{"ً":{"ٌ":36582,"ٍ":"تحبير الوريقات بشرح الثلاثيات","َ":5,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: تحبير الوريقات بشرح الثلاثيات\nالمؤلف: أبو وداعة وليد بن صبحى الصعيدى\nعدد الصفحات: ١٥٤\n[الكتاب مرقم آليا]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2393,"ٕ":7,"ٖ":1770155902,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":1},{"title":"الباب الأول","level":1,"page":6},{"title":"المبحث الأول","level":2,"page":6},{"title":"المبحث الثانى","level":2,"page":14},{"title":"المبحث الثالث","level":2,"page":24},{"title":"المبحث الرابع","level":2,"page":34},{"title":"المبحث الخامس","level":2,"page":42},{"title":"المبحث السادس","level":2,"page":43},{"title":"الباب الثانى","level":1,"page":46},{"title":"تمهيد","level":2,"page":46},{"title":"مسند ﴿سلمة بن الأكوع﴾","level":2,"page":47},{"title":"الحديث الأول","level":3,"page":51},{"title":"الحديث الثانى","level":3,"page":61},{"title":"الحديث الثالث","level":3,"page":66},{"title":"الحديث الرابع","level":3,"page":70},{"title":"الحديث الخامس والسادس","level":3,"page":72},{"title":"الحديث السابع والثامن","level":3,"page":81},{"title":"الحديث التاسع والعاشر","level":3,"page":87},{"title":"الحديث الحادى عشر","level":3,"page":92},{"title":"الحديث الثانى عشر","level":3,"page":100},{"title":"الحديث الثالث عشر","level":3,"page":104},{"title":"الحديث الرابع والخامس عشر","level":3,"page":109},{"title":"الحديث السادس عشر","level":3,"page":114},{"title":"الحديث السابع عشر","level":3,"page":116},{"title":"مسند ﴿أنس بن مالك﴾","level":2,"page":120},{"title":"الأحاديث الثلاث (الثامن عشر والتاسع عشر والعشرون)","level":3,"page":124},{"title":"الحديث الواحد والعشرون","level":3,"page":130},{"title":"مسند ﴿عبد الله بن بسر﴾","level":2,"page":139},{"title":"الحديث الثانى والعشرون","level":3,"page":141},{"title":"الباب الثالث","level":1,"page":143},{"title":"المبحث الأول","level":2,"page":143},{"title":"المبحث الثانى","level":2,"page":145},{"title":"المبحث الثالث","level":2,"page":152},{"title":"خاتمة","level":1,"page":153}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,104":104,"1,105":105,"1,106":106,"1,107":107,"1,108":108,"1,109":109,"1,110":110,"1,111":111,"1,112":112,"1,113":113,"1,114":114,"1,115":115,"1,116":116,"1,117":117,"1,118":118,"1,119":119,"1,120":120,"1,121":121,"1,122":122,"1,123":123,"1,124":124,"1,125":125,"1,126":126,"1,127":127,"1,128":128,"1,129":129,"1,130":130,"1,131":131,"1,132":132,"1,133":133,"1,134":134,"1,135":135,"1,136":136,"1,137":137,"1,138":138,"1,139":139,"1,140":140,"1,141":141,"1,142":142,"1,143":143,"1,144":144,"1,145":145,"1,146":146,"1,147":147,"1,148":148,"1,149":149,"1,150":150,"1,151":151,"1,152":152,"1,153":153,"1,154":154},"ٜ":{"1":[1,154]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154"],"ٞ":{"1":[1],"6":[2,3],"14":[4],"24":[5],"34":[6],"42":[7],"43":[8],"46":[9,10],"47":[11],"51":[12],"61":[13],"66":[14],"70":[15],"72":[16],"81":[17],"87":[18],"92":[19],"100":[20],"104":[21],"109":[22],"114":[23],"116":[24],"120":[25],"124":[26],"130":[27],"139":[28],"141":[29],"143":[30,31],"145":[32],"152":[33],"153":[34]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"تحبيرُ الوريقات\nبشرح الثلاثيات\n\n(شرح مختصر لثلاثيات البخارى ﵀)\n\nجمعُ وترتيبُ\nأبى وداعة وليد بن صبحى الصعيدى\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\nالحمد لله، قدم نبينا على كل نبىٍّ أرسله، وكتابنا على كل كتابٍ أنزله، وجعل أمتنا الأخيرة الأولة، فله الشكر من معتقِدٍ أنه به وله، لا غنى إلا فى طاعته، ولا عز إلا فى التذلل لعظمته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، جل عن شريكٍ وولد، وعز عن الاحتياج لأحد، وتقدس عن نظيرٍ وانفرد، وعلم ما يكون، وأوجد ما كان، \" فبأى آلاء ربكما تكذبان \"، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله ...\nنبى صدقٍ هدت أنوار شرعته ... بعد العمى للهدى من كان عنيتا\nأحيا به الله قومًا قام سعدهم ... كما أمات به قومًا طواغيتا\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]","vol":"1","page":1},{"text":"فهذه ثلاثيات البخارى، والذى علا فيها بسنده إلى النبىِّ (- ﷺ -)، فهى كواكب أسانيده العالية (١)، وقد حظيت بالاهتمام من أهل العلم فى القديم والحديث حتى أفردوها بالتصنيف، ومن الطريف أن الثلاثيات فى الكتب الستة- خاصة (٢) - ليس لها انتشار حيث أن أصحابها لم يتمكنوا من لقيا كبار الشيوخ، وقد كان أسنهم الإمام العلم الإمام البخارى، لذلك فإن مصنفه هو الذى احتوى على أكثر عدد من بين الكتب السته ففيه اثنان وعشرون حديثًا ثلاثيًا، يليه فى العدد سنن ابن ماجة، فقد وقفت على ثلاثة أحاديث كلها من طريق جبارة ابن المغلس، ولم يصح منهم إلا واحد صححه الشيخ الألبانى، ثم تلا ذلك من كتب السنة سنن الترمذى ففيه حديثُ واحد. ثم ليس ثمت ثلاثيٍّ في بقية الستة. فليس عند مسلم ولا أبى داود ولا النسائى من ذلك شيء كما ذكر أبو العلا\n_________\n(١) السند الثلاثى: هو أن يكون بين الراوى وبين المروى عنه الكلام ثلاثة رواه، والمقصود هنا بينه وبين النبىّ، وللبخارى فى صحيحه أسانيد رباعية وخماسيه وسداسية، أما أعلى سند موجود فى الكتب التسعة فهو فى الموطأ؛ ففيه سند ثنائى، يقول الإمام مالك: حدثنى نافع عن ابن عمر عن النبى - ﷺ -، أما أطول سند وقع فى كتب السنة، هو السند العشارى، وهذا عند النسائى فى كتاب الصلاة، قال: أخبرنا محمد بن بشار أخبرنا عبد الرحمن، أخبرنا زائدة، عن منصور عن هلال، عن الربيع بن خثيم، عن عمرو بن ميمون، عن ابن أبى ليلى، عن امرأة أبى أيوب، عن أبى أيوب، عن النبى - ﷺ - قال: \" قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن \" والحديث فيه ستة من التابعين أولهم منصور، وقد رواه الترمذى عن قتيبة ومحمد بن بشار بسند عُشارى أيضًا.\n(٢) ففى غير الكتب الستة ثلاثيات بل ثنائيات كما فى موطأ الإمام مالك، وأما مسند الإمام أحمد فثلاثياته تزيد على ثلاثمائة حديث، وعند الدارمىِّ أكثر من البخارى.","vol":"1","page":2},{"text":"المباركفورى فى تحفة الأحوذى.\nوقد مَنَّ الله علينا بسماع هذه الأحاديث بالسند المتصل إلى الإمام البخارى ثم بسنده إلى النبى (- ﷺ -) وذلك عن فضيلة الشيخ وحيد عبد السلام بالى - حفظه الله - بدايةً، ثم عن فضيلة الشيخ صلاح عبد الموجود - حفظه الله -\nولما كان المقصدُ من وراء العلم الفهم ثم تطبيق ما تعلمه العبد دون روايته فقط، لذلك لم يكن من المسَلَّم أن نكتفىَ برواية الأحاديث دون فهمٍ منا لما فيها من مسائل قَصَدها الشرعُ، وفى ذلك يقول السيوطى فى التدريب (١): \" لا ينبغى للطالب أن يقتصر من الحديث على سماعه دون معرفته وفهمه فيكون قد أتعب نفسه من غير أن يظفر بطائل\" ا. هـ\nومن فعل ذلك كان كمن ينبذ الكتاب وراء ظهره.\nفأردت أن أقف لنفسى أولًا ولإخوانى بعد ذلك -لمن أراد -مع ما تحتويه هذه الأحاديث من ثمارٍ يانعة، ودررٍ لائحة، فإن الوحى نور، نستضيء به فى دياجير الشبهات والشبه، وأيضًا حتى لا نكون كمن أقام الحجة على نفسه، ثم إذا أقبلنا على الله سبحانه قيل لنا: \" فبما كسبت أيديكم \".\nوإنما قمت بهذا العمل حفاظًا على مسموعاتى، وما تحملته من أمانة، مرةً بالنظر ومرةً بالترتيب، ومرةً باستخراج الفوائد، وحفزنى على هذا العمل سلفنا - رحمة الله عليهم - واهتمامهم بمروياتهم ومسموعاتهم، وكان آخر ما وقفت عليه ما سطره الحافظ ابن حجر فى جزءٍ لطيف له بعنوان:\n\" الأحاديث العشرة الاختيارية العشارية الأسانيد \" فقال ﵀:\n\" وأما هذه الأحاديث، وإن كان فيها قصور عن مرتبة الصحاح، فقد تحريت فيها جهدي، وانتقيتها من مجموع ما عندي، وبينت علة كل حديث بعقبه، وأوضحت ما فيه للمنتبه \" ا. هـ\nفقلت ليكن لى فيهم أسوة، وإن لم أبلغ قلامة ظُفر أحدهم، وكان هذا هو الداعى الأول،\nأما الداعى الثانى:\n_________\n(١) التدريب، ٣٦٩","vol":"1","page":3},{"text":"فإننا نتعلم لنعمل، ولا سبيل للعمل إلا بعد الفهم، قال عمرو بن قيس المُلائى كما فى الحلية: \" إذا بلغك شيء من الخبر فاعمل به ولو مرة تكن من أهله \"\nثم نتعلم لنبلغ ولا نكتمه.\nقال النووى فى التقريب: \" فإن كتمانه لؤمٌ يقع فيه جهلة الطلبة فيخاف على كاتمه عدم الانتفاع، فإن من بركة الحديث إفادته ونشره يُمْن \"\nوقال الإمام مالك (١): \" الناس في العلم اربعة:\nرجل علم فعمل به: فمثله في كتاب الله قوله تعالى: \" إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ \" (فاطر، ٢٨)\nورجل علم به ولم يُعَلِّمه: فمثله في كتاب الله: \" إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ\nبَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ \" (البقرة، ١٥٩)\nورجل علم علمًا وعلم ولم يعمل به: فمثله في كتاب الله: \" إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا \"\n(الفرقان، ٤٤) \"\nفوجب التعلم ثم الفهم ثم العمل ثم الدعوة إلى ما عَلِمناه بما تعلمناه، وكل ذلك ليس لنا إليه سبيل إلا بعد أن نقف على ما فى هذه الأحاديث من دروس وعبر.\nولا أدعى فى ذلك أنى جئت بجديد، أو وقفت على ما لم يقف عليه أحد، ولا أدعى أنى انتحلت هذا من عندى، ولكنها ثمار اجتنيتها من بساتين القوم وليس لى فيها كبير جهد إلا الترتيب، فلا أنسب من ذلك شيء إلى نفسى، متذكرًا كلام ابن المقفع فى الأدب الكبير (٢):\n\" إن سمعتَ من صاحبك كلاما أو رأيت منه رأيا يعجبك فلا تنتحله تزينا به عند الناس. واكتف من التزين بأن تجتني الصواب إذا سمعته، وتنسبه إلى صاحبه. واعلم أن انتحالك ذلك مسخطةٌ لصاحبك، وأن فيه مع ذلك عارا وسخفا \". فأنا أربأ بنفسى عن السخافة والعار.\n_________\n(١) ترتيب المدارك وتقريب المسالك، القاضي عياض،٥٩\n(٢) الأدب الكبير والصغير، ١٩","vol":"1","page":4},{"text":"وعن العباس ابن محمد الدوري أنه سمع أبا عبيد القاسم بن سلام يقول (١): من شُكْر العلم ذكركُ الفائدة منسوبةً إلى من أفادك إياها أو كما قال.\nوقد جاء هذا الشرح فى ثلاثة أبواب:\nالباب الأول: مباحث بين يدى البحث كتوطئةً له.\nالباب الثانى: شرح الثلاثيات حسب مسند كل صحابىّ.\nالباب الثالث: روايات لها علاقة بالثلاثيات عند البخارى فى صحيحه وفى كتابه الأدب المفرد.\nثم الخاتمة، سائلًا الله ﷿ أن يختم لنا بخير.\nوأختم المقدمة بما قاله ابن قتيبة فى عيون الأخبار، مهونًا عليك أن تسمع من مثلى أو تقرأ لمثلى، فالحكمة ضالة المؤمن نأخذها عمن فوقنا وعمن تحتنا:\n\" لا تستنكف أن تأخذ عن الحديث سنًا لحداثته، ولا عن الصغير قدرا لخساسته، ولا عن الأمَة الوكعاء (٢) لجهلها، فضلا عن غيرها. فإن العلم ضالةُ المؤمن، من حيث أخذه نفعه، ولن يزري بالحق أن تسمعه من المشركين، ولا بالنصيحة أن تستنبط من الكاشحين (٣)، ولا يضيرالحسناء أطمارها، ولا بنات الأصداف أصدافها، ولا الذهبَ الإبريزَ مخرجُه من كِبا، ومن ترك أخذ الحسن من موضع أضاع الفرصة، والفرص تمر مر السحاب\".\nويقول النووى أيضًا فى التقريب: \" وليحذر كل الحذر من أن يمنعه الحياء والكبر من السعى التام فى التحصيل وأخذ العلم ممن دونه فى نسبٍ أو سنٍ أو غيره \".\n\" واللهَ أسألُ أن يُلقيَ على هذه الوريقات قبولًا من القُلوبِ ويرزُقَها مَيلًا منَ النفوسِ وإنصاتا\nمن الأسماعِ، وتَسييرًا في البلادِ وأن يستنطقَ ألسنةَ من طرأتْ عليه من أفاضل المسلمين بالدعوةِ\n_________\n(١) ادب الخواص للوزير المغربى\n(٢) قال الليث: الوَكَعُ مَيَلانٌ في صَدْر القدَم نحو الخِنْصِر وربما كان في إِبهام اليد وأَكثر ما يكون ذلك للإِماء اللواتي يَكْددْنَ في العمَل .. (اللسان)\n(٣) والكاشِح: الذي يطوي على العداوة كَشْحَه، وقيل: الكاشح الذي يتباعد عنك.","vol":"1","page":5},{"text":"الطّيبةِ لمُنشئها، والتَرحمِ على جامعها والله تعالى مرَجوّ الإجابةْ. لمنْ يسألهُ منْ أهل الإنابةْ.\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>الباب الأول</span>\nمباحث مهمة بين يدى الكتاب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>المبحث الأول: </span>الإسناد وقيمته فى الإسلام\nالمبحث الثاني: بعض أخلاق طالب العلم\nالمبحث الثالث: ترجمة البخارى -﵀ -\nالمبحث الرابع: الثلاثيات بترتيبها فى صحيح البخارى\nالمبحث الخامس: السند الذي وصلت لنا به الثلاثيات.\nالمبحث السادس: المؤلفات حول الثلاثيات\n\nتمهيد\nوكانت هذه المباحث فى هذا الباب بين يدى الشرح تمهيدًا وتوطئةً بين يديه، لتتأهل النفس وتستعد لما يتلى عليها، انطلاقًا من قول ابن الجوزى فى صيد الخاطر: \" إنما الصواب توطئة المضجع قبل النوم \".\nثم إنه كان ولا بد أن نقدم بين يدى هذا الشرح كلامًا عن قيمة الإسناد فى الإسلام، ومدى اهتمام أهل العلم بذلك، وتوخيهم الصحة والضبط لأن الأمر أمر دين، فكان المبحث الأول: \" قيمة الإسناد فى الإسلام \".\nوأيضا توجيه بعض النصائح التربوية لى ولطلبة العلم، فكان المبحث الثانى: \" بعض آداب طالب العلم \".\nثم ترجمة لإمامنا وفقيه هذه الأمة ومحدثها الإمام البخارى ﵀، فكان مبحث: \" ترجمة البخارى\".\nثم لما كان الشرح لم يرتبط بترتيب البخارى رأيت أن أسرد هذه الأحاديث سردا بترتيبها فى صحيح البخارى وكما قُرِئت على المشايخ، ثم أردفتها بذكر السند الذى وصلت لنا الثلاثيات به.\nثم لتتم الفائدة فكان من الواجب ذكر المؤلفات حول هذا الموضوع والتى صنفها أهل العلم، ليقف عليها من يريد الاستزادة ومعظم هذه الشروح وللأسف مازالت مخطوطة ولم تخرج للنور، قيد الله لها من يخرجها.\nوالله من وراء القصد، ونسأله أن يرزقنا الإخلاص فى القول والعمل، وما قل وكفي خير مما أكثر وألهى.\n\nالمبحث الأول\nقيمة الإسناد فى الإسلام\nمدى الاهتمام بمعرفة الرواة:","vol":"1","page":6},{"text":"نقل مسلم فى مقدمة صحيحه (١) جملة من كلام أهل العلم بسنده عن قيمة الإسناد والنهى عن الرواية عن الضعفاء، وكذلك ابن عبد البر فى بداية التمهيد (٢) كثيرًا من ذلك عن الصحابة والتابعين حول قيمة هذا الأمر، ومدى الإهتمام به، ومن ذلك:\n* قال أبو هريرة: \" إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه \"\n* وعن شعيب بن الحبحاب قال غدوت إلى أنس بن مالك، فقال:\nيا شعيب ما غدا بك؟ فقلت: يا أبا حمزة غدوت لأتعلم منك، وألتمس ما ينفعني فقال يا شعيب: إن هذا العلم دين فانظر ممن تأخذه.\nوقال النووي فى التقريب: \" الإسناد خصيصة لهذه الأمة، وسنة بالغة مؤكدة \"\nوعن عامر بن سعد أن عقبة بن نافع قال لبنيه، وثبت أيضًا عن صهيب:\n\" يا بَنيَِّ لا تقبلوا الحديث عن رسول الله - ﷺ - إلا من ثقة \"\n* وقال ابن عون: لا تأخذوا العلم إلا ممن شهد له بالطلب.\n* وعن ابن سيرين قال: إنما هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه.\n* وعن سليمان بن موسى قال: لا يؤخذ العلم من صُحُفِي.\n* وعن المغيرة عن إبراهيم قال: إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.\nقال المغيرة: \" كنا إذا أتينا الرجل لنأخذ عنه نظرنا إلى سمته وصلاته \".\n* وقد روى جماعة عن هُشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال:\n\" كانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه نظروا إلى هديه وسمته وصلاته ثم أخذوا عنه \".\n* وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: سألت شعبة وابن المبارك والثوري ومالك بن أنس عن الرجل يتهم بالكذب فقالوا: انشره فانه دين.\n* وعن حماد بن زيد أنه قال:\nكلمنا شعبة في أن يكف عن أبان ابن أبي عياش لسِنِّهِ وأهل بيته، فقال لي:\n\" يا أبا إسماعيل لا يحل الكف عنه لأن الأمر دين \".\n_________\n(١) مقدمة مسلم، ٦٩: ١١٤\n(٢) التمهيد، حـ١ (٤٥، .....)","vol":"1","page":7},{"text":"* وعن الربيع بن خثيم قال: \" من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير \" عشر مرات، كان له كعتق رقاب أو رقبة، قال الشعبي: فقلت للربيع بن خثيم: من حدثك بهذا الحديث فقال عمرو بن ميمون الأودى فلقيت عمرو بن ميمون فقلت من حدثك بهذا الحديث فقال عبد الرحمن بن أبي ليلى فلقيت ابن أبي ليلى فقلت من حدثك؟\nقال أبو أيوب الأنصاري؛ صاحب رسول الله - ﷺ -. فعلى هذا كان الناس على البحث عن الإسناد وما زال الناس يرسلون الأحاديث ولكن النفسَ أسكنُ عند الإسناد وأشدُ طمأنينة.\n* وعن نصر بن حماد يعني الوراق قال: كنا قعودا على باب شعبة نتذاكر الحديث فقلت: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر الجهني قال:","vol":"1","page":8},{"text":"\" كنا نتناوب رعية الإبل على عهد رسول الله - ﷺ - فجئت ذات يوم والنبي - ﷺ - حوله أصحابه فسمعته يقول: من توضأ ثم صلى ركعتين ثم استغفر الله غفر له. قلت: بخ بخ قال فجذبني رجل من خلف، فالتفت، فإذا عمر بن الخطاب فقال ما لك تبخبخ؟! فقلت عجبا بها، قال: لو سمعت التي قبلها كانت أعجب وأعجب، قلت: وما قال؟ قال: قال - ﷺ - \" من شهد أن لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله قيل له ادخل من أي أبواب الجنة شئت \" قال: قال نصر: فخرج علينا شعبةُ فلطمني ثم رجع، فدخل، قال: فتنحيت ناحية أبكي، ثم خرج، فقال: ما له بعدُ يبكي؟! فقال له عبد الله بن إدريس: \" إنك أسأت إليه \" قال: انظر ما يُحَدِّث به عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر عن النبي - ﷺ -، أنا قلت لأبي إسحاق من حدثك؟ قال: حدثنا عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر عن النبي - ﷺ -، فقلت لأبي إسحاق: أو سمع عبد الله من عقبة؟! قال فغضب، ومسعر بن كدام حاضر، فقال لي مسعر: أغضبت الشيخ، فقلت: ليصححن هذا الحديث أو لأرمين بحديثه، فقال لي مسعر: \" هذا عبد الله بن عطاء بمكة\"، قال شعبة: فرحلت إلى مكة لم أرد الحج أردت الحديث، فلقيت عبد الله بن عطاء فسألته فقال: سعد بن إبراهيم حدثني، قال شعبة: فلقيت مالك بن أنس فسألته عن سعد فقال: سعد بن إبراهيم بالمدينة لم يحج العام، فرحلت إلى المدينة، فلقيت سعد بن إبراهيم بالمدينة فسألته، فقال: الحديث من عندكم؛ حدثني زياد بن مخراق، قال شعبة: فلما ذكر زياد بن مخراق قلت: أي شيء هذا! بينما هو كوفي إذ صار مدنيا إذ صار بصريا، قال شعبة فرحلت إلى البصرة فلقيت زياد بن مخراق فسألته، فقال: ليس الحديث من بانتك (كذا) فقلت حدثني به، قال: لا ترده، قلت: حدثني به، قال: حدثني شهر بن حوشب، قلت ومن لي بهذا الحديث لو صح لي مثل هذا عن رسول الله","vol":"1","page":9},{"text":"- ﷺ - كان أحب إليَّ من أهلي ومالي ومن الناس أجمعين \"\nطلب السند العالى\nللسند العالى قيمةٌ عظيمةٌ عند العلماء، فقد كانوا يبحثون عنه ويحرصون عليه ويسافرون من أجله.\nقال النووى فى التقريب: \" وطلب العلو فيه سنة، ولهذا استُحبَّت الرحلة \"\nوقال السيوطى فى التدريب (١): قال أحمد بن حنبل: طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف لأن أصحاب عبد الله كانوا يرحلون من الكوفة إلى المدينة فيتعلمون من عمر ويسمعون منه \".\nوقال محمد بن أسلم الطوسي: \" قرب الإسناد قُربُ -أو قربةٌ- إلى الله \".\nوقال العلائى: \" لا ريب في اتفاق أئمة الحديث قديما وحديثا على الرحلة إلى من عنده الإسناد العالي\".وقد ذموا النزول فى الإسناد، فقال ابن المدينى: \" النزول شؤم \".\nوقال ابن معين: \" الإسناد النازل قرحةٌ فى الوجه \".\nولكن السند العالى يجب أن يكون عن الرجال العدول، فإن روى الحديث بعلوٍ عن جاهلٍ أوضعيف فليس بعالٍ، أما أن يروى نفس الحديث بنزول ورجاله ثقات فهو العالى.\nلذلك قال ابن المبارك: \" ليس جودة الحديث قُرْْبَ الإسناد، بل جودة الحديث صحة الرجال\"\nوقال السِّلفي (٢): \" الأصل الأخذ عن العلماء فنزولهم أولى من العلو عن الجهلة على مذهب المحققين من النقلة، والنازل حينئذ هو العالي في المعنى عند النظر والتحقيق، قال ابن الصلاح ليس هذا من قبيل العلو المتعارف إطلاقه بين أهل الحديث وإنما هو علو من حيث المعنى \".ا. هـ\nوقال بعضهم فى ذلك (٣): ان النزول اذا ما كان عن ثبت ... اعلى لكم من علو غير ذي ثبت\nوقد جمعت ثلاثيات البخارى هذه بين قرب الإسناد وجودة الرجال.\nأمثلة من رحلاتهم.\nالرحلة كانت المصدر الوحيد فى الحصول على العلم، حتى أن بعض أهل العلم كان لا يعُد الذى لا رحلة له من العلماء.\n_________\n(١) تدريب الراوى، ٣٨٧\n(٢) السابق، ٣٨٧\n(٣) الجامع لأخلاق الراوى والسامع، حـ١، ١٢٤","vol":"1","page":10},{"text":"وسأل عبدُ الله بن أحمد أباه عمن طلب العلم: ترى له أن يلزم رجلًا عنده علم فيكتب عنه أو ترى له أن يرحل إلى المواضع التي فيها العلم فيسمع منهم؟ قال يرحل يكتب عن الكوفيين والبصريين وأهل المدينة ومكة، يسأم الناس لسماعه منهم.\nومن الرحلات ما يلى:\n\nفى عهد الأنبياء:\nومن أشهر ذلك فى القرآن رحلة موسى للخضر - ﵉ - فقد ذكر لنا القرآن الكريم هذه القصة بطولها، لنعلم أن الكل يحتاج إلى التعلم حتى الأنبياء أنفسهم.\nفى عهد الصحابة:\nومن أشهرها أيضًا وهي العمدة فى هذا الباب، رحلة جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس.\nقال: بلغني حديث عن رسول الله - ﷺ - لم أسمعه، فابتعت بعيرًا، فشددت عليه رحلي وسرت شهرًا حتى قدمت الشام، فأتيت عبدَ الله بن أنيس فقلت للبواب: قل له جابر على الباب، فأتاه، فقال له: جابر بن عبد الله؟ فأتاني، فقال لي: جابر؟ فقلت: نعم، فرجع فأخبره فقام يطأطئ ثوبه حتى لقيني فاعتنقني واعتنقته، فقلت حديث بلغني عنك سمعتَه من رسول الله - ﷺ - في القصاص لم أسمعه، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن اسمعه فقال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \" يحشر الله العباد أو قال الناس عراة غرلا بُهما \"، قلنا: ما بهما؟ قال ليس معهم شيء، ثم يناديهم ربهم بصوت يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قرب: \" أنا الملك أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولا\nأحد من أهل النار عنده مظلمة حتى أقصه منه حتى اللطمة، قلنا: كيف وإنما نأتي الله عراة غرلا بهما؟ قال: بالحسنات والسيئات.\nوفى عهود السلف:\nنقل ابن عبد البر (١) بعض كلام أهل العلم فى ذلك فقال: قال سعيد بن المسيب: \" إن كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد \".\n_________\n(١) جامع بيان العلم وفضله - ١٤١،١٤٢","vol":"1","page":11},{"text":"وعن صالح ابن صالح الهمدانى قال: حدثنا الشعبي بحديث ثم قال لي: أعطيتكه بغير شيء وإن كان الراكب ليركب إلى المدينة فيما دونه.\nوعن بسر بن عبيد الله الحضرمي قال: \" إن كنت لأركب إلى المصر من الأمصار في الحديث الواحد لأسمعه \".\nوقال الشعبي: لو أن رجلا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن ليسمع كلمة حكمة ما رأيت\nسفره ضاع \" ا. هـ\nرحلة يوسف الشيرازى وأبو الوقت (١):\nقال يوسف بن أحمد الشيرازي في \" أربعين البلدان \" له:\nلما رحلت إلى شيخنا رحلة الدنيا ومسند العصر أبي الوقت، قدر الله لي الوصول إليه في آخر\nبلاد كرمان، فسلمت عليه، وقبلته، وجلست بين يديه، فقال لي: ما أقدمك هذه البلاد؟ قلت: كان قصدي إليك، ومعولي بعد الله عليك، وقد كتبت ما وقع إليّ من حديثك بقلمي، وسعيت إليك بقدمي، لأدرك بركة أنفاسك، وأحظى بعلو إسنادك.\nفقال: وفقك الله وإيانا لمرضاته، وجعل سعينا له، وقصدنا إليه، لو كنت عرفتني حق معرفتي، لما سلمت علي، ولا جلست بين يدي، ثم بكى بكاءً طويلًا، وأبكى من حضره، ثم قال: اللهم استرنا بسترك الجميل، واجعل تحت الستر ما ترضى به عنا، يا ولدي، تعلم أني رحلت أيضا لسماع \" الصحيح \" ماشيا مع والدي من هراة إلى الداوودي ببوشنج ولي دون عشر سنين، فكان والدي يضع على يدي حجرين، ويقول: احملهما.\nفكنت من خوفه أحفظهما بيدي، وأمشي وهو يتأملني، فإذا رآني قد عييت أمرني أن ألقي حجرًا واحدا، فألقي، ويخف عني، فأمشي إلى أن يتبين له تعبي، فيقول لي: هل عييت؟ فأخافه، وأقول: لا. فيقول: لم تقصر في المشي؟ فأسرع بين يديه ساعة، ثم أعجز، فيأخذ الآخر، فيلقيه، فأمشي حتى أعطب، فحينئذ كان يأخذني ويحملني، وكنا نلتقي جماعة الفلاحين وغيرهم، فيقولون: يا شيخ عيس ادفع إلينا هذا الطفل نركبه وإياك إلى بوشنج، فيقول:\n_________\n(١) سيرأعلام النبلاء، حـ ١٥، ١٠٣","vol":"1","page":12},{"text":"\" معاذ الله أن نركب في طلب أحاديث رسول الله - ﷺ - بل نمشي، وإذا عجز أركبته على رأسي إجلالًا لحديث رسول الله - ﷺ - ورجاء ثوابه.\nفكان ثمرة ذلك من حسن نيته أني انتفعت بسماع هذا الكتاب وغيره، ولم يبق من أقراني أحد سواي حتى صارت الوفود ترحل إلي من الأمصار.\nومن الأمثلة ما ذُكر سابقًا عن رحلة شعبة بن الحجاج فى حديث الوضوء، فيا لها من همم، ويا لهم من رجال استخدمهم ربهم لحمل هذه الأمانة فرحمة الله على الجميع.\n\nقيمة الإسناد فى الدين (١):\n\nقال رسول الله - ﷺ -: \" يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين \" (٢).\nوروى الحاكم وغيره عن مطر الوراق فى قوله تعالى: \" أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ\" قال: إسناد الحديث.\nقال سفيان بن عيينة (٣): \" حدث الزهرى يومًا بحديث، فقلت: هاته بلا إسناد، فقال الزهرى:\n\" أترقى السطح بلا سلم \".\n* وعن الحسين بن الحسن المروزي قال سمعت ابن المبارك يقول:\n\" لولا الإسناد لقال كل من شاء ما شاء ولكن إذا قيل له عن مَن بقي \".\n* وعن أحمد بن حنبل يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: الإسناد من الدين \".\n* قال يحيى وسمعت شعبة يقول: \" إنما يعلم صحة الحديث بصحة الإسناد \".\n* والأوزاعي قال: \" ما ذهاب العلم إلا ذهاب الإسناد \".\n* وقال ابن عون: كان الحسن يحدثنا بأحاديث لو كان يسندها كان أحب إلينا.\nوقال السيوطى فى التدريب (٤): \" قال ابن حزمٍ: نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي - ﷺ - مع الإتصال\n_________\n(١) ١ التمهيد، حـ١، ٥٧\n(٢) رواه البيهقىُّ، وصححه الألبانى كما فى مشكاة المصابيح (رقم ٢٤٨)\n(٣) تدريب الراوى، ٣٧٨\n(٤) السابق، ٣٧٧","vol":"1","page":13},{"text":"خص الله به المسلمين دون سائر الملل، وأما مع الإرسال والإعضال فيوجد في كثير من اليهود، لكن لا يقربون فيه من موسى قربنا من محمد - ﷺ - بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرا، وإنما يبلغون إلى شمعون ونحوه.\nقال: وأما النصاري فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق فقط وأما النقل بالطريق\nالمشتملة على كذاب أو مجهول العين فكثير في نقل اليهود والنصارى، قال: وأما أقوال الصحابة والتابعين فلا يمكن اليهود أن يبلغوا إلى صاحب نبىٍّ أصلًا، ولا إلى تابع له، ولا يمكن النصارى أن يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولص \" ا. هـ\nحراسة حدود السنة (١)\n* قال عبد الرحمن بن مهدي لابن المبارك أما تخشى على هذا الحديث أن يفسدوه؟ قال: \" كلا فأين جهابذته \".\n* وعن عبدة بن سليمان المروزي قال: قلت لابن المبارك: أما تخشى على العلم أن يجيء المبتدع فيزيد في الحديث ما ليس منه؟ قال: لا أخشى هذا بعيش الجهابذة النقاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>المبحث الثانى</span>\nبعض أخلاق طالب العلم\n\nطالب العلم ليس كغيره من الناس لذلك كان لابد له مع نفسه وقفات، يزكيها ويطهرها لتتأهل لهذا النور الذى ستسعى فيه فى الدنيا والآخرة، ويستضيء به الفئام من الناس، وقد أكثر أهل العلم عن الحديث فى هذا الجانب المهم، ومنهم من أفرد فيه مؤلفات، لذلك فقد أحببت أن أُذَِّكِّر ببعض ما ذكره أهل العلم من هذه الأخلاقيات، وليس كل الأخلاقيات، وكان ذلك لأنى رأيت أن هذا الشرح سيقع فى يد من يُرجى منهم الخير، ويكونوا أسوةً لمن بعدهم، فأردت أن لا أحرم نفسى من التذكير بهذا الشأن من منطلق قول الله تعالى \" وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ \"\n(الذاريات، ٥٥) ونرجوا من الله القبول والثواب والهداية ..\n***********\nوأول ما يحتاج إليه طالب العلم وغيره ونفتقده فى هذه الأيام هو:\nالأدب:\n_________\n(١) التمهيد، حـ١، ٦٠","vol":"1","page":14},{"text":"فعن جابر بن عبد الله أن رسول الله - ﷺ - قال:\"إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها \".\nوقال الحسن: \"إن كان الرجل ليخرج في أدب واحدٍ السنةَ والسنتين\".\nوقال الإمام مالك ﵀: كانت أمي تعممني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل\nعلمه.\nوقد أشرف الليث بن سعد على بعض أصحاب الحديث فرأى منهم شيئا كرهه فقال: ما هذا؟! أنتم إلى يسير من الأدب، أحوج منكم إلى كثير من العلم!\nوقال سفيان الثوري: \"كانوا لايخرجون أبناءهم لطلب العلم حتى يتأدبوا ويتعبدوا عشرين سنة \"\nوقال ابن المبارك: \"طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة، وكانوا يطلبون الأدب ثم العلم\".\nوقال أيضا: \"كاد الأدب أن يكون ثلثي العلم\".\nوفى وصية عبد الملك بن مروان لمؤدب أبنائه، كى يؤدبهم عيها قال: \" واعلم أن الأدب أولى بالغلام من النسب \".\nوقال الخطيب البغدادى (١): \" والواجب أن يكون طلبة الحديث أكمل الناس أدبًا وأشد الخَلْق تواضعًا وأعظمهم نزاهة وتدينًا وأقلهم طيشًا وغضبًا، لدوام قرع أسماعهم بالأخبار المشتملة على محاسن أخلاق رسول الله - ﷺ - وآدابه، وسيرة السلف الأخيار من أهل بيته وأصحابه، وطرائق المحدثين ومآثر الماضين، فيأخذوا بأجملها وأحسنها ويصدفوا عن أرذلها وأدونها \". ثم روى عن أبي عاصم أنه قال: \" من طلب هذا الحديث فقد طلب أعلى أمور الدنيا فيجب أن يكون خير الناس\".\nوقال أبو عبد الله البوشنجى (٢): من أراد العلم والفقه بغير أدب فقد اقتحم أن يكذب على الله ورسوله.\nوقال أبو عبيد بن سلام (٣): \" مادققت على محدثٍ بابه قط، لقول الله تعالى: \" \" وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا \"\nوقال ابو زكريا العنبري (٤):\n_________\n(١) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، ١/ ٧٨\n(٢) تهذيب الكمال، حـ١٥ (ترجمة البوشنجى)\n(٣) تدريب الراوى للخطيب، ٣٦٦\n(٤) تدريب الراوى للخطيب، حـ١، ٨٠","vol":"1","page":15},{"text":"\" علم بلا أدب كنار بلا حطب وأدب بلا علم كروح بلا جسم، وانما شبهت العلم بالنار لما روينا عن سفيان بن عيينة انه قال: ما وجدت للعلم شبها الا النار نقتبس منها ولا ننتقص عنها. \"\nوقال شيخنا الشيخ الحوينى معلقًا على هذه الرواية فى شرحه لكتاب العلم من صحيح البخارى:\n\" وهذا معناه: أن الأدب هو وقود العلم، ومعناه أيضًا: أن العلم لا يصل إلا بأدب. وخلاصة الكلام: العلم لا يصل إلا بحكمة.\" وقال مرةً: \" وهذا يعني أن المرء إذا كان خلوًا من الأدب فلا ينتفع في نفسه بعلمه، ولا ينفع غيره.\"\nوقال الشيخ سلمان العودة معلقًا على هذا الأثر: \" علم بلا أدب كنار بلا حطب\" فمعناه والله\nأعلم: أن العلم يقتبس منه فلا ينقص، مثل النار الذي يوضع عليها الحطب يقتبس الناس منها فلا تنقص، فالعلم الذي ليس معه أدب هو كالنار التي ليس معها حطب، وما هو مصير النار إذا لم يكن معها حطب؟ أن تخبو وتنطفئ، وكذلك طالب العلم إذا لم يتحل بالأدب والخلق الحسن، فسرعان ما يعرض عن العلم ويشتغل بالدنيا. وروى الإمام الدارمي في سننه أن الحسن البصري -﵀- تكلم في مسألة من مسائل الفقه في مجلس من المجالس، فقال له رجل اسمه عمران المنقري: يا إمام! ما هكذا يقول الفقهاء! كأنه رأى أن ما قرره الحسن البصري مخالف لما يقرره أهل العلم والفقه فقال له الحسن البصري: \" وهل رأيت فقيهًا قط- أي هل سبق أنك رأيت فقيهًا في حياتك- إنما الفقيه: العالم بأمر الله، الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، المداوم على عبادة ربه ﵎ \"، فهكذا كانوا يفهمون العلم، وكانت حياتهم تطبيقًا لهذا الفهم.\" ا-هـ\nوقال أبو زكريا يحيى بن محمد بن عبد الله العنبري أنشدنا أبو حاتم سهل بن محمد (١):\nإن الجواهر درها ونضارها ... هن الفدى لجواهر الآداب\nفإذا كثرت أو ادخرت ذخيرة تسمو بزينتها على الأصحاب\n_________\n(١) أدب الاملاء والاستملاء، للسمعانى، حـ١، ٢","vol":"1","page":16},{"text":"فعليك بالأدب المزين أهله كيما تفوز ببهجة وثواب\n* ومن جملة الآداب ما ذكره عبد الملك بن مروان لمؤدب ولده قال:\n\" علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن، واحملهم على الأخلاق الجميلة، وروهم الشعر يشجعوا\nوينجدوا، وجالس بهم أشراف الناس وأهل العلم منهم، فإنهم أحسن الناس رِعَة (١)، وأحسنهم\nأدبا، وجنبهم السفلة والخدم، فإنهم أسوأ الناس رِعَة وأسوأهم أدبا، ومرهم فليستاكوا عرضا، وليمصوا الماء مصا، ولا يعبوه عبا، ووقرهم في العلانية، وذللهم في السر، واضربهم على الكذب، إذ الكذب يدعو إلى الفجور، والفجور يدعو إلى النار، وجنبهم شتم أعراض الرجال، فإن الحر لا يجد من عرضه عوضا، وإذا ولوا أمرا فامنعهم من ضرب الأبشار، فإنه عار باق، ووتر مطلوب، واحملهم على صلة الأرحام، واعلم أن الأدب أولى بالغلام من النسب \".\n\nثانيًا: إجلال المشايخ والأقران والتواضع لهم:\nعن عبادة بن الصامت أن رسول الله - ﷺ - قال: \" ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه \" (٢)\nويقول النووى فى التقريب: \" وينبغى أن يعظم شيخه ومن يسمع منه، فذلك من إجلال العلم وأسباب الانتفاع، ويعتقد جلالة شيخه ورجحانه ويتحرى رضاه \"\nومن أشهر ما يروى فى ذلك ما ذكره ابن عباس - ﵁ - عن نفسه قال:\n\" وجدت عامة علم رسول الله - ﷺ - عند هذا الحي من الأنصار فإن كنت لآتي باب أحدهم فأقيل ببابه ولو شئت أن يؤذن لي عليه لأذن لي لقرابتي من رسول الله - ﷺ - ولكن كنت أبتغي بذلك طيب نفسه\".\n_________\n(١) ورُعَ ورُوعًا ووراعة وتَوَرَّعَ والاسم الرِّعةُ، ويقال فلان سَيءُ الرِّعةِ أَي قليل الورَعِ، وقال الأَصمعي: الرِّعةُ الهَدْيُ وحُسْنُ الهيئةِ أَو سُوء الهيئة. (اللسان، حـ٨،٣٨٨)\n(٢) رواه الإمام أحمد بسند حسن، وحسنه الألبانىُّ فى صحيح الترغيب","vol":"1","page":17},{"text":"وما قاله أبو عبيد سابقًا هو من اٌلإجلال أيضا، قال: \" ما دققت على محدثٍ بابه قط \" فيا له من\nأدب.