{"ً":{"ٌ":36944,"ٍ":"شرح الأربعين النووية - العباد","َ":6,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: شرح الأربعين النووية\nالمؤلف: عبد المحسن بن حمد بن عبد المحسن بن عبد الله بن حمد العباد البدر\nمصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية\nhttp://www.islamweb.net\n[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ٣٦ درسا]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":185,"ٕ":7,"ٖ":1770154092,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9","10","11","12","13","14","15","16","17","18","19","20","21","22","23","24","25","26","27","28","29","30","31","32","33","34","35","36"],"ٚ":[{"title":"[١]","level":1,"page":1},{"title":"مقدمة بين يدي الأربعين","level":2,"page":2},{"title":"ذكر مناقب الإمام النووي وبعض مؤلفاته","level":3,"page":3},{"title":"ذكر حديث النية","level":2,"page":4},{"title":"ترجمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب","level":3,"page":5},{"title":"تخريج حديث النية مع فوائد إسنادية","level":2,"page":6},{"title":"الأحاديث التي قيل إن الدين يدور عليها","level":2,"page":7},{"title":"معنى قوله: (إنما الأعمال بالنيات)","level":2,"page":8},{"title":"تعلق العمل بالنية خيرا وشرا","level":2,"page":9},{"title":"الهجرة معناها وأنواعها","level":2,"page":10},{"title":"[٢]","level":1,"page":11},{"title":"حديث النية من الأحاديث الغريبة","level":2,"page":12},{"title":"فضل حديث النية وافتتاح الكتب به","level":2,"page":13},{"title":"تخريج حديث النية","level":2,"page":14},{"title":"حديث النية من الأحاديث التي يدور الدين عليها","level":2,"page":15},{"title":"شرح حديث: (إنما الأعمال بالنيات)","level":2,"page":16},{"title":"العمل تابع للنية خيرا وشرا","level":3,"page":17},{"title":"الهجرة وأنواعها","level":3,"page":18},{"title":"شرح مقدمة الإمام النووي على الأربعين","level":2,"page":19},{"title":"ما جاء في أجر حفظ أربعين حديثا","level":3,"page":20},{"title":"العلماء الذين صنفوا في الأربعين","level":3,"page":21},{"title":"عمدة النووي في تأليفه الأربعين","level":3,"page":22},{"title":"الأبواب التي جمع فيها العلماء الأربعين","level":3,"page":23},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":24},{"title":"سبب ورود حديث: (إنما الأعمال بالنيات)","level":3,"page":25},{"title":"تعلق النية بالإخلاص لله تعالى","level":3,"page":26},{"title":"الأجر تابع للاحتساب","level":3,"page":27},{"title":"الجمع بين حديث الأعمال بالنيات وقصة إسلام أبي طلحة ليتزوج بأم سليم","level":3,"page":28},{"title":"حفظ العلم للمشاركة في المسابقات","level":3,"page":29},{"title":"قصد الإمام البخاري بابتدائه بحديث غريب، وختمه بحديث غريب","level":3,"page":30},{"title":"[٣]","level":1,"page":31},{"title":"شرح حديث جبريل في مراتب الدين","level":2,"page":32},{"title":"فضل حديث جبريل","level":3,"page":33},{"title":"تخريج حديث جبريل","level":3,"page":34},{"title":"سبب تحديث ابن عمر بحديث جبريل","level":3,"page":35},{"title":"الرجوع إلى أهل العلم في أمور الدين","level":3,"page":36},{"title":"ميزة الإمام مسلم في طريقة رواية الأحاديث","level":3,"page":37},{"title":"إخبار النبي ﷺ عن ظهور البدع والاختلاف والفرقة","level":2,"page":38},{"title":"تاريخ بدعة القدر","level":3,"page":39},{"title":"ظهور كثير من البدع من جهة المشرق","level":3,"page":40},{"title":"ظهور كثير من الخير من جهة المشرق","level":3,"page":41},{"title":"خطر انحراف من كان معروفا بالعلم والعبادة","level":3,"page":42},{"title":"ذكر بعض ما يستفاد من حديث جبريل","level":2,"page":43},{"title":"تشكل الجن والملائكة","level":3,"page":44},{"title":"معنى الإسلام والإيمان اتحادا وافتراقا","level":3,"page":45},{"title":"الإيمان بالله تعالى هو أصل الإيمان","level":3,"page":46},{"title":"أقسام توحيد الله","level":3,"page":47},{"title":"العلاقة بين أقسام التوحيد الثلاثة","level":3,"page":48},{"title":"تحسين الهيئة عند الدخول على الفضلاء","level":3,"page":49},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":50},{"title":"الموازنة بين الحسنات والسيئات وحالاتها","level":3,"page":51},{"title":"العلاقة بين أنواع التوحيد الثلاثة","level":3,"page":52},{"title":"الفرق بين التشبيه والتمثيل","level":3,"page":53},{"title":"إشكال وجواب","level":3,"page":54},{"title":"جزم عمر بعدم معرفة أحد لجبريل ﵇ عندما جاء يعلمهم أمر دينهم","level":3,"page":55},{"title":"[٤]","level":1,"page":56},{"title":"الإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى على منهج سلف الأمة","level":2,"page":57},{"title":"صحة تقسيم توحيد الله تعالى إلى ثلاثة أقسام وأدلة ذلك","level":2,"page":58},{"title":"الإيمان بالملائكة الكرام ﵈","level":2,"page":59},{"title":"الإيمان بالكتب السماوية","level":2,"page":60},{"title":"الإيمان بالرسل ﵈","level":2,"page":61},{"title":"الفرق بين النبي والرسول","level":3,"page":62},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":63},{"title":"المعطلة ولازم قولها","level":3,"page":64},{"title":"حكم التعمق في البحث عن أسماء الله وصفاته","level":3,"page":65},{"title":"سلام الحجر على رسول الله ﷺ","level":3,"page":66},{"title":"معنى الصفات الفعلية وتطبيق ذلك على صفة الاستواء","level":3,"page":67},{"title":"تشكل الملائكة على غير صورة البشر","level":3,"page":68},{"title":"الأنبياء المذكورون في القرآن بين النبوة والرسالة","level":3,"page":69},{"title":"إشكال وجواب","level":3,"page":70},{"title":"ثبوت أسماء بعض الملائكة","level":3,"page":71},{"title":"هاروت وماروت من الملائكة","level":3,"page":72},{"title":"الجمع بين حديث أجر المسلم على النفقة على أهله يحتسبها وحديث أجره على مطلق الإنفاق","level":3,"page":73},{"title":"عصمة الرسل من الصغائر والكبائر","level":3,"page":74},{"title":"تفسير ما حصل من الأنبياء من المعاصي","level":3,"page":75},{"title":"البيت المعمور فوق الكعبة","level":3,"page":76},{"title":"اتصاف الله تعالى بالاستواء بعد خلق العرش","level":3,"page":77},{"title":"نسخ الإنجيل للتوراة","level":3,"page":78},{"title":"تقديم الملائكة على الرسل في الذكر كما في حديث جبريل وغيره","level":3,"page":79},{"title":"ذكر عدد الأنبياء والرسل في السنة","level":3,"page":80},{"title":"تقسيم التوحيد إلى اعتقادي وعملي","level":3,"page":81},{"title":"حكم من قال إن الملائكة قوى معنوية لا حقيقة لها","level":3,"page":82},{"title":"حكم الإقسام على الله تعالى بإلاهيته وربوبيته","level":3,"page":83},{"title":"لا أجر إلا باحتساب","level":3,"page":84},{"title":"الرقية والقراءة في الماء ثم صبه على الجمادات المصابة بالعين","level":3,"page":85},{"title":"[٥]","level":1,"page":86},{"title":"الإيمان باليوم الآخر","level":2,"page":87},{"title":"الجمع في القرآن والسنة بين الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر","level":3,"page":88},{"title":"للإنسان بعد موته داران: دار البرزخ، ودار ما بعد البعث والنشور","level":3,"page":89},{"title":"إعداد الزاد للآخرة","level":3,"page":90},{"title":"المداومة على الأعمال الصالحة","level":3,"page":91},{"title":"حال الإنسان في قبره والإيمان والتسليم بذلك","level":3,"page":92},{"title":"الإيمان والتسليم بما يكون في القبر وما بعد ذلك","level":3,"page":93},{"title":"إعادة الأجساد بعد البعث كما كانت في الدنيا","level":3,"page":94},{"title":"ظهور سؤدد النبي ﷺ يوم القيامة على جميع الخلق","level":3,"page":95},{"title":"فصل الله بين البشر في يوم المحشر","level":3,"page":96},{"title":"الإيمان بالقدر","level":2,"page":97},{"title":"مراتب القدر الأربع","level":3,"page":98},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":99},{"title":"الكتب السماوية السابقة ووصفها بالإعجاز","level":3,"page":100},{"title":"عدد النفخات في الصور","level":3,"page":101},{"title":"أول رسول إلى البشر","level":3,"page":102},{"title":"اعتراض ورد عليه","level":3,"page":103},{"title":"شمولية سؤال القبر لجميع الأمم","level":3,"page":104},{"title":"موضع دعاء: (رضيت بالله ربا) في الأذان","level":3,"page":105},{"title":"من تلحق به المرأة في الآخرة من أزواجها","level":3,"page":106},{"title":"مكان حشر الناس","level":3,"page":107},{"title":"إشكال وجواب","level":3,"page":108},{"title":"[٦]","level":1,"page":109},{"title":"مسائل في القدر","level":2,"page":110},{"title":"وسطية أهل السنة في باب القدر","level":3,"page":111},{"title":"تسيير الإنسان وتخييره، وقول أهل السنة في ذلك","level":3,"page":112},{"title":"عدم جواز الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي","level":3,"page":113},{"title":"[٧]","level":1,"page":114},{"title":"الإيمان بالقدر","level":2,"page":115},{"title":"أعمال العباد خيرها وشرها بقضاء وقدر","level":3,"page":116},{"title":"كل شيء بقضاء وقدر","level":3,"page":117},{"title":"مراتب الإيمان بالقدر","level":2,"page":118},{"title":"علم الله الأزلي بكل ما هو كائن","level":3,"page":119},{"title":"الكتابة لكل كائن في اللوح المحفوظ","level":3,"page":120},{"title":"مشيئة الله تعالى وإرادته","level":3,"page":121},{"title":"الخلق والإيجاد","level":3,"page":122},{"title":"قد يعلم الخلق ما هو مقدر بأحد طريقين","level":3,"page":123},{"title":"كينونة الشر بقضاء الله تعالى وقدره","level":2,"page":124},{"title":"المشيئة والإرادة","level":2,"page":125},{"title":"وجود الخلق على وفق ما قدره الله وقضاه","level":2,"page":126},{"title":"عدم جواز الاحتجاج بالقدر على ترك المأمورات أو فعل المحظورات","level":2,"page":127},{"title":"مذهب أهل السنة في أفعال العباد، والرد على القدرية والجبرية","level":2,"page":128},{"title":"الهداية والإضلال من الله سبحانه","level":2,"page":129},{"title":"أقسام الهداية","level":3,"page":130},{"title":"مناظرة بين سني ومعتزلي","level":3,"page":131},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":132},{"title":"معنى حديث: (إذا ذكر القدر فأمسكوا)","level":3,"page":133},{"title":"معنى حديث: (اللهم إني أعوذ بك من درك الشقاء وسوء القضاء","level":3,"page":134},{"title":"الدعاء بلفظ: (اللهم إني أسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيرا)","level":3,"page":135},{"title":"الفرق بين القضاء والقدر","level":3,"page":136},{"title":"[٨]","level":1,"page":137},{"title":"درجة الإحسان","level":2,"page":138},{"title":"الإحسان أعلى درجات الدين","level":3,"page":139},{"title":"مراتب الإحسان","level":3,"page":140},{"title":"أنواع الإحسان","level":3,"page":141},{"title":"علم الساعة ومرده إلى الله تعالى","level":3,"page":142},{"title":"أشراط الساعة","level":3,"page":143},{"title":"علامات الساعة","level":3,"page":144},{"title":"حكمة الرسول ﷺ في تقديم الأسئلة","level":3,"page":145},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":146},{"title":"حكم من يقول: إن الأئمة يعلمون متى يموتون، وإنهم لا يموتون إلا باختيارهم","level":3,"page":147},{"title":"الجمع بين قولنا: إن الحدود جوابر وبين قوله تعالى: (لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم)","level":3,"page":148},{"title":"أول علامات الساعة","level":3,"page":149},{"title":"تدرج الإنسان في مرتبة الإحسان","level":3,"page":150},{"title":"حكم ادعاء علم الساعة عن طريق الحساب الأبجدي","level":3,"page":151},{"title":"حكم ارتفاع المباني والعمائر","level":3,"page":152},{"title":"المراد بالساعة في حديث: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله)","level":3,"page":153},{"title":"حكم تعليق مجسم للحجرة النبوية","level":3,"page":154},{"title":"الحكمة من طلب الرسول ﷺ من الصحابة ﵃ أن يردوا السائل مع علمه أنهم لن يجدوه","level":3,"page":155},{"title":"معنى قوله تعالى: (الله نور السماوات والأرض)","level":3,"page":156},{"title":"[٩]","level":1,"page":157},{"title":"شرح حديث: (بني الإسلام على خمس)","level":2,"page":158},{"title":"عظم شأن أركان الإسلام","level":2,"page":159},{"title":"فائدة ذكر العدد في أول المعدود","level":2,"page":160},{"title":"التلازم بين الشهادتين","level":2,"page":161},{"title":"شمول الشهادتين لجميع الدين","level":2,"page":162},{"title":"معنى الشهادتين ومقتضاهما","level":2,"page":163},{"title":"أهمية الصلاة وبيان فضلها وعظمتها","level":2,"page":164},{"title":"أهمية الزكاة وبيان فضلها","level":2,"page":165},{"title":"فضل الصيام وسبب تقديمه على الحج","level":2,"page":166},{"title":"تقديم الأهم على غيره","level":2,"page":167},{"title":"أنواع العبادات","level":2,"page":168},{"title":"اشتراط الاستطاعة في العبادات","level":2,"page":169},{"title":"[١٠]","level":1,"page":170},{"title":"مسائل في حديث ابن عمر: (بني الإسلام على خمس)","level":2,"page":171},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":172},{"title":"حكم تارك الصلاة","level":3,"page":173},{"title":"اشتراط النطق بالشهادتين باللغة العربية","level":3,"page":174},{"title":"المعنى الزائد في حديث ابن عمر في أركان الإسلام عن حديث جبريل في مراتب الدين","level":3,"page":175},{"title":"تقييد تفسير كلمة التوحيد بقول: (في الوجود)","level":3,"page":176},{"title":"بيان شرط العمل الذي ينفع صاحبه","level":3,"page":177},{"title":"أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":3,"page":178},{"title":"حكم قتال مانع الزكاة","level":3,"page":179},{"title":"تقديم الشهادتين على الصلاة في حق من دخل في الإسلام","level":3,"page":180},{"title":"حكم قرن الشهادتين عند الدخول في الإسلام بشهادة أن عيسى رسول الله","level":3,"page":181},{"title":"إقامة الحجة على تارك الصلاة","level":3,"page":182},{"title":"أهمية توحيد الإلهية وبيان أن الخلاف بين الأنبياء والكفار كان بسببه","level":3,"page":183},{"title":"حكم من أفطر يوما من رمضان متعمدا","level":3,"page":184},{"title":"حكم الجهاد في سبيل الله ﷿","level":3,"page":185},{"title":"حكم تارك الحج","level":3,"page":186},{"title":"حصول المنفعة بإخراج الزكاة للفقير ولصاحب المال","level":3,"page":187},{"title":"حكم قتال مانعي الزكاة","level":3,"page":188},{"title":"الفرق بين من ترك أربعة من أركان الإسلام مجتمعة وبين من ترك واحدا منها","level":3,"page":189},{"title":"بيان أن إثبات توحيد الإلهية أولى من إثبات توحيد الربوبية","level":3,"page":190},{"title":"حكم تأخير الصلاة عن وقتها","level":3,"page":191},{"title":"حكم من أنكر شيئا معلوما من الدين بالضرورة","level":3,"page":192},{"title":"حكم التعميم في الدعاء","level":3,"page":193},{"title":"وجوب النطق بالشهادتين","level":3,"page":194},{"title":"الأجر على حسن النية في الخطأ","level":3,"page":195},{"title":"حكم الذهاب بالمرأة إلى طبيب أسنان","level":3,"page":196},{"title":"حكم الأخذ مما أوصى به الوارث","level":3,"page":197},{"title":"حكم بناء سور المقبرة من أموال الزكاة","level":3,"page":198},{"title":"[١١]","level":1,"page":199},{"title":"شرح حديث: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه)","level":2,"page":200},{"title":"ما يكون منه خلق الإنسان","level":3,"page":201},{"title":"نفخ الروح في الجنين بعد مروره بالأطوار الثلاثة","level":3,"page":202},{"title":"الموتات الأربع التي فصلها الله ﷿ في القرآن","level":3,"page":203},{"title":"الرحم والجنين وكل به ملائكة مختصون","level":3,"page":204},{"title":"مآل الناس إلى ما قدر الله من السعادة أو الشقاوة","level":3,"page":205},{"title":"تقدير الأعمال والخواتيم بمشيئة الله الموافقة لفعل العبد المختار","level":3,"page":206},{"title":"أحوال الناس في البداية والنهاية","level":3,"page":207},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":208},{"title":"حكم الرؤيا المنامية في تصحيح الأحاديث وتضعيفها","level":3,"page":209},{"title":"ذكر رواية مرفوعة في بيان طريقة اجتماع ماء الرجل وماء المرأة","level":3,"page":210},{"title":"الأحكام المترتبة على إسقاط الجنين","level":3,"page":211},{"title":"توجيه حديث حذيفة بن أسيد (إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة)","level":3,"page":212},{"title":"حكم من قال: إن في حديث ابن مسعود في سوء الخاتمة أو حسنها إدراجا","level":3,"page":213},{"title":"ما يحمل عليه حديث ابن مسعود في سوء الخاتمة أو حسنها","level":3,"page":214},{"title":"استحالة الاطلاع على الجنين وتمييزه أهو ذكر أم أنثى قبل الأطوار الثلاثة","level":3,"page":215},{"title":"حكم إسقاط الجنين لوجود عيب فيه","level":3,"page":216},{"title":"معرفة الجنين قبل مائة وعشرين يوما","level":3,"page":217},{"title":"المقصود بالظلمات في قوله تعالى: (ظلمات ثلاث)","level":3,"page":218},{"title":"تخصيص ملك واحد للأجنة","level":3,"page":219},{"title":"معرفة الشقاوة والسعادة خارجة عن حدود طاقة الإنسان","level":3,"page":220},{"title":"جواز الحلف على الفتوى","level":3,"page":221},{"title":"إثبات عذاب القبر ونعيمه","level":3,"page":222},{"title":"الحكمة من ذكر بدء خلق الإنسان وخاتمته في حديث ابن مسعود","level":3,"page":223},{"title":"موت الفجأة ليس من سوء الخاتمة","level":3,"page":224},{"title":"قراءة في كتاب شفاء العليل","level":2,"page":225},{"title":"[١٢]","level":1,"page":226},{"title":"أهمية حديث: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)","level":2,"page":227},{"title":"الإخلاص والمتابعة شرطان لقبول الأعمال","level":2,"page":228},{"title":"صفات شريعة الإسلام","level":2,"page":229},{"title":"ليس في الإسلام بدعة حسنة","level":2,"page":230},{"title":"النية الصالحة لا تنفع مع مخالفة السنة","level":2,"page":231},{"title":"روايات حديث: (من أحدث في أمرنا)","level":2,"page":232},{"title":"ما بني على مخالفة السنة فهو مردود","level":2,"page":233},{"title":"ترجمة عائشة ﵂","level":2,"page":234},{"title":"فوائد حديث: (من أحدث في أمرنا هذا)","level":2,"page":235},{"title":"قواعد مستنبطة من حديث: (من أحدث في أمرنا هذا)","level":2,"page":236},{"title":"سبب رواية حديث: (من أحدث في أمرنا هذا)","level":2,"page":237},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":238},{"title":"البدعة الحقيقية والإضافية والمكفرة والمفسقة","level":3,"page":239},{"title":"أضرار البدعة على الفرد والمجتمع","level":3,"page":240},{"title":"كيفية التعامل مع المبتدع","level":3,"page":241},{"title":"توبة المبتدع","level":3,"page":242},{"title":"الفرق بين البدع والمصالح المرسلة","level":3,"page":243},{"title":"[١٣]","level":1,"page":244},{"title":"شرح حديث: (إن الحلال بين وإن الحرام بين)","level":2,"page":245},{"title":"الحلال البين ومثاله","level":3,"page":246},{"title":"الحرام البين ومثاله","level":3,"page":247},{"title":"المشتبهات","level":3,"page":248},{"title":"أقسام الناس في الأمور المشتبهة","level":3,"page":249},{"title":"المثل الذي ضربه النبي ﷺ للوقوع في الشبهات","level":3,"page":250},{"title":"أهمية القلب في سائر أعضاء الجسم","level":3,"page":251},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":252},{"title":"المشتبهات في العقائد","level":3,"page":253},{"title":"حكم المسائل العلمية التي تنازع فيها المجتهدون","level":3,"page":254},{"title":"معنى قوله ﷺ (استفت قلبك وإن أفتاك الناس)","level":3,"page":255},{"title":"محل العقل من الإنسان","level":3,"page":256},{"title":"وجوب تبيين ما أحله الله للناس إذا ظنوا حرمته","level":3,"page":257},{"title":"ضابط العمل بالأحوط","level":3,"page":258},{"title":"بيع التورق من الأمور المشتبهة","level":3,"page":259},{"title":"حكم من قال إن التصوير من الأمور المشتبهة","level":3,"page":260},{"title":"حكم ترك الشبهات","level":3,"page":261},{"title":"حكم تعمد استفتاء بعض المتساهلين مع العلم به","level":3,"page":262},{"title":"بعض القواعد المستنبطة من حديث (إن الحلال بين)","level":3,"page":263},{"title":"حكم استعمال بعض الأشياء المشكوك فيها من قبل الكفار","level":3,"page":264},{"title":"حكم شراب الشعير","level":3,"page":265},{"title":"حكم اجتناب العطور التي فيها الكحول","level":3,"page":266},{"title":"حكم أكل اللحم المستورد","level":3,"page":267},{"title":"الأصل في اللحوم وما شابهها الحل","level":3,"page":268},{"title":"الشبهات طريق إلى الحرام","level":3,"page":269},{"title":"معنى حديث: (لا حمى إلا لله ورسوله)","level":3,"page":270},{"title":"ضابط الأمور المشتبهة التي تجر إلى فعل الحرام","level":3,"page":271},{"title":"حكم الصدقة على أهل البيت في الوقت المعاصر","level":3,"page":272},{"title":"السلسلة الإسنادية في ضرب الأمثال لدى الشيخ","level":3,"page":273},{"title":"حكم قتل المنصرين في بلاد المسلمين","level":3,"page":274},{"title":"حكم الاشتغال بسماع الأناشيد","level":3,"page":275},{"title":"حكم إرث المصحف ونحوه","level":3,"page":276},{"title":"حكم مقاطعة المنتجات الأجنبية","level":3,"page":277},{"title":"[١٤]","level":1,"page":278},{"title":"شرح حديث الدين النصيحة","level":2,"page":279},{"title":"منزلة النصيحة من الدين","level":3,"page":280},{"title":"حرص الصحابة على معرفة الحق والهدى","level":3,"page":281},{"title":"أدب الصحابة مع الرسول ﷺ","level":3,"page":282},{"title":"معنى النصيحة لله ﷿","level":3,"page":283},{"title":"معنى النصيحة لكتاب الله","level":3,"page":284},{"title":"معنى النصيحة للرسول ﷺ","level":3,"page":285},{"title":"معنى النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم","level":3,"page":286},{"title":"كلام ابن الصلاح فيما يتعلق بالنصيحة","level":2,"page":287},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":288},{"title":"النصيحة للسنة النبوية","level":3,"page":289},{"title":"حكم التكني بالأنثى","level":3,"page":290},{"title":"وجه دخول العلماء والأمراء في النصيحة لأئمة المسلمين","level":3,"page":291},{"title":"كيفية النصيحة لولاة الأمر إذا كان المراد بهم العلماء","level":3,"page":292},{"title":"معنى كلام ابن رجب في النصيحة لرسول الله","level":3,"page":293},{"title":"حكم النصيحة للمبتدع","level":3,"page":294},{"title":"ردود العلماء على أهل الأهواء والبدع من النصح لعامة المسلمين","level":3,"page":295},{"title":"الدين النصيحة من جوامع الكلم","level":3,"page":296},{"title":"العلاقة بين المعنى اللغوي والشرعي لكلمة النصيحة","level":3,"page":297},{"title":"حكم نصح الذمي","level":3,"page":298},{"title":"كيفية النصيحة للإمام","level":3,"page":299},{"title":"حكم نقل النساء مسافة قصر دون محرم وحكم الجمع في هذا السفر","level":3,"page":300},{"title":"كلام ابن تيمية في امتحان الناس بيزيد بن معاوية","level":3,"page":301},{"title":"حكم الدعاء للحكام الذين لا يحكمون بشريعة الله","level":3,"page":302},{"title":"حكم النصيحة علانية","level":3,"page":303},{"title":"حكم مناصحة ولاة الأمر على المنابر والجرائد والمجلات","level":3,"page":304},{"title":"[١٥]","level":1,"page":305},{"title":"شرح حديث (أمرت أن أقاتل الناس)","level":2,"page":306},{"title":"الشهادتان ومكانتهما من الإسلام","level":3,"page":307},{"title":"الصلاة والزكاة ومنزلتهما من الإسلام","level":3,"page":308},{"title":"معنى قوله ﷺ: (إلا بحق الإسلام)","level":3,"page":309},{"title":"معنى قوله: (وحسابهم على الله)","level":3,"page":310},{"title":"فوائد حديث (أمرت أن أقاتل الناس)","level":2,"page":311},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":312},{"title":"نوع قتال الصحابة للمرتدين","level":3,"page":313},{"title":"أمر جبريل للرسول ﷺ هو من أمر الله","level":3,"page":314},{"title":"توجيه كلام ابن رجب في أن الرسول كان يقبل من الكفار بعض الشروط لدخولهم في الإسلام","level":3,"page":315},{"title":"كيفية الجمع بين قوله: (لا إكراه في الدين) وحديث: (أمرت أن أقاتل الناس)","level":3,"page":316},{"title":"حكم من أتى بشيء من الشرك وهو حديث عهد بجاهلية","level":3,"page":317},{"title":"توجيه حديث: (أن النبي ﷺ غزا بني قريظة وهم غارون)","level":3,"page":318},{"title":"ثبوت السنة في أخذ الجزية من المجوس","level":3,"page":319},{"title":"العلة في مقاتلة من امتنع عن دفع الزكاة مع عدم كفره","level":3,"page":320},{"title":"حكم أهل الأوثان إذا أخذت منهم الجزية","level":3,"page":321},{"title":"حكم من لا يصلي ولا يزكي","level":3,"page":322},{"title":"استمرار دعوة أهل الجزية إلى الإسلام","level":3,"page":323},{"title":"حكم من يسب الله أو القرآن أو الرسول ﷺ","level":3,"page":324},{"title":"مقاتلة من اجتمعوا على ترك الصيام","level":3,"page":325},{"title":"حكم الخروج على الحاكم الكافر أو المرأة","level":3,"page":326},{"title":"معنى قول عمر (ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق)","level":3,"page":327},{"title":"المراد بالنظر عند المتكلمين","level":3,"page":328},{"title":"[١٦]","level":1,"page":329},{"title":"ترجمة أبي هريرة وبيان سبب إكثاره من رواية الحديث","level":2,"page":330},{"title":"بيان بعض الكتب التي اعتنت بذكر عدد روايات الصحابة في الكتب الستة","level":2,"page":331},{"title":"تكليف الشرع بالمستطاع","level":2,"page":332},{"title":"أنواع الأوامر والنواهي","level":2,"page":333},{"title":"كثرة المسائل والاختلاف على الأنبياء سبب من أسباب هلاك الأمم السابقة","level":2,"page":334},{"title":"فوائد من حديث: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه)","level":2,"page":335},{"title":"معنى قول المحدثين والمخرجين: (متفق عليه)","level":3,"page":336},{"title":"تقييد امتثال الأمر بالاستطاعة","level":3,"page":337},{"title":"ضابط فعل المأمورات وترك المنهيات","level":3,"page":338},{"title":"بيان نوع المسائل المنهي عنها","level":3,"page":339},{"title":"أنواع الناس في الاشتغال بالمسائل","level":3,"page":340},{"title":"خلاصة الفوائد المأخوذة من حديث: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه)","level":3,"page":341},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":342},{"title":"كراهة الاشتغال بالمسائل الافتراضية","level":3,"page":343},{"title":"اجتهاد النبي ﷺ في التشريع","level":3,"page":344},{"title":"وقت إسلام أبي هريرة ﵁ وصحبته","level":3,"page":345},{"title":"حكم الصلاة في أوقات النهي","level":3,"page":346},{"title":"ضرر كثرة المسائل","level":3,"page":347},{"title":"التدرج في تحريم الخمر","level":3,"page":348},{"title":"إمساك المسافر عن الطعام إذا قدم من سفره","level":3,"page":349},{"title":"ذكر الخلاف في كون الأمر يحمل على الفور أو على التراخي","level":3,"page":350},{"title":"عدم اقتضاء الأمر للتكرار","level":3,"page":351},{"title":"الزكاة على أموال الجمعيات الفردية","level":3,"page":352},{"title":"حكم الشرب قائما","level":3,"page":353},{"title":"حكم السؤال عن حال الإنسان","level":3,"page":354},{"title":"حكم التقيد والالتزام بمذهب معين","level":3,"page":355},{"title":"الترك أو الفعل بالتدرج","level":3,"page":356},{"title":"[١٧]","level":1,"page":357},{"title":"شرح حديث: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا)","level":2,"page":358},{"title":"دلالة أسماء الله على صفاته تعالى","level":3,"page":359},{"title":"لا يقبل الله من الأعمال إلا ما كان طيبا","level":3,"page":360},{"title":"أمر الله تعالى للرسل وللمؤمنين بأكل الطيبات","level":3,"page":361},{"title":"أكل الحرام من أسباب عدم قبول الدعاء","level":3,"page":362},{"title":"أسباب قبول الدعاء","level":3,"page":363},{"title":"هيئة رفع اليدين في الدعاء","level":3,"page":364},{"title":"شرح حديث: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)","level":2,"page":365},{"title":"ترجمة الحسن بن علي ﵁","level":3,"page":366},{"title":"وجوب ترك الأمور المشتبهة إلى ما لا شبهة فيه","level":3,"page":367},{"title":"شرح حديث: (من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه)","level":2,"page":368},{"title":"كلام ابن رجب في شرحه لهذا الحديث","level":3,"page":369},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":370},{"title":"وسائل جعل الأعمال والأقوال طيبة","level":3,"page":371},{"title":"حكم الصلاة في مسجد بني من الربا","level":3,"page":372},{"title":"حكم من توظف بشهادة حصل عليها بطريق الغش في الاختبار","level":3,"page":373},{"title":"معنى قوله ﵊: (أيما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به)","level":3,"page":374},{"title":"حكم التسمي بأسماء الله تعالى","level":3,"page":375},{"title":"حكم التسمي بعبد الطيب","level":3,"page":376},{"title":"حكم التصدق بالزيادة المأخوذة من الربا","level":3,"page":377},{"title":"الطيب اسم من أسماء الله","level":3,"page":378},{"title":"حكم الحج بمال أخذ من رجل كافر","level":3,"page":379},{"title":"حكم من كان يتعامل مع بنك ربوي وهو لا يعلم بذلك","level":3,"page":380},{"title":"حكم الغش في الاختبار","level":3,"page":381},{"title":"حكم أخذ الصدقة من مؤسسة حكومية في مكاسبها أمور محرمة","level":3,"page":382},{"title":"حكم أخذ طالب العلم من مال أبيه المكتسب بطريقة محرمة","level":3,"page":383},{"title":"حكم أخذ الحوالة من البنك الربوي","level":3,"page":384},{"title":"حكم أخذ الهبة ممن يحصل على المال بطرق محرمة","level":3,"page":385},{"title":"حكم أخذ الراتب كاملا مع التهاون في العمل","level":3,"page":386},{"title":"حكم رفع اليدين عند الدعاء للميت","level":3,"page":387},{"title":"حكم ضرب المعلم للطلاب بالحديد","level":3,"page":388},{"title":"[١٨]","level":1,"page":389},{"title":"شرح حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)","level":2,"page":390},{"title":"الإيمان يزيد وينقص","level":3,"page":391},{"title":"المراد بالأخوة في قوله: (لأخيه)","level":3,"page":392},{"title":"وجوب معاملة الإنسان لغيره كما يجب أن يعاملوه","level":3,"page":393},{"title":"شرح حديث: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث)","level":2,"page":394},{"title":"معنى قوله: الثيب الزاني","level":3,"page":395},{"title":"معنى قوله: النفس بالنفس","level":3,"page":396},{"title":"معنى قوله: التارك لدينه المفارق للجماعة","level":3,"page":397},{"title":"أمور أخرى يحل بها دم المسلم","level":2,"page":398},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":399},{"title":"لزوم كره المسلم لأخيه ما يكرهه لنفسه","level":3,"page":400},{"title":"حكم فرح المسلم إذا أخطأ أخوه أو وقع في بدعة","level":3,"page":401},{"title":"المراد بنفي كمال الإيمان في قوله: (لا يؤمن أحدكم)","level":3,"page":402},{"title":"ضابط المفارق للجماعة","level":3,"page":403},{"title":"الدليل على نقصان الإيمان","level":3,"page":404},{"title":"حكم قتل الزاني المحصن رميا بالرصاص","level":3,"page":405},{"title":"حكم التعزير بالقتل","level":3,"page":406},{"title":"معنى قوله: (المفارق للجماعة)","level":3,"page":407},{"title":"حكم من قتل نفسا وهو في بلد لا يقام فيه القصاص","level":3,"page":408},{"title":"حكم من تزوج أمة ثم زنى","level":3,"page":409},{"title":"حكم من تزوج ولم يدخل بزوجته ثم زنى","level":3,"page":410},{"title":"وجوب محبة الخير لجميع المسلمين","level":3,"page":411},{"title":"معنى محبة الإنسان لغيره ما يحب لنفسه في باب الفوز والتفوق","level":3,"page":412},{"title":"زيادة: (من الخير) زيادة تفسيرية","level":3,"page":413},{"title":"حكم قتل الإنسان لمن قتل قريبه","level":3,"page":414},{"title":"نصيحة لمن ابتلي بحسد الآخرين والحقد عليهم","level":3,"page":415},{"title":"لا يقتل الوالد بولده","level":3,"page":416},{"title":"الحكم على حديث: (أيما لحم نبت من سحت) ودلالته","level":3,"page":417},{"title":"معنى قول ابن رجب: وقد يوجد ما يمنع هذا المانع من منعه","level":3,"page":418},{"title":"حكم قول: إخواننا الكفار","level":3,"page":419},{"title":"حكم الأخذ من اللحية","level":3,"page":420},{"title":"مدح ونصح للشيخ ربيع المدخلي","level":3,"page":421},{"title":"المقصود بالأخوة الواردة في الأحاديث","level":3,"page":422},{"title":"سقوط القصاص إذا عفا أحد ورثة القتيل","level":3,"page":423},{"title":"حكم الساحر","level":3,"page":424},{"title":"حكم استتابة المرتد","level":3,"page":425},{"title":"حكم استخدام المدرسين لكهرباء المدرسة لأجل اللعب بالكرة","level":3,"page":426},{"title":"[١٩]","level":1,"page":427},{"title":"شرح حديث: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت)","level":2,"page":428},{"title":"مناسبة ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر في أول الحديث","level":3,"page":429},{"title":"الأمر بقول الخير أو السكوت","level":3,"page":430},{"title":"حقوق الجار","level":3,"page":431},{"title":"إكرام الضيف","level":3,"page":432},{"title":"شرح حديث: (لا تغضب)","level":2,"page":433},{"title":"فائدة تكرار النبي ﷺ للنهي عن الغضب","level":3,"page":434},{"title":"أمور ينبغي فعلها عند الغضب","level":3,"page":435},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":436},{"title":"الغضب المحمود","level":3,"page":437},{"title":"استحباب السكوت عند الغضب","level":3,"page":438},{"title":"المقصود بنفي الإيمان الوارد في الأحاديث","level":3,"page":439},{"title":"حكم الكلام في الشخص بدون ذكر اسمه","level":3,"page":440},{"title":"حق الجار الكافر إذا كان قريبا","level":3,"page":441},{"title":"ما ينبغي فعله مع الجار الكافر","level":3,"page":442},{"title":"ضابط الجار","level":3,"page":443},{"title":"مناسبة ذكر إكرام الجار مع الإيمان باليوم الآخر","level":3,"page":444},{"title":"نقص الإيمان يكون بترك الواجبات وفعل المنهيات","level":3,"page":445},{"title":"مناسبة ترتيب حديث: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر)","level":3,"page":446},{"title":"الفرق بين الغضب لله والغضب للنفس","level":3,"page":447},{"title":"حكم من ترك شيئا في تركه نفي لكمال الإيمان الواجب","level":3,"page":448},{"title":"أولى الجيران بالإحسان","level":3,"page":449},{"title":"كيفية التعامل مع الجار المؤذي","level":3,"page":450},{"title":"خطورة الغيبة","level":3,"page":451},{"title":"نقص إيمان من ترك الطاعات","level":3,"page":452},{"title":"أمور تجوز فيها الغيبة","level":3,"page":453},{"title":"فضل كظم الغيظ وعظيم أجره","level":3,"page":454},{"title":"حكم أخذ الإنسان من مال غيره بدون إذنه إذا لم يجد من يضيفه","level":3,"page":455},{"title":"اسم الصحابي الذي أوصاه النبي ﷺ بأن لا يغضب","level":3,"page":456},{"title":"ما يقول الرجل لمن قال له: أوصني","level":3,"page":457},{"title":"حال حديث: (إذا غضب أحدكم فليتوضأ)، والرد على الشيخ الألباني في حجاب المرأة","level":3,"page":458},{"title":"التعامل مع الجار المبتدع","level":3,"page":459},{"title":"ما ينبغي لمن استأجر شقة بجوار أناس معهم دشوش","level":3,"page":460},{"title":"[٢٠]","level":1,"page":461},{"title":"شرح حديث: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء)","level":2,"page":462},{"title":"وجوب الإحسان عند القتل والذبح ومعناه","level":3,"page":463},{"title":"معنى الإحسان في القصاص والحدود","level":3,"page":464},{"title":"إرشاد النبي ﷺ إلى حد الشفرة وإراحة الذبيحة","level":3,"page":465},{"title":"كلام ابن رجب ﵀ في شرحه لهذا الحديث","level":3,"page":466},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":467},{"title":"التوبة وتكفير الكبائر","level":3,"page":468},{"title":"حكم التمثيل بالكفار إذا مثلوا بالمسلمين","level":3,"page":469},{"title":"الفرق بين القتل حدا وتعزيرا","level":3,"page":470},{"title":"حكم فصل الرأس عن الجسم عند ذبح البهيمة","level":3,"page":471},{"title":"الفرق بين القتل والذبح","level":3,"page":472},{"title":"حكم من ذبح ونسي التسمية","level":3,"page":473},{"title":"قتل القاتل بمثل ما قتل به","level":3,"page":474},{"title":"القصاص بالسيف","level":3,"page":475},{"title":"القتل بالرصاص ليس تعذيبا بالنار","level":3,"page":476},{"title":"حكم ذبح الأعسر بيده الشمال","level":3,"page":477},{"title":"جواز القتل بالسيف وبالرمي","level":3,"page":478},{"title":"ذبح خالد القسري للجعد بن درهم","level":3,"page":479},{"title":"حكم ذبح الشاة المصدومة إذا كان فيها حياة","level":3,"page":480},{"title":"حكم توجيه الذبيحة إلى القبلة","level":3,"page":481},{"title":"حكم القتل بإعطاء القاتل حقنة حتى يموت","level":3,"page":482},{"title":"توجيه تعذيب علي ﵁ من غلوا فيه بالنار","level":3,"page":483},{"title":"حكم معاملة الناس بالأخلاق الحسنة","level":3,"page":484},{"title":"درجة لفظ: (إن الله محسن فأحسنوا)","level":3,"page":485},{"title":"من الإحسان عدم حد السكين أمام الذبيحة وعدم ذبح أختها أمامها","level":3,"page":486},{"title":"شرط تكفير الصغائر بالحسنات","level":3,"page":487},{"title":"كيفية التعاون على اجتناب المعاصي","level":3,"page":488},{"title":"الحكم على حديث: (ما أصر من استغفر)","level":3,"page":489},{"title":"معنى أثر: (لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار)","level":3,"page":490},{"title":"الصغائر تكفر بفعل الحسنات","level":3,"page":491},{"title":"حكم من سن سنة سيئة ثم تاب منها","level":3,"page":492},{"title":"حصول المقصود بالقصاص بالحقنة القاتلة","level":3,"page":493},{"title":"حكم قتل نساء الكفار إذا كانوا يقتلون نساء المسلمين","level":3,"page":494},{"title":"حكم الاستمناء","level":3,"page":495},{"title":"حكم مصافحة النساء الأجنبيات","level":3,"page":496},{"title":"حكم شرب الدخان","level":3,"page":497},{"title":"معنى حديث: (من قال أستغفر الله غفر له)","level":3,"page":498},{"title":"من شرب الخمر ثم تاب فهل يحرم منها في الجنة","level":3,"page":499},{"title":"حكم قطع رأس الطير باليد من دون ذبح","level":3,"page":500},{"title":"الفرق بين التوبة والاستغفار","level":3,"page":501},{"title":"[٢١]","level":1,"page":502},{"title":"شرح حديث: (احفظ الله يحفظك)","level":2,"page":503},{"title":"ترجمة ابن عباس راوي الحديث","level":3,"page":504},{"title":"معنى حفظ العبد لربه وحفظ الرب لعبده","level":3,"page":505},{"title":"وجوب سؤال الله تعالى والاستعانة به وحده","level":3,"page":506},{"title":"وجوب التوكل على الله تعالى والاستعانة به مع الأخذ بالأسباب","level":3,"page":507},{"title":"جواز الاستعانة بالمخلوق فيما يقدر عليه","level":3,"page":508},{"title":"لا ينفع أحد ولا يضر إلا بما كتبه الله تعالى وأراده","level":3,"page":509},{"title":"الكتابة الشرعية والكتابة الكونية القدرية","level":3,"page":510},{"title":"انتهاء الكتابة بما هو كائن إلى يوم القيامة","level":3,"page":511},{"title":"التعرف إلى الله تعالى في الرخاء ينفع في الشدائد","level":3,"page":512},{"title":"كل شيء بقضاء وقدر","level":3,"page":513},{"title":"النصر مع الصبر والفرج مع الكرب","level":3,"page":514},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":515},{"title":"مدى صحة ما روي عن ابن عباس أنه رأى جبريل مرتين","level":3,"page":516},{"title":"معنى قوله ﵊: (يعرفك في الشدة)","level":3,"page":517},{"title":"معنى المعرفة في قوله: (يعرفك في الشدة)","level":3,"page":518},{"title":"الفائدة من قول ابن عباس: كنت خلف النبي ﷺ","level":3,"page":519},{"title":"حصول المسبب بدون سبب","level":3,"page":520},{"title":"حكم سؤال الله تعالى مع عدم فعل السبب","level":3,"page":521},{"title":"حكم الاعتماد على الأسباب","level":3,"page":522},{"title":"صفة الكتابة لله ﷿","level":3,"page":523},{"title":"إعراب: (رفعت الأقلام)","level":3,"page":524},{"title":"المقصود بالأقلام والصحف","level":3,"page":525},{"title":"من الذي يقوم بكتابة المقادير","level":3,"page":526},{"title":"الجمع بين حديث: (رفعت الأقلام) وبين ما جاء من سماع صرير الأقلام","level":3,"page":527},{"title":"معنى الكتابة في حديث: (حتى يكتب عند الله كذابا)","level":3,"page":528},{"title":"المقصود بقوله: (جرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة)","level":3,"page":529},{"title":"تحري الصدق يبلغ منازل الصديقين","level":3,"page":530},{"title":"استحباب عدم سؤال الناس شيئا","level":3,"page":531},{"title":"الحكمة من عدم سؤال الناس شيئا","level":3,"page":532},{"title":"بطلان دعوى حضور روح النبي ﷺ إلى مجالس الذكر والموالد","level":3,"page":533},{"title":"صفة التيمم","level":3,"page":534},{"title":"كيفية توبة من أخذ أموالا من الناس بدون علمهم","level":3,"page":535},{"title":"قاتل نفسه لا يخلد في النار","level":3,"page":536},{"title":"نصيحة لطالب علم يريد ترك طلب العلم","level":3,"page":537},{"title":"حكم إقامة درس قبل صلاة الجمعة","level":3,"page":538},{"title":"معنى القابض والباسط والخافض والرافع من أسماء الله","level":3,"page":539},{"title":"حكم لبس البنطلون","level":3,"page":540},{"title":"معرفة العبد الصالح","level":3,"page":541},{"title":"حكم قص الحاجبين لمن كبر سنه وسقطا على عينيه","level":3,"page":542},{"title":"إن نصر الله قريب","level":3,"page":543},{"title":"حكم عمل وليمة للمدرسين من قبل الطلاب في آخر العام","level":3,"page":544},{"title":"[٢٢]","level":1,"page":545},{"title":"شرح حديث: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت)","level":2,"page":546},{"title":"كلام ابن رجب ﵀ في شرحه لهذا الحديث","level":3,"page":547},{"title":"أنواع الحياء","level":3,"page":548},{"title":"شرح حديث: (قل آمنت بالله ثم استقم)","level":2,"page":549},{"title":"الإيمان بالله يشمل الأمور الظاهرة والباطنة","level":3,"page":550},{"title":"شرح حديث: (أرأيت إذا صليت المكتوبات)","level":2,"page":551},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":552},{"title":"معنى: (من لا حياء له لا إيمان له)","level":3,"page":553},{"title":"حكم من يستحي من الناس ولا يستحي من الله","level":3,"page":554},{"title":"هل شرع من قبلنا شرع لنا","level":3,"page":555},{"title":"حكم إطلاق لفظ ملتزم ونحوه لمن عرف بالصلاح","level":3,"page":556},{"title":"العلم قبل القول والعمل","level":3,"page":557},{"title":"ما يجب على المسلم من العلم","level":3,"page":558},{"title":"معنى قول ابن رجب: (قوله ﷺ كذا منتزع من قوله تعالى كذا)","level":3,"page":559},{"title":"حكم تحية المسجد","level":3,"page":560},{"title":"(إذا لم تستح فاصنع ما شئت) موجود في الكتب السابقة","level":3,"page":561},{"title":"معنى قوله: (ولم أزد على ذلك شيئا)","level":3,"page":562},{"title":"المقصود بقول ابن رجب: (أصحابنا)","level":3,"page":563},{"title":"الحلال منه ما هو واجب ومستحب ومباح","level":3,"page":564},{"title":"الفرق بين المعرفة والعلم في باب الصفات","level":3,"page":565},{"title":"حكم الاحتفال بالمولد","level":3,"page":566},{"title":"الاحتفال بالمولد من محدثات الأمور","level":3,"page":567},{"title":"كتاب: التنوير البشير في مولد السراج المنير","level":3,"page":568},{"title":"حكم عمل خيام ونحوها لتوعية الناس في أيام المولد لأجل صرفهم عن الاحتفال","level":3,"page":569},{"title":"أحسن كتاب يتكلم عن حكم الاحتفال بالمولد","level":3,"page":570},{"title":"حكم مصافحة النساء الأجنبيات حياء وخوفا من الوالدين","level":3,"page":571},{"title":"نصيحة لمن يترك الدعوة إلى الله خوفا وحياء","level":3,"page":572},{"title":"[٢٣]","level":1,"page":573},{"title":"شرح حديث أبي مالك الأشعري في فضائل بعض الأذكار والأعمال الصالحة","level":2,"page":574},{"title":"معنى قوله: (الطهور شطر الإيمان)","level":3,"page":575},{"title":"فضل التسبيح والتحميد","level":3,"page":576},{"title":"فضل الصلاة وعظيم منزلتها","level":3,"page":577},{"title":"فضل الصدقة","level":3,"page":578},{"title":"الصبر فضله وأنواعه","level":3,"page":579},{"title":"القرآن حجة للمرء أو حجة عليه","level":3,"page":580},{"title":"بيان كون العبد هو الذي يعتق نفسه أو يوبقها","level":3,"page":581},{"title":"بدعة الاحتفال بمولد النبي ﷺ","level":2,"page":582},{"title":"زمن إحداث الموالد وذكر من أحدثها ومستندهم في ذلك","level":3,"page":583},{"title":"رد دعوى المحبة للنبي ﷺ بفعل الموالد","level":3,"page":584},{"title":"طريق صلاح آخر الأمة","level":3,"page":585},{"title":"حسن القصد لا يجوز عمل البدعة","level":3,"page":586},{"title":"خطورة اعتقاد البدع واستحسانها","level":3,"page":587},{"title":"رسالة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى في حكم الاحتفال بمولد النبي ﷺ","level":3,"page":588},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":589},{"title":"حكم حضور الموالد لقصد المشاهدة","level":3,"page":590},{"title":"حكم الأكل من طعام الموالد","level":3,"page":591},{"title":"حكم تخصيص يوم مولد النبي ﷺ بالصوم","level":3,"page":592},{"title":"بيان ضعف القول بحصول ميلاده ﷺ في الثاني عشر من شهر ربيع الأول","level":3,"page":593},{"title":"حكم تعمد فعل العمرة في يوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول","level":3,"page":594},{"title":"حكم أخذ الباقي من طعام الموالد","level":3,"page":595},{"title":"حكم الاجتماع للموالد من أجل الصلاة على النبي ﷺ","level":3,"page":596},{"title":"نفع القرآن وشفاؤه لغير المؤمنين","level":3,"page":597},{"title":"المقصود بكون القرآن يأتي على هيئة يوم القيامة","level":3,"page":598},{"title":"معنى لسان الميزان","level":3,"page":599},{"title":"حكم البيع قبل حيازه المبيع","level":3,"page":600},{"title":"حكم أخذ المال المجموع بطريق ما يسمى بالجمعية","level":3,"page":601},{"title":"الراجح في الحكم على حديث: (الطهور شطر الإيمان)","level":3,"page":602},{"title":"[٢٤]","level":1,"page":603},{"title":"شرح حديث: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي)","level":2,"page":604},{"title":"معنى الحديث القدسي وحقيقته","level":3,"page":605},{"title":"وجه تحريم الله الظلم على نفسه ونفيه عنه","level":3,"page":606},{"title":"حاجة العباد إلى هداية الله تعالى","level":3,"page":607},{"title":"فقر العباد إلى الله تعالى في طعامهم وشرابهم","level":3,"page":608},{"title":"افتقاد العباد إلى الله تعالى في كسوة أجسادهم","level":3,"page":609},{"title":"تقصير العباد وحاجتهم إلى مغفرة الله تعالى","level":3,"page":610},{"title":"مرد نفع الطاعة وضرر المعصية","level":3,"page":611},{"title":"كمال غنى الله تعالى عن العباد","level":3,"page":612},{"title":"حاجات العباد وموقعها من ملك الله ﷻ","level":3,"page":613},{"title":"مآل أعمال العباد خيرها وشرها","level":3,"page":614},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":615},{"title":"الجمع بين قوله ﷻ: (إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني) وقوله: (يؤذيني ابن آدم)","level":3,"page":616},{"title":"حكم القول بأن ابن آدم لا يضر الله ولا يؤذي الله","level":3,"page":617},{"title":"معنى حديث: (لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه) ودرجته","level":3,"page":618},{"title":"حكم القول بأن إيجاد الخلق على الوجه الموجود خير من غيره","level":3,"page":619},{"title":"حكم من مات ولم يسمع بالإسلام","level":3,"page":620},{"title":"مدى صحة وجود الأدب مع الله في قوله: (ومن وجد غير ذلك)","level":3,"page":621},{"title":"دلالة الأمر بالحمد في قوله: (فمن وجد خيرا فليحمد الله)","level":3,"page":622},{"title":"الجمع بين الحكم على الإنسان بالظلم مع تحريم الظلم","level":3,"page":623},{"title":"المراد بخلق العبد فعله عند القدرية","level":3,"page":624},{"title":"حكم أخذ العلم عن علماء الضلال","level":3,"page":625},{"title":"اجتهاد السلف في العبادة","level":3,"page":626},{"title":"توجيه حول أحداث التفجيرات الواقعة في الرياض","level":3,"page":627},{"title":"درجة حديث: (كل بني آدم سيد) والجمع بينه وبين النهي عن وصف المنافق بأنه سيد","level":3,"page":628},{"title":"تبرع العامل بإعطاء أصحابه كتبا موقوفة للتوزيع","level":3,"page":629},{"title":"[٢٥]","level":1,"page":630},{"title":"شرح حديث: (ذهب أهل الدثور بالأجور)","level":2,"page":631},{"title":"الصدقات المقصور نفعها على المتصدق","level":3,"page":632},{"title":"الصدقات المتعدي نفعها","level":3,"page":633},{"title":"وجه كون قضاء الوطر في الحلال صدقة","level":3,"page":634},{"title":"شرح حديث: (كل سلامى من الناس عليه صدقة)","level":2,"page":635},{"title":"صدقة إصلاح ذات البين","level":3,"page":636},{"title":"صدقة إعانة الرجل في دابته","level":3,"page":637},{"title":"الصدقة بالكلمة الطيبة","level":3,"page":638},{"title":"صدقة المشي إلى الصلاة","level":3,"page":639},{"title":"صدقة إماطة الأذى عن الطريق","level":3,"page":640},{"title":"عموم الصدقات ودور ركعتي الضحى في الإجزاء عنها","level":3,"page":641},{"title":"شرح حديثي النواس بن سمعان ووابصة بن معبد في البر والإثم","level":2,"page":642},{"title":"وجه جعل البر حسن الخلق","level":3,"page":643},{"title":"معنى قوله: (والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس)","level":3,"page":644},{"title":"الفرق بين البر والتقوى وبين الإثم والعدوان","level":3,"page":645},{"title":"معنى قوله: (استفت قلبك)","level":3,"page":646},{"title":"معنى قوله: (والإثم ما حاك في النفس)","level":3,"page":647},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":648},{"title":"علة جمع الإمام النووي بين حديثي النواس ووابصة رضي الله تعالى عنهما","level":3,"page":649},{"title":"أثر النية في حصول الأجر على المباحات","level":3,"page":650},{"title":"حكم مساعدة الآخرين دون استشعار الأجر","level":3,"page":651},{"title":"دلالة قوله: (وإن أفتاك الناس)","level":3,"page":652},{"title":"وجه تسمية كتاب الدارمي بالمسند","level":3,"page":653},{"title":"صفة نقد الجهابذة النقاد للحديث","level":3,"page":654},{"title":"حكم تخصيص الوالد ولده بعطية دون إخوته","level":3,"page":655},{"title":"اعتراض على تعليل تسمية كتاب الدارمي مسندا","level":3,"page":656},{"title":"نسبة تسمية مسند الدارمي إلى كتاب مفقود","level":3,"page":657},{"title":"دلالة إخبار النبي ﷺ وابصة عن سبب مجيئه","level":3,"page":658},{"title":"المستفاد من قوله ﷺ: (كل سلامى من الناس عليه صدقة)","level":3,"page":659},{"title":"مفارقة أمر الاستخارة للإثم والمشتبه","level":3,"page":660},{"title":"الفرق بين الفراسة والإلهام","level":3,"page":661},{"title":"اكتساب الفراسة","level":3,"page":662},{"title":"الضابط في طمأنينة القلب للشيء","level":3,"page":663},{"title":"حكم طمأنينة القلب لما يخالف الرخصة الشرعية","level":3,"page":664},{"title":"أجر الذاهب إلى المسجد بالسيارة","level":3,"page":665},{"title":"أجر العودة من الصلاة","level":3,"page":666},{"title":"حكم الصدقة عن المفاصل بغير ركعتي الضحى","level":3,"page":667},{"title":"شمول الصدقة للعمل الصالح","level":3,"page":668},{"title":"درجة حديث: (من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة)","level":3,"page":669},{"title":"حكم اتخاذ المسجد طريقا","level":3,"page":670},{"title":"درجة حديث: (اتق فراسة المؤمن)","level":3,"page":671},{"title":"الفرق بين الذمي والمستأمن والمعاهد","level":3,"page":672},{"title":"المراد بالطريق في قوله: (إماطة الأذى عن الطريق)","level":3,"page":673},{"title":"حكم حصول أجر الخطى إلى المسجد بغير وضوء","level":3,"page":674},{"title":"[٢٦]","level":1,"page":675},{"title":"شرح حديث (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة وجلت منها القلوب)","level":2,"page":676},{"title":"معنى الموعظة البليغة وبم تكون","level":3,"page":677},{"title":"حرص الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على الخير","level":3,"page":678},{"title":"الوصية بتقوى الله تعالى","level":3,"page":679},{"title":"الوصية بالسمع والطاعة لولاة الأمر","level":3,"page":680},{"title":"كلام العلماء في قوله: (وإن تأمر عليكم عبد)","level":3,"page":681},{"title":"الاختلاف في الدين بعد النبي ﷺ","level":3,"page":682},{"title":"طريق العصمة من الاختلاف","level":3,"page":683},{"title":"معاني السنة","level":3,"page":684},{"title":"الحض على التزام سنة النبي ﷺ وخلفائه الراشدين بعده","level":3,"page":685},{"title":"التحذير من البدع","level":3,"page":686},{"title":"هل في الدين بدعة حسنة؟","level":3,"page":687},{"title":"ضرر مخالفة النبي ﷺ في الاتباع","level":3,"page":688},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":689},{"title":"معنى قول عمر رضي الله تعالى عنه: (نعمت البدعة)","level":3,"page":690},{"title":"إحداث عثمان ﵁ الأذان الثاني يوم الجمعة","level":3,"page":691},{"title":"دلالة تعليم النبي ﷺ أمته الآداب على تعليمه الأصول","level":3,"page":692},{"title":"معنى قوله ﷺ: (من سن في الإسلام)","level":3,"page":693},{"title":"حكم التحذير من البدع في غير مواطن وجودها","level":3,"page":694},{"title":"معنى سن السيئة في الإسلام","level":3,"page":695},{"title":"تعليل ابن دقيق العيد السمع والطاعة للعبد الوالي","level":3,"page":696},{"title":"حكم إثبات البدعة الحسنة بمقالة (ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن)","level":3,"page":697},{"title":"وجه ذكر قبح الخلقة في العبد المتولي","level":3,"page":698},{"title":"معنى قوله ﷺ: (تركتكم على البيضاء)","level":3,"page":699},{"title":"حكم متابعة عمر رضي الله تعالى عنه في حد شرب الخمر","level":3,"page":700},{"title":"وجه ترك ذكر خلافة الحسن رضي الله تعالى عنه في الخلافة الراشدة","level":3,"page":701},{"title":"حكم تقسيم البدعة إلى محرمة ومكروهة","level":3,"page":702},{"title":"الفرق بين الراشد والمهتدي والغاوي والضال","level":3,"page":703},{"title":"حكم تنظيم المخيمات الدعوية التي تحتوي على الأناشيد والمسرحيات","level":3,"page":704},{"title":"حال زيادة: (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار)","level":3,"page":705},{"title":"حكم السمع والطاعة للأمير الكافر والفاسق","level":3,"page":706},{"title":"معنى الواو في قوله: (وسنة الخلفاء الراشدين)","level":3,"page":707},{"title":"الرد على من قال بضعف حديث العرباض بن سارية","level":3,"page":708},{"title":"[٢٧]","level":1,"page":709},{"title":"شرح حديث معاذ في السؤال عما يدخل الجنة ويباعد عن النار","level":2,"page":710},{"title":"حرص الصحابة على الخير وبيان طلب الصالحين للجنة وخوفهم من النار","level":3,"page":711},{"title":"العمل سبب لدخول الجنة","level":3,"page":712},{"title":"عظم شأن دخول الجنة والنجاة من النار","level":3,"page":713},{"title":"بيان العمل الموصل إلى الجنة","level":2,"page":714},{"title":"من أسباب دخول الجنة الإخلاص والمتابعة","level":3,"page":715},{"title":"من أسباب دخول الجنة إقامة الصلاة","level":3,"page":716},{"title":"من أسباب دخول الجنة أداء الزكاة","level":3,"page":717},{"title":"من أسباب دخول الجنة الصيام والحج","level":3,"page":718},{"title":"أبواب نوافل الخير الموصلة إلى الرضوان","level":2,"page":719},{"title":"من أبواب الخير: صوم التطوع","level":3,"page":720},{"title":"من أبواب الخير: الصدقة والإحسان إلى الناس","level":3,"page":721},{"title":"من أبواب الخير: قيام الليل","level":3,"page":722},{"title":"بيان رأس الأمر وعموده وذروة سنامه","level":2,"page":723},{"title":"خطورة شأن اللسان","level":2,"page":724},{"title":"مآل دعاء النبي ﷺ على أحد أصحابه","level":2,"page":725},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":726},{"title":"حكم قول المرء لأخيه: (ثكلتك أمك) ونحو ذلك","level":3,"page":727},{"title":"حكم ترتيل الآيات عند الاستدلال بها في المواعظ ونحوها","level":3,"page":728},{"title":"حكم البسملة والاستعاذة للآية المستدل بها","level":3,"page":729},{"title":"الاجتماع على المأدبة بعد صيام الأيام البيض","level":3,"page":730},{"title":"من صلت الفجر فهي في ذمة الله تعالى","level":3,"page":731},{"title":"المراد بسبيل الله","level":3,"page":732},{"title":"ترتيب الأعمال في النصوص ودلالته","level":3,"page":733},{"title":"حكم إعارة آلات التصوير","level":3,"page":734},{"title":"أثر وقوف الطفل دون السابعة في وسط صف الصلاة","level":3,"page":735},{"title":"حكم المسح على الجورب المشقوق","level":3,"page":736},{"title":"كيفية إدراك فضل صيام الأيام الفاضلة لمن كان يصوم يوما ويفطر يوما","level":3,"page":737},{"title":"الحكم على حديث (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)","level":3,"page":738},{"title":"حكم أخذ المال من مقترضه بفائدة ربوية","level":3,"page":739},{"title":"عمامة طالب العلم في بلد لا يتعمم أهلها","level":3,"page":740},{"title":"حكم كشف الرأس في الصلاة","level":3,"page":741},{"title":"من تتزوج المرأة في الجنة","level":3,"page":742},{"title":"معنى صلاة الفاتح وحكم التعبد بها","level":3,"page":743},{"title":"[٢٨]","level":1,"page":744},{"title":"شرح حديث (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها)","level":2,"page":745},{"title":"الفرائض ومعناها","level":3,"page":746},{"title":"الوقوف عند حدود الله","level":3,"page":747},{"title":"الانتهاء عند انتهاك المحرمات","level":3,"page":748},{"title":"حكم المسكوت عنه في الشرع","level":3,"page":749},{"title":"شرح حديث (ازهد في الدنيا يحبك الله)","level":2,"page":750},{"title":"معنى الزهد في الدنيا","level":3,"page":751},{"title":"أثر غنى القلب والنفس في المواقف","level":3,"page":752},{"title":"معنى الزهد فيما عند الناس","level":3,"page":753},{"title":"إثبات صفة المحبة لله تعالى","level":3,"page":754},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":755},{"title":"الحكم على حديث (ازهد في الدنيا)","level":3,"page":756},{"title":"الفرق بين الأمور المشتبهة والأمور المسكوت عنها","level":3,"page":757},{"title":"أصل الأشياء من حيث الإباحة والحظر","level":3,"page":758},{"title":"حكم ترك اتخاذ المركب الحسن مع القدرة عليه","level":3,"page":759},{"title":"معنى قوله ﷺ: (لو قلت نعم لوجبت)","level":3,"page":760},{"title":"معنى الزهد","level":3,"page":761},{"title":"مثال ترك ما يشغل عن الله ﷻ","level":3,"page":762},{"title":"القرض الحسن وعلاقته بالزهد فيما عند الناس","level":3,"page":763},{"title":"الفرق بين زهد السلف وزهد الصوفية","level":3,"page":764},{"title":"حكم الزهد","level":3,"page":765},{"title":"الفرق بين الزهد والورع","level":3,"page":766},{"title":"الجمع بين محبة الزهد ومحبة التجمل والتزين","level":3,"page":767},{"title":"معنى النهي عن اتخاذ المساجد طرقا","level":3,"page":768},{"title":"حكم إعطاء الزكاة للابن الفقير","level":3,"page":769},{"title":"حكم من أنكر ثبوت صدقة الفطر ولم يخرجها","level":3,"page":770},{"title":"حكم استدانة الزوجة لإخراج الزكاة","level":3,"page":771},{"title":"حكم منع الرجل زوجته من إخراج زكاة الفطر بدعوى أنها لم تثبت","level":3,"page":772},{"title":"اشتقاق صفات الله تعالى من أفعاله","level":3,"page":773},{"title":"المراد بقوله تعالى: (ثم تاب الله عليهم ليتوبوا)","level":3,"page":774},{"title":"ما يقوله من سمع المترضي على الصحابة الكرام","level":3,"page":775},{"title":"حكم الاستياك في مجالس العلم","level":3,"page":776},{"title":"المقصود بالزهد في الثناء","level":3,"page":777},{"title":"حكم شراء المزكي الزكاة من الفقير بعد دفعها إليه","level":3,"page":778},{"title":"درجة حديث: (من صلى أربعا قبل الظهر وأربعا بعدها دخل الجنة)","level":3,"page":779},{"title":"حكم البيات في مكة بعد طواف الوداع","level":3,"page":780},{"title":"حكم نسيان التشهد الأول","level":3,"page":781},{"title":"حكم صيانة أجهزة البنوك الربوية","level":3,"page":782},{"title":"طالب العلم والزواج","level":3,"page":783},{"title":"حكم المبيت في مكة بعد طواف الوداع","level":3,"page":784},{"title":"قطوف من حياة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى","level":3,"page":785},{"title":"حكم قص شعر البنت الصغيرة","level":3,"page":786},{"title":"حكم التنفل يوم الجمعة بعد الجلوس في المسجد","level":3,"page":787},{"title":"الفرق بين الزهد في الدنيا والزهد فيما عند الناس","level":3,"page":788},{"title":"حسن الظن بالناس والدعاة","level":3,"page":789},{"title":"المرأة على النصف من الرجل في العتق","level":3,"page":790},{"title":"حكم الدخول في الجمعيات التعاونية","level":3,"page":791},{"title":"حكم شراء المشروبات الأمريكية","level":3,"page":792},{"title":"حكم قول (قاتلك الله)","level":3,"page":793},{"title":"تحذير من الوقوع في بدع التكفير والخروج على الحكام","level":3,"page":794},{"title":"حكم تشقير المرأة حاجبيها","level":3,"page":795},{"title":"حكم صبغ شعر المرأة","level":3,"page":796},{"title":"[٢٩]","level":1,"page":797},{"title":"شرح حديث (لا ضرر ولا ضرار)","level":2,"page":798},{"title":"معنى الضرر والضرار","level":3,"page":799},{"title":"الأمر برفع الضرر","level":3,"page":800},{"title":"شرح حديث ابن عباس في البينة على المدعي واليمين على المنكر","level":2,"page":801},{"title":"بيان معنى المدعي والمدعى عليه والأثر المترتب على ذلك","level":3,"page":802},{"title":"مواضع الاستثناء من كون البينة على المدعي","level":3,"page":803},{"title":"معنى قوله: (لو يعطى الناس بدعواهم)","level":3,"page":804},{"title":"مفهوم لفظ الرجال في قوله: (لادعى رجال)","level":3,"page":805},{"title":"طلب البينة في الأمور الدينية","level":3,"page":806},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":807},{"title":"ما يفعله القاضي إذا ثبتت البينة وحلف المدعى عليه منكرا","level":3,"page":808},{"title":"حكم اليمين إن كان صاحبها فاجرا","level":3,"page":809},{"title":"معنى البينة","level":3,"page":810},{"title":"حكم اعتبار البصمات والتحليلات الطبية في الإثباتات","level":3,"page":811},{"title":"استثناء القسامة من كون البينة على المدعي","level":3,"page":812},{"title":"ثبوت القول والفعل بالشهادة","level":3,"page":813},{"title":"معنى عدالة الشهود في باب القضاء","level":3,"page":814},{"title":"لزوم عودة طلبة العلم إلى العلماء لأخذ الدليل عند خفائه عليهم","level":3,"page":815},{"title":"استثناء أهل الصلاح والتقى من كون البينة على المدعي","level":3,"page":816},{"title":"حكم تحليف المدعى عليهم عند قبور الأولياء ومشاهدهم","level":3,"page":817},{"title":"ترك التحاكم إلى من لا يحكم بشريعة الله تعالى","level":3,"page":818},{"title":"حكم التحاكم إلى الأعراف القبلية","level":3,"page":819},{"title":"الحلف بوضع اليد على المصحف","level":3,"page":820},{"title":"حلق اللحية وأثره على العدالة","level":3,"page":821},{"title":"حكم من ثبت عليه سب الله ﷻ","level":3,"page":822},{"title":"إبطال الحلف بالبينة بعد مدة","level":3,"page":823},{"title":"حكم تحليف المرء بشيخه إذا كان لا يتورع عن الحلف بالله فاجرا","level":3,"page":824},{"title":"حكم الترافع إلى المحاكم القانونية عند عدم الوصول إلى الحق بدونها","level":3,"page":825},{"title":"حكم تناقض شهادة الشاهدين","level":3,"page":826},{"title":"معنى القسامة","level":3,"page":827},{"title":"حكم قدح المدعى عليه في البينة","level":3,"page":828},{"title":"حكم التحاكم إلى المحاكم غير الشرعية","level":3,"page":829},{"title":"حكم تخصيص اليمين بالنية في غير مسائل الدعاوى","level":3,"page":830},{"title":"حكم تأديب المتشاجرين بمال يدفعونه للمسجد","level":3,"page":831},{"title":"ما يؤخذ من المدعى عليه حال تقديمه البينة على براءته","level":3,"page":832},{"title":"دخول السرعة بالسيارات في الضرر والضرار","level":3,"page":833},{"title":"حكم ضياع المال من يد أحد الشريكين","level":3,"page":834},{"title":"حكم طلب القاضي من المدعي الحلف بعد مجيئه بالبينة","level":3,"page":835},{"title":"الفرق بين الضرر والضرار","level":3,"page":836},{"title":"عبارة: (القانون لا يحمي المغفلين)","level":3,"page":837},{"title":"دخول شرب الدخان في النهي عن الضرر والضرار","level":3,"page":838},{"title":"حالة اعتبار أصل الحديث في الصحيحين","level":3,"page":839},{"title":"حكم التفجيرات في البلاد الإسلامية","level":3,"page":840},{"title":"حكم الفتيا بعدم جواز الإبلاغ بالقائمين بالتفجير إلى الجهات الأمنية","level":3,"page":841},{"title":"مدى صحة امتناع السلف عن الحلف تعظيما لله تعالى","level":3,"page":842},{"title":"مراد الشاطبي بعدم تعيين من ابتدع في الدين دون البدع العظيمة","level":3,"page":843},{"title":"[٣٠]","level":1,"page":844},{"title":"درجات تغيير المنكر","level":2,"page":845},{"title":"تفسير قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم»","level":2,"page":846},{"title":"مسائل تتعلق بالأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":2,"page":847},{"title":"وجوب اتباع الحق على الآمر والمأمور","level":3,"page":848},{"title":"اشتراط العلم في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر","level":3,"page":849},{"title":"عدم جواز النهي عن المنكر إذا أدى إلى مفسدة أكبر","level":3,"page":850},{"title":"حكم الأمر بالمعروف","level":3,"page":851},{"title":"من أعظم أنواع الأمر بالمعروف كلمة حق عند سلطان جائر","level":3,"page":852},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":853},{"title":"عدم إثارة الفتنة عند إنكار المنكر","level":3,"page":854},{"title":"حرمة الاستهزاء بمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر","level":3,"page":855},{"title":"وجوب إنكار المنكر على كل مسلم","level":3,"page":856},{"title":"حرمة إنكار المنكر إذا أدى إلى مفسدة أكبر","level":3,"page":857},{"title":"من لم يمكنه التغيير بلسانه فعليه الإنكار بالقلب","level":3,"page":858},{"title":"النوم عن الصلاة دائما ليس حجة لصاحبه","level":3,"page":859},{"title":"معنى الكفر البواح","level":3,"page":860},{"title":"معنى قوله: (إلا أن تروا منهم كفرا بواحا)","level":3,"page":861},{"title":"الأصل في النصيحة أن تكون سرا","level":3,"page":862},{"title":"أعمال الجوارح دليل على وجود التقوى أو انعدامها","level":3,"page":863},{"title":"حكم إنكار الأمور المشتبهة","level":3,"page":864},{"title":"زوج المرأة يعتبر محرما لأمها وجداتها","level":3,"page":865},{"title":"لزوم إنكار المنكر على الجلساء","level":3,"page":866},{"title":"درجة حديث: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) ومعناه","level":3,"page":867},{"title":"حكم من لا ينكر المنكر","level":3,"page":868},{"title":"تحريم إدخال الدش للبيوت","level":3,"page":869},{"title":"تحريم النغمات الموسيقية في التلفون الجوال","level":3,"page":870},{"title":"النهي عن المنكر ليس مقيدا في مكان معين","level":3,"page":871},{"title":"[٣١]","level":1,"page":872},{"title":"شرح حديث: (لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا)","level":2,"page":873},{"title":"معنى كون التقوى محلها القلب","level":2,"page":874},{"title":"تحريم التكبر واحتقار المسلمين","level":2,"page":875},{"title":"حرمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم","level":2,"page":876},{"title":"[٣٢]","level":1,"page":877},{"title":"شرح حديث (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا)","level":2,"page":878},{"title":"الجزاء من جنس العمل","level":3,"page":879},{"title":"فضل طلب العلم","level":3,"page":880},{"title":"آداب طالب العلم","level":3,"page":881},{"title":"فضل الاجتماع على القرآن والعلم في المساجد","level":3,"page":882},{"title":"من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه","level":3,"page":883},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":884},{"title":"سبب تخصيص المساجد في الحديث","level":3,"page":885},{"title":"حكم الذكر الجماعي","level":3,"page":886},{"title":"حكم تكرار الطلاب للآية بصوت جماعي","level":3,"page":887},{"title":"فضل حلقات التحفيظ","level":3,"page":888},{"title":"نزول الملائكة لمن اجتمعوا على دراسة العلوم الشرعية","level":3,"page":889},{"title":"قراءة القارئ وبقية الحلقة يستمعون لقراءته","level":3,"page":890},{"title":"حكم تخصيص رمضان بالاجتماع على قراءة القرآن","level":3,"page":891},{"title":"تفضيل الملائكة على البشر","level":3,"page":892},{"title":"معنى كلام ابن دقيق العيد في شرح: (ذكرهم الله فيمن عنده)","level":3,"page":893},{"title":"الفرق بين التنفيس والتيسير","level":3,"page":894},{"title":"الرد على من يستدل على جواز الذكر الجماعي بحديث معاوية","level":3,"page":895},{"title":"نصيحة لمن صلى في مسجد يأتون بالأذكار بعد الصلاة بشكل جماعي","level":3,"page":896},{"title":"شرح قول الشاعر: الجد بالجد والحرمان بالكسل","level":3,"page":897},{"title":"قراءة القرآن بدون مدارسة","level":3,"page":898},{"title":"إضافة الأعيان إلى الله","level":3,"page":899},{"title":"تخصيص جزاء تنفيس الكربة بيوم القيامة","level":3,"page":900},{"title":"معنى حديث: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين)","level":3,"page":901},{"title":"التفضيل بين قراءة القرآن من المصحف أو الحفظ","level":3,"page":902},{"title":"نوع الطريق في قوله: (من سلك طريقا يلتمس فيه علما)","level":3,"page":903},{"title":"معنى قوله: (وذكرهم الله فيمن عنده)","level":3,"page":904},{"title":"ستر المسلم مع نصيحته","level":3,"page":905},{"title":"تفسير قوله تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى مسيرة)","level":3,"page":906},{"title":"طلب العلم عند المبتدعة","level":3,"page":907},{"title":"أهمية النية في إعانة الآخرين","level":3,"page":908},{"title":"حال حديث: (من جاء مسجدي ليتعلم أو يعلم فهو بمنزلة المجاهد","level":3,"page":909},{"title":"هل يشرع لرجال الحسبة الستر على العصاة؟","level":3,"page":910},{"title":"التنفيس عن غير المؤمن","level":3,"page":911},{"title":"سماع أشرطة العلم","level":3,"page":912},{"title":"أخذ العلم عن المشايخ والقراءة من المؤلفات","level":3,"page":913},{"title":"تعليق على تصحيح الغماري لحديث: (جئتم من الجهاد الأصغر)","level":3,"page":914},{"title":"[٣٣]","level":1,"page":915},{"title":"شرح حديث ابن عباس (إن الله كتب الحسنات والسيئات)","level":2,"page":916},{"title":"المراد بالكتابة في قوله: (كتب)","level":3,"page":917},{"title":"ثواب طاعة الله وترك معصيته وفضل العمل","level":3,"page":918},{"title":"حالات تارك المعاصي","level":3,"page":919},{"title":"شرح حديث (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب)","level":2,"page":920},{"title":"بيان الولي وخطورة معاداة أولياء الله تعالى","level":3,"page":921},{"title":"الطريق الموصلة إلى الولاية","level":3,"page":922},{"title":"النوافل ومنزلتها عند الله تعالى","level":3,"page":923},{"title":"شبهة الاستدلال للحلول ودفعها","level":3,"page":924},{"title":"الولاية واستجابة الله دعاء وليه","level":3,"page":925},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":926},{"title":"حكم ترك المعصية خوفا وحياء من الناس","level":3,"page":927},{"title":"جريمة معاداة الصحابة رضي الله تعالى عنهم","level":3,"page":928},{"title":"المحبة وفعل المعاصي","level":3,"page":929},{"title":"ارتباط الولاية بسلامة الجوارح من الآثام","level":3,"page":930},{"title":"معنى حرب الله ﷻ لمعادي أوليائه","level":3,"page":931},{"title":"دلالة ترك ذكر المنهيات في حديث الولاية","level":3,"page":932},{"title":"سبيل معرفة ولي الله والبعد عن أذاه","level":3,"page":933},{"title":"حكم تخصيص الولاية وحصرها في أشخاص","level":3,"page":934},{"title":"دعوى الولاية لأصحاب الأضرحة وحمل نفي ضررهم ونفعهم على معاداتهم","level":3,"page":935},{"title":"طلب الولاية بالاقتصار على باب من النوافل","level":3,"page":936},{"title":"محبة الله وعلامتها","level":3,"page":937},{"title":"حكم زيادة (حتى أجعله عبدا ربانيا يقول كن فيكون) في حديث الولاية","level":3,"page":938},{"title":"لفظ التردد الوارد في حديث الولاية","level":3,"page":939},{"title":"الولاية وكراهة الموت","level":3,"page":940},{"title":"الفرق بين الحلول ووحدة الوجود","level":3,"page":941},{"title":"درجات الولاية","level":3,"page":942},{"title":"فرح العبد بعد تركه المعصية لمانع غير خوف الله","level":3,"page":943},{"title":"حكم الحرص على عمل السيئة ثم تركها لعجز عنها","level":3,"page":944},{"title":"تجاوز الله تعالى عن الخواطر ومعناه","level":3,"page":945},{"title":"معنى قول السلف: الويل لمن غلبت آحاده عشراته","level":3,"page":946},{"title":"دلالة قوله: (إن الله كتب) على إثبات صفة الكتابة","level":3,"page":947},{"title":"اشتراك الناوي والعامل في الأجر والوزر","level":3,"page":948},{"title":"معاداة ساب العلماء والطاعن فيهم لله تعالى","level":3,"page":949},{"title":"مقالة لابن دقيق العيد في قوله: (كنت سمعه الذي يسمع به)","level":3,"page":950},{"title":"معنى قوله: (ولا يهلك على الله إلا هالك)","level":3,"page":951},{"title":"من يعرف الولي","level":3,"page":952},{"title":"حكم الإشارة بالجوارح عند ذكر صفات الله تعالى","level":3,"page":953},{"title":"مقالة في الفرق بين الاتحاد والحلول عند القائلين بهما من أهل الضلالة","level":3,"page":954},{"title":"حديث الولي وصحته","level":3,"page":955},{"title":"أفضل الفرائض وأفضل النوافل","level":3,"page":956},{"title":"استحضار النية لصلاة الفجر مع التفريط فيها","level":3,"page":957},{"title":"رجال الصحيح ومدى قبول أحاديثهم","level":3,"page":958},{"title":"معيار مضاعفة الأجر إلى سبعمائة ضعف","level":3,"page":959},{"title":"كيفية معرفة الملائكة هم العبد بالحسنة والسيئة","level":3,"page":960},{"title":"مقدار حسنة تارك المعصية لله تعالى بعد الهم بها","level":3,"page":961},{"title":"تعليق العبد فعل المعصية على حدوث شيء وحكمه","level":3,"page":962},{"title":"الحسنات والسيئات في الأماكن المقدسة","level":3,"page":963},{"title":"[٣٤]","level":1,"page":964},{"title":"شرح حديث: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان)","level":2,"page":965},{"title":"شرح حديث: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)","level":2,"page":966},{"title":"شرح حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به)","level":2,"page":967},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":968},{"title":"معنى حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به)","level":3,"page":969},{"title":"ضابط الإكراه وما يسوغ للمكره","level":3,"page":970},{"title":"من صبر على الإكراه أقوى إيمانا ممن استسلم","level":3,"page":971},{"title":"حكم من أكره على الزنا","level":3,"page":972},{"title":"حكم من أكره على قتل كافر","level":3,"page":973},{"title":"من فضائل ابن عمر","level":3,"page":974},{"title":"حكم من أكره على قول كلمة الكفر","level":3,"page":975},{"title":"حكم الحلف على التورية","level":3,"page":976},{"title":"حد الإكراه","level":3,"page":977},{"title":"حكم من أتلف شيئا في حال الإكراه","level":3,"page":978},{"title":"حكم من ارتكب محظورا من محظورات الإحرام خطأ أو نسيانا","level":3,"page":979},{"title":"حكم من نسي التشهد الأول ولم يسجد للسهو","level":3,"page":980},{"title":"معنى (أو) في حديث: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)","level":3,"page":981},{"title":"حكم من أكره على ترك الصلاة","level":3,"page":982},{"title":"درجة حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به)","level":3,"page":983},{"title":"حكم تقوية الحديث بظاهر القرآن","level":3,"page":984},{"title":"حكم قتل الكافر المحارب","level":3,"page":985},{"title":"التوفيق بين حديث: (الحلف على نية المستحلف) وبين جواز الحلف على التورية","level":3,"page":986},{"title":"حكم من لم يحرم من ميقاته وأراد الإحرام من ميقات آخر","level":3,"page":987},{"title":"حكم العلاج بترديد أسماء الله الحسنى","level":3,"page":988},{"title":"معنى التردد في حديث: (وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن)","level":3,"page":989},{"title":"حكم ترك الجماعة بسبب قنوت الإمام في صلاة الفجر","level":3,"page":990},{"title":"حكم استماع الأناشيد الإسلامية كبديل عن الموسيقى في وليمة العرس","level":3,"page":991},{"title":"حكم السفر إلى بلاد الكفار لغرض التجارة","level":3,"page":992},{"title":"حكم صيام من احتجم أثناء صيامه","level":3,"page":993},{"title":"مسامحة من أخذ شيئا للانتفاع به فأخل به أو أتلفه","level":3,"page":994},{"title":"حكم صلاة الظهر قبل صلاة الجمعة","level":3,"page":995},{"title":"كيفية الخروج من الخلاف والأخذ بالقول الأحوط","level":3,"page":996},{"title":"حكم تطبيق قاعدة الأخذ بالأحوط في الذهب المحلق","level":3,"page":997},{"title":"حكم من رأى مخطئا فأوصى صاحبا له بنصحه ولم يباشر نصحه بنفسه","level":3,"page":998},{"title":"حكم الدراسة في الجامعات المختلطة","level":3,"page":999},{"title":"شروط التكفير وموانعه","level":3,"page":1000},{"title":"حكم الاجتماع للحديث العام في أبواب المساجد وممراتها بعد الصلوات","level":3,"page":1001},{"title":"حكم مخالفة أنظمة المرور ودفع الغرامة من الربا","level":3,"page":1002},{"title":"حكم القول بأن التوحيد ينقص","level":3,"page":1003},{"title":"حكم تخميس الفيء","level":3,"page":1004},{"title":"حكم المداومة على رفع اليدين في مواطن الإجابة","level":3,"page":1005},{"title":"[٣٥]","level":1,"page":1006},{"title":"شرح حديث: (يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك)","level":2,"page":1007},{"title":"ذكر بعض أسباب المغفرة","level":3,"page":1008},{"title":"سعة رحمة الله ﷿","level":3,"page":1009},{"title":"شروط التوبة","level":3,"page":1010},{"title":"خطر الشرك وفضل التوحيد","level":3,"page":1011},{"title":"زيادات ابن رجب على الأربعين النووية","level":2,"page":1012},{"title":"شرح حديث: (ألحقوا الفرائض بأهلها)","level":2,"page":1013},{"title":"الفروض المقدرة في كتاب الله ﷿ وأوجهها","level":3,"page":1014},{"title":"كيفية قسمة التركة بين الورثة","level":3,"page":1015},{"title":"جهات قرب الورثة من الميت","level":3,"page":1016},{"title":"سبب ذكر تقييد الرجل بالذكر في الحديث","level":3,"page":1017},{"title":"الوارثون بالتعصيب","level":3,"page":1018},{"title":"شرح آيات المواريث","level":2,"page":1019},{"title":"الفرق بين خرجه فلان ورواه فلان","level":2,"page":1020},{"title":"شرح حديث: (تحرم الرضاعة ما تحرم الولادة)","level":2,"page":1021},{"title":"حد الرضاع المحرم","level":3,"page":1022},{"title":"المحرمية بالرضاع","level":3,"page":1023},{"title":"شرح حديث: (إن الله ﷿ ورسوله حرم بيع الخمر)","level":2,"page":1024},{"title":"تحريم بيع الميتة والخمر","level":3,"page":1025},{"title":"حكم شحوم الميتة وجلودها","level":3,"page":1026},{"title":"شرح حديث: (كل مسكر حرام)","level":2,"page":1027},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":1028},{"title":"حكم الأدوية التي يدخل في تركيبها الكحول","level":3,"page":1029},{"title":"حكم العطور المشتملة على كحول","level":3,"page":1030},{"title":"حكم التماثيل المتخذة للزينة","level":3,"page":1031},{"title":"توحيد الضمير في قوله: (إن الله ورسوله حرم)","level":3,"page":1032},{"title":"نجاسة عين الخمر","level":3,"page":1033},{"title":"بيان محرمية الرضاع","level":3,"page":1034},{"title":"[٣٦]","level":1,"page":1035},{"title":"شرح حديث: (ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه)","level":2,"page":1036},{"title":"شرح حديث: (أربع من كن فيه كان منافقا)","level":2,"page":1037},{"title":"شرح حديث: (لو أنكم توكلون على الله حق توكله)","level":2,"page":1038},{"title":"شرح حديث (لا يزال لسانك رطبا بذكر الله)","level":2,"page":1039},{"title":"ذكر بعض جوامع الذكر","level":2,"page":1040},{"title":"ميزة الأذكار النبوية على المحدثات من الأذكار","level":3,"page":1041},{"title":"من الأذكار الجامعة: (سبحان الله عدد خلقه)","level":3,"page":1042},{"title":"أهمية تواطؤ القلب مع اللسان في الذكر","level":3,"page":1043},{"title":"أثر ابن مسعود في الذكر","level":3,"page":1044},{"title":"أثر سليمان بن طرخان التيمي في الذكر","level":3,"page":1045},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":1046},{"title":"معنى تسمية بعض الأحاديث بجوامع الكلم","level":3,"page":1047},{"title":"معنى قوله في حديث النفاق: (وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم)","level":3,"page":1048},{"title":"مشروعية رفع الأصبع عند ذكر الله","level":3,"page":1049},{"title":"الفرق بين قولهم (رواه فلان) و(خرجه فلان)","level":3,"page":1050},{"title":"الفرق بين خلف الوعد والغدر في حديث المنافق","level":3,"page":1051},{"title":"أهمية حضور القلب لنيل ثواب الذكر","level":3,"page":1052},{"title":"الجمع بين حديث: (ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه) وحديث شرب أبي هريرة اللبن","level":3,"page":1053},{"title":"حكم أمر الجالسين بالتسبيح والتحميد والتهليل","level":3,"page":1054},{"title":"توصيف النفاق العملي ودخوله في الكبائر","level":3,"page":1055},{"title":"تنبيه على كتاب: الهداية بترتيب فوائد البداية والنهاية","level":3,"page":1056},{"title":"هدية المدرس إلى المدير حرام","level":3,"page":1057},{"title":"الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية","level":3,"page":1058}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"2,1":11,"2,2":12,"2,3":13,"2,4":14,"2,5":15,"2,6":16,"2,7":17,"2,8":18,"2,9":19,"2,10":20,"2,11":21,"2,12":22,"2,13":23,"2,14":24,"2,15":25,"2,16":26,"2,17":27,"2,18":28,"2,19":29,"2,20":30,"3,1":31,"3,2":32,"3,3":33,"3,4":34,"3,5":35,"3,6":36,"3,7":37,"3,8":38,"3,9":39,"3,10":40,"3,11":41,"3,12":42,"3,13":43,"3,14":44,"3,15":45,"3,16":46,"3,17":47,"3,18":48,"3,19":49,"3,20":50,"3,21":51,"3,22":52,"3,23":53,"3,24":54,"3,25":55,"4,1":56,"4,2":57,"4,3":58,"4,4":59,"4,5":60,"4,6":61,"4,7":62,"4,8":63,"4,9":64,"4,10":65,"4,11":66,"4,12":67,"4,13":68,"4,14":69,"4,15":70,"4,16":71,"4,17":72,"4,18":73,"4,19":74,"4,20":75,"4,21":76,"4,22":77,"4,23":78,"4,24":79,"4,25":80,"4,26":81,"4,27":82,"4,28":83,"4,29":84,"4,30":85,"5,1":86,"5,2":87,"5,3":88,"5,4":89,"5,5":90,"5,6":91,"5,7":92,"5,8":93,"5,9":94,"5,10":95,"5,11":96,"5,12":97,"5,13":98,"5,14":99,"5,15":100,"5,16":101,"5,17":102,"5,18":103,"5,19":104,"5,20":105,"5,21":106,"5,22":107,"5,23":108,"6,1":109,"6,2":110,"6,3":111,"6,4":112,"6,5":113,"7,1":114,"7,2":115,"7,3":116,"7,4":117,"7,5":118,"7,6":119,"7,7":120,"7,8":121,"7,9":122,"7,10":123,"7,11":124,"7,12":125,"7,13":126,"7,14":127,"7,15":128,"7,16":129,"7,17":130,"7,18":131,"7,19":132,"7,20":133,"7,21":134,"7,22":135,"7,23":136,"8,1":137,"8,2":138,"8,3":139,"8,4":140,"8,5":141,"8,6":142,"8,7":143,"8,8":144,"8,9":145,"8,10":146,"8,11":147,"8,12":148,"8,13":149,"8,14":150,"8,15":151,"8,16":152,"8,17":153,"8,18":154,"8,19":155,"8,20":156,"9,1":157,"9,2":158,"9,3":159,"9,4":160,"9,5":161,"9,6":162,"9,7":163,"9,8":164,"9,9":165,"9,10":166,"9,11":167,"9,12":168,"9,13":169,"10,1":170,"10,2":171,"10,3":172,"10,4":173,"10,5":174,"10,6":175,"10,7":176,"10,8":177,"10,9":178,"10,10":179,"10,11":180,"10,12":181,"10,13":182,"10,14":183,"10,15":184,"10,16":185,"10,17":186,"10,18":187,"10,19":188,"10,20":189,"10,21":190,"10,22":191,"10,23":192,"10,24":193,"10,25":194,"10,26":195,"10,27":196,"10,28":197,"10,29":198,"11,1":199,"11,2":200,"11,3":201,"11,4":202,"11,5":203,"11,6":204,"11,7":205,"11,8":206,"11,9":207,"11,10":208,"11,11":209,"11,12":210,"11,13":211,"11,14":212,"11,15":213,"11,16":214,"11,17":215,"11,18":216,"11,19":217,"11,20":218,"11,21":219,"11,22":220,"11,23":221,"11,24":222,"11,25":223,"11,26":224,"11,27":225,"12,1":226,"12,2":227,"12,3":228,"12,4":229,"12,5":230,"12,6":231,"12,7":232,"12,8":233,"12,9":234,"12,10":235,"12,11":236,"12,12":237,"12,13":238,"12,14":239,"12,15":240,"12,16":241,"12,17":242,"12,18":243,"13,1":244,"13,2":245,"13,3":246,"13,4":247,"13,5":248,"13,6":249,"13,7":250,"13,8":251,"13,9":252,"13,10":253,"13,11":254,"13,12":255,"13,13":256,"13,14":257,"13,15":258,"13,16":259,"13,17":260,"13,18":261,"13,19":262,"13,20":263,"13,21":264,"13,22":265,"13,23":266,"13,24":267,"13,25":268,"13,26":269,"13,27":270,"13,28":271,"13,29":272,"13,30":273,"13,31":274,"13,32":275,"13,33":276,"13,34":277,"14,1":278,"14,2":279,"14,3":280,"14,4":281,"14,5":282,"14,6":283,"14,7":284,"14,8":285,"14,9":286,"14,10":287,"14,11":288,"14,12":289,"14,13":290,"14,14":291,"14,15":292,"14,16":293,"14,17":294,"14,18":295,"14,19":296,"14,20":297,"14,21":298,"14,22":299,"14,23":300,"14,24":301,"14,25":302,"14,26":303,"14,27":304,"15,1":305,"15,2":306,"15,3":307,"15,4":308,"15,5":309,"15,6":310,"15,7":311,"15,8":312,"15,9":313,"15,10":314,"15,11":315,"15,12":316,"15,13":317,"15,14":318,"15,15":319,"15,16":320,"15,17":321,"15,18":322,"15,19":323,"15,20":324,"15,21":325,"15,22":326,"15,23":327,"15,24":328,"16,1":329,"16,2":330,"16,3":331,"16,4":332,"16,5":333,"16,6":334,"16,7":335,"16,8":336,"16,9":337,"16,10":338,"16,11":339,"16,12":340,"16,13":341,"16,14":342,"16,15":343,"16,16":344,"16,17":345,"16,18":346,"16,19":347,"16,20":348,"16,21":349,"16,22":350,"16,23":351,"16,24":352,"16,25":353,"16,26":354,"16,27":355,"16,28":356,"17,1":357,"17,2":358,"17,3":359,"17,4":360,"17,5":361,"17,6":362,"17,7":363,"17,8":364,"17,9":365,"17,10":366,"17,11":367,"17,12":368,"17,13":369,"17,14":370,"17,15":371,"17,16":372,"17,17":373,"17,18":374,"17,19":375,"17,20":376,"17,21":377,"17,22":378,"17,23":379,"17,24":380,"17,25":381,"17,26":382,"17,27":383,"17,28":384,"17,29":385,"17,30":386,"17,31":387,"17,32":388,"18,1":389,"18,2":390,"18,3":391,"18,4":392,"18,5":393,"18,6":394,"18,7":395,"18,8":396,"18,9":397,"18,10":398,"18,11":399,"18,12":400,"18,13":401,"18,14":402,"18,15":403,"18,16":404,"18,17":405,"18,18":406,"18,19":407,"18,20":408,"18,21":409,"18,22":410,"18,23":411,"18,24":412,"18,25":413,"18,26":414,"18,27":415,"18,28":416,"18,29":417,"18,30":418,"18,31":419,"18,32":420,"18,33":421,"18,34":422,"18,35":423,"18,36":424,"18,37":425,"18,38":426,"19,1":427,"19,2":428,"19,3":429,"19,4":430,"19,5":431,"19,6":432,"19,7":433,"19,8":434,"19,9":435,"19,10":436,"19,11":437,"19,12":438,"19,13":439,"19,14":440,"19,15":441,"19,16":442,"19,17":443,"19,18":444,"19,19":445,"19,20":446,"19,21":447,"19,22":448,"19,23":449,"19,24":450,"19,25":451,"19,26":452,"19,27":453,"19,28":454,"19,29":455,"19,30":456,"19,31":457,"19,32":458,"19,33":459,"19,34":460,"20,1":461,"20,2":462,"20,3":463,"20,4":464,"20,5":465,"20,6":466,"20,7":467,"20,8":468,"20,9":469,"20,10":470,"20,11":471,"20,12":472,"20,13":473,"20,14":474,"20,15":475,"20,16":476,"20,17":477,"20,18":478,"20,19":479,"20,20":480,"20,21":481,"20,22":482,"20,23":483,"20,24":484,"20,25":485,"20,26":486,"20,27":487,"20,28":488,"20,29":489,"20,30":490,"20,31":491,"20,32":492,"20,33":493,"20,34":494,"20,35":495,"20,36":496,"20,37":497,"20,38":498,"20,39":499,"20,40":500,"20,41":501,"21,1":502,"21,2":503,"21,3":504,"21,4":505,"21,5":506,"21,6":507,"21,7":508,"21,8":509,"21,9":510,"21,10":511,"21,11":512,"21,12":513,"21,13":514,"21,14":515,"21,15":516,"21,16":517,"21,17":518,"21,18":519,"21,19":520,"21,20":521,"21,21":522,"21,22":523,"21,23":524,"21,24":525,"21,25":526,"21,26":527,"21,27":528,"21,28":529,"21,29":530,"21,30":531,"21,31":532,"21,32":533,"21,33":534,"21,34":535,"21,35":536,"21,36":537,"21,37":538,"21,38":539,"21,39":540,"21,40":541,"21,41":542,"21,42":543,"21,43":544,"22,1":545,"22,2":546,"22,3":547,"22,4":548,"22,5":549,"22,6":550,"22,7":551,"22,8":552,"22,9":553,"22,10":554,"22,11":555,"22,12":556,"22,13":557,"22,14":558,"22,15":559,"22,16":560,"22,17":561,"22,18":562,"22,19":563,"22,20":564,"22,21":565,"22,22":566,"22,23":567,"22,24":568,"22,25":569,"22,26":570,"22,27":571,"22,28":572,"23,1":573,"23,2":574,"23,3":575,"23,4":576,"23,5":577,"23,6":578,"23,7":579,"23,8":580,"23,9":581,"23,10":582,"23,11":583,"23,12":584,"23,13":585,"23,14":586,"23,15":587,"23,16":588,"23,17":589,"23,18":590,"23,19":591,"23,20":592,"23,21":593,"23,22":594,"23,23":595,"23,24":596,"23,25":597,"23,26":598,"23,27":599,"23,28":600,"23,29":601,"23,30":602,"24,1":603,"24,2":604,"24,3":605,"24,4":606,"24,5":607,"24,6":608,"24,7":609,"24,8":610,"24,9":611,"24,10":612,"24,11":613,"24,12":614,"24,13":615,"24,14":616,"24,15":617,"24,16":618,"24,17":619,"24,18":620,"24,19":621,"24,20":622,"24,21":623,"24,22":624,"24,23":625,"24,24":626,"24,25":627,"24,26":628,"24,27":629,"25,1":630,"25,2":631,"25,3":632,"25,4":633,"25,5":634,"25,6":635,"25,7":636,"25,8":637,"25,9":638,"25,10":639,"25,11":640,"25,12":641,"25,13":642,"25,14":643,"25,15":644,"25,16":645,"25,17":646,"25,18":647,"25,19":648,"25,20":649,"25,21":650,"25,22":651,"25,23":652,"25,24":653,"25,25":654,"25,26":655,"25,27":656,"25,28":657,"25,29":658,"25,30":659,"25,31":660,"25,32":661,"25,33":662,"25,34":663,"25,35":664,"25,36":665,"25,37":666,"25,38":667,"25,39":668,"25,40":669,"25,41":670,"25,42":671,"25,43":672,"25,44":673,"25,45":674,"26,1":675,"26,2":676,"26,3":677,"26,4":678,"26,5":679,"26,6":680,"26,7":681,"26,8":682,"26,9":683,"26,10":684,"26,11":685,"26,12":686,"26,13":687,"26,14":688,"26,15":689,"26,16":690,"26,17":691,"26,18":692,"26,19":693,"26,20":694,"26,21":695,"26,22":696,"26,23":697,"26,24":698,"26,25":699,"26,26":700,"26,27":701,"26,28":702,"26,29":703,"26,30":704,"26,31":705,"26,32":706,"26,33":707,"26,34":708,"27,1":709,"27,2":710,"27,3":711,"27,4":712,"27,5":713,"27,6":714,"27,7":715,"27,8":716,"27,9":717,"27,10":718,"27,11":719,"27,12":720,"27,13":721,"27,14":722,"27,15":723,"27,16":724,"27,17":725,"27,18":726,"27,19":727,"27,20":728,"27,21":729,"27,22":730,"27,23":731,"27,24":732,"27,25":733,"27,26":734,"27,27":735,"27,28":736,"27,29":737,"27,30":738,"27,31":739,"27,32":740,"27,33":741,"27,34":742,"27,35":743,"28,1":744,"28,2":745,"28,3":746,"28,4":747,"28,5":748,"28,6":749,"28,7":750,"28,8":751,"28,9":752,"28,10":753,"28,11":754,"28,12":755,"28,13":756,"28,14":757,"28,15":758,"28,16":759,"28,17":760,"28,18":761,"28,19":762,"28,20":763,"28,21":764,"28,22":765,"28,23":766,"28,24":767,"28,25":768,"28,26":769,"28,27":770,"28,28":771,"28,29":772,"28,30":773,"28,31":774,"28,32":775,"28,33":776,"28,34":777,"28,35":778,"28,36":779,"28,37":780,"28,38":781,"28,39":782,"28,40":783,"28,41":784,"28,42":785,"28,43":786,"28,44":787,"28,45":788,"28,46":789,"28,47":790,"28,48":791,"28,49":792,"28,50":793,"28,51":794,"28,52":795,"28,53":796,"29,1":797,"29,2":798,"29,3":799,"29,4":800,"29,5":801,"29,6":802,"29,7":803,"29,8":804,"29,9":805,"29,10":806,"29,11":807,"29,12":808,"29,13":809,"29,14":810,"29,15":811,"29,16":812,"29,17":813,"29,18":814,"29,19":815,"29,20":816,"29,21":817,"29,22":818,"29,23":819,"29,24":820,"29,25":821,"29,26":822,"29,27":823,"29,28":824,"29,29":825,"29,30":826,"29,31":827,"29,32":828,"29,33":829,"29,34":830,"29,35":831,"29,36":832,"29,37":833,"29,38":834,"29,39":835,"29,40":836,"29,41":837,"29,42":838,"29,43":839,"29,44":840,"29,45":841,"29,46":842,"29,47":843,"30,1":844,"30,2":845,"30,3":846,"30,4":847,"30,5":848,"30,6":849,"30,7":850,"30,8":851,"30,9":852,"30,10":853,"30,11":854,"30,12":855,"30,13":856,"30,14":857,"30,15":858,"30,16":859,"30,17":860,"30,18":861,"30,19":862,"30,20":863,"30,21":864,"30,22":865,"30,23":866,"30,24":867,"30,25":868,"30,26":869,"30,27":870,"30,28":871,"31,1":872,"31,2":873,"31,3":874,"31,4":875,"31,5":876,"32,1":877,"32,2":878,"32,3":879,"32,4":880,"32,5":881,"32,6":882,"32,7":883,"32,8":884,"32,9":885,"32,10":886,"32,11":887,"32,12":888,"32,13":889,"32,14":890,"32,15":891,"32,16":892,"32,17":893,"32,18":894,"32,19":895,"32,20":896,"32,21":897,"32,22":898,"32,23":899,"32,24":900,"32,25":901,"32,26":902,"32,27":903,"32,28":904,"32,29":905,"32,30":906,"32,31":907,"32,32":908,"32,33":909,"32,34":910,"32,35":911,"32,36":912,"32,37":913,"32,38":914,"33,1":915,"33,2":916,"33,3":917,"33,4":918,"33,5":919,"33,6":920,"33,7":921,"33,8":922,"33,9":923,"33,10":924,"33,11":925,"33,12":926,"33,13":927,"33,14":928,"33,15":929,"33,16":930,"33,17":931,"33,18":932,"33,19":933,"33,20":934,"33,21":935,"33,22":936,"33,23":937,"33,24":938,"33,25":939,"33,26":940,"33,27":941,"33,28":942,"33,29":943,"33,30":944,"33,31":945,"33,32":946,"33,33":947,"33,34":948,"33,35":949,"33,36":950,"33,37":951,"33,38":952,"33,39":953,"33,40":954,"33,41":955,"33,42":956,"33,43":957,"33,44":958,"33,45":959,"33,46":960,"33,47":961,"33,48":962,"33,49":963,"34,1":964,"34,2":965,"34,3":966,"34,4":967,"34,5":968,"34,6":969,"34,7":970,"34,8":971,"34,9":972,"34,10":973,"34,11":974,"34,12":975,"34,13":976,"34,14":977,"34,15":978,"34,16":979,"34,17":980,"34,18":981,"34,19":982,"34,20":983,"34,21":984,"34,22":985,"34,23":986,"34,24":987,"34,25":988,"34,26":989,"34,27":990,"34,28":991,"34,29":992,"34,30":993,"34,31":994,"34,32":995,"34,33":996,"34,34":997,"34,35":998,"34,36":999,"34,37":1000,"34,38":1001,"34,39":1002,"34,40":1003,"34,41":1004,"34,42":1005,"35,1":1006,"35,2":1007,"35,3":1008,"35,4":1009,"35,5":1010,"35,6":1011,"35,7":1012,"35,8":1013,"35,9":1014,"35,10":1015,"35,11":1016,"35,12":1017,"35,13":1018,"35,14":1019,"35,15":1020,"35,16":1021,"35,17":1022,"35,18":1023,"35,19":1024,"35,20":1025,"35,21":1026,"35,22":1027,"35,23":1028,"35,24":1029,"35,25":1030,"35,26":1031,"35,27":1032,"35,28":1033,"35,29":1034,"36,1":1035,"36,2":1036,"36,3":1037,"36,4":1038,"36,5":1039,"36,6":1040,"36,7":1041,"36,8":1042,"36,9":1043,"36,10":1044,"36,11":1045,"36,12":1046,"36,13":1047,"36,14":1048,"36,15":1049,"36,16":1050,"36,17":1051,"36,18":1052,"36,19":1053,"36,20":1054,"36,21":1055,"36,22":1056,"36,23":1057,"36,24":1058},"ٜ":{"1":[1,10],"2":[1,20],"3":[1,25],"4":[1,30],"5":[1,23],"6":[1,5],"7":[1,23],"8":[1,20],"9":[1,13],"10":[1,29],"11":[1,27],"12":[1,18],"13":[1,34],"14":[1,27],"15":[1,24],"16":[1,28],"17":[1,32],"18":[1,38],"19":[1,34],"20":[1,41],"21":[1,43],"22":[1,28],"23":[1,30],"24":[1,27],"25":[1,45],"26":[1,34],"27":[1,35],"28":[1,53],"29":[1,47],"30":[1,28],"31":[1,5],"32":[1,38],"33":[1,49],"34":[1,42],"35":[1,29],"36":[1,24]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","7,20","7,21","7,22","7,23","8,1","8,2","8,3","8,4","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","8,13","8,14","8,15","8,16","8,17","8,18","8,19","8,20","9,1","9,2","9,3","9,4","9,5","9,6","9,7","9,8","9,9","9,10","9,11","9,12","9,13","10,1","10,2","10,3","10,4","10,5","10,6","10,7","10,8","10,9","10,10","10,11","10,12","10,13","10,14","10,15","10,16","10,17","10,18","10,19","10,20","10,21","10,22","10,23","10,24","10,25","10,26","10,27","10,28","10,29","11,1","11,2","11,3","11,4","11,5","11,6","11,7","11,8","11,9","11,10","11,11","11,12","11,13","11,14","11,15","11,16","11,17","11,18","11,19","11,20","11,21","11,22","11,23","11,24","11,25","11,26","11,27","12,1","12,2","12,3","12,4","12,5","12,6","12,7","12,8","12,9","12,10","12,11","12,12","12,13","12,14","12,15","12,16","12,17","12,18","13,1","13,2","13,3","13,4","13,5","13,6","13,7","13,8","13,9","13,10","13,11","13,12","13,13","13,14","13,15","13,16","13,17","13,18","13,19","13,20","13,21","13,22","13,23","13,24","13,25","13,26","13,27","13,28","13,29","13,30","13,31","13,32","13,33","13,34","14,1","14,2","14,3","14,4","14,5","14,6","14,7","14,8","14,9","14,10","14,11","14,12","14,13","14,14","14,15","14,16","14,17","14,18","14,19","14,20","14,21","14,22","14,23","14,24","14,25","14,26","14,27","15,1","15,2","15,3","15,4","15,5","15,6","15,7","15,8","15,9","15,10","15,11","15,12","15,13","15,14","15,15","15,16","15,17","15,18","15,19","15,20","15,21","15,22","15,23","15,24","16,1","16,2","16,3","16,4","16,5","16,6","16,7","16,8","16,9","16,10","16,11","16,12","16,13","16,14","16,15","16,16","16,17","16,18","16,19","16,20","16,21","16,22","16,23","16,24","16,25","16,26","16,27","16,28","17,1","17,2","17,3","17,4","17,5","17,6","17,7","17,8","17,9","17,10","17,11","17,12","17,13","17,14","17,15","17,16","17,17","17,18","17,19","17,20","17,21","17,22","17,23","17,24","17,25","17,26","17,27","17,28","17,29","17,30","17,31","17,32","18,1","18,2","18,3","18,4","18,5","18,6","18,7","18,8","18,9","18,10","18,11","18,12","18,13","18,14","18,15","18,16","18,17","18,18","18,19","18,20","18,21","18,22","18,23","18,24","18,25","18,26","18,27","18,28","18,29","18,30","18,31","18,32","18,33","18,34","18,35","18,36","18,37","18,38","19,1","19,2","19,3","19,4","19,5","19,6","19,7","19,8","19,9","19,10","19,11","19,12","19,13","19,14","19,15","19,16","19,17","19,18","19,19","19,20","19,21","19,22","19,23","19,24","19,25","19,26","19,27","19,28","19,29","19,30","19,31","19,32","19,33","19,34","20,1","20,2","20,3","20,4","20,5","20,6","20,7","20,8","20,9","20,10","20,11","20,12","20,13","20,14","20,15","20,16","20,17","20,18","20,19","20,20","20,21","20,22","20,23","20,24","20,25","20,26","20,27","20,28","20,29","20,30","20,31","20,32","20,33","20,34","20,35","20,36","20,37","20,38","20,39","20,40","20,41","21,1","21,2","21,3","21,4","21,5","21,6","21,7","21,8","21,9","21,10","21,11","21,12","21,13","21,14","21,15","21,16","21,17","21,18","21,19","21,20","21,21","21,22","21,23","21,24","21,25","21,26","21,27","21,28","21,29","21,30","21,31","21,32","21,33","21,34","21,35","21,36","21,37","21,38","21,39","21,40","21,41","21,42","21,43","22,1","22,2","22,3","22,4","22,5","22,6","22,7","22,8","22,9","22,10","22,11","22,12","22,13","22,14","22,15","22,16","22,17","22,18","22,19","22,20","22,21","22,22","22,23","22,24","22,25","22,26","22,27","22,28","23,1","23,2","23,3","23,4","23,5","23,6","23,7","23,8","23,9","23,10","23,11","23,12","23,13","23,14","23,15","23,16","23,17","23,18","23,19","23,20","23,21","23,22","23,23","23,24","23,25","23,26","23,27","23,28","23,29","23,30","24,1","24,2","24,3","24,4","24,5","24,6","24,7","24,8","24,9","24,10","24,11","24,12","24,13","24,14","24,15","24,16","24,17","24,18","24,19","24,20","24,21","24,22","24,23","24,24","24,25","24,26","24,27","25,1","25,2","25,3","25,4","25,5","25,6","25,7","25,8","25,9","25,10","25,11","25,12","25,13","25,14","25,15","25,16","25,17","25,18","25,19","25,20","25,21","25,22","25,23","25,24","25,25","25,26","25,27","25,28","25,29","25,30","25,31","25,32","25,33","25,34","25,35","25,36","25,37","25,38","25,39","25,40","25,41","25,42","25,43","25,44","25,45","26,1","26,2","26,3","26,4","26,5","26,6","26,7","26,8","26,9","26,10","26,11","26,12","26,13","26,14","26,15","26,16","26,17","26,18","26,19","26,20","26,21","26,22","26,23","26,24","26,25","26,26","26,27","26,28","26,29","26,30","26,31","26,32","26,33","26,34","27,1","27,2","27,3","27,4","27,5","27,6","27,7","27,8","27,9","27,10","27,11","27,12","27,13","27,14","27,15","27,16","27,17","27,18","27,19","27,20","27,21","27,22","27,23","27,24","27,25","27,26","27,27","27,28","27,29","27,30","27,31","27,32","27,33","27,34","27,35","28,1","28,2","28,3","28,4","28,5","28,6","28,7","28,8","28,9","28,10","28,11","28,12","28,13","28,14","28,15","28,16","28,17","28,18","28,19","28,20","28,21","28,22","28,23","28,24","28,25","28,26","28,27","28,28","28,29","28,30","28,31","28,32","28,33","28,34","28,35","28,36","28,37","28,38","28,39","28,40","28,41","28,42","28,43","28,44","28,45","28,46","28,47","28,48","28,49","28,50","28,51","28,52","28,53","29,1","29,2","29,3","29,4","29,5","29,6","29,7","29,8","29,9","29,10","29,11","29,12","29,13","29,14","29,15","29,16","29,17","29,18","29,19","29,20","29,21","29,22","29,23","29,24","29,25","29,26","29,27","29,28","29,29","29,30","29,31","29,32","29,33","29,34","29,35","29,36","29,37","29,38","29,39","29,40","29,41","29,42","29,43","29,44","29,45","29,46","29,47","30,1","30,2","30,3","30,4","30,5","30,6","30,7","30,8","30,9","30,10","30,11","30,12","30,13","30,14","30,15","30,16","30,17","30,18","30,19","30,20","30,21","30,22","30,23","30,24","30,25","30,26","30,27","30,28","31,1","31,2","31,3","31,4","31,5","32,1","32,2","32,3","32,4","32,5","32,6","32,7","32,8","32,9","32,10","32,11","32,12","32,13","32,14","32,15","32,16","32,17","32,18","32,19","32,20","32,21","32,22","32,23","32,24","32,25","32,26","32,27","32,28","32,29","32,30","32,31","32,32","32,33","32,34","32,35","32,36","32,37","32,38","33,1","33,2","33,3","33,4","33,5","33,6","33,7","33,8","33,9","33,10","33,11","33,12","33,13","33,14","33,15","33,16","33,17","33,18","33,19","33,20","33,21","33,22","33,23","33,24","33,25","33,26","33,27","33,28","33,29","33,30","33,31","33,32","33,33","33,34","33,35","33,36","33,37","33,38","33,39","33,40","33,41","33,42","33,43","33,44","33,45","33,46","33,47","33,48","33,49","34,1","34,2","34,3","34,4","34,5","34,6","34,7","34,8","34,9","34,10","34,11","34,12","34,13","34,14","34,15","34,16","34,17","34,18","34,19","34,20","34,21","34,22","34,23","34,24","34,25","34,26","34,27","34,28","34,29","34,30","34,31","34,32","34,33","34,34","34,35","34,36","34,37","34,38","34,39","34,40","34,41","34,42","35,1","35,2","35,3","35,4","35,5","35,6","35,7","35,8","35,9","35,10","35,11","35,12","35,13","35,14","35,15","35,16","35,17","35,18","35,19","35,20","35,21","35,22","35,23","35,24","35,25","35,26","35,27","35,28","35,29","36,1","36,2","36,3","36,4","36,5","36,6","36,7","36,8","36,9","36,10","36,11","36,12","36,13","36,14","36,15","36,16","36,17","36,18","36,19","36,20","36,21","36,22","36,23","36,24"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"4":[4],"5":[5],"6":[6],"7":[7],"8":[8],"9":[9],"10":[10],"11":[11],"12":[12],"13":[13],"14":[14],"15":[15],"16":[16],"17":[17],"18":[18],"19":[19],"20":[20],"21":[21],"22":[22],"23":[23],"24":[24],"25":[25],"26":[26],"27":[27],"28":[28],"29":[29],"30":[30],"31":[31],"32":[32],"33":[33],"34":[34],"35":[35],"36":[36],"37":[37],"38":[38],"39":[39],"40":[40],"41":[41],"42":[42],"43":[43],"44":[44],"45":[45],"46":[46],"47":[47],"48":[48],"49":[49],"50":[50],"51":[51],"52":[52],"53":[53],"54":[54],"55":[55],"56":[56],"57":[57],"58":[58],"59":[59],"60":[60],"61":[61],"62":[62],"63":[63],"64":[64],"65":[65],"66":[66],"67":[67],"68":[68],"69":[69],"70":[70],"71":[71],"72":[72],"73":[73],"74":[74],"75":[75],"76":[76],"77":[77],"78":[78],"79":[79],"80":[80],"81":[81],"82":[82],"83":[83],"84":[84],"85":[85],"86":[86],"87":[87],"88":[88],"89":[89],"90":[90],"91":[91],"92":[92],"93":[93],"94":[94],"95":[95],"96":[96],"97":[97],"98":[98],"99":[99],"100":[100],"101":[101],"102":[102],"103":[103],"104":[104],"105":[105],"106":[106],"107":[107],"108":[108],"109":[109],"110":[110],"111":[111],"112":[112],"113":[113],"114":[114],"115":[115],"116":[116],"117":[117],"118":[118],"119":[119],"120":[120],"121":[121],"122":[122],"123":[123],"124":[124],"125":[125],"126":[126],"127":[127],"128":[128],"129":[129],"130":[130],"131":[131],"132":[132],"133":[133],"134":[134],"135":[135],"136":[136],"137":[137],"138":[138],"139":[139],"140":[140],"141":[141],"142":[142],"143":[143],"144":[144],"145":[145],"146":[146],"147":[147],"148":[148],"149":[149],"150":[150],"151":[151],"152":[152],"153":[153],"154":[154],"155":[155],"156":[156],"157":[157],"158":[158],"159":[159],"160":[160],"161":[161],"162":[162],"163":[163],"164":[164],"165":[165],"166":[166],"167":[167],"168":[168],"169":[169],"170":[170],"171":[171],"172":[172],"173":[173],"174":[174],"175":[175],"176":[176],"177":[177],"178":[178],"179":[179],"180":[180],"181":[181],"182":[182],"183":[183],"184":[184],"185":[185],"186":[186],"187":[187],"188":[188],"189":[189],"190":[190],"191":[191],"192":[192],"193":[193],"194":[194],"195":[195],"196":[196],"197":[197],"198":[198],"199":[199],"200":[200],"201":[201],"202":[202],"203":[203],"204":[204],"205":[205],"206":[206],"207":[207],"208":[208],"209":[209],"210":[210],"211":[211],"212":[212],"213":[213],"214":[214],"215":[215],"216":[216],"217":[217],"218":[218],"219":[219],"220":[220],"221":[221],"222":[222],"223":[223],"224":[224],"225":[225],"226":[226],"227":[227],"228":[228],"229":[229],"230":[230],"231":[231],"232":[232],"233":[233],"234":[234],"235":[235],"236":[236],"237":[237],"238":[238],"239":[239],"240":[240],"241":[241],"242":[242],"243":[243],"244":[244],"245":[245],"246":[246],"247":[247],"248":[248],"249":[249],"250":[250],"251":[251],"252":[252],"253":[253],"254":[254],"255":[255],"256":[256],"257":[257],"258":[258],"259":[259],"260":[260],"261":[261],"262":[262],"263":[263],"264":[264],"265":[265],"266":[266],"267":[267],"268":[268],"269":[269],"270":[270],"271":[271],"272":[272],"273":[273],"274":[274],"275":[275],"276":[276],"277":[277],"278":[278],"279":[279],"280":[280],"281":[281],"282":[282],"283":[283],"284":[284],"285":[285],"286":[286],"287":[287],"288":[288],"289":[289],"290":[290],"291":[291],"292":[292],"293":[293],"294":[294],"295":[295],"296":[296],"297":[297],"298":[298],"299":[299],"300":[300],"301":[301],"302":[302],"303":[303],"304":[304],"305":[305],"306":[306],"307":[307],"308":[308],"309":[309],"310":[310],"311":[311],"312":[312],"313":[313],"314":[314],"315":[315],"316":[316],"317":[317],"318":[318],"319":[319],"320":[320],"321":[321],"322":[322],"323":[323],"324":[324],"325":[325],"326":[326],"327":[327],"328":[328],"329":[329],"330":[330],"331":[331],"332":[332],"333":[333],"334":[334],"335":[335],"336":[336],"337":[337],"338":[338],"339":[339],"340":[340],"341":[341],"342":[342],"343":[343],"344":[344],"345":[345],"346":[346],"347":[347],"348":[348],"349":[349],"350":[350],"351":[351],"352":[352],"353":[353],"354":[354],"355":[355],"356":[356],"357":[357],"358":[358],"359":[359],"360":[360],"361":[361],"362":[362],"363":[363],"364":[364],"365":[365],"366":[366],"367":[367],"368":[368],"369":[369],"370":[370],"371":[371],"372":[372],"373":[373],"374":[374],"375":[375],"376":[376],"377":[377],"378":[378],"379":[379],"380":[380],"381":[381],"382":[382],"383":[383],"384":[384],"385":[385],"386":[386],"387":[387],"388":[388],"389":[389],"390":[390],"391":[391],"392":[392],"393":[393],"394":[394],"395":[395],"396":[396],"397":[397],"398":[398],"399":[399],"400":[400],"401":[401],"402":[402],"403":[403],"404":[404],"405":[405],"406":[406],"407":[407],"408":[408],"409":[409],"410":[410],"411":[411],"412":[412],"413":[413],"414":[414],"415":[415],"416":[416],"417":[417],"418":[418],"419":[419],"420":[420],"421":[421],"422":[422],"423":[423],"424":[424],"425":[425],"426":[426],"427":[427],"428":[428],"429":[429],"430":[430],"431":[431],"432":[432],"433":[433],"434":[434],"435":[435],"436":[436],"437":[437],"438":[438],"439":[439],"440":[440],"441":[441],"442":[442],"443":[443],"444":[444],"445":[445],"446":[446],"447":[447],"448":[448],"449":[449],"450":[450],"451":[451],"452":[452],"453":[453],"454":[454],"455":[455],"456":[456],"457":[457],"458":[458],"459":[459],"460":[460],"461":[461],"462":[462],"463":[463],"464":[464],"465":[465],"466":[466],"467":[467],"468":[468],"469":[469],"470":[470],"471":[471],"472":[472],"473":[473],"474":[474],"475":[475],"476":[476],"477":[477],"478":[478],"479":[479],"480":[480],"481":[481],"482":[482],"483":[483],"484":[484],"485":[485],"486":[486],"487":[487],"488":[488],"489":[489],"490":[490],"491":[491],"492":[492],"493":[493],"494":[494],"495":[495],"496":[496],"497":[497],"498":[498],"499":[499],"500":[500],"501":[501],"502":[502],"503":[503],"504":[504],"505":[505],"506":[506],"507":[507],"508":[508],"509":[509],"510":[510],"511":[511],"512":[512],"513":[513],"514":[514],"515":[515],"516":[516],"517":[517],"518":[518],"519":[519],"520":[520],"521":[521],"522":[522],"523":[523],"524":[524],"525":[525],"526":[526],"527":[527],"528":[528],"529":[529],"530":[530],"531":[531],"532":[532],"533":[533],"534":[534],"535":[535],"536":[536],"537":[537],"538":[538],"539":[539],"540":[540],"541":[541],"542":[542],"543":[543],"544":[544],"545":[545],"546":[546],"547":[547],"548":[548],"549":[549],"550":[550],"551":[551],"552":[552],"553":[553],"554":[554],"555":[555],"556":[556],"557":[557],"558":[558],"559":[559],"560":[560],"561":[561],"562":[562],"563":[563],"564":[564],"565":[565],"566":[566],"567":[567],"568":[568],"569":[569],"570":[570],"571":[571],"572":[572],"573":[573],"574":[574],"575":[575],"576":[576],"577":[577],"578":[578],"579":[579],"580":[580],"581":[581],"582":[582],"583":[583],"584":[584],"585":[585],"586":[586],"587":[587],"588":[588],"589":[589],"590":[590],"591":[591],"592":[592],"593":[593],"594":[594],"595":[595],"596":[596],"597":[597],"598":[598],"599":[599],"600":[600],"601":[601],"602":[602],"603":[603],"604":[604],"605":[605],"606":[606],"607":[607],"608":[608],"609":[609],"610":[610],"611":[611],"612":[612],"613":[613],"614":[614],"615":[615],"616":[616],"617":[617],"618":[618],"619":[619],"620":[620],"621":[621],"622":[622],"623":[623],"624":[624],"625":[625],"626":[626],"627":[627],"628":[628],"629":[629],"630":[630],"631":[631],"632":[632],"633":[633],"634":[634],"635":[635],"636":[636],"637":[637],"638":[638],"639":[639],"640":[640],"641":[641],"642":[642],"643":[643],"644":[644],"645":[645],"646":[646],"647":[647],"648":[648],"649":[649],"650":[650],"651":[651],"652":[652],"653":[653],"654":[654],"655":[655],"656":[656],"657":[657],"658":[658],"659":[659],"660":[660],"661":[661],"662":[662],"663":[663],"664":[664],"665":[665],"666":[666],"667":[667],"668":[668],"669":[669],"670":[670],"671":[671],"672":[672],"673":[673],"674":[674],"675":[675],"676":[676],"677":[677],"678":[678],"679":[679],"680":[680],"681":[681],"682":[682],"683":[683],"684":[684],"685":[685],"686":[686],"687":[687],"688":[688],"689":[689],"690":[690],"691":[691],"692":[692],"693":[693],"694":[694],"695":[695],"696":[696],"697":[697],"698":[698],"699":[699],"700":[700],"701":[701],"702":[702],"703":[703],"704":[704],"705":[705],"706":[706],"707":[707],"708":[708],"709":[709],"710":[710],"711":[711],"712":[712],"713":[713],"714":[714],"715":[715],"716":[716],"717":[717],"718":[718],"719":[719],"720":[720],"721":[721],"722":[722],"723":[723],"724":[724],"725":[725],"726":[726],"727":[727],"728":[728],"729":[729],"730":[730],"731":[731],"732":[732],"733":[733],"734":[734],"735":[735],"736":[736],"737":[737],"738":[738],"739":[739],"740":[740],"741":[741],"742":[742],"743":[743],"744":[744],"745":[745],"746":[746],"747":[747],"748":[748],"749":[749],"750":[750],"751":[751],"752":[752],"753":[753],"754":[754],"755":[755],"756":[756],"757":[757],"758":[758],"759":[759],"760":[760],"761":[761],"762":[762],"763":[763],"764":[764],"765":[765],"766":[766],"767":[767],"768":[768],"769":[769],"770":[770],"771":[771],"772":[772],"773":[773],"774":[774],"775":[775],"776":[776],"777":[777],"778":[778],"779":[779],"780":[780],"781":[781],"782":[782],"783":[783],"784":[784],"785":[785],"786":[786],"787":[787],"788":[788],"789":[789],"790":[790],"791":[791],"792":[792],"793":[793],"794":[794],"795":[795],"796":[796],"797":[797],"798":[798],"799":[799],"800":[800],"801":[801],"802":[802],"803":[803],"804":[804],"805":[805],"806":[806],"807":[807],"808":[808],"809":[809],"810":[810],"811":[811],"812":[812],"813":[813],"814":[814],"815":[815],"816":[816],"817":[817],"818":[818],"819":[819],"820":[820],"821":[821],"822":[822],"823":[823],"824":[824],"825":[825],"826":[826],"827":[827],"828":[828],"829":[829],"830":[830],"831":[831],"832":[832],"833":[833],"834":[834],"835":[835],"836":[836],"837":[837],"838":[838],"839":[839],"840":[840],"841":[841],"842":[842],"843":[843],"844":[844],"845":[845],"846":[846],"847":[847],"848":[848],"849":[849],"850":[850],"851":[851],"852":[852],"853":[853],"854":[854],"855":[855],"856":[856],"857":[857],"858":[858],"859":[859],"860":[860],"861":[861],"862":[862],"863":[863],"864":[864],"865":[865],"866":[866],"867":[867],"868":[868],"869":[869],"870":[870],"871":[871],"872":[872],"873":[873],"874":[874],"875":[875],"876":[876],"877":[877],"878":[878],"879":[879],"880":[880],"881":[881],"882":[882],"883":[883],"884":[884],"885":[885],"886":[886],"887":[887],"888":[888],"889":[889],"890":[890],"891":[891],"892":[892],"893":[893],"894":[894],"895":[895],"896":[896],"897":[897],"898":[898],"899":[899],"900":[900],"901":[901],"902":[902],"903":[903],"904":[904],"905":[905],"906":[906],"907":[907],"908":[908],"909":[909],"910":[910],"911":[911],"912":[912],"913":[913],"914":[914],"915":[915],"916":[916],"917":[917],"918":[918],"919":[919],"920":[920],"921":[921],"922":[922],"923":[923],"924":[924],"925":[925],"926":[926],"927":[927],"928":[928],"929":[929],"930":[930],"931":[931],"932":[932],"933":[933],"934":[934],"935":[935],"936":[936],"937":[937],"938":[938],"939":[939],"940":[940],"941":[941],"942":[942],"943":[943],"944":[944],"945":[945],"946":[946],"947":[947],"948":[948],"949":[949],"950":[950],"951":[951],"952":[952],"953":[953],"954":[954],"955":[955],"956":[956],"957":[957],"958":[958],"959":[959],"960":[960],"961":[961],"962":[962],"963":[963],"964":[964],"965":[965],"966":[966],"967":[967],"968":[968],"969":[969],"970":[970],"971":[971],"972":[972],"973":[973],"974":[974],"975":[975],"976":[976],"977":[977],"978":[978],"979":[979],"980":[980],"981":[981],"982":[982],"983":[983],"984":[984],"985":[985],"986":[986],"987":[987],"988":[988],"989":[989],"990":[990],"991":[991],"992":[992],"993":[993],"994":[994],"995":[995],"996":[996],"997":[997],"998":[998],"999":[999],"1000":[1000],"1001":[1001],"1002":[1002],"1003":[1003],"1004":[1004],"1005":[1005],"1006":[1006],"1007":[1007],"1008":[1008],"1009":[1009],"1010":[1010],"1011":[1011],"1012":[1012],"1013":[1013],"1014":[1014],"1015":[1015],"1016":[1016],"1017":[1017],"1018":[1018],"1019":[1019],"1020":[1020],"1021":[1021],"1022":[1022],"1023":[1023],"1024":[1024],"1025":[1025],"1026":[1026],"1027":[1027],"1028":[1028],"1029":[1029],"1030":[1030],"1031":[1031],"1032":[1032],"1033":[1033],"1034":[1034],"1035":[1035],"1036":[1036],"1037":[1037],"1038":[1038],"1039":[1039],"1040":[1040],"1041":[1041],"1042":[1042],"1043":[1043],"1044":[1044],"1045":[1045],"1046":[1046],"1047":[1047],"1048":[1048],"1049":[1049],"1050":[1050],"1051":[1051],"1052":[1052],"1053":[1053],"1054":[1054],"1055":[1055],"1056":[1056],"1057":[1057],"1058":[1058]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-1>[١]</span>\nلقد جمع الإمام النووي رحمه الله تعالى أربعين حديثًا من جوامع كلم النبي ﷺ، وكل حديث منها قاعدة من قواعد الدين، ويحتوي على كثير من الفوائد العظيمة والعلوم المفيدة، فمن وفّق لحفظها وفهمها وتبليغها فقد حصل على نصيب عظيم من ميراث النبوة، وصار له نصيب من قوله ﷺ: (نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها).","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة بين يدي الأربعين</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، اللهم! صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله واهتدى بهديه إلى يوم الدين.\nأما بعد: فنبدأ مستعينين بالله ﷿، متوكلين عليه، سائلين منه العون والتوفيق والتسديد، بشرح (الأربعين النووية) لـ أبي زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى.\nوهذه الأحاديث الأربعون أحاديث عظيمة، وهي من جوامع كلم الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وقد أُعطي النبي ﵊ جوامع الكلم، حيث يأتي بالكلام القليل في المبنى ولكنه يكون واسع المعنى، فالكلمات قليلة، ولكن المعاني واسعة، فهي قواعد كلية، وقواعد عامة اشتملت عليها الأحاديث التي اختارها الإمام النووي رحمه الله تعالى.\nولم يثبت عن الرسول ﷺ شيء في حفظ أربعين حديثًا، وما جاء في ذلك فهو حديث ضعيف، وقد ذكر الإمام النووي نفسه في مقدمته للأربعين أنه لم يثبت الحديث في ذلك عن رسول الله ﵊، ولكنه قال إن حديث: (نضر الله امراءً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها)، وكذلك أيضًا: (ليبلغ الشاهد الغائب) يدعوان لذلك.\nوإن جمع شيء من حديث الرسول ﷺ، والاشتغال به، ولفت الأنظار إليه فيه قيام بحفظ سنة الرسول ﷺ، وليس الاعتماد في ذلك على الحديث الضعيف المروي في ذلك.","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>ذكر مناقب الإمام النووي وبعض مؤلفاته</span>\nكان النووي -﵀- معروفًا بالزهد والورع والصلاح، والحرص على إفادة الناس، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكتابه هذا -الأربعون النووية- اشتهر دون غيره من الكتب الأخرى التي كتبت وجمعت في هذا الموضوع، وهي كثيرة، ولكن لم يشتهر كتاب في الأربعين مثلما اشتهر كتابه؛ فإنه لقي عناية خاصة من العلماء، وصار هو الكتاب الذي يبدأ بحفظه في الحديث عند طلبة العلم.\nوعدد هذه الأحاديث اثنان وأربعون حديثًا جمعها الإمام النووي، وأضاف إليها الحافظ ابن رجب ثمانية أحاديث، فأكملها خمسين حديثًا، وشرحها في كتاب واسع قيم عظيم، وهو (جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم).\nوالإمام النووي -﵀- ليس من المعمرين، فقد عاش خمسًا وأربعين سنة، فولادته كانت في سنة إحدى وثلاثين وستمائة، وتوفي في سنة ست وسبعين وستمائة، ومع ذلك خلف مؤلفات وثروة عظيمة: فيما يتعلق بالحديث، وفيما يتعلق بالفقه، وفيما يتعلق بالمصطلح، وفيما يتعلق بعلوم القرآن، وفيما يتعلق باللغة، فمع قصر عمره وقلة مدته نفع الله تعالى بعلومه، وحصلت منه هذه الثروة العظيمة الواسعة.\nوكتاباه (الأربعون النووية) و(رياض الصالحين) كتابان مشهوران يعرفهما الخاص والعام، وكتابه (المجموع شرح المهذب) من أحسن الكتب التي ألفت في الفقه، فإنه كتاب واسع، وهو من أوسع الكتب التي اعتنت بأقوال الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم، وكذلك استيعاب المسائل، والتحقيق فيها والتدقيق مع الاجتهاد.\nوقد كان شافعي المذهب، ولكنه يرجح على حسب ما يدل عليه الدليل، وذلك لجمعه بين الفقه والحديث، فكان فقيهًا محدثًا ﵀، وكتابه مع كتاب (المغني) لـ ابن قدامة هما الكتابان المشهوران في الفقه في سعة العلم وفي الفقه العام الذي ليس متقيدًا بمذهب معين، وإن كان قد شرح فيه (كتاب المهذب) لـ أبي إسحاق الشيرازي الشافعي، إلا أنه مثل ابن قدامة الذي شرح (مختصر الخرقي) في كتابه (المغني)، حيث ذكرا أقوال الصحابة والتابعين، وكذلك أقوال الأئمة الأربعة وغيرهم مع الترجيح، وبيان الأدلة في ذلك، وهما كتابان لا يستغني عنهما طالب العلم، فهما كتابان واسعان ومفيدان وعظيمان.\nوللإمام النووي كتب أخرى كثيرة، مثل (الأذكار)، (تهذيب الأسماء واللغات) وغيرهما، ومع كثرة هذه المؤلفات كان عمره قصيرًا، فهذه أعمار بارك الله تعالى لأصحابها فيها، حيث عمروها بخدمة العلم وتحقيقه وتدوينه ونشره، فصار من بعدهم يرجع إلى كتبهم ويستفيد منهم، ويدعو لهم في مختلف العصور والأوقات.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>ذكر حديث النية</span>\nوأول حديث بدأ به من الأحاديث الأربعين حديث عمر بن الخطاب ﵁ (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) فقال: [عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).\nرواه إماما المحدثين: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة].\nهكذا كما أورده النووي ﵀، وقد كان من عادته في كتابه هذا وفي كتابه (رياض الصالحين) أنه عندما يذكر الصحابي يذكره بكنيته، وكذلك يذكر وصفه، كما قال هنا: (عن أمير المؤمنين أبي حفص).","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>ترجمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب</span>\nعمر بن الخطاب ﵁ هو أول من لقب بأمير المؤمنين، وذلك أن أبا بكر الصديق ﵁ عندما توفي رسول الله ﵊ وبايعه المسلمون خليفة لرسول الله ﵊ كان يخاطب بلقب (خليفة رسول الله) فيقولون له: يا خليفة رسول الله.\nفلما توفي أبو بكر ﵁ وجاء بعده عمر صار يلقب بأمير المؤمنين، وذلك حتى لا تكثر الإضافات فـ أبو بكر خليفة رسول الله، وعمر خليفة خليفة رسول الله، وعثمان خليفة خليفة خليفة رسول الله، وعلي خليفة خليفة خليفة خليفة رسول الله، وكل من جاء بعدهم سيضاف إليه لفظ، فتكثر الإضافات، فاستبدلوا ذلك بكلمة (أمير المؤمنين) التي تطلق على كل من يتولى إمرة المؤمنين.\nوأبو حفص كنيته، وليس له ولد اسمه حفص، ولكنه اشتهر بهذه الكنية، ولعلها أطلقت عليه قبل أن يولد له فلزمته واستمرت معه، وإلا فإنه ليس له ولد يقال له: حفص.\nكما أن أبا بكر ﵁ ليس له ولد يقال له: بكر.\nولكنه اشتهر بهذه الكنية.\nومثلها خالد بن الوليد؛ فإنه يكنى بـ أبي سليمان، وليس له ولد اسمه سليمان، فلعل التكنية هذه حصلت في أول الأمر واستمرت، فجاء الأولاد بعد ذلك فغلبت الكنية الأولى، كما أن بعض الأشخاص الذين لم يتزوجوا ولم يولد لهم يُكنون ويكرمون بكناهم، مثل ابن تيمية، فإن كنيته أبو العباس، مع أنه لم يتزوج، ومثل النووي، فهو أبو زكريا، مع أنّه لم يتزوج، وغيرهم كثير.\nفلعل ما حصل لأمير المؤمنين أبي حفص هو من هذا القبيل، أعني أن الكنية وجدت قبل وجود الولد واستمرت، ثم جاء الأولاد فلم تعلق الكنية بهم، وإنما بقيت الكنية الأولى.\nوعمر بن الخطاب ﵁ هو أمير المؤمنين، وثاني الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>تخريج حديث النية مع فوائد إسنادية</span>\nوأما تخريج الحديث فقد خرجه جماعة كثيرون، وفي مقدمتهم أصحاب الكتب الستة: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، بل إن المعلق على جامع العلوم والحكم -وهو الشيخ شعيب الأرناءوط - ذكر تخريجه عن تسعة عشر إمامًا، وفي مقدمتهم أصحاب الكتب الستة، وفي مقدمة الذين خرجوه البخاري ومسلم في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة.\nوالإمام النووي ﵀ لما ذكر الحديث عازيًاَ إليهما ذكر ذلك في أول الأمر فقال: (رواه إماما المحدثين: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري الجعفي)، ونسبته إلى الجعفي نسبة ولاء، ونسبة الولاء تكون أحيانًا بالعتق، وتكون -أيضًا- بسبب الإسلام، ونسبة البخاري إلى الجعفيين نسبة ولاء بسبب الإسلام؛ لأن أحد أجداده دخل في الإسلام على يد رجل من الجعفيين، ولهذا يقولون في ترجمته: الجفعي مولاهم.\nوأما مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري فهو قشيري، وهو منهم نسبة أصل وليست نسبة ولاء، ولهذا يقولون عنه: القشيري من أنفسهم، فإذا كان الشخص ينسب نسبة ولاء قالوا: مولاهم.\nوإذا كان فيهم أصلًا أتوا بكلمة (من أنفسهم) أي أنه ينتسب إليهم نسبة أصل، وليست نسبة ولاء، فـ مسلم بن الحجاج من بني قشير، وأما البخاري فنسبته إلى الجعفيين نسبة ولاء، وليست نسبة أصل.\nوهذا الحديث من غرائب (صحيح البخاري)، فقد جاء من طريق واحدة، فهو فرد مطلق، فرواه عمر بن الخطاب ﵁ عن رسول الله ﵊، ولم يروه عن عمر إلا علقمة بن وقاص الليثي، ولم يروه عن علقمة بن وقاص الليثي إلا محمد بن إبراهيم التيمي، ولم يروه عن محمد بن إبراهيم التيمي إلا يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم كثر الآخذون والراوون له عن يحيى بن سعيد حتى قيل: إن الذين رووه عنه يبلغون السبعين وقيل: إنهم يبلغون المائتين.\nوقيل: أكثر من ذلك.\nوهو غريب عن رسول الله ﷺ إلى يحيى بن سعيد.\nومثله الحديث الذي ختم به البخاري (صحيحه)، وهو حديث أبي هريرة (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، فإنه -أيضًا- غريب، فلم يروه عن رسول الله ﵊ إلا أبو هريرة، ولم يروه عن أبي هريرة إلا أبو زرعة بن عمرو بن جرير، ولم يروه عن أبي زرعة إلا عمارة بن القعقاع، ولم يروه عن عمارة بن القعقاع إلا محمد بن فضيل بن غزوان، ثم انتشر بعد ذلك وكثر الآخذون والراوون له عن محمد بن فضيل بن غزوان، ففاتحة صحيح البخاري وخاتمته حديثان من غرائب الصحيح، فلم يأتيا إلا من طريق واحدة، وقد قال الترمذي عندما خرج الحديث الأخير في جامعه -وهو: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن) - قال: حديث حسن غريب صحيح.\nويعني بقوله: (غريب) أنه جاء من طريق واحدة.\nوقد افتتح البخاري -﵀- صحيحه بحديث عمر السابق، وكذلك الإمام النووي ﵀ بدأ به الأربعين إشارة إلى تصحيح النية، وأن الإنسان إذا عمل عملًا فإنه يستحضر الإخلاص، ويستحضر حسن القصد، وأن يفعل ذلك ابتغاء وجه الله، وابتغاء مرضاته سبحانه.\nفقد بدأ الأربعين بحديث (إنما الأعمال بالنيات)، وثنى بحديث عمر في قصة جبريل، فبدأ بأول حديث في البخاري، وثنى بأول حديث في صحيح مسلم، فحديث عمر الذي في قصة جبريل هو أول حديث في صحيح مسلم في كتاب الإيمان، وأول حديث في صحيح البخاري هو حديث (إنما الأعمال بالنيات).\nوقد سبق المؤلف إلى هذا الصنيع الإمام البغوي في كتابيه (شرح السنة) و(مصابيح السنة)، فإنه بدأ كلا الكتابين بحديث (إنما الأعمال بالنيات)، وثنى بحديث جبريل في تعليم الدين.\nوكذلك -أيضًا- بدأ المؤلف كتابه (المجموع شرح المهذب) بهذا الحديث؛ لأنه بعدما انتهى من المقدمة عقد فصلًا في إخلاص النية وحسن القصد، وأن يكون ذلك في الأمور الواضحة والجلية، ثم ذكر ثلاث آيات من كتاب الله، ثم ذكر حديث عمر بن الخطاب (إنما الأعمال بالنيات).\nوقد فعل ذلك -أيضًا- بعض المؤلفين فبدءوا بما بدأ البخاري به صحيحه، ومنهم: السيوطي، فقد بدأ كتابه (الجامع الصغير) بهذا الحديث، وكذلك: عبد الغني المقدسي في كتابه (عمدة الأحكام)، فإنه بدأ بهذا الحديث، وكل هذا إشارة منهم إلى هذا الغرض النبيل الذي هو حسن القصد، والبدء بشيء يذكر الإنسان وهو يعمل عملًا ما بضرورة الإخلاص وحسن النية، وأن يريد الإنسان بعمله ذلك وجه الله ﷿ والتقرب إليه ﷾.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>الأحاديث التي قيل إن الدين يدور عليها</span>\nوقد ذكر بعض أهل العلم أنّ هذا الحديث من الأحاديث التي يدور عليها الدين.\nفمن العلماء من قال: إن الدين يدور على حديثين: حديث (إنما الأعمال بالنيات)، وحديث: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).\nومنهم من قال: إنه يدور على ثلاثة.\nوأضاف إلى الأولين حديث النعمان بن بشير (الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس)، وقال بعضهم: إنها أربعة.\nواختلفوا بعد ذلك، فمنهم من جعل الرابع حديث: (الدين النصيحة)، ومنهم من جعله حديث: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة).\nومنهم من قال: خمسة.\nوالأحاديث التي وردت في ذلك بعد حديث (إنما الأعمال بالنيات)، وحديث: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) منها الأحاديث التي أشرت إليها سابقًا، ومنها حديث: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)، ومنها حديث (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، ومنها حديث (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، ومنها حديث (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، وكل هذه الأحاديث التي ذكر الحافظ ابن رجب آثارًا عن السلف في أن الدين يدور عليها هي من جملة الأحاديث التي اشتملت عليها (الأربعون النووية)، وهي من جوامع كلمه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>معنى قوله: (إنما الأعمال بالنيات)</span>\nقوله ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات) قصر وحصر، و(إنما) تأتي لهذا الغرض، وكذلك كون المبتدأ والخبر يأتيان محليان بالألف واللام، فذلك من هذا القبيل، مثل (الدين النصيحة)، ومثل: (الحج عرفة)، ومثل (الأعمال بالنيات)، وقد جاء في بعض الراويات بدون (إنما)، وذلك بلفظ (الأعمال بالنيات)، وكل منهما يفيد الحصر والقصر.\nوالأعمال هنا مطلقة، فقد حليت بالألف واللام للاستغراق، وقيل: إن المقصود من ذلك الأعمال التي هي قربة؛ فإنها لا تعتبر إلا بنياتها، ولا يعول عليها إلا بنياتها، وكل عمل فيها لا بد فيه من نية، وإذا خلا من النية فإنه لا عبرة به، والنية تأتي لتمييز العبادات بعضها عن بعض، ولتميز العبادات عن العادات، ولتمييز العبادات عن العادات.\nفمنهم من قال: إن المقصود به العموم، ويدخل في ذلك القُرَب وغير القُرَب، فأما القرب فأمرها معلوم، وأما غير القرب من الأمور التي يفعلها الناس -كالأكل والشرب والنوم والجماع وما إلى ذلك- إذا حسن المرء قصده فيها، ونوى بذلك التقوي على طاعة الله ﷿ فإن الله تعالى يأجره، كما جاء في الحديث: (وفي بضع أحدكم صدقة.\nقالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم إذا لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟! قالوا: نعم.\nقال: فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر)، وقد جاء في ذلك حديث [نية المؤمن خير من عمله] ولكنه لا يصح عن رسول الله ﷺ.\nو(النيات) جمع نية، والمراد بها القصد، والألف واللام في (النيات) بدل من الضمير (الهاء)، ومعنى ذلك أن أصل العبارة هكذا (الأعمال بنياتها)، أي: الأعمال معتبرة بنياتها.\nفحذف المضاف إليه -وهو الهاء- وأتي بـ (أل) مكانه، فصارت العبارة (الأعمال بالنيات).\nوهذا الاختصار يأتي كثيرًا في الاستعمال، ولا سيما في أسماء الكتب، فيقولون -مثلًا-: البلوغ.\nويعنون (بلوغ المرام)، ويقولون: النيل.\nويعنون (نيل الأوطار)، وهكذا، فيأتون بالمضاف ويحذفون المضاف إليه، ويجعلون (أل) قائمة مقامه، فالألف واللام هنا عوض عن المضاف إليه، فالمراد: الأعمال بنياتها.\nفالمقدر الذي يتعلق به الجار والمجرور هو (معتبرة)، أي: الأعمال معتبرة بالنيات.\nفهي بدون نية غير معتبرة، فالإنسان إذا كان عليه غسل جنابة فاغتسل للتبرد أو للجمعة ولم ينو رفع الحدث فإنه باقٍ على حدثه، ولو صلى لم تصح صلاته، وعليه الغسل للجنابة وإعادة الصلاة ولو كان قد تنظف؛ لأن هذه عبادة، ولا بد في العبادة من نية، وليس المقصود مجرد النظافة فقط، بل هي عبادة تفتقر إلى نية.\nإذًا: فالجار والمجرور متعلق بمحذوف، والتقدير: (معتبرة)، أو (نافعة)، أو (مقبولة) أو ما إلى ذلك من العبارات المناسبة.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>تعلق العمل بالنية خيرًا وشرًا</span>\nقوله: (وإنما لكل امرئ ما نوى) يعني أن الإنسان يحصل من الثواب والأجر على نيته؛ فإن العمل لا بد فيه من نية، والإنسان يحصل الأجر والثواب على حسب ما نواه.\nثم إن هاتين الجملتين (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) قاعدتان عامتان، وقد ذكر النبي ﷺ بعدهما مثالًا يوضح المقصود، وأن الأمر يتبع النية، وأنه متعلق ومرتبط بها، وذلك المثال هو الهجرة، فقال ﵊: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله).\nأي: إذا كان قصده حسنًا -وهو الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام من أجل أن يأتي بشعائر دينه، ومن أجل أن يحافظ على دينه، ومن أجل أن يتعلم الدين وأن يتفقه فيه- فهجرته إلى الله ورسوله.\nفإن قيل: الأصل في الشرط والجزاء أنهما يكونان متغايرين، فيقال: (من جد وجد، ومن زرع حصد)، فالجزاء غير الشرط، وهنا اتحد الجزاء مع الشرط، حيث قال ﷺ: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله)! فالجواب أنّ الجزاء وإن كان هنا نفس الشرط إلّا أن الحكم يختلف باختلاف المتعلق، فقوله: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله) أي: نية وقصدًا، (فهجرته إلى الله ورسوله) أي: ثوابًا وأجرًا.\nفبهذا يختلف الشرط والجزاء، فالأول يتعلق بالنية والقصد، والثاني يتعلق بالثواب والأجر.\nفذكر النبي ﷺ في صدر هذا التمثيل الشيء الذي فيه أجر وثواب، وهو كون الإنسان يريد بعمله وجه الله ﷿ والدار الآخرة.\nوأما إذا كانت الهجرة من أجل غرض دنيوي من تجارة أو زواج فقد قال فيها ﵊: (ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)، فلم يقل: فهجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها وإنما جاء بلفظ عام ليبين أن من هاجر لشيء فإن هجرته إلى ما هاجر إليه، فإذا كان من أمور الدنيا لتحصيل المال، أو تحصيل الزواج أو غير ذلك فهجرته إلى ما هاجر إليه، فأتى بالجواب بلفظ عام؛ لأن أغراض الناس ومقاصدهم في أعمالهم المتعلقة بالدنيا لا تنحصر، فجاء بالجواب بلفظ يشمل كل شيء يقصد به الإنسان شيئًا من الدنيا.\nوأيضًا ذكر الرسول ﷺ هذا المثال ليوضح به أن من يكون قصده حسنًا فله الثواب والأجر، ومن كان قصده غير ذلك فهجرته إلى ما هاجر إليه.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>الهجرة معناها وأنواعها</span>\nالهجرة لغة: الترك.\nوتكون الهجرة من بلد الخوف إلى بلد الأمن، مثل الهجرة من مكة إلى الحبشة، فإنها هجرة من بلد خوف إلى بلد أمن، وتكون من بلد شرك إلى بلد إسلام، كالهجرة من مكة -قبل الفتح- إلى المدينة، فإن المهاجرين تركوا بلادهم، وتركوا أموالهم، وتركوا دورهم، ومتاعهم من أجل نصرة الرسول ﵊، ولهذا جمع الله للمهاجرين بين الهجرة والنصرة في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨]، وبهذا كانوا أفضل من الأنصار؛ لأنهم عندهم النصرة التي عند الأنصار، وزادوا بالهجرة التي ليست عند الأنصار، فالمهاجرون أنصار، وزيادة على ذلك هم مهاجرون، والأنصار أنصار فقط، والذين جمعوا بين الهجرة والنصرة أفضل من الذين حصلوا النصرة فقط.\nوالهجرة من مكة انتهت بفتح مكة، ولهذا قال ﵊: (لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية)، وأما الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام فهي باقية ومستمرة إلى قيام الساعة.","vol":"1","page":10},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-11>[٢]</span>\nحديث عمر في النية من جوامع كلمه ﷺ، وهو قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وأول دعائم الإيمان، حتى قيل: إنه ثلث العلم.\nوقد عظم العلماء هذا الحديث تعظيمًا كبيرًا حتى رأوا البداءة به في مصنفاتهم، وذلك تنبيهًا لطالب العلم إلى تصحيح نيته، وإخلاص قصده لله ﵎ في خفي عمله وظاهره، وفي قليله وكثيره، ليجازى بالجزاء الحسن عند الله ﵎.","vol":"2","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>حديث النية من الأحاديث الغريبة</span>\nالحديث الأول هو حديث: (إنما الأعمال بالنيات) ونذكر ما كتبناه عن هذا الحديث: أولًا: أخرجه البخاري ومسلم وأصحاب السنن وغيرهم، وقد تفرد براويته عن عمر علقمة بن وقاص الليثي، وتفرد به عنه محمد بن إبراهيم التيمي، وتفرد به عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم كثر الآخذون عنه، فهو من غرائب صحيح البخاري، وهو فاتحته، ومثله في ذلك خاتمته، وهو حديث أبي هريرة ﵁: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن).","vol":"2","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>فضل حديث النية وافتتاح الكتب به</span>\nافتتح النووي أحاديث الأربعين بهذا الحديث، وقد افتتح جماعة من أهل العلم كتبهم به، منهم الإمام البخاري، فقد افتتح (صحيحه) به، وعبد الغني المقدسي في كتابه (عمدة الأحكام)، والبغوي، في كتابيه (مصابيح السنة)، و(شرح السنة) به، وافتتح السيوطي كتابه (الجامع الصغير) به.\nوعقد النووي في أول كتابه المجموع شرح المهذب فصلًا قال فيه: (فصل في الإخلاص والصدق وإحضار النية في جميع الأعمال البارزة والخفية) وأورد فيه ثلاث آيات من القرآن، ثم حديث: (إنما الأعمال بالنيات).\nثم قال: (حديث صحيح متفق على صحته، ومجمع على عظم موقعه وجلالته، وهو إحدى قواعد الإيمان وأول دعائمه وآكد الأركان).\nقال الشافعي ﵀: (يدخل هذا الحديث في سبعين بابًا من الفقه)، وقال أيضًا: (هو ثلث العلم)، وكذا قاله -أيضًا- غيره.\nوهو أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، وقد اختلف في عدها، فقيل: ثلاثة.\nوقيل: أربعة.\nوقيل: اثنان.\nوقيل: حديث.\nوقد جمعتها كلها في (جزء الأربعين) فبلغت أربعين حديثًا، لا يستغني متدين عن معرفتها؛ لأنها كلها صحيحة، جامعة قواعد الإسلام في الأصول والفروع والزهد والآداب ومكارم الأخلاق وغير ذلك، وإنما بدأت بهذا الحديث تأسيًا بأئمتنا ومتقدمي أسلافنا من العلماء ﵃، وقد ابتدأ به إمام أهل الحديث -بلا مدافعة- أبو عبد الله البخاري صحيحه.\nونقل جماعة أن السلف كانوا يستحبون افتتاح الكتب بهذا الحديث تنبيهًا للطالب على تصحيح النية وإرادته وجه الله تعالى بجميع أعماله البارزة والخفية.\nوروينا عن الإمام أبي سعيد عبد الرحمن بن مهدي ﵀ أنه قال: (لو صنفت كتابًا بدأت في أول كل باب منه بهذا الحديث)، وروينا أيضًا عنه أنه قال: (من أراد أن يصنف كتابًا فليبدأ بهذا الحديث).\nوقال الإمام أبو سليمان حَمْد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب الخطابي الشافعي الإمام في كتابه المعالم: كان المتقدمون من شيوخنا يستحبون تقديم حديث: (إنما الأعمال بالنيات) أمام كل شيء يُنشأ ويبتدأ من أمور الدين؛ لعموم الحاجة إليه في جميع أنواعها).\nانتهى كلام النووي -رحمه الله تعالى- في شرح المهذب.","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>تخريج حديث النية</span>\nجاء في حاشية (جامع العلوم والحكم): أخرجه البخاري، ومسلم، والحميدي، والطيالسي، وأحمد، وابن المبارك في الزهد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ومالك في الموطأ برواية محمد بن الحسن، وابن حبان، وابن الجارود، والطحاوي في شرح معاني الآثار، والدارقطني في السنن وفي العلل، والقضاعي في مسند الشهاب، والبيهقي في السنن الكبرى وفي المعرفة، وأبو نعيم في الحلية وفي أخبار أصبهان، والخطيب البغدادي في تاريخه، والبغوي في شرح السنة.\nقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم: واتفق العلماء على صحته وتلقيه بالقبول، وبه صدّر البخاري كتابه الصحيح، وأقامه مقام الخطبة له؛ إشارة منه إلى أن كل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل لا ثمرة له في الدنيا ولا في الآخرة.","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>حديث النية من الأحاديث التي يدور الدين عليها</span>\nقال ابن رجب: وهذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور الدين عليها، فروي عن الشافعي أنه قال: (هذا الحديث ثلث العلم، ويدخل في سبعين بابًا من الفقه).\nوعن الإمام أحمد قال: (أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث: حديث عمر (الأعمال بالنيات)، وحديث عائشة ﵂ (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)، وحديث النعمان بن بشير ﵄ (الحلال بين والحرام بين».\nوقال ابن رجب أيضًا في توجيه كلام الإمام أحمد: (فإن الدين كله يرجع إلى فعل المأمورات، وترك المحظورات، والتوقف عن الشبهات)، وهذا كله تضمنه حديث النعمان بن بشير، وإنما يتم ذلك بأمرين: أحدهما: أن يكون العمل في ظاهره على موافقة السنة، وهذا هو الذي تضمنه حديث عائشة (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد).\nوالثاني: أن يكون العمل في باطنه يقصد به وجه الله ﷿، كما تضمنه حديث عمر (الأعمال بالنيات).\nوأورد ابن رجب نقولًا عن بعض العلماء في الأحاديث التي يدور عليها الإسلام، وأن منهم من قال: إنها اثنان ومنهم من قال: أربعة.\nومنهم من قال: خمسة.\nوالأحاديث التي ذكرها عنهم بالإضافة إلى الثلاثة الأولى هي: حديث: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه)، وحديث (من حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه)، وحديث (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا)، وحديث (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، وحديث (لا ضرر ولا ضرار)، وحديث (إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم)، وحديث (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس)، وحديث (الدين النصيحة)، وكل هذه الأحاديث من الأحاديث التي أوردها النووي في (الأربعين).","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>شرح حديث: (إنما الأعمال بالنيات)</span>\nقوله: (إنما الأعمال بالنيات).\n(إنما): أداة حصر.\nوالألف واللام في (الأعمال) قيل: إنها خاصة بالقُرَب، وقيل: إنها للعموم في كل عمل، فما كان منها قُربة أثيب عليها فاعلها، وما كان منها من أمور العادات كالأكل والشرب والنوم فإن العامل يثاب عليها إذا نوى بها التقوي على الطاعة.\nوالألف واللام في (النيات) بدلًا من الضمير، والأصل: الأعمال بنياتها، ومتعلق الجار والمجرور محذوف تقديره (معتبرة) أي: الأعمال معتبرة بنياتها.\nوالنية في اللغة: القصد، وتأتي للتمييز بين العبادات كتمييز فرض عن فرض، أو فرض عن نفل، وتمييز العبادات، عن العادات كالغسل من الجنابة، والغسل للتبرد والتنظف.","vol":"2","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>العمل تابع للنية خيرًا وشرًا</span>\nخامسًا: قوله: (وإنما لكل امرئ ما نوى).\nقال ابن رجب: هذا إخبار أنه لا يحصل له من عمله إلا ما نواه، فإن نوى خيرًا حصل له خير، وإن نوى شرًا حصل له شر، وليس هذا تكرارًا محضًا للجملة الأولى، فإن الجملة الأولى دلّت على أن صلاح العمل وفساده بحسب النية المقتضية لإيجاده، والجملة الثانية دلت على أن ثواب العامل على عمله بحسب نيته الصالحة، وأن عقابه عليه بحسب نيته الفاسدة، وقد تكون نيته مباحة فيكون العمل مباحًا، فلا يحصل له به ثواب ولا عقاب، فالعمل في نفسه صلاحه وفساده وإباحته بحسب النية الحاملة عليه، المقتضية لوجوده، وثواب العامل وعقابه وسلامته بحسب نيته التي صار العمل صالحًا أو فاسدًا أو مباحًا بها.","vol":"2","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>الهجرة وأنواعها</span>\nقوله: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).\nالهجرة: مأخوذة من الهجر، وهو الترك، وتكون بترك بلد الخوف إلى بلد الأمن، كالهجرة من مكة إلى الحبشة، وتكون من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، كالهجرة من مكة إلى المدينة، وقد انتهت الهجرة إليها بفتح مكة، والهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام باقية إلى قيام الساعة.\nوقوله: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله) اتحد فيه الشرط والجزاء، والأصل اختلافهما، والمعنى: من كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وقصدًا فهجرته إلى الله ورسوله ثوابًا وأجرًا، وبهذا يحصل التغاير.\nقال ابن رجب: لما ذكر ﷺ أن الأعمال بحسب النيات، وأن حظ العامل من عمله نيته من خير أو شر، وهاتان كلمتان جامعتان، وقاعدتان كليتان لا يخرج عنهما شيء، ذكر بعد ذلك مثالًا من أمثال الأعمال التي صورتها واحدة، ويختلف صلاحها وفسادها باختلاف النيات، وكأنه يقول: سائر الأعمال على حذو هذا المثال.\nوقال أيضًا: فأخبر النبي ﷺ أن هذه الهجرة تختلف باختلاف النيات والمقاصد بها، فمن هاجر إلى دار الإسلام حبًا لله ورسوله، ورغبة في تعلم دين الإسلام، وإظهار دينه الذي قد يعجز عنه في دار الشرك، فهذا هو المهاجر إلى الله ورسوله حقًا، وكفاه شرفًا وفخرًا أنه حصل له ما نواه من هجرته إلى الله ورسوله، ولهذا المعنى اقتصر في جواب هذا الشرط على إعادته بلفظه؛ لأن حصول ما نواه بهجرته نهاية المطلوب في الدنيا والآخرة، ومن كانت هجرته من دار الشرك إلى دار الإسلام لطلب دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها في دار الإسلام، فهجرته إلى ما هاجر إليه من ذلك، فالأول: تاجر، والثاني خاطب، وليس واحد منهما بمهاجر.\nوفي قوله: (إلى ما هاجر إليه) تحقير لما طلبه من أمر الدنيا، واستهانة به، حيث لم يذكره بلفظه.\nوأيضًا فالهجرة إلى الله ورسوله واحدة، فلا تعدد فيها، فلذلك أعاد الجواب فيها بلفظ الشرط، والهجرة لأمور الدنيا لا تنحصر، فقد يهاجر الإنسان لطلب دنيا مباحة تارة، ومحرمة أخرى، وأفراد ما يقصد بالهجرة من أمور الدنيا لا تنحصر، فلذلك قال: (فهجرته إلى ما هاجر إليه) يعني: كائنًا ما كان.\nوهذا هو آخر ما كتبناه حول هذا الحديث، والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>شرح مقدمة الإمام النووي على الأربعين</span>\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: الحمد لله رب العالمين، قيوم السماوات والأرضين، مدبر الخلائق أجمعين، باعث الرسل صلواته وسلامه عليهم إلى المكلفين؛ لهدايتهم وبيان شرائع الدين، بالدلائل القطعية وواضحات البراهين، أحمده على جميع نعمه، وأسأله المزيد من فضله وكرمه.\nوأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار، الكريم الغفار، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، أفضل المخلوقين، المكرم بالقرآن العزيز المعجزة المستمرة على تعاقب السنين، وبالسنن المستنيرة للمسترشدين، المخصوص بجوامع الكلم وسماحة الدين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين، وآل كل وسائر الصالحين، أما بعد:","vol":"2","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>ما جاء في أجر حفظ أربعين حديثًا</span>\nفقد رُوَّينا عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبي الدرداء، وابن عمر، وابن عباس، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهم من طرق كثيرات، بروايات متنوعات: أن رسول الله ﷺ قال: (من حفظ على أمتي أربعين حديثًا من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء)، وفي رواية: (بعثه الله فقيهًا عالمًا)، وفي رواية أبي الدرداء: (وكنت له يوم القيامة شافعًا وشهيدًا)، وفي رواية ابن مسعود: (قيل له: ادخل من أي أبواب الجنة شئت)، وفي رواية ابن عمر: (كتب في زمرة العلماء، وحشر في زمرة الشهداء).\nوقد اتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف وإن كثُرت طرقه].\nومعلوم أنّ كثرة الطرق لا يتقوى بعضها ببعض دائمًا، وإنما ذلك إذا كان الضعف خفيفًا يجبر، وأما إذا كان الضعف شديدًا فإنّ كثرتها لا تفيدها شيئًا، فتفيده الطرق الكثيرة حيث يكون الضعف يسيرًا، فإن ضم بعضها إلى بعض فإن ذلك يرفعها إلى الحسن لغيره كما هو معلوم، وأما إذا كانت الطرق المتعددة كلها ضعفها شديد فإن وجودها كعدمها لا يفيد الحديث شيئًا.","vol":"2","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>العلماء الذين صنفوا في الأربعين</span>\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [وقد صنف العلماء -رضي الله تعالى عنهم- في هذا الباب ما لا يحصى من المصنفات، فأول من علمته صنف فيه: عبد الله بن المبارك، ثم محمد بن أسلم الطوسي العالم الرباني، ثم الحسن بن سفيان النسائي، وأبو بكر الآجري، وأبو بكر بن إبراهيم الأصفهاني، والدارقطني، والحاكم، وأبو نعيم، وأبو عبد الرحمن السلمى، وأبو سعيد الماليني، وأبو عثمان الصابوني، وعبد الله بن محمد الأنصاري، وأبو بكر البيهقي، وخلائق لا يحصون من المتقدمين والمتأخرين، وقد استخرت الله تعالى في جمع أربعين حديثًا اقتداء بهؤلاء الأئمة الأعلام وحفاظ الإسلام، وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال].\nهذا الكلام ليس مسلّمًا به؛ ففضائل الأعمال وغير فضائل الأعمال كلها لا بد فيها من التعويل على الأحاديث الثابتة عن رسول الله ﵊، ونسبة الشيء إلى رسول الله ﵊ والإتيان به تعبدًا لا يكون إلا بالصحيح الثابت، ولا فرق في ذلك بين فضائل الأعمال وغير فضائل الأعمال.\nنعم: إذا كان الحديث في فضائل الأعمال، وكانت هناك أحاديث تدل على معناه فإنّ المعول على غيره، فوجوده مع غيره ليس اعتمادًا عليه، وإنما الاعتماد على غيره، وذلك مثل صلاة الجماعة، فقد جاءت فيها أحاديث صحيحة وأحاديث ضعيفة، والعمل على الأحاديث الصحيحة، وليس العمل على الحديث الضعيف الذي يأتي فيها.\nوأما إذا كان الحديث لم يثبت، أو لم يأت إلا عن طريق ضعيف، فعند ذلك لا يتعبد الله ﷿ بشيء لم يأت إلا بطريق ضعيف، سواء في فضائل الأعمال أو غير فضائل الأعمال.","vol":"2","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>عمدة النووي في تأليفه الأربعين</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ومع هذا فليس اعتمادي على هذا الحديث، بل على قوله ﷺ في الأحاديث الصحيحة: (ليبلغ الشاهد منكم الغائب)، وقوله ﷺ: (نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها)].\nإنّ أول شيء يسمعه طلاب العلم من الأحاديث عن رسول الله ﵊ هو هذه الأحاديث، فقد صارت مشهورة، ولها شهرة لم تحصل لشيء من الكتب التي ألفت في الأربعين على كثرتها، كما ذكره النووي، وقد حصل لهذه الأربعين قبول، كما حصل لكتابه (رياض الصالحين) أيضًا قبول عند الناس، واشتهرا عند الناس، وصار الخواص والعوام كلهم بحاجة إلى مثل هذين الكتابين.","vol":"2","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>الأبواب التي جمع فيها العلماء الأربعين</span>\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [ثم من العلماء من جمع الأربعين في أصول الدين، وبعضهم في الفروع، وبعضهم في الجهاد، وبعضهم في الزهد].\nيعني أنّ من الناس من حصرها في موضوع معين، فمنهم من جعلها في أصول الدين -أي: في العقيدة-، ومنهم من جعلها في الجهاد، ومنهم من جعلها في الفروع -يعني: في المسائل الفقهية-، ومنهم من جعلها عامة جامعة في الأخلاق والعبادات وغير ذلك.\nقال رحمه الله تعالى: [وبعضهم في الآداب، وبعضهم في الخطب، وكلها مقاصد صالحة رضي الله تعالى عن قاصديها، وقد رأيت جمع أربعين أهم من هذا كله، وهي أربعون حديثًا مشتملة على جميع ذلك، وكل حديث منها قاعدة عظيمة من قواعد الدين، وقد وصفه العلماء بأن مدار الإسلام عليه، أو هو نصف الإسلام، أو ثلثه، أو نحو ذلك، ثم ألتزم في هذه الأربعين أن تكون صحيحة، ومعظمها في صحيحي البخاري ومسلم].\nهذا الكلام على اعتبار أنه يراها كلها صحيحة، وسنذكر عند كل حديث بيان حاله، فكلها صحيحة وثابتة إلا بعضها ففيها كلام لبعض العلماء، وهو شيء يسير منها.\nقال رحمه الله تعالى: [وأذكرها محذوفة الأسانيد؛ ليسهل حفظها ويعم الانتفاع بها إن شاء الله تعالى، ثم أتبعها بباب في ضبط خفي ألفاظها.\nوينبغي لكل راغب في الآخرة أن يعرف هذه الأحاديث؛ لما اشتملت عليه من المهمات، واحتوت عليه من التنبيه على جميع الطاعات، وذلك ظاهر لمن تدبره، وعلى الله اعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي، وله الحمد والنعمة، وبه التوفيق والعصمة].\nرحم الله الإمام النووي فهذا كلام جميل، وقصد طيب، فقد بين ﵀ أن الحديث -أي: حديث فضل حفظ أربعين حديثًا- اتفق الحفاظ على ضعفه، وأنه ليس بثابت، وأنه إنما فعل ذلك اقتداء بالذين سبقوه، وتعويلًا على الأحاديث الصحيحة الدالة على فضل حفظ السنة، ومن ذلك الدعاء لمن حفظها وبلغها بأن ينضر الله وجهه، وكذلك قول الرسول ﷺ: (ليبلغ الشاهد الغائب).\nوإن الإمام النووي بفعله هذا ﵀، وانتفاع الناس بهذه الأحاديث التي جمعها، وتتابعهم عليها، واشتغال الخاص بها والعام، وكون الطلاب ينشئون عليها حصل له خير كثير وفضل كبير ﵀؛ فإن كل من يقرأ هذه الأحاديث يدعو له، ويستفيد منها، ولا شك في أن هذا من العلم الذي ينتفع به، كما قال ﵊: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).","vol":"2","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>الأسئلة</span>","vol":"2","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>سبب ورود حديث: (إنما الأعمال بالنيات)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقول ابن دقيق العيد ﵀ عن حديث الأعمال بالنيات: وهذا الحديث ورد على سبب، وهو أنهم نقلوا أن رجلًا هاجر من مكة إلى المدينة ليتزوج امرأة يقال لها: أم قيس، لا يريد بذلك فضيلة الهجرة، فكان يقال له: مهاجر أم قيس، والله أعلم فهل هذا صحيح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لم يثبت أن هذا الحديث ورد بسبب هذا القصة، وقد ذكر الحافظ ابن رجب ﵀ هذا، فقال ﵀: إنه اشتهر عند العلماء كذا وكذا، فلم يثبت في ذلك شيء صحيح عن رسول الله.","vol":"2","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>تعلق النية بالإخلاص لله تعالى</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في شرح حديث: (إنما الأعمال بالنيات) ذكرتم أنّ النية تكون لتمييز الفرائض في العبادات بعضها عن بعض، والعبادات عن العادات، فلو ذكرتم لنا ما تتعلق به النية من الإخلاص لوجه الله ﵎ في الأعمال.\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا معنى آخر يتعلق بالتوحيد وإخلاص العبادة لله ﷿، وهو أحد الركنين اللذين يقوم عليهما دين الإسلام، وهما: إخلاص العمل لله، واتباع سنة الرسول ﷺ.\nوكل عمل من الأعمال لا بد من أن يكون خالصًا لله، وأن يكون مطابقًا لسنة رسول الله ﷺ، ومعنى كونه خالصًا لله أن لا يشرك فيه مع الله غيره.\nلكن الذي يذكر في كتب الفقه وفي كتب الحديث هو ما يتعلق بهذين الأمرين: تمييز العبادات بعضها عن بعض، كتمييز: صلاة الظهر عن صلاة العصر، وكذلك الصوم في كونه فرضًا، أو نذرًا، أو كفارة، ونحو ذلك من العبارات الواجبة، وكذلك تمييز العبادة في كونها فرضًا أو نافلة، فهذا كله تمييز للعبادات بعضها عن بعض، سواءٌ كانت العبادات كلها فروضًا، أم كان بعضها فرضًا وبعضها نفلًا.\nوالأمر الثاني: تمييز العبادات عن العادات، كالاغتسال من الجنابة، والاغتسال للتبرد والتنظف، فإن الاغتسال من الجنابة شيء واجب ولازم وفرض وعبادة، والاغتسال للتنظف والتبرد عادة.\nفلو أن إنسانًا اغتسل للتبرد وعليه جنابة ولم يكن مستحضرًا رفع الجنابة ولم ينو عند الاغتسال رفع الحدث فإن الحدث يبقى ولو حصلت له النظافة، ولو حصل له التبرد؛ لأن النية لا بد منها في العمل؛ لقوله ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات)، وهذا الاغتسال لم يُرد به رفع الحدث، فلا يرتفع الحدث، بل هو باق، ولا يرتفع إلا إذا اغتسل الإنسان بعد ذلك ناويًا رفع الحدث لتمييز العبادات عن العادات.\nويمكن أن يجمع بين العبادات، ويمكن أن تفرد كل عبادة على حدة، فمثل الجنابة والجمعة يكفيهما غسل واحد ينوي به هذا وهذا، ولهذا قال الإمام أبو داود ﵀ بعد ذكره حديثًا من أحاديث الجمعة في كتابه (السنن) قال: ولو أن إنسانًا أصبح وعليه جنابة واغتسل بعد طلوع الفجر ناويًا غسل الجنابة وناويًا غسل الجمعة فإنه يجزئه عن الجمعة، مع كونه اغتسل للجنابة.","vol":"2","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>الأجر تابع للاحتساب</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكر في الحديث: (ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فأكل منه الطير أو الدواب أو الإنس إلا كان له صدقة)، فهذا الغرس لم يتعلق به نية؛ لأن من يزرع زرعًا فإنّه لا ينوي أن يأكل منه الطير والدواب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معلوم أن كل ما يخرج من الإنسان مما ينفع غيره يعود عليه بالفائدة، مثل النفقة، فيكون الإنسان قد أدى ما عليه ولو لم ينو، وأما من ناحية الأجر فلا يكون إلا بالنية، ولكن إذا غرس الإنسان هذا الغرس وفي نيته أنه يستفيد منه ويفيد غيره فكل من يستفيد منه -سواءٌ أكان مقصودًا أم غير مقصود، وسواء أراد أن يصل إليه أو لم يرد، ككونه يعطي الفقراء والمساكين، أو تأتي الحيوانات وتأكل منه- فإنه يحصل الأجر على ذلك.","vol":"2","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>الجمع بين حديث الأعمال بالنيات وقصة إسلام أبي طلحة ليتزوج بأم سليم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف نجمع بين الحديث: (فمن كانت هجرته إلى الله)، وبين قصة أبي طلحة ﵁ حين دخل في الإسلام بسبب أم سليم، فقد كانت شرطت عليه الإسلام لتتزوجه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معلوم أنّ ذاك انتقال من الكفر إلى الإسلام، ولا شك في أنه كان منهم من يدخل في الإسلام رغبة في الدنيا ثم لا يمسي إلا والدين أحب إليه من الدنيا وما فيها، كما جاء عن أصحاب الرسول ﷺ.\nإذًا: فهذا دخول في الإسلام، ومعلوم أنّ الإنسان إذا خرج من الكفر إلى الإسلام فلا شك في أنه قد حصل له السلامة من الكفر، ولو كان دخل الإسلام من أجل غرض، ثم هذا الغرض الذي دخل من أجله لا يلبث إلا يسيرًا حتى يكون الإسلام خيرًا له من الدنيا وما فيها، فهناك فرق بين الدخول في الإسلام من أجل غرض ثم يصير الغرض سببًا في إنقاذه وسلامته من النار ومن الخلود فيها أبد الآباد، وبين كون الإنسان المسلم يعمل عملًا صالحًا لم يرد به القربة، وإنما أراد به الدنيا.","vol":"2","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>حفظ العلم للمشاركة في المسابقات</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا نوى الإنسان بحفظ الأربعين المشاركة في إحدى المسابقات ليشتري بالجائزة كتبًا يستعين بها على طلب العلم، فهل تصلح هذه النية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا يدخل تحت قوله: (لكل امرئ ما نوى)، ويدخل تحت قوله: (من كانت) فإذا حفظها وكان حفظه لها، واستذكاره لها ومرور تلك المعاني على نفسه وقلبه من أجل أن يستفيد وأن يؤثر ذلك فيه فلا بأس بذلك، وأما إذا كان يريد من ذلك الدنيا فإنه لا يحصل إلا الدنيا.","vol":"2","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>قصد الإمام البخاري بابتدائه بحديث غريب، وختمه بحديث غريب</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما قصْد الإمام البخاري بابتدائه بحديث غريب وختمه بحديث غريب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لعله استنتج ذلك من حديث: (بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء)، فلا أدري هل لاحظ هذا المعنى، أو أنّ له غرضًا آخر لا أعرفه.","vol":"2","page":20},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-31>[٣]</span>\nحديث جبريل حديث عظيم اشتمل على جميع وظائف الأعمال الظاهرة والباطنة، وعلوم الشريعة كلها راجعة إليه، ومتشعبة منه؛ لما تضمنه من مراتب الدين، فهو كالأم للسنة، كما سمّيت الفاتحة أم القرآن؛ لما تضمنته من جمعها معاني القرآن.","vol":"3","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>شرح حديث جبريل في مراتب الدين</span>\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه -أيضًا- قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، فجلس إلى النبي ﷺ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم والصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا.\nقال: صدقت.\nفعجبنا يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، وتؤمن باليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره.\nقال: صدقت.\nقال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.\nقال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل.\nقال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان.\nثم انطلق، فلبثت مليًا، قال: أتدري من السائل؟ قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)].","vol":"3","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>فضل حديث جبريل</span>\nهذا حديث عظيم من الأحاديث الجامعة الواسعة، وقد وصف النبي ﷺ هذا الذي حصل من جبريل بأنه تعليم للدين، ووصف جبريل بأنه معلم؛ لكونه سأل عن أمور يسمع الصحابة الجواب عنها، فأضيف التعليم إليه؛ لأنه إنما جاء سائلًا ليعلم غيره لا ليتعلم هو، فهو عالم بذلك، ولهذا كان يقول: (صدقت) بعد أن يبين النبي ﷺ الأشياء المسئول عنها.","vol":"3","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>تخريج حديث جبريل</span>\nوهذا الحديث أورده الإمام مسلم ﵀ في صحيحه، وهو أول حديث عنده في كتاب الإيمان، وسبق أن ذكرت أن الإمام النووي ﵀ ابتدأ الأربعين بأول حديث في صحيح البخاري، وثنى بأول حديث في صحيح مسلم، وأن البغوي ﵀ قد سبقه إلى ذلك في كتاب (مصابيح السنة)، وكتاب (شرح السنة)، فبدأ بحديث: (إنما الأعمال بالنيات)، وثنى بحديث جبريل.\nفحديث جبريل حديث عظيم بيّن فيه الرسول ﷺ الإيمان والإسلام والإحسان، وبين فيه شيئًا من أشراط الساعة وعلاماتها، وبيّن أن جبريل إنما سأل ليعلم الناس الدين.","vol":"3","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>سبب تحديث ابن عمر بحديث جبريل</span>\nوهذا الحديث يرويه عبد الله بن عمر ﵁ عن أبيه عمر بن الخطاب ﵁، فهو من رواية صحابي عن صحابي، ومن رواية ابن عن أب.\nوسبب تحديثه به أنه جاء رجلان من العراق حاجين أو معتمرين وهما يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري، يقول يحيى بن يعمر -وهو الذي يروي القصة، كما في صحيح مسلم -: (كان أول من قال بالقدر في البصرة معبد الجهني، فخرجت أنا وحميد بن عبد الرحمن حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ) يعني: فنسأله، ونبدي له ما حصل في بلدنا من هذا الرأي الباطل والقول المحدث، وهو أنه لا قدر.\nقال: (فوفق لنا عبد الله بن عمر، فاكتنفاه، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليّ) يعني أن صاحبه سكت ولم يتكلم، ففهم يحيى بن يعمر أنه يريد منه أن يتكلم.\nفبدأ يحيى بن يعمر بالكلام، فقال: (إنه ظهر قبلنا أناس يقرءون القرآن، ويتقفرون العلم) يعني: أن عندهم اجتهادًا في القرآن وفي العلم (ويقولون: لا قدر، وأن الأمر أنف) أي أنه لم يسبق قدر، فلم يسبق كتابة وتقدير، ولم يسبق علم بالأشياء التي يأتي بها الناس، وأن العباد يخلقون أفعالهم.\nقال: (فقال عبد الله بن عمر ﵁: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أنني بريء منهم، وأنهم مني برآء، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لا يؤمن أحدهم حتى يؤمن بالقدر خيره وشره).\nثم قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب قال: (بينما نحن جلوس)، وأتى بالحديث بطوله، وذلك من أجل جملة: (وتؤمن بالقدر خيره وشره) وأنه أصل من أصول الإيمان.","vol":"3","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>الرجوع إلى أهل العلم في أمور الدين</span>\nوهذا يبين لنا أن سلف هذه الأمة هم المرجع، فالصحابة كانوا هم المرجع للتابعين، فيرجعون إليهم في أمور الدين، فالواجب في كل زمان ومكان الرجوع إلى أهل العلم عندما تحصل الأمور المشكلة الأمور المعضلة، ولا يتخرص كل متخرص ويقول كل قائل ويتحدث كل متحدث، وإنما يرجع في ذلك إلى أهل العلم، كما أن الأمور الدنيوية من الصناعات والمهن والحرف إنما يرجع فيها إلى أصحاب الاختصاص، ولا يقدم عليها بدون علم، فأمور الشريعة أولى بأن يكون المرجع فيها إلى أهلها ومن عندهم علم بها.\nفكان هذا شأن سلف هذه الأمة، فالتابعون يرجعون إلى الصحابة في معرفة ما يجد وما ينزل من أمور تظهر مخالفتها لما هو معروف في الكتاب والسنة، أو يكون فيها اشتباه، يقول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣].\nفـ عبد الله بن عمر عندما أجاب أجاب أولًا ببيان منزلة هؤلاء وحالهم، وأنه بريء منهم، وأنهم برآء منه، وأن من لا يؤمن بالقدر فلا يقبل منه شيء من العمل، ولا يدخل الجنة حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، ثم أتى بالدليل، وهذا فيه -أيضًا- بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من بيان الحكم بدليله.","vol":"3","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>ميزة الإمام مسلم في طريقة رواية الأحاديث</span>\nإن طريقة الإمام مسلم ﵀ أنه يأتي بالأحاديث كما هي، ويأتي بالألفاظ كما وردت، ولا يختصر الأحاديث، ولا يفرقها ويجزئها في أماكن متعددة كما يصنع البخاري، ولهذا أورده الإمام مسلم ﵀ هنا بتمامه ولم يختصره، ولم يأت بمحل الشاهد فقط، وهذه من ميزاته التي تميز بها عن غيره كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في ترجمته من (تهذيب التهذيب)، فبعد أن ذكر كلامًا نقله المزي في تهذيب الكمال قال: قلت: وقد حصل حظ عظيم مفرط للإمام مسلم لم يحصل لغيره، وذلك بعنايته بالمحافظة على الألفاظ، وعدم الرواية بالمعنى، وعدم الاختصار، وأنه يأتي بالشيء كما كان، فلا يحصل منه شيء من التغيير والتبديل بروايته بالمعنى أو باختصار أو بغير ذلك، وهذه من ميزاته التي تميز بها.\nوهذه طريقة الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فعندما يأتون بالحكم فإنهم يأتون بدليله ولو لم يطلب منهم، وذلك لأن الدليل هو الأساس الذي يبنى عليه، والسائل عندما يسمع الدليل من الكتاب أو السنة يطمئن، فالناس متعبدون بالالتزام بالكتاب والسنة، فإذا أجاب المسئول السائل عن مسألته، وأتى بعد ذلك بالدليل فهذا من تمام الإجابة ومن تمام الإحسان، فيطمئن السائل إلى أن الجواب الذي أجيب به مبني على نص من كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ.","vol":"3","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>إخبار النبي ﷺ عن ظهور البدع والاختلاف والفرقة</span>","vol":"3","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>تاريخ بدعة القدر</span>\nلقد حدثت بدعة القدر في عصر الصحابة، وقد أشار إلى هذا النبي ﷺ في حديث العرباض بن سارية بقوله وهو يخاطب أصحابه: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا) أي أن من تطول به الحياة فسيرى اختلافًا وخروجًا عن الجادة، وانحرافًا عن الصراط المستقيم، وهذا الاختلاف ليس بالقليل، بل هو كثير، فأخبر ﵊ عن أمر فوقع كما أخبر ﵊.\nثم إنه ﵊ أرشد عند هذا الاختلاف إلى لزوم السنة -وهي ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه-، فقال: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة).","vol":"3","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>ظهور كثير من البدع من جهة المشرق</span>\nوقد ظهرت هذه البدعة في العراق، وكثير من البدع والشرور نشأت من تلك الجهة، وهذا يبين لنا معنى الحديث الذي فيه: (اللهم! بارك لنا في شامنا وبارك لنا في يمننا.\nقالوا: وفي نجدنا يا رسول الله؟ قال: هناك الزلازل والمحن)، وقد جاءت آثار وأحاديث تدل على أن المقصود بذلك جهة العراق.\nوما وراءها من بلاد فارس، وأول شيء حصل هو أنّ ملكهم مزق كتاب رسول الله ﷺ لما أرسله النبي ﷺ إليه.\nوهذا بخلاف فعل ملك الروم، فإنه احتفظ بالكتاب، وكان يبحث عمن يأتي إلى بلاده من العرب ليسألهم عن هذا الرسول ﵊، وقصة هرقل مشهورة، وهي في أول صحيح البخاري فلما جاء أبو سفيان ومن معه قرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ وسألهم عن الرسول ﷺ وعن الأمور التي كان يعلمها عن الأنبياء، فوجدها في هذا الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وقد بين ذلك أبو سفيان رضي الله تعالى عنه؛ حيث تحمل هذا في حال كفره، ثم أدى ذلك بعد إسلامه.","vol":"3","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>ظهور كثير من الخير من جهة المشرق</span>\nفالحاصل أن كثيرًا من البدع وكثيرًا من الشرور إنما خرجت من تلك الجهة، ولا تزال -على مختلف العصور- كثير من الشرور تأتي من تلك الجهة، ولا يعني ذلك أنه ليس فيها إلا الشر، بل هناك الخير الكثير، فإن الكثير من العلماء من المحدثين والفقهاء هم من تلك الجهة، وأكثرهم من العجم، فأصحاب الكتب الستة: - البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه - كلهم من تلك الجهة، والإمام أحمد وأبو حنيفة، وسفيان الثوري وكثير من الفقهاء والمحدثين من تلك الجهة، وقد بين بعض أهل العلم -كـ الخطابي وابن حجر - المقصود بنجد في الحديث السابق، وأنه ليس المقصود به -كما يقوله بعض الحاقدين على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀- نجد اليمامة؛ فإن اليمامة لم تكن معروفة، وليس لها ذكر ولا شأن، وإنما يراد بنجد الأماكن المرتفعة المختلفة، وجاء في الحديث: (وقت لأهل نجد قرن المنازل)، وليس المقصود به اليمامة، بل المقصود به كل الجهات المرتفعة التي تكون من تلك الجهة من الطائف وما وراء الطائف.