في تهذيب الأثار في مسند علي بسند صحيح، وأضاف في تغليق التعليق (٥ ٢٥٩)، أن ابن عبد البر عزاه إلى ابن وهب في جامعه.\n(٦) في (ط) و(م) و(خ): \"فسر\".\n(٧) سورة المائدة: الآية (٤٤).\n(٨) سورة الأنعام: الآية (١).\n(٩) في (غ) و(ر): \"فيفعلون\".\n(١٠) أخرجه ابن المنذر كما في الدر المنثور (٢/ ١٤٦).\n(١١) في (غ) و(ر): \"فيه نزل\".\n(١٢) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(١٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"منهم\". والأثر أخرجه ابن وهب كما في كتاب المحاربة من الموطأ تحقيق موراني (٤٣).","vol":"3","page":113},{"text":"فَإِنْ قِيلَ: فَرَضْتُ الِاخْتِلَافَ الْمُتَكَلَّمَ (فِيهِ) (١) فِي وَاسِطَةٍ بَيْنَ طَرَفَيْنِ (٢) فَكَانَ مِنَ الْوَاجِبِ أَنْ تردد النظر فيه عليهما (ولم) (٣) تَفْعَلْ، بَلْ رَدَدْتُهُ إِلَى الطَّرَفِ الْأَوَّلِ فِي الذَّمِّ وَالضَّلَالِ، وَلَمْ تَعْتَبِرْهُ بِجَانِبِ الِاخْتِلَافِ الَّذِي لَا (يُضِيرُ) (٤)، وَهُوَ الِاخْتِلَافُ فِي الْفُرُوعِ.\nفَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ: أَنَّ كَوْنَ ذَلِكَ الْقِسْمِ وَاسِطَةً بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِهِ إِلَّا مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا، أَمَّا الْجِهَةُ الْأُخْرَى فإن (ذِكْرِهِمْ) (٥) فِي هَذِهِ/ الْأُمَّةِ وَإِدْخَالِهِمْ فِيهَا/ أَوْضَحَ أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ لَمْ يُلْحِقْهُمْ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ مُلْحِقًا لَهُمْ بِهِ لَمْ يَقَعْ فِي الْأُمَّةِ اخْتِلَافٌ وَلَا فُرْقَةَ، وَلَا أَخْبَرَ الشَّارِعَ بِهِ، وَلَا نَبَّهَ السَّلَفُ الصَّالِحُ عَلَيْهِ، فَكَمَا أَنَّهُ لَوْ فَرَضْنَا اتِّفَاقَ الْخَلْقِ على الملة بعد (أن) (٦) كَانُوا مُفَارِقِينَ لَهَا لَمْ نَقُلْ: اتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ بَعْدَ اخْتِلَافِهَا، كَذَلِكَ لَا نَقُولُ: اخْتَلَفَتِ الْأُمَّةُ، وافترقت الأمة بعد اتفاقها، (لو) (٧) خَرَجَ بَعْضُهُمْ/ إِلَى الْكَفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا يقال: افترقت أو تفترق الْأُمَّةُ، إِذَا كَانَ الِافْتِرَاقُ وَاقِعًا فِيهَا مَعَ بَقَاءِ اسْمِ الْأُمَّةِ هَذَا/ هُوَ الْحَقِيقَةُ، وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْخَوَارِجِ: \"يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ\" (٨)، ثُمَّ قَالَ: وَتَتَمَارَى فِي الفوق - وفي رواية ـ\n_________\n(١) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٢) الطرفان هما: الاختلاف في أصل الدين والنحلة كاليهودية والنصرانية والإسلام، والطرف الثاني الاختلاف في الفروع مع الاتفاق في أصل الدين كاختلاف الصحابة، والواسطة هو الاختلاف في بعض قواعد الدين الكلية مع الاتفاق في أصل النحلة. وانظر ما تقدم ذكره (ص٩٧ - ٩٨).\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فلم\".\n(٤) في (ت): \"يضر\".\n(٥) في (ط) و(خ) وهامش (ت): \"عدم ذكرهم\".\n(٦) زيادة من (م) و(خ) و(غ) و(ر).\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"أو\".\n(٨) حديث ذم الخوارج أخرجه جمع كبير من أهل العلم منهم مالك في الموطأ (٤٧٨)، وأبو داود الطيالسي في مسنده (١٦٨ و٤٤٨ و٢٦٨٧)، والحميدي في مسنده (٧٤٩ و١٢٧١)، وابن الجعد في مسنده (٢٥٩٥)، وأحمد في مسنده (١ ٨١ و٨٨ و١١٣ و١٣١ و١٦٠ و٤٠٤) و(٣ ٤ و١٥ و٣٣ و٥٢ و٥٦ و٦٠ و٦٤ و٦٥ و١٨٣ و١٨٩=","vol":"3","page":114},{"text":"فَيَنْظُرُ الرَّامِي إِلَى سَهْمِهِ إِلَى نَصْلِهِ إِلَى رِصَافِهِ فَيَتَمَارَى فِي (الْفُوقَةِ) (١): هَلْ عَلِقَ بِهَا من الدم شيء/ والتماري في الفوق (هَلْ فِيهِ) (٢) فَرْثٌ وَدَمٌ أَمْ لَا) شَكٌّ بِحَسَبِ التَّمْثِيلِ: هَلْ خَرَجُوا مِنَ الْإِسْلَامِ حَقِيقَةً (أم لا) (٣) وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ لَا يُعَبَّرُ بِهَا عَمَّنْ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ بِالِارْتِدَادِ مَثَلًا.\nوَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْأُمَّةُ فِي تَكْفِيرِ هَؤُلَاءِ الْفِرَقِ أَصْحَابِ الْبِدَعِ الْعُظْمَى، وَلَكِنَّ الَّذِي يَقْوَى فِي النَّظَرِ وَبِحَسَبِ الْأَثَرِ عَدَمُ الْقَطْعِ بِتَكْفِيرِهِمْ (٤) وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ عَمَلُ/ السَّلَفِ الصالح فيهم.\n_________\n=و٢٢٤ و٣٥٣ و٣٥٤ و٤٨٦) و(٤ ١٤٥ و٤٢١ و٤٢٤) و(٥ ٤٢ و١٧٦)، والبخاري في صحيحه (٦٩٣٠، ٥٠٥٧، و٣٦١١، ٣٦١٠)، وفي خلق أفعال العباد (ص٥٣)، وفي الأدب المفرد (٧٧٤)، ومسلم (١٠٦٤ - ١٠٦٨)، وابن ماجه (١٦٨ - ١٧٢)، والترمذي (٢١٨٨)، وأبو داود (٤٧٦٥ - ٤٧٦٧)، والنسائي في المجتبى (٤١٠١ و٤١٠٢)، وفي السنن الكبرى (٣٥٦٤ و٣٥٦٥ و٨٠٨٨ - ٨٠٩٠ و٨٥٥٨ - ٨٥٦٨ و١١٢٢٠)، وابن الجارود في المنتقى (١٠٨٣)، وأبو يعلى في مسنده (٢٦١ و٣٢٤ و٤٧٨ و١٠٢٢ و١١٩٣ و٣١١٧ و٣٩٠٨ و٤٠٦٦ و٥٤٠٢)، والطبراني في الصغير (١٠٤٩)، وفي الكبير (١٧٥٣ و٥٤٣٣ و٥٦٠٨ و٧٥٥٣ و٨٢٦٠)، وابن حبان في صحيحه (٢٥ و٥٩٦٤ و٦٧٣٧ و٦٧٣٩)، والحاكم (٢٦٤٥ و٢٦٤٧ و٢٦٤٩ و٢٦٥٠ و٢٦٥٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٥٦٤٩ و١٢٩٦٢ و١٦٤٧٤ و١٦٤٧٥ و١٦٤٨٠ و١٦٥٥٨).\n(١) في (م) و(خ): \"الفرقة\".\n(٢) في (ط): \"فيه هل فيه\".\n(٣) زيادة من (غ) و(ر).\n(٤) مسألة تكفير أهل البدع، من المسائل المختلف فيها بين أهل العلم، وأذكر هنا المسألة مختصرة على النحو التالي:\n(أ) يمكن إطلاق القول بتكفير بعض الفرق، كالجهمية والقدرية الذين نفوا العلم والكتابة، حيث كفرهم جمهور الأئمة والسلف، ولكن لا يستلزم ذلك كفر جميع أفراد هذه الفرق؛ لأن تكفير المعين لا بد فيه من ثبوت شروطه وانتفاء موانعه، وقد كفر الإمام أحمد من قال بخلق القرآن وأنه جهمي، وهو تكفير مطلق، ولكنه لم يكفر كل فرد بعينه ممن قال هذه المقالة، اعتمادًا على قاعدة الفرق بين التكفير المطلق وتكفير المعين.\n(ب) هناك فرق اتفق الأئمة والسلف على عدم تكفيرهم، كالشيعة المفضلة، ومرجئة الفقهاء، وأمثالهم.\n(ج) وهناك فرق اختلف حكم الأئمة في تكفيرهم، كالخوارج والمعتزلة وغيرهم،=","vol":"3","page":115},{"text":"ألا ترى إلى صنع علي بن أبي طالب ﵁ فِي الْخَوَارِجِ؟ (وَكَوْنِهِ) (١) عَامَلَهُمْ فِي قِتَالِهِمْ مُعَامَلَةَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (٢)، فَإِنَّهُ لَمَّا اجْتَمَعَتِ الْحَرُورِيَّةُ وَفَارَقَتِ الْجَمَاعَةَ لَمْ يُهَيِّجْهُمْ عَلِيٌّ وَلَا قَاتَلَهُمْ، (وَلَوْ) (٣) كَانُوا بِخُرُوجِهِمْ مرتدين لم يتركهم؛ لقوله ﷺ: \"مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ\" (٤)، وَلِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ خَرَجَ لِقِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَلَمْ يَتْرُكْهُمْ، فَدَلَّ ذلك على اختلاف ما بين المسألتين.\n_________\n=وهو اختلاف في تكفيرهم بإطلاق، لكن الحكم على أفرادهم - وهو المهم - تجري عليه قاعدة الفرق بين التكفير المطلق وتكفير المعين.\n(هـ) أن الفرق سواء قيل بكفرها أو عدم كفرها تكفيرًا مطلقًا، أفرادها إما مؤمن ضال جاهل بالسنة وهذا لا يكفر، وإما منافق زنديق يريد هدم الإسلام، وهذا يكفر، والذي يدل على ذلك: أن من المنافقين وأعداء الإسلام من دخل في الإسلام ظاهرًا، وبث فيه البدع ليهدم الدين، وهذا لا شك في كفره وردته، بينما من اتبعه قد يكون مسلمًا جاهلًا غرر به، والله تعالى أعلم. راجع: مجموع فتاوى ابن تيمية (٣ ٢٢٩ - ٢٣١ و٣٥١ - ٢٥٤)، و(٦ ٦١) و(٧ ٤٧٢ و٦١٨ - ٦١٩ و٥٠٧ - ٥٠٨) و(١٢ ٤٦٦ و٤٨٧ - ٥٠١) و(٢٨ ٥٠٠ و٥١٨)، والمسائل الماردينية (٦٥ - ٦٩)، والمعيار المعرب للونشريسي (٢ ٣٣٩ - ٣٤١)، وشرح الطحاوية (٣٥٨ - ٣٥٩)، ومعارج القبول (٢ ٦١٦)، وضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة (٢٥٢ - ٢٦٦) والتكفير والمكفرات (٥٨١ - ٥٩٣)، وحقيقة البدعة وأحكامها (٢ ٢٢٣ - ٣٠٩).\n(١) في (غ) و(ر): وفي كونه.\n(٢) سورة الحجرات: الآية (٩).\n(٣) في (م): \"ولا\".\n(٤) أخرجه البخاري (٦٩٢٢، ٣٠١٧)، والطيالسي في مسنده (٢٦٨٩)، والحميدي في مسنده (٥٣٣)، وأحمد في مسنده (١ ٢١٧ و٢٨٢ و٣٢٢)، وابن ماجه (٢٥٣٥)، والترمذي (١٤٥٨)، وأبو داود (٤٣٥١)، والنسائي في المجتبى (٤٠٥٩ - ٤٠٦٥)، وفي السنن الكبرى (٣٥٢٢ - ٣٥٢٨)، والحارث في مسنده - بغية الباحث - (٥٠٩)، وابن الجارود في المنتقى (٨٤٣) وأبو يعلى في مسنده (٢٥٣٢ و٢٥٣٣)، والطبراني في المعجم الكبير (١٠٦٣٨ و١١٨٣٥ و١١٨٥٠) و(١٩ ٤١٩ برقم ١٠١٣)، والدارقطني (٣ ١٠٨ و١١٣)، وابن حبان (٤٤٧٥)، والحاكم (٦٢٩٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٦٥٩٧ و١٦٦٣٥ - ١٦٦٣٧ و١٦٦٥٤ و١٧٨٤١).","vol":"3","page":116},{"text":"وأيضًا حين ظَهَرَ مَعْبَدُ الْجُهَنِيُّ (١) وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْقَدَرِ (٢) لم يكن (لهم من السلف الصالح) (٣) إِلَّا الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ وَالْعَدَاوَةُ وَالْهِجْرَانُ، وَلَوْ كَانُوا خَرَجُوا إِلَى كُفْرٍ مَحْضٍ لَأَقَامُوا عَلَيْهِمُ الْحَدَّ (بالقتل كالمرتدين) (٤)، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَيْضًا لَمَّا خَرَجَ فِي زَمَانِهِ الْحَرُورِيَّةُ بِالْمَوْصِلِ/ أَمَرَ بِالْكَفِّ عَنْهُمْ (على مَا) (٥) أَمَرَ بِهِ عَلِيٌّ ﵁/ ولم يعاملهم معاملة المرتدين (٦).\nومن جهة (النظر) (٧) إِنَّا وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُمْ مُتَّبِعُونَ (لِلْهَوَى) (٨)، وَلِمَا تَشَابَهَ مِنَ الْكِتَابِ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، فَإِنَّهُمْ لَيْسُوا بِمُتَّبِعِينَ لِلْهَوَى بِإِطْلَاقٍ، وَلَا مُتَّبِعِينَ لِمَا تَشَابَهَ مِنَ الْكِتَابِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلَوْ (فَرَضْنَا أَنَّهُمْ) (٩) كَذَلِكَ لَكَانُوا كُفَّارًا، إِذْ لا يتأتى ذلك (إلا ممن أخذ به في الشريعة مَعَ) (١٠) رَدِّ مُحْكَمَاتِهَا عِنَادًا وَهُوَ كُفْرٌ، وَأَمَّا مَنْ صَدَّقَ (بِالشَّرِيعَةَ) (١١) وَمَنْ جَاءَ بِهَا، وَبَلَغَ فِيهَا مَبْلَغًا يَظُنُّ بِهِ أَنَّهُ مُتَّبِعٌ لِلدَّلِيلِ (فمثله) (١٢)، لا يقال (فيه) (١٣): أَنَّهُ صَاحِبُ هَوًى بِإِطْلَاقٍ بَلْ هُوَ مُتَّبِعٌ للشرع في نظره، لكن\n_________\n(١) هو معبد بن عبد الله بن عويم الجهني البصري، أخذ عنه غيلان الدمشقي القول بالقدر، وخرج مع ابن الأشعث على الحجاج، فقتله الحجاج عام ٨٠هـ. انظر: تهذيب التهذيب (١٠ ٢٢٥).\n(٢) تقدم تعريف القدرية (١ ١٤).\n(٣) في (ط) و(م) و(خ): \"من السلف الصالح لهم\". وفي (غ) و(ر): \"من السلف الصالح إليهم\".\n(٤) في (ط) و(غ) و(ر): \"المقام على المرتدين\"، وفي (م) و(خ): \"العظام على المرتدين\".\n(٥) في (م) و(خ) و(غ) و(ر): \"أخذ\".\n(٦) انظر قصة خروج الخوارج على عمر في: الموطأ لابن وهب - كتاب المحاربة تحقيق موراني - ص ٤٤ - ٤٦ والمنتظم لابن الجوزي (٧/ ٥٣ - ٥٤)، وطرفًا من معاملته لهم في سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي (ص٧٦).\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"المعنى\".\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الهوى\".\n(٩) في (غ) و(ر): \"فرضناهم\".\n(١٠) في (م) و(خ) و(غ) و(ر): \"من أخذ - في ط: أحد - في الشريعة إلا مع\".\n(١١) في (ط) و(م) و(خ): \"الشريعة\".\n(١٢) في (ط): \"بمثله\".\n(١٣) زيادة من (م) و(خ).","vol":"3","page":117},{"text":"بِحَيْثُ (يُمَازِجُهُ) (١) الْهَوَى فِي (مَطَالِبِهِ) (٢) / مِنْ جِهَةِ إِدْخَالِ الشَّبَهِ فِي الْمُحَكَّمَاتِ بِسَبَبِ اعْتِبَارِ الْمُتَشَابِهَاتِ، فَشَارَكَ أَهْلُ الْهَوَى فِي دُخُولِ الْهَوَى فِي نِحْلَتِهِ، وَشَارَكَ أَهْلُ الْحَقِّ فِي أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ إِلَّا مَا دَلَّ/ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ عَلَى الْجُمْلَةِ.\n/وَأَيْضًا فَقَدْ ظَهَرَ مِنْهُمُ اتِّحَادُ الْقَصْدِ مع/ أهل السنة على (الجملة) (٣) في مَطْلَبٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الِانْتِسَابُ إِلَى الشَّرِيعَةِ، وَمِنْ أَشَدِّ مَسَائِلِ الْخِلَافِ - مَثَلًا - مَسْأَلَةُ إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ حَيْثُ نَفَاهَا مَنْ نَفَاهَا، فَإِنَّا إِذَا نَظَرْنَا إِلَى مَقَاصِدَ الْفَرِيقَيْنِ وَجَدْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَائِمًا حَوْلَ حِمَى التَّنْزِيهِ، وَنَفْيِ النَّقَائِصِ، وَسِمَاتِ الْحُدُوثِ، وَهُوَ مَطْلُوبُ الْأَدِلَّةِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الطَّرِيقِ، وَذَلِكَ لَا يُخِلُّ بِهَذَا الْقَصْدِ فِي الطَّرَفَيْنِ مَعًا، فَحَصَلَ فِي هَذَا الْخِلَافِ (الشبه) (٤) الْوَاقِعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخِلَافِ الْوَاقِعِ فِي الْفُرُوعِ (٥).\nوَأَيْضًا فَقَدْ يُعْرَضُ الدَّلِيلُ عَلَى الْمُخَالِفِ مِنْهُمْ فَيَرْجِعُ إِلَى الْوِفَاقِ لِظُهُورِهِ عِنْدَهُ، كَمَا رَجَعَ مِنَ الْحَرُورِيَّةِ/ الْخَارِجِينَ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ أَلْفَانِ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَدَمَ الرُّجُوعِ، كما تقدم في أن المبتدع ليس له توبة.\nحكى ابن عبد البر بسند يرفعه إلى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا اجتمعت (الحرورية يخرجون على علي، قال) (٦) جعل يأتيه الرجل فيقول: يا أمير المؤمنين (إن) (٧) القوم خارجون عليك، قال: (دعهم) (٨)\n_________\n(١) في (م): \"بمزاجه\". وفي (غ) و(ر): \"يزاحمه\".\n(٢) في (م): \"مطالب\".\n(٣) في (ط) و(خ): \"الجماعة\".\n(٤) في (ط): \"أشبه\".\n(٥) يرى الشاطبي أن نصوص الصفات من المتشابه، كما في هذا النص، وصرح به في كتاب الموافقات (٣ ٩٤)، وهو خلاف مذهب السلف في اعتقادهم أن نصوص الصفات من المحكم، وقد فصل هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب: الإكليل في المتشابه والتأويل وهي ضمن مجموع الفتاوى (١٣ ٢٧٠).\n(٦) في (ت): بعلي ﵁ فت الذي يريد الخوارج أن يخرجوا عليه.\n(٧) ساقط من (غ) و(ر).\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (ت): \"دعوهم\".","vol":"3","page":118},{"text":"حتى يخرجوا. فلما كان ذات (يوم) (١) قلت: يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة فلا تفتني حتى آتي القوم - قال - فدخلت عليهم وهم قائلون، فإذا هم مُسهمة (٢) / وجوههم من السهر، قد أثر السجود في جباههم، كأن أيديهم ثفن (٣) الإبل، عليهم قمص مرحَّضة (٤) فقالوا: ما جاء بك يا ابن عباس؟ وما هذه الحلة عليك؟ (قال) (٥): قلت: ما تعيبون من ذلك؟ فلقد رَأَيْتُ (رَسُولَ) (٦) اللَّهِ ﷺ (وعليه حلة) (٧) أحسن ما يكون من (الثياب اليمنية) (٨) - قال ـ/ ثم قرأت هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٩)، فقالوا: ما جاء بك؟ (قلت) (١٠): جئتكم من عند (أصحاب) (١١) رسول الله ﷺ، وليس فيكم منهم أحد، ومن عند ابن عم رسول الله ﷺ، وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله، (جئت) (١٢) لأبلغكم عنهم وأبلغهم عنكم، فقال بعضهم: لا تخاصموا قريشًا فإن الله يقول: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (١٣) فقال بعضهم: بلى (فلنكلمه) (١٤). قال: فكلمني منهم رجلان، أو ثلاثة، قال: قلت: ماذا نقمتم عليه؟ قالوا: ثلاثًا.\nفقلت: ما هن؟ قالوا: حكَّم الرجال في أمر الله وقال الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ (١٥)، قال: (قلت) (١٦): هذه واحدة، وماذا أيضًا؟ / قالوا: فإنه قاتل فلم يَسْبِ ولم يغنم، (فلئن) (١٧) كانوا مؤمنين ما حل قتالهم، (ولئن) (١٨)\n_________\n(١) ساقطة من (خ).\n(٢) أي متغير لون وجوههم. انظر: لسان العرب، مادة سهم.\n(٣) هو ما يقع على الأرض من أعضاء الإبل إذا استناخ، كالركبتين، انظر لسان العرب، مادة ثفن.\n(٤) أي مغسولة. انظر لسان العرب، مادة رحض.\n(٥) ساقط من (غ) و(ر).\n(٦) في (غ) و(ر): \"على رسول\".\n(٧) ساقطة من (م) و(غ) و(ر). وفي (ط) و(خ): \"وعليه\".\n(٨) في (م) و(خ) و(غ) و(ر): \"ثياب اليمنة\".\n(٩) سورة الأعراف: الآية (٣٢).\n(١٠) في (غ) و(ر): \"فقال\".\n(١١) ساقطة من (م).\n(١٢) في (م) و(ت): \"حيث\".\n(١٣) سورة الزخرف: الآية (٥٨).\n(١٤) في (غ) و(ر): \"فلنكلمنه\".\n(١٥) سورة يوسف: الآية (٤٠).\n(١٦) ساقطة من (ط).\n(١٧) في (ت): \"فإن\".\n(١٨) في (ت): \"وإن\".","vol":"3","page":119},{"text":"كانوا كافرين لقد حلَّ/ قتالهم (وسبيهم) (١)، قال: قلت: وماذا أيضًا؟ قالوا: ومحا نفسه من إمرة المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين قال: قلت: أرأيتم إن أتيتكم من كتاب الله وسنة رسوله بما ينقض قولكم/ هذا، أترجعون؟ قالوا: وما لنا لا نرجع؟\nقال: قلت: أما قولكم: حكم الرجال في أمر الله، فإن الله قال في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢)، وقال في المرأة وزوجها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٣) فصيَّر الله ذلك إلى حكم الرجال، فناشدتكم (الله) (٤) أتعلمون (أن) (٥) حكم الرجال في (حقن) (٦) دماء المسلمين وفي إصلاح ذات بينهم أفضل أو في (دم أرنب ثمنه) (٧) ربع درهم؟ وفي (بضع) (٨) امرأة؟ قالوا: (بل) (٩)، هذا أفضل. قال: (أخرجتم) (١٠) من هذه؟ قالوا: نعم! قال: وأما/ قولكم: قاتل (ولم يسب) (١١) ولم يغنم (أتسبون) (١٢) أمكم عائشة؟ فإن قلتم:/ نسبيها فنستحل منها ما نستحل من غيرها، فقد كفرتم، (وإن قلتم ليست بأمنا فقد كفرتم) (١٣)، فأنتم (ترددون) (١٤) بين/ ضلالتين، (أخرجتم) (١٥) من هذه؟ قالوا: بلى، (قال) (١٦): وأما قولكم: محا نفسه من إمرة المؤمنين، فأنا آتيكم بمن ترضون، إن نبي الله يوم الحديبية حين صالح أبا سفيان وسهيل بن\n_________\n(١) في (م): \"وسباهم\". وفي (غ) و(ر): \"وسباوهم\".\n(٢) سورة المائدة: الآية (٩٥).\n(٣) سورة النساء: الآية (٣٥).\n(٤) ساقطة من (م).\n(٥) ساقط من (غ) و(ر).\n(٦) زيادة من هامش (ت).\n(٧) في (م) و(خ) و(غ) و(ر): \"دم أرنب ثمن\". وفي جامع بيان العلم: حكم أرنب ثمن.\n(٨) في (م): \"بعض\".\n(٩) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"بلى\".\n(١٠) في (غ) و(ر): \"أخرجت\".\n(١١) زيادة من (ط). وفي (غ) و(ر): \"فلم يسب\".\n(١٢) في (غ) و(ر): \"أفتسبون\".\n(١٣) ما بين القوسين ساقط من (خ).\n(١٤) في (ت): \"تترددون\".\n(١٥) في (غ) و(ر): \"أخرجت\".\n(١٦) ساقط من (غ) و(ر).","vol":"3","page":120},{"text":"عمرو، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اكْتُبْ يَا عَلِيُّ هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ وَسُهَيْلُ بْنُ (عَمْرٍو: مَا) (١) نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَلَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا قَاتَلْنَاكَ.\nقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللهم إنك تعلم أني (رسولك) (٢)، (امح يا علي واكتب) (٣): هَذَا مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ/ وَأَبُو سُفْيَانَ وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو. قَالَ: فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَلْفَانِ وَبَقِيَ بَقِيَّتُهُمْ فَخَرَجُوا فَقُتِلُوا أجمعون (٤).\n_________\n(١) في (ط): \"عمرو بن ما\". وفي (م) و(خ): \"عمرو وما\". وفي (ت): \"وما\".\n(٢) في (ت) و(م): \"رسول\".\n(٣) في (م): \"يا علي اكتب\".\n(٤) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢ ١٢٦ - ١٢٨)، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٨٦٧٨) مطولًا بسند حسن، وأخرجه ابن سعد في الطبقات (٩٣) مختصرًا، وأبو داود (٤٠٣٧) مختصرًا جدًا، والنسائي في السنن الكبرى (٨٥٧٥)، والطبراني في الكبير (١٠٥٩٨)، وبرقم (١٢٨٨٤) مختصرًا جدًا، والحاكم (٢٦٥٦ و٢٦٥٧ و٧٣٦٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٦٥١٧).","vol":"3","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>فصل</span>\nصَحَّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (\"تَفَرَّقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فرقة، والنصارى مثل ذلك وتتفرق/ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً\" وَخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ هَكَذَا (١).\nوَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ) (٢): (افْتَرَقَ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى أَوِ (اثْنَتَيْنِ) (٣) وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وتفرقت النَّصَارَى عَلَى إِحْدَى أَوِ (اثْنَتَيْنِ) (٣) وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، (وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً) (٤).\n/وَفِي الترمذي تفسير هذا، لكن بِإِسْنَادٍ غَرِيبٍ عَنْ غَيْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، فقال في (حديثه) (٥): (وإن بني إسرائيل (افترقت) (٦) على ثنتين وسبعين (ملة) (٧) وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً - قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أَنَا عليه وأصحابي) (٨).\n_________\n(١) تقدم تخريجه (١ ١٢).\n(٢) ما بين () ساقط من (غ) و(ر).\n(٣) في (ت): \"اثنين\". وفي (غ) و(ر): \"ثنتين\".\n(٤) ما بين () ساقط من (غ) و(ر) والحديث سبق تخريجه (١ ١٥).\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"حديث\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"تفرقت\".\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فرقة\".\n(٨) أخرجه الترمذي برقم (٢٦٤١) وقال: هذا حديث مفسر غريب لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه. اهـ، ومدار هذه الرواية على عبد الرحمن بن زياد الأفريقي، وهو ضعيف عند الجمهور. التقريب (٣٨٦٢).","vol":"3","page":122},{"text":"وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: (وَأَنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ ستفترق على ثلاث وسبعين، ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ) (١) وَهِيَ بِمَعْنَى الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، إِلَّا أَنَّ هُنَا زِيَادَةً فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: (وإنه سيخرج (في) (٢) أمتي أقوام تجارى بهم تِلْكَ الْأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ، لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلَا مَفْصِلٌ/ إِلَّا دَخَلَهُ) (٣).\nوفي رواية عن أَبِي غَالِبٍ (٤) مَوْقُوفًا عَلَيْهِ: (إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقُوا عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تَزِيدُ عَلَيْهِمْ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ) (٥).\nوَفِي رِوَايَةٍ مَرْفُوعًا: (سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى/ بِضْعٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، أَعْظَمُهَا/ فِتْنَةً الَّذِينَ (يَقِيسُونَ) (٦) الْأُمُورَ بِرَأْيِهِمْ فَيُحِلُّونَ الْحَرَامَ وَيُحَرِّمُونَ الْحَلَالَ) (٧).\nوَهَذَا الْحَدِيثُ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ قَدَحَ فيه ابن عبد البر (٨) لأن\n_________\n(١) أخرجه أبو داود برقم (٤٥٩٧).\n(٢) في (ط): \"من\".\n(٣) أخرجه أبو داود برقم (٤٥٩٧)، والزيادة ذكرها أبو داود ملحقة بالحديث السابق، وأخرجها أحمد في المسند (٤ ١٠٢)، والطبراني في المعجم الكبير (٨٨٤)، وفي مسند الشاميين (١٠٠٥)، والحاكم في المستدرك (٤٤٣).\n(٤) في (ط) و(م) و(خ): \"ابن أبي غالب\"، وهو خطأ والصواب أبي غالب، واسمه: حزور، وهو من رواة الحديث، وثقه ابن معين والدارقطني وموسى بن هارون، وضعفه أبو حاتم والنسائي وابن حبان وقال ابن حجر: صدوق يخطئ، وقال الذهبي: صالح الحديث. انظر: الجرح والتعديل (٣ ٣١٦)، وتهذيب التهذيب (١٢ ١٩٧)، والكاشف (٣ ٣٢٢).\n(٥) تقدم تخريجه (١/ ٧٤)، وهي رواية مرفوعة وليس موقوفة لأن في نهاية الحديث قال رجل لأبي أمامة - راوي الحديث: يا أبا أمامة من رأيك أو سمعته من رسول الله ﷺ؟ قال: إني إذًا لجريء، بل سمعت من رسول الله ﷺ غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثة.\nفي (خ) و(م) و(ت): \"يقيمون\". وصححت في هامش (ت) بـ:\"يقيسون\".\n(٦) تقدم تخريجه (١ ٨٨).\n(٧) جامع بيان العلم (٢ ٨٩١) برقم (١٦٧٣) - طبعة الزهيري.","vol":"3","page":123},{"text":"ابْنَ مَعِينٍ قَالَ: إِنَّهُ حَدِيثٌ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ، (شُبّه فِيهِ) (١) عَلَى نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ (٢)، قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: إِنَّ الْحَدِيثَ قَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الثِّقَاتِ، ثُمَّ تُكُلِّمَ فِي إِسْنَادِهِ بِمَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، ثُمَّ قَالَ: (وَفِي الْجُمْلَةِ) (٣) فَإِسْنَادُهُ فِي الظَّاهِرِ جَيِّدٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ - يَعْنِي ابْنَ مَعِينٍ - قَدِ اطَّلَعَ مِنْهُ عَلَى عِلَّةٍ خَفِيَّةٍ (٤).\nوَأَغْرَبُ مِنْ (هَذَا) (٥) كُلِّهِ رِوَايَةٌ رَأَيْتُهَا فِي جَامِعِ ابْنِ وَهْبٍ: (إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ/ تَفَرَّقَتْ (إِحْدَى) (٦) وَثَمَانِينَ مِلَّةً وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ مِلَّةً، (كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً) (٧)، قَالُوا: «وَمَا هِيَ) (٨) يَا رسول الله ﷺ)؟ قال: الْجَمَاعَةُ) (٩).\nفَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، تَصَدَّى النَّظَرُ فِي الحديث في مسائل:\n(إحداها) (١٠): في حقيقة هذا/ الافتراق.\n_________\n(١) في (ت): \"بياض بمقدار كلمتين\".\n(٢) هو نعيم بن حماد بن معاوية الخزاعي المروزي، توفي سنة ٢٢٨هـ في السجن، وذلك بسبب فتنة خلق القرآن، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم في جهة الجرح والتعديل، وقد توسع المعلمي - رحمه الله تعالى - في ترجمته في التنكيل بكلام مهم (١ ٤٩٣ - ٥٠٠)، وانظر كذلك: الجرح والتعديل (٨ ٤٦٢)، وطبقات ابن سعد (٧ ٥١٩)، وتاريخ بغداد (١٣ ٣٠٦ - ٣١٤)، والسير (١٠ ٥٩٥)، وميزان الاعتدال (٤ ٢٦٧ - ٢٧٠)، وتهذيب التهذيب (١٠ ٤٥٨).\n(٣) في (غ) و(ر): \"وبالجملة\".\n(٤) هذا كلام ابن تيمية في بيان الدليل (ص٢٩٥ - ٢٩٦)، والفتاوى الكبرى (٦/ ١٤٣). وانظر كلامًا مهمًا للمعلمي في التنكيل (١/ ٤٩٦ - ٤٩٧) عن هذا الحديث، وانظر دراسة جيدة للحديث في كتاب \"ذم الكلام وأهله\" للهروي - ت الأنصاري - (٢/ ١٨٨ - ١٩٣) تعليق رقم (٥).\n(٥) في (غ) و(ر): \"ذلك\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"واحدة\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"كلها واحدة إلا ملة في النار إلا ملة واحدة؟! \".\n(٨) في (غ) و(ر): \"وأية ملّة\".\n(٩) في (م): \"وإنه ملة رسول الله ﷺ\".\n(١٠) لم أجده، في الجزء المطبوع، ولفظ الحديث مخالف للرواية المشهورة المتواترة وهي لفظ (السبعين).\n\n(١١) في (ط): \"<span data-type=\"title\" id=toc-153>المسألة الأولى</span>\".","vol":"3","page":124},{"text":"وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ افْتِرَاقًا عَلَى مَا يُعْطِيهِ مُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعَ زِيَادَةِ قَيْدٍ لَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ بِإِطْلَاقِهِ وَلَكِنْ يحتمله، كما كان لفظ الرقبة (يشعر) (١) بمطلقها ولا يُشْعِرُ بِكَوْنِهَا مُؤْمِنَةً أَوْ غَيْرَ مُؤْمِنَةٍ، لَكِنَّ اللَّفْظَ يَقْبَلُهُ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ مُطْلَقُ الافتراق، بحيث يطلق صور (هذا) (٢) الِاخْتِلَافِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ (الْمُخْتَلِفُونَ) (٣) فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ دَاخِلِينَ تَحْتَ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنَّ الْخِلَافَ (من زَمَانِ) (٤) الصَّحَابَةِ ﵃ إِلَى الْآنِ وَاقِعٌ فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ، وَأَوَّلُ مَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي زَمَانِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، ثُمَّ في سائر/ الصحابة، ثم في التَّابِعِينَ وَلَمْ يَعِبْ أَحَدٌ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَبِالصَّحَابَةِ اقتدى من بعدهم في (تسويغ) (٥) الخلاف، فكيف يمكن أَنْ يَكُونَ الِافْتِرَاقُ فِي الْمَذَاهِبِ مِمَّا يَقْتَضِيهِ (إطلاق) (٦) الْحَدِيثُ؟ وَإِنَّمَا/ يُرَادُ افْتِرَاقٌ/ مُقَيَّدٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَدِيثِ نَصٌّ عَلَيْهِ، فَفِي الْآيَاتِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (﴿وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ *مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا (٨) لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٩)، وما أشبه ذلك من/ الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى التَّفَرُّقِ الَّذِي صَارُوا بِهِ شِيَعًا، وَمَعْنَى: صَارُوا شِيَعًا؛ أَيْ جَمَاعَاتٍ بَعْضُهُمْ قَدْ فَارَقَ الْبَعْضَ، لَيْسُوا عَلَى تَآلُفٍ (وَلَا تَعَاضُدٍ وَلَا تَنَاصُرٍ) (١٠)، بَلْ عَلَى ضِدِّ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ وَاحِدٌ وَأَمْرُهُ وَاحِدٌ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ عَلَى الِائْتِلَافِ التَّامِّ لَا عَلَى الِاخْتِلَافِ.\nوَهَذِهِ الْفِرْقَةُ مُشْعِرَةٌ بِتَفَرُّقِ الْقُلُوبِ الْمُشْعِرِ بالعداوة والبغضاء، ولذلك\n_________\n(١) زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"لفظ\".\n(٣) في (م): \"المختلفين\".\n(٤) في (ت): \"مذ زمن\". وفي (غ) و(ر): \"مذ زمان\".\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"توسيع\".\n(٦) زيادة من (غ) و(ر).\n(٧) سورة الروم: الآيتان (٣١، ٣٢).\n(٨) ما بين () ساقط من (خ).\n(٩) سورة الأنعام: الآية (١٥٩)\n(١٠) في (غ) و(ر): \"ولا على تعاضد وتناصر\".","vol":"3","page":125},{"text":"قَالَ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ (١)، فبين أن (التآلف) (٢) إِنَّمَا/ يَحْصُلُ عِنْدَ الِائْتِلَافِ عَلَى التَّعَلُّقِ بِمَعْنًى واحد، وأما إذا تعلق كُلُّ شِيعَةٍ بِحَبْلٍ غَيْرِ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الْأُخْرَى فَلَا بُدَّ مِنَ التَّفَرُّقِ، وَهُوَ مَعْنَى قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٣).\nوإذا (تبين هذا تنزل) (٤) عَلَيْهِ لَفْظُ الْحَدِيثِ وَاسْتَقَامَ مَعْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ:</span>\nإِنَّ هَذِهِ الْفِرَقَ إِنْ كَانَتِ/ افترقت بسببٍ مُوقِعٍ في العداوة وَالْبَغْضَاءِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا (إِلَى أَمْرٍ) (٥) هُوَ مَعْصِيَةٌ غَيْرُ بِدْعَةٍ (وَمِثَالُهُ أَنْ يَقَعَ بين أهل الإسلام افتراق بسبب دنياوي) (٦)، كَمَا يَخْتَلِفُ/ مَثَلًا أَهْلُ قَرْيَةٍ مَعَ قَرْيَةٍ أُخْرَى بِسَبَبِ تَعَدٍّ فِي مَالٍ أَوْ دَمٍ، حتى تقع بينهم العداوة فَيَصِيرُوا حِزْبَيْنِ، أَوْ يَخْتَلِفُونَ فِي تَقْدِيمِ والٍ (أو عزل وَالٍ) (٧) أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (فَيَفْتَرِقُونَ) (٨)، وَمِثْلُ هَذَا مُحْتَمَلٌ، وَقَدْ يُشْعَرُ بِهِ (مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قِيد شبر (فمات) (٩) فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ) (١٠)، وَفِي مِثْلِ (هَذَا) (١١) جَاءَ فِي الحديث: (إذا بويع الخليفتين) (١٢) فَاقْتُلُوا الْآخَرَ مِنْهُمَا) (١٣)، وَجَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: ﴿وَإِنْ\n_________\n(١) سورة آل عمران: الآية (١٠٣).\n(٢) في (م) و(خ): \"التأليف\".\n(٣) سورة الأنعام: الآية (١٥٣).\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ): \"ثبت هذا نزل\".\n(٥) في (ت): \"لأمر\".\n(٦) ساقط من (غ) و(ر).\n(٧) زيادة من (غ) و(ر).\n(٨) في (ت) و(غ) و(ر): \"فيتفرقون\".\n(٩) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٠) أخرجه البخاري (٧٠٥٤ و٧١٤٣)، ومسلم (١٨٤٩)، وأبو داود الطيالسي في مسنده (١١٦٢)، وأحمد في مسنده (٢ ١٣٣) (٣ ٤٤٥ و٤٤٦) (٥ ١٨٠)، والدارمي (٢٥١٩)، والترمذي (٢٨٦٢)، وأبو يعلى (١٥٧١ و٧٢٠٣)، وابن خزيمة في الصحيح (١٨٩٥)، والطبراني في الكبير (٣٤٢٧)، وابن حبان في الصحيح (٦٢٣٣)، والحاكم (٤٠١ و٤٠٨ و١٥٣٤)، والقضاعي في المسند (٤٤٨ و٤٥٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٦٣٩١).\n(١١) في (غ) و(ر): \"ذلك\".\n(١٢) في (ط) و(خ) و(ت): \"الخليفتان\".\n(١٣) أخرجه مسلم (١٨٥٣)، والحاكم (٢٦٦٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٦٣٢٤).","vol":"3","page":126},{"text":"طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (١) إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ.\n/وَأَمَّا أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَمْرٍ هُوَ بِدْعَةٌ، كَمَا افْتَرَقَ الْخَوَارِجُ (مِنَ) (٢) الْأُمَّةِ (بِبِدَعِهِمُ) (٣) الَّتِي بَنَوْا عَلَيْهَا فِي الْفِرْقَةِ، وكالمهدي المغربي (٤) الخارج (على) (٥) الْأُمَّةِ نَصْرًا لِلْحَقِّ فِي زَعْمِهِ، فَابْتَدَعَ أُمُورًا سِيَاسِيَّةً وَغَيْرَهَا خَرَجَ بِهَا عَنِ السُّنَّةِ - كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ/ قَبْلُ - وَهَذَا هُوَ الَّذِي تُشِيرُ إِلَيْهِ الْآيَاتُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَالْأَحَادِيثُ، لِمُطَابَقَتِهَا لِمَعْنَى الْحَدِيثِ، وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ الْمَعْنَيَانِ مَعًا.\nفَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا أَعْلَمُ قَائِلًا بِهِ، وَإِنْ كَانَ (مُمْكِنًا فِي نَفْسِهِ) (٦) إِذْ لَمْ أَرَ أَحَدًا خص هذه (الفرقة) (٧) بِمَا إِذَا افْتَرَقَتِ الْأُمَّةُ بِسَبَبِ أَمْرٍ (دُنْيَوِيٍّ) (٨) لَا بِسَبَبِ (بِدْعَةٍ) (٩)، وَلَيْسَ ثَمَّ دَلِيلٌ يَدُلُّ على التخصيص، لأن قوله ﷺ: \"مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قِيد شِبْرٍ\" (١٠) الْحَدِيثَ، لَا يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ، وكذلك (إذا بويع (لخليفتين) فاقتلوا الآخر منهما) (١١)، وقد اختلف العلماء فِي الْمُرَادِ بِالْجَمَاعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ حَسْبَمَا يَأْتِي، فَلَمْ يَكُنْ (مِنْهُمْ قَائِلٌ) (١٢) بِأَنَّ الْفِرْقَةَ الْمُضَادَّةَ لِلْجَمَاعَةِ هِيَ فِرْقَةُ الْمَعَاصِي غَيْرُ الْبِدَعِ على الخصوص.\nوأما الثالث، وَهُوَ أَنْ يُرَادَ الْمَعْنَيَانِ مَعًا، فَذَلِكَ أَيْضًا مُمْكِنٌ، إِذِ الْفِرْقَةُ الْمُنَبَّهُ عَلَيْهَا قَدْ تَحْصُلُ بسبب (أمور دنيوية) (١٣) لَا مَدْخَلَ فِيهَا لِلْبِدَعِ وَإِنَّمَا (هِيَ) (١٤) مَعَاصٍ وَمُخَالَفَاتٌ/ كَسَائِرِ الْمَعَاصِي، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى يُرْشِدُ قول\n_________\n(١) سورة الحجرات: الآية (٩).\n(٢) في (غ) و(ر): \"عن\".\n(٣) في (م) و(خ): \"ببدعتهم\". و(غ) و(ر).\n(٤) هو محمد بن عبد الله بن تومرت المصمودي، ادعى أنه هو المهدي المنتظر، وسمى أتباعه بالموحدين. تقدمت ترجمته ١ ٣١٢.\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"عن\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"في نفسه ممكنًا\".\n(٧) زيادة من (غ) و(ر).\n(٨) في (ط) و(م) و(خ): \"دنياوي\".\n(٩) في (غ) و(ر): \"البدعة\".\n(١٠) تقدم تخريجه (٣/ ١٢٦).\n(١١) في (خ) و(غ) و(ر): \"الخليفتين\".\n(١٢) تقدم تخريجه (٣/ ١٢٦).\n(١٣) في (ت): \"قائل منهم\".\n(١٤) في (ط) و(م) و(خ): \"أمر دنياوي\". وفي (ت): \"أمر دينوي\".\n(١٥) في (ت): \"هو\".","vol":"3","page":127},{"text":"الطَّبَرِيِّ فِي تَفْسِيرِ الْجَمَاعَةِ - حَسْبَمَا يَأْتِي بِحَوْلِ اللَّهِ - وَيُعَضِّدُهُ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ: (لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي (ما أتى على بني إسرائيل إلى أن قال: حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلَانِيَةً لَكَانَ فِي أُمَّتِي) (١) مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ) (٢) فَجَعَلَ الْغَايَةَ فِي اتِّبَاعِهِمْ مَا هُوَ مَعْصِيَةٌ كما ترى.\n/وكذلك (قوله) (٣) فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ - إِلَى قَوْلِهِ: - حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ خَرِبٍ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ) (٤)، فَجَعَلَ الْغَايَةَ مَا لَيْسَ بِبِدْعَةٍ.\n/وَفِي مُعْجَمِ الْبَغَوِيِّ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ (٥) ﵁: (أَعَاذَكَ اللَّهُ يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ (مِنْ) (٦) إِمَارَةِ السُّفَهَاءِ - قَالَ: وَمَا إِمَارَةُ السُّفَهَاءِ؟ - قَالَ أُمَرَاءُ يَكُونُونَ بَعْدِي (لَا) (٧) يَهْتَدُونَ بِهَدْيِي، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، فَمَنْ صدَّقهم بِكَذِبِهِمْ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ،/ فَأُولَئِكَ لَيْسُوا مِنِّي (وَلَسْتُ) (٨) مِنْهُمْ، وَلَا يَرِدُونَ عَلَيَّ (الْحَوْضَ) (٩)، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ عَلَى كَذِبِهِمْ وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَأُولَئِكَ مني وأنا منهم، (وسيردون) (١٠) علي الحوض) (١١) الحديث.\n_________\n(١) ما بين () زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) تقدم تخريجه ص١٢٣ تعليق رقم (٣).\n(٣) زيادة من (غ) و(ر).\n(٤) تقدم تخريجه (١ ١٣).\n(٥) هو كعب بن عجرة الأنصاري السلمي ﵁، من أهل بيعة الرضوان، توفي سنة ٥٢هـ. انظر: أسد الغابة (٤ ٢٤٣)، والإصابة برقم (٧٤٢١).\n(٦) في (غ) و(ر): \"عن\".\n(٧) ساقط من (غ) و(ر).\n(٨) في (م) و(خ) و(ت): \"وأنا\"، وهو خطأ معنى ورواية، والصواب من (غ) و(ر) و(ط) و(ر) وهو الموافق لما في كتب السنة.\n(٩) في (م) و(خ) و(ت): \"الحوض الحديث\".\n(١٠) في (ط) و(خ): \"ويردون\".\n(١١) أخرجه في حديث جابر: أحمد في المسند (٣ ٣٩٩)، والترمذي برقم (٦١٤ و٢٢٥٩)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (١ ١٨٩)، والحاكم (٦٠٣٠ و٨٣٠٢)، وقال الذهبي: صحيح. وأخرجه من حديث كعب بن عجرة: عبد بن حميد في المنتخب (٣٧٠)، والنسائي في المجتبى (٤٢٠٧)، وفي السنن الكبرى (٨٦٥٨)، والطبراني في الصغير (٤٣٠ و٦٢٥)، وفي الكبير في المجلد (١٩) برقم (٢١٢ و٢٩٤=","vol":"3","page":128},{"text":"وكل من (لا يهتدي) (١) بِهَدْيِهِ وَلَا يَسْتَنُّ بسنَّته فَإِمَّا إِلَى بِدْعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ، فَلَا اخْتِصَاصَ بِأَحَدِهِمَا، غَيْرَ أَنَّ الْأَكْثَرَ فِي نَقْلِ أَرْبَابِ الْكَلَامِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الْفِرْقَةَ الْمَذْكُورَةَ إِنَّمَا هِيَ بِسَبَبِ الِابْتِدَاعِ/ فِي الشَّرْعِ عَلَى الْخُصُوصِ، وَعَلَى ذَلِكَ حُمِلَ الْحَدِيثُ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَلَمْ يعدُّوا منها المفترقين بسبب المعاصي التي ليست ببدع، وَعَلَى ذَلِكَ يَقَعُ التَّفْرِيعُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>المسألة الثالثة:</span>\nإن هذه الفرق (تحتمل) (٢) مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَنْ يَكُونُوا خَارِجِينَ عَنِ الْمِلَّةِ بِسَبَبِ مَا أَحْدَثُوا، فَهُمْ قَدْ فَارَقُوا أهل الإسلام بإطلاق، وليس ذلك إلا (إلى) (٣) الكفر، إِذْ لَيْسَ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ مَنْزِلَةٌ/ ثَالِثَةٌ تُتَصَوَّرُ.\n/وَيَدُلُّ (عَلَى) (٤) هَذَا الِاحْتِمَالِ ظَوَاهِرُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٥)، وهي آية أنزلت - عند المفسرين - في أهل البدع، ويوضحه (قراءة) (٦) من قرأ: \"إن الذين فارقوا دينهم\" (٧)، وَالْمُفَارَقَةُ لِلدِّينِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ إِنَّمَا هِيَ الْخُرُوجُ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٨) الآية، وهي عند\n_________\n=و٢٩٨ و٣٠٩ و٣١٠ و٣٤٥ و٣٥٤ و٣٦١)، وابن حبان في الصحيح (٢٨٢ و٢٨٣ و٢٨٥)، وأخرجه من حديث ابن عمر: أحمد في المسند (٢ ٩٥)، وأخرجه من حديث خباب بن الأرت: الطبراني في الكبير (٣٦٢٧)، وابن حبان (٢٨٤)، وأخرجه من حديث أبي سعيد الخدري: الطيالسي (٢٢٢٣)، وأبو يعلى (١١٨٧ و١٢٨٦)، وابن حبان (٢٨٦)، وأخرجه من حديث عبد الرحمن بن سمرة: الحاكم (٧١٦٢)، وأخرجه من حديث حذيفة بن اليمان: الطبراني في الكبير (٣٠٢٠).\n(١) في (ط) و(خ) و(ت): \"لم يهتد\".\n(٢) في (غ) و(ر): \"يحتمل\".\n(٣) زيادة من (غ) و(ر).\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) سورة الأنعام: الآية (١٥٩).\n(٦) زيادة من (غ) و(ر).\n(٧) قرأ حمزة والكسائي (فارقوا) وهي قراءة علي بن أبي طالب ﵁، وقرأ الباقون بالتشديد، وهي قراءة ابن مسعود، وقرأ النخعي بالتخفيف. انظر: جامع البيان (١٢ ٢٦٨)، والقرطبي (٧ ٩٧)، وفتح القدير (٢ ١٨٣).\n(٨) سورة آل عمران: الآية (١٠٦).","vol":"3","page":129},{"text":"الْعُلَمَاءِ مُنَزَّلَةٌ فِي أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَهُمْ أَهْلُ البدع (١)، وهذا كالنص (في الكفر) (٢)، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.\nوَأَمَّا الْحَدِيثُ فقوله ﷺ: \"لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بعض\" (٣)، وهذا نص (أيضًا) (٤) في كفر من قيل ذلك فيه (٥).\n_________\n(١) اختلف المفسرون في تفسير هذه الآية على عدة أقوال:\n(أ) فقيل أنها في اليهود والنصارى؛ وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك.\n(ب) وقيل أنها نزلت في أهل البدع من هذه الأمة، وهو قول أبي هريرة.\n(ج) وقيل: أنها في المشركين عامة؛ عبد بعضهم الصنم وبعضهم الملائكة، قاله الحسن. انظر: تفسير ابن جرير (١٢ ٢٦٩ - ٢٧١)، والقرطبي (٧ ٩٧)، وزاد المسير (٣ ١٥٨ - ١٥٩).\nوقال ابن كثير: والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفًا له؛ فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق، فمن اختلف فيه وكانوا شيعًا؛ أي فرقًا، كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات، فإن الله تعالى قد برأ رسوله ﷺ مما هم فيه. انظر: ابن كثير (٢ ١٩٧).\n(٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) أخرجه البخاري (٧٠٧٧، ٦٨٦٨، ٦١٦٦، ٤٤٠٣)، ومسلم (٦٦)، والطيالسي (٦٦٤ و٨٥٩)، وأحمد (١ ٤٠٢) و(٢ ٨٥ و٨٧ و١٠٤) و(٤ ٣٥١ و٣٥٨ و٣٦٣ و٣٦٦) و(٥ ٤٤ و٤٥)، والدارمي في السنن (١٩٢١)، وابن ماجه (٣٩٤٣)، والترمذي (٢١٩٣)، وأبو داود برقم (٤٦٨٦)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٥٦٧)، والنسائي في المجتبى (٤١٢٥ - ٤١٣٢)، وفي السنن الكبرى (٣٥٩٠ - ٣٥٩٧) و(٥٨٨٢)، وأبو يعلى (١٤٥٢ و٣٩٤٦ و٥٣٢٦ و٥٥٩٢ و٦٨٣٢ و٧٣٦٦ و٧٤٩٠)، والطبراني في الصغير (٤٢٨) وفي الكبير (٢٢٧٧ و٢٤٠٢ و٧٤١٤ و٧٦١٩ و١٠٣٠١ و١٣١٢١ و١٣٥٣٤٠) وفي مسند الشاميين (٥٤٦)، وابن حبان (١٨٧ و٥٩٤٠) والبيهقي في السنن الكبرى (٩٣٩٧ و١٦٥٦٨).\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) الكفر هنا مفسرًا بقوله: يضرب بعضكم رقاب بعض. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وروى مسلم في صحيحه ... عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"اثنتان في الناس هما بهم كفر؛ الطعن في النسب، والنياحة على الميت)، فقوله: (هما بهم كفر) أي هاتان الخصلتان هما كفر قائم بالناس فنفس الخصلتين كفر، حيث كانتا في أعمال الكفار، وهما قائمتان بالناس، لكن ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر=","vol":"3","page":130},{"text":"وفسره الحسن بما تقدم (١) في قوله: (يصبح مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَاَفِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَاَفِرًا) (٢) الْحَدِيثَ، وَقَوْلِهِ ﵊ فِي الْخَوَارِجِ: (دَعْهُ/ فَإِنَّ لَهُ (أَصْحَابًا) (٣) يُحَقِّرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرأون الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنِ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرميَّة، يَنْظُرُ إِلَى نَصْلِهِ (٤) فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى رِصَافِهِ (٤) فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى نَضِيِّهِ (٤) فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ - وَهُوَ القِدْح (٤) - ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى قُذَذِهِ (٤) فَلَا يوجد فيه\n_________\n=يصير كافرًا الكفر المطلق؛ حتى تقوم به حقيقة الكفر، كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير مؤمنًا حتى يقوم به أصل الإيمان، وفرق بين الكفر المعرّف باللام، كما في قوله ﷺ: \"ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة)، وبين كفر منكر في الإثبات.\nوفرق أيضًا بين معنى الاسم المطلق إذا قيل: كافر أو مؤمن، وبين المعنى المطلق للاسم في جميع موارده، كما في قوله: (لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بعض)، فقوله: (يضرب بعضكم رقاب بعض) تفسير الكفار في هذا الموضع، وهؤلاء يسمون كفارًا تسمية مقيدة، ولا يدخلون في الاسم المطلق إذا قيل كافر ومؤمن. انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (١ ٢٠٧ - ٢٠٩). وقد ذكر ابن حجر في تفسير لفظة كفار في هذا الحديث عشرة أقوال. انظر: فتح الباري (١٢ ٢٠١ - ٢٠٢) (١٣ ٣٠)، وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم (٢ ٥٥)، وشرح السنة للبغوي (١٠ ٢٢١ - ٢٢٢).\n(١) انظر: الاعتصام - طبعة رشيد رضا - (٢ ٧٦).\n(٢) أخرجه مسلم (١١٨)، وأبو داود الطيالسي (٨٠٣)، وأحمد (٢ ٣٠٣ و٣٧٢ و٣٩٠ و٥٢٣) و(٤ ٢٧٢ و٤١٦)، والدارمي (٣٣٨)، وابن ماجه (٢٩٥٤ و٣٩٦١)، والترمذي (٢١٩٥ و٢١٩٧)، وأبو داود (٤٢٥٩ و٤٢٦٢)، وأبو يعلى (١٥٢٣ و٤٢٦٠)، والطبراني في الكبير (١٧٢٤ و٧٩١٠ و٨١٣٥ و١١٠٧٥) و(١٧ ٣٥٢ برقم ٧٠٣)، وفي مسند الشاميين (١٢٣٦)، وابن حبان (٥٩٦٢ و٦٧٠٤)، والحاكم (٦٢٣٤ و٦٢٦٣ و٨٣٥٤ و٨٣٥٥ و٨٣٦٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٦٥٧٧).\n(٣) في (م): \"أصحاب\".\n(٤) النصل: حديدة السهم. والرصاف: عقب يلوى على موضع الفوق، وعلى مدخل النصل من السهم. والنضي: ما بين النصل والريش من القِدْح. والقدح بكسر القاف وسكون الدال. والقذذ: الريش يراش به السهم. انظر: فتح الباري (٦ ٧١٥) وشرح السنة (١٠/ ٢٢٦).\nواختلف أهل العلم في قوله ﷺ: \"يمرقون من الدين\" هل المقصود به الخروج من=","vol":"3","page":131},{"text":"شيء (سبق) (١) الفرث والدم) (٢)، فانظر إلى قوله: (سبق) (٣) الْفَرْثِ وَالدَّمِ. فَهُوَ الشَّاهِدُ/ عَلَى أَنَّهُمْ دَخَلُوا في الإسلام (فلم) (٤) يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِنْهُ شَيْءٌ.\nوَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ﵁: «سَيَكُونُ) (٥) بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَلَاقِيمَهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرميَّة ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ) (٦)، إِلَى/ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ (التي ظاهرها الخروج من الإسلام جملة. ولا (تقولن) (٧) (إن) (٨) هذه الْأَحَادِيثِ) (٩) إِنَّمَا هِيَ (فِي) (١٠) قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ/ فَلَا حُجَّةَ فِيهَا عَلَى غَيْرِهِمْ، لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ (اسْتَدَلُّوا/ بِهَا) (١١) عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، كَمَا اسْتَدَلُّوا بِالْآيَاتِ.\nوَأَيْضًا فَالْآيَاتُ إِنْ دَلَّتْ بِصِيَغِ عُمُومِهَا فَالْأَحَادِيثُ تَدُلُّ بِمَعَانِيهَا لِاجْتِمَاعِ الْجَمِيعِ فِي الْعِلَّةِ.\nفَإِنْ قِيلَ: الْحُكْمُ بِالْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ رَاجِعٌ إِلَى (أحكام) (١٢) الْآخِرَةِ، وَالْقِيَاسُ لَا يَجْرِي فِيهَا. فَالْجَوَابُ: إِنَّ كَلَامَنَا فِي الْأَحْكَامِ (الدُّنْيَوِيَّةِ) (١٣) وَهَلْ (يُحكم) (١٤) لَهُمْ بِحُكْمِ الْمُرْتَدِّينَ أَمْ لَا؟ وَإِنَّمَا أَمْرُ الْآخِرَةِ لله، لقوله\n_________\n=الإسلام، أم المقصود الخروج عن طاعة الأئمة. انظر تفصيل ذلك في: فتح الباري (٦ ٧١٤ - ٧١٦) (٨ ٧١٨ - ٧١٩) (١٢ ٣٠١)، وشرح السنة للبغوي (١٠ ٢٢٤ - ٢٢٦).\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"من\".\n(٢) تقدم تخريجه (٣/ ١١٤).\n(٣) في (ط) و(خ) و(ت): \"من\".\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فلا\".\n(٥) في (غ) و(ر): \"وتكون\".\n(٦) تقدم تخريجه (٣/ ١١٤).\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"يقولن\".\n(٨) زيادة من (غ) و(ر).\n(٩) ما بين القوسين زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(١٠) ما بين القوسين ساقط من (ط).\n(١١) في (ت) و(غ) و(ر): \"بها استدلوا\".\n(١٢) في (م): \"أحدكم\". وفي (ط) و(خ) و(ت): \"حكم\".\n(١٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الدنياوية\".\n(١٤) في (غ) و(ر): \"تحكم\".","vol":"3","page":132},{"text":"تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ *﴾ (١).\nويحتمل (ألا) (٢) يَكُونُوا خَارِجِينَ عَنِ الْإِسْلَامِ جُمْلَةً، وَإِنْ كَانُوا قَدْ خَرَجُوا عَنْ جُمْلَةٍ مِنْ شَرَائِعِهِ وَأُصُولِهِ.\nوَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ فِيمَا قَبْلَ هَذَا الْفَصْلِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الْإِعَادَةِ، وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا ثَالِثًا، وَهُوَ أَنْ (يَكُونَ مِنْهُمْ من) (٣) فارق الإسلام (لكون) (٤) مقالته (كفرًا) (٥) (أو) (٦) تؤدي معنى الكفر (الصراح) (٧)، وَمِنْهُمْ مَنْ (لَمْ) (٨) يُفَارِقْهُ، بَلِ انْسَحَبَ عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ وَإِنْ عَظُمَ مَقَالُهُ وَشُنِّعَ مَذْهَبُهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ بِهِ مَبْلَغَ الْخُرُوجِ إِلَى الْكُفْرِ الْمَحْضِ وَالتَّبْدِيلِ/ الصَّرِيحِ.\nوَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الدَّلِيلُ بِحَسْبِ كُلِّ نَازِلَةٍ، وَبِحَسْبِ كُلِّ بِدْعَةٍ، إِذْ لَا (شَكَّ) (٩) فِي أَنَّ الْبِدَعَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا مَا هُوَ كُفْرٌ كَاتِّخَاذِ الْأَصْنَامِ لِتُقَرِّبَهُمْ إِلَى/ اللَّهِ زُلْفَى، وَمِنْهَا مَا لَيْسَ بِكُفْرٍ كَالْقَوْلِ بِالْجِهَةِ (١٠) عِنْدَ جَمَاعَةٍ، وَإِنْكَارِ (الإجماع وإنكار) (١١) القياس (١٢) / وما أشبه ذلك.\n_________\n(١) سورة الأنعام: الآية (١٥٩).\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (م) و(خ) و(ت)، وفي (ط): \"أن ألا\".\n(٣) في (ط) و(خ) و(ت): \"يكونوا هم ممن\". وفي (م): \"يكونوا هم من\".\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"لكن\".\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"كفر\".\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"و\".\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الصريح\".\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"لا\".\n(٩) في (غ) و(ر): \"يشك\".\n(١٠) لفظ الجهة من الألفاظ المجملة، فيقال لمن قال: إن الله في جهة، أتريد بذلك أن الله ﷿ فوق العالم، أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات. فإن أراد الأول فهو حق، وإن أراد الثاني فهو باطل. انظر: التدمرية (ص٦٥ - ٦٧).\n(١١) ساقط من (غ) و(ر).\n(١٢) الذين أنكروا الإجماع هم: الشيعة والخوارج والنظَّام من المعتزلة. انظر: نشر البنود=","vol":"3","page":133},{"text":"ولقد فصل بعض (متأخري الأصوليين) (١) فِي التَّكْفِيرِ تَفْصِيلًا فِي هَذِهِ الْفِرَقِ، فَقَالَ: مَا كَانَ مِنَ الْبِدَعِ رَاجِعًا إِلَى اعْتِقَادِ وجود إله مع الله، كقول السبائية (٢) في علي ﵁: إنه (الإله) (٣)، أو (حلول) (٤) الْإِلَهِ فِي بَعْضِ أَشْخَاصِ النَّاسِ كَقَوْلِ (الْجَنَاحِيَّةِ) (٥): إن (الإله ﵎) (٦) لَهُ رُوحٌ يَحُلُّ فِي بَعْضِ بَنِي آدَمَ وَيَتَوَارَثُ، أَوْ (إِنْكَارِ رِسَالَةِ) (٧) /مُحَمَّدٍ ﷺ كَقَوْلِ الْغُرَابِيَّةِ (٨): إِنَّ جِبْرِيلَ غَلِطَ فِي الرِّسَالَةِ فَأَدَّاهَا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وعلي\n_________\n=لعبد الله الشنقيطي (٢ ١٠١ - ١٠٢)، ومذكرة أصول الفقه للشنقيطي (ص١٥١).\nوأما إنكار القياس، فأول من أنكره إبراهيم بن سيار النظام المعتزلي، وتبعه على ذلك جعفر بن حرب، وجعفر بن مبشر، ومحمد بن عبد الله الإسكافي، وأنكره كذلك ابن حزم الظاهري، وأما داود الظاهري فهو لا ينكر القياس الجلي، وإنما ينكر القياس الخفي، انظر: جامع بيان العلم (٢ ٧٧ - ٧٨)، ورسالة: الإمام داود الظاهري وأثره في الفقه الإسلامي. لعارف أبو عيد (ص١٣٩ - ١٤١).\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"المتأخرين\".\n(٢) في (م) و(خ): \"الينانية\". وفي (ت): \"الإمامية\". والسبئية هم: أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي غلا في علي ﵁، وادعى أن عليًا كان نبيًا ثم زعم أنه إله، وقال له: أنت أنت. يعني أنت الإله. وزعم أن عليًا لم يمت وأنه يجيء في السحاب والرعد صوته، والبرق تبسمه، وأنه سيرجع إلى الأرض فيملؤها عدلًا كما ملئت جورًا. وهم أول فرقة قالت بالغيبة والرجعة، وبتناسخ الجزء الإلهي في الأئمة بعد علي ﵁. انظر: الفرق بين الفرق (ص٢٣٣)، ومقالات الإسلاميين (ص١٥)، والملل والنحل (١ ١٧٤).\n(٣) في (ط) و(خ): \"إله\".\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"خلق\".\n(٥) في (م) و(خ) و(ت): \"الحماحمة\". والصواب الجناحية: وهم أصحاب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين، من غلاة فرق الشيعة، يزعمون أن عبد الله بن معاوية كان يدعي أن العلم ينبت في قلبه كما تنبت الكمأة والعشب، وقالوا بالتناسخ، وهم يكفرون بالقيامة، ويستحلون المحارم. انظر: مقالات الإسلاميين (ص٦)، والفرق بين الفرق (ص٢٣٥ - ٢٣٦).\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الله تعالى\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"إنكارًا لرسالة\".\n(٨) الغرابية: هم القائلون بأن محمدًا ﷺ أشبه الناس بعلي من الغراب بالغراب، وهذه سبب تسميتهم بالغرابية، وأن جبريل بعث بالرسالة إلى علي فأخطأ بها إلى محمد ﷺ، ثم افترقت عدة فرق بعد ذلك. انظر: البرهان للسكسكي (ص٧١ - ٧٢).","vol":"3","page":134},{"text":"كان صاحبها، أو استباحة (شيء من) (١) الْمُحَرَّمَاتِ وَإِسْقَاطِ الْوَاجِبَاتِ، وَإِنْكَارِ مَا جَاءَ بِهِ الرسول كأكثر الغلاة من/ الشيعة (٢)، (فمما) (٣) لَا يَخْتَلِفُ الْمُسْلِمُونَ فِي التَّكْفِيرِ بِهِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْمَقَالَاتِ فَلَا يَبْعَدُ أَنْ يكون معتقدها (مبتدعًا) / غَيْرَ كَافِرٍ.\nوَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ لَا حَاجَةَ إِلَى إِيرَادِهَا، وَلَكِنَّ الَّذِي كُنَّا نَسْمَعُهُ مِنَ الشُّيُوخِ أَنَّ (مَذْهَبَ) (٤) الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ: أَنَّ الْكُفْرَ بِالْمَآلِ لَيْسَ بِكُفْرٍ فِي الْحَالِ (٥). كَيْفَ (وَالْكَافِرُ) (٦) يُنْكِرُ ذَلِكَ الْمَآلَ أشد الإنكار ويرمي مخالفه به، (فلو) (٧) تَبَيَّنَ لَهُ وَجْهُ (لُزُومِ) (٨) الْكُفْرِ مِنْ مَقَالَتِهِ لَمْ يَقُلْ بِهَا عَلَى حَالٍ.\n/وَإِذَا تَقَرَّرَ نَقْلُ الْخِلَافِ فَلْنَرْجِعْ إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْحَدِيثُ الذي نحن (بصدد شرحه) (٩) مِنْ هَذِهِ (الْمَقَالَاتِ) (١٠).\nأَمَّا مَا صَحَّ مِنْهُ فلا دليل (فيه) (١١) عَلَى شَيْءٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا تَعْدِيدُ الفرق خاصة. وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ مَنْ قَالَ فِي حَدِيثِهِ: (كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً) (١٢)، فَإِنَّمَا يَقْتَضِي إِنْفَاذَ الْوَعِيدِ ظَاهِرًا، وَيَبْقَى الْخُلُودُ وَعَدَمُهُ مَسْكُوتًا\n_________\n(١) زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) غلاة الشيعة: هم الذين غلوا في حق أئمتهم حتى أخرجوهم من حدود الخليقية، وحكموا فيهم بأحكام الإلهية، وأخذوا شبههم من اليهود والنصارى والتناسخية والحلولية، وبدع الفرق الغالية تنحصر في أربع: التشبيه، والبداء، والرجعة، والتناسخ. وعدها الشهرستاني أحد عشر فرقة، أشهرها: السبئية، والمغيرية، والمنصورية والخطابية، والنعمانية. انظر: الملل والنحل (١ ١٧٣ - ١٩٠)، والفرق بين الفرق (٥٣ - ٧١)، ودراسات عن الفرق للدكتور أحمد جلي (ص١٦٣ - ١٧٧).\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"مما\".\n(٤) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٥) في (غ) و(ر): \"مذاهب\".\n(٦) انظر حاشية رقم (٤) (ص١١٥).\n(٧) في (م): \"والكفر\"، و(غ) و(ر): \"المكفر\".\n(٨) زيادة من (م) و(خ) و(غ) و(ر).\n(٩) ما بين القوسين ساقط من (ت).\n(١٠) في (ط) و(خ): \"بصدده\".\n(١١) في (غ) و(ر): \"المقالات الثلاث\".\n(١٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٣) تقدم تخريجه (٣/ ١٢٢).","vol":"3","page":135},{"text":"عَنْهُ، فَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا أَرَدْنَا، إِذِ الْوَعِيدُ بِالنَّارِ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِعُصَاةِ الْمُؤْمِنِينَ (كَمَا) (١) يَتَعَلَّقُ بِالْكُفَّارِ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَإِنْ تباينا في التخليد وعدمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ:</span>\nإِنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ الْمَذْكُورَةَ آنِفًا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْفِرَقَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْحَدِيثِ هِيَ الْمُبْتَدِعَةُ فِي قَوَاعِدِ الْعَقَائِدِ عَلَى الْخُصُوصِ، كَالْجَبْرِيَّةِ (٢) وَالْقَدَرِيَّةِ (٣) وَالْمُرْجِئَةِ (٤) وَغَيْرِهَا وَهُوَ مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ، فَإِنَّ إِشَارَةَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْخُصُوصِ، وَهُوَ رَأْيُ الطَّرْطُوشِيِّ (٥)، أَفَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ (٦)، و(ما) في قوله تعالى: ﴿مَا تَشَابَهَ﴾، لَا تُعْطِي/ خُصُوصًا فِي اتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهِ لَا فِي قَوَاعِدِ الْعَقَائِدِ، وَلَا فِي (غَيْرِهَا) (٧)، بَلِ الصِّيغَةُ تَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ، فَالتَّخْصِيصُ تحكُّم.\nوَكَذَلِكَ قوله/ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٨)، فجعل ذلك (التفرق) (٩) فِي الدِّينِ وَلَفْظُ الدِّينِ، يَشْمَلُ الْعَقَائِدَ وَغَيْرَهَا، وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١٠)، فالصراط المستقيم هو الشريعة على العموم، (وبيانه) (١١) مَا تَقَدَّمَ فِي السُّورَةِ مِنْ تَحْرِيمِ مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَتَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَغَيْرِهِ، وَإِيجَابِ الزَّكَاةِ/ كُلُّ ذَلِكَ عَلَى أبدع نظم وأحسن سياق.\n_________\n(١) في (م): \"بما\".\n(٢) الجبرية: انظر ملحق الفرق رقم (٨٨).\n(٣) تقدم تعريفهم (ص١/ ١٤).\n(٤) المرجئة: انظر ملحق الفرق رقم (٧٨).\n(٥) ذكر الطرطوشي رأيه هذا في أكثر من موضعٍ في كتابه الحوادث والبدع، حيث ذكر كثيرًا من البدع العملية، والتي لا تختص بالعقائد.\n(٦) سورة آل عمران: الآية (٧).\n(٧) في (غ) و(ر): \"غيره\".\n(٨) سورة الأنعام: الآية (١٥٩).\n(٩) في (ط) و(خ) و(غ) و(ر): \"التفريق\".\n(١٠) سورة الأنعام: الآية (١٥٣).\n(١١) في (ط) و(م) و(خ): \"وشبه\". وفي (غ) و(ر): \"وبينة\".","vol":"3","page":136},{"text":"/ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (١)، فَذَكَرَ (أَشْيَاءَ مِنَ) (٢) الْقَوَاعِدِ وَغَيْرِهَا، فَابْتَدَأَ بِالنَّهْيِ عن الإشراك، ثُمَّ الْأَمْرِ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، ثُمَّ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الْأَوْلَادِ، ثُمَّ عَنِ الْفَوَاحِشِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، ثُمَّ عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ بِإِطْلَاقٍ، ثُمَّ عَنْ أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، ثُمَّ الْأَمْرِ بِتَوْفِيَةِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، ثُمَّ الْعَدْلِ فِي الْقَوْلِ، ثُمَّ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ.\nثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ (بِقَوْلِهِ) (٣): ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا/ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٤)، فَأَشَارَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ/ وَقَوَاعِدِهَا الضَّرُورِيَّةِ، وَلَمْ يَخُصَّ ذَلِكَ بِالْعَقَائِدِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ إِشَارَةَ الْحَدِيثِ لَا تَخْتَصُّ بِهَا دُونَ غَيْرِهَا.\nوَفِي حَدِيثِ الْخَوَارِجِ مَا يَدُلُّ (عَلَيْهِ) (٥) أَيْضًا فَإِنَّهُ ذَمَّهُمْ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَعْمَالَهُمْ، وَقَالَ فِي جُمْلَةِ مَا ذَمَّهُمْ به: (يقرأون الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ) (٦)، فَذَمَّهُمْ بِتَرْكِ التَّدَبُّرِ وَالْأَخْذِ بِظَوَاهِرِ الْمُتَشَابِهَاتِ، كَمَا قَالُوا: حكَّم (الرِّجَالَ) (٧) فِي دِينِ اللَّهِ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ (٨).\nوقال أيضًا: (يقتلون أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ)، فَذَمَّهُمْ بِعَكْسِ مَا عَلَيْهِ الشَّرْعُ، لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ جَاءَتْ بِقَتْلِ الْكُفَّارِ وَالْكَفِّ عَنِ الْمُسْلِمِينَ/ وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِالْعَقَائِدِ.\nفَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى العموم لا على الخصوص، (وجاء) (٩) فِيمَا رَوَاهُ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: (أَعْظَمُهَا فِتْنَةً الَّذِينَ (يَقِيسُونَ) (١٠) الْأُمُورَ بِرَأْيِهِمْ فَيُحِلُّونَ الْحَرَامَ وَيُحَرِّمُونَ الْحَلَالَ) (١١)، وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ ذَلِكَ الْعَدَدَ لَا يَخْتَصُّ بِمَا قَالُوا من العقائد.\n_________\n(١) سورة الأنعام: الآية (١٥١).\n(٢) في (غ) و(ر): \"أشياء جملة من\".\n(٣) ساقط من (م).\n(٤) سورة الأنعام: الآية (١٥٣).\n(٥) ساقط من (غ) و(ر).\n(٦) تقدم تخريجه (٣/ ١١٤).\n(٧) ساقط من (م) و(خ) و(غ) و(ر).\n(٨) سورة يوسف: الآية (٤٠).\n(٩) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٠) في (م) و(خ): \"ينسبون\".\n(١١) تقدم تخريجه (٣/ ١٢٣).","vol":"3","page":137},{"text":"وَاسْتَدَلَّ الطَّرْطُوشِيُّ عَلَى أَنَّ الْبِدَعَ لَا تَخْتَصُّ بالعقائد بما جاء عن الصحابة والتابعين وسائر الْعُلَمَاءُ مِنْ تَسْمِيَتِهِمُ الْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ بِدَعًا إِذَا خَالَفَتِ الشَّرِيعَةَ،/ ثُمَّ أَتَى بِآثَارٍ كَثِيرَةٍ كَالَّذِي رواه مالك عن عمه أبي/ سهيل (بن مالك) (١) عَنْ أَبِيهِ (٢) أَنَّهُ قَالَ: مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ النَّاسَ إِلَّا النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ (٣). يعني بالناس الصحابة ﵃، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَنْكَرَ أَكْثَرَ أَفْعَالِ عَصْرِهِ، وَرَآهَا مخالفة لأفعال الصحابة ﵃.\nوَكَذَلِكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ (سَأَلَهُ) (٤) رَجُلٌ فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا هَلْ/ يُنْكِرُ شَيْئًا مِمَّا نَحْنُ عَلَيْهِ؟ فَغَضِبَ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، ثُمَّ قال: وهل (كان) (٥) يَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ؟ (٦).\nوَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ (٧) قَالَتْ: دَخَلَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مُغْضَبًا، فَقُلْتُ لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ (مِنْهُمْ مِنْ) (٨) أَمْرِ مُحَمَّدٍ إِلَّا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا (٩). وَذَكَرَ جُمْلَةً مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ فِي هَذَا الْمَعْنَى مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُخَالَفَةَ السُّنَّةِ فِي الْأَفْعَالِ قَدْ ظَهَرَتْ.\nوَفِي مُسْلِمٍ قَالَ مُجَاهِدٌ (١٠): دَخَلْتُ أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزبير (١١) المسجد\n_________\n(١) زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) أبو سهيل اسمه: نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني.\nوأما أبوه فهو: مالك بن أبي عامر الأصبحي جد الإمام مالك بن أنس، تقدمت ترجمتهما (١ ٢٣).\n(٣) تقدم تخريجه (١ ٢٣).\n(٤) في (م): \"سأل\".\n(٥) زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) ذكره الطرطوشي في الحوادث والبدع (ص١١٢).\n(٧) أم الدرداء: واسمها هجيمة، وقيل جهيمة الأوصابية الحميرية الدمشقية، تقدمت ترجمتها (١ ٢١).\n(٨) في (غ) و(ر): \"فيهم شيئًا من\".\n(٩) تقدم تخريجه (١ ٢١).\n(١٠) هو: مجاهد بن جبر مولى السائب بن أبي السائب المخزومي، تقدمت ترجمته (١ ٨٣).\n(١١) هو عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، أحد الفقهاء السبعة، ولد سنة ٢٣هـ، واختلف في وفاته فقيل سنة ٩٣، وقيل ٩٤، وقيل ٩٥هـ. انظر: طبقات ابن سعد (٥ ١٧٨)، والحلية (٢ ١٧٦)، والسير (٤ ٤٢١)، وتهذيب التهذيب (٧ ١٨٠)، وغير ذلك.","vol":"3","page":138},{"text":"فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ (مُسْتَنِدٌ) (١) إِلَى حجرة عائشة ﵂، وَإِذَا (نَاسٌ) (٢) فِي الْمَسْجِدِ يُصَلُّونَ الضُّحَى، فَقُلْنَا: مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ؟ فَقَالَ: بِدْعَةٌ (٣).\nقَالَ الطَّرْطُوشِيُّ: (محمله عندنا) (٤) على أحد وجهين: إما (إنهم) (٥) (كانوا) (٦) يُصَلُّونَهَا جَمَاعَةً، (وَإِمَّا أَفْذَاذًا) (٧) عَلَى هَيْئَةِ النَّوَافِلِ فِي أَعْقَابِ الْفَرَائِضِ (٨).\nوَذَكَرَ أَشْيَاءَ مِنَ الْبِدَعِ القولية (والفعلية) (٩) مِمَّا نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى/ أَنَّهَا بِدَعٌ، فصحَّ أَنَّ الْبِدَعَ لَا تَخْتَصُّ بِالْعَقَائِدِ (١٠)، وَقَدْ تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الْمُوَافَقَاتِ (١١) بِنَوْعٍ آخَرَ من التقرير.\nنَعَمْ ثَمَّ مَعْنًى آخَرُ يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ هنا، وهي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ:</span>\nوَذَلِكَ/ أَنَّ هَذِهِ الْفِرَقَ إِنَّمَا تَصِيرُ فِرَقًا بِخِلَافِهَا لِلْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ فِي مَعْنًى كُلِّيٍّ فِي الدِّينِ وَقَاعِدَةٍ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، لَا فِي جُزْئِيٍّ مِنَ الْجُزْئِيَّاتِ، إِذِ الْجُزْئِيُّ وَالْفَرْعُ الشَّاذُّ لَا يَنْشَأُ عَنْهُ مُخَالَفَةٌ يَقَعُ بِسَبَبِهَا التَّفَرُّقُ شِيَعًا، وَإِنَّمَا يَنْشَأُ التَّفَرُّقُ عِنْدَ/ وُقُوعِ الْمُخَالَفَةِ فِي الْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ، لِأَنَّ (الْكُلِّيَّاتِ) (١٢)\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"مسند\".\n(٢) في (غ) و(ر): \"الناس\".\n(٣) أخرجه البخاري (١٧٧٥، ٤٢٥٣)، ومسلم (١٢٥٥)، وأحمد في المسند (٢ ١٢٨، ١٥٥)، وإسحاق بن راهويه في مسنده (١١٨٧)، وابن خزيمة في صحيحه (٣٠٧٠)، وابن حبان في صحيحه (٣٩٤٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨٦١٨)، وبنحوه مختصرًا أخرجه ابن الجعد في مسنده (٢١٣٦)، والطبراني في الكبير (١٣٥٢٤، ١٣٥٦٣).\n(٤) في (ط): فحمله عندنا.\n(٥) في (غ) و(ر): لأنهم.\n(٦) زيادة من (م) و(غ) و(ر)، وهي كذلك في الحوادث والبدع ص١١٨.\n(٧) في كتاب الحوادث والبدع: (وإما أنهم كانوا يصلونها معًا أفرادًا).\n(٨) انظر: الحوادث والبدع (ص١١٨).\n(٩) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٠) ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن البدع نوعان: نوع في الأقوال والاعتقادات، ونوع في الأفعال والعبادات. انظر: الفتاوى (٢٠ ١٩٥) و(٢٢ ٣٠٦).\n(١١) انظر: الموافقات (٢ ٢٣٤ - ٢٣٨).\n(١٢) في (م) و(غ) و(ر): \"الكلية\".","vol":"3","page":139},{"text":"(تضم) (١) من الجزئيات غير قليل، (وشأنها) (٢) في الغالب أن لا (تختص) (٣) بِمَحَلٍّ دُونَ (مَحَلٍّ) (٤)، وَلَا بِبَابٍ دُونَ بَابٍ.\nوَاعْتُبِرَ ذَلِكَ بِمَسْأَلَةِ التَّحْسِينِ الْعَقْلِيِّ، فَإِنَّ الْمُخَالَفَةَ فيها أنشأت بين المخالفين خلافًا في (الفروع) (٥) لَا تَنْحَصِرُ، مَا بَيْنَ فُرُوعِ عَقَائِدَ وَفُرُوعِ أَعْمَالٍ.\nوَيَجْرِي مَجْرَى الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ كَثْرَةُ الْجُزْئِيَّاتِ، فَإِنَّ الْمُبْتَدِعَ إِذَا (أَكْثَرَ) (٦) مِنْ إِنْشَاءِ الْفُرُوعِ الْمُخْتَرَعَةِ عَادَ ذَلِكَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ بِالْمُعَارَضَةِ، كَمَا تَصِيرُ الْقَاعِدَةُ الْكُلِّيَّةُ مُعَارَضَةً أَيْضًا،/ وَأَمَّا الْجُزْئِيُّ فَبِخِلَافِ ذَلِكَ، بَلْ يُعَدُّ (وُقُوعُ) (٧) ذَلِكَ مِنَ الْمُبْتَدِعِ لَهُ كَالزَّلَّةِ وَالْفَلْتَةِ، وَإِنْ كَانَتْ زَلَّةُ الْعَالِمِ مِمَّا يَهْدِمُ الدِّينَ، حَيْثُ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ/ ﵁: ثلاث (يهدمن) (٨) الدين: زلة عالم، وَجِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ، وَأَئِمَّةٌ مُضِلُّونَ (٩).\nوَلَكِنْ إِذَا قَرُبَ مُوقِعُ الزَّلَّةِ لَمْ يَحْصُلْ بِسَبَبِهَا تَفَرُّقٌ فِي الْغَالِبِ/ وَلَا هَدْمٌ لِلدِّينِ، بِخِلَافِ الْكُلِّيَّاتِ.\nفَأَنْتَ تَرَى (مُوقِعُ) (١٠) اتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهَاتِ كَيْفَ هُوَ في الدين إذا كان (اتباعها) (١١) مُخِلًّا بِالْوَاضِحَاتِ - وَهِيَ أُمُّ الْكِتَابِ - وَكَذَلِكَ عَدَمُ تَفَهُّمِ الْقُرْآنِ مُوقِعٌ فِي الْإِخْلَالِ بِكُلِّيَّاتِهِ وَجُزْئِيَّاتِهِ (معًا) (١٢).\n_________\n(١) في (ت): \"بياض بمقدار كلمة\". وفي (ط) و(م) و(خ): \"نص\".\n(٢) في (ط) و(خ) و(ت): \"وشاذها\".\n(٣) في (ط) و(ت): \"يختص\".\n(٤) ساقطة من (م).\n(٥) في (غ) و(ر): \"فروع\".\n(٦) في (ر): \"كثَّر\".\n(٧) في (ت): \"بياض بمقدار كلمة\".\n(٨) في (م): \"يهدم من\". وفي (خ) و(ب): \"تهدم من\".\n(٩) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٤٧٥)، والدارمي في السنن (٢١٤)، والفريابي في صفة المنافق (٢٩ - ٣١)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٨٦٧ و١٨٦٩ و١٨٧٠)، وأبو نعيم في الحلية (٤ ١٩٦)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١ ٢٣٤)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح (١ ٨٩).\n(١٠) في (غ) و(ر): \"موضع\".\n(١١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"اتباعًا\".\n(١٢) زيادة من (غ).","vol":"3","page":140},{"text":"/وَقَدْ ثَبَتَ أَيْضًا لِلْكُفَّارِ بِدَعٌ فَرْعِيَّةٌ، وَلَكِنَّهَا فِي الضَّرُورِيَّاتِ وَمَا (قَارَبَهَا) (١)، كَجَعْلِهِمْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا، وَلِشُرَكَائِهِمْ نَصِيبًا، ثُمَّ فرَّعوا عَلَيْهِ أَنَّ مَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ، وَمَا كَانَ لِلَّهِ وَصَلَ إِلَى شُرَكَائِهِمْ، وَتَحْرِيمِهِمُ البَحيرة وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ والحامي (٢)، وَقَتْلِهِمْ أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَتَرْكِ/ الْعَدْلِ فِي الْقِصَاصِ وَالْمِيرَاثِ، وَالْحَيْفِ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الْحِيَلِ، إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا نَبَّهَ عَلَيْهِ الشَّرْعُ وَذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ، حَتَّى صَارَ التَّشْرِيعُ دَيْدَنًا لَهُمْ، وَتَغْيِيرُ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ سَهْلًا عَلَيْهِمْ، فَأَنْشَأَ ذَلِكَ أَصْلًا مُضَافًا إِلَيْهِمْ وَقَاعِدَةً رَضُوا بها، وهي التشريع المطلق (بالهوى) (٣)، ولذلك لما نبههم الله تعالى على (قيام) (٤) الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٥)، قَالَ فِيهَا: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٦)، فَطَالَبَهُمْ بِالْعِلْمِ الَّذِي شَأْنُهُ أَنْ لَا يُشَرِّعَ إِلَّا حَقًّا، وَهُوَ عِلْمُ الشَّرِيعَةِ لَا غَيْرُهُ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ (٧)، تَنْبِيهًا (لَهُمْ) (٨) عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِمَّا شَرَعَهُ فِي مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، (ثُمَّ) (٩) قَالَ:/ ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١٠)، (فثبت) (١١) أن هذه الفرق إنما افترقت (بسبب) (١٢) أمور كلية اختلفوا فيها، والله أعلم.\n_________\n(١) في (م) و(ت): \"درابها\". وفي (غ) و(ر): \"داربها\".\n(٢) البحيرة: هي التي يمنع درها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من الناس. والسائبة: هي التي يسيِّبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء. والوصيلة: الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل ثم تثني بعد بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر. والحام: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود فإذا قضى ضرابه تركوه للطواغيت، ولا يحملون عليه شيء، وسموه الحامي. انظر: تفسير ابن كثير (٢ ١٠٨).\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"لا الهوى\".\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"إقامة\".\n(٥) سورة الأنعام: الآية (١٤٤).\n(٦) سورة الأنعام: الآية (١٤٣).\n(٧) سورة الأنعام: الآية (١٤٤).\n(٨) ساقط من (غ) و(ر).\n(٩) ساقطة من (م) و(خ).\n(١٠) سورة الأنعام: الآية (١٤٤).\n(١١) في (غ) و(ر): \"فظهر\".\n(١٢) في (ط) و(خ) و(ت): \"بحسب\".","vol":"3","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ:</span>\nإِنَّا إِذَا قُلْنَا بِأَنَّ هَذِهِ الفرق (كلها) (١) كُفَّارٌ - عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِهِ - أَوْ يَنْقَسِمُونَ إِلَى كَافِرٍ وَغَيْرِهِ فَكَيْفَ يُعَدُّونَ مِنَ الْأُمَّةِ؟ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ الِافْتِرَاقَ إِنَّمَا هُوَ مَعَ كَوْنِهِمْ مِنَ الْأُمَّةِ، وَإِلَّا فَلَوْ خَرَجُوا مِنَ الْأُمَّةِ/ إِلَى الْكُفْرِ لَمْ يُعَدُّوا مِنْهَا أَلْبَتَّةَ - كَمَا تَبَيَّنَ - وَكَذَلِكَ الظَّاهِرُ فِي فِرَقِ الْيَهُودِ/ وَالنَّصَارَى، أَنَّ التَّفَرُّقَ فِيهِمْ حَاصِلٌ مَعَ كَوْنِهِمْ هُودًا وَنَصَارَى؟\nفَيُقَالُ فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ: إِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ:\nأحدهما: (أن) (٢) نَأْخُذُ الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي كَوْنِ هَذِهِ الْفِرَقِ مِنَ الْأُمَّةِ، وَمِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَمَنْ قيل بكفره منهم، فإما أن (نسلم) (٣) فيهم هذا القول فلا (نجعلهم) (٤) مِنَ الْأُمَّةِ أَصْلًا وَلَا أَنَّهُمْ/ مِمَّا يُعَدُّونَ في الفرق، وإنما نعد منهم من (لم) (٥) تُخْرِجُهُ بِدَعَتُهُ إِلَى كُفْرٍ، فَإِنْ قَالَ بِتَكْفِيرِهِمْ جميعًا، فلا (نسلم) (٦) أَنَّهُمُ (الْمُرَادُونَ) (٧) بِالْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ الْخَوَارِجِ نَصٌّ عَلَى أَنَّهُمْ مِنَ الْفِرَقِ (الدَّاخِلَةِ) (٨) فِي الْحَدِيثِ، بَلْ نَقُولُ: الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ فِرَقٌ لَا تُخْرِجُهُمْ بِدَعُهُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَلْيُبْحَثْ عَنْهُمْ.\nوَإِمَّا أَنْ (لَا نَتَّبِعَ) (٩) الْمُكَفِّرَ فِي إِطْلَاقِ الْقَوْلِ بِالتَّكْفِيرِ، وَنُفَصِّلَ الْأَمْرَ إِلَى نحو مما فصله صاحب القول الثالث (ونخرج) (١٠) مِنَ الْعَدَدِ مِنْ حَكَمْنَا بِكُفْرِهِ، وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِهِ إِلَّا مَا سَوَّاهُ مَعَ غَيْرِهِ ممن لم (يذكر) (١١) في تلك العدة.\n_________\n(١) زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) في (ط): \"أنا\".\n(٣) في (ط) و(م) و(خ): \"يسلم\".\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"يجعلهم\".\n(٥) ساقطة من (م). وفي (ط) و(خ) و(ت): \"لا\".\n(٦) في (ط) و(م) و(خ): \"يسلم\".\n(٧) في (م): \"المرودون\".\n(٨) في (غ) و(ر): \"الداخلين\".\n(٩) في (م): \"اتباع\". وفي (غ) و(ر): \"ننازع\".\n(١٠) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"ويخرج\".\n(١١) في (غ) و(ر): \"نذكر\".","vol":"3","page":142},{"text":"وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي: أَنْ نَعُدَّهُمْ مِنَ الْأُمَّةِ عَلَى (طريقة) (١) لعلها تتمشى في الموضع، وذلك أن كل فرقة (من الفرق) (٢) (تدعي) (٣) الشريعة، (وأنها) (٤) على صوبها وأنها (المتبعة لَهَا) (٥) وَتَتَمَسَّكُ بِأَدِلَّتِهَا، وَتَعْمَلُ عَلَى مَا ظَهَرَ لها من (طريقها) (٦)، و(هي) (٧) تناصب العداوة من (نسبها) (٨) إِلَى الْخُرُوجِ عَنْهَا، وَتُرْمَى بِالْجَهْلِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ مِنْ نَاقِضِهَا، لِأَنَّهَا تَدَّعِي أَنَّ مَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ دُونَ غَيْرِهِ، وَبِذَلِكَ يُخَالِفُونَ مَنْ خَرَجَ عَنِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ إِذَا نَسَبْتَهُ إِلَى الِارْتِدَادِ أقرَّ بهِ وَرَضِيَهُ ولم يسخطه، ولم يعادك (لِتِلْكَ) (٩) (النِّسْبَةِ) (١٠)، كَسَائِرِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَأَرْبَابِ النِّحَلِ الْمُخَالِفَةِ لِلْإِسْلَامِ.\nبِخِلَافِ هَؤُلَاءِ الْفِرَقِ فَإِنَّهُمْ مدَّعون// (المؤالفة) (١١) للشارع والرسوخ في اتباع شريعة محمد ﷺ، فَإِنَّمَا وَقَعَتِ الْعَدَاوَةُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ بِسَبَبِ ادِّعَاءِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ الْخُرُوجَ عَنِ السُّنَّةِ، وَلِذَلِكَ تَجِدُهُمْ مبالغين في العمل والعبادة، حتى (قال بعض الناس) (١٢): أَشَدِّ النَّاسِ عِبَادَةً مَفتون.\nوَالشَّاهِدُ لِهَذَا كُلِّهِ - مَعَ اعْتِبَارِ الْوَاقِعِ - حَدِيثُ الْخَوَارِجِ،/ فَإِنَّهُ قَالَ ﵊: \"تُحَقِّرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ/ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَأَعْمَالَكُمْ/ مَعَ أَعْمَالِهِمْ\" (١٣)،/ وَفِي رواية: (يخرج من أمتي قوم يقرأون القرآن، ليس قِرَاءَتُكُمْ مِنْ قِرَاءَتِهِمْ بِشَيْءٍ وَلَا صَلَاتُكُمْ (مِنْ) (١٤) صلاتهم بشيء، (ولا صيامكم (من) (١٥) صيامهم بشيء) (١٦)، وهذه شدة\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"طريقتهم\".\n(٢) زيادة من (غ).\n(٣) في (غ) و(ر): \"تعدى\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"أنها\".\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"المتبعة للمتبعة لها\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"طريقها\".\n(٧) ساقط من (غ) و(ر).\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"نسبتها\".\n(٩) في (غ) و(ر): \"لأجل تلك\".\n(١٠) في (خ): \"الشبه\".\n(١١) في (م) و(غ) و(ر): \"للموافقة\".\n(١٢) في (ت): \"بياض بمقدار كلمة\". وفي (ط) و(خ): \"بعض\". وفي (م): \"بعض الناس\".\n(١٣) تقدم تخريجه ص١١٤.\n(١٤) في (غ) و(ر): \"إلى\".\n(١٥) في (غ) و(ر): \"إلى\".\n(١٦) ما بين القوسين زيادة من (م) (غ) و(ر).","vol":"3","page":143},{"text":"الْمُثَابَرَةِ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ كَيْفَ يُحَكِّمُ الرِّجَالَ وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ (١)، فَفِي ظَنِّهِمْ أَنَّ الرِّجَالَ لَا يُحَكَّمُونَ بِهَذَا الدَّلِيلِ، ثُمَّ قَالَ ﵊: يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ وَهُوَ عَلَيْهِمْ لَا تجاوز (صلاتهم) (٢) تراقيهم) (٣).\nفقوله ﷺ: \"يحسبون أنه لهم\" واضح فيما قلنا، (من) (٤) إِنَّهُمْ يَطْلُبُونَ اتِّبَاعَهُ بِتِلْكَ الْأَعْمَالِ لِيَكُونُوا مِنْ أهله، وليكون حجة (لهم) (٥)، فحين (حرَّفوا) (٦) تأويله وخرجوا عن الجادة (فيه) (٧) كَانَ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ.\nوَفِي مَعْنَى ذَلِكَ من قول ابن مسعود ﵁ قَالَ: (وَسَتَجِدُونَ أَقْوَامًا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَقَدْ نَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، عَلَيْكُمْ بالعلم وإياكم (والتبدع) (٨) والتعمق، وعليكم بِالْعَتِيقِ) (٩)، فَقَوْلُهُ: يَزْعُمُونَ كَذَا، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ عَلَى الشَّرْعِ فِيمَا يَزْعُمُونَ.\nوَمِنَ الشَّوَاهِدِ أَيْضًا حديث أبي هريرة ﵁: أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْمَقْبَرَةِ فَقَالَ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ إِخْوَانَنَا - قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ/ أَلَسْنَا (إِخْوَانَكَ) (١٠)؟ / قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ، وَأَنَا\n_________\n(١) سورة يوسف: الآية (٤٠).\n(٢) في (ت): \"بياض بمقدار كلمة\".\n(٣) تقدم تخريجه (٣/ ١١٤).\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"ثم\".\n(٥) ساقط من (م).\n(٦) في (ط) و(خ): \"سرفوا\". وفي (غ) و(ر): \"تحرفوا\".\n(٧) زيادة من (م) و(خ) و(غ) و(ر).\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"والبدع\".\n(٩) أخرجه معمر بن راشد في جامعه (٢٠٤٦٥)، والدارمي في سننه (١٤٢ و١٤٣)، وابن وضاح في البدع والنهي عنها (٢٥)، وابن نصر في السنة (٨٥)، والطبراني في الكبير (٨٨٤٥)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١ ٤٣)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٣٦٣)، واللالكائي (١٠٨)، كلهم من طريق أبي قلابة عن ابن مسعود، وهو منقطع. وأخرجه البيهقي في المدخل (٣٨٨)، بسند صحيح متصل من طريق عائذ الله الخولاني عن ابن مسعود.\n(١٠) ساقطة من (م) و(خ) و(ت). وفي (غ) و(ر): \"بإخوانك\".","vol":"3","page":144},{"text":"(فرطهم) (١) عَلَى الْحَوْضِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ مِنْ أُمَّتِكَ؟ قَالَ: (أرأيت) (٢) لو كان (لرجل) (٣) خَيْلٌ غرٌّ مُحَجَّلَةٌ فِي خَيْلٍ دُهم بُهْمٍ، أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، فليذادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، أُنَادِيهِمْ: أَلَا هَلُمَّ أَلَا هَلُمَّ، فَيُقَالُ: (إِنَّهُمْ) (٤) قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: فَسُحْقًا فَسُحْقًا (٥).\nفَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ قَوْلَهُ: (فليذادَن رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي) إِلَى قَوْلِهِ: (أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ) مُشْعِرٌ بِأَنَّهُمْ مِنْ أُمَّتِهِ، وَأَنَّهُ عَرَفَهُمْ، وقد بين (أنه يعرفهم) (٦) / بِالْغُرَرِ وَالتَّحْجِيلِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ دعاهم - وقد كانوا بدَّلوا - ذو غُرَرٍ وَتَحْجِيلٍ وَذَلِكَ مِنْ خَاصِّيَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ/ فَبَانَ أَنَّهُمْ مَعُدُودُونَ مِنَ الْأُمَّةِ، وَلَوْ حُكِمَ لَهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْأُمَّةِ لَمْ يَعْرِفْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِغُرَّةٍ أَوْ تَحْجِيلٍ لِعَدَمِهِ عِنْدَهُمْ.\nوَلَا عَلَيْنَا أَقُلْنَا: إِنَّهُمْ (قد) (٧) خرجوا ببدعتهم عن الأمة أو لا، إذا أَثْبَتْنَا لَهُمْ وَصْفَ الِانْحِيَاشِ إِلَيْهَا.\nوَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «فَيُؤْخَذُ) (٨) بِقَوْمٍ مِنْكُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يا رب أصحابي. قَالَ: فَيُقَالُ: (إِنَّكَ) (٩) لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا (بَعْدَكَ) (١٠)، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إلى قوله:\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فرطكم\".\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"أرأيتم\".\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"لأحدكم\".\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فسحقًا فسحقًا فسحقًا\"، والحديث تقدم تخريجه (١ ١٢٤).\n(٦) في (ط) و(خ): \"أنهم\". وفي (ت): \"أنه عرفهم\".\n(٧) زيادة من (غ) و(ر).\n(٨) في (غ) و(ر): \"ثم يؤخذ\".\n(٩) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٠) في (م): \"بعدك إنهم\".","vol":"3","page":145},{"text":"﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١)، قَالَ: فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ منذ/ فارقتهم) (٢).\n/فإن كان المراد (بأصحابه) (٣) الأمة، فالحديث موافق لما قبله (في المعنى) (٤) (وهو) (٥): (كذلك إن شاء الله، وإن كان اللفظ يعطي أن الأصحاب هم الذين لقوه ﷺ لأجل قوله في الحديث قَبْلَهُ) (٦): (بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يأتوا بعد)، فلا بد مِنْ تَأْوِيلِهِ عَلَى أَنَّ الْأَصْحَابَ يَعْنِي بِهِمْ من آمن به فِي حَيَاتِهِ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ، وَيَصْدُقُ لَفْظُ المرتدين على أعقابهم على (المرتدين) (٧) / بَعْدَ مَوْتِهِ (أَوْ مَانِعِي) (٨) الزَّكَاةِ تَأْوِيلًا عَلَى أَنَّ أَخْذَهَا/ إِنَّمَا كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحْدَهُ، فَإِنَّ عَامَّةَ أَصْحَابِهِ (الذين) (٩) رأوه وأخذوا عنه (برءاء) (١٠) من ذلك ﵃.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: </span>فِي تَعْيِينِ (هَذِهِ) (١١) الْفِرَقِ:\nوَهِيَ مَسْأَلَةٌ - كَمَا قَالَ الطَّرْطُوشِيُّ (١٢) - طَاشَتْ فِيهَا أَحْلَامُ الْخَلْقِ، فَكَثِيرٌ مِمَّنْ تَقَدَّمَ وَتَأَخَّرَ مِنَ الْعُلَمَاءِ عيَّنوها، (لَكِنْ فِي الطَّوَائِفِ الَّتِي خَالَفَتْ فِي مَسَائِلِ الْعَقَائِدِ، فَمِنْهُمْ مَنْ عَدَّ أُصُولَهَا ثَمَانِيَةً) (١٣)، فقال: كبار الفرق الإسلامية ثمانية - المعتزلة، والشيعة، والخوارج، والمرجئة، والنجارية، والجبرية، والمشبهة، والناجية.\n/فَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَافْتَرَقُوا إِلَى عِشْرِينَ فِرْقَةً وَهُمُ: (الواصلية) (١٤)،\n_________\n(١) سورة المائدة: الآية (١١٧ - ١١٨).\n(٢) تقدم تخريجه (١ ١٢٤).\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ): \"بالصحابة\".\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) وفي (ت): \"وهو قوله\".\n(٦) ما بين () زيادة من (غ) و(ر).\n(٧) في (غ) و(ر): \"من أتوا\".\n(٨) في (غ) و(ر): \"ومنع\". وفي (م): \"أو منع\". وفي (خ): \"أو مانع\".\n(٩) زيادة من (غ) و(ر) و(ت).\n(١٠) في (ط) و(خ): \"براءة\". وفي (م): \"براء\".\n(١١) ساقط من (غ) و(ر).\n(١٢) انظر: الحوادث والبدع (ص٩٧).\n(١٣) ما بين القوسين ساقط من (ت).\n(١٤) في (غ): \"الواصلة\". وكتب فوق الكلمة في (ر): \"واصل بن عطاء الغزال، وكذلك=","vol":"3","page":146},{"text":"وَالْعَمْرِيَّةُ (١)، وَالْهُذَيْلِيَّةُ (٢)، (وَالنَّظَامِيَّةُ) (٣)، وَالْأَسْوَارِيَّةُ (٤)، وَالْإِسْكَافِيَّةُ (٥)، وَالْجَعْفَرِيَّةُ (٦) (وَالْبِشْرِيَّةُ) (٧)، والمردارية (٨)، والهشامية (٩)، والصالحية (١٠)، (والخطَّابية) (١١) (والحدثية) (١٢)، وَالْمَعْمَرِيَّةُ (١٣)، وَالثُّمَامِيَّةُ (١٤)، وَالْخَيَّاطِيَّةُ (١٥)، وَالْجَاحِظِيَّةُ (١٦)، وَالْكَعْبِيَّةُ (١٧)، والجبَّائية (١٨)، (وَالْبَهْشَمِيَّةُ) (١٩).\nوَأَمَّا الشِّيعَةُ فَانْقَسَمُوا/ أَوَّلًا ثَلَاثَ فِرَقٍ: غُلَاةٌ، وَزَيْدِيَّةٌ، وَإِمَامِيَّةٌ.\nفَالْغُلَاةُ ثَمَانَ عَشْرَةَ فِرْقَةً وَهُمْ: (السبائية) (٢٠)، وَالْكَامِلِيَّةُ (٢١)، وَالْبَيَانِيَّةُ، وَالْمُغِيرِيَّةُ (٢٢)، وَالْجَنَاحِيَّةُ (٢٣)، وَالْمَنْصُورِيَّةُ (٢٤)، وَالْخَطَّابِيَّةُ (٢٥) (وَالْغُرَابِيَّةُ) (٢٦)، والذمية (٢٧)، (والهشامية) (٢٨)، والزرارية (٢٩)،\n_________\n=كتب فوق أكثر الفرق، ولذلك سأكتب في الهامش ما كُتب في نسخة (ر) دون الإشارة إلى أنها من نسخة (ر) اكتفاءً بما ذكر هنا\"، والله الموفق.\n(١) عمرو بن عبيد.\n(٢) أبو الهذيل.\n(٣) ساقط من (غ) و(ر).\n(٤) علي الأسواري.\n(٥) أبو جعفر الإسكافي.\n(٦) جعفر بن مبشر.\n(٧) في (م) و(خ) و(ت): \"السرسية\"؟ فوقها في (ر): \"بشر بن المعتمر\".\n(٨) عيسى بن صبيح المردار.\n(٩) في (م) و(خ) و(غ) و(ر): \"والهاشمية\". وفوقها في (ر): \"أصحاب هشام بن عمر\".\n(١٠) في (م) و(خ) و(غ): \"والمصالحية\". وفوقها في (ر): \"الصالحي\".\n(١١) في (غ) و(ر): \"والحاطبية\" وفي باقي النسخ: والخطابية. ولعل الصواب: الخابطية وهي من فرق المعتزلة كما في الملل والنحل للشهرستاني (١ ٧٤).\n(١٢) في (م) و(خ) و(ت): \"والحدية\". في (ط): \"والحدبية\".\n(١٣) معمر بن عباد.\n(١٤) ثمامة بن أشرس.\n(١٥) الحسن بن خياط.\n(١٦) عمرو بن بحر الجاحظ.\n(١٧) أبو القاسم الكعبي.\n(١٨) أبو علي الجبائي.\n(١٩) في (م): \"والنهشمية\". وفي (خ) و(ت): \"والنهشية\". وفوقها في (ر): \"أبو هاشم\".\n(٢٠) في (ط): \"السرسية\"، وفي (م): \"السسه\". وفي (خ) و(ت): \"الساسة\". وفوقها في (ر): \"عبد الله بن سبأ\".\n(٢١) شعيب بن أبي كامل.\n(٢٢) المغيرة بن سعد العجلي.\n(٢٣) عبد الله بن معاوية ذي الجناحين.\n(٢٤) ابن أبي منصور العجلي.\n(٢٥) لأبي الخطاب الأسدي.\n(٢٦) في (م) و(خ) و(ت): \"والغوالية\".\n(٢٧) ذموا الرسول.\n(٢٨) في (غ): \"والهاشمية\" هشام بن الحكم.\n(٢٩) زرارة بن أعين.","vol":"3","page":147},{"text":"وَالْيُونُسِيَّةُ (١)،/ وَالشَّيْطَانِيَّةُ (٢)، وَالرِّزَامِيَّةُ، وَالْمُفَوِّضَةُ (٣)، وَالْبَدَائِيَّةُ (٤)، (وَالنُّصَيْرِيَّةُ) (٥)، وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةُ (٦) وهم: الباطنية (٧)، والقرمطية (٨)، والخرمية، والسبعية (٩)، والبابكية (١٠)، (والمحمرة) (١١).\nوَأَمَّا الزَّيْدِيَّةُ فَهُمْ ثَلَاثُ فِرَقٍ: الْجَارُودِيَّةُ (١٢)، وَالسُّلَيْمَانِيَّةُ، والبترية.\nوأما الإمامية ففرقة واحدة، فالجميع ثنتان وَأَرْبَعُونَ فِرْقَةً.\nوَأَمَّا الْخَوَارِجُ فَسَبْعُ فِرَقٍ، وَهُمُ: (المحكمة) (١٣)، والبيهسية، والأزارقة (١٤)، (والنجدات والصفرية) (١٥)، والأباضية (أربع فرق وهم) (١٦): الْحَفْصِيَّةُ (١٧)، وَالْيَزِيدِيَّةُ (١٨)، (وَالْحَارِثِيَّةُ) (١٩)، وَالْمُطِيعِيَّةُ (٢٠).\n//وَأَمَّا الْعَجَارِدَةُ فَإِحْدَى عشر فرقة وهم: الميمونية (٢١)،\n_________\n(١) يونس بن عبد الرحمن.\n(٢) شيطان الطاق.\n(٣) زعموا أن الله خلق محمدًا ثم فوّض إليه خلق الدنيا.\n(٤) أجازوا البداء.\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"النصرية\".\n(٦) إسماعيل بن جعفر.\n(٧) لدعواهم الباطن.\n(٨) أصحاب قرمط بن عبد الله بن ميمون.\n(٩) قولهم: سبعة أئمة في كل دور، أو تريد الكواكب السبعة.\n(١٠) رجل يقال له: بابك.\n(١١) في (ط) و(خ) و(ت): \"والحمدية\". وفي (م): \"والمحمدية\" وانظر ملحق الفرق (ص٣٥٦)، وفوقها في (ر): \"للباسهم الحمرة في أيام بابك\".\n(١٢) لأبي الجارود.\n(١٣) في (م) و(خ) و(غ) و(ر): \"المحكمية\". وفي (ت): \"الحفصية بل المحكمية\"، وهم الخارجون على عليّ.\n(١٤) نافع بن الأزرق.\n(١٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"والحراث والعبدية\". ولا يوجد فرق بهذا الاسم في كتب الفرق وكتب فوقها في (ر): \"نجدة بن عامر الحنفي\".\n(١٦) في (ط) و(خ) و(ت): \"وهم أربع فرق\".\n(١٧) أبو الحفص بن أبي المقدام.\n(١٨) في (ر): \"البريدية.\n(١٩) في (م) و(خ) و(ت): \"والحاربية\" وفوقها في (ر): \"أبو الحارث الإباضي\".\n(٢٠) أصحاب طاعة لا يراد بها الله.\n(٢١) رجل اسمه ميمون.","vol":"3","page":148},{"text":"وَالشُّعَيْبِيَّةُ (١)، (وَالْحَازِمِيَّةُ) (٢)، (وَالْحَمْزِيَّةُ) (٣)، وَالْمَعْلُومِيَّةُ، (وَالْمَجْهُولِيَّةُ، وَالصَّلْتِيَّةُ) (٤)، وَالثَّعْلَبِيَّةُ (٥) أَرْبَعُ فِرَقٍ وَهُمُ: الْأَخْنَسِيَّةُ، وَالْمَعْبَدِيَّةُ (٦)، وَالشَّيْبَانِيَّةُ،/ وَالْمُكْرَمِيَّةُ، (فالجميع اثنان وستون) (٧).\nوأما المرجئة فخمس (فرق) (٨) وَهُمُ: الْعُبَيْدِيَّةُ، وَالْيُونُسِيَّةُ، وَالْغَسَّانِيَّةُ،/ وَالثَّوْبَانِيَّةُ (٩)، (وَالتُّومَنِيَّةُ) (١٠).\nوَأَمَّا النَّجَّارِيَّةُ فَثَلَاثُ فِرَقٍ وَهُمُ: (الْبُرْغُوثِيَّةُ) (١١)، وَالزَّعْفَرَانِيَّةُ (١٢)، (وَالْمُسْتَدْرِكَةُ) (١٣).\nوَأَمَّا الْجَبْرِيَّةُ فَفِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَكَذَلِكَ الْمُشَبِّهَةُ.\nفَالْجَمِيعُ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ فِرْقَةً، فَإِذَا أَضِيفَتِ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ إِلَى عَدَدِ الْفِرَقِ صَارَ الْجَمِيعُ ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ فِرْقَةً.\nوَهَذَا التَّعْدِيدُ بِحَسَبِ مَا أَعْطَتْهُ الْمِنَّةُ في تكلف الْمُطَابَقَةِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، لَا عَلَى الْقَطْعِ بِأَنَّهُ الْمُرَادُ، إِذْ لَيْسَ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، وَلَا دَلَّ الْعَقْلُ أَيْضًا عَلَى انْحِصَارِ مَا (ذكروه) (١٤) فِي تِلْكَ الْعِدَّةِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ، كَمَا أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى اخْتِصَاصِ تلك البدع بالعقائد (١٥).\n_________\n(١) رجل اسمه شعيب.\n(٢) في (غ): \"الخازمية\"، بالخاء المعجمة، وانظر ملحق الفرق (ص٣٦٢).\n(٣) ساقط من (غ) وفي (ر) ذُكرت بعد الميمونية. وفوقها: رجل اسمه حمزة.\n(٤) وفي (م) و(خ) و(ت): \"والمحمولية والصليبية\"، وفوقها في (ر): \"عثمان بن أبي الصلت\".\n(٥) أصحاب ثعلبة.\n(٦) معبد.\n(٧) ساقط من (غ) و(ر).\n(٨) ما بين القوسين زيادة من (غ) و(ر).\n(٩) أبو ثوبان المرجئ.\n(١٠) في (م) و(خ) و(ت): \"والتومية\". وفي (غ): \"والتوأمية\"، وفوقها في (ر): \"أبو معاذ التومني\".\n(١١) في (م) و(خ) و(ت): \"البزغوبية؟ \".\n(١٢) رجل يقال له: الزعفراني.\n(١٣) في (م) و(خ) و(ت): \"والمستدركية\"، وفوقها في (ر): \"استدرك على الزعفراني.\n(١٤) في (ط) و(خ): \"ذكر\".\n(١٥) ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، أن أقدم من تكلم في هذه المسألة يوسف بن=","vol":"3","page":149},{"text":"وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ، وَسَائِرُ الثِّنْتَيْنِ وَالسَّبْعِينَ فِرْقَةً عَنْ هَؤُلَاءِ (تَفَرَّقُوا) (١)، وَهُمُ: الْخَوَارِجُ، وَالرَّوَافِضُ،/ وَالْقَدَرِيَّةُ، وَالْمُرْجِئَةُ (٢).\n/قَالَ يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ (٣): ثُمَّ تَشَعَّبَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ ثَمَانَ عشرة فرقة: فتلك ثنتان وَسَبْعُونَ فِرْقَةً، وَالثَّالِثَةُ وَالسَّبْعُونَ هِيَ النَّاجِيَةُ (٤).\nوَهَذَا التقدير نحو من الْأَوَّلِ، وَيَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِشْكَالِ مَا وَرَدَ عَلَى الْأَوَّلِ.\nفَشَرَحَ ذَلِكَ الشَّيْخُ (أَبُو بَكْرٍ) (٥) الطَّرْطُوشِيُّ ﵀ شَرْحًا يُقَرِّبُ الْأَمْرَ، فَقَالَ (٦): لَمْ يُرِدْ عُلَمَاؤُنَا بِهَذَا التَّقْدِيرِ أَنَّ أَصْلَ كُلِّ بِدْعَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعِ (تَفَرَّقَتْ) (٧) وَتَشَعَّبَتْ على مقتضى أصل البدع// حتى (كملت) (٨)\n_________\n=أسباط، ثم عبد الله بن المبارك، حيث قالا: أصول أهل البدع أربعة: الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة. ثم قال ﵀: ولكن الجزم بأن هذه الفرق الموصوفة في إحدى الاثنتين والسبعين لا بد له من دليل، فإن الله حرم القول بلا علم عمومًا، وحرم القول عليه بلا علم خصوصًا. انظر: الفتاوى (٣ ٣٤٦).\n(١) في هامش (ت): \"تفرعوا\".\n(٢) ذكر هذا القول عن يوسف بن أسباط، وعبد الله بن المبارك، كما تقدم في التعليق السابق.\n(٣) هو يوسف بن أسباط بن واصل الشيباني الكوفي، وثقه يحيى بن معين، وقال البخاري: كان قد دفن كتبه، فصار لا يجيء بحديثه كما ينبغي. توفي سنة ١٩٥هـ. انظر: تهذيب التهذيب (١١ ٤٠٧)، والسير (٩ ١٦٠).\n(٤) بنحوه في السنة لابن أبي عاصم (٢ ٤٦٣) برقم (٩٥٣)، والآجري في الشريعة برقم (٢٠)، والإبانة الكبرى (١ ٣٧٧)، برقم (٢٧٧)، وروي قريبًا منه عن ابن المبارك في الإبانة الكبرى (١ ٣٧٩)، برقم (٢٧٨).\n(٥) في (غ) و(ر): \"أبو الوليد\".\n(٦) انظر: الحوادث والبدع (ص٩٧ وما بعدها).\n(٧) في (ت): \"تفرعت\".\n(٨) هكذا في (م) و(غ) و(ر): \"ونسخة من الحوادث والبدع. وفي (ط) و(خ) و(ت): \"تحملت\".","vol":"3","page":150},{"text":"(تِلْكَ الْعِدَّةُ، لِأَنَّ) (١) ذَلِكَ لَعَلَّهُ (لَمْ) (٢) يَدْخُلْ فِي الْوُجُودِ إِلَى الْآنِ، قَالَ: وَإِنَّمَا أَرَادُوا أن كل بدعة (وضلالة) (٣) لَا تَكَادُ تُوجَدُ إِلَّا فِي هَذِهِ الْفِرَقِ الْأَرْبَعِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْبِدْعَةُ الثَّانِيَةُ فَرْعًا لِلْأُولَى وَلَا شُعْبَةً مِنْ شُعَبِهَا، بَلْ هِيَ بِدْعَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا لَيْسَتْ مِنَ الْأُولَى بِسَبِيلٍ.\nثم بين ذلك بالمثال بأن القدر أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْبِدَعِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُهُ فِي مَسَائِلَ مِنْ شُعَبِ الْقَدَرِ، وَفِي مَسَائِلَ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْقَدَرِ، فَجَمِيعُهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى.\nثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي فَرْعٍ مِنْ فُرُوعِ الْقَدَرِ، فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: لَا يَكُونُ فِعْلٌ بين فاعلين.\n(وقال بعضهم) (٤): يجوز فعل بين فاعلين) (٥) مَخْلُوقَيْنِ عَلَى التَّوَلُّدِ (٦). وَأَحَالَ مِثْلَهُ بَيْنَ الْقَدِيمِ وَالْمُحْدَثِ (٧).\nثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا لَا يَعُودُ إِلَى الْقَدَرِ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ، كَاخْتِلَافِهِمْ فِي الصَّلَاحِ وَالْأَصْلَحِ (٨)، فَقَالَ الْبَغْدَادِيُّونَ مِنْهُمْ: يَجِبُ عَلَى اللَّهِ\n_________\n(١) في (م) و(غ) و(ر): \"تلك العدة فإن\".\n(٢) ساقط من (غ) و(ر).\n(٣) في (ط) و(م) و(ت): \"ضلالة\".\n(٤) في الحوادث والبدع: \"وهو المردار\"، واسمه عيسى بن صبيح المردار، من تلاميذ بشر بن المعتمر، وكان يسمى راهب المعتزلة، وله فرقة من المعتزلة - من معتزلة بغداد - تسمى المردارية. انظر: الملل والنحل (١ ٤٨ - ٧٠) وطبقات المعتزلة (٧٠ - ٧١).\n(٥) ما بين القوسين زيادة من الحوادث و(غ) و(ر).\n(٦) التولد: هو أن يحصل الفعل من فاعله بتوسط فعل آخر، كحركة المفتاح بحركة اليد، وحدوث جرح بسبب الإصابة بحجر أو بسهم أطلقه إنسان. وقد اختلفوا في التولد هل فعل الإنسان أم الجماد. انظر: مذاهب الإسلاميين لبدوي (١ ١٩٢ - ١٩٧). وقول المردار في التولد ذكره عبد القاهر البغدادي في الفرق بين الفرق (ص١٦٦)، والشهرستاني في الملل والنحل (١ ٦٩).\n(٧) القديم - عند المعتزلة - يعنون به الله ﷿، والوارد في القرآن تسميته سبحانه بالأول. والمحدث هو المخلوق، فالمردار جوز وقوع فعلًا بين فاعلين مخلوقين، ومنع ذلك بين الخالق والمخلوق.\n(٨) يريد المعتزلة بالصلاح والأصلح، أنه يجب على الله - تعالى الله عن قولهم - رعاية=","vol":"3","page":151},{"text":"(تعالى) (١) (ـ تعالى الله عن قولهم ـ) (٢) فعل (الأصلح) (٣) لعباده في دينهم (ودنياهم) (٤). (قالوا: وواجب على الله تعالى) (٥) ابْتِدَاءَ الْخَلْقِ الَّذِينَ عَلِمَ أَنَّهُ يُكَلِّفُهُمْ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ إِكْمَالُ عُقُولِهِمْ وَأَقْدَارِهِمْ وَإِزَاحَةُ عِلَلِهِمْ.\nوَقَالَ (البصريون) (٦) منهم: لا يجب على الله تعالى إِكْمَالُ عُقُولِهِمْ وَلَا أَنْ يُؤْتِيَهُمْ أَسْبَابَ التَّكْلِيفِ.\n/وَقَالَ الْبَغْدَادِيُّونَ مِنْهُمْ: يَجِبُ عَلَى اللَّهِ (تَعَالَى الله عَنْ قَوْلِهِمْ) (٧) عِقَابُ الْعُصَاةِ/ إِذَا لَمْ يَتُوبُوا. وَالْمَغْفِرَةُ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ سَفَهٌ مِنَ الْغَافِرِ (٨).\n_________\n=مصالح العباد وفعلها لهم، واختلفوا في وجوب الأصلح لهم، ويقصدون بالأصلح: الأفضل في العاجلة والعاقبة. انظر تفصيل المسألة في كتاب (المعتزلة) للدكتور عواد المعتق (ص٩٧ - ص٢٠٢).\n(١) ساقط من (غ) و(ر).\n(٢) ما بين القوسين زيادة من الحوادث و(غ) و(ر).\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الصلاح\".\n(٤) زيادة من (غ) و(ر) وبعدها نص ساقط من جميع النسخ وهو في الحوادث والبدع ونصه ص٩٩: (ولا يجوز في حكمته تبقية وجه ممكن في الصلاح العاجل والآجل إلا وعليه فعل أقصى ما يقدر عليه في استصلاح عباده).\n(٥) في (ط) و(م) و(ت) و(غ) و(ر): \"ويجب عليه\".\n(٦) في (ط) و(م) و(ت) و(غ) و(ر): \"المصريون\". وفي (م): \"المضريون\". وقد نشأت المعتزلة أولًا بالبصرة ثم ظهرت معتزلة بغداد، وأشهر رؤساء معتزلة البصرة هم: عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء، ومعمر بن عباد، وأبو بكر الأصم، وأبو الهذيل العلاف، وبشر بن المعتمر - الذي أسس بعد ذلك معتزلة بغداد - والفوطي، والنظام، والشحام، وأبو علي الجبائي، والجاحظ، وأبو هاشم الجبائي، وأبو الحسن الأشعري الذي انتقل بعد ذلك من مذهب المعتزلة إلى المذهب الكلابي، ثم إلى مجمل مذهب السلف.\nوأما معتزلة بغداد فقد أسسها بشر بن المعتمر، وأشهر رؤسائهم: ثمامة بن أشرس، وأحمد بن أبي دؤاد، وأبو موسى المردار، وجعفر بن مبشر، وجعفر بن حرب، وأبو الحسين الخياط، والإسكافي، وأبو القاسم البلخي الكلبي. انظر: مذاهب الإسلاميين لبدوي (١ ٤٥ - ٤٦) بتصرف يسير.\n(٧) في (ت): \"بياض بمقدار كلمة\".\n(٨) انظر الآراء في هذه المسألة في كتاب المعتزلة للدكتور عواد المعتق (ص٢١٨).","vol":"3","page":152},{"text":"(وأبى البصريون ذلك) (١).\nوابتدع جعفر بن (مبشر) (٢) (فقال) (٣): (من) (٤) (استحضر) (٥) امْرَأَةً لِيَتَزَوَّجَهَا فَوَثَبَ عَلَيْهَا فَوَطِئَهَا بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ وَلَا رِضًى/ وَلَا عَقْدٍ حَلَّ لَهُ ذَلِكَ، وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ سَلَفُهُ.\nوَقَالَ ثمامة بن أشرس (٦): إن الله تعالى يصيِّر الكفَّار وَالْمُلْحِدِينَ وَأَطْفَالَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمَجَانِينَ ترابًا يوم القيامة لا يعذبهم ولا (يعرضهم) (٧).\nوَهَكَذَا (٨) ابْتَدَعَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ مِنْ هَذِهِ الْفِرَقِ بِدَعًا تَتَعَلَّقُ بِأَصْلِ بِدْعَتِهَا الَّتِي هِيَ مَعْرُوفَةٌ بِهَا، وَبِدَعًا لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِهَا.\nفَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرَادَ بِتَفَرُّقِ أُمَّتِهِ أُصُولَ (الْبِدَعِ) (٩) الَّتِي تَجْرِي مجرى الأجناس للأنواع، والمعاقد للفروع (فلعلهم) (١٠) - وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ - مَا (بَلَغُوا) (١١) هَذَا/ الْعَدَدَ إِلَى الْآنَ، غَيْرَ أَنَّ الزَّمَانَ بَاقٍ وَالتَّكْلِيفَ (قائم) (١٢)\n_________\n(١) في (ط) و(خ) و(ت) و(غ) و(ر): \"وأما المصريون منهم ذلك\". وفي (م): \"المضريون\".\n(٢) في (ط) و(خ) و(ت): \"بشر\". وهو جعفر بن مبشر الثقفي، من رؤساء المعتزلة، كان يضرب به المثل هو وجعفر بن حرب، فيقال: علم الجعفرين وزهدهما، انظر: طبقات المعتزلة (ص٧٦ - ٧٧).\n(٣) ساقط من سائر النسخ وفي (غ) و(ر): \"الحوادث والبدع\": من القدرية بدعة فقال.\n(٤) في (غ) و(ر): \"إن\".\n(٥) في (ط) و(م) و(خ): \"استصر\".\n(٦) هو ثمامة بن أشرس النميري البصري، وله بدع عظيمة، وفسق وفجور، وله فرقة تنسب إليه اسمها الثمامية. انظر: الفرق بين الفرق (ص١٧٢ - ١٧٥)، والسير (١٠ ٢٠٣).\n(٧) جميع النسخ: (يعرضهم). وفي \"الحوادث والبدع\": (يعوضهم). وانظر قول ثمامة في الملل والنحل (١ ٧١).\n(٨) في كتاب الحوادث والبدع للطرطوشي زيادة قبل هذه الفقرة وهي: \"وقوله هذا في الكفار والملحدين خرق لإجماع الأمة من أهل الإثبات، وأهل القدر وغيرهم\".\n(٩) في (ط) و(م) و(خ): \"بياض\".\n(١٠) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"لعلهم\".\n(١١) في (ط) و(خ): \"بلغن\".\n(١٢) في (غ) و(ر): \"باق قائم\".","vol":"3","page":153},{"text":"وَالْخَطَرَاتِ مُتَوَقَّعَةٌ، وَهَلْ قَرْنٌ أَوْ عَصْرٌ يَخْلُو إِلَّا وَتَحْدُثُ فِيهِ الْبِدَعُ؟.\nوَإِنْ كَانَ أَرَادَ/ بالفرق كُلَّ بِدْعَةٍ حَدَثَتْ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ مِمَّا لَا يُلَائِمُ أُصُولَ الْإِسْلَامِ وَلَا تَقْبَلُهَا قَوَاعِدُهُ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إِلَى التَّقْسِيمِ الَّذِي ذَكَرْنَا، كانت البدع أنواعًا لأجناس، (ولو) (١) كَانَتْ مُتَغَايِرَةَ الْأُصُولِ وَالْمَبَانِي.\nفَهَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ ﵊ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تعالى - فقد وجد من ذلك (عدَّة) (٢) (أكثر من اثنين وَسَبْعِينَ) (٣).\n/وَوَجْهُ (تَصْحِيحِ الْحَدِيثِ) (٤) عَلَى هَذَا، أَنْ (يَخْرُجَ) (٥) مِنَ الْحِسَابِ غُلَاةُ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَلَا يُعَدُّونَ مِنَ الْأُمَّةِ، وَلَا فِي أَهْلِ الْقِبْلَةِ، كَنُفَاةِ الْأَعْرَاضِ (٦) مِنَ الْقَدَرِيَّةِ لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ (إِلَى مَعْرِفَةِ حُدُوثِ) (٧) الْعَالَمِ وَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ إِلَّا بِثُبُوتِ الْأَعْرَاضِ (٨)، وَكَالْحُلُولِيَّةِ (٩) (وَالنُّصَيْرِيَّةِ) (١٠) وَأَشْبَاهِهِمْ مِنَ الْغُلَاةِ.\n_________\n(١) في (ط) و(م) و(خ) و(غ) و(ر): \"أو\".\n(٢) في سائر النسخ: ما عدا (غ) و(ر): \"عدد\".\n(٣) في (م) و(ت): \"كثير من اثنين وسبعين\". وفي (خ): \"عددًا كثير من اثنين وسبعين\".\n(٤) في (م): \"صحيح الحديث). وفي الحوادث: (تصحيح هذا الحديث). وفي نسخة أخرى توافق (ط).\n(٥) في (ط) و(خ): \"تخرج\".\n(٦) الأعراض: جمع عرض؛ وهو - عند المناطقة ـ: الموجود الذي يحتاج في وجوده إلى موضع، أي محل يقوم به، كاللون المحتاج في وجوده إلى جسم يحله، ويقوم به. وقد قسم المناطقة العرض إلى عدة أقسام، واختلفوا في سبب تسمية أحوال الأجسام أعراضًا، وهل تبقى أم لا. انظر: التعريفات للجرجاني (ص١٤٨ - ١٤٩)، ومذاهب الإسلاميين لبدوي (١ ٨٨ - ١٩١).\n(٧) في الحوادث: لحدوث.\n(٨) سلك الطرطوشي هنا مسلك المتكلمين في هذه المسألة، وقد فصَّل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بيان سبب سلوكهم لهذه الطريقة، ثم بيَّن بطلانها والرد عليها. انظر مواضع المسألة في: الفتاوى في الفهرس (٣٦ ٢٤ - ٢٥).\n(٩) الحلولية: تقدم تعريفهم (١ ٢٢٣).\n(١٠) في (م) و(خ): \"النصرية\". وانظر تعريفهم في ملحق الفرق برقم (٣٩).","vol":"3","page":154},{"text":"هَذَا مَا قَالَ الطَّرْطُوشِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ حَسَنٌ مِنَ التَّقْرِيرِ، غَيْرَ أَنَّهُ يَبْقَى لِلنَّظَرِ فِي كَلَامِهِ مَجَالَانِ:\nأَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا (اختاره) (١) من أنه ليس المراد الأجناس (وإنما) (٢) مراده (مجرد) (٣) أَعْيَانَ الْبِدَعِ وَقَدِ ارْتَضَى اعْتِبَارَ الْبِدَعِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ فَمُشْكِلٌ، لِأَنَّا إِذَا اعْتَبَرْنَا كُلَّ بِدْعَةٍ دقت أو جلت فكل من ابتدع (بدعة) (٤) كيف (ما كانت بدعته) (٥) لَزِمَ أَنْ يَكُونَ هُوَ وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَيْهَا فرقة، فلا (يقف العدد) (٦) في مائة ولا (في) (٧) مائتين، فضلًا عن (وقوفها) (٨) في اثنتين وسبعين (فرقة) (٩)، (فإن) (١٠) الْبِدَعَ - كَمَا قَالَ - لَا تَزَالُ تَحْدُثُ مَعَ مُرُورِ الْأَزْمِنَةِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.\nوَقَدْ مَرَّ مِنَ النَّقْلِ مَا يُشْعِرُ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"مَا مِنْ عَامٍ إِلَّا وَالنَّاسُ يُحْيُونَ فِيهِ/ بِدْعَةً وَيُمِيتُونَ فِيهِ سُنَّةً، حتى تحيى الْبِدَعُ وَتَمُوتَ السُّنَنُ\" (١١).\nوَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْوَاقِعِ، فإن البدع (مذ) (١٢) نشأت إلى الآن (لا) (١٣) تَزَالُ تَكْثُرُ، وَإِنْ فَرَضْنَا إِزَالَةَ/ بِدَعِ الزَّائِغِينَ فِي الْعَقَائِدِ كُلِّهَا، لَكَانَ الَّذِي يَبْقَى أَكْثَرَ مِنِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فَمَا قَالَهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - غير مخلص.\nوالثاني: أَنَّ حَاصِلَ كَلَامِهِ أَنَّ هَذِهِ الْفِرَقَ لَمْ تتعين بعد، بخلاف القول\n_________\n(١) في (ط): \"اختار\".\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فإن كان\".\n(٣) زيادة من (م) و(خ) و(غ) و(ر).\n(٤) ساقط من (م) و(خ) و(ت).\n(٥) في (ط) و(م) و(خ) و(غ) و(ر): \"كانت\".\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"تقف\".\n(٧) زيادة من (غ) و(ر).\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"وقوعها\".\n(٩) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٠) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"وأن\".\n(١١) تقدم تخريجه (١ ٣٣).\n(١٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"قد\".\n(١٣) في (ط) و(خ): \"ولا\".","vol":"3","page":155},{"text":"الْمُتَقَدِّمِ، وَهُوَ أَصَحُّ فِي النَّظَرِ، لِأَنَّ ذَلِكَ التَّعْيِينَ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وَالْعَقْلُ لَا يَقْتَضِيهِ، وأيضًا (فللمنازع) (١) أَنْ يَتَكَلَّفَ مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ الَّتِي بَيْنَ الْأَشْعَرِيَّةِ (٢) فِي قَوَاعِدِ الْعَقَائِدِ فِرَقًا يُسَمِّيهَا وَيُبَرِّئُ نَفْسَهُ وَفِرْقَتَهُ عَنْ ذَلِكَ الْمَحْظُورِ. فَالْأَوْلَى/ مَا قَالَهُ مِنْ عَدَمِ (التَّعْيِينِ) (٣)، وَإِنْ سلَّمنا (أَنَّ) (٤) الدَّلِيلَ قَامَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي (أيضًا) (٥) التَّعْيِينُ.\nأَمَّا أَوَّلًا: فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ قَدْ فَهِمْنَا مِنْهَا أَنَّهَا تُشِيرُ إِلَى/ أَوْصَافِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ لِيُحْذَرَ مِنْهَا، وَيَبْقَى الْأَمْرُ فِي تَعْيِينِ الدَّاخِلِينَ فِي مُقْتَضَى الْحَدِيثِ مُرَجَّى، وَإِنَّمَا وَرَدَ التعيين في النادر كما قال ﷺ في الخوارج (إن من ضئضئ هذا قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز حَنَاجِرَهُمْ، (يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدْعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ) (٦» (٧) الْحَدِيثَ، مَعَ أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُمْ مِمَّنْ شَمِلَهُمْ حَدِيثُ الْفِرَقِ. وَهَذَا الْفَصْلُ مَبْسُوطٌ فِي كِتَابِ الْمُوَافَقَاتِ (٨) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.\nوَأَمَّا ثَانِيًا: فَلِأَنَّ عَدَمَ التَّعْيِينِ هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُلْتَزَمَ/ لِيَكُونَ سِتْرًا عَلَى الْأُمَّةِ كَمَا سُتِرَتْ عَلَيْهِمْ قَبَائِحُهُمْ فَلَمْ يُفْضَحُوا فِي الدنيا (بها) (٩) في الغالب، وأمرنا بالستر على (المذنبين) (١٠) ما لم (يبدوا) (١١) لَنَا صَفْحَةُ الْخِلَافِ، لَيْسَ كَمَا ذَكَرَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَذْنَبَ أَحَدُهُمْ ليلًا أصبح وعلى بابه معصيته مَكْتُوبَةٌ (١٢)، وَكَذَلِكَ فِي شَأْنِ قُرْبَانِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قَرَّبُوا لِلَّهِ قُرْبَانًا فَإِنْ كَانَ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ نَزَلَتْ (نَارٌ) (١٣) مِنَ السَّمَاءِ فَأَكَلَتْهُ،\n_________\n(١) في (ط) و(خ): \"فالمنازع\". وفي (غ) و(ر): \"فللمنازع أيضًا\".\n(٢) الأشعرية: تقدم تعريفهم ١ ٣٠.\n(٣) في (غ) و(ر): \"التعليل\".\n(٤) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(غ) و(ر).\n(٥) زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) ما بين القوسين زيادة من (غ) و(ر).\n(٧) تقدم تخريجه (٣/ ١١٤).\n(٨) انظر: الموافقات (٤ ١٠٠ وما بعدها).\n(٩) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(١٠) في (ط) و(ت): \"المؤمنين\".\n(١١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"تبد\".\n(١٢) انظر الحديث في تفسير ابن جرير الطبري (٢ ٤٩١)، وذكر أحمد شاكر أنه حديث مرسل من مراسيل أبي العالية وأنه لا حجة فيه.\n(١٣) في (م): \"نارا\".","vol":"3","page":156},{"text":"وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْبُولًا لَمْ تَأْكُلْهُ النَّارُ (١)، وَفِي ذَلِكَ افْتِضَاحُ الْمُذْنِبِ. وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي الْغَنَائِمِ (٢) أَيْضًا، فَكَثِيرٌ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ خُصَّتْ (هَذِهِ) (٣) الْأُمَّةُ/ بِالسَّتْرِ فِيهَا.\nوَأَيْضًا فَلِلسَّتْرِ حِكْمَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّهَا لَوْ أُظْهِرَتْ مَعَ أَنَّ أَصْحَابَهَا مِنَ الْأُمَّةِ لَكَانَ فِي ذَلِكَ دَاعٍ إِلَى الْفُرْقَةِ وَعَدَمِ الْأُلْفَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهَا، حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ/ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ (٤)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (٥)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (٦)، وَفِي الْحَدِيثِ: (لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانًا) (٧) وأمر ﷺ بِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ فَسَادَ ذَاتِ البين هي الحالقة التي تحلق الدين (٨).\n_________\n(١) انظر: ما ذكره ابن جرير في تفسيره (٧ ٤٤٨ - ٤٥٠).\n(٢) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة، وفيه: (... ثم أحل الله لنا الغنائم، رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا) وهو برقم (٣١٢٤ و٥١٥٧)، ومسلم (١٧٤٧)، وفي صحيفة همام بن منبه (١٢٣)، وأحمد (٣ ٣١٨)، والنسائي في السنن الكبرى (٨٨٧٨)، وابن حبان (٤٨٠٧ و٤٨٠٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٢٤٨٧)، وبنحوه في مسند أحمد (٢ ٢٥٢)، بلفظ: (لم تحل الغنائم لقوم سود الرؤوس قبلكم .. الحديث)، وفي الترمذي (٣٠٨٥)، والنسائي في الكبرى (١١٢٠٩)، وابن الجارود في المنتقى (١٠٧١)، والطحاوي في معاني الآثار (٣ ٧٧)، وابن حبان (٤٨٠٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٢٤٨٨).\n(٣) ساقط من (ط).\n(٤) سورة آل عمران: الآية (١٠٣).\n(٥) سورة الأنفال: الآية (١).\n(٦) سورة آل عمران: الآية (١٠٥).\n(٧) أخرجه البخاري في الصحيح (٦٠٦٤ و٦٠٦٦ و٦٠٧٦)، وفي الأدب المفرد (٤٠٨)، ومسلم (٢٥٥٩ و٢٥٦٣ و٢٥٦٤)، وأبو داود الطيالسي (٢٠٩١)، وأحمد (٢ ٢٧٧ و٤٦٩) و(٣ ١٦٥ و٢٠٩)، والترمذي (١٩٣٥)، وأبو يعلى (٣٦١٢)، والقضاعي في مسنده (٩٣٩)، والطبراني في الصغير (٢٨٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (١١٢٧٦ و١٤٥٥٠ و١٦٩٠٦).\n(٨) أخرجه أحمد (٦ ٤٤٤)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٩١ و٤١٢)، والترمذي (٥٢٠٨ و٢٥٠٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، وأبو داود (٤٩١٩)، وعبد بن حميد في المنتخب (٣٣٥)، وابن حبان (٥٠٩٢).","vol":"3","page":157},{"text":"/فَإِذَا كَانَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَادَةِ أَنَّ التَّعْرِيفَ بِهِمْ عَلَى التَّعْيِينِ يُورِثُ الْعَدَاوَةَ (بَيْنَهُمْ) (١) وَالْفُرْقَةَ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَنْهِيًّا عَنْهُ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْبِدْعَةُ فَاحِشَةً (جِدًّا) (٢) كَبِدْعَةِ الخوارج (فلا إشكال في جواز إبدائها وتعيين أهلها، لكن كما عين رسول الله ﷺ الْخَوَارِجِ) (٣) / وَذَكَرَهُمْ بِعَلَامَتِهِمْ حَتَّى يُعْرَفُوا، وَيُلْحَقُ بِذَلِكَ مَا هُوَ مِثْلُهُ فِي الشَّنَاعَةِ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ بِحَسْبِ نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فالسكوت (عن تعيينه) (٤) أَوْلَى.\nوخرَّج أَبُو دَاوُدَ عَنْ (عَمْرِو بْنِ أَبِي قُرَّةَ) (٥) قَالَ: كَانَ حُذَيْفَةُ بِالْمَدَائِنِ/ فَكَانَ يذكر أشياء قالها رسول الله ﷺ لِأُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي الْغَضَبِ/ فَيَنْطَلِقُ نَاسٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ حُذَيْفَةَ فَيَأْتُونَ سَلْمَانَ فَيَذْكُرُونَ لَهُ قَوْلَ حُذَيْفَةَ، فَيَقُولُ سَلْمَانُ: حُذَيْفَةُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُ، فَيَرْجِعُونَ إِلَى حُذَيْفَةَ فَيَقُولُونَ (له) (٦): قد ذكرنا قولك (لسلمان) (٧) فَمَا صَدَّقَكَ وَلَا كَذَّبَكَ. فَأَتَى حُذَيْفَةُ سَلْمَانَ وَهُوَ فِي مَبْقَلَةٍ فَقَالَ: يَا سَلْمَانُ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُصَدِّقَنِي بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ: إِنَّ رسول الله ﷺ يغضب فيقول (في الغضب) (٨) لِنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَيَرْضَى فَيَقُولُ فِي الرِّضَى (لناس من أصحابه) (٩)، أَمَا تَنْتَهِي حَتَّى تُورِثَ رِجَالًا حُبَّ رِجَالٍ وَرِجَالًا بُغْضَ رِجَالٍ، وَحَتَّى تُوقِعَ اخْتِلَافًا وَفُرْقَةً؟ وَلَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خطب (الناس) (١٠) فقال: (أيما رجل (من أمتي) (١١) سَبَبْتُهُ سُبَّةً أَوْ لَعَنْتُهُ لَعْنَةً (فِي غَضَبِي\" (١٢) فإنما أنا\n_________\n(١) ساقط من (غ) و(ر).\n(٢) ساقط من (غ) و(ر).\n(٣) زيادة من (غ) و(ر).\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"عنه\".\n(٥) في (ط) و(م) و(خ): \"عمر بن أبي مرة\"، وهو خطأ، والمثبت من (غ) و(ر): وهو الصواب كما في سنن أبي داود ومسند أحمد، وهو عمرو بن أبي قرة سلمة بن معاوية بن وهب الكندي الكوفي، ثقة مخضرم. انظر: التقريب رقم (٥٠٩٧).\n(٦) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٧) في (ط): \"إلى سلمان\". والصواب لسلمان كما في (م) و(خ) و(غ) و(ر): وهو الموافق لما في سنن أبي داود.\n(٨) زيادة من (غ) و(ر).\n(٩) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٠) زيادة من (غ) و(ر).\n(١١) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٢) ساقط من (غ) و(ر).","vol":"3","page":158},{"text":"مِنْ وَلَدِ آدَمَ أَغْضَبُ/ كَمَا يَغْضَبُونَ، وَإِنَّمَا بعثني الله رحمة للعالمين فاجعلها عَلَيْهِمْ صَلَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فَوَاللَّهِ (لَتَنْتَهِيَنَّ) (١) أَوْ لأكتبن إِلَى عُمَرَ (٢).\nفَتَأَمَّلُوا مَا أَحْسَنَ هَذَا الْفِقْهَ مِنْ سَلْمَانَ ﵁، وَهُوَ جَارٍ فِي مَسْأَلَتِنَا، فَمِنْ هُنَا لَا يَنْبَغِي لِلرَّاسِخِ فِي الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ: هَؤُلَاءِ الْفِرَقُ هُمْ بَنُو فُلَانٍ وَبَنُو فُلَانٍ، وَإِنْ كَانَ يَعْرِفُهُمْ بِعَلَامَتِهِمْ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا فِي مَوْطِنَيْنِ:\nأَحَدُهُمَا: حَيْثُ/ نَبَّهَ الشَّرْعُ عَلَى تَعْيِينِهِمْ كَالْخَوَارِجِ، فإنه ظهر من استقرائه أنهم متمكنون (في الدخول) (٣) تَحْتَ حَدِيثِ الْفِرَقِ، وَيَجْرِي مَجْرَاهُمْ مَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ، فَإِنَّ أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَيْهِمْ شِيعَةُ الْمَهْدِيِّ الْمَغْرِبِيِّ، فَإِنَّهُ ظَهَرَ فِيهِمُ الْأَمْرَانِ اللَّذَانِ عَرَّفَ النَّبِيُّ ﷺ بِهِمَا (فِي) (٤) الْخَوَارِجِ مِنْ أَنَّهُمْ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، وَأَنَّهُمْ يَقْتُلُونَ (أَهْلَ) (٥) الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ، فَإِنَّهُمْ أَخَذُوا أَنْفُسَهُمْ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَإِقْرَائِهِ حتى ابتدعوا فيه ثم لم يتفقوا فيه، ولا عرفوا مقاصده، ولذلك (اطرحوا) (٦) كُتُبَ الْعُلَمَاءِ وَسَمَّوْهَا/ كُتُبَ الرَّأْيِ وَخَرَقُوهَا وَمَزَّقُوا أُدُمَهَا، مَعَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ هُمُ الَّذِينَ بَيَّنُوا فِي كُتُبِهِمْ مَعَانِيَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي، وَأَخَذُوا فِي قِتَالِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِتَأْوِيلٍ/ فَاسِدٍ، زَعَمُوا عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ مُجَسِّمُونَ وَأَنَّهُمْ غَيْرُ مُوَحِّدِينَ، وَتَرَكُوا الِانْفِرَادَ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكُفْرِ من النصارى المجاورين لَهُمْ وَغَيْرِهِمْ.\nفَقَدِ اشْتُهِرَ فِي الْأَخْبَارِ/ وَالْآثَارِ مَا كَانَ مِنْ خُرُوجِهِمْ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁/ وَعَلَى مَنْ بَعْدَهُ كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵀ وغيره،\n_________\n(١) في (م): \"لتتبين\".\n(٢) أخرجه أبو داود برقم (٤٦٥٩) والطبراني في المعجم الكبير (٦١٥٦ و٦١٥٧)، وأصل الحديث في البخاري في الدعوات برقم (٦٣٦١)، ومسلم في البر والصلة، باب من لعنه النبي ﷺ أو سبه برقم (٢٦٠٠).\n(٣) زيادة من (غ) و(ر).\n(٤) زيادة من (غ) و(ر)\n(٥) ساقط من (م).\n(٦) في (ط) و(خ) و(ت): \"طرحوا\".","vol":"3","page":159},{"text":"حَتَّى لَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ خَرَّجَهُ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِهِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ (١) أَنَّ عبادة بن قرط (٢) غزا (مرّة) (٣) فَمَكَثَ فِي غَزَاتِهِ تِلْكَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثم رجع (حتى إذا كان قريبًا من الأهواز سمع صوت أذان، فقال: والله ما لي عهد بالصلاة) (٤) مع (جماعة) (٥) الْمُسْلِمِينَ مُنْذُ زَمَانٍ، فَقَصَدَ نَحْوَ الْأَذَانِ يُرِيدُ الصلاة فإذا هو بالأزارقة - (وهم) (٦) صنف من الخوارج - فلما رأوه قالوا (له) (٧): مَا جَاءَ بِكَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أَنْتُمْ يَا إِخْوَتِي؟ قَالُوا: أَنْتَ أَخُو الشيطان/ لنقتلك، قال: أما تَرْضَوْنَ مِنِّي بِمَا رَضِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مني) (٨)، قَالُوا: وَأَيُّ شَيْءٍ رَضِيَ بِهِ مِنْكَ؟ قَالَ: أتيته وأنا كافر (فشهدني) (٩) أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّهُ رَسُولُ الله ﷺ، فخلَّى عَنِّي - قَالَ - فَأَخَذُوهُ فَقَتَلُوهُ (١٠).\nوَأَمَّا عَدَمُ فَهْمِهِمْ لِلْقُرْآنِ فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْقَدَرِيَّةِ حَدِيثٌ خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابن عمر ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، إِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ، وَإِنْ مَاتُوا فلا تشهدوهم) (١١).\n_________\n(١) هو حميد بن هلال بن سويد العدوي، وثقه ابن معين والنسائي، وهو من رواة الكتب الستة، توفي في ولاية خالد بن عبد الله على العراق. انظر: طبقات ابن سعد (٧ ٤٥٦) والجرح والتعديل (٤ ١٠٥).\n(٢) هو عبادة بن قرط أو قرص بن عروة بن بجير الضبي، نزل البصرة وقتلته الخوارج سنة ٤١هـ. انظر: الإصابة لابن حجر رقم (٤٥٠١).\n(٣) زيادة من (غ) و(ر).\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) زيادة من (غ) و(ر).\n(٧) زيادة من (غ) و(ر).\n(٨) زيادة من (غ) و(ر).\n(٩) في (ط): \"فشهدت\".\n(١٠) القصة أخرجها البخاري في التاريخ الكبير (٦ ٩٣)، وذكرها ابن حجر في الإصابة (٢ ٢٧٠).\n(١١) أخرجه أبو داود (٤٦٩١)، والحاكم (٢٨٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢٠٦٥٨)، وبنحوه أخرجه أحمد في المسند (٨ ٤)، برقم (٥٥٨٤)، وابن أبي عاصم في السنن (٣٣٩)، وغيرهما، وقال أحمد شاكر: إسناده ضعيف لانقطاعه ... - ثم تكلم عليه باستفاضة - وأخرجه أيضًا برقم (٦٠٧٧)، وقال أحمد شاكر: في إسناده بحث دقيق وأنا=","vol":"3","page":160},{"text":"وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ أَنَّهُ ﵊ قَالَ) (١): (لِكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوسٌ، وَمَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا قَدَرَ، مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَلَا تَشْهَدُوا (جِنَازَتَهُ) (٢)، وَمَنْ مَرِضَ مِنْهُمْ فَلَا (تَعُودُوهُ) (٣)،/ وَهُمْ شِيعَةُ الدَّجَّالِ، وَحَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُلْحِقَهُمْ بِالدَّجَّالِ) (٤). وَهَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ، قَالَ صَاحِبُ المغني: (إنه) (٥) لَمْ يَصِحَّ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ (٦).\nنَعَمْ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ لِيَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ حِينَ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْقَدَرِ قَدْ ظَهَرَ: إِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ وَهُمْ بُرَآءُ مِنِّي، ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ جِبْرِيلَ (٧)، صَحِيحٌ لَا إشكال في صحته.\n_________\n=أرجح صحته ... - ثم استفاض في الكلام عليه - وحسنه الألباني في ظلال الجنة (٣٣٩)، واستفاض في تخريج الحديث الحويني في جنة المرتاب (ص٣٠ وما بعدها).\n(١) ما بين () ساقط من (غ) و(ر).\n(٢) في (ط): \"جنازتهم\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"تعودوهم\".\n(٤) أخرجه أبو داود (٤٦٩٢)، من طريق عمر مولى غفرة عن رجل عن حذيفة. قال الألباني في السنة لابن أبي عاصم (١ ١٤٤): إسناده ضعيف، لجهالة الرجل الذي لم يسم، وعمر مولى غفرة ضعيف، وقد اضطرب في إسناده، وراجع كلام الحويني في جنة المرتاب (ص٤٦).\n(٥) زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) انظر: المغني عن الحفظ والكتاب لأبي حفص عمر بن بدر الموصلي (ص٢٩) بتحقيق الحويني.\n(٧) أخرجه معمر بن راشد في جامعه (٢٠٠٧٢)، مختصرًا دون ذكر حديث عمر بن الخطاب ﵁، وابن أبي شيبة في الإيمان (١١٩)، والمصنف (١٠٤٧٨)، وأحمد في مسنده (١٨٥ و١٩٢ و٣٦٩ و٣٧٦ و٥٨٢٣)، وأخرجه مسلم في صحيحه (٨) من عدة طرق، وابن ماجه (٦٣)، وأبو داود (٤٦٩٥)، والترمذي (٢٦١٠)، وعبد الله في السنة (٩٢٦)، والنسائي (٤٩٩٠)، والآجري في الشريعة (٢٠٥ و٢٠٦ و٣٧٨ و٣٧٩ و٤٢٧ و٤٢٩)، ومحمد بن منده في الإيمان (١ و٢ و٤ و٥ و٧ و٨ و٩ و١٠ و١١ و١٣ و١٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠ ٢٠٣)، وفي الاعتقاد (ص٨٤)، وورد بلفظ: (أنا بريء ممن لم يؤمن بالقدر)، وهو جزء من قوله في الرواية المتقدمة، أخرجه الفريابي في القدر (٢٣٠)، وابن بطة في الإبانة (١٦٠٦)، ونحوه برقم (١٦١٣)، واللالكائي (١١٦٤)، وبنحوه (١١٦٣).","vol":"3","page":161},{"text":"وخرَّج أبو داود أيضًا من حديث عمر بن الخطاب ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (قال) (١): (لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْقَدَرِ وَلَا تُفَاتِحُوهُمْ) (٢)، وَلَمْ يَصِحَّ أَيْضًا.\nوخرَّج ابْنُ وَهْبٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ (٣) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَا سَهْمَ (لَهُمْ) (٤) فِي الْإِسْلَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْمُرْجِئَةُ والقدرية) (٥).\nوعن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَغَيْرِهِ يَرْفَعُهُ قَالَ: (لُعِنَتِ القدرية والمرجئة على\n_________\n(١) زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) أخرجه أبو داود (٤٧١٠ و٤٧٢٠)، والإمام أحمد في المسند (١ ٢٤٣) برقم (٢٠٦) وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح، اعتمادًا على توثيق ابن حبان لحكيم بن شريك الهذلي. وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٣٣٠)، وضعفه الألباني في ظلال الجنة. وفي مشكاة المصابيح (١ ٣٨)، لجهالة حكيم بن شريك الهذلي، وجهله أيضًا أبو حاتم وابن حجر. انظر: تهذيب التهذيب (٢ ٤٥٠)، والتقريب برقم (١٤٧٥)، وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٣ ١٥) في ترجمة حكيم بن شريك، وأخرجه عبد الله في السنة (٨٤١)، وأبو يعلى في المسند (٢٤٥)، والآجري في الشريعة (٥٤٣ و٥٤٤)، وابن حبان في الصحيح (٧٩)، وابن بطة في الإبانة (١٢٧٤ و١٥٢٠ و١٩٩٧)، والحاكم (٢٨٧)، واللالكائي (١٨٦ و١١٢٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢٠٦٦٢)، والمزي في تهذيب الكمال (١٤٥٩)، جميعهم من طريق حكيم بن شريك.\n(٣) هو زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أمه أو ولد، كان صاحب علم وصلاح، خرج على بني أمية فقتل ﵀ سنة ١٢٥هـ. انظر: السير (٥ ٣٨٩)، وطبقات ابن سعد (٥ ٣٢٥).\n(٤) في (غ) و(ر): \"لهما\".\n(٥) لم أجد هذه الرواية عن زيد بن علي في المصادر المتوفرة لدي، ولكن روي بنحوه عن ابن عباس: أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٤ ١٣٣)، وابن ماجه (٦٢ و٧٣)، والترمذي (٢١٤٩)، وعبد بن حميد في المنتخب (٥٧٩)، وابن أبي عاصم في السنة (٣٣٤ و٣٣٥ و٣٤٤ و٩٤٦ و٩٤٧ و٩٤٨ و٩٥١)، وضعفه الألباني. والطبراني في الكبير (١١٦٨٢)، وابن عدي في الكامل (٣ ٣٠٩) و(٥ ١٩٤)، واللالكائي (١١٥٦)، والخطيب في تاريخ بغداد (٥ ٣٦٨)، والمزي في تهذيب الكمال ترجمة رقم (٤١٤٣)، وبنحوه من ابن عمر وأبي بكر وجابر بن عبد الله وابن مسعود - انظر رواياتهم في: جنة المرتاب (ص٣٠ - ٥٢)، وعن واثلة بن الأسقع، أخرجه الطبراني في الأوسط (١٦٤٨).","vol":"3","page":162},{"text":"لِسَانِ سَبْعِينَ نَبِيًّا آخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ/ ﷺ) (١).\nوَعَنْ مُجَاهِدِ بْنِ (جَبْرٍ) (٢) أَنَّ رسول الله ﷺ قال: \"سَيَكُونُ مِنْ أُمَّتِي قَدَرِيَّةٌ وَزِنْدِيقِيَّةٌ أُولَئِكَ مَجُوسٌ\" (٣).\n/وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ عَبْدِ الله بن عمر (نعوده) (٤) إذ (جاءه) (٥) رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ - لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ - فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ حَدَثًا، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَا تقرأنَّ ﵇ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: \"سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي مَسْخٌ وَخَسْفٌ وَهُوَ/ فِي الزِّنْدِيقِيَّةِ (والقدرية» (٦).\nوَعَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ (٧) قَالَ: أَتَيْنَا أُبي بْنَ كَعْبٍ فَقُلْتُ لَهُ: وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ من القدر فحدثني (بشيء) (٨) لعل الله (أن) (٩) يُذْهِبُهُ مِنْ قَلْبِي، فَقَالَ: لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ عَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحد ذهبًا في\n_________\n(١) حديث معاذ أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٣٢٥ و٩٥٢) - وضعفهما الألباني - والطبراني في المعجم الكبير (٢٠ ١١٧ برقم ٢٣٢)، وفي مسند الشاميين (٤٠٠).\n(٢) في (ط) و(م): \"مجاهد بن جبير\"، ولم أعرفه من هو بالتحديد، ففي الإصابة مجاهد بن جبر مولى ابنة غزوان أخت عتبة بن غزوان، وهناك أيضًا مجاهد بن جبر المكي التابعي المشهور، والله أعلم بالصواب. انظر: الإصابة (٣ ٤٨٥)، برقم (٨٣٦٣).\n(٣) لم أقف عليه من رواية مجاهد عن النبي ﷺ بهذا اللفظ.\n(٤) في (غ) و(ر): \"قعود\".\n(٥) في (ط) و(خ): \"جاء\".\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (ط) و(خ). والحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند (٩ ٧٣)، برقم (٦٢٠٨)، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. وبنحوه أخرجه الترمذي برقم (٢١٥٢ و٢١٥٣)، وأبو داود برقم (٤٦١٣)، وابن ماجه (٤٠٦١)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، وأخرجه الحاكم (٢٨٥)، واللالكائي (١١٣٥).\n(٧) هو عبد الله بن فيروز الديلمي، أبو بشر ويقال أبو بسر، وهو من الرواة عن أبي بن كعب وابن مسعود وحذيفة ﵃ وثقه ابن معين والعجلي وابن حبان. انظر: تهذيب التهذيب (٥ ٣٥٨).\n(٨) زيادة من (غ) و(ر).\n(٩) زيادة من (غ) و(ر).","vol":"3","page":163},{"text":"سبيل الله ما قبله (الله) (١) مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ وَتَعْلَمَ/ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَدَخَلْتَ النَّارَ، قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ.\nقَالَ: ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال (لي) (٢) مثل ذلك، (ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ) (٣).\nوَفِي بَعْضِ الْحَدِيثِ: (لَا تَكَلَّمُوا فِي الْقَدَرِ فَإِنَّهُ سِرُّ اللَّهِ) (٤)، وَهَذَا كُلُّهُ أَيْضًا غَيْرُ صَحِيحٍ.\nوَجَاءَ فِي الْمُرْجِئَةِ (٥) وَالْجَهْمِيَّةِ (٦) (والأشعرية) (٧) شَيْءٌ لَا يَصِحُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ/ ﷺ، فلا تعويل (عَلَيْهِ) (٨).\nنَعَمْ نَقَلَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وَجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ *إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ *﴾ (٩) نَزَلَ فِي أَهْلِ الْقَدَرِ.\nفَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁/ قال: (جاء) (١٠)\n_________\n(١) زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) ما بين () زيادة من (غ) و(ر) والحديث أخرجه أحمد (٥ ١٨٢ و١٨٩)، وابن ماجه (٧٧)، وأبو داود (٤٦٩٩)، وابن حبان (٥٠٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢٠٤)، وصححه الألباني في المشكاة (١ ٤١).\n(٤) ورد بنحوه عن عائشة ﵂ مرفوعًا، أخرجه ابن عدي في الكامل (٧ ١٨٦)، في ترجمة يحيى بن أبي أنيسة، وهو ضعيف، وأخرجه بنحوه عن أنس ﵁ مرفوعًا الخطيب البغدادي في تاريخه (٢ ٣٨٦)، في ترجمة محمد بن عبد بن عامر السمرقندي، وقال عنه: يحدث المناكير على الثقات، يتهم بالكذب. وأخرجه بنحوه عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا اللالكائي (١١٢٢)، وفيه الهيثم بن جماز الحنفي البصري، متروك الحديث، ترجمه ابن حجر في اللسان (٦ ٢٠٤)، وذكر الحديث من روايته، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع برقم (٤١٣١).\n(٥) انظر ملحق الفرق برقم (٧٨).\n(٦) انظر تعريفهم في ملحق الفرق.\n(٧) زيادة من (غ) و(ر).\n(٨) ساقط من (م).\n(٩) سورة القمر: الآيتان (٤٨، ٤٩).\n(١٠) في (ط) و(خ) و(ت): \"أتى\". وهو ساقط من (م).","vol":"3","page":164},{"text":"مشركو قُرَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُخَاصِمُونَهُ فِي الْقَدَرِ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ (١). وَرَوَى مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ (٢)، وَلَكِنْ إِنْ صَحَّ فَفِيهِ دَلِيلٌ، وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يُعَيِّنُ أَنَّهُمْ مِنَ الْفِرَقِ، وَكَلَامُنَا فيه.\nوالثاني (٣): حيث تكون الفرقة تدعو إلى ضلالتها وتزينها فِي قُلُوبِ الْعَوَامِّ/ وَمَنْ لَا عِلْمَ عِنْدِهِ، فَإِنَّ ضَرَرَ هَؤُلَاءِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَضَرَرِ إِبْلِيسَ، وهم من شياطين الإنس، فلا بد مِنَ التَّصْرِيحِ بِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدْعَةِ وَالضَّلَالَةِ، ونسبتهم إلى الفرق إذا قامت له (الشواهد) (٤) عَلَى أَنَّهُمْ مِنْهُمْ، كَمَا اشْتُهِرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ (٥) وَغَيْرِهِ. فَرَوَى عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ (٦) قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى قَتَادَةَ فَذَكَرَ/ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ فَوَقَعَ فِيهِ وَنَالَ مِنْهُ، فَقُلْتُ: أَبَا الْخَطَّابِ، أَلَا أَرَى الْعُلَمَاءَ يَقَعُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ؟ فقال: (يا أحول) (٧) أوَ لا تَدْرِي أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا ابْتَدَعَ بِدَعَةً فَيَنْبَغِي لها أن تذكر حتى (يُحذر) (٨)؟\n_________\n(١) أخرجه مسلم برقم (٢٦٥٦)، وأحمد في المسند (٢ ٤٤٤ و٤٧٦)، والبخاري في خلق أفعال العباد (ص٤٩)، وابن ماجه (٨٣)، والترمذي (٢١٥٧)، وابن حبان (٦١٣٩)، وتفسير عبد بن حميد غير مطبوع، ولكن ذكره الشوكاني في فتح القدير (٥ ١٢٩ - ١٣٠) وعزاه إلى عبد بن حميد وغيره.\n(٢) وهو مروي من حديث زرارة الأنصاري مرفوعًا، أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (١٨٧١٤)، والطبراني في المعجم الكبير (٥٣١٦)، وذكره ابن حجر في الإصابة (٢ ٥٦٢)، و(٥ ٢٩١)، وعزاه لابن شاهين وابن مردويه وابن منده، وذكر أن مداره على حفص بن سليمان اضطرب فيه وهو ضعيف، وبنحوه عن ابن عباس موقوفًا أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (١٨٧١٥)، واللالكائي (١١٦٢ و١٣٨٨)، وبنحوه في المعجم الكبير للطبراني (١١١٦٣).\n(٣) أي: الثاني من أوجه جواز تعيين الفرقة بأعيانها. انظر ما سبق (ص١٥٩).\n(٤) في (ط) و(خ) و(ت): \"الشهود\".\n(٥) تقدمت ترجمته.\n(٦) هو عاصم بن سليمان البصري، أبو عبد الرحمن، إمام حافظ محدث البصرة، وثقه الإمام أحمد بن حنبل، وابن معين، وأبو زرعة، وغيرهم، توفي سنة ١٤٢، وقيل ١٤٣هـ. انظر: السير (٦ ١٣).\n(٧) في (م): \"ما خول\". وفي (خ): \"ما حول\". وفي أصل (ط): \"ما أحول\" في (ت): \"بياض بمقدار كلمة. والتصحيح من (غ) و(ر) وتاريخ بغداد (١٢ ١٧٩).\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"تحذر\".","vol":"3","page":165},{"text":"فَجِئْتُ مِنْ عِنْدِ قَتَادَةَ وَأَنَا مُغْتَمٌّ بِمَا سَمِعْتُ مِنْ قَتَادَةَ فِي عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، وَمَا رَأَيْتُ مَنْ نَسُكِهِ وَهَدْيِهِ،/ فَوَضَعْتُ رَأْسِي نِصْفَ النَّهَارِ وَإِذَا عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وَالْمُصْحَفُ فِي حِجْرِهِ وَهُوَ يَحُكُّ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، (فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، تَحُكُّ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ؟) (١)، قَالَ: إِنِّي سَأُعِيدُهَا. قَالَ: فَتَرَكْتُهُ حَتَّى حَكَّهَا، فَقُلْتُ لَهُ: أَعِدْهَا، فَقَالَ: لَا أستطيع (٢).\nفمثل هؤلاء لا بد مِنْ ذِكْرِهِمْ وَالتَّشْرِيدِ بِهِمْ، لِأَنَّ مَا يَعُودُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ ضَرَرِهِمْ إِذَا (تُرِكُوا) (٣) أَعْظَمُ مِنَ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ بِذِكْرِهِمْ وَالتَّنْفِيرِ عَنْهُمْ إِذَا كَانَ/ سَبَبُ تَرْكِ (التَّعْيِينِ) (٤) الْخَوْفُ مِنَ التَّفَرُّقِ والعداوة، ولا شك أن التفرق بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ الدَّاعِينَ لِلْبِدْعَةِ وَحْدَهُمْ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِمْ أَسْهَلُ مِنَ التَّفَرُّقِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ الدَّاعِينَ وَمَنْ شَايَعَهُمْ وَاتَّبَعَهُمْ، وَإِذَا تَعَارَضَ الضرران فالمرتكب أَخَفُّهُمَا وَأَسْهَلُهُمَا، وَبَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ جَمِيعِهِ، كَقَطْعِ الْيَدِ الْمُتَآكِلَةِ، إِتْلَافُهَا/ أَسْهَلُ مِنْ إِتْلَافِ النفس. وهذا شأن الشرع أبدًا: (أن يَطْرَحُ) (٥) حُكْمَ الْأَخَفِّ وِقَايَةً مِنَ الْأَثْقَلِ.\n/فَإِذَا فُقِدَ الْأَمْرَانِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرُوا (وَلَا أن) (٦) يعيَّنوا وإن وُجِدُوا، لِأَنَّ ذَلِكَ أَوَّلُ مُثِيرٍ (لِلشَّرِّ) (٧) وَإِلْقَاءِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ، (وَمَتَى) (٨) حَصَلَ بِالْيَدِ مِنْهُمْ أَحَدٌ ذَاكَرَهُ بِرِفْقٍ، وَلَمْ (يُرِهِ) (٩) أَنَّهُ خَارِجٌ (مِنَ) (١٠) السُّنَّةِ، بَلْ يُرِيهِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، وَأَنَّ الصَّوَابَ الْمُوَافِقَ لِلسُّنَّةِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَعَصُّبٍ وَلَا إِظْهَارِ غلبه فهو (أنجح وأنفع) (١١)، وَبِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ دُعي الْخَلْقُ أَوَّلًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، حَتَّى (إِذَا) (١٢) عَانَدُوا وَأَشَاعُوا الْخِلَافَ وَأَظْهَرُوا الفرقة قوبلوا بحسب ذلك.\n_________\n(١) ساقط من (غ) و(ر).\n(٢) انظر: تاريخ بغداد (١٢ ١٧٩).\n(٣) ساقط من (غ) و(ر).\n(٤) في (غ) و(ر): \"التغيير\".\n(٥) في (م) و(خ) و(ت): \"ويطرح\"، وفي (ط): \"يطرع\".\n(٦) في (ط): \"لأن\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"للشحناء\".\n(٨) في (ط) و(خ) و(ت): \"ومن\".\n(٩) في (م) و(غ) و(ر): \"ير\".\n(١٠) في (ط): \"الحج\"، وفي (خ): \"أنجح\".\n(١١) في (غ) و(ر): \"عن\".\n(١٢) زيادة من (غ) و(ر).","vol":"3","page":166},{"text":"قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ: أَكْثَرُ الْجَهَالَاتِ إِنَّمَا رَسَخَتْ فِي قُلُوبِ الْعَوَامِّ بِتَعَصُّبِ جَمَاعَةٍ مِنْ (جُهَّالِ) (١) أَهْلِ الْحَقِّ، أَظْهَرُوا الْحَقَّ فِي معرض التحدي (والإدلاء) (٢) وَنَظَرُوا إِلَى ضُعَفَاءِ الْخُصُومِ بِعَيْنِ التَّحْقِيرِ وَالِازْدِرَاءِ، فَثَارَتْ/ مِنْ بَوَاطِنِهِمْ دَوَاعِي الْمُعَانَدَةِ وَالْمُخَالَفَةِ، وَرَسَخَتْ فِي قُلُوبِهِمُ الِاعْتِقَادَاتُ الْبَاطِلَةُ، وَتَعَذَّرَ عَلَى الْعُلَمَاءِ الْمُتَلَطِّفِينَ مَحْوُهَا/ مَعَ ظُهُورِ فَسَادِهَا، حَتَّى انْتَهَى التَّعَصُّبُ بِطَائِفَةٍ إِلَى أَنِ اعْتَقَدُوا أَنَّ الْحُرُوفَ الَّتِي نَطَقُوا بِهَا فِي الْحَالِ بَعْدَ السُّكُوتِ عَنْهَا طُولَ الْعُمُرِ قَدِيمَةٌ، وَلَوْلَا اسْتِيلَاءُ الشَّيْطَانِ بِوَاسِطَةِ الْعِنَادِ وَالتَّعَصُّبِ لِلْأَهْوَاءِ، لَمَا وُجِدَ مِثْلُ هذا الاعتقاد (مستقرًا) (٣) فِي قَلْبِ مَجْنُونٍ فَضْلًا عَنْ قَلْبِ عَاقِلٍ.\nهَذَا مَا قَالَ، وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ الْعَوَائِدُ الْجَارِيَةُ، فَالْوَاجِبُ تَسْكِينُ الثَّائِرَةِ مَا قدر على ذلك، والله أعلم.\n\n/<span data-type=\"title\" id=toc-160>الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ:</span>\nأَنَّهُ لَمَّا تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لَا يَتَعَيَّنُونَ فَلَهُمْ خَوَاصُّ وَعَلَامَاتٌ يُعْرَفُونَ بِهَا، وَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ: عَلَامَاتٌ إِجْمَالِيَّةٌ، وَعَلَامَاتٌ تَفْصِيلِيَّةٌ.\nفَأَمَّا العلامات/ الإجمالية فثلاثة (٤):\nأحدها: الْفُرْقَةُ الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (٥)، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٦)، رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ الْجِدَالُ وَالْخُصُومَاتُ/ فِي الدِّينِ (٧).\nوَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ (٨)، وفي\n_________\n(١) في (ط) و(خ): \"جهل\".\n(٢) في (ط): \"والإدلال\".\n(٣) في (ط) و(خ): \"مستفزا\".\n(٤) انظر ما ذكره أيضًا في: الموافقات (٤ ١٠٤).\n(٥) سورة آل عمران: الآية (١٠٥).\n(٦) سورة المائدة: الآية (٦٤).\n(٧) تقدم تخريجه (٢/).\n(٨) سورة آل عمران: الآية (١٠٣).","vol":"3","page":167},{"text":"الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ/ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: \"إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جميعًا ولا تفرقوا ... (الْحَدِيثِ) (١) \" (٢).\nوَهَذَا التَّفْرِيقُ - كَمَا تَقَدَّمَ - إِنَّمَا هُوَ الَّذِي يُصَيِّرُ الْفِرْقَةَ الْوَاحِدَةَ فِرَقًا وَالشِّيعَةَ (الْوَاحِدَةَ) (٣) شِيَعًا.\nقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: صَارُوا فِرَقًا لِاتِّبَاعِ أهوائهم، وبمفارقة الدين/ تشتتت أَهْوَاؤُهُمْ فَافْتَرَقُوا، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ - ثُمَّ بَرَّأَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ بِقَوْلِهِ ـ: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٤)، وَهُمْ أَصْحَابُ الْبِدَعِ وَأَصْحَابُ الضَّلَالَاتِ، وَالْكَلَامُ فِيمَا لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ فِيهِ وَلَا رَسُولُهُ.\nقَالَ: وَوَجَدْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَعْدِهِ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي أَحْكَامِ الدِّينِ وَلَمْ (يَتَفَرَّقُوا) (٥) وَلَا صَارُوا شِيَعًا لِأَنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُوا الدِّينَ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيمَا أُذِنَ لَهُمْ مِنِ (اجْتِهَادِ الرَّأْيِ) (٦)، وَالِاسْتِنْبَاطِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِيمَا لَمْ يَجِدُوا/ فِيهِ نَصًّا (وَاخْتَلَفَتْ) (٧) فِي ذَلِكَ أَقْوَالُهُمْ فَصَارُوا مَحْمُودِينَ، لِأَنَّهُمُ اجْتَهَدُوا فِيمَا أُمِرُوا بِهِ كَاخْتِلَافِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَزَيْدٍ فِي الْجَدِّ مَعَ الْأُمِّ/ وَقَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَخِلَافِهِمْ فِي الْفَرِيضَةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَخِلَافِهِمْ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ، وفي البيوع وغير ذلك، (مما) (٨) اخْتَلَفُوا فِيهِ وَكَانُوا مَعَ هَذَا أَهْلَ مَوَدَّةٍ وتناصح، وأخوة الإسلام فيما بينهم\n_________\n(١) في (ط) و(خ): \"وصدق الحديث\".\n(٢) أخرجه مسلم (١٧١٥)، ومالك في الموطأ (١٧٩٦)، وأحمد (٢ ٣٦٧)، والبخاري في الأدب المفرد (٤٤٢)، وابن حبان (٣٣٨٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٦٤٣٣).\n(٣) في (غ) و(ر): \"المنفردة\".\n(٤) سورة الأنعام: الآية (١٥٩).\n(٥) في (غ) و(ر): \"يفترقوا\".\n(٦) في (ط) و(خ) و(ت): \"اجتهاد إلى الرأي\".\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"واختلف\".\n(٨) في (ط): \"فما\".","vol":"3","page":168},{"text":"قَائِمَةٌ، فَلَمَّا حَدَثَتِ الْأَهْوَاءُ الْمُرْدِيَةُ، الَّتِي حَذَّرَ مِنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَظَهَرَتِ الْعَدَاوَاتُ وَتَحَزَّبَ أَهْلُهَا فَصَارُوا شِيَعًا، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا حَدَثَ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ الْمُحْدَثَةِ الَّتِي أَلْقَاهَا الشَّيْطَانُ عَلَى أَفْوَاهِ أَوْلِيَائِهِ.\n(قَالَ) (١): (كُلُّ) (٢) مَسْأَلَةٍ حَدَثَتْ فِي الْإِسْلَامِ (وَاخْتَلَفَ) (٣) النَّاسُ فِيهَا وَلَمْ يُورِثْ ذَلِكَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةً وَلَا بَغْضَاءَ وَلَا فُرْقَةً، عَلِمْنَا أَنَّهَا مِنْ مَسَائِلِ الْإِسْلَامِ، وَكُلُّ مَسْأَلَةٍ (حَدَثَتْ) (٤) (وَطَرَأَتْ) (٥) فَأَوْجَبَتِ الْعَدَاوَةَ (وَالْبَغْضَاءَ) (٦) (وَالتَّدَابُرَ) (٧) وَالْقَطِيعَةَ عَلِمْنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ/ فِي شَيْءٍ، وَأَنَّهَا الَّتِي عَنَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَفْسِيرِ الْآيَةِ.\nوَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ/ وَسَلَّمَ: \"يَا عَائِشَةُ، إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا، مَنْ هُمْ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: هُمْ أَصْحَابُ الْأَهْوَاءِ وَأَصْحَابُ الْبِدَعِ وَأَصْحَابُ الضَّلَالَةِ من هذه الأمة\" الحديث (وقد) (٨) تَقَدَّمُ ذِكْرُهُ (٩).\nقَالَ: فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ ذِي عَقْلٍ وَدِينٍ أَنْ يَجْتَنِبَهَا، وَدَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ\n_________\n(١) في (م) و(خ) و(ت): \"فقال\".\n(٢) في (غ) و(ر): \"فكل\".\n(٣) في (م) و(غ) و(ر): \"فاختلف\".\n(٤) ساقط من (غ) و(ر).\n(٥) في (م) و(غ) و(ر): \"طرأت\".\n(٦) ساقط من (غ) و(ر).\n(٧) في (غ) و(ر): \"والتنافر\".\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الذي\".\n(٩) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة برقم (٤)، والطبراني في المعجم الصغير (٥٦٠)، وأبو نعيم في الحلية (٤ ١٣٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٢٣٩ و٧٢٤٠)، كلهم من حديث عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إِنَّ النبي ﷺ قال لعائشة: (يا عائشة ...) والحديث أعله أبو حاتم كما في العلل لابنه (٢ ٧٧)، وأعله الدارقطني في العلل (٢ ١٦٣ برقم ١٩١)، وضعفه الألباني في ظلال الجنة (٤)، ونقل عن الهيثمي تضعيفه للحديث في المجمع (١ ١٨٨)، وتضعيف ابن كثير للحديث في التفسير (٢ ١٩٦)، وروي بنحوه مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مرفوعًا أخرجه ابن جرير في التفسير (١٤٢٦٦)، وفيه عباد بن كثير وليث بن أبي سليم وكلاهما ضعيف، وأخرجه بنحوه الطبراني في الأوسط (٦٦٨) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، وقال: تفرد به معلل. اهـ. ومعلل هو ابن نفيل الحراني، ذكره ابن حبان في الثقات (٩ ٢٠١) والله أعلم.","vol":"3","page":169},{"text":"تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (١)، فإذا اختلفوا (وتقاطعوا كان ذلك) (٢) لِحَدَثٍ أَحْدَثُوهُ مِنِ اتِّبَاعِ الْهَوَى.\n//هَذَا مَا قَالَهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْإِسْلَامَ يَدْعُو إِلَى الْأُلْفَةِ والتَّحاب وَالتَّرَاحُمِ وَالتَّعَاطُفِ، فَكُلُّ رَأْيٍ أَدَّى إِلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَخَارِجٌ عَنِ الدِّينِ، وَهَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ قَدْ دَلَّ عَلَيْهَا الْحَدِيثُ الْمُتَكَلَّمُ (عَلَيْهِ) (٣)، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي كُلِّ فِرْقَةٍ مِنَ الفرق (المُضَمَّنَة) (٤) فِي الْحَدِيثِ.\nأَلَا تَرَى كَيْفَ كَانَتْ ظَاهِرَةً فِي الْخَوَارِجِ الَّذِينَ أَخْبَرَ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: \"يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ\" (٥)،/ وَأَيُّ فُرْقَةٍ تُوَازِي هذه (إلا) (٦) الْفُرْقَةَ الَّتِي بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِ الْكُفْرِ؟ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي سَائِرِ مَنْ عُرِفَ مِنَ الفرق أو (من) (٧) ادُّعِيَ/ ذَلِكَ (فِيهِمْ) (٨)، إِلَّا أَنَّ الْفِرْقَةَ (لَا) (٩) تَعْتَبِرُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَتْ، لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ بالقوة والضعف.\nوحين ثبت أن مخالفة (بعض) (١٠) هذه الفرق (إنما هي في القواعد الكلية كانت الفرقة أقوى بخلاف ما إذا خولف) (١١) (في) (١٢) الفروع الجزئية (دون الكلية) (١٣)، (فإن الفرقة لا بد) (١٤) (أضعف) (١٥) (فيجب) (١٦) النظر في هذا كله.\n_________\n(١) سورة آل عمران: الآية (١٠٣).\n(٢) في (ط): \"وتعاطوا\" ذلك كان. وفي (خ): \"وتعاطوا كان ذلك\".\n(٣) في (م): \"عليها\".\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"المتضمنة\".\n(٥) تقدم تخريجه (٣/ ١١٤).\n(٦) زيادة من (غ) و(ر).\n(٧) زيادة من (م) و(خ) و(غ) و(ر).\n(٨) في (غ) و(ر): \"فيه\".\n(٩) ساقطة من (غ) و(ر).\n(١٠) ما بين القوسين زيادة من (ت) و(غ) و(ر).\n(١١) ما بين () زيادة من (غ) و(ر).\n(١٢) في (ط): \"من\".\n(١٣) ما بين القوسين زيادة من (ت).\n(١٤) في (م): \"فإن الفرقة فلا بد\". وفي (ط) و(خ): \"باب الفرقة فلا بد\". وفي (ت): \"فالفرقة بلا بد\".\n(١٥) ما بين القوسين ساقط من (ط) و(خ).\n(١٦) في (ط) و(خ): \"يجب\".","vol":"3","page":170},{"text":"وَالْخَاصِّيَّةُ الثَّانِيَةُ: هِيَ الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ الْآيَةَ. فَبَيَّنَتِ الْآيَةُ أَنَّ أَهْلَ الزَّيْغِ يَتَّبِعُونَ مُتَشَابِهَاتِ الْقُرْآنِ، وَجَعَلُوا مِمَّنْ شَأْنُهُ أَنْ يَتَّبِعَ الْمُتَشَابِهَ لَا الْمُحْكَمَ. وَمَعْنَى الْمُتَشَابِهِ: مَا أُشْكِلَ معناه، ولم (يتبين) (١) مغزاه، كَانَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ الْحَقِيقِيِّ (٢) - كَالْمُجْمَلِ مِنَ الْأَلْفَاظِ وما يظهر (منه) (٣) التَّشْبِيهِ (٤) - أَوْ مِنَ/ الْمُتَشَابِهِ الْإِضَافِيِّ - وَهُوَ (مَا يَحْتَاجُ) (٥) فِي بَيَانِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ إِلَى دَلِيلٍ خَارِجِيٍّ - وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ ظَاهِرَ الْمَعْنَى لِبَادِي الرَّأْيِ/ كَاسْتِشْهَادِ الْخَوَارِجِ عَلَى إِبْطَالِ/ التَّحْكِيمِ بقوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ (٦) فَإِنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ صَحِيحٌ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَأَمَّا عَلَى التَّفْصِيلِ فَمُحْتَاجٌ إِلَى الْبَيَانِ، وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (٧)، لِأَنَّهُ بَيَّنَ أَنَّ الْحُكْمَ (لِلَّهِ) (٨) تَارَةً بِغَيْرِ تحكيم (وتارة بتحكيم) (٩)، لِأَنَّهُ إِذَا أَمَرَنَا بِالتَّحْكِيمِ فَالْحُكْمُ بِهِ حُكْمُ اللَّهِ.\nوَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: قَاتَلَ وَلَمْ يَسْبِ. (فَإِنَّهُمْ حصروا (الحكم في قسمين) (١٠) وَتَرَكُوا قِسْمًا ثَالِثًا) (١١) وَهُوَ الَّذِي نَبَّهَ (عَلَيْهِ) (١٢) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١٣) الْآيَةَ فَهَذَا قِتَالٌ مِنْ غَيْرِ سَبْيٍ، لَكِنَّ ابن عباس ﵁ (نبههم) (١٤) على وجه أظهر وهو (أن) (١٥)\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"يبين\".\n(٢) انظر: ما ذكره الشاطبي عن المتشابه الحقيقي والإضافي في الموافقات (٣ ٥٤ - ٥٨).\n(٣) في (ط): \"من\".\n(٤) يظهر أن الشاطبي يرى أن نصوص الصفات من المتشابه وتقدم التعليق على هذه المسألة (٣/ ١١٨).\n(٥) في (غ) و(ر): \"مما احتاج\".\n(٦) سورة يوسف: الآية (٤٠).\n(٧) تقدم (٣/ ١١٨).\n(٨) في (غ) و(ر): \"إلا لله\".\n(٩) ما بين القوسين ساقط من (ط) و(خ). وفي (غ) و(ر): و\"تارة بالتحكيم\".\n(١٠) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"التحكيم في القسمين\".\n(١١) في (ت): \"بياض بمقدار سطر\".\n(١٢) زيادة من (خ) و(غ) و(ر).\n(١٣) سورة الحجرات: الآية (٩).\n(١٤) في (ط): \"نبهم\".\n(١٥) ساقط من (م) و(خ) و(غ) و(ر).","vol":"3","page":171},{"text":"السباء إذا حصل فلا بد من وقوع بعض (السهمان) (١) عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمُ السَّبَايَا فِي الِانْتِفَاعِ بِهَا كَالسَّبَايَا، فَيُخَالِفُونَ الْقُرْآنَ الَّذِي ادَّعَوُا التَّمَسُّكَ بِهِ.\nوَكَذَلِكَ فِي مَحْوِ الِاسْمِ مِنْ إِمَارَةِ الْمُؤْمِنِينَ،/ اقْتَضَى عِنْدَهُمْ أَنَّهُ إِثْبَاتٌ (لِإِمَارَةِ) (٢) الْكَافِرِينَ، وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ نَفْيَ الِاسْمِ (مِنْهَا) (٣) لَا يَقْتَضِي نَفْيَ الْمُسَمَّى.\nوَأَيْضًا فَإِنْ فَرَضْنَا أَنَّهُ يَقْتَضِي نَفْيَ الْمُسَمَّى لَمْ يَقْتَضِ إِثْبَاتَ إِمَارَةٍ أُخْرَى. فَعَارَضَهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ بِمَحْوِ النَّبِيِّ ﷺ (اسم) (٤) الرسالة من الصحيفة، (وهي مُعَارَضَةً) (٥) لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا. وَلِذَلِكَ رَجَعَ مِنْهُمْ أَلْفَانِ، أَوْ مَنْ رَجَعَ مِنْهُمْ.\nفَتَأَمَّلُوا وَجْهَ اتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهَاتِ، وَكَيْفَ/ أَدَّى (إِلَى) (٦) الضَّلَالِ وَالْخُرُوجِ عَنِ الْجَمَاعَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"فإذا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الذين سمى الله، فاحذروهم\" (٧).\nو/الخاصية الثَّالِثَةُ: اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَهُوَ الَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ قوله تعالى:\n﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي/ قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ (٨)، (وَالزَّيْغُ) (٩) هُوَ الْمَيْلُ عَنِ الْحَقِّ اتِّبَاعًا لِلْهَوَى، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ (١٠) وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ (١١).\nوَلَيْسَ فِي حَدِيثِ الْفِرَقِ مَا يَدُلُّ عَلَى هذه الخاصية ولا على التي قبلها\n_________\n(١) زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) في (غ) و(ر): \"إمارة\".\n(٣) ساقط من (غ) و(ر).\n(٤) ساقط من (غ) و(ر).\n(٥) في (ط) و(خ) و(ت): \"وهي معارض\".\n(٦) ساقط من (غ) و(ر).\n(٧) تقدم تخريجه (١ ٧٢).\n(٨) سورة آل عمران: الآية (٧).\n(٩) ساقط من (غ) و(ر).\n(١٠) سورة القصص: الآية (٥٠).\n(١١) سورة الجاثية: الآية (٢٣).","vol":"3","page":172},{"text":"إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْخَاصِّيَّةَ رَاجِعَةٌ فِي الْمَعْرِفَةِ بِهَا إِلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ، لِأَنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى أَمْرٌ (بَاطِنِيٌّ) (١) فَلَا يَعْرِفُهُ غَيْرُ صَاحِبِهِ إِذَا لَمْ يُغَالِطْ نَفْسَهُ، إِلَّا/ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا دَلِيلٌ خَارِجِيٌّ.\nوَقَدْ مَرَّ أَنَّ أَصْلَ حُدُوثِ الْفِرَقِ إِنَّمَا هُوَ الْجَهْلُ بِمَوَاقِعِ السُّنَّةِ، وَهُوَ الَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ بقوله: \"اتخذ الناس رؤساء جهالًا\" (٢) فكل (واحد) (٣) عَالِمٌ بِنَفْسِهِ هَلْ بَلَغَ فِي الْعِلْمِ مَبْلَغَ الْمُفْتِينَ أَمْ لَا؟ وَعَالِمٌ (إِذَا) (٤) رَاجَعَ النَّظَرَ فِيمَا سُئِلَ عَنْهُ: هَلْ هُوَ قَائِلٌ بِعِلْمٍ وَاضِحٍ مِنْ غَيْرِ إِشْكَالٍ أَمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ؟ أَمْ هُوَ عَلَى شَكٍّ فِيهِ؟ وَالْعَالِمُ إِذَا لَمْ يَشْهَدْ لَهُ الْعُلَمَاءُ فَهُوَ فِي الْحُكْمِ بَاقٍ عَلَى الْأَصْلِ مِنْ عَدَمِ الْعِلْمِ حَتَّى يَشْهَدَ فِيهِ غَيْرُهُ وَيَعْلَمَ (هُوَ) (٥) مِنْ نَفْسِهِ مَا شَهِدَ لَهُ/ بِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ عَدَمِ الْعِلْمِ أَوْ عَلَى شَكٍّ، فَاخْتِيَارُ الْإِقْدَامِ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ عَلَى الْإِحْجَامِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاتِّبَاعِ الْهَوَى. إِذْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ فِي نَفْسِهِ غَيْرَهُ ولم يفعل، (وكان) (٦) (حَقِّهِ) (٧) أَنْ لَا يُقَدَّمَ إِلَّا أَنْ يُقَدِّمَهُ غيره، ولم يفعل (هذا) (٨).\n(وقد) (٩) قال العقلاء: إن رَأْيُ الْمُسْتَشَارِ أَنْفَعُ لِأَنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ الْهَوَى، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُسْتَشَرْ فَإِنَّهُ غَيْرُ بَرِيءٍ، ولا سيما في الدخول في المناصب العلية والرتب (الشريفة كمرتبة) (١٠) الْعِلْمِ.\n/فَهَذَا أُنْمُوذَجٌ (يُنَبِّهُ) (١١) صَاحِبَ الْهَوَى فِي هَوَاهُ وَيَضْبِطُهُ إِلَى أَصْلٍ يَعْرِفُ بِهِ، هَلْ هو في تصدره (لفتيا) (١٢) النَّاسِ مُتَّبِعٌ لِلْهَوَى، أَمْ هُوَ مُتَّبِعٌ لِلشَّرْعِ؟\n_________\n(١) في (م) و(غ) و(ر): \"باطن\".\n(٢) تقدم تخريجه (١/ ١١٧).\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"أحد\".\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) ساقط من (غ) و(ر).\n(٦) في (ط): \"وكل\". وفي (غ) و(ر): \"أو كان\".\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"من حقه\".\n(٨) ساقط من (غ) و(ر).\n(٩) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٠) في (ط) و(خ) و(ت): \"الشرعية كرتب\".\n(١١) في (م): \"يتيه\".\n(١٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"إلى فتوى\".","vol":"3","page":173},{"text":"وَأَمَّا الْخَاصِّيَّةُ الثَّانِيَةُ (١) فَرَاجِعَةٌ (إِلَى) (٢) الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ رَاجِعٌ إليهم، فهم يعرفونها ويعرفون أهلها (بمعرفتهم بها) (٣) // فَهُمُ الْمَرْجُوعُ/ إِلَيْهِمْ فِي بَيَانِ مَنْ هُوَ مُتَّبِعٌ لِلْمُحْكَمِ فَيُقَلَّدُ فِي الدِّينِ، وَمَنْ هُوَ (متبع) (٤) للمتشابه فلا يقلد أصلًا.\nولكن له (علامات) (٥) ظاهرة أيضًا نبه عليها الحديث وهو الَّذِي فُسِّرَتِ الْآيَةُ بِهِ، قَالَ فِيهِ: \"فَإِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيهِ، فَهُمُ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ\"، خرَّجه الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ (٦).\nوَقَدْ تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْكِتَابِ (٧).\nفَجَعَلَ مِنْ شَأْنِ الْمُتَّبِعِ لِلْمُتَشَابِهِ أَنَّهُ يُجَادِلُ فِيهِ وَيُقِيمُ النِّزَاعَ عَلَى (الْإِيمَانِ) (٨)، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الزَّائِغَ الْمُتَّبِعَ لِمَا تَشَابَهَ مِنَ الدَّلِيلِ لَا يَزَالُ فِي رَيْبٍ وَشَكٍّ، إِذِ الْمُتَشَابِهُ لَا يُعْطَى بَيَانًا شَافِيًا، وَلَا يَقِفُ مِنْهُ مُتَّبِعُهُ عَلَى حَقِيقَةٍ، فَاتِّبَاعُ الْهَوَى يُلْجِئُهُ إِلَى التَّمَسُّكِ بِهِ، وَالنَّظَرُ فيه لا يتخلص له، فهو (في) (٩) شَكٍّ أَبَدًا، وَبِذَلِكَ يُفَارِقُ الرَّاسِخَ فِي الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ جِدَالَهُ إِنِ افْتُقِرَ إِلَيْهِ (فَهُوَ فِي مَوَاقِعِ) (١٠) / الْإِشْكَالِ الْعَارِضِ طَلَبًا لِإِزَالَتِهِ، فَسُرْعَانَ مَا يَزُولُ إِذَا بَيَّنَ لَهُ مَوْضِعَ النَّظَرِ.