\nوقال أبو الحسين ابن العالى (١): سمعت منصور بن العباس يقول: صح عندى أن اليوم الذى\nتوفى فيه أبو عبد الله البوشنجى بنيسابور، سُئل محمد بن إسحاق بن خزيمة عن مسألة، وكان شيع جنازته، فقال: لا أفتى حتى نواريه لحده.\nوذكر الذهبىُّ (٢): أن أبا عبد الله البوشنجىِّ دخل علي أصحاب داود بن علىِّ يوما، وجلس في أخريات الناس، ثم إنه تكلم مع داود، فأعجب به، وقال: لعلك أبو عبد الله البوشنجي؟ قال: نعم فقام إليه، وأجلسه إلى جنبه، وقال: \" قد حضركم من يفيد ولا يستفيد \".\nوقال أبو زكريا العنبري: شهدت جنازة الحسين القباني، فصلى بنا عليه أبو عبد الله البوشنجي، فلما أرادوا الانصراف، قدمت دابة أبي عبد الله البوشنجىِّ، وأخذ أبو عمرو الخفاف بلجامه، وأخذ إمام الأئمة بركابه، وأبو بكر الجارودي، وإبراهيم بن أبي طالب يسويان عليه ثيابه، فلم يمنع واحدا منهم، ومضى. ا. هـ\nوسئل عبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبي بكر بن خزيمة، فقال:\n\" ويحكم! هو يُسأل عنا، ولا نُسأل عنه! هو إمام يقتدى به \".\n\nثالثًا: الإعتراف بعدم إحاطته بطرق العلم كلها، وعدم انتقاص الآخرين بمثل ذلك:\nقال ابن عبد البر فى التمهيد (٣):- مدافعًا عن العلماء الذين وقع لهم بعض الأخطاء فى العلم -\n_________\n(١) تهذيب الكمال، حـ١٥، ترجمة البوشنجى (٥٠٢٥)\n(٢) السير، حـ ١٠، ٥٤٩ (ترجمة البوشنجى)\n(٣) التمهيد، ابن عبد البر، حـ٨، ٦٩","vol":"1","page":18},{"text":"\" وأخبار الآحاد عند العلماء من علم الخاصة لا ينكر على أحد جهل بعضها والإحاطة بها ممتنعة، وما أعلم أحدا من أئمة الأمصار مع بحثهم وجمعهم إلا وقد فاته شيء من السنن المروية من طريق الآحاد وحسبك بعمر بن الخطاب فقد فاته من هذا الضرب أحاديث فيها سنن ذوات عدد من رواية مالك في الموطأ، ومن رواية غيره أيضا، وليس ذلك بضار له ولا ناقص من منزلته، وكذلك سائر الأئمة لا يقدح في أمانتهم ما فاتهم من إحصاء السنن إذ ذاك يسير في جنب كثير ولو لم يجز للعالم أن يفتي ولا أن يتكلم في العلم حتى يحيط بجميع السنن ما جاز ذلك لأحد أبدا، وإذا علم العالم أعظم السنن وكان ذا فهم ومعرفة بالقرآن واختلاف من قبله من العلماء جاز له القول بالفتوى .. وبالله التوفيق.\nوقيل للإمام مالك: العالم يخطىء. فقال: الذي دل عليه من الخير أكثر، ومن ذا الذي ليس فيه شيء؟! ولو لم يأمر بالمعروف إلا من ليس فيه شيء ما أمر أحدًا.\n\nرابعًا: الدفاع والذب عن العلماء:\nفى \" الميزان \": قال ابن معين: وجدت بخط مروان بن معاوية الفزارى - شيخ الإمام أحمد، وابن معين- \" وكيع رافضى \"، فقلت له: وكيع خير منك، فسبني.\nوليكن حاديك فى ذلك دائمًا، قول الشاعر:\nأولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا ما اجتمعنا في المجالس للفخر\n\nخامسًا: الاهتمام والتصحيح وعدم اللحن:\nقال ابن كثير -﵀- \" ينبغى لطالب الحديث أن يكون عارفًا بالعربية.\nوقال الأصمعى: \" أخشى عليه إذا لم يعرف العربية أن يدخل فى قوله: \" من كذب علىّ متعمدًا\nفليتبوأ مقعده من النار\"\n\" وعن عياش بن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: \" جاء الدَّراورْدِى - يعنى عبد العزيز بن محمد - إلى أبى يعرض عليه الحديث، فجعل يقرأ ويلحن لحنًا منكرًا فقال له أبى: ويحك يا دراوردى أنت كنت بإقامة لسانك قبل هذا الشأن أحرى \". (١)\n_________\n(١) مراتب طلب العلم وطرق تحصيله، للشيخ رسلان، ١٠٩","vol":"1","page":19},{"text":"وعن حاجب بن سليمان قال: \" سمعت وكيعًا يقول أتيت الأعمش أسمع منه الحديث، وكنت ربمالحنتُ، فقال لى: يا أبا سفيان تركت ما هو أولى بك من الحديث فقلت: يا أبا محمد، وأي شيء أولى بى من الحديث؟ فقال النحو. فأملى علىَّ الأعمشُ النحوَ، ثم أملى علىَّ الحديث.\" (١)\n\nسادسًا: العمل بالعلم وعدم كتمانه:\nإذا ما لم يفدْك العلمُ خيرا ... فخير منه أن لو قد جهلتا\nوإن ألقاك فهمُك في مهاو ... فليتك ثم ليتك ما فهمتا\n\nأما عن العمل بالعلم فقد قال تعالى: \" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ \" والمعنى كما قال السعدى -﵀- بتصرف- اعملوا بمقتضى علمكم، يعطكم علما وهدى ونورا تمشون به في ظلمات الجهل، ويغفر لكم السيئات.\nوعن أبى برزة كما فى صحيح الترغيب والترهيب (٢) قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" مثل الذى يعلم الناس الخير وينسى نفسه مثل الفتيلة تضئ على الناس وتحرق نفسها \".\nوقال أبو الدرداء - ﵁ -: \" ويلٌ لمن لا يعلم ولا يعمل مرة وويلٌ لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات \"\nوقال بشر الحافي: \" يا أصحاب الحديث أدوا زكاة هذا الحديث اعملوا من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث \"\nوقال عمرو بن قيس الملائي: \" إذا بلغك شيء من الخير فاعمل به ولو مرة تكن من أهله \"\nوقال وكيع: \" إذا أردت أن تحفظ الحديث فاعمل به \"\nوقال إبراهيم بن إسماعيل بن مجمّع: \" كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به \"\nوقال أحمد بن حنبل: \" ما كتبت حديثا إلا وقد عملت به حتى مر بي أن النبي - ﷺ - احتجم وأعطى أبا شيبة دينارًا فاحتجمت وأعطيت الحجام دينارا \".\n_________\n(١) مراتب طلب العلم وطرق تحصيله، ١٠٩\n(٢) (صحيح لغيره) كتاب العلم، باب الترهيب من أن يعلم ولا يعمل بعلمه ويقول ولا يفعله / ١٣٠","vol":"1","page":20},{"text":"وأما عن تبليغه فقد قال ابن المبارك: \" من بخل بالعلم ابتلي بثلاث إما أن يموت فيذهب علمه أو ينسى أو يتبع السلطان \"\nوقال سفيان الثوري: \" من بخل بالعلم ابتلى بإحدى ثلاث أن ينساه أو يموت ولا ينتفع به أو تذهب كتبه \"\nوقال ابن معين وبن راهويه: \" من بخل بالحديث وكتم على الناس سماعهم لم يفلح \".\nوقال مطرف (١): \" وكان مالك إذا ودعه أحد من طلبة العلم عنده، يقول لهم: اتقوا الله في هذا العلم ولا تنزلوا به دار مضيعة، وبثوه ولا تكتموه.\nوقال ابن القاسم: كنا إذا ودعنا مالكًا يقول: اتقوا الله وانشروا هذا العلم وعلموه ولا تكتموه.\n\nسابعًا: أخذ العلم عن أهله، والتواضع لهم وإن كنتَ أسن منهم.\nومن ذلك ما رواه البخارى فى كتاب الحدود من حديث ابن عباس قال: \"كنت أقرئ رجالا من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف .... الحديث \"\nوانظر مَن ابن عباس سنًا وأين كان ابن عباس أثناء تضحيات ابن عوف فى أول أمر الإسلام، ولم يمنعه من ذلك الجلوس بين يدى ابن عباس، يقول ابن الجوزى معلقًا على هذا الحديث:\n\" أما إقراء ابن عباس لمثل عبد الرحمن بن عوف ففيه تنبيه على أخذ العلم من أهله وإن صغرت أسنانهم أو قلت أقدارهم. وقد كان حكيم ابن حزام يقرأ على معاذ بن جبل فقيل له: تقرأ على هذا الغلام الخزرجي فقال إنما أهلكَنا التكبر \" (٢)\nوقد سبق من ذلك ما ذكرته فى المقدمة من كلام النووى فى التقريب:\n\" وليحذر كل الحذر من أن يمنعه الحياء والكبر من السعى التام فى التحصيل وأخذ العلم ممن\nدونه فى نسبٍ أو سنٍ أو غيره \".\n\nثامنًا: الإكثار من مجالسة أهل العلم؛ أهل الآخرة.\n_________\n(١) ترتيب المدارك وتقريب المسالك، ٥٨\n(٢) كشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزى، حـ١، ٤١","vol":"1","page":21},{"text":"قال خالد بن حميد (١): سمعت الإمام مالك يقول: \" عليك بمجالسة من يزيد في علمك قوله، ويدعوك لحال الآخرة فعلُه، وإياك ومجالسة من يعلك قوله، ويعيبك دينه ويدعوك إلى الدنيا فعله.\nوقال محذرًا من مجالسة أهل البدع: \" التقرب من أهل الباطل هلكة \".\nوقال ابن المقفع فى الأدب الصغير (٢): \" وعلى العاقل أن لا يخادن ولا يُصاحبَ ولا يجاورَ من الناس، ما استطاعَ، إلا ذا فضلٍ في العلم والدينِ والأخلاقِ فيأخذُ عنهُ، أو موافقًا لهُ على إصلاحِ ذلك فيؤيدُ ما عندهُ، وإن لم يكن لهُ عليهِ فضلٌ. فإن الخصال الصالحة من البر لا تحيا ولا تنمى إلا بالموافقين والمؤيدين. وليس لذي الفضلِ قريبٌ ولا حميمٌ أقربُ إليهِ ممن وافقهُ على صالحِ الخصال فزادهُ وثبتهُ. ولذلك زعم بعضُ الأولينَ أن صُحبةَ بليدٍ نشأ مع العلماء أحب إليهم من صحبةِ لبيبٍ نشأ مع الجهال \" ا. هـ\nوليكن جلوسك للفائدة، فلتسمع أكثر مما تتكلم، يقول ابن المقفع: \" وليعرف العلماء حين تجالسهم أنك على أن تسمع أحرص منك على أن تقول \".\n\nتاسعًا: إذا تحملت علمًا لا تضعه عند غير أهله.\nودليل ذلك ما قاله عبد الرحمن ابن عوف لعمر بن الخطاب كما فى حديث أنس السابق لما أراد عمر أن يحذر الناس من أناس تكلموا بما لا يجوز فقال له ابن عوف (٣): \" يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الموسم - أى موسم الحج- يجمع رعاع الناس وغوغاءهم فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت متمكنا فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها ... \"\n_________\n(١) ترتيب المدارك وتقريب المسالك، ٥٨\n(٢) الأدب الكبير والأدب الصغير، ٣\n(٣) البخارى (٦٨٣٠) باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت","vol":"1","page":22},{"text":"قال ابن الجوزى معلقًا على الحديث (١):\nوفي هذا تنبيه على ألا يودع العلم عند غير أهله ولا يحدَّث القليل الفهم بما لا يحتمله فهمه\nومن هذا المعنى قال الشافعي:\nأأنثر درًا بين سارحة النعم أأنظم منثورا لراعية الغنمْ\nلئن سلم الله الكريم بفضله وصادفتُ أهلا للعلوم وللحكمْ\nبثثت مفيدًا واستفدت ودادَهم وإلا فمخزونٌ لدي ومكتتمْ\nومن منح الجهالَ علمًا أضاعه ومن منع المستوجبين فقد ظلمْ.\nوقال ابن المقفع فى الأدب (٢): \" اخزن عقلك وكلامك إلا عند إصابة الموضع. فإنه ليس في كل حِين يحسنُ كلُ صواب، وإنما تمام إصابة الرأي والقول بإصابة الموضع. فإن أخطأك ذلك أَدخلتَ المحنة على عقلك وقولك، حتى تأتي به إن أتيت به في غير موضعه وهو لا بهاء ولا طلاوة له \".\n\nعاشرًا: أن لا تتكلم إلا بما علمت وعقلت وفهمت، لئلا تقع فى الكذب على الله ورسوله.\nقال - ﷺ -:\" من يقل علىَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار \".\nوفى حديث أنس السابق قال عمر - ﵁ - فى خطبته: \" فإني قائل لكم مقالة قد قُدِّر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب عليَّ ... الحديث \" ففى هذين الحديثين تهويل للقول بغير علم، فإنه محرم.\nوقال الإمام مالك لابن وهب: \" اتق الله واقتصر على علمك فإنه لم يقتصر أحدٌ على علمه إلا نفع وانتفع \".\nوقال سعيد بن جبير: \" قد أحسن من انتهى إلى ماسمع \"\nالحادى عشر: قلة الكلام.\nوكان الإمام مالك يكره كثرة الكلام ويعيبه، قال وقد ذُكر الكلام ومراجعة الناس: \" من صنع هذا ذهب بهاؤه \"، وقال: \" لا يوجد إلا في النساء والضعفاء \".\nوكان يقال: \" نعم الرجل فلان إلا أنه يتكلم كلام شهر في يوم \".\n_________\n(١) كشف المشكل، ٤١\n(٢) الأدب الكبير والأدب الصغير، ٢٠","vol":"1","page":23},{"text":"وكقول ابن المقفع السابق: \": \" وليعرف العلماء حين تجالسهم أنك على أن تسمع أحرص منك على أن تقول \".\n\nالثانى عشر: ومن النصائح والآداب أن تتعلم ما الذى تبذله وما الذى تضن به.\nقال ابن المقفع (١): \" ابذل لصديقك دمك ومالك، ولمعرفتك رفدك ومحضرك، وللعامة بشرك وتحننك، ولعدوك عدلك وإنصافك، واضنن بدينك وعرضك على كل أحد \".\n\nوهذه جملة من الأخلاق ووصايا قيمة من الإمام مالك أسرُدها سردًا، علنا ننتفع بها:\nقال ﵀ (٢):\n* لا تستحي إذا دعيت لأمر ليس بحق أن تقول قال الله تعالى في كتابه: \" وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ\"\n* وطهر ثيابك وأنقها عن معاصي الله.\n*وعليك بمعالي الأمور وكرائمها، واتق رذائلها وما سفسف منها، فإن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفافها، وأكثر تلاوة القرآن، واجتهد أن لا تأتي عليك ساعة من ليل أو نهار إلا ولسانك رطب في ذكر الله.\n*ولا تمكن الناس من نفسك، واذهب حيث شئت.\n* وقال: ما أسر عبد سريرة خير إلا ألبسه الله رداءها، ولا أسر سريرة سوء إلا ألبسه الله رداءها.\n* وقال مالك للقعنبي: مهما تلاعبت بشيء فلا تلعبن بدينك.\n* من علم أن قوله من عمله قل كلامه، والقول من العمل.\n* لا يصلح الرجل حتى يترك ما لا يعنيه، فإذا كان كذلك أوشك أن يفتح الله في قلبه.\n* وفي رسالة إلى أبي قرة قال: \" إني أرى الصواب في ترك تعلم المسائل التي قد ينتفع ببعضها إذا كان فيه من المضرة ما يخاف على صاحبها الخطأ والفتنة، فكيف بغيرها من المسائل، التي لا منفعة فيها\".\n* وقال ابن المبارك سمعته يقول لا يصلح الرجل حتى يترك ما لا يعنيه، فإذا كان كذلك أوشك أن يفتح الله في قلبه.\n* وقال لبعض أصحابه لا تكثر الشخوص من بيتك إلا لأمر لا بد منه، ولا تجلس في مجلس لا تستفيد منه علمًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>المبحث الثالث</span>\nترجمة الإمام البخارى\n(﵀)\n_________\n(١) الأدب الكبير والأدب الصغير، ١٩\n(٢) ترتيب المدارك وتقريب المسالك، ٥٨","vol":"1","page":24},{"text":"لما كان هذا الكم من العلم المتعلق بصحيح البخارى فى ميزان حسنات البخارىِّ نفسه، كان ولا بد من ذكر ترجمة له بين يدى هذا العلم المنسوب له لنقف على بعض جوانب شخصية هذا الإمام الجبل، الذى ملأ الأرض بعلمه وفضله، فوقفت على ساحل ترجمته لألتقط لؤلؤةً من هنا ولؤلؤةً من هناك، وقد تحيرت فى ماذا آخذ وماذا أدع من هذا الكم من الفضائل والمواقف وكلام أهل العلم عنه، فكلها مختارة ...\nتكاثرت الظباء على خراش ... فما يدري خراش ما يصيد.\nولكن اكتفى بما يكون عنوانًا لترجمته الطويلة العظيمة الموجودة فى بطون الكتب، ولكنها نسمات نتنسمها من ذكره العاطر الفياح، علنا نكون بذلك قد اقتربنا من حُبه عن طريق معرفتنا به، فإن الإنسان عدو ما يجهله، والمرء مع من أحب.\nفلتقف أيها القارىء أمام هذه النتف معظمًا ومكْبرا، وها قد حان الأوان أن نطرق على الإمام بابه، فلنقف فى أدبٍ بين يديه ......\nاسمه:\nهو أبو عبد الله البخاري؛ محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدٍزْبَه وهي لفظة بخارية، معناها الزَّرّاع. كان جده المغيرة مجوسيًا وأسلم، وطلب أبوه إسماعيل العلم، فروى عن حماد بن زيد، والإمام مالك، وصار من كبار المحدثين.\nوقال الحافظ فى هدى الساري: \" مات إسماعيل ومحمد صغير، فنشأ فى حجر أمه \"، وكانت أمه من الصالحات، فقد ذكر الذهبي فى ترجمة البخارى ما نصه (١): \" ذهبت عينا محمد بن إسماعيل في صغره، فرأت والدته في المنام إبراهيم الخليل ﵇، فقال لها: يا هذه، قد رد الله على ابنك بصره لكثرة بكائك، أو كثرة دعائك - شك البلخي -، فأصبحنا وقد رد الله عليه بصره \"\nمولده\nولد الإمام البخارىُّ -﵀ - فى بخارى، من بلدان ما وراء النهر، وقد فتحت هذه الديار فى خلافة بنى أمية، وولد يوم الجمعة، بعد صلاة العصر لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال، سنة أربعٍ وتسعين ومئة.\nبداية طلبه للعلم:\n_________\n(١) السير، حـ١٠، ٨٠","vol":"1","page":25},{"text":"فعن محمد بن أبى حاتم قال (١): قلت لأبي عبد الله: كيف كان بدء أمرك؟ قال: \" ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب. فقلت: كم كان سنك؟ فقال: عشر سنين، أو أقل.\nثم خرجت من الكتاب بعد العشر، فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره.\nفقال يوما فيما كان يقرأ للناس: سفيان، عن أبي الزبير، عن إبراهيم، فقلت له: إن أبا الزبير لم يرو\nعن إبراهيم، فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل.\nفدخل فنظر فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عدي، عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأحكم كتابه، وقال: صدقت.\nفقيل للبخاري: ابن كم كنت حين رددت عليه؟ قال ابن إحدى عشرة سنة.\nفلما طعنت في ست عشرة سنة، كنت قد حفظت كتب ابن المبارك ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء، ثم خرجت مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججت رجع أخي بها! وتخلفت في طلب الحديث\" (٢) فلما طعنت في ثمان عشرة، جعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك أيام عبيد الله بن موسى، وصنفت كتاب \" التاريخ \" إذ ذاك عند قبر رسول الله - ﷺ - في الليالي المقمرة.\nوقل اسم في التاريخ إلا وله قصة، إلا أني كرهت تطويل الكتاب \"\nوكان نبوغه مبكرًا:\nكان أهل المعرفة من البصريين يعدون خلفه في طلب الحديث وهو شاب حتى يغلبوه على نفسه، ويجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب عنه. وكان شابا لم يخرج وجهه وقال (٣): دخلت على الحميدي وأنا ابن ثمان عشرة سنة، وبينه وبين آخر اختلاف في حديث، فلما بصر بي الحميدي قال: قد جاء من يفصل بيننا، فعرضا عليَّ، فقضيت للحميدي على من يخالفه\nوقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن البخاري على باب محمد بن يوسف الفريابي، وما في وجهه شعرة فقلنا: ابن كم أنت؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.\nوعن كتابه:\nقال البخارىُّ: أخرجت هذا الكتاب من زهاء ست مئة ألف حديث.\n_________\n(١) تهذيب الكمال، حـ١٦، ٨٩\n(٢) السير، حـ١٠، ٨٠\n(٣) السير، ٨٤","vol":"1","page":26},{"text":"وقال: ما وضعت في كتابي \" الصحيح \" حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك، وصليت ركعتين.\nوقال: \" ما أدخلت في هذا الكتاب إلا ما صح، وتركت من الصحاح كي لا يطول الكتاب \"\nوقال: صنفت \" الصحيح \" في ست عشرة سنة، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى.\nوقال ابن عدي: سمعت عبد القدوس بن همام يقول: سمعت عدة من المشايخ، يقولون: حوَّل محمد بن إسماعيل تراجم جامعه بين قبر رسول الله - ﷺ - ومنبره، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين.\nوقيل صنفه ببخارى، وقيل بمكة، وقيل بالبصرة، كما قال النووى، وكل ذلك صحيح لطول مدة تصنيفه. والله أعلم.\nيقول الذهبىُّ: \" لو رحل الرجل من مسيرة سنة لسماعه لما فرط.\nوهو أعلى الكتب الستة سندًا إلى النبي - ﷺ - في شئ كثير من الأحاديث، وذلك لأن أبا عبد الله\nأسنُّ الجماعة، وأقدمهم لقيا للكبار، أخذ عن جماعة يروي الأئمة الخمسة (١) عن رجل عنهم.\nصحيح البخارى لو أنصفوه لما خُطّ إلا بماء الذهب.\nسبب تصنيفه لكتابه\n\nيقول عن نفسه: \" كنت عند إسحاق بن راهويه، فقال بعض أصحابنا: لو جمعتم كتابا مختصرا لسنن النبي - ﷺ -، فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع هذا الكتاب \"\nمشايخه:\n\nقال: \" كتبت عن ألف شيخ وأكثر، عن كل واحد منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلا أذكر إسناده \"\nقال: لقيت أكثر من ألف رجل من أهل الحجاز والعراق والشام ومصر، لقيتهم كَرَّات، أهل الشام ومصر والجزيرة مرتين، وأهل البصرة أربع مرات، وبالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم دخلت الكوفة وبغداد مع محدثي خراسان.\nوهذا الكم الهائل ينحصر فى خمس طبقات كما قال الحافظ، وقد نقلها الشيخ أحمد فريد فى كتابه الماتع \" من أعلام السلف \"، وهى كالآتى:\nالأولى: من حدثه عن التابعين كأصحاب الثلاثيات التى معنا؛ كالأنصاري والمكي.\n_________\n(١) أي: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة","vol":"1","page":27},{"text":"الثانية: من كان فى عصر هؤلاء، لكن لم يسمع من ثقات التابعين كآدم وأبى مسهر.\nالثالثة: هى الوسطى بين مشايخه وهم ممن لم يلق التابعين كقتيبة ونُعَيم وبن المدينى وبن معين وبن حنبل، وهذه الطبقه شاركه مسلم فى الأخذ عنهم.\nالرابعة: رفقاؤه فى الطلب ومن سمع قبله قليلًا كابى حاتم الرازى وصاعقة.\nالخامسة: قوم فى عداد طلبته فى السن والإسناد سمع منهم للفائدة، وروى عنهم أشياء يسيرة كعبد الله بن حماد الآملى وعبد الله بن أبى العاص.\nتلامذته:\n\nأما تلامذته فقد روى عنه جمعٌ غفير لعلو منزلته وكثرة رحلاته، يقول الفِربْرىُّ، وهو من تلامذته:\" إن تسعين ألفًا من التلاميذ، رووا عنه صحيح البخارى.\nفمن تلامذته الإمام مسلم، والترمذى والنسائى، والدارمىُّ، وكلهم من الفضل بمكان، ومن تلامذته أيضًا محمد بن نصر المروزى، وأبو حاتم الرازى، وابن خزيمة، وحسن المحاملى وابراهيم الحربى والفربرى ... وغيرهم من الضخام كثير.\nسعة حفظه وعلمه:\nيقول: \" إني أحفظ سبعين ألف حديث وأكثر، ولا أجيئ بحديث من الصحابة والتابعين إلا عرفت مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم، ولست أروي حديثا من حديث الصحابة أو التابعين إلا ولي من ذلك أصل أحفظه حفظا من كتاب الله، وسنة رسول الله - ﷺ -.\nقال أبو الطيب حاتم بن منصور: محمد بن إسماعيل آية من آيات الله في بصره ونفاذه من العلم\nوأشهر مثالٍ فى ذلك، هذه القصة العجيبة كما فى التهذيب والسير (١):\n_________\n(١) تهذيبالكمال للمزى حـ١٦، ٩٩، وسير أعلام النبلاء، حـ١٠، ٨٨","vol":"1","page":28},{"text":"قال أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ: سمعت عدة مشايخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد، فسمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى مئة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد هذا، وإسناد هذا المتن هذا، ودفعوا إلى كل واحد عشرة أحاديث ليلقوها على البخاري في المجلس، فاجتمع الناس، وانتدب أحدهم، فسأل البخاري عن حديث من عشرته، فقال: لا أعرفه. وسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه. وكذلك حتى فرغ من عشرته.\nفكان الفقهاء يلتفت بعضهم إلى بعض، ويقولون: الرجل فهم.\nومن كان لا يدري قضى على البخاري بالعجز، ثم انتدب آخر، ففعل كما فعل الأول، والبخاري يقول: لا أعرفه. ثم الثالث وإلى تمام العشرة أنفس، وهو لا يزيدهم على: لا أعرفه.\nفلما علم أنهم قد فرغوا، التفت إلى الأول منهم، فقال: أمَّا حديثك الأول فكذا، والثاني كذا، والثالث كذا إلى العشرة، فرد كل متن إلى إسناده. وفعل بالآخرين مثل ذلك. فأقر له الناس بالحفظ.\nفكان ابن صاعد إذا ذكره يقول: الكبش النطاح.\nومن ذلك أيضًا، ما ذكره المزي عن أبى بكر المديني قال (١): \" كنا يوما بنيسابور عند إسحاق بن راهويه ومحمد بن إسماعيل حاضر في المجلس، فمر إسحاق بحديث من أحاديث النبي - ﷺ - وكان دون صاحب - ﷺ - عطاء الكَيْخارانيّ، فقال له إسحاق: يا أبا عبد الله إيش كيخاران؟ قال: قرية باليمن؛ كان معاوية بن أبي سفيان بعث هذا الرجل من أصحاب النبي - ﷺ - إلى اليمن، فسمع منه عطاء حديثين، فقال له إسحاق: يا أبا عبد الله كأنك قد شهدت القوم! \".\nمكانته عند المشايخ:\nقال محمد بن أبى حاتم سمعت محمود بن النضر الشافعى يقول: دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة ورأيت علماءها فكلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل فضلوه على أنفسهم. (٢)\n_________\n(١) التهذيب، حـ١٦، ٩٠\n(٢) السابق، ٩٩","vol":"1","page":29},{"text":"قال عبدان: ما رأيت بعيني شابا أبصر من هذا، وأشار بيده إلى محمد بن إسماعيل.\nوقال صالح بن مسمار المروزي: سمعت نعيم بن حماد يقول: محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة.\nوقال إبراهيم بن خالد المروزي: قال مسدد: لا تختاروا على محمد بن إسماعيل، يا أهل خراسان.\nوقال موسى بن قريش: قال عبد الله بن يوسف للبخاري: يا أبا عبد الله، انظر في كتبي، وأخبرني بما فيه من السقط، قال: نعم.\n* وقال محمد: حدثني محمد بن إسماعيل، قال: كنت إذا دخلت على سليمان بن حرب يقول: بيِّن لنا غلط شعبة.\n* وحدث عن نفسه قائلا: اجتمع أصحاب الحديث، فسألوني أن أكلم إسماعيل بن أبي أويس ليزيدهم في القراءة، ففعلت، فدعا إسماعيل الجارية، وأمرها أن تخرج صرة دنانير، وقال: يا أبا عبد الله، فرقها عليهم. قلت: إنما أرادوا الحديث.\nقال: قد أجبتك إلى ما طلبت من الزيادة، غير أني أحب أن يضم هذا إلى ذاك ليظهر أثرك فيهم. (١)\n* قال الحافظ: وسئل قتيبة عن طلاق السكران، فدخل محمد ابن إسماعيل، فقال قتيبة للسائل:\nهذا أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية، وعلىّ بن المدينى، قد ساقهم الله إليك، وأشار إلى البخارى.\nقال يحيى بن جعفر: لو قدرت أن أزيد في عمر محمد بن إسماعيل من عمري لفعلت، فإن موتي يكون موت رجل واحد، وموته ذهاب العلم. (٢)\nوقال البخارى مرةً (٣): \" لما دخلت البصرة صرت إلى مجلس بُنْدار، فلما وقع بصرُه عليَّ، قال: من أين الفتى؟ قلت: من أهل بخارى، فقال لي: كيف تركت أبا عبد الله؟ فأمسكت، فقالوا له: يرحمك الله هو أبو عبد الله، فقام، وأخذ بيدي، وعانقني، وقال: مرحبا بمن أفتخر به منذ سنين \" وقال مسلم بن الحجاج وقد جاء إلى البخاري: \" دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله \".\n_________\n(١) السير، حـ١٠، ٩٣\n(٢) السير، حـ١٠، ٩٢\n(٣) السابق، ٩٥، وتهذيب الكمال حـ١٦، ٩٦","vol":"1","page":30},{"text":"وقال محمد بن أبى حاتم: حدثني حاتم بن مالك الوراق، قال: سمعت علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامنا وفقيهنا وفقيه خراسان.\nفهذا ثناء المتقدمين أما المتأخرين فلا داعى لذكره حيث يقول الحافظ: \" وبعد ما تقدم من ثناء كبار مشايخه عليه، لا يُحتاج إلى حكاية من تأخر\"\nمكانته عند الناس:\nقال الشيخ عبد السلام المباركفورى: كان الإمام البخارى كلما حل مدينة، أو ترك أرضًا، كان المسلمون يزدحمون حوله، حيث يفوق الوصف والبيان. (١)\n* ولما رجع إلى بخارى عائدًا من رحلته الدراسية، نصبت له القباب على فرسخ من البلد، واستقبله عامة أهل البلد، حتى لم يبق مذكور، ونثر عليه الدراهم والدنانير.\nوجرى له مثل هذا فى نيسابور، قال الإمام مسلم: لما قدم محمد بن إسماعيل نيسابور، ما رأيت\nواليًا، ولا عالمًا فعل به أهل نيسابور، ما فعلوا به؛ استقبلوه من مرحلتين من البلاد، أو ثلاث. (٢)\nتدينه:\nونقصد بالتدين التدين العام؛ فى عباداته ومعاملاته.\nعن محمد بن أبى حاتم قال: سمعت سليمًا - يعنى ابن مجاهد - يقول: ما رأيت بعينى منذ ستين سنةٍ أفقه، ولا أورع، ولا أزهد فى الدنيا من محمد ابن إسماعيل.\n\n* فمن تدينه عبادته:\nقال مُسبِّح بن سعيد: \" كان محمد بن إسماعيل يختم في رمضان في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التروايح كل ثلاث ليال بختمة \"\nوروى الخطيب البغدادى عن عمر بن حفص الأشقر قال: كنا مع محمد بن إسماعيل بالبصرة، نكتب الحديث، ففقدناه أيامًا، فطلبناه فوجدناه فى بيت وهو عريان، وقد نفذ ما عنده، ولم يبق معه شيءٌ فاجتمعنا، وجمعنا له الدراهم، حتى اشترينا له ثوبًا، وكسوناه، ثم اندفع معنا فى كتابة الحديث (٣)\n\n* ومن تدينه أنه لم يجلس إلى التحديث إلا بعدما تأهل:\nيقول عن نفسه:\n\" ما جلست للحديث حتى عرفت الصحيح من السقيم، وحتى نظرت في عامة كتب الرأي، وحتى\n_________\n(١) من أعلام السلف، ٤٠٥\n(٢) من أعلام السلف، الشيخ أحمد فريد، ٣٩٤\n(٣) السابق، ٤٠٥","vol":"1","page":31},{"text":"دخلت البصرة خمس مرات أو نحوها، فما تركت بها حديثا صحيحا إلا كتبته، إلا ما لم يظهر لي \".\n\n* ومن تدينه شدة حيائه:\nقال أبو جعفر: قال لي بعض أصحابي: كنت عند محمد بن سلام، فدخل عليه محمد بن إسماعيل حين قدم من العراق، فأخبره بمحنة الناس، وما صنع ابن حنبل وغيره من الأمور.\nفلما خرج من عنده قال محمد بن سلام لمن حضره: أترون البكر أشد حياء من هذا؟!\n\n* ومن تدينه تمسكه بهدى النبى (- ﷺ -):\nكان البخارى يقول: كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به. فالرمى مع أنه ليس من اختصاص العلماء، ولكن لما كانت السنة قد وردت به كان الإمام البخارىُّ يركب إلى الميدان للتدرب على الرمى، وكان من شدة مهارته لا يخطئ الهدف. (١)\nومن ذلك أيضًا أنه كان يبنى رباطًا، وجاء الناس يعينونه، فكان ينقل اللبن بنفسه إقتداءً بالنبىِّ - ﷺ - فى بناء المسجد وحفر الخندق.\n\n* ومن تدينه احتياطه فى جرح الرواة:\nكان يقول: \" أرجو أن ألقى الله، ولا يحاسبنى أنى اغتبت أحدًا.\nيقول الشيخ أحمد فريد (٢): \" ومسلك الاحتياط الذى سلكه الإمام البخارىُّ، يدل على منزلته العليا من التدين والإخلاص والورع، فطريقته فى الجرح أنه يختار كلمات لا يمكن أى شخص أن يؤاخذ بها المجروح، ومن كلماته: تركوه، أنكره الناس، وأشدها عنده أن يقول: منكر الحديث \"\n\n* ومن تدينه أنه ما كان يؤذى أحدًا من جلسائه حتى ولو بما أحل الله:\nقال: ما أكلت كراثا قط، ولا القنابَرَى قيل: ولم ذاك؟ قال: كرهت أن أوذي من معي من نتنهما.\nفقيل له: وكذلك البصل النئ؟ قال: نعم.\n\n* ومن تدينه هذه الخصائص:\n_________\n(١) من أعلام السلف، ٤٠٠\n(٢) السابق، ٤٠٤","vol":"1","page":32},{"text":"وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت الحسين بن محمد السمرقندي يقول: كان محمد بن إسماعيل مخصوصا بثلاث خصال مع ما كان فيه من الخصال المحمودة: كان قليل الكلام، وكان لا يطمع فيما عند الناس، وكان لا يشتغل بأمور الناس، كل شغله كان في العلم. (١)\n\n* ومن تدينه أنه ما كان يأخذ على العلم أجرا:\nقال سليم بن مجاهد: ما بقي أحد يعلم الناس الحديث حِسبةً غير محمد بن إسماعيل.\n\n* ومن تدينه الإحسان إلى المسيء:\nقال عبد الله بن محمد الصارفي: كنت عند أبي عبد الله في منزله، فجاءته جارية، وأرادت دخول المنزل، فعثرت على محبرة بين يديه، فقال لها: كيف تمشين؟\nقالت: إذا لم يكن طريق، كيف أمشي؟ فبسط يديه، وقال لها: اذهبي فقد أعتقتك.\nقال: فقيل له فيما بعد: يا أبا عبد الله، أغضبتك الجارية؟ قال: إن كانت أغضبتني فإني أرضيت نفسي بما فعلت (٢).\nومن ذلك (٣): أنه كان كثير من أصحابه يقولون له: إن بعض الناس يقع فيك، فيقول:\n\"إن كيد الشيطان كان ضعيفا\" (النساء: ٧٦) ويتلو أيضا: \" ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله\" (فاطر: ٤٣) فقال له عبد المجيد بن إبراهيم: كيف لا تدعو الله على هؤلاء الذين يظلمونك ويتناولونك\nويبهتونك؟ فقال: قال النبي - ﷺ -: \" اصبروا حتى تلقوني على الحوض \" وقال - ﷺ -:\n\" من دعا على ظالمه، فقد انتصر \"\n\nمؤلفاته:\n١ - \" الجامع الصحيح \"\n٢ - \" التاريخ الكبير \"\n٣ - \" التاريخ الأوسط \"\n٤ - \" التاريخ الصغير \"\n٥ - \" خلق أفعال العباد \"\n٦ - كتاب \" الضعفاء الصغير \"\n٧ - \" الأدب المفرد \"\n٨ - \" جزء رفع اليدين \"\n٩ - \" جزء القراءة خلف الإمام \"\n١٠ - \" كتاب الكنى \" ... وله كتبٌ أخرى فى عداد المخطوطات والمفقودات.\n\nوفاته:\n_________\n(١) السير حـ١٠، ١٠٨\n(٢) السير، حـ ١٠، ١١١\n(٣) السابق، ١١٥","vol":"1","page":33},{"text":"توفي البخاري ليلة السبت ليلة الفطر عند صلاة العشاء، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر سنة ست وخمسين ومئتين. وعاش اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يوما.\nوهناك بيتان نظمهما بعض الشعراء مبينًا فيهما تاريخ ميلاده، ووفاته، ومدة حياته، نقلهما الشيخ أحمد فريد ... قيل (١):\nكان البخارىُّ حافظًا ومحدثًا جمع الصحيح مكمل التحرير\nميلاده \" صدقٌ\" ومدة عمره فيها \" حميد\" وانقضى فى \" نور \" (٢)\n***************\n\nوهكذا قد انتهينا من التجوال فى بستان فضله، وحياته ومواقفه، والله نسأل له الدرجات العلا، وأن يجمعنا به والصالحين فى دار مقامته، إنه ولىُّ ذلك ..