\nفالحاصل أن هذه البدعة أول ما ظهرت في العراق في البصرة، وأول من أظهرها معبد الجهني، كما جاء في إسناد هذا الحديث الذي عند الإمام مسلم، وهذا يدلنا على ظهور كثير من الشرور من تلك البلاد، وإن كان قد حصل فيها كثير من الخير، وخرج منها كثير من أهل العلم في الحديث والفقه واللغة وغير ذلك من سائر العلوم، فلما خرج معبد الجهني - وهو أول من قال بالقدر- خرج يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن حاجين أو معتمرين، قال يحيى فقلنا: (لو وفق لنا أحد من أصحاب الرسول ﷺ) وهذا يدل على أن التابعين كانوا يستغلون فرصة الحج والعمرة لتحصيل العلم والاشتغال بالعلم، والرجوع إلى العلماء، وأنهم يجمعون بين أداء النسك وأداء العبادة والرجوع إلى أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ، وهذا يدل على أن الحجاج والمعتمرين والزائرين عندما يأتون إلى مكة والمدينة عليهم أن يحرصوا على التفقه في الدين، وعلى معرفة الأحكام الشرعية؛ لأن هذا هو شأن سلف هذه الأمة كما في إسناد هذا الحديث، ويدل لذلك لقياهم بـ عبد الله بن عمر ﵁، وفرحهم بذلك، واكتنافهم إياه، فجاء كل واحد منهما من جهة، حتى يستوعب كل واحد منهما ما يصدر منه، ويسمعان ما يقول، فإذا كان هذا من جهة وهذا من جهة، وتكلم وحدث فإن هذا يسمعه كما يسمعه الآخر، ولم يأت كلاهما في جهة واحدة ليكون هذا وراء هذا، بل صار هذا من جهة وهذا من جهة، ومرادهما من ذلك أن يقربا من هذا الصحابي الجليل، وأن يسمعا حديثه وفتواه في ذلك الأمر الذي سألاه عنه.","vol":"3","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>خطر انحراف من كان معروفًا بالعلم والعبادة</span>\nوإن لم يبدأ يحيى بن يعمر بالكلام لأنه ما حصل منهما اتفاق -فيما يبدو- في أول الأمر على أن واحدًا منهما يتولى الكلام، وكأنه فاجأهم وجود عبد الله بن عمر، ففرحا واكتنفاه وهو جالس بينهما، فإذا كان هناك اتفاق على أن واحدًا منهما يتولى الكلام فهذا جيد، وحيث لا يكون هناك اتفاق فينبغي التريث، ولا يقدم الإنسان على الكلام قبل غيره إلا إذا حصل استئذان منه، أو حصل منه سكوت عرف منه أنه يريد من الآخر أن يتكلم؛ ولهذا قال: (فظننت أنه سيكل الكلام إليّ) فتكلم مع ابن عمر وقال: (إنه ظهر قبلنا أناس) وذكر شيئًا من عبادتهم، وشيئًا من قراءتهم للقرآن، وهذا شيء غريب؛ لأنه لو كان هذا الذي اعتقدوه في القدر من أناس ليس لهم اشتغال بالقرآن، وليس لهم اشتغال بالعلم لكان الأمر أهون، فيقال: هؤلاء جهال يتكلمون عن جهل، لكن الأدهى أن هذا الذي حصل منه هذا الشيء يشتغل بالقرآن والعلم، فتكون المصيبة به أكبر والبلية به أعظم؛ لأنه عنده شيء من المعرفة وشيء من الاشتغال بالقرآن وبالعلم، فمثل هذا هو الذي يحصل به الضرر بخلاف الجاهل؛ فإن الأمر فيه هين؛ لأنه لا يعلم، فإذا عُلّم تعلم، وأما الإنسان الذي يقدم على شيء عن علم ومعرفة عليه ظانًا أنه حق وهو باطل فهذا هو الذي يصعب أمره، ويكون محل خطر على الناس، قبل ذلك على نفسه، أما ضرره على الناس فلأنهم يغترون به، ويظنون أنه صاحب علم، وأن هذا الذي قاله إنما قاله عن علم ومعرفة، وإنما هو -في الحقيقة- ضلال وانحراف في العلم.\nوأما خطره على نفسه فلأنه يعتقد أنه على حق، فيستمر على باطله، وقد يموت وهو على باطله؛ ولهذا جاء في الحديث: (إن الله تعالى حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يتوب من بدعته) ومعنى ذلك أن الإنسان إذا كان مبتدعًا فقد يستمر على بدعته إلى أن يموت عليها، ولا تحصل له التوبة؛ لأنه يظن نفسه على حق، وأما إذا كان صاحب معصية ويعرف أن هذا ذنب وأنه عاص لله فيه فهذا هو الذي يرجى له التوبة؛ لأنه يشعر بالخطأ، ويشعر بالتقصير، وأما ذاك فإنه لا يشعر بالتقصير بل يظن أنه على حق، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر:٨]، فهو يبقى على باطله.\nفإذا كان لديه علم ومعرفة فإنه يكون أشد ضررًا على نفسه وعلى غيره، أما على نفسه فبابتعاده عن التوبة، وأنه قد يموت على بدعته، وأما على غيره فباغترار الناس به، فإنهم يظنون أن مقالته تلك قالها بناء على علم.\nثم قال بعد ذكر شيء من صلاحهم في الظاهر ومن عباداتهم: (يقولون: (لا قدر وأن الأمر أنف»، يعنون أنه لم يسبق قضاء ولا قدر، وأن الناس يستأنفون أعمالهم، وأن هذه الأفعال التي توجد لم يسبق تقدير الله ﷿ لها، ولا علم الله ﷿ بها، وهذه -كما يقول بعض أهل العلم- طريقة الغلاة الذين ينكرون العلم القديم -أو العلم الأزلي- بالأشياء قبل خلقها، وينكرون أيضًا أن الله تعالى قدر الأشياء وكتبها، ولهذا قال ابن عمر: (أخبرهم بأني بريء منهم، وأنهم برآء مني) يعني: لست منهم وليسوا مني؛ لأنهم أنكروا أمرًا معلومًا من دين الإسلام بالضرورة، وهو خبر صادق لا بد منه، بل هو من أصول الإيمان التي بينها جبريل للناس بسؤاله النبي ﵊ عنها، إذن: فالأمر ليس هينًا وليس سهلًا.","vol":"3","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>ذكر بعض ما يستفاد من حديث جبريل</span>\nوبعد أن ذكر ابن عمر ﵁ الحكم بيّن الدليل على ذلك، وهو حديث رسول الله ﷺ الذي سأل فيه جبريل الرسول ﵊ فأجابه، ومن جملة ما أجابه عنه تفسير الإيمان وبيان المراد به، وأركانه الستة التي آخرها الإيمان بالقدر خيره وشره، وأن كل ذلك من الله سبحانه تعالى، ثم ساق الحديث عن أبيه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ)، يعني أنهم كانوا جالسين يسألونه ويتعلمون منه، وينتظرون من يأتي ليسأله، وقد كانوا يحرصون على أن يأتي بعض الأعراب فيسأل الرسول ﷺ عن أمور الدين، فيسمعون الجواب، وفي تلك المرة التي كانوا جالسين فيها مع النبي ﷺ جاءهم رجل غريب، وتظهر غرابته من جهتين: من جهة أنه غير معروف، ومن جهة أن ثيابه حسنة، وشعره شديد السواد، وليس بأشعث ولا أغبر، ولا ثيابه بالمدنسة من الغبار بسبب السفر، فهذا شيء غريب عليهم، فالرجل غير معروف، والهيئة التي هو عليها ليست بهيئة المسافر ولا بهيئة الغريب الذي يأتي من مسافة بعيدة، فإن من كانت حاله كذلك يظهر على وجهه التعثر، ويصير أشعث أغبر بسبب سفره ومعاناته الطريق، فهذا الأمر يختلف عن الذي كانوا يعرفونه ويألفونه.\nوقد جاء في بعض الروايات -كما في سنن أبي داود وغيره- أنه سلم من طرف البساط، ورواية مسلم ليس فيها ذكر السلام، ومن المعلوم أن الرواة كل منهم يروي ما بلغه وما سمعه، وقد يحفظ بعضهم ما لم يحفظه الآخر، وقد يحصل من بعض الرواة اختصار للحديث، فهناك أسباب لكون الحديث فيه زيادة عند بعض الرواة ونقص عند بعض الرواة، فقد يحفظ هذا ما لم يحفظه هذا، أو أن بعض الرواة حفظها ولكنه اختصر عند الرواية، والحاصل أن حديث عمر في صحيح مسلم ليس فيه ذكر السلام، ولكنه موجود في سنن أبي داود وغيره.\nثم إنه جاء وجلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، أي: قَرُب منه قربًا شديدًا، ووضع يديه على فخذيه، وجاء في بعض الروايات أنها على فخذي النبي ﷺ، وهذا يدل على شدة القرب والإصغاء إليه، واهتمامه بتلقي ما يسمعه.","vol":"3","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>تشكل الجن والملائكة</span>\nوهذا الذي جاء هو جبريل، وجبريل من الملائكة، والملائكة خلقوا من نور، كما جاء في حديث عائشة: (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم) أي: من تراب، ومن طين، ومن صلصال كالفخار، كما جاء وصف ذلك في القرآن.\nوقد خلق الله ﷿ الملائكة ذوي أجنحة، كما قال الله ﷿: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر:١]، وقد ثبت في السنة أن جبريل له ستمائة جناح.\nوقد رآه النبي ﷺ مرتين: مرة في السماء لما عرج به عند سدرة المنتهى، ومرة رآه في الأرض وقد سد الأفق من كبر حجمه وله ستمائة جناح، فهذا الخلق الذي هو بهذا الحجم الكبير يجعله الله تعالى يتحول ويصغر إلى أن يكون بصورة إنسان، فالملائكة تتشكل على خلق الإنسان، كما أن الجن -أيضًا- يتشكلون على خلق الإنسان، وعلى خلق الحيوان، ولذا جاء في الحديث النهي عن قتل عوامر البيوت من الحيات قبل إيذانها، فلابد من تحذيرها؛ لأنها قد تكون من الجن.\nفالجن قد تشكل على صورة الإنسان، كما في قصة أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مع ذلك الشيطان الذي كان يحثو من الطعام، ثم علمه قراءة آية الكرسي، وقال له النبي ﷺ: (صدقك وهو كذوب).\nالملائكة يأتون على صورة البشر، كما في هذا الحديث، وكما جاء جبريل على صورة دحية بن خليفة الكلبي، وكان رجلًا من أجمل الصحابة رضي الله تعالى عنه، وجاء ضيوف إبراهيم إلى إبراهيم وإلى لوط على صورة بشر، وقصتهم معروفة في القرآن، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات:٢٤]، فهم ملائكة جاءوا على صورة بشر، وجبريل جاء إلى مريم بصورة بشر كما في سورة مريم، فنزول جبريل إلى النبي ﷺ، وتحوله من خلق إلى خلق، كل ذلك يدل على عظمة الله تعالى، والله على كل شيء قدير، ولا يقال: إن هذا خلق آخر.\nبل هو جبريل ﵇، وإنما تحول من كونه يسد الأفق إلى رجل عليه لحية شديدة السواد، ولباسه أبيض شديد البياض، فسأل النبي ﷺ وعنده الجواب، وقصده من السؤال إسماع الناس.\nوهذا يدلنا على أن الإنسان له أن يسأل وإن كان يعلم الجواب، وذلك من أجل أن يسمع الناس الجواب، وليس بلازم أن يكون السؤال عن جهل بالجواب، بل يمكن للعالم أن يسأل عالمًا، أو أن يسأل سائل عالمًا من أجل أن يسمع الناس الجواب، فيكون بذلك معلمًا للخير، فهذا جبريل ﵇ لم يكن مسترشدًا، ولم يأتِ متعلمًا، وإنما جاء ليعلم الصحابة بجواب النبي ﷺ عن أسئلته التي يسأل عنها، فنسب إليه التعليم؛ لأنه عالم بالجواب، ولأنه تسبب في السؤال فظهر الجواب من النبي ﷺ بناء على سؤاله، فنسب إليه التعليم، حيث قال ﷺ: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)، وجواب النبي ﷺ على سؤال جبريل عن الإسلام هو الذي اشتمل عليه الحديث الثالث الذي سيأتي بعد هذا، وهو حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا)، فهذا الجواب الذي أجاب به النبي ﷺ جبريل هو نفسه البيان الذي جاء في الحديث الذي حدث به عبد الله بن عمر عن النبي ﵊ في بيان الأسس التي بني عليها دين الإسلام، وسنرجئ الكلام على ما يتعلق ببيان هذه الأركان إلى شرح الحديث الثالث، وهو حديث ابن عمر.\nقوله: (فقال له: صدقت) أي: لما أعطاه الجواب قال: (صدقت)، وهذا -أيضًا- يدعو إلى الاستغراب، ويضاف هذا الاستغراب إلى ما تقدم من كونه شديد بياض الثياب، وشديد سواد الشعر، ولا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منهم أحد، والمعروف من السائل الذي لا يعلم أنه لا يقول: صدقت.\nوإنما يقول: (صدقت) من كان عنده علم بالجواب، وأما الإنسان الذي ليس عنده علم بالجواب فإنه إذا أفتي يسكت، أو يدعو لمن أجابه وأفتاه، فيقول: جزاك الله خيرًا، وأحسن الله إليك.\nأما أن يقول: (صدقت)، فهذا الجواب جواب العارف والعالم بالسؤال وبالجواب، وكان هذا محل استغراب من الصحابة، ولهذا قال: (فعجبنا له يسأله ويصدقه) يعني أن السائل من شأنه أن يكون غير عالم بالجواب فيفرح بالجواب، ويدعو لمن أجابه، أما أن يقول: (صدقت)، فهذا يدل على أن عنده علمًا بالجواب.","vol":"3","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>معنى الإسلام والإيمان اتحادًا وافتراقًا</span>\nثم قال: (فأخبرني عن الإيمان.\nفقال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره)، وهذه هي أركان الإيمان، وقد سأل في السؤال الأول عن الإسلام فأجابه عن أمور ظاهرة، وسأله في الثاني عن الإيمان فأجابه عن أمور باطنة، وذلك لأن الإسلام أصله مأخوذ من الاستسلام، وهو الانقياد والإذعان بالطاعة، والاستسلام لله بالتوحيد، والخلوص من الشرك، فهذا هو الإسلام، فيكون فيه استسلام وإظهار للانقياد والسمع والطاعة، والامتثال للأوامر والاجتناب عن النواهي، فلما سئل عن الإسلام فيما يتعلق بأمور ظاهرة صار الجواب مماثلًا لمادة السؤال والمسئول عنه، وهو الإسلام؛ لأنه الاستسلام والانقياد، فصار الجواب عن الإسلام يتعلق بأمور ظاهرة؛ لأن الإسلام مأخوذ من الاستسلام، وهو يكون في الأمور الظاهرة.\nولما جاء السؤال عن الإيمان -وهو أمر باطني- جاء الجواب عن أمور باطنه، فصار الجواب عن الإسلام بما يناسب أصله ومادته، والجواب عن الإيمان بما يناسب أصله ومادته.\nثم إن الإسلام والإيمان من الألفاظ التي إذا جمع بينها في الذكر فرق بينها في المعنى، وإذا أفرز أحدهما عن الآخر شمل المعاني المفرقة عند الاجتماع، ولهذا عندما يأتي ذكر الإسلام وحده فإنه يشمل الأمور الظاهرة والباطنة، وإذا جاء الإيمان وحده يشمل الأمور الظاهرة والباطنة، لكن إذا جمع بينهما -كما في حديث جبريل هذا- فإن الإسلام يفسر بالأمور الظاهرة، والإيمان يفسر بالأمور الباطنة.\nفهذه من الألفاظ التي إذا جمع بينها في الذكر وزع المعنى عليها، وإذا أفرز أحدهما عن الآخر واستقل عن صاحبه شمل المعاني كلها، ومثل ذلك لفظ الفقير والمسكين، والبر والتقوى، فإنها من هذا القبيل، فإن الفقير والمسكين إذا جمع بينهما في الذكر فرق بينهما في المعنى، وإذا انفرد أحدهما عن الآخر شمل معنى الجميع، ففي مثل قول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠]، جمع بين الفقراء والمساكين، ففسّر الفقير بأنه من لا يجد شيئًا أصلًا، والمسكين من يجد شيئًا لكن لا يكفيه، فكل منهما محتاج، إلا أنهما متفاوتان في الحاجة، وجاء في حديث معاذ بن جبل، لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن أنه قال له: (فإن هم أطعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) ولم يقل: ومساكينهم؛ وإنما قال: (على قرائهم)، فالفقير هنا يشمل من لا شيء عنده أصلًا، ومن عنده شيء لا يكفيه؛ لأنه جاء هنا مفردًا فشمل المعنيين، ولما جاء ذكر الفقير والمسكين في موضع واحد وفي آية واحدة قسم المعنى بينهما.\nوكذلك ما في حديث جبريل، فإنه لما جاء الإسلام على حدة والإيمان على حدة جاء المعنى مقسمًا بينهما، فأعطي الإسلام ما يناسبه وهو الأمور الظاهرة، وأعطي الإيمان ما يناسبه وهو الأمور الباطنة، ومثل ذلك البر والتقوى، فإذا جاء البر وحده شمل الأوامر والنواهي، وإذا جاءت التقوى وحدها شملت الأوامر والنواهي، وإذا جمع بينهما فسر البر بامتثال الأوامر وفسرت التقوى باجتناب النواهي، فالمراد أنه عندما يحصل الجمع بينهما يفرق المعنى، وعندما يستقل كل واحد منهما عن الآخر بالذكر فإنه يستوعب المعنيين المفرقين عند الاجتماع، وبهذا يتبين الفرق بين الإيمان والإسلام.","vol":"3","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>الإيمان بالله تعالى هو أصل الإيمان</span>\nقوله: (قال: فأخبرني عن الإيمان.\nقال: أن تؤمن بالله) الإيمان بالله: هو أصل الأصول، وهذه الأمور التي ذكرت معه هي تابعة له، والذي لا يؤمن بالله لا يؤمن بها، بل إن كثيرًا منها أضيف إليه، حيث قال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله) فقوله: (وملائكته)، وكذلك ما بعده أضافه إلى الله ﷿، فالإيمان بها تابع للإيمان به، فمن لم يؤمن بالله ﷿ لم يؤمن بهذه الأمور، ومن آمن بالله فيمكن أن يؤمن بشيء منها، ويكفر بالشيء الآخر، ولكن إن لم يؤمن بالله فلن يؤمن بها؛ لأن الملائكة ملائكة الله، والرسل رسل الله، والكتب كتب الله، فالذي لا يؤمن بالله لا يؤمن بكتبه، ولا برسله، ولا بملائكته.\nإذًا: فهذا الأصل -وهو الإيمان بالله- هو الأساس لكل ما يؤمن به من هذه الأمور وغير هذه الأمور، فكل الأمور المغيبة التي جاء الخبر بها عن الله وعن رسوله ﷺ يجب الإيمان والتصديق بها، فإن كانت أمورًا ماضية فنؤمن بأنها قد وقعت كما جاء الخبر في الكتاب والسنة، وإن كانت مستقبلة فنؤمن بأنها ستقع وفقًا لما جاء به الخبر، وكذلك إن كانت الأمور موجودة ولكنها غير مشاهدة ولا معاينة فإننا نؤمن بأنها موجودة وأنها حق، كما أُخبرنا عن السماوات، وعن الملائكة وعن خلقهم، وعن الجن وعن خلقهم مع أننا لا نراهم ولا نشاهدهم، لكن جاءنا الخبر بذلك.\nإذًا: فالإيمان بالله هو الأساس، كما أن الشهادتين هما الأساس، والصلاة والزكاة والصيام والحج تابع لهما، فكذلك الإيمان بالله هو الأساس للإيمان بالملائكة والكتب والرسل وغير ذلك، فكل هذه الأركان الخمسة للإسلام والستة للإيمان الركن الأول منها هو الأصل والأساس لغيره، فهو أساس في نفسه وأساس لغيره، فما وراءه من الأركان تابع له، وإذا لم يوجد هذا الأساس فلا يوجد ما وراءه، فإذا لم توجد الشهادتان فلن يوجد ما وراءهما، وإن وجد فإنه لا عبرة به، كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، أي: من عمل طيب.\nفلم ينفع صاحبه عند الله ﷿ مع وجود الشرك، فالمشرك ليس له إلا النار، ولا سبيل له إلى السلامة منها، بل هو باق فيها أبد الآباد إلى غير نهاية.","vol":"3","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>أقسام توحيد الله</span>\nقوله: (أن تؤمن بالله) الإيمان بالله ﷿ يكون بالإيمان بربوبيته، وإلاهيته، وأسمائه وصفاته.\nأما الإيمان بربوبيته: فأن تؤمن بأنه واحد في الخلق والإيجاد والتدبير والتصرف في الكون، أي: واحد في أفعاله، فليس لله شريك في ذلك، فتوحيد الربوبية هو توحيده في أفعاله، فهو واحد فيها ولا شراكة لغيره فيها، فهو المتفرد بخلق السموات والأرض، وبخلق المخلوقات كلها، وهو رب كل شيء ومليكه والمتصرف فيه كيف يشاء، فهذا هو توحيد الربوبية، فتوحيد الربوبية توحيد الله تعالى في أفعاله، أي أنه واحد في أفعاله لا شريك له فيها، فهو الذي خلق السموات والأرض وخلق كل شيء، ولم يشاركه في ذلك مشارك، بل هو مستقل بالخلق والإيجاد ﷾.\nوأما توحيد الإلهية فهو توحيده بأفعال العباد من دعاء واستعاذة واستغاثة واستعانة وذبح ونذر وتوكل ورغبة ورهبة وإنابة وغير ذلك من أفعال العباد، أي أنهم يجعلونها لله خالصة، ولا يجعلون مع الله تعالى شريكًا فيها، فيكون الله ﷾ هو المفرد بالعبادة كما أنه المتفرد بالخلق والإيجاد، فكما أنه لا شريك له في الخلق والإيجاد فيجب أن لا يكون له شريك في العبادة، والكفار الذين بعث فيهم النبي ﷺ كانوا مقرين بتوحيد الربوبية، ولكنهم جاحدون لتوحيد العبادة، وقد جاء في القران آيات كثيرة فيها اعترافهم بأن الله تعالى هو المتفرد بالخلق والإيجاد، ولكنهم أنكروا تفرده بالإلهية، لذلك بعث فيهم الرسول ﷺ من أجل ذلك، وكذلك الرسل السابقون أيضًا أرسلوا إلى أقوام ينكرون عليهم دعوتهم إلى إفراد الله بالعبادة، فهم جاحدون لتوحيد الإلهية ومنكرون له، لذلك بعث الله ﷿ الرسل بدعوتهم إليه، كما قال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، فما طلب منهم أن يقروا بوجود الله وبربوبيته؛ لأنهم كانوا مقرين بذلك، ولكن الشيء الذي أنكروه هو توحيد الإلهية، ولهذا قال: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ، فمهمة كل رسول أن يأمر قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادة غيره، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، فكل رسول أرسله الله ﷿ يوحي إليه بأن يُعبد اللهُ وحده لا شريك له، وهاتان الآيتان تدلان على أن كل رسول هذه مهمته، ثم جاءت آيات مفصلة مع كل نبي يدعو قومه، فكل نبي يقول: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٣٢]، فكل رسول -سواء قٌص علينا خبره أو م يقص، وسواء جاء ذكره في القرآن أو لم يجيء- كان يدعو الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادة غيره، وجاء ذلك إجمالًا وتفصيلًا، إجمالًا في هاتين الآيتين وأشباههما، وتفصيلًا في قصة كل رسول من الرسل.\nإذًاَ: فهذه هي مهمة الرسل، وهذا هو الذي أوقع الخصومة بين الرسل وأقوامهم؛ لأن أقوامهم أنكروا أن تكون العبادة لله وحده، فهم يعبدونه ويعبدونه معه آلهة أخرى، فلم يخصوه بالعبادة؛ لأنهم نشئوا على عبادة غير الله ﷿، وسواء عبدوه مع غيره أو عبدوا غيره فحسب، لكنهم مقرون بأن الله تعالى هو المتفرد بالخلق والإيجاد.","vol":"3","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>العلاقة بين أقسام التوحيد الثلاثة</span>\nفتوحيد الإلهية هو توحيد الله تعالى بأفعال العباد، فيجب أن يفرد فيها، ويأتي في القرآن كثيرًا تقرير توحيد الربوبية، لا لإثباته؛ فإنه ثابت عند المنكرين للإلهية، ولهذا يجيبون بالاعتراف به، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، فهم معترفون مقرون به، فيأتي في القرآن تقرير توحيد الربوبية للانتقال منه إلى الإلزام بتوحيد الإلهية، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٠] أي: كيف تعبدون مع الله آلهة إذا كان هو المتفرد في الخلق والإيجاد؟! فإنه يلزمكم أن تفردوه في العبادة، وأن تخصوه بذلك وحده دون من سواه، وأن لا تجعلوا مع الله آلهة أخرى؟! وقد حكى الله تعالى عن الكفار أنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] أي أنّهم استنكروا هذا الشيء الذي يناقض ما وجدوا عليه الآباء والأجداد، ولهذا لما دعا الرسول ﷺ عمه أبا طالب إلى التوحيد وإلى الإيمان بالله -وذلك في آخر حياته- وكان عنده بعض الكفار في ذلك المجلس قالوا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟! كما أخبر الله ﷿ عنهم أنهم يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]، وقالوا: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]، فما عندهم إلا تقليد الآباء واتباعهم على ما هم عليه من تلك المعبودات، ولهذا قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، فتوحيد الربوبية يقرَّر في القرآن مع أن المنكرين للإلهية مقرون به، وذلك من أجل إلزامهم بأن يقروا بالإلهية كما أقروا بالربوبية، فتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الإلهية، ومن أقر بالربوبية فيلزمه أن يقر بالإلهية، فمن أقر بأن الله هو الخالق الرزاق وحده فعليه أن يعبد الله وحده، حيث يلزم من فعل هذا أن يفعل هذا.\nوأما من وجد عنده توحيد الإلهية فهو مقر بالربوبية؛ لأنه لا يعقل أن يعبد الله وحده وهو جاحد لوجوده وربوبيته، بل إنّ عبد الله وحده فإنه يقر بأن الله هو الخالق وحده، فتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية.\nفالخلاصة: أن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الإلهية، وتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية، بمعنى أن من وجد عنده توحيد الإلهية فقد وجد عنده توحيد الربوبية ضمنًا، فلا يعقل أن يعبد الله وحده ويجحد ربوبيته، ولكن يمكن أن يقر بأن الله الخالق وحده ويعبد مع الله غيره، كما هو شأن الكفار الذين بعث فيهم رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.\nوأما توحيد الأسماء والصفات فهو إثبات ما أثبته الله لنفسه، وأثبته له رسوله ﵊ من الأسماء والصفات، على وجه يليق بكماله وجلاله ﷾، دون تكييف أو تشبيه أو تمثيل، ودون تحريف أو تأويل أو تعطيل، بل على حد قول الله ﷿: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، فهذه الآية الكريمة فيها الإثبات والتنزيه، الإثبات في قوله: (وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) والتنزيه في قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، فهو تعالى له سمع وبصر؛ لقوله: (وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، لكن سمعه ليس كالأسماع، وبصره ليس كالأبصار؛ لقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، فالآية مشتملة على الإثبات والتنزيه، أي: إثبات الصفات مع التنزيه عن مشابهة المخلوقات، فالمشبهة يقولون: له سمع كأسماعنا، وبصر كأبصارنا.\nفهذا هو التشبيه، وأهل السنة يقولون: له سمع وبصر ليس كأسماع المخلوقين ولا كأبصارهم؛ لأن الله تعالى يقول: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، فيثبتون وينزهون، ولا يكيفون مع إثباتهم، فلا يقولون: صورته كذا وكذا ولا يتحدثون عن الكيفية، فإنه لا يعلم أحد عن ذلك شيئًا، وأما المعنى فإنه معلوم؛ لأن الناس خوطبوا بكلام يفهمون معناه، ولم يخاطبوا بكلام غير معلوم ولا مفهوم، ولهذا عندما يأتي مثل قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) فإنهم يعلمون معنى السميع ومعنى البصير، وأن البصر يتعلق بكل المرئيات، والسمع يتعلق بكل المسموعات دقت أو جلت، ويعلمون أنّ (سمع) معناها غير البصر، فالبصر شيء والسمع شيء آخر، ويعلمون أن الكلام غير السمع والبصر، وأن القدرة غير اليد، وهكذا، فكل صفة لها معنى، ولهذا يقولون: إن الصفات متحدة من حيث الذات، ومتباينة من حيث المعنى.\nفهي متحدة من حيث الذات بمعنى أن الله تعالى هو واحد بذاته وصفاته، ومتباينة من حيث المعنى، فمعنى السمع غير معنى البصر، ومعنى البصر غير معنى الكلام، ومعنى الكلام غير معنى القدرة، ومعنى القدرة غير معنى العزة، ومعنى العزة غير معنى الحكمة، وهكذا، فهذه كلها صفات متباينة من حيث المعنى، ومتحدة من حيث الذات؛ لأن الموصوف بها واحد، ولهذا إذا نفيت الصفات عن الله فلا يبقى له وجود، ولهذا يقول أهل السنة عن الذين ينفون الصفات: إنهم نافون للمعبود، فلا يتصور وجود ذات مجردة عن جميع الصفات، وعلى هذا فإن أهل السنة والجماعة يثبتون ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله ﵊ من الأسماء والصفات، على وجه يليق بكمال الله وجلاله، دون تشبيه أو تمثيل أو تكييف، ودون تحريف أو تأويل أو تعطيل، بل إثبات مع تنزيه، ولهذا كان أهل السنة والجماعة وسطًا بين المشبهة والمعطلة، فالمشبهة أثبتوا وشبهوا، والمعطلة نزهوا وعطلوا، وأهل السنة أثبتوا ونزهوا، فالمشبهة عندهم إثبات وتشبيه، والمعطلة عندهم تنزيه وتعطيل لازمه أنه لا وجود للرب، وأهل السنة أثبتوا ونزهوا، أثبتوا فلم يعطلوا؛ لأن الإثبات يقابل التعطيل، فبإثباتهم جانبوا طريقة المعطلة الذين نفوا الصفات عن الله ﷿ حتى صار المعبود عندهم عدمًا لا وجود له، فهم مثبتة وليسوا بمعطلة، ومع إثباتهم لم يكونوا مشبهة، بل منزهة، فقد فارقوا المعطلة بالإثبات، وفارقوا المشبهة بالتنزيه.\nلذلك فأهل السنة هم المستمسكون بقول الله ﷿: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، فقد أثبتوا لقوله ﷾: (وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، ونزهوا لقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>تحسين الهيئة عند الدخول على الفضلاء</span>\nيقول ابن دقيق العيد: وفيه دليل على تحسين الثياب والهيئة والنظافة عند الدخول على العلماء والفضلاء والملوك؛ فإن جبريل أتى معلمًا للناس بحاله ومقاله.\nفهذا كلام جميل من هذا الإمام، ومعلوم أن الرسول ﷺ كان يتجمل، وقصة عمر ﵁ في الجبة التي عرض عليه أن يشتريها ليتجمل بها للعيدين وللوفود معروفة، فإذا كان الإنسان قادرًا على أن يكون على هيئة حسنة فلا شك في أن هذا مطلوب منه، والأحاديث والسنة في ذلك واضحة جلية في هدي رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه في ذلك.\nويقول ابن دقيق العيد أيضًا: هذا حديث عظيم قد اشتمل على جميع وظائف الأعمال الظاهرة والباطنة، وعلوم الشريعة كلها راجعة إليه، ومتشعبة منه؛ لما تضمنه من جمعه علم السنة، فهو كالأم للسنة، كما سميت الفاتحة أم القرآن لما تضمنته من جمعها معاني القرآن.\nويقول ابن رجب: وهو حديث عظيم الشأن جدًا، يشتمل على شرح الدين كله، قال أحد العلماء: يصلح أن يقال عن هذا الحديث: إنه أم السنة كما أن الفاتحة أم القرآن؛ لاشتماله إجمالًا على ما اشتملت عليه السنة تفصيلًا.\nفهذا كلام جيد، يبين -أيضًا- شأن هذا الحديث ومنزلته وقيمته.","vol":"3","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>الأسئلة</span>","vol":"3","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>الموازنة بين الحسنات والسيئات وحالاتها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكر في سبب رواية الحديث عند مسلم أن حميد بن عبد الرحمن ويحيى بن يعمر قد مدحا القائلين بنفي القدر، فهل فيه العمل بقاعدة الموازنة بين الحسنات والسيئات؟ وكيف يكون الرد على هذه الشبة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قضية الموازنة بين الحسنات والسيئات ليست في كل وقت وفي كل حين، ففي بعض الأحيان يمكن أن يكون للموازنة بذكر الحسنات والسيئات وجه، وذلك مثلما جاء في هذا الحديث؛ لأن هذا تمهيد لبيان الشيء الذي وجد، وأنهم عندهم في الظاهر استقامة وعبادة، وأنّ الناس قد يغترون بهم، وذلك لما يرى من هيئتهم، فهذا قالوه كالتمهيد لبيان الشيء العظيم الذي أنكر عليهم، فهم ليسوا أناسًا مجهولين أو أناسًا غير معروفين بعبادة أو معرفة، وإنما عندهم معرفة، ولهذا يحصل الاغترار بهم، فذكر ذلك من أجل أن يبينا أن الناس يغترون بهم، وأن هذا من أسباب الاغترار بهم؛ لأن الذي عنده معرفة يغتر به، والذي عنده جهل لا يلتفت إليه ولا يغتر به، وهناك حالات لا يكون معها ذكر الحسنات، وذلك كما جاء في قصة المرأة التي استشارت الرسول ﷺ في معاوية وأبي جهم الذين خطباها، وقال لها النبي ﷺ: (أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه)، ولم يذكر شيئًا من حسانتهما؛ لأن المقام مقام بيان الشيء الذي يناسبها معرفته، فهي تريد أن تتزوج، فالقضية ليست قضية بيان المحاسن، وإنما القضية هي بيان الشيء الذي يعاب به الرجل حتى تكون على بينة من أمرها، فقال: أما معاوية فكذا، وأما أبو جهم فكذا.\nفلم يذكر شيئًا من حسناتهما، مع أن معاوية ﵁ له محاسن، فقد كان من كتاب الوحي، وكان من أذكياء الصحابة ودهاتهم، ومع ذلك لم يذكر محاسنه؛ لأن المقام ليس مقام مدح، وإنما هو مقام بيان حاله، وذكر الشيء الذي قد لا يناسب المرأة منه، ككونه فقيرًا ليس عنده شيء ينفقه على نفسه ولا عليها، وكون أبي جهم ضرابًا للنساء، أو أنه كثير الأسفار لا يمكث عند المرأة، ولا يكون على صلة بها باستمرار، فتارة تذكر الحسنات، وتارة تذكر السيئات، وتارة يجمع بينهما.","vol":"3","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>العلاقة بين أنواع التوحيد الثلاثة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل العلاقة بين توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات مثل العلاقة بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية؛ أي: علاقة تضمن؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات مستلزم لتوحيد الإلهية أيضًا؛ لأن من عرف الله بأسمائه وصفاته فإنه يلزمه أن يتعبد بمقتضاها، وبما تدل عليه، فكل منهما مستلزم لتوحيد الإلهية، وتوحيد الإلهية متضمن لهما؛ لأن من عبد الله ﷿ حق عبادته فهو يقر بما يثبت له من الأسماء والصفات، ويقر -أيضًا- بكونه الخالق الرازق وحده لا شريك له.","vol":"3","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>الفرق بين التشبيه والتمثيل</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفرق بين التشبيه والتمثيل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  التشبيه والتمثيل معناهما واحد، فتارة يقال: تشبيه.\nوتارة يقال: تمثيل.\nلكن التمثيل والمثل هو الذي جاء في تعبير القرآن.","vol":"3","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>إشكال وجواب</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  جاء في الحديث: (بني الإسلام على خمس)، ففيه ذكر الإسلام فقط، ومع ذلك فسره بالأعمال الظاهرة، مع أن القاعدة أن الإسلام والإيمان إذا افترقا اجتمعا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا إخبار، ولم يأتِ لفظ الإسلام مفردًا، وأما المفرد فمثل قوله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام)، فهنا جاء مفردًا، فيشمل الأمور الظاهرة والباطنة، وأما في الحديث فجاء تفسيره بأمور ظاهرة، وهو تفسير للإسلام بالشيء الذي يناسب، فهو مطابق لما جاء في حديث جبريل، وأما إذا جاءت كلمة الإسلام عامة فإنه يدخل فيها الدين كله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] والإسلام هو أمور ظاهرة وأمور باطنة.","vol":"3","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>جزم عمر بعدم معرفة أحد لجبريل ﵇ عندما جاء يعلمهم أمر دينهم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف جزم عمر ﵁ بأنه لا يعرفه منهم أحد فقال: لا يعرفه منا أحد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  جاء في بعض الروايات أنه نظر بعضهم إلى بعض، فهذا يدل على أنه غريب لا يُعرف.","vol":"3","page":25},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-56>[٤]</span>\nالإيمان بالله تعالى هو أصل الدين وأسّه، وهو أن تؤمن بربوبيته وأنه هو الخالق الرازق المحيي المميت المتصرف في الكون، لا شريك له في ذلك ولا ند، وأن تؤمن بإلاهيته، وأنه هو المستحق للعبادة من دعاء ونذر وذبح وتوكل واستغاثة وغير ذلك، وأن تؤمن بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، من غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل.\nومن لوازم هذا الإيمان أن يؤمن المرء بما أوجب الله تعالى الإيمان به من الملائكة والكتب والرسل والقدر واليوم الآخر، فكل ذلك من أركان الإيمان، ولا يستقيم الإيمان بدونها.","vol":"4","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>الإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى على منهج سلف الأمة</span>\nسبق بعض الكلام على حديث جبريل المشهور في قصة مجيئه إلى الرسول ﵊ وسؤاله عن أسئلة أجاب عليها رسول الله ﵊، وفي آخر الحديث قال النبي ﵊: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم).\nوقد كنا بدأنا بالكلام على الإيمان بالله، وعرفنا أن الإيمان بالله يشمل الإيمان بربوبيته وإلاهيته وأسمائه وصفاته، وعرفنا توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات.\nوانتهى الكلام إلى الحديث عن توحيد الأسماء والصفات، وقلنا: إنه الإيمان بكل ما جاء عن الله وعن رسوله ﵊ من الأسماء والصفات المضافة إلى الله تعالى، على وجه يليق بكماله وجلاله، دون تشبيه أو تمثيل أو تكييف، ودون تعطيل أو تأويل أو تحريف، بل على حد قول الله ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].\nوذكرنا أن أهل السنة وسط بين المعطلة والمشبهة، فالمشبهة أثبتوا وشبهوا، والمعطلة نفوا وعطلوا، وقصدوا بذلك التنزيه، ولكنهم فروا من تشبيه سيئ تصوروه في أذهانهم -وهو التشبيه بالمخلوقات- وصاروا إلى تشبيه أسوأ منه، وهو تشبيهه بالمعدومات، وأهل السنة أثبتوا ونزهوا، فهم مثبتة وليسوا بمعطلة، ومع إثباتهم فهم منزهة وليسوا مشبهة، فهم وسط بين هؤلاء وهؤلاء، يقول أبو سليمان الخطابي: ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمور ذميم فالحق وسط بين الطرفين المتناقضين: الطرف الذي أثبت وشبه، والطرف الذي نفى وعطل حتى صار المعبود بهذا النفي لا وجود له، وقد ذكر ابن عبد البر ﵀ في كتابه (التمهيد) أن الذين ينفون الصفات يصفون المثبتة بأنهم مشبهة، ثم قال ابن عبد البر: وهم عند من أقر بها نافون للمعبود.\nأي أنَّ المعطلة يصفون المثبتة بأنهم مشبهة بينما، والذين يثبتون الصفات يصفون الذين ينفون الصفات بأنهم نافون للمعبود، أي أنه لا وجود للمعبود ما دام أنه قد نفيت عنه جميع الصفات.\nهكذا قال ابن عبد البر في كتابه (التمهيد)، حيث ذكر عن المعطلة أنهم يصفون المثبتة بأنهم مشبهة؛ لأنهم لا يتصورون إثباتًا إلا مع تشبيه، ففروا من الإثبات خوفًا من التشبيه، ولكن النتيجة أنهم فروا من تشبيه سيئ فوقعوا في تشبيه أسوأ، وهو التشبيه بالمعدومات.\nولهذا تجد الذهبي ﵀ في كتابه (العلو للعلي الغفار) لما نقل كلام ابن عبد البر علق عليه بقوله: قلت: صدق والله؛ فإن الجهمية مثلهم كما قال حماد بن زيد: إن جماعة قالوا: في دارنا نخلة.\nفقيل لهم: ألها سعف؟! قالوا: لا.\nفقيل: ألها كرب؟! قالوا: لا.\nقيل: ألها رطب وقنو؟! قالوا: لا.\nقيل: ألها ساق؟! قالوا: لا.\nفسألوهم عن كل صفة من صفات النخل وهم يقولون: إنها لا توجد في هذه النخلة.\nفقيل لهم: فما في داركم نخلة! فكذلك من ينفي عن الله صفاته! ومن الأمثلة التي توضح وتبين هذا التصور الذي تصوروه وبنوا عليه نفي الصفات عن الله أنهم قالوا: إننا لو أثبتنا أن الله يتكلم بصوت وحرف لزم أن يكون مشابهًا للإنسان الذي يتكلم بحرف وصوت، ويلزم أن يكون له لهاة وشفتان وحنجرة ومخارج حروف؛ لأننا لا نتصور كلامًا إلا بهذه الآلات الموجودة في المخلوق.\nفهم لم يتصوروا إثباتًا إلا مع تشبيه، فما وفقوا إلى تصور إثبات مع تنزيه، ففروا من ذلك إلى التشبيه بالمعدومات، وهذا الكلام الذي قالوه من أنه لا يتصور كلام إلا وفقًا لما هو موجود في المخلوقين باطل وغير صحيح.\nومما يدل على بطلانه.\nأولًا: أنه لا تلازم بين الإثبات والتشبيه، فهناك إثبات مع تشبيه، وإثبات مع تنزيه، والإثبات مع التشبيه هو المحرم والباطل، والإثبات مع التنزيه هو الحق الذي لا ريب فيه، فالله يتكلم ولا نعلم كيفية تكلمه، ولا يشبه الخلق، ولا الخلق يشبهونه، فجميع صفات الباري تليق بكماله وجلاله، وجميع صفات المخلوقين تليق بضعفهم وافتقارهم، ولا تشابه بين الخالق والمخلوق، كما قال الله ﷿: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، فأثبت السمع والبصر، ونفى المشابهة، فله سمع لا كالأسماع، وبصر لا كالأبصار، ويتكلم لا كتكلمنا، بل كلامه ﷾ يليق به، فلا تلازم بين الإثبات والتشبيه.\nالأمر الثاني: أنَّ قولهم: إننا لا نتصور كلامًا إلا أن يكون بهذه الطريقة المعروفة في المخلوقين من أنه يكون بحنجرة ولهاة ومخارج حروف وشفتين ولسان غير سديد؛ إذ ليس بلازم أن يكون الكلام بهذه الطريقة التي نعرفها ونعقلها، فقد وجد الكلام في الدنيا -وسيوجد في الآخرة- بدون هذه الطريقة التي نعقلها، فقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﵊ أنه قال: (إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل البعثة)، فكان إذا مر به قال: السلام عليك يا محمد.\nفقد تكلم الحجر وليس له لسان ولا شفتان ولا حنجرة ولا مخارج حروف.\nومثله الذراع الذي وضعت فيه اليهودية السم، ولما نهس منه الرسول ﷺ نهسة تكلم وقال: إنه مسموم.\nفقد تكلم وليس له لهاة ولا حنجرة ولا لسان ولا شفتان ولا مخارج حروف؟! لقد أنطقه الله تعالى الذي أنطق كل شيء.\nوبهذا نعرف أنه وجد الكلام في الدنيا على وجه غير الذي نعقله ونعرفه، وإذا حصل هذا من مخلوق ولم نعرف كيف تكلم فالله ﷿ يتكلم ولا نعرف كيف يتكلم.\nفنثبت الكلام ولا نسأل عن الكيف، كما قال مالك رحمه الله تعالى عن الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول.\nفالمعنى معلوم لنا؛ لأننا خوطبنا بلسان عربي مبين، ونحن نعقل معاني ما خوطبنا به، ولكن الكيفية لا نعلمها، بل نجهلها.\nوهذا يقال في جميع الصفات، فكل صفة يقال فيها: إن الكيف مجهول.\nفكيفية التكلم مجهولة بالنسبة لنا، وإذا كنا لم نعقل كيفية تكلم المخلوق فمن باب أولى أن لا نعقل كيفية تكلم الخالق، ولا نفكر في ذلك.\nوأما في الآخرة فقد أخبر الله ﷿ أنه يختم على الأفواه، وتنطق الأيدي والأرجل والجلود بما عمل به الإنسان، وهذا شيء على غير الكيفية التي نعقلها، وهي أن الكلام لا يكون إلا بحنجرة ولهاة ومخارج حروف.\nوعلى هذا فالذين ينفون الصفات عن الله ﷿ بحجة أنهم لو أثبتوا لكانوا مشبهين قد وقعوا في تشبيه أسوأ، وهو التشبيه بالمعدومات، فلازم قولهم أنه لا وجود للخالق سبحانه؛ لأنه لا يتصور وجود ذات مجردة من جميع الصفات، كما عرفنا ذلك بالمثال الذي ذكره الذهبي عن حماد بن زيد.\nوعلى هذا فيتضح لنا أن الحق وسط بين الطرفين المتناقضين: الطرف الذي أثبت وشبه، والطرف الذي نفى وعطل، والحق مع الذي أثبت ونزه، وهو الذي دل عليه القرآن في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فإن قوله: (وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) إثبات، وقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) تنزيه، فله سمع لا كالأسماع، وبصر لا كالأبصار، وكذلك يقال في جميع الصفات.","vol":"4","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>صحة تقسيم توحيد الله تعالى إلى ثلاثة أقسام وأدلة ذلك</span>\nوتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات أنكره بعض المفتونين في هذا الزمن، وقال: إن هذا تقسيم محدث ليس عليه دليل.\nومن المعلوم أن هذا التقسيم دل عليه الاستقراء من كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ، فقد دل الاستقراء والتتبع على أن التوحيد ينقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة، وليس ذلك بغريب ولا بعجيب، بل الأمر في ذلك واضح، فنصوص الكتاب والسنة دلت على أن التوحيد ينقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات.\nوهو مثل تقسيم النحويين الكلام إلى اسم وفعل وحرف، وليس هناك دليل يدل عليه من الكتاب والسنة، وإنما هو بالاستقراء، فقد استقرءوا كلام العرب وعرفوا أنّه كله لا يخرج عن الثلاثة الأقسام.\nإذًا: فكما حصل هذا بالاستقراء فقد حصل هذا بالاستقراء أيضًا، ولا إشكال في ذلك، فالاعتراض على مثل هذا يحصل من الذين لم يوفقوا لاتباع الكتاب والسنة، ولم يوفقوا للسير على ما كان عليه سلف هذه الأمة، وإنما ابتلوا بكونهم من أهل الأهواء والبدع والانحراف، فصاروا ينكرون ما يذكره أهل السنة وما يثبته أهل السنة استنباطًا من الكتاب والسنة واستقراء منهما، والإنسان إذا تتبع نصوص الكتاب والسنة يجد أن هذه الأقسام موجودة، ويكفي مثالًا على ذلك أول سورة في المصحف وآخر سورة في المصحف، وهما الفاتحة والناس، فقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] يشمل أنواع التوحيد الثلاثة؛ لأن نسبة الحمد إلى الله هي فعل العبد، فكون العبد يحمد الله ﷿ ويضيف الحمد إليه ويقول: (الحمد لله) عبادة، وهذا هو توحيد الإلهية، وقوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) فيه توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، فالربوبية في قوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) فمعنى: (رب العالمين) خالقهم ومربيهم بالنعم، وموجدهم من العدم، ومن أسماء الله الرب، وهو وإن كان هنا مضافًا إلا أنه قد جاء مفردًا في القرآن، كما في قول الله ﷿: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨]، فهو من الأسماء والصفات، وكذلك لفظ الجلالة، وهو (الله) في قوله: (الحمد لله) فهو علم الأعلام، وأوضح الأسماء، وهو الذي تضاف إليه الأسماء، وتأتي الأسماء أوصافًا له، حيث يأتي في القرآن كثيرًا ثم تأتي بعده الأسماء، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر:٢٢]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر:٢٣]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر:٢٤]، فتأتي الأسماء أوصافًا له، فهو أوضح الأسماء وأبينها، وقد اشتملت عليه هذه الآية الكريمة.\nوكل اسم من الأسماء يدل على صفة من الصفات، وكل اسم يشتق منه صفة، وليست كل صفة يشتق منها اسم، فالرحمن والرحيم يؤخذ منهما الرحمة، ومن العزيز العزة، ومن اللطيف اللطف، ومن القوي القوة، ومن الحكيم الحكمة، ومن الخبير الخبرة، ومن العليم العلم، وهكذا كل اسم يشتق منه صفة.\nإذًا: فهذه الآية الكريمة اشتملت على توحيد الربوبية، والإلهية، والأسماء والصفات.\nوقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] اسمان من أسماء الله، يدلان على صفة الرحمة، وهذا من توحيد الأسماء والصفات.\nوقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]، وفي قراءة ﴿ملك يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] فيه توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، فيوم الدين هو يوم القيامة، وهو يوم الجزاء والحساب، والله تعالى مالك الدنيا والآخرة، ومالك كل شيء، وإنما قال: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) لأن ذلك اليوم هو اليوم الذي يخضع فيه الجميع لرب العالمين، بخلاف الدنيا، فإنه يوجد فيها من يتجبر ويتكبر، بل وجد من قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وأما الآخرة فما فيها إلا الذلة والخضوع لله ﷾.\nقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] فيه توحيد الإلهية.\nوقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] فيه توحيد الإلهية؛ لأن (اهْدِنَا) دعاء، والدعاء من العبادة، كما قال ذلك رسول ﵊.\nوقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] هم أهل التوحيد، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] وهم الذين فارقوا التوحيد.\nفسورة الفاتحة مشتملة على أنواع التوحيد الثلاثة، ومثلها سورة الناس، فقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] مثل قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] مشتمل على أنواع التوحيد الثلاثة، فقوله: «أَعُوذُ» فيه توحيد الإلهية؛ لأن الاستعاذة من أفعال العباد، وهي لله ﷿ وحده، وقوله: «رب الناس» مثل (رب العالمين) فيه ذكر الربوبية، وفيه اسم وصفة، وقوله: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس:٢] فيه ربوبية، وفيه اسم وصفة، وقوله: ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:٣] فيه ذكر الإلهية، وفيه اسم وصفة.\nإذًا: فهذا التقسيم موجود في الكتاب والسنة، وقد عرف بالاستقراء والتتبع لنصوص الكتاب والسنة، وهذا هو الإيمان بالله ﷿: أن يؤمن المرء بربوبيته وإلاهيته وأسمائه وصفاته.\nوالإيمان بالله ﷿ هو أس الأسس، وكل ما بعده تابع له، كما أن الشهادتين في أركان الإسلام هما أس هذه الأركان، وكل ما بعدهما تابع لهما، فكذلك الإيمان بالله كل ما وراءه تابع له، وكل ما يجب الإيمان به فهو تابع له، ومن لم يؤمن بالله فإنه لا يؤمن بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.\nإذًا: الإيمان بهذه الأمور تابع للإيمان به سبحانه، فهو الأساس، ولهذا أضيف كثير من هذه الأمور الباقية بالضمير العائد إليه، حيث قيل: وملائكته وكتبه ورسله.","vol":"4","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>الإيمان بالملائكة الكرام ﵈</span>\nالملائكة خلق من خلق الله، ولا يعلم عددهم إلا الله، وقد جاء في السنة بيان أنهم خلقوا من نور، كما جاء فيها بيان أن الجان خلق من مارج من نار، وأن الإنسان خلق مما وصف لنا في القرآن، كما قال ﵊: (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم) أي: من طين وتراب وصلصال كالفخار، كما جاء ذلك في القرآن.\nفإذًا: أصل الملائكة من نور، وأصل البشر من تراب، وأصل الجن من مارج من نار، كما جاء ذلك في القرآن وكما جاء مبينًا في السنة في هذا الحديث الصحيح الثابت عن رسول الله ﷺ.\nوالله تعالى خلق الملائكة ذوي أجنحة، كما قال الله ﷿: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر:١]، وقد ثبت في السنة أن جبريل له ستمائة جناح، وقد رآه النبي ﵊ مرتين على هيئته التي خلقه الله عليها: مرة عند سدرة المنتهى لما عُرج به إلى السماء، ومرة رآه في الأرض وقد سد الأفق لضخامة حجمه، وهذا المخلوق الذي هو بهذه العظمة يتحول بقدرة الله ﷿ فيصير على صورة إنسان، كما مر بنا في أول الحديث، حيث جاء النبيَّ ﷺ على صورة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه أحد، فالملائكة يتشكلون من خلقهم إلى خلق آخر كخلق الإنسان، كما حصل لجبريل حيث كان يأتي بصورة رجل مجهول، وجاءه في صورة دحية بن خليفة الكلبي أيضًا، وجاء جبريل إلى مريم في صورة بشر، وكما جاء ضيوف إبراهيم إلى إبراهيم في صورة بشر، وكذلك ذهبوا إلى لوط وهم على صورة البشر، فالله ﷿ يجعلهم يتحولون من خلقهم الذي هم عليه إلى خلق آخر، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\nوهذا الذي يحصل منهم لا يقال: إنه دليل على جواز التمثيل.\nوهذا الحديث لا يدل على جواز التمثيل؛ فإن التمثيل محرم، وهو من الكذب الذي ذكره الرسول ﷺ بقوله: (ويل لمن يحدث فيكذب ليضحك القوم، ويل له ثم ويل له)، فلا يدل الحديث على جواز التمثيل؛ لأن هذا المخلوق هو نفسه الذي سد الأفق، فجاء على هذه الصورة والله تعالى هو الذي جعله عليها.\nفلا يقال: إنه يجوز للإنسان أنه يمثل شخص غيره، وأن يتكلم على أساس أنه فلان من الناس، أو يقال: هذا يمثل كذا، وهذا يمثل كذا.\nحتى وصل الأمر إلى أنهم يمثلون الشيطان، والعياذ بالله.\nفالخلاصة أن هذا الحديث لا يدل على التمثيل؛ لأن هذا شيء حصل بقدرة الله ﷿، وهو الذي قلبه من حال إلى حال، وأما هذا الذي يحصل من هؤلاء الممثلين فهو تكلف وكذب وإتيان بشيء ليس له أساس في الدين.\nوالإيمان بالملائكة يكون بالإيمان بمن سمي منهم باسمه كجبريل وميكائل وإسرافيل، وكخازن الجنة، وخازن النار، وهو مالك، كما جاء في القرآن، واشتهر أن خازن الجنة اسمه رضوان، وأن ملك الموت اسمه عزرائيل، ولا نعرف شيئًا ثابتًا في ذلك، والذي ثبت في الكتاب والسنة هو اسم جبريل وميكائل وإسرافيل ومالك خازن النار.\nفنحن نؤمن بمن سمي باسمه، ومن لم يسمَّ نؤمن به وإن لم نعرف اسمه، ونصدق بكل ما أخبر الله تعالى به -وكذلك رسوله ﷺ- من بيان أعمالهم، والأمور التي كلفوا بها، وما يتعلق بعباداتهم، وما إلى ذلك من أحوالهم، فكل ما ثبت به الكتاب والسنة يجب التصديق به، وهذا من الإيمان بالغيب؛ لأننا لم نعرف ذلك إلا عن طريق الكتاب والسنة، فلم نشاهدهم ولم نعاينهم حتى نعرفهم، وإنما عرفناهم عن طريق الوحي، بل إنّ الإيمان بالله ﷿ هو من الإيمان بالغيب؛ لأننا لا نعرف عن الله ﷿ إلا ما بينه في كتابه وسنة رسوله ﷺ، فالإيمان بالله من الإيمان بالغيب، والإيمان بالملائكة من الإيمان بالغيب، والإيمان بالكتب من الإيمان بالغيب، والإيمان بالرسل من الإيمان بالغيب، والإيمان باليوم الآخر من الإيمان بالغيب، والإيمان بالقدركذلك، فكل أركان الإيمان الستة الإيمان بها من الإيمان بالغيب، أي أننا ما عرفنا ذلك إلا عن طريق الوحي من كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ.\nوقد جاء في الكتاب والسنة بيان كثير من أعمالهم، فمنهم الموكل بالوحي، ومنهم الموكل بالقطر، ومنهم الموكل بالموت، ومنهم الموكل بالجبال، ومنهم الموكل بالأرحام، ومنهم الموكل بالجنة، ومنهم الموكل بالنار، ومنهم الموكل بالحفظ، ومنهم الموكل بالكتابة، فهذه أعمال كثيرة ذكرها الله ﷾ وبينها في كتابه، وبينها رسوله ﷺ في سنته، وكل ما جاء في الكتاب والسنة من أخبارهم يجب التصديق به.\nوهم كثرة لا يعلمهم إلى الله ﷾، ومما يدل على كثرتهم ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (ما منكم من أحد إلا وله قرين من الجن وقرين من الملائكة)، فهذا يدل على كثرتهم؛ لأن كل إنسان له قرين من الملائكة، ومما يدل على كثرتهم -أيضًا- أن البيت المعمور -وهو في السماء السابعة، وهو فوق الكعبة، كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ- يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة، ومن دخله لا يعود إليه مرة أخرى، فالدخول مرة واحدة لكل ملك، فهذا يدل على كثرتهم.\nومما يدل على كثرتهم -أيضًا- ما جاء في الحديث من أن النار لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، فهؤلاء الذين يجرون النار فقط، فالملائكة جند لا يعلمهم إلّا الله ﷾، والواجب الإيمان بكل ما جاء من الأخبار عنهم في كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ.\nوقدموا في الذكر على ما بعدهم من الكتب والرسل لأن الملك هو الذي يسمع ويأخذ عن الله، فينزل الرسول الملكي -وهو جبريل- على الرسول البشري، وهو محمد ﷺ والرسل من قبله، وقد وصف الله تعالى جبريل بأنه رسول كريم في سورة التكوير، ووصف نبينا محمدًا ﷺ بأنه رسول كريم في سورة الحاقة، فكل منهما رسول كريم، فهذا رسول ملكي، وهذا رسول بشري، والرسول الملكي هو الذي يأخذ كلام الله ﷿ وينزل به على الرسول البشري.\nفقدٍّم ذكر الملائكة لأن جبريل يأخذ عن الله ﷿، فينزل به على الرسل صلوات الله وسلامه وبركاته عليهم.","vol":"4","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>الإيمان بالكتب السماوية</span>\nالكتب هي التي تلقاها جبريل عن الله تعالى ونزل بها على رسل الله، ويراد بها كل كتاب أنزله الله على رسول من رسله، وهذه الكتب منها ما سمي لنا ومنها ما لم يسمَّ، والذي سمي لنا القرآن والتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى، على خلاف في صحف موسى هل هي التوراة أو غير التوراة، فهذا كل ما سمي لنا في القرآن، وأما غير ذلك فلم يسَّم لنا، ونحن نؤمن بالمسمى وغير المسمى.\nوقد أخبر الله ﷿ أنه أنزل الكتاب على رسله، فقال كما في سورة الحديد: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد:٢٥]، ومعلوم أن الله لم ينزل كتابًا واحدًاَ فقط على رسله، بل أنزل كتبًا، فـ (أل) هنا للجنس وليست للإفراد، أي أن المقصود الكتب، وليس المقصود بذلك كتابًا واحدًا مفردًا، وإنما يراد بذلك عموم الكتب وجنسها.\nوقد جاء في القرآن في مواضع عديدة ذكر الكتاب يراد بها المفرد، وجاء يراد به الجنس، ومن الآيات ما جمعت بين هذا وهذا، ومما جمع بين الاثنين قول الله ﷿ في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء:١٣٦]، فذكر الكتابين: الكتاب الذي أنزل على رسوله وهو القرآن، والكتاب الذي أنزل من قبل، أي: الكتب التي أنزلت من قبل، وفي سورة المائدة: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة:٤٨] وهو القرآن، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة:٤٨] أي: الكتب السابقة.\nفقد جمع الله ﷿ في هاتين الآيتين بين لفظ الكتاب مرادًا به الكتاب المفرد -وهو القرآن- ومرادًا به الكتب السابقة.\nومثل ذلك قوله تعالى في البقرة: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ﴾ [البقرة:١٧٧]، فقوله: «وَالْكِتَابِ» أي: الكتب.\nوالألف واللام فيه لاستغراق الجنس.\nوالمراد بالكتب الكتب المنزلة على الرسل التي منها ما سمي ومنها ما لم يسمَّ، والمراد بالإيمان بها أن نؤمن بأنها حق، وأنها كلام الله، وأنها منزلة غير مخلوقة، وأنها مشتملة على كل ما فيه سعادة من أُنزلت عليهم، وأن من أخذ بها سعد وظفر، ومن أعرض عنها خاب وخسر، وكذلك نؤمن بالكتب السابقة على سبيل الإجمال، أي: من ناحية المحتويات، فنحن لا نعرف عنها شيئًا إلا ما جاء في كتاب ربنا أو سنة نبينا من أخبار عنها، فإننا نؤمن بما جاء مضافًا إلى تلك الكتب المنزلة، وبما أخبرنا عنه القرآن والسنة فيها، سواء أكان ذلك موجودًا في الكتب التي في أيدي اليهود والنصارى الآن، أم ليس بموجود، وقد جاء في القرآن بيان بعض الأحكام الموجودة في التوراة، مثل قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ [المائدة:٤٥] أي: في التوراة، ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، فهذا موجود في الكتب السابقة وبنص إخبار القرآن الكريم بذلك، وكذلك الرجم في الزنا، فإنه موجود في الكتب السابقة، كما جاء في ذلك الحديث بأنه موجود في التوراة التي كانت موجودة في زمن النبي ﷺ، وقد حصل التحريف والتبديل قبل زمنه ﷺ، إلّا أن هذا الحكم بقي موجودًا فيها في ذلك الوقت، كما جاءت بذلك السنة.\nإذًا: فما كان فيها مما جاء في القرآن مضافًا إليها فنحن نؤمن بأنه فيها، ونصدق به، وأما ما هو موجود في كتبهم ولم يضف إليها في القرآن والسنة فإن كان لا يليق بالله ﷿ ولا يليق بالملائكة فهو كذب، وهو مما بّدل وحّرف، وإن كان كلامًا جميلًا حسنًا وعبرًا وعظات فنحن لا نصدق به ولا نكذب به؛ ولأن الرسول ﷺ أرشدنا إلى هذه الطريقة وإلى هذا المنهج بقوله -كما ثبت في صحيح البخاري -: (إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم)، فهذا القسم لا نصدق به ولا نكذّب به؛ لأننا لو صدقنا به فقد يكون بعضه محرفًا فنصدق بالمحرف، ولو كذبنا به فقد يكون حقًا أو بعضه فنكذب بالحق، ولكن إذا قلنا: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ ولا نصدق ولا نكذب به فإننا نكون قد أخذنا بطريق السلامة وطريق النجاة.\nومما هو موجود في القرآن ولكنه لا يوجد في الكتب التي بأيدي اليهود والنصارى الآن ما ذكره الله في سورة الفتح من أوصاف الصحابة ﵃ وأرضاهم، فإن هذا لا يوجد في الكتب التي بأيدي اليهود والنصارى، ومع ذلك فكل ما جاء في القرآن يجب الإيمان بأنه موجود فيها، وما لم يكن في القرآن ولا في السنة فإن الأمر فيه يكون بالمنهج الذي أرشد إليه الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وذلك بأن لا يكذبوا ولا يصدقوا، وإنما يقال: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾.\nوأما بالنسبة للقرآن فيجب الإيمان به جملة وتفصيلًا؛ لأنه موجود بين أيدينا من أوله إلى آخره، ومن فاتحته إلى خاتمته، وقد حفظه الله ﷿ من التحريف والتبديل، والقرآن الذي بأيدينا جمعه ذو النورين عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، ولهذا فإن من مناقبه ﵁ أن الله وفقه لجمع القرآن، فحفظ الله به على هذه الأمة كتابها، حيث جمعه وصار بأيدي الناس يتناقلونه ويتوارثونه، وهو باق ومحفوظ بحفظ الله ﷿، فنحن نؤمن بكل ما جاء فيه، فنصدق أخباره، ونمتثل أوامره، وننتهي عن نواهيه، ونعتقد بأنه معجز، وأنه تحدى أهل الفصاحة والبلاغة بأن يأتوا بمثله، ثم نزل في التحدي إلى عشر سور من مثله، ثم إلى سورة، وأقصر سور القرآن سورة العصر، وسورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، وسورة الكوثر، ولا أحد يستطيع أن يأتي بمثل هذا المقدار كلامًا يماثله، بل لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ما استطاعوا، كما جاء ذلك في كتاب الله ﷿، مع أن الذي أتى به رجل أمي لم يكن يقرأ ولا يكتب، فهذا دليل على أنه من عند الله.\nفنؤمن بالقرآن إجمالًا وتفصيلًا، وأما تفاصيل الكتب السابقة فما جاء ذكره في القرآن مضافًا إليها يؤمن به ويصدق بأنه موجود فيها، وما لم يكن كذلك فإنه يسلك معه الطريقة التي أرشد إليها رسول الله ﷺ.","vol":"4","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>الإيمان بالرسل ﵈</span>\nالرسل هم الذين اختارهم الله للرسالة من البشر، وفضلهم على غيرهم، وأنزل عليهم الوحي بواسطة جبريل، فيجب الإيمان بهم، والتصديق بما جاء من أخبارهم، ومن سمي منهم نؤمن به باسمه، ومن لم يسمَّ نؤمن به وإن لم نعرف اسمه، والله ﷿ بين لنا أن منهم من قص علينا ومنهم من لم يقصص علينا، فنحن نؤمن بمن قص باسمه، ومن لم يقص فنؤمن به وإن لم نعرف اسمه.\nوقد أخبر الله تعالى في كتابه أنه بعث في كل أمة رسولًا فقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، فكل رسول أرسله الله ﷿ للدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والتحذير من عبادة غيره ﷾، سواء عُبد غيره استقلالًا، أو عُبد الله وعُبد غيره معه، فإنّ العبادة لا تنفع إلا إذا كانت خالصة لله ﷾ لا شريك له فيها.\nفإذًا: نحن نؤمن بمن سمي وبمن لم يسمَّ، وبمن قص علينا ومن لم يقص، وقد سمى القرآن خمسة وعشرين منهم، فنحن نؤمن بهم وبأسمائهم، وغيرهم نؤمن به وإن لم نعرف اسمه.\nونعتقد -أيضًا- أنهم بلغوا البلاغ المبين، وأن كل واحد منهم أدى ما عليه على التمام والكمال، كما قال الله ﷿: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل:٣٥]؛ لأن هذه مهمتهم، وقد أدوها على التمام والكمال، كما جاء عن الزهري -رحمة الله عليه- أنه قال: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم.\nفالذي من الله هو الإرسال، وقد حصل، والذي على الرسل هو البلاغ، وقد حصل، والذي على أتباعهم هو الاستسلام والانقياد لما جاءوا به، وهنا ينقسم الناس إلى موفق ومخذول، وإلى شقي وسعيد، فالموفق والسعيد هو الذي يستسلم وينقاد لما جاءوا به، والمخذول الشقي الطريد هو الذي يعرض عما جاءوا به ولا يقبله ولا يعمل به.\nوقد جاء وصف نبينا ﷺ بالنبوة والرسالة، وخاطبه الله تعالى بهذين الوصفين فقال: (يا أيها الرسول) وقال: (يا أيها النبي) وذلك في آيات كثيرة.","vol":"4","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>الفرق بين النبي والرسول</span>\nوقد جاء في القرآن ذكر الرسل والأنبياء، فمن العلماء من قال: إنه لا فرق بين النبي والرسول.\nولكن الأدلة دلت على الفرق بين النبي والرسول، وأن الرسل هم الذين أنزل عليهم الكتب، وأرسلوا برسالة مستقلة ابتداء، كما حصل لموسى الذي أنزلت عليه التوراة، وإبراهيم الذي أنزلت عليه الصحف، وكذلك نبينا محمد ﷺ الذي أنزل عليه القرآن، ومنهم من أمر بأن يبلغ رسالة سابقة، ولم ينزل عليه كتاب، كأنبياء بني إسرائيل من بعد موسى الذين كانوا يحكمون بالتوراة، كما قال الله ﷿: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة:٤٤]، فالأنبياء من بعد موسى كانوا يحكمون بالتوراة، ولم ينزل عليهم كتاب، وإنما أمروا بأن يبلغوا هذا الكتاب، وأن يحكموا به، وأن يدعوا إليه، وعلى هذا فالرسول هو الذي أوحي إليه بشرع ابتداء، وأنزل عليه الكتاب، كموسى الذي أنزلت عليه التوراة، والنبي هو الذي أمر بأن يبلغ رسالة سابقة ولم ينزل عليه كتاب، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يحكمون بالتوراة من بعد موسى، كما جاء ذلك في سورة المائدة، لكن قد جاء وصف نبينا بأنه نبي وأنه رسول، وجاء وصف إسماعيل بأنه نبي ورسول، وجاء وصف موسى بأنه نبي ورسول.\nأما نبينا محمد ﷺ فقد خوطب بـ (يا أيها الرسول) و(يا أيها النبي)، فهو -ﷺ- نبي ورسول، وموسى قال الله ﷿ عنه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥١]، وقال الله تعالى عن إسماعيل: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٤]، فوصفهم جميعًا بالنبوة والرسالة.\nفنبينا محمد ﷺ أوحي إليه أولًا ولم يؤمر بالتبليغ، وذلك عندما أنزل عليه (اقرأ) قبل أن تنزل عليه سورة المدثر، فهو نبي وليس رسولًا في ذلك الوقت، وبعدما أنزلت عليه سورة المدثر صار نبيًا رسولًا صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولهذا يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتاب (الأصول الثلاثة): نبئ بـ (اقرأ) وأرسل بالمدثر يعني: صار نبيًا بنزول (اقرأ) عليه، وصار رسولًا بنزول سورة المدثر عليه.\nوعليه فيمكن أن يقال: إنّ النبي هو الذي أوحي إليه بشرع في وقت ما ولم يؤمر بتبليغه، وهذا مثل الحالة التي كانت قبل نزول المدثر في حق نبينا محمد ﷺ، أو هو الذي أمر بأن يبلغ رسالة سابقة، كما حصل في حق أنبياء بني إسرائيل من بعد موسى، فإنهم كانوا يحكمون بالتوراة، وأما التفريق المشهور الذي يقول: إنّ الرسول من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، والنبي من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه فإنه لا يستقيم فيما يتعلق بالنبي؛ لأنه جاء في القرآن أن النبي مرسل، كما قال الله ﷿: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف:٦]، فوصف النبي بأنه مرسل، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ [الحج:٥٢] فعطف الرسول على النبي معناه أنهما شيئان وليسا شيئًا واحدًا.\nوالله تعالى أعلم.","vol":"4","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>الأسئلة</span>","vol":"4","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>المعطلة ولازم قولها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل تلتقي المعطلة مع الشيوعية التي تنكر وجود الله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المعطلة لا ينكرون وجود الله، بل يقولون: إن الله موجود.\nولكن مقتضى طريقتهم في النفي أنه لا وجود له تعالى، ولهذا قال بعض أهل العلم: إن المعطل يعبد عدمًا، وإنّ المشبه يعبد صنمًا.","vol":"4","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>حكم التعمق في البحث عن أسماء الله وصفاته</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل التعمق في الصفات يفتح على الإنسان باب الوسوسة، حيث يقال: إن الأولى أن يبقى المرء على دين العجائز في الصفات فقط؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كون الإنسان يبحث في الكتاب والسنة عن أسماء الله وصفاته هو حق، فهذا هو الطريق الصحيح لمعرفة ما يوصف الله به وما لا يوصف به، فإن ذلك لا يعرف إلا عن طريق الكتاب والسنة، فالعلماء وطلبة العلم هم الذين يبحثون عما يضاف إلى الله ﷿ من الأسماء والصفات في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فإن هذا -كما هو معلوم- من فروض الكفايات، ولا يلزم ذلك كل إنسان، فقد يؤمن الإنسان بأسماء الله وصفاته إجمالًا، وهذا هو الذي يحصل لعموم الناس، وأما المشتغلون بالعلم فهم الذين يرجع إليهم، وهم الذين يمكنهم أن يعرفوا ما أضيف إلى الله ﷿ وما ثبت لله ﷿ من الأسماء والصفات، وذلك بالرجوع إلى كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ.","vol":"4","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>سلام الحجر على رسول الله ﷺ</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل نقول: إنّ الحجر عندما سلم على النبي ﷺ قد وجد فيه نوع حياة، وكذلك جبل أحد الذي قال فيه النبي ﷺ: (جبل أحد نحبه ويحبنا)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كل ما في السموات والأرض من المخلوقات يسبح بحمد الله تعالى، وأما ذكر الحجر فالمقصود من الاستدلال به أن هؤلاء الذين يقولون: إنه لا يتصور كلام إلا بلسان ولهاة ونحو ذلك كلامهم باطل، بدلالة سلام الحجر على الرسول ﷺ، وأما كون المخلوقات تسبح فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤].","vol":"4","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>معنى الصفات الفعلية وتطبيق ذلك على صفة الاستواء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  معلوم أنّ الاستواء صفة فعلية خبرية، ومعلوم -أيضًا- أن الصفات الفعلية متعلقة بالمشيئة، فمتى شاء الله تعالى فعلها ومتى شاء لم يفعلها، فعلى هذا هل يقال: إن ربنا لا يكون مستويًا على العرش في بعض الأوقات؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يقال: إن كل صفة فعلية لا بد من أن تتكرر وأن تتعدد، بمعنى أنه يشاء وجودها فيحصل، ثم يشاء عدمها فلا يحصل، فقد شاء أن يستوي على العرش فهو مستوٍ على العرش، وما عندنا شيء يدل على خلاف ذلك، فليست كل صفة فعلية تثبت لله ﷿ يقال عنها: إنه يحصل لها كذا ويحصل لها كذا.\nفالاستواء صفة فعلية لله تعالى، فقد استوى على العرش، وما عندنا شيء ينفي هذا أو يدل على أنه حصل هذا في وقت دون وقت، نعم هو حصل بعد عدمه، لكنَّه بعد ذلك حاصل، فليس هناك إلا ذكر استوائه على العرش.","vol":"4","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>تشكّل الملائكة على غير صورة البشر</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل تتشكل الملائكة على غير صورة البشر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا نعلم دليلًا يدل على ذلك، والذي ثبت أنهم يتشكلون على صورة البشر، وأما الجن فيتشكلون على صورة البشر وعلى صورة غير البشر، كما جاء ذلك الشيطان إلى أبي هريرة على صورة بشر، وكما جاء في حديث النهي عن قتل الحيات في البيوت لأنها قد تكون من الجن.","vol":"4","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>الأنبياء المذكورون في القرآن بين النبوة والرسالة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الخمسة والعشرون الذين ذكروا في القرآن رسل أم أنبياء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  فيهم من هو رسول، وفيهم من هو نبي، وفيهم من عرف بأنه أنزل عليه كتاب، وفيهم من لم يعرف.\nوالله أعلم.","vol":"4","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>إشكال وجواب</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف يكون آدم ﵇ نبيًا ولم تكن قبله كتب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معلوم أنه أوحي إليه بما يتعبد الله تعالى به، وكذلك بنوه، فهو رسول إلى بنيه، فهم لم يعرفوا ما يتعبدون الله به إلا عن طريقه.","vol":"4","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>ثبوت أسماء بعض الملائكة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل ثبتت لبعض الملائكة اسم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ومنكر ونكير، رقيب وعتيد، ورضوان؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أما منكر ونكير فقد جاءت بهما السنة عن رسول الله ﷺ، وذلك في حديث سؤال القبر، وأما اسم عزرائيل فما نعلم أنه ثبت فيه شيء، وأما رقيب وعتيد فمعناه أنهما موكلان بالكتابة وأنهما موجودان، وليسا اسمي ملكين، وإنما ذلك من رقابة الملك على ما يصدر من العبد فيكتبه من خير أو شر.\nوأما إسرافيل فقد جاء في صحيح السنة: (اللهم! رب جبريل وميكائيل وإسرافيل) وأما رضوان فهو مشهور، ولا أعلم فيه دليلًا خاصًا يدل عليه.","vol":"4","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>هاروت وماروت من الملائكة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل هاروت وماروت من الملائكة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم هما من الملائكة.","vol":"4","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>الجمع بين حديث أجر المسلم على النفقة على أهله يحتسبها وحديث أجره على مطلق الإنفاق</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف نجمع بين قوله ﷺ: (إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة)، وحديث: (مهما أنفقت فهو لك صدقة)، حيث إن الأول ورد فيه الاحتساب، والآخر لم يرد فيه الاحتساب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يحمل المطلق على المقيد، فلا يكون له صدقة ولا يؤجر على ذلك إلا إذا احتسب ذلك، وأما إذا فعل ذلك بدون احتساب، أو ألزمه القاضي بأن ينفق، فلم ينفق إلا بحكم القاضي وإلزامه، فمثل هذا لا يحصّل أجرًا؛ لعدم وجود الاحتساب، فهذا مطلق وهذا مقيد، فيكون هذا محمولًا على هذا.","vol":"4","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>عصمة الرسل من الصغائر والكبائر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الرسل معصومون من الصغائر والكبائر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أما الكبائر فلا شك في أنهم معصومون منها، وأما الصغائر ففيها خلاف بين أهل العلم.","vol":"4","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>تفسير ما حصل من الأنبياء من المعاصي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  بماذا يفسر ما حصل من الأنبياء في حياتهم ﵈، مثل قتل موسى لذلك الرجل، وعصيان آدم ربّه في الجنة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معلوم أنّ هذا القتل كان خطأً من موسى ﵈، فلم يرد قتله، وإنما أراد دفعه عن الإسرائيلي فمات من تلك الدفعة، وأما آدم ﵇ فإن الشيطان هو الذي غرّر به وجعله يقدم ويرغب في هذا البقاء، فأكل من هذه الشجرة يريد البقاء، وقد قال الله تعالى عنه بعد ذلك: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه:١٢٢].","vol":"4","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>البيت المعمور فوق الكعبة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل القول بأن البيت المعمور لو سقط لوقع على الكعبة جاء في حديث مرفوع؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم هو فوق الكعبة، ولو سقط لوقع عليها.","vol":"4","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>اتصاف الله تعالى بالاستواء بعد خلق العرش</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قبل أن يخلق الله العرش هل كان ربنا موصوفًا بالاستواء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الاستواء -كما هو معلوم- لم يحصل إلا بعد خلق العرش، وكان الله قبل ذلك موصوفًا بالعلو، وأما الاستواء على العرش فهو بعد خلقه، والاستواء من صفات الأفعال.","vol":"4","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>نسخ الإنجيل للتوراة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الإنجيل ناسخ للتوراة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس ناسخًا لها، بل فيه إقرار لبعض أحكامها، وهو ناسخ لبعض أحكامها، فهو إقرار لشيء ونسخ لشيء، وليس ناسخًا لها كلها.","vol":"4","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>تقديم الملائكة على الرسل في الذكر كما في حديث جبريل وغيره</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ألا يكون تقديم ذكر الملائكة في أركان الإيمان على ذكر الرسل دليلًا على أن الملائكة أفضل من الرسل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  التقديم والتأخير والعطف بالواو لا يفيدان التفضيل.","vol":"4","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>ذكر عدد الأنبياء والرسل في السنة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل ورد في السنة الصحيحة ذكر لعدد الأنبياء والرسل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، فقد ورد حديث أبي ذر في هذا.","vol":"4","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>تقسيم التوحيد إلى اعتقادي وعملي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما قولكم فيمن قسم التوحيد إلى قسمين: اعتقادي وعملي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس هناك منافاة؛ فالاعتقادي لتوحيد الربوبية والأسماء والصفات، وأما العملي فهو لتوحيد الإلهية، وذلك مثل قضية الإيمان، فبعضهم يقول: إنه قول وعمل واعتقاد، ومنهم من يقول: إنه قول وعمل.\nويُدخل في ذلك الاعتقاد.","vol":"4","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>حكم من قال إن الملائكة قوى معنوية لا حقيقة لها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم قول الشخص: إن الملائكة عبارة عن قوى معنوية وليست لها حقيقة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا كلام باطل، وهذا إنكار للقرآن، وكيف لا يكون لها حقيقة وجبريل ﵇ قد جاء عنه أنه له سبمائة جناح؟! فمعنى ذلك أنّ ذلك أوهام وليس حقيقة، فهذا فيه إنكار للملائكة، وقد ذكر الله أنه خلقهم ذوي أجنحة، فهل صاحب الأجنحة ليس له حقيقة؟!","vol":"4","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>حكم الإقسام على الله تعالى بإلاهيته وربوبيته</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم أن يسأل العبد ربه بهذا الدعاء: اللهم! إني أقسم بإلهيتك وربوبيتك على أن تعطيني كذا وكذا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يقسم الإنسان على الله ﷿، وإنما يسأله بالطرق المشروعة في الدعاء، مثل: اللهم! رب جبريل وميكائيل وإسرافيل! أسألك كذا.\nكما جاء في الحديث.","vol":"4","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>لا أجر إلّا باحتساب</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  جاء في الحديث أن الرجل يؤجر على اللقمة يضعها في في امرأته، مع أنه لم يذكر الاحتساب، فهل يؤجر مع عدم الاحتساب أم يحمل الحديث على الأحاديث الوارد فيها ذكر الاحتساب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معلوم أن الأجر والثواب مبني على الاحتساب، وكل ما جاء في الأحاديث من ذكر الأجر والثواب فإنما يكون حاصلًا لوجود الاحتساب، ومعلوم أن وضعه اللقمة في فيها إنما قصده من ذلك الإحسان إليها وتأنيسها، وأنه ما فعل ذلك إلّا لأنه مشروع كما جاء ذلك في السنة.","vol":"4","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>الرقية والقراءة في الماء ثم صبه على الجمادات المصابة بالعين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا كانت القراءة في الماء ثم صبه على المريض صحيحة فهل يمكن أن يعمل هذا مع الجمادات، كشخص يظن أن سيارته قد أصيبت بعين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يعمل هذا مع الجمادات، وإنما يسأل الله أن يحفظه في أهله وماله، أما أن يقرأ ويصب عليها فلا.","vol":"4","page":30},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-86>[٥]</span>\nمن أركان الإيمان وأصوله: الإيمان باليوم الآخر، وهو شامل لكل غيب بعد الموت، فيدخل فيه الإيمان بالبرزخ، والإيمان بأحداث البعث والنشور، والإيمان بالعرض على الله تعالى، والإيمان بالحساب، والإيمان بالميزان، وبالصحف، وبالجزاء بالجنة أو النار.\nومن أركان الإيمان: الإيمان بالقدر، وهو أن يسلم العبد ويوقن بأن كل شيء خلقه الله تعالى بقدر.","vol":"5","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>الإيمان باليوم الآخر</span>","vol":"5","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>الجمع في القرآن والسنة بين الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر</span>\nالإيمان باليوم الآخر هو أحد الأصول الستة التي جاءت في حديث جبريل، ويأتي في القرآن والسنة الجمع بين الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر، وذلك لأن الإيمان بالله هو الأصل الذي تنبني عليه كل الأصول، والإتيان بالإيمان باليوم الآخر مع الإيمان بالله للتنبيه على الجزاء، وعلى ما يلقاه الإنسان في الدار الآخرة من الثواب والعقاب، ويأتي في الترغيب والترهيب الجمع بينهما، ويكون المقصود من ذلك في مجال الترغيب العمل بالأمور المشروعة من أجل أن يحصل الإنسان على الثواب، والمقصود من ذلك في الترهيب أن يحذر الإنسان من الوقوع في الأمور المحرمة؛ لئلا يحصل له العقاب.\nومما جاء في القرآن من الجمع بينهما قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٥٩] وهذا في الترغيب؛ لأنه يتعلق بالرد إلى الله تعالى ورسوله ﷺ.\nوجاء في سورة الطلاق: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [الطلاق:٢].\nوأما في السنة فقد جاء ذلك في قول الرسول ﷺ: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم) وكذلك جاء في الحديث الآخر: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت)، وهذا الحديث من أحاديث الأربعين النووية كما سيأتي، وهو من حديث أبي هريرة، وكل جملة فيه فيها الجمع بين الإيمان بالله واليوم الآخر، وذلك إما ترغيبًا في فعل الخير ليحصل الأجر، وإما ترهيبًا من فعل الشر حتى يسلم من الوزر.\nإذًا: فالجمع بين الإيمان بالله واليوم الآخر من أجل التنبيه على الاستعداد لذلك اليوم، فيقدَّم الإنسان الأعمال الصالحة، ويحذر من أن يقع في المحرمات؛ ليحصَّل له الثواب في الدار الآخرة وليسلم من العقاب فيها أيضًا.\nويأتي في القرآن -أيضًا- الجمع بين أكثر من أصلين، وذلك بأن يذكر الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وذلك كما في قوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧]، فقد اشتملت الآية على خمسة أصول من أصول الإيمان.\nوالمقصود بالكتاب الكتب، و(أل) فيه لاستغراق الجنس، وليست للأفراد، ثم إن هذه الخمسة جاءت في سورة النساء في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١٣٦].\nوجاء ذكر هذه الخمسة في آخر سورة البقرة في قول الله ﷿: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]، والخامس أشار إليه بقوله: «وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ»، والمقصود من ذلك هو اليوم الآخر.\nفجاءت هذه الأصول الخمسة في هذه الآيات الثلاث مجتمعة: في البقرة في آيتين، وفي النساء في آية واحدة، وأما الإيمان بالقدر فقد جاء مستقلًا في قول الله ﷿: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢].\nوأكثر ما اجتمع من هذه الأصول خمسة، وأقلها اثنان: الإيمان بالله واليوم الآخر، وتلك الأصول الخمسة التي اجتمعت هي ما دون الإيمان بالقدر.","vol":"5","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>للإنسان بعد موته داران: دار البرزخ، ودار ما بعد البعث والنشور</span>\nواليوم الآخر هو مقابل الدنيا، والحد الفاصل بين الدنيا والآخرة بالنسبة لكل إنسان هو موته، فإنه إذا مات قامت قيامته، وانتقل من دار العمل إلى دار الجزاء، والذين يكونون في آخر الزمان فإن الساعة تقوم عليهم، فإذا نفخ في الصور النفخة الأولى التي تعقبها نفخة البعث فإن كل من كان حيًا يموت، فيتساوى بالموت من مات في أول الدنيا ومن مات في آخرها، فالكل يموتون، وهناك بعد الموت داران: دار البرزخ، ودار ما يكون بعد البعث والنشور، فالإنسان إذا كان موفقًا فهو منعم في قبره وبعد ذلك، وإذا كان على خلاف ذلك فإنه يكون معذبًا في قبره وبعد ذلك، وقد يكون نصيبه من العذاب هو ما يكون في قبره.\nوعلى هذا فكل إنسان في هذه الدار هو في سفر إلى الآخرة، وكل يوم يمضي من عمره فإنه يقربه من الأجل والنهاية، فكل إنسان له أجل ينتهي إليه قد قدره الله وقضاه، وإذا جاء الأجل فليس هناك تقدم ولا تأخر، وإنما يكون في الوقت الذي شاءه الله تعالى، وبأي سبب من الأسباب، فإما أن يموت بالغرق، أو بالحرَق، أو بالقتل، أو يموت على فراشه، أو بغير ذلك من الأسباب، وبذلك ينتهي من دار العمل وينتقل إلى دار الآخرة.","vol":"5","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>إعداد الزاد للآخرة</span>\nوالزاد للآخرة هو تقوى الله ﷿، كما الله ﷿: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧]، فكما أن الناس في أسفارهم الدنيوية يحتاجون إلى الزاد فكذلك هم في سفرهم إلى الآخرة، بل هم هنا أشد حاجة إلى الزاد، وقد أورد البخاري في صحيحه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ في كتاب الرقاق أنه قال: (إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل)، فما ذهب ومضى من حياة المرء فقد ذهب بما فيه من عمل، وإنما عليه أن يصلح حاله في المستقبل، وأن يتدارك أموره إذا كان عنده تقصير؛ لأن كل يوم يمضي عليه يباعده من الدنيا ويقربه من الآخرة، فهناك أناس يشتغلون بالدنيا ويغفلون عن الآخرة، وهناك أناس يشتغلون بالآخرة ولا تكون الدنيا همهم.\nيقول رضي الله تعالى عنه: (فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب) أي: في الدنيا (وغدًا -يعني: بعد الموت- حساب ولا عمل) أي أن الإنسان ليس عليه عمل في الآخرة، وإنما هي دار جزاء، إن عمل خيرًا فجزاؤه خير، وإن عمل شرًا فجزاؤه شر، كما قال الله ﷿: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].\nوقال في الحديث القدسي: (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)؛ لأنه هو الذي جنى على نفسه ذلك.","vol":"5","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>المداومة على الأعمال الصالحة</span>\nوبما أن الإنسان لا يدري متى يموت فإن الموفق هو من داوم على الأعمال الصالحة، وكان على صلة وثيقة بالله باستمرار، فإذا وافاه الأجل فإنه يكون على حال طيبة، بخلاف الإنسان الذي يهمل ويغفل في بعض الأوقات وينشط في بعض الأوقات، فإنه قد يأتيه الموت في حال الإهمال والتقصير، وأما إذا داوم على العمل ولو كان قليلًا فإنه يعود عليه بالنفع، ولهذا قال ﵊ (أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل)، وكما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] أي: داوموا على الإسلام، وعلى الطاعة، وعلى التقى.\nويقول ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في الحديث الطويل: (فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه) فقوله: (فلتأت منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر) هو من جنس قوله تعالى: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] أي: أن يكون الإنسان مستقيمًا وملازمًا للتقوى، وقد ذُكر في ترجمة منصور بن زاذان -وهو من رجال الكتب الستة، وكان من الملازمين للعبادة- أنه قال فيه أحد أصحابه أو العارفين به: لو قيل لـ منصور بن زاذان: إن ملك الموت بالباب لما أمكنه أن يزيد شيئًا عن الذي كان يفعله.\nلأنه ملازم للعبادة، ففي أي وقت يأتيه الأجل فهو على حالة طيبة من ملازمة التقوى والطاعة لله تعالى، فعلى الإنسان أن يكون مستعدًا ومتهيئًا في أي لحظة من اللحظات للموت، فإذا فاجأه الموت فإنه يكون على حالة حسنة طيبة.\nوإنّ الإنسان في حال خروج روحه يبشر أو يُخوُّف، فإذا كان من أهل السعادة فإن الملائكة تبشره، ولهذا فإن روحه تخرج بسرعة كما تخرج القطرة من في السقا، وإذا كان بخلاف ذلك وبشر بالعذاب فإن الروح تأبى الخروج من الجسد، فيستخرجونها كما يستخرج السفود من الصوف المبلول، ولهذا جاء في الحديث الذي في صحيح مسلم -وهو أول حديث عند الإمام مسلم في كتاب الزهد- أنه ﵊ قال: (الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر)، فالكافر لا يريد أن يخرج من هذه الدنيا؛ لأنه ليس عنده نعيم إلا فيها، فما بعدها إلا العذاب الدائم المستمر، وأما المؤمن فإنه في الدنيا في سجن، أي أنه تحصل له المصائب والنكبات، ومع ذلك فإنه يصبر ويحتسب، ولكنه عندما ينتقل من هذه الدار إلى دار النعيم فكأنه خرج من السجن، فينطلق في نعيم الجنة وخيراتها وما أعده الله له فيها.","vol":"5","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>حال الإنسان في قبره والإيمان والتسليم بذلك</span>\nوإذا مات الإنسان ووضع في قبره فإنه يأتيه منكر ونكير -وهما ملكان- يسألانه عن ربه ودينه ونبيه، وهذه الأسئلة الثلاثة يمتحن بها الإنسان في قبره، فإذا كان موفقًا أجاب بأن ربه هو الله، وأن دينه هو الإسلام، وأن نبيه هو محمد ﷺ، وإذا كان بخلاف ذلك فإنه يقول: هاه هاه، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته.\nوهذه الأسئلة التي يسأل عنها العبد في القبر اشتمل عليها كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ المسمى (الأصول الثلاثة وأدلتها)، وهو كتاب مختصر مفيد، وموضوعه هو هذه الأسئلة الثلاثة التي يسأل عنها العبد في القبر، حيث تكلم عما يتعلق بالإيمان بالله، والإيمان بالرسول ﷺ، وعما يتعلق بالدين، وهذه الأمور الثلاثة جاءت في الحديث الذي في صحيح مسلم عن العباس بن عبد المطلب أن النبي ﵊ قال: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولًا)، وكذلك جاء هذا الدعاء عند الأذان، وجاء -أيضًا- في أذكار الصباح والمساء: (رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولًا)، وكتاب (الأصول الثلاثة) كتاب نفيس لا يستغني عنه الخواص ولا العوام، ولا يستغني عنه العامي ولا طالب العلم؛ لأنه يتكلم عن هذه الأسئلة الثلاثة التي يسأل عنها الميت في قبره، وقد تكلم عنها بكلام مختصر ومفيد، فلهذا ينبغي لكل إنسان أن يحرص عليها بنفسه، وأن يدل عليها غيره ليستفيد منها.\nثم إن من كان مؤمنًا -كما جاء في حديث البراء- وأجاب بالجواب السديد فإنه يفتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من روحها ونعيمها، وإذا كان بخلاف ذلك فتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، فيكون الإنسان منعمًا بنعيم الجنة وهو في قبره، أو معذبًا بعذاب النار وهو في قبره.\nوعذاب القبر ونعيمه من أمور الغيب التي يجب التصديق والإيمان بها، فيجب على الإنسان أن يصدق بكل ما أخبر به الصادق المصدوق ﵊ من أمور غائبة، سواء أكانت ماضية أم مستقبلة أم موجودة لا تشاهَد ولا تعايَن، كالملائكة والجن الذين يكونوا حولنا، وكما في أخبار ما في السموات مما أخبر به الله ﷿ وأخبر به رسوله ﷺ، فكل ذلك يجب الإيمان به، فالإيمان بعذاب القبر ونعيمه من جملة الإيمان بالغيب الذي مدح الله أهله وأثنى عليهم بقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٢ - ٣].\nأصول الإيمان الستة التي نتكلم عليها كلها داخلة في الإيمان بالغيب، فالإيمان بالله من الإيمان بالغيب، والإيمان بالملائكة من الإيمان بالغيب، والإيمان بالرسل من الإيمان بالغيب، والإيمان بالكتب من الإيمان بالغيب، والإيمان باليوم الآخر من الإيمان بالغيب، والإيمان بالقدر من الإيمان بالغيب، وجميع أعمال اليوم الآخر داخلة في الإيمان بالغيب، والحياة في البرزخ تختلف عن الحياة قبل الموت، وعن الحياة بعد البعث، ولهذا فهي برزخ وحد فاصل بين هذا وهذا، فكل ما أخبر الله تعالى به وأخبر به رسوله ﷺ مما يتعلق بالقبر والدار الآخرة يجب الإيمان به، وقد ذُكر عذاب القبر في القرآن، كما قال الله ﷿ في حق فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦].\nوقيام الساعة يطلق على معنيين: أحدهما: نهاية الدنيا التي تقوم عليها الساعة، والثاني: البعث، فإنه يقال له: قيام الساعة.\nفالمقصود بقيام الساعة في الآية هو البعث، فقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٦] أي: في القبور ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] أي أنه عندما يكون البعث والنشور بعد ذلك فإنهم ينتقلون من عذاب شديد إلى عذاب أشد، وعلى هذا فمن كان موفقًا فإنه يصل إليه نعيم الجنة من قبره، ومن كان بخلاف ذلك فإنه يصل إليه عذاب النار في قبره، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة، فالكتاب كما في هذه الآية التي في شأن آل فرعون، وأما السنة فكما جاء في حديث البراء بن عازب الذي أشرت إليه، وكذلك غيره من الأحاديث الثابتة عن رسول الله ﷺ.","vol":"5","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>الإيمان والتسليم بما يكون في القبر وما بعد ذلك</span>\nثم إن عذاب القبر -كما هو معلوم- أمر غيبي، فلو فتحنا القبر فإنا لا نجد فيه جنة ولا نارًا، فلا يُنكر ذلك بحجة عدم رؤيته، فأمور الآخرة تختلف عن أمور الدنيا، وأمور البرزخ تختلف عن أمور الدنيا، فقد حجب الله تعالى عنا ذلك، كما حجب عنا -أيضًا- ما يجري في القبور من الأصوات ومن العذاب والصياح، وقد أطلع الله تعالى رسوله ﷺ على بعض ذلك، فقد قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: (لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع)، والحكمة في ذلك -والله أعلم- أن يتميز من يؤمن بالغيب ممن لا يؤمن به، فلو كانت أمور الآخرة علانية لما تميَّز من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن به، ولهذا ستحصل أمور الآخرة في الآخرة ولا تحصل في الدنيا، فهناك أناس يصدقون بكل خبر، وهناك أناس يقولون: هذا غير معقول.\nوهذا مثل حال بعض الفرق الضالة التي تقول: إن الجنة والنار ليستا موجودتين؛ لأنهما لو كانتا موجودتين لكان وجودهما عبثًا؛ لأنه لا يستفاد منهما.\nوهذا كلام باطل؛ لأن الآية أخبرت بأن العذاب حاصل قبل يوم القيامة في عذاب النار نفسه، وأن المنعم يصل إليه النعيم وهو في قبره، فيفتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من روحها ونعيمها، فمعنى ذلك أن النعيم والعذاب حاصلان، ومما يبين هذا أن الرسول ﷺ لما صلى بالناس صلاة الكسوف عُرضت عليه الجنة والنار، فرأى عناقيد العنب متدلية، فمد يده ليتناول عنقودًا ثم ترك، وكان الصحابة ﵃ وراءه يرون يده تمتد ولا يرون الذي مُدَّت إليه اليد، وعرضت عليه النار فتكأكأ، أي: رجع القهقرى، ولما فرغ من صلاته قالوا: يا رسول الله! رأيناك تقدمت وكأنك تتناول شيئًا، ورأيناك تكأكأت! فقال: (عرضت علي الجنة، ورأيت عناقيد العنب، فأردت أن آخذ عنقودًا ثم تركت، ولو أخذت منه لأكلتم ما بقي من الدنيا) ولكنه ترك ذلك حتى تبقى أمور الآخرة غيبًا، وحتى يتميز من يؤمن بالغيب ممن لا يؤمن بذلك، فالصحابة ﵃ وأرضاهم لم يروا هذا الذي رآه الرسول ﷺ، كما أسمع الله نبيه ما يجري في القبور، وحجب ذلك عنهم فلم يسمعوه.\nفالله تعالى على كل شيء قدير، وله أن يطلع من شاء من خلقه على ما شاء من غيبه، وأن يحجب ذلك عمن يشاء.\nوقد نص الشارع في ذكر العذاب على القبر؛ لأن الغالب على الناس أن يقبروا، ومن الناس من لا يقبر، فبعضهم يحترق ولا يبقى لجسمه أثر، ومن الناس من يغرق وتأكله الحيتان، لكن الغالب أن الناس يقبرون، ولهذا جاءت النصوص في الكتاب والسنة على عذاب القبر، فذكر القبر من باب الغالب، فمن لم يقبر وهو مستحق للنعيم فإنه يصل إليه، ومن لم يقبر وهو مستحق للعذاب فإنه يصل إليه العذاب، والله على كل شيء قدير.\nوقد جاء في السنة أن الأنبياء حرم الله على الأرض أن تأكل أجسادهم، فالذين أكلتهم الأرض وصاروا مختلطين بالتراب يصلهم النعيم والعذاب، والذي يحترق ويتفرق في الهواء يصل إليه النعيم والعذاب، فمن كان مستحقًا للنعيم وصل إليه، ومن كان مستحقًا للعذاب وصل إليه.\nوقد يقبر اثنان في قبر واحد ويكون أحدهما في نعيم والثاني في جحيم، وهذا لا يصل إليه نعيم هذا، وهذا لا يصل إليه عذاب الآخر، والله تعالى على كل شيء قدير.\nوهناك في أمور الدنيا من الشواهد ما يوضح هذا المعنى، فقد يكون الاثنان نائمين في مكان واحد، ثم يقومان من النوم وأحدهما مسرور لأنه رأى في منامه أمورًا سارة، وأما الثاني فيقوم وهو حزين؛ لأنه رأى الوحوش تلاحقه، أو رأى الحيات تطارده، فيحصل له من البلاء والعذاب ما الله به عليم، ومع ذلك لم يدر أحدهما عن صاحبه شيئًا.\nفأمور الآخرة وأمور البرزخ جهلها من باب أولى، فلا تقاس على أمور الدنيا، وإنما هي أمور مخفية.\nوجاء في الحديث أن الإنسان الكافر عندما يضرب بمرزبة يصرخ صرخة يسمعها كل شيء من الحيوانات إلا الثقلين؛ لأنهما مكلفان، فلذلك أخفى الله عليهم ذلك، والحيوانات نفسها تسمع ما يجري في القبر، فالله تعالى أسمع من شاء من خلقه، وأخفى ذلك عمن شاء من خلقه -وهم المكلفون- حتى يتميز من يؤمن بالغيب ممن لا يؤمن به، وعلى هذا فإن الواجب هو الإيمان بكل ما جاء في القرآن والسنة مما يتعلق باليوم الآخر، ومن ذلك -أيضًا- ما يتعلق بالبرزخ، فالبرزخ تابع لليوم الآخر، فكل ذلك داخل في دار الجزاء، فما بعد الموت كله جزاء، وما قبل الموت كله عمل، كما مر في أثر علي ﵁ (اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل).","vol":"5","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>إعادة الأجساد بعد البعث كما كانت في الدنيا</span>\nفإذا نفخ في الصور النفخة الثانية خرج الناس من قبورهم وقد أكلت الأرض ما أكلت منهم، فيعيد الله ﷿ كل الخلق الذين كانوا في الدنيا بأجسادهم وأرواحهم نفسها؛ حتى يحصل لها النعيم أو العذاب في الآخرة، ولا يخلق أجسادًا جديدة، بل يعذب أو ينعم نفس تلك الأجساد التي كانت موجودة في الدنيا، ولهذا أخبر الله ﷿ عن ذلك بقوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ [ق:٤] أي: فنحن نعيده، فنستخرج تلك الذرات التي دخلت التراب حتى ترجع كل ذرة إلى مكانها.\nإذًا: فالبعث ليس إعادة أجسام جديدة لم تكن موجودة في الدنيا، بل يعيد نفس الأجسام التي كانت في الدنيا، وقد جاء في القرآن والسنة أدلة تدل على هذا المعنى، وذلك في قصة إبراهيم التي ذكرها الله في القرآن، وذلك حينما طلب أن يريه الله كيف يحيي الموتى، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ [البقرة:٢٦٠] قيل في معنى ذلك: إنه أخذ أربعة من الطيور فذبحها وقطعها وخلط لحمها حتى صارت كتلة واحدة، ثم قسمها إلى أربعة أقسام، فجعل على كل جبل منهن جزءًا، ثم دعاهن، فانطلقت هذه القطع حتى وقعت كل قطعة في المكان الذي خرجت منه، فعاد الجسم كما كان، فهذه كيفية إحياء الموت، أي أن الأجزاء المتفرقة تعود إلى أماكنها، ومثل ذلك الحديث الذي ذكر فيه أن رجلًا من بني إسرائيل أوصى بنيه فقال: (إذا أنا مت فأحرقوني، ثم ذروا رمادي في البر والبحر، فلئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا لا يعذبه أحد من العالمين) وقد أخبر الرسول ﷺ بأن الله تعالى أمر البحر بأن يخرج ما فيه، والبر أن يخرج ما فيه، حتى عادت كل ذرة من الذرات إلى مكانها وعاد الجسم كما كان، فهذا هو الخلق الثاني، فالله ﷿ يعيد الخلق الثاني كالخلق الأول، قال الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤].\nولهذا فالناس يخرجون من قبورهم حفاة عراة غرلًا، أي: غير مختونين، فكما كانوا في أول خلقهم غير مختونين فإنهم يكونون في الآخرة غير مختونين، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤] حتى القطعة التي قطعت فإنها تعود كما كانت أولًا، وقد قالت عائشة ﵂ (الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض! فقال ﵊: يا عائشة! الأمر أعظم من ذلك) أي أنهم لا يفكرون في العورات من شدة ما عندهم من الهول والفزع والخوف من الله ﷾، ثم إن هذا الأجزاء التي تجمع وتعود كما كانت هي التي كانت في الدنيا، فهي التي أحسنت وأساءت، فيكون العذاب والنعيم على الروح والجسد جميعًا؛ لأن الإساءة حصلت من مجموع الروح والجسد، والإحسان حصل من مجموع الروح والجسد، فالجزاء يكون لمجموع الروح والجسد، والروح تنعم متصلة بالبدن ومنفصلة عنه، وقد جاء في الحديث أن: (نسمة المؤمن طائر يعلق في الجنة، يأكل من أشجارها وثمارها) فتكون على صورة طير، ولها اتصال بالبدن والجسد، وكل ذلك من الأمور التي لا نعلم كيفيتها، والله ﷿ على كل شيء قدير، ومما يدل على أن هذا الخلق هو الذي كان في الدنيا وأنه ينعم ويعذب ما جاء في القرآن في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ [يس:٦٥] أي: التي كانت في الدنيا.\nولو كانت أجسامًا جديدة لم يكن عندها شهادة، وإنما تشهد تلك الأجسام التي كانت في الدنيا، وقد جاء في الحديث: (أن الرسول ﷺ إذا كان يوم العيد غدا من طريق، ورجع من طريق آخر)، وفسر ذلك بعدة تفسيرات، من أوضحها أن يشهد له الطريقان، فالجسم الذي وقع منه هذا المشي وهذا العمل هو الذي تحصل له الشهادة من الأرض، وفسر قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة:٤] أنها تشهد على ما حصل على ظهرها من خير وشر.\nإذًا: فهذه الآيات التي فيها أن الله تعالى يختم على الأفواه فتتكلم الأيدي والأرجل بما عمل الإنسان فيها توضيح وبيان أن الذي يكون في الآخرة هو نفس الجسد الذي كان في الدنيا وليس جسدًا جديدًا، ولذلك لم يستغرب الكفار المنكرون للبعث من وجود خلق جديد، وإنما استنكروا واستغربوا من أن ذلك الجسم المتفرق سيجتمع، ولهذا قال الله ﷿: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق:٢ - ٣] أي: كيف يكون هذا؟ فقال الله ﷿: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ [ق:٤] أي: فنحن سنعيد هذه الذرات التي اختلط بالتراب ونجمعها، فتعود كما كانت، وهذا هو الذي استبعده الكفار.","vol":"5","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>ظهور سؤدد النبي ﷺ يوم القيامة على جميع الخلق</span>\nوإذا نفخ في الصور النفخة الثانية خرج الناس من قبورهم، وأول قبر ينشق عن صاحبه هو قبر نبينا محمد ﷺ، وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺكما في حديث أبي هريرة- أنه قال: (أنا سيد ولد آدم، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع) ثم بعد ذلك يذهب الناس إلى أرض المحشر، فيموج بعضهم في بعض، ويبحثون عن طريق الخلاص من هذا الموقف الشديد، فيقول بعضهم لبعض: اذهبوا إلى آدم أبي البشر، فيأتون إليه ويذكرون صفاته وخصائصه، فيقولون: أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، فاشفع لنا إلى ربك.\nفيقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى نوح.\nفيحيلهم إلى نوح، فيذهبون إليه ويقولون له: يا نوح! أنت سماك الله عبدًا شكورًا، اشفع لنا إلى ربك.\nفيقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم.\nفيأتون إلى إبراهيم فيقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى موسى.\nفيقول موسى: نفسي نفسي، اذهبوا إلى عيسى.\nفيقول عيسى: نفسي نفسي، اذهبوا إلى محمد ﷺ.\nفيأتون إلى رسول الله ﷺ فيقول: أنا لها.\nثم يتقدم، ويسجد لله ﷿ فيحمده بمحامد يفتح الله تعالى بها عليه، فيقال له: ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع.\nفيشفعه الله ﷿ في ذلك الموقف، ويأتي الله لفصل القضاء، ويذهب الناس إلى منازلهم من الجنة والنار بعد الحساب.\nوقد سميت هذه الشفاعة بالمقام المحمود لأنه يحمده عليه الأولون والآخرون من لدن آدم إلى الذين قامت عليهم الساعة، ولهذا جاء في حديث الشفاعة قوله ﷺ: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر)، ثم ذكر حديث الشفاعة، وأن الناس يموج بعضهم في بعض، فذكر أنه سيد الناس يوم القيامة، مع أنه ﷺ سيد الناس في الدنيا والآخرة، وذلك أنه في ذلك اليوم يظهر سؤدده على الجميع، ويظهر فضله وإحسانه إلى الجميع، وشفاعته تحصل للجميع.","vol":"5","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>فصل الله بين البشر في يوم المحشر</span>\nثم يأتي الله لفصل القضاء، ثم يكون الحساب، ويكون الميزان فتوزن الأعمال، ثم يذهبون إلى الجنة والنار، والنار تكون قبل الجنة، فالوصول إلى الجنة لا يكون إلا عن طريق النار؛ لأن الجسر منصوب على متن جهنم، والذي يذهب إلى الجنة يمر بهذا الجسر الذي فوق النار، ومن شاء الله ﷿ أن يقع في النار وقع وخطفته الكلاليب التي على جوانبها، ومن وفقه الله ﷿ تجاوز ذلك، والناس يمرون على الصراط على قدر أعمالهم؛ فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاود الخيل، ومنهم من يزحف زحفًا، ودعوى الرسل يومئذٍ: (اللهم! سلم سلم) وهذه الشفاعة فيها دليل على أن من استحق النار يشفع له بأن لا يدخلها، فقولهم: (اللهم! سلم سلم) معناها أن يستحق النار يدعى له أن يسلم منها، فهي شفاعة لمن استحق النار أن يسلم منها، وهذه من أنواع الشفاعة.\nويقول الله ﷿: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] والورود هو المرور على الصراط؛ لأن من مر على الصراط يكون قد ورد النار؛ لأنه مر في سمائها، لكن ذلك يكون بتفاوت السرعة التي بينها رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح الذي ذكرناه سابقًا.\nفيقع في النار من يقع، ومن يتجاوز النار فإنه يكون من أهل الجنة، والذين يتجاوزونها يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص من بعضهم لبعض، وهذا الاقتصاص لا يترتب عليه عذاب؛ لأنهم قد تجاوزا النار، وإنما يترتب عليه التفاوت في الدرجات في الجنة، فيؤخذ من هذا لهذا، ومن هذا لهذا، ثم يكون الناس في الجنة على الدرجات التي انتهوا إليها وليس عليهم حقوق للآخرين، فالإيمان باليوم الآخر يدخل تحته كل ما يكون بعد الموت، وما يكون في الموقف، وما يكون في الحساب، وما يكون عند الميزان من وزن الأعمال وتطاير الصحف باليمين والشمال، وكذلك الحوض الذي يكون في عرصات القيامة، فمن يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا، ثم بعد ذلك الذهاب إلى الجنة، والوصول إلى الجنة إنما هو عن طريق النار، فيقع في النار من يقع، ويسلم منها من يسلم، ثم يكون الناس في الجنة أو في النار، ومن دخل الجنة فإنه يبقى فيها أبد الآباد وليس بمخرج منها، كما قال الله ﷿: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر:٤٧ - ٤٨] فقال تعالى: «وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ»، ولم يقل: (خارجين) لأنهم لا يفكرون في الخروج، وإنما الذي يخشى منه أن يُخرجوا، فجاء التعبير «وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ»، وأما أهل النار فقد قال الله تعالى عنهم: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة:٣٧]؛ لأنهم يبغون الخروج، ولكن لا يكون لهم ذلك، وهذا في الكفار، وأما من كان من أهل الإيمان ودخل النار فإنه يعذب فيها على مقدار معصيته، ولكنه لا بد من أن يخرج منها ويدخل الجنة، ولا يبقى في النار إلا الكفار الذين هم أهلها، والذين لا سبيل لهم إلى الخروج منها، ولهذا قال ابن القيم ﵀ في كتابه (الوابل الطيب): الدور ثلاث: داران باقيتان لا تفنيان ولا تبيدان: دار الطيب المحض، وهي الجنة، ودار الخبث المحض، وهي النار التي فيها الكفار، ودار جمعت بين خبث وطيب، وهي النار التي فيها العصاة وأصحاب الكبائر، فإن هذه يخرج منها من كان فيها ويذهب إلى الجنة، وتبقى ليس فيها أحد من العصاة، وعلى هذا فتكون الجنة باقية إلى غير نهاية، والنار التي فيها الكفار باقية إلى غير نهاية.\nوالحاصل أن الإيمان باليوم الآخر يدخل فيه كل ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من أخبار عن هذه الأمور المغيبة، من حين الموت إلى دخول الجنة والنار والبقاء فيهما إلى غير نهاية، فهذا هو الإيمان باليوم الآخر الذي هو أحد أركان الإيمان الستة.","vol":"5","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>الإيمان بالقدر</span>\nإن الله ﷿ قدر مقادير الخلائق، فالناس يشتغلون في أمر مقدر، وليس عملهم في شيء لم يسبق له تقدير، بل إن كل شيء قد سبق به القضاء والقدر، قال الله ﷿: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢]، وقال ﵊: (كل شيء بقدر حتى العجز والكيس) أي: حتى نشاط النشيط وخمول الخامل، وكسل الكسول، فكل شيء مقدر حتى العجز والكيس، وقال الله ﷿: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة:٥١]، وقال ﵊ في وصيته لـ ابن عباس (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)، وهذا الحديث من أحاديث (الأربعين النووية)، وهو الحديث التاسع عشر، وهو وصية النبي ﷺ لـ ابن عباس، فقد سبق القدر بكل ما هو كائن، والصحابة ﵃ وأرضاهم لما سألوا الرسول ﷺ عن العمل فأخبرهم أن كل شيء بقدر قالوا: (ألا نتكل على كتابنا وندع العمل؟!) أي: ما دام أنه قد سبق القضاء والقدر، وأن كل سيصير إلى ما قدر له: ألا نتكل على كتابنا؟! فقال ﷺ: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة.\nوقد بيّن الله تعالى طريق الخير من الشر، وأعطى الناس عقولًا يميزون بها بين ما ينفع وما يضر، وأنهم إن سلكوا الطريق الذي فيه السلامة سلموا، وإن سلكوا الطريق الذي فيه الشقاوة فإنهم يشقون، وتكون تلك الشقاوة قد حصلت بمشيئتهم وإرادتهم التابعة لمشيئة الله وإرادته.","vol":"5","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>مراتب القدر الأربع</span>\nوكل أمر مقدر لا بد فيه من أمور أربعة: الأول: الإيمان بعلم الله الأزلي الذي لا بداية له، فالله تعالى ليس له بداية، وليس لعلمه بداية، والله تعالى علم كل ما هو كائن، علم الله تعالى ذلك في الأزل قبل أن يخلق اللوح المحفوظ.\nالأمر الثاني: الكتابة في اللوح المحفوظ، فقد خلق الله تعالى اللوح المحفوظ، وخلق القلم فأمره بكتابة كل ما هو كائن إلى يوم القيامة، وقد جرى القلم بكتابة ما هو كائن، وذلك قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، يقول الله ﷿: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]، ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة:٥١].\nالأمر الثالث: الإرادة والمشيئة، وهو أن الله ﷿ أراد أن يوجد هذا الذي علمه، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فالشيء الذي شاءه الله لا بد من أن يوجد، والشيء الذي لم يشأه الله لا يمكن أن يوجد، ولهذا فعقيدة المسلمين في القدر مبنية على هاتين الكلمتين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.\nولهذا يقول الشاعر: ما شئتَ كان وإن لم أشأ وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن فما شئتَ -يا الله! - كان وإن لم أشأ، وما شئتُ أنا إن لم تشأ لم يكن، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ومشيئة الله ﷿ نافذة.\nالأمر الرابع: الخلق والإيجاد طبقًا لما علمه أزلًا، وطبقًا لما كتبه في اللوح المحفوظ ولما شاء الله ﷿، والله تعالى هو خالق العباد، وخالق أفعال العباد، قال الله ﷿ ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] إذًا: فلا بد في الإيمان بالقدر أن يؤمن الإنسان بهذه المراتب الأربع، وكل أمر مقدر يكون في هذه الأمور الأربعة، مثاله: وجودنا في مكان معين مجتمعين، فالهيئة التي نكون عليها والكيفية قد سبق بها علم الله ﷿ أزلًا، فقد سبق علمه تعالى بأننا سنجتمع في ذلك الوقت وفي هذا المكان، وكتب الله ذلك في اللوح المحفوظ، وشاء الله أن نجتمع، ثم حصل اجتماعنا وأوجد الله ذلك الذي علمه وكتبه وشاءه، فتجتمع هذه الأمور الأربعة في كل مقدر.","vol":"5","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>الأسئلة</span>","vol":"5","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>الكتب السماوية السابقة ووصفها بالإعجاز</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل توصف الكتب السماوية السابقة بالإعجاز؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا توصف بذلك؛ لأن الإعجاز ثبت في حق هذا الكتاب الذي أنزله الله على نبينا محمد ﷺ، وهو الذي حفظ وصار المعجزة الخالدة للرسول ﷺ، فرسالته خالدة، ومعجزته خالدة، والتحدي موجود، ولا يستطيع أحد أن يأتي بسورة من مثله، وأما الكتب السابقة فلم يأت شيء يدل على أنها موصوفة بالإعجاز.","vol":"5","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>عدد النفخات في الصور</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كم عدد النفخات في الصور؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هي ثلاث نفخات، النفخة الأولى: نفخة الفزع، وهي التي تحصل قبل النفخ في الصور النفخة الثانية، وهي التي يفزع فيها الناس ويدهشون، فكل واحد منهم يصغي ليتًا ويأخذ ليتًاَ، أي: يستغرب مما حصل، ثم تأتي النفخة الثانية التي هي نفخة الموت، ثم النفخة الثالثة وهي نفخة البعث.","vol":"5","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>أول رسول إلى البشر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قال بعض أهل العلم إن أول رسول هو نوح ﵇.\nوقد استدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء:١٦٣] فهل هذا هو الصحيح أم أن آدم ﵇ هو أول رسول؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نوح هو أول رسول بعدما وجد الشرك، وأما آدم فإنه كان هو وأولاده قبل أن يوجد الشرك، وكانوا على الفطرة، وقد أوحي إليه بأن يعمل الأعمال التي يعملها، فلا تنافي بين كون آدم مكلفًا، وأنه يعمل بما أوحي إليه وبين كون نوح أول رسول أرسله الله بعدما وجد الشرك وحصل التغير والانحراف عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها.","vol":"5","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>اعتراض وردٌّ عليه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا كان الفرق بين الرسول والنبي هو أن الرسول أنزل إليه كتاب، وأما النبي فلم ينزل عليه كتاب فكيف نقول في قوله تعالى ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ﴾ [البقرة:٢١٣]؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المقصود بالكتاب هنا الكتب، وكما هو معلوم فالرسل يطلق عليهم أنهم نبيون، كما أطلق على نبينا محمد ﷺ أنه نبي مع أنه رسول، فكذلك الرسل أنبياء، أي أنهم أوحي إليهم.","vol":"5","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>شمولية سؤال القبر لجميع الأمم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل سؤال القبر خاص بهذه الأمة أم أنه شامل لجميع الأمم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الذي يبدو أنه شامل وليس خاصًا بهذه الأمة.","vol":"5","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>موضع دعاء: (رضيت بالله ربًا) في الأذان</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  عند أي جملة من الأذان يقول الإنسان: رضيت الله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًا ورسولًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  عندما الشهادتين.","vol":"5","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>من تلحق به المرأة في الآخرة من أزواجها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل صحيح أن المرأة التي تزوجت بزوجين أو أكثر في الدنيا تخير في الجنة تتزوج بمن شاءت؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الذي جاء أنها تكون للآخر، وأما ما جاء من أنها تخيّر فهو ضعيف.","vol":"5","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>مكان حشر الناس</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل ورد عن النبي ﷺ أن أرض المحشر هي الشام؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أما في الدنيا فيساق الناس إلى الشام، وأما بعد الموت فإنهم يكونون في أرض أخرى، فقد جاء أن الناس يساقون في آخر الزمان إلى الشام، ويجتمعون هناك، وجاء في الحديث: (أن نارًا تخرج من عدن، فتسوق الناس إلى الشام)، وأما الحشر يوم القيامة فإنه يكون في أرض مستوية ليس فيها مرتفعات ولا منخفضات.","vol":"5","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>إشكال وجواب</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا كان نفس الجسد هو الذي يبعث ويعذب فما معنى أن ضرس الكافر مثل أحد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس هناك تنافٍ؛ لأن الجسم يكبر، فيكون جسم الكافر في النار صخمًا، كما أن الذين يدخلون الجنة يدخلونها على طول أبيهم آدم ستين ذراعًا كما جاء بذلك الحديث، فلا يدخلون وهم على حجمهم في الدنيا.","vol":"5","page":23},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-109>[٦]</span>\nالإيمان بالقدر من أركان الإيمان وأصوله، وهو أن يؤمن العبد بأن الله تعالى خلق العباد وأفعالهم، وجعل أفعالهم كسبًا لهم باختيارهم ولا تتم إلا بمشيته تعالى وإرادته، فالعباد لهم في كسبهم مشيئة وإرادة فليسوا مجبورين عليها، إلا أن ذلك لا يخرج عن مشيئة الله تعالى، فليسوا خالقين لأفعالهم.","vol":"6","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>مسائل في القدر</span>\nالقدر من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله ﷿، وأصول الإيمان الستة كلها من الإيمان بالغيب، وهي: الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشره.\nويمكن للناس أن يعرفوا المغيَّب من القدر بأمرين اثنين: أحدهما: وقوع الشيء، فإن وقوعه دليل على أنه مقدر؛ لأنه لا يقع في الكون إلا ما قدره الله وشاءه، وأما ما لم يشأه فإنه لا يقع، وأما ما شاءه فلا بد من أن يكون.\nالأمر الثاني: الإخبار من رسول الله ﷺ عن أمور مستقبلة، فإن هذا الإخبار الذي ثبت عن رسول الله ﵊ يدل على أن هذا المخبَر به لا بد من أن يوجد، ولا يكون كذلك إلّا وقد سبق به القضاء والقدر؛ لأنه لا يوجد ولا يقع إلا شيء مقدَّر.","vol":"6","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>وسطية أهل السنة في باب القدر</span>\nهناك أمور أخرى تتعلق بالإيمان بالقدر، منها: أن أهل السنة والجماعة وسط في القدر بين الجبرية والقدرية، بين الجبرية الغلاة في الإثبات، وبين القدرية الذين نفوا القدر وجعلوا العباد خالقين لأفعالهم، فأهل السنة والجماعة توسطوا بين هؤلاء وهؤلاء، فالجبرية قالوا: إن الإنسان مجبور على أعماله وحركاته الاختيارية وغيرها، وأنه مثل الشجرة التي تحركها الرياح، ومثل الريشة التي تطير في الهواء، وإن الإنسان ليس له إرادة ولا مشيئة، بل هو مجبور على ما يحصل منه من أفعال.\nولم يفرقوا بين أفعال الإنسان الاختيارية وأفعاله الاضطرارية.\nويقابل هؤلاء القدرية الذين قالوا: إن الله ﷿ لم يقدَّر أعمال العباد على العباد؛ لأنه منزه عن الشر، وإنما العباد هم الذين يخلقون أفعالهم، وهم الذين يوجدون أعمالهم.\nوأما أهل السنة فقالوا: إن أعمال العباد هي كسب لهم، فهي واقعة بمشيئتهم وإرادتهم، ومشيئتهم وإرادتهم تابعة لمشيئة الله وإرادته؛ لأنه لا يقع في الكون إلا مقدّر، وعلى هذا فهم وسط بين الذين غلوا في إثبات القدر حتى قالوا: إن الإنسان مجبور على أفعاله الاختيارية.\nوبين الذين نفوا القدر وقالوا: إن الإنسان هو الذي يخلق فعله ويوجده.\nفهم متوسطون بين هؤلاء وهؤلاء.\nويقول أهل السنة: إن أفعال العباد تنقسم إلى قسمين: أفعال اضطرارية، وأفعال اختيارية، فالأفعال الاضطرارية هي التي لا مشيئة ولا إرادة لهم فيها، فهي خارجة عن إرادتهم ومشيئتهم، وذلك مثل ارتعاش يد الإنسان، فهذا الارتعاش ليس من فعل الإنسان، وإنما هو صفة له، وهو يريد أن يفعل الأسباب التي تجعله يَسلَم من هذا الشيء، فإنه ليس من فعله، وليس بإرادته ومشيئته، فهذه الأفعال من الله وليس للإنسان كسب فيها.\nأما الأفعال الاختيارية فهي الأكل والشرب والذهاب والإياب والبيع والشراء والصلاة والصيام، وغير ذلك من الأفعال التي هي كسب من العبد وتحصل بمشيئة العبد وإرادته، ولكنها لا تخرج عن مشيئة الله وإرادته؛ لأن الله تعالى هو خالق العباد، وهو خالق أفعال العباد، وكل ما يقع في الوجود من حركة أو سكون فهو بمشيئة الله وإرادته وخلقه وإيجاده ﷾، وهذه الأفعال الاختيارية يثاب عليها العبد ويعاقب.\nوبهذا يتبين أن هناك فرقًا بين الأفعال الاختيارية والأفعال الاضطرارية، ولهذا نجد النحاة يعرفون الفاعل فيقولون: هو اسم مرفوع يدل على من حصل منه الحدث أو اتصف به.\nفهذا التفصيل في هذا التعريف يشمل القسمين من أفعال العباد: الاختيارية والاضطرارية، فالذي حصل منه الحدث هو أن يأكل ويشرب ويبيع ويشتري ويصلي ويصوم، فهذه أفعال اختيارية، وتحصل من الإنسان بمشيئته وإرادته، وأما من قام به الحدث واتصف به فهو مثل: (مرض فلان)، و(مات فلان)، و(ارتعش فلان)، فإن هذه ليست من أفعاله، وليست من كسبه؛ لأن الموت ليس بإرادته ومشيئته، وهو لا يريد الموت، وكذلك المرض، فهو لا يريده، فإذا قيل: مرض زيد فـ (مرض) فعل ماضي، و(زيد) فاعل، قيل له: (فاعل)؛ لأن الحدث قام به، وهو الموت، وكذلك المرض قام به، وكذلك الارتعاش قام به، وهو لم يفعله باختياره، ففرق بين الأفعال الاختيارية والأفعال الاضطرارية.\nويقول أهل السنة: إن أفعال العباد خلق الله وكسب من العباد؛ لأنها تقع بمشيئتهم وإرادتهم التابعة لمشيئة الله وإرادته، كما قال الله ﷿: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨]، فأثبت للعبد مشيئة، ثم أخبر بأن مشيئته لا تكون مستقلة عن مشيئة الله، بل هي تابعة لها، وما يوجد من العبد بمشيئته وإرادته فإنه يكون بمشيئة الله وإرادته؛ لأنه لا يمكن أن يشاء العبد شيئًا ويقع والله تعالى لم يشأ وقوعه، وقد عرفنا أن الكلمتين اللتين تشتملان على بيان عقيدة المسلمين وعقيدة أهل السنة والجماعة في القضاء والقدر هما: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.\nوقد جاء في بعض الأحاديث أن الرسول ﷺ قال: (والخير كله بيديك، والشر ليس إليك)، فليس معنى ذلك أن الشر ليس بمشيئة الله وإرادته وخلقه وإيجاده، بل كل شيء بمشيئة الله تعالى وإرادته وخلقه وإرادته، سواء أكان خيرًا أم شرًا، ولكن المقصود من ذلك أنه لا يخلق شرًا خاليًا من حكمة وفائدة، بل كل ما يخلقه الله من الشرور فإن من ورائه حكمة عظيمة.\nفليس المراد أن هذه الأفعال ليست من الله، أو أنها خارجة عن مشيئة الله، وأن العباد هم الذين يوجدونها، ولم يقدرها الله تعالى، بل الله خالق كل شيء، كما قال الله ﷿: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]، فيدخل في ذلك كل شيء مخلوق، وكذلك قول الله ﷿: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، أي: خلقكم وخلق أعمالكم.\nفهو خالق الذوات، وخالق الصفات، وخالق الأفعال، أي أنه خالق العباد وخالق أفعالهم.","vol":"6","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>تسيير الإنسان وتخييره، وقول أهل السنة في ذلك</span>\nيظهر من خلال ما ذكرته آنفًا أن أهل السنة متوسطون بين الجبرية وبين القدرية، وأنهم يثبتون لله مشيئة وإرادة، ويثبتون للعبد مشيئة وإرادة، وأن مشيئة العبد وإرادته تابعة لمشيئة الله تعالى وإرادته وهي: هل الإنسان مخير أو مسير؟ والجواب أنه لا يصلح أن نجيب بواحد من المسئول عنهما، بل الجواب شيء ثالث غير الاثنين، فلا يقال: هو مخيَّر مطلقًا ولا مسيَّر مطلقًا، بل يفصل في ذلك، فهو مسيَّر ومخيَّر، مخير باعتبار أن الله تعالى جعل له عقلًا وتمييزًا، وبيّن له طريق الخير من طريق الشر، وأن هذا الطريق يوصله إلى الجنة وهذا الطريق يوصله إلى النار، كما قال الله ﷿: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ١٠] أي: بيّنّا له طريق الخير وطريق الشر، وعنده من العقل ما يميّز ويعرف به ما ينفع وما يضر، فهو يختار ما يريد بمشيئته وإرادته، وبذلك يستحق الجزاء من ثواب أو عقاب، ولكن هذا الذي يحصل منه لا يكون خارجًا عن مشيئة الله وإرادته، بل هو تابع لمشيئة الله وإرادته.\nفالعبد مخيّر باعتبار أن له مشيئة وإرادة وعقلًا وتمييزًا، وأنه قد بُيَّن له طريق الخير ومآله، وطريق الشر ومآله، كما قال النبي ﷺ لأصحابه: لما سألوه: فيم العمل؟ قال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له).\nولذلك يثاب العبد ويعاقب، فتقام عليه الحدود ويعزر بناءً على ما يحصل منه من الوقوع في أمور لا يجوز له أن يقع فيها.\nوهو مسيَّر باعتبار أنه لا يقع منه شيء خارج عن مشيئة الله وإرادته، بل لا يحصل منه شيء إلّا وقد قدّره الله وقضاه؛ لأنه لا يقع في الكون إلا مقدَّر، ولا يكون في الكون إلا ما سبق به قضاء الله وقدره.\nولهذا فالجواب عن سؤالهم: هل الإنسان مخير أو مسير لا يكون بالإطلاق على أنه مخيّر أو مسيّر، وإنما يقال: هو مخير ومسيّر، مخير باعتبار، ومسير باعتبار آخر، فهذا هو الجواب السديد والسليم.\nويشبه هذا الجواب في عدم تعيين واحد من شيئين مسئول عنهما وأنه يُجاب بالجمع بينهما مسألة (هل الحدود زواجر أو جوابر) فلا يقال: الحدود زواجر فقط، ولا جوابر فقط، وإنما يقال: فهي جوابر وزواجر، فجوابر باعتبار أن الإنسان إذا فعل معصية عليها حد في الدنيا، وأقيم عليه الحد في الدنيا فإنه قد حصّل جزاءه على هذا الذنب في الدنيا، فلا يعذب به مرة أخرى؛ لأن النقص الذي حصل قد جُبر بالحد.\nوقد ثبت من حديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: (من أصاب شيئًا من هذه الحدود فأقيم عليه الحد كان كفارة له)، فقوله: (كان كفارة له) أي أنه جبر هذا النقص الذي حصل منه بهذا الحد الذي أقيم عليه وصار كفارة له.\nوهي زواجر لمن أقيم عليه الحد حتى لا يعود إليه مرة أخرى، وزواجر لغيره حتى لا يقع فيما وقع فيه ذلك الإنسان الذي أقيم عليه الحد.\nوالذين يقولون: إنها زواجر وليست بجوابر هم الخوارج، فهم الذين يرون أن الإنسان إذا لم يتب ولم يقم عليه الحد فإنه يكون مخلدًا في النار؛ لأن أصحاب الكبائر على مذهبهم مخلدون في النار، وأنه لا ينفع في ذلك إلا التوبة، وأن الإنسان إذا أقيم عليه الحد ولم يتب فإنه يخلد في النار.\nوقد بيَّن حديث عبادة بن الصامت السابق أنها كفارة له، أي: كأن الذنب لم يكن، وإن لم يحصل منه توبة، فأما إذا حصل منه توبة فالتوبة تجب ما قبلها، لكن إذا أقيم الحد على إنسان ما فلا يعاقب عليه مرة أخرى في الدنيا ولا في الآخرة، فهذا الذنب الذي وقع منه قد كفَّر عنه بهذه العقوبة التي حصلت له في الدنيا، وهي إقامة الحد عليه.","vol":"6","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>عدم جواز الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي</span>\nمن المسائل المتعلقة بالقضاء والقدر أنه لا يجوز الاحتجاج بالقدر على ترك مأمور أو فعل محظور، فبعض الناس إذا لم يحصل منه فعل المطلوب ثم عوتب على ذلك يقول: قضاء وقدر، وهذا الأمر مقدَّر عليَّ.\nوإن وقع في معصية فعوتب على ذلك قال: هذا مقدر! والجواب أن كل شيء مقدر، فالعقوبة مقدرة والفعل مقدر، فيعاقب على فعله، ويعزر إذا كان يستحق التعزير، أو يقام عليه الحد، ويقال له: وهذا -أيضًا- مقدر.\nفالله تعالى قد قدر وقوع هذه الأعمال، وقدر العقوبة عليها، فلا يجوز الاحتجاج بالقدر على ترك مأمور أو فعل محظور.\nوأما قصة احتجاج آدم وموسى الثابتة في الصحيحين فإن ذلك ليس احتجاجًا على المعايب والمعاصي، وإنما هو احتجاج على المصائب التي نتجت عن هذه المعايب.\nثم إن اللوم على المعصية إنما يكون قبل التوبة، وأما إذا وجدت التوبة فإن الإنسان لا يلام على فعله الذي تاب منه، ولا يتعرض له، وإنما يلام الإنسان ما دام مستمرًا على معصيته.\nوهناك مسائل أخرى تتعلق بالإيمان بالقضاء والقدر، وقد أوضحتها في كتاب (قطف الجنى الداني في شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني).","vol":"6","page":5},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-114>[٧]</span>\nالطمأنينة والسعادة هي في التسليم بأقدار الله تعالى، والعلم بأن ما أصاب العبد لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فإذا سلم العبد بذلك انشرح صدره، واطمأن قلبه؛ لأنه يعلم علم اليقين أنه بين يدي رحيم رحمان، لا يظلم أحدًا من الإنس والجان، حكيم في أفعاله، رءوف بعباده.\nوللقدر مراتب يجب على العبد الإيمان بها، وقد دلت عليها الآيات المتوافرة من الكتاب العزيز، والأحاديث الكثيرة من السنة النبوية، والإجماع من سلف هذه الأمة.","vol":"7","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>الإيمان بالقدر</span>\nالإيمان بالقدر أحد أصول الإيمان الستة المبينة في حديث جبريل المشهور، فقد سأل رسول الله ﷺ عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره).\nأخرجه مسلم في (صحيحه)، وهو أول حديث في كتاب الإيمان الذي هو أول كتب صحيحه.\nوجاء في إسناده أن عبد الله بن عمر ﵄ حدث به عن أبيه استدلالًا به على الإيمان بالقدر، وذلك عندما سأله يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري عن أناس وُجدوا في العراق ينكرون القدر، ويقولون: إن الأمر أنف.\nفقال للسائل: (فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر) ثم حدث بالحديث عن أبيه.\nوحديث جبريل الذي رواه عمر من أفراد مسلم، وقد اتفق الشيخان على إخراجه من حديث أبي هريرة ﵁.\nوقد جاء في القرآن آيات كثيرة، وجاءت في السنة أحاديث عديدة تدل على إثبات القدر، فأما القرآن فقد قال الله ﷿: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وقال: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة:٥١]، وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢].\nوأما السنة فقد عقد الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما كتابًا للقدر اشتمل على أحاديث عديدة في إثبات القدر، فروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله أنه قال: قال رسول الله ﷺ: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا.\nولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن (لو) تفتح عمل الشيطان)].\nوهذا الحديث عظيم، ومعناه أن قوة القوي وضعف الضعيف مقدران، وأن كل ذلك بقضاء الله وقدره، وكلاهما فيه خير مع تفاوتهما.\nوقد جاء في الحديث الآخر أن النبي ﷺ قال: (كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس) أي: حتى نشاط النشيط وكسل الكسول.\nفكل ذلك مقدر، فلا تقع حركة ولا سكون في الوجود إلا وهي بقضاء الله وقدره، وبمشيئة الله وإرادته، وخلقه وإيجاده.\nثم قال ﵊: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله)، فعلى الإنسان أن يأخذ بالأسباب، ولا يتكل على القدر ويقول: إذا كتب الله لي شيئًا فإنه سيأتيني، ولو لم أفعل الأسباب.\nفلابد من فعل الأسباب، ولهذا قال ﷺ: (احرص على ما ينفعك) أي: أن نأخذ بالأسباب.\nولكن مع الأخذ بالأسباب لا يعول الإنسان عليها بحيث إنه يجعلها كل شيء، ولا يكون هناك شيء وراء الأسباب، بل هناك شيء وراء الأسباب، وهو توفيق مسبِّب الأسباب، وهو الله ﷾، ولهذا قال بعد ذلك: (واستعن بالله) أي: ليس الأمر أن يفعل الإنسان السبب فيحصل كل شيء، وهذا هو حال الناس الماديين الذين ليس لهم صلة بالله ﷿، فالحياة عندهم أسباب ومسببات ولا شأن لله ﷿.\nوالذي يعتقده المسلم أنه لابد من الاثنين؛ لا بد من أن يفعل الإنسان السبب، ولابد أن يستعين بالله ﷿ على حصول المسبب.\nوقد بين النبي ﷺ أن فعل الأسباب لا يتنافى مع التوكل، فقال ﷺ: (لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا)، فالتوكل على الله ﷿ ليس بترك الأسباب، والرسول ﷺوهو سيد المتوكلين- كان يلبس اللأمة والمغفر في الحرب، وهما من أسباب الوقاية، وهو مع ذلك متوكل على الله ﷿.\nفالأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، بل هو أمر مطلوب، فالإنسان عندما يريد الولد فإنه يتزوج، وليس هناك طريق للنسل إلا الزواج أو ملك اليمين، ولا يأتي الولد عفوًا، ولو أن إنسانًا قال: إذا قدِّر الله لي أن يأتني الولد تزوجت وإلّا فلا، أو يصير لي ملك يمين وإلّا فلا فإن هذا يعتبر سفهًا؛ لأن الولد لا يحصل إلا بهذا الطريق.\nفلابد من الأخذ بالأسباب، ولكن مع كون الإنسان يتزوج ويأخذ بالأسباب عليه أن يعلم أن الزواج ليس هو كل شيء في تحقيق الولد، بل إن شاء الله ﷿ ووفق في حصول الولد حصل ذلك، وإن شاء أن لا يحصل لم يحصل وإن أخذ بالأسباب، فلابد من الأمرين جميعًا، ولهذا نجد أن النبي ﷺ أرشد إليهما في قوله: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله).\nفالإنسان لا يعول على الأسباب ويقول: هي كل شيء.\nوكذلك لا يتركها ويقول: سأجلس في بيتي ولن أبحث عن الرزق، وإذا قدر الله لي شيئًا فإنه سيأتي إليَّ وإن لم أفعل الأسباب.\nوقد بيّن الرسول ﷺ أن الطير تغدو خماصًا ولا تجلس في أوكارها وتنتظر أن يأتيها الرزق بدون فعل السبب، فقال ﷺ: (لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا) أي أنها في الصباح تروح خاوية البطون (وتروح بطانًا) أي: وتأتي في الرواح مليئة البطون.\nفقد فعلت الأسباب، وفعل الأسباب لا ينافي التوكل، ولهذا أرشد النبي ﷺ في هذا الحديث إلى الأمرين: فعل السبب، وبيان الشيء الذي لابد منه لتحصيل المقصود، وهو توفيق الله سبحانه، فالإنسان مع فعله السبب يلجأ إلى الله ﷿ ويسأله أن ينفع بالأسباب، وأن يوفقه لتحصيل ما يريد، وأن يسهل له ذلك، فقال: (واستعن بالله ولا تعجز)، ثم قال: (فإن أصابك شيء) أي: بعد فعل الأسباب (فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا)، فلو أن إنسانًا -مثلًا- دخل في مشروع من المشاريع وفعل الأسباب ولكنه فشل في هذا المشروع فليس له أن يقول: لو أنني لم أفعل هذا المشروع وفعلت مشروعًا آخر لحصل كذا وكذا.\nفهذا كلام باطل، فالله ﷿ أعلم بما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون، فلا يدري الإنسان لو فعل مشروعًا آخر أنه سيوفق فيه؛ لأن ذلك غيب، ولا يعلم الغيب إلا الله ﷿، قال ﷺ: (فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا.\nولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن (لو) تفتح عمل الشيطان).\nفالإنسان إذا قال: لو فعلت كذا لكان كذا فإن ذلك من عمل الشيطان ووسوسته للإنسان ليظله وليغويه، وليبعده عن التعويل على الله ﷿ في جميع شئونه.","vol":"7","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>أعمال العباد خيرها وشرها بقضاء وقدر</span>\nوروى مسلم بإسناده إلى طاوس أنه قال: (أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقولون: كل شيء بقدر)، قال: وسمعت عبد الله بن عمر ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ: (كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس، أو: الكيس والعجز).\nالعجز والكيس ضدان، فنشاط النشيط وكسل الكسول وعجزه كل ذلك بقدر، قال النووي في شرح الحديث: ومعناه أن العاجز قد قُدِّر عجزه، والكَيّس قد قُدِّر كَيسه.\nوقال ﷺ: (ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار، فقالوا: يا رسول الله! أفلا نتكل؟ فقال: اعملوا فكل ميسر لما خُلق له.\nثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالحسنى﴾ [الليل:٥ - ٦] إلى قوله ﴿لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:١٠]).\nرواه البخاري ومسلم من حديث علي ﵁.\nوهذا الحديث يدل على أن أعمال العباد الصالحة مقدرة، وأنها تؤدي إلى حصول السعادة، وأن أعمالهم السيئة مقدرة، وأنها تؤدي إلى الشقاوة، وقد قدّر الله ﷾ الأسباب والمسببات، وكل شيء لا يخرج عن قضائه].\nلقد قدّر الله الأسباب وهي الأعمال، والمسببات وهي النهايات، فإذا عمل الإنسان عملًا صالحًا فهذا العمل سبب من الأسباب، وهو مقدّر، والغاية هي دخول الجنة، وهي -أيضًا- مقدرة، وكذلك العكس، فعمل السيئات مقدر، وهو يوصل إلى النار، وذلك مقدر، فالسعادة والشقاوة مقدّرتان، والأسباب التي توصل إليهما مقدرة أيضًا.","vol":"7","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>كل شيء بقضاء وقدر</span>\nوكل شيء لا يخرج عن قضاء الله وقدره، وخلقه وإيجاده، فعن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: (كنت خلف رسول الله ﷺ يومًا، فقال: يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفت الصحف).\nرواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح].\nجاء في بعض الروايات: (واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك) أي أن ما أصابك وحصل لك لا يمكن أنه يتخلف، وأن ما أخطأك لا يمكن أنه يقع، وهذا هو معنى (ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن)، فجملة (ما شاء الله كان) بمعنى (ما أصابك لم يكن ليخطئك)، وجملة (وما لم يشأ لم يكن) بمعنى (وما أخطأك لم يكن ليصيبك) وهاتان الجملتان -أعني: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن- عليهما تنبني عقيدة أهل السنة والجماعة في القضاء والقدر.\nوهذا الحديث شرحه الحافظ ابن رجب في كتابه: (جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم)، وهو الحديث التاسع عشر من الأربعين النووية.","vol":"7","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>مراتب الإيمان بالقدر</span>\nالإيمان بالقدر أحد أصول الإيمان الستة المبينة في حديث جبريل المشهور، فقد سأل رسول الله ﷺ عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره).\nأخرجه مسلم في (صحيحه)، وهو أول حديث في كتاب الإيمان الذي هو أول كتب صحيحه.\nوجاء في إسناده أن عبد الله بن عمر ﵄ حدث به عن أبيه استدلالًا به على الإيمان بالقدر، وذلك عندما سأله يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري عن أناس وُجدوا في العراق ينكرون القدر، ويقولون: إن الأمر أنف.\nفقال للسائل: (فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر) ثم حدث بالحديث عن أبيه.\nوحديث جبريل الذي رواه عمر من أفراد مسلم، وقد اتفق الشيخان على إخراجه من حديث أبي هريرة ﵁.\nوقد جاء في القرآن آيات كثيرة، وجاءت في السنة أحاديث عديدة تدل على إثبات القدر، فأما القرآن فقد قال الله ﷿: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وقال: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة:٥١]، وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢].\nوأما السنة فقد عقد الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما كتابًا للقدر اشتمل على أحاديث عديدة في إثبات القدر، فروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله أنه قال: قال رسول الله ﷺ: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا.\nولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن (لو) تفتح عمل الشيطان)].\nوهذا الحديث عظيم، ومعناه أن قوة القوي وضعف الضعيف مقدران، وأن كل ذلك بقضاء الله وقدره، وكلاهما فيه خير مع تفاوتهما.\nوقد جاء في الحديث الآخر أن النبي ﷺ قال: (كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس) أي: حتى نشاط النشيط وكسل الكسول.\nفكل ذلك مقدر، فلا تقع حركة ولا سكون في الوجود إلا وهي بقضاء الله وقدره، وبمشيئة الله وإرادته، وخلقه وإيجاده.\nثم قال ﵊: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله)، فعلى الإنسان أن يأخذ بالأسباب، ولا يتكل على القدر ويقول: إذا كتب الله لي شيئًا فإنه سيأتيني، ولو لم أفعل الأسباب.\nفلابد من فعل الأسباب، ولهذا قال ﷺ: (احرص على ما ينفعك) أي: أن نأخذ بالأسباب.\nولكن مع الأخذ بالأسباب لا يعول الإنسان عليها بحيث إنه يجعلها كل شيء، ولا يكون هناك شيء وراء الأسباب، بل هناك شيء وراء الأسباب، وهو توفيق مسبِّب الأسباب، وهو الله ﷾، ولهذا قال بعد ذلك: (واستعن بالله) أي: ليس الأمر أن يفعل الإنسان السبب فيحصل كل شيء، وهذا هو حال الناس الماديين الذين ليس لهم صلة بالله ﷿، فالحياة عندهم أسباب ومسببات ولا شأن لله ﷿.\nوالذي يعتقده المسلم أنه لابد من الاثنين؛ لا بد من أن يفعل الإنسان السبب، ولابد أن يستعين بالله ﷿ على حصول المسبب.\nوقد بين النبي ﷺ أن فعل الأسباب لا يتنافى مع التوكل، فقال ﷺ: (لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا)، فالتوكل على الله ﷿ ليس بترك الأسباب، والرسول ﷺوهو سيد المتوكلين- كان يلبس اللأمة والمغفر في الحرب، وهما من أسباب الوقاية، وهو مع ذلك متوكل على الله ﷿.\nفالأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، بل هو أمر مطلوب، فالإنسان عندما يريد الولد فإنه يتزوج، وليس هناك طريق للنسل إلا الزواج أو ملك اليمين، ولا يأتي الولد عفوًا، ولو أن إنسانًا قال: إذا قدِّر الله لي أن يأتني الولد تزوجت وإلّا فلا، أو يصير لي ملك يمين وإلّا فلا فإن هذا يعتبر سفهًا؛ لأن الولد لا يحصل إلا بهذا الطريق.\nفلابد من الأخذ بالأسباب، ولكن مع كون الإنسان يتزوج ويأخذ بالأسباب عليه أن يعلم أن الزواج ليس هو كل شيء في تحقيق الولد، بل إن شاء الله ﷿ ووفق في حصول الولد حصل ذلك، وإن شاء أن لا يحصل لم يحصل وإن أخذ بالأسباب، فلابد من الأمرين جميعًا، ولهذا نجد أن النبي ﷺ أرشد إليهما في قوله: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله).\nفالإنسان لا يعول على الأسباب ويقول: هي كل شيء.\nوكذلك لا يتركها ويقول: سأجلس في بيتي ولن أبحث عن الرزق، وإذا قدر الله لي شيئًا فإنه سيأتي إليَّ وإن لم أفعل الأسباب.\nوقد بيّن الرسول ﷺ أن الطير تغدو خماصًا ولا تجلس في أوكارها وتنتظر أن يأتيها الرزق بدون فعل السبب، فقال ﷺ: (لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا) أي أنها في الصباح تروح خاوية البطون (وتروح بطانًا) أي: وتأتي في الرواح مليئة البطون.\nفقد فعلت الأسباب، وفعل الأسباب لا ينافي التوكل، ولهذا أرشد النبي ﷺ في هذا الحديث إلى الأمرين: فعل السبب، وبيان الشيء الذي لابد منه لتحصيل المقصود، وهو توفيق الله سبحانه، فالإنسان مع فعله السبب يلجأ إلى الله ﷿ ويسأله أن ينفع بالأسباب، وأن يوفقه لتحصيل ما يريد، وأن يسهل له ذلك، فقال: (واستعن بالله ولا تعجز)، ثم قال: (فإن أصابك شيء) أي: بعد فعل الأسباب (فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا)، فلو أن إنسانًا -مثلًا- دخل في مشروع من المشاريع وفعل الأسباب ولكنه فشل في هذا المشروع فليس له أن يقول: لو أنني لم أفعل هذا المشروع وفعلت مشروعًا آخر لحصل كذا وكذا.\nفهذا كلام باطل، فالله ﷿ أعلم بما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون، فلا يدري الإنسان لو فعل مشروعًا آخر أنه سيوفق فيه؛ لأن ذلك غيب، ولا يعلم الغيب إلا الله ﷿، قال ﷺ: (فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا.\nولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن (لو) تفتح عمل الشيطان).\nفالإنسان إذا قال: لو فعلت كذا لكان كذا فإن ذلك من عمل الشيطان ووسوسته للإنسان ليظله وليغويه، وليبعده عن التعويل على الله ﷿ في جميع شئونه.","vol":"7","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>علم الله الأزلي بكل ما هو كائن</span>\nالإيمان بالقدر له أربع مراتب لابد من اعتقادها: المرتبة الأولى: علم الله الأزلي بكل ما هو كائن، فإن كل كائن قد سبق علم الله به أزلًا، ولا يتجدد له علم بشيء لم يكن عالمًا به أزلًا.\nوقد سبق إيضاح هذه المرتبة عند الكلام على صفة العلم في الفقرة رقم (٧)].\nفالمخلوقون يتجدد علمهم بالشيء عندما يحصل وعندما يحصِّلون العلم، أما الله ﷿ فقد علم كل شيء أزلا، ولا يتجدد لله العلم بشيء لم يكن معلومًا له أزلًا، بل كل شيء معلوم له أزلًا.\nوأما ما جاء في بعض الآيات مثل قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة:١٤٣] فليس المقصود أنه يتجدد لله علم بذلك، وإنما المقصود ظهور ذلك العلم ظهورًا يترتب عليه ثواب وعقاب، وليس معنى ذلك أنه يحصل لله علم لم يكن حاصلًا من قبل، بل كل شيء معلوم لله أزلًا.\nوقد سبق إيضاح ذلك في الفقرة السابقة من الفقرات التي اشتمل عليها الكتاب.\nانظر الفقرة رقم (٧).\n[علْم الله محيط بكل شيء، فقد علم أزلًا ما كان وما سيكون، ومالم يكن أن لو كان كيف يكون].\nعلم الله تعالى: ما كان وما سيكون، وما لم يكن أن لو كان كيف يكون، فالشيء الذي لا يكون قد علمه الله ﷿، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨]، فهم يَسألون أن يرجعوا إلى الدنيا ليعملوا صالحًا، والله تعالى يقول: إنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، فهذا الشيء لم يكن، ومع ذلك علم لو كان كيف سيكون، فعلمه محيط بكل شيء.\n[كما قال الله ﷿: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٧ - ٢٨].\nفأخبر عن أمر لا يكون، وهو رجوع الكفار إلى الدنيا، وأنهم لو ردوا لعادوا لما نهو عنه].\nونظير هذا ما جاء عن النبي ﷺ في فضل أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: (إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا) فأخبر النبي ﷺ عن أمر لا يكون، ولو أنه سيكون فقد علم الله تعالى كيف يكون.\nفقولنا: (عن أمر لا يكون) هو اتخاذ النبي ﷺ خليلًا من الناس، فلو كان متخذًا خليلًا لكان المتخَذ أبا بكر ﵁ وأرضاه، لكنه لا يتخذ خليلًا، فهذا لا يتعلق بالعلم، ولكنه يتعلق بالشيء الذي لا يكون لو كان كيف يكون.\n[وقال الله ﷿: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فصلت:٤٧]، وقال: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ * سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد:٨ - ١٠]، وقال: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٣ - ١٤]، وقال: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٣].\nوكل ما هو كائن في الوجود من حركة أو سكون قد سبق به علم الله، ولا يحصل لله علم بشيء لم يكن معلومًا له من قبل أزلًا.\nقال شيخنا محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في كتابه (أضواء البيان) عند قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة:١٤٣] قال: ظاهر هذه الآية قد يتوهم منه الجاهل أنه تعالى يستفيد بالاختبار علمًا لم يكن يعلمه ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا، بل هو تعالى عالم بكل ما سيكون قبل أن يكون.\nوقد بيّن أنه لا يستفيد بالاختبار علمًا لم يكن يعلمه بقوله جل وعلا: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، فقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ بعد قوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ﴾ دليل قاطع على أنه لم يستفد بالاختبار شيئًا لم يكن عالمًا به ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا؛ لأن العليم بذات الصدور غني عن الاختبار.\nوفي هذه الآية بيان عظيم لجميع الآيات التي يذكر الله فيها اختباره لخلقه، ومعنى قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ [البقرة:١٤٣] أي: علمًا يترتب عليه الثواب والعقاب.\nفلا ينافي أنه كان عالمًا به قبل ذلك، وفائدة الاختبار ظهور الأمر للناس، أما العلم بالسر والنجوى فهو ﷾ عالم بكل ما سيكون، كما لا يخفى.","vol":"7","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>الكتابة لكل كائن في اللوح المحفوظ</span>\nالثانية من مراتب القدر: كتابة كل ما هو كائن في اللوح المحفوظ قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، لقوله ﷺ: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء).\nروه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.","vol":"7","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>مشيئة الله تعالى وإرادته</span>\nالثالثة: مشيئة الله وإرادته، فإنّ ما هو كائن إنما حصل بمشيئة الله، ولا يقع في ملك الله إلا ما أراده الله، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩].","vol":"7","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>الخلق والإيجاد</span>\nالرابعة: إيجاد كل ما هو كائن وخلْقه بمشيئة الله، وفقًا لما علمه أزلًا، وكتبه في اللوح المحفوظ، فإن كل ما هو كائن من ذوات وأفعال هو بخلق الله وإيجاده، كما قال الله ﷿: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]، وقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦].","vol":"7","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>قد يعلم الخلق ما هو مقدر بأحد طريقين</span>\nوما قدره الله وقضاه وكتبه في اللوح المحفوظ هو من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، ويمكن أن يعلم الخلق ما هو مقدر بأحد أمرين: الأمر الأول: الوقوع، فإذا وقع شيء عُلم بأنه مقدر؛ لأنه لولم يقدر لم يقع، فإن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.\nالثاني: حصول الإخبار من رسول الله ﷺ عن أمور ستقع في المستقبل، مثل إخباره عن الدجال، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى بن مريم، وغير ذلك من الأمور التي تقع في آخر الزمان، فهذه الأخبار تدل على أن هذه الأمور لابد لها من أن تقع، وأنه قد سبق بها قضاء الله وقدره، ومثل إخباره عن أمور ستقع قرب زمانه ﷺ.\nومن ذلك ما جاء في حديث أبي بكرة ﵁ أنه قال: سمعت النبي ﷺ على المنبر والحسن إلى جنبه ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول: (ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين).\nرواه البخاري.\nوقد وقع ما أخبر به الرسول ﷺ في عام واحد وأربعين للهجرة، حيث اجتمعت كلمة المسلمين فسمي عام الجماعة، وقد فهم الصحابة ﵃ وأرضاهم من هذا الحديث أن الحسن ﵁ لن يموت صغيرًا، وأنه سيعيش حتى يحصل ما أخبر به الرسول ﷺ من الصلح.","vol":"7","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>كينونة الشر بقضاء الله تعالى وقدره</span>\n[والإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره، وكل ذلك قد قدره الله ربنا، جاء في حديث جبريل: (وأن تؤمن بالقدر خيره وشره)، والله سبحانه خالق كل شيء ومقدُّره، قال الله ﷿: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]، وقال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢].\nفكل ما هو كائن من خير أو شر فهو بقضاء الله وقدره ومشيئته وإرادته، وأما ما جاء في حديث علي ﵁ في دعاء النبي ﷺ الطويل، وفيه: (والخير كله في يديك، والشر ليس إليك) رواه مسلم فلا يدل على أن الشر لا يقع بقضائه وخلقه، وإنما معناه أن الله لا يخلق شرًا محضًا لا يكون لحكمة ولا يترتب عليه فائدة بوجه من الوجوه، وأيضًا فالشر لا يضاف إليه استقلالًا، بل يكون داخلًا تحت العموم، كما قال الله ﷿: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]، وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، فيُتأدب مع الله بعدم نسبة الشر وحده إلى الله، ولهذا جاء فيما ذكره الله عن الجن من تأدبهم في نسبة الخير إليه، وذكر الشر على البناء لما لم يسم فاعله، قال الله ﷿ عن الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠].","vol":"7","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>المشيئة والإرادة</span>\nمن مراتب القدر الأربع مشيئة الله وإرادته.\nوالفرق بين المشيئة والإرادة أن المشيئة لم تأتِ في الكتاب والسنة إلا لمعنى كوني قدري، وأما الإرادة فإنها تأتي لمعنى كوني ومعنى ديني شرعي.\nومن مجيئها لمعنى كوني قدري قوله تعالى: ﴿وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤]، وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:١٢٥].\nومن مجيء الإرادة لمعنى شرعي قول الله ﷿: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة:٦].\nوالفرق بين الإرادتين أن الإرادة الكونية تكون عامة فيما يحبه الله ويسخطه، وأما الإرادة الشرعية فلا تكون إلا فيما يحبه الله ويرضاه، ثم إن الكونية لابد من وقوعها، وأما الدينية فتقع في حق من وفقه الله، وتتخلف في حق من لم يحصل له التوفيق من الله.\nوهناك كلمات تأتي لمعنى كوني وشرعي -منها: القضاء، والتحريم، والإذن، والكلمات، والأمر، وغير ذلك- ذكرها ابن القيم، وذكر ما يشهد لها من القرآن والسنة في كتابه (شفاء العليل) في الباب التاسع والعشرين منه.","vol":"7","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>وجود الخلق على وفق ما قدره الله وقضاه</span>\nما قدره الله وقضاه وكتبه في اللوح المحفوظ لابد من وقوعه، فلا تغيير فيه ولا تبديل، كما قال الله ﷿: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]، وقال ﷺ: (رُفعت الأقلام وجفت الصحف).\nوأما قوله ﷿: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] فقد فُسِّر بأن ذلك يتعلق بالشرائع، فينسخ الله منها ما يشاء ويثبت ما يشاء، حتى خُتمت برسالة نبينا محمد ﷺ التي نسخت جميع الشرائع قبلها، وفُسِّر بالأقدار التي هي في غير اللوح المحفوظ، كالتي تكون بأيدي الملائكة.\nوانظر (شفاء العليل) لـ ابن القيم في الأبواب: الثاني، والرابع، والخامس، والسادس، فقد ذكر في كل باب تقديرًا خاصًا بعد التقدير في اللوح المحفوظ.\nوأما قوله ﷺ: (لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر) أخرجه الترمذي وحسنه -وانظر السلسلة الصحيحة للألباني - فلا يدل على تغيير ما في اللوح المحفوظ، وإنما يدل على أن الله قدر السلامة من الشرور، وقدر أسبابًا لتلك السلامة، والمعنى أن الله دفع عن العبد شرًا وذلك مقدر بسبب يفعله وهو الدعاء، وهو -أيضًا- مقدر، وكذلك قدر أن يطول عمر الإنسان، وقدر أن يحصل منه سبب لذلك، وهو البر وصلة الرحم.\nفالأسباب والمسببات كلها بقضاء الله وقدره، وكذلك يقال في قوله ﷺ: (من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه).\nرواه البخاري ومسلم.\nفأجل كل إنسان مقدر في اللوح المحفوظ، فلا يتقدم عنه ولا يتأخر، كما قال الله ﷿: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون:١١]، وقال: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس:٤٩].\nوكل من مات أو قتل فهو بأجله، ولا يقال كما قالت المعتزلة: إن المقتول قُطع عليه أجله، وإِنه لولم يقتل لعاش إلى أجل آخر.\nفإن كل إنسان قدّر الله له أجلًا واحدًا، وقدر لهذا الأجل أسبابًا، فهذا يموت بالمرض، وهذا يموت بالغرق، وهذا يموت بالقتل، وهكذا.","vol":"7","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>عدم جواز الاحتجاج بالقدر على ترك المأمورات أو فعل المحظورات</span>\nلا يجوز الاحتجاج بالقدر على ترك مأمور لا فعل محظور، فمن فعل معصية لها عقوبة محددة شرعًا، واعتذر عن فعله بأن ذلك كتب عليه وقدر فإنه يعاقب بالعقوبة الشرعية، ويقال له: إن معاقبتك بهذه العقوبة قدر.\nوأما ما جاء في حديث محاجة آدم وموسى في القدر فليس من قبيل الاحتجاج بالقدر على فعل معصية، وإنما هو على المصيبة التي كانت بسبب المعصية.\nفقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول ﷺ: (احتج آدم وموسى، فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة! فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه ثم تلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق! فقال رسول الله ﷺ: فحج آدم موسى.\nمرتين).\nوقد خصّ ابن القيم في كتابه (شفاء العليل) الباب الثالث بالكلام على هذا الحديث، فذكر ما قيل في معناه من أقوال باطلة، وذكر الآيات التي فيها احتجاج المشركين على شركهم بالقدر، وأن الله أكذبهم بأنهم باقون على شركهم وكفرهم، وأن ما قالوه هو من الحق الذي أريد به باطل، ثم ذكر توجيهين لمعنى الحديث: أولهما لشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية، والثاني من فهمه واستنباطه، فقال في (ص٣٥): إذا عرفت هذا فموسى أعرف بالله وأسمائه وصفاته من أن يلوم على ذنب قد تاب منه فاعله فاجتباه ربه بعده وهداه واصطفاه، وآدم أعرف بربه من أن يحتج بقضائه وقدره على معصيته، بل إنّا لا نلوم آدم على المصيبة التي نالت الذرية بخروجه من الجنة، ونزولهم إلى دار الابتلاء والمحنة بسبب خطيئة أبيهم، فذكر الخطيئة تنبيهًا على سبب المصيبة والمحنة التي نالت الذرية، ولهذا قال له: (أخرجتنا ونفسك من الجنة)، وفي لفظ: (خيبتنا)، احتج آدم بالقدر على المصيبة وقال: (إن هذه المصيبة التي نالت الذرية بسبب خطيئتي كانت مكتوبة بقدره قبل خلقي).\nوالقدر يحتج به في المصائب دون المعائب، أي: أتلومني على مصيبة قدرت علي وعليكم قبل خلقي بكذا وكذا سنة؟! فهذا جواب شيخنا ﵀.\nوقد يتوجه جواب آخر، وهو أن الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع ويضر في موضع، فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه وترك معاودته، كما فعل آدم، فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع؛ لأنه لا يَدْفَع بالقدر أمرًا ولا نهيًا، ولا يبطل به شريعة، بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول والقوة.\nيوضحه أن آدم قال لموسى: (أتلومني على أن عملت عملًا كان مكتوبًا علي قبل أن أخلق)، فإذا أذنب الرجل ذنبًاَ ثم تاب منه توبة وزال أمره حتى كأن لم يكن، فأنبه مؤنب عليه أو لامه ملامةً فإنه يحَسُن له أن يحتج بالقدر بعد ذلك، ويقول: هذا أمر كان قد قدر عليّ قبل أن أخلق.\nفإنه لم يدفع بالقدر حقًا، ولا ذكر حجة له على باطل، ولا محذور في الاحتجاج به.\nوأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ففي الحال والمستقبل، كأن يرتكب فعلًا محرمًا، أو يترك واجبًا، فيلومه عليه لائم فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره، فيبطل بالاحتجاج به حقًا ويرتكب باطلًا، كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله فقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام:١٤٨]، ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف:٢٠].\nفاحتجوا به مصوبين لما هم عليه، فلم يندموا على فعله، ولم يعزموا على تركه، ولم يقروا بفساده، فهذا ضد احتجاج من تبين له خطأ نفسه وندم وعزم كل العزم على أن لا يعود، فإذا لامه لائم بعد ذلك قال: كان ما كان بقدر الله.\nونكتة المسألة سبب اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر، وإذا كان سبب اللوم واقعًا فالاحتجاج بالقدر باطل.","vol":"7","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>مذهب أهل السنة في أفعال العباد، والرد على القدرية والجبرية</span>\nقوله: [تعالى أن يكون في ملكه مالا يريد، أو يكون لأحد عنه غنى، خالقًا لكل شيء إلا هو، رب العباد ورب أعمالهم، والمقدر لحركاتهم وآجالهم].\nالظاهر أن في قوله: [خالقًا لكل شيء إلا هو] سقطًا يدل عليه ما قبله، والتقدير: وأن يكون خالقًا لكل شيء إلا هو، وفي هذه الجمل كلها رد على القدرية الذين يقولون: إن العباد يخلقون أفعالهم، وإن الله لم يقدرها عليهم.\nفإن مقتضى قولهم هذا أن أفعال العباد وقعت في ملك الله وهو لم يقدرها، وأنهم بخلقهم لأفعالهم مستغنون عن الله، وأن الله ليس خالقًا لكل شيء، بل إنّ العباد خلقوا أفعالهم، وهذا غير صحيح، فالله ﷾ خالق العباد وخالق أفعال العباد، وهو خالق الذوات والصفات، كما قال الله ﷿: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد:١٦]، وقال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر:٦٢]، وقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦].\nويقابل نفاة القدر فرقة أخرى ضالة، وهم الجبرية، فقد سلبوا عن العبد الاختيار، ولم يجعلوا له مشيئة ولا إرادة، وسووا بين الحركات الاختيارية والحركات الاضطرارية، وزعموا أن كل حركاتهم بمنزلة حركات الأشجار، وأن حركة الآكل والشارب والمصلي والصائم كحركة المرتعش، فليس للإنسان فيها كسب ولا إرادة، وعلى هذا فما فائدة إرسال الرسل، وإنزال الكتب؟! ومن المعلوم قطعًا أن للعبد مشيئة وإرادة، فيحمد على أفعاله الحسنة ويثاب عليها، ويذم على أفعاله السيئة ويعاقب عليها، وأفعاله الاختيارية ينسب إليه فعلها وكسبها، وأما الحركات الاضطرارية كحركة المرتعش فلا يقال: إنها فعل له، وإنما هي صفة له.\nولهذا يقول النحويون في تعريف الفاعل: هو اسم مرفوع يدل على من حصل منه الحدث أو قام به.\nوالمراد بحصول الحدث الأفعال الاختيارية التي وقعت بمشيئة العبد وإرادته، ومرادهم بقيام الحدث ما لا يقع تحت المشيئة، كالموت والمرض والارتعاش ونحو ذلك، فإذا قيل: أكل زيد وشرب وصلى وصام فزيد فيها فاعل، وقد حصل منه الحدث، وهو الأكل والشرب والصلاة والصيام، وإذا قيل: مرض زيد، أو مات زيد، أو: ارتعشت يده فإن الحدث ليس من فعل زيد، وإنما هو وصف قام به.\nوأهل السنة والجماعة وسط بين الجبرية الغلاة في الإثبات، والقدرية النفاة، فإنهم أثبتوا للعبد مشيئة، وأثبتوا للرب مشيئة عامة، وجعلوا مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله، كما قال الله ﷿: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨ - ٢٩].\nفلا يقع في ملك الله ما لم يشأه الله، بخلاف القدرية القائلين: إن العباد يخلقون أفعالهم.\nولا يعاقب العباد على أشياء لا إرادة لهم فيها ولا مشيئة كما هو قول الجبرية.\nوبهذا يجاب عن السؤال الذي يتكرر طرحه، وهو: هل العبد مسير أو مخير؟ فلا يقال: إنه مسير بإطلاق، ولا مخير بإطلاق، بل يقال: إنه مخير باعتبار أن له مشيئة وإرادة، وأن أعماله كسب له يثاب على حسنها ويعاقب على سيئها، وهو مسير باعتبار أنه لا يحصل منه شيء خارج عن مشيئة الله وإرادته وخلقه وإيجاده.","vol":"7","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>الهداية والإضلال من الله سبحانه</span>\nقوله: [يضل من يشاء فيخذله بعدله، ويهدي من يشاء فيوفقه بفضله، فكل ميسر بتيسيره إلى ما سبق من علمه وقدره من شقي أو سعيد].\nأي أن هداية المهتدين وضلال الضالين كل ذلك حاصل بمشيئة الله وإرادته، وقد بين الله للعباد طريق السعادة وطرق الضلال، وأعطاهم عقولًا يميزون بها بين النافع والضار، فمن اختار طريق السعادة وسلكه انتهى به إلى السعادة، وقد حصل ذلك بمشيئة العبد وإرادته التابعة لمشيئة الله وإرادته، وذلك فضل من الله وإحسان، ومن اختار طريق الضلال وسلكه انتهى به إلى الشقاوة، وقد حصل ذلك بمشيئة العبد وإرادته التابعة لمشيئة الله وإرادته، وذلك عدل من الله سبحانه، قال الله ﷿: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ١٠]، أي: طريقي الخير والشر، وقال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٣]، وقال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف:١٧].","vol":"7","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>أقسام الهداية</span>\nالهداية هدايتان: هداية الدلالة والإرشاد، وهذه حاصلة لكل أحد، وهداية التوفيق، وهي حاصلة لمن شاء الله هدايته.\nومن أدلة الهداية الأولى قول الله ﷿ لنبيه ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] أي: إنك تدعو كل أحد إلى الصراط المستقيم.\nومن أدلة الهداية الثانية قول الله ﷿: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦].\nوقد جمع الله بين الهدايتين في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس:٢٥]، فقوله: «وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ» أي: يدعو كل أحد فحذف المفعول لإرادة العموم، وهذه هي هداية الدلالة والإرشاد، وقوله: «وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» أظهر فيه المفعول لإفادة الخصوص، وهي هداية التوفيق.","vol":"7","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>مناظرة بين سني ومعتزلي</span>\nأورد شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في كتابه (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة الشمس حكايتين توضحان فساد مذهب المعتزلة في باب القضاء والقدر، فقال: ولما تناظر أبو إسحاق الإسفرائيني مع عبد الجبار المعتزلي، قال عبد الجبار: سبحان من تنزه عن الفحشاء! وقصْده أن المعاصي كالسرقة والزنا بمشيئة العبد دون مشيئة الله؛ لأن الله أعلى وأجل من أن يشاء القبائح في زعمهم.\nفقال أبو إسحاق: كلمةُ حق أريد بها باطل، ثم قال: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء! فقال عبد الجبار: أتراه يخلقه ويعاقبني عليه؟! فقال أبو إسحاق: أتراك تفعله جبرًا عليه؟ أي: أأنت الرب وهو العبد؟! فقال عبد الجبار: أرأيت إن دعاني إلى الهدى، وقضى عليّ بالردى، أتراه أحسن إلي أم أساء؟! فقال أبو إسحاق: إن كان الذي منعك منه ملكًا لك فقد أساء، وإن كان له فإن أعطاك ففضل، وإن منعك فعدل.\nفبهت عبد الجبار، وقال الحاضرون: والله ما لهذا جواب.\nوجاء أعرابي إلى عمرو بن عبيد وقال: ادع الله لي أن يرد علي حمارة سرقت مني.\nفقال: اللهم! إن حمارته سرقت ولم تُرد سرقتها، فارددها عليه.\nفقال الأعرابي: يا هذا! كفِّ عني دعاءك الخبيث؛ فإنه إن كانت سرقت ولم يرد سرقتها فقد يريد ردها فلا ترد! وبهذا ينتهي الكلام على القضاء والقدر.\nوالله تعالى أعلم.","vol":"7","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>الأسئلة</span>","vol":"7","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>معنى حديث: (إذا ذكر القدر فأمسكوا)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى حديث: (إذا ذُكر القدر فأمسكوا)، وهل يدل على عدم الخوض في مسائل القدر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يدل هذا على عدم التعمق في مسائل القضاء والقدر، وأن الإنسان لا يسأل أسئلة لا يجوز له أن يسألها، فيقول: لماذا حصل لفلان كذا، ولماذا حصل لفلان كذا، ولماذا صارت السعادة لفلان والشقاوة لفلان.\nفالإنسان ليس له أن يسأل عن مثل هذه الأمور، والمقصود هو التعمق، فهذا هو الذي ينهى عنه، وأما الكلام فيه وفقًا للنصوص من غير ارتكاب أمر محظور فهذا أمر مطلوب، ولا بأس به.","vol":"7","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>معنى حديث: (اللهم إني أعوذ بك من درك الشقاء وسوء القضاء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى قوله ﷺ: (اللهم! إني أعوذ بك من درك الشقاء وسوء القضاء)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معلوم أن كل خير مقدر، وأن كل شر مقدر، فهو يطلب السلامة من سوء القضاء، أي أنه يسأل الله الخير ويستعيذ به من الشر، وكلاهما مقدر.","vol":"7","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>الدعاء بلفظ: (اللهم إني أسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيرًا)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز للإنسان أن يقول: اللهم! إني أسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيرًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا أدري هل ثبت مثل هذا الدعاء أم لا، فعلى الإنسان أن لا يقدم على شيء لم يرد، وليحرص على أن تكون أدعيته في حدود ما ورد، فإن ثبت هذا فيشرع الدعاء به.","vol":"7","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>الفرق بين القضاء والقدر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل هناك فرق بين كلمة (القضاء) وكلمة (القدر)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  بعض العلماء يقول: إن القضاء في الكليات والقدر في الجزئيات.\nوالذي يظهر أنه لا فرق بينهما، فإنه يؤتى بهما متعاطفتين وهما مترادفتان.","vol":"7","page":23},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-137>[٨]</span>\nللدين مراتب، وأعلى مراتبه الإحسان، والإحسان نفسه مراتب، وله أنواع، وعلى المسلم أن يسعى لتحقيق كمال دينه ببلوغ أعلى مراتبه ليجد الجزاء عند الله تعالى.","vol":"8","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>درجة الإحسان</span>","vol":"8","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>الإحسان أعلى درجات الدين</span>\nانتهى الكلام في شرح حديث جبريل إلى درجة الإحسان، وقد ذكر قبل ذلك درجة الإسلام والإيمان، فالدرجات ثلاث: أولها: درجة الإسلام، ثم تليها درجة الإيمان، ثم تليها درجة الإحسان.\nوكل درجة أكمل من الدرجة التي قبلها، وكل درجة داخلة في التي قبلها، فكل مؤمن مسلم، وكل محسن مؤمن ومسلم؛ لأن درجة الإحسان هي درجة كمال، وأقل منها درجة الإيمان، وأقل منهما درجة الإسلام.\nفالإنسان بمجرد دخوله في الإسلام وإتيانه بما يعصم به دمه من الدخول في الإسلام يقال له: مسلم.\nويلي ذلك درجة الإيمان.\nولهذا فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا، وقد جاء في القرآن في قصة الأعراب الذين ذكر قصتهم في سورة الحجرات قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤].\nفالإيمان أكمل من الإسلام؛ لأن الإسلام يحصل لكل من دخل في الإسلام، وأما الإيمان فيكون لمن حصل منه شيء من الكمال في إسلامه، فهي درجة أعلى، وأعلى منها درجة الإحسان.\nوكذلك الحديث الذي فيه قصة الجماعة الذين جاءوا -كما في حديث سعد بن أبي وقاص - أن جماعة أتوا إلى النبي ﷺ فأعطاهم إلا رجلًا، وكان ذلك الرجل أمثلهم عنده، فقال له سعد بن أبي وقاص: أعطيت الجماعة الفلانية وفيهم فلان لم تعطه وهو مؤمن.\nفقال ﵊: (أو مسلم؟!) أي أنه يرشده إلى أن يقول الدرجة الدنيا، فكرر عليه سعد، والنبي ﷺ يقول له: (أو مسلم؟!) ثم ذكر أنه يعطي أقوامًا يرجو تألفهم لما عندهم من الضعف، وأنه يترك أناسًا لما عندهم من قوة الإيمان، فلا يعطيهم مثلما يعطي من كان إسلامهم يحتاج إلى أن يرسخ في قلوبهم وأن يؤلفوا على الإسلام وأن يتمكن الإيمان من قلوبهم.\nوالإحسان هو أكمل الدرجات الثلاث، وقد ذكر الله ﷿ الإحسان في القرآن وأن جزاءه الإحسان فقال: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]، وقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الحسنى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] والحسنى هي الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله ﷿، كما جاء ذلك مفسرًا من رسول الله ﷺ في حديث صهيب الذي أخرجه مسلم في صحيحه.\nوفي القرآن أن الحسنى إنما تكون للمحسنين، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الحسنى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦].\nوفي مقابل ذلك فإن السوأى للمسيئين، كما قال الله ﷿: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ [الروم:١٠].\nفقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الحسنى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] يقابله قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ [الروم:١٠]، والسوأى هي النار، والمراد أنهم أساءوا أعمالهم حتى أوصلتهم إلى النار، فكانوا من أهلها، والآية في حق الكفار؛ لأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويستهزئون بها.","vol":"8","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>مراتب الإحسان</span>\nلقد سأل جبريل ﵇ رسول الله ﷺ الأسئلة التي يريد من ورائها تعليم أصحاب رسول الله ﷺ هذه الأمور التي وصفها رسول الله ﷺ بأنها الدين، فقال في آخر الحديث: (هذا جبريك أتاكم يعلمكم دينكم).\nوكان السؤال الثالث الذي سأله عنه قوله: (أخبرني عن الإحسان؟) فقال ﷺ: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) فقوله: (أن تعبد الله كأنك تراه)، أي: أن تكون مقبلًا عليه بقلبك وقالبك، وأن تكون مستحضرًا عظمة الله وكأنك واقف بين يديه سبحانه.\nومعلوم أن الإنسان إذا كان بهذه المنزلة والدرجة، ويدخل في العبادة بهذا الوصف وبهذه الهيئة التي يستشعر فيها أنه واقف بين يدي الله فلاشك في أنه سيحسن فيما يقوم في قلبه، وفيما يجري على لسانه، وفيما يقوم بجوارحه، بحيث تسير هذه الأمور والأحوال كلها على السداد وعلى الاستقامة؛ لأنه يعبد الله ﷿ وكأنه بين يديه ﷾، وينظر إلى الله ﷿ وكأنه بين يديه، فهو مستحضر لعظمته وجلاله.\nوقوله: (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) أي: فإذا كان الإنسان لا يعبد الله بهذه الطريقة والهيئة التي تجعله وكأنه واقف بين يدي الله، فيحسن عمله ويتقنه ويؤديه على التمام والكمال لأنه واقف بين يدي الله فإن عليه أن يستشعر بأن الله تعالى يراه، وأن الله مطلع عليه، وأنه لا يخفى عليه خافية، وأنه سيثيبه إن أحسن، ويعاقبه إن أساء، فذلك يكون دافعًا له إلى الخوف والرهبة من الله، وعلى البعد من الوقوع في معاصي الله تعالى.\nفالحالة الأولى هي الحالة التي يؤدي فيها الإنسان الأعمال على التمام والكمال وكأنه واقف بين يدي الله، فإن لم تكن فيه هذه الهيئة والصفة فإن عليه أن يستشعر أن الله مطلع عليه، وأنه لا يخفى عليه خافية، وأنه يحاسبه ويجازيه على ما يحصل منه، فتكون هاتان الجملتان الأولى منهما في مقام الترغيب، والثانية في مقام الترهيب.","vol":"8","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>أنواع الإحسان</span>\nثم إن الإحسان قد يكون لازمًا للإنسان لا يتعداه إلى غيره، وذلك بأن يحسن في عمله، وقد يكون متعديًا إلى غيره، وذلك بأن يحسن إلى غيره، وكل ذلك يدخل تحت الإحسان، وعلى الإنسان في عمله -سواءٌ أكان في العبادات البدنية، أم العبادات المالية المتعدية إلى غيره- أن يفعل ذلك وهو يرجو ثواب الله ﷿ ويخشى عقابه ﷾.\nوالإحسان يكون بعدة وجوه: يكون بالمال، ويكون بالجاه، ويكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويكون بالدلالة على الخير، كل ذلك من الإحسان المتعدي، فيكون النفع للفاعل ولغيره؛ لأنه أحسن إلى نفسه وأحسن إلى غيره.","vol":"8","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>علم الساعة ومرده إلى الله تعالى</span>\nثم سأل جبريل رسول الله ﷺ عن الساعة، فقال: (أخبرني عن الساعة؟ فقال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، وفي هذا بيان أن علم الساعة مما اختص الله تعالى به.\nوقد جاء في القرآن ما يدل على أن علم الساعة من خصائص الله ﷾، وجاء -أيضًا- أنها من جملة الخمسة الأمور التي هي من الغيب الذي لا يعلمه إلا هو ﷾، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله ﷾، فقد أخفاها عن الناس ولم يعلمهم بها، حتى الرسول ﷺ لا يعلم متى تقوم الساعة في أي سنة، ولا في أي شهر، ولا في أي يوم من الشهر، لكن جاء في السنة أن الساعة تقوم يوم الجمعة، وعلى هذا فالساعة لا تقوم في الأيام الأخرى غير يوم الجمعة، فلا تقوم يوم السبت أو الأحد أو الأيام الأخرى، وإنما تقوم في يوم الجمعة فقط كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله ﵊، وأما في أي سنة، وفي أي شهر، وفي أي جمعة من الشهر فهذا لا يعلمه إلا الله ﷾.\nوكان جواب الرسول ﷺ لجبريل أن قال له: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) أي أن الخلق استوى علمهم فيها، وهو أنهم لا يعلمون وقت قيامها، ولم يقل النبي ﷺ: لست أعلم بها منك.\nوإنما قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، وهذا كلام عام يشمل الرسول ﷺ وجبريل ﵇، ويشمل غيرهما.\nثم سأل جبريل النبي ﵉ فقال: (فأخبرني عن أماراتها؟ فقال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان).","vol":"8","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>أشراط الساعة</span>\nوللساعة أشراط، فبعض أشراطها تكون قريبة من قيامها، وبعض الأشراط تكون قبل ذلك، وهذه الأشراط التي قبل ذلك منها ما قد مضى، ومنها ما لم يأت، وكل هذا قبل أن تأتي العلامات الكبرى التي تكون بين يديها، مثل طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، ونزول عيسى بن مريم، وكذلك خروج المهدي، فهذه من الأشراط التي هي قريبة من قيام الساعة.\nوأما العلامات الأخرى فهناك علامات أخبر بها الرسول ﷺ، ومنها ما قد مضى، ومن ذلك قوله ﷺ: (لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصري)، وقد ذكر في كتب التاريخ أنه في سنة ستمائة وأربع وخمسين خرجت هذه النار، وحصل هذا الذي أخبر به الرسول ﷺ، وكان ذلك قبل سقوط بغداد بسنتين على أيدي التتار، فقد كان سقوط بغداد على أيدي التتار سنة ستمائة وست وخمسين، ذكر ذلك ابن كثير وغيره.\nوهناك أمور أخرى أخبر عنها الرسول ﷺ لم تقع إلى الآن، كقوله في الحديث: (لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، فيقتتل عليه الناس، فينجو من كل ألف رجل واحد، ويهلك تسعمائة وتسعة وتسعون).\nوهؤلاء المقتتلون يعلمون بأن النجاة تكون لواحد من ألف، وأن الهلاك سيكون حليف تسعمائة وتسعة وتسعين، ومع ذلك يقتتلون ويرجو كل واحد منهم أن يكون هو ذلك الفائز الناجي، وهذا من شدة الحرص على الدنيا في ذلك الوقت، وهذا الأمر لم يحصل حتى الآن، وأما تفسير بعض الناس لذلك الجبل من ذهب بالبترول الذي في العراق فهو كلام باطل؛ لأن الرسول ﷺ وصفه بأنه جبل من ذهب، والبترول ليس بذهب، فالذهب -كما هو معروف- معدن من المعادن، وهو مع الفضة يكونان العملة التي يتعامل بها الناس، والذهب هو أنفس هذين النوعين.\nوهذا كله قبل أن تأتي العلامات الكبرى التي تكون بين يدي الساعة.\nونسمع بين الحين والآخر الناس يتحدثون عن خروج المهدي، وبعض هؤلاء المدّعين لذلك من المجانين وأشباه المجانين، فيزعم بعض الناس أنه المهدي، وهذا كله من الخطأ البين الواضح.\nوقد حصل هذا في أزمان مختلفة من التاريخ، وآخر شيء حصل ووقعت فيه فتنة هلاك وقتل ما كان في سنة ١٤٠٠هـ في الحرم المكي، وكل ذلك بسبب هذا السفه، وهو ادعاء المهدوية، فتكون هناك عواطف وحماسة مبنية على غير أساس، وقد يبنى ذلك على منامات ورؤى تحصل من الشيطان ليزج بهؤلاء إلى ما يكون فيه هلاكهم وهلاك أتباعهم.\nوأذكر أنه قبل أن تحصل الفتنة التي وقعت في الحرم في غرة محرم سنة ١٤٠٠هـ كان الناس يتحدثون قبل ذلك عن أن المهدي سيخرج، وأذكر أنه جاء إلي طالب لا أعرفه وأنا في مكتبة الدراسات العليا، وقال: إنهم يقولون: إن المهدي سيخرج.\nوكانوا يذكرون أن قحطان محمد بن عبد الله القحطاني هو المهدي، وأنه سيخرج.\nوهناك كتاب اسمه (كتاب المتألهين والمتنبئين والمتمهدين) فقلت: إنه سيضاف إلى هذا الكتاب إن خرج.\nثم إنه خرج فصار ممن ذكر في هذا الكتاب، ويحصل بين وقت وآخر محاولة من بعض الناس إدعاء المهدوية، وكل هذا سفه من بعض العقول.\nوأذكر أنه مرة من المرات جاءني كتاب من رجل في لندن، وقال: إني المهدي، وإنني أرى أن علامات المهدي موجودة فيّ، فماذا تقترح علي؟ وبماذا تشير علي؟ فقلت له: لا يسمع أحد أبدًا هذا الكلام منك حتى تموت؛ لأنك إن حدثت به أحدًا فستتهم بضعف في عقلك، فأرى من الخير لك أن تترك هذا الأمر، وأن لا يخطر منك على بال، فكتبت له هذا الكتاب، ولا أدري ما حصل له، ولعله استفاد من هذا الإرشاد.\nفالحاصل أن الذي أخبر به الرسول ﷺ حق، ولكنه سيقع في الوقت الذي يشاء الله ﷿ أن يقع فيه، وأما تلك الأمور التي تحصل بين حين وآخر ممن يدعي أنه المهدي، أو يدعى فيه أنه المهدي فكل هذه الأمور لا تأتي بخير، وإنما تأتي بالضرر، وتدل على سفه من حصلت منه، وتدل على قلة عقله وبصيرته.\nفالرسول الكريم ﷺ أخبر بأمور عديدة، والإنسان إذا قرأ الكتب التي رتبت على الحروف، كالجامع الصغير، أو صحيح الجامع الصغير فإنه يجد عدة أحاديث كلها مبدوءة بـ: (لا تقوم الساعة حتى يحصل كذا وكذا).\nفمن هذه الأمور ما حصل، ومنها مالم يحصل، والمسلم يصدق بكل ما صح عن رسول الله ﷺ، لكن لا يجر ولا يسوق الأحاديث أو النصوص التي وردت إلى شيء لا يصلح أن تساق إليه، أو يفسرها بشيء وقع على أن اعتبار أن هذا هو ما أراده الرسول ﷺ، وذلك كالمثال الذي ذكرته في قصة الكنز الذي في الفرات، وتفسيره بالبترول، فكل هذا من التخرص، وهو كلام على غير هدى وبصيرة.\nفالرسول ﷺ لما سأله جبريل عن أماراتها أخبره بأمارتين، أخبره بقوله ﷺ: (أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان)، وكان ﵊ يُسأل أسئلة متعددة عن الساعة، فكان أحيانًا يجيب بشيء من أماراتها، وأحيانًا يجيب بما هو أهم من السؤال عن الساعة.\nفمما سئل عنه وكان الجواب بلفت النظر إلى ما هو أهم من المسئول عنه ذلك الحديث الذي فيه: (أن رجلًا قال: يا رسول الله! متى الساعة؟ فقال له ﷺ: وماذا أعددت لها)، أي: أن الساعة قائمة، وكل آت قريب، ولكن ما الذي أعددته لنفسك إذا قامت الساعة؟ فالسائل صدقه في الجواب (فقال: أعددت لها حب الله ورسوله ﵊.\nفقال ﵊: المرء مع من أحب)، فصرفه عن السؤال، ولفت نظره إلى الأمر الذي ينبغي أن يشتغل به، وهو أن يستعد للساعة وللموت، فالإنسان لا يجد أمامه إلا ما قدم، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].\nوهذا من كمال بيانه ونصحه ﵊ لهذا السائل الذي سأله.\nومن ذلك -أيضًا- أن النبي ﷺ كان جالسًا بين أصحابه يحدثهم، فجاء رجل ووقف على الحلقة وقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ فأعرض عنه الرسول ﷺ، واستمر فيما هو فيه من تحديث أصحابه، فلما فرغ قال: (أين السائل عن الساعة؟ فقال: أنا يا رسول الله.\nفقال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة.\nقال: وكيف إضاعتها؟ قال: إذا وسَّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة).\nقال الحافظ ابن حجر وهو يتكلم على استمرار الرسول ﷺ في الكلام مع أصحابه، وإعراضه عن هذا السائل، وفي هذا دليل على أن أخذ العلم بالسبق.\nأي أن الذي كان الحديث معه أولى بالتحديث من شخص يأتي بعده ويقطع الحديث.\nوقد ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة ابن جرير الطبري في (لسان الميزان) أن ابن جرير الطبري ﵀ كان يجلس في مجلس العلم، فحضر مجلسه مرة من المرات ابنُ الوزير ابن الفرات، فتوقف الذي له الدور والنوبة هيبة من ابن الوزير، وظن أن ابن جرير سيقدم ابن الوزير، فقال له ابن جرير: إذا كانت النوبة لك فابدأ ولا تعبأ بدجلة ولا بالفرات.\nيعني بالفرات ابن الفرات، ومعنى ذلك أن صاحب السبق والأولية أولى من غيره.\nوهذا هو الذي يسمونه في هذا الزمن الطوابير، أي: أن يكون الناس بعضهم وراء بعض، فهذا موجود في الإسلام قبل أن يوجد في هذا الزمان عند المسلمين أو عند الكفار.","vol":"8","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>علامات الساعة</span>\nفالرسول ﵊ كان يجيب في بعض الأوقات ببعض الأمارات كما أجاب في حديث جبريل فقال: (أن تلد الأمة ربتها)، وفُسِّر ذلك بأنه يكون عند كثرة الفتوح، وأن الأسياد يطئون الإماء، فإذا ولدت الأمة فإنها تكون أم ولد، وأحكام أمهات الأولاد معروفة، والقول الصحيح أنها لا تباع، وأنها تعتق بموت سيدها، ولهذا فإنهم كانوا يكرهون أن تلد الإماء؛ لأن الأمة إذا ولدت لم يتمكن سيدها من بيعها، فتضيع عليه ماليتها، ولذا فإنهم كانوا يعزلون عنهن عند الجماع.\nفمعنى (أن تلد الأمة ربتها)، هو أن تلد لسيدها ولدًا يكون الولد بمنزلة أبيه، فكأنه بمنزلة سيدها.\nوهذه الأمارة والعلامة ليست مذمومة، فليست كل أمارات الساعة فيها ذم، فمنها ما هو مذموم، ومنها ما ليس مذمومًا، فقوله ﷺ: (لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من الحجاز) ليس فيه ذم، وهو أمر سيقع، ولا يعتبر من قبيل الأشياء المذمومة.\nومن هذا الوجه -أيضًا- ما جاء من أن المسلمين يجاهدون الكفار، فتكثر الفتوحات ويكثر السبي، فهذا شيء جيد، ولا يعتبر مذمومًا، وإنما الذم فيما يحصل من كون الولد يعامل أمه معاملة لا تليق، لذلك قال بعض أهل العلم: إن المقصود من الحديث السابق هو العقوق.\nوهذا الذي رجحه الحافظ ابن حجر في (فتح الباري)، فذهب إلى أن المراد أنه يكثر العقوق، فيكون الولد بمنزلة السيد، فلا يعامل أمه معاملة لطيفة، بل يكون بمنزلة الآمر الناهي، فتنعكس الأمور والأحوال، فيصير من هو أهل للاحترام والتوقير يسعى إلى أن يوقر من كان يجب عليه أن يوقره هو، فيكون على هذا التفسير مذمومًا.\nفالحاصل أن هذه العلامة على التفسير السابق ليست مما يُذم، وقيل: إن المقصود من ذلك أن يكثر السبي، فيترتب عليه أن الولد يملك ثم يعتق، ثم بعد ذلك يشتري أمّه وهو لا يدري أنها أمّه، فيسيء إليها، ويكون سيدًا لها، فيكون مذمومًا على هذا التفسير.\nوقيل في معناه: إن الأمة تلد ابن سيدها، ثم يصير ذلك المولود ملكًا، فيكون رئيسًا عليها وعلى غيرها ممن هو تحت ولايته.\nوقوله: (وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاه يتطاولون في البنيان)، أي أن الذين كانوا فقراء وعراة الأجسام وحفاة الأرجل، وكانوا لا يجدون من النعال واللباس ما يكفيهم تتغير بهم الأحوال، وتكثر الأموال، فينتقلون من الحالة التي كانوا عليها إلى أن يتطاولوا في البنيان ويتباهوا به، فكل واحد يريد أن يكون أطول من غيره، وهذا فيه ذم، فقد كان مقصودهم المباهاة والتطاول، وهاتان الخصلتان مذمومتان، والرسول ﷺ أجابه بهاتين الأمارتين والعلامتين من علامات الساعة.\nثم قال عمر: (فلبث مليًا) وفي بعض الروايات (فلبثت مليًا، ثم قال: يا عمر! أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم.\nقال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)، وجاء في بعض الروايات أن الرسول ﷺ قال: (ردوا السائل.\nفذهبوا فلم يجدوه، فقال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم).\nوجاء في قصة عمر أنه كان بعد ثلاث، أي: بعد ثلاثة أيام، ويجمع بين هذا وبين ما جاء من أنه أخبره في الحال أن عمر لم يكن في ذلك المجلس بعد انصرافه وانتهائه، وإنما خرج ولقي النبي ﷺ، فسأله النبي ﷺ بعد ثلاث عن الرجل الذي جاء وسأل هذه الأسئلة.","vol":"8","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>حكمة الرسول ﷺ في تقديم الأسئلة</span>\nوتقديم السؤال بهذه الطريقة فيه تمكين للسؤال في وعي وذهن المسئول، ففي ذلك لفت لنظره، بخلاف ما لو قيل: إن السائل هو فلان.\nفإنه لا يكون له ذلك الوقع في نفس من وجّه إليه السؤال، فإذا جاء الجواب بعد ذلك فإنه يكون أوقع في نفسه، وأثبت في قلبه، وأمكن في استيعاب الشيء الذي يُخبَر به.\nوهذا من الأساليب التي كان رسول الله ﷺ يفعلها مع أصحابه ليمكنهم من استيعاب ما يصدر منه، ومثل ما جاء في قصة معاذ بن جبل لما كان راكبًا خلف رسول الله ﷺ على حمار، فقال له: (يا معاذ! فقال له معاذ: لبيك -يا رسول الله- وسعديك.