\nوَأَمَّا ذُو الزَّيْغِ فَإِنَّ هَوَاهُ لَا يُخَلِّيهِ إِلَى طَرْحِ الْمُتَشَابِهِ، فَلَا يَزَالُ فِي جِدَالٍ عَلَيْهِ وطلب لتأويله.\n_________\n(١) وهي اتباع المتشابهات ومرت (٣/ ١٧١).\n(٢) في (غ) و(ر): \"عند\".\n(٣) ساقط من (ط) و(خ) و(ت)، وفي (م): \"بمعرفتهم\".\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"المتبع\".\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"علامة\".\n(٦) هو القاضي: إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد الأزدي، قاضي بغداد تقدمت ترجمته.\n(٧) انظر: الاعتصام - طبعة رشيد رضا - (١ ٥٤).\n(٨) في (م): \"الأحيان\". و(غ) و(ر).\n(٩) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"على\".\n(١٠) في (غ) و(ر): \"ففي مواضع\".","vol":"3","page":174},{"text":"وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ نَصَارَى نَجْرَانَ (١)، وَقَصْدِهِمْ أَنْ يُنَاظِرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي عِيسَى بن مريم ﵉، وأنه (الإله) (٢)، أَوْ أَنَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، مُسْتَدِلِّينَ بِأُمُورٍ مُتَشَابِهَاتٍ من قوله: (جعلنا) (٣)، وَخَلَقْنَا، وَهَذَا/ كَلَامُ جَمَاعَةٍ، وَمِنْ أَنَّهُ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ كَلَامُ طَائِفَةٍ أخرى (منهم) (٤)، وَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى أَصْلِهِ وَنَشْأَتِهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَكَوْنِهِ كَسَائِرِ بَنِي آدَمَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَتَلْحَقُهُ الْآفَاتُ وَالْأَمْرَاضُ. وَالْخَبَرُ مَذْكُورٌ فِي السِّيَرِ (٥).\nوَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ إِنَّمَا أَتَوْا لِمُنَاظَرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمُجَادَلَتِهِ لَا (بقصد) (٦) اتِّبَاعَ الْحَقِّ. وَالْجِدَالُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَنْقَطِعُ، وَلِذَلِكَ لَمَّا بيَّن لَهُمُ/ الْحَقَّ (وَلَمْ) (٧) يَرْجِعُوا (عَنْهُ) (٨) دُعُوا إِلَى أَمْرٍ آخَرَ خَافُوا مِنْهُ الْهِلْكَةَ فَكَفُّوا عَنْهُ، وَهُوَ الْمُبَاهَلَةُ (٩)، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ (١٠)، وَشَأْنُ هَذَا الْجِدَالِ أَنَّهُ شَاغِلٌ عَنْ ذِكْرِ الله وعن الصلاة، كالنرد، والشطرنج (ونحوهما) (١١).\nوَقَدْ نُقِلَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ (١٢) أَنَّهُ قال: جلس/ عمرو بن عبيد\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن جرير (٦ ٤٦٧ - ٤٧٥).\n(٢) في (ط) و(خ): \"الله\".\n(٣) في (ط) و(خ) و(غ) و(ر): \"فقلنا\".\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) انظر: طبقات ابن سعد (١ ٣٥٧)، وتهذيب السير لابن هشام (١ ٥٧٣). وتفسير ابن جرير (٦ ١٥١).\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"يقصدوا\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"لم\".\n(٨) في (غ) و(ر): \"حتى\".\n(٩) المباهلة: هي الملاعنة، وهي أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء، فيقولون: لعنة الله على الظالم منا. انظر لسان العرب، مادة: بهل.\n(١٠) سورة آل عمران: الآية (٦١).\n(١١) في (ط): \"وغيرهما\".\n(١٢) هو حماد بن زيد بن درهم الأزدي، تقدمت ترجمته.","vol":"3","page":175},{"text":"وشبيب بن شيبة (١) ليلة (يتخاصمان) (٢) إلى طلوع الفجر، قال: (فما صلُّوا وجعل عَمْرٌو) (٣) يَقُولُ: هِيهِ أَبَا مَعْمَرٍ، هِيهِ أَبَا مَعْمَرٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ أَحَدًا شَأْنُهُ أَبَدًا الْجِدَالُ فِي الْمَسَائِلِ مَعَ كُلِّ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، ثُمَّ لَا يَرْجِعُ وَلَا يَرْعَوِي، فَاعْلَمُوا أَنَّهُ زَائِغُ الْقَلْبِ مُتَّبِعٌ لِلْمُتَشَابِهِ فَاحْذَرُوهُ.\n/وَأَمَّا (الخاصية الأولى) (٤) فَعَامَّةٌ لِجَمِيعِ الْعُقَلَاءِ مِنْ (أَهْلِ) (٥) الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ التَّوَاصُلَ وَالتَّقَاطُعَ/ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ كُلِّهِمْ، وَبِمَعْرِفَتِهِ يُعْرَفُ أَهْلُهُ، وَهُوَ الَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ (حَدِيثُ) (٦) الْفِرَقِ، إِذْ أَشَارَ إِلَى الِافْتِرَاقِ شِيَعًا (بِقَوْلِهِ) (٧): \"وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى كَذَا\"، وَلَكِنَّ هَذَا الِافْتِرَاقَ إِنَّمَا يُعْرَفُ بَعْدَ (الْمُلَابَسَةِ) (٨) / وَالْمُدَاخَلَةِ، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ، فَلَهُ (علامات) (٩) تتضمن الدلالة/ على (التفرق) (١٠) (أول) (١١) مُفَاتَحَةُ الْكَلَامِ، وَذَلِكَ إِلْقَاءُ الْمُخَالِفِ لِمَنْ لَقِيَهُ ذم (سلفه) (١٢) المتقدمين (الذين) (١٣) اشْتَهَرَ عِلْمُهُمْ وَصَلَاحُهُمْ وَاقْتِدَاءُ الْخَلَفِ بِهِمْ، (وَيَخْتَصُّ) (١٤) بِالْمَدْحِ مَنْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ ذَلِكَ مِنْ شَاذٍّ مُخَالِفٍ لَهُمْ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.\nوَأَصْلُ هَذِهِ الْعَلَامَةِ فِي الِاعْتِبَارِ تَكْفِيرُ الْخَوَارِجِ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ - الصَّحَابَةَ الْكِرَامَ ﵃، فَإِنَّهُمْ ذَمُّوا مَنْ مدَحه اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَاتَّفَقَ السَّلَفُ الصَّالِحُ عَلَى مَدْحِهِمْ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، وَمَدَحُوا مَنِ اتفق السلف الصالح على\n_________\n(١) هو: شبيب بن شيبة أبو معمر المنقري البصري، قال عنه ابن معين: لم يكن بثقة. وقال أبو زرعة: ليس بالقوي. انظر: تاريخ بغداد (٩ ٢٧٤).\n(٢) في (غ) و(ر): \"يتخاصمون\".\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فلما صلوا جعل عمرو\". وفي تاريخ بغداد (٩ ٢٧٧) (١٢ ١٧٤): \"فما صلوا ليلتئذ ركعتين. قال: وجعلوا عمرو\".\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"ما يرجع للأول\".\n(٥) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٦) في (غ) و(ر): \"الحديث\".\n(٧) في (م) و(غ) و(ر): \"لقوله\".\n(٨) في (م): \"الملامسة\".\n(٩) في (غ) و(ر): \"علامة\".\n(١٠) في (ت): \"المفارقة\".\n(١١) في (ط) و(خ): \"أولا\".\n(١٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٣) في (ط): \"ممن\".\n(١٤) في (م) و(غ) و(ر): \"ويختصون\".","vol":"3","page":176},{"text":"ذَمِّهِ (كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ) (١) بْنِ مُلْجِمٍ قَاتِلِ عَلِيٍّ ﵁، وصوَّبوا قَتْلَهُ إِيَّاهُ، وَقَالُوا: إِنَّ/ فِي (شَأْنِهِ) (٢) نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ (٣)، وَأَمَّا الَّتِي قَبْلَهَا وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٤)، فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ عَلِيٍّ ﵁ وَكَذَبُوا - قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ـ، وَقَالَ عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ فِي مَدْحِهِ لِابْنِ مُلْجِمٍ:\nيَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا ... إِلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ رِضْوَانًا\nإِنِّي لَأَذْكُرُهُ يَوْمًا فَأَحْسَبُهُ ... أَوْفَى الْبَرِّيَّةِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزَانًا (٥)\nوَكَذَبَ - (لَعَنَهُ اللَّهُ) (٦) - (فَإِذَا) (٧) رَأَيْتَ مَنْ يَجْرِي عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ، فَهُوَ مِنَ الْفِرَقِ الْمُخَالَفَةِ، وَبِاللَّهِ التوفيق.\n/ وروي عن إسماعيل بن عُلَيَّةَ (٨)، قَالَ: حَدَّثَنِي الْيَسَعَ (٩)، قَالَ: تَكَلَّمَ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ (١٠) يَوْمًا - يَعْنِي الْمُعْتَزِلِيَّ - فَقَالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: أَلَا تَسْمَعُونَ؟ مَا كَلَامُ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ - عِنْدَمَا تَسْمَعُونَ ـ/ إِلَّا خِرْقَةُ حَيْضٍ ملقاة (١١).\nروي أَنَّ زَعِيمًا مِنْ زُعَمَاءِ أَهْلِ الْبِدْعَةِ كَانَ يُرِيدُ تَفْضِيلَ الْكَلَامِ عَلَى الْفِقْهِ، فَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ عِلْمَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، جُمْلَتُهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ سَرَاوِيلِ امْرَأَةٍ.\nهَذَا كَلَامُ هَؤُلَاءِ الزَّائِغِينَ، قَاتَلَهُمُ اللَّهُ.\nوَ(أَمَّا) (١٢) الْعَلَامَةُ التَّفْصِيلِيَّةُ فِي كُلِّ فِرْقَةٍ (فَقَدْ) (١٣) نبِّه عَلَيْهَا وَأُشِيرَ\n_________\n(١) في (م): \"وكعبد الله\".\n(٢) في (غ) و(ر): \"قتله\".\n(٣) سورة البقرة: الآية (٢٠٧).\n(٤) سورة البقرة: الآية (٢٠٤).\n(٥) انظر: أخبار الخوارج من الكامل للمبرد (ص٩).\n(٦) ساقط من (غ) و(ر).\n(٧) ساقط من (م) و(خ) و(ت).\n(٨) هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم المشهور بابن علية، تقدمت ترجمته.\n(٩) لم أعرف من هو؟.\n(١٠) هو واصل بن عطاء الغزال رأس المعتزلة، تقدمت ترجمته.\n(١١) انظر: الكامل لابن عدي (٥/ ١٠٣).\n(١٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٣) في (ت): \"قد\".","vol":"3","page":177},{"text":"إِلَى جُمْلَةٍ مِنْهَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، (وَفِي) (١) ظَنِّي أَنَّ مَنْ تَأَمَّلَهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ وَجَدَهَا منبَّهًا عَلَيْهَا وَمُشَارًا إِلَيْهَا، وَلَوْلَا أَنَّا فهمنا من الشرع الستر (عليها) (٢) لكان (للكلام) (٣) فِي تَعْيِينِهَا مَجَالٌ مُتَّسِعٌ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، وَقَدْ كُنَّا هَمَمْنَا بِذَلِكَ فِي مَاضِي الزَّمَانِ، فَغَلَبَنَا عَلَيْهِ مَا (دَلَّنَا) (٤) عَلَى أَنَّ الأَوْلى خِلَافُ/ ذَلِكَ (٥).\nفَأَنْتَ تَرَى أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي تعرَّضنا لِشَرْحِهِ لَمْ يعيِّن فِي الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ وَاحِدَةً/ مِنْهَا، لِهَذَا الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ - وَاللَّهُ أعلم - وإنما نبه عليها فِي الْجُمْلَةِ لِتُحْذَرَ مَظَانُّهَا، وعيَّن فِي الْحَدِيثِ المحتاج (إليها) (٦) / مِنْهَا وَهِيَ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ ليتحرَّاها الْمُكَلَّفُ، وَسَكَتَ عَنْ ذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ، لِأَنَّ ذِكْرَهَا فِي الْجُمْلَةِ يُفِيدُ الْأُمَّةَ الْخَوْفَ مِنَ الْوُقُوعِ فِيهَا، وَذَكَرَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِرْقَةً مِنِ الْفِرَقِ الْهَالِكَةِ لِأَنَّهَا - كَمَا قَالَ - أَشَدُّ (الْفِرَقِ) (٧) فتنة عَلَى الْأُمَّةِ، وَبَيَانُ كَوْنِهَا أَشَدَّ فِتْنَةً مِنْ غيرها سيأتي (بيانه) (٨) آخرًا إن شاء الله تعالى.\n\n/<span data-type=\"title\" id=toc-161>الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ:</span>\nإِنَّ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ افْتِرَاقَ الْيَهُودِ كَافْتِرَاقِ النَّصَارَى عَلَى إِحْدَى وسبعين (فرقة) (٩)، وَهِيَ (فِي) (١٠) رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ عَلَى الشَّكِّ، إحدى وسبعين، أو (اثنتين) (١١) وسبعين (١٢).\n_________\n(١) في (ط) و(خ): \"في\".\n(٢) في (غ) و(ر): \"فيها\".\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"في الكلام\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"دلت\".\n(٥) وقد ذكر بعضًا من العلامات التفصيلية في الموافقات (٤ ١٠٧).\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"إليه\".\n(٧) ساقط من (غ) و(ر).\n(٨) زيادة من (غ) و(ر).\n(٩) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٠) زيادة من (غ) و(ر).\n(١١) في (م): \"اثنين\". وفي (غ) و(ر) وسنن أبي داود (٤٥٦٩): \"ثنتين\".\n(١٢) تقدم تخريجه (٣/ ١٢٢).","vol":"3","page":178},{"text":"وَأُثْبِتَ فِي التِّرْمِذِيِّ فِي الرِّوَايَةِ الْغَرِيبَةِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ الثِّنْتَيْنِ وَالسَّبْعِينَ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ افْتِرَاقَ النَّصَارَى، وَذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَجْلِ أَنَّهُ إِنَّمَا أَجْرَى فِي الْحَدِيثِ ذِكْرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَطْ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حذوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلَانِيَةً لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ، وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تفرقت على ثنتين وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي ... \" الْحَدِيثَ (١).\n/وَفِي أَبِي دَاوُدَ، (الْيَهُودُ) (٢) وَالنَّصَارَى مَعًا إِثْبَاتُ الثِّنْتَيْنِ وَالسَّبْعِينَ/ (جزمًا) (٣) من غير شك (٤) (كما أثبتت الرواية الصحيحة في الترمذي الإحدى وَالسَّبْعِينَ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ) (٥).\nوخرَّج الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ افْتَرَقَتْ عَلَى إحدى وسبعين (ملة) (٦)، (وأن افتراق) (٧) هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً (٨).\nفَإِنْ بَنِينَا عَلَى إِثْبَاتِ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فَلَا إِشْكَالَ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ الْإِحْدَى وَالسَّبْعِينَ تَزِيدُ هَذِهِ الْأُمَّةَ فِرْقَتَيْنِ، وعلى رواية الثنتين وَالسَّبْعِينَ تَزِيدُ فِرْقَةً وَاحِدَةً، وَثَبَتَ فِي بَعْضِ كُتُبِ/ الْكَلَامِ فِي نَقْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْيَهُودَ افْتَرَقَتْ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ، وَأَنَّ النَّصَارَى افْتَرَقَتْ على ثنتين وَسَبْعِيْنَ فِرْقَةً، وَوَافَقَتْ سَائِرَ الرِّوَايَاتِ فِي افْتِرَاقِ (الأمة) (٩) على ثلاث وسبعين فرقة/ ولم\n_________\n(١) تقدم تخريجه (٣/ ١٢٢).\n(٢) في (غ) و(ر): \"لليهود\".\n(٣) زيادة من (غ) و(ر).\n(٤) تقدم تخريجه (٣/ ١٢٢).\n(٥) ما بين () زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) ساقط من (غ) و(ر).\n(٧) في (م) و(ت): \"وافتراق\". وفي (ط) و(خ): \"وافترقت\".\n(٨) لم أقف عليه عند الطبري، وأخرجه نحوه أبو يعلى في المسند (٧ ١٥٥)، برقم (٤١٢٧)، وفيه: يزيد بن أبان الرقاشي، ضعيف كما في التقريب (٧٦٨٣)، وبنحوه أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣ ٥٢)، وفيه أيضًا: يزيد الرقاشي، ويحيى بن عبد الله بن الضحاك البابلُتّي الحراني، ضعيف، كما في التقريب (٧٥٨٥).\n(٩) في (ط): \"هذه الأمة\".","vol":"3","page":179},{"text":"أرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ هَكَذَا فِيْمَا رَأَيْتُهُ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيْثِ إِلَّا مَا وَقَعَ فِي جَامِعِ ابن وهب من حديث علي ﵁، وَسَيَأْتِي.\nوَإِنْ بَنَيْنَا عَلَى إِعْمَالِ الرِّوَايَاتِ، فَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ رِوَايَةُ الْإِحْدَى وَالسَّبْعِينَ (وَقْتَ) (١) أُعْلِمَ بِذَلِكَ ثُمُّ أُعلم (بِزِيَادَةِ) (٢) فِرْقَةٍ، (إِمَّا) (٣) أَنَّهَا كَانَتْ فِيهِمْ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ في وقت (ثم أعلم بها فِي وَقْتٍ) (٤) آخَرَ، وَإِمَّا أَنْ تَكُوْنَ جُمْلَةُ الْفِرَقِ فِي الملَّتين ذَلِكَ الْمِقْدَارَ فَأُخْبِرَ/ بِهِ، ثُمَّ حَدَثَتِ الثَّانِيَةُ (وَالسَّبْعُونَ) (٥) فِيهِمَا فَأُخْبِرَ (بِذَلِكَ) (٦) ﷺ، (وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الِاخْتِلَافُ بِحَسَبِ التَّعْرِيفِ بِهَا أَوِ الْحُدُوثِ) (٧) وَاللَّهُ (أَعْلَمُ) (٨) بِحَقِيقَةِ الأمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>المسألة العاشرة:</span>\n(هذه) (٩) الأمة ظهر (فيها) (١٠) فرقة زائدة على الفرق (الأخرى) (١١) (لليهود) (١٢) وَالنَّصَارَى، فَالثِّنْتَانِ (وَالسَّبْعُونَ) (١٣) مِنَ الْهَالِكِينَ المتوعَّدين بِالنَّارِ، والواحدة في الجنة، فإذًا (قد) (١٤) انقسمت هذه الأمة بحسب هذا الافتراق (إلى) (١٥) قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ فِي النَّارِ وَقِسْمٌ فِي الْجَنَّةِ، وَلَمْ (يُبَيَّنْ) (١٦) ذَلِكَ فِي فِرَقِ الْيَهُودِ وَلَا فِي فِرَقِ النَّصَارَى، إِذْ لَمْ يُبَيِّنِ الْحَدِيثُ (إلا تقسيم\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"في وقت\".\n(٢) في (م): \"بالزيادة\".\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"إما\".\n(٤) ما بين () زياد من (غ) و(ر).\n(٥) في (ط) و(خ) و(ت): \"السبعين\".\n(٦) في (ط): \"ذلك\".\n(٧) ما بين () ساقط من (غ) و(ر).\n(٨) زيادة من (م) و(خ) و(غ) و(ر).\n(٩) في (م): \"المسألة هذه\". وفي (غ) و(ر): \"إن هذه\".\n(١٠) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"أن فيها\".\n(١١) في (غ) و(ر): \"الأخر\".\n(١٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"اليهود\".\n(١٣) في (م): \"والسبعين\".\n(١٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٥) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٦) في (غ) و(ر): \"يتبين\".","vol":"3","page":180},{"text":"هذه الْأُمَّةِ) (١) (فَيَبْقَى) (٢) النَّظَرُ: هَلْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِرْقَةٌ نَاجِيَةٌ أَمْ لَا؟ وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ (نظر ثان) (٣): هَلْ زَادَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ فِرْقَةً هَالِكَةً أَمْ لَا؟ وَهَذَا النَّظَرُ وَإِنْ كَانَ لَا يَنْبَنِي عليه (فقه) (٤) (وَلَكِنَّهُ) (٥) مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ فِي الْحَدِيثِ.\nفَظَاهِرُ النَّقْلِ فِي (مَوَاضِعَ مِنَ/ الشَّرِيعَةِ) (٦) أَنَّ كُلَّ طائفة/ من اليهود والنصارى لا بد أَنْ (يُوجَدَ) (٧) فِيهَا مَنْ آمَنَ بِكِتَابِهِ وَعَمِلَ (بِسُنَّتِهِ) (٨)، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٩)، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يفسق، وقال تعالى (في النصارى) (١٠): ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (١١)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ *﴾ (١٢)، وقال تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ (١٣) وَهَذَا كَالنَّصِّ.\n/ (وَفِي) (١٤) الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِي فَلَهُ أَجْرَانِ\" (١٥)، فَهَذَا يدل\n_________\n(١) في (ت): \"أن لا تقسيم لهذين الأمتين\". وفي (ط) و(م) و(خ): \"أن لا تقسيم لهذه الأمة\".\n(٢) في (ت): \"فينبغي\".\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"نظران\".\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) في (ط): \"لكنه\".\n(٦) في (ت): \"مواطن من مواضع من الشريعة\".\n(٧) في (م) و(غ) و(ر): \"وجد\".\n(٨) في (غ) و(ر): \"به\".\n(٩) سورة الحديد: الآية (١٦).\n(١٠) زيادة من (غ) و(ر).\n(١١) سورة الحديد: الآية (٢٧).\n(١٢) سورة الأعراف: الآية (١٥٩).\n(١٣) سورة المائدة: الآية (٦٦).\n(١٤) في (م): \"في\".\n(١٥) أخرجه البخاري في الصحيح (٣٤٤٦، ٣٠١١، ٢٥٥١، ٢٥٤٧، ٢٥٤٤، ٥٠٨٣٩٧)، وفي الأدب المفرد (٢٠٣)، ومسلم (١٥٤ و١٦٦٦)، وأبو داود الطيالسي في المسند (٥٠٢)، والحميدي في المسند (٧٦٨)، وأحمد في المسند (٤ ٣٩٥ و٤١٤)، والدارمي (٢٢٤٤)، وابن ماجه (١٩٥٦)، وأبو داود (٢٠٥٣)، والترمذي (١١١٦)، والنسائي (٣٣٤٤)، وأبي يعلى (٧٢٥٦)، وابن حبان (٢٢٧ و٤٠٥٣)، والطبراني في الصغير (١١٣) وفي الأوسط (١٨٨٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٣٥١٦ و١٥١٧).","vol":"3","page":181},{"text":"(بِإِشَارَتِهِ) (١) عَلَى الْعَمَلِ بِمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّهُ.\n/وخرَّج (عبد بن حميد) (٢) عن ابن مسعود قَالَ: قَالَ (لِي) (٣) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، قلت: لبيك رسول الله، قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، قُلْتُ: لبيك يا رسول الله، قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، قُلْتُ: لبيك يا رَسُولَ اللَّهِ) (٤)، قَالَ: أَتَدْرِي أَيُّ عُرَى الْإِيمَانِ أَوْثَقُ؟ - قَالَ - قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: الْوِلَايَةُ فِي اللَّهِ وَالْحُبُّ فِي اللَّهِ، وَالْبُغْضُ (في الله) (٥) - ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ - قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - قَالَ: أَتَدْرِي أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ أَفْضَلُهُمْ عَمَلًا إِذَا فقِهوا فِي دِينِهِمْ.\nثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - قَالَ: هَلْ تَدْرِي أي الناس أعلم؟ قلت: الله ورسوله/ أعلم، قَالَ: أَعْلَمُ النَّاسِ أَبْصَرُهُمْ (لِلْحَقِّ) (٦) إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ، وَإِنْ كَانَ مُقَصِّرًا فِي الْعَمَلِ، وَإِنْ كان يزحف على استه، وَاخْتَلَفَ مَنْ (كَانَ) (٧) قَبْلَنَا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً نَجَا (مِنْهُمْ) (٨) ثَلَاثٌ وَهَلَكَ سَائِرُهَا، فِرْقَةٌ (أزَّت) (٩) الْمُلُوكَ وَقَاتَلَتْهُمْ عَلَى دِينِ (اللَّهِ وَدِينِ) (١٠) عيسى بن مريم حتى قتلوا، وفرقة لم يكن لها طاقة/ (بمؤازاة) (١١) الْمُلُوكِ، فَأَقَامُوا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ قَوْمِهِمْ فَدَعَوْهُمْ إِلَى دين الله ودين\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"بإشارة\".\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"عبد الله بن عمر\".\n(٣) زيادة من (غ) و(ر).\n(٤) ما بين () زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فيه\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"بالحق\".\n(٧) زيادة من (غ) و(ر).\n(٨) في (غ) و(ر): منها.\n(٩) في (ط): \"آذت\" وهو خطأ، والصواب كما في بقية النسخ وروايات الحديث \"أَزَّت\" يعني بمقاومة، أصلها من أزز. انظر لسان العرب مادة: \"أزا\".\n(١٠) زيادة من (م) و(خ) و(غ) و(ر).\n(١١) في (ط): \"بمؤاذاة\" والصواب كما في بقية النسخ وروايات الحديث: \"بمؤازاة\" أي: بمقاومة. انظر لسان العرب مادة: \"أزا\".","vol":"3","page":182},{"text":"عيسى/ (بن مَرْيَمَ) (١) فَأَخَذَتْهُمُ الْمُلُوكُ (فَقَتَلَتْهُمْ) (٢) وَقَطَّعَتْهُمْ بِالْمَنَاشِيرِ، وَفِرْقَةٌ لم يكن لها طَاقَةٌ (بِمُؤَازَاةِ) (٣) الْمُلُوكِ وَلَا بِأَنْ يُقِيمُوا بَيْنَ ظَهَرَانَيْ قَوْمِهِمْ فَيَدْعُوهُمْ إِلَى دِينِ اللَّهِ وَدِينِ عيسى بن مريم، فساحوا في الجبال (وترهَّبوا) (٤) فِيهَا، (فَهُمُ) (٥) الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ ﷿ (فِيهِمْ) (٦): ﴿وَرَهْبَانِيَّةً/ ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٧)، فَالْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِي وصدَّقوا بِي، وَالْفَاسِقُونَ الذين كذَّبوا بي وجحدوا بي) (٨). فأخبر (في هذا الخبر) (٩) أَنْ فِرَقًا ثَلَاثًا نَجَتْ مِنْ تِلْكَ الْفِرَقِ الْمَعْدُودَةِ وَالْبَاقِيَةُ هَلَكَتْ.\nوخرَّج ابْنُ وَهْبٍ مِنْ حديث علي بن أبي طالب ﵁ أَنَّهُ دَعَا رَأْسَ (الْجَالُوتِ) (١٠) وَأَسْقُفَ/ النَّصَارَى فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكُمَا عَنْ أَمْرٍ وَأَنَا أَعْلَمُ به منكما فلا (تكتماني) (١١)، يا رأس الجالوت، أَنْشُدُكَ اللَّهَ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، وَأَطْعَمَكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، وَضَرَبَ لَكُمْ فِي الْبَحْرِ طَرِيقًا يَبَسًا، وَجَعَلَ لَكُمُ الْحَجَرَ الطُّورِيَّ يَخْرُجُ لكم منه (اثنتا) (١٢) عَشْرَةَ عَيْنًا لِكُلِّ سِبْطٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَيْنٌ، إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي عَلَى كَمِ (افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ) (١٣) مِنْ فِرْقَةٍ/ بَعْدَ مُوسَى؟ فَقَالَ لَهُ: ولا فرقة واحدة، فقال له علي (ثلاث مرات) (١٤): كَذَبْتَ وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، لَقَدِ افترقت على إحدى وسبعين\n_________\n(١) ساقط من (غ) و(ر).\n(٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) في (ط): \"بمؤاذاة\".\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ): \"وهربوا\".\n(٥) في (غ) و(ر): \"هم\".\n(٦) ساقط من (غ) و(ر).\n(٧) سورة الحديد: الآية (٢٧).\n(٨) تقدم تخريجه (١ ٣١٧).\n(٩) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٠) في (م): \"الجلوت\". ورأس الجالوت لقب يطلق على ملك اليهود، وكان يُسمى من قبل بالقطنون. فتح الباري (١٠ ٥٩٣).\n(١١) في (ط) و(خ): \"تكتما\". وفي (م): \"تكتموني\".\n(١٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"اثنتي\".\n(١٣) ما بين القوسين ساقط من (م). وفي (غ) و(ر): \"افترقت بنو إسرائيل\".\n(١٤) زيادة من (غ) و(ر).","vol":"3","page":183},{"text":"فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا (فِرْقَةً وَاحِدَةً) (١).\nثُمَّ دَعَا الْأَسْقُفَ (٢) فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى، وَجَعَلَ عَلَى رِجْلِهِ الْبَرَكَةَ، وَأَرَاكُمُ الْعِبْرَةَ، فَأَبْرَأَ الْأَكْمَهَ (وَالْأَبْرَصَ) (٣) وَأَحْيَا (الْمَوْتَى) (٤)، وَصَنَعَ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ طُيُورًا، وَأَنْبَأَكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تدَّخرون فِي بُيُوتِكُمْ، فَقَالَ: دُونَ هَذَا (الصِّدْقُ) (٥) يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ له علي ﵁: (على) (٦) كم افترقت (النصارى) (٧) بعد عيسى بن مَرْيَمَ مِنْ فِرْقَةٍ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ وَلَا فِرْقَةً، فَقَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: كَذَبْتَ،/ وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، لَقَدِ افْتَرَقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا (فرقة) (٨) واحدة، (ثم قال) (٩): (أَمَّا) (١٠) أَنْتَ يَا يَهُودِيُّ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ *﴾ (١١) فهي التي تنجو، (وأما أنت يا نصراني، فيقول: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ (١٢) الآية، فهذه التي تنجو) (١٣)، وأما نحن فيقول الله: ﴿وَمِمَنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ *﴾ (١٤).\n_________\n(١) في (ت) و(م): \"فرقة\".\n(٢) المراتب الدينية عند النصارى هي: البطرك (وهو البابا) والأسقف، والقسيس والراهب.\nأما البطرك: فهو رئيس الملة عندهم، وخليفة المسيح فيهم، وكان الأساقفة يدعون البطرك بالأب تعظيمًا له، فصار الأقِسَّة يدعون الأسقف فيما غاب عن البطرك بالأب أيضًا تعظيمًا له، فاشتبه الاسم في أعصار متطاولة، فأرادوا أن يميزوا البطرك من الأسقف في التعظيم، فدعوه البابا، ومعناه أبو الآباء.\nوأما الأسقف: فهو نائب البطرك حيث يبعث البطرك الأسقف إلى ما بعد عن البطرك من أمم النصرانية.\nوالقسيس: هو الإمام الذي يقيم الصلوات فيهم، ويفتيهم في الدين.\nوالراهب: هو المنقطع في الخلوة للعبادة، وأكثر خلواتهم في الصوامع. انظر: مقدمة ابن خلدون (١ ٢٨٩).\n(٣) ساقط من (غ) و(ر).\n(٤) في (غ) و(ر): \"الميتة\".\n(٥) في (ر): \"أصدق\".\n(٦) زيادة من (غ) و(ر).\n(٧) في (غ) و(ر): \"النصرانية\".\n(٨) زيادة من (غ) و(ر).\n(٩) في (ط): \"فقال\". في (م) و(خ): \"قال\". وهي ساقطة من (غ) و(ر).\n(١٠) في (غ) و(ر): \"فأما\".\n(١١) سورة الأعراف: الآية (١٥٩).\n(١٢) سورة المائدة: الآية (١٢٠).\n(١٣) ما بين () زيادة من (غ) و(ر).\n(١٤) سورة الأعراف: الآية (١٨١).","vol":"3","page":184},{"text":"فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ (١). فَفِي هَذَا أَيْضًا دَلِيلٌ.\nوَخَرَجَّهُ الْآجُرِّيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ بِمَعْنَى حَدِيثِ (عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ) (٢) عَنْهُ: إِنَّ وَاحِدَةً مِنْ فِرَقِ الْيَهُودِ وَمِنْ فِرَقِ النَّصَارَى فِي الْجَنَّةِ (٣).\nوخرَّج سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ/ لَمَّا طَالَ عَلَيْهِمُ/ الْأَمَدُ (فَقَسَتْ) (٤) قُلُوبُهُمُ اخْتَرَعُوا كِتَابًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمُ اسْتَهْوَتْهُ قُلُوبُهُمْ وَاسْتَحَلَّتْهُ أَلْسِنَتُهُمْ، وَكَانَ الْحَقُّ يَحُولُ (بينهم و) (٥) بَيْنَ كَثِيرٍ مِنْ شَهَوَاتِهِمْ، حَتَّى نَبَذُوا/ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، فَقَالُوا: اعْرِضُوا هَذَا الْكِتَابَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَإِنْ تابعوكم فاتركوهم، وإن خالفوكم فاقتلوهم، (ثم) (٦) قَالُوا: لَا، بَلْ أَرْسِلُوا إِلَى فُلَانٍ - رَجُلٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ - فَاعْرِضُوا عَلَيْهِ هَذَا الْكِتَابَ، فَإِنْ (تَابَعَكُمْ) (٧) فَلَنْ يُخَالِفَكُمْ أَحَدٌ بَعْدَهُ، وَإِنْ خَالَفَكُمْ فَاقْتُلُوهُ فَلَنْ يَخْتَلِفَ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَحَدٌ، فَأَرْسَلُوا إليه (فأخذ) (٨) ورقة فكتب فيها (كتاب الله) (٩) ثم/ جعلها في قرن، ثُمَّ عَلَّقَهَا فِي عُنُقِهِ، ثُمَّ لَبِسَ عَلَيْهَا الثِّيَابَ، ثُمَّ أَتَاهُمْ فَعَرَضُوا عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَقَالُوا: أتؤمن بهذا؟ (قال) (١٠) فَأَوْمَأَ إِلَى صَدْرِهِ فَقَالَ: آمَنْتُ بِهَذَا، وَمَا لي لا أؤمن بِهَذَا؟ - يَعْنِي الْكِتَابَ الَّذِي فِي (الْقَرْنِ) (١١) - فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، وَكَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَغْشَونه، فَلَمَّا مَاتَ نبشوه فوجدوا القرن ووجدوا (فيه) (١٢) الْكِتَابَ، فَقَالُوا:/ أَلَا تَرَوْنَ قَوْلَهُ: آمَنْتُ بِهَذَا، وما لي لا أؤمن بهذا؟ وإنما عنى\n_________\n(١) أخرجه ابن نصر في السنة برقم (٦٠) من طريق ابن وهب.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (م).\n(٣) أخرجه الآجري في الشريعة (٢٥)، وبنحوه في مسند أحمد (٣ ١٣٥)، ويشهد لمعناه حديث عوف بن مالك ﵁، أخرجه ابن ماجه (٣٩٩٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه.\n(٤) في (غ) و(ر): \"قست\".\n(٥) زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) زيادة من (غ) و(ر).\n(٧) في (م): \"بايعكم\".\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فأخذوا\".\n(٩) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الكتاب\".\n(١٠) زيادة من (غ) و(ر).\n(١١) في (غ) و(ر): \"القرآن\".\n(١٢) زيادة من (غ) و(ر).","vol":"3","page":185},{"text":"(هذا) (١) الكتاب (فاختلفت) (٢) بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَخَيْرُ مِلَلِهِمْ أَصْحَابُ ذَلِكَ الْقَرْنِ - قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ـ: (وإن من/ بقي منكم سيرى منكرًا، (وبحسب أمرئ، يَرَى مُنْكَرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرَهُ، إِنْ يعلم الله من قلبه أنه له كاره) (٣).\nفهذا الخبر أيضًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ (فِي) (٤) بَنِي إِسْرَائِيلَ فِرْقَةً كَانَتْ عَلَى الْحَقِّ الصَّرِيحِ فِي زَمَانِهِمْ، لَكِنْ لَا (أَضْمَنُ) (٥) عُهْدَةَ صِحَّتِهِ وَلَا صِحَّةَ مَا قَبْلَهُ.\nوَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَرِقَّةٌ نَاجِيَةٌ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ في هذه (الأمة) (٦) فرقة (هالكة) (٧) زائدة (بناءً) (٨) عَلَى رِوَايَةِ الثِّنْتَيْنِ وَالسَّبْعِينَ، أَوْ فِرْقَتَيْنِ بِنَاءً عَلَى رِوَايَةِ الْإِحْدَى وَالسَّبْعِينَ، فَيَكُونُ لَهَا نَوْعٌ مِنَ التَّفَرُّقِ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ،/ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ أَثْبَتَ أَنَّ هذه الأمة (تبعت) (٩) مَنْ قَبْلَهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ فِي أَعْيَانِ مخالفتها، فثبت أنها تبعتها في أمثال (بدعها) (١٠)، وهذه هي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ (عَشْرَةَ) </span>(١١):\nفَإِنَّ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ قَالَ: (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ\n_________\n(١) زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فاختلف\".\n(٣) هكذا في (ط) و(م) و(خ)، (بِحَسَبِ أَمْرِهِ، يَرَى مُنْكَرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرَهُ، إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ خَيْرًا كاره) والتصحيح من (غ) و(ر) ومن ابن جرير، وما بين القوسين () بياض في (ت) بمقدار سطر، والأثر أخرجه - مختصرًا - ابن جرير في تفسير سورة الحديد: الآية (١٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٠ ٣٣٣٩) برقم (١٨٨٢٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٩٥).\n(٤) ساقط من (م). وفي (ت) و(غ) و(ر): \"من\".\n(٥) في (م) و(غ) و(ر): \"أتضمن\".\n(٦) ساقط من (غ) و(ر).\n(٧) في (خ) و(ط) و(ت): \"ناجية\".\n(٨) زيادة من (غ) و(ر).\n(٩) في (ط): \"تبعث\".\n(١٠) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"بدعتها\".\n(١١) في (ت) و(خ) و(م): \"عشر\".","vol":"3","page":186},{"text":"وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ (ضب) (١) / لاتبعتموهم، قلنا: يا رسول الله، اليهود وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟) (٢)، زِيَادَةٌ إِلَى حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ الْغَرِيبِ، فَدَلَّ ضَرْبُ الْمِثَالِ فِي التَّعْيِينِ عَلَى أَنَّ الِاتِّبَاعَ فِي أَعْيَانِ أَفْعَالِهِمْ.\nوَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللِّيثِيِّ ﵁ قال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبل خَيْبَرَ (٣) وَنَحْنُ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ، وَلِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ حَوْلَهَا وَيَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ، يُقَالُ لَهَا ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: \"اللَّهُ أَكْبَرُ (هَذَا) (٤) كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلهة، (قال: إنكم قوم تجهلون) (٥) لتركبن سنن من كان قبلكم ... \" (٦).\n_________\n(١) في (م): \"ضب خرب\". وهي ليست في الصحيحين.\n(٢) أخرجه البخاري (٧٣٢٠، ٣٤٥٦)، ومسلم (٢٦٦٩)، وأبو داود الطيالسي (٢١٧٨)، وأحمد في المسند (٢ ٣٢٥ و٣٢٧ و٣٣٦ و٤٥٠ و٥١١ و٥٢٧) و(٣ ٨٤ و٨٩ و٩٤) و(٥ ٣٤٠)، وابن ماجه (٣٩٩٤)، والحارث بن أبي أسامة - بغية الباحث - (٧٥٤)، وأبو يعلى (٦٢٩٢)، وابن حبان (٦٧٠٣)، والطبراني في المعجم الكبير (٥٩٤٣ و٦٠١٧) و(١٧ ١٣ برقم٣)، وفي مسند الشاميين (٩٨٧)، والحاكم (١٠٦ و٤٤٥ و٨٤٠٤).\n(٣) هكذا في جميع النسخ، وهكذا وقعت الرواية في سنن الترمذي (٤/ ٤١٢) برقم (٢١٨٠) التي حققها كمال يوسف الحوت، إكمالًا لتحقيق أحمد شاكر، وهكذا وقعت الرواية في مسند أبي يعلى (٣/ ٣٠) برقم (١٤٤١)، ومعجم الصحابة لابن قانع (١/ ١٧٢) برقم (١٨٥).\nوجاءت بلفظ: \"حنين\" وهو الصواب، أخرجها بهذا اللفظ كل من أخرج الحديث سوى من ذكر قبل، إلا ابن حبان، فروى الحديث في صحيحه (١٥/ ٩٤) بلفظ: \"هوازن\" وهو معنى رواية \"حنين\"، ويظهر أن الشاطبي ﵀ نقل الحديث من بعض نسخ الترمذي، لأن في نسخة الترمذي برواية الكَرُوخي (١٤٣ل) بلفظ: \"حنين\" ولا يبعد التصحيف بين \"حنين\" و\"خيبر\" لما بينهما من المشابهة في الرسم.\n(٤) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٥) زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) الحديث ليس في أحد الصحيحين، ولعل المؤلف يقصد صحيح ابن حبان أو الترمذي، والحديث أخرجه أبو داود الطيالسي (١٣٤٦)، والحميدي في المسند (٨٤٨)، وأحمد في المسند (٢١٨٥)، وابن أبي عاصم في السنة (٧٦)، وحسنه الألباني، والترمذي (٢١٨٠) وأبو يعلى (١٤٤١)، وابن حبان (٦٧٠٢)، والطبراني في الكبير (٣٢٩١ و٣٢٩٤) وغيرهم.","vol":"3","page":187},{"text":"وَصَارَ حَدِيثُ الْفِرَقِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ صَادِقًا عَلَى أَمْثَالِ الْبِدَعِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ/ تَبْتَدِعُ فِي دِينِ (اللَّهِ) (١) مِثْلَ تِلْكَ الْبِدَعِ وَتَزِيدُ عَلَيْهَا بِبِدْعَةٍ لَمْ تَتَقَدَّمْهَا (فيها) (٢) وَاحِدَةٌ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الْبِدْعَةَ الزَّائِدَةَ (إِنَّمَا تُعْرَفُ بَعْدَ) (٣) مَعْرِفَةِ الْبِدَعِ الْأُخَرِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ/ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ، أَوْ لَا يسوغ التعريف به وإن عرف، (فلذلك) (٤) لَا تَتَعَيَّنُ الْبِدْعَةُ الزَّائِدَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\nوَفِي (الْحَدِيثِ) (٥) أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَأْخُذَ أُمَّتِي بِمَا أَخَذَ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِهَا شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ\"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمَا فَعَلَتْ فَارِسُ وَالرُّومُ؟ قَالَ: \"وَهَلِ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِكَ\" (٦)، وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ضَرْبُ مَثَلٍ، فَقَوْلُهُ: \"حَتَّى تأخذ أمتي بما أخذ القرون من قبلها\"، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَأْخُذُ بِمِثْلِ مَا أَخَذُوا/ بِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِي الِاتِّبَاعِ لَهُمْ أَعْيَانُ بِدَعِهِمْ، بَلْ قَدْ تَتَّبِعُهَا فِي أعيانها (وقد تتبعها) (٧) فِي أَشْبَاهِهَا، فَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ قَوْلُهُ: \"لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ\" الْحَدِيثَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: \"حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضب (خرب) (٨) لاتبعتموهم\".\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"الإسلام\".\n(٢) في (م) و(غ) و(ر).\n(٣) في (ت): \"لا تعرف إلا بعد\".\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فكذلك\".\n(٥) في (غ) و(ر): \"الصحيح\".\n(٦) أخرجه من حديث أبي هريرة أحمد في المسند (٢ ٣٢٥، ٣٢٧، ٣٣٦، ٣٦٧، ٥١١)، وابن أبي عاصم في السنة (١ ٣٦)، ونعيم بن حماد في الفتن (٢ ٧١١)، وأبو عمرو الداني في السنن الواردة في الفتن (٣ ٥٣٣). وأخرجه من حديث أبي سعيد الخدري البخاري في الصحيح (٧٣١٩)، ومسلم (٢٦٦٩)، وأحمد (٣ ٨٤، ٨٩، ٩٤)، وابن أبي عاصم في السنة (١ ٣٧)، وابن حبان في الصحيح (٦٧٠٣) وللحديث روايات متقاربة من حديث ابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وسهل بن سعد وشداد بن أوس.\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"وتتبعها\".\n(٨) ساقطة من (غ) و(ر).","vol":"3","page":188},{"text":"وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى الثَّانِي قَوْلُهُ: فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ. فَقَالَ ﷺ: \"هَذَا كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا\" الْحَدِيثَ، فَإِنَّ اتِّخَاذَ ذَاتِ أَنْوَاطٍ يُشْبِهُ اتِّخَاذَ الْآلِهَةِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، لَا أَنَّهُ هو (بعينه) (١) فلذلك/ لا يلزم (في) (٢) الاعتبار (بالمنصوص) (٣) عليه (أن يكون) (٤) مَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ/ مِثْلُهُ مِنْ كُلِّ وجه، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>المسألة الثانية عشرة </span>(٥):\nأنه ﷺ أَخْبَرَ أَنَّهَا كُلَّهَا فِي النَّارِ، وَهَذَا وَعِيدٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْفِرَقَ قَدِ ارْتَكَبَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مَعْصِيَةً كَبِيرَةً أَوْ ذَنْبًا عَظِيمًا، إِذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ ما يتوعد (الشرع) (٦) عليه (لخصوصه) (٧) (فهو) (٨) كَبِيرَةٌ، إِذْ لَمْ يَقُلْ: كُلُّهَا فِي النَّارِ، إِلَّا مِنْ جِهَةِ الْوَصْفِ (الَّذِي) (٩) افْتَرَقَتْ بِسَبَبِهِ عَنِ السَّوَادِ الْأَعْظَمِ وَعَنْ (جَمَاعَتِهِ) (١٠) وَلَيْسَ ذَلِكَ إلا البدعة الْمُفَرِّقَةِ، إِلَّا أَنَّهُ يُنْظَرُ فِي هَذَا الْوَعِيدِ هَلْ هُوَ أَبَدِيٌّ أَمْ لَا؟ وَإِذَا قُلْنَا إِنَّهُ غَيْرُ أَبَدِيٍّ: هَلْ هُوَ نَافِذٌ أَمْ فِي الْمَشِيئَةِ.\nأَمَّا الْمَطْلَبُ الْأَوَّلُ فَيَنْبَنِي عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْبِدَعِ مُخْرِجَةٌ مِنَ الْإِسْلَامِ، أَوْ ليست (بمخرجة) (١١)، وَالْخِلَافُ فِي الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُخَالِفِينَ فِي الْعَقَائِدِ مَوْجُودٌ - وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَبْلَ هَذِهِ - فحيث نقول بالتكفير (يلزم) (١٢)\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"بنفسه\".\n(٢) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٣) في (غ) و(ر): \"المنصوص\".\n(٤) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"عشر\".\n(٦) في (ط) و(ت): \"الشر\".\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فخصوصيته\".\n(٨) زيادة من (غ) و(ر).\n(٩) ما بين القوسين ساقط من (م).\n(١٠) في (غ) و(ر): \"الجماعة\".\n(١١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"مخرجة\".\n(١٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"لزم\".","vol":"3","page":189},{"text":"منه تأبيد (التعذيب بناءً) (١) عَلَى الْقَاعِدَةِ (إِنَّ الْكُفْرَ وَالشِّرْكَ) (٢) لَا يَغْفِرُهُ الله سبحانه.\n//وَإِذَا قُلْنَا بِعَدَمِ التَّكْفِيرِ فَيَحْتَمِلُ - عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ - أَمْرَيْنِ:\nأَحَدُهُمَا: نُفُوذُ الْوَعِيدِ مِنْ غَيْرِ غُفْرَانٍ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ، وَقَوْلُهُ هُنَا: \"كُلُّهَا فِي النَّارِ\" أَيْ مُسْتَقِرَّةٌ ثابتة فيها.\nفَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ إِنْفَاذُ الْوَعِيدِ بِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ. قِيلَ: بَلَى قَدْ قَالَ بِهِ طَائِفَةٌ منهم في بعض الكبائر (كقتل النفس عمدًا، وأشياء أُخر وإن كانوا قائلين بأن أهل الْكَبَائِرِ) (٣) فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، لَكِنْ/ دَلَّهُمُ الدَّلِيلُ فِي خُصُوصِ كَبَائِرَ عَلَى أَنَّهَا خَارِجَةٌ عن ذلك الحكم (٤)، ولا (بُعْدَ) (٥) (في) (٦) ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُتَّبَعَ هُوَ الدَّلِيلُ، فَكَمَا دَلَّهُمْ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْكَبَائِرِ عَلَى الْجُمْلَةِ فِي الْمَشِيئَةِ كَذَلِكَ دَلَّهُمْ عَلَى تَخْصِيصِ ذَلِكَ الْعُمُومِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٧) فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (٨) فأخبر أولًا أن جزاؤه جهنم، وبالغ في ذلك بقوله تعالى:\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"التحريم\".\n(٢) في (غ) و(ر): \"على أن الشرك والكفر\".\n(٣) ما بين () زيادة من (غ) و(ر).\n(٤) مسألة القاتل عمدًا، ذهب فيها بعض السلف إلى أن القاتل عمدًا لا توبة له، وممن ذهب إلى هذا القول: زيد بن ثابت وأبو هريرة وعبد الله بن عمر وأبو سلمة بن عبد الرحمن والحسن وقتادة والضحاك بن مزاحم، والذي عليه الجمهور أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله ﷿، والأدلة على ذلك كثيرة، ومنها عموم قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وهذا الذي رجحه ابن جرير وابن تيمية وابن كثير وغيرهم من أهل العلم. انظر: تفسير ابن جرير (٩ ٥٧ - ٧٠)، وتفسير ابن كثير (١ ٥٣٥ - ٥٣٩)، وفتح القدير للشوكاني (١ ٤٩٧ - ٤٩٩)، وزاد المسير لابن الجوزي (٢ ٩٣)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥ ٢١٣ - ٢١٥)، ومجموع الفتاوى (١٦ ٢٥).\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"بد\".\n(٦) في (ط): \"من\".\n(٧) سورة النساء: الآية (٤٨).\n(٨) سورة النساء: الآية (٩٣).","vol":"3","page":190},{"text":"﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ عِبَارَةٌ عَنْ طُولِ الْمُكْثِ فِيهَا، ثُمَّ عَطَفَ بالغضب (عليه) (١)، ثُمَّ بِلَعْنَتِهِ، ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾، وَالْإِعْدَادُ قَبْلَ الْبُلُوغِ إِلَى المُعد مِمَّا يَدُلُّ عَلَى حُصُولِهِ لِلْمُعَدِّ لَهُ، وَلِأَنَّ الْقَتْلَ اجْتَمَعَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ وَحَقُّ الْمَخْلُوقِ وَهُوَ الْمَقْتُولُ.\nقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ/ التَّوْبَةِ من مظالم العباد تحللهم أو رد/ (التبعات) (٢) إليهم. وهذا (مما لا سبيل) (٣) (للقاتل) (٤) إِلَيْهِ إِلَّا بِأَنْ يُدْرِكَ الْمَقْتُولَ حَيًّا فَيَعْفُوَ عنه (بطيب) (٥) نفسه، (كذلك قال) (٦).\nوَأَوْلَى مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنْ نَقُولَ: وَمِنْ شَرْطِ خُرُوجِهِ مِنْ تِبَاعَةِ الْقَتْلِ مَعَ التَّوْبَةِ (لله) (٧) استدراك ما (فوّت) (٨) على المجني عليه (إما بالتحلل منه) (٩)، وإما بِبَذْلِ الْقِيمَةِ لَهُ، وَهُوَ أَمْرٌ لَا يُمْكِنُ (بعد) (١٠) فوت المقتول. فكذلك (يُمْكِنُ) (١١) فِي صَاحِبِ الْبِدْعَةِ مِنْ جِهَةِ الْأَدِلَّةِ، فَرَاجِعْ مَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الثَّانِي تَجِدُ فِيهِ كَثِيرًا مِنَ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ الْمُخَوِّفِ جِدًّا.\n/وَانْظُرْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ *﴾ فَهَذَا وَعِيدٌ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ وَتَسْوِيدُ الْوُجُوهِ عَلَامَةُ الْخِزْيِ وَدُخُولِ (النَّارِ) (١٢)، ثُمَّ قال تعالى: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ وَهُوَ تَقْرِيعٌ وَتَوْبِيخٌ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ (١٣)، وهو تأكيد آخر.\n_________\n(١) زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) في (ت) و(غ) و(ر): \"التباعات\".\n(٣) في (م): \"ما لسبيل\".\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"إلى القاتل\".\n(٥) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٦) زيادة من (غ) و(ر).\n(٧) زيادة من (غ) و(ر).\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فات\".\n(٩) ما بين القوسين ساقط من (ط) و(خ).\n(١٠) ساقط من (غ) و(ر).\n(١١) هكذا في سائر النسخ ولعل الصواب: (لا يمكن).\n(١٢) في (ط): \"النار النار\".\n(١٣) سورة آل عمران: الآية (١٠٦).","vol":"3","page":191},{"text":"وَكُلُّ هَذَا التَّقْرِيرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَاتِ أَهْلُ (الْقِبْلَةِ) (١) مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ؛ لِأَنَّ الْمُبْتَدِعَ إِذَا اتُّبع فِي بِدْعَتِهِ لَمْ/ يُمْكِنْهُ التَّلَافِي - غَالِبًا - فِيهَا، وَلَمْ يَزَلْ أَثَرُهَا فِي الأرض (مستطيرًا) (٢) إلى (يوم القيامة) (٣) قِيَامِ السَّاعَةِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ بِسَبَبِهِ، فَهِيَ أَدْهَى مِنْ قَتْلِ النَّفْسِ.\nقَالَ مَالِكٌ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: إِنَّ الْعَبْدَ لَوِ ارْتَكَبَ جَمِيعَ الْكَبَائِرِ بعد أن لا يشرك بالله شيئًا (رجوت) (٤) لَهُ أَرْفَعُ الْمَنَازِلِ، لِأَنَّ كُلَّ ذَنَبٍ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ هُوَ/ مِنْهُ عَلَى رَجَاءٍ، (وَصَاحِبُ الْبِدْعَةِ لَيْسَ هُوَ مِنْهَا عَلَى رَجَاءٍ) (٥)، (إِنَّمَا) (٦) يُهوى (بِهِ) (٧) فِي نَارِ جَهَنَّمَ (٨). فَهَذَا مِنْهُ نص (في إنفاذ) (٩) الوعيد.\n(والمطلب) (١٠) الثاني: أَنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِأَنْ يَشَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إصلاءهم (النَّارِ) (١١)، وَإِنَّمَا (حُمِلَ) (١٢) قَوْلُهُ: (كُلُّهَا فِي النَّارِ)، أَيْ هِيَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ النَّارَ، كَمَا قَالَتِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ (١٣) / أي ذلك جزاؤه (إن جازاه) (١٤)، فَإِنْ عَفَا عَنْهُ فَلَهُ الْعَفْوُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ/ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١٥)، فَكَمَا ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى أَنَّ الْقَاتِلَ فِي الْمَشِيئَةِ (١٦) - وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الِاسْتِدْرَاكُ كَذَلِكَ - يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ هُنَا بمثله.\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"الغفلة\".\n(٢) في (ط): \"مستطيل\".\n(٣) زيادة من (م).\n(٤) في (ط) و(ت): \"وجبت\". وفي (ت) و(م): \"رجيت\".\n(٥) ساقط من (غ) و(ر).\n(٦) في (غ) و(ر): \"إما\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"بها\".\n(٨) بنحوه في حلية الأولياء (٦ ٣٢٥).\n(٩) في (غ) و(ر): \"بإنفاذ\".\n(١٠) ما بين القوسين زيادة من (ت).\n(١١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"في النار\".\n(١٢) في (غ) و(ر): \"يحمل\".\n(١٣) سورة النساء: الآية (٩٣).\n(١٤) ساقط من (ط).\n(١٥) سورة النساء: الآية (٤٨).\n(١٦) تقدم الكلام على هذه المسألة (٣/ ١٨٩).","vol":"3","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>المسألة/ الثالثة/ عشرة </span>(١):\nإن قوله ﷺ: \"إِلَّا وَاحِدَةً\"، قَدْ أَعْطَى بِنَصِّهِ أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ لَا (يَخْتَلِفُ) (٢)، إِذْ لَوْ كَانَ لِلْحَقِّ فِرَق أَيْضًا لَمْ يَقُلْ: \"إِلَّا وَاحِدَةً\"، وَلِأَنَّ الِاخْتِلَافَ مَنْفِيٌّ عَنِ الشَّرِيعَةِ بِإِطْلَاقٍ، لِأَنَّهَا الْحَاكِمَةُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٣) الآية، (فردَّ) (٤) (التَّنَازُعِ) (٥) إِلَى الشَّرِيعَةِ، فَلَوْ كَانَتِ الشَّرِيعَةُ تَقْتَضِي الْخِلَافَ لَمْ يَكُنْ فِي الرَّدِّ إِلَيْهَا فَائِدَةٌ، وَقَوْلُهُ: (فِي شَيْءٍ)، نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ، فَهِيَ صِيغَةٌ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ، فَتَنْتَظِمُ كُلُّ تَنَازُعٍ عَلَى الْعُمُومِ، فَالرَّدُّ فِيهَا لَا يَكُونُ إلا (إلى أمر) (٦) وَاحِدٍ فَلَا يَسَعُ أَنْ يَكُونَ أَهْلُ الْحَقِّ فِرقًا.\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ (٧)، وَهُوَ نَصٌّ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّ السَّبِيلَ الْوَاحِدَ لَا يَقْتَضِي الِافْتِرَاقَ، بِخِلَافِ السُّبُلِ الْمُخْتَلِفَةِ.\nفَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْعَاشِرَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (وَاخْتَلَفَ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، نَجَا مِنْهَا ثَلَاثٌ وَهَلَكَ سَائِرُهَا) (٨) إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، فَلَوْ لَزِمَ مَا قُلْتَ لَمْ يَجْعَلْ أُولَئِكَ الْفِرَقَ ثَلَاثًا، وَكَانُوا فِرْقَةً وَاحِدَةً، وَحِينَ (بُيِّنُوا) (٩) ظَهَرَ أنهم كُلُّهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَالصَّوَابِ، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْفِرَقُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، لَوْلَا أَنَّ الْحَدِيثَ/ أَخْبَرَ أَنَّ النَّاجِيَةَ وَاحِدَةٌ.\nفَالْجَوَابُ: / أَوَّلًا: أَنَّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ لَمْ نَشْتَرِطِ الصِّحَّةَ فِي نقله، إذ لم\n_________\n(١) في (ت) و(خ) و(م): \"عشر\".\n(٢) في (غ) و(ر): \"مختلف\".\n(٣) سورة النساء: الآية (٥٩).\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"إذ رد\".\n(٥) في (ت): \"المتنازع\".\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"لأمر\".\n(٧) سورة الأنعام: الآية (١٥٣).\n(٨) تقدم تخريجه (٣/ ١٨٢).\n(٩) في (خ): \"ينيوا\".","vol":"3","page":193},{"text":"نَجِدُهُ فِي الْكُتُبِ الَّتِي لَدَيْنَا الْمُشْتَرَطُ فِيهَا الصِّحَّةُ (١).\n/وَثَانِيًا: أَنَّ تِلْكَ الْفِرَقَ إِنْ عُدَّتْ (هنالك ثلاثًا فإنما عدت هنا) (٢) وَاحِدَةً لِعَدَمِ الِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمْ فِي أَصْلِ الِاتِّبَاعِ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ (عَدَمِهَا) (٣)، وَفِي كَيْفِيَّةِ الأمر والنهي خاصة.\nفهذه الفرق لا (تتنافى لصحة) (٤) الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ فِي مِلَّتِنَا بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ عَلَى مَرَاتِبَ: فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ بِالْيَدِ وَهُمُ الْمُلُوكُ (وَالْحُكَّامُ) (٥) وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدِرُ بِاللِّسَانِ كَالْعُلَمَاءِ وَمَنْ قَامَ مَقَامَهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَقْدِرُ إِلَّا بِالْقَلْبِ، إِمَّا مَعَ الْبَقَاءِ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ (إِذْ لَمْ يَقْدِرْ) (٦) عَلَى الْهِجْرَةِ أَوْ مَعَ الْهِجْرَةِ إِنْ (قَدَرَ) (٧) /عَلَيْهَا، وجميع ذلك (خصلة) (٨) وَاحِدَةٌ مِنْ خِصَالِ الْإِيمَانِ، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الحديث قوله ﷺ: \"لَيْسَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنِ الْإِيمَانِ حَبَّةَ خَرْدَلٍ\" (٩).\nفَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَضُرُّنَا عدُّ النَّاجِيَةِ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ ثَلَاثًا بِاعْتِبَارٍ، وَعَدُّهَا وَاحِدَةً بِاعْتِبَارٍ آخَرَ، وَإِنَّمَا يَبْقَى النَّظَرُ فِي عَدِّهَا اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فَتَصِيرُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ سَبْعِينَ، وَهُوَ مُعَارِضٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ جِهَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ فِرَقِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَفِرَقِ غَيْرِهَا، مَعَ قَوْلِهِ: (لتركبن سنن من كان قبلكم\n_________\n(١) لا يلزم عدم ورود الحديث في الكتب التي اشترط أصحابها الصحة عدم صحة الحديث، بل هناك أحاديث صحيحة كثيرة في كتب لم يلتزم أصحابها صحة كل ما فيها.\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"هنا ثلاثًا فإنما عدت هناك\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"في عدمها\".\n(٤) في (ط) و(خ) و(ت): \"لا تنافي الصحة\".\n(٥) في (ط) و(خ): \"والحكماء\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"إذا لم يقدروا\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"قدروا\".\n(٨) في (ط): \"خطة\".\n(٩) أخرجه مسلم (٤٩)، وأحمد في المسند (٣ ١٠ و٢٠ و٤٩ و٥٤)، وابن ماجه (١٢٧٥ و٤٠١٣)، وأبو داود (١١٤٠ و٤٣٤٠)، والنسائي في المجتبى (٥٠٠٨)، وفي السنن الكبرى (١١٧٣٩)، وأبو يعلى (١٠٠٩)، وابن حبان (٣٠٦ و٣٠٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (١١٢٩٣ و١٤٣٢٥ و١٩٩٦٦).","vol":"3","page":194},{"text":"شبرًا بشبر وذراعًا بذراع) (١).\n(ويمكن) (٢) فِي الْجَوَابِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُتْرَكَ الكلام في (هذا) (٣) رأسًا (إذ) (٤) خَالَفَ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِيهِ (إِحْدَى وَسَبْعِينَ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ (ثِنْتَيْنِ/ وَسَبْعَيْنِ).\n/وإما أن (يتأول) (٥) أن (الثلاث) (٦) الَّتِي نَجَتْ لَيْسَتْ فِرَقًا ثَلَاثًا، وَإِنَّمَا هِيَ فِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ انْقَسَمَتْ إِلَى الْمَرَاتِبِ/ الثَّلَاثِ، لِأَنَّ الرِّوَايَةَ الْوَاقِعَةَ/ فِي تَفْسِيرِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ هِيَ قَوْلُهُ: (نَجَا مِنْهَا ثَلَاثٌ) وَلَمْ يُفَسِّرْهَا بِثَلَاثِ فِرَقٍ وَإِنْ كَانَ هُوَ ظَاهِرَ الْمَسَاقِ، ولكن قَصْدَ الجمع بين الروايات ومعاني (الأحاديث) (٧) أَلْجَأَ إِلَى ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ رسوله من ذلك. وقوله ﷺ: \"كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً\" ظَاهِرٌ فِي الْعُمُومِ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ، وفسَّره الْحَدِيثُ الْآخَرُ: \"ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ\"، وَهَذَا/ نَصٌّ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ </span>(٨):\nأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يعيِّن من الفرق (فِرْقَةً) (٩) وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا تَعَرَّضَ لِعَدِّهَا خَاصَّةً، وَأَشَارَ إلى الفرقة النَّاجِيَةِ حِينَ سُئِلَ عَنْهَا، وَإِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَلَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ لِأُمُورٍ:\nأَحَدُهَا: أَنَّ تَعْيِينَ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ هُوَ الْآكَدُ فِي الْبَيَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَعَبُّدِ الْمُكَلَّفِ وَالْأَحَقِّ بِالذِّكْرِ، إِذْ لَا يَلْزَمُ تَعْيِينُ الْفِرَقِ الْبَاقِيَةِ إِذَا عينت الواحدة،\n_________\n(١) تقدم تخريجه (٣/ ١٨٧).\n(٢) في (ط): \"ويمكن أن يكون في الجواب\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"ذلك\".\n(٤) في (ط): \"إذا\".\n(٥) في (غ) و(ر): \"نتأول\".\n(٦) في (ط) و(خ): \"الثلاثة\".\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الحديث\".\n(٨) في (ت) و(خ) و(م): \"عشر\".\n(٩) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"إلا فرقة\".","vol":"3","page":195},{"text":"وأيضًا فلو عينت الفرق كلها إلا هذه (الواحدة) (١) لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ بَيَانِهَا، لَأَنَّ الْكَلَامَ فيها يقتضي ترك أمور (هي) (٢) بدع، وَالتَّرْكُ لِلشَّيْءِ لَا يَقْتَضِي فِعْلَ شَيْءٍ آخَرَ لَا ضِدًّا وَلَا خِلَافًا، فَذِكْرُ الْوَاحِدَةِ هُوَ المفيد على الإطلاق.\nوالثاني: أَنَّ ذَلِكَ أَوْجَزُ لِأَنَّهُ إِذَا ذُكِرَتْ نِحْلَةُ (الْفِرْقَةِ) (٣) النَّاجِيَةِ عُلِمَ عَلَى الْبَدِيهَةِ أَنَّ مَا سِوَاهَا/ (مِمَّا) (٤) يُخَالِفُهَا لَيْسَ بِنَاجٍ وَحَصَلَ التَّعْيِينُ بِالِاجْتِهَادِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا ذُكِرَتِ الْفِرَقُ إِلَّا النَّاجِيَةَ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي شَرْحًا كَثِيرًا، وَلَا يَقْتَضِي في الفرقة الناجية اجتهادًا، لِأَنَّ إِثْبَاتَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي تَكُونُ مُخَالَفَتُهَا بِدَعًا لا حظَّ للعقل في الاجتهاد فيها.\n/وَالثَّالِثُ: أَنَّ ذَلِكَ أَحْرَى بِالسَّتْرِ، كَمَا تَقَدَّمَ بيانه (٥) في مسألة (تعيين) (٦) الْفِرَقِ، وَلَوْ فُسِّرت لَنَاقَضَ ذَلِكَ قَصْدَ السَّتْرِ،/ فَفَسَّرَ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ وَتَرَكَ مَا لَا يحتاج إليه إلا من جهة المخالفة، فالعقل وَرَاءَ ذَلِكَ مَرْمَى تَحْتَ أَذْيَالِ السَّتْرِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، فبيَّن النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: \"مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي\" (٧)، وَوَقَعَ ذَلِكَ جَوَابًا لِلسُّؤَالِ الَّذِي سَأَلُوهُ إِذْ قَالُوا: مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ الفرقة الناجية من (اتصفت) (٨) بأوصافه ﷺ وَأَوْصَافِ أَصْحَابِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ غَيْرَ خفي فاكتفوا به، وربما يحتاج إلى تفسيره بالنسبة إلى من بعُد (عن) (٩) (تِلْكَ) (١٠) الْأَزْمَانِ.\nوَحَاصِلُ الْأَمْرِ أَنَّ أَصْحَابَهُ كَانُوا مُقْتَدِينَ بِهِ مُهْتَدِينَ بِهَدْيِهِ، وَقَدْ جَاءَ مَدْحُهُمْ في القرآن الكريم وأثنى عليهم مَتْبوعُهم مُحَمَّدٍ ﷺ، وَإِنَّمَا (كان) (١١) خُلُقه ﷺ الْقُرْآنُ، فَقَالَ تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ *﴾ (١٢)، فالقرآن\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الأمة\".\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"وهي\".\n(٣) ساقط من (غ) و(ر).\n(٤) في (م): \"إنما\".\n(٥) انظر: (٣/ ١٥٨).\n(٦) زيادة من (غ) و(ر).\n(٧) سبق تخريجه (٣/ ١٢٢).\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"اتصف\".\n(٩) زيادة من (غ) و(ر) و(ت).\n(١٠) في (ت): \"ذلك\".\n(١١) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٢) سورة القلم: الآية (٤).","vol":"3","page":196},{"text":"(إذًا) (١) هُوَ الْمَتْبُوعُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَجَاءَتِ السُّنَّةُ مُبَيِّنَةً/ لَهُ، فَالْمُتَّبِعُ لِلسُّنَّةِ مُتَّبِعٌ لِلْقُرْآنِ، وَالصَّحَابَةُ كَانُوا أَوْلَى النَّاسِ/ بِذَلِكَ، فَكُلُّ مَنِ اقْتَدَى بِهِمْ فَهُوَ مِنَ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ الدَّاخِلَةِ (لِلْجَنَّةِ) (٢) بِفَضْلِ اللَّهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵊: \"ما أنا عليه وأصحابي\" فَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ هُوَ الطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ، وَمَا سِوَاهُمَا مِنَ الْإِجْمَاعِ وَغَيْرِهِ فَنَاشِئٌ عَنْهُمَا، هَذَا هُوَ الْوَصْفُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، وَهُوَ مَعْنَى مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مِنْ قَوْلِهِ: (وَهِيَ الْجَمَاعَةُ) لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي وَقْتِ الْإِخْبَارِ كَانُوا عَلَى ذَلِكَ الْوَصْفِ، إِلَّا أَنَّ فِي لَفْظِ الْجَمَاعَةِ معنى (آخر) (٣) (تَرَاهُ) (٤) بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.\n/ثُمَّ إِنَّ في هذا التعريف نظرًا لا بد من الكلام (عليه) (٥) وذلك أن كل داخل تحت ترجمة الْإِسْلَامِ مِنْ سُنِّيٍّ أَوْ مُبْتَدِعٍ مُدَّعٍ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي نَالَ رُتْبَةَ النَّجَاةِ وَدَخَلَ فِي غِمَارِ/ تِلْكَ الْفِرْقَةِ، إِذْ لَا يَدَّعِي/ (خِلَافَ) (٦) ذَلِكَ إِلَّا مَنْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ، وَانْحَازَ إِلَى فِئَةِ الْكُفْرِ، كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَفِي مَعْنَاهُمْ من دخل بظاهره في الإسلام وَهُوَ/ مُعْتَقِدٌ غَيْرَهُ كَالْمُنَافِقِينَ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَرْضَ لِنَفْسِهِ إِلَّا بِوَصْفِ الْإِسْلَامِ وَقَاتَلَ سَائِرَ الْمِلَلِ عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَرْضَى لِنَفْسِهِ (بِأَخَسِّ) (٧) مَرَاتِبِهَا وَهُوَ (مُدَّعٍ أَحْسَنَهَا) (٨)، وهو (العلم) (٩) فَلَوْ عَلِمَ الْمُبْتَدِعُ أَنَّهُ مُبْتَدِعٌ لَمْ يَبْقَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ وَلَمْ يُصَاحِبْ أَهْلَهَا، فَضْلًا عن أن يتخذها دينًا يدين به الله، وَهُوَ أَمْرٌ مَرْكُوزٌ فِي الْفِطْرَةِ لَا يُخَالِفُ فيه عاقل.\nفَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ فِرْقَةٍ تُنَازِعُ صَاحِبَتَهَا في فرقة النجاة. ألا ترى أن\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"إنما\".\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"إلى الجنة\".\n(٣) زيادة من (غ) و(ر).\n(٤) في (غ) و(ر): \"نذكره\".\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"عليه فيه\".\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (م). وفي (غ) و(ر): \"غير\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"بأخص\".\n(٨) في (م): \"مدح أخصها\". وفي (غ) و(ر): \"مدع أخصها\".\n(٩) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"المعلم\".","vol":"3","page":197},{"text":"المبتدع آخذ أبدًا في تحسين حالته شرعًا وتقبيح حالة غيره.\n(فالظاهري) (١) يدَّعي أنه (هو) (٢) المتبع للسنة، (والقايس) (٣) يدَّعي أَنَّهُ الَّذِي فَهِمَ الشَّرِيعَةَ، وَصَاحِبُ نَفْيِ الصفات يدعي أنه الموحد.\nوالقائل باستقلال (قدرة) (٤) العبد (يدَّعي) (٥) أنه صاحب العدل، (ولذلك) (٦) سَمَّى الْمُعْتَزِلَةُ أَنْفُسَهُمْ أَهْلَ الْعَدْلِ وَالتَّوْحِيدِ، والمشبِّه يَدَّعِي أَنَّهُ الْمُثْبِتُ لِذَاتِ الْبَارِي وَصِفَاتِهِ، لِأَنَّ نَفْيَ التَّشْبِيهِ عِنْدَهُ نَفْيٌ مَحْضٌ، وَهُوَ الْعَدَمُ.\n(وَكَذَلِكَ) (٧) كَلُّ طَائِفَةٍ مِنَ الطَّوَائِفِ (الَّتِي) (٨) ثَبَتَ لَهَا اتِّبَاعُ الشَّرِيعَةِ أَوْ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا.\nوَإِذَا رَجَعْنَا إِلَى الِاسْتِدْلَالَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ أَوِ السُّنِّيَّةِ عَلَى الْخُصُوصِ، فَكُلُّ طَائِفَةٍ تَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ أَيْضًا.\nفالخوارج تحتج بقوله ﷺ: \"لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي/ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ\" (٩)، وَفِي رِوَايَةٍ: \"لا يضرهم/ خلاف من خالفهم\"،\n_________\n(١) في (ط): \"فالظاهر\".\n(٢) ساقطة من (ط).\n(٣) في (ط) و(خ): \"والغاش\". وفي (م): \"والقاصر\".\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (م) و(خ) و(ت).\n(٦) في (ط) و(خ): \"كذلك\".\n(٧) في (م): \"ولذلك\".\n(٨) في (م) و(خ): \"الذي\".\n(٩) هذا حديث متواتر روي عن عدد كبير من الصحابة، وأخرجه أكثر المحدثين في تصانيفهم منهم البخاري (٣٦٤٠، ٧٤٥٩، ٧٣١١، ٣٦٤١)، ومسلم (١٩٢٤، ١٩٢٣، ١٩٢٠، ١٠٣٧، ١٧٤)، وأحمد (٢ ٣٢١ و٣٤٠ و٣٧٩) و(٣ ٤٣٦) و(٤ ٩٧ و١٠١) و(٥ ٣٥ و٢٧٩)، وابن الجعد في مسنده (١٠٧٦)، وأبو داود (٢٤٨٤)، وابن ماجه (٦ - ١٠)، والترمذي (٢١٩٢ و٢٢٢٩)، وأبو يعلى (٦٤١٧ و٧٣٨٣)، وابن حبان (٦١ و٦٨٣٤ و٦٨٣٥)، والطبراني في الأوسط (٧٤)، وفي الكبير (٢٠٠١ و٦٣٥٧ و٧٦٤٣) و(١٧ ٣١٤ برقم ٨٦٩ و٨٧٠) و(١٩ برقم ٨٠١ و٨٧٠ و٨٩٣)، و(٢٠ برقم ٩٦٠ - ٩٦٢)، وفي مسند الشاميين (٥٧ و٨٦٠ و١٥٦٣)، والحاكم (٨٣٨٩) والشهاب في مسنده (٩١٣ و٩١٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٨٦٠٥)، وغيرهم.","vol":"3","page":198},{"text":"و\"من قتل دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ\" (١).\n(وَالْقَاعِدُ) (٢) يَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ: \"عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ (مَعَ الْجَمَاعَةِ) (٣) \" (٤)، و\"مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ\" (٥)، وَقَوْلِهِ: \"كُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ\" (٦).\nوَالْمُرْجِئُ يَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ: \"مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا (مِنْ قَلْبِهِ) (٧) فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ/ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ\" (٨)، وَالْمُخَالِفُ لَهُ (مُحْتَجٌّ) (٩) بِقَوْلِهِ: \"لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي/ وهو مؤمن\" (١٠).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٤٥٢ و٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠)، والطيالسي (٢٣٣ و٢٣٩٢ و٢٢٩٤)، والحميدي (٨٣)، وأحمد (١ ٧٨ و١٨٧ و١٨٨ و١٩٠) و(٢ ٢٢٣ و١٦٣ و٢٠٩ و٢١٥ و٢١٦ و٢٢١)، وعبد بن حميد في المنتخب (١٠٦)، وابن الجعد (١٦٩٨)، والحارث بن أبي أسامة - بغية الباحث - (٦٣٦)، وأبو داود (٤٧٧٢)، وابن ماجه (٢٥٨٠ - ٢٥٨٢)، والترمذي (١٤١٨)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٥٦٧ و٧٦٤)، والنسائي في المجتبى (٤٠٨٤ - ٤٠٩٥)، وفي الكبرى (٣٥٤٧ - ٣٥٥٨)، وأبو يعلى (٦٧٧٦ و٩٤٩ و٩٥٠ و٩٥٣ و٢٠٦١)، وابن حبان (٣١٩٤ و٤٧٩٠)، والطبراني في الصغير (٢٢٣ و٤٢٨)، وفي الأوسط (٧٩٣ و١٤٢٢ و١٦٥٢)، وفي الكبير (٣٥٢ - ٣٥٤ و٧١٧٠ و١٠٤٦٣ و١٢٦٤١)، والحاكم (٦٦٩٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٧٤١٢ و٥٨٥٧ و٥٨٥٨ و١٦٥٥٣ و١٦٥٥٤ و١٧٤١١)، وغيرهم.\n(٢) في (غ) و(ر): \"والقايد\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"عليها\".\n(٤) (٥) تقدم تخريجه (٣/ ١٢٧).\n(٦) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٥ ٢٤٥)، وأحمد (٥ ١١٠ و٢٩٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٦٣)، وأبو يعلى (١٥٢٣ و٧٢١٥)، والطبراني في الكبير (١٧٢٤ و٣٦٢٩ و٣٦٣١) والحاكم (٨٥٧٨) وانظر: التلخيص الحبير (٤ ٨٤).\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (ت) و(م) و(غ).\n(٨) أخرجه بنحوه البخاري (١٢٣٧، ٦٤٤٤، ٦٤٤٣، ٦٢٦٨، ٥٨٢٧، ٣٢٢٢، ٢٣٨٨، ٧٤٨٧)، ومسلم (٩٤)، وأحمد (٤ ٢٦٠) و(٥ ١٥٩ و١٦١)، والترمذي (٢٦٤٤)، والنسائي في السنن الكبرى (١٠٩٥٥ و١٠٩٥٨ و١٠٩٦٢)، وابن حبان (٢١٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢٠٥٥٩).\n(٩) في (غ) و(ر): \"يحتج\".\n(١٠) أخرجه البخاري (٢٤٧٥، ٦٨١٠، ٦٧٧٢، ٥٥٧٨)، ومسلم (٥٧)، والطيالسي=","vol":"3","page":199},{"text":"وَالْقَدَرِيُّ يَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (١)، وبحديث: \"كل مولود يولد على الفطرة (حتى يكون أبواه هما اللذان يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه) (٢) \" (٣).\nوالمفوِّض يَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا *فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا *﴾ (٤)، وفي الحديث: \"اعْمَلُوا فَكُلٌّ ميسَّر لِمَا خُلِقَ لَهُ\" (٥).\nوَالرَّافِضَةُ (٦) تحتج بقوله ﷺ: \"لَيَرِدَنَّ الحوض أقوام ثم (ليختلجنَّ) (٧) دوني، فأقول: يا رب أصحابي (أَصْحَابِي) (٨)، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، (إِنَّهُمْ) (٩) لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ\" (١٠) وَيَحْتَجُّونَ فِي تَقْدِيمِ عَلِيٍّ ﵁ (بقوله) (١١): (أنت مني بمنزلة هارون\n_________\n= (٨٢٣)، والحميدي في مسنده (١١٢٨)، وابن راهويه (٤١٦ - ٤١٨) وابن الجعد (٢٦٥ و٧٣٦)، وأحمد (٢ ٢٤٣ و٣١٧ و٣٧٦ و٣٨٦ و٤٦٩) و(٣ ٣٤٦ و٣٥٢) و(٦ ١٣٩)، وعبد بن حميد (٥٢٥ و٩١٩)، والدارمي (٢١٠٦)، وابن ماجه (٣٩٣٦)، وأبو داود (٤٦٨٩)، والترمذي (٢٦٢٥)، والنسائي (٤٨٦٩ - ٤٨٧٣ و٥٦٦٠)، وغيرهم كثير.\n(١) سورة الروم: الآية (٣٠).\n(٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) أخرجه البخاري (١٣٥٨، ٦٥٩٩، ٤٧٧٥، ١٣٨٥، ١٣٥٩، ١٣٥٩)، ومسلم (٢٦٥٨)، ومالك (٥٧١)، والطيالسي (٢٣٥٩ و٢٤٣٣)، والحميدي (١١١٣)، وأحمد (٢ ٢٣٣ و٢٥٣ و٢٧٥ و٢٨٢ و٣١٥ و٣٤٦ و٣٩٣ و٤١٠ و٤٨١) و(٣ ٣٥٣)، وأبو داود (٤٧١٤)، والترمذي (٢١٣٨)، وأبو يعلى (٩٤٢ و٦٣٠٦ و٦٣٩٤ و٦٥٩٣)، وغيرهم كثير.\n(٤) سورة الشمس: الآيتان (٧، ٨).\n(٥) أخرجه البخاري (١٣٦٢ و٤٩٤٥ - ٧٥٥٢، ٦٦٠٥، ٦٢١٧، ٤٩٤٩)، ومسلم (٢٦٤٧ - ٢٦٤٩)، وأحمد (١ ١٣٢ و١٤٠)، وابن ماجه (٧٨)، وأبو داود (٤٦٩٤)، والترمذي (٢١٣٦)، والنسائي في الكبرى (١١٦٧٩) وأبو يعلى (٣٧٥ و٦١٠)، والطبراني في الصغير (٩٥٠)، وابن حبان (٣٣٥).\n(٦) انظر: تعريفهم في الملحق رقم (١).\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"ليتخلفن\".\n(٨) زيادة من (غ) و(ر).\n(٩) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"ثم\".\n(١٠) تقدم تخريجه (١ ١١٦).\n(١١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"ب\".","vol":"3","page":200},{"text":"مِنْ مُوسَى، غَيْرَ أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي) (١)، وَ(مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ) (٢).\nوَمُخَالِفُوهُمْ يَحْتَجُّونَ فِي تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ بِقَوْلِهِ: (اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أبي بكر وعمر) (٣) و(يأبى اللَّهُ وَالْمُسْلِمُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ) (٤) إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ، مِمَّا يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَاهُ.\nوَالْجَمِيعُ مَحُومُونَ - فِي زَعْمِهِمْ - عَلَى الِانْتِظَامِ فِي سِلْكِ الْفِرْقَةِ الناجية، وإذا كان كذلك أشكل على (المبتدي) (٥) فِي النَّظَرِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ/ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُهُمْ مُقْتَضَى هَذِهِ الظَّوَاهِرِ، فَإِنَّهَا مُتَدَافِعَةٌ مُتَنَاقِضَةٌ، وَإِنَّمَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ فِيهَا إِذَا جُعِلَ بَعْضُهَا أَصْلًا، فَيَرُدُّ الْبَعْضَ الْآخَرَ إِلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ بِالتَّأْوِيلِ.\nوَكَذَلِكَ (فِعْل كُلُّ) (٦) وَاحِدَةٍ مِنْ تِلْكَ الْفِرَقِ تَسْتَمْسِكُ بِبَعْضِ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ وَتَرُدُّ مَا سِوَاهَا إِلَيْهَا، أَوْ تُهْمِلُ اعْتِبَارَهَا بِالتَّرْجِيحِ، إن كان الموضع\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٧٠٦ و٤٤١٦)، ومسلم (٢٤٠٤)، وأحمد (١ ١٧٩) و(٣ ٣٢) و(٦ ٣١٩)، وفي الفضائل (١٠٧٩)، وابن ماجه (١١٥ و١٢١)، والترمذي (٣٧٢٤)، والنسائي في الكبرى (٨١٣٩ و٨٣٩٩ و٨٤٣٥ و٨٥١١ و٨١٤٣ و٨٤٣٠ و٨٤٣٣ و٨٤٣٦ و٨٤٤٥، ٨٤٤٧ و٨٤٤٩)، وأبو يعلى (٧٣٩ و٧٥٥)، والطبراني في الصغير (٩١٨)، وفي الأوسط (١٤٨٨)، وفي الكبير (٣٢٨ و٣٣٣ و٣٣٤ و٢٠٣٥ و٣٥١٥ و٤٠٨٧ و١١٠٨٧) و(٢٤ ١٤٦ برقم ٣٨٤ - ٣٨٨).\n(٢) أخرجه أحمد (١ ١٥٢) و(٥ ٣٦١ و٣٦٦)، وفي الفضائل (٩٤٧ و٩٥٩ و١٠٢١ و١٠٤٨)، والترمذي (٣٧١٣)، والنسائي في الكبرى (٨٤٧٠ و٨٤٦٨ و٨٤٧١ و٨٤٧٢ ٨١٤٤ و٨٤٨٤)، والطبراني في الصغير (١٩١)، وفي الأوسط (٣٤٨ و١١١٥)، وفي الكبير (٤٩٩٦ و٥٠٧١ و٥٠٩٦) و(١٩ ٢٩١ برقم ٦٤٦)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (٦٥٢٣ و٦٥٢٤).\n(٣) أخرجه الحميدي في مسنده (٤٤٩)، وأحمد (٥ ٣٩٩ و٣٠٢)، وفي الفضائل (١٩٨ و٤٧٨ و٤٧٩)، وابن ماجه (٩٧)، والترمذي (٣٦٦٢ - ٣٦٦٣)، والحاكم (٤٤٥٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٦٣٦٧)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١١٤٢ و١١٤٣).\n(٤) أخرجه البخاري (٧٢١٧)، ومسلم (٢٣٨٧)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (٢ ٢١٨ و٢٢٥)، والدارمي (٨٢)، وابن حبان (٦٥٩٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٦٣٦٥).\n(٥) في (ط) و(خ): \"المبتدع\".\n(٦) في (م) و(غ) و(ر): \"فعلوا بكل\".","vol":"3","page":201},{"text":"مِنَ الظَّنِّيَّاتِ الَّتِي يَسُوغُ فِيهَا التَّرْجِيحُ، أَوْ تدَّعي أَنَّ أَصْلَهَا الَّذِي تَرْجِعُ إِلَيْهِ قَطْعِيٌّ وَالْمُعَارِضَ لَهُ (ظَنِّيٌّ) (١) فَلَا يَتَعَارَضَانِ.\nوَإِنَّمَا كَانَتْ طريقة الصحابة ﵃ ظَاهِرَةٌ فِي الْأَزْمِنَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، أَمَا وَقَدِ اسْتَقَرَّتْ مآخذ الخلاف (في كل نوع من أنواع العلوم الشرعية فلا يمكن الرجوع (إلى طريقة) (٢) يتفق الجميع على أنها طريقة الصحابة؛ لأن الاتفاق على ذلك مع القصد إلى الخلاف) (٣) / (محال) (٤)،/ وَهَذَا الْمَوْضِعُ مِمَّا (يَتَضَمَّنُهُ) (٥) قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:/ ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ *إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (٦).\nفَتَأَمَّلُوا - رَحِمَكُمُ اللَّهُ - كَيْفَ صَارَ الِاتِّفَاقُ مُحَالًا فِي الْعَادَةِ لِيُصَدِّقَ الْعَقْلُ بِصِحَّةِ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ.\nوَالْحَاصِلُ أَنَّ تَعْيِينَ هَذِهِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ فِي (مِثْلِ) (٧) زَمَانِنَا صَعْبٌ، وَمَعَ ذَلِكَ فلا بد مِنَ النَّظَرِ فِيهِ، وَهُوَ نُكْتَةُ هَذَا الْكِتَابِ، فليقع به فضل اعتناء بحسب ما هيأه الله تعالى، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.\nوَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي كَلَامًا كَثِيرًا أَرْجَأْنَا الْقَوْلَ فِيهِ إِلَى بَابٍ آخَرَ، (نذكره) (٨) فِيهِ عَلَى حِدَتِهِ، إِذْ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذكره، والله المستعان.\n\n/<span data-type=\"title\" id=toc-167>المسألة الخامسة عشرة </span>(٩):\n(أنه صلَّى) (١٠) الله عليه وسلم (قال) (١١): \"كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً\" (وحَتَّم) (١٢) ذَلِكَ، (وقُدِّمَ) (١٣) أَنَّهُ لَا يُعَدُّ مِنَ الْفِرَقِ إِلَّا الْمُخَالِفَ/ في أمر\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (م).\n(٢) زيادة من (ر).\n(٣) ما بين () زيادة من (غ).\n(٤) في (ط) و(ت) و(خ): \"فمحال\".\n(٥) في (غ) و(ر): \"ينتظمه\".\n(٦) سورة هود: الآية (١١٨ - ١١٩).\n(٧) زيادة من (غ) و(ر).\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"وذكره\".\n(٩) في (ت) و(خ) و(م): \"عشر\".\n(١٠) في (غ) و(ر): \"أنه لما قال صلى\".\n(١١) ساقط من (غ) و(ر).\n(١٢) في (غ) و(ر): \"وختم\".\n(١٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"وقد تقدم\".","vol":"3","page":202},{"text":"كلي وقاعدة عامة، (لم) (١) يَنْتَظِمِ/ الْحَدِيثُ - عَلَى الْخُصُوصِ - إِلَّا أَهْلَ الْبِدَعِ الْمُخَالِفِينَ لِلْقَوَاعِدِ، وَأَمَّا مَنِ ابْتَدَعَ فِي الدِّينِ لَكِنَّهُ لَمْ يَبْتَدِعْ (مَا) (٢) (يَنْقُضُ) (٣) أَمْرًا كُلِّيًّا، أَوْ يَخْرِمُ أَصْلًا مِنَ الشَّرْعِ عَامًّا، فَلَا دُخُولَ لَهُ فِي النَّصِّ الْمَذْكُورِ، فَيُنْظَرُ فِي حكمه: هل (يلحق) (٤) بمن ذكر، أم لَا؟\nوَالَّذِي يَظْهَرُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ نَقُولَ: إِنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِتِلْكَ الْوَاسِطَةِ بِلَفْظٍ وَلَا مَعْنًى، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْ عُمُومِ الْأَدِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، كَقَوْلِهِ: \"كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ\" وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ نَقُولَ: إِنَّ الْحَدِيثَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي لَفْظِهِ دَلَالَةٌ فَفِي مَعْنَاهُ مَا يَدُلُّ على قصده في الجملة، وبيانه: (أَنَّهُ) (٥) تَعَرَّضَ لِذِكْرِ الطَّرَفَيْنِ الْوَاضِحَيْنِ:\nأَحَدُهُمَا: طَرَفُ السلامة والنجاة من غير داخلة شبهة ولا إلمام (ببدعة) (٦)، وهو قوله: (ما أنا عليه وأصحابي).\nوالثاني: طَرَفُ الْإِغْرَاقِ فِي الْبِدْعَةِ/ وَهُوَ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ الْبِدْعَةُ كُلِّيَّةً أَوْ تَخْرِمُ أَصْلًا كُلِّيًّا، جَرْيًا عَلَى عَادَةِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ أَهْلَ الْخَيْرِ وَأَهْلَ الشَّرِّ ذَكَرَ كُلَّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ (بِأَعْلَى) (٧) مَا (عمل) (٨) مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، لِيَبْقَى الْمُؤْمِنُ فِيهَا بين الطرفين خائفًا راجيًا، إذ (حصل) (٩) التَّنْبِيهَ بِالطَّرَفَيْنِ الْوَاضِحَيْنِ، فَإِنَّ الْخَيْرَ عَلَى مَرَاتِبَ بَعْضُهَا أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ، وَالشَّرُّ عَلَى مَرَاتِبَ بَعْضُهَا أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا ذُكِرَ أَهْلُ الْخَيْرِ الَّذِينَ فِي أَعْلَى الدَّرَجَاتِ خَافَ أَهْلُ الْخَيْرِ الَّذِينَ دُونَهُمْ أَنْ لَا يَلْحَقُوا بِهِمْ، (أَوْ رَجَوْا أَنْ يَلْحَقُوا بِهِمْ) (١٠)،/ وَإِذَا ذُكِرَ أهل الشر الذين/ في (أشد) (١١) المراتب\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"ولم\".\n(٢) في (غ) و(ر): \"بما\".\n(٣) في (م) و(خ) و(غ) و(ر): \"يقتضي\".\n(٤) ساقط من (غ) و(ر).\n(٥) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"بدعة\".\n(٧) في (ط): \"بأهلى\".\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"يحمل\".\n(٩) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"جعل\".\n(١٠) ساقط من (غ) و(ر).\n(١١) في (ط) و(خ) و(ت): \"أشر\".","vol":"3","page":203},{"text":"خَافَ أَهْلُ الشَّرِّ الَّذِينَ دُونَهُمْ أَنْ يَلْحَقُوا بِهِمْ، أَوْ رَجَوْا أَنْ (لَا) (١) يَلْحَقُوا بِهِمْ.