\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>المبحث الرابع</span>\nالأحاديث بترتيبها فى البخارى وكما سمعناها\nقال الإمام البخارى -﵀-:\n\n١ - حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ. (حديث رقم، ١٠٩)\n\n٢ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ كَانَ جِدَارُ الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ مَا كَادَتْ الشَّاةُ تَجُوزُهَا. (٤٩٧)\n\n٣ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ كُنْتُ آتِي مَعَ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ فَيُصَلِّي عِنْدَ الْأُسْطُوَانَةِ الَّتِي عِنْدَ الْمُصْحَفِ فَقُلْتُ يَا أَبَا مُسْلِمٍ أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ هَذِهِ الْأُسْطُوَانَةِ قَالَ فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا. (٥٠٢)\n_________\n(١) من أعلام السلف، ٤١٩\n(٢) صدق، تساوى بالأرقام ١٩٤، وحميد ٦٢، ونور ٢٥٦","vol":"1","page":34},{"text":"٤ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْمَغْرِبَ إِذَا تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ. (٥٦١)\n\n٥ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا يُنَادِي فِي النَّاسِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ إِنَّ مَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ أَوْ فَلْيَصُمْ وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا يَأْكُلْ. (١٩٢٤)\n\n٦ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ. (٢٠٠٧)","vol":"1","page":35},{"text":"٧ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ فَقَالُوا صَلِّ عَلَيْهَا فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَالُوا لَا قَالَ فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا قَالُوا لَا فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلِّ عَلَيْهَا قَالَ هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قِيلَ نَعَمْ قَالَ فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا قَالُوا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ فَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ أُتِيَ بِالثَّالِثَةِ فَقَالُوا صَلِّ عَلَيْهَا قَالَ هَلْ تَرَكَ شَيْئًا قَالُوا لَا قَالَ فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَالُوا ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ قَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ قَالَ أَبُو قَتَادَةَ صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ. (٢٢٨٩)\n\n٨ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ قَالُوا لَا فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ قَالُوا نَعَمْ قَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ قَالَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَيَّ دَيْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ. (٢٢٩٥) (١)\n_________\n(١) هذا الحديث سمعته من الشخ / صلاح ولم أسمعه عن الشيخ وحيد وكأنه من خطأ الناسخ، فلم يذكر رواية أبى عاصم هذه ضمن الثلاثيات ولكنه كرر رواية المكى، والصحيح ما أثبتناه أنه من رواية أبى عاصم، بتغير قليل فى ألفاظ الحديث.","vol":"1","page":36},{"text":"٩ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نِيرَانًا تُوقَدُ يَوْمَ خَيْبَرَ قَالَ عَلَى مَا تُوقَدُ هَذِهِ النِّيرَانُ قَالُوا عَلَى الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ قَالَ اكْسِرُوهَا وَأَهْرِقُوهَا قَالُوا أَلَا نُهَرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا قَالَ اغْسِلُوا قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ كَانَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ يَقُولُ الْحُمُرِ الْأَنْسِيَّةِ بِنَصْبِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ. (٢٤٧٧)\n\n١٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ أَنَّ الرُّبَيِّعَ وَهِيَ ابْنَةُ النَّضْرِ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ فَطَلَبُوا الْأَرْشَ وَطَلَبُوا الْعَفْوَ فَأَبَوْا فَأَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهُمْ بِالْقِصَاصِ فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا فَقَالَ يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَعَفَوْا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ زَادَ الْفَزَارِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا الْأَرْشَ. (٢٧٠٣)","vol":"1","page":37},{"text":"١١ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ ﵁ قَالَ بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ثُمَّ عَدَلْتُ إِلَى ظِلِّ الشَّجَرَةِ فَلَمَّا خَفَّ النَّاسُ قَالَ يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ أَلَا تُبَايِعُ قَالَ قُلْتُ قَدْ بَايَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَأَيْضًا فَبَايَعْتُهُ الثَّانِيَةَ فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَا مُسْلِمٍ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تُبَايِعُونَ يَوْمَئِذٍ قَالَ عَلَى الْمَوْتِ. (٢٩٦٠)\n\n١٢ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ قَالَ خَرَجْتُ مِنْ الْمَدِينَةِ ذَاهِبًا نَحْوَ الْغَابَةِ حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِثَنِيَّةِ الْغَابَةِ لَقِيَنِي غُلَامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قُلْتُ وَيْحَكَ مَا بِكَ قَالَ أُخِذَتْ لِقَاحُ النَّبِيِّ ﷺ قُلْتُ مَنْ أَخَذَهَا قَالَ غَطَفَانُ وَفَزَارَةُ فَصَرَخْتُ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ أَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا يَا صَبَاحَاهْ يَا صَبَاحَاهْ ثُمَّ انْدَفَعْتُ حَتَّى أَلْقَاهُمْ وَقَدْ أَخَذُوهَا فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَقُولُ أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعْ فَاسْتَنْقَذْتُهَا مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبُوا فَأَقْبَلْتُ بِهَا أَسُوقُهَا فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ - ﷺ - فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْقَوْمَ عِطَاشٌ وَإِنِّي أَعْجَلْتُهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا سِقْيَهُمْ فَابْعَثْ فِي إِثْرِهِمْ فَقَالَ يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ إِنَّ الْقَوْمَ يُقْرَوْنَ فِي قَوْمِهِمْ. (٣٠٤١)","vol":"1","page":38},{"text":"١٣ - حَدَّثَنَا عِصَامُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُسْرٍ صَاحِبَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أَرَأَيْتَ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ شَيْخًا قَالَ كَانَ فِي عَنْفَقَتِهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ. (٣٥٤٦)\n\n١٤ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ رَأَيْتُ أَثَرَ ضَرْبَةٍ فِي سَاقِ سَلَمَةَ فَقُلْتُ يَا أَبَا مُسْلِمٍ مَا هَذِهِ الضَّرْبَةُ فَقَالَ هَذِهِ ضَرْبَةٌ أَصَابَتْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ فَقَالَ النَّاسُ أُصِيبَ سَلَمَةُ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَنَفَثَ فِيهِ ثَلَاثَ نَفَثَاتٍ فَمَا اشْتَكَيْتُهَا حَتَّى السَّاعَةِ. (٤٢٠٦)\n\n١٥ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ وَغَزَوْتُ مَعَ ابْنِ حَارِثَةَ اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْنَا. (٤٢٧٢)\n\n١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ. (٤٤٩٩)","vol":"1","page":39},{"text":"١٧ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ لَمَّا أَمْسَوْا يَوْمَ فَتَحُوا خَيْبَرَ أَوْقَدُوا النِّيرَانَ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَامَ أَوْقَدْتُمْ هَذِهِ النِّيرَانَ قَالُوا لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ قَالَ أَهْرِيقُوا مَا فِيهَا وَاكْسِرُوا قُدُورَهَا فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَقَالَ نُهَرِيقُ مَا فِيهَا وَنَغْسِلُهَا فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَوْ ذَاكَ (٥٤٩٧)\n\n١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلَا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَبَقِيَ فِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا عَامَ الْمَاضِي قَالَ كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا (٥٥٦٩)","vol":"1","page":40},{"text":"١٩ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ \"عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: \"خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِلَى خَيْبَرَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَسْمِعْنَا يَا عَامِرُ مِنْ هُنَيَّاتِكَ، فَحَدَا بِهِمْ، فَقال النبي - ﷺ -: \"مَنْ السَّائِقُ؟ قَالُوا: عَامِرٌ فَقَالَ: ﵀، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلاَ أَمْتَعْتَنَا بِهِ؟ فَأُصِيبَ صَبِيحَةَ لَيْلَتِهِ. فَقَالَ الْقَوْمُ: حَبِطَ عَمَلُهُ، قَتَلَ نَفْسَهُ. فَلَمَّا رَجَعْتُ - وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ - فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، فَقَالَ: كَذَبَ مَنْ قَالَهَا، إِنَّ لَهُ لأَجْرَيْنِ اثْنَيْنِ، إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، وَأَيُّ قَتْلٍ يَزِيدُهُ عَلَيْهِ\" (٦٨٩١)\n\n٢٠ - حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ ابْنَةَ النَّضْرِ لَطَمَتْ جَارِيَةً فَكَسَرَتْ ثَنِيَّتَهَا فَأَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ (٦٨٩٤)\n\n٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ بَايَعْنَا النَّبِيَّ - ﷺ - تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَقَالَ لِي يَا سَلَمَةُ أَلَا تُبَايِعُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَايَعْتُ فِي الْأَوَّلِ قَالَ وَفِي الثَّانِي (٧٢٠٨)","vol":"1","page":41},{"text":"٢٢ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ طَهْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ نَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ فِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَأَطْعَمَ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ خُبْزًا وَلَحْمًا وَكَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَكَانَتْ تَقُولُ إِنَّ اللَّهَ أَنْكَحَنِي فِي السَّمَاءِ (٧٤٢١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>المبحث الخامس</span>\nذكر السند\nإسناد ثلاثيات البخارى\n\nالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم وبعد ..\nيقول الفقير إلى عفو ربه / وحيد بن عبد السلام بالى.\n١ - أخبرنا الشيخان محمد إسرائيل بن محمد إبراهيم الندوى، وعبد الوكيل بن عبد الحق الهاشمي قراءة عليهما بجميع صحيح البخاري وأنا أسمع.\nقال الشيخ الندوي:\n٢ - أخبرنى شيخى الشيخ عبد الحكيم الجيْوَري قراءةً من أوله وآخره وإجازة بباقيه ..\n٣ - قال اخبرنا السيد نذير حسين الدِّهْلَوي:\nوقال الشيخ عبد الوكيل:\n٢ - أخبرنى والدى العلامة عبدُ الحق الهاشمى قراءةً عليه لجميعه،\n٣ - قال أخبرنا أبو سعيد حسين بن عبد الرحيم البَتَالوى قراءةً عليه لجميعه،\n- قال أخبرنا السيد نذير حسين الدِّهْلَوى:\n٤ - قال أخبرنا الشاه محمد إسحاق الدهلوي،\n٥ - قال أخبرنا الشاه عبد العزيز بن ولي الله الدهلوي،\n٦ - قال أخبرنى والدى سماعًا إلى كتاب الحج مع إكمال باقيه على خلفائه،\n٧ - قال أخبرنا أبو طاهر الكُورَّاني،\n٨ - قال أخبرنا حسن العُجَيمي،\n- قال أخبرنا عيسى الثَّعالبي الجَعفري،\n- قال أخبرنا سلطان بن أحمد المَزَّاحي،\n- قال اخبرنا أحمدُ بن خليل السُّبْكي. (ح)\nقال العجيمي:\n٩ - أخبرنا محمد بن العلاء البَابِلى،\n١٠ - قال أخبرنا سالم بن محمد السَّنْهُوري قراءةً لبعضه وإجازةً لسائره،\nقال هو والسُّبْكى:\n١١ - أخبرنا النَّجم محمد الغَيْطي،\n١٢ - قال أخبرنا زكريا الأنصاري،","vol":"1","page":42},{"text":"١٣ - قال أخبرنا إبراهيم بن صَدَقة الحنبلي،\n١٤ - قال أخبرنا عبد الوهاب بن رزين الحَمَوي. (ح)\nوقال زكريا:\n-أخبرنا أحمد بن على بن حجر العسقلاني سماعًا للكثير منه وإجازة لسائره،\n- قال أخبرنا إبراهيم بن أحمد التَّنُوخي البعلي،\nقال وهو وابن رزين الحَمَوي:\n١٥ - أخبرنا أحمد بن أبى طالب الحجار، وزاد الثانى: وست الوزراء وزيرةُ بنت عمر التَّنُوخية؛\n١٦ - قالا: أخبرنا الحُسَين بن المبارك الزَّبِيدي،\n١٧ - قال أخبرنا أبو الوَقْت عبدُ الأول بن عيسى السِّجْزِي الهَرَوي،\n١٨ - قال أخبرنا عبد الرحمن بن محمد الداوُدي البُوشَنْجِي،\n١٩ - قال أخبرنا عبد الله بن أحمدَ بن حَمُّويَة السَّرخسى،\n٢٠ - قال أخبرنا محمد بن يوسف بن مطرٍ الفَرَبْري،\n٢١ - قال أخبرنا محمد بن إسماعيل البخاري مرتين. ثم ذكر الأحاديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>المبحث السادس</span>\nما كتب حول الثلاثيات\n\nبعد أن شرعت فى هذا الجمع واوشكت على الانتهاء منه، تبين لى أن هناك من كتب حول هذا الأمر، فأخذت فى البحث عن ذلك متعجبًا كيف غفلت عن طَرْقِ هذا الباب قبل أن أشرع فى هذا الجمع ليكون لى أسهل فى الترتيب والتنسيق والاستفادة من أفكار السابقين من العلماء الكبار، فبدأت أبحث فى فهارس الكتب حتى وقفت على جملةً طيبة من المؤلفات حول الثلاثيات، ولكنى لم أقف على أى مؤلف منها بعد البحث إلا \"تعليقات القارى\"، فأردت أن أردف مبحثًا أذكر فيه هذه المؤلفات وأصحابها لتعم الفائدة ليطلع عليها من تيسر له الحصول عليها. وتبين من ذلك أن العلماء قد اهتموا فى القديم والحديث بهذه الثلاثيات، حتى أفردها بعضهم بالتعليق والشرح والنظم.\nوهؤلاء هم على الترتيب الزمنى:\n\n١ - محمد بن إبراهيم الحضرمى، المتوفى سنة (٧٧٧هـ)، وعنوانه: \" الفوائد المرويات بشرح الثلاثيات \" له نسخة فى المكتبة الوطنية فى الجزائر برقم (٤٧٥). أفاده محمد بن ناصر العجمى فى تحقيقه لتعليقات القارى على ثلاثيات البخارى.","vol":"1","page":43},{"text":"٢ - البرماوي: محمد بن عبد الدائم بن موسى البرماوي المصري شمس الدين أبو عبد الله الشافعي اصله من عسقلان ولد سنة (٧٦٣هـ) وتوفي بالقدس سنة (٨٣١هـ) إحدى وثلاثين وثمانمائة. وقد نظم ثلاثيات البخاري فى أبيات ثم شرحها، ذكر ذلك صاحب هدية العارفين، الباباني.\nوقال محمد بن ناصر العجمى فى تحقيقه لتعليقات القارى: \" وهى مطبوعة بتحقيق الدكتور مصطفى مخدوم فى دار المعلمة بالرياض سنة (١٤٢١ هـ)\n٣ - محمد بن الحاج محمد بن محمد حسن بن محمد شاه المعروف بابن الحاج الرومي الحنفي. هو فقيه، مفسر، محدث. توفى سنة ٩٣٩ هـ. من آثاره \" شرح ثلاثيات البخاري \" قال صاحب كشف الظنون، وقال العجمى فى تحقيقه لتعليقات القارى: \" له نسخة فى دار الكتب المصرية (٨٠ - مجموع) ذكره فؤاد سزكين فى \" تاريخ التراث العربى \" (١/ ٣٣٨) \" ا. هـ\n٤ - نور الدين علي بن سلطان محمد القاري الهروي صاحب التصانيف، ولد بهراة، ورحل إلى مكة وتديَّرها، وتوفى بها سنة (١٠١٤هـ) ولما علم علماء مصر بوفاته صلوا عليه صلاة الغائب بجامع الأزهر، له: \" تعليقات القاري على ثلاثيات البخاري\".\nوقد وقفت على هذا الشرح بتحقيق الشيخ / محمد بن ناصر العجمى، الصادر عن وزارة الأوقاف بالكويت. وقد استفت منه ذكر بعض هذه المؤلفات.\n٥ - شهاب الدين احمد بن احمد ابن محمد الوفائي المصري الشافعي المعروف بالعجمي المتوفي في ١٨ ذي القعدة سنة (١٠٨٦هـ)، قال صاحب كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: وهو عالم مشارك في بعض العلوم.\nوله شرح ثلاثيات البخاري قال العجمى فى تحقيقه لتعليقات القارى: \" استمده من \" إرشاد\nالسارى \" كما نص على ذلك فى مقدمته. وهو مخطوط، منه نسخة فى دار الكتب المصرية برقم\n(٦٨ - مجاميع). \" ا. هـ","vol":"1","page":44},{"text":"٦ - \" هداية البارى على ثلاثيات البخارى \" لعلى حجازى بن محمد البيومى، المتوفى سنة (١١٨٣هـ)، له نسخة فى الأزهرية برقم (١٤٧٦ - مجاميع). أفاده محمد العجمى فى تحقيقه لتعليقات القارى (صـ ١٤).\n٧ - \" الدرارى الناشرات فى ترجمة ما فى البخارى من ثلاثيات \" للشيخ / محمد المجهلى شهرى الجونفورى، المتوفى سنة (١٣٢٠هـ)، ذكره الدكتور سهيل عبد الغفار حسن فى بحثه \" جهود محدثى شبه القارة الهندية ...) المطبوع فى كتاب \" الوقائع \" (١/ ٣٠٤ - ط جام عة الشارقة فى الإمارات العربية). أفاده العجمى فى تحقيقه لتعليق القارى.\n٨ - الشيخ عبد الباسط بن رستم بن علي بن علي أصغر القنوجي، المتوفي في سنة (١٢٢٣هـ). كان من علماء الهند، ذكر القنوجي فى كتابه \" أبجد العلوم \" أن من كتبه: \" نظم اللآلي في شرح ثلاثيات البخاري \".\n٩ - السيد محمد صديق خان الهندى له \" غنية القارى بترجمة ثلاثيات البخارى \"، ذكره صاحب كشف الظنون \" وهو: السيد محمد صديق خان بن السيد حسن بن علي بن لطف الله الحسيني البخاري أبو الطيب القنوجي الهندي المحدث أمير مملكة بهوبال ولد سنة (١٢٤٨هـ) وتوفي ٢٩ جمادى الآخرة سنة (١٣٠٧هـ) سبع وثلاثمائة وألفا.\n١٠ - عبد الحفيظ بن محمد بن محمد الوانجني الجزائري المالكى الخلوتى، وهو أحد أعلام الحديث في مدينة الجزائر العتيقة، فقيه مالكي متصوف من شيوخ الخلوتية. توفى سنة (١٢٦٦ هـ) له \" غنية القارىء بترجمة ثلاثيات البخاري \" مخطوط، ذكر ذلك فى \" معجم المؤلفين \" (٥/ ٩٠)، \"إيضاح المكنون \" (٢/ ١٥٠)\n١١ - محمد شمس الحق العظيم آبادى، عالم بالحديث، من أهل (عظيم آباد) في الهند. ولد بها وجمع مكتبة حافلة بالمخطوطات وتوفي في (ديانوان) من أعمال عظيم آباد. قرأ الحديث في دهلي. وصنف كتبا، منها (عون المعبود في شرح سنن أبي داود) وله \" فضل البارى فى شرح ثلاثيات البخارى\" توفى (١٣٢٩هـ)","vol":"1","page":45},{"text":"١٢ - محمد عبد الحي ابن الشيخ أبي المكارم عبد الكبير الحسني الإدريسي الكتاني توفى سنة (١٣٨٢ هـ) مغربي، ولد وتعلم بفاس. وكان منذ نشأته على غير ولاء للاسرة العلوية المالكة في المغرب، ولما فرضت الحماية الفرنسية على المغرب، (١٩١٢) انغمس في موالاتها. له \" الفيض الجاري على ثلاثيات البخاري \" في دار الكتب.\n(نقل ذلك صاحب فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات، عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني)\n١٣ - \" معلم القارى شرح ثلاثيات البخارى \"، لرضى الدين عبد المجيد خان تونكى. ذكره فؤاد سزكين فى \" تاريخ التراث العربى \" (١/ ٣٣٨). أفاده العجمى فى تحقيق تعليقات القارى.\n١٤ - \" إنعام المنعم البارى بشرح ثلاثيات البخارى \"، لعبد الصبور بن عبد التواب الملتانى، المتوفى سنة (١٣٤٩هـ)، مطبوع فى مطبعة أنصار السنة بمصر سنة (١٣٥٨هـ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>الباب الثانى</span>\nتحبير الوريقات\nمسند سلمة بن الأكوع\nالتراجم\nالأحاديث\nمسند أنس بن مالك\nالتراجم\nالأحاديث\nمسند عبد الله بن بسر\nالتراجم\nالأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>تمهيد</span>\nهذه الثلاثيات التى بين أيدينا ليست مرتبطةً بكتابٍ من كتب صحيح البخارى، ولكنها موزعةٌ على بعض كتبه، فكان من الأسهل والأيسر أن نرتب هذه الأحاديث ترتيبًا يسهل علينا به أن نلم ما فيه دون تشتت، فرأيت أن توزع الأحاديث على مسانيدِ الصحابة، حيث أنها كلها يرويها ثلاثةٌ فقط من الصحابة، فرأيت أن يتم الشرح للأحاديث وترتيبها حسب مسند كل صحابى مع وضع الأحاديث المرتبطة ببعضها فى الموضوع فى نسقٍ واحد لتكتمل لنا الصورة، وهذا يجعل الاستيعاب والفهم والوصول إلى الحديث فى مظانه أسهل، ولن أرتبط بترتيب البخارى ولا ترتيب الأبواب لأنها وقعت فى أبواب مختلفة كما ذكرت.\n\nوهذه المسانيد هى:","vol":"1","page":46},{"text":"الأول: مسند سلمة ابن الأكوع، فله القِدْحُ المُعلَّى فى هذه الثلاثيات فروى منها سبعة عشر حديثًا رواها كلها عنه يزيد ابن أبى عبيد، ثم رواها عن يزيد شيخان للبخارى؛ المكي ابن ابراهيم روى أحد عشر حديثًا، ثم البقية لأبى عاصم النبيل؛ الضحاك ابن مخلد.\nالثاني: مسند أنس بن مالك، وله فى الثلاثيات أربعة أحاديث رواها عنه راويان:\nالأول حميد الطويل، روى ثلاثةً منها، كلها فى قصة الرُّبَيِّع فرواها مطولةً ومختصرة، ورواها الأنصارى عنه.\nوالراوى الثانى عن أنس هو عيسى بن طَهْمان، وروى عنه حديثًا واحدًا، رواه عنه خَلَّادُ بن يحيى\nالثالث: مسند عبدِ الله بن بسر، وله فى الثلاثيات حديثٌ واحد رواه عنه حَرِيْزُ بن عثمان، وروى عن حريز، عصامُ بن خالد -شيخ البخارىِّ -.\nوبدأتُ بذكر ترجمةٍ سريعة لكل واحد فى بداية كل مسند، فأبدأ بترجمةٍ للصحابىِّ ثم تليها ترجمةٌ للتابعىِّ الذى روى عنه، ثم يلى ذلك ترجمةً لشيخ البخارى الذى روى عن هذا التابعى، وإن كان له فى هذا التابعى شيخان إما أن أذكر ترجمتيهما متتابعة لإشتراكهما فى حديث واحد كما فى مسند سلمة، وإما أن أذكر الأحاديث تحت ترجمة من رواها كما فى مسند أنس، وقد استمَديتُ هذه التراجم من سير الذهبى والتهذيب، وغيرهما.\nوقد بدأت التعليق على الحديث بشرحٍ بسيط بين يديه أذكر فيه أين أخرج البخارىُّ الحديث فى كتابه، ثم أذكر توضيحًا بسيطًا للمعنى العام للحديث إذا احتيج إلى ذلك، ثم يتبع ذلك المسائل الموجودة فى الحديث فقهيةً كانت أو غير ذلك، ثم نختم التعليق بذكر الفوائد التى تضمنها الحديث، إذا لم نكتف بالمسائل، والله نسأل الإخلاص فى القول والعمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>مُسنَد\n﴿سلمةَ بنِ الأكوَع﴾</span>\nالتراجم\nسلمة بن عمرو بن الأكوع (- ﵁ -)","vol":"1","page":47},{"text":"ويقال سلمة بن وهيب بن الأكوع، الأسلمى، أبو مسلم، ويقال أبو إياس، ويقال أبو عامر، المدنى الصحابى الجليل، و\" الأكوع \" لقب له، ومعناه: المعوج لكوع وهو طرف الزند الذى يلى الإبهام حدث عن النبى (- ﷺ -) وأبى بكر وعمر وعثمان وطلحة، وروى له الجماعة وحديثه من أعالى البخارى. شهد بيعة الرضوان تحت الشجرة، وبايع رسول الله - ﷺ - ثلاث مرات:\nفى أول الناس، وفى أوسطهم، وفى آخرهم، وبايعه يومئذ على الموت، كما عند البخارى فى الروايات التى معنا.\nوكان يسكن الربذة، وكان ذلك بعد مقتل عثمان، وتزوج فيها وأنجب ثم قبل موته بقليل رجع إلى المدينة فمات بها لأنها دار هجرته، وقد قضى بالربذة نحو الأربعين سنة، كما قال ابن حجر.\nوقد كف بصره فى آخر عمره. وكان شجاعا راميا محسنا خيرًا. ويقال: إنه كان يسبق الفرس شدا على قدميه. وقيل: إنه شهد غزوة مؤتة.\nكان يرتجز بين يدي النبي - ﷺ - في أسفارِه حاديًا، وبايعه يوم الحديبية، وَكَانَ راميًا يصيد الوحش، وقال له رسول - ﷺ - فِي مُنْصَرَفِه إلى المدينةِ: \" خير رَجَّالَتِنا اليوم سلمة \"\nوكان - ﵁ - من المفتين بالمدينة، قال الذهبى: \" قال ابن سعد: عن زياد بن مينا، قال: كان ابن عباس، وابن عمر، وأبو سعيد، وأبو هريرة، وجابر، ورافع بن خديج، وسلمة بن الأكوع مع أشباه لهم، يفتون بالمدينة، ويحدثون عن رسول الله - ﷺ - من لدن توفي عثمان إلى أن توفوا \" ا. هـ\nالوفاة: قال يحيى بن بكير، وغير واحد: مات بالمدينة سنة أربع وسبعين، وهو ابن ثمانين سنة. وقال الذهبى: \" كان من أبناء التسعين \"\nوروى عنه هذه الأحاديث مولاه يزيد بن أبى عبيد.\n\nيزيد بن أبى عبيد\nاسمه والتعريف به:","vol":"1","page":48},{"text":"هو يزيد بن أبى عبيد، أبو خالد الأسلمى، مولى سلمة بن الأكوع الحجازى من الطبقة الرابعة التى تلى الوسطى من التابعين، ولم يذكر له مولد.\nشيوخه وتلاميذه:\nروى عن سلمة، وعمير مولى آبى اللحم، وهشام بن عروة، وروى عنه جماعة منهم بكير بن عبد الله بن الأشج والمكى وأبو عاصم النبيل. وروى له الجماعة.\nالجرح والتعديل:\nوثقة العجلى وبن معين وبن حبان وابو داود وبن سعد وابن حجر\nوقال الذهبي: صدوق، من بقايا التابعين الثِّقات.\n\nالوفاة:\nتُوُفِّيَ بالمدينة سنة سبعٍ وأَربعينَ وَمائَةٍ، كما قال الذهبى.\nروى عنه الثلاثيات شيخان للبخارى: المكي بن إبراهيم. وأبو عاصم النبيل.\n\nالأول: مكى بن إبراهيم\n\nله فى الثلاثيات عن يزيد أحد عشر حديثًا\nاسمه والتعريف به:\nوهو المكى بن إبراهيم بن بشير بن فرقد التميمي الحنظلى البرجمى، أبو السكن البلخى، والمكي هو علم وليس بنسبة إلى مكة. وهو من صغار أتباع التابعين، وأخذ فى الطلب وهو ابن سبع عشرة سنة، وحج كثيرًا، وكان له مالٌ وتجارة. لم يلق البُخاريُّ بخراسان أَحدا أَكبر منه ..\nمولده:\nقال عن نفسه: في سنة ست وعشرين ومائة \"\nقال ابن سعد: وقد قارب المائةَ روى له الجماعة.\nشيوخه وتلامذته:\nروى عن سبعة عشر تابعيًا، منهم: يزيد بن أبى عبيد، وبهز بن حكيم، وابن جريج، وأبى حنيفة، وعن مالك بن أنس، وغيرهم، وليس هو بالمكثر جدًا. روى عنه الإمام أحمد والبخارى، ويحى بن معين، وبندار، وغيرهم كثير. وروى له بقية اصحاب الكتب الستة.\nالجرح والتعديل:\nوثقه أهل العلم كأحمد والعجلى وقال الدارقطنى: \" ثقة، مأمون \"،\nوقال أَبو حاتم: محلُّهُ الصدقُ، وقال النَّسائيّ ُ: ليس به بأس. وذكره ابن حبان فى الثقات،\nوقال الذهبي: الحافظ، وقال ابن حجر: ثقة ثبت.\nوقال المكى عن نفسه كما ذكر الذهبى فى السير:","vol":"1","page":49},{"text":"\" حججت ستين حجة، وتزوجت بستين امرأة، وجاورت بالبيت عشر سنين، وكتبت عن سبعة عشر نفسا من التابعين، ولو علمت أن الناس يحتاجون إلي، لما كتبت دون التابعين عن أحد \".ا-هـ\nالوفاة:\nمَات مكي بن إبراهيم ليلة الأربعاء قبيل الصبح لِلنصف من شعبان سنة: أَربع عشرة ومائتين، قاله أبو حاتم، والبخاريُّ، وقيل خمس عشرة.\n\nالثانى: أبو عاصم النبيل\nاسمه والتعريف به:\nهو الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم بن الضحاك الشيبانى أبو عاصم النبيل البصرى، من الطبقة التاسعة من صغار أتباع التابعين، قال عنه الذهبىُّ: الإمام، الحافظ، شيخ المحدثين الأثبات، وكان فيه مزاح، ولم ير فى يده كتابًا قط، وكان يحفظ قدر ألف حديثٍ من جيد حديثه. له فى الثلاثيات عن يزيد ستة أحاديث.\nمولده: ولد: سنة اثنتين وعشرين ومائة، وقيل إحدى وعشرين.\nشيوخه وتلامذته: حدث عن خلقٍ كثير منهم يزيد بن أبى عبيد، وبهز بن حكيم، وشعبة، والأوزاعي، وابن أبي عروبة، وسفيان، ومالك، وغيرهم، ونقل عنه أيضًا جمعٌ غفير ومن أشهرهم الإمام أحمد، وابن معين، وعلى بن المدينى، وأبو بكر بن أبى شيبة، والأصمعىُّ، وهو من أجل شيوخ البخارى وأكبرهم.\nوروى له الجماعة.\nالجرح والتعديل: وثقه: يحيى بن معين، والعجلي، وابن سعد، وقال أبو حاتم: صدوق.\nوقال عمر بن شبة: حدثنا أبو عاصم النبيل، ووالله ما رأيت مثله، وذكره أبو يعلى الخليلي، فقال: متفق عليه زهدا، وعلما، وديانة، وإتقانا.\nقال البخاري: سمعت أبا عاصم يقول: \" منذ عقلت أن الغيبة حرام، ما اغتبت أحدا قط \".\nسبب تسميته بالنبيل: ذُكر فى ذلك أقوال منها: أن فيلا قدم البصرة، فذهب الناس ينظرون إليه، فقال له ابن جريج: ما لك لا تنظر؟ قال: لا أجد منك عوضا. قال: أنت نبيل. وقيل: لأنه كان كبير الأنف.\nوقيل: لأنه كان يلبس الخز وجيد الثياب، وكان إذا أقبل، قال ابن جريج: جاء النبيل.","vol":"1","page":50},{"text":"وقيل: لأن شعبة حلف ألا يحدث أصحاب الحديث شهرا، فقصده أبو عاصم، فدخل مجلسه، وقال: حدث، وغلامي العطار حرٌ لوجه الله كفارة عن يمينك، فأعجبه ذلك.\nمن أقواله: \" من طلب الحديث، فقد طلب أعلى الأمور، فيجب أن يكون خير الناس.\"\nالوفاة: قال محمد بن سعد: \" مات بالبصرة ليلة الخميس، لأربع عشرة ليلة خلت من ذى الحجة سنة اثنتى\nعشرة ومئتين، فى خلافة عبد الله بن هارون \". وهو ابن تسعين سنة وأربعة أشهر. وقيل ثلاث عشرة،\nوقيل سنة أربع عشرة ومئتين، قاله البخارىُّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>الحديث الأول</span>\n١ - حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ. (١٠٩، حـ١ صـ٢٥٥)\nالشرح:\nوقد نص الحافظ فى الفتح على أن هذا الحديث هو أول ثلاثى وقع فى البخارى، كما نص على ذلك الكرمانىُّ أيضًا فى شرحه للبخارى.\nوالحديث أخرجه البخارى فى كتاب العلم \" باب إثم من كذب على النبى - ﷺ - \" ورواه أحمد ومسلم والحاكم والطبرانى والدارقطنى وأصحاب السنن، وغيرهم عن جمعٍ غفيرٍ من الصحابه منهم العشرة المبشرة، قال ابو بكر الصيرفى كما نقل النووى فى شرح مسلم: \" ولا يعرف حديث اجتمع فيه على روايته العشرة إلا هذا \"\nوالحديث يتناول عظم الكذب على النبىِّ - ﷺ - لأن الكذب على النبى - ﷺ - ليس ككذبٍ على غيره. وقد روى البخارى فى نفس الباب نفس الحديث عن عَلىٍّ والزبير وأنس وأبى هريرة بألفاظ متقاربة، وتخويف رسول الله - ﷺ - أمته بالنار على الكذب دليلٌ على أنه كان يعلم أنه سيكذب عليه، كما فى التمهيد لابن عبد البر.","vol":"1","page":51},{"text":"وقد كثر هذا الكذب عليه - ﷺ - فقد قال حماد بن زيد: \" وضعت الزنادقة على رسول الله - ﷺ - اثنى عشر ألف حديث بثوها في الناس \".\nوعلم الصحابة هذا الأمر من بعدهم فقد رُوِى وإن كان فى سنده ابن لهيعة، عن عقبة بن نافع قال لبَنِيه: \" يا بني لا تقبلوا الحديث عن رسول الله - ﷺ - إلا من ثقة \"\nوانتقل الأمر لمن بعدهم، فعن عبد الرحمن بن مهدي كما فى التمهيد لابن عبد البر قال: \" سألت شعبة وابن المبارك والثوري ومالك بن أنس عن الرجل يتهم بالكذب فقالوا انشره \"\n\nوفى الحديث ثلاث عشرة مسألة:\n\nالأولى: معنى \" فليتبوأ \" كجزاء للمُتَقَوِّل عليه - ﷺ -.\nقال ابن حجر: \" أي فليتخذ لنفسه منزلا، يقال تبوأ الرجل المكان إذا اتخذه سكنا، وهو أمر بمعنى الخبر أيضا، أو بمعنى التهديد، أو بمعنى التهكم، أو دعاء على فاعل ذلك أي: بوأه الله ذلك. وقال الكرماني: يحتمل أن يكون الأمر على حقيقته، والمعنى من كذب فليأمر نفسه بالتبوء ويلزم عليه كذا، قال: وأولها أولاها، فقد رواه أحمد بإسناد صحيح عن ابن عمر بلفظ \" بني له بيت في النار \" قال الطيبي: فيه إشارة إلى معنى القصد في الذنب وجزائه، أي كما أنه قصد في الكذب التعمد فليقصد بجزائه التبوء.\"\nولم يذكر النبىُّ هذا الجزاء لمن يتقول عليه فقط، ولكن ذكر التبوء هذا لأكثر من معصية، وقد جَمعتُ فى ذلك رسالة (ذكر الآثار .. التى ذَكَرَتْ من يتبوأ مقعده من النار).","vol":"1","page":52},{"text":"وقال النووى (١): \" معنى الحديث أن هذا جزاؤه وقد يجازى به وقد يعفو الله الكريم عنه ولا يقطع عليه بدخول النار، وهكذا سبيل كل ما جاء من الوعيد بالنار لأصحاب الكبائر غير الكفر فكلها يقال فيها هذا جزاؤه وقد يجازى وقد يعفى عنه، ثم إن جوزي وأدخل النار فلا يخلد فيها، بل لابد من خروجه منها بفضل الله تعالى ورحمته، ولا يخلد فى النار أحدٌ مات على التوحيد،\nوهذه قاعدة متفق عليها عند أهل السنة \".\n\nالثانية: هل الوعيد المذكور خاص بنسبة قول ٍ إلى النبى لم يقله دون نسبة الفعل؟\nقال ابن حجر فى ذلك: \" وذكر القول لأنه الأكثر وحكم الفعل كذلك لاشتراكهما فى علة الامتناع وقد دخل الفعل في عموم حديث الزبير وأنس لتعبيرهما بلفظ الكذب عليه ومثلهما حديث أبي هريرة فلا فرق في ذلك بين أن يقول قال رسول الله (- ﷺ -) كذا وفعل كذا إذا لم يكن قاله\nأو فعل \".\n\nالثالثة: قوله \" علىَّ \" هل يخرج بها الكذب للنبى لا عليه، كوضع أحاديث فى الترغيب والترهيب؟\nكل أهل العلم قاطبة يقولون بتحريم الكذب سواء عليه أو له، وقد خالف فى ذلك الكرامية حيث جوزوا وضع الكذب في الترغيب والترهيب في تثبيت ما ورد في القرآن والسنة واحتجوا بأنه كذب له لا عليه، وهو جهل باللغة العربية. وتمسك بعضهم بما ورد في بعض طرق الحديث من زيادة لم تثبت وهي ما أخرجه البزار من حديث ابن مسعود بلفظ: \" من كذب علي ليضل به الناس \" وقد ضعفه ابن حجر وقال: وعلى تقدير ثبوته فليست اللام فيه للعلة بل للصيرورة، وقال أيضًا: \" ولفظة \" علىَّ \" ليس لها مفهوم مخالف \".\n\nالرابعة: هل الكذب المنهى عنه هو الكذب الخاص بأمر الدين أم هو نهىٌ عام؟\nقال ابن بطال فى شرحه للبخارى (٢):\n_________\n(١) شرح مسلم - النووى، ٦٦\n(٢) شرح البخارى لابن بطال، حـ ١، ١٨٣","vol":"1","page":53},{"text":"\" فإن قيل: ذلك عامٌ فى كل كذب فى أمر الدين، وغيره أو فى بعض الأمور؟. قيل: قد اختلف السلف فى ذلك، فقال بعضهم: معناه الخصوص، والمراد: من كذب عليه فى الدين، فنسب إليه تحريم حلال، أو تحليل حرام متعمدًا.\"\nوقال النووى (١): \"والصواب فى ذلك أن قوله على العموم فى كل من تعمد عليه كذبًا فى دين\nأو دنيا، لأنه (- ﷺ -) كان ينهى عن معانى الكذب كلها إلا ما رخَّص فيه من كذب الرجل لامرأته، وكذلك فى الحرب، والإصلاح بين الناس. ا-هـ\nوقال ابن دقيق العيد: \" والصوابُ عُمومه فى كل خبَر تُعُمد به الكذب عليه (- ﷺ -) \"\nوقال ابن حجر: \" هو عام فى كل كاذبٍ، مطلقٌ فى كل نوع من الكذب، ومعناه لا تنسبوا الكذب إلىّ \"\n\nالخامسة: هل الكذب المنهى عنه متوقف على حال اليقظة فقط أم يدخل فيه حال المنام؟\nقال ابن حجر فى سبب ذكر حديث أبى هريرة بطوله فى الباب رغم أنه مخالفٌ لعمل البخارى فى ذكر محل الشاهد فقط من الحديث وفيه \" من رآنى فى المنام فقد رآنى \" قال: وإنما ساقه المؤلف بتمامه ولم يختصره كعادته لينبه على أن الكذب على النبي - ﷺ - يستوي فيه اليقظة والمنام.\nوقد ذكر النبىُّ ذلك صراحةً كما عند البخارى من حديث واثلة بن الأسقع عن رسول الله - ﷺ - قال (إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْفِرَى أَنْ يَدَّعِيَ الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ يُرِيَ عَيْنَهُ مَا لَمْ تَرَ أَوْ يَقُولُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ما لم يقل) وفى رواية ابن عمر عند البخارىِّ ايضًا قال - ﷺ -: \" إِنَّ مِنْ أَفْرَى الْفِرَى أَنْ يُرِيَ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَ\"\nقال ابن حجر: \" أي يدعي أن عينيه رأتا في المنام شيئا ما رأتاه، ولأحمد وابن حبان والحاكم من وجه آخر عن واثلة \" أن يفتري الرجل على عينيه فيقول رأيت ولم ير في المنام شيئا \".\n_________\n(١) شرح مسلم - النووى","vol":"1","page":54},{"text":"وقال العينى فى عمدة القارى: \" فإن قلت إن كذبه في المنام لا يزيد على كذبه في اليقظة فلم زادت عقوبته؟ قلت: \" لأن الرؤيا جزء من النبوة، والنبوة لا تكون إلا وحيا، والكاذب في الرؤيا يدعي أن الله أراه ما لم يره، وأعطاه جزءا من النبوة ولم يعطه، والكاذب على الله أعظم فرية ممن كذب على غيره \".\nالسادسة: هل يؤخذ من الحديث تحريم الرواية بالمعنى؟\nاختلف أهل العلم فى الرواية بالمعنى وهذ الحديث مما احتج به القائلين بالمنع، قال ابن حجر: \" وقد تمسك بظاهر هذا اللفظ من منع الرواية بالمعنى. وأجاب المجيزون عنه بأن المراد النهي عن الإتيان بلفظ يوجب تغير الحكم مع أن الإتيان باللفظ لا شك في أولويته. والله أعلم.\"\nوالراجح جواز المعنى بشروط. قال النووى: \" لمن هو كامل المعرفة \"\nثم قال النووى: \" قال العلماء: ويستحب لمن روى بالمعنى أن يقول بعده أوكما قال أو نحو هذا كما فعلته الصحابة فمن بعدهم والله أعلم.\n\nالسابعة: لماذا هذا الوعيد متعلقٌ بالكذب على النبي (- ﷺ -) دون غيره رغم أن الكذب كله حرام؟\nالكذب على النبى - ﷺ - ليس ككذبٍ على غيره كما فى حديث المغيرة فى الجنائز، حيث أن التقول على النبى (- ﷺ -) يقتضى الكذب على الله فيدخل فى الدين ما ليس منه أو يخرج منه ما هو فيه، فإن كان الكذب حرامٌ إلا ما استثناه الشرع، فهنا قد ضم ذنبًا آخر، ألا وهو: أن الذى يكذب على النبى (- ﷺ -) جعل نفسه شريكًا لله فى التشريع. وكفى به ذنبًا.\nوقال إمام الحرمين (١): \" وإنما كان هذا الوعيد لعظم مفسدته - أى الكذب على النبىِّ - فانه يصير شرعا مستمرا إلى يوم القيامة بخلاف الكذب على غيره والشهادة فان مفسدتهما قاصرة ليست عامة\"\n_________\n(١) شرح مسلم للنووى، حـ ١، ٦٧","vol":"1","page":55},{"text":"وقال على القارى فى \" تعليقاته \": ولا يبعد أن يقال: الكذب عليه كبيرة وعلى غيره صغيرة وقد تكفر الصغائر عند اجتناب الكبائر، فالمراد: أن الكذب عليه يجعل النار مسكنًا لفاعله البته، بخلاف الكذب على غيره فإنه تحت المشيئة وقابل للعفو والشفاعة، فيكون مآل الحال إلى أن الأمر للتأكيد فى الوعيد، وللتشديد فى التهديد \".\nالثامنة: كيف تعامل الصحابة مع هذا النص النبوى؟\nقال ابن حجر وهو يعلق على حديث الزبير لما سأله ابنه عامر:\" إنى لا أسمعك تحدث عن رسول الله (- ﷺ -) كما يحدث فلانٌ وفلان؟ فأجابه بعظم الأمر كما بينه هذا الحديث، قال: \" فمن ثم توقف الزبير وغيره من الصحابة (١) عن الإكثار من التحديث. وأما من أكثر منهم فمحمول على:\n- أنهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتثبت ..\n- أو طالت أعمارهم فاحتيج إلى ما عندهم فسئلوا فلم يمكنهم الكتمان. ﵃.\nفبهذا الكلام قد ذهب الصحابة إلى التقليل من التحديث إلا إذا احتيج إلى ذلك، لأن الإكثار مظنة الوقوع فى الخطأ، يقول ابن حجر مدافعًا عن مذهب ابن الزبير: \" ما ذهب إليه من اختيار قلة التحديث دليل للأصح في أن الكذب هو الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه سواء كان عمدا أم خطأ، والمخطئ وإن كان غير مأثوم بالإجماع لكن الزبير خشي من الإكثار أن يقع في الخطأ وهو لا يشعر؛ لأنه وإن لم يأثم بالخطأ لكن قد يأثم بالإكثار إذ الإكثار مظنة الخطأ، والثقة إذا حدث بالخطأ فحمل عنه وهو لا يشعر أنه خطأ يعمل به على الدوام للوثوق بنقله، فيكون سببا للعمل بما لم يقله الشارع، فمن خشي من إكثار الوقوع في الخطأ لا يؤمن عليه الإثم إذا تعمد الإكثار \" ا-هـ\n_________\n(١) ومن ذلك أنس وعمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله، وسعدا، والمقداد بن الأسود، وعبدالرحمنِ بن عوفٍ - ﵁ -","vol":"1","page":56},{"text":"وقال البغوى (١) معلقًا على الحديث: \" ولذلك كره قوم من الصحابة والتابعين إكثار الحديث عن النبي - ﷺ - خوفا من الزيادة والنقصان، والغلط فيه، حتى إن من التابعين كان يهاب رفع المرفوع، فيوقفه على الصحابي، ويقول: الكذب عليه أهون من الكذب على رسول الله (- ﷺ -)، ومنهم من يسند الحديث حتى إذا بلغ به النبي (- ﷺ -) قال: قال، ولم يقل: رسول الله، ومنهم من يقول: رفعه ومنهم من يقول: رواية، ومنهم من يقول: يبلغ به النبي (- ﷺ -)، وكل ذلك هيبة للحديث عن رسول الله (- ﷺ -) وخوفا من الوعيد.\"اهـ\nوفى التمهيد (٢): عن طاوس قال: \" كنت عند ابن عباس وبشير بن كعب العدوى يحدثه فقال ابن عباس: عُدْ لحديث كذا وكذا، فعاد له، ثم إنه حدث، فقال له ابن عباس: \" عُدْ لحديث كذا وكذا \"، فعاد له ثم إنه حدث، فقال له بشير:\n\" ما لك تسألني عن هذا الحديث من بين حديثي كله؟! أأنكرت حديثي كله وعرفت هذا أو عرفت حديثي كله وأنكرت هذا؟! فقال له ابن عباس: \" إنا كنا نحدث عن رسول الله - ﷺ - إذ لم يكن يكذب عليه فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه.\"\n\nالتاسعة: هل توبة من كذب على النبى - ﷺ - تؤثر فى الرواية عنه بعد ذلك؟ (٣)\nقال النووى نقلًا عن الجوينى: \" من كذب على رسول الله - ﷺ - عمدا فى حديث واحد فسق وردت رواياتة كلها وبطل الاحتجاج بجميعها فلو تاب وحسنت توبته فذلك فيه خلاف:\n_________\n(١) شرح السنة للبغوى (١/ ٢٥٥)\n(٢) التمهيد، حـ ١، ٤٣\n(٣) شرح مسلم، المقدمة - النووى ٦٧","vol":"1","page":57},{"text":"قال جماعة من أهل العلم منهم؛ أحمد بن حنبل، وأبو بكر الحميدى شيخ البخارى، وصاحب الشافعى، وأبو بكر الصيرفى من فقهاء اصحابنا الشافعيين وأصحاب الوجوه منهم ومتقدميهم فى الاصول والفروع: \" لا تؤثر توبته فى ذلك ولا تقبل روايته أبدا بل يحتم جرحه دائما \".\nوأطلق الصيرفى وقال: \"كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه لم نعد لقبوله بتوبة تظهر ومن ضعفنا نقله لم نجعله قويا بعد ذلك \".\nوقال النووىُّ معلقًا: وهذا الذى ذكره هؤلاء الأئمة ضعيف مخالف للقواعد الشرعية والمختار القطع بصحة توبته فى هذا وقبول رواياته بعدها إذا صحت توبته بشروطها المعروفة وهى الإقلاع عن المعصية والندم على فعلها والعزم على أن لايعود إليها فهذا هو الجاري على قواعد الشرع\nوقد أجمعوا على صحة رواية من كان كافرا فأسلم وأكثر الصحابة كانوا بهذه الصفة وأجمعوا على قبول شهادته ولا فرق بين الشهادة والرواية فى هذا والله أعلم.\n\nالعاشرة: هل الكذب يشترط فيه العمد أم يستوى فيه العمد والسهو.\nقال النووى فى شرح مسلم: مذهب أهل السنة أن الكذب يتناول أخبار العامد والساهى عن الشيء بخلاف ما هو عليه فى الحقيقة، خلافًا للمعتزلة الذين اشترطوا العمد. وفصل ابن مفلح مذهب المعتزلة فقال: \" وعند بعض المتكلمين شرط الكذب العمدية وعند بعضهم أيضا يعتبر للصدق الاعتقاد وإلا فهو كاذب \".\nولأهل السنة أدلتهم فى ذلك، وهى كثيرة، منها:\nحديث سلمة؛ الثانى عشر من هذه الثلاثيات وفيه: \" أن عامرًا أصاب نفسه فى المعركة، فمات فَقَالَ الْقَوْمُ: حَبِطَ عَمَلُهُ، قَتَلَ نَفْسَهُ، فأتى سلمةُ النبىَّ - ﷺ - فقال له: \" إن الناس يزعمون أن عامرًا قتل نفسه، فقال: \" كذب من قالها \" فحكم النبىُّ - ﷺ - على قولهم أنه كذب رغم أنهم ما قصدوا كذبًا ومن الأدلة أيضًا: حديث سعد بن عبادة عند البخارىَِّ أنه قال يوم فتح مكة: يا أبا سفيان اليوم","vol":"1","page":58},{"text":"يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، فأخبر أبو سفيان بذلك رسول الله - ﷺ - فقال: \" كذب سعد \" ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة ويوم تكسى فيه الكعبة.\nفحكم النبىُّ - ﷺ - على قوله بالكذب رغم أنه لم يقصد كذبًا.\nومن الأدلة أيضًا ما رواه مسلم، عن جابر أن عبدا لحاطب جاء إلى رسول الله - ﷺ - يشكو حاطبا فقال: \" يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال النبي - ﷺ -: كذبت لا يدخلها فإنه قد شهد بدرا والحديبية \" فحكم النبى - ﷺ - بالكذب رغم أنه لم يقصد كذبًا.\nفهذه جملة من الأدلة تثبت ما ذهب إليه أهل السنة من تساوى العمد والسهو فى الكذب. وقد ذكر مثل هذا الكلام وهذه الأدلة ابنُ مفلح فى \" الآداب الشرعية \". (١)\n\nالحادية عشر: كيف الهروب من الوقوع فى الكذب.\nأول أمر يبعد الإنسان به الكذب عن نفسه أن يستثنى فيقول \" إن شاء الله \"، عملًا بقول الله سبحانه: \" وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ..... (٢٤) \" الكهف.\nوالعلماء فى الاستثناء المذكور فى الآية طرفان ووسط (٢):\n* قال بعضهم: إن المعنى إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرت فقل إن شاء الله ولو كان بعد سنة.\n* وقال بعضهم: قالوا لا يصح الاستثناء إلا متصلا.\n* وجمع ابن جرير بين المذهبين فقال: الصواب له أن يستثنى ولو بعد حِنثه في يمينه، فيقول إن شاء الله ليخرج بذلك مما يلزمه في هذه الآية، فيسقط عنه الحرج، فأما الكفارة فلا تسقط عنه بحال إلا أن يستثني متصلا بكلامه، ومن قال له ثنياه ولو بعد سنة أراد سقوط الحرج الذي يلزمه بترك الاستثناء دون الكفارة.\n_________\n(١) الآداب الشرعية لابن مفلح، حـ١، صـ ٦٤، ٦٥\n(٢) السابق حـ١، ٦٣.","vol":"1","page":59},{"text":"قال ابن الجوزي فائدة الاستثناء خروج الحالف من الكذب إذا لم يفعل ما حلف عليه قال موسى ﵇ ﴿ستجدني إن شاء الله صابرا﴾ ولم يصبر فسلم منه بالاستثناء.\n\nالثانية عشر: هل على الكاذب كفارة.\nقال ابن مفلح (١): \" الكذب ليس فيه كفارة، وهو أشد من اليمين، لأن اليمين تكفر والكذب لا يكفر \"\nفالكفارة المذكورة فى المسألة السابقة إنما يكون لمن حلف ثم حنث فى يمينه، أما من غير يمين فهو\nكذب، وإن استثنى فلا شىء عليه.\n\nالثالثة عشر: هل هناك من الكذب ما هو جائز.\nهناك صورٌ اجاز الشرع فيها الكذب للمصلحة:\nمن ذلك كذب الرجل على امرأته، وفى الحرب ولإصلاح ذات البين.\nفعن شهر عن أسماء بنت يزيد مرفوعا (٢) \" كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا ثلاث خصال إلا رجل كذب لامرأته ليرضيها أو رجل كذب في خديعة حرب أو رجل كذب بين امرأين مسلمين ليصلح بينهما \". وروى البخارى ومسلم نحوه.\nومن الجائز أيضًا: المعاريض، وقد بوب البخارىُّ على ذلك فقال: \" وفى المعاريض مندوحةٌ عن الكذب \"، وفى تفسير ابن الجوزى فى قوله (٣): \" بل فعله كبيرهم هذا \" (الأنبياء، ٦٣) قال:\n\" المعاريض لا تذم إذا احتيج إليها \" وذكر أدلةً على هذا منها:\nقال عمر بن الخطاب - ﵁ -: \" ما يسرني أن لي بما أعلم من معاريض القول مثل أهلي ومالي \"\nوقال النخعي: \" لهم كلام يتكلمون به إذا خشوا من شيء يدرؤون به عن أنفسهم\"\nوقال ابن سيرين: \" الكلام أوسع من أن يكذب ظريف \"\n\nومن الفوائد التى فى الحديث ما ذكره النووى فى مقدمة مسلم (٤)\n١ - تقرير هذه القاعدة لأهل السنة أن الكذب يتناول أخبار العامد والساهى عن الشيء بخلاف ما هو عليه فى الحقيقة، خلافًا للمعتزلة الذين اشترطوا العمد.\n_________\n(١) الآداب الشرعية لابن مفلح، حـ١، ٦٣\n(٢) أحمد (٦/ ٤٥٤) الترمذى (١٩٣٨)\n(٣) الآداب الشرعية، حـ١/ ٤٩، ٥٠\n(٤) شرح مسلم، المقدمة - النووى، ٦٧، ٦٨ - بتصرف -","vol":"1","page":60},{"text":"٢ - تعظيم تحريم الكذب عليه - ﷺ - وأنه فاحشة عظيمة وموبقة كبيرة ولكن لا يكفر بهذا الكذب إلا أن يستحله.\nوقال البغوى (١): إعلم أن الكذب على النبي (- ﷺ -) أعظم أنواع الكذب بعد كذب الكافر على\nالله، وقد قال النبي (- ﷺ -): \" إن كذبا علي ليس ككذبٍ على أحد، من كذب علي متعمدا فليتبوأ\nمقعده من النار \".\n٣ - لافرق فى تحريم الكذب عليه - ﷺ - بين ما كان فى الأحكام وما لا حكم فيه كالترغيب والترهيب والمواعظ وغير ذلك فكله حرام من أكبر الكبائر وأقبح القبائح باجماع من يعتد بهم فى الاجماع خلافا للكرامية.\n٤ - من كذب على رسول الله - ﷺ - عمدا فى حديث واحد فسق وردت رواياتة كلها وبطل الاحتجاج بجميعها.\n٥ - يحرم رواية الحديث الموضوع على من عرف كونه موضوعا أو غلب على ظنه وضعه فمن روى حديثا علم أو ظن وضعه ولم يبين حال روايته ووضعه فهو داخل فى هذا الوعيد مندرج فى جملة الكاذبين على رسول الله - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>الحديث الثانى</span>\n٢ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ كَانَ جِدَارُ الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ مَا كَادَتْ الشَّاةُ تَجُوزُهَا. (٤٩٧، طرفه رقم ٧٣٣٤)\nالشرح:\nهذا الحديث هو ثانى ثلاثيات البخارى كما نص عليه الحافظ فى الفتح.\nوقد اخرجه البخارى فى كتاب الصلاة، باب \" قدر كم ينبغى أن يكون بين المصلى والسترة \".\n_________\n(١) شرح السنة للبغوى (١/ ٢٥٥)","vol":"1","page":61},{"text":"والحديث ينقل لنا مشروعية اتخاذ السترة والمسافة بين المصلى وسترته، والشاهد من قوله \" جدار المسجد عند المنبر\" ما قاله ابن حجر فى الفتح عن الكرمانىُّ أن النبى - ﷺ - كان يصلى بجانب المنبر ولم يكن لمسجده محراب فكانت المسافة بين النبى والجدار هى نفس المسافة بين المنبر والجدار، ثم نقل معنىً آخر عن ابن رشيد، وهو أن البخارى أراد بالترجمة ما جاء فى حديث سهل بن سعد من أن النبى صلى على المنبر فتكون المسافة بينه وبين جدار المسجد كسترة هى مسافة المنبر من الجدار وهى \" ما كادت الشاة تجوزها \" ثم لما كان يسجد فى أصل المنبر كانت درجة المنبر هى السترة له وهى بنفس القدر السابق.\n\nوفى الحديث عشر مسائل:\n\nالأولى: حكم السترة.\nالسترة مشروعة فقد حافظ عليها النبى (- ﷺ -) فى كل مواطن صلاته، والعلماء فيها على مذهبين:\nالأول: أنها على الندب وذلك عند الجمهور، ومن أدلتهم أنه قد روى عنه (- ﷺ -) أنه صلى إلى غير سترة، فقالوا أن هذا صرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب.\nالثانى: أنها واجبة، ومن أدلتهم أن النبى (- ﷺ -) أمر بها وحافظ عليها طول عمره، وأولوا حديث: \" أنه صلى إلى غير جدار \" فقال الشوكانىُّ: \" ولكنه قد تقرر في الأصول أنَّ فِعْلَه - ﷺ - لا يعارض القول الخاص بنا وتلك الأوامر السابقة خاصة بالأمة فلا يصلح هذا الفعل أن يكون قرينة لصرفها \" ومن القائلين بالوجوب الشيخ الألبانى -﵀-\nالثانية: كم تكون المسافة بين المصلى والسترة؟\nقال البغوي: استحب أهل العلم الدنو من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود وكذلك بين الصفوف \" وقد أمر النبى (- ﷺ -) الدنو من السترة كما عند أبى داود.","vol":"1","page":62},{"text":"وقد جاءت الروايات التى تذكر صفة صلاة النبى - ﷺ -، بأن المسافة كانت قدر ممر الشاة، وأخرى تقول ثلاثة أذرع، فقال ابن بطال اقل المسافة ممر الشاة.\nوجمع الداودي بأن أقله ممر الشاة وأكثره ثلاثة أذرع، وجمع بعضهم فقال قدر ممر الشاة حال السجود والركوع، والثلاثة أذرع حال القيام كما ذكر ذلك ابن حجر فى الفتح.\nالثالثة: الحكمة من اتخاذ السترة.\nقال الشوكانىُّ فى نيل الأوطار: \" قال العلماء: والحكمة في السترة كف البصر عما وراءها ومنع من يجتاز بقربه \"\nوقال أيضًا: \" والحكمة في الأمر من الدنو أن لا يقطع الشيطان عليه صلاته كما أخرجه أبو داود.\nوالمرادُ بالشيطانِ المارُّ بين يدي المصلي كما في حديث (فإن أبَى فليقاتله فإنما هو شيطان) قال في شرح المصابيح: معناه يدنو من السترة حتى لا يوسوس الشيطان عليه صلاته.\nالرابعة: مقدار ارتفاع السترة.\nقال النووي: ويحصل بأي شيء أقامه بين يديه.\nوقال ابن حجر: \" اعتبر الفقهاء مؤخرة الرحل في مقدار أقل السترة، واختلفوا في تقديرها بفعل ذلك. فقيل ذراع، وقيل ثلثا ذراع وهو أشهر \" ا. هـ\nوقال الشوكانى: \" السترة لا تختص بنوع بل بكل شيء ينصبه المصلي تلقاء وجهه يحصل به الامتثال\" وقال أيضًا: \" السترة تحصل بكل شيء ينصب تجاه المصلي وإن دق \"\nأما الخط فالراجح من كلام أهل العلم كما ذهب الإمام مالك وعامة الفقهاء أنه لا يجزئ، واعتذروا بضعف الحديث.\nوقالوا: \" الغرض من السترة الإعلام وهو لا يحصل بالخط \" خلافًا لما ذهب إليه أحمد والشافعى فى رواية عنه.\nالخامسة: هل السترة خاصة بالفضاء أم بأي مكان؟","vol":"1","page":63},{"text":"قال الشوكانى: الأحاديث تدل على عدم الفرق بين الصحاري والعمران وهو الذي ثبت عنه - ﷺ - من اتخاذه السترة سواء كان في الفضاء أو في غيره وحديث أنه كان بين مصلاه وبين الجدار ممر شاة ظاهر أن المراد في مصلاه في مسجده لأن الإضافة للعهد، وكذلك حديث صلاته في الكعبة المتقدم فلا وجه لتقييد مشروعية السترة بالفضاء، وكذلك التسوية بين مكة وغيرها من البلدان وبين المسجد الحرام وغيره من المساجد لا فرق فى ذلك على الراجح من كلام أهل العلم.\nالسادسة: وهل تشرع في موضع يأمن المصلى المرور بين يديه؟\nقال النووى (١): \" واختلفوا إذا كان في موضع يأمن المرور بين يديه، وهما قولان في مذهب مالك ومذهبنا أنها مشروعة مطلقا لعموم الأحاديث، ولأنها تصون بصره، وتمنع الشيطان المرور والتعرض لإفساد صلاته كما جاءت الأحاديث.\"\nوقال ابن الهمام من الحنفية: \" لا بأس بترك السترة إذا أمن المرور \"\nالسابعة: حكم المدافعة.\nقال الشوكانىُّ: \" قال النووي: لا أعلم أحدا من الفقهاء قال بوجوب هذا الدفع، وتعقبه الحافظ بأنه قد صرح بوجوبه أهل الظاهر اهـ. وظاهر الحديث معهم \"\nوقال أيضًا: \" وحكى القاضي عياض وابن بطال الإجماع على أنه لا يجوز له المشي من مكانه ليدفعه ولا العمل الكثير في مدافعته لأن ذلك أشد في الصلاة من المرور \".\nوقال أيضًا: \" قال الحافظ: وذهب الجمهور إلى أنه إذا مر ولم يدفعه فلا ينبغي له أن يرده لأن فيه إعادة للمرور. قال: وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود وغيره أن له ذلك \".\nالسابعة: أمْرُ النبي (- ﷺ -) بمدافعة المار بين يدى المصلى هل هو لكل مصلى؟\nقال النووي: واتفقوا على أن هذا كله لمن لم يفرط في صلاته بل احتاط وصلى إلى سترة أو في مكان يأمن المرور بين يديه \"\n_________\n(١) النووى - شرح مسلم","vol":"1","page":64},{"text":"وقال الشوكانى: \" لا يجوز الدفع والمقاتلة إلا لمن كان له ستر، ثم قال: \" وقد قيد بما إذا كان منفردا أو إماما وأما إذا كان مؤتما فسترة الإمام سترة له \".\n\nالثامنة: هل على المصلى شىءٌ إذا أُصيب المدفوع؟\nقال الشوكانىًُّ: \" قال القاضي عياض: فإن دفعه بما يجوز فهلك فلا قَوَد عليه باتفاق العلماء.\nوهل تجب دية أم يكون هدرا؟ مذهبان للعلماء: وهما قولان في مذهب مالك \".\n\nالتاسعة: هل المقاتلة لخلل يقع في صلاة المصلي من المرور بين يديه أو لدفع الإثم عن المار؟\nمذهبان لأهل العلم، ذكرهما الشوكانىُّ فقال:\nالأول: قال ابن أبى جمرة: الظاهر لدفع الإثم عن المار.\nالثانى: قال الحافظ: \" وقال غيره بل الأول أظهر لأن إقبال المصلي على صلاته أولى من اشتغاله بدفع الإثم عن غيره. وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أن المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته. وروى أبو نعيم عن عمر: \" لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس \". قال: فهذان الأثران مقتضاهما أن الدفع لخلل يتعلق بصلاة المصلي ولا يختص بالمار وهما وإن كانا موقوفين لفظا فحكمهما حكم الرفع لأن مثلهما لا يقال بالرأي \" اهـ\n\nمن فوائد الحديث:\n١ - الإهتمام بكل مفردة من مفردات الدين، وعدم الإحتجاج بأن هذا من الأصول وهذا من الفروع، فقد رأينا مدى اهتمام النبىِّ - ﷺ - بالسترة، واهتمام الصحابة من بعده، وإن كان هذا الأمر فى أعيننا هينًا.\n٢ - الإهتمام بكل ما يساعد فى الخشوع فى الصلاة، وتفريغ الأعضاء من الشواغل، فاتخاذ\nالسترة، من مشروعيته أنه يجعل المصلى لا ينشغل بالمارِّ بين يديه.\n٣ - إبعاد كل ما يكون سببًا فى إنقاص الأجر فى الطاعات، وخاصةً الصلاة لقول عمر - ﵁ -:\n\" لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس \".","vol":"1","page":65},{"text":"٤ - وفيه الدقه والضبط فى نقل العلم، فإن سلمة قال: \" مَا كَادَتْ الشَّاةُ تَجُوزُهَا \"\n٥ - فيه دليل على مخالفة هدى النبى - ﷺ - فى ارتفاع المنبر.\n٦ - جواز التعدى على الآخرين فى ما جاء الشرع بجوازه، فهنا التعدى والمقاتلة للمار بين يدى المصلى.\n٧ - وفيه سترة الإمام سترة للمأمومين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>الحديث الثالث</span>\n٣ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ كُنْتُ آتِي مَعَ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ فَيُصَلِّي عِنْدَ الْأُسْطُوَانَةِ الَّتِي عِنْدَ الْمُصْحَفِ فَقُلْتُ يَا أَبَا مُسْلِمٍ أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ هَذِهِ الْأُسْطُوَانَةِ قَالَ فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا. (٥٠٢)\n\nالشرح:\nنص الحافظ فى الفتح على أن هذا الحديث ثالث ثلاثيات البخارى\nهذا الحديث أخرجه البخارى فى كتاب الصلاة فى باب \" السترة بمكة وغيرها \"، ومسلم فى كتاب الصلاة باب \" دنو المصلى من السترة \" وفيه: \" كان يتحرى موضع مكان المصحف يسبح فيه \" والتسبيح هو: صلاة النافلة.\nوالحديث ينقل لنا مشروعية اتخاذ السترة للمصلى كما بينا فى الحديث السابق، وفيه أيضًا مدى متابعة الصحابة للنبى (- ﷺ -) ومحبتهم له. وهذا الحديث قد ساوى فيه البخاري شيخه أحمد بن حنبل، فإنه أخرجه في مسنده عن مكي بن إبراهيم.\n*وقوله \"الأسطوانة \" قال ابن حجر: \" والغالب أنها من بناء، بخلاف العمود فإنه من حجر واحد. أما عن الشاهد من الحديث فقال ابن حجر:\" قال ابن بطال: لما تقدم أنه (- ﷺ -) كان يصلي إلى الحربة، كانت الصلاة إلى الأسطوانة أولى لأنها أشد سترة \".","vol":"1","page":66},{"text":"* وقوله: \"التي عند المصحف\" قال ابن حجر: \"هذا دال على أنه كان للمصحف موضع خاص به، ووقع عند مسلم بلفظ: \"يصلي وراء الصندوق \" وكأنه كان للمصحف صندوق يوضع فيه، والأسطوانة المذكورة حقق لنا بعض مشايخنا أنها المتوسطة في الروضة المكرمة، وأنها تعرف بأسطوانة المهاجرين.\" ا. هـ\nوفيه ثلاث مسائل:\nولورود هذا الحديث فى باب السترة فى مكة وجب ذكرُ مسألةٍ لم تذكر فى جملة المسائل السابقة فى الحديث السابق، وهى:\n\nالأولى: هل تشرع السترة فى مكة أم لها حكم آخر؟\nقال ابن حجرفى الفتح (١):\nقال ابن المنير: إنما خص مكة بالذكر دفعا لتوهم من يتوهم أن السترة قِبلة، ولا ينبغي أن يكون لمكة قِبلة إلا الكعبة، فلا يحتاج فيها إلى سترة. انتهى. والذي أظنه أنه أراد أن ينكت على ما ترجم به عبد الرزاق حيث قال في \" باب لا يقطع الصلاة بمكة شيء \" عن كثير بن كثير بن المطلب عن أبيه عن جده قال \" رأيت النبي - ﷺ - يصلي في المسجد الحرام ليس بينه وبينهم - أي الناس - سترة \" وأخرجه من هذا الوجه أصحاب السنن، فقال ابن حجر: \" ورجاله موثقون إلا أنه معلول \"\nثم قال: \" فأراد البخاري التنبيه على ضعف هذا الحديث وأن لا فرق بين مكة وغيرِها في مشروعية السترة \"، واستدل على ذلك بحديث أبي جحيفة وفيه \" أن النبى (- ﷺ -) صلى بهم بالبطحاء\n-وبين يديه عنزة - ... \" وهذا هو المعروف عند الشافعية وأن لا فرق في منع المرور بين يدي المصلي بين مكة وغيرها.\nواغتفر بعض الفقهاء ذلك للطائفين دون غيرهم للضرورة، وعن بعض الحنابلة جواز ذلك في جميع مكة.\n\nالثانية: كيف التوفيق بين قوله: \" الأسطوانة \" التى هى من بناء وبين ما ثبت عند البخارى من حديث ابن عمر أن أعمدة مسجد النبى (- ﷺ -) كانت من خشب نخل؟\n_________\n(١) الفتح، حـ١، صـ٧١٨","vol":"1","page":67},{"text":"قال على القارى (١): \" الجواب: أن يكون قول الراوى \" فيصلى عند الأسطوانة \" فى خلافة عثمان (- ﵁ -)، فإنه جدد عمارة المسجد النبوى وبناه مزخرفًا، فالإسطوانة كانت - حينئذ - مبنية بالحجارة والجص فلا محذور، ويؤيده قوله: \" التى عند المصحف\".ا. هـ.\nفلم يكن على عهد النبى (- ﷺ -) هذا المصحف.\n\nالثالثة: ما هو المراد بالمصحف؟\nقال القارى: \" المراد بالمصحف ما جمع فى زمن عثمان وكتب فى محل واحد؛ فإن القرآن قبل ذلك كتب فى صحفٍ متفرقة إلى أن ولى عثمان الخلافة فأمر بجمع الصحف فى محل واحد، وأمر أن تكتب ستة مصاحف وبعث بها، واحدًا إلى مكة، وإلى البصرة واحدًا، وإلى الكوفة واحدًا، وإلى الشام آخر، وآخر إلى البحرين، وأمسك عنده واحدًا وهو الذى يوضع فى صندوق موضوع بجنب الأسطوانة المتوسطة فى المسجد النبوىّ، وكان سلمةُ أدرك عثمان بالاتفاق \".\n\nالرابعة: كيف التوفيق بين تحريه الصلاةفى موطن واحد، ونهى النبىِّ عن إيطان الرجل موضعًا من المسجد يلازمه.\nقال النووى فى شرح مسلم (٢): \" وفي هذا أنه لا بأس بإدامة الصلاة في موضع واحد إذا كان فيه فضل، وأما النهي عن ايطان الرجل موضعا من المسجد يلازمه فهو فيما لا فضل فيه ولا حاجة إليه فأما ما فيه فضل فقد ذكرناه، وأما من يحتاج إليه لتدريس علم أو للإفتاء أو سماع الحديث ونحو ذلك فلا كراهة فيه بل هو مستحب، لأنه من تسهيل طرق الخير، وقد نقل القاضي -﵁- خلاف السلف في كراهة الايطان لغير حاجة والاتفاق عليه لحاجة نحو ما ذكرناه \".\nمن فوائد الحديث:\n_________\n(١) تعليقات القارى على ثلاثيات البخارى،\n(٢) شرح مسلم للنووى رقم (٥٠٩) مجلد ٢/ ١٨٩","vol":"1","page":68},{"text":"١ - اتخاذ السترة للمصلى، وهذا ظاهرٌ فى الحديث فإن النبى (- ﷺ -) كان يصلى عندها والصحابة من بعده كانوا يتحرون ذلك، ومن الأدلة؛ حديث أنس بن مالك فى البخارى فى الحديث الذى يلى حديث سلمة قال \"لقد رأيت كبار أصحاب النبي - ﷺ - يبتدرون السواري عند المغرب \"\n٢ - مدى محبة الصحابة للنبى (- ﷺ -) فإنهم كانوا يقلدونه فيما يقدرون عليه، وهذا التقليد لا يصدر إلا عن محبة كما يقال: \" إن المحب لمن يحب مطيع \". وأمثلة ذلك كثيرة منها قول أبى أيوب لما ترك النبى (- ﷺ -) الأكل من البصل فقال أبو أيوب \" لا جرم أن أكره الذي تكره يا رسول الله \".\n٣ - وجوب إفراد النبى (- ﷺ -) بالاتباع كما يفرد الله - ﷿- بالتوحيد والعبادة.\n٤ - من بركة التعلم أن يستفهم الطالب أستاذه عن كل ما أشكل عليه، فإنما شفاء العىِّ السؤال.\nوهذا واضح من سؤال يزيد لسلمة - ﵁ -.\n٥ - وجوب الاتِّباع وإن لم تتضح الحكمة من وراء الفعل.\nفيزيد -﵀- سأل شيخه عن مسألة فلم يجبه عن علة الفعل إلا مجرد أنه رأى النبى (- ﷺ -) فعل ذلك.\n٦ - وفيه تكريم المصحف الشريف فقد كان له صندوقٌ خاصٌ به كما فى رواية مسلم\n٧ - وفيه التلطف فى السؤال والأدب فيه، والتقديم للسؤال بما يحبه الشيخ، فقد قال يزيد لسلمة: \" يا أبا مسلم .. \" فقد كناه، والكنية أحب إلى النفس.\n٨ - وفيه السؤال على ما يستغربه المرء، إن كان فى ذلك منفعة. فقال يزيد لسلمة: \" أراك تتحرى\nالصلاة عند هذه الاسطوانة \".\n٩ - وفيه أنه لا بأس بإدامة الصلاة فى مكان واحد إذا كان فيه فضل. قاله النووى.","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>الحديث الرابع</span>\n٤ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - الْمَغْرِبَ إِذَا تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ. (٥٦١) حـ٢\n\nالشرح:\nنص الحافظ فى الفتح أن هذا الحديث من ثلاثيات البخارى، وهو فى \"ثلاثيات مسند الإمام أحمد \"\n\nوأورده البخارى فى كتاب مواقيت الصلاة، باب \" وقت المغرب \"، فقد قال الله تعالى \" إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا \" وموقوتًا أى موقتًا، وقته عليهم، كما قال البخارى.\nوالميقات هو: القدر المحدد للفعل من الزمان أو المكان.\nوالمقصود بـ \" توارت بالحجاب \" أى الشمس بدلالة لفظ المغرب عليها.\n\nوفى الحديث ثلاث مسائل:\n\nالأولى: متى يدخل وقت المغرب؟\nقال ابن حجر: سقوط قرص الشمس يدخل به وقت المغرب، ولا يخفى أن محله ما إذا كان لا يحول بين رؤيتها غاربة وبين الرائى حائل. ا. هـ\nقال ابن رجب فى شرحه للبخارى: إن مجرد غيبوبة القرص يدخل به وقت صلاة المغرب، كما يفطر الصائم بذلك، وهذا إجماع من أهل العلم حكاه ابن المنذر وغيره.\n\nالثانية: متى يخرج وقت المغرب؟\nالعلماء على مذهبين فى ذلك، وقد نقل ذلك البدر العينى وابن رجب فى شرحيهما للبخارى، وهو بتصرف كالآتى:\nالأول: ذهب طائفة إلى أن للمغرب وقتًا واحدًا حين تغرب الشمس، ويتوضأ ويصلي ثلاث ركعات، وهو قول ابن المبارك، ومالك في المشهور عنه، والأوزاعي، والشافعي في ظاهر مذهبه. وحجتهم حديث إمامة جبريل، وفيه \" أنه صلى فى اليوم الأول والثانى المغرب حين غربت الشمس وقتًا \"\nالثانى: أن وقته ممدود، وهو ما رجحه البخارى، ثم اختلفوا فى نهايته على أقوال:\nأ- متى غاب الشفق فات وقت المغرب، واختلفوا فى الشفق هل هو الحمرة أم البياض على قولين عند أحمد:\n* ومذهب الثوري ومالك والشافعي: أنه الحمرة.","vol":"1","page":70},{"text":"* ومذهب أبي حنيفة والمزني ورواية عن مالك: أنه البياض، وقال البدر العينى: ورُوي ذلك عن أبي بكر الصديق وعائشة وأبي هريرة ومعاذ بن جبل وأبي ابن كعب وعبد الله بن الزبير.\nوذهب ابن حجر (١) إلى أن وقت المغرب ممتد إلى العشاء فقال: وذلك أنه لو كان مضيقا لانفصل عن وقت العشاء، ولو كان منفصلا لم يجمع بينهما كما في الصبح والظهر وقال: وأما الأحاديث التي أوردها في الباب فليس فيها ما يدل على أن الوقت مضيق، لأنه ليس فيها إلا مجرد المبادرة إلى الصلاة في أول وقتها، وكانت تلك عادته - ﷺ - في جميع الصلوات إلا فيما ثبت فيه خلاف ذلك.\nب - وروي عن عطاء وطاوس: لا يفوت حتى يفوت العشاء بطلوع الفجر، وحكي رواية عن مالك، والأحاديث ترده.\n\nالثالثة: هل يستحب أن يفصل بين آذان المغرب وإقامتها بجلسة خفيفة؟\nقال ابن رجب فى شرحه للبخارى: فيه قولان:\nأحدهما: يستحب، وهو قول النخعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبي يوسف ومحمد.\nوقال أحمد: الفصل بينهما بقدر ركعتين كما كانوا يصلون الركعتين في عهد النبي (بين الأذان والإقامة للمغرب).\nوالقول الثاني: لا يستحب الفصل بجلوس ولا غيره؛ لأن وقتها مضيق، وهو قول مالك.\nوقال أبو حنيفة: يفصل بينهما بسكتة بقدر ثلاث آيات قائمًا؛ لأن مبناها على التعجيل، والقائم أقرب إليه، فإن وصل الإقامة بالأذان كره عنده.\nوعند الشافعي وأصحابه: يفصل بينهما فصلًا يسيرًا بقعدة أو سكوت ونحوهما.\n\nمن فوائد الحديث:\n\n١ - مدى الاهتمام الكامل من الصحابة على مواقيت الصلاة خاصة وما كان عليه النبى (- ﷺ -) عامة.\n٢ - من إقامة الصلاة المحافظة على أدائها فى أوقاتها.\n٣ - فيه دليلٌ على قول النبىِّ - ﷺ -: \" نحن أمة لا نكتب ولا نحسب ... \" فكان اعتمادهم فى حساب المواقيت إنما هو حركة الشمس، وذلك فى قوله: \" حتى توارت بالحجاب \".\n_________\n(١) الفتح حـ٢،صـ٥١ (١٨ - باب وقت المغرب)","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>الحديث الخامس والسادس</span>\n٥ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى - ﷺ - بَعَثَ رَجُلًا يُنَادِي فِي النَّاسِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ إِنَّ مَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ أَوْ فَلْيَصُمْ وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا يَأْكُلْ. (١٩٢٤)\n٦ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ\" ... (٢٠٠٧)\nالشرح:\nالحديث الأول قال الكرمانىُّ عنه: \" واعلم أن هذا الحديث خامس الثلاثيات \".\nوقد أخرجه البخارى فى كتاب الصوم، باب \" إذا نوى بالنهار صومًا \".\nوالحديث الثانى فى كتاب الصوم أيضًا، باب \" صيام يوم عاشوراء \"، وذكره فى كتاب أخبار الآحاد عن يزيد بسند رباعى، باب \" ما كان يبعث النبى (- ﷺ -) من الأمراء والرسل واحدًا بعد واحد \" برقم (٧٢٦٣). وقد وقع للدارمى بسندٍ ثلاثى فالدارمي عبد الله بن عبد الرحمن له ثلاثيات منها كما في سننه أو مسنده هذا الحديث، قال:\nأخبرنا أبو عاصم عن يزيد بن أبى عبيد عن سلمة بن الأكوع: أن النبى - ﷺ - بعث يوم عاشوراء رجلا من أسلم \"إن اليوم يوم عاشوراء فمن كان أكل أو شرب فليتم بقية يومه ومن لم يكن أكل أو شرب فليصمه \"","vol":"1","page":72},{"text":"ويوم عاشوراء: هو اليوم العاشر من المحرم خلافًا للقائلين بأنه اليوم التاسع، وهذا اليوم صامته اليهود لأنه اليوم الذى أنجى الله فيه موسى من الغرق، وكانت العرب تصومه فى الجاهلية، والسبب فى ذلك يحتمل ما ذكره ابن حجر عن عكرمة أنه سُئل عن ذلك فقال: \" أذنبت قريش ذنبًا في الجاهلية فعظم في صدورهم فقيل لهم: صوموا عاشوراء يكفر ذلك \".\nوصامه النبى (- ﷺ -) فى مكة وصامه فى المدينة تأكيدا فى فضله وموافقةً لأهل الكتاب لأنه كان يحب ذلك حتى يُنهى عنه، ثم انتهى الأمر به أنه سيخالفهم بإضافة التاسع إليه على الراجح من كلام أهل العلم.\nوهو من الأيام التى يتأكد استحباب صومها فقد قال النبى (- ﷺ -) كما عند مسلم من حديث\nأبى قتادة: \" أحتسب على الله أن يكفر السنة التى قبله \".\n\nوفى الحديث ست مسائل:\n\nالأولى: هل يلزم فى صيام التطوع تبييت النية؟\nفيه مذهبان لأهل العلم: قال ابن بطال (بتصرف)\nالأول: قول الجمهور وقالوا بجواز صوم النافلة بنية فى النهار.\nوسلكوا مسلك الجمع بين حديث حفصة وعائشة، فحملوا حديث حفصة على صيام الفرض، وحديث عائشة على صيام التطوع، وقد ثبت إنشاء النية فى النهار عن عبد الله بن مسعود، وابن عباس، وأبى أيوب، وأبى الدرداء وحذيفة وأبى طلحة. وذهب إليه شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم\nواختلفوا على أقصى المدة التى يجوز لمن أراد الصيام أن ينوى فيها على قولين:\nأ: لا تصح النية إلا قبل الزوال وهو قول أبى حنيفة والمشهور عن الشافعى.\nب: أنه يصح فى أى وقت من النهار، وهو قول أحمد وقول للشافعى وهو قول أكثر السلف، واحتجوا بحديث سلمة بن الأكوع هذا وبحديث عائشة بنت طلحة عن عائشة أن النبى - ﷺ - كان يدخل على بعض أزواجه فيقول: (هل عنكم من غداء؟ فإذا قالوا: لا، قال: فإنى إذا صائم).\nالثانى: لا يصح صيام التطوع إلا بنية من الليل كالفرض سواء.","vol":"1","page":73},{"text":"وذهب إليه مالك، وابن أبى ذئب، والليث، والمزنى، وابن حزم وتبعه الشوكانىُّ، وهو مذهب ابن عمر، وعائشة وحفصة، وحجتهم حديث حفصة، عن النبى - ﷺ - أنه قال: (من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له) قال النسائى: الصواب فى هذا الحديث أنه موقوف. وردوا على مذهب الأولين فقالوا: \" حديث سلمة بن الأكوع فى صوم عاشوراء منسوخ فنسخت شرائطه، فلا يجوز رد غيره إليه، وحديث عائشة اضطرب فى إسناده.\n\nالثانية:\nصيام يوم عاشوراء كان فرضًا أم لا؟\nاختلف أهل العلم فى ذلك على قولين:\nالأول: أنه لم يكن واجبا.","vol":"1","page":74},{"text":"واحتج القائلون بحديث معاوية المتفق عليه أن النبى (- ﷺ -) قال: \" هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر \"، واحتجوا أيضًا بعدم تبييت النية من الليل كما هو معروف فى صيام الفريضة. وهذا هو مذهب الإمام البخارى فيما يتضح من ترتيبه لأحاديث الباب، لذلك علق ابن حجر على الباب قائلًا: \" ثم بدأ المصنف بالأخبار الدلة على أنه ليس بواجب \"، ومال ابن حجر إلى هذا الرأى، لكنه لا يرد قول القائلين بفرضيته فقال (١): \" والذى يترجح من أقوال العلماء أنه لم يكن فرضا، وعلى تقدير أنه كان فرضًا فقد نسخ بلا ريب \" وقال أيضًا (٢): \" فعلى تقدير صحة قول من يدعى أنه كان قد فرض فقد نسخ فرضه، ونقل ابن عبد البر الإجماع على أنه الآن ليس بفرض والإجماع على أنه مستحب \" ا. هـ ثم فى موضع آخر رجح الفرضية فقال (٣): \" ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجبا لثبوت الأمر بصومه ثم تأكد الأمر بذلك ثم زيادة التأكيد بالنداء العام ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يرضعن فيه الأطفال وبقول ابن مسعود الثابت في مسلم \" لما فرض رمضان ترك عاشوراء \" مع العلم بأنه ما ترك استحبابه بل هو باق، فدل على أن المتروك وجوبه. وأما قول بعضهم المتروك تأكد استحبابه والباقي مطلق استحبابه فلا يخفى ضعفه، بل تأكد استحبابه باق ولا سيما استمرار الاهتمام به حتى في عام وفاته - ﷺ - حيث يقول \" لئن عشت لأصومن التاسع والعاشر \" ولترغيبه في صومه وأنه يكفر سنة، وأي تأكيد أبلغ من هذا؟ \" ا. هـ\n\nالثانى: أنه كان واجبًا ثم نسخ، وقد أطال ابن القيم الكلام فى الدفاع عن هذا الرأى فى\n\"زاد المعاد \".\n_________\n(١) الفتح، حـ٤،صـ١٧٥\n(٢) الفتح، حـ٤، صـ٢٩٨\n(٣) السابق، صـ ٣٠٠","vol":"1","page":75},{"text":"وجملة القول، أنهم ردوا على حديث معاوية بأن ذلك كان بعد فتح مكة، لأنه أسلم متأخرًا فروى ماسمع، ومعنى كلام النبى (- ﷺ -) فيه أنه لم يكتب عليكم صيامه على الدوام، وأما احتجاجهم بوجوب تبييت النية فى الفريضة، فلم يعلم بصيامه إلا بالنهار فاستحالت العودة إلى الليل لتبيت النية، وقول ابن مسعود واضحٌ فى وجوبه حيث قال: \" فلما فرض رمضان تُرِكَ عاشوراء \" فإن صيام عاشوراء لم يترك بدليل قول النبى (- ﷺ -): \" لإن عشت إلى قابل لأصومن التاسع .. \" فتبين أن المتروك إذن هو وجوبه وبقى الاستحباب، وقد ذكر ابن القيم مذاهب القائلين بفرضيته فى كيفية التوفيق بين الأدلة على أربعة طرق:\nالأولى: أن التبييت هو تجديد لحكم واجب، فإجزاء صيام يوم عاشوراء بنية من النهار قبل فرض رمضان وقبل فرض التبييت من الليل ثم نسخ وجوب صومه برمضان وتجدد وجوب التبييت.