\nفقال: أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم.\nقال: إن حق العباد على الله أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق الله على العباد أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا) فمهد للجواب بهذه الأسئلة وهذا الخطاب حتى يكون عند معاذ الحرص والاهتمام تتلقي ما يسمعه من رسول الله ﷺ، وكذلك بالنسبة لـ عمر ﵁ هنا، فقد قال له: (أتدري من السائل؟ قال: الله ورسوله أعلم، فقال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم).\nوقوله: (قلت: الله ورسوله أعلم)، فيه دليل على أن الإنسان إذا لم يعلم فإنه يقول: الله أعلم.\nوأما في زمنه ﷺ فإنه كان إذا سألهم وكانوا لا يعلمون فإنهم يقولون: الله ورسوله أعلم.\nفيعطيهم الجواب، وأما بعد ذلك فليس لأي إنسان إذا سئل عن أي شيء لا يعلمه أن يقول: الله ورسوله أعلم.\nفقد يسأل عن قيام الساعة فيقال له: متى تقوم الساعة؟ فلا يصلح أن يقول: الله ورسوله أعلم.\nلأن الرسول صلى عليه وسلم لا يعلم متى قيام الساعة، فالذي يضاف إليه العلم على الإطلاق هو الله ﷾، فهو الذي يعلم كل شيء، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، كما قال الله ﷿: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]، وأما الرسول ﷺ فإنه لا يعلم كل غيب، وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يقول: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام:٥٠]، فلا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه.\nثم قال ﵊: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)، فأضاف إليه التعليم؛ لأنه متسبب فيه وإن لم يكن مباشرًا للتعليم، فالذي باشر التعليم هو رسول ﷺ، فصار المتسبب في حكم المباشر.\nفسؤال الإنسان لا يكون دائمًا عن الأشياء المجهولة فقط، بل قد يسأل عن الشيء يعلمه من أجل أن يسمع الناس جواب هذا السؤال، فهذا من الأمور المستحسنة، وليس هذا من الأمور التي لا تنبغي، بل هذا مما ينبغي؛ لأن فائدته أن يعلم غيره مثلما علم، ولهذا فقد أضاف الرسول ﷺ التعليم إلى جبريل -مع أنه إنما كان سائلًا- لكونه حصلت الفائدة للصحابة من جراء سؤاله.\nولقد كان سؤال جبريل وإجابة الرسول ﷺ عن أمور كلية وقواعد عامة، وهذه هي أصول الدين، وأما تفاصيله وجزئياته فلا تنحصر، ولكن هذه هي الأمور الكلية والقواعد العامة، وذلك في تفسير الإسلام والإيمان والإحسان، مثل تفسير الإسلام بأنه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام، وكذلك أيضًا تفسير الإيمان بأنه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، والإحسان وبيان معناه، وكذلك السؤال عن الساعة، وبيان أنه لا يعلمها إلا الله، فلتقطع الآمال عن التفكير فيها والبحث عن وقتها؛ لأن ذلك لا يعلمه إلا الله ﷾، وأماراتها وعلاماتها كثيرة، وقد أخبر النبي ﷺ عن شيء من علاماتها.\nوبذلك نكون قد انتهينا من الكلام على حديث جبريل الطويل من رواية عمر بن الخطاب رضي الله، وقد أخرجها مسلم في صحيحه، وفي الدرس القادم -إن شاء الله- سنتكلم على حديث: (بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان) والكلام عليه داخل في الكلام على حديث جبريل السابق؛ لأن هذه الأمور الخمسة هي التي اشتمل عليها جواب النبي ﷺ، ولكننا أرجأنا الكلام عليها إلى الحديث الآتي؛ لأنه مشتمل عليها، ولم نجعل الكلام عليها ضمن هذا الحديث، فيعتبر الكلام على الحديث الآتي ضمن الكلام على حديث جبريل، والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>الأسئلة</span>","vol":"8","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>حكم من يقول: إن الأئمة يعلمون متى يموتون، وإنهم لا يموتون إلّا باختيارهم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  حديث جبريل يدل على أن الغيب لا يعلمه إلا الله ﷿، فكيف بمن يقول: إن الأئمة -﵈يعلمون متى يموتون، وإنهم لا يموتون إلا باختيار منهم، وإنهم إذا شاءوا أن يعلموا علموا، وإنهم يعلمون علم ما كان وما يكون، وإنه لا يخفى عليهم شيء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس هذا من كلام أهل السنة، بل هو من كلام الرافضة الذين يغلون في أئمتهم الاثني عشر، ويضيفون إليهم مثل هذا الكلام، والذي قال هذا الكلام هو الكليني صاحب (الكافي)، وهذا الكتاب (الكافي) يعتبر عند الرافضة مثل (صحيح البخاري) عند أهل السنة.\nوهذه الأمور التي يضيفونها إلى الأئمة الاثني عشر لا تضاف إلى الرسول ﷺ، فهذا من باطلهم وانحرافهم وغلوهم وإسرافهم وتجاوزهم الحدود، حيث أتوا بمثل هذا الكلام الذي يضحك كل من يسمعه من سوء ما هم عليه من الباطل، فكيف يكون الأئمة بهذا الوصف وبهذه الهيئة والرسول ﷺ لا يجوز أن يوصف بشيء من ذلك؟! فأئمتهم يعلمون ما كان وما سيكون، يعلمون متى سيموتون، ولا يموتون إلا باختيارهم، والأئمة عندهم الكتب المنزلة على المرسلين كلها، ويعرفونها بلغاتها، فما هذا الهراء؟! وكذلك -أيضًا- عندهم أخطر وأسوأ ما يكون، حيث يقول: (باب أنه ليس شيء من الحق إلا ما خرج من الأئمة، وأن كل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل) فعلى قولهم هذا يعتبر صحيح البخاري وصحيح مسلم باطلان؛ لأنهما لم يخرجا من عند الأئمة الاثنى عشر، بل والقرآن لم يخرج من عند أئمتهم، فقد جمعه أبو بكر ثم عثمان، والمصحف الموجود الآن هو من جمْع عثمان ﵁، فهو لم يخرج من الأئمة الاثنى عشر.\nوهذا يبين لنا انحرافهم وبعدهم عن الحق والهدى، وأنهم من أسوأ فرق الضلال إن لم يكونوا أسوأها، وبعض الناس إذا ذكرنا لهم مثل هذه الاعتقادات الباطلة قالوا: هذا كلام أناس متقدمين، وأما الموجودون في هذا الزمان فليس عندهم مثل هذا الكلام.\nوأقول: بل عندهم مثل هذا الكلام أو أسوأ منه، فهذا هو الخميني -الذي هلك قبل سنوات- له كتاب اسمه (الحكومة الإسلامية)، يقول فيه في (ص٥٢): وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقامًا لا يبلغه ملك مقرّب، ولا نبي مرسل.\nوالضروريات معناها: البديهيات التي لا تقبل النظر والتفكير.\nويقول أيضًا: إن الإمام -يعني: من الأئمة- له خلافة تكوينية تخضع لها جميع ذرات الكون.\nويذكر -أيضًا- أن الأئمة محدقون بالعرش، وأنهم أنوار محدقة بالعرش، وأن جبريل قال: لو قربت أنملة لاحترقت.\nفيقصدون أن لهم كانًا ما وصله جبريل، فكل هذا من الإفك والكذب والباطل، والإنسان عندما يسمع مثل هذا الكلام فإنه يقول: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨].\nوأما فيما يتعلق بعلم الغيب فالرسول ﷺوهو رسول الله ﷺ- لا يعلم الغيب على الإطلاق، فلا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله إياه، يقول الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧] أي أن ما أظهره الله من غيبه وأوصى به إلى رسله فإن الله تعالى يحفظه حتى يصل إلى ذلك الرسول، لكن ليس كل غيب يصل إلى الرسول ﷺ.\nومن الأمور التي لا يعلمها رسول الله ﷺ وقت قيام الساعة، وقد أخبر الرسول ﷺ نفسه بذلك، وعلمها إنما هو عند الله تعالى، وهناك أمور وقعت وحصلت يتبين من خلالها أن الرسول ﷺ لا يعلم الغيب، فمن ذلك أمر عائشة ﵂ في قصة الإفك، فقد رُميت زوجته بالإفك، فتألم وتأثر وأصابه ما أصابه من الشدة، وكان يستشير أصحابه فيها، ويستشير في طلاقها، وكان يقول لها: (يا عائشة! إنْ كنت ألممت بذنب فتوبي إلى الله واستغفري)، وبقي خمسين يومًا أو قريبًا من ذلك وهو على هذه الحال حتى نزل القرآن ببراءتها، فلو كان الرسول ﷺ يعلم الغيب فإنه بمجرد قول الناس: إنه حصل كذا سيقول: أنا أعلم الغيب، فلم يحصل شيء من هذا، فلا تتكلموا.\nفلم يقل الرسول ﷺ هذا، بل خفي عليه الأمر ولم يعلمه إلا بعد نزول الآيات من أول سورة النور، وعند ذلك عرف براءتها وسلامتها، وقبل ذلك ما كان يدري حقيقة الأمر.\nومن ذلك أنهم كانوا في سفر ففقدت عائشة ﵂ عقدًا لها، ولما أرادوا الرحيل ذكرت أنها فقدت عقدها، فأمر الرسول ﷺ بالبحث عن هذا العقد، وجلسوا يفتشون عنه حتى أصبحوا وليس معهم ماء يتوضئون به، فأنزل الله تعالى آيات التيمم، فتيمموا، وعندما ارتحلوا وجدوا العقد تحت الجمل الذي كانت تركب عليه عائشة، فلو كان ﵊ يعلم الغيب لعلم مكان ذلك العقد الضائع، ولم يبقوا ليلة كاملة يبحثون عن العقد، فهذا الأمر غاب عن الرسول ﷺ.\nومن ذلك قوله ﷺ: (يذاد أناس من أصحابي عن الحوض فأقول يا ربّ! أصحابي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، فلو كان ﵊ يعلم الغيب لم تكن هناك حاجة إلى أن يقال له: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، وليس به حاجة إلى أن يقول: (أصحابي)، ولو كان يعلم الغيب لعرف السبب الذي طردوا من أجله.\nفعلم الغيب لا يكون إلا لله ﷾، فلا يعلم الغيب على الإطلاق إلا هو ﷾، وأما الملائكة والبشر والجن فلا يعلمون من الغيب إلا ما أطلعهم الله عليه، فقد أخبر الله تعالى عن الملائكة في أول سورة البقرة أنهم قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة:٣٢]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة:٣٣].\nوأخبر الله تعالى عن الجن -كما في قصة موت سليمان ﵊- أنهم لا يعلمون الغيب، وأنهم لم يعلموا موته حتى دلتهم على ذلك دابة الأرض، قال الله ﷿: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ:١٤]، وقال الله ﷿ حكاية عن الجن في سورة الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠]، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]، أي: أن كل ما في السموات من الجن والملائكة والبشر لا يعلمون الغيب على الإطلاق، وأن الذي يعلم ذلك هو الله ﷾.\nوهذا الاستثناء في هذه الآية منقطع، فليس معنى ذلك أنّ الله في السموات، بل هو فوق السموات على العرش، فالله تعالى هو خالق الخلق، ولا يحويه شيء من مخلوقاته، بل هو مباين للمخلوقات.","vol":"8","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>الجمع بين قولنا: إن الحدود جوابر وبين قوله تعالى: (لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا كانت الحدود زواجر وجوابر على الصحيح فكيف نوفق بين هذا القول وبين آية حد الحرابة، إذ فيها قوله تعالى: ﴿لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٣٣]؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  تحمل هذه الآية على أن هناك كفرًا يقتضي العذاب في الدنيا والآخرة، وأما الحدود التي تكون مع الإيمان فمن أقيمت عليه في الدنيا فإنه لا يعذب في الآخرة.","vol":"8","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>أول علامات الساعة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل طلوع الشمس من مغربها يعتبر أول علامات الساعة الكبرى؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس عندي علم بكونها أول شيء، فهناك علامات قبلها كما هو معلوم، مثل خروج المهدي، ومثل نزول عيسى ﵇، وخروج يأجوج ومأجوج، فكل هذه قبلها؛ لأن طلوع الشمس من مغربها إذا وقع: لا ينفع نفسًا إيمانها حينئذٍ.","vol":"8","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>تدرّج الإنسان في مرتبة الإحسان</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يصح القول بأن الإنسان يعبد الله بالرجاء، فإن لم يكن كذلك فإنه يعبد الله بالخوف، فقوله ﷺ: (أن تعبد الله كأنك تراه) يدل على الرجاء، وقوله: (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) يدل على الخوف؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا قريب من الذي ذكرته، فالإنسان يعبد الله ﷿ ويطلبه ويتقرب إليه بالأعمال الصالحة وكأنه واقف بين يديه، فإن لم يكن كذلك فليعلم بأن الله تعالى يراه، فليخفه وليخشه.","vol":"8","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>حكم ادعاء علم الساعة عن طريق الحساب الأبجدي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم ادعاء علم الساعة بالحساب الأبجدي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  علم الساعة -كما هو معلوم من كثير من النصوص- من خصائص الله ﷿، فلا يمكن أن يتوصل أحد إلى ذلك، وكل من تكلم في ذلك فإنما يرجم بالغيب، وهو من الدخول فيما ليس له؛ لأن مثل ذلك لا يعرف إلا عن طريق الشرع، ولو كان أحد يعلم ذلك لعلمه الرسول ﷺ الذي هو خير البشر، فقد قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل).","vol":"8","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>حكم ارتفاع المباني والعمائر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قوله ﷺ: (يتطاولون في البنيان)، هل في ذلك ذم لارتفاع المباني والعمائر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا بأس بذلك عند الحاجة، ولكن المذموم هو التفاخر والتباهي، حين تجد كل واحد يريد أن يغلب الآخر وأن يتفوق عليه، فإذا وجد هذا المعنى فهو مذموم.","vol":"8","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>المراد بالساعة في حديث: (إذا وسِّد الأمر إلى غير أهله)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  جاء في الحديث: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)، فبعض الناس يقول: إن المراد بالساعة هنا الهلاك، وليس اليوم الآخر.\nفهل هذا صحيح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا قربت نهاية الزمان -ومعلوم أن القرب نسبي، فليس كل قُرب معناه الوصول إلى النهاية- فإن ذلك من العلامات على ذم ما يحصل في ذلك الزمان، وهذا يدل على قرب الساعة، ويدل -أيضًا- على قرب ساعة أولئك الذين حصل منهم ذلك الشيء، فكل إنسان تقوم قيامته وساعته عندما يموت، لكن لا يقال: إن هذا لا علاقة له بقيام الساعة التي أخبر الرسول ﷺ عنها؛ لأن الأحاديث التي فيها قيام الساعة المراد بها نهاية الدنيا.\nولاشك في أن مثل هذه الأمور تدل على فساد أهل ذلك الزمان، وأن هذه من الأمور التي تقرب من النهاية وإن كان القرب -كما هو معلوم- نسبيًا، فليس كل قرب معناه النهاية، فهناك أمور كبار لابد من أن توجد قبل أن تقوم الساعة.","vol":"8","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>حكم تعليق مجسَّم للحجرة النبوية</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم تعليق مجسم للحجرة النبوية؟ وهل هذا يعتبر هذا من تعظيم القبور؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إظهار ذلك وإبرازه غير سائغ، وكون الناس يقصدون هذا ويتعمدونه شيء مذموم.","vol":"8","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>الحكمة من طلب الرسول ﷺ من الصحابة ﵃ أن يردوا السائل مع علمه أنهم لن يجدوه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الحكمة من طلب الرسول ﷺ من الصحابة أن يردوا السائل وهو يعلم أنه ملك وأنهم لن يروه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يحتمل أنه أراد أن يبين لهم أن السائل من الملائكة، فإذا اتبعوه لن يجدوه، وأما إذا كان من البشر فإنهم سيجدونه ويرونه، وأما اختفاؤه بسرعة فإنه يدل على أنه ليس من قبيل ما يعهدون.","vol":"8","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>معنى قوله تعالى: (الله نور السماوات والأرض)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥]، وهل فيه هذه الآية مجاز؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس في القرآن مجاز، وهذا هو الذي حققه العلماء مثل شيخ الإسلام ابن تيمية وهناك رسالة اسمها: (منع جواز المجاز في المنزل للتحدي والإعجاز)، وهي لشيخنا محمد أمين الشنقيطي رحمة الله عليه، وكذلك ابن القيم في كتابه (الصواعق)، فإنه بحث هذه المسألة وأطال فيها، وبين فساد القول بالمجاز، وأن هذا كله من قبيل الحقيقة مع التفاوت في الحقيقة، فالحقيقة قد تأتي على أحوال: منها ما تكون فيه واضحة جلية، ومنها ما يكون استعمالها فيه قليل، وكل هذا من قبيل الحقيقة.\nوقد بحث ابن القيم ﵀ هذه المسألة في كتابه (الصواعق) وذكر عشرة أدلة اُدعِيَ فيها المجاز، وقد ردها من أوجه كثيرة، ومنها: ادعاء المجاز في هذه الآية التي هي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥].","vol":"8","page":20},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-157>[٩]</span>\nأركان الإسلام الخمسة هي أول ما يطالب به المسلم، وهي تختلف من حيث الأهمية والتقديم، فأهميتها على حسب ترتيبها في حديث جبريل، فيجب على المسلم الاهتمام بها وأداؤها كما أمر الله تعالى ورسوله ﷺ.","vol":"9","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>شرح حديث: (بني الإسلام على خمس)</span>\nيقول الإمام النووي ﵀: [عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان)، رواه البخاري ومسلم].\nهذا الحديث هو الحديث الثالث من الأربعين التي اختارها الإمام النووي وأودعها في كتابه (الأربعين)، وقد أتى به بعد حديث جبريل الذي فيه سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان، وقد أجاب ﵊ جبريل بقوله: (الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا).\nوالخمس الموجودة في حديث: (بني الإسلام على خمس)، هي نفس الخمس التي جاءت في حديث جبريل، وإيراد الإمام النووي ﵀ لهذا الحديث لا يعتبر من قبيل التكرار، وذلك لأن في حديث عبد الله بن عمر معنى زائدًا على ما جاء في حديث جبريل؛ لأن حديث جبريل فيه تفسير الإسلام بذكر هذه الأمور الخمسة، وأما حديث ابن عمر ففيه بيان أهمية هذه الأمور الخمسة وعظيم شأنها، وأن الإسلام بني عليها.\nففيه معنى زائد على ما جاء في حديث جبريل، فلا يقال إنه تكرار.\nوإنما فيه معنى زائد على ما جاء فيه.","vol":"9","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>عظم شأن أركان الإسلام</span>\nوقوله ﷺ: (بني الإسلام على خمس) فيه بيان عظيم شأن هذه الأركان الخمسة في الإسلام، وأنها هي الأمور التي تعتبر الأصل والأساس، وغيرها وإن كان مطلوبًا فإنه تابع لها، فذكر هذه الأسس الخمسة التي ينبني عليها دين الإسلام، وغيرها يكون تابعًا لها.\nوهذا فيه تشبيه الأمور المعنوية بالأمور الحسية؛ لأن ذلك أقرب إلى الأذهان، فإن الإنسان يتصور أهمية هذا المعنى كما يشاهد البنيان الذي يقوم على أعمدة، وإذا سقطت أعمدته أو اختلت أعمدته فإنه يسقط ويقع، فهذه الأمور الخمسة هي بمثابة الأركان وبمثابة العمد التي يقوم عليها البنيان.\nفهذا تنبيه على أن هذا الإسلام مبني على هذه الخمسة، وأنها شبيهة بالأعمدة التي يقوم عليها البيت، والتي يقوم عليها البناء، فإن ذلك يدل على أهميتها وعلى عظيم شأنها.","vol":"9","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>فائدة ذكر العدد في أول المعدود</span>\nثم إن ذكر الخمس في أول الحديث وذكر العدد فيه فائدة، وهي التنبه للمعدود، وذلك أنه عندما يأتي ذكر العدد في الأول يتهيأ السامع ويستعد لمعرفة المعدود، فلو سقط شيء أو نسي العاد شيئًا فمعنى ذلك أنه حصل عنده نقص، فيحتاج إلى البحث عنه لتحصيله وتداركه، بخلاف ما إذا أتي بالشيء من غير ذكر العدد، فإن ذلك لا يكون مثل ما مما إذا ذكر العدد.\nوالنبي ﷺ كان يأتي بمعدودات ويشير إلى عددها قبل أن يأتي ذكرها، ومن ذلك ما يكون اثنين، ومنه ما يكون ثلاثة، ومنه ما يكون أربعة، ومنه ما يكون خمسة، ومنه ما يكون ستة، ومنه ما يكون سبعة، فيأتي بذكر العدد في الأول ثم يأتي بالمعدودات، وهذا فيه -كما قلت- تنبيه للسامع إلى أن يعي ويستوعب المعدودات التي ذكر له عددها.\nفهذه من الفوائد التي فيها تحفيز السامع على استيعاب المعدود ومطالبة نفسه بتحصيله، وأنه إذا فاته منه شيء فمعناه أنه حصل عنده نقص.\nوقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة فيما يتعلق بمعدودين، كما جاء في آخر حديث في صحيح البخاري، وهو قوله ﷺ: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) يعني أنهما هاتان الكلمتان.\nفقد ذكر العدد أولًا، ثم ذكر المعدود آخرًا، وكذلك جاء ذكر الثلاث في قوله ﷺ: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان) الحديث، فذكر العدد ثلاثة، ثم ذكر المعدود بعد ذلك، وكذلك جاء ذكر أربع في قوله ﷺ: (أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا) الحديث، وجاء: (حق المسلم على المسلم خمس) الحديث، وكذلك جاء ذكر غيرها من الأعداد.\nوهذا من المنهج والطريقة التي كان يسلكها رسول الله ﷺ لتعليم أصحابه، وفائدة ذلك -كما أشرت- هي تحفيز السامع إلى أن يستوعب الشيء الذي يلقى عليه، وأن يطالب نفسه بالعدد، فإذا فاته شيء منه فمعناه أنه نقص عليه العدد، وأنه لم يستوعب، ويحتاج إلى أن يبحث عما يكمل به العدد.","vol":"9","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>التلازم بين الشهادتين</span>\nثم إن الرسول ﷺ قال: (بني الإسلام على خمس)، ثم بدأها بالشهادتين، والشهادتان ركن واحد، وهما اثنان، ولكنهما متلازمان، فهاتان الشهادتان متلازمتان لا تنفك إحداهما عن الأخرى، ومن شهد أن لا إله إلا الله ولم يشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ في هذه الأمة فإن ذلك لا ينفعه، بل لابد من شهادة أن لا إله إلا الله ولابد من شهادة أن محمدًا رسول الله ﵊.\nوهذا لازم لجميع الجن والإنس من حين بعثته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه إلى قيام الساعة، فلابد من الجمع بين الشهادتين، ولو شهد المرء أنه لا إله إلا الله ولم يشهد أن محمدًا رسول الله فإن ذلك لا ينفعه عند الله، بل لابد من الشهادتين؛ لأنهما متلازمتان لا تنفك إحداهما عن الأخرى، فالمتعين علىٍ كل من الإنس والجن من حين بعثته إلى قيام الساعة أن يأتوا بهاتين الشهادتين، ولو أتى أحد بشهادة أن لا إله إلا الله ولم يأت بشهادة أن محمد رسول الله فإن ذلك لا ينفعه، ولو قال: إنه تابع للأنبياء السابقين، كاليهود الذين يزعمون أنهم أتباع موسى، والنصارى الذين يزعمون أنهم أتباع عيسى، فإذا لم يؤمنوا بمحمد ﵊ بعد بعثته فإن إيمانهم الذي يزعمونه لا يعتبر، ولا يعتد به، كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﵊ أنه قال: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار) أخرجه مسلم في صحيحه، وهذا الحديث يدل على أن اليهود والنصارى يعتبرون من أمة محمد ﵊ أمة الدعوة، أي أن الدعوة موجهة إليهم، بل هي موجهة إلى كل أنسي وجني من حين بعثته ﵊ إلى قيام الساعة.\nفإذًا: الشهادتان متلازمتان، لا تنفك إحداهما عن الأخرى، ولابد من الجمع بينهما، ولا يكفي الإنسان أن يشهد أن لا إله إلا الله دون أن يشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ.","vol":"9","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>شمول الشهادتين لجميع الدين</span>\nثم إن الرسول ﷺ فسر الإسلام أو بين أن الإسلام مبني على هذه الأسس، وفسره في حديث جبريل بهذه الأسس الخمسة، ويدخل في ذلك كل ما هو مطلوب من الإنسان، سواء ما يتعلق بالقلب، أو ما يتعلق بالجوارح، وذلك لأن هذه الأمور التي ذكرت -وهي الأمور الخمسة- هي أمور ظاهرة، ولكن الأمور الباطنة هي داخلة تحت شهادة أن محمدًا رسول الله ﷺ؛ لأن مقتضى الشهادة أن يصدق في كل خبر، وأن يطاع في كل أمر، وأن ينتهى عن كل ما نهي عنه، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.\nفإذًا: دخل الدين كله من أوله إلى آخره في شهادة أن محمدًا رسول الله ﷺ، فكل ما يتعلق بالإيمان من الأمور الاعتقادية ومن الأمور القلبية فإنه داخل تحت شهادة أن محمد رسول الله؛ لأنه لابد من التصديق بكل خبر، فيدخل تحت هذه الشهادة كل ما يتعلق بالقلوب ويتعلق بالجوارح.\nفعلى هذا يكون الحديث شاملًا للأمور الاعتقادية والأمور العملية التي تظهر على الجوارح، فكل ما يقوم بالقلوب وما يقوم بالجوارح داخل تحت هذه الخمس، بل داخل تحت شهادة أن محمدًا رسول الله ﷺ.","vol":"9","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>معنى الشهادتين ومقتضاهما</span>\nشهادة أن لا إله إلا الله معناها: لا معبود بحق إلا الله.\nوهي تشتمل على ركنين: نفي، وإثبات، نفي في أولها، وإثبات خاص في آخرها، وهذا النفي هو نفي العبادة عن كل ما سوى الله، وهذا هو النفي العام، والإثبات الخاص إثباتها لله وحده لا شريك له.\nوالمقصود من هذه الشهادة أو من هذه الكلمة: توحيد الإله الذي هو حق، وأما الآلهة التي غير حق فهي كثيرة، وهي موجودة، ولكن الذي ينفى بهذه الشهادة وبهذه الكلمة عن هذه الألهة الباطلة إنما هي الإلهية الحقة، وأما الإلهية الباطلة المدعاة فهي موجودة وكثيرة.\nولهذا فإن الكفار الذين بعث فيهم الرسول ﷺ لما طلب منهم أن يفردوا الله بالعبادة قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، ومعنى ذلك أنهم يعتقدون أن هناك آلهة، وإنما الذي أنكروه هو كون الإله واحدًا.\nوعلى هذا فإن الشهادة أو النفي الذي في كلمة الإخلاص وكلمة التوحيد هو نفي الإلهية الحقة، فهذه هي المنفية عن كل ما سوى الله.\nوأما الإلهية الباطلة فإنها موجودة، ولكن إذا أتي بـ (لا إله إلا الله) -ومعناها: لا معبود حق إلا الله- فمعنى ذلك أن الذي نفي هو الإلهية الحقة، وليس النفي لوجود الآلهة، بل الآلهة موجودة، ولكنها آلهة باطلة.\nفمقتضى شهادة أن لا إله إلا الله أن لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، ومقتضى شهادة أن محمد رسول الله ﷺ أن يصدق بكل ما جاء به، ويمتثل كل ما جاء به من الأوامر، وينتهى عن كل ما نهى عنه من النواهي، وأن لا يعبد الله إلا طبقًا لشريعته، وطبقًا لما جاء به صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.\nوهذا هو مقتضى الشهادتين؛ لأن مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله أن لا يعبد إلا الله، ومقتضى شهادة أن محمد رسول الله أن لا يعبد الله إلا طبقًا لما شرع رسول الله ﵊، ووفقًا لما جاء به الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.\nفلابد من تجريد الإخلاص لله وحده، فلا يعبد مع الله غيره، ولابد من تجريد المتابعة للرسول ﷺ، فتكون المتابعة والاتباع والعمل فعلًا وتركًا طبقًا لما جاء عن رسول الله ﷺ، كما قال الله ﷿: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠].\nوالعمل الصالح هو ما كان خالصًا لله ومطابقًا لسنة رسول الله ﷺ، فلو اختل الركنان أو الشرطان أو اختل أحدهما فإن العمل يكون مردودًا على صاحبه، فلو أتي بالإخلاص دون المتابعة فإن العمل مردود؛ لقوله ﷺ: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)، وفي رواية: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)، ومن أتى بالعبادة مطابقة للسنة ولكن أشرك مع الله تعالى فيها غيره فإنها تكون مردودة على صاحبها؛ لعدم الإخلاص، والله تعالى يقول: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، وفي الحديث القدسي: (يقول الله ﷿: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه).\nإذًا: الركن الأول مؤلف من أمرين: الشهادة لله بالوحدانية والإلهية، والشهادة لنبيه محمد ﷺ بالرسالة، فلابد منهما، وكل عمل لابد من أن يكون مستندًا إليهما.\nفالشهادتان هما أساس في ذاتيهما، وهما أساس لبقية الأركان ولكل عمل يتقرب به إلى الله ﷾، وإذا لم يكن العمل مبنيًا على الشهادتين فإنه يكون مردودًا على صاحبه وغير مقبول، ولا ينفع صاحبه عند الله ﷿.\nفهما أس الأسس، وهما اللتان يبنى عليهما غيرهما من بقية الأركان، وكل الأعمال التي يتقرب بها إلى الله ﷾.\nوقد بدأ بهما في هذه الخمس لأنهما الأساس لغيرهما، كما أنه بدأ بالإيمان بالله في أركان الإيمان لأن الإيمان بالله هو الأساس، وكل شيء وراءه تابع له، وكذلك هنا بدأ بالشهادتين لأن كل شيء وراءهما تابع لهما.","vol":"9","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>أهمية الصلاة وبيان فضلها وعظمتها</span>\nالصلاة هي أهم الأركان بعد الشهادتين، وهي التي يتميز بها في فترة وجيزة من يكون مطيعًا ومن يكون عاصيًا، فإن الإنسان إذا رافق إنسانًا أو عامل إنسانًا أو خالط إنسانًا يستطيع أن يكتشفه في خلال أربع وعشرين ساعة بأنه على الحق أو على الضلال، فإن رآه محافظًا على الصلاة وحريصًا على الصلاة فهي علامة خير، وإن رآه مضيعًا للصلاة فهي علامة شر، ويتبين ذلك في فترة وجيزة، بخلاف بقية الأركان، فإن بعضها لا يأتي في السنة إلا مرة واحدة، وبعضها لا يأتي في العمر إلا مرة واحدة.\nأما الصلاة فإنها تأتي في اليوم والليلة خمس مرات، ولهذا فإنها صلة وثيقة بين العبد وربه، وبها يكون الإنسان على صلة وثيقة بالله ﷿.\nولأهميتها جاء ذكرها بعد الشهادتين، فهي أهم الأركان بعد الشهادتين، وقد جاءت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تدل على عظيم شأن الصلاة، فقد جاء أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وجاء أن أهل النار أول ما يسألون عن الذي أوصلهم إلى سقر لجيبون بأنهم كانوا لا يصلون، وجاء أنها فرضت ورسول ﷺ في السماء ليلة المعراج، ولم تفرض عليه وهو في الأرض، وجاء أنها آخر ما يفقد من الدين في هذه الحياة، وجاء أنها أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، وجاء أنها الحد الفاصل بين المسلم والكافر، وجاء أنها من آخر ما أوصى به رسول الله ﷺ في مرض موته، فإنه كان أوصى بالصلاة، وما ملكت الإيمان.\nفلأهميتها ولعظيم شأنها ولكونها مستمرة ولكون الإنسان بها يكون على صلة وثيقة بالله دائمًا وأبدًا قدمت على غيرها، وصار لها هذه الميزات وهذه الأمور التي جاءت في هذه الأحاديث التي أشرت إليها.","vol":"9","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>أهمية الزكاة وبيان فضلها</span>\nثم بعد ذلك يأتي ذكر الزكاة، والزكاة هي عبادة مالية تأتي في السنة مرة واحدة عند حولان الحول أو عند خروج الثمار ونضوجها، ولا تتكرر الزكاة، وإنما تجب في السنة مرة واحدة، ونفعها متعدٍ، ولهذا قدمت على الصيام، وجاءت بعد الصلاة.\nويأتي كثيرًا القرن بين الزكاة والصلاة في كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ، كما قال الله ﷿: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]، وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥]، وقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١]، وقال: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١].\nفيقرن الله ﷿ بين الصلاة والزكاة في آيات كثيرة من كتابه، وهذا يدلنا على أن شأنها عظيم، وأنها تلي الصلاة، وأنها متقدمة على بقية الأركان، وذلك لأن نفعها متعدٍ، حيث ينتفع صاحبها وينتفع غيره، فصاحبها ينتفع بالأجر والثواب، وغيره ينتفع بالمال الذي هو محتاج إليه لفقره ولعوزه ولقلة ذات يده، فيكون نفعها متعديًا إلى الآخرين، مع أنه يحصل للإنسان الثواب على ذلك.","vol":"9","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>فضل الصيام وسبب تقديمه على الحج</span>\nويلي الزكاة الصيام؛ لأنه نفع قاصر وعبادة بدنية ليست متعدية، والصيام يجب في السنة شهرًا، ولهذا جاء الترتيب بتقديمه على الحج في الحديث على غير هذه الرواية التي أوردها المصنف، وهذه الرواية التي قدم فيها الحج على الصوم هي رواية البخاري، لكن الرواية التي جاءت في صحيح مسلم فيها بيان أن الصوم مقدم على الحج، وأن ابن عمر ﵁ نفسه لما أعاد الذي أسمعه الكلام وقدم الحج على الصوم قال: (لا، الصوم والحج، هكذا سمعت من رسول الله ﷺ).\nوعلى هذا فتكون هذه الرواية التي أوردها المصنف هنا والتي تابع فيها البخاري -وقد أوردها البخاري في أول صحيحه- من تقديم الحج من قبيل الرواية بالمعنى، ومن قبيل تصرف بعض الرواة، وإلا فإن اللفظ الذي سمعه ابن عمر من رسول الله ﷺ هو أن الصوم مقدم على الحج.\nوالصوم أهم وأعظم من الحج من جهة أن الصوم يتكرر ويأتي كل سنة، ويكون شهرًا كاملًا، وأما الحج فإنه لا يأتي في العمر إلا مرة واحدة، ولهذا جاء تقديمه على الحج كما جاء في حديث جبريل، وكما جاء حديث ابن عمر في الرواية الأخرى التي أخبر ابن عمر بأنه سمعها من رسول الله ﷺ بتقديم الصوم على الحج، كما جاء في حديث جبريل.\nوبذلك تكون هذه الأمور متتابعة على حسب أهميتها، أي: تقدم الشهادتان، ثم الصلاة، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج.\nوالإمام البخاري ﵀ أورد حديث ابن عمر هذا في أول كتاب الإيمان من صحيحه، فأول حديث عنده في كتاب الإيمان هو حديث ابن عمر، وأورده بهذه الرواية التي فيها تقديم الحج على الصوم، وبنى عليها البخاري ﵀ ترتيب كتابه، فإنه قدم كتاب الحج على كتاب الصوم، بناءً على هذا الحديث الذي أورده في أول كتاب الإيمان.\nولكن الرواية الأخرى بينت أن ابن عمر قال: (هكذا سمعته من رسول الله ﷺ) وذلك لما أعاد عليه الرجل الحديث الذي سمعه منه فذكر الحج وقدمه على الصيام، فقال: (لا، الصوم والحج، هكذا سمعته من رسول الله ﷺ).\nوعلى هذا يكون الترتيب مطابقًا للترتيب الذي جاء في حديث جبريل، وأن كل واحد أهم من الذي يليه وأعظم شأنًا من الذي يليه، وإن كانت كلها أمور لازمة وواجبة.\nوقد جاء في صحيح مسلم أن ابن عمر ﵁ حدث بالحديث لمناسبة، وهي أنه سئل فقيل له: ألا تغزو؟ فروى الحديث وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بني الإسلام على خمس) ليبين أن أركان الإسلام هي هذه الخمسة، وأن الجهاد ليس من الأركان.\nومعلوم أن غير الأركان الخمسة تابع لها، وأن الإسلام ليس منحصرًا فيها، ولكن ذكرت لأهميتها، ولتقدمها على غيرها، وأن غيرها تابع لها، والجهاد هو من أعظم وأفضل الأعمال التي يتقرب بها إلى الله ﷿، ولكنه ليس من الأركان، وذلك لأن هذه الأمور لازمة لكل مكلف، وأما الجهاد فإنه فرض كفاية، ويكون في أوقات دون أوقات، بخلاف هذه الأمور، فإنها لازمة ومستقرة وثابتة في حق كل مكلف، ولهذا بين ابن عمر ﵁ أن الجهاد ليس من الأركان، وحدث بهذا الحديث الذي قال فيه النبي الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان).","vol":"9","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>تقديم الأهم على غيره</span>\nعرفنا أن حديث ابن عمر ليس متعارضًا مع حديث جبريل، وعرفنا أن الترتيب الذي جاء في الحديث -لا سيما على الوجه الذي ذكره ابن عمر أنه سمعه من رسول الله ﷺ- يدل على أنها مرتبة على حسب أهميتها، وفيه دليل على أنه يبدأ بالأهم فالأهم، كما جاء في هذا الحديث ترتيبها، وكما جاء -أيضًا- في وصية الرسول ﷺ لـ معاذ بن جبل، فإنه لما أراد أن يبعثه إلى اليمن قال له: (إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم)، فذكر هذه الأمور الثلاثة، ورتبها بادئًا بالأهم فالذي يليه في الأهمية.\nوهكذا جاء في حديث ابن عمر ﵁ ترتيبها على النحو الذي ذكر ابن عمر: أنه سمعه من رسول الله ﵊ عليه، وهكذا جاء ترتيبها في حديث جبريل: (أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت).","vol":"9","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>أنواع العبادات</span>\nوهذه الأركان الأربعة بعد الشهادتين منها ما هو عبادة بدنية، وهو الصلاة والصيام، ومنها ما هو عبادة مالية، وهو الزكاة، ومنها ما هو عبادة مالية بدنية وهو الحج، فهو بدني لأن الإنسان يفعله بنفسه، وتجزئ فيه النيابة في حق من يجوز له أن يناب عنه، وهو -أيضًا- عبادة مالية؛ لأنه يحتاج فيه إلى مال، ويحتاج فيه إلى الزاد، ولهذا جاء في القرآن: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، وجاء في حديث جبريل: (وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا)، وذلك لأنه يحتاج إلى القوة البدنية، وذلك بأن يستطيع السفر، ويحتاج إلى القوة المالية، وهي كون الإنسان يملك الزاد والوسيلة التي توصله، إما بالملك وإما بالاستئجار.","vol":"9","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>اشتراط الاستطاعة في العبادات</span>\nوذكر الاستطاعة مع الحج وإن كان كل عمل يؤتى به على قدر الاستطاعة، كما قال الله ﷿: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] لأن الحج يحتاج فيه إلى استطاعة مالية واستطاعة بدنية، وذلك أمر واضح، بخلاف غيره، فإنه وإن كان الأمر مطلوبًا فيه الاستطاعة إلا أن الاستطاعة في الحج أعظم من غيره، ولهذا قال: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]؛ لأنه قد لا يستطاع إليه سبيلًا، بخلاف الصلاة، فالإنسان له أن يصلي على حسب قدرته، فإن استطاع أن يقوم قام، وإن لم يستطع صلى جالسًا، والزكاة لا تجب إلا على من كان له مال، والصوم لا يجب إلا على من كان قادرًا، وإذا كان له عذر طارئ كالمرض والسفر فإنه يفطر، ولكن يقضي، والحج هو الذي يحتاج إلى الكل، فهو الذي فيه المشقة، ولهذا قيل: إنه يجمع بين العبادة المالية والعبادة البدنية.\nوصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.","vol":"9","page":13},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-170>[١٠]</span>\nالإسلام هو دين الله ﷿ الذي ختم به الأديان، ولا يقبل الله ﷿ من أحد دينًا سواه، ودين الإسلام مشتمل على أمور كثيرة، ولكن أهمها الأركان الخمسة، فإنها الأساس فيه، ولهذا شبه النبي ﷺ الإسلام بالبناء القائم عليها، فعلى المسلم أن يحرص على إقامتها والمحافظة عليها حتى يستقيم له دينه؛ ليجد الجزاء عند ربه جزيلًا.","vol":"10","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>مسائل في حديث ابن عمر: (بني الإسلام على خمس)</span>\nعن ابن عمر ﵄ أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان) رواه البخاري ومسلم.\nقوله: (شهادة) يحتمل أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف، والتقدير: هي شهادة.\nوهذا على الرفع، وعلى الكسر تكون بدلًا من قوله: (خمس).\nوهذا الحديث فيه عدة مسائل: أولًا: قوله: (بني الإسلام على خمس) فيه بيان عظم شأن هذه الخمس، وأن الإسلام مبني عليها، وهو تشبيه معنوي بالبناء الحسي، فكما أن البنيان الحسي لا يقوم إلا على أعمدته فكذلك الإسلام إنما يقوم على هذه الخمس، واقتصر على هذه الخمس لكونها الأساس لغيرها، وما سواها فإنه يكون تابعًا لها.\nثانيًا: أورد النووي هذا الحديث بعد حديث جبريل -وهو مشتمل على هذه الخمس- لما اشتمل عليه هذا الحديث من بيان أهمية هذه الخمس، وأنها الأساس الذي بني عليه الإسلام، ففيه معنىً زائد على ما جاء في حديث جبريل.\nثالثًا: هذه الأركان الخمسة التي بني عليها الإسلام أولها الشهادتان، وهما أس الأسس، وبقية الأركان تابعة لها، فلا تنفع هذه الأركان وغيرها من الأعمال إذا لم تكن مبنية على هاتين الشهادتين، وهما متلازمتان، فلابد من شهادة أن محمدًا رسول الله مع شهادة أن لا إله إلا الله.\nومقتضى شهادة أن لا إله إلا الله: أن لا يعبد إلا الله، ومقتضى شهادة أن محمدًا رسول الله أن تكون عبادة الله وفقًا لما جاء به رسول الله ﷺ، وهذان أصلان لابد منهما في قبول أي عمل يعمله الإنسان.\nفلابد من تجريد الإخلاص لله وحده، ولابد من تجريد المتابعة لرسول الله ﷺ.\nرابعًا: قال ابن حجر في الفتح: فإن قيل: لم يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة وغير ذلك مما تضمنه سؤال جبريل ﵇! أجيب بأن المراد بالشهادة تصديق الرسول بما جاء به، فيستلزم جميع ما ذكر من المعتقدات.\nوقال الإسماعيلي ما محصله: هو من باب تسمية الشيء ببعضه، كما تقول: قرأت الحمد وتريد جميع الفاتحة، وكذا تقول: شهدت برسالة محمد وتريد جميع ما ذكر.\nوالله أعلم.\nخامسًا: أهم أركان الإسلام الخمسة بعد الشهادتين الصلاة، وقد وصفها رسول الله ﷺ بأنها عمود الإسلام، كما في وصيته ﷺ لـ معاذ بن جبل، وهو الحديث التاسع والعشرون من هذه الأربعين، وأخبر أنها آخر ما يفقد من الدين، وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، وأن بها يحصل التمييز بين المسلم والكافر.\nوإقامتها تكون على حالتين: إحداهما: واجبة، وهي الإتيان بها على وجه مجزٍ أدي فيه الواجب.\nالثانية: مستحبة، وهي تكميلها وتتميمها بالإتيان بكل ما هو مستحب فيها.\nسادسًا: الزكاة هي قرينة الصلاة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، كما في قول الله ﷿: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥]، وقوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١]، وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥].\nوهي عبادة مالية نفعها متعدٍ، وقد أوجبها الله في أموال الأغنياء على وجه ينفع الفقير ولا يضر الغني؛ لأنها شيء يسير من مال كثير.\nسابعًا: صوم رمضان عبادة بدنية، وهي سر بين العبد وبين ربه؛ لأن الصوم لا يطلع عليه إلا الله ﷾؛ لأن من الناس من يكون في شهر رمضان مفطرًا وغيره يظن أنه صائم، وقد يكون الإنسان صائمًا في نفل وغيره يظن أنه مفطر؛ ولهذا ورد في الحديث الصحيح أن الإنسان يجازى على عمله الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله ﷿: (إلا الصوم فإنه له وأنا أجزي به)، أي: بغير حساب.\nوالأعمال كلها لله ﷿، كما قال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمسلمينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].\nوإنما خص الصوم في هذا الحديث بأنه لله لما فيه من خفاء هذه العبادة، وأنه لا يطلع عليها إلا الله.\nثامنًا: حج بيت الله الحرام عبادة مالية بدنية، وقد أوجبها الله في العمر مرة واحدة، وبين النبي ﷺ فضلها، كما في قوله ﷺ: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)، وقوله ﷺ: (رمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة).\nتاسعًا: هذا الحديث بهذا اللفظ جاء فيه تقديم الحج على الصوم، وهو بهذا اللفظ أورده البخاري في أول كتاب الإيمان من صحيحه، وبنى عليه ترتيب كتابه الجامع الصحيح، فقدم كتاب الحج فيه على كتاب الصيام، وقد ورد الحديث في صحيح مسلم بتقديم الصيام على الحج وتقديم الحج على الصيام.\nوفي الطريق الأولى تصريح ابن عمر بأن الذي سمعه من رسول الله ﷺ تقديم الصوم على الحج، وعلى هذا يكون تقديم الحج على الصوم في بعض الروايات من قبيل تصرف بعض الرواة، فرواه بالمعنى، وسياقه في صحيح مسلم: عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: (بني الإسلام على خمسة: على أن يوحد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج.\nفقال رجل: الحج وصيام رمضان؟ قال: لا، صيام رمضان والحج، هكذا سمعته من رسول الله ﷺ).\nعاشرًا: هذه الأركان الخمسة وردت في الحديث مرتبة حسب أهميتها، وبدئ فيها بالشهادتين اللتين هما أساس لكل عمل يتقرب به إلى الله ﷿، ثم بالصلاة التي تكرر في اليوم والليلة خمس مرات، فهي صلة وثيقة بين العبد وبين ربه، ثم الزكاة التي تجب في المال إذا مضى عليه حول؛ لأن نفعها متعدٍ، ثم الصيام الذي يجب شهرًا في السنة، وهو عبادة بدنية نفعها غير متعدٍ، ثم الحج الذي لا يجب في العمر إلا مرة واحدة.\nالحادي عشر: ورد في صحيح مسلم أن ابن عمر ﵄ حدث بهذا الحديث عندما سأله رجل فقال له: ألا تغزو؟ فساق الحديث، وفيه الإشارة إلى أن الجهاد ليس من أركان الإسلام، وذلك لأن هذه الخمس لازمة باستمرار لكل مكلف، بخلاف الجهاد، فإنه فرض كفاية، ولا يكون في كل وقت.\nالثاني عشر: مما يستفاد من الحديث: أولًا: بيان أهمية هذه الخمس؛ لكون الإسلام بني عليها.\nثانيًا: تشبيه الأمور المعنوية بالحسية لتقريرها في الأذهان.\nثالثًا: البدء بالأهم فالأهم.\nرابعًا: أن الشهادتين أساس في ذاتيهما، وهما أساس لغيرهما، فلا يقبل عمل إلا إذا بني عليهما.\nخامسًا: تقديم الصلاة على غيرها من الأعمال؛ لأنها صلة وثيقة بين العبد وبين ربه.\nسادسًا: ذكر العدد أولًا ثم المعدود بعد ذلك مما يجعل السامع يستوعب ما يلقى عليه، ويعي ما يلقى عليه، وهو منهج سلكه الرسول ﷺ في إيضاحه وبيانه لأصحابه ﵃ وأرضاهم.\nوالله تعالى أعلم.","vol":"10","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>الأسئلة</span>","vol":"10","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>حكم تارك الصلاة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  تعرض الحافظ ابن رجب لقضية خروج المرء من دائرة الإسلام بترك هذه الأركان الخمسة أو ترك بعضها، وبعد أن ذكر القول الأول في ترك الصلاة قال: وذهب إلى هذا القول جماعة من السلف والخلف، وهو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق، وحكى إسحاق عليه إجماع أهل العلم، وقال محمد بن نصر المروزي: هو قول جمهور أهل الحديث.\nثم قال: وذهب طائفة منهم إلى أن من ترك شيئًا من أركان الإسلام الخمسة عمدًا أنه كافر بذلك، وروي ذلك عن سعيد بن جبير ونافع والحكم.\nويقول الحافظ ابن رجب أيضًا: واعلم أن هذه الدعائم الخمسة بعضها مرتبط ببعض، وقد روي أنه لا يقبل بعضها بدون بعض، كما في مسند الإمام أحمد عن زياد بن نعيم الحضرمي قال: قال رسول الله ﷺ: (أربع فرضهن الله في الإسلام، فمن أتى بثلاث لم يغنين عنه شيئًا حتى يأتي بهن جميعًا: الصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت)، وهو مرسل، فما توجيه هذا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا غير واضح، إلا إذا كان المقصود به الجحود، أما إذا كان المقصود به عدم الجحود فإنه لا يعتبر كافرًا، فإن الكفر إنما هو في الصلاة، كما جاء عن عبد الله بن شقيق العقيلي أنه قال: إنهم كانوا لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة.\nوأما بالنسبة للجحود فكل ما هو معلوم من دين الإسلام بالضرورة إذا جحده الإنسان فإنه يكفر، وكذلك إذا استحل أمرًا معلومًا تحريمه من دين الإسلام بالضرورة فإنه يكفر.\nوعلى هذا فإن مجرد الترك ليس جحودًا، وعلى هذا فإنه لا يعتبر كفرًا، ولهذا جاء في قصة الرجل الذي لا يؤدي الزكاة: (إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فيكوى بها جنبه وظهره، ويكون هذا شأنه حتى يقضي الله بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار).\nوكذلك صاحب الإبل وصاحب البقر والغنم الذي لا يؤدي زكاتها: (يبطح لها بقاع قرقر، فتطؤه بأظلافها، إذا مر عليه أخراها عاد عليه أولاها، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) فقوله: (إما إلى الجنة وإما إلى النار) يدل على أنه ليس بكافر؛ لأن الكافر لا سبيل له إلى الجنة، بل مصيره إلى النار، والذي له سبيل إلى الجنة هو الذي يكون مسلمًا وليس بكافر.\nفهذا يدل على أن غير الصلاة إذا تركه العبد من غير جحود لا يكون كافرًا، وأما الصلاة فهي التي فيها الخلاف، فمنهم من قال: إنه يكفر بتركها تكاسلًا.\nوهذا القول دلت عليه الأدلة، مثل قوله ﷺ: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة)، وقوله في الحديث الآخر: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، وكذلك الحديث في الأمراء الذي قال فيه النبي ﷺ: (إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان)، وفي الحديث الآخر قال: (لا ما صلوا).\nففي قوله: (إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان) استثنى به الكفر البواح، وفي قوله: (لا، ما صلوا) استثنى الصلاة، فدل على أنهم إذا كانوا من المصلين فقد سلموا من الكفر، وأن من لم يصل فإنه يكون كافرًا.","vol":"10","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>اشتراط النطق بالشهادتين باللغة العربية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا أراد الآدمي أن يسلم وهو لا يعرف اللغة العربية فهل ينطق بالشهادتين بلغته؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يُفَهَّمُ الشهادتين بلغته، وينطق بهما باللغة العربية، أي: يفهم المقصود من الشهادتين بلغته، ثم يطلب منه النطق بهاتين الشهادتين باللغة العربية.","vol":"10","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>المعنى الزائد في حديث ابن عمر في أركان الإسلام عن حديث جبريل في مراتب الدين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هو المعنى الزائد في حديث ابن عمر عن حديث جبريل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ذكر البناء في الأول، وذلك في قوله: (بني الإسلام على خمس)، وأما حديث جبريل فليس فيه ذكر بناء، وإنما فسر الإسلام بأن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة إلخ، وأما قوله: (بني الإسلام على خمس) فهذا التعبير وهذا الأسلوب يدل على أهمية هذه الخمس، وأنها هي التي بني عليها الإسلام.","vol":"10","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>تقييد تفسير كلمة التوحيد بقول: (في الوجود)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هناك من العلماء من قيد تفسير كلمة التوحيد بقوله: (لا معبود بحق في الوجود إلا الله) فما تعليقكم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كلمة الوجود تحصيل حاصل، وإنما المقصود أنه لا معبود بحق، ومن المعلوم أن كل شيء في الوجود موجود، فالله تعالى موجود، وغيره موجود.","vol":"10","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>بيان شرط العمل الذي ينفع صاحبه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نقل عن شيخ الإسلام ﵀ أن المبتدع إذا كان عنده إخلاص في العمل الذي ابتدعه فإنه يؤجر على تلك النية، فما مدى صحة هذا الكلام؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ما أدري، لكن من المعلوم أن العمل الذي ينفع صاحبه عند الله هو العمل الذي يكون مطابقًا لسنة رسول الله ﷺ، وإذا كان مخالفًا للسنة فإنه داخل تحت قوله ﷺ: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد).","vol":"10","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكر بعض أهل العلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعتبر الركن السادس، فما صحة ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم ذكرهما بعض أهل العلم، وهذا يدل على أهميتهما، لكنه لم يرد شيء يدل على إضافتهما إلى الأركان، ولا شك في أهميتهما؛ لأن بهما قيام الدين.","vol":"10","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>حكم قتال مانع الزكاة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا كان لا يخرج من الإسلام إلا من ترك الصلاة فكيف قاتل أبو بكر ﵁ من امتنع عن أداء الزكاة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أبو بكر ﵁ قاتلهم لأنهم امتنعوا عن أدائها، فهو قاتلهم من أجل أن يؤدوا هذا الواجب الذي لابد من إخراجه، لكن لو تمكن من أخذها منهم من غير قتال فإنها تجزئ، أي: أن الإنسان إذا امتنع وأخذت منه قهرًا من غير قتال حصل المقصود، لكن هؤلاء امتنعوا، وقوتلوا على أنهم لم يدفعوها.","vol":"10","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>تقديم الشهادتين على الصلاة في حق من دخل في الإسلام</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يؤمر الكافر الذي يسلم بالصلاة مع الشهادتين، أو يؤمر بالشهادتين ثم يؤمر بالصلاة بعد ذلك عندما يتمكن التوحيد من قلبه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يؤمر بالشهادتين، وإذا جاء وقت الصلاة يؤمر بالصلاة، فيؤمر بالشهادتين لأنهما هما الأساس، وهما المدخل والمفتاح، وبعد ذلك إذا جاء وقت الصلاة يؤمر بالصلاة.","vol":"10","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>حكم قرن الشهادتين عند الدخول في الإسلام بشهادة أن عيسى رسول الله</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  بعض من يسلم يأمره بعضهم بأن يقول عند الشهادتين: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأشهد أن عيسى رسول الله، فهل هذا سائغ؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا يمكن أن يكون مع النصارى الذين يعبدون عيسى ويجعلونه إلهًا، فإنهم إذا شهدوا أنه لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وأن عيسى عبد الله ورسوله فمعنى ذلك أنهم تركوا ما كانوا يعتقدونه من إلاهيته، وعلموا أنه عبد ورسول، فهو عبد الله يعبد الله، ورسول لا يكذب.\nولكن المقصود الذي هو الأساس ويغني ويكفي هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.","vol":"10","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>إقامة الحجة على تارك الصلاة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يلزم في تكفير تارك الصلاة ما يلزم في تكفير مرتكب المكفرات غير ترك الصلاة من إقامة الحجة وانتفاء الموانع، أم يكفي الرجل بمجرد تركه للصلاة أن يكفر من غير إقامة الحجة عليه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا حكم بكفره يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهذا يتطلب إقامة الحجة، فإن تاب بعد إقامة الحجة عليه يترك، فإذا لم يتب فإنه يقتل.","vol":"10","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>أهمية توحيد الإلهية وبيان أن الخلاف بين الأنبياء والكفار كان بسببه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قرأت في كتاب (الظلال) قولًا في معنى (لا إله إلا الله) أن معناها: لا حاكم إلا الله، وأن الإلهية معناها الحاكمية، والخلاف مع كفار قريش كان في الربوبية وليس في الإلهية، فما تعليقكم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا كلام غير صحيح، وإذا كان هذا الكلام موجودًا في الكتاب المذكور فهذا كلام باطل، وذلك أن الخلاف مع كفار قريش إنما كان في الإلهية، وهذا نص في القرآن، كما حكى الله جل وعلا عنهم قولهم: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، والآيات في سورة النمل: ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٠]، كلها سيقت في توحيد الربوبية الذي أقروا به من أجل إلزامهم بتوحيد الإلهية الذي جحدوه.\nثم إن الله تعالى أخبر أن الرسل أرسلوا لعبادة الله وحده، وترك عبادة الطاغوت، وجاء ذلك في القرآن إجمالًا وتفصيلًا، أما الإجمال ففي قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، فكل رسول كانت هذه مهمته.\nفقوله تعالى: «وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا»، أي: مهمة كل رسول «أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ»، يعني توحيد الإلهية، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، والأمر بالعبادة من توحيد الإلهية.\nوأما التفصيل فإن كل رسول أرسله الله ﷿ كان يدعو قومه إلى عبادة الله وحده، كما قال ﷿: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، وكل رسول كان يقول هذا الكلام لقومه وهو يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ولا يدعوهم إلى أن يعتقدوا أن الله رب وأن الله تعالى موجود؛ لأنهم لم ينكروا ذلك، وإنما الشيء الذي أنكره الكفار والذي قامت الخصومة بين الأنبياء والأمم من أجله إنما هو في توحيد الإلهية وليس في توحيد الربوبية.","vol":"10","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>حكم من أفطر يومًا من رمضان متعمدًا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ورد فيمن أفطر يومًا من رمضان عامدًا متعمدًا أنه لن يجزيه صيام الدهر وإن صامه، ألا يدل ذلك على كفره؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا أعلم أولًا عن ثبوت الحديث، وأما قضية الكفر فإنه لا يدل على الكفر، إلا إذا لم يصمه جاحدًا.","vol":"10","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>حكم الجهاد في سبيل الله ﷿</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  سمعت من خطيب مسجد أن الجهاد فرض عين في كل بلد حتى يخرج منه كل كافر أو مشرك، فهل هذا الكلام صحيح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يكون الجهاد فرض عين في حالتين: إحداهما: إذا داهم العدو المسلمين، فإن كل واحد من المسلمين عليه أن يجاهد؛ لأن هذا قدر مشترك بين الجميع.\nوكذلك إذا استنفر الإمام، فإنه يتعين على الجميع أن ينفروا، مثلما حصل في غزوة تبوك، فإنه استنفر الناس ولم يبق إلا أهل الأعذار الذين لم يجدوا ما يحملهم، فأتوا إلى النبي ﷺ يطلبون منه أن يحملهم، فقال: (لا أجد ما أحملكم عليه) فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع.\nوقال عنهم الرسول ﷺ وهو في طريقه إلى تبوك: (إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، حبسهم العذر) يعني أنهم معكم بنياتهم وقلوبهم، ولكنهم ما استطاعوا أن يصلوا بأجسامهم؛ لأنه لا ظهر لهم يركبون عليه، ولا يجدون من يحملهم على ظهر له حتى يتمكنوا من المشاركة بالجهاد بالنفس، ولهذا قال ﵊: (إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، حبسهم العذر).\nفالجهاد هو فرض كفاية، وذلك لأنه يؤخذ من الناس أفراد حتى يجتمع جيش ويذهب للغزو، ولكنه إذا داهم الناس العدو فإن جميع أهل البلد عليهم أن ينفروا، وعليهم أن يقاتلوا.\nفيكون فرض عين في هذه الحالة وحالة، وكذلك إذا استنفر الإمام، وفي غير هاتين الحالتين هو فرض كفاية وليس فرض عين.","vol":"10","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>حكم تارك الحج</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  جاء في الحج قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧]، فهل فيه دليل على حمله على الكفر الأصغر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، فمن لم يعتقد وجوبه فإنه لا شك في أنه يكون كافرًا كفرًا مخرجًا من الملة، وأما إذا لم يجحد وجوبه وكان مقرًا بوجوبه وهو قادر عليه فمعلوم أنه إذا كان غير قادر على الحج لا يجب عليه، لقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، فإذا كان قادرًا ولم يفعل فإن ذلك لا شك في أنه من الشيء الذي يؤاخذ عليه؛ لأن الحج على الفور وليس على التراخي.","vol":"10","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>حصول المنفعة بإخراج الزكاة للفقير ولصاحب المال</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يمكن أن نقول: إن الزكاة يعود نفعها على الفقير وعلى صاحب الزكاة بدليل الآية: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣]؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الزكاة نفعها يعود على صاحبها، فيؤجر ويثاب على ذلك، وتكون سببًا في نماء ماله وطهارة ماله.\nوأيضًا نفعها متعدٍ إلى الفقراء والمساكين، فهو نفع متعدٍ، ومع ذلك فإن الإنسان المزكي هو مأجور، وفي ذلك طهارة ماله وزكاؤه ونماؤه.","vol":"10","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>حكم قتال مانعي الزكاة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يمكن أن نقول: إن أبا بكر ﵃ قاتل مانعي الزكاة لأنهم جحدوا أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كانوا جحدوه فإنهم يكونون مرتدين، والواقع أن بعضهم لم يجحدها، بل بخلوا وقالوا: إن هذا إنما يكون للرسول ﷺ ولا يدفع لغيره.\nفأخطئوا وفهموا فهمًا خاطئًا، فقوتلوا على ذلك.","vol":"10","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>الفرق بين من ترك أربعة من أركان الإسلام مجتمعة وبين من ترك واحدًا منها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل هناك فرق بين من ترك الأركان الأربعة على الآحاد ومن تركها مجتمعة؟ وهل السلف مجمعون على كفر التارك لها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لم يجمع السلف على كفره إذا كان تركها تكاسلًا؛ لأن الصلاة نفسها هناك من يقول بأنه لا يكون كافرًا من تركها، فما دونها من باب أولى، فليس هناك إجماع، فمن ترك الأربعة الأركان متكاسلًا وليس جحودًا فليس هناك إجماع على كفره، وإنما الصلاة هي التي فيها الخلاف، والبقية -كما هو معلوم- الخلاف فيها غير واضح، كما جاء في الحديث الذي أشرت إليه: (فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار).","vol":"10","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>بيان أن إثبات توحيد الإلهية أولى من إثبات توحيد الربوبية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هناك من قال: إن توحيد الربوبية أولى من توحيد الإلهية، بدليل أن أول سؤال في القبر: من ربك.\nفما تعليقكم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معلوم أن الشيء الذي هو أهم من غيره هو الشيء الذي بعث الرسول ﷺ من أجله وأنزلت الكتب من أجله، وكل رسول أرسل للقيام به والدعوة إليه، والله ﷿ ما قال: أرسلنا في كل أمة رسولًا أن أقروا بوجود الله، أو اعتقدوا أن الله رب العالمين.\nوإنما الشيء الذي أرسلهم من أجله هو عبادة الله وحده لا شريك له؛ لأن هذه الأمور كلها مطلوبة: الربوبية والإلهية والأسماء والصفات.\nولكن الذي أرسلت الرسل من أجله وأنزلت الكتب من أجله هو الذي يقدم على غيره.\nوأما الشيء الذي أقر به الكفار فيجب الإقرار به، ويجب التصديق بكل ما جاء عن الله ورسوله ﷺ، لكن العناية تكون بتوحيد العبادة الذي خلقت من أجله الخليقة وأرسلت من أجله الرسل، والله ﷿ يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] أي: ليؤمروا وينهوا.\nوقال ﷿: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥].\nفهذا هو الذي يجب أن يعتنى به، وأما أن يشغل الناس بتوحيد الربوبية فإن هذا يعتبر تحصيل حاصل؛ لأن من كان مقرًا بالربوبية فلا حاجة به إلى أن يعتنى بإثبات توحيد الربوبية، كما أن الكفار الذين كانوا مقرين بالربوبية كان يأتي تقرير توحيد الربوبية من أجل إلزامهم بتوحيد الإلهية، أي: كان يأتي تقرير الربوبية ثم يأتي بعده إنكار وجود إله مع الله، ويبين لهم أنه كيف تعتقدون بأنه كذا وكذا مع ذلك؟ فإذًا: الشيء الذي أقر به الكفار لا يعتنى به ويهمل الشيء التي بعثت من أجله الرسل وأنزلت من أجله الكتب، بل ينبغي العناية بهذا الأمر العظيم، وأما ذاك فهو شيء قد أقر به الكفار الذين بعث فيهم الرسول ﷺ.","vol":"10","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>حكم تأخير الصلاة عن وقتها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا كان الشخص لا يصلي إلا بعد خروج الوقت، كأن يصلي الفجر بعد طلوع الشمس، أو يخل بأركان الصلاة، فهل يعتبر تاركًا للصلاة كافرًا بذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك في أن الإنسان الذي يتعمد ترك شيء من أركان الصلاة لا يعتبر أنه صلى؛ لأنه لابد من الإتيان بالأركان، فإذا لم يأت بالأركان فصلاته وجودها مثل عدمها، وأما تأخير الصلاة عن وقتها فذلك أمر خطير، ولكنه ليس مثل تركها.\nوقد جاء في بعض الأحاديث أن الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها يُصلى وراءهم، ولكن على الإنسان أن يصلي الصلاة في وقتها ويجعل الثانية نفلًا، وهذا يدل على أن الأمر أهون، ولا شك في أن الأمر خطير، والإنسان لا يجوز له أن يؤخر الصلاة عن وقتها.","vol":"10","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>حكم من أنكر شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى قاعدة، وهي أن من أنكر أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة كشعائر الإسلام مثل الأذان والزكاة والصلاة في العيد وغيرها فإنه يقاتل، لا لكفره ولكن لمنعه، فما تعليقكم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا أدري بصحة هذا الكلام المنقول، فإن الإنسان إذا أنكر أمرًا معلومًا من دين الإسلام بالضرورة فإنه يكفر، فالزكاة من أنكرها ومن أنكر وجوبها كفر، ويقتل لكفره وردته، وأما إذا كان منعها كسلًا أو منعها بخلًا وشحًا فهذا هو الذي لا يقتل، ولكنها تؤخذ منه قهرًا، وإن قاتل، أو إن لم يحصل أخذها منه إلا بالقتال فإنه يقاتل، كما حصل من أبي بكر الصديق ﵁ في قتال مانعي الزكاة.","vol":"10","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>حكم التعميم في الدعاء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إمام مسجد يدعو في الصلاة ويقول: اللهم! إن أعراض المسلمين قد انتهكت في كل مكان.\nفهل يجوز مثل هذا الدعاء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  التعميم لا يصلح، وكل شيء فيه تعميم لا يصح أن يؤتى به، ولا يصلح للإنسان أن يأتي بشيء ليس بلائق، وإنما يسأل الله ﷿ أن يحفظ المسلمين ويحفظ أعراضهم وأموالهم وأبدانهم وقبل ذلك دينهم، أما أن يقول: إنه حصل كذا وكذا فالله تعالى أعلم بالواقع، فمثل هذا التعميم لا يصلح.","vol":"10","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>وجوب النطق بالشهادتين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يمكن أن تعتبر الشهادتان من العبادات القولية إن جاز هذا التعبير؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الشهادتان لا شك في أنه لابد من التلفظ بهما، ولا يكفي أن الإنسان يسرهما ويقولهما بقلبه، ولهذا لابد من النطق بهما حتى يعتبر الإنسان من جملة المسلمين، فيدخل الإنسان في الإسلام بأن ينطق بالشهادتين مع الإقرار بما في قلبه، لكن عصمة الدم تكون بحصول ظهور ذلك منه وإن كان باطنه يخالف ظاهره، كما هو شأن المنافقين.\nفمن أظهر شيئًا أخذ بظاهره، وسريرته إلى الله ﷿.","vol":"10","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>الأجر على حسن النية في الخطأ</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من وقع في البدعة من حيث إنه لا يريد أن يبتدع -كالحافظ ابن حجر والنووي في مسألة التبرك بالصالحين- هل يؤجر على نيته؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يؤجر على أعماله الطيبة الكثيرة التي قام بها في خدمة الإسلام، ومثل هذا الخطأ يرجى من الله ﷿ أن يتجاوز عنه.","vol":"10","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>حكم الذهاب بالمرأة إلى طبيب أسنان</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز أن أذهب بزوجتي إلى طبيب أسنان، علمًا بأنه لا يوجد في المستوصف الذي في حينا طبيبة، ولا أقدر على أن أذهب إلى المستشفيات الخاصة؛ لأن تكاليفها باهضة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان الأمر يحتاج إلى هذا فلا بأس بذلك.","vol":"10","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>حكم الأخذ مما أوصى به الوارث</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز أخذ شيء من مال والدي الذي توفي وأوصى بأن الثلث من ماله سبيل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الثلث أو الوقف يصرف وفقًا لما أوصى به الواقف، ويكون على نظر الذي جعل ناظرًا أو جعل مسئولًا عن الوقف، فلا يأخذ الإنسان منه شيئًا، إلا إذا كان وضع للمحتاج وكان هذا محتاجًا وأعطاه ناظر الوقف فلا بأس؛ لأن إعطاء الأقارب المحتاجين أولى من إعطاء غيرهم، وأما كون الإنسان يقبض ويأخذ شيئًا وهو ليس مسئولًا فلا، بل يرجع في ذلك إلى الناظر؛ لأن الشخص الناظر هو الذي يقدر الحاجة، وأما كون الإنسان يأتي ويأخذ بنفسه فقد يكون غير محتاج، ويأخذ وهو غير محتاج.","vol":"10","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>حكم بناء سور المقبرة من أموال الزكاة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في قريتي مقبرة للمسلمين وليس لها سور، فهل يجوز أن نجمع أموال الزكاة من المسلمين ونبني للمقبرة سورًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا؛ فإن الزكاة لا تصرف في بناء هذه الأعمال، فلا تنفق في بناء أسوار المقابر، ولا بناء أربطة، ولا المساجد، ولا تعبد منها الطرق، وإنما تصرف الزكاة في مصارفها، لكن يمكن أن يجمع لسور المقبرة من التبرعات التي هي إحسان وليست زكاة واجبة.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":29},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-199>[١١]</span>\nذكر النبي ﷺ أطوار خلق الإنسان الثلاثة وهو في بطن أمه، وما يحدث له من تغير في الخلقة أثناء هذه الأطوار بمشيئة الله وقدرته، وقد ربطت هذه الأطوار بخاتمة الإنسان، فذكر فيها كتابة الملك لأجل العبد وعمله، وشقي أو سعيد، وهذا كله لحكمة أرادها الله ﷿ وارتضاها لعباده.","vol":"11","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>شرح حديث: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه)</span>\nالحديث الرابع من أحاديث الأربعين النووية -حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه- الذي يقول فيه الإمام النووي: عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فيؤمر بكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد، فوالله الذي لا إله إلا هو إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) رواه البخاري ومسلم.\nهذا الحديث بدأه عبد الله بن مسعود ﵁ عند إخباره بتحديث النبي ﷺ أصحابه بقوله: (وهو الصادق المصدوق).\nأولًا: قال: حدثنا رسول الله ﷺ، وهذا فيه بيان أصل تسمية السنة حديثًا، أي: أنه يقال لها: حديث؛ لأنها حديث الرسول ﷺ لأصحابه، وهنا قال: حدثنا رسول الله ﷺ، فإذًا: سنة رسول الله ﷺ هي حديثه الذي يحدث به أصحابه؛ ولهذا يقولون: إن حديث الرسول ﷺ وسنته معناهما واحد، فإذا قال الفقهاء أو شراح الحديث: وهذه المسألة ثابتة بالسنة والإجماع، فإن المراد بالسنة ما يرادف الحديث، فإذًا: قول عبد الله بن مسعود ﵁: (حدثنا رسول الله ﷺ) هذا هو بيان الأساس الذي بني عليه تسمية السنة حديثًا، وأن النبي ﷺ كان يحدث أصحابه، وهنا يخبر أنه حدثهم، فقال: حدثنا رسول الله ﷺ.\nثم قوله: (وهو الصادق المصدوق) هذا الكلام قاله ثناءً على رسول الله ﷺ، وليس معنى ذلك أن المقام مقام احتمال أن يكون هناك شك، وأن من الناس من يشك في هذا الخبر، بل كل ما أخبر به الرسول ﷺ فهو حق وصدق، ويجب تصديقه، وهذا هو معنى شهادة أن محمدًا رسول الله ﷺ؛ لأن معناها: تصديقه بكل ما أخبر، وامتثال ما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه، وألا يعبد الله إلا طبقًا لما جاء به ﷺ، فإنما قال ذلك تعظيمًا وثناءً على الرسول ﷺ، وبيان أن هذا من جملة أمور الغيب التي لا تعرف إلا عن طريق الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه وبركاته عليه؛ لأن هذا الذي أخبر به أمور غيبية لا تعرف إلا عن طريق الوحي، وقوله: (الصادق) يعني: الصادق في قوله، فهو صادق فيما يقول ﵊، المصدوق فيما يخبر به مما جاء به من الوحي، فهو صادق في قوله، وتصديقه متعين بكل ما أخبر به من خبر صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.","vol":"11","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>ما يكون منه خلق الإنسان</span>\nثم ذكر هذا الذي حدثهم به: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك) يعني: أربعين (ثم يكون مضغة مثل ذلك) يعني: أربعين، فتكون عدة هذه الأطوار الثلاثة مائة وعشرين يومًا، كل طور عدته أربعون يومًا، وقوله ﷺ: (يجمع خلقه) المقصود بالخلق هنا: ما يكون منه الخلق، وهو الماء الذي يخرج من الرجل والمرأة، فإن هذا يجمع في الرحم، ويكون الولد من هذا الماء المجموع الذي حصل من الرجل والمرأة، لكن ليس المقصود أن الإنسان يخلق من كل الماء، بل ثبت في صحيح مسلم في أحاديث العزل أنه ليس من كل المني يكون الولد، وإنما الحمل يكون من قطرة يسيرة من المني، وهذا الرسول ﷺ قاله في العزل؛ لأن الذين يعزلون حتى لا تحمل المرأة -وذلك غالبًا إنما يكون في الإماء- إنما يريدون أن يستمتعوا بهن، ولكن لا يريدون أن يحملن؛ لأنهن إذا حملن صرن أم ولد لا يتمكنون من بيعهن والتصرف في ماليتهن؛ ولهذا كانوا يعزلون خشية أن تحمل فتضيع عليه تلك المالية، فلا يتمكن من بيعها، فالرسول ﷺ أخبر بأن الله تعالى إذا قدر الولد فإنه يوجد ولو حصل العزل؛ لأنه قد تأتي قطرة تنطلق من غير إرادة الإنسان ولو حتى أخرج وأفرغ في الخارج ويكون منها الولد؛ ولهذا قال ﵊ في الحديث الذي في صحيح مسلم: (ليس من كل المني يكون الولد) يعني: أنه يكون الولد من شيء يسير من المني، وليس المقصود من ذلك أنه يكون من جميع المني، وأن الإنسان إذا أخرج وأفرغ في الخارج فإنه يكون بذلك قد عزل.\nفإذًا: قوله: (يجمع في بطن أمه) يعني: ما يكون منه خلقه، والذي منه خلقه هو الماء كما قال الله ﷿: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق:٦] وقال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات:٢٠ - ٢٢] يعني: هو من هذه النطفة، وهذه النطفة هي الماء القليل اليسير جدًا، فقد تكون في الرحم مدة أربعين يومًا وهي نطفة، ثم بعد ذلك تتحول إلى قطعة دم متجمد يسير، ثم تكون علقة، ثم بعد ذلك تتحول إلى مضغة وهي قطعة من اللحم على قدر ما يأكله الآكل، وقيل لها مضغة لأنها تكون على قدر المضغة من الطعام.\nثم إذا وصلت إلى هذه المرحلة -التي هي الطور الثالث: المضغة- تكون بعد ذلك مخلقة أو غير مخلقة كما قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج:٥] والمخلقة: هي التي حصل فيها التصوير، وغير المخلقة: هي قطعة اللحم التي لم يحصل فيها تصوير، وفي هذه الحال تخلق، ثم بعد ذلك تستمر ويكون النفخ في الروح بعد كمال الأربعين الثالثة، وقد تسقط قبل ذلك ويكون دمًا فاسدًا أو قطعة لحم ليس فيها خلق إنسان، ولا يترتب على سقوطها حكم من الأحكام التي ترتبت على سقوطها بعد نفخ الروح، فبعد أن تكمل المائة والعشرين يومًا، وينفخ فيها الروح، ثم بعد ذلك تسقط، فإن الحال يختلف عن سقوطها قبل ذلك.","vol":"11","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>نفخ الروح في الجنين بعد مروره بالأطوار الثلاثة</span>\nفهذه الأطوار الثلاثة تنتهي بمائة وعشرين يومًا، ثم بعد ذلك تنفخ الروح في هذا الجسم والجسد الذي صور وخلق، وصار على هيئة الإنسان، وبذلك يكون حيًا، وقبل ذلك هو ميت، يعني: من وقت ما صار نطفة إلى أن نفخت فيه الروح لا يعتبر حيًا، وإنما يعتبر ميتًا، وهذه هي الموتة الأولى التي ذكرها الله ﷿ في القرآن، ذكر الله أن الناس لهم موتتان وحياتان كما قال الله ﷿ عن الكفار: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر:١١] فالموتة الأولى هي هذه الحالة التي يكون عليها الإنسان في بطن أمه قبل أن تنفخ فيه الروح، فيقال له: ميت، وهذه هي الموتة الأولى من الموتات الأربع التي ذكرها الله ﷿ في هذه الآية من سورة غافر، وهاتان الموتتان والحياتان فصلهما الله ﷿ في أول سورة البقرة، حيث قال: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة:٢٨]، يعني: أنكم كنتم نطفة وعلقة ومضغة ليس فيكم حياة، فأحياكم بأن نفخ فيكم الروح بعد تمام المائة والعشرين يومًا كما جاء في حديث ابن مسعود فهذه الموتة الأولى في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة:٢٨] أي: حصل نفخ الروح، ثم هذه الحياة تستمر إلى بلوغ الأجل، ثم يأتي الموت عند نهاية الأجل، وهذه الموتة الثانية، ولكن هذه الموتة لا ينافيها أن يكون الإنسان حيًا حياة برزخية، وأنه ينعم في قبره يعني: الروح والجسد كل منهما يعذب في القبر أو ينعم؛ لأن هذه الحياة التي هي الحياة البرزخية لا يعلم كيفيتها إلا الله ﷾، والإنسان بمغادرته هذه الحياة يكون قد مات، ولكن لا ينافيه ما جاء من النصوص من كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ، أن الإنسان ينعم في قبره أو يعذب؛ لأن هذه حياة برزخية الله أعلم بكيفيتها.\nثم الحياة الثانية وهي الحياة بعد البعث، وهي التي تكون مستمرة إلى غير نهاية، والإنسان فيها إما منعم وإما معذب، إما من أهل الجنة ويكون مستمرًا فيها إلى غير نهاية، وإما من أهل النار ويكون مستمرًا فيها إلى غير نهاية، وإن كان من المسلمين فإنه يعذب في النار على قدر جرمه إن لم يتجاوز الله عنه، ولكنه يخرج من النار ويدخل الجنة، وبعد ذلك الحياة مستمرة من حين البعث والنشور إلى غير نهاية.","vol":"11","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>الموتات الأربع التي فصلها الله ﷿ في القرآن</span>\nفإذًا: قبل نفخ الروح فيه هي الموتة الأولى التي جاءت في القرآن في سورة غافر في ذكر الموتتين والحياتين، وفي سورة البقرة بالتفصيل لهذه الموتات الأربع، والموتة الأولى هي التي تكون قبل نفخ الروح، حيث يكون الشخص فيها نطفة وعلقة ومضغة، وكما فصل الله ﷿ هذه الموتات الأربع في آية البقرة، وكذلك الآية التي في سورة الحج: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الحج:٦٦] «وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ» أي: بعدما كنتم أمواتًا، والموت: هو الذي كان بعد وجود خلق الإنسان ولم تنفخ فيه الروح، وليس المقصود بذلك العدم قبل أن توجد النطفة؛ لأن العدم لا يوصف بالموت، والله ﷿ أخبر بأن الموت مخلوق فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك:٢] فهو من الصفات الوجودية، وليس من الصفات العدمية؛ ولهذا أخبر أنه خلق الموت.\nإذًا: فإن الموتة الأولى هي الحالة التي يكون الإنسان فيها في بطن أمه قبل أن تنفخ فيه الروح، وقبل أن تحصل له الحياة باجتماع الروح والجسد؛ لأنه باجتماع الروح والجسد تحصل له الحياة، وقبل ذلك الحياة غير موجودة، وإذا نزعت الروح من الجسد في آخر عمره ودفن الميت خرجت الروح من الجسد فصار الموت، ولكن الروح لها اتصال بالجسد، فتنعم وتعذب وهي متصلة بالجسد، ومنفصلة عنه، وأمور البرزخ من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله ﷾.\nوقد جاء في سورة المؤمنون ذكر الأطوار وكيفية خلق الإنسان أكثر مما جاء في هذا الحديث وفي آية الحج، وذلك في قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٤] فذكر سبعة أحوال في هذه الآية من خلق آدم إلى أن خلق الإنسان على هيئته الكاملة التي قال الله ﷿: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] وهنا كلمة: «الْخَالِقِينَ» لا يراد بها الموجدين؛ لأن الموجد هو الله وحده لا شريك له، وغيره لا يوصف بالإيجاد، ولكن المقصود بالخلق هنا: التقدير؛ لأن التقدير يمكن أن يكون من الإنسان والله تعالى يقدر وهو خير الخالقين، وأما الموجودون فلا أحد يوجد إلا الله ﷿؛ ولهذا يأتي الخلق بمعنى التقدير، كما يقول الشاعر: ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري يخلق أي: يقدر، وهو الذي يرسم شيئًا ثم ينفذه وفقًا لما رسم، فهذا يقال له: خلق، لكن الإيجاد من العدم إلى الوجود هذا لا يكون إلا لله ﷾؛ ولهذا فقوله: «فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ» ذكر الخالقين والمقصود بههم المقدرون لا الموجودون، فهذه أطوار سبعة جاءت في هذه الآية: أولها: خلق آدم من تراب، ونهايتها كون الإنسان يكون على هذه الهيئة، وهي الخلق السوي الذي هو الخلق الآخر بعد مضي هذه الأطوار التي قبله.","vol":"11","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>الرحم والجنين وكل به ملائكة مختصون</span>\nقوله: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح) وفي هذا الإيمان بالملائكة، وأن الرحم وكل به ملائكة مهمتهم أنهم يكتبون رزقه وأجله، ذكرًا أو أنثى، وشقيًا أو سعيدًا، وهذه الكتابة هي غير الكتابة السابقة التي هي في اللوح المحفوظ؛ لأن الله ﷿ كتب في اللوح المحفوظ كل شيء كائن، كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)، والله تعالى يقول: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَاٌ﴾ [الحديد:٢٢] يعني: في اللوح المحفوظ، فهذه كتابة أخرى غير الكتابة السابقة، والملك يسأل عن الأجل والرزق، وعن: ذكر أو أنثى، وشقي أو سعيد ويكتب ذلك.\nثم في هذا دليل على أنه بعدما يكتب الملك هذه الكلمات، ويسأل الله ﷿ عنها فيجاب -وهي بيان رزقه وأجله، وذكر أو أنثى، وشقي أو سعيد- ويكون الإنسان خلق ذكرًا أو أنثى فإنه لا يبقى علم الذكورة والأنوثة من العلم الذي اختص الله به؛ لأن الملك قد علم، فلم يبق من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله ﷾؛ وإذا كان الملك قد علم فإنه يمكن أن يعرف ما في البطن هل هو ذكر أو أنثى بواسطة وسائل؛ لأنه لم يبق من خصائص علم الغيب الذي يختص الله تعالى به؛ فقد علمه الملك والشيء الذي علمه غير الله ﷿ لم يكن من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا هو، نعم أنه قبل ذلك لا يعلمه إلا الله ﷾، لكن بعدما سأل الملك وأجيب، وعرف أنه ذكر أو أنثى صار ذلك مما علمه بعض المخلوقات، وهو الملك، فيمكن للناس أن يتمكنوا من معرفته؛ لأنه لم يبق من علم الغيب الذي اختص الله تعالى به، وفي هذا بيان أن الشقاوة والسعادة مقدرة، وأن كل شيء قد قدر، وسبق به القضاء والقدر، وأن الناس يصيرون إلى ما قدر لهم، ولكن ذلك بأفعالهم وأعمالهم، وليس قسرًا لهم وقهرًا وجبرًا، وإنما يقدمون على ما يقدمون عليه بإرادتهم ومشيئتهم، فيتحقق بذلك ما سبق أن قدره الله ﷿ وقضاه من كون الإنسان شقي أو سعيد.","vol":"11","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>مآل الناس إلى ما قدر الله من السعادة أو الشقاوة</span>\nثم إن الرسول ﷺ لما أخبر بأن الملك يكتب هذا وهذا، ومنها: أن الإنسان يكون شقيًا أو سعيدًا وهو في بطن أمه، وأن الله ﷿ قد علم ذلك وكتبه، وأن العبرة تكون بالخواتيم والنهايات، والناس لا يعلمون ما قدره الله ﷿، ولا يعرفون الخواتيم والنهايات، وإنما مطلوب منهم أن يعملوا، فلما ذكر قوله ﷺ: (شقي أو سعيد) بعد ذلك أخبر بأن هذا الذي كتبه الله ﷿ من الشقاوة والسعادة سيصير الناس إليه، وسينتهون إلى السعادة أو الشقاوة، إما إلى السعادة التي قد قدرها الله ﷿ وقضاها، وإما إلى الشقاوة التي قدرها الله ﷿ وقضاها، ولا بد أن يصيروا إلى ذلك.\nثم قال ﵊ بعد ذلك: (فو الله الذي لا إله إلا هو) وهذا فيه الحلف لتأكيد الأمر في نفس السامع، وإن لم يستحلف على ذلك، وهذا لزيادة تأكيد تحققه، وإلا فإن الخبر يجب تصديقه -حلف عليه أو لم يحلف- من رسول الله ﷺ، لكن هذا من زيادة التأكيد؛ لأن القسم يؤتى به للتأكيد، فهو صادق سواء حلف عليه أو لم يحلف، لكن الإتيان بالحلف زيادة في تأكيد حصوله ووقوعه طبقًا لما أخبر به الرسول الكريم ﷺ.\n(إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة) أي: بأعمال البر التي هي خير، والتي ثمراتها ونتائجها الوصول إلى الجنة.\n(حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع) أي: ما يكون بينه وبين بلوغ الأجل إلا شيء يسير قليل جدًا، فهذا فيه إشارة إلى جزء من الوقت إذا بقي هذا الوقت فإنه يحصل والعياذ بالله للإنسان انحراف عن ذلك الذي كان عليه من الخير والبر، وكان عليه من العمل الصالح، (فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) يعني: فيختم له بسوء والعياذ بالله، وتكون النهاية أنه ختم له بخاتمة السوء، ثم إن حصول هذا الذي حصل له في النهاية إنما حصل بعمله؛ ولهذا قال: (فيعمل بعمل أهل النار) هو نفسه يعمل بعمل أهل النار باختياره وإرادته يوم القيامة، وفي هذا بيان أنه لا بد من حصول واعتقاد الأمرين: الأول: أن الإنسان يعمل، وأن عمله سبب في دخوله النار، وسبب في دخوله الجنة.\nالثاني: أن الإنسان مخير، فهو يفعل باختياره ومشيئته وإرادته.\nومع ذلك الجملة التي قبله: (فيسبق عليه الكتاب) تفيد أنه مخير أيضًا، بمعنى: أنه لا بد وأن يحصل له ما قدره الله ﷿ وقضاه، فلا يقال: الإنسان مخير غير مسير، ولا مسير غير مخير، وإنما هو مخير مسير، مخير: باعتبار أن عنده إرادة ومشيئة وعقل يميز بين النافع والضار، وأنه قد يقدم إلى ما ينفعه أو إلى ما يضره، وعلى ضوء ذلك يثاب ويعاقب.\nومسير: أنه لا يحصل منه شيء لم يسبق به قضاء الله وقدره ومشيئته وإرادته؛ لأنه لا يقع في ملك الله ﷿ إلا ما شاءه الله ﷾؛ ولهذا في هذه الجملة ذكر القدر، وذكر أيضًا كون الإنسان يصل إلى ما قدر عليه من النهايات بالأعمال التي يعملها وهي مقدرة، وتلك الأعمال إما أن تكون صالحة، وإما أن تكون طالحة.\n(إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع) يعني: بينه وبين بلوغ الأجل، ومعلوم أن الإنسان إذا بلغ الأجل انتقل إلى الدار الآخرة، وهو إن كان من أهل السعادة يصل إليه النعيم في قبره، وإن كان من أهل الشقاوة يصل إليه عذاب النار في قبره.","vol":"11","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>تقدير الأعمال والخواتيم بمشيئة الله الموافقة لفعل العبد المختار</span>\nإذًا: في الحديث ذكر عمل يحصل به دخول الجنة، والعمل مقدر، ودخول الجنة مقدر، وكل من الأسباب والمسببات مقدرة، والإنسان عمل باختياره ومشيئته وإرادته ما يعود عليه بالخير، وعمل بمشيئته واختياره ما يعود عليه بالضرر، فجمع في هذا الحديث بين الأمرين، كون العباد يعملون ويكتسبون، وأنهم إن عملوا خيرًا وجدوه أمامهم، وإن عملوا شرًا وجدوه أمامهم، وأيضًا لا يحصل منهم شيء ما قدره الله وقضاه، بل الذي قدره الله وقضاه نافذ، فإذًا: عملهم الذي عملوه قبل ذلك هو بقضاء الله وقدره، ومشيئته وإرادته، وقد حصل من العبد مشيئته وإرادته، ثم حصل بعد ذلك تغير حال الإنسان، وانحرافه عن طريق الصواب إلى طريق السوء، وعمله باختياره ومشيئته بعمل أهل النار، فمات على عمل أهل النار، وختم له بخاتمة السوء والعياذ بالله! ففي هذا الحديث بيان الأعمال، وأنها تكون مضافة إلى الإنسان، وأنهم يثابون عليها ويعاقبون، وأنها تكون بمشيئتهم وإرادتهم، وأن القدر لا بد منه، وأنه المقدر لا بد منه؛ ولهذا تكون مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله، وليست مستقلة عنها، كما قال الله ﷿: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨ - ٢٩].","vol":"11","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>أحوال الناس في البداية والنهاية</span>\nوفي هذا الحديث بيان حالتين من الحالات الأربع التي تكون فيها أحوال الإنسان في البداية والنهاية؛ لأن أحوال الناس تنقسم إلى أربعة أقسام: القسم الأول: منهم من يكون ولد على الخير ونشأ عليه، وختم له به، فتكون بدايته ونهايته كلها حسنة، مثل الشاب الذي نشأ في طاعة الله ﷿ في السبعة الذين يظلهم الله في ظله: (وشاب نشأ في طاعة الله) فهو نشأ على خير واستمر عليه، ومات على خير، فتكون بدايته ونهايته كلها خير.\nالقسم الثاني: العكس، وهو الكافر الذي ولد بين كفار ونشأ على الكفر، واستمر ومات عليه، فالبداية والنهاية سيئة، فهاتان الحالتان المتقابلتان في السعادة والشقاوة من البداية حتى النهاية، وينتج عن ذلك دخول الجنة أو دخول النار.\nالقسم الثالث: من تكون بدايته حسنة، ونهايته سيئة، وهو الذي أشار إليه الرسول ﷺ في الجملة الأولى بقوله: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها) يعني: الأعمال بالخواتيم، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (وإنما الأعمال بالخواتيم) وهذا يكون في مثل الذين كانوا مسلمين، ودخلوا في الإسلام، واستمروا عليه، وفي آخر الأمر أدركهم الخذلان فارتدوا عن الإسلام، وماتوا على الردة.\nالقسم الرابع: العكس، من تكون بدايته سيئة، ثم نهايته حسنة، أي: أنه يعمل بعمل أهل النار طيلة حياته، ثم في آخر الأمر يوفق فيدخل في الإسلام، وبعد فترة وجيزة يموت، فتكون حياته معمورة بالسوء، ثم في آخر الأمر حيث لم يبق إلا اليسير تحول وانتقل من حال سيئة إلى حال حسنة.\nوختم له بها، ومن أمثلة هذا القسم السحرة الذين كانوا سحرة مع فرعون، فإنهم كانت حياتهم كلها مبنية على الكفر والسحر، وفي آخر الأمر آمنوا برب هارون وموسى، وبعد ذلك ماتوا على هذا وانتهوا إليه، فكانت حياتهم كلها شر قبل الإيمان، وفي الآخر ابتلوا وصارت نهايتهم حسنة وطيبة، ومثل ذلك الحديث الذي رواه البخاري عن أنس ﵁: (أن غلامًا من اليهود كان يخدم النبي ﷺ، فمرض فذهب إليه الرسول ﷺ يعوده، فقال له: أسلم وعرض عليه الإسلام، وكان أبوه موجودًا عنده، فنظر إلى أبيه، فقال له أبوه: أطع أبا القاسم، فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﵊ ثم مات، فقال ﵊: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار) يعني: كان على ما كان عليه أبواه، كان على دين اليهودية، وبعد ذلك ختم له بخاتمة السعادة، ولم يكن بينه وبين الموت إلا شيء يسير جدًا، فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ومات ولم يعمل عملًا، فختم له بخاتمة السعادة.\nفهذه هي الأقسام الأربعة التي لا يخرج الناس عنها بالنسبة للبدايات والنهايات، وقريب من هذا التقسيم خلق الناس من الذكر والأنثى، فإن القسمة أيضًا رباعية؛ لأن المخلوقات أربعة أقسام: منهم من خلق من غير ذكر وأنثى وهو آدم، فإنه خلق من تراب، ومنهم من خلق من ذكر كحواء، ومنهم من خلق من أنثى كعيسى ﵇، وبقية الخلق خلقوا من ذكر وأنثى.\nومثلها أيضًا انقسام الناس في تحصيل الأولاد إلى أربعة أقسام: منهم من يكون له ذكور وإناث، ومنهم من يكون له ذكور خلص، ومنهم من يكون له إناث خلص، ومنهم من يكون عقيمًا ليس له شيء من هذا ولا من هذا، فهي أيضًا قسمة رباعية.\nالحاصل: أن الحديث في نهايته اشتمل على هاتين الحالتين من الأحوال الأربع، وهي: من بدايته حسنة ونهايته سيئة، ومن بدايته سيئة ونهايته حسنة.","vol":"11","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>الأسئلة</span>","vol":"11","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>حكم الرؤيا المنامية في تصحيح الأحاديث وتضعيفها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكر ابن رجب عن الرؤيا قال: وقد روي عن محمد بن يزيد الأسفاطي قال: رأيت النبي ﷺ فيما يرى النائم، فقلت: يا رسول الله! حديث ابن مسعود الذي حدث عنك، فقال: (حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق) فقال ﷺ: والذي لا إله إلا هو لحدثته به أنا، يقوله ثلاثًا، ثم قال: غفر الله للأعمش كما حدث به، وغفر الله لمن حدث به قبل الأعمش، ولمن حدث به بعده.\nما حكم الرؤى المنامية في تصحيح الأحاديث أو تضعيفها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يعول عليها، والحديث صحيح بدون رؤى، وهذه الرؤيا إن صحت أنها رؤيا، وأنها وقعت فقد وقعت مطابقة، لكن كونه يبنى على الرؤى شيء لم تثبت به السنة عن رسول الله ﷺ لا يعول على ذلك أبدًا، فإذا كان هناك حديث ضعيف، ثم رأى أحد أن النبي ﷺ قال: إني حدثت به، لا يعول على ذلك، وإنما هذه رؤيا مطابقة لحديث صحيح، والعبرة إنما هو بصحة الحديث الرؤيا، وجدت الرؤيا أو لم توجد، لكن إن وجدت، وكانت صحيحة فهي مؤكدة، فالتأكيد بها يمكن؛ لأنه ما في مانع، لكن كونه يؤسس عليها أحكام، فالتأسيس غير التأكيد كحديث ضعيف يأتي إنسان ويقول: رأيت النبي ﷺ وقال: إنه صحيح فهذا لا يعول عليه.","vol":"11","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>ذكر رواية مرفوعة في بيان طريقة اجتماع ماء الرجل وماء المرأة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  روي في تفسير الجمع بين ماء المرأة والرجل حيث مرفوع بمعنى آخر: خرج الطبراني وابن منده في كتاب التوحيد من حديث مالك بن الحويرث: أن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى إذا أراد خلق عبد، فجامع الرجل المرأة، طار ماؤه في كل عرق وعضو منها، فإذا كان يوم السابع جمعه الله، ثم أحضره كل عرق له دون آدم: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٨]) وقال ابن منده: إسناده متصل مشهور على رسم أبي عيسى والنسائي وغيرهما.\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الاتصال كما هو معلوم غير الصحة، ويمكن أن يتصل الحديث أو الإسناد ولكن لا يكون صحيحًا؛ لأن الصحة شيء آخر غير الاتصال؛ فالصحيح: ما روي بنقل عدل تام الضبط متصل السند، غير معلل ولا شاذ، وهناك شيء آخر وراء الاتصال؛ لأنه قد يحصل الاتصال ويكون معه ضعف، وقد يحصل الاتصال ومعه ثقة الرجال، ويكون مع هذا كله الشذوذ الذي هو: مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه.\nعلى كل: كونه ثابت أو غير ثابت لا أدري، لكن إذا كان ثابتًا فيكون ما اقتضاه صحيحًا من ناحية، وهذا قاله بعض الشراح، يعني: الماء يطير في جسد المرأة، ثم بعد ذلك يرجع، فإذا صح لا يوجد فيه إشكال، لكن حيث لم يصح ولم يثبت فإنه يكون الأقرب والله أعلم أن هذا الاجتماع الذي يكون بين ماء الرجل وماء المرأة، والذي يتكون منه خلق الإنسان.","vol":"11","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>الأحكام المترتبة على إسقاط الجنين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هي الأحكام المترتبة على الإسقاط قبل نفخ الروح أو بعده؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قبل نفخ الروح لا يكون إنسانًا؛ لأن الإنسان هو المكون من الروح والجسد، وليس من واحدة منهما، وهو إنما كان إنسانًا في نفخ الروح، وكونه حصل اجتماع الأمرين فيه فهو الروح والجسد، فلذلك لا يكون إنسانًا حتى تأتي الروح وتدخل في الجسد، وإنما يعتبر قطعة من اللحم لا توصف بحياة، بل هي موصوفة بالموت كما ذكرت أنها الموتة الأولى التي كان الإنسان فيها في بطن أمه، وكان لحمًا ليس فيه روح، فيكون بذلك في حال الموتة الأولى، والحياة تبدأ بنفخ الروح؛ ولهذا تترتب الأحكام على نفخ الروح فيه، فإذا أكمل مائة وعشرين يومًا وأسقط بعد ذلك، فإنه تترتب عليه الأحكام التالية: يغسل ويصلى عليه، وتكون به أمه أم ولد إذا كانت أمة، وكذلك أيضًا تخرج المرأة من العدة إذا كانت حاملًا، سواء كانت عدة وفاة أو عدة طلاق، وتكون المرأة نفساء أيضًا، ولا تصلي ولا تصوم في حال نفاسها حتى ينقطع الدم وإذا كان قبل ذلك فإنه لا تعتبر نفساء، ولا تمتنع من الصلاة والصيام، وهذا دم فساد ولا يقال له دم نفاس، وكذلك الأمور الأخرى لا يترتب عليه أنه يصلى عليه إذا كان قبل هذا السن أو هذا المقدار من مدة مكثه في البطن، ولو حصل فيه التخلق؛ لأن التصوير يمكن أن يكون قبل ذلك؛ لأن حديث ابن مسعود ما فيه تعرض للتصوير، لكن جاء في القرآن: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج:٥] في المضغة، والمخلقة قيل: هي المصورة، وغير المخلقة: هي غير المصورة، لكنه لا يعتبر إنسانًا إلا إذا نفخت فيه الروح، فبعد مائة وعشرين يومًا تترتب عليه الأحكام، وقبل ذلك فالأحكام تختلف عن الأحكام قبل ذلك؛ لأنه قبل ذلك يعتبر ميتًا، وبعد ذلك يعتبر حيًا، فإذا حصلت الولادة بعد أن صارت فيه الحياة أجريت عليه كل الأحكام، وإذا كان قبل ذلك فإنه يعتبر دمًا فاسدًا خرج من المرأة فلا يغسل ولا يصلى عليه إذا كان مخلقًا، وكذلك أيضًا لا تعتبر المرأة ولدت، وإنما يكون ذلك بعد المائة والعشرين.\nوإذا نزل وفيه ملامح أعضاء فإن كان قبل المائة والعشرين فهو يصير في حكم الميت من أهل الموتة الأولى التي تكون قبل نفخ الروح فيه؛ لأنه لا يكون إنسانًا إلا إذا نفخت فيه الروح، والإنسان مكون من مجموع الروح والجسد، كما أن العبد مكون من مجموع الروح والجسد؛ ولهذا قالوا: إن الرسول ﷺ أسري به بروحه وجسده؛ لأن الله تعالى قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء:١] والعبد: إنما هو اسم لمجموع الروح والجسد، فلا يقال: إن الإسراء بالروح دون الجسد، وإنما هو بمجموع الأمرين؛ لأن العبد اسم لمجموعهما، والإنسان اسم لمجموعهما، كما أن الكلام اسم للفظ والمعنى، لا يقال: إنه اسم للمعنى دون اللفظ، ولا يقال: للفظ دون المعنى، وإنما هو لمجموع الأمرين، الكلام اسم للفظ والمعنى، والإنسان اسم للروح والجسد.","vol":"11","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>توجيه حديث حذيفة بن أسيد (إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما توجيه حديث حذيفة بن أسيد في مسلم: (إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا، فصورها، وخلق سمعها وبصرها، وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب! أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب! أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب! رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  حديث ابن مسعود ثبت في الصحيحين وحديث حذيفة بن أسيد هذا لم يخرجه البخاري وإنما خرجه مسلم، بل أعرض عنه البخاري، وأما مسلم فإنه أخرجه.\nفمن العلماء من قال: إن المعول هو ما جاء في حديث ابن مسعود، وحديث حذيفة ما تعرض لنفخ الروح، وإنما جاء نفخ الروح في حديث ابن مسعود وهو بعد مائة وعشرين يومًا، فيمكن أن يجمع بينهما بأن التصوير -كما هو معروف- يتم في الطور الثالث؛ لأن الطور الثالث فيه قوله تعالى: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج:٥]، يعني: أنها مصورة وغير مصورة، وذلك قبل نفخ الروح فيه، فيكون بذلك إما أن الكتابة حصلت مرة واحدة، والمعول في ذلك على ما جاء في حديث ابن مسعود أو أنها حصلت مرتين، مرة في الأربعين الثانية، ومرة بعد الأربعين الثالثة، وبعض أهل العلم قال بهذا، وبعضهم قال بهذا، وأظن ابن رجب رجح أن تكون الكتابة واحدة، وهي الكتابة التي تكون عند نفخ الروح فيه.\nفيمكن أن يكون التصوير بعد الأربعين الثانية، لكن لا يترتب عليه حكم من الأحكام؛ لأنه ما جاء أنه تنفخ فيه الروح إلا بعد المائة والعشرين في حديث ابن مسعود.\nويمكن أن يكون هناك تخليق متفاوت، فإذا لم يرجح حديث ابن مسعود على حديث حذيفة بن أسيد يكون هذا وهذا، وكل منهما قد حصل.","vol":"11","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>حكم من قال: إن في حديث ابن مسعود في سوء الخاتمة أو حسنها إدراجًا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قوله في آخر الحديث: (فو الله الذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة) إلى آخر الحديث قيل: إن هذا مدرج من كلام ابن مسعود؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا ليس صحيحًا؛ لأنه جاء ما يبين أنه من قول الرسول ﷺ، وقد قال بعده: كذلك رواه سلمة بن كهيل عن زيد بن وهب عن ابن مسعود من قوله.\nوقد روي هذا المعنى عن النبي ﷺ من وجوه متعددة أيضًا، والأصل عدم الإدراج حتى يثبت الإدراج.","vol":"11","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>ما يحمل عليه حديث ابن مسعود في سوء الخاتمة أو حسنها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يمكن أن نحمل هذا الحديث في آخره بالنسبة للخاتمة على ما جاء في الصحيح من ذلك الرجل الذي قد أبلى بلاءً حسنًا، ثم لما جرح جزع فقتل نفسه، وقال عنه النبي ﷺ: (إنه من أهل النار) ثم قال في آخر القصة: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، هذا مثاله، هذا من جملة الحالات التي يكون فيها الإنسان عمل أعمالًا طيبة فيما يظهر للناس، ولكن الشروط عنده ما توافرت، فلا تقبل لوجود خلل فيها، وإن كان ليس بهذا الوصف الذي جاء في الحديث أنه راءى.\nوابن رجب أو غيره ذكر هذين المعنيين في قوله ﷿: ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف:٣٠] قال: التوفيق بين ما جاء في الآية وما جاء في الحديث بجوابين: أحدهما: أن يكون هذا الذي عمله فيما يظهر للناس، ويكون عنده مراءاة تمنع من قبول عمله، وأنه في ظاهر أمره من عمل أهل الجنة، ولكن الواقع أنه من عمل أهل النار؛ لأن الظاهر خلاف الباطن، ويكون هذا من جنس النفاق، الذي يظهر صاحبه للناس شيئًا والواقع بخلافه، أو أنه لم تحصل له اكتمال الشروط في قبول العمل الذي لا يضيعه الله ﷿.","vol":"11","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>استحالة الاطلاع على الجنين وتمييزه أهو ذكر أم أنثى قبل الأطوار الثلاثة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يمكن أن يعرف خلق الجنين قبل المائة والعشرين يومًا أهو ذكر أو أنثى، وذلك عن طريق الأجهزة الحديثة؟ وهل هذا يعتبر من الاطلاع على علم الغيب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  بعد المائة والعشرين التي حصل فيها نفخ الروح يمكن، وبعد أن علم الملك أنه ذكر أو أنثى لا يعتبر من علم الغيب الذي اختص الله به، وقبل أن يعلم أحد من خلقه فإنه يكون من خصائصه سبحانه، لكن بعدما علم الملك يمكن أن يعلم الناس ذلك، ولا يقال: إن هذا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله؛ لأنه علمه غير الله.","vol":"11","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>حكم إسقاط الجنين لوجود عيب فيه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز إسقاط الجنين؛ لأنه عرف أن فيه عيب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الذي لا إشكال فيه أن الجنين لا يتعرض له بإسقاط، وبعض أهل العلم قال: إذا كان في الشهر الأول يجوز إسقاطه، والأصل أنه لا يتعرض له بإسقاط حتى في الشهر الأول؛ لأن الحمل وجد، فالحمل يحافظ عليه، وهذا هو الذي لا إشكال فيه.","vol":"11","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>معرفة الجنين قبل مائة وعشرين يومًا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يمكن معرفة الذكر والأنثى قبل المائة والعشرين يومًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان كما جاء في حديث ابن مسعود قال: ذكر أو أنثى، وذلك بعد مائة وعشرين يومًا فلا إشكال، وأما على حديث ابن أسيد فممكن، والتعويل هو على حديث ابن مسعود والله أعلم، لكن بعد المائة وعشرين يومًا ما فيه إشكال، وكما هو معلوم قبل ذلك لما كان علقة كيف يطلع عليه الناس بواسطة هذه الأجهزة وكيف يمكن أن يتوصلوا إلى معرفة شيء ولا ندري هل حصل التخليق أو لم يحصل في هذه المدة؟ لأن الذي جاء في القرآن: «مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ» بالنسبة للمضغة، لكن قبل ذلك ما جاء إلا في حديث حذيفة بن أسيد.","vol":"11","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>المقصود بالظلمات في قوله تعالى: (ظلمات ثلاث)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قول الله ﵎: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر:٦] ما هي هذه الظلمات؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ظلمة البطن، والرحم، والمشيمة، وهي الغشاء الذي يكون حول الجنين؛ لأنه يوجد ثلاث أغطية، أول شيء: المشيمة التي هي الغطاء الخفيف الذي يكون في داخله الجنين، ثم الرحم، ثم البطن، فهذه ثلاث ظلمات.","vol":"11","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>تخصيص ملك واحد للأجنة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل كل إنسان موكل به ملك ينفخ فيه الروح، ويكتب ما يتعلق به، أم هو ملك واحد، ملك الأجنة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الظاهر أنه ملك واحد موكل بالأجنة، مثل ملك الموت.","vol":"11","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>معرفة الشقاوة والسعادة خارجة عن حدود طاقة الإنسان</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يمكن القول: بأنه يمكن أن يعرف بعض الناس شقاوة الإنسان وسعادته، ورزقه مادام قد علمه الملك وهو مخلوق؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، ما يمكن؛ لأن هذا شيء وهذا شيء، الشقاوة والسعادة وإن علمها الملك ليس بإمكان الناس أن يعرفوها، وليس كل ما يعلمه الملك يمكن أن يعلمه الناس؛ لأن الملائكة يعلمون ما في السماوات، ونحن لا نعلمه، الملائكة يعلمون أمورًا في السماوات، ونحن لا نعلمها ولا نعرف عنها شيئًا، فليس كل ما يعلمه الملك يعلمه الناس، لكن قيل في الذكورة والأنوثة بالوسائل والأجهزة الحديثة يمكن أن يعرف أنه ذكر أو أنثى، وبهذا يخرج لو قال أحد: إن الذي في هذه البطن هو ذكر أو أنثى، فلا يقال: إن هذا من علم الغيب؛ لأن هذا يمكن أن يعرف ما دام أنه علم الملك بأنه ذكر أو أنثى، لكن هناك أمور تعلمها الملائكة وهي من الأمور الغيبية، فهي غيب بالنسبة لنا وليس لنا أن نتكلم فيها ونحن ما عندنا منها علم، والملائكة يعلمونه، فلا يقال: إن كل ما يعلمه الملائكة يمكن أن نعلمه، ففرق بين كون الملك عرف الشقاوة والسعادة، وعرف أن ما في البطن ذكر أو أنثى؛ لأن الشقاوة والسعادة لا يمكن أن يتوصل إليها أحد، وأما الذكورة والأنوثة فيمكن أن يتوصل إلى معرفتها بأجهزة وبوسائل وما إلى ذلك.","vol":"11","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>جواز الحلف على الفتوى</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يمكن أن يستدل بهذا الحديث على جواز الحلف على كل فتوى يفتي بها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الأمر جائز، ولكن رسول الله ما حلف في كل شيء، وإنما حلف في بعض الأحوال دون بعضها، لكن كون الإنسان يلتزم هذا، فالرسول ﷺ ما التزمه.\nثم أيضًا كون الإنسان يحلف على ما يفتي به يحلف على ماذا؟ يقول: إن هذا حق! قد يكون اجتهد فأخطأ، والرسول ﷺ أخبر بأن المجتهدين ينقسمون إلى قسمين: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد) فبين النبي ﷺ أن المجتهدين ينقسمون إلى مصيب ومخطئ، وليس كل مجتهد مصيب، أي: ليس كل مجتهد مصيب حقًا، أما كون كل مجتهد مصيب أجرًا فنعم مع التفاوت في الأجر، المجتهد المصيب له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر واحد، فكل من المجتهدين مصيب ومحصل أجرًا، وأما كون كل مجتهد يصيب الحق، فالحديث يدل على عدم ذلك، وعلى أن ذلك غير صحيح؛ لأنه قسم المجتهدين إلى مصيب ومخطئ، فلا يقال: إن كلهم مصيبون.\nوقد ذكر ابن القيم عدة أيمان النبي ﷺ التي جاءت في الأحاديث كلها، وأظنها سبعين أو فوق السبعين في هذه الحدود، فذكر كل ما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه حلف به، وهو ما ذكر الأيمان، وإنما ذكر عددها، وكون الإنسان يحلف على شيء يجزم به واضح مثلما جاء في حديث ابن مسعود هذا، أو شيء ثبت به الحديث عن رسول الله ﷺ، ولم يكن منسوخًا ولا مرجوحًا أي: أنه محكم، فإذا حلف الإنسان على ما جاء في الحديث فيمكن، لكن كون الإنسان يحلف على فتواه، أو على كل ما يفتي به يحلف به، فهذا غلط، وقد يكون مخطئًا.","vol":"11","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>إثبات عذاب القبر ونعيمه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  على ما يرجع الضمير: (حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يرجع إلى الجنة والنار: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها) أي: الجنة والمقصود من ذلك كما عرفنا، الموت الذي وراءه نعيم الجنة أو عذاب النار؛ لأن الإنسان ينعم في قبره بنعيم الجنة، ويعذب بعذاب النار وهو في قبره، كما قال الله ﷿ في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] يعني: تقوم الساعة، ويحصل البعث، فهم يعذبون في قبورهم بعذاب النار، وكذلك حديث البراء بن عازب: (يفتح له باب من الجنة فيأتيه من روحها ونعيمها يفتح له باب من النار فيأتيه من حرها وسمومها).","vol":"11","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>الحكمة من ذكر بدء خلق الإنسان وخاتمته في حديث ابن مسعود</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الرابط بين ذكر بدء حياة الإنسان في أول الحديث، ثم في آخره خاتمة الإنسان؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أنه لما ذكر أطوار الإنسان، ثم ذكر الشقاوة والسعادة، بعد ذلك ذكر قضية السعادة والشقاوة، وأن العبرة بالنهاية؛ لأنه أولًا خلق الإنسان وكيف تم خلقه، ولما جاء عند ذكر شقي أو سعيد، عقبها بقوله: بأن الشقاوة والسعادة سبق بها القضاء والقدر، وأن كل شيء سينتهي إلى ما قدر له، وأن العبرة بالخواتيم؛ ولهذا كان بعض العلماء يلعن المعين مقيدًا بالموت مثلما كان يفعله ابن كثير ﵀، فإنه كان إذا كان شخص معين فيه خبث وفيه كذا، قيد اللعن بكونه مات على الكفر، مثلما قال في الفارابي عندما ذكر ترجمته في البداية والنهاية، قال: إنه كان يقول بمعاد الأرواح دون الأجساد ثم قال: إن كان مات على ذلك فعليه لعنة رب العالمين؛ لأن العبرة بالنهاية.","vol":"11","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>موت الفجأة ليس من سوء الخاتمة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل موت الفجأة يعتبر من سوء الخاتمة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، لا يقال: إنه من سوء الخاتمة، قد يكون الإنسان مستمرًا على حالة طيبة، ومات فجأة، وقد يكون الإنسان على حالة سيئة ومات فجأة، فلا يقال: إن موت الفجأة من سوء الخاتمة؛ لأنه قد يموت إنسان مستقيم على طاعة الله وملازم لتقوى الله فجأة.","vol":"11","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>قراءة في كتاب شفاء العليل</span>\nهذا كتاب شفاء العليل فيه ذكر الجمع بين حديث ابن مسعود السابق، وحديث حذيفة بن أسيد، يقول ابن القيم ﵀: ففي حديث ابن مسعود أن هذا التقدير يقع بعد مائة وعشرين يومًا من حصول النطفة في الرحم، ثم قال: وحديث أنس غير مؤقت، وأما حديث حذيفة بن أسيد فقد وقت فيه التقدير بأربعين يومًا، وفي لفظ: (بأربعين ليلة)، وفي لفظ: (اثنتين وأربعين ليلة)، وفي لفظ: (بثلاث وأربعين ليلة)، وهو حديث تفرد به مسلم ولم يروه البخاري، وكثير من الناس يظن التعارض بين الحديثين، ولا تعارض بينهما بحمد الله.\nوإن الملك الموكل بالنطفة يكتب ما يقدر الله سبحانه على رأس الأربعين الأولى حتى يأخذ في الطور الثاني وهو العلقة، وأما الملك الذي ينفخ فإنما ينفخها بعد الأربعين الثالثة، فيؤمر عند نفخ الروح فيه بكتب رزقه وأجله وعمله، وشقاوته أو سعادته، وهذا تقدير آخر.\nيعني: إذا كانا ملكين مختلفين فلا إشكال، فالإشكال إذا كان الذي يكتب ملكًا واحدًا؛ لأنه إذا كتب في الأول فكيف يسأل في المرة الثانية عند الكتابة الثانية؟! أما إذا كانت الكتابة الأولى حصلت من ملك، والكتابة الثانية حصلت من ملك آخر، فالأمر واضح.\nقال: وهذا تقدير آخر غير التقدير الذي كتب بالنطفة، ولهذا قال في حديث ابن مسعود: (ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات)، وأما الملك الموكل بالنطفة فذاك راكب معها ينقلها بإذن الله من حال إلى حال، فيقدر الله سبحانه شأن النطفة حتى تأخذ في مبدأ التخليق وهو العلق، ويقدر شأن الروح حين تتعلق بالجسد بعد مائة وعشرين يومًا، فهو تقدير بعد تقدير، فاتفقت أحاديث رسول الله ﷺ، وصدق بعضها بعضًا، ودلت كلها على إثبات القدر السابق، ومراتب التقدير، وما يؤتى أحد إلا من غلط الفهم أو غلط في الرواية، ومتى صحت الرواية وفهمت كما ينبغي تبين أن الأمر كله من مشكاة واحدة صادقة متضمنة لنفس الحق، وبالله التوفيق.\nاهـ والعلماء اختلف تفسيرهم لهذا الحديث كما ذكر ذلك ابن رجب وغيره، وذكر كلامًا غير هذا الكلام، فالمسألة اجتهادية، ولكن إذا ثبت أن الملك الأول غير الملك الثاني فيكون الأمر واضحًا.\nوالله تعالى أعلم.","vol":"11","page":27},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-226>[١٢]</span>\nحديث: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) من أعظم الأحاديث أهمية؛ إذ هو أصل في وزن جميع الأعمال الظاهرة، وفي رد جميع البدع المحدثة، وقد اشتغل العلماء به شرحًا واستنباطًا.","vol":"12","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>أهمية حديث: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)</span>\nالحديث الخامس من الأحاديث الأربعين النووية: عن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) رواه البخاري ومسلم.\nوفي رواية لـ مسلم: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد).\nهذا حديث عظيم من جوامع الكلم التي أوتيها الرسول الكريم ﷺ، وقد مر عند الكلام على الحديث الأول، وهو حديث: (إنما الأعمال بالنيات) أن هناك أحاديث قيل فيها إنه يدور عليها العلم، وهي من جوامع الكلم، وهذه الأحاديث قيل: هي حديثان، وقيل: ثلاثة، وقيل: أربعة، وقيل: أكثر، ولكن حديث: (إنما الأعمال بالنيات)، وحديث: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) يأتيان فيها، فالذي قال: إن الدين يرجع إلى حديثين ذكرهما، ومن قال: هي ثلاثة، ذكرهما، ومن قال: أربعة، ذكرهما، فهذان حديثان تكرر كلام العلماء في بيان أهميتهما، وأنهما من الأصول التي يبنى عليها هذا الدين.\nوحديث عائشة هذا أصل في وزن الأعمال الظاهرة، وأن المعتبر منها ما كان وفقًا لما جاء به الرسول الكريم ﷺ، وأنه إذا كان على خلاف ما جاء به بأن كان مبنيًا على بدع، وأمور محدثه، فإنه لا يعتبر، ولا يعول عليه، ولا يلتفت إليه، ويكون باطلًا حيث كان مبنيًا على بدعة، وليس مبنيًا على سنة.\nوحديث: (إنما الأعمال بالنيات) أصل في وزن الأعمال الباطنة.\nإذًا: الحديث الأول في الأمور الباطنة، وهذا الحديث في الأمور الظاهرة.\nقوله ﵊: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) يعني: من أتى بشيء لم يكن مما كان عليه رسول الله ﵊، ومما جاءت به السنة عن رسول الله ﵊، وإنما هو من محدثات الأمور؛ فإنه مردود على صاحبه، ولا عبرة به ولا قيمة له.","vol":"12","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>الإخلاص والمتابعة شرطان لقبول الأعمال</span>\nكل عمل يتقرب به إلى الله ﷿ لا ينفع صاحبه إلا إذا توافر فيه شرطان: أحدهما: أن يكون خالصًا لله.\nالثاني: أن يكون مطابقًا لسنة رسول الله ﷺ، والشرط الثاني هو مقتضى هذا الحديث، فكل عمل من الأعمال لابد فيه من إخلاص العمل لله، وأن يكون مطابقًا لسنة رسول الله ﵊، فإذا توافر هذان الشرطان فإن العمل يكون مقبولًا، وإذا اختل أحدهما فإن العمل لا عبرة به، ولا قيمة له.\nفإذا كان العمل خالصًا لله، ولكنه مبني على بدعة، ولم يكن مبنيًا على سنة فهو مردود؛ لقوله ﷺ (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)، وإذا كان العمل مبنيًا على سنة، ولكن أشرك مع الله غيره فيه، فإنه يكون مردودًا على صاحبه، وقد قال الله ﷿: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] وقال الله ﷿ في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه).\nإذًا: لا بد من هذين الشرطين، وهما مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدًا رسول الله، فإن الإخلاص لله هو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله؛ لأن معنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله، فالعبادة يجب أن تكون خالصة لله، وإذا أشرك مع الله غيره فيها فإنه لا عبرة بها، ولا قيمة لها، وترد على صاحبها، فلا بد أن يكون العمل خالصًا لله حتى يكون معتبرًا، ومقتضى شهادة أن محمدًا رسول الله ﵊: ألا يعبد الله إلا طبقًا لما جاء به ﵊، فلا يعبد بالبدع والمحدثات والمنكرات التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي هي مخالفة لما كان عليه رسول الله ﵊ وأصحابه الكرام؛ ولهذا فإن الرسول ﷺ أمر باتباع السنن، وحذر من البدع، كما في حديث العرباض بن سارية وهو الحديث الثامن والعشرون من الأربعين النووية، يقول فيه النبي ﷺ: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة).","vol":"12","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>صفات شريعة الإسلام</span>\nهذه الشريعة متصفة بثلاث صفات: الصفة الأولى: أنها عامة للثقلين: فلا يسع أحدًا من الجن والإنس الخروج عنها، من حين بعث الله رسوله ﷺ إلى قيام الساعة، قال ﵊ في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: (والذي نفسي بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بالذي جئت به، إلا كان من أصحاب النار)، فإن اليهود والنصارى من أمة محمد ﵊ أمة الدعوة، والدعوة موجهة للجن والإنس جميعًا، وكل إنسي وجني من حين بعثته ﷺ إلى قيام الساعة هو من أمة محمد ﵊، أعني من أمة الدعوة، فالدعوة موجهة للجميع، وكل يدعى إلى الدخول في هذا الدين.\nالصفة الثانية: أنها خالدة وباقية ومستمرة.\nفالشرائع السابقة كان لها أمد تنتهي إليه، وأما شريعة نبينا محمد ﵊ فإنها باقية ومستمرة؛ ولهذا كانت معجزته باقية ومستمرة، وهي القرآن الذي عجز الفصحاء والبلغاء عن أن يأتوا بشيء من مثله، فشريعته مستمرة، ومعجزته مستمرة، والتحدي مستمر وموجود، ولا يستطيع أحد أن يأتي بمثل القرآن، بخلاف الرسل السابقين فإن رسالاتهم لها أمد ولها وقت ثم تنسخ، ومعجزاتهم وقتية لا يشاهدها إلا من كان في زمانهم، وأما معجزة نبينا محمد ﵊وهي القرآن- فإنها باقية ومستمرة؛ لأن شريعته باقية ومستمرة صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.\nالصفة الثالثة: الكمال.\nفهي كاملة لا نقص فيها، ولا تحتاج إلى إضافات تلحق بها وتضم إليها، ولا تحتاج إلى ترقيع وإلى ترميم، بل هي في غاية الكمال والتمام، لا نقص فيها حتى يضاف إليها شيء، فالبدع التي تضاف إليها مردودة على صاحبها.","vol":"12","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>ليس في الإسلام بدعة حسنة</span>\nجاء عن الإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه أنه قال: من قال إن في الإسلام بدعة حسنة فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣].\nومعنى ذلك أن الرسول ﷺ ما بلغ هذه البدعة التي قالوا إنها تضاف إلى الشريعة، فالبدع ليست من سنته وليست من هديه ﷺ؛ لأنه ﵊ بين للناس كل ما يحتاجون إليه، فلا تحتاج الشريعة إلى أمور تضاف إليها وتلحق بها، بل هي كاملة.\nوقد توفي رسول الله ﷺ وما ترك أمرًا يقرب إلى الله إلا ودل الأمة عليه، وما ترك أمرًا يباعد من الله إلا وحذر منه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه؛ ولهذا قال الإمام مالك بعد ذلك: فما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا.\nفالشيء الذي لم يكن دينًا في زمان رسول الله ﷺ وأصحابه لا يكون بعدهم دينًا، وهذا يبين لنا أن هذه الفرق التي حدثت بعده ﷺ، وصار لها عقائد خاصة، ليست من دين الإسلام، بل دين الإسلام الحق هو ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه.\nيقول الإمام مالك ﵀: مالم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا، يعني: مالم يكن دينًا في زمان محمد ﷺ وأصحابه لا يكون بعد ذلك دينًا؛ لأن الدين هو ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، والعقائد التي أحدثت ونبتت وولدت بعد زمنه ﷺ باطلة، فمنها ما كان في آخر عهد الصحابة، ومنها ما كان بعد ذلك، ولا شك أنها باطلة، ولا يمكن أن يعقل ولا أن يقبل أن يكون هناك حق حجب عن الصحابة ﵃ وأرضاهم، وادخر لأناس يجيئون بعدهم، بل هذه العقائد المحدثة داخلة تحت قوله ﷺ: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا) يعني: اختلافًا كثيرًا في الأهواء والبدع، وقد أرشدنا ﵊ عند هذا الاختلاف والتفرق إلى المنهج القويم والصراط المستقيم في قوله: (فعليكم بسنتي) يعني أن طريق السلامة، وطريق النجاة أمام هذا الاختلاف كائن في سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي.\nويكفي في معرفة بطلان العقائد المحدثة أن الصحابة ﵃ وأرضاهم ما كانوا يعتقدونها ولا كانوا يعرفونها، ولا يعقل أن يكون حق قد حجب عن الصحابة وخفي عليهم، وادخر لأناس يجيئون بعدهم، بل هذه المحدثات التي حصلت لهؤلاء الذين من بعدهم شر، وقد حمى الله أصحاب رسوله من الوقوع في ذلك الشر، ووفقهم لسلوك الصراط المستقيم الذي جاء به النبي الكريم ﵊؛ ولهذا يقول الله ﷿: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣].\nفالطريق إلى الله ﷿ واحد، وهو ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، والمناهج والطرق الأخرى مجانبة ومخالفة لهذا الطريق، وهي باطلة ومردودة على أصحابها؛ لقوله ﷺ في هذا الحديث الذي معنا: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد).","vol":"12","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>النية الصالحة لا تنفع مع مخالفة السنة</span>\nالحديث يدل بعمومه على أن أي عمل يخالف السنة، ويكون مبنيًا على بدعة؛ لا عبرة به ولو كان قصد صاحبه حسنًا، فلا يكفي في العمل أن يكون قصد صاحبه حسنًا، بل لا بد مع حسن القصد أن يكون على وفق السنة، وإلا كان مردودًا؛ لعموم قوله ﷺ: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد).\nوبيان ذلك أن الرسول ﷺ ما فصل ولا قال: من كان قصده حسنًا فحكمه كذا، ومن ليس قصده حسنًا فحكمه كذا، بل عمم وأطلق فقال: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)، وكثير من الناس يقدمون على البدع وقصدهم حسن، ولكن حيل بينهم وبين التوفيق وصرفوا عنه، إذ ليس كل من يكون قصده حسنًا يكون عمله مقبولًا، بل لا بد من توافر شرط القبول بأن يكون العمل على وفق السنة، وقد جاء في السنة ما يدل على ذلك: وذلك أن أحد أصحاب رسول الله ﷺ ذبح أضحيته قبل صلاة العيد، وكان يريد من وراء ذبحها في هذا الوقت أن تطبخ، ويكون اللحم عند الفراغ من صلاة العيد جاهزًا، فتكون أضحيته أول ما يأكله الناس وهم بحاجة إلى الطعام واللحم، فقصده طيب؛ لأنه يريد أن يكون أسبق من غيره في تقديم الطعام للمحتاجين، فلما علم الرسول ﷺ بذلك قال له: (شاتك شاة لحم) يعني: ليست أضحية؛ لأنها لم تقع على وفق السنة، والعمل لا بد في اعتباره أن يكون على وفق السنة، فإذا ذبحت قبل صلاة العيد فمعناه أنها ذبحت في غير وقت الذبح، فلا تكون أضحية، بل تكون شاة لحم، أي من جنس الذبائح التي يذبحها الناس ليأكلوا اللحم، ولا يعتبر ذبحها أضحية وقربة وطاعة؛ لأن الذبح إنما يبدأ بعد صلاة العيد، ولا يكون قبل صلاة العيد؛ ولهذا روي أن صلاة العيد في الأضحى تعجل بعد دخول الوقت ليتسع للناس وقت الذبح، وصلاة عيد الفطر تؤخر شيئًا بعد دخول الوقت ليتسع للناس وقت إخراج زكاة الفطر؛ لأن أفضل وقت لإخراج زكاة الفطر يوم العيد قبل الصلاة، فإذا أخرت الصلاة شيئًا يسيرًا بعد دخول وقتها اتسع للناس وقت إيتاء زكاة الفطر.\nوقد نقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري عند شرح هذا الحديث عن بعض أهل العلم أنه قال: وفي هذا دليل على أن العمل لا يعتبر إلا إذا كان موافقًا للشرع، ولا يكفي حسن قصد الفاعل.\nيعني: إذا كان قصد صاحبه حسنًا لا يكفي لقبوله؛ لأن الرسول ﷺ قال لهذا الصحابي: (شاتك شاة لحم)، ولم يعتبر حسن قصده.\nومما يدل على ذلك أيضًا: أن أبا عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ﵁ صاحب رسول الله ﷺ بلغه أن أناسًا متحلقون في المسجد، وبأيديهم حصى، وفي كل حلقة شخص يقول لهم: كبروا مائة، هللوا مائة، سبحوا مائة، احمدوا مائة، فإذا قال: كبروا مائة، صاروا يعدون بالحصى: الله أكبر، الله أكبر، مائة، ثم يقول: هللوا مائة، فيقولون: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، ويعدون بالحصى مائة، ثم يقول: سبحوا، فيقولون: سبحان الله، سبحان الله، ويعدون بالحصى مائة، وهكذا.\nفوقف على رءوسهم أبو عبد الرحمن ﵁ وقال: ما هذا يا هؤلاء؟! عدوا سيئاتكم، فأنا ضامن ألا يضيع من حسناتكم شيء، إما أن تكونوا على طريقة أهدى مما كان عليه أصحاب الرسول ﷺ أو أنكم مفتتحو باب ضلالة! يعني: إما أنكم أحسن من أصحاب الرسول ﷺ، وعندكم طريقة أحسن من طريقة أصحاب الرسول ﷺ، أو أنكم مفتتحو باب ضلالة، ففهموا أن الطريقة الأولى لا سبيل لهم إليها، ولا يمكن أن يكونوا أحسن من أصحاب الرسول ﷺ، وبقيت الثانية، وهي أنهم مفتتحو باب ضلالة، فقالوا: سبحان الله! يا أبا عبد الرحمن! ما أردنا إلا الخير، فقال ﵁: وكم من مريد للخير لم يصبه، كم من مريد للخير لم يصبه، كم من مريد للخير لم يصبه.\nقال الإمام مالك: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.\nومعلوم أن أولها -وهم الصحابة- إنما صلحوا باتباع الرسول ﵊، والعمل وفقًا لسنته، مع حذرهم من البدع، ولا يمكن لغيرهم أن يصلح إلا بسلوك هذا المسلك الذي سلكوه، والمنهج القويم الذي طرقوه.","vol":"12","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>روايات حديث: (من أحدث في أمرنا)</span>\nهذا الحديث جاء بالروايتين: رواية في الصحيحين وهي: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) ورواية في صحيح مسلم وهي: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد).\nوالرواية الثانية أعم من الأولى وأشمل؛ لأن الأولى مختصة بالإحداث، وأما الثانية فهي تتعلق بالعمل، وهي أعم من أن يكون الإنسان محدثًا للعمل أو متابعًا لغيره فيه ومسبوقًا إليه، فقوله (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) يعني سواء كان هو الذي أحدثه، أو أنه مسبوق إلى إحداثه ولكنه تابع من أحدثه قبله.","vol":"12","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>ما بني على مخالفة السنة فهو مردود</span>\nقوله: (رد) بمعنى مردود، فهو مصدر بمعنى اسم المفعول، فرد بمعنى مردود، كخلق بمعنى مخلوق، ونسخ بمعنى منسوخ.\nوالمعنى أن ما بني على مخالفة السنة فإنه يرد، وإذا وجدت عقود مخالفة لما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، فإنها مردودة على صاحبها، والعقد الذي بني على ذلك يكون فاسدًا.\nومما يوضح هذا قصة العسيف الذي جاء أبوه إلى رسول الله ﵊ ومعه خصمه الذي هو زوج المرأة، وقال: إن ابني كان عسيفًا على هذا -يعني: كان أجيرًا عنده- فزنى بامرأته، وهذا يبين أن الشر يحصل بسبب المخالطة والاحتكاك من بعض الناس لبعض، فإن هذا العامل لاتصاله بالمرأة جرى الكلام معها، ووقع الشيطان بينهما حتى زنى بها، فقوله: (إن ابني كان عسيفًا) يعني أنه ما تسلق الجدران، وليس غريبًا على البيت، وإنما زنى بها بسبب هذا الاختلاط وهذا الاحتكاك.\nقال: وإنني أخبرت أن على ابني الرجم.\nيعني: أخبره بعض من لا علم عنده بأن ابنك سيقتل وسيرجم، قال: فذهبت إليه واصطلحت معه على مائة شاة ووليدة، يعني: أعطيه هذا حتى يسامح ابني، ولا يحصل الرجم، ولما جاء هذان الاثنان قال الزوج: يا رسول الله! اقض بيننا بكتاب الله، فقال النبي ﷺ (لأقضين بينكما بكتاب الله)، فقال والد العسيف: (يا رسول الله! اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي) يعني: ائذن لي في الحديث، وهذا فيه أدب، وحسن مخاطبة، ثم قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا، وإنني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديته بمائة شاة ووليدة، وإنني سألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني الجلد وتغريب سنة، وأن على زوجة هذا الرجم، فقال النبي ﷺ: (الوليدة والغنم رد عليك)، وهذا هو محل الشاهد، يعني مما يطابق الحديث الذي معنا أن العقود إذا كانت مبنية على أمر محرم وعلى مخالفة الشرع فإنها تنقض وترد، ولا تعتبر، وأن الصلح إذا كان مبنيًا على أمر مبتدع محرم فإنه لا يجوز الوفاء به، بل يتعين إبطاله وإلغاؤه، ولهذا الرسول ﷺ أبطل هذا الصلح الذي جرى بينهما وقال: (الوليدة والغنم رد عليك) أي: مردودة عليك، وهذا يدخل تحت قوله ﷺ: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) فإن هذا عمل من الأعمال المخالفة لما جاء به رسول ﷺ، وذلك الحكم أو ذلك الاتفاق يكون باطلًا ويكون لاغيًا ولا عبرة به ولا قيمة له.\nقوله: (الوليدة والغنم رد عليك) دليل على أن العقود إذا أبرمت وكانت مخالفة للسنة فإنها تلغى وتبطل، ويرجع إلى اتباع السنة، وإلى اتباع ما جاء به الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، أي: أنه لا يحصل الإنسان ثمرات العقد إذا كان مبنيًا على باطل، بل يلغى ذلك العقد، ويرجع الأمر إلى الحكم الذي جاء في كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ.\nوأخبره النبي ﷺ أن على ابنه جلد مائة وتغريب عام، وأن امرأة هذا عليها الرجم ثم قال: (واغد يا أنيس إليها، فإن اعترفت فارجمها).\nومحل الشاهد منه: أن الصلح الذي وقع بين والد العسيف وبين زوج المرأة لاغ وباطل، وبين النبي ﷺ الحكم الشرعي وهو الرجم على المحصنة، والجلد مائة جلدة، والتغريب لمدة سنة على من كان بكرًا ولم يكن محصنًا.\nثم إن قوله ﷺ: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) يدل بمنطوقه على أن كل ما أحدث مما هو خلاف الشرع فإنه مردود على صاحبه، ويدل بمفهومه على أن كل ما وقع مطابق للشرع فإنه معتبر يتعين العمل به.","vol":"12","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>ترجمة عائشة ﵂</span>\nطريقة الإمام النووي ﵀ أنه عندما يذكر الصحابي يذكر كنيته، وهنا ذكر عن أم المؤمنين عائشة أنها أم عبد الله، ولم يكن لها ولد، وقد توفي رسول الله ﷺ وعمرها ثماني عشرة سنة، وإنما كنيت بكنية أختها أسماء أم عبد الله بن الزبير، فإن عائشة خالته فكنيت به.\nووصفه لها بأنها أم المؤمنين هذا الوصف ثابت لزوجات الرسول ﷺ، والله تعالى ذكر ذلك في كتابه فقال: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦]، وهن ﵅ زوجاته في الدنيا والآخرة، ويكن معه في الجنة رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن.\nويطلق عليهن أمهات المؤمنين؛ لأنهن يحرمن على كل أحد بعد رسول الله ﷺ، لأنهن زوجاته في الدنيا والآخرة ﵅ وأرضاهن.","vol":"12","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>فوائد حديث: (من أحدث في أمرنا هذا)</span>\nهناك بعض الفوائد كتبتها حول هذا الحديث، وهي كما يلي: الحديث الخامس عن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لـ مسلم (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد).\n١ - هذا الحديث أصل في وزن الأعمال الظاهرة، وأنه لا يعتد بها إلا إذا كانت موافقة للشرع، كما أن حديث (إنما الأعمال بالنيات) أصل في الأعمال الباطنة، وأن كل عمل يتقرب فيه إلى الله لا بد أن يكون خالصًا لله، وأن يكون معتبرًا بنيته.\n٢ - إذا فعلت العبادات كالوضوء، والغسل من الجنابة، والصلاة، وغير ذلك على خلاف الشرع فإنها تكون مردودة على صاحبها غير معتبرة، وأن المأخوذ بالعقد الفاسد يجب رده على صاحبه ولا يملك، ويدل لذلك قصة العسيف الذي قال النبي ﷺ لأبيه: (الوليدة والغنم رد عليك).\n٣ - ويدل الحديث على أن من ابتدع بدعة ليس لها أصل في الشرع فهي مردودة، وصاحبها مستحق للوعيد، فقد قال النبي ﷺ في المدينة: (من أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة أجمعين).\nولا يقال عمله مردود فقط، بل هو مع ذلك آثم؛ لأنه أحدث في دين الله ما ليس منه.\n٤ - الرواية الثانية التي عند مسلم أعم من الرواية التي في الصحيحين، لأنها تشمل من عمل البدعة سواء كان هو المحدث لها أو كان مسبوقًا إلى إحداثها وتابعًا لمن أحدثها.\n٥ - معنى قوله في الحديث (رد) أي: مردود عليه، وهو من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول مثل: خلق بمعنى مخلوق، ونسخ بمعنى منسوخ، والمعنى: أنه مردود باطل غير معتد به.\n٦ - لا يدخل تحت الحديث ما كان من المصالح في حفظ الدين، أو موصلًا إلى فهمه ومعرفته، كجمع القرآن في المصاحف، وتدوين علوم اللغة والنحو، وغير ذلك.\nفمثلًا: جمع القرآن في مصحف واحد عمله عثمان، بعد زمنه ﷺ ولم يكن منه ﷺ، ولكنه من الأمور التي لا بد منها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] وهذا من حفظ القرآن، فلا يقال إنه من البدع غير الجائزة، حيث لم يكن موجودًا في زمنه ﷺ؛ لأنه احتيج إليه حتى لا يضيع القرآن، وحتى لا يذهب بذهاب حملته؛ ولهذا اعتبر جمع عثمان هذا من مناقبه وفضائله ﵁، لأنه حفظ على هذه الأمة القرآن الذي أنزله الله على رسوله ﷺ، وذلك بجمعه في هذا المصحف، وفي ذلك تنفيذ وتطبيق وتحقيق لقوله الله ﷿: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] وبعض الناس يأتي بالبدعة ثم يستدل عليها بجمع القرآن!\nو\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أن هذا إضافة في الدين مما ليس منه، فهو بدعة، وأما جمع القرآن فهو تنفيذ لما جاء في القرآن من حفظ الكتاب.\nوكذلك تدوين العلوم التي فيها إعانة وتسهيل للوصول إلى معرفة الكتاب والسنة مثل علم اللغة وعلم النحو لا يقال: هذه من محدثات الأمور، بل هذه من الأمور التي توصل إلى غايات، وفيها تسهيل الوصول إلى معرفة كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ، لأن الكتاب والسنة جاءا بلغة العرب، ففي جمع اللغة وتدوينها تسهيل لمعرفتها، وكذلك علم النحو يدون حتى يعرف نظم الكلام ومعناه، فالمرفوع يرفع، والمكسور يكسر، والمفتوح يفتح، وهذا لا يعرف إلا عن طريق علم النحو.\nقبل تدوين علم النحو كان الناس على السليقة يتكلمون على ما جبلوا عليه، لكن بعد ذلك حصل تغير الألسنة، وصار الناس بحاجة إلى أن يدون علم النحو، فلا يقال إن هذا من البدع التي لا تجوز، أو لا يقال إن البدع التي تحدث في الدين هي من جنس إحداث علم النحو وإحداث علم اللغة وما إلى ذلك، فإن هذا شيء وهذا شيء، فلا يقاس هذا على هذا، ولا يمنع هذا من أجل هذا.\n٧ - الحديث يدل بإطلاقه على رد كل عمل مخالف للشرع ولو كان قصد صاحبه حسنًا، ويدل له قصة الصحابي الذي ذبح أضحيته قبل صلاة العيد فقال له النبي ﷺ: (شاتك شاة لحم).\nوكذلك أثر عبد الله بن مسعود ﵁ الذي أشرت إليه، فإنه واضح أن المعتبر هو ما كان عليه رسول الله ﵊، وأن العمل إذا وقع على خلاف الشرع فإنه لا يسوغ.\n٨ - هذا الحديث يدل بمنطوقه على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو مردود، ويدل بمفهومه على أن كل عمل عليه أمره فهو غير مردود، والمعنى: أن من كان عمله جاريًا تحت أحكام الشرع موافقًا لها فهو مقبول، ومن كان خارجًا عن ذلك فهو مردود.","vol":"12","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>قواعد مستنبطة من حديث: (من أحدث في أمرنا هذا)</span>\nيستفاد من الحديث ما يلي: ١ - تحريم الابتداع في الدين.\n٢ - أن العمل المبني على بدعة مردود على صاحبه.\n٣ - أن النهي يقتضي الفساد، فقد أخبر الرسول ﷺ أن الإحداث مردود، ومعنى ذلك أنه إذا وجد شيء مبني على ذلك فإن العقد يكون فاسدًا إذا كان من قبيل العقود، وإن كان من قبيل الأعمال كالغسل من الجنابة، والصلاة وغير ذلك فإنه يكون فاسدًا، ويكون لاغيًا وباطلًا.\n٤ - أن العمل الصالح إذا أتي به على غير الوجه المشروع كالتنفل في وقت النهي بغير سبب، وصيام يوم العيد ونحو ذلك فإنه باطل لا يعتد به.\nفهناك أعمال هي في أصلها مشروعة مثل صلاة النافلة، لكن كون الإنسان يأتي به في وقت النهي وهو ليس من ذوات الأسباب، فهذا التنفل يعتبر مردودًا؛ لأنه مخالف لما جاءت به السنة، لأن السنة جاءت بالنهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس.\nومن جنس ذلك: قصة ابن مسعود المتقدمة، فإن كون كل رجل يذكر الله ﷿ مشروع، لكن كونه يؤتى به على هذه الطريقة الجماعية وبعد الحصى، وكون واحد منهم يقول: سبحوا مائة.\nفيعدون سبحان الله، سبحان الله فهذه الهيئة وهذه الكيفية مبتدعة.\nأما كون الإنسان يسبح ويكثر من التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد، ويكون لسانه رطبًا من ذكر الله ﷿؛ فهذا مشروع، ولكن إذا أتى به على وجه مخالف للشرع صار العمل بدعة، وإن كان في أصله جائزًا.\n٥ - أن حكم الحاكم لا يغير ما في باطن الأمر لقوله: (ليس عليه أمرنا)، فإذا حكم الحاكم بشيء، والمحكوم له يعلم بأنه ليس محقًا في الشيء الذي حكم له به، بأن يكون مبنيًا مثلًا على شهادة الزور، لم يجز له أن يأخذه، ولا أن يقول: ما دام قد حكم الحاكم فهذا المال يكون حلالًا لي، فنقول: ليس حلالًا لك، بل هو حرام وإن حكم به الحاكم، لأن الحاكم لا يعلم الغيب، والرسول ﷺ يقول: (إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فإنما أقطع له قطعة من نار فليأخذها أو ليدعها) ومعنى ذلك أن حكم الحاكم لا يحل ما كان حرامًا، وإذا حكم بشيء على وجه يعلم المحكوم له بأنه مبطل، وأنه ليس محقًا في ذلك، فإن ذلك الحكم لا يغير شيئًا، ولا يفيد الإنسان، وليس عذرًا للإنسان في أكل الحرام.\n٦ - أن الصلح الفاسد باطل، والمأخوذ عليه مسترد.\nويوضح ذلك قصة العسيف التي ذكرناها.","vol":"12","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>سبب رواية حديث: (من أحدث في أمرنا هذا)</span>\nذكر ابن رجب سبب رواية الحديث فقال: وهذا الحديث إنما رواه القاسم بن محمد لما سئل عن رجل له ثلاثة، فأوصى بثلث هذه الثلاثة مساكن، فهل تجمع له بمسكن واحد؟ فقال: يجمع ذلك كله في مسكن واحد، حدثتني عائشة أن النبي ﷺ قال: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) خرجه مسلم.\nوهذه المسألة اجتهادية، وقد تكون المصلحة في جمع الثلث في بيت من البيوت الثلاثة، وقد تكون في غير ذلك، وذلك بأن يفرق على البيوت الثلاثة، فهذا يرجع فيه إلى القاضي وإلى الحاكم، فإذا رأى المصلحة في الجمع فإنه يجمعها بحيث إن الثلث يكون في بيت، والورثة يكون لهم بيتان يشتركون فيهما، أو يتصرفون فيهما بالبيع واقتسام الثمن، وذلك إذا كان البيت لا يقبل القسمة فيما بينهم بسبب ضيقه، وليس كل بيت يمكن أن يقسم بينهم للسكن، ويمكن أن يكون بعضهم محتاجًا إلى السكنى وبعضهم غير محتاج، لكنه يحتاج إلى أن يأخذ الإيجار، فهذا يرجع فيه إلى القاضي.","vol":"12","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>الأسئلة</span>","vol":"12","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>البدعة الحقيقية والإضافية والمكفرة والمفسقة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هي البدعة الحقيقة والبدعة الإضافية؟ وما هي البدعة المكفرة والبدعة المفسقة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  البدعة الحقيقية مستقلة، وليست مرتبطة بشيء، ولا مضافة إلى شيء.\nوأما البدعة الإضافية فهي مضافة إلى شيء مشروع، وليست مستقلة كالبدعة الحقيقية.\nوكذلك البدعة تنقسم إلى مفسقة وإلى مكفرة، هناك بدعة تصل إلى حد الكفر، فيكون هذا المبتدع كافرًا فلا يصلى وراءه، وإذا كانت البدعة مفسقة، فإن صاحبها لا يكون كافرًا، بل هو مسلم عنده فسق، وهذا إذا صلى إمامًا صحت صلاته، وصحت إمامته، لكن لا ينبغي أن يكون إمامًا، وإنما يولى الإمامة من يكون سليمًا من البدع، لكن لو حصل أن فاسقًا تقدم وصلى، أو كان مبتدعًا بدعة مفسقة وليست مكفرة؛ فالصلاة وراءه صحيحة، ولا يقال باطلة؛ لأنه تصح صلاته، ومن صحت صلاته صحت إمامته، وأما الذي بدعته مكفرة فصلاته غير صحيحة، وصلاة من وراءه لا تكون صحيحة.","vol":"12","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>أضرار البدعة على الفرد والمجتمع</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما أضرار البدعة على الفرد والمجتمع؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أضرار البدع على الأفراد والجماعات كثيرة؛ لأن فيها خروجًا عن الكتاب والسنة، واتهامًا للشريعة بالقصور، واتهامًا للرسول ﷺ بعدم التبليغ كما قال مالك: من قال: إن في الإسلام بدعة حسنة فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة.\nيعني: أنه ما بلغ شيئًا يحتاج الناس إليه، بل الله ﷿ لم يقبض نبيه ﷺ إلا وقد أكمل الله تعالى له الدين، وأتم به النعمة، وأتم عليه النعمة، وبلغ الناس كل ما يحتاجون إليه.\nوصف بعض أصحاب رسول الله ﷺ هذه الشريعة بتمامها وكمالها فقال: توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا وأعطانا منه علمًا.\nوقال أحد أهل الكتاب لبعض الصحابة: علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة! قال: نعم، أمرنا إذا ذهبنا لقضاء الحاجة ألا نستنجي برجيع ولا عظم، وأن نستنجي بثلاثة أحجار.\nفإذا كانت شريعة الله ﷿ أتت على كل شيء حتى آداب قضاء الحاجة، ولم تترك ما يحتاج الناس إليه، فكيف تترك الناس في باب الأصول وفي باب العقيدة بغير إيضاح وبيان؟! لا شك أن الشريعة في غاية الكمال وفي غاية التمام.\nأيضًا: من آثار البدع أن الناس يتعبدون الله بشيء لا يحصلون من ورائه ثمرة؛ لأن العمل يكون مردودًا لاغيًا، فعمله يعتبر تضييعًا للوقت في غير فائدة بل في مضرة، كما عرفنا أن الإنسان الذي يأتي بالبدعة لا يكون الأمر مقصورًا على أنه قد ألغي عمله وبطل عمله؛ بل حصل إثمًا بالإضافة إلى كونه لم يحصل فائدة، فكل هذه من الآثار التي تترتب على البدع.\nأيضًا: من الآثار هجران السنن، والغفلة عنها؛ لأن من الناس من يحرص على البدع ويتهاون بالسنن.","vol":"12","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>كيفية التعامل مع المبتدع</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف يتعامل مع المبتدع؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  التعامل مع المبتدع أن يجانب ويحذر، ولا يصار إلى مخالطته إلا لضرورة ولحاجة تلجئ إلى ذلك، فلا يتهاون بشأنه بحيث يكون التعامل معه كما يتعامل مع الناس الذين فيهم سلامة؛ بل المطلوب هو البعد عنه والحذر منه، ولكن إذا حصل أمر يقتضي الاتصال به فإنه يتصل به، ولكن مع الاتصال ينبغي أن يحرص على البيان والتوضيح، ويحرص على دعوته إلى السنة، ويبين أن البدع المحدثة لا تعود على أصحابها بالخير، وأن أصحاب رسول الله ﷺ هم الذين ظفروا بسلوك الصراط المستقيم، وأن من يسلك غير مسالكهم يكون منحرفًا عن الجادة، ولا يمكن أن يحجب عن الصحابة حق ويدخر لمن بعدهم، ويبين أن العقائد الباطلة حدثت بعد زمن الرسول ﷺ وأصحابه، فيبين له مثل هذا البيان لعل الله تعالى أن يهديه.\nوأما إذا كان من أهل السنة، وحصلت منه أمور أخطأ فيها، فإنه لا تنفض اليد منه، ولا يحمل عليه، ولا يشن عليه، وإنما ينصح، ويحرص على هدايته ورجوعه إلى الصواب، ويبين له الحق إذا كان الحق واضحًا جليًا، ويجب عليه حينئذٍ أن يرجع، وإما إذا كان الذي اعترض عليه فيه محل نظر ومحل إشكال فينبغي أن يرجع إلى جهة علمية تفصل بين المتنازعين في ذلك.","vol":"12","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>توبة المبتدع</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم توبة المبتدع؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  من ابتدع بدعة وتاب منها، فالتوبة تجب ما قبلها ومن تاب تاب الله عليه.\nثم إن الإنسان إذا أضاف إلى آخر بدعة سواء كان بدعة مسلمًا بها أو غير مسلم بها، فإذا رد عليه وبين فقد أدى ما عليه، ولا يجوز أن يشغل الوقت كله بمتابعته، وبامتحان الناس به، وأن من لم يبدعه يعتبر مبتدعًا، ثم يتهاجر الناس، وتعم الفتنة كل مكان بسبب هذا الامتحان في موقف الإنسان من فلان الفلاني الذي اعترض عليه فلان الفلاني بكذا وكذا، فمثل هذا لا يجوز، وليست هذه طريقة السلف، والله ﷿ يقول: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢١ - ٢٢]، والإنسان ليس عليه إلا البلاغ، ولا ينبغي أن يشغل وقته في متابعة من يرد عليه، ثم يذهب الوقت كله في ردود واعتراضات وسباب، ثم ينقسم الناس إلى مجموعتين، مجموعة تؤيد هذا، والمجموعة الأخرى تؤيد هذا، ومن لا يبدع هذا يهجر، فتنتقل هذه العدوى إلى مختلف الأماكن وإلى مختلف البلاد.\nومثل هذا العمل كله من الجهل، ومن المعلوم أن أهل السنة ليس هذا عملهم، ومن أقرب من أدركناه وشاهدناه من أهل السنة الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما، فإن شأنهم أنهم يبينون الحق، ويشتغلون بالعلم، ولا يكون شغلهم الشاغل متابعة الشخص الذي ردوا عليه.\nالشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ رد على مبتدع كان يقرر مذهب الأشاعرة، وكان من جملة كلامه: فلان هداه الله، ثم اشتغل بالعلم وإفادة الناس، وما كان شغله الشاغل أنه يتابع هذا الشخص الذي رد عليه.\nثم الأدهى والأمر من ذلك أن يأتي بعض الناس يؤيدون هذا، وبعض الناس يؤيدون هذا، ثم إذا لم يكن للإنسان موقف من هذا الشخص فإنه يبدع ويهجر! ولا شك أن هذا من عمل الشيطان، وهذا الأمر من الفتن الذي شغلت أهل السنة بعضهم ببعض، وشغلتهم عن الاشتغال بغيرهم ممن ينبغي أن يشتغل ببيان بدعهم والتحذير منهم ومن طرقهم ومناهجهم التي هي مخالفة للحق والهدى.\nلشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كلام جميل في مجموع الفتاوى يتعلق بـ يزيد بن معاوية قال فيه: إن جماعة يمدحون يزيد بن معاوية، وجماعة يذمونه، والصواب الذي عليه الأئمة أنه لا يخص بمحبة، ولا يلعن، وإن كان ظالمًا فاسقًا، وقد يكون له أعمال يغفر الله له بسببها، وقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: (أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له)، وأول جيش غزاها كان أميره يزيد بن معاوية، وكان معه أبو أيوب الأنصاري.\nثم قال: والصواب أنه لا يجوز أن يمتحن الناس به؛ فإن هذا من أعمال أهل البدع.","vol":"12","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>الفرق بين البدع والمصالح المرسلة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفرق بين البدع والمصالح المرسلة؛ لأن الكثير يخلط بين الأمرين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  البدع هي أمور محدثة في الدين، وأما المصالح المرسلة فهي وسائل تؤدي إلى حفظ شيء من الدين أو إلى معرفة شيء من الدين كجمع القرآن وغيره من العلوم.\nومثال البدعة أن يسبح بالطريقة الجماعية التي أنكرها ابن مسعود، فمثل هذه الأعمال من الأمور المبتدعة، وكذلك كون الإنسان يصلي صلاة معينة على وجه معين في وقت معين، فهذه بدعة في الدين، وإضافة إلى الدين.\nوأما المصالح المرسلة مثل جمع القرآن فهذا من أجل مناقب عثمان ﵁، وهو تنفيذ لقول الله ﷿: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، فهو لم يخرج عن السنة، بل فيه حفظ للكتاب الذي هو وحي الله ﷿ إلى رسوله.\nوكذلك الأمور التي توصل إلى فوائد وإلى مصالح مثل جمع الدواوين، فإن عمر ﵁ كتب أسماء الجند في دواوين، وكتب أعطياتهم، حتى يتميز منهم الذين يغزون، والذين يحتاج إليهم في الغزو، فمثل هذا لا بأس به؛ لأن هذا يؤدي إلى معرفة الناس، ومن يحتاج إليهم عند الغزو، ومعرفة من يعطى ومن لا يعطى، ومن وصلت إليهم أعطياتهم ومن لم تصل، وبيان أن هذا له كذا، وهذا له كذا، وهذا التدوين وكتابة أسماء الجند لم يكن في زمنه ﷺ، ولكنه فعله عمر ﵁، ونحن مأمورون باتباع سنته حيث قال ﵊ (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ).\nوكذلك تدوين علم النحو وعلم اللغة هو وسيلة إلى فهم القرآن وإلى فهم السنة، فليس إحداثًا في دين الله، وليس إحداث عبادة لله ﷿ لم يأذن بها الله، وإنما هو إحداث شيء فيه خدمة للدين، وهو مهم، وفيه تسهيل فهم الكتاب والسنة.","vol":"12","page":18},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-244>[١٣]</span>\nلقد أحل الله لعباده الطيبات، وحرم عليهم الخبائث، فتبين الحلال من الحرام، وثم أمور تشتبه على الناس ما بين الحل والحرمة، فأرشدنا النبي ﷺ إلى اجتنابها؛ لأن التساهل فيها يؤدي إلى الوقوع في المحظور دون أن يشعر العبد، ولذا كان السلف رضوان الله عليهم يتركون بعض المباحات -فضلًا عن المشتبهات- تورعًا منهم وبُعدًا عن الحرام وحذرًا منه.","vol":"13","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>شرح حديث: (إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن)</span>\nالحديث السادس من الأربعين النووية للإمام النووي ﵀: عن أبي عبد الله النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).\nهذا حديث عظيم من جملة الأحاديث التي ذكر العلماء أن مدار الإسلام عليها؛ وذلك لما اشتمل عليه الحديث من بيان الحلال والحرام، وما يشتبه بالحلال وبالحرام، وما يكون فيه الاحتياط والسلامة، ثم بيان عظيم لشأن القلب، وأنه ملك الأعضاء، فبصلاحه تصلح، وبفساده تفسد.\nوالحديث رواه النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ، وقال فيه: سمعت رسول الله ﷺ، وفي بعض الروايات أنه كان خطب به النعمان على المنبر، قيل: بالكوفة، وقيل: بحمص، وكان أميرًا عليهما، فيمكن أن يكون ذلك حصل هنا أو هنا، وكان قد أكد سماعه أنه أهوى بيديه إلى أذنيه -يعني: مؤكدًا السماع- مع قوله: سمعت رسول الله ﷺ، فيكون جمع بين التأكيد للسماع بالقول وبالإشارة الدالة على ذلك الفعل، الذي هو سماعه من رسول الله ﷺ.\nوالنعمان بن بشير من صغار الصحابة، وقد توفي رسول الله ﷺ وعمره ثمان سنوات، وفي هذا دليل على أن الصبي المميز يصح تحمله في صغره، ويؤدي في حال كبره، وهذا معتبر عند العلماء، ومن ذلك ما جاء في هذا الحديث وغيره من الأحاديث التي سمعها النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما، وكذلك غيره من صغار الصحابة الذين سمعوا من النبي ﵊ في حال صغرهم وأدّوا في حال كبرهم، ومثل ذلك الكافر الذي تحمل في حال كفره وأدى في حال إسلامه، فإن تأديته في حال الإسلام معتبرة لما تحمله في حال كفره؛ لأنه في حال الكفر غير مأمون، فإذا أدى حال كفره فلا يعتد بكلامه، ولكن إذا أدى بعد إسلامه فإنه مؤتمن على ما يأتي به؛ لأنه مسلم يخبر عن شيء سمعه من النبي ﷺ.","vol":"13","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>الحلال البيّن ومثاله</span>\nدل الحديث على أن الأشياء -من حيث الحِلّ والحرمة- تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: حلال بيّن واضح لا خفاء في حِلّه، وكل يعرف أنه حلال؛ وذلك لوضوحه، -من حيث الحِلّ والحرمة- مثل: الزروع، والحبوب، والثمار، وبهيمة الأنعام، فإن هذه من الأمور التي يشترك الناس في معرفة أنها حلال، فما تخرجه الأرض من الحبوب والثمار وبهيمة الأنعام، فهذه من الحلال البين الواضح الذي لا إشكال فيه، ولكنها لا تكون حلالًا إلا إذا كان وصولها إلى الإنسان بطريق مشروع، بأن يكون بعمل يده، أو وصلت إليه بشراء أو بميراث، أو ما إلى ذلك، فإنها حينئذٍ من الحلال البين.\nوأما إذا وصلت بطريق غير مشروع كسرقة أو اغتصاب فإنها لا تكون حلالًا، إذ ليس للإنسان أن يستعمل بهيمة الأنعام أو ينتفع بها أو يذبحها ويأكلها وقد سرقها، فإن هذا من الحرام البين؛ لأن هذا المال الذي هو في أصله حلال إذا وصل بطريقة محرمة فإنه يكون حرامًا، ولكنه إذا وصل إلى الإنسان بطريق من الطرق المشروعة لوصول الشيء إلى الإنسان فإنه يكون حلالًا.","vol":"13","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>الحرام البين ومثاله</span>\nالقسم الثاني: حرام بين أي: أنه واضح الحرمة لا خفاء فيه، مثل: شرب الخمر، وأكل الميتة، ونكاح ذوات المحارم، كل هذا من الحرام البين الذي هو واضح لا خفاء فيه، ويعرفه الخاص والعام.\nفهذان صنفان لا إشكال فيهما، إذ لا إشكال في حل الحلال وحرمة الحرام، لأن هذا بين وهذا بين.","vol":"13","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>المشتبهات</span>\nالقسم الثالث: المشتبهات التي لا يتضح كونها من الحلال البين أو من الحرام البين، وإنما هي واقعة بين هذا وهذا، ويحتمل أن تكون من الحلال أو الحرام.\nفما اشتبه ولم يتضح فيه الدليل والحكم الشرعي فإن الورع اجتنابه وعدم الوقوع فيه، وأما إذا اتضح حله أو حرمته بالدليل فعند ذلك يكون من الشيء الذي يشتبه على بعض الناس أو على كثير من الناس ويعلمه بعض الناس، لكن حيث لا يتضح الدليل على حرمة الشيء أو على إباحته وحله فإن الورع يكون بتركه، كما جاء في الحديث الآخر: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) فما دام أنه متردد بين أن يكون حلالًا وأن يكون حرامًا فالاحتياط والورع للإنسان أن يتركه.\nوأما إذا كان من الأمور التي فيها خفاء بحيث يخفى الدليل على بعض الناس ويعلمه بعضهم، فإن الحديث دل على أن الكثير من الناس لا يعلمها، ومفهوم ذلك أن بعض الناس يعلمها؛ لأن الدليل قد يكون فيها خفيًا ولا يطلع عليه كل الناس، وليست مثل: بهيمة الأنعام، فمن المعلوم أنها حلال، وليست مثل: حرمة الخمر، حيث إن بيان حرمتها واضح، وإنما يكون الأمر مترددًا بين الحل والحرمة، حيث يوجد في ذلك دليل يدل على الحل، ويخفى على بعض الناس مثل: لحوم الخيل، فما كل الناس يعلم أن لحوم الخيل حلال، وهذا الحكم يخفى على بعض الناس، وقد جاء في الحديث ما يدل على أنها حلال، لكنها ليست من الحلال البين عند كل أحد، وإنما هي من الحلال البين عند من عرف الدليل، لكن الإنسان الذي لم يبلغه الدليل ولم يعرف الحكم في المسألة ثم دار بين هذا وهذا فالاحتياط له بأن يترك ولا يقدم على ذلك الشيء المحتمل للحل والتحريم.\nوأما إذا عرف الدليل على أن ذلك سائغ وليس بحرام فإنه يأخذ بالدليل، والذي لا يعرف هذا الدليل ولا يعرف شيئًا يدل على حل لحوم الخيل، ولا يدري هل ثبت أم لم يثبت، فإن الاحتياط والورع -كما جاء في الحديث- هو الترك وليس الإقدام على الفعل؛ لأن الإنسان إذا فعل، ذلك فيحتمل أن يكون قد فعل أمرًا محرمًا أو أن يكون فعل أمرًا حلالًا، ولكنه إذا ترك ذلك سلم من أن يكون فعل أمرًا محرمًا.\nقوله: (وبينهما أمور مشتبهات) يعني: مشتبهة في كونها من الحلال البين أو من الحرام البين، فهذه لا يعلمها كثير الناس وبعضهم يعلمها؛ لأن المفهوم معناه: أن بعض الناس يفهمها وقد يقف على الدليل الذي خفي على بعض الناس، فمن وقف على الدليل أخذ به، ومن لم يقف عليه وكان مترددًا بين أن يكون حلالًا أو حرامًا، فالاحتياط والمطلوب في حقه أن يتركه وألا يقدم عليه.\nقوله: (الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس).\nمعنى ذلك: أن بعض الناس يعلمها، وهناك أمور أخرى تشتبه ولا يعلم الناس حقيقتها، مثل: ما جاء عن الرسول ﷺ أنه وجد تمرة وكان لا يدري هل هي من الصدقة أو من غير الصدقة، ولذلك تركها فلم يأكلها لأن آل محمد ﷺ لا تحل لهم الصدقة، ومن المعلوم أن مثل هذا من علم الغيب الذي لا يطلع عليه إلا الله، فإذا وجد إنسان من أهل البيت تمرة وقعت في الطريق فلا يدري هل هي من الصدقة أم لا؟ فهذا لا يمكن الوصول إلى معرفته؛ لأنه شيء مجهول، لكن ما دام أن فيه احتمال ولم يتبين فيه لا هذا ولا هذا فالسلامة إنما تكون في الترك وليست في الفعل، كما قال ﵊: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك).\nبعد أن ذكر النبي ﷺ هذه الأقسام الثلاثة فرع الكلام الذي يأتي متعلقًا بالقسم الثالث وهو: الأمور المشتبهة، فبين ﵊ حكم الأمور المشتبهة فقال: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه).\nالشبهات أي: الأشياء المشتبهة التي لا يدرى أهي حلال أم حرام.\nقوله: (فقد استبرأ لدينه وعرضه) أي: عمل على براءة نفسه من أن يكون عليه نقص في دينه، وأيضًا سلم من أن يعرض نفسه للوم الناس ووقوعهم في عرضه، والإنسان يحرص على أن تحصل له السلامة في دينه وعرضه، فدينه لا يكون فيه نقص، وعرضه لا ينال أحد منه ولا يتكلم فيه بسوء.\nفالاستبراء للدين يتعلق بما بينه وبين الله.\nوالاستبراء للعرض يتعلق بما بينه وبين الناس.\nقوله: (ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام) أي: الذي يتساهل في الوقوع في أمر مشتبه لا يعلم حله وحرمته قد يؤدي به ذلك إلى أن يقع في الأمر المحرم.","vol":"13","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>أقسام الناس في الأمور المشتبهة</span>\nوالناس بالنسبة للأمور المشتبهة ينقسمون إلى قسمين: الأول: قسم يستبرىء منها ولا يقع فيها، وهذا يسلم دينه وعرضه.\nالثاني: (من وقع في الشبهات) يعني: أقدم على هذا الأمر المشتبه، ولم يتركه مع اشتباهه واحتماله لأن يكون حلالًا وأن يكون حرامًا، بل هان عليه أن يقدم على شيء لا يطمئن إلى كونه حلالًا، وإذا أقدم الإنسان على مثل هذا وتساهل فيه فقد يؤدي به ذلك إلى أن يقع في الأمر المحرم.\nوهذا لم يستبرئ من الشبهات، بل وقع فيها واستهونها وأقدم عليها، فإن ذلك قد يجره إلى أن يقع في الأمر المحرم؛ لأنه دخل في شيء لم يتبين له حله، وقد يكون هذا الشيء حرامًا، فإذا سهل عليه ذلك فإنه قد يسهل عليه أن يقدم على الأمر المحرم.\nفالقسم الأول محمود والثاني مذموم.","vol":"13","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>المثل الذي ضربه النبي ﷺ للوقوع في الشبهات</span>\nثم إن النبي ﷺ بعدما ذكر هذين القسمين من الناس في موقفهم من الأمور المشتبهة ضرب لذلك مثلًا يقرب فيه الأمور المعنوية، بحيث تكون مشابهة للأمور الحسية، وذلك من كمال البيان والنصح من رسول الله ﷺ، فإنه يضرب الأمثال لأصحابه ولأمته حتى يظهر الأمر المعنوي في صورة الأمر الحسي الذي هو مشاهد ومعاين، فضرب لذلك النبي ﷺ مثلًا فقال: (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه) لأن الرعاة الذين يرعون الغنم والإبل لهم حالتان بالنسبة للحمى، والإنسان إذا قرب منه صار عرضة لوقوع ماشيته فيه؛ لأنها ترى الخضرة أمامها، فتنطلق إليها، وتصل إلى هذه الخضرة التي قد حميت، ومنع الناس والبهائم من الوصول إليها فمن يرعى حول الحمى الذي حمي ومنع من الوصول إليه، وصارت أرضه معشبة ومخصبة، فإن الراعي الذي يكون حول الحمى قد يغفل فتنطلق دوابه وتصل إلى ذلك المكان الأخضر فترعى فيه، فيتعرض للعقوبة.\nوأما الذي يبتعد عن الشبهات فإنه كالراعي الذي يرعى بعيدًا عن الحمى ويجعل غنمه أو إبله في مكان بعيد عن الحمى بحيث لا تصل إليه؛ لأنه بذلك احتاط وابتعد، فلم يعرض نفسه لأن يقع في أمر يعود عليه بالمضرة، وأما من تهاون وقرب من الحمى وصار على حافته وليس هناك شيء يحجب عنه كجدار أو شيء يمنع من وصول الدواب إليه، فإنها تنطلق وتقع في ذلك الشيء الذي منع منه.\nوالرسول ﷺ قد وضح هذا لمن يتهاون في الأمر ويقع في الأمور المشتبهة، وجعله كالراعي الذي يرعى حول الحمى، فذلك يؤدي به إلى الوقوع في الأمر الممنوع.\nوأما الذي يبتعد عن الحمى، وتكون غنمه أو ماشيته في أماكن بعيدة بحيث لو نبت واحدة منها فلن تصل إلى الحمى؛ لأن بينها وبينه مسافة يستطيع أن يردها وأن يلحقها بنظيراتها ومثيلاتها، فإنه يكون بذلك سلم وعمل على الاحتياط والسلامة.\nإذًا: هذان القسمان أو الصنفان اللذين مضيا -وهما: الذي اتقى الشبهات والذي وقع في الشبهات- مثلهما كمثل راعيين: أحدهما: يأتي إلى مكان محمي ويجعل غنمه على حافته، فتكون بذلك عرضة لأن تقع في الأمر الممنوع.\nوالثاني: الذي ابتعد عن الحمى ورعى غنمه في أماكن بعيدة، فإنه بذلك يسلم من أن تصل غنمه إلى هذا الأمر الممنوع منه.\nوهذا التمثيل للأمور المعنوية بالأشياء الحسية يعتبر من نصحه ﷺ وبيانه وفصاحته وبلاغته عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.\nوالأمثال يكون فيها تقريب الأمر المعنوي بقياسه وإلحاقه بالأمر الحسي المشاهد المعاين مثلًا: (ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام)، الشبهات: مثلًا لما حول الحمى، والحرام مثلًا للحمى، فالذي يقرب من الحمى ويصير في الشبهات التي هي حول الحمى يصل إلى الممنوع منه (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه).\nثم إن النبي ﷺ بين أن الأشياء المعنوية والحسية التي ضربها في المثل هي: أن لكل ملك من ملوك الدنيا حمى، يعني: قد يحمي له مكانًا يختص به، وسواء كان له أو لما يتعلق بالمنفعة العامة كأن يجعل مكانًا للصدقة أو لماشية الصدقة، فالإنسان إذا قاربه فإنه يقع في ذلك الشيء الذي حمي ومنع، وإذا ابتعد عنه فإنه يكون قد سلم وابتعد عن المشتبهات.\nقوله: (ألا وإن لكل ملك حمى): الحمى: هو ما يحميه الإنسان من أرض خصبة لا يأتي إليها أحد، وهذا حمى حسي.\nقوله: (ألا وإن حمى الله محارمه): وهذا حمى معنوي، وهو الذي أريد تقريبه بضرب المثل بالحمى الحسي عندما ذكر الراعي يرعى حول الحمى، وهذا هو المشبه به.\nوأما المشبه فهو محارم الله ﷿، والمحارم: الحرام البين الذي لا يجوز الوقوع فيه.\nوأن الإنسان ينبغي له أن يبتعد عنها وعن الشبهات التي توصل إليها.\nفقوله: (ألا وإن لكل ملك حمى) هذا هو التشبيه الحسي، والذي ذكر فيه أن الراعي يرعى حول الحمى.\nوقوله: (ألا وإن حمى الله محارمه) هذا هو المشبه، لأن الأمور المعنوية التي هي حرام لا يجوز للإنسان أن يقدم عليها أو أن يكون قريبًا منها بالشبهات التي ليست من الحلال البين ولا من الحرام البين، فمن تساهل في الوصول إليها والوقوع فيها -أي: المشتبهات- سهل عليه أن يقع في المحرم، كما تقدم في أثناء الحديث: (ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام).","vol":"13","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>أهمية القلب في سائر أعضاء الجسم</span>\nثم بين ﵊ بعد ذلك عظم شأن القلب، وأنه بمثابة الملك للأعضاء، وأنها تابعة له، وأنه بصلاحه تصلح الأعضاء، وبفساده تفسد الأعضاء.\nفقال ﵊: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، وقد ذكر هذه الجملة بعدما تقدم من ذكر وجوب ترك المحرمات وترك الأمور المشتبهة؛ لئلا يصل الإنسان إلى الأمر المحرم، وهذا فيه إشارة إلى أن سلامة المكاسب الطيبة والحرص على أن تكون بعيدة من المحرمات ومن الأمور المشتبهات -كل ذلك- له دخل في صلاح القلب وفساده؛ لأن استعمال الحرام والوقوع فيه مما يؤدي إلى فساد القلب، وكسب الحلال والابتعاد عن الحرام هو الذي يكون به صلاح القلب؛ لأن القلب يصلح باستقامة صاحبه على طاعة الله وطاعة رسوله ﵊، وأن يفعل المأمورات ويجتنب المنهيات، وهذه هي تقوى الله ﷿؛ لأن تقوى الله: أن يجعل الإنسان بينه وبين غضب الله وعذابه وقاية تقيه منه، وذلك بفعل المأمورات وترك المنهيات، وهذه هي مناسبة ذكر الرسول ﷺ للقلب بعد ذكر الحلال والحرام.\nفإن ترك المحرم والمشتبه يعتبر من أسباب صلاح القلب، والعكس بالعكس، فإن الوقوع في الحرام والمشتبهات وترك المأمورات من أسباب فساد القلب، فعلى الإنسان أن يجعل بينه وبين الحرام مسافة بأن يترك الشيء الذي لا بأس به حذرًا مما به بأس، ولهذا فإن النبي ﵊ أتى بذكر القلب بعد هذه الأمور، وهذا هو وجه ذكره بعدها.\nثم فيه بيان عظم شأن القلب وأنه ملك الأعضاء، وأنها بصلاحه تصلح وبفساده تفسد، وقد مهد لذلك رسول الله ﵊ في بيان عظم شأن القلب بهذا التمهيد، لأن الإنسان إذا سمع هذا التمهيد وهذا التقديم - (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله) - فإنه يتطلع ويحرص على معرفة هذه المضغة.\nثم ما هي هذه المضغة؟ قال: (ألا وهي القلب) فبعد أن بين عظم شأنها وعظم فائدتها في حال صلاحها، وشدة خطورتها في حال فسادها، بعد ذلك جاء البيان من رسول الله ﷺ بأنها القلب، وأتى في ذلك بأداة التنبيه التي هي: (ألا) لأن (ألا) في حد ذاتها أداة تنبيه (ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة ألا وهي القلب) فهذه أداة تنبيه تجعل الإنسان يتنبه ويعرف أهمية ما بعدها؛ لأن ذلك مما ينبغي الالتفات إليه والاهتمام والعناية به.\nوبهذا يتبين لنا أن حديث النعمان بن بشير حديث عظيم، وهو من جوامع كلم الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وقد اشتمل على هذا الإيضاح وهذا البيان وهذا الحصر للأشياء إلى ما هو حلال بين، وإلى ما هو حرام بين، وإلى ما هو مشتبه، ثم بيان الذي على الإنسان أن يسلكه لسبيل المشتبه، وأنه إذا تركه فقد أخذ بأسباب السلامة لدينه وعرضه، وإذا لم يفعل ذلك فإنه قد عرّض عرضه للقدح، وعرض دينه للنقص، وأدى به ذلك إلى أن يقع في الأمر المحرم، ثم هذا البيان والإيضاح من رسول الله ﷺ لضرب هذا المثل العظيم الذي قرب فيه الأمر المعنوي بتشبيهه بهذا الأمر الحسي، وهو من كمال بيانه ونصحه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.\nوالله تعالى أعلم.","vol":"13","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>الأسئلة</span>","vol":"13","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>المشتبهات في العقائد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل المشتبهات تكون في العقائد، مثل: كيفية الله، وكيفية ذاته، وصفاته؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ما يتعلق بالله ﷿ هو كيفية ومعنى.\nفالمعنى: ليس من قبيل المشتبه، بل هو من قبيل الواضح؛ لأن الناس خوطبوا بكلام يفهمون معناه، ولهذا فالمعنى يكون معلومًا، ولكن الكيف يكون مجهولًا، فالله تعالى يعلمه والناس لا يعلمونه، ولا يجوز أن يقال: إنه مشتبه يعلمه بعض الناس، فإنه لا يعلمه أحد، فهو من أمر الغيب الذي لا يعلمه الناس، وليس من قبيل المشتبه الذي يعلمه بعض الناس، ولهذا جاء عن الإمام مالك رحمة الله عليه أنه لما سئل عن الاستواء قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول.\nولهذا فأهل السنة يفوضون في الكيف، فيقولون: الله أعلم بكيفية ذلك، وكيفيته لا يعلمها إلا الله، وأما بالنسبة للمعنى فلا يفوضونه، وإنما يفهمون المعاني على وفق ما خوطبوا به.\nفالسمع معلوم، والبصر معلوم، والكلام معلوم، والحياة معلومة، والاستواء معلوم، وكل هذه الصفات معانيها معلومة، لكن كيفيتها التي هي عليها في نفس الأمر لا يعلم بها إلا الله ﷾، فلا يقال هي من المتشابه! فالنصوص في ذاتها ليست من المتشابه التي لا يعلمها إلا الله ﷾، بل الناس خوطبوا بكلام يفهمونه، وهم يعلمون ذلك بمقتضى اللغة، وأما الكيفية فهي التي لا يعلمها إلا الله ﷾، فهو الذي يعلم كيف هو، ورسول الله ﷺ بين للناس ما يمكنهم أن يعلموه ويعرفوه، وهو ما يتعلق بالمعاني، وأما الكيفيات فلا سبيل له إليها، فلا يقال: إنها من قبيل المشتبهات التي جاءت في هذا الحديث؛ لأن المشتبه الذي جاءت فيه أحاديث يعلمه بعض الناس، ويجهله كثير من الناس فكيفية الصفات ليست من هذا القبيل.\nوأهل السنة والجماعة مفوضة في الكيف وليسوا مفوضة في المعنى، وأما الذين يفوضون في المعنى يقولون: إننا لا نعرف ما معنى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فيزعمون أنها مثل: ﴿الر﴾ [يونس:١] و﴿الم﴾ [البقرة:١] ومثل: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] ومثل: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤].\nوهذا يعني: أنهم لا يعلمون معنى هذه الآية كما أنهم لا يعلمون المراد بقوله: «الر» [يونس:١]؛ لأن ﴿الم﴾ [البقرة:١] ليس كلامًا مركبًا حتى يفهم بالتركيب، فالكلام يفهم بتركيبه وباتصال الكلمات بعضها ببعض، لكن هذه حروف مقطعة، والمشهور عند العلماء أنهم يقولون: الله أعلم بمراده بها، لكن بعضهم يقول: لعل المقصود من إيرادها بيان إعجاز القرآن، وذلك أنه يأتي بعد ذكر الحروف المقطعة ذكر القرآن «الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:١ - ٢]، ﴿الم﴾ [البقرة:١]، ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران:٢ - ٣]، ﴿المص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١ - ٢]، ﴿الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم:١]، وهكذا إلا في مواضع يسيرة جاءت في القرآن ليس فيها ذكر القرآن مثل: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ [العنكبوت:١ - ٢] ومثل: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم:١ - ٢] فإنه لم يأت بعدها ذكر القرآن.\nقالوا: فإن مجيء ذكر القرآن بعد هذه الحروف فيه إشارة إلى أن القرآن معجز، ووجه الإشارة أن القرآن مؤلف من الحروف التي تؤلفون منها كلامكم، ومع ذلك فأنتم لا تستطيعون أن تؤلفوا من هذه الحروف كلامًا مثل هذا الكلام.\nنعم، القرآن مؤلف من الحروف، ومع ذلك فأهل الفصاحة والبلاغة لا يستطيعون أن يؤلفوا من هذه الحروف كلامًا مثل هذا الكلام، قالوا: إذًا فيه إشارة إلى إعجاز القرآن.\nف الذين يقولون إن المعاني في الصفات مجهولة وأنهم يفوضون فيها، يقولون: إن ﴿الر﴾ [هود:١]، مثل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فلا نعرف معنى ﴿الر﴾ [هود:١]، ولا نعرف معنى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وهذا كلام باطل وغير صحيح، ومن قال: إن هذا هو مذهب السلف؟! ولهذا فعلماء الكلام معروفون بالتأويل، وسلفهم القائلون بالتفويض، كما يقول صاحب الجوهرة: وكل لفظ أوهم التشبيهَ أَوَّلْه أو فَوّضْ ورُمْ تنزيهًا فعندهم أن المعاني لا يتكلم في معناها، فيقولون: الله أعلم بالمراد بها.\nونسبة ذلك إلى سلف هذه الأمة من الصحابة ومن بعدهم هذا قول باطل وغير صحيح؛ فالسلف ليسوا مفوضة في المعنى، وإنما هم مفوضة في الكيف، ولهذا يقول بعض أهل العلم: من زعم أن مذهب السلف في الصفات هو التفويض في المعنى فقد ارتكب ثلاثة محاذير: المحذور الأول: أنه لا يعرف مذهب السلف، ومذهب السلف هو الذي بينه مالك في قوله: الاستواء معلوم.\nمعنى ذلك: أن المعنى معروف وليس بمجهول، فالمعنى لا يفوض، فيقال: الله أعلم بمراده بـ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فهذا جاهل بمذهب السلف.\nالمحذور الثاني: أنه مجهّل للسلف، يعني: نسبهم إلى الجهل، وأنهم قد خوطبوا بكلام لا يفهمون معناه.\nالمحذور الثالث: أنه كاذب على السلف؛ لأنه نسب إليهم شيئًا لم يقولوه ولم يعتقدوه وهو التفويض بالمعنى، فإنهم لا يفوضون المعنى وإنما يفوضون الكيف، وهم قد خوطبوا بكلام يفهمون معناه.","vol":"13","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>حكم المسائل العلمية التي تنازع فيها المجتهدون</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يدخل في حد المشتبهات المسائل العلمية التي تنازع فيها المجتهدون لعدم ظهور أدلتها، أو لقوة الأدلة عند الفريقين، وعدم ظهور مرجح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، هذه تدخل في الأمور المشتبهة التي هي دائرة بين الحِلّ والحرمة، وبين الجواز والمنع، وليس هناك شيء واضح يدل عليه، لكن من علم أو وصل إلى شيء يتبين به الحل أو الحرمة فإنه يعمل بما توصل إليه من الدليل، ومن لم يقف على دليل يفصل فيه أو يميز فيه بين أن يكون حلالًا أو يكون حرامًا فالاحتياط هو الترك، كما جاء في الحديث: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه).","vol":"13","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>معنى قوله ﷺ (استفت قلبك وإن أفتاك الناس)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قوله ﷺ: (استفت قلبك وإن أفتاك الناس) هل يجوز على ذلك أن أفعل ما ترتاح إليه نفسي فيما اختلف فيه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، الذي اختلف فيه الإنسان يرجع إلى أهل العلم ممن يثق بعلمه ودينه في أمر يعمل به، فإذا أرشده من يثق بعلمه ودينه أخذ به، وأما استفتاء القلب فالمقصود بذلك: أن الإنسان إذا كان سأل عن شيء وأُخبر بأنه حلال، وكان في نفسه شيء منه أو غير مطمئن إليه أو أنه يعلم في هذا الأمر الخاص به ما يجعله غير مطمئن، فإن السلامة في ذلك أن يترك هذا الشيء الذي هو غير مطمئن إليه، مثل أن يكون الإنسان عنده حجة في أمر من الأمور غير مطمئن إليها، فقدمها إلى الحاكم، والحاكم حكم له بها وهو غير مطمئن ولا مرتاح إليها، فإن هذا لا يأخذ بحكم الحاكم ما دام أن عنده الريبة أو الشبهة التي في نفسه، فالاحتياط أنه يترك هذا الأمر المشتبه حتى ولو أفتاه الناس، وهذا مثلما جاء في الحديث: (إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، فمن حكمت له بحق أخيه وهو يعلم أنه ليس حقًا له فإنما هي قطعة من نار، إن شاء فليأخذها، وإن شاء فليتركها).\nوهذا لا يعارض القاعدة المشهورة عند العلماء: أن الأصل في الأشياء الإباحة، فالأشياء التي لا يعلم حرمتها الأصل فيها الإباحة، لكن إذا تردد الإنسان في شيء، ولم يكن مرتاحًا إليه، بحيث خشي أن يكون مما هو محرم أو قد يكون فيه شيء، فعليه أن يتنزه عنه، ولا شك أن هذا فيه السلامة.","vol":"13","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>محل العقل من الإنسان</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل محل العقل هو القلب أم الدماغ؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  محله القلب، قال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج:٤٦] فأضاف العقل إلى القلب، ولم يضفه إلى الدماغ.","vol":"13","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>وجوب تبيين ما أحله الله للناس إذا ظنوا حرمته</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل للإنسان أن يترك ما دل الدليل على حله مخافة الوقوع في عرضه، كأكل لحم الخيل في البلد الذي لا يرى حل لحم الخيل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، وإنما عليه أن يبين لهم الحكم الشرعي، وأن يأتي بالدليل الثابت عن رسول الله ﷺ، أما أن يترك الحلال فهذا معناه أنهم يحرمون هذا الشيء مع أنه حلال، فعليه أن يبين لهم وأن يوضح لهم هذا الحكم الشرعي، وأنه ليس من الحرام، بل هو من الحلال، وقد ثبتت فيها الأحاديث عن رسول الله ﵊.","vol":"13","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>ضابط العمل بالأحوط</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هو ضابط العمل بالأحوط، هل هو في كل أمر يشك فيه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، الذي يتردد فيه بين الحل والحرمة فلا شك أن الاحتياط يكون في تركه.","vol":"13","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>بيع التورق من الأمور المشتبهة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل بيع التورق من الأمور المشتبهة التي يجب الحذر منها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  بعض العلماء يقول: إن ذلك البيع من هذا القبيل، وبعضهم يرى أنه جائز، ولا شك أن الإنسان إذا تنزه عنه فهذا خير له.","vol":"13","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>حكم من قال إن التصوير من الأمور المشتبهة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقول بعض الإخوة: إن التصوير من الأمور المشتبهة؛ بسبب أن بعض العلماء أجازوا وبعضهم منعوا، فهل هذا يعتبر من المشتبهات؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الدليل معلوم وواضح، وكون بعض أهل العلم رأى أنه من الأمور المشتبهة والإنسان ما دام يرى أنه من الأمور المشتبهة فطريق السلامة الترك، ومن ظهر له أنه حرام وأنه ليس من قبيل المشتبه فهو عنده حرام، وهذا مثل ما لا يعلمه كثير من الناس، والمشتبهات لا يعلمها الكثير من الناس، فمن علم أن الحكم للتحريم فلا يجوز له أن يقدم على فعله، ومن كان مترددًا بين هذا وهذا فلا شك أن الاحتياط الترك وعدم الفعل.","vol":"13","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>حكم ترك الشبهات</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا دار الأمر بين الحل والحرمة أليس الأولى أن يقال: إن اتقاءه للشبهات في هذه الحال والدافع له على تركها واجب، لا أن الحامل له على ذلك هو مجرد الورع؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الرسول ﷺ قال: (من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) ومعنى ذلك: أنه يسلم دينه من النقص، ويسلم عرضه من النَّيل، لكن كون الإنسان ترك ذلك من أجل أنه بتركه إياه ظفر بالسلامة، وتحقق أن السلامة قد حصلت له فهذا أمر واضح، ثم أيضًا كون الإنسان حصل منه ذلك فلا شك أن هذا من الورع.","vol":"13","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>حكم تعمد استفتاء بعض المتساهلين مع العلم به</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من سأل أو استفتى عالمًا معروفًا بالتساهل في الفتوى فهل يكون السائل قد استبرأ لدينه وعرضه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان يعرف أنه متساهل وليس مطمئنًا إليه، وإنما سأله من أجل أن يبرر له الشيء الذي يريد، فكون الإنسان يتتبع الرخص ويبحث عنها فهذا يؤدي به إلى الهلاك، كما يقول بعض العلماء: من تتبع الرخص تزندق.\nلأنه إذا عرضت له المسألة ويعرف أن فلانًا الفلاني يحلها فذهب يسأله ولا يسأل غيره، فيسأل هذا فيما يناسبه وهذا فيما يناسبه فمعنى ذلك أنه يتوصل إلى الأشياء التي تهواها وتميل إليها نفسه، فعليه أن يرجع إلى من يثق بعلمه ودينه ويسأله فيما يعرض له، ولا يبحث عمن يتساهل.","vol":"13","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>بعض القواعد المستنبطة من حديث (إن الحلال بين)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  تقول القاعدة: (التابع له حكم المتبوع) و(ما قارب الشيء يأخذ حكمه) يستدلون ويستنبطونها من حديث النعمان بن بشير فما صحة ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n (التابع له حكم المتبوع) هذا فيما يتعلق بالقلب؛ لأن الأعضاء تابعة والقلب متبوع، وبصلاح القلب الذي هو المتبوع يصلح التابع وهي الأعضاء.\nوقاعدة (ما قارب الشيء يأخذ حكمه) هذا في قوله: (ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه).","vol":"13","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-264>حكم استعمال بعض الأشياء المشكوك فيها من قبل الكفار</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  اختلف الناس في استخدام بعض المشروبات مثل: البيبسي، وبعض المصنوعات مثل: الصابون، ويقولون في هذه الأشياء أنها يستخدم في صناعتها بعض الأشياء المحرمة، وكثير منهم لا يعلم الحقيقة فهل هذا يدخل في المشتبهات؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  مثل هذا قد يكون بعض الناس يشوش على نفسه وعلى الناس في أن يشك في كل شيء، والأصل في مثل هذا أنه يرجع فيه إلى جهات الاختصاص الذين يحللون ويعرفون أن هذا فيه كذا أو ليس فيه كذا، ولا يكون بمجرد أنه انقدح في نفسه شيء من هذا؛ لأنه من توسع في هذا التحريم وأقدم عليه فإنه يمكن أيضًا أن يتوسع في تحريم كل شيء، فلو جاءه لباس من ألبسة الكفار أو شيء قد صنعه الكفار فإنه يقول: إن الاحتياط أن أغسله لأنني أخشى أن يكون فيه نجاسة! ومعلوم الصحابة كانوا يتبايعون مع الكفار ويشترون منهم اللباس وغيره ولا يعمدون إلى غسله.","vol":"13","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>حكم شراب الشعير</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل شراب الشعير من المشتبهات وما حكمه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الشيء الذي فيه احتمال الإسكار أو مظنة الإسكار لا يجوز، والشيء الذي ليس فيه ذلك فإنه سائغ، والرسول ﷺ في أول الأمر منع الناس في أن ينتبذوا في أوعية معينة فيها سماكة وغلظ، وأنه قد يبلغ الشيء في داخلها إلى حد الإسكار، فنهى عن الانتباذ فيها كالدُّبّاء والحَنْتَم والنقير والمُزَفَّت كما جاء في حديث وفد عبد القيس، ولكنه في آخر الأمر كما جاء في حديث بريدة بن الحصيب الذي ذكر فيه ثلاثة أمورًا فيها ناسخ ومنسوخ، فقال: (كنت نهيتكم أن تنتبذوا في الأوعية، فانتبذوا في كل وعاء، ولا تنتبذوا مُسكرًا) يعني: انتبذوا في كلها لكن بشرط ألا تشربوا مسكرًا.\nفما دام أنه لم يصل إلى حد الإسكار فإنه مباح، فسواء انتبذتم في وعاء غليظ أو وعاء رقيق أو خفيف، المهم ألّا تشربوا مسكرًا، وقد جاء في حديث بريدة بن الحصيب ذكر ثلاثة أمور، فقال: (وكنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، وكنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، ألا فادّخروا، وكنت نهيتكم عن الانتباذ في الأوعية، فانتبذوا في كل وعاء، ولا تشربوا مسكرًا).\nالخلاصة: أن ما عُرف إسكاره في الكثير منه فإنه يحرم قليله وكثيره، والذي لم يعرف إسكاره أو تحقق بأنه ليس بمسكر فإنه حلال.","vol":"13","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>حكم اجتناب العطور التي فيها الكحول</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل العطور التي فيها الكحول تعتبر من المشتبهات؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، ولا شك أن كون الإنسان يجتنب الأشياء المشتبهة التي فيها الكحول يعتبر من اجتناب المشتبهات؛ لأن الطيب كثير بحمد الله، فالإنسان يأخذ من الطَّيْب الطّيّب، ويترك الشيء الذي فيه شبهة.","vol":"13","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-267>حكم أكل اللحم المستورد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم أكل الدجاج أو اللحم الذي يستورد من الخارج كالبرازيل وفرنسا، والمعروف لديهم أنهم لا يُذكّون مثل هذه الحيوانات، بل يستخدمون طرقًا أخرى مثل الصعق وغيره، وقد أتت من هذه الدول مكتوب عليها: ذبحت بالطريقة الإسلامية، فهل تعتبر هذه المسألة من المشتبهات؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الأصل جواز أكل اللحوم التي تأتي من الكفار الذين هم: اليهود والنصارى، فهم أهل كتاب، وأما الوثنيون الذين هم ليسوا أهل كتاب فلا يجوز أكل ذبائحهم، وإنما أحل لنا طعام أهل الكتاب، فهو حلال لنا إلا إذا علمنا بأن الذبح يكون بطريقة غير شرعية، وإلا فالأصل هو الحل، وحتى المسلم نفسه لو ذبح بطريقة غير شرعية كالخنق أو نحوه فلا تحل ذبيحته، فالكافر إذا عُلم بأنه يحصل منه هذا الأمر المحرم الذي حرمه الإسلام فهي لا تحل، لكن إذا لم نعرف ذلك فإننا نأكل من هذه الأشياء التي جاءتنا منهم.\nوهم يقولون: إن الصعق أو الضرب لا يجعلها تموت وإنما يخدرها، مثل: الإنسان إذا ضُرب أو أعطي بنجًا وتخدر، فإنه لم يمت، بل هو حي، فهذا الضرب أو الصعق الذي يعطونها إياه إذا كان يؤدي إلى أنها تموت فإنها حرام، وأما إذا حصل ضربها بحيث ينهي قوتها وشدتها التي يخافون منها والحياة لا تزال موجودة فيها ثم ذبحوها وهي حية، فإن الذبيحة في هذه الحال تكون حلالًا.\nثم هناك أمر آخر: وهو أنه ما دام أن هناك الآن الدجاج الوطني الذي يطمع أن يكون موجودًا، وهذا الدجاج الذي يأتي من الخارج موجود، وكل منهما حلال، إلا أن الإنسان ينبغي له أن يقدم الدجاج الوطني الذي قد ذبح في البلاد الإسلامية، وفي ذلك فائدتان: الفائدة الأولى: كونه مطمئنًا إلى هذا.\nالفائدة الثانية: أنه تسويق للسلع التي تكون من الداخل، وأنها أولى مما يأتي من الخارج، ما دام أن عندنا شيئين: شيء من الداخل، وشيء من الخارج، فاستعمالنا لما في الداخل أولى من استعمال ما يأتي من الخارج.\nمثل: أن الله ﷿ أحل لنا نكاح الكتابيات، لكن المسلمة أولى من الكتابية، مع أن الكتابية حلال وليست بحرام، لكن أيهما أولى: أن يتزوج المسلم مسلمة أو يتزوج كتابية؟ الجواب: يتزوج مسلمة حتى ولو كان الزواج من الكتابية حلالًا، وكذلك أيضًا لحم الدجاج الذي يكون من الداخل والخارج، فالذي من الداخل أولى؛ لما فيه من الاطمئنان، ولما فيه أيضًا من تشجيع السلع الداخلية وتسويقها، وكونها تنفق ويحصل عليها إقبال، وفي ذلك تشجيع لوجود مثل هذه الأشياء التي تهيأ في الداخل، ومما ينبغي أن يستغنى فيه عن الإتيان من الخارج إذا حصل به تغطية لما يحتاجه الناس.","vol":"13","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>الأصل في اللحوم وما شابهها الحل</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من وجد لحمًا لا يدري أذُكّي أو لم يُذكَّ، فهل يتركه اتقاءً للشبهات، أم أن الأصل الحل، وهل الأصل في اللحوم الحل أم الحرمة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كانت في بلاد المسلمين وكذلك أيضًا في بلاد أهل الكتاب فالأصل فيها الحل، كما في الحديث الذي فيه أنهم لما كانوا محاصرين في بلد، فرمي بصرّة فيها شيء، فأخذها بعض الصحابة والرسول ﷺ نظر إليه، فجعل يضحك، فهذا يدل على أنها حلال، وأن الأصل فيها الحل، ما دام أنه من المسلمين أو من أهل الكتاب، إلا إذا علم الحرمة.","vol":"13","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>الشبهات طريق إلى الحرام</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف يكون الجمع بين أول الحديث وآخره، حيث وإن في أوله ذكر المشتبهات، وهي كما ذكرتم إما حلال وإما حرام، وفي آخر الحديث ذكر أن الوقوع في الشبهات وقوع في الحرام، فهل هو جزم بالوقوع في الحرام؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، هذا معناه أنه يؤدي إليه، وقد يقع الإنسان في المشتبه ولا يقع في الحرام، لكن من تساهل في المشتبه أداه ذلك إلى الوقوع في الحرام، ومن احتاط لدينه وابتعد عن المشتبه فهو من باب أولى أن يكون أبعد عن الحرام، يقال: وقع في الحرام بالنسبة لما يئول إليه.","vol":"13","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>معنى حديث: (لا حمى إلا لله ورسوله)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى حديث: (لا حمى إلا لله ورسوله) وكيف يمكن الجمع بينه وبين فِعْل عمر في أنه حمى الربذة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معلوم أن عمر ﵁ حمى الربذة لإبل الصدقة، ولم يحمها لنفسه، والمقصود بذلك أنه إذا كان الحمى للرسول ﷺ ولمن يقوم مقامه وهو إمام المسلمين، فيحميه لمصالح المسلمين وللشيء الذي فعله من أجله عمر، فلا شك أن هذا مثلما فعله الرسول ﷺ، حيث كان يحمي لإبل الصدقة، وعمر ﵁ يحمي لإبل الصدقة ولا يحمي لنفسه، وهذا فيه اتباع للرسول ﷺ؛ لأنه فعل شيئًا للمصلحة العامة، حيث خص مكانًا تكون فيه إبل الصدقة وغنم الصدقة في حمى ولا يتعرض لها، فهذا فيه اقتداء بالرسول ﷺ.","vol":"13","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>ضابط الأمور المشتبهة التي تجرّ إلى فعل الحرام</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ابن رجب ﵀ ذكر أمثلة للأمور المشتبهة مثل: الضب والخيل وغيرها، ومعلوم أن هذه الأمور قد وقع الخلاف فيها، لكن في الحديث (ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام)، فهل الأشياء الممثل بها -وهي المشتبهة- تكون أشياء محرمة بناءً على هذا الحديث؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  من لم يعلم الحل ولم يقف عليه، وأقدم على فعل شيء لا يعلم حكمه، فمعنى ذلك أنه قد عرض نفسه للوقوع في الحرام، وأما الإنسان الذي عرف الحل فإنه قد خرج من كونه مشتبهًا إلى كونه واضحًا، فتمثيله بهذه المشتبهات لأنها ليست واضحة، ولا يعلمها كل الناس، فليست مثل بهيمة الأنعام، أو مثل الحبوب والرطب والتمر، فهذه لا شك أنها حلال، ولهذا فإن أحد الصحابة ﵃ وأرضاهم -وهو خالد بن الوليد - استأذن الرسول ﷺ في أكل لحم الخيل، حيث كانوا متوقفين فيه، فلما أذن له عُلم أنه حلال، فالإنسان الذي لم يعرف الدليل فهو بالنسبة له يعتبر مشتبهًا، وأما من عرف الدليل فقد خرج من كونه مشتبهًا إلى كونه واضحًا.\nوقد جاء في الحديث أن من وقع في الشبهات وقع في الحرام، أما المثال ففيه أنه لم يقع في الحرام، بل أوشك أن يقع فيه (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه).\nوهذا هو توضيح؛ لأن الإنسان الذي حول الحمى يمكن أن يقع فيه، وكذلك الإنسان الذي فعل الأمر المشتبه، الذي ليس بحلال، فمعناه أنه من جنس ذلك؛ لأن هذا يجرّه إلى أن يقع في الأمر المحرم.","vol":"13","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>حكم الصدقة على أهل البيت في الوقت المعاصر</span>\nالسؤال: هل تحرم الصدقة على أهل البيت في هذا الزمان حيث أنه لا يوجد فيء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: (فضل أهل البيت وحقوقهم) أن أهل البيت إنما مُنعوا الصدقة؛ لأنهم أُغنوا عنها بما يعطون من الخُمس، فإذا لم يحصل لهم هذا الشيء الذي منعوا من الصدقة من أجله وهم بحاجة إلى ذلك فإن لهم أن يأخذوا من الصدقة؛ لأن الشيء الذي منعوا من أخذ الصدقة من أجله لم يحصل لهم، فلهم أن يأخذوا.","vol":"13","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>السلسلة الإسنادية في ضرب الأمثال لدى الشيخ</span>\nالسؤال: نقل عنك يا شيخ أن معك سلسلة إسنادية غالبًا تأتي في ضرب الأمثال وهي غالبًا تأتي عند الأشعريين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  جاء في صحيح البخاري حديث أبي سعيد وأبي موسى الأشعري الذي فيه: مثل الجليس الصالح والجليس السوء، وكذلك أيضًا حديث: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم)، وهي بإسناد واحد، وهي كلها أمثلة، هذا الذي في ذهني الآن، ولعل هذا هو الذي نُقل عني، ولا أدري هل ذكرت هذا في الفوائد المنتقاة أو في مكان آخر، لكني أذكر أن فيه إسناد عن أبي موسى الأشعري وهو بإسناد واحد، أوله أبو كريب محمد بن العلاء بن كريب وينتهي إلى أبي موسى الأشعري وهي تتعلق كلها بضرب الأمثلة.\nوكذلك حديث: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة).\nفيمكن أن يرجع إليها في صحيح البخاري وفي فتح الباري الإسنادان اللذان أذكر أنهما من أولهما إلى آخرهما، وكلاهما يتعلق بضرب الأمثلة، لكنها موجودة في هذا الحديث الذي هو في فضل العلم.","vol":"13","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>حكم قتل المنصرين في بلاد المسلمين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز لنا قتل المنصرين الذين يفسدون في الأرض ويدعون إلى غير دين الإسلام الذين هم موجودون في بلاد مختلفة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  القتل والاغتيالات لا تأتي إلى المسلمين بخير؛ لأنهم إذا قتلوا شخصًا واحدًا يقتل منهم بالأعداد، ولهذا لا يفعل الشيء الذي يجلب الضرر على المسلمين.","vol":"13","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>حكم الاشتغال بسماع الأناشيد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل عدم سماع الأناشيد تورعًا محمود أو مذموم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان المقصود هذه الأناشيد التي يقال أنها أناشيد إسلامية؛ والتي هي مجموعة يأتون ويقفون أمام المكبر ويسجلون أناشيد يتغنون بها، وتكون غالبًا يعجب بما فيها من حماس أو ترنيم أو تلحين أو ما إلى ذلك فلاشك أن هذا لا ينبغي أن يقدم عليه الإنسان ولا أن يشغل نفسه به، وإنما عليه أن يشغل نفسه بما يعود عليه بالخير، لاسيما أن بعض الأناشيد يأتون بها على أشياء كلها أماني، وليس لها أساس من الواقع، مثل بعض الأناشيد التي يقولون: الصين لنا والهند لنا والكل لنا، وهم ما عندهم إلا الضياع.","vol":"13","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>حكم إرث المصحف ونحوه</span>\nالسؤال: هل إذا ترك مصحفًا يعتبر تبعًا للورثة أم يمكن التصدق به؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أن التصدق به هو الأولى، ولكن جميع ما يخلفه الميت يكون تبعًا للورثة، أما إذا وجد الورثة مثل هذه الأمور كالمصحف فإنه لو تصدق به أو أوقف في مسجد أو في مكان يحتاج إليه فلا شك أن هذا هو الأولى، وإلا فالأصل أنه ميراث؛ لأن كل ما يخلفه الإنسان من كتب ومصاحف وغير ذلك فهو مال، والمال ينتقل إلى الورثة.","vol":"13","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>حكم مقاطعة المنتجات الأجنبية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم مقاطعة المنتجات الأجنبية؟ وهل للمقاطعة أصل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا يرجع إلى الدولة، وهي التي تقاطع، وإذا قوطعت هي فهل تتحقق المقاطعة؟ أما كون الشيء موجود في البلد فالإنسان يأخذ ما يشاء ويتصرف فيما يشاء، ولا يمنعه من ذلك مانع.\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"13","page":34},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-278>[١٤]</span>\nالدين كله مبني على أركان وأعمدة لا يقوم إلا بها، وأساس ذلك كله النصيحة التي بها تتم المحافظة على جميع شعائر الإسلام وأركانه، ولذا كانت النصيحة شاملة لكل طبقات المجتمع، حتى يكون المجتمع متماسكًا متناصحًا متعاونًا على الخير، وبهذا ترسو سفينة النجاة في بر الأمان، وينجو أهلها من غضب الرحمن.","vol":"14","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>شرح حديث الدين النصيحة</span>\nالحديث السابع من أحاديث الأربعين النووية: عن أبي رقية تميم بن أوس الداري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: (الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) رواه مسلم.\nهذا حديث عظيم، وهو من جوامع كلم الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وقد أخرجه مسلم في صحيحه ولم يخرجه البخاري، وإنما ذكره في ترجمة باب على صيغة التعليق، فقال: باب قول النبي ﷺ: (الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم).\nفذكر الحديث كله في ترجمة باب على صورة التعليق، ولم يذكر إسناده، ثم ذكر تحته حديث جرير بن عبد الله البجلي الذي في معناه في الجملة وهو قوله ﵁: (بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم).\nولم يورد البخاري الحديث مسندًا في كتابه؛ لأنه ليس على شرطه فهو من رواية سهيل بن أبي صالح وسهيل لم يخرج له استقلالًا، ولكن إيراده وذكره إياه بالتعليق يدل على صلاحيته للاحتجاج.\nوالرسول ﷺ قال: (الدين النصيحة)، وقد جاء في مستخرج أبي عوانة قالها ثلاثًا يعني: كررها، قال: (الدين النصيحة! الدين النصيحة! الدين النصيحة!) وفي النسخة التي شرح عليها الحافظ ابن رجب ذكر ثلاثًا، وهناك في صحيح مسلم الحديث خال من ذكر التكرار، وإنما فيه أنه قال: (الدين النصيحة! قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم).","vol":"14","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>منزلة النصيحة من الدين</span>\nقوله: (الدين النصيحة)، هذه الجملة تدل على عظم شأن النصيحة والاهتمام بها، وكأنها هي الدين، وأن الدين محصور فيها، وهذا يدل على عظم شأنها، وعلى ما جاء في رواية أبي عوانة المستخرج على صحيح مسلم من أنه قالها ثلاثًا، فيكون ذلك زيادة في التأكيد.\nوبيان عظم شأن النصيحة كونه جاء في هذا اللفظ: (الدين النصيحة)، وكأن الدين هو النصيحة؛ وذلك لشمولها وعمومها.\nوالحافظ ابن رجب قال: إنه يدخل تحت هذه الجملة ما جاء في حديث جبريل من تفسير الإسلام والإيمان والإحسان؛ لأن النبي ﷺ قال في آخره: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) فسماها دينًا، والنبي ﷺ قال: (الدين النصيحة).\nإذًا: ما جاء في حديث جبريل يكون داخلًا تحت هذه الجملة، ومعنى الدين النصيحة، أي: أن عماد الدين وأساسه إنما هو النصيحة؛ وذلك لشمولها لتلك الأمور التي أخبر بها رسول الله ﵊، فيدخل في الإيمان بالله ﷿ كل ما يتعلق بالإيمان، وكل ما يتعلق بالشهادتين، وكل ما يتعلق بما أوجبه الله ﷿، فهي كلمة عامة وجامعة من أجمع الكلام، ونظيرها قوله ﷺ: (الحج عرفة)، مبينًا أهمية الوقوف بعرفة، وأنه الركن الأعظم في الحج، وذلك أن الحج يفوت الإنسان بفواته ولو جاء من أقطار بعيدة، ولو تعب وخسر ما خسر، إذا طلع الفجر من ليلة النحر فإن الوقوف انتهى، والحج قد فات من وصل متأخرًا عن هذا الوقت، ومن أدرك هذا الوقت فقد أدرك الوقوف.\nأما غيره من بقية الأركان مثل: الطواف والسعي فيمكن تداركه ولو بعد مدة طويلة، ولكن الوقوف بعرفة إذا فات الإنسان فاته الحج، ولا مجال لأحد أن يحج وقد انتهى وخرج وقت الوقوف، وذلك بطلوع الفجر من ليلة العيد، لكن يحج في سنة أخرى فهذا الحصر في قوله: (الحج عرفة)، يدل على أهمية هذا الركن.\nفقوله: (الدين النصيحة)، يدل على أهمية النصيحة وعظيم شأنها، وأن دين الإسلام هو النصيحة؛ وذلك لشموله من كل النواحي التي تتعلق بكل ما يتعلق بالله ﷿، وما يتعلق بكتاب الله ﷿، وما يتعلق بالرسول ﷺ، وما يتعلق بأئمة المسلمين وولاتهم، وما يتعلق بعامتهم.\nوقيل: إن النصيحة مأخوذة من نصحت العسل إذا خلصته وإذا صفيته ونقيته من الشمع، حتى يكون عسلًا خالصًا مصفى نقيًا، وقيل: إنها من النصح وهي الخياطة تكون بالمنصحة وهي الإبرة؛ وذلك لأن الإبرة يحصل بها لمَّ أجزاء الثوب والقماش حتى يكون ثوبًا، وإذا حصل تمزق وتشقق ثم خيط بالإبرة فإنه يضم بعضه إلى بعض، فكذلك النصيحة فيها لم الشعث وحصول الخير والمطلوب في المنصوح ومن حصل له النصح.\nوقيل: مأخوذة من التوبة النصوح وهي الخالصة الصادقة، فكأن الذنوب تمزق والتوبة تلم الشعث وتزيل ذلك التمزق الذي حصل بسبب الذنوب.\nفإذًا: النصيحة تشمل ما بين العبد وربه، وما بين العبد والناس، سواء كان هؤلاء الناس حاكمين ومحكومين أو رعاة أو رعية، فهذا يدل على أهمية النصيحة وأن منزلتها من الدين عظيمة، وكأن الدين هو النصيحة.","vol":"14","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>حرص الصحابة على معرفة الحق والهدى</span>\nلما قال الرسول ﷺ: (الدين النصيحة)، بادر أصحاب رسول الله ﷺ بالسؤال لمن تكون النصيحة، وهذا يدلنا على حرصهم على معرفة الحق والهدى، وعلى معرفة السنن ومعرفة أحكام الدين، وذلك بسؤالهم النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم عن النصيحة لمن تكون؟ يعني: حتى يقوموا بالتمثيل والتطبيق للشيء الذي أظهر النبي ﷺ عظيم شأنه بحصر الدين فيه وقصر الدين عليه، وهو النصيحة، قالوا: (لمن يا رسول الله؟) هذا يدلنا على عنايتهم وحرصهم، على معرفة الحق والهدى، وهذا هو شأنهم ﵃ وأرضاهم، فإنهم الواسطة بين الناس وبين رسول الله ﷺ، فكانوا حريصين على استيعاب ووعي ما يسمعونه من رسول الله ﵊، فيعنون في تعليم الدين ومعرفة أحكام الشرع؛ ليتعبدوا الله ﷿ هم بها ولينقلوها إلى غيرهم، وهم أخص الناس بالدعاء الذي دعا به الرسول ﷺ لمن أخذ سنته وحفظها وأداها إلى من بعده حيث قال: (نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)، وهم الذين ظفروا بذلك أشد من غيرهم؛ لأنهم المباشرون لسماع ذلك من رسول الله ﷺ حيث يكون من أقواله، وهم المشاهدون لأفعاله وحركاته وسكناته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله عنهم وأرضاهم.","vol":"14","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>أدب الصحابة مع الرسول ﷺ</span>\nإن من كمال تأدب الصحابة مع الرسول ﷺ أنهم عندما سألوه خاطبوه بوصف الرسالة، فقالوا: يا رسول الله! لمن تكون النصيحة؟ فسؤالهم يدل على حرصهم على معرفة الأحكام الشرعية والتفقه في الدين، ونقل الحق والهدى عنه وإيصالها إلى الناس، ولهذا يقول الحافظ ابن حجر: إن ذكر النبي ﷺ بكنيته حسن، وذكره بوصف الرسالة أحسن.\nيعني: كونه إذا ذكر الرسول ﷺ وقال: أبو القاسم ﷺ، بكنيته فهذا حسن، ولكن لو ذكره بوصف الرسالة لكان أحسن، بأن يقول: رسول الله ﷺ، فهم هنا قالوا: (لمن يا رسول الله؟).\nثم إن قول النبي ﷺ: (الدين النصيحة) يجعل الصحابة ﵃ وأرضاهم يشعرون ويدركون الاهتمام بهذا الأمر؛ لأنه جاء على هذا الوصف الذي هو الحصر، ولهذا بادروا إلى السؤال، ومبادرتهم للسؤال مع وجود الكلام الذي يشعر بالأهمية ويجعلهم يستعدون ويحرصون على معرفة المواطن أو الجهات التي تكون النصيحة فيها، فأجابهم النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم بالجواب، وأنها لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وهي في الحقيقة نصح للإنسان نفسه؛ لأن كونه يحافظ على النصيحة ويأتي بما هو مطلوب منه في هذه الأمور الخمسة فمعنى ذلك أن النصح إنما هو راجع لنفسه؛ لأنه إذا نصح لله وللرسول ﷺ وللكتاب، ولأئمة المسلمين وعامتهم، فهذا العمل إنما وترجع فائدته على نفسه، حيث أتى بما يعود عليها بالخير والسعادة في الدنيا والآخرة.","vol":"14","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>معنى النصيحة لله ﷿</span>\nإن النصيحة لله ﷿ تكون بتوحيد الله ﷿ في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، والثناء عليه بما يليق بجلاله وعظمته ﷾، وتنزيهه عن كل نقص، وأنه متصف بكل كمال، وكذلك عبادته على وفق ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وكذلك إثبات ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات على وجه يليق بكمال الله وجلاله، ثم الامتثال لما جاء عن الله ﷾ من الأوامر فتفعل، ومن النواهي فتجتنب، ومن الأخبار فتصدق، وأن تكون عبادة الله ﷿ مطابقة لما جاء بها الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ويدخل في ذلك الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكل ذلك داخل وتابع للإيمان بالله، ويدخل في ذلك أيضًا الشهادتان وكل ما هو مطلوب في الدين، ولهذا كما عرفنا الرسول ﷺ لما جاء إليه جبريل وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، فبين النبي ﷺ ذلك بهذا الجواب الذي أجاب به جبريل قال في آخره: (هذا جبريل أتاكم يعملكم دينكم)، أي: أن هذه الأمور كلها داخلة تحت هذا الدين، وداخلة في مسمى الإيمان بالله ﷾.","vol":"14","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>معنى النصيحة لكتاب الله</span>\nإن النصيحة لكتاب الله ﷿ تقوم بتعظيمه وتوقيره واحترامه وتلاوته، وتأمل ما فيه، وتأمل معانيه والاعتبار بما فيه من العبر والعظات، وامتثال أوامره، واجتناب النواهي التي جاءت فيه، وتصديق ما فيه من أخبار، واعتقاد بأنه كلام الله، وأنه منزل منه ﷾، وأنه غير مخلوق، وأن فيه الخير والسعادة لمن أخذ به، وأن من تمسك به ظفر بسعادة الدنيا والآخرة، ومن أعرض عنه خسر الدنيا والآخرة، فكل ذلك متعلق به، وكذلك اعتقاد بأنه معجز وفي غاية الفصاحة والبلاغة، وأن فصحاء العرب الذين هم مشهورون بالفصاحة والبلاغة لم يستطيعوا ولن يستطيعوا أن يأتوا بشيء مثله، وهذا يدل على أنه من عند الله ﷿ جاء به النبي الكريم ﷺ، وقد كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب، وجاء بهذا الكلام المعجز من عند الله ﷿، وبقيت هذه المعجزة مستمرة والتحدي قائمًا.\nولا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، كما قال الله ﷿: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]، وقد تحدى أهل البلاغة أن يأتوا بمثله فعجزوا، ثم حصل التنزل في التحدي إلى عشر سور فعجزوا، ثم حصل التحدي في التنزل إلى سورة فعجزوا، وأقصر سورة في القرآن هي: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] و﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] و﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر:١]، ولا يستطيع أحد أن يأتي بمثل هذا الكلام بهذا المقدار الذي هو أقصر سورة التي تأتي في سطر أو سطر ونصف.\nوهذه المعجزة ليست كمعجزة الأنبياء السابقين التي هي وقتية والتي لا يشاهدها إلا من كان في زمانهم، مثل: العصا التي قلبت حية تسعى، ما رآها إلا الذين كانوا في زمن موسى وبعد ذلك لا يعرفون عنها إلا أخبارها، وكذلك عيسى وكونه يحصل منه إبراء الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذن الله، هذا شاهده من شاهده في زمانه، وأما معجزة نبينا محمد ﵊ التي هي القرآن فهي قائمة ومستمرة، وكان ما اشتمل عليه من فصاحة وبلاغة هو مناط إعجاب أهل الفصاحة والبلاغة، مع شدة عداوتهم للرسول ﷺ، فهذا جبير بن مطعم النوفلي ﵁ قبل أن يسلم، كان سبب إسلامه أنه سمع النبي ﷺ وهو في حال كفره يقرأ بسورة الطور وهو يصلي بالناس، فلما جاء عند قول الله ﷿ ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٦]، قال: كاد قلبي أن يطير.\nيعني: من حسن هذا الكلام وإعجازه، ثم أسلم ودخل في الإسلام رضي الله تعالى عنه وأرضاه.","vol":"14","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>معنى النصيحة للرسول ﷺ</span>\nأما النصيحة للرسول ﷺ تكون بالإيمان به وتعظيمه وتوقيره، ومحبته محبة تفوق محبة النفس والوالدين والناس أجمعين، كما قال ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)؛ وذلك لأن النعمة التي ساقها الله على يديه أعظم من أي نعمة تحصل للإنسان ألا وهي نعمة الهداية على الصراط المستقيم، ودعوتهم إلى ما فيه الخروج من الظلمات إلى النور، فهذه أجل وأعظم النعم التي لا يماثلها نعمة ولا يساويها نعمة، وتكون أيضًا بتصديقه في كل ما يخبر به من أمور غائبة سواء كانت ماضية أو مستقبلة أو موجودة، وكذلك امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وكذلك أن تكون عبادة الله ﷿ طبقًا لشريعته ﵊ فيتابع النبي ﵊، كما أنها تكون خالصة لله فتكون أيضًا مطابقة لسنة رسول الله ﷺ، وهذان هما الشرطان الأساسيان في قبول كل عمل.\nفإذًا: لا بد من تجريد الإخلاص لله وحده، ولا بد من تجريد المتابعة للرسول ﷺ.\nولهذا يقول شارح الطحاوية: هنا توحيدان لا بد منهما: توحيد الرسول وتوحيد المرسل، وتوحيد المرسل وهو الله ﷾ يقوم بعبادته وإخلاص العبادة له، وتوحيد الرسول بالمتابعة له ﵊؛ لأن العمل لا يكون مقبولًا عند الله إلا إذا كان خالصًا لله، وأن يكون المتبع فيه رسوله الكريم ﵊، وألا يكون العمل مبنيًا على بدع ومحدثات ومنكرات، فإنه إذا كان كذلك يكون مردودًا على صاحبه كما مر في حديث عائشة ﵂: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وهذا لفظ متفق عليه كما عرفنا، ولفظ مسلم: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد).\nكذلك من النصح لرسوله ﷺ النصح لسنته ولما جاء به من الحق والهدى، وذلك يكون بتعلمه والتفقه فيه ونشره وإذاعته وهداية الناس إليه، ودعوتهم إليه وتبشيرهم به، كما قال النبي الكريم ﵊: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين)، لأن هذا داخل تحت النصح للرسول ﷺ، والعمل على كل ما فيه توصيل أصولها إلى الناس سواء عن طريق التدريس أو عن طريق الكتابة، أو غير ذلك من الوسائل التي توصل هذا الحق إلى الناس.","vol":"14","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>معنى النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم</span>\nأما النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم فالولاة يكون النصح لهم بالسمع والطاعة لهم بالمعروف، ويكون بدلالتهم على الخير والتعاون معهم على البر والتقوى، وإرشادهم إلى ما ينبغي إرشادهم إليه مما يحصل تنبيههم عليه ولفت أنظارهم إليه، وكذلك الدعاء لهم وترك الخروج عليهم ولو حصل منهم الجور، وكذلك تعليم الناس وتوجيههم إلى السنة الدالة على أنه يجب ويتعين مناصحة الولاة والدعاء لهم، وألا يخرج الإنسان عليهم، وألا يؤلب الناس عليهم، وألا يأتي بالأمور التي تهيج الناس عليهم وتفسد قلوبهم عليهم، وإنما يسعى لجمع القلوب عليهم والدعاء لهم وعدم الدعاء عليهم، وهذه طريقة أهل السنة والجماعة، ولهذا جاء عن الإمام أحمد رحمة الله عليه وعن الفضيل بن عياض ﵀ أن كلًا منهما قال: لو كان لي دعوة مستجابة لجعلتها في السلطان؛ لأن السلطان إذا صلح يحصل بصلاحه الخير الكثير، وإذا فسد يحصل بفساده الشر الكثير.\nيعني: يكون بصلاحهم إظهار أمر الدين وإظهار الشرع وقمع أهل الفساد وإقامة حدود الله، وإقامة شرع الله، ويكون الإحسان إلى الناس ووصول الخير لهم، فينبغي أن يدعو لهم المسلم بالصلاح والتوفيق والتسديد، وأن يمكنهم وأن يوفقهم الله ﷿ لكل ما فيه رفعة الإسلام وإعلاء شأن المسلمين، كل هذا من الأمور التي تجب للولاة على الرعية.\nأما النصح لعامة المسلمين وهم الرعية يكون ذلك بإرشادهم وتعليمهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ودلالتهم على الخير، وأن يحب الإنسان لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لها، كما قال ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).\nوقال ﵊: (من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله وباليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه) يعني: أن يعامل الناس بمثل ما يحب أن يعاملوه به، فكما أنه يحب أن يعامل معاملة طيبة عليه أن يعامل الناس معاملة طيبة، ويدخل في ذلك تعليمهم وتوجيههم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، والحرص على إيصال الخير إليهم، ودفع الأذى عنهم، فيصل إليهم خيره ويندفع عنهم ضرره، فيكون نصيبهم منه الفائدة والمصلحة مع سلامتهم مما يكون فيه من شر.","vol":"14","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>كلام ابن الصلاح فيما يتعلق بالنصيحة</span>\nذكر العلماء وفصلوا فيما يتعلق ببيان هذه النصيحة، ولمن تكون هذه النصيحة، ومن أحسن من جمع الكلام في هذه النصيحة كلام لـ أبي عمرو بن الصلاح في كتاب له يتعلق بصحيح مسلم، وقد نقله الحافظ ابن رجب في شرحه لهذا الحديث، فنقرأ كلام أبي عمرو بن الصلاح في ذلك وهو في آخر شرح هذا الحديث.\nقال أبو عمرو بن الصلاح: النصيحة كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادة وفعلًا، فالنصيحة لله تعالى توحيده ووصفه بصفات الكمال والجلال، وتنزيهه عما يضادها ويخالفها، وتجنب معاصيه والقيام بطاعته ومحابه بوصف الإخلاص والحب فيه والبغض فيه وجهاد من كفر به تعالى وما ضاهى ذلك، والدعاء إلى ذلك والحث عليه.\nوالنصيحة لكتابه الإيمان به وتعظيمه وتنزيهه، وتلاوته حق تلاوته، والوقوف مع أوامره ونواهيه، وتفهم علومه وأمثاله وتدبر آياته والدعاء إليه، وذب تحريف الغالين وطعن الملحدين عنه.\nوالنصيحة لرسوله الإيمان به وبما جاء به، وتوقيره وتبجيله والتمسك بطاعته، وإحياء سنته، واستثارة علومها ونشرها، ومعاداة من عاداه وعاداها، وموالاة من والاه ووالاها، والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه ومحبة آله وصحابته ونحو ذلك.\nوالنصيحة لأئمة المسلمين وبمعاونتهم على الحق وطاعتهم فيه وتذكيرهم به، وتنبيههم برفق ولطف، ومجانبة الوثوب عليهم والدعاء لهم بالتوفيق.\nوالنصيحة لعامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم، وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم، وستر عوراتهم وسد خلاتهم، ونصرتهم على أعدائهم والذب عنهم، ومجانبة الغش والحسد لهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكرهه لنفسه وما شابه ذلك.\nهذا كلام مختصر وواضح في بيان هذه الأمور الخمسة، والعلماء تكلموا فيها بألفاظ متقاربة كما هو معلوم، كلها ألفاظ وعبارات تدور في شيء واحد وتتعلق بشيء واحد، فاختلفت العبارات والمعنى واحد، ولكن هذا الكلام الذي نقله الحافظ ابن رجب هو من أخصر وأجمع الكلام فيما يتعلق ببيان هذه الأمور الخمسة التي اشتمل عليها حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله تعالى عنه، وأنا ذكرت في كتاب: قطف الجنى الداني فيما يتعلق بطاعة ولاة الأمور، وقد ذكر ذلك ابن أبي زيد في جملة مسائل العقيدة، فأنا نقلت نقولًا عديدة عن العلماء تتعلق بنصب الولاة وبما يتعلق بالولاة من النصيحة لهم، وأن السنة جاءت بذلك في أحاديث عديدة، ومن بين ذلك هذا الحديث الذي هو حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري ﵁.","vol":"14","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-288>الأسئلة</span>","vol":"14","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>النصيحة للسنة النبوية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يشمل النصح للرسول ﷺ النصيحة لسنته؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، نحن قلنا: إن من النصح للرسول ﷺ النصح لسنته، وذلك بتعظيمها وتعلمها وتعليمها ونشرها ودعوة الناس إليها، كل هذا داخل تحت النصح للرسول ﷺ؛ لأن الرسول ﵊ بعثه الله بالحق والهدى، والعناية بالحق والهدى الذي جاء به هو من النصح له ﷺ؛ لأن الله تعالى بعثه لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وتبصيرهم بالطرق التي توصل إليه، كما قال الله ﷿: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣].\nفمن النصح له النصح لسنته، وسنته هي الأحاديث والآثار المروية عنه ﵊، فهي التي يجب تعظيمه فيها ويجب الحرص عليها وإشاعتها، وحث الناس على تعلمها وتعليمها والتفقه فيها والعمل بها؛ لأن هذا هو المقصود من الرسالة، يعني: المقصود من الرسالة العلم والعمل، كون الإنسان يعلم الحق ويعمل به، كما قال الله ﷿: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣].","vol":"14","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>حكم التكني بالأنثى</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل في حديث أبي رقية (الدين النصيحة) دليل على من ينكر التكنية بالأنثى؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معلوم أن التكني إنما يكون بالأكبر من الأولاد، كما جاء في حديث أبي شريح الذي كان يكنى بـ أبي الحكم، فقال له ﷺ: (هل لك من ولد؟ قال: نعم، فقال: من هم؟! قال: فلان وفلان وشريح قال من أكبرهم؟ قال: شريح، قال: أنت أبو شريح)، فكناه بالأكبر، لكن إذا كان الإنسان ليس عنده ذكور وكنى نفسه ببنت من بناته ليس في ذلك مانع، لكن كونه يتكنى بأنثى ويترك الأولاد هذا فيه محذور؛ لأن الرسول ﷺ أرشده إلى أن يتكنى بالذكور وبأكبر الذكور، وقد يتكنى الإنسان قبل أن يولد له.\nفالحاصل أنه في الأصل لا محذور فيه، وإنما المحذور أن يترك البنين ويتكنى بالإناث.","vol":"14","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>وجه دخول العلماء والأمراء في النصيحة لأئمة المسلمين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ألا يمكن تفسير: (أئمة المسلمين) في الحديث كما فسر في الآية: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، فيدخل فيهم العلماء والأمراء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لقد ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره أن من العلماء من فسر ولاة الأمر بالعلماء والأمراء، ومنهم من فسرها بالعلماء فقط، ومنهم من فسرها بالأمراء فقط، ولاشك أن العلماء ولاة الأمر والمرجع فيما يتعلق بأمور الدين وبيان أحكامه، وأما ولاة الأمر الذين هم الأمراء فهم المناط بهم التنفيذ والتطبيق للأحكام، ولهذا يسمع لهم ويطاعوا في حدود المعروف، وأما العلماء فإنهم المرجع في بيان أحكام الشرع وفيما يتعبد الله ﷿ به، والله تعالى يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء:٧]، الذين هم العلماء، وكما قال النبي ﷺ: (وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر)، ولهذا الرسول ﷺ يورث عنه العلم ولا يورث عنه المال، والموفق هو الذي يحرص على أن يكون له نصيب من هذا الميراث الذي هو العلم النافع، وهذا من أعظم الشرف الذي يحصل للعلماء أن يحصل لهم هذا الوصف، وأنهم وارثو الرسول ﷺ؛ لأن الرسول ﷺ بعثه الله بالحق والهدى، وهذا الميراث هو الحق والهدى.\nفحديث أبي الدرداء المشتمل على خمس جمل كلها تدل على فضل العلم، وآخرها هذه الجملة، وقد شرحها ابن رجب ﵀ في جزء لطيف، وابن رجب ﵀ له أجزاء حديثية يتكلم فيها على حديث معين في جزء، فيذكر ما فيه من الآثار، وهذه طريقة ابن رجب في شرح الحديث أنه يعنى بالآثار كما في كتاب (جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم) فإنه اعتنى بالآثار رحمة الله عليه، وقد شرح حديث أبي الدرداء هذا الذي فيه: (من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات والأرض حتى الحيتان في الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع، وإن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر)، ولهذا فإن سائر الناس الذين هم غير الأنبياء يجمعون المال ويرثه عنهم أقرباؤهم، وأما الرسل والأنبياء فإنهم لا يورث عنهم المال بل المال يتركونه صدقة، كما قال ﵊: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة) ولكن ميراثهم العلم النافع، كما جاء في هذا الحديث: (وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا)، فالأنبياء إنما جاءوا بالحق والهدى، فميراثهم مبذول لكل من أراده وليس لأحد دون أحد، فمن أراد نصيبه من هذا الميراث فالباب مفتوح، لا يحول بينه وبينه شيء، وإنما يعزم ويتوكل على الله ويقبل ويجد ويجتهد، والميراث أمانة.","vol":"14","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-292>كيفية النصيحة لولاة الأمر إذا كان المراد بهم العلماء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف تكون النصيحة لولاة الأمر إذا كان المراد بهم العلماء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  النصيحة للعلماء تكون بمحبتهم والدعاء لهم وتوقيرهم، والاستفادة من علمهم، والرجوع إليهم في أمور الدين، وعدم الولوغ في أعراضهم؛ لأن الولوغ في أعراضهم ليس كالولوغ في أعراض سائر الناس، كما قال ابن عساكر: إن لحوم العلماء مسمومة.\nيعني: أن الإنسان الذي يقع فيهم إنما يقع في الهلاك وما فيه الضرر، فتوقيرهم واحترامهم والرجوع إليهم وإرشاد الناس إلى الاستفادة من علمهم، وعدم قطع الطريق التي توصل إلى الاستفادة منهم، كل ذلك من النصيحة لعلماء المسلمين.","vol":"14","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-293>معنى كلام ابن رجب في النصيحة لرسول الله</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقول ابن رجب في النصيحة للرسول ﷺ: وحب من كان منه بسبيل من قرابة أو صهر أو هجرة أو نصرة أو صحبة ساعة من ليل أو نهار على الإسلام والتشبه به في زيه ولباسه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كما هو معلوم فيما يتعلق باللباس الأمر فيه واسع، والرسول ﷺ كان يلبس الألبسة المختلفة، فيلبس القميص ويلبس الإزار ويلبس الرداء، والأمر في ذلك واسع.","vol":"14","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-294>حكم النصيحة للمبتدع</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم النصيحة للمبتدع؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  النصح لمن أخطأ سواء في اعتقاد أو عمل مطلوب، وذلك ببيان خطئه فيما يتعلق بالعقيدة والنصح له وتوجيهه وإرشاده، وبيان الحق الذي هو خلاف ما هو عليه، وحثه على الالتزام والرجوع إلى الحق، وعدم التمادي في الباطل، فهذه هي النصيحة التي تكون للمبتدع إذا كان يرجى رجوعه، أما إذا كان من الموغلين في البدع، ومن المحاربين للسنة والجماعة والمناوئين لهم، بل يكفرون من يكون عليها ويعتبرون أنه ليس على حق، فهؤلاء الواجب المباعدة منهم وعدم مخالطتهم، وبغضهم من أعظم ما يتقرب به إلى الله ﷿، مثل بعض فرق الضلال الذين يحصل منهم النيل من السنة وأهلها؛ لأنها تتلقى العلم على وجه يختلف عن تلقيها الذي يكون من أهل السنة، بل يكون لتلقيها شيء آخر لا يتفق مع أهل السنة ولا علاقة له بالسنة، فمثل هؤلاء الواجب الحذر منهم والبعد عنهم، وبيان شدة ما هم عليه من الخطأ حتى يحذرهم الناس ولا يغترون بهم.","vol":"14","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-295>ردود العلماء على أهل الأهواء والبدع من النصح لعامة المسلمين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يدخل في النصح لعامة المسلمين ردود العلماء على أهل الأهواء والبدع والتحذير من مناهجهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، يدخل من النصح للمسلمين بيان البدع والرد على أهلها، ولكنه إذا كان الخطأ من أهل السنة، فإنه يجب أن يختلف الرد عن المحاربين للسنة والمناوئين لها، فيكون برفق ولين وحرص على هداية ذلك المردود عليه، وشفقة عليه، مع رغبة وحرص على أن يستفيد وأن يرجع، ولكن لا ينصرف الإنسان عن كل ما ينبغي أن يكون عليه، إلى أن يكون شغله الشاغل ذلك المردود عليه، فالإنسان يرد وينتهي ويشتغل بالعلم وتعلمه ونشره والتأليف فيه ودعوة الناس إليه، أما الانشغال بمتابعة المردود عليه فهذا لا يعود على ذلك الذي أشغل نفسه بالخير، ولا يعود أيضًا على غيره بالخير، بحيث يشغل نفسه بعمل يعود عليه وعلى المسلمين بالنفع العظيم والعميم.","vol":"14","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-296>الدين النصيحة من جوامع الكلم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل من الممكن أن يقال: الدين النصيحة كقوله: الدعاء هو العبادة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم هذا من جنس قول: الدعاء هو العبادة يعني: هذا من الكلمات الجامعة مثل قوله ﷺ: (الحج عرفة) ومعناه: أن هذا الدعاء يدل على عظم شأنه بالعبادة وكأنه هو العبادة، مع أن العبادة لها أشياء أخرى غير الدعاء.","vol":"14","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>العلاقة بين المعنى اللغوي والشرعي لكلمة النصيحة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي لكلمة (النصيحة)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معلوم أن المعنى اللغوي مأخوذ من تخليص العسل من الشوائب بحيث يكون خالصًا مصفى، والنصيحة هي السعي للخير إلى المنصوح ودفع الضرر عنه، فيما إذا كان يتعلق مثلًا بأئمة المسلمين وعامتهم، ففيه تصفية الشخص المنصوح وتخليصه لأن يكون على سداد وهدى، وأن يكون سليمًا من الشوائب ومن الأشياء التي هي مخالفة للصواب.\nكذلك المعنى الثاني: مأخوذ من النصح وهو الخياطة، وذلك أن المنصحة يكون فيها لم شتات الثوب والشقوق إلى بعضها حتى يكون الثوب مستقيمًا، فكذلك النصح للإنسان والنصح للغير يكون بتسديده وبالعمل على إصلاح الخلل الذي حصل منه، وذلك بحصول السداد والاستقامة فيه، والتطابق بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي واضح وجلي.","vol":"14","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-298>حكم نصح الذمي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقول ابن رجب في آخر شرحه: وقال الإمام أحمد ﵀: ليس على المسلم نصح الذمي وعليه نصح المسلم، هل هذا على عمومه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، ليس على عمومه، بل نصح الذمي يكون بدعوته إلى الإسلام وترغيبه فيه، وبيان محاسنه، والحرص على هدايته، وأن يخرج من الظلمات إلى النور، وكذلك أيضًا يكون بعدم الغش له، لا يغشه كما أنه لا يغش المسلم، وفي قيام المسلمين بالمعاملة الطيبة التي جاء بها الإسلام وهي الدعوة إلى الإسلام بالأفعال، ومن المعلوم أن الدعوة إلى الإسلام تكون بالأقوال والأفعال، وهي القدوة الحسنة والمعاملة الطيبة، وقد يحصل بكون الإنسان يدعو بفعله ويقصد بمعاملته ما يحصل من وراء ذلك من الانتفاع؛ ليكون ذلك سببًا في قبول من يدعوه ويرشده ويبصره، فالنصيحة تكون للمسلمين والكفار، ومن النصح للكفار دعوتهم إلى الإسلام.","vol":"14","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-299>كيفية النصيحة للإمام</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف تكون النصيحة للإمام خصوصًا إذا كانت امرأة، هل لا بد من طاعتها، مع أن النبي ﷺ قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة).\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المتسلط ولو كان كافرًا ليس أمام الناس إلا أن يسمعوا ويطيعوا فيما هو معروف، ومن ليس أهلًا للإمامة والولاية إذا أمكن التخلص منه بعدم ارتكاب مضرة أكبر فإن هذا مطلوب، فالكافر إذا تسلط على المسلمين وأمكنهم التخلص منه بأن لا يحصل ضرر أكبر من القيام للتخلص منه فإن ذلك مطلوب؛ لأن الحاكم المسلم لا يجوز الخروج عليه، والكافر إذا تسلط والحاكم المسلم إذا ارتد فإنه يجوز الخروج عليه، لكن لا يجوز الخروج إذا كانوا جماعة قليلين لا يؤبه لهم ولا يستطيعون التخلص من ذلك الوالي، فإن هذا ليس من المصلحة؛ لأن نتيجته راجعة على الخارجين ويبقى الكافر في مكانه، وكذلك المرأة ليست أهلًا للولاية ولا يصلح أن تكون للولاية، وقد أجمع المسلمون على أنه لا يجوز أن تتولى المرأة الولاية، بل من شرط الوالي أن يكون ذكرًا ولا يجوز أن يكون أنثى، وكما هو معلوم أن الوالي له أمور لا يمكن للأنثى أن تقوم بها، الوالي هو الذي يصلي بالناس إذا حضر، والمرأة تقف بآخر الصفوف لا تكون إمامة، والمرأة تحتاج إلى محرم إذا أرادت أن تسافر، هكذا الحكم الشرعي، المرأة لا يخلو بها الرجل، ولا تجلس امرأة مع رجل إلا كان الشيطان ثالثهما، ولما ولى الفرس امرأة بعد موت كسرى وبلغ ذلك النبي ﵊، قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، فالمرأة ليست من أهل الولاية، ولكنها إذا تسلطت فهي أهون من الكافر، والتخلص منها مطلوب لكن بشرط ألا يحصل بالعمل على التخلص منها مضرة أكبر، والكافر نفسه يعامل بهذه المعاملة وكذلك المرأة.","vol":"14","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>حكم نقل النساء مسافة قصر دون محرم وحكم الجمع في هذا السفر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أنا أقوم بإيصال مدرسات من المدينة إلى السويرقية والمسافة قرابة مائتين وعشرة كيلو متر، فهل يجوز لي جمع الظهر مع العصر طيلة الفترة التي أعمل بها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كان ينبغي له أن يسأل عن حكم إيصال المعلمات قبل أن يسأل عن الجمع، فكأن الحكم عنده مسلم به، وإنما السؤال عن الجمع، فنقول: أولًا هذا العمل الذي يعمله لا يجوز له أن يفعل ذلك؛ لقوله ﷺ: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم).\nهذا هو الحكم الشرعي بالنسبة لهذا، وأما فيما يتعلق بالجمع فكثيرًا ما يسأل عن هذا، فكثير من الناس تجده يصل إلى المدينة قبل العصر بمدة، ولكنه يجمع من أجل أن يصل لينام، والمؤذن يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح وهو نائم، فهذا لا ينبغي ولا يصلح، إلا إذا كان الإنسان يعلم أنه لا يصل إلا بعد أن تفوته الصلاة أو بعد أن يصلي الناس فليجمع، وأما إذا كان يعلم أنه سيأتي قبل ذلك بمدة ولكنه يريد أن يجمع من أجل أن ينام، فليس له ذلك، وإنما يصلي تلك الصلاة في وقتها، ويصلي العصر في وقتها مع الناس، ما دام أنه يصل بعد الظهر وقبل العصر.","vol":"14","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-301>كلام ابن تيمية في امتحان الناس بيزيد بن معاوية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نريد ذكر المرجع من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في امتحان الناس بـ يزيد بن معاوية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، هذا الكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية في الجزء الثالث من مجموع الفتاوى صفحة (٤١٣)، وهو كلام جيد، وأنا قد أحضرته حتى يقرأ بلفظه.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في كلام له عن يزيد بن معاوية: والصواب هو ما عليه الأئمة من أنه لا يخص بمحبة ولا يلعن، ومع هذا فإن كان فاسقًا أو ظالمًا فالله يغفر للفاسق والظالم، لاسيما إذا أتى بحسنات عظيمة وقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له)، وأول جيش غزاها كان أميرهم يزيد بن معاوية وكان معه أبو أيوب الأنصاري ﵁، فالواجب الاقتصاد في ذلك.\nهنا قال: الاقتصاد، وفي الأصل الاقتصار، لكن الذي يبدو أنه الاقتصاد، وهو التوسط والاعتدال؛ لأنه قال قبل ذلك: لا يخص بمحبة ولا يلعن، يعني: لا في جانب المدح ولا في جانب الذم، وإنما يعتدل ويتوسط في ذلك.\nثم قال: فالواجب الاقتصاد في ذلك والإعراض عن ذكر يزيد بن معاوية وامتحان الناس به، فإن هذا من البدع المخالفة لأهل السنة والجماعة.\nوقال: في الجزء الثالث صفحة (٤١٥): وكذلك التفريق بين الأمة وامتحانها بما لم يأمر الله به ولا رسوله ﷺ.\nهذا هو كلام شيخ الإسلام الذي في المجموع.","vol":"14","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-302>حكم الدعاء للحكام الذين لا يحكمون بشريعة الله</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  الحكام الذين لا يحكمون بشريعة الله تعالى، هل يدعى لهم ويوقرون ويحترمون وينصح لهم، أم أنهم كفار يدعى عليهم ويبغضون؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كانوا يحكمون بالقوانين الوضعية معتبرين أنها أولى وأحسن من الشريعة الإسلامية، أو أن الشريعة الإسلامية لا تصلح لهذا الزمان، أو أن أحكامها لا تناسب الحضارة المزعومة في هذا العصر، وأن الشريعة إنما صلحت في زمان متقدم وأما الأزمنة المتأخرة هذه لا تصلح فيها الشريعة، فهذه ردة وكفر بالله ﷿ وخروج من الدين، وأما إذا كان الحكم بغير ما أنزل الله مبنيًا على احترام الشريعة وتوقيرها، وكون الإنسان يعلم بأنه مخطئ، وأنه يحب أن يطبق الشريعة أو يسعى إلى أن يطبقها فهذا كفر دون كفر، وعلى كل حال: فالدعاء يكون للجميع بالهداية.","vol":"14","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>حكم النصيحة علانية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  متى تكون النصيحة علانية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  النصيحة في الأصل تكون سرية؛ لأن الإنسان هو نفسه لا يحب أن ينصح علانية، ولكن إذا حصل أمر فيه مخالفة للسنة وظهر وصارت المصلحة في إظهاره فإنه يكون علانية، مثل ما حصل من أبي سعيد الخدري مع مروان لما جاء يوم العيد وقدم الخطبة على الصلاة وصعد المنبر، وكان أبو سعيد يظن أنه قد نسي أو غفل؛ لأن العيد كما هو معلوم لا يأتي في السنة إلا مرتين، فقد يغفل الإنسان عن أيهما يقدم، فظن أنه نسي أو كذا فسحبه؛ فعلم أنه متعمد فتركه وجلس ولم ينصرف، قال الحافظ ابن حجر في شرحه في فتح الباري قال: وفي هذا دليل على أن العمل إذا حصل غير موافق للسنة فإنه يمكن للإنسان أن يبقى وألا يترك، لأنه ليس بواجب، ولهذا بقي ولم يخرج من المكان ويترك الصلاة، فهذا دليل على أن مثل ذلك أنه إذا بذلت ووجهت النصيحة فالإنسان لا يترك ذلك الشيء الذي هو مشروع؛ بسبب أنه حصل فيه أمر مخالف للسنة.","vol":"14","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>حكم مناصحة ولاة الأمر على المنابر والجرائد والمجلات</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل تجوز مناصحة ولاة الأمر على المنابر أو الجرائد والمجلات وغيرها من المحافل العامة، حيث يستدل بعض الناس بفعل العز بن عبد السلام وكذلك فعل ابن تيمية مع جنكيز خان أو نائبه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أولًا كل إنسان يعرف من نفسه أنه لا يحب أن ينصح علانية، والحافظ ابن رجب ذكر في آخر الكلام عن هذا الحديث، قال: كان السلف إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سرًا حتى قال بعضهم: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رءوس الناس فإنما وبخه، وقال الفضيل: المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير.\nويوضح هذا تمامًا كون الإنسان ينظر إلى نفسه ويقيس الناس على نفسه، وأنه يحب أن يعامله الناس معاملة طيبة، فإذا كان هذا الإنسان الذي ينصح على المنابر إذا حصل منه خطأ لا يحب أن يتكلم عليه في حضرة الناس.\nإذًا: فهو يعامل الناس مثل ما يحب أن يعاملوه به، والرسول ﷺ قال: (من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)، لا يكون شأنه مثل المطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون.\nإذا كان الحق له يريد أن يصل إليه كاملًا، وإذا كان لغيره لا يعطيه إياه كما يحب أن يعطى هو، وكذلك الحديث الذي فيه: (إن الله ينهاكم عن ثلاث: عن عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات)، (منع وهات) يعني: يريد الشيء لنفسه ولكن لا يريد أن يعطيه لغيره.\nفإذًا: النصح بهذه الطريقة لا يأتي بخير وإنما يأتي بشر، كما أن الإنسان نفسه لو أنه نصح على المنبر ما استفاد من هذه النصيحة بل عمل كل ما يمكنه في إدخال الأذى إلى هذا الناصح الذي فضحه على المنبر.\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"14","page":27},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-305>[١٥]</span>\nبالقيام بأركان الإسلام تحقن الدماء، وتحفظ الأموال، وتصان الأعراض، وتبقى الأخوة، وبترك أركان الدين أو جحودها تسفك الدماء، وتهدر الأموال، وتستباح الأعراض، وتنتفي الأخوة، فالإسلام كرامة للمؤمن وعز له واستعلاء على الكافر وإذلال له.","vol":"15","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>شرح حديث (أمرت أن أقاتل الناس)</span>\nالحديث الثامن من الأربعين النووية: عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله)، رواه البخاري ومسلم.","vol":"15","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-307>الشهادتان ومكانتهما من الإسلام</span>\nهذا حديث عظيم من أحاديث النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.\nفقوله ﷺ: (أمرت)، هذه الصيغة من النبي ﵊، يكون الآمر له فيها هو الله ﷿، لأنه لا آمر للرسول ﷺ إلا الله، فإذا قال النبي ﷺ: أمرت بكذا أو نهيت عن كذا فالذي أمره ونهاه هو الله ﷿، أما إذا قال أصحابه الكرام ﵃ وأرضاهم: أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا فالآمر والناهي لهم هو رسول الله ﷺ، ومن المعلوم أن أمر الرسول ﷺ ونهيه هو من عند الله، لأن السنة هي من عند الله كما أن القرآن من عند الله؛ لكن الذي يخاطبهم بذلك هو رسول الله ﷺ.\nوقوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله)، وهذا يدل على أنهم يدعون إلى الإسلام، وإذا لم تحصل الاستجابة بالدعوة وبالكلام فإنه ينتقل إلى القتال، ولفظة (حتى) للغاية، فالقتال ينتهي بهذه الغاية، وهي كونهم يأتون بالشهادتين، ويأتون بالصلاة والزكاة.\nثم الحديث بدأ فيه بالشهادتين، وذلك أن الشهادتين هما الأساس وهما المدخل والمفتاح، وقد جاء عن النبي الكريم ﵊ أنه كان أول ما بعثه الله ﷿ يأتي إلى العرب في أماكن اجتماعهم، ويقول لهم: (يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا) فالدعوة أول ما تكون إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله ﷿، ولهذا بدأ بالشهادتين قبل ذكر غيرهما، وذلك أنهما هما الأساس الذي يبنى عليهما غيرهما، وأي عمل لا يكون نافعًا ولا يكون مقبولًا إلا إذا كان مبنيًا عليهما.\nوفيه أيضًا التلازم بين الشهادتين وأنه لا بد من كليهما، فيجب على كل إنسي وجني من حين بعثته ﵊ إلى قيام الساعة الإتيان بهما، لا ينفعه دين ولا يستقيم له أمر إلا إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ، وأهل الكتاب لا ينفعهم إيمانهم بنبيهم الذي ينتسبون إليه ما لم يؤمنوا بمحمد ﷺ، فاليهود المنتسبون إلى موسى والنصارى المنتسبون إلى عيسى لا ينفعهم إيمانهم بموسى ولا إيمانهم بعيسى بعد بعثته ﷺ حتى يؤمنوا بمحمد ويتبعوه، ولا يتابعوا أحدًا ممن كانوا قبله بعد بعثته؛ لأن شريعته نسخت كل الشرائع، ولهذا قال ﵊: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار).\nوذلك أن اليهود والنصارى من أمة الدعوة، أي الذين توجه إليهم الدعوة ويطلب منهم الدخول في الإسلام، ورسالة الرسول ﷺ عامة الناس جميعًا، بل هي إلى الثقلين الإنس والجن، لا يسع أحدًا الخروج عن هذه الشريعة وعدم الدخول فيها، ولا ينفع أحدًا أن يكون تابعًا لنبي من الأنبياء بعد بعثته ﵊، ولهذا جاء عن النبي ﵊ أنه قال في موسى الذي يزعم اليهود أنهم أتباعه: (لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي) وأخبر ﵊ أن عيسى الذي يزعم النصارى أنهم أتباعه، سينزل في آخر الزمان، ويحكم بهذه الشريعة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام، ولا يحكم بالإنجيل الذي أنزله الله إليه لأنه قد أمر بهذه الشريعة وهي شريعة نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.\nفإذًا: لا بد من الشهادتين، الشهادة لله بالوحدانية، ولنبيه محمد ﵊ بالرسالة، وهما شهادتان متلازمتان لا بد منهما جميعًا، ولا بد مع شهادة أن لا إله الله من شهادة أن محمدًا رسول الله، ولا يكتفى بواحدة عن الأخرى، بل يتعين الإتيان بهما جميعًا، وذلك أن الرسالة عامة لكل أحد من حين بعثته ﵊ إلى قيام الساعة.","vol":"15","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-308>الصلاة والزكاة ومنزلتهما من الإسلام</span>\nثم إنه ذكر الصلاة والزكاة فقال: (حتى يشهدوا أن لا إله الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة) وهذا يدلنا على أهمية هاتين العبادتين.\nذكر الصلاة لأنها رأس العبادات البدنية، ثم الزكاة لأنها رأس العبادات المالية، ولا يعني ذلك أنه لا يطالب بغيرها، بل هو مطالب به، وإنما اقتصر عليها لأن من أتى بها يسهل عليه أن يأتي بغيرها، فإذا سهل عليه أداء الصلاة، والزكاة، سهل عليه أن يصوم ويحج ويأتي بالأفعال الأخرى من باب أولى، فإنه ذكر ما هو أهم وما هو أولى من غيره، وأن من أتى به فإنه يأتي بغيره، ولا يعني ذلك أن ما لم يذكر في الحديث ليس كذلك، بل كله مهم، وكل ما جاء به الرسول ﷺ من الأوامر والنواهي مطلوب ومتعين، ولا بد منه، ولا يقال: إنه يكتفى بهذه عن غيرها.\nثم إن الحديث جاء في المقاتلة وهي غير القتل، فإذًا: فالكفار يجاهدون في سبيل الله ويقاتلون على الكفر، ولكنهم يدعون إلى الإسلام أولًا، وإذا لم ينفع الكلام انتقلنا إلى السنان، كما قال الله ﷿: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد:٢٥].\nفإن هناك كتابًا وجهادًا وقتالًا، فإذا نفع الكتاب ونفعت الدعوة استغني عن القتال ولم يكن هناك حاجة إليه، وإن حصل الامتناع فإنه ينتقل من الدعوة والكلام إلى القتال.\nولهذا يقول شيخنا الشيخ محمد أمين الشنقيطي ﵀ حول معنى هذه الآية من سورة الحديد: من لم تقومه الكتب قومته الكتائب، أي: من لم يقومه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، والدعوة إلى الله ﷿ بالكلام، فإنه ينتقل بعد ذلك إلى السنان، وقد جمع الله تعالى بين القوة المعنوية والقوة الحسية في هذه الآية، فقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ [الحديد:٢٥].\nفالبينات هي الحجة وهذا هو البيان المعنوي، ثم الحسي في قول الله ﷿: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد:٢٥]، فهناك قتال على الإسلام.\nوإذا وجد الإسلام ولكن حصل امتناع عن أداء الفرائض والواجبات فإنهم أيضًا يقاتلون على ذلك، كما حصل من قتال أبي بكر ﵁ لمانعي الزكاة مع كونهم يصلون، ويشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ولكنهم امتنعوا عن الزكاة وتأولوا، وقالوا: إن الله ﷿ يقول: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيهِم﴾ [التوبة:١٠٣]، قالوا: فغيره ﷺ لا يقوم مقامه.\nفـ أبو بكر ﵁ عزم على قتالهم، وكان ﵁ معروفًا باللين والرأفة والرحمة، وعمر ﵁ معروف بالشدة والقوة، ولكن أبا بكر ﵁ في هذا المقام صار أقوى منه، ولما ناظره عمر وراجعه وقال: (كيف تقاتل الناس وهم يقولون لا إله إلا الله؟ قال: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة)، أنهم يصلون ولكنهم امتنعوا من أداء الزكاة، فمن صلى فعليه أن يزكي، وإذا امتنع من الزكاة، فإن كان هذا الامتناع من قوم لهم منعة وشوكة فإنهم يقاتلون، وأما إذا كان الامتناع من شخص أو أشخاص يمكن أخذ الزكاة منهم من غير قتال، فإنها تؤخذ الزكاة منهم.\nأي أن الشخص إذا امتنع من الزكاة لا يقتل، وإنما تؤخذ منه قهرًا، وإذا امتنع قوتل مثلما حصل لمانعي الزكاة في عهد أبي بكر ﵁ فإنه قاتلهم وقال: (لو منعوني عقالًا كان يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه).\nيعني: أن الشيء الذي كان موجودًا في زمنه ﷺ لابد أن يستمر بعده، ولابد وأن يوجد بعده، ولا ينتهي الأمر عند زمنه ﷺ، بل شريعته باقية ومستمرة، والزكاة فرض كما أن الصلاة فرض، فالصلاة أهم العبادات البدنية، والزكاة أهم العبادات المالية، فإذا امتنعوا عن أدائها فإنهم يقاتلون حتى يؤدونها، وإذا كان الامتناع من أشخاص مقدورًا عليهم لم يقاتلوا عليها وتؤخذ منهم قهرًا، ويكون بذلك قد حصل المطلوب.\nفـ أبو بكر ﵁ وأرضاه وقف هذه الوقفة العظيمة، ولما راجعه عمر ولم يكن هناك نص يتعلق بخصوص القتال على منع الزكاة؛ لأنه لو كان عندهم شيء ما احتاج أبو بكر إلى أن يقيس الزكاة التي امتنعوا منها على الصلاة التي يؤدونها، ولم يحتج إلى أن يستدل بالعموم في قوله: (إلا بحقها، قال: والزكاة من حقها).\nولهذا يقول الحافظ ابن حجر: هذا فيه دليل على أن السنة قد تخفى على أكابر الصحابة ويعلم بها من دونهم، ولا يعد ذلك نقصًا أو قدحًا؛ لأنه معلوم أن سنة الرسول ﷺ تؤخذ عنه في مجالسه، ويحضر هذا المجلس من يحضر ويغيب عنه من يغيب، فتأتي السنة عن رسول الله ﷺ في مجلس، ويكون بعض الصحابة الكبار قد غابوا عن ذلك المجلس، ثم يكون قد حضر من هو دونهم.\nفـ أبو بكر وعمر ﵄ لم يبلغهم الحديث في ذلك، وقد بلغ ابن عمر، وكذلك أبو هريرة، فإنه ذكر الصلاة والزكاة مع الشهادتين؛ ولهذا حصل ما حصل من المناظرة بين عمر وأبي بكر ﵁، فاعتمد أبو بكر على القياس، وعلى الأخذ من العموم في قوله: (إلا بحقها).\nوبذلك أقدم أبو بكر على ما أقدم عليه، ثم تبين أن الحديث مطابق لهذا الشيء الذي عزم عليه أبو بكر، وأن سنة الرسول ﷺ جاءت بالقتال إلى حصول الشهادتين مع الصلاة والزكاة.\nثم إن الحديث يدل على البدء بالأهم فالأهم، فقد بدأ بالشهادتين، ثم ثني بعدهما بالصلاة، ثم ذكر الزكاة، وهذا الترتيب قد جاء في وصية النبي ﷺ لـ معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه لما بعثه إلى اليمن، قال: (إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم).\nوهذه الأركان الثلاثة هي التي جاءت في حديث ابن عمر هذا وحديث أبي هريرة في بعض طرقه الذي جاء فيها ذكر الصلاة والزكاة مع الشهادتين.\nوهذا العموم في المقاتلة مستثنى منه أهل الكتاب إذا أدوا الجزية، فإنهم إذا أدوا الجزية قبلت منهم، ولم يقاتلوا، وذلك أنهم إذا دخلوا تحت حكم الإسلام كان ذلك من أسباب دخولهم في الإسلام، لأنهم يشاهدون عدل الإسلام، ويشاهدون ما اشتمل عليه الإسلام من الخير، وما فيه من المحاسن؛ فيكون ذلك من أسباب دخولهم بدون أن يقاتلوا؛ لأن المقصود هو الهداية، والدخول في الإسلام.\nولهذا جاز للمسلمين أن ينكحوا الكتابيات، ولم يجز للكتابيين أن يتزوجوا المسلمات، وذلك أن الكتابية إذا كانت تحت المسلم كان قوامًا عليها، وهي تحت إمرته وولايته، فيكون ذلك سببًا في دخولها في الإسلام، بخلاف العكس.\nوكذلك جاءت السنة في أهل الكتاب أنها تؤخذ منهم الجزية، وجاءت السنة أيضًا بأخذ الجزية من غيرهم، كما جاء في حديث بريدة بن الحصيب الطويل في صحيح مسلم، الذي يقول فيه: (كان رسول الله ﷺ إذا أمر على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرًا)، ثم ذكر في آخره: (الدعوة إلى الإسلام أو إلى الجزية وإلا المقاتلة).\nفإذن يستثنى من هذا العموم في هذا الحديث أخذ الجزية، فإن من حصل منه ذلك ودخل تحت ولاية المسلمين وحكمهم، فإنه تؤخذ منه الجزية ويمتنع من قتله وقتاله، حتى يكون دخوله تحت ولاية المسلمين وحكمهم، ويرضخ لما هم عليه؛ فيكون ذلك سببًا في دخوله الإسلام وخروجه من الكفر الذي هو عليه إلى دين الله ﷿.\nوكما قلت: إن هذه الصلاة والزكاة، وكذلك الصيام والحج وكل أمر معلوم من الإسلام بالضرورة، من جحده يكون كافرًا بإجماع المسلمين، ولكن من امتنع منه ولم يكن جاحدًا له، مثل أولئك الذين كانوا يصلون ولكنهم لا يدفعون الزكاة لظنهم أن الحكم يختص بالرسول ﷺ، وأنهم لا يدفعون الزكاة لـ أبي بكر ﵁ لفهمهم الخاطئ، بأن ذلك إنما هو من خصائص الكريم ﷺ، فامتنعوا وقوتلوا على ذلك، فكذلك أيضًا غيرها من شعائر الدين، إذا امتنع الناس منها وقاتلوا على امتناعهم فإنهم يقاتلون.\nولكن من كان غير جاحد للصيام وغير جاحد للحج وقدر عليه فإنه يعاقب بالحبس وبالعقوبة التي تجعله يقدم على الشيء الذي امتنع منه، إلا أن فرض الحج قد قال بعض العلماء إنه على التراخي، وإن الإنسان يمكن أن يؤخر الحج ثم يحج فيما بعد.\nوالحاصل أن من جحد أمرًا معلومًا من الإسلام بالضرورة فهو كافر مرتد عن الإسلام، ومن لم يجحده فإن كان قاتل دونه وحصلت لهم منعة قوتل، وإن لم تكن منعة وأمكن الإلزام بالشيء المطلوب ألزم به من دون قتال.","vol":"15","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>معنى قوله ﷺ: (إلا بحق الإسلام)</span>\nوقوله ﷺ: (إلا بحق الإسلام) يدل على أن ما سوى الصلاة والزكاة مما هو حق الإسلام حكمه حكم الصلاة والزكاة، فإن من امتنع من الأمور الواجبة المتعينة ومن شعائر الدين الظاهرة يقاتل؛ لأن ذلك داخل في حقها.\nولهذا ﵁ لما لم يكن عند أبي بكر ذكر الصلاة والزكاة، وكان عنده ذكر الشهادتين وذكر: (إلا بحقها)، قال: إن هذا من حق الإسلام؛ وكان الذين أراد أن يقاتلهم ونوظر من أجلهم كانوا يصلون ولكنهم امتنعوا عن الزكاة لشبهة ولتأويل عرض لهم، فقال: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، وقال: إنه قال: (إلا بحقها)، والزكاة حق المال.\nوقوله: (حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقوموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك) يعني: ما تقدم، والذي تقدم هو أقوال وأفعال؛ لأن الأقوال هي الشهادتان، والأفعال هي الصلاة والزكاة.\nففي هذا إطلاق الفعل على القول؛ لأن قوله: (فعلوا ذلك) يرجع إلى القول والفعل، وحركة اللسان فعل.","vol":"15","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>معنى قوله: (وحسابهم على الله)</span>\nقوله: (عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله)، يعني: أن الإنسان يدخل في الإسلام بالشهادتين، وهؤلاء الذين يشهدون منهم من تكون شهادته في الظاهر والباطن على حد سواء، فيكون صادقًا في إيمانه وإسلامه، ومنهم من ليس كذلك، لكن يقبل منه الظاهر، والسرائر لا يعلمها إلا الله ﷾، فمن شهد أن لا إله الله وأن محمدًا رسول الله كففنا عن قتاله، مع أنه قد يكون هذا القول صادقًا وقد تواطأ لسانه مع قلبه على ذلك، وقد يكون قال ذلك خوفًا من السيف، فأظهر الإسلام وهو مبطن للكفر كما هو شأن المنافقين، ولهذا قال ﵊: (وحسابهم على الله)، يعني: أن من أتى بهذه الأمور في الظاهر فإنه يكتفى منه بهذا، وأما فيما بينه وبين الله فإن كان صادقًا وكان ظاهره متفقًا مع باطنه فذلك ينفعه عند الله ﷿؛ لأن الله سيحاسبه وسيحصل له الخير، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧].\nوإذا كان ظاهره يخالف باطنه، بمعنى أنه أظهر الإيمان وأبطن الكفر، وقال ذلك نفاقًا وخوفًا من السيف، فإن هذا كذلك يكف عنه ويعصم دمه وماله بذلك، ولكنه من أهل الدرك الأسفل من النار.\nثم إن في قوله ﷺ: (حتى يشهدوا أن لا إله الله وأن محمدًا رسول الله) دليلًا على أن أول واجب على المكلف هو الشهادتان، ولا يطلب منه أمور أخرى قبلها، خلافًا لبعض المتكلمين القائلين إن أول واجب على المكلف النظر، أي أن ينظر في الأدلة وينظر في الكون، ثم بعد ذلك يشهد أن لا إله إلا الله.\nفنحن نقول: ما دام أنه يعرف شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإنه عليه أن يأتي بها ابتداء، ولا يحتاج الأمر إلى أمور تفعل قبل الشهادتين، وقد يؤخر الشهادتين ثم يموت قبل أن يشهد في المدة التي كان مطلوب منه أن ينظر، مثل ما حصل أن النبي ﷺ زار غلامًا من اليهود في مرض موته وعرض عليه الإسلام وكان أبوه جالسًا عنده، فنظر إلى أبيه فقال له: أطع أبا القاسم، فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ثم مات، وقال ﵊: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار).\nفإذًا أول واجب على المكلف الشهادتان، وليس أول واجب أن ينظر ويفكر ويتأمل، فإذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، خرج من الكفر ودخل في الإسلام، وبذلك يخرج من الظلمات إلى النور، ولا يجعل بينه وبين الخروج من الظلمات إلى النور مسافة.","vol":"15","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-311>فوائد حديث (أمرت أن أقاتل الناس)</span>\nوالحاصل أن هذا الحديث -حديث عبد الله بن عمر ﵄- حديث عظيم، وهو من جوامع كلم الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وقد كتبت بعض الفوائد حول هذا الحديث فنقرؤها.\nبسم الله الرحمن الرحيم، الحديث الثامن: [عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى)، رواه البخاري ومسلم].\n١ - قوله: (أمرت)، الآمر للرسول ﷺ هو الله؛ لأنه لا آمر له غيره، وإذا قال الصحابي: أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا، فالآمر والناهي لهم رسول الله ﷺ.\n٢ - لما توفي رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر ﵁، وارتد من ارتد من العرب، وامتنع من امتنع من دفع الزكاة، عزم أبو بكر ﵁ على قتالهم، بناءً على أن من حق الشهادتين أداء الزكاة، ولم يكن عنده الحديث بإضافة الصلاة والزكاة إلى الشهادتين كما في هذا الحديث.\nفناظر عمر أبا بكر في ذلك، وجاءت المناظرة بينهما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم قال: (لما توفي رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر العرب، قال عمر بن الخطاب لـ أبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحق وحسابهم على الله.\nفقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله ﷿ قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق).\nقال الحافظ في الفتح (١/ ٧٦): وقد استبعد قوم صحته، بأن الحديث لو كان عند ابن عمر لما ترك أباه ينازع أبا بكر في قتال مانعي الزكاة، ولو كانوا يعرفونه لما كان أبو بكر يقر عمر على الاستدلال بقوله ﵊: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله).\nوينتقل عن الاستدلال بهذا النص إلى القياس، إذ قال: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ لأنها قرينتها في كتاب الله.\nو\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أنه لا يلزم من كون الحديث المذكور عن ابن عمر أن يكون استحضره في تلك الحالة، ولو كان مستحضرًا له فقد يحتمل ألا يكون قد حضر المناظرة المذكورة، ولا يمتنع أن يكون ذكره لهما بعد.\nولم يستدل أبو بكر في قتال مانعي الزكاة بالقياس فقط، بل أخذه أيضًا من قوله ﵊ في الحديث الذي رواه: (إلا بحق الإسلام)، قال أبو بكر: والزكاة حق الإسلام.\nولم ينفرد ابن عمر ﵄ بالحديث المذكور، بل رواه أبو هريرة أيضًا بزيادة الصلاة والزكاة فيه، كما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في كتاب الزكاة.\nوفي القصة دليل على أن السنة قد تخفى على بعض أكابر الصحابة، ويطلع عليها آحادهم؛ ولهذا لا يلتفت إلى الآراء ولو قويت مع وجود سنة تخالفها، ولا يقال: كيف خفي ذا على فلان؟ والله الموفق.\n٣ - يستثنى من عموم مقاتلة الناس حتى الإتيان بما ذكر في الحديث أهل الكتاب إذا دفعوا الجزية لدلالة القرآن، وغيرهم إذا دفعها لدلالة السنة على ذلك، كما في حديث بريدة بن الحصيب الطويل في صحيح مسلم وأوله: (كان الرسول ﷺ إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرًا)، الحديث.\nوهذا حديث طويل يتعلق بالجهاد والوصية التي يكون عليها المجاهدون في سبيل الله.\nوقد أخرجه مسلم في صحيحه وشرحه ابن القيم في كتابه (أحكام أهل الذمة).\nوأنا قد أشرت إلى أنه تؤخذ منه الجزية؛ لأن الحديث هذا نفسه فيه أخذ الجزية، فأنا ذكرت أوله وهو حديث طويل، قال: (ادعهم إلى ثلاث خصال فإنهم أجابوك)، وذكر منها الجزية.\n٤ - يكفي للدخول في الإسلام الشهادتان، وهما أول واجب على المكلف، ولا التفات لأقوال المتكلمين في الاعتماد على أمور أخرى، كالنظر أو القصد إلى النظر.\nقال ابن دقيق العيد في شرح هذا الحديث: وفيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف، أن الإنسان إذا اعتقد دين الإسلام اعتقادًا جازمًا لا تردد فيه كفاه ذلك، ولا يجب عليه تعلم أدلة المتكلمين ومعرفة الله بها.\n٥ - المقاتلة على منع الزكاة تكون لمن امتنع عنها وقاتل عليها، أما إذا لم يقاتل فإنها تؤخذ منه قهرًا.\n٦ - قوله: (وحسابهم على الله)، أي: من أظهر الإسلام وأتى بالشهادتين فإنه يعصم ماله ودمه، فإن كان صادقًا ظاهرًا وباطنًا نفعه ذلك عند الله، وإن كان الباطن بخلاف الظاهر وكان أظهر ذلك نفاقًا فهو من أهل الدرك الأسفل من النار.\n٧ - ما يستفاد من الحديث:- - الأمر بالمقاتلة إلى حصول الشهادتين والصلاة والزكاة.\n- إطلاق الفعل على القول، لقوله: (فإذا فعلوا ذلك)، ومما ذكر قبله الشهادتان، وهما قول.\n- إثبات حساب الأعمال يوم القيامة.\n- أن من امتنع من دفع الزكاة قوتل على منعه حتى يؤديها.\n- أن من أظهر الإسلام قبل منه ووكل أمر باطنه إلى الله.\n- التلازم بين الشهادتين وأنه لابد منهما معًا.\n- بيان عظم شأن الصلاة والزكاة، والصلاة حق البدن، والزكاة حق المال.","vol":"15","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>الأسئلة</span>","vol":"15","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>نوع قتال الصحابة للمرتدين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا حصل القتال من مانعي الزكاة على منعها كما حصلت في عهد أبي بكر ﵁، فهل يكفرون لقتالهم على منعها ويكون قتالهم دليلًا على أنهم جاحدون لوجوبها أو مستحلون لتركها، كما سمى الصحابة ﵃ قتالهم لهم بحروب المرتدين، ولم يفرقوا بين من منعها جحودًا أو منعها بخلًا ما دام الجميع قاتلوا على منعها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كما هو معلوم، الذين قوتلوا منهم من ارتد عن الإسلام، ومنهم من ادعى النبوة، ومنهم من تبع مانع الزكاة ومنهم من تبع مدعي النبوة.\nومعلوم أن هذه ردة عن الإسلام، لكن من شهد أن لا إله الله وأن محمدًا رسول الله، وأقام الصلاة، ولكن عرضت له شبهة في الزكاة، هل هي من خصائص الرسول ﷺ أم أنها تكون لمن بعده؟ فهذا تأويل؛ ولهذا قال بعض أهل العلم: إن هذا ليس كفرًا، وإنما هو امتناع من الواجب لشبهة عرضت في ذلك.\nوبعض أهل العلم ألحق هذا بحروب الردة؛ لأنه حصل منهم الامتناع والخروج على الولاة، وإن كان يعتبر من قبيل البغي والامتناع عن أداء الواجب.\nولهذا لو قدر عليهم لأخذت منهم، كالشخص الذي يمتنع ويقدر عليه فإنها تؤخذ منه، ولا يقال إنه كافر، إلا إذا جحد وقال إنها غير واجبة، وهؤلاء فيهم شبهة، لأن الجحود وجد منهم ولكن بفهم خاطئ؛ لأنهم ظنوا أن الحكم إنما هو خاص بالرسول ﷺ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣]، قالوا: هذه أمور لا تكون إلا للرسول ﷺ، ففهموا هذا الفهم الخاطئ، ولهذا قال بعض أهل العلم: إنهم معذورون في هذا التأويل.","vol":"15","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-314>أمر جبريل للرسول ﷺ هو من أمر الله</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في مثل قول النبي ﷺ: (أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية) فمن الآمر هنا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الآمر هو الله، وجبريل مبلغ عن الله، فهو لا يأتي بشيء من عنده وإنما يأتي بالوحي من الله؛ لأنه رسول ملكي فهو واسطة بين الله ﷿ والرسول البشري؛ لأنه يأخذ الوحي من الله ويأتي به إلى رسول الله ﵊.\nولهذا جاء في القرآن الكريم إضافة القرآن إلى جبريل لأنه مبلغ له، كما قال في سورة التكوير: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير:١٩].\nوكذلك قال الله ﷿ في حق نبينا محمد ﵊ في سورة الحاقة: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠]، يعني: باعتبار أنه مبلغ لا باعتبار أنه منشئ وأن بدايته منه.","vol":"15","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-315>توجيه كلام ابن رجب في أن الرسول كان يقبل من الكفار بعض الشروط لدخولهم في الإسلام</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نريد توجيهًا لما ذكره ابن رجب، قال: ولم يكن ﷺ يشترط على من جاءه يريد الإسلام أن يلتزم الصلاة والزكاة، بل قد روي: (أنه قبل من قوم الإسلام واشترطوا ألا يزكوا)، ففي مسند الإمام أحمد عن جابر قال: (اشترطت ثقيف على رسول الله ﷺ أن لا صدقة عليها ولا جهاد وأن رسول الله ﷺ قال: سيصدقون ويجاهدون).\nوفيه أيضًا: عن نصر بن عاصم الليثي عن رجل منهم: (أنه أتى النبي ﷺ فأسلم على ألا يصلي إلا صلاتين فقبل منه)، يقول: كيف يكون هذا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معلوم أن الإنسان الكافر الذي يريد أن يسلم، ولكنه يريد أن يسلم من بعض التكاليف، إذا مكن من الدخول في الإسلام، فإن الأمر يتحول ويتغير ويتبدل إلى كونه يستسلم لأوامر الإسلام، ولما جاء في الإسلام.\nوكان الرسول ﷺ بناءً على ما جاء في هذه الأحاديث يحرص على الدخول في الإسلام، والإنسان إذا دخل فيه وصار من أهله سهل عليه بعد ذلك أن يأتي بالأمور الواجبة.\nفكان المقصود أن الرسول ﷺ يقبل منهم ولكن الشرط الفاسد يترك، وذلك أنهم إذا دخلوا سيتغير حالهم، ويكون الإسلام هو غايتهم ومقصودهم ويأتون بالأمور التي يؤتى بها في الإسلام، كما جاء عن أنس: (كان الواحد يسلم يريد الدنيا ثم لا يمسي إلا والإسلام عنده خير من الدنيا وما فيها)، يعني: فكانت لهم مقاصد، ولكن إذا دخلوا في الإسلام تغيرت أحوالهم.","vol":"15","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-316>كيفية الجمع بين قوله: (لا إكراه في الدين) وحديث: (أمرت أن أقاتل الناس)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف يجمع بين حديث (أمرت أن أقاتل الناس)، وقوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معلوم أن قوله: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]، ليس المقصود به أنه لا يوجد جهاد، وإنما الآية لها سبب مر بنا في سنن أبي داود عن ابن عباس قال: كانت المرأة يكون لها ولد فتنظر، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله ﷿: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة:٢٥٦] وبهذا يتضح المعنى وأن ذلك لا يتنافى مع الأمر بالجهاد.\nثم أيضًا: يمكن أن يكون من معانيها أن الإنسان الكافر إذا قدر عليه لا يقال له: إما أن تسلم وإما أن أقتلك، لكن إذا دخلوا تحت الدين وأعطوا الجزية فإنهم يتركون؛ وذلك لأنهم إذا كانوا تحت حكم الإسلام كانت هناك وسيلة إلى قبولهم في الإسلام ودخولهم فيه.\nفالكافر إذا كان مقدورًا عليه وكان بين يدي المسلم، لا يقال له: إما أن تسلم وإما أن أقتلك، وإنما يبقى تحت حكم الإسلام ويكون له عهد.\nلكن الممتنعين الذين يريدون أن يقاتلوا المسلمين يقاتلون، وليس معنى قوله: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦] أنه لا يقاتل الكفار، فإن الرسول ﷺ غزا الكفار في ديارهم، وأصحاب الرسول ﷺ غزوا الكفار في ديارهم، وذهبوا إلى بلاد الفرس والروم، وذهبوا إلى جهات مختلفة ليقاتلوا في سبيل الله.","vol":"15","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-317>حكم من أتى بشيء من الشرك وهو حديث عهد بجاهلية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  رجل دخل في الإسلام بالشهادتين، ثم أتى بشيء من الشرك والبدعة بسبب جهله، هل عذره مقبول؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يبين له وتقام عليه الحجة، فلابد من إقامة الحجة.\nلاسيما إذا كان الإنسان حديث عهد بالإسلام فإنه قد يحصل منه شيء من ذلك؛ ولهذا جاء في الحديث أنهم من قبل كانوا يحلفون باللات، مثل: (من حلف فقال في حلفه واللات فليقل: لا إله إلا الله) لأن الناس إذا اعتادوا شيئًا فإنه يجري على ألسنتهم، فطلب ممن وقع منه ذلك أن يأتي بشيء ينسخ ذلك ويعود لسانه على كلمة التوحيد بدلًا من الكلمة التي كان يعتادها، وهي كلمة الشرك.\nولهذا جاء في الحديث: (اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط)، وكانوا حدثاء عهد بالكفر.","vol":"15","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-318>توجيه حديث: (أن النبي ﷺ غزا بني قريظة وهم غارون)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف يوجه حديث النبي ﷺ: (أنه غزا بني قريظة وهم غارون)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معلوم أن دعوتهم كانت موجودة قبل أن يأتي إليهم، ومعنى كونهم غارين أنهم كانوا في غفلة، فالدعوة إلى الإسلام كانت موجودة من قبل ولكنهم أبوا الدخول فيها.","vol":"15","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>ثبوت السنة في أخذ الجزية من المجوس</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من المعلوم أن المسلمين لا يقبلون من عبدة الأوثان الجزية، فلماذا قبل عمر ﵁ الجزية من المجوس (الفرس)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أنا قلت: إن الكفار غير أهل الكتاب قد جاء في السنة قبول الجزية منهم، ففي حديث عبد الرحمن بن عوف: (أنه أخذ الجزية من مجوس هجر).\nوفي حديث بريدة بن الحصيب أنه كان إذا جهز جيشًا أو سرية أوصاهم بتقوى الله وبالمسلمين خيرًا، وقال: (اغزوا في سبيل الله وقاتلوا من كفر، ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدًا ولا وليدة، فإن هم طلبوا منك أن تنزلهم على حكم الله)، ثم قال: (إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، وذكر منها: الجزية).","vol":"15","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-320>العلة في مقاتلة من امتنع عن دفع الزكاة مع عدم كفره</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا كان تارك الزكاة لا يكفر، فلماذا يقاتل إذا امتنع عن دفع الزكاة، والله ﷿ يقول: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢]؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  القتال لا يكون للكفر فقط، وإنما يكون للكفر ولغير الكفر.\nوالزكاة إذا جحد وجوبها كان ذلك كفرًا وردة، وأما إذا لم يجحد الوجوب ولكن لم يؤدها من أجل البخل والطمع في المال، فإن هذا لا يقال له كفر؛ ولهذا جاء في السنة عدم كفر الذي لا يخرج الزكاة إذا لم يكن جاحدًا لوجوبها، فإنه قال: (ما من صاحب ذهب أو فضة لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فيكوى بها ظهره وجبينه وجنبه حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار).\nفهذا يدل على أنه يوجد سبيل إلى الجنة، والذي له سبيل إلى الجنة هو المسلم؛ لأن الكافر لا سبيل له إلى الجنة أبدًا، فهذا يدل على أنه إذا منعها بخلًا فإنه يعذب بها يوم القيامة حتى يقضى بين العباد، وينتهي إما إلى الجنة وإما إلى النار.\nوالقتال لا يكون للكفر فقط، بل قد يكون للبغي كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]، ثم قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] فهؤلاء متقاتلون ومع ذلك جعلهم إخوة.","vol":"15","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-321>حكم أهل الأوثان إذا أخذت منهم الجزية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا أخذت الجزية من عبدة الأوثان، فهل يقرون على عبادة الأوثان فيبقى الشرك قائمًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  النصارى يعبدون الأوثان! وهم الذين قالوا: ﴿اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣]، فالشرك موجود حتى عند النصارى، وهم كفار ومشركون، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف:١٩٠]، وقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠].\nلكن من أحكام أهل الذمة إذا دخلوا تحت الحكم الإسلامي أنهم يسرون بأفعالهم ولا يظهرونها، فكنائسهم الموجودة يذهبون إليها ويدخلون فيها ويعملون شعائرهم داخلها، ولكن لا يظهرون الناقوس والصليب، فهؤلاء كفار ويعبدون غير الله ﷿ ويدخلون في كنائسهم.","vol":"15","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-322>حكم من لا يصلي ولا يزكي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في مجتمعنا يوجد الكثير من الناس لا يصلون ولا يؤدون الزكاة، فماذا نحكم عليهم؟ وكيف نتعامل معهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أما ترك الصلاة فإذا كان كسلًا، فهذا فيه خلاف بين أهل العلم، منهم من قال بكفره، ومنهم من قال بعدم كفره، والذين قالوا بكفره يستدلون بأدلة تدل على ذلك، منها: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) وحديث: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة)، وكذلك قوله ﷺ في الأمراء: (لا، ما صلوا)، ومعنى ذلك: أنهم إذا لم يصلوا فإنه يجوز أن يخرج عليهم؛ لأن ذلك كفر.\nوأما منع الزكاة فإن كان جحودًا فهو كفر وردة، وإذا كان منعها بخلًا فإن كان المانع مقدورًا عليه وأمكن أخذها منه بالقوة أخذت منه بالقوة، وإن قاتل دونها فإنه يقاتل كما فعل أبو بكر ﵁ مع مانعي الزكاة.","vol":"15","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>استمرار دعوة أهل الجزية إلى الإسلام</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا دعي قوم إلى الإسلام فرفضوا، وقبلت الجزية منهم، فهل يستمر المسلمون في دعوتهم إلى الإسلام أو يتركونهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يستمرون في دعوتهم؛ لأنهم سيكونون تحت حكمهم وولايتهم، فالمسلمون هم المتولون عليهم، وهم سيشاهدون المسلمين وأحكام الإسلام ولا يتركونهم بدون دعوة.","vol":"15","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>حكم من يسب الله أو القرآن أو الرسول ﷺ</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا سمعت شخصًا يسب الله أو القرآن أو النبي ﷺ، فهل يستتاب أو يقتل مباشرة، علمًا أنه عند قوله ذلك مكلف عاقل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا الخلاف في الزنديق، هل تقبل توبته أو لا تقبل، وأما كونه كافرًا فهو كافر بلا شك، فليس له إلا التوبة أو السيف.","vol":"15","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-325>مقاتلة من اجتمعوا على ترك الصيام</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا كان هناك جماعة لهم منعة وقوة أجمعوا كلهم على ترك الصيام، هل يقاتلون؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم يقاتلون.","vol":"15","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>حكم الخروج على الحاكم الكافر أو المرأة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكرتم أنه إذا حكم المسلمين من ليس بأهل للحكم واستطاع المسلمون أن يزيلوه دون أن يترتب على ذلك مفسدة أكبر فإنه يجوز لهم ذلك، ومثلتم بالحاكم إذا كان كافرًا أو امرأة.\nوهل هذه قاعدة عامة تشمل الحاكم الفاسق؟ وهل إذا أزلنا المرأة بالشرط المذكور ألا يكون ذلك من باب الخروج على الحاكم المسلم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المرأة ليست من أهل الولاية أصلًا، بل الرسول ﷺ قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة).\nلكن إذا تسلط الكافر ولم يمكن التخلص منه إلا بضرر أكبر، فإنه يسمع له ويطاع بما هو معروف، يعني: في الأمور التي تتعلق بالتنظيم، مثل تنظيمات المرور والأمور التنظيمية، وإذا أمر بمخالفة الشريعة لا يوافق.\nوكذلك المرأة إذا تسلطت وقهرت وغلبت، فهي ليست أهلًا للولاية، وقد أجمع المسلمون على أنها لا تكون أهلًا للولاية؛ وذلك لأمور كثيرة لا تناسب المرأة: أولًا: قول الرسول ﷺ: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة).\nالأمر الثاني: كون الإمام هو الذي يصلي بالناس، والمرأة لا تصلي مع الرجال، بل تكون في آخر الصفوف، كما قال ﵊: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها).\nثم أيضًا: الحاكم يحتاج إلى أن يخلو بمن يريد من الناس، والرسول ﷺ يقول: (لا يخلو رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما).\nأيضًا: المرأة تحتاج إلى محرم إذا أرادت أن تسافر.\nفهذه الأمور ليست من أهليتها، ولكن كما أنه إذا لم يقدر على التخلص من الكافر يبقون تحت أمره إذا لم يندفع ضرره إلا بمنكر أكبر، فكذلك يبقون معها، أما إذا كان أمكن التخلص من الكافر بدون ضرر أكبر يترتب على الخارجين، وكذلك على المرأة، فإنه يخرج عليها وعليه؛ لأنها ليست من أهل الولاية.","vol":"15","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>معنى قول عمر (ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى قول عمر ﵁: (ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال حتى عرفت أنه الحق)؟ معناه أن الرأي الذي كان يراه عمر ﵁ قد تغير، ورأى أن هذا الذي رآه أبو بكر وعزم عليه هو الحق، فتغير رأيه إلى أن صار موافقًا لرأي أبي بكر.","vol":"15","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-328>المراد بالنظر عند المتكلمين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما مراد المتكلمين بالنظر الذي جعلوه أول واجب على المكلفين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المراد أن الإنسان يفكر في الأدلة، ويفكر في ملكوت السماوات وغير ذلك من الأشياء التي يقولونها، فهذا قبل أن يشهد.","vol":"15","page":24},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-329>[١٦]</span>\nدين الإسلام دين الرحمة واليسر، فلم يكلف العبد إلا بما يستطيع، وإذا حصلت على المكلف مشقة فإن الشرع يخفف عنه من التكليف نفسه، كما في القصر والإفطار في السفر.\nوقد رفع الله ﷿ عن هذه الأمة الإصر والأغلال التي كانت على الأمم السابقة، فإنهم شددوا على أنفسهم وأكثروا من مساءلة أنبيائهم، فشدد الله عليهم وأهلكهم؛ ولذا يجب أن نحذر من طريقتهم حتى لا نقع فيما وقعوا فيه.","vol":"16","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-330>ترجمة أبي هريرة وبيان سبب إكثاره من رواية الحديث</span>\nقال الإمام النووي ﵀: [عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم؛ فإنما أهلك الذين من قبلكم كثيرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم).\nرواه البخاري ومسلم].\nهذا الحديث عن أبي هريرة ﵁، وهو مشهور بكنيته، واسمه عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وهو ﵁ أكثر الصحابة حديثًا على الإطلاق.\nوالأحاديث التي أحصيت ودونت كان أكثر الرواة فيها عن رسول الله ﷺ هو أبو هريرة، والذين عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ سبعة، هم: أبو هريرة وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد الخدري وأنس وجابر وأم المؤمنين عائشة ﵃، ستة رجال وامرأة واحدة، وأبو هريرة هو أكثر السبعة؛ لأن أحاديثه بلغت الآلاف.\nومن المعلوم أن أبا هريرة إنما أسلم عام خيبر في السنة السابعة، ومعلوم أن من الصحابة من كان إسلامه بمكة، ومنهم من كان إسلامه بالمدينة وقد سبق أبا هريرة، ولكن ليس هناك أحد من الصحابة بلغ بالكثرة مثلما بلغ أبو هريرة ويرجع ذلك لأمور منها: الأمر الأول: ملازمته للنبي ﷺ، فإنه منذ أسلم لازم النبي ﵊، فكان يذهب معه إذا ذهب، ويأكل معه إذا أكل، ويحضر مجلسه إذا جلس، فكان ملازمًا له صلوات الله وسلامه وبركاته عليه؛ فذلك من أسباب كثرة حديثه؛ لأن كثيرًا من الصحابة كانوا يحضرون مجالسه أحيانًا ويغيبون أحيانًا لجمع الأرزاق ولقضاء الحاجات، وأما أبو هريرة فإنه كان ملازمًا له يأكل معه إذا أكل، ويشرب معه إذا شرب، ويسمع منه حديثه ﷺ، ولذا صارت روايته بهذه الكثرة.\nوالأمر الثاني: دعاء النبي ﷺ له.\nوالأمر الثالث: أنه كان ممن بقي بالمدينة وعُمّر ومكث فيها مدة طويلة، وكان الناس يفدون إلى المدينة ويصدرون منها، ومن المعلوم أن المدينة يأتيها الناس بسبب إلى المسجد المبارك الذي هو أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها، ومن المعلوم أنه إذا كان في المدينة أحد من أصحاب الرسول ﷺ فإن الوافد إليها سواء كان من الصحابة أو التابعين يحرص على لقاء ذلك الصحابي المقيم في المدينة، وإذا لقيه أخذ منه ما عنده من الحديث، وكل يحدث بما عنده عن رسول الله ﷺ، فـ أبو هريرة كان يحدث وغيره كان يحدثه.\nومعلوم أن رواية الصحابة بعضهم عن بعض مثل رواية بعضهم عن رسول الله ﷺ؛ لأنها كلها مضافة إلى الرسول ﷺ، فإذا أضاف الصحابي إلى النبي ﷺ شيئًا سواء سمعه منه مباشرة أو من غيره، فإن ذلك الحديث مضاف إلى رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.\nفهذه أسباب ثلاثة تبين السبب في كون أبي هريرة كان كثير الحديث مع أنه لم يسلم إلا في السنة السابعة، ولم يصحب النبي ﷺ إلا من تلك السنة.\nوهؤلاء السبعة المكثرون جمعهم السيوطي في الألفية في علوم الحديث، فقال: والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر وأنس البحر كالخدري وجابر وزوجة النبي.","vol":"16","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-331>بيان بعض الكتب التي اعتنت بذكر عدد روايات الصحابة في الكتب الستة</span>\nوصاحب (خلاصة تذهيب تهذيب الكمال) وهو الخزرجي له عناية في بيان أعداد الأحاديث لكل صحابي في الكتب الستة، ثم الإشارة إلى العدد المتفق عليه بين البخاري ومسلم والعدد الذي انفرد به البخاري والعدد الذي انفرد به مسلم، فمثل هذا يمكن أن يستفاد من كتاب الخلاصة (خلاصة تذهيب تهذيب الكمال) للخزرجي وهو تلخيص لكتاب (تذهيب تهذيب الكمال) للذهبي؛ لأن كتاب (تهذيب الكمال) هو للمزي، وتفرع عنه خطان بعضهما متصل بالآخر، فـ الذهبي هذبه في كتاب سماه (تذهيب تهذيب الكمال) والحافظ ابن حجر هذبه بكتاب سماه (تهذيب تهذيب الكمال)، واختصر الحافظ كتابه بخلاصة مختصرة في كتاب سماه (تقريب تهذيب تهذيب الكمال) والخزرجي لخص كتاب الذهبي (تذهيب تهذيب الكمال) بالخلاصة المسماة (خلاصة تذهيب تهذيب الكمال).\nومن فوائد هذه: عنايته ببيان أعداد الأحاديث التي للصحابة في الكتب الستة، فعندما يأتي بترجمة الراوي يقول: له كذا حديث، اتفق البخاري ومسلم على كذا وانفرد البخاري بكذا ومسلم بكذا.","vol":"16","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-332>تكليف الشرع بالمستطاع</span>\nقال الرسول ﷺ: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)، وهذه الجملة من جوامع كلمه ﷺ؛ لأنه دخل فيها الأمر بفعل كل مأمور به على قدر الطاقة وعلى قدر الاستطاعة، والنهي عن الإتيان أو الإقدام على كل منهي عنه مطلقًا، بدون تقييد؛ فإنه ﷺ قال: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه)، وما قال: ما استطعتم، وإنما أطلق؛ لأن المناهي تروك والتروك مستطاعة، فالإنسان يستطيع ألا يفعل، وأما الأوامر فقيدت بالاستطاعة؛ لأنها تكليف بفعل مطلوب الإتيان به، فقد يستطاع وقد لا يستطاع، ولكن الإنسان يأتي به على قدر استطاعته، كما قال ﷿: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]؛ فلهذا قيد الأمر بفعل المأمورات بالاستطاعة، ولم يقيد ترك المنهيات بالاستطاعة؛ لأن تركها مستطاع، وكل يستطيع ألا يفعل، لكن ليس كل يستطيع أن يفعل؛ لأن الفعل هو تكليف وأوامر.\nفمثلًا: الصلاة مطلوب من الإنسان أن يأتي بها قائمًا إذا كان في الفريضة، ولا يجوز ولا يصح الإتيان بها جالسًا إذا كان قادرًا على القيام، والإنسان مأمور بأن يصلي، والنبي ﷺ بين أن الإنسان يصلي على قدر طاقته، كما جاء في حديث عمران بن حصين: (صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب).\nوهذا من أمثلة قوله: (فأتوا منه ما استطعتم)، يعني: أن الإنسان يأتي بالعمل على قدر طاقته، كما قال ﷿: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، يأتي به على قدر طاقته، ولا يلزم بأن يعمل شيئًا لا يطيقه، فإنسان لا يستطيع أن يقوم لا يلزمه أن يقوم.\nوأما النواهي فهي التروك، والتروك مستطاعة، فإذا قيل: لا تشع بالخبر فلا تشعه، لا تزن فلا تزن لا تراب فلا تراب لا تسرق فلا تسرق لا تخن فلا تخن لا تغتب فلا تغتب فهذه كلها تروك، فإذا قيل: اترك فاترك، لأن الترك مستطاع.\nوأما الأمر: فهو الذي قد يستطاع وقد لا يستطاع، والإنسان يأتي به على قدر طاقته، قال سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].\nوهنا يقول ﵊: (وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)، فالإنسان مأمور أن يتوضأ، فإذا لم يجد ماءً يكفي للوضوء ولكنه يجد شيئًا يكفي للبعض، فإنه يتوضأ بالموجود ويتيمم للباقي؛ لأن هذا هو الذي يستطيعه، وكذلك الإنسان لابد أن يخرج زكاة الفطر، فمن وجبت عليه زكاة الفطر وهو يستطيع الصاع يدفع صاعًا، لكن من لم يستطع إلا نصف الصاع فيدفع نصف الصاع؛ لقوله ﷿: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، فيأتي بقدر ما يستطيعه، ولا يقال: إنه إن حصل صاعًا فإنه يفعل وإن لم يحصل إلا أقل من صاع لا يفعل؛ لأن نصف الصاع يكفي ويغني وفيه فائدة للمحتاجين.\nفإذا كان عنده زيادة عن حاجته بمقدار نصف الصاع وليس عنده صاع فإنه يدفع نصف الصاع، ونصف الصاع يكفي لمن هو محتاج إليه، ولمن ليس بيده شيء أصلًا، لكن الحد المطلوب والقدر المطلوب هو صاع، لكن من لا يستطيع الصاع واستطاع دونه فإنه يفعله، لكن لا يقال هذا في كل شيء، فالإنسان إذا لم يستطع أن يصوم إلا نصف النهار فهل نقول: إنه يصوم نصف النهار ويفطر النصف الآخر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا؛ لأن الصوم لا يتجزأ، وإنما له بداية وله نهاية.\nفالإنسان الذي يأتي به، والإنسان الذي لا يأتي به ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، ولا يقال: إن الإنسان يمكن أن يصوم بعض الوقت ويفطر في أثناء النهار؛ لأنه يستطيع أن يصوم نصف النهار ولكن لا يستطيع صيام النهار كاملًا، فليس هذا من هذا القبيل الذي يجوز؛ لأن ذلك يقبل التجزئة وهذا لا يقبل التجزئة، وإن كان الإنسان قدم مسافرًا وكان مفطرًا لكونه مسافرًا، فقد وصل البلد وانتهى حكم السفر، فإنه يمسك البقية، ولا يجوز له أن يأكل ما دام أنه مقيم ولو كان بعض النهار الذي هو آخره؛ لأن الأكل أبيح له لعارض، فلما انتهى ذلك العارض وصار من المقيمين صار حكمه حكم المقيمين، ويلزمه أن يمسك بقية اليوم، كما أن القضاء متعين عليه؛ لأنه لم يصم ذلك اليوم، لكنه لا يأكل ولا يشرب وهو حاضر، ولو أنه كان في أول النهار من أهل الأعذار الذين لهم أن يأكلوا، لكن العذر زال فعليه أن يمسك، ولا يستفيد من هذا الإمساك شيئًا، بمعنى: أنه لا يمكن أن يغني عن الواجب، بل لابد أن يقضي يومًا مكان ذلك اليوم.\nوكما قلت: إن هذا مقيد بالاستطاعة، والترك لم يقيد بالاستطاعة، فهذا هو الفرق؛ لأن هذه تروك وهذه أفعال، يتضح ذلك في الأمور الحسية، والأمور المشاهدة المعاينة، فمثلًا: لو قال إنسان: لا تدخل من هذا الباب.\nفإنه يستطيع أن لا يدخل من هذا الباب، ولا يصعب عليه، بل يستطيع ألا يدخل، فهذا ترك وهو مستطاع، لكن لو قال له: احمل هذه الصخرة.\nفقد يستطيع حملها وقد لا يستطيع، فهذا فعل وتكليف، وقد يستطيع حملها وقد لا يستطيع حملها.\nفالأوامر قد تستطاع وقد لا تستطاع، والنواهي مستطاعة، ولا يقال: إنها غير مستطاعة، بل هي مستطاعة، فعلى الإنسان أن يمتثل المأمور على حسب استطاعته، وأن يترك المنهي مطلقًا.","vol":"16","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-333>أنواع الأوامر والنواهي</span>\nمن الأوامر ما يكون واجبًا، ومنها ما يكون مستحبًا ومندوبًا، فالواجب: لابد من الإتيان به، ولولم يأت به فإنه يأثم، ويستحق العقوبة، وأما المندوب: ففيه تكميل، وفيه فضل وثواب، وتكمل الفرائض بالنوافل إذا حصل فيها نقص، كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ.\nفإذا كانت العبادة واجبة فيتعين الإتيان بها، وإذا كانت مستحبة فيستحب الإتيان بها، ومن تركها فإنه لا يأثم؛ لأن المندوب هو: ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، ويطلبه الشارع طلبًا غير جازم.\nويدل على ذلك الحديث الذي قال فيه النبي ﷺ: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، فإن المقصود بهذا الأمر، ولكن لم يأمر به لخوف المشقة، وأما الاستحباب فإنه مأمور به وحاصل، ولكن الذي ما فعله النبي ﷺ خوفًا من المشقة على أمته هو الإيجاب عند كل صلاة.\nفقوله: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، يعني: أمرتهم أمر إيجاب؛ لأن أمر الاستحباب موجود، والترغيب فيه موجود، حيث قال ﵊: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب).\nوعلى هذا فإن الأوامر منها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب، والواجب: يتعين الإتيان به ويأثم من تركه، والمستحب: مطلوب ومندوب للإنسان أن يفعله، وأن يأتي به وتكمل به الفرائض، والنوافل هي كالسياج للفرائض، والإنسان الذي يتساهل في النوافل قد يجره ذلك إلى التساهل في الفرائض، لكن الإنسان إذا فعل المندوبات وحرص عليها فهو على الفرائض أحرص من باب أولى، فتكون النوافل كالوقاية لها، بمعنى: أن الإنسان يكون مطمئنًا إلى فعلها لحرصه على ما دونها، ويكمل النقص الذي في الفرض من النفل، كما جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ.\nوكذلك المنهيات: ما كان منها على سبيل التحريم ويتعين تركه، ولا يجوز الإقدام عليه، ويعاقب فاعله، وما كان من قبيل المنهيات للتنزيه فيكون تركها أولى من فعلها، ولا شك أن هذا هو الأولى وهو الأفضل، ولكنه لو فعل ذلك لم يكن فعل أمرًا محرمًا، وإنما فعل أمرًا جائزًا، فهو يثاب تاركها ولا يعاقب فاعلها، فالمكروه كراهة تنزيه يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله؛ لأنه جائز.\nفإذًا: الأوامر منها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب، والمكروهات منها ما هو محرم لا يسوغ الإتيان به، ومنها ما جاء ما يدل على أنه للتحريم، وأن عدم فعله هو الأولى، مثل: الشرب عن قيام، فقد جاء النهي عن الشرب عن قيام، ولكنه جاء عن النبي ﷺ فعل ذلك، وكذلك جاء عن أصحابه الكرام مثل علي ﵁، فهذا يدل على أن شرب الإنسان جالسًا هو المطلوب والذي ينبغي، وأن الإنسان لو شرب قائمًا فإن ذلك سائغ وليس بحرام.","vol":"16","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-334>كثرة المسائل والاختلاف على الأنبياء سبب من أسباب هلاك الأمم السابقة</span>\nثم إن النبي ﷺ بين أن من أسباب هلاك الأمم السابقة: كثرة المسائل والاختلاف على الأنبياء، فقال ﵊: (فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم)، والمراد بكثرة المسائل: المسائل التي تكون من غير حاجة، والتي تكون تعنتًا، أو يكون ما فيها قد يترتب عليه في زمن النبوة أن يحرم شيئًا بسبب تلك المسألة، أو يوجب شيئًا يكون فيه مشقة كبيرة.\nوحديث أبي هريرة هذا جاء ذكر سبب له في صحيح مسلم وهو: (أن النبي ﷺ خطب الناس فقال: يا أيها الناس! إن الله كتب عليكم الحج فحجوا، فقام رجل فقال: يا رسول الله! أفي كل عام؟ فأعرض عنه النبي ﷺ، فأعادها والنبي ﷺ يعرض عنه، فغضب وقال: لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، ذروني ما تركتكم؛ فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم).\nفهذا الحديث في صحيح مسلم يبين سبب الحديث، وأن الأسئلة التي تكون من هذا القبيل هي المنهي عنها وهي الممنوع منها، وهي التي كانت من أسباب هلاك الأمم السابقة، وكذلك جاء في الحديث: (إن أعظم الناس جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته)، يعني: الأسئلة التي يترتب عليها مضرة في زمن النبوة؛ لأن الزمن زمن تشريع، فقد يوجب ما فيه مشقة، وقد يحرم ما فيه مصلحة ومنفعة وفائدة؛ فلهذا ذمت الأسئلة التي فيها تكلف وتشديد، فالأسئلة التي يترتب عليها تشديد على هذه الأمة مذمومة، والرسول ﷺ حرمها، وبين أن تلك من أسباب هلاك الأمم السابقة.\nفلما قال النبي ﷺ: (إن الله كتب عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أفي كل عام؟)، يعني: هل أحج كل عام؟ ولو فرض الحج في كل عام لما استطاع الناس أن يحجوا، كما قال الرسول ﷺ، إذ كيف سيستطيعون أن يحجوا؟ وكيف سيسعهم المكان إذا كان واجبًا عليهم جميعًا؟ فهذا فيه صعوبة شديدة، ومشقة عظيمة، ولا يستطاع؛ ولهذا قال: (فأتوا منه ما استطعتم)، ونهى ﵊ عن مثل هذه الأسئلة، وغضب لذلك، وأخبر أن من أسباب هلاك الأمم السابقة ما كان مثل ذلك.\nوقد جاء في الشريعة أمثلة من أسئلة الأمم السابقة والأشياء التي يسألون عنها وفيها تكلف وتعسف، منها ما قاله ﷿ في القرآن عن أهل الكتاب: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء:١٥٣].\nفهذا من الأسئلة التي فيها تعنت، وتكلف، ومن الإتيان بأمور لا يصلح أن يسأل عنها أو يتشاغل بها.\nوكذلك قصة البقرة التي أمر بنو إسرائيل بذبحها، فكان يجزيهم أن يأخذوا أي بقرة فيذبحوها، ثم يضربوا بلحمها على القتيل الذي قتل، ولكنهم سألوا أسئلة متعددة، وتعنتوا وشددوا فشدد الله عليهم، وكان يكفيهم أي بقرة، فإن الله ﷿ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧]، أي بقرة، لكنهم سألوا عن سنها ولونها وصفاتها، وبعد ذلك صاروا إلى نوع معين بعد تلك الأسئلة المتكلفة، فشددوا فشدد الله عليهم.\nفهذا من جملة ما أثر وما جاء عن الأمم السابقة من التكلف، ومن الأسئلة التي كانت من أسباب هلاكهم، وحذرت هذه الأمة أن تفعل مثلما فعلوا.\nثم إن المسائل منها ما يكون الإنسان بحاجة إليه، كمعرفة الأمور التي لابد منها، كمعرفة كيف يتوضأ، وكيف يصلي، وكيف يزكي إذا كان عنده مال، وكيف يصوم، حيث إن هذه الأمور مطلوب أن يسأل عنها.\nوأما إذا سئل عن أسئلة فيها تكلف، أو أمور مغيبة، مثل\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  متى تقوم الساعة؟ وعن عمر الدنيا: كم مقدار عمرها؟ وعن الأشياء التي هي أمور مغيبة لا يعلمها إلا الله ﷿، أو السؤال عن كيفيات أشياء ليس للإنسان أن يسأل عنها، مثل الذي سأل مالكًا عن: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ فمثل هذه الأسئلة لا يجوز السؤال عنها، بل على الإنسان أن يسأل عما يحتاج إليه في أمور دينه، ثم عن أمور يحتاج الإنسان إليها في أعماله اليومية وباستمرار، أما أن يسأل عن أمور خيالية أو نادرة الوقوع، أو لا يتصور وقوعها، فإن ذلك شغل وقت في غير طائل، ومن التكلف غير المحمود.","vol":"16","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-335>فوائد من حديث: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه)</span>\nقوله ﷺ: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم؛ فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم) هذا الحديث حديث عظيم، وقد كتبت عليه بعض الفوائد فنقرؤها:","vol":"16","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-336>معنى قول المحدثين والمخرجين: (متفق عليه)</span>\nالفائدة الأولى: قول المحدثين والمخرجين للأحاديث: رواه البخاري ومسلم، المقصود من ذلك: الاتفاق على المعنى، ولا يلزم أن يكون الاتفاق في الألفاظ؛ ولهذا بعض العلماء يقول: رواه فلان وفلان واللفظ لفلان.\nوهذا هو الذي فيه بيان أن اللفظ لفلان، ولكن الثاني موافق له في المعنى.\nوهذا الحديث بهذا اللفظ هو من أفراد مسلم؛ لأن الحديث عند غير مسلم برواية أخرى بلفظ: (ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه).\nهذا اللفظ هو التي تعددت به الروايات، فجاءت هذه الرواية عند البخاري وكذلك عند مسلم، ولكنه جاء في بعض الطرق عند مسلم في كتاب (الفضائل) بهذا اللفظ: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم؛ فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم).\nإذًا: إذا قيل: رواه البخاري ومسلم، فمعنى ذلك: أنهما اتفقا على المعنى، ولا يلزم أن الألفاظ متفق عليها، ولا يلزم أنهما اتفقا على التقديم والتأخير، أو على الهيئة التي هي موجودة، بل قد يكون هناك تقديم وتأخير، مثل هذا الحديث، فإنه عند البخاري بلفظ فيه تقديم وتأخير، وعند مسلم أيضًا بخلاف هذه الصورة، ولكنه أيضًا جاء بهذه الصيغة.\nفالإمام النووي ﵀ أتى بها من صحيح مسلم، وعنده صيغة أخرى وعند البخاري أيضًا صيغة أخرى ليست مثل هذه الصيغة، التي هي تقديم هذه الجملة الكلية الجامعة التي فيها: امتثال كل ما هو مأمور على قدر الاستطاعة، والانتهاء عن كل منهي مطلقًا بدون تقييد، وكان الأولى في هذه الحال أن يقول: واللفظ لفلان.\nإذًا: اتفق الشيخان على إخراج هذا الحديث، وهو بهذا اللفظ عند مسلم في كتاب (الفضائل)، وقد جاء بيان سبب الحديث عنده في كتاب (الحج)، عن أبي هريرة ﵁ قال: (خطبنا رسول الله ﷺ فقال: أيها الناس! قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟! فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ: لو قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه).","vol":"16","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-337>تقييد امتثال الأمر بالاستطاعة</span>\nالفائدة الثانية: قوله: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)، فيه تقييد امتثال الأمر بالاستطاعة دون النهي، وذلك أن النهي من باب التروك وهي مستطاعة، فالإنسان مستطيع ألا يفعل، وأما الأمر: فقد قيد بالاستطاعة؛ لأنه تكليف بفعل، فقد يستطاع ذلك الفعل وقد لا يستطاع، فالمأمور يأتي الإنسان به حسب استطاعته.\nفمثلًا: نهي عن شرب الخمر، والمنهي مستطيع لعدم شربها.\nوالصلاة مأمور بها، وهو يصليها على حسب استطاعته عن قيام وإلا فعن جلوس، وإلا فمضطجع، ومما يوضحه في الحسيات ما لو قيل لإنسان: لا تدخل من هذا الباب؟ فإنه مستطيع ألا يدخل؛ لأنه ترك، ولو قيل له: احمل هذه الصخرة؟ فقد يستطيع حملها وقد لا يستطيع؛ لأنه فعل.","vol":"16","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-338>ضابط فعل المأمورات وترك المنهيات</span>\nالفائدة الثالثة: ترك المنهيات باقٍ على عمومه، ولا يستثنى منه إلا ما تدعو الضرورة إليه، كأكل الميتة لحفظ النفس، ودفع الغصة بشرب قليل من الخمر.\nالفائدة الرابعة: النهي الذي يجب اجتنابه ما كان للتحريم، وما كان للكراهة فيجوز فعله، وتركه أولى من فعله.\nالفائدة الخامسة: المأمور به يأتي به المكلف على قدر طاقته؛ لقوله ﷿: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فإذا كان لا يستطيع الإتيان بالفعل على الهيئة الكاملة أتى به على ما دونها، فإذا لم يستطع أن يصلي قائمًا صلى جالسًا، وإذا لم يستطع الإتيان بالواجب كاملًا أتى بما يقدر عليه منه، فإذا لم يكن عنده من الماء ما يكفي للوضوء توضأ بما عنده وتيمم للباقي، وإذا لم يستطع إخراج صاع لزكاة الفطر وقدر على إخراج بعضه أخرجه.","vol":"16","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-339>بيان نوع المسائل المنهي عنها</span>\nالفائدة السادسة: قوله: (فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم)، المنهي عنه في الحديث: ما كان من المسائل في زمنه يترتب عليه تحريم شيء على الناس بسبب هذا السؤال، وما يترتب عليه إيجاب شيء فيه مشقة كبيرة وقد لا يستطاع، كالحج في كل عام.\nوالمنهي عنه بعذر ما كان فيه تكلف وتنطع واشتغال به عما هو أهم منه.\nيعني: ما كان في زمنه ﷺ مما قد يترتب عليه إيجاب ما فيه مشقة أو تحريم أمر فيه مصلحة ومنفعة هذا خاص بزمن النبوة؛ لأنه زمن تشريع، وأما بعد ذلك فالسؤال الذي فيه تكلف وتنطع هو السؤال عن أشياء ليس للإنسان أن يسأل عنها، مثل: قيام الساعة، وعمر الدنيا، ومتى تنتهي؟ وكذلك: السؤال عن كيفيات الصفات، وكيف اتصف الله تعالى بها؟ وغير ذلك من أمور الغيب التي لا يمكن أن تعرف إلا عن طريق الوحي، فهذه لا يسأل عنها، أو يشتغل بأشياء نادرة الوقوع، وأشياء ليس الإنسان بحاجة إليها، ثم يتشاغل بها عما هو أهم منها، هذا هو الذي يمنع منه.","vol":"16","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-340>أنواع الناس في الاشتغال بالمسائل</span>\nالفائدة السابعة: قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم: وقد انقسم الناس في هذا الباب أقسامًا: فمن أتباع أهل الحديث من سد باب المسائل، حتى قل فقهه وعلمه بحدود ما أنزل الله على رسوله، وصار حامل فقه غير فقيه.\nومن فقهاء أهل الرأي من توسع في توليد المسائل قبل وقوعها؛ ما يقع في العادة منها وما لا يقع، واشتغلوا بتكلف الجواب عن ذلك، وكثرة الخصومات والجدال عليه حتى يتولد من ذلك انفراق القلوب، ويستقر بها بسببه الأهواء والشحناء والعداوة والبغضاء، ويقترن ذلك كثيرًا بنية المغالبة، وطلب العلو والمباهاة، وصرف وجوه الناس، وهذا مما ذمه العلماء الربانيون، ودلت السنة على قبحه وتحريمه.\nوأما فقهاء أهل الحديث العاملون به فإن معظم همهم البحث عن معاني كتاب الله ﷿، وما يفسره من السنن الصحيحة، وكلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وعن سنة رسول الله ﷺ، ومعرفة صحيحها وسقيمها، ثم التفقه فيها وتفهمها والوقوف على معانيها، ثم معرفة كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان بأنواع العلوم من التفسير والحديث، ومسائل الحلال والحرام، وأصول السنة، والزهد، والرقائق وغير ذلك، وهذا هو طريق الإمام أحمد ومن وافقه من علماء الحديث الربانيين، وفي معرفة هذا شغل شاغل عن التشاغل بما أحدث من الرأي مما لا ينتفع به ولا يقع، إنما يورث التجادل فيه الخصومات والجدال وكثرة القيل والقال، وكلام الإمام أحمد كثيرًا إذا سئل عن شيء من المسائل المولدة أو المولدات التي لا تقع يقول: دعونا من هذه المسائل المحدثة.\nإلى أن قال: ومن سلك طريقة طلب العلم على ما ذكرناه تمكن من فهم جواب الحوادث الواقعة غالبًا؛ لأن أصولها توجد في تلك الأصول المشار إليها، ولابد أن يكون سلوك هذا الطريق خلف أئمة أهله المجمع على هدايتهم ودرايتهم كـ الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد ومن سلك مسلكهم، فإن من ادعى سلوك هذا الطريق على غير طريقتهم وقع في مفاوز ومهالك، وأخذ بما لا يجوز الأخذ به، وترك ما يجب العمل به.\nوملاك الأمر كله: أن يقصد بذلك وجه الله، والتقرب إليه بمعرفة ما أنزل على رسوله وسلوك طريقه، والعمل بذلك، ودعاء الخلق إليه، ومن كان كذلك وفقه الله وسدده وألهمه رشده، وعلمه ما لم يكن يعلم، وكان من العلماء الممدوحين في الكتاب بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر:٢٨] ومن الراسخين في العلم.\nيقصد ﵀ بهذا: أن الإنسان عليه أن يشتغل بالكتاب والسنة والتفقه فيها بمعرفة ما جاء به القرآن من الأمور العامة والخاصة، وكذلك السنة ومعرفة ما يصح وما لا يصح، وكذلك معرفة القواعد التي تستنبط من الكتاب والسنة، لأن النوازل والأشياء التي تجب إنما تعرف بهذا الطريق؛ لأن الحوادث لا نهاية لها، وتستجد في كل وقت وحين مسائل، ولكن حلها موجود في الكتاب والسنة، وذلك بالقواعد العامة، وبالجمل الكلية، والقياس وما إلى ذلك؛ لأنه ليس كل أمر يحدث لابد أن يكون فيه نص؛ لأن النصوص استقرت بوفاة الرسول ﷺ، ولكن الإنسان الذي يشتغل بالقرآن ومعرفة ما فيه، وكذلك يشتغل بالسنة وما فيها من القواعد والكليات والأصول الجامعة حين تستجد المسائل يبحث عن حلها في هذه الأمور الكلية العامة؛ لأنه ليس في كل مسألة نص، ولا يمكن أن يكون الأمر كذلك.\nفمثلًا: الدخان الآن من الأشياء التي استجدت، فحصلت في أزمنة قريبة، وعرف العلماء حرمته، واستنبطوا حرمته من نصوص الكتاب والسنة، فأخذوها من قول الله ﷿: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩]؛ لأن فيه قتلًا للنفس؛ فإن الإنسان يهلك نفسه باستعماله، وكذلك أيضًا أخذوه من أن فيه إضاعة مال، وأن النبي ﷺ نهى عن إضاعة المال، وأيضًا أخذوه من كون النبي ﷺ يحل الطيبات ويحرم الخبائث، وليس هو من الطيبات، إذًا هو من الخبائث، وأخذوه أيضًا من النهي عن أكل الثوم والبصل، وأن ذلك يؤذي الناس ويؤذي الملائكة، ومعلوم أن الدخان أشد من ذلك، فهذه المسألة من المسائل التي جدت، ومع ذلك يوجد في عمومات نصوص الكتاب والسنة بيان حكمها، وأنها لا تسوغ ولا تجوز مع أنها ما وجدت إلا في الأزمنة المتأخرة.\nفكلام ابن رجب ﵀ يبين أنه بسلوك هذا المسلك تتضح المسائل، ثم أيضًا الإنسان عندما يسلك هذا المسلك لا يفعل ذلك استقلالًا دون أن يرجع إلى كلام العلماء، ودون أن يرجع إلى من سبقه، بل الإنسان يرجع إلى أهل العلم، ويستفيد من علمهم، ولا يقل: هم رجال ونحن رجال، فنأخذ بكذا وإن لم نرجع إلى كلامهم، فهذا غلط، فالناس بالنسبة للعلماء بين طرفي نقيض ووسط: طرف يقول: هم رجال ونحن رجال، وهذا جفاء.\nوطرف يتعصب ويتابع رجلًا معينًا في المسائل المختلفة، وإذا عرض عليه أو ذكر له الدليل بخلاف قوله: لو كان هذا صحيحًا ما خفي على فلان! وقد مر بنا كلام ابن حجر ﵀ عند مسألة مناظرة عمر ﵁ لـ أبي بكر، وأنه لم يكن عند أبي بكر وعمر -وهما من كبار الصحابة- الحديث الذي فيه ذكر الصلاة والزكاة مع الشهادتين في المقاتلة، وكان عند ابن عمر وعند أبي هريرة، ولهذا قال الحافظ ابن حجر: ولهذا لا يلتفت إلى الآراء ولو قويت إذا وجدت سنة تخالفها، ولا يقال: كيف خفي هذا على فلان؟ فإذًا: هناك طرف فيه جفاء وطرف فيه تعصب، والحق وسط بين هذا وهذا، فيرجع إلى كلام العلماء ويستفاد من علمهم، ويعرف وجه الاستدلال، وأنه قد يكون في المسألة دليل ذكروه عن طريق القياس أو عن طريق الاستنباط أو عن طريق الإلحاق بقاعدة كلية، فالإنسان لايتنبه لذلك إلا إذا رجع إلى كلامهم، ولهذا ذكر ابن القيم ﵀ في كتاب (الروح) كلامًا جميلًا قال فيه: إن العلماء يجب توقيرهم وتعظيمهم والاستفادة من علمهم، وعندما لا يوجد الدليل الواضح في المسألة يرجع إلى كلامهم وإلى استنباطهم، وإلى مآخذهم، فقد يتبين له من كلامهم ما ينير له الطريق وما يتبصر به، ثم ضرب لذلك مثلًا فقال: مثل الإنسان إذا كان في الفلاة وهو لا يعرف جهة القبلة فإنه يستدل لذلك بجهة النجوم، مطالعها ومغاربها، فيعرف أين اتجاه القبلة بالنظر في النجوم، وأما إذا كان عند الكعبة وصار تحتها والقبلة أمامه فإنه لا ينظر في السماء ليبحث عن القبلة؛ لأن القبلة أمامه.\nفإذًا: الإنسان إذا خفي عليه الدليل وصار ليس واضحًا، والحكم ليس واضحًا؛ فلاشك أن الرجوع للعلماء فيه تمكين له بأن يعرف الحق في ذلك، فكلام ابن رجب ﵀ هو من هذا القبيل، ومعناه: أن الإنسان يشتغل بتفهم القرآن والحديث، ويرجع إلى كلام العلماء ويستفيد منهم.\nقال ابن رجب: وفي الجملة فمن امتثل ما أمر به النبي ﷺ في هذا الحديث وانتهى عما نهى عنه وكان مشتغلًا بذلك عن غيره حصل له النجاة في الدنيا والآخرة، ومن خالف ذلك واشتغل بخاطره وما يستحسنه وقع فيما حذر منه النبي ﷺ من حال أهل الكتاب الذين هلكوا بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، وعدم انقيادهم وطاعتهم لرسلهم.","vol":"16","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-341>خلاصة الفوائد المأخوذة من حديث: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه)</span>\nإذًا: يستفاد من الحديث: ١ - وجوب ترك كل ما حرمه الله ورسوله ﷺ.\n٢ - وجوب الإتيان بكل ما أوجبه الله ورسوله ﷺ.\n٣ - التحذير من الوقوع فيما وقع فيه أهل الكتاب مما كان سببًا في هلاكهم.\n٤ - أنه لا يجب على الإنسان أكثر مما يستطيع.\n٥ - أن من عجز عن بعض المأمور يكفيه أن يأتي بما قدر عليه منها.\n٦ - الاقتصار في المسائل عما يحتاج إليه، وترك التنطع والتكلف في المسائل.\nوالله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"16","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-342>الأسئلة</span>","vol":"16","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-343>كراهة الاشتغال بالمسائل الافتراضية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يدخل تحت المسائل المذكورة في الحديث المسائل الافتراضية، مثل أن يقول القائل: لو افترضنا كذا، مع أن ذلك لم يحصل بعد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم يدخل؛ لأن في هذا انشغالًا عن شيء أهم منه، لكن إذا كان بعض العلماء ذكر شيئًا من هذا حتى يعين من وقع له ذلك ويجد حلًا فلا بأس بذلك، لكن كون الإنسان يتشاغل به عما هو أهم منه وما هو أولى منه لاشك أن هذا غير سائغ.","vol":"16","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-344>اجتهاد النبي ﷺ في التشريع</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قال ابن دقيق العيد: قوله: (لو قلت: نعم لوجبت) دليل للمذهب الصحيح في أنه ﷺ كان له أن يجتهد في الأحكام، وأنه لا يشترط في حكمه أن يكون بوحي، فما معنى كلامه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا غير واضح، بل الرسول ﷺ كل ما يأتي به هو عن وحي، لكن كما هو معلوم أنه يقول: وجبت بإيحاء من الله ﷿، ومن المعلوم أن الوحي كان يأتيه بسرعة، وليس معناه أنه يحتاج إلى وقت، ولهذا جاء في الحديث عن الرسول ﷺ أنه قال: (يغفر للشهيد كل شيء، ثم إنه قال: إلا الدين، سارني به جبريل آنفًا) يعني: أنه جاء جبريل وقال له: إلا الدين، وجبريل جاء بهذا من عند الله ﷿، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، فالتشريع ليس من عند الرسول ﷺ، وإنما هو من عند الله ﷾.","vol":"16","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-345>وقت إسلام أبي هريرة ﵁ وصحبته</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكر بعض العلماء أن إسلام أبي هريرة ﵁ كان قديمًا عند دعوة الطفيل بن عمرو لقومه، وإنما هاجر إلى المدينة في السنة السابعة، فهل هذا صحيح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا أدري عن قضية إسلامه من قبل، ولكنه لم يصحب النبي ﷺ إلا في السنة السابعة، والذي ذكرته من ناحية أخذه للحديث ما كان أخذه إلا من السنة السابعة وما بعدها، وأما كونه أسلم قديمًا وإنما جاء في السنة السابعة للهجرة بعد إسلامه فلا أدري.","vol":"16","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-346>حكم الصلاة في أوقات النهي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل هذا الحديث يكون مرجحًا لقول من يقول بعدم جواز أي صلاة في أوقات النهي عن الصلاة، فإن النهي مقدم على الأمر، وقد أمرنا بترك واجتناب كل ما نهينا عنه من غير تقسيم، أما الأمر ففيه على حسب الاستطاعة، ومن عدم الاستطاعة الإتيان بالصلاة في أوقات النهي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الشيء الذي ليس له سبب هذا أمره واضح، ولا إشكال فيه، وليس داخلًا تحت النهي، وأما الشيء الذي له سبب فهذا هو الذي خرج من النهي، ومن الأشياء ما هو واضح ومستثنى ومنها ما فيه خلاف، مثل تحية المسجد؛ فإن فيها خلافًا هل يجب الإتيان بها أم لا؟ لعموم قوله: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) أو أنها لا تفعل أخذًا بعموم قوله: (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس)، فالأمور التي ليس لها سبب هذه أمرها واضح، فلا يجوز للإنسان أن يفعلها في أوقات النهي، لكن كونه يفعل شيئًا له سبب -يعني: جاء ما يدل عليه- فلا بأس، مثل ركعتي الفجر، فقد جاء نص أن الإنسان يقضيها، وجاء كذلك أيضًا أن الفوائت تقضى في أي وقت، ومثل ذلك صلاة الكسوف تصلى إذا جاءت في أي وقت، والجنازة أيضًا يؤتى بها فيصلى عليها في أي وقت.","vol":"16","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-347>ضرر كثرة المسائل</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كون كثرة المسائل من المهلكات، هل هو مقيد بحياة النبي ﷺ أو مستمر إلى ما بعد وفاته؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  من ناحية حصول أضرار ليس مقيدًا بزمنه ﷺ.\nثم أيضًا هذه الأمة كما هو معلوم لا تهلك كما هلكت الأمم السابقة، وإنما هذه الأمة الله تعالى أبقاها وجعلها تستمر إلى قيام الساعة، لكن قد يحصل من أحد مخالفة في شيء فيناله ما يناله من الضرر، ويحصل له ما يحصل له من العقوبة في الدنيا.","vol":"16","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>التدرج في تحريم الخمر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل بين هذا الحديث وبين قضية تحريم الخمر تعارض؛ من حيث إن الخمر كان فيها تدرج، ولم يُنه عنها مرة واحدة، فتكون داخلة في قوله: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا كان في أول الأمر، فقد تدرج بهم وما أعطاهم الأمر النهائي في أول مرة وإنما أعطاهم الأمر شيئًا فشيئًا؛ لأنهم ألفوا هذا الشيء، فحصل التدرج به، وجاء في الآخر: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠] الذي هو قاضٍ على كل خمر؛ بحيث لا يجوز قربها في أي حال من الأحوال.","vol":"16","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-349>إمساك المسافر عن الطعام إذا قدم من سفره</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا أمر القادم من السفر أن يمسك بقية اليوم يكون قد كلف وقتًا زائدًا عن الوقت الشرعي المطلوب، وهذا مفتقر إلى دليل، فأفيدونا مأجورين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معلوم أن الإنسان الحاضر ليس له أن يأكل ويشرب، وإنما أبيح له ذلك في السفر، وإذا حضر البلد فإنه يتعين عليه أن يمسك، وأن يكون حكمه حكم المقيمين وإن كان يلزمه القضاء، بل لو لم يكن مسافرًا، يعني: لو أن إنسانًا ما علم الشهر إلا بعد طلوع الفجر فإنه يجب عليه أن يمسك وأن يقضي، وقد ورد ما يدل على ذلك.","vol":"16","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-350>ذكر الخلاف في كون الأمر يحمل على الفور أو على التراخي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكر ابن دقيق العيد في شرحه أن الحديث فيه مطلق الأمر، فهل يحمل على الفور أم على التراخي؟ ومن أين أخذ هذا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قضية الأمر كونه على الفور أو على التراخي مأخوذ من نفس الأمر في قوله ﵊: (إن الله كتب عليكم الحج فحجوا)، فالأصل أن الإنسان يبادر إلا إذا وجد ما يدل على التراخي؛ لأن الأمر إذا جاء فمطلوب من الإنسان أن يبادر إليه، ولكن بعض أهل العلم قال: إنه على التراخي، وفهم ذلك من كون النبي ﷺ لم يحج في السنة التاسعة، وإنما أمر أبا بكر أن يحج بالناس، ولكن قال أهل العلم الذين قالوا بأنه على الفور: إن الرسول ﷺ أراد أن تكون تلك السنة يطهر فيها البيت من الأمور المنكرة التي كانت موجودة في الجاهلية والتي كانوا يفعلونها، ككونهم كانوا يطوفون عراة، وكان يحج المشركون، ولهذا أراد الرسول ﷺ أن تكون تلك السنة فيها إبلاغ الناس بحيث لا يحصل بعد هذا العام شيء من هذه الأمور المحرمة، ولهذا حج ﵊ في السنة العاشرة.","vol":"16","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-351>عدم اقتضاء الأمر للتكرار</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الأمر يقتضي التكرار؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يقضى التكرار إلا إذا وجد شيء يدل عليه، وقول الرسول ﷺ: (إن الله كتب عليكم الحج فحجوا) هذا الأمر يفهم منه أنه لا يلزم إلا حجة واحدة، وليس فيه أن الحج كل سنة، ولهذا أنكر الرسول ﷺ السؤال الذي فيه التكرار.","vol":"16","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-352>الزكاة على أموال الجمعيات الفردية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نحن مجموعة في عمل واحد، أقمنا جمعية، كل سهم قيمته ثلاثة آلاف ريال، ويستطيع الشخص أن يدفع ربع سهم أو نصف سهم، وبعد ستة أشهر يستطيع أن يقترض من الصندوق على حسب سهمه، فلو اقترض عشرة آلاف ريال يرد كل شهر ألف ريال، ولو اقترض خمسة عشر ألف ريال يرد ألف وخمسمائة ريال كل شهر، وله الحق أن يسترد كامل مبلغه إذا أراد الخروج من الجمعية على أن يمهلهم عدة أشهر حتى يستطيعوا أن يجمعوا المبلغ، فهل على هذه الجمعية زكاة، وهل تدخل في نص: (كل قرض جر نفعًا فهو ربا) علمًا بأن هذا المبلغ لا يتاجر به أبدًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أما الزكاة ففي مال هذه الجمعية؛ لأنه مال، وصاحبه محتفظ به، وذمته وما خرج عن ملكه وإنما هو كالمودع ثم يرجع إليه، فكل واحد سيرجع إليه ماله فهو في ملكه، أما إذا كان تبرع به، ووضع لمن يحتاج إليه، وقد خرج من ملك صاحبه فهذا ليس فيه زكاة؛ لأنه ليس مملوكًا له حتى يزكيه، وأما مادام أنه مودع وأنه قد يحتاج هو وقد يحتاج غيره فهذا باقٍ في ملكه؛ لأن هذا المبلغ داخل في ملكه، سواء استدانه غيره أو رجع إليه فهو باقٍ في ملكه، فمادام أنه أعطاهم هذا المبلغ فهو محتفظ بملكه إياه، وما أعطاهم إياه على سبيل التبرع، أما إذا كان أعطاهم على سبيل التبرع وأن من يحتاج يأخذ من هذا الصندوق، مثلما تفعله بعض القبائل وبعض الجهات عندما يتفقون على أن كل واحد يدفع في كل شهر أو سنة مقدارًا من المال، وأنه إذا حصلت نكبة لأحد من الأفراد يأخذ من ذلك الصندوق، وكل واحد منهم خرج هذا المبلغ من ملكه متبرعًا به، فهذا أمره واضح ليس فيه إشكال.\nوأما قضية كونه قرضًا جر نفعًا فلا يظهر لي فيه شيء، وما أستطيع أقول فيه شيئًا.","vol":"16","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-353>حكم الشرب قائمًا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قولكم حفظكم الله: إن شرب الماء قائمًا مكروه، لكن ثبت عن النبي ﷺ وبعض أصحابه أنهم شربوا وهم قائمون، فما توجيه ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كونهم شربوا قائمين هذا يدل على أن النهي ليس للتحريم وإنما هو للتنزيه، فالرسول ﷺ شرب قائمًا من زمزم، وعلي ﵁ شرب وهو قائم، وقال: إنما أردت أن تعلموا أن هذا شيء فعله رسول الله ﷺ.\nفدل على أن النهي للتنزيه وليس للتحريم، وأن الشرب قيامًا جائز، ولكن كونه مع الجلوس أولى.","vol":"16","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-354>حكم السؤال عن حال الإنسان</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  السؤال عن الأشخاص حال فلان وحال فلان، هل هذا داخل في الحديث؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان يسأل عن حال إنسان لأنه يريد أن يتعامل معه أو يتصاهر معه أو ما إلى ذلك فهذا ليس فيه إشكال، وهو أمر سائغ، وأما إذا كان لغير مصلحة ولغير فائدة أو لتجميع نقائص أو معايب أو ما إلى ذلك فهذا لكل امرئ ما نوى.","vol":"16","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-355>حكم التقيد والالتزام بمذهب معين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  الحافظ ابن رجب له رسالة اسمها: (الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة)، وفيها تحريم الخروج عن المذاهب الأربعة، فما قولكم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا خطأ وليس بصحيح، فمعلوم أن أبا حنيفة رحمة الله عليه -وهو أول الأئمة الأربعة- ولد سنة (٨٠هـ) فقبل سنة (٨٠هـ) كيف كان الناس؟ فالواجب أن يكون الناس بعد سنة (٨٠هـ) مثلما كانوا قبل سنة (٨٠هـ)، والذي عنده معرفة بالدليل لا يجوز له أن يقلد أحدًا، والذي لا يستطيع عليه أن يسأل أهل العلم ومن يثق بعلمه ودينه ويأخذ بفتواه، وإذا لم يجد أحدًا يفتيه فله أن يتعلم مذهبًا من المذاهب الأربعة ويتعبد الله به، والله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، أما كون أي إنسان يلزم بأن يكون تابعًا فهذا غير صحيح، وكثير من العلماء من بعد الأئمة الأربعة وفيهم من هو من أتباع الأئمة الأربعة وممن تفقهوا في مذاهب الأئمة الأربعة كانوا إذا جاءت إليهم مسائل يقولون: الحق فيها كذا وإن كان المذهب على كذا، يعني: هم أنفسهم تفقهوا في مذهب معين، ومع ذلك إذا وجدوا الدليل خارج المذهب فإنهم يتركون المذهب ويتبعون الدليل، وهذا فيه نقول متعددة موجودة في الفتح، وأنا ذكرت جملة منها في الرد على الرفاعي والبوطي فيما يتعلق ببعض الأمور التي أنكروها على أهل السنة وعابوا بها أهل السنة، ومنها ما يتعلق بالمذاهب، وقد نقلت نقولًا عن المالكية، والحنفية، والشافعية، وأصحاب المذاهب التي تبين أن المعول عليه هو الدليل.\nثم أيضًا هذا العمل فيه أخذًا بوصايا الأئمة؛ لأن كل واحد من الأئمة كان يوصي بأنه إذا وجد الدليل فإنه يترك قوله ويصار إلى قول الرسول ﷺ.","vol":"16","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-356>الترك أو الفعل بالتدرج</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قد يقول قائل: إني لا أستطيع أن أترك هذا الفعل المحرم، فهل يجوز له التدرج في ترك هذا الشيء، مثل من أدمن شرب الدخان أو الخمر أو نحو ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الواجب عليه أن يتركه ابتداءً، وإذا لم يتمكن فلاشك أن كونه يسعى إلى تركه بالتدريج أولى من أن يقال له: إنك إذا كنت لا تستطيع تركه جملة فيمكن أن تبقى على ما أنت عليه، بل إذا ما أمكن الإنسان أن يأتي به بالتدريج فعليه أن يأتي به بالتدريح، لكن الواجب عليه أن يفعل المأمور ويترك المنهي في أول وهلة.\nوالله أعلم.\nوصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"16","page":28},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-357>[١٧]</span>\nإن الله تعالى طيب لا يقبل من الأعمال والأقوال إلا ما كان طيبًا، وقد أمر الله تعالى المرسلين والمؤمنين جميعًا بأن تكون مكاسبهم كلها طيبة حلالًا؛ لأن المكاسب الخبيثة المحرمة لها عواقب وخيمة في الدنيا والآخرة، ومن ذلك أنها سبب من أسباب عدم قبول الدعاء والعياذ بالله.\nوقد أمر النبي ﷺ بالتحري في جميع الأمور، والأخذ بما تطمئن إليه النفس وما لا ريبة فيه، وترك ما فيه شبهة وريبة، كما ذكر أن من حسن إسلام المرء أن يترك الأمور التي لا تعنيه، وأن ينشغل بما يعنيه وينفعه في دنياه وأخراه.","vol":"17","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-358>شرح حديث: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا)</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون:٥١]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يارب! يارب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟!).\nهذا حديث عظيم بين فيه الرسول الكريم ﷺ عظم شأن المكاسب الطيبة، وخطورة المكاسب الرديئة الخبيثة المحرمة، وأن المكاسب الطيبة مأمور بها، وفي الإتيان بها الخير والسلامة والعافية، وأن أكل الحرام فيه الضرر الكبير والخطر العظيم؛ حيث يكون ذلك مانعًا من قبول دعاء الداعي.","vol":"17","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-359>دلالة أسماء الله على صفاته تعالى</span>\nقوله ﷺ: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا)، يدل على أن الطيب من أسماء الله، ومعناه مثل القدوس، أي: المنزه عن كل نقص وعيب، فهو في غاية الكمال ﷾، ومن المعلوم أن أسماء الله ﷿ كلها مشتقة وليس فيها اسم جامد، وهي تدل على معاني هي الصفات، فالطيب يدل على الطيب، والجميل يدل على الجمال، والحكيم يدل على الحكمة، واللطيف يدل على اللطف، والعزيز يدل على العزة، والقوي على القوة، والحكيم على الحكمة، والسميع على السمع، والبصير على البصر وهكذا، فكل اسم تشتق منه صفة، ولا يشتق من كل صفة اسم، وهناك صفات ذاتية مثل اليد والوجه لا يؤخذ منها أسماء، وصفات فعلية مثل الكيد والمكر ولا يؤخذ منها أسماء، ولكن كل اسم يؤخذ منه صفة؛ لأن أسماء الله ﷿ كلها مشتقة، ولهذا فإن الدهر ليس من أسماء الله، وقد نقل عن ابن حزم أنه قال: إنه من أسماء الله، وهذا غير صحيح؛ لأن الدهر اسم جامد وليس مشتقًا، والحديث الذي جاء فيه: (يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)، وهو لا يدل على أن الدهر من أسماء الله، والدهر هو الزمان، وهو مقلّب، والله تعالى هو الذي يقلبه، فليس من أسماء الله؛ لأنه اسم جامد، وأسماء الله كلها مشتقة تدل على معاني هي الصفات.","vol":"17","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-360>لا يقبل الله من الأعمال إلا ما كان طيبًا</span>\nكما أنه تعالى طيب في ذاته وصفاته وأفعاله فهو لا يقبل إلا طيبًا، أي: لا يقبل من الأعمال والمكاسب إلا طيبًا، ومن المعلوم أن الإنسان لو تصدق من مال حرام فإن ذلك لا ينفعه، وهو داخل تحت هذه الجملة العامة، وهي قوله ﷺ في هذا الحديث: (لا يقبل إلا طيبًا)، وما كان حرامًا فإنه غير مقبول عند الله ﷾، وقد جاء في الحديث: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول)، فكل كسب حرام يتصدق منه الإنسان فإن ذلك لا ينفعه ولا يقبله الله ﷾، لكنه إذا فعل العبادة بمال حرام؛ كأن حج بمال حرام، أو صلى في ثوب مغصوب، أو في ثوب حرير يحرم على الإنسان لبسه؛ فإن الحج يصح، وهو آثم على استعمال الحرام في حجه وفي غير حجه، وكذلك الصلاة تصح، وهو آثم على الغصب وعلى لبس الحرير إذا كان رجلًا.","vol":"17","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-361>أمر الله تعالى للرسل وللمؤمنين بأكل الطيبات</span>\nقوله: (وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال -أي: في حق المرسلين-: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون:٥١])، فأمرهم بأن يأكلوا من الطيبات، وهو كل ما كان حلالًا مباحًا، (وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢]) فالله تعالى أمر باستعمال الطيب وبأكل الطيب، وهذا الأمر للرسل وللمؤمنين.\nومن المعلوم أن الرسل لا يحصل منهم الأكل إلا مما كان طيبًا، وعلى المؤمنين أن يتبعوا الرسل فلا يأكلوا إلا ما كان طيبًا، إذ الرسل أمروا بأن يأكلوا من الطيبات وهم لا يأكلون إلا الطيبات، والمؤمنون أمروا كذلك بما أمر به المرسلون، وعليهم أن يتبعوا المرسلين، وأن يقتدوا بهم في أنهم لا يأكلون إلا الطيب، وأن لا يأكلوا الحرام، وقد ذكر الله ﷿ من صفات نبينا محمد ﵊ في التوراة والإنجيل: أنه يحل الطيبات ويحرم الخبائث، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.\nوقد أمر الله المؤمنين بما أمر به المرسلين من الأكل من الطيبات؛ لأنه ذكر أنه تعالى طيب ولا يقبل إلا طيبًا، ثم ذكر أنه أمر المرسلين بأن يأكلوا من الطيبات، وأمر المؤمنين بأن يأكلوا من الطيبات.","vol":"17","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-362>أكل الحرام من أسباب عدم قبول الدعاء</span>\nذكر الله تعالى أن من لا يمتثل ولا يحصل منه الانقياد لما أمر به من الأكل من الطيبات، وإنما يأكل من المال الحرام الذي هو خبيث وغير طيب، ذكر أن من كان كذلك فإنه يعمل على أن لا يقبل دعاؤه، وأخذ بالأسباب التي تمنع من قبول الدعاء، ومنها: كون الإنسان يأكل الحرام، قال: (ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يارب! يارب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟!)، أي: أن الأكل من الطيبات ينفع صاحبه، فإذا دعا وهو يأكل الطيبات؛ فإنه يكون قد ابتعد عن مانع من موانع قبول الدعاء وهو أكل الحرام، لكن هناك أمور أخرى تمنع من قبول الدعاء، مثل كون الإنسان يدعو وقلبه غافل، أو يستبطئ الإجابة، ويقول: دعوت ودعوت ولم يستجب لي! كل هذا من أسباب عدم قبول الدعاء، لكن الذي ورد في الحديث: أن من أسباب عدم قبول الدعاء كون الإنسان يأكل الحرام.\nوالرسول ﷺ ذكر أن هذا الرجل الذي ضرب به المثل أنه لا يقبل دعاؤه؛ وذلك لأنه اكتسب الحرام وكان مأكله ومشربه حرامًا مع أنه وجد منه عدة أسباب من أسباب قبول الدعاء، ومع ذلك فإن الأكل من الحرام صار صارفًا ومانعًا من القبول.","vol":"17","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-363>أسباب قبول الدعاء</span>\nاشتمل الحديث على خمسة أمور من أسباب قبول الدعاء: الأمر الأول: السفر: وهذا الرجل الذي ضرب به المثل مسافر، وسفره طويل أيضًا؛ لأنه قال: (يطيل السفر)، وقد جاء في الحديث ذكر المسافر ضمن أشخاص تستجاب دعوتهم، وإذا كان المسافر مطيلًا للسفر، وفي غربة ووحشة لبعده عن أهله، وقلبه منكسر، وعنده هم وغم لبعده عنهم؛ فقد جاء ما يدل على أنه ممن يقبل ويستجاب دعاؤه.\nالأمر الثاني: أشعث أغبر: وقد جاء في الحديث عن أهل عرفة أن الله تعالى يباهي بأهل الموقف الملائكة، ويقول: (انظروا إلى عبادي أتوني شعثًا غبرًا).\nالأمر الثالث: رفع اليدين بالدعاء: فإنه قال: (يمد يديه إلى السماء)، أي: إلى الله ﷿، وفي هذا بيان أن الله تعالى في العلو، والمقصود بالسماء العلو، والله تعالى فوق العرش، وهو في العلو وليس في داخل السماوات؛ لأن السماوات مخلوقة لله ﷿، وهي ضئيلة أمام عظمة الله ﷿، فلا يكون في داخل السماوات أو الأرضين؛ بل هو فوق العرش ﷾، فالمراد بالسماء هنا: العلو، كما قال الله ﷿: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] أي: في العلو، ومن المعلوم أن كل ما علا فهو سماء، وكل ما كان داخل السماوات ودون العرش فهو سماء ولكنه مخلوق، وما فوق العرش فهو سماء، والله ﷾ هو في السماء التي فوق العرش، أي: في العلو.\nومعنى أنه يمد يديه إلى السماء أي: يرفع يديه إلى الله ﷿، وقد جاء في الحديث: (إن الله يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفرًا)، أي: أن الله تعالى يجيب دعاءه إذا رفع يديه.\nالأمر الرابع: سؤال الله ﷿ بربوبيته: وأنه الرب الذي هو خالق كل شيء، والمربي لخلقه بالنعم، والمتفضل عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة، ولهذا كثيرًا ما يأتي في القرآن ذكر الدعاء مبدوءًا بربنا، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران:٨]، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة:٢٠١]، ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] آيات كثيرة فيها دعاء الله ﷿ باسم الرب وبوصف الربوبية لله ﷾.\nالأمر الخامس: الإلحاح في الدعاء: وذلك حينما قال: يارب! يارب! وهذا التكرار فيه إلحاح.\nإذًا: هذه الأمور الخمسة كلها من أسباب قبول الدعاء، ومع ذلك فإن هذا الذي حصلت منه هذه الأمور لم تحصل له الاستجابة؛ لأنه يأكل ويتعاطى الحرام في مأكله وملبسه ومشربه وغذائه وفي جميع تصرفاته، كل استخدامه واستعماله للمال الحرام، ولهذا قال ﵊ بعدما ذكر هذه الأحوال التي اتصف بها هذا الرجل الذي سأل الله ﷿، ولكن جاءت الأمور التي تمنع وهي: كون مأكله حرامًا ومشربه وملبسه وغذي بالحرام، قال بعد ذلك: (فأنى يستجاب لذلك؟!) أي: كيف يستجاب له؟! هذا بعيد أن يستجاب له وقد حصل منه الأخذ بهذه الأسباب التي تمنع قبول الدعاء، ولكن مع ذلك فإن الاستجابة لمن هذه حاله غير مستحيلة؛ فإن الله ﷿ إذا شاء أن يستجيب لمن حصلت منه الذنوب فإنه يستجيب، ولكن هذه الأمور من أسباب عدم قبول الدعاء.","vol":"17","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-364>هيئة رفع اليدين في الدعاء</span>\nقال ابن رجب ﵀: (وقد روي عن النبي ﷺ في صفة رفع يديه في الدعاء أنواع متعددة، فمنها: أنه كان يشير بأصبعه السبابة فقط، وروي عنه أنه كان يفعل ذلك على المنبر، وفعله لما ركب راحلته).\nمعلوم أن الإشارة بالسبابة تكون عند ذكر الله تعالى، كما جاء أن النبي ﷺ كان في التشهد يحرك أصبعه يدعو بها، وكذلك في الخطبة كان لا يزيد على أن يشير بإصبعه، فما كان يرفع يديه، كما جاء أن عبد الملك بن مروان كان يخطب وقد رفع يديه، فأنكر عليه بعض الصحابة وقال: (إن النبي ﷺ ما كان يزيد على أن يقول بإصبعه هكذا) إذًا: الخطبة لا ترفع فيها الأيدي وإنما يشار بالإصبع فقط، إلا في الاستسقاء إذا حصل في الخطبة فترفع الأيدي؛ لأن النبي ﷺ لما استسقى في خطبة الجمعة رفع يديه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.\nولعل إشارة النبي ﷺ بأصبعه كانت تكون عند التكبير وعند ذكر الله ﷿، كما في التشهد حين كان يحركها يدعو بها عند ذكر الله.\nقال ﵀: (وذهب جماعة من العلماء إلى أن دعاء القنوت في الصلاة يشير فيه بإصبعه، منهم الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وإسحاق بن راهويه، وقال ابن عباس وغيره: هذا هو الإخلاص في الدعاء، وعن ابن سيرين: إذا أثنيت على الله فأشر بإصبع واحدة).\nفيما يتعلق بقنوت النوازل: كان ﷺ يرفع يديه في الدعاء، وأما قنوت الوتر فقد ثبت عن عمر ﵁، وجاء عن أبي هريرة، ولا أعلم فيه حديثًا مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ، لكن -كما هو معلوم- إذا ثبت عن الصحابة فإنه يؤخذ بما جاء عن الصحابة، وقد ثبت عن عمر ﵁ أنه كان يرفع يديه، وكذلك جاء عن أبي هريرة ﵁، وهذا في قنوت الوتر، وأما قنوت النوازل فقد جاء عن النبي ﷺ أنه كان يرفع يديه.\nقال: (ومنها أنه ﷺ رفع يديه وجعل ظهورهما إلى جهة القبلة وهو مستقبلها، وجعل بطونهما مما يلي وجهه، وقد رويت هذه الصفة عن النبي ﷺ في دعاء الاستسقاء، واستحب بعضهم الرفع في الاستسقاء على هذه الصفة منهم الجوزجاني.\nومنها عكس ذلك، وقد روي عن النبي ﷺ في الاستسقاء أيضًا، وروي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يدعون كذلك، وقال بعضهم: الرفع على هذا.\nومنها عكس ذلك أي: كون ظهورهما إلى جهة وجهه وبطونهما إلى جهة القبلة على الهيئة التي تكون عند التكبير، فعندما يكبر يجعل بطونهما إلى جهة القبلة وظهورهما إلى جهة وجهه، هذا هو عكس الكلام الأول.\nوقد جاء من حديث أنس ﵁: (كان النبي ﷺ يستسقي هكذا، ومد يديه وجعل بطونهما مما يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه).\nوهذه الصفة معناها: أنه جعل بطونهما إلى جهة الأرض، كأنه رفع يديه هكذا فصارت البطون إلى جهة الأرض.\nقال: (ومنها: إذا رفع يديه جعل كفيه إلى السماء وظهورهما إلى الأرض، وقد ورد الأمر بذلك في سؤال الله ﷿ في غير حديث، وعن ابن عمر وأبي هريرة وابن سيرين أن هذا هو الدعاء والسؤال لله ﷿.\nومنها عكس ذلك: وهو قلب كفيه وجعل ظهورهما إلى السماء، وبطونهما مما يلي الأرض.\nوفي صحيح مسلم عن أنس ﵁: (أن النبي ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء)، وخرجه الإمام أحمد ﵀ ولفظه: (فبسط يديه وجعل ظاهرهما مما يلي السماء).\nيمكن أنه بدل ما يثني يديه جعلهما مبسوطتين، ولكن بطونهما إلى الأرض وظهورهما إلى السماء.\nقال: (وخرجه أبو داود ولفظه: (استسقى هكذا) يعني: مد يديه وجعل بطونهما مما يلي الأرض).\nوخرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري قال: (كان النبي ﷺ واقفًا بعرفة يدعو هكذا، ورفع يديه حيال ثندوته، وجعل بطون كفيه مما يلي الأرض)، وهكذا وصف حماد بن سلمة رفع النبي ﷺ يديه بعرفة.\nوهذا خرجه الإمام أحمد في المسند، ورواه ابن أبي شيبة، وذكره الهيثمي في المجمع وقال: فيه بشر بن حرب وهو ضعيف.\nقال: وروي عن ابن سيرين أن هذا في الاستخارة، وقال الحميدي: هذا هو الابتهال.","vol":"17","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-365>شرح حديث: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)</span>\nعن أبي محمد الحسن بن علي سبط رسول الله ﷺ وريحانته قال: حفظت من رسول الله ﷺ قال: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) رواه النسائي والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\nهذا الحديث هو أول حديث ذكره النووي خارج الصحيحين، والأحاديث العشرة التي مرت كلها في الصحيحين أو أحدهما، وقد خرج الإمام مسلم الأحاديث العشرة الماضية كلها، والإمام البخاري خرجها كلها إلا الثاني والسابع والعاشر، فالثاني هو حديث عمر حديث جبريل، ولكنه رواه من حديث أبي هريرة فلم يروه من حديث عمر، والنووي إنما أورد حديث عمر ولم يورد حديث أبي هريرة، والحديث السابع حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري: (الدين النصيحة)، والحديث العاشر حديث أبي هريرة: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا).\nإذًا: مسلم روى العشرة الماضية كلها، والبخاري روى سبعة منها فقط، فلم يروِ الثاني والسابع والعاشر، والحديث الحادي عشر هو أول الأحاديث التي ليست في الصحيحين، ولكنه صحيح وثابت عن رسول الله ﷺ، وهو قوله ﷺ: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك).","vol":"17","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-366>ترجمة الحسن بن علي ﵁</span>\nراوي الحديث هو الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وعن أبيه وأمه وعن الصحابة أجمعين، وهو أكبر أولاد علي ﵁، وبه يكنى، وقد جاء عن النبي ﵊ في حقه وحق أخيه الحسين أنهما: (سيدا شباب أهل الجنة) وقال عن الحسن: (إن ابني هذا سيد) وأخبر أن الله تعالى يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، وقال ذلك وهو يخطب الناس على المنبر ومعه الحسن، وكان ينظر إليه وينظر إلى الناس، ويقول: (إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)، وقد تحقق ذلك في سنة إحدى وأربعين، حيث تنازل عن الخلافة لـ معاوية ﵄، واجتمعت كلمة المسلمين، وصار لهم إمام واحد، وقد تحقق بهذا ما أخبر به الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه وبركاته عليه من هذا الإصلاح الذي اتحدت فيه الكلمة، فسمي ذلك العام: عام الجماعة؛ لاجتماع كلمة المسلمين.\nوهو سبط رسول الله ﷺ، أي: ابن بنته؛ فإن الأسباط هم أبناء البنات، والأحفاد أبناء البنين، وذرية الرسول ﷺ إنما هي من البنات؛ بل من أولاد فاطمة رضي الله تعالى عنها، وهم الذين بقي النسل فيهم من ذرية الرسول ﷺ، وله من غير فاطمة مثل أمامة بنت زينب، التي كان الرسول ﷺ يحملها في الصلاة، فإنها عاشت بعده، ولكن النسل إنما حصل من هذين السبطين الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما.\nوقد قال النبي ﷺ: (إنهما ريحانتاي من الدنيا) يعني الحسن والحسين، والريحان: هو النبت الذي رائحته طيبة، فهما شبيهان بالريحان لحسنهما ولقربهما منه، ولطيبهما وطيب رائحتهما عنده ﷺ، فكانا بمثابة ذلك الريحان الذي ترتاح وتطمئن إليه النفوس.","vol":"17","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-367>وجوب ترك الأمور المشتبهة إلى ما لا شبهة فيه</span>\nقال ﵊: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، وقد مر في حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما جملة توافق هذه الجملة وتتفق معها، وهي قوله ﷺ بعد أن ذكر الأمور المشتبهة: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام)، فإن قوله: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) هو مثل: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) أي: دع ما لا تطمئن إليه وتشك فيه ولا ترتاح إليه من الأقوال والأعمال إلى الشيء الذي ترتاح وتطمئن نفسك إليه؛ لأنك بذلك تسلم وتغنم لكونك أتيت إلى ما لا يريبك، وتركت ما يريبك، أي: ما فيه ريبة وشك وعدم ارتياح.\nفالنفس تكون قلقة مضطربة إذا كان الشيء مما يريب، وعلى الإنسان أن يذهب إلى ما لا يريبه، وتطمئن وترتاح نفسه إليه، ويقدم الإنسان عليه وهو مرتاح، فيكون قوله: (دع ما يريبك) مثل قوله: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)، وقوله: (إلى ما لا يريبك) مثل قوله: (إن الحلال بين)، فإن الإنسان عندما يأتي إلى شيء واضح جلي ليس فيه خفاء، فإنه يكون قد أخذ بما هو واضح وبما هو حلال بين، وأما إذا كان في شيء مشكوك فيه، وفي أمر غير مرتاح إليه؛ فإن هذا يكون من قبيل الشيء الذي أقدم عليه وكان المطلوب منه أن يتركه؛ لأن (دع) بمعنى اترك، وهي فعل أمر، وهي مادة يأتي منها الأمر والمضارع ولا يأتي منها الماضي إلا نادرًا، مثل قوله ﷺ: (اتركوا الترك ما تركوكم، ودعوا الحبشة ما ودعوكم).\nوهذا الحديث: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، من جوامع كلمه ﵊؛ فإنها جملة وجيزة قصيرة، مبناها قليل ولكن معناها واسع، وهذه من الكلمات الجامعة التي أعطيها الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.","vol":"17","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-368>شرح حديث: (من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه)</span>\nعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) رواه الترمذي وغيره.\nهذا الحديث أيضًا من جوامع كلمه ﷺ، وذلك أن الإنسان المتمسك بإسلامه تمسكًا صحيحًا يترك ما لا يعنيه إلى ما يعنيه، ويشتغل بما يعود عليه بالخير، ويشغل وقته ويصرف ساعاته فيه، ويترك الشيء الذي لا يعنيه والذي لا علاقة له به؛ سواء كان متعلقًا بأعمال أو أقوال، أو كان متعلقًا بأحوال الناس وأعمالهم وما يكونون عليه؛ فإن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وذلك بأن يشتغل بنفسه وتهذيبها وتنقيتها وتصفيتها وتربيتها على الخير، وتعويدها على ما يعود عليه بالخير، ويشغل وقته في ذلك، ولا يشتغل بأمور أخرى لا تعنيه.\nوهذا الحديث يدلنا على أن الناس يتفاوتون في الإسلام، وأن فيهم من يكون بهذا الوصف الذي تكون نتيجته أنه يترك ما لا يعنيه، ومفهوم ذلك: أنه يعنى بما يعنيه، وهو ما يهمه وما هو مطلوب منه، سواء كان متعلقًا بأمور الدين أو الدنيا، بأمور الحياة الدنيا أو الحياة الآخرة، كل ما يعنيه من ذلك فإنه يشتغل به، وما لا يعنيه فإنه يكف عنه ويبتعد عنه.\nوهذا من الآداب النبوية التي جاءت عن الرسول الكريم ﵊ في عبارة وجيزة وفيها حث الإنسان على أن يشتغل بما يعنيه، وأن يحذر الاشتغال بما لا يعنيه.","vol":"17","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-369>كلام ابن رجب في شرحه لهذا الحديث</span>\nللحافظ ابن رجب ﵀ كلام جميل حول شرح هذا الحديث، يقول ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى: (وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الأدب، وقد حكى الإمام أبو عمرو بن الصلاح عن أبي محمد بن أبي زيد إمام المالكية في زمانه أنه قال: جماع آداب الخير وأزمته تتفرع من أربعة أحاديث: قول النبي ﷺ: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت)، وقوله ﷺ: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، وقوله للذي اختصر له في الوصية: (لا تغضب)، وقوله ﷺ: (المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه».\nوكل هذه الأربعة الأحاديث من الأربعين، وبعضها مماثل لبعض؛ لأن قوله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) من جنس: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)؛ لأن كونه يقول خيرًا من الاشتغال بما يعنيه، وكونه يصمت، فقد صمت عن الكلام فيما لا يعنيه، وعن الاشتغال بما لا يعنيه، واشتغل بما يعنيه، وكذلك الحديث الآخر: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، فهو يقدم على الشيء الذي يعود على غيره بالخير، كما أنه يقدم على ما يعود عليه بالخير.\nقال ﵀: (ومعنى هذا الحديث: أن من حسن إسلامه تركه ما لا يعنيه من قول وفعل، والاقتصار على ما يعنيه من الأقوال والأفعال، ومعنى (يعنيه): أنه تتعلق عنايته به، ويكون من مقصده ومطلوبه، والعناية شدة الاهتمام بالشيء، يقال: عناه يعنيه إذا اهتم به وطلبه، وليس المراد أنه يترك ما لا عناية له ولا إرادة بحكم الهوى وطلب النفس؛ بل بحكم الشرع والإسلام، ولهذا جعله من حسن الإسلام، وإذا حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه في الإسلام من الأقوال والأفعال، فإن الإسلام يقتضي فعل الواجبات، كما سبق ذكره في شرح حديث جبريل ﵇، وإن الإسلام الكامل الممدوح يدخل فيه ترك المحرمات، كما قال ﷺ: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، وإذا حسن الإسلام اقتضى ترك ما لا يعني كله من المحرمات والمشتبهات والمكروهات، وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها؛ فإن هذا كله لا يعني المسلم إذا كمل إسلامه وبلغ إلى درجة الإحسان، وهو أن يعبد الله تعالى كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه، فمن عبد الله على استحضار قربه ومشاهدته بقلبه، أو على استحضار قرب الله منه واطلاعه عليه فقد حسن إسلامه، ولزم من ذلك أن يترك كل ما لا يعنيه في الإسلام ويشتغل بما يعنيه فيه، فإنه يتولد من هذين المقامين الاستحياء من الله وترك كل ما يستحيا منه، كما وصى ﷺ رجلًا أن يستحي من الله كما يستحي من رجل من صالحي عشيرته لا يفارقه، وفي المسند والترمذي عن ابن مسعود مرفوعًا: (الاستحياء من الله تعالى أن تحفظ الرأس وما وعى، وتحفظ البطن وما وحوى، وتذكر الموت والبلى، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء).\nقال بعضهم: استحِ من الله على قدر قربه منك، وخف الله على قدر قدرته عليك، وقال بعض العارفين: إذا تكلمت فاذكر سمع الله لك، وإذا سكت فاذكر نظره إليك.\nوقد وقعت الإشارة في القرآن العظيم إلى هذا المعنى في مواضع كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٦ - ١٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس:٦١]، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠].\nوأكثر ما يراد بترك ما لا يعني: حفظ اللسان من لغو الكلام، كما أشير إلى ذلك في الآيات الأولى التي هي في سورة ق، وفي المسند من حديث الحسين عن النبي ﷺ أنه قال: (إن من حسن إسلام المرء قلة الكلام فيما لا يعنيه)، وخرج الخرائطي من حديث ابن مسعود قال: أتى النبي ﷺ رجل فقال: (يا رسول الله! إني مطاع في قومي فما آمرهم؟ قال: مرهم بإفشاء السلام، وقلة الكلام إلا فيما يعنيهم)، وفي صحيح ابن حبان عن أبي ذر عن النبي ﷺ أنه قال: (كان في صحف إبراهيم ﵊: وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبًا على عقله أن تكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر فيها في صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب، وعلى العاقل ألا يكون ظاعنًا إلا لثلاث: تزود لمعاد، أو حرفة لمعاش، أو لذة في غير محرم).\nوعلى العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه، مقبلًا على شأنه، حافظًا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه).\nثم قال ﵀: وهذا الحديث يدل على أن ترك ما لا يعني المرء من حسن إسلامه، فإذا ترك ما لا يعنيه وفعل ما يعنيه كله فقد كمل حسن إسلامه، وقد جاءت الأحاديث بفضل من حسن إسلامه، وأنه تضاعف حسناته وتكفر سيئاته، والظاهر أن كثرة المضاعفة بحسب حسن الإسلام، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب بمثلها حتى يلقى الله ﷿)، فالمضاعفة للحسنة بعشر أمثالها لابد منه، والزيادة على ذلك تكون بحسب إحسان الإسلام وإخلاص النية والحاجة إلى ذلك العمل وفضله؛ كالنفقة في الجهاد وفي الحج وفي الأقارب وفي اليتامى والمساكين وأوقات الحاجة إلى النفقة، ويشهد لذلك ما روي عن عطية عن ابن عمر أنه قال: نزلت ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام:١٦٠] في الأعراب، قيل له: فما للمهاجرين؟ قال: ما هو أكثر، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٠]).\nوالله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.","vol":"17","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-370>الأسئلة</span>","vol":"17","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-371>وسائل جعل الأعمال والأقوال طيبة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في الحديث الأول: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا) عرفنا أن طيب الطعام والشراب بأن يكون حلالًا، لكن كيف تطيب الأعمال والأقوال؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كونه يؤتى بها كاملة على وفق الشرع، وإذا أتي بها على خلاف الشرع بأن تكون مبتدعة، أو أن يخل بالإتيان بها على كيفيتها وهيئتها المطلوبة، فإنها تكون بحسبها، وعلى هذا فإن العمل إذا كان هكذا يعتبر غير كامل؛ لأن الكامل لابد أن يكون طيبًا، وإن كان أصله فيه السلامة ويعتبر مجزئًا، إلا أنه إذا حصل فيه إخلال فيكون هذا مقابل الإتيان به على وجه طيب.","vol":"17","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-372>حكم الصلاة في مسجد بني من الربا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يوجد في بلدنا تاجر معروف بالربا والقمار وغير ذلك، وبعد موته بنى ورثته له مسجدًا بناء على وصيته من أمواله المحرمة، فهل يجوز لنا الصلاة في هذا المسجد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، يجوز للإنسان أن يصلي في المسجد ولو كان قد بني من الحرام؛ فإن لكم غنمه ولكم الفائدة من الصلاة في هذا المكان، وأما هو فعليه إثمه وعليه غرمه.","vol":"17","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-373>حكم من توظف بشهادة حصل عليها بطريق الغش في الاختبار</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  رجل غش في الاختبار في المرحلة الجامعية في بعض المواد الدراسية وتخرج، والآن يعمل في الدوائر الحكومية ويأخذ راتبًا، فإن كان عمله ذلك حرامًا فكيف يعمل؟ هل يخرج من وظيفته أم ماذا يفعل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كانت هذه الشهادة مبنية على هذا الغش، وهذا الراتب إنما يعطى على هذه الشهادة، فمعناه أنه وصل إلى ما وصل إليه بغير طريق مشروع، وعليه إذا كان دخل بهذه الشهادة أن يسعى لأن يحصل عملًا بشيء دونها؛ لأن هذا بني على سبب محرم وعلى وسيلة محرمة، وهي وسيلة تحصيل تلك الشهادة.","vol":"17","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-374>معنى قوله ﵊: (أيما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى قوله ﵊: (وأيما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معنى ذلك: أنه يعذب بالنار نتيجة لأكله الحرام، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء:١٠]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥]، لكن هذا الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط بإسناد ضعيف، كما في السلسلة الضعيفة، وذكر شعيب الأرنؤوط أنه رواه ابن مردويه في تفسيره عن الطبراني كما في تفسير ابن كثير، وذكره الهيثمي في المجمع وقال: رواه الطبراني في الصغير، وفيه من لم أعرفه.","vol":"17","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-375>حكم التسمي بأسماء الله تعالى</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز أن يسمى أحد باسم الله مثل الطيب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يجوز؛ لأن الأسماء التي لا يسمى إلا الله تعالى بها ذكرها العلماء ومنهم ابن كثير في أول تفسيره ومنها: الله، والرحمن، والصمد، والخالق.\nإلخ، وأما بعضها مثل الرحيم، فقد جاء وصف الرسول ﷺ بأنه رءوف رحيم، وجاء ذكر العزيز والعظيم إلى أسماء أخرى مضافة إلى غير الله ﷿، أما الصمد والرحمن والخالق والله، فهذه لا تضاف إلا إلى الله ﷾.","vol":"17","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-376>حكم التسمي بعبد الطيب</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكرتم أن من أسماء الله الطيب، وفي حالة ما إذا تسمى الشخص بعبد الطيب، فقد يعتقد البعض أن الذي هو عبد له هو الرسول ﷺ أو أحد الأولياء، فهل نقول: لا يتسمى به سدًا للذريعة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  التعلم وزوال الجهل بالعلم هو المطلوب، وإذا استشكل أحد هذا فيقال له: قد ورد هذا عن الرسول ﷺ.","vol":"17","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-377>حكم التصدق بالزيادة المأخوذة من الربا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من يرابي ويتصدق بالزيادة هل يكون ممن يأكل الحرام، علمًا أنه لم يأكل ذلك النفع ولم ينتفع به؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يقول ﵊: (لا يقبل الله صدقة من غلول)، فلا يتصدق بمال حرام، ولا يأخذه ولا يكون من أهله، ولا يدخل في ماليته، بل عليه أن يبتعد عنه، ولكنه إذا وقع في حوزته وابتلي به فيمكن أن يتخلص منه بأمور ممتهنة، مثل بناء حمامات، أو تعبيد طرق، أو ما أشبه ذلك، أما كونه يتصدق به، فهذا كما يقول الشاعر: أمطعمة الأيتام من كد فرجها لك الويل لا تزني ولا تتصدقي","vol":"17","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-378>الطيب اسم من أسماء الله</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل ورد اسم الطيب في نص واضح؛ لأنه قد يحتج بأن هذا الحديث يدل على صفة لله لا على الاسم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه الصيغة صيغة اسم؛ لأن الصفة هي الطِيْب والاسم هو الطَيب، مثل قوله ﷺ: (إن الله جميل يحب الجمال)، فالجميل اسم والجمال صفة، وهنا الطَيب اسم والطِيب صفة.","vol":"17","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-379>حكم الحج بمال أخذ من رجل كافر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  رجل أعطاه كافر مبلغًا من المال فحج به، فما حكم حجه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يصح حجه، وكون المعطي كافر ليس فيه بأس، ويصح حجه؛ لأنك لو بعت الكافر سلعة وأخذت منه النقود فهي ملكك، ولا يجب عليك أن تبحث عن أصلها وعن أشياء أخرى، فما دام أنها وصلت إليك بطريق مشروع فهي حلال، ولهذا يجوز البيع والشراء مع الكفار، والنقود التي تصل إليك هي حلال.","vol":"17","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-380>حكم من كان يتعامل مع بنك ربوي وهو لا يعلم بذلك</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من كان يتعامل مع بنك ربوي وهو لا يدري، فماذا يفعل الآن؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يتحول وينتقل من التعامل مع البنك الربوي إلى جهة ليس فيها ربا، وإذا أمكن أن يكون في هذا البنك الربوي خزائن تؤجر وتضع فيها نقودك، وتعطيهم أجرة لاستخدام الخزانة والانتفاع بالخزانة، فإن هذا هو الطريق الطيب المناسب؛ لأنك بذلك قد تكون أمنت من ضياع نقودك، وعملت على حفظها في مكان فيه أمان، وفي نفس الوقت أيضًا لم تمكن البنك من أن يتصرف فيها بالربا؛ لأن نقودك تجدها في تلك الخزانة كما هي، تأخذ منها ما تأخذ وتترك ما تترك، والبنك لا يتمكن من التصرف فيها، فإذا وجد في البنوك الربوية مثل هذه الخزانات فهي التي ينبغي للإنسان أن يتعامل مع البنك على ضوئها.","vol":"17","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-381>حكم الغش في الاختبار</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم الغش في الاختبار؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  مسألة الغش في الاختبار أظن أن للشيخ عبد العزيز بن باز فتوى فيها، فأنصح بالرجوع إليها.","vol":"17","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-382>حكم أخذ الصدقة من مؤسسة حكومية في مكاسبها أمور محرمة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم قبول الصدقة من مؤسسة حكومية عرف أن لها مكاسب محرمة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان أكثر ما في تلك الجهة هو من الحلال، والحرام مغمور فيها وهو قليل يسير؛ فإنه لا بأس بذلك.","vol":"17","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-383>حكم أخذ طالب العلم من مال أبيه المكتسب بطريقة محرمة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يكتسب أبي الأموال بطريق محرمة، وأنا أطلب العلم الشرعي بمال أبي، فهل يجوز لي أن آخذ من مال أبي، علمًا بأني لا أستطيع أن أدرس إذا انقطعت عن مال أبي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا تمكنت من الاستغناء عن مال أبيك فهذا هو الذي ينبغي لك، وإن اضطررت إليه فلا بأس، ولك غنمه وعلى أبيك غرمه، ولكن أهم من هذا كله أن تحرص على سلامة أبيك، وأن تحرص على إنقاذه من الورطة والبلاء الذي وقع فيه.","vol":"17","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-384>حكم أخذ الحوالة من البنك الربوي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا استقبل شخص حوالة من بنك ربوي، فهل يجوز له أن يأخذها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا الأمر لا بأس به، إذا جاء إليك المال وهو حق لك عن طريق بنك فليس فيه بأس، فكونك تأخذ مالك المحول من البنك، كما لو حول راتبك على البنك فأنت تأخذه ولكن لا تبقيه، بادر إلى أخذه حتى لا تمكن البنك من استعماله في الربا.","vol":"17","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-385>حكم أخذ الهبة ممن يحصل على المال بطرق محرمة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا كان شخص يحصل على المال بالتحايل على الناس والكذب عليهم، وماله كله من هذا الكسب، فهل يجوز لي أن أقبل هبته؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان المال كله مبنيًا على حرام ومؤسسًا على حرام، فكونك تتنزه عن هذا هو الذي ينبغي لك.","vol":"17","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-386>حكم أخذ الراتب كاملًا مع التهاون في العمل</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل التهاون في العمل الوظيفي يجعل الراتب من غير الطيبات؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هو بحسبه، إذا كان بخس شيئًا من الوقت فهو لا يستحق ذلك الشيء الذي بخسه، والذي عمله وحضره لا يستحقه، فمثلًا: إذا كان الدوام ست ساعات وتأخر ساعة فيكون سدس راتب ذلك اليوم لا يستحقه.\nوإذا كان لا يحب أن ينقص من راتبه شيئًا، ومع ذلك يهون عليه أن يبخس العمل وأن ينقص منه، فيكون بذلك شبيهًا بالذين وصفهم الله ﷿ وهم المطففون فقال: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين:١ - ٣]، ثم قال: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٤ - ٦]، يعني: ألا يتقي الله هؤلاء ويتذكرون ذلك اليوم الذي يقوم الناس فيه لرب العالمين، وحينئذٍ لن تنفعهم إلا الأعمال الصالحة؟!","vol":"17","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-387>حكم رفع اليدين عند الدعاء للميت</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز رفع اليدين عند الدعاء للميت؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  جاء عن النبي ﷺ أنه قال لأصحابه وهم يدفنون ميتًا في المقبرة: (استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل)، فما أعلم شيئًا يدل على رفع اليدين في هذا الموضع، لكن الأمر الذي كان يقع بكثرة ولم يثبت عن النبي ﷺ فيه شيء، مثل رفع اليدين بعد صلاة الفريضة؛ لأن النبي ﷺ كان إمام الناس دائما ًوأبدًا، ولم يكن لهم إمام غيره إلا في أمور نادرة جدًا، مثل قضية عبد الرحمن بن عوف في طريق تبوك، وقضية أبي بكر حيث صلى بالناس أول الصلاة، ثم جاء الرسول من قباء ودخل وأكملها، وكذلك في مرض موته كان هو الإمام وهو جالس ﵊ وأبو بكر يبلغ، ومع ذلك لم يؤثر عنه ﷺ في جميع تلك الصلوات أنه كان يرفع يديه بعد الفريضة، ومن هنا فلا ترفع الأيدي في الدعاء بعد الفريضة، لكن هناك أمور يسيرة أو نادرة ولم ينقل فيها شيء، والأمر فيها واسع، فإن رفع يديه فما نعلم شيئًا يمنعه، وإن لم يرفعها فليس هناك مانع.","vol":"17","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-388>حكم ضرب المعلم للطلاب بالحديد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز للمعلم أن يضرب الطالب بالحديد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الضرب من المعلم ينفر الطلاب، ولكن عليه أن يتألفهم، وأن يشجعهم، أما كونه يضربهم بالحديد فهذا فيه إساءة إليهم ونفور من الدراسة، وقد يترتب على ذلك هروب وتسرب.","vol":"17","page":32},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-389>[١٨]</span>\nلقد حث الإسلام على الأخلاق الحميدة والصفات الكريمة، ومن ذلك توطيد مبدأ وعلاقات الأخوة بين المسلمين، وهي تعني التآلف والترابط والتعاون على البر والتقوى، وأن يحب المرء لأخيه ما يحبه لنفسه من الخير والصلاح، وأن يكره له ما يكرهه لنفسه، فمن فعل ذلك فقد حسن إيمانه وكمل، ولأجل عظم هذا الأمر فقد حرم الإسلام دماء الناس وأعراضهم وأموالهم، ولم يبح لأحد أن يستحلها مهما كان الأمر، إلا من ارتكب شيئًا يجعله حلال الدم فقد حل دمه، كالثيب الزاني، والقاتل، والمرتد عن الدين.","vol":"18","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-390>شرح حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)</span>\nعن أبي حمزة أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) رواه البخاري ومسلم.\nهذا حديث عظيم، بين فيه النبي الكريم ﷺ أن من كمال الإيمان في المؤمن والمسلم أن يكون محبًا لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يكره له ما يكره لها، فيكون حريصًا على الخير لنفسه ولغيره، ولا يكون شأنه متعلقًا بنفسه فقط، وأما غيره فلا يهمه شأنه، ولا يعيره اهتمامًا؛ بل عليه أن يحب الخير لغيره كما يحبه لنفسه؛ وكذلك يكون الأمر فيما يقابل ذلك من الكراهة، فيكره لغيره ما يكرهه لنفسه.","vol":"18","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-391>الإيمان يزيد وينقص</span>\nفي قوله ﷺ: (لا يؤمن أحدكم)، نفي كمال الإيمان، وفي هذا دليل على أن الناس يتفاوتون في الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وقد جاءت الآيات والأحاديث الكثيرة الدالة على أن الإيمان يزيد وينقص، وأن الناس يتفاوتون فيه، فمنهم من يكون متصفًا بالكمال، ومنهم من يكون بين ذلك.\nوهذا الحديث فيه نفي الكمال عمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ومن كمال الإيمان في حقه أن يحب لغيره ما يحب لنفسه.","vol":"18","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-392>المراد بالأخوة في قوله: (لأخيه)</span>\nقوله: (لأخيه)، قيل: إن المراد بذلك أخوة الإسلام والإيمان، لما جاء في الحديث: (المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا) وحديث: (مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)، وعلى هذا فيكون ذكر الأخوة هنا المراد بها: أخوة الإسلام.\nوفي التنصيص على ذكر الأخوة ما يشعر بأن المطلوب من الإنسان أن يعطف على أخيه، وأن يحرص على فائدته، وأن يحب له ما يحب لنفسه، وأن يشعر بالاهتمام به، وأن يعطف عليه، وهو يختلف عما لو قال: لا يؤمن أحدكم حتى يحب للمؤمن ما يحب لنفسه؛ لأن التعبير بالأخوة هنا فيه إفادة هذا المعنى.\nومن العلماء من قال: إن المراد بالأخوة هنا الأخوة العامة التي هي أخوة النسب البعيد العالي، ويدخل في ذلك الكفار؛ لأنهم إخوة في النسب من جهة أن أبا الجميع هو آدم ﵊، ثم نوح، ثم إبراهيم، فيكون المقصود بالأخوة ما هو أعم من الأخوة في الإسلام، ويكون المقصود من ذلك: أنه يحب لأخيه في النسب العالي البعيد الهداية والاستقامة، وأن تحصل الهداية للكافر كما حصلت الهداية له، فتكون الأخوة هنا أعم.\nوقد جاء في القرآن إطلاق الأخوة على هذا المعنى، كما قال الله ﷿: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٠٥ - ١٠٦]، فإن هذه أخوة نسب وليست أخوة إيمان، وكذلك جاء في حق رسل الله ﷿مثل هود وصالح وشعيب- ذكر الأخوة، وهي بمعنى أخوة النسب وليست أخوة الإيمان.\nوالغالب أن الأخوة إذا ذكرت مطلقة في النصوص فإنما يقصد أخوة الإيمان، فيكون التعاطف والتواد والتراحم والتواصل والألفة والمحبة بينهم بسبب أخوة الإسلام.\nنعم، لا شك أن الإنسان يحب لغيره من الكفار الهداية، ويدعو لهم بها، ويسأل الله ﷿ لهم ذلك؛ ولكن ما جاء في مثل هذا النص فالغالب أن يكون المراد به هو الأخ المسلم، ولهذا جاء في الحديث: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله)، فيكثر ذكر الأخوة بين المسلمين والترابط ولقوة الصلة بينهم.","vol":"18","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-393>وجوب معاملة الإنسان لغيره كما يجب أن يعاملوه</span>\nقال ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، أي: وكذلك أيضًا يكره له ما يكره لنفسه، ويدخل تحت ذلك كون الإنسان يحب أن يعامل معاملة طيبة، فكذلك عليه أن يعامل غيره معاملة طيبة، فيعامل الناس بمثل ما يحب أن يعاملوه به.\nوقد جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما في حديث طويل قوله ﷺ: (فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)، وقوله ﷺ: (وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)، هو بمعنى: (يحب لغيره ما يحب لنفسه)، فكما أنه يحب أن يعامل معاملة طيبة فعليه أن يعامل غيره معاملة طيبة، ولا يكون بخلاف هذا الوصف الذي أرشد إليه الرسول الكريم ﵊، وقد ذكر الله ﷿ في كتابه ذم من يكون كذلك فقال: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين:١ - ٣]، فهم عندما يأخذون حقهم يستوفونه ويأخذونه كاملًا، وعندما يؤدون الحق الذي عليهم يبخسونه وينقصونه؛ فيأخذون الحق كاملًا، ولا يعطون الحق الذي عليهم كاملًا.\nويدخل تحت هذا البخس: أولئك الموظفون الذين يتأخرون عن أعمالهم، ويضيعون شيئًا من الوقت المطلوب منهم والمفروض عليهم دون أن يستعملوه فيما يعود على الناس بالخير والفائدة، فهذا من قبيل البخس ومن قبيل أخذ الحق كاملًا وتأدية ما عليه ناقصًا، فهو لا يحب أن يخصم شيء من راتبه؛ ولكنه لا يبالي إن ضيع شيئًا من الوقت المفروض عليه دون أن يصرفه فيما يعود على الناس بالخير.\nوكذلك جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله ينهاكم عن ثلاث: عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعًا وهات)، بأن يأخذ ولا يعطي، ويكون جموعًا منوعًا، يحب أن يصل إليه الشيء ولكن لا يصل منه شيء، فهو يطلب ولكن لا يعطي، هناك دخول عليه وليس هناك خروج منه، وهذه صفات ذمها الله ﷿، وكذلك جاء عن الرسول ﷺ ذمها ومنعها، وهي تخالف ما أخبر به الرسول الكريم ﵊ في هذا الحديث في قوله: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).","vol":"18","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-394>شرح حديث: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث)</span>\nعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)، رواه البخاري ومسلم.\nهذا الحديث يدل على عصمة دم المسلم، وأنه لا يجوز أن تتلف نفسه وأن يقتل إلا بواحدة من هذه الأمور الثلاثة التي جاءت في هذا الحديث، وهي:","vol":"18","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-395>معنى قوله: الثيب الزاني</span>\nقوله: (الثيب الزاني)، الثيب: هو من حصل منه النكاح، وتمتع وذاق هذه اللذة، ثم بعد ذلك حصل منه الزنا، فإنه يكون بذلك محصنًا، فيكون حكمه الرجم، ولو كان حين الزنا لا زوجة له، فليس من شرط ذلك أن يكون الزواج مستمرًا، بل يكفي أن يكون قد تزوج، وأن يكون قد ذاق ذلك بطريق مشروع، فإذا ماتت المرأة أو طلقها ثم حصل منه الزنا -والعياذ بالله- فإنه محصن لكونه تمتع تمتعًا مشروعًا بعقد النكاح، ويكون حكمه الرجم بالحجارة حتى يموت.\nفأحد الأمور الثلاثة التي يحل بها دم المسلم: أن يكون ثيبًا زانيًا، أي: أن يكون محصنًا وليس بكرًا.\nوالإحصان يشمل الرجل والمرأة، والمرأة حكمها في هذا حكم الرجل، إذ الأصل التساوي بين الرجال والنساء في الأحكام إلا أن يأتي دليل يخص الرجال دون النساء، أو النساء دون الرجال، فعند ذلك يصار إلى التفريق، وحيث لا تفريق ولا تمييز بين الرجال والنساء فإن الأصل هو التساوي، وقد رجم النبي ﷺ ماعزًا، والغامدية، والرجم يكون بالحجارة حتى الموت.\nوالحكمة من الرجم: قيل: إن اللذة لما حصلت للجسم جميعه، فإن العقوبة توجه إلى الجسم جميعه؛ وذلك بأن يُرمى بالحجارة من جميع الجوانب حتى يموت.\nهذا هو الأمر الأول من الأمور التي يكون بها خروج النفس من كونها معصومة إلى مستحقة للقتل والإتلاف.","vol":"18","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-396>معنى قوله: النفس بالنفس</span>\nقوله: (النفس بالنفس)، المقصود بذلك: القصاص، فإذا قتل الإنسان غيره عمدًا فإنه يقتص منه بأن يقتل القاتل حيث توفرت شروط القصاص، وكما أنه أزهق نفس غيره؛ فإن حكمه هو أن تزهق نفسه، ويكون ذلك قصاصًا، والله ﷿ قال في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾ [البقرة:١٧٨]، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٩]، أي: أن هذا فيه أسباب إبقاء الإنسان على نفسه وعلى نفس غيره، فإذا علم أنه إذا قتل سيقتل فإنه يكف ويمتنع من القتل.\nوقد جاء في بعض الروايات التعبير بالقصاص، والمراد به أن هذا القتل قصاص نفس بنفس، أي: نفس بدل نفس، فكما قَتل قُتل، وكما أزهق نفس غيره أُزهقت نفسه.\nوهذه الجملة في هذه الآية: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة:١٧٩]، جملة وجيزة في غاية الفصاحة والبلاغة، وهناك كلمة عند العرب مشهورة بمعنى هذه الجملة ولكنها تختلف عنها، وهي قولهم: (القتل أنفى للقتل)، ولكن هذه الجملة التي جاءت في القرآن في غاية الفصاحة والبلاغة.\nوأما تلك العبارة التي جاءت عن العرب والتي يذكر علماء البلاغة أنها من الكلام الجامع، فإنها لم تسلم من الخلل اللفظي ولا من الخلل المعنوي؛ فمن جهة اللفظ: (القتل أنفى للقتل) فيه تكرار، مع أنه كلام وجيز مكون من ثلاث كلمات ولكن واحدة مكررة، فهذا خلل من حيث اللفظ.\nأما الخلل من حيث المعنى: فليس كل قتل يكون أنفى للقتل؛ بل من القتل ما يكون سببًا للقتل، والكثير من الحروب والقتال الذي جرى بين العرب وبين غيرهم في الجاهلية والإسلام سببه قتيل واحد يقتل فتنشأ الحروب بسببه، إذًا ليس كل قتل يكون أنفى للقتل، ولكن الآية الكريمة عبرت بالقصاص، وجاء التعبير بالقصاص الدال على أن هذا النوع من القتل هو الذي يكون فيه الحياة، ويكون به الإبقاء للنفوس: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة:١٧٩].\nفمن يريد القتل أو يفكر فيه، إذا علم أنه سيقتل فإنه يكف عن قتل غيره ليسلم من القتل، ويكون بذلك قد أبقى على نفسه وعلى نفس غيره.\nوقوله: (والنفس بالنفس)، هذا في التكافؤ، وقد جاء في القرآن قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾ [البقرة:١٧٨].\nوقد اختلف في بعض المسائل التي لا يكون فيها التكافؤ؛ كقتل الحر بالعبد، وقتل المسلم بالكافر، وأما قتل الرجل بالمرأة فهذا متفق عليه، فالرجل يقتل بالمرأة، والمرأة تقتل بالرجل؛ ولكن من ناحية الدية هناك فرق بين الرجل والمرأة، فالمرأة على النصف من الرجل في الدية، وأما في القتل فإنه يقتل بها وتقتل به.","vol":"18","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-397>معنى قوله: التارك لدينه المفارق للجماعة</span>\nقوله: (والتارك لدينه المفارق للجماعة) التارك لدينه: هو المرتد عن الإسلام -والعياذ بالله- فمن دخل في الإسلام ثم خرج منه يعتبر مرتدًا، وهو يختلف عن الكافر الأصلي؛ فإن من ارتد عن الإسلام ليس أمامه إلا أن يرجع إلى الإسلام وإلا القتل؛ لقوله ﷺ: (من بدل دينه فاقتلوه)؛ وذلك لأنه دخل في الإسلام، وذاق حلاوته، وصار من أهله، فإذا خرج منه رغبة عنه فإنه لا يبقى؛ بل إما أن يرجع إلى الإسلام وإما أن يقتل، بخلاف الكافر الأصلي إذا كان معاهدًا أو مستأمنًا فإنه يبقى على عهده وأمانه، وكذلك الكفار الذين دفعوا الجزية وصاروا تحت حكم الإسلام، فإنهم يبقون على ما هم عليه، ولكن من كان مسلمًا ثم رجع إلى الكفر -والعياذ بالله- فليس أمامه إلا أن يرجع إلى الإسلام ويتوب وإلا القتل؛ لقوله ﷺ: (من بدل دينه فاقتلوه)، وذلك عام يشمل الذكر والأنثى.\nوقوله: (المفارق للجماعة)، هو توضيح لقوله: (التارك لدينه)؛ لأنه خرج عن جماعة المسلمين بخروجه عن دينهم.\nهذه هي الأمور الثلاثة التي جاءت في هذا الحديث، والتي قال فيها الرسول الكريم ﷺ: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة).","vol":"18","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-398>أمور أخرى يحل بها دم المسلم</span>\nجاءت نصوص في قتل أناس غير هؤلاء الثلاثة، منها ما يرجع إلى هذه الأمور الثلاثة مثل السحر، فإنه إذا كان كفرًا فهو داخل تحت القسم الثالث من هذه الأقسام الثلاثة، وقد جاءت أحاديث في أناس يقتلون وهم غير هؤلاء الموجودين، مثل القتل باللواط، وكذلك إتيان البهيمة، وقال ﵊: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما)، وكذلك من شهر السلاح على الناس فإنه يقتل، ويكف شره بمقاتلته ومنعه، وهناك أمور أخرى أوردها الحافظ ابن رجب ﵀ في شرحه، وهي عشرة، ومنها: قتل شارب الخمر في المرة الثالث، وقتل السارق في المرة الخامسة، وغيرهم.\nوهذه الأمور فيها خلاف بين أهل العلم؛ ولكن ما ثبت منها فإنه يضاف إلى هذه الأمور الثلاثة التي جاءت عن رسول الله ﷺ، ويكون الحصر فيها من قبيل الحصر الإضافي الذي فيه الإشارة إلى أهميتها ووضوحها وجلائها، وأن غيرها يكون مضافًا إليها، أي: ما ثبت وصح عن رسول الله ﷺ فإنه يضاف إلى هذا العدد الذي جاء في هذا الحديث عن رسول الله ﷺ: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة).\nقال ابن رجب رحمه الله تعالى في ذكره لتلك الأمور العشرة التي يقتل بها المسلم: (فمنها: في اللواط، ومنها: من أتى ذات محرم، ومنها: الساحر، ومنها: قتل من وقع على بهيمة، ومنها: من ترك الصلاة، ومنها: قتل شارب الخمر في المرة الرابعة، وقد رُوي قتل السارق في المرة الخامسة، ومنها ما رُوي عنه ﷺ: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخِر منهما)، ومنها: من شهر السلاح، ومنها: قتل الجاسوس المسلم إذا تجسس للكفار على المسلمين، ومنها: ما أخرجه أبو داود في المراسيل من رواية ابن المسيب أن النبي ﷺ قال: (من ضرب أباه فاقتلوه).\nهذه عشرة أمور ذكرها الحافظ ابن رجب ﵀ في شرحه لهذا الحديث، وهي تضاف إلى الثلاثة الموجودة، والسحر إذا كان كفرًا فإنه داخل تحت القسم الثالث: (التارك لدينه المفارق للجماعة).