{"ً":{"ٌ":36617,"ٍ":"السنة المطهرة والتحديات","َ":2,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: السُنَّة المطهرة والتحديات\nالمؤلف: نور الدين محمد عتر الحلبي، أستاذ التفسير وعلوم القرآن والحديث وعلومه في كليات الشريعة والآداب في جامعتي دمشق وحلب\nالناشر: مجلة مركز بحوث السُنَّة والسيرة - قطر، العدد الثالث، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م\nعدد الصفحات: ١٨٥\nأَعَدَّهُ للمكتبة الشاملة / توفيق بن محمد القريشي، غفر الله له ولوالديه.\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"خير من يقدم لهذا الكتاب مؤلفه الفذ الدكتور نور الدين عتر حيث قال:\n«السُنَّة المُطَهَّرَة والتحديات» دراسة علمية موضوعية، وعرض صادق أمين للخصوصية الكبرى التي اختص الله بها هذه الأمَّة وفضَّلها بالامتياز بها على سائر الأمم، وفي جميع العصور السابقة واللاحقة، تلك الخصوصية «حفظ الحديث النبوي» ذلك التراث الثري والحيوي الضخم الذي اختص اللهُ هذه الأُمَّةَ بأن حفظته غَضًّا طَرِيًّا مدى االعصور والأزمان، وعلى مَرِّ القرون والأجيال، وها نحن وقد انسلخ القرن الرابع عشر ودخلنا في الخامس عشر الهجري نقرأ حديث نَبِيِّنَا - ﷺ - وَنَسْمَعُهُ وَيُخْطَبُ بِهِ عَلَى المَنَابِرِ، وَيُذَاعُ على العالم جديدًا صحيحًا كما قاله ونطق به وكأنه صدر عنه الساعة، - ﷺ - .\n\nعملي في هذا الكتاب:\n- يعود اختياري لهذ الذي كتبه الدكتور نور الدين عتر، باعتباره يعالج أهم قضايا السُنَّة النبوية المطهرة وما يعترضها من تحديات وعقبات وافتراءات، إلى جانب قيمة الطرح العلمي الذي يتميز به الدكتور عتر في كل مؤلفاته، وحرصًا مني على إظهار ما كان خافيًا عن أعين وأذهان كثير من الناس قيمة هذا الرجل في الحقل الإسلامي عمومًا وميدان السُنَّة النبوية خُصُوصًا .\n- حرصت كل الحرص على الدقة في نقل النص من المطبوع إلى نسق المكتبة الشاملة . والكمال لله وحده .\n- استدركت بعض الأخطاء الطباعية وجعلتها بين [....] أو تصحيح شيء عابر، أو إضافات رأيتها ذات فائدة .\n- ذكرت مضان بعض الآيات القرآنية الكريمة حسب الضرورة .\n\nوالله هو الموفق وهو الهادي إلى سبيل الرشاد .","ٓ":"1.0","ٔ":1637,"ٕ":10,"ٖ":1770155701,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"هدف هذا البحث:","level":1,"page":3},{"title":"تلقي الصحابة للحديث النبوي:","level":1,"page":3},{"title":"الصحابة ورواية السنة:","level":1,"page":4},{"title":"تحدي الفراغ العلمي في الرواية:","level":2,"page":5},{"title":"أصول المنهج العلمي للرواية في القرآن:","level":2,"page":6},{"title":"أولا: تحريم الكذب:","level":3,"page":7},{"title":"ثانيا: رفض خبر الفاسق:","level":3,"page":8},{"title":"ثالثا: اشتراط العدالة لقبول خبر الراوي:","level":3,"page":8},{"title":"رابعا: التثبت من كل قضية:","level":3,"page":9},{"title":"خامسا: تحريم نقل الخبر المكذوب:","level":3,"page":9},{"title":"تطبيق الصحابة لأصول القرآن في الرواية:","level":2,"page":9},{"title":"عدالة الصحابة - ﵃ - بدلالة الوثائق العلمية:","level":2,"page":10},{"title":"قوانين الرواية في عصر الصحابة:","level":2,"page":13},{"title":"أولا: تقليل الرواية:","level":3,"page":13},{"title":"ثانيا: التثبت من صحة الرواية عند تحملها وعند أدائها:","level":3,"page":14},{"title":"ثالثا: نقد الروايات:","level":3,"page":15},{"title":"الصحابة وتحديات الفتنة:","level":2,"page":17},{"title":"تحديات الثقافات الأجنبية في القرن الثالث الهجري:","level":1,"page":20},{"title":"السنة والاحتكاك بالثقافات الأجنبية المعاصرة:","level":1,"page":21},{"title":"أولا: الشكل والمضمون:","level":2,"page":23},{"title":"ثانيا: التناقض بين الأحاديث:","level":2,"page":23},{"title":"ثالثا: في تطبيق المحدثين لمنهج النقد:","level":2,"page":23},{"title":"مواجهتنا لهذا التحدي بيان التكامل والشمول في منهج المحدثين:","level":1,"page":24},{"title":"مناقشات وردود حاسمة:","level":1,"page":27},{"title":"أولا - مسألة الشكل والمضمون في نقد الرواية:","level":2,"page":27},{"title":"ثانيا - ادعاء التعارض والاستشكال على الأحاديث:","level":2,"page":30},{"title":"ثالثا - تطبيق المحدثين لنهجهم النقدي:","level":2,"page":39},{"title":"الخاتمة: نتائج ومقترحات:","level":1,"page":45},{"title":"ثبت المراجع:","level":1,"page":48}],"ٛ":{"1,137":2,"1,138":3,"1,139":4,"1,140":5,"1,141":6,"1,142":7,"1,143":8,"1,144":9,"1,145":10,"1,146":11,"1,147":12,"1,148":13,"1,149":14,"1,150":15,"1,151":16,"1,152":17,"1,153":18,"1,154":19,"1,155":20,"1,156":21,"1,157":22,"1,158":23,"1,159":24,"1,160":25,"1,161":26,"1,162":27,"1,163":28,"1,164":29,"1,165":30,"1,166":31,"1,167":32,"1,168":33,"1,169":34,"1,170":35,"1,171":36,"1,172":37,"1,173":38,"1,174":39,"1,175":40,"1,176":41,"1,177":42,"1,178":43,"1,179":44,"1,180":45,"1,181":46,"1,182":47,"1,183":48,"1,184":49,"1,185":50},"ٜ":{"1":[137,185]},"ٝ":[null,"1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185"],"ٞ":{"3":[1,2],"4":[3],"5":[4],"6":[5],"7":[6],"8":[7,8],"9":[9,10,11],"10":[12],"13":[13,14],"14":[15],"15":[16],"17":[17],"20":[18],"21":[19],"23":[20,21,22],"24":[23],"27":[24,25],"30":[26],"39":[27],"45":[28],"48":[29]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ـ[السُنَّة المطهرة والتحديات]ـ\n\nبقلم الدكتور نور الدين عتر\n\nأستاذ التفسير وعلوم القرآن والحديث وعلومه\nفي كليات الشريعة والآداب في جامعتي دمشق وحلب\n\nمجلة مركز بحوث السُنَّة والسيرة - قطر\nالعدد الثالث: ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م\n\nعدد الأجزاء: ١.\nأَعَدَّهُ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / توفيق بن محمد القريشي، - غَفَرَ اللهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ -.\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي].","vol":"1","page":null},{"text":"الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على نَبِيِّنَا وَهَادِينَا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، المبعوث رحمة للعالمين من جاء بالشريعة الكاملة التي اختصت بِأَنْ تَكَفَّلَ المولى ﵎ بحفظها وسدادها إلى أَبَدِ الآبِدِينَ، - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ - ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا.\n\nأما بعد:\nفإنَّ هذا الموضوع: «السُنَّة المُطَهَّرَة والتحديات» دراسة علمية موضوعية، وعرض صادق أمين للخصوصية الكبرى التي اختص الله بها هذه الأمَّة وفضَّلها بالامتياز بها على سائر الأمم، وفي جميع العصور السابقة واللاحقة، تلك الخصوصية «حفظ الحديث النبوي» ذلك التراث الثري والحيوي الضخم الذي اختص اللهُ هذه الأُمَّةَ بأن حفظته غَضًّا طَرِيًّا مدى االعصور والأزمان، وعلى مَرِّ القرون والأجيال، وها نحن وقد انسلخ القرن الرابع عشر ودخلنا في الخامس عشر الهجري نقرأ حديث نَبِيِّنَا - ﷺ - وَنَسْمَعُهُ وَيُخْطَبُ بِهِ عَلَى المَنَابِرِ، وَيُذَاعُ على العالم جديدًا صحيحًا كما قاله ونطق به وكأنه صدر عنه الساعة، - ﷺ -.\n\nإنَّ هذا الكنز العظيم الذي ظفرنا به وفزنا بنواله قد اجتاز في طريقه إلينا عقبات وتحديات ضخمة اعترضت طريق وصول السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ إلينا، وواجهت هذه الأمَّةُ المُؤْمِنَةُ حَامِلَةَ هذا الحديث وروايته، فاجتازتها أُمَّةُ الإسلام وتغلبت عليها بتوفيق من الله تعالى، وقدمت بذلك منذ اللحظات الأولى لعملها في الرواية البرهان على كمال هذا الإسلام وكفايته ووفائه بكل حاجات البشرية، ما كان منها موجودًا سابقًا وما يطرأ بَعْدُ مِنَ المُتَغَيِّرَاتِ لاَحِقًا.","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>هَدَفُ هَذَا البَحْثِ:</span>\nهذه التحديات هي هدف الدراسة في هذا البحث:\nتحديات العقبات التي واجهتها الأُمَّةُ الإِسْلاَمِيَّةُ بِخُلُوِّ الجَوِّ العِلْمِيَّ وَالدِّينِيَّ وفراغه الكامل لدى الأمم الأخرى من أَيِّ تأصيل أو ثروة أو أثارة من طريق يكفل صِحَّةَ الرواية يمكن أنْ يفيد منه الصحابة لنقل السُنَّةِ وَالتُرَاثِ نَقْلًا صَحِيحًا.\n\nثم بعد هذا تحديات الأسئلة المستفسرة أو المستشكلة عن تحقق حفظ السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وسلامة نقل الحديث النبوي، بل الأسئلة المُتَعَنِّتَةِ التي طرحت قَدِيمًا وَتَجَدُّدِ الخوض فيها منذ مطلع العصر الحديث حول جهود العلماء، وَعُلَمَاءَ السُنَّةِ وَأَهْلِ الحَدِيثِ، الذين كان لهم الفضل الأكبر في خدمة هذا الدين الإسلامي بحفظهم لِلْسُنَّةِ: الأصل الثاني من أصول الإسلام بعد كتاب الله تعالى، وهل نجحت الأُمَّةُ في تذليل تلك العَقَبَاتِ وَمَلْءِ ذلك الفراغ العلمي ومن ثم تحقيق غاية في الذروة في الغايات العلمية العظيمة والدينية ألاَ وهي حفظ الحديث النبوي وصيانته من التغيير والتبديل.\n\nولنبدأ البحث بشأن الحديث من أيامه الأولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>تَلَقِّي الصَّحَابَةِ لِلْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ:</span>\nلقد بعث اللهُ تعالى رسوله الأعظم خاتم الأنبياء والمرسلين بالهداية الكاملة التامة، التي تشمل جميع الشؤون والقضايا، وَأَيَّدَهُ بالمعجزة الكبرى. التي خَصَّهُ بها من بين سائر الأنبياء وأكرم أُمَّتَهُ بها دون سائر الأمم، ألاَ وهي معجزة القرآن الكريم، بُرْهَانَ نُبُوَّتِهِ وآية رسالته، وكتاب دعوته وهدايته، ودستور أُمَّتِهِ، وآتاه السُنَّةَ حكمة تُفَسِّرُ هذا القرآن وَتُبَيِّنُهُ، كما قال ﵎:","vol":"1","page":138},{"text":"﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١).\n\nوقال عَزَّ من قائل:\n﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢)\n\nوقد تلقى الصحابة هذا القرآن الكريم وهذا الحديث النبوي الشريف بأقصى غاية القبول والإذعان كما تتلقى الأرض الخصبة الطيبة غيث السماء وقد استبد بها الظمأ، واشتد القحط وطال أمده، فتتشرب الغيث بكل ذَرَّاتِهَا، ثم تقدم للعالم أطيب الثمار.\n\nفاستمع الصحابة القول من القرآن ومن الحديث وَاتَّبَعُوهُ أحسن ما يكون عليه الاتباع حتى كانوا خير هذه الأُمَّةِ المُفَضَّلَةِ على سائر الأمم وأفضل جيل فيها، قال اللهُ تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>الصَّحَابَةُ وَرِوَايَةِ السُنَّةِ:</span>\nلما اختار الرسول الكريم - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلاَمُهُ -، جوار ربه ولحق بالرفيق الأعلى خلفه صحبه الكرام في آداء الأمانة وحمل الرسالة إلى العالم، هنالك واجهت الصحابة مسألة نشر السُنَّةِ والمحافظة عليها، ونقلها كما سمعوها من قائلها، - صَلَوَاتُ اللهِ تَعَالَى وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - طِبْقًا لما حَضَّهُمْ وَحَثَّهُمْ عليه وأمرهم وَكَلَّفَهُمْ به في الأحاديث الكثيرة المتواترة البالغة غاية الكثرة، كما\n_________\n(١) [سورة النساء، الآية: ١١٣].\n(٢) [سورة النحل، الآية: ٤٤].\n(٣) [سورة آل عمران، الآية: ١١٠].","vol":"1","page":139},{"text":"في الحديث الذي يقول فيه: «نَضَّرَ اللهُ امْرُءًا سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلِّغَهُ كَماَ سَمِعَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» (١).