\nالثانية: هي طريقة أصحاب أبي حنيفة أن وجوب صيام يوم عاشوراء تضمن أمرين: وجوب صوم ذلك اليوم وإجزاء صومه بنية من النهار ثم نسخ تعيين الواجب بواجب آخر فبقي حكم الإجزاء بنية من النهار غير منسوخ.\nالثالثة: وهي أن الواجب تابع للعلم ووجوب عاشوراء إنما علم من النهار وحينئذ فلم يكن التبييت ممكنا فالنية وجبت وقت تجدد الوجوب والعلم به وإلا كان تكليفا بما لا يطاق وهو ممتنع، قال وهى طريقة شيخ الإسلام، وهى أصح الطرق، ولا يقال: \" إنه ترك التبييت الواجب، إذ وجوب التبييت تابعٌ للعلم بوجوب المبيت\".\nالرابعة: كان عاشوراء فرضا وكان يجزىء صيامه بنية من النهار ثم نسخ الحكم بوجوبه فنسخت متعلقاته ومن متعلقاته إجزاء صيامه بنية من النهار لأن متعلقاته تابعة له وإذا زال المتبوع زالت توابعه وتعلقاته.\nالثالثة:\nمراتب صوم عاشوراء؟\nذكر العلماء فى ذلك ثلاثَ مراتب، ذكرها ابن القيم أيضًا فى الزاد وابن حجر فى الفتح وهى (١):\n_________\n(١) زاد المعاد حـ٢، صـ٧٢، والفتح حـ٤ صـ٢٩٨","vol":"1","page":76},{"text":"* أن يُصام قبله يوم وبعده يوم، وقدمه ابن القيم وابن حجر على غيره من المراتب، \" ولكن الرواية التى جاءت بذلك أخرجها البيهقىُّ بسند ضعيف فلا يذهب إلى هذه المرتبة \"\n* أن يصام التاسع والعاشر، وذهب إلى ذلك الإمام مالك والشافعى وأحمد تبعًا لرواية ابن عباس عند مسلم، لمخالفة اليهود.\n* أن يصام التاسع فقط، والقائلين به احتجوا بكلام ابن عباس لمن سأله: \" أعدد وأصبح يوم التاسع صائمًا \" ولكنهم لم يقفوا على مقصد ابن عباس فى إجابته على السائل فإنه أرشد السائل إلى صيام التاسع معتمدًا على ما هو مقرر عنده من صيام العاشر فيجمع بينهما، قال ابن القيم:\n\" وأما إفراد التاسع فمن نقص فهم الآثار، وعدم تتبع ألفاظها وتركها، وهو بعيدٌ من اللغة والشرع\"\n\nالرابعة: أيهما أفضل يوم عاشوراء أم يوم عرفة؟\nيوم عرفة مقدم لما ثبت عند مسلم من حديث أبى قتادة \" إن صوم عاشوراء يكفر سنة، وإن صيام يوم عرفة يكفر سنتين \" قال ابن حجر (١): \" وظاهر هذا الحديث أن صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء، وقد قيل الحكمة فى ذلك أن يوم عاشوراء منسوب إلى موسى ﵇ ويوم عرفة منسوب إلى النبى (- ﷺ -) فلذلك كان أفضل \" ا. هـ\n\nالخامسة: العلة فى كلام النبى - ﷺ - أن من أكل فى النهار فليمسك بقية يومه؟\nقال النووى فى شرحه لمسلم: \" حرمة لليوم كما لو أصبح يوم الشك مفطرا ثم ثبت أنه من رمضان يجب امساك بقية يومه حرمة لليوم وأجاب العلماء فقالوا: أن المراد امساك بقية النهار لا حقيقة الصوم والدليل على هذا أنهم أكلوا ثم أمروا بالاتمام وقد وافق أبو حنيفة وغيره على أن شرط اجزاء النية في النهار في الفرض والنفل أن لا يتقدمها مفسد للصوم من أكل أو غيره \".\n_________\n(١) الفتح حـ٤، صـ ٣٠٢","vol":"1","page":77},{"text":"وهذا قد تقدمه مفسدٌ للصوم وهو الأكل، فلا يصح الصيام، وما دام ذلك كذلك فإن إمساكهم كان لعلةٍ أخرى ألا وهى حرمة اليوم، وليس إجزاءً، ثم إن قيل إتمامهم هذا كان حرمةٌ للصوم، فأين حق هذا اليوم على الذى لم يصم، وقد كان فرضًا على أصح قولى العلماء؟، قيل: لا يمنع هذا من قضائهم لليوم بعد ذلك، وقد يستأنس بما عند أبى داود - وإن كان بالحديث ضعفٌ كما قال الألبانىُّ - من أن النبىَّ - ﷺ - قال: \" فأتموا بقية يومكم واقضوه \" (١).\n\nالسادسة: هل يستحب فى يوم عاشوراء الاحتفالات والتوسعة على الأهل وغيرها من هذه الأمور؟\nقال شيخ الإسلام فى مجموع الفتاوى (٢):\n\"لم يرد في شيء من ذلك حديث صحيح عن النبي (- ﷺ -) ولا عن أصحابه ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين؛ لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا روى أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئا لا عن النبي (- ﷺ -) ولا الصحابة ولا التابعبن لا صحيحا ولا ضعيفا لا في كتب الصحيح ولا في السنن\nولا المسانيد ولا يعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة، ولكن روى بعض المتأخرين في ذلك أحاديث، ثم قال: ورواية هذا كله عن النبي - ﷺ - كذب ولكنه معروف من رواية سفيان بن عيينة.\n_________\n(١) ضعيف أبى داود، الألبانى - باب فضل صوم عاشوراء.\n(٢) مجموعة الفتاوى، حـ١٣، صـ ١٥٩،١٦٠","vol":"1","page":78},{"text":"ثم قال: وأما سائر الأمور: مثل اتخاذ طعام خارج عن العادة أو تجديد لباس وتوسيع نفقة أو اشتراء حوائج العام ذلك اليوم أو فعل عبادة مختصة كصلاة مختصة به أو قصد الذبح أو إدخار لحوم الأضاحي ليطبخ بها الحبوب أو الإكتحال والإختضاب أو الاغتسال أو التصافح أو التزاور أو زيارة المساجد والمشاهد ونحو ذلك فهذا من البدع المنكرة التي لم يسنها رسول الله - ﷺ - ولا خلفاؤه الراشدون ولا استحبها أحدٌ من أئمة المسلمين لا مالك ولا الثوري ولا الليث بن سعد ولا أبو حنيفة ولا الأوزاعي ولا الشافعي ولا أحمد ابن حنبل ولا إسحاق بن راهويه ولا أمثال هؤلاء من أئمة المسلمين وعلماء المسلمين، وإن كان بعض المتأخرين من أتباع الأئمة قد كانوا يأمرون ببعض ذلك ويروون في ذلك أحاديث وأثارا ويقولون: إن بعض ذلك صحيح فهم مخطئون غالطون بلا ريب عند أهل المعرفة بحقائق الأمور وقد قال حرب الكِرْماني في مسائله: سُئل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث: \" من وسع على أهله يوم عاشوراء \" فلم يره شيئا.\nثم قال ﵀: \" وأما قول ابن عيينة:\" جربناه منذ ستين عامًا فوجدناه صحيحًا \" -يعنى بذلك من وسع على أهله- فإنه لا حجة فيه فإن الله سبحانه أنعم عليه برزقه، وليس في إنعام الله بذلك ما يدل على أن سبب ذلك كان التوسيع يوم عاشوراء وقد وسع الله على من هم أفضل الخلق من المهاجرين والأنصار ولم يكونوا يقصدون أن يوسعوا على أهليهم يوم عاشوراء بخصوصه، وهذا كما أن كثيرا من الناس ينذرون نذرا لحاجة يطلبها فيقضي الله حاجته فيظن أن النذر كان السبب.\n\nمن فوائد الحديث:\n\n١ - يوم عاشوراء من الأيام التى يتأكد استحباب صومها.\n٢ - وفيه أن كل راعٍ مسئولٌ عن رعيته، فى أمر دينهم ودنياهم.\n٣ - وفيه السمع والطاعة، فى المعروف، فقد أمر النبى رجلًا من أسلم ينادى فنادى، وأمر الناس بالصيام فصاموا.\n٤ - وفيه مدى متابعة الصحابة للنبىِّ.","vol":"1","page":79},{"text":"٥ - وفيه أن الثواب والعقاب متوقفٌ على العلم، فبداية العلم هو بداية قيام الحجة على الناس، ويؤخذ من ذلك:\n٦ - القول بالعذر بالجهل.\n٧ - وفيه الأخذ بأحاديث الآحاد، فإن النبىَّ - ﷺ - أرسل رجلًا ينادى، وقامت الحجة بذلك، وساقه البخارى فى كتاب الآحاد.\n٨ - وفيه تعظيم ما عظم الله، ولكن بما شرع الله، ولا يجوز استحسان شيء لم يأت الدليل به، فيوم عاشوراء من الأيام المعظمة عند الله لما وقع فيه من أحداث، فوجب علينا تعظيمه.، ولكن بدون تخصيصه بعبادةٍ معينه، أو طعام معين، كما نبه على ذلك شيخ الإسلام فى الكلام السابق.\n٩ - وفيه ما لا يدرك كله لا يترك كله.\n١٠ - وفيه شرع من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يأت دليل بالمخالفة.\n١١ - وفيه الشكر على نعم الله تعالى، فقد صامه موسى شكرًا لله سبحانه.\n١٢ - وفيه وجوب مخالفة اليهود والنصارى، وعدم موافقتهم فى أحوالهم.\n١٣ - وفيه الفائدة من تتبع طرق الحديث، فإنه يوضح بعضها بعضا، كتقيد مطلق، وتخصيص عام،\nوذلك فى قوله فى الرواية الأولى: \" رجلًا .. \" على الإبهام، ثم وضح فى الرواية الثانية فقال:\n\" رجلًا من أسلم \".\n١٤ - وفيه تمرين الصبيان على الطاعات وتعويدهم العبادات كما جاء فى رواية مسلم وفيه: \" فكنا بعد ذلك نصومه ونصوِّم صبياننا الصغار منهم \".","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>الحديث السابع والثامن</span>\n٧ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ - ﵁ - قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِذْ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ فَقَالُوا صَلِّ عَلَيْهَا فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قَالُوا: لَا قَالَ فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ قَالُوا لَا فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلِّ عَلَيْهَا قَالَ هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قِيلَ: نَعَمْ قَالَ فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ قَالُوا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ أُتِيَ بِالثَّالِثَةِ فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا قَالَ هَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا قَالَ: فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قَالُوا ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ، قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ (٢٢٨٩)\n٨ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُتِيَ بِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟ قَالُوا: لَا، فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَيَّ دَيْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ \" ... (٢٢٩٥)\nالشرح:\nالحديث الأول قال عنه القسطلانىُّ فى شرح البخارى: \" وهو سابع ثلاثياته \"","vol":"1","page":81},{"text":"وقد أخرجه البخارى فى كتاب الحوالة، \" بَاب إِنْ أَحَالَ دَيْنَ الْمَيِّتِ عَلَى رَجُلٍ جَازَ \"، والحَوالة بفتح الحاء وقد تكسر مشتقة من التحويل أو من الحئول، وهي عند الفقهاء: \"نقل دين من ذمة إلى ذمة \" والحديث الثانى قال الكرمانىُّ فيه: \" وهذا الحديث ثامن ثلاثيات البخارى \"\nوأخرجه البخارى فى كتاب الكفالة، باب \" من تكفل عن ميتٍ دينًا فليس له أن يرجع، وبه قال الحسن \" وأصل الكفالة فى المال قوله تعالى: \" وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ \" (يوسف، ٧٢)، أى: كفيل وضامن. أما الكفالة بالنفس فاختُلف فيها كما سنبيه إن شاء الله.\nوالحديث ينقل لنا عظم الدَّين وشدته، وأنه يجب على العبد أن لا يترك عليه دَيْن، فإنه لا يدرى هل حين موته سيجد من يتحمل عنه الدَّيْن أم لا، وقد ذكر بعض أهل العلم ذلك سببًا عن امتناع النبىِّ من الصلاة على من كان هذا حاله.\nوالحديث ينقل لنا أيضًا حال النبىِّ (- ﷺ -) فى أول الأمر فقد كان يترك الصلاة على من مات وعليه دينٌ، فلما فتح الله على رسوله - ﷺ - قال: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فمن ترك دينا فعلي، ومن ترك مالا فلورثته». رواه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث جابر.\nفتخيل شدة الدين من خلال ترك النبى (- ﷺ -) الشفاعة له بالصلاة عليه.\nوفيه ثمان مسائل:\nالأولى: لماذا ترجم له البخارى بالحوالة مع أنه فى الضمان؟\nقال ابن حجر: \" قال ابن بطال: إنما ترجم بالحوالة فقال \" إن أحال دين الميت \" ثم أدخل حديث سلمة وهو في الضمان لأن الحوالة والضمان عند بعض العلماء متقاربان، وإليه ذهب أبو ثور لأنهما ينتظمان في كون كل منهما نقل ذمة رجل إلى ذمة رجل آخر، والضمان في هذا الحديث نقل ما في ذمة الميت إلى ذمة الضامن فصار كالحوالة سواء \"\nالثانية: مدى مشروعية ضمان ما على الميت من دين ولم يترك وفاءً؟","vol":"1","page":82},{"text":"اختلف أهل العلم فيها: قال ابن حجر (١): قال ابن بطال:\nا- ذهب الجمهور إلى صحة هذه الكفالة ولا رجوع له في مال الميت. وهو الراجح. وبه قال الحسن، وابن أبي ليلى، والشافعي.\nب - وعن مالك له أن يرجع إن قال إنما ضمنت لأرجع، فإذا لم يكن للميت مال وعلم الضامن بذلك فلا رجوع له.\nحـ- وعن أبي حنيفة إن ترك الميت وفاءً جاز الضمان بقدر ما ترك، وإن لم يترك وفاء لم يصح\nذلك، وخالفه تلميذه أبو يوسف وقال: \" الكفالة جائزة كان له مخاطب أو لم يكن\"\nوقال ابن المنذر: \" فخالف أبو حنيفة هذا الحديث \"، ورد البغوى (٢) على مذهب أبى حنيفة\nفقال: \" وبالاتفاق لو ضمن عن حي معسر دينا، ثم مات من عليه الدين كان الضمان بحاله، فلما لم يناف موت المعسر دوام الضمان لا ينافي ابتداءه.\nوهذا الحديث حجة للجمهور، وقد بالغ الطحاوى الحنفى فى نصرة قول الجمهور.\n\nالثالثة: علة امتناع النبى (- ﷺ -) الصلاة فى أول أمره على من عليه دين؟\nقال ابن حجر: \" قال العلماء كأن الذى فعله (- ﷺ -) من ترك الصلاة على من عليه دين ليحرض الناس على قضاء الديون فى حياتهم والتوصل إلى البراءة منها لئلا تفوتهم صلاة النبى (- ﷺ -).\nوحكى القرطبي أنه ربما كان يمتنع من الصلاة على من أدان دينا غير جائز، وأما من استدان لأمر هو جائز فما كان يمتنع \"فقال الشوكانىُّ معقبًا على قول القرطبى بعد أن ساقه:\n\" وفيه نظر لأن في حديث أبي هريرة ما يدل على التعميم حيث قال في رواية للبخاري: \" من توفي وعليه دين \" ولو كان الحال مختلفا لبينه - ﷺ - \".\n\nالرابعة: هل كانت صلاته على من عليه دين محرمةٌ عليه أم جائزة؟\nقال ابن حجر (٣): \" وجهان، قال النووى: الصواب الجزم بجوازه مع وجود الضامن كما فى حديث مسلم.\n_________\n(١) الفتح، حـ٤، صـ ٥٧٤\n(٢) شرح السنة للبغوى، حـ٨، ٢١٢\n(٣) الفتح، حـ ٤، صـ ٥٨٦","vol":"1","page":83},{"text":"الخامسة: هل المضمون عنه يبرأ بأداء الضامن أم بمجرد ضمانه.\nورد عند أحمد (١) من حديث جابر جابر، قال \" توفى رجل فغسلناه وحنطناه وكفناه ثم أتينا به\nالنبي - ﷺ - فقلنا: تصلي عليه فخطى خطوة، ثم قال أعليه دين؟ قلنا: ديناران، فانصرف، فتحملهما أبو قتادة، فأتيناه فقال أبو قتادة: الديناران على فقال النبي - ﷺ - قد أوفى الله حق الغريم وبرئ منه الميت؟ قال: نعم، فصلى عليه، ثم قال بعد ذلك بيوم: ما فعل الديناران؟ فقال: إنما مات\nأمس. قال فعاد إليه من الغد فقال: قد قضيتهما، فقال النبي - ﷺ -: الآن بردت عليه جلده \"\nقال الشوكانى معلقا على قوله \" الآن بردت عليه \":\n\" فيه دليل على أن خلوص الميت من ورطة الدين وبراءة ذمته على الحقيقة ورفع العذاب عنه إنما يكون بالقضاء عنه لا بمجرد التحمل بلفظ الضمانة، ولهذا سارع النبي - ﷺ - إلى سؤال أبي قتادة في اليوم الثاني عن القضاء \" ا. هـ فكان يقول له - ﷺ -: \" ما فعل الديناران \" رغم أنه لما تحملهما أبو قتادة قال له النبى - ﷺ -: \" قد أوفى الله حق الغريم وبرئ منه الميت؟ قال نعم، فصلى عليه \".\nفلو كان الأمر مجرد التحمل ولا شىء على الميت ما أتعب النبىُّ - ﷺ - نفسه ولا أشغل باله ولكن لعلمه أن الميت يتعلق أمره حتى يقضى عنه الدين سأل أبا قتادة عن الدينارين.\nلذلك بوب عليه صاحب المنتقى فقال: \" باب في أن المضمون عنه إنما يبرأ بأداء الضامن لا بمجرد ضمانه \"\n\nالسادسة: هل بعد الفتح كان يتحمل النبى - ﷺ - دين الميت من مال المصالح أم من حرِّ ماله.\nفيه وجهان:\n_________\n(١) حسنه الأرنؤوط فى المسند (١٤٥٣٦)","vol":"1","page":84},{"text":"قال الشوكانىُّ (١): \" وفي صلاته - ﷺ - على من عليه دين بعد أن فتح الله عليه إشعار بأنه كان يقضيه من مال المصالح. وقيل بل كان يقضيه من خالص ملكه \".\n\nالسابعة: فهل كان القضاء واجبا عليه - ﷺ - أم لا:\nقال الشوكانىُّ: \" فيه وجهان \".\n\nالثامنة: هل تجوز الكفالة بالبدن؟\nمذهبان لأهل العلم:\nالأول: الجواز وبه قال جمهور الفقهاء كما نقا ابن بطال.\nوقال البغوى فى شرح السنة (٢):\n\" وأجاز أكثر أهل العلم الكفالة بالبدن، وقال جرير والأشعث لعبد الله بن مسعود في المرتدين: استتبهم وكفلهم، فتابوا، وكفلهم عشائرهم. \"\nوهو قول مالك والليث والثورى والأوزاعى وأبو حنيفة وأحمد واختُلف عن الشافعى، فمرة أجازها ومرة ضعفها.\nوقال ابن بطال: \" ولم يختلف الذين أجازوها فى النفس أن المطلوب إن غاب أو مات لم يقم على الكفيل به حد، ولا لزمه قصاص، فصارت الكفالة بالنفس عندهم غير موجبة لحكم فى البدن، وشذ أبو يوسف ومحمد، فأجازا الكفالة فى الحدود والقصاص، وقالا: إذا قال المقذوف أو المدعى للقصاص: بينتى حاضرة، كفلته ثلاث أيام. \"\nالثانى: لا تجوز الكفالة بالنفس، وقالت به طائفة من أهل العلم كما نقل ابن بطال.\n\nومن الفوائد:\n١ - تصح الضمانة عن الميت ويلزم الضَّمِينُ ما ضَمِنَ به، وسواء كان الميت غنيا أو فقيرا، وإلى ذلك ذهب الجمهور. كما قال الشوكانىُّ.\n٢ - وفيه وجوب الصلاة على الجنازة، قاله ابن حجر.\n٣ - صعوبة أمر الدَّيْنِ، وأنه لا ينبغى تحمله.\n٤ - وجود النسخ فى الشرائع، وهذا يتضح من طرق الحديث الأخرى أن النبى - ﷺ - كان فى نهاية\nأمره أنه يصلى على من مات وعليه دين لقوله: \" فعلى دينه \"، قال ابن بطال معلقًا على هذه اللفظة كما نقل الشوكانىُّ عنه: \" هذا ناسخ لترك الصلاة على من مات وعليه دين وقد حكى الحازمي إجماع الأمة على ذلك \".\n_________\n(١) نيل الأوطار، حـ٥/ ٢٩٤\n(٢) شرح السنة، حـ ٨، ٢١٤","vol":"1","page":85},{"text":"٥ - يلزم المتولى لأمر المسلمين أن يقضى دين الميت، فإن لم يفعل فالإثم عليه إن كان حق الميت فى بيت المال يفى بقدر ما عليه من الدين وإلا فبقسطه، قاله ابن حجر.\n٦ - كراهة الرجوع فى كفالة دين الميت. كما بوب عليه البخارى فى الحديث الثانى.\n٧ - مدى محبة النبى - ﷺ - لأمته، فكان كلما قابل قتادة سأله عن الدراهم هل أداها أم لا، ولما وسع الله على النبى (- ﷺ -) كان هو الضامن لأمته فمن مات وعليه دين فقضاؤه كان على النبى (- ﷺ -).\n٨ - وفيه دليل على أنه يستحب للإمام أن يحض من تحمل عن ميت على الإسراع بالقضاء، وكذلك يستحب لسائر المسلمين؛ لأنه من المعاونة على الخير. قاله الشوكانىُّ.\n٩ - أن المضمون عنه إنما يبرأ بأداء الضامن لا بمجرد ضمانه.\nوليُعلم ذلك حتى لا يتلكأ ضامن فى أداء ما ضمنه كما نراه شائعًا بين المسلمين فى هذه الأيام.\n١٠ - وفيه تحقيق الإيمان بأن يحب المرءُ لأخيه ما يحبه لنفسه، فقد تحمل أبو قتادة مالًا ليس معه، ولكن دفعه الإيمان لذلك.\n١١ - على الراعى المحافظة على حقوق الناس التى عند الغير والبحث عنها؛ لئلا تستأكل أموال الناس فتذهب، وهذا ما فعله النبى - ﷺ -، فإن النبى - ﷺ - كان يسأل أبا قتادة ليطمئن على الميت كما يطمئن على الحى برد حقه له. نبه على هذا المعنى ابنُ بطال.","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>الحديث التاسع والعاشر</span>\n٩ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ ﵁ قَالَ بَايَعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - ثُمَّ عَدَلْتُ إِلَى ظِلِّ الشَّجَرَةِ فَلَمَّا خَفَّ النَّاسُ قَالَ يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ أَلَا تُبَايِعُ؟ قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: وَأَيْضًا، فَبَايَعْتُهُ الثَّانِيَةَ فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَا مُسْلِمٍ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تُبَايِعُونَ يَوْمَئِذٍ قَالَ عَلَى الْمَوْتِ. (٢٩٦٠)\n١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ بَايَعْنَا النَّبِيَّ - ﷺ - تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَقَالَ لِي يَا سَلَمَةُ أَلَا تُبَايِعُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَايَعْتُ فِي الْأَوَّلِ قَالَ وَفِي الثَّانِي. (٧٢٠٨)\n\nالشرح:\n\nقال الكرمانىُّ عن الحديث الأول: \" هذا هو الحادى عشر من الثلاثيات التى فى الصحيح \"، وقد عدلت هنا عن ترتيب الصحيح، تقديمًا للترتيب الزمنى للأحداث، فهذه البيعة كانت فى الحديبية أى قبل خيبر بمدة زمنية.\nوالحديث أخرجه البخارى فى كتاب الجهاد والسير، باب \" البيعة فى الحرب ألا يفروا، وقال بعضهم: على الموت ... \" وقد أخرجه فى الأحكام أيضًا. وهو الحديث الثانى الذى معنا باب:\n\" من بابع مرتين \".\nوالحديث الثانى هذا هو \" الحادى والعشرون من ثلاثيات البخارى بترتيب الصحيح \" كما نص عليه القسطلانى فى \" إرشاد السارى \"","vol":"1","page":87},{"text":"* وفى الترجمة الأولى ذكر شيئين كان الصحابة يبايعون النبى (- ﷺ -) عليهما، ولا تعارض بين الرأيين؛ عدم الفرار والموت، قال ابن حجر (١): \" لا تنافي بين قولهم بايعوه على الموت وعلى عدم الفرار، لأن المراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا ولو ماتوا، وليس المراد أن يقع الموت ولا بد \" وقد أنكره نافع فقال: \" بل بايعهم على الصبر \" كما هو فى الحديث الأول من هذا الباب. فكان كلُّ مسلم يبايع النبى (- ﷺ -) على أن يقيه بنفسه، ولا يفر عنه حتى يموت دونه \".\nو(أبو مسلم) هى كنية سلمة.\n\nوفيه ثلاث مسائل:\n\nالأولى: ما هى البيعة المذكورة، وكيف كانت؟\n_________\n(١) الفتح، كتاب الجهاد والسير، باب (١١٠) حديث رقم (٢٩٥٨)","vol":"1","page":88},{"text":"البيعة المذكورة؛ هى بيعة الرضوان، وقد أخذها الرسول (- ﷺ -) منهم فى الحديبية وكان أمرُها أن رأى رسول الله - ﷺ - في المنام، وهو بالمدينة، أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام، وأخذ مفتاح الكعبة، وطافوا واعتمروا، وحلق بعضهم وقصر بعضهم، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا، وحسبوا أنهم داخلو مكة عامهم ذلك، وأخبر أصحابه أنه معتمر فتجهزوا للسفر. واستنفر العرب وخرج منها يوم الإثنين غرة ذي القعدة سنة ٦ هـ، ومعه زوجته أم سلمة، في ألف وأربعمائة، ويقال: ألف وخمسمائة، ولم يخرج معه بسلاح، إلا سلاح المسافر: السيوف في القُرُب. فعلم المشركون بخروج النبى - ﷺ - فتجهزوا لقتاله، ولكن لم يتم ذلك فقد غير النبى - ﷺ - الطريق حتى لا يصطدم بهم، ثم بدأت المفاوضات، وقريش يأتيها من يبلغها بغرض النبى - ﷺ -، وانقسمت قريش فريقين؛ فريقٌ يريد الحرب والآخر لا يرى ذلك، فرأى رسول الله - ﷺ - أن يرسل لهم أحد أصحابه يعرض عليهم أمره ويخبرهم أن النبى - ﷺ - ما جاء لقتال، فوقع الاختيار على عثمان، فجاءهم وأبلغهم، ثم أن عثمان تغيب عن رسول الله - ﷺ - فقد احتبسته قريش حتى ترى أمرها وتستشير، وطال الاحتباس، فشاع بين المسلمين أن عثمان قتل، فقال رسول الله - ﷺ - لما بلغته الإشاعة: (لا نبرح حتى نناجز القوم)، ثم دعا أصحابه إلى البيعة، فثاروا إليه يبايعونه على ألا يفروا، وبايعته جماعة على الموت، وأخذ رسول الله - ﷺ - بيد نفسه وقال: (هذه عن عثمان). ولما تمت البيعة جاء عثمان فبايعه، ولم يتخلف عن هذه البيعة إلا رجل من المنافقين يقال له: جَدُّ بن قَيْس.","vol":"1","page":89},{"text":"أخذ رسول الله - ﷺ - هذه البيعة تحت شجرة، وكان عمر آخذا بيده، ومَعْقِل بن يَسَار آخذا بغصن الشجرة يرفعه عن رسول الله - ﷺ -، وهذه هي بيعة الرضوان التي أنزل الله فيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ .... الآية﴾ [الفتح: ١٨]، وعرفت قريش ضيق الموقف فأسرعت إلى بعث سُهَيْل بن عمرو لعقد الصلح، وأكدت له ألا يكون في الصلح إلا أن يرجع عنا عامه هذا، لا تتحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبدًا، ثم تم الصلح ببنوده العشرة، ورجع النبى - ﷺ - عن البيت ولم يعتمر عامه هذا، حتى كان فتح مكة فى العام التالى ففتحها.\n\nالثانية: الحكمة من إخفاء الشجرة التى تمت البيعة تحتها.\nقال ابن حجر (١): \" والحكمة من إخفائها أن لا يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أمن تعظيم بعض الجهال لها، حتى ربما أفضى بهم إلى اعتقاد أن لها قوة نفع أو ضر.\nكما نراه الآن مشاهدا فيما هو دونها، وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله \" كانت رحمة من الله \" أي كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله تعالى \"\n\nالثالثة: العلة فى تكرار أخذ البيعة من سلمة.\nقال ابن المنير: الحكمة في تكراره البيعة لسلمة أنه كان مقداما في الحرب فأكد عليه العقد احتياطا.\nوقال ابن حجر: أو لأنه كان يقاتل قتال الفارس والراجل فتعددت البيعة بتعدد الصفة.\nوقال المهلب فيما ذكره ابن بطال: \" أراد أن يؤكد بيعة سلمة لعلمه بشجاعته وعنائه في الإسلام وشهرته بالثبات، فلذلك أمره بتكرير المبايعة ليكون له في ذلك فضيلة \" واعترض ابن حجر على هذا الكلام بقوله أنه لم يكن ظهر من سلمة ذلك بعدُ، والصحيح أن يقال أن النبى (- ﷺ -) تفرس فيه ذلك.\n_________\n(١) الموضع السابق","vol":"1","page":90},{"text":"وقال ابن حجر بعد ذلك (١): \" ويحتمل أن يكون سلمةُ لما بادر إلى المبايعة ثم قعد قريبا، واستمر الناس يبايعون إلى أن خفوا، أراد - ﷺ - منه أن يبايع لتتوالى المبايعة معه ولا يقع فيها تخلل، لأن العادة في مبدأ كل أمر أن يكثر من يباشره فيتوالى، فإذا تناهى قد يقع بين من يجيء آخرًا تخلل، ولا يلزم من ذلك اختصاص سلمة بما ذكر \"\n\nمن فوائد الحديث:\n\n١ - قال ابن حجر: \" قال ابن المنير: يستفاد من هذا الحديث أن إعادة لفظ العقد في النكاح وغيره ليس فسخًا للعقد الأول خلافا لمن زعم ذلك من الشافعية.\nقلت -أى ابن حجر-: الصحيح عندهم أنه لا يكون فسخا كما قال الجمهور.\n٢ - وفيه منقبةٌ لصحابة النبىِّ (- ﷺ -) الذين بايعوا تحت الشجرة (فقد ﵃) ومنهم سلمة.\nقال تعالى:\" لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ \" (الفتح / ١٨)\n٣ - وفيه متابعة الشيء العظيم المرة بعد الأخرى، لتظل النفسُ متعلقةً به.\n٤ - وفيه البيعة لمن ولاه الله أمر المسلمين، دون غيره.\n٥ - عدم الإغترار بمعظمٍ فى الدين، لطالما لم يأتى الشرع بالأمر بتعظيمه، وإلا فمن فعل ذلك وقع فى المخالفة، وكما يقال من استحسن فقد شرع، والتشريع حقٌ خالص لله سبحانه. لأجل ذلك أخفيت الشجرة.\n_________\n(١) الفتح، كتاب الأحكام، حـ١٣، صـ ٢٤٢، باب من بايع مرتين","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>الحديث الحادى عشر</span>\n١١ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ قَالَ خَرَجْتُ مِنْ الْمَدِينَةِ ذَاهِبًا نَحْوَ الْغَابَةِ حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِثَنِيَّةِ الْغَابَةِ لَقِيَنِي غُلَامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قُلْتُ: وَيْحَكَ مَا بِكَ؟ قَالَ أُخِذَتْ لِقَاحُ النَّبِيِّ - ﷺ -، قُلْتُ: مَنْ أَخَذَهَا قَالَ غَطَفَانُ وَفَزَارَةُ، فَصَرَخْتُ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ أَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا: يَا صَبَاحَاهْ يَا صَبَاحَاهْ، ثُمَّ انْدَفَعْتُ حَتَّى أَلْقَاهُمْ وَقَدْ أَخَذُوهَا فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَقُولُ: أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعْ، فَاسْتَنْقَذْتُهَا مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبُوا، فَأَقْبَلْتُ بِهَا أَسُوقُهَا، فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ - ﷺ - فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْقَوْمَ عِطَاشٌ وَإِنِّي أَعْجَلْتُهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا سِقْيَهُمْ فَابْعَثْ فِي إِثْرِهِمْ، فَقَالَ يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ: مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ إِنَّ الْقَوْمَ يُقْرَوْنَ فِي قَوْمِهِمْ. (٣٠٤١)\n\nالشرح:\nقال الكرمانىُّ فى \"شرح البخارى\"، والقسطلانىُّ فى \" إرشاد السارى: \" هذا هو الحديث الثانى عشر من الثلاثيات \"\nوقد أخرجه البخارى فى كتاب الجهاد والسير، \" باب مَنْ رَأَى الْعَدُوَّ فَنَادَى بأَعلى صوتِه يا صباحاه حَتَّى يُسْمِعَ النَّاسَ \" وفى كتاب المغازى، باب \" غزوة ذات القَرَد \"، والحديث ينقل لنا جانبًا كبيرًا من غزوة الغابة أو غزوة ذى قَرَد، والتى جزم البخارىُّ فى ترجمة الباب أنها كانت قبل خيبر بثلاث ليال، خلافًا لما قاله أصحاب السير بأنها كانت قبل الحديبية.\nوذى قَرَد: اسم مكان فيه ماء على مسيرة ليلتين من المدينة بينها وبين خيبر على طريق الشام.","vol":"1","page":92},{"text":"وفيها أن عبد الرحمن بن عيينة بن حصن الفزارى أغار على لقاح رسول الله (- ﷺ -) فقتل راعيها وساقها كلها، فعلم سلمةُ بذلك فصاح فى الناس، ثم تبعهم يعدو على رجله، وكان صاحب القِدْح المُعَلَّى فى استنقاذ إبل النبىِّ (- ﷺ -)، وسلمة فى هذا الحديث يقص علينا قصته فى هذه الغزوة، وقد أخرجها مسلم وأحمد بسياق أطول من ذلك، فنقل فيها تفاصيلَ كثيرةً لهذه القصة.\nوكانت هذه اللقاح عشرين لَِقحة كما قال ابن سعد، فأعادوها وغنموا.\nثم توَّج النبىُّ (- ﷺ -) سلمةَ بعد انتهاء هذه الغزوة بثلاثة تيجان:\nالأول: جعل له سهمين الفارس والراجل.\nوالثاني: أردفه خلفه على العضباء.\nالثالث: قال عنه النبىُّ (- ﷺ -) \" وخير رَجَّالتنا سلمة \"\nوقوله: الِّلقاح: بكسر اللام، وهى ذوات الدَّرِّ من الإبل، وهى قريبة العهد بالولادة، واحدتها لَِقحة بالكسر وبالفتح أيضًا. كما قال النووىُّ وغيره.\nلابتيها (١): وهما حرتان تكتنفانها، قال ابن الأثير: المدينة بين حرتين عظيمتين، قال الأصمعي: هي الأرض التي قد ألبستها حجارة سود، وجمعها لابات ما بين الثلاث إلى العشر، فإذا كثرت فهي اللاَّبُ واللُّوب.\nُوالرُّضع: اللئام. فيكون المعنى يوم هلاك اللئام.\nوقوله:\" يا صباحاه \" معناه: قد أغير عليكم فى الصباح، أو قد صوبحتم فخذوا حذركم.\nوقوله \"فأسجح \" بهمزة قطع أي أحسن أو ارفق. يعنى: قدرت فاعف.\nوهذه رواية أحمد أسوقها لما فيها من الجمال، وتكتمل لنا الصورة حول هذه الغزوة والجهد الجهيد الذى قام به سلمة (- ﵁ -):\n_________\n(١) اللسان - لابن منظور، حـ١، ٧٤٥","vol":"1","page":93},{"text":"قال الإمام أحمد (١): حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا عكرمة بن عمار قال حدثنا إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: قدمنا المدينة زمن الحديبية مع رسول الله - ﷺ - فخرجنا أنا ورباح غلام رسول الله - ﷺ - بظهر رسول الله - ﷺ - وخرجت بفرس لطلحة بن عبيد الله كنت أريد أن أُبَدِّيه (٢) مع الإبل فلما كان بغلس غار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله - ﷺ - وقتل راعيها وخرج يطردها هو وأناس معه في خيل، فقلت يا رباح: اقعد على هذا الفرس فألحقه بطلحة وأخبر رسول الله - ﷺ - أنه قد أغير على سرحه، قال وقمت على تل فجعلت وجهي من قبل المدينة ثم ناديت ثلاث مرات: \" يا صباحاه \" ثم اتبعت القوم معي سيفي ونبلي فجعلت أرميهم وأعقر بهم، وذلك حين يكثر الشجر فإذا رجع إلي فارس جلست له في أصل شجرة ثم رميت فلا يقبل علي فارس إلا عقرت به فجعلت أرميهم وأنا أقول: ... أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع\nفألحق برجل منهم فأرميه وهو على راحلته فيقع سهمي في الرحل حتى انتظمت كتفه فقلت:\nخذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع\n_________\n(١) المسند (١٦٥٣٩)\n(٢) أُبَدِّيه مع الإبل: أَي أُبْرزُه معها إلى موضع الكَلإ، وكل شيء أَظهرته فقد أَبديته وبَدَّيته (اللسان، لابن منظور)","vol":"1","page":94},{"text":"فإذا كنتُ في الشجر أحرقتهم بالنبل، فإذا تضايقت الثنايا علوت الجبل فرديتهم بالحجارة، فما زال ذاك شأني وشأنهم أتبعهم فأرتجز حتى ما خلق الله شيئًا من ظهر رسول الله - ﷺ - إلا خلفته وراء ظهري فاستنقذته من أيديهم ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحا وأكثر من ثلاثين بردة يستخفون منها، ولا يلقون من ذلك شيئا إلا جعلت عليه حجارة وجمعته على طريق رسول الله - ﷺ - حتى إذا امتد الضحى أتاهم عيينة بن بدر الفزاري مددا لهم وهم في ثنيةٍ ضيقةٍ ثم علوت الجبل فأنا فوقهم، فقال عيينة ما هذا الذي أرى؟ قالوا لقينا من هذا البَرْحَ (١)، ما فارقنا بسحر حتى الآن، وأخذ كل شيء في أيدينا وجعله وراء ظهره، قال عيينة: لولا أن هذا يرى أن وراءه طلبا لقد ترككم ليقم إليه نفر منكم فقام إليه منهم أربعة فصعدوا في الجبل فلما أسمعتهم الصوت قلت: أتعرفوني قالوا ومن أنت؟ قلت: أنا ابن الأكوع والذي كرم وجه محمد - ﷺ - لا يطلبني منكم رجل فيدركني ولا أطلبه فيفوتني، قال رجل منهم إن أظن. قال: فما برحت مقعدي ذلك حتى نظرت إلى فوارس رسول الله - ﷺ - يتخللون الشجر وإذا أولهم الأخرم الأسدي وعلى أثره أبو قتادة فارس رسول الله - ﷺ -، وعلى أثر أبي قتادة المقداد الكندي، فولى المشركون مدبرين، وأنزل من الجبل فأعرض للأخرم فآخذ بعنان فرسه فقلت يا أخرم ائذن القوم - يعني احذرهم - فإني لا آمن أن يقطعوك فاتئد حتى يلحق رسول الله - ﷺ - وأصحابه قال يا سلمة: إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حقٌ والنارَ حقٌ فلا تحل بيني وبين الشهادة، قال فخليت عنان فرسه فيلحق بعبد الرحمن بن عيينة، ويعطف عليه عبد الرحمن فاختلفا طعنتين فعقر الأخرم بعبد الرحمن\n_________\n(١) البَرْح: الشر والعذاب الشديد (انظر اللسان)","vol":"1","page":95},{"text":"وطعنه عبد الرحمن فقتله، فتحول عبد الرحمن عن فرس الأخرم، فلحق أبو قتادة بعبد الرحمن فاختلفا طعنتين فعقر بأبي قتادة وقتله أبو قتادة، وتحول أبو قتادة على فرس الأخرم، ثم إني خرجت أعدو في أثر القوم حتى ما أرى من غبار صحابة النبي - ﷺ - شيئا، ويعرضون قبل غيبوبة الشمس إلى شِعبٍ فيه ماء يقال له؛ ذو قَرَد، فأرادوا أن يشربوا منه فأبصروني أعدو وراءهم فعطفوا عنه واشتدوا في الثنية؛ ثنية ذي بئر، وغربت الشمس فألحق رجلا فأرميه، فقلت: خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع، قال: فقال: يا ثكل أم أكوع بكرة؟ قلت: نعم أي عدو نفسه. وكان الذي رميته بكرة فأتبعته سهما آخر فعلق به سهمان ويخلفون فرسين، فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله - ﷺ - وهو على الماء الذي جليتهم عنه ذو قرد فإذا بنبي الله - ﷺ - في خمس مائة وإذا بلال قد نحر جزورا مما خلفت، فهو يشوي لرسول الله - ﷺ - من كبدها وسنامها، فأتيت رسول الله - ﷺ -","vol":"1","page":96},{"text":"فقلت: يا رسول الله خلني فأنتخب من أصحابك مائة فآخذ على الكفار عشوة فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته، قال: أكنت فاعلًا ذلك يا سلمة؟ قال: نعم والذي أكرمك، فضحك رسول الله - ﷺ - حتى رأيت نواجذه في ضوء النار، ثم قال: إنهم يقرون الآن بأرض غطفان، فجاء رجل من غطفان فقال: مَرُّوا على فلان الغطفاني فنحر لهم جزورا، قال فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة فتركوها وخرجوا هربا فلما أصبحنا قال رسول الله - ﷺ -: \" خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة \" فأعطاني رسول الله - ﷺ - سهم الراجل والفارس جميعا، ثم أردفني وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة، فلما كان بيننا وبينها قريبا من ضحوة، وفي القوم رجل من الأنصار كان لا يسبق جعل ينادي هل من مسابق ألا رجل يسابق إلى المدينة، فأعاد ذلك مرارًا، وأنا وراء رسول الله - ﷺ -\nمردفي، قلت له: أما تكرم كريما ولا تهاب شريفا؟، قال: لا إلا رسول الله - ﷺ - قال: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي خلني فلأسابق الرجل، قال إن شئت، قلت اذهب إليك فطفر عن راحلته وثنيت رجلي فطفرت عن الناقة ثم إني ربطت عليها شرفا أوشرفين -يعني استبقيت نفسي- ثم إني عدوت حتى ألحقه فأصك بين كتفيه بيدي قلت: سبقتك والله أو كلمة نحوها، قال فضحك وقال إن أظن حتى قدمنا المدينة \"\n\nوفيه ثلاث مسائل:\n\nالأولى:\nمتى كانت غزوة ذى قَرَد، وكم كان عدد المسلمين فيها؟\n* اختُلف فى ذلك، ومن كلام أهل العلم يمكننا أن نقول أن ذلك على ثلاثة أقوال:\nالأول: كلام أهل السير أنها كانت قبل الحديبية فنقل القرطبى فى شرح مسلم أنه لا يختلف أهل السير فى أن غزوة ذات قَرَد كانت قبل الحديبية، وقال: \" ويكون ما وقع فى حديث سلمة وهمٌ من الرواة \"","vol":"1","page":97},{"text":"الثانى: ما رجحه البخارى وصار إليه، وبوب عليه الباب أنها كانت قبل خيبر بثلاث ليالٍ، وإليه ذهب ابن حجر: فقال \" مافى الصحيح يقدم على كلام أصحاب السير \"\n\nالثالث: أن الخروج إلى ذى قرد تكرر:\nذكر ابن حجر أن الحاكم قال في \" الإكليل \" أن الخروج إلى ذي قَرَد تكرر، ففي الأول خرج إليها زيد بن حارثة قبل أُحد، وفي الثانية خرج إليها النبي - ﷺ - في ربيع الآخر سنة خمس، والثالثة هذه المختلف فيها ا. هـ\nوقال ابن حجر بعد ترجيحه مذهب البخارى على مذهب أصحاب السير \" أو أن تكون إغارة عيينة بن حصنٍ وقعت مرتين الأولى قبل الحديبية، والثانية بعد الحديبية وقبل خيبر\" وقد استشهد بكلام الحاكم وعلق عليه بقوله: \" إذا ثبت هذا قوى هذا الجمع الذى ذكرته \".\n* أما عدد المسلمين، فقد ابتدأت بمتابعة سلمة لفزارة، ثم تبعه جملة من فوارس المسلمين ابتدروا أمر النبىِّ (- ﷺ -) وأمَّر عليهم سعد بن زيد، ولحقوا بسلمة وقتل أحدهم كما ذكرَتْ روايةُ أحمد، ثم اجتمع بعد ذلك للنبى (- ﷺ -) خمسمائة رجل لحقوا بالفوارس، ذكر ذلك ابن كثير (١).\n\nالثانية:\nمعنى قوله \" واليوم يوم الرضع \":\nواليوم يوم الرُّضَّع\" بضم الراء وتشديد المعجمة جمع راضع وهو اللئيم، فمعناه \"اليوم يوم اللئام \" أي اليوم يوم هلاك اللئام، والأصل فيه: \" أن شخصا كان شديد البخل، فكان إذا أراد حلب ناقته ارتضع من ثديها لئلا يحلبها فيسمع جيرانه أو من يمر به صوت الحلب فيطلبون منه اللبن \"، وقيل: بل صنع ذلك لئلا يتبدد من اللبن شيء إذا حلب في الإناء أو يبقى في الإناء شيء إذا شربه منه، فقالوا في المثل \"الأم من راضع\" وقيل: بل معنى المثل ارتضع اللؤم من بطن أمه، وقيل: كل من كان يوصف وباللؤم يوصف بالمص والرضاع،\n_________\n(١) البداية والنهاية، حـ٤، صـ ١٥٦","vol":"1","page":98},{"text":"وقيل: المراد من يمص طرف الخلال إذا خل أسنانه، وهو دال على شدة الحرص. وقيل: هو الراعي الذي لا يستصحب محلبا، فإذا جاءه الضيف اعتذر بأن لا محلب منه، وإذا أراد أن يشرب ارتضع ثديها. وقال أبو عمرو الشيباني: هو الذي يرتضع الشاة أو الناقة عند إرادة الحلب من شدة الشره. وقيل: أصله الشاة ترضع لبن شاتين من شدة الجوع. وقيل: معناه اليوم يعرف من ارتضع كريمة فأنجبته ولئيمة فهجنته. وقيل: معناه اليوم يعرف من أرضعته الحرب من صغره وتدرب بها من غيره. وقال الداودي: معناه هذا يوم شديد عليكم تفارق فيه المرضعة من أرضعته فلا تجد من ترضعه.\n\nالثالثة:\nلماذا لم يوافق النبىُّ (- ﷺ -) سلمة فى تتبع القوم؟\nقال بن بطال فى شرحه: \" فربما عادت عليه كسرة من حيث لا يظن، فبعد أن كان ظفر، يظهر به \" لذلك قال له النبىُّ: \" إن القوم يقرون فى قوهم \" وقال أيضًا: \" قال ذلك (- ﷺ -) رجاء توبة منهم، ودخول فى الإسلام \".\n\nمن فوائد الحديث:\n\n١ - فيه منقبةٌ لسلمة بن الأكوع (- ﵁ -) فالحديث نقل لنا شخصية سلمة، ومدى شجاعته، ومدى حبه للنبىِّ وبذله من مهجة نفسة لإستنقاذ إبل النبىِّ (- ﷺ -) من فزارة الذين هم من غطفان، وذلك من طلوع الفجر وحتى العشاء، كل ذلك ولا يفتر عن مطاردة العدو، حتى قدم النبىُّ (- ﷺ -) والناس معه، ولم يكتف بذلك ولكن قال للنبىِّ (- ﷺ -) جهزنى فى مائة رجل أتبع القوم فأقتلهم فضحك النبىُّ (- ﷺ -) وأعجب بشجاعته، وقال له: \" مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ إِنَّ الْقَوْمَ يُقْرَوْنَ فِي قَوْمِهِمْ \"\n٢ - جواز العدو الشديد في الغزو.\n٣ - والإنذار بالصياح العالي قال المهلب: فيه وجوب النذير بالعسكر والسرية بالصراخ بكلمة تدل على ذلك","vol":"1","page":99},{"text":"٤ - وفيه لقاء الواحد أكثر من المثلين؛ لأن سلمة كان وحده، وألقى بنفسه إلى التهلكة، كما قال بن بطال\n٥ - وفيه فضل الرماية، لأنه سلمة وحده قاومهم بها وردَّ الغنيمة.\n٦ - وتعريف الإنسان نفسه إذا كان شجاعا ليرعب خصمه.\n٧ - واستحباب الثناء على الشجاع ومن فيه فضيلة لا سيما عند الصنع الجميل ليستزيد من ذلك، ومحله حيث يؤمن الافتتان. قاله بن حجر.\n٨ - وفيه المسابقة على الأقدام ولا خلاف في جوازه بغير عوض، وأما بالعوض فالصحيح لا يصح. والله أعلم. قاله ابن حجر، ففى رواية مسلم وأحمد أنه فى عودتهم من الغزوة تسابق سلمة ورجلٌ من الأنصار، على سمعٍ ومرأى من النبى ولم ينكر (- ﷺ -).\n٩ - أن قوله \" ياصباحاه \" ليست من دعوى الجاهلية المنهي عنها لأنها استغاثة على الكفار. قاله ابن المنير\n١٠ - وفيه تأكيد العفو عند المقدرة إن كان من باب حظ النفس، لقول النبىِّ (- ﷺ -) لسلمة \" مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ \"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>الحديث الثانى عشر</span>\n١٢ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ \"عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: \"خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِلَى خَيْبَرَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَسْمِعْنَا يَا عَامِرُ مِنْ هُنَيَّاتِكَ، فَحَدَا بِهِمْ، فَقال النبي - ﷺ -: \"مَنْ السَّائِقُ؟ \" قَالُوا: عَامِرٌ فَقَالَ: ﵀، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلاَ أَمْتَعْتَنَا بِهِ؟ فَأُصِيبَ صَبِيحَةَ لَيْلَتِهِ. فَقَالَ الْقَوْمُ: حَبِطَ عَمَلُهُ، قَتَلَ نَفْسَهُ.","vol":"1","page":100},{"text":"فَلَمَّا رَجَعْتُ - وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ - فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، فَقَالَ: كَذَبَ مَنْ قَالَهَا، إِنَّ لَهُ لأَجْرَيْنِ اثْنَيْنِ، إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، وَأَيُّ قَتْلٍ يَزِيدُهُ عَلَيْهِ\" (٦٨٩١)\nالشرح:\nقال الكرمانىُّ فى \"شرح البخارى\" والقسطلانىُّ فى \"إرشاد السارى\": \" هذا هو التاسع عشر من الثلاثيات \".\nوقد أخرج البخارى هذا الحديث فى كتاب الديات باب \"إذا قتل نفسه خطأ فلا دية له\" وذكره فى كتاب المغازي عن القعنبي وفي الأدب عن قتيبة وفي المظالم عن أبي عاصم النبيل وفي الذبائح عن مكي بن إبراهيم وفي الدعوات عن مسدد، وأخرجه مسلم وابن ماجه أيضا.\nوقال الإسماعيلي معلقًا على قوله: \" قتل نفسه خطأ \" قال: \" ولا إذا قتلها عمدا \" يعني أنه لا مفهوم لقوله \"خطأ\"، والذي يظهر أن البخاري إنما قيده بالخطأ لأنه محل الخلاف، وقد أخرج الحديث أيضًا فى \"باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء\" وفى \" غزوة خيبر\".\nوعامر هو ابن الأكوع فهو أخو سلمة وقيل عمه.\nولم يذكر في هذه الطريق صفة قتل عامر نفسه، وقد جاء ذكر ذلك في كتاب الأدب من كتاب البخارى ففيه: \"وكان سيف عامر قصيرا فتناول به يهوديا ليضربه فرجع ذبابه فأصاب ركبته \"\nوقد تقدم في الدعوات من وجه آخر عن يزيد بن أبي عبيد شيخ مكي بلفظ فيه: \"فلما تصاف القوم أصيب عامر بقائمة سيفه فمات \"\nقوله \" من هُنَيَّاتك \" بضم الهاء وفتح النون وتشديد الياء آخر الحروف جمع هُنَيَّة وقد تبدل الياء هاء فيقال هُنَيْهَة ويجمع على هنيهات وأراد بها الأراجيز.\nقوله \" حدا بهم \": من الحدو وهو سوق الإبل والغناء لها، يقال حدوت الإبل حدوا وحداء، والذى كان يقوله جاء فى غزوة خيبر، قال:","vol":"1","page":101},{"text":"اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا\nفاغفر فداء لك ما أبقينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا\nوألقين سكينة علينا إنا إذا صيح بنا أتينا ...... وبالصياح عولوا علينا\nوإنما قالوا \"حبط عمله\" إعمالًا لقوله تعالى: \"ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُم \" ولكن هذا إنما هو فيمن يتعمد قتل نفسه إذ الخطأ لا ينهى عنه أحد، وقال الداودي: ويحتمل أن يكون هذا قبل قوله تعالى:\n\" وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً \" وقوله: وجاهد اسم فاعل من جهد ومجاهد اسم فاعل أيضا من جاهد.\nوفيه مسألتان:\nالأولى: هل لقاتل نفسه دية؟\nعلى مذهبين عند أهل العلم:\nالأول: قال بن بطال: \" قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق: تجب ديته على عاقلته (١)، فإن عاش فهي له\nعليهم وإن مات فهي لورثته. وقال الظاهرية دية من قتل نفسه على عاقلته.\nالثانى: وهو قول الجمهور، قالوا لا يجب في ذلك شيء، وقصة عامر هذه حجة لهم إذ لم ينقل أن النبي - ﷺ - أوجب في هذه القصة له شيئا، ولو وجب لبينها إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وقد أجمعوا على أنه لو قطع طرفا من أطرافه عمدا أو خطأ لا يجب فيه شيء. وهو مذهب البخارىُّ كما بوب عليه.\nالثانية: حكم الحداء وما يلتحق به.\n_________\n(١) العاقلة هم العصبة وهم القرابة من قبل الأب الذين يعطون دية قتل الخطإ وهي صفة جماعة عاقلة (اللسان، ١١/ ٤٥٨)","vol":"1","page":102},{"text":"قال ابن حجر: نقل ابن عبد البر الاتفاق على إباحة الحداء، وفي كلام بعض الحنابلة إشعار بنقل خلافٍ فيه، ومانعه محجوج بالأحاديث الصحيحة، ويلتحق بالحداء هنا الحجيج المشتمل على التشوق إلى الحج بذكر الكعبة وغيرها من المشاهد، ونظيره ما يحرض أهل الجهاد على القتال، ومنه غناء المرأة لتسكين الولد في المهد. ا-هـ وقال أيضًا: وأخرج الطبري من طريق ابن جريج قال: سألت عطاء عن الحداء والشعر والغناء فقال: \" لا بأس به ما لم يكن فحشا\". وقال ابن بطال: ما كان في الشعر والرجز ذكر الله تعالى وتعظيم له ووحدانيته وإيثار طاعته والاستسلام له فهو حسن مرغب فيه، وهو المراد في الحديث بأنه حكمة، وما كان كذبا وفحشا فهو مذموم. والأدلة فى ذلك كثيرة عن النبى (- ﷺ -) والصحابة والتابعين، منها ما أخرجه أحمد وابن أبي شيبة والترمذي وصححه من حديث جابر بن سمرة قال: \"كان أصحاب رسول - ﷺ - يتذاكرون الشعر وحديث الجاهلية عند رسول الله - ﷺ - فلا ينهاهم. وربما يتبسم\"، أما الروايات التى جاءت فى ذم الشعر على الإطلاق قال ابن حجر عنها أنها واهية.\nمن فوائد الحديث:\n١ - استحباب الحداء في الأسفار، لتنشيط النفوس والدواب على قطع الطريق واشتغالها بسماعه عن الإحساس بألم السير.\n٢ - مشروعية المواساة والتعزى، كما فعل النبى (- ﷺ -) لما رأى سلمة مهموما بما سمع من موت عمه.\n٣ - الكذب يطلق على ما يخالف الواقع عمدًا كان أو خطأ.\n٤ - وفيه معجزة من معجزات النبى (- ﷺ -) حيث قال ﵀، وفى رواية قال رجلٌ \" وجبت يا رسول الله\" وقال أبو عمر كانوا قد عرفوا أنه إذا استغفر لأحد عند الوقعة وفي المشاهد يستشهد البتة\n٥ - لا يؤخذ بالظاهر، وإنما للأمور بواطن فقد قالوا: \" حبط عمله \" فقال النبى (- ﷺ -) \"كذبوا \"","vol":"1","page":103},{"text":"٦ - مشروعية الذب عن أعراض المسلمين، فالنبى (- ﷺ -) لما نيل من عامر، وقف مدافعًا عنه وقال:\n\" كذب من قالها \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>الحديث الثالث عشر</span>\n١٣ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ رَأَيْتُ أَثَرَ ضَرْبَةٍ فِي سَاقِ سَلَمَةَ فَقُلْتُ يَا أَبَا مُسْلِمٍ مَا هَذِهِ الضَّرْبَةُ فَقَالَ هَذِهِ ضَرْبَةٌ أَصَابَتْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ فَقَالَ النَّاسُ أُصِيبَ سَلَمَةُ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَنَفَثَ فِيهِ ثَلَاثَ نَفَثَاتٍ فَمَا اشْتَكَيْتُهَا حَتَّى السَّاعَةِ. (٤٢٠٦)\nالشرح:\nقال الكرمانىُّ: \" وهذا هو الرابع عشر من الثلاثيات، وكذا نص عليه العينى فى \" عمدة القارى\"\nوأخرج البخارىُّ الحديث فى كتاب المغازى، باب \" غزوة خيبر \" وقد ذكر البخارى فى هذا الباب ثلاثين حديثًا يخص هذه الغزوة المباركة، وكان غزوها في آخر المحرم سنة سبع، فحاصرها (- ﷺ -) بضع عشرة ليلة إلى أن فتحها في صفر، وهذا هو الراجح، كما قال ابن حجر.\nومن ضمن الأحداث التى وقعت فى هذه الغزوة إصابة سلمة فى ركبته، فتكلم الناس فى ذلك فقدم على النبى (- ﷺ -) يشكو جرحه فأيده الله بأن أراه معجزةً من معجزات النبى (- ﷺ -) وعلامةً من علامات نبوته؛ وهى أن النبى (- ﷺ -) نفث فى جرحه فبرأ فلم يشكه بعد ذلك.\nوينقل الحديث لنا هذه الخصوصية لسلمة، وقد حَدَثَ مثلُها لعلىٍّ (- ﵁ -) فى نفس الغزوة، لما قال (- ﷺ -): لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله .. الحديث \" وكان قد اشتكى عينه فتفل النبىُّ (- ﷺ -) فى عينيه ثلاثًا فكانت كأنه لم يشتكى منها.\nوالنفثات: جمع نَفْثَة، وهي فوق النفخ ودون التفل، وقد يكون بغير ريق بخلاف التفل، وقد يكون بريق خفيف بخلاف النفخ.\nوفيه مسألة:","vol":"1","page":104},{"text":"غزوة خيبر (١):\nكانت خيبر مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على بعد ثمانين ميلا من المدينة في جهة الشمال، وهي الآن قرية في مناخها بعض الوخامة.\nكانت خيبر محل نظر النبىِّ (- ﷺ -) بعد أن فرغ من أمر قريش بعد صلح الحديبية، فإن خيبر كانت حجر عثرة أمام تبليغ دين الله، حيث أنها كانت السبب فى تأليب الأحزاب على المسلمين، حتى وصل بهم الأمر لوضع خطةٍ لاغتيال النبى (- ﷺ -) فتوجه إليها النبىُّ (- ﷺ -) فى المُحرَّم، وأعلن ألا يَخرج معه إلا راغبٌ في الجهاد، فلم يخرج إلا أصحاب الشجرة وهم ألف وأربعمائة. وكانت خيبر منقسمة إلى شطرين، شطر فيها خمسة حصون:\n١ - حصن ناعم. ٢ - حصن الصَّعْب بن معاذ.\n٣ - حصن قلعة الزبير. ٤ - حصن أُبَيّ.\n٥ - حصن النِّزَار.\nوالحصون الثلاثة الأولي منها كانت تقع في منطقة يقال لها: (النَّطاة) وأما الحصنان الآخران فيقعان في منطقة تسمي بالشَّقِّ.\nأما الشطر الثاني، ويعرف بـ \" الكُتَيْبة \" - مُصغرة -، ففيه ثلاثة حصون فقط:\n١ - حصن القَمُوص [وكان حصن بني أبي الحقيق من بني النضير].\n٢ - حصن الوَطِيح.\n٣ - حصن السُّلالم (٢).\nوفي خيبر حصون وقلاع غير هذه الثمانية، إلا أنها كانت صغيرة، لا تبلغ إلى درجة هذه القلاع في مناعتها وقوتها.\nوالقتال المرير إنما دار في الشطر الأول منها، أما الشطر الثاني فحصونها الثلاثة مع كثرة المحاربين فيها سلمت دونما قتال.\nوفيها قال النبىُّ (- ﷺ -) لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على\n_________\n(١) الرحيق المختوم - المبارك فورى، صـ٣١٦: ٣٢٥ (بتصرف)\n(٢) بضم السين وقيل بفتحها حِصْنٌ من حصُون خَيْبَرَ ويقال فيه السُّلالِيمُ أَيضا (اللسان،١٢/ ٢٨٩)","vol":"1","page":105},{"text":"يديه، وكان ذلك علىٌّ (- ﵁ -) وأول حصن هاجمه المسلمون من حصونهم الثمانية هو حصن ناعم. عرض علىٌّ عليهم الإسلام فأبوا فقاتلوهم، يقول صاحب الرحيق المختوم: \" ويؤخذ من المصادر أن هذا القتال دام أيامًا، لاقي المسلمون فيها مقاومة شديدة، إلا أن اليهود يئسوا من مقاومة المسلمين، فتسللوا من هذا الحصن إلى حصن الصَّعْب، واقتحم المسلمون حصن ناعم \"، ثم انتقل القتال إلى حصن الصعب وفرض المسلمون عليه الحصار ثلاثة أيام، وفي اليوم الثالث فتحه الله بدعوة النبىِّ (- ﷺ -)، وما بخيبر حصن كان أكثر طعامًا وودكًا منه. ووجد فيه المسلمون بعض المنجنيقات والدبابات، وكان ذلك وقت نهى النبىِّ الصحابة عن أكل الحمر الإنسية، وبعد ذلك تحول اليهود إلى قلعة الزبير فحاصرهم النبىُّ (- ﷺ -) وقطع ماءهم عليهم، فخرجوا فقاتلوا أشد القتال، قتل فيه نفر من المسلمين، وأصيب نحو العشرة من اليهود، وافتتحه رسول الله (- ﷺ -) وبعد فتح قلعة الزبير انتقل اليهود إلى قلعة أبي وتحصنوا فيه، وفرض المسلمون عليهم الحصار، وقام أبو دجانة باقتحام القلعة، واقتحم معه الجيش الإسلامي، وجري قتال مرير ساعة داخل الحصن، ثم تسلل اليهود من القلعة، وتحولوا إلى حصن النزار آخر حصن في الشطر الأول. ثم كان حصن النَّزَار وكان أمنعهم لأنه كان على جبل مرتفع، ولا يستطيع المسلمون اقتحامه، يقول صاحب الرحيق المختوم: \" ويبدو أن المسلمين قذفوا به القذائف، فأوقعوا الخلل في جدران الحصن، واقتحموه، ودار قتال مرير في داخل الحصن انهزم أمامه اليهود هزيمة منكرة، وذلك لأنهم لم يتمكنوا من التسلل من هذا الحصن كما تسللوا من الحصون الأخري، بل فروا من هذا الحصن تاركين للمسلمين نساءهم وذراريهم \".","vol":"1","page":106},{"text":"ولما أتم رسول الله (- ﷺ -) فتح ناحية النطاة والشق، تحول إلى أهل الكتيبة التي بها حصن القَمُوص: حصن بني أبي الحُقَيْق من بني النضير، وحصن الوَطِيح والسُّلالم، وجاءهم كل فَلِّ كان انهزم من النطاة والشق، وتحصن هؤلاء أشد التحصن. ولما أتي رسول الله (- ﷺ -) إلى هذه الناحية - الكتيبة - فرض على أهلها أشد الحصار، ودام الحصار أربعة عشر يومًا، واليهود لا يخرجون من حصونهم، حتى همّ رسول الله - ﷺ - أن ينصب عليهم المنجنيق، فلما أيقنوا بالهلكة سألوا رسول الله (- ﷺ -) الصلح. ثم كانت المفاوضة بعد ذلك، حيث أرسل ابن أبي الحُقَيْق إلى رسول الله (- ﷺ -): أنزل فأكلمك؟ قال: (نعم)، فنزل، وصالح على حقن دماء مَنْ في حصونهم من المقاتلة، وترك الذرية لهم، ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم، ويخلون بين رسول الله (- ﷺ -) وبين ما كان لهم من مال وأرض، وعلى الصفراء والبيضاء\nـ أي الذهب والفضة - والكُرَاع والْحَلْقَة إلا ثوبًا على ظهر إنسان، فقال رسول الله (- ﷺ -):\n\" وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتموني شيئا \"، فصالحوه على ذلك، وبعد هذه المصالحة تم تسليم الحصون إلى المسلمين، وبذلك تم فتح خيبر. وبعد ذلك قُتل ابن أبى الحقيق لمالٍ أخفاه.\nوفيها: سبي رسول الله - ﷺ - صفية بنت حيي بن أخطب، وكانت تحت كنانة بن أبي الحقيق، وكانت عروسًا حديثة عهد بالدخول.","vol":"1","page":107},{"text":"ولقد أعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع، ومن كل ثمر، ما بدا لرسول الله (- ﷺ -) أن يقرهم، وقسم أرض خيبر على ستة وثلاثين سهمًا، جمع كل سهم مائة سهم، فكانت ثلاثة آلاف وستمائة سهم، فكان لرسول الله (- ﷺ -) والمسلمين النصف من ذلك وهو ألف وثمانمائة سهم، لرسول الله (- ﷺ -) سهم كسهم أحد المسلمين، وعزل النصف الآخر، وهو ألف وثمانمائة سهم، لنوائبه وما يتنزل به من أمور المسلمين، وإنما قسمت على ألف وثمانمائة سهم لأنها كانت طعمة من الله لأهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب، وكانوا ألفا وأربعمائة، وكان معهم مائتا فرس، لكل فرس\nسهمان، فقسمت على ألف وثمانمائة سهم، فصار للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم واحد، وكانت مغانمها كثيرة. وفيها دس السُّم للنبىِّ (- ﷺ -) بعد اطمئنانه فى خيبر.\nوقد اختُلف فى جملة من استشهد من المسلمين في معارك خيبر ما بين ستة عشر رجلًا إلى واحد وتسعين. أما قتلي اليهود فعددهم ثلاثة وتسعون قتيلًا.\n\nمن فوائد الحديث:\n\n١ - فيه تذكير بنعمة الله بفتح خيبر التى كانت تمثل حجر عثرة فى سبيل الدعوة.\n٢ - وفيه التذكير بعزة الإسلام والمسلمين حيث أذاقوا اليهود أشد العذاب.\n٣ - وفيه علامة من علامات نبوة النبىِّ - ﷺ -، وذلك فى جرح سلمة، وعين علىِّ؟ - ﵃ -\n٤ - الحرص التام على التعلم، كما حدث من يزيد لما سأل سلمة عن الأثر الذى رآه فى ساقه.\n٥ - على المرء إذا وقع فى ضائقة عليه أن يفزع إلى أهل العلم، كما حدث من سلمة مع النبى (- ﷺ -)\n٦ - الإفتخار بنعمة الله من باب \" وأما بنعمة ربك فحدث \" فإن سلمة افتخر بما خصه الله بإظهار علامة من علامات نبوة النبى (- ﷺ -) على نفسه، فأخبر به يزيد رغم أنه لم يسأله عنه.","vol":"1","page":108},{"text":"٧ - وفيه أن المفتى إذا سئل عن شىءٍ وعلم أن للسائل حاجةً إلى ذكر ما يتصل بمسألته استحب تعليمه إياه، وهذا ما فعله سلمة من ذكر نفث النبىِّ على جرحه ولم يرد فى سؤال يزيد.\n٨ - وفيه التلطف فى السؤال. حيث أن يزيد سأل سلمة بكنيته، فقال يا أبا مسلم، والكنية أقرب إلى القلب من الاسم.\n٩ - وفيه أنه يجوز السؤال عن الخصوصيات إذا كان فيها منفعة للعامة، وخاصةً إذا جاءت قرينةٌ\nتوحى بذلك فجرح سلمة من خصوصياته إلا أن صحبة سلمة للنبى (- ﷺ -) جعل يزيد يقدم أن من وراء جرحه هذا حدثًا ينتفع به، وينفع به من وراءه فسأله عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>الحديث الرابع والخامس عشر</span>\n١٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ - ﵁ - \" أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى نِيرَانًا تُوقَدُ يَوْمَ خَيْبَرَ قَالَ عَلَامَ تُوقَدُ هَذِهِ النِّيرَانُ؟ قَالُوا عَلَى الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ قَالَ اكْسِرُوهَا وَهرِيِقُوهَا قَالُوا أَلَا نُهَرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ اغْسِلُوا \" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ كَانَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ يَقُولُ الْحُمُرِ الْأَنَسِيَّةِ بِنَصْبِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ (٢٤٧٧)\n١٥ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ لَمَّا أَمْسَوْا يَوْمَ فَتَحُوا خَيْبَرَ أَوْقَدُوا النِّيرَانَ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَامَ أَوْقَدْتُمْ هَذِهِ النِّيرَانَ قَالُوا لُحُومَ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ قَالَ أَهْرِيقُوا مَا فِيهَا وَاكْسِرُوا قُدُورَهَا فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَقَالَ نُهَرِيقُ مَا فِيهَا وَنَغْسِلُهَا فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَوْ ذَاكَ. (٥٤٩٧)\n\nالشرح:","vol":"1","page":109},{"text":"أما الحديث الأول فقد قال القسطلانىُّ فى \"إرشاد السارى\": \" هذا الحديث تاسع ثلاثيات البخارى \"\nوأخرجه البخارىُّ فى كتاب المظالم، باب \" هل تكسر الدِّنانُ التى فيها خمر أو تُخرَّقَ الزّقِّاق؟ \"\nوالحديث الثانى قال الكرمانىُّ عنه فى \"شرح البخارى\": \" هذا هو سابع عشر الثلاثيات \"\nوقد أخرجه البخارىُّ فى كتاب الذبائح والصيد، باب \" آنية المجوس، والميتة \" فقد روى شيخا البخارىِّ الحديث عن يزيد عن أبى سلمة، وتعدّدُ الطرق تعطى بعض الفوائد، كحل إشكال، أو إيضاح شيءٍ مبهم، أو زيادة فائدة.\nوالحديث ينقل لنا ما قد أصاب الناس ليلة فتحوا خيبر من جوعٍ شديد، فإنهم قد وجدوا حمرًا أهليةً فذبحوها، ووضعوها على القدور، فعلم النبىُّ (- ﷺ -) بذلك فحرمها، وأمرهم بإهراقها وكسر\nالآنية، ثم خفف الحكم بجواز استخدام هذه الآنية بعد غسلها. قال ابن الجوزى (١):\n\" أراد التغليظ عليهم فى طبخهم ما نهى عن أكله فلما رأى إذعانهم اقتصر على غسل الأوانى \"\nوقوله \" قال أبو عبد الله \" هو المصنف؛ الإمام البخارى، وقوله \"الأَنَسِيَّة\" -بفتح الهمزة - نسبةً إلى الأنس بالفتح - بسكون النون وفتحها - ضد الوحشة، والمشهور فى الروايات بكسر الهمزة وسكون النون نسبةً إلى الإنس أى بنى آدم لأنها تألفهم وهى ضد الوحشية.\nوهما روايتان حكاهما القلضى عياض وآخرون، كما نقل ذلك النووىُّ عنهم.\nوالحديث ينقل لنا بعض أحكام الأطعمة والآنية، وتصور لنا مجتمع الصحابة، فى أنصع صوره حيث استجابوا لأمر النبى (- ﷺ -) رغم جوعهم.\nوفيه أربع مسائل:\nالأولى: حكم لحوم الحمر الإنسية.\n_________\n(١) الفتح، كتاب المظالم، حـ٥، ١٤٨","vol":"1","page":110},{"text":"روى البخارى من حديث أبى ثعلبة قال: \" حرم رسول الله (- ﷺ -) لحوم الحمر الأهلية \" وعند البخارى من حديث أنس أن النبى (- ﷺ -) أمر مناديًا فنادى فى الناس: \" إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، فإنها رجس \"\nقال النووى: \" قال بتحريم الحمر الأهلية أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم، ولم نجد عن أحد من الصحابة في ذلك خلافا لهم إلا عن ابن عباس (١)، وعند المالكية ثلاث روايات ثالثها الكراهة \" ا. هـ\nوقد جاءت روايتان عن النبى (- ﷺ -) عند أبى داود والطبرانىُّ بحل الحمر الأهلية إلا أنهما بهما مقال كما ذكر ابن حجر وقال: \" لو ثبتا لاحتمل أن يكون قبل التحريم \".\nوقال القرطبى: \" قوله \" فإنها رجس \" فيستفاد منه تحريم أكلها، وهو دال على تحريمها لعينها لا لمعنى خارج، فالأمر بإكفاء القدور وغسلها لا يكون إلا للمتنجس \"\nوالتقيد بقوله (- ﷺ -) \" الأهلية \" يؤخذ منه جواز أكل الحمر الوحشية .. قاله ابن حجر.\n\nالثانية: حكم الآنية التى استخدمت فى المحرمات.\nقال ابن حجر: \" المعتمد فيه التفصيل: فإن كانت الأوعية بحيث يراق ما فيها وإذا غسلت طهرت وانتفع بها لم يجز إتلافها وإلا جاز\" ا. هـ\nفإذا لم يوجد غيرها فإنها تُغسل ويؤكل فيها لقول النبى (- ﷺ -) لأبى ثعلبة الخشنىِّ كما عند البخارىِّ: \" أما ما ذكرت أنك بأرض قوم أهلِ الكتاب تأكل في آنيتهم فإن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا فاغسلوها ثم كلوا فيها ..... الحديث \"\n\nالثالثة: كيف التوفيق بين تحريم لحوم الحمر الإنسية وبين آية الأنعام:\n_________\n(١) فقد ثبت عنه أنه احتج بآية الأنعام، وسيُذكر الرد على ذلك فى المسألة الثالثة، ومرةً علل تحريم النبى لها بمخافة قلة الظهر، ومرةً توقف فى النهى عنها.","vol":"1","page":111},{"text":"\" قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ... الآية \" (الأنعام، ١٤٥) وما شابهها من آيات، ولم يذكر فيها الحُمُر؟\n\nقال ابن القيم فى الزاد (١): \" فإنه لم يكن قد حرم حين نزول هذه الآية من المطاعم إلا هذه الأربعة والتحريم كان يتجدد شيئا فشيئا فتحريم الحمر بعد ذلك تحريم مبتدأ لما سكت عنه النص لا أنه رافع لما أباحه القرآن ولا مخصص لعمومه، فضلا عن أن يكون ناسخا والله أعلم \" ا. هـ\nوقال ابن حجر (١): \" والجواب عن آية الأنعام أنها مكية وخبر التحريم متأخر جدا فهو مقدم، وأيضا\nفنص الآية خبر عن الحكم الموجود عند نزولها، فإنه حينئذ لم يكن نزل في تحريم المأكول إلا ما ذكر\nفيها، وليس فيها ما يمنع أن ينزل بعد ذلك غير ما فيها، وقد نزل بعدها في المدينة أحكام بتحريم أشياء غير ما ذكر فيها كالخمر في آية المائدة، وفيها أيضا تحريم ما أهل لغير الله به والمنخنقة إلى آخره وكتحريم السباع والحشرات \" ا. هـ\n\nالرابعة: العلة فى تحريم الحمر الإنسية.\n_________\n(١) زاد المعاد، حـ٣، صـ ٣٠٤","vol":"1","page":112},{"text":"روى عن الصحابة كثيرٌ من العلل، لكن يقدم قول النبى - ﷺ - عن غيره من الأمة حتى ولو كانوا الصحابة أنفسهم، قال ابن القيم: \" وصح عن النبى - ﷺ - تعليل التحريم بأنها رجس وهذا مقدم على قول من قال من الصحابة: إنما حرمها لأنها كانت ظهر القوم وحمولتهم فلما قيل له: فني الظهر وأكلت الحمر حرمها، وعلى قول من قال: إنما حرمها لأنها لم تخمَّس، وعلى قول من قال: إنما حرمها لأنها كانت حول القرية وكانت تأكل العذرة، وكل هذا في الصحيح لكن قول رسول الله - ﷺ -: (إنها رجس) مقدم على هذا كله، لأنه مِنْ ظن الراوي وقوله بخلاف التعليل بكونها رجسا \" ا. هـ\nالخامسة: ما معنى لجاهد مجاهد؟\n(لجاهِدٌ) بكسر الهاء وتنوين الدال (مُجاهدٌ) بضم الميم وتنوين الدال أيضا.\nولها معنيان عند أهل العلم، قال النووى (١):\nوفسروا لجاهد بالجاد في علمه وعمله، أي: لجاد في طاعة الله، والمجاهد في سبيل الله، وهو الغازي.\nوقال القاضي: فيه وجه آخر جمع اللفظين توكيدا، قال ابن الأنباري: العرب إذا بالغت في تعظيم شيء اشتقت له من لفظه لفظا آخر على غير بنائه زيادة في التوكيد، وأعربوه بإعرابه فيقولون: جاد مجد، وليل لائل وشعر شاعر، ونحو ذلك.\nقال القاضي: ورواه بعض رواة البخاري وبعض رواة مسلم: (لجاهَدَ) بفتح الهاء والدال على أنه فعل ماض (مَجاهدَ) بفتح الميم ونصب الدال بلا تنوين، قال: والأول هو الصواب. والله أعلم.\n\nوفى الحديث جملةٌ من الفوائد ذكرها ابن حجر:\n١ - الذكاة لا تطهر ما لا يحل أكله.\n٢ - وأن كل شيء تنجس بملاقاة النجاسة يكفي غسله مرةً واحدةً لإطلاق الأمر بالغسل فإنه يصدق بالامتثال بالمرة، والأصل أن لا زيادة عليها.\n٣ - وأن الأصل في الأشياء الإباحة لكون الصحابة أقدموا على ذبحها وطبخها كسائر الحيوان من قبل أن يستأمروا مع توفر دواعيهم على السؤال عما يشكل.","vol":"1","page":113},{"text":"٤ - وأنه ينبغي لأمير الجيش تفقد أحوال رعيته، ومن رآه فعل ما لا يسوغ في الشرع أشاع منعه إما بنفسه كأن يخاطبهم وإما بغيره بأن يأمر مناديا فينادي لئلا يغتر به من رآه فيظنه جائزا. ا. هـ (١)\n٥ - وفيه أيضًا سرعة استجابة الصحابة للنبىِّ (- ﷺ -) فى تنفيذ أمره، فقد أكفئوا القدور واللحم يفور فيها.\n٦ - وفيه تقديم مراد الله سبحانه على مراد النفس، وإن كان فيه نوع تعذيبٍ.\n٧ - وفيه نجاسة لحوم الحمر الأهلية، كما هو مذهب الجمهور خلافًا للمالكية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>الحديث السادس عشر</span>\nحَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - سَبْعَ غَزَوَاتٍ وَغَزَوْتُ مَعَ ابْنِ حَارِثَةَ اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْنَا. (٤٢٧٢)\nالشرح:\nقال الكرمانىُّ فى \"شرح البخارى\": \" هذا هو خامس عشر الثلاثيات \"، كما ذكره البدر العينى فى \"عمدة القارى\" والقسطلانى فى إرشاد السارى\".\nوأخرجه البخارى فى كتاب المغازى، باب \" بعث النبى - ﷺ - أسامة بن زيد إلى الحُرَقات (٢) من جهينة، وهى بطن من جهينة، والمقصود بابن حارثة الذى فى الحديث هو زيد بن حارثة والد أسامة، جعله أميرا عليهم، والظاهر أن هذا كان في غزوة مؤتة، وقد خرج سلمة مع زيد فى سبع سرايا كما فى رواية أبى مسلم الكجى عن أبى عاصم \" وغزوت مع زيد بن حارثة سبع غزوات يؤمره علينا \" والحديث ينقل لنا صورةً من صور التحدث بنعم الله على عبده.\n\nوفيه مسألتان:\nالأولى:\nما هى السبع غزوات التى غزاها سلمة مع النبىِّ (- ﷺ -)؟\n_________\n(١) الفتح، كتاب الذبائح والصيد، حـ٩، صـ٧٨٦\n) المرجع السابق، صـ٧٨٧\n(٢) الحُرَقات: هو شخص، بضم المهملة وفتح الراء بعدها قاف، نسبة إلى الحرقة، واسمه جهيش بن عامر بن ثعلبة بن مودعة بن جهينة، تَسَمَّى الحرقة لأنه حرق قوما بالقتل فبالغ في ذلك، ذكره ابن الكلبى.","vol":"1","page":114},{"text":"والسبع غزوات التى غزاها سلمة مع النبى (- ﷺ -) ذكر يزيد بن أبى عبيد أربعةً منها وقال: \" ونسيت بقيتهم \" كما أخرجه البخارى فى الحديث الذى يلى الحديث الذى معنا فى الباب، والأربعة التى ذكرها هى:\nخيبر\nوالحديبية\nويوم حنين\nويوم القرد\nوقال ابن حجر (١): \" وأما بقية الغزوات التي نسيهن يزيد فهن:\nغزوة الفتح\nوغزوة الطائف، فإنهما وإن كانا في سنة غزوة حنين فهما غيرهما،\nوغزوة تبوك وهي آخر الغزوات النبوية،\nفهذه سبع غزوات كما ثبت في أكثر الروايات \" ا. هـ\nوقد ذكر فى روايةٍ محفوظة \" تسع غزوات بدلًا من سبع \" فأجاب ابن حجر على ذلك فقال: \" فلعله عد غزوة وادي القرى التي وقعت عقب خيبر، وعد أيضا عمرة القضاء غزوة كما تقدم من صنيع البخاري فكمل بها التسعة\"، وقد روى أبو مسلم الكجى عن أبى عاصم هذا الحديث\nوزاد فيه: \" وغزوت مع زيد بن حارثة سبع غزوات يؤمره علينا \".\n\nالثانية:\nالغزوات السبع التى كانت لزيد.\nذكر أهل السير السرايا السبع لزيد، وتتبعها ابن حجر وذكرها فقال:\n\" وقد تتبعت ما ذكره أهل المغازي من سرايا زيد بن حارثة فبلغت سبعا كما قاله سلمة، وإن كان بعضهم ذكر ما لم يذكره بعض\nفأولها: في جمادى الأخيرة سنة خمس قبل نجد في مائة راكب.\nوالثانية: في ربيع الآخر سنة ست إلى بني سليم.\nوالثالثة: في جمادى الأولى منها في مائة وسبعين فتلقى عيرا لقريش وأسروا أبا العاص بن الربيع، والرابعة: في جمادى الآخرة منها إلى بني ثعلبة.\nوالخامسة: إلى حُسْمَى - بضم المهملة وسكون المهملة مقصور - في خمسمائة إلى أناس من بني جذام بطريق الشام كانوا قطعوا الطريق على دحية وهو راجع من عند هرقل.\nوالسادسة: إلى وادي القرى.\nوالسابعة: إلى ناس من بني فزارة.\n_________\n(١) الفتح، كتاب المغازى، (٤٢٦٩) حـ٧، صـ ٦٤٠","vol":"1","page":115},{"text":"وقد ذُكِرَ فى الحديث إمارة زيد، وقد كان طَعَن فى إمرته أناسٌ، فلما أمَّرَ النبىُّ (- ﷺ -) ابنَه أسامة طعن فيه أناسٌ أيضًا فقال النبىُّ (- ﷺ -): \" إن تطعنوا فى إمارته فقد طعنتم فى إمارة أبيه من قبله، وأيم الله لقد كان خليقًا للإمارة \".\n\nمن فوائد الحديث:\n١ - جواز التحدث بنعمة الله إن أمن العبد على نفسه من فتنة العجب. فقد تحدث سلمة عن غزواته كلها.\n٢ - وفيه منقبة لزيد بن حارثة حيث أمَّرهُ النبىُّ (- ﷺ -) فى عددٍ كثيرٍ من السرايا.\n٣ - وفيه عزة الإسلام حيث كانوا لا يخافون فى الله لومة لائم فكانوا ينطلقون فى المعمورة يبلغون دين الله.\n٤ - وفيه شجاعة الصحابة، وبذلهم الأرواح فى سبيل نشر الدين.