{"ً":{"ٌ":36970,"ٍ":"آداب العمرة وأحكامها - حطيبة","َ":6,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: آداب العمرة وأحكامها\nالمؤلف: الشيخ الطبيب أحمد حطيبة\nمصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية\nhttp://www.islamweb.net\n[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ٣ دروس]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2333,"ٕ":18,"ٖ":1770155872,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3"],"ٚ":[{"title":"آداب السفر للحج والعمرة وغيرهما","level":1,"page":1},{"title":"تعريف العمرة","level":2,"page":2},{"title":"من فضائل الحج والعمرة","level":2,"page":3},{"title":"حكم الحج والعمرة","level":2,"page":4},{"title":"حكم الإحرام على من دخل مكة","level":2,"page":5},{"title":"حج الصبي وعمرته","level":2,"page":6},{"title":"حكم من أراد الحج والعمرة والتجارة في طريقه","level":2,"page":7},{"title":"اشتراط المحرم في حج المرأة","level":2,"page":8},{"title":"الحج والعمرة عن المعضوب والميت","level":2,"page":9},{"title":"آداب السفر للحج والعمرة وغيرهما","level":2,"page":10},{"title":"صفة الإحرام وما يحرم على المحرم","level":1,"page":11},{"title":"مواقيت الحج والعمرة وأحكام الإحرام وصفته","level":2,"page":12},{"title":"الإحرام من الميقات","level":3,"page":13},{"title":"استحباب الغسل عند الإحرام","level":3,"page":14},{"title":"ما يلبس المحرم من الثياب","level":3,"page":15},{"title":"استحباب الطيب عند الإحرام","level":3,"page":16},{"title":"التلبية","level":3,"page":17},{"title":"حكم حلق الرأس وتقليم الأظافر للمحرم","level":3,"page":18},{"title":"ما يحرم على المحرم من اللباس","level":3,"page":19},{"title":"حكم النكاح والخطبة للمحرم","level":2,"page":20},{"title":"حكم الصيد للمحرم","level":2,"page":21},{"title":"حكم قتل المحرم للمؤذيات","level":2,"page":22},{"title":"حكم إزالة المحرم للشعر أو الظفر المؤذي","level":2,"page":23},{"title":"حكم من ارتكب محظورا وهو محرم","level":2,"page":24},{"title":"اجتناب المحرم لسيئ الكلام","level":3,"page":25},{"title":"ذكر ما تخالف المرأة فيه الرجل في الإحرام","level":2,"page":26},{"title":"الفدية اللازمة لمن حلق شعره أو قلم أظفاره","level":2,"page":27},{"title":"صفة العمرة والأحكام المتعلقة بها","level":1,"page":28},{"title":"دخول مكة والمسجد الحرام وما يستحب في ذلك","level":2,"page":29},{"title":"صفة العمرة","level":2,"page":30},{"title":"شروط العمرة وواجباتها وسننها","level":2,"page":31},{"title":"الطهارة وستر العورة والنية من شروط الطواف","level":3,"page":32},{"title":"استحباب الاضطباع في الطواف","level":3,"page":33},{"title":"شرط الطواف حول الكعبة في العمرة والحج","level":3,"page":34},{"title":"صفة الطواف الكامل","level":3,"page":35},{"title":"ركعتا الطواف","level":3,"page":36},{"title":"حكم الطواف وصلاة ركعتي الطواف في أوقات النهي","level":3,"page":37},{"title":"السعي بين الصفا والمروة","level":3,"page":38},{"title":"واجبات السعي","level":3,"page":39},{"title":"سنن السعي","level":3,"page":40},{"title":"الحلق والتقصير","level":3,"page":41},{"title":"حكم طواف الوداع للعمرة","level":3,"page":42}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"2,1":11,"2,2":12,"2,3":13,"2,4":14,"2,5":15,"2,6":16,"2,7":17,"2,8":18,"2,9":19,"2,10":20,"2,11":21,"2,12":22,"2,13":23,"2,14":24,"2,15":25,"2,16":26,"2,17":27,"3,1":28,"3,2":29,"3,3":30,"3,4":31,"3,5":32,"3,6":33,"3,7":34,"3,8":35,"3,9":36,"3,10":37,"3,11":38,"3,12":39,"3,13":40,"3,14":41,"3,15":42},"ٜ":{"1":[1,10],"2":[1,17],"3":[1,15]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"4":[4],"5":[5],"6":[6],"7":[7],"8":[8],"9":[9],"10":[10],"11":[11],"12":[12],"13":[13],"14":[14],"15":[15],"16":[16],"17":[17],"18":[18],"19":[19],"20":[20],"21":[21],"22":[22],"23":[23],"24":[24],"25":[25],"26":[26],"27":[27],"28":[28],"29":[29],"30":[30],"31":[31],"32":[32],"33":[33],"34":[34],"35":[35],"36":[36],"37":[37],"38":[38],"39":[39],"40":[40],"41":[41],"42":[42]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"شرح آداب العمرة وأحكامها -<span data-type=\"title\" id=toc-1> آداب السفر للحج والعمرة وغيرهما</span>\nالحج والعمرة من العبادات التي يتقرب بها المسلم إلى ربه، وهما واجبان على من استطاع إليهما سبيلًا، ولهما أحكام معروفة في الكتاب والسنة، وللمسافر إلى الحج والعمرة آداب يشرع له أن يتحلى بها اقتداءً بالنبي ﷺ.","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تعريف العمرة</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: فهذه بعض أحكام العمرة التي يحتاجها المسلم المعتمر ليؤدي المناسك على الوجه الصحيح الذي أمرنا به ربنا ﷾.\nتعريف العمرة: العمرة لغة: الزيارة أو القصد، وقد اعتمر إذا أدى العمرة، واختص الاعتمار بقصد الكعبة لأنه يقصد إلى موضوع عامر، وعرفها جمهور الفقهاء بأنها: الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة بإحرام.","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>من فضائل الحج والعمرة</span>\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٦ - ٩٧] وقال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦].\nوعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ (تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة) رواه الترمذي والنسائي.\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) متفق عليه، والمبرور: الذي لا معصية فيه.\nوعن عائشة ﵂ قالت: قلت: (يا رسول الله! هل على النساء جهاد؟ قال: نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة) رواه ابن ماجة.\nوعن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (عمرة في رمضان تعدل حجة، أو تعدل حجة معي) متفق عليه.