\nوهذا المعنى معلوم بالاستقراء، وذلك الاستقراء - إذا تَمَّ - يَدُلُّ عَلَى قَصْدِ الشَّارِعِ إِلَى ذَلِكَ المعنى، ويقويه ما روي (عن) (٢) سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ (٣) قَالَ: لَمَّا بَلَغَ النَّاسُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عُمَرَ ﵄ قَالُوا: مَاذَا يَقُولُ لِرَبِّهِ إِذَا لَقِيَهُ؟ اسْتَخْلَفَ عَلَيْنَا فَظًّا غَلِيظًا - وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ - فَكَيْفَ لَوْ قَدَرَ؟ فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بكر ﵁ فقال: أبربي تخوِّفوني؟ أقول: استخلفت خير (أهلك) (٤)، ثم أرسل إلى عمر ﵁ فَقَالَ: إِنَّ لِلَّهِ عَمَلًا بِاللَّيْلِ لَا يَقْبَلُهُ بِالنَّهَارِ، وَعَمَلًا بِالنَّهَارِ لَا يَقْبَلُهُ (بِاللَّيْلِ) (٥)، وَاعْلَمْ أَنَّهُ (لَا يَقْبَلُ) (٦) نَافِلَةً حَتَّى تُؤَدَّى الْفَرِيضَةُ، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ أَهْلَ الْجَنَّةِ (فذكرهم) (٧) بأحسن أعمالهم، وذلك أنه (تجاوز عن سيئة حتى يقول القائل: أنى يبلغ عملي مثل هذا ألم ترَ أن الله حين ذكر أهل النار، فذكرهم بأسوء أَعْمَالِهِمْ وَذَلِكَ أَنَّهُ) (٨) رَدَّ عَلَيْهِمْ حَسَنَةً فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: عَمَلِي خَيْرٌ مِنْ هَذَا؛ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الرَّغْبَةَ وَالرَّهْبَةَ لِكَيْ (يَرْغَبَ) (٩) الْمُؤْمِنُ فَيَعْمَلُ، (وَيَرْهَبُ) (١٠) فَلَا يُلْقِي بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّمَا ثَقُلَتْ مَوَازِينُ مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ بِاتِّبَاعِهِمُ/ الحق وتركهم الباطل فثقَّل (ذلك) (١١) (عملَهم) (١٢)، وحق لميزان لَا يُوضَعُ فِيهِ إِلَّا حُقَّ أَنْ يَثْقُلَ، ألم تر أنما خفَّت/ موازين من خفت موازينه باتباعهم الباطل\n_________\n(١) زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) عبد الرحمن بن سابط الجمحي المكي، ثقة، روى عن أبي بكر وعمر مرسلًا، انظر: الجرح والتعديل (٥ ٢٤٠)، تهذيب الكمال (١٧ ١٢٣).\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"خلقك\".\n(٥) في (م) و(خ) و(ت): \"إلا بالليل\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"لن تقبل\".\n(٧) زيادة من (غ) و(ر).\n(٨) زيادة من (غ) و(ر).\n(٩) في (م) و(غ) و(ر): \"يرهب\".\n(١٠) في (م): و\"يرغب\". وفي (غ) و(ر): \"كي يرغب\".\n(١١) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٢) في (غ) و(ر): \"عليهم\".","vol":"3","page":204},{"text":"وتركهم الحق، وحق (لميزان) (١) لا يوضع فيه إلا (باطل) (٢) أَنْ يَخِفَّ - ثُمَّ قَالَ ـ: (أَمَا) (٣) إِنْ حَفِظْتَ وَصِيَّتِي لَمْ يَكُنْ غَائِبٌ أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنَ الموت، وأنت لا بد لَاقِيهِ - وَإِنْ ضَيَّعْتَ وَصِيَّتِي لَمْ يَكُنْ غَائِبٌ أَبْغَضُ إِلَيْكَ مِنَ الْمَوْتِ وَلَا تُعْجِزُهُ (٤).\n/وَهَذَا الحديث وإن لم يكن (في الصحة) (٥) / هُنَالِكَ، وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ يَشْهَدُ لَهُ الِاسْتِقْرَاءُ لِمَنْ تَتَبَّعَ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَيَشْهَدُ لِمَا (تَقَدَّمَ) (٦) مِنْ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى مَقْصُودُ اسْتِشْهَادِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ بِمِثْلِهِ، إِذْ رَأَى بَعْضَ أَصْحَابِهِ وَقَدِ اشْتَرَى لَحْمًا بِدِرْهَمٍ: أَيْنَ تَذْهَبُ بِكُمْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (٧) (٨).\n_________\n(١) في (م) و(خ): \"الميزان\".\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الباطل\".\n(٣) ساقط من (غ) و(ر).\n(٤) أخرجه - مختصرًا - عبد الرازق في المصنف (٥ ٤٤٩)، (٩٧٦٤) بإسناد صحيح عن معمر عن الزهري عن القاسم بن محمد عن أسماء بنت عميس قالت: دخل رجل من المهاجرين على أبي بكر ... إلخ. وهذا الرجل هو: طلحة بن عبيد الله، كما فى رواية ابن جرير في تهذيب الآثار - مسند عمر - (٢ ٩٢٥)، وفي التاريخ (٣ ٤٣٣).\nومن طريق عبد الرزاق أخرجه الفاكهي في أخبار مكة (٣ ٦٧)، (١٨٠٨).\nأما رواية ابن سابط التي ذكرها المصنف، فأخرجها سعيد بن منصور في سننه (٩٤٢)، وأبو نعيم في الحلية (١ ٣٦)، وابن سابط روايته عن أبي بكر مرسلة.\nوأخرجه ابن المبارك في الزهد (٣١٩)، وهناد في الزهد (١ ٢٨٤)، (٤٩٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (١٤ ٥٧٢) (١٨٩٠٢)، والخلال في السنة (١ ٢٧٥)، (٣٣٧)، وجميعهم من طريق زبيد اليامي عن أبي بكر وزبيد روايته عن أبي بكر مرسلة.\nوأخرجه ابن سعد في الطبقات (٣ ١٩٩)، من طريق الواقدي، وهو ضعيف.\nوأخرجه أيضًا (٣ ٢٧٤)، من طريق صالح بن رستم عن ابن أبي مليكة عن عائشة، وصالح بن رستم صدوق كثير الخطأ، كما في التقريب (٢٨٦١).\n(٥) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٦) في (غ) و(ر): \"تقرر\".\n(٧) سورة الأحقاف: الآية (٢٠).\n(٨) أخرجه مالك في الموطأ (١٦٧٤)، عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمر، ويحيى لم يدرك عمر وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣٦٩٨)، من طريق القاسم بن عبد الله بن=","vol":"3","page":205},{"text":"وَالْآيَةُ إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي الْكُفَّارِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ﴾ الآية إلى أن قال: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ (١) وَلَمْ يَمْنَعْهُ/ ﵁ إِنْزَالُهَا فِي الْكُفَّارِ مِنَ الِاسْتِشْهَادِ بِهَا فِي مَوَاضِعَ اعْتِبَارًا بِمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ أَصْلٌ شَرْعِيٌّ تَبَيَّنَ فِي كتاب الموافقات (٢).\nفالحاصل أن من عدا الْفِرَقَ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ الِابْتِدَاعَ الْجُزْئِيَّ لَا يَبْلُغُ مَبْلَغَ أَهْلِ الْبِدَعِ (فِي) (٣) الْكُلِّيَّاتِ، فِي الذَّمِّ وَالتَّصْرِيحِ بِالْوَعِيدِ بِالنَّارِ، وَلَكِنَّهُمُ اشْتَرَكُوا فِي الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلذَّمِّ وَالْوَعِيدِ، كَمَا اشْتَرَكَ فِي اللَّفْظِ صَاحِبُ اللَّحْمِ - حِينَ تَنَاوَلَ بَعْضَ الطَّيِّبَاتِ عَلَى وَجْهٍ فِيهِ كَرَاهِيَةُ مَا، فِي اجْتِهَادِ عُمَرَ - مَعَ مَنْ أَذْهَبَ طَيِّبَاتِهِ فِي حَيَاتِهِ الدُّنْيَا من الكفار، وإن كان (بينهما) (٤) مَا (بَيْنَهُمَا) (٥) مِنَ الْبَوْنِ الْبَعِيدِ، وَالْقُرْبُ وَالْبُعْدُ (من الطرف) (٦) الْمَذْمُومِ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ مِنَ الْأَدِلَّةِ لِلْمُجْتَهِدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ ذَلِكَ فِي بَابِهِ، وَالْحَمْدُ لله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ </span>(٧):\n/أَنَّ رِوَايَةَ مَنْ/ رَوَى في تفسير الفرقة النَّاجِيَةِ: (وَهِيَ الْجَمَاعَةُ) مُحْتَاجَةٌ إِلَى التَّفْسِيرِ لِأَنَّهُ إن كان (معناها) (٨) بَيِّنًا مِنْ جِهَةِ تَفْسِيرِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى - وَهِيَ قَوْلُهُ: (مَا أَنَا/ عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي) - فَمَعْنَى لَفْظِ (الْجَمَاعَةِ) مِنْ حَيْثُ الْمُرَادُ بِهِ فِي إِطْلَاقِ الشَّرْعِ مُحْتَاجٌ إِلَى التَّفْسِيرِ.\nفَقَدْ جَاءَ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا الْحَدِيثُ الَّذِي نَحْنُ فِي تفسيره، ومنها\n_________\n=عمر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب، والقاسم قال عنه الذهبي: \"واهٍ\".\n(١) سورة الأحقاف: الآية (٢٠).\n(٢) انظر: الموافقات (٣ ٢٣٩).\n(٣) في (م): \"وهو ساقط من (غ) و(ر) \".\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) ساقط من (ط). في (ت): \"ما بينهما ما بينهما\".\n(٦) في (ت): \"بياض بمقدار كلمتين. وفي (ط) و(م) و(خ): \"من العارف\".\n(٧) في (ت) و(خ) و(م): \"عشر\".\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"معناه\".","vol":"3","page":206},{"text":"مَا صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: \"مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، (فَإِنَّهُ) (١) مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ (شِبْرًا) (٢) فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً) (٣).\nوَصَحَّ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: (نَعَمْ، قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَن، (قُلْتُ) (٤): وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: قوم (يستنُّون بغير سنتي و) (٥) يهدون/ بغير هديي تعرف منهم وتنكر. (وفي رواية: قوم يهدون بغير هديي ويستنون بغير سنتي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ) (٦).\nقُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا، قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ (لَهُمْ) (٧) جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى (يُدْرِكَكَ) (٨) الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ) (٩).\nوَخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ وَالطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ/ عُمَرَ قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ بن الخطاب\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"فإن\".\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"شيئًا\".\n(٣) أخرجه البخاري في الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، برقم (٧١٤٣)، ومسلم (٣ ١٤٧٧ - ١٤٧٨)، برقم (١٨٤٩)، وأحمد في المسند (١ ٢٧٥، ٢٩٧)، والدارمي في السنن (٢ ٣١٤)، وابن أبي عاصم في السنة (١١٠١)، وأبو يعلى في المسند (٤ ٢٣٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨ ١٥٧)، وفي شعب الإيمان (٦ ٦٠)، جميعهم من حديث ابن عباس.\n(٤) في (م) و(خ): \"قال\".\n(٥) زيادة من (ط).\n(٦) ما بين () زيادة من (غ) و(ر).\n(٧) زيادة من (ط) و(غ) و(ر).\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"يدرك\".\n(٩) تقدم تخريجه (١ ١١٢).","vol":"3","page":207},{"text":"﵁ بِالْجَابِيَةِ (١) فَقَالَ: إِنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِينَا، فَقَالَ: (أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ (يَفْشُو) (٢) الْكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلَا يُستحلف، وَيَشْهَدَ وَلَا يُستشهد، عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ/ وَالْفُرْقَةَ، لَا يخلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، فَإِنَّهُ لَا (يخلُونَّ) (٣) رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثُهُمَا/ الشَّيْطَانُ، الشَّيْطَانُ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، وَمَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ، وَمَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكَ هُوَ الْمُؤْمِنُ) (٤).\nوَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ: (\"يد الله مع الجماعة\" (٥)، حديث غريب.\nومثله عن ابن عمر قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) (٦): \"إن الله لا يجمع أمتي (أو قال: أمة محمد) (٧) عَلَى ضَلَالَةٍ، وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شذَّ إِلَى النَّارِ\" (٨).\nوخرَّج أَبُو دَاوُدَ/ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ:/ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قِيد شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عنقه\" (٩).\n_________\n(١) الجابية: منطقة تقع شمال بلدة الصنمين في سوريا، ولها تل يعرف بتل الجابية، وهي قريبة من الجولان. انظر: معجم المعالم الجغرافية، لعاتق البلادي. (ص٧٧).\n(٢) في (غ) و(ر): \"يفتروا\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"يخلو\".\n(٤) أخرجه الترمذي (٢١٦٥)، وأحمد في المسند (١١٤) و(١٧٧)، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. وأخرجه ابن ماجه (٢٣٦٣)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (٢ ٤٣)، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٤٩٠)، والنسائي في السنن الكبرى (٩٢٢٤)، والحاكم في المستدرك (٣٨٧)، والضياء في المختارة (١٨٥).\n(٥) أخرجه الترمذي (٢١٦٦)، وقال: هذا حديث حسن غريب.\n(٦) ما بين () زيادة من (غ) و(ر).\n(٧) زيادة من (غ) و(ر).\n(٨) أخرجه الترمذي (٢١٦٧)، وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢ ٢٣٢): صحيح دون قوله: \"ومن شذ\". وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٨٠)، والحاكم في المستدرك (٣٩١ - ٣٩٧).\n(٩) أخرجه أبو داود برقم (٤٧٥٨)، وأحمد في المسند (٥ ١٨٠)، وابن أبي عاصم في السنة برقم (٨٩٢) و(١٠٣٥)، وصححه الألباني في ظلال الجنة (٢ ٤٣٤)، وأخرجه=","vol":"3","page":208},{"text":"وَعَنْ عَرْفَجَةَ (١) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: \"ستكون فِي أُمَّتِي (هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ) (٢)، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ (يُفَرِّقَ) (٣) أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ جَمِيعٌ فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ) (٤).\nفَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَى الْجَمَاعَةِ الْمُرَادَةِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى خَمْسَةِ أقوال:\nأَحَدُهَا: (أَنَّهَا) (٥) السَّوَادُ الْأَعْظَمُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ (الَّذِي) (٦) يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَبِي غَالِبٍ (٧): إِنَّ السَّوَادَ الْأَعْظَمَ (هُمُ) (٨) النَّاجُونَ مِنَ الْفِرَقِ، فَمَا كَانُوا عَلَيْهِ مَنْ أَمْرِ دِينِهِمْ فَهُوَ الْحَقُّ، وَمَنْ خَالَفَهُمْ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، سَوَاءٌ خَالَفَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ أَوْ فِي إِمَامِهِمْ وَسُلْطَانِهِمْ، فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْحَقِّ.\nوَمِمَّنْ قَالَ بهذا أبو مسعود الأنصاري (٩) وعبد الله بن مَسْعُودٍ، فَرَوَى أَنَّهُ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ سُئل أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنِ الْفِتْنَةِ، فَقَالَ: عَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيَجْمَعَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى ضَلَالَةٍ، واصبر حتى (يستريح برٌّ) (١٠)، أو يستراح من فاجر (١١).\n_________\n=الحاكم في المستدرك (٤٠١ و٤٠٢)، والشهاب في المسند (٤٤٨)، وذكر له روايات أخر ابن حجر في التلخيص الحبير (٤ ٤١).\n(١) هو عرفجة بن شريح الكندي، روى عنه أبو حازم الأشجعي، وزياد بن علامة ووقدان العبدي. انظر: الجرح والتعديل (٧ ١٧)، والإصابة (٢ ٤٧٤).\n(٢) في (ط): \"هنيات وهنيات\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"يفارق\".\n(٤) أخرجه مسلم (١٨٥٢)، وأبو داود الطيالسي (١٢٢٤)، وأحمد (٤ ٢٦١ و٣٤١) و(٦ ٢٣)، وأبو داود (٤٧٦٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٨٥٢)، والنسائي في المجتبى (٤٠٢٠ - ٤٠٢٣)، وفي الكبرى (٣٤٨٣ - ٣٤٨٦)، وابن حبان (٤٥٧٧)، والطبراني في الكبير (٤٨٧ و٤٨٨) و(١٧ برقم ٣٥٣ - ٣٦٧)، والحاكم (٢٦٦٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٦٤٦٦ - ١٦٤٦٨).\n(٥) في (غ) و(ر): \"أنه\".\n(٦) ساقط من (غ) و(ر).\n(٧) تقدمت ترجمته (ص١٢٣).\n(٨) في (م) و(خ) و(غ) و(ر): \"هو\".\n(٩) هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري، روى أحاديث كثيرة، ومعدود في علماء الصحابة، نزل الكوفة، وتوفي ٣٩هـ، وقيل ٤٠هـ. انظر: طبقات ابن سعد (٦ ١٦)، والجرح والتعديل (٦ ٣١٣).\n(١٠) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"تستريح\".\n(١١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٩٤٦١)، والحاكم (٨٥٤٥)، وبنحوه في السنة=","vol":"3","page":209},{"text":"وَقَالَ: إِيَّاكَ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الْفُرْقَةَ هِيَ الضَّلَالَةُ (١).\nوقال/ ابن مسعود ﵁: عليكم بالسمع والطاعة (والجماعة) (٢) فَإِنَّهَا حَبْلُ اللَّهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ قَبَضَ يَدَهُ وَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَكْرَهُونَ فِي/ الجماعة خير من الذي تُحِبُّونَ فِي الْفُرْقَةِ (٣).\nوَعَنِ الْحُسَيْنِ (٤) قِيلَ لَهُ: أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَةُ رَسُولِ/ اللَّهِ ﷺ؟ فقال: إي و(الله) (٥) الذي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، مَا كَانَ اللَّهُ لِيَجْمَعَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلَالَةٍ.\nفَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَدْخُلُ فِي الْجَمَاعَةِ مُجْتَهِدُو الْأُمَّةِ وَعُلَمَاؤُهَا وَأَهْلُ الشَّرِيعَةِ (الْعَامِلُونَ) (٦) بِهَا، وَمَنْ سِوَاهُمْ دَاخِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ، لِأَنَّهُمْ تَابِعُونَ لَهُمْ وَمُقْتَدُونَ بِهِمْ، (فَكُلُّ) (٧) مَنْ خَرَجَ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ فَهُمُ الَّذِينَ شذُّوا وَهُمْ (نُهْبَةُ) (٨) الشَّيْطَانِ، وَيَدْخُلُ فِي هَؤُلَاءِ جَمِيعُ أَهْلِ الْبِدَعِ لِأَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لِمَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأُمَّةِ، لَمْ يَدْخُلُوا فِي سَوَادِهِمْ بِحَالٍ.\nوالثاني: أَنَّهَا جَمَاعَةُ أَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ الْمُجْتَهِدِينَ، فَمَنْ خَرَجَ (عمّا) (٩) عليه\n_________\n=لابن أبي عاصم (٨٥)، وقال الألباني: إسناده جيد موقوف، رجاله رجال الشيخين، والحديث رواه الطبراني في الكبير (١٧ ٢٣٩ - ٢٤٠)، من طريقين أحدهما رجاله ثقات، كما في المجمع (٥ ٢١٩).\n(١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٧ ٢٣٩).\n(٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) في (م) و(ت): \"إن الذين تكرهون ... من الذين تحبون في الفرقة\". وفي (ط): \"إن الذي تكرهون ... من الذين تحبون في الفرقة\". أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٩١٨٤)، والطبراني في الكبير (٨٩٧٣)، والحاكم في المستدرك (٨٦٦٣) وقال: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي! والأثر من طريق ثابت بن قطبة عن ابن مسعود، وثابت بن قطبة لم يخرج له أحد من أصحاب الكتب الستة، وأخرجه مختصرًا ابن جرير في تفسيره (٧٥٧٩ - ٧٥٨١)، والآجري في الشريعة (١٧)، واللالكائي (١٥٨ و١٥٩).\n(٤) لم أعرف من هو، ولعله الحسين بن واقد، وستأتي ترجمته، وفي (غ) و(ر): \"الحسن\".\n(٥) زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) في (م) و(خ): \"العاملين\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"في كل\".\n(٨) في (من): \"نهمة\".\n(٩) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فما\".","vol":"3","page":210},{"text":"(جماعة) (١) علماء الأمة مات ميتة جاهلية، (لأن الله تعالى، جعلهم حُجَّةً عَلَى الْعَالَمِينَ) (٢)، وَهُمُ الْمَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ ﵊: \"إِنَّ اللَّهَ لَنْ يَجْمَعَ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ\" (٣)، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَامَّةَ عَنْهَا/ تَأْخُذُ دينها، وإليها تفزع (في) (٤) النَّوَازِلِ، وَهِيَ تَبَعٌ لَهَا، فَمَعْنَى قَوْلِهِ: \"لَنْ تجتمع أمتي (على ضلالة) (٥) \": لَنْ يَجْتَمِعَ عُلَمَاءُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ.\n(وَمِمَّنْ) (٦) قَالَ بِهَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَهُوَ رَأْيُ الأصوليين، فقيل لعبد اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: مَنِ الْجَمَاعَةُ الَّذِينَ يَنْبَغِي/ أَنْ يُقْتَدَى بِهِمْ؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - فَلَمْ يَزَلْ (يَحْسِبُ) (٧) حَتَّى انْتَهَى إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ (٨) (وَالْحُسَيْنِ) (٩) بْنِ وَاقِدٍ (١٠) - (فَقِيلَ) (١١): هَؤُلَاءِ مَاتُوا، فَمَنِ الْأَحْيَاءُ؟ قَالَ: أَبُو حَمْزَةَ السُّكَّرِيُّ (١٢).\n_________\n(١) زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): لِأَنَّ جَمَاعَةَ اللَّهِ الْعُلَمَاءُ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ حُجَّةً على العالمين.\n(٣) تقدم تخريجه (٣/ ٢٠٨).\n(٤) في (ط): \"من\".\n(٥) زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"ومن\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"يحسر\".\n(٨) هو محمد بن ثابت المروزي البصري، روى عنه ابن المبارك، وقال عنه يحيى بن معين: ثقة مأمون، انظر: الجرح والتعديل (٧ ٢١٦).\n(٩) في (غ) و(ر): \"والحسن\".\n(١٠) هو حسين بن واقد أبو عبد الله القرشي، قاضي مرو وشيخها أخرج له مسلم والأربعة، وتوفي سنة ١٥٧هـ، وقيل ١٥٩هـ. انظر: الجرح والتعديل (٣ ٦٦)، وطبقات ابن سعد (٧ ٣٧١)، والسير (٧ ١٠٤).\n(١١) في (غ) و(ر): \"ولقد قيل\".\n(١٢) هو الإمام الحافظ محمد بن ميمون المروزي أبو حمزة السكري عالم مرو، من شيوخ ابن المبارك، وأقران حسين بن واقد، وسمي بالسكري لحلاوة كلامه، توفي سنة ١٦٧هـ. انظر: الجرح والتعديل (٨ ٨١)، وطبقات ابن سعد (٧ ٣٧٣)، وتاريخ بغداد (٣ ٢٦٦ - ٢٦٩)، والسير (٧ ٣٨٥).\nوالأثر أخرجه الترمذي (٤ ٤٠٤)، وقال: وأبو حمزة هو محمد بن ميمون، وكان شيخًا صالحًا، وإنما قال هذا في حياته عندنا، وأخرجه بنحوه اللالكائي برقم (٢٣٢٦).","vol":"3","page":211},{"text":"وَعَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ (١) قَالَ: كَانُوا إِذَا جَاءَهُمْ شَيْءٌ مِنَ الْقَضَاءِ لَيْسَ فِي كِتَابِ الله ولا سنة رسوله «ص» سَمَّوْهُ: صَوَافِي الْأُمَرَاءِ، فَجَمَعُوا لَهُ أَهْلَ الْعِلْمِ، فَمَا أَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَيْهِ فَهُوَ الْحَقُّ (٢).\nوَعَنْ إِسْحَاقَ/ بْنِ رَاهَوَيْهِ نَحْوٌ مِمَّا قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ (٣).\nفَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا مَدْخَلَ فِي (هذا) (٤) (السواد) (٥) لِمَنْ لَيْسَ بِعَالِمٍ مُجْتَهِدٍ، لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي أَهْلِ التَّقْلِيدِ، فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِمَا يُخَالِفُهُمْ فهو صاحب الميتة الجاهلية، ولا يدخل (فيهم) (٦) (أَيْضًا) (٧) أَحَدٌ مِنَ الْمُبْتَدِعِينَ، لِأَنَّ الْعَالِمَ أَوَّلًا لَا يَبْتَدِعُ، وَإِنَّمَا يَبْتَدِعُ مَنِ ادَّعَى لِنَفْسِهِ الْعِلْمَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْبِدْعَةَ قَدْ أَخْرَجَتْهُ عَنْ نَمَطِ مَنْ يُعْتَدُّ بِأَقْوَالِهِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُبْتَدِعَ لَا يُعْتَدُّ بِهِ في الإجماع، وإن قيل بالاعتداد بهم فيه ففي غير المسألة الَّتِي ابْتَدَعَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُمْ فِي نَفْسِ الْبِدْعَةِ مخالفون للإجماع: فعلى كل تقدير لا يدخلون في السواد/ الأعظم (أصلًا) (٨).\nوالثالث: إن الجماعة هي (جماعة) (٩) الصَّحَابَةُ عَلَى الْخُصُوصِ، فَإِنَّهُمُ الَّذِينَ أَقَامُوا عِمَادَ الدِّينِ وَأَرْسَوْا أَوْتَادَهُ، وَهُمُ الَّذِينَ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى ضَلَالَةٍ أَصْلًا، وَقَدْ يُمْكِنُ/ فِيمَنْ/ سِوَاهُمْ ذلك، ألا ترى قوله ﷺ: \"لا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ اللَّهُ اللَّهُ\" (١٠).\n_________\n(١) هو المسيب بن رافع أبو العلاء الأسدي الكاهلي، كوفي ثبت، حدث عن جابر بن سمرة، وأبي سعيد الخدري، وغيرهما، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وتوفي سنة ١٠٥هـ. انظر: السير (٥ ١٠٢)، والجرح والتعديل، (٨ ٢٩٣)، وطبقات ابن سعد (٦ ٢٩٣).\n(٢) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٠٧١).\n(٣) سيذكره المؤلف في (٣/ ٢١٨).\n(٤) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"السؤال\".\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فيها\".\n(٧) ساقط من (غ) و(ر).\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"رأسًا\".\n(٩) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٠) أخرجه مسلم (١٤٨)، وعبد بن حميد في المنتخب (١٢٤٧ و١٤١٢)، وابن راهويه في=","vol":"3","page":212},{"text":"وَقَوْلَهُ: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شَرَارِ الناس\" (١)، فقد أخبر عليه الصلاة/ والسلام أَنَّ مِنَ الْأَزْمَانِ أَزْمَانًا يَجْتَمِعُونَ فِيهَا عَلَى ضَلَالَةٍ وَكُفْرٍ.\nقَالُوا: وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَوُلَاةُ الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ سُنَنًا، الْأَخْذُ بِهَا تَصْدِيقٌ لِكِتَابِ اللَّهِ، وَاسْتِكْمَالٌ (لِطَاعَةِ) (٢) اللَّهِ، وَقُوَّةٌ عَلَى دِينِ/ اللَّهِ، لَيْسَ لِأَحَدٍ (تبديلها ولا) (٣) تغييرها ولا النظر فيما خالفها، مَنِ اهْتَدَى بِهَا مُهْتَدٍ، وَمَنِ اسْتَنْصَرَ بِهَا مَنْصُورٌ، وَمَنْ خَالَفَهَا اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَوَلَّاهُ اللَّهُ مَا تَوَلَّى، وَأَصْلَاهُ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ (مَصِيرًا) (٤)، فَقَالَ مَالِكٌ ـ: فَأَعْجَبَنِي/ عَزْمُ عُمَرَ عَلَى ذلك (٥).\nفعلى هذا القول (لفظ) (٦) الجماعة مطابق للرواية الأخرى في قوله ﷺ: \"مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي\"، فَكَأَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى (أن) (٧) مَا قَالُوهُ وَمَا سَنُّوهُ، وَمَا اجْتَهَدُوا فِيهِ حجة على الإطلاق، (لشهادة) (٨) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُمْ بِذَلِكَ خُصُوصًا فِي قَوْلِهِ: «فَعَلَيْكُمْ) (٩) بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخلفاء\n_________\n=المسند (٣٨٧)، وأحمد (٣ ١٦٢)، و(٣ ١٠٧ و٢٠١ و٢٦٨)، والترمذي (٢٢٠٧)، وأبو يعلى (٣٥٢٦)، وابن حبان (٦٨٤٨ و٦٨٤٩)، والحاكم (٨٥١١ - ٨٥١٦).\n(١) أخرجه مسلم (٢٩٤٩)، وأبو داود الطيالسي في مسنده (٣١١)، وابن راهويه (٣٨٦)، وأحمد (١ ٣٩٤ و٤٣٥)، و(٣ ٤٩٩)، وابن ماجه (٤٠٣٩)، وأبو يعلى (٥٢٤٨)، وابن حبان (٦٨٥٠)، والطبراني في الصغير (٤٨٥)، وفي الكبير (٧٧٥٧ و٧٨٩٤ و١٠٠٩٧) و(١٨ ٨٤ برقم ٨٣٥)، والقضاعي (٨٩٨ و٩٠١ و٩٠٢)، والحاكم (٨٣٥٩ و٨٣٦٣ و٨٣٦٤ و٨٥١٧).\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الطاعة\".\n(٣) ساقط من (غ) و(ر).\n(٤) في (م): \"سعيرا\".\n(٥) أخرجه عبد الله في السنة (٧٦٦)، والآجري برقم (٩٢ و١٣٩)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٣٢٦)، وابن بطة في الكبرى (٢٣٠ و٢٣١)، وأبو نعيم في الحلية (٦ ٣٢٤)، واللالكائي برقم (١٣٤).\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فلفظ\".\n(٧) زيادة من (غ) و(ر).\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"وبشهادة\".\n(٩) في (غ) و(ر): \"عليكم\".","vol":"3","page":213},{"text":"الراشدين) (١) وأشباهه، (ولأنهم) (٢) (المتلقون) (٣) لكلام النبوة، (المهتدون بالشريعة) (٤)، الذين فهموا (مراد) (٥) اللَّهِ بِالتَّلَقِّي مِنْ نَبِيِّهِ مُشَافَهَةً، عَلَى عِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ بِمَوَاطِنِ التَّشْرِيعِ وَقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ، فَإِذًا كُلُّ مَا سنُّوه فَهُوَ سُنَّةٌ مِنْ غير (نظرٍ) (٦) (فِيهِ) (٧) بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ، فَإِنَّ فِيهِ لِأَهْلِ الِاجْتِهَادِ مجالًا للنظر ردًا أو قبولًا، فَأَهْلُ الْبِدَعِ إِذًا غَيْرُ دَاخِلِينَ فِي الْجَمَاعَةِ قطعًا على هذا القول.\nوالرابع: أَنَّ الْجَمَاعَةَ هِيَ جَمَاعَةُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، إِذَا أَجْمَعُوا عَلَى أَمْرٍ فَوَاجِبٌ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ اتِّبَاعُهُمْ، وَهُمُ الَّذِينَ ضَمِنَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﵊ أَنْ لَا يَجْمَعَهُمْ عَلَى ضَلَالَةٍ، فَإِنْ وَقَعَ بَيْنَهُمُ اخْتِلَافٌ فَوَاجِبٌ تَعَرُّفُ الصَّوَابِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ.\nقَالَ الشَّافِعِيُّ:/ الْجَمَاعَةُ لَا تَكُونُ فِيهَا غَفْلَةٌ عَنْ مَعْنَى كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا سُنَّةٍ وَلَا قِيَاسٍ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْغَفْلَةُ فِي الْفُرْقَةِ (٨).\n/وَكَأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ راجع إِلَى الثَّانِي وَهُوَ يَقْتَضِي أَيْضًا مَا يَقْتَضِيهِ، أَوْ يَرْجِعُ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَفِيهِ مِنَ الْمَعْنَى مَا فِي الْأَوَّلِ مِنْ أنه لا بد مِنْ كَوْنِ الْمُجْتَهِدِينَ فِيهِمْ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مَعَ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِدْعَةٌ أصلًا، فهم - إذًا - الفرقة الناجية.\nوالخامس: مَا اخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ الْإِمَامُ مِنْ أَنَّ الْجَمَاعَةَ جماعة المسلمين\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٤ ١٢٦ و١٢٧)، والدارمي (٩٥)، وأبو داود (٤٦٠٧)، وابن ماجه (٤٢ - ٤٤)، والترمذي (٢٦٧٦)، والحارث بن أبي أسامة - بغية الباحث - (٥٥ و٥٦)، والطبراني في الأوسط (٦٦)، وفي الكبير (١٨ ٢٤٥ برقم ٦١٧ - ٦٢٤ و٦٤٢)، والحاكم (٣٢٩ - ٣٣٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢٠١٢٥).\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"أو لأنهم\".\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"المتقلدون\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"الممهدون للشريعة\".\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"أمر دين\".\n(٦) في (ط): \"نظير\".\n(٧) زيادة من (غ) و(ر).\n(٨) انظر: \"الرسالة\" للشافعي (ص٤٧٥).","vol":"3","page":214},{"text":"إذا/ اجتمعوا على (أمير) (١)، فأمر ﷺ بِلُزُومِهِ وَنَهَى عَنْ فِرَاقِ الْأُمَّةِ فِيمَا اجْتَمَعُوا/ عليه من تقديمه عليهم لأن فراقهم (إياه) (٢) لَا يَعْدُو إِحْدَى (حَالَتَيْنِ) (٣) - إِمَّا (لِلنَّكِيرِ) (٤) عَلَيْهِمْ فِي طَاعَةِ أَمِيرِهِمْ وَالطَّعْنِ عَلَيْهِ/ فِي سِيرَتِهِ المَرْضِيَّة لِغَيْرِ مُوجِبٍ، بَلْ (بِالتَّأْوِيلِ) (٥) فِي إِحْدَاثِ بِدْعَةٍ فِي الدِّينِ، كَالْحَرُورِيَّةِ الَّتِي أُمِرَتِ الْأُمَّةُ بِقِتَالِهَا وَسَمَّاهَا (النَّبِيُّ ﷺ) (٦): مَارِقَةً مِنَ الدِّينِ، وَإِمَّا (لِطَلَبِ) (٧) إِمَارَةٍ مِنِ بعد انْعِقَادِ الْبَيْعَةِ لِأَمِيرِ الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّهُ نَكْثُ عَهْدٍ ونقض (عقد) (٨) بَعْدَ وُجُوبِهِ.\nوَقَدْ قَالَ ﷺ: \"مَنْ جَاءَ إِلَى أُمَّتِي لِيُفَرِّقَ جَمَاعَتَهُمْ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ\" (٩)، قَالَ الطَّبَرِيُّ فَهَذَا مَعْنَى الْأَمْرِ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ.\nقَالَ: وَأَمَّا الْجَمَاعَةُ الَّتِي إِذَا اجْتَمَعَتْ عَلَى الرِّضَى بِتَقْدِيمِ أَمِيرٍ كَانَ الْمُفَارِقُ لَهَا (مَيِّتًا مِيتَةً) (١٠) جَاهِلِيَّةً، فَهِيَ الْجَمَاعَةُ الَّتِي وَصَفَهَا أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ ﵁ (وغيره) (١١)، (وَهُمْ) (١٢) مُعْظَمُ النَّاسِ وَكَافَّتُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَغَيْرِهِمْ، وَهُمُ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ.\nقَالَ: وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، فروى عن عمرو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ (١٣) قَالَ: قَالَ: عُمَرُ - حِينَ طُعِنَ - لِصُهَيْبٍ صلِّ بِالنَّاسِ ثَلَاثًا وَلْيَدْخُلْ عليَّ عثمانُ وعليٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ،\n_________\n(١) في (م): \"أمر\".\n(٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) في (غ) و(ر): \"خلتين\".\n(٤) في (م): \"النكير\".\n(٥) في (غ) و(ر): \"لتأويل\".\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (ت) و(غ) و(ر).\n(٧) في (م): \"الطلب\".\n(٨) في (ط) و(م) و(خ): \"عهد\".\n(٩) تقدم تخريجه (٣/ ٢٠٩).\n(١٠) في (غ) و(ر): \"ميتته\".\n(١١) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٢) في (غ) و(ر): \"وهو\".\n(١٣) هو أبو عبد الله عمرو بن ميمون الأودي الكوفي، الإمام الحجة، أدرك الجاهلية، وأسلم في زمن الرسول ﷺ، وقدم الشام مع معاذ بن جبل، وتفقه عليه، توفي سنة ٧٤، وقيل ٧٥، وقيل ٧٦هـ. انظر: طبقات ابن سعد (٦ ١١٧)، والسير (٤ ١٥٨).","vol":"3","page":215},{"text":"وَلْيَدْخُلِ (ابْنُ عُمَرَ) (١) فِي جَانِبِ الْبَيْتِ وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، فَقُمْ يَا صُهَيْبُ عَلَى رُؤُوسِهِمْ بِالسَّيْفِ/ فَإِنْ بَايَعَ/ خَمْسَةٌ وَنَكَصَ (رجل) (٢) وَاحِدٌ فَاجْلِدْ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ، وَإِنْ بَايَعَ أَرْبَعَةٌ ونكص رجلان فاجلد رؤوسهما حَتَّى يَسْتَوْثِقُوا عَلَى رَجُلٍ (٣).\nقَالَ: فَالْجَمَاعَةُ الَّتِي أمر رسول الله ﷺ بِلُزُومِهَا وَسَمَّى الْمُنْفَرِدَ عَنْهَا مُفَارِقًا لَهَا نَظِيرُ الْجَمَاعَةِ الَّتِي أَوْجَبَ عُمَرُ الْخِلَافَةَ لِمَنِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ صُهَيْبًا بِضَرْبِ رَأْسِ الْمُنْفَرِدِ عَنْهُمْ بِالسَّيْفِ، (فَهُمْ) (٤) فِي مَعْنَى/ كَثْرَةِ/ الْعَدَدِ الْمُجْتَمِعِ عَلَى بَيْعَتِهِ وَقِلَّةِ الْعَدَدِ الْمُنْفَرِدِ عَنْهُمْ.\nقَالَ: وَأَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ أَنْ لَا تَجْتَمِعَ الْأُمَّةُ عَلَى ضَلَالَةٍ فَمَعْنَاهُ أَنْ لَا يَجْمَعَهُمْ عَلَى إِضْلَالِ الْحَقِّ فِيمَا (نَابَهُمْ) (٥) مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ حَتَّى يَضِلَّ جَمِيعُهُمْ (عَنِ) (٦) الْعِلْمِ وَيُخْطِئُوهُ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ فِي الْأُمَّةِ (٧).\nهَذَا تَمَامُ كَلَامِهِ وَهُوَ مَنْقُولٌ بِالْمَعْنَى وَتَحَرٍّ (فِي) (٨) أَكْثَرِ اللَّفْظِ.\nوَحَاصِلُهُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ رَاجِعَةٌ إِلَى الِاجْتِمَاعِ عَلَى الْإِمَامِ الْمُوَافِقِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الِاجْتِمَاعَ عَلَى غَيْرِ سُنَّةٍ خارج عن معنى الجماعة المذكورة فِي الْأَحَادِيثِ (الْمَذْكُورَةِ) (٩) كَالْخَوَارِجِ وَمَنْ جَرَى مُجْرَاهُمْ.\nفَهَذِهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ/ دَائِرَةٌ عَلَى اعْتِبَارِ أَهْلِ السنة والاتباع، وأنهم\n_________\n(١) في (م): \"عمر\".\n(٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) قصة تولية عثمان الخلافة أخرجها البخاري مطولة (٣٧٠٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (١٨٩٠٥ و١٨٩٠٦ و١١٩٢١)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (٣ ٣٣٧ - ٣٥٥)، وابن جرير في تهذيب الآثار، مسند عمر (٢ ٩٢٢).\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (م) و(ت) و(غ) و(ر)، وفي (خ): \"عنهم\".\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"أنابهم\".\n(٦) ساقط من (غ) و(ر).\n(٧) لم أجد كلام ابن جرير في مظانه من كتبه المطبوعة، ولعله في القسم المفقود من تهذيب الآثار.\n(٨) ساقط من (غ) و(ر).\n(٩) ساقط من (غ) و(ر).","vol":"3","page":216},{"text":"المرادون بالأحاديث، فلنأخذ ذلك أصلًا ونبني عَلَيْهِ مَعْنًى آخَرُ، وَهِيَ:\n\n/<span data-type=\"title\" id=toc-169>الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ </span>(١):\nوَذَلِكَ أَنَّ الْجَمِيعَ اتَّفَقُوا عَلَى اعْتِبَارِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالِاجْتِهَادِ سَوَاءٌ ضَمُّوا إِلَيْهِمُ الْعَوَامَّ أَمْ لا، فإن لم يضموا إليهم (العوام) (٢) فَلَا إِشْكَالَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ إِنَّمَا هُوَ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ مِنَ الْعُلَمَاءِ/ الْمُعْتَبَرِ اجْتِهَادُهُمْ، فَمَنْ شَذَّ عَنْهُمْ فَمَاتَ فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ، وَإِنْ ضَمُّوا إِلَيْهِمُ الْعَوَامَّ فَبِحُكْمِ التَّبَعِ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ عَارِفِينَ بِالشَّرِيعَةِ، فلا بد مِنْ رُجُوعِهِمْ فِي دِينِهِمْ إِلَى الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّهُمْ لَوْ تَمَالَئُوا عَلَى مُخَالَفَةِ الْعُلَمَاءِ فِيمَا حَدُّوا لَهُمْ لَكَانُوا هُمُ الْغَالِبَ وَالسَّوَادَ الْأَعْظَمَ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ، لِقِلَّةِ الْعُلَمَاءِ وَكَثْرَةِ الْجُهَّالِ، فَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: إِنَّ اتِّبَاعَ جَمَاعَةِ الْعَوَامِّ هُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمُ الْمُفَارِقُونَ لِلْجَمَاعَةِ وَالْمَذْمُومُونَ فِي الْحَدِيثِ. بَلِ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ، وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ هُمُ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ وَإِنْ قَلُّوا، وَالْعَوَامُّ هُمُ الْمُفَارِقُونَ لِلْجَمَاعَةِ إِنْ خَالَفُوا، فَإِنْ وَافَقُوا فَهُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ.\n/وَمِنْ هُنَا لَمَّا سُئِلَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ يُقْتَدَى بِهِمْ أَجَابَ بِأَنْ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - قَالَ - فَلَمْ (يَزَلْ يَحْسِبُ) (٣) حَتَّى انْتَهَى إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ وَالْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، قِيلَ: فَهَؤُلَاءِ مَاتُوا، فَمَنِ الْأَحْيَاءُ؟ قَالَ: أَبُو حَمْزَةَ السُّكَّرِيُّ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ الْمَرْوَزِيُّ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْتَبَرَ الْعَوَامُّ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي بِإِطْلَاقٍ، وَعَلَى هَذَا لَوْ فَرَضْنَا خُلُوَّ الزَّمَانِ (عَنْ) (٤) مُجْتَهِدٍ لم يمكن اتِّبَاعُ الْعَوَامِّ لِأَمْثَالِهِمْ، وَلَا عَدُّ سَوَادِهِمْ/ أَنَّهُ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ الْمُنَبَّهُ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي مَنْ خَالَفَهُ فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ، بَلْ يَتَنَزَّلُ النَّقْلُ عَنِ الْمُجْتَهِدِينَ مَنْزِلَةَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِينَ، فَالَّذِي يَلْزَمُ (الْعَوَامُّ) (٥) مَعَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِينَ هُوَ الَّذِي يَلْزَمُ أهل الزمان المفروض الخالي عن (المجتهدين) (٦).\n_________\n(١) في (ت) و(م) و(خ): \"عشر\".\n(٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) في (غ) مكان كلمة يزل يوجد طمس، وبدل: \"يحسب\": \"يحسر\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"من\".\n(٥) ساقط من (غ) و(ر)\n(٦) في (ط) و(خ): \"المجتهد\".","vol":"3","page":217},{"text":"وَأَيْضًا فَاتِّبَاعُ نَظَرِ مَنْ لَا نَظَرَ (لَهُ) (١) وَاجْتِهَادِ مَنْ لَا اجْتِهَادَ (لَهُ) (١) مَحْضُ ضَلَالَةٍ، وَرَمْيٌ فِي عَمَايَةٍ، وَهُوَ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: \"إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا (يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) (٢) \" (١).\n/رَوَى (أَبُو نُعَيْمٍ) (٣) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ الطوسي (٤) (ـ خديم محمد بن أسلم الطُّوسِيِّ ـ) (٥) قَالَ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ (وَذَكَرَ) (٦) فِي حَدِيثٍ رَفَعَهُ/ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيَجْمَعَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلَالَةٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الِاخْتِلَافَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ\" (٧)، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا يَعْقُوبَ، مَنِ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ؟ فَقَالَ: مُحَمَّدُ بن أسلم (٨) وأصحابه ومن (تبعه) (٩)، ثُمَّ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ الْمُبَارَكِ: مَنِ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ؟ قَالَ: أَبُو حَمْزَةَ السُّكَّرِيُّ. ثُمَّ قَالَ إِسْحَاقُ: فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ - يَعْنِي أَبَا حَمْزَةَ - وَفِي زَمَانِنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَمَنْ تَبِعَهُ،/ ثُمَّ قَالَ إِسْحَاقُ: لَوْ سَأَلْتَ الْجُهَّالَ عَنِ السَّوَادِ الْأَعْظَمِ لَقَالُوا: جَمَاعَةُ النَّاسِ، وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ عَالِمٌ مُتَمَسِّكٌ بِأَثَرِ النَّبِيِّ ﷺ وَطَرِيقِهِ، فَمَنْ كَانَ مَعَهُ وَتَبِعَهُ فَهُوَ الْجَمَاعَةُ (١٠). ثُمَّ قَالَ إِسْحَاقُ: لَمْ أَسْمَعْ عَالِمًا// مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً (كَانَ أشد تمسكًا بأثر\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (م)\n(٢) ما بين () زيادة من (غ) و(ر) والحديث. تقدم تخريجه (١/ ١١٧).\n(٣) في (غ) و(ر): \"نعيم\" هو أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، صاحب كتاب الحلية، ولد سنة ٣٣٦هـ، وكان من الحفاظ الأعلام والمتفردين في عصره بعلو الإسناد، توفي ٤٠٣هـ. انظر: السير (١٧ ٤٥٣).\n(٤) هو خادم محمد بن أسلم الطوسي، انظر: تذكرة الحفاظ (٢ ٥٣٢).\n(٥) زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) في (غ) و(ر): واذكر.\n(٧) تقدم تخريجه (٣/ ١٢٣).\n(٨) هو محمد بن أسلم بن سالم الطوسي أبو الحسن، تقدمت ترجمته (٢ ٥٨٣).\n(٩) في (ط) و(ت): \"تبعهم\".\n(١٠) في الحلية بعد الجملة المذكورة قال: \"ومن خالفه فيه، ترك الجماعة ثم قال إسحاق ... إلخ\".","vol":"3","page":218},{"text":"النَّبِيِّ ﷺ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ) (١).\nفَانْظُرْ فِي (حِكَايَتِهِ تَتَبَيَّنْ) (٢) غَلَطَ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْجَمَاعَةَ هِيَ جَمَاعَةُ النَّاسِ وإن لم يكن فيهم عالم، وهو (فهم) (٣) العوام، لا فهم العلماء (الأعلام) (٤) فَلْيَثْبُتِ الْمُوَفَّقُ فِي هَذِهِ الْمَزَلَّةِ قَدَمَهُ لِئَلَّا يَضِلَّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَلَا تَوْفِيقَ إِلَّا بالله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ </span>(٥):\nفِي بَيَانِ مَعْنَى رِوَايَةِ أبي داود وهي قَوْلِهِ ﷺ: \"وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ، لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ\" (٦).\nوَذَلِكَ أَنَّ معنى هذه الرواية أنه ﷺ أَخْبَرَ بِمَا سَيَكُونُ فِي أُمَّتِهِ مِنْ هَذِهِ الأهواء التي افترقوا (بسببها) (٧) إِلَى تِلْكَ الْفِرَقِ، وَأَنَّهُ يَكُونُ فِيهِمْ أَقْوَامٌ تُدَاخِلُ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ قُلُوبَهُمْ حَتَّى لَا يُمْكِنَ في العادة (انفصالهم) (٨) عنها و(لا) (٩) توبتهم مِنْهَا، عَلَى حَدِّ مَا يُدَاخِلُ دَاءُ الْكَلْبِ جِسْمَ صَاحِبِهِ فَلَا يَبْقَى مِنْ ذَلِكَ الْجِسْمِ جزء من أجزائه/ (لا عرق) (١٠) / ولا مفصل ولا غيرهما إلا (داخله) (١١) ذَلِكَ الدَّاءُ، وَهُوَ جَرَيَانٌ لَا يَقْبَلُ الْعِلَاجَ وَلَا يَنْفَعُ فِيهِ الدَّوَاءُ، فَكَذَلِكَ صَاحِبُ الْهَوَى إِذَا دَخَلَ قَلْبَهُ، وَأُشْرِبَ حُبَّهُ، لَا تَعْمَلُ فيه الموعظة\n_________\n(١) ما بين القوسين ليس في الحلية، ولكن ذكر هذا الأثر مختصرًا الذهبي في السير (١٢ ١٩٦ - ١٩٧) وفيها هذه الجملة. والأثر مخرج في الحلية (٩ ٢٣٨ - ٢٣٩).\n(٢) في (غ) و(ر): \"حكاية بينت\".\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"وهم\".\n(٤) ما بين القوسين زيادة من (ت).\n(٥) في (ت) و(م) و(خ): \"عشر\".\n(٦) تقدم تخريجه (٣/ ١٢٣).\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فيها\".\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"انفصالها\".\n(٩) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٠) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(١١) في (ت) و(خ) و(ط): \"دخله\".","vol":"3","page":219},{"text":"وَلَا يَقْبَلُ الْبُرْهَانَ، وَلَا يَكْتَرِثُ بِمَنْ خَالَفَهُ، وَاعْتَبِرْ ذَلِكَ بِالْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ كَمَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ (١) وَعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ (٢) وَسِوَاهُمَا، فَإِنَّهُمْ كَانُوا (حيث لقوا) (٣) مطرودين من كل جهة، (محجوجين على) (٤) كُلِّ لِسَانٍ،/ مُبْعَدِينَ عِنْدَ كُلِّ مُسْلِمٍ، ثُمَّ مع ذلك لم يزدادوا إلا تماديًا (في) (٥) ضَلَالِهِمْ، وَمُدَاوَمَةً عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ (٦).\nوحاصل ما عوَّلوا/ عليه تحكيم العقول مجردة، فَشَرَّكُوهَا مَعَ الشَّرْعِ فِي التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ، ثُمَّ قَصَرُوا أَفْعَالَ اللَّهِ عَلَى مَا ظَهَرَ لَهُمْ وَوَجَّهُوا عَلَيْهَا أَحْكَامَ الْعَقْلِ فَقَالُوا: يَجِبُ عَلَى اللَّهِ كَذَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ كَذَا، فَجَعَلُوهُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْمُكَلَّفِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لم يبلغ هذا المقدار، بل استحسن (بعقله أشياء) (٧) وَاسْتَقْبَحَ آخَرَ وَأَلْحَقَهَا بِالْمَشْرُوعَاتِ، وَلَكِنَّ الْجَمِيعَ (بَقُوا) (٨) على تحكيم العقول، ولو وقفوا (هنا) (٩) لَكَانَتِ الدَّاهِيَةُ عَلَى عِظَمِهَا أَيْسَرَ، وَلَكِنَّهُمْ تَجَاوَزُوا هَذِهِ الْحُدُودَ كُلَّهَا إِلَى أَنْ نَصَبُوا الْمُحَارَبَةَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، بِاعْتِرَاضِهِمْ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَادِّعَائِهِمْ عَلَيْهِمَا من التناقض والاختلاف ومنافاة العقول وفساد (النظر) (١٠) ما هم له أهل.\nقال (القتبي) (١١): وَقَدْ اعْتَرَضَ (عَلَى) (١٢) كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بِالطَّعْنِ\n_________\n(١) تقدمت ترجمته (٣/ ١١٧).\n(٢) تقدمت ترجمته (ص١٦٧).\n(٣) في (غ) و(ر): \"حين نبغوا\".\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"محجوبين عن\".\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"على\".\n(٦) سورة المائدة: الآية (٤١).\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"شيئًا يفعله\".\n(٨) في (غ) و(ر): \"بنو\".\n(٩) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"هنالك\".\n(١٠) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"النظم\".\n(١١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"العتبي\"، وهو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت٢٧٦هـ) له ترجمة في تاريخ بغداد (١٠/ ١٧٠)، والسير للذهبي (١٣/ ٢٩٦)، والنص الذي ذكره الشاطبي موجود في تأويل مشكل القرآن (ص٢٢ - ٢٣).\n(١٢) ساقطة من (غ) و(ر).","vol":"3","page":220},{"text":"ملحدون، ولغوا (فيه) (١) وَهَجَرُوا، وَاتَّبَعُوا مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، بِأَفْهَامٍ كَلَيْلَةٍ، وَأَبْصَارٍ عَلِيلَةٍ، وَنَظَرٍ مَدْخُولٍ/، فَحَرَّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَعَدَلُوا بِهِ عَنْ (سَبِيلِهِ) (٢)، ثُمَّ قَضُوا عَلَيْهِ بِالتَّنَاقُضِ، وَالِاسْتِحَالَةِ واللحن، وفساد النظم والاختلاف، وأدلوا (في ذلك) (٣) بعلل ربما أمالت الضعيف (الفكر) (٤)، و(الحدث) (٥) الغر، واعترضت بالشبة فِي الْقُلُوبِ وَقَدَحَتْ بِالشُّكُوكِ فِي الصُّدُورِ، قَالَ: ولو كان ما لحنوا إليه، على/ (تقديرهم) (٦) وتأولهم لَسَبَقَ إِلَى الطَّعْنِ فِيهِ مَنْ لَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْتَجُّ بِالْقُرْآنِ (عَلَيْهِمْ) (٧)، وَيَجْعَلُهُ (عَلَمَ) (٨) (نَبُّوتِهِ) (٩) وَالدَّلِيلَ عَلَى صدقه، (ويتحداهم) (١٠) في (موطن بعد موطن) (١١) عَلَى أَنْ (يَأْتُوا) (١٢) بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، وَهُمُ الْفُصَحَاءُ وَالْبُلَغَاءُ، وَالْخُطَبَاءُ وَالشُّعَرَاءُ، وَالْمَخْصُوصُونَ مِنْ بَيْنِ جميع الأنام، (بالألسنة) (١٣) الْحِدَادِ وَاللَّدَدِ فِي الْخِصَامِ،/ مَعَ اللُّبِّ/ وَالنُّهَى وَأَصَالَةِ الرَّأْيِ، فَقَدْ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْكِتَابِ/ وَكَانُوا يَقُولُونَ مَرَّةً هُوَ سِحْرٌ، وَمَرَّةً هُوَ شِعْرٌ، وَمَرَّةً هُوَ قَوْلُ الْكَهَنَةِ، وَمَرَّةً أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، وَلَمْ يَحْكِ الله عنهم (ولا بلغنا في شيء من الروايات أنهم جذبوه من الجهة التي جذبه منها الطاعنون، هذا ما قال، وهو صحيح من الاستدلال، وكذلك حكى عَنْهُمُ) (١٤) الِاعْتِرَاضَ عَلَى الْأَحَادِيثِ وَدَعْوَى التَّنَاقُضِ وَالِاخْتِلَافِ/ فِيهَا، وَحُكِيَ عَنْهُمْ، لِأَجْلِ ذَلِكَ الْقَدْحُ فِي خير أمة\n_________\n(١) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٢) في (غ) و(ر): \"سبله\".\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"بذلك\".\n(٤) في (ط) و(خ) و(غ) و(ر): \"الغمر\". وفي (م): \"الغر\".\n(٥) في (ط): \"الحديث\".\n(٦) في (ط) و(ت): تقريرهم.\n(٧) في (م) و(غ) و(ر): \"عليه\".\n(٨) في (م): \"لعلم\" وفي (غ) و(ر): \"العلم\".\n(٩) في (غ) و(ر): \"لنبوته\".\n(١٠) في (م) و(غ) و(ر): \"ويتحداه\".\n(١١) في (ط) و(خ) و(ت): \"مواطن\".\n(١٢) في (م) و(غ) و(ر): \"يأتي\". وفي (خ): \"يأت\".\n(١٣) في (غ) و(ر): \"بألسنة\".\n(١٤) ما بين () زيادة من (غ) و(ر).","vol":"3","page":221},{"text":"أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ وَهُمُ الصَّحَابَةُ ﵃، (واتبعوهم) (١) (بالمحدثين وقالوا ما شاؤوا وجروا) (٢) فِي الطَّعْنِ عَلَى الْحَدِيثِ جَرْيَ مَنْ لَا يرى عليه محتسبًا في الدنيا ولا محسبًا فِي الْآخِرَةِ.\nوَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وَالْجَوَابِ عَمَّا اعْتَرَضُوا فِيهِ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ فِي كِتَابَيْنِ (٣) صَنَّفَهُمَا لِهَذَا الْمَعْنَى، وَهُمَا مِنْ مَحَاسِنِ كُتُبِهِ ﵀، وَلَمْ (أرد) (٤) (قصَّ بعض تلك الاعتراضات تنزيهًا للمُعْتَرَض فيه) (٥)، ولأن غَيْرِي - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ - قَدْ تَجَرَّدَ لَهُ، وَلَكِنْ أَرَدْتُ بِالْحِكَايَةِ عَنْهُمْ عَلَى الْجُمْلَةِ بَيَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ: (تُجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ) وَقَبْلُ وَبَعْدُ فَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ إِذَا اسْتَحْكَمَتْ فِيهِمْ أَهْوَاؤُهُمْ لَمْ يُبَالُوا بِشَيْءٍ، وَلَمْ يُعِدُّوا خِلَافَ أَنْظَارِهِمْ شَيْئًا، وَلَا رَاجَعُوا عُقُولَهُمْ مُرَاجَعَةَ مَنْ يَتَّهِمُ نَفْسَهُ وَيَتَوَقَّفُ فِي مَوَارِدِ الْإِشْكَالِ - وَهُوَ شَأْنُ الْمُعْتَبَرِينَ مِنْ أَهْلِ الْعُقُولِ - وَهَؤُلَاءِ صِنْفٌ مِنْ أَصْنَافِ مَنِ اتَّبَعَ (هَوَاهُ) (٦) / ولم يعبأ بعذل العاذل فيه، (وثمَّ) (٧) أصناف أخر يجمعهم مَعَ هَؤُلَاءِ إِشْرَابُ الْهَوَى فِي قُلُوبِهِمْ، حَتَّى لا يبالوا بغير ما هم عَلَيْهِ.\nفَإِذَا تَقَرَّرَ مَعْنَى الرِّوَايَةِ بِالتَّمْثِيلِ، صِرْنَا منه إلى معنى آخر، وهي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ </span>(٨):\nإِنَّ قَوْلَهُ: (تَتَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ) فِيهِ الْإِشَارَةُ بِـ (تِلْكَ) فَلَا تكون\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"وأتبعوه\".\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"بالحدس قالوا ما شان أو جروا\".\n(٣) كتابا ابن قتيبة هما: تأويل مشكل القرآن، وتأويل مختلف الحديث.\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"أرى\".\n(٥) في (ط) و(خ) و(م): \"قط تلك الاعتراضات تعزيلها للمعترض فيه\". وفي (ت): بياض بمقدار سطر ونص.\n(٦) في (غ) و(ر): \"هويه\".\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"ثم\".\n(٨) في (ت) و(خ) و(م): \"عشر\".","vol":"3","page":222},{"text":"(الإشارة) (١) إلى غير/ مذكور، ولا محال بها على غير معلوم، بل لا بد لَهَا مِنْ مُتَقَدِّمٍ تَرْجِعُ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ إِلَّا الأحوال التي كانت/ السبب في الافتراق، (إذ لو كانوا على حال واحد لم يفترقوا، فلما اختلفت أحوالهم ظهر الِافْتِرَاقِ) (٢)، فَجَاءَتِ الزِّيَادَةُ فِي الْحَدِيثِ مُبَيِّنَةً أَنَّهَا الْأَهْوَاءُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: (تَتَجَارَى بِهِمْ (تِلْكَ) (٣) الْأَهْوَاءُ)، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ خَارِجٍ عَمَّا هُوَ عليه وأصحابه إنما خرج باتباع الهوى (لا بالشرع) (٤)، (وإن أبدى أنه متبع للشرع) (٥) وقد مرَّ بيان هذا (المعنى) (٦) قبل فلا نعيده (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>المسألة العشرون:</span>\nأن قَوْلِهِ ﷺ: وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ عَلَى وَصْفِ كَذَا، يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ:\nأَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ أَنَّ كُلَّ مَنْ دَخَلَ مِنْ أُمَّتِهِ فِي هَوًى مِنْ تِلْكَ الْأَهْوَاءِ/ وَرَآهَا وَذَهَبَ إِلَيْهَا، فَإِنَّ هَوَاهُ يَجْرِي فِيهِ مَجْرَى الْكَلْبِ بِصَاحِبِهِ فَلَا يَرْجِعُ أَبَدًا عن هواه ولا يتوب من بدعته.\nوالثاني: أن يريد أن من أُمَّتَهُ مَنْ يَكُونُ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي الْبِدْعَةِ مشرب القلب بها، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَكُونُ/ كَذَلِكَ، فَيُمْكِنُهُ التَّوْبَةُ مِنْهَا وَالرُّجُوعُ عَنْهَا.\n/وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى (صِحَّةِ) (٨) الأول (ما تقدم من) (٩) النقل المقتضي (بحجز التوبة) (١٠) عن صاحب البدعة على العموم، كقوله ﷺ: (فِي الْخَوَارِجِ) (١١): (يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ حَتَّى يَعُودَ السهم على\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"إشارة\".\n(٢) ما بين () زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) ساقط من (غ) و(ر).\n(٤) في (ط): \"عن الشرع\".\n(٥) ما بين () زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) زيادة من (غ) و(ر).\n(٧) انظر (ص١٧٢).\n(٨) في (م): \"الصحة\".\n(٩) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"هو\".\n(١٠) في (ط) و(خ): الحجر للتوبة، وفي (ت) و(غ) و(ر): \"بحجر التوبة\".\n(١١) ما بين () زيادة من (غ) و(ر).","vol":"3","page":223},{"text":"فوقه) (١) وقولهم: (إِنَّ اللَّهَ حَجَرَ التَّوْبَةَ عَنْ صَاحِبِ الْبِدْعَةِ) (٢).\nوَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَيَشْهَدُ لَهُ الْوَاقِعُ، فَإِنَّهُ قَلَّمَا تَجِدُ صَاحِبَ بِدْعَةٍ ارْتَضَاهَا لِنَفْسِهِ (يَخْرُجُ) (٣) عَنْهَا أَوْ يَتُوبُ مِنْهَا، بَلْ هُوَ يَزْدَادُ بضلالتها بصيرة.\nروى عن الشافعي ﵁ أَنَّهُ قَالَ: مَثَلُ الَّذِي يَنْظُرُ فِي الرَّأْيِ ثُمَّ يَتُوبُ مِنْهُ (مَثَلُ) (٤) الْمَجْنُونِ الَّذِي عُولج حَتَّى بَرِئَ، (فَأَعْقَلَ) (٥) مَا يَكُونُ (قَدْ) (٦) هَاجَ (به) (٧).\nوَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الثَّانِي أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ النَّقْلِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا تَوْبَةَ لَهُ أَصْلًا، لِأَنَّ/ الْعَقْلَ يجوِّز ذَلِكَ، والشرع إن (جاء) (٨) عَلَى مَا ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ فَعُمُومُهُ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ عَادِيًّا، وَالْعَادَةُ إِنَّمَا تَقْتَضِي فِي الْعُمُومِ الْأَكْثَرِيَّةَ، لا (انحتام) (٩) الشُّمُولَ الَّذِي يَجْزِمُ بِهِ الْعَقْلُ إِلَّا بِحُكْمِ الِاتِّفَاقِ، وَهَذَا مُبَيَّنٌ فِي الْأُصُولِ.\nوَالدَّلِيلُ/ عَلَى ذلك أنا (قد) (١٠) وَجَدْنَا مَنْ كَانَ (عَامِلًا) (١١) بِبِدَعٍ ثُمَّ تَابَ مِنْهَا وَرَاجَعَ نَفْسَهُ بِالرُّجُوعِ عَنْهَا، كَمَا رَجَعَ من الخوارج من رجع حين\n_________\n(١) تقدم تخريجه (١/ ١١١).\n(٢) روي هذا الأثر حديثًا مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بلفظ: (إن الله حجز - أو قال: حجب - التوبة عن كل صاحب بدعة)، أخرجه ابن أبي عاصم في السنة برقم (٣٧)، وقال الألباني: حديث صحيح، وإسناده ضعيف جدًا. وصححه في السلسلة الصحيحة (٤ ١٥٤)، برقم (١٦٢٠)، وبنحوه في مسند إسحاق بن راهويه (٣٩٨)، والبدع والنهي عنها لابن وضاح (١٥٧)، والطبراني في الأوسط (٤٣٦٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩٤٥٦ و٩٤٥٧)، والضياء في المختارة (٢٠٥٤ و٢٠٥٥).\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): قلما يخرج. وصححت في هامش (ت).\n(٤) في (م): \"من\".\n(٥) في (غ) و(ر): \"فأغفل\".\n(٦) ساقط من (غ) و(ر).\n(٧) زيادة من (غ) و(ر)، والأثر أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٠٣٤).\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"يشا\".\n(٩) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"نحتاج\".\n(١٠) زيادة من (غ) و(ر).\n(١١) في (غ) و(ر): \"عالمًا\".","vol":"3","page":224},{"text":"ناظرهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄، وَكَمَا رَجَعَ الْمُهْتَدِي (١) وَالْوَاثِقُ (٢) وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ كَانَ قَدْ خَرَجَ عَنِ السُّنَّةِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا، وإذا حصل تخصيص العموم (بِفَرْدٍ) (٣) لَمْ يَبْقَ اللَّفْظُّ عَامًّا وَحَصَلَ الِانْقِسَامُ.\nوَهَذَا الثَّانِي هُوَ الظَّاهِرُ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ أَعْطَى أَوَّلُهُ أَنَّ الْأُمَّةَ تَفْتَرِقُ ذَلِكَ الِافْتِرَاقَ/ مِنْ غَيْرِ إِشْعَارٍ بِإِشْرَابٍ أَوْ عَدَمِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ فِي أُمَّتِهِ الْمُفْتَرِقِينِ عَنِ الْجَمَاعَةِ مِنْ يُشْرَبُ تِلْكَ الْأَهْوَاءَ، فَدَلَّ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ لَا يُشْرَبُهَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا، وَيَبْعَدُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ فِي مُطْلَقِ الْأُمَّةِ مَنْ يشرب تلك الأهواء، (إذًا) (٤) كَانَ يَكُونُ فِي الْكَلَامِ نَوْعٌ مِنَ التَّدَاخُلِ الذي لا فائدة فيه، فإذا (تبين) (٥) أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ يَخْرُجُ فِي الْأُمَّةِ الْمُفْتَرِقَةِ/ بِسَبَبِ الْهَوَى مَنْ يَتَجَارَى بِهِ ذَلِكَ الْهَوَى اسْتَقَامَ الْكَلَامُ وَاتَّسَقَ، وَعِنْدَ/ ذَلِكَ يُتَصَوَّرُ الِانْقِسَامُ، وذلك بأن يكون في الفرقة (الواحدة) (٦) مَنْ يَتَجَارَى بِهِ الْهَوَى كَتَجَارِي الْكَلْبِ، وَمَنْ لَا يَتَجَارَى بِهِ ذَلِكَ الْمِقْدَارُ، لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَخْتَلِفَ التَّجَارِي، فَمِنْهُ مَا يَكُونُ فِي الغاية حتى يخرج (به) (٧) إِلَى الْكُفْرِ أَوْ يَكَادُ، وَمِنْهُ مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ.\nفَمِنَ الْقَسَمِ الْأَوَّلِ الْخَوَارِجُ/ بِشَهَادَةِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ (رَسُولِ اللَّهِ) (٨) ﷺ حَيْثُ قَالَ: \"يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرميَّة)، وَمِنْهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ (أُغِرِقُوا) (٩) فِي الْبِدْعَةِ حَتَّى اعْتَرَضُوا عَلَى كِتَابِ الله وسنة نبيه، وهم\n_________\n(١) هو المهتدي بالله محمد بن الواثق بن هارون الرشيد الخليفة العباسي، بويع بالخلافة سنة ٢٥٥هـ. انظر ترجمته في: السير (١٢ ٥٣٥)، وأما رجوعه عن القول بخلق القرآن، فذكره الذهبي في السير (١٢ ٥٣٧).\n(٢) هو الواثق بالله هارون بن المعتصم محمد بن هارون الرشيد، تولى الخلافة سنة ٢٢٧هـ، وقال الذهبي: قيل إنه رجع عن ذلك - يعني القول بخلق القرآن - قبيل موته، ثم ذكر القصة التي فيها توبته. انظر: السير (١٠ ٣٠٦ - ٣١٠).\n(٣) في (غ) و(ر): \"بمفرد\".\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"إذ\".\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"بين\".\n(٦) زيادة من (غ) و(ر).\n(٧) زيادة من (غ) و(ر).\n(٨) ساقط من (غ) و(ر).\n(٩) في (ط) و(خ): \"أعرقوا\".","vol":"3","page":225},{"text":"بِالتَّكْفِيرِ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ (مبالغهم) (١).\nوَمِنَ الْقِسْمِ الثَّانِي أَهْلُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ عَلَى الجملة، إذ لم يؤدهم عقلهم إلى (مثل) (٢) مَا تَقَدَّمَ.\nوَمِنْهُ (مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ) (٣) الظَّاهِرِيَّةُ - عَلَى رَأْيِ مَنْ عَدَّهَا مِنِ الْبِدَعِ (٤) - وَمَا أشبه ذلك، و(على) (٥) ذلك (نقول إن) (٦): من خرج/ (من الفرق ببدعة) (٧) وَإِنْ كَانَتْ جُزْئِيَّةً فَلَا يَخْلُو صَاحِبُهَا مِنْ تَجَارِيهَا فِي قَلْبِهِ وَإِشْرَابِهَا لَهُ، لَكِنْ عَلَى قَدْرِهَا، وَبِذَلِكَ أَيْضًا تَدْخُلُ تَحْتَ مَا تَقَدَّمَ من الأدلة (أَنْ) (٨) لَا تَوْبَةَ لَهُ، لَكِنَّ التَّجَارِيَ الْمُشَبَّهَ بِالْكَلْبِ لَا يَبْلُغُهُ كُلُّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ، إِلَّا أَنَّهُ يَبْقَى وَجْهُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَنْ أُشْرِبَ قَلْبُهُ بِدْعَةً مِنِ الْبِدَعِ/ ذَلِكَ الْإِشْرَابَ، وَبَيْنَ من لم (يبلغه) (٩) مِمَّنْ هُوَ مَعْدُودٌ فِي الْفِرَقِ، فَإِنَّ الْجَمِيعَ مُتَّصِفُونَ بِوَصْفِ الْفِرْقَةِ الَّتِي هِيَ نَتِيجَةُ الْعَدَاوَةِ والبغضاء.\n(والفرق بينهما) (١٠) - والله أعلم - (أحد أمرين) (١١): إِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الَّذِي أُشْرِبَهَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى بِدْعَتِهِ فَيُظْهِرُ بِسَبَبِهَا (الموالاة و) (١٢) الْمُعَادَاةَ، وَالَّذِي لَمْ يُشْرِبْهَا لَا يَدْعُو إِلَيْهَا أو لا يَنْتَصِبُ لِلدُّعَاءِ إِلَيْهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَوَّلَ لم يدعُ إليها إلا وهي قد بَلَغَتْ مِنْ قَلْبِهِ مَبْلَغًا عَظِيمًا بِحَيْثُ يَطْرَحُ مَا سِوَاهَا فِي جَنْبِهَا، حَتَّى صَارَ ذَا بصيرة فيها لا ينثني عنها، وقد\n_________\n(١) في (ط): \"مبلغهم\".\n(٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) في (غ) و(ر): مذهب.\n(٤) سئل ابن رشد عن الظاهرية فقال: إبطال القياس في أحكام شرائع الدين جملة عند جميع العلماء بدعة ... انظر: المعيار المعرب (٢ ٣٤١ - ٣٤٤).\n(٥) زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"أنه يقول\".\n(٧) في (ط) و(م) و(خ): عن الفرق ببدعته، وفي (ت): \"من الفرق فبدعته\".\n(٨) في (ط) و(خ): \"على أن\".\n(٩) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"يبلغ\".\n(١٠) ما بين () ساقط من (م)، وفي (ت): والتفريق بينهما سببه، وفي (ط) و(خ): \"وسبب التفريق بينهما\".\n(١١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"أمران\".\n(١٢) زيادة من (غ) و(ر).","vol":"3","page":226},{"text":"أَعْمَتْ بَصَرَهُ وأصمَّت سَمْعَهُ وَاسْتَوْلَتْ عَلَى كُلِّيَّتِهِ، وَهِيَ غَايَةُ الْمَحَبَّةِ، وَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا (مِنْ) (١) هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالَى بِسَبَبِهِ وَعَادَى، وَلَمْ يُبَالِ بِمَا لَقِيَ فِي طَرِيقِهِ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ، فَإِنَّمَا هِيَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ مَسْأَلَةٍ عِلْمِيَّةٍ حصَّلها، وَنُكْتَةٍ اهْتَدَى إِلَيْهَا، فَهِيَ مدَّخرة فِي خِزَانَةِ حِفْظِهِ يَحْكُمُ بها على من وافق أو خالف، لَكِنْ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلَى إِمْسَاكِ نَفْسِهِ عَنِ الإظهار مخافة (النكال) (٢) / أو القيام عَلَيْهِ بِأَنْوَاعِ الْإِضْرَارِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَنْ دَاهَنَ عَلَى نَفْسِهِ فِي شَيْءٍ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِظْهَارِهِ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ مَبْلَغَ الِاسْتِيلَاءِ، فَكَذَلِكَ الْبِدْعَةُ إِذَا اسْتَخْفَى بِهَا صَاحِبُهَا.\nوَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مَنْ أُشربها نَاصِبٌ عَلَيْهَا/// بِالدَّعْوَةِ (الْمُقْتَرِنَةِ بِالْخُرُوجِ عَنِ) (٣) الْجَمَاعَةِ وَالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ، وَهِيَ الْخَاصِّيَّةُ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي الْخَوَارِجِ وَسَائِرِ/ مَنْ كَانَ عَلَى رَأْيِهِمْ.\nوَمِثْلُ مَا حَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَوَاصِمِ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ (٤) بِمَدِينَةِ السَّلَامِ: أَنَّهُ وَرَدَ بِهَا الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الكريم بن هوازن الْقُشَيْرِيُّ (٥) الصُّوفِيُّ مِنْ (نَيْسَابُورَ) (٦) فَعَقَدَ مَجْلِسًا لِلذِّكْرِ، وحضر فيه\n_________\n(١) ساقط من (م) و(غ) و(ر).\n(٢) في (م): \"الاتكال\". وفي (ت): \"التنكيل\". وفي (غ) و(ر): \"الإنكار\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"المفترقة بالخروج علي\".\n(٤) ليسوا من أهل السنة بل هم أشاعرة أصحاب القشيري المذكور في هذه القصة.\n(٥) هو أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري النيسابوري الصوفي الأشعري، صاحب الرسالة المشهورة باسم (الرسالة القشيرية)، ولد سنة ٣٧٥هـ، وتفقه على مذهب الشافعي، وكان صاحب مجالس وعظ مشهورة، توفي سنة ٤٦٥هـ. انظر: تاريخ بغداد (١١ ٨٣)، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٥ ١٥٣)، والسير للذهبي (١٨ ٢٢٧). ولم أقف على هذه الحادثة في سيرة أبي القاسم القشيري، وإنما ذكرت قصة مشابهة لها في ترجمة أبي جعفر عبد الخالق بن عيسى الهاشمي شيخ الحنابلة في عصره، والذي قرر مذهب الأشاعرة هو أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري، راجع المنتظم لابن الجوزي (١٦/ ١٨١)، وذيل طبقات الحنابلة (١/ ١٩)، والبداية والنهاية (١٦/ ٥٩).\n(٦) في (خ) و(م) و(ت) و(غ): \"يشاغور\"، والصحيح: نيسابور. وذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان (٥/ ٣٣١) أن العامة تسميها \"نشاوور\". والقصة مذكورة في العواصم والقواصم لابن العربي (٢/ ٢٨٢) بلفظ: \"نيسابور\".","vol":"3","page":227},{"text":"كافة (الخلق) (١)، وقرأ القارئ: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ (٢) قال لي أخصهم: (فرأيت) (٣) - يَعْنِي الْحَنَابِلَةَ - يَقُومُونَ فِي أَثْنَاءِ الْمَجْلِسِ وَيَقُولُونَ قاعد، قَاعِدٌ (قَاعِدٌ) (٤) بِأَرْفَعِ صَوْتٍ وَأَبْعَدِهِ مَدًى، وَثَارَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ السُّنَّةِ مِنْ أَصْحَابِ الْقُشَيْرِيِّ وَمِنْ أهل الحضرة، وتثاور الفئتان وغلبت العامة، فأجحروهم (إلى) (٥) المدرسة النِّظَامِيَّةِ وَحَصَرُوهُمْ فِيهَا وَرَمَوْهُمْ بِالنِّشَابِ، فَمَاتَ مِنْهُمْ قَوْمٌ، وَرَكِبَ زَعِيمُ الْكُفَاةِ (٦) وَبَعْضُ (الدَّارِيَّةِ) (٧) فسكَّنوا (ثورانهم) (٨).\nفهذا أيضًا (من قبيل) (٩) من أُشْرِبَ قَلْبُهُ حُبَّ الْبِدْعَةِ حَتَّى (أَدَّاهُ) (١٠) ذَلِكَ إلى (القتال) (١١)، فكل من بلغ هذا المبلغ حقيق (بأن) (١٢) يُوصَفَ بِالْوَصْفِ الَّذِي (وُصِفَ بِهِ) (١٣) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأن (يُعدّ) (١٤) من ذلك الحزب.\nوَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ دَاخَلُوا الْمُلُوكَ فَأَدْلَوْا إِلَيْهِمْ بالحجة الواهية، وصغروا في (أعينهم) (١٥) حَمَلَةَ السُّنَّةِ وَحُمَاةَ الْمِلَّةِ، حَتَّى وَقَفُوهُمْ مَوَاقِفَ الْبَلْوَى، وَأَذَاقُوهُمْ مَرَارَةَ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَانْتَهَى بِأَقْوَامٍ إلى القتل، حسبما\n_________\n(١) ساقط من (غ) و(ر).\n(٢) سورة طه: الآية (٥).\n(٣) في جميع النسخ: (من أنت)، والتصحيح من (غ) و(ر) والعواصم لابن العربي (٢ ٢٨٢).\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) ساقط من (غ) و(ر).\n(٦) يظهر من السياق أنه يقصد رئيس الشرط، والله ﷾ أعلم.\n(٧) في (ط): \"الدادية\".\n(٨) في (غ) و(ر): \"ثورتهم\" وانظر القصة في العواصم - تحقيق الطالبي - (٢ ٢٨٢). وانظر التعليق رقم (٥) في الصفحة (٣/ ٢٢٧).\n(٩) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٠) في (غ) و(ر): \"أداهم\".\n(١١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"القتل\".\n(١٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"أن\".\n(١٣) في سائر النسخ ما عدا (غ): \"وصف\".\n(١٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"بلغ\".\n(١٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"أنفسهم\".","vol":"3","page":228},{"text":"وَقَعَتِ الْمِحْنَةُ بِهِ زَمَانَ بِشْرٍ الْمَرِّيسِيِّ (١) فِي حضرة المأمون وابن أبي داود (٢) وغيرهما.\nفإن لم تبلغ البدعة بصاحبها (أن يناصب) (٣) هَذِهِ الْمُنَاصَبَةَ فَهُوَ غَيْرُ مُشْرَبٍ حُبَّهَا فِي قَلْبِهِ كَالْمِثَالِ فِي الْحَدِيثِ، وَكَمْ مِنْ أَهْلِ (البدع) (٤) لَمْ يَقُومُوا بِبِدْعَتِهِمْ قِيَامَ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ، بَلِ اسْتَتَرُوا بِهَا جِدًّا، وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلدُّعَاءِ إِلَيْهَا جِهَارًا، كَمَا فَعَلَ غَيْرُهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَدُّ فِي الْعُلَمَاءِ وَالرُّوَاةِ وَأَهْلِ الْعَدَالَةِ بِسَبَبِ (عَدَمِ) (٥) شُهْرَتِهِمْ بِمَا انْتَحَلُوهُ.\nفَهَذَا الْوَجْهُ يَظْهَرُ أَنَّهُ أولى الوجوه بالصواب،/ وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ:</span>\nأَنَّ هَذَا الْإِشْرَابَ الْمُشَارَ إِلَيْهِ هَلْ يَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْبِدَعِ دُونَ بَعْضٍ، أَمْ لَا يَخْتَصُّ؟ وَذَلِكَ (أَنَّهُ) (٦) / يُمْكِنُ أَنَّ (تكون) (٧) بَعْضَ الْبِدَعِ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُشْرِبَ قَلْبَ/ صَاحِبِهَا جِدًّا، وَمِنْهَا مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَالْبِدْعَةُ الْفُلَانِيَّةُ مَثَلًا مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَتَجَارَى بِصَاحِبِهَا كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ، وَالْبِدْعَةُ الْفُلَانِيَّةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَبِدْعَةُ الْخَوَارِجِ مَثَلًا فِي طَرَفِ الْإِشْرَابِ كَبِدْعَةِ الْمُنْكِرِينَ لِلْقِيَاسِ فِي الْفُرُوعِ الْمُلْتَزِمِينَ (للظاهر) (٨) فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ، وَيُمْكِنُ أَنْ (يَتَجَارَى) (٩) ذَلِكَ فِي كُلِّ بِدْعَةٍ عَلَى الْعُمُومِ فَيَكُونُ مِنْ أهلها من (أشربت قلبه، ومنهم من لم تشرب قلبه ذلك الإشراب، وهذا الثاني هو الأظهر،\n_________\n(١) تقدمت ترجمته (ص٤٠).\n(٢) هو أحمد بن فرج بن حريز الجهمي، رأس فتنة القول بخلق القرآن، مات سنة ٢٤٠هـ. انظر: تاريخ بغداد (٤ ١٤١)، والسير (١١ ١٦٩).\n(٣) زيادة من (غ) و(ر).\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"البدعة\".\n(٥) ساقط من (غ) و(ر).\n(٦) في (غ) و(ر): \"إنما\".\n(٧) زيادة من (غ) و(ر).\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الظاهر\".\n(٩) في (غ) و(ر): \"يجري\".","vol":"3","page":229},{"text":"والله أعلم، ويتبيّن بأمثلة،/ أحدها: بدعة القدر فإن مِنْ أَهْلِهَا مَنْ) (١) تَجَارَتْ بِهِ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ، كَعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ (٢)، حَسْبَمَا تَقَدَّمَ النَّقْلُ عَنْهُ أَنَّهُ أَنْكَرَ بِسَبَبِ الْقَوْلِ بِهِ سورة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا *﴾ (٤) وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ بِهِ الْحَالُ إِلَى هَذَا النَّحْوِ كَجُمْلَةٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، كَالْفَارِسِيِّ النحوي (٥) وابن جني (٦).\nوالثاني: بِدْعَةُ (الظَّاهِرِيَّةِ) (٧)، فَإِنَّهَا تَجَارَتْ بِقَوْمٍ حَتَّى قَالُوا عِنْدَ ذِكْرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٨) قاعد، قَاعِدٌ (قَاعِدٌ) (٩)، وَأَعْلَنُوا بِذَلِكَ وَتَقَاتَلُوا عَلَيْهِ، وَلَمْ (تبلغ) (١٠) بِقَوْمٍ آخَرِينَ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ، كَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ في الفروع وأشباهه (١١).\n_________\n(١) ما بين () زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) قال عمرو بن عبيد - كما في تاريخ بغداد (١٢ ١٧٠) سير أعلام النبلاء (٦ ١٠٤) ـ: \"إن كانت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ في اللوح المحفوظ فما لله على ابن آدم حجة\"، وهذا يبيِّن أن سبب إنكاره لسورة تبت وما في معناه هو إنكار القدر.\n(٣) سورة المسد: الآية (١).\n(٤) سورة المدثر: الآية (١١).\n(٥) هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي النحوي المشهور، تتلمذ على الزجاج، ومن تلاميذه أبو الفتح ابن جني، وكان الفارسي معتزليًا، توفي سنة ٣٧٧هـ. انظر: تاريخ بغداد (٧ ٢٧٥)، والسير (١٦ ٣٧٩).\n(٦) هو أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي، أخذ عن الفارسي النحوي اللغة والاعتزال، توفي سنة ٣٩٢هـ. انظر: تاريخ بغداد (١١ ٣١١)، والسير (١٧ ١٧).\n(٧) في (م) و(غ) و(ر): \"الظاهر\".\n(٨) سورة طه: الآية (٥).\n(٩) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٠) في سائر النسخ ما عدا (غ): \"يبلغ\".\n(١١) بدعة الظاهرية عند الشاطبي قسمان؛ الأول: الظاهرية في نصوص الصفات أي الذين يجرون نصوص الصفات على ظاهرها، ويعتقدون معناها المعروف في لغة العرب دون تأويلٍ لها، وهذا مذهب السلف.\nالقسم الثاني: ظاهرية الفقهاء كداود الظاهري وابن حزم، فجعل الشاطبي كلا القسمين من أهل البدع، وجعل القسم الأول - وهو مذهب السلف في الصفات - من أهل الإغراق في البدعة، ولا شك في خطأ الشاطبي في مسلكه هذا حيث ذهب في تفسير مذهب السلف في نصوص الصفات إلى تفسيره بمذهب المفوضة الذين يفوضون المعاني، وقد فصّل هذه المسألة الباحث: ناصر الفهد، في كتابه \"الإعلام بمخالفات الموافقات والاعتصام\" ص٣٠ وص٥٥، فليراجع لأهميته.","vol":"3","page":230},{"text":"والثالث: بِدْعَةُ الْتِزَامِ الدُّعَاءِ بِإِثْرِ الصَّلَوَاتِ دَائِمًا عَلَى الهيئة الاجتماعية، فإنها بلغت (ببعض أصحابها) (١) إِلَى أَنْ كَانَ (التَّرْكُ) (٢) لَهَا مُوجِبًا لِلْقَتْلِ عِنْدَهُ؛ فَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الْخَطَّابِ بْنُ خَلِيلٍ حِكَايَةً عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُجَاهِدٍ الْعَابِدِ (٣): أَنَّ رَجُلًا مِنْ عُظَمَاءِ الدَّوْلَةِ/ وَأَهْلِ الوجاهة فيها - وكان موصوفًا بشدة السطوة وَبَسْطِ الْيَدِ - نَزَلَ فِي جِوَارِ ابْنِ مُجَاهِدٍ وصلى (خلفه) (٤) فِي مَسْجِدِهِ الَّذِي كَانَ يَؤُمُّ فِيهِ، وَكَانَ لَا يَدْعُو فِي أُخْرَيَاتِ الصَّلَوَاتِ تَصْمِيمًا فِي ذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ - يَعْنِي مَذْهَبَ مَالِكٍ - لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ فِي مَذْهَبِهِ/ وَكَانَ ابْنُ مُجَاهِدٍ مُحَافِظًا عَلَيْهِ، فَكَرِهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْهُ تَرْكَ/ الدُّعَاءِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ فَأَبَى، وَبَقِيَ عَلَى عَادَتِهِ فِي تَرْكِهِ فِي أَعْقَابِ الصَّلَوَاتِ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي صَلَّى ذَلِكَ الرَّجُلُ الْعَتَمَةَ فِي الْمَسْجِدِ، (فَلَمَّا انْقَضَتْ) (٥) وَخَرَجَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَى دَارِهِ قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ: قَدْ قُلْنَا لِهَذَا الرَّجُلِ يَدْعُو (إِثْرَ) (٦) الصَّلَوَاتِ فَأَبَى، فَإِذَا كَانَ فِي غَدْوَةِ غَدٍ (لم يفعل) (٧) أضرب رقبته بهذا السيف وأشار إلى سيف فِي يَدِهِ فَخَافُوا عَلَى ابْنِ مُجَاهِدٍ مِنْ قَوْلِهِ لَمَّا عَلِمُوا مِنْهُ، فَرَجَعَتِ الْجَمَاعَةُ بِجُمْلَتِهَا إِلَى دَارِ ابْنِ مُجَاهِدٍ.\nفَخَرَجَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: ما شأنكم؟ / فقالوا: والله لقد خفنا (عليك) (٨) مِنْ هَذَا الرَّجُلِ / وَقَدِ اشْتَدَّ الْآنَ غَضَبُهُ عَلَيْكَ فِي تَرْكِكَ الدُّعَاءَ. فَقَالَ لَهُمْ: لَا أَخْرُجُ عَنْ عَادَتِي، فَأَخْبَرُوهُ بِالْقِصَّةِ. فَقَالَ لَهُمْ - وهو متبسم ـ: انْصَرِفُوا وَلَا تَخَافُوا فَهُوَ الَّذِي (تُضْرَبُ) (٩) رَقَبَتُهُ (في) (١٠) غدوة غد بذلك السيف\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"بأصحابها\".\n(٢) في (م): \"القتل\".\n(٣) تقدمت ترجمته (٢ ٢٧٠).\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) ساقط من (غ) و(ر).\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (م). وفي (غ) و(ر): \"بعد\".\n(٧) ما بين القوسين زيادة من (ت).\n(٨) زيادة من (غ) و(ر).\n(٩) في (ط) و(خ) و(ت): \"ضربت\". وفي (م): \"ضرب\".\n(١٠) ساقط من (غ) و(ر).","vol":"3","page":231},{"text":"بحول الله، ودخل (إلى) (١) دَارَهُ، وَانْصَرَفَتِ الْجَمَاعَةُ عَلَى ذُعْرٍ مِنْ قَوْلِ ذلك الرجل، فلما كان مع (الصبح) (٢) (من الغد) (٣) وصل إلى دار الرجل قوم من (صنفه مع عبيد المخزن، وحملوه حمل المغضوب عليه، فتبعه قَوْمٌ مِنْ) (٤) أَهْلِ الْمَسْجِدِ وَمَنْ عَلِمَ حَالَ البارحة حتى وصلوا (به) (٥) إلى دار (الإمارة) (٦) بِبَابِ جَوْهَرٍ مِنْ إِشْبِيلِيَّةَ (٧)، وَهُنَاكَ أَمَرَ بِضَرْبِ رقبته (فضربت بسيفه) (٨) ذَلِكَ، تَحْقِيقًا لِلْإِجَابَةِ وَإِثْبَاتًا لِلْكَرَامَةِ.\n(وَقَدْ رَوَى بعض الإشبيليين الحكاية بمعنى هذه (لكن نَحْوٍ) (٩) آخَرَ) (١٠).\nوَلَمَّا رَدَّ وَلَدُ ابْنِ الصَّقْرِ (١١) على الخطيب في خطبته (وكذَّبه حِينَ فَاهَ) (١٢) بِاسْمِ الْمَهْدِيِّ (١٣) وَعِصْمَتِهِ، أَرَادَ الْمُرْتَضَى (١٤) - مِنْ ذُرِّيَّةِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ (١٥) وَهُوَ إِذْ ذَاكَ خَلِيفَةٌ - أَنْ يَسْجُنَهُ عَلَى قَوْلِهِ، فَأَبَى الْأَشْيَاخُ\n_________\n(١) زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) في (غ) و(ر): \"الصحب\".\n(٣) زيادة من (غ) و(ر).\n(٤) ما بين () زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"إليه\".\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الإمامة\".\n(٧) إشبيلية من أهم مدن الأندلس، وهي تقع في الجنوب الغربي لقرطبة. انظر: معجم البلدان (١ ١٩٥).\n(٨) في (ط) و(خ): \"بسيف\".\n(٩) هكذا في (ط) و(م): \"لعل الصواب\": (لكن على نحو آخر).\n(١٠) ما بين () ساقط من (غ) و(ر).\n(١١) هو أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن الصقر الأنصاري الخزرجي أبو العباس، كان محدثًا ثقة ضابطًا مقرءًا، ولد سنة ٤٩٢هـ. وتوفي سنة ٥٦٩هـ. انظر: الديباج المذهب (١ ٢١١).\n(١٢) في (ط) و(م) و(خ): \"وكذلك خبر فاه\"، وفي ت بياض بمقدار نصف سطر وهي تشبه في الرسم كلمة (وذلك حين).\n(١٣) هو ابن تومرت، تقدمت ترجمته (ص١٢٧).\n(١٤) هو أبو جعفر المرتضى عمر بن إبراهيم بن يوسف بن عبد المؤمن، من أمراء الموحدين، قتل سنة ٦٦٥هـ. انظر: كتاب \"المهدي ابن تومرت\" للدكتور عبد المجيد النجار (ص٤٠٦)، ونفح الطيب (٤ ٣٨٤).\n(١٥) هو عبد المؤمن بن علي بن القيسي، وهو خليفة ابن تومرت، ولدت سنة ٤٨٧هـ، وتوفي سنة ٥٥٨هـ. انظر: السير (٢٠ ٣٦٦)، ونفح الطيب (١ ٤٤٢).","vol":"3","page":232},{"text":"وَالْوُزَرَاءُ مِنْ فِرْقَةِ الْمُوَحِّدِينَ إِلَّا قَتْلَهُ،/ فَغَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِ فَقَتَلُوهُ خَوْفًا أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ غَيْرُهُ، فَتَخْتَلُّ عَلَيْهِمُ الْقَاعِدَةُ الَّتِي بَنَوْا دِينَهُمْ عَلَيْهَا.