\n٥ - وفيه السمع والطاعة ولو كان عبدًا حبشيًا، وذلك فى قوله: \" اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْنَا \" أو\" يؤمره\nعلينا \"، فقد كان فى الجيش أجل منه، ولكن أمر فوجب السمع والطاعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>الحديث السابع عشر</span>\nحَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلَا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَبَقِيَ فِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا عَامَ الْمَاضِي قَالَ كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا. (٥٥٦٩)\nالشرح:\nقال الكرمانىُّ فى \"شرح البخارى \": \" هذا هو الثامن عشر من ثلاثيات البخارى \"","vol":"1","page":116},{"text":"والحديث أخرجه البخارىُّ فى كتاب الأضاحى، باب \" ما يؤكل من لحوم الأضاحى، وما يتزود منها\" وقد شرع الله الأضاحى، للحصول على التقوى، حيث أنها عبادة لا يجوز صرفها لغير الله خلافًا لما كان عليه أهل الجاهلية الذين كانوا يذبحوا للأصنام فقال تعالى: \" لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ \" (الحج، ٣٧).\nوفى هذا الحديث ينقل لنا صورة من حال الصحابة، فى عامٍ أصابهم فيه الجهد، فجعل النبى (- ﷺ -) الحق فى الأضاحى للناس أجمعين، ليس لأصحابها فقط مراعاةً لحوائج الناس، وتحقيقًا للإيمان الذى جعل النبى (- ﷺ -) شرطه أنه \" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه \"، وفِعْلُ النبىِّ هذا ينقل لنا صورةً من صور رحمة النبىِّ بالأمة، ثم جعل النبى (- ﷺ -) أمر أضحيته بعد هذا العام يرجع للمضحى نفسه، ومن أجل هذا الحديث اختلف أهل العلم فى بعض المسائل الخاصة بالأضحية، وهو ما نبينه فى عرضنا لمسائل الحديث.\n\nوفى الحديث خمس مسائل:\n\nالأولى: الأضحيةُ وحكمها ووقتها:\nتعريفها:\nالأضاحي: جمع أضحية بضم الهمزة ويجوز كسرها ويجوز حذف الهمزة وفتح الضاد كأنها اشتقت من اسم الوقت الذي شرع ذبحها فيه، وبها سمي اليوم يوم الأضحى. وهى مايذكى تقربًا إلى الله تعالى فى أيام النحر بشرائط مخصوصة. (١)\nحكمها:\nاختلف العلماء فى وجوب الأضحية على الموسر على قولين كما قال النووى (٢):\nأ - فقال جمهورهم هي سنة فى حقه إن تركها بلا عذر لم يأثم ولم يلزمه القضاء وممن قال بهذا أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وبلال وأبو مسعود البدرى وسعيد بن المسيب وعلقمة والأسود وعطاء ومالك وأحمد وأبو يوسف وإسحاق وأبو ثور والمزني وبن المنذر وداود وغيرهم\n_________\n(١) سبل السلام -نقلًا عن صحيح فقه السنة-لأبى مالك حـ٢، صـ٣٦٧\n(٢) شرح النووى لمسلم، كتاب الأضاحى (١٩٦٠) حـ١٣ صـ ٩٣","vol":"1","page":117},{"text":"ب - الوجوب واختلف القائلون بذلك على من تجب:\n* فقال ربيعة والأوزاعي وأبو حنيفة والليث هي واجبة على الموسر وبه قال بعض المالكية.\n* وقال النخعى واجبة على الموسر إلا الحاج بمنى.\n* وقال محمد بن الحسن واجبة على المقيم بالأمصار.\n* والمشهور عن أبى حنيفة أنه انما يوجبها على مقيم يملك نصابا والله أعلم \" ا. هـ\nومن أدلة القائلين بالوجوب الأمر الذى فى الآية \" فَصلِّ لِرَبِّكَ وانْحَر\" ولكن فيها تأويلات، وبحديث جندب بن سفيان (- ﵁ -) المتفق عليه أن النبىَّ قال: \" من ذبح قبل أن يصلى فليُعِد مكانها أخرى، ومن لم يذبح فليذبح \" وأُجيب بأن فى بيان شروط الأضحية لا فى وجوبها، وحديث أبى هريرة عند ابن ماجةَ وغيره \" أن النبىَّ (- ﷺ -) قال: من كان له سعةٌ ولم يُضَحِّ فلا يقربنَّ مُصلانا \" وأجيب عليه بترجيح وقفه.\nومن أدلة القائلين بالاستحباب حديث أم سلمة أن النبىَّ (- ﷺ -) قال: \" إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحى فلا يمس من شعره وبشره شيئًا \" فقوله \" وأراد أحدكم \" صارفٌ من الوجوب إلى الندب. وما ثبت عن الصحابة كما فى مسند عبد الرزاق والبيهقىُّ عن أبى سريحة بسند صحيح قال: \" رأيت أبا بكر وعمر، وما يضحيان \".\nأما وقتها:\nفبعد صلاة العيد، ولا تجزئ قبله، قال بن المنذر:\n\"وأجمعوا أنها لاتجوز قبل طلوع الفجر يوم النحر واختلفوا فيما بعد ذلك \"\nأما آخر وقتها فعلى مذاهب ذكرها النووى فى شرح مسلم، وأشهرها مذهبين:\nالأول: مذهب الشافعىِّ فقال: \" تجوز فى يوم النحر وأيام التشريق الثلاثة بعده \" وممن قال بهذا علىُّ بن أبى طالب وجبير بن مطعم وبن عباس وعطاء والحسن البصرى وعمر بن عبد العزيز وسليمان بن موسى الأسدى فقيه أهل الشام ومكحول وداود الظاهرى وغيرهم.\nالثانى: قال أبو حنيفة ومالك وأحمد تختص بيوم النحر ويومين بعده وروى هذا عن عمر بن الخطاب وعلى وبن عمر وأنس ﵃.","vol":"1","page":118},{"text":"واختلفوا فى جواز التضحية فى ليالى هذه الأيام، وذلك على مذهبين، الراجح قول الجمهور بالجواز، وهو رأى الشافعىُّ وأبى حنيفة، وأحمد وإسحاق وأبى ثور.\n\nالثانية: حكم ادخار لحوم الأضاحى بعد ثلاث.\nعلى مذهبين عند أهل العلم ذكرها ابن بطال فى شرحه للبخارى:\nالأول: ذهب قوم إلى أن يحرموا لحوم الأضاحى بعد ثلاث، واحتجوا بحديث أبى عبيد عن على بن أبى طالب: (أن النبى نهى أن يؤكل من لحم الأضاحى بعد ثلاث) وبحديث ابن عمر: (أنه ﵇ أباح لهم الأكل منها ثلاثًا) وإليه ذهب ابن عمر.\nالثانى: رأى الجمهور فإنهم لم يروا بأكلها وادخارها بأسًا، واستدلوا بحديث سلمة هذا، واختلُفَ فى أحاديث الإباحة هل هى ناسخة للنهى أم لا:\nفقال الجمهور: أحاديث الإباحة ناسخة للنهى فى ذلك، وهذا قول الطحاوى، وقال المهلب: \"والذى يصح عندى أنه ليس فيها ناسخ ولا منسوخ وإنما كان لعلة فلما زالت العلةُ زال الحكم \" وقول عائشة (﵂): (وليست بعزيمة ولكنه أراد أن يطعم منه) يبين أنه ليس بمنسوخ، وقال آخرون كان النهي للكراهة لا للتحريم والكراهة باقية إلى اليوم-أفاده البدر العينى.\n\nالثالثة: كيفية تقسيم الأضحية.\nقيل: يستحب له أن يتصدق بثلثها، ويأكل ثلثها، وُيطعم الجيران ثلثها؛ لأن ذلك كان يفعله بعض السلف، لقوله: \" فكلوا وتصدقوا وأطعموا \" وذهب إلى ذلك الشافعىُّ، وقد ورد فى هذا آثارٌ ضعيفة، حتى قال الثورىُّ: \" إن تصدق بلقمة أجزأه \".\nفله أن يقسمها كيفما شاء، ولو تصدق بها كلها جاز، لما عند البخارىِّ ومسلم من حديث علىِّ (١) \" أن النبىَّ أمره أن يقوم على بُدْنه كلها لحومها وجلودها وجلالها، ولا يعطى فى جزارتها شيئا \"\n\nالرابعة: هل قول النبى (- ﷺ -) \"فكلوا \" يوجب على المضحى الأكل منها؟\n_________\n(١) البخارى (١٧١٧) ومسلم (١٣١٧)","vol":"1","page":119},{"text":"قال ابن بطال: قال الطبرىُّ: لا خلاف بين سلف الأمة وخلفها أن المضحى غير حرج بتركه الأكل من أضحيته ولا آثم، فدل إجماعهم على ذلك أن الأمر بالأكل منها بمعنى الإذن والإطلاق، لا بمعنى الإيجاب، فيستحب له الأكل منها كما فعل النبىُّ (- ﷺ -).\nوسئل مجاهد وعطاء عن الذى لا يأكل من أضحيته قالا: إن شاء لم يأكل منها، قال الله تعالى:\n(وإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) أرأيت إن لم يصطد؟. وقال إبراهيم: كان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم، فرخص للمسلمين، فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل \".\nوقال النووى كما نقل ابن حجر:\" مذهب الجمهور أنه لا يجب الأكل من الأضحية وإنما الأمر فيه للإذن، وذهب بعض السلف إلى الأخذ بظاهر الأمر، وحكاه الماوردىُّ عن أبى الطيب بن سلمة من الشافعية.\nالخامسة: هل قول النبىِّ \" وَأَطْعِمُوا \" يوجب الصدقة من الأضحية؟\nقال النووى كما نقل ابن حجر: أما الصدقة منها فالصحيح أنه يجب التصدق من الأضحية بما يقع عليه الاسم، والأكمل أن يتصدق بمعظمها.\n\nمن فوائد الحديث:\n١ - للإمام والعالم أن يراعى مصالح الناس فيما ليس فيه مخالفةٌ للشرع، فله أن يأمر بمثل ما أمر به النبىُّ، ويحض عليه إذا نزل بالناس حاجة.\n٢ - وفيه المواساة.\n٣ - وفيه كراهية أن يبيت المرء شبعان وجاره جائع.\n٤ - وفيه جواز ادخار الأقوات، وليس فيه منافاةٌ مع التوكل، فقد كان (- ﷺ -) يدخر لأهله قوت سنة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>مُسْنَدُ\n﴿أنَسِ بنِ مَالِك﴾</span>\nالتراجم\nأنس بن مالك\nأنس بن مالك بن النضر بن ضمضم الأنصاري ابن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار. الإمام، المفتي، المقرئ، المحدث، راوية الإسلام، أبو حمزة الأنصاري، الخزرجي، النجاري، المدني، خادم رسول الله - ﷺ - وقرابته من النساء، وتلميذه، وتبعه، وآخر أصحابه موتا.","vol":"1","page":120},{"text":"روى عن: النبي - ﷺ - علما جما، وعن: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وغيرهم، وعنه كثير: كالحسن، وابن سيرين، والشعبي، وأبو قلابة، ومكحول، وعمر بن عبد العزيز، وثابت البناني، وحميد الطويل، وعيسى بن طهمان، وقد سرد صاحب (التهذيب) نحو مائتي نفس من الرواة عن أنس.\nوكان أنس يقول: \" قدم رسول الله - ﷺ - المدينة وأنا ابن عشر، ومات وأنا ابن عشرين\"\nوقال: كناني النبي - ﷺ - أبا حمزة ببقلة اجتنيتها.\nوقال: جاءت بي أم سليم إلى رسول الله - ﷺ - قد أزرتني بنصف خمارها، وردتني ببعضه، فقالت:\nيا رسول الله هذا أنيس ابني، أتيتك به يخدمك، فادع الله له، فقال: (اللهم أكثر ماله وولده). فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي يتعادون على نحو من مائة اليوم.\nقال الذهبى: لم يعدُّه أصحاب المغازي في البدريين؛ لكونه حضرها صبيا ما قاتل، بل بقي في رحال الجيش، وقال: وغزا معه غير مرة، وبايع تحت الشجرة.\nقال أبو هريرة: ما رأيت أحدا أشبه بصلاة رسول الله - ﷺ - من ابن أم سليم -يعني: أنسا -.\nوقال أنس بن سيرين: كان أنس بن مالك أحسن الناس صلاة في الحضر والسفر.\nومن كراماته:\nفعن ثابت البناني، قال: جاء قيَّمُ أرض أنس، فقال: عطشت أرضوك.\nفتردى أنس، ثم خرج إلى البرية، ثم صلى، ودعا، فثارت سحابة، وغشيت أرضه، ومطرت، حتى ملأت صهريجه، وذلك في الصيف، فأرسل بعض أهله، فقال: انظر أين بلغت؟\nفإذا هي لم تعد أرضه إلا يسيرا.\nوقد كان النبي - ﷺ - يخصه ببعض العلم.\nقال المثنى بن سعيد: سمعت أنسا يقول: ما من ليلة إلا وأنا أرى فيها حبيبي. ثم يبكي.\nوعن جميلة مولاة أنس، قالت: كان ثابت إذا جاء إلى أنس قال: يا جميلة، ناولينى طيبا أمس به يدى، فإن ابن أبى ثابت، لا يرضى حتى يقبل يدى ويقول: يد مست يد رسول الله - ﷺ -.","vol":"1","page":121},{"text":"وكان قد تعرض اليه الحَجَّاج وقال له كلاما شديدا، فكتب أنسُ إلى عبد الملك بن مروان، فكتب للحجاج بالذهاب إلى أنس والاعتذار إليه فجاءه وقال له: يا أبا حمزة غضبت؟\nقال: نعم، تعرضني بحوكة البصرة؟ قال: إنما مثلي ومثلك كقول الذي قال: إياك أعني واسمعي يا جارة، أردت أن لا يكون لأحد عليَّ منطق.\nالوفاة:\nثبت مولد أنس قبل عام الهجرة بعشر سنين. وأما موته: فاختلفوا فيه، فقيل: أنه مات سنة إحدى وتسعين، وقيل: سنة اثنتين وتسعين، وقال عدة - وهو الأصح -: مات سنة ثلاث وتسعين.\n(مسنده):\nألفان ومائتان وستة وثمانون. اتفق له: البخاري، ومسلم على مائة وثمانين حديثا.\nوانفرد البخاري: بثمانين حديثا، ومسلم: بتسعين، فيكون له فى الصحيحين ٣٥٠ حديثا.\nوروى عن أنس فى الثلاثيات راويان: حميد الطويل، وعيسى بن طهمان ..\n\nالأول: حميد الطويل\nاسمه والتعريف به:\nهو حميد بن أبي حميد الطويل البصري، الإمام، الحافظ، أبو عبيدة البصري، مولى طلحة الطَلَحَات، ويقال: مولى سلمة واختلف فى اسم أبيه، وهو خال حماد بن سلمة.\nوهو كثير التدليس عن أنس حتى قيل ان معظم حديثه عنه بواسطة ثابت وقتادة ووصفه بالتدليس النسائي وغيره، وقد وقع تصريحه عن أنس بالسماع وبالتحديث في أحاديث كثيرة في البخاري وغيره، قال الذهبى: \"لحميد عن أنس في كتب الإسلام شيء كثير، وأظن له في الكتب الستة عنه مائة حديث \".\nمولده:\nفي سنة ثمان وستين، عام موت ابن عباس.\nالشيوخ والتلاميذ:\nروى عن أنس بن مالك، والحسن، وعكرمة، وثابتا البناني، وابن أبي مليكة، ويوسف بن ماهك، وطائفة. وكان صاحب حديث، ومعرفة، وصدق.\nحدث عنه عاصم بن بهدلة، وشعبة، وزياد بن سعد، وابن جريج، والسفيانان، والحمادان، ومالك، والأنصارى - الذى معنا فى هذه الروايات - وغيرهم كثير ..\nسبب تسميته بالطويل:","vol":"1","page":122},{"text":"قال الأصمعي: رأيت حميدًا ولم يكن بطويل، ولكن كان طويل اليدين، وكان قصيرا، لم يكن بذاك الطويل، ولكن كان له جار يقال له: حميد القصير. فقيل: حميد الطويل؛ ليعرف من الآخر.\n\nالجرح والتعديل:\nوثقه ابن معين والعجلى وأبو حاتم الرازي، وابن خراش.\nقال يحيى القطان: مات حميد وهو قائم يصلي.\nالوفاة: مات حميد سنة اثنتين، أو ثلاث وأربعين ومئة.\nوقد روى عن حميد، محمد الأنصارى:\n\nمحمد بنُ عبدِ الله الأنصَارِي\nاسمه والتعريف به:\nهو محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصارى، أبو عبد الله البصرى القاضى (قضى بالبصرة وببغداد)\nمولده:\nوكان مولده فى السنة التى ولد فيها عبد الله بن المبارك وهى سنة ثمانى عشرة ومئة.\nوهو من صغار أتباع التابعين.\nالجرح والتعديل:\nقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائى: ليس به بأس.\nوذكره ابن حبان فى كتاب \" الثقات \"، وقال ابن حجر: ثقة، روى له: الجماعة.\nومن أحواله:\nقال الأنصارى عن نفسه: ما أتيت سلطانا قط إلا وأنا كاره.\nوذكر عمر بن شبة فى \" أخبار البصرة \" أنه ذكر للقضاء أيام المهدى سنة ست وستين ومئة فقال عثمان بن الربيع الثقفى للفضل بن الربيع: إنه فقيه، وعفيف، ولكنه يأتمّ بقول أبى حنيفة، ولنا فى مصرنا أحكام تخالفه فلا يصلحنا إلا من أجاز أحكامنا. فتركوا ولايته إذ ذاك.\nقال يحيى بن معين، قال: كان محمد بن عبد الله الأنصارى يليق به القضاء، فقيل له: يا أبا زكريا فالحديث؟ فقال: للحرب أقوامٌ لها خلقوا وللدواوين كتَّابٌ وحُسَّابُ\nالوفاة:\nلم يزل الأنصارى بالبصرة يحدث إلى أن مات بها فى رجب سنة خمس عشرة ومئتين.","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>الأحاديث الثلاث (الثامن عشر والتاسع عشر والعشرون)</span>\n١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ أَنَّ الرُّبَيِّعَ وَهِيَ ابْنَةُ النَّضْرِ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ فَطَلَبُوا الْأَرْشَ وَطَلَبُوا الْعَفْوَ فَأَبَوْا فَأَتَوْا النَّبِيَّ - ﷺ - فَأَمَرَهُمْ بِالْقِصَاصِ فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا فَقَالَ يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَعَفَوْا فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ \" زَادَ الْفَزَارِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا الْأَرْشَ. (٢٧٠٣)\n١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ. (٤٤٩٩)\n٢٠ - حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ ابْنَةَ النَّضْرِ لَطَمَتْ جَارِيَةً فَكَسَرَتْ ثَنِيَّتَهَا فَأَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ. (٦٨٩٤)\n\nالشرح:\nالحديث الأول قال فيه الكرمانىُّ فى \"شرح البخارى\": \" وهذا عاشر ثلاثيات البخارى \"\nوقد أخرجه البخارى فى كتاب الصلح فى الباب الثامن من الكتاب، باب\" الصلح فى الدية \" ولم يذكر غيره، وفى الجهاد والسير \" رضوا بالأرش وتركوا القصاص \"\nوالحديث الثاني قال الكرمانىُّ عنه: \" هذا هو الحديث السادس عشر من الثلاثيات \"","vol":"1","page":124},{"text":"وأخرجه البخارى فى كتاب التفسير، سورة البقرة، باب \" يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص فى القتلى الحر بالحر- إلى قوله تعالى:\" عذاب أليم \" ثم رواه بسند آخر فى نفس الباب فى الحديث الذى يليه.\nأما الحديث الثالث فقد قال الكرمانىُّ فى \"شرح البخارى\": \" وهذا هو الحديث الموفى للعشرين من الثلاثيات \"\nوقد أخرجه البخارى فى كتاب الديات بَاب ﴿السِّنَّ بِالسِّنِّ﴾\nوالرُّبَيِّع: هى أخت أنس بن النضر وعمة أنس بن مالك.\nوالأَرْشُ: دِيَةُ الجِراحة (كما قال الفراهيدى) وقال صاحب اللسان: وسُمِّي أَرْشًا لأَنه من أَسباب النزاع يقال أَرَّشْتُ بين القوم إِذا أَوقعت بينهم.\nورواية الفزارى هذه رواها البخارى فى كتاب التفسير (سورة المائدة) باب \"والجروح قصاص\" برقم (٤٦١١) والفزارى اسمه مروان بن معاوية، روى عنه البخارى بواسطة وقد وثقه أحمد وبن معين -وهو من شيوخهما-، والعجلى وغيرهم ومعدود من المدلسين.\nوفى رواية \" فعجب النبى - ﷺ - وقال ... الحديث \" قال ابن حجر: ووجه تعجبه أن أنس بن النضر أقسم على نفي فعل غيره مع إصرار ذلك الغير على إيقاع ذلك الفعل فكان قضية ذلك في العادة أن يحنث في يمينه، فألهم الله الغير العفو فبر قسم أنس.\n\nوفيه سبع مسائل:\n\nالأولى: ضبط قوله - ﷺ - \" كتاب الله القصاص \"\nقال ابن حجر: \"واختلف في ضبط قوله - ﷺ - \" كتاب الله القصاص \" فالمشهور أنهما مرفوعان على أنهما مبتدأ وخبر، وقيل منصوبان على أنه مما وضع فيه المصدر موضع الفعل أي كتب الله القصاص أو على الإغراء، والقصاص بدل منه فينصب، أو ينصب بفعل محذوف، ويجوز رفعه بأن يكون خبر مبتدأ محذوف.\"\n\nالثانية: المعنى المراد من قوله \" كتاب الله القصاص\"","vol":"1","page":125},{"text":"قال ابن حجر: \" واختلف في المعنى فقيل: المراد حكم كتاب الله القصاص فهو على تقدير حذف مضاف، وقيل المراد بالكتاب الحُكْم أي حكم الله القصاص، وقيل أشار إلى قوله (والجروح قصاص، فعاقبوا) وقيل إلى قوله (فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) وقيل إلى قوله (والسن بالسن) في قوله:\n(وكتبنا عليهم فيها) بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يرفعه.\n\nالثالثة: كيفية توجيه إنكار أنس لأمر النبي (- ﷺ -) لأنه خلافٌ لما عَلِمْناهُ من الصحابة من سرعة الاستجابة؟\nقال ابن حجر: \" وقد استشكل إنكار أنس بن النضر كسر سن الرُّبَيِّع مع سماعه من النبي - ﷺ - الأمر بالقصاص ثم قال \" أتكسر سن الربيع \"؟ ثم أقسم أنها لا تكسر \"\nثم ذكر لذلك ثلاث أجوبة (١):\nا- قيل أشار بذلك إلى التأكيد على النبي - ﷺ - في طلب الشفاعة إليهم أن يعفوا عنها.\nب- وقيل كان حَلِفُه قبل أن يعلم أن القصاص حتمٌ، فظن أنه على التخيير بينه وبين الدية أو العفو\nحـ- وقيل لم يرد الإنكار المحض والرد، بل قاله توقعًا ورجاءً من فضل الله أن يلهم الخصوم الرضا حتى يعفوا أو يقبلوا الأرش، وبهذا جزم الطيبي فقال: لم يقله ردًا للحكم، بل نفى وقوعه لما كان له عند الله من اللطف به في أموره والثقة بفضله أن لا يخيبه فيما حلف به ولا يخيب ظنه فيما أراده بأن يلهمهم العفو، وقد وقع الأمر على ما أراد.\n\nالرابعة: حكم القصاص فى السن؟\n_________\n(١) الفتح، حـ ١٢،كتاب الديات باب \" السن بالسن \" صـ٢٦٩","vol":"1","page":126},{"text":"قال تعالى \" والسن بالسن \" بناءً على أن شرع من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يرد فى شرعنا ما يرفعه. قال ابن حجر: \" قال ابن بطال: أجمعوا على قلع السن بالسن فى العمد واختلفوا فى سائر عظام الجسد، فقال مالك فيها القَوَد (١)، وقال الشافعى والليث والحنفية: لا قصاص فى العظم غير السن \"ا. هـ\n\nالخامسة: كم قيمة الأرش فى السن؟\nقال القرطبى: \" قال ابن المنذر ثبت عن رسول الله (- ﷺ -) أنه أقاد من سن، وجاء الحديث عن الرسول (- ﷺ -) أنه قال:\"فى السن خمسٌ من الإبل \" (٢) ا. هـ\n\nالسادسة: هل الدية فى الأسنان كلها سواء؟\nوفيه قولان لأهل العلم، نقلها القرطبى عن ابن المنذر (٣):\nالأول: لا فضل للثنايا منها على الأنياب والأضراس والرباعيات، لدخولها كلها في ظاهر الحديث،\nوبه يقول الأكثر من أهل العلم. منهم عروة بن الزبير وطاوس والزهري وقتادة ومالك والثوري\nوالشافعي وأحمد وإسحق، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عباس ومعاوية.\"\nالثانى - عن عمر بن الخطاب أنه قضى فيما أقبل من الفم بخمس فرائض خمس فرائض، وذلك خمسون دينارا، قيمة كل فريضة عشرة دنانير. وفي الأضراس ببعير بعير.، وكان عطاء يفرق أيضًا.\nوالراجح قول الجمهور لما ثبت عن النبى (- ﷺ -) عند أبى داود من حديث ابن عباس وصححه الألبانى قال (- ﷺ -): \" الأصابع سواء والأسنان سواء الثنية والضرس سواء هذه وهذه سواء \".\n\nالسابعة: هل هناك فرقٌ بين أسنان الصغير وأسنان الكبير؟\nقال القرطبى فى التفسير (٤): بالنسبة للصغير:\n_________\n(١) القَوَدُ القِصاصُ وأَقَدْتُ القاتِلَ بالقتيل أَي قَتَلْتُه به يقال أَقاده السلطان من أَخيه\n(٢) أخرجه أبو داود وبن ماجه فى الديات، وصححه الشيخ الألبانى\n(٣) تفسير للقرآن للقرطبى، حـ٣، صـ٥٥٠ (سورة المائدة /آيه ٤٥) (بتصرف)\n(٤) تفسير للقرآن للقرطبى، حـ٣، صـ٥٥١ (سورة المائدة /آيه ٤٥)","vol":"1","page":127},{"text":"اختلفوا في سن الصبي يقلع قبل أن يثغر (١)، فكان مالك والشافعي وأصحاب الرأي يقولون: إذا قلعت سن الصبي فنبتت فلا شئ على القالع، إلا أن مالكا والشافعي قالا: إذا نبتت ناقصة الطول عن التي تقاربها أخذ له من أرشها بقدر نقصها.\nوقالت طائفة: فيها حكومة (٢)، وروي ذلك عن الشعبي، وبه قال النعمان.\nوقال ابن المنذر: يستأنى بها إلى الوقت الذي يقول أهل المعرفة إنها لا تنبت، فإذا كان ذلك كان فيها قدرها تاما، على ظاهر الحديث، وإن نبتت رد الأرش.\nوأكثر من يحفظ عنه من أهل العلم يقولون: يستأنى بها سنة، روي ذلك عن علي وزيد وعمر بن عبد العزيز وشريح والنخعي وقتادة ومالك وأصحاب الرأي. ولم يجعل الشافعى لهذا مدة معلومة.\nأما الكبير: قال: إذا قلع سن الكبير فأخذ ديتها ثم نبتت، فقال مالك لا يرد ما أخذ.\nوقال الكوفيون: يرد إذا نبتت. وللشافعي قولان: يرد ولا يرد، لأن هذا نبات لم تجربه عادة، ولا يثبت الحكم بالنادر. وتمسك الكوفيون بأن عوضها قد نبت فيرد، أصله سن الصغير.\n\nمن فوائد الحديث:\n١ - وفيه جواز الحلف فيما يظن وقوعه. فقد قال أنس \" والله لا تكسر ثنى الربيع \"\n٢ - الثناء على من وقع له ذلك عند أمن الفتنة بذلك عليه. فقد أثنى الرسول على أنس بقوله:\n\" إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره \".\n٢ - واستحباب العفو عن القصاص.\n٤ - والشفاعة في العفو.\n٥ - وأن الخيرة في القصاص أو الدية للمستحق على المستحق عليه.\n٦ - وإثبات القصاص بين النساء في الجراحات وفي الأسنان.\n٧ - وفيه الصلح على الدية، وجريان القصاص في كسر السن.\n_________\n(١) أثغر الغلام: سقطت أسنانه الرواضع.\n(٢) الحكومة في الجراح عند أهل العلم كلهم: أن يقوم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به ثم يقوم وهي به قد برئت، فما نقصته الجناية فله مثله من الدية، كأن تكون قيمته وهو عبدٌ صحيحٌ عشرة، وقيمته وهو عبد به الجناية تسعة، فيكون فيه عشر ديته.","vol":"1","page":128},{"text":"٨ - وفيه أن ما وقع هو إكرامٌ من الله لأنس ليبر يمينه، وأنه من جملة عباد الله الذين يجيب دعاءهم.\n٩ - وفيه عدل الإسلام والمساواه بين أتباعه فى الأحكام، ولا فضل لأحد على أحدٍ إلا بالتقوى.\n\nالراوى الثانى عن أنس\nعيسى بن طهمان\n\nاسمه والتعريف به:\nهو عيسى بن طهمان بن رامة الجشمى، أبو بكر البصرى (نزيل الكوفة) من صغار التابعين\nالشيوخ والتلاميذ: ومن شيوخه انس بن مالك وثابت، ومن تلامذته خلاد بن يحيى، وعبد الله بن المبارك، والفضل بن دكين، ووكيع بن الجراح، وغيرهم.\nالجرح والتعديل: وثقه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، والنسائي، والدارقطنىُّ، وقال أبو حاتم: لا بأس به، يشبه حديثه حديث أهل الصدق، ما بحديثه بأس. وقال أبو داود: لا بأس به، أحاديثه مستقيمة. وقال مرة أخرى: ثقة وقال ابن حبان وحده لا يجوز الاحتجاج به.\nالوفاة: قال الذهبى: مات قبل الستين ومئة.\nوروى من الثلاثيات عن عيسى خلاد بن يحيى:\n\nخلاد بن يحيى\nاسمه والتعريف به:\nهو خلاد بن يحيى بن صفوان السلمى، أبو محمد الكوفى (نزيل مكة)\nقال الذهبى: الإمام، المحدث، الصدوق، أبو محمد السلمي، الكوفي، وهو من صغار أتباع التابعين.\nالشيوخ والتلاميذ: روى عن سفيان الثورى وعيسى بن طهمان، وفطر بن خليفة، ومسعر بن كدام، وغيرهم، وحدث عنه: والبخاري، اسماعيل بن يزيد الرازى عم أبى زرعة، وأبو زرعة، وغيرهم كثير.\nالجرح والتعديل: قال ووثقه أحمد ابن حنبل والدارقطنى والعجلى، وقال أبو داود: ليس به بأس، وقال ابن حجر صدوق، رمى بالإرجاء، وقال الذهبي: ثقة يهم ولكن كان يرى شيئا من الإرجاء، وذكره ابن حبان فى الثقات.\nوقال الحاكم: قلت للدراقطنى: فخلاد بن يحيى؟ قال: ثقة، إنما أخطأ فى حديث واحد ; حديث: \" لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلىء شعرا \"، رفعه، ووقفه الناس.\nوروى له أبو داود والترمذى.\nالوفاة: وقال البخاري: سكن مكة، ومات بها، قريبا من سنة ثلاث عشرة ومائتين.","vol":"1","page":129},{"text":"وقال حنبل بن اسحاق: مات سنة سبع عشرة.\nولخلاد عن عيسى عن أنس فى الثلاثيات حديث واحد وهو:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>الحديث الواحد والعشرون</span>\n٢١ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ طَهْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ نَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ فِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَأَطْعَمَ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ خُبْزًا وَلَحْمًا وَكَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَكَانَتْ تَقُولُ إِنَّ اللَّهَ أَنْكَحَنِي فِي السَّمَاءِ \" (٧٤٢١)\nالشرح:\nأخرجه البخارى فى كتاب التوحيد باب \" وكان عرشه على الماء \" \" وهو رب العرش العظيم \" والشاهد من سياقته فى هذا الباب قول زينب: \" إن الله انكحني فى السماء \" وقد ذكر البخارى أطرافًا من قصة زواج النبى - ﷺ - بزينب فى مواضع أخرى منها كتاب التفسر (سورة الأحزاب)، وفى علامات النبوة.\nوزينب (﵂) هى بنت جحشٍ من بنى أسد بن خزيمة وهى ابنة عمته أميمة بنت عبد المطلب، ومن خواصها أن الله سبحانه كان وليها الذى زوجها لرسوله، وكانت تفتخر بذلك على نسائه، وهى الزوجة السابعة للنبى - ﷺ - تزوجها بعد أم سلمة (﵂)، وتوفيت فى أول خلافة عمر بن الخطاب - ﵁ -.\nوقولها \" إن الله أنكحني \" دليله قول الله تعالى \" وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ\nعَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا .... الآية \" (الأحزاب / ٣٧)\n\nوفى الحديث خمس مسائل:\n\nالأولى:\nما بوب عليه البخارى وهى مسألة الاستواء.\nوفى معنى الاستواء قال ابن بطال: \" اختلف الناس في الاستواء المذكور هنا:","vol":"1","page":130},{"text":"* فقالت المعتزلة: معناه الاستيلاء بالقهر والغلبة. ورد عليهم بقوله:\n\" فأما قول المعتزلة فإنه فاسد لأنه لم يزل قاهرا غالبا مستوليا، وقوله: \"ثم استوى \" يقتضي افتتاح هذا الوصف بعد أن لم يكن، ولازم تأويلهم أنه كان مغالبا فيه فاستولى عليه بقهر من غالبه، وهذا منتف عن الله سبحانه \"\n* وقالت المجسمة: معناه الاستقرار. ورد عليهم بن بطال بقوله:\n\" وأما قول المجسمة ففاسد أيضا، لأن الاستقرار من صفات الأجسام ويلزم منه الحلول والتناهي، وهو محال في حق الله تعالى، ولائق بالمخلوقات لقوله تعالى: ﴿فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك﴾ وقوله: ﴿لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه﴾ \"\n* وقال بعض أهل السنة: معناه ارتفع، وبعضهم معناه علا، وبعضهم معناه الملك والقدرة.\nقال وأما تفسير استوى: علا فهو صحيح وهو المذهب الحق، وقول أهل السنة لأن الله سبحانه وصف نفسه بالعلي. وقال: ﴿سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ وهي صفة من صفات الذات.\nوأما من فسره: ارتفع ففيه نظر لأنه لم يصف به نفسه.\nوقيل معنى الاستواء التمام والفراغ من فعل الشيء، ومنه قوله تعالى:\" ولما بلغ أشده واستوى\" فعلى هذا فمعنى استوى على العرش أتم الخلق، وخص لفظ العرش لكونه أعظم الأشياء.\nوقيل إن \" على \" في قوله على العرش بمعنى: إلى، فالمراد على هذا انتهى إلى العرش أي فيما يتعلق بالعرش لأنه خلق الخلق شيئا بعد شيء، ثم من هذه نخرج بمسألةٍ أخرى:\n\n* هل الاستواء صفة ذات أو صفة فعل؟\n\nقال ابن بطال: \" واختلف أهل السنة فمن قال معناه علا قال هي صفة ذات، ومن قال غير ذلك قال هي صفة فعل، وإن الله فعل فعلا سماه استوى على عرشه، لا أن ذلك قائم بذاته لاستحالة قيام الحوادث به \" ا. هـ\nوقال ابن خزيمة:\nمن لم يقر بأن الله على عرشه قد استوى فوق سبع سماواته، فهو كافر حلال الدم، وكان ماله فيئا.","vol":"1","page":131},{"text":"وعلق الذهبىُّ على كلام ابن خزيمة قائلًا (١):\n\" من أقر بذلك تصديقا لكتاب الله، ولأحاديث رسول الله - ﷺ - وآمن به مفوضا معناه إلى الله ورسوله، ولم يخض في التأويل ولا عمق، فهو المسلم المتبع، ومن أنكر ذلك، فلم يدر بثبوت ذلك في الكتاب والسنة، فهو مقصر والله يعفو عنه، إذ لم يوجب الله على كل مسلم حفظ ما ورد في ذلك، ومن أنكر ذلك بعد العلم، وقَفا غير سبيل السلف الصالح، وتمعقل على النص، فأمره إلى الله، نعوذ بالله من الضلال والهوى، وكلام ابن خزيمة هذا - وإن كان حقا - فهو فج، لا تحتمله نفوس كثير من متأخري العلماء. \" ا. هـ\n\nالثانية:\nزواج النبى - ﷺ - بزينب بنت جحش والوليمة عليها.\nفقد تزوج النبى (- ﷺ -) بزينب بعدما قضت عدة طلاقها من زيد بن حارثة، فقد أخبر اللهُ ﷿ النبىَّ (- ﷺ -) أن زينب ستكون من أزواجه فكتم ذلك النبى - ﷺ - وقال لزيد لما اشتدت زينبُ عليه \" أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ\"، وكان يخشى أن الناس يتكلمون أنه تزوج بحليلة ابنه من التبنى، فنزل القرآن ليبطل كل معتقدات الجاهلية فى مسألة التبنى، وجعل تطبيق هذا عمليًا على شخص النبى (- ﷺ -) القائد حتى يسهل الأمر على أتباعه بعد ذلك، فنزل القرآن بتزويج النبى بها، وهذا ما كان النبىُّ يخفيه، يقول ابن حجر: \" والحاصل أن الذي كان يخفيه النبي - ﷺ - هو إخبار الله إياه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس تزوج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التبني بأمر لا أبلغ في الإبطال منه وهو تزوج امرأة الذي يدعى ابنا \" ا. هـ، فلذلك كانت تفتخر على أزواجه.\n_________\n(١) السير، حـ ١١، صـ ٢٣١ (ترجمة ابن خزيمة)","vol":"1","page":132},{"text":"وفى هذا الزواج المبارك أَوْلَمَ النبىُّ (- ﷺ -) عليها وأطعمهم لحمًا وخبزًا، وقد وقع عند مسلم وعلقه البخارى عن أنس أيضًا قال: \" تزوج النبي - ﷺ - فدخل بأهله، فصنعت له أم سليم حيسا، فذهبت به إلى النبي - ﷺ - فقال: ادع لي فلانا وفلانا، وذهبتُ فدعوتهم زهاء ثلاثمائة رجل \" وللتوفيق بين الروايتين قال ابن حجر:\n\"ويجمع بينه وبين رواية حميد بأنه - ﷺ - أولم عليه باللحم والخبز، وأرسلت إليه أم سليم الحَيْس \"\n\nمسائل تتعلق بالوليمة:\nتعريفها: الوليمة: اسم للطعام فى العرس خاصة.\nحكمها: فيها رأيان لأهل العلم:\nالأول: الوليمة سنةٌ مستحبةٌ مؤكدة للمتزوج أن يولم بما تيسر دون إسراف للنهى الوارد فى ذلك، وقد أولمَ النبىُّ (- ﷺ -) على نسائه كما فى هذا الحديث، وهذا مذهب الجمهور.\nالثانى: الوجوب\nوذهب إلى ذلك الشافعىُّ ومالك - فى قول- والظاهرية، وهو رأى الشيخ الألبانى، ومن أدلتهم:\nقول رسول الله - ﷺ -: \" إنه لا بد للعرس (وفي رواية للعروس) من وليمة \" (١)\n\nإجابة الدعوة للوليمة:\nذهب جمهور العلماء، -وبه قال الشيخ الألبانى كما فى آداب الزفاف- إلى أن إجابة دعوة العُرْس واجبة إلا لعذر، ودليل ذلك رواية ابن عمر عند البخارى: قال (- ﷺ -): \" إذا دُعِىَ أحدكم إلى الوليمة فليأتها \".\nوكذلك حديث أبى هريرة عند البخارى ومسلم موقوفًا \" ومن ترك الدعوة فقد عصى أبى القاسم \".\n* ومن الأعذار المخالفات الشرعية التى تقع، وما شابهها. ودليل ذلك ما رواه ابن ماجة بسند صححه الشيخ الألبانى فى آداب الزفاف عن علي قال:\n\" صنعت طعاما فدعوت رسول الله - ﷺ - فجاء فرأى في البيت تصاوير فرجع ..... الحديث \"\n_________\n(١) قال الألبانى فى آداب الزفاف: رواه أحمد والطبراني والطحاوي. وإسناده كما قال الحافظ في الفتح: \" لا بأس به \"","vol":"1","page":133},{"text":"وقال الإمام الأوزاعي: \" لا ندخل وليمة فيها طبل ولا معزاف \" (١)\n\nولمناسبة الكلام على زواج النبى - ﷺ - بزينب والحديث من قصة الأحزاب فهنا سؤالٌ يطرح نفسه وهى المسألة الثالثة:\n\nالثالثة:\nهل حرمت النساء على النبى - ﷺ - تحريمًا أبديًا لقوله تعالى \" لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ \"؟\nهذا الأمر على أقوال ذكرها ابن كثير فى تفسيره:\nالأول: أن الأية منسوخة، قاله: ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وابن زيد، وابن جرير، وغيرهم قال ابن كثير ﵀: \" هذه الآية نزلت مجازاة لأزواج النبي - ﷺ - ورضًا عنهن، على حسن صنيعهن في اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة، لما خيرهن رسول الله - ﷺ -، كما فى قوله \" إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ... الآية \". فلما اخترن رسول الله - ﷺ -، كان جزاؤهن أن الله قَصَره عليهن، وحرم عليه أن يتزوج بغيرهن، أو يستبدل بهن أزواجا غيرهن، ولو أعجبه حسنهن إلا الإماء والسراري فلا حجر عليه فيهن. ثم إنه تعالى رفع عنه الحرج في ذلك ونسخ حكم هذه الآية، وأباح له التزوج، ولكن لم يقع منه بعد ذلك تَزَوّج لتكون المنة للرسول - ﷺ - عليهن.\nودليل ذلك ما رواه الإمام أحمد (٢) عن السيدة عائشة -- قالت:\" ما مات رسول الله - ﷺ - حتى أحل الله له النساء\"\n_________\n(١) قال الألبانى فى آداب الزفاف: \" رواه أبو الحسن الحربي في \" الفوائد المنتقاة \" بسند صحيح عنه \"\n(٢) رواه أحمد (٢٤١٨٣) والترمذى (٣٢١٦) والنسائىُّ (٣٢٠٤) وقال الترمذى هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألبانىُّ","vol":"1","page":134},{"text":"وعن أم سلمة أنها قالت: لم يمت رسول الله - ﷺ - حتى أحلَّ الله له أن يتزوج من النساء ما شاء، إلا ذات محرم، وذلك قول الله، ﷿: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾.\nالثانى: وقال آخرون: بل معنى الآية: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي: من بعد ما ذكرنا لك من صفة النساء اللاتي أحللنا لك من نسائك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك، وبنات العم والعمات والخال والخالات والواهبة وما سوى ذلك من أصناف النساء فلا يحل لك. هذا مرويّ عن أبي بن كعب، ومجاهد، وعِكْرِمة، والضحاك -في رواية -وأبي رَزِين -في رواية عنه -وأبي صالح، والحسن، وقتادة -في رواية -والسدي، وغيرهم.