\nقال: (واعلم أن من هذه الأحاديث المذكورة ما لا يصح، ولا يعرف به قائل معتبر، كحديث: (من ضرب أباه فاقتلوه)، وحديث قتل السارق في المرة الخامسة، وباقي النصوص كلها يمكن ردها إلى حديث ابن مسعود؛ وذلك أن حديث ابن مسعود يتضمن أنه لا يستباح دم المسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: إما أن يترك دنيه ويفارق جماعة المسلمين، وإما أن يزني وهو محصن، وإما أن يقتل نفسًا بغير حق.\nفيؤخذ منه: أن قتل المسلم لا يستباح إلا بأحد ثلاثة أنواع: ترك الدين، وإراقة الدم المحرم، وانتهاك الفرج المحرم، فهذه الأنواع الثلاثة هي التي تبيح دم المسلم دون غيرها، فأما انتهاك الفرج المحرم فقد ذكر في الحديث: أنه الزنا بعد الإحصان، وهذا -والله أعلم- على وجه المثال، فإن المحصن قد تمت عليه النعمة بنيل هذه الشهوة بالنكاح، فإذا أتاها بعد ذلك من فرج محرم عليه أبيح دمه، وقد ينتفي شرط الإحصان فيخلفه شرط آخر، وهو كون الفرج لا يستباح بحال: إما مطلقًا كاللواط، أو في حق الواطئ، كمن وطئ ذات محرم بعقد أو غيره، فهذا الوصف هل يكون قائمًا مقام الإحصان وخلفًا عنه؟ هذا هو محل النزاع بين العلماء، والأحاديث دالة على أنه يكون خلفًا عنه، ويُكتفى به في إباحة الدم).\nومعنى كلامه: أن اللواط ووطء ذات المحرم يكون بمعنى الزنا.\nقال: (وأما سفك الدم الحرام، فهل يقوم مقام إثارة الفتن المؤدية إلى سفك الدماء كتفريق جماعة المسلمين، وشق العصا، والمبايعة لإمام ثانٍ، ودل الكفار على عورات المسلمين.\nهذا هو محل النزاع، وقد رُوي عن عمر ما يدل على إباحة القتل بمثل هذا؛ وكذلك شهر السلاح لطلب القتل، هل يقوم مقام القتل في إباحة الدم أم لا؟ فـ ابن الزبير وعائشة رأياه قائمًا مقام القتل الحقيقي في ذلك.\nوكذلك قطع الطريق بمجرده هل يبيح القتل أم لا؟ لأنه مظنة لسفك الدماء المحرمة، وقول الله ﷿: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة:٣٢]، يدل على أنه إنما يباح قتل النفس بشيئين: أحدهما: بالنفس، والثاني: بالفساد في الأرض، ويدخل في الفساد في الأرض: الحرابة والردة والزنا؛ فإن ذلك كله فساد في الأرض، وكذلك تكرر شرب الخمر والإصرار عليه هو مظنة سفك الدماء المحرمة، وقد اجتمع الصحابة في عهد عمر على حده ثمانين، وجعل السكر مظنة الافتراء والقذف الموجبة لجلد الثمانين، ولما قدم وفد عبد القيس على النبي ﷺ ونهاهم عن الأشربة والانتباذ في الظروف قال: (إن أحدكم ليقوم إلى ابن عمه -يعني: إذا شرب- فيضربه بالسيف)، وكان فيهم رجل قد أصابته جراحة من ذلك، فكان يخبؤها حياء من النبي ﷺ، فهذا كله يرجع إلى إباحة الدم بالقتل، إقامة لظن القتل مقام الحقيقة؛ لكن هل نسخ ذلك أم حكمه باق؟ وهذا هو محل النزاع! وأما ترك الدين ومفارقة الجماعة فمعناه: الارتداد عن دين الإسلام ولو أتى بالشهادتين، فلو سب الله ورسوله ﷺ وهو مقر بالشهادتين أبيح دمه؛ لأنه قد ترك بذلك دينه، وكذلك لو استهان بالمصحف وألقاه في القاذورات، أو جحد ما يُعلم من الدين بالضرورة كالصلاة وما أشبه ذلك مما يُخرج من الدين، وهل يقوم مقام ذلك ترك شيء من أركان الإسلام؟ هذا ينبني على أنه هل يخرج من الدين بالكلية بذلك أم لا؟ فمن رآه خروجًا عن الدين كان عنده كترك الشهادتين وإنكارهما، ومن لم يره خروجًا عن الدين فاختلفوا: هل يلحق بتارك الدين في القتل لكونه ترك أحد مباني الإسلام أم لا؟ لكونه لم يخرج عن الدين، ومن هذا الباب ما قاله كثير من العلماء في قتل الداعية إلى البدع، فإنهم نظروا إلى أن ذلك شبيه بالخروج عن الدين، وهو ذريعة ووسيلة إليه، فإن استخفى بذلك ولم يدع غيره كان حكمه حكم المنافقين إذا استخفوا، وإذا دعا إلى ذلك تغلظ جرمه بإفساد دين الأمة، فقد صح عن النبي ﷺ الأمر بقتال الخوارج وقتلهم، وقد اختلف العلماء في حكمهم: فمنهم من قال: هم كفار، فيكون قتلهم لكفرهم، ومنهم من قال: إنهم يقتلون لفسادهم في الأرض بسفك دماء المسلمين وتكفيرهم لهم، وهو قول مالك وطائفة من أصحابنا، وأجازوا الابتداء بقتالهم والإجهاز على جريحهم.\nومنهم من قال: إن دعوا إلى ما هم عليه قوتلوا، وإن أظهروه ولم يدعوا إليه لم يقاتلوا، وهو نص أحمد وإسحاق، وهو يرجع إلى قتال من دعا إلى بدعة مغلظة، ومنهم من لم ير البداءة بقتالهم حتى يبدءوا بقتال يبيح قتالهم من سفك دماء ونحوه، كما روي عن علي وهو قول الشافعي وكثير من أصحابنا.\nوقد رُوي من وجوه متعددة أن النبي ﷺ أمر بقتل رجل كان يصلي، وقال: (لو قُتل لكان أول فتنة وآخرها).\nوفي رواية: (لو قتل لم يختلف رجلان من أمتي حتى يخرج الدجال)، خرجه الإمام أحمد ﵀ وغيره).\nهذا الحديث رواه من حديث بريدة الإمام الطحاوي في مشكل الآثار، وابن عدي في الكامل ومن طريقه ابن الجوزي في مقدمة الموضوعات، وفيه صالح بن حيان القرشي وهو ضعيف، ورواه ابن الجوزي من حديث عبد الله بن الزبير، وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، قال الهيثمي في المجمع: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عطاء بن السائب عن رجل من أسلم من أصحاب النبي ﷺ، وعند الطبراني في الكبير، قال الهيثمي: وفيه أبو حمزة الثمالي وهو ضعيف.\nقال: (فيستدل بهذا على قتل المبتدع إذا كان قتله يكف شره عن المسلمين، ويحسم مادة الفتن، وقد حكى ابن عبد البر وغيره عن مذهب مالك جواز قتل الداعي إلى البدعة، فرجعت نصوص القتل كلها إلى ما في حديث ابن مسعود بهذا التقدير، ولله الحمد.\nوكثير من العلماء يقول في كثير من هذه النصوص التي ذكرناها هاهنا: إنها منسوخة بحديث ابن مسعود، وفي هذا نظر من وجهين: أحدهما: أنه لا يعلم أن حديث ابن مسعود كان متأخرًا عن تلك النصوص كلها، لا سيما وابن مسعود من قدماء المهاجرين، وكثير من تلك النصوص يرويها من تأخر إسلامه كـ أبي هريرة وجرير بن عبد الله ومعاوية، فإن هؤلاء كلهم رووا حديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة.\nوالثاني: أن الخاص لا ينسخ بالعام ولو كان العام متأخرًا عنه في الصحيح الذي عليه جمهور العلماء؛ لأن دلالة الخاص على معناه بالنص، ودلالة العام عليه بالظاهر عند الأكثرين، فلا يبطل الظاهر حكم النص، وقد رُوي: (أن النبي ﷺ أمر بقتل رجل كذب عليه في حياته)، وقال لحي من العرب: (إن رسول الله ﷺ أرسلني وأمرني أن أحكم في دمائكم وأموالكم)، وهذا روي من وجوه متعددة كلها ضعيفة، وفي بعضها: أن هذا الرجل كان قد خطب امرأة منهم في الجاهلية فأبوا أن يزوجوه، وأنه لما قال لهم هذه المقالة صدقوه ونزل على تلك المرأة، وحينئذ فإن هذا الرجل قد زنى ونسب إباحة ذلك إلى النبي ﷺ، وهذا كفر وردة عن الدين.\nوفي صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ أمر عليًا بقتل القبطي الذي كان يدخل على أم ولده","vol":"18","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-399>الأسئلة</span>","vol":"18","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-400>لزوم كره المسلم لأخيه ما يكرهه لنفسه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  جاء في الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، فهل يخرج عليه الضد: ويكره لأخيه ما يكرهه لنفسه، أم أنه يقتضي ذلك لزومًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، لابد أن يكره لأخيه ما يكره لنفسه؛ لأن هذا من مقابل مفهوم هذا الأمر، فيحب له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، فهما متلازمان، فكما أنه يكره الشر لنفسه فيكرهه لغيره، وكما أنه يحب الخير لنفسه فيحبه لغيره.","vol":"18","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-401>حكم فرح المسلم إذا أخطأ أخوه أو وقع في بدعة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم من يفرح إذا أخطأ أخوه، أو يفرح إذا وقع أخوه السني في بدعة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هو نفسه يكره أن يفرح غيره إذا حصل منه خطأ، فكذلك عليه أن يعامل غيره بأن لا يفرح؛ بل يتأثر ويحب له أن يسلم من هذا الخطأ، فهو يحب أن يكون سالمًا من هذا الخطأ أولًا، وبعد وقوعه فيه يحب أن يسلم منه وأن يخرج منه بسلام، هذا هو الواجب، فالإنسان لا يفرح بخطأ أخيه، وإنما يحزن لخطأ أخيه ويفرح إذا رجع عن خطئه وعاد إلى صوابه.","vol":"18","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-402>المراد بنفي كمال الإيمان في قوله: (لا يؤمن أحدكم)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قوله: (لا يؤمن أحدكم)، هل المراد بالنفي نفي الكمال الواجب أو الكمال المستحب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المراد نفي الكمال المستحب، وعلى هذا لا يكون آثمًا.","vol":"18","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-403>ضابط المفارق للجماعة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قوله: (المفارق للجماعة)، هل فيه دليل على تكفير الخوارج حيث فارقوا الجماعة ووجب قتالهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ضابط ذلك: أن هذا وصف للتارك لدينه، فليس هو شيئًا مستقلًا، كما جاء في الرواية الأخرى: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله)، فقوله: (يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) وصف للمسلم، وكلمة (المفارق للجماعة) وصف للتارك لدينه، والخوارج ما تركوا الدين؛ بل هم يزعمون أنهم متمسكون بالدين، وأن هذا من الدين؛ وذلك نتيجة للفهم الخاطئ للنصوص، وعدم متابعة الصحابة في الفهم؛ ولهذا كان من منهج أهل السنة والجماعة: اتباع نصوص الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وليس بالفهوم الخاطئة التي يركب الإنسان فيها رأسه، ويخرج عن الجماعة، ويتبع غير سبيل المؤمنين.","vol":"18","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-404>الدليل على نقصان الإيمان</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  توقف بعض أهل العلم في القول بنقص الإيمان، وحجته: أن أدلة زيادة الإيمان واضحة وبينة، لكن لم يأت دليل صريح على نقص الإيمان، فهل هناك دليل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، أولًا: من حيث المعنى: فإن ما يقبل الزيادة يقبل النقص.\nثانيًا: قول النبي ﷺ: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين) الحديث، وناقص الدين هو ناقص الإيمان، وهذا حديث واضح في هذا الأمر؛ فإن نقص الدين هو نفسه المقابل للزيادة، وأيضًا ما يقبل الزيادة يقبل النقص، ومن الأدلة حديث: (وذلك أضعف الإيمان).","vol":"18","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-405>حكم قتل الزاني المحصن رميًا بالرصاص</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما رأيكم في الذي يستبدل الرجم بإطلاق النار على المحصن؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا لا يجوز، بل الواجب هو الرجم، والرجم جاء في سنة الرسول ﷺ، وجاء في كتاب الله ﷿ في الآية التي نسخت تلاوتها وبقي حكمها، وهو أيضًا موجود في التوراة، كما جاء في قصة اليهودي واليهودية اللذين زنيا، وفيها أن حبرًا من أحبارهم كان يغطي آية الرجم بيده من التوراة لما طلب النبي ﷺ منهم أن يأتوا بها، فهذا الحكم موجود في التوراة وموجود في القرآن، ولكن نسخت التلاوة وبقي الحكم.\nوجاءت الأحاديث الكثيرة في الرجم، ومنها هذا الحديث: (الثيب الزاني)، فقد جاء الرجم من قوله ﵊ وفعله، فهذا قوله، وكذلك قوله: (خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الجلد والرجم)، وفعله لما أمر برجم الغامدية وماعز رضي الله تعالى عنهما.","vol":"18","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-406>حكم التعزير بالقتل</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يشرع للحاكم أن يعزر بالقتل فيمن لم يرد الدليل على قتله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، وذلك مثل قتل شارب الخمر، فإنه يقتل تعزيرًا.","vol":"18","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-407>معنى قوله: (المفارق للجماعة)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يدخل في قوله: (المفارق للجماعة) تلك الفرق المبتدعة الذين يرون السيف على حكام المسلمين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الخوارج يرون السيف ولا يقال: إنهم كفار، ومفارقة الجماعة ليست قسمًا مستقلًا مما يستحل به القتل في الحديث، وإنما هو وصف للمرتد عن دينه: (التارك لدينه المفارق للجماعة)، فهذا وصف لشيء واحد، فهي ثلاثة أقسام وليست أربعة، والثالث: هو التارك لدينه المفارق للجماعة، فهو شيء واحد، وليس المفارق للجماعة وحده شيئًا مستقلًا.","vol":"18","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-408>حكم من قتل نفسًا وهو في بلد لا يقام فيه القصاص</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  مسلم يريد أن يطهر نفسه؛ ولكنه يعيش في بلاد لا يطبق فيها القصاص، فهل يسافر إلى بلاد يطبق فيها القصاص، ويطلب منهم إقامة الحد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، بل يتوب إلى الله ﷿، ويحسن في المستقبل، والله تعالى يتوب على من تاب، فعليه أن يستتر بستر الله، ويصلح ما أفسد، ويعمل صالحًا في المستقبل، ويحذر من المحرمات، ويصبر على طاعة الله، ويصبر عن معاصي الله، وبذلك يحصل الخير والفلاح والسعادة.","vol":"18","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-409>حكم من تزوج أمة ثم زنى</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  لو تزوج رجل أمة وهو حر ثم زنى، فهل يعتبر محصنًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم؛ لأنه قام بالزواج، ومعلوم أن زواج الأمة لا يجوز إلا إذا لم يستطع أن يتزوج المحصنة الحرة، فهو الآن ذاق هذه اللذة بنكاح صحيح وبعقد شرعي.","vol":"18","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-410>حكم من تزوج ولم يدخل بزوجته ثم زنى</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من تزوج ولم يدخل بزوجته فهل يعد محصنًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، إذا لم يحصل إلا مجرد العقد ولم يحصل دخول فإنه لا يعتبر محصنًا.","vol":"18","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-411>وجوب محبة الخير لجميع المسلمين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أنا أُحب الخير لنفسي وأحب الخير لبعض إخواني القريبين مني المحبين لي، ولا أحبه لكل المؤمنين، فهل هذا نقص؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا يخالف هذا الحديث، فالرسول ﷺ يقول: (حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، وهؤلاء كلهم إخوان لك.","vol":"18","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-412>معنى محبة الإنسان لغيره ما يحب لنفسه في باب الفوز والتفوق</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا كان أحدنا يحب مثلًا أن يكون في المرتبة الأولى بين إخوانه في الدراسة، وهذه مرتبة لا تصلح إلا لواحد منا، فكيف أحب لإخواني ما أحب لنفسي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هو يحب أن يجتهد ويحب لإخوانه أن يجتهدوا، والمتفوق سيكون واحدًا، سواء كان هو أو غيره، المهم أنه يحب الأسباب التي توصل إلى هذا، وأنه يحب أن يجتهدوا كلهم، وأن يصيروا أقوياء متمكنين، ومعلوم أن التفوق سيكون لواحد.","vol":"18","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-413>زيادة: (من الخير) زيادة تفسيرية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  على ماذا تحمل الزيادة في الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه الزيادة -كما هو معلوم- زيادة تفسير وتوضيح؛ لأن المحبة إنما تكون في الخير، وهو خير الدنيا وخير الآخرة، أي: عموم الخير، سواء كان خيرًا دنيويًا أو أخرويًا، فكلمة (من الخير) تبين أن المحبوبات إنما هي في الخير.","vol":"18","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-414>حكم قتل الإنسان لمن قتل قريبه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في بلادنا حيث لا تطبق الشريعة إذا قتل شخص شخصًا آخر فإن الحكومة تترك فرصة لعائلة القتيل أن يأخذوا بالثأر، ثم تتدخل بعدها بالقبض على القاتل، ثم الصلح بين العائلتين، وهذا ليس رسميًا، فهل يجوز الأخذ بالثأر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يقول: إنه غير رسمي، ومعنى ذلك أنها فوضى، فما دام أنه ليس هناك شيء رسمي وإنما هو شيء شاع وانتشر، فالقتل الذي يؤدي إلى تقاتل وفتنة لا يجوز، ثم أيضًا القصاص لابد أن يثبت بشروطه، وليس بمجرد إنسان كان قريبًا للقتيل فيذهب ويأخذ بالثأر؛ بل القتيل إذا كان له ورثة وفيهم واحد صغير عمره مثلًا نصف سنة، فينتظر حتى يكمل خمس عشرة سنة، وهل يطالب أو لا يطالب؟ فليست القضية مجرد إنسان قريب يريد أن يثأر لقريبه؛ لأن هذا يتوقف على طلب أولياء القتيل، وإذا كان فيهم صغير فينتظر حتى يبلغ، فليس القتل إذًا مجرد ثأر وتشفي.","vol":"18","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-415>نصيحة لمن ابتلي بحسد الآخرين والحقد عليهم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أنا رجل مبتلى ومريض حقود وحسود من صغري، فكيف أحل هذه المشكلة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  اسأل الله ﷿، وألح عليه في الدعاء أن يشفيك مما أنت فيه، وأن يصلح حالك، واحرص على تغيير حالك بأن يكون بدل الحقد حب، وبدل الحسد رغبة في الخير للغير، وأن لا تحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، ولكن اسأل الله ﷿ أن يعطيك من فضله كما أعطاهم، وفضل الله تعالى واسع، وأما كون الإنسان يحسد غيره على النعمة التي أعطاه الله تعالى إياها، فيكون مرتكبًا لأمر محرم، ويترك الطريق المشروع وهي أن يسأل الله من فضله، وأن يأخذ بالأسباب التي توصل إلى تحصيل ذلك الخير.\nفالحاصل: أن الإنسان المبتلى بهذا البلاء عليه أن يحرص على إنقاذ نفسه وعلى سلامة نفسه، وأن يحب لغيره ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لها.","vol":"18","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-416>لا يقتل الوالد بولده</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكر من المستثنيات من الحديث في القتل: قتل الوالد بولده، فأرجو التوضيح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، إذا كان الوالد هو القاتل فإنه لا يقتل بولده؛ لأنه كان سبب وجوده، فلا يكون ولده سببًا في عدمه.","vol":"18","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-417>الحكم على حديث: (أيما لحم نبت من سحت) ودلالته</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حال حديث: (أيما لحم نبت من سحت فالنار أولى به)، وهل يدل على الخلود في النار؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ذكر الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب الجزء الأول عن كعب بن عجرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يا كعب بن عجرة! إنه لا يدخل الجنة لحم ودم نبتا من سحت فالنار أولى به، يا كعب بن عجرة! الناس غاديان، فغاد في فكاك نفسه فمعتقها وغاد فموبقها، يا كعب بن عجرة! الصلاة قربان، والصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة)، قال الألباني: صحيح لغيره.\nوعن جابر ﵄: أن النبي ﷺ قال: (يا كعب بن عجرة! إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت)، رواه ابن حبان في صحيحه، وقال الألباني في الضعيفة: (وأيما عبد نبت من سحت فالنار أولى به)، هذه الزيادة التي جاءت في آخر الحديث إنما لم ألحقها به لأنها صحيحة بشواهدها الكثيرة عن جابر وكعب بن عجرة وأبي بكر الصديق، وقد خرجها المنذري، والحديث الذي ذكره في الضعيفة: (يا سعد! أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة).\nوفيما يتعلق بمعنى الحديث إذا ثبت شيء من ذلك فهو من جنس الأحاديث الأخرى مثل: (لا يدخل الجنة قتات) يعني: نمام، فهو من جنس أحاديث الوعيد التي إذا ثبت شيء منها فيكون من هذا القبيل؛ ويكون صاحبها تحت مشيئة الله ﷿، ويفسر بأنه لا يدخلها مع من يدخلها من أول وهلة؛ لأن من الناس من يدخلونها من أول وهلة، ومنهم من لا يدخلها من أول وهلة، فيكون الذي جاء عنه عدم دخولها وهو مسلم معناه: أنه يتأخر دخوله فيها، فيكون غيره ممن صار من أهلها يتنعم، وهو يعذب في تلك الفترة بالنار من أجل عقوبته، وإذا شاء الله ﷿ أن يتجاوز عنه وأن يدخل الجنة من أول وهلة فإنه يدخل.","vol":"18","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-418>معنى قول ابن رجب: وقد يوجد ما يمنع هذا المانع من منعه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في الحديث: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا)، يقول ابن رجب: فيؤخذ من هذا: أن التوسع في الحرام والتغذي به من جملة موانع الإجابة، وقد يوجد ما يمنع هذا المانع من منعه، فما معنى كلامه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معناه: أنه قد يجاب الإنسان وهو عنده هذه الموانع، كما أن الكفار يحصل لهم شيء من هذا.","vol":"18","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-419>حكم قول: إخواننا الكفار</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما قولكم في الذي يقول: إخواننا الكفار؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا أخوة بين المسلمين والكفار، ومعلوم أن الأخوة غالب إطلاقها إنما هو على أخوة الإسلام، وأما أخوة النسب البعيدة فإنها غالبًا لا تكون مقصودة في هذا الحديث وأمثاله؛ ولهذا -كما ذكرنا- فإن الصواب في قوله: (حتى يحب لأخيه)، أن المقصود: لأخيه المسلم، وابن رجب ﵀ ذكر في شرحه: أن المقصود بالأخوة هنا الأخوة العامة، فيدخل في ذلك الكافر، وأن الإنسان يحب له الهداية؛ لكن الغالب في إطلاق النصوص في مثل هذا أن المراد بها أخوة الإسلام، وليست الأخوة العامة التي يدخل فيها الكفار.","vol":"18","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-420>حكم الأخذ من اللحية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الأخذ من اللحية وتخفيفها يعتبر نقصًا في الدين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يعتبر معصية، ولا شك أن المعاصي تنقص الإيمان.","vol":"18","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-421>مدح ونصح للشيخ ربيع المدخلي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ظهرت شائعة حامل لوائها بعض أصحاب القلوب المريضة، يزعمون فيها كذبًا أنك طعنتَ في الشيخ ربيع في درس من دروسك، ولا نظن أنهم يقصدون بذلك إلا ضرب العلماء بعضهم ببعض، فما قولكم في هذا؟ وما توجيهكم لهؤلاء، فنحن نريد أن يؤخذ الشريط وينتشر تبيانًا لباطلهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الشيخ ربيع من المشتغلين بالعلم في هذا الزمان، وله جهود جيدة وعظيمة في الاشتغال بالسنة، وكذلك التأليف، فله تآليف جيدة وعظيمة ومفيدة؛ ولكنه في الآونة الأخيرة انشغل بأمور ما كان ينبغي له أن ينشغل بها، وكان ينبغي له أن يشتغل بما كان عليه أولًا من الجد والاجتهاد في الكتابة المفيدة، وفي الآونة الأخيرة حصل منه بعض أمور لا نوافقه عليها، ونسأل الله ﷿ أن يوفقنا وإياه لكل خير، وأن يوفق الجميع لما تحمد عاقبته.\nوأنا لا أطعن فيه، ولا أحذر منه، وأقول: إنه من العلماء المتمكنين، ولو اشتغل بالعلم وجد فيه لأفاد كثيرًا، وقبل مدة كانت جهوده أعظم من جهوده في الوقت الحاضر، فأنا أعتبر الشيخ ربيعًا من العلماء الذين يسمع إليهم، وفائدتهم كبيرة؛ ولكن كل يؤخذ من قوله ويرد، وليس أحد بمعصوم، ونحن نخالفه في بعض الأمور التي حصلت لا سيما في هذا الزمان مما حصل من الفتنة التي انتشرت وعمت، وصار طلاب العلم يتهاجرون ويتنازعون ويتخاصمون بسبب ما جرى بينه وبين غيره، حيث انقسم الناس إلى قسمين، وعمت الفتنة وطمت، وكان عليه وعلى غيره أن يتركوا الاستمرار في هذا الذي حصلت به الفتنة، وأن يشتغل الكل بالعلم النافع دون هذا الذي حصل به التفرق والتشتت، وأسأل الله ﷿ للجميع التوفيق.","vol":"18","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-422>المقصود بالأخوة الواردة في الأحاديث</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ألا يستدل بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا﴾ [آل عمران:١٦٨]، وقوله: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب:١٨]، في معرض كلامه على المنافقين، ألا يستدل به على أن الأخوة إذا أطلقت يراد بها الأخوة العامة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، إذا جاء قوله في الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، وقوله: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه) وقوله: (ولا يخطب على خطبة أخيه)، فالمقصود به المسلم ولا يقصد به الأخوة العامة التي يدخل فيها الكفار، وإذا جاء في حق المنافقين أنهم قالوا لإخوانهم، فلا يعني ذلك أن الأخوة التي يأتي ذكرها بين المسلمين أنها تحمل على ما هو أعم من ذلك فيدخل فيها الكفار، نعم الكفار تحب لهم الهداية ويدعى لهم بالهداية، ولكن لا يقال: إن الأخوة التي جاءت في النصوص تكون لهم ولغيرهم، بل المسلمون كما وصفهم الرسول ﷺ بقوله: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر).","vol":"18","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-423>سقوط القصاص إذا عفا أحد ورثة القتيل</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  لو تنازل أحد ورثة القتيل عن حقه في القصاص، فهل يقام القصاص على الجاني أم يشترط إجماع الورثة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لو تنازل واحد منهم سقط القصاص، ولهذا فلو كان للقتيل ورثة، وكان له طفل صغير، فإنه ينتظر خمسة عشر عامًا حتى يبلغ وينظر هل يطالب أو لا يطالب؟ فلا يشترط الاتفاق، بل إذا تنازل واحدًا منهم فإنهم يرجعون إلى الدية، ولا يحصل القصاص.","vol":"18","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-424>حكم الساحر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قلتم: إن الساحر إذا كان كافرًا يقتل، فهل هناك ساحر ليس بكافر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، بعض العلماء يقول: إن هناك سحرًا لا يصل إلى حد الكفر؛ ولكن السحر كله لا خير فيه.","vol":"18","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-425>حكم استتابة المرتد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يستتاب الساحر أم يقتل بغير توبة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كل مرتد عن الإسلام فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ ولكن هناك خلاف في بعض أولئك مثل الزنديق، فإن فيه خلافًا هل تقبل توبته أم لا تقبل؟ ومثل من يسب الله ﷿، ويسب الرسول ﷺ هل تقبل توبته أم لا تقبل ويقتل بدون استتابة؟","vol":"18","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-426>حكم استخدام المدرسين لكهرباء المدرسة لأجل اللعب بالكرة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نحن مجموعة من المدرسين في قرية من القرى، ودائمًا نذهب إلى المدرسة من بعد المغرب إلى العشاء، وأحيانًا إلى بعد العشاء، ونلعب الكرة، ونشغل الكهرباء، وهذا العمل قد أخذنا فيه إذنًا من مدير المدرسة، فهل عملنا صحيح أو فيه شبهة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المناسب أن تشتغلوا بغير اللعب، وأن تكونوا من أهل الجد، ولا تكونوا من أهل الهزل، لا سيما وأنتم معلمون وكبار، والمفروض أن تكونوا قدوة لغيركم، فكونوا قدوة في الجد، ولا تكونوا قدوة في الهزل، وما ينبغي أن تستعملوا الكهرباء في مثل هذا العمل.\nوالله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"18","page":38},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-427>[١٩]</span>\nلقد حرص الإسلام على تهذيب النفوس وتربيتها على الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة، ومن تلك الأخلاق الحسنة التي أمر بها الإسلام وحث عليها: تأديب اللسان وعدم الكلام إلا بالخير، فإن لم يمكن ذلك فالسكوت، ومنها إكرام الجار وعدم إيذائه، ومنها إكرام الضيف إذا كان نازلًا عند أحد في بيته، وهناك خلق ذميم نهى عنه الإسلام وحذر منه؛ لما يترتب عليه من عواقب وخيمة، وهو خلق الغضب، وقد أرشد النبي ﷺ من وقع فيه أن يعمل أمورًا من شأنها أن تذهبه وتبعده.","vol":"19","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-428>شرح حديث: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت)</span>\nعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)، رواه البخاري ومسلم.","vol":"19","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-429>مناسبة ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر في أول الحديث</span>\nهذا الحديث مشتمل على ثلاث جمل: الجملة الأولى: تتعلق بحفظ اللسان، وألا يقول به إلا خيرًا، وإلاّ يكن فالصمت.\nوالثانية: تتعلق بإكرام الجار.\nوالثالثة: تتعلق بإكرام الضيف.\nوقد جاء بين يدي ذكر هذه الأمور الثلاثة ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر، وأن من يتصف بالإيمان بالله واليوم الآخر، فإنه يقوم بهذه الأمور ويفعل هذه الأفعال، وقد جمع النبي ﷺ بين الإيمان بالله واليوم الآخر؛ لأن الإيمان بالله هو أس الأسس، وكل شيء يجب الإيمان به فإنه تابع للإيمان بالله ﷿؛ ولهذا جاء في حديث جبريل تفسير الإيمان بقوله: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره)، ومن المعلوم أن الإيمان بالملائكة والرسل والكتب واليوم الآخر والقدر كله تابع للإيمان بالله، فمن لم يؤمن بالله فلن يؤمن بملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا اليوم الآخر ولا القدر.\nإذًا: الإيمان بالله ﷿ هو الأساس الذي يبنى عليه كل إيمان، فكل شيء يؤمن به ويصدق فهو مبني على الإيمان بالله وتابع له، فلهذا جمع النبي ﷺ بين الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر؛ لأن الإيمان بالله هو الأساس، وأما اليوم الآخر فقد ذكره مع الإيمان بالله تنويهًا وتذكيرًا بالمعاد، وأن الناس يجازون على أعمالهم: إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.\nوما يأتي فيه ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر وهو يتعلق بالأوامر فإنه يكون ترغيبًا، وما يأتي فيه ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر وهو يتعلق بالنواهي فإنه يكون ترهيبًا.\nإذًا: يأتي ذكر ذلك في الترغيب والترهيب؛ لأن الذي يؤمن بالله واليوم الآخر هو الذي يعرف أنه سيلقى الله ﷿، وأنه سيحاسبه؛ فلذلك يأتي بهذه المأمورات لأنه سيجد الثواب والأجر أمامه، وكذلك فيما إذا كانت الأمور التي ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر بين يديها تتعلق بالمنهيات، فيكون ذلك ترهيبًا وتخويفًا من أن يقع الإنسان فيها في الحياة الدنيا، ثم إذا جاء يوم القيامة وجاء الحساب وجد العقاب والعذاب عليها والعياذ بالله! إذًا: هذا هو السبب الذي لأجله ذكر الإيمان باليوم الآخر مع الإيمان بالله؛ لأن فيه التذكير باليوم الآخر، ففي ذلك ترغيب وترهيب، والإنسان إذا عرف أنه قادم على الله تعالى وأنه سيلقى الله تعالى، وأنه سيجازيه على ما قدم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، فهو يستعد لذلك اليوم بفعل المأمورات المرغب فيها، وترك المنهيات المرهب والمحذر منها، وهذا يتعلق بالأمور الثلاثة كلها؛ لأن كل واحد من هذه الأمور الثلاثة قدم بين يديه ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر.\nواليوم الآخر -كما هو معلوم- يبدأ بالموت لكل إنسان، فالحد الفاصل بين الدنيا والآخرة لكل إنسان هو الموت، فمن مات قامت قيامته، وانتقل من دار العمل إلى دار الجزاء، فإن الإنسان يجازى في قبره إما في نعيم وإما في عذاب، إما أن يفتح له باب إلى الجنة ويأتيه من روحها ونعيمها، وإما أن يفتح له باب إلى النار ويأتيه من حرها وسمومها، كما ثبت الحديث في ذلك عن رسول الله ﷺ من حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه.","vol":"19","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-430>الأمر بقول الخير أو السكوت</span>\nقال ﷺ: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) أي: أنه يحفظ لسانه، ولا يستعمله إلا في الخير، فلا يستعمله في الشر، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة عن النبي ﷺ في حفظ اللسان، ومنها الحديث الذي سيأتي وهو الحديث التاسع والعشرون من هذه الأربعين، وهو وصية النبي ﷺ لـ معاذ بن جبل، وفيه: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله! فأخذ بلسان نفسه، وقال: كف عليك هذا، فقلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم).\nوكذلك الحديث الصحيح الذي يقول فيه النبي الكريم ﷺ: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة)، وما بين اللحيين هو اللسان، وما بين الرجلين هو الفرج.\nوهذا الحديث من جوامع كلمه ﷺ كلمة جامعة تدل على أن استعمال اللسان يكون إما في الخير وإما في الشر: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) يعني: يتكلم بما هو خير من ذكر الله ﷿، وقراءة القرآن، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدلالة على الخير، وإرشاد الضال، ودلالة من يحتاج إلى الدلالة على الخير، كل ذلك يكون من الأعمال التي يستعمل فيها اللسان، وإذا لم يكن يستعمل الإنسان لسانه في الخير فلا أقل من أن يصمت، وأما أن استعمله فيما يعود عليه بالضرر فإن وباله عظيم، وضرره كبير، كما قال ﵊: (وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم).\nويقولون: (كلم اللسان أنكأ من كلم السنان)، أي: الجرح الذي يكون باللسان أشد من الجرح الذي يكون بالسنان، والإنسان إذا لم يتكلم بالكلمة غير السائغة فإنه يكون مالكًا لها؛ ولكنه إذا تكلم بها ملكته ولم يملكها، فلا يستطيع ردها أو إرجاعها، وفي المثل: كم من كلمة قالت لصاحبها دعني! سواء ندم الإنسان عليها أو لم يندم عليها ولكنه تضرر بها، فكأنها قالت له: دعني قبل أن يقولها، وقبل أن يقولها لو صرفها لسلم؛ لكنه لما قالها وخرجت من فيه ترتبت عليها آثارها، ولا يتخلص الإنسان منها، فإن كانت حقًا لله ﷿ فيستغفر الله ﷿ ويتوب، وإن كانت حقًا للناس فعليه أن يطلب منهم أن يجعلوه في حِلّ مما نالهم به من الغيبة أو من الكلام الذي يسوءهم، وسواء كان ما قاله فيهم واقعًا أو غير واقع؛ لأنه إن كان قاله فيهم وهو واقع فإنه يكون غيبة، وإن كان قاله فيهم وهو غير واقع يكون بهتانًا وكذبًاَ، وقد بين النبي الكريم ﷺ: (أن الغيبة ذكرك أخاك بما يكره، قالوا: أرأيت يا رسول الله! إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته).\nوعلى هذا: فعلى المسلم الناصح لنفسه أن يحفظ لسانه من الكلام إلا في خير، كما قال ﵊ في هذا الحديث: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت)، ففيه الترغيب في الكلام في الخير، والترهيب من الكلام في الشر؛ لأنه إذا لم يستعمله في الخير واستعمله في الشر، فإن مغبة ذلك ومضرته تعود عليه.","vol":"19","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-431>حقوق الجار</span>\nقال ﷺ: (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره)، وهذا من الأدلة على تأكد حق الجار، وأن حقه عظيم على جاره ومعلوم أن الجيران بينهم من الصلة والارتباط والتقارب ما يسبب بينهم الخير والشر؛ ولهذا جاء الترغيب في إكرامه، وتأكيد حقه، والترهيب من إيذائه، وإلحاق الضرر به، وهذا الحديث من أدلة إكرامه، حيث قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره).\nوقد ثبت في الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها أن النبي ﷺ قال: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)، فمن تأكيد حقه وعظيم حقه ظن أنه سينزل عليه وحي بأن له نصيبًا من الميراث، فإذا مات الإنسان فإنه يكون من جملة الورثة، وإن لم يحصل التوريث، وإن لم ينزل وحي به، إلا أن هذا يدل على أنه من آكد الحقوق.\nوهذا يتعلق بإكرام الجار والوصية به.\nوأما التحذير من إيذائه فقد جاء في بعض الروايات لهذا الحديث قال: (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره)، وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه)، يعني: غوائله وشروره.\nفالحاصل: أن على المسلم أن يحسن إلى جاره، ويكرمه ويوصل إليه كل خير، ويدفع عنه كل شر البر يوصله إليه والضرر يدفعه عنه، ويكون هو وإياه في راحة وطمأنينة، فلا يكون بينهما خصام ولا شحناء ولا عداوة، وإنما التآلف والتقارب، والإحسان من بعضهم لبعض.\nثم إن الجيران يتفاوتون: فمنهم من يكون قريبًا في النسب وهو مسلم، فله ثلاثة حقوق: حق الإسلام، وحق القرابة، وحق الجوار، وإذا كان ليس بقريب ولكنه مسلم فله حقان: حق الإسلام، وحق الجوار، وإن لم يكن مسلمًا ولا قريبًا فله حق واحد: وهو حق الجوار، حتى ولو كان كافرًا فيحسن إليه بدعوته إلى الإسلام، والحرص على هدايته، ودفع الإيذاء عنه، وكذلك يكون بالإهداء إليه وإعطائه والإحسان إليه، وإتحافه بما يحصل عنده من شيء يتحفه به، وعندما يكون هناك طعام فيعطيه منه ويحسن إليه، وهذا من أسباب دعوته إلى الإسلام بالقدوة وبالمعاملة الطيبة، فيكون الإنسان قد جمع بين الدعوة إلى الله بالفعل والدعوة بالقول؛ حيث يدعو من كان كافرًا إلى الإسلام، وأيضًا يرى الكافر منه المعاملة الطيبة والأخلاق الكريمة التي يأمر بها الإسلام، فقد يكون ذلك من أسباب إسلامه ودخوله في الإسلام.\nثم إن الجيران أيضًا متعددون، ولكن أولاهم بالإحسان والبر أقربهم بابًا إليه، كما جاء عن عائشة ﵂ أنها قالت للنبي ﷺ: (إن لي جيران فإلى أيهم أهدي؟ قال: إلى من كان أقربهم بابًا)، فمن كان أقربهم بابًا فهو الذي يهدى إليه؛ وذلك لأن من كان أقرب بابًا يشاهد ويرى ما يدخل ويخرج من بيته، وقد يرى شيئًا فتتعلق به نفسه وتتطلع إليه، فكونه يحسن إليه يكون أولى من الأشخاص الذين أبوابهم متباعدة أو من خلف البيت ولا يراهم إلا بزيارتهم أو بالتلاقي معهم في المسجد، بخلاف الذي يكون بابه مجاورًا وقريبًا من بابه، فإنه يرى ما يدخل على جاره وما يخرج منه، فيكون أولى من غيره بالبر والإحسان، وإن كان الأولى إذا كان هناك مجال بأن يحسن إليهم أجمعين فيحسن؛ ولكن حيث لا يتمكن الإنسان من الإحسان إلى الجميع، وإنما يقدم ويؤخر، فالذي يقدم هو من كان أقرب بابًا من غيره.","vol":"19","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-432>إكرام الضيف</span>\nقال ﷺ: (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه).\nالضيف الوافد على الإنسان له حق الضيافة وله حق الإكرام، والضيافة حدها ثلاثة أيام، وما زاد على ذلك فهو صدقة، وهي من الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة، والذي يفعلها من أهل الشيم والمروءات؛ لأن هذا حق، والإنسان قد يحتاج إلى غيره بأن يكون ضيفًا عنده، فإذا كان ضيفًا عنده فإنه يحسن إليه ويكرمه، وفي أول يوم يتحفه بمزيد عناية لإظهار إكرامه، ثم يطعمه مما يطعم وما زاد على ثلاثة أيام فإنه صدقة، ولا يبقى عنده ويثقل عليه، بل عليه إذا اضطر إلى ذلك أن يطلب منه الإذن له بالبقاء زيادة على ثلاثة أيام.\nإذًا: هذا حديث عظيم اشتمل على هذه الأمور الثلاثة التي أولها: يتعلق باللسان، والثاني والثالث: يتعلقان بالأفعال، فالأول قول للخير وامتناع عن الشر، والثاني والثالث: إكرام للجيران والأضياف.","vol":"19","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-433>شرح حديث: (لا تغضب)</span>\nعن أبي هريرة ﵁: (أن رجلًا قال للنبي ﷺ: أوصني، فقال له النبي ﷺ: لا تغضب، فكرر مرارًا، قال: لا تغضب)، رواه البخاري.\nهذا الحديث من أقصر الأحاديث وأقلها لفظًا ومبنى؛ ولكنه عظيم وواسع وجامع، وهو من جوامع كلمه ﷺ؛ لأنه متكون من كلمتين: (لا تغضب).\nوفيه: أن الصحابة ﵃ وأرضاهم كانوا حريصين على الخير؛ وذلك لطلب هذا الرجل من النبي ﷺ أن يعطيه وصية يأخذ بها، فكون الصحابة ﵃ وأرضاهم يطلبون من النبي ﷺ ويسألونه الوصية، فإن هذا يدلنا على حرص الصحابة على الخير، وعنايتهم بمعرفة الأحاديث وتلقيهم عن النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.\nويحتمل أن يكون هذا الرجل السائل متصفًا بصفة الغضب، والنبي ﷺ أرشده إلى ما هو متعلق ومتصف به، والنهي عن الغضب المقصود منه النهي عن الأسباب التي توصل إليه، والآثار التي تترتب عليه، وأما نفس الغضب فإن الناس يتفاوتون فيه، والله تعالى قد يطبع بعض الناس على أن يكون غضوبًا، وبعضهم على أن يكون حليمًا، وأن لا يستفزه الكلام، ولا يسرع إليه الغضب.\nوالنهي عن الغضب إنما هو نهي عن الأسباب التي توصل إليه، وعدم الأخذ بها، وكذلك الآثار التي تترتب عليه، وهي كون الإنسان يعمل أعمالًا قبيحة بسبب الغضب، أو يقول أقوالًا ويتفوه بكلام بسبب الغضب، فإنه مأمور بأن يبتعد عن الأسباب التي تؤدي إلى الغضب، فإذا وجد الغضب فإنه مطلوب منه أن يكظم الغيظ، وأن لا يأتي بما يترتب عليه من مد يديه أو إطلاق لسانه في أمور تعود عليه وعلى غيره بالمضرة.","vol":"19","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-434>فائدة تكرار النبي ﷺ للنهي عن الغضب</span>\nإن تكرار الوصية من النبي ﷺ بأن لا يغضب دال على تأكيد هذه الوصية وعلى أهميتها؛ لأنه لما سأله وأعاد عليه السؤال وهو في كل ذلك يقول له: (لا تغضب)، هذا التكرار من النبي ﷺ لهذه الوصية يدل على تأكدها، وأهميتها، وأن الإنسان يحرص على الابتعاد عن أسباب الغضب، وعندما يوجد الغضب يحرص على أن لا يحصل منه في وقت الغضب ما لا تحمد عاقبته من أقوال أو أفعال قبيحة، كأن يمد يده على غيره بالضرب أو بالإتلاف لشيء من ماله أو غير ذلك، فإنه مطلوب منه أن يبتعد عن الأخذ بالأسباب المؤدية إليه، وكذلك يبتعد ويحذر الوقوع في الأمور التي تترتب عليه سواء كانت قولية أو فعلية.","vol":"19","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-435>أمور ينبغي فعلها عند الغضب</span>\nمن الأسباب التي تبعد الغضب وتنهيه ويسلم الإنسان من التمادي فيه: أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ، فعندما يغضب عليه أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأن هذا من عمل الشيطان، فهو الذي يريد من الإنسان أن يغضب، وأن يحصل له نتيجة لهذا الغضب أضرارًا عليه في دينه ودنياه، فيستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، كما ثبت بذلك الحديث في صحيح البخاري وغيره عن النبي ﷺ.\nأيضًا: إذا كان قائمًا فعليه أن يجلس، وإذا كان جالسًا فعليه أن يضطجع؛ وذلك لأنه إذا كان قائمًا فإنه يكون أقدر وأنشط على أن يتصرف وعلى أن يفعل ويقدم على أمور لا ينبغي الإقدام عليها؛ لأن القائم والواقف قد يقدم على ما لا يقدم عليه الجالس، وكذلك إذا كان جالسًا وبقي معه الغضب فإنه يضطجع، وقد جاء في ذلك الحديث عن رسول الله ﷺ.\nوإذا كان في بيته أو مع أهله وحصل منه الغضب فعليه أن يخرج من المنزل، أو يترك المكان الذي حصل فيه الغضب؛ وذلك يجعل الإنسان يخف عنده الغضب ويهدأ، كما حصل من علي ﵁ لما كان مع فاطمة ﵂ وحصل بينهما شيء؛ ثم إنه خرج وذهب إلى المسجد لينام فيه، ثم جاء الرسول ﷺ إليه في بيته وسألها عنه، فأخبرته بالذي حصل، وأنه غضب وخرج، فبحث النبي ﷺ عنه ووجده في المسجد، فجاء إليه وقد انحسر رداؤه وصار التراب على جسده، فكان يحثو عنه التراب ويقول: (قم أبا تراب، قم أبا تراب).\nفعلى الإنسان أن يبتعد عن أسباب الغضب، وإذا وجد فيأخذ بالأسباب التي تخلص منه، ومنها هذه الأمور وهي: إن كان قائمًا يجلس، وإن كان جالسًا يضطجع، أو يخرج، أو يقوم من المجلس الذي وقعت فيه تلك الخصومة وذلك الغضب، حتى لا يحصل ما لا تحمد عاقبته؛ وكذلك أيضًا يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، كما ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ.\nوهذا الحديث -كما عرفنا- مع اختصاره ووجازته يدل على هذا الأمر العظيم، وعلى أهمية تلك الوصية، وأنها عظيمة لكونها وصفت بأنها وصية، ولكون النبي ﷺ كررها، فكل ذلك يؤكد أهميتها ويدل على أهيمتها.\nوالله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.","vol":"19","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-436>الأسئلة</span>","vol":"19","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-437>الغضب المحمود</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  تحدثتم عن الغضب المذموم، فهل هناك غضب محمود؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، الغضب المحمود هو الذي يكون لله، ومن أجل الله، وإذا انتهكت حرمات الله، فهو يغضب لله، هذا هو الغضب المحمود، والغضب للنفس هو الغضب المذموم.","vol":"19","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-438>استحباب السكوت عند الغضب</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يستحب السكوت عند الغضب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أن السكوت وعدم الكلام فيه السلامة؛ ولا أذكر فيه نصًا، كما أن السكوت يمنع الإنسان من الانطلاق في الكلام البذيء أو القبيح، وإطلاق العنان للسان، وكون الإنسان يتمكن من السكوت والصمت ويملك نفسه فهذا أمر محمود، والرسول ﷺ قال: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)، وقوله: (ليس الشديد بالصرعة)، الشديد: هو القوي الذي عنده قوة في جسده ويصارع الرجال ويصرعهم، فليس هذا هو الشديد حقيقة وإن كان شديدًا؛ ولكن الشدة الحقيقية هي في الذي يملك نفسه عند الغضب، هذا هو الذي شدته وقوته حقيقية ولا شك أن من يملك نفسه فإنه يسكت؛ لأنه لو أطلق لسانه فقد يتكلم بكلام قبيح، وقد يتبع القول بالفعل، ولكنه إذا صمت وسكت لا شك أن هذا فيه كظم للغيظ، وفيه منع للسان من إطلاقه فيما يعود عليه بالضرر.","vol":"19","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-439>المقصود بنفي الإيمان الوارد في الأحاديث</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما المقصود بنفي الإيمان الوارد في بعض الأحاديث؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وإذا ذكر اسم الإيمان مجردًا دخل فيه الإسلام والأعمال الصالحة، كقوله في حديث الشعب: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، وكذلك سائر الأحاديث التي يجعل فيها أعمال البر من الإيمان.\nمثل الحديث الذي ذكر فيه إكرام الجار والضيف من أعمال البر، وهي من الإيمان.\nقال: ثم إن نفي الإيمان عند عدمها دل على أنها واجبة، وإن ذكر فضل إيمان صاحبها ولم ينف إيمانه دل على أنها مستحبة، فإن الله ورسوله لا ينفي اسم مسمى أمر الله به ورسوله إلا إذا ترك بعض واجباته، كقوله: (لا صلاة إلا بأم القرآن)، وقوله: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)، ونحو ذلك، فأما إذا كان الفعل مستحبًا في العبادة لم ينفها لانتفاء المستحب، فإن هذا لو جاز لجاز أن ينفى عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان والصلاة والزكاة والحج؛ لأنه ما من عمل وغيره أفضل منه، وليس أحد يفعل أفعال البر مثلما فعله النبي ﷺ، بل ولا أبو بكر وعمر، فلو كان من لم يأت بكمالها المستحب يجوز نفيها عنه، لجاز أن ينفى عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين، وهذا لا يقوله عاقل، فمن قال: إن المنفي هو الكمال، فإن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة فقد صدق، وإن أراد أنه نفي الكمال المستحب فهذا لم يقع قط في كتاب الله ورسوله، ولا يجوز أن يقع، فإن من فعل الواجب كما وجب عليه، ولم ينتقص من واجبه شيئًا، لم يجز أن يقال ما فعله لا حقيقة ولا مجازًا.\nوهذا واضح في أن نفي الإيمان يكون في أمر واجب، لكن كما هو معلوم أن تلك الأمور مثل حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، لا شك أن الأمور التي تحصل محبة الإنسان لها متفاوتة، ليست كلها على حد سواء، لكن الإيمان لا ينفى إلا عن شيء واجب، كما قال شيخ الإسلام في هذا الكلام.\nوقال في موضع آخر: وكذلك من لا يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه لم يكن معه ما أوجبه الله من الإيمان، فحيث نفى الله الإيمان عن شخص فلا يكون إلا لنقص ما يجب عليه من الإيمان، ويكون من المعرضين للوعيد، ليس من المستحقين للوعد المطلق، وكذلك قوله ﷺ: (من غشنا فليس منا، ومن حمل علينا السلاح فليس منا)، كله من هذا الباب، لا يقوله إلا لمن ترك ما أوجب الله عليه، أو فعل ما حرمه الله ورسوله، فيكون قد ترك من الإيمان المفروض عليه ما ينفي عنه الإثم لأجله، فلا يكون من المؤمنين المستحقين للوعد السالمين من الوعيد.\nوقال في موضع آخر: والشارع ﷺ لا ينفي الإيمان عن العبد لترك مستحب، لكن لترك واجب، بحيث ترك ما يجب من كماله وتمامه، لا بانتفاء ما يستحب في ذلك، ولفظ الكمال والتمام قد يراد به الكمال الواجب والكمال المستحب، كما يقول بعض الفقهاء: الغسل ينقسم إلى كامل ومجزئ، فإذا قال النبي ﷺ: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، ونحو ذلك كان لانتفاء بعض ما يجب فيه، لا لانتفاء الكمال المستحب، والإيمان يتبعض ويتفاضل الناس فيه، كالحج والصلاة، ولهذا قال ﷺ: (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، ومثقال شعيرة من إيمان).\nكل هذا واضح في بيان أن نفي الإيمان يكون فيما هو واجب، وليس فيما هو مستحب.\nوعلى هذا فالحديث الذي مر بنا والذي سئلت وقلت: إنه نفي للكمال المستحب، هذا خطأ والصواب أنه نفي للكمال الواجب.","vol":"19","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-440>حكم الكلام في الشخص بدون ذكر اسمه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  لو قلت: رأيت رجلًا يفعل كذا وكذا، وفلان يفعل كذا وكذا ولم أذكره باسمه، فهل يعتبر ذلك غيبة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان إبهامك للرجل لا يخرجه عن كونه معلومًا فهو معلوم وإن أبهم، فإن ذلك في حكم المعلوم، وأما إذا كان لا يعرف ولا ينصرف إليه الفهم في حال من الأحوال، فلا شك أن هذا لا يقال له غيبة، لكن لا ينبغي الكلام والاشتغال إلا فيما هو خير وفيما فيه منفعة، أما إذا كان لا يفهم ولا يحتمل أن يكون معلومًا فإنه لا يكون غيبة، وإنما الغيبة حيث يكون معلومًا فعلًا أو في حكم المعلوم.","vol":"19","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-441>حق الجار الكافر إذا كان قريبًا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا كان الجار قريبًا وكافرًا، فهل له حق واحد أو حقان؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  له حقان: حق الجوار وحق القرابة.","vol":"19","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-442>ما ينبغي فعله مع الجار الكافر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل أكرم جاري إن كان كافرًا علمًا بأنه لم يتكلم معي أبدًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  عليك أن تتكلم معه بدعوته إلى الإسلام، وترغيبه في الإسلام، وحثه على أن يدخل في الإسلام، وعليك أن تفاتحه وأن تدعوه إلى الإسلام، ولا تتركه دون أن تكون قد عملت على هدايته وعلى إخراجه من الظلمات إلى النور.","vol":"19","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-443>ضابط الجار</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما ضابط الجار؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الجار: هو المجاور الملاصق، وكذلك أيضًا من كانوا قريبين من الإنسان فكلهم جيران سواء كانوا ملاصقين أو غير ملاصقين، لكنهم يتفاوتون، فمن كان ملاصقًا فحقه آكد من غيره، وهو الذي بسببه في الغالب مع عدم السلامة والاستقامة يكون الضرر بين الجيران، بخلاف المتباعدين الذين ليس بينه وبينهم جوار ملاصق، فالغالب أنه لا يحصل اعتداء من بعضهم على بعض أو من بعضهم إزاء لبعض، ولهذا كان الجيران الملاصقون الذين هم قريبون جدًا من الإنسان آكد من غيرهم، وأما تحديده ببيوت معينة فلا أعرف نصًا في هذا.","vol":"19","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-444>مناسبة ذكر إكرام الجار مع الإيمان باليوم الآخر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما مناسبة ذكر إكرام الجار عند ذكر اليوم الآخر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لأجل الترغيب في إكرامه، وقد ذكرنا أن ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر هو من باب الترغيب في المأمورات، كما أنه في المنهيات يكون من باب الترهيب، وهذا فيه ترغيب في إكرام الجار؛ لأن الإنسان إذا عرف أن عليه حقًا للجار وأنه يكرمه، فالذي يؤمن بالله واليوم الآخر هو الذي يؤدي هذا المطلوب وهذا الحق الواجب عليه، وإذا كان بخلاف ذلك فإنه يفرط في هذا الحق، ولا يكون مؤديًا للواجب، فيكون مستحقًا للعقوبة في الدار الآخرة.","vol":"19","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-445>نقص الإيمان يكون بترك الواجبات وفعل المنهيات</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يصح أن يقال: إن من لم يكرم جاره ويكرم ضيفه فهو ناقص الإيمان؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الإنسان إذا ترك ما هو واجب عليه يكون ناقص الإيمان؛ لأن نقص الإيمان يكون بترك المأمورات الواجبة أو ترك ما هو واجب مما لا يكون تركه مخرجًا من الملة، وكذلك أيضًا فيما يتعلق بالمنهيات، فكونه يقع فيها فإنه ينقص إيمانه، فنقص الإيمان يكون بترك الواجبات وبفعل المحظورات، والإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ومن المعلوم أن الطاعة هي أداء الواجب.","vol":"19","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-446>مناسبة ترتيب حديث: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكرتم في حديث جبريل أنه بدأ بالأهم فالأهم، فهل في هذا الحديث أنه بدأ بالأهم ثم المهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أن هذه الأمور الثلاثة متفاوتة، فاللسان في غاية الأهمية، فلابد للإنسان من أن يحفظ لسانه؛ لأنه يوقع في المهالك، وحق الجار لا شك أنه آكد من حق الضيف؛ لأن الجار دائم ومستمر وأما الضيف فهو طارئ لا يأتي إلا قليلًا أو نادرًا، وأما الجار فهو ثابت وملازم فحقه متأكد، ونفي الضرر عنه مطلوب باستمرار، وأما الضيف فهو طارئ إما أن يكرم وإما أن لا يكرم، فليس هو مثل الشخص الذي إذا حصل إيذاؤه والإخلال في حقه فإن الإنسان يأثم باستمرار، فلا شك أن حق الجار يختلف عن حق الضيف باعتبار أنه مستمر ودائم، وأما حق الضيف فطارئ، فهذه الأمور الثلاثة يبدو أن بعضها متصل ببعض ومرتبة على حسب أهميتها.","vol":"19","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-447>الفرق بين الغضب لله والغضب للنفس</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هي الأمور التي تميز بين الغضب لله والغضب للنفس؟ وكيف يعرف الإنسان أنه غضب لله أو لنفسه إذا سابه شخص مثلًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الغضب لله -كما هو معلوم- يكون إذا انتهكت محارم الله، وإذا رأى أمورًا منكرة يستطيع أن يغيرها بيده فيغيرها بيده إن كان من أهل القدرة، وإن كان من غير أهل القدرة فيتحول إلى الإنكار باللسان، وإذا لم يحصل هذا فلا أقل من أن يتأثر بقلبه، وأن يظهر ذلك على وجهه من حزنه وتألمه، فلا بد أن يتأثر قلبه لهذا المنكر، حتى إنه قد يحصل له ضرر بسبب هذا التأثر، فالغضب لله ﷿ يكون إذا تركت الأمور الواجبة وفُعلت الأمور المحرمة بحيث يغضب لله ﷿.\nأما الغضب للنفس فهو فيما يجري بين الناس من أمور بسبب المخالطة، فيجري بينهم شيء من الخصام، أو شيء من النزاع لأمور دنيوية، أو لشيء في النفوس، فيحصل الكلام والغضب بسبب ذلك، في هذا شيء من حظ النفس، هذا هو الذي يكون مذمومًا، والذي كان من أجل الله تعالى هذا هو الذي يكون محمودًا.","vol":"19","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-448>حكم من ترك شيئًا في تركه نفي لكمال الإيمان الواجب</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل معنى كلام شيخ الإسلام: نفي كمال الإيمان الواجب، أن ذلك الفعل حرام، كقوله ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، أي: أن حب الخير للغير واجب ومن تركه فهو آثم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، أي: أن الإنسان الذي لا يوجد فيه هذا الوصف من المعلوم أن هذا أمر قلبي، فمجرد المحبة ليس فيها كلفة ولا مشقة عليه، وإنما كما يحب الخير لنفسه يحبه لغيره، فالإنسان الذي لا يحصل منه محبة الخير للغير، بل يكره ذلك ويوجد منه ما هو مقابل ذلك، فلا شك أنه آثم، وهو لن يخسر شيئًا، فما عليه إلا أن يكون قلبه سليمًا، ويتصف بهذا الوصف.","vol":"19","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-449>أولى الجيران بالإحسان</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا كان لي جاران أحدهما يتهاون في الصلاة وهو الأقرب إلي بابًا، والثاني محافظ على الصلوات ولكنه أبعد بابًا، فمن الأولى حينئذٍ بالإحسان؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كلهم أولى بالإحسان، وكلهم يستحقون الإحسان، فهذا أولى بالإحسان من جهة الحرص على هدايته، فهو أولى بأن تعتني به وتحسن إليه، وأما فيما يتعلق بالمنفعة فإن الرسول ﷺ أرشد إلى أن من يكون أقربهم بابًا فهو الأولى بالمنفعة، وذلك حيث لا يمكن الإحسان للجميع وإتحاف الجميع بما يمكن إتحافهم به، فإنه يقدم من يكون أقرب بابًا، كما أشار إلى ذلك رسول الله ﷺ.","vol":"19","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-450>كيفية التعامل مع الجار المؤذي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  لي جار كان يدخل بيتي ويأكل عندي، وفي يوم من الأيام دخل بيتي وسرق شيئًا، ورآه بعض الجيران وشهدوا عليه، فهل أهجره الآن بعدما أحسنت إليه أو ماذا أفعل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا تهجره، ولكن انصحه وكن على حذر منه.","vol":"19","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-451>خطورة الغيبة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الغيبة من الكبائر؟ ولماذا لم يذكرها الذهبي في كتابه الكبائر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا أدري هل ذكرها الذهبي أو لم يذكرها، لكن الذهبي إنما ذكر في كتابه سبعين كبيرة ختمها بكبيرة سب الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولكن جاء في القرآن الكريم ما يدل على خطورة الغيبة وأنها في غاية القبح، حيث قال تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات:١٢] ثم قال: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢] فمثل هذا يدل على خطورة هذا الأمر.","vol":"19","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-452>نقص إيمان من ترك الطاعات</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل صحيح أن من ترك الواجب ينقص من إيمانه الواجب، ومن ترك المستحب ينقص من إيمانه المستحب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  من ترك الإيمان الواجب نقص إيمانه من أجل تركه الواجب، وأما المستحب فلا يعاقب تاركه، ولكن كما جاء عن السلف: أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ومعنى ذلك: أن الطاعات تزيده سواء كانت فيما يتعلق بالواجبات أو فيما يتعلق بالمستحبات.\nوأما بالنسبة لكونه ينقص بترك المستحب فليس واضحًا من جهة أن المستحب ليس بواجب، بل هو ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، والنقص إنما يكون بترك الواجب ففيه ترك وإخلال، ولا شك أن كون الإنسان يعمل المعصية فإنه ينقص إيمانه، ولا يقال: إن ما لم يفعل الإنسان مستحبًا نقص إيمانه، ولكنه ما حصل فيه زيادة، فإن الزيادة تحصل لمن فعل أمرًا متسحبًا، ولكن النقص يكون بترك الواجبات، والناس في هذا متفاوتون.\nومما يدل على ذلك قول ذلك الأعرابي حينما أتى إلى النبي ﷺ: والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص، فقال ﵊: (أفلح إن صدق)، ومعناه أن أتى بالأمور المطلوبة منه، لكن كونه يقع منه إخلال في واجب لا شك أن فيه نقصًا.\nوأما من حيث التفاوت فإن الناس متفاوتون، فمنهم من يكون كامل الإيمان، ومنهم من يكون ناقص الإيمان، لكنه إن لم يفعل أمرًا مستحبًا فلا يقال: إنه نقص إيمانه لعدم فعله المستحب، نعم يمكن أن يقال: نقص إيمانه إذا ترك السنة رغبة عنها وزهدًا فيها، هذا هو الذي ينقص، أما إذا تركها وهي واجبة فيقال: إن عدم إتيانه بها من أسباب نقص إيمانه، لكن من ناحية التفاوت فالناس متفاوتون، فمن أتى بالمستحبات مع الواجبات فهو أكمل إيمانًا من الذي اقتصر على الواجبات.","vol":"19","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-453>أمور تجوز فيها الغيبة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا سئل رجل عن رجل من جيرانه فأخبر بما فيه، فهل هذا من الغيبة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان هذا السؤال من أجل مصلحة وفائدة، والسؤال إنما هو لأمر يحتاج إليه السائل فهذا لا بأس به، مثل كونه يريد أن يصاهره، أو أن يكون بينه وبينه مشاركة في تجارة أو نحوها، فله أن يخبر بالشيء الذي يعلمه منه مما يفيد الإنسان، كما جاء في قصة المرأة التي سألت النبي ﷺ عن معاوية وعن أبي جهم، وذكرت أنهما قد خطباها، فهي سألت من أجل أمر يتعلق بصلة الزواج، فالرسول ﷺ أرشدها إلى ما في هذا وما في هذا.\nوهناك أمور سبعة ذكرها العلماء في المصطلح وذكرها النووي في رياض الصالحين ليست من الغيبة، فيذكر الإنسان أخاه بما يكره ولا يعتبر غيبة، وهذا في الأمور التي منها هذا الذي أشرت إليه، أي: في الاستشارة، وكذلك فيما يتعلق بقبول الروايات والأخبار والاعتماد عليها، وكذلك كون الإنسان يتكلم في حق من أساء إليه في مطل ماله، فرغم أن له قدرة على الوفاء ومع ذلك فإنه يماطله، فهذا كما جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ: (لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته)، يعني: يحل الكلام في عرضه، كأن يقول: إن هذا ظلمني، ويتكلم فيه بشيء لا يعجبه، وذلك لأن (لصاحب الحق مقالًا) كما جاء في هذا الحديث.","vol":"19","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-454>فضل كظم الغيظ وعظيم أجره</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قال ﷺ: (من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين من أيهن شاء)، رواه أبو داود، ما معنى قوله: (حتى يخيره من الحور العين)؟ وهل من كظم عدة مرات يخير بعدد هذه المرات؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معلوم أن الإنسان الذي يكون هذا شأنه، وأنه يستطيع كظم الغيظ، هو الذي يستحق هذا الأمر الذي جاء في الحديث، وأما كونه يكظم الغيظ مرة وفي عشرات المرات يطلق لسانه ويطلق يده، فهذا قد أساء إلى نفسه وأساء إلى غيره.","vol":"19","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-455>حكم أخذ الإنسان من مال غيره بدون إذنه إذا لم يجد من يضيفه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  رجل نزل في قرية ولم يضيفه أحد، فهل يجوز له أن يطعم نفسه بدون إذن صاحب البيت؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  في هذا الزمان إذا كان مع الإنسان شيء من النقود فإن عليه أن يستفيد مما معه من النقود دون أن يحتاج إلى أحد؛ لأن وصول الإنسان إلى ما يريد متيسر ما دام معه نقود، فإن المطاعم مفتوحة والفنادق كذلك مفتوحة، فلا يذهب ويأخذ من بيت أحد شيئًا إلا إذا كان محتاجًا إلى ذلك كما جاء في الحديث: (يأخذ منهم بقدر قراه)، لكن ما دام أن الأمور الآن ميسرة والنقود في جيبه، فيأخذ من نقوده، ولا يعمل على أن يأخذ شيئًا من أموال الناس.","vol":"19","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-456>اسم الصحابي الذي أوصاه النبي ﷺ بأن لا يغضب</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من الرجل الذي أوصاه الرسول ﷺ لا تغضب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح أن هذا الرجل يقال له: جارية بن قدامة كما جاء في بعض الروايات.","vol":"19","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-457>ما يقول الرجل لمن قال له: أوصني</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز أن أقول لمن قال لي أوصني: لا تغضب، اقتداءً بالنبي ﷺ؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، أوصه بتقوى الله ﷿، فتقوى الله ﷿ يدخل فيها ترك الغضب.","vol":"19","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-458>حال حديث: (إذا غضب أحدكم فليتوضأ)، والرد على الشيخ الألباني في حجاب المرأة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل ورد حديث معناه: أنه إذا غضب الشخص فيتوضأ ويصلي ركعتين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ورد حديث فيه ضعف، يقول الإمام ابن رجب ﵀: خرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث عروة بن محمد السعدي أنه كلمه رجل فأغضبه، فقام فتوضأ، ثم قال: حدثني أبي عن جدي عطية قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ).\nقال المحشي شعيب بن ألبان رواه أحمد وأبو داود والبخاري في تعليقه والبغوي في شرح السنة، وسنده حسن، وأخطأ من ضعفه ممن ينتحل صناعة الحديث بزماننا، -يقصد الألباني، فإنه ضعفه في السلسلة الضعيفة- ونحن نقول: لا نعلم أحدًا في هذا الزمان أعلم من الألباني في الحديث، ولا أكثر اشتغالًا وعناية بالحديث، وما أفاد المسلمين أحد في هذا الزمان في علم الحديث مثلما أفادهم الشيخ الألباني ﵀، فإذا كان هو المقصود فقد أساء إلى هذا المتكلم نفسه.\nونحن نقول هذا الكلام وإن كنا نخالفه في أمور لا تعجبنا منه، ونرى أنه غير مصيب فيها، لا سيما مثل قوله بعدم وجوب ستر المرأة وجهها، فإن هذا ننكره إنكارًا شديدًا، ولكن مع ذلك نقول: إن الشيخ الألباني لا نستغني نحن ولا غيرنا من طلبة العلم عن علمه، وما يحصل منه من أمور يؤاخذ عليها فهي مغمورة في صوابه الكثير وعلمه الغزير، ونفعه العميم، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله ﷺ.\nوهذه المسألة -مسألة الحجاب- من المسائل التي ما كنت أود أن الشيخ الألباني ﵀ حرص على العناية والاهتمام بها وكثرة التأليف فيها، ومتابعة من يتكلم فيها، حتى تعددت المؤلفات فيها، ولذلك أقول: لو كان ما يقوله الألباني هو الصواب، فإن هذا من الحق الذي ينبغي إخفاؤه ولا يحرص على إظهاره؛ لأنه لا يترتب على إظهاره إلا المضرة، وذلك أن كلامه في تقرير أن ستر الوجه ليس بواجب جرأ كثيرًا من النساء إلى التساهل بالحجاب، ولا شك أن مثل هذا عدم إظهاره وعدم تقريره أولى؛ لما يترتب عليه من فوات مصلحة؛ بل يترتب عليه مضرة؛ لأنه جرأ بعض النساء اللاتي يردن التفلت، ويردن الخروج عن الشيء الذي يجب على النساء أن تكون عليه؛ لأنها تجد من يفتيها ومن تعتمد عليه في انطلاقها من الشيء الذي فيه حشمتها وسلامتها، وفيه البعد عن الشرور بسبب مثل هذه الفتوى.\nومن المعلوم أنه إذا كانت الشريعة الإسلامية تأمر المرأة بأن ترخي ثوبها حتى تغطي رجليها، فكيف تأمر هذه الشريعة بتغطية الرجل ثم تبيح كشف الوجه؟! والوجه هو الذي يكون فيه الجمال، والرجل ليس فيها جمال مثل ما في الوجه، والذي يبحث عن الجمال لا يبحث عنه في الرجلين، إنما يبحث عنه في الوجه، فمادام أن الشريعة أمرت بتغطية الرجلين وسترهما فلا شك أن تغطية الوجه هو أولى؛ لأن فيه الحسن والجمال، وفيه تكون الفتنة، والجمال والدمامة ترى في الوجوه لا في الأرجل.\nلذلك أقول: هذه المسألة في الحقيقة ما كنت أود أن الشيخ ﵀ أشغل نفسه بها وأتعب نفسه بها، وأراح الناس مما يترتب عليها من مضرة، ولو كان الأمر كما يقول وأنه ليس بواجب، فإن عدم الاهتمام به وعدم إظهاره لا يفوت بتركه شيء، والرسول ﷺ لما قال له معاذ: (يا رسول الله! أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا)، فهذا أمر حق ولكنه أمر بكتمه حتى لا يترتب عليه مضرة، ومعاذ أخبر به عند موته تحرجًا، وكذلك أيضًا الحديث الذي فيه أن الصحابة فقدوا الرسول ﷺ ذات يوم وخشوا عليه، فكان أن سبق أبو هريرة إليه -وكان في حائط- وأخبره بأن الناس فزعون، فأعطاه النبي ﷺ نعليه وقال له: (اذهب ومن وجدته يشهد أن لا إله إلا الله فبشره بالجنة، فلقيه عمر ﵁ فأخبره بالخبر فضربه عمر على صدره وانتهره، فرجع إلى رسول الله وأخبره فقال ﵊: لماذا فعلت يا عمر ذلك؟ قال: يا رسول الله! دعهم يعملون، قال ﵊: دعهم يعملون)، إذًا: حتى لو كان هذا من الأمور التي هي ليست واجبة، فإن عدم إعلام الناس بأنها غير واجبة أصلح لهم في دينهم ودنياهم.\nفالحاصل: أن هذه الكلمة إذا كان يعني بها الشيخ ناصر فإن المتكلم بها قد ضر نفسه؛ لأنه تكلم في رجل ما نعلم أحدًا خدم السنة في هذا الزمان مثل هذا الرجل ﵀.","vol":"19","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-459>التعامل مع الجار المبتدع</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  الجار الذي هو من أهل البدع وقد تكون بدعته مكفرة، كيف أتعامل معه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  تعامل معه بدعوته والحرص على إنقاذه، وكما تعامل الكافر الذي هو كافر أصلي أيضًا تعامله، وإذا كان هجرك إياه يفيده فافعل، لكن في الغالب أن الجيران لا يؤثر هجرهم، إنما الذي يؤثر مثل هجر الوالد للولد، وهجر الشيخ للتلميذ وغيرهم ممن قد يؤثر فيهم الهجر، وأما قضية الجيران فكون الإنسان يبقى على صلة به ويحرص على هدايته خير من أن يهجره ويبتعد عنه.","vol":"19","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-460>ما ينبغي لمن استأجر شقة بجوار أناس معهم دشوش</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  استأجرت شقة في عمارة وفيها جيران لي لديهم أطباق فضائية، فهل علي إثم، وماذا يجب علي نحوهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  عليك أن تحرص على نصيحتهم وتخليصهم مما هم فيه من البلاء، وإذا تمكنت من أن تبتعد عن هذه العمارة التي فيها هؤلاء فلا شك أنه أولى لك، وإذا كان بقاؤك فيها لا يترتب عليه ضرر عليك ولا على أولادك، بحيث أنه قد يحصل منهم خروج ودخول عليهم فيتضرروا، وبقيت وأنت مضطر إلى ذلك فلا بأس، لكن كونك تبحث عن الجيران قبل أن تنزل لا شك أن هذا هو الأولى، وهذا هو المطلوب منك، وأيضًا ينبغي عليك عندما تأتي أن تكلم صاحب الدار على أنه لا يكون فيها مثل هذه الأطباق التي تستقدم كل شر وتستورد كل بلاء، فإن كل قاذورات وأوساخ العالم تصل إلى الناس في بيوتهم عن طريق هذه القنوات الفضائية الضارة.\nوالله المستعان.\nوصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"19","page":34},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-461>[٢٠]</span>\nالإسلام دين الرحمة والإحسان، وقد أمر بالإحسان في كل شيء حتى في القتل والذبح، وذلك بعدم تعذيب القتيل أو الذبيح، بل يتم القتل والذبح بأسهل الطرق التي تزهق بها النفس، فتحد الشفرة وتراح الذبيحة.\nوقد أمر الإسلام بتقوى الله تعالى في كل شيء، وإذا عمل الإنسان سيئة فليبادر إلى عمل حسنة حتى تمحوها، ويعامل الناس بالأخلاق الحسنة الطيبة.","vol":"20","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-462>شرح حديث: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء)</span>\nعن أبي يعلى شداد بن أوس ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)، رواه مسلم.","vol":"20","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-463>وجوب الإحسان عند القتل والذبح ومعناه</span>\nهذا الحديث فيه أن الرسول الكريم ﷺ أخبر أن الإحسان يكون في كل شيء، وأنه ليس خاصًا ببعض الأمور أو الأحوال وإنما هو عام، فهو يشمل أولًا إحسان العبد عمله لله ﷿؛ فلا بد أن يكون فيه محسنًا، ويكون الإحسان أيضًا في من يستحق القتل؛ وذلك بأن يقتل القتلة التي فيها خروج روح المقتول بسهولة من غير تعذيب أو تمثيل، وسواء كان ذلك في قتال الكفار، أو قتل القاتل قصاصًا، أو حدًا، فإنه يراعى في ذلك أن يكون القتل على وجه يريح المقتول، دون أن يناله شيء من الإيذاء قبل قتله، إما بالتمثيل أو عدم قتله القتلة المريحة له، بأن يكون هناك تعذيب له في قتله.\nوقوله ﷺ: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) يفيد العموم، وأن الإحسان عام وليس خاصًا في شيء دون شيء، و(كتب) هنا بمعنى: شرع وأوجب؛ لأن الكتابة تنقسم إلى: كونية قدرية، ودينية شرعية، وهي هنا من قبيل الكتابة الدينية الشرعية، مثل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨]، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة:١٨٠]، وقوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣]، فهذا كله من قبيل الكتابة الشرعية وليس من قبيل الكتابة الكونية القدرية.\nومعنى ذلك أن الواجب عند القتل سواء كان قصاصًا أو حدًا أن يقتل القتلة التي فيها سهولة خروج الروح، وسهولة قتله بدون أن يناله شيء من الضرر أو الإيذاء أو التمثيل الذي قد يكون عند القتل.\nولما قال ﵊: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء)، مثل بمثال يتعلق بالقتل والذبح، وأن ذلك كله يجب أن يكون على وجه فيه راحة للمقتول أو للذبيحة من الحيوان، فهو توضيح لتلك القاعدة العامة بمثال من أمثلتها، كما تقدم في حديث: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)، أنه مثل لذلك بالهجرة فقال: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).\nوهنا لما ذكر هذه القاعدة العامة، وهي أن الإحسان يكون في كل شيء، وليس خاصًا بشيء دون شيء، بين أن مما يدخل في ذلك إزهاق الروح، سواء كان قتلًا لإنسان أو ذبحًا لحيوان فإنه يجب فيه الإحسان، ويكون ذلك على وجه الإحسان للمقتول وللذبيحة، ولهذا جاء عن النبي الكريم ﵊ في وصيته للغزاة في سبيل الله ﷿ كما في حديث بريدة بن الحصيب في صحيح مسلم (أن النبي ﵊ كان إذا أمّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: اغزوا باسم الله قاتلوا من كفر بالله، ولا تمثلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدًا ولا وليدة)، فقوله: (ولا تمثلوا)، يعني: أنه لا يحصل منهم القتل الذي فيه إيذاء وتشويه للإنسان، وإنما إذا قتل فإنه لا يمثل به.","vol":"20","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-464>معنى الإحسان في القصاص والحدود</span>\nمن قتل قصاصًا فإنه يقتل بالطريقة التي قتل بها فإذا كان قد مثل بالمقتول أو قتله رضًا بالحجارة، فإنه يقتل بالطريقة التي قتل بها، وهذا هو القصاص، وكونه يقتل بالطريقة التي قتل بها مثلما فعل الرسول ﷺ مع اليهودي الذي رض رأس جارية بين حجرين، فأمر بأن يرض رأسه بين حجرين، فقتل بنفس القتلة التي قتل بها، وكذلك العرنيون الذين قتلوا الراعي ومثلوا به أمر بأن يفعل بهم كما فعلوا بالراعي، ومثل بهم كما مثلوا به.\nإذًاَ: الواجب أن يقتل الإنسان في القصاص بالطريقة المريحة كأن يقتل بالسيف، إلا إذا كان قد قتل بطريقة فيها تمثيل أو إيذاء للمقتول فإنه يقتل كما قتل، وهذا هو القصاص؛ لأن القصاص يعني أنه يقتص منه كما فعل، لكنه إذا قتل حرقًا بالنار، فقد جاء في الحديث: (لا يعذب بالنار إلا رب النار)، فلا يحرق بالنار، وإنما إذا حصل منه القتل بطريقة فيها شدة وفيها سوء، فإنه يعامل بتلك المعاملة التي عامل بها غيره.\nوكذلك إذا كان القتل حدًا فإنه يقتل بسهولة وتزهق روحه بأقرب طريق يكون فيها خروج روحه بدون تعذيب وبدون تمثيل، وقد جاء في القرآن -وهو من المنسوخ تلاوته الباقي حكمه- وكذلك في السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ: أن الزاني المحصن حده الرجم، والرجم كما هو معلوم فيه إزهاق للنفس بشدة، فقيل: يحتمل أن يكون هذا مستثنى من عموم قوله: (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة)، أو يقال: إن الإحسان يكون بموافقة الشرع فيما جاء به، والشرع قد جاء بالقتل بهذه الطريقة فيكون ذلك إحسانًا؛ لأن الإحسان هو موافقة الشرع فيما جاء به، ويكون ذلك داخلًا تحت هذا العموم، أو يقال: إنه مستثنى من هذا العموم الذي هو إحسان القتلة؛ لأنه جاء بطريقة خاصة في القتل، وهي أنه يرمى بالحجارة حتى يموت، وقد قيل: إن الحكمة في رميه بالحجارة أنه كما حصلت اللذة لجميع الجسد عند فعل هذا الأمر المنكر المحرم، فإن العقوبة تكون لجميع الجسد بأن يرمى بالحجارة حتى يموت وتخرج روحه.","vol":"20","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-465>إرشاد النبي ﷺ إلى حد الشفرة وإراحة الذبيحة</span>\nلما ذكر النبي ﷺ قتل الإنسان ثم ذبح الحيوان حيث قال: (فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة)، بين ﵊ بعد ذلك ما ينبغي ويجب أن يتخذ عند ذبح الحيوان، حتى تزهق روحه بسهولة، وذلك بأن يتفقد الإنسان الآلة التي يكون الذبح بها، وأن تكون حادة، وأن يتحقق من كونها تذبح بسهولة، فلا تكون كالة فيتعذب الحيوان عند ذبحه بها، بل يتفقد الإنسان تلك الآلة التي يكون بها الذبح وهي الشفرة أو السكين أو المدية، فيتحقق من كونها تقتل بسهولة، وأنه يحصل بها المطلوب بسهولة، لا أن تكون كالة يتعذب الحيوان بالذبح بها، ولا تخرج روحه بسهولة، فالمطلوب هو التفقد لتلك الآلة، وكون الإنسان يحدها بأن يجريها على الحديدة التي تجعلها حادة، وتجعلها تمضي عند الذبح بسهولة ويسر، بحيث لا يتعذب الحيوان عند الذبح.","vol":"20","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-466>كلام ابن رجب ﵀ في شرحه لهذا الحديث</span>\nلـ ابن رجب ﵀ كلام نفيس في شرحه لهذا الحديث، يقول ﵀: وهذا الحديث يدل على وجوب الإحسان في كل شيء من الأعمال، لكن إحسان كل شيء بحسبه، فالإحسان في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنة الإتيان بها على وجه كمال واجباتها، فهذا القدر من الإحسان فيها واجب.\nوأما الإحسان فيها باستكمال مستحباتها فليس بواجب، والإحسان في ترك المحرمات الانتهاء عنها، وترك ظاهرها وباطنها، كما قال تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام:١٢٠]، فهذا القدر من الإحسان فيها واجب، وأما الإحسان في الصبر على المقدورات فأن يأتي بالصبر عليها على وجه من غير تسخط ولا جزع، والإحسان الواجب في معاملة الخلق ومعاشرتهم: القيام بما أوجب الله من حقوق ذلك كله، والإحسان الواجب في ولاية الخلق وسياستهم القيام بواجبات الولاية كلها، والقدر الزائد على الواجب في ذلك كله إحسان ليس بواجب، والإحسان في قتل ما يجوز قتله من الناس والدواب إزهاق نفسه على أسرع الوجوه وأسهلها وأرجاها من غير زيادة في التعذيب فإنه إيلام لا حاجة إليه، وهذا النوع هو الذي ذكره النبي ﷺ في هذا الحديث، ولعله ذكره على سبيل المثال، أو لحاجته إلى بيانه في تلك الحال فقال: (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة)، والقتلة والذبحة بالكسر أي: الهيئة، والمعنى: أحسنوا هيئة الذبح وهيئة القتل، وهذا يدل على وجوب الإسراع في إزهاق النفوس التي يباح إزهاقها على أسهل الوجوه.\nوقد حكى ابن حزم الإجماع على وجوب الإحسان في الذبيحة، وأسهل وجوه قتل الآدمي ضربه بالسيف على العنق، قال الله تعالى في حق الكفار: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد:٤]، وقال تعالى: (سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال:١٢]، وقد قيل: إنه عين الموضع الذي يكون الضرب فيه أسهل على المقتول وهو فوق العظام دون الدماغ، ووصى دريد بن الصمة قاتله أن يقتله كذلك، وكان النبي ﷺ إذا بعث سرية تغزو في سبيل الله قال لهم: (لا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا)، وخرج أبو داود وابن ماجة من حديث ابن مسعود، عن النبي ﷺ أنه قال: (أخف الناس قتلة أهل الإيمان).\nقال المعلق: حديث حسن رواه أبو داود وابن ماجة وأحمد من حديث ابن مسعود، وابن أبي شيبة وابن الجارود وابن أبي عاصم في السنة والبيهقي والطحاوي في شرح معاني الآثار وابن حبان، ثم شرح قوله: (أخف الناس قتلة أهل الإيمان)، قال المناوي: هم أرحم الناس بخلق الله، وأشدهم بعدًا عن التمثيل والتشويه بالمقتول وإطالة تعذيبه، وهذا من إجلالهم لخالقهم، وامتثال لما صدر عن صدر النبوة من قوله: (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة) بخلاف أهل الكفر وبعض أهل الفسوق ممن لم تذق قلوبهم حلاوة الإيمان، واكتفوا بمسماه بلقلقة اللسان، وأشربوا القسوة حتى أبعدوا عن الرحمن، وأبعد القلوب من الله القلب القاسي: (ومن لا يرحم لا يرحم).\nوفي طبعة أخرى قال المعلق: أخرجه أبو داود وأحمد وابن ماجة وهو حديث ضعيف، وفي إسناده اختلاف.\nراجع العلل للدارقطني، والسلسلة الضعيفة (١٢٣٢) وسؤالات البردعي لـ أبي زرعة، وكتاب النافلة.\nوعلى كل: المعنى صحيح، فأهل الإيمان هم أخف الناس قتلة؛ لأنهم متقيدون بأحكام الإسلام، لكن بالنسبة إلى الرسول ﷺ فهذا يتوقف على صحته وثبوته، وأما من حيث المعنى فهو مستقيم.","vol":"20","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-467>الأسئلة</span>","vol":"20","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-468>التوبة وتكفير الكبائر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الاستغفار يكفر الكبائر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يكفرها مع التوبة، أما بدون توبة والإصرار عليها، ويقول بلسانه: أستغفر الله، ولم يكن ذلك وصل إلى قلبه، وإنما جرى على لسانه فلا، فمع التوبة يكفرها، وإذا استغفر تائبًا منيبًا إلى الله ﷿ نادمًا فالتوبة تجب ما قبلها، وأما كونه يجري على لسانه الاستغفار دون أن يكون تائبًا، بل هو يفكر في الكبائر ونفسه متعلقة بها ولم يتب منها، فلا يكفرها قوله: أستغفر الله.","vol":"20","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-469>حكم التمثيل بالكفار إذا مثلوا بالمسلمين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز التمثيل بالكفار إذا كانوا هم فعلوا ذلك بالمسلمين عقابًا بالمثل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كما هو معلوم أنه فيما بين المسلمين تجوز المقاصة بهذه الطريقة، أي: أن يقتل الإنسان كما قتل، فكون الكفار يعاملون معاملة حصلت منهم للمسلمين هذا أمر مطلوب، ولكن هذا إنما يكون إذا كان الأمر واضحًا، أي: إذا كان هذا الذي سيمثل به هو الذي مثل.","vol":"20","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-470>الفرق بين القتل حدًا وتعزيرًا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفرق بين القتل حدًا والقتل تعزيرًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  القتل حدًا: أن يكون القتل مبنيًا على نص فيه أن هذا الفعل حكمه القتل، وذلك مثل الرجم فإنه حد بنص، وأما القتل تعزيرًا: فهو كون الحاكم يرى أن المصلحة في قتل إنسان تعزيرًا، كما جاء في حديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة، فإذا رؤي قتله تعزيرًا فإن ذلك سائغ؛ لأنه جاء بذلك الحديث عن رسول الله ﷺ.","vol":"20","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-471>حكم فصل الرأس عن الجسم عند ذبح البهيمة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أحيانًا عند ذبح الذبائح ينفصل الرأس عن الجسم مباشرة بسبب كون السكين حادة، فما الحكم في ذلك، لأن هناك من يقول: إن هذه الحالة تكون الذبيحة فيها حرامًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قولهم: إنها بهذا تكون حرامًا، ليس بصحيح، ولكن كون الإنسان يقطع الأوداج ويقطع العروق التي فيها الدم، ثم يلقيها حتى تموت وحتى تسكن حركتها ثم بعد ذلك يقطع أوصالها، هذا هو الأولى، وأما كونه قطع رأسها وكانت السكين حادة فانفصل الرأس فلا يقال: إنها لا تحل.","vol":"20","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-472>الفرق بين القتل والذبح</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفرق بين القتل والذبح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  القتل هو قتل الإنسان، والذبح هو ذبح الحيوان؛ لأن قوله: (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة)، الذبح يكون في حيوان بين يدي الإنسان، وأما القتل فإنه يكون أيضًا للحيوان إذا كان صيدًا بأن يرسل عليه السهم أو البندقية فيقتله، هذا يقال له: قتلًا وليس ذبحًا، وأما الذبح فهو كون الحيوان بين يديه يضجعه، ويوجهه إلى القبلة، ويمسك رأسه، ويضع رجله على صفحة عنقه، ويذبحه بحيث يقطع أوداجه إلخ، هذا هو الذبح، وأما قتل الإنسان فيقال له قتلًا، وكذلك قتل الصيد يقال له قتلًا، وكذلك الذي يند من الحيوان ولا يتمكن الناس من إمساكه فإنه يرمى ويقتل بتلك الطريقة؛ لأنه لم يتمكن من ذبحه بالطريقة المشروعة بحقه، ولهذا فرق بينهما فقال: (إذا قتلتم) أي: الإنسان (وإذا ذبحتم) أي: الحيوان، لكن من الحيوان ما يقتل كالصيد الذي يرمى ونحوه.","vol":"20","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-473>حكم من ذبح ونسي التسمية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الحكم إذا نسي قول باسم الله عند الذبح والصيد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لو نسي التسمية حلت الذبيحة، وهناك خلاف لكن الصحيح أنها تحل.","vol":"20","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-474>قتل القاتل بمثل ما قتل به</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قول الله ﷿: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء:٣٣]، هل تدل الآية على أن ولي المقتول هو الذي يقرر الطريقة التي يقتص بها من القاتل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معلوم أن ولي الدم هو الذي يطالب بالقتل، ويتفق أولياء الدم على طلب القتل، ولو سمح واحد منهم وعفا عن القتل وتحول إلى الدية فإنه لا يقتل قصاصًا، وإذا كان القتل حصل بطريقة فيها تمثيل فإن الحكم الشرعي أنه يقتل بهذه الطريقة، سواء طلب ولي الدم أو لم يطلب، ما دام أن القتل حصل بهذه الطريقة فإنه يعامل بهذه المعاملة.","vol":"20","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-475>القصاص بالسيف</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نرى جميع حالات القصاص في هذه الأيام بالسيف وليس بالمثل، فهل القتل بالسيف يكون أهون وأسرع؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أنه أهون وأسرع، وغالبًا أن القاتل إنما يقتل بالرمي ونحوه، لكنه إذا كان بأمر فيه تمثيل أو فيه إيذاء فإن الحكم الشرعي أنه يقتل بهذه الطريقة، لكنها ليست بلازمة، فلو رئي أنه يقتل بطريقة أخرى فيها سهولة فإن ذلك يصح، لكن كونه يعامل بمثل تلك المعاملة، كما فعل الرسول ﷺ باليهودي الذي رض رأس جارية بين حجرين، فأمر برض رأسه بين حجرين، وكذلك قصة العرنيين الذين مثلوا ومثل بهم.","vol":"20","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-476>القتل بالرصاص ليس تعذيبًا بالنار</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل القتل بالبندقية النارية يدخل في التعذيب بالنار؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان رماه في رأسه وأدى إلى إزهاق روحه في الحال فلا يقال: إنه من التعذيب بالنار، التعذيب بالنار يكون بأن يحرق، وأما كونه يرمى بشيء خرق رأسه ومات بسبب ذلك بسهولة، فهذا لا يقال: إنه تعذيب بالنار.","vol":"20","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-477>حكم ذبح الأعسر بيده الشمال</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أنا رجل أعسر -أي: أيسر- فهل لي أن أذبح أم الأولى أن يذبح غيري باليمين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الأولى أن يذبح غيرك باليمين، وإن احتجت إلى ذلك وأنت تستطيع أن تذبح باليمين فلك ذلك، لكن ما دام أنه يوجد غيرك فالأولى أن يذبح شخص باليمين، وإن احتجت إلى أن تذبح فلك ذلك.","vol":"20","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-478>جواز القتل بالسيف وبالرمي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  متى يكون القتل بالسيف؟ ومتى يكون القتل بالرمي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  القتل بالسيف والقتل بالرمي كله فيه إزهاق للروح بسهولة، فأي واحد منهما حصل فإنه يحصل به المقصود.","vol":"20","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-479>ذبح خالد القسري للجعد بن درهم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل ما قام به خالد القسري من ذبحه للجعد بن ردهم موافق للشرع وكان فيه مصيبًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا محمود في الشرع، كونه قتل مبتدعًا ينكر ما جاء في القرآن، ويقول: إن الله لم يكلم موسى تكليمًا، ولم يتخذ إبراهيم خليلًا، فإن هذا تخلص من شخص التخلص منه فيه الخير الكثير والمصلحة العظيمة للناس، ولهذا مدحوه وأثنوا عليه بهذا العمل، وابن القيم ذكر ذلك في نونيته وقال: إن هذا من أحسن القربات التي يتقرب بها إلى الله ﷿.\nوبعض المغفلين في هذا الزمان يتباكى على قتل مثل هذا، ويقول: إن قتله كان سياسيًا من أجل السياسة وليس من أجل البدعة؛ لأنه لا يريد أن يقتل أحدًا من أجل البدعة، ولهذا يجعل ذلك سياسة.","vol":"20","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-480>حكم ذبح الشاة المصدومة إذا كان فيها حياة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  شاة صدمت بالسيارة وكادت أن تموت، فهل نتركها حتى تموت أو نتداركها بالذبح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان الضرر لاحقًا بها، ولا يرجى أن تعيش، فكونها تذبح ولا تكون ميتة لا شك أن هذا أولى إذا كانت الإصابة بالغة، وأنها لو لم تذبح لماتت، وهذا مثلما جاء في القرآن عندما ذكر الله تعالى المحرمات فقال: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة:٣] أي: إلا ما أدركتموه وفيه حياة فذبحتموه فإنه يكون حلالًا، وإن خرجت روحه بتلك الضربة أو الصدمة أو السقطة إذا تردى من مكان عالٍ ولم يذبح فإنه يكون ميتة، لكن إن ذبحت في تلك الحال فإنها تكون حلالًا مباحة.","vol":"20","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-481>حكم توجيه الذبيحة إلى القبلة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكر بعض العلماء أن توجيه الذبيحة إلى القبلة ليس من السنة فما رأيكم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا نعلم شيئًا يمنع من هذا.","vol":"20","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-482>حكم القتل بإعطاء القاتل حقنة حتى يموت</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم القتل بإعطاء القاتل حقنة حتى يموت؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كانت هذه الحقنة لا تلحق به ضررًا، فهو من جنس القتل بالسيف؛ لأن هذا شيء جديد وطارئ.","vol":"20","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-483>توجيه تعذيب علي ﵁ من غلوا فيه بالنار</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا كان لا يجوز التعذيب بالنار فلماذا عذب علي ﵁ من غلو فيه بالنار؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لعله لم يبلغه ما جاء عن رسول الله ﷺ في ذلك من المنع.","vol":"20","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-484>حكم معاملة الناس بالأخلاق الحسنة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قوله ﷺ: (وخالق الناس بخلق حسن) هل هو على سبيل الاستحباب أو الوجوب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أنه مطلوب من الإنسان أن يعامل الناس معاملة طيبة، ولكنه إذا كان يريد أن يعامله الناس بهذه المعاملة وهو يعاملهم بخلافها فإن الحديث الذي سبق أن مر بنا يدل على نفي الإيمان عنه، وهو نفي الكمال الواجب، وهو قوله ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).","vol":"20","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-485>درجة لفظ: (إن الله محسن فأحسنوا)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  حديث: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) جاء في بعض الطرق بلفظ: (إن الله محسن فأحسنوا)، فهل هذا ثابت؟ وهل فيه إثبات أن المحسن اسم لله ﷿؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم جاء بلفظ: (إن الله محسن فأحسنوا)، وجاء أيضًا حديث بهذا عن أنس وأبي هريرة ﵄.","vol":"20","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-486>من الإحسان عدم حد السكين أمام الذبيحة وعدم ذبح أختها أمامها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكر الإمام النووي في شرحه للأربعين: أن من الإحسان إلى الذبيحة ألا يحد السكين أمامها، ولا يذبح واحدة أمام الأخرى، فما صحة ذلك؟ وما الحكمة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا صحيح؛ لأن هذا من تعذيبها، وفيه إيذاء لها، وكونها تذبح الثانية أمامها فإنها تتعذب بذلك وتتأذى به.","vol":"20","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-487>شرط تكفير الصغائر بالحسنات</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قوله في الحديث: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر)، هل معناه ما دام أنه قد اجتنب الكبائر، أو إلا الكبائر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  تكفير الصغائر مقيد باجتناب الكبائر، فإذا كان الإنسان مقترفًا للكبائر فلا يقال: إن الصغائر كفرت ما دام مصرًا على الكبائر، ولكنها تكفر باجتناب الكبائر.","vol":"20","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-488>كيفية التعاون على اجتناب المعاصي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قلتم: إن التقوى إذا قرنت بالبر تكون بمعنى اجتناب النواهي كما في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢]، فكيف يكون التعاون على اجتناب النواهي أو المعاصي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الإنسان يبتعد عن المعاصي بنفسه، وكذلك يرشد غيره إلى ذلك ويوصيه ويحذره، ويأمر وينهى غيره عن المنكر، وبذلك يكون التعاون على اجتناب المعاصي.","vol":"20","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-489>الحكم على حديث: (ما أصر من استغفر)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  حديث: (ما أصر من استغفر وإن عاد إلى الذنب في اليوم سبعين مرة) هل هو صحيح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لعله مر بنا في سنن أبي داود، وأظنه ليس بصحيح.","vol":"20","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-490>معنى أثر: (لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قال أهل العلم: لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار، ما ضابط الإصرار على الصغائر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا الأثر جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار).\nوأحسن ما قيل في تعريف الكبيرة: أنها ما كان عليه حد في الدنيا، أو توعد عليه بلعنة أو غضب أو نار أو إحباط عمل أو ما إلى ذلك، وما لم يكن كذلك فهو من الصغائر، هذا هو أحسن ما قيل في التفريق بين الصغائر والكبائر.\nأما معنى هذه الجملة: (لا كبيرة مع الاستغفار)، يعني: كون الإنسان يندم على الكبيرة ويتألم من حصولها، ويكون خائفًا وجلًا مشفقًا على نفسه من تبعتها، هذا يجعلها تتضاءل وتتلاشى حتى لا تكون كبيرة، وعلى العكس من ذلك الصغيرة التي يقترن معها من قلة الحياء من الله وقلة المبالاة، وأن الإنسان لا يبالي بها، فإنها تضخم وتكبر حتى تلتحق بالكبائر، وهذا هو معنى قوله ابن عباس ﵁: (لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار).\nوالإصرار: هو المداومة عليها، وكون الإنسان لا يستحي من الله ﷿، وهو متعلق بها ومداوم عليها، وهذا يلحقها بالكبائر، فالكبيرة تتضاءل وتصغر مع الاستغفار، والصغيرة تضخم وتعظم مع قلة الحياء، وقلة المبالاة، وعدم الخوف من الله ﷿.","vol":"20","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-491>الصغائر تكفر بفعل الحسنات</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يدل حديث: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها) على أن الحسنات تمحو الصغائر وإن لم يتب منها صاحبها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، السيئات تمحى وإن لم يحصل منها توبة؛ لأن التي لابد لها من توبة هي الكبائر، والتوبة -كما هو معلوم- تجب كل شيء، وإذا جبت الكبائر فالصغائر من باب أولى.","vol":"20","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-492>حكم من سن سنة سيئة ثم تاب منها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  لو أن إنسانًا سن سنة سيئة وعمل بها أناس من بعده، ثم تاب منها واستمر أولئك الناس على تلك السنة السيئة، فهل يكتب إثمها عليه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الذي يظهر أنه إذا أتى بشيء منكر أو بضلالة ثم تاب منها؛ فإنه لا يكتب عليه عمل من عمل بها من بعده، ولكن عليه أن يوضح الحق، فكما حصل منه بيان الباطل الذي وفق للتوبة والسلامة منه فعليه أن يبين الحق ويوضحه، وأن يبين أنه رجع عن ذلك الباطل إلى ما هو حق، ولا يلحقه بعد ذلك ضرر.","vol":"20","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-493>حصول المقصود بالقصاص بالحقنة القاتلة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا قلنا بجواز قتل القاتل بالحقنة، فكيف تتحقق مصلحة الارتداع والانزجار لغيره من الناس؛ إذ لم يروا شدة القتل بالسيف؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان سيقتل أمام الناس، فمعلوم أنه إذا حصل ذلك، وأخبروا بأنه حصل له القتل، فإنه يكون قد حصل المقصود، والناس إذا عرفوا أن الإنسان قتل وخرجت روحه، سواء كان بهذه الطريقة أو بتلك، المهم أنه مات، لكن قد يكون في هذه الطريقة تدليس على الناس، بأن يعملوا له حقنة تخديرية ثم يفيق بعد ذلك، فإذا كان في المسألة تغرير بالناس أو تلبيس عليهم، فإنه لا يحصل المقصود، لكن إذا كان المقصود قد تحقق بهذا الأمر، وأنه قد مات وذهبوا به إلى المقبرة ودفنوه، فإن ذلك يكون كافيًا، والناس ينزجرون إذا سمعوا أن فلانًا مات، وأنه قضي عليه بأي طريقة.","vol":"20","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-494>حكم قتل نساء الكفار إذا كانوا يقتلون نساء المسلمين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز قتل نساء الكفار لأنهم يقتلون نساء المسلمين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يجوز، إذا كان قد حصل من الكفار أنهم تجاوزوا الحدود وقتلوا صبيان ونساء المسلمين، فالمسلمون ممنوعون من قتل النساء والصبيان، إلا إذا كن النساء مقاتلات ومشاركات في الحرب فيقتلن إذا قاتلن.","vol":"20","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-495>حكم الاستمناء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الاستمناء من الكبائر أو الصغائر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أنه عدوان وإتيان بشيء خارج عما هو مشروع، والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٧]، فهو مستحق للوم وفيه عدوان، ولا أعرف نصوصًا أخرى تتعلق به، لكن هذه الآية واضحة في أنه من العدوان، وهو ليس بالأمر الهين؛ بل هو أمر خطير، والواجب على كل إنسان أن يحذره وأن يبتعد عنه.","vol":"20","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-496>حكم مصافحة النساء الأجنبيات</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل مصافحة النساء الأجنبيات من الكبائر أو الصغائر، وكذلك القبلة؟ الشيخ: ورد في الحديث التعذيب بالنار لمن يفعل هذا، وأنه لو غرز في رأسه مخيط من نار خير له من أن يمس امرأة لا تحل له، وهذا يدل على أن أمره خطير؛ لأن هذا العمل أشد من أن يغرز في رأسه مخيط من نار، وهذا يدل على أنه من الكبائر.\nأما القبلة فقد جاء في حديث الرجل الذي قبل امرأة أجنبية فأنزل الله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، ولا شك أن القبلة أشد من المصافحة، وأنه يستحق العقوبة بأكثر من هذا.","vol":"20","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-497>حكم شرب الدخان</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل شرب الدخان من الكبائر أم من الصغائر؟ الشيخ: لا شك أن النصوص جاءت بعمومها لتدل على تحريم شرب الدخان، وأنه أمر خطير، وكما هو معلوم أنه من الأشياء التي جدت وليس فيها نص خاص، وإنما النصوص العامة مثل كون الإنسان لا يقتل نفسه، وكونه من جملة الخبائث التي حرمها رسول الله ﷺ، وكونه فيه إضاعة للمال، وإيذاء للناس برائحته الكريهة، فالواجب هو الحذر والابتعاد منه، سواء وصل إلى حد الكبيرة أو لم يصل.","vol":"20","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-498>معنى حديث: (من قال أستغفر الله غفر له)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى قوله ﷺ: (من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر له ما تقدم من ذنبه ولو فر من الزحف)، مع أحاديث أخرى تدل على أن الأذكار أو بعض الأفعال يكون بها الغفران ومحو الخطايا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا يكون مع التوبة، وأما إذا كان بدون توبة فإنه لا يفيد شيئًا ولا يجدي شيئًا، ولكن من قالها تائبًا وحصل منه هذا الكلام مع التوبة فلا شك أنه يغفر له.","vol":"20","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-499>من شرب الخمر ثم تاب فهل يحرم منها في الجنة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل شارب الخمر والمسكر في الدنيا يحرمه الله منها في الآخرة حتى ولو بعد التوبة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ورد في الحديث أنه (من شربها في الدنيا لم يشربها في الآخرة) لكن هل يعني ذلك المنع المؤبد والمطلق، أم أنه يعني المقيد في وقت من الأوقات؟ وقد ورد في بعض الأحاديث أن الجنة لا يدخلها من كان كذا، مثل: (لا يدخل الجنة قتات)، ومعلوم أنه يدخلها إذا لم يكن مشركًا بالله.","vol":"20","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-500>حكم قطع رأس الطير باليد من دون ذبح</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل من الإحسان ما يحصل عند صيد الحمام بنزع رأسها كاملًا لأنه أسهل وأسرع وقتًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا ليس ذبحًا، كونه يمسك الرأس في يد، والجسم في يد ثم يفصل هذا عن هذا، فإن هذا ليس بذبح، إنما الذبح أن يأتي بالآلة الحادة التي يجريها على الحلق حتى يخرج الدم بهذه الطريقة.","vol":"20","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-501>الفرق بين التوبة والاستغفار</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفرق بين الاستغفار والتوبة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  التوبة: أن يقلع عن الذنب ويندم عليه ويحرص على أن لا يعود، وأما الاستغفار فكونه يقول: أستغفر الله ﷿، فإذا قال: أستغفر الله، وقد تاب من ذنبه وندم عليه، فإنه يكون بذلك حصل له مقصوده من السلامة من الذنوب والخروج من تبعتها.\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"20","page":41},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-502>[٢١]</span>\nمن أراد أن يحفظه الله تعالى في جميع شئونه وأحواله، وأن يسدده في كل أعماله وتصرفاته، فعليه أن يحفظ الله تعالى بأن يعمل بأوامره وينتهي عن نواهيه، وألا يسأل إلا الله، وألا يستعين إلا به، وأن يرد جميع أمره إليه سبحانه، وأن يعلم أن كل شيء إنما هو بقضاء وقدر، فليرض وليسلم بقضاء الله وقدره، فإن الأقلام قد رفعت، والصحف قد جفت، وكتب كل ما هو كائن إلى يوم القيامة.","vol":"21","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-503>شرح حديث: (احفظ الله يحفظك)</span>\nعن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كنت خلف رسول الله ﷺ يومًا فقال لي: (يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجَفّت الصحف) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\nوفي رواية لغير الترمذي: (احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا).\nهذا حديث عظيم من وصايا الرسول الكريم ﷺ، أوصى به ابن عمه عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهي وصية عظيمة جامعة نافعة، وهو من جوامع كلم الرسول الكريم عليه أفصل الصلاة وأتم التسليم.","vol":"21","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-504>ترجمة ابن عباس راوي الحديث</span>\nعادة الإمام النووي رحمة الله عليه أنه إذا ورد الصحابي لأول مرة فإنه يذكر كنيته، ولهذا قال هنا: عن أبي العباس، ويقال: إن الذين عُرفوا بكنية أبي العباس من أصحاب رسول الله ﷺ اثنان هما: عبد الله بن عباس وسهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنهما، فإن هذين الاثنين هما اللذان عرفا بالتكني بهذه الكنية، وعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه من صغار الصحابة، وقد روى الكثير عن رسول الله ﷺ، وهو من السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ، وقد رووا من الحديث عن النبي ﷺ ما لم يروه غيرهم كثرة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.\nومعلوم أن رواية الصحابة للأحاديث إما أن يكونوا سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ، أو أنهم سمعوا ذلك من غيرهم من الصحابة ولم يسمعوه من النبي ﷺ، ومن المعلوم أن الصحابي إذا أضاف حديثًا إلى الرسول ﷺسواء كان سمعه هو أو سمعه غيره- فإن ذلك مرفوع وثابت ومتصل إلى رسول الله ﷺ؛ لأن المجهول فيهم في حكم المعلوم.\nوقد أخبر ابن عباس أنه كان خلف النبي ﷺ، ويحتمل أن يكون خلفه ماشيًا، أو أن يكون خلفه راكبًا رديفًا له ﷺ، وقد خاطبه النبي ﵊ بوصفه كغلام فقال: (يا غلام!) وقال: (ألا أعلمك كلمات!)، وهذا فيه التنبيه إلى أهمية ما سيلقى وما سيذكر بعد هذا الخطاب، وفي هذا حفز للهمة ولفت للانتباه حتى يعي السامع ما يلقى عليه.","vol":"21","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-505>معنى حفظ العبد لربه وحفظ الرب لعبده</span>\nبدأ النبي ﷺ يعلم ابن عباس بدأ يعلمه هذه الكلمات، وفي صنيع الرسول ﷺ مع ابن عباس ما يدل على تواضعه ﷺ وملاطفته للصغار، حيث قال له: (يا غلام! ألا أعلمك كلمات).\nقال ﵊: (احفظ الله يحفظك)، هذه أول تلك الكلمات الجامعة المفيدة العظيمة، والمقصود بحفظ الله ﷿: حفظ حدوده وشرائعه وأمره ونهيه، بحيث يكون الإنسان ممتثلًا للأوامر، مجتنبًا للنواهي مصدقًا للأخبار، عابدًا لله ﷿ وفقًا لما شرع في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ، فهذا هو المقصود بكون الإنسان يحفظ الله، أي: احفظ حدود الله وشرائعه وأوامره ونواهيه، بأن تكون ممتثلًا لكل مأمور، منتهيًا عن كل محذور، وأن تكون مصدقًا للأخبار، وأن تكون متعبدًا لله ﷿ بالشرع لا بالأهواء والبدع ومحدثات الأمور؛ بل تكون عبادة الإنسان خالصة لله ومطابقة لسنة رسول الله ﷺ.\nثم قال: (يحفظك)، وهذا هو الجزاء، والجزاء من جنس العمل، فإذا كان العمل حفظًا فإن الجزاء حفظ، فإن كان الإنسان يحفظ حدود الله ويمتثل ويستسلم وينقاد فإن الجزاء هو أن الله يحفظه في أمور دينه ودنياه، وكثيرًا ما يأتي في النصوص بيان أن الجزاء من جنس العمل، كما جاء في هذا الحديث: (احفظ الله يحفظك) وحديث: (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة)، فكل هذا الجزاء من جنس العمل، وحديث ابن عباس الذي معنا فيه أن العمل حفظ والجزاء حفظ، فالعمل كون العبد يحفظ حدود الله، والجزاء أن الله تعالى يحفظه في أمور دينه ودنياه.\nثم قال: (احفظ الله تجده تجاهك)، كرر الأمر بحفظ الله ﷿ الذي هو حفظ شريعته، فإذا فعل الإنسان ذلك فإنه يجده تجاهه يسدده ويحوطه ويرعاه ويكلؤه ويحفظه، وكذلك أيضًا يجد ثواب ذلك في العاجل والآجل، كما قال الله ﷿: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]، وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧].\nفيجد الله ﷿ حافظًا له وراعيًا وساترًا وكالئًا ومؤيدًا، وقوله: (تجاهك) أي: أمامك، وقد جاء في الرواية الأخرى التي في غير الترمذي: (احفظ الله تجده أمامك).","vol":"21","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-506>وجوب سؤال الله تعالى والاستعانة به وحده</span>\nقال ﵊: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)، وهذا مطابق لقول الله ﷿: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، أي: أن العبد يخص الله ﷿ بالعبادة، ومنها السؤال، ويخصه بالاستعانة، فلا يعبد إلا الله، ولا يستعين إلا بالله، فتكون عبادته خالصة لله وتكون استعانته بالله ﷾، فيسأله العون والتسديد.\nوالسؤال هو الدعاء، والدعاء هو العبادة، كما قال رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: (الدعاء هو العبادة).\n(إذا سألت فاسأل الله)، أي: خص الله ﷿ بسؤالك والالتجاء إليه والاعتماد عليه، والإلحاح عليه في الدعاء بأن ييسر لك ما تريد من خير الدنيا والآخرة.","vol":"21","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-507>وجوب التوكل على الله تعالى والاستعانة به مع الأخذ بالأسباب</span>\n(وإذا استعنت فاستعن بالله) قد جاء عن النبي ﷺ الأمر بالأخذ بالأسباب، ومع الأخذ بالأسباب أن يستعين المسلم بالله ﷿، ولا يعتمد على الأسباب ويتكل عليها؛ بل يأخذ بها، والأخذ بها مشروع، ولكن لا يعتمد الإنسان عليها؛ بل يعتمد على الله ﷿ ويتوكل على الله ﷿ الذي هو مسبب الأسباب، والذي إذا شاء جعل تلك الأسباب مفيدة ونافعة وإذا شاء جعلها غير مفيدة ولا نافعة، فقد يوجد السبب ولا يوجد المسبَّب، ولكن الإنسان يأخذ بالسبب المشروع، ويتوكل على الله ﷿ ويعتمد عليه ﷾ ويسأله.\nولهذا قال ﷺ: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله)، وهذا أمر بالأخذ بالأسباب، وأن الإنسان يأخذ بالأسباب المشروعة، ولكن لا يعتمد عليها، ولا يقول: إن السبب إذا وُجد وجد المسبّب، فقد يوجد السبب بدون المسبب، فمثلًا: إذا أراد الإنسان الحصول على الولد فإنه لا سبيل إلى ذلك إلا بالزواج أو ملك اليمين، إذ لا بد للحصول على الولد من هذا السبيل، فالإنسان يفعل السبب، ولكن إذا وجد هذا السبب بقي شيء وراء ذلك، وهو كون الله ﷿ يجعل هذا السبب نافعًا ومفيدًا، فإنه قد يوجد السبب ويتخلف المسبب، فالأمر يرجع إلى مشيئة الله ﷿ وإرادته وقدرته وتوفيقه وتسديده، فإنه إذا شاء أن يحصل الولد حصل بعد الأخذ بهذه الأسباب، ولكن لا يحصل ولد بدون هذه الأسباب، فلا يحصل ولد بدون زواج أو ملك يمين وتسر، وإنما يحصل بهذا الطريق فقط.\nفالإنسان عليه أن يفعل السبب، ولكن مع فعل السبب لا يعتمد عليه ويقول إن السبب قد وجد فلا بد أن يوجد المسبب، فإنه يمكن أن يوجد السبب ولا يوجد المسبب، ولكن كون الإنسان يضيف إلى فعل السبب التعويل على الله وسؤال الله ﷿ أن ينفع بالأسباب، فهو الذي إذا شاء نفعت الأسباب، وإذا شاء وجدت الأسباب ولكن تخلف نفعها وتخلفت ثمرتها؛ لأن الأمر يرجع إلى مشيئته وإرادته ﷾، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.\nفالحاصل: أن الإنسان عليه أن يأخذ بالأسباب ولا يعتمد عليها؛ لأن الاعتماد على الأسباب شرك في التوحيد؛ لكون الإنسان يعول على غير الله ﷿ وكأن الأمور مادية وليس هناك شيء وراء المادة، بل لا بد من فعل السبب، ولا بد من التعويل على الله ﷿ وسؤاله أن ينفع بالسبب، فلا يعول الإنسان على الأسباب ويغفل عن الله، ولا يهمل الإنسان الأسباب ويقول: إذا كان الله قدر الولد فسوف يأتيني ولو لم أتزوج، فإن هذا كلام غير صحيح، بل هذا سفه ونقص في العقل؛ لكون الإنسان يهمل الأسباب ولا يأخذ بها، والله تعالى أمر بالأخذ بالأسباب، وذكر أنه لا بد مع الأخذ بها من سؤال الله ﷿ والاستعانة به ﷾، كما قال ﵊: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز)، فلا يهمل العبد الأسباب ويقول: إذا قدر الله لي شيئًا فسوف يأتي لي بدون سبب؛ بل يسعى الإنسان لتحصيل الرزق، ويسعى لتحصيل الولد، ويسعى لتحصيل كل ما يعود عليه بالنفع في أمور دينه ودنياه، ومع سعيه وبذله للأسباب المشروعة لا يعتقد أن الأسباب هي كل شيء، وأنه إذا وجد السبب وجد المسبب.\nوقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدوا خماصًا وتروح بطانًا)، وهذا داخل في الأسباب، ولهذا تظهر في الصباح خامصة البطون ليس في بطونها شيء، ثم ترجع في الرواح وقد امتلأت بطونها فقال ﵊: (تغدو خماصًا وتروح بطانًا)، فكذلك الإنسان يتوكل على الله ﷿ ويفعل السبب، ولا يكون توكله بدون فعل الأسباب، بحيث يقول: إذا الله قدر لي شيئًا فسيأتيني، ويجلس في بيته ويقول: إن رزقي سوف يأتيني وأنا في بيتي، فلا بد من الأخذ بالأسباب المشروعة، فإن ذلك يكون من السفه، ولا يكون هذا توكلًا بل هو تواكل، ولهذا يقول بعض أهل العلم: إن الاعتماد على الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل.","vol":"21","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-508>جواز الاستعانة بالمخلوق فيما يقدر عليه</span>\n(إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)، هذا مثل قول الله ﷿: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، أي: نخصك بالعبادة ونخصك بالاستعانة، لكن إذا كان الإنسان يقدر على شيء وطلب منه أخوه المسلم الإعانة فإن ذلك لا بأس به، كأن يطلب منه أن يشفع له، أو يطلب منه أن يعينه على حمل شيء، كما جاء في الحديث: (وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها صدقة)، فإذا طلب منه شيء يقدر عليه فإن هذا لا بأس به وليس بمحذور، ولكن الشيء الذي لا يجوز هو سؤال الغائبين كسؤال الجن والملائكة، فهذا هو الذي لا يجوز، بل على الإنسان أن يسأل الله ﷿، وإذا كان المخلوق الذي معه يقدر على إعانته في شيء فلا بأس أن يطلب منه إعانته، كما جاء في الحديث: (وتعين الرجل في دابته فتحمله -أي: تحمل متاعه- عليها صدقة)، أي: أن ذلك صدقة عليه وعلى نفسك لأنك فعلت أمرًا تعود منفعته إلى نفسك، وقد أحسنت إلى نفسك وأحسنت إلى غيرك.","vol":"21","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-509>لا ينفع أحد ولا يضر إلا بما كتبه الله تعالى وأراده</span>\nثم إنه عقب ذلك ببيان أن الأمور كلها بيد الله ﷿، وأن الإنسان يعول على الله ﷿ بسؤاله واستعانته؛ لأنه هو الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو قادر على كل شيء، وغيره لا يقدر إلا على ما قدره الله عليه، ولا يحصل منه إلا ما قدره الله تعالى وقضاه، فلما ذكر الأمر بسؤال الله ﷿ والاستعانة به عقب ذلك بأن الناس لا ينفعون الإنسان بشيء إلا وقد كتب له، ولا يضرونه بشيء إلا وقد كتب عليه، فلا يحصل في ملك الله إلا ما أراده الله، ولا يحصل في ملك الله شيء لم يرده الله ﷿؛ بل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولهذا قال ﵊: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك) أي: أنه لا يحصل بهم شيء غير مقدر؛ بل كل ما يحصل منهم فهو مقدر، فما يحصل منهم من خير لك فهو مقدر لك، وما يحصل منهم من شر عليك فهو مقدر عليك، والله ﷿ سبق قضاؤه وقدره بذلك وسبقت كتابته بذلك، وهو واقع لا محالة.\nأي: أن ما قدره الله لك لا بد أن يحصل لك، وما قدره الله عليك من الضرر فلا بد أن يقع عليك، ولا يحصل في ملك الله إلا ما شاءه الله ﷿، فالعباد لا ينفعون إلا إذا شاء الله ﷿ نفعهم، ولا يضرون أحدًا إلا إذا شاء الله ضررهم لذلك الذي أرادوا ضرره، فالأمر كله يرجع إلى مشيئة الله وإرادته وإلى قضائه وقدره ﷾.","vol":"21","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-510>الكتابة الشرعية والكتابة الكونية القدرية</span>\nقوله: (إلا بشيء قد كتبه الله عليك)، الكتابة هنا بمعنى: التقدير؛ لأن الكتابة تنقسم إلى: شرعية، وقدرية كونية، وقد مر بنا في الحديث السابع عشر من الأربعين النووية أن الله كتب الإحسان على كل شيء، وتلك كتابة شرعية دينية، وهنا الكتابة كتابة قدرية كونية.\nفما قدره الله لا بد أن يوجد، وأما كونه ﷿ أمر بالإحسان وشرع الإحسان فإنه يحصل ما شاء الله تعالى أن يحصل منه، ويتخلف حصول ما شاء الله ألا يحصل منه؛ لأن الإرادة الدينية تقع ممن شاء الله تعالى أن تقع منه، ولا تقع ممن شاء الله ألا تقع منه، لكن الكتابة الكونية لا بد من وقوعها، فكل شيء مقدر لا بد من وجوده، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ويقول الله ﷿: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]، ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة:٥١].\nوهذا فيه الإيمان بالقدر، وأن كل شيء مقدر سبق به القضاء والقدر، وأنه لابد من وقوع المقدر، فحيث شاء الله ﷿ أن يحصل للإنسان شيء لا بد أن يوجد، وحيث شاء ألا يحصل فإنه لا سبيل إلى وجوده.","vol":"21","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-511>انتهاء الكتابة بما هو كائن إلى يوم القيامة</span>\nثم علل ذلك بقوله: (رفعت الأقلام وجفت الصحف)، وهذا تأكيد للجملتين السابقتين اللتين فيهما إثبات القدر وأنه لا يقع من العباد إلا مقدر، سواء كان خيرًا أو شرًا فإنه لا يقع منهم إلا شيء قد قدره الله ﷿.\n(رفعت الأقلام)، أي: انتهت الكتابة وفرغ منها في اللوح المحفوظ، وسطر في اللوح المحفوظ ما سطر، وكل ما سجل في اللوح المحفوظ لا بد وأن يقع.\n(وجفت الصحف)، أي: أن الكتابة التي حصلت في اللوح المحفوظ قد جف مدادها، بمعنى: أنه فرغ من ذلك وانتهي منه، وأن الله ﷿ قد قدر كل ما هو كائن، ولابد وأن يوجد ذلك المقدر وفقًا لما أراده الله ﷿ وما شاءه ﷾، فاللوح المحفوظ قد كتب فيه ما كتب، ولا بد من وقوع ذلك المكتوب، ولا بد من وقوع ذلك المقدر على وفق ما أراد الله ﷿ أن يوجد عليه ذلك المقدر.","vol":"21","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-512>التعرف إلى الله تعالى في الرخاء ينفع في الشدائد</span>\nوفي رواية لغير الترمذي: (احفظ الله تجده أمامك) بدل قوله: (تجده تجاهك) في الرواية الأولى، ثم قال: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة).\nأي: أنك في حال سعتك ورخائك عليك أن تشتغل بطاعة الله ﷿ وبعبادته، حتى إذا أصابتك الشدة تجد من الله ﷿ الفرج وكشف الكرب والشدة، وذلك أن الإنسان إذا عمل في حال رخائه وفي سعته الأعمال الصالحة، فإنه في حال شدته وكربه يكشف الله ﷿ ما به من كرب ويكشف ما به من شدة، وكما قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]، وقال يونس ﵇: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٣ - ١٤٤].\nوقصة أصحاب الغار الثلاثة التي ثبتت في الصحيح عن رسول الله ﷺ هي من أمثلة ذلك، وذلك أن ثلاثة ممن كانوا قبلنا كانوا يسيرون في فلاة، فآواهم المبيت إلى غار، فأرادوا أن يستريحوا فيه وأن يبيتوا فيه، فباتوا فيه، فنزلت صخرة وسدت باب الغار، فلم يستطيعوا الخروج، فصاروا كأنهم في قبر وهم أحياء لم يموتوا، وليس أمامهم إلا الموت؛ لأنهم داخل الغار وقد سدت الباب صخرة عظيمة، ففكروا واهتدوا إلى أن كل واحد منهم يتوسل إلى الله ﷿ بعمل صالح عمله في حال الرخاء، ويسأل الله ﷿ به ويتوسل إليه ﷿ به ليفرج عنهم ما هم فيه، وهذا هو ما يوضح معنى قوله: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)، فتوسل أحدهم إلى الله ﷿ ببره لوالديه، وأنه كان يأتي بالغبوق والحليب الذي كان يحلبه في الليل فيسقي أبويه قبل أن يناما، وفي ليلة من الليالي ندت الإبل وبعدت عن المكان الذي كانت ترعى فيه في غالب أحيانها مما اضطره إلى أن يتأخر، فجاء إليهما وقد ناما، فكره أن يوقظهما، وكره أن ينام خشية أن يستيقظا وقد نام فلا يتمكن من إعطائهما ذلك الغبوق، فوقف ينتظر يقظتهما حتى استيقظا وشربا، فقال: (اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة شيئًا قليلًا إلا أنهم لا يستطيعون الخروج).\nثم توسل الثاني بتركه الفاحشة مع قدرته عليها، وذلك أنه كان له ابنة عم، وكان يحبها حبًا شديدًا، ويراودها عن نفسها وهي تمتنع، فألمت بها سنة من السنين، وحصل لها ضيق وشدة وكرب، فطلبت منه أن يساعدها، فعرض عليها ذلك الذي كان يعرضه عليها من قبل، فاستجابت لشدة الحاجة وشدة الفقر والبؤس الذي حصل لها على أن يعطيها مائة دينار، فأعطاها إياها وأراد أن يفعل بها الفاحشة، ولما جلس بين رجليها قالت: يا فلان! اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه.\nفقام وتركها من أجل الله، وترك الذي أعطاها لها، فإنه لما ذكرته بالله ﷿ خاف من الله، مع أنه قد تمكن ولم يبق بينه وبين فعل الفاحشة شيء، ولكن خوف الله ﷿ وتخويفه بالله ﷿ أثر فيه، فقام وتركها، فقال: (اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة شيئًا قليلًا إلا أنهم لا يستطيعون الخروج).\nفقام الثالث وتوسل إلى الله ﷿ بأنه كان له عمال يعملون عنده، فذهب أحدهم دون أن يأخذ أجرته، فحفظ الأمانة لذلك الشخص ونماها حتى كثرت ونمت، وصار له عدد كبير من الرقيق ومن بهيمة الأنعام، فجاءه بعد مدة فقال: يا فلان! أعطني حقي، فقال: هذا الذي تراه أمامك هو حقك، فظن أنه يهزأ به ويسخر به، فقال: أتستهزئ بي؟ قال: هو حقك، فأخذه وساقه، فقال: (اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون).\nفهذا يبين ويوضح معنى هذه الجملة، وهي قوله ﷺ: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)، فهؤلاء عملوا هذه الأعمال الصالحة في حال رخائهم وسعتهم، والله ﷿ فرج عنهم ما هم فيه من كرب وشدة بأن أزال هذه الصخرة التي سدت باب الغار، وذلك بتوسلهم إليه بأعمالهم الصالحة التي فعلوها في حال رخائهم وفي حال سعتهم، فنفعهم ذلك عند الله ﷿ عندما كانوا في شدة، والله تعالى يقول: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢].","vol":"21","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-513>كل شيء بقضاء وقدر</span>\nثم قال النبي ﷺ: (واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك)، هاتان الجملتان معناهما: أن كل شيء لم يقدره الله لك فلا يمكن أن يحصل لك، وكل شيء لم يكتب لك فلن يقع، وكل شيء قدر لك فلا بد وأن يوجد الشيء الذي قدر لك ولن يخطئك أبدًا، بل لابد وأن يحصل لك.\nوهذا هو معنى الكلمتين اللتين تنبني عليهما عقيدة المسلمين في القضاء والقدر، وهما: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.\nفإن قول: ما شاء الله كان يوافقه: (أن ما أصابك لم يكن ليخطئك) وقول: وما لم يشأ لم يكن، يوافقه: (وما أخطأك لم يكن ليصيبك)، يعني: ما لم يشأه الله فإنه لن يكون.","vol":"21","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-514>النصر مع الصبر والفرج مع الكرب</span>\nثم قال ﷺ: (واعلم أن النصر مع الصبر)، أي: أن النصر على الأعداء إنما يكون مع الصبر على الجهاد وعدم الفرار، وقد جاء في الحديث: (لا تتمنوا لقاء العدو فإذا لقيتموه فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)، فقوله: (لا تتمنوا لقاء العدو)؛ لأن الإنسان قد يتمنى شيئًا ولكنه إذا حصل حقيقة تغير، فقد يؤدي ذلك إلى الفرار فيكون متعرضًا للوقوع في كبيرة من الكبائر التي جاءت في حديث السبع الموبقات، ومنها: (والفرار من الزحف)، (فإذا لقيتموه فاصبروا) أي: إذا ابتليتم فاصبروا ولا تفروا وتنهزموا؛ بل أقبلوا واصبروا.\n(واعلم أن النصر مع الصبر)، فلا يكون النصر مع الضعف ومع الخور وعدم التحمل، وإنما يكون بالصبر، وكون الإنسان يصبر فإنه يأتي النصر نتيجة لذلك.\nثم قال: (وأن الفرج مع الكرب) أي: إذا حصلت الشدة وحصل الضيق والتجأ الإنسان إلى الله ﷿؛ فإن الشدة يعقبها فرج من الله ﷿.\n(وإن مع العسر يسرًا)، فإذا حصل العسر والضيق فإنه يعقب ذلك اليسر من الله ﷿، كما قال الله ﷿: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق:٧]، وقال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥ - ٦].\nفهذا الحديث حديث عظيم، وهو من جوامع كلم الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وقد شرحه ابن رجب ﵀ في جزء مستقل لطيف، وشرحه كذلك ضمن الخمسين حديثًا في كتابه جامع العلوم والحكم.\nوالله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.","vol":"21","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-515>الأسئلة</span>","vol":"21","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-516>مدى صحة ما روي عن ابن عباس أنه رأى جبريل مرتين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقول ابن دقيق العيد: وثبت عنه -أي: عن ابن عباس - أنه رأى جبريل مرتين، فما صحة ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا أدري عن صحة هذا الكلام، لكن إذا كان المقصود به أنه رآه على هيئة البشر، فإن جبريل قد جاء في صورة رجل مجهول كما في حديث جبريل المشهور: (إذ دخل رجل شديد سواد الشعر شديد بياض الثياب، لا يظهر عليه آثار السفر ولا يعرفه منا أحد)، وجاء على صورة دحية بن خليفة الكلبي وهو من أصحاب رسول الله ﷺ، فإذا كان المقصود أنه رآه بهذه الصورة فهذا قد حصل للصحابة، وأما كونه رآه على الهيئة التي هو عليها، وعلى خلقته التي خلقه الله عليها -وهي أن له ستمائة جناح، وأنه يسد الأفق- فلا أدري، والرسول ﷺ قد رأى جبريل مرتين على الهيئة التي خلقه الله عليها، مرة في الأرض وقد سد الأفق، ومرة ليلة المعراج عند سدرة المنتهى، وأما ابن عباس فلعل المقصود أنه رآه مرتين عندما كان يأتي على صورة إنسان.","vol":"21","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-517>معنى قوله ﵊: (يعرفك في الشدة)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  جاء في الحديث: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) فكيف يقول: يعرفك، ومن المعلوم أن الله يعلم كل شيء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، الله يعلم كل شيء، وهو مطلع على كل شيء، ولكن المقصود من ذلك: أنك إذا تعرفت إلى الله ﷿ بالأعمال الصالحة، فإن الله تعالى يزيل ما حصل عنك من شدة وكرب وضيق، كما حصل للثلاثة، فالله تعالى محيط بكل شيء ولا يخفى على الله ﷿ شيء ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧].\nولكن المقصود: أن الله تعالى يجازيك على أعمالك التي عملتها في حال رخائك وحال سعتك، وليس المقصود من ذلك أن الله تعالى يخفى عليه شيء، بل هو عالم بكل شيء، ولكن يحصل لك في حال رخائك كشف الكرب وكشف الضر من الله ﷿؛ لأنك عملت بالأسباب في حال رخائك وحال سعتك.","vol":"21","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-518>معنى المعرفة في قوله: (يعرفك في الشدة)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكر ابن القيم في مدارج السالكين وغيره من كتبه: أن الله تعالى لا يوصف بالمعرفة، بل يوصف بالعلم، وذكر فروقًا بين المعرفة والعلم، فكيف نوجه الحديث الذي فيه: (يعرفك في الشدة)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معنى هذا الحديث أنه يحقق لك ذلك الشيء الذي تريد، ومعلوم أن نصوص الكتاب والسنة جاءت بإضافة العلم إلى الله ﷿، وأما المعرفة فقد جاءت في هذا الحديث، ولكن معناها: حصول كشف الكرب وحصول دفع الضر عن الإنسان؛ لأنه حصل منه في حال الرخاء شيء جازاه الله عليه في حال الشدة وحال الكرب.\nوهذا على سبيل المقابلة، لكن المعنى -والله أعلم- هو ما ذكرت، أي: من ناحية أن الإنسان عمل أعمالًا طيبة في حال الرخاء يرجو ثواب الله، والله ﷿ كشف عنه الكرب والضر في حال شدته، وهذا من باب الإخبار وليس من باب الصفات.","vol":"21","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-519>الفائدة من قول ابن عباس: كنت خلف النبي ﷺ</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفائدة من قول ابن عباس: كنت خلف رسول الله ﷺ؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا يدل على تمكنه من حفظ الشيء الذي ألقي عليه، وأنه يذكر الحالة التي هو عليها، وكما يقولون: مما يقوي حفظ الشيء أن يكون له قصة، فكون الإنسان يذكر القصة فمعنى هذا أنه حافظ للحديث وحافظ مع الحديث القصة التي حصل فيها الحديث؛ لأن هذا مما يفيد الضبط والإتقان.\nومثله ما جاء في قصة معاذ: (كنت رديفًا للنبي ﷺ على حمار، فقال: يا معاذ! فقلت: لبيك يا رسول الله وسعديك) الحديث، فكونه يخبر بالحالة التي كان عليها وهو يحدث بالحديث معنى ذلك أنه ضابط للحديث، ومثله الحديث الذي سيأتي عن ابن عمر قال: أخذ رسول الله بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب)، فهو يذكر الحديث ويذكر الهيئة التي حصلت من الرسول ﷺ عند تحديثه بالحديث.","vol":"21","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-520>حصول المسبب بدون سبب</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قد يوجد السبب ولا يوجد المسبب، فهل يوجد المسبب بدون سبب؟ الشيخ: نعم، الله ﷿ قد يعطي الإنسان شيئًا بدون سبب منه؛ لأن هناك أمورًا تحصل للعباد بأسباب وأفعال منهم، وهناك أشياء يجعلها الله ﷿ بدون أن يحصل منهم شيء، وذلك مثل الحديث الذي فيه أنه يبقى في الجنة سعة، فينشئ الله قومًا ويسكنهم الجنة، فهؤلاء لم تحصل منهم أعمال صالحة؛ لأن من الناس من يوفق لأن يعمل أعمالًا صالحة توصله إلى الجنة، ومعلوم أن هذا من فضل الله ﷿، حتى الأعمال الصالحة بمفردها فإن الله تعالى هو الذي تفضل بالتوفيق لها والتسديد للإنسان بأن يعملها، وقد يحصل الشيء بدون أن يعمله الإنسان، مثل هؤلاء الذين خلقوا وأدخلوا الجنة وهم لم تحصل منهم أعمال، فالمسبب وجد، ولكن ما وجدت أسباب من العباد توصلهم إلى ذلك الشيء، وكذلك أيضًا مثل المطر الذي ينزل من السماء ليستفيد منه الناس، والناس كونهم يكدحون ويعملون من أجل أن يحصلوا ما يريدون، هذا حصل بسبب من فعلهم، وأما المطر فقد حصل من الله ﷿ بدون أن يحصل منهم فعل يؤدي إلى ذلك.\nولهذا تتفاوت مقادير الزكاة فيما كان يسقى من ماء الأمطار وما كان يسقى من الاستنباط من جوف الأرض بواسطة النواضح أو المضخات، فإن ما يحصل بالمشقة يجب فيه نصف العشر، وما يحصل بدون مشقة يجب فيه العشر.","vol":"21","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-521>حكم سؤال الله تعالى مع عدم فعل السبب</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا كان الاعتماد على الأسباب قدحًا في التوحيد، فهل سؤال الله مع عدم فعل السبب يقدح في التوحيد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معلوم أن كون الإنسان يسأل أو لا يسأل ما دام أنه لا يأخذ بالأسباب ويقول: أنا أجلس في بيتي وأسأل الله ﷿ أنه يرزقني، وإذا كتب الله لي شيئًا فسيأتيني، فإن النتيجة واحدة؛ لأنه ما أخذ بالأسباب، والدعاء هو سبب من الأسباب، لكن مع الأخذ بالأسباب؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله)، فالإنسان يسأل الله من خير الدنيا والآخرة، لكن كونه يقول: أنا لا أتزوج لكن أقول: اللهم ارزقني ولدًا، معلوم أن هذا اعتداء في الدعاء؛ لأنه لن يوجد ولد إلا بالزواج، فالذي يتزوج يسأل الله أن يعطيه ولدًا، أما كونه لا يتزوج ولا يتسرى ويقول: اللهم ارزقني ولدًا! فهذا معلوم أنه ابتعاد عن الشيء الذي شرعه الله ﷿ وقدر أن يكون المسبب نتيجة له، كما قال ﵊: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله)، أي: اجمع بين هذا وهذا.","vol":"21","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-522>حكم الاعتماد على الأسباب</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الاعتماد على الأسباب شرك أصغر أم أكبر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كون الإنسان يعتقد أنه ليس شيء وراء الأسباب، وأن الأسباب هي كل شيء ويغفل عن الله ﷿، ويترك عبادته في الدنيا، ويعول على غير الله ﷿، ولا يتلفت إلى الله ﷿، لا شك أن هذا من الشرك الأكبر، وهذا مثل الماديين الذين كل شيء عندهم المادة، وكل شيء عندهم الطبيعة، وليس هناك شيء وراء ذلك.","vol":"21","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-523>صفة الكتابة لله ﷿</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل تنسب إلى الله صفة الكتابة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، وذلك مثل الإرادة، فقد جاء أنه كتب التوراة بيده، وجاءت الكتابة بمعنى التقدير، وكذلك الكتابة بمعنى كتابة التوراة التي كتبها الله ﷿.","vol":"21","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-524>إعراب: (رُفعت الأقلام)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في قوله: (رفعت الأقلام)، ما هو نائب الفاعل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نائب الفاعل هو الأقلام، والفاعل الحقيقي المحذوف هو الله ﷿، والتقدير: رفع الله الأقلام، فإن الله ﷿ هو الذي رفعها.","vol":"21","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-525>المقصود بالأقلام والصحف</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هو المقصود بالأقلام والصحف؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المقصود بالأقلام القلم الذي جرى به كتابة المقادير، والصحف: اللوح المحفوظ.","vol":"21","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-526>من الذي يقوم بكتابة المقادير</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من هو الذي يقوم بالكتابة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الله تعالى خلق القلم وأمره بالكتابة، فجرى بكل ما هو كائن.","vol":"21","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-527>الجمع بين حديث: (رفعت الأقلام) وبين ما جاء من سماع صرير الأقلام</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قوله: (رفعت الأقلام وجفت الصحف)، هل في ذلك تعارض مع قوله ﷺ عندما عرج به: (أنه سمع صرير الأقلام) وأن الأقلام لا زالت تكتب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الأقلام لا تكتب، واللوح المحفوظ قد فرغ منه، والكتابة التي سمعها هي ما يحصل من الكتابة التي هي غير القدر، فإن القدر قد فرغ منه وانتهى، والمقصود برفع الأقلام أي: فرغ من الشيء المقدر، وذلك قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، كما في الحديث: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)، فهذه غير هذه، فالتي سمعها ليست هي أقلام القدر؛ بل القدر حصل قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.","vol":"21","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-528>معنى الكتابة في حديث: (حتى يكتب عند الله كذابًا)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في قوله ﷺ: (إن العبد ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا)، ما نوع الكتابة في هذا الحديث، مع أنه قد رفعت الأقلام وجفت الصحف؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المعنى: أنه قد كتب ذلك في اللوح المحفوظ؛ لأن كل ما هو موجود من الإنسان وكل ما هو حاصل للإنسان فإنه قد سبقت به الكتابة.","vol":"21","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-529>المقصود بقوله: (جرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير السماوات والأرض إلى يوم القيامة فقط أم أنه قد كتب ما سيقع بعد يوم القيامة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  جاء في الحديث: (جرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة) ومعلوم أن يوم القيامة والدار الآخرة لا نهاية لها، فلا نهاية لما في الجنة ولا نهاية لما في النار، ومن المعلوم أن اللوح المحفوظ سينتهي، وما في الجنة لا نهاية له وما في النار لا نهاية له، والحديث ورد فيه بما هو كائن إلى يوم القيامة.","vol":"21","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-530>تحري الصدق يبلغ منازل الصديقين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قوله ﷺ: (وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا)، هل يفهم من هذا الحديث أن الذي يصدق ويتحرى الصدق يبلغه الله منازل الصديقين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، هذا مما يوصل إلى هذه المنزلة.","vol":"21","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-531>استحباب عدم سؤال الناس شيئًا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  جاء في الحديث: (بايعنا رسول الله ﷺ على ألا نسأل الناس شيئًا)، فهل من يريد تطبيق هذا الحديث يلزمه ألا يسأل أحدًا شيئًا مهما كان الأمر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أصحاب الرسول ﷺ بايعوا على هذا الشيء، وكان الواحد منهم يسقط سوطه فينزل ويأخذه، ولا يقول لغيره: ناولني إياه، كل ذلك تنفيذ لهذا الذي بايعوا عليه الرسول ﷺ.","vol":"21","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-532>الحكمة من عدم سؤال الناس شيئًا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هي الحكمة من عدم سؤال الآخرين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المقصود -والله أعلم- أن كون الإنسان يعول على الله ﷿ ويحرص على الاستغناء عن الناس، كما جاء في الحديث الذي سيأتي في الأربعين: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس).","vol":"21","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-533>بطلان دعوى حضور روح النبي ﷺ إلى مجالس الذكر والموالد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل تصح دعوى أن روح الرسول ﷺ تحضر مجالس الذكر وأن روحه جوالة في الأرض، وكذلك أرواح خلص المؤمنين، فأهل الموالد يستدلون بذلك ويقولون عند الاحتفال: حضر، حضر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه من الخرافات المحدثة، وأما كون الأرواح تصول وتجول وتذهب وتجيء فهذه أمور غيبية لا يجوز الكلام فيها إلا بدليل، ولا أعلم دليلًا يدل على ذلك.","vol":"21","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-534>صفة التيمم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نريد منكم أن نرى صفة التيمم كيف تكون؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  التيمم ضربة واحدة في الأرض يمسح بها وجهه وكفيه.","vol":"21","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-535>كيفية توبة من أخذ أموالًا من الناس بدون علمهم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أريد أن أتوب ولكن لدي مشكلة وهي أني أخذت أموالًا من أشخاص بدون علمهم، فسألت أحد المشايخ فقال لي: لن يتوب الله عليك حتى ترد ما أخذت، فما رأي سماحتكم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كانت حقوق التوبة بين العبد وبين ربه فإنه يتوب ويتوب الله عليه، أما حقوق الناس فلا بد أن ترد إليهم أو يستسمحوا منها؛ لأن حقوق الناس لا بد فيها من المقاصّة، فإما أن يستبيحهم أو أن يردها عليهم إذا كان يعلم أشخاصهم أو يعلم وراثهم، وأما إذا كان لا يعلم الشخص ولا يعرف أحدًا يرثه ولا يعلم عنه خبرًا فيتصدق به عنه بحسب المقدار الذي أخذه منه، فإذا كان على الإنسان حقوق للناس فإنه يردها عليهم ويعمل على ردها عليهم، ومن فعل ذلك وتاب فإن ذلك ينفعه.","vol":"21","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-536>قاتل نفسه لا يخلد في النار</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من قتل نفسه وهو مؤمن فهل يخلد في النار أم يخرج منها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يخلد في النار إلا الكفار الذين هم أهل النار، فهم لا يخرجون منها أبد الآباد، وأما من لم يكن كافرًا فإنه لا بد أن يخرج من النار ويدخل الجنة، ولو مكث فيها ما شاء الله أن يمكث، والحديث الذي فيه: (من قتل نفسه بالتردي من شاهق فهو كذلك في النار خالدًا مخلدًا)، معناه: الخلود النسبي، وليس كخلود الكفار.","vol":"21","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-537>نصيحة لطالب علم يريد ترك طلب العلم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أنا طالب علم في الجامعة الإسلامية، والآن لا أدري ماذا حصل لي، حيث إنني أريد أن أترك الدراسة، فانصحوني جزاكم الله خيرًا.\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا الأمر الذي تفكر فيه من جهة الدراسة هل هو أمر يتعلق بمن وراءك، أم أنه حصل لك عزوف وانصراف وقلق وضجر وأنك بذلك لا تستطيع الدراسة، فإن كان الأمر يتعلق بأناس وراءك، وأنهم بحاجة إليك ولا أحد يقوم مقامك في ذلك، وأردت أن تترك الدراسة، فهذا له وجه، وإن كان الأمر يتعلق بك أنت بأن حصل لك اضطراب وعدم ارتياح فعليك أن ترقي نفسك وتطلب من غيرك أن يرقيك، وأن تذهب إلى طبيب يعالجك، فإذا كان الأمر كذلك فيفعل هذا الفعل.","vol":"21","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-538>حكم إقامة درس قبل صلاة الجمعة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  عندنا في بلدنا معظم المساجد تقوم بالدرس قبل الجمعة إلا القليل من المساجد، فاستفتى الشباب عندنا بعض الفضلاء فأفتى بعدم الصلاة في هذه المساجد، وكما تعلمون أن إنزال هذه الفتوى على الواقع صعب جدًا؛ لما سوف يحصل من المفاسد، وخاصة أن هذه المفاسد تعود على أئمة هذه المساجد، فما قولكم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كون الإنسان لا يصلي في المسجد؛ لأنه فيه تحلق قبل الجمعة، هذا لا يقتضي أن الإنسان لا يصلي فيه، والضرر كما هو معلوم على من يفعل ذلك، والإنسان يمكن أن يأتي ويجلس في مكان ويقرأ القرآن أو يذكر الله ﷿، وأما الذي فعل التحلق والمتحلقون معه هم الذين حصل منهم المخالفة، وكل من يترك الصلاة في ذلك المسجد من أجل أن فيه هذا الأمر هو غير مصيب؛ فإنه يمكن للإنسان أن يصلي ولو وجد فيه هذا الأمر.","vol":"21","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-539>معنى القابض والباسط والخافض والرافع من أسماء الله</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى أسماء الله التالية: القابض، والباسط؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الباسط مثل كونه يبسط الرزق لمن يشاء، والقابض: يقبضه عمن يشاء، قال تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [سبأ:٣٦] أي: يضيق.\nوالخافض والرافع أي: يرفع من يشاء ويخفض من يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، كما قال ﷺ في الحديث: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين).","vol":"21","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-540>حكم لبس البنطلون</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في بلادنا اللبس الرسمي هو البنطلون الذي هو لبس الكفار، فهل يجوز لي أن ألبس هذا اللبس بحكم العمل؟ الشيخ: إذا كان لباس بلدك هو هذا اللباس، وكان لا بد من لبسه فالبسه واجعله واسعًا، ولا تجعله كالهيئة التي يفعلونها بأن يكون ضيقًا.","vol":"21","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-541>معرفة العبد الصالح</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  العبد الصالح هل يمكن للناس أن يعرفوه أم لا يعرفه إلا الله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معرفة الصلاح عند الله ﷿، فهو الذي يعلم بواطن الأمور وحقيقتها، وقد يكون الإنسان في ظاهر أمره صالحًا ويكون في باطنه بخلاف ذلك، والناس لا يعلمون الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله ﷾، لكن الناس ليس لهم إلا الظاهر، فيرجون لمن ظهر منه الإحسان ويخافون على من ظهر منه الإساءة، وكون الإنسان باطنه كظاهره في الخير والشر، لا يعلم ذلك إلا الله ﷾.","vol":"21","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-542>حكم قص الحاجبين لمن كبر سنه وسقطا على عينيه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  رجل تجاوز المائة من عمره وسقط حاجباه على عينيه، فهل يجوز له أن يقص منهما؟ الجوب: إذا كان سقوط الحاجب يغطي على العين فله أن يقص منه شيئًا يسيرًا بقدر الحاجة.","vol":"21","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-543>إن نصر الله قريب</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل في هذه العبارة إشكال: أن المسلمين في هذا الوقت ليسوا بأهل لأن ينصرهم الله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  على الإنسان أن يحسن الرجاء بالله ﷿، ولا ييأس ولا يقنط، وإنما يسأل الله ﷿ أن يوفقهم لأن يأخذوا بالأسباب التي تجعلهم يحصلون على النصر من الله ﷿.","vol":"21","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-544>حكم عمل وليمة للمدرسين من قبل الطلاب في آخر العام</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نحن مجموعة من المعلمين نعمل بإحدى المدارس، وقد اعتاد الطلاب الخريجون أن يقوموا في آخر العام بعمل وليمة للمعلمين، فما حكم حضورها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه رشوة.","vol":"21","page":43},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-545>[٢٢]</span>\nلقد جاء الإسلام بالدعوة إلى كل خير، والتحذير من كل شر وضير، فأمر بكل ما هو حسن ونهى عن كل ما هو قبيح، فأمر بالحياء، وذكر أن الحياء خير كله، وأنه إذا نزع الحياء فليفعل الإنسان ما شاء فسيلاقي جزاءه عند ربه تعالى، وأمر الإسلام بالإيمان بالله تعالى ثم الاستقامة على ذلك بفعل الأوامر وترك النواهي، كما ذكر أن من قام بما أوجبه الله عليه، من أداء الصلوات، وصيام رمضان، وإحلال الحلال وتحريم الحرام، فله الجنة بإذن الله تعالى.","vol":"22","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-546>شرح حديث: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت)</span>\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت)، رواه البخاري].\nهذا حديث عظيم من جوامع كلم النبي ﷺ، وفيه الإخبار عن الرسالات السابقة وأنها تواردت على بيان عظم شأن الحياء وأنه يأتي بخير، وقد أخبر ﷺ في هذا الحديث أن الحياء مما توارثته الأمم وجاء في الشرائع، وهو مما لم ينسخ في الشرائع؛ بل كل شريعة تأتي وفيها بيان هذا الخلق العظيم الذي هو الحياء، ولهذا قال ﷺ: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى)، أي: النبوات السابقة التي كانت قبل نبوة نبينا محمد وقبل رسالته ﵊.\nوقوله: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت)، يحتمل أن يكون المراد به مدحًا وأن يكون المراد به ذمًا.\nفيراد به المدح إذا لم يكن هذا الفعل الذي تفعله مما لا يستحيا فيه من الله ومن الخلق فإنه يفعل، وهذا هو المحمود.\nويراد به الذم إذا كان الإنسان ليس عنده حياء ولا يستحيي من الله ولا من خلقه، فإنه يقدم على أمور غير سائغة وأمور محرمة؛ لأنه ليس عنده حياء يحجبه وليس عنده هذا الخلق الكريم الذي يمنعه.\nوعلى هذا المعنى الثاني يكون قوله: (فاصنع ما شئت)، من قبيل التهديد والوعيد، وأن الإنسان إذا كان كذلك فإنه يصنع ما يشاء وسيلقى جزاءه، وليس المعنى أنه أذن له بأن يفعل الشيء الذي لا يسوغ ولا يجوز، وإنما هذا من باب التهديد نظير قول الله ﷿: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، فإن هذا ليس تخييرًا وليس أمرًا له بأن يفعل هذا أو هذا؛ لأنه قال بعد ذلك: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف:٢٩].\nوكل من المعنيين صحيح، فإذا كان المقصود أن الإنسان إذا لم يكن فعله مما لا يستحيا منه بل هو سائغ ومشروع، فإنه يفعله، فإن هذا معناه صحيح، وإذا كان المقصود به أن الإنسان الذي ليس عنده حياء يحجبه ويمنعه من الوقوع فيما لا ينبغي، فإنه يقدم والحالة هذه على فعل أمور لا يسوغ له فعلها، فيكون معرضًا نفسه للعقوبة، فهذا أيضًا معنى صحيح.\nهذا هو معنى هذا الحديث الذي هو من جوامع كلمه ﵊، والذي يدل على فضل خلق الحياء وأنه خلق كريم، وأن المتصف به يمنعه حياؤه من الوقوع في الأمور المحرمة التي لا تسوغ ولا تجوز.","vol":"22","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-547>كلام ابن رجب ﵀ في شرحه لهذا الحديث</span>\nقال ابن رجب ﵀: «فقوله ﷺ: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى) يشير إلى أن هذا مأثور عن الأنبياء المتقدمين، وأن الناس تداولوه بينهم وتوارثوه عنهم قرنًا بعد قرن، وهذا يدل على أن النبوات المتقدمة جاءت بهذا الكلام، وأنه اشتهر بين الناس حتى وصل إلى أول هذه الأمة، وفي بعض الروايات قال: (لم يدرك الناس من كلام النبوة الأولى إلا هذا) خرجها عبيد بن زنجويه وغيره.\nوقوله: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) في معناه قولان: أحدهما: أنه ليس بمعنى الأمر أن يصنع ما شاء، ولكنه على معنى الذم والنهي عنه، وأهل هذه المقالة لهم طريقان: أحدهما: أنه أمر بمعنى التهديد والوعيد، والمعنى: إذا لم يكن حياء فاعمل ما شئت، فإن الله يجازيك عليه، كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت:٤٠] وقوله: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:١٥]، وقول النبي ﷺ: (من باع الخمر فليشقص الخنازير) يعني: ليقطعها إما لبيعها أو لأكلها، وأمثلته متعددة، وهذا اختيار جماعة منهم أبو العباس ثعلب».\n«والطريق الثاني: أنه أمر ومعناه الخبر، والمعنى: أن من لم يستح صنع ما شاء، فإن المانع من فعل القبائح هو الحياء، فمن لم يكن له حياء انهمك في كل فحشاء ومنكر».\nفيكون من قبيل الأمر الذي هو بمعنى الخبر، والأمر يأتي بمعنى الخبر كما أن الخبر يأتي بمعنى الأمر، وهذا من الأمر المراد به الخبر، ومثال الخبر المراد به الأمر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] يعني: فلا يرفث ولا يفسق ولا يجادل.\nقال: \"وما يمتنع من مثله من له حياء على حد قوله ﷺ: (من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار)، فإن لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر، وأن من كذب عليه تبوأ مقعده من النار، وهذا اختيار أبي عبيد القاسم بن سلام ﵀ وابن قتيبة ومحمد بن نصر المروزي وغيرهم، وروى أبو داود عن الإمام أحمد ما يدل على مثل هذا القول.\nواعلم أن الحياء نوعان: أحدهما: ما كان خلقًا وجبلة غير مكتسب، وهو من أجل الأخلاق التي يمنحها الله العبد ويجبله عليها، ولهذا قال ﷺ: (الحياء لا يأتي إلا بخير)، فإنه يكف عن ارتكاب القبائح ودناءة الأخلاق، ويحث على استعمال مكارم الأخلاق ومعاليها، فهو من خصال الإيمان بهذا الاعتبار.\nوقد روي عن عمر ﵁ أنه قال: (من استحيا اختفى، ومن اختفى اتقى، ومن اتقى وقى).\nوقال الجراح بن عبدالله الحكمي وكان فارس أهل الشام: (تركت الذنوب حياء أربعين سنة، ثم أدركني الورع)، وعن بعضهم قال: (رأيت المعاصي نذالة، فتركتها مروءة فاستحالت ديانة).\nوالثاني: ما كان مكتسبًا من معرفة الله، ومعرفة عظمته، وقربه من عباده، واطلاعه عليهم، وعلمه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، فهذا من أعلى خصال الإيمان، بل هو من أعلى درجات الإحسان وقد يتولد الحياء من مطالعة نعمه تعالى ورؤية التقصير في شكرها، فإذا سلب العبد الحياء المكتسب والغريزي لم يبق له ما يمنعه من ارتكاب القبيح والأخلاق الدنيئة، فصار كأنه لا إيمان له.\nوالقول الثاني في معنى قوله (إذا لم تستح فأصنع ما شئت): أنه أمر بفعل ما يشاء على ظاهر لفظه، وأن المعنى: إذا كان الذي تريد فعله مما لا يستحى من فعله لا من الله ولا من الناس لكونه من أفعال الطاعات، أو من جميل الأخلاق والآداب المستحسنة، فاصنع منه حينئذ ما شئت، وهذا قول جماعة من الأئمة منهم: أبو إسحاق المروزي الشافعي، وحكي مثله عن الإمام أحمد \".","vol":"22","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-548>أنواع الحياء</span>\nوالحياء منه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم، والمحمود هو الذي يحجز عن المعاصي، والمذموم هو الذي فيه خور وضعف وجبن، قال ابن رجب ﵀: «وقد روي من مراسيل الحسن عن النبي ﷺ قال: (الحياء حياءان: طرف من الإيمان، والآخر عجز)، ولعله من كلام الحسن.\nكذلك قال بشير بن كعب العدوي لـ عمران بن حصين: إنا نجد في بعض الكتب أن منه سكينة ووقارًا لله، ومنه ضعفًا، فغضب عمران وقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتعارض فيه؟».\nوقصده الممدوح؛ لأن الذي يحدث عن رسول الله ﷺ به هو الممدوح.\nقال: «والأمر كما قاله عمران ﵁، فإن الحياء الممدوح في كلام النبي ﷺ إنما يريد به الخلق الذي يحث على فعل الجميل وترك القبيح، فأما الضعف والعجز الذي يوجب التقصير في شيء من حقوق الله أو حقوق عباده فليس هو من الحياء، إنما هو ضعف وخور وعجز ومهانة، والله أعلم».\nقال ﵀: «وحكى أبو عبيد في معنى الحديث قولًا آخر حكاه عن جرير، قال: معناه أن يريد الرجل أن يعمل الخير فيدعه حياء من الناس، كأنه يخاف الرياء».\nوهذا من عمل الشيطان؛ لأن الشيطان جلس للإنسان من الجهة التي يرى أنه متجه إليها، فإذا رأى فيه رغبه في المعاصي وعزوفًا عن الطاعات أعانه على ترك الطاعات وفي الانهماك في المعاصي والوقوع فيها، وإذا رأى أنه مقبل على العبادة ومبتعد عن المعاصي جاءه من هذه الجهة، وقال له: يمكن أن يقال إن هذا رياء، يمكن أنك تفعلها من أجل الناس، فيترك الإنسان ذلك، فالشيطان يأتي للإنسان من الجهة التي يرى أنه متجه إليها، فإن رآه مقصرًا وراغبًا في المعاصي مائلًا إليها أعانه على ترك الخير والوقوع في الأمر المحرم، وسول له وسوَّف، وقال: إن هذا هو الذي ينبغي لك أن تفعله، وإذا رآه بعيدًا عن المعاصي مقبلًا على العبادة جاء من أجل إفساد العبادة، وقال: إن هذا فيه رياء، ولا تفعل حتى لا يقال كذا وكذا.\nوهذا المعنى لهذا الحديث مستبعد.\nيقول: «فلا يمنعك الحياء من المضي لما أردت، كما جاء في الحديث: (إذا جاءك الشيطان وأنت تصلي فقال: إنك ترائي، فزدها طولًا)، ثم قال أبو عبيد: وهذا الحديث ليس يجيء سياقه ولا لفظه على هذا التفسير، ولا على هذا يحملها الناس، قلت: لو كان على ما قاله جرير لكان لفظ الحديث: إذا استحييت مما لا يستحيا منه فافعل ما شئت، ولا يخفى بعد هذا من لفظ الحديث ومعناه، والله أعلم».","vol":"22","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-549>شرح حديث: (قل آمنت بالله ثم استقم)</span>\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [عن أبي عمرو وقيل أبي عمرة سفيان بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قلت للنبي ﷺ: (قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك، قال: قل آمنت بالله ثم استقم)، رواه مسلم].\nهذا الحديث أيضًا من جوامع كلمه ﵊، وفيه حرص الصحابة ﵃ على معرفة أمور الدين وعلى معرفة الحق والهدى، وسؤالهم النبي ﵊ عن أمور جامعة يعول عليها الإنسان ويستفيد منها.\nوهذا يدل على كمال عقل هذا الرجل السائل للرسول ﷺ، لأنه قال: (قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك)، ومعناه: قل لي قولًا واضحًا جليًا آخذ به وأعمل به، فهو يدل على حرص الصحابة ﵃ وأرضاهم على الخير وعلى التفقه في الدين، وعلى معرفة الحق والهدى، ولا شك أنهم ﵃ وأرضاهم أسبق الناس إلى كل خير، وأحرصهم عليه، وقد اختارهم الله ﷿ لصحبة نبيه وأوجدهم في زمانه فشرفهم بصحبته وبالجهاد معه وبالدفاع والذب عنه، وبأخذ الشريعة منه ونقلها وتبليغها إلى الناس على التمام والكمال، فكانوا بذلك الواسطة بين الناس وبين رسول الله ﷺ، فما عرف الناس حقًا ولا هدى إلا عن طريق الصحابة؛ لأنهم الواسطة بين الناس وبين الرسول ﷺ.","vol":"22","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-550>الإيمان بالله يشمل الأمور الظاهرة والباطنة</span>\nوقد أجابه النبي ﷺ بكلمتين فقال له: (قل آمنت بالله ثم استقم).\nفأمره بأن يقول: (آمنت بالله)، والإيمان هنا جاء مطلقًا وعامًا، فيدخل فيه الأمور الباطنة والأمور الظاهرة، ومعنى ذلك: أن الإنسان يؤمن بالله ﷿ وبما جاء في كتابه وسنة رسوله ﷺ، ويصدق بذلك ويؤمن به، ثم بعد ذلك يستقيم على ملازمة الحق والهدى الذي هو الإيمان بالله ﷿ الذي يكون جامعًا بين الأمور الباطنة والأمور الظاهرة.\nوهو قد سأله عن الإسلام فقال: (قل لي في الإسلام)، فقال: (قل: آمنت بالله)، فدلنا هذا على أن قوله: (آمنت بالله)، يدخل فيه الأمور الظاهرة والأمور الباطنة؛ لأنا قد عرفنا فيما مضى أن الإسلام والإيمان من الألفاظ التي إذا جمع بينها في الذكر فرق بينها في المعنى، بحيث يكون الإيمان للأمور الباطنة ويكون الإسلام للأمور الظاهرة، وإذا جاء أحدهما مستقلًا عن الآخر شمل المعنيين جميعًا: الأمور الظاهرة والباطنة، فهنا قوله: (آمنت بالله)، يدخل فيه الأمور الظاهرة والباطنة.","vol":"22","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-551>شرح حديث: (أرأيت إذا صليت المكتوبات)</span>\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [عن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ أن رجلًا قال للنبي ﷺ: (أرأيت إذا صليت المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال وحرمت الحرام؛ أأدخل الجنة؟ قال: نعم)، رواه مسلم].\nهذا الحديث أيضًا فيه ما في الذي قبله من حرص الصحابة على معرفة الحق والهدى وملازمته، وحرصهم على معرفة ما يوصل إلى الجنة وما يبلغ أهل الجنة إلى الجنة.\nوهو يدل على أن الجنة مقصودة، وأن الإنسان يعمل الأعمال الصالحة ليحصل على رضا الله ﷿ وليسكنه جنته، وليس كما يقول بعض الصوفية: إنهم لا يعبدون الله رغبة في الجنة ولا خوفًا من النار، وإنما يعبدونه شوقًا إليه! فإن الصحابة ﵃ وأرضاهم كانوا يحرصون على السؤال عن الأعمال التي تبلغهم الجنة، وهذا الحديث من هذا القبيل؛ لأنه سأل: هل فعله لهذه الأفعال وهذه الأمور يؤدي به إلى الجنة؟ فقال له النبي ﷺ: (نعم).\nأي: أن هذا يبلغه الجنة، والله تعالى قد أخبر عن خليله إبراهيم ﵊ أنه قال: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء:٨٥].\nوالحديث يدل أيضًا على أن الأعمال سبب في دخول الجنة، وأن الإنسان يعبد الله ﷿ لتحصيل رضاه وللبعد عن سخطه ولأن يدخله الجنة، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أن الله تعالى قال للجنة (أنتِ رحمتي أرحم بك من أشاء، وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء، ولكليكما علي ملؤها).\nوجاء في صحيح مسلم في بعض الروايات عن جابر بيان السائل، وأنه النعمان بن قوقل ﵁، وقد أورد المصنف ﵀ هذا الحديث من تلك الروايات التي في صحيح مسلم، ففي هذه الرواية أبهم السائل، وفي الرواية الأخرى بين السائل وأنه النعمان بن قوقل ﵁.\nوقوله: (أرأيت)، أي: أخبرني، (إذا صليت المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال وحرمت الحرام.\nأأدخل الجنة؟ قال: نعم).\nوهذا يدلنا على عظم شأن الصلوات الخمس، وأنها أهم الأعمال وأعظم الأعمال بعد الشهادتين.\nومعنى قوله (وأحللت الحلال) أي: اعتقدت حله، وفعلت ما أمكنني منه.\n(وحرمت الحرام) أي: تركته معتقدًا حرمته.\nثم إنه لم يذكر في الحديث غير الصلاة والصيام، فلم يذكر الزكاة ولم يذكر الحج، ويحتمل أن يكون الحج والزكاة داخلين تحت قوله: (وحرمت الحرام)؛ لأن كون الإنسان لا يؤدي الحج ولا يؤدي الزكاة وهو من أهل القدرة على ذلك؛ فإنه يكون قد فعل حرامًا؛ لأن الحرام هو ترك المأمور وفعل المحظور، فيكون عدم ذكر الزكاة والحج لدخولهما تحت هذه الجملة العامة.\nويحتمل أن يقال: يمكن أن يكون الحج لم يفرض بعد، وإن السائل سأل قبل فرض الحج، وكذلك أيضًا بالنسبة للزكاة يمكن أن يكون فقيرًا ليس عنده مال، ولهذا لم يسأل عن الزكاة؛ لأنه ليس عنده مال يُزكَّى، وإنما سأل عن الشيء الذي يمكنه أن يأتي به، والذي هو قادر على الإتيان به وهو من أهله، وهو كونه يصلي الصلوات المكتوبات ويصوم شهر رمضان.\nوبعد أن أتم سؤاله قال ﵊: (نعم)، والجواب بقوله: (نعم) يرجع إلى ما تقدم، فيكون السؤال كأنه معاد في الجواب، ومعناه: نعم إذا فعلت كذا وكذا دخلت الجنة، فلم يأت ذكر السؤال مرة أخرى، وهو مطلوب؛ وذلك لأن السؤال مبين: إذا فعلت كذا وكذا أأدخل الجنة؟\nو\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، إذا فعلت كذا وكذا تدخل الجنة، فلم يذكره مرة أخرى اكتفاءً بإيراده في السؤال، واستغناء عن إعادته بذلك، لأنه في معنى المعاد.\nومعنى قوله: (أحللت الحلال) أي: اعتقدت ما أحله الله حلالًا، وفعلت ما أمكنني فعله مما هو حلال مباح، فيكون ذلك بأن يأتي بما هو واجب، وبما هو مستحب، وبما هو مباح على حسب قدرته وطاقته، وأما تحريم الحرام فبأن يجتنبه ويبتعد عنه معتقدًا حرمته.\nوفي هذا أيضًا: أن الإنسان يكون متبعًا وموافقًا لما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ في إحلال الحلال وتحريم الحرام، فيأتي ما هو سائغ له مما أحله الله، ويبتعد عما حرم الله عليه مما جاء منعه وتحريمه، فيدخل في ذلك الابتعاد عن كل محرم مع اعتقاد أنه محرم.\nوهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه، وهو ثاني حديث من أحاديث خمسة متوالية انفرد بإخراجها مسلم ولم يروها البخاري، وأولها الحديث الذي قبله وهو حديث سفيان بن عبد الله الثقفي ﵁.\nوالله تعالى أعلم.","vol":"22","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-552>الأسئلة</span>","vol":"22","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-553>معنى: (من لا حياء له لا إيمان له)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقال: من لا حياء له لا إيمان له، فهل هذا صحيح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أن المعنى: أن الذي ليس عنده حياء يفعل ما يشاء، كما جاء في حديث أبي مسعود، فهو يفعل ما يشاء لأنه ليس هناك حياء يمنعه، ولا خوف من الله ﷿ يردعه، بل يقدم على الأمور المحرمة، ولا شك أنه يضعف إيمانه بذلك، وإذا استمرت معه قلة الحياء من الله ﷿ حتى وقع في أمور مكفرة فإنه يكون قد ذهب الإيمان من أصله، وإذا لم يقع في أمور مكفرة بسبب عدم الحياء فإنه يكون عنده نقص في الإيمان.\nوقد قال ابن عباس: (الحياء والإيمان في قرن، فإذا نزع الحياء تبعه الآخر)، وهذا يدل على أنهما مقترنان متلازمان.","vol":"22","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-554>حكم من يستحي من الناس ولا يستحي من الله</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم الأعمال التي يستحيا فيها من الناس دون الله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  استحياء الإنسان يستحي من الناس دون الله من أقبح الأعمال، بل الله تعالى أحق أن يستحيا منه، ولا يكون الإنسان شأنه الخوف من الناس وعدم الخوف من الله، فإن هذا من أقبح الأعمال وأسوئها.","vol":"22","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-555>هل شرع من قبلنا شرع لنا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الأحكام الواردة في الكتب السابقة وأقرها القرآن؟ وما هو المرجع الذي أرجع إليه لاستقراء هذه الأشياء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ورد في القرآن الكريم وفي السنة ذكر بعضها، فقد جاء في القرآن ذكر أشياء موجودة في التوراة كقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، وهذا الأمر موجود في هذه الشريعة، وهذا يمكن أن يذكر عند مبحث شرع من قبلنا هل هو شرع لنا؟ وهو من مباحث الأصول.\nوالمسألة فيها تفصيل: فهناك اتفاق على أنه إذا كان الحكم في شرع من قبلنا وجاء في شرعنا فهو شرع لنا.\nولكن إذا جاء في شرع من قبلنا وذكر في شرعنا، ولم يبين أنه شرع لنا، فهذا فيه خلاف بين أهل العلم، وجمهورهم على أنه يكون شرعًا لنا؛ لأنه ما ذكر إلا لنعتبر ونعمل به.\nوقال بعضهم: إنه ليس شرعًا لنا حتى يأتي في شرعنا نص على أنه شرع لنا.","vol":"22","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-556>حكم إطلاق لفظ ملتزم ونحوه لمن عرف بالصلاح</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم استخدام مصطلح ملتزم أو مستقيم أو مطوع أو متدين لمن عرف بالصلاح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا عرف الإنسان بالصلاح فيقال: أحسبه كذلك والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدًا.","vol":"22","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-557>العلم قبل القول والعمل</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  حديث: (يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك) هل فيه دليل على أن الإنسان يطلب العلم قبل أن يعمل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أن العلم قبل القول والعمل، كما بوب البخاري ﵀: باب العلم قبل القول والعمل؛ لأن الإنسان يعمل بناءً على علم، وكما قال الله ﷿: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر:١ - ٣] يعني: آمنوا عن علم، ولهذا قال بعد ذلك: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر:٣] يعني: فهم آمنوا عن علم وعملوا الصالحات، ثم بعد ذلك فعلوا على تعدي النفع إلى غيرهم، فتواصوا بالحق، ثم لما كان التواصي بالحق قد يترتب عليه مضرة أمر بالصبر، فقال: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣].","vol":"22","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-558>ما يجب على المسلم من العلم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل معرفة الإنسان لأحكام الأشياء التي يتلبس بها في حياته اليومية واجب عيني أم ليس بواجب، كمعرفة أحكام البيوع للتاجر، وأحكام الزواج لمن أراد أن يتزوج؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كل أحد عليه أنه يعرف الشيء الذي هو من أهله، فهناك أمور لا بد منها للجميع، مثل الوضوء والصلاة، فجميع الناس عليهم أن يعرفوا ما هو واجب وما هو لازم عليهم، وأما ما يتعلق بالزكاة فلا يلزم كل أحد أن يتعلمه، بل تعلم ذلك فرض كفاية، لكن من يكون من أهل المال عليه أن يعرف الأحكام الشرعية المتعلقة بماله من ناحية الزكاة وكيف يزكي، ومقدار الزكاة، وما إلى ذلك، لا بد أن يكون على علم بذلك؛ لأنه لا يستطيع أن يعمل إلا إذا عرف.","vol":"22","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-559>معنى قول ابن رجب: (قوله ﷺ كذا منتزع من قوله تعالى كذا)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يأتي في كلام الحافظ ابن رجب ﵀ قوله: (قوله ﷺ كذا منتزع من قوله تعالى كذا) فهل هذه العبارة مستقيمة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، هي مستقيمة؛ لأن المعنى أنه مأخوذ من هذه الآية، أو مطابق لهذه الآية، وكما قال بعض العلماء: إنني إذا رأيت الأمر في سنة رسول الله ﷺ تأملت ووجدت معناه في القرآن، قال: فلما سمعت قوله ﷺ: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار) تأملت فوجدت مصداقه في كتاب الله ﷿، قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود:١٧]، ومعناه: أن هذا المعنى الذي جاء في السنة مطابق لما جاء في القرآن.","vol":"22","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-560>حكم تحية المسجد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يستدل بحديث جابر على أن تحية المسجد غير واجبة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  تحية المسجد فيها خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال بوجوبها، ومنهم من قال باستحبابها، لكن الذي يقول بوجوبها يقول: إن هذا وجوب طارئ، أي: بسبب، وليس وجوبًا مستقرًا ثابتًا دائمًا مثل الصلوات الخمس؛ لأن الفرائض لازمة في كل يوم وليلة خمس مرات، وأما هذه فتكون بمناسبة الدخول، وهذا على قول من قال بوجوب تحية المسجد.","vol":"22","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-561>(إذا لم تستح فاصنع ما شئت) موجود في الكتب السابقة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قوله ﷺ: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى) هل يدل على أن هذا الكلام كان موجودًا في الكتب السابقة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، هذا المعنى الذي هو: أن الإنسان إذا لم يستح يصنع ما يشاء موجود، لكن الكتب السابقة كانت بلغة أخرى، فهذا بلغتنا، وأما الكتب السابقة فهي بلغتهم، كما الله ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤]، ولكن المعنى موجود هنا وهناك، وأما بهذا اللفظ وبهذه الكلمات فهذه كلمات باللغة العربية، وهو موجود في الكتب السابقة بلغتها، وليس بهذه اللغة.","vol":"22","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-562>معنى قوله: (ولم أزد على ذلك شيئًا)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  جاء في حديث جابر ذكر الصلاة والصوم لدخول الجنة، وقال السائل: (ولم أزد على ذلك شيئًا) فهل هذا يدل على أن ما سوى ذلك ليس واجبًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  عرفنا أن هناك أشياء أخرى ما جاءت، وعرفنا أنها داخلة تحت إحلال الحلال وتحريم الحرام؛ لأن هذا واسع، فيدخل فيه ما لم يذكر.","vol":"22","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-563>المقصود بقول ابن رجب: (أصحابنا)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يذكر ابن رجب ﵀ دائمًا: أصحابنا، فمن هم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أصحابهم هم الحنابلة، وذلك كما يقول النووي: أصحابنا، يقصد بهم الشافعية.","vol":"22","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-564>الحلال منه ما هو واجب ومستحب ومباح</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قال ابن رجب ﵀: \"ويحتمل أن يراد بتحليل الحلال إتيانه، ويكون الحلال هنا عبارة عما ليس بحرام، فدخل فيه الواجب والمستحب والمباح\" فما معنى هذا الكلام؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أي أن إحلال الحلال يدخل فيه هذا كله، وكما جاء في الحديث: (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات)، والحلال منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب، ومنه ما هو مباح مستوي الطرفين، فما لم يذكر في الحديث مثل الزكاة والحج فهو داخل في ذلك.","vol":"22","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-565>الفرق بين المعرفة والعلم في باب الصفات</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هو الفرق بين المعرفة والعلم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  جاء من صفات الله ﷿ العلم، وما جاء أن من صفاته المعرفة، لكن باب الإخبار أوسع من باب الأسماء والصفات، فلهذا يخبر عن الله ﷿ بما ليس صفة له، كما يقول الإنسان: نوه الله تعالى بكذا، وأشاد بكذا، فهذا إخبار عن الله ﷿ بأنه فعل هذه الأشياء، لكن لا يقال: إن هذه من صفاته.","vol":"22","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-566>حكم الاحتفال بالمولد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم الاحتفال بالمولد، وما يصحب ذلك من شد الرحل للمدينة للاحتفال به؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  فيما يتعلق بشد الرحل: أخبر الرسول ﷺ بأنه: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى).\nوشد الرحل للمسجد هو للصلاة فيه، ولأداء العبادة فيه، وكون الإنسان يشد الرحل من أجل أن يأتي بهذا الأمر الذي لم تأت به السنة عن رسول الله ﷺ لا شك أن هذا مخالف للحديث من جهة، ومخالف أيضًا للحديث من جانب شد الرحل لأمر لا يسوغ شده إليه، ومع ذلك أيضًا هو أمر مبتدع محدث ما جاء شيء يدل عليه، ومعلوم أن الشريعة كاملة، لا نقص فيها بوجه من الوجوه، والرسول ﷺ بين للناس كل ما يحتاجون إليه في أمور دينهم.\nولو كان الاحتفال بمولده ﷺ سائغًا لفعله النبي ﵊، ولفعله أصحابه الكرام، وفعله التابعون، وأتباع التابعين، وقد مضت قرون ثلاثة ولم يوجد فيها شيء اسمه الاحتفال بالمولد، ثلاثمائة سنة كاملة لا وجود للاحتفالات بها، والكتب المتقدمة التي ألفت في هذه الفترة التي هي قبل الثلاثمائة لا يوجد فيها شيء يتعلق بالموالد والاحتفال بالموالد، مما يدل على أنه بدعة متأخرة في الإحداث، أحدثت في القرن الرابع الهجري، ومن الذي أحدثها؟ أحدثها الرافضة العبيديون الذين حكموا مصر في القرن الرابع الهجري.\nوقد ذكر ذلك المقريزي في كتابه: الخطط والآثار في كلامه عن تاريخ مصر، قال: إنهم أحدثوا ستة موالد: مولد النبي ﷺ، ومولد فاطمة، ومولد علي، ومولد الحسن، ومولد الحسين، ومولد الحاكم الحاضر من حكامهم في ذلك الوقت.\nوالمستند للمولد تقليد النصارى، فإن النصارى يحتفلون بميلاد عيسى ونحن لا نحتفل بميلاد محمد ﷺ، فهي بدعة رافضية المولد والمنشأ، والعمدة تقليد النصارى في احتفالهم بعيسى.\nومحبة النبي ﵊ يجب أن تكون في قلب كل مسلم فوق محبة كل مخلوق من البشر، لقوله ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)، لكن ما هي المحبة؟ ليست المحبة إحداث شيء ما أذن الله تعالى به، ولا جاء عن رسول الله ﷺ، ولا عن صحابته الكرام ولا عن سلف هذه الأمة، وإنما أحدث في القرن الرابع الهجري! ليست هذه هي المحبة، إنما المحبة بالاتباع، المحبة بالاستسلام والانقياد، كما بين الله ﷿ ذلك بقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]، وهذه الآية الكريمة يسميها بعض العلماء: آية الامتحان والاختبار، وهي أن من يدعي محبة الله ورسوله ﵊ عليه أن يقيم البينة، والبينة هي الاتباع، وليست بالإحداث، فإن الشريعة كاملة لا تحتاج إلى إضافات، لا تحتاج إلى أمور تضم إليها وتلحق بها؛ بل هي مستقلة كاملة، لا نقص فيها بوجه من الوجوه، والله تعالى لم يتوف نبيه إلا وقد أكمل لنا الدين، وأنزل عليه وهو واقف بعرفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].\nإذًا: الواجب على الإنسان أن تكون عبادته لله ﷿ مبنية على أمرين: الإخلاص والمتابعة، وكل عمل من الأعمال لا يكون مستندًا على هذين الأمرين فهو مردود على صاحبه؛ لقوله ﷺ: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وقوله ﵊: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) وقال ﵊: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كبيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)، والاحتفال بالموالد ليس مما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، وإنما هو من محدثات الأمور، إذ لم يحدث إلا بعد مضي ثلاثمائة سنة كاملة كما قدمنا، فالقرون الثلاثة الذي قال فيها رسول الله ﵊: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) ما وجد عندهم هذا الاحتفال، وما عرفوا هذا الاحتفال، وإنما عرفه من جاء بعدهم.\nفإذا كان أصحاب الرسول ﷺ وهم خير هذه الأمة التي هي خير الأمم، وكذلك التابعون وأتباع التابعين لم يحصل منهم شيء من هذا، وإنما حصل ابتداء من القرن الرابع الهجري، وكان على يد الرافضة العبيديين الذين حكموا مصر، فهل يعقل أن يحجب حق عن الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، ويدخر لأناس يجيئون بعدهم من القرن الرابع فما بعد؟ هذا ليس بمعقول أبدًا، فعدم فعله من الصحابة ﵃ وأرضاهم يدل على أنه غير مشروع؛ لأنه لو كان حقًا لسبقوا إليه، ولكنه ليس بحق، فابتلي به من بعدهم، ومن جاء في القرن الرابع الهجري فما بعد، فلا يجوز أن يقال: إن الصحابة حرموا من هذا الفضل، وادخر لأناس يجيئون بعدهم، هذا من أبطل الباطل، وأبعد ما يكون عن الحق والعدل والإنصاف.\nوأصحاب الرسول ﷺ قال عنهم الإمام مالك رحمة الله عليه: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.\nوقال: ما لم يكن دينًا في زمان محمد ﷺ وأصحابه فإنه لا يكون دينًا إلى قيام الساعة.\nوقال رحمة الله عليه: من زعم أن في الإسلام بدعة حسنة فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣]، فكونه يؤتى ببدعة ويقال إنها حسنة، والرسول ﷺ ما جاء بها، وما أثرت عنه، فمعنى ذلك أن الشريعة ليست كاملة، وأن الرسول ﷺ توفي ولم تكمل الشريعة، حتى احتيج إلى أن يؤتى بما يكملها، وهذا من أبطل الباطل؛ بل إن الشريعة كاملة، والرسول ﷺ ترك الناس على بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.\nقال رحمة الله عليه: من قال إن في الإسلام بدعة حسنة فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] قال: فما لم يكن دينًا في زمن محمد ﷺ وأصحابه لا يكون اليوم دينًا.\nثم إن محبة الرسول ﷺكما أشرت- يجب أن تكون في قلب كل مسلم فوق محبة أي مخلوق؛ لأن النعمة التي ساقها الله للمسلمين على يديه أعظم نعمة، وهي نعمة الإسلام، لكن هذه النعمة التي ساقها الله للمسلمين على يديه كيف يقابلها الناس؟ يقابلونها بحمد الله ﷿ عليها والتمسك بها، ومتابعته ﷺ فيما جاء عنه.\nوكل عمل من الأعمال لا ينفع عند الله إلا إذا توفر فيه شرطان: أن يكون خالصًا لله، وأن يكون مطابقًا لسنة رسول الله ﷺ، ولا يكفي حسن قصد الفاعل، كأن يقول: أنا قصدي طيب، ولو لم يأت العمل عن النبي ﷺ، لأن الرسول ﷺ يقول: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، ولا يفرق بين قصد حسن وغير حسن، بل البدع تترك، ويحذر منها، ولا يصار إليها، هذا هو الواجب.\nلا بد من الإخلاص والمتابعة، فكل عمل من الأعمال لا يكون معتبرًا ولا مقبولًا عند الله إلا إذا توفر فيه شرطان: أن يكون خالصًا لله، وأن يكون موافقًا لسنة رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فإذا اختل أحدهما فإن العمل مردود على صاحبه، إن اختل الإخلاص رد العمل لقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، وإن اختل شرط المتابعة رد؛ لقوله ﷺ: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد).\nوالرسول ﷺ لما ضحى رجل من أصحابه قبل صلاة العيد لم يعتبر ذبيحته أضحية، بل اعتبرها شاة لحم؛ لأنها ما وقعت طبقًا للسنة، ولهذا قال له النبي ﷺ: (شاتك شاة لحم)، وقد ذكر الحافظ ابن حجر عن بعض أهل العلم في فتح الباري أنه قال: وفي هذا دليل على أن العمل إذا لم يكن مطابقًا للسنة لا يعتبر ولو كان قصد صاحبه حسنًا.\nوعبد الله بن مسعود ﵁ لما جاء إلى المسجد وجد أناسًا متحلقين وبأيديهم حصى، يكبرون ويسبحون ويهللون ويعدون بالحصى، فوقف على رءوسهم وقال: ما هذا؟! عدوا سيئاتكم وأنا ضامن أن لا ينقص من حسناتكم شيء! ثم قال: إما أن تكونوا على أهدى مما كان عليه أصحاب الرسول ﷺ، أو أنكم مفتتحو باب ضلالة.\nومعلوم أنه لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون أحد بعد الصحابة أحسن هديًا وخيرًا منهم، إذًا: بقيت الثانية.\nوقد فهموها وقالوا: سبحان الله يا أبا عبد الرحمن! والله ما أردنا إلا الخير، فقال رضي الله تعالى عنه: وكم من مريد للخير لم يصبه! فمحبة النبي ﷺ تكون باتباعه، وكما أن أمور الدنيا لا بد فيها من إقامة البينات على الدعاوى، فكذلك الدعاوى في المحبة لله ولرسوله ﷺ لا بد فيها من إقامة البينات، والبينة هي المتابعة لرسول الله ﷺ كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]، وقد قال ﵊: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على","vol":"22","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-567>الاحتفال بالمولد من محدثات الأمور</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل إحداث المولد وفعله في المدينة يدخل تحت قوله ﷺ: (من أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)؟ الشيخ: لا شك أنه من محدثات الأمور، قال ﵊: (وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة).","vol":"22","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-568>كتاب: التنوير البشير في مولد السراج المنير</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل في كتاب المولد الذي ألفه الإمام ابن دحية باسم: (التنوير البشير في مولد السراج المنير)، شيء يخالف الإسلام كما يوجد في بعض الموالد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قضية الاحتفال به في حد ذاته مخالف للإسلام، ولكنه إذا وجد مع ذلك أمور منكرة فإنه يصير ضررًا على ضرر، وبلاء على بلاء.","vol":"22","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-569>حكم عمل خيام ونحوها لتوعية الناس في أيام المولد لأجل صرفهم عن الاحتفال</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في بعض البلاد يقوم الصوفية والمبتدعة بإقامة الخيام والسرادقات ونحوها احتفالًا بمولده ﷺ، فهل يجوز للسلفيين أن يقيموا مثل ذلك من أجل صرف الناس عن البدعة إلى التوحيد والسنة، بإقامة الدروس أو المحاضرات والندوات ونحوها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس لهم أن يفعلوا هذا الفعل، وإنما عليهم أن يبينوا دون أن يقيموا؛ لأنهم إذا أقاموا بهذه المناسبة مثل هذه السرادقات ليتجمعوا فيها، فمعنى ذلك أنهم شابهوهم، وقد يقول من لا يفهم ذلك الناس كلهم متفقون على هذا.","vol":"22","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-570>أحسن كتاب يتكلم عن حكم الاحتفال بالمولد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل هناك كتاب ينصح به في الكلام عن الاحتفال بالمولد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أحسن كتاب أعرفه في هذا كتاب للشيخ إسماعيل الأنصاري ﵀ اسمه: (القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل ﷺ) هذا أحسن كتاب أعرفه في هذا الموضوع، وهو كتاب نفيس ووافٍ في الموضوع، وهو من مطبوعات دار الإفتاء.","vol":"22","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-571>حكم مصافحة النساء الأجنبيات حياءً وخوفًا من الوالدين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أنا أستحي من أبي وأمي عندما يأتي عندنا ضيوف فأقوم بمصافحة النساء حياءً منهما، ومخافة أن يؤنباني، فما حكم هذا العمل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الواجب عليك أن تبين لأبيك وأمك الحكم الشرعي، وأن تعمل بالحكم الشرعي، ولا تخالف السنة، ولا تخالف الحق والهدى الذي جاء عن رسول الله ﷺ، فلا تصافح النساء، وبين لأبويك أن ذلك غير جائز، وأنت إذا بينت لهم وتركت المصافحة أول مرة فبعد ذلك لا تفكر المرأة أن تمد يدها إليك إذا كانت من معارفك ومن أقاربك الذين ليسوا من محارمك، فإنها إذا عرفت منك مرة واحدة أنك لا تصافح تركت مصافحتك، وكذلك النساء لو علمن أو انتقل الخبر بينهن فلن تمد أحدهن يدها إليك لتصافحها، فالإنسان عليه أن يعرف الحق ويتبعه، وأن يبين السنة، ويبين الحق والهدى لأبويه ولغير أبويه، وأن يعمل بذلك.","vol":"22","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-572>نصيحة لمن يترك الدعوة إلى الله خوفًا وحياءً</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  بعض الناس يحب الدعوة إلى الله تعالى ولكن يأخذه الحياء؛ لأنه لم يجرب هذا الأمر، فما الحل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  عليه أن يجرب هذا الأمر ويكون شجاعًا ويبدأ، وإذا ذهب عنه الرعب والخوف من أول مرة، فبعد ذلك يصير الأمر عاديًا، وإنما الخوف يكون في أول مرة.\nوالله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"22","page":28},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-573>[٢٣]</span>\nللأعمال الصالحة فضائل عظيمة، وقد تفضل الله تعالى على عباده فجعل بعضها يسير الأداء عظيم الأجر، ومن ذلك الوضوء، وقول سبحان الله والحمد لله، وكذلك الصلاة والصدقة، والعبد لا محالة واقع بين أمرين: إما أن يغتنم هذه الفضائل فيزكي بها نفسه ويقترب من ربه، وأما أن يفرط ويتبع نفسه هواها فيوردها المهالك.","vol":"23","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-574>شرح حديث أبي مالك الأشعري في فضائل بعض الأذكار والأعمال الصالحة</span>\nيقول الإمام النووي رحمه الله تعالى في الحديث الثالث والعشرين من أحاديث الأربعين: عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها) رواه مسلم.\nهذا حديث عظيم من أحاديث الرسول الكريم ﷺ، وهو من جوامع الكلم، وقد اشتمل على جمل تدل على فضائل جملة من الأعمال.","vol":"23","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-575>معنى قوله: (الطهور شطر الإيمان)</span>\nقوله ﷺ: (الطهور شطر الإيمان) فسر الطهور بأنه ترك الذنوب والمعاصي والشرك بالله ﷿، وذلك أن الإيمان منه ما هو فعل ومنه ما هو ترك، فالترك يكون للشرك والذنوب والمعاصي وسائر المنهيات، والفعل يكون بتوحيد الله ﷿ في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وتصديق الأخبار، وامتثال الأوامر وعبادة الله ﷿ وفقًا لما جاء في الكتاب والسنة.\nوقيل: إن المقصود بالطهور هو: الوضوء، وقد جاء عند الترمذي هذا الحديث بنحو هذا اللفظ الذي عند مسلم، وفيه بدل (الطهور) لفظ (الوضوء)، وجاء الحديث أيضًا عن أبي مالك الأشعري في سنن ابن ماجة وفيه بدل الطهور (إسباغ الوضوء) وهذا يبين ويرجح أن يكون المقصود بالطهور هو الوضوء، وليس الطهارة الأخرى التي هي ترك الشرك والمعاصي والذنوب؛ لأن مجيء بعض الروايات بالتنصيص على الوضوء يدل على أن المقصود الطهارة التي هي الوضوء.\nوعلى هذا فلفظ (الإيمان) إما أن يراد به الصلاة، وإما أن يراد به عموم الإيمان الذي يشمل الصلاة وغير الصلاة، وعلى القول بأن الإيمان ليس المراد به خصوص الصلاة يكون المراد أن الطهارة طهارتان: طهارة للباطن، وطهارة للظاهر، والإيمان يكون في الظاهر وفي الباطن، والذي في الظاهر هو التطهير، أي: الطهارة الحسية، أو الطهارة بالوضوء والغسل، وعلى القول بأن المراد بالإيمان الصلاة فإن الصلاة من شرطها الطهارة، ولا تقبل الصلاة بدون طهارة، كما جاء في الحديث عن النبي ﵊ أنه قال: (لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول).\nوعلى هذا فيكون قوله: (الطهور شطر الإيمان) دالًا على أن الصلاة لا بد فيها من الطهارة، وكل صلاة يؤتى بها بغير طهارة فإنها لا تصح ولا تعتبر، وعلى هذا يكون المراد بالإيمان الصلاة، وقد ورد ذلك في القرآن في قول الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] وفسر بأن المقصود به صلاة المسلمين إلى بيت المقدس، فإنهم قبل أن تنسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة كانوا يصلون إلى بيت المقدس، فالذين ماتوا قبل أن يصلوا إلى القبلة كانوا يصلون إلى قبلة مشروعة وهي بيت المقدس، فلما حولت القبلة ظن بعضهم أن صلاة من مات ذاهبة سدى، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] أي: صلاتكم إلى تلك الجهة، ومن ماتوا إنما صلوا إليها بتشريع، وما حولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة إلا بتشريع.\nوقوله: (شطر الإيمان) الشطر يطلق على النصف، ويطلق على الجزء وإن لم يكن نصفًا، والطهور -بالضم- المقصود به الفعل، وهو فعل الوضوء، ففعل الوضوء يقال له: (الطُّهور) بالضم، وأما الماء الذي يتوضأ به فيقال له: (طَهور) بفتح الطاء، فالماء المستعمل للوضوء يقال له: طَهور، وفعل الوضوء من الإنسان حيث يتطهر ويغسل وجهه، ويغسل يديه إلى المرافق، ويمسح رأسه، ويغسل رجليه إلى الكعبين، هذا الفعل يقال له: طُهور.\nومثل ذلك لفظ (الوُضوء) و(الوَضوء) فإن الوُضوء اسم للفعل الذي هو التوضؤ، والوَضوء بالفتح يقال للماء الذي يتوضأ به، وهناك أيضًا كلمات تشبه هاتين الكلمتين -الطهور والوضوء- مثل: السُّحور والسَّحور، فإن السَّحور اسم للطعام الذي يؤكل في السحر، والسُّحور -بالضم- الفعل الذي هو الأكل، وكذلك السُعوط والسَعوط، فالسَعوط -بالفتح-: اسم للشيء الذي يوضع في الأنف، والسُعوط -بالضم- هو: وضع ذلك الشيء، وكذلك (الوُجور) و(الوَجور) أي: ما يوضع في الحلق.\nفنفس الوضع يقال له: وُجور، والشيء الذي يوضع يقال له: وَجور.\nفالحاصل: أن هناك كلمات على هذه الصيغة، إذا كانت بالضم فالمراد بها الفعل، وإذا كانت بالفتح فالمراد بها الشيء المستعمل.\nوقوله: (الطهور شطر الإيمان) هذا يدلنا على فضل الوضوء، وعلى فضل الطهارة، ويدل على بيان عظيم شأنها حيث وصفت بأنها شطر الإيمان.","vol":"23","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-576>فضل التسبيح والتحميد</span>\nثم قال: (والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض).\nالميزان: هو الميزان الذي توزن به الأعمال.\nوالمعنى أن حمد الله ﷿وهو الثناء عليه سبحانه، ووصفه بصفات الكمال- يملأ الميزان، فكلمة (الحمد لله) تملأ ميزان الأعمال، بمعنى أن الأعمال يقلبها الله أعيانًا توضع في الميزان، وتكون ثقيلة في الميزان، كما جاء في الحديث الآخر الذي يقول فيه النبي ﷺ: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم).\nوهذا الحديث يدل على إثبات الميزان وعلى أن الأعمال توزن، وعلى أن الأعمال تقلب أعيانًا توضع في الميزان، وقد جاء أن الأعمال تقلب أعيانًا، فقد جاء أن عمل الإنسان الصالح يأتي إلى الميت في قبره بصورة الشاب الحسن الهيئة ويقول: أنا عملك، وأنه إذا كان العمل على العكس فإنه يأتي بأقبح صورة.\nوقوله: (وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض) فيه ذكر التسبيح والتحميد، وهو جمع بين تنزيه الله ﷿ عن كل ما لا يليق به، وبين الثناء عليه ووصفه بكل ما يليق بكماله وجلاله، ففيه جمع بين التنزيه والوصف بالكمال، لأن التسبيح تنزيه، والحمد وصف بالمحامد وكل ما هو كمال لائق به ﷾.\nولهذا يأتي الجمع بينهما، كما في قول: (سبحان الله وبحمده)، وقوله: (سبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض) قيل: إنهما بمجموعهما يملآن ما بين السماء والأرض.\nوقيل: إن كل واحدة منهما تملأ ما بين السماء والأرض.\nوالراوي شك هل قال النبي ﷺ: (تملآن) بالتثنية، أو قال: (تملأ) بدون تثنية؟ فمن أهل العلم من قال: يحمل قوله: (تملآن) عليهما جميعًا، فهما يملآن ما بين السماء والأرض.\nوقيل: إن كل واحدة منهما تملأ ما بين السماء والأرض، وذلك لمجيء الفعل (تملأ) للمفرد وللمثنى.\nفسواء جاء بالتثنية بأن قيل: (سبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض) أو جاء بالإفراد فقيل: (سبحان الله والحمد لله تملأ ما بين السماء والأرض) فالمعنى صحيح، فيكون الشك في صيغة الخبر، هل هو بالتثنية أو بالإفراد، والخبر الراجح أنه للاثنين اللذين هما: التسبيح والتحميد، وهذا كما قال بعض أهل العلم: إنه يحتمل أن تكون كل واحدة منهما تملأ، أو أن كلتيهما تملأ، ويكون الراوي قد شك هل الخبر بالتثنية أو بدون تثنية؟ وهذا يدلنا على فضل هذا الذكر، وهو حمد الله ﷾ وتسبيحه، وقد جمع بهما بين التنزيه والإثبات، فالتنزيه هو نفي كل نقص عن الله، والإثبات هو إثبات كل كمال لله ﷾.","vol":"23","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-577>فضل الصلاة وعظيم منزلتها</span>\nثم قال: (والصلاة نور) هذا يدلنا على عظم شأن الصلاة، ووصفها بأنها نور، وهي نور في القلب، ونور في الوجه، ونور هداية، ونور في الدار الآخرة، وكل هذه الصفات للنور هي حاصلة بالصلاة في الدنيا والآخرة، فهي نور في البصيرة وفي القلب، ونور في الوجه بسبب ملازمة الطاعة؛ وذلك لأن الإنسان يصلي لله ﷿ في اليوم والليلة خمس مرات، وهو يكون بهذا على صلة وثيقة بالله ﷾، وكذلك أيضًا يحصل صاحبها على نور الهداية؛ لأن الإتيان بالصلاة في اليوم والليلة لا شك أنّه من الهداية، والهداية نور، كما جاء في القرآن الكريم وصف القرآن بأنه نور، أي: نور يضيء الطريق إلى الله ﷿، قال الله ﷿: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا﴾ [التغابن:٨] فهو نور هداية، وليس مقصودًا به نور حسي يشع، فإن المصحف لا يشع، ولا يحصل منه إشعاع، وإنما يحصل منه الهداية، وكذلك النور المضاف إلى نبينا محمد ﷺ، فإن المقصود به نور الهداية، وليس المقصود من ذلك -كما يقول بعض الصوفية- أنه نور لا ظل له؛ لأنه يعكس ضوء الشمس فلا يكون له ظل.\nفمن المعلوم أنه جاء في حديث عائشة ﵂: (أنه ﷺ كان يصلي في حجرتها ورجلاها إلى قبلته، فإذا سجد غمزها فكفت رجليها، وإذا قام بسطتهما.\nقالت: والبيوت يومئذٍ ليس فيها مصابيح) فلو كان نوره نورًا حسيًا يشع لكانت الحجرة مضيئة، ولا يحتاج إلى أن تقول: (والبيوت يومئذٍ ليس فيها مصابيح)، وكذلك كان ﷺ يجلس في ظل الكعبة، ولو كان ليس له ظل كما يقولون وأنه يضيء وأنه يعكس نور الشمس لما كان هناك حاجة إلى أن يجلس صلوات الله وسلامه وبركاته عليه في ظل الكعبة، فهذا غلو فيه ﷺ وادعاء لأشياء لا حقيقة لها ولا وجود لها، وإنما النور الذي وصف به في قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥ - ٤٦] المقصود به: نور الهداية، وليس نورًا يشع، فإنه ﷺ كان يمشى في الظلام، وعائشة ﵂ وأرضاها لما فقدته كانت تتلمسه حتى وقعت يداها على رجليه وهو ساجد.\nفالمقصود بالنور المضاف إلى القرآن نور الهداية، والنور المضاف إلى الرسول ﷺ نور الهداية، وعلى هذا فالصلاة نور في قلب صاحبها وفي بصيرته، وأيضًا نور في وجهه، ونور يضيء أمامه يوم القيامة.","vol":"23","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-578>فضل الصدقة</span>\nقوله: (والصدقة برهان) يعني: أنها دليل على صدق المتصدق وعلى إيمانه؛ لأنها علامة واضحة ودلالة بينة، كما أن الحجة يقال لها: برهان لأنها تبين عن الحق، فكذلك الصدقة برهان وعلامة واضحة على إيمان صاحبها؛ وذلك لأن النفوس تشح بالمال وتبخل بالمال، فمن تصدق وجاد بالمال فذلك دليل على سلامته من البخل وسلامته من الشح، والله ﷿ لما ذكر الأنصار وما وصفهم به من الصفات قال في ختام الآية: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩]، فالمتصدق الذي يبذل المال ويتصدق به يكون فعله دليلًا وبرهانًا على سلامته من شح النفس ومن البخل، وأنه متصف بهذا الخلق الكريم الذي هو التصدق والإحسان إلى الناس.","vol":"23","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-579>الصبر فضله وأنواعه</span>\nقوله: (والصبر ضياء) الصبر يكون على طاعة الله، ويكون عن معاصي الله، ويكون على أقدار الله المؤلمة، والصبر لا بد فيه من هذه الأمور، فيصبر الإنسان على الطاعات ولو شقت على النفوس، فقد قال ﵊: (حفت الجنة بالمكارة).\nفالطريق إلى الجنة ليس مفروشًا بالورود والرياحين، بل فيه تعب ونصب ومشقة، ولا يصل إليها إلا من جاهد نفسه وكبح جماحها وجعلها تنقاد وتستلم لما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ ولو كان ذلك شاقًا، ولهذا جاء في الحديث: (وإسباغ الوضوء على المكاره) يعني: في شدة البرد يتوضأ ويسبغ الوضوء ولو كان الماء باردًا.\nوكذلك الصبر عن معاصي الله، فيصبر الإنسان على طاعة الله ولو شقت على النفوس، ويصبر عن المعاصي ولو مالت إليها النفوس؛ فإن الجنة حفت بالمكارة، فيحتاج طالبها إلى صبر على طاعة الله ﷿ ولو شقت على النفوس، ويحتاج أيضًا إلى صبر عن المعاصي ولو مالت إليها النفوس؛ لأن النار حفت بالشهوات، والإنسان إذا أرخى لنفسه العنان فيما تشتهي ولو كان محرمًا فإن ذلك يفضي به ويوصله إلى النار.\nوكذلك الصبر على أقدار الله المؤلمة، كالمصائب والنكبات التي تحل بالإنسان، فيصبر ويحتسب ولا يتسخط ويجزع، فقد وصف الصبر بأنه ضياء، وذلك لكون صاحبه يصبر على طاعة الله وعن معاصي الله وعلى أقدار الله المؤلمة، فلا شك أن من صبر قد هدي، وأنه حصل له الضياء، وحصل له النور الذي يكون بسبب صبره على الطاعات وصبره عن المعاصي وصبره على أقدار الله.\nوعبر بالضياء مع الصبر لأن الضياء يكون معه حرارة، ولهذا وصف نور الشمس بأنه ضياء، والقمر وصف بأنه نور، فالشمس ضياء نورها معه حرارة، ومعلوم أن الصبر يحتاج إلى تحمل ويحتاج إلى احتساب وفيه مشقة، فمن صبر فإنه يحصل هذا الثواب ويحصل هذا الأجر، ويحصل هذا الضياء، ففيه الدلالة على فضل الصبر، وأن فيه هذا الثوب من الله ﷿.","vol":"23","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-580>القرآن حجة للمرء أو حجة عليه</span>\nثم قال ﵊: (والقرآن حجة لك أو عليك) أي: أن الناس ينقسمون إلى قسمين بالنسبة للقرآن: فمنهم من يكون القرآن حجة له، وهو الذي يقوم بما يجب عليه نحوه من تلاوته حق تلاوته، وتدبره، وتصديق أخباره، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه.\nوإذا أعرض عنه، وأهمل حدوده، ولم يحصل منه الإتيان بالأوامر وترك النواهي فإنه يكون حجة عليه، فالناس بين رابح وخاسر، فالرابح من كان القرآن حجة له، والخاسر من كان القرآن حجة عليه، فإما أن يكون القرآن حجة للمرء؛ وذلك إذا أتى بما هو مطلوب منه نحو القرآن، أو يكون حجة عليه إذا لم يأت بما هو مطلوب منه نحو القرآن بأن يخل بالأوامر والنواهي، فيقصر في المأمورات ويقع في المحظورات، ولا يحصل منه الالتزام بما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ، فيكون القرآن حجة عليه.\nوهذا الذي جاء في هذا الحديث عن أبي مالك الأشعري ﵁ الذي يقول فيه ﷺ: (والقرآن حجة لك أو عليك) هو نظير ما جاء في صحيح مسلم -أيضًا- عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين) فمن رفعه الله بالقرآن كان القرآن حجة له، ومن وضعه بالقرآن وخفضه بالقرآن فإنه يكون حجة عليه.\nوقوله: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين) هذا الحديث أخرجه مسلم عن عمر ﵁، وكان استشهاده بهذا لمناسبة، فإنه كان له أمير على مكة، فلقيه فقال له: من وليت على مكة في مدة غيبتك؟ فقال: وليت عليهم ابن أبزى.\nفقال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من الموالي.\nقال: وليت عليهم مولى؟! قال: نعم يا أمير المؤمنين! إنه عالم بكتاب الله عارف بالفرائض.\nفقال ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين).","vol":"23","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-581>بيان كون العبد هو الذي يعتق نفسه أو يوبقها</span>\nثم قال ﵊: (كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها).\nالغدو هو: الذهاب في الصباح، فالناس فيه يسعون وينتشرون ويقومون من نومهم ويخرجون من بيوتهم لأعمالهم المختلفة، فمنهم من يستقيم على طاعة الله، ومنهم من ينحرف عن ذلك ويقع في المعاصي، فمن كان مستقيمًا على الطاعة فإنه يكون بذلك قد باع نفسه لله، وحصل الثواب من الله، وذلك بالتزامه بما جاء عن الله ﷿، فكان خروجه وكان عمله في هذا الخروج في سبيل الله، فيكون لذلك أعتق نفسه من أن تقع فريسة للشيطان، وأن تستسلم للشيطان، وأن تفعل الأفعال التي تؤدي إلى النار وتوصل إلى النار، فهذا هو الرابح في بيعه.\nومنهم من باع نفسه للشيطان واستسلم وانقاد للشيطان، فهو يتصرف ويعمل وفقًا لما تشتهي نفسه الأمارة بالسوء، ووفقًا لما يمليه عليه الشيطان، فيكون بذلك قد أوبق نفسه بأن جعلها أسيرة للشيطان، وجعل ذلك العمل موصلًا له إلى النار التي يحصل فيها العذاب.\nفهذا الحديث العظيم من جوامع كلمه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، والله تعالى أعلم.","vol":"23","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-582>بدعة الاحتفال بمولد النبي ﷺ</span>\nفي ليلة الثاني عشر من شهر ربيع الأول الموافق لمولده ﷺ يحصل عند كثير من الناس إحداث الموالد والاحتفال بالمولد، وهذا ليس مما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ، ولم يكن من عمل سلف هذه الأمة من الصحابة ومن بعدهم.\nفالرسول الكريم ﷺ كانت مدة بعثته ثلاثة وعشرين عامًا، ولم يحصل منه فيها احتفال بمولده ﷺ، وخلفاؤه الراشدون من بعده لم يحصل منهم شيء من ذلك، ومدة خلافتهم ثلاثون سنة، بل مضى عصر الصحابة ولم يحصل من أحد منهم الاحتفال بهذا المولد، والصحابة هم أسبق الناس إلى كل خير، وهم أحرص الناس على كل خير، ولو كان خيرًا لسبقوا إليه رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وكذلك التابعون من بعدهم لم يحصل منهم شيء من هذه الاحتفالات بالموالد، لا مولد الرسول ﷺ ولا مولد غيره، وكذلك أتباع التابعين، وقد مضت ثلاثمائة سنة وزيادة على الثلاثمائة لا يوجد فيها شيء اسمه احتفال بالمولد أبدًا، وكل الكتب التي ألفت في هذه الفترة قبل القرن الرابع لا يوجد فيها شيء عن الاحتفال، ولا ذكر للاحتفال، ثم وجد الاحتفال في القرن الرابع الهجري ولم يوجد قبله، وكل هذا يبين لنا أنه أمر محدث، وأنه من محدثات الأمور، وقد قال النبي ﷺ: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) وشريعة الله ﷿ كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه، والنبي ﷺ ما انتقل من هذه الدار إلى الدار الآخرة إلا بعد أن بلغ البلاغ المبين، وبين للناس كل ما يحتاجون إليه، ولم يكن هناك شيء ترك وقد أمر بتبليغه ﵊، بل كل ما أمر بتبليغه بلغه على التمام والكمال، والله ﷿ أخبر بأنه ليس على الرسول إلا البلاغ، وقد جاء عن الإمام الزهري رحمة الله عليه أنه قال: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم.\nفالله تعالى أرسل الرسل، والرسل بلغوا، ونبينا محمد ﷺ بلغ الرسالة التي أرسل بها، ولم يترك شيئًا أمر بتبليغه دون أن يبلغه، وليس مما بلغه الاحتفال بالمولد.\nوخلفاؤه الراشدون الذين أمرنا باتباع سنتهم مع سنة الرسول ﷺ لم يحصل منهم شيء من ذلك، بل وأصحاب رسول الله ﷺ كلهم من أولهم إلى آخرهم ما حصل منهم شيء من ذلك، والتابعون كلهم من أولهم إلى آخرهم ما حصل منهم شيء من ذلك، بل وأتباع التابعين كلهم من أولهم إلى آخرهم ما حصل منهم شيء من ذلك.","vol":"23","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-583>زمن إحداث الموالد وذكر من أحدثها ومستندهم في ذلك</span>\nأحدثت الموالد في القرن الرابع الهجري، وأول من أحدثها الرافضة العبيديون الذين حكموا مصر في القرن الرابع الهجري، فهم أول من أحدثها، وقبل إحداثهم إياها لم يكن لها وجود، فالناس كانوا لا يعرفون عنها شيئًا، وإنما عرفت بإحداث الرافضة العبيدين لها في القرن الرابع الهجري، وقد ذكر ذلك المقريزي صاحب تاريخ مصر الذي هو (الخطط والآثار في تاريخ مصر) فإنه ذكر أنهم أحدثوا ستة موالد: مولد الرسول ﷺ، ومولد فاطمة، ومولد علي، ومولد الحسن، ومولد الحسين رضي الله تعالى عنهم جميعًا، ومولد الحاكم الموجود من حكامهم.\nثم ما هو المستند في إحداثها؟ إنه تقليد النصارى، فالنصارى يحتفلون بميلاد عيسى ﵇، والمسلمون لا يحتفلون بمولد محمد ﷺ.\nفهذه بدعة أحدثت في القرن الرابع، وأحدثها الرافضة، وعمدتهم تقليد النصارى في الاحتفال بميلاد عيسى ﵇، فهي من البدع المحدثة التي ما أنزل الله بها من سلطان، وأصحاب الرسول ﷺ أسبق الناس إلى كل خير، وأحرص الناس على كل خير، ولو كان خيرًا لسبقوا إليه رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.","vol":"23","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-584>رد دعوى المحبة للنبي ﷺ بفعل الموالد</span>\nومن الناس من يقول: إننا نفعل هذا محبة للرسول ﷺ.\nونحن نقول: محبة النبي ﵊ يجب أن تكون في قلب كل مسلم فوق محبة كل مخلوق؛ لقوله ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) لكن ما هي علامات محبة النبي ﷺ؟ هل علامة المحبة الإتيان بالبدع وإحداث أمور ما أنزل الله بها من سلطان، أو اتباع الرسول ﷺ؟ إن علامة المحبة اتباع النبي ﷺ بتصديق أخباره وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأن يعبد الله وفقًا لشريعته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فهذه علامة المحبة، والله تعالى قال في كتابه العزيز: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]، وقد سمى بعض أهل العلم هذه الآية آية الامتحان، وهي أن من يدعي محبة الله ورسوله ﵊ عليه أن يقيم البينة، والبينة هي الاتباع وليست الابتداع، كما قال ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران:٣١] فهذه البينة هي (اتبعوني) فعلامة محبة الله اتباع الرسول ﷺ يكون باتباع الرسول ﷺ في الشرع الذي جاء به، وليس بالبدع التي أحدثت من بعده، بل ومن بعد أصحابه، بل بعد القرون الثلاثة التي قال عنها رسول الله ﷺ: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).\nفهذه ما جاءت إلا بعدهم، وليس لها ذكر في الكتب السابقة التي ألفت في القرون الثلاثة الأولى؛ لأنها لم تكن موجودة، وإنما أحدثت في القرن الرابع الهجري.","vol":"23","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-585>طريق صلاح آخر الأمة</span>\nجاء عن الإمام مالك رحمة الله عليه أنه قال: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.\nفلا يمكن للمتأخرين أن يصلحوا بطريقة لم يصلح بها الأولون، بل الذي صلح به الصحابة هو الذي يصلح به من بعد الصحابة، قال الله ﷿: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] وقال ﷺ: (ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة.\nقيل: من هي يا رسول الله؟! قال: الجماعة) وفي لفظ: (من كان على ما أنا عليه وأصحابي) وعلى هذا فلا يعقل أن يكون الاحتفال بالموالد حقًا ثم يحجب عن الصحابة، فهل الصحابة يحجب عنهم حق ثم يدخر لأناس يأتون في القرن الرابع وما بعده؟! فلو كان ذلك حقًا لسبقوا إليه، ولو كان ذلك خيرًا لكانوا أسبق الناس إليه، فرضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فليس من المعقول أن يحجب حق عن الصحابة والتابعين وأتباع التابعين -وهم القرون المفضلة - ثم يدخر لأناس يجيئون بعد ذلك.\nثم إنه لابد في كل عمل يتقرب به إلى الله من أن يكون خالصًا لله، وأن يكون موافقًا لسنة رسول الله ﷺ، فلا يكون العمل فيه شركة لغير الله، ولا يكون العمل الذي يتقرب به إلى الله مخالفًا لسنة رسول الله ﷺ ويكون مبنيًا على بدع، فإن ذلك لا يسوغ ولا يجوز.","vol":"23","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-586>حسن القصد لا يجوز عمل البدعة</span>\nومن الناس من يقول: نحن قصدنا طيب.\nولكن ينبغي أن يعلم أنه لا ينفع حسن القصد بدون المتابعة، وقد فعل بعض أصحاب النبي ﷺ عملًا طيبًا فضحى قبل صلاة العيد وقصده طيب، وهو أنه يصنع لحم أضحيته ويطبخه، فإذا فرغ الناس من الصلاة يكون مهيئًا ومعدًا، فيأكل الرسول ﷺ وأصحابه منه بعد فراغهم من الصلاة، فهذا قصد طيب، ولكن الرسول ﷺ لما علم بأنه لم يذبح بعد صلاة العيد قال له: (شاتك شاة لحم) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري نقلًا عن بعض أهل العلم: وفي هذه القصة دليل على أن العمل إذا وقع غير مطابق للسنة لا يعتد به ولو كان قصد صاحبه حسنًا.\nفلا يعتبر حسن قصد الفاعل مع مخالفته للسنة، بل لا بد مع حسن القصد من أن يكون المقصود موافقًا لسنة الرسول ﷺ.\nوأبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ﵁ صاحب رسول الله ﵊ جاء إلى جماعة متحلقين في المسجد وبأيديهم حصىً وفي كل حلقة رجل يقول: سبحوا مائة.\nفيعدون بالحصى: سبحان الله، سبحان الله.\nحتى يكملوا مائة، ثم يقول: هللوا مائة.\nفيقولون: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله.\nحتى يكملوا مائة، ثم يقول: كبروا مائة.\nفيعدون بالحصى: الله أكبر، حتى يكبروا مائة، فقال لهم ﵁: (إما أن تكونوا على طريقة أهدى مما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ أو أنكم مفتتحو باب ضلالة).\nأي: إما أنكم أحسن من الصحابة أو أنكم محدثو بدعة ومفتتحو باب ضلالة؟ ففهموا أنه لا يمكن أن يكونوا خيرًا من الصحابة، فبقيت الثانية، وهي أنهم مفتتحو باب ضلالة، فقالوا معتذرين: سبحان الله! يا أبا عبد الرحمن! ما أردنا إلا خيرًا! فقال ﵁: (وكم من مريد للخير لم يصبه).","vol":"23","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-587>خطورة اعتقاد البدع واستحسانها</span>\nفالحاصل: أن هذا الذي يقع في كثير من الأقطار وفي كثير من البلدان من كثير من الناس من الاحتفال بمولده ﷺ هو من البدع المحدثة التي لم تأت عن الرسول ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن أتباع التابعين، وجاء عن الإمام مالك رحمة الله عليه أنه قال: من قال: إن في الإسلام بدعة حسنة فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة.\nلأنه هذا معناه: أنه ترك شيئًا الناس بحاجة إليه، والرسول ﷺ ما ترك شيئًا يقرب إلى الله إلا ودل أمته عليه، وما ترك شيئًا يبعد من الله إلا وحذر أمته منه، وهو ﷺ أنصح الناس للناس، وهو أكمل الناس نصحًا وأكملهم بيانًا، ولم يرد عنه شيء من ذكر الموالد ولا عن أصحابه ﵃ وأرضاهم، فدل ذلك على أن هذا محدث، وأنه بدعة، وأن الواجب هو اتباع السنن وترك البدع.\nقال الإمام مالك رحمة الله عليه: من قال: إن في الإسلام بدعة حسنة فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة، والله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].\nثم قال: فما لم يكن يومئذٍ دينًا لا يكون اليوم دينًا.\nيعني: ما لم يكن دينًا في زمان محمد ﷺ وأصحابه لا يكون اليوم دينًا؛ لأن الدين في زمنه ﷺ هو الدين بعد ذلك، وليس هناك دين جديد يأتي لم يكن في زمن الصحابة وزمن الرسول ﷺ، ولا يعقل أن يكون هناك حق وهدى يحجب عن الصحابة ثم يدخر لأناس يجيئون بعدهم، بل هذا من تلاعب الشيطان بالناس وصرفهم عن السنن إلى البدع.","vol":"23","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-588>رسالة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى في حكم الاحتفال بمولد النبي ﷺ</span>\nولشيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه رسالة مختصرة تتعلق بمولد الرسول ﷺ وبيان أنه من البدع وفيما يأتي نصها: [بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فقد تكرر السؤال من كثير عن حكم الاحتفال بمولد النبي ﷺ والقيام له في أثناء ذلك، وإلقاء السلام عليه، وغير ذلك مما يفعل في الموالد.\nو\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أن يقال: لا يجوز الاحتفال بمولد الرسول ﷺ ولا غيره؛ لأن ذلك من البدع المحدثة في الدين؛ لأن الرسول ﷺ لم يفعله ولا خلفاؤه الراشدون، ولا غيرهم من الصحابة رضوان الله على الجميع، ولا التابعون لهم بإحسان في القرون المفضلة، وهم أعلم الناس بالسنة، وأكمل حبًا لرسول ﷺ ومتابعة لشرعه ممن بعدهم، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) أي: مردود عليه، وقال في حديث آخر: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) ففي هذين الحديثين تحذير شديد من إحداث البدع والعمل بها، وقد قال الله سبحانه في كتابه المبين: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، وقال ﷿: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].\nوقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]، وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠] وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] والآيات في هذا المعنى كثيرة.\nوإحداث مثل هذه الموالد يفهم منه أن الله سبحانه لم يكمل الدين لهذه الأمة، وأن الرسول ﵊ لم يبلغ ما ينبغي للأمة أن تعمل به، حتى جاء هؤلاء المتأخرون فأحدثوا في شرع الله ما لم يأذن به، زاعمين أن ذلك مما يقربهم إلى الله، وهذا -بلا شك- فيه خطر عظيم، واعتراض على الله سبحانه وعلى رسوله ﷺ، والله سبحانه قد أكمل لعباده الدين، وأتم عليهم النعمة، والرسول ﷺ قد بلغ البلاغ المبين، ولم يترك طريقًا يوصل إلى الجنة ويباعد من النار إلا بينه للأمة، كما ثبت في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (ما بعث الله من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم) رواه مسلم في صحيحه.\nومعلوم أن نبينا ﷺ هو أفضل الأنبياء وخاتمهم، وأكملهم بلاغًا ونصحًا، فلو كان الاحتفال بالموالد من الدين الذي يرضاه الله سبحانه لبينه الرسول ﷺ للأمة، أو فعله في حياته، أو فعله أصحابه ﵃، فلما لم يقع شيء من ذلك علم أنه ليس من الإسلام في شيء، بل هو من المحدثات التي حذر الرسول ﷺ منها أمته، كما تقدم ذكر ذلك في الحديثين السابقين، وقد جاء في معناهما أحاديث أخر، مثل قوله ﷺ في خطبة الجمعة: (أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) رواه الإمام مسلم في صحيحه.\nوالآيات والأحاديث في هذا كثيرة، وقد صرح جماعة من العلماء بإنكار الموالد والتحذير منها؛ عملًا بالأدلة المذكورة وغيرها، وخالف بعض المتأخرين فأجازها إذا لم تشتمل على شيء من المنكرات، كالغلو في رسول الله ﷺ، وكاختلاط النساء بالرجال، واستماع آلات الملاهي، وغير ذلك مما ينكره الشرع المطهر، وظنوا أنها من البدع الحسنة، والقاعدة الشرعية رد ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله محمد ﷺ، كما قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠].\nوقد رددنا هذه المسألة -وهي الاحتفال بالموالد- إلى كتاب الله سبحانه فوجدناه يأمرنا باتباع الرسول ﷺ فيما جاء به ويحذرنا عما نهى عنه، ويخبرنا أن الله سبحانه قد أكمل لهذه الأمة دينها، وليس هذا الاحتفال مما جاء به الرسول ﷺ، فيكون ليس من الدين الذي أكمله الله لنا وأمرنا باتباع الرسول فيه، وقد رددنا ذلك -أيضًا- إلى سنة الرسول ﷺ فلم نجد فيها أنه فعله، ولا أمر به، ولا فعله أصحابه ﵃، فعلمنا بذلك أنه ليس من الدين، بل هو من البدع المحدثة، ومن التشبه بأهل الكتاب من اليهود والنصارى في أعيادهم، وبذلك يتضح لكل من له أدنى بصيرة ورغبة في الحق وإنصاف في طلبه أن الاحتفال بالموالد ليس من دين الإسلام، بل هو من البدع المحدثات التي أمر الله سبحانه ورسوله ﷺ بتركها والحذر منها، ولا ينبغي للعاقل أن يغتر بكثرة من يفعله من الناس في سائر الأقطار؛ فإن الحق لا يعرف بكثرة الفاعلين، وإنما يعرف بالأدلة الشرعية، كما قال تعالى عن اليهود والنصارى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦].\nثم إن غالب هذه الاحتفالات بالموالد مع كونها بدعة لا يخلو من اشتمالها على منكرات أخرى، كاختلاط النساء بالرجال، واستعمال الأغاني والمعازف، وشرب المسكرات والمخدرات، وغير ذلك من الشرور، وقد يقع فيها ما هو أعظم من ذلك، وهو الشرك الأكبر، وذلك بالغلو في رسول الله ﷺ أو غيره من الأولياء ودعائه والاستغاثة به، وطلبه المدد، واعتقاد أنه يعلم الغيب، ونحو ذلك من الأمور الكفرية التي يتعاطاها الكثير من الناس حين احتفالهم بمولد النبي ﷺ وغيره ممن يسمونهم بالأولياء، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إياكم والغلو في الدين! فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين).\nوقال ﵊: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم؛ إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله) خرجه البخاري في صحيحه من حديث عمر ﵁.\nومن العجائب والغرائب أن الكثير من الناس ينشط ويجتهد في حضور هذه الاحتفالات المبتدعة، ويدافع عنها، ويتخلف عما أوجبه الله عليه من حضور الجمع والجماعات، ولا يرفع بذلك رأسًا، ولا يرى أنه أتى منكرًا عظيمًا.\nولا شك أن ذلك من ضعف الإيمان وقلة البصيرة، وكثرة ما ران على القلوب من صنوف الذنوب والمعاصي، نسأل الله العافية لنا ولسائر المسلمين.\nومن ذلك أن بعضهم يظن أن رسول الله ﷺ يحضر المولد! ولهذا يقومون له محيين مرحبين، وهذا من أعظم الباطل وأقبح الجهل، فإن الرسول ﷺ لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة، ولا يتصل بأحد من الناس، ولا يحضر اجتماعاتهم، بل هو مقيم في قبره إلى يوم القيامة، وروحه في أعلى عليين، عند ربه في دار الكرامة، كما قال الله تعالى في سورة المؤمنين: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٥ - ١٦]، وقال النبي ﷺ: (أنا أول من ينشق عنه القبر يوم القيامة، وأنا أول شافع وأول مشفع) عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام.\nفهذه الآية الكريمة والحديث الشريف وما جاء في معناهما من الآيات والأحاديث كلها تدل على أن النبي ﷺ وغيره من الأموات إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة، وهذا أمر مجمع عليه بين علماء المسلمين، ليس فيه نزاع بينهم.\nفينبغي لكل مسلم التنبه لهذه الأمور، والحذر مما أحدثه الجهال وأشباههم من البدع والخرافات التي ما أنزل الله بها من سلطان، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا به.\nأما الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ فهي من أفضل القربات، ومن الأعمال الصالحات، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وقال النبي ﷺ: (من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه بها عشرًا)، وهي مشروعة في جميع الأوقات، ومتأكدة في آخر كل صلاة، بل واجبة عند جمع من أهل العلم في التشهد الأخير من كل صلاة، وسنة مؤكدة في مواضع كثيرة، منها ما","vol":"23","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-589>الأسئلة</span>","vol":"23","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-590>حكم حضور الموالد لقصد المشاهدة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  لي صديق دعاني لحضور المولد النبوي، فهل يجوز لي أن أذهب معه للمشاهدة فقط؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا تذهب، إلا أن تكون ناصحًا ومبينًا لهم أن مثل هذا العمل لا يسوغ ولا يجوز، وإلا فلا تذهب.","vol":"23","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-591>حكم الأكل من طعام الموالد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في هذه الموالد البدعية تصنع الأطعمة المتنوعة، فما حكم الذهاب للأكل منها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يذهب الإنسان إليها، ولا يأكل معهم فيها.","vol":"23","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-592>حكم تخصيص يوم مولد النبي ﷺ بالصوم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم تخصيص يوم مولده ﷺ بالصوم، استنادًا إلى قوله ﷺ وقد سئل عن صيام يوم الإثنين: (ذلك يوم ولدت فيه)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كون الإنسان يتقرب إلى الله ﷿ بالصوم أمر مطلوب، ولكن الذين يقومون بالموالد لا يحصل منهم إلا صنع الطعام، والتفنن في المآكل.\nوصيام الإثنين والخميس سنة عن رسول الله ﷺ، فمن صام الإثنين والخميس فقد أتى بما هو سنة عن الرسول ﷺ، وأما ما يفعله الناس من الاحتفال بالموالد وصنع الطعام فيها بحيث يكون ذلك اليوم كأنه يوم عيد ويأكلون من هذه المآكل فهذا خلاف السنة، وخلاف هدي الرسول ﷺ، فالذي جاء عنه أن يوم الإثنين يصام فيه، وليس خاصًا بيوم معين في السنة، بل في جميع أيام السنة يستحب للإنسان أن يصوم الإثنين والخميس.","vol":"23","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-593>بيان ضعف القول بحصول ميلاده ﷺ في الثاني عشر من شهر ربيع الأول</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قال الشيخ صفي الرحمن المباركفوري في كتابه الرحيق المختوم: إن الثاني عشر من ربيع الأول من أضعف الأقوال التي قيلت في يوم مولده.\nوقد وقع خلاف في هذا التاريخ، فهذا مما يزيد نكارة الاحتفال بمثل هذا اليوم، فما قولكم في هذا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المسألة فيها خلاف، وتحديد اليوم ليس متفقًا عليه.","vol":"23","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-594>حكم تعمد فعل العمرة في يوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم تعمد أداء العمرة في يوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  تخصيصها بنفس اليوم الذي يقال: إنه يوم مولده ﵊ ليس له أصل.","vol":"23","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-595>حكم أخذ الباقي من طعام الموالد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا جاءنا طعام صنع للمولد فهل يجوز لنا أخذه والأكل منه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يجوز للإنسان أن يوافق أهل البدع فيما هم فيه، ولا أن يشاركهم، بل عليه أن يُحذَّرهم من أن يفعلوا هذا الفعل.","vol":"23","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-596>حكم الاجتماع للموالد من أجل الصلاة على النبي ﷺ</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا أنكرت على الذين يحتفلون بمولد النبي ﷺ فإنهم يقولون: إن لم يكن هذا من عمل النبي ﷺ ولا عمل الصحابة فإنه ليس هناك ضرر في كوننا نجتمع ونصلي ونسلم عليه، أليس هذا خيرًا من أن نجلس أمام التلفزيون أو نستمع إلى الأغاني؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يستمع إلى هذا ولا إلى ذلك.","vol":"23","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-597>نفع القرآن وشفاؤه لغير المؤمنين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قوله سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢] مفهوم الآية أن الشفاء يكون للمؤمن فقط، مع أن الرقاة قد يرقون بالقرآن من هو من أهل البدع، أو وقع في الشرك، ومع ذلك تنفعه الرقية فما تعليقكم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الأصل أن نفع القرآن للمؤمنين؛ لأنهم الذين يؤمنون به ويصدقون، وهم الذين يستسلمون وينقادون، وكونه ينفعهم وينفع غيرهم من ناحية الرقية لا ينافي كونه شفاءً للمؤمنين.","vol":"23","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-598>المقصود بكون القرآن يأتي على هيئة يوم القيامة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قوله ﷺ عن سورتي: البقرة وآل عمران: (تأتيان يوم القيامة كأنها غمامتان)، وكذلك إخباره أنه يؤتى بالقرآن يحاج عن صاحبه ثم يأخذ بيده فيدخله الجنة، فهل معناه أن القرآن يكون عينًا أم أن المقصود الثواب والأجر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المقصود العمل، فالعمل هو الذي يقلب عينًا، وهو القراءة، وهناك فرق بين القراءة والمقروء، فالمقروء هو كلام الله، والقراءة هي فعل العبد، وفعل العبد كسب له يثاب عليه، فكما أن الأعمال تقلب أعيانًا وتوضع في الميزان فإن قراءة الإنسان هي من عمله، وهي التي تقلب، وليس نفس القرآن؛ لأن هناك قراءة ومقروءًا، وقد جاء في القرآن ذكر أن لفظ القرآن يراد به المقروء، ويراد به القراءة، فمما جاء في القرآن يقصد به المقروء قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ [الإسراء:٨٢] فهذا المقصود به المقروء، ومما جاء يراد به القراءة قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨] يعني: القراءة في الفجر، وكذلك قوله ﷺ: (زينوا القرآن بأصواتكم) يعني: زينوا القراءة.\nفبنص القرآن نفسه يأتي القرآن بمعنى القراءة ويأتي بمعنى المقروء، والقراءة التي هي فعل العبد وكسبه هي التي تأتي على هيئة غمامة تظل صاحبها يوم القيامة، وكذلك عمله من حيث قراءة القرآن هو الذي يأتي شافعًا له، وهو الذي ينفعه، وليس معنى ذلك أن القرآن نفسه يتحول وينقلب إلى عين، وإنما القراءة التي هي العمل هي التي تقلب إلى عين.","vol":"23","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-599>معنى لسان الميزان</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل للميزان لسان يتكلم به؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا نعلم شيئًا يدل على ذلك، ومعلوم أن الميزان الذي له كفتان له لسان بينهما، بحيث إذا استوت الكفتان يستوي اللسان، وإذا مالت إحداهما مال إلى أحد الجهتين، فهذا هو الذي يطلقون عليه لسان الميزان.\nوالميزان له كفتان، كما جاء في الحديث.","vol":"23","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-600>حكم البيع قبل حيازه المبيع</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا عرضت أرضًا في مكتب للعقار للبيع، ثم أتى لها مشترٍ وكلم صاحب المكتب فيها، فأخبره بأنها عرضت بمائتي ألف ريال، ثم وافق على الشراء، ولم يبق سوى الإفراغ، فدخل مشترٍ ثانٍ لشرائها فأخبره صاحب المكتب أن الأرض قد بيعت من هذا الشخص -وهو لا يزال في المكتب- فقال المشتري الثاني للأول: هل اشتريتها بهذا المبلغ؟ قال: نعم.\nقال له: خذ عشرة آلاف ريال زيادة ثم دعها لي.\nفهل هذه الصورة جائزة، أم أن هذه الزيادة تكون من حق صاحب الأرض الأول؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس للإنسان أن يبيع إلا إذا ملك، فما دام أنه لم يملك فإنه لا يبيع، فهذا الذي اشترى وحصل التفاهم معه قبل أن يتم البيع وقبل أن يملكها وتنتقل إلى ملكه ليس له أن يبيعها.","vol":"23","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-601>حكم أخذ المال المجموع بطريق ما يسمى بالجمعية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نحن جماعة نعمل في مؤسسة، ونجمع في آخر كل شهر مبلغًا من المال يأخذه كل مرة واحد، فما حكم الشرع في هذه العملية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه هي التي يسمونها الجمعية، وهي أن يتفق عشرة أشخاص -مثلًا- على أن يدفع كل واحدٍ منهم في كل شهر -مثلًا- مائة ريال أو ألف ريال، ثم في كل شهر يأخذ المبلغ واحد من هؤلاء العشرة حتى يأتي إلى تمام العشرة، وهذه من المسائل التي اختلف فيها أهل العلم في هذا الزمان، فمنهم من يجيزها ومنهم من يمنعها، ولا شك أن الاحتياط والسلامة للإنسان ألا يدخل فيها؛ لأن فيها شبهة، وهي أن كل إنسان يَقْرِض ليُقْرَضَ، وقد أجمع المسلمون على أن كل قرض جر نفعًا فهو ربا.","vol":"23","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-602>الراجح في الحكم على حديث: (الطهور شطر الإيمان)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  بعض أئمة الحديث ضعفوا الحديث الذي رواه مسلم: (الطهور شطر الإيمان) كـ الدارقطني وغيره، فهل هذا الحديث من الأحاديث المنتقدة على مسلم فيكون ضعيفًا؟ وما القول الراجح فيه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الحديث صحيح.","vol":"23","page":30},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-603>[٢٤]</span>\nلقد حرم الله تعالى الظلم على نفسه ونزه نفسه عنه، وحرمه على عباده، فالذي ينبغي للمسلم أن يبتعد عن الظلم؛ لأن عاقبته وخيمة، تصيب الظالم في الدنيا قبل الآخرة، والظلم ظلمات يوم القيامة.","vol":"24","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-604>شرح حديث: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي)</span>\nيقول الإمام النووي ﵀ في الأربعين النووية: عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎ أنه قال: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا، يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم.\nيا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم.\nيا عبادي! كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم.\nيا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم.\nيا عبادي! إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني.\nيا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا.\nيا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا.\nيا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد وسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئًا إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر.\nيا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) رواه مسلم.","vol":"24","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-605>معنى الحديث القدسي وحقيقته</span>\nحديث أبي ذر ﵁ عظيم اشتمل على عشر جمل، كل جملة منها مبدوءة بـ (يا عبادي)، وهو من الأحاديث القدسية، والحديث القدسي هو الذي يضيفه النبي ﷺ إلى ربه، وهو مشتمل على ضمائر التكلم التي ترجع إلى الله ﷿، كما في قوله: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي) فإنه لا يقول أحد: يا عبادي إلا الله ﷾.\nوكذلك الحديث الذي فيه: (الصوم لي) فإن هذا فيه ضمير التكلم، وهو يرجع إلى الله ﷿، وقال كذلك: (أنا عند حسن ظن عبدي بي) فكل ما كان من هذا القبيل فإنه يعتبر من الأحاديث القدسية؛ لأن المتكلم فيها هو الله، والضمائر ترجع إلى الله، ومثل هذا الكلام لا يقوله الرسول ﷺ، فلا يقول: (يا عبادي) إلا الله ﷾، والنبي ﷺ يضيف إلى ربه هذا الحديث القدسي، فيقول: قال الله ﷿ كذا وكذا.\nأو يقال: قال الله ﷿ فيما يرويه عنه نبيه ﷺ.\nفهذا هو الحديث القدسي.","vol":"24","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-606>وجه تحريم الله الظلم على نفسه ونفيه عنه</span>\nيقول الله ﷿ في هذا الحديث: (يا عبادي!) وهي أول هذه الجمل العشر (يا عبادي! إن حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا).\nفالله ﷿ أخبر أنه حرم الظلم على نفسه، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وقد حرم الله على نفسه الظلم، فلا يقع منه الظلم أبدًا، وهو منزه عنه، ونفي الظلم عن الله ﷿ هو من قبيل النفي الذي جاء في الكتاب والسنة، ومتضمن إثبات كمال ضد ذلك المنفي، فقد جاء في القرآن آيات عديدة فيها نفي الظلم عن الله ﷿، كما قال الله ﷿: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] وقال ﷿: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢].\nكل هذه الآيات وأمثالها التي فيها نفي الظلم عن الله ﷿ تدل على إثبات كمال ضد ذلك المنفي الذي هو الظلم، أي: يدل على إثبات كمال عدله ﷾، وأن الله تعالى متصف بالعدل على التمام والكمال، وهكذا النفي في الكتاب والسنة عندما يأتي فهو نفي متضمن إثبات كمال، وليس كالنفي الذي يكون عند المتكلمين الذي يؤدي إلى نفي الموجود ويؤدي إلى أن الله تعالى لا وجود له، حيث يقولون: ليس بكذا وليس بكذا.\nوكل صفة تنفى عندهم عن الله، فيئول الأمر إلى أنه لا يبقى وجود لله ﷿، والنفي في الكتاب والسنة إنما يأتي متضمنًا إثبات كمال لله ﷾، فقوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] لبيان كمال عدله، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [فاطر:٤٤] لبيان كمال قوته، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] لبيان كمال قدرته ﷾، يعني: ما مسنا من تعب ولا نصب ولا إعياء.\nإذًا: فكل نفي جاء في الكتاب والسنة يدل على إثبات كمال ضده في حق الله ﷾، وهو ضد ذلك المنفي، فنفي العجز يدل على إثبات كمال القوة وكمال القدرة، ونفي الظلم يدل على إثبات كمال العدل.\nفمنهج سلف هذه الأمة أنهم يثبتون لله ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه ونفاه عنه رسوله ﷺ، وهذا النفي الذي ينفونه عنه وفقًا لما جاء في الكتاب والسنة يدل على إثبات كمال الله ﷾، بخلاف أولئك الذين ينفون عن الله الصفات بحجة أنهم لو أثبتوا لكانوا مشبهين، وتصوروا أنه ليس هناك إثبات إلا مع التشبيه، ولهذا يقولون: ليس بكذا، وليس بكذا.\nوينفون عنه جميع الصفات، فيئول الأمر إلى أن يكون لا وجود له؛ لأنه لا يتصور وجود ذات مجردة من جميع الصفات.\nفالمتكلمون تصوروا أنه لا إثبات إلا مع تشبيه، ففروا من تشبيه بالموجودات حسب تصورهم الباطل، ووقعوا في تشبيه أسوأ منه، وهو التشبيه بالمعدومات، ولهذا يقول بعض أهل العلم: إن المعطل يعبد عدمًا.\nيعني: لا وجود لمعبوده.\nوكما قال ابن عبد البر -﵀- في كتابه (التمهيد): إن الذين ينفون الصفات عن الله ﷿ ويصفون المثبتة بأنهم مشبهة؛ لأنهم ما تصوروا إثباتًا إلا مع تشبيه.\nثم يقول ابن عبد البر: وهم عند من أقر بها نافون للمعبود.\nأي أن المعطلة عند المقرين للصفات يعتبرون نافين للمعبود.\nثم إن الذهبي ﵀ ذكر هذا النقل عن ابن عبد البر في كتابه (العلو للعلي الغفار)، وقال: صدق والله -أي: ابن عبد البر -، فإن الجهمية مثلهم كما قال حماد بن زيد: إن جماعة قالوا: في دارنا نخلة.\nفقيل: ألها خوص؟ فقالوا: لا، ألها عسب؟ قالوا: لا، ألها قنو؟ قالوا: لا، ألها ساق؟ قالوا: لا، قالوا: إذًا ما في داركم نخلة؛ لأنه إذا كانت جميع صفات النخل منفية عنها فلا وجود لهذه النخلة التي نفيت عنها جميع الصفات.\nفكذلك إذا نفيت الصفات عن الله ﷿ فمعنى ذلك أنه لا وجود له، وعلى هذا فنهج المتكلمين إنما هو نقص وإضافة نقص إلى الله ﷿، بل إضافة العدم إليه وأنه لا وجود له، وأما أهل السنة والجماعة فهم ينفون عن الله ﷿ ما نفاه عن نفسه ونفاه عنه رسوله ﷺ، وهذا النفي متضمن إثبات كمال الله ﷾.\nفقوله تعالى في الحديث: (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا) أي: أنه ﷾ حرم على نفسه الظلم، ومنع الظلم عن نفسه؛ وذلك لكمال عدله ﷾.\nقوله: (وجعلته بينكم محرمًا) أي: كما حرمه الله على نفسه فلا يقع منه أبدًا فإنه حرمه على عباده، ولكن منهم من يحصل منه الظلم، سواء ظلم نفسه، وذلك بأن يأتي بأمور منكرة تعود مضرتها عليه ويكون ظالمًا لنفسه، أو يظلم غيره، سواءٌ أكان ظلمه في نفسه بقتله أو بقطع عضو منه، أم كان في عرضه أم في ماله.\nفيكون الظلم قاصرًا على الإنسان ويكون متعديًا إلى غيره، فيظلم الإنسان نفسه، وذلك بتركه للأوامر ووقوعه في المعاصي، وكذلك أيضًا يظلم غيره بأن يلحق به الأذى والضرر، فيكون ظالمًا لنفسه وظالمًا لغيره.\nثم قال: (فلا تظالموا) يعني: فلا تتظالموا، بل عليكم أن تبتعدوا عن الظلم وأن تتركوا الظلم، وأن تكونوا على السداد وعلى العدل، وأن تحذروا من الظلم.\nهذه هي الجملة الأولى من الجمل العشر التي اشتمل عليها حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه.","vol":"24","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-607>حاجة العباد إلى هداية الله تعالى</span>\nالجملة الثانية قوله: (يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم).\nالله ﷿ هو الذي يتفضل بالهداية على من شاء من عباده، ومن خذله الله ﷿ فإنه لا يحصل له إلا الضلال، ومعلوم أن كل إنسان يقدم على ما ينفعه ويقدم على ما يضره بمشيئته وإرادته، فالمهتدي يقدم على ما فيه هدايته بمشيئته وإرادته، والضال يقدم على ما فيه ضلاله بمشيئته وإرادته، وهذا الذي حصل من هذا المهتدي وهذا الضال مطابق لما قدره الله تعالى وشاءه، ولا يخرج شيء عن مشيئته ﷾، وكل ما يقع في الوجود من خير وشر وهداية وضلال فإنما هو بمشيئة الله ﷿ ثم بمشيئة العباد التابعة لمشيئة الله ﷿، أي: أن العباد لهم إرادة ومشيئة، ويقدمون على ما ينفعهم وعلى ما يضرهم، ولكن إقدامهم على ما ينفهم وما يضرهم لا يخرج عن مشيئة الله وإرادته، ولا يقع في ملك الله شيء ما شاءه الله ولا أراده، فلا يقع في ملكه إلا ما قد شاءه وأراده، كما قال الله ﷿: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨] فأثبت أن لهم مشيئة، وأن الإنسان يشاء أن يستقيم ويشاء أن ينحرف.\nثم قال بعد ذلك: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]، يعني: إنكم لا تشاءون شيئًا ولا يقع منكم شيء إلا وقد شاءه الله ﷾، ولا يقع من العباد شيء لم يشأه الله تعالى، كما تقول القدرية: إن العباد يخلقون أفعالهم.\nبل الله ﷿ هو الخالق لكل شيء، خالق العباد، وخالق أفعال العباد، وخالق الذوات، وخالق الصفات ﷾، فكل ما يقع في الوجود فهو من خلقه وإيجاده، وقد وقع بمشيئته وإرادته.\nفمن حصل له الضلال الذي هو ضد الهدى فقد حصل بمشيئة العبد وإرادته، والله ﷾ قد كتب ذلك وقدر ذلك، ومن حصلت له الهداية فقد حصلت بمشيئته وإرادته، والله تعالى قدر ذلك، فهو المتفضل بالهداية أولًا وآخرًا، هو الذي تفضل بها حيث هيأ الأسباب ووفق لحصولها ووجودها، فالفضل لله ﷿ أولًا وآخرًا في كل هداية.\nوأما الضلال فإنه يقع من العباد بمشيئتهم وإرادتهم، والله ﷿ قدر ذلك وقضاه، وهو خذلان لذلك الذي حصل منه، والهداية التي حصلت للعبد هي بفضل من الله ﷿ وإحسان.\nيقول الحافظ ابن رجب: قد يظن بعض الناس أن في هذا الحديث معارضة مع الحديث القدسي الذي يقول الله ﷿ فيه: (خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين) فالله ﷿ خلق الناس مفطورين على الإسلام، ولكن هناك من يصرف عن هذه الفطرة، وهناك من يثبت على هذه الفطرة، فمن الناس من يأتي مؤيدًا ومثبتًا لهذه الفطرة، وهو الذي يكون مهتديًا وينشئ أولاده على الهداية، ومنهم من يكون منحرفًا فيحرف أولاده عن هذه الفطرة، وذلك بصرفهم عنها، كما قال ﷺ: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، ومعنى ذلك أن هذه الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها من الناس من يأتي مثبتًا لها، وهو الذي كان على هدى وسداد، فيكون عونًا لأولاده على الهداية، ومنهم من يكون منحرفًا عن هذه الفطرة، فيسعى إلى حرف وصرف أولاده عنها، فينقلهم من هذه الفطرة إلى أن يكونوا يهودًا أو نصارى أو مجوسًا، أو إلى غير ذلك من ملل الكفر المختلفة.\nوالضلال يراد به عدم العلم أيضًا، فكما أنه يراد به الغواية وحصول الغواية فإنه يراد به عدم العلم، والله ﷿ خلق الناس وأخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئًا، ثم علمهم وأعطاهم العلم، وما جاء في القرآن من قول الله ﷿: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧] فمعنى ذلك أنه كان غير عالمٍ بهذا الوحي الذي أوحى الله تعالى إليه وهذا العلم الذي أعطاه الله إياه، فكان قبل ذلك غير عالمٍ به، هذا هو المقصود بالضلال الذي كان موجودًا فهداه الله ﷿ إلى هذا الوحي والنور وأعطاه إياه، كما قال الله ﷿: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢] يعني: ما كان عنده هذا الشيء، ثم أعطاه الله ﷾ إياه.\nفإذًا: عرفنا أنه يأتي الضلال بمعنى الغواية ويأتي بمعنى الجهل وعدم العلم، ثم إن الله ﷿ يعطي العلم ويوفق من شاء لأن يعطيه العلم، والضلال الذي أضيف إلى النبي ﷺ هو عدم العلم بهذه الأمور التي علمه الله تعالى إياها وهذا الوحي الذي أوح الله تعالى به إليه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.\nوفي قوله: (يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته) بيان أن الله ﷾ يتفضل على من شاء بالهداية، ولهذا قال: (إلا من هديته) ومن هداه الله ﷿ فقد هداه بفضله وإحسانه وتفضله عليه بهذه الهداية.\nلقد أمر سبحانه بطلب الهداية فقال: (فاستهدوني)، أي: اطلبوا مني الهداية.\nوفي هذا أمر بطلب الهداية، وأن الإنسان يسأل الله ﷿ الهداية، وقد جاء في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] وحاجة الناس إلى الهداية أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الطعام والشراب حاجتهم إليهما ليحيا الإنسان هذه الحياة الدنيا، وأما الهداية فهي التي تنبني عليها الحياة الآخرة المستمرة الدائمة.\nفالهداية هي التي بها الحياة الباقية في النعيم، وأما الحياة الدنيوية فغذاؤها وقوامها هو الطعام والشراب، وبذلك تكون الحياة، وبدونهما يحصل الموت ولا تحصل الحياة، وأما الحياة الباقية فغذاؤها إنما هو بالهداية إلى الصراط المستقيم.\nوطلب الهداية إلى الصراط المستقيم يتضمن شيئين: الأول: الثبات على ما قد حصل من الهداية.\nالثاني: طلب المزيد من الهداية، فيطلب الإنسان من ربه بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] أن يثبته على ما حصل له من الهداية، وأن يزيده هدًى إلى هداه.","vol":"24","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-608>فقر العباد إلى الله تعالى في طعامهم وشرابهم</span>\nالجملة الثالثة: (يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم).\nالعباد مفتقرون إلى الله ﷿ وهو غني عنهم، وحاجتهم إليه وفقرهم إليه دائم مؤبد، لا يستغنون عن الله طرفة عين، وهم بحاجة إليه في جميع أمور دينهم ودنياهم، وهم محتاجون إلى فضله وإحسانه وكرمه وجوده، وقد أخبر الله ﷿ في هذا الحديث بأن كل إنسان جائع، وأن الله تعالى هو الذي يرزق وهو الذي يطعم، وأن العبد عليه أن يسأل الله ﷿ وأن يطلب منه أن يطعمه، ومع سؤاله عليه أن يأخذ بالأسباب التي يكون بها تحصيل الرزق، فلا يسأل الله ﷿ الطعام والرزق دون أن يبذل أسبابًا، بل عليه أن يبذل الأسباب ويستعين بمسبب الأسباب، ويعول على الله ﷿ في تحصيل المراد، فإنه لا بد من أمرين: لا بد من فعل السبب، ولا بد من التعويل على من بيده كل شيء وهو الله ﷾؛ لأن السبب قد يوجد ويتخلف المُسَبَّب، ولكن إذا وجد السبب ووجد توفيق الله ﷿ ومشيئته وإرادته لحصول ذلك المراد الذي يسأله العبد فإنه يتحقق هذا المسئول مع الأخذ بالأسباب التي تؤدي إليه، ولهذا جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا) فبين ﷺ في هذا الحديث أن الله تعالى هو الذي يرزق الطير، وأن تلك الطيور لا تجلس في أوكارها تنتظر شيئًا يؤتى به إليها فيها دون أن تبرحها، وإنما تخرج من أوكارها تبحث عن الرزق، والله تعالى هو الذي يرزقها، فهي تأخذ بالأسباب فتغدوا خماصًا، أي: تخرج من أوكارها في الصباح خالية البطون، وتروح في آخر النهار بطانًا، يعني: ممتلئة البطون.\nفالإنسان يأخذ بالسبب ويستعين بالله ﷿ على تحصيل المراد وتحقيق المراد، ولهذا جاء في حديث أبي هريرة الذي في صحيح مسلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير) ثم قال: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز)، فجمع بين الأمرين فقال: (احرص على ما ينفعك) أي: ببذل الأسباب.\n(واستعن بالله)، أي: لا تعتمد على الأسباب وتكون الأسباب عندك هي كل شيء، بل هناك شيء وراء الأسباب وهو توفيق الله ﷾ وحصول التوفيق منه، فبذلك تنفع الأسباب، ولكن الإنسان لا يترك الأسباب ويهملها ويقول: سأجلس في بيتي وأغلق علي بابي، وإذا كان الله قدر لي رزقًا فإنه سيأتي من يطرق علي الباب ويعطيني إياه، هذا غلط.\nفقوله: (كلكم جائع إلا من أطعمته) يبين أن الله تعالى هو الذي يرزق، وهو الرزاق ذو القوة المتين ﷾، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦].","vol":"24","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-609>افتقاد العباد إلى الله تعالى في كسوة أجسادهم</span>\nالجملة الرابعة: قوله: (يا عبادي! كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم).\nلما ذكر في الجملة الأولى ما يتعلق بالغذاء الذي يكون للجسم ويصل إلى باطن الجسم لينتفع منه الجسم أتى بعد ذلك بذكر الشيء الذي يواري الجسم ويستر الجسم وهو الكسوة، فقال: (يا عبادي! كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم) أي: اطلبوا مني تحصيل هذا الشيء الذي به كُسْوَتكُم، وهذا الذي به ستر عوراتكم ومواراة أجسادكم، فكل ذلك داخل في ملك الله ﷿، فاسألوا الله ﷿ من فضله واسألوه أن يكسوكم.\nوهذا فيه أن الإنسان مفتقر إلى الله ﷿ في جميع شئونه من أمور دينه ودنياه، مفتقر إليه في أمور دينه في طلب الهداية، وحاجته إلى الهداية فوق كل حاجة، وهو في أمور دنياه في حاجة إلى الله ﷿، ولا يستغني عنه في الرزق من المطعم والمشرب والكسوة التي يواري بها جسده، والتي يغطي بها جسده ويستر بها عورته.","vol":"24","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-610>تقصير العباد وحاجتهم إلى مغفرة الله تعالى</span>\nالجملة الخامسة: (يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم).\nالعباد مأمورون ومنهيون، أي: مكلفون بأوامر ونواه، ومطلوب منهم امتثال الأوامر واجتناب النواهي، ويحصل منهم التقصير، ويحصل منهم النقص، ويحصل منهم الخطأ في ليلهم ونهارهم، في سرهم وعلانيتهم، وطريق السلامة من هذا الخطأ ومن الذنب إذا وقع ومن المصيبة إذا حلت بالإنسان في الدين بالذنوب والمعاصي أن يرجع إلى الله ﷿ ويسأله المغفرة، ويتوب إلى الله ﷿ ويستغفره، والله ﷿ يحب من عباده أن يدعوه، وأن يستغفروه، وأن يسألوه، (والدعاء هو العبادة)، كما قال ذلك رسول الله ﷺ، فالإنسان يسأله قضاء الحاجات، وكشف الكربات، ومغفرة الذنوب، ولا يستغني العبد عن ربه طرفة عين.\nفهنا يقول جل وعلا: (إنكم تخطئون بالليل والنهار) وهذا شأن العباد، كما في حديث: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) كما جاء ذلك عن رسول الله ﷺ.\nقوله: (وأنا أغفر الذنوب جميعًا) أي: كل الذنوب يغفرها الله تعالى إذا تيب منها، وأعظم الذنوب وأشدها وهو أظلم الظلم وأبطل الباطل الشرك بالله ﷿، والله تعالى يغفره لمن تاب، كما قال الله ﷿: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨] فأعظم الذنوب إذا تيب منه فالله تعالى يتوب على من تاب، وكذلك الذنوب التي هي دونه، فمن تاب منها يتوب الله ﷿ عليه، والتوبة تجب ما قبلها، والله ﷿ أمر عند وجود الذنوب وعند حصولها أن يكون الإنسان مستغفرًا سائلًا الله ﷿ أن يغفر له ما قد حصل منه من الذنوب والمعاصي.","vol":"24","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-611>مردُّ نفع الطاعة وضرر المعصية</span>\nالجملة السادسة قوله تعالى: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني).\nالله ﷿ غني عن العالمين، وكل الخلق مفتقر إليه ومحتاج إليه، وعبادة العباد لا تنفع الله ﷿، ومعاصيهم لا تضره، بل طاعاتهم تنفعهم ومعاصيهم تضرهم، والله ﷿ لا يبلغ العباد نفعه فينفعوه، ولا يبلغون ضره فيضروه، بل هو النافع الضار ﷾، فلا يصل إليه نفع من العباد، وهو غني عنهم وعن أعمالهم، وكذلك لا يصل إليه ضرر منهم، وإنما ضررهم يعود على أنفسهم، كما أن نفعهم يعود إليهم.","vol":"24","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-612>كمال غنى الله تعالى عن العباد</span>\nالجملة السابعة قوله: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا).\nالله ﷿ قسم الناس إلى فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير، وهذا هو الذي شاءه الله ﷿، وهذا هو الذي قدره الله، فلابد من أن يوجد، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولكن لو أن الناس كلهم من أولهم إلى آخرهم كانوا مهتدين، وكانوا على أتقى قلب رجل من الناس ما زاد ذلك في ملك الله شيئًا، وكذلك العكس، فلو كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملك الله ﷿ شيئًا، فهو دال على كمال غناه، وعلى كمال ملكه، وأن وجود التقوى من جميع الخلق لا يزيد في ملك الله شيئًا، ووجود الفجور والمعاصي من جميع الخلق لا ينقص من ملك الله ﷾ شيئًا.","vol":"24","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-613>حاجات العباد وموقعها من ملك الله ﷻ</span>\nالجملة التاسعة: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيدٍ واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر).\nأي: لو أن الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم سأل كل إنسان منهم بغيته وحاجته وتحقق ذلك له لم ينقص ذلك من ملك الله شيئًا أصلًا، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، والمخيط إذا أدخل البحر لا ينقص شيئًا، ومن المعلوم أن المخيط وهو الإبرة لو غمس في البحر ثم أخرج فالبلل الذي فيه لا يعتبر شيئًا بجانب هذا البحر في رأي العين، ولا يعتبر شيئًا في الوزن فكل ما أعطي الخلق من أولهم إلى آخرهم يساوي البلل الذي في الإبرة من هذا البحر.","vol":"24","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-614>مآل أعمال العباد خيرها وشرها</span>\nالجملة العاشرة: (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه).\nالعباد مأمورون ومنهيون، وأعمالهم محصاة عليهم ومدونة ومسجلة ومكتوبة، تكتبها الحفظة ويكتبها الكتبة الذين يكتبون أعمال العباد، كما قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] أي: الملائكة الذين يكتبون الحسنات والسيئات، ثم يجد العباد هذا الذي عملوه أمامهم قد أحصي، فالخير مُحصى والشر محصى، والأعمال الصالحة محصاة والأعمال السيئة محصاة، ولا يظلم ربك أحدًا، فلا يُنقَصُ أحد من حسناته، ولا يضاف لأحدٍ سيئاتٌ أخرى لم يفعلها، ولا يحمل سيئاتٍ من سيئات غيره، كما قال الله ﷿: «فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا» يعني: لا يخاف هضمًا من الحسنات ونقصًا في الحسنات، ولا ظلمًا بزيادة السيئات، بل الذي عمله يجده، إن خير فخيرًا وإن شر فشرًا، كما قال الله ﷿: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].\nويقول الله ﷿: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران:٣٠] يعني: كل شيء أمام الإنسان، وقال تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩].\nإذًا: فكل ما يحصل من العباد من الأعمال فإنهم يجدونه أمامهم إن خير فخيرًا وإن شر فشرًا، فمن وفق لعمل الخير فإنه يجد ثوابه أمامه، ويجد جزاءه أمامه، فهو الذي تفضل بالتوفيق للعمل الصالح، وهو الذي تفضل بالجزاء الحسن على ذلك العمل الصالح، فله الفضل أولًا وآخرًا، له الفضل في التوفيق لدخول الجنة، وله الفضل في التوفيق للأعمال الموصلة إلى الجنة، ومن لم يحصل منه العمل الصالح الذي يؤدي به إلى الجنة ويؤدي به إلى السلامة فلا يلومن إلا نفسه؛ لأنه هو الذي جنى على نفسه، وهو الذي فرط، وهو الذي أهمل نفسه، ويجد ما قدم من الشر أمامه، كما أن الذي وفق يجد ما قدم من الخير أمامه، فلا يُنقَصُ من حسنات المحسن شيء، ولا يضاف إلى المسيء سيئات أخرى ولا يحمل سيئات غيره، ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر:١٨].\nهذا هو حديث أبي ذر، الحديث القدسي العظيم المشتمل على تلك الجمل العشر، وقد رواه مسلم ﵀، وهو أحد خمسة أحاديث متوالية، من الحديث الحادي والعشرين إلى الحديث الخامس والعشرين- كلها من أفراد مسلم، والله تعالى أعلم.","vol":"24","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-615>الأسئلة</span>","vol":"24","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-616>الجمع بين قوله ﷻ: (إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني) وقوله: (يؤذيني ابن آدم)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في الحديث: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني) ففيه بيان أن العباد لا يضرون الله ﵎، فكيف يجمع بينه وبين الحديث الآخر: (يؤذيني ابن آدم)\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  صدور الأذى يحصل، ولكن لا يبلغ الله ﷿، ولا يصل إلى الله ﷿، ولكنه باعتبار صدوره منهم يعتبر أذى منهم، ولكنه لا ينال الله ﷿ الضرر بسبب ذلك.","vol":"24","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-617>حكم القول بأن ابن آدم لا يضر الله ولا يؤذي الله</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يمكن أن يقال: إن ابن آدم لا يضر ولا يؤذي الله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، لكن بكون الضرر لا يصل إلى الله، وكون الأذى لا يصل إلى الله، ولكن كونه يحصل منه الشيء الذي يغضب الله ويسخطه، وأن هذا شيء يصدر من العباد فذلك إيذاء لله ﷿ باعتبار صدوره، لا باعتبار وصوله إليه وتضرره به ﷻ.","vol":"24","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-618>معنى حديث: (لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه) ودرجته</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقول ابن رجب: وخرج أبو داود وابن ماجه من حديث أبي سنان سعيد بن سنان، عن وهب بن خالد الحمصي، عن ابن الديلمي أنه سمع أبي بن كعب يقول: (لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم) وأنه أتى ابن مسعود فقال له مثل ذلك، ثم أتى زيد بن ثابت فحدثه عن النبي ﷺ بمثل ذلك، وفي هذا الحديث نظر، فـ وهب بن خالد ليس بذلك المشهور بالعلم، وقد يحمل على أنه لو أراد تعذيبهم لَقَدَّر ما يعذبهم عليه، فيكون غير ظالم لهم حينئذٍ، فما تعليقكم على هذا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  صح هذا الحديث عن بعض أهل العلم، ومعناه: لو أن الله ﷿ عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم فهذه النعم التي أنعم الله تعالى بها على العباد، كالسمع والبصر، والأخذ والإعطاء، والمشي وما إلى ذلك هي نعم، فلو أن الله ﷿ آخذهم عليها ولم يتجاوز عنهم ما سلموا من العذاب وما سلموا من الجزاء؛ لحصول التقصير منهم ولحصول النقص منهم، فلهذا لو عذبهم لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولكنه يتجاوز عن سيئاتهم وعن أخطائهم وعن تقصيرهم، كما قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠].","vol":"24","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-619>حكم القول بأن إيجاد الخلق على الوجه الموجود خير من غيره</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هنا كلام لـ ابن رجب عند جملة: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا)، حيث قال: ومن الناس من قال: إن إيجاده لخلقه على هذا الوجه الموجود هو خير من وجوده على غيره، وما فيه من الشر فهو شر إضافي نسبي بالنسبة إلى بعض الأشياء دون بعض، وليس شرًا مطلقًا بحيث يكون عدمه خير من وجوده من كل وجه، بل وجوده خير من عدمه، قال: وهذا معنى قوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران:٢٦] ومعنى قول النبي ﷺ: (والشر ليس إليك) يعني: الشر المحض الذي عدمه خير من وجوده ليس موجودًا في ملكه، فإن الله تعالى أوجد خلقه على ما تقتضيه حكمته وعدله، وخص قومًا من خلقه بالفضل وترك آخرين منهم بالعدل؛ لما له في ذلك من الحكمة البالغة.\nقال ابن رجب: وهذا فيه نظر، وهو يخالف ما في هذا الحديث من أن جميع الخلق لو كانوا على صفة أكمل خلقه من البر والتقوى لم يزد ذلك في ملكه شيئًا، ولا قدر جناح بعوضة، ولو كانوا على صفة أنقص خلقه من الفجور لم ينقص ذلك من ملكه شيئًا، فدل على أن ملكه كامل على أي وجه كان، لا يزداد ولا يكمل بالطاعات، ولا ينقص بالمعاصي ولا يؤثر فيه شيئًا.\nفهل الصواب مع القائل أم مع ابن رجب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  النظر في الكلام الأول الذي فيه أنه ليس هناك شيء خير مما كان ونحو ذلك.\nوأما قوله: (والشر ليس إليك) فيعني: أن الله ﷿ لم يخلق شرًا محضًا لا يترتب عليه خير بوجه من الوجوه، بل إنه ما من شر يخلو من مصلحة أو فائدة، أما أن يكون شرًا محضًا لا خير فيه بوجه من الوجوه فهذا الذي نفاه النبي ﷺ عن الله ﷿ بقوله: (والشر ليس إليك)، والله ﷿ خالق كل شي، خالق الخير وخالق الشر، فالشر من خلقه، والخير من خلقه، ولكن الشر الذي نفي عنه هو الشر الذي لا خير فيه بوجه من الوجوه، ولا يترتب عليه مصلحة، فهذا معناه صحيح ليس فيه إشكال، ولكن لعل الحافظ ابن رجب يقصد الكلام الذي جاء في صدر السؤال، وهو قوله: إن إيجاده لخلقه على هذا الوجه الموجود أكمل من إيجاده على غيره.\nفهذا فيه نظر لا شك.\nوالله ﷿ قال: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩] فلو شاء لجعل الناس كلهم مهتدين، ولكنه تعالى شاء أن يبتلى العباد وأن يمتحنوا وأن يؤمروا وأن ينهوا وأن يتبين أولياء الله من أعداء الله، فلعل المقصود بذلك هو الأول.\nولعله يوضحه قوله: وما فيه من الشر فهو شر إضافي نسبي بالنسبة إلى بعض الأشياء دون بعض، وليس شرًا مطلقًا بحيث يكون عدمه خيرًا من وجوده من كل وجه.","vol":"24","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-620>حكم من مات ولم يسمع بالإسلام</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في بعض أماكن بلادي أناس ما سمعوا عن الإسلام كلمة، وهم على الكفر، فما حكم هؤلاء إذا جاءهم الموت؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا أدري كيف يكون في بلادك أناس ما سمعوا عن الإسلام؟! مع أن هذه الوسائل التي يسرها الله في هذا الزمان منتشرة وعامة وموجودة، ويصل فيها كل خير وكل شر، كل خير يصل إلى الناس عن طريقها، وكل شر يصل إلى الناس عن طريقها، فكيف لا يصل الإسلام وذكر الإسلام إليهم وهذه الوسائل الموجودة المنتشرة في هذا الزمان جعلت العالم كله كأنه في بيت واحد أو في قرية واحدة؟! نعم يمكن أن يكون بعض الناس ليست لهم صلة بالعالم، ولا لهم صلة بهذه الوسائل، فيمكن أن يكونوا في أمكان بعيدة أو في غابات وما إلى ذلك، والذي لم تبلغه الرسالة ولم يبلغه الدين يكون حكمه حكم المجانين، وحكم الناس الذين يمتحنون يوم القيامة، وعلى ضوء ذلك الامتحان يتبين من يكون سعيدًا ومن يكون شقيًا، كما ذكر ذلك العلماء، وكما ذكروا ما ورد في ذلك عند تفسير قول الله ﷿: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥].","vol":"24","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-621>مدى صحة وجود الأدب مع الله في قوله: (ومن وجد غير ذلك)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قوله: (ومن وجد غير ذلك) هل فيه أدب مع الله تعالى من باب قوله: (والشر ليس إليك)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الذي في حديث أبي ذر ليس فيه إضافة إلى الله تعالى، فلفظ الحديث: (من وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)؛ فليس في اللفظ إضافة الخير إلى الله ﷿ حتى يقال: فيه الأدب الذي ذكره الله عن الجن في قوله: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠]، ففي هذه الآية ما أضيف الشر إلى الله ﷿، والخير أضيف إلى الله ﷿، فقال ﷿ عنهم حين ذكر الشرُّ: «وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ» فذكر مبنيًا لما لم يسمّ فاعله.\nوالخير ذكر مبنيًا للمعلوم.\nوأما لفظ: (غير ذلك) فليس من هذا الباب، ولا يشكل إن قال: ومن وجد شرًا، لكن لما كان ليس هناك إلا خير وشر ذكر الخير وكنى عن غيره بقوله: (غير ذلك).","vol":"24","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-622>دلالة الأمر بالحمد في قوله: (فمن وجد خيرًا فليحمد الله)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قوله: (فمن وجد خيرًا فليحمد الله) هل هذا الحمد الذي أمر به في حق من وجد خيرًا في الدنيا، أم في الآخرة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كل ذلك وارد ومقصور، فالخير يوجد في الدنيا وثوابه يوجد في الدنيا ويوجد في الآخرة، وفي الدعاء الذي في القرآن: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]، فحسنة الدنيا وحسنة الآخرة هي الثواب من الله ﷿ يحصل في الدنيا ويحصل في الآخرة، والعقوبة تحصل في الدنيا وتحصل في الآخرة، فمن وجد خيرًا في الدنيا فليحمد الله ﷿ وليزد في الإحسان، وفي الآخرة كذلك يحمد الله ﷿ على ما أنعم عليه حتى وصل إلى ما وصل إليه، وكذلك أيضًا من وجد غير ذلك في الدنيا فلا يلم إلا نفسه، وعليه أن يسعى لتدارك التقصير وتدارك الخلل حيث حصل له عقوبة في الدنيا وضرر في الدنيا بما أصابه من المصائب وذلك بسبب ذنوبه، كما قال الله ﷿: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، وفي الآخرة يندم حيث لا ينفعه الندم، وأما في الدنيا فإنه إذا ندم فهناك فسحة لأن يتدارك.","vol":"24","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-623>الجمع بين الحكم على الإنسان بالظلم مع تحريم الظلم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف نفهم تحريم الظلم الذي ورد في الحديث مع قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]، كما أن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إن الأصل في بني آدم الظلم والجهل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الظلم كما هو معلوم محرم، ومن الناس من يحصل منه الظلم ويكون ظلومًا وجهولًا.\nوأما مقولة شيخ الإسلام فيعني بها أنه غالبًا لا يسلم من الظلم أحد، سواء ظلمهم لأنفسهم أو لغيرهم.\nوأما كونه أصلًا كما قال فلا أدري هل هذا أصل عام في جميع الناس أنهم ظلومون؟! فلا أعرف وجهه.","vol":"24","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-624>المراد بخلق العبد فعله عند القدرية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  تقول القدرية: إن العبد خالق لأفعاله.\nفهل يقصدون بأفعال العباد خيرها وشرها أم الشر فقط؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  منهم من قال: الخير والشر.\nومنهم من قال: الشر فقط.","vol":"24","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-625>حكم أخذ العلم عن علماء الضلال</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في بلادنا لا يوجد علماء يوجهون الناس التوجيه الصحيح، وإنما يوجد في الغالب علماء الضلال مثل: الصوفية، فالإنسان عندما ينشأ في هذا المجتمع ويدرس على هؤلاء كيف يكون الحكم عليه، وهل يعذر بالجهل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان هؤلاء المدرسون يضلون ويخرجون الناس عن الفطرة التي فطرهم الله عليها إلى الانحراف عنها فلا يدرسن أحد عندهم، ولكن يمكنه أن يحصل على الأشرطة وعلى الكتب والرسائل المفيدة السليمة ويشتغل بها، وبحمد الله ففي هذه الزمن تيسر الحصول على العلم بشكل ما حصل مثله فيما مضى، وذلك لوجود هذا التسهيل للكلمات والدروس والمحاضرات والندوات، ويكون الإنسان كأنه موجود بين هؤلاء الذين صدرت منهم المحاضرات باقتنائه لهذه الأشرطة وسماعه إياها، فإن ذلك يفيده، ويمكنه من أن يستفيد وأن يتعلم، وإذا تيسر له أيضًا أن يتصل بالهاتف أو يكتب الرسائل لأهل العلم ويستفيد منهم فذلك أمر طيب، وإذا كان أولئك الذين يحصل منهم التدريس ليسوا على استقامة وإنما هم من أهل البدع والضلال فلا يدرس عندهم لئلا يضلوه، ولئلا يقع فيما وقعوا فيه فيبتلى بما ابتلوا به.","vol":"24","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-626>اجتهاد السلف في العبادة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقول ابن رجب: وقد كان السلف الصالح يجتهدون في الأعمال الصالحة حذرًا من لوم النفس عند انقطاع الأعمال على التقصير، وفي الترمذي عن أبي هريرة مرفوعًا: (ما من ميت يموت إلا ندم، إن كان محسنًا ندم على ألا يكون ازداد، وإن كان مسيئًا ندم ألا يكون استعتب) وقيل لـ مسروق: لو قصرت عن بعض ما تصنع من الاجتهاد؟ فقال: والله لو أتاني آتٍ فأخبرني ألا يعذبني لاجتهدت في العبادة.\nقيل: كيف ذاك؟ قال: حتى تعذرني نفسي إن دخلت النار ألا ألومها، أما بلغك قول الله تعالى: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة:٢] فما تعليقكم على هذا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  سلف هذه الأمة رحمة الله عليهم كان كثير منهم يجتهدون في العبادة، ويعتبرون أنفسهم مقصرين، فهم مع اشتغالهم بالعبادة لا يعتبرون أنفسهم قد قدموا شيئًا، بل يهضمون جانبهم ويعتبرون أنهم مقصرون، كما قال الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] فمع عنايتهم بالعبادة ومع اشتغالهم بالعبادة يعتبرون أنفسهم مقصرة، وقد جاء في ترجمة منصور بن زاذان أنه قيل: لو قيل لـ منصور بن زاذان: إن ملك الموت بالباب ما أمكنه أن يزيد شيئًا من الأعمال.\nلأنه كان دائمًا على الصلة بالله ﷿ في عبادته له ﷾.\nفإذًا: ما جاء من آثار عن السلف من جهة اهتمامهم بالعبادة وخوفهم من عدم القبول واعتبار أنفسهم مقصرين كان ذلك هو ديدنهم وشأنهم رحمة الله تعالى عليهم.","vol":"24","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-627>توجيه حول أحداث التفجيرات الواقعة في الرياض</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما قولكم في الفتن والتفجيرات التي تحدث في الرياض وتتكرر، وهل هناك من توجيه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أن هذا من إغواء الشيطان لبعض الناس الذين فتنوا بإيذاء الناس وإلحاق الأضرار بهم، بحيث يهلكون أنفسهم ويهلكون غيرهم، فيكونون قد جمعوا بين جنايتين: جناية على أنفسهم، حيث تسببوا في إهلاكها وقتلها، والله ﷿ حرم قتل النفس، وجناية أخرى على غيرهم، حيث تسببوا في هلاكهم، وقد قتل أُناس بغير حق شرعي، وقد بين ﷺ في خطبته يوم النحر فقال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا) فلا شك أن هذا من الإجرام، ولا شك أن هذا من الاستسلام للشيطان والانقياد له، بحيث يجني الإنسان على نفسه ويجني على غيره، ويلحق الضرر بنفسه وبغيره.\nفهؤلاء الذين يفجرون بأنفسهم ويتسببون في إتلاف الآخرين وإهلاكهم وإتلاف الممتلكات لا شك أنهم جمعوا بين مصائب متعددة، وبين بلاء متنوع لا يقتصر عليهم، بل هم ذهبوا نتيجة له، وغيرهم ذهبوا نتيجة له، وسيلقى كلٌّ ما قدم من الأعمال السيئة التي يفعلها في هذه الحياة، وسيجد أمامه الجزاء على ذلك والعقوبة على ذلك، والعاقل يجب عليه أن يحرص على مصلحته ومصلحة غيره، وعلى منفعته ومنفعة غيره، فلا يحصل منه إخلال بهذه المصالح وبهذه المنافع، بحيث يبدل ذلك بإساءة إليه وإلى غيره، ولا شك أن هؤلاء فعلوا أفعالًا في غاية الإجرام وغاية الضرر، فقتلوا الآمنين، سواءٌ أكانوا من الساكنين في تلك الأماكن أم من المارين في تلك الأماكن، ولا شك أن هذا في منتهى الإجرام وفي منتهى الخبث، ونسأل الله ﷿ أن يكفي المسلمين شر الأشرار، وأن يهدي من ضل ويخرجه من الظلمات إلى النور؛ إنه ﷾ سميع مجيب.","vol":"24","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-628>درجة حديث: (كل بني آدم سيد) والجمع بينه وبين النهي عن وصف المنافق بأنه سيد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قال السبكي في طبقات الشافعية في الجزء الثاني في صفحة (٢٦) في ترجمة أحمد بن عمرو بن السرح: وكان من جملة العلماء، شرح موطأ مالك، وتفرد عن ابن وهب بحديث، فقال: حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث، عن أبي يونس، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: (كل بني آدم سيد، والرجل سيد أهله، والمرأة سيدة بيتها) وقال: هذا حديث صحيح غريب.\nانتهى من الطبقات.\nفما مدى صحة هذا الحديث؟ وما رأيكم في هذه المسألة؟ ثم لو صح -كما قال السبكي - فما الجمع بينه، وبين النهي عن إطلاق لفظ السيد، كما في حديث: (لا تقل للمنافق: سيد)؛ لأنه في ذلك الحديث جعل كل بني آدم سيدًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أبو يونس ما أعرفه، والباقون معروفون، وكلهم ثقات، ولكن لو صح الحديث فالمقصود بالسيد الذي هو سيد قومه كما هو معلوم، فالأشرار رأسهم منهم، والأخيار رأسهم منهم، والسؤدد هنا لو صح الحديث المقصود به تقدم المرء على غيره، فيكون مرجعًا في الخير ومرجعًا في الشر، لكن التقدم في الشرع أمر محبوب وأمر مرغوب وأمر ممدوح.\nولا يستقيم ما جاء في هذا الحديث إلا أن يعتبر تقدمًا، وكون الإنسان رأسًا في شر أو رأسًا في خير، فيكون مقدم الخبثاء من جنسهم، ومقدم الأخيار من جنسهم، ولكن لا يعني ذلك أن كل متقدم يكون محمودًا؛ لأن هناك تقدمًا مذمومًا وتقدمًا محمودًا، وذلك راجع إلى حال المتقدم، ولما كتب رسول الله ﷺ إلى هرقل قال: (عظيم الروم)، يعني: أنه مقدم وكبير فيهم.","vol":"24","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-629>تبرع العامل بإعطاء أصحابه كتبًا موقوفة للتوزيع</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أعمل في مكان لتوزيع الكتب الموقوفة، وأحيانًا يأتي بعض الإخوة الذين أعرفهم فأعطيهم دون علم الإدارة، علمًا أن الكتب توزع للجميع؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ذلك راجع إلى الطريقة التي رسمت له، فهل رسم له أن يوزع على الفئة الفلانية؟ إن كان مطلوبًا منه أن يوزع على جهة معينة فلا يعط غيرهم، وإن كان الأمر مطلقًا أعطى من يعرف ومن لا يعرف، ممن يكون أهلًا لذلك.","vol":"24","page":27},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-630>[٢٥]</span>\nلقد تفضل الله تعالى على عباده ففتح لهم أبواب القرب باليسير من الأعمال، فجعل في أقوال اللسان أذكارًا يحصل بها الأجر الكثير ويتصدق بها العبد عن جسده، كما جعل مثل ذلك في الإصلاح بين المتخاصمين، وإعانة الرجل في دابته، والمشي إلى الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحسن الخلق، بل حصر النبي ﷺ البر كله في حسن الخلق، وذلك لما له عند الله تعالى من المكانة والأهمية.","vol":"25","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-631>شرح حديث: (ذهب أهل الدثور بالأجور)</span>\nيقول الإمام النووي ﵀ في الأربعين النووية: عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه: (أن أناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا للنبي ﷺ: ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال رسول الله ﷺ: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة.\nقالوا: يا رسول الله! أياتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) رواه مسلم.","vol":"25","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-632>الصدقات المقصور نفعها على المتصدق</span>\nهذا الحديث يدل على أن أصحاب رسول الله ﷺ حريصون على كل خير وعلى التنافس في الخيرات، ومن كان منهم فقيرًا فإنه يحب أن ينافس من كان غنيًا في الخير، ولهذا شكا فقراؤهم إلى النبي ﷺ أنهم لا يستطيعون أن يفعلوا مثلما فعل الأغنياء؛ لأنهم متفقون مع الأغنياء في أنهم يصلون جميعًا ويصومون جميعًا، ولكن الأغنياء يزيدون عليهم بأنهم يتصدقون، وقد فهموا أن الصدقة إنما تكون بالمال، ولا شك أن الصدقة بالمال هي الأساس وهي الأصل، فأخبرهم النبي ﷺ بأن الصدقة تكون في غير المال أيضًا، وأن الإنسان إذا عجز عن الصدقة بالمال فيمكنه أن يأتي بشيء يقدر عليه ويكون له صدقة، فقال ﵊: (أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟) يعني: من أمور أخرى تقدرون عليها، وليس من الذي لا تقدرون عليه وهو الصدقة بالمال، فبين لهم ﷺ أن الأذكار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كل ذلك يعتبر من الصدقات، فقال ﵊: (إن بكل تسبيحة صدقة) أي: كون الإنسان يقول: سبحان الله له بذلك صدقة، وهي صدقة على نفسه؛ لأنها صدقة قاصرة ليست متعدية؛ لأنه كلام وذكر يقوله بنفسه، فنفعه قاصر وليس متعديًا.\nقال: (وكل تكبيرة صدقة) أي: كونه يقول: الله أكبر.\nقوله: (وكل تحميدة صدقة) أي: كونه يقول: الحمد لله.\nقوله: (وكل تهليلة صدقة) أي: كونه يقول: لا إله إلا الله.\nفهذه الكلمات الأربع كل واحدة منها إذا أتى بها الإنسان فإن بكل واحدة منها صدقة منه على نفسه.\nفبين ﷺ أن الصدقة تكون في غير المال، وأنها تكون بالذكر.","vol":"25","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-633>الصدقات المتعدي نفعها</span>\nذكر بعد ذلك ما كان نفعه متعديًا، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالآمر والناهي متصدق على نفسه وعلى غيره، فهو متصدق على نفسه؛ بكونه عمل صالحًا وفعل أمرًا معروفًا ونهى عن منكر وأرشد إلى خير، ونافعٌ غيره؛ لأن ذلك تعاون مع غيره على البر والتقوى، وذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيكون الإنسان قد أحسن إلى غيره وعدى ذلك النفع إلى غيره بأن أمره بالمعروف ونهاه عن المنكر، فينتفع المدعو، ويكون للداعي مثل أجر المدعو، وفي نفس الوقت يكون الداعي حين دعا غيره مأجورًا على دعوته ومأجورًا على أمره ونهيه.\nفالنبي ﷺ ذكر أنواعًا من الصدقات يقدر عليها الفقراء، ولا يختص بها الأغنياء أو غيرهم، وإنما هي عامة لكل أحد، فكلٌّ يستطيع أن يأتي بها.\nوبعض ذلك الذي ذكره ﷺ نفعه قاصر، وهو التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل، وبعضه نفعه متعد، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.","vol":"25","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-634>وجه كون قضاء الوطر في الحلال صدقة</span>\nثم ذكر بعد ذلك أمرًا من الأمور التي للنفوس فيها حظ ووطر وهو قضاء الشهوة، والإنسان فيها يستفيد ويفيد، يحصن نفسه ويحصن غيره، ويعف نفسه ويعف غيره، وينال هذه الشهوة وهذه اللذة ومع ذلك يكون له فيها أجر، فدل على أن الأمور المباحة التي للنفوس فيها حظوظ وفيها قضاء الشهوة والوطر، إذا احتسبها الإنسان عند الله وقصد بها إعفاف نفسه وإعفاف غيره، وإحصان فرجه وإحصان غيره، والإحسان إلى نفسه والإحسان إلى غيره، فإنه يكون بذلك محصلًا للأجر.\nالصحابة ﵃: (يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟!) قالوا ذلك؛ لأن هذا أمر يتعلق بأمور للنفس فيها حظ، فأرادوا الاستثبات في ذلك والتحقق، وهم عالمون وقاطعون بأن كل ما يقوله الرسول ﷺ حق، ولكن هذا من باب الاستثبات والاطمئنان، فالنبي ﷺ قاس هذه المسألة على مسألة تقابلها، وهي قضاء الشهوة في أمر محرم، فإنه إذا قضاها في أمر محرم أثم، فإذا قضاها في أمر مشروع وأمر مباح فإنه يكون له في ذلك أجر.\nوهذا فيه إثبات القياس؛ لأن النبي ﷺ قاس كون الإنسان يأتي شهوته في أمر حلال على قضاء الشهوة في أمر حرام، وأنه إذا قضاها في أمر حرام فإنه يأثم ويستحق العقوبة، فكذلك إذا أتى بها في أمر مباح وأمر مشروع فإنه يكون قد أحسن، وهو مستحق للأجر والثواب على ذلك من الله ﷿، وهذا يسمى قياس العكس؛ لأن المسألة المقيسة معاكسة للمسألة المقيس عليها، فالمقيس عليها هي فعل أمر حرام فيه قضاء شهوة يكون فيه إثم، ويقابل ذلك قضاء الشهوة في أمر مباح، فيكون في هذا أجر كما أن في ذلك وزرًا.\nقال ﵊: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر).\nفالحديث دل على أن أصحاب الرسول ﷺ هم السباقون إلى الخير وهم الحريصون على كل خير، وهم الذين كانوا يتنافسون في الخيرات ويتقربون إلى الله بالأعمال الصالحات، ومن كان عاجزًا عن شيء فإنه يجب أن يلحق بمن كان قادرًا عليه، ولهذا سألوا النبي ﷺ عن هذا الاختلاف الذي بينهم وبين غيرهم فأرشدهم النبي ﷺ إلى ما يقدرون عليه، وأن الله تعالى يثيبهم على هذه الصدقات المتنوعة التي بعضها نفعه قاصر وبعضها نفعه متعدٍ، وأن كل ذلك صدقة منهم على أنفسهم فيما إذا كان النفع قاصرًا، وصدقة منهم على أنفسهم وعلى غيرهم إذا كان النفع متعديًا.","vol":"25","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-635>شرح حديث: (كل سلامى من الناس عليه صدقة)</span>\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة) رواه البخاري ومسلم.\nقوله ﷺ: (كل سلامى من الناس عليه صدقة) أي: أن كل يوم تطلع فيه الشمس فإن على مفاصل الإنسان كلها صدقة في كل يوم، والسلامى جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة أنها المفاصل، وجاء فيه: أنها ثلاثمائة وستون مفصلًا، وهذه المفاصل يكون عليها في كل يوم صدقة، وهذه الصدقة التي تكون من هذه المفاصل هي تحركها في العبادة، واشتغالها بالعبادة، فبين ﷺ أن مفاصل الإنسان التي هي ثلاثمائة وستون مفصلًا عليها في كل يوم تطلع فيه الشمس صدقة، فليس ذلك في العمر أو في الشهر أو في الأسبوع، بل في كل يوم، ثم إن النبي ﷺ ذكر أمثلة مما تكون به الصدقة، وهذا من قبيل التمثيل وليس من قبيل الحصر؛ لأن كل عمل صالح يتقرب به الإنسان إلى الله ﷿ فهو صدقة، فمن ذلك ما يكون قاصرًا كالذكر والدعاء والصلاة والصيام، ومنه ما يكون متعديًا كالصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإماطة الأذى عن الطريق وغير ذلك من كل ما هو متعد نفعه إلى الآخرين، فإن الإنسان يتصدق على نفسه وعلى غيره.","vol":"25","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-636>صدقة إصلاح ذات البين</span>\nقوله: (تعدل بين اثنين) أي: متخاصمين متنازعين بينهما خلاف فتصلح بينهما بالعدل أو تحكم بينهما بالعدل إذا حكّماك، فإن ذلك صدقة منك على نفسك وعلى غيرك؛ لأنك أحسنت إلى نفسك وأحسنت إلى غيرك، أحسنت إلى نفسك بأن عدلت وأصلحت بين الناس، وأحسنت إلى غيرك حين أتيت إلى الإصلاح بينهما، وحصل على يديك الإصلاح بينهما ودفع الشقاق والنزاع بينهما.","vol":"25","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-637>صدقة إعانة الرجل في دابته</span>\nقوله: (وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة) أي: صدقة منك على نفسك وعلى غيرك؛ لأن نفعها متعد، وقد يكون الإنسان محتاجًا إلى أن يساعده في الركوب على الدابة؛ لكونه شخصًاَ كبيرًا أو ولدًا صغيرًا، وذلك بأن يساعده على الركوب عليها إن كانت واقفة، وإن كانت باركة يركب عليها صاحبها ثم ذاك يقيمها حتى تعتدل وحتى تقوم، فيكون مساعدًا له في حمله عليها، وكذلك أيضًا تحمل له متاعه عليها، وأغراضه من حطب أو عشب أو طعام أو أي شيء يحتاج إلى حمله على الدابة، فإذا ساعدته على حمله عليها وكان الذي يحمل عليها ثقيلًا لا يستطيع أن يحمله الشخص الواحد، فأتيت وحملت أنت وصاحب الدابة ذلك المتاع ورفعته على ظهر الدابة فإن ذلك صدقة منك على نفسك؛ لأنك أحسنت وفعلت أمرًا معروفًا مشروعًا، وأحسنت إلى غيرك بأن رفعته عليها حيث يكون محتاجًا إلى ذلك.","vol":"25","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-638>الصدقة بالكلمة الطيبة</span>\nقوله: (والكلمة الطيبة صدقة) كل كلام حسن وكل كلام طيب وكل كلام جميل فإنه صدقة من الإنسان على نفسه، أو صدقة منه على نفسه وعلى غيره؛ لأنه إن كان ذكرًا أو قراءة قرآن أو تسبيحًا أو تحميدًا أو تهليلًا أو تحميدًا فكل ذلك يعتبر صدقة، وكذلك قراءة القرآن وتعليم العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكل ما يحصل من الإنسان من كلام طيب فإنه يعتبر صدقة.\nوالكلمة الطيبة هي كلمة مفردة وهي جملة، ولكن يدخل تحتها الذكر، وقراءة القرآن، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتعليم وغير ذلك، كل ذلك يدخل تحت الكلمة الطيبة.","vol":"25","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-639>صدقة المشي إلى الصلاة</span>\nقوله: (وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة) هذا يحصل بكون الإنسان يذهب إلى المساجد فيحصل الأجر في ذهابه وإيابه، فكل خطوة يخطوها إلى الصلاة في ذهابه إلى المسجد يرفع له بها درجة ويحط عنه بها خطيئة، وهذا نفع قاصر وليس بمتعد، وهو من الأفعال؛ لأن الصدقات المذكورة منها ما هو أقوال ومنها ما هو أفعال، فالعدل بين الناس قول وهو متعدٍّ؛ لأن العدل بينهم والحكم بينهم بالكلام وبالقول، وحمل الإنسان على الدابة هو فعلي وهو متعد، وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة فعلية قاصرة ليست بمتعدية؛ لأنه نفعها لا يتجاوز صاحبه ولا يتعداه إلى غيره.","vol":"25","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-640>صدقة إماطة الأذى عن الطريق</span>\nقوله: (وإماطة الأذى عن الطريق صدقة) يعني: كون الإنسان يجد في الطريق سواء طريق المشاة أو طريق السيارات شيئًا يعوق المشاة أو السيارات فيزيله عن الطريق وينحيه عن الطريق، سواء أكان زجاجًا أم حجرًا أم حديدًا أم غير ذلك مما يتأذى به الناس، أو يكون شيئًا ساقطًا في طريق السيارات، فلو جاءت السيارة عليه لحصل بذلك ضرر عليها وعلى ركابها، فينحي ذلك الذي في الطريق عن الطريق ويميطه عنها، فإن ذلك منه صدقة على نفسه وعلى غيره؛ لأنه من النفع المتعدي، وهو فعل متعد إلى غيره، فيستفيد منه المميط والناس الذين يمرون في الطريق، وقد جاء عن النبي ﷺ أن إماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان، كما جاء في الحديث: (أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان).","vol":"25","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-641>عموم الصدقات ودور ركعتي الضحى في الإجزاء عنها</span>\nهذا الحديث قد بين فيه النبي الكريم ﷺ أن كل يوم تطلع فيه الشمس فإن على كل سلامى من الناس صدقة، وتلك الصدقة تكون بفعل الخيرات وإن لم تكن مالًا يدفع للفقراء، بل الذكر صدقة، والعدل بين الناس صدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صدقة، وقضاء الإنسان شهوته بالجماع صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، وبكل خطوة يمشيها إلى المساجد صدقة، فكل ذلك من أنواع الصدقات، وقد جاء في حديث أبي ذر في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (ويجزئ عن ذلك ركعتان تركعهما من الضحى) يعني: يجزئ عن هذه الصدقات التي تكون على المفاصل كلها، وهي ستون وثلاثمائة مفصل، فيمكن أن تؤدى هذه الصدقة عن هذه المفاصل بالإتيان بركعتين من الضحى؛ وذلك لأن الإنسان في صلاته ركعتين تتحرك أعضاؤه وتتحرك مفاصله، وتكون هذه الصلاة صدقة عن هذه المفاصل.\nإذًا: فالإتيان بهذه الصدقات عن هذه المفاصل كلها سهل ومشروع؛ لأنه يحصل ذلك بركعتين من الضحى تتحقق بها هذه الصدقات الكثيرة على هذه الأعضاء التي هي المفاصل.","vol":"25","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-642>شرح حديثي النواس بن سمعان ووابصة بن معبد في البر والإثم</span>\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [عن النواس بن سمعان ﵁ عن النبي ﷺ قال: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس)، رواه مسلم.\nوعن وابصة بن معبد رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ فقال: (جئت تسأل عن البر والإثم؟ استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك) حديث حسن رويناه في مسندي الإمامين: أحمد بن حنبل والدارمي بإسناد حسن].","vol":"25","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-643>وجه جعل البر حسن الخلق</span>\nهذا الحديث يتعلق بالبر والإثم، والبر جاء في حديث النواس بن سمعان أنه حسن الخلق، فيحتمل أن يكون المراد بقوله: (حسن الخلق) الخلق الحسن الذي هو من جملة أعمال البر ومن جملة وجوه الخير، فيكون نظير قوله: (الدين النصيحة) وقوله: (الحج عرفة).\nويكون التنصيص عليه من بينها لعظم شأنه وأهميته، ويحتمل أن يكون المراد بحسن الخلق جميع أعمال الخير، ويدل على ذلك ما جاء عن عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ كان خلقه القرآن)، أي: أنه يتأدب بآدابه ويمتثل أوامره ويجتنب نواهيه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فيكون حسن الخلق على ذلك عامًا ليس مقصورًا على الخلق الكريم الذي هو معاملة الناس، ومن جملة ما يدخل فيه معاملة الناس معاملة طيبة، وأنه يحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لها، ويأتي إليهم ما يحب أن يؤتى إليه، فيكون أعم من التفسير الأول.\nإذًا: إما أن يكون مرادًا بالبر الخلق الحسن، ويكون في ذلك إشارة إلى خصلة من خصال البر، ويدل على عظم شأنه، إذ قد جاء فيه أحاديث كثيرة تدل على عظم شأنه وأن أثقل ما يوضع في الميزان هو الخلق الحسن، ويحتمل أن يكون المراد به العموم، فكل ما هو خير سواء أكان من الأقوال أم الأفعال فإنه يدخل تحت حسن الخلق، ويدل عليه ما جاء عن عائشة (أن الرسول ﷺ كان خلقه القرآن)، وذلك لأنه كان يتأدب بآداب القرآن، ويأتي بأحكام القرآن، ويأتمر بأوامر القرآن، وينتهي عن نواهي القرآن.","vol":"25","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-644>معنى قوله: (والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس)</span>\nقوله: (والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس) أي: لست مطمئنًا إليه وفي نفسك منه شيء، وهذا يكون في حق المؤمنين، وليس في حق كل أحد؛ لأن من الفساق من يأتي الإثم ولا يبالي باطلاع الناس عليه، كما في الحديث: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت) فمن الناس من يفعل المعاصي ولا يبالي بها، بل ويجاهر بها ولا يستحي من الله ولا يستحي من الخلق، فمثل هذا ليس هو ممن يحيك في صدره الإثم، بل هذا متمكن من الإثم وواقع في الإثم، وليس مما يحصل منه الأمور المشتبهات، بل هو واقع في المحرمات الواضحات الجليات، وإنما يكون هذا في حق المؤمنين الذين يخافون الله والذين يتورعون ويحافظون على دينهم وعلى أعراضهم، كما في حديث النعمان بن بشير: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه).\nقوله: (وكرهت أن يطلع عليه الناس) أي: لأنه مما يستحيا منه، ولأن الناس إذا اطلعوا عليه ذموا الإنسان وعابوه وقدحوا فيه وتكلموا في عرضه، فهذا هو الإثم.","vol":"25","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-645>الفرق بين البر والتقوى وبين الإثم والعدوان</span>\nإن البر يأتي مقرونًا بالتقوى، كما قال الله ﷿: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢] وعند اجتماعهما يفسر البر بأنه فعل الطاعات، والتقوى بأنها ترك المعاصي، فيقسم المعنى على البر والتقوى، فيكون نصيب البر من ذلك فعل الطاعات، ويكون نصيب التقوى من ذلك ترك المعاصي، وإذا أفرد أحدهما عن الآخر اجتمع فيه ما يتعلق بالطاعات وما يتعلق بالمعاصي، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة:١٧٧] فإن هذه الآية اشتملت على أمور قلبية، وقد جاء فيها ذكر خمسة من أركان الإيمان الستة دون الإيمان بالقدر، وجاء فيها أيضًا أعمال متعدية، فتكون شاملة للطاعات وللمنهيات، وإذا أفرد أحدهما عن الآخر فإنه يتسع للطاعات والمنهيات، فالبر إذا جاء وحده شمل الطاعات والمنهيات، والتقوى إذا جاءت وحدها شملت الطاعات والمنهيات، وإذا جمع بينهما يقسم المعنى بينهما، فيعطى البر ما يتعلق بالطاعات، وتعطى التقوى ما يتعلق بترك المعاصي، والإثم يأتي معه العدوان، وفي آية سورة المائدة: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] فيفسر الإثم بالمعاصي والذنوب، ويفسر العدوان بالاعتداء على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم وغير ذلك مما يكون فيه اعتداء عليهم، فيما هم مختصون به، وذلك بإتلافه أو بالإخلال به.","vol":"25","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-646>معنى قوله: (استفت قلبك)</span>\nأما حديث وابصة بن معبد فقد جاء إلى النبي ﷺ فقال له: النبي ﷺ: (جئت تسأل عن البر؟) والنبي ﷺ قال له ذلك قبل أن يبدي وابصة ما عنده وسؤاله عما يريد، فلعل النبي ﷺ علم ذلك لكونه علم منه اهتمامه بهذا الموضوع وعنايته بهذا الأمر، وقد يكون سبق أن سأله في هذا الموضوع، فالرسول ﷺ قال له: (جئت تسأل عن البر؟) أي: أنه جاء يسأل عن البر والإثم، فالنبي ﷺ قال له: (استفت قلبك، البر ما اطمأنت له النفس واطمأن إليه القلب).\nفقوله: (استفت قلبك) هذا إنما يكون في حق من يكون من المؤمنين المتقين، مثل: أصحاب الرسول ﷺ وغيرهم ممن يكون من أهل الإيمان، وأما إذا كان من أهل الفجور والعصيان فهذا يفتيه قلبه بارتكاب الأمور القبيحة الواضحة التي لا خفاء فيها ولا لبس، فضلًا عن الأمور المشتبهة التي يحتاج فيها إلى استفتاء القلب.\nفقوله: (استفت قلبك) يعني: أن الإنسان قد يطمئن إلى شيء ويقدم عليه وهو مطمئن، كالحلال البين والحرام البين، فإن ذلك يكون واضحًا لا يتردد فيه الإنسان، ومن الأشياء ما يكون محلًا للتردد، مثل إنسان يسأل عن قبول الهدية من شخص أكثر ماله حرام، فإنه لو أفتاه مفت بإباحته فإن على الإنسان أن يرجع إلى قلبه وإلى ما فيه من التردد وإلى ما فيه من عدم الراحة وإلى ما فيه من عدم الطمأنينة، فلو أفتاه الناس وأفتوه وقلبه غير مطمئن فإنه لا يقدم على ذلك، وهذا في الذين يفتون بغير علم أو يفتون في أمور ليس عليها دليل بين، أما إذا كان إفتاء مبنيًا على أدلة بينة على آيات من كتاب الله وأحاديث من سنة رسول الله ﷺ فهذا ليس للإنسان أن يتردد فيه، بل على كل مسلم أن ينصاع لما جاء عن الله وعن رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، لكن حيث يكون الشيء من الأمور المشتبهة فإن هذا هو الذي يكون فيه استفتاء القلب وإن أفتي، فإن أفتاه من يفتيه ونفسه غير مطمئنة فطريق السلامة من ذلك أنه لا يقدم على هذا الشيء الذي فيه عدم اطمئنانه.\nقوله: (البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب) لا أعلم فرقًا بين هاتين الجملتين: اطمئنان النفس، واطمئنان القلب، ولم يتضح لي فرق بين اطمئنان النفس واطمئنان القلب إلا أن يكون من قبيل التأكيد مع التغاير في الألفاظ واتحاد المعنى.","vol":"25","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-647>معنى قوله: (والإثم ما حاك في النفس)</span>\nقوله: (والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك).\nقوله: (ما حاك في النفس) يعني: ما حصل للنفس فيه مشقة وعدم طمأنينة، فالإنسان إذا لم يكن الأمر واضحًا عنده، بل فيه خفاء في كونه حلالًا أو حرامًا، وكونه سائغًا أو غير سائغ فطريق السلامة في ذلك تجنبه وتركه، كالمثال الذي ذكرته، وهو الهدية ممن يكون أكثر ماله حرامًا، فإن هذا لو أفتى الإنسان في شأنه من يفتيه فإن كونه لا يقدم على ذلك ويتخلص منه لا شك أن فيه الاطمئنان في قلبه والسلامة لنفسه، ويكون بذلك مطمئنًا منشرح الصدر، بخلاف ما إذا كان بخلاف ذلك وأخذ هذه الهدية ونفسه غير مطمئنة، فإن ذلك يحدث له تشوشًا في فكره وفي نفسه، فلا يكون عنده اطمئنان، فيكون الحل الأمثل كما في قوله ﷺ: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) وقوله ﷺ: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) ومعلوم أن الفتوى إما أن تكون بأدلة واضحة وبمن يكون من أهل العلم، فإنه يتعين على المستفتي أن يأخذ بالفتوى، وأما إذا كان الأمر ليس بواضح وإنما هو من الأمور المشتبهات فقد يكون المسئول ليس من أهل العلم، وقد يكون عنده جهل وعنده خفاء وعنده تسرع، فكون الإنسان يأخذ بما فيه الاطمئنان وما فيه السلامة وما فيه الراحة لا شك أن هذا هو الأليق وهذا هو الأولى بالإنسان، والله تعالى أعلم.","vol":"25","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-648>الأسئلة</span>","vol":"25","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-649>علة جمع الإمام النووي بين حديثي النواس ووابصة رضي الله تعالى عنهما</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  الإمام النووي يذكر في الأربعين حديثًا حديث النواس بن سمعان وحديث وابصة بن معبد على هيئة حديث واحد، وعندئذٍ ستكون الأحاديث ثلاثة وأربعين حديثًا، فكيف ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الحديثان جعلا حديثًا واحدًا باعتبار وحدة موضوعهما، فكلاهما يتعلق بالبر والإثم، إلا أن بينهما فرقًا في الألفاظ، ففي حديث النواس قال: (البر حسن الخلق) وفي حديث وابصة قال: (البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب) وهو يقابل قوله في حديث النواس: (الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس) فالحديث واحد باعتبار كون الموضوع واحدًا.","vol":"25","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-650>أثر النية في حصول الأجر على المباحات</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في الحديث الخامس والعشرين من الأحاديث النووية ذكر أن ما تشتهيه النفس وتتعاطاه عن طريق الجبلة كالجماع يؤجر المرء عليه، فهل هذا على الإطلاق، أو أنه لابد من استحضار النية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لابد من استحضار النية في كون الإنسان يقصد إعفاف نفسه وإعفاف غيره وإنجاب الأولاد؛ لحديث: (إنما الأعمال بالنيات) فالأمور المباحة بالنية الصالحة والنية الطيبة تتحول إلى قربات.","vol":"25","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-651>حكم مساعدة الآخرين دون استشعار الأجر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  الإنسان قد يميط الأذى أو قد يعين شخصًا ولا يقصد به التقرب إلى الله، وإنما من باب المساعدة، فما حكم ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، بل يريد الإحسان وطلب الأجر من الله، فكيف أن الإنسان لا يريد أجرًا ولا يفكر في الأجر عندما يفعل هذا الفعل الذي هو إحسان؟! والله تعالى يقول: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] وهذا من الإحسان، فالإنسان يفعل هذا مستحضرًا الفائدة والنفع للمسلمين.","vol":"25","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-652>دلالة قوله: (وإن أفتاك الناس)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في قوله: (وإن أفتاك الناس) ذكر الناس هنا هل يدل على أنهم غير أهل العلم وأنهم العوام؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، هو يشعر بهذا، لكن قد يكون هناك بعض الأمور يفتي فيها بعض أهل العلم وليس فيها دليل، وقد يكون المفتي اجتهد في أمر لا تطمئن إليه النفس، فلو أن إنسانًا من أهل العلم أفتى في مسألة مشتبهة بالحل بناءً على ما وضح له فإن الإنسان لا يطمئن إلى هذا المفتى به؛ لأنه سيقدم عليه وهو غير مطمئن والنفس فيها شيء.","vol":"25","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-653>وجه تسمية كتاب الدارمي بالمسند</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل من تعليق على ما قاله النووي ﵀ في حديث وابصة بن معبد: (حديث حسن رويناه في مسندي الإمامين أحمد بن حنبل والدارمي بإسناد حسن؟).\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الإسنادان فيهما كلام، ولكن جاء لهما شواهد ذكرها ابن رجب بأسانيد جيدة، والألباني صححهما بهذه الشواهد التي ذكرها ابن رجب، فيكون الحديث حديثًا حسنًا أو صحيحًا، وهنا قال: رويناه في مسندي الإمامين أحمد بن حنبل والدارمي بإسناد حسن) والدارمي كتابه يقال له: السنن ويقال له: المسند، وهو ليس مسندًا على الاصطلاح المعروف في المسانيد التي هي على أسماء الصحابة، مثل: مسند الإمام أحمد وغيره من المسانيد، وإنما هو مسند بمعنى أن إسناده بذكر الرواة والرجال مثل: صحيح البخاري، فصحيح البخاري اسمه (الجامع الصحيح المسند من أحاديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه) يعني بذلك: أنه مسند بالتحديث، أي: فيه حدثنا فلان، قال: حدثنا فلان.\nفيكون المسند بمعنى آخر غير المعنى المشهور، وهو أن يكون المقصود به ترتيب الأحاديث أو ذكر الأحاديث على أسماء الصحابة، بحيث يذكر الصحابي ويذكر ما له من الأحاديث، وكتاب الدارمي ليس من هذا القبيل؛ وإطلاق السنن عليه أوضح من جهة أنه على طريقة السنن وليس على طريقة المسانيد، وإذا قيل له: مسند فهو بمعنى أنّ أحاديثه مسندة.","vol":"25","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-654>صفة نقد الجهابذة النقاد للحديث</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نرجو شرح ما قاله أبو حاتم، فقد قال: مثل معرفة الحديث كمثل فص ثمنه مائة دينار، وآخر مثله على لونه ثمنه عشرة دراهم.\nقال: وكما لا يتهيأ للناقد أن يخبر بسبب نقده، فكذلك نحن رزقنا علمًا لا يتهيأ لنا أن نخبر كيف علمنا بأن هذا حديث كذب وأن هذا حديث منكر إلا بما نعرفه.\nقال: وتعرف جودة الدينار بالقياس إلى غيره، فإن تخلف عنه في الحمرة والصفاء علم أنه مغشوش، ويعلم جنس الجوهر بالقياس إلى غيره، فإن خالفه في المائية والصلابة علم أنه زجاج، ويعلم صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلامًا يصلح مثله أن يكون كلام النبوة، ويعرف سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالته بروايته، والله أعلم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه قضية الجهابذة النقاد في معرفة العلل، فالحديث الصحيح يقولون في تعريفه: هو ما روي بنقل عدل تام الضبط متصل السند غير معلٍّ ولا شاذ.\nوالمعل هو الذي يكون له علة خفية قادحة يطلع عليها الجهابذة النقاد، وهم في معرفة الحديث مثل: الصيارفة النقاد لمعرفة الصحيح والمغشوش في النقود، أي: أنه متى نظر الإنسان فيه عرفه؛ لأنه أُعطي مراسًا ومرانًا ومعاناة، فتمكن بذلك من معرفته بالنظر إليه، فكذلك أولئك بكثرة اشتغالهم بالحديث وكثرة اطلاعهم عليه فإنهم يتبين لهم فيه من العلل الخفية غير الواضحة الجلية ما لا يطلع عليه كل أحد، فيكون من هذا القبيل، فعلماء الحديث الكبار يعرفون ذلك ويبينون العلل، ولهذا قالوا في آخر تعريف الصحيح: غير معلٍّ ولا شاذ.\nوالمعلّ هو الذي فيه علة خفية قادحة لا يطلع عليها إلا الجهابذة النقاد، الذين يماثلون النقاد الذين ينقدون الذهب والفضة ويعرفون الصحيح منهما من المزيف.","vol":"25","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-655>حكم تخصيص الوالد ولده بعطية دون إخوته</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  خصني أبي بشيء عن إخوتي لحاجتي إلى ذلك الشيء، فسألت أحد القضاة فأفتاني بأن لا شيء في ذلك، ولكني غير مطمئن، فهل يدخل هذا في حديث النواس في بيان الإثم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان هذا الذي أعطاك أبوك إياه قرضًا فلا بأس؛ لأنك تبقى مدينًا لأبيك بهذا المبلغ، ولو مات فإنه يحسب من ميراثك، وإن كان أعطاك إياه نفقة فهذا لا بأس به، أما إن كان أعطاك إياه منحة وخصك به فهذا هو الذي لا يجوز، ولا تأخذه ولو أفتاك الناس وأفتوك.","vol":"25","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-656>اعتراض على تعليل تسمية كتاب الدارمي مسندًا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  تعليل تسمية كتاب الدارمي بالمسند بكونه مسندًا بصيغة التحديث: حدثنا، اعترض عليه أنه يلزم من هذه التسمية أن تسمى الكتب الستة بالمسانيد؛ لأنها مسندة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يمكن أن يقال فيها كذلك، لكنها اشتهرت بأسمائها، وهذا قد قيل له: مسند ويقال له: سنن، فيأتي مسمىًّ كذا ويأتي مسمىًّ كذا، وكل واحد من الاسمين له معنى، فالسنن على اعتبار أنه رتب على أساس الأبواب، ومسند ليس له معنى إلا كونه مسندًا بحدثنا.","vol":"25","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-657>نسبة تسمية مسند الدارمي إلى كتاب مفقود</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قيل: إن الراجح في هذه المسألة أن للدارمي مسندًا لكنه مفقود، فهل هذا وجيه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المراد كتاب السنن نفسه، ولهذا أشار إليه النووي، والحديث موجود فيه.","vol":"25","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-658>دلالة إخبار النبي ﷺ وابصة عن سبب مجيئه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قول النبي ﷺ: (جئت تسأل عن البر؟) هل يحتمل هذا أن يكون من الوحي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  محتمل، ولكن يبدو والله أعلم أنه عرف منه ذلك لاهتمامه به، وأنه معني به ومشغول به، وقد يكون تكرر منه ذلك للرسول ﷺ فبني على ما علمه منه قبل، وهذا هو الأقرب.","vol":"25","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-659>المستفاد من قوله ﷺ: (كل سلامى من الناس عليه صدقة)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في الحديث السادس والعشرين من الأحاديث النووية: (كل سلامى من الناس عليه صدقة) فهل هذه الصيغة تدل على الوجوب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا؛ لأن قوله: (ويجزئ عن ذلك ركعتان تركعهما من الضحى) يدل عليه، فركعتا الضحى ليستا بواجبتين، ولكن مقصده من ذلك أنه من الأمور المستحبة، وأن الإنسان ينبغي له أن يأتي بها، أما كونها واجبة فلا.\nولكن لا شك أن الإنسان سيأتي في كل يوم بما هو واجب، وهو الصلاة، فالصلاة كما هو معلوم مفروضة في اليوم والليلة خمس مرات، وتتحرك بها هذه المفاصل.","vol":"25","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-660>مفارقة أمر الاستخارة للإثم والمشتبه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الاستخارة تدخل في تردد النفس وعدم الطمأنينة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الاستخارة ليست في أمر مشتبه في الحل والحرمة، وإنما هي إقدام أو إحجام عن شيء مباح، مثل كونه سيسافر سفرًا معينًا أو سيدخل في تجارة معينة، أو غير ذلك من الأمور التي يكون الإنسان مترددًا فيها هل يقدم أو يحجم، وأما الذي معنا فليس من قبيل الاستخارة، فالاستخارة أن يطلب من الله الخيرة، فيصلي صلاة الاستخارة ويطلب من الله أن يختار له ما هو خير له.","vol":"25","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-661>الفرق بين الفراسة والإلهام</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفرق بين الفراسة والإلهام؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الفراسة يبدو أنها تكون بالنظر في الشيء والتأمل فيه، وكون الإنسان يدرك ذلك بأسباب أو بعلامات، وأما الإلهام فهو يقذف في قلبه الحق، مثل ما كان لـ عمر ﵁، حيث كان يقول القول فيكون مطابقًا للحق، ولهذا قال ﷺ: (قد كان في الأمم قبلكم محدثون -والمحدث هو الملهم- فإن يكن في أحد من أمتي فهو عمر) وقد جاء أنه كان يشير على النبي ﷺ في أمور ثم يأتي الوحي مطابقًاَ لهذا الذي أشار به عمر.\nفالفراسة تكون بالتأمل والنظر، وأما الإلهام فإنه شيء يقذفه الله تعالى في قلب الإنسان، وقد يكون أيضًا بتأمل ونظر مثل ما حصل من عمر ﵁ في قضية الطاعون الذي وقع في الشام، وقد استشار المهاجرين واستشار الأنصار، وبعد ذلك اجتهد ورأى أنه يرجع، ثم بعد ذلك تبين أن الرسول ﷺ قد جاء عنه حديث في أن الإنسان لا يدخل على الطاعون ولا يخرج منه، وهذا هو الذي رآه عمر دون أن يكون عنده علم بهذه السنة عن رسول الله ﷺ، ولكنه وافق ما جاء عن النبي ﷺ.","vol":"25","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-662>اكتساب الفراسة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يمكن أن يقال: إن الفراسة مكتسبة والإلهام غير مكتسب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم الفراسة قد تكون مكتسبة، والإلهام قد يكون مكتسبًا وقد يكون غير مكتسب، كالذي يكون قد بذل الوسع وحصل الاجتهاد ثم بعد ذلك صار موافقًا للحق بعد هذا الاجتهاد، كقصة عمر في مسألة الطاعون.","vol":"25","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-663>الضابط في طمأنينة القلب للشيء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قوله: (استفت قلبك وإن أفتاك الناس) أحيانًاَ يطمئن قلب الإنسان لما هو مناف للورع والحياء، فهل يعمل، أم أنّ هناك ضابطًا آخر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الاستفتاء للقلب يكون في حق من كان عنده إيمان وعنده تقوى، وهذا هو الذي يكون، أما من كان عنده شيء يخالف أو يقع في أمور مخالفة فهذا ليس هو الذي يستفتي قلبه؛ لأنّه يقدم على فعل أمر واضح في حرمته وعدم كونه جائزًا بسبب هواه وميل نفسه.","vol":"25","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-664>حكم طمأنينة القلب لما يخالف الرخصة الشرعية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  القلب قد يميل ويطمئن إلى ما هو خلاف الرخصة الشرعية، فلا يطمئن إلى الإفطار في السفر، فهل يعمل بهذا الاطمئنان؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا غير صحيح، بل استفتاء القلب في أمور ليست واضحة، وأما أمور واضحة وأحكامها واضحة في الشرع فالواجب والمطلوب هو اتباع ما جاءت به الشريعة وما جاءت به السنة عن رسول الله ﷺ، فكون الإنسان يترك الإفطار في السفر أو يفطر في السفر هذا ينبغي أن يكون راجعًا إلى حالته من كونه فيه مشقة أو ليس فيه مشقة، فإن كان في ذلك مشقة فعليه أن يفطر وليس له أن يصوم، ولهذا قال ﷺ: (ليس من البر الصيام في السفر) في قصة رجل حصلت له مشقة، أما إذا كان السفر مثل السفر في هذا الزمان، فالمسافر كالجالس في غرفة مكيفة، فيكون في سيارة مكيفة وينام ولا ينتبه إلا إذا وصل فهذا لا فرق بينه وبين الجالس المقيم، نعم جائز له أن يفطر ولو لم يكن هناك مشقة، لكن كونه يحافظ على الوقت ويحافظ على الزمان ويؤدي الواجب في وقته ولا يحمل نفسه واجبًا يصعب عليه أو قد يثقل عليه أداؤه، فالأولى له الأخذ بالعزيمة، فالمسألة لابد فيها من التفصيل، أما أن يترك الإنسان الرخص تورعًاَ فلا، فالورع هو في اتباع السنة واتباع الحق، لكن المسألة فيما يتعلق بالإفطار تدور بين المشقة وعدم المشقة، فعند المشقة على الإنسان أن يفطر، وإذا لم يكن هناك مشقة وكان الأمر سهلًا مثل الصيام في هذا الزمان ومثل الركوب في السيارات في هذا الزمان والطيارات في هذا الزمان حيث يصل الإنسان في ساعة، أو ساعتين وهو في ذلك الوقت نائم فالأولى أن يصوم.","vol":"25","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-665>أجر الذاهب إلى المسجد بالسيارة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  الذي يذهب إلى المسجد بالسيارة هل يكتب له بكل خطوة صدقة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هو مأجور على كل حال في ذهابه إلى المسجد، ولكن الذي يمشي على رجليه لا شك أنه أفضل، وهو الذي يحصل بكل خطوة يخطوها إلى الصلاة رفع درجة وحط خطيئة.","vol":"25","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-666>أجر العودة من الصلاة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل جاء في السنة ما يدل على ثبوت الأجر للخطى عند العودة من الصلاة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أي نعم، جاء في الحديث الصحيح في قصة الرجل الذي قيل له: (ألا تتخذ حمارًا تركبه -أي: في ذهابك إلى المسجد- في الظلماء والرمضاء؟! فقال: إني أرجو أن يكون لي بكل خطوة في ذهابي وإيابي، فقال الرسول ﷺ: كتب الله لك ذلك كله)، والحديث الذي في الأربعين: (وبكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة).","vol":"25","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-667>حكم الصدقة عن المفاصل بغير ركعتي الضحى</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل تقوم صلاة ركعتين في غير الضحى تقوم مقام ركعتي الضحى في الإجزاء عمّا ورد من الصدقات عن الأعضاء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يبدو أنها تجزئ، وقضية النوافل يحصل بها المقصود عندما ينوي الإنسان هذا الشيء.","vol":"25","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-668>شمول الصدقة للعمل الصالح</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الصدقة مقتصرة على الصدقة بالمال أم تشمل كل عمل صالح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أي عمل صالح هو صدقة، سواءٌ أكان قاصرًا أم متعديًا، فهو صدقة منه على نفسه إن كان قاصرًا، وصدقة منه على نفسه وعلى غيره إن كان متعديًا.","vol":"25","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-669>درجة حديث: (من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما صحة حديث: (من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا حديث صحيح ثابت عن رسول الله ﷺ، بل قد جاء في القرآن الكريم أن من قتل من كان له عهد ومن كان له ميثاق من المسلمين فإنه تجب الكفارة والدية على القاتل، ذكر ذلك الله تعالى في سورة النساء فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢].","vol":"25","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-670>حكم اتخاذ المسجد طريقًا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل ورد في الحديث عدم اتخاذ المسجد طريقًا أو ما في معناه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا أعلم، لكن لا ينبغي للناس أن يتخذوا المساجد طرقًا، أما ورود حديث معين فما أعلم، لكن جاء في القرآن: ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء:٤٣].","vol":"25","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-671>درجة حديث: (اتق فراسة المؤمن)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يصح حديث: (اتق فراسة المؤمن فإنه يرى بنور الله)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا حديث ضعيف.","vol":"25","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-672>الفرق بين الذمي والمستأمن والمعاهد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفرق بين الذمي والمعاهد المستأمن؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  وصف الذمي يطلق على الناس الذين يستولي المسلمون على بلادهم ويرضخون لحكم المسلمين، ويبقون على ديانتهم مع دفعهم الجزية، فهؤلاء يقال لهم: أهل ذمة، والمستأمن هو الذي دخل البلاد وأعطي الأمان، والمعاهد هو الذي بينه وبين الناس عهد على أنه يبقى عندهم ليعمل عملًا أو يؤدي شيئًا مطلوبًا منه.","vol":"25","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-673>المراد بالطريق في قوله: (إماطة الأذى عن الطريق)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ألا يكون المراد بالطريق في حديث: (إماطة الأذى عن الطريق) هو الطريق المعنوي وليس الحسي، كمن يلقي الشبه في طريق أهل السنة فإن الرد عليه يكون من إماطة الأذى عن الطريق؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا المعنى بعيد، فإماطة الأذى عن الطريق المقصود بها الأذى الذي يؤذي الناس في طريقهم من شوك أو زجاج أو حجارة أو غير ذلك، ولا شك أن المذكور في السؤال طريق معنوي، ولكن عندما يأتي ذكر إماطة الأذى عن الطريق التي هي أدنى شعب الإيمان فلا يحمل على الطريق المعنوي؛ لأن الدعوة إلى الله ﷿ وبيان الحق لا يقال عنهما: إنهما أدنى شعب الإيمان.","vol":"25","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-674>حكم حصول أجر الخطى إلى المسجد بغير وضوء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يشترط في الأجر في خطوات الذهاب إلى المسجد أن يكون الذاهب على وضوء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يبدو أنه ليس بلازم؛ لأن الإنسان قد يتوضأ في المسجد، لكن كونه يتوضأ في بيته لا شك أنه هو الأولى.","vol":"25","page":45},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-675>[٢٦]</span>\nلقد حرص النبي ﷺ على تعليم أمته كل خير وتحذيرها من كل شر، فكان يعظ أصحابه ويذكرهم بأبلغ أسلوب وأوجزه، وقد أوصاهم بتقوى الله، وحذرهم من خلع يد الطاعة لولاة الأمر، وأمرهم بلزوم سنته وسنة خلفائه من بعده، وحذرهم من البدع، فإن كل بدعة ضلالة.","vol":"26","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-676>شرح حديث (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة وجلت منها القلوب)</span>\nيقول الإمام النووي في الأربعين النووية: [عن أبي نجيح العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا.\nقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد؛ فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة) وفي لفظ لـ أبي داود: (وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)].\nهذا حديث عظيم من جوامع كلم الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فالنبي ﷺ كان يعظ أصحابه ويتخولهم بالموعظة بين وقت وآخر، وكان مما وعظهم به هذه الموعظة التي رواها العرباض بن سارية ﵁، وهذه الموعظة متصفة بثلاث صفات: كونها بليغة، وكونها وجلت منها القلوب، وكونها ذرفت منها العيون، والموعظة هي الكلام الذي فيه ترغيب وترهيب، يكون فيه ترقيق للقلب وتخويف وزجر، فيؤثر ذلك في القلب ويوجل، وتدمع العين من الخوف من الله ﷿.","vol":"26","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-677>معنى الموعظة البليغة وبم تكون</span>\nيقول العرباض ﵁: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون) والبليغة هي التي بلغت ما بلغت من الفصاحة والبلاغة والتأثير، وكونها تبلغ إلى القلب وتؤثر فيه فيوجل وتدمع العين مع ذلك، وقد وصف الله ﷿ المؤمنين بوجل القلوب وذرف العيون فقال ﷾: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] وقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة:٨٣].\nقال: (وعظنا الرسول ﷺ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون) والمواعظ تكون بالكلام الذي يرقق القلب ويؤثر في النفس، وتكون بالآيات وبالأحاديث النبوية الصحيحة الثابتة، ولا تكون بالأحاديث الضعيفة والموضوعة فإن هذه لا يشتغل بها، وإنما يشتغل بما صح وثبت، فيكون الترغيب والترهيب بأمور ثابتة ومؤثرة، وأما أن يضاف إلى النبي ﷺ حديث موضوع أو حديث ضعيف لا يحتج به وينسب إلى الرسول ﷺ فإن هذا لا يشتغل به في الوعظ والتذكير.","vol":"26","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-678>حرص الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على الخير</span>\nلما وعظهم النبي ﷺ هذه الموعظة، وكانوا ﵃ وأرضاهم حريصين على كل خير والسباقين إلى كل خير قالوا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا.\nأي: كأنهم فهموا أن أجله قريب ﷺ، فطلبوا منه الوصية الجامعة المفيدة التي يعتمدون عليها ويعولون عليها، ومن المعلوم أن الوصية التي يكون معها ذكر التوديع أو فيها ما يشير إلى التوديع لا شك أنه يهتم بها ويحرص عليها ويحرص على استيعابها وعلى تعقلها وفهمها.\nوقد يكون حصل في هذه الموعظة كلام يشعر بالتوديع قد يفهمه من يفهمه ويخفى على من يخفى عليه، وذلك مثل ما حصل أن الرسول ﷺ وعظ أصحابه فقال: (إن عبدًا خيره الله بين ما عنده وبين الحياة الدنيا والبقاء فيها فاختار ما عند الله) فكثير من الصحابة لم يتنبهوا للمقصود من ذلك وأبو بكر ﵁ فهم ذلك وجعل يبكي، وفهم من ذلك أنه قرب أجله ﷺ، وأنه هو العبد المخير، وأنه قد اختار لقاء الله ﷿.\nوقد تكون الموعظة مشتملة على شيء يشعر بالتوديع، مثل حجة الوداع فإنما سميت حجة الوداع لأن الرسول ﷺ جاء عنه ما يشير أو ما يدل على ذلك؛ لأنه قال: (خذوا عني مناسككم فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا) ولهذا قيل لها: حجة الوداع.\nوكون أصحاب الرسول ﷺ يطلبون الوصية يدل على كمال فضلهم وعلى كمال نبلهم وحرصهم على معرفة الحق والهدى، وحرصهم على تحصيل الوصايا العظيمة الجامعة من رسول الله ﷺ.","vol":"26","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-679>الوصية بتقوى الله تعالى</span>\nقال: (قلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، فقال ﵊: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد) فذكر هاتين الوصيتين: الوصية الأولى: تقوى الله ﷿، وتقوى الله ﷿ هي أن يجعل الإنسان بينه وبين غضب الله وقاية تقيه منه، وذلك باتباع الأوامر واجتناب النواهي، وتصديق الأخبار، وأن تكون العبادة لله وفقًا لما جاء عن الله ورسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وتقوى الله ﷿ هي وصية الله للأولين والآخرين، قال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] فتقوى الله ﷿ هي الوصية للأولين والآخرين، ويأتي الأمر بتقوى الله كثيرًا في القرآن، ولاسيما مع الآيات التي تبدأ بـ (يا أيها الذين آمنوا) التي فيها الخطاب للمؤمنين، فكثيرًا من هذه الآيات يأتي بعدها الأمر بالتقوى، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر:١٨]، وهكذا يأتي خطاب الله ﷿ للمؤمنين وبعده الأمر بتقوى الله ﷿، وقد جاء عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: إذا سمعت الله يقول: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» فأرع لها سمعك، فإنها إما خير تؤمر به وإما شر تنهى عنه.\nوهذا الأثر عن ابن مسعود ﵁ ذكره ابن كثير ﵀ في أول تفسير سورة المائدة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) [المائدة:١]، ومحله المناسب في أول موضع من القرآن في سورة البقرة، وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا﴾ [البقرة:١٠٤] فهذا أول موضع في القرآن، وهو المحل المناسب لأن يذكر فيه، وقد جاءت هذه الجملة في عدة مواضع قبل سورة المائدة ومع ذلك ذكره هناك، ولا شك أن أول سورة بدئت بـ «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» هي سورة المائدة.\nفهذا الأثر عن ابن مسعود ﵁ يقول فيه: إذا سمعت الله يقول: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» فأرع لها سمعك، فإنها إما خير تؤمر به، وإما شر تنهى عنه.\nويأتي أحيانًا بعد الخطاب بهذا الوصف للمؤمنين الأمر بتقوى الله ﷿، وتقوى الله ﷿ هي سبب كل خير وفلاح وسعادة في الدنيا والآخرة؛ لأن سعادة الدنيا والآخرة إنما تكون في تقوى الله، قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]، ويقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق:٤]، ويقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق:٥]، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًاِ﴾ [الأنفال:٢٩]، ويقول: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]، فتقوى الله ﷿ هي سبب كل خير وصلاح وفلاح في الدنيا والآخرة.","vol":"26","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-680>الوصية بالسمع والطاعة لولاة الأمر</span>\nالوصية الثانية: السمع والطاعة لولاة الأمور، وذلك سبب لصلاح الدنيا واستقامة الأمور، وهذه الوصية بالسمع والطاعة مقيدة بأنها في غير معصية، ولما أمر الله ﷿ بطاعته وطاعة رسوله وطاعة ولاة الأمور في سورة النساء قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] فأمر بطاعته وطاعة رسوله ﵊ وطاعة ولاة الأمور، أعاد الفعل (أطيعوا) مع الرسول ﵊ ولم يعده مع ولاة الأمور، فالرسول ﷺ لا يأمر إلا بما هو حق، وكتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ من الله، فجاء الأمر (أطيعوا) معادًا مع الرسول ﷺ ولم يعد مع ولاة الأمور، فما قال: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر منكم.\nوإنما قال: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ» وذلك للإشارة إلى أن طاعة ولاة الأمور إنما تجب تبعًا وليست استقلالًاَ، فهي تبع لطاعة الله ورسوله، أي أنه يسمع لهم ويطاع في حدود ما هو معروف، ولا يسمع لهم ويطاع في المعصية؛ لقوله ﷺ: (إنما الطاعة في المعروف) وقوله ﷺ: (لا طاعة لمخلوق في معصية الله).","vol":"26","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-681>كلام العلماء في قوله: (وإن تأمر عليكم عبد)</span>\nقال: (وإن تأمر عليكم عبد).\nأجمع العلماء على أن العبد لا تصح ولايته ولا تثبت له، وليس هو من أهل الولاية، وأجمعوا على أن الخلافة لا تنعقد للعبد، وأن من شرط الخليفة أن يكون حرًاَ لا أن يكون عبدًا؛ لأن العبد منافعه مملوكة لسيده، فلا يصلح للولاية والخلافة، وجاء في الحديث هنا: (وإن تأمر عليكم عبد) فكيف يجاب عما جاء في هذا الحديث مع أن العبد منافعه مملوكة منافعه لسيده وقد أجمع المسلمون على أنه لا يجوز أن يكون خليفة؟ أجاب العلماء عن هذا الحديث وما في معناه بأجوبة: منها: أن هذا مما يؤتى به على سبيل الفرض والتقدير، وإن كان لا يقع ولا يحصل، وإنما هو للمبالغة في السمع والطاعة، يعني حتى ولو تأمر عليكم عبد فعليكم بالسمع والطاعة، فيكون المقصود من ذكره هنا المبالغة، وأنه لو حصل فإنه يجب أن يسمع له ويطاع، وإن كان ذلك لا يحصل ولا يقع من ناحية الاختيار، وأنه لا يختار الخليفة من العبيد، وإنما يكون من الأحرار.\nالجواب الثاني: أنه يكون مؤمرًا من الخليفة على قرية أو على جماعة، فالخليفة إذا عين عبدًا ليكون أميرًا على قرية أو أميرًا على جماعة مسافرين أو ذهبوا في مهمة في سرية أو في غيرها فعليهم أن يسمعوا له ويطيعوا، وعلى هذا فيكون المراد ليس في الولاية العامة، وإنما هو في ولاية خاصة من قبل الأمير أو الخليفة.\nالجواب الثالث: أنه عندما صار خليفة كان حرًا، ولكن سبق له رق، ولكنه عتق فصارت منافعه ملكًا له، فهو عند توليته حر ولكنه كان عبدًا فيما مضى، فيكون قوله: (وإن تأمر عليكم عبد) باعتبار ما مضى لا باعتبار الحال، ويكون هذا نظير قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٢] فإن إعطاءهم الأموال يكون بعد البلوغ، ولكنهم قيل لهم: يتامى باعتبار ما كان لا باعتبار الحال؛ لأنه في حال يتمهم وقبل بلوغهم لا يدفع لهم المال، ولكنه يدفع لهم بعد البلوغ والرشد، ولهذا قال ﷿: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء:٦] يعني: ذهب الصغر وحصل البلوغ وجاء التكليف ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦] فدل على أن أموالهم لا تعطى إليهم في حال يتمهم، وإنما تعطى لهم بعد البلوغ.\nإذًا: فقول الله ﷿: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ ليس المراد به حال يتمهم وإنما باعتبار ما كان، ففي الوقت الذي أعطوا فيه أموالهم كانوا بالغين، ولكن قيل لهم: يتامى باعتبار ما كان.\nالجواب الرابع: أنه إذا صار له شوكة وقوة وتغلب على الناس وقهر الناس بقوته وشوكته حتى استقرت له الأمور واستتب له الأمن فعند ذلك يسمع له ويطاع ولو كان عبدًا، فلم يحصل اختياره، ولكنه بالتغلب والقهر والغلبة استقرت له الأمور، فإنه حينئذٍ يسمع له ويطاع.\nفيكون ما جاء في هذا الحديث وما في معناه من السمع والطاعة للأمير ولو كان عبدًاَ محمولًا على هذه الأمور التي ذكرها العلماء، فيسمع له ويطاع وإن كان عبدًا بهذه الاعتبارات التي ذكرها العلماء، وإلا فإنه ليس أهلًا للخلافة وليس أهلًاَ للولاية؛ لأن من شرط الخليفة أن تكون منافعه بيده وليست بيد غيره وليست ملكًا لغيره.","vol":"26","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-682>الاختلاف في الدين بعد النبي ﷺ</span>\nقوله ﵊: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًاَ كثيرًا) هذا من دلائل نبوته ﵊، فإنه أخبر عن أمر مستقبل لم يقع، وكل أمر أخبر به النبي ﵊ من الأمور المستقبلة لابد أن يقع؛ لأنه لا ينطق عن الهوى ﵊ ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]، فأخباره صادقة، سواء كانت ماضية أم مستقبلة أم موجودة غير مشاهدة ولا معاينة، فقد أخبر النبي ﷺ في هذا الحديث أنه من يعش من أصحابه فإنه سيدرك التفرق والاختلاف الكثير، فالاختلاف ليس قليلًا، بل هو كثير، ولذلك قال: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا) فليس هو مجرد اختلاف ومجرد فرقة، بل الاختلاف كثير، فكم من تفرق واختلاف وتشعب وافتراق! وقد أخبر النبي ﷺ بأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، وهم الذين كانوا على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.\nقال: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا) وقد وقع ما أخبر به النبي ﵊، فإن من عاش من أصحاب الرسول ﷺ أدرك تلك الفتن وذلك الاختلاف والخروج عن الصراط المستقيم والانحراف عن الجادة، فحصل خروج الخوارج وظهور القدرية وظهور الروافض، وكل ذلك حصل في زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وقد ورد أن يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري قدما من العراق حاجين ومعتمرين، وكان قد ظهر في البصرة معبد الجهني وغيره من القائلين بالقدر وأن الأمر أنف، فلقيا عبد الله بن عمر فأخبراه بما حصل فقال: إذا لقيتم هؤلاء فأخبروهم أنني بريء منهم وأنهم برآء مني.\nثم قال: والذي يحلف به عبد الله بن عمر لا يؤمن أحدهم حتى يؤمن بالقدر خيره وشره.\nثم ساق حديث جبريل الذي اشتمل على قوله: (وأن تؤمن بالقدر خيره وشره).\nفهذا الاختلاف وجد في عصر الصحابة، وهذا مما أخبر به النبي ﷺ من الفتن ومن الانحراف في بعض أمته عن الصراط المستقيم وخروجهم عن الجادة.","vol":"26","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-683>طريق العصمة من الاختلاف</span>\nولما ذكر ﷺ أن من عاش سيرى الاختلاف الكثير كأنه قيل: يا رسول الله! فما تأمرنا به أمام هذا الاختلاف؟ وما هو طريق السلامة والعصمة والنجاة عند وجود هذا الاختلاف؟ فجاء الجواب في قوله: (فعليكم بسنتي) فهذا هو السبيل الوحيد وطريق السلامة وطريق النجاة عند الاختلاف، وهو التمسك بالسنة والتمسك بما كان عليه رسول الله ﷺ وخلفاؤه الراشدون الهادون المهديون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.\nفالرسول ﷺ أمر عند هذا الاختلاف بشيئين، فحث وحذر، ورغب ورهب: حث على اتباع السنن وحذر من البدع، حث على السنن بقوله: (فعليكم بسنتي) وحذر من البدع بقوله: (وإياكم ومحدثات الأمور)، ففي ذلك ترغيب وترهيب، وفيه حث وتحذير، حث على اتباع السنن في قوله: (فعليكم) و(عليكم) اسم فعل أمر و(إياكم) بمعنى: احذروا.\nففي ذلك الترغيب والترهيب، رغب في اتباع السنن وحذر من البدع صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.","vol":"26","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-684>معاني السنة</span>\nقوله: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) المراد بسنته طريقته ﷺ، والسنة تطلق إطلاقات أربعة، وأوسعها وأشملها أن المراد بها ما كان عليه رسول الله ﷺ وما جاء في الكتاب والسنة، فكل ذلك سنة الرسول ﷺ، ومن ذلك قوله ﷺ: (من رغب عن سنتي فليس مني)؛ لأن ما جاء في الكتاب والسنة كله سنة الرسول ﷺ، وكذلك هذا الحديث: (عليكم بسنتي) يعني الكتاب والسنة، فكل ما جاء به الكتاب والسنة هو سنته ﷺ، فتكون السنة هنا شاملة لكل شيء جاء به الرسول ﷺ، سواء ما يتعلق بالاعتقاد أو يتعلق بالعبادات أو يتعلق بالمعاملات أو يتعلق بالأخلاق والآداب، فكل ما جاء عن الرسول ﷺ هو سنته، وهذا هو أوسع معاني السنة.\nومن المعاني التي يطلق عليها لفظ السنة الحديث، فحديث الرسول ﷺ يقال له: سنته، ومن أمثلة ذلك ما يأتي في كتب المحدثين الذين يشرحون الأحاديث، وكذلك في كتب الفقهاء عندما يأتون إلى مسألة معينة فيقدم الفقيه منهم ويمهد للكلام عليها فيقول: وقد دل عليها الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى كذا، وأما السنة فقول رسول الله ﷺ كذا.\nفحيث عطفت السنة على الكتاب يراد بها خصوص حديث رسول الله ﷺ، فإذا قيل: دل الكتاب والسنة فالسنة حديث الرسول ﷺ؛ لأن الكتاب تقدم قبلها، فيراد بها خصوص الحديث، وهذا المعنى أقل من الأول؛ لأن المعنى الأول السنة فيه تشمل الكتاب والسنة.\nوأيضًا من معانيها السنة في مقابل البدعة، وهي تتعلق بمسائل الاعتقاد، فما يتعلق بمسائل الاعتقاد فصاحبه إذا كان متبعًا لما دلت عليه النصوص يقال له: سني.\nومن كان على خلاف ذلك يقال له: بدعي.\nويقال: سنة وبدعة.\nومن إطلاق السنة مرادًا بها هذا المعنى الكتب التي ألفت بهذا الاسم، مثل (السنة) لـ ابن أبي عاصم، و(السنة) للالكائي، و(السنة) للطبراني، و(السنة) لـ عبد الله بن الإمام أحمد، و(السنة) للإمام أحمد، وغيرها من الكتب التي باسم السنة، فإن المقصود بها ما يتعلق بالعقيدة، وما يعتقد طبقًا للسنة مخالفًا لما هو بدعة.\nوالمعنى الرابع من معاني السنة -وهو في اصطلاح الفقهاء-: المندوب أو المستحب، وهو المأمور به ليس على سبيل الإيجاب وإنما على سبيل الاستحباب، وهو الذي يعرفه الفقهاء والأصوليون بقولهم: ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، ويطلبه الشارع طلبًا غير جازم، وإنما طلبًا مستحبًا مرغبًا فيه؛ لأنه لا يأثم من تركه، لكن من ترك المندوب رغبة عنه يكون بذلك قد رغب عن سنة الرسول ﷺ، فيكون بذلك آثمًا.\nإذًا: قوله ﷺ: (فعليكم بسنتي) المراد بسنته طريقته ومنهجه، وذلك باتباع الكتاب والسنة وما أجمعت عليه الأمة، فهذا هو الحق والهدى الذي أُمر باتباعه وسلوكه، ثم اتباع سنة الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهم -كما وصفهم النبي ﷺ- راشدون، والراشد ضد الغاوي، وهم مهتدون، والمهتدي ضد الضال، فهم أهل الرشد وأهل الهداية رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فالنبي ﷺ أمر باتباع سنته وسنة خلفائه الراشدين، أي أن الناس يكونون على ما كان عليه رسول الله ﷺ وما كان عليه خلفاؤه الراشدون الهادون المهديون رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.\nوقد وصف النبي ﷺ خلافتهم بأنها خلافة نبوة، كما ثبت من حديث سفينة مولى رسول الله ﷺ أنه قال: (خلافة النبوة بعدي ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء).\nفأخبر في هذا الحديث -حديث العرباض بن سارية - أنهم راشدون وأنهم مهديون، وأمر باتباع طريقتهم واتباع سنتهم، وأخبر في حديث سفينة بأن خلافتهم خلافة نبوة، وأنها على منهاج نبوة، وبعد ذلك يؤتي الله ملكه من يشاء.","vol":"26","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-685>الحض على التزام سنة النبي ﷺ وخلفائه الراشدين بعده</span>\nقوله: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ)، حث على اتباع السنة بقوله: (فعليكم)، و(عليكم) بمعنى: الزموا.\nفهو اسم فعل أمر، ثم أكد ذلك بقوله: (عضوا عليها بالنواجذ) بالإضافة إلى قوله: (عليكم)، وهذا مبالغة في شدة التمسك بها والعض عليها والأخذ بها؛ وعدم التهاون بها أو التقصير في الأخذ بها، وذلك لأن الإنسان يعض بنواجذه على ما يأكله، فكذلك هنا شبه التمسك بسنته ﷺ والتزامها بالعض عليها بالنواجذ، والنواجذ هي آخر الأضراس.","vol":"26","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-686>التحذير من البدع</span>\nولما رغب ﵊ في اتباع السنن وحث عليها رهب بعد ذلك من خلافها ومما يخالفها من البدع المحدثة، فقال: (وإياكم ومحدثات الأمور)، ومحدثات الأمور هي الاختلاف الكثير الذي أخبر به الرسول ﷺ قبل هذا الترغيب والترهيب حيث قال: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا) فهذا الاختلاف الكثير هو من البدع في العقائد التي ظهرت، كالجبرية، والقدرية، والمرجئة، والخوارج وما إلى ذلك من البدع، وكل هذه من محدثات الأمور، وكلها من التفرق والاختلاف الذي أخبر النبي ﷺ أن من عاش من أصحابه فسيدرك شيئًا منه.\nقوله: (وإياكم ومحدثات الأمور) أي: تلك الأمور التي حصل الاختلاف فيها، والتي خرج أصحابها عن الجادة وعن اتباع سنة الرسول ﷺ وما كان عليه الخلفاء الراشدون، فهذا هو الذي يحذر منه، وهذا هو الذي يرهب منه.\nوجاء في سنن أبي داود: (فإن كل محدثة بدعة) أي: هذه المحدثات ليس لها أساس في الدين ولم تكن مبنية على نص من كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ وما اتفقت عليه، فهي من المحدثات المنكرة المبتدعة التي لا يجوز الأخذ بها، والتي يجب الحذر منها والابتعاد عنها، وقد قال ﵊ في حديث عائشة ﵂ (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) وفي لفظ لـ مسلم: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد).\nفهذه المحدثات مردودة على صاحبها ولا ينتفع بها صاحبها، بل هي مردودة عليه؛ لأنها مخالفة للسنة، ولأنها محدثة على خلاف السنة، ولذلك قال: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) وهنا قال: (وإياكم ومحدثات الأمور) فأي محدثة في دين الله باطلة؛ لأنه ليس لها أساس في دين الله، ولا يدل عليها كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ.","vol":"26","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-687>هل في الدين بدعة حسنة</span>؟\nالمحدثات في الدين هي البدع (وكل بدعة ضلالة) وهذا لفظ عام يشمل البدع كلها التي أحدثت في الدين مما ليس له أساس، فإن كل بدعة في الدين هي ضلال؛ لأنها مخالفة لما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، ولا يستثنى من ذلك شيء، ولا يقال: إن في الإسلام بدعة حسنة، فالرسول ﷺ يقول: (كل بدعة ضلال) فكيف يقال: إن في الإسلام بدعة حسنة؟! ليس في الإسلام بدعة حسنة، بل البدع كلها ضلال كما جاء في هذه الجملة العامة، وقد ثبت أن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة.\nفإن استحسنها الناس واستساغوها وألفوها فإنها إذا لم يكن لها أساس في الدين فإنها مما أحدث ومما ابتدع، وهي ضلال، ولا يستثنى من ذلك شيء، فليس في الإسلام بدعة حسنة، وقد جاء عن الإمام مالك رحمة الله عليه أنه قال: من زعم أن في الإسلام بدعة حسنة فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، ثم قال: ما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا.\nيعني: ما لم يكن يومئذ دينًا -يعني يوم كان رسول الله ﷺ وأصحابه- فإنه لا يكون اليوم دينًا.\nفالدين في هذا الزمان وفي كل زمن هو الدين في زمان رسول الله ﷺ وأصحابه، أما هذه البدع المحدثة المبتدعة التي ما أنزل الله بها من سلطان فهي ضلال، وقد حمى الله عنها وحفظ الله منها أصحاب رسول الله ﷺ، وابتلي بها من بعدهم، فلا يجوز ولا يعقل أن يقال: إن هذه الأمور المحدثة التي أحدثها الناس بعد رسول الله ﷺ وأصحابه حق وهدى! فكيف تكون حقًا وهدى ويحجب عنها الصحابة ويظفر بها أناس يجيئون بعدهم؟! فهذا ليس بمعقول ولا مقبول، بل الحق والهدى ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، كما جاء في هذا الحديث: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) هذا هو الحق والهدى، وكذلك قوله في حديث افتراق الأمة حين قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: (الجماعة) وفي لفظ: (من كان على ما أنا عليه وأصحابي) هذه هي الفرقة الناجية، وهؤلاء هم أهل السنة، وهم الجماعة، وهم الناجون، وهم السالمون، وهم الذين على الهدى، ومن كان على خلاف ذلك فليس على هدى وإنما هو على ضلال.\nفتلك الأمور المحدثة التي حذر منها رسول الله ﷺ والتي أخبر بأنها ستقع لا يجوز أن يقال: إنها حق.\nولو كان الأمر كذلك لكان أصحاب الرسول ﷺ ما ظفروا بهذا الحق، وهذا باطل؛ لأن أصحاب الرسول ﷺ هم السباقون إلى كل خير، وهم الذين ظفروا بكل خير، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، كما قال ذلك مالك رحمة الله عليه، فلا يمكن للآخرين أن يصلحوا بشيء ما صلح به الصحابة.\nإذًا: البدع جاءت بعد الصحابة وليست على منهاج الصحابة، وليست على طريقة الصحابة، وإنما هي مخالفة لما كان عليه الصحابة، فهي محدثات وبدع وضلال، ولا يجوز الالتفات إليها ولا يجوز التعويل عليها، وإنما التعويل على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.","vol":"26","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-688>ضرر مخالفة النبي ﷺ في الاتباع</span>\nجاء عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه جاء إلى أناس متحلقين في المسجد وفي أيديهم حصى وفيهم شخص يقول: هللوا مائة، كبروا مائة، سبحوا مائة، احمدوا مائة.\nفيعدون بالحصى، فوقف على رءوسهم أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود فقال: إما أن تكونوا على طريقة أهدى مما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ أو أنكم مستفتحو باب ضلالة.\nأي: هذا ما كان الصحابة يعرفونه، وما كان هذا من هدي الصحابة، وما كان من عمل الصحابة، فأنتم بين واحدة من اثنتين: إما أنكم أحسن من الصحابة، أو أنكم مفتتحو باب ضلالة.\nفهموا أن الأولى منتفية، ولا يمكن أن يكونوا أحسن من الصحابة، ولا يمكن أن يكونوا على طريقة أهدى مما كان عليه أصحاب الرسول ﷺ، وإنما بقيت الثانية، وهي أنهم مفتتحو باب ضلالة، فقالوا: سبحان الله يا أبا عبد الرحمن! ما أردنا إلا الخير.\nقال: وكم من مريد للخير لم يصبه.\nفليست القضية في كون الإنسان يقول: أنا قصدي طيب وأنا قصدي حسن، وما دام قصدي طيبًا حسنًا فليس هناك بأس ولو كان الذي أعمله ما جاء عن الرسول ﷺ.\nفلابد أن يعبد الله وفقًا لما جاء عن رسول الله ﷺ، وهذا هو معنى شهادة أن محمدًا رسول الله؛ لأن شهادة أن محمدًا رسول الله معناها طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع، ولا يعبد بالبدع والمحدثات والمنكرات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وإنما يعبد بالسنن وبما جاء في الكتاب والسنة، فهذا هو الذي يعبد الله ﷿ به، فشريعة الله ﷿ كاملة لا نقص فيها، ولا تحتاج إلى إضافات، ولا تحتاج إلى بدع محدثة، وكلام الإمام مالك الذي أشرت إليه آنفًا واضح جدًا حيث قال: من قال: إن في الإسلام بدعة حسنة فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة.\nفما دام أن ما يفعله المبتدع حسن فمعنى ذلك أن الدين ناقص يحتاج إلى تكميل، ويكون الرسول ﷺ ما بلغ هذا الشيء الذي الناس بحاجة إليه.\nومعلوم أن الرسول ﷺ بلغ الناس كل ما يحتاجون إليه، فما ترك أمرًا يقرب إلى الله إلا دل الأمة عليه، وما ترك أمرًا يباعد من الله إلا حذر الأمة منه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وقد جاء عن بعض الصحابة ﵃ وأرضاهم ما يبين تبليغ النبي ﷺ في كل الأمور حتى آداب قضاء الحاجة، فقد قال بعض الناس لـ سلمان ﵁: علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة! قال: (نعم علمنا ألا نستنجي برجيع ولا بعظم، وأن نستنجي بثلاثة أحجار) وذكر شيئًا من آداب قضاء الحاجة.\nفكيف تبين الشريعة آداب قضاء الحاجة ولا تبين أصول الدين حتى يأتي أناس بعد الصحابة يحدثون أمورًا منكرة ويقولون: هذه هي العقيدة وهذا هو الحق والهدى؟! كيف يكون شيء ما عرفه الصحابة وما ظفر به الصحابة حقًا وهدى؟! أيحجب خيرًا عن الصحابة ويدخر لأناس؟! لا شك أن الذي حجب عنهم ضلال، والذي ابتلي به الذين جاءوا بعدهم ضلال، ولو كان خيرًا لسبقوا إليه، لكنه شر فسلموا منه وابتلي به من بعدهم، فرضي الله تعالى عن الصحابة وأرضاهم، وعلى هذا فإن البدع كلها ضلال بنص هذا الحديث الذي قال فيه النبي الكريم ﷺ: (وكل بدعة ضلالة).\nهذا هو حديث العرباض بن سارية ﵁ الحديث العظيم المشتمل على هذه القواعد العامة وعلى هذه الوصايا النافعة الجامعة ممن أوتي جوامع الكلم نبينا محمد ﵊.","vol":"26","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-689>الأسئلة</span>","vol":"26","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-690>معنى قول عمر رضي الله تعالى عنه: (نعمت البدعة)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  جاء عن عمر ﵁ قوله في جمع الناس على صلاة التراويح: نعمت البدعة.\nفما المقصود بذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ما جاء عن عمر ﵁ في قصة التراويح أنه قال: نعمت البدعة، ليس المقصود بذلك البدعة بالمعنى الشرعي الذي هو أن يحدث في دين الله ما لم يكن من شرع الله، وإنما المقصود بذلك البدعة اللغوية من حيث اللغة، وإلا فإن صلاة التراويح لها أصل في سنة الرسول ﷺ.\nيدل على ذلك الحث على قيام رمضان، كقوله ﷺ: (من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)، وقوله: (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)، كما أن الرسول ﷺ صلى بالناس بعض الليالي في آخر الشهر، ولكنه ترك ذلك خشية أن تفرض عليهم، ولما توفي رسول الله ﷺ وزال هذا الذي يخشى، ولم يعد هناك إيجاب ولا تشريع؛ لأن الشريعة استقرت بوفاة الرسول ﷺ؛ جمع عمر الناس على إمام واحد وصلى الناس التراويح جماعة.\nفصلاة التراويح ليست محدثة في الدين، بل هي موجودة في الدين؛ لأن الرسول ﷺ صلى بالناس قيام رمضان في بعض الليالي، ولكنه ترك ذلك خشية أن يفرض عليهم، وعمر ﵁ أحيا ذلك الشيء وأعاده، فإطلاق البدعة عليه من حيث اللغة وليس من حيث الشرع؛ لأن له أساسًا في الشرع من فعل الرسول ﷺ، وعمر ﵁ هو خليفة راشد، وقد أمرنا باتباع سنته، فهي سنة نبوية وثابتة عن رسول الله ﷺ، وعمر ﵁ إنما أظهرها، والرسول ﷺ لم يستمر عليها خشية أن تفرض كما بين ذلك رسول الله ﷺ، فما جاء من ذكر البدعة فيها ليس على بابه في الشرع، ولا يقال: إن هذه بدعة حسنة.\nبل هي سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ، وإطلاق البدعة عليها إنما هو من حيث اللغة لا من حيث الشرع.","vol":"26","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-691>إحداث عثمان ﵁ الأذان الثاني يوم الجمعة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم زيادة عثمان رضي الله تعالى عنه الأذان الثاني يوم الجمعة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  فعل عثمان ﵁ داخل تحت سنة الخلفاء الراشدين، فقد قال ﷺ: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) فالأذان الذي يكون قبل صعود الخطيب على المنبر لم يكن في زمن الرسول ﷺ، وإنما الذي أتى به عثمان؛ من أجل أن يتهيأ الناس لصلاة الجمعة وأن يتنبهوا فيستعدوا للصلاة، وكان ذلك بالسوق ليسمع الناس وينصرفوا عن البيع والشراء ويذهبوا إلى الصلاة، وقد كان حصل لـ عثمان ﵁ في زمن عمر قصة، فقد دخل المسجد وعمر يخطب على المنبر يوم الجمعة، فقطع عمر الخطبة وقال: أي ساعة هذه؟! يخاطب عثمان ﵁، يعني: أنك جئت متأخرًا.\nفقال: إنني كنت منشغلًا، ولما سمعت الأذان ما زدت على أن توضأت وجئت.\nفقال عمر: والوضوء أيضًا! فلما كان خلافته ﵁ وأرضاه أتى بهذا الأذان من أجل أن يستعد الناس.\nفهو داخل تحت سنة الخلفاء الراشدين التي أمرنا باتباعها، وما جاء عن ابن عمر من أنها بدعة أو أن ذلك بدعة فهو محمول على ما حمل عليه ما قاله أبوه ﵁، فهي بدعة لغوية وليست بدعة من حيث الشرع؛ لأن الرسول ﷺ أمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين، ومن الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقد أقره الصحابة على ذلك، والمسلمون يعملون به منذ زمن عثمان، ويتوارثونه ويتناقلونه، ولا يقال: إن الحاجة إليه ذهبت.\nفإن الناس بحاجة إليه، فيؤذن في المآذن التي معها مكبرات الصوت ليُسمع الأذان في السوق وفي كل مكان.","vol":"26","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-692>دلالة تعليم النبي ﷺ أمته الآداب على تعليمه الأصول</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قال الإمام مالك ﵀: محال أن يكون النبي ﷺ علم أمته آداب قضاء الحاجة ولم يعلمهم التوحيد.\nذكره ابن القيم في الصواعق، فما تعليقكم على هذا القول؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لاشك أن هذا من أوضح الواضحات وأهم المهمات، أعني استبعاد كون الرسول ﷺ يبين للناس دقائق الأمور المتعلقة بالفروع ثم لا يعلمهم الأصول، فيأتي أناس يتخبطون ويحدثون ويتفرقون ويتشتتون ويصير كل حزب منهم بما لديهم فرحون.","vol":"26","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-693>معنى قوله ﷺ: (من سن في الإسلام)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  اشرح قول النبي ﷺ: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا الحديث صحيح، وهو في صحيح مسلم، ويفسر بمعنيين: أحدهما: ما جاء في سبب الحديث، فالحديث له سبب، وهو أن الرسول ﷺ جاءه أناس يظهر عليهم الفاقة والفقر، وجوههم شاحبة، وثيابهم بالية، والرسول ﷺ كما وصفه الله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]؛ فتأثر ودخل بيوته يبحث عن شيء من أجل أن يعطيهم إياه، وحث على الصدقة ورغب الناس فيها، فجاء رجل معه صرة تكاد يده تعجز عن حملها فوضعها فتبعه الناس عند ذلك، فقال النبي ﷺ: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها) ومعناه أنه فعل أمرًا صار قدوة فيه وتوبع فيه فصار الذين جاءوا بعده تبعًا له، فله مثل أجورهم؛ لأنه كان سببًا في تسابقهم وتتابعهم على الإتيان بالصدقات وعلى الإكثار منها، فسبب الحديث يبين المعنى.\nالمعنى الثاني: أن تكون هناك سنة أميتت أو سنة خفيت على الناس فأصبحوا لا يعرفونها فأظهرها لهم، فيكون بذلك أحيا السنن ولم يبتدعها ولم يأت بها من عنده، وإنما هي ثابتة وحق.\nفالسنة الحسنة تحمل على ما جاء في أصل الحديث أو على إحياء السنة وإظهارها بعد أن خفيت أو اندثرت.","vol":"26","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-694>حكم التحذير من البدع في غير مواطن وجودها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يستدل بحديث العرباض بن سارية على مشروعية التحذير من البدع وأهلها وإن لم تكن في ذلك البلد إذا كان يخشى أن تدخل إليه؛ لأن النبي ﷺ حذر من البدع ولم تكن يومئذ موجودة، بل حذر من أمر آت في المستقبل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس بذلك بأس، فالبدع التي وجدت في بلدان مختلفة وإن لم توجد في بلد معين تذكر ويحذر منها؛ لأن الإنسان قد يصل إليه شيء منها وقد يبلغه شيء منها، وقد يسافر بعض الناس إلى البلد التي توجد فيه وإن كان البلد الذي هو فيه سليمًا من هذه البدع، فالإنسان يحذر منها ويبين فسادها، حتى إذا ابتلي بها الإنسان يكون الإنسان على حذر، ولكن الشيء الواقع والشيء الذي هو مشاهد معاين هو الأولى بأن يحذر منه، وإن كانت البدع كلها يحذر منها، فالشيء الواقع الذي حصل يحذر الناس منه حتى لا يقعوا فيه، ومن وقع فيه لينصح حتى يسلم منه، وأما ما كان موجودًا من البدع في مكان آخر فيمكن أن يذكر للمشتغلين بالعلم أو لطلبة العلم، وكذلك لمن كان سيسافر إلى بلد معين توجد فيه البدع، فينبه عليها؛ لأن الرسول ﷺ لما أرسل معاذًا إلى اليمن أخبره بأنه سيأتي قومًا من أهل الكتاب، وبين له الطريقة التي يسير عليها في الدعوة فقال: (إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) الحديث.","vol":"26","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-695>معنى سن السيئة في الإسلام</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى قوله ﷺ: (ومن سن في الإسلام سنة سيئة)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معناه أنه إن أحدث بدعة فإن عليه إثمها وإثم من تبعه.","vol":"26","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-696>تعليل ابن دقيق العيد السمع والطاعة للعبد الوالي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكر ابن دقيق العيد مسألة السمع والطاعة إن تولى العبد وعللها بقوله: ويحتمل أن النبي ﷺ أخبر بفساد الأمر ووضعه في غير أهله حتى توضع الولاية في العبيد، فإذا كانت فاسمعوا وأطيعوا تغليبًا لأهون الضررين، وهو الصبر على ولاية من لا تجوز ولايته، لئلا يفضي إلى فتنة عظيمة.\nفما تعليقكم على هذا الكلام؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا غير واضح، وكونه يتغلب على الولاية هذا أمره واضح، إذ يمكن أن يتغلب إذا كان له شوكة وله قوة ويغلب الناس، لكن كون الناس يجتمعون ويتفقون على توليته فهذا مخالف للإجماع، فلا يجوز بإجماع المسلمين أن يولى العبد الولاية العامة، ويمكن أن يولى عبدٌ ولاية خاصة، والخليفة هو الذي يوليه، وأما كون الناس يجتمعون ويتفقون على اختيار العبد فهذا بعيد.","vol":"26","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-697>حكم إثبات البدعة الحسنة بمقالة (ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يستدل كثير من الناس على إثبات البدعة الحسنة بقول معاذ ﵁: فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئًا فهو سيء.\nفما قولكم في هذا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا المقال فيه كلام من حيث الثبوت، لكن مع فرض ثبوته معناه واضح، وهو أن الأمة لا تجتمع على ضلالة، والشيء الذي يجمع عليه الناس لا شك أنه حق، والأمة لا تجتمع على ضلالة، لكن لا يقال: إن البدعة أجمع عليها الناس.\nنعم يمكن أن يكون كثير من الناس يسيرون عليها، لكن كثرتهم لا تدل على أنهم على حق، بل هم على ضلالة ولو كانوا كثيرين، وإنما الذي فيه السلامة وفيه العصمة هو الإجماع والاتفاق، فهذا هو الذي لا يكون على ضلالة.","vol":"26","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-698>وجه ذكر قبح الخلقة في العبد المتولي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  جاء في بعض الروايات: (وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة) وفي أخرى: (مجدع الأطراف أو الأنف) فما وجه التشبيه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معناه أنه لو كان فيه تلك الصفات الذميمة التي فيها احتقاره وحصلت ولايته فإنه يسمع له ويطاع.\nوكل ذلك مبالغة في السمع والطاعة لمن يتولى ولو كان كذلك.","vol":"26","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-699>معنى قوله ﷺ: (تركتكم على البيضاء)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  جاء في بعض طرق حديث العرباض بن سارية: (إن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: لقد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك) فما هو شرح هذه العبارة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معنى ذلك أن الرسول ﷺ بين للناس ما يحتاجون إليه، وأنه ما ترك أمرًا يقرب إلى الله إلا دلهم عليه، وما ترك أمرًا يباعد من الله إلا حذرهم منه، فشريعته كاملة، وقد تركهم على بيضاء في وضوحها وجلائها، من أخذ بها سلم، ومن يزيغ عنها هو الهالك، فقد تركنا على محجة بيضاء وعلى طريقة بيضاء في غاية الوضوح وفي غاية الجلاء، ليس فيها خفاء وليس فيها غموض، وإنما هي واضحة جلية، فمن أخذ بها سلم ومن أعرض عنها خاب وخسر.","vol":"26","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-700>حكم متابعة عمر رضي الله تعالى عنه في حد شرب الخمر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقول: هل تجب متابعة عمر ﵁ في جعل حد شرب الخمر ثمانين جلدة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قضية الجلد كل ما ورد فيها هو سنة، قال علي ﵁: جلد النبي ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي.\nيعني الأربعين.\nفكل ذلك سنة كما وصفه علي ﵁ وأرضاه، والعلماء اختلفوا في ذلك، فمنهم من قال كذا ومنهم من قال كذا، ولكن قال علي: كل سنة، والآخذ بأي واحد منها هو آخذ بسنة، سواء الأربعون التي جاءت عن رسول الله ﷺ أو الثمانون التي جاءت عن عمر ﵁ حين قاسه على حد القذف.","vol":"26","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-701>وجه ترك ذكر خلافة الحسن رضي الله تعالى عنه في الخلافة الراشدة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قال بعض العلماء: إن الحسن بن علي ولي الخلافة بعد أبيه، واستمر فيها ستة أشهر، ثم تنازل لـ معاوية ﵁، فلا تتم الخلافة الراشدة ثلاثين سنة إلا إذا انضمت إليها تلك الستة أشهر، فإذا كان كذلك فلماذا يقال: الخلفاء الأربعة ولا يقال: الخلفاء الخمسة؟ ولماذا لا يذكر الحسن بن علي من الخلفاء الراشدين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المعروف عند أهل السنة أن الخلفاء الراشدين هم الأربعة الذين مدتهم طويلة، وأما الحسن ﵁ فإن مدته وجيزة وما استقر له الأمر وما استتب.","vol":"26","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-702>حكم تقسيم البدعة إلى محرمة ومكروهة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  تقسيم البدعة إلى بدعة محرمة وبدعة مكروهة كراهة تنزيهية هل له وجه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  البدعة كلها ضلال، ولكنها متفاوتة ولا شك، فبعضها أشد وأسوأ، ولكن كلها موصوفة بأنها محرمة وأنها ضلالة، فما يقال: إنها مكروهة كراهة تنزيه فقط، فليس هناك بدعة يقال فيها: إنها مكروهة كراهة تنزيه! بل كل بدعة ضلالة، وكل بدعة محرمة، وإنما كراهة التنزيه تكون في النواهي، فالنهي إما أن يكون للتحريم وإما أن يكون للتنزيه، وأما البدع فكلها ضلال، وهي متفاوتة بعضها قريب وبعضها بعيد، فمن أهل البدع من يكون أقرب إلى أهل السنة من غيره، فمنهم من يكون بعيدًا ومنهم من يكون قريبًا، فالذي يثبت بعض الصفات -مثلًا- أقرب من الذي ينفي جميع الصفات.","vol":"26","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-703>الفرق بين الراشد والمهتدي والغاوي والضال</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفرق بين الراشد والمهتدي والغاوي والضال؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الراشد ضد الغاوي والمهتدي ضد الضال، وكل منهما وصفان محمودان، أعني: الرشد والهداية، وما أعلم فرقًا دقيقًا بينهما، فوصف الهدى ليس وصفًا مستقلًا أتى بشيء جديد، وإنما هو موضح ومبين لمعنى الرشد.\nلكن الخلفاء الراشدين فيهم الوصفان، فيهم الرشد وفيهم الهداية، وليس معناه أن المهتدي غير الراشد، فوصف الهداية وصف موضح ومبين، وليس وصفًا مباينًا للرشد، بل هو كما قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: المهتدي وصف كاشف.\nومعناه أنه موضح وما أتى بشيء جديد مخالف أو مغاير للرشد.","vol":"26","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-704>حكم تنظيم المخيمات الدعوية التي تحتوي على الأناشيد والمسرحيات</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل تنظيم المخيمات الدعوية التي تضم المسابقات العلمية والأناشيد والمسرحيات والرياضة بدعة، مع أن القصد هو احتواء الشباب ومحاولة التأثير فيهم وصرفهم عن المنكرات؟ الشيخ: الأمور في الغالب هي على حسب مقاصد الناس الذين يقومون بهذه الأعمال، ولكن ينبغي أن يربط الناس بالمساجد، ويحرص على جلبهم إلى المساجد، وليس إبعادهم عن المساجد، وعمل مخيمات لهم قد يحصل لهم بسببها ضرر، هذا هو الأولى، فالتربية تكون في المساجد ليكون الناس على صلة بالمساجد وعلى اشتغال بالعلم، وأما تلك المخيمات فهي على حسب ما يقام فيها، لكن ربط الناس بالمساجد أولى من ربطهم بالمخيمات.","vol":"26","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-705>حال زيادة: (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما صحة زيادة (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه جاءت في حديث آخر وليس في هذا الحديث، أعني زيادة (وكل ضلالة في النار)، جاءت في حديث خطبة الجمعة.","vol":"26","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-706>حكم السمع والطاعة للأمير الكافر والفاسق</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يلزم السمع والطاعة للأمير أو الرئيس وإن كان كافرًا؟ وهل يبايع إن غلب واستقر له الأمر واستتب له الأمن؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يبايع الكافر، وإذا تغلب يجوز الخروج عليه إذا قدر على ذلك، وفي حال عدم القدرة فإن الناس يسمعون ويطيعون بالمعروف، ولا يسمعون ويطيعون في أمر منكر محرم، ولكنهم إذا وجدوا فرصة للتخلص منه فإنه مطلوب منهم أن يتخلصوا منه إذا لم يترتب على خروجهم عليه أو على قيامهم بذلك ما هو أنكر وما هو أعظم ضررًا، وذلك كأن يقضى على هؤلاء لضعفهم، فإن هذا لا يأتي بمصلحة ولا يأتي بفائدة.\nأما المبايعة فلا يبايع الكافر، ولكنه إذا تغلب وقهر الناس وأمر الناس بما هو معروف سمع له، وإذا أمر الناس بما هو معصية فلا يسمع له، وإذا أمكنهم التخلص منه فإنهم يتخلصون منه، بخلاف المسلم الذي يكون عنده فسق فلا يجوز الخروج عليه ولو كان فاسقًا ولو كان جائرًا.","vol":"26","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-707>معنى الواو في قوله: (وسنة الخلفاء الراشدين)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل العطف بالواو في قوله: (وسنة الخلفاء الراشدين) يقتضي المغايرة أو لا يقتضيها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الواو عاطفة لا تقتضي المغايرة، ومعلوم أن سنتهم من سنة الرسول ﷺ، ولكن إذا جاء منهم شيء لم يكن في زمنه ﷺ مثل الذي حصل من عثمان فإنه يعتبر سنة.","vol":"26","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-708>الرد على من قال بضعف حديث العرباض بن سارية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الرد على من يضعف حديث العرباض بن سارية باعتبار أنه لم يروه إلا العرباض بن سارية، وهي موعظة عامة، والعرباض كان من الأعراب ولم يصحب النبي ﷺ كثيرًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الحديث لا يلزم في روايته أن يأتي عن جمع كثير، بل يكفي أن يرويه شخص واحد، ولا يقدح فيه كون راويه صحابيًا واحدًا أتى به؛ فمن حدث عن رسول الله ﷺ بشيء سمعه وهو من أصحابه فإنه يعول عليه، سواء كان قد حضر غيره أم لم يحضر غيره، فالمهم أنه سمع هذه السنة عن الرسول ﷺ، فلا يقدح فيه كون غيره ما حدث به.","vol":"26","page":34},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-709>[٢٧]</span>\nإن النجاة من النار والفوز بدخول الجنة لأمر عظيم لا يكون إلا لمن وفقه الله تعالى، وقد جعل الله تعالى لعباده سببًا في الحصول عليه، وهو الإيمان والعمل الصالح، وأول ما يجب فعله من الأعمال الصالحة هو عبادة الله تعالى وحده وترك الشرك به، ثم أداء أركان الإسلام، وإذا أراد العبد كمال الدرجات فليحرص على الاستزادة من نوافل الخيرات، وليعلم أن في لسانه خطرًا عليه كبيرًا، ومن ثم فليحرص على كفه عما لا ينفعه.","vol":"27","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-710>شرح حديث معاذ في السؤال عما يدخل الجنة ويباعد عن النار</span>\nيقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: [عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: (قلت: يا رسول الله! دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار.\nقال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت.\nثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جُنّة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل.\nثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦] حتى بلغ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧].\nثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد.\nثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله.\nقال: فأخذ بلسانه وقال: كف عليك هذا.\nقلت: يا نبي الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم؟) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح].","vol":"27","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-711>حرص الصحابة على الخير وبيان طلب الصالحين للجنة وخوفهم من النار</span>\nهذا حديث عظيم جامع مشتمل على أمور عظيمة من وصايا الرسول الكريم ﷺ لـ معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه.\nوسؤال معاذ لرسول الله ﷺ أن يدله على عمل يقربه من الجنة ويباعده من النار يدلنا على حرص الصحابة على معرفة الحق وعلى معرفة ما يقربهم إلى الله ﷿ وما يحصلون به الثواب من الله ﷾، فهم الحريصون على كل خير والسباقون إلى كل خير رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.\nقوله: [(دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار)] فيه إثبات الجنة والنار، وأنهما موجودتان، وهما باقيتان لا تفنيان ولا تبيدان، وفيه -أيضًا- أن عبادة الله ﷿ لتحصيل الجنة والسلامة من النار شأن سلف هذه الأمة من أصحاب رسول الله ﷺ، وليس كما يقول بعض الصوفية: ما عبدت الله رغبة في جنته ولا خوفًا من ناره، وإنما شوقًا إليه! فإن أصحاب رسول الله ﷺوهم خير الناس، وأفضل الناس- يسألون الله الجنة ويعوذون به من النار، ويبحثون عن الأعمال التي توصل إلى الجنة والأعمال التي بها يتخلصون من النار ويبتعدون عنها.\nوالله ﷿ قد أخبر عن خليله إبراهيم ﵊ أنه قال: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء:٨٥].","vol":"27","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-712>العمل سبب لدخول الجنة</span>\nثم إن فيه دليلًا على أن الأعمال من أسباب دخول الجنة؛ لأنه قال: [(دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار)] فالأعمال هي أسباب في دخول الجنة، فقد قال الله ﷿: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف:١٤].\nوقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦ - ١٧].\nفبين أن الأعمال سبب في دخول الجنة، وقد جاء في الصحيحين عن النبي ﵊ أنه قال: (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله.\nقالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل)، ففي الآيات الكريمات التي ذكرت دلالة على أن الأعمال سبب في دخول الجنة، وأن الإنسان يدخل بعمله الجنة، والحديث يدل على أن الإنسان لا يدخل بعمله الجنة، فكيف يجمع بين ما جاء في الآيات وما جاء في الحديث؟ والجواب هو أن يقال: إن الباء التي في الحديث غير الباء التي في الآيات؛ لأن الباء في الآيات للسببية، والله ﷿ جعل الأعمال سببًا في دخول الجنة، والباء التي في الحديث هي باء المعاوضة، فقوله: (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله) أي: بأن تكون الجنة عوضًا عن عمله، فيستحق الجنة بمجرد عمله دون أن يكون وراء ذلك فضل الله ورحمته، فهذا لا يكون، بل الفضل لله ﷿ في دخول الجنة.\nومعلوم أن الإنسان عندما يعمل عملًا عند غيره في هذه الحياة الدنيا فإنه يستحق الأجرة في مقابل عمله عوضًا، وليس للذي يدفع العوض منة وفضل على الأجير الذي أعطي أجرته؛ لأن الأجرة في مقابل العمل، فهذا عَمِل وهذا أعطى في مقابل العمل.\nأما دخول الجنة فالأعمال -وإن كانت سببًا في دخولها- إلا أن ذلك بفضل الله ﷿، ولا يقال: إن القضية هي عمل وجد فكانت الجنة عوضًا عنه! بل الفضل لله ﷿ أولًا وآخرًا، فهو الذي تفضل بالتوفيق للعمل الصالح الذي يوصل إلى الجنة، وتفضل بالجزاء والثواب الذي هو الجنة، فرجع الأمر إلى فضل الله ﷿ في تحصيل السبب ثم حصول المسبب.\nوعلى هذا تكون الآيات والحديث لا اختلاف بينها، وإنما هي متفقة، بحيث تحمل الباء في الآيات على السببية، وأن الله تعالى جعل الأعمال أسبابًا في دخول الجنة، والباء التي نُفي فيها دخول الإنسان بعمله الجنة إنما هي باء المعاوضة، فدخول المرء الجنة ليس معاوضة له على عمله، بل الأعمال سبب في دخول الجنة، وليست القضية قضية معاوضة كما هو مشاهد ومعاين في الذين يعملون أعمالًا في الدنيا ويحصلون على أجورهم من المستأجرين، فإن تلك الأجور ليس فيها فضل ولا منة، وإنما فيها معاوضة، فالأعمال -كما سبق- وإن كانت سببًا في دخول الجنة إلا أن الله تعالى هو الذي تفضل بها، فتفضل بالسبب وتفضل بالمسبب.","vol":"27","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-713>عظم شأن دخول الجنة والنجاة من النار</span>\nقوله: [(لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه)] في هذا بيان عظم شأن السؤال والمسئول عنه، وأنه شيء عظيم، وليس بالأمر الهين، ومع عظمته وصعوبته ومشقته فإن الله تعالى يجعله يسيرًا على من وفقه الله؛ إذ الأعمال التي يكون بها دخول الجنة والسلامة من النار التي دل الرسول ﷺ عليها فيها مشقة وفيها تعب وفيها نصب، والمرء بحاجة إلى الصبر على طاعة الله؛ لأن تلك التكاليف وتلك الأمور التي هي موصلة إلى الجنة تحتاج إلى صبر، فيصبر على الطاعات ولو شقت على النفوس؛ لأن العاقبة حميدة، والنبي ﷺ قال: (حفت الجنة بالمكاره) فالطريق إلى الجنة فيه صعوبة وفيه مشقة، ويحتاج إلى صبر وإلى جلد وإلى احتساب، وليس هو بالأمر الهين، ولكنه يكون يسيرًاَ على من يسره الله عليه.\nوفي هذا -أيضًا- دليل على أن الإنسان ينبغي له أن يحرص على الأعمال الصالحة، وأن من استعان بالله وعول على الله وجد واجتهد وأخذ بالأسباب الموصلة إلى المقصود والمطلوب فإن ذلك يكون بتيسير الله ﷿ وتوفيقه لتحصيل ذلك المطلوب.