\n\nفقام الصحابة بحمل الأمانة وتبليغ الرسالة، ونقل الحديث النبوي إلى العالم، لأنهم حين خرجوا وانتشروا في الأرض لم ينتشروا غُزاة بعقلية الفاتحين بل كانوا يَهْدُونَ العالم وينقذونه من الظلمات إلى النور، ومن الضلال والضياع إلى الطريق المستقيم طريق السعادة والكرامة والفوز في الدنيا وفي الآخرة وذلك كما سجله التاريخ لهم من أفعالهم وأحوالهم، وكما نطقت به هذه الكلمة المُدَوِّيَةُ الخَالِدَةُ التي كتبها الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز لعامله يقول له: «إَّنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا هَادِيًا وَلَمْ يَبْعَثْهُ جَابِيًا».\n\nوكما قال من قبله أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب لواليه على مصر: «مَتَى اسْتَعْبَدْتُمُ النَّاسَ وَقَدْ وَلَدَتْهُمْ أُمَّهَاتُهُمْ أَحْرِارًا».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>تَحَدِّي الفَرَاغَ العِلْمِيَّ فِي الرِّوَايَةِ:</span>\nواجه الصحابة هذه القضية التي تمس جوهر الإسلام قضية نقل السُنَّة النَّبَوِيَّة وحفظها وكان الجَوُّ كما ذكرنا خاليًا وفارغًا جدًا ليس فيه أي أثر من قاعدة أوقانون لدى أي أُمَّةٍ من الأمم يفيد في نقل تراث أو ما يتعلق بالرواية أيًا كانت الرواية ليمكن أنْ يعتبر سابقة يُحْتَذَى أَوْ قُدْوَةً يُؤْتَسَى بها، بل كان هناك واقع مظلم عند الأمم الأخرى، فقد فرطت في كتبها المقدسة التي يرتبط بها وجودها الحقيقي في الواقع، وتلفقت أقاويل وأقاصيص وحكايات خرافية\n_________\n(١) أخرجه أبوداود في العلم (باب فضل نشر العلم): ج ٣ ص ٣٢٢ والترمذي: ج ٥ ص ٣٣ - ٣٤ بلفظه وقال: «حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ»، وابن ماجة: ص ٨٤.","vol":"1","page":140},{"text":"باطلة من هنا وهناك، لَبَّسَتْ بها كتب دينها، حتى صارت تحوي أقاصيص وأباطيل مِمَّا ينبو الذوق عن ذكره فضلًا عن تدوينه (١).\n\nالأمر والواقع الذي يدل على المهمة الكبرى التي أنيطت بالصحابة لكي يقوموا بالواجب الذي ألقي على عاتقهم، وَيُؤَدُّوا هذا الحديث عن نبيهم، أداءًا صحيحًا يُحَقَّقُ الغاية التي أمروا بها وبتوصيلها إلى العالم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>أُصَولُ المَنْهَجِ العِلْمِيِّ لِلْرِّوَايَةِ فِي القُرْآنِ:</span>\nلكنه الإسلام، الإسلام العظيم كفاهم المؤنة، وَحَلَّ لهم المعضلة بما يشتمل عليه من عوامل الحفظ الذاتية التي خَصَّهُ اللهُ تعالى بها، وأودعها في القرآن وَالسُنَّةِ فواجه بها الإسلام الأعاصير العاتية عبر التاريخ صَلْبًا ثَابِتًا، ثم بما امتاز به من خصوصية الشمول لكل جوانب الحياة، مِمَّا يكفل لهذه الأُمَّةِ المَنَعَةَ والسلامة والقوة والهداية، ما إن تمسكت به، وتعلقت بأهدابه، واعتصمت بحبله المتين وَعُرْوَتِهِ الوُثْقَى.\n\nفقد قررت نصوص القرآن أصولًا علمية كانت منارة للصحابة في صيانة الرواية وأداء الحديث صحيحًا كما سمع من قائله، وهي أصول على غاية من الأهمية لخطورة موقعها، ولما أنَّ دلالة النصوص عليها ظاهرة واضحة، حتى أنها لظهورها وتسليمها قد غفل عنها وعن موقعها الهام في تأصيل قواعد الرواية والنقل الصحيحين.\n_________\n(١) مثل ما تنسب القصص الإسرائيلية إلى لوط - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - أنَّ ابنتيه سقتاه خمرًا حتى سكر، قصدتا أن يقع عليهما، وتلدا له ذكورا؟ وقد ضاجعهما واحدة واحدة ثم حملتا منه؟ ثم أتت كل واحدة منها بولد ذكر؟ حاشا نبي الله لوطا عن ذلك - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -.","vol":"1","page":141},{"text":"غير أنا لا نستطيع ههنا في هذا الموقف، الإِفَاضَةَ في تفاصيلها وتفاريعها، بل نكتفي بعرض ملخص لهذه الأصول العلمية في الرواية فيما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>أَوَّلًا: تَحْرِيمُ الكَذِبِ:</span>\nوهذا يعني فرض الأمانة العلمية، كما نُعَبِّرُ اليوم، وتحريم الخيانة العلمية ومعلوم تشديد القرآن الكريم وَالسُنَّةُ النَّبَوِيَّةُ في الزجرعن الكذب تشديدًا عظيمًا، وتغليظ حرمته، حتى جعل الكذب من صفة غير المسلم، كما جاء في نص القرآن الكريم: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ (١)\nوقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢)\n\nكذلك الحديث المتواتر عنه - ﷺ - أنه قال: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مِقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، وقد رَوَى هذا الحديث عن النبي - ﷺ - بضع وسبعون صَحَابِيًا. (٣).\n_________\n(١) [سورة النحل، الآية: ١٠٥].\n(٢) [سورة الأعراف، الآية: ٣٣].\n(٣) انظر تفصيل تخريجه عنهم في \" تدريب الراوي \": ج ٢، ص ١٧٧ - ١٧٨، وأما في مطلق تحريم الكذب فقد رواه نحو مائتي صحابي.","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>ثَانِيًا: رَفْضُ خَبَرِ الفَاسِقِ:</span>\nوذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (١)\nفقد أوجب التثبيت وعدم قبول خبر الفاسق حتى تَتَبَيَّنَ صِحَّتُهُ من طريق أخرى فتكون العمدة على تلك الطريق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>ثَالِثًا: اشْتِرَاطُ العَدَالَةِ لِقَبُولِ خَبَرَ الرَّاوِي:</span>\nوهو أصل في الشريعة بلا خلاف، يشهد له قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٣)\n\nفإنَّ هذا وإنْ كان ظاهره في الشهادة في الأموال فإنه يدل بطريق الأَوْلَى على اشتراط ذلك في راوي الحديث لأنه يشهد على الله تعالى وعلى رسوله بما ينقل.\n\nقال الإمام الترمذي: «لأَنَّ الشَهَادَةَ فِي الدِّينِ أَحَقُّ أَنْ يَتَثَبَّتَ فِيهَا مِنَ الشَّهَادَةِ فِي الحُقُوقِ وَالأَمْوَالِ» (٤).\n\nوأخرج ابن ابي حاتم عن بهز بن أسد قال: «لَوْ أَنَّ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ ثُمَّ جَحَدَهُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَخْذَهَا مِنْهُ إِلاَّ بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ، فَدِينُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُؤْخَذَ فِيهِ بِالعَدْلِ» (٥)\n_________\n(١) [سورة الحجرات، الآية: ٦].\n(٢) [سورة الطلاق، الآية: ٢].\n(٣) [سورة البقرة، الآية: ٢٨٢].\n(٤) ج ١ ص ٤٤ من نسخة \" شرح العلل \" لابن رجب الحنبلي.\n(٥) \" الجرح والتعديل \": ج ١ قسم ١ / ص ١٦. وانظر \" التعليق على شرح العلل \": ج ١ ص ٤٥.","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>رَابِعًا: التَّثَبُّتُ مِنْ كُلِّ قَضِيَّةٍ:</span>\nوذلك في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (١) أي لا تتبع شَيْئًا لم تعلم تحققه وسلامته وهذا يشمل وجوب التأكد من صحة العلم النقلي، ونحن إنما نتكلم هنا عن العلم النقلي فلا يقبل منه شيء إِلاَّ بعد التَثَبُّتِ مِنْ صِحَّتِهِ وأنه مطابق لأصل النص الذي صدر عن صاحبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>خَامِسًا: تَحْرِيمُ نَقْلِ الخَبَرِ المَكْذُوبِ:</span>\nهذا الأصل يدلنا على مدى الاحتياط الواجب وقد دلت عليه الآية السابقة ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (١)، ولما في الحديث الصحيح المستفيض من رواية جماعة من الصحابة عنه - ﷺ - أنه قال: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ» أخرجه مسلم في \" مقدمة صحيحه \" وغيره (٢).\nوهذا تحذير خطير من مسؤولية الرواية، يوجب على كل من سمع حَدِيثًا أَنْ يَتَوَقَّفَ ولا يرويه حتى يتثبت ويأخذ بالاحتياط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>تَطْبِيقُ الصَّحَابَةِ لأُصُولِ القُرْآنِ فِي الرِّوَايَةِ:</span>\nفي عصر الخلفاء الراشدين الذي تأصلت فيه أصول الرواية كانت السيادة في المجتمع الإسلامي للطبقة التي كونت هذا المجتمع وهي طبقة الصحابة\n_________\n(١) [سورة الإسراء، الآية: ٣٦].\n(٢) \" مقدمة صحيح مسلم \": ص ٧.","vol":"1","page":144},{"text":"الكرام، تلامذة النبي - ﷺ -، الذين آمنوا به وبذلوا من أجله كل نفس ونفيس ثم انطلقوا يجاهدون في سبيل الله لإنقاذ الدنيا من ظلمات الجاهلية إلى نور الإيمان ولتحرير الأمم والشعوب والأفراد من عبادة الإنسان إلى عبادة الواحد الدَيَّانِ والاعتزاز به وحده سبحانه، والانعتاق من الذلة لأي قوة أو سلطان في الدنيا سوى سلطان اللهِ سبحانه حتى رفعوا هذا الإنسان إلى عزة وكرامة تًعْنُو أمامها كل دعوة حرية أوتحرير، فكان من الطبيعي أن يكون الصحابة حراصًا أشد ما يكون الحرص على صيانة الحديث النبوي، وعلى أدائه وفق ما سمعوه كما أمرهم بذلك القرآن، وَرَبَّاهُمْ عليه النبي - ﷺ - من الصدق والتثبت في كل شيء بصفة عامة وفي الحديث النبوي بصفة خاصة.\n\nلذلك كان هذا العصر عصر العدالة الذهبي، وكان الصحابة يتلقون الحديث عن بعضهم البعض، ويصدق بعضهم بَعْضًا لاَ يَتَّهِمُونَ أَحَدًا منهم في الحديث عن النَّبِيِّ - ﷺ - أَبَدًا سواء في ذلك ما قبل وقوع الفتنة وما بعد وقوعها وما شجر فيها من الخلاف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>عَدَالَةُ الصَّحَابَةِ - ﵃ - بِدَلاَلَةِ الوَثَائِقِ العِلْمِيَّةِ:</span>\nوَقَدْ حَدَّثَ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ يَوْمًا بِحَدِيثٍ فَسُئِلَ: هَلْ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ فَقَالَ: «سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَوْ مِمَّنْ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَاللهِ مَا كُنَّا نَكْذِبُ وَلاَ نَدْرِي مَا الكَذِبُ».","vol":"1","page":145},{"text":"وَمِمَّا يدل على عدالة الصحابة وثائق كثيرة، منها ما أخرجه مسلم (١) بالأسانيد الصحاح وغيره أَيْضًا أنه جَاءَ بُشَيْرٌ الْعَدَوِيُّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُ وَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ لا يَأْذَنُ لِحَدِيثِهِ، ولا يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَالِي لاَ أَرَاكَ تَسْمَعُ لِحَدِيثِي؟ أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَلاَ تَسْمَعُ؟\nفَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا كُنَّا مَرَّةً (٢) إِذَا سَمِعْنَا رَجُلًا يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا، وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ بِآذَانِنَا، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ، لَمْ نَأْخُذْ مِنْ النَّاسِ إلاَّ مَا نَعْرِفُ».\n\nوذلك ما نطقت به أدلة القرآن وَالسُنَّةُ كقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٣) وقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٤).\nوتواتر قوله - ﷺ -: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» (٥)\nوأخرج الشيخان عن آبي سعيد الخُدري أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذّهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ» (٦).\n_________\n(١) في \" مقدمة صحيحه \": ص ١٠.\n(٢) أي فترة من الزمان. قبل وقوع الفتنة.\n(٣) [سورة آل عمران، الآية: ١١٠].\n(٤) [سورة الفتح، الآية: ٢٩].\n(٥) صرح بتواتره الحافظ ابن حجر في \" الإصابة \": ج ١ ص ٢٠.\n(٦) \" البخاري \": ج ٦ ص ٨ و\" مسلم \": ج ١ ص ١١٨.","vol":"1","page":146},{"text":"وذلك ما أجمع عليه أهل العلم المعتمدون فقد كفانا البحث - كما قال الإمام أبو عمر بن عبد البر - عن أحوالهم لإجماع أهل الحق من المسلمين وَهُمْ أَهْلُ السُنَّةِ وَالجَمَاعَةُ على أنهم كلهم عدول (١).