\nوعن معقل بن يسار ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الحج والعمرة من سبيل الله، وإن عمرة في رمضان تعدل حجة) رواه الحاكم.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>حكم الحج والعمرة</span>\nوالعمرة واجبة على الراجح من أقوال العلماء؛ لما روت عائشة ﵂ قالت: قلت: (يا رسول الله! هل على النساء جهاد؟ قال: عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة)، وعن عمر بن الخطاب ﵁ في قصة السائل الذي سأل رسول الله ﷺ عن الإيمان والإسلام وهو جبريل ﵇، فقال له النبي ﷺ: (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج البيت، وتعتمر وتغتسل من الجنابة، وتتم الوضوء، وتصوم رمضان، قال: فإن قلت هذا فأنا مسلم؟ قال: نعم.\nقال: صدقت) رواه ابن خزيمة وابن حبان، وقال الدارقطني: إسناده صحيح ثابت.\nوعن أبي رزين العقيلي ﵁ قال: (يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الضعن، قال: حج عن أبيك واعتمر) حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي وغيره.\nويجب الحج وكذلك العمرة على كل مسلم بالغ عاقل حر مستطيع، فإن اختل أحد الشروط لم يجب بلا خلاف، ولا يجب بالشرع على المكلف المستطيع في جميع أموره إلا حجة واحدة وعمرة واحدة على القول بوجوب العمرة؛ لما روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: (خطبنا رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس! قد فرض عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ: لو قلت: نعم، لوجبت، ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم، إنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه).","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>حكم الإحرام على من دخل مكة</span>\nإذا حج واعتمر حجة الإسلام وعمرته ثم أراد دخول مكة بحالة لا تتكرر، كزيارة أو تجارة أو رسالة، أو لحاجة متكررة كالبريد والحفاظ ونحوه، أو كان مكيًا مسافرًا فأراد دخولها عائدًا من سفره ونحو ذلك، فلا يلزمه الإحرام بحج أو عمرة، ولكن يستحب.\nوقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر (أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء بغير إحرام).","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>حج الصبي وعمرته</span>\nولا يجب الحج ولا العمرة على الصبي ويصح منه، سواء كان طفلًا أو مراهقًا، فعن ابن عباس: (أن امرأة رفعت صبيًا إلى النبي ﷺ من محفة فقالت: يا رسول الله! ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر) رواه مسلم.\nثم إن كان مميزًا أحرم بنفسه بإذن وليه، وأما الصبي الذي لا يميز فيحرم عنه وليه، فيصير الصبي محرمًا بنية الولي أو بقول الولي: اعتقدت الإحرام لفلان، فيصير الصبي محرمًا، ومتى صار الصبي محرمًا فعل بنفسه ما قدر عليه، وفعل عنه وليه ما لا يقدر عليه، فيغسله الولي عند إرادة الإحرام، ويجرده من المخيط، ويلبسه الإزار والرداء والنعلين إن تأتى منه الشيء، ويطيبه وينظفه، ويفعل ما يفعل الرجل، ثم يحرم أو يحرم عنه، ويجب على الولي أن يجنبه ما يجتنبه الرجل، فإن قدر الصبي على الطواف بنفسه علمه وطاف، وإلا طاف به، والسعي كالطواف، فإن كان غير مميز صلى الولي عنه ركعتي الطواف، وإن كان مميزًا أمره بهما فصلاهما الصبي بنفسه، وإذا ارتكب الصبي محظورًا من محظورات الإحرام كأن تطيب أو لبس ناسيًا فلا فدية، وإن تعمد وجبت الفدية، ولو حلق أو قلم ظفره أو قتل صيدًا عمدًا وجبت الفدية، ويكتب للصبي ثواب ما يعمله من الطاعات، كالطهارة والصلاة والصوم والزكاة والاعتكاف والحج والقراءة والوصية وغير ذلك من الطاعات، ولا يكتب عليه معصية، وإذا حج الصبي ثم بلغ فعليه حجة أخرى؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى).","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>حكم من أراد الحج والعمرة والتجارة في طريقه</span>\nويستحب لقاصد الحج والعمرة أن يكون متخليًا عن التجارة ونحوها في طريقه، فإن خرج بنية الحج والتجارة فحج واتجر صح حجه وسقط عنه فرض الحج، لكن ثوابه دون ثواب المتخلي عن التجارة؛ لما رواه البخاري عن ابن عباس قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقنا في الجاهلية، فلما كان الإسلام كأنهم كرهوا أن يتجروا في الحج، فسألوا رسول الله ﷺ، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٩٨] يعني: في مواسم الحج.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>اشتراط المحرم في حج المرأة</span>\nولا يلزم المرأة الحج ولا العمرة إلا إذا أمنت على نفسها بزوج أو محرم، ولا يجوز للمرأة أن تسافر لحج التطوع أو لسفر زيارة وتجارة ونحوهما مع نسوة ثقات أو امرأة ثقة؛ لأنه سفر ليس بواجب، روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم) متفق عليه.\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يومًا وليلة ليس معها ذو حرمة) متفق عليه، وفي رواية لـ مسلم: (مسيرة يوم)، وفي رواية: (مسيرة ليلة).\nوينبغي للمرأة ألا تحرم بغير إذن زوجها، ويستحب له أن يحج بها؛ لما روى ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ خطب فقال: (لا يخلو رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر امرأة إلا مع محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله! إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا، قال: انطلق فحج مع امرأتك) متفق عليه.\nوليس لزوج منع زوجته من حجة الإسلام، فإن أرادت حج إسلام أو تطوع أو عمرة فأذن الزوج وأحرمت به لزمه تمكينها من إتمامه، ولا يجوز له تحليلها، ولا يجوز لها التحلل.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>الحج والعمرة عن المعضوب والميت</span>\nالمعضوب: هو الضعيف الذي لا يقدر على الحج ولا على العمرة لعجزه بمرض أو كبر سن، روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄: (أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله! إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخ كبيرًا لا يثبت على الراحلة، فأحج عنه؟ قال: نعم).\nوذلك في حجة الوداع، متفق عليه.\nولا يجوز الحج ولا العمرة عن المعضوب بغير إذنه، بخلاف قضاء الدين عن غيره، ويجوز الحج والعمرة عن الميت، ولا يجوز لمن عليه حجة الإسلام أو حجة قضاء أو نذر أن يحج عن غيره، فعن ابن عباس (أن النبي ﷺ: سمع رجلًا يقول: لبيبك عن شبرمة قال: من شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب.\nقال: أحججت عن نفسك؟ قال: لا.\nقال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة)، وفي رواية (أحججت قط؟ قال: لا.\nقال: فاجعل هذه عنك ثم حج عن شبرمة).","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>آداب السفر للحج والعمرة وغيرهما</span>\nقال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧] قال الإمام النووي ﵀ في آداب السفر: إذا أراد سفرًا استحب أن يشاور من يثق بدينه وخبرته وعلمه في سفره في ذلك الوقت، ويجب على المستشار النصيحة والتخلي عن الهوى وحظوظ النفس، قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] فإذا عزم على الثقة فالسنة أن يستخير الله تعالى ويصلي ركعتين من غير الفريضة، ثم يدعو دعاء الاستخارة: (اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله فقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: في عاجل أمري وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به، ويسمي حاجته).\nإذا استقر عزمه لسفر حج أو غزو أو غيرهما فينبغي أن يبدأ بالتوبة من جميع المعاصي والمكروهات، ويخرج عن مظالم الخلق ويقضي ما أمكنه من ديونهم، ويرد الودائع، ويستحل كل من بينه وبينه معاملة في شيء أو مصاحبة، ويكتب وصيته ويشهد عليه بها.\nويستحب أن يوكل مما لم يتمكن من قضائه من ديونه، وأن يترك لأهله ومن يلزمه نفقتهم إلى حين رجوعه، وينبغي أن يسترضي والديه ومن يتوجب عليه بره وطاعته، وينبغي أن يحرص أن تكون نفقته حلالًا خالصة من الشبهة، ويستحب للمسافر في حج أو غيره أن يستكثر من الزاد والنفقة ليواسي منه المحتاجين، وليكن زاده طيبًا، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٢٦٧]، ويستحب ترك المساومة فيما يشتريه لأسباب سفر حجه وغزوه ونحوهما من أسفار الطاعة، ويستحب ألا يشارك غيره في الزاد والراحلة والنفقة؛ لأن ترك المشاركة أسلم من أنه يمتنع بسببها من التصرف في وجوه الخير من الصدقة وغيرها، ولو أذن شريكه لم يوثق باستمراره، فإن شارك جاز واستحب أن يقتصر على دون حقه.\nوأما اجتماع الرفقة على طعام يجمعونه يومًا فيومًا فحسن، ولا بأس بأكل بعضهم أكثر من بعض إذا وثق بأن أصحابه لا يكرهون ذلك، فإن لم يثق لم يزد على قدر حصته، وقد صحت الأحاديث في خلط الصحابة ﵃ أزوادهم، وعن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده أن أصحاب النبي ﷺ قالوا: (يا رسول الله! إنا نأكل ولا نشبع، قال فلعلكم تفترقون؟ قالوا: نعم.\nقال: فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه) رواه أبو داود وغيره.\nوإذا أراد سفر حج أو غزو لزمه تعلم كيفيتهما، ولا تصح العبادة ممن لا يعرفها، ويستحب لمريد الحج أو العمرة أن يستصحب معه كتابًا واضحًا في المناسك جامعًا لمقاصدها، ويديم مطالعته ويكررها في جميع طريقه لتصير محققة عنده، ومن أخل بهذا من العوام يخاف ألا يصح منه نسكه، ويستحب له أن يطلب رفيقًا موافقًا راغبًا في الخير كارهًا للشر، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإن تيسر له مع هذا كونه عالمًا فليتمسك به، فإنه يمنعه بعلمه وعمله من سوء ما يقع على المسافر ومن مساوئ الأخلاق والضجر، ويعينه على مكارم الأخلاق ويحثه عليها، والمختار أن القريب والصديق الموثوق به أولى من غيره، ثم ينبغي له أن يحرص على إرضاء رفيقه في جميع طريقه، ويحتمل كل واحد منهما صاحبه، ويرى لصاحبه عليه فضلًا وحرمة، ويصبر على ما يقع منه في بعض الأوقات.\nويستحب لمن سافر أو حج أو غزا أن تكون يده فارغة من مال التجارة ذاهبًا وراجعًا؛ لأن ذلك يشغل القلب ويفوت بعض المطلوبات، ويجب عليه تصحيح النية في حجه وغزوه ونحوهما، وهو أن يريد به وجه الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، وقال النبي ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات)، ويستحب أن يكون سفره يوم الخميس، فإن فاته فيوم الإثنين، ويستحب أن يكون باكرًا، ودليل الخميس: حديث كعب بن مالك ﵁: (أن النبي ﷺ: قرب يوم الخميس لغزوة تبوك وكان يحب أن يخرج يوم الخميس) رواه البخاري، ودليل يوم الإثنين: أن النبي ﷺ هاجر من مكة يوم الإثنين، ودليل التبكير: حديث صخر الغامدي ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اللهم بارك لأمتي في بكورها، وكان إذا بعث جيشًا أو سرية بعثه في أول النهار) ويستحب إذا أراد الخروج من منزله أن يصلي ركعتين، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا خرجت من منزلك فصل ركعتين يمنعانك من مخرج السوء، وإذا دخلت إلى منزلك فصل ركعتين يمنعانك من مدخل السوء).\nويستحب أن يودع أهله وجيرانه وأصدقاءه وسائر أحبابه، وأن يودعوه، ويقول كل واحد لصاحبه: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، زودك الله التقوى وغفر ذنبك ويسر لك الخير حيثما كنت؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄: (أنه كان يقول لرجل إذا أراد السفر: ادنُ مني أودعك كما كان رسول الله ﷺ يودعنا، فيقول: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك)، وعن أنس ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني أجيد السفر فزودني، فقال: زودك الله التقوى، فقال: زدني، فقال: وغفر ذنبك، قال: زدني، قال: ويسر لك الخير حيثما كنت)، وعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (إن الله إذا استودع شيئًا حفظه).\nوالسنة أن يدعو بما صح عن أم سلمة ﵂ قالت: (ما خرج النبي ﷺ من بيته قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: اللهم إني أعوذ بك أن أظِل أو أُظل، أو أذل أو أُذَل، أو أَظَلِم أو أُظلَم، أو أجهل أو يُجهل عليّ)، ويدعو بما في حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا خرج الرجل من بيته فقال: باسم الله توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، قال: يقال حينئذٍ: هديت وكفيت ووقيت، فتتنحى له الشياطين، فيقول شيطان لآخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي؟)