\nقال ابن كثير -﵀-: \" واختار ابن جرير، ﵀، أن الآية عامة فيمن ذكر من أصناف النساء، وفي النساء اللواتي في عصمته وكن تسعا. وهذا الذي قاله جيد، ولعله مراد كثير ممن حكينا عنه من السلف؛ فإن كثيرا منهم روي عنه هذا وهذا، ولا منافاة، والله أعلم \".\n\nالرابعة:\nنزول آية الحجاب.\nوقد رواها البخارى عن أنس فى أكثر من موضع بعضها أسهب من بعض حتى قال أنس عن نفسه:\n\" أنا أعلم الناس بهذه الآية آية الحجاب ... الحديث \" حيث قد طال مُكْثُ بعضِ الصحابة\nفى بيت النبى - ﷺ - ليلة عرسه ممن حضر الوليمة، فلما خرجوا قال أنس: \" فذهبت أدخل فأُلْقِىَ الحجاب بينى وبينه وأنزل الله الآية .. \"\nفقد أرخى الستر بينه وبين خادمه ولم يكن له بذلك عهد، وقد أكملت رواية الترمذى الأمر فقد قال أنس فيها: \" فلما أرخى الستر دونى ذكرت ذلك لأبى طلحة فقال: إن كان كما تقول لينزلن فيه قرآن، فنزلت آية الحجاب \". وحجاب أمهات المسلمين كلم عمرُ بنُ الخطاب النبىَّ (- ﷺ -) فيه كثيرًا قائلًا: \" احجب نساءك \" حتى نزل القرآن موافقًا لرأيه.","vol":"1","page":135},{"text":"وآية الحجاب هي: \" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ .... الآية \" (الأحزاب / ٥٣)\n\nالخامسة: بعض أحكام الحجاب الشرعى.\nتعريفه (١): الحجاب: مصدر يدور معناه لغة على: السَّتر والحيلولة والمنع.\nوحجاب المرأة شرعًا: هو ستر المرأة جميع بدنها وزينتها، بما يمنع الأجانب عنها من رؤية شيء من بدنها أو زينتها التي تتزين بها، ويكون استتارها باللباس وبالبيوت.\nأما ستر البدن: فيشمل جَميعه، ومنه الوجه والكفان.\nوأما ستر زينتها: فهو ستر ما تتزين به المرأة، خارجًا عن أصل خلقتها، وهذا معنى الزينة في قول الله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن﴾ [النور: ٣١]، ويسمى: الزينة المكتسبة، والمستثنى في قوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ هو الزينة المكتسبة الظاهرة\nوالحجاب حجابان؛ حجاب البروز ويكون باللباس الشرعى الذى سنذكر أوصافه.\nوحجاب البيوت، ويكون بملازمة البيت لقوله تعالى: \" وقرن فى بيوتكن \"\nشروط الحجاب (٢):\n١ - استيعاب جميع البدن إلا ما استثني. ... ٢ - أن لا يكون زينة في نفسه. ... ٣ - أن يكون صفيقا لا يشف. ... ٤ - أن يكون فضفاضا غير ضيق.\n٥ - أن لا يكون مبخرا مطيبا. ... ٦ - أن لا يشبه لباس الرجل.\n٧ - أن لا يشبه لباس الكافرات. ... ٨ - أن لا يكون لباس شهرة.\nفضائل الحجاب:\n_________\n(١) حراسة الفضيلة، بكر ابو زيد، (٢١)\n(٢) جلباب المرأة المسلمة - الألباني، ٣٧","vol":"1","page":136},{"text":"قال الشيخ بكر أبو زيد -﵀- (١): ومن وراء افتراضه حكم وأسرار عظيمة، وفضائل محمودة، وغايات ومصالح كبيرة، منها:\n١ - حفظ العِرض. ... ٢ - طهارة القلوب، لقوله تعالى: ﴿ذلك أطهر لقلوبكم وقلوبهن﴾.\n٣ - مكارم الأخلاق من العفة والاحتشام والحياء والغيرة، والحجب لمساويها.\n٤ - علامة على العفيفات لقوله تعالى: ﴿ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين﴾\n٥ - قطع الأطماع والخواطر الشيطانية. ... ٦ - حفظ الحياء.\n٧ - الحجاب يمنع نفوذ التبرج والسفور والاختلاط إلى مجتمعات أهل الإسلام.\n٨ - الحجاب حصانة ضد الزنا والإباحية.\n٩ - المرأة عورة، والحجاب ساتر لها، وهذا من التقوى ... ١٠ - حفظ الغيرة.\nالسادسة: تفاخر زينب على أزواج النبى - ﷺ -.\nوكانت تفخر على نساء النبى (- ﷺ -) بقولها: \" أنتن أنكحكن آباؤكن \"\nفهل كل نسائه زوجها أبوها؟\nقال ابن حجر: وهذا الإطلاق محمول على البعض، وإلا فالمحقق أن التي زوجها أبوها منهن عائشة وحفصة فقط، وفي سودة وزينب بنت خزيمة وجويرية احتمال، وأما أم سلمة وأم حبيبة وصفية وميمونة فلم يزوج واحدة منهن أبوها.\nمن فوائد الحديث:\n\n١ - وجوب الحجاب على نساء المؤمنين.\n٢ - العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فقد قال أنس: \" نزلت فى زينب \" ولكن الحكم عام لكل مسلمة بنص كتاب الله قال تعالى: \" يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ \"\n٣ - ترك الكنية لا يتنافى مع الأدب، فقد قال أنس: \" نزلت فى زينب \" ولم يقل: \" أم المؤمنين \" والصحابة هم آدب القوم.\n٤ - وجوب الوليمة فى الأعراس.\n٥ - لا يشترط اللحم فى الوليمة ولكن بما تيسر، لما عند مسلم فى هذه الرواية: \" فصنعت له أم سليم حيسا \" - أى فى الوليمة -، وكما فى حديث أنس عند البخارى فى زواج النبىِّ بصفيه،\n_________\n(١) حراسة الفضيلة، بكر ابو زيد، (٥٣:٥١)","vol":"1","page":137},{"text":"وفيه: \" فدعوت المسلمين إلى وليمته وما كان فيها من خبز ولا لحم ... .. الحديث \"\n٦ - جواز الافتخار بما أنعم الله به، إذا أمن العبد على نفسه الفتنة.\n٧ - مشروعية التحدث بنعم الله، ووجوب الشكر عليها.\n٨ - وفيه استحباب صلاة الاستخارة لمن هم بأمر سواءٌ كان هذا الأمر خيرًا أم شر، كما تبين ذلك من بعض طرق الحديث فعند مسلم قالت زينب لزيد لما جاءها فى زواج النبى منها: \" ما أنا بصانعة شيئًا حتى أوامر ربى \".\n٩ - مكانة النبى (- ﷺ -) عند الصحابة ومدى رفعة أخلاق هذا الجيل الفريد، ففى رواية مسلم أن النبىَّ أرسل زيدٌ يذكرها عليه، فلما انطلق زيدٌ إليها قال: \" فلما رأيتها عظِمَت فى صدرى حتى ما أستطيع أنظر إليها أن رسول الله ذكرها، فوليتها ظهرى ونكصت على عقبى فقلت: \" يا زينب أرسل رسول الله يذكرك ....... \".\n١٠ - وفيه أنه لا بأس أن يبعث الرجل لخطبة المرأة له من كان زوجها إذا علم أنه لا يكره ذلك. قاله النووى.\n١١ - وفيه أن الوليمة على الزواج مما لا يدخل فى العدل بين الأزواج، فقد أولم (- ﷺ -) على زينب بما لا يولم به على غيرها، كما قال أنس.\n١٢ - وفيه علامة من علامات نبوته (- ﷺ -)، حيث أنه لما أهدى له الحيس من أم سليم وضع يده عليه ودعا، حتى طعم الجميع، حتى قال أنس: \" فما أدرى حين وضعت -أى الطعام- كان اكثر أم حين رفعت \".\n١٣ - جواز الوكالة فى الدعوة إلى الوليمة.\n١٤ - لا يشترط ان يكون مال الوليمة من مال الزوج بل يجوز إهداؤه إليه.\n١٥ - وفيه أنه من الأدب مراعاة مشاعر الناس، ومراعاة حالة المضيف حتى لا تثقل عليه، فيتأذى بذلك ويمنعه الحياء من الإفصاح بمراده.\n١٦ - وفيه تكفل الله ﷿ عن حماية جناب النبى (- ﷺ -) من كل ما قد يسبب له أذى فقال للأمة: \" إن ذلكم كان يؤذى النبى \".","vol":"1","page":138},{"text":"١٧ - وفيه حفاظ الله ﷿ لهذه الأمة فى كل أحوالها، فقد قال تعالى: \" والذين يؤذون رسول الله لهم عذابٌ أليم \" فلما غفل هؤلاء النفر الذين أطالوا البقاء عند النبى أن هذا مما يؤذيه رفع الله الحرج عن الأمة فعلمهم حتى لا ينالهم العذاب الأليم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>مُسْنَد\n﴿عبد الله بن بُسْر﴾</span>\nالتراجم\nعبد الله بن بسر\nهو الصحابي، المعمر، بركة الشام، أبو بسر ويقال أبو صفوان المازني، نزيل حمص.\nله ولأبويه صحبة، وصحبتة يسيرة زارهم النبى - ﷺ - وأكل عندهم، ودعا لهم، وهو آخر من مات بالشام من أصحاب رسول الله - ﷺ -.\nروى له الجماعة وله: أحاديث قليلة بلغت خمسين حديثا، وكان ممن صلى إلى القبلتين.\nوقد غزا جزيرة قبرس مع معاوية في دولة عثمان.\nصفته:\nوقال حريز بن عثمان: رأيت عبد الله بن بسر وثيابه مشمرة، ورداؤه فوق القميص، وشعره مفروق يغطي أذنيه، وشاربه مقصوص مع الشفة، كنا نقف عليه، ونتعجب.\nوقال صفوان بن عمرو: رأيت في جبهة عبد الله بن بسر أثر السجود.\nقالت أم هاشم الطائية: رأيت عبد الله بن بسر يتوضأ، فخرجت نفسه - ﵁ -.\nالوفاة:\nقال الواقدي: مات سنة ثمان وثمانين، وهو آخر من مات من الصحابة بالشام.\nقال: وله أربع وتسعون سنة. وقيل سنة ست وتسعين.\n* وقد روى أحمد فى ذلك بسند حسن عن عصام بن خالد قال: حدثنا الحسن بن أيوب الحضرمي قال: أراني عبد الله بن بسر شامة في قرنه، فوضعت أصبعي عليها، فقال: وضع رسول الله - ﷺ - أصبعه عليها، ثم قال: \" لتبلغن قرنا \".\nوله فى الثلاثيات حديثٌ واحد والراوى عنه: \" حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ \"\n\nحَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ\nاسمه والتعريف به:\nحريز بن عثمان أبو عثمان الرحبي المشرقى الحمصى، محدث ثقة ثبت، من أهل حمص.\nلم يكن في الشام أعلم منه بالحديث في عصره. رحل إلى بغداد في زمن المهدي العباسي، وزار مصر، وحج.","vol":"1","page":139},{"text":"وكانوا يتهمونه بانتقاص عليّ والنيل منه. والرحبي نسبة إلى (رحبة) بطن من حمير، حدث بالشام وبالعراق، وحديثه نحو المائتين، ويرمى بالنصب. وقد روى البخارىُّ عنه لما تقرر فى الأصول من أن المحدثين يون الرواية عن اهل البدعة من الخوارج والرافضة إذا كانوا من أهل الضبط والديانة، ولا تكون الرواية فيما تؤيد بدعته.\nمولده:\nقال يزيد بن عبد ربه: ومولده سنة ثمانين.\nالجرح والتعديل:\nقال الذهبى معقبًا على ما رمى به: \" هذا الشيخ كان أورع من ذلك، وقد قال معاذ بن معاذ: لا أعلم أني رأيت شاميا أفضل من حريز.\"\nوقد قال أبو حاتم: لا يصح عندي ما يقال في رأيه، ولا أعلم بالشام أحدا أثبت منه.\nوقال أحمد بن حنبل: حريز: ثقة، ثقة، ثقة، لم يكن يرى القدر.\nومن حِكَمِه:\n\" لا تعادِ أحدًا حتى تعلم ما بينه وبين الله، فإن يكن محسنًا، فإن الله لا يُسْلمه لعدواتك، وإن يكن مسيئا، فأوشك بعمله أن يكفيكه \".\nالوفاة:\nتوفي حريز بن عثمان: سنة ثلاث وستين ومائة، وله نيف وتسعون سنة.\n\nوليس له فى الثلاثيات إلا حديثٌ واحد يرويه عنه: عِصَامُ بْنُ خَالِدٍ\n\nعِصَامُ بْنُ خَالِدٍ\nاسمه والتعريف به:\nعِصَام بن خَالِد أَبُو إِسْحَاق الْحَضْرَمِيّ الْحِمصِي، من صغار أتباع التابعين، وهو من شيوخ الإمام أحمد\nالشيوخ والتلاميذ:\nروى عن أبيه وحريز وأرطاة ابن المنذر وإسماعيل بن عياش وصفوان بن عمرو بن هرم السكسكي وغيرهم، وروى عنه الإمام احمد، والبخاري، والحسن بن على بن عياش الحمصي، ومحمد بن مسلم الرازي وغيرهم.\nالجرح والتعديل:\nقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان فى كتاب \" الثقات \".\nوقال ابن حجر: صدوق.\nالوفاة:\nقال البخارى: مات ما بين سنة إحدى عشرة إلى سنة خمس عشرة ومئتين.","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>الحديث الثانى والعشرون</span>\n٢٢ - حَدَّثَنَا عِصَامُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُسْرٍ صَاحِبَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ أَرَأَيْتَ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ شَيْخًا؟ قَالَ كَانَ فِي عَنْفَقَتِهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ. (٣٥٤٦)\n\nالشرح:\nقال القسطلانى فى \"إرشاد السارى\": \" هذا الحديث هو الثالث عشر من ثلاثياته وهو من أفراده \" وكذا نص على ذلك الكرمانىُّ فى شرحه.\nوأخرجه البخارى فى كتاب المناقب، باب \" صفة النبى (- ﷺ -).وليس لعصام هذا فى البخارى سوى هذا الحديث، ومن النكت أن أبا زرعة الدمشقي وهو دون البخارى في الطبقة وقد يعد من أقرانه أن هذا الحديث وقع له ثلاثيًا كما في تاريخه:\nقال: حدثني علي بن عياش قال حدثنا حريز بن عثمان قال: قلت لعبد الله بن بسر أرأيت رسول الله - ﷺ - أكان شيخًا؟ قال كان في عنفقته شعرات بيض.\nوالحديث ينقل لنا بعض صفات النبى (- ﷺ -) الخِلْقِيّة، فإنه لم يشب شعره.\nوعلة تخصيص عبد الله بن بسر بصفة الصحبة فقال: \" صاحب رسول الله \" لأن هناك أيضًا \" عبد الله بن بسر السكسكى الحبرانى \" من صغار التابعين وهو من تلاميذ بن بسر الصحابى فحتى لا يتوهم ان الحديث مرسل خصصه - والله أعلم -\nوفيه أربع مسائل:\n\nالأولى: قوله \" أرأيت \"\nلها احتمالان: قال ابن حجر:\nالأول: بمعنى أخبرني و\" النبي \" بالرفع على أنه اسم كان، والتقدير: أخبرني أكان النبي - ﷺ - شيخا؟ واعترض البدر العينى على كون \" النبى\" اسم كان وقال: فيه ما فيه، والنبىُّ مرفوعٌ على الابتداء وكان شيخًا خبرها ا-هـ","vol":"1","page":141},{"text":"الثاني: يحتمل أن يكون \" أرأيت \" استفهاما منه هل رأى النبي - ﷺ -؟ ويكون \" النبيّ \" بالنصب على المفعولية. وكان شيخا استفهام ثان حذفت منه أداة الاستفهام. وقد جاءت بعض الروايات أن حريز سأله السؤالين، كما فى رواية أبى زرعة السابقة.\n\nالثانية: العنفقة:\nهى ما بين الذقن والشفة السفلى سواء كان عليها شعر أم لا. وتطلق على الشعر أيضا.\n\nالثالثة: هل شاب النبى (- ﷺ -) أو صبغ؟\nأجاب عبد الله بن بسر على حريز بن عثمان فى روايةٍ أخرى على هذا السؤال فقال له: \" يا ابن أخى لم يبلغ النبى (- ﷺ -) ذلك \" وروايات أنس كلها تدل على أن النبى (- ﷺ -) مابلغ به المشيب إلا قليل من الشعرات فى لحيته ما تجاوزت العشرين، كما روى البخارى عن أنس قال: \" فتوفاه الله وليس فى رأسه ولحيته عشرون شعرةً بيضاء \". وقال الكرماني \"شعرات\": جمع قلة فلا يكون زائدا على عشرة، فيأخذ من كلام الكرمانى أن العشر كانوا فى عنقته، وما زاد على ذلك فكان فى لحيته كما قال أنس: \" إنما كان شيءٌ فى صدغيه \" أما ما ورد أنه قد رؤي شعرٌ أحمر للنبى (- ﷺ -)، فإنما كانت هذه الحمرة من أثر الطيب، ودليل ذلك - كما ذكر ابن حجر - ما ثبت عن عمر بن عبد العزيز قال:\" قلت لأنس: هل خضب النبى (- ﷺ -) فقد رأيت شعرًا من شعره قد لون؟ فقال: إنما هذا الذى لُوِّن من الطيب الذى كان يطيب به شعر رسول الله فهو الذى غير لونه \"\n\nالرابعة: ما الحكمة فى تقليل البياض بالنسبة له رغم أن للشيب فى الإسلام مكانة، قال عنها: \" من شاب شيبة فى الإسلام كانت له نورًا يوم القيامة \"؟","vol":"1","page":142},{"text":"قال القارى فى شرحه للثلاثيات: \" لما كان النبىُّ - ﷺ - حبب إليه من الدنيا النساء، والنساء لا يحببن الشيب كما ثبت عن عائشة قالت: \" ما شانه الله بالبياض \" فقد صانه الله عما شانه لديهن، لئلا يكون مكروهًا عليهن \".\nقلت وكما قال القائل: وقائلةٍ: تخضب فالغواني نوافر عن معاينة النذير\nوالنذير فى البيت هو الشيب كما ثبت عن ابن عباس وعكرمة وسفيان ووكيع والطبرى فى قوله تعالى: \" وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ \"\nومن فوائد الحديث:\n١ - مدى اهتمام الصحابة بشأن النبى - ﷺ - كله، حتى عدوا عدد الشيب فى رأسه.\n٢ - صيانة الله لنبيه عما يشينه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>الباب الثالث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>المبحث الأول: </span>روايات فى البخارى بصورة الثلاثيات\nالمبحث الثانى: روايات فى البخارى فى حكم الثلاثيات\nالمبحث الثالث: ثلاثيات فى الأدب المفرد للبخارى\n\nالمبحث الأول\nروايات بصورة الثلاثيات\nهناك كثير من الأحاديث فى البخارى تأخذ صورة الثلاثيات، فسندها عبارة عن ثلاثة من الرواة، إلا أنها ليست روايات ثلاثية، وذلك إما لأنها من المعلقات ففيها راوٍ أو أكثر محذوف من أول السند، وإما للإرسال، أو غير ذلك من الأسباب التى تخرجه عن حيز الثلاثيات، ومن ذلك.\nالحديث الأول\nقال البخارىُّ: حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ سَمِعْتُ مَهْدِيَّ بْنَ مَيْمُونٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيَّ يَقُولُ: كُنَّا نَعْبُدُ الْحَجَرَ فَإِذَا وَجَدْنَا حَجَرًا هُوَ أَخْيَرُ مِنْهُ أَلْقَيْنَاهُ وَأَخَذْنَا الْآخَرَ فَإِذَا لَمْ نَجِدْ حَجَرًا جَمَعْنَا جُثْوَةً مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ جِئْنَا بِالشَّاةِ فَحَلَبْنَاهُ عَلَيْهِ ثُمَّ طُفْنَا بِهِ فَإِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَجَبٍ قُلْنَا مُنَصِّلُ الْأَسِنَّةِ فَلَا نَدَعُ رُمْحًا فِيهِ حَدِيدَةٌ وَلَا سَهْمًا فِيهِ حَدِيدَةٌ إِلَّا نَزَعْنَاهُ وَأَلْقَيْنَاهُ شَهْرَ رَجَبٍ","vol":"1","page":143},{"text":"وَسَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ يَقُولُ كُنْتُ يَوْمَ بُعِثَ النَّبِيُّ - ﷺ - غُلَامًا أَرْعَى الْإِبِلَ عَلَى أَهْلِي فَلَمَّا سَمِعْنَا بِخُرُوجِهِ فَرَرْنَا إِلَى النَّارِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ. (٤١١٧)\nالتعليق:\nالحديث أخرجه البخارى فى كتاب المغازى، باب \" وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال \". وفى نفى أن هذه الرواية من الثلاثيات يقول البدر العينى:\nأبو رجاء العطاردي أسلم زمن النبي ولم يره، وهذا لا يحسب من الثلاثيات لأنه لم يرو حديثا عن النبي - ﷺ - بل حكى عن حاله فقط بخروجه، أي بظهوره على قومه من قريش بفتح مكة، وليس المراد منه مبدأ ظهوره بالنبوة ولا خروجه من مكة إلى المدينة.\nالحديث الثانى\nقال ابو عبد الله: وَقَالَ اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ دَعَا النَّبِيُّ - ﷺ - الْأَنْصَارَ لِيُقْطِعَ لَهُمْ بِالْبَحْرَيْنِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ فَعَلْتَ فَاكْتُبْ لِإِخْوَانِنَا مِنْ قُرَيْشٍ بِمِثْلِهَا فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي.\nالتعليق:\nاخرجه البخارى فى كتاب المساقاة والشرب، باب: كتابة القطائع.\nوهذه الرواية من المعلقات فإن البخارى لم يدرك الليث ولا يصح عده من الثلاثيات لأن البخاري أخذه عن واحد عن الليث إما عبد الله بن يوسف أو ابن بكير أو قتيبة أو غيرهم ممن حدث البخاري عنهم عن الليث ٠","vol":"1","page":144},{"text":"الحديث الثالث\nقال ابو عبد الله: حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَا لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - حَوْلَ الْبَيْتِ حَائِطٌ كَانُوا يُصَلُّونَ حَوْلَ الْبَيْتِ حَتَّى كَانَ عُمَرُ فَبَنَى حَوْلَهُ حَائِطًا قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ جَدْرُهُ قَصِيرٌ فَبَنَاهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ.\nالتعليق:\nاخرج البخارى الحديث فى كتاب فضائل الصحابة، باب بنيان الكعبه\nوهذا الحديث من مرسل التابعين فلا يصح عده من الثلاثيات لأن مقصودهم بها ما كان بين المصنف والنبي - ﷺ - ثلاثة أنفس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>المبحث الثانى</span>\nوهناك في الصحيح ما كان حكمه حكم الثلاثيات ولا يعد منها، وصورة ذلك أن يكون شيخُ شيخِ البخارى تابعيًا ولكن لا يروى عن صحابىٍّ بل عن تابعىٍّ آخر، أو يكون بين البخارى والصحابىِّ اثنان، ولكن هذا الصحابىَّ يروى عن صحابىٍّ آخر،\nكما قال ابن حجر (١): \" أعلى ما يقع للبخاري ما بينه وبين الصحابي فيه اثنان، فإن كان الصحابي يرويه عن النبي ﷺ فحينئذ توجد فيه صورة الثلاثي، وإن كان يرويه عن صحابي آخر فلا، لكن الحكم من حيث العلو واحد لصدق أن بينه وبين الصحابي اثنين. وهكذا تقول بالنسبة إلى التابعي إذا لم يقع بينه وبينه إلا واحد، فإن رواه التابعي عن صحابي فعلى ما تقدم، وإن رواه عن تابعي آخر فله حكم العلو لا صورة الثلاثي \".\nومن ذلك:\nالحديث الأول\nقال البخارى: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ.\nالتعليق:\nأخرجه البخارى فى كتاب الصلاة، باب \" باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفا به \"\n_________\n(١) الفتح، حديث رقم (٣٤١)","vol":"1","page":145},{"text":"قال الحافظ في الفتح: \" هذا الإسناد له حكم الثلاثيات وإن لم تكن له صورتها \"، ثم قال: \" فإن هشام بن عروة من التابعين، لكنه حدث هنا عن تابعي آخر وهو أبوه، فلو رواه عن صحابي ورواه ذلك الصحابي عن النبي - ﷺ - لكان ثلاثيا. والحاصل أن هذا من العلو النسبي لا المطلق والله أعلم.\nوعمر الصحابىّ هذا هو ربيب النبىِّ - ﷺ -، قال ابن بطال: فائدة الالتحاف المذكور أن لا ينظر المصلي إلى عورة نفسه إذا ركع، ولئلا يسقط الثوب عند الركوع والسجود.\n\nالحديث الثانى\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ قَالَ إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ قُلْتُ فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ قَالَ أَعْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا قُلْتُ فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ قَالَ تُعِينُ ضَايِعًا أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ قَالَ فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ قَالَ تَدَعُ النَّاسَ مِنْ الشَّرِّ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ.\nالتعليق:\nوالحديث أخرجه البخارى فى كتاب العتق، باب \" أى الرقاب أفضل \"\nويقال فيه كالذى قيل قبله، قال ابن حجر معلقًا على هذه الرواية: \" هذا من أعلى حديث وقع في البخاري، وهو في حكم الثلاثيات، لأن هشام بن عروة شيخ شيخه من التابعين وإن كان هنا روى عن تابعي آخر وهو أبوه، وقد رواه الحارث بن أسامة عن عبيد الله بن موسى فقال: \"أخبرنا هشام بن عروة\" أخرجه أبو نعيم في \"المستخرج\".\" ٠","vol":"1","page":146},{"text":"الحديث الثالث\nقال البخاري: وَقَالَ عَلِيٌّ حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيٍّ بِذَلِكَ.\nالتعليق:\nأخرجه البخارى فى كتاب العلم \" باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا \"\nفأبو الطفيل صحابي ولكن هنا لم يرو عن النبي - ﷺ - بل عن صحابي آخر، قال ابن حجر: \" وهذا الإسناد من عوالي البخاري لأنه يلتحق بالثلاثيات، من حيث إن الراوي الثالث منه صحابي، وهو أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي آخر الصحابة موتا.\nوفي الحديث دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة.\nوقال ابن حجر: \" فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب\".\nالحديث الرابع\n- حدثنا عبيد الله بن موسى عن الأعمش عن أبي وائل \"عن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي ﷺ: \"أول ما يقضى بين الناس في الدماء\" (٦٨٦٤)\nالتعليق:\nالحديث أخرجه فى كتاب الديات باب: قول الله تعالى ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم﴾\nقال ابن حجر: \" هذا السند يلتحق بالثلاثيات وهي أعلى ما عند البخاري من حيث العدد، وهذا في حكمه من جهة أن الأعمش تابعي وإن كان روى هذا عن تابعي آخر فإن ذلك التابعي أدرك النبي - ﷺ - وإن لم تحصل له صحبة. \"","vol":"1","page":147},{"text":"الحديث الخامس\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ هِشَامٍ عَنْ اَبِيهِ اَنَّ عُمَرَ نَشَدَ النَّاسَ: مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - قَضَى فِي السِّقْطِ؟ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: اَنَا سَمِعْتُهُ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ اَوْ اَمَةٍ قَالَ ائْتِ مَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ عَلَى هَذَا فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ اَنَا اَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِ هَذَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ اَبِيهِ اَنَّهُ سَمِعَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عُمَرَ اَنَّهُ اسْتَشَارَهُمْ فِي اِمْلَاصِ الْمَرْاَةِ مِثْلَهُ.\nالتعليق:\nاخرجه البخارى فى كتاب الديات باب \" جنين المرأة \"\nفهشام قد سمع من عمه عبد الله بن الزبير وهو صحابي، قال ابن حجر: \" وهذا في حكم الثلاثيات لأن هشاما تابعي كما سبق تقريره في رواية عبيد الله بن موسى أيضا عن الأعمش في أول الديات.\n\nالحديث السادس\nحدثنا أبو عاصم وأبو نعيم قالا حدثنا عزرة بن ثابت قال أخبرنى ثمامة بن عبد الله قال كان أنس يتنفس فى الإناء مرتين أو ثلاثا وزعم أن النبى - ﷺ - كان يتنفس ثلاثا.\nالتعليق:\nاخرجه البخارى فى كتاب الاشربة \" باب الشرب بنفسين أو ثلاثة \".\nقال ابن حجر: هذا الإسناد له حكم الثلاثيات وإن كان شيخ تابعيه فيه تابعيا آخر.\n\nالحديث السابع\nحدثنا أبو نعيم حدثنا عزرة بن ثابت الأنصارى قال حدثنى ثمامة بن عبد الله عن أنس - ﵁ - أنه كان لا يرد الطيب، وزعم أن النبى - ﷺ - كان لا يرد الطيب.\nالتعليق:\nأخرجه البخارى فى كتاب اللباس باب \" من لم يرد الطيب \"\nفعزرة تابعي سمع من عبد الله بن أبي أوفى وغيره من الصحابة.","vol":"1","page":148},{"text":"الحديث الثامن\nحَدَّثَنَا اَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْغَسِيلِ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِمَكَّةَ فِي خُطْبَتِهِ يَقُولُ يَا اَيُّهَا النَّاسُ اِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ لَوْ اَنَّ ابْنَ ادَمَ اُعْطِيَ وَادِيًا مَلْئًا مِنْ ذَهَبٍ اَحَبَّ اِلَيْهِ ثَانِيًا وَلَوْ اُعْطِيَ ثَانِيًا اَحَبَّ اِلَيْهِ ثَالِثًا وَلَا يَسُدُّ جَوْفَ ابْنِ ادَمَ اِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ \"\nالتعليق:\nأخرجه البخارى فى كتاب الرقاق، \" باب ما يتقى من فتنة المال \"\nلأن عبد الرحمن بن الغسيل لقي بعض الصحابة.\n\nالحديث التاسع\nحَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ اِبْرَاهِيمَ عَنْ الْجُعَيْدِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ كُنَّا نُؤْتَى بِالشَّارِبِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاِمْرَةِ اَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ فَنَقُومُ اِلَيْهِ بِاَيْدِينَا وَنِعَالِنَا وَاَرْدِيَتِنَا حَتَّى كَانَ اخِرُ اِمْرَةِ عُمَرَ فَجَلَدَ اَرْبَعِينَ حَتَّى اِذَا عَتَوْا وَفَسَقُوا جَلَدَ ثَمَانِينَ\nالتعليق:\nأخرجه البخارى فى كتاب الحدود \" باب الضرب بالجريد والنعال \"","vol":"1","page":149},{"text":"قال ابن حجر: \" فإن الجعيد سمع من السائب بل روى هذا الحديث بعينه عن السائب مباشرة كما عند النسائي هذا السند للبخاري في غاية العلو لان بينه وبين التابعي فيه واحدا فكان في حكم الثلاثيات، وان كان التابعي رواه عن تابعي اخر، وقد اخرجه النسائي من رواية حاتم بن اسماعيل عن الجعيد سمعت السائب، فعلى هذا فادخال يزيد ابن خصيفة بينهما اما من المزيد في متصل الاسانيد واما ان يكون الجعيد سمعه من السائب، وثبته فيه يزيد، ثم ظهر لي السبب في ذلك وهو ان رواية الجعيد المذكورة عن السائب مختصرة فكانه سمع الحديث تاما من يزيد عن السائب فحدث بما سمعه من السائب عنه من غير ذكر يزيد، وحدث ايضا بالتام فذكر الواسطة، ويزيد ابن خصيفة المذكور هو ابن عبد الله بن خصيفة نسب لجده وقيل هو يزيد بن عبد الله بن يزيد بن خصيفة فيكون نسب الى جد ابيه، وخصيفة هو ابن يزيد بن ثمامة اخو السائب بن يزيد صحابي هذا الحديث فتكون رواية يزيد بن خصيفة لهذا الحديث عن عم ابيه او عم جد \".\nالحديث العاشر\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ اِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ اُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَاْتِيَهُمْ اَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ \".\nالتعليق:\nأخرجه البخارى فى كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب \" قول النبي - ﷺ - (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق). وهم أهل العلم \"\nفإسماعيل بن أبي خالد سمع من بعض الصحابة كعبد الله بن أبي أوفى وغيره.","vol":"1","page":150},{"text":"وعبيد الله بن موسى، هو العبسي بالموحدة ثم المهملة الكوفي من كبار شيوخ البخاري، وهو من اتباع التابعين وشيخه في هذا الحديث \" اسماعيل \" هو ابن ابي خالد تابعي مشهور، وشيخ اسماعيل \" قيس \" هو ابن ابي حازم من كبار التابعين، وهو مخضرم ادرك النبي - ﷺ - ولم يره ولهذا الاسناد حكم الثلاثيات وان كان رباعيا\nوليس مثله: حدثنا عبيد الله بن موسى عن الأعمش عن أبى وائل عن عبد الله قال قال النبى - ﷺ - «أول ما يقضى بين الناس فى الدماء\nلأن الأعمش وإن كان من التابعين إلا أنه لم يسمع من أحد من الصحابة،\nذكر الذهبي الأعمشَ في الطبقة الرابعة من صغار التابعين لأنه لقي أنسا ولم يصح سماعه من أحد من الصحابة كما قال أبو عيسى الترمذي، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين وقال رأى انسا بمكة وواسط وروى عنه شبيها بخمسين حديثا ولم يسمع منه إلا احرفا معدودة وكان مدلسا اخرجناه في التابعين لان له حفظا ويقينا وان لم يصح له سماع المسند من انس أ. هـ\nوكذا غيرهم عدوه من صغار التابعين، فذكر في التابعين من أجل اللقي لا السماع\nلكن يبقى العلو النسبي\nلكن قد عده الحافظ في حكم الثلاثيات لأن الأعمش تابعي وأبو وائل مخضرم لم يدرك النبي - ﷺ - فيكون ما ذكر من حديث العطاردي من هذا القبيل. والله أعلم\nالحديث الحادي عشر\n٩٠٥٣ - حدثنا (علي بن عياش) حدثنا (حريز) قال حدثني (عبد الواحد بن عبد الله النصري) قال سمعت (واثلة بن الأسقع) يقول قال رسول الله إن من أعظم الفري أن يدعي الرجل إلى غير أبيه أو يري عينه ما لم تر أو يقول على رسول الله ما لم يقل \".\nالتعليق:\nاخرجه البخارى فى كتاب المناقب باب \" نسبة اليمن إلى إسماعيل \"\nقال البدر العينى: \" ومن لطائف هذا الإسناد أنه من عوالي البخاري وأن فيه رواية القرين عن القرين من التابعين وأنه من أفراد البخاري \".","vol":"1","page":151},{"text":"وحريز من صغار التابعين سمع من عبد الواحد بن عبد الله التابعى، وقد عد هذا الحديث من عوالى البخارى لأن حريز ثبت له السماع من عبد الله بن بسر الصحابى الجليل كما هو فى الحديث الذى ذكرناه فى مسند بن بسر فالراوى عنه فيه هو \" حريز \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>المبحث الثالث</span>\nثلاثيات فى الأدب المفرد للبخارى\n\nوقد وقع للبخارى فى الأدب المفرد نحو ما جاء فى الصحيح من الثلاثيات فبينه وبين النبى فيها ثلاثة رواة إلا أن منها ماهو صحيح وما هو حسن وما هو ضعيف:\nالحديث الأول\nحدثنا عبيد الله بن موسى قال أخبرنا سليمان أبو إدام قال سمعت عبد الله بن أبى أوفى يقول عن النبي - ﷺ - قال:\" إن الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم \"\nالتعليق\nالحديث ضعفه الألبانىُّ فى «الضعيفة» برقم (١٤٥٦) فقال:\nوهذا إسناد واه جدا، سليمان هذا وهو ابن زيد المحاربي قال ابن معين:\" ليس بثقة، كذاب، ليس يسوى حديثه فلسا \". وقال النسائي:\" متروك الحديث \".\nوقال أبو حاتم:\" ليس بقوي \".\nوقال الهيثمي في \" المجمع \" (٨/ ١٥١):\" رواه الطبراني، وفيه أبو إدام المحاربي وهو كذاب \".\nالحديث الثانى\nحدثنا أبو نعيم قال حدثنا يحيى بن أبي الهيثم العطار قال حدثني يوسف بن عبد الله بن سلام قال:\n\" سماني رسول الله - ﷺ - يوسف وأقعدنى على حجره ومسح على رأسي \"\nالتعليق\nقال الألبانى: \" صحيح الإسناد \" كما فى صحيح الأدب المفرد.\nالحديث الثالث\nحدثنا أبو نعيم قال حدثنا حنش بن الحارث عن أبيه قال: كان الرجل منا تنتج فرسه فينحرها فيقول أنا أعيش حتى أركب هذا فجاءنا كتاب عمر أن اصلحوا ما رزقكم الله فإن في الأمر تنفسا\nالتعليق\nصححه الألبانى كمافى صحيح الأدب المفرد، وأيضا فى الصحيحة مع الحديث رقم (٩)\nالحديث الرابع","vol":"1","page":152},{"text":"حدثنا أبو نعيم قال حدثنا سلمة قال سمعت أنسا يقول: أتت امرأة النبي - ﷺ - تشكو إليه الحاجة أو بعض الحاجة فقال أدلك على خير من ذلك تهللين الله ثلاثا وثلاثين ....\nالتعليق\nضعفه الألبانى فى ضعيف الأدب المفرد وقال: \" ضعيف الإسناد، فيه سلمة - وهو: ابن وَرْدان - ضعيف. والحديث ليس في شئ من الكتب الستة.\nالحديث الخامس\nحدثنا أبو نعيم قال حدثنا سلمة بن وردان قال سمعت أنسا ومالك بن أوس بن الحدثان: أن النبي - ﷺ - خرج يتبرز فلم يجد أحدا يتبعه فخرج عمر فاتبعه بفخارة .....\nالتعليق\nحسنه الألبانى كما فى «الصحيحة» برقم (٨٢٩)\nوقال وسلمة بن وردان ضعيف بغير تهمة، فيصلح للاستشهاد به. ا. هـ\nلذلك: فإن الحديث ضعيف بسلمة إلا أن الألبانى قد حسنه للشواهد. والله أعلم\nفسلمة قال فيه الامام أحمد بن حنبل: منكر الحديث، ضعيف الحديث.\nوقال عباس الدورى، عن يحيى بن معين: ليس بشىء.\nوقال عبد الرحمن بن أبى حاتم: سمعت أبى - وسئل عن سلمة بن وردان - فقال:\nليس بقوى، تدبرت حديثه فوجدت عامتها منكرة لا يوافق حديثه عن أنس حديث الثقات إلا فى حديث واحد، وقال فى موضع هو حديث أنس عن معاذ \" من مات لا يشرك بالله شيئا \" فإن هذا قد شاركه فيه غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>خاتمةٌ</span>\nهذا وقد تم بحمد الله هذا الجمع والترتيب لأحكام ثلاثيات البخارى، وقد وقعت هذه الثلاثيات، كما قلنا فى مسانيد ثلاثة من الصحابة، وقد وقعت فى سبعة عشر كتابًا من كتب الصحيح ولإتمام الفائدة نذكر هذه الكتب:\nكتاب العلم، وفيه حديثٌ واحد\nوكتاب الصلاة، وفيه حديثان\nوكتاب مواقيت الصلاة، وفيه حديثٌ واحد.\nوكتاب الصوم وفيه حديثان.\nوكتاب الحوالة وفيه حديثٌ واحد.\nوكتاب الكفالة، وفيه حديثٌ واحد.\nوكتاب المظالم وفيه حديثٌ واحد.\nوكتاب الذبائح والصيد وفيه حديث واحد.\nوكتاب الجهاد والسير وفيه حديثان.\nوكتاب الأحكام، وفيه حديثٌ واحد.\nوكتاب المغازى وفيه حديثٌان.","vol":"1","page":153},{"text":"وكتاب الأضاحى وفيه حديثٌ واحد.\nوكتاب الديات وفيه حديثان. وكل ما مضى فى مسند سلمة إلا حديث فى كتاب الديات فوقع فى مسند أنس.\nوكتاب الصلح وفيه حديثٌ واحد.\nوكتاب التفسير (سورة البقرة) وفيه حديثٌ واحد.\nوكتاب التوحيد، وهذه الثلاثة فى مسند أنس.\nوكتاب المناقب وفيه الحديث الأخير فى مسند عبد الله بن بسر، باب صفة النبىِّ (- ﷺ -).\nوالله أسأل أن يجعل عملنا كله صالحا، ولوجهه خالصا، إنه ولى ذلك ومولاه.\nوأخيرًا أقول ما قاله الحريرى فى خاتمة مقاماته:\n\" وهذه آخِرُ الكلمات التي أنشأتُها بالاغتِرارِ. وأمليتُها بلسان الاضطرار. وقدْ أُلجِئْتُ إلى أن أرصدتُها للاستعراض. وناديتُ عليها في سوق الاعتراض. ولو غشيني نورُ التوفيق. ونظرت لنفسي نظر الشفيق. لسترتُ عَواري الذي لم يزل مستورًا. ولكن كان ذلك في الكتاب مسطورًا.\nوأنا أستغفر الله تعالى مما أودعته من خطإٍ ولغو. وأسترشده إلى ما يعصم من السهو. ويحظي بالعفو إنه هو أهل التقوى وأهل المغفرة. وولي الخيرات في الدنيا والآخرة.\"\nوصلى الله على نبينا محمدٍ وسلم تسليمًا كبيرًا والحمدُ لله ربِّ العالمين ........\n\nكتبه\nأبو وداعة وليد صبحى الصعيدى\nليلة الخميس الخامس والعشرين من شعبان\nالموافق ٦/ ٨/ ٢٠١٠","vol":"1","page":154}]}