\n\nوَأُنَوِّهُ هنا بالاستشهاد بدلالة الواقع في مروياتهم كما دَلَّ عليه أسلوب هو في البحث العلمي من وسائل المعرفة القاطعة وهو ما يُسَمَّى في فن مناهج البحث وعلم المنطق «الاستقراء التام»:\nيقول العلاَّمة المُحَدِّثُ عبد الرحمن المعلَّمي اليماني (٢):\n«إنَّ أئمة الحديث اعتمدوا فيمن يمكن التشكك في عدالته من الصحابة اعتبارًا لما ثبت أنهم حَدَّثُوا به عن النبي - ﷺ - أو عن صحابي آخر عنه، وعرضوها على الكتاب وَالسُنَّةِ وعلى رواية غيرهم مع ملاحظة أحوالهم وأهوائهم (٣)، فلم يجدوا من ذلك ما يوجب التُّهْمَةَ، بل وجدوا عامة ما رَوَوْهُ قد رَوَاهُ غيرهم من الصحابة مِمَّنْ لا تتجه إليه تُهْمَةٌ، أو جاء في الشريعة ما في معناه أو ما يشهد له».\n\nونضيف إلى ذلك ما أَدَّى بنا إليه البحث فنشهد أنه من خلال دراستنا لألوف تراجم الرُوَّاةِ والمرويات الضعيفة التي ذكرت في كتب الضعفاء فإنه لم يوجد حديث قط يحكم فيه بما يُخِلُّ بهذا المبدأ (٤).\n_________\n(١) \" الاستيعاب \": ج ١ ص ٨ وانظر \" الكفاية \": ص ٤٩ و\" توضيح الأفكار \" للصنعاني: ج ٢ ص ٤٦٩ وغيرها.\n(٢) في كتاب \" الأنوار الكاشفة \": ص ٢٧١.\n(٣) أي نزعاتهم السياسية في الخلاف بين عَلِيٍّ ومعاوية.\n(٤) وانظر التحقيق القيِّم الذي قام به العلاَّمة محمد بن الوزير اليماني من أئمة الشيعة الزيدية باستقرائه أحاديث الصحابة الذين اشتهر كلام بعض الفرق فيه وَتَوَصُّلِهِ إلى النتيجة التي ذكرناها أَيْضًا، وذلك في كتاب \" الروض الباسم في الذَبِّ عن سُنَّةِ أبي القاسم \": ج ٢ ص ١١٣ - ١٢٩ واعتمد عليه كذلك محمد بن إسماعيل الصنعاني من أئمة الشيعة الزيدية المجتهدين في كتابه \" توضيح الأفكار \": ج ٢ ص [٣٦٣ - ٤٥٣].","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>قَوَانِينُ الرِّوَايَةِ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ:</span>\nتلك الأصول التي بَيَّنَّاهَا في ضبط الرواية وصياغتها توجب البحث وَتُحَتِّمُ التَثَبُّتَ في الحديث، من جهة الراوي، ومن جهة الرواية، ومن جهة المروي، وغير ذلك مِمَّا يتعلق بالحديث، لأَنَّ في كل ذلك قرائن، ودلائل تشير إلى صحة النقل أو عدم صحته مِمَّا لا يجوز شَرْعًا في مسؤولية الدين أَنْ يفرط الباحث فيه.\n\nوكان الصحابة آنذاك هم الذين يَرْوُونَ الحديث للناس، وهم خير القرون، ولم تكن هناك سلاسل إسناد، ولذلك لم يكن الأمر بحاجة إلى أكثر من أَنْ نَتَثَبَّتَ من صحة أداء الراوي العدل الضابط وهو الصحابي، بأنْ نطمئن إلى أنه لم يخطيء أو لَمْ يَنْسَ، ونحو ذلك، مِمَّا قد يعرض للعدل الضابط، مِمَّا لا يُعْصَمُ منه البشر.\n\nوقد تشبث الصحابة بتلك الأصول بما يحقق الهدف، فَقَدْ اتَّبَعُوا قَوَانِينَ وَأُصُولًا في الرواية تلائم ما ذكرنا من وضع السُنَّةِ في عهدهم وكانت مبتدأ علم مصطلح الحديث، وأصول النقد، الذي تكامل شَيْئًا فَشَيْئًا بعد ذلك مع ما طرأ من التغيرات، وطول الأسانيد وغير ذلك.\n\nوقد لجأ الصحابة إلى قواعد نذكر منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>أَوَّلًا: تَقْلِيلُ الرِّوَايَةِ:</span>\nوذلك حتى لا يزلق لسان الراوي، فينزلق ويقع في الخطأ أو يسرع إليه الوهم، والأمثلة على ذلك من تصرف الخلفاء الراشدين وتوجيهاتهم كثيرة مشهورة، أضيف إليها هذه الوثيقة التي تدل على انتشار الأخذ بهذا الأصل","vol":"1","page":148},{"text":"وشيوعه فيهم، فقد اشتهروا واستفاض عن الصحابة مَرْفُوعًا إلى النبي - ﷺ - وَمَوْقُوفًا أي منسوبًا إليهم من كلامهم «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» (١).\nوقد نَبَّهْنَا إلى تعدد رواية هذا القول، لأنه يدل على انتشار هذه القاعدة ورسوخها في المجتمع تَقْلِيدًا عِلْمِيًّا، وهويعني أَنَّ الإنسان لاَ يُحَدِّثُ إِلاَّ بما يثق من نفسه أنه يؤديه كما سمعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>ثَانِيًا: التَثَبُّتُ مِنْ صِحَّةِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ تَحَمُّلِهَا وَعِنْدَ أَدَائِهَا:</span>\nومن ذلك أنهم يَسْتَشْهِدُونَ مع الراوي غيره أو يَسْتَحْلِفُونَهُ، تَثَبُّتًا، وَاطْمئْنَانًا ومن ذلك ما ذكره الذَّهَبِيُّ في ترجمة عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: «وَهُوَ الَّذِي سَنَّ لِلْمُحَدِّثِينَ التَّثَبُّتَ فِي النَّقْلِ وَرُبَّمَا كَانَ يتَوَقَّفُ فِي خَبَرِ الوَاحِدِ إِذَا ارْتَابَ رَوَى الجَرِيرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ أَبَا مُوسَى سَلَّمَ عَلَى عُمَرَ مِنْ وَرَاءِ البَابِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَرَجَعَ فَأرْسَلَ عُمَرُ فِي أَثَرِهِ فَقَالَ: \" لِمَ رَجَعْتَ؟ \" قَالَ: سَمِعْتُ رَسُول الله - ﷺ - يَقُولُ: \" إِذَا سَلَّمَ أَحَدُكُمْ ثَلاَثًا فَلَمْ يُجَبْ فَلْيَرْجِعْ \".\nقَالَ: \" لتَأْتِينيِ عَلَى ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ أَو لأَفْعَلَنَّ بِك \"، فَجَاءَنَا أَبُو مُوسَى مَمْتَقِعًا لَوْنُهُ وَنَحْنُ جُلُوسٌ، فَقُلْنَا: \" مَا شَأْنُكَ؟ \" فَأخْبرَنَا وَقَالَ: \" فَهَلْ سَمِع أَحَدٌ مِنْكُمْ؟ \" فَقُلْنَا: \" نَعَمْ كُلَّنَا سَمِعَهُ \" فَأَرْسَلُوا مَعَهُ رَجُلًا مِنْهُم حَتَّى أَتَى عُمَرَ فَأخْبرهُ».\n\nوَنَوَدُّ أنْ نُنَبِّهَ - ولو أننا استطردنا عن الموضوع - إلى أَنَّ ما فعله الصحابة في هذا المجال لم يكن من باب الاتِّهَامِ، كما حاول بعض المعاصرين من الكاتبين في تاريخ السُنَّةِ أَنْ يَتَقَوَّلَ وينسب إلى الصحابة أنهم قد يَشُكُّونَ فِي\n_________\n(١) ورد ذلك عن جماعة من الصحابة، انظر الرواية عن بعضهم في \" مقدمة صحيح مسلم \": ص ٨، وقارن بـ \" البخاري \" في العلم، (باب إثم من كذب على النبي - ﷺ -): ج [١] ص ٢٩ و\" سُنن ابن ماجه \": ص ١٠ - ١٣، وانظر \" توجيه النظر \": ص ١٤ - ١٦.","vol":"1","page":149},{"text":"صِدْقِ بَعْضِهِمْ، فإنَّ عمر - ﵁ - صَرَّحَ في بيان عمله في التثبيت بقوله: «إِنِّي لَمْ أَتَّهِمك، وَلَكِنْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَتَثَبَّتَ».\n\nفالواقع أَنَّ من يريد تفسير عمل الصحابة فِي التَثَبُّتِ بِالشَكِّ وَالتُّهْمَةِ لبعضهم شأنه شأن من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، لأنَّ نصوص الروايات التي يستدل بها صريحة في ألفاظها واضحة في عباراتها يقول أصحابها: إِنَّنَا لَمْ نَتَّهِمْ هَذَا الرَّاوِي، ثم يأتي هذا المُتَقَوِّلُ في هذا الزمان ليزعم أَنَّهُ يَتَّهِمُهُ، فمن نُصَدِّقُ؟ أَهَلْ نُصَدِّقُ صاحب المسألة المُتَثَبِّتُ أو نُصَدِّقُ المُتَقَوِّلَ المُخْتَرِعَ لهذا التفسير بعد مَدِيدِ الأجيال والقرون؟\n\nومن قوانينهم في الرواية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>ثَالِثًا: نَقْدُ الرِّوَايَاتِ:</span>\nوذلك بعرضها على نصوص وقواعد الشريعة فإذا وجدوا النص المروي مُخَالِفًا لَهَا رَدُّوهُ ولم يعملوا به.\nفهذه السَيِّدَةُ عَائِشَةَ - ﵂ - فيما أخرجه الشيخان عنها، سَمِعَتْ حَدِيثَ عُمَرَ وَابْنَهُ عَبْدَ اللهِ أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». فَقَالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ، وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \" إِنَّ اللَّهَ يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ \"، وَقَالَتْ حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾» (١).\n_________\n(١) [سورة الأنعام، الآية: ١٦٤]، [سورة الإسراء، الآية: ١٥]، [سورة فاطر، الآية: ١٨]، [سورة الزُمر، الآية: ٧].","vol":"1","page":150},{"text":"وفي رواية مسلم أنها قالت: «إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونِّي عَنْ غَيْرِ كَاذِبَيْنِ، وَلاَ مُكَذَّبَيْنِ، وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ» (١).\n\nومن منهج الصحابة في الرواية والبحث عن الرُوَاةِ والأسانيد: الرحلة في طلب الحديث: وهي ظاهرة علمية وحضارية لم يكن لها مثل في التاريخ لا قبل الإسلام ولا بعده إلاَّ عند المسلمين ومنذ فجر تاريخهم أيام الخلفاء الراشدين.\n\nلقد شحذ الصحابة الهِمَمَ وَتَخَطَّوْا الصعاب والعقبات، وقطعوا المسافات من أجل تلقي الحديث من حَمَلَتِهِ وَوُعَاتِهِ، بل سجل لنا التاريخ بالوثائق المؤكدة القاطعة ظاهرة أبلغ وأسمى في هذا الميدان تلك هي الرحلة في طلب الحديث الواحد فقط.\n\nومن ذلك ما ثبت بالأسانيد الصحاح عن جابر بن عبد الله - ﵁ -، أنه رحل من المدينة المنورة إلى دمشق الشام ليسأل عبد الله بن أنيس الأنصاري عن حديث في القصاص من المظالم بين الناس يوم القيامة، فقال عبد الله بن أنيس: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ، أَوْ قَالَ: يَحْشُرُ اللَّهُ النَّاسَ قال: - وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الشَّامِ - عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا» فَقُلْتُ: مَا بُهْمًا؟ قَالَ: «لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ» قَالَ: فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الدَّيَّانُ، لاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلُ النَّارَ يَطْلُبُهُ بِمَظْلَمَةٍ، وَلاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلُ النَّارَ وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَطْلُبُهُ بِمَظْلَمَةٍ.\n_________\n(١) \" البخاري \": في الجنائز: ج ٢ ص ٧٧ - ٨٠. و\" مسلم \": ج ٣ ص ٤٢ - ٤٣ وذكره الزركشي في كتابه \" الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة \": ص ١٠٢ - ١٠٣ وانظر: ص ٧٦ - ٧٧.","vol":"1","page":151},{"text":"قَالَ: قُلْنَا كَيْفَ هُوَ؟ وَإِنَّمَا نَأْتِي اللَّهَ عُراةً غُرْلًا بُهْمًا؟ قَالَ: «بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ». أخرجه أحمد والبخاري في \" الأدب المُفرد \" والحاكم في \" المستدرك \" (١).\n\nوليست هذه الحادثة فريدة من تاريخنا، ولا هي قاصرة على جيل الصحابة، بل هي سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ سَنَّهَا الصحابة وتابعهم عليها التابعون وَمَنْ بعدهم، فقد سجل التاريخ بالأسانيد الصحيحة مجموعة من رحلات الصحابة لأجل حديث واحد، ومجموعة كبيرة من أخبار رحلات التابعين، ومن بعدهم لأجل حديث واحد فقط، وَدَوَّنَ لنا ذلك كله بأسانيده الإمام الحافظ أبو بكر الخطيب في كتاب \" الرحلة في طلب [الحديث] \" الذي حَقَّقْنَاهُ، وَبَيَنَّا سلامة وصحة أسانيد ما أورد من ذلك. وأضفنا إليه مجموعة ثانية من رحلات الصحابة منها في عهد النبي - ﷺ -، ومن رحلات غيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>الصَّحَابَةُ وَتَحَدِّيَاتُ الفِتْنَةِ:</span>\nثم واجهت الصحابة مشكلة خطيرة، كبيرة الخطر، أَلاَ وهي ظاهرة الكذب التي جَدَّتْ بسبب الفتنة التي أدت إلى مقتل الخليفة الشهيد عثمان بن عفان - ﵁ -، ثم قتل الإمام المجاهد الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ - ﵄ -، وما نتج عن ذلك من انقسامات واختلافات، وظهور مذاهب مبتدعة سمح أصحابها لأنفسهم أَنْ يَخْتَلِقُوا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَيَفْتَرُوا عَلَيْهِ، فى سبيل الترويج لآرائهم وأهوائهم، وجمع الأنصار والأعوان من حولهم.\n_________\n(١) وَصَحَّحَهُ الحاكم ووافقه الذهبي: ج ٢ ص ٤٢٧، ج ٤ ص ٥٧٤، وانظر تخريج الحديث وتحقيق صِحَّتِهِ في تعليقنا على كتاب \" الرحلة في طلب الحديث \" للخطيب البغدادي: ص ١١١، ١١٢.","vol":"1","page":152},{"text":"وقد انتدبت الصحابة لمداواة هذا الداء الجديد، واجتهدوا في محاربة الكذب والوضع، مُتَّبِعِينَ أقصى وأحكم وسائل البحث والفحص، بِأَنْ أضافوا إلى ما لم يبق من القوانين قواعد وأساليب علمية جديدة، تقاوم هذا الداء وتكافحه، فكان من ذلك:\n\n١ - أنهم تتبعوا الأسانيد وعنوا عناية شديدة بالبحث عن إسناد الحديث وفحص أحوال رُوَاتِهِ، وهذا كما ثبت بالأسانيد الصحاح عن الإمام التابعي الجليل محمد بن سيرين قال: «لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الفِتْنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ. فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُنّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنظَرُ إِلَى أَهْلِ البِدَعِ فَلاَ يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ» (١).