، والسنة إذا خرج من بيته أو أراد ركوب دابته أن يقول: باسم الله، فإذا استوى عليها قال: الحمد لله، ثم يأتي بالتسبيح والذكر والدعاء الذي ثبت في الأحاديث، منها: حديث ابن عمر ﵄: (أن رسول الله ﷺ: كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر كبر ثلاثًا ثم قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل، وإذا رجع قالهن وزاد فيهن: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون)، وعن عبد الله بن سرجس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا سافر يتعوذ من وعثاء السفر وكآبة المنقلب، والحور بعد الكور، ودعوة المظلوم، وسوء المنظر في الأهل والمال)، وجاءت رواية بلفظ: (الكون)، ورواية بلفظ: (الكور) ومعناهما: الرجوع من الاستقامة، أي: الزيادة إلى نقصان.\nوعن علي بن ربيعة قال: (شهدت علي بن أبي طالب ﵁ أُتِيَ بدابة يركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: باسم الله، فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله، ثم قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، الحمد لله الحمد لله الحمد لله، الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ثم قال: سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، فقيل: يا أمير المؤمنين! من أي شيء ضحكت؟ قال: رأيت النبي ﷺ فعل كما فعلت ثم ضحك، فقلت: يا رسول الله! من أي شيء ضحكت؟ قال: إن ربك سبحانه يعجب من عبده إذا قال: اغفر لي ذنوبي، يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري).\nويستحب أن يرافق في سفره جماعة؛ لحديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (لو أن الناس يعلمون من الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده) رواه البخاري، ويستحب أن يؤمر الرفقة على أنفسهم أفضلهم وأجودهم رأيًا ويطيعوه؛ لحديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ: (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) رواه أبو داود، ويستحب السير في آخر الليل؛ لحديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (عليكم بالدلجة، فإن الأرض تطوى بالليل) رواه أبو داود، ويسن مساعدة الرفيق وإعانته؛ لقوله ﷺ: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) رواه مسلم، وعن أبي سعيد ﵁ قال: (بينما نحن مع رسول الله صلى الله","vol":"1","page":10},{"text":"شرح آداب العمرة وأحكامها -<span data-type=\"title\" id=toc-11> صفة الإحرام وما يحرم على المحرم</span>\nمن فضائل الأعمال التي حث عليها الشرع العمرة إلى بيت الله الحرام، وينبغي للمرء للمسلم الذي يريد العمرة أن يتعلم أحكامها حتى يؤديها على الوجه المطلوب، فعليه أن يتعلم ما يجب على المعتمر وما يستحب له، كما أن عليه أن يتعلم ما يجتنبه المحرم مما قد يفسد عليه عمرته أو ينقص من أجرها.","vol":"2","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>مواقيت الحج والعمرة وأحكام الإحرام وصفته</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nجميع السنة وقت للعمرة، فيجوز الإحرام بها في كل وقت من السنة، ولا يكره في وقت من الأوقات وسواء أشهر الحج وغيرها في جوازها من غير كراهة، وبهذا قال مالك وأحمد وأبو داود والجمهور، ولا يكره عمرتان وثلاث وأكثر في السنة الواحدة، بل يستحب الإكثار منها.\nروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: (يهل أهل المدينة من ذي الحليفة وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن) وقال ابن عمر: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: (يهل أهل اليمن من يلملم)، وروى مسلم عن جابر وسئل عن المهل فقال سمعت النبي ﷺ قال: (مهل أهل العراق من ذات عرق).","vol":"2","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الإحرام من الميقات</span>\nوالإحرام من الميقات أفضل؛ لأن رسول الله ﷺ أحرم من ذي الحليفة ولم يحرم من المدينة، وإذا كان المسلم بمكة مستوطنًا أو عابر سبيل وأراد العمرة، فميقاته أدنى الحل، فيكفيه أن يذهب إلى الحل من أي جهة من الجهات، وأما المستحب فمن الجعرانة؛ لأن النبي ﷺ اعتمر منها، أو من التنعيم؛ لأن النبي ﷺ أعمر عائشة منها، وهي أقرب الحل إلى البيت.\nروى البخاري ومسلم عن أنس ﵁ قال: (اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر كلهن في ذي القعدة، إلا التي كانت مع حجته: عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته).\nوروي عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ أعمرها من التنعيم).","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>استحباب الغسل عند الإحرام</span>\nويستحب الغسل عن إرادة الإحرام بحج أو عمرة أو بهما، سواء كان إحرامه من الميقات الشرعي أو غيره، ولا يجب هذا الغسل، وإنما هو سنة متأكدة؛ لما روى زيد بن ثابت ﵁: (أنه رأى النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل) رواه الترمذي.","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>ما يلبس المحرم من الثياب</span>\nقال ابن المنذر: أجمع أعيان أهل العلم على أن الإحرام بغير غسل جائز.\nروى الإمام أحمد في مسنده عن ابن عمر ﵄: (أن رجلًا نادى فقال: يا رسول الله! ما يجتنب المحرم من الثياب؟ قال: لا يلبس السراويل ولا القميص ولا البرنس ولا العمامة، ولا ثوبًا مسه زعفران ولا ورس، ويحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين، فإن لم يجد نعلين فليلبس خفين، وليقطعهما حتى يكون أسفل من العقبين)، وروى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: (انطلق النبي ﷺ إلى المدينة بعدما ترجل وادهن، ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه، ولم ينه عن شيء من الأزر والأردية يلبس إلا المزعفرة التي تردع الجلد، حتى أصبح بذي الحليفة ركب راحلته حتى استوت على البيداء، أهل هو وأصحابه) ﷺ.\nوروى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: (كأنما أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله ﷺ وهو محرم).\nفالسنة أن يحرم في إزار ورداء ونعلين، وفي أي شيء أحرم جاز إلا الخف ونحوه والمخيط، والمخيط: الثوب الذي يلبس، وقد فصل على الموضع الذي جعل له، حتى ولو كان في بعض البدن، كالسراويل والقميص والقفاز ونحو ذلك، سواء خيط بخيط أو ألصق بشيء كالصمغ والدبابيس والمسامير ونحو ذلك، أما إذا خيط حزامًا لحفظ نقود فلا يدخل في النهي.