\nوأيضًا فيه تشجيع على مثل هذا السؤال، وبيان أهميته، وأن شأنه عظيم، وأن السؤال عن مثل هذا من أهم المهمات؛ لأنه سؤال عن عمل الإنسان في هذه الحياة؛ إذ إن هذه الحياة دار العمل والآخرة دار الجزاء، وليس فيها إلا جنة أو نار، ودخول الجنة إنما يكون بما يحصل في الدنيا للعبد من توفيق الله ﷿ للأعمال الصالحة التي توصل إلى الجنة وتباعد من النار.","vol":"27","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-714>بيان العمل الموصل إلى الجنة</span>\nثم بين ما يوصل إلى الجنة في قوله ﷺ: (تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت) وهذه أركان الإسلام الخمسة التي بينت في حديث جبريل، حيث قال: (أخبرني عن الإسلام قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا)، وكذلك في حديث عبد الله بن عمر: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان)، فهذه الأشياء الخمسة التي جاءت في هذا الحديث هي التي جاءت في حديث جبريل وفي حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما.","vol":"27","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-715>من أسباب دخول الجنة الإخلاص والمتابعة</span>\nفقوله: (تعبد الله) أي: تفرد الله بالعبادة وتخصه وحده بها.\nوالله ﷿ قد خلق الخلق لعبادته، وقد أُمروا ونهوا، وبين لهم التوحيد، وبين لهم الشرك، وبين لهم طريق الخير وطريق الشر، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ١٠] يعني: طريق الخير وطريق الشر.\nوقد حصل تبيين ذلك بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.\nوعبادة الله ﷿ يجب أن تكون خالصة له، وأن تكون موافقة لسنته ﷺ، وعلى هذا فتكون الشهادة بأن محمدًا رسول الله ﷺ داخلة في عبادة الله؛ لأن عبادة الله ﷿ لا تعتبر ولا تكون مجدية ونافعة إلا إذا توافر فيها الشرطان: أن تكون خالصة لله، وأن تكون مطابقة لسنة رسول الله ﷺ.\nفإذًا: لابد -مع شهادة أن لا إله إلا الله- من شهادة أن محمدًا رسول الله، وهما شهادتان متلازمتان لا تنفك إحداهما عن الأخرى، فحين بعث رسول الله ﵊ وجب على كل إنسي وجني أن يدخل في هذا الدين، وإلا فإن النار مثواه كما قال الرسول ﷺ: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار)، ويقول بعض العلماء: كنت إذا سمعت الحديث عن رسول الله ﷺ تأملته فأجد معناه في القرآن.\nقال: ولما سمعت هذا الحديث تأملته ووجدت معناه في قول الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود:١٧] أي أن هذه الآية مثلها قوله ﷺ: (لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار).\nوعلى هذا فعبادة الله ﷿ لابد فيها من شرطين: إخلاص العمل لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ، فإذا توافر هذان الشرطان نفع العمل ونفعت العبادة، وإن اختل أحدهما فإن العمل مردود على صاحبه، ولا عبرة به حينئذٍ ولا قيمة له.","vol":"27","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-716>من أسباب دخول الجنة إقامة الصلاة</span>\nثم ذكر بعد ذلك: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وذكرها مرتبة على حسب أهميتها، فأهم هذه الأركان بعد الشهادتين: الصلاة، والتي هي عمود الإسلام، كما في الحديث الذي بين أيدينا، وهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي من آخر ما أوصى به الرسول ﷺ، وهي آخر ما يُفقد في هذه الحياة، وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، وغير ذلك من المزايا الكثيرة المتعددة التي تتعلق بالصلاة.\nفقُدّمت الصلاة؛ لأنها أهم من غيرها، حيث إنها صلة وثيقة بين العبد وربه، وتكرر في اليوم والليلة خمس مرات، بخلاف الأعمال الأخرى، فإن منها ما يكون واجبًا في السنة كالزكاة والصيام، ومنها ما يكون واجبًا في العمر كالحج، وأما الصلاة فهي في اليوم والليلة خمس مرات، ولهذا فإذا صاحب المرء إنسانًا فإنه يستطيع أن يعرف أنّه من أهل الاستقامة أو من أهل الضلال خلال أربعٍ وعشرين ساعة، وذلك بكونه يصلي أو لا يصلي، فإن كان من المصلين فهذه علامة الخير، وإن كان من غير المصلين فهذه علامة السوء، فقدمت الصلاة في الحديث لأهميتها؛ ولأنها صلة وثيقة بين العبد وبين ربه؛ ولأنها تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات.","vol":"27","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-717>من أسباب دخول الجنة أداء الزكاة</span>\nثم جاء بعد ذلك ذكر الزكاة التي تكون في السنة مرة واحدة في الغالب، فإذا استوى الثمر وجاء حصاد الزرع، أو حال الحول على النقود أو على التجارة أو على بهيمة الأنعام فيجب إخراج الزكاة.\nوقدمت الزكاة على الصيام؛ لأنها متعدية النفع؛ فالمزكي يستفيد منها بحصول الأجر ونماء المال، والفقير الذي تُدفع إليه الزكاة يستفيد منها بسدّ حاجته.\nوالزكاة قرينة الصلاة في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ، وكثيرًا ما يأتي الجمع بين الصلاة والزكاة في الآية أو الحديث، كما قال الله ﷿: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ) [الحج:٤١]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١].","vol":"27","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-718>من أسباب دخول الجنة الصيام والحج</span>\nثم جاء الصيام بعد ذلك؛ لأنه يتكرر في السنة، ويكون شهرًا، وأخر الحج؛ لأنه لا يجب في العمر إلا مرة واحدة.\nفهذه الأركان جاءت مرتبة وفقًا لأهميتها.\nثم إنّ هذه الأمور التي قدمت هي أهم الفرائض، والله ﷿ قد جعل أحب ما يتقرب العبد به إليه هو الفرائض، كما جاء في الحديث القدسي: (وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه).\nفقوله: (تعبد الله) أي أن من أسباب دخول الجنة عبادة الله تعالى، وهي فرائض ونوافل، فالفرائض ذكرت منها الأركان الخمسة التي هي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وهذه أمور واجبة لازمة.","vol":"27","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-719>أبواب نوافل الخير الموصلة إلى الرضوان</span>\nثم بعد ذلك ذكر أمورًا مستحبة ونوافل وقربًا يكون فيها زيادة في الثواب وكمال في الإيمان، فقال ﵊ بعد ذلك: (ألا أدلك على أبواب الخير) أي: الطرق والمداخل التي يصل الإنسان بها إلى الخير.\nوالمقصود بذلك: النوافل؛ لأنه ذكر أمثلة للفرائض أولًا ثم ذكر أمثلة للنوافل ثانيًا، فذكر ثلاثة أشياء: الصوم، والصدقة، وقيام الليل.\nفهذه الأمور الثلاثة هي من أفضل أبواب الخير التي أرشد إليها رسول الله ﷺ.\nوقوله: (ألا أدلك) هذا استفهام، فقبل أن يذكر أبواب الخير مهّد لها بهذا الاستفهام حتى يتهيأ المخاطب -وهو معاذ ﵁- لمعرفة ما يلقى عليه ليحفظه ويعيه ويستوعبه، بحيث لا يفوته منه شيء، فهذا الأسلوب وهذه الطريقة فيها لفت نظر المخاطب بتنبيهه إلى العناية والاهتمام لما سيلقى عليه بحيث يعيه ويستوعبه.","vol":"27","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-720>من أبواب الخير: صوم التطوع</span>\nقوله ﷺ: (الصوم جنة) المقصود بذلك صوم التطوع؛ إذ إن صوم رمضان قد ذكر سابقًا ضمن الواجبات؛ وهذه الأمور التي ستذكر إنما هي من باب التطوع، وليست من باب الفرض.\nثم ذكر النوافل التي بها زيادة الإيمان وزيادة الكمال وزيادة الأجر والثواب عند الله ﷿، فقال: (الصوم جُنَّة) والجُنَّة: هي الوقاية التي يُتقى بها ما يُحذر ويُخاف، ولهذا يقال للترس الذي يتقى به السهام: جُنَّة.\nفالصوم جُنة في الدنيا من المعاصي وفي الآخرة من النار.\nويدل للأول -وهو أن الصوم جنة في الدنيا- قوله ﷺ في الحديث المتفق على صحته عن عبد الله بن مسعود ﵁: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغضّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء).\nأي: أن من قدر على الزواج فليتزوج وليقض وطره، ومن عجز ولم يتمكن من ذلك لعدم القدرة المالية التي توصله إليه فإن عليه أن يكثر من الصوم؛ لأن الصوم يضعف شهوته ويُوهن قوّته، فيسلم بذلك من الوقوع في الفاحشة واقتراف الأمر المحرم، فإن الصوم يكبح جماح النفس، ويقمع شدة الشهوة؛ لأنه يكون فيه إضعاف للنفس، بخلاف الإفطار، فإنه يكون فيه النشاط وفيه الأكل والشرب والاستمتاع، فهو الذي يجعل الإنسان فيه هذه الشهوة، والصوم يضعفها، فأرشد ﵊ إلى ما يكون به السلامة من الوقوع في الفاحشة والوقوع في الأمر المحرم، فإذا لم يستطع الإنسان أن يقضي شهوته بطريق الحلال فإن عليه أن يصوم حتى لا يقع في الأمر المحرم؛ لأن الصوم يضعف شهوته، فلا يكون عنده الاندفاع والرغبة التي تجعله يقدم على تفريغها وعلى حصولها بطريق محرمة.\nوأما الوقاية التي يحدثها الصوم في الآخرة: فهي السلامة من النار في الآخرة، وقد جاء في الحديث الصحيح: (من صام يومًا في سيبل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا).\nفصوم التطوع يكون جُنّة من المعاصي وجُنّة من النار.","vol":"27","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-721>من أبواب الخير: الصدقة والإحسان إلى الناس</span>\nثم قال ﷺ: (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار).\nوالصدقة: هي الإحسان إلى الناس -بالمال أو بغيره- وإيصال النفع إليهم، وسدّ عوزهم وفقرهم.\nوهي من أسباب إطفاء الخطايا، أي: زوالها وذهابها، ولا شك في أن الصغائر تذهب بفعل الطاعات، وأما الكبائر فإنها تذهب مع التوبة، أما مع الإصرار عليها فلا، وإذا كان الإنسان يتصدق وهو مصرّ على الكبائر فلا يقال: إن الصدقة تمحو كبائره التي هو مصر عليها، وإنما تمحو الصغائر، وأما الكبائر فتمحوها التوبة، فإذا تصدق وهو تائب من جميع الذنوب فإن الصدقة تطفئ تلك الخطايا كما يطفئ الماء النار، أي أنها تقضي عليها وتستأصلها، كما أن الماء إذا صُبّ على النار فإنه يخمدها ويطفئها، وهذا معروف بالمشاهدة والمعاينة، وكذلك المعاصي تطفئها الصدقة، والتي هي القربة التي يتقرب بها إلى الله ﷿ بسدّ عوز المعوزين وقضاء حاجات الفقراء والمساكين.\nوفي ذلك تشبيه الأمور المعنوية بالأمور الحسية في تقريب ذلك إلى الأذهان وإلى الأفهام؛ لأن المشاهَد أن الماء إذا صُبّ على النار قضى عليها وأنهاها، فكذلك الصدقة إذا جاءت فإنها تقضي على المعاصي، ولكن الكبائر تُمحى بالتوبة منها.","vol":"27","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-722>من أبواب الخير: قيام الليل</span>\nثم قال ﷺ: (وصلاة الرجل من جوف الليل).\nيعني: أنه من أبواب الخير؛ لأن الرسول ﷺ ذكر أبوابًا ثلاثة من أبواب الخير: الصوم، والصدقة، وقيام الليل، فالصدقة نفعها متعد، والصوم وقيام الليل نفعهما قاصر لا يتعدى.\nوقيام الليل هو أفضل الصلاة بعد الفريضة، كما جاء عن النبي ﷺ: (أفضل الصلاة بعد الفريضة: قيام الليل)، وهو أفضل التطوع الذي يتطوع به من الصلوات، كما ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ، ثم تلا قول الله ﷿: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦ - ١٧] تلا هاتين الآيتين المشتملتين على بيان هذا العمل الصالح، وأن أولياء الله ﷿ الذين يحصل منهم هذا العمل الصالح يرغبون ويرهبون، وجزاؤهم الجنة بسبب أعمالهم التي عملوها وقدموها في هذه الحياة.\nومما ينبغي أن ينبه عليه: أن الإنسان إذا وعظ أو ذكّر فمرت به آية فعليه أن يأتي بها كما كان يُحدّث، ولا يتحول من كونه يخاطب الناس إلى كونه يقرأ القرآن ويصير كأنه قارئ تالٍ؛ فإن مقام الاستدلال غير مقام التلاوة، فبعض الناس تجده يخاطب الناس، فإذا مرت به آية تحول إلى كونه قارئًا، فالذي يسمعه يظن أنه قارئ، وليس محدثًا ولا مذكرًا ولا خطيبًا، وإنما يظنه قارئًا للقرآن.\nفمقام الاستدلال غير مقام القراءة.\nوقوله: (وصلاة الرجل من جوف الليل) ذِكْر الرجل هنا لا مفهوم له، بل المرأة كذلك، وإنما ذكر الرجل؛ لأن أن الغالب أن الخطاب مع الرجال، وإلا فإن الأصل التساوي بين الرجال والنساء في الأحكام، ولا يصار إلى الفرق بينهما إلا إذا وجد ما يدل على أن هذا الحكم خاص بالرجال دون النساء أو العكس، كما يأتي في بعض الأحاديث بيان التفريق بين الرجال والنساء في بعض الأحكام، مثل مسألة الغسل من بول الرضيع الذي لم يأكل الطعام، فإنه يكون فيه النضح من بول الغلام والغسل من بول الجارية، وكذلك الجنازة إذا كانت رجلًا يكون الإمام عند رأسه، وإذا كانت امرأة يكون في وسطها، فهذه من الأمور التي يحصل فيها التفريق بين الرجال والنساء، وكذلك فيها يتعلق بالعقيقة والدية والشهادة والميراث والعتق، وهي خمسة أمور تكون النساء فيها على النصف من الرجال.\nفالأصل هو التساوي بين الرجال والنساء في الأحكام، وعلى هذا فإن قوله في الحديث: (وصلاة الرجل) لا مفهوم فيه لذكر الرجل، بل مثله المرأة.","vol":"27","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-723>بيان رأس الأمر وعموده وذروة سنامه</span>\nثم قال ﷺ: (ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى.\nقال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد) وهذا مثل الذي قبله، فالاستفهام فيه تنبيه المخاطب إلى الاستعداد والتهيؤ لما سيلقى عليه.\nوقوله: (رأس الأمر الإسلام) الأمر: هو الدين الذي جاء به محمد ﷺ، وهو الشأن، وهو أعظم الشئون.\nوقوله: (وعموده الصلاة) يدلنا على عظم شأن الصلاة؛ لأنها عمود الإسلام، ومعلوم أن الأعمدة يقوم عليها البنيان، وتقوم عليها الخيام، وإذا نُزع عمود الخيمة سقطت على الأرض، وإذا كُسرت أعمدة البنيان هبطت العمارة المكونة من طوابق كثيرة بعضها على بعض حتى تكون أقل مما يساوي طابقًا واحدًا لما اختلت الأعمدة، وهذا يبين لنا أن الصلاة شأنها عظيم؛ لأنها هي العمود الذي يقوم عليه الإسلام.\nثم قال: (وذروة سنامه الجهاد)، السَّنام: هو أعلى الشيء، وسنام البعير: أعلاه، والذروة: أعلى السنام؛ لأن السنام أعلى شيء، وأعلى شيء في السنام هو الذروة، وأطلق على الجهاد أنه ذروة سنام الإسلام؛ لأن فيه علو الإسلام وظهوره وقوة المسلمين وتفوقهم على الكفار وغلبتهم لهم، حيث يكونون غالبين للكفار، فيهابهم الكفار ويخشونهم، فإما أن يدخلوا في الدين وإما أن يدخلوا تحت حكم الإسلام ويدفعوا الجزية، ولكن يكونون تحت ولاية المسلمين، ويكون ذلك سببًا في هدايتهم؛ لأنهم يشاهدون أحكام الإسلام، ويشاهدون تطبيق الإسلام من المسلمين، فيكون في ذلك القدوة الحسنة والأسوة الطيبة لهم.\nوإنما يكون ظهور الإسلام وقوته وتفوق المسلمين على أعدائهم الكافرين بقوة الإيمان وقوة اليقين الذي به يفتحون العباد والبلاد، كما كان شأن سلف هذه الأمة الذين كان عددهم قليلًا بالنسبة لأعداد أعدائهم، ومع ذلك فقد نصرهم الله ﷿ بقوة إيمانهم ويقينهم وثباتهم وإخلاصهم لله ﷿.\nولا يحصل جهاد الأعداء إلا إذا حصلت مجاهدة النفس، فالمسلم إذا لم يجاهد نفسه فإنه لا يستطيع أن يجاهد غيره، وجهاد النفس هو أهم شيء؛ لأن الإنسان إذا لم يكن عنده قوة إيمان ومجاهدة للنفس لا يكون عنده صبر، ولا يكون عنده جَلَد، ولا تكون عنده رغبة، ولا يكون عنده حرص على مجاهدة الكفار، فمجاهدة النفس هي الأساس الذي تقوم عليه قوة المجاهدين والمقاتلين للكفار، ولهذا تفوق أصحاب رسول الله ﷺ وسلف هذه الأمة على أعدائهم مع قلة عدد المسلمين وقلة عتادهم وكثرة أعداد الكفار وكثرة عتادهم بقوة الإيمان وقوة البصيرة وقوة الدين، هذا هو الذي مكنهم من التغلب على أعدائهم، فإن الفئة القليلة تغلب الفئة الكثيرة بإذن الله، وذلك بقوة الإيمان وقوة اليقين، فالجهاد أولًا جهاد النفس، ثم جهاد المنافقين وجهاد الكفار، كما قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣].","vol":"27","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-724>خطورة شأن اللسان</span>\nثم قال ﷺ: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى.\nفأخذ بلسانه وقال: كف عليك هذا).\nوهذا يبين لنا خطورة شأن اللسان، وأن أمره خطير، وأنه ليس بالأمر الهيّن، وأنه هو الذي يوقع الإنسان في المهالك ويتسبب في العطب، ولهذا لما قال النبي ﷺ ذلك لـ معاذ قال له معاذ: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال ﵊: (ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم-)] وهو شك من الراوي في كونه ذكر الوجوه أو المناخر-: (إلا حصائد ألسنتهم).\nيعني: جزاء وعقوبة ما يحصل من الألسنة من الكلام السيء في هذه الحياة الدنيا، فهذا هو الذي يوصلهم إلى النار، وهو الذي يوقعهم فيها؛ لأن الناس في هذه الحياة الدنيا يزرعون، فالحياة الدنيا هي دار الزرع ودار العمل، والآخرة دار الحصاد، فالناس يحصدون ويحصلون أجر ما قدموا، إن قدموا خيرًا وجدوه، وإن قدموا شرًا وجدوه، كما قال الله ﷿: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]، وجاء في الحديث القدسي: (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه).\nوفي هذا بيان عظم شأن اللسان، وأن أمره ليس بالأمر الهين، بل شأنه خطير، وقال النبي ﷺ: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًاَ أو ليصمت) وفي الحديث المتفق على صحته: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة)، والذي بين اللحيين هو اللسان والذي بين الرجلين هو الفرج.","vol":"27","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-725>مآل دعاء النبي ﷺ على أحد أصحابه</span>\nقوله ﷺ: (ثكلتك أمك يا معاذ) يعني: فقدتك حتى صارت ثكلى! وليس الدعاء مُرادًا هنا، وإنما المراد هو الاهتمام بما يخاطب به، بل إنه جاء عن النبي ﵊ أنّه سأل ربه أن يجعل كل دعوة دعا بها على أحد ليس أهلًا لها طُهرًا وزكاءً وقربة من الله ﷿ لذلك المدعو عليه، فتكون الصيغة دعاءً عليه وهي دعاءٌ له.\nفقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن أمه أم سليم رضي الله تعالى عنها كان لها يتيمة، فأرسلتها إلى النبي ﷺ في حاجة، وكان النبي ﷺ رآها وهي صغيرة جدًا ثم رآها قد كبرت، فقال: أنت هي كبرت، لا كبرت سنك.\nفرجعت تلك اليتيمة تبكي، فلما جاءت إلى أم سليم تبكي قالت: إن الرسول دعا علي وقال: كذا وكذا، فجاءت أم سليم مسرعة إلى رسول الله ﷺ، فقال: (ما لك يا أم سليم، قالت: إنك دعوت على يتيمتي.\nفقال: أما علمت -يا أم سليم - أنني اشترطت على ربي أن كل من دعوت عليه دعوة ليس هو لها بأهل أن يجعل الله له زكاءً وطُهرًا).\nثم إن الإمام مسلمًا رحمة الله عليه من حسن ترتيبه ومن حسن دقته في كتابه الصحيح لما ذكر هذا الحديث أورد بعده حديث ابن عباس الذي قال فيه النبي ﷺ لـ معاوية: (لا أشبع الله بطنك) بعدما ذكر الحديث الذي فيه هذا الشرط؛ ليدل على أنه دعاء له وليس دعاء عليه، وذلك أن ابن عباس روى أن النبي ﷺ أرسله إلى معاوية فرجع فأخبره أنه وجده يأكل، ثم أمره أن يذهب مرة أخرى، فرجع فأخبره أنه وجده يأكل، فقال ﷺ: (لا أشبع الله بطنك) فصار دعاء له بناءً على ذلك الحديث الذي رواه أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، فصار منقبة لـ معاوية وفضلًا له، وليس فيه ذم لـ معاوية كما يحرص على ذكره من يعادون أصحاب رسول الله ﷺ، ويزعمون أن هذا من مثالبه، وأنه دعاء عليه.\nفهذا الحديث العظيم مشتمل على هذه الوصايا العظيمة النافعة الجامعة ممن أعطي جوامع الكلم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.\nوالله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.","vol":"27","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-726>الأسئلة</span>","vol":"27","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-727>حكم قول المرء لأخيه: (ثكلتك أمك) ونحو ذلك</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يكون قول: (ثكلتك أمك) أو: (تربت يداك أو يمينك) من خصائص النبي ﷺ، فلا يجوز لغيره أن يقوله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الذي ينبغي هو ألا يقال مثل هذا الكلام، وإنما يؤتى بالكلام الطيب والكلام المناسب، أما الرسول ﷺ فإن هذا الذي حصل منه -كما هو معلوم- يكون دعاءً لصاحبه وليس دعاء عليه.","vol":"27","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-728>حكم ترتيل الآيات عند الاستدلال بها في المواعظ ونحوها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا كانت الآيات لا ترتل عند الاستدلال بها في المواعظ ونحوها، فكيف بما نسمعه في بعض الأشرطة، حيث نجد أن المحاضر يقول الشيء ثم يكون الاستدلال من الآيات بصوت قارئ غير المحاضر، وذلك كثير في التسجيلات، فما حكم أن يكون الاستدلال بالآيات بغير صوت صاحب المحاضرة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا ليس بجيد، أعني كون الإنسان يرتل الآيات حال الوعظ ونحوه، بل الإلقاء في الاستدلال يكون مثل غيره، ويستخدم هذه الطريقة كثير من الدعاة والوعاظ، ويقصدون بذلك ترقيق قلوب السامعين وشد الانتباه، وهذا المقصود لا يراعى، بل يراعى الصدق والإخلاص والإتيان بالكلام المؤثر الذي يكون صحيحًا، بحيث لا يكون فيه أحاديث ضعيفة أو موضوعة، وإنما يكون بآيات من كتاب الله، وأحاديث من أحاديث رسول ﷺ الصحيحة، وكذلك من كلام العلماء وكلام سلف هذه الأمة الذي فيه تأثير على القلوب.\nوقد يقال: قد جاء في الحديث أن النبي ﷺ كان يقرأ سورة (ق) يوم الجمعة على المنبر! ونقول: إن تلك قراءة قرآن، حيث كان يقرأها على المنبر، أما كلامنا فهو في الاستدلال، أي: كون الإنسان يتكلم ثم يأتي بدليل من الكتاب العزيز ويقرؤه بترتيل، فيتحول من كونه مذكرًا متكلمًا إلى كونه قارئًا، أو يسأل عن الدليل على شيءٍ فيذهب يرتل الآية.\nوقول الراوي عن النبي ﷺ: (ثم تلا) لا يشعر أن قراءته كانت متلوة مرتلة، وإنما يدل على كونه ﷺ ألقاها عليهم.","vol":"27","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-729>حكم البسملة والاستعاذة للآية المستدل بها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا كان المتحدث أو المتكلم يريد الاستدلال بالآية، فهل يستعيذ أو يبسمل إذا كان ذلك في أول السورة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كانت الآيات كثيرة فلا بأس بذلك، وأما إذا كان يأتي بآية، ثم يأتي بآية، ثم يأتي بآية، فلا يأتي بالاستعاذة.","vol":"27","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-730>الاجتماع على المأدبة بعد صيام الأيام البيض</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هناك مجموعة يجتمعون كل شهر في منزل أحدهم على مأدبة، ويكون ذلك غالبًاَ بعد صيام الأيام البيض، فقال لهم أحد الدعاة: إن عملكم هذا بدعة.\nفهل هذا صحيح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا ينبغي مثل ذلك، فإنه يمكن للإنسان أن يعبد الله ﷿ ولا يجتمع مع غيره ويتكلف ذلك.","vol":"27","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-731>من صلت الفجر فهي في ذمة الله تعالى</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ورد في حديث: (من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله)، فهذا بالنسبة للرجل، فماذا بالنسبة للمرأة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا صلت المرأة في بيتها وقامت بما هو واجب عليها فلا شك أنها تحصل على ما يحصل عليه الرجل؛ لأنها معذورة، فالمرأة إذا فعلت ذلك في مصلاها أو في بيتها فإنه -إن شاء الله- يرجى أن تحصل الفضل الذي يحصله الرجل.","vol":"27","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-732>المراد بسبيل الله</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في الحديث: (من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا) فما المراد بقوله: (في سبيل الله)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الظاهر أنه الجهاد في سبيل الله، ولهذا أورد هذا الحديث في كتاب الجهاد، وأصل سبيل الله يراد به معنى خاص ويراد به معنى عام؛ لأن كل طرق الخير هي في سبيل الله، ويطلق (سبيل الله) على الجهاد في سبيل الله، ولهذا فسبيل الله المذكور مع أصناف الزكاة الثمانية المقصود به الجهاد؛ لأن جميع الأصناف المذكورة هي في سبيل الله ما عدا العاملين عليها؛ لأن هؤلاء يأخذون أجورهم.","vol":"27","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-733>ترتيب الأعمال في النصوص ودلالته</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يذكر أن ترتيب الصلاة والزكاة بحسب الأهمية، وقدمت الصلاة لأهميتها، لكن بعض أهل العلم يقولون في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١١]: إنه أخر الدين لأهميته.\nفما الضابط في معرفة أن المقدم أو المؤخر هو الأهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أن الأركان الخمسة جاءت مرتبة في حديث جبريل، وجاءت مرتبة في حديث ابن عمر، وجاءت مرتبة في غيرهما، وبالنظر يعلم أن الصلاة لها أهمية عظمى، حيث تصلي في اليوم والليلة خمس مرات، وهي الفاصلة بين المسلمين والكفار، وهي آخر ما ينقض من عرى الإسلام، وأول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة، وهي عمود الإسلام، ثم تليها الزكاة؛ لأنها متعدية النفع، ثم يليها الصوم؛ لأنه قاصر النفع، وكل من الزكاة والصيام يأتي في السنة مرة، والحج جاء آخرًا؛ لأنه لا يجب إلا مرة واحدة في العمر.","vol":"27","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-734>حكم إعارة آلات التصوير</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل آثم إذا أعرتُ أحدًا آلة تصوير، سواء أكانت فوتوغرافية أم كاميرا فيديو؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  آلات التصوير إذا كان يستعملها المرء فيما هو مباح فلا بأس بذلك، وإذا أعارها لمن يستعملها في المباح فلا بأس.","vol":"27","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-735>أثر وقوف الطفل دون السابعة في وسط صف الصلاة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الطفل دون السابعة يقطع الصف إذا كان يصلي مع الناس؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان ليس من المصلين ولا يعقل الصلاة فلا شك أن وجوده كعدمه، ولهذا لا ينبغي أن يكون في الصف وهو لا يعقل الصلاة.","vol":"27","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-736>حكم المسح على الجورب المشقوق</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يُوجد ما يدل على أن الصحابة ﵃ كانوا يمسحون على الجوارب أو على الخفاف وفيها شيء من الشقوق؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  جاء عن عدد من أصحاب الرسول ﷺ أنهم كانوا يمسحون على الجوارب، ولا شك أنها لا تسلم، لكن الشأن في الشقوق؛ لأنها قد تكون يسيرة وقد تكون فاحشة كبيرة بحيث يكون وجود الجورب كعدمه، فهناك فرق بين الشقوق اليسيرة وبين الشقوق الكبيرة التي يكون أكثر الرجل فيها باديًا.","vol":"27","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-737>كيفية إدراك فضل صيام الأيام الفاضلة لمن كان يصوم يومًا ويفطر يومًا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا كان الرجل يصوم يومًا ويفطر يومًا فقد يحصل أنه لا يوافق صيامه بعض الأيام الفاضلة كيوم عاشوراء أو يوم عرفة أو يومي الإثنين والخميس، فكيف يصنع؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أن يجمع يومين ويؤخر يومين، ولا بأس بذلك.","vol":"27","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-738>الحكم على حديث (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما مدى صحة حديث: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر: جهاد النفس)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الجهاد كما هو معلوم هو جهاد الكفار، وجهاد النفس هو وسيلة له، ولا أعرف أن الحديث ثابت عن النبي ﷺ.","vol":"27","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-739>حكم أخذ المال من مقترضه بفائدة ربوية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  امرأة متوفى عنها زوجها، وكان لها إخوة أكبر منها اقترضوا من البنك بفائدة ربوية، ثم قام أحدهم فأعطاها جزءًا من هذا المال مساعدة لها ولأولادها، فهل لها أن تستخدم هذا المال، مع العلم أنها موظفة؟ ثم إنها تقول: لا أستطيع أن أرده؛ لأن ذلك يغضب أخي، ولها دين على أخيها فرده إليها من هذا القرض، فما الحكم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كانت محتاجة إليه فلا بأس بذلك؛ لأن القرض -كما هو معلوم- يكون الأصل أنه حلال، وإنما المحرم هو الزيادة التي تكون بسبب القرض، ولكن كونها تتنزه عن هذا إذا كانت موظفة وعندها شيء تستغني به فلا شك أنه أولى.\nوينبغي لها أن تحرص على هداية أخيها وعلى سلامته، فتعتذر وتقول: إن فعلك هذا غير سائغ، ولهذا لا أحب أن أشارك في هذا، فتبين له بلطف ولين، وتحرص على أن يسلم، فليست القضية في كونها تأخذ أو لا تأخذ، بل أهم شيء أن تخلص أخاها وأن تحرص على تخليصه من الوقوع في الأمر المحرم الذي هو الربا.\nوأما رده الدين إليها من ذلك القرض فقبولها له ليس به بأس.","vol":"27","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-740>عمامة طالب العلم في بلد لا يتعمم أهلها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في بلدي الرجال لا يلبسون شيئًا على رءوسهم، إلا الصوفية يلبسون العمائم والقلنسوة، فهل الأفضل لطالب العلم أن يلبس أو يترك رأسه مكشوفًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يلبس، ولكن لا يلبس لباسًا يماثل لباس المبتدعة.","vol":"27","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-741>حكم كشف الرأس في الصلاة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم كشف الرأس في الصلاة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الأولى عدمه؛ ما دام الإنسان يعتبر أن تغطية الرأس هيئة كاملة وأنها هي الهيئة المثلى، وإذا كشف وصلى فلا شيء عليه.","vol":"27","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-742>من تتزوج المرأة في الجنة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  تعددت الأحاديث في بيان أن أهل الجنة لهم الحور العين، لكن إذا كانت المرأة لا تريد زوجها وتريد غيره في الجنة فكيف يكون الحال؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المرأة في الجنة لها ما لا يخطر على بالها من النعيم ومن الخير، ثم من أين لنا أن نعرف أن المرأة لا تريد زوجها؟ فهذا الكلام افتراض باطل؛ لأنه إذا كان بينهم شيء في الدنيا من الغل فإنه ينزع يوم القيامة من قلوبهم.","vol":"27","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-743>معنى صلاة الفاتح وحكم التعبد بها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أرجو من فضيلتكم تفسير صلاة الفاتح، حيث يكثر عندنا فعلها، وهل يجوز التعبد بها؟ الشيخ: صلاة الفاتح صلاة مبالغ فيها، حيث يزعمون أنها خير وأفضل من القرآن، والإنسان لا يجوز أن يتعبد بها ولا بأي شيء مبتدع، بل يتعبد بالصلوات المشروعة الثابتة في صحيح البخاري وصحيح مسلم وغيرهما.","vol":"27","page":35},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-744>[٢٨]</span>\nيقف المرء في دين الله تعالى أمام أمور أربعة: أولها الفرائض فيأتي بها كما أمر الله تعالى، وثانيها الحدود فلا يتجاوزها ولا يتعداها، وثالثها المحرمات فيجتنبها ولا ينتهكها، ورابعها المسكوت عنها، فلا يتكلف البحث والسؤال عنها، فإن الله تعالى ما سكت عنها نسيانًا، بل رحمة بعباده.","vol":"28","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-745>شرح حديث (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها)</span>\nيقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: [عن أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر ﵁، عن النبي ﷺ قال: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها) حديث حسن رواه الدارقطني وغيره].\nهذا الحديث في إسناده مكحول، وهو يروي عن أبي ثعلبة ولم يسمع منه، ولو سمع منه فهو مدلس، وقد روى بالعنعنة.\nفالحديث فيه انقطاع، ولكن جاء في معناه أحاديث، كما ذكر ذلك الحافظ ابن رجب ﵀، مثل حديث: (الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته).\nوكذلك بعضه جاءت أحاديث تشهد له، ومنها حديث: (ذروني ما تركتكم؛ فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم).\nوعلى هذا فيكون المعنى الذي جاء في الحديث -وإن كان الإسناد منقطعًا بين مكحول وبين أبي ثعلبة - قد جاء ما يشهد له وما يدل عليه.\nالحديث مشتمل على أربع جمل:","vol":"28","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-746>الفرائض ومعناها</span>\nالجملة الأولى: قوله: [(إن الله فرض الفرائض فلا تضيعوها)] والفرائض هي التي فرضها الله ﷿ وأوجبها، فوجوبها حتم لازم، مثل الصلوات الخمس والزكاة وصيام رمضان وحج بيت الله الحرام التي هي أركان الإسلام، فهي واجبة لازمة، وعلى المسلمين أن لا يضيعوها، بل عليهم أن يأتوا بها ويحرصوا عليها ويبتعدوا عن إضاعتها.\nفالفرائض التي فرضها الله ﷿ وجوبها واضح وفرضها لازم يتعين على كل مسلم أن يأتي بها وأن يحذر من تضييعها، أي: التهاون بها وعدم الإتيان بها على التمام والكمال، بل عليه أن يحرص على أن يأتي بها على وجه يكون به مؤديًا للفرض والواجب.","vol":"28","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-747>الوقوف عند حدود الله</span>\nالجملة الثانية: قوله: [(وحد حدودًا فلا تعتدوها)] أي: أن الله جعل للناس أمورًا مشروعة منها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب، ومنها ما هو مباح، فعلى الناس أن يتقيدوا بها وأن يأخذوا بها، وأن لا يتجاوزها إلى الحرام، بل يكتفوا بما أحل الله عما حرم الله، ولا يتجاوزوا ذلك إلى غيره، بل يكون عملهم مبنيًا على الإتيان بما شرعه الله ﷿، سواء أكان واجبًا أم مستحبًا أم مباحًا، فلا تتعدى ولا تتجاوز الحدود التي شرعها الله.\nفقوله: [(فلا تعتدوها)] يعني: لا تتجاوزوها ولا تتعدوها، بل اقتصروا عليها وقفوا عندها ولا تتجاوزوها إلى غيرها، وهذا يتعلق بما هو مشروع ومطلوب، فإنه لا يتعدى ولا يتجاوز.\nوقد يأتي ذكر الحدود ويكون النهي عن قربانها ويكون المقصود بذلك المحرمات، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة:١٨٧] فالحدود هنا محرمة؛ لأنها لا تُقرب لحرمتها، وأما إذا كانت مباحة ومشروعة فإنها لا تتجاوز، بل يوقف عندها ويستغنى بالحلال عن الحرام، ويكتفى بما أباح الله عما حرم الله.","vol":"28","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-748>الانتهاء عند انتهاك المحرمات</span>\nالجملة الثالثة: قوله: [(وحرم أشياء فلا تنتهكوها)].\nأي: جاء الدليل من الكتاب والسنة على تحريمها، كالخمر والميسر والزنا والربا وغير ذلك، كل هذه المحرمات لا ينتهكها الإنسان، أي: لا يقع فيها ولا يتجه إليها، بل يكون في منأىً بعيدًا عنها، كما قال رسول الله ﷺ: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه) فكل ما نهى الله ﷿ وحرمه فإنه لا يجوز فعله ولا الإقدام عليه، بل يجب الحذر منه والابتعاد عنه وعدم قربانه.\nفقوله: [(وحرم أشياء فلا تنتهكوها)] يقابل قوله: [(أن الله فرض فرائض فلا تضيعوها)] أي: أوجب واجبات يتعين على الإنسان الإتيان بها، وهنا حرم محرمات فلا يجوز الإقدام عليها ولا يجوز الوقوع فيها.","vol":"28","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-749>حكم المسكوت عنه في الشرع</span>\nالجملة الرابعة: قوله: [(وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها)] أي: أنه سكت عنها فلم يحرمها ولم يحللها، وإنما هي عفو، فالشيء الذي لم يأت ما يدل على تحريمه فالإنسان يأتي به ويفعله ولا يبحث عنه.\nوهذا البحث والسؤال قد يكونان في زمن النبوة، وهذا الذي تترتب عليه مضرة، بأن يوجب شيء لا يستطاع، أو يحرم شيءٌ بسببه، كما جاء في قصة الرجل الذي سمع النبي ﷺ يقول: (إن الله كتب عليكم الحج فحجوا.\nقال: يا رسول الله! أفي كل عام؟ فسكت الرسول ﷺ فأعاد السؤال، فقال: لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، ذروني ما تركتكم؛ فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم).\nفالله ﷿ أوجب الحج، ووجوبه في كل عام لا شك أنه في غاية المشقة، فدلالة اللفظ بمجرده تدل على أنه مرة واحدة؛ لأنه لا يستطاع أن يحج الناس جميعًا في كل سنة، ولهذا قال النبي ﷺ: (لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، ذروني ما تركتكم) أي: لا تسألوني مثل هذه الأسئلة التي فيها مشقة وتعسير وتشديد على الناس.\nوكذلك كونه يسأل عن شيء فيحرم من أجل مسألته، وقد جاء في الحديث: (إن أعظم الناس جرمًا من سأل عن شيء فحرم من أجل مسألته).\nأما السؤال بعد زمنه ﷺ فكالأسئلة التي فيها تنطع وتكلف والناس في غنى عنها وليسوا بحاجة إليها، فلا ينبغي أن يسألوا مثل هذه الأسئلة ولا يبحثوا عنها، وإنما عليهم الانكفاف والإعراض وعدم الاشتغال بها، وعليهم الاشتغال بما يعود عليهم بالخير أما أن يشتغلوا ويعنوا بتفريع المسائل والتعمق فيها والسؤال عن أشياء ليس للإنسان أن يسأل عنها فهذا مما لا يفيد.\nفعلى الإنسان أن يقف عند الحرام ويجتنبه، وأما الحلال عله أن يأتي به ويقدم عليه، وما سُكِتَ عنه فإنه لا يشغل نفسه به، وما كان من أشياء ليس فيها تحريم ولا تحليل فيرجع في ذلك إلى الأصل، فما كان الأصل فيه الحل فإنه يبقى على ذلك الأصل، وما كان الأصل فيه التحريم فإنه يبقى على ذلك الأصل، ولا يُشتغل بالتكلف والتعمق في المسائل التي لا يفيد التعمق فيها، وقد جاء ما يدل على المنع من ذلك، كما في حديث: (هلك المتنطعون).\nوعلى هذا فهذا الحديث مشتمل على هذه الأربع الجمل: جملة تتعلق بالفرائض الواضحة المتعينة، وجملة تتعلق بما هو مشروع وسائغ، سواء أكان واجبًا أم مستحبًا أم مباحًا، وأنه يقتصر عليه ولا يتجاوز به الحد بحيث يتعدى، بل يوقف عنده، وجملة تتعلق بالحرام الواضح، فعلى الإنسان أن يتركه ولا يقع فيه، وجملة تتعلق بما كان مسكوتًا عنه، فإنه مما عفا الله ﷿ عنه، والإنسان له أن يأخذ به؛ فإنه مما أباحه الله وأحله، ولكن لا يشغل نفسه بأمور لا ينفعه الاشتغال بها، كالتعمق والتكلف والسؤال عن أمور ليس له أن يسأل عنها، ولا يمكنه أن يصل فيها إلى جواب، وإنما عليه أن يكف عن ذلك، وأن لا يقدم عليه.\nهذه هي الجمل الأربع التي اشتمل عليها حديث أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر ﵁.","vol":"28","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-750>شرح حديث (ازهد في الدنيا يحبك الله)</span>\nيقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: [عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس.\nفقال: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس).\nهذا الحديث سأل فيه سائلٌ رسول الله ﷺ عن أمر إذا فعله يكتسب به محبة الله مع محبة الناس، فالرسول ﷺ أرشده إلى أن يزهد في الدنيا ليحصل محبة الله، وأن يزهد فيما عند الناس ليحصل محبة الناس.\nوالحديث يدل على حرص أصحاب رسول الله ﵊ على الخير، ومعرفة أمور دينهم، وحرصهم على معرفة ما يجلب لهم محبة الله الذي محبته لهم فيها خيرهم وسعادتهم، ومحبة الناس التي يكون فيها السلامة من شرهم، ويكون فيها حصول ما يناسب بينه وبينهم من أمور لا يلحقه فيها ضرر، ولا يلحقه فيها مشقة، ولا يلحقه منهم ذم، بل يسلم من شرهم ويظفر بخيرهم.\nفالحديث يدل على حرص الصحابة ﵃ وأرضاهم على الخير، وعلى ما يجلب لهم محبة الله ﷿ ومحبة الناس.\nوالنبي ﷺ قد أوتي جوامع الكلم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فأتى بهذا الجواب المختصر الوجيه الذي فيه أن الإنسان يزهد في الدنيا فيكون ذلك سببًا في محبة الله ﷿ إياه، ويزهد فيما عند الناس فيكون ذلك سببًا في محبة الناس له.","vol":"28","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-751>معنى الزهد في الدنيا</span>\nالزهد في الدنيا من أحسن ما فسر به ما ذكره الحافظ ابن رجب عن أبي سليمان الداراني أنه قال: أن يترك ما يشغله عن الله ﷿.\nفهذا هو الزهد المحمود، أي: يترك كل ما يشغله عن الله ﷿، وذلك فيما يتعلق بأمور الدنيا مطلقًا، فكل شيء يشغله عن الله ﷿ فإنه يزهد فيه ويتركه ليحصل بذلك على ما يعود عليه بالخير وبالمنفعة.\nقال الحافظ ابن رجب ﵀ بعدما نقل هذا الكلام عن أبي سليمان الداراني قال: إنه حسن، وإنه يجمع ما قيل في الزهد من العبارات المتنوعة والعبارات المختلفة؛ لأنها ترجع إلى هذا المعنى، وهي كون الإنسان يترك ما يشغله عن الله ﷿.\nومعلوم أن تحصيل الدنيا، وتحصيل الكفاف، وتحصيل العيش في هذه الحياة الدنيا مطلوب، وكذلك تحصيل ما يكون سببًا في نفعه لنفسه ونفعه لغيره مطلوب، لكن لا يكون ذلك مبنيًا على الانشغال بالدنيا وجمعها وتحصيلها عما يعود على الإنسان بالخير، بل يكون على وجه لا يحصل به الانشغال عن الله ﷿، فهذا هو الزهد الممدوح المحمود.","vol":"28","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-752>أثر غنى القلب والنفس في المواقف</span>\nمن المعلوم أن الإنسان إذا كان غني القلب والنفس فإن دنياه بيده لا في قلبه، سواء أكانت قليلةً أم كثيرة.\nأما إذا كانت نفسه ليست غنية فإن المال الكثير بيده لا يقنعه ولا يرضى به، ويسعى للمزيد منه، ويكون مشغولًا ومهمومًا ومنشغلًا بالدنيا عن الآخرة.\nوأما إذا لم تشغله الدنيا عن الآخرة، وكانت الدنيا وتحصيلها من أسباب سعادته نفعه؛ فإن ذلك يكون محمودًا، فقد جاء في الحديث أن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا للنبي ﷺ: (يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم).\nفالأموال إذا حصلت لهم دون أن ينشغلوا بها عن الله ﷿ بل كانت تحصل وتصرف بطرق مشروعة فإن ذلك يكون محمودًا مفيدًا، المهم أن لا يشغله ذلك عن الله ﷾.\nفإذا كانت الأموال تصرف في طاعة الله وفيما يعود على صاحبها وعلى المسلمين بالخير فهذا أمر محمود، ولهذا كان من أصحاب رسول الله ﷺ من عندهم المال والدنيا ولكنها ما شغلتهم عن الآخرة، بل كانوا منشغلين بالآخرة ويصرفون دنياهم وما أعطاهم الله من الدنيا فيما يعود عليهم بالخير.\nويدل على ذلك قصة عثمان بن عفان ﵁ وبذله في سبيل الله، وإنفاقه للأموال في سبيل الله، ففي غزوة تبوك -وسميت العسرة- كان الناس في شدة ومشقة، وكان الفقراء يأتون إلى رسول الله ﷺ ويطلبون منه أن يحملهم فيقول: (لا أجد ما أحملكم عليه) فيرجعون وهم يبكون حزنًا على ما فاتهم من الجهاد مع رسول الله ﷺ، مع أنهم معذورون، ولهذا جاء عن النبي ﷺ أنه في طريق تبوك قال: (إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، حبسهم العذر) فهم مع المجاهدين بقلوبهم وإن كانت أجسادهم باقية في المدينة، فلقد تعلقوا بالجهاد وليس عندهم القدرة التي تمكنهم من ذلك.\nفـ عثمان ﵁ قدم يومها ثلاثمائة بعير عليها أحلاسها وأقتابها ومتاعها في سبيل الله ﷿، فهذا المال الكثير ما شغله عن الآخرة، بل صرفه فيما يتعلق بأمور الآخرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.\nفالغنى هو غنى النفس، فإذا كانت النفس غنية فأي شيء يكون في اليد فهو كثير، وإذا كانت النفس فقيرة فالكثير في اليد لا يعتبر شيئًا ولا يقنع به صاحبه، وقد قال الرسول ﷺ: (لو كان لابن آدم واد من ذهب لتمنى ثانيًا، ولو كان له واديان لتمنى ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب)","vol":"28","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-753>معنى الزهد فيما عند الناس</span>\nقال ﷺ: (وازهد فيما عند الناس يحبك الناس).\nفالناس حريصون على ما بأيديهم وحريصون على الدنيا، والإنسان الذي يستغني عنهم يكون محبوبًا عندهم، أما من الذي يشغل نفسه بما عندهم ويشغلهم فلا يعجبهم ولا يحبون ذلك منه، بل المحبوب عندهم من يستغني عنهم، وأما من يشغلهم ويتطلع إلى ما عندهم، ويتشوف إليه أو يطلبه ويلح فيه فهذا لا يعجبهم ولا يريدونه.\nفالنبي ﷺ أرشد إلى أن الناس يعجبهم الذي يستغني عما عندهم من المال؛ لأنهم حريصون على دنياهم، ومن يريد أن يشاركهم أو يكون له معهم نصيب أو يطلب منهم شيئًا فإن هذا غير محبوب عندهم، ولهذا فإن الشيء الذي يحبه الناس من الإنسان هو أن يستغني عما في أيديهم، وأن لا يشغل نفسه بتحصيل شيء مما في أيديهم.\nفالنبي ﷺ أجاب بهذا الجواب الوجيز المختصر الذي هو من جوامع كلمه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو قوله: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس).","vol":"28","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-754>إثبات صفة المحبة لله تعالى</span>\nوفي الحديث دليل على أن من صفات الله المحبة؛ لأنه قال: (ازهد في الدنيا يحبك الله) فالله تعالى يحب المؤمنين، ويحب المتقين، ومن صفاته المحبة، وصفاته -كما هو معلوم- تثبت على ما يليق بالله ﷾ من غير اشتغال بتكييف أو تشبيه أو تعطيل أو تأويل أو تحريف بل على حد قول الله ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فتثبت الأسماء والصفات لله ﷿ على ما يليق بكماله وجلاله دون أن يكون الله تعالى في شيء منها مشابهًا لخلقه، ودون أن يكون المخلوقون مشابهين لله ﷿ في شيء من صفاتهم، بل صفات الله تعالى تليق بجلاله وكماله، وصفات المخلوقين تليق بضعفهم وافتقارهم.\nوالله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.","vol":"28","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-755>الأسئلة</span>","vol":"28","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-756>الحكم على حديث (ازهد في الدنيا)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  حديث: (ازهد في الدنيا) ضعفه بعض أهل العلم، فهل لهم وجه في تضعيفه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الحديث له شواهد، وقد ذكرها الشيخ الألباني ﵀ في السلسلة الصحيحة برقم (٩٤٤).","vol":"28","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-757>الفرق بين الأمور المشتبهة والأمور المسكوت عنها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفرق بين الأمور المتشابهة والأمور المسكوت عنها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الأمور المتشابهة هي التي تكون محتملة للحرمة.\nوأما الأمور المسكوت عنها فمثلما جاء في قصة الرجل الذي سأل عن الحج، فإن الحكم هو وجوبه مرة واحدة، والسؤال عن وجوبه في كل عام من التكلف، وهو غير صحيح وغير لائق.\nفالمشتبه هو الذي يكون محتملًا للتحريم، فليس هو من الحرام البين ولا من الحلال البين، وإنما هو مشتبه، وهو الذي قال عنه الرسول ﷺ: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى).\nوأما المسكوت عنه فيرجع إلى أصله، فحيث يكون الأصل فيه الحل فإنه يكون حلالًا.","vol":"28","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-758>أصل الأشياء من حيث الإباحة والحظر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الأصل في الأشياء الإباحة أو الحظر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هناك أشياء الأصل فيها الإباحة، مثل المأكولات والمطعومات، فالأصل في ذلك الحل إلا ما جاء فيه التحريم؛ لأن الله تعالى خلق للناس ما في الأرض، فيكون الأصل هو الحل، حتى يأتي شيء ينقل عن ذلك الأصل إلى التحريم.","vol":"28","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-759>حكم ترك اتخاذ المركب الحسن مع القدرة عليه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل ترك الإنسان أن اتخاذه مركبًا حسنًا وهو قادر عليه يعتبر زهدًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان في ذلك المركب إسراف ومباهاة فلا شك أن تركه زهد؛ لأن حصول المقصود بدون الشيء الذي فيه مباهاة وشهرة وصرف الأموال الطائلة يغني عما فوقه، والمهم أن يكون جيدًا مفيدًا.\nأما الشيء الذي فيه مغالاة ومباهاة وشهرة فهذا لا شك أنّ تركه زهد، مثل بعض السيارات التي في سعرها غلاء فاحش، وقد تأتي بقيمة عدد كثير من السيارات، فسيارة واحدة منها يساوي ثمنها ثمن عدد من السيارات، فلا شك أن هذا فيه شيء من الإسراف.","vol":"28","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-760>معنى قوله ﷺ: (لو قلت نعم لوجبت)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل معنى قول النبي ﷺ: (لو قلت: نعم لوجبت)، أنه كان له خيار في الإجابة بـ (نعم) أو (لا)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معلوم أنه ﷺ لا يقول: (نعم) إلا بوحي، فقوله: (لو قلت: نعم) يعني: بوحي من الله، وأن الله تعالى أوجب ذلك.\nوحينئذٍ فإنه يتعين عليهم ذلك ولا يستطيعونه، والله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها.\nوإيجاب الحج في كل سنة لا شك أن فيه مشقة عظيمة مشقة من ناحية تكراره، ومشقة من ناحية اجتماعهم في ذلك المكان.","vol":"28","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-761>معنى الزهد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الزاهد هو الذي يترك كل شيء لا يحتاج إليه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الزهد أحسن ما قيل فيه: أنَّه ترك الإنسان ما يشغل عن الله ﷿.","vol":"28","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-762>مثال ترك ما يشغل عن الله ﷻ</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هو مثال ترك ما يشغل عن الله ﷿؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  مثاله: الاشتغال بالدنيا، والحرص على جلبها، والافتتان بها، بحيث ينشغل بماله وبجمعه عن الله ﷿ وعن عبادته، كأن ينشغل بالدنيا عن الصلاة، بحيث يتأخر عن الصلاة أو يتكاسل عن أدائها بسبب اشتغاله بالدنيا، فإن هذا مما يشغله عن الله ﷿.","vol":"28","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-763>القرض الحسن وعلاقته بالزهد فيما عند الناس</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا أخذت القرض الحسن من أخ لك على أن ترد له هذا المال، فهل ينافي هذا العمل الزهد فيما بأيدي الناس؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معلوم أن من الناس من يكون فيه خير، وقد يعرض على غيره أن يقرضه، فإذا كان المرء محتاجًا فالناس لا يستغني بعضهم عن بعض، وحينئذٍ يعطى له ذلك.\nوأما إذا كان غير محتاج، أو كان القرض ليس مما هو ضروري وإنما يراد به الدخول في مشاريع قد يربح فيها وقد يخسر، فعلى الإنسان ألا يشغل نفسه بهذه الأمور، وإنما عليه أن يسعى لتحصيل الكفاف، ولا يشغل نفسه بأمور أخرى ترهقه وتحمله ديونًا فتكون ذمته مشغولة بحقوق الناس.\nوالاقتراض عند الحاجة جائز ولا بأس به، والحديث لا يدل على المنع وإنما يدل على حب الناس لمن يزهد فيما بأيديهم.","vol":"28","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-764>الفرق بين زهد السلف وزهد الصوفية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفرق بين زهد السلف وزهد الصوفية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  زهد السلف -كما هو معلوم- مبني على الاشتغال بعبادة الله ﷿ على وجه مشروع، وأما الصوفية فإنهم يشتغلون بالعبادة على وجه غير مشروع.","vol":"28","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-765>حكم الزهد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الزهد واجب أم مستحب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  القدر الذي الناس بحاجة إليه -سواء أكان كفافًا أم أكثر من الكفاف- مما لا يشغل عن الآخرة أمر مطلوب، ومعلوم أن الزهد ليس بواجب، ولو كان واجبًا لأثم الناس، وإنما هو خلق كريم وصفة حميدة.","vol":"28","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-766>الفرق بين الزهد والورع</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفرق بين الزهد والورع؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الورع يتعلق بالذي فيه شبهة، فالتورع يكون عن أمور مشتبهة.\nوأما الزهد فليس كذلك، بل قد يكون في أمور واضحة الحل، ولكن يزهد فيها لكونها تشغل عن الله ﷿ وعن طاعته، فتركها يكون حينئذٍ محمودًا.\nفالورع يتعلق بترك المشتبهات، وأما الزهد فيكون في أمور واضحة جلية الانشغال بها قد يؤثر على عبادة الإنسان لربه فيزهد فيها.","vol":"28","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-767>الجمع بين محبة الزهد ومحبة التجمل والتزين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف نجمع بين كون الإنسان يزهد في الدنيا وبين ما جاء في الحديث: (إن الله ﷿ يحب أن يرى أثر نعمته على عبده) وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١]؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الإنسان إذا رزقه الله ﷿ وأعطاه من المال ما أعطاه فإنه يظهر نعمة الله ﷿ عليه، ولا يكن غير مظهر لها مع تمكنه من ذلك.","vol":"28","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-768>معنى النهي عن اتخاذ المساجد طرقًا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قال ﷺ: (لا تتخذوا المساجد طرقًا إلا لذكر أو صلاة) فما معنى هذا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معناه: أنَّ دخولها يكون للذكر أو الصلاة، وليس للإنسان أن يتخذها طريقًا ذاهبًا وآيبًا، لكن قد جاء في القرآن: ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء:٤٣].\nوقد جاء في الحديث في بيان أشراط الساعة: (أن يمر الرجل في المسجد لا يصلي فيه ركعتين)، والمرور هنا يفيد أنه عابر سبيل.","vol":"28","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-769>حكم إعطاء الزكاة للابن الفقير</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز للأم أن تعطي زكاة الفطر لولدها المتزوج، مع العلم أن ابنها لا يعمل وليس له معونة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الزكاة لا تعطى للفروع ولا للأصول، وأما زكاة الفطر فيبدو أنه لا بأس بإعطائه إياها؛ لأن المقصود هو الإغناء عن السؤال في ذلك اليوم، فإذا كان فقيرًا وليس عنده شيء في ذلك اليوم فإنه يعطى من صدقة الفطر، ولكن إذا كان عندها مال غير زكاة الفطر فلتعطه من مالها، ولا تعطه من الزكاة، وإن لم يكن عندها إلا هذا الصاع الزائد عن قوتها فإعطاؤها إياه لا بأس به؛ لأن المقصود به الإغناء في ذلك اليوم.","vol":"28","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-770>حكم من أنكر ثبوت صدقة الفطر ولم يخرجها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  رجل رفض أن يخرج زكاة الفطر، وقال: إنها لا تثبت عن النبي ﷺ.\nفما هو الواجب نحوه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أما قضية ثبوتها فهي ثابتة عن رسول الله ﷺ بالأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول ﷺ، والواجب أن يعلم ويبين له الحديث، وإذا لم يؤدها بعد ذلك فإنها تؤخذ منه قهرًا مثل الزكاة المفروضة.","vol":"28","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-771>حكم استدانة الزوجة لإخراج الزكاة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز للزوجة أن تستدين وتخرج الزكاة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الزوجة إذا كان عندها مال فإنها تخرج من نفس المال، وإذا كان عندها حلي فإنها تخرج من نفس الحلي، وإذا لم يكن لها مال فليس عليها أن تستدين لتزكي؛ لأن من ليس له مال فليس عليه زكاة.","vol":"28","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-772>حكم منع الرجل زوجته من إخراج زكاة الفطر بدعوى أنها لم تثبت</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  امرأة يمنعها زوجها من إخراج زكاة الفطر ويقول: إنها لم تثبت.\nفماذا تعمل المرأة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  القائل بأنها لم تثبت هو من أجهل الناس، وهل له أن يُثبت وينفي بمحض هواه؟! إن القول بعدم ثبوت زكاة الفطر لم يقل به أحد، ومن لم يبلغه دليل ثبوتها فهو معذور.\nأما من بلغه الحديث عن رسول الله ﷺ فيها فليس له أن يتخلف عن الأخذ به.","vol":"28","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-773>اشتقاق صفات الله تعالى من أفعاله</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكرتم أن في حديث سهل بن سعد (ازهد في الدنيا يحبك الله) دليلًا على إثبات صفة المحبة، مع أنه لم يرد في الحديث النص على الصفة، وإنما جاء ذكر الفعل، والقاعدة أن الفعل لا يشتق منه الصفة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الصفات كثيرًا ما تأتي مأخوذة من الأفعال، مثل: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢] و﴿﵃﴾ [المائدة:١١٩] وهكذا، فكثير من الصفات مأخوذ من الأفعال.","vol":"28","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-774>المراد بقوله تعالى: (ثم تاب الله عليهم ليتوبوا)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما المراد بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة:١١٨] هل المراد به التوفيق من الله ﷿ للتوبة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معناه: وفقهم الله تعالى للتوبة وتاب عليهم.","vol":"28","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-775>ما يقوله من سمع المترضي على الصحابة الكرام</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا ترضى أحد على أحد من الصحابة فسمعه سامع، فهل يؤمن السامع على هذا الترضي أم يقول هو أيضًا: ﵁؟ وهل صيغة الترضي دعاء أم خبر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يقول: ﵁.\nوهذه الجملة هي دعاء، ومثلها (﵀) و(غفر له).","vol":"28","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-776>حكم الاستياك في مجالس العلم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الاستياك في مجلس العلم سنة أم يخالف الأدب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الاستياك سائغ، والرسول ﷺ كان يستاك بحضرة أصحابه، وقد بوب بعض أهل العلم لذلك بقوله: (باب استياك الإمام بحضرة رعيته)، وقالوا: إن هذا ليس من الأشياء التي يتنزه عنها وتستقذر ولا تفعل إلا في الغيبة ولا تفعل أمام الناس، بل هو من التطيب ومن الشيء الذي فيه تطيب، ففعله بحضرة الناس سائغ ولا بأس به.\nولكن لا نقول: إن فعله في ذلك المكان سنة.","vol":"28","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-777>المقصود بالزهد في الثناء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكر القحطاني في نونيته أن الزهد زهدان: زهد عن الدنيا وزهد في الثناء، فما المقصود بذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أن ذلك كله من الزهد، أي: كون الإنسان يزهد في ثناء الناس، فلا يشغل نفسه بثناء الناس عليه أو بتحري ثناء الناس عليه، فلا شك أن ترك ذلك من الزهد.\nولـ ابن القيم كلام جميل حول الزهد في الثناء، ذكره في كتاب (الفوائد) عندما ذكر الإخلاص، فعند ذكره ما يسهل لك الإخلاص قال: أن تعمد إلى الطمع وتذبحه بسكين اليأس، ثم تزهد في الثناء والمدح زهد عشاق الدنيا في الآخرة.\nيعني بذلك كونهم زاهدين في الآخرة وهم مشغولون في الدنيا.\nفإن قلت: فما الذي يسهل علي ذلك؟ قلت: أن تعلم أن ما من شيء يحصل من الناس إلا وعند الله خزائنه وبيد الله مفاتيحه.\nإذًا: المسألة كلها ترجع إلى الله ﷿، ولكن المقصود من هذا كونه يزهد في ثناء الناس وفي مدح الناس، ولا شك أن هذا من الزهد، والإنسان الذي يريد ذلك فإنه يحصل منه أمور، وقد يحصل منه تصنع من أن أجل أن يحصل على هذا الشيء الذي يرغب فيه، فيجعله ذلك يعمل الأعمال التي تجعلهم يثنون عليه ويحققون له ذلك الشيء الذي يريده.","vol":"28","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-778>حكم شراء المزكي الزكاة من الفقير بعد دفعها إليه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز للمزكي أن يشتري زكاته بعدما أعطاها الفقير؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس له أن يشتريها، وذلك للحديث الذي فيه: (لا تشتره ولو أعطاكه بدرهم) لأن مثل ذلك وسيلة إلى كون الفقير يتساهل معه، فلا يحرص على أن يأخذ حقه منه لأنه تصدق عليه، فيكون ذلك وسيلة إلى كون الفقير يستحي ويتساهل مع من أعطاه إياه أو من وصل إليه من طريقه.","vol":"28","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-779>درجة حديث: (من صلى أربعًا قبل الظهر وأربعًا بعدها دخل الجنة)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما صحة الحديث الذي فيه أن من صلى أربعًا قبل الظهر وأربعًا بعدها دخل الجنة؟ ومتى يكون وقت هذه الأربع يوم الجمعة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ورد في هذا المعنى حديث صحيح.\nوأما الجمعة فليس لها سنة قبلها، والسنة أن الإنسان إذا جاء يوم الجمعة فإنه يصلي ما أمكنه أن يصلي ثم يجلس، ولا يقوم إلا للصلاة كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يفعلون، فإنهم كانوا إذا دخلوا صلوا عند دخولهم ما أرادوا أن يصلوا، إما ركعتان أو أربع أو ست أو ثمان، ثم يجلسون ولا يقومون إلا للصلاة.\nلكن ليس لها راتبة قبلها كالظهر، نعم هي لها راتبة بعدها لكن ليس لها راتبة قبلها.","vol":"28","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-780>حكم البيات في مكة بعد طواف الوداع</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من طاف طواف الوداع للحج ثم بات في مكة وسافر في اليوم الثاني فهل طوافه صحيح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس بصحيح، وعليه أن يعيد، وعليه دم.","vol":"28","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-781>حكم نسيان التشهد الأول</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نسيت التشهد الأوسط الأول في الصلاة، ثم تذكرت في الركعة الأخيرة، فأتيت بالتشهد الأول ثم زدت التشهد الثاني، فهل عملي صحيح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معنى هذا أنك جلست جلوسًا طويلًا، بعضه للتشهد الأول وبعضه للثاني، وهذا غير صحيح، فالتشهد الأول محله قبل الثالثة، سواء أكانت رباعية أم ثلاثية، فإن أتى به في وقته ومحله فذاك، وإن تجاوزه فإنه يسجد للسهو عنه.","vol":"28","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-782>حكم صيانة أجهزة البنوك الربوية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أنا صاحب شركة لصيانة الكمبيوترات، وأحيانًا يؤتى إلي بكمبيوترات للصيانة من البنوك الربوية التي توجد في بلدي، فهل يجوز لي صيانتها وأنا أعلم أنهم يستخدمونها في بنوك ربوية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الكمبيوتر في الحقيقة من الأمور المشكلة فيما يتعلق بالعمل؛ لأن من الناس من يستعمله في الخير ومنهم من يستعمله في الشر، فكون الإنسان لا يعمل إلا في أمور يطمئن إليها لا شك أنه هو المطلوب، فإذا كان يعرف عن أحد من الناس أنه يستعمل الكمبيوتر أو الراديو ونحوهما فيما لا يجوز فلا يصلح له جهازه.","vol":"28","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-783>طالب العلم والزواج</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا كان طالب العلم متفرغًا لطلب العلم، وعلم أنه إن تزوج انشغل عنه بأمور البيت والرزق، فهل يكون تركه للزواج زهدًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الزواج لا ينافي طلب العلم، بل قد يكون معينًا على طلب العلم، وعليه أن يتزوج ويعف نفسه ويتعلم، ولا يزهد في الزواج، بل الزواج مرغب فيه، وقد قال النبي ﷺ: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء).","vol":"28","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-784>حكم المبيت في مكة بعد طواف الوداع</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  لقد طفنا طواف الوداع وبتنا في مكة يومين بسبب أننا فقدنا جماعتنا، فماذا علينا إن لم نجد دمًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  على كل منكم دم، فمن لم يجد فعليه أن يصوم عشرة أيام؟","vol":"28","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-785>قطوف من حياة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نسمع كثيرًا عن زهد سماحة الشيخ الوالد عبد العزيز بن باز ﵀، وقد كان لكم صحبة طويلة له، فهلا تفضلتم بذكر شيء من سيرته في ذلك لتكون مثلًا لطلاب العلم، لاسيما مع حرص بعضنا على الدنيا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ كان غنَّي النفس، ومع غنى النفس يكون الشيء القليل كثيرًا، ومع عدم غنى النفس لا يعتبر الكثير شيئًا، بل تكون يد الإنسان ملأى ولكن في قلبه البخل والطمع.\nوالشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه عرف عنه أن كل ما يقع بيده لا يبقى عنده منه شيء، فهو كثير الإنفاق في سبيل الله، وكثير المساعدات للمسلمين والمحتاجين في داخل المملكة وخارجها، وأظن أن الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه ليست المعلومات عنه يختص بها أحد دون أحد، فالكل يعرفه، والكل يعرف زهده ويعرف حرصه على نفع المسلمين، ويعلم أن ما بيده فهو للمسلمين، وأنه ينفق في سبيل الله، ولا يعتني بمصالحه ومنافعه الخاصة، وإنما كان حرصه على نفع الناس من المحتاجين والمعوزين، سواء أكانوا من طلبة العلم أم من غير طلبة العلم في داخل المملكة وخارجها، فإذا استطاع بنفسه فعل، وإذا لم يستطع فإنه يشفع عند من يستطيع أن يفعل ومن يقدر على الفعل.","vol":"28","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-786>حكم قص شعر البنت الصغيرة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم قص شعر البنت الصغيرة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان في ذلك مصلحة، وكان من الصعب خدمة شعر رأسها فقص شعرها لكونها صغيرة، حتى إذا كبرت خدمته هي أو خدمها غيرها فلا بأس بذلك.","vol":"28","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-787>حكم التنفل يوم الجمعة بعد الجلوس في المسجد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا صلى الرجل يوم الجمعة ما شاء الله له ثم جلس فهل لا يجوز له بعد تلك الصلاة أن يصلي نافلة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا نقول: لا يجوز.\nوإنما نقول: إن الصحابة ﵃ وأرضاهم كانوا إذا دخلوا يصلون ما أمكنهم، ثم يجلسون ولا يقومون إلا للصلاة.\nلكن من العلماء من يقول: إن للإنسان أن يتنفل بعد الأذان الأول؛ لأنَّ ذلك يدخل تحت حديث (بين كل أذانين صلاة)، وإن كان المعروف أن المراد بالأذانين الأذان والإقامة، لكن الأذان الذي زاده عثمان ﵁ وأرضاه لا ينكر على من فعله، وتركه أولى.","vol":"28","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-788>الفرق بين الزهد في الدنيا والزهد فيما عند الناس</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قوله ﷺ: (ازهد في الدنيا) وقوله: (فيما عند الناس) أليساهما بمعنى واحد؛ إذ أن ما عند الناس هو الدنيا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الزهد في الدنيا غير الزهد فيما عند الناس، الزهد فيما عند الناس خاص؛ لأنه زهد فيما في أيديهم، فلا يطلبه منهم، ولا يشغلهم فيه.\nوأما الزهد في الدنيا فإنه عام يدخل تحته كل ما يشغل عن الله ﷿، ويدخل فيه أيضًا الزهد في المديح والزهد والثناء، فالزهد في الدنيا عام، ولا يقال: إن هذا مثل هذا.\nبل يدخل في الزهد في الدنيا الزهد فيما في أيدي الناس، فالاستغناء عما في أيدي الناس هو من الزهد العام.","vol":"28","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-789>حسن الظن بالناس والدعاة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الأصل في الناس حسن الظن بهم؟ وما هو الأصل في الدعاة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الأصل أن الإنسان يحسن ظنه بالناس، إلا إذا عرف عن أحد انحرافًا وخروجًا عن هذا الأصل، فعندئذٍ إذا ظن به سوءًا يكون ظنه في محله؛ لأن الله قال: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢] فبعض الظن إثم وليس كل الظن إثمًا.","vol":"28","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-790>المرأة على النصف من الرجل في العتق</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف تكون المرأة على النصف من الرجل في العتق؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ورد في الحديث: (من أعتق عبدًا كان فكاكه من النار، ومن أعتق جاريتين كانتا فكاكه من النار) فمعناه، أن عتق العبد أفضل من عتق الجارية؛ لأن عتق الإنسان من النار يكون بعتق جاريتين، وإذا عتق عبدًا كان فيه عتقه من النار، فمعنى ذلك: أن المرأة على النصف من الرجل في العتق.","vol":"28","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-791>حكم الدخول في الجمعيات التعاونية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل للإنسان أن يتورع عن الدخول في الجمعيات التعاونية أو يسأل عن تصرف المشاركين معه في مال الجمعية إذا كان يظهر عليهم علامات الفسق؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إن كان المقصود بالجمعيات التعاونية ما اشتهر اليوم بين الناس، حيث يجتمع أفراد ليدفع كل منهم مبلغًا معينًا في كل شهر مثلًا، وفي كل مرة يأخذ المبلغ المجتمع أحدهم، فلا شك في أن التورع عن هذا مطلوب؛ إذ في ذلك خلاف بين أهل العلم، وذلك لأن كل واحد من المجموعة يقرض الآخر ليقرضه، فالتورع عن هذا مطلوب، وفي الحديث (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك).","vol":"28","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-792>حكم شراء المشروبات الأمريكية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقول بعض الأساتذة: لا تشربوا الكولا أو الببسي؛ لأنهما من منتجات أمريكا.\nفما حكم ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يقال: هل لا يرد إلينا من أمريكا إلا الببسي والكاكولا؟ فما الفرق بينهما وبين بقية المنتجات؟! أما من ناحية كون ذلك مشتبهًا فالأصل هو إباحة كل شيء غير مسكر.","vol":"28","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-793>حكم قول (قاتلك الله)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم قول: قاتلك الله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس للإنسان أن يقول هذا الكلام.","vol":"28","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-794>تحذير من الوقوع في بدع التكفير والخروج على الحكام</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نرغب في إسداء كلمة توجيهية توضح أن من أسباب وقوع الشباب في بدعة التكفير والخروج على الحكام زهدهم في الأخذ عن العلماء، مع ربط ذلك بأسلافهم الذين خرجوا على عثمان وعلي ﵄ بسبب عدم التربية على علم الصحابة ﵃؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الواجب على الجميع شبابًا وشيوخًا وصغارًا وكبارًا أن يتفقهوا في دين الله ﷿، وأن يعرفوا أحكام الإسلام، وأن يرجعوا إلى أهل العلم في معرفتها، وأن لا يركبوا رءوسهم ويشغلوا أنفسهم بأمور لا يعرفونها ولا يقدرون عليها، بل كل يرجع فيه إلى أهله، كما أنه في الطب يرجع إلى الأطباء، وفي الهندسة يرجع إلى المهندسين، فالرجوع فيما يتعلق بالدين إلى أهل العلم، والله ﷿ يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣].\nوالتفقه في دين الله ﷿ ومعرفة الحق والهدى عن طريق أهله لا شك أنه هو المطلوب.\nوأما كون الإنسان يركب رأسه، ويفهم الشرع فهمًا خاطئًا كما فعل الخوارج الذين خرجوا على أصحاب رسول الله ﷺ فهذا أمر غير صحيح، ولهذا لما ذهب إليهم ابن عباس ﵄ وأرضاهما وناظرهم رجع كثير منهم بعد بيانه.\nفالحاصل أن الإنسان الذي لا يكون عنده بصيرة ولا فقه يخطئ ويركب الشطط والخطأ، وإنما يحصل له التثبيت وتحصل له السلامة بالرجوع إلى أهل العلم، والتفقه في دين الله ﷿.","vol":"28","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-795>حكم تشقير المرأة حاجبيها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم صبغ شعر الحاجبين للمرأة بما يسمى تشقير الحاجبين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا من جنس النمص؛ لأن المطلوب من النمص يحصل بهذا الذي يسمونه التشقير، وهو أن المرأة تضع صبغة مماثلة للون البشرة، بحيث تُرى الحواجب كأنها قد نمصت.","vol":"28","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-796>حكم صبغ شعر المرأة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم صبغ شعر المرأة؟ وهل صبغها له يعتبر ناقضًا للوضوء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان الصبغ بمادة لها جرم فلا يجوز استعماله، وهو مثل الذي يوضع على الأظافر ويسمونه المناكير، فهذا لا يجوز استعماله؛ لأنه لا يصل بسببه الماء إلى البشرة، ومن شرط الوضوء أن يصل الماء إلى البشرة.\nأما إذا كان الصبغ يغير اللون فقط ولا يكون منه شيء يغطي الشعر، مثل الحناء الذي يغير اللون ولا يغطي الشعر فإن هذا لا بأس به.\nومهما يكن من شيء فالسواد الذي هو الغالب على شعور النساء هو المطلوب، وهو اللون المستحب بالنسبة للشعر، فبعض النساء قد ترغب في أن تغير اللون الأسود إلى ألوان غير مستحسنة، لاسيما مثل ألوان شعور الأوروبيين التي أشكالها سيئة وليست جميلة، بل إنما هي قبيحة، والأوروبيون أنفسهم بشرتهم لا تعجبهم، ولهذا يحرصون على تغييرها، فيتعرون ويسيرون في الشمس لعلها تغير اللون الذي هم فيه، وتجد بعضهم على الرمال يتقلبون عليها يريدون اللون الذي ما حصل لهم وقد حصل للعرب ولكثير من الناس، ومع ذلك فالناس الآن يتركون الشيء الجميل ليحصلوا ما ليس بجميل.\nوصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"28","page":53},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-797>[٢٩]</span>\nجاءت الشريعة برفع الضرر عن الناس ومنع الإضرار بهم، وقد قعد الفقهاء لذلك قواعد شرعية عظيمة، ومن رفع الضرر عن الناس أنه لا يعطى الحق لمدعيه دون بينة، بل الأصل براءة ساحة المدعى عليه حتى يثبت عليه الحق، ولذا قبلت الشريعة منه يمينه دفعًا للتهمة الموجهة إليه إن لم يثبت الحق عليه.","vol":"29","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-798>شرح حديث (لا ضرر ولا ضرار)</span>\nيقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: [عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لا ضرر ولا ضرار)].\nهذا الحديث حديث عظيم مشتمل على كلمات فيها نفي الضرر والضرار، وهو من جوامع كلم النبي ﷺ، وهو مشتمل على قاعدة من قواعد الشريعة، وهي رفع الضرر والضرار، وهو خبر بمعنى النهي، أي: النهي عن الضرر والضرار.","vol":"29","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-799>معنى الضرر والضرار</span>\nالضرر والضرار قيل: إنَّ معناهما واحد، وإن الثاني تأكيد للأول.\nوقيل: إن بينهما فرقًا، فالضرر هو ما حصل بقصد أو بدون قصد.\nفمن الأشياء التي يحصل الضرر بها من غير قصد أن يكون الإنسان عنده -مثلًا- شجر يسقيه، فيتسرب الماء من تحت الجدار إلى الجار فيتضرر به الجار، ففاعله ما كان يدري بهذا الضرر الذي قد حصل وما كان يقصده، فهو ضرر من غير قصد.\nفإن علم به ولم يسع إلى إزالته فحينئذٍ يكون الضرر بقصد؛ وأما الضرار فقد يحصل من الجانبين، بأن يسعى كل من الطرفين إلى الإضرار بصاحبه ووصول الضرر إليه، وقد يكون من جانب واحد، وذلك بأن يقصد المرء الإضرار بغيره، كما جاء في القرآن الكريم، وذلك كالإضرار بالوصية بأن يوصي وصية يريد بها الإضرار بالورثة، ولهذا جاء في القرآن: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء:١٢].","vol":"29","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-800>الأمر برفع الضرر</span>\nالحديث مشتمل على قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة، وهو خبر بمعنى الأمر، والأمر قد يأتي بمعنى الخبر، كما أنَّ الخبر قد يأتي بمعنى الأمر، ومن الأول ما جاء في حديث أبي مسعود الأنصاري البدري رضي الله تعالى عنه: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت) فإن مما قيل في قوله: (فاصنع) أنه أمر بمعنى الخبر، ومعنى ذلك أن الإنسان الذي لا يستحي فإنه يصنع ما يشاء، فهو أمر بمعنى الخبر، وليس المقصود بالأمر ظاهره.\nوهنا خبر بمعنى الأمر، ومعناه النهي عن الضرر والضرار، ومثله قول الله ﷿: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ﴾ [البقرة:١٩٧] فهو خبر بمعنى النهي عن الرفث والفسوق والجدال، يعني: فلا يرفث ولا يفسق ولا يجادل.\nوهنا قوله: (لا ضرر ولا إضرار) يعني: لا يحصل منه ضرر ولا يحصل منه إضرار.\nفهو نهي عن الضرر ونهي عن الضرار.\nوالحديث يدل على رفع الضرر والضرار، وعلى أن الواجب على المسلم ألا يحصل منه ضرر ولا ضرار لغيره، بل يحرص على ألا يحصل الضرر منه لا بقصد ولا بغير قصد.","vol":"29","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-801>شرح حديث ابن عباس في البينة على المدعي واليمين على المنكر</span>\nيقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: [عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر)].\nذكر الإمام النووي أن هذا الحديث رواه البيهقي بهذا اللفظ، أي بلفظ: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر)، قال النووي: وبعضه في الصحيحين، فقد جاء في الصحيحين: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن اليمين على المدعى عليه) هكذا عند البخاري وعند مسلم، فأكثره في الصحيحين، وإنما الذي ليس في الصحيحين جملة (البينة على المدعي).\nوجاء في الصحيحين -أيضًا- ذكر البينة على المدعي، وذلك في حديث الأشعث بن قيس ﵁: أنَّه وقع خلاف أو خصومة بينه وبين ابن عم له، فقال النبي ﷺ: (بينتك أو يمينه) يعني: عليك البينة، فإن أتيت بها وإلا فلك يمينه.\nفقوله: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر) هذا هو لفظ البيهقي، وقد جاء عنده بعدة ألفاظ منها هذا اللفظ.\nوقول النووي: [وبعضه في الصحيحين] لعله يشير إلى الحديث الذي فيه: (اليمين على المدعى عليه) فرواية الصحيحين (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن اليمين على المدعى عليه) معناها: أن أكثر الحديث في الصحيحين، لكن ليس فيه هذه الجملة، وهي (البينة على المدعي).\nلكنها -كما قلت- موجودة في الصحيحين من حديث الأشعث بن قيس، وفيه أن النبي ﷺ قال: (بينتك أو يمينه)، وفي بعض الألفاظ: (شاهداك أو يمين)، لكن لفظ البينة أعم من الشاهدين؛ لأنها تشمل كل ما يبين الحق من شهود وقرائن وغير ذلك.","vol":"29","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-802>بيان معنى المدعي والمدعى عليه والأثر المترتب على ذلك</span>\nوالمدعي هو الذي إذا سكت ترك، والمدعى عليه هو الذي إذا سكت لم يترك، بمعنى أن المدعي صاحب الحق لو أنه لم يطالب فإنه لا يقال له: لا بد من أن تطالب، بل له أن يطالب وله أن لا يطالب، فإذا سكت ترك.\nلكن المدعى عليه إذا سكت لا يترك، بل المدعي يلاحقه ويطالبه، فسكوته -أي: المدعى عليه- لا يحصل تركه به، وإنما الذي إذا سكت ترك هو المدعي، فليس لأحد أن يلزمه ويقول: لا بد من أن تخاصم، ولا بد من أن تدعي على فلان بكذا وكذا.\nفهو إن طالب أقام الدعوى وطلب منه الشهود، وإن لم يطالب فإنه يترك، لكن المدعى عليه لا يترك لو سكت؛ لأنه مدعى عليه، فيطلب منه الحق إن أقر، وإن لم يقر وحصل الشهود فإنه يلزم بدفع الحق، وإن لم يكن هناك شهود فإنه يطلب منه اليمين.\nوهذا الحديث حديث عظيم، وهو أصل في باب القضاء، وهو مرجع للحكام وطريق للحكم، وذلك أن القاضي يطالب المدعي بالبينة، وإذا لم يستطع إقامة البينة فإنَّه يطلب من المدعى عليه أن يحلف، فإن حلف برئت ساحته من الدعوى أمام القضاء، وإن لم يحلف قضي عليه بالنكول، وإذا نكل عن اليمين قضي عليه وألزم.\nفالدعوى إذا أقيمت على المدعى عليه إن اعترف فحينئذٍ لا يحتاج إلى شهود أو يمين؛ لأن المدعى عليه اعترف وأقر، فإذا حصل منه الإقرار فإن الحق ثابت عليه بإقراره، وإن أنكر ولم يقر طلب من المدعي البينة، والبينة هي أي شيء يبين الحق ويوضحه ويدل عليه من شهود أو قرائن أو غير ذلك.\nفإن أتى المدعي بالبينة حكم على المدعى عليه وألزم بدفع المدعى بناء على البينة التي أقامها المدعي، وإن لم يكن هناك بينة ولم يحصل الإقرار من المدعى عليه فعند ذلك يطلب من المدعى عليه اليمين، فإن حلف برئت ساحته أمام القضاء من الدعوى، فلا يطالب بعدها بشيء.\nوإن لم يحلف ونكل عن اليمين حكم عليه وألزم بدفع المدعى عليه؛ لأنه ما دافع عن نفسه باليمين، بل امتنع من اليمين، فتعين عليه المدعى، وعليه أن يقوم بدفعه.","vol":"29","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-803>مواضع الاستثناء من كون البينة على المدعي</span>\nيستثنى من كون المدعي يكون عليه البينة بعض المواضع، ففي بعض الأحيان لا يحتاج إلى بينة، فالمدعي لا يحتاج إلى بينة إذا كان الحق لا يعرف إلا من طريقه، مثل المرأة المعتدة بالأقراء -وهي الحِيَضُ- إذا أخبرت بأنها خرجت من العدة؛ لأن هذا لا يعرف إلا من طريقها، وليس عليها أن تقيم بينة، بل هذا شيء لا يعرف إلا من طريقها.\nومثل الصبي إذا ادعى أنه بلغ بالاحتلام؛ لأن هذا لا يعرف إلا من طريقه، فإذا قال: إنه بلغ بكونه حصل له الاحتلام، فإنه يعتبر بالغًا ولو لم يكن له خمس عشرة سنة.\nومثل المودع الذي هو أمين إذا أخبر بأن الأمانة التي عنده اعتدى عليها اللصوص وسرقوها، أو أنه اعتدي عليه وأخذت منه، فإنه يصدق ولا يحتاج إلى إقامة بينة؛ لأنه أمين، والأمين مصدق فيما يقول، نعم إن عرف منه تفريط في حفظ الأمانة، وأنه مخل بذلك فإنه يؤاخذ بإخلاله بحفظ الأمانة.\nأما إذا لم يحصل منه إخلال بالمحافظة على الأمانة ولكن جاء لصوص وسرقوها منه وادعى أنها سرقت منه فإنه يصدق بذلك.\nفالحاصل أن الأصل أن البينة على المدعي، ولكنه في بعض المسائل يصدق بدون بينة فيما إذا كان ذلك لا يعرف إلا من طريقه.","vol":"29","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-804>معنى قوله: (لو يعطى الناس بدعواهم)</span>\nقوله ﷺ: (لو يعطى الناس بدعواهم) معناه: لو كانت القضية قضية دعوى لأمكن كل من يريد أن ينال من إنسان أو يأخذ شيئًا من إنسان أن يدعي بأن له عند فلان كذا، أو أن فلانًا هو الذي قتل أباه أو قتل ابنه، أو ما إلى ذلك من الدعاوى، لكن لا يعطى الناس بدعواهم، ولا يعطى الرجال بدعواهم، وإنما لابد من البينة على المدعي، إلا في الأمور التي أشرنا إلى أنها مستثناة من كون المدعي عليه البينة، وذلك في الأمور التي لا تعرف إلا من طريق المدعي، وقد ذكر العلماء جملة منها وما سبق ذكره هو من أمثلتها.","vol":"29","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-805>مفهوم لفظ الرجال في قوله: (لادعى رجال)</span>\nقوله: (رجال) لا مفهوم له؛ لأن النساء كذلك يمكن أن يدعين، فإذًا لا مفهوم لذكر الرجال هنا، وإنما ذكر الرجال لأن الغالب هو أن يكون الخطاب مع الرجال، وإلا فإن النساء مثل الرجال أيضًا، فيمكن أن تدعي المرأة دمًا أو مالًا.\nإذًا: لو كان مجرد الدعوى معتبرًا لأمكن كل أحدٍ أن يدعي أموال ودماء الناس، لكن هناك شيء يفصل، وهو البينة التي يحضرها المدعي، وإن لم يحصل إقرارًا من المدعى عليه فإن الأمر ينتهي إلى أن يحلف المدعى عليه وتبرأ ساحته، وإن لم يحلف ونكل قضي عليه بالنكول.\nفقوله ﷺ: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر) حديث عظيم، وأصل في باب الحكم وفي باب القضاء والفصل بين الناس، وهو منهج واضح جلي بينه الرسول الكريم ﷺ في هذا الحديث العظيم.","vol":"29","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-806>طلب البينة في الأمور الدينية</span>\nكما أن البينة تكون مطلوبة في أمور الدنيا فإنها مطلوبة في أمور الدين، وذلك أن من يدعي محبة الله ورسوله ﵊ لا تقبل دعواه دون أن يقيم البينة، والبينة هي اتباع الرسول ﷺ، فمن ادعى محبة الله ورسوله فالبينة التي تدل على صدقه أن يكون متابعًا للرسول ﷺ، وأن يكون سائرًا على نهج الرسول ﵊، هذه هي البينة، ليس كل من يدعي أنه محب للرسول ﷺ يكون صادقًا في ذلك؛ لأن من الناس من يدعي محبته ﷺ، وعلامتها عنده ارتكاب أمور مبتدعة، أو أمور محرمة غير سائغة مستنده فيها دعواه أنه يحب الرسول ﷺ، ولكنه يأتي بالبدع، فيأتي -مثلًا- يتمسح بالجدران التي عند قبره، ويقول: أنا أحب الرسول ﷺ، وهو يعصي الله ورسوله ﵊، فهذه ليست علامة المحبة.\nيحتفل بميلاده ﷺ ويقول: أنا أحبه.\nوهذه ليست علامة المحبة، فالمحبة هي الاتباع، قال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] وهذه الآية يسميها بعض العلماء: آية الامتحان والاختبار، وهي أن من يدعي محبة الله ورسوله عليه أن يقيم البينة، والبينة هي الاتباع ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] فالبينة والعلامة على محبته للرسول ﷺ أن يكون متبعًا له، سائرًا على نهجه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.\nوعلى هذا فإن الدعاوى بدون بينات لا عبرة بها ولا قيمة لها، وإنما المعول عليه في الدعاوى هو البينات التي يأتي بها المدعي، فإذا أتى المدعي بالبينة على دعواه فعند ذلك تكون الدعوى صحيحة ويكون صادقًا فيما يقول، وأما إذا كانت الدعوى مجرد كلام ولم يأت بالبينة فيما يتعلق بأمور الدنيا -وهي الشهود وغير ذلك مما يثبت به الحق- وكذلك -أيضًا- في أمور الدين، حيث يدعي محبة الرسول ﷺ وهو مخالف لمنهجهه وطريقته وسنته ﷺ فإن هذه مجرد دعوى ولا عبرة بها، وإنما تكون الدعوى معتبرة إذا أقيمت البينة على ذلك، والبينة على ذلك هي اتباع الرسول ﷺ، كما قال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١].\nفقوله: «فَاتَّبِعُونِي» هذا هو الدليل على صدق المحبة، فإذا وجد الاتباع فإن الدعوى قد أقيمت عليها البينة، وإن وجدت الدعوى ولكن وجد ما يخالفها ووجدت معصية الله ورسوله ﷺ فإن هذا ينافي المحبة، ولا يكون الإنسان صادقًا في دعواه بأنه يحب الرسول صلوات وسلامه وبركاته عليه.\nوالله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.","vol":"29","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-807>الأسئلة</span>","vol":"29","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-808>ما يفعله القاضي إذا ثبتت البينة وحلف المدعى عليه منكرًا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا ادعى شخص دعوى وأتى بالبينة، وحلف المدعى عليه منكرًا، فكيف يحكم القاضي في هذه الحالة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المدعى عليه لا تطلب منه اليمين إلا إذا فقدت البينة، فإذا لم توجد البينة فعند ذلك يطلب من المدعى عليه أن يحلف، أما إذا وجدت البينة فلا يطلب من المدعى عليه الحلف، ولو حلف المدعى عليه بدون استحلاف فإنه لا عبرة بهذا الحلف؛ لأنه لا يحلف إلا إذا استحلف، وهو إنما يستحلف إذا عدمت البينة.\nفالقاضي عندما يأتيه الخصوم يبدأ أولًا في معرفة كون المدعى عليه مقرًا أو منكرًا، فإن كان مقرًا بالحق انتهى الأمر؛ لأن الإقرار لا حاجة إلى شيء وراءه، فمادام أن المدعى عليه مقر فقد انتهت الدعوى، ويطلب منه دفع الحق إلى المدعي.\nأما إذا أنكر فإنه يطلب من المدعي أن يأتي بالبينة، فإن أتى بالبينة حكم بها على المدعى عليه، وألزم بدفع الشيء المدعى، فإن لم يأت المدعي بالبينة عند ذلك يطلب من المدعى عليه أن يحلف، فإن حلف برئت ساحته، وإن لم يحلف وامتنع من الحلف ونكل عن اليمين قضي عليه بالنكول وألزم بدفع الشيء الذي ادعي عليه؛ لأنه ما برأ ساحته باليمين.","vol":"29","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-809>حكم اليمين إن كان صاحبها فاجرًا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا كان المدعى عليه فاجرًا لا يخاف الله ﷿، فهل يعتمد على يمينه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا لم تكن هناك بينة فليس للمدعي إلا اليمين.","vol":"29","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-810>معنى البينة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى البينة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  البينة هي كل شيء يبين الحق ويظهره ويدل عليه، وتكون بالقرائن والعلامات التي تدل على ذلك، ولـ ابن القيم كتاب اسمه (الطرق الحكمية) مخصص للطرق التي يحصل بها الحكم، سواءٌ حصل بالشهود أو بالفراسة أو بالقرائن، وهو من أحسن ما كتب في الطرق التي يحكم بها، ومنها الفراسة ومعرفة المحق من المبطل.\nكما جاء في الصحيحين في قصة امرأتين إحداهما كبرى والثانية صغرى، وكان لكل واحدة منهما ولد، فجاء الذئب وأخذ ولد الكبيرة منهما، فادعت الكبيرة أن الذي مع الصغيرة هو ولدها، وكانت كل واحدة تقول: إنه ولدها.\nفالكبيرة تقول: إنه ولدها.\nوالصغيرة تقول: إنه ولدها.\nوكل واحدة تقول: إن الذئب أخذ ولد الثانية.\nفاحتكمتا إلى نبي الله سليمان ﵇ فقال: ائتوني بسكين.\nفقالتا: ماذا تعمل بها؟ قال: أقسمه بينكما.\nفقالت الكبرى: نعم شقه بيننا.\nوقالت الصغرى: يرحمك الله! هو ولدها.\nفعرف أن الكبرى كاذبة لأنها لن تخسر فقده، وعرف أن الصغرى أمه، فقضى به للصغرى.\nفهذا مما يبين الحكم، وهو من البينة؛ لأن البينة قد تكون بأمارات وقرائن وقد تكون بشهود، فهذا أبان أن الولد للصغرى لا للكبرى؛ لأن الأم لا تريد أن يقتل ابنها، بل أرادت أن يبقى حيًا ولو كان عند غيرها.\nوأما تلك فإنها لا تبالي بقتله؛ لأنه ليس ولدًا لها.\nفعرف ﵊ أن هذه أمه وأن تلك ليست أمه.\nوقد بوب على هذا بعض العلماء بقوله: (باب إذا قال الحاكم: أفعلُ كذا وهو لا يريد أن يفعل من أجل أن يستظهر الحق) وقد ذكر ابن القيم ﵀ في مقدمة الكتاب قصصًا كثيرة من الفراسة، ومن فراسة القضاة التي بها يستظهرون ويعرفون المحق من المبطل.","vol":"29","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-811>حكم اعتبار البصمات والتحليلات الطبية في الإثباتات</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل تعتبر البينة بالبصمات والتحليل والتشريح ونحو ذلك من الأمور العصرية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه قرائن، والقرائن إنما يستأنس بها ويوجه الاتهام بها، لكنها لا تكفي في الحكم.\nأما التصوير فليس كل تصوير صحيحًا؛ إذ هناك ما يسمى اليوم بالدبلجة، حيث يتم بواسطتها إظهار الصورة على خلاف الواقع، فلا يصح اعتبار التصوير.","vol":"29","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-812>استثناء القسامة من كون البينة على المدعي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما وجه الاستثناء في قوله ﷺ: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  القسامة من جملة الأشياء التي تستثنى من كون اليمين على المدعي عليه، فاليمين هي في الأصل على المدعى عليه، وفي القسامة على المدعي وليست على المدعى عليه.\nفيبدأ القاضي بالمدعين ويطلب منهم الأيمان الخمسين، بأن يحلف خمسون منهم، وذلك لوجود اللوث الذي هو بينة ناقصة أو قرينة تدل على أن المدعى عليهم يحتمل أن يكون مرتكبين للجريمة وأن الحق عليهم، فوجود اللوث -وهو كون القتيل موجودًا بين أظهرهم أو قريبًا منهم- شبهة في كونهم القاتلين، وحينئذٍ يحلف المدعون خمسين يمينًا، فلا يحلف المدعى عليهم، وإنما توجه اليمين إلى المدعين لأنه وجد عندهم شيء يقوي جانبهم.\nوذلك مثله أن يوجد شاهد واحد، فإنه يطلب من المدعي أن يحلف، ويكون ذلك مضمومًا إلى تلك البينة الناقصة التي هي شاهد واحد.","vol":"29","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-813>ثبوت القول والفعل بالشهادة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا شهد رجلان على رجل بأنه قال كلامًا ما، وحلف هذا الرجل أنه ما قال هذا الكلام، فكيف يتعامل مع مثل هذه القضية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المدعى عليه لا يحلف إلا إذا لم توجد البينة، أما إذا وجدت البينة فإنه لا يقبل قوله إلا إذا كان الشهود مجروحين، إذا كان الشهود مجروحين بأن أتى بشيءٍ يجرحها فعند ذلك لا تعتبر شهادتهم؛ لأن القدح في الناقل قدح في المنقول، فالقدح في الشاهد قدح في شهادته، كما أن القدح في الصحابة قدح في الكتاب والسنة؛ لأن القدح في الناقل قدح في المنقول.\nولهذا يقول أبو زرعة الرازي: إذا رأيتم من ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ، فاعلموا أنه زنديق، وذلك أن الرسول حق، والكتاب حق، وإنما أدى إلينا الكتاب والسنة أصحاب رسول الله ﷺ، وهؤلاء -أي: الذين يقدحون في الصحابة- يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة.\nيعني: أنه قدح في الناقل وقدح في المنقول، فإذا كان المدعى عليه قدح في الشهود، وكان قدحه معتبرًا فعند ذلك يكون وجود شهادتهم مثل عدمها.","vol":"29","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-814>معنى عدالة الشهود في باب القضاء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا كان لابد من اشتراط عدالة الشهود فما هو نوع العدالة؟ وهل هي ما قرره علماء الحديث في قبول حديث الرجل، أو يكتفى بأن يعرف الرجل بالأمانة وما أشبه ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا لم يعترض المدعى عليه على شهادة الشاهد، ولم يذكر شيئًا يجرحه به، أو زكي الشاهد من قبل أناس يعرفونه ولم يعترض المدعى عليه؛ فحينئذٍ يعمل بالشهادة.","vol":"29","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-815>لزوم عودة طلبة العلم إلى العلماء لأخذ الدليل عند خفائه عليهم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يحدث الخلاف بين طلبة العلم في المسائل المختلف فيها، فيطلب أحدهما من الآخر أن يأتي بالبينة -أي: بالدليل- فيقول الآخر: بل أنت الذي تأتي بالدليل.\nفمن المطالب بالدليل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان الأمر غير واضح بين طلبة العلم؛ فإن عليهم أن يرجعوا في ذلك إلى أهل العلم ليبينوا لهم الحق في هذه المسألة، والقول الراجح فيها، والدليل على ذلك.","vol":"29","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-816>استثناء أهل الصلاح والتقى من كون البينة على المدعي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا ادعى شخص على آخر دعوى ولم يأت بالبينة، فهل يجوز للمدعى عليه أن يرفع دعوى من أجل اتهامه له بغير بينة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ذكر العلماء أن اليمين على المدعى عليه مطلقًا، ومن العلماء من قال: إنه يستثنى من ذلك ما إذا ادعي على أهل الصلاح والتقى من قبل بعض أهل الفساد، فلا يقبل كلام هؤلاء ليحلف المدعى عليهم؛ لأن ذلك فيه إهانة لأهل الصلاح، وقد يقصد بعض الفساق الإضرار بالأخيار فيدعون عليهم دعاوى؛ فيترتب على ذلك أنهم يستحلفونهم.\nفمن العلماء من قال: إن هذا يستثنى من مسألة كون اليمين على المدعى عليه، لا سيما في الأمور التي لا تليق بذلك المدعى عليه.","vol":"29","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-817>حكم تحليف المدعى عليهم عند قبور الأولياء ومشاهدهم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم تحليف المدعى عليهم عند قبور الأولياء ومشاهدهم لإثبات الحق عليهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا العمل لا يجوز؛ لأن معناه أنه تعظيم للقبور، وهذا إنما يحصل من المفتونين بالقبور والذين يغلون في أصحاب القبور.\nوقد يقال: إن ذلك قد تحفظ به حقوق الناس؛ إذ إن المدعى عليه لو طلب منه اليمين عند المنبر في بيت الله لحلف كاذبًا، لكن إذا طلب منه اليمين عند من يعظمه في قلبه من أصحاب القبور؛ فإنه لا يجرؤ على أن يحلف كاذبًا، ومن ثم تؤدى الحقوق.\nوأقول: إنَّ هذا أشد وأعظم سوءًاَ، فإذا كان المكان الفاضل ليس له اعتبار عنده وهو يرى الشيء الذي لا يجوز هو المعتبر، فمعنى ذلك أن الأمر قد انتكس وانقلب، وفاعل هذا من جنس أولئك الذين إذا حُلَّفوا بالله سهل عليهم الحلف، وإذا حُلَّفوا ببعض المخلوقين الذين يعظمونهم صعب عليهم أن يحلفوا، ويمتنعون عن الحلف، فيكون الحلف بغير الله أعظم من الحلف بالله عند هذا الذي يكون بهذه المثابة، والعياذ بالله.\nفمثل هذا الفعل لا يجوز، حتى وإن قيل: إنه قد تحفظ به الحقوق، فلا يجوز الحلف بغير الله تعالى ولا عند القبور.","vol":"29","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-818>ترك التحاكم إلى من لا يحكم بشريعة الله تعالى</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  بلدنا لا يحكم حكامه بشرع الله، فإذا تحاكمت إلى قوانينهم لا يعطونك الحق وإن كنت على بينة، ولو حلفت لهم فإنهم لا يعتبرون بحلفك، خاصة إذا رأوك ملتزمًا بالسنة، فأنا لا أريد أن أتحاكم إليهم، فهل يعتبر ذلك خروجًا عن طاعة ولاة الأمر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كنت مدعيًا فالمدعي هو الذي إذا سكت ترك، وكيف يكون خروجًا على ولاة الأمر إذا لم تقم دعوى عند المحاكم القانونية الباطلة المحرمة؟! بل لا يجوز لك أن تقيم الدعوى عندها وأن تتحاكم إلى غير ما أنزل الله ﷿، ومن ابتلي بشيء من هذا فكان مدعى عليه فإنه لا يستطيع الامتناع.\nوأما إذا كان مدعيًا فإنه يستطيع أن يترك، ولا أحد يلزمه بأن يتقدم؛ لأن المدعي إذا سكت ترك، والمدعى عليه إذا سكت لم يترك.\nفمن ابتلى بدعوى عليه في مثل تلك البلاد فعليه أن يسعى ويحرص على الصلح بينه وبين خصمه فينهيان النزاع بالصلح، أو يتفقان على شخص عنده علم بالشريعة يحكم بينهما ويأخذان بحكمه.\nهذه هي الطريقة التي على الإنسان أن يسلكها فيما يتعلق بكونه مدعى عليه وليس أمامه إلا محاكم تحكم بغير ما أنزل الله، فإنه يسلك هذا المسلك، إما صلح بينه وبين خصمه، وإما أن يتفقا على تحكيم من عنده علم بالشريعة فيتحاكما إليه وينفذا حكمه.","vol":"29","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-819>حكم التحاكم إلى الأعراف القبلية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم الحكم بالأعراف القبلية، مثل أن يحكم على شخص بمال تعويضًا عن أي حق؟ الشيخ: الأحكام لا تكون بأعراف قبلية ولا بغير أعراف قبلية، بل الحكم بما أنزل الله هو الحكم الواجب.","vol":"29","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-820>الحلف بوضع اليد على المصحف</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في بعض البلدان يلزمون حالف اليمين بأن يضع يده على المصحف، فهل هذه الكيفية صحيحة شرعًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا أعلم دليلًا يدل عليها، ولكن ينبغي للإنسان أن يحلف بدون أن يضع يده على مصحف.","vol":"29","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-821>حلق اللحية وأثره على العدالة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يذكر في كتب الفقه أن حالق اللحية لا تقبل شهادته، فهل حلقها يعتبر مسقطًا للعدالة في الشهود؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا قدح المدعى عليه في الشاهد بهذا الذي فيه فإن قدحه معتبر، وإذا كان المدعى عليه مثله فليس له الاعتراض عليه؛ لأنها شهادة شخص على شخص من جنسه.","vol":"29","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-822>حكم من ثبت عليه سب الله ﷻ</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  سمعت رجلًا يسب الله ﷿ شأنه -والعياذ بالله- وعندي شهود، فهل أناصحه أم أذهب إلى المحكمة وأشهد عليه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان ذلك صدر منه متعمدًا وليس بسبق لسان، فكونه يرفع أمره إلى المحكمة وإلى الوالي لا شك أنَّه مطلوب.\nفإذا نصح وقيل له: كيف تفعل هذا؟ وكيف يحصل هذا منك؟ ثم عرف اتصافه بذلك وتكرر ذلك منه فإنه يرفع أمره إلى الحاكم.","vol":"29","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-823>إبطال الحلف بالبينة بعد مدة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا حلَّف الرجلُ الرجلَ ثم بعد سنة أتى ببينة هل يبطل الحلف؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم يبطل الحلف؛ لأنه إنما استحلف لكون البنية غير موجودة، فإذا وجدت البينة فإنه يصار إليها، والحق لا يضيع لمجرد الحلف مادام أن البينة على الحق قد ظهرت.","vol":"29","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-824>حكم تحليف المرء بشيخه إذا كان لا يتورع عن الحلف بالله فاجرًا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  عندنا بعض الصوفية لا يتورع عن الحلف بالله أو بكتابه، لكن يتورع عن الحلف بشيخه، فهل يجوز تحليفه بهذه الصيغة: (أستحلفك بالله الذي خلق الشيخ الفلاني)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الله خالق كل شيء، فهو خالق ذلك الشيخ وخالق كل شيء، فإذا كان ذلك يؤثر فيه فهو حلف بالله، والحلف بالله بأي صيغة يصح ويعتبر، فإن كان ذلك يؤثر فيه فليس به بأس.","vol":"29","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-825>حكم الترافع إلى المحاكم القانونية عند عدم الوصول إلى الحق بدونها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا لم يرد المدعى عليه الصلح، ولم يلتزم بالتحاكم إلى من عنده علم، ولم يكن للمدعي الوصول إلى حقه إلا عن طريق المحاكم القانونية، فهل يجوز له الترافع إليها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  مادام أنها تحكم بغير ما أنزل الله فإنه لا يترافع إليها، لكن يمكن أن يرجع إلى بعض الناس الذين لهم صلة بالمدعى عليه ويطلب منهم أن يتوسطوا بين المدعي والمدعى عليه، بحيث يصيران إلى صلح، أو يصيران إلى تحاكم إلى من يحكم بما أنزل الله.","vol":"29","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-826>حكم تناقض شهادة الشاهدين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا تناقضت شهادة الشاهدين، فهل يأخذ القاضي بمثل هذه الشهادة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قضية الشهود ومعرفة كونهم صادقين أو كاذبين يرجع فيها إلى القاضي وفراسته وإلى أمور أخرى، وإذا حصل من أحدهما شيء مخالف فإنه يطلب شاهد آخر.","vol":"29","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-827>معنى القسامة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى القسامة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  القسامة هي أن يوجد قتيل بين قوم فيتهمون بقتله فيتبرءون من قتله ويقولون: نحن ما قتلناه.\nفعند ذلك تكون القسامة، وهي أن يطلب من المدعين أن يحلف منهم خمسون، فإن حلفوا وحصل منهم الحلف جميعًا فإنه يقضى على أولئك ويدفع إلى المدعين الشخص المدعى عليه بعينه فيؤخذ بالقتيل، وإن لم يحلف المدعون خمسون يمينًا، فإن المدعى عليهم هم الذين يحلفون وتبرأ ساحتهم بذلك.\nفالقسامة سميت قسامة لأن فيها هذا النوع من القسم الذي هو خمسون يمينًا من المدعين أو المدعى عليهم، والبدء في الحلف إنما هو بالمدعين؛ لأن عندهم اللوث الذي هو القرينة أو البينة الناقصة، فإن لم يحلفوا حلف المدعى عليهم وسلموا.","vol":"29","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-828>حكم قدح المدعى عليه في البينة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا كان المدعي قد جاء ببينة ولكن المدعى عليه أنكر هذه البينة، فهل يستحلف؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المدعي إذا جاء ببينة فالمدعى عليه لا يملك إلا أن يقدح في البينة، فإذا قدح في الشهود وكان قدحه معتبرًا فإن شهادتهم حينئذٍ وجودها مثل عدمها، وإن كان قدحه غير معتبر فيحكم بشهادتهم على المدعى عليه.","vol":"29","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-829>حكم التحاكم إلى المحاكم غير الشرعية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  لو أن شخصًا اعتدى على إنسان وأخذ أرضًا له، فقدم المعتدى عليه شكوى إلى المحكمة غير الشرعية وقدم الأوراق التي فيها أنها أرضه، فما المانع من التحاكم في مثل هذه القضية؛ لأنها ليست مخالفة شرعية، ومعظم البلدان لا يحصل فيها الناس على حقوقهم إلا بهذه الطريقة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كانت المحاكم تحكم بغير ما أنزل الله فقد يكون فيها شيء يخالف ما أنزل الله، ولو حكم فيها بما أنزل الله فإنه لا يكون مقصودًا، وإنما يقع اتفاقًا، ومعلوم أن الحكم بما أنزل الله إنما يكون معتبرًا حيث يكون مقصودًا فلو حصل في تلك المحاكم شيء مطابق لما أنزل الله وما كان مقصودًا فإنَّه مثل الرمية من غير رامٍ.","vol":"29","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-830>حكم تخصيص اليمين بالنية في غير مسائل الدعاوى</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم تخصيص اليمين بالنية في غير مسائل الدعاوى؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك، وفي الدعاوى والخصومات يصدق الحالف فيما يقول، وتبرأ ساحة المدعى عليه بيمينه.","vol":"29","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-831>حكم تأديب المتشاجرين بمال يدفعونه للمسجد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  عندنا عادة، وهي أنه لو حصل خصام وتشاجر بين أشخاص في المسجد فإنه يحكم عليهم بمالٍ يدفعونه للمسجد تأديبًا على ما فعلوه، فهل هذا جائز؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا من الحكم بغير ما أنزل الله.","vol":"29","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-832>ما يؤخذ من المدعى عليه حال تقديمه البينة على براءته</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  لو كان عند المدعى عليه دليل على عدم فعل الجريمة المتهم بها، فهل يؤخذ به أو يكتفى باليمين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  من ادعي عليه بأمرٍ غير صحيح، وعنده شهود يشهدون على أنه بريء من هذا الذي ادعي عليه به، كأن يكون في الوقت الذي وقعت فيه الجريمة ليس موجودًا في البلد ونحو ذلك فإن ذلك يدل على صدقه.","vol":"29","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-833>دخول السرعة بالسيارات في الضرر والضرار</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل السرعة بالسيارات تدخل في حديث النبي ﷺ: (لا ضرر ولا ضرار)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أن السرعة من أسباب الضرر على السائق وعلى غيره، فعلى الإنسان أن لا يمشي بالسرعة التي تكون سببًا في إلحاق الضرر به أو بغيره.","vol":"29","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-834>حكم ضياع المال من يد أحد الشريكين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أعمل أنا وشريك لي في محل، فذهبت يومًا لأشتري سلعة فضاع مني المال، فهل أضمن المال أم لا؟ مع العلم بأن هذا المال الذي ضاع هو مال مشترك بيني وبين شريكي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كنت مفرطًا فعليك ضمانه، وإن كنت غير مفرط فلا ضمان عليك؛ لأن الشريك مؤتمن.","vol":"29","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-835>حكم طلب القاضي من المدعي الحلف بعد مجيئه بالبينة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا أتى المدعي بالبينة، ثم طلب منه القاضي أن يحلف بعد ذلك، فهل له ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كانت البينة غير كافية، فله أن يحلفه، والبينة غير الكافية مثل الشاهد الواحد، فهو بينة غير كافية، فإذا طلب منه أن يحلف فإنه يحلف، وقد قضى رسول الله ﷺ بالشاهد واليمين.","vol":"29","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-836>الفرق بين الضرر والضرار</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفرق بين الضرر والضرار؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الضرر يكون بقصد وبدون قصد، ومثال ذلك إنسان عنده جار وله شجر في داره؛ فيسقي شجره فيخرج الماء من تحت الجدار إلى الجار، فيتضرر جاره من غير أن يقصد صاحب الشجر إضرار جاره، فالضرر موجود وقد حصل، ولكنه من غير قصد، وقد يكون الإنسان يعلم بأن الماء يخرج إلى جاره، فيكون بذلك عالمًا بهذا العمل الذي يحصل به الضرر، فيكون الضرر مقصودًا.\nوأما الضرار فإنه قد يكون من الجانبين، بأن يكون كل واحد يضار الآخر ويتبادلان الإضرار فيما بينهما، وقد يكون من جانب واحد ولكنه مقصود.","vol":"29","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-837>عبارة: (القانون لا يحمي المغفلين)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما صحة العبارة القانونية: (القانون لا يحمي المغفلين)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  القوانين الوضعية لا تحمي المغفلين ولا غير المغفلين.","vol":"29","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-838>دخول شرب الدخان في النهي عن الضرر والضرار</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يدخل في قوله ﷺ: (لا ضرر ولا ضرار) الإضرار بالنفس، وذلك بشرب الدخان أو الشيشة مثلًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كل ذلك داخل في النهي عن الضرر والضرار.","vol":"29","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-839>حالة اعتبار أصل الحديث في الصحيحين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  متى يقال: إن أصل الحديث في الصحيحين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان يوجد معناه أو شيء من لفظه في الصحيحين، بأن يكون أكثره أو بعضه في الصحيحين.\nوذلك مثل حديث: (لو يعطى الناس بدعواهم) فهو موجود في الصحيحين بدون ذكر البينة على المدعي، بل بلفظ: (لكن اليمين على المدعى عليه) مع كون البينة على المدعي قد جاء معناه في حديث آخر.\nفما كان موجودًا في الصحيحين ولكن مفرق يقال عنه: أصله في الصحيحين.","vol":"29","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-840>حكم التفجيرات في البلاد الإسلامية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  على ضوء حديث: (لا ضرر ولا ضرار) ما حكم التفجيرات التي تقع؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  من أعظم الضرر والإضرار التفجير في الناس والممتلكات، ومن ذلك التفجير الذي وقع في الرياض قريبًا، فهذا من أقبح الإجرام وأعظم الإفساد في الأرض، وذلك لأن الذين فعلوا ذلك جنوا على أنفسهم بأن قتلوا أنفسهم، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء:٢٩ - ٣٠]، ويقول: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥].\nوأخبر ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم أن من قتل نفسه بسم أو بتردٍ من شاهق أو بحديدة فإن هذه الأمور الثلاثة يعذب بها في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، وهذا فيما يتعلق بقتلهم أنفسهم.\nأما ما يتعلق بقتلهم للمسلمين، فقد قال الله ﷿ فيه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣].\nوقتلهم للمستأمنين يدل على قبحه وسوئه قول الرسول ﷺ: (من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة).\nثم إنه يترتب على ذلك أن المعاهد الذي له عهد وميثاق لو قتل خطأً فإن الدية تجب لأهله، وتجب الكفارة أيضًا لقول الله ﷿: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء:٩٢].\nويترتب على ذلك أيضًا إتلاف الأموال، وترويع الآمنين، وترميل النساء، وتيتيم الأطفال، كل هذه مفاسد نتجت وتنتج عن هذا الإجرام الذي هو من أقبح ما يكون من الإجرام، ومن أعظم ما يكون فسادًا في الأرض والعياذ بالله.","vol":"29","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-841>حكم الفتيا بعدم جواز الإبلاغ بالقائمين بالتفجير إلى الجهات الأمنية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أفتى البعض بعدم جواز الإبلاغ بمن قام بالتفجير لكون ذلك التفجير جهادًا، فما صحة ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا جهاد في سبيل الشيطان، والواجب على كل من عرف شيئًا عن هؤلاء المجرمين القتلة أن يتقرب إلى الله ﷿ ببيان حالهم حتى يقضى عليهم ويسلم الناس من شرهم.","vol":"29","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-842>مدى صحة امتناع السلف عن الحلف تعظيمًا لله تعالى</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل صحيح أن بعض السلف كان إذا طلب منه الحلف امتنع تعظيمًا لله ﵎، ولو كان الحق له؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المدعي الذي له الحق إذا سكت ترك، وليس بعد ذلك حاجة إلى تحليفه، ويمكن أن يحلف مع البينة الناقصة وهي الشاهد الواحد، لكن المدعى عليه ليس أمامه إلا الحلف، وإلا فإنه يحكم عليه بالشيء الذي ادعي عليه به.","vol":"29","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-843>مراد الشاطبي بعدم تعيين من ابتدع في الدين دون البدع العظيمة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نرجو بيان معنى كلام الشاطبي ﵀ في الموافقات حيث قال: ينبغي عدم تعيين من ابتدع في الدين، دون البدع العظيمة كالخوارج، وذلك حفظًا للوحدة والألفة والمودة بين عموم المسلمين.\nانتهى؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا الكلام يتعلق بالعالم إذا أخطأ وكان فيه شيء من البدعة، فإنه لا يعامل معاملة أصحاب البدع الذين هم مجانبون لأهل السنة والجماعة ومخالفون لأهل السنة والجماعة.\nيعني: أن من حصل منه شيء من ذلك فإنه يعذر، فلا يبدع ولا يهجر ولا يترك ما عنده من الحق بسبب ما حصل منه من الخطأ.\nوكم من علماء المسلمين من لا يستغني العلماء وطلبة العلم عن علمهم، ومع ذلك وقعوا في شيء من البدعة، فلو أنهم عوملوا معاملة أهل البدع؛ لم يعول على شيء مما جاءوا به وعلى ما عندهم من العلم.\nومن المعلوم أن من العلماء من هو من أهل الحديث وعنده أمور منكرة فيما يتعلق بالعقيدة، كأن يكون عنده تخليط، وقد يكون ابتلي ببعض مشايخه، وغالبًا ما يكون الضرر والبلاء على التلاميذ من الشيوخ إذا كانوا منحرفين.\nفمن كان من أهل العلم بالسنة وحصل منه شيء من الخطأ في العقيدة أو غير العقيدة لا يعامل معاملة أهل البدع كالقدرية والمعتزلة، والرافضة والخوارج، وإنما يؤخذ من علمه ويدعى له، ولا يتابع على خطئه.","vol":"29","page":47},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-844>[٣٠]</span>\nالدعوة إلى الله تعالى هي طريق الأنبياء والمرسلين، وقد جعل الله ﷾ لمن يدعو إليه منزلة عظيمة، ومقامًا رفيعًا، وثوابًا جزيلًا، بل جعله أحسن الناس قولًا، وجعل طريق الدعوة هي الطريق الأقوم والسبيل الأرشد والصراط المستقيم، وجعل هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، وعلّق هذه الخيرية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، وتغيير المنكر على درجات حسب الاستطاعة، وحسب ترجح المصلحة وحصول المنفعة، ولا يعذر أحد بترك النهي عن المنكر وإنكاره ولو بالقلب؛ فذلك أضعف الإيمان.","vol":"30","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-845>درجات تغيير المنكر</span>\nيقول الإمام النووي ﵀: عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم.\nهذا الحديث حديث عظيم فيه بيان درجات تغيير المنكر، وأن الناس فيه ليسوا على حد سواء؛ لأنهم متفاوتون، وأن أعلى درجة للتغيير هي: التغيير باليد لمن قدر على ذلك، فمن لم يستطع فلابد من التغيير باللسان، فمن لم يستطع فلا بد من التغيير بالقلب، وليس هناك شيء أقل من هذا، بل ذلك أضعف الإيمان، كما قال ذلك رسول الله ﷺ.\nومن المعلوم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شأنه عظيم، وقد جاءت آيات كثيرة وأحاديث عديدة تدل على عظم شأنه، وأمة نبينا محمد ﵊ كانت خير أمة أخرجت للناس؛ وذلك لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر كما قال الله ﷿: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] ثم إن من لُعن من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم إنما كان بتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nفالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شأنه عظيم في الإسلام؛ وذلك لأن فيه الدلالة على الخير، والتحذير من الشر، وإزالة المنكرات الواقعة، وهذا الحديث بين فيه النبي الكريم ﷺ درجات تغيير المنكر، فقال ﵊: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده).\nوالمنكر: هو المحرم الواضح البين الذي قد علم تحريمه فإن تغييره مطلوب، فمن قدر على تغييره باليد تعّين عليه ذلك، وهذا يكون للسلطان ونواب السلطان في الولايات العامة، ويكون لصاحب البيت في بيته في الولاية الخاصة؛ لأن هؤلاء هم الذين يقدرون على تغيير المنكر بأيديهم، ومن لم يكن من أهل التغيير باليد، وكان من أهل التغيير باللسان بمعنى أنه يتكلم ويبين ويوضح، وينهى عن المنكر ويحذر منه، ويخوف منه، فإن عليه أن يقوم بهذا الواجب، مادام أنه ليس من أهل التغيير باليد، وعنده قدرة على أن يغير بلسانه، بأن يأمر وينهى ويبين، ويوضح ويحذر ويخوف، فإنه يفعل، وإذا لم يقدر على ذلك أيضًا فإن أقل شيء يفعله هو أن يغير بقلبه.\nوالتغيير بالقلب هو: الكراهية مع حصول التأثر، كون الإنسان قلبه يتأثر ويتألم لوجود هذا المنكر وذلك بكراهيته وبغضه وبتأثر القلب بسبب ذلك؛ لأنه ما استطاع أكثر من هذا.\nقال ﵊: (وذلك أضعف الإيمان).\nيعني: هذا أقل شيء، وهذا يدل على أن الناس يتفاوتون في الإيمان، ففيهم من هو قوي الإيمان، وفيهم من هو ضعيف الإيمان، وكما أن حصول الإيمان الناس يتفاوتون في كماله، فهم يتفاوتون في ضعفه.\nفهم متفاوتون في الكمال، أي: في كمال الإيمان، ومتفاوتون في الضعف، ولهذا قال: (وذلك أضعف الإيمان).\nيعني: أن من لم يحصل في قلبه شيء من التأثر والكراهية فمعنى ذلك أنه ليس عنده شيء من الإيمان الذي يحصل به أداء هذا الأمر الذي هو أقل شيء، وليس أقل أو أدنى منه.\nفقوله: (من رأى منكم منكرًا) يحتمل أن يكون المراد الرؤية البصرية، بمعنى أنه شاهد المنكر بعينه، فهو يغيره بيده إن كان من أهل اليد، وإلا فيغيره بلسانه إذا لم يستطع تغييره بيده.\nويحتمل أن يكون المراد بذلك ما يشمل الرؤية البصرية والرؤية العلمية، بمعنى أنه يعلم ويتحقق عن طريق صحيح أن هناك منكر، وأن المنكر موجود، فإنه يعمل على تغييره بما علمه من حصوله ووجوده، وعلى هذا فلا يكون التغيير خاص بما رآه الإنسان، بل بما علمه ويتحقق علمه، فإن المطلوب منه أن يغيره مادام تحقق وجوده وعلم بذلك، وإن لم يشاهده ويعاينه، وعلى هذا فيكون المراد بالرؤية ما هو أشمل من الرؤية البصرية أي: ما يشمل الرؤية البصرية والرؤية العلمية.","vol":"30","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-846>تفسير قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم»</span>\nما جاء في هذا الحديث من الأمر بتغيير المنكر لا ينافي ما جاء في قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥].\nفلا يقال: أن بين الآية والحديث تعارض، فالآية فيها: أن الإنسان عليه نفسه، وأنه لا يضره من ضل إذا اهتدى، والحديث يقول: (من رأى منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه).\nوالمعنى: أنكم إذا أديتم ما عليكم وما هو مطلوب منكم فقد برئت ذمتكم؛ لأنكم قمتم بما هو واجب، والاستفادة والهداية هي بيد الله، والإنسان عليه أن يفعل الأسباب، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإن حصل المقصود والمطلوب فهذا هو الذي نريده، وإن لم يحصل فإن الإنسان يكون قد أدى ما عليه، وبرئت ذمته.\nوعلى هذا فيكون معنى الآية: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥].\nأي: إذا قمتم بما هو مطلوب منكم، فقد أديتم ما عليكم ولا يضركم بعد ذلك ضلال من ضل إذا اهتديتم، قالوا: وفي قوله ﷿: «إِذَا اهْتَدَيْتُمْ» دليل على هذا؛ لأن المهتدي لا يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن من الاهتداء أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فتكون الآية هي نفسها دليل على أن الإنسان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأن الإنسان إذا أدى ما عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم تحصل الاستفادة بعد ذلك فلا يضره ضلال من ضل؛ لأنه أدى ما عليه، وأرشد إلى ترك الضلال، والأخذ بسبل الهداية، فإذا لم تنفع الموعظة، ولا ينفع التذكير، ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فحينها يكون المرء قد أدى ما عليه، وليس عليه بعد ذلك من حرج، وإنما يكون عليه الإثم إذا لم يكن أدى ما عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nالحاصل: أن هذا حديث عظيم مشتمل على تغيير المنكر، وتفاوت الناس ودرجاتهم فيه، وأنهم ليسوا على درجة واحدة، وأن كل من قدر على درجة منها تعيّن عليه الإتيان بذلك، وليس له أن يترك ما أوجب الله تعالى عليه، وإلا فإنه يكون آثمًا إذا ترك ما هو قادر عليه من التغيير باليد، وهو أعلى شيء، ثم التغيير باللسان الذي يليه.\nولشيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان عند هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] تحقيقات في مباحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمسائل المتعلقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نذكرها بالنص لأهميتها: قال الشيخ محمد الأمين رحمه الله تعالى: [قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥].\nقد يتوهم الجاهل من ظاهر هذه الآية الكريمة عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن نفس الآية فيها الإشارة إلى أن ذلك فيما إذا بلغ جهده فلم يقبل منه المأمور، وذلك في قوله: «إِذَا اهْتَدَيْتُمْ»؛ لأن من ترك الأمر بالمعروف لم يهتد، وممن قال بهذا حذيفة وسعيد بن المسيب كما نقله عنهما الألوسي في تفسيره وابن جرير ونقله القرطبي عن سعيد بن المسيب وأبي عبيد القاسم بن سلام ونقل نحوه ابن جرير عن جماعة من الصحابة، منهم: ابن عمر وابن مسعود فمن العلماء من قال: «إِذَا اهْتَدَيْتُمْ» أي: أمرتم فلم يسمع منكم، ومنهم من قال: يدخل الأمر بالمعروف في المراد بالاهتداء في الآية، وهو ظاهر جدًا، ولا ينبغي العدول عنه لمنصف.\nومما يدل على أن تارك الأمر بالمعروف غير مهتد: أن الله تعالى أقسم أنه في خسر، بقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣].\nفالحق وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبعد أداء الواجب لا يضر الآمر ضلال من ضل، وقد دلت الآيات كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥] والأحاديث على أن الناس إن لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر عمهم الله بعذاب من عنده؛ فمن ذلك ما خرجه الشيخان في صحيحيهما عن أم المؤمنين أم الحكم زينب بنت جحش ﵂: أن النبي ﷺ: (دخل عليها فزعًا مرعوبًا يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه -وحلّق بأصبعيه الإبهام والتي تليها- فقلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم.\nإذا كثر الخبث).\nوعن النعمان بن بشير ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا) أخرجه البخاري والترمذي.\nوعن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: (يا أيها الناس! إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن رأى الناس الظالم فلم يأخذوا على يده أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه) رواه أبو داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة.\nوعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٨١]، ثم قال: كلا والله! لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرًا، ولتقصرنه على الحق قصرًا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض ثم ليلعننكم كما لعنهم) رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن، وهذا لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي: (قال رسول الله ﷺ: لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم «عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ» [المائدة:٧٨] فجلس رسول الله ﷺ وكان متكئًا، فقال: لا والذي نفسي بيده حتى يأطروهم على الحق أطرًا).\nومعنى تأطروهم أي: تعطفوهم، ومعنى تقصرونه: تحبسونه، والأحاديث في الباب كثيرة جدًا، وفيها الدلالة الواضحة على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل في قوله: «إِذَا اهْتَدَيْتُمْ»، ويؤيده كثرة الآيات الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤] وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠] وقوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩].\nوقوله: ﴿وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] وقوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر:٩٤].\nوقوله: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٥].\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥].\nوالتحقيق في معناها: أن المراد بتلك الفتنة التي تعم الظالم وغيره، هي: أن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه عمهم الله بالعذاب صالحهم وطالحهم، وبه فسرها جم","vol":"30","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-847>مسائل تتعلق بالأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر</span>\nذكر الشيخ الشنقيطي مسائل تتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي:","vol":"30","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-848>وجوب اتباع الحق على الآمر والمأمور</span>\nالمسألة الأولى: اعلم أن كل من الآمر والمأمور يجب عليه اتباع الحق المأمور به، وقد دلت السنة الصحيحة على أن من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله أنه حمار من حمر جهنم يجر أمعاءه فيها، وقد دل القرآن العظيم على أن المأمور المعرض عن التذكرة حمار أيضًا.\nأما السنة المذكورة: فقوله ﷺ: (يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه، فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار فيقولون: أي فلان ما أصابك؟! ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟! فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه) أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أسامة بن زيد ﵄.\nومعنى (تندلق أقتابه): تتدلى أمعاؤه، أعاذنا الله والمسلمين من كل سوء.\nوعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: (رأيت ليلة أسري بي رجالًا تقرض شفاههم بمقاريض من نار كلما قرضت رجعت، فقلت لجبريل: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء من أمتك، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون؟!) أخرجه الإمام أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية وابن حيان وابن مردويه والبيهقي كما نقله عنهم الشوكاني وغيره.\nوعن ابن عباس ﵄ أنه جاءه رجل فقال له: يا ابن عباس! إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر.\nفقال ابن عباس: أوبلغت ذلك؟ فقال: أرجو.\nقال: فإن لم تخش أن تفتضح بثلاثة أحرف في كتاب الله فافعل، قال: وما هي؟ قال: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٤٤] وقوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣].\nوقوله تعالى عن العبد الصالح شعيب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود:٨٨] الآية.\nأخرجه البيهقي في شعب الإيمان وابن مردويه وابن عساكر كما نقله عنهم أيضًا الشوكاني وغيره.\nواعلم أن التحقيق: أن هذا الوعيد الشديد الذي ذكرنا من اندلاق الأمعاء في النار، وقرض الشفاه بمقاريض النار، ليس على الأمر بالمعروف، وإنما هو على ارتكابه المنكر عالمًا بذلك، ينصح الناس عنه، فالحق أن الأمر غير ساقط عن صالح ولا طالح، والوعيد على المعصية لا على الأمر بالمعروف؛ لأنه في حد ذاته ليس فيه إلا الخير، ولقد أجاد من قال: لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيمُ وقال الآخر: وغير تقيّ يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي الناس وهو مريضُ وقال الآخر: فإنك إذا ما تأت ما أنت آمر به تلف من إياه تأمر آتيا وأما الآية الدالة على أن المعرض عن التذكير كالحمار أيضًا، فهي قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر:٤٩ - ٥١]، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، فيجب على المذكِّر والمذكَّر أن يعملا بمقتضى التذكرة، وأن يتحفظا من عدم المبالاة بها؛ لئلا يكونا حمارين من حمر جهنم.","vol":"30","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-849>اشتراط العلم في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر</span>\nالمسألة الثانية: يشترط في الآمر بالمعروف أن يكون له علم يعلم به أن ما يأمر به معروف، وأن ما ينهى عنه منكر؛ لأنه إن كان جاهلًا بذلك، فقد يأمر بما ليس بمعروف، وينهى عما ليس بمنكر، ولاسيما في هذا الزمن الذي عم فيه الجهل، وصار فيه الحق منكرًا، والمنكر معروفًا، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨].\nفدل على أن الداعي إلى الله لابد أن يكون على بصيرة، وهي الدليل الواضح الذي لا لبس في الحق معه، وينبغي أن تكون دعوته إلى الله بالحكمة، وحسن الأسلوب واللطافة مع إيضاح الحق؛ لقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] فإن كانت دعوته إلى الله بقسوة وعنف وخرق، فإنها تضر أكثر مما تنفع، فلا ينبغي أن يسند الأمر بالمعروف إسنادًا مطلقًا، إلا لمن جمع بين العلم والحكمة والصبر على أذى الناس؛ لأن الأمر بالمعروف وظيفة الرسل وأتباعهم، وهو مستلزم للأذى من الناس؛ لأنهم مجبولون بالطبع على معاداة من يتعرض لهم في أهوائهم الفاسدة، وأغراضهم الباطلة، ولذا قال العبد الصالح لقمان الحكيم لولده فيما قص الله عنه: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧] ولما قال النبي ﷺ لـ ورقة بن نوفل: أوَ مُخرجيّ هُم؟! -يعني: قريش- أخبره ورقة أن هذا الدين الذي جاء به لم يأت به أحد إلا عودي.\nوروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ما ترك الحق لـ عمر صديقًا.\nواعلم أنه لا يحكم على الأمر بأنه منكر إلا إذا قام على ذلك دليل من كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ أو إجماع المسلمين، وأما إن كان من مسائل الاجتهاد فيما لا نص فيه، فلا يحكم على أحد المجتهدين المختلفين بأنه مرتكب منكرًا، فالمصيب منهم مأجور بإصابته، والمخطئ منهم معذور كما هو معروف في محله.\nواعلم أن الدعوة إلى الله بطريقين: طريق لين، وطريق قسوة.\nأما طريق اللين فهي: الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وإيضاح الأدلة في أحسن أسلوب وألطفه، فإن نجحت هذه الطريق فبها ونعمت، وهو المطلوب، وإن لم تنجح تعينت طريق القسوة بالسيف حتى يعبد الله وحده، وتقام حدوده، وتمتثل أوامره، وتجتنب نواهيه، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد:٢٥].\nففيه الإشارة إلى إعمال السيف بعد إقامة الحجة، فإن لم تنفع الكتب تعينت الكتائب، والله تعالى قد يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.","vol":"30","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-850>عدم جواز النهي عن المنكر إذا أدى إلى مفسدة أكبر</span>\nالمسألة الثالثة: يشترط في جواز الأمر بالمعروف: ألا يؤدي إلى مفسدة أعظم من ذلك المنكر، بإجماع المسلمين على ارتكاب أخف الضررين، قال في مراقي السعود: وارتكب لأخف من ضررينِ وخيرنْ لدى استوا هذينِ ويشترط في وجوبه: مظنة النفع به، فإن جزم بعدم الفائدة فيه لم يجب عليه، كما يدل له ظاهر قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩].\nفقوله ﷺ: (بل ائتمروا بالمعروف وتناهو عن المنكر، حتى إذا رأيت شحًا مطاعًا، وهوىً متبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه؛ فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائكم أيامًا الصابر فيهن كالقابض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عملكم).\nوفي لفظ: (قيل: يا رسول الله أجر خمسين رجلًا منا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين منكم) أخرجه الترمذي والحاكم وصححاه وأبو داود وابن ماجه وابن جرير والبغوي في معجمه وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب من حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁، وقال الراوي هذا الحديث عنه أبو أمية الشعباني، وقد سأله عن قوله تعالى: «عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ»: والله لقد سألت عنها خبيرًا، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: (بل ائتمروا) إلى آخر الحديث.\nوهذه الصفات المذكورة في الحديث من الشح المطاع والهوى المتبع إلى آخره، مظنة لعدم نفع الأمر بالمعروف، فدل الحديث على أنه إن عدمت فائدته سقط وجوبه.","vol":"30","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-851>حكم الأمر بالمعروف</span>\nتنبيه: الأمر بالمعروف له ثلاث حكم: الأولى: إقامة حجة الله على خلقه، كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لئلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥].\nالثانية: خروج الآمر من عهدة التكليف بالأمر بالمعروف، كما قال تعالى في صالح القوم الذين اعتدى بعضهم في السبت: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٦٤].\nوقال تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات:٥٤].\nفدل على أنه لو لم يخرج من العهدة لكان ملومًا.\nالثالثة: رجاء النفع للمأمور، كما قال تعالى: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٤] وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥].\nوقد أوضحنا هذا البحث في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة الأعلى في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩]، ويجب على الإنسان أن يأمر أهله بالمعروف كزوجته وأولاده ونحوهم وينهاهم عن المنكر؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم:٦].\nوقوله ﷺ: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته).","vol":"30","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-852>من أعظم أنواع الأمر بالمعروف كلمة حق عند سلطان جائر</span>\nالمسألة الرابعة: اعلم أن من أعظم أنواع الأمر بالمعروف: كلمة حق عند سلطان جائر، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر) أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.\nوعن طارق بن شهاب ﵁: أن رجلًا سأل النبي ﷺ وقد وضع رجله في الغرز: (أي الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حق عند سلطان جائر) رواه النسائي بإسناد صحيح كما قاله النووي ﵀.\nواعلم أن الحديث الصحيح قد بين أن أحوال الرعية مع ارتكاب السلطان ما لا ينبغي ثلاث: الأولى: أن يقدر على نصحه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر من غير أن يحصل منه ضرر أكبر من الأول، فآمره في هذه الحالة مجاهد سالم من الإثم، ولو لم ينفع نصحه، ويجب أن يكون نصحه له بالموعظة الحسنة مع اللطف؛ لأن ذلك هو مظنة الفائدة.\nالثانية: ألا يقدر على نصحه لبطشه بمن يأمره وتأدية نصحه لمنكر أعظم، وفي هذه الحالة يكون الإنكار عليه بالقلوب، وكراهية منكره والسخط عليه، وهذه الحالة هي أضعف الإيمان.\nالثالثة: أن يكون راضيًا بالمنكر الذي يعمله السلطان متابعًا له عليه، فهذا شريكه في الإثم، والحديث المذكور هو ما قدمنا في سورة البقرة عن أم المؤمنين أم سلمة هند بنت أبي أمية ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: لا.\nما أقاموا فيكم الصلاة) أخرجه مسلم في صحيحه.\nفقوله ﷺ: (فمن كره).\nيعني: بقلبه ولم يستطع إنكارًا بيد ولا لسان فقد برئ من الإثم وأدى وظيفته، ومن أنكر بحسب طاقته فقد سلم من هذه المعصية، ومن رضي بها وتابع عليها فهو عاص كفاعلها.\nونظيره حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عند مسلم قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان).\nوقوله في هذه الآية الكريمة: «عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ» صيغة إغراء يعني: الزموا حفظها، كما أشار له في (الخلاصة) بقوله: والفعل من أسمائه عليك وهكذا دونك مع إليك انتهى.\nهذا هو كلام شيخنا: الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمة الله عليه في المسائل المتعلقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك في كتابه أضواء البيان عند قول الله ﷿ في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥].","vol":"30","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-853>الأسئلة</span>","vol":"30","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-854>عدم إثارة الفتنة عند إنكار المنكر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  جاء في صحيح مسلم سبب رواية حديث أبي سعيد الخدري: أنه عندما بدأ الخليفة مروان بالخطبة يوم العيد، أنكر عليه رجل واعترض عليه، ودافع عنه أبو سعيد الخدري وحدث بهذا الحديث، فهل في هذا ما يدل على الإنكار على الولاة علانية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا المنكر حصل علانية، وظن أبو سعيد ﵁ والرجل الذي معه أن مروان قد نسي أن الصلاة قبل الخطبة، فذكروه، ولكنه كان قاصدًا لذلك وعازمًا على أن يخطب قبل أن يصلي، فتركوه وشأنه بعد أن أدوا ما عليهم، ومن المعلوم أن الذي حصل أمر منكر فنبه عليه، ولكنه لما لم يستجب ما خرج أبو سعيد وترك المكان وقال: أنا أغادر المكان لأن هذا أمر منكر، بل جلس ولم يغادر، وهذا يدل على أن تقديم الصلاة ليس بشرط وليس بأمر لازم، وأن صلاتهم مع تقديم الخطبة صحيحة، وإن كانت على خلاف ما جاء عن رسول الله ﷺ، وأبو سعيد ﵁ لم يخرج ويترك المكان بسبب حصول مخالفة للسنة، بل بقي مما يفيد أن هذا الذي فعله مروان لا يؤثر في صلاة العيد، ولا يكون مخلًا لها؛ لأن ذلك ليس شرطًا، وليس بلازم.","vol":"30","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-855>حرمة الاستهزاء بمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ماذا نقول لمن يتكلم عن رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويقول: إنهم (شركة صلّوا)؟!\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا من الاستهزاء، ومن تكلم بهذا الكلام القبيح فإنما يجني على نفسه، وتعود مضرته عليه، وغالبًا أن الذي يتكلم بهذا الكلام ضعيف الإيمان، وعنده فسق، فالمؤمن لا يقول مثل هذا الكلام، بل يفرح بأعمال الهيئات؛ لأن أعمالهم فيها التعاون على البر والتقوى، والدلالة على الخير، وإعانة الناس على أنفسهم، والناس بحاجة إلى من يعينهم على أنفسهم، وليسوا بحاجة إلى من يضيعهم أو يسعى إلى تضييعهم أو يفرح بضياعهم، ولا يجوز للمسلم أن يحب أن الهيئة لا يحصل منها هذا العمل؛ لأن كراهية الدعوة هذا إنما تحصل من أهل الفساد، فهم الذين يشتهون عدم وجود مثل هذه الدعوة إلى الله ويرغبون في عدم وجودها.\nوهذا من أقبح الكلام، وفيه استهزاء وتهكم بأولئك الذين يقومون بمهمة عظيمة، كما قال الله ﷿: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤].","vol":"30","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-856>وجوب إنكار المنكر على كل مسلم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  لا يخفى عليكم أن هذه البلاد لديها رجال يقومون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهل يجوز لي أن أقول: لا يجب علي تغيير المنكر؛ لأن الدولة وضعت رجالًا لذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الرسول ﷺ قال: (من رأى منكم) وهذا لفظ عام، والناس يتفاوتون، ولا شك أن من المخاطبين: السلطان ونواب السلطان ومنهم: (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) والأمراء، والولاة على نواحي معينة الذين أُنيط بهم مهمات على نواحي خاصة وبلاد خاصة، فعليهم أن يقوموا بهذه المهمة، ولا شك أنهم يملكون التغيير باليد، وكذلك أيضًا صاحب البيت يملك التغيير باليد؛ لأنه راع في أهل بيته ومسئول عن رعيته، ويستطيع أن يغير بيده؛ لأن بيته داخل تحت ولايته وهو يتصرف في داخل بيته بالأمر والنهي ومنع المنكر وإزالته من البيت، وليس الأمر خاصًا بالهيئات، أما التغيير باليد فلا يملكه إلا من له الولاية كالسلطان أو نواب السلطان كالهيئات، وأما التغيير باللسان فيمكن للمسلم أن يغير بلسانه، ويمكن يقول: يا أخي اتق الله! هذا الفعل لا يجوز.\nوهكذا.","vol":"30","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-857>حرمة إنكار المنكر إذا أدى إلى مفسدة أكبر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من لم يكن من أهل تغيير المنكر باليد، لكن إذا غيره بيده يزال المنكر ولا تحصل مفسدة أكبر، فهل يجوز له أن يغير بيده؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كون الإنسان يغير بيده وهو ليس من أهل الولاية فهذا مظنة أن يحصل شيء لا تحمد عقباه ويمكن أن يكون هذا الذي يريد أن يغيره يضر به؛ وعثمان بن عفان ﵁ يقول: إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، ومن ليست له ولاية على أمر فإن دخوله فيه لتغييره يمكن أن يؤدي إلى أن يقابل بخصام ومضاربة، ثم يترتب على ذلك مفسدة لهذا الإنسان.","vol":"30","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-858>من لم يمكنه التغيير بلسانه فعليه الإنكار بالقلب</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل التغيير باللسان لكل أحد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، ليس لكل أحد، ولهذا الرسول ﷺ قال: (ومن لم يستطع فبقلبه) أي: أخبر أنه قد لا يستطاع التغيير باللسان.","vol":"30","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-859>النوم عن الصلاة دائمًا ليس حجة لصاحبه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نحن طلبة في الجامعة نسكن في السكن الجامعي، وكثير من الطلبة لا يصلي صلاة الفجر وصلاة العصر؛ لأن هذين الوقتين يحصل فيهما النوم، فبعض الطلبة يحتج أنه إذا كانت الغرفة لا يسمع فيها النداء للصلاة فهو معذور، ومنهم من يقول: إنني مسافر ولست مقيم، فكيف ننصحهم مع العلم أنهم يغضبون ويحتجون بهذه الحجج، وكيف نرد عليهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه حجج واهية ساقطة، وهل المسافر لا يصلي صلاة الجماعة؟! ألم تشرع الجماعة في شدة الخوف والكفار يقاتلون المسلمين؟! فيقوم الإمام بتقسيم الناس إلى مجموعتين ويصلون صلاة الخوف، فإذا لم تسقط الجماعة في الخوف، فكيف يقال: إن الإنسان المسافر الذي يقيم مدة طويلة لا يقال: إنه مسافر، فما الفرق بينه وبين أهل البلد؟ إلا أن هذا عند أهله وهذا ليس عند أهله، وإلا فإن الراحة والطمأنينة والاستقرار موجود، وليس هناك حل وارتحال وتعب ونصب، فيكون هو وزميله ممن هو من أهل البلد سواء من حيث انعدام المشقة، وحالة السفر هذه غير واردة، ولا يقال فيها: إن الإنسان مسافر، وإنما حكمه حكم المقيمين، ويجب عليه ما يجب على المقيمين، وعليه إذا سمع النداء أن يجيب، أما أن يزعم أنه لا يسمع الأذان، فهذا كما هو معلوم من التفريط، والإنسان لو كان عنده موعد طائرة في ساعة معينة فهل ينام ويترك موعد الطائرة؟ لا، بل سيكلف من ينبهه، وهكذا في الصلاة يجب عليه أن يطلب من أحد أصحابه أو جيرانه بأن يدق عليه الباب أو ينبهه، أو يأخذ ساعة ويجعلها على الوقت المعين الذي يريد أن يستيقظ فيه، كما لو كان له موعد مع إنسان فإنه يجعل منبه الساعة على الوقت المعين بحيث تدق ويقوم.\nإذًا: على الإنسان أن يحافظ على صلاته وأن يأخذ بالأسباب، وحتى لو لم يسمع وهو نائم فعليه أن يجعل المنبه يدق قبيل الآذان حتى يتمكن من القيام والوضوء والذهاب إلى المسجد.","vol":"30","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-860>معنى الكفر البواح</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى قوله ﷺ: (إلا أن تروا منهم كفرًا بواحًا)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الكفر البواح أي: الواضح الجلي الذي ليس فيه إشكال، قال: (إلا أن تروا منهم كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان)، أي: كفر واضح، وليس شيئًا محتملًا أو فيه شك.","vol":"30","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-861>معنى قوله: (إلا أن تروا منهم كفرًا بواحًا)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى ربط الإنكار بالرؤية في قوله ﷺ: (إلا أن تروا منهم كفرًا بواحًا) ولماذا ربطها بالرؤية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معناه: أن يراه الناس بالمشاهدة أو يرونه بالعلم؛ لأن الرؤية تكون علمية أو نظرية، والمعنى هنا: تروا أي: تعلموا، والمقصود: أن يكونوا متحققين من وقوعه.","vol":"30","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-862>الأصل في النصيحة أن تكون سرًا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا طلب مني شخص أن أنصحه أمام الناس فهل أفعل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كون الإنسان ينصح أمام الناس فما هي فائدته؟ إنما الفائدة تتعلق بأن ينصحه بينه وبين نفسه، أما النصح أمام الناس فهذا يعني أنه يجاهر الناس لكي يعلموا ما فيه من سوء، وهذا غير سائغ وغير لائق، ولا أدري ماذا يقصد بكونه يطلب النصيحة أمام الناس، ولعله يريد أن يدبر له مكيدة، فيأتي الناصح لينصحه أمام الناس، فيقوم المنصوح بالتشويه بالناصح ومقابلته بالكلام السيئ كونه نصحه علانية.","vol":"30","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-863>أعمال الجوارح دليل على وجود التقوى أو انعدامها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يحتج بعض الناس بقول النبي ﷺ: (التقوى هاهنا)، بأن ذلك دليل على عدم وجوب القيام ببعض الطاعات كإعفاء اللحية أو تقصير الثوب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا وجدت التقوى في القلب ظهرت على الجوارح، مثلما جاء في الأثر الذي أشرت إليه: (ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكنه ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال)، أما كون الإنسان يقول: التقوى هاهنا، وليس عنده تقوى، فهذه تصير دعوى، والدعوى تحتاج إلى بينة، والبينة هنا هي الاستقامة وظهور التقوى، أما أن يقول: التقوى هاهنا، ثم بعد ذلك يترك ما هو واجب عليه فهذا يدل على عدم حصول التقوى.","vol":"30","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-864>حكم إنكار الأمور المشتبهة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا رأى رجل منكرًا وهو يعلم أنه منكر، ولكن ليس معه حجة يستطيع أن يستدل بها على تحريم هذا المنكر، فهل له أن يغير أم يُعتبر بمنزلة الجاهل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، إذا كان من الأمور الواضحة الجلية التي لا يجهلها أحد، مثل الخمر أو الزنا وما إلى ذلك فهذه كلنا يعرفها؛ لأن هناك أمور مشتهرة لا تخفى على أحد، لكن هناك بعض الأمور التي تخفى، فإذا كان هذا من الأمور الواضحة فعليه أن يبين وأن ينهى، وإذا كانت من الأمور الخفية التي لا يعلم الحق فيها وهل هي منكر أو ليست بمنكر فلا يفعل، وإنما عليه أن يسأل أهل العلم: هل هذا منكر أو ليس بمنكر؟","vol":"30","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-865>زوج المرأة يعتبر محرمًا لأمها وجداتها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  امرأة لها بنت، ثم هذه البنت أتت بابنة، فصارت هذه الأم جدة، فهل زوج الحفيدة يعتبر محرمًا لأمها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم؛ لأنها داخلة تحت أمهات النساء كما قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، فهي من أمهات الزوجة، وأمهات المرأة هي أمها وجداتها، فيكون زوج البنت محرمًا لأمها ولجداتها؛ لأنهن كلهن أمهات وداخلات تحت قوله: ﴿وأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء:٢٣].","vol":"30","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-866>لزوم إنكار المنكر على الجلساء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  لي بعض الأقارب والزملاء الذين لديهم ذنوب ومعاصي، فهل يجوز أن آكل معهم وأجلس؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، تأكل معهم وتجلس وتنصحهم، أما أنك تأكل معهم وتجلس ولا نصح فهذا غير صحيح.","vol":"30","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-867>درجة حديث: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) ومعناه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  حديث: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)، قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في الفرقان (صفحة: ١٣٥): لا أصل له، ولم يروه أحد من أهل المعرفة بأقوال النبي ﷺ وأفعاله.\nفما رأيكم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، ولهذا كما عرفنا الجهاد الأكبر هو: جهاد الكفار وليس جهاد النفس، لكن جهاد النفس هو من أسباب إفادة جهاد الكفار؛ لأن الإنسان الذي لا يجاهد نفسه لا يؤثر في الكفار، وإنما الذي يؤثر فيهم هو الذي يجاهد نفسه، ولكن الجهاد الأكبر لا شك أنه جهاد الكفار وليس جهاد النفس.\nوقال العجلوني عن الحديث: قال الحافظ ابن حجر في تسديد القوس: هو مشهور على الألسنة، وهو من كلام إبراهيم بن عيلة.","vol":"30","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-868>حكم من لا ينكر المنكر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قلتم حفظكم الله: إن من رأى منكرًا ولم يتأثر به، ولم يتحرك قلبه لذلك فليس عنده إيمان، هل هذا يعني أنه كافر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس معنى ذلك أنه لا إيمان عنده البتة، ولكن كما جاء في الحديث: (وذلك أضعف الإيمان) فكونه يغير هذا أقل شيء، وإذا كان قلبه ما تأثر ولا تغير فلا يقال: إنه خال من الإيمان بحيث يكون كافرًا، ولكن عنده نقص شديد.","vol":"30","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-869>تحريم إدخال الدش للبيوت</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يوجد في بيتنا دش، فهل علي أن أقطع الأسلاك؛ لأني نصحتهم فلم يسمعوا لي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  عليك أن تبذل لهم كل ما تستطيع في الوصول إلى ذلك، ولو بقطع الأسلاك أو بأي شيء يمكنك، وإذا كنت تقدر فافعل ولا تتأخر.","vol":"30","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-870>تحريم النغمات الموسيقية في التلفون الجوال</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  لا يخفى عليكم المنكر الذي عم وطم -خاصة في هذا المسجد المبارك- من النغمات الموسيقية التي تصدر من الجوالات، فهل من كلمة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا في الحقيقة من الأمور المنكرة، أولًا: الموسيقى في أي مكان ليس للإنسان أن يستمع لها، فكيف في المساجد التي هي محل ذكر الله؟ فالإنسان عليه أن لا يجعل هذه النغمة موجودة في هاتفه بحيث إذا دق عليه ظهر هذا الصوت السيئ، بل يكون الصوت ليس فيه شيء من الموسيقى، ولكن أيضًا مع هذا عندما يدخل المسجد عليه أن يغلق الجوال، حتى هذا الصوت الذي يدق ويشغل الناس ولو كان ليس بموسيقى فهو لا ينبغي أن يوجد، وإنما الإنسان عليه إذا دخل المسجد أن يغلق الجوال أو يجعله على الصامت إذا كان يريد أن يعرف من يتصل به، ولا يجعل صوت الجوال مفتوحًا والناس في صلاة فيشوش عليهم، فهذا غير سائغ، وأسوأ من ذلك إذا كان الصوت بهذه الصفة المذكورة في السؤال.\nالحاصل: أن على الإنسان عندما يكون معه الجوال ويدخل المسجد أن يقفله أو يجعله على الصامت الذي لا يظهر معه صوت، وأما من ناحية كونه يجعل فيه النغمة الموسيقية، فهذا لا يصلح ولا يسوغ له أن يجعل ذلك لا في المسجد ولا في غير المسجد، ولا يليق بالإنسان أن يجعل الصوت الذي يدق به تلفونه عند الاتصال به هذا الصوت الموسيقي، وكما هو معلوم أنه في المسجد أسوأ وأسوأ، وهو لا يسوغ لا في المسجد ولا في غير المسجد.","vol":"30","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-871>النهي عن المنكر ليس مقيدًا في مكان معين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل علينا أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر عندما نجد في الطريق رجلًا مسبلًا وآخر يدخن وثالث حالق للحيته فيجب علي أن أنصح هؤلاء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه)، فإذا كنت تستطيع أن تغير باللسان فعليك أن تنصح.","vol":"30","page":28},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-872>[٣١]</span>\nأعظم عُرى الإسلام هي الحب في الله والبغض في الله، والمحبة والإخاء والترابط بين المسلمين من أعظم ركائز هذا الدين، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم.\nوقد نهى النبي ﷺ عن كل ما يكدر صفو الأخوة الإيمانية من التحاسد والتباغض والتناجش والاحتقار وغيرها، ونهى عن التعدي على حرمات المسلمين، فكل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه.","vol":"31","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-873>شرح حديث: (لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا)</span>\nيقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: (لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره، التقوى هاهنا -ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) رواه مسلم.\nهذا حديث عظيم من أحاديث الرسول الكريم ﷺ؛ فقد اشتمل على عدة أمور: الأول: قوله ﷺ: (لا تحاسدوا) فهو نهي عن التحاسد، والحسد: هو أن يتمنى زوال النعمة عن غيره، وسواء تمنى أن تصل إليه أو تخرج من غيره وإن لم تصل إليه، فكل ذلك من الحسد المذموم الذي نهى عنه الرسول ﷺ.\nقوله: (لا تناجشوا) النجش: هو أن يزيد في السلعة وهو لا يريد شراءها، وله وجهان: إما أنه يريد أن يحسن إلى البائع بإكثار النقود له، أو يسيء إلى المشتري بزيادة السعر عليه فيتضرر بذلك، وهذا هو النجش الذي نهى عنه الرسول ﷺ.\nأي: إذا كانت السلعة تباع بالحراج أو بالمزاد العلني وكان للإنسان حاجة فيها وهو يريد شراءها فله أن يزيد، وإن كان لا يريد شراءها، فإنه يتركها ولا يفعل الزيادة من أجل أن ينفع إنسانًا ويضر إنسانًا آخر.\nقوله: (ولا تباغضوا)، أي: لا تأخذوا بالأسباب التي تؤدي إلى البغضاء والعداوة وتنافر القلوب وتباعدها، وحصول الجفوة والتباعد بين المسلمين، بل عليكم أن تأخذوا بأسباب المحبة والمودة، وبما يجلب الوفاق والوئام، حتى لا يكون بدلًا من ذلك الخصام والنزاع والصراع.\nقوله: (ولا تدابروا)، أي: أن كل واحد يدبر عن الآخر ولا يريد أن يلقى صاحبه ويسلم عليه ويتحدث معه، وإن لقيه فكل واحد منهما يولي دبره صاحبه؛ لما بينهما من الشحناء والتباغض، فالواجب على كل واحد منهما أن يسعى إلى التقارب والتآلف، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام.\nقوله: (ولا يبع بعضكم على بيع بعض) وذلك بأن يبيع رجل سلعة على آخر بثمن معين، وكان في مدة خيار يمكنه أن يبقي العقد ويمكن أن يفسخه، فيأتي إليه شخص آخر عنده سلعة ويقول للمشتري: اترك هذه السلعة وافسخ هذا البيع، وأنا عندي لك سلعة مثلها بأرخص منها، فلو اشتريت هذه السلعة بمائة ريال، فأنا أبيعك إياها بخمسين ريالًا أو بستين ريالًا، فهذا لا يجوز؛ لأن هذا هو بيع المسلم على بيع أخيه المسلم.\nثم قال ﵊: (وكونوا عباد الله إخوانًا) أي: أن هذه الأمور التي مرت والتي جاء النهي عنها تنافي مقتضى الأخوة، بل على المسلمين أن يكونوا إخوة متآلفين متحابين، لا يتحاسدون ولا يتباغضون، ولا يسعى بعضهم إلى أن يظلم أحدًا بزيادة في ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها، وكذلك التدابر، وهو أن يلتقيا فيولي كل واحد منهما صاحبه دبره، لا يريد أن يلقاه لما بينهما من الوحشة والعداوة.\nقوله: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه) أي: من مقتضيات هذه الأخوة أنه لا يعمل معه عملًا يكون ظالمًا له فيه، بأي نوع من أنواع الظلم، وفي الحديث القدسي الذي رواه أبو ذر: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا).\nفمقتضى الأخوة ألا يحصل الظلم منه لأخيه، بل عليه أن يسلمه من ظلمه وألا يصل إليه ظلمه، وإنما يصل إليه منه العدل والإحسان، وقد جاء في الحديث: (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، قال: أنصره مظلومًا فكيف أنصره ظالمًا؟! قال: تمنعه من الظلم)، فشأن المسلم أنه لا يظلم أخاه المسلم.\nقوله: (ولا يخذله) أي: لا يترك نصرته وهو قادر على نصرته.\nفنصرته مظلومًا بأن يكون عونًا له على خصمه لمنع الظلم عنه، وأما إن كان ظالمًا فنصرته بأن يمنعه من الظلم وأن يحول بينه وبين الظلم؛ لأنه بذلك يحسن إلى المظلوم بأن يخلصه من ظلم الظالم، ويحسن إلى الظالم بأن يمنعه من الظلم ويحول بينه وبين الظلم، فيكون في ذلك أفاده بسلامته من الظلم الذي هو خطير وعظيم عند الله.\nقوله: (لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه) أي: لا يكذب عليه إذا حدثه بحديث، وإنما يصدقه الحديث إذا حدثه.\nقوله: (ولا يحقره)، وهذا من مقتضيات التكبر والاستكبار، هو الذي يحصل معه الاحتقار.","vol":"31","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-874>معنى كون التقوى محلها القلب</span>\nقال: (التقوى هاهنا، وأشار إلى صدره ثلاث مرات) معناه: أن التقوى تكون في القلوب، وإذا كانت التقوى في القلوب ظهرت على الأعضاء، كما جاء عن بعض السلف: (ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكنه ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال)، وفي حديث النعمان بن بشير ﵄: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).\nوالتقوى محلها القلب كما قال الله ﷿: ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢] فأضاف التقوى إلى القلوب، وكذلك في حديث أبي ذر (الحديث القدسي): (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل)، فأضاف التقوى إلى القلب، كما أضاف الفجور إلى القلب في مقابله، حيث قال: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم).","vol":"31","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-875>تحريم التكبر واحتقار المسلمين</span>\nقال: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)، يعني: لو لم يحصل له من الشر غير أن يحقر أخاه المسلم لكان كافيًا، والاحتقار نتيجة للاستكبار ونتيجة للترفع والتعالي، بل على الإنسان أن يوقر الكبير ويرحم الصغير ولا يحتقر أحدًا من الناس؛ لأن الاحتقار فيه كفر النعمة التي أنعم الله بها على الإنسان، وقد يكون الاستكبار مع عدم النعمة، وهذا أسوأ كما جاء في الحديث: (ثلاثة لا يكلمهم الله وفيهم: عائل مستكبر)؛ لأن الغنى يكون مظنة الاستكبار، أما إذا كان يستكبر مع العيلة ومع الفقر، فإن ذلك يدل على خبث في النفس؛ لأن أسباب الاستكبار غير موجودة.","vol":"31","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-876>حرمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم</span>\nقوله: (كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه)، وهذا مما خطب به الرسول ﷺ في حجة الوداع حيث سأل الناس وهو يخطبهم: أي شهر هذا؟ أي بلد هذا؟ أي يوم هذا؟ وفي كلها يقولون: يوم حرام بلد حرام شهر حرام، فقال ﵊: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا)، وهذا يدلنا على خطورة هذه الأشياء وأن الإخلال فيها ضرره كبير وأثره عظيم؛ لأنه اعتداء على الناس في أنفسهم وفي أموالهم وأعراضهم، ولهذا قال: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه).","vol":"31","page":5},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-877>[٣٢]</span>\nحديث: (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) من جوامع الكلم التي أوتيها النبي ﷺ، وقد تضمن بيان أن الجزاء من جنس العمل، وفيه الحث على طلب العلم، ومدارسة القرآن، وبيان أن النسب الشريف لا يقدم صاحب العمل السيئ.","vol":"32","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-878>شرح حديث (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا)</span>","vol":"32","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-879>الجزاء من جنس العمل</span>\nالحديث السادس والثلاثون من الأحاديث الأربعين للإمام النووي ﵀: قال المصنف ﵀: [عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) رواه مسلم].\nهذا الحديث عظيم مشتمل على جمل في كثير منها الجزاء من جنس العمل، فأوله قوله ﷺ: (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة).\nالكربة: هي الشدة والضيق، وهو الكرب العظيم الشديد، فمن نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا فالله تعالى يجازيه بأن ينفس عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومعلوم أنه لا نسبة بين كرب الدنيا وكرب الآخرة، فكرب الدنيا سهلة يسيرة، وليست شيئًا بجانب شدة كرب الآخرة، فمن نفس عن مسلم -بمعنى أنه خفف عنه مصيبته وكربه أو أزاله عنه- فإن الله تعالى يجازيه بأن ينفس عنه كربة من كرب يوم القيامة، وهذا فيه الجزاء من جنس العمل؛ لأن العمل تنفيس كربة في الدنيا، والجزاء تنفيس كربة يوم القيامة.\nقوله: (ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة)، المعسر: هو الذي حصل له الإعسار، وهو الضيق في المال؛ وذلك بأن يكون مثلًا عليه دين، فإن كان الدين لغيره فإنه يساعده بإعطائه ما يقضي به دينه، وإن كان الدين له فإنه يبرئه أو ينظره، كما قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٨٠] فبين أن أمام الإنسان طريقين: أحدهما الإبراء، والثاني الإنظار، والإبراء أفضل من الإنظار.\nوالإبراء إسقاط الدين عنه، وأما الإنظار فهو إمهاله إلى أن يوسر، وإلى أن يكون عنده القدرة على التسديد، والجزاء من جنس العمل، وهو أن ييسر الله له في الدنيا والآخرة، جزاء على تيسيره على ذلك المعسر، فالجزاء يحصل في الدنيا؛ وذلك بأن تيسر له أموره ويوسع له في الرزق، وفي الآخرة يحصل له التيسير من الله ﷿.\nثم بعد ذلك قال: (ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة).\nيعني: ستر عيبه الذي علمه عنه، فإن الله تعالى يجازيه بالستر سترًا، فيستره في الدنيا والآخرة؛ وذلك أنه إذا حصل من إنسان خلل أو عيب أو حصل منه معصية فينظر: فإن كان هذا الذي حصل منه ليس معروفًا بالسوء، وإنما هي زلة وسقطة، فإنه في هذه الحالة يستر عليه، وإن كان معروفًا بالفسق والفجور وهو مستمر على ذلك أو مجاهر فالمصلحة في تأديبه وفي إيقاع العقوبة عليه التي يستحقها حتى يسلم الناس من شره.\nوعلى هذا فالناس ينقسمون إلى قسمين: قسم ليس معروفًا بالفسوق، وليس معروفًا بالمعصية العظيمة.\nوقسم معروف بها، وقد يكون مجاهرًا، وقد يكون مستهترًا، وقد يكون عنده لا مبالاة بالوقوع في المعاصي.\nفالأول يستر عليه، وقد يكون ذلك تأديبًا له بحيث لا يعود، حيث يشكر الله تعالى حين سلمه من أن يفتضح، أما الثاني الذي هو معروف بالفجور وقد تكرر منه ذلك فإن إظهار ذلك وعقوبته العقوبة التي يستحقها من المصلحة له وللمسلمين.\nقوله: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه).\nهذه جملة عامة، وهي من القواعد الكلية، ومن الكلمات الجامعة للرسول الكريم ﷺ التي لا تنحصر في شيء معين، بل هي شاملة وواسعة، فكل عون يحصل من المسلم لأخيه فإن الله ﷿ يجازيه بأن يكون في عونه، ومعنى ذلك: أنه كلما كان بهذه المثابة وبهذا الوصف فجزاؤه عند الله ﷿ أن يكون الله تعالى في عونه كما كان في عون أخيه، فالأمور التي تقدمت هي أمور خاصة منها ما يتعلق بالكرب، ومنها ما يتعلق بالستر، ومنها ما يتعلق بالتيسير، وأما هذه فأي عون يكون من العبد فإن الله تعالى يجازيه بالعون عونًا، فيعينه على أمور دينه ودنياه.","vol":"32","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-880>فضل طلب العلم</span>\nقوله ﵊: (ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة).\nهذا أيضًا من باب الجزاء من جنس العمل؛ لأن العمل سلوك طريق توصل إلى العلم، والجزاء تسهيل طريق توصل إلى الجنة، وسلوك طريق العلم يكون بالسفر لتحصيله، ويكون أيضًا باتخاذ كل الوسائل التي توصل إليه وإن لم يكن هناك سفر، كأن يلازم مجالس العلم، ويقتني الكتب النافعة والكتب المفيدة لأهل السنة، ويعنى بقراءتها والمذاكرة فيها والتباحث فيها مع زملائه والرجوع فيها إلى مشايخه.\nوالمراد بالعلم هنا العلم الشرعي، علم الكتاب والسنة، وكل ما يسهل الوصول إلى هذين الينبوعين الصافيين: كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ.\nوتيسير الطريق الموصل إلى الجنة لكونه سلك الطريق الموصلة إلى العلم بالسير إلى الله على بصيرة، وكونه يعبد الله على بصيرة وعلى هدى؛ وذلك إنما يكون بالعلم، والله ﷿ قال في كتابه العزيز: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢] فكل إنسان في خسارة، ولا يستثنى من ذلك إلا من آمن إيمانًا مبنيًا على علم ثم عمل بالعلم، ثم حصل التواصي بالخير؛ وذلك بتعديته إلى الغير، ثم بعد ذلك التواصي بالصبر على ما يحصل في هذا السبيل من العناء والمشقة والنصب فإن ذلك يحتاج إلى صبر.\nوقوله: (ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة) هذه الجملة واضحة في بيان فضل العلم، وفضل طلب العلم الشرعي، وقد جاءت هذه الجملة أيضًا في حديث عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، وهو مشتمل على خمس جمل كلها تدل على فضل العلم، أول هذه الجمل هي هذه الجملة، وهي: (من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة).\nوالجملة الثانية: (وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع) ومعناها: أن الملائكة تحف به وتحيط به؛ وذلك بالرضا بما يحصل منه من العلم ونشر العلم وأخذ العلم.\nوالجملة الثالثة: (وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب) العابد هو الذي يصلي ويصوم، والعالم هو الذي اشتغل بتحصيل العلم الشرعي والعمل به؛ وإنما كان العالم أفضل من العابد لأن علم العالم له ولغيره، ونفعه متعد، وأما العابد فعبادته له وحده، فصلاته له وحده، وصيامه له وحده، ولكن علمه له ولغيره، ولهذا كان العالم أفضل من العابد.\nوالجملة الرابعة: (وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء).\nأي أن العوالم العلوية والسفلية كلها تستغفر للعالم، وهذا فضل عظيم يظفر به من وفقه الله ﷿ لأن يكون من أهل العلم بشرع الله، وعالمًا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.\nوالجملة الخامسة والأخيرة هي: (وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر).\nوهذه الجملة اشتملت على شيء عظيم، ويكفي أهل العلم شرفًا أن يقال: إنهم ورثة رسول الله ﷺ، يرثون عنه الحق والهدى الذي جاء به ﷺ، وهو ميراث النبوة؛ لأن الأنبياء لا يورثون المال، إذا خلفوا مالًا فإنه صدقة ولا يرثه أقرباؤهم، بخلاف غير الأنبياء فإنهم يرثهم أقرباؤهم على وفق ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ من أحكام المواريث.\nفالأنبياء إنما يورث عنهم العلم والحق والهدى، والرسول ﷺ يورث عنه الكتاب والسنة، وهو خير ميراث وأفضل ميراث، وعلى هذا فالأنبياء يختلفون عن غيرهم من البشر من هذه الناحية؛ وذلك أن غيرهم من البشر إذا جمع مالًا ومات فإنه يكون لورثته، وأما الرسل فلو مات أحد منهم وعنده مال فإنه لا يكون لورثته، وإنما هو صدقة، وقد قال ﵊: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة) يعني: لا يورث عنهم المال، ولكن يورث عنهم العلم النافع الذي هو بالنسبة لنبينا ﷺ علم الكتاب والسنة.\nقوله: (فمن أخذ به أخذ بحظ وافر) أي: من هذا الميراث الذي هو ميراث رسول الله ﷺ، وهو الحق والهدى الذي جاء به، وهو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.\nهذه خمس جمل اشتمل عليها حديث أبي الدرداء، والجملة الأولى هي في هذا الحديث الذي معنا الذي في صحيح مسلم، وقد جاءت أحاديث أخرى تدل على فضل العلم، وتحث على تحصيله، منها حديث أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان ﵁ أن النبي ﵊ قال: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) أي: أن من علامة إرادة الله ﷿ الخير بعبده أن يفقهه في دين الله؛ لأنه إذا فقه في الدين فمعنى ذلك أنه سار إلى الله على بصيرة، ودعا غيره على بصيرة، فيكون هاديًا مهديًا، يعرف الحق ويعمل به ويدعو إليه، ويكون علمه وعمله مبنيًا على بصيرة وعلى هدى من الله ﷾.\nوكذلك أيضًا جاء عن النبي ﵊ أنه قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) أخرجه البخاري ﵀، وهذا يدل على أن أهل تعلم القرآن وتعليمه هم خيار الناس.\nوجاء في صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين)، وفي الحديث الذي مر بنا قريبًا: (والقرآن حجة لك أو عليك) فهو بمعنى: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين).","vol":"32","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-881>آداب طالب العلم</span>\nالعلم لابد فيه من الإخلاص وحسن القصد، ولابد فيه أيضًا من الجد والاجتهاد وبذل النفس والنفيس، وبذلك يحصل العلم، فلا يحصل العلم بالإخلاد إلى الراحة والاشتغال بغيره مما يشغل عنه، وإنما يحصل بالجد والاجتهاد وبذل النفس والنفيس للوصول إليه؛ حتى يعبد الإنسان ربه على بصيرة، وتحصل منه الإفادة له ولغيره، فيكون هاديًا مهديًا راشدًا مرشدًا.\nفلابد من حسن القصد والإخلاص والصدق في الطلب، ولابد من الجد والاجتهاد، وبذل النفس والنفيس للوصول إلى هذا المقصود العظيم الذي هو علم كتاب الله ﷿ وسنة رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فقد قال يحيى بن أبي كثير اليمامي -كما رواه مسلم بإسناده إليه في صحيحه-: لا يستطاع العلم براحة الجسم.\nفمن أراد العلم فعليه أن ينصب، وعليه أن يتعب، وعليه أن يشتغل، وأن يبذل من أجل الوصول إلى هذه الغاية النبيلة، يقول الشاعر: الجَد بالجِد والحرمان بالكسل فانصب تصب عن قريب غاية الأمل الجَد هو الحظ النفيس، بالجِد الذي هو الاجتهاد والتعب والنصب، فالنتائج الطيبة والثمرات الحميدة تحصل من الجد والاجتهاد، وبذل ما يستطيع الإنسان بذله من أجل الوصول إلى تلك الغاية العظيمة التي هي تحصيل العلم النافع الذي هو علم الشرع، أعني علم كتاب الله ﷿ وسنة رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.","vol":"32","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-882>فضل الاجتماع على القرآن والعلم في المساجد</span>\nثم قال ﵊: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده).\nبيوت الله ﷿ هي المساجد، وإضافتها إلى الله للتشريف؛ لأن المضاف إلى الله ﷿ ينقسم إلى قسمين: إضافة أعيان وإضافة معان، فإضافة الأعيان للتشريف، وهي من إضافة المخلوق إلى الخالق، كبيت الله وناقة الله وعبد الله، وإضافة المعاني هي إضافة الصفات كحياة الله وعلم الله وسمع الله وبصر الله وغير ذلك، وهي إضافة صفات، أعني من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف بها.\nوالمساجد هي خير البلاد وأفضل البقاع كما ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﵊ أنه قال: (أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها)، فالمساجد هي خير البلاد؛ وذلك لما يكون فيها من العمارة بذكر الله ﷿، فالمساجد هي محل الطمأنينة، ومحل الذكر، ومحل الصلاة، ومحل العبادة لله ﷿، ومحل تلاوة القرآن، كل هذه من صفات المساجد، وأما الأسواق ففيها الصخب واللغط، وفيها الخصومات، وفيها السباب والشتائم، وغير ذلك من الأمور التي تحصل في الأسواق.\nتلاوة القرآن معروفة، ومدارسته تعني معرفة معانيه، وهذا إنما يكون لمن عنده علم بتفسير القرآن بالقرآن وتفسيره بالحديث، وبالآثار عن سلف هذه الأمة.\nفتلاوته تكون بأن يقرأ واحد والباقون يسمعون، أو يقرءون بالتناوب بحيث يقرأ واحد مقدارًا من الآيات والباقون يسمعون ويصححون له، ويقومون نطقه، ويقومون قراءته، ثم ينتقل إلى من بعده، ويكون كل واحد منهم يستفيد من غيره؛ لأنه يتعود كيف يقرأ، ويصحح له خطؤه ولحنه إذا كان يخطئ أو يلحن، وهذه الفوائد تحصل بهذا العمل الذي هو تلاوة القرآن في المساجد وتدارسه.\nوالتدارس يكون بوجود عالم بينهم يبين لهم معاني الآيات التي قرءوها أو التي يمرون بها وهم بحاجة إلى معرفتها أو يشكل عليهم شيء من معانيها، وإذا كانوا من أهل العلم فإنهم يتداركون ذلك ويرجعون إلى كتب أهل العلم المتعلقة بالرواية والدراية في تفسير كلام الله ﷿.\nقوله: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة) يعني: تحصل لهم أمور أربعة بهذا العمل الذي هو قراءة القرآن وتدارسه في المساجد: الأمر الأول: أنها تنزل عليهم السكينة، والسكينة: الطمأنينة والوقار، ففي تلك المجالس الوقار، والطمأنينة، والسكون، وانشراح الصدور، كل ذلك يكون موجودًا لمن يحصل منهم تلاوة القرآن في بيت من بيوت الله.\nالأمر الثاني: أن تغشاهم الرحمة، أي تشملهم الرحمة وتغطيهم.\nالأمر الثالث: أن الملائكة تحفهم، أي: تحيط بهم وتحدق بهم؛ وذلك أنهم يبحثون عن مجالس الذكر، وخير الذكر هو قراءة كلام الله ﷾، فيحصل لهؤلاء المجتمعين أن تنزل عليهم السكينة، وكون الرحمة تغشاهم.\nالأمر الرابع: أن يذكرهم الله فيمن عنده من الملائكة، أي يذكر الله عباده في الأرض عند عباده في السماء الذين هم الملائكة، كما جاء في الحديث: (ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه).\nفمن حصل منهم الاجتماع لقراءة القرآن في المساجد وتدارسه يحصل لهم الثواب والجزاء بهذه الأعمال الأربعة.","vol":"32","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-883>من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه</span>\nثم قال ﵊: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) من أخره عمله عن دخول الجنة فليس نسبه هو الذي يسرع به إليها، وإنما العبرة بما يقوم في القلوب وبالأعمال، وليس بما يحصل على الجوارح، وإنما يحصل ذلك بالتقوى والإيمان والعمل الصالح، فمن أخره عمله عن دخول الجنة وبلوغ المنازل العالية فليس نسبه هو الذي يسرع به إليها.\nنعم النسب إذا جاء مع العلم والعمل الصالح فهو خير إلى خير، ونور على نور، وأما إذا كان بدون إيمان وبدون عمل صالح فإن ذلك لا يفيد شيئًا، كما جاء في هذا الحديث عن رسول الله ﷺ: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)؛ لأن العبرة عند الله ﷿ بالتقى والأعمال الصالحة كما قال ﷿: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، ويقول الشاعر: لعمرك ما الإنسان إلا بدينه ولا تترك التقوى اتكالًا على النسب فقد رفع الإسلام سلمان فارسٍ وقد وضع الشرك النسيب أبا لهب فـ أبو لهب عم رسول الله ﷺ، وهو ابن عبد المطلب، وهو من أهل بيت الرسول ﷺ من ناحية النسب، وإلا فإن أهل البيت الذين لهم الفضل هم كل مسلم ومسلمة من نسل عبد المطلب بن هاشم، وكذلك زوجات رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، هؤلاء هم أهل البيت الذين لهم فضل.\nولكن من حيث النسب فعمه أبو لهب من أقرب الناس إليه؛ لأنه أخو أبيه، ومع ذلك فإنه من أهل النار لكفره وعدم إيمانه، وقد أنزل الله ﷿ فيه سورة تتلى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:١ - ٥].\nإذًا: الأعمال الصالحة هي الميزان، وهي المعتبرة في الإسلام؛ لقول الله ﷿: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، وليس المعتبر النسب، قال الله ﷿: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١]، فالعبرة إنما هي بالأعمال، وليست بالأنساب؛ ولهذا قال ﵊ في هذا الحديث: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه).\nإذًا: النسب بدون عمل صالح لا يفيد صاحبه شيئًا، ولكن كونه يجمع بين النسب الشريف وبين العمل الصالح فيكون قد جمع بين الحسنيين.\nفقد رفع الإسلام سلمان الفارسي، وهو من الفرس، وليس من العرب، ووضع أبا لهب وهو من بني هاشم، وهو ابن عبد المطلب، وعم رسول الله ﷺ، ولكن كفره وعدم إيمانه وضعه؛ ولم يستفد بنسبه شيئًا؛ لأن العبرة ليست بالأنساب وإنما هي بالأعمال الصالحة وبتقوى الله ﷿.\nهذا الحديث حديث أبي هريرة ﵁ مشتمل على سبع جمل وهي: (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنها بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًاَ سهل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه).\nوالله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"32","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-884>الأسئلة</span>","vol":"32","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-885>سبب تخصيص المساجد في الحديث</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما سبب تخصيص المساجد بالفضل في قوله: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله)، والاجتماع قد يكون في مدرسة في جامعة في معهد؟ وهل الفضل خاص بمدارسة القرآن؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الأمر يختلف، لكن لا شك أن في المدارس ونحوها خيرًا، ولكن هذا الفضل الذي جاء في الحديث خاص ببيوت الله.\nوقوله: (يتلون كتاب الله ويتدارسونه) تخصيص لمدارسة القرآن، ولا شك أن مدارسة العقيدة والفقه والحديث وأصول التفسير فيها خير، لكن أولئك جمعوا بين الأمرين: تلاوة القرآن وتدارسه، ولهذا قال ﵊: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) رواه البخاري في صحيحه من حديث عثمان ﵁.\nوالذي ورد في هذا الحديث خاص بالقرآن، ولكن لا شك أن علم الشريعة والاشتغال بالشريعة خير.