\nومن هنا فإنا نُؤَرِّخُ للإسناد بأنه وجد من أوائل عهد الصحابة بالرواية، وليس كما يُوهِمُ بَعْضُ النَّاسِ أنَّ الإسناد قد وجد في مرحلة مُتَأَخِّرَةٍ، وهذه مئات المُصَنَّفَاتُ في الحديث ذاخرة بعشرات ألوف الأسانيد الواصلة إلى الصحابة إلى النَّبِيِّ - ﷺ - شاهد صدق وبرهان يقين وحق لكل من ينظر في كُتُبِ السُنَّةِ نظرة واحدة بتأمل وتفهم.\n\n٢ - وحث علماء الصحابة الناس على الاحتياط في حمل الحديث، وَأَلاَّ يأخذوا إِلاَّ حديث من يوثق به دِينًا وَوَرَعًا وَحِفْظًا وَضَبْطًا حتى شاعت في عُرْفِهِمْ هذه القاعدة التي وجدناها مروية بالأسانيد الكثيرة المستفيضة عن جماعة.\n_________\n(١) أخرجه مسلم في \" مقدمة صحيحه \": ج ١ ص ١١ والترمذي في \" علل الجامع \"، انظر: ج ١ ص ٥١ من \" شرح علل الترمذي \" للحافظ ابن رجب الحنبلي.","vol":"1","page":153},{"text":"يقول كل واحد منهم عن الصحابة إنهم كانوا يقولون: «إِنَّمَا هَذِهِ الأَحَادِيثَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَهًا» (١) مِمَّا يدل على قيام توعية ضخمة في هذا الخصوص.\n\n٣ - وترتب على ذلك أَنْ وجدت أنواع من الحديث المقبول وغير المقبول، ووجدت فنون الإسناد، وعلوم الجرح والتعديل وَالرُّوَاةِ، وغير ذلك، وقد سَجَّلَ الأئمة المتقدمون في مطلع كُتُبِهِمْ رُوَاةَ الحديث نُقُولًا صحيحة عن الصحابة أنفسهم فيها كلامهم في الرجال جَرْحًا وَتَعْدِيلًا وغير ذلك، وهكذا وجدت علوم المتن وأصول الحديث في الأسانيد والمتون.\n\n٤ - وكان من منهج الصحابة في الرواية والبحث عن الرُّوَاةِ والأسانيد: الرحلة في طلب الحديث.\nومن هنا فإننا نستطيع بكل ثقة أَنْ نُسَجِّلَ هَهُنَا نتيجة بالغة الأهمية، وهي أَنَّ الصحابة الكرام - رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَنْهُمْ - وقد جعلوا كتاب الله تعالى وَسُنَّةَ رسوله مِرْآتَهُمْ قَدْ تَوَصَّلُوا بِدِقَّةٍ استنباطهم وعمق فقههم إلى استنباط قوانين للرواية حفظوا بها الحديث من الخطأ والخلط، كما صانوه من الدَسِّ وَالاِخْتِلاَقِ، وكانت هذه القواعد أصول علوم الحديث التي نمت شجرتها وتفرعت فروعها في كل عصر حتى تغطي الحاجة التي كانت تَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ أحوال جديدة في الرُّوَاةِ وَالرِّوَايَةِ، والمتون والأسانيد.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \": ج ١ قسم ١ ص ١٥ عن عدد من التابعين بلفظ: «كَانَ يُقَالُ: إِنَّمَا هَذِهِ الأَحَادِيثَ ...» أي كان الصحابة يقولون. وانظر كتابنا \" منهج النقد في علوم الحديث \": ص ٣٢٩، ٣٣٠.","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>تَحَدِّيَاتُ الثَّقَافَاتِ الأَجْنَبِيَّةِ فِي القَرْنِ الثَّالِثِ الهِجْرِيِّ:</span>\nهذا من حيث تَحَدِّي الفراغ العلمي الذي واجهه الصحابة في مرحلة بِأَنْ ابتكروا ووضعوا منذ اللحظة الأولى القواعد الكفيلة بحفظ السُنَّةِ وأدائها صحيحة كما سمعوها من صاحبها - عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَلاَةِ وَأَتَمَّ التَسْلِيمِ -، وواجهوا كل جديد بعد ذلك بما يناسبه من المنهج العلمي.\n\nثم كانت هناك تحديات من نوع آخر ظهرت في القرن الثالث من الهجرة وهو عصر النهضة العلمية، حيث تم في هذا العصر تلاقح العقل العربي والمسلم بالثقافات الأخرى، وأظهرت الأُمَّةُ الإِسْلاَمِيَّة من التقدير للعلوم والمعارف الأخرى ما لم تعرفه أُمَّةٌ مدى التاريخ، حتى أَنَّ الخلفاء ليقدمون جائزة الكتاب المأخوذ والمترجم عن الأمم الأخرى وزنه ذَهَبًا، فترجمت كتب العلوم والفنون، عن اليونان وَالفُرْسِ، والهند، ونقلت ثقافاتهم إلى اللغة العربية مِمَّا كان إِنْجَازًا عِلْمِيًّا وَحَضَارِيًّا ضَخْمًا في فترة وجيزة.\n\nلكن حدث أَنَّ كَثِيرًا من المُفَكِّرِينَ انْبَهَرُوا وَتَأَثَّرُوا بأساليب المناطقة والفلاسفة وتأثروا بها كَثِيرًا، حتى ظهرت فئة تُؤْثِرُ هذه الأساليب على أساليب المُحَدِّثِينَ وَأَهْلِ الأَثَرِ، بل إِنَّ منهم من راح يطعن على أهل الحديث نَهْجَهُمْ وَيَرُدُّ الأحاديث الصحيحة وَيَتَأَوَّلُ النصوص القطعية الصريحة، بمجرد الأوهام التي عَشَّشَتْ في عقولهم بتأثير العقلية المادية أو الفلسفية التي تَسَرَّبَتْ إليهم من بعض تلك الثقافات التي ترجمت عن اللغات والأمم الأخرى، حتى وجد من ينكر من الغيبيات أشياء لا يمكن إنكارها وَيَتَأَوَّلُ ايات القرآن وَالسُنَّةِ المتواترة في الملائكة والجن تَأَثُّرًا بتلك العقلية والأوهام المادية، كما أوضحه لنا العلماء في رُدُودِهِمْ على هذه الفِرَقِ ولا سيما معاصرهم الإمام ابن قتيبة في","vol":"1","page":155},{"text":"كتاب \" تأويل مختلف الحديث \"،، وقد وصف هؤلاء بأنَّ بعضهم بلغ به الغرور إلى درجة أَنَّ أحدهم لو أراد أَنْ ينتقل من الإسلام إلى أي دين من الأديان النصرانية أو اليهودية ما وجد له مُتَّسَعًا ولا مُتَنَقَّلًا ينتقل إليه؟.\n\nفكانت في مقابلة ذلك تلكم الوقفة الضخمة التي وقفها أَهْلُ السُنَّةِ وَالحَدِيثِ ومقدمهم الإمام المبجل أحمد بن حنبل - ﵁ - في وقفته الكبرى التي كان لها بليغ الأثر وعظيم الفضل في تصحيح مسار الفكر الإسلامي والتزامه بالأصل الصحيح وهو الاحتكام والالتزام بِالكِتَابِ وَالسُنَّةِ.\n\nإِنَّ وقفة الإمام أحمد في فهمنا وتفسيرنا، ليست لأجل مسألة جزئية وهي مسألة خَلْقِ القُرْآنِ وحدها وحسب، بل إِنَّ هذه الجزئية تعبير عن الأمر الكلي، والإصرار على تقرير المنهج الصحيح أمام مفترق الطرق التي فرقتها الأهواء المتأثرة بالثقافات الأجنبية؟ فعلى أي نهج يدرج الفكر المسلم؟\n\nهل يفكر بالمنهج والأصول العِلْمِيَّةِ والإِسْلاَمِيَّة أم نفكر بالمنهج الذي وضعه أرسطو وأفلاطون وغيرهما؟.\n\nوقد سجل التاريخ هذه الوقفة للإمام أحمد بن حنبل بما يناسب المعنى الذي فَسَّرْنَاهُ به حتى قالوا: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَيَّدَ هَذَا الدِّينَ بِأَبِي بَكْرٍ الصِدِّيقَ يَوْمَ الرِدَّةِ وَبِالإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلَ يَوْمَ المِحْنَةِ» (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>السُنَّةُ وَالاحْتِكَاكُ بِالثَّقَافَاتِ الأَجْنَبِيَّةِ المُعَاصَرَةِ:</span>\nفي مطلع عصرنا الحديث ومنذ أول القرن الرابع عشر الهجري أعاد\n_________\n(١) \" تذكرة الحفاظ \" للذهبي: ص ٤٣١، ٤٣٢.","vol":"1","page":156},{"text":"التاريخ نفسه باحتكاك العالم الإسلامي الراقد في سِنَةِ الغَفْوَةِ مع الشرق والغرب، ونتيجة الصِدَامِ العَسْكَرِيِّ، ومحاولات الاستعمار للغزو الفكري الذي يفوق في الواقع فِي خُبْثَهُ وَخَطَرِهِ كل خطر فأخذت تَتَرَدَّدُ منذ ذلك الوقت وتتكرر دسائس وأباطيل حول السُنَّةِ أثارها مستشرقون مغرضون متحاملون، وَتَلَقَّفَهَا، وَيَا لِلأَسَفِ بعض أبنائنا من المُنْبَهِرِينَ بحضارة الأجنبي وَالمُغْتَرِّينَ بزخارفها وزينتها، وصاروا يدندنون بما تلقفوا من آراء بعض المُسْتَشْرِقِينَ المُتَحَامِلِينَ وَيُرَدِّدُونَ، دون علم منهم بما في هذه المقالات من عظيم البُهْتَانِ وَزَيْفِ البَاطِلِ المُخْتَلَقِ أَوْ تَوَهُّمٍ وَوِسْوَاسِ الجَاهِلِ بِأَمْرِ هَذَا العِلْمْ ومنهجه المتعمق والمتكامل.\n\nوقد نهض علماء الإسلام في هذا العصر أَيْضًا بواجبهم وَتَصَدُّوا لهذه المحاولات، وَصَنَّفُوا فِي الرَدِّ على هذه الأباطيل والافتراءات أَبْحَاثًا قَيِّمَةً مفيدة، أَدُّوا بها واجب الأمانة والعلم أجزل اللهُ مَثُوبَتَهُمْ وأينعت جهودهم ثِمَارًا عظيمة الفائدة أَمَدَّتْ مكتبة العلوم الإِسْلاَمِيَّة بِزَادٍ جديد على غاية الأهمية تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا وَمِنْهُمْ.\n\nونحن في موقفنا هنا نَوَدُّ أَنْ نتعرض لبعض قضايا هذه الإثارات تمس الحاجة إليها ولعلها قد ترددت هنا في آونة أخيرة في بعض المناسبات وهي استشكالات تختلف عن كثير مِمَّا نوقش وقدم الرَدَّ عليه لأنها تمس تكوين منهج المُحَدِّثِينَ بكليته وليست تقتصر على أمور جزئية منه.\n\nوَأُلَخِّصُ هذه القضايا التي أَوَدُّ أَنْ أتناولها بالمناقشة بعبارات عن المستشرق اليهودي جولدتسهير المتحامل على الإسلام في الشرق والغرب، وتبعه ليون بورشيه في كتابه \" دِرَاسَاتٌ في السُنَّةِ الإِسْلاَمِيَّة \" مع بعض عبارات وأفكار مِمَّا صدر عن بعض الأقدمين وَالعَصْرِيِّينَ المُتَأَثِّرِينَ بالفلسفة اليونانية أو العقلية المادية.","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>أَوَّلًا: الشَكْلُ وَالمَضْمُونُ:</span>\nيَدَّعِي تْسِيهِرْ ومن معه أَنَّ فحص علماء الإسلام لِلْسُنَّةِ وَنَقْدِ الروايات يعتمد على النقد الخارجي فقط يريدون (نقد السند) دون النظر من حيث النقد الداخلى، يقصدون «نَقْدَ المَتْنِ» فعندما يقدم هذا الإسناد سلسلة متصلة لشيوخ جديرين بالثقة فَإِنَّ هذا الحديث يعتبر صَحِيحًا حتى لو كان قد نقل به فكرة مستحيلة تَدُلُّ على الكذب والبهتان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>ثَانِيًا: التَّنَاقُضُ بَيْنَ الأَحَادِيثِ:</span>\nوهو اِدِّعَاءٌ قديم وَجَّهَهُ إلى المُحَدِّثِينَ من لم يُمْعِنْ النظر في صنيعهم، ثم كَرَّرَ - المُسْتَشْرِقُونَ، وبعض من تَلَقَّى عنهم أو قرأ آراء أولئك السابقن، فزعم هؤلاء كلهم أَنَّ المُحَدِّثِينَ حملوا المتناقض من الروايات وَصَحَّحُوهَا، فإنه كما يقول بعض المُسْتَشْرِقِينَ، وضعت مبادىء شكلية زعم أصحاب الحديث أنها تستهدف تصحيح عِلَلِ الحديث، أي إزالة التعارض.\n\nوقد اغْتَرَّ بهذا الزعم كَثِيرٌ مِمَّنْ لم يخبر واقع هذا العلم الدقيق وحقيقة أصول المُحَدِّثِينَ في مواجهة هذه المشكلة حَتَّى تَوَرَّطَ في ذلك بعض من لا ينبغي أَنْ يصدرعنه ذلك فاعترض على حديث «أَنَّ مُوسَى لَمَّا جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ صَكَّهُ فَفَقَأَ عَيْنَهُ»، وقال: «لَعَلَّ عِيسَى ضَرَبَهُ أَيْضًا فَفَقَأَ عَيْنَهُ الأُخْرَى؟؟».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>ثَالِثًا: فِي تَطْبِيقِ المُحَدِّثِينَ لِمَنْهَجِ النَّقْدِ:</span>\nزعموا أَنَّ المُحَدِّثِينَ في حقل التطبيق لم يراعوا القواعد التي قََعَّدُوهَا لنقد الأحاديث بل إنهم مشوا أحاديث موضوعة مسفة جِدًّا والامتياز النبوي لمحمد هو وسيلة للتغلب على مثل هذه المشكلات فللبرهنة على أَنَّ أبا حنيفة هو أفضل فقيه من فقهاء الشريعة الدينية اخترع تلامذته الحديث التالي: «يَكُونُ","vol":"1","page":158},{"text":"فِي أُمَّتِي يَوْمًا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَسَيَكُونُ سِرَاجُ أُمَّتِي»، ولم يجهدوا مُطْلَقًا فِي أنْ يجعلوا الناس يُصَدِّقُونَ بأنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قد ذكر فِعْلًا اسم العالم العراقي كذا قال جولدتسهير وتابعه ليون بورشيه.\n\nهكذا تَكَلَّفَ هؤلاء الخوض في هذا العَلَمِ العظيم ثم راحوا يَتَطَفَّلُونَ على علم الحديث ينقدونه، وعلى المُحَدِّثِينَ يقترحون عليهم.\n\nوَأَوَدُّ أَوَّلًا أَنْ أُنَبِّهَ إخواني إلى رأي في جملة مزاعم الناقدين لِلْمُحَدِّثِينَ ببيان تصنيفها العلمي، وذلك أنها بصورة إجمالية ليست أكثر من تخيلات أو أباطيل أو أوهام، إنها ليست من النوع الذي يرقى إلى ما يسميه العلماء في بحوثهم ومناقشاتهم «شُبْهَةٌ» لأنها ليست من نوع ما يشتبه على العقل الباحث الجاد، بأن يقع له دليل ضعيف يخلط فيه الناظر فيظنه قَوِيًّا، إنما هي تخيلات أو أوهام وبعضها مزاعم مُلَفَّقَةٌ فقد فضح تلفيقها أصحابها وغشاهم بِالخِزْيِ وَالخَيْبَةِ.