\nويستحب أن يكون الإزار والرداء أبيضين، والثوب الجديد في هذا أفضل من المغسول.","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>استحباب الطيب عند الإحرام</span>\nويستحب أن يتطيب في بدنه عند إرادة الإحرام، سواء بالطيب الذي يبقى له جرم بعد الإحرام والذي لا يبقى؛ لما روت عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: (كنا نخرج مع النبي ﷺ إلى مكة فنضمد جباهنا بالمسك المطيب عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراه النبي ﷺ فلا ينهاها) رواه أبو داود.\nوهذا الحكم في تطيب النساء إذا كان طوافهن وسعيهن في غير ازدحام واختلاط بالرجال، وإلا فلا يجوز لهن أن يختلطن متطيبات حتى لا يفتن الرجال.\nفإذا تطيب المحرم فله استدامته بعد الإحرام، ولو انتقل الطيب من موضع إلى موضع بالعرق فلا شيء عليه، ولو مسه بيده عمدًا فعليه الفدية، ولا يستحب تطييب ثوب المحرم، فإن طيبه ولبسه ثم أحرم واستدام لبسه جاز، فإن نزع الثوب الذي عليه الطيب فينبغي ألا يلبسه حتى يزيل ما به من طيب.\nويستحب أن يتأهب للإحرام بحلق العانة ونتف الإبط وقص الشارب وتقليم الأظافر؛ لأنه أمر يسن له الاغتسال والطيب، فسن له ذلك كالجمعة؛ ولأن الإحرام يمنع قطع الشعر وقلم الأظفار، فاستحب فعله قبل الإحرام لئلا يحتاج إليه في إحرامه، ويستحب أن يحرم عقيب صلاة إما فرض وإما تطوع إن كان وقت تطوع، فإن كان في الميقات استحب أن يصلي في المسجد، فإن كان إحرامه في وقت من الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها فالأولى انتظار زوال وقت الكراهية ثم يصليهما، ويجوز ألا ينتظر.\nويستحب إحرامه عند ابتداء السير وانبعاث الراحلة.","vol":"2","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>التلبية</span>\nوينبغي لمريد الإحرام أن ينويه بقلبه ويلبي بلسانه، فيقول: لبيك عمرة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، وينبغي أن يرفع صوته بالتلبية؛ لحديث خلاد بن السائب الأنصاري عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: (أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال، أو قال: التلبية)، وقال النبي ﷺ: (أفضل الحج العج والثج)، ومعنى (لبيك): اتجاهي وقصدي إليك، أو محبتي لك أو إخلاصي لك، أو أنا مقيم على طاعتك وإجابتك، وهذه الإجابة والتلبية إجابة لأمر الله ﷿ لإبراهيم ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج:٢٧].","vol":"2","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>حكم حلق الرأس وتقليم الأظافر للمحرم</span>\nوأما العج فهو رفع الصوت، والثج: الدماء من الهدي ونحوه.\nواتفق العلماء على استحباب التلبية، ويستحب الإكثار منها في دوام الإحرام، ويستحب أن يلبي قائمًا وقاعدًا وراكبًا وماشيًا وجنبًا وحائضًا، ويتأكد استحبابها في كل صعود وهبوط وحدوث أمر من ركوب أو نزول أو اجتماع رفقة أو فراغ من صلاة، وعند إقبال الليل والنهار ووقت السحر وغير ذلك من تغاير الأحوال.\nويستحب للرجل رفع صوته بالتلبية بدون مبالغة؛ حتى لا يضر نفسه، ولا تجهر امرأة، بل تقتصر على سماع نفسها، فإن رفعت صوتها لم يحرم، ويستحب ألا يزاد على تلبية رسول الله ﷺ.\nوأكثر أهل العلم على أن المعتمر لا يقطع التلبية حتى يستلم الحجر، ومن لا يحسن التلبية بالعربية لبى بلسانه كتكبيرة الإحرام وغيرها.","vol":"2","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>ما يحرم على المحرم من اللباس</span>\nالحرام على الرجل من اللباس في الإحرام قسمان: الأول: يتعلق بالرأس، فلا يجوز لرجل ستر رأسه لا بمخيط كالقلنسوة والطاقية، ولا بغيره كالعمامة والإزار والخرقة والغترة، وكل ما يعد ساترًا، فإن ستر رأسه لزمته الفدية، وفي غير الرأس فيجوز للرجل المحرم ستر ما عدا الرأس من بدنه في الجملة، وإنما يحرم عليه لبس المخيط وما هو في معناه مما هو على قدر عضو من البدن، فمما يحرم عليه: لبس القميص والسراويل والتبان -وهو كالشرت- والخف وهو الحذاء ذو الرقبة ونحوها، فإن لبس شيئًا من ذلك مختارًا عامدًا أثم، ولزمه المبادرة إلى إزالته، ولزمته الفدية سواء قصر الزمان أم طال، ولو التحف بالقميص أو بعباءته أو إزار ونحوها فلا فدية، وسواءَ فعل ذلك في النوم أو اليقظة، وله أن يعلق المصحف وحافظة نقوده وأوراقه وحقيبته بحمالة في رقبته أو على كتفه، وأن يشد الحزام في وسطه ويلبس الخاتم والساعة، ولا يتوقف التحريم والفدية على المخيط، بل سواء المخيط وما في معناه.\nويجوز أن يعقد الإزار ويشد عليه خيطًا، وأن يجعل له مثل الحجزة، ويدخل فيها السكة ونحو ذلك، وله غرز ردائه في طرف إزاره، ولا يحرم حل الرداء وشكه بدبوس ونحوه، كما لا يحرم عقد الإزار والأولى عدمه، وإذا شق الإزار نصفين وجعل له ذيلين ولف على كل ساق نصفًا وشده، وجبت عليه الفدية؛ لأنه صار كالسراويل.\nويحرم على الرجل لبس القفازين، ولبس الخف حرام أيضًا، وأما لبس المداس والخف المقطوع أسفل من الكعبين فالراجح أنه يجوز ولو مع وجود النعلين.\nويحرم على المرأة أن تنتقب في إحرامها، وأن تلبس القفازين، والنقاب: هو الخرقة المشدودة تحت محجر العين تستر أسفل العينين إلى أسفل الذقن.\nوللمرأة أن تستر رأسها وسائر بدنها بالمخيط وغيره كالقميص والسراويل، ونهى أن تسدل على وجهها ثوبًا إلا لحاجة كحر أو برد أو خوف فتنة ونحوها، ويحرم عليها لبس القفازين.\nويكره للرجل المحرم ستر وجهه.\nويحرم على الرجل والمرأة استعمال الطيب بعد الإحرام؛ لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (ولا يلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران)، واستعمال الطيب هو أن يلصق الطيب ببدنه أو ملبوسه على الوجه المعتاد في ذلك، فلو طيب جزءًا من بدنه بعطر أو بمسك مسحوق أو ماء ورد لزمته الفدية، ولو جلس على فراش مطيب أو أرض مطيبة أو نام عليه مفضيًا إليها ببدنه أو ملبوسه لزمته الفدية.\nوصل اللهم وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"2","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>حكم النكاح والخطبة للمحرم</span>\nروى مسلم عن عثمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يَنكح المحرم، ولا يُنكح، ولا يخطب).\nفيحرم على المحرم أن يزوج بالولاية الخاصة، ويحرم على المحرم أن يتزوج، فإن كان الزوج أو الزوجة أو الولي أو وكيل الزوج أو وكيل الولي محرمًا فالنكاح باطل بلا خلاف، ويجوز أن يراجع المحرم والمحل المحرمة سواء أطلقها في الإحرام أو قبله، ويحرم عليه الجماع؛ لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧]، قال ابن عباس ﵄: الرفث: الجماع.