\n/وَقَدْ لَا تَبْلُغُ الْبِدْعَةُ فِي الْإِشْرَابِ ذلك المقدار فلا يتفق (في) (١) الخلاف فيها (ما) (٢) يُؤَدِّي إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ.\nفَهَذِهِ الْأَمْثِلَةُ بَيَّنَتْ بِالْوَاقِعِ مُرَادَ الْحَدِيثِ (٣) ـ/ عَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ - فَإِنَّ أَخْبَارَ النَّبِيِّ ﷺ إِنَّمَا تكون (أبدًا) (٤) على وفق (المخبر عنه) (٥) مِنْ (غَيْرِ تَخَلُّفٍ أَلْبَتَّةَ) (٦).\nوَيَشْهَدُ لِهَذَا التَّفْسِيرِ اسْتِقْرَاءُ أَحْوَالِ الْخَلْقِ مِنِ انْقِسَامِهَا إِلَى الْأَعْلَى وَالْأَدْنَى وَالْأَوْسَطِ، كَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ وَالشَّجَاعَةِ (وَالْجُبْنِ) (٧) وَالْعَدْلِ وَالْجَوْرِ، وَالْجُودِ وَالْبُخْلِ، وَالْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَالْعِزِّ وَالذُّلِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْوَالِ وَالْأَوْصَافِ، فَإِنَّهَا تَتَرَدَّدُ مَا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، فَعَالِمٌ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الْعِلْمِ، وَآخَرُ فِي أَدْنَى دَرَجَاتِهِ، وَجَاهِلٌ كَذَلِكَ، وَشُجَاعٌ كَذَلِكَ، إِلَى سَائِرِهَا.\nفَكَذَلِكَ سُقُوطُ الْبِدَعِ بِالنُّفُوسِ، إِلَّا أَنَّ فِي ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ لَهَا فَائِدَةً أُخْرَى، وَهِيَ التحذير من مقاربتها ومقاربة أصحابها وهي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>المسألة الثانية والعشرون:</span>\nوَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ دَاءَ الْكَلْبِ فِيهِ مَا يُشْبِهُ الْعَدْوَى، فَإِنَّ أَصْلَ الْكَلْبِ وَاقِعٌ بِالْكَلْبِ، ثُمَّ إِذَا عَضَّ ذَلِكَ الْكَلْبُ أَحَدًا/ صَارَ مثله ولم يقدر على الانفصال (عنه) (٨) فِي الْغَالِبِ إِلَّا بِالْهَلَكَةِ، فَكَذَلِكَ الْمُبْتَدِعُ إِذَا أورد على أحد رأيه/\n_________\n(١) زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"بما\".\n(٣) يقصد حديث: تتجارى بهم الأهواء ... إلخ، انظر: (٣/ ١٢٣).\n(٤) في (ط) و(ت): \"ابتناء\". وفي (خ) و(م): \"ابتداء\".\n(٥) في سائر النسخ: \"مخبره\" والتصحيح من هامش (ت).\n(٦) في (م): \"غيره تخلف إليه\".\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"والخير\".\n(٨) في (ط) و(ت): \"منه\".","vol":"3","page":233},{"text":"وَإِشْكَالَهُ فَقَلَّمَا يَسْلَمُ مِنْ غَائِلَتِهِ، بَلْ إِمَّا أَنْ يَقَعَ مَعَهُ فِي مَذْهَبِهِ وَيَصِيرَ مِنْ شيعته، وإما أن (ينبت) (١) فِي قَلْبِهِ شَكًّا يَطْمَعُ فِي الِانْفِصَالِ عَنْهُ فلا يقدر (عليه) (٢).\nوهذا بخلاف سائر المعاصي، فإن صاحبها (لا يضر من صاحبه) (٣) وَلَا يُدْخِلُهُ فِيهَا غَالِبًا إِلَّا مَعَ طُولِ الصُّحْبَةِ وَالْأُنْسِ بِهِ، وَالِاعْتِيَادِ لِحُضُورِ مَعْصِيَتِهِ، وَقَدْ أَتَى/ فِي الْآثَارِ مَا يَدُلُّ/ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى. فَإِنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ نَهَوْا عَنْ مُجَالَسَتِهِمْ ومكالمتهم (وسماع) (٤) (كلامهم) (٥) وَأَغْلَظُوا فِي ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ فِي الْبَابِ الثَّانِي آثَارٌ (جَمَّةٌ) (٦).\nوَمِنْ ذَلِكَ مَا روي عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُكْرِمَ دِينَهُ فَلْيَعْتَزِلْ مُخَالَطَةَ (السلطان) (٧) وَمُجَالَسَةَ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ، فَإِنَّ مُجَالَسَتَهُمْ أَلْصَقُ مِنَ الْجَرَبِ (٨).\nوَعَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ (٩) (قَالَ) (١٠): (قَدِمَ) (١١) غَيْلَانُ (١٢) مَكَّةَ/ (يُجَاوِرُ) (١٣) بِهَا، فَأَتَى غَيْلَانُ مُجَاهِدًا فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَجَّاجِ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَنْهَى النَّاسَ عني، وتذكرني (لشيء بلغك عني) (١٤) لا أقوله، (إنما أقول\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"يثبت\".\n(٢) زيادة من (ط).\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"يضاره\".\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"وكلام\".\n(٥) في (ط) و(خ) و(ت): \"مكالمهم\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"جملة\".\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الشيطان\".\n(٨) أخرجه ابن وضاح في البدع والنهي عنها (١٣٧) وبنحوه في سنن الدارمي (٣٠١).\n(٩) هو حميد بن عطاء الكوفي، ضعفه الإمام أحمد وابن معين، وقد روى عنه خلف بن خليفة، وعيسى بن يونس. انظر: الجرح والتعديل (٣ ٢٢٦).\n(١٠) في (ط) و(خ): \"نهى\". وفي (م): \"تنهى\". وفي (ت): بياض بمقدار كلمة والتصحيح من (غ) و(ر) والبدع لابن وضاح القرطبي.\n(١١) في (م): \"قدوم\".\n(١٢) هو غيلان القدري، تقدمت ترجمته ١ ١٠٢.\n(١٣) في البدع لابن وضاح: فجاور.\n(١٤) في (ط) و(م) و(خ) و(غ) و(ر): \"بلغك عني شيء\".","vol":"3","page":234},{"text":"كذا) (١)، فجاء بشيء لا (ننكره) (٢)، (قال حميد) (٣): فَلَمَّا (قَامَ) (٤) قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا (تُجَالِسُوهُ) (٥) فَإِنَّهُ (قدري) (٦). قال حميد: (فإني يومًا) (٧) في الطواف لحقني غيلان من خلفي (فجبذ) (٨) ردائي، فالتفت فقال: كيف (يقرأ) (٩) مجاهد (حرف كذا وكذا) (١٠) فأخبرته، فمشى معي (فبصرني) (١١) مُجَاهِدٌ مَعَهُ، فَأَتَيْتُهُ فَجَعَلْتُ أُكَلِّمُهُ فَلَا يَرُدُّ علي، وأسأله فلا يجيبني، قال: فَغَدَوْتُ إِلَيْهِ فَوَجَدْتُهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَقُلْتُ: يا أبا الحجاج، أبلغك عني شيء؟ (أأحدثت) (١٢) حَدَثًا/، مَا لِي؟ قَالَ: أَلَمْ أَرَكَ مَعَ غَيْلَانَ وَقَدْ نَهَيْتُكُمْ أَنْ تُكَلِّمُوهُ أَوْ تُجَالِسُوهُ؟ قال: قلت: (والله) (١٣) يَا أَبَا الْحَجَّاجِ مَا أَنْكَرْتُ قَوْلَكَ، وَمَا بدأته، هو بَدَأَنِي. قَالَ: وَاللَّهِ يَا حُمَيْدُ لَوْلَا أَنَّكَ عِنْدِي مُصَدَّقٌ مَا نَظَرْتَ لِي فِي (وَجْهٍ) (١٤) مُنْبَسِطٍ مَا عِشْتُ، (وَلَئِنْ عُدْتَ لَا تَنْظُرُ لِي فِي وَجْهٍ مُنْبَسِطٍ مَا عِشْتُ) (١٥).\n/وَعَنْ أَيُّوبَ (١٦) قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ إِذْ جَاءَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ فَدَخَلَ، فَلَمَّا جَلَسَ وَضَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهُ فِي بَطْنِهِ وَقَامَ، فَقُلْتُ لِعَمْرٍو: انْطَلِقْ بِنَا - قَالَ - فَخَرَجْنَا، فلما مضى عمرو رجعت فقلت:\n_________\n(١) في البدع لابن وضاح: إنما أقول كذا (مرتين).\n(٢) في جميع النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"لا ينكر\".\n(٣) ما بين القوسين زيادة من (ت).\n(٤) زيادة من (غ) و(ر): \"والبدع لابن وضاح\".\n(٥) في (غ) و(ر): \"تجالسه\".\n(٦) في (م): \"قدروي\".\n(٧) في (ط) و(م) و(خ): \"فإنه يوم\". وفي (ت): \"فإني يوم\".\n(٨) في (ط) و(خ) و(ت): \"يجذب\"، وفي (م): \"فجذب\".\n(٩) في (ط) و(م) و(خ): \"يقول\".\n(١٠) في (ط) و(م) و(ت): \"خرف وكذا\".\n(١١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فبصر بي\".\n(١٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"ما أحدثت\".\n(١٣) زيادة من (غ) و(ر): \"والبدع\".\n(١٤) ما بين القوسين ساقط من (م).\n(١٥) ما بين القوسين ساقط من (غ) و(ر) والبدع، والأثر أخرجه ابن وضاح في البدع والنهي عنها (١٣٩).\n(١٦) هو أبو بكر أيوب بن أبي تميمة البصري السختياني، تقدمت ترجمته (١ ١٤٧).","vol":"3","page":235},{"text":"يَا أَبَا بَكْرٍ، قَدْ فَطِنْتُ إِلَى مَا صنعت، قال: (أوقد) (١) فَطِنْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَضُمَّنِي (مَعَهُ) (٢) سَقْفُ بَيْتٍ (٣).\n/وَعَنْ بَعْضِهِمْ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ فرآني ابن عون (٤) فأعرض عني (شهرين) (٥).\nوقيل: دخل (عمرو بن عبيد على) (٦) ابْنِ عَوْنٍ فَسَكَتَ ابْنُ عَوْنٍ لَمَّا رَآهُ، وَسَكَتَ عَمْرٌو عَنْهُ فَلَمْ يَسْأَلْهُ/ عَنْ شَيْءٍ، فمكث (هنيهة) (٧) ثم (قام فخرج) (٨)، فقال ابن عون: بما اسْتَحَلَّ أَنْ دَخَلَ دَارِي بِغَيْرِ إِذْنِي؟ مِرَارًا يرددها، أما إنه لو تكلم، (أَمَا إِنَّهُ لَوْ تَكَلَّمَ) (٩).\nوَعَنْ مُؤَمَّلِ بْنِ إسماعيل (١٠) قَالَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لِحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ: مَا لَكَ لَمْ تَرْوِ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ (١١) إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا؟ قَالَ: مَا أَتَيْتُهُ إِلَّا مرة واحدة لمساقه فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ أَيُّوبَ علم (بإتياني إياه) (١٢) إِلَيْهِ وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا، وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ لو علم لكانت (الفيصل فيما بيني وبينه (١٣).\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"أقد\".\n(٢) في (غ) و(ر): \"وإياه\".\n(٣) أخرجه ابن وضاح في البدع (١٤٠).\n(٤) هو عبد الله بن عون بن أرطبان المزني البصري، تقدمت ترجمته - حامد - ١ ٢٠٧.\n(٥) زيادة من (غ) و(ر) والبدع لابن وضاح، والأثر مخرج فيه (١٤١).\n(٦) زيادة من (غ) و(ر) والبدع لابن وضاح.\n(٧) في البدع: هنية. وفي (ت): هنيئة.\n(٨) زيادة من (غ) والبدع لابن وضاح.\n(٩) زيادة من (غ) و(ر) والبدع لابن وضاح، والأثر مخرج فيه (١٤٢).\n(١٠) هو مؤمل بن إسماعيل أبو عبد الرحمن البصري، وثقه ابن معين، وقال عنه أبو حاتم: صدوق، شديد في السنة كثير الخطأ، يكتب حديثه. توفي سنة ٢٠٦هـ. انظر: تهذيب التهذيب (١٠ ٣٨٠) والجرح والتعديل (٨ ٣٧٤).\n(١١) هو عبد الكريم بن أبي المخارق أبو أمية، كان مع تعبده مرجئًا، قال عنه النسائي والدارقطني: متروك. وقال معمر: قال لي أيوب: لا تحمل عن عبد الكريم أبي أمية فإنه ليس بشيء، انظر: السير (٦ ٨٣)، وميزان الاعتدال (٢ ٦٤٦).\n(١٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"بإتياني إليه\".\n(١٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الفيصلة بيني وبينه\". والأثر أخرجه ابن وضاح في البدع (١٤٣).","vol":"3","page":236},{"text":"/ (وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ) (١) لِمُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ (٢): لَا تَقْرَبَنَّا مَا دُمْتَ عَلَى رَأْيِكَ هَذَا. وَكَانَ مُرْجِئًا (٣).\nوَعَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ (٤) قَالَ: لَقِيَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فَقَالَ: أَلَمْ أَرَكَ مَعَ طَلْقٍ (٥)؟ قُلْتُ: بَلَى، فَمَا لَهُ؟ قَالَ: لَا تُجَالِسْهُ فَإِنَّهُ مُرْجِئٌ (٦).\nوَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ (٧) قَالَ: رَأَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ مُحْرِزٍ (٨) وَقَرِيبٌ منه (شببة) (٩)، (فرآهم) (١٠) (يتجادلون) (١١)، فَرَأَيْتُهُ قَائِمًا يَنْفُضُ ثِيَابَهُ وَيَقُولُ: (إِنَّمَا أَنْتُمْ جرب، إِنَّمَا أَنْتُمْ جُرْبٌ) (١٢).\n/وَعَنْ أَيُّوبَ قَالَ: دَخَلَ رجل على محمد بن سِيرِينَ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَقْرَأُ عَلَيْكَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَا أَزِيدُ أَنْ أقرأها ثم أخرج؟ فوضع إصبعيه في\n_________\n(١) في (م) و(غ) و(ر): وعن إبراهيم قال، وهو إبراهيم بن يزيد النخعي الإمام المشهور، وكان شديدًا على المرجئة، توفي سنة ٩٦هـ. انظر: السير (٤ ٥٢٠)، وطبقات ابن سعد (٦ ٢٧٠).\n(٢) لعله محمد بن السائب التيمي، فقد روى عن إبراهيم النخعي، وروى عنه مغيرة بن مقسم. انظر: الجرح والتعديل (٧ ٢٧١).\n(٣) أخرج ابن وضاح في البدع (١٤٤)، وابن سعد في الطبقات (٦ ٢٧٣).\n(٤) سقط من جميع النسخ: (عن أيوب) وهو مذكور في الأثر كما في البدع لابن وضاح (١٤٥)، والدارمي (٣٩٢)، وابن سعد في الطبقات (٧/ ٢٢٨).\n(٥) هو طلق بن حبيب العنزي، من صغار التابعين، قال عنه أبو حاتم: طلق صدوق، يرى الإرجاء. توفي قبل المائة. انظر: طبقات ابن سعد (٧ ٢٧٧)، والسير (٤ ٦٠١).\n(٦) أخرجه ابن وضاح في البدع (١٤٥)، والدارمي في السنن (٣٩٢)، وابن سعد في الطبقات (٧/ ٢٢٨).\n(٧) هو محمد بن واسع بن جابر الأزدي، من صغار التابعين، قال عنه الدارقطني: ثقة بلي برواة ضعفاء، توفي سنة ١٢٧هـ. انظر: الجرح والتعديل (٨ ١١٣)، وتهذيب التهذيب (٩ ٤٩٩).\n(٨) هو صفوان بن محرز المازني البصري، من التابعين، أخرج له البخاري ومسلم، توفي سنة ٧٤هـ. انظر: طبقات ابن سعد (٧ ١٤٧)، والسير (٤ ٢٨٦).\n(٩) في جميع النسخ: شيبة. والتصحيح من (غ) و(ر) وابن وضاح.\n(١٠) في (ط) و(خ): \"فرآهما\".\n(١١) في جميع النسخ ما عدا (غ) و(ر): يتجادلان.\n(١٢) ما بين () زيادة من (غ) و(ر) والبدع، والأثر أخرجه ابن وضاح (١٤٩).","vol":"3","page":237},{"text":"أذنيه ثم قال: (أحرج) (١) عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ مُسْلِمًا (إِلَّا) (٢) خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِي - قَالَ - فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، لَا أزيد على أن أقرأ ثم أخرج، (فقال بإزاره يشده عليه) (٣) وَتَهَيَّأَ لِلْقِيَامِ فَأَقْبَلْنَا عَلَى الرَّجُلِ، فَقُلْنَا: قَدْ (حرَّج) (٤) عَلَيْكَ إِلَّا خَرَجْتَ (أَفَيَحِلُّ) (٥) لَكَ أَنْ تُخْرِجَ رجل مِنْ بَيْتِهِ؟ قَالَ: فَخَرَجَ، فَقُلْنَا: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا عَلَيْكَ لَوْ قَرَأَ آيَةً (ثُمَّ خَرَجَ) (٦)؟ قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ ظَنَنْتُ أَنَّ قَلْبِي (يَثْبُتُ) (٧) عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مَا بَالَيْتُ أَنْ يَقْرَأَ، وَلَكِنْ (خِفْتُ) (٨) أَنْ يُلْقِي فِي قَلْبِي شَيْئًا أَجْهَدُ فِي إِخْرَاجِهِ مِنْ قَلْبِي فَلَا أَسْتَطِيعُ (٩).\nوَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: (لَا تمكنوا) (١٠) صَاحِبَ/ بِدْعَةٍ مِنْ جَدَلٍ فَيُورِثَ قُلُوبَكُمْ مِنْ فِتْنَتِهِ (١١).\nفَهَذِهِ آثَارٌ تُنَبِّهُكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَتْ إِشَارَةُ الْحَدِيثِ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ مَقْصُودًا وَاللَّهُ أعلم.\n(نعم) (١٢) تَأْثِيرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْبِدْعَةِ فِي الْقُلُوبِ مَعْلُومٌ، وَثَمَّ مَعْنًى آخَرُ قَدْ يَكُونُ مِنْ فَوَائِدِ تَنْبِيهِ الْحَدِيثِ بِمِثَالِ دَاءِ الْكَلْبِ/ وَهِيَ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ:</span>\nوَهُوَ التَّنْبِيهُ عَلَى السَّبَبِ فِي بُعْدِ صَاحِبِ الْبِدْعَةِ عَنِ التَّوْبَةِ، إِذْ كَانَ/\n_________\n(١) في (ط) و(خ): أعزم.\n(٢) في (غ) و(ر): لما.\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فقام لإزاره يشده\".\n(٤) في (ط) و(خ): عزم.\n(٥) في (م) و(غ) و(ر): فيحل.\n(٦) ساقط من (غ) و(ر).\n(٧) في (ط) و(م) و(خ) و(غ) و(ر): ثبت.\n(٨) ساقط من (غ) و(ر).\n(٩) أخرجه ابن وضاح في البدع (١٥٠)، وبنحوه في الدارمي (٣٩٧)، وعبد الله في السنة (١٠٠)، والآجري في الشريعة (١٢٠)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢٤٢)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (٣٧٧).\n(١٠) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"تكلموا\".\n(١١) أخرجه ابن وضاح في البدع والنهي عنها (١٥١).\n(١٢) زيادة من (غ) و(ر).","vol":"3","page":238},{"text":"مَثَلُ الْمَعَاصِي الْوَاقِعَةِ بِأَعْمَالِ الْعِبَادِ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا أَوِ اعْتِقَادًا، كَمَثَلِ الْأَمْرَاضِ النَّازِلَةِ بِجِسْمِهِ أَوْ رُوحِهِ، فَأَدْوِيَةُ الْأَمْرَاضِ/ الْبَدَنِيَّةِ/ مَعْلُومَةٌ، وَأَدْوِيَةُ الْأَمْرَاضِ الْعَمَلِيَّةِ التَّوْبَةُ وَالْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ، وَكَمَا أَنَّ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْبَدَنِيَّةِ مَا يُمْكِنُ فِيهِ التَّدَاوِي وَمِنْهُ مَا لَا يُمْكِنُ فِيهِ التَّدَاوِي أَوْ يعسر (كالكَلَبِ، كذلك) (١) (في) (٢) أمراض الأعمال، (منها) (٣) مَا يُمْكِنُ فِيهِ التَّوْبَةُ عَادَةً، (وَمِنْهَا) (٤) مَا لَا يُمْكِنُ.\n/فَالْمَعَاصِي كُلُّهَا غَيْرُ الْبِدَعِ يُمْكِنُ فِيهَا التَّوْبَةُ مِنْ أَعْلَاهَا وَهِيَ الْكَبَائِرُ إِلَى أَدْنَاهَا (وَهِيَ) (٥) اللَّمَمُ، وَالْبِدَعُ أَخْبَرْنَا فِيهَا إِخْبَارَيْنِ كِلَاهُمَا يُفِيدُ أَنْ لَا تَوْبَةَ مِنْهَا:\nالْإِخْبَارُ الْأَوَّلُ: مَا تَقَدَّمَ فِي ذَمِّ الْبِدَعِ مِنْ أَنَّ الْمُبْتَدِعَ لَا تَوْبَةَ لَهُ، مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ.\nوَالْآخَرُ: مَا نَحْنُ فِي تَفْسِيرِهِ، وَهُوَ تَشْبِيهُ الْبِدَعِ بِمَا لَا نُجْحَ فِيهِ مِنَ الْأَمْرَاضِ كَالْكَلْبِ، فَأَفَادَ أَنْ لَا نُجْحَ مِنْ ذَنْبِ الْبِدَعِ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ غَيْرِ اقْتِضَاءِ عُمُومٍ، بَلِ اقْتَضَى أَنَّ عَدَمَ التَّوْبَةِ مَخْصُوصٌ بِمَنْ تُجَارَى بِهِ الْهَوَى كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ مِنْ أُولَئِكَ مَنْ (لا) (٦) يَتَجَارَى بِهِ الْهَوَى عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ وَتَبَيَّنَ الشاهد عليه، ونشأ من ذلك معنى (آخر) (٧) زائد هو من فوائد الحديث - وهي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ:</span>\nوَهُوَ أَنَّ مِنْ تِلْكَ الْفِرَقِ مَنْ لَا يُشْرَبُ (هَوَى) (٨) الْبِدْعَةِ ذَلِكَ الْإِشْرَابَ، فَإِذًا يُمْكِنُ فِيهِ التَّوْبَةُ، وَإِذَا أَمْكَنَ فِي أَهْلِ الْفِرَقِ أَمْكَنَ فِيمَنْ خَرَجَ عَنْهُمْ، وهم أهل البدع الجزئية.\n_________\n(١) في (م): كالكلب لذي. وفي (ط) و(خ) و(ت): كذلك الكلب.\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الذي في\".\n(٣) في (ت): فمنه.\n(٤) في (ت): فمنه.\n(٥) في (م) و(غ) و(ر): وهو.\n(٦) زيادة من (غ) و(ر).\n(٧) زيادة من (غ) و(ر).\n(٨) في (م): \"هو\".","vol":"3","page":239},{"text":"فَإِمَّا أَنْ (يُرَجَّحَ) (١) مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَخْبَارِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، لِأَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي إسنادها شيء، (وأعلى) (٢) ما (تجري) (٣) فِي الْحِسَانِ، وَفِي الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ مَا هُوَ صَحِيحٌ، كَقَوْلِهِ: \"يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السهم من الرمية ثُمَّ لَا يَعُودُونَ (حَتَّى يَعُودَ) (٤) السَّهْمُ عَلَى فوقه\" (٥) وما (أشبهه) (٦).\nوإما أن يجمع بينهما، (فيُجعل) (٧) النَّقْلَ الْأَوَّلَ عُمْدَةً فِي (عُمُومِ) (٨) قَبُولِ التَّوْبَةِ، ويكون هذا الإخبار أمرًا آخر زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ، إِذْ لَا يَتَنَافَيَانِ، بِسَبَبِ أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْبِدَعِ مُصَاحِبَةَ الْهَوَى، وَغَلَبَةُ الْهَوَى/ لِلْإِنْسَانِ فِي الشَّيْءِ الْمَفْعُولِ أَوِ الْمَتْرُوكِ لَهُ أَبَدًا أَثَرٌ فِيهِ، وَالْبِدَعُ كُلُّهَا تُصَاحِبُ الْهَوَى، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَصْحَابُهَا أَهْلَ الْأَهْوَاءِ/ فَوَقَعَتِ التسمية (بها، وهو) (٩) الغالب عليهم إذ العمل المبتدع إِنَّمَا نَشَأَ عَنِ الْهَوَى مَعَ شُبْهَةِ/ دَلِيلٍ، لَا عَنِ الدَّلِيلِ بِالْعَرْضِ فَصَارَ هَوًى (يُصَاحِبُهُ) (١٠) دليل شرعي في الظاهر، فكان (أحرى) (١١) في (الوقوع) (١٢) مِنَ الْقَلْبِ مَوْقِعَ السُّوَيْدَاءِ فَأُشْرِبَ حُبَّهُ، ثُمَّ إِنَّهُ يَتَفَاوَتُ، إِذْ لَيْسَ فِي رُتْبَةٍ وَاحِدَةٍ ولكنه/ تشريع كله، فاستحق صَاحِبُهُ أَنْ لَا تَوْبَةَ لَهُ، عَافَانَا اللَّهُ مِنَ النَّارِ بِفَضْلِهِ (وَمَنِّهِ) (١٣).\nوَإِمَّا أَنَّ (يَعْمَلَ) (١٤) هَذَا الْحَدِيثَ مَعَ الْأَحَادِيثِ الْأُوَلِ - عَلَى فَرْضِ\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"نرجح\".\n(٢) في (ت): \"على\".\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"يجري\".\n(٤) في (ط) و(م) و(خ): كما يعود وفي (ت): \"كما لا يعود\".\n(٥) تقدم تخريجه (١/ ١١١).\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"أشبه\".\n(٧) في (غ) و(ر): \"فنجعل\".\n(٨) في (غ) و(ر): بياض بمقدار كلمة، ولعل الصواب: \"عدم\".\n(٩) في (غ) و(ر): \"بما هو\".\n(١٠) في (غ) و(ر): \"مصاحبه\".\n(١١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"أجرى\".\n(١٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"البدع\".\n(١٣) ساقط من (غ) و(ر).\n(١٤) ساقط من (غ) و(ر).","vol":"3","page":240},{"text":"الْعَمَلِ (بِهِ) (١) - وَنَقُولُ: إِنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الأخبار (عام) (٢)، وهذا يفيد الخصوص كما (تقدم تفسيره) (٣) أَوْ يُفِيدُ/ مَعْنًى يُفْهَمُ مِنْهُ الْخُصُوصُ، وَهُوَ الإشراب في أعلى المراتب مسوقًا مساق (التبعيض) (٤)، لِقَوْلِهِ: \"وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ\" إِلَى آخره، فدل (على) (٥) أَنَّ ثَمَّ أَقْوَامًا أُخَرَ لَا تَتَجَارَى بِهِمْ تلك الأهواء على ما قال، بل (على) (٦) أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ لَا تَتَجَارَى بِهِمْ ذَلِكَ.\nوَهَذَا التَّفْسِيرُ بِحَسَبِ مَا أَعْطَاهُ/ الْمَوْضِعُ، وَتَمَامُ الْمَسْأَلَةِ قَدْ مَرَّ فِي الْبَابِ الثَّانِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ في الأحاديث كلها تخصيص، وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ:</span>\nأَنَّهُ جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ: (أَعْظَمُهَا فِتْنَةً الَّذِينَ يَقِيسُونَ الْأُمُورَ بِرَأْيِهِمْ، فَيُحِلُّونَ الْحَرَامَ وَيُحَرِّمُونَ الْحَلَالَ) (٧)، فَجَعَلَ أَعْظَمَ تِلْكَ الْفِرَقِ فِتْنَةً عَلَى الْأُمَّةِ أَهْلَ الْقِيَاسِ، وَلَا كُلَّ قِيَاسٍ، بَلِ الْقِيَاسُ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ، (فَإِنَّ أَهْلَ الْقِيَاسِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ على غير أصل لا يَصِحُّ، وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَى أَصْلٍ) (٨) مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ/ صَحِيحَةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ مُعْتَبَرٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْقِيَاسِ أَصْلٌ - وَهُوَ الْقِيَاسُ الْفَاسِدُ ـ/ فَهُوَ الَّذِي لَا يَصِحُّ أَنْ يُوضَعَ فِي الدِّينِ، فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ، وَأَنْ يَصِيرَ الْحَلَالُ بِالشَّرْعِ حَرَامًا بِذَلِكَ الْقِيَاسِ، وَالْحَرَامُ حَلَالًا، فَإِنَّ الرَّأْيَ مِنْ حَيْثُ هُوَ رَأْيٌ لَا يَنْضَبِطُ إِلَى قَانُونٍ شَرْعِيٍّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ شَرْعِيٌّ، فَإِنَّ الْعُقُولَ تَسْتَحْسِنُ ما لا يستحسن شرعًا،\n_________\n(١) ساقط من (غ) و(ر).\n(٢) في (ط) و(م) و(خ) و(غ) و(ر): \"عامة\".\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): تفيده.\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"التبغيض\".\n(٥) زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"هي\".\n(٧) تقدم تخريجه (٣/ ١٢٣).\n(٨) ما بين () ساقط من (غ) و(ر).","vol":"3","page":241},{"text":"وَتَسْتَقْبِحُ مَا لَا يُسْتَقْبَحُ شَرْعًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ صَارَ الْقِيَاسُ عَلَى غَيْرِ أَصْلِ فِتْنَةً عَلَى النَّاسِ.\nثُمَّ أَخْبَرَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ (المُعْمِلين) (١) لِهَذَا الْقِيَاسِ أَضَرُّ عَلَى النَّاسِ مِنْ سَائِرِ أَهْلِ الْفِرَقِ، وَأَشَدُّ فِتْنَةً، وَبَيَانُهُ: «٢) أَنَّ مَذَاهِبَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ قَدِ اشْتَهَرَتِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي تَرُدُّهَا وَاسْتَفَاضَتْ، وَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ مَقْمُوعُونَ فِي الْأَمْرِ الْغَالِبِ عِنْدَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ، بِخِلَافِ/ الْفُتْيَا، فَإِنَّ أَدِلَّتَهَا من الكتاب والسنة (قد) (٣) لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا الْأَفْرَادُ، وَلَا يُمَيِّزُ (ضَعِيفَهَا مِنْ قَوِيِّهَا) (٤) إِلَّا الْخَاصَّةُ، وَقَدْ يَنْتَصِبُ لَلْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ (مِمَّنْ) (٥) يُخَالِفُهَا كَثِيرٌ.\nوَقَدْ جَاءَ مِثْلُ مَعْنَاهُ مَحْفُوظًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ عَامٌ إِلَّا وَالَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، لَا أَقُولُ: عَامٌ أَمْطَرُ مِنْ عَامٍ، وَلَا عَامٌ/ أَخْصَبُ مِنْ عَامٍ، وَلَا أَمِيرٌ/ خير من أمير، ولكن: ذهاب خياركم وعلماؤكم، ثُمَّ يُحْدِثُ قَوْمٌ يَقِيسُونَ الْأُمُورَ بِرَأْيِهِمْ، فَيُهْدَمُ الْإِسْلَامُ وَيُثْلَمُ (٦).\nوَهَذَا الَّذِي فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْجُودٌ فِي (الْحَدِيثِ) (٧) الصَّحِيحِ، حَيْثُ قَالَ ﵊: \"وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُمْ مَعَ قَبْضِ الْعُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ يُستفتون (فَيُفْتُونَ) (٨) بِرَأْيِهِمْ، فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ\" (٩).\n/وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي ذَمِّ الرَّأْيِ آثَارٌ مَشْهُورَةٌ عَنِ الصَّحَابَةِ ﵃ وَالتَّابِعِينَ تَبَيَّنَ فِيهَا أَنَّ الْأَخْذَ بِالرَّأْيِ يُحِلُّ الْحَرَامَ ويحرم الحلال.\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"المعلمين\".\n(٢) من بداية هذا القوس إلى قوله: (.. بنوع تأويل وهذا بينٌ) من (٣/ ٢٣٤)، نقله الشاطبي من شيخ الإسلام ابن تيمية من كتاب بيان الدليل على بطلان التحليل (ص٢٩٦ - ٢٩٩) بنصه، إلا أنه تصرّف في بعض المواطن ببعض الاختصار، وهناك اختلاف يسير في بعض الألفاظ، يظهر أنه ناشئ من اختلاف النسخة التي نقل منها الشاطبي.\n(٣) زيادة من (غ) و(ر).\n(٤) في (ت): \"قويها من ضعيفها\".\n(٥) في (ت): \"من\".\n(٦) تقدم تخريجه (١ ١٣٠).\n(٧) ساقط من (غ) و(ر).\n(٨) زيادة من (غ) و(ر).\n(٩) تقدم تخريجه (٣/ ٩٩).","vol":"3","page":242},{"text":"وَمَعْلُومٌ/ أَنَّ هَذِهِ الْآثَارَ الذامَّة لِلرَّأْيِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ بِهَا ذَمَّ الِاجْتِهَادِ عَلَى الْأُصُولِ فِي نَازِلَةٍ لَمْ تُوجَدْ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إِجْمَاعٍ، مِمَّنْ يَعْرِفُ الْأَشْبَاهَ وَالنَّظَائِرَ، وَيَفْهَمُ مَعَانِيَ/ الْأَحْكَامِ فَيَقِيسُ قِيَاسَ تشبيه أو تعليل (١)، قَيِاسًا لَمْ يُعَارِضْهُ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ، فإن هذا ليس فيه تحليل (الحرام) (٢) (ولا العكس) (٣)، وإنما القياس الهادم للإسلام ما عارض الكتاب والسنة، أو ما كان عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ، أَوْ مَعَانِيهَا الْمُعْتَبَرَةَ.\nثُمَّ إِنَّ مُخَالَفَةَ هَذِهِ الْأُصُولِ عَلَى قِسْمَيْنِ:\nأَحَدُهُمَا: أَنْ يُخَالِفَ أَصْلًا مُخَالَفَةً ظَاهِرَةً مِنْ غَيْرِ اسْتِمْسَاكٍ بِأَصْلٍ آخَرَ، فَهَذَا لَا يَقَعُ مِنْ مُفْتٍ مَشْهُورٍ إِلَّا إِذَا كَانَ الْأَصْلُ لَمْ يَبْلُغْهُ، كَمَا وَقَعَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ حَيْثُ لم (تبلغهم) (٤) بَعْضُ السُّنَنِ فَخَالَفُوهَا خَطَأً، وَأَمَّا الْأُصُولُ الْمَشْهُورَةُ فَلَا يُخَالِفُهَا مُسْلِمٌ خِلَافًا ظَاهِرًا مِنْ غَيْرِ مُعَارَضَةٍ بِأَصْلٍ آخَرَ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُخَالِفَهَا بعض المشهورين بالفتيا.\n/وَالثَّانِي: أَنْ يُخَالِفَ الْأَصْلَ بِنَوْعٍ مِنَ التَّأْوِيلِ هو فيه مخطئ، بأن\n_________\n(١) القياس ينقسم عند الأصوليين إلى ثلاثة أقسام:\nأـ قياس العلة: وهو ما كان الجمع فيه بين الأصل والفرع بنفس العلة كالإسكار.\nب - قياس الشبه - ويسمى قياس الدلالة ـ: وهو ما كان الجمع فيه بين الأصل والفرع بدليل العلة، كملزومها أو حكمها أو أثرها، ومثال ملزوم العلة: إلحاق النبيذ بالخمر في المنع بجامع الشدة المطربة؛ لأنها ملزومة الإسكار الذي هو العلة. ومثال أثر العلة: إلحاق القتل بالمثقل بالقتل بمحدد في القصاص بجامع الإثم، لأن الإثم أثر العلة التي هي القتل والعمد والعدوان، والمثال بحكم العلة: جواز رهن المشاع قياسًا على جواز بيعه بجامع جواز البيع.\nج - وهو ما جمع فيه بنفي الفارق، وهو القياس في معنى الأصل، وهو مفهوم الموافقة، وتنقيح المناط، والأكثر على أنه ليس من القياس. انظر: مذكرة أصول الفقه للشنقيطي (ص٢٧٠، ٢٧١)، ونزهة الخاطر العاطر (٢ ٣٠١، ٣٠٢)،\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"وتحريم\".\n(٣) ما بين القوسين ساقط من ت.\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"يبلغهم\".","vol":"3","page":243},{"text":"يَضَعَ الِاسْمَ عَلَى غَيْرِ (مَوْضِعِهِ) (١) أَوْ عَلَى بَعْضِ (مَوَاضِعِهِ) (٢) أَوْ يُرَاعِيَ فِيهِ مُجَرَّدَ اللَّفْظِ دُونَ اعْتِبَارِ الْمَقْصُودِ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ التَّأْوِيلِ.\nوَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ أَنَّ تَحْلِيلَ الشَّيْءِ إِذَا كَانَ مَشْهُورًا فحرَّمه بِغَيْرِ تَأْوِيلِ، أَوِ التَّحْرِيمَ/ مَشْهُورًا فحلَّله بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ، كَانَ كُفْرًا وَعِنَادًا، وَمِثْلُ هَذَا لَا/ تَتَّخِذُهُ الْأُمَّةُ رَأْسًا قَطُّ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْأُمَّةُ قَدْ كَفَرَتْ، وَالْأُمَّةُ لَا تَكْفُرُ أَبَدًا. وَإِذَا بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا تَقْبِضُ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ مَنْ يَسْأَلُ عَنْ حَرَامٍ أَوْ حَلَالٍ. وَإِذَا كَانَ التَّحْلِيلُ أَوِ التَّحْرِيمُ غَيْرَ مَشْهُورٍ فَخَالَفَهُ/ مُخَالِفٌ لَمْ يَبْلُغْهُ دَلِيلُهُ، فَمِثْلُ هَذَا/ لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا مِنْ لَدُنْ زَمَانِ أَصْحَابِ رسول الله ﷺ، (ثم هَذَا) (٣) إِنَّمَا يَكُونُ فِي آحَادِ الْمَسَائِلِ، فَلَا تَضِلُّ الْأُمَّةُ وَلَا يَنْهَدِمُ الْإِسْلَامُ وَلَا يُقَالُ (لمثل هذا) (٤) إِنَّهُ مُحْدَثٌ عِنْدَ قَبْضِ الْعُلَمَاءِ.\nفَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ إِنَّمَا هُوَ اسْتِحْلَالُ الْمُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ أَوِ الْمَعْلُومَةِ عِنْدَهُ بِنَوْعِ تَأْوِيلٍ، وَهَذَا بيِّن) (٥) فِي المبتدعة الذين تركوا معظم الكتاب والذي تظافرت عَلَيْهِ أَدِلَّتُهُ، وَتَوَاطَأَتْ عَلَى مَعْنَاهُ شَوَاهِدُهُ، وَأَخَذُوا فِي اتِّبَاعِ بَعْضِ الْمُتَشَابِهَاتِ وَتَرْكِ أُمِّ الْكِتَابِ.\n(فإن) (٦) هَذَا - كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى - زَيْغٌ وَمَيْلٌ عن الصراط المستقيم، فإن تقدموا أئمةَ (٧) يفتون ويقتدى (بأقوالهم وأفعالهم) (٨) سَكَنَتْ إِلَيْهِمُ الدَّهْمَاءُ ظَنًّا أَنَّهُمْ بَالَغُوا لَهُمْ في الاحتياط على الدين، وهم يضلونهم بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَلَا شَيْءَ (أَعْظَمُ) (٩) عَلَى (الْإِنْسَانِ) (١٠) مِنْ دَاهِيَةٍ تَقَعُ بِهِ مِنْ حَيْثُ لَا\n_________\n(١) في ط: مواضعه.\n(٢) في (غ) و(ر): موضعه.\n(٣) في (ت): وهذا.\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): لهذا.\n(٥) هنا ينتهي نقل الشاطبي من ابن تيمية.\n(٦) في (م) و(خ) و(ت): \"فإذا\". وفي (ر): \"فإنما\".\n(٧) (أئمة) حال منصوب، أي تقدموا حال كونهم أئمة، حيث جعلوا أنفسهم أئمة (نبه على ذلك رشيد رضا).\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): بهم بأقوالهم وأعمالهم.\n(٩) ما بين القوسين ساقط من (م). وفي (غ) و(ر): أعز.\n(١٠) في (غ) و(ر): الناس.","vol":"3","page":244},{"text":"يَحْتَسِبُ، فَإِنَّهُ لَوْ عَلِمَ طَرِيقَهَا لَتَوَقَّاهَا مَا اسْتَطَاعَ، فَإِذَا جَاءَتْهُ عَلَى غِرَّة فَهِيَ أَدْهَى وَأَعْظَمُ عَلَى مَنْ وَقَعَتْ بِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، فَكَذَلِكَ الْبِدْعَةُ إِذَا جَاءَتِ الْعَامِّيَّ مِنْ طَرِيقِ الفتيا، لأنه (استند) (١) فِي دِينِهِ إِلَى مَنْ ظَهَرَ فِي رُتْبَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَيَضِلُّ مِنْ حَيْثُ يَطْلُبُ الْهِدَايَةَ: اللَّهُمَّ اهْدِنَا الصِّرَاطَ/ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>المسألة السادسة والعشرون:</span>\nإن ها هنا نَظَرًا لَفْظِيًّا فِي الْحَدِيثِ هُوَ مِنْ تَمَامِ الكلام فيه، وذلك أنه لما أخبر ﷺ أَنَّ جَمِيعَ الْفِرَقِ فِي النَّارِ إِلَّا فِرْقَةً وَاحِدَةً، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ الْمُفَسِّرَةُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ، فَجَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى السُّؤَالُ عَنْهَا - سُؤَالُ التَّعْيِينِ - فَقَالُوا: مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَأَصْلُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: أَنَا وَأَصْحَابِي، وَمَنْ عَمِلَ مِثْلَ عَمَلِنَا، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مما يعطي تعيين الفرقة، إما بالإشارة إليها أَوْ بِوَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِهَا/ إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ/ لَمْ يَقَعْ، وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي الْجَوَابِ تَعْيِينُ الوصف لا تعيين الموصوف، فلذلك أتى بـ\"ما\" (التي تقتضي بظاهرها) (٢) الْوُقُوعُ عَلَى غَيْرِ الْعَاقِلِ مِنَ الْأَوْصَافِ وَغَيْرِهَا، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوْصَافُ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا ﷺ وَأَصْحَابُهُ ﵃، فَلَمْ يُطَابِقِ السُّؤَالُ الْجَوَابَ فِي اللَّفْظِ. وَالْعُذْرُ عَنْ هَذَا أَنَّ الْعَرَبَ لَا تَلْتَزِمُ ذَلِكَ النَّوْعَ/ إِذَا فُهِمَ الْمَعْنَى، لِأَنَّهُمْ لَمَّا سَأَلُوا عَنْ تَعْيِينِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ بيَّن لَهُمُ الْوَصْفَ الَّذِي بِهِ صَارَتْ نَاجِيَةً، فَقَالَ: \"مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي\".\n/وَمِمَّا جَاءَ غَيْرَ مُطَابِقٍ فِي الظَّاهِرِ وَهُوَ فِي الْمَعْنَى مُطَابِقٌ قَوْلُ اللَّهِ تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ (٣)، فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَعْنَاهُ: هَلْ أُخْبِرُكُمْ بِمَا هو أفضل من متاع (الحياة) (٤) الدُّنْيَا؟ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: نَعَمْ! أَخْبِرْنَا، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ (٥)\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): يستند.\n(٢) في (ط): أتى فظاهرها.\n(٣) سورة آل عمران: الآية (١٥).\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) سورة آل عمران: الآية (١٥).","vol":"3","page":245},{"text":"الْآيَةَ، أَيْ لِلَّذِينِ اتَّقَوُا اسْتَقَرَّ لَهُمْ عِنْدَ ربهم جنات تجري (من تحتها الأنهار. الْآيَةَ) (١).\nفَأَعْطَى مَضْمُونُ الْكَلَامِ مَعْنَى الْجَوَابِ عَلَى غَيْرِ لَفْظِهِ. وَهَذَا التَّقْرِيرُ عَلَى قَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ.\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ (٢) الْآيَةَ، فَقَوْلُهُ: (مَثَلُ الْجَنَّةِ) يَقْتَضِي الْمَثَلَ لَا الْمُمَثَّلُ - (كَمَا قَالَ تَعَالَى) (٣): ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اُسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ (٤) (ولكن) (٥) (لما) (٦) كَانَ الْمَقْصُودُ الْمُمَثَّلَ جَاءَ بِهِ بِعَيْنِهِ.\nوَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا ذَكَرَ الْفِرَقَ وَذَكَرَ أَنَّ فِيهَا فِرْقَةً نَاجِيَةً كَانَ الْأَوْلَى السُّؤَالَ عَنْ أَعْمَالِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ، لَا عَنْ نَفْسِ الْفِرْقَةِ. لِأَنَّ التعريف (بها) (٧) مِنْ حَيْثُ هِيَ لَا فَائِدَةَ فِيهِ إِلَّا من جهة/ أعمالها التي نجت بها. فالمقدم فِي الِاعْتِبَارِ هُوَ الْعَمَلُ لَا الْعَامِلُ، فَلَوْ سألوا (فقالوا) (٨): مَا وَصْفُهَا؟ أَوْ مَا عَمَلُهَا؟ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لَكَانَ أَشَدَّ مُطَابَقَةً فِي اللَّفْظِ والمعنى، فلما فهم ﷺ (منهم) (٩) ما قصدوا/ أجابهم (على) (١٠) ذلك.\nأو نقول: لَمَّا تَرَكُوا السُّؤَالَ عَمَّا كَانَ الْأَوْلَى فِي حَقِّهِمْ، أَتَى بِهِ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِهِمْ، حِرْصًا منه ﷺ عَلَى تَعْلِيمِهِمْ مَا يَنْبَغِي لَهُمْ تَعَلُّمُهُ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ.\n/وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مَا سَأَلُوا عنه لا يتعين، (إذ) (١١) لا تختص\n_________\n(١) في (غ): الآية، وفي (ت): \"من تحتها الأنهار\".\n(٢) سورة محمد: الآية (١٥).\n(٣) في (غ) و(ر): \"فقال\".\n(٤) سورة البقرة: الآية (١٧).\n(٥) في (م): \"ولأن\". وفي (ط) و(خ) و(ت): \"ولأنه\".\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"كلما\".\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فيها\".\n(٨) زيادة من (غ) و(ر).\n(٩) ساقط من (غ) و(ر).\n(١٠) ساقط من (غ) و(ر).\n(١١) في (م): \"إذا\".","vol":"3","page":246},{"text":"النَّجَاةُ بِمَنْ تَقَدَّمَ دُونَ مَنْ تَأَخَّرَ، إِذْ كانوا قد اتصفوا/ بوصف (الناجين) (١).\nوَمِنْ شَأْنِ هَذَا السُّؤَالِ التَّعْيِينُ وَعَدَمُ انْحِصَارِهِمْ بزمان أو مكان لا يقتضي التعيين، (فانصرف) (٢) القصد إلى/ تعيين الوصف الضابط للجميع، وهو ما كان عليه ﷺ هو وأصحابه ﵃.\nوَهَذَا الْجَوَابُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا كَالْمُبْهَمِ، وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّائِلِ مُعَيَّنٌ، لِأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ لِلْحَاضِرِينَ مَعَهُمْ رَأْيَ عَيْنٍ، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى أَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ غَايَةُ التَّعْيِينِ اللَّائِقِ بِمَنْ حَضَرَ، فَأَمَّا غَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَمْ يُشَاهِدْ أَحْوَالَهُمْ ولم (يبصر) (٣) أَعْمَالَهُمْ فَلَيْسَ مِثْلَهُمْ، وَلَا يَخْرُجُ الْجَوَابُ بِذَلِكَ عن التعيين المقصود، والله أعلم (انتهى) (٤).\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"التأخير\".\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"وانصرف\".\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"ينظر\".\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (م) و(غ) و(ر).","vol":"3","page":247},{"text":"/<span data-type=\"title\" id=toc-179>الباب العاشر\nفِي بَيَانِ مَعْنَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي انْحَرَفَتْ عنه سبل أَهْلِ الِابْتِدَاعِ فضلَّت عَنِ الْهُدَى بَعْدَ الْبَيَانِ</span>\nقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا أَنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ وَكُلَّ طَائِفَةٍ تَدَّعِي أَنَّهَا عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَأَنَّ مَا سِوَاهَا مُنْحَرِفٌ عَنِ الْجَادَّةِ وَرَاكِبٌ بنيات الطريق، فوقع (الاختلاف بينهم إِذًا) (١) فِي تَعْيِينِهِ وَبَيَانِهِ، حَتَّى أَشْكَلَتِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى كُلِّ مَنْ نَظَرَ فِيهَا، حَتَّى قَالَ مَنْ قَالَ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِي الْعَقْلِيَّاتِ أَوِ النقليات مصيب. فعدد الأقوال (إذًا) (٢) فِي تَعْيِينِ هَذَا الْمَطْلَبِ عَلَى عَدَدِ الْفِرَقِ، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الِاخْتِلَافِ، إِذْ لَا (تَكَادُ) (٣) تَجِدُ فِي الشَّرِيعَةِ مَسْأَلَةً/ يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ (فِيهَا) (٤) عَلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ قَوْلًا إِلَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، فَتَحْرِيرُ النَّظَرِ حَتَّى تَتَّضِحَ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ الَّتِي كان (عليها) (٥) النَّبِيُّ ﷺ (وَأَصْحَابُهُ) (٦) مِنْ أغمض المسائل.\nووجه ثان (٧): أن الطريق الْمُسْتَقِيمَ لَوْ تعيَّن بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ بَعْدَ الصحابة ﵃ لَمْ يَقَعِ اخْتِلَافٌ أَصْلًا، لَأَنَّ الِاخْتِلَافَ مَعَ تَعْيِينِ مَحَلِّهِ مُحال، وَالْفَرْضُ أَنَّ الْخِلَافَ لَيْسَ بِقَصْدِ الْعِنَادِ، لِأَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ مُخْرِجٌ عن الإسلام، وكلامنا في الفرق (الإسلامية) (٨).\n_________\n(١) في (ط) و(م) و(خ): \"بينهم الاختلاف هذا\"، وفي (غ) و(ر): \"بينهم الاختلاف إذًا\".\n(٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) ساقط من (غ) و(ر).\n(٤) ساقط من (غ) و(ر).\n(٥) في (ط) و(م) و(خ): عليه.\n(٦) ما بين القوسين زيادة من (ت).\n(٧) الوجه الأول هو ما سبق من الكلام قبل قوله (ووجه ثان).\n(٨) زيادة من (غ) و(ر).","vol":"3","page":249},{"text":"وَوَجْهٌ ثَالِثٌ: أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْبِدَعَ لَا تَقَعُ مِنْ رَاسِخٍ فِي الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا تَقَعُ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ أَهْلِ الشَّرِيعَةِ الْمُتَصَرِّفِينَ فِي أَدِلَّتِهَا، وَالشَّهَادَةُ بِأَنَّ فُلَانًا رَاسِخٌ فِي الْعِلْمِ وَفُلَانًا غَيْرُ رَاسِخٍ، فِي غَايَةِ الصُّعُوبَةِ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ خَالَفَ وَانْحَازَ (إِلَى فرقة) (١) يزعم أنه الراسخ، (وغيره) (٢) قاصر النظر (لم ترسخ قدمه في العلم) (٣)، فَإِنْ فُرِضَ عَلَى ذَلِكَ الْمَطْلَبِ عَلَامَةٌ وَقَعَ النِّزَاعُ إِمَّا فِي الْعَلَامَةِ، وَإِمَّا فِي مَنَاطِهَا.\n/ومثال ذلك أن (من علامات) (٤) الخروج/ (عن) (٥) الْجَمَاعَةِ الْفُرْقَةُ الْمُنَبِّهُ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ (٦).\n/والفرقة بشهادة الجميع (إضافية) (٧) فَكُلُّ طَائِفَةٍ تَزْعُمُ أَنَّهَا هِيَ الْجَمَاعَةُ وَمَنْ سِوَاهَا مُفَارِقٌ لِلْجَمَاعَةِ.\nوَمِنَ الْعَلَامَاتِ/ اتِّبَاعُ مَا تشابه من الأدلة، وكل (فرقة) (٨) تَرْمِي صَاحِبَتَهَا بِذَلِكَ (وَأَنَّهَا) (٩) هِيَ الَّتِي اتَّبَعَتْ أُمَّ الْكِتَابِ دُونَ الْأُخْرَى فَتَجْعَلُ دَلِيلَهَا عُمْدَةً (وَتَرُدُّ) (١٠) إِلَيْهِ سَائِرَ الْمَوَاضِعِ بِالتَّأْوِيلِ عَلَى عَكْسِ/ الأخرى.\nومنها اتباع الهوى (وهو) (١١) الَّذِي تَرْمِي بِهِ كُلُّ فِرْقَةٍ صَاحِبَتَهَا وَتُبَرِّئُ نَفْسَهَا مِنْهُ، فَلَا يُمْكِنُ فِي الظَّاهِرِ مَعَ هَذَا أَنَّ يَتَّفِقُوا عَلَى مَنَاطِ هَذِهِ الْعَلَامَاتِ، وَإِذَا لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَيْهَا لَمْ يُمْكِنْ ضَبْطُهُمْ بها بحيث (يشار) (١٢) (إليهم) (١٣) بتلك\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"لفرقة\".\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"وغير\".\n(٣) زيادة من (غ) و(ر).\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"علامة\".\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"من\".\n(٦) سورة آل عمران: الآية (١٠٥).\n(٧) في (ط) و(خ): وإضافية.\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"طائفة\".\n(٩) في (غ) و(ر): \"وإنما\".\n(١٠) في (م) و(غ) و(ر): وإما ترد.\n(١١) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(١٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"يشير\".\n(١٣) في (غ) و(ر): \"إليها\".","vol":"3","page":250},{"text":"العلامات، (نعم هم) (١) فِي التَّحْصِيلِ/ مُتَّفِقُونَ عَلَيْهَا، وَبِذَلِكَ صَارَتْ عَلَامَاتٌ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ (مَعَ) (٢) اخْتِلَافِهِمْ فِي الْمَنَاطِ (الضَّبْطُ) (٣) بِالْعَلَامَاتِ.\nوَوَجْهٌ رَابِعٌ: وَهُوَ مَا تَقْدَمُ مِنْ فَهْمِنَا مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ فِي السَّتْرِ عَلَى هذه الأمة (فإنه) (٤) وَإِنْ حَصَلَ التَّعْيِينُ بِالِاجْتِهَادِ، فَالِاجْتِهَادُ لَا يَقْتَضِي الاتفاق على محله.\nألا ترى أن (العقلاء) (٥) جزموا القول بأن (النظريات) (٦) لا يمكن الاتفاق (عليها) (٧) عَادَةً، فَلَوْ تَعَيَّنُوا بِالنَّصِّ لَمْ يَبْقَ إِشْكَالٌ. بل (قد) (٨) (أصرَّ) (٩) الْخَوَارِجِ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ عَيَّنَهُمْ، وعين علامتهم في المخدج حيث قال - (مثلًا) (١٠) ـ: \"آيَتُهُمْ/ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ المرأة، أو مثل الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ\" (١١) الْحَدِيثَ (١٢). وَهُمُ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، إِذْ لَمْ يَرْجِعُوا عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْتَهُوا، فما الظن بمن ليس له في النقل تَعْيِينٌ؟\nوَوَجْهٌ خَامِسٌ: وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي قَوْلِهِ ﷾: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ *إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (١٣) (فالآية) (١٤) (تشعر) (١٥) في هذا المطلوب أن الخلاف\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"وأنهم\".\n(٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"المنضبط\".\n(٤) زيادة من (ر).\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"العلماء\".\n(٦) في (ط) و(خ) و(ت): النظريات وفي (م): النظريان.\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): عليهما.\n(٨) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٩) في (ط) و(خ): أمر وفي (م) و(ت): أقر.\n(١٠) زيادة من (غ) و(ر).\n(١١) تدردر: أي تضطرب وتترجرج. انظر: المعجم الوسيط، مادة (تدردر).\n(١٢) تقدم تخريجه (ص١١٤).\n(١٣) سورة هود: الآية (١١٨).\n(١٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الآية\".\n(١٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"يشعر\".","vol":"3","page":251},{"text":"لا يرتفع، مع ما يعضده من (الجواب) (١) الَّذِي فَرَغْنَا مِنْ بَيَانِهِ، وَهُوَ حَدِيثُ الْفِرَقِ، إِذِ الْآيَةُ لَا تُشْعِرُ بِخُصُوصِ مَوَاضِعِ الْخِلَافِ، لِإِمْكَانِ أَنْ يَبْقَى الْخِلَافُ فِي الْأَدْيَانِ دُونَ دِينِ الْإِسْلَامِ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ بَيَّنَ أَنَّهُ وَاقِعٌ فِي الْأُمَّةِ أَيْضًا، فَانْتَظَمَتْهُ الْآيَةُ بِلَا إِشْكَالٍ.\nفَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا ظَهَرَ بِهِ أَنَّ التَّعْيِينَ للفرقة الناجية بالنسبة (إلينا) (٢) اجْتِهَادِيٌّ لَا/ يَنْقَطِعُ الْخِلَافُ فِيهِ، وَإِنِ ادُّعِيَ فِيهِ الْقَطْعُ دُونَ الظَّنِّ فَهُوَ نَظَرِيٌّ لَا ضَرُورِيٌّ، وَلَكُنَّا مَعَ ذَلِكَ نَسْلُكُ فِي الْمَسْأَلَةِ - بحول الله تعالى - مسلكًا وسطًا يذعن إلى قبوله (عقل) (٣) (المنصف) (٤) ويقر بصحته الْعَالِمُ/ بِكُلِّيَّاتِ الشَّرِيعَةِ وَجُزْئِيَّاتِهَا، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ (لِلصَّوَابِ) (٥).\nفنقول:/ لا بد مِنْ تَقْدِيمِ مُقَدِّمَةٍ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْمَطْلُوبِ، وذلك أن الإحداث في الشريعة يقع إما مِنْ جِهَةِ الْجَهْلِ وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ تَحْسِينِ/ الظَّنِّ (بِالْعَقْلِ) (٦)، وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ اتِّبَاعِ الْهَوَى فِي طَلَبِ الْحَقِّ وَهَذَا الْحَصْرُ بِحَسَبِ الِاسْتِقْرَاءِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَقَدْ مَرَّ فِي ذَلِكَ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ/ شَوَاهِدُ الْمَسْأَلَةِ، إِلَّا أَنَّ الجهات الثلاث قد تنفرد وقد تجتمع، (وإذا) (٧) اجْتَمَعَتْ فَتَارَةً تَجْتَمِعُ مِنْهَا (اثْنَتَانِ) (٨) وَتَارَةً تَجْتَمِعُ (الثَّلَاثُ) (٩) فَأَمَّا جِهَةُ الْجَهْلِ فَتَارَةً تَتَعَلَّقُ بِالْأَدَوَاتِ الَّتِي بِهَا تُفْهَمُ الْمَقَاصِدُ، وَتَارَةً تَتَعَلَّقُ بِالْمَقَاصِدِ، وأما جهة تحسين الظن (بالعقل) (١٠) فَتَارَةً يُشْرَكُ فِي التَّشْرِيعِ مَعَ الشَّرْعِ، وَتَارَةً يُقَدَّمُ عَلَيْهِ، وَهَذَانَ النَّوْعَانِ يَرْجِعَانِ إِلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا جِهَةُ اتِّبَاعِ الْهَوَى، فَمِنْ شَأْنِهِ أن يغلب الفهم حتى (يغالب) (١١) صاحبه الأدلة أو يستند إلى غير/\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الحديث\".\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"إليها\".\n(٣) ساقط من (غ) و(ر).\n(٤) في (ط) و(خ): النمو.\n(٥) ساقط من (غ) و(ر).\n(٦) ساقط من (غ) و(ر).\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فإذا\".\n(٨) في (غ) و(ر): اثنان.\n(٩) في (م) و(ت): الثلاثة.\n(١٠) زيادة من (غ) و(ر).\n(١١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"يقلب\".","vol":"3","page":252},{"text":"دليل وهذان النوعان (أيضًا) (١) يَرْجِعَانِ إِلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ، فَالْجَمِيعُ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ؛ وَهِيَ: الْجَهْلُ بِأَدَوَاتِ الْفَهْمِ، وَالْجَهْلُ بِالْمَقَاصِدِ، وَتَحْسِينُ الظَّنِّ بِالْعَقْلِ، وَاتِّبَاعُ الْهَوَى. فَلْنَتَكَلَّمْ عَلَى كُلِّ واحد منها وبالله التوفيق.\n(النوع) (٢) الأول: (٣) (الجهل بأدوات الفهم، اعلم) (٤) إِنَّ اللَّهَ ﷿ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ عَرَبِيًّا لا عُجمة فيه، بمعنى أنه جار فِي أَلْفَاظِهِ وَمَعَانِيهِ وَأَسَالِيبِهِ عَلَى لِسَانِ الْعَرَبِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (٥)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ (٦)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ *عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ *بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ *﴾ (٧)، وَكَانَ/ الْمُنَزَّلُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ عَرَبِيًّا أَفْصَحَ مَنْ نَطَقَ بِالضَّادِ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ الَّذِينَ بُعِثَ فِيهِمْ عَرَبًا أَيْضًا، فَجَرَى الْخِطَابُ بِهِ عَلَى مُعْتَادِهِمْ فِي لِسَانِهِمْ، فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي إِلَّا وَهُوَ جَارٍ عَلَى مَا اعْتَادُوهُ، وَلَمْ يُدَاخِلْهُ (شَيْءٌ) (٨) بَلْ نَفَى عَنْهُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ أَعْجَمِيٌّ فَقَالَ تَعَالَى/: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ *﴾ (٩).\nوَقَالَ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ (١٠).\n/هذا وإن كان (قد) (١١) بُعث لِلنَّاسِ كَافَّةً فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ جَمِيعَ الْأُمَمِ وَعَامَّةَ الْأَلْسِنَةِ فِي هَذَا الْأَمْرِ تَبَعًا لِلِسَانِ الْعَرَبِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يُفْهَمُ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا مِنَ الطَّرِيقِ الَّذِي أنزل عليه وهو اعتبار ألفاظها ومعانيها وأساليبها.\n_________\n(١) زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) في (غ): قبل كلمة: (النوع) كتب: فصل\".\n(٣) النوع الأول من أسباب الإحداث في الدين.\n(٤) ما بين القوسين زيادة من (ت).\n(٥) سورة الزخرف: الآية (٣).\n(٦) سورة الزمر: الآية (٢٨).\n(٧) سورة الشعراء: الآية (١٩٣ - ١٩٥).\n(٨) في (غ) و(ر): \"غيره\".\n(٩) سورة النحل: الآية (١٠٣).\n(١٠) سورة فصلت: الآية (٤٤).\n(١١) زيادة من (غ) و(ر).","vol":"3","page":253},{"text":"أَمَّا أَلْفَاظُهَا فَظَاهِرَةٌ لِلْعِيَانِ، وَأَمَّا مَعَانِيهَا وَأَسَالِيبُهَا فَكَانَ مِمَّا/ يُعْرَفُ مِنْ مَعَانِيهَا اتِّسَاعُ لِسَانِهَا، وَأَنْ تُخَاطِبَ بِالشَّيْءِ مِنْهُ عَامًّا ظَاهِرًا يُرَادُ به (العام) (١) الظَّاهِرُ، (وَيُسْتَغْنَى بِأَوَّلِهِ عَنْ آخِرِهِ، وَعَامًّا ظَاهِرًّا يراد به العام ويدخله الخاص، ويستدل على هَذَا بِبَعْضِ الْكَلَامِ، وَعَامًّا ظَاهِرًا يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ) (٢) وَظَاهِرًا (يُعْرَفُ) (٣) فِي سِيَاقِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَيْرُ ذَلِكَ الظَّاهِرِ، وَالْعِلْمُ بِهَذَا كُلِّهِ مَوْجُودٌ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخره.\nوتبتدئ الشيء من كلامها يبين أول اللفظ فيه عن آخره، أو (يبين) (٤) / آخره عن أوله، وتتكلم بِالشَّيْءِ تَعْرِفُهُ بِالْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ كَمَا تَعْرِفُ (بِالْإِشَارَةِ) (٥)، وَهَذَا عِنْدَهَا مِنْ أَفْصَحِ كَلَامِهَا، لِانْفِرَادِهَا بِعِلْمِهِ دُونَ غَيْرِهَا مِمَّنْ يَجْهَلُهُ، وَتُسَمِّي الشَّيْءَ (الواحد) (٦) (بالأسماء) (٧) الكثيرة، (وتضع) (٨) اللَّفْظَ الْوَاحِدَ لِلْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ.\nفَهَذِهِ كُلُّهَا مَعْرُوفَةٌ (عِنْدَهَا) (٩) وَتُسْتَنْكَرُ عِنْدَ غَيْرِهَا،/ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يَعْرِفُهَا مَنْ زَاوَلَ كَلَامَهُمْ وَكَانَتْ لَهُ بِهِ مَعْرِفَةٌ وَثَبَتَ رُسُوخُهُ فِي عِلْمِ ذَلِكَ.\nفَمِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءِ (وَكِيلٌ) (١٠)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (١١) فَهَذَا مِنَ الْعَامِّ الظَّاهِرِ الَّذِي لَا خُصُوصَ (فِيهِ) (١٢) فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ سَمَاءٍ وَأَرْضٍ وَذِي رُوحٍ وَشَجَرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَاللَّهُ خَالِقُهُ، وكل دابة على الله رزقها،\n_________\n(١) زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) ما بين () ساقط من (غ) و(ر).\n(٣) ساقط من (غ) و(ر).\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): بين.\n(٥) في (م) و(غ) و(ر): \"الإشارة\".\n(٦) ساقط من (غ) و(ر).\n(٧) في (م): \"الأشياء\".\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"وتوقع\".\n(٩) ما بين القوسين زيادة من (ط) و(غ) و(ر).\n(١٠) في (ت): \"قدير\".\n(١١) سورة هود: الآية (٦).\n(١٢) ساقط من (غ) و(ر).","vol":"3","page":254},{"text":"ويعلم مستقرها (ومستودعها) (١).\nوَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لأَِهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (٢)، فَقَوْلُهُ: ﴿مَا كَانَ لأَِهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ إنما أريد به من (أطاق الجهاد دون من/ لم يطقه فهو خاص) (٣) الْمَعْنَى، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ عَامٌّ فِيمَنْ أَطَاقَ وَمَنْ لَمْ يُطِقْ، فَهُوَ عَامُّ الْمَعْنَى.\nوَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ (٤)، فَهَذَا مِنَ الْعَامِّ الْمُرَادِ بِهِ الْخَاصُّ، لِأَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَطْعَمَا جَمِيعَ أَهْلِ الْقَرْيَةِ.\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (٥)، فَهَذَا عَامٌّ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ أَحَدٌ/ مِنَ الناس. وقال إثر هذا: ﴿أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ فَهَذَا خَاصٌّ، لِأَنَّ التَّقْوَى إِنَّمَا تَكُونُ عَلَى مَنْ عَقَلَهَا مِنَ الْبَالِغِينَ.\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ (٦) فَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ الثَّانِي الْخُصُوصُ لَا الْعُمُومُ، وَإِلَّا/ فَالْمَجْمُوعُ لَهُمُ النَّاسُ نَاسٌ أَيْضًا وَهُمْ قَدْ خرجوا (منهم) (٧)، لَكِنَّ لَفْظَ النَّاسِ يَقَعُ عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ، وَعَلَى جَمِيعِ النَّاسِ، وَعَلَى مَا بَيْنَ ذَلِكَ، (فصح) (٨) أنْ يُقَالُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا (لَكُمْ) (٩)، والناس الأول القائلون كانوا أربعة نفر (١٠).\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (ت).\n(٢) سورة التوبة: الآية (١٢٠).\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"أطاق ومن لم يطق فهو عام\".\n(٤) سورة الكهف: الآية (٧٧).\n(٥) سورة الحجرات: الآية (١٣).\n(٦) سورة آل عمران: الآية (١٧٣).\n(٧) زيادة من (غ) و(ر).\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): فيصح.\n(٩) ساقط من (غ) و(ر).\n(١٠) لم أعرف من هم هؤلاء الأربعة، لكن ذكر المفسرون في المراد بالناس هنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم ركب لقيهم أبو سفيان من بني عبد القيس، والثاني: أن المقصود هو=","vol":"3","page":255},{"text":"وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ (١)، فَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ هُنَا الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَنْ دُونِ اللَّهِ إِلَهًا، دُونَ الْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينِ وَالْمُؤْمِنِينَ.\n/وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ (٢)، فَظَاهِرُ السُّؤَالِ عَنِ/ الْقَرْيَةِ نَفْسِهَا، وَسِيَاقُ قَوْلِهِ تعالى: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَهْلُهَا لِأَنَّ الْقَرْيَةَ لَا تَعْدُو وَلَا تَفْسُقُ.\nوَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ (٣) الْآيَةَ، فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ: ﴿كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ دَلَّ (عَلَى) (٤) أَنَّ الْمُرَادَ أَهْلُهَا.\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ (٥) الْآيَةَ، فَالْمَعْنَى بيَّن أَنَّ الْمُرَادَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ، وَلَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِاللِّسَانِ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ الْقَرْيَةَ وَالْعِيرَ لَا يُخْبِرَانِ بِصِدْقِهِمْ.\nهَذَا كُلُّهُ مَعْنَى تَقْرِيرِ/ الشَّافِعِيِّ ﵀ (٦) فِي هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ الثَّابِتَةِ لِلْعَرَبِ، وَهُوَ بِالْجُمْلَةِ مبيِّن أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يُفْهَمُ إِلَّا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَتَى الشَّافِعِيُّ بِالنَّوْعِ الْأَغْمَضِ مِنْ طَرَائِقِ الْعَرَبِ، لِأَنَّ سَائِرَ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ الْعَرَبِيَّةِ قَدْ بَسَطَهَا أَهْلُهَا، وَهُمْ أَهْلُ النَّحْوِ وَالتَّصْرِيفِ، وَأَهْلُ الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ، وَأَهْلُ الِاشْتِقَاقِ وَشَرْحِ مُفْرَدَاتِ اللُّغَةِ، وَأَهْلُ الأخبار المنقولة عن العرب (المبينة) (٧) لِمُقْتَضَيَاتِ الْأَحْوَالِ، فَجَمِيعُهُ نَزَلَ (بِهِ) (٨) الْقُرْآنُ، وَلِذَلِكَ أطلق عليه عبارة (العربي).\n_________\n=نعيم بن مسعود الأشجعي، والثالث: أنهم المنافقون. انظر تفصيل الأقوال في: تفسير ابن جرير (٧ ٤٠٤ - ٤١٣)، وابن كثير (١ ٤٣١)، وزاد المسير (١ ٥٠٤ - ٥٠٥)، والرسالة للشافعي (ص٥٨ - ٦٠)، والله تعالى أعلم.\n(١) سورة الحج: الآية (٧٣).\n(٢) سورة الأعراف: الآية (١٦٣).\n(٣) سورة الأنبياء: الآية (١١).\n(٤) ساقط من (غ) و(ر).\n(٥) سورة يوسف: الآية (٨٢).\n(٦) انظر: الرسالة للشافعي (ص٤١ - ٦٤).\n(٧) زيادة من (غ) و(ر).\n(٨) ساقط من (غ) و(ر).","vol":"3","page":256},{"text":"فَإِذَا ثَبَتَ/ هَذَا فَعَلَى النَّاظِرِ فِي الشَّرِيعَةِ وَالْمُتَكَلِّمِ فِيهَا أُصُولًا وَفُرُوعًا أَمْرَانِ:\nأَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ عَرَبِيًّا، أَوْ كَالْعَرَبِيِّ فِي كَوْنِهِ عَارِفًا بِلِسَانِ الْعَرَبِ، بَالِغًا فِيهِ مَبَالِغَ الْعَرَبِ، أَوْ مَبَالِغَ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَالْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ وَالْكِسَائِيِّ وَالْفَرَّاءِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ وَدَانَاهُمْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ حَافِظًا كَحِفْظِهِمْ وَجَامِعًا كَجَمْعِهِمْ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنْ يَصِيرَ فَهْمُهُ عَرَبِيًّا فِي الْجُمْلَةِ/ وَبِذَلِكَ امْتَازَ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى الْمُتَأَخِّرِينَ، إِذْ بِهَذَا الْمَعْنَى أَخَذُوا أَنْفُسَهُمْ حَتَّى صَارُوا أَئِمَّةً، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ فَحَسْبُهُ فِي فَهْمِ مَعَانِي الْقُرْآنِ التَّقْلِيدُ، (وَلَا يَحْسُنُ) (١) ظَنُّهُ بِفَهْمِهِ دُونَ أَنْ يَسْأَلَ فِيهِ أَهْلَ الْعِلْمِ/ بِهِ.\nقال الشافعي ﵀ (٢) لَمَّا قَرَّرَ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ: ... (فَمَنْ) (٣) جَهِلَ/ هَذَا مِنْ لِسَانِهَا - يَعْنِي لِسَانَ الْعَرَبِ - وَبِلِسَانِهَا نَزَلَ (الْقُرْآنُ) (٤) وَجَاءَتِ (السُّنَّةُ بِهِ) (٥) فَتَكَلَّفَ الْقَوْلَ في علمها تكلف ما يجهل (بعضه) (٦)، ومن تكلف ما جهل وما لم (تثبته معرفته) (٧) كَانَتْ مُوَافَقَتُهُ لِلصَّوَابِ - إِنْ وَافَقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يعرفه - غير محمودة، وكان (بخطئه) (٨) غير معذور، (إذا نطق) (٩) فِيمَا لَا يُحِيطُ عِلْمُهُ بِالْفَرْقِ (بَيْنَ) (١٠) الصَّوَابِ وَالْخَطَإِ فِيهِ.\nوَمَا قَالَهُ حَقٌّ، فَإِنَّ الْقَوْلَ في القرآن أو السنة بغير علم تكلف - وقد\n_________\n(١) في (م): \"ويحسن\" وفي (غ) و(ر): \"وأن لا يحسن\".\n(٢) انظر: الرسالة (ص٥٣).\n(٣) هكذا في جميع النسخ: وفي المطبوع من الرسالة: \"ممن\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"الكتاب\".\n(٥) هكذا في جميع النسخ وفي الرسالة: \"السنة\".\n(٦) في (ط) و(خ): لفظه.\n(٧) في (ط) و(م) و(خ) و(غ) و(ر): يثبته معرفة.\n(٨) في (ط) و(خ) و(ت): \"في تخطئته\". وفي (م): \"في تخطيه\".\n(٩) في (ط) و(م) و(خ): \"إذا نظر\". وفي (ت) والرسالة: \"إذا ما نطق\".\n(١٠) في (م): \"من\".","vol":"3","page":257},{"text":"نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّفِ - وَدُخُولٌ تَحْتَ مَعْنَى الْحَدِيثِ، حَيْثُ قَالَ ﵊: \"حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا (فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلُّوا وأضلوا) (١) \" (٢) الْحَدِيثَ، لِأَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ لِسَانٌ عَرَبِيٌّ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نبيه رجع إلى فهمه الأعجمي وعقله المجرد عن التمسك بدليل، (فيضل) (٣) عَنِ الْجَادَّةِ.\n/وَقَدْ خرَّج ابْنُ وَهْبٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ (الرَّجُلَ) (٤) (يَتَعَلَّمُ الْعَرَبِيَّةَ) (٥) (لِيُقِيمَ بِهَا) (٦) لِسَانَهُ،/ وَيُصْلِحَ بِهَا مَنْطِقَهُ؟ قال: نعم فليتعلمها، فإن الرجل يقرأ (الآية) (٧) فَيَعِيَا بِوَجْهِهَا فَيَهْلِكُ (٨).\nوَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: (أَهْلَكَتْهُمُ) (٩) (العجمة) (١٠)، يتأولون (القرآن) (١١) على غير تأويله (١٢).\nوالأمر الثاني: (مما على الناظر في الشريعة والمتكلم فيها) (١٣): أَنَّهُ إِذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ أَوْ فِي السُّنَّةِ لَفْظٌ أَوْ مَعْنًى فَلَا يُقْدِمُ عَلَى الْقَوْلِ فِيهِ دُونَ أَنْ يَسْتَظْهِرَ بِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَهُ عِلْمٌ بِالْعَرَبِيَّةِ فَقَدْ يَكُونُ إِمَامًا فِيهَا، وَلَكِنَّهُ يَخْفَى عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ. فَالْأَوْلَى/ فِي حَقِّهِ الِاحْتِيَاطُ، إِذْ قَدْ يَذْهَبُ/ عَلَى الْعَرَبِيِّ الْمَحْضِ بَعْضُ الْمَعَانِي الْخَاصَّةِ حتى يسأل عنها، وقد\n_________\n(١) ما بين () زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) تقدم تخريجه (١/ ١١٧).\n(٣) في (ط) و(م) و(خ): \"يضل\"، وفي (غ) و(ر): \"فضل\" ..\n(٤) ساقط من (غ) و(ر).\n(٥) في (غ) و(ر): \"يتكلم بالعربية\".\n(٦) في (ط) و(م) و(خ): \"بها ليقيم\". وفي هامش (ت): \"ليقوّم بها\".\n(٧) زيادة من (م). وفي (غ) و(ر): بالآية.\n(٨) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١/ ١٦٧) برقم (٣٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٢٦٠) برقم (١٦٩١).\n(٩) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): أهلكتكم.\n(١٠) في (غ) و(ر): العجمية.\n(١١) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٩٣)، وذكره في خلق أفعال العباد (ص٧٥ و١٠٩)، وذكره الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٤/ ٢٦)، والمزي في تهذيب الكمال (١٠/ ١٢٢).\n(١٣) ما بين القوسين زيادة من (ت).","vol":"3","page":258},{"text":"نقل من هذا عن الصحابة ﵃ وَهُمُ الْعَرَبُ - فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ.\nنُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ لَا أَدْرِي مَا: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (١) حَتَّى أَتَانِي أَعْرَابِيَّانِ/ يَخْتَصِمَانِ فِي بِئْرٍ. فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فَطَرْتُهَا أَيْ: أَنَا ابْتَدَأْتُهَا (٢).\n/وَفِيمَا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ (بْنِ الْخَطَّابِ) ﵁ أَنَّهُ سَأَلَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ عَنْ مَعْنَى قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ (٣) فَأَخْبَرَهُ رَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ أَنَّ التَّخَوُّفَ عِنْدَهُمْ (هو) (٤) التنقص (٥) وأشباه ذلك كثير.\nقَالَ الشَّافِعِيُّ: لِسَانُ الْعَرَبِ أَوْسَعُ الْأَلْسِنَةِ مَذْهَبًا، وَأَكْثَرُهَا أَلْفَاظًا، قَالَ: وَلَا نَعْلَمُهُ يُحِيطُ بِجَمِيعِ عِلْمِهِ إِنْسَانٌ غَيْرُ نَبِيٍّ وَلَكِنَّهُ لَا يَذْهَبُ منه شيء على عامتها حَتَّى (لَا) (٦) يَكُونَ مَوْجُودًا/ فِيهَا مَنْ يَعْرِفُهُ، قَالَ: وَالْعِلْمُ بِهِ عِنْدَ الْعَرَبِ كَالْعِلْمِ بِالسُّنَّةِ عِنْدَ أَهْلِ (الْعِلْمِ) (٧) لَا نَعْلَمُ رَجُلًا جَمَعَ السُّنَنَ فَلَمْ يَذْهَبْ مِنْهَا عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَإِذَا جَمَعَ (عِلْمَ) (٨) عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَا أَتَى على السنن (كلها) (٩)، وإذا فرق (علم) (١٠) كُلَّ وَاحِدٍ (مِنْهُمْ) (١١) ذَهَبَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ مِنْهَا، ثُمَّ كَانَ مَا ذَهَبَ عَلَيْهِ مِنْهَا مَوْجُودًا عِنْدَ غَيْرِهِ (مِمَّنْ كَانَ فِي طَبَقَتِهِ وَأَهْلِ عِلْمِهِ، قَالَ:) (١٢) وَهَكَذَا لِسَانُ الْعَرَبِ عِنْدَ خَاصَّتِهَا وعامتها، لا\n_________\n(١) سورة يوسف: الآية (١٠١).\n(٢) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (ص٢٠٦).\n(٣) سورة النحل: الآية (٤٧).\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (م) و(غ) و(ر).\n(٥) انظر: معاني القرآن للفراء (٢ ١٠١).\n(٦) ساقط من (غ) و(ر).\n(٧) في المطبوع من الرسالة: الفقه.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (ط) و(م) و(ت) و(غ) و(ر).\n(٩) ما بين القوسين زيادة من (ت).\n(١٠) زيادة من (غ) و(ر).\n(١١) ساقط من (غ) و(ر).\n(١٢) في المطبوع من الرسالة بدلًا من الجملة التي بين القوسين، النص التالي: (وهم في العلم طبقات: منهم الجامع لأكثره، وإن ذهب عليه بعضه، ومنهم الجامع لأقل مما جمع غيره، وليس قليل ما ذهب من السنن على من جمع أكثرها دليلًا على أن يطلب علمه عند غير طبقته من أهل العلم، بل يطلب عند نظرائه ما ذهب عليه، حتى يؤتى على جميع سنن رسول الله، بأبي هو وأمي، فيتفرد جملة العلماء بجمعها، وهم درجات فيما وعوا منها).","vol":"3","page":259},{"text":"يَذْهَبُ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَيْهَا، وَلَا يُطْلَبُ عِنْدَ غَيْرِهَا (وَلَا يَعْلَمُهُ) (١) إِلَّا مَنْ (نَقَلَهُ) (٢) عَنْهَا، وَلَا يُشْرِكُهَا فِيهِ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَهَا فِي تَعَلُّمِهِ مِنْهَا، وَمَنْ قَبِلَهُ مِنْهَا فَهُوَ مِنْ أَهْلِ لِسَانِهَا، وَإِنَّمَا صَارَ غَيْرُهُمْ مِنْ غَيْرِ أهله (بتركه) (٣) فَإِذَا صَارَ إِلَيْهِ صَارَ مِنْ أَهْلِهِ) (٤).\n/هَذَا مَا قَالَ وَلَا يُخَالِفُ فِيهِ أَحَدٌ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا لَزِمَ كُلُّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْكَلَامَ الَّذِي بِهِ أُدِّيَتْ، وَأَنْ لَا يَحْسُنَ ظَنُّهُ بِنَفْسِهِ قَبْلَ الشَّهَادَةِ لَهُ مِنْ أهل علم العربية بأنه ممن يَسْتَحِقُّ النَّظَرَ، وَأَنْ لَا يَسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُشْكِلَةِ الَّتِي لَمْ يُحِطْ بِهَا عِلْمُهُ دُونَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهَا مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا، فَإِنْ ثَبَتَ عَلَى هَذِهِ الْوَصَاةِ كَانَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - مُوَافِقًا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام.\nروي عن عبد الله بن عمرو رضي الله/ عنهما أَنَّهُ قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ خير الناس؟ قال: (ذو القلب (المخموم) (٥)، وَاللِّسَانِ الصَّادِقِ. قُلْنَا: قَدْ عَرَفْنَا اللِّسَانَ الصَّادِقَ، فما ذو القلب/ (المخموم) (٦)؟ قَالَ: هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ الَّذِي لَا إِثْمَ فِيهِ وَلَا حَسَدَ، قُلْنَا: فَمَنْ عَلَى أَثَرِهِ؟ قال: الذي (يشنأ) (٧) الدُّنْيَا وَيُحِبُّ الْآخِرَةَ، قُلْنَا: مَا نَعْرِفُ هَذَا فِينَا إِلَّا رَافِعًا مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، (قُلْنَا) (٨): فَمَنْ عَلَى أَثَرِهِ؟ قَالَ: مُؤْمِنٌ فِي خُلُقٍ حَسَنٍ، قُلْنَا: أَمَّا هذا فإنه فينا) (٩).\n_________\n(١) ساقط من (غ) و(ر).\n(٢) في (م) و(ت) و(غ) و(ر): \"قبله\".\n(٣) في (ط) و(م) و(ت): \"لتركه\".\n(٤) انظر: الرسالة (ص٤٢ - ٤٤).\n(٥) (٦) في (ط) و(خ): \"المهموم\"، وفي (ت): \"المحموم\"، وما أثبته هو الموافق لنص الحديث.\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"ينسى\".\n(٨) ساقط من (غ) و(ر).\n(٩) أخرجه ابن ماجه (٤٢١٦)، والطبراني في مسند الشاميين (١٢١٨)، وأبو نعيم في الحلية (١ ١٨٣)، و(٦ ٦٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٦٠٤)، وذكر ابن حجر في الإصابة (٢ ٤٤٧)، الخلاف في اسم الصحابي المذكور في الحديث، هل هو رافع أو أبو رافع؟ ورجح الأول، والحديث صححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (٩٤٨).","vol":"3","page":260},{"text":"وَيُرْوَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُدَالِكُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ؟ قَالَ: \"نَعَمْ إِذَا كَانَ مُلْفَجًا (١)، فَقَالَ لَهُ/ أَبُو بَكْرٍ ﵁: مَا قُلْتُ وَمَا قَالَ لَكَ (يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ وَسَلَّمَ) (٢)؟ فَقَالَ: قَالَ: أَيُمَاطِلُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ إِذَا كَانَ فَقِيرًا\"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا رَأَيْتُ (الَّذِي هُوَ) (٣) أَفْصَحُ مِنْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فقال: وكيف لَا وَأَنَا مِنْ قُرَيْشٍ، وَأُرْضِعْتُ فِي بَنِي/ سَعْدٍ (٤).\nفَهَذِهِ أَدِلَّةٌ تَدَلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ اللُّغَةِ يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِ بَعْضِ الْعَرَبِ، فَالْوَاجِبُ السُّؤَالُ كَمَا سَأَلُوا فَيَكُونُ/ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، (وَإِلَّا زَلَّ) (٥) فَقَالَ فِي الشَّرِيعَةِ بِرَأْيِهِ لَا (بِلِسَانِهَا) (٦) وَلْنَذْكُرْ لِذَلِكَ سِتَّةَ أَمْثِلَةٍ:\nأَحَدُهَا: قَوْلُ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ (٧) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ (٨) أَنَّ تَأْوِيلَ هَذِهِ الْآيَةِ لَمْ يَجِئْ بَعْدُ، وَكَذَبَ فَإِنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ مَذْهَبَ الرَّافِضَةِ، فَإِنَّهَا تَقُولُ: إِنَّ عَلِيًّا فِي السَّحَابِ فَلَا يَخْرُجُ مَعَ مَنْ خَرَجَ مِنْ وَلَدِهِ حَتَّى يُنَادِيَ عَلِيٌّ مِنَ السَّمَاءِ: اخْرُجُوا مَعَ فُلَانٍ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ الْآيَةَ، عِنْدَ جَابِرٍ حَسْبَمَا فَسَّرَهُ سُفْيَانُ مِنْ قوله: لم يجئ (تأويل هذه) (٩)، (قال سفيان: وكذب) (١٠) كانت\n_________\n(١) مُلْفَجًا بضم الميم وسكون اللام وفتح الفاء، هكذا ضبطه ابن منظور في لسان العرب، وهو هنا بمعنى: أن للرجل أن يماطل زوجته في المهر إذا كان فقيرًا. انظر: لسان العرب لابن منظور، مادة (لفج).\n(٢) ساقط من (غ) و(ر).\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): هو الذي.\n(٤) أخرجه بنحوه الجرجاني في تاريخه (١ ١٨٧)، برقم (٢٥٥)، وذكر العجلوني في كشف الخفاء (١ ٧٢)، أن ثابتًا السرقسطي أخرجه في الدلائل بسندٍ واهٍ، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٢١٨٥).\n(٥) في (م): \"وإذ لا زال\".\n(٦) في (م): \"بلسانه\".\n(٧) هو جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي الكوفي، ضعيف رافضي، التقريب (٨٧٨).\n(٨) سورة يوسف: الآية (٨٠).\n(٩) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"بعد بل هذه الآية\".\n(١٠) زيادة من (م) و(غ) و(ر)، وهي كذلك في صحيح مسلم.","vol":"3","page":261},{"text":"الآية فِي إِخْوَةِ يُوسُفَ، وَقَعَ ذَلِكَ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِ مُسْلِمٍ (١).\nوَمَنْ كَانَ ذَا عَقْلٍ فَلَا يَرْتَابُ فِي أَنَّ سِيَاقَ الْقُرْآنِ دَالٌّ عَلَى مَا قَالَ سُفْيَانُ، وَأَنَّ مَا قَالَهُ جَابِرٌ لَا يَنْسَاقُ.\nوَالثَّانِي: / قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يجوز للرجل نكاح تسع من (الحرائر) (٢) مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ (٣) لِأَنَّ أَرْبَعًا إِلَى ثَلَاثٍ إِلَى اثْنَتَيْنِ تِسْعٌ (٤)، وَلَمْ يَشْعُرْ بِمَعْنَى فُعَالٍ وَمَفْعَلٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَأَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ، فَانْكِحُوا إِنْ شِئْتُمُ اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا (ثَلَاثًا) (٥)، أَوْ أَرْبَعًا أَرْبَعًا عَلَى التَّفْصِيلِ لَا عَلَى مَا قَالُوا.\nوَالثَّالِثُ: قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُحَرَّمَ مِنَ الْخِنْزِيرِ إِنَّمَا هُوَ اللَّحْمُ (٦)، وَأَمَّا الشَّحْمُ/ فَحَلَالٌ لِأَنَّ الْقُرْآنَ إِنَّمَا حرَّم اللَّحْمَ دُونَ الشَّحْمِ، وَلَوْ عَرَفَ أَنَّ اللَّحْمَ يُطْلَقُ عَلَى الشَّحْمِ أَيْضًا - بِخِلَافِ الشَّحْمِ فَإِنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَى اللَّحْمِ - لَمْ يَقُلْ مَا قَالَ.\nوَالرَّابِعُ: قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ كُلَّ شَيْءً فَانٍ حَتَّى ذَاتِ الْبَارِي - تَعَالَى اللَّهُ/ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا - مَا عَدَا الْوَجْهَ (٧) بِدَلِيلِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ\n_________\n(١) انظر: صحيح مسلم (١ ٢٠ - ٢١).\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الحلائل\".\n(٣) سورة النساء: الآية (٣).\n(٤) الذين قالوا بجواز نكاح تسعة نساء هم الرافضة، وقد رد عليهم العلماء في تفسيرهم لهذه الآية وأن الإجماع منعقد على حرمة الجمع بين أكثر من أربع نساء. انظر: تفسير ابن جرير (٧ ٥٤٦)، وابن كثير (١ ٤٥١)، والقرطبي (٥ ١٣)، والشوكاني (١ ٤٢٠، ٤٢١)، وزاد المسير (٢ ٧ - ٨)، وأحكام القرآن للجصاص (٢ ٥٥)، والمحلى لابن حزم (١٠ ٤٤١).\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (ط).\n(٦) ذكر ابن كثير أن الذين أباحوا شحم الخنزير دون لحمه هم بعض أهل الظاهر، وقد رد عليهم في تفسيره (٢ ٨ - ٩)، والشوكاني في فتح القدير (١ ١٦٩)، وذكر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (٢ ١٥٠)، الإجماع على تحريم شحم الخنزير، وأطال ابن حزم في الرد على من أباح شيئًا من الخنزير في المحلى (٧ ٣٨٨ - ٣٩٢).\n(٧) الذي قال هذه المقولة هو بيان بن سمعان، انظر: مقالات الإسلاميين (ص٥)، والملل والنحل (١ ١٥٢)، والفرق بين الفرق (ص٢٣٦).","vol":"3","page":262},{"text":"وَجْهَهُ﴾ (١)، وإنما المراد بالوجه (ها) (٢) هُنَا غَيْرُ مَا قَالَ، فَإِنَّ لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ تأويلات، (وقصدُ) (٣) هذا القائل لَا يَتَّجِهُ لُغَةً وَلَا (مَعْنًى) (٤)، وَأَقْرَبُ قَوْلٍ لِقَصْدِ هَذَا الْمِسْكِينِ أَنْ يُرَادَ بِهِ ذُو الْوَجْهِ كَمَا تَقُولُ: فَعَلْتُ هَذَا لِوَجْهِ فُلَانٍ، أَيْ لِفُلَانٍ، فَكَانَ مَعْنَى الْآيَةِ: كُلُّ شَيْءٍ هالك إلا هو، و(نحوه) (٥) قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ (٦)، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ *ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ﴾ (٧).\nوَالْخَامِسُ: قَوْلُ مَنْ زَعَمَ، أَنَّ لِلَّهِ ﷾ جَنْبًا (٨) مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ (٩)، وَهَذَا لَا مَعْنَى لِلْجَنْبِ فِيهِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، لِأَنَّ الْعَرَبَ/ تَقُولُ: هَذَا الْأَمْرُ يصغر في جنب هذا، أي (هذا) (١٠) يصغر بالإضافة إلى (هذا) (١١) الآخر، فكذلك\n_________\n(١) سورة القصص: الآية (٨٨).\n(٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) في (غ) و(ر): \"والذي قصد\".\n(٤) في (ط): \"يعني\".\n(٥) زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) سورة الإنسان: الآية (٩).\n(٧) سورة الرحمن: الآيتان: (٢٦، ٢٧).\n(٨) الصحيح في تفسير هذه الآية هو ما ذكره الشاطبي ﵀ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ... من أين في ظاهر القرآن إثبات جنب واحد صفة لله ومن المعلوم أن هذا لا يثبته جميع مثبتة الصفات الخبرية، بل كثير منهم ينفون ذلك بل ينفون قول أحد منهم بذلك ... والتفريط فعل أو ترك فعل، وهذا لا يكون قائمًا بذات الله لا في جنب، ولا في غيره، بل يكون منفصلًا عن الله، وهذا معلوم بالحس والمشاهدة، فظاهر القرآن يدل على أن قول القائل يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ الله ليس أنه جعل فعله أو تركه في جنب يكون من صفات الله تعالى ... والصحيح أن المراد التقصير في طاعة الله تعالى، لأن التفريط لا يقع في جنب الصفة، وإنما يقع في الطاعة والعبادة، هذا مستعمل في كلامهم، فلان في جنب فلان، يريدون بذلك في طاعته وخدمته والتقرب منه، ويبين صحة هذا التأويل ما في سياق الآية: فأكون من المحسنين، فأكون من المتقين، وهذا كله راجع إلى الطاعات ... وقد اعتبر أحمد القرائن في مثل هذا فقال في قوله: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) قال: المراد به علم الله، لأن الله افتتح الآية بالعلم، وختمها بالعلم ...) انظر: مخطوط نقض أساس التقديس (٣ لوحة ٦ - لوحة ٩) باختصار.\n(٩) سورة الزمر: الآية (٥٦).\n(١٠) زيادة من (غ) و(ر).\n(١١) ما بين القوسين زيادة من (ت).","vol":"3","page":263},{"text":"الْآيَةُ مَعْنَاهَا يَا حَسْرَتَا عَلَى (مَا فَرَّطْتُ) (١) فيما بيني وبين الله، إذا أضفت تفريطي إلى أمره (لي) (٢) وَنَهْيِهِ إِيَّايَ.\n/وَالسَّادِسُ: قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: \"لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ\" (٣) إِنَّ هَذَا/ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ هُوَ مَذْهَبُ الدَّهْرِيَّةِ، وَلَمْ يَعْرِفْ أَنَّ الْمَعْنَى: لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ (إِذَا أَصَابَتْكُمُ الْمَصَائِبَ، وَلَا تَنْسُبُوهَا إِلَيْهِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَصَابَكُمْ بِذَلِكَ لَا الدَّهْرُ) (٤)، فَإِنَّكُمْ إِذَا سَبَبْتُمُ الدَّهْرَ وَقَعَ السَّبُّ عَلَى الفاعل (في الحقيقة) (٥) لَا عَلَى الدَّهْرِ، لِأَنَّ الْعَرَبَ (كَانَ) (٦) مِنْ عَادَتِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ تَنْسُبَ الْأَفْعَالَ إِلَى الدَّهْرِ فَتَقُولُ: أَصَابَهُ الدَّهْرُ فِي مَالِهِ، وَنَابَتْهُ قوارع الدهر ومصائبه. فينسبون (كُلِّ) (٧) شَيْءٍ تَجْرِي بِهِ أَقْدَارُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ إِلَى الدَّهْرِ، فَيَقُولُونَ: لَعَنَ اللَّهُ الدَّهْرَ، (ومحق) (٨) اللَّهُ الدَّهْرَ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَسُبُّونَهُ لِأَجْلِ (الْفِعَالِ الْمَنْسُوبَةِ) (٩) إِلَيْهِ، فَكَأَنَّهُمْ إِنَّمَا سَبُّوا الْفَاعِلَ، و(إنما) (١٠) الفاعل هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ، فَكَأَنَّهُمْ يَسُبُّونَهُ ﷾.