\n\nلكننا نتساءل هل نشأت هذه الأفكارعند هؤلاء لأنهم لم يفهموا منهج المُحَدِّثِينَ، أو أنهم فهموا ذلك فأرادوا أَنْ ينتهزوا غفلة الناس عن تكاسل بنيان علم الحديث وإحكام خِطَّتِهِ النقدية؟.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>مُوَاجَهَتُنَا لِهَذَا التَّحَدِّي بَيَانُ التَّكَامُلِ وَالشُّمُولِ فِي مَنْهَجِ المُحَدِّثِينَ:</span>\nومن هنا فإنا رأينا أنه لِزَامًا علينا في مواجهة هذا التحدي أَنْ نُبَيِّنَ أَوَّلًا هذا الأصل الجوهري البالغ الأهمية في عمل المُحَدِّثِينَ، أعني مزية التكامل والدقة والإحاطة فَإِنَّ هذا البيان مُهِمٌّ جِدًّا بسبب ما يلحظه الناظر في كُتُبِ","vol":"1","page":159},{"text":"المُصْطَلَحِ من إعواز لبيان هذا الأمر، وَإِنْ كان السبب اعتماد علمائنا السابقين - رَحِمَهُمْ اللهُ تَعَالَى - على تحصيل العلم في الصدور وتكوين المَلَكَةِ، ولكن هذا البيان يزيد الردود والمناقشة وُضُوحًا وَجَلاَءً، وَقَدْ عَلَّمَنَا الإسلام الحنيف أَنْ نقيم أمورنا على الحُجَّةِ الواضحة والبرهان الساطع حتى صار ذلك غاية أُمْنِيَّةَ العَالِمِ، بَلْ مُتْعَةَ البَاحِثِ، كما قيل لبعض العلماء الكبار: فِيمَ لَذَّتُكَ؟ فَقَالَ: «فِي شُبْهَةٍ تَتَضَاءَلُ افْتِضَاحًا، وَحُجَّةٍ تَتَبَخْتَرُ اتِّضَاحًا».\n\nوقد توصلنا بفضل الله تعالى وتوفيقه إلى صياغة مبتكرة لهذا العلم علم المصطلح، تبرز وتظهر بجلاء تكامل هذا العلم وَدِقَّتِهِ وَشُمُولِهِ، وأنه في الواقع يشكل ما يسمى بلغة عصرنا هذا (نِظَامًا) أَوْ (نَظَرِيَّةً) نَقْدِيَّةً مُتَكَامِلَةٍ، تتآلف فيها أنواع علوم الحديث كلها، لتبدو في مجموعها منطلقة بتسديد وإحكام نحو الغاية المنشودة، فواجهنا هذا التحدي ببادرة جديدة تَعْتَمِدُ عَلَى الرَدِّ العِلْمِيِّ وَالتَّطْبِيقِ الفِعْلِيِّ في جلاء نظرية النقد عند المُحَدِّثِينَ بقالب جديد ليبرز هذا التكامل، وليس بمجرد الحوار والجدال.\n\nوتقوم هذه النظرية على أساس بسيط جِدًّا وسهل الفهم مقتبس من نص الحديث المتواتر: «نَضَّرَ اللهُ امْرُءًا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ». فَإِنَّ هذا اللفظ يدل على أنه لاَ بُدَّ لكي يكون الحديث مقبولًا أَنْ يكون راويه قد أداه كما سمعه، وهذا بلا شك أمر واضح لا جدال فيه، وهو يوجب علينا أَوَّلًا أَنْ نَخْبُرَ أَحْوَالَ الرُّوَاةِ، وقد استوعب المُحَدِّثُونَ ذلك بأصول عديدة شاملة تُبَيِّنُ كل ما يتصل بالراوي جَرْحًا وَتَعْدِيلًا، وَتِبْيَانًا لاسمه ونسبه وتمييزه عمن قد يشابه اسمه حتى أحصوا ذلك إحصاء عَجِيبًا وَبِتَمْيِيزٍ دَقِيقٍ، مثل تمييزهم بين من يتفق اسمه مع غيره في الرسم، ويختلف في النطق مثل هذه الأسماء (يزيد،","vol":"1","page":160},{"text":"بريد، تزيد) أو يتماثل اسمه مع اسم غيره أو غير ذلك، في جملة علوم تبلغ ثلاثين نَوْعًا (١).\nثم إِنَّ أَخْذَ الراوي عن أساتذته له أحوال وأحكام، وكذلك تبليغه يعتريه أحكام أَيْضًا، فكانت دراسة علوم الرواية مُكْمِلَةً لما سبق وَمُتَمِّمَةٌ لَهُ، وهي خمسة علوم من علوم الحديث (٢).\n\nولما أنَّ الأحاديث وصلت إلينا بنقل رجال السند وَاحِدًا عن الأخر حتى يبلغوا قائلها كان من الواجب أَنْ ندرس شروط القبول في السند والمتن وذلك في تعريف «الحديث الصحيح» و«الحديث الحسن» وقد توصلنا ببحث خاص وتحقيق جديد إلى بيان كفاية شروط الحديث المقبول لإثبات سلامة الحديث وأدائه كما سُمِعَ من قائله وكيف أَنَّ قواعد هذا الفن البالغة ثمانين قاعدة تعمل كلها لتحقيق هذه الغاية بواسطة شروط الحديث الصحيح والحسن، التي تستجمع في الحقيقة كل قواعد الحديث وقوانينه (٣)، والتي متى اختل شيء منها كان الحديث ضعيفًا، لما فيه من فقد المعيار الذي يثبت سلامة النص المروي.\n\nثم ننتقل في ضوء ما سبق إلى السير والدرس لكل جوانب الحديث ونوضح احتمالات الضعف والقوة فيها، ابتداء بأحوال المتن، ثم بأحوال السند وما يعرض له من اتصال أو انقطاع أو غير ذلك.\n\nثم نتتبع الأنواع والأحوال المشتركة بين السند والمتن كالشاذ\n_________\n(١) انظر دراستها مفصلة في كتاب \" منهج النقد في علوم الحديث \" الباب الثاني في علوم الرواة: ص ٧٣ - ١٨٧.\n(٢) انظر دراستها في المرجع السابق، الباب الثالث في علوم الرواية: ص ١٨٨ - ٢٣٩.\n(٣) وذلك في بحث \" الاتجاهات العامة للاجتهاد ومكانة الحديث الصحيح فيها \"، تحت الطبع.","vol":"1","page":161},{"text":"والمضطرب، حتى تصل الدراسة إلى قمة البحث في الحديث المُعَلَّلِ سواء كانت العلة في السند أو في المتن أو فيهما جميعا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>مناقشات وردود حاسمة:</span>\nهذا بيان موجز قدمناه بين يدي المناقشة والنقد لما ذكرناه من الأوهام حول منهج المُحَدِّثِينَ، ومنه نرى أن عمل المُحَدِّثِينَ شامل لنقد السند والمتن على حد سواء، ونلمس بطلان ما يردد من أقاويل حول منهج المُحَدِّثِينَ وعملهم العلمي.\n\nوَنُفَصِّلُ هذا بتفصيل الرد على المزاعم الثلاثة الأولى التي أوردناها فنقول:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>أولًا - مسألة الشكل والمضمون في نقد الرواية:</span>\nإن الادعاء بأن فحص العلماء للحديث يقوم على نقد السند فقط ويقتصر عليه، لهو أشهر انتقادات المُسْتَشْرِقِينَ ومقلدتهم الذين يجترُّون أفكارهم ويرددونها ترداد الببغاء، ونلاحظ قبل المناقشة أن هؤلاء لا يعبرون باصطلاحات المُحَدِّثِينَ «سند»، «متن» بل يغيرون المصطلحات الإِسْلاَمِيَّة رغم دقتها ووضوح معناها، إلى مصطلحات سطحية غامضة، لا يدري القاريء معناها، مِمَّا ينم عن الغرض الذي في نفوسهم.\n\nثم بعد هذا البدء والإعادة منهم في هذا الزعم نجد أنه على شهرته أشد مزاعمهم ضعفا وأوضحها سقوطا، ومن الدليل على ما قلناه:\n\n١ـ إِنَّ أيَّ طالب علم درس أَيَّ كتاب في مصطلح الحديث لو تفكر قليلا لتبين له سقوط هذا الادعاء وزيفه، لأننا نقرأ أيّ كتاب في مصطلح","vol":"1","page":162},{"text":"الحديث فنجد في تعريف الحديث الصحيح والحسن أنه يشترط فيهما شرطان أساسيان لقبول الحديث هما: سلامته من أن يكون شَاذًّا أَوْ مُعَلًاّ، ثم ننظر في شرح التعريف فنجدهم يقولون: إن الشذوذ قسمان: شذوذ السند وشذوذ المتن، وكذلك العلة قسمان: علة في السند وعلة في المتن. وهي حقيقة مقررة يعرفها صغار طلبة العلم، فهل في الدنيا عاقل يصدق بعد هذا أنهم ينتقدون الإسناد فقط، ولا ينتقدون المتون.\n\n٢ - إن نظرة إلى الصفحات الأولى من كتب هذا العلم لو كلف احدهم نفسه أن يمر بمكتبة ويتناول كتابًا في مصطلح الحديث ويقرأ قليلا من أوله، لوجد أمامه تعريف هذا العلم بما يبين حقيقة هذه القضية لأنه سيجدهم يُعَرِّفُونَهُ بِأَنَّهُ «عِلْمٌ بِقَوَانِينَ يُعْرَفُ بِهَا أَحْوَالَ السَّنَدِ وَالمَتْنِ مِنْ حَيْثُ القَبُولِ أَوْ الرَدِّ» (١).\n\nفأين هي النظرة الشكلية التي تنظر للإسناد دون المتن أم أنهما قرينان لا ينفصل أحدهما عن الآخر في أي أصل من هذا العلم، وهل يا ترى لو اطلع قائل هذا الزعم على كتاب في أصول الحديث هل كان يجتريء أن يقول قولته؟ أم أن الأمر عنده سيان؟.\n\n٣ - إنا نجد عند المُحَدِّثِينَ قاعدة أدق وأبلغ وهي قاعدة متفق عليها بينهم جميعا يقررون فيها: أنه قد يَصِحُّ السند ولا يصح المتن لِشُذُوذٍ أَوْ عِلَّةٍ، وقد يصح المتن ولا يصح السند لورود دلائل على صحة المتن من طرق أخرى، وهذا مُقَرَّرٌ في كل مراجع هذا الفن وليس هو من المعلومات النادرة وذلك يدل بما لا يدع مجالًا للشك على أَنَّ المُحَدِّثِينَ احتاطوا من النظرة الشكلية القاصرة، وأنهم احتاطوا لكل احتمال، وأعدوا له العدة في منهج موضوعي، شامل ومتعمق أَيْضًا\n_________\n(١) انظر في \" تدريب الراوي \" للسيوطي: ص ٥.","vol":"1","page":163},{"text":"٤ - نقول لهم بعد هذا: ما تظنون فيما أسميتموه النقد الخارجي؟ هل تظنونه تم واستكمل عند المُحَدِّثِينَ بعيدًا عن النظر والفحص للمتون وهذا الذي قلتم: «سلسلة شيوخ جديرين بالثقة، هذا الجدير بالثقة كيف كان جديرًا بها؟ هل حصل عليها بصك غفران أو لانتمائه إلى فئة معينة؟؟ أم أنه كما هو الواقع حاز على هذه الصفة (ثِقَةٌ) بأن اجتاز اختبارًا شاملًا لشخصيته لتحقيق صفة العدالة أو ما نسميه الآن الأمانة العلمية وصفة (الضَبْطِ) أو ما يمكن أن نسميه الكفاءة العلمية التي بها يكون على مستوى استيعاب الحديث وأدائه كما سمع.\n\nفي الواقع إن إثبات ثقة الرُوَّاةِ، وكونهم جديرين بالثقة هذا الذي استخف به جولدتسهير وَمُقَلِّدَتُهُ يرتبط المتون ارتباطًا قَوِيًّا لأن توثيق الراوي لا بد فيه من اختبار مروياته وعرضها على روايات الثقات فإن وجدنا رواياته موافقة ولو من حيث المعنى لرواياتهم أو كانت له مخالفة نادرة عرفنا حينئذ كونه (ضَابِطًا) (١) وحكمنا له مع اتصافه بالعدالة بأنه (ثِقَةٌ).\n\nوهذه كتب الجرح والتعديل مليئة بألفاظ الجرح للرواي بسبب الخطأ في مروياته مثل قولهم (فُلاَنٌ مُنْكَرُ الحَدِيثِ). (يَرْوِي المَنَاكِيرَ). (يَرْوِي الغَرَائِبَ). (رَوَى حَدِيثًا بَاطِلًا). (رِوَايَاتُهُ وَاهِيَةٌ). وغير ذلك كثير يدل على أن المُحَدِّثِينَ كانوا في الاحتياط أبلغ مِمَّا يريده المتطفلون عليهم.\n\nعلى أنا بعد هذا نرجو أَنْ لاَ يُتَوَهَّمَ من نقاشنا أننا نغض من نقد السند، أو هموم الرُوَّاةِ، بل إن للسند قيمته التي لاَ تُجْحَدُ وَلاَ تُنْكَرُ في\n_________\n(١) \" علوم الحديث \" لابن الصلاح: ص ١٠٦. وانظر الفكرة في \" مقدمة صحيح مسلم \".","vol":"1","page":164},{"text":"ميزان النقد، وهو الخصوصية التي اختص اللهُ بها النقد الإسلامي على مناهج النقد في الدنيا، في قديم عصورنا وفي حديثها فإن هذا السند لا ينقل كَلاَمًا عَادِيًّا عن شخص عادي، بل ينقل عن صاحب الوحي الذي يُبَلِّغُ عن اللهِ تعالى، فَأَمْرُهُ هُوَ أَمْرُ اللهِ، وَنَهْيُهُ هُوَ نَهْيُ اللهِ، فمن البَدَهِيِّ أن نقول لمن يروي شَيْئًا من الحديث، مَا سَنَدُكَ فِي نَقْلِ هَذَا الكَلاَمِ.\n\nبل أننا لنعتز بعناية علمائنا بنقد الأسانيد، بل بتقديم نقد الأسانيد على المتون في كثير من المواضع، وذلك لأن المتن في كثير من الأحيان ربما لا يشتمل على دلائل توحي بشيء يستدل به على صحة النص أو سقمه مِمَّا يجعل نقد السند متعينا وَمُقَدَّمًا لا محالة، على حين تبقى أفكار الناقد غير المسلم في مثل هذا الوضع حائرة في احتمالات الحدس والتخمين، أو ضالة في المتاهات واتجاهات الظنون والتخيلات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>ثَانِيًا - ادِّعَاءُ التَّعَارُضِ وَالاسْتِشْكَالِ عَلَى الأَحَادِيثِ:</span>\nلقد سبق أن واجه المُحَدِّثُونَ منذ القدم هذا الزعم، وعالجوه بالقواعد والقوانين الكافلة بوضع الأمر في نصابه مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ ادِّعَاءَ التعارض بالقواعد والقوانين إنما يأتي من عدم الفهم، أو من قلة التدبر في حقيقة المراد من النص، بل قد وجدنا أكثر من واحد يُورِدُونَ التعارض بين أحاديث لا أصل لها البتة، أو يعارضون حديثًا صحيحًا بحديث مختلق مصنوع.\n\nوَنُفَضِّلُ الجَوَابَ عَلَى ذَلِكَ بِمَا يَلِي:\n\n١ - إن ادِّعَاءَ التعارض أو الاستشكال على النصوص ليس بالأمر الصعب مهما بلغت من الدقة والإحكام ما دام فيها ما ليس منه بُدٌّ، من عام","vol":"1","page":165},{"text":"وَخَاصٌّ مُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَمُطْلَقٌ وَمُقُيِّدٌ يُقَيِّدُهُ، وَمُجْمَلٌ وَمُفَسِّرٌ يُفَسِّرُهُ. فهل يقبل هؤلاء المعترضون أن يطبق عليهم حكمهم ونترك كلامهم اللجلج، وَهَلاَّ وسعتهم الأحاديث الضخمة المحكمة التي لا إشكال فيها ولا سؤال، إذن لوجدوا ما يملأ ساحة التشريع والفكر.