\nوتجب به الكفارة؛ لما روي عن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وابن عمرو ﵃ أنهم أوجبوا فيه الكفارة.\nوأجمعت الأمة على تحريم الجماع في الإحرام، سواء كان الإحرام صحيحًا أم فاسدًا، وتجب به الكفارة والقضاء إذا كان قبل التحلل.\nويحرم على المحرم المباشرة بشهوة، كالقبلة واللمس باليد بشهوة، ومتى باشر عمدًا بشهوة لزمته الفدية، وهي شاة أو بدلها من الإطعام أو الصيام، ولا يفسد نسكه بالمباشرة بشهوة بلا خلاف، سواء أنزل أم لا، هذا كله إذا باشر عالمًا بالإحرام ذاكرًا، فإن كان ناسيًا فلا فدية عليه بلا خلاف.\nوأما اللمس بغير شهوة فليس بحرام بلا خلاف.","vol":"2","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>حكم الصيد للمحرم</span>\nويحرم عليه الصيد المأكول من الوحش والطير، فلا يجوز له أخذه؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:٩٦]، والعامد والمخطئ والناسي والجاهل في ضمان الصيد سواء، فيضمنه كل واحد منهم بالجزاء، ولكن يأثم العامد دون الناسي والجاهل والمخطئ.","vol":"2","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>حكم قتل المحرم للمؤذيات</span>\nويستحب قتل المؤذيات، كالحية والفأرة والعقرب والخنزير والكلب العقور والغراب والحدأة والذئب والأسد والنمر والدب والنسر والعقاب والبرغوث والبق والقراد وأشباهها.\nفعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن في الحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور) متفق عليه.\nوعن أم شريك ﵂: (أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الأوزاغ) متفق عليه.\nويجوز قتل الخنافس والدود والجعلان والأبراص والذباب والبعوض.","vol":"2","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>حكم إزالة المحرم للشعر أو الظفر المؤذي</span>\nوإذا نبت في عينه شعرة أو شعرات داخل الجفن وتأذى بها جاز قلعها، ولو انكسر بعض ظفر فتأذى به قطع المنكسر وحده ولا فدية، ولو صال عليه صيد وهو محرم أو في الحرم ولم يمكن دفعه إلا بقتله فقتله للدفع فلا جزاء عليه.","vol":"2","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>حكم من ارتكب محظورًا وهو محرم</span>\nروى البخاري ومسلم عن يعلى بن أمية ﵁ قال: (أتى رسول الله ﷺ رجل بالجعرانة وعليه جبة وهو مصفر رأسه ولحيته، فقال: يا رسول الله! أحرمت بعمرة وأنا كما ترى، فقال: اغسل عنك الصفرة، وانزع عنك الجبة، وما كنت صانعًا في حجك فاصنع في عمرتك).\nفإذا تطيب المحرم أو لبس أو دهن رأسه أو لحيته جاهلًا بتحريم ذلك أو ناسيًا الإحرام فلا فدية عليه، فإن ذكر ما فعله ناسيًا أو علم ما فعله جاهلًا لزمه المبادرة بإزالة الطيب واللباس.\nفإن شرع في الإزالة وطال زمانها من غير تفريط فلا فدية عليه؛ لأنه معذور، وإن أخر الإزالة مع إمكانها لزمته الفدية، سواء طال الزمان أم لا؛ لأنه متطيب في ذلك الزمان بلا عذر، ولو علم تحريم الطيب وجهل كون الممسوس طيبًا فلا فدية عليه.\nوإذا حلق الشعر أو قلم الظفر ناسيًا لإحرامه أو جاهلًا تحريمه فلا فدية عليه على الأرجح؛ لحديث أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه ابن ماجة.\nوالمغمى عليه والمجنون والصبي الذي لا يميز إذا أزالوا في إحرامهم شعرًا أو ظفرًا فلا فدية، وله أن يحك بدنه إذا حكه، ويحتجم في رأسه وغير رأسه، وإن احتاج أن يحلق شعرًا لذلك جاز؛ فإنه قد ثبت في الصحيح: (أن النبي ﷺ احتجم في وسط رأسه وهو محرم).\nكذلك إذا اغتسل وسقط شيء من شعره بذلك لم يضر وإن تيقن أنه قطع بالغسل.\nروى مالك عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه قالت: سمعت عائشة زوج النبي ﷺ تسأل عن المحرم: أيحك جسده؟ فقالت: (نعم، فليحكك وليشدد، ولو ربطت يداي ولم أجد إلا رجلي لحككته).\nويحرم الاكتحال بكحل فيه طيب، وأما الاكتحال بما لا طيب فيه فلا يحرم.\nوللمحرم أن يغتسل في الحمام وغيره، وله إزالة الوسخ عن نفسه، وله غسل رأسه بالصابون.\nوللمحرم أن يحتجم ويتداوى ولا فدية عليه في شيء من ذلك.\nوله أن يستظل سائرًا ونازلًا؛ لما روى مسلم عن جابر ﵁: (أن رسول الله ﷺ أمر بقبة من شعر أن تضرب له بنمرة).\nوعن أم الحصين الصحابية ﵂ قالت: (حججت مع النبي ﷺ حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالًا وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي ﷺ، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة) رواه مسلم.","vol":"2","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>اجتناب المحرم لسيئ الكلام</span>\nوينبغي أن ينزه إحرامه من الشتم والكلام القبيح والخصومة والمراء والجدال، ومخاطبة النساء فيما يتعلق بالجماع والقبلة ونحوها من أنواع الاستمتاع، ويستحب أن يكون كلامه وكلام الحلال بذكر الله تعالى وما في معناه من الكلام المندوب، كتعليم وتعلم وغير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧].\nقال ابن عباس ﵄: الفسوق: المنابزة بالألقاب، تقول لأخيك: يا ظالم يا فاسق، والجدال: أن تماري صاحبك حتى تغضبه.\nوروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كهيئته يوم ولدته أمه).\nوروى البخاري ومسلم عن أبي شريح الخزاعي وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت).\nولا بأس للمحرم بالكلام المباح من شعر وغيره؛ لحديث أبي بن كعب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن من الشعر لحكمة).\nوعن هشام بن عروة عن أبيه أن النبي ﷺ قال: (الشعر كلام حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيحه).\nولا بأس بنظر المحرم في المرآة ولا كراهة في ذلك.","vol":"2","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>ذكر ما تخالف المرأة فيه الرجل في الإحرام</span>\nوالمرأة تخالف الرجل في أشياء: أحدها: أنها مأمورة بلبس المخيط، كالقميص والجلباب والسراويل والخفين وما هو أستر لها؛ لأن عليها ستر جميع بدنها غير وجهها وكفيها إلا في حضرة الرجال الأجانب فتستر، والرجل منهي عن المخيط وتلزمه إذا لبسه الفدية.\nالثاني: أنها مأمورة بخفض صوتها بالتلبية، والرجل مأمور برفعه.\nالثالث: أن إحرامها في وجهها، فلا تغطيه إلا أمام الرجال الأجانب فتسدله، فإن سترته لغير ذلك لزمتها الفدية.\nالرابع: يستحب لها أن تختضب لإحرامها بحناء، والرجل منهي عن ذلك.