\nفَقَدْ ظَهَرَ بِهَذِهِ الْأَمْثِلَةِ كَيْفَ يَقَعُ الْخَطَأُ فِي الْعَرَبِيَّةِ فِي كَلَامِ اللَّهِ ﷾ وسنة نبيه (محمد) (١١) ﷺ، وأن ذلك (قد) (١٢) يُؤَدِّي إِلَى تَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ،/ وَالصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بُرَآءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ\n_________\n(١) في (ط) و(خ): ما فرطت في جنب الله أي.\n(٢) زيادة من (ت) و(غ) و(ر).\n(٣) أخرجه البخاري (٤٨٢٦ و٦١٨١ و٦١٨٢ و٧٤٩١)، وفي الأدب المفرد (٧٦٩)، ومسلم (٢٢٤٦)، والحميدي في مسنده (١٠٩٦)، وأحمد (٢ ٢٣٨ و٢٧٢ و٢٧٥)، وأبو داود (٥٢٧٤)، والنسائي في السنن الكبرى (١١٤٨٦ و١١٤٨٧)، وابن حبان (٥٧١٥)، والحاكم (٣٦٩٠ و٣٦٩٢)، ومسند الشهاب (٩٢٠ و٩٢١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦٢٨٥ و٦٢٨٦).\n(٤) ما بين () ساقط من (غ) و(ر).\n(٥) زيادة من (ت).\n(٦) ساقط من (غ) و(ر).\n(٧) في (ط) و(خ) و(ت): \"إلى كل\".\n(٨) في (ط) و(م) و(خ): ومحا وفي (غ) و(ر): \"ولحى\".\n(٩) في (غ) و(ر): \"الفعل المنسوب\".\n(١٠) زيادة من (غ) و(ر).\n(١١) ما بين القوسين ساقط من (م) و(غ) و(ر).\n(١٢) زيادة من (غ) و(ر).","vol":"3","page":264},{"text":"عَرَبٌ لَمْ يَحْتَاجُوا فِي فَهْمِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى أَدَوَاتٍ وَلَا تَعَلُّمٍ، ثُمَّ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ لَيْسَ بِعَرَبِيِّ اللِّسَانِ تَكَلَّفَ ذَلِكَ حَتَّى عَلِمَهُ، وَحِينَئِذٍ دَاخَلَ الْقَوْمَ فِي فَهْمِ الشَّرِيعَةِ/ (وَتَنْزِيلِهَا) (١) عَلَى مَا يَنْبَغِي فِيهَا كسلمان الفارسي ﵁ وَغَيْرِهِ، فَكُلُّ مَنِ اقْتَدَى بِهِمْ فِي تَنْزِيلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ - إِنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ - فَهُوَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - دَاخِلٌ فِي سَوَادِهِمُ الْأَعْظَمِ، كَائِنٌ عَلَى ما كانوا عليه، فانتظم في سلك (الفرقة) (٢) الناجية.\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"وتنزلها\".\n(٢) زيادة من (غ) و(ر).","vol":"3","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>فصل</span>\n/النوع الثاني: (١) (الجهل بمقاصد الشرع، اعلم) (٢) إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ الشَّرِيعَةَ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْخَلْقُ فِي تَكَالِيفِهِمُ الَّتِي أُمِرُوا بِهَا/ وَتَعَبُّدَاتِهِمُ الَّتِي طَوَّقُوهَا فِي أَعْنَاقِهِمْ، وَلَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَمُلَ/ الدِّينُ بِشَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (٣) فَكُلُّ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ بَقِيَ (فِي) (٤) الدِّينِ شَيْءٌ لَمْ يَكْمُلْ فَقَدْ كَذَبَ بِقَوْلِهِ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾.\nولا يُقَالُ: قَدْ وَجَدْنَا مِنَ النَّوَازِلِ وَالْوَقَائِعِ الْمُتَجَدِّدَةِ ما لم يكن في الكتاب و(لا فِي) (٥) السُّنَّةِ نَصٌّ عَلَيْهِ، وَلَا عُمُومٌ يَنْتَظِمُهُ، (كمسائل) (٦) الْجَدِّ فِي الْفَرَائِضِ، وَالْحَرَامِ فِي الطَّلَاقِ، وَمَسْأَلَةَ السَّاقِطِ عَلَى جَرِيحٍ مَحْفُوفٍ بِجَرْحَى، وَسَائِرَ الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ الَّتِي لَا نَصَّ فِيهَا مِنْ كِتَابٍ ولا سنة: فأين (الكمال) (٧) فيها؟\n(لأنا نقول) (٨) / فِي الْجَوَابِ: أَوَّلًا إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ إِنِ اعْتُبِرَتْ (فِيهَا) (٩) الْجُزْئِيَّاتُ مِنَ الْمَسَائِلِ وَالنَّوَازِلِ فهو كما\n_________\n(١) النوع الثاني من أسباب الإحداث في الشريعة.\n(٢) ما بين القوسين زيادة من (ت).\n(٣) سورة المائدة: الآية (٣).\n(٤) في (غ) و(ر): \"من\".\n(٥) ساقط من (غ) و(ر).\n(٦) في (ط) و(م) و(خ) و(غ) و(ر): \"وأن مسائل\" والتصحيح من هامش (ت).\n(٧) في (ط): \"الكلام\".\n(٨) في (ط) و(م) و(خ) و(غ) و(ر): \"فيقال\".\n(٩) في (غ) و(ر): \"فيه\".","vol":"3","page":266},{"text":"أَوْرَدْتُمْ، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ كُلِّيَّاتُهَا، فَلَمْ يَبْقَ لِلدِّينِ قَاعِدَةٌ يُحْتَاجُ إِلَيْهَا فِي الضَّرُورِيَّاتِ وَالْحَاجِيَّاتِ أَوِ التَّكْمِيلِيَّاتِ إِلَّا وَقَدْ بُيِّنَتْ غَايَةَ الْبَيَانِ، نَعَمْ يَبْقَى تَنْزِيلُ الْجُزْئِيَّاتِ عَلَى تِلْكَ الْكُلِّيَّاتِ مَوْكُولًا إِلَى نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ، فَإِنَّ قَاعِدَةَ الِاجْتِهَادِ (أَيْضًا ثابتة) (١) في الكتاب والسنة، فلا بد من إعمالها. ولا يسع تركها، وإذا (ثبتت) (٢) فِي الشَّرِيعَةِ أَشْعَرَتْ بِأَنَّ ثَمَّ مَجَالًا لِلِاجْتِهَادِ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ إِلَّا فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ الْكَمَالَ بِحَسَبِ تَحْصِيلِ الْجُزْئِيَّاتِ بِالْفِعْلِ، فَالْجُزْئِيَّاتُ لَا نِهَايَةَ لَهَا، فَلَا تَنْحَصِرُ بِمَرْسُومٍ، وَقَدْ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، فَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْكَمَالُ بِحَسَبِ مَا يحتاج إليه من القواعد الكلية الَّتِي يَجْرِي عَلَيْهَا مَا لَا نِهَايَةَ (لَهُ) (٣) مِنَ النَّوَازِلِ.\nثُمَّ نَقُولُ ثَانِيًا: إِنَّ النَّظَرَ فِي كَمَالِهَا بِحَسَبِ خُصُوصِ الْجُزْئِيَّاتِ يُؤَدِّي إِلَى// الْإِشْكَالِ وَالِالْتِبَاسِ/ وَإِلَّا فَهُوَ الَّذِي أَدَّى إِلَى إِيرَادِ هَذَا السُّؤَالِ، إِذْ لَوْ نَظَرَ السَّائِلُ إِلَى (الْحَالَةِ) (٤) الَّتِي وُضِعَتْ عَلَيْهَا الشَّرِيعَةُ، وَهِيَ حَالَةُ الْكُلِّيَّةِ، لَمْ يُورِدْ سُؤَالَهُ، لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْأَبَدِيَّةِ، وَإِنْ وُضِعَتِ الدُّنْيَا عَلَى الزَّوَالِ وَالنِّهَايَةِ.\nوَأَمَّا الْجُزْئِيَّةُ فَمَوْضُوعَةٌ عَلَى النِّهَايَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى/ الْحَصْرِ فِي التَّفْصِيلِ، وَإِذْ ذَاكَ قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهَا لَمْ تَكْمُلْ فَيَكُونُ خِلَافًا لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٥) الْآيَةَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ هُوَ الصَّادِقُ، وَمَا خَالَفَهُ فَهُوَ الْمُخَالِفُ، فَظَاهِرٌ إِذْ ذاك أن الآية على عمومها وإطلاقها (صحيحة) (٦)، وَأَنَّ النَّوَازِلَ الَّتِي لَا عَهْدَ بِهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي صِحَّةِ هَذَا الْكَمَالِ، (لِأَنَّهَا) (٧) إِمَّا مُحْتَاجٌ إِلَيْهَا وَإِمَّا غَيْرُ مُحْتَاجٍ (إِلَيْهَا) (٨) فَإِنْ كانت محتاجًا إليها\n_________\n(١) في (ت): \"ثابتة أيضًا\".\n(٢) في (م): \"ثبت\".\n(٣) ساقط من (غ) و(ر).\n(٤) في (غ) و(ر): \"الحاجة\".\n(٥) سورة النحل: الآية (٨٩).\n(٦) زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٧) في (ت): \"وهي\" وساقطة من (خ) و(م) و(ط).\n(٨) في (غ) و(ر): \"إليه\".","vol":"3","page":267},{"text":"فَهِيَ مَسَائِلُ الِاجْتِهَادِ الْجَارِيَةُ عَلَى الْأُصُولِ الشَّرْعِيَّةِ فأحكامها قد تقدمت، ولم يبق إلا نظر المجتهد إلى أي دليل (تستند) (١) خاصة، وإما غَيْرَ (مُحْتَاجٍ) (٢) إِلَيْهَا، فَهِيَ الْبِدَعُ الْمُحْدَثَاتُ، إِذْ لَوْ كَانَتْ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا لَمَا سَكَتَ عَنْهَا فِي الشَّرْعِ، لَكِنَّهَا مَسْكُوتٌ عَنْهَا بِالْفَرْضِ وَلَا دَلِيلَ/ عَلَيْهَا فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَيْسَتْ بِمُحْتَاجٍ إِلَيْهَا، فَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ (قَدْ كَمُلَ الدِّينُ) (٣) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.\nوَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي فَهِمَهُ الصَّحَابَةُ ﵃، أَنَّهُمْ لَمْ يُسْمَعْ عَنْهُمْ قَطُّ إِيرَادُ ذَلِكَ السُّؤَالِ، وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنْهُمْ: لِمَ لَمْ يَنُصَّ عَلَى حُكْمِ الْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ؟ وَعَلَى حُكْمِ مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عليَّ حَرَامٌ؟ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَجِدُوا فِيهِ عَنِ الشَّارِعِ نَصًّا، بَلْ قَالُوا فِيهَا وَحَكَمُوا بالاجتهاد/ واعتبروا (فيها) (٤) بِمَعَانٍ شَرْعِيَّةٍ تَرْجِعُ فِي التَّحْصِيلِ إِلَى الْكِتَابِ/ والسنة، وإن لم يكن (ذلك) (٥) بِالنَّصِّ فَإِنَّهُ بِالْمَعْنَى، فَقَدْ ظَهَرَ إِذًا/ وَجْهُ كمال الدين على أتم الوجوه.\n(ثم ننتقل) (٦) مِنْهُ إِلَى مَعْنًى آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ ﷾ أنزل القرآن مبرءًا عَنِ الِاخْتِلَافِ وَالتَّضَادِّ، لِيَحْصُلَ فِيهِ كَمَالُ التَّدَبُّرِ وَالِاعْتِبَارِ، فَقَالَ ﷾: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا *﴾ (٧)، فَدَلَّ مَعْنَى الْآيَةِ عَلَى أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ الِاخْتِلَافِ، فَهُوَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَيُعَضِّدُ بَعْضُهُ بَعْضًا، مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى.\nفأما جهة اللفظ فإن الفصاحة فيه (متوازرة) (٨) / مُطَّرِدَةٌ، بِخِلَافِ كَلَامِ الْمَخْلُوقِ، فَإِنَّكَ تَرَاهُ إِلَى الِاخْتِلَافِ مَا هُوَ، فَيَأْتِي بِالْفَصْلِ مِنَ الْكَلَامِ الجزل\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): يستند.\n(٢) في (م): \"مستند\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"كررة الجملة\".\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) ساقط من (غ) و(ر).\n(٦) في (م): \"ننتقل\". وفي (ط) و(خ) و(ت): \"وننتقل\".\n(٧) سورة النساء: الآية (٨٢).\n(٨) في (ط): \"متواترة\".","vol":"3","page":268},{"text":"الْفَصِيحِ فَلَا يَكَادُ يَخْتِمُهُ إِلَّا وَقَدْ عَرَضَ له في أثنائه ما (يغض عليه) (١) مِنْ مَنْصِبِ فَصَاحَتِهِ، وَهَكَذَا تَجِدُ الْقَصِيدَةَ الْوَاحِدَةَ مِنْهَا مَا يَكُونُ عَلَى نَسَقِ الْفَصَاحَةِ اللَّائِقَةِ، وَمِنْهَا مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ.\nوَأَمَّا/ جِهَةُ الْمَعْنَى، فَإِنَّ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ عَلَى كَثْرَتِهَا أَوْ على تكرارها بحسب مقتضيات الأحوال على (نمط) (٢) وبلوغ غاية في (اتصالها) (٣) إِلَى غَايَتِهَا، مِنْ غَيْرِ إِخْلَالٍ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا تَضَادٍّ وَلَا تَعَارُضٍ، عَلَى وَجْهٍ لَا سَبِيلَ إِلَى الْبَشَرِ أَنْ يُدَانُوهُ، وَلِذَلِكَ لَمَّا سَمِعَتْهُ أَهْلُ الْبَلَاغَةِ الْأُولَى وَالْفَصَاحَةِ (الْأَصْلِيَّةِ) (٤) - وَهُمُ الْعَرَبُ - لَمْ يُعَارِضُوهُ، وَلَمْ يُغَيِّرُوا فِي وَجْهِ إِعْجَازِهِ بِشَيْءٍ مِمَّا نَفَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، (وَهُمْ) (٥) أَحْرَصُ مَا كَانُوا عَلَى الِاعْتِرَاضِ فِيهِ وَالْغَضِّ مِنْ جَانِبِهِ، ثُمَّ لَمَّا أَسْلَمُوا (وَعَايَنُوا) (٦) مَعَانِيَهُ وَتَفَكَّرُوا فِي غَرَائِبِهِ، لَمْ يَزِدْهُمُ الْبَحْثُ إِلَّا بَصِيرَةً فِي أَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَلَا تَعَارُضَ، وَالَّذِي نُقِلَ مِنْ ذَلِكَ يَسِيرٌ تَوَقَّفُوا فِيهِ تَوَقُّفَ الْمُسْتَرْشِدِ حَتَّى يُرْشَدُوا إِلَى وَجْهِ الصَّوَابِ، أَوْ تَوَقُّفَ الْمُتَثَبِّتِ فِي الطَّرِيقِ.\n/وَقَدْ صَحَّ أَنَّ سَهْلَ/ بْنِ حُنَيْفٍ (٧) قَالَ يَوْمَ صفِّين وَحُكْمِ (الْحَكَمَيْنِ) (٨): يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ (٩) وَلَوْ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَرُدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمْرَهُ لَرَدَدْنَاهُ، وَايْمُ اللَّهِ مَا وَضَعْنَا سُيُوفَنَا مِنْ (عَلَى) (١٠) عَوَاتِقِنَا منذ أسلمنا لأمر يفظعنا إلا\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): نقص.\n(٢) في سائر النسخ وهامش (ت): \"حفظ\".\n(٣) في سائر النسخ وهامش (ت): \"إيصالها\".\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الأصلية\".\n(٥) ساقط من (غ) و(ر).\n(٦) في (غ) و(ر): \"وعانوا\".\n(٧) هو سهل بن حنيف الأنصاري البدري، كان من أمراء علي ﵁ في صفِّين، توفي بالكوفة سنة ٣٨هـ، انظر: طبقات ابن سعد (٣ ٤٧١)، والسير (٢ ٣٢٥).\n(٨) في (غ) و(ر): \"الحكمان\".\n(٩) هو العاص بن سهيل بن عمرو العامري القرشي، أسلم في مكة فقيده أبوه، ثم هرب بعد صلح الحديبية، وتوفي شهيدًا في الشام سنة ١٨هـ، انظر: السير (١ ١٩٢).\n(١٠) ما بين القوسين ساقط من (م) وفي (غ) و(ر): عن، بدون حرف من السابق.","vol":"3","page":269},{"text":"(أسهلن) (١) بنا إلى أَمْرٌ نَعْرِفُهُ - الْحَدِيثَ (٢).\nفَوَجْهُ الشَّاهِدِ مِنْهُ أَمْرَانِ: قَوْلُهُ: (اتَّهِمُوا الرَّأْيَ) فَإِنَّ مُعَارَضَةُ (الظَّوَاهِرِ) (٣) فِي غَالِبِ الْأَمْرِ رَأْيٌ غَيْرُ مَبْنِيٍّ عَلَى (أَصْلٍ) (٤) يُرْجَعُ إِلَيْهِ، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ النُّكْتَةُ فِي الْبَابِ: وَاللَّهِ مَا وَضَعْنَا سُيُوفَنَا إِلَى آخِرِهِ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ: أَنَّ كُلَّ مَا وَرَدَ عَلَيْهِمْ فِي شَرْعِ اللَّهِ مِمَّا يُصَادِمُ الرَّأْيَ فَإِنَّهُ حَقٌّ يَتَبَيَّنُ عَلَى التَّدْرِيجِ حَتَّى يَظْهَرَ فَسَادُ ذَلِكَ الرَّأْيِ، وَأَنَّهُ كَانَ شُبْهَةً عَرَضَتْ وَإِشْكَالًا يَنْبَغِي أَنْ لَا يُلْتَفَتَ إِلَيْهِ، بَلْ يُتَّهَمُ أَوَّلًا وَيُعْتَمَدُ عَلَى مَا جَاءَ فِي الشَّرْعِ، فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَتَبَيَّنِ الْيَوْمَ تَبَيَّنَ غَدًا/، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّهُ لَا يَتَبَيَّنُ أَبَدًا فَلَا حَرَجَ، فَإِنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى.\nوَفِي الصحيح عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ/ (هِشَامَ) (٥) بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَكِدْتُ/ أَسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَصَبَرْتُ حَتَّى سَلَّمَ، (فَلَبَّبَتْهُ) (٦) بِرِدَائِهِ، فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ. فَقَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَقُلْتُ: كَذَبْتَ، فَإِنَّ/ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا/ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ\n_________\n(١) في (ت): انتهى.\n(٢) أخرجه بنصه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢ ٣٨)، وأصل الحديث أخرجه البخاري (٧٣٠٨ و٣١٨٢، و٤١٨٩ و٤٨٤٤ و٣١٨١)، وسعيد بن منصور في سننه - تحقيق الأعظمي - (٢٩٦٩)، ومسلم (١٧٨٥)، والحميدي في مسنده (٤٠٤) وابن أبي شيبة في المصنف (١٩٧١٧)، وأحمد في المسند، (٣ ٤٨٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٩١١ و١٩١٢) والطبراني في المعجم الصغير (٧٧٥)، وفي الكبير (٥٥٩٨ ـ٥٦٠٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٨٥٩٣).\n(٣) في (غ) و(ر): \"الظاهر\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"شيء أصل\".\n(٥) في (ت): همام، والصواب هشام، هو هشام بن حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد القرشي، له صحبة ورواية في مسلم وأبي داود والنسائي، توفي في آخر خلافة معاوية ﵁، انظر: الجرح والتعديل (٩ ٥٣)، والسير (٣ ٥١).\n(٦) في (م): \"فلتفته\".","vol":"3","page":270},{"text":"عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"أَرْسِلْهُ (١) اقْرَأْ يَا (هِشَامُ) (٢). فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، (ثُمَّ قَالَ) (٣): اقْرَأْ يَا عُمَرُ - فقرأت القراءة التي أقرأني - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٤): كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سبعة أحرف، فاقرأوا (مَا) (٥) تَيَسَّرَ مِنْهُ\" (٦).\nوَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ إِنَّمَا هِيَ إشكال وقع لبعض الصحابة ﵃ فِي نَقْلِ الشَّرْعِ، بيَّن لَهُمْ جَوَابَهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا، فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ الْمُكَلَّفِينَ فِي بَعْضِ مَعَانِيهِ أَوْ مَسَائِلِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَفْسُهُ اخْتِلَافٌ، فَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْأُمَمُ فِي النُّبُوَّاتِ وَلَمْ يَكُنْ (ذَلِكَ) (٧) دَلِيلًا عَلَى وُقُوعِ الِاخْتِلَافِ فِي نَفْسِ النُّبُوَّاتِ، وَاخْتَلَفَتْ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ مِنْ عُلُومِ التَّوْحِيدِ وَلَمْ يَكُنِ اخْتِلَافُهُمْ دَلِيلًا عَلَى وُقُوعِ الِاخْتِلَافِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَكَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِيهِ.\nوَإِذَا ثَبَتَ هَذَا صَحَّ مِنْهُ أَنَّ الْقُرْآنَ فِي نَفْسِهِ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ.\nثُمَّ نَبْنِي عَلَى هَذَا مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ: أَنَّهُ لَمَّا تَبَيَّنَ تَنَزُّهُهُ عَنِ الِاخْتِلَافِ، صَحَّ أَنْ يَكُونَ حَكَمًا بَيْنَ جَمِيعِ الْمُخْتَلِفِينَ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَرِّرُ مَعْنًى هُوَ الْحَقُّ، وَالْحَقُّ لَا يَخْتَلِفُ فِي نَفْسِهِ، فَكُلُّ اخْتِلَافٍ صَدَرَ مِنْ مُكَلَّفٍ فَالْقُرْآنُ هُوَ الْمُهَيْمِنُ عَلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (٨) وأعم من هذا قوله تعالى: ﴿كَانَ\n_________\n(١) ساقط من (غ) و(ر).\n(٢) في (ت): \"همام\". وفي (غ) و(ر): \"هاشم\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"فقال\".\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) في (غ) و(ر): \"بما\" والصواب: \"ما\" وهو الموافق لرواية البخاري.\n(٦) أخرجه البخاري (٤٩٩٢)، ومسلم (٨١٨)، ومالك في الموطأ (٤٧٣)، وأحمد (١ ٢٤ و٤٠ و٤٢ و٤٣ و٢٦٣)، وأبو داود (١٤٧٥)، والترمذي (٢٩٤٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٥٩٨)، والنسائي في المجتبى (٩٣٦ - ٩٣٨) وفي الكبرى (١٠٠٨ - ١٠١٠ و٧٩٨٥ و١١٣٦٦)، وابن حبان (٧٤١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣٧٩٩).\n(٧) ساقط من (غ) و(ر).\n(٨) سورة المائدة: الآية (٤٨).","vol":"3","page":271},{"text":"النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (١)، ثم قال: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾، وَقَالَ تَعَالَى) (٢): ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٣)./ فهذه الآي وَمَا أَشْبَهَهَا صَرِيحَةٌ فِي الرَّدِّ إِلَى كِتَابِ الله تعالى وإلى سنة نبيه ﷺ/ لِأَنَّ السُّنَّةَ بَيَانُ الْكِتَابِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ فِيهِ وَاضِحٌ، وَأَنَّ الْبَيَانَ فِيهِ شَافٍ، لَا شَيْءَ بَعْدَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَهَكَذَا فَعَلَ/ الصَّحَابَةُ ﵃ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةٍ ردُّوها إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَقَضَايَاهُمْ/ شَاهِدَةٌ بِهَذَا الْمَعْنَى، لَا يَجْهَلُهَا مَنْ زَاوَلَ الْفِقْهَ، فَلَا فَائِدَةَ فِي جَلْبِهَا إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ لِشُهْرَتِهَا، فَهُوَ إِذًا مِمَّا كان عليه الصحابة ﵃.\nفَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَعَلَى النَّاظِرِ فِي الشَّرِيعَةِ بِحَسَبِ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ أَمْرَانِ:\nأَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا بِعَيْنِ الْكَمَالِ لَا بِعَيْنِ النُّقْصَانِ، وَيَعْتَبِرَهَا اعْتِبَارًا كُلِّيًّا فِي الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ، وَلَا يَخْرُجَ عَنْهَا الْبَتَّةَ، لِأَنَّ الْخُرُوجَ/ عَنْهَا تِيهٌ وَضَلَالٌ وَرَمْيٌ فِي عَمَايَةٍ، كَيْفَ وَقَدْ ثَبَتَ كَمَالُهَا وَتَمَامُهَا؟ فَالزَّائِدُ (وَالنَّاقِصُ) (٤) فِي جِهَتِهَا هُوَ الْمُبْتَدِعُ بِإِطْلَاقٍ، وَالْمُنْحَرِفُ عَنِ الْجَادَّةِ إِلَى بُنَيَّاتِ الطُّرُقِ.\nوَالثَّانِي: أَنْ يُوقِنَ أَنَّهُ لَا تَضَادَّ بَيْنَ آيَاتِ الْقُرْآنِ وَلَا بَيْنَ الْأَخْبَارِ النَّبَوِيَّةِ وَلَا بَيْنَ أَحَدِهِمَا مَعَ الْآخَرِ، بَلِ الْجَمِيعُ جَارٍ عَلَى مهْيَع وَاحِدٍ، وَمُنْتَظِمٍ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، فَإِذَا أَدَّاهُ بَادِئَ الرَّأْيِ إِلَى ظَاهِرِ اخْتِلَافٍ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَقِدَ انْتِفَاءَ الِاخْتِلَافِ، لِأَنَّ الله تعالى قَدْ شَهِدَ لَهُ أَنْ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، فَلْيَقِفْ وُقُوفَ الْمُضْطَرِّ السَّائِلِ عَنْ وَجْهِ الْجَمْعِ، أو المسلم من غير اعتراض، (إن) (٥) كان الموضع مما (لا) (٦) يتعلق به حكم عملي، (فإن تعلق به حكم\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية (٢١٣).\n(٢) من بين () زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) سورة النساء: الآية (٥٩).\n(٤) في (ط) و(خ) و(ت): \"والمنقص\".\n(٥) في (ط) و(خ): فإن.\n(٦) زيادة من (غ) و(ر).","vol":"3","page":272},{"text":"عملي) (١) (التمس) (٢) الْمَخْرَجَ/ حَتَّى يَقِفَ عَلَى الْحَقِّ الْيَقِينِ، أَوْ يبقى بَاحِثًا إِلَى الْمَوْتِ (وَلَا) (٣) عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِذَا اتَّضَحَ لَهُ الْمَغْزَى وَتَبَيَّنَتْ لَهُ الْوَاضِحَةُ، فلا بد (لَهُ) (٤) مِنْ أَنْ يَجْعَلَهَا حَاكِمَةً فِي كُلِّ مَا يَعْرِضُ لَهُ (مِنَ) (٥) النَّظَرِ فِيهَا. وَيَضَعَهَا نُصْبَ عَيْنَيْهِ فِي كُلِّ مَطْلَبٍ دِينِيٍّ، كَمَا فعل من تقدمنا ممن أثنى الله (ورسوله) (٦) عَلَيْهِمْ.\n/فَأَمَّا الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: فَهُوَ الَّذِي أَغْفَلَهُ الْمُبْتَدِعُونَ فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاسْتِدْرَاكُ عَلَى الشَّرْعِ، وَإِلَيْهِ مَالَ (كُلُّ) (٧) مَنْ كَانَ يَكْذِبُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَيُقَالُ له (في) (٨) ذَلِكَ وَيَحْذَرُ مَا فِي الْكَذِبِ عَلَيْهِ مِنَ الْوَعِيدِ، فَيَقُولُ لَمْ أَكْذِبْ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا كَذَبْتُ لَهُ.\nوَحُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَعْرُوفِ بالأردُنِّي (٩) أَنَّهُ قَالَ: إِذَا كَانَ/ الْكَلَامُ حَسَنًا لَمْ أَرَ بَأْسًا أَنْ أَجْعَلَ لَهُ إِسْنَادًا (١٠). فَلِذَلِكَ/ كَانَ يُحَدِّثُ بِالْمَوْضُوعَاتِ، وَقَدْ قُتِلَ فِي الزَّنْدَقَةِ وَصُلِبَ، (وَقَدْ تَقَدَّمَ لِهَذَا الْقِسْمِ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ) (١١).\nوَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّانِي: فَإِنَّ قَوْمًا أَغْفَلُوهُ أيضًا ولم (يُنعموا) (١٢) النَّظَرَ حَتَّى اخْتَلَفَ عَلَيْهِمُ الْفَهْمُ فِي الْقُرْآنِ والسنة، فأحالوا بالاختلاف (عليهما) (١٣)\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (ط) و(ت).\n(٢) في (ط): \"فليلتمس\".\n(٣) في (م) و(غ) و(ر): \"فلا\".\n(٤) زيادة من (ط) و(غ) و(ر).\n(٥) في (غ) و(ر): \"في\".\n(٦) زيادة من (غ) و(ر).\n(٧) ساقط من (غ) و(ر).\n(٨) زيادة من (غ) و(ر).\n(٩) هو محمد بن سعيد بن حسان الأسدي الأردني المصلوب، قال عنه الإمام أحمد: قتله أبو جعفر المنصور في الزندقة، حديثه حديث موضوع، وقد غيَّر اسمه على عدة أسماء تدليسًا له، فينسب مرة إلى جده ومرة إلى بلده ... إلخ، أجمع علماء الجرح على ترك حديثه، والتحذير منه، انظر: تهذيب التهذيب (٩ ١٨٤ - ١٨٦)، وميزان الاعتدال (٣ ٥٦١ - ٥٦٣).\n(١٠) انظر: تهذيب التهذيب (٩ ١٨٥).\n(١١) ما بين () ساقط من (غ) و(ر).\n(١٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"بمعنوا\".\n(١٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"عليها\".","vol":"3","page":273},{"text":"تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِالنَّظَرِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي عَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من حال الخوارج حيث قال: \"يقرأون الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ\" (١)، فَوَصَفَهُمْ بِعَدَمِ الْفَهْمِ لِلْقُرْآنِ/، وَعِنْدَ ذَلِكَ خَرَجُوا عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، إِذْ قَالُوا: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، وَقَدْ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللَّهِ، حَتَّى بيَّن لهم حبر (الإسلام) (٢) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ (٣) عَلَى وَجْهٍ أَذْعَنَ بِسَبَبِهِ مِنْهُمْ أَلْفَانِ، أَوْ مَنْ رَجَعَ مِنْهُمْ إِلَى الْحَقِّ، وَتَمَادَى الْبَاقُونَ على ما كانوا عليه، اعتمادًا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ: لَا تُنَاظِرُوهُ وَلَا تُخَاصِمُوهُ فَإِنَّهُ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ﴾ / ﴿خَصِمُونَ﴾ (٤).\nفَتَأَمَّلُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ كَيْفَ كَانَ فَهْمُهُمْ فِي الْقُرْآنِ. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ هَذَا الْإِشْكَالُ يَعْتَرِي أَقْوَامًا حَتَّى اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِمُ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ، وَتَدَافَعَتْ على أفهامهم (فحجوا) (٥) به قبل (إنعام) (٦) النظر.\n/وَلْنَذْكُرْ مِنْ ذَلِكَ عَشَرَةَ أَمْثِلَةٍ:\nأَحَدُهَا: قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ *﴾ (٧) يَتَنَاقَضُ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ *﴾ (٨).\nوَالثَّانِي: قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلاَ جَآنٌّ *﴾ (٩) مُضَادٌّ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (١٠)، وقوله تعالى: ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١١).\n_________\n(١) تقدم تخريجه (٣/ ١١٤).\n(٢) في (ت) و(غ) و(ر): \"القرآن\".\n(٣) سورة يوسف: الآية: (٤٠).\n(٤) سورة الزخرف: الآية (٥٨).\n(٥) في (ط): \"فجعجعوا\". وفي (خ): \"فعججوا\". وفي (غ) و(ر): \"فتبجحوا\".\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"إمعان\".\n(٧) سورة الصافات: الآية (٢٧).\n(٨) سورة المؤمنون: الآية (١٠١).\n(٩) سورة الرحمن: الآية (٣٩).\n(١٠) سورة العنكبوت: الآية (١٣).\n(١١) سورة النحل: الآية (٩٣).","vol":"3","page":274},{"text":"وَالثَّالِثُ: قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ *﴾ / إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ *فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (١): إِنَّ هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْأَرْضَ مَخْلُوقَةٌ قَبْلَ السَّمَاءِ، وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا *رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا *وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا *وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا *﴾ (٢)، فَصَرَّحَ/ بِأَنَّ الْأَرْضَ مَخْلُوقَةٌ بَعْدَ السَّمَاءِ.\nوَمِنْ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ مَا أَوْرَدَهُ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ - أَوْ غَيْرُهُ - عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، فَخَرَّجَ الْبُخَارِيُّ (٣) فِي الْمُعَلَّقَاتِ (٤) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٥)، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ *﴾ (٦)،/ ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (٧)، ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٨)، فَقَدْ كَتَمُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا *﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا *﴾ (٩)، فَذَكَرَ خَلْقَ السَّمَاءِ قَبْلَ الْأَرْضِ ثُمَّ قَالَ: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ - إلى قوله - ﴿طَائِعِينَ﴾ (١٠)، فَذَكَرَ فِي هَذِهِ خَلْقَ الْأَرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاءِ، وَقَالَ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾\n_________\n(١) سورة فصلت: الآيات (٩ - ١٢).\n(٢) سورة النازعات: الآيات (٢٧ - ٣٠).\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، في تفسير سورة السجدة، انظر: فتح الباري (٨ ٤١٧ - ٤١٨). وبين ما ذكره الشاطبي وما في صحيح البخاري اختلاف في ألفاظ كثيرة، ولكني لم أثبتها، لاحتمال أن يكون الشاطبي اعتمد على نسخة للبخاري غير النسخة المطبوعة لدينا، خاصة وأن لصحيح البخاري نسخًا كثيرة، والله تعالى أعلم.\n(٤) ذكره البخاري في البداية معلقًا بقوله: قال المنهال عن سعيد، ثم وصله في نهاية الأثر، حيث قال: حدثنيه يوسف بن عدي حدثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن المنهال بهذا.\n(٥) سورة المؤمنون: الآية (١٠١).\n(٦) سورة الصافات: الآية (٢٧).\n(٧) سورة النساء: الآية (٤٢).\n(٨) سورة الأنعام: الآية (٢٣).\n(٩) سورة النازعات: الآيات (٢٧ - ٣٠).\n(١٠) سورة فصلت: الآيات (٩ - ١٢).","vol":"3","page":275},{"text":"﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ فَكَأَنَّهُ كَانَ ثُمَّ مَضَى فَقَالَ يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ: ﴿فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ﴾ في النفخة الأولى (يوم ينفخ) (١) في الصور فصعق من في السموات وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ/ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ، ثُمَّ فِي النَّفْخَةِ الْأُخْرَى أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ.\nوَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ يَغْفِرُ لِأَهْلِ الْإِخْلَاصِ ذُنُوبَهُمْ، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ تَعَالَوْا نَقُولُ: لَمْ نَكُنْ مشركين. (فيختم) (٢) عَلَى أَفْوَاهِهِمْ فَتَنْطِقُ أَيْدِيَهُمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ/ عَرَفُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يُكْتَمُ حَدِيثًا، وَعِنْدَهُ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرض.\n/وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ، (وَدَحْوُهَا) (٣) أَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا الْمَاءَ وَالْمَرْعَى، وَخَلَقَ الْجِبَالَ وَالْآكَامَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي يَوْمَيْنِ (آخَرَيْنِ) (٤)، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: (دَحَاهَا) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ فَخُلِقَتِ الْأَرْضُ وَمَا فِيهَا مِنْ شَيْءٍ فِي أربعة أيام، وخلقت السموات في يومين.\n(وقوله) (٥): ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ سَمَّى نَفْسَهُ بِذَلِكَ، وَذَلِكَ (قَوْلُهُ) (٦)؛ أَيْ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا إِلَّا أَصَابَ بِهِ الَّذِي أَرَادَ، فَلَا يَخْتَلِفُ عَلَيْكَ الْقُرْآنُ فَإِنَّ كُلًّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.\nوَالرَّابِعُ: قَوْلُ مَنْ قَالَ:/ إِنَّ قول النبي ﷺ: \"إِنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فَأَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّتَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وأشهدهم على أنفسهم:\n_________\n(١) في (ط): ونفخ. وفي (خ) و(م) و(غ) و(ر): ينفخ.\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فختم\".\n(٣) في (م) و(غ) و(ر): \"ودحيها\".\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) ما بين القوسين زيادة من (ت).\n(٦) زيادة من (غ) و(ر).","vol":"3","page":276},{"text":"ألست بربكم؟ قالوا بلى ... \" (١)، الحديث (وَقَعَ) (٢) مُخَالِفٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (٣) فالحديث يخبر أَنَّهُ أَخَذَهُمْ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ وَالْكِتَابُ يُخْبِرُ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ ظُهُورِ (بَنِي) (٤) آدَمَ، وَهَذَا إذا تؤمل لا (اختلاف) (٥) فِيهِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، بِأَنْ يَخْرُجُوا مِنْ صُلْبِ آدَمَ ﵊ دَفْعَةً وَاحِدَةً عَلَى وَجْهٍ لَوْ خَرَجُوا عَلَى التَّرْتِيبِ (لخرجوا) (٦)، كَمَا أُخْرِجُوا إِلَى الدُّنْيَا، وَلَا مُحَالَ فِي هذا بأن (ينفطر) (٧) فِي تِلْكَ الْآخِذَةِ الْأَبْنَاءُ عَنِ الْأَبْنَاءِ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبِ زَمَانٍ وَتَكُونُ النِّسْبَتَانِ مَعًا صَحِيحَتَيْنِ (على) (٨) الْحَقِيقَةِ لَا عَلَى الْمَجَازِ.\n/وَالْخَامِسُ: قَوْلُ مَنْ قَالَ - فِيمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ - أَنْ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَشَدْتُكَ اللَّهَ إِلَّا مَا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، (فَقَالَ خَصْمُهُ وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ صَدَقَ: اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ) (٩)، وَائْذَنْ لِي فِي أَنْ أَتَكَلَّمَ، ثُمَّ أَتَى بِالْحَدِيثِ، فَقَالَ/ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، أَمَّا الْوَلِيدَةُ (وَالْغَنَمُ) (١٠) فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ هَذَا جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَعَلَى امْرَأَةِ هَذَا/ الرَّجْمُ\" إِلَى آخَرِ الْحَدِيثِ (١١)، هو مخالف\n_________\n(١) هذا حديث صحيح مشهور مروي مرفوعًا وموقوفًا، وأخرجه جمع كبير من أهل العلم منهم: مالك (١٥٩٣)، وأحمد (١ ٢٧٢ و٥ ١٣٥)، وأبو داود (٤٧٠٣ و٤٧٠٤)، والترمذي (٣٠٧٥)، والنسائي في السنن الكبرى (١١١٩٠ و١١١٩١)، وابن جرير في التفسير (١٥٣٣٨)، والحاكم (٧٤ و٧٥ و٣٢٥٥ و٣٢٥٦ و٤٠٠٠ و٤٠٠١)، وغيرهم.\n(٢) في (ط) و(م) و(خ) و(غ) و(ر): كما وقع.\n(٣) سورة الأعراف: الآية (١٧٢).\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (ط).\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"خلاف\".\n(٦) زيادة من (غ) و(ر).\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"يتفطر\".\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"في\".\n(٩) ساقط من (غ) و(ر).\n(١٠) في (ت): \"الغرم\".\n(١١) أخرجه البخاري (٢٣١٤ و٢٣١٥ و٢٦٤٩ و٢٦٩٦ و٢٧٢٥، و٦٦٣٤ و٦٨٢٨ و٦٨٣١ و٦٨٣٦ و٦٨٤٣ و٦٨٦٠ و٧١٩٤ و٧٢٥٩ و٧٢٧٩ و٢٦٩٥ و٢٧٢٤ و٦٦٣٣ و٦٨٢٧=","vol":"3","page":277},{"text":"لِكِتَابِ اللَّهِ، لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ: \"لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ\" حَسْبَمَا سَأَلَهُ السَّائِلُ، ثُمَّ قَضَى بِالرَّجْمِ وَالتَّغْرِيبِ، وَلَيْسَ لَهُمَا ذِكْرٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ.\nالْجَوَابُ: إِنَّ الَّذِي أَوْجَبَ الْإِشْكَالَ فِي المسألة اللفظ المشترك (فإن كتاب الله، كما) (١) يُطْلَقُ عَلَى الْقُرْآنِ يُطْلَقُ عَلَى مَا كَتَبَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَهُ مِمَّا هُوَ حُكْمُهُ وَفَرْضُهُ على العباد، كان/ مسطورًا في القرآن أو لا، كما قال تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ (٢) أي (حكم الله) (٣) وفرضه، وَكُلُّ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلِهِ: (﴿كتبَ عليكم﴾) (٤) فمعناه فرض وَحَكَمَ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُ أَنَّ يُوجَدَ هَذَا الْحُكْمُ فِي الْقُرْآنِ.\nوَالسَّادِسُ: قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى فِي الْإِمَاءِ: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٥) / لَا يُعْقَلُ مَعَ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَمَ وَرَجَمَتِ (الْأَئِمَّةُ) (٦) بَعْدَهُ، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الرَّجْمَ يَنْتَصِفُ وَهَذَا غَيْرُ مَعْقُولٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ نِصْفُهُ عَلَى الْإِمَاءِ؟ ذَهَابًا مِنْهُمْ/ إِلَى أَنَّ الْمُحْصَنَاتِ (هنا) (٧) ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْمُحْصَنَاتُ هُنَا الْمُرَادُ بِهِنَّ الْحَرَائِرُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ أَوَّلَ الْآيَةِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا/ أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٨)\n_________\n=و٦٨٣٣ و٦٨٣٥ و٦٨٤٢ و٦٨٥٩ و٧١٩٣ و٧٢٥٨ و٧٢٦٠ و٧٢٧٨)، ومسلم (١٦٩٧)، ومالك (١٥٠٢)، والطيالسي (٩٥٣ و١٣٣٣ و٢٥١٤)، والحميدي (٨١١)، وأبو داود (٤٤٤٥)، وابن ماجه (٢٥٤٩)، والترمذي (١٤٣٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٢١٣)، والنسائي في المجتبى (٥٤١٠ و٥٤١١)، وفي السنن الكبرى (٥٩٧٠ ـ٥٩٧٣ و٧١٩٣ و١١٣٥٦)، وابن الجارود في المنتقى (٨١١)، وابن حبان (٤٤٣٧)، والطبراني في الكبير (٥١٨٨ و٥١٩٠ ـ٥٢٠٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٦٦٩٤ و١٦٧٠١ و١٦٧٣٦ و١٦٧٤٦ و١٦٧٦٥)، وغيرهم.\n(١) في (ط) و(خ) و(ت): \"في كتاب الله فكما\".\n(٢) سورة النساء: الآية (٢٤).\n(٣) في (غ) و(ر): \"حكمه\".\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ): \"كتاب الله عليكم\".\n(٥) سورة النساء: الآية (٢٥).\n(٦) في (غ) و(ر): \"الأمة\".\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"هنّ\".\n(٨) سورة النساء: الآية (٢٥).","vol":"3","page":278},{"text":"وَلَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا إِلَّا الْحَرَائِرَ، لِأَنَّ ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ لَا تُنْكَحُ.\nوَالسَّابِعُ: قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْحَدِيثَ جَاءَ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُنْكَحُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا (١) وَأَنَّهُ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ (٢)، وَاللَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ الْمُحَرَّمَاتِ لَمْ يَذْكُرْ مِنَ الرِّضَاعِ إِلَّا الْأُمَّ وَالْأُخْتَ، وَمِنَ الْجَمْعِ إِلَّا الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ/: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٣) (فَاقْتَضَى) (٤) أَنَّ الْمَرْأَةَ تُنْكَحُ عَلَى عَمَّتِهَا وَعَلَى خالتها، (وكل رضاعة) (٥) سوى الأم والأخت (حلال) (٦).\nوَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ لَا تَعَارُضَ فِيهِ عَلَى حَالٍ.\nوَالثَّامِنُ: قَوْلُ مَنْ قال: إن قوله ﷺ: \"غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ\" (٧) مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ: \"مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ ومن اغتسل\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥١٠٨ ـ٥١١٠)، ومسلم (١٤٠٨)، ومالك (١١٠٨)، وابن الجعد (١٦٠٧)، وأحمد (٢ ٤٠١ و٤٢٣ و٤٥٢ و٤٦٢ و٤٦٥ و٥١٦ و٥١٨ و٥٢٩ و٥٣٢)، والدارمي (٢١٧٩)، وابن ماجه (١٩٢٩ - ١٩٣١)، وأبو داود (٢٠٦٦)، والترمذي (١١٢٥ - ١١٢٦)، والنسائي في المجتبى (٣٢٨٨ - ٣٢٩١)، وفي الكبرى: (٥٤٢٠ ـ٥٤٢٧)، وابن حبان (٤١١٣ - ٤١١٥)، والطبراني في الكبير (٥٤٢٠ - ٥٤٢٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٣٧١٩ - ١٣٧٢٣).\n(٢) أخرجه البخاري (٢٦٤٥ و٢٦٤٦ و٣١٠٥ و٥٠٩٩ و٥١٠٠)، ومسلم (١٤٤٤)، ومالك (١٢٥٤)، وإسحاق بن راهويه (١٠١٠)، وأحمد (٦ ١٧٨ و٢١٤)، والدارمي (٢٢٤٧)، وأبو داود (٢٠٥٥)، والترمذي (١١٤٦ - ١١٤٧)، والنسائي في المجتبى (٣٣١٣)، وفي الكبرى (٥٤٧٠).\n(٣) سورة النساء: الآية (٢٤).\n(٤) في (غ) و(ر): \"فاقتضى علي\".\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"وإن كان رضاع\".\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"حلالًا\".\n(٧) أخرجه البخاري (٨٥٨ و٨٧٩ و٨٩٥ و٢٦٦٥)، ومسلم (٨٤٦)، ومالك (٢٢٨ - ٢٣٠)، والطيالسي (٢١٦ و٢٥٧٠)، والحميدي (٧٣٦)، وأحمد (٣ ٦ و٣٠ و٦٠ و٦٥ و٦٩ و٣٠٤) و(٤ ٣٤)، والدارمي (١٥٣٧)، وأبو داود (٣٤١ و٣٤٤)، وابن ماجه (١٠٨٩)، والنسائي في المجتبى (١٣٧٥ ـ١٣٧٧ و١٣٨٣)، وفي الكبرى (١٦٦٧ و١٦٦٨ و١٦٨٨)، وابن الجارود في المنتقى (٢٨٤ و٢٨٧)، وأبو يعلى (٩٧٨ و١١٠٠ و١١٢٧ و١٨٦٨)، وابن خزيمة (١٧٢١ و١٧٤٢ - ١٧٤٦)، وابن حبان (١٢٢٠=","vol":"3","page":279},{"text":"فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ\" (١).\nوَالْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ هُنَا التَّأْكِيدُ خَاصَّةً، بحيث لا يكون تركه تَرْكًا (لِلْفَرْضِ) (٢)، وَبِهِ يَتَّفِقُ مَعْنَى الْحَدِيثَيْنِ فَلَا اخْتِلَافَ (٣).\nوَالتَّاسِعُ: / قَوْلُهُمْ: جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: (صِلَةُ الرحم تزيد (في) (٤) العمر) (٥)، والله تعالى يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٦) فَكَيْفَ تَزِيدُ صِلَةُ الرَّحِمِ فِي أَجْلٍ لَا يُؤَخَّرُ وَلَا يُقَدَّمُ أَلْبَتَّةَ.\nوَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ منها أن يكون في علم الله تعالى أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ إِنْ وَصَلَ رَحِمَهُ عَاشَ مِائَةَ سَنَةٍ، وَإِلَّا عَاشَ ثَمَانِينَ سَنَةً، مَعَ أَنَّ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ بِلَا بُدٍّ، (أَوْ) (٧) أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ أَصْلًا.\n/وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُ لَا يَسْتَأْخِرُ (سَاعَةً) (٨) ولا يستقدم.\n_________\n=و١٢٢٧ - ١٢٣٣)، والطبراني في الصغير (١١٥٥)، وفي الأوسط (٣٠٩ و٦٢١)، وفي الكبير (٢٣ ١٩٥ برقم ٣٣٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٣٠٤ و٥٣٦٧ و٥٤٤٣ و٥٤٥٢ و٥٧٤٧ و٥٧٤٨).\n(١) أخرجه الطيالسي (١٣٥٠ و٢١١٠)، وعبد بن حميد (١٠٧٧)، وابن الجعد (٩٨٦ و١٧٥٠)، وأحمد (٥ ٨ و١١ و١٥ و١٦ و٢٢)، والدارمي (١٥٤٠)، وابن ماجه (١٠٩١)، وأبو داود (٣٥٤)، والترمذي (٤٩٧)، والنسائي في المجتبى (١٣٨٠)، وفي الكبرى (١٦٨٤)، وأبو يعلى (٤٠٨٦)، وابن الجارود (٢٨٥)، وابن خزيمة (١٧٥٧)، والطبراني في الكبير (٦٨١٧ - ٦٨٢٠ و٦٩٢٦)، والبيهقي في الكبرى (١٣١٠ - ١٣١٦ و٥٤٥٩) وغيرهم، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم (٦١٨٠).\n(٢) في (ت): لفرض.\n(٣) انظر: تفصيل الخلاف في هذه المسألة فتح الباري (٢ ٤٢٠ - ٤٣٢)، وتأويل مشكل الحديث (ص١٣٤).\n(٤) ما بين القوسين زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٥) أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده - بغية الباحث - (٣٠٢)، والطبراني في الأوسط (٩٤٧)، وفي الكبير (٨٠١٤)، والقضاعي في مسنده (١٠٠ و١٠٢)، وبنحوه في مسند أبي يعلى (٣٦٠٩ و٦٦٢٠)، وابن حبان (٤٣٨).\n(٦) سورة الأعراف: الآية (٣٤).\n(٧) في (م): \"و\".\n(٨) ساقط من (غ) و(ر).","vol":"3","page":280},{"text":"قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ (١) وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الْقِرَافِيُّ (٢).\nوَالْعَاشِرُ: قالوا في الحديث: أنه ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ توضأ وضوءه للصلاة (٣)، ثم فيه: كان ﷺ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً (٤)، وَهَذَا تَدَافُعٌ. وَالْحَدِيثَانِ مَعًا لِعَائِشَةَ رَضِيَ/ اللَّهُ عَنْهَا.\nوَالْجَوَابُ سَهْلٌ: فَالْحَدِيثَانِ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَيْنِ مُوَسَّعٌ فِيهِمَا، لِأَنَّهُ إِذَا فَعَلَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ وَأَكْثَرَ مِنْهُ، وَفَعَلَ الْآخَرَ أَيْضًا وَأَكْثَرَ مِنْهُ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ: كَانَ يَفْعَلُ، حَصَلَ مِنْهُمَا/ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ وَيَتْرُكُ، وَهَذَا شَأْنُ الْمُسْتَحَبِّ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا (٥).\nفَهَذِهِ عَشَرَةُ أمثلة تبين لك مواقع الإشكال، (وأين رَتَّبْتُهَا) (٦) مَعَ ثَلْجِ الْيَقِينِ، فَإِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ/ كُلُّ (مُوقِنٍ) (٧) بِالشَّرِيعَةِ أَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ فِيهَا ولا اختلاف، فمن توهم ذلك فيها فلم (ينعم) (٨) النَّظَرَ وَلَا أَعْطَى وَحْيَ اللَّهِ حَقَّهُ، وَلِذَلِكَ قال الله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ (٩) فَحَضَّهُمْ عَلَى التَّدَبُّرِ أَوَّلًا، ثُمَّ أَعْقَبَهُ: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾، فبين أنه لا اختلاف فيه، والتدبر يعين على تصديق ما أخبر به.\n_________\n(١) الشاطبي نقله عن ابن قتيبة بالمعنى، انظر: تأويل مشكل الحديث (ص١٣٦ - ١٣٧).\n(٢) أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي، أحد تلاميذ العز بن عبد السلام من أشهر علماء المالكية توفي سنة ٦٨٤هـ، انظر: الأعلام للزركلي (١ ٩٤).\n(٣) أخرجه البخاري (٢٨٦، ٢٨٨)، ومسلم (٣٠٥)، وأحمد في المسند (٦/ ٣٦، ٩١، ١٠٢)، وأبو داود (٢٢٢)، والنسائي (٢٥٥، ٢٥٦)، وابن ماجه (٥٨٤) وغيرهم.\n(٤) أخرجه أحمد في المسند (٦/ ٤٣، ١٠٢، ١٠٦)، وأبو داود (٢٢٨)، والترمذي (١١٨)، والنسائي في الكبرى (٩٠٥٢)، وابن ماجه (٥٨١)، وصححه الألباني في آداب الزفاف (ص٣٩)، وتكلم على المسألة ابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٣٩)، وابن القيم في حاشيته على سنن أبي داود (١/ ٢٦١)، وابن حجر في الفتح (١/ ٣٩٤) و(٣/ ٣٢).\n(٥) انظر تفصيل الخلاف في هذه المسألة في: فتح الباري لابن حجر (١ ٤٦٧ - ٤٧٠).\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"وإني رتبتها\".\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"موفق\".\n(٨) في (ت): \"يمعن\".\n(٩) سورة النساء: الآية (٨٢).","vol":"3","page":281},{"text":"/<span data-type=\"title\" id=toc-181>فصل</span>\nالنوع الثالث (١): (تحكيم العقل وتحسين الظن به، اعلم) (٢) أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِلْعُقُولِ فِي إِدْرَاكِهَا حَدًّا تَنْتَهِي إِلَيْهِ لَا تَتَعَدَّاهُ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا (سَبِيلًا) (٢) إِلَى الْإِدْرَاكِ فِي كُلِّ مَطْلُوبٍ، وَلَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَاسْتَوَتْ مَعَ الْبَارِي تَعَالَى فِي إِدْرَاكِ جَمِيعِ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَا يَكُونُ، إِذْ لَوْ كَانَ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ؟ فَمَعْلُومَاتُ اللَّهِ لَا تَتَنَاهَى، وَمَعْلُومَاتُ الْعَبْدِ مُتَنَاهِيَةٌ، وَالْمُتَنَاهِي لَا يُسَاوِي مَا لَا يَتَنَاهَى.\nوَقَدْ دَخَلَ فِي هَذِهِ الْكُلِّيَّةِ (ذَوَاتُ) (٣) الْأَشْيَاءِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، وَصِفَاتُهَا وَأَحْوَالُهَا وَأَفْعَالُهَا وَأَحْكَامُهَا جُمْلَةً وتفصيلًا، (وأيضًا) (٤) فَالشَّيْءُ الْوَاحِدُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَشْيَاءِ يَعْلَمُهُ الْبَارِي تَعَالَى عَلَى التَّمَامِ وَالْكَمَالِ، بِحَيْثُ لَا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ لَا فِي/ ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَحْوَالِهِ وَلَا فِي أَحْكَامِهِ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ فَإِنَّ عِلْمَهُ بِذَلِكَ الشيء قاصر ناقص، (تعلق بذاته) (٥) أو صفاته (أو أفعاله) (٦) أَوْ (أَحْوَالِهِ) (٧) أَوْ أَحْكَامِهِ، وَهُوَ فِي الْإِنْسَانِ (أَمْرٌ) (٨) مُشَاهَدٌ مَحْسُوسٌ لَا يَرْتَابُ فِيهِ عَاقِلٌ (تُخْرِجُهُ) (٩) التَّجْرِبَةُ إِذَا اعْتَبَرَهَا الْإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ.\n_________\n(١) النوع الثالث من أسباب الإحداث في الشريعة.\n(٢) ما بين القوسين زيادة من (ت) و(غ) و(ر).\n(٣) في (م): \"سبيل\".\n(٤) في (م): \"دول\".\n(٥) في (م): \"تعقل في ذاته\". وهو ساقط من (ت) و(خ) و(ط).\n(٦) في (م): \"تعلق\". وفي (خ) و(ط): \"تعقل\".\n(٧) ما بين القوسين زيادة من (م) و(ت).\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (ت).\n(٩) في (ت) بياض بمقدار كلمة.","vol":"3","page":282},{"text":"(وأيضًا) (١) فأنت ترى المعلومات/ عند (العقلاء) (٢) تَنْقَسِمُ (إِلَى) (٣) ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:\nقِسْمٌ ضَرُورِيٌّ: لَا يُمْكِنُ التَّشْكِيكُ فِيهِ، كَعِلْمِ/ الْإِنْسَانِ بِوُجُودِهِ، وَعِلْمِهِ بِأَنَّ الِاثْنَيْنِ أَكْثَرُ مِنَ الْوَاحِدِ، وَأَنَّ الضِّدَّيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ.\nوَقِسْمٌ: لَا يَعْلَمُهُ أَلْبَتَّةَ إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ بِهِ أَوْ يُجْعَلَ لَهُ طَرِيقٌ إِلَى الْعِلْمِ بِهِ، وَذَلِكَ كَعِلْمِ الْمُغَيَّبَاتِ عَنْهُ، كَانَتْ مِنْ قَبِيلِ مَا يُعْتَادُ عَلِمَ الْعَبْدُ بِهِ أَوْ لَا، كَعِلْمِهِ بِمَا تَحْتَ رِجْلَيْهِ/ (الآن مُغَيَّبٌ) (٤) عَنْهُ تَحْتَ/ الْأَرْضِ بِمِقْدَارِ شِبْرٍ، وَعِلْمِهِ بِالْبَلَدِ الْقَاصِي عَنْهُ الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ بِهِ عَهْدٌ، فَضْلًا عَنْ عِلْمِهِ بِمَا فِي السموات وَمَا فِي الْبِحَارِ وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَوِ النار على التفصيل، فعلمه بما لَمْ يُجْعَلْ لَهُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ غَيْرُ مُمْكِنٍ.\nوَقَسَمٌ نَظَرِيٌّ: يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِهِ وَيُمْكِنُ أَنْ لا يعلم (به) (٥) - وهي النظريات - وذلك الْمُمْكِنَاتُ الَّتِي تُعْلَمُ بِوَاسِطَةٍ لَا بِأَنْفُسِهَا، إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ بِهَا إِخْبَارًا.\nوَقَدْ زَعَمَ أَهْلُ العقول أن النظريات لا يمكن الاتفاق (عليها) (٦) عَادَةً لِاخْتِلَافِ الْقَرَائِحِ وَالْأَنْظَارِ، فَإِذَا/ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِيهَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ مُخْبِرٍ بِحَقِيقَتِهَا في أنفسها إن احتيج إليها، لأنها لَوْ لَمْ تَفْتَقِرْ إِلَى الْإِخْبَارِ لَمْ يَصِحَّ الْعِلْمُ بِهَا، لَأَنَّ الْمَعْلُومَاتِ لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَنْظَارِ، لِأَنِّهَا حَقَائِقُ فِي أَنْفُسِهَا، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِيهَا مُصِيبًا - كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي الْأُصُولِ - وَإِنَّمَا الْمُصِيبُ فِيهَا وَاحِدٌ، وَهُوَ لَا يَتَعَيَّنُ إِلَّا بِالدَّلِيلِ.\nوَقَدْ تَعَارَضَتِ الْأَدِلَّةُ فِي نَظَرِ النَّاظِرِ، فَنَحْنُ نَقْطَعُ بأن أحد الدليلين\n_________\n(١) ساقط من (غ) و(ر).\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"العلماء\".\n(٣) ساقط من (غ) و(ر).\n(٤) في (ط) و(خ): إلا أن مغيبه. وفي (غ) و(ر): لأن مغيبًا.\n(٥) ساقط من (غ) و(ر).\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فيها\".","vol":"3","page":283},{"text":"دليل حقيقة، والآخر شبهة، ولا (تعيين) (١)، فلا بد مِنْ إِخْبَارٍ بِالتَّعْيِينِ.\nوَلَا يُقَالُ: إِنَّ هَذَا قول الإمامية، لأنا نقول: بل هو (مما) (٢) يُلْزِمُ الْجَمِيعَ، فَإِنَّ الْقَوْلَ بِالْمَعْصُومِ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ يَفْتَقِرُ إِلَى دَلِيلٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الشَّارِعُ نَصًّا يَقْطَعُ الْعُذْرَ.\nفَالْقَوْلُ بِإِثْبَاتِهِ نَظَرِيٌّ، فَهُوَ مِمَّا وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ. فَكَيْفَ يَخْرُجُ عَنِ الْخِلَافِ بِأَمْرٍ فِيهِ خِلَافٌ؟ هَذَا لَا يُمْكِنُ (٣).\nفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا/ رَجَعْنَا إِلَى مَسْأَلَتِنَا فَنَقُولُ:/ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ من حيث تقع على أفعال المكلفين (ليست) (٤) مِنْ قَبِيلِ الضَّرُورِيَّاتِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا في بعض التفاصيل (فلتماسها) (٥).\n/وَنَرْجِعُ إِلَى مَا بَقِيَ مِنَ الْأَقْسَامِ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَقَرُّوا فِي الْجُمْلَةِ - أَعْنِي الْقَائِلِينَ بِالتَّشْرِيعِ الْعَقْلِيِّ - أَنَّ مِنْهُ نَظَرِيًّا، وَمِنْهُ مَا لَا يعلم (لا) (٦) بضرورة ولا بنظر، وهما القسمان الباقيان (فما لا يعلم أصلًا) (٧) إلا من جهة الإخبار، فلا بد فِيهِ مِنِ الْإِخْبَارِ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ فِيهِ. وَهَذَا إِذَا رَاعَيْنَا قَوْلَهُمْ وَسَاعَدْنَاهُمْ عَلَيْهِ، فَإِنَّا إِنْ لَمْ نَلْتَزِمْ ذَلِكَ عَلَى مَذَاهِبِ أهل السنة فعندنا أن لا (حكم للعقل) (٨) أَصْلًا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ قِسْمٌ لا حكم له وعندهم أنه لا بد من حكم، فلأجل ذلك نقول: لا بد من الافتقار إلى\n_________\n(١) في (ط) و(م) و(خ): يعين. وفي (غ) و(ر): \"نعين\".\n(٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) لا خلاف في عدم عصمة غير الأنبياء بين العقلاء من المسلمين، وإنما ادعى العصمة لغير الأنبياء بعض الفرق الغالية كالرافضة والصوفية، وهؤلاء لا عبرة بخلافهم.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (ت) و(ط) و(خ).\n(٥) في (م) و(غ) و(ر): فلنحاشِها؟؟ يظهر - والله تعالى أعلم - أن هنا سقط. وقد تكون الكلمة: \"فلالتباسها\".\n(٦) زيادة من (غ) و(ر).\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"مما لا يعلم له أصلًا\".\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"نحكم العقل\".","vol":"3","page":284},{"text":"الخبر، وحينئذ يكون العقل غير/ مستقل (بالتشريع) (١).\nفَإِنْ قَالُوا: بَلْ هُوَ مُسْتَقِلٌّ، لِأَنَّ مَا لم يقض فيه إما أَنْ يَقُولُوا فِيهِ بِالْوَقْفِ - كَمَا هُوَ مَذْهَبُ بَعْضِهِمْ - أَوْ بِأَنَّهُ عَلَى الْحَظْرِ أَوِ الْإِبَاحَةِ - كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ آخَرُونَ.\nفَإِنْ (قَالُوا) (٢) (بِالثَّانِي) (٣)، فَهُوَ مُسْتَقِلٌّ، وَإِنْ (قَالُوا) (٤) بِالْأَوَّلِ فَكَذَلِكَ أَيْضًا، لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ اسْتِقْلَالُهُ بِالْبَعْضِ فَافْتِقَارُهُ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ لَا يَدُلُّ عَلَى افْتِقَارِهِ مُطْلَقًا. قُلْنَا: بَلْ هُوَ مُفْتَقِرٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ: لِأَنَّ القائلين بالوقف (قد) (٥) اعْتَرَفُوا بِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ فِي الْبَعْضِ، وَإِذَا ثَبَتَ الِافْتِقَارُ فِي صُورَةٍ ثَبَتَ مُطْلَقًا إِذْ مَا وقف فيه العقل قد ثبتت فِيهِ ذَلِكَ، وَمَا لَمْ يَقِفْ فِيهِ فَإِنَّهُ نَظَرِيٌّ، فَيُرْجَعُ (إِلَى) (٦) مَا تَقَدَّمَ فِي النَّظَرِ، وقد مر أنه لا بد مِنْ حُكْمٍ وَلَا يُمْكِنُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الْإِخْبَارِ.\n(وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ الْوَقْفِ فَرَاجِعَةٌ (أَقْوَالُهُمْ) (٧) أيضًا إلى أن المسألة نظرية فلا بد مِنِ الْإِخْبَارِ) (٨)، وَذَلِكَ مَعْنَى كَوْنِ الْعَقْلِ لَا يَسْتَقِلُّ بِإِدْرَاكِ الْأَحْكَامِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَدِّقُ لِلْعَقْلِ أَوِ الْمُكَذِّبُ لَهُ.\n/فَإِنْ قَالُوا: فَقَدْ ثَبَتَ فيها قِسْمٌ ضَرُورِيٌّ فَيَثْبُتُ الِاسْتِقْلَالُ.\n/قُلْنَا: إِنْ سَاعَدْنَاكُمْ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يَضُرُّنَا فِي دَعْوَى الِافْتِقَارِ، لِأَنَّ الْأَخْبَارَ قَدْ تَأْتِي/ بِمَا يُدْرِكُهُ/ الْإِنْسَانُ بِعَقْلِهِ تَنْبِيهًا لِغَافِلٍ أَوْ إِرْشَادًا لِقَاصِرٍ، أَوْ إيقاظًا لمغمور بالعوائد يغفل عن كونه (مطلوبًا فضلًا عَنْ كَوْنِهِ) (٩) ضَرُورِيًّا، فَهُوَ إِذًا مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ، ولا بد للعقل من التنبيه من خارج، وهي\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"بالتفريع\".\n(٢) في (ت): \"قلنا\".\n(٣) ساقط من (خ).\n(٤) في (ت): \"قلنا\".\n(٥) زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) زيادة من (غ) و(ر).\n(٧) ما بين القوسين زيادة من مصحح (ط)، لا يستقيم المعنى إلا بها.\n(٨) ما بين () ساقط من (غ) و(ر).\n(٩) ما بين القوسين زيادة من (م) و(غ) و(ر).","vol":"3","page":285},{"text":"فَائِدَةُ بَعْثِ الرُّسُلِ، فَإِنَّكُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ حُسْنَ الصدق النافع والإيمان، وقبح الكذب (الضار) (١) وَالْكُفْرَانِ، مَعْلُومٌ ضَرُورَةً، وَقَدْ جَاءَ الشَّرْعُ بِمَدْحِ هَذَا وَذَمِّ ذَلِكَ، وَأَمَرَ بِهَذَا وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ.\n/فَلَوْ كَانَ الْعَقْلُ غَيْرَ مُفْتَقِرٍ إِلَى التنبيه لزم منه الْمُحَالُ وَهُوَ الْإِخْبَارُ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، لَكِنَّهُ أَتَى بِذَلِكَ فَدَلَّنَا عَلَى أَنَّهُ نَبَّهَ عَلَى أَمْرٍ يَفْتَقِرُ الْعَقْلُ إِلَى التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ. هَذَا وَجْهٌ.\nوَوَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ الْعَقْلَ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ قَاصِرُ الْإِدْرَاكِ فِي عِلْمِهِ، (فَمَا) (٢) ادَّعَى عِلْمَهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ (تِلْكَ) (٣) الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي زَعَمَ أَنَّهُ أَدْرَكَهَا، لِإِمْكَانِ أَنْ يُدْرِكَهَا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، وَعَلَى حَالٍ دُونَ حَالٍ، وَالْبُرْهَانُ عَلَى ذَلِكَ أَحْوَالُ أَهْلِ الْفَتَرَاتِ، فَإِنَّهُمْ وَضَعُوا أَحْكَامًا عَلَى الْعِبَادِ بِمُقْتَضَى السِّيَاسَاتِ لَا تَجِدُ فِيهَا أَصْلًا مُنْتَظِمًا (ولا) (٤) قاعدة مطردة (مع) (٥) الشَّرْعِ بَعْدَ مَا جَاءَ، بَلِ اسْتَحْسَنُوا أُمُورًا تَجِدُ الْعُقُولَ بَعْدَ/ تَنْوِيرِهَا بِالشَّرْعِ تُنْكِرُهَا، وَتَرْمِيهَا بِالْجَهْلِ وَالضَّلَالِ (وَالْبُهْتَانِ) (٦) وَالْحُمْقِ، مَعَ الِاعْتِرَافِ بِأَنَّهُمْ أَدْرَكُوا بِعُقُولِهِمْ أَشْيَاءَ قَدْ وَافَقَتْ وَجَاءَ الشَّرْعُ بِإِقْرَارِهَا وَتَصْحِيحِهَا، وَمَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ عُقُولٍ (وافرة) (٧)، وأنظار (صائبة) (٨)، وَتَدْبِيرَاتٍ لِدُنْيَاهُمْ غَامِضَةٍ، لَكِنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا لم يُصِيبُوا فِيهِ قَلِيلَةٌ، فَلِأَجْلِ هَذَا كُلِّهِ وَقَعَ الْإِعْذَارُ وَالْإِنْذَارُ، وَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ/ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، وَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ، وَالنِّعْمَةُ السَّابِغَةُ.\n/فَالْإِنْسَانُ - وَإِنْ زَعَمَ فِي الْأَمْرِ أَنَّهُ أَدْرَكَهُ وَقَتَلَهُ عِلْمًا - لَا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ إِلَّا وَقَدْ عَقَلَ فِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ عَقَلَ، وَأَدْرَكَ من علمه ما لم (يكن\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"أيضًا\".\n(٢) في (غ) و(ر): \"بما\".\n(٣) في (م) و(غ) و(ر): \"ذلك\".\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"على\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"وبالبهتان\".\n(٧) في (ط) و(خ): \"باهرة\".\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"صافية\".","vol":"3","page":286},{"text":"أَدْرَكَ) (١) قَبْلَ ذَلِكَ، كُلُّ أَحَدٍ يُشَاهِدُ (ذَلِكَ) (٢) مِنْ نَفْسِهِ عِيَانًا، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ عِنْدَهُ بمعلوم دون معلوم، ولا بذات دُونَ صِفَةٍ، وَلَا فِعْلٍ دُونَ حُكْمٍ، فَكَيْفَ يَصِحُّ دَعْوَى الِاسْتِقْلَالِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ - وَهِيَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عِلْمُ الْعَبْدِ، لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى دَعْوَى الِاسْتِقْلَالِ أَلْبَتَّةَ حَتَّى يَسْتَظْهِرَ فِي مَسْأَلَتِهِ بِالشَّرْعِ - إِنَّ كانت شرعية - لأن (أوضاع) (٣) الشارع (لا تخلّف) (٤) فِيهَا أَلْبَتَّةَ، وَلَا قُصُورَ وَلَا نَقْصَ، بَلْ مباديها موضوعة على وفق الغايات، وهي (معنى) (٥) الْحِكْمَةِ.\nوَوَجْهٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنَّ مَا نَدَّعِي علمه في الحياة (الدنيا) (٦) يَنْقَسِمُ كَمَا تَقَدَّمَ إِلَى الْبَدِيهِيِّ الضَّرُورِيِّ (٧) وَغَيْرِهِ (فالضروري قد عرفناه، بحيث لا يسعنا إنكاره، وغير الضروري لا يمكننا أن نعرفه) (٨) إِلَّا مِنْ طَرِيقٍ ضَرُورِيٍّ إِمَّا بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، إِذْ قَدِ اعْتَرَفَ الْجَمِيعُ أَنَّ العلوم/ المكتسبة لا بد في تحصيلها من توسط مُقَدِّمَتَيْنِ مُعْتَرَفٍ بِهِمَا (٩)، فَإِنْ كَانَتَا ضَرُورِيَّتَيْنِ فَذَاكَ، وإن كانتا مكتسبتين فلا بد فِي/ اكْتِسَابِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ،\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"يدركه\".\n(٢) ما بين القوسين زيادة من (غ) و(ر) ومن مصحح (ط).\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"أوصاف\".\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"تختلف\".\n(٥) في (ط) و(خ) و(ت): \"من\".\n(٦) زيادة من (غ) و(ر).\n(٧) قسم أهل المنطق العلم إلى قسمين: تصور وتصديق، وكل منهما ينقسم إلى بدهي ضروري، ونظري كسبي، وعرفوا التصور: بأنه الإدراك الخالي عن الحكم. والتصديق: بأنه الإدراك الذي معه حكم. والعلم البدهي الضروري: هو الحاصل بلا نظر ولا كسب. والعلم النظري الكسبي: هو ما يحتاج إلى نظر وكسب. انظر: آداب البحث والمناظرة للشنقيطي (١ ٨ - ٩) وتسهيل المنطق لعبد الكريم الأثري (ص٩).\n(٨) ما بين القوسين زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٩) قوله بضرورة توسط مقدمتين معترف بهما لحصول العلوم المكتسبة، هو من قول المناطقة، وهو قول مرجوح، وقد رد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية في كثير من كتبه، انظر - على سبيل المثال ـ: الرد على المنطقيين (ص١١٠ و١٦٧ و١٨٧ و١٩٣ و٢٥٠ و٣٣٩).","vol":"3","page":287},{"text":"وَيُنْظَرُ فِيهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتْ واحدة ضرورية (والأخرى) (١) مكتسبة فلا بد لِلْمُكْتَسَبَةِ مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ، فَإِنِ انْتَهَيْنَا إِلَى ضَرُورِيَّتَيْنِ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِلَّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ أَوِ الدَّوْرُ (٢)، وَكِلَاهُمَا مُحَالٌ، فَإِذًا لَا يُمْكِنُ أَنْ نَعْرِفَ غير الضروري إلا (بواسطة) (٣) الضروري.\nوحاصل (الأمر أنه) (٤) لا بد من (معرفتنا) (٥) بِمُقَدِّمَتَيْنِ حَصَلَتْ لَنَا كُلُّ وَاحِدَةٍ/ مِنْهُمَا مِمَّا عقلناه وعلمناه من مشاهدة بَاطِنَةٍ، كَالْأَلَمِ وَاللَّذَّةِ أَوْ بِدِيهِيٍّ لِلْعَقْلِ كَعِلْمِنَا بِوُجُودِنَا/ وَبِأَنَّ الِاثْنَيْنِ أَكْثَرُ مِنَ الْوَاحِدِ، وَبِأَنَّ الضِّدَّيْنِ/ لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ لَنَا مُعْتَادٌ فِي هَذِهِ الدَّارِ، فَإِنَّا لَمْ يَتَقَدَّمْ لَنَا عِلْمٌ إِلَّا بِمَا هو معتاد في هذه الدَّارِ، وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِمُعْتَادٍ فَقَبْلَ النُّبُوَّاتِ/ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَنَا بِهِ مَعْرِفَةٌ، فَلَوْ بَقِينَا (وذاك) (٦) لم (نحمل) (٧) مَا لَمْ نَعْرِفْ إِلَّا عَلَى مَا عَرَفْنَا، ولأنكرنا (دعوى) (٨) مَنِ ادَّعَى جَوَازَ قَلْبِ الشَّجَرِ حَيَوَانًا وَالْحَيَوَانِ حجرًا، (وأشباه) (٩) ذَلِكَ، لِأَنَّ الَّذِي نَعْرِفُهُ مِنَ الْمُعْتَادَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ خِلَافُ هَذِهِ الدَّعْوَى.\nفَلِمَا جَاءَتِ النُّبُوَّاتُ بِخَوَارِقِ الْعَادَاتِ أَنْكَرَهَا مَنْ أصرَّ عَلَى الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ وَاعْتَقَدَهَا سِحْرًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، كَقَلْبِ الْعَصَا ثُعْبَانًا، وَفَرْقِ الْبَحْرِ، وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ، وَنَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ الْيَدِ، وَتَكْلِيمِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، وَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ، إِلَى غَيْرِ ذلك مما (تبين) (١٠) به أن\n_________\n(١) في (ط): وأخرى.\n(٢) التسلسل: هو ترتب أمور على أمور غير متناهية: وأما الدور: فهو توقف الشيء على ما يتوقف عليه. انظر: التعريفات للجرجاني (ص٥٧ و١٠٥)، والفتاوى (٨ ٣٨٠ و١٥٣).\n(٣) ما بين القوسين زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٤) في (م) و(خ): الأمرين. وفي (غ) و(ر): \"الأمر أن\".\n(٥) في (ت) بياض بمقدار نصف سطر. وفي (ط) و(خ) و(م): \"معرفتهما\".\n(٦) في (ط) و(خ) و(ت): \"وذلك\".\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"نحل\".\n(٨) ما بين القوسين زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٩) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"وما أشبه\".\n(١٠) في (م): \"بين\".","vol":"3","page":288},{"text":"تِلْكَ الْعَوَائِدَ اللَّازِمَةَ فِي الْعَادَاتِ لَيْسَتْ بِعَقْلِيَّةٍ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ تَخَلُّفُهَا، بَلْ يُمْكِنُ أَنْ (تَتَخَلَّفَ) (١) كَمَا يَجُوزُ عَلَى كُلِّ مَخْلُوقٍ أَنْ يَصِيرَ مِنَ الْوُجُودِ إِلَى الْعَدَمِ، كَمَا خَرَجَ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ.\n(فَمَجَارِي) (٢) الْعَادَاتِ إِذًا يُمْكِنُ (عَقْلًا تَخَلُّفِهَا) (٣). إِذْ لَوْ كَانَ عَدَمُ التَّخَلُّفِ لَهَا عَقْلِيًّا لَمْ يُمْكِنْ أَنْ (تَتَخَلَّفَ) (٤) لَا لِنَبِيٍّ وَلَا لِغَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَدَّعِ أَحَدُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْجَمْعَ بين النقيضين، ولا تحدى أحد بكون (الواحد أكثر من اثنين) (٥)، مَعَ أَنَّ الْجَمِيعَ فَعْلُ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ/ وَإِذَا أَمْكَنَ فِي الْعَصَا وَالْبَحْرِ وَالْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ وَالْأَصَابِعِ وَالشَّجَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ أَمْكَنَ فِي جَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ، لِأَنَّ مَا وَجَبَ لِلشَّيْءِ وَجَبَ لِمِثْلِهِ.\nوَأَيْضًا فَقَدْ جاءنا الشرع بأوصاف (في) (٦) أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ خَارِجَةٍ عَنِ الْمُعْتَادِ الذي (عهدنا) (٧)، فَإِنَّ (كَوْنَ) (٨) / الْإِنْسَانِ فِي الْجَنَّةِ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ ثُمَّ لَا يَغُوطُ وَلَا يَبُولُ غَيْرُ مُعْتَادٍ، وَكَوْنَ عَرَقِهِ كَرَائِحَةِ الْمِسْكِ غَيْرُ/ مُعْتَادٍ وَكَوْنَ الْأَزْوَاجِ مُطَهَّرَةً مِنَ الْحَيْضِ مَعَ كَوْنِهِنَّ فِي حالة الصبا وسن من (تحيض) (٩) غَيْرُ مُعْتَادٍ، وَكَوْنَ الْإِنْسَانِ فِيهَا لَا/ يَنَامُ (أصلًا) (١٠) وَلَا يُصِيبُهُ جُوعٌ وَلَا عَطَشٌ وَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ أَبَدَ الدَّهْرِ غَيْرُ مُعْتَادٍ، وَكَوْنَ الثَّمَرِ فِيهَا إِذَا (قُطِفَ) (١١) أخلف في الحال (وتدانى) (١٢) إِلَى يَدِ الْقَاطِفِ إِذَا اشْتَهَاهُ غَيْرُ مُعْتَادٍ، وَكَوْنَ اللَّبَنِ وَالْخَمْرِ وَالْعَسَلِ فِيهَا أَنْهَارًا مِنْ غَيْرِ/ حُلَابٍ وَلَا عَصْرٍ وَلَا نَحْلٍ، وَكَوْنَ الخمر لا تسكر غير معتاد، وكون\n_________\n(١) في (م): \"يتخلف\".\n(٢) في (ط): \"فمبادي\".\n(٣) في (ت): \"تخلفها عقلًا\".\n(٤) في (م): \"يتخلف\".\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الاثنين أكثر من الواحد\".\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"من\".\n(٧) في (ط): \"عندنا\".\n(٨) في (غ) و(ر): \"كان\".\n(٩) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"يحيض\".\n(١٠) زيادة من (غ) و(ر).\n(١١) في (غ) و(ر): \"قطعت\".\n(١٢) في (ط) و(ت): \"ويتدانى\".","vol":"3","page":289},{"text":"ذلك كله بحيث لو استعمله دَائِمًا (لَا يَمْتَلِئُ وَلَا يُصِيبُهُ كِظَّةٌ) (١) وَلَا تخمة ولا يخرج من جسده لا في أذنه ولا (في) (٢) أَنْفِهِ وَلَا (أَرْفَاغِهِ) (٣) وَلَا سَائِرِ جَسَدِهِ أَوْسَاخٌ وَلَا أَقْذَارٌ (غَيْرُ مُعْتَادٍ) (٤)، وَكَوْنَ أَحَدٍ مِنْ (أَهْلِ الْجَنَّةِ) (٥) لَا يَهْرَمُ وَلَا يَشِيخُ وَلَا يموت ولا يمرض (غير) (٦) معتاد.\nكذلك إذا (نظرت) (٧) (إلى) (٨) أَهْلَ النَّارِ عِيَاذًا بِاللَّهِ وَجَدْتَ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرًا، كَكَوْنِ النَّارِ لَا تَأْتِي عَلَيْهِ حَتَّى يَمُوتَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا﴾ (٩)، وَسَائِرُ أَنْوَاعِ الْأَحْوَالِ الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا، كُلُّهَا خَارِقٌ لِلْعَادَةِ.\nفَهَذَانَ نَوْعَانِ شَاهِدَانِ لِتِلْكَ الْعَوَائِدِ وَأَشْبَاهِهَا (بِأَنَّهَا) (١٠) لَيْسَتْ بِعَقْلِيَّةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ وَضْعِيَّةٌ يُمْكِنُ تَخَلُّفُهَا، وَإِنَّمَا لَمْ نَحْتَجَّ بِالْكَرَامَاتِ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْمُعْتَزِلَةِ يُنْكِرُونَهَا رَأْسًا/ وَقَدْ أَقَرَّ بِهَا بعضهم (١١).\nوإن ملنا إلى (التقريب) (١٢)، فَلَوِ اعْتَبَرَ النَّاظِرُ فِي هَذَا الْعَالَمِ لَوَجَدَ لذلك نظائر جارية على (غير) (١٣) المعتاد.\nوَاسْمَعْ فِي ذَلِكَ أَثَرًا غَرِيبًا حَكَاهُ ابْنُ وهب من طريق إبراهيم بن نشيط (١٤)\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"لا يتملا ولا يصيبه كظمة\".\n(٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) الأرفاغ: المغابن من الآباط وأصول الفخذين والحوالب وغيرها من مطاوي الأعضاء، وما يجتمع فيه الوسخ والعرق. انظر مادة رفغ من لسان العرب.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (ت).\n(٥) في (م): أهل السنة بل الجنة.\n(٦) في (ط): ولا غير.\n(٧) في (م): \"نظر\".\n(٨) زيادة من (غ) و(ر).\n(٩) سورة طه: الآية (٧٤).\n(١٠) في (م): لأنها. وفي (غ) و(ر): (أنها).\n(١١) انظر مناقشة شيخ الإسلام ابن تيمية لهم في هذه المسألة في كتاب النبوات (ص ١٥٠ وما بعدها).\n(١٢) في (ط) و(خ) و(ت): \"التعريف\".\n(١٣) ما بين القوسين ساقط من (م) و(غ) و(ر).\n(١٤) هو إبراهيم بن نشيط بن يوسف الوعلاني أبو بكر المصري، وثقه أبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني وغيرهم، توفي سنة ١٦٣هـ. انظر: المنتظم (٨ ١٦٧)، وتهذيب التهذيب (١ ١٧٥).","vol":"3","page":290},{"text":"قَالَ: سَمِعْتُ شُعَيْبَ بْنَ أَبِي سَعِيدٍ (١) يُحَدِّثُ: أَنَّ رَاهِبًا كَانَ بِالشَّامِ مِنْ (عُلَمَائِهِمْ) (٢) وَكَانَ يَنْزِلُ مَرَّةً فِي السَّنَةِ فَتَجْتَمِعُ/ إِلَيْهِ الرُّهْبَانُ (لِيُعَلِّمَهُمْ) (٣) مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ دِينِهِمْ، فَأَتَاهُ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ (٤) فِيمَنْ جَاءَهُ، فقال له الراهب: أمن أهل هذه الملة أنت؟ يريد النصرانية، قال خالد: لا ولكني من أمة محمد، قال الرَّاهِبُ (٥): أَمِنْ عُلَمَائِهِمْ أَنْتَ؟\nقَالَ خَالِدٌ: إِنَّ فِيهِمْ لَمَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنِّي. قَالَ الرَّاهِبُ: أَلَيْسَ تَقُولُونَ: إِنَّكُمْ تَأْكُلُونَ فِي الْجَنَّةِ وَتَشْرَبُونَ ثُمَّ لَا يَخْرُجُ مِنْكُمْ أَذًى؟ قَالَ خَالِدٌ: بَلَى، قَالَ الرَّاهِبُ: أَفَلِهَذَا مَثَلٌ تَعْرِفُونَهُ فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ: نَعَمْ، الصَّبِيُّ يَأْكُلُ فِي بَطْنِ/ أُمِّهِ مِنْ طَعَامِهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ شَرَابِهَا ثُمَّ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ أَذًى، قَالَ الرَّاهِبُ لِخَالِدٍ: (أَلَيْسَ) (٦) تَقُولُ إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ؟ قَالَ خَالِدٌ: إِنَّ فِيهِمْ لَمَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنِّي، قَالَ: أَفَلَيْسَ تَقُولُونَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ فَوَاكِهَ تأكلون منها ولا ينقص منها شيء؟ قال خالد: بلى، قال: أَفَلِهَذَا مَثَلٌ فِي الدُّنْيَا تَعْرِفُونَهُ؟ قَالَ خَالِدٌ: نعم، الكتاب يكتب منه كل (أَحَدٌ) (٧) ثُمَّ لَا يَنْقُصُ مِنْهُ شَيْءٌ، قَالَ الرَّاهِبُ: (أَلَيْسَ) (٨) تَقُولُ:/ إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ؟ قَالَ خَالِدٌ: إِنَّ فِيهِمْ لَمَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنِّي،/ قَالَ خَالِدٌ: فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا مِنْ أُمَّةٍ بُسِطَ لَهَا فِي الْحَسَنَاتِ/ مَا لَمْ يُبْسَطْ لِأَحَدٍ. انْتَهَى الْمَقْصُودُ مِنَ الْخَبَرِ.\nوَهُوَ/ يُنَبِّهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْأَصْلَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَادٍ، لَهُ أَصْلٌ فِي الْمُعْتَادِ، وَهُوَ تنزل (للممكن) (٩) غير لازم، ولكنه مقرب\n_________\n(١) شعيب بن أبي سعيد أبو يونس، ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٤ ٢١٨)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤ ٣٤٧)، ولم يذكراه بجرح ولا تعديل وذكره ابن حبان في الثقات (٤ ٣٥٦).\n(٢) في (ط): \"أعمالهم\". وفي (م) و(خ): \"عمالهم\".\n(٣) في (م) و(غ) و(ر): \"يعلمهم\".\n(٤) هو خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي، كان موصوفًا بالعلم، وقول الشعر، أخرج له أبو داود، توفي سنة ٨٤، وقيل ٨٥هـ. انظر: السير (٤ ٣٨٢)، وتهذيب التهذيب (١ ١٩٤).\n(٥) ما بين () زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) في (غ) و(ر): \"ألست\".\n(٧) في (ط): \"شيء أحد\".\n(٨) في (غ) و(ر): \"أفليس\".\n(٩) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"للمنكر\".","vol":"3","page":291},{"text":"لفهم من قصر فهمه عن إدراك (هذه) (١) الْحَقَائِقِ الْوَاضِحَاتِ.\nفَعَلَى هَذَا يَصِحُّ قَضَاءُ الْعَقْلِ في (كل) (٢) عَادِيٍّ بِانْخِرَاقِهِ مَعَ أَنَّ كَوْنَ الْعَادِيِّ عَادِيًّا مُطَّرِدًا (غَيْرَ) (٣) صَحِيحٍ أَيْضًا، فَكُلُّ عَادِيٍّ يَفْرِضُ العقل فيه خرق العادة فليس للعقل (إنكاره) (٤)، إِذْ قَدْ ثَبَتَ فِي بَعْضِ الْأَنْوَاعِ الَّتِي اخْتُصَّ الْبَارِي بِاخْتِرَاعِهَا، وَالْعَقْلُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ خَلْقٍ وَخَلْقٍ، فَلَا يُمْكِنُ إِلَّا الْحُكْمُ بِذَلِكَ الْإِمْكَانِ عَلَى كُلِّ مَخْلُوقٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ الِاعْتِبَارِ: سُبْحَانَ مَنْ رَبَطَ الْأَسْبَابَ بِمُسَبَّبَاتِهَا وَخَرَقَ الْعَوَائِدَ لِيَتَفَطَّنَ الْعَارِفُونَ. تَنْبِيهًا عَلَى/ هَذَا الْمَعْنَى الْمُقَرَّرِ.\nفَهُوَ أَصْلٌ اقْتَضَى لِلْعَاقِلِ أَمْرَيْنِ:\nأَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يُجْعَلَ الْعَقْلُ حَاكِمًا بِإِطْلَاقٍ، وَقَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ حَاكِمٌ بِإِطْلَاقٍ وَهُوَ الشَّرْعُ، بَلِ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَدَّمَ مَا حَقُّهُ التَّقْدِيمُ - وَهُوَ الشَّرْعُ - وَيُؤَخِّرُ مَا حَقُّهُ (التَّأْخِيرُ) (٥) - وَهُوَ نَظَرُ الْعَقْلِ - لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَقْدِيمُ النَّاقِصِ (حَاكِمًا) (٦) عَلَى الْكَامِلِ، لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ، بَلْ ضِدُّ الْقَضِيَّةِ هُوَ الْمُوَافِقُ لِلْأَدِلَّةِ/ فَلَا مَعْدِلَ عَنْهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ (من قَالَ) (٧): اجْعَلِ الشَّرْعَ فِي يَمِينِكَ وَالْعَقْلَ فِي يَسَارِكَ، تَنْبِيهًا عَلَى تَقَدُّمِ الشَّرْعِ عَلَى الْعَقْلِ.\nوَالثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ فِي الشَّرْعِ أَخْبَارًا (تَقْتَضِي ظَاهِرًا) (٨) خَرْقَ الْعَادَةِ الْجَارِيَةِ الْمُعْتَادَةِ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ (الْإِنْكَارَ) (٩) بِإِطْلَاقٍ، بَلْ لَهُ سَعَةٌ فِي أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ (يُصَدِّقَ) (١٠) بِهِ عَلَى حَسَبِ مَا جَاءَ وَيَكِلُ عِلْمَهُ إِلَى عَالِمِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ\n_________\n(١) زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) ساقط من (غ) و(ر).\n(٤) في (ط) و(خ) و(ت): فيه إنكار. وفي (م): إنكار.\n(٥) في (غ) و(ر): \"أن يؤخر\".\n(٦) في (ط) و(غ) و(ر): \"حكما\".\n(٧) ما بين القوسين زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٨) في (غ) و(ر): \"يقتضي ظاهره\".\n(٩) في (غ) و(ر): \"بالإنكار\".\n(١٠) في (غ) و(ر): \"يقصد\".","vol":"3","page":292},{"text":"عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (١) يَعْنِي الْوَاضِحَ الْمُحْكَمَ، وَالْمُتَشَابِهَ الْمُجْمَلَ، إِذْ لَا يَلْزَمُهُ الْعِلْمُ بِهِ، وَلَوْ لَزِمَ الْعِلْمُ بِهِ (لَجُعِلَ) (٢) لَهُ طَرِيقٌ إِلَى مَعْرِفَتِهِ، وَإِلَّا كَانَ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ. وَإِمَّا أَنْ يَتَأَوَّلَهُ عَلَى مَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ مَعَ الْإِقْرَارِ بِمُقْتَضَى الظَّاهِرِ، لِأَنَّ إِنْكَارَهُ إِنْكَارٌ لِخَرْقِ الْعَادَةِ فِيهِ.\nوَعَلَى هَذَا السَّبِيلِ يَجْرِي حُكْمُ الصِّفَاتِ الَّتِي وَصَفَ الْبَارِي بِهَا نَفْسَهُ، لِأَنَّ مَنْ نَفَاهَا نَفَى شِبْهَ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، وَهَذَا مَنْفِيٌّ عند (الجميع) (٣)، فَبَقِيَ الْخِلَافُ/ فِي نَفْيِ (عَيْنِ) (٤) / الصِّفَةِ أَوْ إثباتها، (فالمثبت) (٥) أثبتها صفة عَلَى شَرْطِ (نَفْيِ) (٦) التَّشْبِيهِ، وَالْمُنْكِرُ لِأَنْ يَكُونَ ثَمَّ صِفَةٌ غَيْرُ شَبِيهَةٍ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ مُنْكِرٌ لِأَنْ يَثْبُتَ أَمْرٌ إِلَّا عَلَى وَفْقِ الْمُعْتَادِ.\nفَإِنْ قَالُوا: هَذَا لَازِمٌ فِيمَا تُنْكِرُهُ الْعُقُولُ بَدِيهَةً، كَقَوْلِهِ: (رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتَكْرَهُوا عَلَيْهِ) (٧) فَإِنَّ الْجَمِيعَ أَنْكَرُوا ظَاهِرَهُ، إذ العقل/ (والمحسوس) (٨) يَشْهَدَانِ بِأَنَّهَا غَيْرُ مَرْفُوعَةٍ، وَأَنْتَ تَقُولُ: اعْتَقَدُوا أَنَّهَا مَرْفُوعَةٌ، وَتَأَوَّلُوا الْكَلَامَ.\n/قِيلَ: لَمْ نَعْنِ مَا هُوَ (مُنْكَرٌ بِبَدَاهَةِ) (٩) الْعُقُولِ، وَإِنَّمَا عَنَيْنَا ما للنظر\n_________\n(١) سورة آل عمران: الآية (٧).\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (م).\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ): \"الجمهور\".\n(٤) في (م) و(غ) و(ر): \"غير\".\n(٥) في (م): \"فالمثال\". وفي (غ) و(ر): فالمتأول.\n(٦) في (م): \"يعني\".\n(٧) قال الألباني في إرواء الغليل: صحيح ... والمشهور في كتب الفقه بلفظ: \": (رفع عن أمتي ...) ولكنه منكر ... والمعروف ما أخرجه ابن ماجه (١ ٦٣٠)، من طريق الوليد بن مسلم ... عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: (إن الله وضع عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتَكْرَهُوا عَلَيْهِ) ... إلخ. انظر: الإرواء (١ ١٢٣) برقم (٨٢) ففيه تفصيل مطول للحديث.\n(٨) هكذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: (والحس) نبه عليه رشيد رضا، والله تعالى أعلم.