\n\n٢ - إِنَّ المُحَدِّثِينَ قد تبعوا قواعد وشروطًا لعلاج مشكلة ما يظن فيه تعارض مع نص آخر أو إشكال، وهذه القواعد والشروط هي من صميم نهج نقدهم، تتصل اتصالًا وثيقًا بشروط قبول الحديث ذاتها ويتفرع عليها أنواع من علوم الحديث، مثل الشاذ، المحفوظ، المنكر، المعروف، الناسخ، المنسوخ، المضطرب، المُعَلَّلُ، ومختلف الحديث.\n\nتفصيل ذلك:\n\nإن الحديث المقبول إذا عارضه حديث ضعيف طرح الحديث الضعيف وحكم عليه بالإنكار، كما بَيَّنُوا في الحديث المنكر (١).\n\nأما إذا عارضه حديث من رواية الثقات، ولا نسميه الآن صَحِيحًا فإننا ننظر في طبيعة النَصَّيْنِ وفي مدلوليهما فإن وجد وجه للتوفيق والجمع بينهما عمل به، وتبين زوال التعارض، وأنه نشأ من قلة التمعن.\n\nوكذلك إذا دَلَّ البحث على أن أحد النَصَّيْنِ جاء بعد الآخر وحل محله فلا تعارض هنا، لأن الشارع نسخ الحكم المتقدم بالحكم الآخر.\n\nأما إذا لم يظهر هذا ولا ذاك فإننا نأخذ بالراجح والأقوى، ويكون هو «الصَحِيحُ» وَيُسَمَّى أَيْضًا المحفوظ ويكون المرجوح «شَاذًّا» أو «مُعَلَّلًا» ... وهو مردود\n_________\n(١) انظر \" نخبة الفكر \" و\" شرحها \" لعلي القاري: ص ٨٥ - ٨٩ و\" تدريب الراوي \": ص ١٥٢.","vol":"1","page":166},{"text":"وقد عُنِيَ العلماء بأوجه الترجيح وأنواعها وَتَقَصَّوْهَا بجزئياتها وكلياتها حتى زادت جزئياتها على مائة وجه من أوجه الترجيح، وضبطت كلياتها في سبعة أقسام كلية ترجع كلها إليها (١).\n\nوهكذا نجد البحث في موضوع التعارض قد شمل كل جوانبه وعالج المشكلة عِلاَجًا يزيل كل توهم حول الحديث الصحيح والحسن. .\n\n٣ - عني العلماء بدراسة ما أشكل من الأحاديث دراسة تفصيلية تتناول كل حديث منهما، فأجابوا عنه عند شرحهم للحديث في الشروح الحافلة التي صَنَّفُوهَا على كُتُبِ السُنَّةِ، ولم يكتفوا بذلك بل أفردوا هذا اللون العلمي بالدراسة في كتب خاصة كثيرة، نذكر منها:\n\n\" اختلاف الحديث \"، للإمام الشافعي.\n\" تأويل مختلف الحديث \"، لابن قتيبة.\n\" مشكل الآثار \"، للطحطاوي.\n\" مشكل الحديث \"، لأبي بكر بن فورك.\n\" مشكل الحديث \"، للقصري.\n\nفَمَثَلًا: الحديث الذي أوردناه، والذي استشكله بعضهم في محاضرة عِلْمِيَّةٍ في إحدى قاعات جامعة كبيرة مشهورة، هذا الحديث صحيح متفق عليه، أخرجه الشيخان بأسانيدهما عن أبي هريرة - ﵁ - قال: «أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ، فَفَقَأَ عَيْنَهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: \" أَرْسَلْتَنِى إِلَى عَبْدٍ لاَ يُرِيدُ الْمَوْتَ! \"، قَالَ: \" فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِمَا غَطَّتْ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ.\n_________\n(١) أورد الإمام الحازمي من أوجه التوفيق التفصيلية خمسين وَجْهًا في كتابه \" الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار \": ص ١١ - ٢٧ وأوصلها العراقي في \" نكته على ابن الصلاح \" إلى أكثر من مائة، ثم جاء السيوطي فضبطها بسبع قواعد كلية في كتابه \" تدريب الراوي \": ص ٣٨٨ - ٣٩١.","vol":"1","page":167},{"text":"قَالَ: «أَىْ رَبِّ ثُمَّ مَهْ؟».\nقَالَ: «ثُمَّ الْمَوْتُ».\nقَالَ: «فَالآنَ»، فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ» (١) وقد أجاب عنه العلماء منذ أزمان بأجوبة كثيرة نذكر منها.\n\nأنَّ الملائكة مخلوقات نورانية ليست مادية، لكن الله أعطاها قُدْرَةً على التشكل بالصور المادية، أَلاَ ترى أنَّ جبريل - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - أتى رسول الله - ﷺ - بصورة دحية الكلبي، وَمَرَّةً في صورة أعرابي، فلما جاء الملك موسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - وجاذبه، لطمه موسى لطمة أذهبت العين التي هي تخييل لا تمثيل، وليست عَيْنًا حقيقية للملك، ولم يضر الملك بشيء.\n\nوقال: الإمام أبو بكر بن فورك (٢): «وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إَِّن مَعْنَى قَوْلِهِ لَطَمَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - عَيْنَ مَلَكَ المَوْتِ تَوَسَّعَ فِي الكَلاَم وَهُوَ نَحْوَ مَا يُحْكَى عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - أَنه قَالَ: \" أَنَا فَقَأْتُ عَيْنَ الْفِتْنَة \" يُرِيدُ بِذَلِكَ إِلْزَامَ مُوسَى مَلَكَ المَوْتِ الحُجَّةَ حِينَ رَادَهُ فِي قَبْضِ رُوحِهِ ...».\n\n٤ - الأحاديث الواردة في أمور من علوم الكون والطبيعة وأخص بالذكر هنا الأحاديث المتعلَّقة بالطب.\n_________\n(١) \" البخاري \": في الجنائز (باب من أحب أنْ يُدْفَنَ في الأرض المقدسة) ج ٢ ص ٩٠ والأنبياء (باب وفاة موسى) ج ٤ ص ١٥٧. و\" مسلم \" واللفظ له: ج ٧ ص ١٠٠.\n(٢) في كتابه \" مشكل الحديث \": ص ١١٣، وانظر \" تأويل مختلف الحديث \" لابن قتيبة: ص ٢٧٧ - ٢٧٨.","vol":"1","page":168},{"text":"لقد عُنِيَ أسلافنا بهذه الأحاديث، وَصَنَّفُوا فيها مجموعات عرفت باسم الطب النبوي، ورأى العلم فيها دلائل من دلائل نُبُوَّتِهِ وَبَرَاهِينَ رِسَالَتِهِ - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، لما اشتملت عليه من فوائد عرفها الطب وأفاد بها، كما أبرزت ذلك دراسات معاصرة كثيرة مثل الدراسات التي أجريت على الحَبَّةِ السَّوْدَاءَ، والدراسات التي أجريت على العسل وفوائده واستطباباته وهو طب القرآن وطب الحديث النبوي، حتى حازت بعض هذه البحوث على جوائز عالمية، ومع ذلك فالعلم يُقَرِّرُ أنه لا زال المجال مفتوحًا للمزيد من الدرس المفيد حول العسل.\n\nولكن بعض الناس مِمَّنْ لم يتمعنوا في هذه الأحاديث استشكل ما وجده من بعض الأحاديث الطبية أو الصحية واشتهر الإشكال حتى لزم البحث فيه، وكشف اللثام عن حقيقة الأمر فيها.\n\nونجيب عن الإشكال حول بعض الأحاديث إجابات إجمالية وإجابات تفصيلية فيما يلي:\n\n(أ) أما الإجابة الإجمالية:\n\nفإننا نؤمن بالله تعالى رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ - ﷺ - نَبِيًّا وَرَسُولًا فمهما ثبت عنه - ﷺ - وصح عنه في هذه القضايا فإننا نقبله ولا يضرنا بعد التثبت والتحري لثبوت صحة الحديث، عدم اكتشاف العلم لما أخبر به الحديث لأن العلم كما يقول خُبَرَاؤُهُ وَأَرْبَابُهُ مازال على حافة اكتشاف الكون.\n\nوقد زلق بسبب هذا الوهم كثيرون حتى أن بعضهم وهو موريس بوكاي، تناول بعض هذه الأحاديث بالنقد ليؤكد بذلك إعجاز القرآن، لأن أخبار القرآن عن الكون أخبار علمية قاطعة ومعجزة، فرأى أنه لو كان القرآن كلام مُحَمَّدٍ لوقع فيه مثل ما وقع في بعض الأحاديث.","vol":"1","page":169},{"text":"وهذا خطأ فادح ناشيء من الغفلة عَنْ أَنَّ السُنَّةَ هي وحي أَيْضًا، ولكنها وحي غَيْرَ مَتْلُوٍّ، كما قال - ﷿ -: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١).\n\nلكن هذا لا يعني أن نعمل بكل حديث في الطب من تلقاء أنفسنا بل يجب أن نرجع في كيفية ذلك إلى الأطباء أهل الخبرة بكيفية استعمال تلك الوصفات كما هو الشأن في أي علاج طبي مهما كان.\n\nوقد أقر كبار الأطباء الذين أطلعوا على أحاديث «الطب النبوي» بما أتت به هذه الأحاديث بل قال لي استاذ في كلية الطب بجامعة دمشق:\n«إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَأْتِ بِوَصْفَاتٍ طِبِيَّةٍ سَابِقَةٍ لِعَصْرِهَا فَحَسْبَ بَلْ إِنَّهُ فَوْقَ ذَلِكَ جَاءَ مُقَنِّنًا لِلْطِبِّ وَالأَطِبَّاءِ».\n\nوقال لي زميل آخر من كبار أساتذه كلية الطب في جامعة دمشق (الدكتور محمود الجزيري): «كَيْفَ نَقْبَلُ كَلاَمَ هَؤُلاَءِ الأَجَانِبِ وَلاَ نَقْبَلُ كَلاَمَ النَّبِيَّ - ﷺ -؟.\n\nذكر الدكتور الجزيري قِصَّةً من واقع حياته العلمية فيها كل العبرة لمن عقل وتدبر فقال:\n«قَدْ كُنْتُ أَوَّلَ مَا عُيِّنْتُ مُدَرِّسًا فِي كُلِيَّةِ الطِبِّ أُقَرِّرُ فَائِدَةَ شُرْبِ المَاءِ مَعَ الطَّعَامِ، أَخْذًا بِالحَدِيثِ الصَّحِيحِ: \" فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ .. وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ .. وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ \" وَقَدْ لاَحَظْتُ فَائِدَةَ ذَلِكَ بِالتَّجْرِبَةِ عَلَى نَفْسِي وَعَلَى مَرْضَايَ الذِينَ أَصْبَحَ عَدَدُهُمْ يَزِيْدُ الآنَ عَنْ نِصْفِ مِليُونٍ وَكَانَ الطَّلَبَةُ آنَذَاكَ يُعَارِضُونَنِي لأَنَّهُمْ يَجِدُونَ فِي الكُتُبِ التِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَالمَأْخُوْذَةِ عَنْ الأَجَانِبِ ضِدَّ ذَلِكَ وَكُنْتُ أَصَرُّ عَلَىَ رَأْيِي وَأُخَالِفُ تِلْكَ الكُتُب وَأَخِيرًا جَاءَ الطِبُّ يُقَرِّرُ مَا ذَكَرَهُ الحَدِيثُ\n_________\n(١) [سورة النجم، الآيتان: ٣، ٤].","vol":"1","page":170},{"text":"الشَّرِيفُ وَيُوصِي بِشُرْبِ المَاءِ مَعَ الطَّعَامِ، لأَنَّهُ تَبَيَّنَ لِلأَطِبَّاءِ أَنَّ شُرْبَ المَاءِ مَعَ الطَّعَامِ يُفِيدُ مِنْ زِيَادَةِ إِفْرَازِ العُصَارَاتِ كُلِّهَا فِي المَعِدَةِ وَالْكَبِدِ وَالأَمْعَاءِ، وَيُسَاعِدُ مُهِمَّةَ جِهَازِ الهَضْمِ بِتَلْيِينِ الطَّعَامِ وَصِيَاغَتِهِ كَعَجِينَةٍ تَنْفُذُ فِيهَا الْعُصَارَاتُ الهَاضِمَةُ، وَيَمْنَعُ القَبْضَ، وَكُنْتُ أُوْصِي بِالمَصابِينَ بِالْقَبْضِ (الإِمْسَاكُ) المُزْمِنِ بِكَثْرَةِ شُرْبِ المَاءِ مَعَ الطَّعَامِ وَكَانَتْ تَوْصِيَةً نَاجِحَةً مِائَةً بِالمِائَةِ ...» إلى آخر ما ذكره الزميل الدكتور الكبير - حَفِظَهُ اللهُ -، مِمَّا يجعلنا نأخذ العبرة لذلك في هذه الأحاديث الشريفة.\n\n(ب) وأما الإجابة التفصيلية:\nفأذكر فيها هذين المثالين:\n\nالمثال الأول: حديث شرب لبن الناقة وبولها:\n\nوهو حديث صحيح متفق عليه أخرجه \" البخاري \" و\" مسلم \" عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَاجْتَوَوْهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَتَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا»، فَفَعَلُوا، فَصَحُّوا، ثُمَّ مَالُوا عَلَى الرِّعَاةِ، فَقَتَلُوهُمْ وَارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلاَمِ، وَسَاقُوا ذَوْدَ النَّبِيِّ ﷺ، ... إلى آخر ما ذكر الحديث من عقوبتهم الشديدة (١).\n_________\n(١) \" البخاري\": في الطهارة (باب أبوال الإبل والغنم) ج ١ ص ٥٢ ومواضع أخرى، و\" مسلم \": في [كِتَابِ الْقَسَامَةِ] (باب حكم المحاربين) ج ٣ ص ١٢٩٦ - ١٢٩٧ واللفظ لمسلم.\nوقد جاء في بعض الروايات: «عَلَيْكُمْ بِأَبْوَالِ الإِبِلِ فَإِنَّهَا نَافِعَةٌ لِلذَّرِبَةِ (*) بُطُونِهِمْ» أخرجه ابن المنذر عن ابن عباس مَرْفُوعًا كما في \" فتح الباري \": ج ١٠ ص ١٢٠ كما ذكر داود الأنطاكي في \" تذكرته \": ج ١ ص ٢٧٩ أن لبن اللقاح مع بولها ينفع دَوَاءً للاستسقاء غير الريحي وهذا يشير إلى معرفة نفعها منذ القديم وقد ذهب المالكية إلى طهارة بول الإبل وبول ما يأكل لحمه استنادا لهذه الأحاديث. وقال الحنفية: هي نجسة لكنها نجاسة مخففة وأجابوا عن الأحاديث بأنها للضرورة.\n--------------------\n(*) [وَالذَّرِبَةُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، جَمْعُ ذَرِبٍ وَالذَّرَبُ بِفَتْحَتَيْنِ فَسَادُ الْمَعِدَةِ].","vol":"1","page":171},{"text":"والجواب من ملاحظة ما ذكرنا في الإجابة الإجمالية أنه لا ينبغي الاستشكال على الحديث لعدم توصل العلم إلى ما وصفه الحديث وغير ذلك مِمَّا ذكرناه بل إنه موجب عند العقلاء لمتابعة البحث حَتَّى يَتَوَصَّلَ الطب إلى طريق الإفادة من هذا العلاج وقد وفق الله تعالى بعض اخواننا من أساتذة جامعة دمشق وأفاد من هذا الطب النبوي في علاج طفل له صغير أصيب باستسقاء في رأسه، وتضخم رأس الطفل جِدًّا، وأعيا الأطباء علاجه، فتذكر الوالد العالم المؤمن قِصَّةَ العُرَنِيِّينَ، وصار يذهب إلى مناطق نائية يأتي منها باللبن من النوق، وكانت النتيجة جيدة والفائدة ملحوظة جِدًّا على حين لم يفدهم عقار الأطباء، ولولا عقبات بُعْدِ المكان وَنُدْرَةِ الحليب وغير ذلك من معوقات لأمكن أن تُسْتَوْفَى التجربة وتتابع وها نحن نذكر هذه المحاولة عسى أن تثير عزائم الخبراء للإفادة من الحديث في علاج هذا الداء بالتجارب العلمية كما أننا نهيب بأطبائنا أن ينفضوا عن أنفسهم نعاس الركون إلى الأجانب فباب العلم مفتوح لطالبه. ولهم بأسلافهم القدوة الحسنة:\n\nعِلْمًا أن تعليل نفع لبن الناقة وبولها للاستسقاء واضح وَمُيَسَّرٌ عِلْمِيًّا: وذلك لأن لبن الناقة يحتوي على كمية كبيرة من الكالسيوم مركزة فيه كما ذكر الدكتور الجزيري، يضاف لذلك ما ذكره الأنطاكي في \" تذكرته \": ص ٧٨ ج ١ أن الإبل ترعى النباتات الصحراوية كالشيح والقيصوم، وفيها مواد نافعة لفتح السدد، وهذا التوسيع أو الفتح للأوعية يساعد على تصريف السوائل المتجمعة في حالة الاستسقاء.