\nوهذا الحديث الذي في صحيح مسلم فيه تخصيص بيت من بيوت الله، ومعلوم أن بيوت الله ﷿ هي محل العبادة، بخلاف الأماكن الأخرى التي يكون فيها اللغط، ويكون فيها الكلام، وأما المساجد فليس فيها إلا ذكر الله، وهي أحب البلاد إلى الله ﷿ كما ورد في صحيح مسلم.","vol":"32","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-886>حكم الذكر الجماعي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم ما يقع في بعض البلدان من الذكر الجماعي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  والله ما أعلم دليلًا يدل على ما يفعله بعض الناس الذين يجتمعون ويقرءون بصوت واحد قراءة جماعية، وهذه القراءة في الغالب ليس فيها تدبر ولا تأمل، لأن كل واحد يقرأ مع غيره ويحرص على ألا يتأخر وألا يتقدم.","vol":"32","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-887>حكم تكرار الطلاب للآية بصوت جماعي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  مدرسو القرآن -خاصة للصغار- قد يطلبون من المجموعة أن يكرروا آية بصوت جماعي، فما الحكم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قضية الأطفال أمرها سهل، وإنما الكلام فيما يفعله بعض الناس الذين ليس عندهم معلم يعلمهم، وإنما يجتمعون ثم يبدءون بصوت واحد من البداية حتى النهاية.","vol":"32","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-888>فضل حلقات التحفيظ</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يدخل في فضل الاجتماع على تلاوة كتاب الله وتدارسه حلقات التحفيظ الموجودة الآن، أو يعتبر من في هذه الحلقات يقرأ لنفسه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كانت هذه الحلقات بهذه الطريقة، كل طالب يسمع له ويصحح له، فيدخلون في هذا الحديث إن شاء الله، ويرجى لهم الخير: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).","vol":"32","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-889>نزول الملائكة لمن اجتمعوا على دراسة العلوم الشرعية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نزول الملائكة هل هو خاص بتلاوة القرآن أو يشمل كل علوم الشريعة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يعم مجالس الذكر عمومًا، وقد جاء أنهم يطوفون، وإذا وجدوا قومًا يذكرون الله قالوا: هلموا إلى بغيتكم، فيجتمعون عندهم، والذكر أعم من قراءة القرآن.","vol":"32","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-890>قراءة القارئ وبقية الحلقة يستمعون لقراءته</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  طريقة التلاوة التي تكون بقراءة واحد والبقية يسمعون، هل وردت عن السلف الصالح؛ لأن بعض أهل البدع يفعلون هذه الطريقة، ثم بعد ذلك يتلون أو يقرءون أورادًا مبتدعة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الأوراد المبتدعة خارجة عما هو مشروع وما هو جائز، وابن رجب ذكر أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول لـ أبي موسى أو عقبة بن عامر: اقرأ لنا شيئًا من كتاب الله، وكان شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه في كثير من مجالسه يطلب من واحد أن يقرأ، ثم بعد ذلك يتكلم في معاني تلك الآيات التي قرئت.","vol":"32","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-891>حكم تخصيص رمضان بالاجتماع على قراءة القرآن</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في بلادنا لا يتدارسون القرآن إلا في رمضان، وأما في غير رمضان فلا يفعلون هذا، فهل الاجتماع في هذا الشهر محظور؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أن شهر رمضان هو شهر القرآن، والنبي ﷺ كان أجود ما يكون في رمضان، وكان يدارس جبريل القرآن، وكان يعرض عليه كل ما نزل من القرآن مرة واحدة، وفي آخر رمضان من حياة رسول الله ﷺوهو رمضان السنة العاشرة- عرضه عليه مرتين، فكون الناس يشتغلون في رمضان بالقرآن، ويكثرون فيه من القراءة؛ هذا شيء طيب، والاشتغال بالقرآن بصفة مستمرة ودائمة أمر مطلوب، ولكن الزيادة في رمضان لا شك أنها مطلوبة.","vol":"32","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-892>تفضيل الملائكة على البشر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في قوله: (ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه) أليس فيه دليل على أن الملائكة أفضل من المؤمنين من البشر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس فيه دليل؛ لأن المعنى أن الملأ الذي ذكر فيهم الذاكر، ذكره الله في ملأ خير منهم، وهذا لا يعني جنس البشر وجنس الملائكة، ولا يدل على تفضيل هذا الجنس على هذا الجنس، وإنما فيه أن نفس الجماعة الذين ذكر العبد الله ﷿ فيهم، يذكره الله في ملأ خير منهم.","vol":"32","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-893>معنى كلام ابن دقيق العيد في شرح: (ذكرهم الله فيمن عنده)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما مدى صحة قول ابن دقيق العيد في شرح هذه العبارة: (وذكرهم الله فيمن عنده) قال: يقتضي أن يكون ذكر الله تعالى لهم في الأنبياء وكرام الملائكة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لاشك أن الله يذكره في ملأ من الملائكة، وأما الأنبياء فهم في قبورهم كما هو معلوم، وإن كانت أرواحهم بصور أجسادهم في السماء كما جاء في حديث المعراج، ولكن هذا الحديث هو في الملائكة الذين هم سكان السماوات.","vol":"32","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-894>الفرق بين التنفيس والتيسير</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل هناك فرق بين التنفيس والتيسير؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  التنفيس للكربة، والتيسير في الإعسار يكون غالبًا في المال، وأما الكربة فتكون في مصائب وفي أمور عظيمة، وقد يكون من ذلك الإعسار، لكن الكربة أمر أشد من الإعسار.","vol":"32","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-895>الرد على من يستدل على جواز الذكر الجماعي بحديث معاوية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكر ابن رجب في شرح الحديث قال: وفي صحيح مسلم عن معاوية ﵁: (أن النبي ﷺ خرج على حلقة من أصحابه، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ﷿ ونحمده لما هدانا للإسلام ومن علينا به، فقال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟! قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، إنه أتاني جبريل ﵇ فأخبرني أن الله تعالى يباهي بكم الملائكة)، الإشكال: قوله: (جلسنا نذكر الله ﷿)، هل فيه دليل على جواز الذكر الجماعي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، ليس فيه دليل على الذكر الجماعي، ولكن كونهم يشتغلون في علم يشتغلون في تفسير يشتغلون في حديث يشتغلون في عقيدة يشتغلون في تذكير بالآخرة يتذكرون القبر وما يجري فيه مما يكون فيه زاجر للنفوس ورادع لها، فهذا كله يشمله ذكر الله ﷿.","vol":"32","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-896>نصيحة لمن صلى في مسجد يأتون بالأذكار بعد الصلاة بشكل جماعي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في بلدنا يأتون بالأذكار التي بعد الصلوات جماعيًا، ولا أستطيع أن أنكر عليهم، فهل الأفضل بالنسبة إلي أن أجلس وأتم الذكر في نفسي أم أخرج وآتي بالأذكار في مكان آخر إنكارًا عليهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  تجلس وتذكر الله ﷿ على حدة، ولكن نبههم وأرشدهم وعلمهم.","vol":"32","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-897>شرح قول الشاعر: الجد بالجد والحرمان بالكسل</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نرجو من فضيلتكم شرح قول الشاعر: الجَد بالجِد والحرمان بالكسل فانصب تصب عن قريب غاية الأمل\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الجَد: الحظ والنصيب، بالجِد: بالاجتهاد، يعني: يحصل الحظ والنصيب بالجد والاجتهاد، ويقابل ذلك الحرمان فهو يحصل بالكسل؛ لأن الحرمان مقابل الجد الذي هو الحظ والنصيب، والكسل مقابل الجد، فهما شيئان متقابلان: الجَد بالجِد، الحظ والنصيب يحصل بالجد والاجتهاد، والحرمان يحصل بالكسل، والجد هو الحظ كما جاء في الحديث: (ولا ينفع ذا الجد منك الجد) يعني: لا ينفع صاحب الحظ حظه عندك، وإنما ينفعه العمل الصالح.","vol":"32","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-898>قراءة القرآن بدون مدارسة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل قراءة القرآن بدون مدارسة من السنة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كون الناس يجتمعون من أجل أن يدرسوا القرآن فيما بينهم بحيث يقوم بعضهم بعضًا، ويسدد بعضهم بعضًا، ويعرف الإنسان صحة قراءته من قصورها ومن لحنها؛ مقصد صحيح، وإن لم يكن هناك تدارس فهذا أيضًا مقصد صحيح.","vol":"32","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-899>إضافة الأعيان إلى الله</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ألا يقال: إن إضافة الأعيان إلى الله عبارة عن إضافة مربوب ومخلوق، وإضافة المربوب والمخلوق قد تكون للتشريف كناقة الله وبيت الله وقد لا تكون كأرض الله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  غالبًا أن الإضافات الخاصة كبيت الله وعبد الله وناقة الله للتشريف.","vol":"32","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-900>تخصيص جزاء تنفيس الكربة بيوم القيامة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  لم خص الرسول ﷺ جزاء تنفيس الكربة بيوم القيامة، أما في غيرها فإن الجزاء فيها يكون في الدنيا والآخرة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الكرب يوم القيامة تكون شديدة عظيمة هائلة، فيكون ذلك في الدار الآخرة والناس أحوج ما يكونون إلى تنفيس الكرب الشديدة العظيمة، بخلاف الدنيا فإن مصائبها وما يحصل فيها من الثواب دون ذلك الشيء العظيم الذي جعل جزاؤه في الآخرة.","vol":"32","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-901>معنى حديث: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  حديث: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين)، هل المراد به في الدنيا أم في الآخرة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  في الدنيا والآخرة جميعًا، وهذا مشاهد ومعاين، فكم من أناس رفعهم الله بالقرآن! وجاء: (والقرآن حجة لك أو عليك)، ففي الآخرة الناس يتفاوتون: من كان القرآن حجة له فهو مرفوع، ومن كان حجة عليه فهو مخفوض وموضوع، وفي الدنيا كذلك الرفعة حاصلة وكذلك الوضع بسبب القرآن حاصلة وذلك إذا كان الإنسان ليس آتيًا بما هو مطلوب منه بالنسبة للقرآن.\nوقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] الرفعة هنا في الدنيا والآخرة، وكما هو معلوم أن أهل العلم لهم منزلة ومكانة في النفوس، ولهم تميز على غيرهم.","vol":"32","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-902>التفضيل بين قراءة القرآن من المصحف أو الحفظ</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أيهما أفضل قراءة القرآن من المصحف أم من الحفظ؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قراءة القرآن من المصحف لا شك أن فيها التركيز وعدم فوات شيء، لكن الإنسان يمكن أن يعمل هذا وهذا، فيمكن للإنسان أن يقرأ من المصحف حتى يتحقق، ومن يقرأ القرآن من حفظه قد يفوته شيء، ولكنه إذا قرأ من المصحف تذكر ذلك الشيء الذي قد يفوته في حال الحفظ، وكون الإنسان يقرأ في هذا وفي هذا أحسن، ولا شك أن قراءته مع النظر تجعل الإنسان يتأمل في المعاني؛ لأنه لا يكون مشتغلًا بالحفظ لئلا يسقط منه شيء، فالقرآن أمامه يستطيع أن يقرأه بكل سهولة ولا يلتبس عليه، ويتوقف ويتأمل.","vol":"32","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-903>نوع الطريق في قوله: (من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قوله: (من سلك طريق يلتمس فيه علمًا)، هل الطريق هنا حسي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  حسي ومعنوي، والمعنى هو أن الإنسان يشتغل بالعلم وبالقراءة، ويأخذ بالوسائل الممكنة بدون أن يسافر، وابن رجب ذكر القسمين.","vol":"32","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-904>معنى قوله: (وذكرهم الله فيمن عنده)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نريد من فضيلة الشيخ أن يعيد شرح: (وذكرهم الله فيمن عنده)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n (ذكرهم الله فيمن عنده) يعني: أن من ذكر الله ﷿ في ملأ من الناس في الأرض فإن الله ﷿ يذكر الذاكر في ملأ من الملائكة عند الله ﷿.","vol":"32","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-905>ستر المسلم مع نصيحته</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قول ﷺ: (من ستر مسلمًا) هل يعني ذلك عدم نصيحته؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، ولكن ينصحه ويستره.","vol":"32","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-906>تفسير قوله تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى مسيرة)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٨٠] هل الصدقة هنا تشمل الزكاة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، هذه الآية تتعلق بالمعسر، فأمر الله بإمهاله، وأرشد إلى أن هناك شيئًا أفضل من الإمهال وهو الإسقاط بالتصديق عليه بإبراء ما في ذمته.","vol":"32","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-907>طلب العلم عند المبتدعة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الطالب الذي يطلب العلم عند أهل البدع يدخل فيما ذكره الرسول ﷺ في هذا الحديث؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لكل امرئ ما نوى، فإذا كان الشيء الذي يدرسه ليس له علاقة بالعقيدة، ولا له علاقة بما يعود عليه بالمضرة، وإنما هو شيء يتعلق مثلًا باللغة، وما وجد غيره ممن يقوم بهذه المهمة، فهو إن شاء الله على خير؛ لأنه سيأخذ ما عنده من خير ويترك الشر الذي عنده، ودراسة اللغة ونحوها عند من يكون عنده علم بها من أهل البدع لا يصار إليه إلا للضرورة، وذلك إذا لم يجد من يقوم بذلك ممن يكون سليمًا من البدع.","vol":"32","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-908>أهمية النية في إعانة الآخرين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قوله: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، هل يشترط أن تحصل الإعانة بنية واحتساب أم لا يشترط؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أنه يشترط، لحديث: (إنما الأعمال بالنيات).","vol":"32","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-909>حال حديث: (من جاء مسجدي ليتعلم أو يعلم فهو بمنزلة المجاهد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  حديث: (من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله)، هل هو صحيح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم صحيح، ولا شك أن هذا الحديث يدل على هذا الفضل العظيم لمن يتعلم في المسجد النبوي.","vol":"32","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-910>هل يشرع لرجال الحسبة الستر على العصاة</span>؟\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز الستر من رجال الهيئة للعصاة وهم في عملهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، إذا وقع الإنسان في هفوة، وهو ممن يناسب الستر عليه؛ لكونه غير معروف بالمعصية، وإنما هذه سقطة حصلت منه؛ فيستر عليه.","vol":"32","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-911>التنفيس عن غير المؤمن</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قوله: (ومن نفس عن مؤمن) هل يختص التنفيس بالمؤمن أم أن التقييد غير مراد، فقد ورد حديث البغي التي سقت الكلب فغفر لها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  تلك البغي كانت على دين، وفي كل كبد رطبة أجر، حتى الكافر، وهذا الحديث مقيد بالمسلمين، ولا شك أن من أحسن إلى غيره حتى من الكفار فإنه مأجور على ذلك إذا كان الأمر يقتضي ذلك.","vol":"32","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-912>سماع أشرطة العلم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل سماع أشرطة العلم في السيارة أو في البيت يدخل في قول النبي ﷺ: (ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أن سماعها من وسائل تحصيل العلم، وهو مأجور على ذلك، ولكل امرئ ما نوى.","vol":"32","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-913>أخذ العلم عن المشايخ والقراءة من المؤلفات</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أيهما أحسن في تحصيل العلم: أخذه عن المشايخ أو القراءة في الكتب والمؤلفات؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أخذه عن المشايخ لا شك أولى، وكونه يقرأ في الكتب أيضًا مطلوب منه، ما يكون الأمر مقصورًا على الوقت الذي يكون فيه مع المشايخ، بل يكون على صلة وثيقة بالعلم؛ وذلك بتقليب الكتب والرجوع إليها، وينبغي للطالب أن يأخذ عن المشايخ؛ لأنهم هم الذين يقومون نطقه، ويقومون كلامه؛ لأنه قد ينطق بالشيء على غير حقيقته وعلى غير وضعه فينبه، والإنسان قد يقرأ من الكتاب ولكن يفهمه خطأً.","vol":"32","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-914>تعليق على تصحيح الغماري لحديث: (جئتم من الجهاد الأصغر)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قال ابن رجب: وقال إبراهيم بن أبي عبلة لقوم جاءوا من الغزو: قد جئتم من الجهاد الأصغر، فما فعلتم في الجهاد الأكبر؟ قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد القلب، يقول شعيب: ذكره المزي في تهذيب الكمال والذهبي في السير.\nقال ابن رجب: ويروى هذا مرفوعًا من حديث جابر بإسناد ضعيف، ولفظه: (قدمت من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: مجاهدة العبد لهواه).\nيقول شعيب في الحاشية: رواه البيهقي في الزهد، والخطيب في تاريخه، وفي سنده ضعيف ومتهم، وضعفه البيهقي والعراقي، وقال الحافظ ابن حجر في تسديد القوس فيما نقله عنه العجلوني في كشف الخفاء: هو مشهور على الألسنة وهو من كلام إبراهيم بن أبي عبلة.\nاهـ\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  على كل حال، هذا الحديث من ناحية المعنى غير مستقيم، فالجهاد الأكبر لا شك أنه قتال الكفار، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ولكن لا شك أن جهاد النفس هو الذي يمكن من حصول الفائدة الكبيرة من الجهاد الأكبر؛ لأن الإنسان الذي لا يجاهد نفسه لا يستطيع أن يجاهد غيره.\nمداخلة: الشيخ الألباني ذكر هذا الحديث في السلسلة الضعيفة (٢٤٦٥) من رواية الخطيب في التاريخ وأبي بكر الشافعي في الفوائد والبيهقي في الزهد وقال: منكر.\nوالحديث قال عنه الغماري في المداوي: والحديث له شواهد كثيرة يمكن جمعها في جزء مفرد، ولنا عزم على ذلك.\nالشيخ: الغماري معروف أنه مخلط، وهو صاحب كتاب المداوي أحمد بن الصديق، وله المغير على شرح المناوي، ولعله أسوأ الغماريين، فله كتابات قبيحة لاسيما كتابه الذي يشيد فيه ببناء القبور، ويقول: إنه يستحب بناء القبور، وصنف رسالة بعنوان: إحياء المقبور من أدلة استحباب بناء المساجد والقباب على القبور، يعني: أنه ينبش عن كل ما هب ودب من أجل أن يستدل على استحباب هذا الذي جاءت الشريعة بتحريمه، وحذر منه النبي ﷺ في أواخر أيامه، بل في أواخر لحظاته ﷺ! وله مؤلفات كثيرة، وله كتاب اسمه: توجيه الأنظار إلى توحيد العالم الإسلامي في الصوم والإفطار، وكان من أسوأ ما قاله في هذا الكتاب أنه أتى بقصة كريب وصيام أهل الشام قبل أهل الحجاز، وأن ابن عباس قال: لهم رؤيتهم ولنا رؤيتنا أو نحو هذا الكلام، فقال: ابن عباس لم يقل هذا إلا لأنه لا يعبأ برؤية معاوية ولا رؤية أهل الشام! يعني: رؤية معاوية وأهل الشام لا يلتفت إليها، ولا يعتبر بها.","vol":"32","page":38},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-915>[٣٣]</span>\nمن فعل سيئة جوزي عليها بسيئة واحدة دون زيادة، ومن هم بالسيئة وتركها لأجل الله تعالى كتبت له حسنة كاملة، ومن هم بالحسنة ولم يفعلها كتبت له حسنة كاملة، فإن عملها كتبها الله تعالى له عشر حسنات، وقد يضاعفها أضعافًا كثيرة، وما يزال العبد يتقرب إلى ربه بفعل القربات أداءً للفرائض واستكثارًا من النوافل لتتضاعف حسناته حتى يبلغ منزلة الولاية لله ﵎، فيحظى بالحفظ والقرب والمحبة.","vol":"33","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-916>شرح حديث ابن عباس (إن الله كتب الحسنات والسيئات)</span>","vol":"33","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-917>المراد بالكتابة في قوله: (كتب)</span>\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺفيما يرويه عن ربه- أن الله ﷿ قال: (إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له حسنة كاملة، وإن عملها كتبها الله له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له حسنة كاملة، وإن عملها كتبها الله له سيئة واحدة) رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما بهذه الحروف].\nهذا الحديث -حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما- فيه قوله: (إن الله كتب الحسنات والسيئات) وهذه الكتابة للحسنات والسيئات يحتمل أن تكون هي الكتابة القدرية، وأن الله تعالى كتب كل أعمال العباد وما يفعلونه في اللوح المحفوظ، فما يفعلونه من الخير والشر ومن الحسنات والسيئات كتبه الله في اللوح المحفوظ.\nويحتمل أن يكون المراد بالكتابة كتابة الملائكة الكتبة الذين يكتبون الحسنات والسيئات بأمر الله ﷿.\nومما يدل على هذا ما جاء في بعض الأحاديث بهذا المعنى وفيه: (إذا هم بالسيئة فلم يعملها قال: ارقبوه فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جرائي) ومعناه إذا أنه إذا هم بها ولم يعملها أنهم كتبوها حسنة، وإذا هم بالسيئة وعملها تكتب سيئة واحدة، قال: (وإن لم يعملها فاكتبوها حسنة، إنما تركها من جرائي) أي: إنما تركها من أجلي.\nوهذا فيه أن الملائكة هم الذين يتولون الكتابة، وعلى كل فليس هناك تنافي بين الكتابتين، فإن الكل حاصل، فالكتابة في اللوح المحفوظ حاصلة لكل ما هو كائن، والملائكة يكتبون كل ما يصدر عن العبد من الخير والشر.\nثم إن الإجمال في قوله: (إن الله كتب الحسنات والسيئات) بينه في الكلام الذي بعده، وذلك بالتفصيل فيما يتعلق بالحسنة والتفصيل فيما يتعلق بالسيئة، فالتفصيل الذي في الحسنة هو قوله: (فإذا هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله حسنة كاملة، وإن هم بها وعملها كتبها الله عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة) فإذا هم بالحسنة ولم يعملها كتبها الله حسنة كاملة من أجل نيته ومن أجل قصده، وهذا من فضل الله ﷿ وكرمه وإحسانه إلى عباده، وإذا عملها كتبت عشرًا إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والله تعالى يضاعف لمن يشاء.","vol":"33","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-918>ثواب طاعة الله وترك معصيته وفضل العمل</span>\nوصفت الحسنة التي تحصل لكون الإنسان هم بالحسنة ولم يعملها بأنها كاملة لئلا يتوهم نقصانها، وذلك لأنها كانت بمجرد هم وليس هناك عمل، فمن فضل الله ﷿ أنه جعل الثواب على ذلك حسنة كاملة.\nوإذا عملها كتبت له عشرًا إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وفي هذا بيان الفرق بين كون الإنسان ينوي ولا يعمل، وكونه ينوي ويعمل، فإن الأول لا مضاعفة فيه، والثاني فيه المضاعفة إلى عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف وإلى أضعاف كثيرة، وهذا واضح.\nوأما الحديث الذي فيه: (نية المؤمن خير من عمله) فهو يخالف ما جاء من التفصيل في هذا الحديث الذي معنا، فهو حديث ضعيف كما ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح.\nوعلى هذا فلا شك أن الإنسان الذي ينوي ويعمل أفضل من الإنسان الذي ينوي فقط؛ لأن الإنسان بمجرد نيته يحصل على حسنة كاملة إذا لم يعمل، وإذا عمل فإنه يحصل على عشرٍ، أو يضاعف الله ﷿ له إلى سبعمائة ضعف وإلى أضعاف كثيرة.\nوقوله: (وإذا هم بالسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة) وهذا فيما إذا كان تركها من أجل الله، ووصفت بأنها كاملة -أيضًا- لبيان فضل الله ﷿ ولئلا يتوهم نقصانها؛ لأنها ما حصلت في مقابل عمل، وإنما حصلت في مقابل ترك، وهو كون الإنسان هم بمعصية وتركها، فالله تعالى يكتبها حسنة.\nوإن عملها كتبت سيئة واحدة، ووصفت بواحدة من أجل بيان أن السيئات لا تزاد، وأن الإنسان لا يخاف أن تزاد سيئاته، بل الأجر يضاعف، وأما السيئات فإن السيئة بمثلها ولا تضاعف، كما قال الله ﷿: ﴿فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢] لا يخاف هضمًا أي: نقصًا من الحسنات، ولا ظلمًا وذلك بالزيادة في السيئات، وإنما يحصل الفضل والجود والكرم بالثواب والجزاء على الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة، وأما السيئة فإنما تكتب بمثلها، فمن هم بالسيئة وتركها من أجل الله يجد عليها أجرًا واحدًا من أجل أنه تركها لله، وإن عملها كتبت سيئة واحدة.","vol":"33","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-919>حالات تارك المعاصي</span>\nذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره عند قول الله ﷿: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام:١٦٠] أن من هم بالسيئة له ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يتركها من أجل الله، فهذا يثاب عليها بالحسنة كما جاء في هذا الحديث.\nالثانية: أن يتركها ذهولًا وغفلة عنها لكونها ما جاءت على باله، فهذه ليست له ولا عليه.\nالثالثة: وإذا هم بها ولم يفعلها من أجل العجز أو أي مانع آخر مع حرصه عليها ورغبته الشديدة في الوقوع فيها، فإن هذا يكسب إثمًا ولا يجد أجرًا وثوابًا؛ لأن تركه للسيئة إنما كان للعجز مع تصميمه وحرصه عليها وفعله الأسباب التي توصل إليها، ولكنه لم يقدر ولم يتمكن، فهذا مأزور غير مأجور.","vol":"33","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-920>شرح حديث (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب)</span>\nقال الإمام النووي عليه رحمة الله: [عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺفيما يرويه عن ربه ﵎- أنه قال: (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه).\nهذا الحديث رواه البخاري في صحيحه، وقد شرحه الشوكاني في رسالة اسمها: (قطر الولي في شرح حديث الولي) وطبعت مع مقدمة بعنوان: (ولاية الله والطريق إليها).","vol":"33","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-921>بيان الولي وخطورة معاداة أولياء الله تعالى</span>\nقوله: (من عادى لي وليًا) الولي هو المؤمن التقي، كما قال الله ﷿: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣] فقد بين ﷾ في هاتين الآيتين أن أولياء الله هم المؤمنون المتقون، أي الذين جمعوا بين الإيمان والتقوى، فولاية الله هي كون أن يكون الإنسان مؤمنًا تقيًا.\nقوله: (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب) أي: أعلمته بأني محارب له.\nوهذا يدل على خطورة معادة أولياء الله ﷿، وأن أهلها وصفوا بهذا الوصف، وهو أنهم محاربون لله ﷿، والله تعالى محارب لهم، فأعلمهم بأنه محارب لهم، فهذا يدلنا على قبح معاداة أولياء الله، وأن المطلوب هو موالاتهم ومحبتهم، وذلك في الله ومن أجل الله، والحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان، وأما معاداة أولياء الله فهي من أقبح الأمور ومن أسوأ الأشياء، وذلك لأن المطلوب في حقهم الولاية، وليس المعاداة.\nوهو يدل على أن ذلك من الكبائر؛ لأن كونه يوصف بأنه محارب لله ﷿ وأن الله تعالى يحاربه يدل على منتهى قبحه ومنتهى سوئه.","vol":"33","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-922>الطريق الموصلة إلى الولاية</span>\nقال: (وما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحب إلي مما افترضته عليه).\nبعد أن قال: (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب) بين بأي شيء تكون الولاية، والطرق التي توصل إلى الولاية، وأنها التقرب إلى الله ﷿ بفعل الأوامر، وكذلك الإتيان بالنوافل مع الفرائض؛ لأن ولاية الله ﷿ إنما هي بالإيمان والتقوى كما عرفنا، فلما قال: (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب) بين بعد ذلك من هم أولياء الله، أو الطريقة التي يتم بها الوصول إلى الله ﷿، وهي فعل الفرائض، أي: أداء الواجبات وترك المحرمات، ثم بعد ذلك الإتيان بالنوافل مع الفرائض.\nفالإتيان بالفرائض دون النوافل هو الاقتصاد، وأصحابه هم المقتصدون الذين ذكرهم الله ﷿ في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢] والمقتصد هو الذي يأتي بالفرائض، يأتي بما أوجب الله ﷿ عليه ويترك ما حرم الله عليه.\nوالسابق بالخيرات هو الذي يأتي بالفرائض ويأتي معها بالنوافل التي تقربه إلى الله ﷿، والتي تزيد في إيمانه وفي درجته ورفعته عند الله ﷾.\nفقوله: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) يدل على أن فعل الفرائض هو الأحب إلى الله ﷿، وأن العبد ما تقرب إلى الله ﷿ بشيء أحب إليه تعالى مما افترض عليه، وذلك لأنه يكون أدى واجبًا وترك أمرًا محرمًا، فلو فعل فإنه يؤجر، وإذا ترك الأوامر فإنه يأثم، وكذلك إذا فعل النواهي فإنه يأثم، وإذا تركها من أجل الله ﷿ فإنه يؤجر.\nوالحاصل أن الفرائض تؤدى بأداء ما فرض الله وترك ما حرم الله، وهذا هو أحب شيء إلى الله ﷿ فيما يتقرب به العبد إليه ﷾.\nوفيه دليل على إثبات المحبة لله ﷿، وعلى تفاوت الناس في محبة الله ﷾، وكذلك الأعمال متفاوتة في المحبة، فمنها ما هو أحب إلى الله، ومنها ما هو دونه، فإن الإتيان بالفرائض هو الأحب إلى الله، ومعنى ذلك أن الإتيان بالنوافل دون ذلك؛ لأنه قال: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) وذلك لأنه فعل أمرًا واجبًا وترك أمرًا محرمًا، وأما بالنسبة للنوافل فالإنسان إذا أتى بها أتى بالكمال، وإذا لم يأت بها فاته ذلك الكمال وفاته أجرها، لكن الأوامر والنواهي والتكاليف والفرائض هي التي يثاب على أمتثالها ويعاقب على مخالفتها.","vol":"33","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-923>النوافل ومنزلتها عند الله تعالى</span>\nقال: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه).\nمعنى هذا أن الإنسان يأتي بالفرائض، ثم يأتي بالنوافل ويستمر عليها ويداوم عليها؛ لأن قوله: (لا يزال) يدل على ذلك، فكونه يداوم على النوافل ويستمر عليها هو مما يكسب محبة الله ﷿ التي إذا حصلت له سدد في تصرفاته وفي أعماله، وذلك لأنه صار من السابقين إلى الخيرات بإذن الله؛ لأن المقتصد هو الذي يأتي بالفرائض فقط، والسابق بالخيرات هو الذي يأتي بالفرائض ويأتي معها بالنوافل ويستمر عليها ويداوم عليها، كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل) وهذا المقصود به النوافل.\nوأما الفرائض فإنه متعين على الإنسان أن يأتي بكل ما فرض الله ﷿ عليه، ولكن النوافل زائدة على الفرائض.\nوقيل لها: (نافلة) لأنها زائدة على الفريضة، فكون الإنسان يأتي بها يكون ذلك زيادة في كماله وزيادة في فضله عند الله ﷿ وكون الله ﷿ يحبه؛ لأنه أتى بالفرائض وأتى بالنوافل، أتى بما هو واجب وأتى بما هو كمال ومستحب ومندوب، وجمع بين الأصل والفرع، بين الفرض والنفل، بين الواجب والمستحب.\nوإذا ظفر الإنسان بمحبة الله ﷿ سدده الله ﷿ في تصرفاته وفي أفعاله، فلا يستعمل سمعه إلا في خير، ولا يستعمل بصره إلا في خير، ولا يستعمل يده إلا في خير، ولا يستعمل رجله إلا في المشي إلى خير، فيكون مسددًا في أعماله وفي تصرفاته وفي حركاته وسكناته؛ لأن هذه الحواس وهذه النعم التي أنعم الله تعالى بها على العبد في صحته وعافيته استعملها فيما يعود عليه بالخير، وامتنع وابتعد عن استعمالها فيما يعود عليه بالضر.","vol":"33","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-924>شبهة الاستدلال للحلول ودفعها</span>\nوليس في هذا الحديث دليل على الحلول والاتحاد كما هو قول أهل الباطل الذي ابتلي به بعض الناس فقالوا: إن الله -تعالى عن قولهم- حال في المخلوقات! فإن الله ﷿ هو الأول الذي ليس قبله شيء، والمخلوقات خلقها الله ﷿، وكانت عدمًا فأوجدها، وكانت بعد أن لم تكن، ووجودها مباين لوجود الله ﷿، فليس الخالق حالًا في المخلوقات، ولا المخلوقات حالة في الله ﷾.\nولهذا فإن الحديث فيه متقرب ومتقرَّب إليه، وفيه سائل ومسئول: (ولئن سألني لأعطينه)، وفيه مستعيذ ومستعاذ به: (ولئن استعاذني لأعيذنه).\nوفرق بين الخالق والمخلوق، فلا يكون الخالق حالًا في المخلوق، ولا المخلوق حالًا في الخالق، بل الله ﷿ مباين للمخلوقات، فليس هناك حلول، وإنما المعنى هو أن الله تعالى يسدده في سمعه وبصره وبطشه ومشيه، فلا يستعمل هذه الوسائل وهذه النعم إلا فيما يعود عليه بالخير، وهذا نتيجة كون الإنسان يحصل محبة الله ﷿ بفعل الفرائض والإتيان بالنوافل مع ذلك، فيجلب بذلك محبة الله ﷿ له، وإذا أحبه سدده في سمعه وبصره وبطشه ومشيه وجميع تصرفاته، فتكون حركاته وتصرفاته لله، وذلك في طاعة الله ﷿ وطاعة رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.","vol":"33","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-925>الولاية واستجابة الله دعاء وليه</span>\nإن مع ما سبق يحصل الثواب، وتحصل الإجابة في دعائه إذا سأل الله ﷿، قال: (ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) ففي ذلك جمع بين الترغيب والترهيب، وبين تحصيل ما هو مطلوب والسلامة مما هو مرهوب، فتحصيل ما هو مطلوب مرغوب هو كونه يعطيه ما يسأل، وكذلك يستعيذ به مما هو مرهوب ومخوف فيعيذه الله ﷿، ويكون بذلك قد حَصَّل الخير لأنه سأل الله تعالى فأعطاه، وسلم من الشر لأنه استعاذ بالله فأعاذه.\nوالله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.","vol":"33","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-926>الأسئلة</span>","vol":"33","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-927>حكم ترك المعصية خوفًا وحياءً من الناس</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا ترك العبد السيئة التي هم بها من غير خوف من الله ﵎ وإنما تركها خوفًا من الناس وحياءً منهم، فما حكمه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا لا يحصل له أجر؛ لأن الله ﵎ هو الذي يجب أن يُخاف وأن يستحيا منه، ولا ينبغي للمسلم أن يكون الناس همه، وإنما يكون همه خوف الله ﷾.\nوالذي يجعل الناس همه ويخشى الناس ولا يخشى الله هو على خطر عظيم.\nوقد يقال: هل في هذه الحالة يعاقب بتقديم خوف الناس على خوف الله؟ فأقول: الله تعالى أعلم، لكنه يكون بهذا الوصف قد عمل سوءًا واستحق العقوبة، والله تعالى أحق أن يخشى.","vol":"33","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-928>جريمة معاداة الصحابة رضي الله تعالى عنهم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في قوله (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب) ألا يكون أعظم أولياء الله هم الصحابة، وعليه فمن عاداهم فإن الله قد آذنه بالحرب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك، وهذا هو الواقع، فهذه الأمة هي خير الأمم، وخير هذه الأمة أصحاب رسول الله ﷺ الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ والجهاد معه والذب عنه والدفاع عنه، وتلقي الكتاب والسنة عنه وإيصالهما إلى الناس، فهم خيار أولياء الله وسادات أولياء الله بعد النبيين والمرسلين، فرضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فهم سادات هذه الأمة، وهم خيارها، وهم أفاضلها، وهم الذين يلون الأنبياء والمرسلين؛ لأن خير البشر هم الرسل والأنبياء ﵈، ويليهم أصحابهم وأتباعهم، ومعلوم أن خير أمم الرسل أمة نبينا محمد ﷺ، وخير أمة محمد ﵊ هم أصحاب رسول الله ﷺ، والذي يعاديهم إنما يعادي خيار أولياء الله الذين هم المقدمون على غيرهم بعد الأنبياء والمرسلين، ولا شك أن من حصل منه ذلك فإنه قد جنى على نفسه، وجلب أنواع الضرر وأنواع الشر إلى نفسه، وذلك ببغضه وبحقده وبِغِلِّه على خيار هذه الأمة والذين قال فيهم الرسول ﷺ: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).","vol":"33","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-929>المحبة وفعل المعاصي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا كان الإنسان يسمع القول الفاحش ويبصر المحرمات ويرتكبها، فهل هذا معناه أن الله لم يحبه؛ إذ لو أحبه لسدده؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الإنسان الذي يسمع القول الفاحش وسائر ما حرم الله، وكذلك ينظر إلى ما حرم الله، ذلك إنسان لم يحصل له التسديد، وإنما حصل له أن ابتلي، وأن أقدم بنفسه وبمشيئته وإرادته إلى استعمال هذه النعم فيما حرم الله تعالى استعمالها فيه، وحصول هذه الأشياء منه لا يصل به إلى حد الكفر كما هو معلوم من مذهب أهل السنة والجماعة في أصحاب المعاصي بأنهم عندهم إيمان وعندهم نقص في الإيمان، فيوصف من ارتكب كبيرة أو فعل أمرًا محرمًا بأنه مؤمن ناقص الإيمان، فلا يعطونه الإيمان الكامل، ولا يسلبونه مطلق الإيمان، وإنما هو مؤمن ناقص الإيمان.\nوذلك بخلاف الطرفين المقابلين للوسط، وهما طرفا التفريط والإفراط، طرف التفريط الذي فيه المرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة.\nوطرف الخوارج والمعتزلة الذين يخرجونه من الإيمان بارتكابه الكبيرة، ويحكم الخوارج بكفره، وهو في منزلة بين المنزلتين عند المعتزلة، مع اتفاقهم جميعًا على تخليده في النار، وأنه لا فرق بينه وبين الكفار في الخلود؛ لأنه إما محكوم بكفره -كما هو عند الخوارج- وإما خرج من الإيمان وإن لم يدخل في الكفر كما هو قول المعتزلة.","vol":"33","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-930>ارتباط الولاية بسلامة الجوارح من الآثام</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من يريد أن يعرف ولايته لله ﷿ قوة أو ضعفًا أو عدمًا فهل ضابط ذلك أن ينظر إلى جوارحه ومدى امتثالها لأوامر الله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، لا شك أن هذا من الوسائل التي بها يعرف كون الإنسان مستقيمًا أو غير مستقيم؛ لأن هذه الجوارح جعلها الله ﷿ نعمًا أنعم بها على الإنسان، فأعطاه السمع والبصر والأيدي التي يبطش بها والأرجل التي يمشي بها، فإذا استعملها فيما يعود عليه بالخير فهذه علامة الولاية، وإذا استعملها في غير ذلك، فهذا علامة عدم الولاية.","vol":"33","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-931>معنى حرب الله ﷻ لمعادي أوليائه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى حرب الله ﷿ لمن عادى أولياءه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معنى ذلك أن معادي أولياء الله محارب لله والله محاربه، ومعلوم أن من كان كذلك فقد باء بكل شر ورجع بكل بلاء؛ لأن محاربة الله ﷿ لا طاقة للعبد بها.\nومن المحاربين لله تعالى أكلة الربا، والله تعالى محارب لهم، ومعنى ذلك أنه ليس لهم ولاية، وإنما هناك الحرب التي تكون بينهم وبين الله، فيكفي ذلك في بيان منتهى سوئهم وخبثهم، ولهذا فإن مثل هذا التعبير ومثل هذا اللفظ يدل على أن معاداة أولياء الله ﷿ من الكبائر، وأن أمرها خطير وليس بالأمر الهين.","vol":"33","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-932>دلالة ترك ذكر المنهيات في حديث الولاية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في حديث الولاية لم يُذكر ترك المنهيات، وإنما ذُكر أداء الواجبات والنوافل، فهل يفهم منه أن فعل الواجبات أعظم من ترك المنهيات؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معلوم أن ما افترض الله ﷿ هو أوامر ونواهٍ، والأوامر مطلوب الإتيان بها، والنواهي مطلوب تركها، فليس أداء الفرائض مقصورًا على العبادات الفعلية، بل يدخل فيه ترك المحرمات.\nأما القول بأن ترك الواجب أعظم من فعل الأمر المحرم، فنقول: كل منهما سيئ، ولكن ترك الواجب أعظم من فعل المحرم، وإنما طرد إبليس اللعين وأبعد لأنه ترك الواجب الذي أوجبه الله ﷿ عليه، وهو السجود لآدم ﵇.","vol":"33","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-933>سبيل معرفة ولي الله والبعد عن أذاه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  الولاية لا سبيل إلى الجزم بها لأحد معين، فكيف السبيل إلى البعد عن معاداة الأولياء، نرجو إيضاح الناحية العملية المطلوبة في هذا الحديث؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معلوم أنه لا أحد يجزم له بأنه من أهل الجنة، ولكن من عرف بالصلاح والتقى وبانطباق الإيمان والتقوى عليه فيما يظهر للناس، فهذا هو السبيل الذي يمكن أن يعرف ويميز به من يكون وليًا لله ممن يكون عدوًا لله ﷾، نعم لا أحد يقطع بنهايته وأنه من أهل الجنة، ولكن الناس يرون ويشاهدون من هو من أهل الصلاح، ومن هو من أهل الفساد، ومن هو من أهل الاستقامة ومن هو من أهل الإعراض عن الله ﷾.","vol":"33","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-934>حكم تخصيص الولاية وحصرها في أشخاص</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل صحيح ما تقوله الصوفية من أن الولاية ومنزلة الولي لا تنبغي لكل أحد، بل هي لأناس مخصوصين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كلا، فهذا احتكار للولاية حتى لا تحصل إلا لأناس يزعمون الولاية أو تُزعم لهم، ثم يعبدون من دون الله، أو تُعمل معهم أمور لا تليق إلا بالله ﷾.\nوولاية الله ﷿ سهلة ميسورة، ليس فيها إلا كون الإنسان يقبل على طاعة الله ويبتعد عن محارم الله، وبذلك يكون من أولياء الله كما قال الله ﷿: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣].","vol":"33","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-935>دعوى الولاية لأصحاب الأضرحة وحمل نفي ضررهم ونفعهم على معاداتهم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  بعض الناس يرى أن الولاية هي لأصحاب الأضرحة والقباب، وأن من لا يعتقد أنهم ينفعون ويضرون فهو ممن عاداهم، فما صحة هذا الأمر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا من البلاء، ومن مكائد الشيطان وتلاعبه بكثير من الناس، وهذه نتيجة لاحتكار الولاية وحصرها في أشخاص معينين، ثم بعد ذلك يتعلق بهم، وتصرف لهم الأمور التي لا تليق إلا بالله ﷿ والأشياء التي لا تطلب إلا من الله ﷿، كأن يستغاث بهم، ويطلب منهم كشف الكروب، ورد الغائب، وما إلى ذلك من الأمور التي يحتاج إليها الناس، كل ذلك نتيجة لهذه المزاعم الباطلة ولهذه الظنون الكاذبة، وولاية الله ﷿ قد بينها الله ﷿ في كتابه فقال: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣].\nوالواجب هو الحذر من الافتتان بالقبور، وبناء المساجد عليها لا يجوز، وكذلك دفن الموتى في المساجد غير جائز، وكل ذلك محرم، وهو من الأسباب التي توقع الناس في الشرك وتوقعهم في التعظيم للمخلوقين الذي يؤدي بهم إلى الشرك، والعياذ بالله.","vol":"33","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-936>طلب الولاية بالاقتصار على باب من النوافل</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من اجتهد في باب من أبواب النوافل فهل يظفر بمحبة الله تعالى أم لا بد من أن يجتهد في جميع النوافل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معلوم أن الفرائض هي الأساس، وكونه يتقرب إلى الله ﷿ بالنوافل المختلفة لا شك أن هذا أكمل، أعني كونه يأتي بنوافل الصلاة، ونوافل الصدقة، ونوافل الصيام، ونوافل الحج، وسائر النوافل في وجوه الخير، فلا شك أن هذا هو الكمال، والناس يتفاوتون في ذلك، ومحبة الله ﷿ تحصل بفعل الفرائض وأداء النوافل، ولكن على الإنسان أن يحرص على أن يكون له نصيب من جميع وجوه الخير، ولا يقصر نفسه على باب من أبواب الخير ثم يهمل الأبواب الأخرى، بل يحرص على أن يكون له نصيب من هذه الأبواب.","vol":"33","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-937>محبة الله وعلامتها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل حديث الولاية يدل على أن الله تعالى لا يحب إلا من أحبه؛ لأنه لا يتقرب إليه بالنوافل إلا من أحبه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هناك محبة صحيحة مبنية على الاتباع، وهناك دعاوى للمحبة، والدعاوى ليس لها قيمة، وإنما العبرة بالاتباع الذي يكون مع ادعاء المحبة.\nفكون الإنسان يحب الله بالادعاء لا قيمة لادعائه، ولكن إذا أقيمت البينة على هذه الدعوة -وهي الاتباع للرسول ﷺ- فذلك الذي تحصل به محبة الله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] فليس فما هو اتباع محبة مدعاة دون أن يكون لها حقيقة، حيث تكون الدعوى موجودة والمخالفة موجودة، فيدعي المحبة ويأتي بشيء يخالف مقتضاها، وذلك بفعل ما حرمه الله ﷿ وترك ما أوجبه الله ﷾.\nفالمحبة الحقيقية التي تثمر محبة الله ﷿ هي المحبة التي تكون مبنية على الاتباع وعلى فعل المأمورات وترك المنهيات والتقرب إلى الله ﷿ بالأعمال الصالحات.","vol":"33","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-938>حكم زيادة (حتى أجعله عبدًا ربانيًا يقول كن فيكون) في حديث الولاية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل وردت في حديث الولي زيادة: (حتى أجعله عبدًا ربانيا يقول كن فيكون)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا كلام لا يستقيم، ولا يكون الإنسان بهذه المنزلة وبهذا الوصف حيث يقول للشيء: (كن) فيكون، هذا لا يحصل إلا لله ﷾، فهو الذي يقول للشيء كن فيكون، وأما المخلوق فإنه لا يقول للشيء: (كن) فيكون، وما جاء شيء في هذا أبدًا.","vol":"33","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-939>لفظ التردد الوارد في حديث الولاية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  جاء في آخر حديث الولاية من طريق آخر: (وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته) فهل يؤخذ من هذا إثبات صفة التردد، وما معنى هذا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الحديث ورد، وهو بقية هذا الحديث في صحيح البخاري، والحديث أورده البخاري في (كتاب الرقائق) في (باب التواضع) فذكر الحديث وفي آخره هذه الجملة: (وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته) والمقصود من ذلك أن العبد يكره الموت، ويكره الشدة التي تكون عند الموت، والله ﷿ يكره مساءته، ولا بد له من الموت؛ لأنه ينتقل إلى خير؛ لأنه يلقى الله ﷿ فيجازيه على ما قدم من أعمال، فيكون في ذلك خير له، وإن كان حصول ذلك له بشيء يكرهه وهو الموت، فمعنى ذلك أنه يكون محبوبًا من جهة ومبغوضًا من جهة، محبوب من جهة أنه يؤدي إلى ما هو خير، ومكروه من جهة أن العبد يكره ذلك، وهذا نظير الشيب الذي قال عنه القائل: الشيب كره وكره أن أفارقه فاعجب لشيء على البغضاء محبوب يقول: الشيب كره وأكره أن أفارقه؛ لأنَّه إذا نظر إلى ما قبله -وهو الشباب- صار الشيب غير مرغوب فيه، ولكن إذا نظر إلى ما بعده -وهو الموت- صار مرغوبًا فيه، فيكون محبوبًا باعتبار ومبغوضًا باعتبار.\nفمن ذلك كون العبد يكره الموت والله تعالى يكره مساءته، فهو من هذا القبيل.\nوأما قضية التردد بالمعنى الذي يدل على عدم العلم بما هي عليه الأمور مما يحصل من الناس فهذا لا يضاف إلى الله ﷿؛ لأن الله تعالى عالم بكل شيء، وعالم ببواطن الأمور، وعالم بنهاية الأمور ولا يخفى عليه شيء، وإنما ذكر هذا من أجل بيان ما يحصل للعبد من كونه يكره الموت والله تعالى يكره مساءته.","vol":"33","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-940>الولاية وكراهة الموت</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف يكون العبد وليًا لله وهو يكره الموت ولقاء الله ﷿؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الله تعالى جبل الناس على عدم محبة الموت، وهذا لا ينافي ولاية الله ﷿.\nثم إنه قد يكون طول البقاء مع الاستقامة خيرًا للإنسان، وكون الإنسان يحب أن يعيش وهو على خير مداوم على العبادة فيه زيادة كمال وزيادة أعمال وزيادة قربات يتقرب بها إلى الله ﷿، وإنما البقاء وطول العمر مع المعاصي هو الذي يكون ضارًا، ويعود على صاحبة بالضرر.","vol":"33","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-941>الفرق بين الحلول ووحدة الوجود</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نرجو توضيح الفرق بين الحلول ووحدة الوجود؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كلها أمور قبيحة وأمور سيئة، وكلها مخالفة، والفروق الدقيقة بينها لا أستحضرها.","vol":"33","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-942>درجات الولاية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل في حديث الولاية دلالة على أن الأولياء على درجتين: درجة من يفعل الفرائض، ودرجة من يفعل المستحبات؛ لقوله: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أن هذا كله داخل في ولاية الله تعالى، فالذي يأتي بالفرائض من أولياء الله، والذي يزيد عليها النوافل أعظم ولاية لله ﷿ وأمكن في هذا الوصف، وإلا فإن كل من كان مؤمنًا تقيًا هو من أولياء الله تعالى، إلا أن هذا مقتصد وهذا سابق بالخيرات، وهم متفاوتون.","vol":"33","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-943>فرح العبد بعد تركه المعصية لمانع غير خوف الله</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من ترك سيئة لعجزه عنها أو لصارف صرفه، ثم بعد ذلك فرح لأنه قد منع منها فهل يؤجر على ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أنه يؤجر على ذلك، فإذا كان امتناعه في الأصل عجزًا، ولكنه بعد ذلك سر وفرح، فلا شك أنه يؤجر على هذا الفرح وعلى هذا السرور.","vol":"33","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-944>حكم الحرص على عمل السيئة ثم تركها لعجز عنها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يأثم المسلم إذا هم بالسيئة مع الحرص على عملها ثم عجز عنها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أي نعم، يأثم.","vol":"33","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-945>تجاوز الله تعالى عن الخواطر ومعناه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى قوله ﷺ: (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها مالم تعمل أو تتكلم)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المراد بذلك الخواطر التي تهجم وحديث النفس الذي يهجم على الإنسان، وأما شيء يخطر في ذهن الإنسان، ويتابعه ويفكر فيه وهو شغله الشاغل وهمه، ولا يبعده عن نفسه، وإنما يجلبه على نفسه، فهذا هو الذي يحصل له الضرر بسببه.","vol":"33","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-946>معنى قول السلف: الويل لمن غلبت آحاده عشراته</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى قول بعض السلف: (الحسنة بعشرة والسيئة بواحدة، فالويل لمن غلبت آحاده على عشراته)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا كلام ينسب إلى ابن مسعود ذكره الحافظ ابن رجب في شرحه لهذا الحديث، وقال: يعني أن الله ﷿ يضاعف الحسنات، والحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بواحدة.\nوقال: إن كون الإنسان تغلب آحاده عشراته، فهذا يعني أنه مذموم؛ لأن معنى ذلك أن الأشياء المحرمة والأشياء التي تكون السيئة منها بمثلها تكون هي الأكثر، وتغلب على العشرات التي هي الحسنات؛ إذ الحسنة بعشر أمثالها، فلا شك أن هذا ذم ووصف سيئ، والأصل أن الإنسان يحرص على زيادة حسناته وأن تكون سيئاته متلاشية مضمحلة.","vol":"33","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-947>دلالة قوله: (إن الله كتب) على إثبات صفة الكتابة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في الحديث: (إن الله كتب الحسنات والسيئات) فهل فيه إثبات صفة الكتابة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معلوم أن المقصود بذلك القدر، والله ﷿ كتب مقادير الخلائق، فحين خلق القلم قال: (اكتب.\nفجرى بما هو كائن).\nوأما نفس الكتابة فقد جاء أنه تعالى كتب التوراة بيده، وأما ما جاء في الحديث فالمراد به إما كتابة المقادير في اللوح المحفوظ، وذلك بالقلم الذي أمر، أو المراد به كتابة الملائكة الذين يكتبون الحسنات والسيئات.","vol":"33","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-948>اشتراك الناوي والعامل في الأجر والوزر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في الحديث: (إنما الدنيا لأربعة نفر) فقال في الثاني: (فهما في الأجر سواء) وقال في الرابع: (فهما في الوزر سواء) فنرجو التوضيح؟ الشيخ: هذا بالنسبة للأصل، وليس مع المضاعفة والتضعيف، وإنما هو باعتبار الأصل.","vol":"33","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-949>معاداة ساب العلماء والطاعن فيهم لله تعالى</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل من معاداة الله سب العلماء والطعن فيهم والتحذير من مجالسهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا من معاداة أولياء الله ﷿، وكون الإنسان يسب العلماء ويحذر منهم وينال منهم هذا فيه صرف الناس عن الاستفادة من علمهم، وقطع الطريق الموصلة إلى النفع، ولاشك أن هذا من الأمور الخطيرة، والأمور الضارة لمن يبتلى بشيء من ذلك.","vol":"33","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-950>مقالة لابن دقيق العيد في قوله: (كنت سمعه الذي يسمع به)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قال ابن دقيق العيد: في قوله: (كنت سمعه الذي يسمع به) قال: إنه قد يغلب على عبد ذكر الله تعالى حتى يعرف بذلك، فإن خوطب بغيره لم يكد يسمع لمن يخاطبه حتى يتقرب إليه بذكر الله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا أدري ما معنى هذا الكلام! اللهم إلا إذا كان المراد به الإنسان المشغول بذكر الله، وذكر الله ليس قول (لا إله إلا الله) و(سبحان الله) و(الحمد لله)، بل هو كل عبادة الله ﷿؛ لأنه كله ذكر لله ﷿، فالصلاة من ذكر الله، وقراءة القرآن من ذكر الله، والتسبيح من ذكر الله، والتهليل من ذكر الله، فقد يكون معنى هذا أنه لا يسمع إلا ما هو خير، أو أنه لا يريد أن يسمع إلا ما هو خير، وأنه إذا خوطب بشيء غير ذلك لا يسمع ولا يريد أن يسمع، فلعل هذا هو المعنى.","vol":"33","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-951>معنى قوله: (ولا يهلك على الله إلا هالك)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  زاد مسلم في حديث ابن عباس بشأن كتابة الحسنات والسيئات (ولا يهلك على الله إلا هالك) فما معنى هذه الزيادة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معناها أنه مع هذا الفضل والإحسان وهذه الأبواب من الخير، لم يدخل في رحمة الله ولم يكن من أهلها، فحينئذ يكون هالكًا، والعياذ بالله.","vol":"33","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-952>من يعرف الوليَّ</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  سمعت من يقول: لا يعرف الولي إلا الولي.\nفهل ورد في ذلك آثار منقولة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا أعلم هذا، والولاية -كما هو معلوم- واضحة جلية يعرفها المتقون وغير المتقين، فمن كان معروفًا بالصلاح والولاية يشهد له الناس، والناس يعرفونه، كالشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه، فإنه كان معروفًا بالعبادة والتقى والإيمان، ويعترف بذلك الصالحون وغيرهم.","vol":"33","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-953>حكم الإشارة بالجوارح عند ذكر صفات الله تعالى</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل تجوز الإشارة باليد عند قولنا: (إن الله كتب)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس للإنسان أن يستعمل الإشارة عند ذكر هذا؛ لأن مثل ذلك يؤدي إلى كون الإنسان يشبه، أي أن ذلك يؤدي به ذلك إلى التشبيه، والإنسان ليس له أن يفعل ذلك إلا في حدود ما ورد، فالإنسان إذا أراد أن يحكي الذي قد ورد عن الرسول ﷺ في ذلك فلا بأس، أما أن يأتي الإنسان فيستعمل في كل صفة شيئًا من أعضائه مشيرًا بها إلى ذلك فهذا لا يجوز.","vol":"33","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-954>مقالة في الفرق بين الاتحاد والحلول عند القائلين بهما من أهل الضلالة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يذكر عن الشيخ ربيع في الفرق بين الاتحاد والحلول أن الاتحاد هو قولهم: إن الله اتحد بالمخلوقات، فكل ما تراه فهو الله.\nأما الحلول فهو عندهم أن يحل في شخص معين، كعيسى مثلًا، تعالى الله عما يقولون.\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا أعرف هذا، أعني كون الحلول في شخص معين، فأهل الحلول هم الذين قالوا: إن الله حال في المخلوقات.\nأما كونه في شخص معين فلا علم به؛ لكني أقول: يرجع إلى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه قد بحث هذا، وسيعرف الفرق بين ذلك.","vol":"33","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-955>حديث الولي وصحته</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  حديث الولي هناك من أهل العلم من ضعفه، وعلل ذلك بوجود رواة في الإسناد متكلم فيهم، فما هو القول الصحيح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الشوكاني لما ذكر هذا الحديث قال: ورجال إسناده قد جاوزوا القنطرة، وارتفع عنهم القيل والقال.\nوالحافظ ابن رجب ذكر أنه جاء من طرق أخرى ومن وجوه أخرى غير هذه الطريق، ووجوده في صحيح البخاري كاف في ثبوته.","vol":"33","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-956>أفضل الفرائض وأفضل النوافل</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما أفضل الفرائض، وأفضل النوافل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أفضل الفرائض الصلاة، فهي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي الصلة الوثيقة بين العبد وربه، وتتكرر في اليوم والليلة خمس مرات، وهي الحد الفاصل بين الإيمان والكفر، وهي آخر عروة في الإسلام تنقض في هذه الحياة الدنيا، وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، وهي من آخر ما أوصى به رسول الله ﷺ، وهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي عمود الإسلام، وقد فرضت ورسول الله ﷺ في السماء، فكل ذلك يدلنا على فضل الصلاة وتقديمها على غيرها.\nأما النوافل فهي متفاوتة، ففيما يتعلق بالصدقة جاء أن أفضلها ما كان عن ظهر غنى، وجاء في الصيام أن أفضله صيام داود، وجاء أن أفضل الصلاة بعد المفروضة قيام الليل، وجاء في وجوه العبادات ما يكون أفضل من غيره في العبادة نفسها.\nومعلوم -أيضًا- أن الشيء الذي يتعدى نفعه يكون أولى من الذي لا يتعدى نفعه، وكان قاصرًا على الإنسان نفسه، ولهذا جاء في الحديث: (وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب)؛ لأن العلم للإنسان ولغيره، وأما العبادة فهي للإنسان وحده وليست لغيره.","vol":"33","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-957>استحضار النية لصلاة الفجر مع التفريط فيها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما قولكم في الرجل الذي ينوي أن يصلي الفجر في وقته وفي الجماعة، لكن لا يصليه إلا بعد شروق الشمس وهو يستطيع أن يصلي في الوقت مع الجماعة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه نية ليس لها قيمة.","vol":"33","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-958>رجال الصحيح ومدى قبول أحاديثهم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  عبارة الإمام الشوكاني في حديث الولي أن رجال إسناده قد جاوزوا القنطرة هل تؤخذ على إطلاقها، بحيث لو وجد أحد هؤلاء الرجال في إسناد آخر في الكتب الستة، يكتفى بكونه من رجال الصحيحين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يقال هذا؛ لأن بعضهم انتقى له، الإمام البخاري انتقى له، فانتقى شيئًا من حديثه، فليس كل حديث شخص من رجال الصحيحين يكون سليمًا، لكن لا شك أنه يقال: على شرط البخاري أو على شرط مسلم، أعني هذا الحديث إذا كان رجاله رجال الصحيح فإنه على شرطهما، لكن لا يقال: إن كل حديث عنهم يكون ثابتًا، إذ قد يكون هذا الذي حصل من صاحب الصحيح انتقاءً، وقد تكون هناك أحاديث منكرة أو منتقدة على الراوي، فـ البخاري روى الحديث الذي سلم من الانتقاد، ولهذا تجد الحافظ ابن حجر في مقدمة (فتح الباري) في الأشخاص الذين تكلم فيهم من رجال البخاري يذكر شيئًا من الاعتذار عن الإمام البخاري للإخراج عنهم، وأن ذلك لكون الراوي له متابع، أو لكونه كذا، في أوجه كثيرة ذكرها الحافظ ابن حجر عند كلامه على الأشخاص في التخريج للرواة.","vol":"33","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-959>معيار مضاعفة الأجر إلى سبعمائة ضعف</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  المضاعفة إلى سبعمائة ضعف هل هي لكل الناس ولكل عمل، أم أن هناك شروطًا توصل العمل إلى هذه الدرجات؟ وبأي اعتبار تضاعف الحسنة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس ذلك في كل عمل، وليس لكل أحد، وإنما جاء ذلك فيما يتعلق بالصيام نفسه أن الله يضاعفه إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ولا شك أن الناس يتفاوتون فيما يقومون به من الأعمال، وفيما يقوم بقلوبهم من الإخلاص والصدق، وليس كلهم على حد سواء في هذا.\nوأما بأي اعتبار تضاعف الحسنة فالجواب: تضاعف بفضل الله ﷿ وجوده وكرمه وإحسانه، ولا شك أن الصدق والإخلاص وكون الإنسان ظاهره وباطنه مع الله ﷿ لا شك أن هذا من أسباب حصول المضاعفة، ولكن الكل يرجع إلى فضل الله ﷿ وكرمه وإحسانه.","vol":"33","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-960>كيفية معرفة الملائكة همّ العبد بالحسنة والسيئة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هو السبيل الذي تعرف به الملائكة همَّ العبد بالسيئة أو همه بالحسنة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الله تعالى يطلعهم على ذلك ويمكنهم من ذلك.","vol":"33","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-961>مقدار حسنة تارك المعصية لله تعالى بعد الهم بها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من هم بسيئة وتركها لله، هل تكتب له حسنة مضاعفة أو حسنة واحدة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  تكتب حسنة غير مضاعفة، لأنه قال: (كتبها الله له حسنة كاملة).\nأي: حسنة واحدة، ولكنها كاملة، ولهذا فرَّق بين من عمل ومن لم يعمل، فالذي ترك حصَّل الحسنة، والذي فعل حصَّل عشرًا.","vol":"33","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-962>تعليق العبد فعل المعصية على حدوث شيءٍ وحكمه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من نوى أنه إذا جاءه أمر معين يسيء، فإن لم يأته فلن يسيء، هل تكتب له سيئة بنيته؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان عازمًا على الشيء ومشغولًا به تكتب عليه سيئة.","vol":"33","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-963>الحسنات والسيئات في الأماكن المقدسة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نود توضيح الكلام حول مضاعفة السيئات أو الحسنات في الحرمين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أن السيئة في الأماكن المقدسة تختلف عنها في الأماكن الأخرى، ولكن هذا الاختلاف لا يرجع إلى العدد، وإنما يرجع إلى الكيف، بمعنى أن السيئة في الحرم ليست كالسيئة في مكان آخر، لكن لا يقال: إن السيئة بسيئتين، ولكنها تعظم بالكيف وليس بالكم، ولا شك أن الأعمال الصالحة في الحرم لها شأن، وما جاء فيه تنصيص كالصلاة فإنه يقال به على موجب ما ورد، حيث ورد أن الصلاة بألف صلاة في مسجد النبي ﷺ، وفي المسجد الحرام بمائة ألف، وفي المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة، وأما ما عدا ذلك فلا يقال فيه شيء بدون دليل، ولا شك أن الله يضاعف لمن يشاء، وفضل الله واسع، والمكان المقدس له فضله وله ميزته، لا من ناحية الحسنات ولا من ناحية خطورة السيئات فحسب، بل له فضله من جهات أخرى.","vol":"33","page":49},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-964>[٣٤]</span>\nمن رحمة الله بهذه الأمة أن تجاوز لها عن الخطأ والنسيان والإكراه، وأمة محمد ﷺ تنقسم إلى قسمين: أمة الدعوة وأمة الإجابة فأمة الإجابة هم الذين وفقهم الله ﷿ للدخول في هذا الدين، وعلى المؤمن أن يعلم أنه في هذه الدنيا كالغريب المسافر الذي يتحين الفرصة لكي يرجع إلى أهله، فلا يشتغل إلا بالأعمال الصالحة، ويكون هواه تبعًا لما جاء به النبي ﷺ، فيحب ما أحبه الله ورسوله ويبغض ما أبغضه الله ورسوله.","vol":"34","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-965>شرح حديث: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان)</span>\nالحديث التاسع والثلاثون من أحاديث الأربعين للإمام النووي ﵀: عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما: عن النبي ﷺ قال: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه) حديث حسن رواه ابن ماجة والبيهقي وغيرهما.\nقوله ﷺ: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان).\nالتجاوز: هو العفو.\nقوله: (عن أمتي) أي: أمة الرسول ﷺ أمتان: أمة دعوة، وأمة إجابة، وأمة الدعوة هم كل إنسي وجني من حين بعثة الرسول ﷺ إلى قيام الساعة، هؤلاء هم أمة محمد ﵊ الذين وجهت إليهم الدعوة، والذين يتحتم على كل منهم أن يدخل في الدين الحنيف الذي بعث الله به رسوله الكريم محمد ﷺ.\nوأمة الإجابة هم الذين وفقهم الله ﷿ للدخول في الدين الحنيف، وصاروا مسلمين.\nوالحديث مثال لأمة الإجابة، أما أمة الدعوة فمن أمثلتها ما ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار) فقوله: (أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني) المراد بذلك أمة الدعوة، وهم الذين وجهت إليهم الدعوة كما قلت: كل إنسي وجني من حين بعثة الرسول ﷺ إلى قيام الساعة؛ لأن النبي ﷺ مبعوث إلى الثقلين الجن والإنس صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.\nوالخطأ: هو فعل الشيء من غير قصد، والنسيان: أن يفعل الإنسان فعلًا هو معلوم له، ولكنه فعله نسيانًا، فمثلًا: يعلم الإنسان شيئًا، ولكنه يذهل عنه وينساه عند الفعل.\nوأما الاستكراه: فهو الإلجاء إلى قول أو فعل.\nوالتجاوز الذي في الحديث إنما هو عن الإثم، يعني: كون الإنسان إذا أخطأ لا يأثم، وإذا نسي لا يأثم، وإذا فعل أشياء أكره عليها فإنه لا يأثم، فهذا هو الذي رفع في هذا الحديث، وأما الضمان في المتلفات فإن ذلك لا يسقط، مثل: القتل خطأ كما قال الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:٩٢] فالدية لازمة، ولو كان ذلك خطأً، بل الدية إنما تكون في الخطأ.\nفإذًا: الضمان متعين ولازم، وإنما الذي رفع عن المخطئ هو الإثم، وكذلك لو أتلف شيئًا من مال غيره ولو عن طريق الخطأ فإنه مضمون.\nقوله: (وما استكرهوا عليه) يعني: ما أُلجئوا إليه سواء كان ذلك الذي ألجئوا إليه قولًا أو فعلًا، وسواء تعلق بقول أو فعل، إلا أن من الأشياء التي يلجأ إليها ما لا يجوز فعلها، وذلك كأن يلزم بأن يقتل إنسانًا، فإنه لا يقتل ذلك الإنسان، ولا يستبقي حياته بقتل غيره، بل إذا ألزموه بأنه يقتل وإلا قتلوه فلا يقتل حتى ولو قتلوه، أما كونه يستبقي حياته بأن يقتل غيره، فإن ذلك لا يجوز، وهذا بإجماع العلماء.\nوهناك مسائل خلافية منها: الزنا، هل إذا أُجبر عليه يفعل أو لا يفعل؟ فذكر النووي في الشرح أنه لا يفعل، وهي مسألة خلافية بين أهل العلم، ولكن ما يتعلق بالقتل، فهذا مجمع عليه ومتفق عليه بأنه لا يقتل غيره إذا ألزم وألجيء إلى ذلك؛ لأن في ذلك استبقاء لحياته بقتل غيره.","vol":"34","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-966>شرح حديث: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)</span>\nالحديث الأربعون: عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال: (أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل وكان ابن عمر ﵄ يقول: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك).\nرواه البخاري.\nقول عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي) هذا فيه فائدتان: الفائدة الأولى: كون النبي ﷺ أخذ بمنكبه وهو يحدثه هذا فيه تنبيه له، ولفت نظره إلى أن يستعد وأن يعي ما يلقى عليه في هذه الحال.\nالفائدة الثانية: أن ابن عمر ﵁ قد ضبط ما رواه عن رسول الله ﵊؛ لأنه ضبط مع الحديث الحالة والهيئة التي كان عليها عندما حدثه الرسول ﷺ بهذا الحديث.\nقوله: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) أي: مثل المسافر الغريب الذي ليس في بلده، والذي هو مهموم مشغول بإنهاء مهمته ليبادر بالرجوع إلى بلده.\nوعابر السبيل: هو الذي يمر بالبلد وليس مقيمًا فيها.\nفكذلك شأن الإنسان في هذه الحياة الدنيا لا يتخذها وطنًا، ولا يتخذها قرارًا، ولا يتخذها سكنًا، فإن مكثه فيها إنما هو زائل، والبقاء فيها مؤقت، والإنسان يستعد فيها ويشتغل فيها لآخرته، ويستعد فيها بالأعمال الصالحة التي تقربه إلى الله ﷿ زلفًا، فلا يتخذها دارًا للقرار، وإنما هي دار ممر ومعبر، فيكون فيها بمثابة الغريب الذي يريد الرجوع إلى بلده في أقرب فرصة.\nأو يكون كعابر السبيل الذي يمر بالبلد فيجتازه مارًا وليس مستقرًا ولا مقيمًا ولا باقيًا في ذلك البلد، فيعلم أنه في هذه الحياة الدنيا إنما هو في دار الممر ودار المعبر، وهو في طريقة إلى الآخرة، وكل يوم يمضي على الإنسان يباعده من الحياة الدنيا ويقربه من الآخرة، ويدنيه من الأجل والنهاية التي سينتهي إليها، ويكون قد غادر هذه الحياة، وانتقل من دار العمل إلى دار الجزاء.\nوفي حديث آخر: (ما مثلي ومثل الحياة الدنيا إلا كراكب نام تحت ظل شجرة، ثم قام وتركها) أي: أنه مر بشجرة وهو عابر سبيل، فاستراح ونام تحتها شيئًا يسيرًا ثم قام وتركها، فذلك الظل الذي استظل فيه وهو مار ليس بدار قرار ولا محل استقرار، وإنما هو محل عبور ومحل انتقال، فهذا شأن الدنيا كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ.\nثم إن أصحاب رسول الله ﵊، ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم كانوا يبادرون إلى تنفيذ ما يوصي به الرسول ﵊؛ ولهذا فإن ابن عمر ﵁ بادر إلى القيام بوصية النبي ﵊ في قوله (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) فكان يعتبر نفسه على هذا الوصف الذي أرشد إليه الرسول ﵊، بل ويوصي أيضًا غيره بأن يكون كذلك؛ ولهذا كان يقول: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء) معناه: إذا أصبحت فلا تتوقع أو تطمع أو تؤمل أنك باقٍ إلى المساء، بل استعد للعمل في ذلك اليوم كأنك لا تدرك المساء، وكذلك إذا كنت في المساء فأنت تعمل في تلك الليلة كأنك لا تدرك الصباح، وذلك قصر الأمل في هذه الحياة الدنيا، وأن الإنسان لا يطمع فيها بالبقاء، ولا يغفل أو يسهو أو يلهو، بل عليه أن يكون مستعدًا بالأعمال الصالحة، وفي أي وقت يأتيه الموت فإنه يأتيه وهو على حالة طيبة، وقد جاء في صحيح البخاري عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: (إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل).\nفهذا عبد الله بن عمر ﵄ بادر إلى تنفيذ ما أوصاه به النبي ﵊، صار ابن عمر يوصي غيره في أن يكون كذلك، وهذا يعني أنك تستعد للموت في أي لحظة من لحظاتك في الليل أو النهار، وتعمر أوقاتك بطاعة الله وطاعة رسوله ﵊، حتى إذا فجأك الأجل فإنه يفجؤك وأنت على حالة طيبة.\nوقد ذكر في ترجمة منصور بن زاذان وهو من رجال الكتب الستة، في تهذيب الكمال عن هشيم بن بشير الواسطي أنه قال: لو قيل لـ منصور بن زاذان: إن ملك الموت بالباب ما زاد في عمله شيئًا، أي: ما كان عنده شيء يزيده على ما كان يفعله من قبل؛ لأنه دائمًا على استعداد للموت بالأعمال الصالحة.\nويقول أيضًا: (وخذ من صحتك لمرضك).\nمعناه: أنك تنتهز فرصة الصحة وتمام العافية فتغتنمها، وتستعمل تلك الصحة بالأعمال الصالحة قبل أن يأتي مرض أو كبر يمنعك من أن تأتي بما يقدر عليه الصحيح المعافى، فالإنسان يكون صحيحًا معافى يستطيع أن يعمل، ويستطيع أن يتقرب إلى الله ﷿ بالأعمال الصالحة، فيأتيه وقت من الأوقات وهو لا يتمكن، كأن يصيبه مرض أو يصيبه هرم وكبر فلا يستطيع أن يعمل الأعمال التي كان يعملها في حال صحته.\nقوله: (ومن حياتك لموتك)، معناه: أنك تعمر حياتك وعمرك ومدة بقائك في هذه الحياة في طاعة الله ورسوله ﵊، حتى تجد ذلك بعد موتك كما قال الله ﷿: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]، والله تعالى يقول: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧] فالإنسان عندما يريد أن يسافر فإنه يتهيأ للسفر بأخذ ما يحتاج إليه من الزاد والراحلة، وكذلك في السفر إلى الآخرة يكون زاده التقوى، فعليه أن يستعد بذلك الزاد بمغادرة هذه الحياة حتى يجد الثواب والجزاء على ذلك بعد الموت.\nيقول ابن القيم في (الفوائد): ولذلك نجد رسول الله ﷺ نبذ الدنيا وراء ظهره هو وأصحابه، واطرحوها ولم يألفوها، فهجروها ولم يميلوا إليها، وزهدوا فيها حقيقة الزهد، ولو أرادوها لنالوا منها كل محبوب، ولوصلوا بها إلى كل مرغوب، ولكن علموا أنها دار معبر وممر، لا دار مقام ومستقر.","vol":"34","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-967>شرح حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به)</span>\nالحديث الحادي والأربعون: عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به).\nقوله: (لا يؤمن أحدكم) أي: لا يؤمن الإيمان الواجب، فهذا نفي لكمال الإيمان الواجب.\nقوله: (حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به) أي: حتى يكون متبعًا للرسول ﷺ فيما جاء به من الله ﷿، فهذا هو المؤمن حقًا، وهو الذي يكون هواه تابعًا لما يحبه الله ورسوله ﷺ، فيعمل بالأعمال الصالحة التي يحبها الله، ويحب ما يحبه الله ورسوله ﷺ، فتكون محابه تابعة لمحاب الله ورسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وأن يسير إلى الله ﷿ على هدى وعلى بصيرة.\nقال الله ﷿: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] ويقول سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] فليس لأحد كلام مع كلام الله ورسوله ﷺ، وليس هناك لأحد خيار مع ما أمر الله به ورسوله ﵊، بل على المسلم أن يستسلم وينقاد لكل ما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ، فيمتثل الأوامر، ويجتنب النواهي، ويصدق الأخبار، ويعبد الله وفقًا لما جاء به رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.\nإذًا: الحديث معناه ومؤداه هو الأمر بالاتباع، وأن الإنسان يكون متبعًا وسائرًا على البيضاء التي ترك رسول الله ﷺ الناس عليها، والتي لا يزيغ عنها إلا هالك كما جاء ذلك عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.\nوالحديث قال فيه النووي: حديث صحيح رويناه في كتاب (الحجة) بإسناد صحيح، وكتاب الحجة هو كتاب (الحجة على تارك المحجة) لـ نصر المقدسي، وهو من كتب العقيدة على طريقة السلف، والحديث ضعفه الحافظ ابن رجب، وبيّن أسباب ضعفه، ولكن الحافظ ابن حجر في فتح الباري ذكر ما يدل على ثبوته، وذلك عندما ذكر عدة أقوال لبعض أهل العلم يذمون فيها الأخذ بالرأي، ثم قال: ويجمع ذلك كله قول الرسول ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به) رواه الحارث بن أبي أسامة وغيره ورجاله ثقات، وصححه النووي في آخر الأربعين.\n(فتح الباري: الجزء: (١٣)، صفحة: (٢٨٩»، وذكر أن له شاهدًا من حديث أبي هريرة.\nومعنى هذا الحديث مطابق لقول الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦].\nقال الحافظ ابن رجب في شرح هذا الحديث: المعروف أن الهوى عند الإطلاق يراد به ما يكون مذمومًا، وهو الذي فيه مخالفة الحق.\nثم ذكر بعد ذلك بعض الآيات في ذلك مثل قوله: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦]، وقال في سورة النازعات في آخرها: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١].\nوقال أيضًا: ويطلق أيضًا على ما يحبه الإنسان ويميل إليه، ويشمل ذلك الميل إلى الحق وإلى الباطل.\nثم قال: ويطلق أيضًا على ما يكون حقًا.\nثم ذكر بعض الأدلة على ذلك، وقال: إن ما جاء في هذا الحديث هو من المحبة المحمودة، أي: الهوى الذي هو محمود وليس بمذموم.\nفهذا هو الحديث الحادي والأربعون من الأربعين النووية، وهي أربعون، ولكن النووي زاد عليها حديثين: الحادي والأربعين والثاني والأربعين، فيكون ذكر الأربعين إنما هو للتغليب مع حذف الزيادة اليسيرة.","vol":"34","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-968>الأسئلة</span>","vol":"34","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-969>معنى حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قوله ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئتُ به) هناك أمور ثقيلة على النفس، ويفعلها الإنسان امتثالًا، مثل: أن بعض الناس يحب إطالة ثوبه، لكنه يقصره امتثالًا لأمر الله وأمر رسوله، وهناك أمور مكروهة للنفس كالوضوء في شدة البرد، ولكن يفعلها الإنسان امتثالًا، فكيف يكون الهوى تبعًا لما جاء به النبي ﷺ في مثل هذه الحالة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يجوز للإنسان أن يحب إطالة ثوبه؛ لأن ذلك محرم، فلا يجوز له أن يحب الشيء المحرم، وإنما عليه أن يأتي بالشيء المشروع الذي شرعه الله، وأما إطالته بحيث ينزل إلى الكعبين فإن هذا مما جاء في الأحاديث التحذير منه، وجاء النهي عن ذلك، فقد جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار).\nفالإنسان لا يجوز له أن يقع في قلبه محبة شيء حرمه الله ﷿؛ لأن الإنسان يجب أن تكون محابه تابعة لما يحبه الله ورسوله ﷺ، فالشيء الذي يحبه الله ورسوله يحبه، والشيء الذي لا يحبه الله ورسوله لا يحبه هو، فتكون محابّه تابعة لما يحبه الله ورسوله، فيحب الله ورسوله، ويحب من يحبه الله ورسوله ﷺ.\nوأما فيما يتعلق بكونه يتوضأ في شدة البرد، فهذا من الأمور الشاقة التي حُفّت بها الجنة، وقد قال النبي ﷺ: (حُفّت الجنة بالمكاره) يعني: أن الطريق إلى الجنة فيه تعب وفيه نَصَب، فيحتاج الإنسان أن يصبر، والصبر يكون على الطاعات ولو شقّت على النفوس، ويكون الصبر عن المعاصي ولو مالت إليها النفوس، والإنسان إذا صبر على الطاعات ولو شقت على النفوس ستكون العاقبة حميدة، وإذا صبر عن المعاصي ولو مالت إليها النفوس فكذلك تكون العاقبة حميدة؛ لأنه لو لم يصبر عن المعاصي فإن تلك لذة يستعجلها الإنسان، ويعقبها حسرة بعد ذلك.","vol":"34","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-970>ضابط الإكراه وما يسوغ للمكره</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الإكراه سائغ على عمومه أم أن هناك من العلماء من لا يسوغ له قبول الإكراه كقصة الإمام أحمد في محنة خلق القرآن؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، إذا استطاع الإنسان أن يصبر فيلزمه الصبر، وأما إذا كان لا يستطيع الصبر فعنده مندوحة ومجال لأنْ يتخلص، وأن يُبقي على نفسه، ويكون هذا بأن يفعل الشيء الذي أُكره عليه مع اطمئنان قلبه إلى كراهية ذلك، وأن ما جرى على لسانه أو على بدنه أو على جسده وجوارحه مما يخالف ما كان عليه قلبه، بحيث لا يكون منشرح الصدر مطمئن البال إلى ذلك الذي فعله، بل هو كاره له ومُلجأ إليه، ويعتبر نفسه مضطرًا إلى ذلك.","vol":"34","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-971>من صبر على الإكراه أقوى إيمانًا ممن استسلم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل قبول الإكراه دليل على ضعف الإيمان؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا ينبغي أن يقال هذا، لكن لا شك أن الذي يصبر أقوى.","vol":"34","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-972>حكم من أُكره على الزنا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا أُكره الإنسان على فعل محرم كالزنا مثلًا: فهل يرتكبه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الأرجح أنه لا يفعل بالزنا، وفي ذلك خلاف ذكره الحافظ ابن رجب.\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٨] قال الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان (٧/ ٥٨٩): والتحقيق الذي لا شك فيه أن هذه الآية عامة في كل ما يتناوله لفظها، وأن كل ما فيها من الوعيد عام لمن أطاع من كره ما أنزل الله.","vol":"34","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-973>حكم من أكره على قتل كافر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  جاء الإجماع أنه لا يجوز قتل الإنسان المكره غيره من المسلمين بإبقاء نفسه فإذا أكره على قتل كافر فهل هذا جائز؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان الكافر معاهدًا فحكمه أنه يعامَل معاملة المسلم؛ لأن نفسه معصومة كالمسلم.","vol":"34","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-974>من فضائل ابن عمر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قوله: (أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي) ذكر بعض العلماء فائدة ثالثة وهي: فضيلة ابن عمر، فما صحة هذا القول؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  فضيلة ابن عمر في كونه استسلم وانقاد لما أرشد إليه الرسول ﷺ، وبادر إلى ذلك.\nوأما وضع الرسول ﷺ يده على منكبه، فالرسول ﷺ كان يصافح أصحابه، ويضع يده بأيديهم، وكل أصحاب الرسول ﷺ لهم فضل ونُبْل، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ولكن الشيء الذي يدل على فضل عبد الله بن عمر كونه بادر إلى تنفيذ هذه الوصية؛ لأنه كان يقول: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء) فنفذ الوصية، ثم هو يطلب من غيره أن ينفذها.","vol":"34","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-975>حكم من أكره على قول كلمة الكفر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قال القرطبي في تفسيره: قال العلماء: من أكره على كلمة الكفر فلا يجوز له أن ينطق بها إلا أن ينوي المعاريض، فهل هذا صحيح، وكيف يكون؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المعاريض: هي أن يقصد الإنسان بكلامه شيئًا، وغيره يفهم شيئًا آخر.\nمثل: قصة أم سليم مع زوجها أبي طلحة، لما كان ابنه مريضًا، فمات، ولما جاء وسأل عنه، قالت زوجته أم سليم: إنه قد هدأت نفسه واستراح.\nففهم أنه خف منه المرض واستراح من شدته، وهي تقصد أنه قد مات، لكنها لا تريد أن توضح لزوجها ذلك، وأيضًا هي لم تكذب، فهذه هي المعاريض، وتسمى أيضًا: تورية، مثلما كان النبي ﷺ إذا أراد غزوة فإنه يورّي بغيرها، فكان ﵊ إذا أراد أن يتجه إلى جهة الجنوب، فإنه يسأل ويبحث عن الطرق المؤدية إلى جهة الشمال، فالذي يسمع أنه يبحث في جهة الشمال يظن أنه سيذهب شمالًا، مع أنه سيذهب جنوبًا، وهذه تورية.\nوكذلك ما يُذكر عن محمد بن نوح أنه عند فتنة القول بخلق القرآن لما أُلزم بأن يقول: إن القرآن مخلوق، ورّى فقال: أشهد أن التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، هؤلاء مخلوقات.\nويحرك أصابعه الأربعة، ويقول: هؤلاء مخلوقات.\nفهو يقصد شيئًا وغيره يفهم شيئًا آخر، فهذه تورية ومعاريض.\nفإذا أكره الإنسان على قول الكفر أو قول الباطل وأمكنه التخلص من ذلك بالمعاريض، فهذا شيء طيب، ولكن إذا لم يكن لديه مجال للمعاريض، وأُكره على النطق باللفظ المعين الذي يطلبونه منه ويحددونه له، ولا مجال فيه للتعريض، فإنه يفعل ذلك مع بغضه له في قلبه، ويكون بهذا معذورًا كما قال الله ﷿: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦].","vol":"34","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-976>حكم الحلف على التورية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز الحلف على التورية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان هذا لدفع ظلم أو باطل، أو للتخلص من شر أحد، فله أن يورّي ويحلف على توريته.","vol":"34","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-977>حدّ الإكراه</span>\n\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هو حد الإكراه؟ وهل التهديد يكفي بأن يكون حدًا للإكراه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يكفي مجرد التهديد الذي يمكن أن يفلت منه، أو كان مجرد كلام ليس معه فعل الإكراه، لكن إذا هُدّد بالقتل أو شدة الضرب والعذاب حقيقةً، وأُحضرت الأشياء التي يراد إتلافه بها، ويقال له: إما فعلت كذا وإلا فعلنا بك كذا.\nوأما مجرد أن يقال كلام لمعرفة هل عنده صبر أو ليس عنده صبر؟ فما كل ما يقال يمكن أن يتحقق، بل قد يقول الإنسان شيئًا وهو لا يريده، فمجرد كونه يقال له: قل كذا ويهدَّد دون أن يظهر له أنهم جازمون وصادقون فيما يقولون من التهديد، إلا إذا وجد شيء من ذلك سيقع حقيقة فهذا هو الإكراه.","vol":"34","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-978>حكم من أتلف شيئًا في حال الإكراه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل على المكرَه ضمان إذا أتلف شيئًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، عليه ضمان، وعلى من أكرهه أيضًا كذلك ضمان، فينقسم الضمان بين المتسبب والمباشر.","vol":"34","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-979>حكم من ارتكب محظورًا من محظورات الإحرام خطأً أو نسيانًا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من نسي أو أخطأ فارتكب محظورًا من محظورات الإحرام فهل تلزمه الكفارة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، العلماء ذكروا أنها تلزمه الكفارة، كونه ترك واجبًا من واجبات الإحرام، كأن يترك مثلًا: طواف الوداع أو نحوه، فعليه الكفارة، لقول ابن عباس: (من ترك نسكًا فعليه دم).\nوأما من ارتكب محظورًا من محظورات الإحرام خطأً أو نسيانًا، كالجماع الذي يفسد معه الحج، فهذا فيه خلاف بين أهل العلم على قولين: منهم من قال: إذا كان ناسيًا لا يكون عليه شيء.\nومنهم من قال: بل يكون عليه شيء؛ لأن الرسول ﷺ لما جاءه الرجل وأخبره بارتكاب المحظور، أمره بالكفارة دون أن يسأله عن كونه ناسيًا أم لا، فدلّ هذا على أن الكفارة لازمة في كل حال.","vol":"34","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-980>حكم من نسي التشهد الأول ولم يسجد للسهو</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا ترك واجبًا من واجبات الصلاة، ناسيًا، مثل: التشهد الأول، ومضى وقت عليه، فماذا يفعل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا ترك واجبًا يجبره سجود السهو، فإذا لم يأتِ به فإنه يعيد الصلاة؛ لأنه لم يأتِ بجبر الواجب؛ فإذا كان قد مضى عليه وقت وهو لم يسجد للسهو فإنه يعيد الصلاة.","vol":"34","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-981>معنى (أو) في حديث: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقول البعض في (أو) عند قوله: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) أنها بمعنى: بل، فيكون معنى الحديث: كن في الدنيا كأنك غريب، بل عابر سبيل.\nفهل هذا المعنى صحيح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس هناك حاجة إليها؛ لأن (أو) للتنويع بين حالتين: حالة إنسان مقيم في بلد، وحالة إنسان مار في بلد، وهما شيئان وكل منهما ليس بمستقر، لا هذا ولا هذا، لكن لا شك الذي هو عابر السبيل أشد غُربة، فـ (أو) هي للتنويع، يعني: هذا أو هذا، والنتيجة واحدة، فكلهم غرباء.","vol":"34","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-982>حكم من أُكره على ترك الصلاة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يترك الصلاة من أكره على ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يمكن للإنسان المكره أن يصلي على حسب حاله، فيراه الناس جالسًا، وهو يصلي وهم لا يدرون عنه، فلو أُكره على عدم الركوع والسجود فيمكنه أن يصلي وهو جالس أو واقف، ويأتي بأفعال الصلاة على حسب طاقته، مثل: الإنسان المربوط في سارية لا يستطيع أن يركع أو يسجد، فيصلي على حسب حاله.\nفلهذا إذا أُكره فإنه لا يظن أنه لا يستطيع أن يصلي، بل يصلي على الوضع الذي يقدر عليه، دون أن يعلم الذين أكرهوه والله تعالى هو الذي يعلمه.","vol":"34","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-983>درجة حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به)، بناء على الشاهد الذي ذكره الحافظ ابن حجر من حديث أبي هريرة، والشواهد العامة التي ذكرها الحافظ ابن رجب، فهل يُجزم بصحة هذا الحديث؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الذي يبدو أنه يكون صحيحًا أو حسنًا.","vol":"34","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-984>حكم تقوية الحديث بظاهر القرآن</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل من الممكن أن نأخذ قاعدة: الحديث يتقوى بظاهر القرآن؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  القرآن هو الدليل، وأما الشيء الذي لم يثبت عن رسول الله ﷺ فلا يضاف إليه، ولا يقال: إن هذا هو قول الرسول ﷺ.\nولكن من ناحية أخرى: أنه إذا كان المعنى موجودًا في القرآن، فالحكم مأخوذ من القرآن، والحديث الضعيف وجوده كالعدم.","vol":"34","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-985>حكم قتل الكافر المحارب</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكرتم أنه لا يجوز قتل المعاهد لإبقاء النفس، فهل يجوز قتله إن لم يكن معاهدًا، كأن يكون حربيًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان حربيًا يجوز قتله.","vol":"34","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-986>التوفيق بين حديث: (الحلف على نية المستحلف) وبين جواز الحلف على التورية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكرتم أن للمرء أن يورّي ويحلف على توريته، فكيف يوفق هذا مع حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: (يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك)، وفي رواية: (الحلف على نية المستحلف)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، هذا يكون في الأمور التي لابد منها، وأما أمور التي يمكن للإنسان أن يتخلص من الناس، كأن يُسأل سؤالًا ليس من حقه أن يُسأل عنه؛ لأنه ما كل طلب يُحقق، لكن من الناس من يكون فضوليًا، فيسأل عن أشياء لا ينبغي أن يسأل عنها، فإذا تخلص الإنسان منه بتورية، فما في ذلك بأس.","vol":"34","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-987>حكم من لم يحرم من ميقاته وأراد الإحرام من ميقات آخر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من ترك الإحرام من الميقات ناسيًا وهو مغادر من المدينة فهل له أن يؤخر الإحرام حتى يمر على ميقات أهل رابغ؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، ليس له ذلك؛ لأنه تجاوز ميقاته الذي يجب عليه أن يحرم منه، فكونه يذهب إلى ميقات آخر ليحرم منه، فليس له ذلك.","vol":"34","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-988>حكم العلاج بترديد أسماء الله الحسنى</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هناك علاج انتشر، وهو: كيف تعالج نفسك بطاقة الشفاء الموجودة في أسماء الله الحسنى؟ فكل مرض تردد عليه اسمًا من أسماء الله فيُشفى بإذن الله، مثل: مرض الأذن، قل: السميع السميع السميع، والعمود الفقري، قل: الجبار الجبار الجبار، العضلات، قل: القوي القوي، فما حكم هذا العمل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا مجرد كون الإنسان يسمع هذه الحكاية فإنه يعرف الجواب، وهو أن هذا شيء مخترع محدث، وليس له أساس.","vol":"34","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-989>معنى التردد في حديث: (وما ترددتُ في شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى التردد في الحديث القدسي: (وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن قوله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿: (وما تردّدتُ في شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته) ما معنى: (تردد الله)؟ فأجاب بقوله: المتردد منا وإن كان تردده في الأمر لأجل كونه لا يعلم عاقبة الأمور، لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنزلة ما يوصف به الواحد منا، فإن الواحد منا يتردد تارة لعدم العلم بالعواقب، وتارة لما في الفعلين من المصالح والمفاسد، فيريد الفعل لما فيه من المصلحة، ويكرهه لما فيه من المفسدة، لا لجهله به، كالشيء الواحد الذي يُحَبُّ من وجه، ويُكرَه من وجه كما قيل: الشيب كُرْهٌ وكُرْهٌ أن أفارقه فاعجب لشيء على البغضاء محبوبُ وهذا مثل إرادة المريض للدواء الكريه، بل جميع ما يريده العبد من الأعمال الصالحة التي تكرهها النفس هو من هذا الباب، وفي الصحيح: (حُفّت الجنة بالمكاره، وحُفّت النار بالشهوات).\nوقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦]، ومن هذا الباب يظهر معنى التردد المذكور في الحديث، فإنه قال: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، فإن العبد الذي هذا حاله صار محبوبًا للحق محبًا له، يتقرب إليه أولًا بالفرائض وهو يحبها، ثم يجتهد في النوافل التي يحبها ويحب فاعلها، فأتى بكل ما يقدر عليه من محبوب الحق، فأحبه الحق لفعل محبوبه من الجانبين، بقصد اتفاق الإرادة، وبحيث يحب ما يحب محبوبه ويكره ما يكره محبوبه.\nوالرب يكره أن يُساء عبده ومحبوبه، والله تعالى قد قضى بالموت، فكل ما قضى به فهو يريده ولا بد منه، فالرب مريد لموته لما سبق به قضاؤه، وهو مع ذلك كاره للمساءة التي تحصل له بالموت، فصار الموت مرادًا للحق من وجه، مكروهًا من وجه آخر، وهذا حقيقة التردد، وهو أن يكون الشيء الواحد مرادًا من وجه مكروهًا من وجه آخر.\nوإن كان لا بد من ترجيح أحد الجانبين كما ترجح إرادة الموت، لكن مع وجود كراهة الرب المساءة لعبده، وليس إرادته لموت المؤمن الذي يحبه ويكره إساءته كإرادته لموت الكافر الذي يبغضه ولا يريده.\nفالفرق بينهما أن المؤمن عندما يموت ينتقل إلى نعيم، والكافر ينتقل إلى جحيم، كما جاء في صحيح مسلم وهو أول حديث عنده في كتاب الزهد يقول: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر).\nفهذا هو معنى كلام شيخ الإسلام الأخير هذا، لكن كون الله ﷿ يقال: من صفاته التردد، فلا أدري عن هذا.","vol":"34","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-990>حكم ترك الجماعة بسبب قنوت الإمام في صلاة الفجر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز ترك صلاة الجماعة لأن الإمام في بلدنا يقنت في صلاة الصبح دائمًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس للإنسان أن يترك صلاة الجماعة من أجل القنوت في الفجر، بل يصلي مع الناس ولو قنتوا، ولكن إذا أمكن أن يكون هناك مسجد آخر لا يقنت فيه الإمام -ولو كان أبعد من الأول- فهذا هو المناسب.","vol":"34","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-991>حكم استماع الأناشيد الإسلامية كبديل عن الموسيقى في وليمة العرس</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  رجل عاش في مجتمع لهم عادة في وليمة العرس أن يستمعوا الموسيقى، فأراد أن يغير هذا المنكر، فجاء بالأناشيد الإسلامية لمصلحة الدعوة، فهل هذا البديل سائغ؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، بل هناك بديل أحسن من هذا وهذا، وهو الكلام الذي فيه فائدة، والنفع ليس في الأصوات، ولا الاستماع للنغمات، وإنما يكون بالكلام المفيد الذي يحرك القلوب وينفع الناس.","vol":"34","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-992>حكم السفر إلى بلاد الكفار لغرض التجارة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هو التفصيل في السفر إلى بلاد الكفار؟ وهل يجوز السفر للتجارة إذا لم تكن التجارة متوفرة في بلاد إسلامية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يجوز للإنسان أن يسافر إلى بلاد الكفار لغرض صحيح مع قيامه بما يجب عليه في دينه، وعدم تقصيره في شيء مما يجب عليه، وأما إذا كان لا يتمكن من أداء شعائر دينه، وأنه يمنع من ذلك، فإنه لا يسافر ولا يبقى في البلد الذي يكون كذلك.\nوكونه يسافر لعلاج أو يسافر لتجارة أو يسافر لأي مصلحة شرعية مع تمكنه من قيامه بشعائر دينه فلا بأس بذلك.\nوالأولى ترك ذلك والحرص على عدم الذهاب إلى بلاد الكفار.\nوأما الجواز: فهو جائز إذا تمكن من أداء شعائر دينه ولم يحصل له الإخلال بشيء من ذلك.","vol":"34","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-993>حكم صيام من احتجم أثناء صيامه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  احتجمت وأنا صائم، فهل صيامي صحيح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا احتجم وهو صائم فإنه يقضي ذلك اليوم؛ لقوله ﷺ: (أفطر الحاجم والمحجوم).","vol":"34","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-994>مسامحة من أخذ شيئًا للانتفاع به فأخلّ به أو أتلفه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أعطيت سيارتي لأحد أصحابي، وردّها إلي بعد يومين، فوجدت أن السيارة قد خربت بسبب إعطائي له، فهل أسامحه على هذا الخطأ وأسكت، أم آخذ حقي منه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أن مسامحتك أحسن.","vol":"34","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-995>حكم صلاة الظهر قبل صلاة الجمعة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  الناس في بلادي لا يصلون يوم الجمعة الجمعة وحدها، بل يصلون الظهر أيضًا قبل صلاة الجمعة، فهل أصلي معهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، أبدًا، هذا لا يجوز؛ فالله ﷾ لم يفرض في اليوم والليلة إلا خمس صلوات، ولم يفرض ست صلوات في اليوم والليلة، وهذا من التنطّع والتكلّف، وليس هذا هو هدي الرسول ﷺ، وهو القدوة والأسوة، وأصحاب رسول الله ﷺ هُمْ أحرص الناس على كل الخير، وأسبق الناس إلى كل خير، ومع ذلك لم يفعلوا هذا، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، لكنه شر سلموا منه وابتلي به من ابتلي من بعدهم.","vol":"34","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-996>كيفية الخروج من الخلاف والأخذ بالقول الأحوط</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى القول: بأن الخروج من الخلاف أولى؟ ومتى يكون؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كانت المسألة فيها خلاف وكان أحد القولين إذا أتى به الإنسان فإنه يكون قد أخذ بالاحتياط، فهذا هو المقصود بالخروج من الخلاف، يعني: الأخذ بالقول الأكثر احتياطًا، مثل ما ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في آداب المشي إلى الصلاة: أن الإنسان إذا جاء وأدرك الركوع فيكبر تكبيرتين تكبيرة الإحرام ثم تكبيرة الركوع، وبعض العلماء قال: تُجزئ تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع، قال: والأولى الإتيان بهما جميعًا؛ خروجًا من خلاف من أوجب التكبيرتين، فكون الإنسان يأتي بالتكبيرتين فهذا هو الاحتياط.","vol":"34","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-997>حكم تطبيق قاعدة الأخذ بالأحوط في الذهب المحلّق</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يمكن تطبيق قاعدة: الأخذ بالأحوط في مسألة الذهب المحلّق للخروج من الخلاف؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا؛ لأن هذا فيه مقابلة بين الأدلة، ثم أيضًا هذا تضييق على النساء، والنساء قد وسّع الله لهن في لبس الحلي، فيكون ما جاء في النهي عن ذلك شاذًا، ثم الخلاف نادر في هذه المسألة.","vol":"34","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-998>حكم من رأى مخطئًا فأوصى صاحبًا له بنصحه ولم يباشر نصحه بنفسه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا وجدت أخًا أخطأ أمامي وأنا لا أعرفه، وصاحبي يعرفه، فقلت له: هذا فَعَل كذا فانصحه، فهل هذا الفعل مني صحيح أم لابد أن أنصحه أنا مباشرة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أنك إذا نصحت المخطئ بنفسك، فهذا أفضل من أنك تأمر غيرك بالنصح.","vol":"34","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-999>حكم الدراسة في الجامعات المختلطة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كثير من الشباب الملتزم عندنا يقاطعون المدارس والجامعات المختلطة؛ بحجة حرمة الدراسة فيها، وآباؤهم يُكرهونهم على الدراسة أو الطرد من البيت، فما جوابكم على هذه المسألة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إن الدراسة في الجامعات المختلطة إذا كان الإنسان يجد سبيلًا إلى الابتعاد عنها، فهذا هو المطلوب بالنسبة للرجال.\nأما بالنسبة للنساء فلا يجوز لهن الدراسة في الجامعات المختلطة مطلقًا، سواء وجدن دراسة غيرها أم لا، فإذا وجد الرجال دراسة مستقلة عن النساء فيتعين عليهم ذلك، وإن لم يجدوا إلا هذه الدراسة وتركوها فإنها تفوتهم هذه المصلحة التي يحتاج إليهم الناس في المستقبل، فإن الرجال يمكنهم أن يدرسوا في الجامعات المختلطة، ولكن عليهم أن يبتعدوا عن النساء، ولا يخالطوهن ولا يتكلموا معهن، والرجل يمكن أن يبتعد عن المرأة، لكن المرأة لا تستطيع أن تبتعد عن الرجل.\nوالحاصل أن الدراسة في الجامعات المختلطة فيما يتعلق بالنساء لا يجوز لهن مطلقًا؛ لأن المرأة ولو ابتعدت عن الرجال فكثير منهم لا يبتعدون عنها، بل يلاحقونها ويضايقونها، ويحصل منهم أفعال سوء وقلة حياء.\nفإذا كان الرجل لا يجد إلا الدراسة في هذه الجامعات وإلا فسوف يبقى بدون دراسة، ومعلوم أن التدريس في المدارس إنما يكون لأصحاب الشهادات، فإذا ترك الطيبون والمستقيمون هذه الدراسة، فمعنى ذلك أنه يصفو الجو للناس الذين فيهم خلل ونقص، ويكونون هم الذين يتولون التدريس فيما بعد.\nفله أن يدرس، ولكن عليه أن يبتعد عن النساء، والرجل إذا ابتعد عن المرأة فإنه يسلم منها بإذن الله.","vol":"34","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1000>شروط التكفير وموانعه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أرجو من فضيلتكم أن تبينوا لنا شروط التكفير وموانعه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  التكفير ليس بالأمر الهين، ومن الأشياء التي أكره الكلام فيها مسألتان: مسألة الطلاق، ومسألة التكفير، فهي من المسائل التي أجد مشقة عند الكلام فيها، ولا أحرص على الكلام فيها.\nومعلوم أن التكفير إنما يرجع فيه إلى ما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ، فتكفيرنا لا يكون إلا لمن كفّره الله ورسوله ﵊، أو أجمع المسلمون عليه، فهذا هو الأساس للتكفير، فإذا وجد شيء من كتاب الله ﷿ أو سنّة رسوله ﷺ، أو أجمع عليه أهل العلم، فهذا هو الأساس الذي يبنى عليه التكفير، وإذا كان بخلاف ذلك فيكون محل نظر.","vol":"34","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1001>حكم الاجتماع للحديث العام في أبواب المساجد وممراتها بعد الصلوات</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نريد منكم نصيحة توجهونها لطلبة العلم، حيث يقع من بعضهم الوقوف في ممرات الحرم النبوي بعد صلاة العشاء، فيتضايق بعض الناس من تجمعاتهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الإنسان عليه ألا يعمل شيئًا فيه إضرار بالغير، كأن يكون عند الأبواب أو في الطرق المؤدية إلى الأبواب، فهذا التجمع فيه مضرة، والإنسان إذا كان ولابد له من ذلك فليكن في مكان ليس طريقًا وليس ممرًا، فيعدل وينحرف عن الجهة التي فيها الطريق، هذا إذا لم يحصل منه إلا الكلام والفعل الطيب، وأما إذا كان الحديث في أمور الدنيا فلا يصلح أن يكون ذلك في المسجد، بل يفعل ذلك خارج المسجد.","vol":"34","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1002>حكم مخالفة أنظمة المرور ودفع الغرامة من الربا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قطعت الإشارة الحمراء بسيارتي، فهل يجوز أن أدفع الغرامة بمال ربوي لحكومة كافرة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  مرورك أو عبورك الإشارة وهي حمراء غلط، ولا يليق بالإنسان أن يكون كذلك، بل عليه أن يتحلى بالأخلاق والآداب الكريمة، والمسلمون عليهم أن يظهروا بمظهر الإسلام، وأن يكونوا قدوة في الأخلاق والآداب، ولا يظهر منهم أشياء يعابون بها ثم يعاب الإسلام بها وهو بريء من ذلك، فإن من المسلمين من يدعو إلى الإسلام بفعله كما يدعو إليه بقوله، ومنهم من يكون بخلاف ذلك، فتكون أفعاله وأقواله مخالفة لما جاء في الإسلام، وهذا يجعل أعداء الإسلام ينتقدون الإسلام مع المسلمين، ويحسبون أن هذه من أمور الإسلام مع أن الإسلام منها بريء.\nفعلى المسلم أن يتقيد بأنظمة المرور، ولا ينبغي أن يحصل منه تجاوز لها، لاسيما وهذا يترتب عليه أخطار؛ لأن الإنسان إذا رأى الإشارة حمراء ثم عبر، ويأتي من في الشارع الآخر فيعبرون لأن إشاراتهم خضراء، فحينئذٍ يحصل التصادم وتحصل المضرّة، وهذا لا يليق بالمسلم أن يعرض نفسه ولا يعرض غيره للضرر، بل إن وقوفه وعدم إقدامه أمر مطلوب منه، سواء في بلاد المسلمين أو في بلاد الكفار.\nوأما قضية دفع الغرامة من الربا فليس للإنسان أن يأخذ الربا ولا أن يتعامل به، حتى يحتاج بعد ذلك إلى أن يصرفه هنا أو هناك.","vol":"34","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1003>حكم القول بأن التوحيد ينقص</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا كان الإيمان يزيد وينقص، فهل نقول: كذلك التوحيد يزيد وينقص؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان المقصود بالتوحيد كون الإنسان يشهد أن لا إله إلا الله مع ما يقوم في القلب، فإن الناس يتفاوتون فيما يقوم في القلب، ولا شك أن من يقولون كلمة الإخلاص هم متفاوتون في العلم بها والإيمان بها، فمن يجريها على لسانه دون العلم بها أو العمل بمقتضاها، يختلف عمن يقولها وهو عالم بمعناها مصدق بها وعامل بمقتضاها.\nوكذلك أيضًا فيما يتعلق بتوحيد العبادة؛ فالناس يتفاوتون في ذلك، ففيهم المقصّر، وفيهم الذي يأتي بما هو مطلوب منه.","vol":"34","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1004>حكم تخميس الفيء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الفيء يُخمّس؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الفيء لا يُخمّس، بل يصرف في مصالح المسلمين، وإنما الذي يُخمّس هو الغنيمة، فيكون أربعة أخماس للغانمين، وخمس يصرف في مصارف الخير.","vol":"34","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1005>حكم المداومة على رفع اليدين في مواطن الإجابة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم المداومة على رفع اليدين في مواطن إجابة الدعاء مثل رفعها بين الأذان والإقامة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا نعلم شيئًا محددًا في هذا، بل جاء أن الدعاء مطلق، وليس فيه شيء يدل على رفع اليدين فيه، ولا جاء شيء يدل على المنع من رفعهما، والإنسان إذا رفع فلا بأس، وإن ترك لا بأس.\nوكونه يداوم على رفع اليدين باعتبار أنها سنة، لا نعلم شيئًا يدل على هذا، وأما كونه يحرص على أن يرفع يديه؛ لأنه يرجو من الله أن يحقق رغبته، فلا نعلم شيئًاَ يمنع من هذا.","vol":"34","page":42},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-1006>[٣٥]</span>\nشرع الله ﷿ كامل شامل لجميع أمور الحياة؛ وذلك أنه جاء بكل ما يصلح الإنسان في دينه ودنياه، وفي معاملته مع ربه ومعاملته مع الخلق، ومن ذلك ما بينه الشرع الحنيف في كيفية قسمة الميراث بين ورثة الميت، وكذلك بيان المحرمية من النسب ومن الرضاعة، وكذلك بيان حرمة الخمر والميتة والخنزير والأصنام.","vol":"35","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1007>شرح حديث: (يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك)</span>\nالحديث الثاني والأربعون من الأحاديث الأربعين للإمام النووي ﵀: عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (قال الله ﷿: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم أتيتني لا تشرك بي شيئًا أتيتك بقرابها مغفرة) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\nهذا الحديث هو آخر كتاب النووي الأربعين، وكما هو واضح أن الكتاب ليس فيه أربعون حديثًا، بل هي اثنان وأربعون حديثًا، ولعله ذكر الأربعين تغليبًا وحذف الكسر الذي هو بعد الأربعين، فقال عنه: الأربعون.\nوهذا الحديث هو من الأحاديث القدسية التي يرويها رسول الله ﷺ عن ربه.","vol":"35","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1008>ذكر بعض أسباب المغفرة</span>\nهذا الحديث مشتمل على ثلاثة من أسباب المغفرة: السبب الأول: كون الإنسان يدعو الله ويرجو المغفرة.\nوالثاني: كونه يستغفر.\nوالثالث: كونه لا يشرك بالله شيئًا، يعني: يخلص لله في عمله، ويكون سالمًا من الشرك.","vol":"35","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1009>سعة رحمة الله ﷿</span>\nقوله: (يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي)، يعني: أنك إذا دعوت الله ﷿ وألححت عليه في الدعاء وطلبت منه المغفرة ورجوت الله ﷿ ولم تيئس فإن الله تعالى يغفر لك ما كان منك من الذنوب جميعًا ولو تكررت ولو كثرت ولا يبالي، وهذا نظير قول الله ﷿: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].\nفإذًا: من أسباب المغفرة كون الإنسان يدعو الله ويرجوه أن يغفر له، فإذا فعل ذلك فإن الله تعالى يجيبه ويغفر له.\nومغفرة الذنوب هو سترها عن الخلق والتجاوز عنها بحيث لا يعاقب عليها، هذا هو مغفرتها؛ لأن الغفر هو الستر، ولهذا قيل للمغفر: مغفر لأنه يستر الرأس ويغطيه عن السهام.\nفغفر الذنوب سترها عن الناس وعدم إظهارها وحصول ستر الله ﷿ للعبد فيها، وكونه يتجاوز عنها فلا يؤاخذ عليها ولا يعاقب عليها، فيكون كأنه لم يكن، ولكن هذا يكون مع التوبة إلى الله ﷿، فالإنسان عليه أن يرجو ويدعو وهو تائب لا أن يكون مصرًا على الذنب وهو مشغول بالذنب ومهموم بالذنب وشغله متعلق بالذنب وفكره متعلق بالذنب ثم يقول: اللهم اغفر لي، فإن هذا مما يكون على اللسان دون تواطؤ القلب عليه، وإنما يكون الاستغفار نافعًا إذا تواطأ القلب واللسان على ذلك، وكان بتوبة من الله ﷾.\nقوله: (يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك)، يعني: هنا بين كثرة الذنوب وأنها تبلغ عنان السماء، ويحتمل أن يكون المراد بعنان السماء أنها تصل إلى السماء بكثرتها، أو يقال: إن المراد بالعنان هو السحاب، أي: أنها تبلغ إلى السحاب، أو مع العلم أن الإنسان إذا نظر فإن الذنوب يكون حجمها ومقدارها بالغًا هذا المبلغ، فإذا ما كثرت الذنوب وبلغت هذا المبلغ وعظمت هذا العظم وتاب الإنسان منها واستغفر الله ﷿، فإن الله تعالى يغفر له ويتوب عليه.","vol":"35","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1010>شروط التوبة</span>\nالتوبة لابد فيها من شروط: الأول: أن يقلع الإنسان من الذنب، بمعنى: أن يترك الذنب الذي وقع فيه نهائيًا ويتخلص منه ويبتعد عنه.\nالثاني: أن يندم على ما مضى، بأن يندم على فعله الماضي وعلى ذنوبه التي وقع فيها.\nالثالث: أن يعقد العزم في المستقبل على ألا يعود إلى ذلك.\nهذا إذا كان الذنب في حق من حقوق الله وفيه كفارة عليه أن يأتي بالكفارة، وإن كان يتعلق بحقوق الآدميين.\nفالشرط الرابع: أن عليه أن يعيد حقوقهم إليهم أو يطلب منهم الحل والمسامحة.","vol":"35","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1011>خطر الشرك وفضل التوحيد</span>\nقوله: (يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم أتيتني لا تشرك بي شيئًا آتيتك بقرابها مغفرة)، وهذا فيه أن ترك الشرك والسلامة منه وإخلاص العمل لله ﷿ سبب من أسباب مغفرة الذنوب، فإن الشرك إذا لم يتب منه لا يغفر، كما قال ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فذنب الشرك لا يغفر، وصاحبه معاقب ومخلد في النار أبد الآباد، ولا يخرج منها بحال من الأحوال.\nوأما ما كان من الذنوب دون الشرك فأمر صاحبها إلى الله ﷿ إن شاء عفا عنه وتجاوز ولم يعاقبه على ما حصل منه من الذنوب، وإن شاء عذبه، ولكنه إذا عذبه لا يخلده في النار ولا يعذبه عذاب الكفار، بل يبقى فيها المدة التي شاء الله تعالى أن يبقى فيها لمعاقبته على ما حصل منه من الكبائر، ولكنه بعد ذلك يخرج من النار ويدخل الجنة.\nفإذًا: لا يبقى في النار أبد الآباد إلا الكفار الذين هم أهلها ولا سبيل لهم إلى الخروج منها، وأما أهل الإيمان والتوحيد الذين لم يشركوا بالله شيئًا فإنهم وإن بقوا في النار ما بقوا وإن مكثوا في النار ما مكثوا فإن الله تعالى يخرجهم منها ويدخلهم الجنة، كما جاء في هذه الآية من سورة النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فكل ذنب دون الشرك فهو تحت مشيئة الله ﷿.\nوكذلك جاءت الأحاديث المتواترة الكثيرة في إخراج أهل الكبائر من النار بشفاعة الشافعين وبعفو أرحم الراحمين؛ فإنها تدل على خروج من كان من أهل التوحيد من النار إن دخلها، وإذا شاء الله تعالى أن يعفو عنه فإنه لا يدخلها، ولهذا يقول الله ﷿ في هذا الحديث القدسي: (يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض) أي: ملئها أو ما يقارب ملأها.\n(خطايا ثم أتيتني لا تشرك بي شيئًا) يعني: سليمًا من الشرك؛ لأن وجود الشرك لا يغفر الله تعالى معه الذنوب، ولهذا فإن المشركين يؤاخذون على شركهم بالله وعلى أعمالهم الأخرى التي يأتون بها مع الشرك؛ والكفار يتفاوتون في الكفر ويتفاوتون في التعذيب في النار، ويتفاوتون في إيذاء المسلمين في هذه الحياة الدنيا، فمنهم من يكون مع كفره يؤذي المسلمين، ومنهم من يكون مع كفره يأتي بالأمور المنكرة والأمور القبيحة فيكون بذلك أسوأ ممن ليس عنده إلا مجرد الكفر، كما قال الله ﷿: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل:٨٨]، ولهذا كان أصحاب النار في النار دركات بعضهم أسفل من بعض، كما أن أهل الجنة في الجنة درجات بعضهم أعلى من بعض، فأهل الجنة يتفاوتون بالرفعة وأهل النار يتفاوتون بالسفل والنزول في النار، كما قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥].","vol":"35","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1012>زيادات ابن رجب على الأربعين النووية</span>\nلقد زاد الحافظ ابن رجب الحنبلي المتوفى سنة (٧٩٥هـ) ثمانية أحاديث وأضافها إلى الأربعين النووية، وهي على نسقها وعلى طريقتها من جوامع الكلم؛ لأن أحاديث الإمام النووي الاثنين والأربعين هي من جوامع الكلم، فأضاف إليها ثمانية من جوامع الكلم فصارت خمسين حديثًا، وقد شرحها في كتابه العظيم (جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم).","vol":"35","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1013>شرح حديث: (ألحقوا الفرائض بأهلها)</span>\nأول هذه الأحاديث: [عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر) خرجه البخاري ومسلم].\nوهذا حديث عظيم وحديث جامع من جوامع كلمه ﷺ، وهو أصل في باب الفرائض وقسمة المواريث.","vol":"35","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1014>الفروض المقدرة في كتاب الله ﷿ وأوجهها</span>\nقوله ﷺ: (ألحقوا الفرائض بأهلها) أي: ألحقوا الفروض المقدرة في كتاب الله بأهلها، والفروض المقدرة في كتاب الله ستة هي: النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس، ويقال فيهما على سبيل الاختصار: الثلثان والنصف ونصفهما ونصف نصفهما؛ لأن النصف نصفه الربع، ونصف الربع الثمن، والثلثان نصفها الثلث، ونصف الثلث السدس.\nويمكن أن يعكس الأمر فيقال: السدس والثمن وضعفهما وضعف ضعفهما.\nأو يؤتى في الوسط فيقال: الثلث والربع وضعف كل ونصفه، يعني: يؤتى إلى الوسط ويشار إلى ما تحته وإلى ما فوقه.\nوالثلث تحته السدس وفوقه الثلثان، والربع تحته الثمن، وفوقه النصف.\nفيقال فيها هذه الأوجه الأربعة في بيان الاختصار بحيث يبدأ بأعلاها ثم ترتب ترتيبًا تنازليًا، أو يبدأ بأسفلها وترتب ترتيبًا تصاعديًا، أو يؤتى بوسطها ويضاف إليه نصف الاثنين وضعف الاثنين اللذين هما الثلث والربع.\nفهذه هي الفروض المقدرة في كتاب الله ﷿.","vol":"35","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1015>كيفية قسمة التركة بين الورثة</span>\nتلحق الفرائض المقدرة بأهلها وكذلك ما ألحق بها من كون الأولاد إذا اجتمعوا ذكورًا وإناثًا فإن القسمة تكون بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، يعني: يرثون تعصيبًا، وتوزع التركة بينهم على هذا الأساس، ومعلوم أن الذكر من الأولاد لا يفرض له وإنما يأخذ الباقي بعد الفروض، وكذلك إذا كان معه أخته أو أخواته فإنه يكون للذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا مما هو موجود في كتاب الله ﷿، وليس مقصورًا على أصحاب الفروض المقدرة؛ لأن أولئك قدر لهم شيء على هذا الأساس، وهو أنهم يرثون تعصيبًا ويكون للذكر مثل حظ الأنثيين ولا يختص الذكور بذلك، وإنما يختص الذكور بذلك فيما إذا بعدت القرابة، فإذا بعدت القرابة بحيث تكون الأنثى لا ترث مع أخيها ولا مع ابن عمها وإنما يختص الرجال بذلك كأبناء الإخوة الأشقاء لأب وكالأعمام وأبناء الأعمام والأعمام فإن الأمر يختص بالرجال دون النساء، ولهذا لا ترث العمة مع العم وإنما يرث العم وحده، وابن العم يرث دون بنت العم، وابن الأخ الشقيق يرث دون بنت الأخ الشقيق، وابن الأخ لأب يرث دون بنت الأخ لأب؛ لأن القسمة بين الذكور والإناث إنما جاءت في الفروع مطلقًا؛ حيث قال الله ﷿: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء:١١]، والأولاد هم البنون وأبناء البنين ذكورًا وإناثًا وإن نزلوا.\nوكذلك بالنسبة للإخوة الأشقاء ولأب أنهم إذا اجتمعوا يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.\nوأما أبناء الإخوة إذا جاءوا ومعهم أخواتهم أو بنات أعماهم فإنهم يستقلون بالميراث عن أخواتهم وبنات أعمامهم؛ فلا يعصب ابن الأخ أخته ولا ابنة عمه، وإنما يستقل بالميراث؛ لأن البنات أو بنات الإخوة ليس لهن نصيب من الميراث لو انفردن، فكذلك لا يكون لهن نصيب من الميراث مع إخوانهن أو بني أعمامهن وإنما يختص به الرجال؛ لقوله ﷺ في هذا الحديث: (ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر).\nفإذًا: تكون القسمة بين الذكور والإناث إذا اجتمعوا خاصة بمن يرثن من الإناث لو انفردن، واللاتي يفرض لهن لو انفردن هن البنات وبنات الأبناء وإن نزلن والأخوات الشقيقات والأخوات لأب والأخوات لأم؛ فإن لهن ميراثًا مقدرًا في كتاب الله ليس على سبيل التعصيب وإنما على سبيل الفرض، فأولاد الأم لكل واحد سدس، وإذا زادوا عن واحد سواء كانوا إناثًا خلصًا أو ذكورًا خلصًا أو ذكورًا وإناثًا فإن لهم الثلث يشتركون فيه ويتساوون فيه، لا يفرق بين الذكر والأنثى؛ لأن ميراثهم إنما كان بسبب قرابة الأم وليس عصبة.\nوالذين يرثون للذكر مثل حظ الأنثيين هم الذين يرثون عصبة ويكون الواحد من الذكور لو انفرد حاز المال كله، ولو كان معه أخته أو أخواته أو إخوانه فإنه يكون للذكر مثل حظ الأنثيين، وهذه القسمة بهذه الطريقة تختص بالأبناء وأبناء الأبناء وإن نزلوا مع أخواتهم، وكذلك بالإخوة الأشقاء مع أخواتهم، والإخوة لأب مع أخواتهم.\nثم إنه جاء في السنة ما يستثنى من ذلك وهو أنه لو وجدت بنت ومعها أخت شقيقة وهناك أخ لأب فإن الشقيقة تأخذ الباقي تعصيبًا مع الغير كما جاءت السنة في ذلك؛ وذلك لكونها أقرب، ولا يمكن أن يكونوا عصبة؛ لأن الأخ لأب لا يرث مع الأخت الشقيقة ميراثًا واحدًا؛ لأن الميراث الواحد للإخوة الأشقاء مع الأخوات الشقيقات وللإخوة للأب مع الأخوات لأب.\nأما إذا وجدت أخت شقيقة وكان هناك إخوة لأب فإن الميراث الذي يكون بعد النصف أو بعد الثلثين إذا كان هناك بنت أو بنات، تأخذه الأخت الشقيقة أو الأخوات الشقيقات إذا لم يكن معهن إخوانهن، فإن كان معهن إخوانهن فالباقي لهم ولهن للذكر مثل حظ الأنثيين، لكن إذا كانت الأخت الشقيقة موجودة ولا يوجد معها إخوة أشقاء ولكن وجد معها إخوة لأب فإن الأخت الشقيقة أولى من الإخوة لأب؛ لأنها أقرب إلى الميت منهم، وقد جاءت السنة بذلك عن رسول الله ﷺ، فيستثنى ذلك من قوله ﷺ: (ألحقوا الفرائض بأهلها).\nويمكن أن يقال: إذا كان المقصود بالفرائض ما جاء التنصيص عليه في الكتاب والسنة والمقصود به بيان من يرث سواء فرضًا أو تعصيبًا فإن الأخت الشقيقة يكون لها فرض جاءت به السنة، ولكنه ليس بشيء ترثه على التقدير وإنما على ما بقي؛ لأنه إذا كان هناك بنت للميت أخذت النصف والشقيقة النصف الباقي، وإن كان له ابنتان أو بنت وبنت ابن فإن الشقيقة تأخذ الثلث الباقي، وعلى هذا ليس لها فرض مقدر في كتاب الله ولكن لها فرض بالتعصيب مثل ما جاء في الإخوة الأشقاء والإخوة لأب والأبناء وأبناء الأبناء مع أخواتهم فإنه يكون للذكر مثل حظ الأنثيين.\nوفي هذه الصورة إما أن تكون مستثناة من الحديث فلا يعطى المال لأولى رجل ذكر، أو يقال: إن ميراثها جاءت به السنة، وجاء أنها وارثة مع البنت أو مع البنات، وعلى هذا لا يبقى للذكور شيء؛ لأن الإناث قد حزنه، وهذا هو التعصيب مع الغير؛ لأن التعصيب ينقسم إلى ثلاثة أقسام: تعصيب بالنفس، وتعصيب بالغير وتعصيب مع الغير.\nوالعاصب بالنفس: هو الذي إذا انفرد يحوز الميراث بأكمله، وإن كان وحده أخذ ما أبقت الفروض كالابن وابن الابن والأخ الشقيق والأخ لأب، وكذلك الأب والجد؛ فإن هؤلاء يحوزون المال إذا انفردوا، وإذا كان هناك أصحاب فروض أخذ أصحاب الفروض فروضهم وأخذوا ما أبقت الفروض.","vol":"35","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1016>جهات قرب الورثة من الميت</span>\nقوله: (فلأولى رجل ذكر) أولى بمعنى أقرب، وهذا مأخوذ من قول: فلان يلي فلانًا، يعني: أنه بعده، ويليه مباشرة، وليس بمعنى أنه أحق رجل ذكر، وإنما هو أولى وأقرب رجل ذكر إلى الميت.\nوعلى هذا فإذا ترك الميت أبناء إخوة أشقاء وأبناء إخوة لأب وأعمام وأبناء الأعمام فإن أقربهم الإخوة الأشقاء إذا كانوا موجودين فيحوزون الميراث ويستقلون به إذا كانوا منفردين، وإن كان معهم أصحاب فروض أخذوا ما أبقت الفروض، فيكون قوله ﷺ: (ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر).\nإذًا: فأقرب هؤلاء الأربعة الأصناف هم الإخوة الأشقاء؛ وقدموا على الإخوة لأب؛ لأن عندهم سببين: سبب القرابة من جهة الأم، وسبب القرابة من جهة الأب، فالجهة واحدة وهي جهة الإخوة.\nوأما إذا وجد إخوة لأب وأعمام فإن الإخوة لأب أولى من الأعمام؛ لأن الأخ لأب يدلي إلى الميت بأبيه، وأما العم فيدلي إليه بجده، فمن كان متفرعًا عن الأب القريب فهو أولى من المتفرع عن الأب البعيد، وهكذا الأعمام أخوان الجد أو من فوقهم الذين هم إخوان أبي الجد وإن علاء، وكذلك أبناؤهم وإن نزلوا، فكل من يدلي إلى الميت بمن هو قريب منه هو الذي يحوز الميراث، ومن كان أبعد فإنه لا يحوزه سواء كان ذلك في جهة واحدة أو في جهتين، كالإخوة لأب مع الأعمام فإن هؤلاء في جهة وهؤلاء في جهة؛ لأن أبناء الإخوة يدلون بالإخوة وذلك لمشاركتهم الميت في أبيه، وأما الأعمام فيشاركون الميت في جده وليس في أبيه، فمن يدلي إلى الميت بالأب القريب أولى ممن يدلي إليه بالأب البعيد الذي هو فوق القريب.\nوعلى هذا فقوله ﷺ: (لأولى رجل ذكر) يعني: من كان قريبًا إلى الميت، سواء كان ذلك القرب من جهة واحدة أو من جهتين، وهناك من يدلي إلى الميت بسببين كالأم والأب وهناك من يدلي بسبب واحد وهو الأب فقط، فإن الإخوة الأشقاء مقدمون على الإخوة لأب؛ لأن هؤلاء يدلون بالأم والأب وهؤلاء يدلون بالأب فقط، فكانوا أولى وأقرب إلى الميت من هؤلاء.\nوهكذا إذا كان ذلك في جهتين كما قلنا بالنسبة للإخوة الأشقاء أو الإخوة لأب مع الأعمام الذين يدلون بقرابتهم إلى الميت في مشاركتهم في جده؛ لأن العم يشارك الميت في أب أبيه، وأما الأخ فيشاركه في أبيه، ومن يشارك في الأب أولى ممن يشارك في الجد.","vol":"35","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1017>سبب ذكر تقييد الرجل بالذكر في الحديث</span>\nقوله: (لأولى رجل ذكر) معلوم أن الرجل هو الذكر والذكر هو الرجل، فلماذا جاء ذكر الذكر مع ذكر الرجل؟ علل العلماء بتعليلات متعددة، ولكن يبدو أن أقربها هو: أن الرجل عندما يذكر فإنه يتبادر الذهن إلى نجدته وقوته ونصرته وأنه رجل؛ لأن الصغير لا يقال له: رجل، وإنما يقال له: ذكر، فلما كان الأمر لا يختص بأصحاب النجدات والإعانات والنصرة والقوة والدفاع عن الميت لكونه عنده قدرة على ذلك وإنما الأمر يتعلق فقط بالإرث، أضاف إلى ذلك شيئًا يبين أنه ليس الأمر خاصًا بمن يوصف بأنه رجل وهو الذي عنده قوة وعنده شدة وعنده إعانة.\nفإذًا: جاء ذكر الذكر بعد ذكر الرجل ليبين أن الأمر لا يختص بالرجال وإنما هو بالذكور الذين يقابلون الإناث.\nولهذا جاء في ميراث الأبناء إذا اجتمعوا مع البنات مع أخواتهم والإخوة إذا اجتمعوا مع أخواتهم قوله ﷿: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]؛ لأن الذكر يقابل الأنثى والرجل يقابل المرأة، والمرأة غالبًا تطلق على الكبيرة والرجل يطلق على الكبير، والأمر لا يختص بالرجال والنساء الكبار وإنما هو للذكور، فيستوي في ذلك من بلغ عمره مائة سنة ومن عمره سنة أو أقل من سنة، فما دام أنهم أبناء للميت أو إخوة للميت أشقاء أو لأب فإنهم يتساوون في الميراث لا يفرق بين كبير وصغير، بل ذلك منوط بالذكورة والأنوثة، ولهذا قال ﷿: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١٧٦] فيما يتعلق بميراث الأبناء، وجاء في الإخوة الأشقاء في آخر سورة النساء: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١٧٦]، يعني: أن الذكور لهم ضعف الإناث سواء كان الذكور كبارًا أو صغارًا، وسواء كانت الإناث كبارًا أو صغارًا.\nوعلى هذا فهذا الحديث إذا ضم إلى آيات المواريث وإلى ما جاءت به السنة من أحاديث تبين بعض أنواع المواريث مثل ما ذكرنا في مسألة الشقيقة مع البنت أو البنتين فإنها تكون مقدمة على الإخوة لأب، ولا يقال: إن قوله: (لأولى رجل ذكر) بأن أولى رجل ذكر الذي يستقل عن الأنثى هو الذي لا يفرد فيه إلا الأنثى لو انفردت، كأبناء الإخوة الأشقاء وأبناء الإخوة لأب وكذلك الأعمام وأبناء الأعمام فإن الذكور هم الذين يستقلون بالميراث.","vol":"35","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1018>الوارثون بالتعصيب</span>\nجاءت السنة بتوريث العصبة الذين هم عصبة بالنفس في المعتقة والمعتق، وهذا بسبب الإعتاق وبسبب النعمة على المعتق، فإنهم يرثون المعتق سواء كانوا ذكورًا أو إناثًا، والنساء ليس فيهن من يرث بالتعصيب بالنفس إلا المعتقة فقط، كما يقول صاحب الرحبية: وليس في النساء طرًا عصبة إلا التي منت بعتق الرقبة يعني: أن النساء ليس فيهن عصبة بالنفس إلا التي منت بعتق الرقبة التي هي المعتقة، فإنها ترث ولكن هذا الميراث بعد أن ينتهي العصبة من جهة النسب وإن علوا وإن نزلوا، كالأعمام وإن علوا، وكأبناء الأعمام وأبناء الإخوة وإن نزلوا، فإن الإرث بالتعصيب في النسب مقدم على الإرث بالتعصيب بالسبب الذي هو العتق، لكن العتق يكون فيه ميراث النساء بالنفس، وعلى فهذا فهناك ميراث تعصيب بالنفس وتعصيب بالغير.\nوالذين يرثون بالتعصيب بالنسب هم: الذكور الذين يستقلون بالميراث لو انفردوا والمعتق والمعتقة إذا انفردوا، والمعتقة تأتي من الإناث فيمن يرث بالتعصيب بالنفس.\nوالذي يرث بالتعصيب بالغير هي المرأة التي يفرض لها لو انفردت، ولكنه إذا جاء معها أخوها فإنه يكون للذكر مثل حظ الأنثيين كالبنات والبنين وكأبناء البنين وبنات البنين فإنه يكون للذكر مثل حظ الأنثيين، وكالإخوة الأشقاء مع أخواتهم الشقيقات والإخوة لأب مع أخواتهم لأب، فإن الأنثى إذا انفردت فرض لها النصف، كالبنت وبنت الابن والشقيقة والأخت لأب، وإن كن أكثر من واحدة فرض لهن الثلثان، وسواء كان هذا الميراث بطبقة واحدة أو بطبقتين فإذا لم توجد بنتان ولكن وجد بنت وبنت ابن فإن البنت يكون لها النصف وبنت الابن يفرض لها السدس تكملة الثلثين؛ لأن البنات المجتمعات لا يحصلن أكثر من ثلثين، فإن كن في درجة واحدة حزنه بالتساوي، وإن كن في درجتين فإن التي في الدرجة الأولى تأخذ النصف والتي في الدرجة الثانية وهي بنت الابن مع البنت يفرض لها السدس تكملة الثلثين، وهكذا الأخت لأب مع الأخت الشقيقة فإنه يفرض للشقيقة النصف والأخت لأب يفرض لها السدس تكملة الثلثين؛ لأنهن يرثن ميراث الأخوات، والأخوات يكون لهن الثلثان.\nلكن إذا وجد معهن إخوانهن صار للذكر مثل حظ الأنثيين، فالبنات مع البنين وبنات الأبناء مع بني البنين الذين في درجة واحدة يشتركون في الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين، وكذلك الإخوة الأشقاء مع الأخوات الشقيقات والإخوة لأب مع الأخوات لأب يكون للذكر مثل حظ الأنثيين.\nفالعصبة بالغير أربعة أصناف: اللاتي يفرض لهن النصف لو انفردن، واللاتي يفرض لهن الثلثان لو اجتمعن، وإذا جاء معهن إخوانهن فللذكر مثل حظ الأنثيين، وإن انفردن فالنصف لواحدة والثلثان لاثنتين فأكثر، وسواء كن في طبقة واحدة كالبنات أو في طبقتين كالبنات وبنات الابن فإن الميراث يكون الثلثين فقط، وهذا هو التعصيب بالغير.\nوأما التعصيب مع الغير فميراث الأخوات الشقيقات والأخوات لأب مع البنات، فالأخوات مع البنات عصبات.\nفإذا وجدت شقيقة مع بنت أو بنتين فإنها تأخذ الباقي، فإن كانت مع بنت واحدة أخذت الباقي وهو نصف، وإن كانت مع ابنتين أخذت الباقي وهو الثلث.\nوكذلك الأخت الشقيقة إذا كانت واحدة فلها النصف، وإن كن اثنتين فلهن الثلثان، والأخوات لأب ليس لهن شيء، كما أن بنات الأبناء ليس لهن شيء إذا حاز البنات الثلثين.\nفإن وجدت شقيقتان ووجدت أخت لأب فإنها لا تأخذ الباقي.\nوالأخوات الشقيقات يأخذن الباقي بعد فرض البنت ويقدمن على الإخوة لأب؛ لأنهن يدلين إلى الميت بقرابتين، بخلاف الأخ لأب فإنه يدلي إلى الميت بقرابة واحدة.\nهذا هو ما يتعلق بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر).","vol":"35","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1019>شرح آيات المواريث</span>\nفي مسألة المواريث ذكر الله ﷿ ثلاث آيات في سورة النساء، الآية الأولى: تتعلق بعمودي النسب وهم أصول الميت وفروعه، وأصول الميت هم آباؤه وأمهاته، وفروعه هم أبناؤه وبناته وأبناء بنيه وإن نزلوا.\nوالآية الثانية: تتعلق بميراث الزوجين والإخوة لأم الذين لا يرثون إلا بالفرض وليس لهم تعصيب، ولا يرثون بالتعصيب بحال، وهؤلاء يرثون من جهة قرابة الأم ومن جهة الزوجية ونصيبهم إنما هو بالفرض فقط.\nوأما القسم الأول المذكور في آية العمودين ففيه فرض وفيه تعصيب؛ لأن الأب يفرض له ويرث بالتعصيب، والابن لا يرث إلا بالتعصيب والبنت يفرض لها، والبنتان يفرض لهما ومع إخوانهما يشتركون للذكر مثل حظ الأنثيين.\nأما الآية التي في آخر سورة النساء وهي الثالثة فهي في الإخوة الأشقاء والإخوة لأب وميراثهم على طريقة ميراث الأبناء، وهي في الكلالة، ومعنى كلالة: ألا يكون للميت أصول ولا فروع، أي: ليس له ولد ولا والد، فمن ليس له ولد ولا والد فإنه يورث كلالة؛ لأنهم كالمحيطين بالميت بخلاف الأصول فإنها فوقه والفروع تكون تحته، وأما الإخوة فهم محيطون به، فقيل لهم: كلالة، فيرثون كلالة إذا لم يكن للميت والد ولا ولد.\nفالإخوة للأم كذلك لا يرثون إلا عند عدم الولد والوالد، وكذلك الإخوة الأشقاء والإخوة لأب لا يرثون إلا عند عدم الولد والوالد، ولكن كما هو معلوم أنه بالنسبة للولد الذكر أو الذكور والإناث يأخذون الميراث ولا يبقى للإخوة شيء، وأما إذا كانوا إناثًا خلصًا فلهن النصف أو الثلثان والباقي يأخذه أقرب من يكون للميت، والإخوة الأشقاء هم أقرب من يكون للميت إذا لم يكن له أصول ولا فروع، وميراثهم على طريقة ميراث الأبناء، فإن الأخت الواحدة لها النصف والبنتين لهما الثلثان، وهكذا الأختان الشقيقتان أو لأب لهما الثلثان، فإذا كن اثنتين فأكثر فإنهن يشتركن في الثلثين، ولو وجدت أخت شقيقة وأخت لأب فإن الأخت الشقيقة لها النصف والأخت لأب لها السدس تكملة الثلثين؛ لأنهن يرثن بالإخوة الثلثين، فتكون الأقرب منهن الشقيقة لها النصف والتي هي أبعد والتي هي أبعد منها لها بقية الثلثين، وإذا اجتمع الذكور والإناث فللذكر مثل حظ الأنثيين، وإذا كان هناك إخوة أشقاء مع أخواتهم أو إخوة لأب مع أخواتهم فإنه للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن وجد ذكور خلص فإن الإخوة الأشقاء يحجبون الإخوة لأب؛ لأنهم يدلون إلى الميت بسببين وهما: الأبوة والأمومة، والإخوة لأب إنما يدلون إليه بالأبوة فقط.","vol":"35","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1020>الفرق بين خرجه فلان ورواه فلان</span>\nويلاحظ في تعبير ابن رجب ﵀ عند التخريج أنه يقول: خرجه فلان، وأما النووي فإنه يقول: رواه فلان، فـ ابن رجب حين يعبر بالتخريج يقول: خرجه البخاري ومسلم خرجه مسلم خرجه البخاري خرجه أبو داود، ولا فرق بين هذا وهذا، وكل من التعبيرين صحيح؛ فإن قيل: رواه البخاري ومسلم أو قيل: خرجه البخاري ومسلم فالمعنى والمؤدى واحد.","vol":"35","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1021>شرح حديث: (تحرم الرضاعة ما تحرم الولادة)</span>\nقال الحافظ ابن رجب ﵀: عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: (تحرم الرضاعة ما تحرم الولادة)، أخرجه البخاري ومسلم.\nهذا أيضًا من جوامع كلمه ﷺ، فإن كل واحدة من النسب يحرم مثلها من السبب الذي هو الرضاع؛ لقوله ﷺ: (تحرم الرضاعة ما تحرم الولادة)، وهذا يمكن أن يعرف عن طريق المحرمات بالنسب ثم ما يماثلهن من الرضاعة.","vol":"35","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1022>حد الرضاع المحرم</span>\nالعلماء لهم تفاصيل فيما يتعلق بالرضاعة وبيان كيفيتها.\nومما يدخل في مسائلها أن التحريم إنما يكون بخمس رضعات فأكثر، فإذا قل عن خمس رضعات فإنه لا يحرم، كما ثبتت السنة بذلك عن رسول الله ﷺ.\nوأن يكون ذلك في زمن الرضاعة وهو الحولان، فرضاع الكبير لا يؤثر ولا عبرة به، وما جاء في قصة سالم مولى أبي حذيفة هذا خاص به، ولا يقال: إنه يتعداه إلى غيره، ولو قيل بتعديه لأمكن كل امرأة أن تتخلص من زوجها بأن تحلب من ثديها في كأس ثم تعطيه ويشرب وهو لا يدري، فإذا فرغ قالت: أنا أمك من الرضاعة وتخلصت منه، فرضاع الكبير لا يؤثر، وإنما جاء ذلك في قصة سالم مولى أبي حذيفة وهو خاص بـ سالم مولى أبي حذيفة فلا يتعداه إلى غيره.\nفإذًا: الرضاع يكون خمس رضعات فأكثر وفي المدة التي ينفع فيها الرضاع ويسد الرضاع فيها الجوع، وأما إذا كان تغذى الطفل بالطعام وفطم عن الرضاع فإن رضاعه لا عبرة به.","vol":"35","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1023>المحرمية بالرضاع</span>\nلو رضع طفل من امرأة فإنه يكون أخًا لجميع أولادها ولو كانوا من عدة أزواج قبل الذي رضع من لبنه وهو زوجها أو بعده، أي: إذا كانت قد تزوجت بعدة أزواج ولها من كل زوج أولاد فرضع شخص من لبنها مع أحد أولادها من الرجل الذي هو زوجها في الوقت الحاضر، فإنه يكون أخًا لجميع أولادها السابقين واللاحقين، ويكون أيضًا أخًا لأولاد صاحب اللبن ولو كانوا من عدة زوجات، سواء كانوا قبل هذا الرضاع أو بعد هذا الرضاع؛ وهذا يكون خاصًا بالمرتضع، أما إخوانه الذين لم يرضعوا فلا علاقة لهم بهذا التحريم، وكذلك يكون المرتضع ابنًا لجميع أمهات المرضعة، ويكون ابنًا للفحل وأخًا لجميع أولاده وابنًا لأمهاته وآبائه، كل ذلك يختص به هذا المرتضع الذي رضع اللبن فهو الذي ينفرد بالحرمة ويحصل له هذا الانتشار الواسع، وأما الذين لم يحصل لهم رضاع من أقاربه فإنه ليس لهم علاقة بهذا التحريم.","vol":"35","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1024>شرح حديث: (إن الله ﷿ ورسوله حرم بيع الخمر)</span>\nالحديث الخامس والأربعون: عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄: أنه سمع النبي ﷺ وهو بمكة يقول: (إن الله ﷿ ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل: يا رسول الله! أرأيت شحوم الميتة فإنه تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ قال: لا، هو حرام، ثم قال رسول الله ﷺ: قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم الشحوم جملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه) رواه البخاري ومسلم.\nيعني: لما حرمت عليهم الميتات عمدوا إلى الشحوم فأذابوها وباعوها على أنها ودك لا شحم، وهذا من حيل اليهود التي أخبر بها رسول الله ﷺ وأنهم احتالوا على ما حرم الله فحولوه إلى شيء آخر، وصار له اسم آخر والنتيجة واحدة، والله تعالى إذا حرم شيئًا حرم ثمنه.\nوقوله ﷺ: إن الله ورسوله حرم جاء في بعض الروايات: (حرما) بالتثنية؛ لأن الضمير يرجع إلى الله ورسوله ﷺ، وعلى هذه الرواية التي فيها الإفراد: (حرم) فإنه يقال فيها: إن الضمير يرجع إلى الثاني الذي هو الرسول ﷺ، والضمير الذي يرجع إلى الله محذوف وتقديره: إن الله حرم ورسوله حرم، فيكون خبر الأول محذوفًا والثاني موجودًا، ويكون هذا مثل قوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة:٦٢] يعني: والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه.\nوكذلك قول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ والرأي مختلف يعني: نحن بما عندنا راضون وأنت بما عندك راضٍ، فحذف الخبر في الأول فقال: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ بدلالة الثاني على الأول، أي: بدلالة المذكور على المحذور، فيكون ذكر الضمير على سبيل الإفراد هو من هذا القبيل.","vol":"35","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1025>تحريم بيع الميتة والخمر</span>\nقوله: (حرم بيع الخمر والميتة)، الميتة هي حرام أكلها وبيعها؛ لأن الله تعالى إذا حرم شيئًا حرم ثمنه، فلا يقال: إنه يتخلص من المحرم ببيعه ثم يؤكل ثمنه، بل ما هو حرام فإنه يحرم بيعه، والخمر حرمت لما فيها من الفساد ولما فيها من الضرر ولما فيها من زوال العقل، بهذه اللذة التي صار إليها من ابتلي بها، وهي لذة عاجلة تعقب حسرة وتعقب ندامة، وقد سماها رسول الله ﷺ أم الخبائث؛ لأن الإنسان إذا أتى بها وسكر فإن كل شيء يمكن أن يفعله، حتى إنه قد يزني بمحارمه والعياذ بالله؛ لأن عقله قد ذهب وليس بموجود، ولهذا يقول ابن الوردي في لاميته العظيمة التي يقول فيها في شطر من شطر أبياتها: كيف يسعى في جنون من عقل فهذا شيء عجيب! فإنسان أعطاه الله عقلًا ثم كيف يسعى باختياره وإرادته إلى أن يكون من جملة المجانين؟! ومعلوم أن السكران يذهب عقله والعياذ بالله! فيحصل منه أنواع الخبائث، ولهذا قيل للخمر: إنها أم الخبائث؛ لأنها تؤدي إلى الخبائث، فالإنسان إذا فقد عقله يتصرف تصرفات خبيثة وقد يقع فيها على محارمه والعياذ بالله! وقد يحصل منه أمور منكرة وأمور مستقذرة مثل قصة سكران كان يبول ويأخذ بوله ويشربه ويغسل به وجهه! وكل هذا قبح وسوء، سببه ونتيجته هو تضييع العقل وإفساد العقل.\nإذًا: فالله تعالى حرم الميتة فلا تؤكل ولا تباع، وحرم الخمر فلا تشرب ولا تباع، وحرم الخنزير فلا يؤكل ولا يباع، وكذلك حرم الله الأصنام فلا يجوز بيعها، وإن كانت أعيانها قد تكون طاهرة وتكون سليمة فقد تكون من حجارة أو من خشب فلا يجوز بيعها؛ لأنها أصنام تعبد من دون الله، لكن لو كسرت وحطمت وصارت قطعًا فإنه يمكن الاستفادة من هذه القطع وهذه الكسر؛ لأنها خرجت عن كونها صنمًا، فيمكن أن يستفاد من هذه الحجارة في بناء أو في غير ذلك.","vol":"35","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1026>حكم شحوم الميتة وجلودها</span>\nقول الرسول ﷺ: (إن الله تعالى ورسوله حرم الميتة) هناك شيء يتعلق بشحوم الميتة، فقد سأل رجل فقال: (يا رسول الله! أرأيت شحوم الميتة فإنه تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟) يعني: يتخذونها للإضاءة، فقال ﷺ: (لا، هو حرام)، وقد اختلف العلماء في قوله: (هو حرام) هل يرجع إلى البيع أو يرجع إلى هذه الأمور التي ينتفع بها؟ فمنهم من قال: إن التحريم يرجع إلى البيع، ومنهم من قال: إن التحريم يرجع إلى الاستفادة منها والاستصباح ودهن الجلود وطلاء السفن، يعني: أن تطلى من الخارج بهذه الأدهان بحيث لا يؤثر فيها الماء وكثرة سيرها في الماء ومكثها في الماء، فيكون ذلك مما يساعد ويعين على سلامتها وعلى بقائها وعدم تأثرها.\nولا شك أن عدم استعمال الميتة وما يتعلق بها أولى، وإنما يستثنى من ذلك الجلود، فإنه يجوز الاستفادة بها بعد الدبغ؛ لأنها تطهر بالدبغ كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ، وهذا إنما يكون خاصًا فيما يؤكل لحمه ويكون ميتة، والمذكى كما هو معلوم مما يؤكل لحمه يمكن الاستفادة من جلده، ولا يقال: إنه نجس كالميتة، وإنما هو طاهر، ولكنه يدبغ من أجل إزالة الشعر والاستفادة منه.\nأما إذا كان الجلد مما لا يؤكل لحمه كالحمير والكلاب والخنازير وغير ذلك فإنه لا يستفاد منه ولا ينتفع به، وإنما الاستفادة تكون من مأكول اللحم؛ لأنه هو الذي تنفع فيه الذكاة، وأما ما لا يؤكل لحمه فهو بمنزلة الميتة وإن ذكي؛ لن ذكاته لا تخرجه من كونه ميتة.\nثم قال: (قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم الشحوم جملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه) يعني: أذابوه وصار بدل ما كان شحمًا يقال له: ودك، فباعوه وأكلوا ثمنه، وهذا من حيلهم التي بينها رسول الله ﷺ وهي حرام.\nفالخمر لا يستفاد منها ببيعها ولا يستفاد منها بشيء، وإنما يجب إراقتها وإتلافها، والميتة كذلك لا يستفاد منها إلا بجلدها إذا دبغ، وكذلك الأمور الأخرى لا يستفاد منها لا بالأكل بالنسبة للخنزير ولا بالبيع، وكذلك بالنسبة للأصنام لا يستفاد منها ببيعها؛ لأن ذلك يؤدي إلى الإشراك بها مع الله، وكونها تعبد من دون الله وفي ذلك مضرة، وإنما تحطم وتكسر ولا تبقى صنميتها ووثنيتها، ويمكن أن يستفاد منها في بنيان أو في جدار؛ لأنها لم تبق صنمًا.","vol":"35","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1027>شرح حديث: (كل مسكر حرام)</span>\nقال ابن رجب رحمه الله تعالى: عن أبي بردة عن أبيه أبي موسى ﵁: (أن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن فسأله عن أشربة فيها فقال: وما هي؟ قال: البتع والمزر، فقيل لـ أبي بردة: ما البتع؟ قال: نبيذ العسل، والمزر نبيذ الشعير، فقال: كل مسكر حرام) خرجه البخاري.\nقوله ﷺ: (كل مسكر حرام)، هذا جواب جامع يدخل فيه المسئول عنه وغير المسئول عنه، وأن القضية معلقة بالإسكار، فكل ما أسكر فإنه حرام سواء كان من الشعير أو من العسل أو من العنب أو من التمر أو من أي شيء، وسواء كان جامدًا أو سائلًا أو مسحوقًا أو غير مسحوق، كل ذلك حرام؛ لأن الأمر علق بالإسكار.\nفقوله ﵊: (كل مسكر حرام) هذا من جوامع كلمه ﷺ، ولهذا لما سئل بعض الصحابة عن الباذق -وهو نوع من الشراب- قال: (سبق محمد ﷺ الباذق، فقال: (كل مسكر حرام»، يعني: أن الشريعة في عموماتها وكلياتها يدخل فيها ما كان معروفًا وما ليس بمعروف، فقوله: (كل مسكر حرام)، أنيط الحكم بالإسكار في جميع أحواله سواء كان سائلًا أو جامدًا أو دقيقًا أو أي شيء آخر، ولا ينظر إلى ما وراء ذلك.\nثم إن قوله: (كل مسكر حرام)، يكون في القليل والكثير، كما قال ﷺ في الحديث الآخر: (ما أسكر كثيره فقليله حرام)، وإنما حرم القليل الذي لا يسكر؛ لأنه ذريعة إلى المسكر، وهذا من باب سد الذرائع ومنع الأشياء التي توصل إلى الغايات، فالقليل وإن كان لا يسكر فإنه حرام.\nفالرسول ﷺ سئل عن نوعين من النبيذ فعلق الرسول ﷺ الأمر بالإسكار، وهذا معناه: أنه إذا كان غير مسكر فلا بأس، وإن كان مسكرًا فهو حرام، وقد جاء في حديث وفد عبد القيس أن النبي ﷺ حرم الانتباذ في أوعية غليظة يمكن أن يحصل الإسكار فيها ولا يظهر على الخارج منها، وهي الدباء وهو القرع الذي يخرج لبه ثم ييبس ويكون يوضع يكون فيه النبيذ، وكذلك الحنتم وهي جرار ينتبذ بها، والمقير وهو الذي طلي بالقار، والمزفت وهو الذي طلي بالزفت، وكانت هذه أشياء غليظة يمكن أن يحصل فيها الإسكار ولكن لا يظهر على خارجها، وليست كالأسقية التي هي من الجلود؛ فإنها إذا حصل تغير في داخلها ظهر على سطحها، أما هذه فلا يظهر على سطحها، وكان هذا في أول الأمر، ثم إن ذلك نسخ بما يوافق هذه القاعدة التي جاءت في حديث أبي موسى وكذلك في حديث بريدة بن الحصيب الذي ذكر فيه النبي ﷺ الناسخ والمنسوخ في ثلاثة أمور فقال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها، وكنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث ألا فادخروا، وكنت نهيتكم عن الانتباذ في أوعية فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرًا).\nأي: المهم ألا تستعملوا شيئًا يوصل إلى حد الإسكار، فما أسكر كثيره لا تستعملوه لا كثيره ولا قليله، فهذا الحديث بين فيه ﷺ أن الأمر يتعلق بالإسكار، وأنه إذا لم يصل إلى حد الإسكار في الكثير فإنه لا بأس بالقليل والكثير، وإن كان كثيره يسكر وقليله لا يسكر فإنه يحرم الكثير والقليل.\nإذًا: الرسول ﷺ لما سأله أبو موسى عن هذين الشرابين اللذين كانا موجودين في اليمن وهما: نبيذ العسل، ونبيذ الشعير، ما أجابه الرسول ﷺ عليهما وإنما أجابه بقاعدة كلية يندرج تحتها المسئول عنهما وغيرهما، فذكر له: أن كل مسكر حرام وكل ما لم يسكر فإنه حلال.","vol":"35","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1028>الأسئلة</span>","vol":"35","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1029>حكم الأدوية التي يدخل في تركيبها الكحول</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كل مسكر حرام قليله وكثيره فكيف بنسبة الكحول في الدواء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الشيء الذي يتخذ للعلاج إذا كانت نسبته قليلة مع الدواء فإن ذلك لا يؤثر، مثل البنج فقد ذكر الحافظ ابن رجب ﵀ أن استعمال البنج في الدواء حتى يغيب العقل من أجل قطع شيء من الإنسان بحيث لا يشعر أن ذلك جائز.","vol":"35","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1030>حكم العطور المشتملة على كحول</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كل العطور الآن تصنع من الكحول، فما مقدار كمية الكحول الجائزة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا الكلام ليس بصحيح، لا يقال: كل العطور تصنع من الكحول؛ فكم هناك من العطور التي لا كحول فيها! وكم من طيب ليس فيه شيء من الكحول! ولكن إذا كان هناك طيب فيه كحول وطيب سالم من الكحول فكون الإنسان يأخذ الحلال البين ويترك الشيء الذي هو مشتبه أولى؛ حتى يتقي الشبهات لئلا يقع في المحرم.","vol":"35","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1031>حكم التماثيل المتخذة للزينة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم التماثيل التي تباع ويتخذها الناس كزينة في البيوت؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس للناس أن يحوزوا هذه التماثيل ولا أن يقتنوها، بل يجب أن تحطم وتتلف، ولا يجوز أن يقتني الناس تماثيل؛ لأن التماثيل كما هو معلوم هي وسيلة إلى الشرك.","vol":"35","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1032>توحيد الضمير في قوله: (إن الله ورسوله حرم)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ألا يكون قوله ﷺ: (إن الله ورسوله حرم) من باب التأدب مع الله ﷿ حتى لا ينسب التشريع لكليهما؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قد جاء في الحديث في بعض الروايات الصحيحة: (إن الله ورسوله ينهيانكم) وكذلك جاء: (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما).","vol":"35","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1033>نجاسة عين الخمر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الخمر نجسة العين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  من العلماء من قال: إنها نجسة العين وأن الإنسان إذا وقعت عليه فإنه يزيل تلك النجاسة.","vol":"35","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1034>بيان محرمية الرضاع</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  في أي شيء تكون محرمية الرضاع؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  تكون بما يماثلها من النسب؛ فالأخت من الرضاع كالأخت من النسب، والأم من الرضاع كالأم من النسب، والجدة من الرضاع كالجدة من النسب، والجد من الرضاع كالجد من النسب، والابن من الرضاع كالابن من النسب، وكذلك حليلة الابن من الرضاع كحليلة الابن من النسب، كما ذكر ذلك العلماء وقالوا: إن قوله تعالى: ﴿وحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، فقوله: ﴿مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] ليس إخراجًا لزوجات الأبناء من الرضاعة وإنما جاءت في إخراج زوجات الأبناء المتبنين؛ فإن ذلك لا يحرم وإنما الذي يحرم هو زوجة الابن من الرضاع كزوجة الابن من النسب.","vol":"35","page":29},{"text":"شرح الأربعين النووية <span data-type=\"title\" id=toc-1035>[٣٦]</span>\nجوامع كلمه ﷺ أحاديث تجمع معاني كثيرة في ألفاظ قليلة، ومن تلك الأحاديث: حديث علامات المنافق، وحديث التقلل من الطعام، وحديث التوكل على الله، وحديث الحث على ذكر الله، وهذه الجوامع مما اهتم بها العلماء وحرصوا على جمعها واعتنوا بشرحها، فينبغي الاعتناء بها والاستفادة منها.","vol":"36","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1036>شرح حديث: (ما ملأ ابن آدم وعاء شرًا من بطنه)</span>\nالحديث السابع والأربعون من الأحاديث الخمسين بتتمة ابن رجب، وهو الحديث الخامس من الأحاديث الثمانية التي زادها ابن رجب: عن المقدام بن معد يكرب رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًا من بطن، بحسب امرئ أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه) رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن.\nذكر المصنف تخريجه عن الإمام أحمد وعن ثلاثة من أصحاب السنن الأربعة وهم من عدا الإمام أبا داود رحم الله تعالى الجميع.\nوكان من طريقة الإمام النووي ﵀ عندما يخرج الأحاديث أن يقول: رواه فلان وفلان، فيعبر بـ (رواه)، وأما الحافظ ابن رجب فإنه يعبر بـ (خرجه) وأحيانًا يعبر بـ (رواه)، ولا فرق بين خرجه ورواه، فإن المقصود به المؤلف الذي روى هذا الحديث في كتابه بسنده إلى رسول الله ﷺ.\nقوله ﷺ: (ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًا من بطن)، الوعاء هو: الظرف الذي توضع فيه الأشياء، والبطن هو: الذي يوضع فيه الطعام، وإذا أُكثر من الطعام أدى إلى تخمة وصار ضررًا وشرًا على صاحبه؛ وذلك لما ينتج عنه من الكسل والخمول والفتور، وما يحصل عنه أيضًا من الأمراض والأمور المنغصة.\nوبعد أن بين النبي الكريم ﷺ أن البطن هو شر وعاء يملأ أرشد ﵊ إلى الطريقة المثلى في الأكل وهي أخذ الكفاية، ثم بين هذه الكفاية فقال ﵊: (بحسب امرئ) أي: يكفيه (أكلات يقمن صلبه)، أكلات: جمع أكلة، أي: لقيمات يقمن صلبه، وصلبه هو ظهره، وذلك أنه إذا أكل الإنسان وحصل له التغذي بالطعام فإنه يكون عنده نشاط وتكون عنده قوة وفيه حياة، وإذا ذهب عنه الطعام أدى به ذلك إلى السقام وإلى المرض، وربما أدى به ذلك إلى الموت بسبب الجوع.\nوقوله ﵊: (بحسب) الحسب هنا بمعنى الكافي، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]، أي: كافيك الله، وكافي من اتبعك من المؤمنين، وقد مر في حديث أبي هريرة: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)، أي: لو لم يكن عنده من الشر إلا هذا لكان كافيًا فكيف إذا كانت عنده شرور أخرى، فإن ذلك شر إلى شر وضرر إلى ضرر.\nثم إن النبي ﷺ أرشد الإنسان إذا لم يكتف بهذه الأكلات التي يحصل بها إقامة الصلب إلى هذه القسمة الثلاثية، وهي أن يكون ثلث بطنه لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه.\nفالرسول ﷺ ذكر ثلاثة أحوال للناس: فالحالة الأولى: حال من يملأ بطنه، وبذلك يتعرض لأسباب الأمراض وللأسقام وللكسل والخمول، والحالة الثانية: حال من يأتي بالطريقة التي فيها الكفاية، وهي الأكلات التي يقمن صلبه، وإذا كان ولا بد فهناك شيء بين الكفاية والامتلاء، وهو أن يملأ الثلثين ويبقى ثلث يكون فيه مجال للتنفس وهذه هي الحالة الثالثة.\nفهذا هو هديه ﷺ فيما يتعلق بالمآكل والمشارب.","vol":"36","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1037>شرح حديث: (أربع من كن فيه كان منافقًا)</span>\nقال المصنف ﵀: عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: (أربع من كن فيه كان منافقًا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر) خرجه البخاري ومسلم.\nهذه أربع خصال إذا اجتمعت في الإنسان صار منافقًا، وإذا وجدت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق.\nوالمراد بالنفاق هنا: النفاق العملي وليس النفاق الاعتقادي، والنفاق العملي هو الذي لا يخرج من الملة، والنفاق الاعتقادي هو النفاق المخرج من الملة، وهو الذي أصحابه مخلدون في النار، كما قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء:١٤٥].\nفأقرب الأقوال في معنى النفاق هنا أنه النفاق العملي الذي هو إخلاف الوعود والفجور في المخاصمة، وكذلك الغدر عند المعاهدة والكذب، والمطلوب من المسلم أن يكون متحليًا بضد هذه الخصال، فيكون عند الحديث صادقًا، فلا يقدم على الكذب ولا يحدث صاحبه بما هو كذب، ويحذر من أن يكون من أهل الفجور والكذب، وإذا لم يحدث بما هو صدق فليمسك عن الكلام، كما قال ﵊: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت).\nوقوله: (وإذا وعد أخلف) هذا يكون فيمن يعد وفي نيته أن يخلف، فهذا هو الوصف المذموم، وأما إذا وعد الإنسان وهو يريد ألا يخلف ثم حصل له مانع يمنعه من الوفاء بالوعد وحصل له أشياء تحول بينه وبين تنفيذ ما وعد فإن هذا لا يكون آثمًا، وإنما الآثم هو الذي من شأنه أن يعد وهو غير صادق في وعده.\nوقوله: (وإذا خاصم فجر) أي: أنه إذا خاصم لا يتحاشى في الكلام، بل يزيد في الكلام ويتكلم بالكلام الباطل في حال الخصومة، والأصل أن يمسك المرء لسانه عند الخصومة فلا يتعدى ولا يتجاوز ولا يتكلم إلا بما هو خير، ولا يتكلم بشيء تصل إليه مضرته، بل يكون كلامه باعتدال وتوسط، ولا يتجاوز الحد إلى أن يكون ظالمًا لمن يحدثه ومن يخاصمه فيكون فاجرًا بالخصومة، فالفجور هو: الميل عن الحق مع الاحتيال عليه.\nوقوله: (وإذا عاهد غدر) أي: أنه إذا أعطى العهد والميثاق فإنه يغدر ولا يفي بعهده.","vol":"36","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1038>شرح حديث: (لو أنكم توكلون على الله حق توكله)</span>\nقال المصنف ﵀: وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ أنه قال: (لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا) رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم، وقال الترمذي: حسن صحيح.\nهذا الحديث فيه بيان أن الإنسان عليه أن يكون متوكلًا معتمدًا على الله في جميع شئونه مع أخذه بالأسباب المشروعة التي شرعها الله ﷿، فلا يكون متوكلًا بدون الأخذ بالأسباب وإنما يكون متوكلًا مع الأخذ بالأسباب؛ لأن الرسول الكريم ﷺ أرشد إلى الاثنين معًا، كما في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﵊: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله).\nفقوله: (احرص على ما ينفعك)، هذا فيه أخذ بالأسباب واستعانة بالله ﷿ وتوكل عليه وطلب للمعونة منه، فيكون الإنسان قد جمع بين الأخذ بالأسباب والاعتماد على مسبب الأسباب وهو الله ﷾، فإن الأسباب إذا لم يشأ الله أن تكون مفيدة لم يحصل الإنسان من ورائها على فائدة، ولكنها تكون مفيدة بتوفيق الله ﷿ وإعانته وتسديده، فعند ذلك ينفع السبب وينتهي إلى حصول المسبب، وإلا فإن الأسباب في حد ذاتها دون عون الله لا تنفع، فعلى الإنسان أن يأخذ بها ولا يعتمد عليها، ولكن يعتمد على مسببها الذي هو النافع الضار الذي لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، وكما جاء في حديث وصية النبي ﷺ لـ ابن عباس: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).\nوفي هذا الحديث يقول ﷺ: (لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير)، ثم بين كيف يكون رزق الطير، فقال: (تغدو خماصًا وتروح بطانًا)، فالطير لا تجلس في أوكارها تنتظر شيئًا يأتيها وإلا ماتت وهلكت، وإنما شأنها أنها تأخذ بالأسباب فتذهب في الصباح خاوية البطون خماصًا، ثم ترجع بطانًا، أي: ممتلئة البطون، فهي قد أخذت بالأسباب، فأنتم عليكم أن تأخذوا بالأسباب وأن تتوكلوا على الله ﷾، لا أن تتوكلوا على الله ﷿ بدون أخذ بالأسباب؛ لأن الأخذ بالأسباب والاعتماد عليها والغفلة عن الله ﷿ من أخطر الأشياء، واعتقاد أن الأسباب تنفع وتضر بطبيعتها قدح في التوحيد، فهي لا تنفع ولا تضر إلا إذا جعلها الله نافعة أو جعلها ضارة.\nومحو الأسباب عن أن تكونًا أسبابًا نقص في العقل، فالذي يقول: إذا كتب الله لي شيئًا فسيأتيني ولن أفعل الأسباب ناقص العقل، وذلك مثل أن يقول الإنسان: إن الولد لا يأتي إلا عن طريق الزواج، لكن إذا كتب الله لي أن يأتيني فسيأتيني ولو بغير زواج؛ فهذا نقص في العقل؛ لأن الولد لا يأتي إلا بفعل الأسباب بطريق الزواج، قال ﷿: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٧].\nوجاء في حديث الرجل الذي قال: أعقل ناقتي أم أدعها وأتوكل؟ فقال ﵊: (اعقلها وتوكل)، يعني: خذ بالأسباب وتوكل على الله ﷿، فلا يهمل الإنسان الأسباب أصلًا ولا يأتي بالأسباب معتمدًا عليها غافلًا عن الله ﷿؛ لأن الأسباب إذا لم يجعلها الله نافعة لم يحصل من ورائها فائدة للإنسان.\nوقوله: (لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا)، الطير هذا شأنها، والله تعالى ألهمها هذا العمل الذي قامت به من غدوها في الصباح تبحث عن الرزق ثم ترجع في المساء فتبيت في أوكارها وقد امتلأت بطونها وجلبت الرزق والعيش لأفراخها التي في عشها، فلم تهمل الأسباب؛ فأنتم كذلك إذا فعلتم مثلما تفعل هذه الطيور معتمدين على الله ﷿ مع أخذكم بالأسباب، فإن الله تعالى يرزقكم ويحقق لكم ما تريدون من الخير.","vol":"36","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1039>شرح حديث (لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله)</span>\nقال المصنف ﵀: [عن عبد الله بن بشر رضي الله تعالى عنه أنه قال للنبي ﷺ: يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فدلني على شيء أتمسك به، فقال: (لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله ﷿) خرجه الإمام أحمد بهذا اللفظ].\nهذا الحديث فيه حرص الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم على الخير وسؤالهم عن أمور الدين وعن الأمور الجامعة التي يحصلون فيها الأجور العظيمة، وهي أعمال خفيفة ويسيرة لا مشقة فيها، بل عملها يسير وفضلها كبير وجزاؤها عظيم من الله ﷾، فهو يسأل ويقول: (إن شرائع الإسلام كثرت علي) والمقصود من ذلك: النوافل، وإلا فإن الفرائض يتعين على كل مسلم أن يأتي بها، ولكن السائل يسأل عن الشيء الذي يمكنه أن يعتني به وأن يحرص عليه فيما يتعلق بالنوافل، فهو يطلب أن يدله ﷺ على باب منها يتمسك به يكون جامعًا للخير ومحصلًا للأجر، كما سبق أن مر بنا في الحديث: (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه).\nفلما أراد بابًا جامعًا يتمسك به من أبواب الخير فيما يتعلق بالنوافل أرشده النبي ﷺ ألا يزال لسانه رطبًا من ذكر الله ﷿؛ وذلك بكثرة ذكر الله ﷾.\nومعلوم أن ذكر الله ﷿ يطلق إطلاقًا عامًا ويطلق إطلاقًا خاصًا، فإطلاقه العام يدخل تحته الصلوات، ويدخل تحته قراءة القرآن، ويدخل تحته الأذكار، وأما الذكر الخاص فهو الأذكار الخاصة كالتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير، فإن هذه الأذكار هي الذكر الخاص، وإلا فإن الصلاة ذكر لله ﷿؛ لأنها مشتملة على ذكر الله من أولها إلى آخرها، وكذلك قراءة القرآن فهو خير الذكر وخير الكلام وأفضل الكلام، ثم بعد ذلك الأذكار التي مع الأدعية؛ لأن الأدعية هي سؤال الله ﷿ ما يريده الإنسان، وأما الأذكار فهي الثناء على الله ﷿ بما يليق به من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، وهذه هي الأذكار التي أرشد النبي ﷺ أن يكون الإنسان لسانه رطبًا بها، وذلك سهل عليه في أي وقت وفي أي حين، والنبي ﷺكما ثبت في الصحيح- كان يذكر الله على كل أحيانه، والله ﷿ أمر بذكره فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٢].\nوأثنى الله ﷿ على الذاكرين والذاكرات فقال: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥]، ذكر ذلك في جملة الخصال العشر التي ذكرها الله ﷿ في سورة الأحزاب.\nفهذا هو المعنى الذي عناه الرسول ﷺ في قوله: (لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله)، وهذا لا شك أنه من جوامع كلمه ﷺ؛ لأن الإنسان يأتي بذكر الله ﷿، وذكر الله ﷿ هو تسبيح وتحميد وتكبير وتهليل وتعظيم وثناء على الله ﷿، ويكون لسانه رطبًا بذلك؛ لأنه إذا كان مشتغلًا بذكر الله ﷿ صار منشغلًا عن غير ذكر الله ﷿ من الكلام الذي لا يليق والذي لا ينبغي، فتعويد الإنسان نفسه أن يكون ذاكرًا لله يحصل به الحسنات العظيمة لعمل يسير وشيء سهل خفيف، ولهذا جاء عن النبي ﷺ في آخر حديث في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم)، وهما من ذكر الله ﷿، فوصفهما بأنهما خفيفتان على اللسان، وذكر الله ﷿ كله خفيف على اللسان.\nفأرشد النبي ﷺ إلى هذا العمل العظيم الذي هو إدامة ذكر الله وكثرة ذكره ﷾، وهذا يكون من الإنسان وهو ماشٍ وقائم وقاعد ومضطجع وفي جميع أحواله، وذلك سهل عليه؛ لأنه لا يحتاج إلى كلفة ولا يحتاج إلى مشقة، وليس فيه إلا تحريك اللسان بخير، حتى يعود على الإنسان بخير، والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.\nوبهذا يكون انتهينا من شرح الأحاديث الأربعين أو الاثنين وأربعين التي جمعها الإمام النووي ﵀ المتوفى سنة (٦٧٦هـ)، ثم الثمانية التي أضافها الحافظ ابن رجب المتوفى سنة (٧٩٥هـ).\nوهذا الذي ختم به ابن رجب لا شك أنه ختام عظيم، وهو نظير ختم البخاري لكتابه بحديث: (كلمتان خفيفتان على اللسان)، كما أن الإمام النووي ﵀ ختم الاثنين والأربعين بحديث أنس بن مالك الذي فيه: (يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي).\nفالإمام النووي ﵀ ختم بذلك الحديث، وابن رجب ﵀ ختم بهذا الحديث، والبخاري ﵀ ختم بذلك، ولهذا تابعه بعض العلماء فختموا كتبهم بهذا الحديث، فإن المنذري ختم به كتابه الترغيب والترهيب.","vol":"36","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1040>ذكر بعض جوامع الذكر</span>\nونذكر الفصل الأخير من كلام ابن رجب ﵀، قال: ابن رجب رحمه الله تعالى: فصل: قد ذكرنا في أول الكتاب أن النبي ﷺ بعث بجوامع الكلم، فكان ﷺ يعجبه جوامع الذكر ويختاره على غيره من الذكر، كما في صحيح مسلم عن ابن عباس عن جويرية بنت الحارث ﵃ أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: (ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟! قالت: نعم، فقال النبي ﷺ: لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته).","vol":"36","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1041>ميزة الأذكار النبوية على المحدثات من الأذكار</span>\nبعض الناس يكون عندهم أدعية متنوعة ليست من كلام الرسول ﷺ ولا من كلام سلف هذه الأمة، وإنما أنشأها بعض المتأخرين، ثم تجد بعض الناس يحرص عليها، كما سبق أن مرت الإشارة في دروس مضت عن دلائل الخيرات، وأن فيه أدعية محدثة، وأنها مشتملة على باطل، وبعضها فيه أمور محذورة، وبعضها فيه غلو، وبعضها فيه جفاء، والأدعية التي جاءت عن النبي ﷺ هي التي ينبغي أن يحرص عليها الإنسان وأن يعتني بها، وأن يستعملها في دعائه، وأن يترك مثل هذه الأدعية.\nويكفي في عدم صلاحيتها وأنها غير مناسبة أن بعض الناس يسأل عنها، وما دام الإنسان يسأل عنها فعليه أن يأخذ بالشيء الذي لا يحتاج أن يسأل عنه وهو كلام الرسول ﷺ، فكون الإنسان يسمع بكلام ولا يدري صحته من سقمه، وهل هو طيب أو رديء فيأتي ويقول: ما رأيك في هذا الدعاء؟ يدل على أن فيه شيئًا، فالإنسان ليس بحاجة إلى أن يشغل نفسه بمثل هذا السؤال، وإنما يشغل نفسه بتعلم الأذكار والأدعية التي جاءت عن النبي ﷺ ويأخذ بها؛ لأنها من كلام الذي أوتي جوامع الكلم ﷺ، وأيضًا كلامه فيه العصمة؛ لأنه كلام المعصوم ﷺ، أما غيره من الناس فإنه يخطئ ويصيب، فقد يأتي بشيء محذور وقد يأتي بشيء لا يليق كما في دلائل الخيرات من الأدعية السيئة كدعاء: اللهم صل على محمد حتى لا يبقى من الصلاة شيء، اللهم ارحم محمدًا حتى لا يبقى من الرحمة شيء، اللهم بارك على محمد حتى لا يبقى من البركة شيء، اللهم سلم على محمد حتى لا يبقى من السلام شيء.\nوأيضًا مثل: اللهم صل على محمد ما سرحت البهائم، اللهم صل على محمد ما شدت العمائم، اللهم صل على محمد ما نفعت التمائم.\nفهذا كلام البشر لا ينبغي أن يلتفت الإنسان إليه، وإنما يحرص على كلام المعصوم ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فقد أعطاه الله جوامع الكلم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فالإنسان إذا حرص على كلامه وتعلم الأدعية والأذكار من كلامه ﷺ فإنه يحصل الشيء الذي فيه العصمة، ويحصل الأجر والثواب من الله ﷾؛ لأنه أتى بسنة الرسول ﷺ وبما جاء عن رسول الله ﷺ.","vol":"36","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1042>من الأذكار الجامعة: (سبحان الله عدد خلقه)</span>\nقال ابن رجب ﵀: وخرجه النسائي ولفظه: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته) وخرَّج أبو داود والترمذي والنسائي من حديث سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع النبي ﷺ على امرأة وبين يديها نوى أو قال: حصى تسبح به، فقال: (ألا أخبرك بما هو أيسر من هذا وأفضل؟ سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك).\nفهذه أدعية جامعة، ولكن ذكر الحصى وذكر النوى لم يثبت فيه شيء عن رسول الله ﷺ.\nقال ﵀: وخرَّج الترمذي من حديث صفية قالت: (دخل علي رسول الله ﷺ وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح الله بها، فقلت: لقد سبحت بهذه، فقال: ألا أعلمك بأكثر مما سبحت به؟ فقلت: علمني، فقال: قولي: سبحان الله عدد خلقه).\nوخرَّج النسائي وابن حبان في صحيحه من حديث أبي أمامة: (أن النبي ﷺ مر به وهو يحرك شفتيه فقال: ماذا تقول يا أبا أمامة؟ قال: أذكر ربي قال: ألا أخبرك بأكثر وأفضل من ذكرك الليل؟ مع النهار والنهار مع الليل، أن تقول: سبحان الله عدد ما خلق، وسبحان الله ملء ما خلق، وسبحان الله عدد ما في الأرض والسماء، وسبحان الله ملء ما في الأرض والسماء، وسبحان الله عدد ما أحصى كتابه، وسبحان الله ملء ما أحصى كتابه، وسبحان الله عدد كل شيء، وسبحان الله ملء كل شيء، وتقول: الحمد لله مثل ذلك) رواه النسائي في عمل اليوم والليلة، وصححه ابن حبان وانظر تمام تخريجه فيه.\nوفي النسخة الثانية قال: إسناده ضعيف، يحيى بن أيوب ليس بالقوي، وابن زرارة لا يعرف.\nوعلى كلٍ الإنسان يأتي بما ثبت ويستغني عما لم يثبت.","vol":"36","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1043>أهمية تواطؤ القلب مع اللسان في الذكر</span>\nوقوله: (يحرك شفتيه) أي: أن ذكر الله ﷿ يكون باللسان مع القلب.\nوالقراءة لا تكون إلا بتحريك اللسان، ولا يكفي الإنسان أن يقرأ بقلبه أو يستحضر القرآن بقلبه دون أن يحرك لسانه، وإنما القراءة تكون بتحريك اللسان، كما قال ﷿: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة:١٦]، وقال: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٨].\nوالرسول ﷺ كانوا يستدلون على قراءته في الصلاة السرية باضطراب لحيته؛ لأنهم كانوا يرون عوارضه تتحرك من جهة اليمين ومن جهة الشمال إذا كانوا وراءه، وإنما تتحرك بالقراءة، والقراءة إنما هي باللسان، لأنه لو كانت القراءة بالقلب لم تتحرك اللحية.\nقال ﵀: [وخرَّج البزار نحوه من حديث أبي الدرداء، وخرَّج ابن أبي الدنيا بإسناد له أن النبي ﷺ قال لـ معاذ: (يا معاذ! كم تذكر ربك كل يوم؟ تذكره كل يوم عشرة آلاف مرة؟ قال: كل ذلك أفعل، قال: أفلا أدلك على كلمات هن أهون عليك من عشرة آلاف وعشرة آلاف؟ أن تقول: لا إله إلا الله عدد ما أحصاه، لا إلا الله عدد كلماته، لا إله إلا الله عدد خلقه، لا إله إلا الله زنة عرشه، لا إله إلا الله ملء سماواته، لا إله إلا الله ملء أرضه، لا إله إلا الله مثل ذلك معه، والله أكبر مثل ذلك معه، والحمد لله مثل ذلك معه)].\nويناسب الإنسان أن يقتني مثل صحيح الكلم الطيب، الذي جمعه الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه لله من كتاب الكلم الطيب لـ ابن تيمية ﵀، فإن هذا الكتاب مع اختصاره مشتمل على جملة كبيرة من الأذكار والأدعية.\nوأما هذا الحديث فرواه الدولابي في الأسماء والكنى من طريق واصل بن مرزوق عن رجل من بني مخزوم يكنى أبا شبل عن جده، وكان من أصحاب النبي ﷺ.\nفهذا الحديث فيه مبهم، والإنسان يحرص على الإتيان بما ثبت وصح عن رسول الله ﷺ.","vol":"36","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1044>أثر ابن مسعود في الذكر</span>\nقال ﵀: وبإسناده أن ابن مسعود ذكر له امرأة تسبح بخيوط معقدة فقال: (ألا أدلك على ما هو خير لك منه؟ سبحان الله ملء البر والبحر، سبحان الله ملء السماوات والأرض، سبحان الله عدد خلقه ورضا نفسه، فإذا أنت قد ملأت البر والبحر والسماء والأرض).\nوهذا موقف، وابن مسعود ﵁ له قصة مع الذين كانوا في المسجد متحلقين وبأيديهم حصى، وأحدهم يقول: ليسبح كل واحد مائة، ويهلل مائة، فوقف على رءوسهم ﵁، وقال: يا هؤلاء! عدوا سيئاتكم، فأنا ضامن ألا يضيع من حسناتكم شيء، فإما أنكم أهدى طريقة مما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ أو إنكم تفتحون باب ضلالة، قالوا: سبحان الله يا أبا عبد الرحمن! ما أردنا إلا الخير، فقال ﵁: وكم من مريد للخير لم يصبه).\nيعني: أن المطلوب مع إرادة الخير موافقة السنة عن رسول الله ﷺ.","vol":"36","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1045>أثر سليمان بن طرخان التيمي في الذكر</span>\nقال ﵀: وبإسناده عن المعتمر بن سليمان التيمي قال: كان أبي يحدث خمسة أحاديث ثم يقول: أمهلوا! سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول لا قوة إلا بالله، عدد ما خلق وعدد ما هو خالق، وزنة ما خلق وزنة ما هو خالق، وملء ما خلق وملء ما هو خالق، وملء سماواته وملء أرضه، ومثل ذلك وأضعاف ذلك، وعدد خلقه وزنة عرشه ومنتهى رحمته ومداد كلماته ومبلغ رضاه، وحتى يرضى وإذا رضي.\nهذا من كلام سليمان بن طرخان التيمي والد المعتمر بن سليمان ومعلوم أن الأحاديث فيها ذكر الله ﷿، وكونه يتخللها السكوت ثم يؤتى بمثل هذا الدعاء، هذا شيء غريب غير معروف، فالرسول ﷺ كان يحدث أصحابه وما كان يتوقف ويذكر الله ﷿ مثل هذا الذكر، فنفس الحديث هو ذكر لله ﷿، فاشتغال الإنسان بالحديث أو بالعلم هو ذكر لله ﷾، دون أن يحصل هذا التوقف والإمهال من أجل أن يؤتى بمثل هذا الكلام.\nوقوله: (ومنتهى رحمته)، رحمة الله ﷿ ليس لها نهاية إلا إذا كان المقصود بالرحمة الجنة؛ لأنها من رحمة الله ﷾، وهي محدودة معروفة؛ ولكن ليس لنعيمها نهاية، بل نعيمها دائم ومستمر لا ينقطع ولا ينتهي أبد الآباد؛ فإذا كان المقصود بذلك الجنة فالجنة هي رحمة مخلوقة، فقد جاء في السنة عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الله قال للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء).\nوأما رحمة الله ﷿ فهي صفة من صفاته، فلا يصلح أن يقال: إن لها منتهى، فرحمة الله ﷿ وسعت كل شيء وليس لها نهاية.\nوابن رجب ﵀ يجمع أشياء كثيرة طيبة وصحيحة ويجمع أشياء فيها غرابة.\nقال ﵀: وبإسناده عن المعتمر بن سليمان قال: رأيت عبد الملك بن خالد بعد موته فقلت: ما صنعت؟ قال: خير، فقلت: ترجو للخاطئ شيئًا، قال: يلتمس علم تسبيحات أبي المعتمر نعم الشيء.\nوما جاء عن رسول الله ﷺ أولى من هذه الرؤيا وغيرها.\nقال ﵀: قال ابن أبي الدنيا وحدثني محمد بن أبي الحسين قال: حدثني بعض البصريين أن يونس بن عبيد رآه رجلٍ فيما يرى النائم كان قد أصيب ببلاد الروم، فقال: ما أفضل ما رأيت ثَمَّ من الأعمال؟ قال: رأيت تسبيحات أبي المعتمر من الله بمكان.\nوعلى كل فإن الكلمات الجامعة والأدعية الجامعة هي التي جاءت في الأحاديث الصحيحة، وهي التي ينبغي للإنسان أن يشتغل بها، وأما مثل هذه الأمور ومثل هذه الحكايات والمنامات فلا يشتغل بها الإنسان.","vol":"36","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1046>الأسئلة</span>","vol":"36","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1047>معنى تسمية بعض الأحاديث بجوامع الكلم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى تسمية أهل العلم لبعض الأحاديث أنها من جوامع الكلم وهل يدل ذلك الاستثناء على أن البعض الآخر ليست من جوامع الكلم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  بعض الأحاديث يكون فيه كلام جامع تدخل تحته معانٍ كثيرة، وبعضها يكون فيه كلام لا يندرج تحته معانٍ كثيرة، مثل أن يسأل عن مسألة معينة فيأتي بالجواب عليها، وقد يسأل عن مسألة معينة ويأتي بجواب جامع مثل ما مر في حديث أبي موسى الأشعري أنه سأله عن شراب يقال له: البتع؟ فقال ﷺ: (كل مسكر حرام)، فأتى بجواب يشمل هذا ويشمل غيره.\nوقد يسأل عن شيء خاص ويجيب بجواب خاص، فلا يعتبر جومع الكلم كالأحاديث الجامعة.","vol":"36","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1048>معنى قوله في حديث النفاق: (وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكر في حديث النفاق أن من كانت فيه خصاله الأربع كان منافقًا خالصًا، وذكرتم في شرحه أنه النفاق العملي مع أنه وصفه بالخلوص، فإذا كان المرء لا يخرج من الملة بوجود هذه الخصال الأربع، فما معنى قوله ﷺ: (وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم).\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا لا يعني أنه خرج من الإيمان، وإنما يعني أنه وإن حصل منه الصلاة والصيام وزعم أنه مسلم فهو منافق هذا النفاق العملي، لكن لا يقال: إنه خرج من الإسلام وصار من الكفار.","vol":"36","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1049>مشروعية رفع الأصبع عند ذكر الله</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يشرع رفع الإصبع كلما ذكر الله ﵎، حتى في غير الخطبة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا نعلم شيئًا يدل على مشروعيته باستمرار، ولكن أقول: الأصل فيه الجواز، وأما كون الإنسان لا يفعل كذا إلا رفع إصبعه، فلا أعلم شيئًا يدل عليه.","vol":"36","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1050>الفرق بين قولهم (رواه فلان) و(خرَّجه فلان)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قيل: إن الفرق بين (رواه) و(خرَّجه) أن الراوي هو الذي يروي الحديث بإسناد، والذي يروي بلا إسناد يسمى مخرجًا، فهل هذا صحيح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يقال له: مخرج أبدًا، وإنما المخرِّج هو الذي يروي بالإسناد، ومن الغلط أن بعض الناس في هذا العصر يستعملون ذلك في حقب المتأخرين الذين يذكرون الأحاديث في كتبهم كـ النووي وابن حجر والسيوطي، فيقولون: خرجه ابن حجر وخرجه السيوطي وخرجه فلان، وهم ما خرجوه، فهؤلاء يذكرونه فقط ولا يخرجونه، وإنما الذي يخرج هو الذي يسند، وأما من يذكر الحديث فلا يقال له مخرج أبدًا، وإنما يقال: ذكره فلان وعزاه إلى كذا، عزاه السيوطي إلى فلان، وعزاه ابن رجب أو ابن حجر إلى فلان، وهكذا وإذا قيل: رواه أبو داود أو رواه الترمذي أو خرَّجه البخاري أو خرَّجه مسلم فكله بمعنى واحد، وهو أن يأتوا بالأسانيد.","vol":"36","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1051>الفرق بين خلف الوعد والغدر في حديث المنافق</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفرق بين إذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الوعد غير العهد، فالعهد أن يعطي عهد الله وميثاقه، مثل ما يحصل في الجهاد والمعاهدة بين المسلمين والكفار، وأما الوعد فهو أن يقول: إني سأفعل كذا وكذا وهو ناوٍ ألا يفعل.","vol":"36","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1052>أهمية حضور القلب لنيل ثواب الذكر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل مجرد ذكر اللسان بدون مواطأة القلب يؤجر عليه الإنسان؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يؤجر ما لم يحضر القلب، كما جاء أن الدعاء من قلب لاهٍ لا يستجاب؛ لعدم حضور القلب، فكذلك الذكر.","vol":"36","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1053>الجمع بين حديث: (ما ملأ ابن آدم وعاء شرًا من بطنه) وحديث شرب أبي هريرة اللبن</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف نجمع بين حديث: (ما ملأ ابن آدم)، وحديث أبي هريرة لما شرب اللبن فقال له الرسول ﷺ (اشرب)، وفي الأخير قال أبو هريرة: (والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكًا)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يلزم من قوله: (لا أجد له مسلكًا) أن يكون قد امتلأ بطنه وأنه لم يبق فيه مجال، بل معناه أنه أخذ كفايته وحاجته وأنه قد روي، لكن الري كما هو معلوم يحصل بدون امتلاء البطن.","vol":"36","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1054>حكم أمر الجالسين بالتسبيح والتحميد والتهليل</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يكون الرجل في مجلس لا يذكرون الله بل كلامهم في أمور الدنيا المباح، فإذا ذكرهم إنسان وقال لهم: قولوا: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته، أو قال لهم: قولوا: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، هل في ذلك بأس؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المناسب أن يحول الكلام من كونه كلامًا فيما لا ينفع إلى ما ينفع مثل قراءة القرآن والباقون يسمعون، أو يقرءون شيئًا من الأحاديث عن رسول الله ﷺ، أو يتذاكرون شيئًا من العلم بدلًا من أن يقول: سبحوا وهللوا وكبروا، فيكونون شبيهين بمن أنكر عليهم ابن مسعود.","vol":"36","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1055>توصيف النفاق العملي ودخوله في الكبائر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل النفاق العملي من الكبائر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الكبيرة عند العلماء هي التي تشتمل على حد في الدنيا أو توعد عليها بلعنة أو غضب أو نار أو إحباط عمل أو ما إلى ذلك، وهذه الأشياء ينظر فيما ورد من الأحاديث بخصوصها، فعلى ضوء ذلك يتبين هل هي من الكبائر أو ليست من الكبائر.\nفإذا قيل: هل يجوز إطلاق النفاق الأصغر والكفر الأصغر، فيقال: كافر ومنافق لمن وقع في تلك الخصال؟ فالجواب: لا يوصف أحد إلا في شيء ورد، وإذا كان المقصود أنه كفر دون كفر فينبه على ذلك ولا يطلق، حتى لا يظن أن الإنسان أضيف إليه شيء لا يستحقه، بل يضاف إليه شيء يستحقه حيث ورد، فمن وجد فيه شيء من ذلك فإنه يقال: وقع كفر دون كفر.","vol":"36","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1056>تنبيه على كتاب: الهداية بترتيب فوائد البداية والنهاية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقول أحد الإخوان: لقد جمعت فوائد البداية والنهاية في كتاب (الهداية بترتيب فوائد البداية والنهاية)، لأحد تلاميذ الشيخ مقبل ﵀، وقدم له محمد بن عبد الوهاب الوصابي ومحمد الإمام.\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لكن لا ندري ما نوع هذه الفوائد؛ لأن الفوائد متنوعة، فأحيانًا تكون مسائل فقهية، ولا شك أنها مهمة؛ لأنها أقوال لأناس وجدت في غير مظنتها، حيث إنها تبحث غالبًا في كتب الفقه، فإذا وجدت في كتب التراجم فذلك فائدته كبيرة، لكن كلامنا هنا فيما فيه تحريك للقلوب وتأثير على النفوس وشحذ للهمم في الاقتداء بأولئك الأخيار الذين حصل منهم ما حصل، أو تفضل الله عليهم بما تفضل من الصلاح والتقى والاستقامة، حتى قالوا مثل هذه الكلمات النيرة الواضحة المفيدة العظيمة.","vol":"36","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1057>هدية المدرس إلى المدير حرام</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  مديرة مدرسة انتقلت من مدرستها إلى مدرسة أخرى لإدارتها، وفي الوقت ذاته قدر لها الزواج، فأراد مجموعة من المعلمات أن يهدين لها هدية مشتركة جماعية بمناسبة زواجها، فهل تدخل هذه الهدية في هدايا العمال؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم تدخل، سواء كانت في مناسبة أو غير مناسبة.","vol":"36","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1058>الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أريد الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، وهل الشرعية مندرجة تحت الكونية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الإرادة الكونية هي المشيئة، وهي القدر السابق الذي لا يتخلف، وكل شيء أراده الله كونه فلا بد من وجوده، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فكل شيء شاءه الله لا بد من وجوده، وكل شيء لم يشأه الله لا يمكن وجوده: فما شئتَ كان وإن لم أشأ وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن وأما الإرادة الدينية فإنها تكون فيما يحبه الله ولا تكون فيما يسخطه الله، أي: أن الإرادة الكونية تكون في المحبوب المرغوب وفي المكروه، وتكون في الخير والشر وأما الإرادة الدينية فإنما تكون في الخير فقط، ولكن المراد بها قد يتخلف، بخلاف المراد كونًا فلابد أن يتحقق.\nوالإرادة الدينية تتحقق فيمن وفقه الله ﷿ لفعل الخيرات، وتتخلف فيمن لم يحصل له التوفيق، ولهذا يحب الله ﷿ من الناس أن يعبدوه وأراد ذلك شرعًا؛ لكن فيهم من يعبده وفيهم من يعصيه، فيهم من يستجيب وفيهم من لا يستجيب.\nوتجتمع الإرادتان الكونية والدينية في حق المؤمن حيث أراد الله إيمانه كونًا وشرعًا.\nفإذًا: الدينية لا يلزم حصولها لكل أحد؛ لأنها تكون لمن وفقه الله ﷿، ولهذا جاء في قوله تعالى في سورة يونس: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس:٢٥]، فهو يدعو إلى الإسلام كل أحد، ولكن يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.","vol":"36","page":24}]}