\n(٩) في (م): من بدائه، وفي (غ) و(ر): بدائه.","vol":"3","page":293},{"text":"فِيهِ شَكٌّ وَارْتِيَابٌ/، كَمَا نَقُولُ: إِنَّ الصِّرَاطَ ثَابِتٌ، وَالْجَوَازَ عَلَيْهِ قَدْ أَخْبَرَ الشَّارِعُ بِهِ، فنحن نصدق به لأنه وإن كان (حدّ) (١) السَّيْفِ وَشِبْهِهِ لَا يُمْكِنُ اسْتِقْرَارُ الْإِنْسَانِ فَوْقَهُ عادة فكيف يمشي عليه؟ فالعادة قد (تنخرق) (٢) حَتَّى يُمْكِنَ الْمَشْيُ وَالِاسْتِقْرَارُ،/ (وَالَّذِينَ) (٣) يُنْكِرُونَهُ (٤) يَقِفُونَ مَعَ الْعَوَائِدِ وَيُنْكِرُونَ أَصْلَ الصِّرَاطِ وَلَا يَلْتَفِتُونَ إلى إمكان انخراق العوائد، (فيردون ما جاء فيه أو يتأولونه حتى لا يثبتوا معنى الصراط أصلًا فإن أصروا على هذا ظهر التدافع في قولهم في إجازة انْخِرَاقِ الْعَوَائِدِ) (٥)، فَإِنْ فَرَّقُوا صَارَ ذَلِكَ تَحَكُّمًا، لِأَنَّهُ تَرْجِيحٌ فِي أَحَدِ الْمَثَلَيْنِ دُونَ الْآخَرِ من غير مرجح عقلي، وقد صادمهم النَّقْلُ، فَالْحَقُّ الْإِقْرَارُ دُونَ الْإِنْكَارِ.\n(وَلْنَشْرَحْ) (٦) هَذَا الْمَطْلَبَ بِأَمْثِلَةٍ عَشْرَةٍ:\nأَحَدُهَا: مَسْأَلَةُ الصِّرَاطِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ.\nوَالثَّانِي: مَسْأَلَةُ الْمِيزَانِ (٧)، إِذْ يُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ مِيزَانًا صَحِيحًا عَلَى مَا يَلِيقُ بِالدَّارِ الْآخِرَةِ، وَتُوزَنُ فِيهِ الْأَعْمَالُ عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ عَادِيٍّ، نَعَمْ يُقِرُّ الْعَقْلُ بِأَنَّ أَنْفُسَ الْأَعْرَاضِ - وَهِيَ الْأَعْمَالُ - لَا تُوزَنُ وَزْنَ الْمَوْزُونَاتِ عِنْدَنَا فِي\n_________\n(١) في (ط) و(خ) و(ت): \"كحد\".\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"تخرق\".\n(٣) في (م): \"والذي\".\n(٤) الذين أنكروا كون الصراط أحدّ من السيف وأدق من الشعر: القاضي عبد الجبار المعتزلي، انظر: شرح الأصول الخمسة (٧٣٧).\n(٥) ما بين () زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) في (غ) و(ر): \"ولنرشح\".\n(٧) المنكرون للميزان هم جمهور المعتزلة، وخالفهم القاضي عبد الجبار حيث أثبت الميزان، وأنه حقيقي توزن به الأعمال كما في شرح الأصول الخمسة (٧٣٥)، والذي عليه أهل السنة أن الميزان له كفتان حسيَّتان مشاهدتان، وأن الإنسان يوزن مع عمله، وأن الأعمال توزن في الميزان، خلافًا لما ذكر المؤلف، انظر تفصيل هذه المسألة في: مقالات الإسلاميين (٢ ١٦٤)، وفتح الباري (١٣ ٥٤٧ ـ٥٤٩)، وشرح الطحاوية (ص٤٠٩ - ٤١٣)، ولوامع الأنوار (٢ ١٨٤ ـ١٨٩)، وشرح نونية ابن القيم لابن عيسى (٢ ٥٩٣)، ولمعة الاعتقاد ص٢٦، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١ ١٧٧).","vol":"3","page":294},{"text":"الْعَادَاتِ وَهِيَ الْأَجْسَامُ، وَلَمْ يَأْتِ فِي النَّقْلِ مَا يُعَيِّنَ أَنَّهُ كَمِيزَانِنَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، أو أنه (عبارة عن العدل) (١) أو (أن) (٢) أَنْفُسُ الْأَعْمَالِ تُوزَنُ (بِعَيْنِهَا) (٣)، فَالْأَخْلَقُ الْحَمْلُ إِمَّا عَلَى التَّسْلِيمِ - وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الصَّحَابَةِ ﵃، إِذْ لَمْ يَثْبُتُ عَنْهُمْ إِلَّا مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ عَنْ نَفْسِ الْمِيزَانِ أو (كيفيته أَوْ) (٤) كَيْفِيَّةِ الْوَزْنِ، كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عنهم في الصراط/ إلا (مثل) (٥) مَا ثَبَتَ عَنْهُمْ فِي الْمِيزَانِ، فَعَلَيْكَ بِهِ فَهُوَ مَذْهَبُ الصَّحَابَةِ ﵃، فَإِنْ قِيلَ: فَالتَّأْوِيلُ إِذًا خَارِجٌ عَنْ طَرِيقَتِهِمْ، فَأَصْحَابُ التَّأْوِيلِ عَلَى هَذَا مِنَ الْفِرَقِ (الْخَارِجَةِ) (٦)؟ قِيلَ: لَا، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي ذَلِكَ التَّصْدِيقِ بِمَا جاء (ثم) (٧) التسليم محضًا/ أو مع التأويل، (فيكون التأويل من التوابع والذي جرى عليه الصحابة من الوجهين التسليم وهو الأولى إذ هم أحق بالصواب، والتأويل) (٨) (نَظَرٌ) (٩) لَا يَبْعُدُ، إِذْ قَدْ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي بَعْضِ/ الْمَوَاضِعِ، بِخِلَافِ مَنْ جَعَلَ أَصْلَهُ فِي تِلْكَ الْأُمُورِ التَّكْذِيبَ/ بِهَا، فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لهم، (سلك) (١٠) في الأحاديث مسلك التأويل (أو لا، فَالتَّأْوِيلُ) (١١) أَوْ عَدَمُهُ لَا أَثَرَ لَهُ لِأَنَّهُ تابع على كلتا الطريقتين، (لكن) (١٢) التَّسْلِيمَ أَسْلَمُ.\nوَالثَّالِثُ: مَسْأَلَةُ عَذَابِ الْقَبْرِ (١٣)، وَهِيَ أسهل، ولا بعد ولا نكير في\n_________\n(١) في (م): \"اعتباره عن النقل\". وفي (خ): \"عبارة عن النقل\"، وفي (ت) و(ط): \"عبارة عن الثقل\".\n(٢) ما بين القوسين زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٣) في (غ) و(ر): \"به بعينه\".\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) في (ط): \"الخارج\".\n(٧) زيادة من (غ) و(ر).\n(٨) ما بين () زيادة من (غ) و(ر).\n(٩) في (ت): \"بنظر\".\n(١٠) في (ط) و(خ): لسلك.\n(١١) ما بين القوسين ساقط من (خ) و(ط).\n(١٢) في (غ) و(ر): \"إلا أن\".\n(١٣) يقول ابن حزم في الفصل (٤ ١١٧): ذهب ضرار بن عمرو الغطفاني أحد شيوخ المعتزلة إلى إنكار عذاب القبر، وهو قول من لقينا من الخوارج.\nوانظر تفصيل مسألة نعيم القبر وعذابه، وهل يقع على الجسد والروح معًا، وغير ذلك في: الروح لابن القيم (ص٧٥ وما بعدها)، ولوامع الأنوار (٢ ٢٣ - ٢٦)، ومقالات الإسلاميين (٢ ١١٦).","vol":"3","page":295},{"text":"كَوْنِ الْمَيِّتِ يُعَذَّبُ بِرَدِّ الرُّوحِ إِلَيْهِ عَارِيَةً، ثُمَّ تَعْذِيبُهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْدِرُ الْبَشَرُ عَلَى رُؤْيَتِهِ (كَذَلِكَ) (١) وَلَا سَمَاعِهِ، فَنَحْنُ نَرَى الْمَيِّتَ يُعَالِجُ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَيُخْبِرُ بِآلَامٍ لَا مَزِيدَ عَلَيْهَا، وَلَا نَرَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ أَثَرًا، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْأَمْرَاضِ الْمُؤْلِمَةِ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ (فما) (٢) نَحْنُ فِيهِ مِثْلُهَا، فَلِمَاذَا يُجْعَلُ اسْتِبْعَادُ الْعَقْلِ صادًّا في وجه التصديق بأقوال الرسول ﷺ؟.\n/وَالرَّابِعُ: مَسْأَلَةُ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ/ لِلْمَيِّتِ وَإِقْعَادِهِ فِي قَبْرِهِ (٣)، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يشكل إذا حكمنا (العقل) (٤) الْمُعْتَادَ فِي الدُّنْيَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ تَحْكِيمَهُ بِإِطْلَاقٍ غَيْرُ صَحِيحٍ لِقُصُورِهِ، وَإِمْكَانِ خَرْقِ الْعَوَائِدِ، إما (بفسح) (٥) الْقَبْرِ حَتَّى يُمْكِنَ إِقْعَادُهُ، أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تُحِيطُ بِمَعْرِفَتِهَا الْعُقُولُ.\nوَالْخَامِسُ: مَسْأَلَةُ تَطَايُرِ الصُّحُفِ وَقِرَاءَةِ مَنْ لَمْ يَقْرَأْ قَطُّ، وَقِرَاءَتِهِ إِيَّاهُ وَهُوَ خَلْفَ (ظَهْرِهِ) (٦)، كُلُّ ذَلِكَ يُمْكِنُ فِيهِ خَرْقُ الْعَوَائِدِ فَيَتَصَوَّرُهُ الْعَقْلُ عَلَى وَجْهٍ مِنْهَا.\nوَالسَّادِسُ: (مَسْأَلَةُ) (٧) إِنْطَاقِ الْجَوَارِحِ (٨) شَاهِدَةً عَلَى صَاحِبِهَا لَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَحْجَارِ وَالْأَشْجَارِ الَّتِي شَهِدَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالرِّسَالَةِ.\nوَالسَّابِعُ: رُؤْيَةُ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ جَائِزَةٌ (٩)، إِذْ لَا دَلِيلَ في العقل يدل\n_________\n(١) في (ط) و(ت): \"لذلك\".\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"مما\".\n(٣) سؤال الملكين للميت في القبر وإقعاده فصَّلها ابن أبي العز في شرح الطحاوية (ص٣٨٩ - ٣٩٦)، والسفاريني في لوامع الأنوار (٢ ٤ - ١٦).\n(٤) زيادة من (ت).\n(٥) في سائر النسخ: \"بفتح\" والتصحيح من هامش (ت).\n(٦) في (م): \"ظاهره\".\n(٧) ساقط من (غ) و(ر).\n(٨) انظر: تفسير ابن كثير (٤ ٩٦)، عند تفسير سورة فصلت الآية (٢١)، وفتح القدير للشوكاني (٤ ٥١٠).\n(٩) ذهبت المعتزلة والجهمية ومن تبعهم من الخوارج والإمامية وبعض الزيدية وبعض المرجئة إلى نفي رؤية الله تعالى عيانًا في الدنيا والآخرة، ومذهب الأشاعرة ومن تبعهم أن الله تعالى يرى في الآخرة في غير جهة. انظر تفصيل المسألة في كتاب: رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها، للدكتور أحمد آل حمد.","vol":"3","page":296},{"text":"عَلَى أَنَّهُ لَا رُؤْيَةَ إِلَّا عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ عِنْدَنَا، إِذْ يُمْكِنُ أَنْ تَصِحَّ الرُّؤْيَةُ عَلَى أَوْجُهٍ صَحِيحَةٍ لَيْسَ فِيهَا اتِّصَالُ أَشِعَّةٍ ولا مقابلة ولا تصور جهة ولا (فصل) (١) جِسْمٍ/ شَفَّافٍ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ (٢)، وَالْعَقْلُ لَا يَجْزِمُ بِامْتِنَاعِ ذَلِكَ بَدِيهَةً، وَهُوَ إِلَى الْقُصُورِ فِي النَّظَرِ أَمْيَلُ، وَالشَّرْعُ قَدْ جَاءَ بِإِثْبَاتِهَا فَلَا مَعْدِلَ عَنِ التَّصْدِيقِ.\nوَالثَّامِنُ: كَلَامُ الْبَارِي تَعَالَى إِنَّمَا نَفَاهُ مَنْ/ نَفَاهُ وُقُوفًا مَعَ الكلام (المعتاد) (٣) الْمُلَازِمِ لِلصَّوْتِ وَالْحَرْفِ، وَهُوَ فِي حَقِّ الْبَارِي مُحَالٌ (٤)، وَلَمْ (يَقِفْ) (٥) مَعَ إِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ تَعَالَى خَارِجًا عَنْ مُشَابَهَةِ الْمُعْتَادِ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ/ لَائِقٍ بِالرَّبِّ، إِذْ لَا يَنْحَصِرُ الْكَلَامُ فِيهِ عَقْلًا، وَلَا يَجْزِمُ الْعَقْلُ بِأَنَّ الْكَلَامَ إِذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ مُحَالٌ، فَكَانَ مِنْ حَقِّهِ الْوُقُوفُ مَعَ ظَاهِرِ الْأَخْبَارِ مُجَرَّدًا.\nوَالتَّاسِعُ: / إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ كَالْكَلَامِ، إِنَّمَا نَفَاهُ (مَنْ نَفَاهُ) (٦) لِلُزُومِ التَّرْكِيبِ (٧) عِنْدَهُ فِي ذَاتِ الْبَارِي تَعَالَى عَلَى الْقَوْلِ بِإِثْبَاتِهَا فَلَا يمكن أن\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فضل\".\n(٢) هذه اللوازم التي نفاها هنا الشاطبي في رؤية الله تعالى، هي من اللوازم التي ذكرها بعض المتكلمين، وهي مما استدلوا به على نفي الرؤية، وتأويلها بمعان أخرى، ويظهر هنا ميل الشاطبي إلى رأي الأشاعرة في إثبات الرؤية. انظر تفصيل المسألة في المصدر السابق (ص١٦ وما بعدها).\n(٣) زيادة من (غ) و(ر).\n(٤) مذهب أهل السنة أن الله تعالى يتكلم على الحقيقة، وكلامه بحرف وصوت، وأنه ﷾ يتكلم كيف شاء متى شاء إذا شاء. والخلاف في مسألة الكلام من المسائل التي كثر الخلاف فيها، وتفصيل المسألة مبسوط في الفتاوى الجزء ١٢، وانظر كذلك العقيدة السلفية في كلام رب البرية، لعبد الله الجديع.\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"يقل\"،\n(٦) ساقط من (غ) و(ر).\n(٧) القائلون بأن إثبات الصفات يستلزم التركيب هم المعتزلة وبعض الفلاسفة، وقد فصل شيخ الإسلام الرد عليهم في هذه المسألة في كثير من كتبه، وخاصة في نقض أساس التقديس (١ ٦٠٥ - ٦٠٦) وفي درء تعارض العقل والنقل (١ ٢٨٠ - ٢٨١) (٣ ١٥ - ١٧ و٣٨٩ - ٣٩٠ و٣٩٥ - ٤٠٧ و٤١٩ - ٤٣٨) و(٤ ١٤٨ - ١٤٩ و١٨٣ - ١٨٨=","vol":"3","page":297},{"text":"يَكُونَ وَاحِدًا مَعَ إِثْبَاتِهَا، وَهَذَا قَطْعٌ مِنَ الْعَقْلِ الَّذِي ثَبَتَ (قُصُورُ) (١) إِدْرَاكِهِ (فِي الْمَخْلُوقَاتِ، فكيف لا يثبت/ قصوره في (إدراك) (٢» (٣) (ما ادعى) (٤) مِنَ التَّرْكِيبِ (بِالنِّسْبَةِ) (٥) إِلَى صِفَاتِ الْبَارِي؟ فَكَانَ مِنَ الصَّوَابِ فِي حَقِّهِ أَنْ يُثْبِتَ مِنَ الصِّفَاتِ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ، وَيُقِرُّ مَعَ ذَلِكَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ لَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ.\nوَالْعَاشِرُ: تَحْكِيمُ الْعَقْلِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، بِحَيْثُ يَقُولُ: يجب عليه بعثة الرسل، ويجب عليه (رعاية) (٦) الصَّلَاحُ وَالْأَصْلَحُ (٧)، وَيَجِبُ عَلَيْهِ اللُّطْفُ (٨)، وَيَجِبُ عَلَيْهِ كذا (٩)، إلى آخر ما ينطق به (اللسان) (١٠) فِي تِلْكَ الْأَشْيَاءِ، وَهَذَا إِنَّمَا نَشَأَ مِنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ، وَهُوَ الِاعْتِيَادُ فِي الْإِيجَابِ عَلَى الْعِبَادِ، وَمَنْ أَجَلَّ الْبَارِي وعظَّمَهُ لَمْ (يَجْتَرِئْ) (١١) عَلَى إِطْلَاقِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَلَا أَلَمَّ بِمَعْنَاهَا فِي حَقِّهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْمُعْتَادَ إِنَّمَا حَسَنٌ فِي الْمَخْلُوقِ مِنْ حَيْثُ هُوَ عَبْدٌ مقصور مَحْصُورٌ مَمْنُوعٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى مَا يَمْنَعُهُ شَيْءٌ، وَلَا يُعَارِضُ أَحْكَامَهُ حُكْمٌ، فَالْوَاجِبُ الْوُقُوفُ مَعَ قوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ﴾ / ي ً ٌ ٍ َ ُ ﴿الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ\n_________\n=و١٤٩ - ٢٣٤ و٢٤٥ - ٢٧٣) و(٥ ١٤٠ - ١٤٧ و٢٤٦ - ٢٤٧) و(٧ ١٤١ - ١٤٤ و٢٢٥ - ٢٣٠) و(١٠ ٢٥١ - ٢٥٤ و٣٠٠ - ٣١٣).\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"قصور في\".\n(٢) في (ط) و(خ) و(م): إدراكها.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (ت).\n(٤) في (ت): ادعى ما ادعى. وفي (م): ادعى وفي (ت) و(خ): \"إذا ادعى\".\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"بالرب بالنسبة\".\n(٦) زيادة من (غ) و(ر).\n(٧) تقدم الكلام على هذه المسألة (ص١٥١).\n(٨) اللطف عن المتكلمين: هو أن يختار المرء الواجب ويتجنب القبيح، ويسمى توفيقًا وعصمة، وذهب بشر بن المعتمر ومن تبعه إلى أن اللطف غير واجب على الله تعالى، وذهب فريق آخر إلى إيجاب اللطف على الله تعالى. انظر تفصيل المسألة في: مذاهب الإسلاميين لبدوي، وأحال على شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (٥٢٠)، ومقالات الإسلاميين (١ ٢٨٧).\n(٩) المعتزلة هم القائلون بإيجاب بعض الأمور على الله، انظر ما تقدم ذكره عنهم (٣/ ١٥١).\n(١٠) زيادة من (غ) و(ر).\n(١١) في (غ) و(ر): \"يجسر\".","vol":"3","page":298},{"text":"فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (٢)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ (٣)، ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ (٤)، ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ *فَعَّالٌ/ لِمَا يُرِيدُ﴾ (٥).\n(فالحاصل) (٦) من هذه القضية أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْعَقْلِ أَنْ يَتَقَدَّمَ بَيْنَ يدي الشرع، فإنه من (التقديم) (٧) بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، بَلْ يَكُونُ مُلَبِّيًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ.\nثُمَّ نَقُولُ: إِنَّ هَذَا هو (مذهب الصحابة) (٨) ﵃ وَعَلَيْهِ دَأَبُوا، وَإِيَّاهُ اتَّخَذُوا طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ فَوَصَلُوا، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ سَيْرِهِمْ أَشْيَاءُ:\nمِنْهَا: أَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ أَقَرُّوا وَأَذْعَنُوا لِكَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ رَسُولِهِ ﷺ، ولم يصادموه (بمعقول) (٩) وَلَا عَارَضُوهُ بِإِشْكَالٍ، وَلَوْ/ كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَنُقِلَ إِلَيْنَا كَمَا نُقِلَ إِلَيْنَا سَائِرُ سِيَرِهِمْ وَمَا جَرَى بَيْنَهُمْ مِنَ الْقَضَايَا وَالْمُنَاظَرَاتِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَلَمَّا لَمْ يُنْقَلْ إِلَيْنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ/ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ آمَنُوا (به) (١٠) (وأمرّوه) (١١)، كَمَا جَاءَ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ وَلَا نَظَرٍ.\nكان مالك بن أنس ﵀ يَقُولُ: الْكَلَامُ فِي الدِّينِ أَكْرَهُهُ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ بَلَدِنَا يَكْرَهُونَهُ وَيَنْهَوْنَ عَنْهُ، نَحْوَ الْكَلَامِ فِي رَأْيٍ جَهْمٍ وَالْقَدَرِ، وَكُلِّ مَا/ أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلَا أُحِبُّ الْكَلَامَ إِلَّا فِيمَا تَحْتَهُ عَمَلٌ، فَأَمَّا الْكَلَامُ فِي الدِّينِ وَفِي اللَّهِ ﷿ فالسكوت أحب إلي (منه) (١٢)، لأني رأيت أهل بلدنا\n_________\n(١) سورة الأنعام: الآية (١٤٩).\n(٢) سورة آل عمران: الآية (٤٠).\n(٣) سورة المائدة: الآية (١).\n(٤) سورة الرعد: الآية (٤١).\n(٥) سورة البروج: الآية (١٥ - ١٦).\n(٦) في (ت): \"والحاصل\".\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"التقدم\".\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"المذهب للصحابة\".\n(٩) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٠) ساقط من (غ) و(ر).\n(١١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"وأقرّوه\".\n(١٢) زيادة من (غ) و(ر).","vol":"3","page":299},{"text":"يَنْهَوْنَ عَنِ الْكَلَامِ فِي الدِّينِ إِلَّا فِيمَا تَحْتَهُ عَمَلٌ (١).\nقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَدْ بَيَّنَ مَالِكٌ ﵀ أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا تحته عمل هو المباح عِنْدَهُ، وَعِنْدَ أَهْلِ بَلَدِهِ - يَعْنِي الْعُلَمَاءَ مِنْهُمْ ـ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الدِّينِ نَحْوَ الْقَوْلِ في صفات الله وأسمائه، وضرب مثلًا (فقال) (٢) نَحْوَ رَأْيِ جَهْمٍ وَالْقَدَرِ، قَالَ: وَالَّذِي قَالَهُ مالك عليه جماعة الفقهاء (والعلماء) (٣) قَدِيمًا وَحَدِيثًا مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفَتْوَى، وَإِنَّمَا خالف في ذلك أهل البدع، (قال) (٤): وَأَمَّا/ الْجَمَاعَةُ فَعَلَى مَا قَالَ مَالِكٌ ﵀، إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ أَحَدٌ إِلَى الْكَلَامِ، فلا يسعه السكوت إذا طمع في رد الباطل وصرف صاحبه عن مذهبه، (أو خشي ضلال) (٥) عَامَّةً، أَوْ نَحْوَ هَذَا (٦).\nوَقَالَ يُونُسُ بْنُ (عَبْدِ الْأَعْلَى) (٧): سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَوْمَ نَاظَرَهُ/ حَفْصٌ الْفَرْدُ (٨) قَالَ لِي: يَا أَبَا مُوسَى، لِأَنْ يَلْقَى اللَّهَ الْعَبْدُ بِكُلِّ ذَنْبٍ مَا خَلَا الشِّرْكَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَلْقَاهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ، لَقَدْ سَمِعْتُ مِنْ حَفْصٍ كَلَامًا لَا أَقْدِرُ أَنْ أَحْكِيَهُ (٩).\n/وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا يُفْلِحُ صَاحِبُ الْكَلَامِ أَبَدًا، وَلَا تَكَادُ ترى أحدًا نظر في (الكلام) (١٠) إلا وفي قلبه دغل (١١).\n_________\n(١) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٧٨٦)، واللالكائي (٣٠٩)\n(٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) زيادة من (غ) و(ر).\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) في (ط): \"وخشي ضلالة\".\n(٦) انظر كلامه في: جامع بيان العلم (٢/ ٩٣٨).\n(٧) في (م) و(ت): عبد الله. وهو يونس بن عبد الأعلى بن ميسرة أبو موسى المصري، ولد سنة ١٧٠هـ، وكان من كبار العلماء في زمانه، وثقه النسائي وابن أبي حاتم، توفي ٢٦٤هـ. انظر: الجرح والتعديل (٩ ٢٤٣)، والسير (١٢ ٣٤٨).\n(٨) قال ابن حجر: حفص الفرد، مبتدع، قال النسائي: صاحب كلام، لا يكتب حديثه، وكفره الشافعي في مناظرته. انظر: لسان الميزان (١ ٣٣٠ - ٣٣١).\n(٩) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٧٨٨).\n(١٠) في (م) وأصل (ط) و(خ) و(ت): \"المسائل\".\n(١١) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٧٩٦).","vol":"3","page":300},{"text":"وقال: عن الحسن بن زياد اللؤلؤي (١)، قال لَهُ رَجُلٌ فِي زُفَرَ بْنِ الْهُذَيْلِ (٢): أَكَانَ يَنْظُرُ فِي الْكَلَامِ؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَحْمَقَكَ، مَا أَدْرَكْتُ مَشْيَخَتَنَا زُفَرَ وَأَبَا يُوسُفَ وَأَبَا حَنِيفَةَ وَمَنْ جَالَسْنَا وَأَخَذْنَا (عَنْهُمْ هَمَّهُمْ) (٣) غَيْرُ الْفِقْهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِمَنْ تَقَدَّمَهُمْ (٤).\nوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالْآثَارِ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ أَنَّ أَهْلَ الْكَلَامِ أَهْلُ بِدَعٍ وزيغ، ولا يعدون عند الجميع (في (جميع الأمصار» (٥) في طَبَقَاتِ الْعُلَمَاءِ (وَإِنَّمَا) (٦) الْعُلَمَاءُ، أَهْلُ الْأَثَرِ وَالتَّفَقُّهِ فيه ويتفاضلون فيه بالإتقان/ وَالْمَيْزِ وَالْفَهْمِ (٧).\nوَعَنْ أَبِي الزِّنَادِ (٨) أَنَّهُ قَالَ: وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كُنَّا (لَنَلْتَقِطُ) (٩) السُّنَنَ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ (وَالثِّقَةِ، وَنَتَعَلَّمُهَا شَبِيهًا بِتَعَلُّمِنَا آيَ الْقُرْآنِ، (وَمَا بَرِحَ) (١٠) مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ) (١١)، وَالْفَضْلِ مِنْ (خِيَارِ/ أَوَّلِيَّةِ) (١٢) النَّاسِ، يَعِيبُونَ أَهْلَ الْجَدَلِ وَالتَّنْقِيبِ وَالْأَخْذِ بِالرَّأْيِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ لِقَائِهِمْ وَمُجَالَسَتِهِمْ، وَيُحَذِّرُونَنَا مُقَارَبَتَهُمْ أَشَدَّ التَّحْذِيرِ، وَيُخْبِرُونَ أَنَّهُمْ أَهْلُ ضَلَالٍ وَتَحْرِيفٍ لِتَأْوِيلِ كِتَابِ اللَّهِ وسنن رسوله ﷺ، وَمَا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَرِهَ الْمَسَائِلَ وَنَاحِيَةَ التَّنْقِيبِ/ وَالْبَحْثِ (وَزَجَرَ) (١٣) عَنْ ذَلِكَ، وَحَذَّرَهُ الْمُسْلِمِينَ فِي غَيْرِ موطن،\n_________\n(١) هو الحسن بن زياد اللؤلؤي أبو علي الأنصاري، صاحب أبي حنيفة، توفي سنة ٢٠٤هـ، انظر: تاريخ بغداد (٧ ٣١٤)، والسير (٩ ٥٤٣)، وميزان الاعتدال (١ ٤١٩).\n(٢) هو زفر بن الهذيل العنبري، ولد سنة ١١٠هـ، قال عنه يحيى بن معين: ثقة مأمون. كان من كبار تلاميذ أبي حنيفة، توفي سنة ١٥٨هـ. انظر: طبقات ابن سعد (٦ ٣٨٧)، والسير (٨ ٣٨).\n(٣) في (غ) و(ر): \"عنه يهمهم\".\n(٤) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٧٩٨).\n(٥) في (ت): \"الجميع\". وما بين () ساقط من (غ) و(ر).\n(٦) في (م) و(غ) و(ر): \"قال وإنما\".\n(٧) انظر: جامع بيان العلم (٢ ٩٤٢).\n(٨) هو أبو الزناد عبد الله بن ذكوان القرشي المدني، وثقه الإمام أحمد وابن معين، توفي سنة ١٣١هـ. انظر: الجرح والتعديل (٥ ٤٩)، وتهذيب التهذيب (٥ ٢٠٣).\n(٩) في (م): \"لنتلقط\".\n(١٠) في (غ) و(ر): \"وما قال ودرج\".\n(١١) ما بين القوسين ساقط من (م) و(ت).\n(١٢) في (غ) و(ر): \"أخيار لأمة\".\n(١٣) في (م) و(خ): \"والجزر\".","vol":"3","page":301},{"text":"حَتَّى كَانَ مِنْ قَوْلِهِ كَرَاهِيَةً لِذَلِكَ: \"ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ (بِشَيْءٍ) (١) فَخُذُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ\" (٢).\n//وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قال: اتقوا (الرأي) (٣) في دينكم، قال سحنون: يعني (البدع) (٤).\n(وَخَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عُمَرَ أَيْضًا إِنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ أَعْدَاءُ السُّنَنِ، أَعْيَتْهُمْ أَنْ يَحْفَظُوهَا) (٥) وَتَفَلَّتَتْ مِنْهُمْ أَنْ يَعُوهَا، وَاسْتَحْيَوْا حِينَ سُئلوا أَنْ يَقُولُوا لَا نَعْلَمُ، فَعَارَضُوا السُّنَنَ بِرَأْيِهِمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ (٦).\nقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: أَهْلُ الرَّأْيِ هُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ (٧)، وَهُوَ الْقَائِلُ فِي قَصِيدَتِهِ فِي السُّنَّةِ (٨):\nوَدَعْ عَنْكَ آرَاءَ الرِّجَالِ وَقَوْلَهُمْ ... فَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ أَزْكَى وَأَشْرَحُ\nوَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِينَ تَشَعَّبَتْ بِهِمُ السُّبُلُ، وَحَادُوا عَنِ الطَّرِيقِ، فَتَرَكُوا الْآثَارَ وَقَالُوا فِي الدِّينِ بِرَأْيِهِمْ فضلُّوا وَأَضَلُّوا (٩).\nوَعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: مَنْ (يرغب) (١٠) برأيه عن أمر الله يضل (١١).\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"بأمر\".\n(٢) أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧)، وابن راهويه في مسنده (٦٠)، وأحمد (٢ ٥٠٨)، وابن ماجه (٢)، والنسائي في المجتبى (٢٦١٩)، وفي الكبرى (٣٥٩٨)، والدارقطني في السنن (٢ ٢٨١)، وابن حبان (٣٧٠٧ و٣٧٠٥)، والبيهقي في الكبرى (٨٣٩٨). وقول أبي الزناد في جامع بيان العلم (٢/ ٩٤٩).\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الله\".\n(٤) ساقط من (م). وفي (ت) و(خ) و(ط): \"الانتهاء عن الجدل فيه\"، والأثر أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٠٠٢).\n(٥) ساقط من (غ) و(ر).\n(٦) تقدم تخريجه (١ ١٧٦).\n(٧) انظر: جامع بيان العلم لابن عبد البر (٢/ ١٠٤٢).\n(٨) انظر: قصيدة الإمام أبي بكر (ص٢٠).\n(٩) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٠٢٦)، وذكر المحقق نسبة القول للشعبي، وبيّن أن في نسخة كُتب الحسن بدلًا من الشعبي.\n(١٠) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"رغب\".\n(١١) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٠٢٧).","vol":"3","page":302},{"text":"وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كان يقول: السنن السنن، (فإن) (١) (السُّنَنَ) (٢) قِوَامُ الدِّينِ (٣).\nوَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ (عن أبيه) (٤) قَالَ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَزَلْ أَمْرُهُمْ مُعْتَدِلًا حَتَّى نَشَأَ فِيهِمْ مولَّدون أَبْنَاءُ سَبَايَا الْأُمَمِ، فَأَخَذُوا فِيهِمْ بِالرَّأْيِ فضلُّوا وَأَضَلُّوا (٥).\nفَهَذِهِ الْآثَارُ وَأَشْبَاهُهَا تُشِيرُ إِلَى ذَمِّ إِيثَارِ نَظَرِ الْعَقْلِ عَلَى آثَارِ النَّبِيِّ ﷺ.\nوَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّأْيِ الْمَذْمُومِ فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ، الْبِدَعُ الْمُحْدَثَةُ فِي الِاعْتِقَادِ، كَرَأْيِ (جَهْمٍ) (٦) وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ، لِأَنَّهُمْ قَوْمٌ اسْتَعْمَلُوا قِيَاسَهُمْ وَآرَاءَهُمْ فِي رَدِّ الْأَحَادِيثِ، فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَى اللَّهُ/ فِي الْآخِرَةِ (لِأَنَّهُ) (٧) تَعَالَى يَقُولُ: ﴿لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ (وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ)﴾ (٨) (٩) الْآيَةَ، فَرَدُّوا قَوْلَهُ ﵊: \"إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\" (١٠)، وَتَأَوَّلُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ *﴾ (١١)، وَقَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْأَلَ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا/ اثْنَتَيْنِ﴾ (١٢)، فرُّدوا الْأَحَادِيثَ الْمُتَوَاتِرَةَ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ وَفِتْنَتِهِ (١٣)، وردوا الأحاديث/ في\n_________\n(١) في (ط): \"إن\".\n(٢) في (غ) و(ر): \"السنة\".\n(٣) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٠٢٨).\n(٤) ما بين القوسين زيادة من جامع بيان العلم.\n(٥) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٠١٥) و(٢٠٣١).\n(٦) في جميع النسخ: أبي جهم.\n(٧) في (م): \"فإنه\".\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (م).\n(٩) سورة الأنعام: الآية (١٠٣).\n(١٠) أحاديث رؤية الله ﷿ يوم القيامة، من الأحاديث المتواترة، وله عدة روايات، انظر: صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال، برقم (٢٢ و٤٥٨١ و٤٩١٩ و٦٥٦٠ و٦٥٧٤ و٧٤٣٨ و٧٤٣٩)، وفي مسلم (١٨٣ - ١٨٤)، والنسائي (٨ ١١٢)، وابن ماجه (١ ٦٣)، برقم (١٧٧ - ١٨٠). وقد جمع أغلب الروايات الواردة في المسألة الدارقطني في كتاب \"رؤية الله\".\n(١١) سورة القيامة: الآيتان (٢٢، ٢٣).\n(١٢) سورة غافر: الآية (١١).\n(١٣) انظر طائفة من الأحاديث المتواترة في عذاب القبر وفتنته في كتاب قطف الأزهار المتناثرة للسيوطي (ص٢٩٤).","vol":"3","page":303},{"text":"الشَّفَاعَةِ/ عَلَى تَوَاتُرِهَا (١)،/ وَقَالُوا: لَنْ يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ مَنْ دَخَلَ فِيهَا. وَقَالُوا: لَا نَعْرِفُ حَوْضًا وَلَا مِيزَانًا، وَلَا نَعْقِلُ مَا هَذَا، وَرَدُّوا السُّنَنَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِرَأْيِهِمْ وَقِيَاسِهِمْ إِلَى أَشْيَاءَ يَطُولُ/ ذِكْرُهَا مِنْ كَلَامِهِمْ فِي (صفات) (٢) الْبَارِي، وَقَالُوا: الْعِلْمُ مُحْدَثٌ فِي حَالِ حُدُوثِ الْمَعْلُومِ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عِلْمٌ إِلَّا عَلَى مَعْلُومٍ، فِرَارًا مِنْ قِدَمِ الْعَالَمِ فِي زَعْمِهِمْ.\nوَقَالَ جَمَاعَةٌ: الرَّأْيُ الْمَذْمُومُ الْمُرَادُ بِهِ الرَّأْيُ الْمُبْتَدَعُ وَشِبْهُهُ مِنْ ضُرُوبِ الْبِدَعِ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَعَمُّ مِنَ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ خَاصٌّ (بِالِاعْتِقَادِ) (٣)، وَهَذَا عَامٌّ فِي الْعَمَلِيَّاتِ وَغَيْرِهَا.\nوَقَالَ آخَرُونَ - قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُمُ الْجُمْهُورُ ـ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْقَوْلُ فِي الشَّرْعِ بِالِاسْتِحْسَانِ وَالظُّنُونِ، وَالِاشْتِغَالِ بِحِفْظِ الْمُعْضِلَاتِ، وَرَدِّ الْفُرُوعِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ دُونِ رَدِّهَا إِلَى أُصُولِهَا، فَاسْتُعْمِلَ فِيهَا الرَّأْيُ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ، قَالُوا: وَفِي الِاشْتِغَالِ بِهَذَا تَعْطِيلُ السُّنَنِ وَالتَّذَرُّعُ إِلَى جَهْلِهَا (٤).\nوَهَذَا الْقَوْلُ غَيْرُ خَارِجٍ عَمَّا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ هَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِلذَّرِيعَةِ إِلَى الرَّأْيِ الْمَذْمُومِ، وَهُوَ مُعَارَضَةُ الْمَنْصُوصِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَبْحَثْ عَنِ السُّنَنِ جَهِلَهَا فَاحْتَاجَ إِلَى الرَّأْيِ، فَلَحِقَ بِالْأَوَّلِينَ الَّذِينَ عَارَضُوا السُّنَنَ حَقِيقَةً، فَجَمِيعُ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ إِعْمَالُ النَّظَرِ الْعَقْلِيِّ مَعَ طَرْحِ السُّنَنِ، إِمَّا قَصْدًا أَوْ غَلَطًا وَجَهْلًا، وَالرَّأْيُ إِذَا عَارَضَ السُّنَّةَ فَهُوَ بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ.\n/فَالْحَاصِلُ مِنْ مَجْمُوعِ ما تقدم أن الصحابة ﵃ ومن بعدهم ﵃ لم يعارضوا ما جاء في (السنة) (٥) بِآرَائِهِمْ، عَلِمُوا مَعْنَاهُ أَوْ جَهِلُوهُ، جَرَى لَهُمْ عَلَى مَعْهُودِهِمْ أَوْ لَا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْ نقله،\n_________\n(١) المرجع السابق (ص٣٠١).\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): صفة.\n(٣) في (غ) و(ر): بالاعتقاديات.\n(٤) نقله المصنف عن جامع بيان العلم (٢/ ١٠٥٤) متصرفًا مختصرًا.\n(٥) في (غ) و(ر): \"السنن\".","vol":"3","page":304},{"text":"(ليعتبر به) (١) مَنْ قَدَّمَ النَّاقِصَ - وَهُوَ الْعَقْلُ - عَلَى الْكَامِلِ - وَهُوَ الشَّرْعُ - وَرَحِمَ اللَّهُ الرَّبِيعَ بْنَ خُثَيْمٍ حَيْثُ يَقُولُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، مَا عَلَّمَكَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ عِلْمٍ فَاحْمَدِ اللَّهَ، وَمَا/ اسْتَأْثَرَ عَلَيْكَ بِهِ مِنْ عِلْمٍ فكِلْه إلى عالمه، ولا تتكلف، فإن الله يقول لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ *﴾ (٢)، إلى آخرها (٣).\nوعن معتمر بْنِ سُلَيْمَانَ (٤) عَنْ جَعْفَرٍ (٥) عَنْ رَجُلٍ مِنْ علماء أهل المدينة، قال: إن الله تعالى عَلِمَ عِلْمًا علَّمه الْعِبَادَ، وعَلِمَ عِلْمًا لَمْ يعلِّمه الْعِبَادَ، فَمَنْ تَكَلَّفَ الْعِلْمَ الَّذِي (لَمْ) (٦) يعلِّمه الْعِبَادَ لَمْ يَزْدَدْ مِنْهُ إِلَّا بُعْدًا. قَالَ: وَالْقَدَرُ/ مِنْهُ (٧).\nوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: كَانَ مَكْحُولٌ وَالزُّهْرِيُّ يَقُولَانِ: أمِرُّوا هَذِهِ/ الْأَحَادِيثَ كَمَا جَاءَتْ وَلَا تَتَنَاظَرُوا فِيهَا (٨).\nوَمِثْلُهُ عَنْ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَسُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَمَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ، فِي الْأَحَادِيثِ فِي الصِّفَاتِ أَنَّهُمْ (كلهم قالوا) (٩): أمِرُّوها كما جاءت، نحو حديث التنزل، وخلق آدم على صورته، وشبههما،\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"وليعتبر فيه\".\n(٢) سورة ص: الآية (٨٦).\n(٣) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٠١١).\n(٤) معتمر بن سليمان التيمي أبو محمد البصري، ثقة من كبار التاسعة، مات سنة سبع وثمانين وقد جاوز الثمانين. انظر: التاريخ الكبير (٨ ٤٩)، تهذيب التهذيب (١٠ ٢٠٤)، التقريب (٦٧٨٥).\n(٥) جعفر بن حيان السعدي، أبو الأشهب العطاردي البصري، مشهور بكنيته، ثقة من السادسة، مات سنة خمس وستين وله خمس وتسعون سنة. انظر: التاريخ الكبير (٢ ١٨٩)، تهذيب التهذيب (٢ ٧٥)، التقريب (٩٣٥).\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (م). وفي (خ): \"لا\".\n(٧) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٨٠٤).\n(٨) أخرجه اللالكائي (٧٣٥)، وفي جامع بيان العلم (١٨٠١).\n(٩) ما بين القوسين ساقط من (ط) و(خ).","vol":"3","page":305},{"text":"وَحَدِيثُ مَالِكٍ فِي السُّؤَالِ عَنِ الِاسْتِوَاءِ/ مَشْهُورٌ (١).\nوَجَمِيعُ مَا قَالُوهُ مُسْتَمَدٌّ مِنْ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ (٢) الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، فإنها صريحة في هذا (المعنى) (٣) الَّذِي قَرَّرْنَاهُ، فَإِنَّ كُلَّ (مَا لَمْ) (٤) يَجْرِ عَلَى الْمُعْتَادِ فِي الْفَهْمِ مُتَشَابِهٌ، (فَالْوُقُوفُ) (٥) عَنْهُ هُوَ الْأَحْرَى بِمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ الْمُتَّبِعُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إِذْ لَوْ كَانَ مِنْ شَأْنِهِمُ اتِّبَاعُ الرَّأْيِ لَمْ يَذُمُّوهُ وَلَمْ يَنْهَوْا عَنْهُ لَأَنَّ أَحَدًا لَا يَرْتَضِي طَرِيقًا ثُمَّ يَنْهَى عَنْ سُلُوكِهِ، كَيْفَ وَهَمَ قُدْوَةُ الْأُمَّةِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.\n/وَرُوِيَ أَنَّ الْحَسَنَ كَانَ فِي مَجْلِسٍ فَذُكِرَ (فِيهِ أَصْحَابُ) (٦) مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا أبرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقُهَا عِلْمًا، وَأَقَلُّهَا تَكَلُّفًا، قَوْمٌ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ ﷺ، فَتَشَبَّهُوا بِأَخْلَاقِهِمْ وَطَرَائِقِهِمْ، فَإِنَّهُمْ - وَرَبِّ الْكَعْبَةِ - عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ (٧).\nوَعَنْ/ حذيفة ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اتَّقُوا اللَّهَ يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ وَخُذُوا طَرِيقَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَعَمْرِي لَئِنِ (اتَّبَعْتُمُوهُ) (٨) لَقَدْ سَبَقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا، وَلَئِنْ تَرَكْتُمُوهُ يِمِينًا أَوْ شِمَالًا لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلَالًا بعيدًا (٩).\n_________\n(١) الآثار الواردة عن قول السلف: (أمرّوها كما جاءت بلا كيف) ونحوها، أخرجها ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٨٠٢)، والآجري في الشريعة (٧٢٠)، والحلية (٦ ٣٢٥)، واللالكائي (٧٣٥ و٨٧٥ و٨٧٧ و٩٣٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢ ١٩٨) وفي الاعتقاد (ص٤٤)، والصابوني في عقيدة السلف (٩٠)، وقول الإمام مالك في الاستواء أخرجه اللالكائي (٦٦٤)، وروى بنحوه عن أم سلمة (٦٦٣)، وربيعة الرأي (٦٦٥)، وانظر: شرح السنة للبغوي (١ ١٧١)، وحلية الأولياء (٦ ٣٢٥ - ٣٢٦).\n(٢) سورة آل عمران: الآية (٧).\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (ط).\n(٤) في (م) و(خ) و(ت): \"من لم\".\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فالوقف\".\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (م)، وفي (غ) و(ر): \"أصحاب\".\n(٧) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٨٠٧).\n(٨) في (ت): \"اتبعتم\"، وفي (غ) و(ر): \"اتبعتموهم\".\n(٩) تقدم تخريجه (١ ١٢٧).","vol":"3","page":306},{"text":"وعن ابن مسعود ﵁: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَأَسِّيًا فليتأسَّ/ بِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَبَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقُهَا عِلْمًا، وَأَقَلُّهَا تَكَلُّفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها (حالًا) (١)، (قَوْمٌ) (٢) اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ ﷺ وَإِقَامَةِ دِينِهِ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ، وَاتَّبِعُوهُمْ فِي آثَارِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ (٣).\nوَالْآثَارُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ جَمِيعُهَا يَدُلُّ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ وَالِاتِّبَاعِ لِطَرِيقِهِمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ طَرِيقُ النَّجَاةِ حَسْبَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْفِرَقِ فِي قَوْلِهِ: \"مَا أَنَا عليه وأصحابي\" (٤).\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر) وجامع بيان العلم: \"خلالًا\".\n(٢) في (غ) و(ر): \"قومًا\".\n(٣) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٨١٠).\n(٤) تقدم تخريجه (٣/ ١٢٢).","vol":"3","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>فصل</span>\nالنوع الرابع (١): (اتباع الهوى، اعلم) (٢) إِنَّ الشَّرِيعَةَ مَوْضُوعَةٌ لِإِخْرَاجِ الْمُكَلَّفِ عَنْ دَاعِيَةِ هَوَاهُ/ حَتَّى يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ (٣)، وَهَذَا/ أَصْلٌ قَدْ تَقَرَّرَ فِي قِسْمِ الْمَقَاصِدِ مِنْ كِتَابِ الْمُوَافَقَاتِ (٤)، لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ كلِّي يَلِيقُ بِالْأُصُولِ، فَمَنْ أَرَادَ الْإِطْلَاعَ عَلَيْهِ فَلْيُطَالِعْهُ مِنْ هُنَالِكَ.\nولما كانت طرق (الهوى) (٥) (مُتَشَعِّبَةً) (٦) لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُؤْتَى عَلَيْهَا بِالِاسْتِيفَاءِ، فَلْنَذْكُرْ مِنْهَا شُعْبَةً وَاحِدَةً تَكُونُ كَالطَّرِيقِ لِمَعْرِفَةِ مَا سِوَاهَا.\n/فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ حُجَّةً عَلَى الْخَلْقِ كَبِيرِهِمْ وَصَغِيرِهِمْ مطيعهم وعاصيهم، برهم وفاجرهم، لم (يختص) (٧) الحجة بِهَا أَحَدًا دُونَ أَحَدٍ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الشَّرَائِعِ إِنَّمَا وُضِعَتْ لِتَكُونَ حُجَّةً عَلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ الَّتِي تَنْزِلُ فِيهِمْ تِلْكَ الشَّرِيعَةُ، حَتَّى إِنَّ (الْمُرْسَلِينَ) (٨) (بِهَا) (٩) صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ دَاخِلُونَ تَحْتَ أَحْكَامِهَا.\nفَأَنْتَ تَرَى أَنَّ/ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ مُخَاطَبٌ بِهَا فِي جَمِيعِ/ أحواله\n_________\n(١) النوع الرابع من الإحداث في الشريعة.\n(٢) ما بين القوسين زيادة من (ت).\n(٣) في الموافقات (٢ ١١٤): (حتى يكون عبدًا لله اختيارًا، كما هو عبد لله اضطرارًا). وهي أتم في المعنى.\n(٤) انظر: الموافقات (٢ ١١٤).\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الحق\".\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (ت).\n(٧) في (غ) و(ر): \"تختص\".\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الشريعة المرسلين\".\n(٩) ساقط من (ت).","vol":"3","page":308},{"text":"وَتَقَلُّبَاتِهِ، مِمَّا اخْتُصَّ بِهِ دُونَ أُمَّتِهِ، أَوْ كان عامًا له ولأمته، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ (إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى) (١) خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، ثم قال تَعَالَى: ﴿لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلاَ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ (٣)، وقوله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٥)، إِلَى سَائِرِ التَّكَالِيفِ الَّتِي وَرَدَتْ عَلَى كُلِّ مكلف، والنبي ﷺ فِيهِمْ، فَالشَّرِيعَةُ هِيَ الْحَاكِمَةُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ عَلَيْهِ وَعَلَى جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ، وَهِيَ الطَّرِيقُ الْمُوصِلُ وَالْهَادِي الْأَعْظَمُ.\nأَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (٦)، فهو ﷺ أَوَّلُ مَنْ هَدَاهُ اللَّهُ بِالْكِتَابِ وَالْإِيمَانِ، ثُمَّ مَنِ اتَّبَعَهُ فِيهِ وَالْكِتَابُ هُوَ الْهَادِي، وَالْوَحْيُ الْمُنَزَّلُ عَلَيْهِ مُرْشِدٌ وَمُبَيِّنٌ لِذَلِكَ الْهَدْيِ وَالْخَلْقُ مهتدون بالجميع، ولما استنار قلبه وجوارحه ﷺ وَبَاطِنُهُ/ وَظَاهِرُهُ بِنُورِ الْحَقِّ عِلْمًا وَعَمَلًا، صَارَ هُوَ الْهَادِيَ الْأَوَّلَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَالْمُرْشِدَ (الْأَعْظَمَ) (٧)، حَيْثُ (خصَّه) (٨) اللَّهُ دُونَ الْخَلْقِ بِإِنْزَالِ ذَلِكَ النُّورِ عَلَيْهِ، وَاصْطَفَاهُ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ كَانَ مثله في الخلقة البشرية اصطفاءً (أزليًا) (٩)، لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ بَشَرًا عَاقِلًا - مَثَلًا - لِاشْتِرَاكِهِ مَعَ غَيْرِهِ فِي هَذِهِ// الْأَوْصَافِ، وَلَا لِكَوْنِهِ مِنْ قُرَيْشٍ - مَثَلًا - دُونَ غَيْرِهِمْ، وَإِلَّا لَزِمَ ذَلِكَ فِي كُلِّ قُرَشِيٍّ، وَلَا لِكَوْنِهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ/ وَلَا لِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا، وَلَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، بَلْ مِنْ جِهَةِ اخْتِصَاصِهِ بِالْوَحْيِ الَّذِي اسْتَنَارَ بِهِ قَلْبُهُ وَجَوَارِحُهُ فَصَارَ خُلَقه القرآن، حتى قيل فيه:\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (م).\n(٢) سورة الأحزاب: الآية (٥٠).\n(٣) سورة الأحزاب: الآية (٥٢).\n(٤) سورة التحريم: الآية (١).\n(٥) سورة الطلاق: الآية (١).\n(٦) سورة الشورى: الآية (٥٢).\n(٧) في (غ) و(ر): \"الأول\".\n(٨) في (غ) و(ر): \"اختصه\".\n(٩) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): أوليًا. وفي (ر): \"اصطفاه أزليًا\".","vol":"3","page":309},{"text":"﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ *﴾ (١)، وإنما ذلك لِأَنَّهُ حَكَّم الْوَحْيَ (عَلَى نَفْسِهِ، حَتَّى صَارَ فِي عِلْمِهِ وَعَمَلِهِ عَلَى وَفْقِهِ، فَكَانَ الْوَحْيُ حاكمًا (وافق) (٢) قابلًا مُذْعِنًا) (٣) مُلَبِّيًا نِدَاءَهُ، وَاقِفًا عِنْدَ حُكْمِهِ، وَهَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ كَانَتْ مِنْ أَعْظَمِ الْأَدِلَّةِ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا جَاءَ بِهِ، إِذْ قَدْ جَاءَ بِالْأَمْرِ وَهُوَ مُؤْتَمَرٌ، وَبِالنَّهْيِ وَهُوَ مُنْتَهٍ، وَبِالْوَعْظِ وَهُوَ مُتَّعِظٌ، وَبِالتَّخْوِيفِ وَهُوَ أَوَّلُ الْخَائِفِينَ، وَبِالتَّرْجِيَةِ وَهُوَ (سَائِقٌ دَابَّةَ الرَّاجِينَ) (٤).\nوَحَقِيقَةُ ذَلِكَ (كُلِّهِ) (٥) جَعْلُهُ الشَّرِيعَةَ الْمُنَزَّلَةَ عَلَيْهِ حُجَّةً (حَاكِمَةً) (٦) عَلَيْهِ، وَدَلَالَةً لَهُ/ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي سَارَ عَلَيْهِ ﷺ، وبذلك صار عبدًا لله حَقًّا، وَهُوَ أَشْرَفُ اسْمٍ تَسَمَّى بِهِ الْعِبَادُ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ/ لَيْلًا﴾ (٧)، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ (٨)، ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ (٩)، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ/ الْآيَاتِ الَّتِي وَقَعَ مدحه فيها (بصفة) (١٠) العبودية.\nوإذا كان (ذلك) (١١) كَذَلِكَ فَسَائِرُ الْخَلْقِ حَرِيُّونَ بِأَنْ تَكُونَ الشَّرِيعَةُ حُجَّةً حَاكِمَةً عَلَيْهِمْ وَمَنَارًا يَهْتَدُونَ بِهَا إِلَى الْحَقِّ، وَشَرَفُهُمْ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِحَسَبِ مَا اتَّصَفُوا بِهِ مِنَ الدُّخُولِ تَحْتَ أَحْكَامِهَا وَالْعَمَلِ بِهَا قَوْلًا وَاعْتِقَادًا وَعَمَلًا، لَا بِحَسَبِ عُقُولِهِمْ فَقَطْ، وَلَا بِحَسَبِ شَرَفِهِمْ (فِي قَوْمِهِمْ) (١٢) فَقَطْ، لِأَنَّ الله تعالى إنما أثبت الشرف بالتقوى لا غيرها لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١٣)، فَمَنْ كَانَ أَشَدَّ مُحَافَظَةً عَلَى اتِّبَاعِ الشَّرِيعَةِ فهو أولى\n_________\n(١) سورة القلم: الآية (٤).\n(٢) في (ط) و(خ): \"وافقا\".\n(٣) ما بين () ساقط من (غ) و(ر).\n(٤) في (غ) و(ر): \"سابق حلبة الراجلين\".\n(٥) ساقط من (غ) و(ر).\n(٦) ساقط من (غ) و(ر).\n(٧) سورة الإسراء: الآية (١).\n(٨) سورة الفرقان: الآية (١).\n(٩) سورة البقرة: الآية (٢٣).\n(١٠) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"بصحة\".\n(١١) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٢) ساقط من (غ) و(ر).\n(١٣) سورة الحجرات: الآية (١٣).","vol":"3","page":310},{"text":"بِالشَّرَفِ وَالْكَرَمِ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَبْلُغَ فِي الشَّرَفِ مَبْلَغَ الْأَعْلَى فِي اتِّبَاعِهَا، فَالشَّرَفُ إِذًا إِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ المبالغة في تحكيم الشريعة.\n/ثُمَّ نَقُولُ بَعْدَ هَذَا: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ شَرَّفَ أَهْلَ الْعِلْمِ وَرَفَعَ أَقْدَارَهُمْ، وَعَظَّمَ مِقْدَارَهُمْ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، بَلْ قَدِ اتَّفَقَ الْعُقَلَاءُ عَلَى فَضِيلَةِ الْعِلْمِ وَأَهْلِهِ، وأنهم المستحقون (لأشرف) (١) الْمَنَازِلِ، وَهُوَ مِمَّا لَا يُنَازِعُ فِيهِ عَاقِلٌ.\nوَاتَّفَقَ أَهْلُ الشَّرَائِعِ عَلَى أَنَّ عُلُومَ الشَّرِيعَةِ أَفْضَلُ الْعُلُومِ وَأَعْظَمُهَا أَجْرًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا عَلَيْنَا/ أَسَامَحَنَا بَعْضُ الْفِرَقِ فِي تعيين/ العلوم (الشرعية) (٢) - أَعْنِي الْعُلُومَ الَّتِي نَبَّهَ الشَّارِعُ عَلَى مَزِيَّتِهَا وفضيلتها - أم لم نسامحهم، بعد الاتفاق من الجميع على الأفضلية، وإثبات (المزية) (٣).\nوَأَيْضًا فَإِنَّ عُلُومَ الشَّرِيعَةِ مِنْهَا مَا يَجْرِي مَجْرَى الْوَسَائِلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّعَادَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ، وَمِنْهَا مَا يَجْرِي مَجْرَى الْمَقَاصِدِ، وَالَّذِي يَجْرِي (مِنْهَا) (٤) مَجْرَى الْمَقَاصِدِ أَعْلَى/ مِمَّا لَيْسَ كَذَلِكَ - بِلَا نزاع بين العقلاء (في ذلك) (٥) - كَعِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِ الْفِقْهِ، فَإِنَّهُ كَالْوَسِيلَةِ، فَعِلْمُ الْفِقْهِ (أَعْلَى) (٦).\nوَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فأهل العلم أشرف الناس (وأعظمهم) (٧) منزلة بلا إشكال (فلا) (٨) نِزَاعٍ وَإِنَّمَا وَقَعَ الثَّنَاءُ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ حَيْثُ اتِّصَافِهِمْ بِالْعِلْمِ لَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ وُقُوعُ الثناء عليهم مقيدًا\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"لشرف\".\n(٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الحرية\".\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (ت): \"أيضًا\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"أولى\".\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"وأعظم\".\n(٨) في (غ) و(ر): \"ولا\".","vol":"3","page":311},{"text":"بِالِاتِّصَافِ بِهِ، فَهُوَ إِذًا الْعِلَّةُ فِي الثَّنَاءِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ الِاتِّصَافُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَزِيَّةٌ على غيرهم، ومن (ثَمَّ) (١) صار العلماء حكامًا على الخلائق أجمعين قضاءًا أَوْ فُتْيَا أَوْ إِرْشَادًا؛ لِأَنَّهُمُ اتَّصَفُوا بِالْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي هُوَ حَاكِمٌ بِإِطْلَاقٍ فَلَيْسُوا بِحُكَّامٍ مِنْ جِهَةِ مَا اتَّصَفُوا بِوَصْفٍ يَشْتَرِكُونَ فِيهِ مَعَ غَيْرِهِمْ كَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالْعَقْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، إِذْ لَا مَزِيَّةَ فِي ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، لِاشْتِرَاكِ الْجَمِيعِ فِيهَا، وَإِنَّمَا صَارُوا حكامًا (من جهة ما اتصفوا بالوصف الحاكم وهو العلم، وهذا التقرير غير محتاج إلى برهانٍ لوضوحه، ثم نقول بعد هذا لما صار أهل العلم حكامًا) (٢) على الخلق (ومرجوعًا) (٣) إليهم بسبب/ حملهم/ للعلم الحاكم، (لزم) (٤) مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يَكُونُونَ (حُكَّامًا) (٥) عَلَى الخلق إلا من ذلك الوجه، كَمَا أَنَّهُمْ مَمْدُوحُونَ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ أَيْضًا، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَّصِفُوا بِوَصْفِ الْحُكْمِ مَعَ فرض خروجهم عن صوب الْعِلْمِ الْحَاكِمِ، إِذْ لَيْسُوا حُجَّةً إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، فَإِذَا خَرَجُوا عَنْ جِهَتِهِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونُوا حُكَّامًا؟ هَذَا مُحَالٌ.\nوَكَمَا أَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي الْعَالِمِ بِالْعَرَبِيَّةِ مُهَنْدِسٌ، وَلَا فِي الْعَالِمِ بِالْهَنْدَسَةِ عَرَبِيٌّ، فَكَذَلِكَ لَا يُقَالُ في الزائغ عن الحكم (بأحكام/ الشرع) (٦) حَاكِمٌ بِالشَّرْعِ، بَلْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ حَاكِمٌ بِعَقْلِهِ أَوْ بِرَأْيِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، (فَلَا) (٧) يَصِحُّ أَنْ يُجْعَلَ حُجَّةً فِي الْعِلْمِ الْحَاكِمِ/ لِأَنَّ الْعِلْمَ (الْحَاكِمَ) (٨) يُكَذِّبُهُ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا فِي الْجُمْلَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَا يُخَالِفُ فِيهِ أَحَدٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ.\nثُمَّ نَصِيرُ مِنْ هَذَا إِلَى (مَعْنًى) (٩) آخَرَ مُرتب عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّ الْعَالِمَ بِالشَّرِيعَةِ إِذَا اتُّبِعَ فِي قَوْلِهِ، وَانْقَادَ إِلَيْهِ النَّاسُ فِي حُكْمِهِ، فَإِنَّمَا اتُّبِعَ من حيث\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"ذلك\".\n(٢) ما بين () زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"مرجوعًا\".\n(٤) في (ط) و(خ) و(ت): \"فلزم\".\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (ط).\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الشرعي\".\n(٧) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فهنا\".\n(٨) زيادة من (غ) و(ر).\n(٩) في (غ) و(ر): \"نوع\".","vol":"3","page":312},{"text":"هو (عالم بِهَا) (١) وَحَاكِمٌ/ بِمُقْتَضَاهَا، لَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَهُوَ/ فِي الْحَقِيقَةِ مُبَلِّغٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، الْمُبَلِّغِ عَنِ اللَّهِ ﷿، فَيَتَلَقَّى مِنْهُ مَا بَلَّغَ عَلَى الْعِلْمِ بِأَنَّهُ بَلَّغَ، أَوْ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ بأنه بلغ لا من جهة (أنه) (٢) مُنْتَصِبٌ لِلْحُكْمِ مُطْلَقًا، إِذْ لَا يَثْبُتُ ذَلِكَ لِأَحَدٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ ثَابِتٌ لِلشَّرِيعَةِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وثبت ذلك له ﷺ وَحْدَهُ دُونَ الْخَلْقِ مِنْ جِهَةِ دَلِيلِ الْعِصْمَةِ وَالْبُرْهَانُ أَنَّ جَمِيعَ مَا يَقُولُهُ أَوْ يَفْعَلُهُ حَقٌّ. فَإِنَّ الرِّسَالَةَ الْمُقْتَرِنَةَ بِالْمُعْجِزَةِ عَلَى ذَلِكَ دلت، فغيره لم (تثبت) (٣) لَهُ عِصْمَةٌ (بِالْمُعْجِزَةِ) (٤) (بِحَيْثُ) (٥) (يَحْكُمُ بِمُقْتَضَاهَا) (٦) حَتَّى يساوي النبي فِي الِانْتِصَابِ لِلْحُكْمِ بِإِطْلَاقٍ بَلْ إِنَّمَا يَكُونُ مَنْتَصِبًا عَلَى شَرْطِ الْحُكْمِ/ (بِمُقْتَضَى الشَّرِيعَةِ) (٧)، بِحَيْثُ إِذَا وُجِدَ الْحُكْمُ فِي الشَّرْعِ بِخِلَافِ مَا حَكَمَ لَمْ يَكُنْ حَاكِمًا، (إِذَ) (٨) كَانَ - بِالْفَرْضِ - خَارِجًا عَنْ مُقْتَضَى الشَّرِيعَةِ الْحَاكِمَةِ، وَهُوَ أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَلِذَلِكَ إِذَا وَقَعَ النِّزَاعُ فِي مَسْأَلَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَجَبَ رَدُّهَا إِلَى الشريعة (حتى) (٩) يَثْبُتُ الْحَقُّ فِيهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ﴾ (١٠) الْآيَةَ.\nفَإِذًا الْمُكَلَّفُ بِأَحْكَامِهَا لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ:\nأَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِيهَا، فَحُكْمُهُ مَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ فِيهَا، لِأَنَّ اجْتِهَادَهُ فِي الْأُمُورِ الَّتِي (لَيْسَتْ دَلَالَتُهَا) (١١) واضحة إنما يقع موقعه على\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"عالم وحاكم بها\".\n(٢) في (ط): \"كونه\".\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"يثبت\".\n(٤) في (م): \"بالمعجزة بمقتضاها\".\n(٥) ساقط من (غ) و(ر).\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (م) و(غ) و(ر).\n(٧) في (م) و(غ) و(ر): \"بمقتضاها\".\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"إذا\".\n(٩) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"حيث\".\n(١٠) سورة النساء: الآية (٥٩).\n(١١) في (م): \"ليس دلالة\". وفي (غ) و(ر): \"ليس فيها دلالة\".","vol":"3","page":313},{"text":"فَرْضِ أَنْ يَكُونَ مَا ظَهَرَ لَهُ هُوَ الْأَقْرَبُ إِلَى قَصْدِ الشَّارِعِ وَالْأَوْلَى بِأَدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ، دُونَ مَا ظَهَرَ لِغَيْرِهِ/ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ اتِّبَاعُ مَا هُوَ الْأَقْرَبُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَسَعُهُ فِيمَا اتَّضَحَ فِيهِ الدَّلِيلُ (إِلَّا اتِّبَاعُ الدَّلِيلِ) (١)، دُونَ مَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وَيُعَدُّ مَا ظَهَرَ لَهُ لَغْوًا كَالْعَدَمِ، لِأَنَّهُ عَلَى غَيْرِ صَوْبِ الشَّرِيعَةِ الْحَاكِمَةِ، فَإِذًا (لَيْسَ قَوْلُهُ) (٢) بِشَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْحُكْمِ.\nوَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ/ مُقَلِّدًا صِرْفًا، خَلِيًّا مِنَ الْعِلْمِ الحاكم جملة، فلا بد لَهُ مِنْ قَائِدٍ يَقُودُهُ، وَحَاكِمٍ يَحْكُمُ عَلَيْهِ، وَعَالِمٍ يَقْتَدِي بِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُقْتَدَى بِهِ إِلَّا مِنْ حَيْثُ هُوَ عَالِمٌ بِالْعِلْمِ الْحَاكِمِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْعِلْمِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ اتِّبَاعُهُ وَلَا الِانْقِيَادُ (لِحُكْمِهِ) (٣)، بَلْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَخْطُرَ بِخَاطِرِ الْعَامِّيِّ وَلَا غَيْرِهِ تَقْلِيدُ الْغَيْرِ فِي أَمْرٍ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْأَمْرِ، كَمَا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُسَلِّمَ الْمَرِيضُ نَفْسَهُ إِلَى أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِطَبِيبٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ/ فَاقِدَ الْعَقْلِ، وَإِذَا/ كَانَ كَذَلِكَ/ فَإِنَّمَا يَنْقَادُ إِلَى الْمُفْتِي مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ عَالِمٌ بِالْعِلْمِ الَّذِي يَجِبُ الِانْقِيَادُ إِلَيْهِ، لَا مِنْ جِهَةِ كونه فلانًا (أو فلانًا) (٤)، (وَهَذِهِ) (٥) الْجُمْلَةُ أَيْضًا لَا يَسْعُ الْخِلَافُ فِيهَا عَقْلًا وَلَا شَرْعًا.\nوَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ بَالِغٍ مَبْلَغَ الْمُجْتَهِدِينَ، لَكِنَّهُ يَفْهَمُ الدَّلِيلَ وَمَوْقِعَهُ، وَيَصْلُحُ فَهْمُهُ لِلتَّرْجِيحِ بِالْمُرَجِّحَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ (فِي) (٦) تَحْقِيقِ المناط ونحوه، فلا يخلو (أن) (٧) يعتبر ترجيحه ونظره، أَوْ لَا؟ فَإِنِ اعْتَبَرْنَاهُ صَارَ مِثْلَ الْمُجْتَهِدِ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ، وَالْمُجْتَهِدُ إِنَّمَا هُوَ تَابِعٌ لِلْعِلْمِ الْحَاكِمِ نَاظِرٌ نَحْوَهُ، مُتَوَجِّهٌ شَطْرَهُ: فَالَّذِي يشبهه كذلك، وإن لم نعتبره فلا بد من\n_________\n(١) ما بين القوسين زيادة من (ت) و(غ) و(ر).\n(٢) في (ت): \"قوله ليس\".\n(٣) في (ت): \"إلى حكمه\".\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (ط).\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"أيضًا وهذه\".\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فيه\".\n(٧) في (ت) و(ط) و(خ): \"إما أن\".","vol":"3","page":314},{"text":"(رُجُوعِهِ) (١) إِلَى دَرَجَةِ الْعَامِّيِّ، وَالْعَامِّيُّ إِنَّمَا اتَّبَعَ الْمُجْتَهِدَ مِنْ جِهَةِ تَوَجُّهِهِ/ إِلَى صَوْبِ الْعِلْمِ الْحَاكِمِ، فَكَذَلِكَ مَنْ نَزَلَ مَنْزِلَتَهُ.\nثُمَّ نَقُولُ: إن هذا مذهب الصحابة ﵃، أَمَّا النَّبِيُّ ﷺ فَاتِّبَاعُهُ لِلْوَحْيِ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ، وَأَمَّا أَصْحَابُهُ فَاتِّبَاعُهُمْ لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ بِمُؤَالِفٍ أَوْ مُخَالِفٍ شَهِيرٍ عَنْهُمْ، فَلَا (نُطِيلُ الِاسْتِدْلَالَ) (٢) عَلَيْهِ.\n/فَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا يَتَّبِعُ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَّا مِنْ حَيْثُ هُوَ مُتَوَجِّهٌ نَحْوَ الشَّرِيعَةِ قَائِمٌ بِحُجَّتِهَا، حَاكِمٌ بِأَحْكَامِهَا جملة وتفصيلًا، وإنه (متى) (٣) وُجِدَ مُتَوَجِّهًا غَيْرَ تِلْكَ الْوُجْهَةِ فِي جُزْئِيَّةٍ مِنَ الْجُزْئِيَّاتِ أَوْ فَرْعٍ مِنَ الْفُرُوعِ لَمْ يَكُنْ حَاكِمًا وَلَا اسْتَقَامَ أَنْ يَكُونَ مُقْتَدًى بِهِ فِيمَا حَادَ فِيهِ عَنْ صَوْبِ الشَّرِيعَةِ أَلْبَتَّةَ.\nفَيَجِبُ إِذًا عَلَى النَّاظِرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَمْرَانِ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُجْتَهِدٍ:\nأَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَتَّبِعَ الْعَالِمَ إِلَّا مِنْ جِهَةِ ما هو عالم بالعلم المحتاج إليه (من) (٤) حَيْثُ هُوَ طَرِيقٌ إِلَى اسْتِفَادَةِ ذَلِكَ الْعِلْمِ، إِذْ لَيْسَ لِصَاحِبِهِ مِنْهُ إِلَّا كَوْنُهُ مُودَعًا لَهُ، وَمَأْخُوذًا/ (بِأَدَاءِ) (٥) تِلْكَ الْأَمَانَةِ، حَتَّى إِذَا علم أو غلب على ظنه أَنَّهُ مُخْطِئٌ فِيمَا يُلْقِي، أَوْ تَارِكٌ لِإِلْقَاءِ تِلْكَ الْوَدِيعَةِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، أَوْ مُنْحَرِفٌ عَنْ صَوْبِهَا بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الِانْحِرَافِ، تَوَقَّفَ وَلَمْ يُصِرَّ عَلَى الِاتِّبَاعِ إِلَّا بَعْدَ التَّبْيِينِ، إِذْ لَيْسَ كُلُّ مَا يُلْقِيهِ الْعَالِمُ يَكُونُ حَقًّا عَلَى الْإِطْلَاقِ، لِإِمْكَانِ الزَّلَلِ وَالْخَطَإِ وغلبة (الهوى) (٦) فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. أَمَّا إذا كان هذا المتبع (ماهرًا) (٧) فِي الْعِلْمِ وَمُتَبَصِّرًا فِيمَا يُلْقِي إِلَيْهِ كَأَهْلِ الْعِلْمِ فِي زَمَانِنَا، فَإِنَّ تَوَصُّلَهُ/ إِلَى/ الْحَقِّ سَهْلٌ، لِأَنَّ الْمَنْقُولَاتِ فِي الْكُتُبِ إِمَّا تَحْتَ حِفْظِهِ، وَإِمَّا مُعَدَّةٌ لِأَنْ يُحَقِّقَهَا بِالْمُطَالَعَةِ أَوِ المذاكرة.\n_________\n(١) في (ر): \"رجوعها\".\n(٢) في (غ) و(ر): \"نطول بالاستدلال\".\n(٣) في (ط) و(خ): \"من\".\n(٤) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"ومن\".\n(٥) في (م) و(خ) و(ن): \"به\". وفي (غ) و(ر): \"به في\".\n(٦) في (ط) و(خ) و(ت): الظن.\n(٧) في سائر النسخ: \"ناظرًا\" والتصحيح من هامش (ت).","vol":"3","page":315},{"text":"وَأَمَّا إِنْ كَانَ عَامِّيًّا صِرْفًا، فَيَظْهَرُ لَهُ الْإِشْكَالُ عِنْدَمَا يَرَى الِاخْتِلَافَ/ بَيْنَ النَّاقِلِينَ لِلشَّرِيعَةِ، فلا بد له ها هنا مِنَ الرُّجُوعِ آخِرًا إِلَى تَقْلِيدِ بَعْضِهِمْ، إِذْ لَا يُمْكِنُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ تَقْلِيدُ مُخْتَلِفِينَ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّهُ مُحَالٌ (وَخَرْقٌ) (١) لِلْإِجْمَاعِ ألا ترى أن القولين إذا وردا على المقلد (٢) فَلَا يَخْلُو أَنْ يُمْكِنَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْعَمَلِ أَوْ لَا يُمْكِنُهُ، فَإِنْ لَمْ (يُمْكِنْهُ) (٣) كَانَ عَمَلُهُ بِهِمَا (مَعًا) (٤) مُحَالًا، وَإِنْ أَمْكَنَهُ صَارَ عَمَلُهُ لَيْسَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، بَلْ هُوَ قَوْلٌ ثَالِثٌ لَا قَائِلَ بِهِ، وَيُعَضِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا نَجِدُ صُورَةَ ذَلِكَ الْعَمَلِ مَعُمُولًا بِهَا فِي الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ.\n/وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُقَلِّدُ إِلَّا وَاحِدًا، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي أَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ مِنْ صَاحِبِهِ، وَلِذَلِكَ خَالَفَهُ، وَإِلَّا لَمْ يُخَالِفْهُ، وَالْعَامِّيُّ جَاهِلٌ بمواقع الاجتهاد، فلا بد لَهُ مِمَّنْ يُرْشِدُهُ إِلَى مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إلى الحق منهما، وذلك إنما يثبت للعامي بطريق جملي، وَهُوَ تَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِالْأَعْلَمِيَّةِ وَالْأَفْضَلِيَّةِ، ويظهر ذلك من جمهور العلماء والطالبين الذين لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ. لِأَنَّ الْأَعْلَمِيَّةَ تَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْعَامِّيِّ أَنَّ صَاحِبَهَا أَقْرَبُ إلى صوب (الصواب في) (٥) الْعِلْمِ الْحَاكِمِ لَا مِنْ/ جِهَةٍ أُخْرَى، فَإِذًا لَا يُقَلِّدُ إِلَّا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ حَاكِمًا بِالْعِلْمِ الْحَاكِمِ.\nوَالْأَمْرُ الثَّانِي: أَنْ لَا يُصَمِّمَ عَلَى تَقْلِيدِ مَنْ تَبَيَّنَ لَهُ فِي تَقْلِيدِهِ الْخَطَأُ شَرْعًا وَذَلِكَ أَنَّ الْعَامِّيَّ وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُ قَدْ يَكُونُ مُتَّبِعًا لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ - إِمَّا لِكَوْنِهِ أرجح من غيره (عنده) (٦)، أَوْ عِنْدَ أَهْلِ قُطْرِهِ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ أَهْلُ قُطْرِهِ فِي التَّفَقُّهِ فِي مَذْهَبِهِ دُونَ مَذْهَبِ غَيْرِهِ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فإذا تبين له في بعض مسائل (متبوعه) (٧) الْخَطَأُ وَالْخُرُوجُ عَنْ صَوْبِ الْعِلْمِ الْحَاكِمِ فَلَا يَتَعَصَّبُ لِمَتْبُوعِهِ بِالتَّمَادِي عَلَى اتِّبَاعِهِ فِيمَا ظَهَرَ فيه خطؤه، لأن\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (ط): \"أو خرق\".\n(٢) ما بين () زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) في (ط): \"يمكنه بهما\".\n(٤) زيادة من (خ) و(ت) و(غ) و(ر).\n(٥) ما بين القوسين زيادة من (ت).\n(٦) ما بين القوسين زيادة من (ت).\n(٧) في (ط): متنوعة.","vol":"3","page":316},{"text":"تَعَصُّبَهُ يُؤَدِّي إِلَى مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ أَوَّلًا، ثُمَّ إِلَى مُخَالَفَةِ مَتْبُوعِهِ، أَمَّا خِلَافُهُ لِلشَّرْعِ فَبِالْعَرْضِ، وَأَمَّا خِلَافُهُ لِمَتْبُوعِهِ فَلِخُرُوجِهِ عَنْ شَرْطِ الِاتِّبَاعِ، لِأَنَّ كُلَّ عَالِمٍ يُصَرِّحُ أَوْ يُعَرِّضُ بِأَنَّ اتِّبَاعَهُ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى شَرْطِ أَنَّهُ حَاكِمٌ بِالشَّرِيعَةِ لَا/ بِغَيْرِهَا، فَإِذَا ظَهَرَ أَنَّهُ حَاكِمٌ بخلاف الشريعة خرج عن شرط متبوعه (فلم يكن تابعًا له، فتأملوا كيف يخرج عن تقليد مَتْبُوعِهِ) (١) بِالتَّصْمِيمِ عَلَى تَقْلِيدِهِ.\n//وَمِنْ مَعْنَى كَلَامِ مالك بن أنس ﵀: مَا كَانَ مِنْ كَلَامِي مُوَافِقًا للكتاب والسنة فخذوا به، وما لم (يوافقه) (٢) فَاتْرُكُوهُ (٣). هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ دُونَ لَفْظِهِ.\nوَمِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ﵀: الْحَدِيثُ مَذْهَبِي فَمَا خَالَفَهُ فَاضْرِبُوا بِهِ الْحَائِطَ (٤)، أَوْ كَمَا قَالَ.\nقَالَ الْعُلَمَاءُ: وَهَذَا لِسَانُ/ حَالِ الْجَمِيعِ.\nوَمَعْنَاهُ/ أن كل ما يتكلمون به (فإنما يقولون به) (٥) على (تحري) (٦) أنه مطابق للشريعة الْحَاكِمَةَ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَا لَا فَلَيْسَ بِمَنْسُوبٍ إِلَى الشَّرِيعَةِ، وَلَا هُمْ أَيْضًا مِمَّنْ يُرْضَى أَنْ تُنْسَبَ إِلَيْهِمْ مُخَالَفَتُهَا.\nلَكِنْ يُتَصَوَّرُ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَجْهَانِ: أَنْ يَكُونَ الْمَتْبُوعُ مُجْتَهِدًا، فَالرُّجُوعُ فِي التَّخْطِئَةِ وَالتَّصْوِيبِ إِلَى مَا اجْتَهَدَ فِيهِ، وَهُوَ الشَّرِيعَةُ وَأَنْ يَكُونَ مُقَلِّدًا لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ، كَالْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ مِنْ شَأْنِهِمْ تَقْلِيدُ الْمُتَقَدِّمِينَ بِالنَّقْلِ مِنْ كُتُبِهِمْ وَالتَّفَقُّهِ فِي مَذَاهِبِهِمْ، فَالرُّجُوعُ فِي التَّخْطِئَةِ/ وَالتَّصْوِيبُ إِلَى صِحَّةِ النَّقْلِ عَمَّنْ نَقَلُوا عَنْهُ وَمُوَافَقَتُهُمْ لِمَنْ قَلَّدُوا، أَوْ خِلَافَ ذَلِكَ، لِأَنَّ هَذَا الْقِسْمَ\n_________\n(١) ما بين () زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) في (ت) و(م) و(غ) و(ر): \"يوافق\".\n(٣) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم برقم (١٤٣٥، ١٤٣٦).\n(٤) انظر: مختصر المؤمل (٥٧ - ٦١)، وتعليق المحقق (ص٦١ ت٢١٩).\n(٥) زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) في (ط) و(خ) و(ت): \"ما تحرى\".","vol":"3","page":317},{"text":"مقلدون (بالفرض) (١)، فَلَا يَسَعُهُمُ الِاجْتِهَادُ فِي اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ، إِذْ لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَتَهُ، فَلَا يَصِحُّ تَعَرُّضُهُمْ لِلِاجْتِهَادِ فِي الشَّرِيعَةِ مَعَ قُصُورِهِمْ عَنْ دَرَجَتِهِ، فَإِنْ فُرِضَ انْتِصَابُهُ لِلِاجْتِهَادِ، فَهُوَ مُخْطِئٌ آثِمٌ أَصَابَ أَمْ لَمْ يُصِبْ، لِأَنَّهُ أَتَى الْأَمْرَ مِنْ (غَيْرِ بَابِهِ) (٢)، وَانْتَهَكَ حُرْمَةَ (الدَّرَجَةِ) (٣) وقَفا مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، فَإِصَابَتُهُ - إِنْ أَصَابَ - مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي، وَخَطَؤُهُ هُوَ الْمُعْتَادُ، فَلَا يَصِحُّ اتِّبَاعُهُ كَسَائِرِ الْعَوَامِّ إِذَا رَامُوا الاجتهاد في أحكام الله، ولا خلاف (أَنَّ) (٤) مِثْلَ هَذَا الِاجْتِهَادِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَأَنَّ مُخَالَفَةَ الْعَامِّيِّ كَالْعَدَمِ/ وَأَنَّهُ فِي مُخَالَفَتِهِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ آثِمٌ مُخْطِئٌ، فَكَيْفَ يَصِحُّ - مَعَ هَذَا التقرير - تقليد غير مجتهد في مسألة (أفتى) (٥) فِيهَا بِاجْتِهَادِهِ؟\nوَلَقَدْ زلَّ بِسَبَبِ الْإِعْرَاضِ عَنِ (أصل) (٦) الدَّلِيلِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَى الرِّجَالِ أَقْوَامٌ خَرَجُوا بِسَبَبِ ذلك عن جادة الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين، وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فضلُّوا عَنْ سَوَاءِ السبيل.\nولنذكر لذلك عَشَرَةَ أَمْثِلَةً:\nأَحَدُهَا: وَهُوَ (أَشَدُّهَا) (٧)، قَوْلُ مَنْ جَعَلَ اتِّبَاعَ الْآبَاءِ فِي أَصْلِ الدِّينِ هُوَ الْمَرْجُوعُ (إِلَيْهِ) (٨) دُونَ غَيْرِهِ، حَتَّى رَدُّوا بِذَلِكَ بَرَاهِينَ الرِّسَالَةِ، وَحُجَّةَ الْقُرْآنِ وَدَلِيلَ الْعَقْلِ فَقَالُوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٩) الآية، فَحِينَ نُبِّهُوا عَلَى وَجْهِ الْحُجَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ (١٠)، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَوَابٌ إِلَّا الْإِنْكَارُ، اعْتِمَادًا عَلَى اتِّبَاعِ الْآبَاءِ وَاطِّرَاحًا لِمَا سِوَاهُ، وَلَمْ يَزَلْ مِثْلُ هَذَا مَذْمُومًا فِي الشَّرَائِعِ، كَمَا حَكَى اللَّهُ عَنْ قَوْمِ نُوحٍ ﵇ بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"بالعرض\".\n(٢) في (ط) و(م) و(خ): \"غيره\".\n(٣) ساقط من (غ) و(ر).\n(٤) في (غ) و(ر): \"في أن\".\n(٥) في (ط) و(خ) و(م): \"أتى\".\n(٦) زيادة من (غ) و(ر).\n(٧) في هامش (ت): \"أشرها أو أفسدها\".\n(٨) ساقط من (غ) و(ر).\n(٩) سورة الزخرف: الآية (٢٢).\n(١٠) سورة الزخرف: الآية (٢٤).","vol":"3","page":318},{"text":"اللَّهُ لأَنْزَلَ مَلاَئِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ (١)، وَعَنْ قَوْمِ إِبْرَاهِيمَ/ ﵊ بِقَوْلِهِ تعالى: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ *﴾ / أؤ إ ئء ف (ص)!! ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ *قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ *﴾ (٢)، إلى (غير) (٣) ذَلِكَ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ، فَكَانَ الْجَمِيعُ مَذْمُومِينَ حين اعتبروا (الرجال) (٤) وَاعْتَقَدُوا أَنَّ الْحَقَّ تَابِعٌ لَهُمْ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلى أن الحق هو المقدم (على الرجال) (٥).\nوَالثَّانِي: رَأْيُ الْإِمَامِيَّةِ (٦) فِي اتِّبَاعِ الْإِمَامِ الْمَعْصُومِ - فِي زَعْمِهِمْ - وَإِنْ خَالَفَ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ الْمَعْصُومُ حَقًّا، وَهُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ/ فَحَكَّمُوا الرِّجَالَ عَلَى الشَّرِيعَةِ وَلَمْ يُحَكِّمُوا الشَّرِيعَةَ عَلَى الرِّجَالِ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ لِيَكُونَ حَكَمًا عَلَى الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ.\n/وَالثَّالِثُ: لَاحِقٌ بِالثَّانِي، وَهُوَ مَذْهَبُ الْفِرْقَةِ الْمَهْدَوِيَّةِ (٧) الَّتِي جَعَلَتْ أَفْعَالَ مَهْدِيِّهِمْ حُجَّةً، وَافَقَتْ حُكْمَ الشَّرِيعَةِ أَوْ خَالَفَتْ، بَلْ جَعَلُوا أَكْثَرَ ذَلِكَ أَنْفِحَةً فِي عَقْدِ إِيمَانِهِمْ، مَنْ خَالَفَهَا كَفَّرُوهُ وَجَعَلُوا حُكْمَهُ حُكْمَ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ،/ وَقَدْ تَقَدَّمَ من ذلك أمثلة.\nوالرابع: رأي بعض الْمُقَلِّدَةِ لِمَذْهَبِ إِمَامٍ يَزْعُمُونَ أَنَّ إِمَامَهُمْ هُوَ الشَّرِيعَةُ، بِحَيْثُ يَأْنَفُونَ أَنْ تُنْسَبَ إِلَى أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَضِيلَةٌ دُونَ إِمَامِهِمْ، حَتَّى إِذَا جاءهم (أحد ممن) (٨) بلغ درجة الاجتهاد وتكلم في المسائل\n_________\n(١) سورة المؤمنون: الآية (٢٤).\n(٢) سورة الشعراء: الآيات (٧٢ - ٧٤).\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"آخر\".\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) انظر الملحق رقم (١).\n(٧) الظاهر أنه يقصد بذلك الموحدين أتباع المهدي - المزعوم - محمد بن تومرت، والذي ظهر سنة بضع وخمسمائة، وتوفي سنة ٥٢٤هـ، وكان ينتسب إلى الحسن ﵁، وقد ادعى المهدية غيره كثير منهم عبيد الله بن ميمون القداح الباطني. انظر ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٤ ٩٨ - ١٠٢).\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"من\".","vol":"3","page":319},{"text":"(باجتهاده) (١) وَلَمْ يَرْتَبِطْ إِلَى إِمَامِهِمْ رَمَوْهُ بِالنَّكِيرِ، وَفَوَّقُوا إِلَيْهِ سِهَامَ النَّقْدِ، وَعَدُّوهُ مِنَ الْخَارِجِينَ عَنِ الْجَادَّةِ، وَالْمُفَارِقِينَ لِلْجَمَاعَةِ، مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ مِنْهُمْ بِدَلِيلٍ، بَلْ (بِمُجَرَّدِ) (٢) الِاعْتِيَادِ الْعَامِّيِّ.\nوَلَقَدْ لَقِيَ الْإِمَامُ بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ حِينَ دَخَلَ الْأَنْدَلُسَ آتِيًا مِنَ الْمَشْرِقِ مِنْ هَذَا الصِّنْفِ الأمرَّيْن، حَتَّى أَصَارُوهُ مَهْجُورَ الْفَنَاءِ، مُهْتَضَمَ الْجَانِبِ، لِأَنَّهُ (جاءهم) (٣) مِنِ الْعِلْمِ بِمَا لَا (يَدَيْ) (٤) لَهُمْ بِهِ، إِذْ لَقِيَ بِالْمَشْرِقِ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَأَخَذَ عَنْهُ مُصَنَّفَهُ وَتَفَقَّهَ عَلَيْهِ، وَلَقِيَ أَيْضًا غَيْرُهُ، حَتَّى صَنَّفَ الْمُسْنَدَ الْمُصَنَّفَ الَّذِي لَمْ يُصَنَّفْ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلُهُ، وَكَانَ هَؤُلَاءِ الْمُقَلِّدَةُ قَدْ صَمَّمُوا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ، بِحَيْثُ أَنْكَرُوا/ ما عداه/ وهذا (هو) (٥) تَحْكِيمُ الرِّجَالِ عَلَى الْحَقِّ، وَالْغُلُوُّ فِي مَحَبَّةِ الْمَذْهَبِ، وَعَيْنُ الْإِنْصَافِ (تَرَى) (٦) أَنَّ الْجَمِيعَ أَئِمَّةٌ فُضَلَاءُ، فَمَنْ كَانَ مُتَّبِعًا لِمَذْهَبِ مُجْتَهِدٍ لِكَوْنِهِ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ فَلَا (يَضُرُّهُ مُخَالَفَةُ غَيْرِ إِمَامِهِ لِإِمَامِهِ) (٧)، لِأَنَّ الْجَمِيعَ سَالِكٌ عَلَى الطَّرِيقِ الْمُكَلَّفِ بِهِ، فَقَدْ يُؤَدِّي التَّغَالِي فِي التقليد إلى إنكار (ما) (٨) أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى تَرْكِ إِنْكَارِهِ.\nوَالْخَامِسُ: رَأْيُ (نابغة) (٩) مُتَأَخِّرَةِ الزَّمَانِ مِمَّنْ يَدَّعِي التَّخَلُّقَ بِخُلُقِ أَهْلِ التَّصَوُّفِ الْمُتَقَدِّمِينَ، أَوْ يَرُومُ الدُّخُولَ فِيهِمْ، يَعْمِدُونَ إِلَى مَا نُقِلَ عَنْهُمْ فِي الْكُتُبِ/ مِنَ/ الْأَحْوَالِ الْجَارِيَةِ عَلَيْهِمْ أَوِ الْأَقْوَالِ الصَّادِرَةِ عَنْهُمْ، فَيَتَّخِذُونَهَا دِينًا وَشَرِيعَةً لِأَهْلِ الطَّرِيقَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مُخَالِفَةً لِلنُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَوْ مُخَالِفَةً لِمَا جَاءَ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، لَا يلتفتون معها إلى فتيا\n_________\n(١) زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"مجرد\".\n(٣) ما بين القوسين زيادة من \"ت\" و(غ) و(ر).\n(٤) في (ت): \"علم\".\n(٥) زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (م) و(غ) و(ر).\n(٧) في (غ) و(ر): \"يضيره مخالفة إمامه\".\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"لما\".\n(٩) في (ط): \"نابتة\".","vol":"3","page":320},{"text":"(فقيه) (١) وَلَا نَظَرِ عَالِمٍ، بَلْ يَقُولُونَ: إِنَّ صَاحِبَ هَذَا الْكَلَامِ ثَبَتَتْ وِلَايَتُهُ، فَكُلُّ مَا يَفْعَلُهُ أو يقوله حق، وإن كان مخالفًا (للفقه) (٢) فَهُوَ أَيْضًا مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ، وَالْفِقْهُ لِلْعُمُومِ. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْخُصُوصِ.\nفَتَرَاهُمْ يُحْسِنُونَ الظَّنَّ بِتِلْكَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَلَا يُحْسِنُونَ الظَّنَّ بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَهُوَ عَيْنُ اتِّبَاعِ الرِّجَالِ وَتَرْكِ الْحَقِّ، مَعَ أَنَّ أُولَئِكَ الْمُتَصَوِّفَةَ الَّذِينَ يُنْقَلُ عَنْهُمْ، لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ مَا نُقِلَ عَنْهُمْ كَانَ فِي النِّهَايَةِ دُونَ الْبِدَايَةِ، وَلَا عُلِمَ أَنَّهُمْ كَانُوا/ مُقِرِّينَ بِصِحَّةِ مَا صَدَرَ عَنْهُمْ أَمْ لَا، وَأَيْضًا فَقَدْ يَكُونُ (مِنْ أَئِمَّةِ التَّصَوُّفِ وَغَيْرِهِمْ) (٣) مَنْ (زَلَّ) (٤) زَلَّةً يَجِبُ سَتْرُهَا عَلَيْهِ، فَيَنْقُلُهَا عَنْهُ مَنْ لَا يَعْلَمُ حَالَهُ مِمَّنْ لَمْ يَتَأَدَّبْ بِطَرِيقِ الْقَوْمِ كُلَّ التَّأَدُّبِ.\nوَقَدْ حَذَّرَ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنْ زَلَّةِ الْعَالِمِ، وَجَعَلُوهَا مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي تَهْدِمُ الدِّينَ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا ظَهَرَتْ فَتَطِيرُ فِي النَّاسِ كُلَّ مَطَارٍ، فَيَعُدُّونَهَا دِينًا، وَهِيَ ضِدُّ الدِّينِ، فَتَكُونُ الزَّلَّةُ حُجَّةً فِي الدِّينِ.\nفَكَذَلِكَ أَهْلُ/ التصوف لا بد (من وقوع الزلل فيهم في الجملة إذ ليسوا بمعصومين وقد أقر القوم بوقوع المعاصي منهم وليس من محققيهم من ينفيها فإذًا لا بد) (٥) فِي الِاقْتِدَاءِ بِالصُّوفِيِّ مِنْ عَرْضِ أَقْوَالِهِ (وَأَفْعَالِهِ) (٦) عَلَى حَاكِمٍ يَحْكُمُ عَلَيْهَا: هَلْ هِيَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُتَّخَذُ دِينًا أَمْ لَا؟ وَالْحَاكِمُ (الحق) (٧) هو الشرع (كما نعرض) (٨) أقوال العالم (عَلَى) (٩) الشَّرْعِ أَيْضًا، وَأَقَلُّ ذَلِكَ فِي الصُّوفِيِّ أَنْ نَسْأَلَهُ عَنْ تِلْكَ الْأَعْمَالِ إِنْ كَانَ عَالِمًا بِالْفِقْهِ، كَالْجُنَيْدِ وَغَيْرِهِ ﵏.\nوَلَكِنَّ هؤلاء (النابغة) (١٠) لا يفعلون ذلك، فصاروا متبعين للرجال من\n_________\n(١) في (ط): \"مفت\". وفي (م) و(خ) و(ت): \"مفتي\".\n(٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) في (ت) بياض بمقدار نصف سطر.\n(٤) في (غ) و(ر): \"يزل\".\n(٥) ما بين () زيادة من (غ) و(ر).\n(٦) ساقط من (غ) و(ر).\n(٧) زيادة من (غ) و(ر).\n(٨) زيادة من (غ) و(ر).\n(٩) في (ط): \"تعرض على\".\n(١٠) في (م) و(خ) و(ت): \"التابعة\". وفي (ط): \"النابتة\".","vol":"3","page":321},{"text":"حَيْثُ هُمْ رِجَالٌ لَا مِنْ حَيْثُ هُمْ (حاكمون) (١) بِالْحَاكِمِ الْحَقِّ، وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ وَمَا عَلَيْهِ الْمُتَصَوِّفَةُ أَيْضًا، (إِذْ) (٢) قَالَ إِمَامُهُمْ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ: مَذْهَبُنَا (مَبْنِيٌّ عَلَى) (٣) ثَلَاثَةِ (أُصُولٍ) (٤): الِاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي الْأَخْلَاقِ/ وَالْأَفْعَالِ،/ وَالْأَكْلِ مِنَ الْحَلَالِ، وَإِخْلَاصِ النِّيَّةِ فِي جَمِيعِ الْأَعْمَالِ (٥). وَلَمْ يَثْبُتْ فِي طَرِيقِهِمُ اتِّبَاعُ الرِّجَالِ عَلَى (انْحِرَافٍ) (٦)، وَحَاشَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ، بَلِ اتِّبَاعُ الرِّجَالِ، شأن أهل الضلال.\nوالسادس: رأي (نابغة) (٧) فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ أَعْرَضُوا عَنِ النَّظَرِ فِي العلم الذي (أَرَادُوا) (٨) الْكَلَامَ فِيهِ وَالْعَمَلَ بِحَسْبِهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى تَقْلِيدِ بَعْضِ الشُّيُوخِ (الَّذِينَ) (٩) (أَخَذُوا) (١٠) عَنْهُمْ فِي زَمَانِ الصِّبَا الَّذِي هُوَ/ مَظِنَّةٌ لِعَدَمِ التَّثَبُّتِ مِنَ الْآخِذِ، أَوِ التَّغَافُلِ مِنَ الْمَأْخُوذِ (عنهم) (١١)، ثُمَّ جَعَلُوا أُولَئِكَ الشُّيُوخَ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الكمال، ونسبوا إليهم ما (أنِسوا) (١٢) به من الخطأ، أو (ما) (١٣) فَهِمُوا عَنْهُمْ عَلَى غَيْرِ تَثَبُّتٍ وَلَا سُؤَالٍ عَنْ تَحْقِيقِ الْمَسْأَلَةِ الْمَرْوِيَّةِ، وردُّوا جَمِيعَ مَا نُقِلَ عَنِ الْأَوَّلِينَ مِمَّا هُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ، كَمَسْأَلَةِ الْبَاءِ الْوَاقِعَةِ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ، فَإِنَّ طَائِفَةً مِمَّنْ تَظَاهَرَ بِالِانْتِصَابِ لِلْإِقْرَاءِ زَعَمَ أَنَّهَا (الباء) (١٤) الرَّخْوَةُ (١٥) الَّتِي اتَّفَقَ الْقُرَّاءُ - وَهُمْ أَهْلُ صِنَاعَةِ الأداء، والنحويون أيضًا - وهم الناقلون (حقيقة النطق بها) (١٦) عن العرب ـ\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"راجحون\".\n(٢) ساقط من (غ) و(ر).\n(٣) ساقط من (غ) و(ر).\n(٤) في (غ) و(ر): \"أوصاف\".\n(٥) بنحوه في الحلية (١٠ ١٩٠)، والطبقات الكبرى للشعراني (١ ٧٨).\n(٦) في (غ) و(ر): \"الجزاف\".\n(٧) في (خ): \"تابعة\". وفي (ط): \"نابتة\".