\n\nالمثال الثاني: حَدِيثُ الذُّبَابِ: «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الآخَرِ دَاءً». وهو حديث صحيح أخرجه البخاري وغيره (١).\n_________\n(١) \" البخاري \": في آخر الطب و\" أبو داود \": في الأطعمة، رقم ٣٨٤٤ كلاهما من حديث أبي هريرة وأخرجه \" النسائي \" من حديث أبي سعيد: ج ٧ ص ١٧٨ - ١٧٩ وسنده حسن.","vol":"1","page":172},{"text":"استشكل بعضهم هذا الحديث بأن الذباب ينقل الجراثيم وخصوصًا جراثيم حُمَّى التِيفُوئِيدْ فكيف نغمسه في الطعام أو الشراب ثم نطرحه بَدَلًا من أن نطرح الشراب الذي وقع فيه الذباب؟.\n\nوقد أجيب عن ذلك بأجوبة نظرية وتطبيقية.\n\nفمن الأجوبة النظرية: ما قاله طبيب إحدى الجامعات: «لَوْ لَمْ يَكُنْ الذُّبَابُ مُحَصَّنًا بِمُضَادَّاتِ تِلْكَ الجَرَاثِيمِ لَمَاتَتْ الذُّبَابَةُ بِعُلُوقِ الجَرَاثِيمِ بِهَا وَلَمَا بَقِيَ ذُبَابٌ فِي العَالَمِ».\n\nومن الأجوبة التطبيقية ما لاحظه الأقدمون بالتجربة أَنَّ دَلْكَ مَوْضِعَ لَدْغِ الزُّنْبُورِ أَوِ العَقْرَبِ بِالذُّبَابِ يَنْفَعُ مِنْهُ نَفْعًا بَيِّنًا.\n\nومن التطبيقات الحديثة: ما لوحظ على جرحى الحرب العالمية من الجنود أن جراحهم أسرع شفاء وَالْتِئَامًا من الضباط الذين يعنى بهم مزيد عناية في المستشفيات لأن الجنود يتداوون في الميدان فيتعرضون لوقوع الذباب على جراحاتهم ...\n\nومنذ سَنَةِ ١٩٢٢ نشر الدكتور ديريل بعد دِرَاسَةٍ مُسْبَقَةٍ لأسباب جائحات الهيضية (كُولِيرَا) في الهند وجود كائنات دقيقة تغزو الجراثيم وتلتهمها وتدعى مُلْتَهِمَاتِ الجَرَاثِيمِ (بَكْتِرْيُوفَاجْ) وأثبت ديريل أن البَكْتِرْيُوفَاجْ هو العامل الأساسي في إطفاء جوائح (الكُولِيرَا) وأنه يوجد في بُرَازِ الناقهين من المرض المذكور وأن الذباب ينقله من البُرَازِ إلى آبار ماء الشرب فيشربه الأهلون وتبدأ جذوة جائحة الهيضة بالانطفاء.\n\nوقد تمكن الأستاذ ديريل من تكثير مُلْتَهِمَ الجَرَاثِيمِ وتنميته والاستفادة منه في المعالجة كما أنه تأكد من تأثيره في الجَرَاثِيمِ بإضافته إلى مزروعها وملاحظة إذابته لها تَمَامًا ثم اكتشف منذ ذلك الحين حتى الآن عدد كبير من مُلْتَهِمَاتِ الجَرَاثِيمِ كُلٌّ مِنْهَا يَلْتَهِمُ نَوْعًا مُعَيَّنًا أَوْ عِدَّةَ أَنْوَاعٍ مِنَ الجَرَاثِيمِ.","vol":"1","page":173},{"text":"كما تأكد عام ١٩٢٨ حين أطعم ذباب البيوت زروع جراثيم مُمْرِضَةٍ فاختفى أثرها بعد حين وماتت كلها من جراء وجود مُلْتَهِمَ الجَرَاثِيمِ شأن الذباب الكبير في مكافحة الأمراض الجرثومية التي قد ينقلها هو بنفسه وعرف أنه إذا هُيِّءَ خلاصة من الذباب في فصل فيزيولوجي فإن الخلاصة تحتوي على ملتهمات أربعة أنواع على الأقل مِنَ الجَرَاثِيمِ المُمْرِضَةِ.\n\nوالغمس في الحديث ليس غَمْسًا للجناحين فقط وانما [هُوَ] غَمْسٌ لجسم الذبابة مع جناحيها فيدخل مُلْتَهِمُ الجَرَاثِيمِ إلى الشراب من جراء غَمْسِ جسمها هذا فَضْلًا عن أن الذبابة تمسح دَائِمًا أجنحتها بأرجلها ولذلك تكون الأجنحة مَقَرًّا لِلْمُلْتَهِمَاتِ وَلِلْجَرَاثِيمِ أكثر من غيرها من أعضاء الذبابة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>ثَالِثًا - تَطْبِيقُ المُحَدِّثِينَ لِنَهْجِهِمْ النَّقْدِيِّ:</span>\nوأما الادعاء والزعم بأن المُحَدِّثِينَ لَمْ يُطَبِّقُوا قواعدهم في النقد، فقد وجدت هذه الفكرة مَنْ يُرَدِّدُهَا من بعض المعاصرين في كتاب أصدره أَخِيرًا، حاز به فيما يبدو على درجة جامعية عُلْيَا، وقد صدر كتابه هذا بمحاولة للدفاع عن السُنَّةِ ولا أقول إنه دافع عَنْ السُنَّةِ، ثم بعد ذلك راح يزعم أن المُحَدِّثِينَ لم يطبقوا قواعد منهجهم بدقة في فصل طويل، أَيَّدَ فيه رأيه وَادَّعَى مَا ادَّعَاُه مِنْ قَبْلُ جولدتسهير؟.\n\nوهذا الزعم من أكبر الأدلة على تهافت منهج هؤلاء الناقدين المتعالين المغرورين، لأنه يشير إلى أَنَّ المُحَدِّثِينَ لو طبقوا قواعدهم، لكان نقدهم سليما، وقد كانوا يزعمون قَبْلُ أَنَّ نَهْجَهُمْ قاصر عن التمعن في قالتهم هذه يكشف حقيقتهم وَتَقَوُّلَهُمْ بغير علم، بل بمجرد التسرع، والمجازفة في الحكم، حتى لقد أصاب والله هؤلاء الناقدين من أنفسهم المقاتل بطعنهم المفتعل على المُحَدِّثِينَ ومنهجهم العلمي:","vol":"1","page":174},{"text":"ومن أوجه تبيان ذلك بالأدلة القاطعة:\n\n١ - أَنَّ المُحَدِّثِينَ قَرَّرُوا كما هو مُدَوَّنٌ في كل كتب علوم الحديث، أن من دلائل الوضع في الحديث مخالفته للوقائع الحِسِّيَّةِ المُشَاهَدَةِ أَوْ لِلْتَأْرِيخِ ...\nوهذا أمر مفروغ منه، مطبق على أوسع نطاق في نقد الأحاديث كما يشاهد في الكُتُبِ الخَاصَّةِ بالأحاديث الموضوعة والتحذير منها وفي كُتُبِ نقد الرُوَّاةِ.\n\nوهذه حادثة لطيفة من أسلاف جولدتسهير من اليهود لها دلالتها الهامة، جرت مع الحافظ الإمام أبي بكر الخطيب البغدادي سَنَةَ ٤٤٧ هجرية.\n\nقال الإمام الذهبي في \" تذكرة الحفاظ \": «أَظْهَرَ بَعْضُ اليَهُودِ كِتَابًا بِإِسْقَاطِ النَّبِيِّ - ﷺ - الجِزْيَةَ عَنْ الخَيَابِرَةِ - يَعْنِي يُهَودَ خَيْبَرَ -وَفِيهِ شَهَادَةٌ لِلْصَّحَابَةِ، فَعَرَضَهُ الوَزِيرُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ؟ فَقَالَ: «هَذَا مُزَوَّرٌ».\nقِيلَ: «مِنْ أَيْنَ قُلْتَ هَذَا؟».\nقال: «فِيهِ شَهَادَةُ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ أَسْلَمَ عَامَ الفَتْحِ بَعْدَ خَيْبَرَ، وَفِيهِ شَهَادَةُ سَعْدٍ بْنِ مُعَاذٍ، وَمَاتَ قَبْلَ خَيْبَرَ بِسَنَتَيْنِ».\nفَاسْتَحْسَنَ الوَزِيرُ ذَلِكَ مِنْهُ وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ مَا فِي الكِتَابِ (١) انتهى.\n_________\n(١) \" التذكرة \": ١١٤١، وانظر \" طبقات الشافعية الكبرى \": ٤/ ٣٥ و\" الإعلان بالتوبيخ \" للسخاوي: ص ١٠، و\" الخطيب البغدادي \" للدكتور يوسف [العش]: ص ٢٣٥ وقد أحال إلى هذه المصادر وغيرها وأوردنا ذلك في تصديرنا لكتاب \" الرحلة في طلب الحديث \" للخطيب البغدادي، مع واقعة أخرى في عتق سلمان الفارسي ص ٥٣ - ٥٤.\nلكن الغريب أَنَّ القوم لم يرتدعوا بما حاق بهم من الخيبة بل حاولوا تثبيت هذه الوثيقة كَرَّةً ثَانِيَةً فأحضروا هذا الكتاب بين يدي ابن تيمية - ﵀ - وحوله اليهود يزفونه ويجلونه وقد غشي بالحرير والديباج فلما فتحه وتأمله بزق عليه وقال: «هَذَا كَذِبٌ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ» وذكرها، فقاموا من عنده بِالذُلِّ وَالصَّغَارِ. انظر القصة وتفصيل الأوجه وهي عشرة في كتاب تلميذه ابن القيم: \" المنار المنيف في الصحيح والضعيف \": ص ١٠٢ - ١٠٥.","vol":"1","page":175},{"text":"فهذا الناقد المسلم لاَ يَتَرَدَّدُ لحظة ولا يتوقف عن الحكم ببطلان الوثيقة المُزَوَّرَةِ التي أسندها إلى النَّبِيِّ - ﷺ - هؤلاء الأفاكون.\n\nوها نحن نجعل هذه التجربة التي خاضها أجداد «تْسِهِيرْ» مِنْ قَبْلُ هَدِيَّةً إِلَيْهِ تَعْبِيرًاعن الموقف البارد الذي يزعمه في حق النقاد المسلمين.\n\n٢ - إن الحديث الذي أوردوه وقالوا حَرْفِيًّا: «إنه مأخذ من حقل تطبيق هذا العلم نفسه، وهو حديث: أَبُو حَنِيفَةَ سِرَاجُ هَذِهِ الأُمَّةِ» (١). هذا الحديث هو نفسه برهان يثبت دِقَّةَ نَظَرِ المُحَدِّثِينَ، فإنهم قد وسموا بالكذب راويه مأمون بن أحمد السُّلَمِي الهَرَوِي منذ الأيام التي ظهر فيها وطلع على الناس بهذا الحديث ونحوه وسجلوا اسمه في القائمة السوداء، قائمة الكَذَّابِينَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - التي لا تقبل لها توبة فِي الرِّوَايَةِ أَبَدًا. وكان منهم آنذاك عَصْرِيُّهُ الإمام أبوحاتم محمد بن حِبَّانَ البُسْتِيَّ - ﵀ -.\n\n٣ - زعمهم أن العلماء لم يجهدوا مُطْلَقًا في أن يجعلوا الناس يصدقون بأن النَّبِيَّ قد ذكر اسم العالم العراقي.\n\nهذا زعم مناقض للحقيقة وللواقع تَمَامًا فإن هذا الحديث اسْتُنْكِرَ هُوَ وَمَا شَاكَلَهُ غَايَةَ [الاستنكار] من العلماء والعامة حتى سقط راويه ولم يعد يسمع منه أحد.\n\nثم إن الراوي ليس من تلامذة أبي حنيفة ولا له صلة به، بل هو بعيد عن عصر أبي حنيفة وعن وفاته بمائتي عام.\n\nوقد قال الحاكم في \" المدخل \" - بعد أن أورد هذا الحديث -: «وَمِثْلُ هَذِهِ الأَحَادِيثِ يَشْهَدُ مَنْ رَزَقَهُ اللهُ أَدْنَى مَعْرِفَةٍ بِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -».\n_________\n(١) [الحَدِيثُ الذِي وَضَعَهُ المُتَعَصِّبُونَ لأَبِي حَنِيفَةَ: «سَيَكُونُ رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَالُ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ هُوَ سِرَاجُ أُمَّتِي»].","vol":"1","page":176},{"text":"فَهَلْ يُصَدِّقُ أَحَدٌ بعد هذا من يزعم أن الناس تلقوا الحديث بالقبول وأن الواضعين بزعمه الفاسد ورأيه الفاسد لم يجهدوا في أن يجعلوا الناس يصدقونه، أو أن الواقع يعكس ذلك، وأن الأُمَّةَ جميعها قد رفضت هذا الحديث كما رفضت سائر الأكاذيب وتبرأت منها ومن مختلقيها.\n\n٤ - إننا إذا رجعنا إلى حقل التطبيق الذي يزعم «جولدتسهير» ومن يتبعه أنه أخذ الحديث منه، فإننا سنجد العجاب من فظاعة الإفك وَالبُهْتَانِ.\n\nإن هذا الحديث قد نَبَّهَ عليه العلماء في مختلف العصور في تصانيفهم الحديثية المشتهرة والمتداولة بين الخاصة والعامة في كتب الأحاديث الموضوعة، وكتب مصطلح الحديث وكتب التعريف برجال الحديث، واسمحوا لي أن أطيل عليكم فأسرد جملة من المراجع من عصور مختلفة تُحَذِّرُ من هذا الحديث ومن روايته:\n\n[١]- ذكره معاصره الإمام محمد بن حاتم بن حِبَّانَ البُسْتِيَّ المتَوَفَّى فِي سَنَةِ ٣٥٤ هـ في كتاب \" المجروحين \". كما نقل عنه الذهبي في \" ميزان الاعتدال \": ص ٤٢٩ - ٤٣٠.\n[٢]- الحاكم أبوعبدالله المتَوَفَّى سَنَةَ ٤٠٥ هـ في \" المدخل إلى كتاب معرفة الإكليل \": (ورقة ٢٩١/ ٢).\n[٣]- ومحمد بن طاهر المقدسي المتَوَفَّى سَنَةَ ٥٠٣ هـ فِي \" تذكرة الموضوعات \": ص ١٤٤.\n[٤]- وعبد الرحمن بن الجوزي (٥٩٧ هـ) في \" الموضوعات الكبرى \" وقال: «حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ لَعَنَ اللهُ وَاضِعَهُ»: ج ٢ ص ٤٧ - ٤٩.\n[٥]- والذهبي (٧٤٨ هـ) في \" ميزان الاعتدال \".\n[٦]- والحافظ ابن حجر (٨٥٢ هـ) في \" لسان الميزان \": ج ٥ ص ٨.\n[٧]- والحافظ السَّخَاوِيُّ (٩٠٢ هـ) في \" فتح المغيث \": ص ١١٤.","vol":"1","page":177},{"text":"[٨] و[٩]- والسيوطي (٩١١ هـ) فِي كتابه \" تدريب الراوي \": ص ١٨١، و\" اللآلي المصنوعة \": ج ١ ص ٥٧.\n[١٠]- والحافظ أبوالحسن بن عَرَّاقْ (٩٦٣ هـ) في كتاب \" [تَنْزِيهُ] الشَّرِيعَةِ \": ج ٢ ص. (١).\n[١١] و[١٢]- وَالمُحَدِّثُ علي القاريِّ في \" شرح النخبة \": ص ١٢٨، وفي كتاب \" الموضوعات الكبرى \"، وقال: «مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ المُحَدِّثِينَ»: ص ٧٦.\n[١٣]- والشوكاني في \" الفوائد المجموعة \": ص ٤٢٠.\n[١٤]- والأبياري في \" حاشية نيل الأماني \": ص ٥٣.