\nوتخالف المرأة الرجل في أشياء من هيئات الطواف والسعي: منها: الرمل والاضطباع، فيشرعان للرجل دونها، أما هي فتمشي على هينتها، وتستر جميع بدنها، غير أنها لا تنتقب ولا تلبس القفازين.\nومنها: أنها يستحب لها أن تطوف ليلًا؛ لأنه أستر لها، والرجل يطوف ليلًا ونهارًا.\nويستحب لها ألا تدنو من الكعبة في الطواف إن كان هناك رجال، وإنما تطوف في حاشية الناس، والرجل بخلافها.\nوتمشي المرأة جميع المسافة بين الصفا والمروة ولا تسعى في شيء منها، بخلاف الرجل.\nوالحلق في حق الرجل أفضل من التقصير، وأما المرأة فالواجب عليها التقصير.","vol":"2","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>الفدية اللازمة لمن حلق شعره أو قلم أظفاره</span>\nإذا حلق المحرم رأسه أو قلم أظفاره لزمته الفدية، وهي: ذبح شاة، أو إطعام ثلاثة آصع لستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو صوم ثلاثة أيام، وهو مخير بين الثلاثة؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦].\nوروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن معقل قال: (جلست إلى كعب بن عجرة ﵁ فسألته عن الفدية، فقال: نزلت في خاصة وهي لكم عامة، حملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى، أو ما كنت أرى الجهد بلغ بك ما أرى، تجد شاة؟ فقلت: لا، فقال: فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع).\nوإذا تصدق بالطعام وجب أن يعطي كل مسكين نصف صاع، فإذا حلق شعرة واحدة أو شعرتين فيجب في شعرة مد، أي: ربع صاع، وفي شعرتين مدان، وفي ثلاث دم، وفي الظفر كالشعرة، فإذا حلق شعر رأسه وبدنه فتجب فدية واحدة.","vol":"2","page":17},{"text":"شرح آداب العمرة وأحكامها -<span data-type=\"title\" id=toc-28> صفة العمرة والأحكام المتعلقة بها</span>\nلكل عبادة من العبادات التي افترضها الله ﷾ علينا أركان وواجبات ومستحبات ومكروهات ومبطلات، ومن أعظم العبادات وأكثرها عودًا على المسلم بالأجر: الحج والعمرة، فيجب على المسلم أن يعرف أحكامهما وأركانهما وشروطهما، حتى يعبد الله على بصيرة، ولا يقع في المحذورات عند قيامه بهذه العبادات.","vol":"3","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>دخول مكة والمسجد الحرام وما يستحب في ذلك</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nعن ابن عمر ﵄: (أن النبي ﷺ كان يدخل مكة من الثنية العليا، ويخرج من الثنية السفلى) متفق عليه.\nوقال نافع: كان ابن عمر إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى، ثم يصلي به الصبح ويغتسل، ويحدث: (أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك).\nويستحب الغسل لدخول المحرم مكة، فإن عجز عن الغسل تيمم.\nويستحب إذا وصل الحرم أن يستحضر في قلبه ما أمكنه من الخشوع والخضوع بظاهره وباطنه، ويتذكر جلالة الحرم ومزيته على غيره.\nوله دخول مكة ليلًا ونهارًا، ولا كراهة في واحد منهما، ودخولها نهارًا أفضل؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: (بات النبي ﷺ بذي طوى حتى أصبح، ثم دخل مكة) وكان ابن عمر يفعله.\nوينبغي أن يتحفظ في دخوله من إيذاء الناس في الزحمة، ويتلطف بمن يزاحمه، ويلحظ بقلبه جلالة البقعة التي هو فيها، والكعبة التي هو متوجه إليها، ويمهد عذر من زاحمه.\nفإذا رأى البيت استحب أن يرفع يديه ويقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام؛ لما روي: أن عمر كان إذا نظر إلى البيت قال ذلك.\nرواه البيهقي بسند حسن.\nويدعو بما أحب من مهمات الدين والدنيا والآخرة، وأهمها سؤال المغفرة، وإن شاء قال: (اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه أو اعتمره تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًا)، ولم يثبت ذلك مرفوعًاَ عن النبي ﷺ.\nويستحب للمحرم أن يدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة، ولا فرق بين أن يكون في صوب طريقه أم لا؛ لأن النبي ﷺ عدل إلى باب بني شيبة ولم يكن على طريقه.\nويقول الأذكار المشروعة، فمنها أنه عند توجهه إلى المسجد يقول: (اللهم اجعل في قلبي نورًا وفي لساني نورًا، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل من خلفي نورًا ومن أمامي نورًا، واجعل من فوقي نورًا ومن تحتي نورًا، اللهم أعطني نورًا).\nفإذا أراد الدخول فيستحب أن يقدم في دخوله المسجد رجله اليمنى ويقول: (أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك).\nوعند خروجه يستحب أن يقدم في خروجه رجله اليسرى ويقول: (باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك، اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم).\nفإذا دخل المسجد فلا يشتغل بصلاة تحية المسجد ولا غيرها، بل يبدأ بالطواف؛ لحديث عائشة: (أن رسول الله ﷺ أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت) متفق عليه.\nوينبغي له أن يستحضر عند رؤية الكعبة ما أمكنه من الخشوع والتذلل والخضوع والمهابة والإجلال، فهذه عادة الصالحين وعباد الله العارفين؛ لأن رؤية البيت تشوق إلى رب البيت.","vol":"3","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>صفة العمرة</span>\nثم يقصد الحجر الأسود، ويبدأ بطواف العمرة، والابتداء بالطواف مستحب لكل داخل، سواء كان محرمًا أو غير محرم، إلا إذا خاف فوت الصلاة المكتوبة أو سنة راتبة أو مؤكدة أو فوت الجماعة في المكتوبة أو كان عليه فائتة مكتوبة، فإنه يقدم كل هذا على الطواف ثم يطوف، ولو دخل وقد منع الناس من الطواف صلى تحية المسجد.\nواعلم أن العمرة ليس فيها طواف قدوم، وإنما فيها طواف واحد يقال له: طواف الفرض أو طواف الركن، والمحرم بالعمرة لا يتصور في حقه طواف القدوم، بل إذا طاف للعمرة أجزأه عنهما، ويتضمن القدوم، كما تجزئ الصلاة المفروضة عن الفرض وتحية المسجد.","vol":"3","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>شروط العمرة وواجباتها وسننها</span>","vol":"3","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>الطهارة وستر العورة والنية من شروط الطواف</span>\nيشترط لصحة الطواف الطهارة من الحدث والنجس في الثوب والبدن والمكان الذي يطؤه في طوافه؛ لقوله ﷺ: (الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله تعالى أباح فيه الكلام)، فإن كان محدثًا أو مباشرًا لنجاسة غير معفو عنها لم يصح طوافه.\nومما تعم به البلوى في الطواف ملامسة النساء بسبب الزحمة، فينبغي للرجل ألا يزاحمهن، وينبغي لهن ألا يزاحمن، بل يطفن من وراء الرجال.