\n(٨) في (م): \"هو أرادوا\". وفي (ط) و(خ) و(ت): \"هم أرادوا\".\n(٩) ساقط من (غ) و(ر).\n(١٠) في (م) و(غ) و(ر): \"أخذًا\".\n(١١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"عنه\".\n(١٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"نسبوا\".\n(١٣) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(١٥) الباء من صفاتها الشدة والجهر، وليست من الحروف الرخوة، كما قرأها هذا المقرئ المشار إليه. انظر: هداية القاري (ص٩٩).\n(١٦) ما بين القوسين ساقط من (خ) و(ط).","vol":"3","page":322},{"text":"عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَأْتِ إِلَّا فِي لُغَةٍ مَرْذُولَةٍ لَا يُؤْخَذُ بِهَا وَلَا يُقْرَأُ بِهَا الْقُرْآنُ، وَلَا نُقِلَتِ الْقِرَاءَةُ بِهَا/ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِذَلِكَ الشَّأْنِ، وَإِنَّمَا الْبَاءُ الَّتِي يَقْرَأُ بِهَا - وَهِيَ الْمَوْجُودَةُ فِي كُلِّ لُغَةٍ فَصِيحَةٍ - الْبَاءُ الشَّدِيدَةُ، فَأَبَى هَؤُلَاءِ مِنِ الْقِرَاءَةِ والإقراء بها، بناء على أن (التي) (١) قرأوا (بِهَا) (٢) عَلَى الشُّيُوخِ الَّذِينَ لَقُوهُمْ هِيَ تِلْكَ لَا هَذِهِ، مُحْتَجِّينَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا/ عُلَمَاءَ وَفُضَلَاءَ، فَلَوْ كَانَتْ خَطَأً (لَرَدُّوهَا) (٣) عَلَيْنَا، وَأَسْقَطُوا النَّظَرَ وَالْبَحْثَ عَنْ أَقْوَالِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِيهَا رَأْسًا تَحْسِينَ ظَنٍّ بِالرِّجَالِ، وَتُهَمَةً لِلْعِلْمِ، فَصَارَتْ بِدْعَةً جَارِيَةً (في الناس) (٤) - أَعْنِي الْقِرَاءَةَ بِالْبَاءِ الرَّخْوَةِ - مُصَرَّحًا بِأَنَّهَا الْحَقُّ الصَّرِيحُ، فَنُعَوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْمُخَالَفَةِ.\nوَلَقَدْ لَجَّ بَعْضُهُمْ حِينَ وُجِّهُوا بِالنَّصِيحَةِ فَلَمْ يَرْجِعُوا، فَكَانَ القرشي (المغربي) (٥) أَقْرَبَ مَرَامًا مِنْهُمْ.\nحُكِيَ/ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغِيثٍ (٦) أَنَّهُ قَالَ: أَدْرَكْتُ/ بِقُرْطُبَةَ (٧) مُقْرِئًا يُعْرَفُ بِالْقُرَشِيِّ، وَكَانَ لَا يُحْسِنُ النَّحْوَ فَقَرَأَ عَلَيْهِ قَارِئٌ يَوْمًا: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ *﴾ (٨) فردَّ عَلَيْهِ الْقُرَشِيُّ: تحيدٌ بِالتَّنْوِينِ، فَرَاجَعَهُ الْقَارِئُ - وَكَانَ يُحْسِنُ النَّحْوَ - (فلجَّ) (٩) عَلَيْهِ الْمُقْرِئُ وَثَبَتَ عَلَى التَّنْوِينِ، فَانْتَشَرَ الْخَبَرُ إِلَى أَنْ بَلَغَ يَحْيَى بْنَ مُجَاهِدٍ الْأَلْبِيرِيَّ الزَّاهِدَ (١٠) وَكَانَ صَدِيقًا لهذا المقري، فَنَهَضَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا سلَّم عَلَيْهِ وَسَأَلَهُ عَنْ\n_________\n(١) في (م) و(خ) و(غ) و(ر): \"الذي\".\n(٢) في (غ) و(ر): \"به\".\n(٣) في (غ) و(ر): \"يردونا\".\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) في (غ) و(ر): \"المقري\".\n(٦) لم أجد له ترجمة فيما اطلعت عليه من مصادر، وفي تراجم الأندلسيين من اسمه: يونس بن عبد الله بن محمد بن مغيث أبو الوليد ويعرف بابن القصار القرطبي (ت٤٢٩هـ) له ترجمة في الديباج المذهب (٢ ٣٧٤)، لكن ليس هو المقصود، لأن القصة حدثت مع يحيى بن مجاهد - تقدمت ترجمته - وتوفي يحيى بن مجاهد (٣٣٦هـ).\n(٧) هي عاصمة بني أمية في الأندلس، وهي تقع - تقريبًا - في وسط الأندلس. انظر: معجم البلدان (٤ ٣٢٤).\n(٨) سورة ق: الآية (١٩).\n(٩) في (ت) و(م) و(غ) و(ر): \"فلح\".\n(١٠) تقدمت ترجمته (٢ ٤٤١).","vol":"3","page":323},{"text":"حَالِهِ قَالَ لَهُ ابْنُ مُجَاهِدٍ: أَنَّهُ بعُد عَهْدِي بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى مُقْرِئٍ فَأَرَدْتُ تَجْدِيدَ ذَلِكَ عَلَيْكَ فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أُرِيدُ (أَنْ) (١) أَبْتَدِئَ بِالْمُفَصَّلِ فَهُوَ الَّذِي يَتَرَدَّدُ فِي الصَّلَوَاتِ، فقال (له) (٢) الْمُقْرِئُ: مَا شِئْتَ. فَقَرَأَ عَلَيْهِ مِنْ أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ، فَلَمَّا بَلَغَ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ رَدَّهَا عَلَيْهِ الْمُقْرِئُ بِالتَّنْوِينِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ مُجَاهِدٍ: لَا تَفْعَلْ، مَا هِيَ إِلَّا غَيْرُ مُنَوَّنَةٍ بِلَا شَكٍّ، (فلجَّ) (٣) الْمُقْرِئُ، فَلَمَّا رَأَى ابْنُ مُجَاهِدٍ تَصْمِيمَهُ/ قَالَ لَهُ: يَا أَخِي إِنِّي لَمْ يَحْمِلْنِي عَلَى الْقِرَاءَةِ عَلَيْكَ إِلَّا لِتُرَاجِعَ الْحَقَّ فِي لُطْفٍ، وَهَذِهِ عَظِيمَةٌ أَوْقَعَكَ فِيهَا قِلَّةُ عِلْمِكَ بِالنَّحْوِ، فَإِنَّ الْأَفْعَالَ لَا يَدْخُلُهَا التَّنْوِينُ، فَتَحَيَّرَ الْمُقْرِئُ، إِلَّا أَنَّهُ/ لَمْ يَقْنَعْ بِهَذَا، فقال له ابن مجاهد: بيني وبينك المصاحف، فأحضر منها جُمْلَةً فَوَجَدُوهَا مَشْكُولَةً بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، فَرَجَعَ الْمُقْرِئُ إِلَى الْحَقِّ. انْتَهَتِ الْحِكَايَةُ.\nوَيَا لَيْتَ مَسْأَلَتَنَا مِثْلُ هَذِهِ، وَلَكِنَّهُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ أَبَوُا الانقياد إلى الصواب.\nوالسابع: رأي (نابغة) (٤) أَيْضًا يَرَوْنَ أَنَّ عَمَلَ الْجُمْهُورِ الْيَوْمَ، مِنِ الْتِزَامِ الدُّعَاءِ بِهَيْئَةِ الْاجْتِمَاعِ بِإِثْرِ الصَّلَوَاتِ، وَالْتِزَامِ المؤذنين التثويب (المكروه) (٥) (بَعْدَ) (٦) الْآذَانِ، صَحِيحٌ بِإِطْلَاقٍ، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ بِمُخَالَفَةِ الشَّرِيعَةِ أَوْ مُوَافَقَتِهَا، وَأَنَّ مَنْ خَالَفَهُمْ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ اجْتِهَادِيٍّ أَوْ تَقْلِيدِيٍّ خَارِجٌ عَنْ سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ، بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أُمُورٍ تَخَبَّطُوا فِيهَا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ مُعْتَبَرٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمِيلُ إِلَى أَنَّ هَذَا الْعَمَلَ الْمَعْمُولَ بِهِ/ في الجمهور ثابت\n_________\n(١) ما بين القوسين زيادة من (ط) و(غ) و(ر).\n(٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) في (م) و(ت): \"فلح\".\n(٤) في (ط): \"نابتة\".\n(٥) ما بين القوسين زيادة من (غ) و(ر) والتثويب بالأذان ذكره الشاطبي في الاعتصام (٢ ٧٠) قال: وَقَدْ فَسَّرَ التَّثْوِيبَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ مَالِكٌ بأن المؤذن كان إذا أبطأ النَّاسُ قَالَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَّاحِ، وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِمْ عِنْدَنَا: الصَّلَاةُ رَحِمَكُمُ اللَّهُ. وقول الإمام مالك عن التثويب أنه بدعة، أخرجه ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٣٩).\n(٦) في (م) و(غ) و(ر): \"عند\".","vol":"3","page":324},{"text":"عَنْ فُضَلَاءَ وَصَالِحِينَ عُلَمَاءَ، فَلَوْ كَانَ خَطَأً لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ.\n/وَهَذَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ (الْيَوْمَ، تُتَّهَمُ) (١) الْأَدِلَّةُ وَأَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَيُحْسَنُ الظَّنُّ بِمَنْ تَأَخَّرَ، وَرُبَّمَا نُوزِعَ بِأَقْوَالِ مَنْ تقدم، فيرميها بِالظُّنُونِ وَاحْتِمَالِ الْخَطَإِ، وَلَا يَرْمِي بِذَلِكَ الْمُتَأَخِّرِينَ، الَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهِ/ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا سُئِلَ عَنْ أَصْلِ هَذَا الْعَمَلِ الْمُتَأَخِّرِ: (هَلْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ) (٢) مِنَ/ الشَّرِيعَةِ؟ لَمْ يأتِ بِشَيْءٍ، أو يأتي بأدلة (مجملة) (٣) لا علم له (بتفاصيلها) (٤)، كَقَوْلِهِ هَذَا خَيْرٌ أَوْ حَسَنٌ، وَقَدْ قَالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (٥)، أَوْ يَقُولُ: هَذَا (بَرٌّ) (٦)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِّرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٧)، فَإِذَا سُئِلَ عَنْ أَصْلِ كَوْنِهِ خَيْرًا أَوْ بِرًّا وَقَفَ، (وَمَيْلُهُ) (٨) إِلَى أَنَّهُ ظَهَرَ لَهُ بِعَقْلِهِ أَنَّهُ خَيْرٌ وَبِرٌّ، فَجَعَلَ التَّحْسِينَ عَقْلِيًّا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الزَّيْغِ، (وَثَابِتٌ) (٩) عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ (أَنَّهُ) (١٠) مِنِ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَاتِ (١١).\nوَمِنْهُمْ مَنْ طَالَعَ كَلَامَ الْقَرَافِيِّ (١٢) وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ (١٣) فِي أن البدع خمسة أقسام.\nفيقول: هَذَا مِنَ (الْمُحْدَثِ) (١٤) الْمُسْتَحْسَنِ، وَرُبَّمَا رُشِّحَ ذَلِكَ بِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: (مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا/ فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ) (١٥) (وَقَدْ مَرَّ مَا فِيهِ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ عُلَمَاءَ الْإِسْلَامِ إِذَا نَظَرُوا فِي مسألة مجتهد فيها/ فما رأوه حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ) (١٦) لِأَنَّهُ جَارٍ على\n_________\n(١) في (غ) و(ر): \"فإنه يتهم\".\n(٢) ساقط من (غ) و(ر).\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"محتملة\".\n(٤) في (ط) و(خ) و(ت): \"بتفصيلها\".\n(٥) سورة الزمر: الآية (١٨).\n(٦) في (م): \"أبر\".\n(٧) سورة المائدة: الآية (٢).\n(٨) في (ت) بياض بمقدار كلمة.\n(٩) في (م): \"ثابتًا\" و(غ) و(ر).\n(١٠) ساقط من (غ) و(ر).\n(١١) تقدم الكلام عن التحسين والتقبيح العقليين (٣/ ٨).\n(١٢) انظر كلامه عن تقسيم البدع في الفروق (٤ ٢٠٥).\n(١٣) انظر: قواعد الأحكام (٢ ١٧٢).\n(١٤) ساقط من (غ) و(ر).\n(١٥) تقدم تخريجه (ص٤٥).\n(١٦) ما بين القوسين ساقط من (ت).","vol":"3","page":325},{"text":"أُصُولِ الشَّرِيعَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ الْعَوَامَّ لَوْ نَظَرُوا فَأَدَّاهُمُ اجْتِهَادُهُمْ إِلَى اسْتِحْسَانِ/ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنًا حَتَّى يُوَافِقَ الشَّرِيعَةَ، وَالَّذِينَ نَتَكَلَّمُ مَعَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَيْسُوا مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ بِاتِّفَاقٍ منا ومنهم، فلا اعتبار بالاحتجاج (بهذا الحديث) (١) على استحسان شيء أو استقباحه (بِغَيْرِ) (٢) دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ.\nوَمِنْهُمْ مَنْ تَرَقَّى فِي الدَّعْوَى حَتَّى يَدَّعِيَ فِيهَا الْإِجْمَاعَ مِنْ أَهْلِ الْأَقْطَارِ، وَهُوَ لَمْ يَبْرَحْ مِنْ قُطْرِهِ، وَلَا بَحَثَ عَنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْأَقْطَارِ، وَلَا عَنْ (فتياهم) (٣) فِيمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَلَا عَرَفَ (مِنْ) (٤) أَخْبَارِ الْأَقْطَارِ خَبَرًا، فَهُوَ مِمَّنْ يُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.\nوَهَذَا الِاضْطِرَابُ كُلُّهُ مَنْشَؤُهُ تَحْسِينُ الظَّنِّ بِأَعْمَالِ الْمُتَأَخِّرِينَ - وَإِنْ جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ (بِخِلَافِ) (٥) (ذَلِكَ) (٦) - وَالْوُقُوفِ مَعَ الرِّجَالِ دُونَ التَّحَرِّي لِلْحَقِّ.\n(وَالثَّامِنُ) (٧): رَأْيُ قَوْمٍ مِمَّنْ تَقَدَّمَ زَمَانَنَا هَذَا - فَضْلًا عَنْ زَمَانِنَا - اتَّخَذُوا الرِّجَالَ ذَرِيعَةً لِأَهْوَائِهِمْ وأهواء من داناهم، أو من رَغِبَ إِلَيْهِمْ (فِي ذَلِكَ) (٨)، فَإِذَا عَرَفُوا غَرَضَ بَعْضِ هَؤُلَاءِ فِي حُكْمِ حَاكِمٍ أَوْ فُتْيَا (تعبدًا وَغَيْرِ) (٩) ذَلِكَ، بَحَثُوا عَنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَسْؤُولِ عَنْهَا حَتَّى يَجِدُوا الْقَوْلَ الْمُوَافِقَ للسائل فأفتوا به، زاعمين أن الحجة (لهم في ذلك) (١٠) قَوْلُ مَنْ قَالَ: اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةٌ، ثُمَّ ما زال/ هذا الشر\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"بالحديث\".\n(٢) في (غ) و(ر): \"لغير\".\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"تبيانهم\".\n(٤) ساقط من (غ) و(ر).\n(٥) في (غ) و(ر): \"بخلافه\".\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (م) و(غ) و(ر).\n(٧) في (م): \"والثامنة\".\n(٨) ساقط من (غ) و(ر).\n(٩) في (م) و(ت): \"تعبدوا غير\".\n(١٠) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"في ذلك لهم\".","vol":"3","page":326},{"text":"يَسْتَطِيرُ (فِي الْأَتْبَاعِ) (١) وَأَتْبَاعِهِمْ، حَتَّى لَقَدْ حَكَى الْخَطَابِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَقُولُ:/ كُلُّ مَسْأَلَةٍ ثَبَتَ لِأَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ (فِيهَا) (٢) الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ - شذَّ عَنِ الْجَمَاعَةِ أَوْ لَا - فَالْمَسْأَلَةُ جَائِزَةٌ.\nوَقَدْ تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهِهَا فِي كِتَابِ الْمُوَافَقَاتِ (٣)، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.\nوَالتَّاسِعُ: مَا حَكَى الله تعالى عن الأحبار والرهبان (في) (٤) قوله تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا/ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٥)، فخرَّج أبو عيسى الترمذي عن عَدي بن/ حاتم ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: (يَا عَدِيُّ، اطْرَحْ عَنْكَ (هَذَا) (٦) الْوَثَنَ. وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ (في سورة براءة) (٧): ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، (ولكنهم كانوا) (٨) إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حرَّموا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ) (٩)، حَدِيثٌ غَرِيبٌ.\nوَفِي تَفْسِيرِ سعيد بن منصور قيل لحذيفة ﵁: أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قَالَ حُذَيْفَةُ: أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يُصَلُّوا لَهُمْ/ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا مَا أحلُّوا لَهُمْ مِنْ حَرَامٍ استحلُّوه، وما\n_________\n(١) ساقط من (غ) و(ر).\n(٢) ساقط من (غ) و(ر).\n(٣) انظر: الموافقات (٤ ٧٨).\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) سورة التوبة: الآية (٣١).\n(٦) زيادة من (غ) و(ر).\n(٧) ساقط من (غ) و(ر).\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"ولكن\".\n(٩) أخرجه الترمذي (٣٠٩٥) وقال عقبه: (هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث). وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٧ ١٦٠)، وابن جرير في تفسيره (١٦٦٣١ - ١٦٦٣٣)، وابن أبي حاتم في التفسير (١٠٠٥٧)، والطبراني في المعجم الكبير (١٧ ٩٢ برقم ٢١٨)، والجرجاني في تاريخه (١ ٥٤١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢٠١٣٧)، والمزي في تهذيب الكمال (٢٣ ١١٧) في ترجمة غطيف بن أعين، كلهم من طريق عبد السلام بن حرب عن غطيف بن أعين، فمدار الحديث على غطيف، وهو ضعيف، كما في التقريب (٥٣٦٤)، والحديث حسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي!","vol":"3","page":327},{"text":"حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ مِنْ حَلَالٍ حَرَّمُوهُ، فَتِلْكَ رُبُوبِيَّتُهُمْ (١).\nوحكى (نحوه) (٢) الطَّبَرِيُّ عَنْ عَدِيٍّ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ (٣)، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَأَبِي الْعَالِيَةِ (٤).\nفَتَأَمَّلُوا/ يَا أُولِي/ الْأَلْبَابِ، كيف حال (الاعتماد) (٥) فِي الْفَتْوَى عَلَى الرِّجَالِ مِنْ غَيْرِ تحرٍّ للدليل الشرعي، بل (لمجرد) (٦) (نيل) (٧) (الْعَرَضِ) (٨) الْعَاجِلِ، عَافَانَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ.\nوَالْعَاشِرُ: رَأْيُ أَهْلِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّينَ (٩)، فَإِنَّ مَحْصُولَ مَذْهَبِهِمْ تَحْكِيمُ (عُقُولِ) (١٠) الرِّجَالِ دُونَ الشَّرْعِ، وَهُوَ أَصْلٌ مِنَ الْأُصُولِ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا أَهِلُ الِابْتِدَاعِ فِي الدِّينِ، بِحَيْثُ إِنَّ (الشَّرْعَ) (١١) إن وافق آراءهم قبلوه، وإلا ردوه.\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١ القسم الثاني ص٢٤٢)، والطبري في تفسيره (١٦٦٣٤ - ١٦٦٣٦ و١٦٦٣٨ و١٦٦٤٣)، وابن أبي حاتم في التفسير (١٠٠٥٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢٠١٣٨) كلهم من طريق أبي البختري سعيد بن فيروز عن حذيفة، وأبو البختري روايته عن حذيفة مرسلة، كما في جامع التحصيل (ص٢٤٢).\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"عند\".\n(٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٤ ٢٠٩ - ٢١١)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠ ١١٦) وهو من طريق غطيف بن أعين كما تقدم ذكره.\n(٤) أخرجه الطبري في التفسير عن ابن عباس برقم (١٦٦٤٠) بسندٍ ضعيف جدًا من رواية عطية العوفي عن ابن عباس، وأخرجه برقم (١٦٦٤١) بسند فيه أسباط بن نصر الهمداني، وهو صدوق كثير الخطأ يغرب كما في التقريب (٣٩٦) ويروى تضعيفه عن أحمد وأبي نعيم والنسائي وأبي زرعة وابن معين. وقال عنه البخاري: صدوق، كما في تهذيب التهذيب (١/ ١٨٥) وقال الذهبي في الكاشف (٢٦٨): \"توقف فيه أحمد\". وعن أبي العالية برقم (١٦٦٤٢) من طريق سفيان بن وكيع بن الجراح الكوفي، كان صدوقًا إلا أنه ابتلي بوراقه، فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنصح فلم يقبل، فسقط حديثه، من العاشرة. التقريب (٢٤٥٦).\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الاعتقاد\".\n(٦) في (غ) و(ر): \"بمجرد\".\n(٧) زيادة من (غ) و(ر).\n(٨) في (غ) و(ر): \"الغرض\".\n(٩) انظر ما تقدم (٣/ ٨).\n(١٠) ساقط من (غ) و(ر).\n(١١) في (غ) و(ر): \"الشارع\".","vol":"3","page":328},{"text":"فَالْحَاصِلُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ تَحْكِيمَ الرِّجَالِ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إِلَى كَوْنِهِمْ وَسَائِلَ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ المطلوب شرعًا ضلال، (ولا توفيق) (١) إِلَّا بِاللَّهِ، وَإِنَّ الْحُجَّةَ الْقَاطِعَةَ وَالْحَاكِمَ الْأَعْلَى هو الشرع لا غيره.\nثم نقول: إن هذا (هو) (٢) مَذْهَبُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمَنْ رَأَى سَيْرَهُمْ وَالنَّقْلَ عَنْهُمْ وَطَالَعَ أَحْوَالَهُمْ عَلِمَ ذَلِكَ عِلْمًا يَقِينًا، أَلَا تَرَى أَصْحَابَ السَّقِيفَةِ لَمَّا تَنَازَعُوا فِي الْإِمَارَةِ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْأَنْصَارِ (٣): (مِنَّا/ أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ) (٤) فَأَتَى الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ (٥)، أَذْعَنُوا لطاعة الله ورسوله ولم يعبأوا بِرَأْيِ مَنْ رَأَى/ غَيْرَ ذَلِكَ، لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ الْحَقَّ هُوَ الْمُقَدَّمُ عَلَى آرَاءِ الرِّجَالِ.\n/وَلَمَّا أَرَادَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ قِتَالَ مَانِعِي الزَّكَاةِ احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ، فَرَدَّ عليهم ما استدلوا به (بعين) (٦) مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ: (إِلَّا بِحَقِّهَا) فَقَالَ: الزَّكَاةُ حَقُّ الْمَالِ - ثُمَّ قَالَ: (وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا أَوْ عَناقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ) (٧).\nفَتَأَمَّلُوا هَذَا الْمَعْنَى فَإِنَّ فِيهِ نُكْتَتَيْنِ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ:\nإِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لِأَحَدٍ سَبِيلًا إِلَى جَرَيَانِ الْأَمْرِ فِي زمانه على\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"وما توفيقي\".\n(٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) هو الحباب بن المنذر.\n(٤) حادثة السقيفة أخرجها البخاري، كما في الفتح (١٢ ١٤٤)، ومسند الإمام أحمد (١ ٥٥)، وطبقات ابن سعد (٢ ٢٦٨)، وتاريخ الطبري (٣ ٢١٨) وغيرهم وهي قصة مشهورة.\n(٥) انظر ما تقدم (٣/ ٣٢).\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ): \"بغير\".\n(٧) هذا حديث مشهور مخرج في أكثر كتب السنة، وممن أخرجه البخاري (١٤٠٠ و١٤٥٦ و٦٩٢٥ و٧٢٨٥)، ومسلم (٢٠ - ٣٤ و٣٥)، وأحمد (١ ١١ و١٩ و٣٥ و٤٧) و(٢ ٣١٤ و٣٤٥ و٣٧٧ و٣٢٤ و٤٣٩ و٤٧٥ و٤٨٢ و٥٠٢ و٥٢٧ و٥٢٨) و(٣ ٢٩٥ و٣٠٠ و٣٣٢ و٣٣٩ و٣٩٤)، وأبو داود (١٥٥٦ و٢٦٤٠)، وابن ماجه (٧١ و٧٢ و٣٩٢٧ و٣٩٢٨)، والترمذي (٢٦٠٦ و٢٦٠٧ و٣٣٤١)، والنسائي (٢٤٤٣ و٣٠٩٠ - ٣٠٩٥ و٣٩٦٩ - ٣٩٨٢)، وابن خزيمة (٢٢٤٨)، وابن حبان (١٧٥ و٢١٦ - ٢٢٠)، والحاكم (١٤٢٨) وغيرهم.","vol":"3","page":329},{"text":"غَيْرِ مَا كَانَ يَجْرِي فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنْ كَانَ بِتَأْوِيلٍ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَرْتَدَّ مِنَ الْمَانِعِينَ إِنَّمَا مَنَعَ تَأْوِيلًا، وَفِي هَذَا الْقِسْمِ وَقَعَ النِّزَاعُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ لَا فِيمَنِ/ ارْتَدَّ رَأْسًا، وَلَكِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَعْذُرْ بِالتَّأْوِيلِ وَالْجَهْلِ، وَنَظَرَ إِلَى حَقِيقَةِ مَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ فَطَلَبَهُ إِلَى أَقْصَاهُ حَتَّى قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا ... إِلَى آخِرِهِ، مَعَ أَنَّ الَّذِينَ أَشَارُوا عَلَيْهِ بِتَرْكِ قِتَالِهِمْ إِنَّمَا أَشَارُوا عَلَيْهِ بِأَمْرٍ مَصْلَحِيٍّ ظَاهِرٍ تُعَضِّدُهُ مَسَائِلُ شَرْعِيَّةٌ، وَقَوَاعِدُ أُصُولِيَّةٌ، لَكِنَّ الدَّلِيلَ الشَّرْعِيَّ الصَّرِيحَ كَانَ عِنْدَهُ ظَاهِرًا، فَلَمْ تَقْوَ عِنْدَهُ آرَاءُ الرِّجَالِ أَنْ تُعَارِضَ الدَّلِيلَ الظَّاهِرَ، فَالْتَزَمَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْمُشِيرُونَ عَلَيْهِ بِالتَّرْكِ إِلَى صِحَّةِ دَلِيلِهِ تَقْدِيمًا لِلْحَاكِمِ/ الْحَقِّ، وَهُوَ الشَّرْعُ.\nوَالثَّانِيَةُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى مَا يلقى هو والمسلمون في طريق طلب (ما) (١) طلب إِذْ لَمَّا امْتَنَعُوا صَارَ مَظِنَّةً لِلْقِتَالِ وَهَلَاكَ من شاء الله مِنِ (الْفِرْقَتَيْنِ) (٢)، وَدُخُولَ الْمَشَقَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَلَكِنَّهُ ﵁ لَمْ يَعْتَبِرْ إِلَّا إِقَامَةَ الْمِلَّةِ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَتْ قَبْلُ، فَكَانَ ذَلِكَ أَصْلًا فِي أنه/ لا تُعتبر الْعَوَارِضُ الطَّارِئَةُ فِي إِقَامَةِ الدِّينِ وَشَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، نَظِيرَ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى/: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ (٣) الآية فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْذُرْهُمْ فِي تَرْكِ مَنْعِ الْمُشْرِكِينَ خَوْفَ الْعَيْلَةِ فَكَذَلِكَ لَمْ (يَعُدَّ) (٤) أَبُو بَكْرٍ مَا يَلْقَى الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمَشَقَّةِ عُذْرًا يَتْرُكُ بِهِ الْمُطَالَبَةَ بِإِقَامَةِ شَعَائِرِ الدِّينِ حَسْبَمَا كَانَتْ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ وَجَاءَ فِي الْقِصَّةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَشَارُوا عَلَيْهِ بِرَدِّ الْبَعْثِ الَّذِي بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - وَلَمْ يَكُونُوا بَعْدُ مَضَوْا/ لِوُجْهَتِهِمْ - لِيَكُونُوا مَعَهُ (عَوْنًا) (٥) عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ، فَأَبَى من ذلك، وقال: ما كنت\n_________\n(١) زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"الفريقين\".\n(٣) سورة التوبة: الآية (٢٨).\n(٤) في (م) و(ت): \"يعذر\".\n(٥) ساقط من (غ) و(ر).","vol":"3","page":330},{"text":"لِأَرُدَّ بَعْثًا أَنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (١)، فَوَقَفَ مَعَ شَرْعِ اللَّهِ/ وَلَمْ يحكِّم غَيْرَهُ.\nوَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (إِنِّي (أَخَافُ) (٢) عَلَى أُمَّتِي (من) (٣) بعدي (أَعْمَالٍ) (٤) ثَلَاثَةٍ، قَالُوا: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَخَافُ (عَلَيْكُمْ) (٥) مِنْ زَلَّةِ الْعَالِمِ، وَمِنْ حُكْمٍ جَائِرٍ، وَمِنْ هَوًى متَّبَع) (٦) وَإِنَّمَا (زَلَّةُ) (٧) الْعَالِمِ بِأَنْ يَخْرُجَ عَنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ، فَإِذَا كَانَ (مِمَّنْ) (٨) يَخْرُجُ عَنْهُ فَكَيْفَ يُجْعَلُ حُجَّةً عَلَى الشَّرْعِ؟ هَذَا مُضَادٌّ لِذَلِكَ.\nوَلَقَدْ كان كافيًا من ذلك خطاب الله تعالى لِنَبِيِّهِ وَأَصْحَابِهِ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٩) الْآيَةَ، مَعَ أَنَّهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١٠)، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (١١) الآية.\nوَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: (ثلاث يهدِمن الدين: زلة (عالم) (١٢)، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون) (١٣).\n_________\n(١) انظر: تاريخ خليفة بن خياط (ص١٠٠)، وطبقات ابن سعد (٤ ٦٧)، وتاريخ الطبري (٣ ٢٢٧).\n(٢) في (م) و(خ) و(ت) و(غ) و(ر): \"لأخاف\"، والذي في (ط): \"يوافق الحديث\".\n(٣) ساقط من (غ) و(ر).\n(٤) هكذا في جميع النسخ وفي (غ) و(ر) قبلها كلمة: \"من\".\n(٥) في (غ) و(ر): \"عليهم\".\n(٦) الحديث أخرجه البزار، كما في كشف الأستار (١ ١٠٣) برقم (١٨٢) وقال الهيثمي في المجمع (١ ١٨٧): رواه البزار، وفيه كثير بن عبد الله بن عوف، وهو متروك، وقد حسن له الترمذي. وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٧ ١٧ برقم ١٤)، والشهاب القضاعي في مسنده (١١٢٧)، وابن عدي في الكامل (٦ ٥٧) وبنحوه في المعجم الصغير للطبراني (١٠٠١)، وفي المعجم الكبير (٢٠ ١٣٨ برقم ٢٨٢)، وفي تاريخ بغداد (٢ ١٢٨)، وفي السنن الكبرى للبيهقي (٢٠٧٠٦).\n(٧) في (غ) و(ر): \"يزل\".\n(٨) في (غ) و(ر): \"مما\".\n(٩) سورة النساء: الآية (٥٩).\n(١٠) سورة النساء: الآية (٥٩).\n(١١) سورة الأحزاب: الآية (٣٦).\n(١٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"العالم\".\n(١٣) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":331},{"text":"(وسائر ما جاء في زيغة الحكيم فإنه/ واضح في أن الرجال إنما يعتبرون من حيث الحق لا من حيث هم رجال) (١).\nوَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اغْدُ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا، وَلَا تغدُ إمَّعة فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ وهب:/ فسألت سفيان عن الإمَّعة (فحدثني عن (الزعراء) (٢) عن أبي الأحوص عن ابن مسعود قال: كنا ندعو) (٣) / الإمعة (في) (٤) الجاهلية الذي يُدعى إلى طعام فَيَذْهَبُ مَعَهُ بِغَيْرِهِ، وَهُوَ فِيكُمُ الْيَوْمَ الْمُحْقِبُ دِينَهُ الرِّجَالَ (٥).\nوَعَنْ كُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ (٦) أَنَّ عليًا ﵁ قال (له) (٧): يَا كُمَيْلُ، إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ/ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا لِلْخَيْرِ، وَالنَّاسُ ثَلَاثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ، أَتْبَاعُ كُلِّ ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ - الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ فِيهِ - أفٍ لِحَامِلِ حَقٍّ لَا بَصِيرَةَ لَهُ، يَنْقَدِحُ الشَّكُّ فِي قَلْبِهِ بِأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ لَا يَدْرِي أَيْنَ الْحَقُّ، إِنْ قَالَ أَخْطَأَ، وَإِنْ أَخْطَأَ لَمْ يَدْرِ، مَشْغُوفٌ بِمَا لَا يَدْرِي حَقِيقَتَهُ، فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنْ فُتِنَ به، (وإن من الخير كله، (من عرَّفه) (٨) اللَّهُ دِينَهُ، وَكَفَى (بِالْمَرْءِ جَهْلًا) (٩» (١٠) أَنْ لَا يعرف دينه (١١).\n_________\n(١) زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) هكذا في (غ) والصواب: أبي الزعراء، اسمه: عبد الله بن هانئ.\n(٣) ما بين () زيادة من (غ) و(ر).\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (ط)، وفي (ت) و(خ) و(م): \"فقال الإمعة في\".\n(٥) أخرجه الدارمي (٢٤٨ و٣٣٧ و٣٣٩)، وابن أبي خيثمة في كتاب العلم (١ و١١٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٨ ٥٤١) برقم (٦١٧١)، والفسوي في تاريخ (٣ ٣٣٩)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٣٩ و١٤٥ و١٤٦ و١٤٧ و١٨٧٤ و١٨٧٥)، والطبراني في الكبير (٩ ١٦٣) برقم (٨٧٥٢).\n(٦) هو كميل بن زياد بن نهيك المذحجي، وثقه ابن معين والعجلي، وقتله الحجاج سنة ٨٢هـ. طبقات ابن سعد (٦ ١٧٩)، وتهذيب التهذيب (٨ ٤٤٧).\n(٧) زيادة من (غ) و(ر).\n(٨) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فاعرف\".\n(٩) ما بين القوسين () زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(١٠) ما بين القوسين () بياض بمقدار سطر في (ت).\n(١١) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٨٧٨)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٧٩)،=","vol":"3","page":332},{"text":"وعن علي ﵁ (أنه) (١) قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالِاسْتِنَانَ بِالرِّجَالِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ثُمَّ يَنْقَلِبُ لِعِلْمِ اللَّهِ فِيهِ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَمُوتُ وَهُوَ من/ أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أَهْلِ النَّارِ فَيَنْقَلِبُ لِعِلْمِ اللَّهِ فِيهِ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ/ الْجَنَّةِ، فَيَمُوتُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ فَبِالْأَمْوَاتِ لا بالأحياء، وأشار (بالأموات) (٢) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابه الكرام (٣). وهو جار فِي كُلِّ زَمَانٍ يُعْدَمُ فِيهِ الْمُجْتَهِدُونَ.\nوَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: أَلَا لَا يقلدنَّ أَحَدُكُمْ دِينَهُ رَجُلًا، إِنْ آمَنَ آمَنَ، وَإِنْ كَفَرَ كَفَرَ، فَإِنَّهُ لَا أُسْوَةَ فِي الشر (٤).\nوهذا الكلام من ابن مسعود ﵁ (يبيّن) (٥) مُرَادَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ كَلَامِ السَّلَفِ، وهو النهي عن اتباع (الرجال) (٦) مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.\nوَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ (٧) قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى شَيْبَةَ (٨) فِي هَذَا الْمَسْجِدِ قَالَ: جَلَسَ إِلَيَّ عُمَرُ فِي مَجْلِسِكَ هَذَا قَالَ: هَمَمْتُ أَنْ لَا أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إِلَّا قَسَمْتُهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْتُ: مَا أَنْتَ/ بِفَاعِلٍ، قَالَ: لِمَ؟ قُلْتُ: لَمْ يَفْعَلْهُ صَاحِبَاكَ، قَالَ: هما المرءان (أقتدي) (٩) بهما، يعني\n_________\n=والرافعي في التدوين في أخبار قزوين (٣/ ٢٠٩)، والخطيب في تاريخه (٦/ ٣٧٩)، وفي الفقيه والمتفقه (١/ ٤٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٤/ ١٧ - ١٨) و(٥٠/ ٢٥١ - ٢٥٥)، والمزي في تهذيب الكمال (٢٤/ ٢٢٠)، والذهبي في تذكرة الحفاظ (١/ ١١).\n(١) زيادة من (غ) و(ر).\n(٢) زيادة من (غ) و(ر).\n(٣) تقدم تخريجه (٣/ ١٠٩).\n(٤) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٩ ١٦٦) برقم (٨٧٦٤ - ٨٧٦٧)، وقال الهيثمي في المجمع (١ ١٨٠): رجاله رجال الصحيح، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢٠١٣٦)، وذكره ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٨٨٢)، وبنحوه في السنن الكبرى للبيهقي (٢٠٧٠)، واللالكائي (١٣٠).\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (ر): \"بيّن\".\n(٦) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"السلف\".\n(٧) هو شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، تقدمت ترجمته (١ ٨١).\n(٨) هو شيبة بن عثمان بن عبد الله العبدري الحجبي، ﵁، أسلم في حنين، وتوفي سنة ٥٩هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٣ ١٢).\n(٩) في (ط): \"أهتدي\".","vol":"3","page":333},{"text":"النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ ﵁ (١).\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي حَدِيثِ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ حين استأذن لَهُ عَلَى عُمَرَ، قَالَ فِيهِ: فَلَمَّا دَخَلَ قال: يا ابن الْخَطَّابِ، وَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ، وَمَا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ. فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ بِأَنْ يقع (به) (٢)، فَقَالَ الْحُرُّ بْنُ قَيْسٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إن الله قال لنبيه ﷺ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ *﴾ (٣) (وإن هذا/ من الجاهلين) (٤) فوالله ما (جاوزها) (٥) عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ (٦).\nوَحَدِيثُ فِتْنَةِ الْقُبُورِ حَيْثُ قَالَ ﷺ (٧):/ \"فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ - أَوِ الْمُسْلِمُ ـ/ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ فَأَجَبْنَاهُ وَآمَنَّا، فَيُقَالُ نَمْ صَالِحًا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ مُوقِنٌ. وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوِ الْمُرْتَابُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي/ سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فقلته\" (٨).\n/وحديث مخاصمة علي والعباس (عند) (٩) عمر في ميراث\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٥٩٤ و٧٢٧٥)، وأحمد في المسند (٣ ٤١٠)، وفي فضائل الصحابة (٦٣٨)، وابن ماجه (٣١١٦)، وأبو داود (٢٠٣١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٦١٤)، والطبراني في الكبير (٧١٩٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩٥١١).\n(٢) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"فيه\".\n(٣) سورة الأعراف: الآية (١٩٩).\n(٤) زيادة من (غ) و(ر).\n(٥) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"جاوز\".\n(٦) أخرجه البخاري في كتاب التفسير برقم (٤٦٤٢ و٧٢٨٦)، وأحمد في الفضائل (٥٠٦).\n(٧) في (غ) و(ر) وقع خلط عجيب، حيث كُتب بعد قوله: (قال ﷺ) نص طويل مكانه أول الكتاب وهو يبدأ من منتصف السطر الثاني من صفحة ٤٥٥غ إلى آخر سطر من صفحة ٤٥٧غ ففي آخر السطر كتب: (وإن أجبته بتأويل فأما المؤمن أو المسلم).\nفقول: (وإن أجبت بتأويل) تابع للنص الطويل الذي مكانه أول الكتاب وقوله: (فأما المؤمن أو المسلم) فهو تكملة النص الذي في هذه الصفحة.\n(٨) أخرجه البخاري (٨٦ و١٨٤ و٩٢٢ و١٠٥٣ و١٠٥٤ و١٠٦١ و١٢٣٥ و١٣٧٣ و٢٥١٩ و٢٥٢٠ و٧٢٨٧)، ومسلم (٩٠٥)، ومالك (٤٤٧)، وأحمد (٦ ٣٤٥ و٣٥٤)، وابن حبان (٣١١٤)، والطبراني في الكبير (٢٤ ١١٥ برقم ٣١٣ - ٣١٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣٢٣٢ و٦١٥٣).\n(٩) زيادة من (غ) و(ر).","vol":"3","page":334},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وقوله للرهط الْحَاضِرِينَ: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"لَا نُورَثُ مَا (تَرَكْنَاهُ) (١) صَدَقَةٌ\"، فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ - إِلَى (أَنْ) (٢) قَالَ لِعَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ: أَفَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ؟ (فَوَاللَّهِ الَّذِي) (٣) بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ لَا أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ (٤).\nوَتَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ (٥) فِي هَذَا الْمَعْنَى تَرْجَمَةً تَقْتَضِي أَنَّ حُكْمَ الشَّارِعِ إِذَا وَقَعَ وَظَهَرَ فَلَا خِيَرَةَ لِلرِّجَالِ وَلَا اعْتِبَارَ بِهِمْ، وَأَنَّ الْمُشَاوَرَةَ إِنَّمَا تَكُونُ قَبْلَ التَّبْيِينِ، فَقَالَ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (٦)، ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾، وَأَنَّ الْمُشَاوَرَةَ قَبْلَ الْعَزْمِ وَالتَّبْيِينِ/ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (٧)، فَإِذَا عَزَمَ الرَّسُولُ لَمْ يَكُنْ لِبَشَرٍ التَّقَدُّمُ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَشَاوَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ فِي الْمُقَامِ وَالْخُرُوجِ، فَرَأَوْا لَهُ الْخُرُوجَ، فَلَمَّا لَبِسَ لَأْمَته (وعزم) (٨) قَالُوا: أَقِمْ، فَلَمْ يَمِلْ إِلَيْهِمْ/ بَعْدَ الْعَزْمِ، وَقَالَ: \"لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ يَلْبَسُ لَأْمَتَهُ فَيَضَعُهَا حتى يحكم الله\" (٩)، وشاور عليًا وأسامة\n_________\n(١) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"تركناه\".\n(٢) ساقط من (غ) و(ر). ووقع هنا في نسخة (ر) (ص٣٠٦) تخليط حيث انتقل الكلام إلى ما جاء في بداية الكتاب من قوله: (سماني أشعريًا ...) (١/ ٢٩) طبعة رشيد رضا وتنتهي بقوله: (قررت أحكامها الشريعة ...) (١/ ٣١) ثم الصفحة (٣٠٧) تبدأ بما في (١/ ٢٧): (بظاهره إلى اتباع المتشابهات ...) إلى (١/ ٢٩) وإن أجبت بتأويل ...) وهو تخليط سببه والله أعلم وضع هذه اللوحة في الأصل المستنسخ منه في غير مكانها.\n(٣) في (غ) و(ر): \"فوالذي\".\n(٤) أخرجه البخاري (٣٠٩٤ و٢٩٠٤ و٤٠٣٣ و٤٨٨٥ و٥٣٥٧ و٦٧٢٨ و٧٣٠٥)، ومسلم (١٧٥٧)، وأبو داود (٢٩٦٣ - ٢٩٦٥)، والترمذي (١٦١٠)، والنسائي في المجتبى (٤١٤٨)، وفي الكبرى (٦٣١٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٢٥٠٨ - ١٢٥١٠ و١٣١٤٧).\n(٥) انظر: البخاري - فتح الباري (١٣ ٣٥١) - كتاب الاعتصام، بَابُ (٢٨) قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾.\n(٦) سورة الشورى: الآية (٣٨).\n(٧) سورة آل عمران: الآية (١٥٩).\n(٨) زيادة من (غ) و(ر).\n(٩) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٢ ٣٧)، وأحمد في المسند (٣ ٣٥١)،=","vol":"3","page":335},{"text":"فِيمَا رَمَى بِهِ أَهْلُ الْإِفْكِ عَائِشَةَ رَضِيَ/ اللَّهُ عَنْهَا، (فَسَمِعَ مِنْهُمَا) (١) حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ فَجَلَدَ الرَّامِينَ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى تَنَازُعِهِمْ، وَلَكِنْ حكم بما أمره الله (به) (٢).\nوَكَانَتِ الْأَئِمَّةُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَشِيرُونَ الْأُمَنَاءَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الأمور المباحة ليأخذوا (بأسلمها) (٣)، فَإِذَا (وَقَعَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) (٤)، لَمْ يَتَعَدَّوْهُ إِلَى غَيْرِهِ، اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ، وَرَأَى أَبُو بَكْرٍ قِتَالَ مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ فَقَالَ عُمَرُ: كَيْفَ تُقَاتِلُ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ؟ \" (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لأقتلن مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) (٥)، ثم تابعه (عمر بعد) (٦)، فَلَمْ يَلْتَفِتْ أَبُو بَكْرٍ إِلَى مَشُورَةٍ، إِذْ كَانَ عِنْدَهُ حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَابِتًا فِي الَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَأَرَادُوا تَبْدِيلَ الدِّينِ وَأَحْكَامِهِ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: \"مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ\" (٧)، وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَشُورَةِ عُمَرَ كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ.\nهَذَا جُمْلَةُ مَا قَالَ فِي (تِلْكَ) (٨) التَّرْجَمَةِ مِمَّا يَلِيقُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ، مِمَّا يدل على أن الصحابة ﵃ لَمْ يَأْخُذُوا أَقْوَالَ الرِّجَالِ/ فِي طَرِيقِ الْحَقِّ إِلَّا مِنْ حَيْثُ هُمْ وَسَائِلُ لِلتَّوَصُّلِ إِلَى شرع/ الله، لا من حيث هم\n_________\n=والدارمي (٢ ١٢٩ - ١٣٠)، والنسائي في السنن الكبرى (٧٦٤٧)، والحاكم (٢ ١٢٨ - ١٢٩)، وصححه ووافقه الذهبي، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٣٠٦٠ و١٣٠٦١)، وحسَّن ابن حجر سندي الحاكم والبيهقي في التلخيص الحبير (٣ ١٢٩).\n(١) ما بين القوسين ساقط من (ت). وفي (م): \"منهما\".\n(٢) ما بين القوسين زيادة من (ت).\n(٣) في سائر النسخ ما عدا (غ) و(ر): \"بأسهلها\".\n(٤) في (غ) و(ر): \"أوضح الكتاب أو السنة\".\n(٥) ما بين القوسين زيادة من (م) و(غ) و(ر).\n(٦) في (ط) و(م) و(خ) و(غ) و(ر): \"بعد عمر\"، والحديث تقدم تخريجه (٣/ ٣٢٩) تعليق (٧).\n(٧) تقدم تخريجه (٣/ ١١٦).\n(٨) في (ت): \"جملة تلك\".","vol":"3","page":336},{"text":"أصحاب رتب، أَوْ كَذَا أَوْ كَذَا، وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ.\n/وَذَكَرَ ابْنُ مُزَيَّنٍ (١) عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ (٢) عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ (٣) عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ كُلُّ مَا قَالَ رَجُلٌ قَوْلًا - وَإِنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ - يُتَّبَعُ عَلَيْهِ لِقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (٤) (٥).\n_________\n(١) في (ت): \"أبو مرين\" وصححت في الهامش بـ\"ابن مرين\"، وهو يحيى بن إبراهيم بن إبراهيم بن مزين أبو زكريا، روى عن أنس بن مالك الموطأ، توفي سنة ٢٥٩هـ. انظر: تاريخ علماء الأندلس (٢ ٩٠١) وجذوة المقتبس (٢ ٥٩٥)، وبغية الملتمس (٢ ٦٦٩).\n(٢) هو عيسى بن دينار الغافقي، من تلاميذ ابن القاسم، كان بارعًا في الفقه، توفي سنة ٢١٢هـ. انظر: ترتيب المدارك (٣ ١٦)، والسير (١٠ ٤٣٩).\n(٣) تقدمت ترجمته (٣/ ٢٧).\n(٤) سورة الزمر: الآية (١٨).\n(٥) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٨٩٧).","vol":"3","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>فصل</span>\nإِذًا ثَبَتَ أَنَّ الْحَقَّ هُوَ الْمُعْتَبَرُ دُونَ الرجال، فالحق أيضًا لا يعرف دون (وساطتهم) (١)،/ بل بهم يتوصل إليه وهم (الأدلة) (٢) على طريقه.\n_________\n(١) في (ط) و(خ): \"وسائطهم\". في (م): \"وساطهم\".\n(٢) في (غ) و(ر): \"الأدلة\".\nفي نهاية النسخة المطبوعة كتب: انتهى القدر الذي وجد من هذا التأليف ولم يكمله المؤلف رحمه الله تعالى.\nهذا ما جاء في آخر النسخة المخطوطة التي وجدت في مكتبة الشنقيطي، وقد تم نسخها في ٢٥ المحرم سنة ١٢٩٥ من هجرة النبي ﷺ.\nوفي نهاية النسخة (خ) كتب: انتهى القدر الذي وجد من هذا التأليف، ولم يكمله المؤلف رحمه الله تعالى، والحمد لله أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، وصلى الله على من لا نبي بعده وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.\nتم نسخ الجزء الثاني من الاعتصام للإمام الشاطبي ٢٥ في المحرم الحرام، فاتح شهور سنة ١٢٩٥، جعله الله مباركًا علينا وعلى المسلمين أجمعين، على يد العبد الفقير الذليل المعترف بالذنب والتقصير: حسن بن محمد الشبلي الشريف الأمين، كان؟ ﵀ ورحم المسلمين أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فهو حسبي ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. انتهى.\nوفي نهاية النسخ (ت): انتهى القدر الذي وجد من هذا التأليف، ولم يكمله المؤلف رحمه الله تعالى، وافق الفراغ من نسخ هذا المقدار الموجود على يد كاتبه الفقير إلى ربه المحسن عبده الحاج حمود بودس، كان الله له، وختم بالحسنى عمله، وبلغه فيما يرجوه من ربه أمله. آمين.\nتم بحمد الله وتوفيقه وحسن عونه صبيحة يوم الجمعة رابع شهر ذي الحجة الحرام كمال عام ١٢٨٤ في أربع وثمانين ومائتين وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية.\nوالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله بكرة وعشية، ورضي الله تعالى عن=","vol":"3","page":338},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=أصحاب رسوله أجمعين، وعن التابعين وتابع التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. آمين آمين آمين.\nوفي هامش آخر النسخة (ر) كتب: ثبت في الأصل المنتسخ منه في هذا المحل (ما نصه) هنا انتهى ما قيّده (المؤلف) ﵀ ولم يكن باقي (من) غرض التأليف كله إلا ما أراد (ههنا).اهـ.\nوما بين () قرأته بصعوبة وأثبت ما ترجح في ظني، والله أعلم، والحمد لله على توفيقه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nكتبه هشام بن إسماعيل بن علي الصيني.","vol":"3","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>الملاحق\nتعريف الفرق الواردة في الباب التاسع في المسألة السابعة</span>","vol":"3","page":341},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n(ملحق رقم ١) تعريف الفرق الوارد ذكرهم في الباب السابع\nفي تعريف الفرق أذكر الفرقة وإلى من تنسب، وأهم معتقداتها من غير تفصيل لتلك المعتقدات، لأن ذلك يؤدي إلى الإطالة، ثم أشير إلى أهم المراجع التي فصلت الكلام عن هذه الفرق، ورتبتها على حسب ترتيب أسماء الفرق الأساسية كما وردت في الاعتصام، ثم أدرج الفرق التي تحتها ضمن الفرقة الأساسية. والله الموفق (١).\n(١) المعتزلة:\nفرقة أسسها واصل بن عطاء؛ وذلك عندما تكلم في حكم مرتكب الكبيرة، فقال: إنه في منزلة بين المنزلتين، وكان في حلقة الحسن البصري ثم اعتزله بسبب هذه المسألة، ثم تطورت عقيدة المعتزلة، فأصبح لهم خمس أصول مشهورة؛ وهي: العدل، والتوحيد، والمنزلة بين المنزلتين، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم تفرقوا بعد ذلك إلى عدة فرق.\nانظر: الفرق بين الفرق (ص١١٤ - ٢٠٢)، ومقالات الإسلاميين (١٥٥ - ٢٧٨)، والملل والنحل (١/ ٤٣ - ٨٤)، والتنبيه والرد للملطي (ص٤٠) والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان (ص٤٩)، والمعتزلة وأصولهم الخمسة للدكتور عواد المعتق.\n(٢) الواصلية:\nأتباع واصل بن عطاء، مؤسس المعتزلة، وذكر الشهرستاني أن اعتزال الواصلية يدور على أربع قواعد:\n_________\n(١) كتبه هشام بن إسماعيل بن علي الصيني.","vol":"3","page":343},{"text":"القاعدة الأولى: القول بنفي صفات الله ﷿؛ لأن ذلك يستلزم وجود إلهين اثنين.\nالقاعدة الثانية: القول بالقدر، وهو أن العبد هو الفاعل للخير والشر، وليست هي من فعل الله، تعالى عن قولهم.\nالقاعدة الثالثة: القول بالمنزلة بين المنزلتين.\nالقاعدة الرابعة: القول بأن أحد الفريقين من أصحاب الجمل وأصحاب صفين فاسق لا بعينه.\nانظر: الملل والنحل (١/ ٤٦)، والفرق بين الفرق (١١٧ - ١٢٠).\n(٣) العَمْرَوية:\nوهم أتباع عمرو بن عبيد الذي تزوج أخت واصل بن عطاء، وتتلمذ عليه، وتبنى عقيدته، وزاد عليه ما يلي:\nأولًا: قال بفسق الفريقين من أصحاب الجمل وصفين، وأنهم مخلدون في النار، ورد شهادتهم.\nثانيًا: رد الأحاديث النبوية، كحديث ابن مسعود الوارد في أطوار الإنسان في بطن أمه، وأنه يكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد. انظر: الفرق بين الفرق (١٢٠ - ١٢١)، وميزان الاعتدال (٢/ ٢٩٥).\n(٤) الهُذيلية:\nوهم أتباع أبي الهذيل محمد بن الهذيل العلاف البصري، وقد كفره أصحابه كالمردار والجبَّائي، وقد انفرد عن أصحابه المعتزلة بعدة أقوال منها:\nأولًا: أن الصفة هي ذات الموصوف، فقال: إن الباري ﷾ عالم بعلم، وعلمه ذاته، وقادر بقدرة وقدرته ذاته .. إلخ.\nثانيًا: أثبت أن لله إرادة لا محل لها.","vol":"3","page":344},{"text":"ثالثًا: قوله بأن كلام الله تعالى على قسمين: قسم لا في محل؛ وهو كلمة (كن) التكوينية، وقسم في محل، كالأمر والنهي.\nرابعًا: قال بأن حركات أهل الجنة وأهل النار تنقطع، ويصيرون في سكون دائم، وتجتمع اللذات في ذلك السكون لأهل الجنة، وتجتمع الآلام في ذلك السكون لأهل النار.\nانظر: الملل والنحل (١/ ١٤٩ - ٥٣)، والفرق بين الفرق (١٢١ - ١٣٠)، والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان (ص٥٤).\n(٥) النظَّامية:\nهم أصحاب إبراهيم بن يسار بن هانئ النظَّام، خلط اعتزاله بالفلسفة، وانفرد عن أصحابه بعدة مسائل أهمها:\nأولًا: أنه قال: إن الله تعالى لا يوصف بالقدرة على الشرور والمعاصي، وليست هي مقدورة للباري، خلافًا لأصحابه؛ فإنهم يقولون: إن الله تعالى قادر على الشرور والمعاصي، ولكنه لا يفعلها لأنها قبيحة. وقال - النظام ـ: إن الله تعالى لا يوصف بالقدرة على أن يزيد في عذاب أهل النار ولا في أن ينقص من نعيم أهل الجنة.\nثانيًا: أحدث القول بالطفرة، حيث قال: إذا مشت النملة على صخرة من طرف إلى طرف، فإنها قطعت ما لا يتناهى. فقيل له: كيف يقطع ما يتناهى ما لا يتناهى؟ فقال: تقطع بعض المسافة بالمشي، وتقطع الباقي بالطفرة.\nثالثًا: قال إن الإجماع والقياس ليسا بحجة في الشرع، وإنما الحجة في قول الإمام المعصوم.\nرابعًا: مال إلى الرافضة، فقال: لا إمام إلا بالنص والتعيين، وأن عليًا هو الإمام، وأن عمر ﵁ هو الذي كتم ذلك وتولى بيعة أبي بكر يوم السقيفة، ثم وقع - أي النظام - في عثمان وعلي وابن مسعود","vol":"3","page":345},{"text":"وغيرهم من الصحابة. انظر: الملل والنحل (١/ ٥٣ - ٥٩)، والفرق بين الفرق (١٣١ - ١٥٠)، والبرهان (ص٥٥).\n(٦) الأسوارية:\nوهم أتباع علي الأسواري، كان على مذهب أبي الهذيل، ثم انتقل إلى مذهب النظام، وزاد بدعة فقال: إن ما علم الله أن لا يكون، لم يكن مقدورًا لله تعالى. انظر: الفرق بين الفرق (ص١٥١).\n(٧) الإسكافية:\nوهم أتباع محمد بن عبد الله الإسكافي، وكان أخذ القدر عن جعفر بن حرب، ثم ابتدع بعد ذلك بدعًا أخرى منها: زعم أن الله تعال يوصف بالقدرة على ظلم الأطفال والمجانين، ولا يوصف بالقدرة على ظلم العقلاء، فكفره أسلافه لهذا القول، وكفَّرهم هو لخلافهم له في هذه المسألة. انظر: الفرق بين الفرق (١٦٩ - ١٧١)، والبرهان (ص٦٢).\n(٨) الجعفرية:\nأتباع جعفر بن حرب، وجعفر بن مبشر، أما جعفر بن حرب، فهو على مذهب أستاذه المردار، وزعم أن الممنوع من الفعل قادر على الفعل، وليس يقدر على شيء؟! وأما جعفر بن بشر فمن بدعه زعمه أن في الأمة فساقًا شر من اليهود والنصارى والمجوس، مع قوله أن الفاسق موحِّد وليس بمؤمن ولا كافر. انظر: الفرق بين الفرق (١٦٧ - ١٦٩)، والملل والنحل (١/ ٥٩).\n(٩) والبِشْرية:\nوهم أتباع بشر بن المعتمر، وهو الذي أحدث القول بالتولد، وانفرد عن أصحابه ببدع منها: إن الله تعالى قادر على تعذيب الطفل، ولو فعل ذلك لكان ظالمًا له، لكن لا يستحسن أن يقال ذلك في حقه، بل يقال: لو","vol":"3","page":346},{"text":"فعل ذلك لكان الطفل بالغًا عاقلًا عاصيًا مستحقًا للعذاب؟! وهذا تناقض. انظر: الملل والنحل (١/ ٦٤ - ٦٥)، والفرق بين الفرق (١٥٦ - ١٥٩)، والبرهان (ص٥٣).\n(١٠) المردارية:\nأتباع عيسى بن صبيح المردار، تتلمذ على بشر بن المعتمر، وتزهد حتى سُمِّي راهب المعتزلة، وابتدع بدعًا منها: قوله في القرآن أن الناس قادرون على أن يأتوا بمثل القرآن فصاحة، ونظمًا، وبلاغة، وهو الذي بالغ في القول بخلق القرآن، وكفَّر من قال بقدمه، وكفَّر من لابس السلطان، وغلا في التكفير حتى سأله إبراهيم بن السندي مرة عن أهل الأرض جميعًا فكفرهم، فقال إبراهيم: الجنة التي عرضها السموات والأرض لا يدخلها إلا أنت وثلاثة وافقوك؟ فخزي المردار ولم يجب. انظر: الملل والنحل (١/ ٦٨ - ٧٠)، والفرق بين الفرق (١٦٤ - ١٦٦).\n(١١) الهشامية:\nوهم أصحاب هشام بن عمرو الفوطي، وقد بالغ في القدر، فكان يمتنع من إطلاق إضافات الأفعال إلى الله تعالى وإن ورد بها القرآن، فقال: إن الله لا يؤلف بين قلوب المؤمنين، بل هم المؤتلفون باختيارهم، ومن بدعه قوله: إن الجنة والنار ليستا مخلوقتين الآن، إذ لا فائدة في وجودهما. انظر: الملل والنحل (١/ ٧٢ - ٧٤)، والفرق بين الفرق (١٥٩ - ١٦٤).\n(١٢) الصالحية:\nوهو أتباع صالح قبة، قال أبو الحسن الأشعري: إن صالح قبة كان ممن يثبتون الجزء الذي لا يتجزأ ويقول: إن ما يراه الرائي في المرآة إنما هو إنسان مثله اخترعه الله تعالى في المرآة. انظر: مقالات الإسلاميين (ص٣١٧).","vol":"3","page":347},{"text":"(١٣) الخابطية و(١٤) الحدثية:\nالخابطية والحدثية: أتباع أحمد بن خابط والفضل الحدثي، كانا من أصحاب النظام، وزادا عليه ثلاث بدع:\nالأولى: وافقوا النصارى في إثبات حكم من أحكام الإلهية في المسيح ﵇، فادعوا أن المسيح هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا *﴾ ومثيلاتها من الآيات.\nالبدعة الثانية: قالوا بالتناسخ، فزعموا أن الله تعالى خلق خلقه أصحاء سالمين عقلاء بالغين في دار سوى هذه الدار، وخلق فيهم معرفته والعلم به، فأطاعه بعضهم في جميع ما أمرهم به، وعصاه بعضهم في جميع ما أمرهم به، وأطاعه بعضهم في بعض ما أمر به دون البعض، فمن أطاعه أقره في دار النعيم، ومن عصاه أخرجه إلى دار النار، ومن أطاعه في بعض دون بعض، أخرجه إلى دار الدنيا، فألبسه هذه الأجسام الكثيفة على صور الناس والحيوانات على قدر ذنوبهم ...\nالبدعة الثالثة: حملوا الآيات والأحاديث الواردة في الرؤية على رؤية العقل الأول. انظر: الملل والنحل (١/ ٦٠ - ٦٤)، والفرق بين الفرق (ص٢٧٣).\n(١٥) المعمرية:\nأتباع معمر بن عبَّاد السلمي، انفرد عن أصحابه بعدة مسائل منها: قال: إن الله تعالى لم يخلق غير الأجسام، وأما الأعراض فإنها من اختراعات الأجسام، إما طبعًا كالنار التي تحدث الإحراق، وإما اختيارًا كالحيوان يحدث الحركة والسكون. وله ضلالات أخرى شنيعة. انظر: الملل والنحل (١/ ٦٥ - ٧٠)، والفرق بين الفرق (١٥١ - ١٥٦)، والبرهان (ص٦٣).","vol":"3","page":348},{"text":"(١٦) الثُّمامية:\nوهم أتباع ثمامة بن أشرس النميري، قال الشهرستاني: كان جامعًا بين سخافة الدين، وخلاعة النفس مع اعتقاده بأن الفاسق يخلد في النار إذا مات على فسقه من غير توبة، وهو في حال حياته في منزلة بين المنزلتين. وقد ابتدع عدة بدع منها: أن الكفار واليهود والنصارى والدهرية وأطفال المؤمنين والبهائم يصيرون يوم القيامة ترابًا. انظر: الملل والنحل (١/ ٧٠ - ٧١)، والفرق بين الفرق (١٧٢ - ١٧٥).\n(١٧) الخيَّاطية:\nهم أتباع أبي الحسين بن أبي عمرو الخياط أستاذ أبي القاسم الكعبي، وقد انفرد الخياط بمسألة عن جميع الفرق وهي: زعمه أن الجسم في حالة عدمه يكون جسمًا. انظر: الفرق بين الفرق (١٧٩ - ١٨٠)، والملل والنحل (١/ ٧٦ - ٧٨).\n(١٨) الجاحظية:\nوهم أتباع عمرو بن بحر أبي عثمان الجاحظ، له عدة بدع خالف فيها أصحابه المعتزلة منها: زعمه أن أهل النار لا يخلدون فيها عذابًا، بل يصيرون فيها إلى طبيعة نارية، وأن النار تجذب أهلها إليها من غير أن يدخلها أحد. انظر: الملل والنحل (١/ ٧٥ - ٧٦)، والفرق بين الفرق (١٧٥ - ١٧٨)، والبرهان (ص٥٦).\n(١٩) الكعبية:\nوهم أتباع أبي القاسم عبد الله بن أحمد الكعبي، تلميذ أبي الحسين الخياط، وهو من معتزلة البصرة، لكنه خالفهم في عدة مسائل منها: قوله: إن الله لا يرى نفسه ولا غيره إلا على معنى علمه بنفسه وبغيره. ومنها قوله: إن المقتول ليس بميت. انظر: الفرق بين الفرق (١٨١ - ١٨٢)، والملل والنحل (١/ ٧٦).","vol":"3","page":349},{"text":"(٢٠) الجبَّائية:\nأتباع أبي علي محمد بن عبد الوهاب الجبَّائي، وقد انفرد بعدة أقوال منها: إنكاره بعث الأجساد بعد الموت، وأن الله يحيي أرواح الموتى، ويبعث أرواح من في القبور. انظر: الملل والنحل (٧٨ - ٨٥)، والفرق بين الفرق (١٨٣ - ١٨٤)، والبرهان (ص٥١).\n(٢١) البهشمية:\nوهم أتباع أبي هاشم عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي، من معتزلة البصرة، وقد (انفرد) بمسائل عن أصحابه منها: ما اشتهر بأحوال أبي هاشم، وهي إحدى ثلاث غير معقولة، وهي أحوال أبي هاشم وطفرة النظام وكسب الأشعري. ومن بدعه زعمه أن التوبة عن الذنب بعد العجز عن مثله لا تصح، فعنده لا تقبل توبة الكاذب بعد خرس لسانه. انظر: الفرق (١٨٤ - ٢٠١)، والملل والنحل (٧٨ - ٨٥).\n(٢٢) الشيعة:\nهم الذين شايعوا عليًا ﵁ على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصًا ووصية، إما جليًا وإما خفيًا، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية من عنده، وأن الإمامة ركن الدين لا يجوز للرسل إغافلها ولا تفويضها إلى العامة، ويجمعهم - أي فرق الشيعة - القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأنبياء والأئمة وجوبًا عن الكبائر والصغائر، والقول بالتولي والتبري. انظر: الملل والنحل (١/ ١٤٦ - ١٤٧)، والفرق بين الفرق (ص٢١)، ومقالات الإسلاميين (ص٥).\n(٢٣) السبئية:\nهم أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي غلا في علي ﵁، وادعى أن عليًا كان نبيًا ثم زعم أنه إله، وقال له: أنت أنت. يعني أنت","vol":"3","page":350},{"text":"الإله. وزعم أن عليًا لم يمت وأنه يجيء في السحاب والرعد صوته، والبرق تبسمه، وأنه سيرجع إلى الأرض فيملؤها عدلًا كما ملئت جورًا.\nوهم أول فرقة قالت بالغيبة والرجعة، وبتناسخ الجزء الإلهي في الأئمة بعد علي ﵁. انظر: الفرق بين الفرق (ص٢٣٣)، ومقالات الإسلاميين (ص١٥)، والملل والنحل (١/ ١٧٤)، والبرهان (ص٨٥).\n(٢٤) الكاملية:\nأتباع رجل من الرافضة كان يعرف بأبي كامل، زعم أن الصحابة كلهم كفار بتركهم بيعة علي، وقال: إن الإمامة نور يتناسخ من شخص إلى شخص. انظر: الملل والنحل (١/ ١٧٤ - ١٧٥)، والفرق بين الفرق (ص٥٤ - ٥٦).\n(٢٥) البيانية:\nأتباع بيان بن سمعان التميمي، وهو من الغلاة القائلين بإلهية علي ﵁، وأنه كان يعلم الغيب، وأن الجزء الإلهي انتقل إلى محمد بن الحنيفية، ثم إلى ابنه أبي هاشم، ثم صار من أبي هاشم إلى بيان بن سمعان، وهو - أي بيان بن سمعان - من المشبهة، وسمع به خالد بن عبد الله القسري فاستدرجه وصلبه، وقيل أنه أحرقه. انظر: الملل والنحل (١/ ١٥٢)، والفرق بين الفرق (ص٢٣٦)، ومقالات الإسلاميين (ص٥)، والتنبيه والرد للملطي (ص٣٠)، والبرهان (ص٧٥).\n(٢٦) المُغيرية:\nوهم أتباع المغيرة بن سعد العجلي، وكان يظهر موالاة الإمامية، ثم ادّعى النبوة، وهو شديد الغلو في التشبيه. انظر: الفرق بين الفرق (ص٢٣٨)، والملل والنحل (١/ ١٧٦)، ومقالات الإسلاميين (ص٦)، والتنبيه والرد للملطي (ص١٥٢)، والبرهان (ص٧٧).","vol":"3","page":351},{"text":"(٢٧) الجناحية:\nأتباع عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين، من غلاة فرق الشيعة، يزعمون أن عبد الله بن معاوية كان يدَّعي أن العلم ينبت في قلبه كما تنبت الكمأة والعشب، وقالوا بالتناسخ، وهم يكفرون بالقيامة، ويستحلون المحارم. انظر: مقالات الإسلاميين (ص٦)، والفرق بين الفرق (ص٢٣٥ - ٢٣٦).\n(٢٨) المنصورية:\nأتباع أبي منصور العجلي، زعم أنه عرج به إلى السماء، وأن ربه مسح على رأسه وقال له: يا بني انزل فبلغ عني. انظر: الفرق بين الفرق (ص٢٤٣)، والملل والنحل (١/ ١٧٨)، ومقالات الإسلاميين (ص٩)، والتنبيه والرد للملطي (ص١٥٠)، والبرهان (ص٧٦).\n(٢٩) الخطَّابية:\nأتباع أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأسدي الكوفي، من غلاة الشيعة، القائلين بالحلول، وادعى النبوة، ثم الرسالة، ثم أنه من الملائكة وأنه رسول إلى أهل الأرض كلهم. انظر: الفرق بين الفرق (ص٢٤٧ وص٢٥٥)، والملل والنحل (١/ ١٧٩)، ومقالات الإسلاميين (ص١٠)، والتنبيه والرد للملطي (ص١٥٤)، والبرهان (ص٦٩).\n(٣٠) الغُرابية:\nهم القائلون بأن محمدًا ﷺ أشبه الناس بعلي من الغراب بالغراب، وهذا سبب تسميتهم بالغرابية، وأن جبريل بُعث بالرسالة إلى علي فأخطأ بها إلى محمد ﷺ، ثم افترقوا عدة فرق بعد ذلك. انظر: البرهان للسكسكي (ص٧١ - ٧٢)، والفرق بين الفرق (ص٢٥٠).\n(٣١) الذمية:\nقوم زعموا أن عليًا هو الله، وشتموا محمدًا ﷺ، وأن عليًا بعثه لينبئ","vol":"3","page":352},{"text":"عنه فادعى الأمر لنفسه. انظر: الفرق بين الفرق (ص٢٥١).\n(٣٢) الهشامية:\nأصحاب الهشامين، هشام بن الحكم الرافضي، وهشام بن سالم الجواليقي، وهما الرافضة المشبهة، وكان هشام بن الحكم أضاف إلى تشبيه الخالق بالمخلوق، والرفض، قوله بجواز العصيان على الأنبياء، مع القول بعصمة الأئمة من الذنوب. ولهما كلام في التشبيه قبيح جدًا. انظر: الفرق بين الفرق (ص٦٥)، والملل والنحل (١/ ١٨٤)، ومقالات الإسلاميين (ص٣١)، والتنبيه والرد للملطي (ص٣١)، والبرهان (ص٧٢).\n(٣٣) الزرارية:\nأتباع زرارة بن أعين، كان يقول بإمامة عبد الله بن جعفر، وقال: \"إن الله - تعالى الله عن قوله - لم يكن حيًا، ولا قادرًا ولا سميعًا ولا بصيرًا، حتى خلق لنفسه حياة وقدرة ... إلخ. انظر: الفرق بين الفرق (ص٧٠)، ومقالات الإسلاميين (ص٣٦).\n(٣٤) اليونسية:\nأتباع يونس بن عبد الرحمن القمي، وهو من مشبهة الشيعة، وهو على مذهب القطعية الذين قطعوا بموت موسى بن جعفر. انظر: الملل والنحل (١/ ١٨٨)، والفرق بين الفرق (ص٧٠)، ومقالات الإسلاميين (ص٣٥).\n(٣٥) الشيطانية:\nوتسمى أيضًا النعمانية وهم: أتباع محمد بن النعمان أبي جعفر الملقب بشيطان الطاق، من بدعه قوله: إن الله - تعالى الله عن قوله - نور على صورة إنسان رباني. انظر: الملل والنحل (١/ ١٨٦)، والفرق بين الفرق (ص٧١)، ومقالات الإسلاميين (ص٣٧).","vol":"3","page":353},{"text":"(٣٦) الرزامية:\nأتباع رزام بن رزم، ساقوا الإمامة من علي إلى ابنه محمد ثم إلى ابنه هاشم، ثم إلى علي بن عبد الله بن عباس بالوصية، ثم إلى محمد بن علي، وأوصى محمد إلى ابنه إبراهيم الإمام العباسي. انظر: الملل والنحل (١/ ١٥٣ - ١٥٤)، والفرق بين الفرق (ص٢٥٦)، ومقالات الإسلاميين (ص٢١ - ٢٢).\n(٣٧) المفوضة:\nقوم زعموا أن الله تعالى خلق محمدًا ﷺ، ثم فوَّض إليه خلق العالم وتدبيره، ثم فوض محمد عليًا تدبير العالم. انظر: الفرق بين الفرق (ص٢٥١).\n(٣٨) البَدائية:\nنسبة إلى البداء، وهو معتقد للكيسانية (المختارية) أتباع المختار بن أبي عبيد الثقفي، والكيسانية عدة فرق يجمعها القول بأمرين: الأول: قولهم بإمامة محمد ابن الحنفية. والثاني: قولهم بجواز البداء على الله ﷿، والبداء له معان: البداء في العلم؛ وهو أن يظهر له خلاف ما علم. والبداء في الإرادة؛ وهو أن يظهر له صواب على خلاف ما أراد وحكم. والبداء في الأمر؛ وهو أن يأمر بشيء، ثم يأمر بشيء آخر بعده بخلاف الأول، وهو النسخ. انظر: الملل والنحل (١/ ١٤٧ - ١٥٠)، والفرق بين الفرق (ص٣٨ - ٣٩)، ومقالات الإسلاميين (ص١٨)، والتنبيه والرد للملطي (ص٢٩ و١٥٢).\n(٣٩) النصرية:\nلعلها النصيرية - يسمون أنفسهم بالعلويين - وهم من الفرق الباطنية، أتباع أبي شعيب محمد بن نصر البصري النميري، الذي ادعى الربوبية وأباح المحرمات، وقالت النصيرية بالحلول والتناسخ، وأنكروا البعث والحساب،","vol":"3","page":354},{"text":"وأولوا الشعائر التعبدية كالصلاة والصيام والحج. انظر: دراسات عن الفرق في تاريخ المسلمين (ص٣١١)، والبرهان (ص٦٧).\n(٤٠) الإسماعيلية:\nوهي طائفة باطنية تنسب إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، وقيل نسبة إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، والرأي الأول هو الراجح، وهي أشد كفرًا من اليهود والنصارى. ومذهبهم خليط من الوثنية والفلسفة والنصرانية واليهودية والإسلام. انظر: الفرق بين الفرق (ص٦٢)، والملل والنحل (١/ ١٩١)، مقالات الإسلاميين (ص٢٦)، والتنبيه والرد للملطي (ص٣٧)، والبرهان (ص٨١).\n(٤١) الباطنية:\nهم الذين يقولون إن كلَّ آية لها باطن وظاهر، فيؤوِّلون النصوص كما يشاؤون، وهم فرق عدة كالإسماعيلية والقرامطة والنصيرية وغيرهم. انظر: الملل والنحل (١/ ١٩٢)، والفرق بين الفرق (ص٢٨١ - ٣١٢)، والتبصير في أمور الدين (ص٨٣)، والحركات الباطنية في العالم الإسلامي للدكتور محمد أحمد الخطيب.\n(٤٢) القرمطية:\nمن فرق الباطنية التي ظهرت في البحرين على يد رجل يسمى حمدان بن الأشعث الملقب بقرمط، وذلك عندما اتصل به أحد دعاة الإسماعيلية وهو الحسين الأهوازي، وبعد وفاته نشط حمدان قرمط بدعوته، واتخذ مقرًا خارج الكوفة سماه دار الهجرة، وجعله مقرًا لأتباعه. انظر: الملل والنحل (١/ ١٩٢)، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص١٢٢)، ومقالات الإسلاميين (ص٢٦)، والقرامطة لابن الجوزي، والبرهان (ص٨٠).","vol":"3","page":355},{"text":"(٤٣) الخرمية:\nوهم من فرق الإباحية، وهم صنفان: صنف قبل الإسلام كالمزدكية الذين استباحوا المحرمات، وزعموا أن الناس شركاء في الأموال والنساء، ودامت فتنتهم حتى قتلهم أنوشروان في زمانه. والصنف الثاني: خرمدينية - الذين ظهروا في الإسلام - وهم صنفان: بابكية - وهم الخرمية وسيأتي ذكرهم - ومازيارية أتباع مازيار الذي ظهر في جرجان، ثم صلب في سر من رأى في زمن المعتصم. انظر: الفرق بين الفرق (ص٢٦٦ - ٢٦٩)، والتنبيه والرد للملطي (ص٢٩)، وفضائح الباطنية للغزالي (ص١٤ - ١٦).\n(٤٤) السبعية:\nهم القرامطة، كما ذكر ذلك ابن تيمية في منهاج السنة النبوية (٣/ ٤٨١).\n(٤٥) البابكية:\nوهم أتباع بابك الخرمي الذي ظهر في أذربيجان، واستباح المحرمات، وقتل المسلمين، وبقي يحارب العباسيين قرابة عشرين سنة، حتى أخذ بابك الخرمي وصلب بسر من رأى في زمن المعتصم. انظر: الفرق بين الفرق (ص٢٦٦ - ٢٦٨)، والتنبيه والرد للملطي (ص٢٩)، فضائح الباطنية للغزالي (ص١٤ - ١٦).\n(٤٦) المحمّرة:\nطائفة من البابكية الخرمدينية، يقال لهم: \"المحمّرة\" لأنهم لبسوا الحمر من الثياب في أيام بابك، فقيل لهم: \"المحمّرة\"، وهم بابكية في العقيدة. انظر: الأنساب للسمعاني (١١/ ١٧١).\n(٤٧) المحمدية:\nوهم الذين ينتظرون محمد بن عبد الله بن الحسن، ولا يصدقون بموته","vol":"3","page":356},{"text":"ولا قتله، ويزعمون أنه في جبل حاجر من ناحية نجد. انظر: الفرق بين الفرق (ص٥٦)، والأنساب للسمعاني (١١/ ١٧٠).\n(٤٨) زيدية:\nأتباع زيد بن علي زين العابدين الذي خرج على هشام بن عبد الملك، وأهم معتقداتهم: أن النبي ﷺ عيَّن الإمام بالوصف لا بالتعيين، وأن الوصف لا يكتمل إلا في علي بن أبي طالب ﵁، ثم الأئمة من بعده من ذرية فاطمة ﵂. وقالوا: بجواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل، وبجواز بيعة إمامين مختلفين في إقليمين مختلفين، وتأثروا بالمعتزلة في أصولهم الخمسة. انظر: الفرق بين الفرق (ص٢٢)، ومقالات الإسلاميين (ص٦٥)، والملل والنحل (١/ ١٥٤)، والتنبيه والرد للملطي (ص٣٨).\n(٤٩) الجارودية:\nأتباع الجارود بن زياد بن المنذر، زعموا أن النبي ﷺ نص على علي ﵁ بالوصف لا بالتعيين، والناس قصروا حيث لم يتعرفوا الوصف، ولم يطلبوا الوصف، وإنما نصبوا أبا بكر ﵁ باختيارهم، فكفروا بذلك، انظر: الفرق بين الفرق (ص٣٠)، والملل والنحل (١/ ١٥٧)، ومقالات الإسلاميين (ص٦٦)، والتنبيه والرد للملطي (ص٣٠)، والبرهان (ص٦٦).\n(٥٠) السليمانية:\nمن فرق الزيدية، أتباع سليمان بن جرير، كان يقول: الإمامة شورى فيما بين الخلق، ويصح أن تنعقد بعقد رجلين من خيار المسلمين، وكفر عثمان وعائشة والزبير وطلحة ﵃ لقتالهم لعلي ﵁. انظر: الملل والنحل (١/ ١٥٩)، والفرق بين الفرق (ص٢٢)، ومقالات الإسلاميين (ص٦٨).","vol":"3","page":357},{"text":"(٥١) البترية:\nمن فرق الزيدية، أتباع كثير النوى الأبتر، توقفوا في أمر عثمان ﵁، وقالوا: عليًا أفضل النَّاسُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ووافقوا المعتزلة في كثير من أصولهم. انظر: الملل والنحل (١/ ١٦١)، والفرق بين الفرق (ص٢٣)، ومقالات الإسلاميين (ص٦٨ - ٦٩).\n(٥٢) إمامية:\nوهم جميع فرق الشيعة التي جعلت الإمامة قضية أساسية، وأجمعوا على أن عليًا ﵁ يستحق الخلافة بعد النبي ﷺ، ولكنهم افترقوا فيما وراء ذلك، فمنهم من ذهب إلى أن عليًا استحق الإمامة بالوصف الذي لا ينطبق إلا عليه؛ وهم الزيدية، ومنهم من ذهب إلى أن عليًا استحق الإمامة بالوصية والتعيين، وهم الرافضة، وهؤلاء اتفقوا في الأئمة حتى إمامهم السادس جعفر الصادق، ولكنهم اختلفوا فيمن بعده، فذهبت الإسماعيلية إلى القول بإمامة إسماعيل بن جعفر، وذهبت الإثنا عشرية إلى إمامة موسى الكاظم إلى الإمام الثاني عشر. انظر: دراسة عن الفرق للدكتور جلي (ص١٧٩).\n(٥٣) الخوارج:\nهم الذين خرجوا على علي ﵁ بعد قَبوله التحكيم، حيث اعتبروا قبول التحكيم كفر، وطلبوا من علي أن يتوب من ذلك، وأشهر بدعهم هو تكفير مرتكب الكبيرة، ويسمون بالشُّراة؛ يزعمون أنهم باعوا أنفسهم لله، كما في قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾، ويسمون بالحرورية لانحيازهم إلى قرية حروراء قريبًا من الكوفة، وسموا بالمحكِّمة لرفعهم شعار لا حكم إلا لله. انظر: التنبيه والرد (ص٥١)، والفرق بين الفرق (ص٧٢)، ومقالات الإسلاميين (ص٨٦)، والملل والنحل (١/ ١٤٤)، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص٤٦)، والبرهان (ص١٧)، ودراسة عن الفرق للدكتور جلي (ص٥١).","vol":"3","page":358},{"text":"(٥٤) المحكِّمة:\nوهو اسم من أسماء الخوارج، وسبب تسميتهم بالمحكمة هو رفعهم شعار (لا حكم إلا لله)، وكان رأسهم عبد الله بن وهب الراسبي، وعبد الله بن الكواء، ويجمعهم القول بتكفير علي بن أبي طالب ﵁، وعثمان بن عفان ﵁، وأصحاب الجمل والحكمين ومن رضي بالتحكيم، وصوَّب الحكمين أو أحدهما، وخرجوا بسبب أمرين: الأول: قالوا بجواز الإمامة في غير قريش. والثاني: قالوا أخطأ علي في التحكيم لأنه حكَّم الرجال في دين الله، ولا حكم إلا لله. انظر: الفرق بين الفرق (ص٧٤)، والملل والنحل (١/ ١١٥)، والتنبيه والرد للملطي (ص٥١)، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص٤٦).\n(٥٥) البيهسية:\nأتباع أبي بيهس الهيصم بن جابر، أحد الخوارج الذين قالوا: إن الإيمان هو أن يعلم كل حق وباطل، وأن الإيمان هو العلم بالقلب دون القول والعمل، ويحكى عنه أنه قال: هو الإقرار والعلم، وليس هو أحد الأمرين دون الآخر. انظر: الملل والنحل (١/ ١٢٥ - ١٢٧)، ومقالات الإسلاميين (ص١١٣)، والتنبيه والرد للملطي (ص١٦٩) والبرهان (ص٢٣).\n(٥٦) الأزارقة:\nوهم أتباع أبي راشد نافع بن الأزرق، وهو أول من أحدث الخلاف في الخوارج، فقال في بدء الأمر بالبراءة من القَعَدة الذين لم يهاجروا إليهم وكفَّرهم، وقال بالمحنة لمن قصد معسكره، ومن أهم معتقداتهم: إباحة قتل نساء وأطفال مخالفيهم، وأن أطفال مخالفيهم مخلدون في النار، وأسقطوا حد الرجم لعدم وروده في القرآن، وتجويزهم أن يبعث الله نبيًا يعلم أنه يكفر بعد نبوته. انظر: الفرق بين الفرق (ص٨٢)، والملل والنحل (١/ ١١٨)، ومقالات الإسلاميين (ص٨٦)، والتنبيه والرد للملطي (ص٥٤)، والبرهان (ص٢٠).","vol":"3","page":359},{"text":"(٥٧) النجدات:\nأتباع نجدة بن عامر الحنفي، انفصل عن نافع بن الأزرق بعدما أحدث نافع القول باستباحة قتل أطفال مخالفيه، وحكمه على القعَدة بالشرك، ورجع نجدة إلى اليمامة وبويع بالإمامة، وكرد فعل لأقوال نافع أجاز نجدة التقية والقعود عن الجهاد. انظر: مقالات الإسلاميين (ص٨٩)، والفرق بين الفرق (ص٨٧)، والملل والنحل (١/ ١٢٢)، ودراسات عن الفرق (ص٥٧).\n(٥٨) الصفرية:\nاختلف المؤرخون في نسبة هذه الفرقة، والظاهر أنها تُنسب إلى عبد الله بن صفار التميمي، الذي كان مع نافع بن الأزرق ثم انفصل عنه، وهم أقلُّ غلوًا من الأزراقة، واشتهر عنهم عدم تكفير القعدة الموافقين لهم، ولم يكفروا أصحاب الكبائر الذين ورد فيهم حدٌّ. انظر: مقالات الإسلاميين (ص١٠١)، والفرق بين الفرق (ص٩٠)، والملل والنحل (١/ ١٣٧)، ودراسات عن الفرق (ص٥٩).\n(٥٩) الإباضية:\nأتباع عبد الله بن إباض بن ثعلبة التميمي، كان في أول أمره مع نافع بن الأزرق، ثم انشق عنه وكون مذهبًا ترأسه هو، وقالوا: إن مخالفيهم من أهل القبلة كفار غير مشركين، ومناكحتهم جائزة، وموارثتهم حلال، وقالوا: إن مرتكب الكبيرة كافر كفر نعمة لا ملة. انظر: الفرق بين الفرق (ص١٠٣)، والملل والنحل (١/ ١٣٤)، والتنبيه والرد للملطي (ص٥٥)، والبرهان (ص٢٢).\n(٦٠) الحفصية:\nمن فرق الإباضية، أتباع ابن أبي المقدام، تميز عنهم بقوله: إن بين الشرك والإيمان خصلة واحدة، وهي معرفة الله تعالى وحده، فمن عرفه ثم","vol":"3","page":360},{"text":"كفر بما سواه من الرسل والكتب واليوم الآخر وارتكب الكبائر، فهو كافر لكنه بريء من الشرك. انظر: الملل والنحل (١/ ١٣٥ - ١٣٦)، والفرق بين الفرق (ص١٠٤)، ومقالات الإسلاميين (ص١٠٢).\n(٦١) اليزيدية:\nمن فرق الإباضية، أتباع يزيد بن أبي أنيسة، قال بتولي المحكمة قبل الأزارقة، وتبرأ ممن بعدهم إلا الإباضية، وزعم أن الله سيبعث نبيًا من العجم، وقال: كل ذنب صغير أو كبير فهو شرك. انظر: الملل والنحل (١/ ١٣٦)، ومقالات الإسلاميين (ص١٠٣)، والبرهان (ص٢٩).\n(٦٢) الحارثية:\nمن فرق الإباضية، أتباع حارث بن يزيد الإباضي، وافقوا المعتزلة في القدر، وزعموا أنه لم يكن لهم إمام بعد المحكّمة الأولى إلا عبد الله بن إباض، وبعده حارث بن يزيد الإباضي. انظر: الفرق بين الفرق (ص١٠٥)، والملل والنحل (١/ ١٣٦)، ومقالات الإسلاميين (ص١٠٤).\n(٦٣) المطيعية:\nأصحاب طاعة لا يراد بها الله تعالى، زعموا أنه يصح وجود طاعات ممن لا يريد الله تعالى بها، وافقوا في ذلك مذهب الهذيلية من المعتزلة. انظر: الفرق بين الفرق (ص١٠٥)، ومقالات الإسلاميين (ص١٠٥).\n(٦٤) العجاردة:\nمن فرق الخوارج، أتباع عبد الكريم بن عجرد، وكان من أتباع عطية بن الأسود، والعجاردة فرق كثيرة يجمعهم القول بأن الطفل يدعى إذا بلغ، وتجب البراءة منه قبل ذلك. انظر: الفرق بين الفرق (ص٩٣)، والملل والنحل (١/ ١٢٨)، ومقالات الإسلاميين (ص٩٣)، والتنبيه والرد للملطي (ص١٦٨)، والبرهان (ص٢٣).","vol":"3","page":361},{"text":"(٦٥) الميمونية:\nمن فرق العجاردة، أتباع ميمون بن خالد، وخالف العجاردة في إثباته القدر خيره وشره من العبد، وأن الله يريد الخير دون الشر، وحكى الكعبي عن الميمونية إنكارها لسورة يوسف من القرآن. انظر: الملل والنحل (١/ ١٢٩)، والبرهان (ص٢٧).\n(٦٦) الشعيبية:\nمن فرق العجاردة، أتباع شعيب بن محمد، وكان مع ميمون بن خالد ثم برئ منه عندما أظهر القول بالقدر. انظر: الملل والنحل (١/ ١٣١)، الفرق بين الفرق (ص٩٥)، مقالات الإسلاميين (ص٩٤).\n(٦٧) الحازمية:\nمن فرق العجاردة، أتباع حازم بن علي، قالوا إن الله خالق أعمال العباد، ولا يكون في سلطانه إلا ما يشاء، ويحكى عنهم أنهم يتوقفون في أمر علي ﵁، ولا يصرحون بالبراءة منه، ويصرحون بالبراءة في حق غيره. انظر: الملل والنحل (١/ ١٣١).\n(٦٨) الخازمية:\nهكذا في نسخة \"غ\" وهم من فرق العجاردة - أيضًا - وهم أكثر عجاردة سجستان، خالفوا الخوارج في باب القدر والاستطاعة والمشيئة، وكفّروا الميمونية وخالفوا أكثر الخوارج في الولاية والعدواة. انظر: الفرق بين الفرق (ص٩٤) والأنساب للسمعاني (٥/ ١٧١).\n(٦٩) الحمزية:\nمن فرق العجاردة، أتباع حمزة بن أدرك - وقيل أكرك - وافق الميمونية في سائر بدعها إلا في أطفال المشركين فقال إنهم في النار، وجوَّز إمامين في عصر واحد ما لم تجتمع الكلمة، ولم يقهر الأعداء. انظر: الملل","vol":"3","page":362},{"text":"والنحل (١/ ١٢٩)، والفرق بين الفرق (ص٩٨)، ومقالات الإسلاميين (ص٩٣)، والتنبيه والرد للملطي (ص٥٦).\n(٧٠ و٧١) المعلومية والمجهولية:\nمن فرق العجاردة، وكانوا في الأصل حازمية، إلا أن المعلومية قالت: من لم يعرف الله تعالى بجميع أسمائه وصفاته فهو جاهل به، وأن الفعل مخلوق للعبد، وأما المجهولية فقالت: من علم بعض أسماء الله تعالى وصفاته وجهل بعضها فقد عرف الله تعالى، وأن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى. انظر: الملل والنحل (١/ ١٣٣ - ١٣٤)، والفرق بين الفرق (ص٩٧)، ومقالات الإسلاميين (ص٩٦ - ٩٧)، والبرهان (ص٢٧).\n(٧٢) الصلتية:\nمن فرق العجاردة، أتباع عثمان بن أبي الصلت، وقيل: الصلت بن أبي الصلت، خرج عن العجاردة بقوله: إن الرجل إذا أسلم توليناه وتبرأنا من أطفاله حتى يدركوا فيقبلوا الإسلام. انظر: الفرق بين الفرق (ص٩٧)، والملل والنحل (١/ ١٢٩)، ومقالات الإسلاميين (ص٩٧)، والتنبيه والرد للملطي (ص٥٧)، والبرهان (ص٢٩).\n(٧٣) الثعلبية:\nأتباع ثعلبة بن عامر، كان مع عبد الكريم بن عجرد، إلى أن اختلفا في أمر الأطفال، فقال ثعلبة: إنا على ولايتهم صغارًا وكبارًا حتى نرى منهم إنكارًا للحق ورضا بالجور، فتبرأت العجاردة من ثعلبة، وكان يرى أخذ الزكاة من عبيدهم إذا استغنوا وإعطاءهم منها إذا افتقروا. انظر: الملل والنحل (١/ ١٣١)، والفرق بين الفرق (ص١٠٠)، ومقالات الإسلاميين (ص٩٧)، والبرهان (ص٢٦).","vol":"3","page":363},{"text":"(٧٤) الأخنسية:\nمن فرق الثعالبة، أتباع أخنس بن قيس، انفرد عنهم بقوله: أتوقف في جميع من كان في دار التقية من أهل القبلة، إلا من عرف منه إيمان فأتولاه عليه، أو كفر فأتبرأ منه، وقال بجواز تزويج المسلمات من مشركي قومهم. انظر: الملل والنحل (١/ ١٣٢)، والفرق بين الفرق (ص١٠١)، ومقالات الإسلاميين (ص٩٧).\n(٧٥) المعبدية:\nمن فرق الثعالبة، أتباع معبد بن عبد الرحمن، خالف الأخنسية في جواز تزويج المسلمات من مشرك، وخالف الثعلبية في أخذ الزكاة من العبيد. انظر: الملل والنحل (١/ ١٣٢)، والفرق بين الفرق (ص١٠١)، ومقالات الإسلاميين (ص٩٨).\n(٧٦) الشيبانية:\nمن فرق الثعالبة، أتباع شيبان بن سلمة، وافق الجهم في القول بالجبر. انظر: الملل والنحل (١/ ١٣٢)، والفرق بين الفرق (ص١٠٢)، ومقالات الإسلاميين (ص٩٨).\n(٧٧) المكرمية:\nمن فرق الثعالبة، أتباع مكرم بن عبد الله العجلي، تفرد عن الثعالبة بقول تارك الصلاة كافر، لا من أجل تركه للصلاة، ولكن لجهله بالله تعالى. انظر: الفرق بين الفرق (ص١٠٣)، والملل والنحل (١/ ١٣٣)، ومقالات الإسلاميين (ص١٠٠).\n(٧٨) المرجئة:\nهم الذين أخروا العمل عن الإيمان، وأكثر فرق المرجئة تقول إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وقد قسمهم الشهرستاني إلى أربعة أصناف:","vol":"3","page":364},{"text":"مرجئة الخوارج، ومرجئة القدرية، ومرجئة الجبرية، والمرجئة الخالصة، وقسمهم الأشعري إلى اثني عشرة فرقة، وأشهر فرق المرجئة الجهمية والأشاعرة ومرجئة الفقهاء، وهذه الفرق الثلاثة انتشرت أقوالهم أكثر من بقية فرق المرجئة الأخرى. انظر: الملل والنحل (١/ ١٣٩)، والفرق بين الفرق (ص٢٠٢)، ومقالات الإسلاميين (ص١٣٢)، والتنبيه والرد للملطي (ص٤٧)، والبرهان (ص٣٣).\n(٧٩) العُبيدية:\nمن فرق المرجئة، أتباع عبيد المكتئب، قال: إن ما دون الشرك مغفور لا محالة، والعبد إذا مات على توحيده لا يضره ما اقترف من الآثام واجترح من السيئات. انظر: الملل والنحل (١/ ١٤٠).\n(٨٠) اليونسية:\nمن فرق المرجئة، أتباع يونس بن عون النميري، زعم أن الإيمان هو المعرفة بالله، والخضوع له، وترك الاستكبار عليه، والمحبة بالقلب، فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن، وما سوى ذلك من الطاعة فليس من الإيمان ولا يضر تركها حقيقة الإيمان. انظر: الملل والنحل (١/ ١٤٠)، الفرق بين الفرق (ص٢٠٢)، ومقالات الإسلاميين (ص١٣٤).\n(٨١) الغسَّانية:\nمن فرق المرجئة، أتباع غسان الكوفي، زعم أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى وبرسله، والإقرار بما أنزل الله، وبما جاء به الرسول ﷺ في الجملة دون تفصيل، والإيمان لا يزيد ولا ينقص، وقال: (من قال): أعلم أن الله تعالى حرم الخنزير، ولا أدري هل الخنزير الذي حرمه هذه الشاة أم غيرها؟ كان مؤمنًا. انظر: الملل والنحل (١/ ١٤١)، والفرق بين الفرق (ص٢٠٣).","vol":"3","page":365},{"text":"(٨٢) الثوبانية:\nمن فرق المرجئة، أتباع أبي ثوبان المرجئ، زعم أن الإيمان هو المعرفة والإقرار بالله تعالى، وبرسله، وبكل ما يجوز في العقل أن يفعله، وما جاز في العقل تركه فليست معرفته من الإيمان، وأخر العمل كله عن الإيمان. انظر: الفرق بين الفرق (ص٢٠٤)، والملل والنحل (١/ ١٤٢)، ومقالات الإسلاميين (ص١٣٥)، والبرهان (ص٤٤).\n(٨٣) والتومنية:\nمن فرق المرجئة، أتباع أبي معاذ التومني، زعم أن الإيمان هو ما عصم من الكفر، وهو اسم لخصال إذا تركها التارك كفر، وكذلك لو ترك خصلة واحدة منها كفر. انظر: الملل والنحل (١/ ١٤٤)، والفرق بين الفرق (ص٢٠٣)، ومقالات الإسلاميين (ص١٣٩).\n(٨٤) النجارية:\nمن فرق الجبرية، أتباع الحسين بن محمد النجار، وافق المعتزلة في نفي الصفات، ووافق الأشعري في مسألة الكسب وقال: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص. انظر: الفرق بين الفرق (ص٢٠٩)، والملل والنحل (١/ ٨٨)، ومقالات الإسلاميين (ص١٣٥)، والبرهان (ص٣٩).\n(٨٥) البرغوثية:\nمن فرق النجارية، أتباع محمد بن عيسى الملقب ببرغوث، خالف النجارية في تسمية المكتسب فاعلًا، فامتنع منه وأطلقه النجار. انظر: الفرق بين الفرق (ص١٠٩)، والملل والنحل (١/ ١٨٩).\n(٨٦) الزعفرانية:\nمن فرق النجارية، أتباع الزعفراني، قالوا: إن كلام الله تعالى غيره، وكل ما هو غير الله تعالى مخلوق، ثم يقول: الكلب خير ممن يقول","vol":"3","page":366},{"text":"كلام الله مخلوق. انظر: الفرق بين الفرق (ص٢٠٩)، والملل والنحل (١/ ٨٩).\n(٨٧) المستدركة:\nمن فرق النجارية، زعموا أنهم استدركوا ما خفي على أسلافهم، لأن أسلافهم منعوا إطلاق القول بأن القرآن مخلوق، وقالوا هم بخلق القرآن. انظر: الفرق بين الفرق (ص٢١٠)، والملل والنحل (١/ ٨٩).\n(٨٨) الجبرية:\nهم الذين يقولون إن العبد مجبور على أفعاله لا اختيار له، ولا يقدر على الفعل أصلًا، وأن الله تعالى جبر العباد على الإيمان أو الكفر. انظر: الملل والنحل (١/ ٧٩)، والبرهان للسكسكي (ص٤٢ - ٤٣).\n(٨٩) المشبهة:\nهم الذين شبهوا ذات الله تعالى بذات غيره، وصفاته بصفات غيره، وهم طوائف كثيرة كالسبئية، والبيانية والخطابية والكرامية وغيرهم. انظر: الفرق بين الفرق (ص٢٢٥ - ٢٣٠)، ومقالات الإسلاميين (ص٢٢١ و٤٣٠ و٤٩١ و٥١٨ و٥٢١ و٥٦٤).","vol":"3","page":367}]}