\n[١٥]- وَالعَلاَّمَةُ حسين خاطر في \" لَقْطِ [الدُّرَرْ] \": ص ٧٣.\n\nهذه خمسة عشر مرجعا في أعصر متتالية منذ عصر الرَّاوِي الوَضَّاع حتى عصرنا هذا، وفي حقول الحديث المتنوعة، حقل القواعد كـ \" المدخل \" و\" تدريب الراوي \".\n\nوحقل التطبيق الذي زعم الطاعن أنه يرجع إليه كـ \" الميزان \" وغيره من كتب الرجال وكتب الموضوعات في شتى الحقول تُوَضِّحُ كذب هذا الحديث وتفضح إفكه وهي كلها بحمد الله مشهورة معروفة متداولة ثم يأتي بعد ذلك من يزعم أنه يُدِينُ المُحَدِّثِينَ من حقل تطبيقهم بأنهم يَرْوُونَ الأحاديث الموضوعة أو أنها تنطلي عليهم حين أنهم سَيَّرُوا في الناس وأذاعوا فِي كُلِّ عَصْرٍ وَمِصْرٍ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ التحذير من الأحاديث الموضوعة والتنبيه عليها بما في ذلك نفس الحديث الذي استشهد به الطاعن، حيث توالى المُحَدِّثُونَ على التحذير منه في المُصَنَّفَاتِ المشهورة المتداولة عَلَى مَرِّ العُصُورِ كَمَرِّ الدُّهُورِ.\n\nثم إننا نلاحظ إخواني القُرَّاء، أَنَّ الأجانب وأتباعهم من أبنائنا يَتَبَجَّحُونَ\n_________\n(١) [لم يقع ذكر الصفحة في هذا المصدر، ورجعت إلى الكتاب نفسه. انظر: \" تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة \" نور الدين ابن عراق الكناني (المتوفى: سَنَةَ ٩٦٣هـ)، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، عبد الله محمد الصديق الغماري، ٢/ ٣٠، الطبعة الأولى: ١٣٩٩ هـ، نشر دار الكتب العلمية. بيروت - لبنان].","vol":"1","page":178},{"text":"بما يقال له: «العِلْمُ التَّجْرِيبِيُّ» وبأنهم لا يقبلون قضية إِلاَّ إذا أقاموا عليها الدليل الصحيح الصريح، وَقَدْ تَبَيَّنَ لكم أن هذه الفئة المتحاملة من الأجانب لا تسلك هذا الأسلوب الملتزم بِالحُجَّةِ وَالبُرْهَانِ تُجَاهَ تُرَاثِنَا، بل قد أقامت أَحْكَامًا على غاية الخطورة دون أن يكون لهم على كلامهم مُسْتَنَدٌ ولا ما يشبه أن يكون مُسْتَنَدًا، إنما هي كلمات سطحية وَدَعَاوَى خَالِيَةٌ، تابعهم عليها بعض المُنْبَهِرِينَ من أبناء جلدتنا، ثُمَّ يَتَبَجَّحُ بِالعِلْمِ، والنظريات العلمية ويلوك هذا في أثناء كلامه الذي قد يشتمل على أفحش الأخطاء في حق الإسلام أو الحديث النبوي.\n\nوالحقيقة أن هذا البعض مِنَ المُسْتَشْرِقِينَ الذين اشتهروا ما كان يمكن أن يشتهروا ويكون لهم شأن يذكر في بلاد الإسلام لولا أن بعض أبنائنا فَاجَؤُوا المسلمين ابتداء من مطلع القرن الهجري السابق بترداد تلك الآرَاءِ الشَاذَّةِ البَاطِلَةِ.\n\nوإلا فإن الدارسين في دنيا الغرب الذين خبروا تلك المجتمعات العلمية قد تعجبوا لما حدث في بلاد الإسلام من ضجة كبيرة حول هؤلاء بالرد عليهم وكثرة البدء والإعادة في ذلك، حتى صاروا كَأَنَّ لَهُمْ شَأْنًا كَبِيرًا.\n\nلكننا بسبب الانهزام الداخلي الذي وقعنا فيه تلك الفترة قفزنا بهم تلك القفزة. .؟، غير أننا لا نقصد بهذا إلى إغفال النقد العلمي، والمناقشة، كَلاَّ لكن يجب أن نعرف الأمور على حقيقتها وأن تكون واضحة في أذهاننا خُصُوصًا وقد تخلصنا الآن والحمد لله من رِقِّ تَقْلِيدِهِمْ ومن الانهزام الذي وقع فيه كثير من أبناء الطبقة السابقة علينا من بعض أهل الفكر المسلم، فقد أصبح عندنا الآن القناعة الكافية واليقين الراسخ بأن ما عندنا هو الحق واليقين وهو الأصل الذي يجب أَنْ تُبْنَى عليه القضايا والحقائق، كما أنه الخير الذي نقدمه للعالم ونود أن تستفيد منه الدنيا","vol":"1","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>الخَاتِمَةُ:\n\nنَتَائِجَ وَمُقْتَرَحَاتٍ:</span>\nونسجل في الختام هذه النتائج والاقتراحات لهذا البحث:\n\n١ - أَنَّ علم مصطلح الحديث علم إسلامي بحق أوجده المسلمون منذ عهدهم الأول بما أَتْبَعَهُ الصَّحَابَةُ من قوانين الرِّوَايَةِ ثم محاربة الكذب ثُمَّ نَمَا هذا العلم تَبَعًا لتطور الحاجة حتى تكامل تَمَامًا وأنه قام في كل مراحله على أسس دقيقة متكاملة.\n\n٢ - إن قواعد هذا العلم التي تبدو مفرقة في كتب المصطلح تكون في جملتها منهجا متكاملًا يدرس الحديث وينقده من جميع الجهات جهات الرِّوَايَةِ وَالرُوَّاةُ والأسانيد والمتون بما لا يدع مجالًا لبحث أو لقائل مع غاية الدقة والموضوعية.\n\nوإن أصول هذا العلم نسجت من سداها ولحمتها بنسيح إسلامي خالص سداه ولحمته الإسلام وأصول الكِتَابِ وَالسُنَّةِ في الرواية.\n\n٣ - إن ما أثير حول السُنَّةِ من الاستشكالات ليس سوى مَطَاعِنَ مُلَفَّقَةً لاَ مُسْتَنَدَ لَهَا بل ولا تظفر بما يشبه المستند إنما تعتمد على الخيال أو التقول.\n\n٤ - ضرورة العناية بجلاء مَنْهَجِ المُحَدِّثِينَ وَالذَبِّ عن الحديث النبوي حتى يكون الشباب المُثَقَّفُ على بصيرة من الركن الثاني من مصادر الإسلام وَالسُنَّةِ المُطَهَّرَةِ فإن السُنَّةَ مِنَ الذِّكْرِ الذِي تَكَفَّلَ اللهُ بِحِفْظِهِ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) وتيقنوا بذلك أَيْضًا إعجاز تنفيذ هذا الوعد الإلهي.\n_________\n(١) [سورة الحجر، الآية: ٩].","vol":"1","page":180},{"text":"لكننا هنا نُنَبِّهُ إِلَى أَنَّ هذه العملية لا يجوز لها أن تتجاوز الحد الضروري المطلوب ولا أي زيادة على حجمها.\n\nوقد لاحظنا أن بعض الباحثين من أحبابنا أفرط حتى لم يبق له شغل سواها.\n\nوهذا يُؤَدِّي إلى خطر أكبر من خطر الانتقادات هو الانصراف عن المقصود الأصلي وهو درس الحديث النبوي والاهتداء بهديه ونشر علمه وثقافته في المسلمين ليتحققوا باتباع النَّبِيِّ - ﷺ -.\n\n٥ - أهمية دراسة علم المصطلح في كليات وأقسام التاريخ والعلوم الاجتماعية وأن يربط النقد التاريخي الذي يدرس فيها بمصطلح الحديث فإن ما يكتب للطلبة الجامعيين في هذا الفن مترجم ومأخوذ في القسم الكبير عن الأجانب وفيه منطقهم وفلسفته النقدية الخاصة بتراثهم الذي لا يجد له سَنَدًا ولا وثائق أصلية إلا في القليل النادر ثُمَّ هُمْ يُقَلِّدُونَنَا وَيُفِيدُونَ مِنَّا فيما عدا ذلك فمن الواجب أَنْ يُزَوَّدَ شبابنا المثقف وَخِرِّيجُو هذه الأقسام خاصة بزاد النقد المنهجي الذي وضعه أسلافنا.\n\nوهذه بادرة هامة قام بها أستاذ لا يهتم بِالتَّحَيُّزِ وهو عالم منصف مسيحي هو الدكتور أَسَدْ رُسْتُمْ حيث عقد الصلة الوثيقة بين علوم الحديث وَمَا تَوَصَّلَ إليه النقد التاريخي عند الأُورُوبِيِّينَ في كتابه القيم \" مصطلح التاريخ \"، فما أحرانا نحن أن نحرص على جلاء هذه المفخرة العلمية وَنُجَنِّبَ في الوقت نفسه جيلنا المثقف الصاعد الانزلاق في عبارات خادعة أو ادِّعَاءَاتٍ غير صحيحة قد تشوش أذهانهم في تراثهم الإسلامي العظيم.\n\n٦ - إصدار موسوعة حَدِيثِيَّةٍ جامعة للأحاديث النَّبَوِيَّة، تُرَتَّبُ تَرْتِيبًا مُيَسَّرًا عَلَى","vol":"1","page":181},{"text":"قراءة هذا العصر، متميزا فيها مراتب الحديث من حيث القَبُولِ أَوْ الرَدِّ، وَتُوَضِّحُ بشرح مختصر جِدًّا. مِمَّا يجعل القاريء على بَيِّنَةٍ من أمر أي حديث يَوَدُّ معرفة حكمه أو معناه.\n\n٧ - ونرى أَخِيرًا أنه لاَ بُدَّ من إعطاء إلمامة موجزة لأبناء هذه الأُمَّةِ عن الإسناد والرواية والأصول الأهم في علم مصطلح الحديث في مرحلة دراسية مبكرة بما لا يزيد عن عشر صفحات في كل مرحلة يعرفون بها كيف كانت الرواية وكيف حُفِظَتْ السُنَّةُ عبر الأجيال، حتى يكونوا مُتَزَوِّدِينَ بعلم صحيح بحقيقة المسألة وبذلك نكون قد حققنا لهم حصانة مانعة ووقاية من التأثر بسموم الطعن المختلق أو الاستشكال المصطنع.\n\nوذلك تطبيق للحكمة التي أقرتها البشرية منذ قديم العصور والقائلة:\n\n«دِرْهَمُ وِقَايَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِنْطَارِ عِلاَجٍ»\n\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>ثبت المراجع: </span>(*)\n- \" الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة \"، للإمام الزركشي، ط. دمشق.\n- \" الاتجاهات العامة للاجتهاد ومكانة الحديث الصحيح فيها \"، نور الدين عتر. تحت الطبع.\n- \" الاستيعاب في أسماء الأصحاب \"، لابن عبد البر، بذيل \" الإصابة \".\n- \" إرشاد الساري شرح صحيح البخاري \"، للقسطلاني. ط. بولاق، الخامسة.\n- \" الإصابة في تمييز الصحابة \"، لابن حجر العسقلاني. ط. المكتبة التجارية.\n- \" الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار \"، للحازمي. ط. حمص.\n- \" الاعلان بالتوبيخ لمن ذَمَّ التاريخ \"، لشمس الدين محمد السخاوي. ط. مصر.\n- \" الأنوار الكاشفة \"، لِلْعَلاَّمَةِ عبد الرحمن المعلَّمي اليماني، ط. السلفية.\n- \" تأويل مختلف الحديث \"، لابن قتيبة، ط. مصر.\n- \" تدريب الراوي شرح تقريب النواوي \"، تحقيق أستاذنا عبد الوهاب عبد اللطيف. الطبعة الأولى.\n- \" التذكرة في الطب \"، لداود الأنطاكي. ط. مصر.\n- \" تذكرة الحُفاظ \" للذهبي، ط. الهند، الطبعة الثالثة.\n- \" تذكرة الموضوعات \"، لابن طاهر المقدسي، ط. الهند.\n- \" تلخيص مستدرك الحاكم \"، للذهبي، ط. الهند، بذيل \" المستدرك \".\n_________\n(*) اختصرنا من بيانات الطبعات ما لا تمس الحاجة إليه.","vol":"1","page":183},{"text":"- \" تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة \"، لابن عَرَّاقْ.\n- \" توجيه النظر \"، لطاهر بن صالح الجزائري.\n- \" توضيح الأفكار شرح تنقيح الأنظار \"، للصعاني، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد.\n- \" جامع الترمذي \"، للإمام الترمذي. ط. مصطفى البابي الحلبي.\n- \" الجامع الصحيح \"، للبخاري، ط. بولاق، سَنَةَ ١٣١٣ هـ.\n- \" الجرح والتعديل \" لابن أبي حاتم الرازي، ط. الهند.\n- \" الخطيب البغدادي مُؤَرِّخُ بَغْدَادَ وَمُحَدِّثُهَا \"، ليوسف العش.\n- \" الرحلة في طلب الحديث \"، للخطيب البغدادي، تحقيق نور الدين عتر.\n- \" الروض الباسم في الذب عن سُنَّةِ أبي القاسم \"، لمحمد بن الوزير اليماني، ط. المنيرية.\n- \" سنن أبي داود \"، ط. التجارية، الطبعة الأولى.\n- \" سنن ابن ماجه \"، تحقيق فؤاد عبد الباقي.\n- \" شرح شرح النخبة \" لعلي بن سلطان القاري الهروي. ط. استانبول.\n- \" شرح علل جامع الترمذي \"، للحافظ ابن رجب، تحقيق نورالدين عتر. ط. دمشق.\n- \" صحيح مسلم \"، ط. استانبول.\n- \" طبقات الشافعية الكبرى \"، للسبكي. ط. عيسى البابي الحلبي.\n- \" علوم الحديث \"، لابن الصلاح، تحقيق نور الدين عتر، الطبعة الثالثة، دار الفكر.\n- \" فتح الباري شرح صحيح البخاري \"، لابن حجر العسقلاني، المطبعة الخيرية، للخشاب.\n- \" فتح المغيث شرح ألفية العراقي في علم الحديث \"، للسخاوي،","vol":"1","page":184},{"text":"ط. الهند.\n- \" الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة \"، للشوكاني.\n- \" اللآليء المصنوعة من الأحاديث الموضوعة \"، للسيوطي، ط. مصر.\n- \" لقط الدرر حاشية نزهة النظر \"، للعدوي، ط. مصر.\n- \" لسان الميزان \"، للحافظ ابن حجر، ط. الهند.\n- \" المُجْتَبَى \" (سنن النسائي)، ط. مصطفى البابي الحلبي.\n- \" المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل \"، للحاكم النيسابوري.\n- \" المستدرك على الصحيحين \"، للحاكم النيسابوري. ط. الهند.\n- \" مشكل الحديث \" لأبي بكر بن فُورك، ط. الهند.\n- \" المنار المنيف في الصحيح والضعيف \"، لابن قيم الجوزية.\n- \" منهج النقد في علوم الحديث \"، لنور الدين عتر، الطبعة الثالثة - دار الفكر - دمشق.\n- \" الموضوعات \"، لعبد الرحمن بن الجوزي. ط. مصر.\n- \" ميزان الاعتدال في نقد الرجال \"، للذهبي، ط. عيسى البابي الحلبي.\n- \" الموضوعات الكبرى \"، لِلْعَلاَّمَةِ المُحَدِّث علي بن سلطان القاري.\n- \" نزهة النظر شرح نخبة الفكر \"، نسخة شرحها للقاري، ط. استانبول.\n- \" نيل الأماني \" حاشية الإبياري على \" مقدمة القسطلاني \". ط. مصر.","vol":"1","page":185}]}