\nوستر العورة شرط لصحة الطواف؛ لما روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁: (أن أبا بكر الصديق ﵁ بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول الله ﷺ قبل حجة الوداع في رهط يؤذن في الناس يوم النحر: ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان)، فمتى انكشف جزء من عورة أحدهما بتفريطه بطل ما يأتي بعد ذلك من الطواف، وإن كشف بلا تفريط وستر في الحال لم يبطل طوافه، كما لا تبطل صلاته.\nأما نية الطواف: فإن كان الطواف في غير حج ولا عمرة لم يصح بغير نية بلا خلاف، كسائر العبادات من الصلاة والصوم ونحو ذلك، وإن كان في حج أو عمرة فينبغي أن ينوي الطواف، فإن طاف بلا نية صح؛ لأن نية الحج ونية العمرة تأتي على ذلك، كما تأتي على الوقوف بعرفة.","vol":"3","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>استحباب الاضطباع في الطواف</span>\nالاضطباع: مشتق من الضبع وهو العضد، واضطباع المحرم: هو التوشح والتأبط، فيدخل الرداء من تحت إبطه الأيمن ويرد طرفه على يساره، ويبدي منكبه الأيمن ويغطي الأيسر، وسمي بذلك لإبداء أحد الضبعين، والاضطباع مستحب في الطواف، ولا يسن في غير طواف القدوم في الحج وطواف العمرة.\nوفيه أحاديث، منها: ما رواه أبو داود عن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت، فجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى).\nوروى أبو داود أيضًا عن ابن عباس ﵄ قال: (قدم رسول الله ﷺ مكة وقد وهنتهم حمى يثرب، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم الحمى ولقوا منها شرًا، وأطلع الله ﷾ نبيه ﷺ على ما قالوه، فأمرهم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا بين ركنين، فلما رأوهم رملوا قالوا: هؤلاء الذين ذكرتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد منا).\nقال ابن عباس: (ولم يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا إبقاءً عليهم).\nوعنه أيضًا: (أن النبي ﷺ اضطبع فاستلم وكبر، ثم رمل ثلاثة أطواف، وكانوا إذا بلغوا الركن اليماني وتغيبوا من قريش مشوا، ثم يطلعون عليهم يرملون، تقول قريش: كأنهم الغزلان، قال ابن عباس: فكانت سنة).\nوعن يعلى بن أمية ﵁ قال: (طاف النبي ﷺ مضطبعًا ببرد أخضر).\nويسن الاضطباع للرجل والصبي في طواف العمرة، وفي طواف القدوم بالحج، سواء سعى بعده أم لا، ويسن معه الرمل، لكن يفترق الرمل والاضطباع في شيء واحد، وهو: أن الاضطباع مسنون في جميع الطوفات السبع، وأما الرمل فإنما يسن في الثلاث الأول ويمشي في الأربع الأواخر.\nولا يسن الاضطباع في السعي ولا في ركعتي الطواف؛ لأن صورة الاضطباع مكروهة في الصلاة؛ لما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا يصل أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه شيء) متفق عليه.\nورواه النسائي بلفظ: (لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء).\nولو ترك الاضطباع في بعض الطواف أتى به فيما بقي.","vol":"3","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>شرط الطواف حول الكعبة في العمرة والحج</span>\nوشرط الطواف: أن يكون سبع طوفات كل مرة من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود؛ لما روى مسلم عن جابر ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف).\nوروى مسلم عن جابر قال: (خرجنا مع النبي ﷺ في حجة الوداع، حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا، ثم نفر إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥]).\nولو بقي من السبع شيء لزمه أن يأتي به، ولو شك في عدد الطواف أو السعي لزمه الأخذ بالأقل.","vol":"3","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>صفة الطواف الكامل</span>\nوإذا دخل المسجد فليقصد الحجر الأسود وهو الركن الذي يلي باب البيت، ويسمى الركن الأسود، ويقال له وللركن اليماني: الركنان اليمانيان.\nويستحب أن يستقبل الحجر الأسود بوجهه ويدنو منه، بشرط ألا يؤذي أحدًا بالمزاحمة، فيستلمه، ثم يقبله من غير صوت، ويسجد عليه، ثم يبتدئ الطواف، ويقطع التلبية في الطواف، ويضطبع مع دخوله في الطواف، فإن اضطبع قبله بقليل فلا بأس.\nوالاضطباع: أن يجعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن عند إبطه، ويطرح طرفيه على منكبه الأيسر، ويكون منكبه الأيمن مكشوفًا، فيستقبل الحجر الأسود وينوي الطواف لله تعالى، ثم يمشي إلى جهة يمينه حتى يجاوز الحجر، فإذا جاوزه جعل يساره إلى البيت ويمينه إلى خارج، ولو فعل هذا من الأول وترك استقبال الحجر جاز، لكنه فاتته الفضيلة، ثم يمشي هكذا تلقاء وجهه طائفًا حول البيت كله، فيمر على الملتزم، وهو ما بين الركن الذي فيه الحجر الأسود والباب، ثم يمر إلى الركن الثاني بعد الأسود، ثم يمر وراء الحجر وهو في صوب الشام والمغرب فيمشي حوله حتى ينتهي إلى الركن الثالث، ويقال لهذا الركن مع الذي قبله: الركنان الشاميان، ثم يدور حول الكعبة حتى ينتهي إلى الركن الرابع المسمى بالركن اليماني فيمسحه بيده، ثم يمر منه إلى الحجر الأسود ويصل إلى الموضع الذي بدأ منه، فيكمل له حينئذٍ طوفة واحدة، ثم يطوف كذلك ثانية وثالثة حتى يكمل سبع طوفات، فكل مرة من الحجر الأسود إليه طوفة، والسبع طواف كامل.\nفجب ابتداء الطواف من الحجر الأسود؛ لما روى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف يخب -أي: يسرع- ثلاثة أطواف من السبع)، فإن ابتدأ من غير الحجر الأسود لم يعتد بما فعل حتى يصل الحجر الأسود، فإذا وصل كان ذلك أول طوافه.\nويستحب أن يستقبل الحجر الأسود في أول طوافه بوجهه ويدنو منه، بشرط: ألا يؤذي أحدًا، ثم يمشي مستقبل الحجر الأسود مارًا إلى جهة يمينه حتى يجاوز الحجر، كما مضى.\nوينبغي له في طوافه أن يجعل البيت على يساره.","vol":"3","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>ركعتا الطواف</span>\nوكان ﷺ يقرأ في ركعتي الطواف (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)، ثم يرجع إلى الركن فيستلمه، ثم يخرج من الباب إلى الصفا، وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: (قدم رسول الله ﷺ فطاف بالبيت سبعة، ثم صلى خلف المقام ركعتين وطاف بين الصفا والمروة)، ويستحب للمعتمر أن يصليهما خلف المقام، فإن لم يفعل ففي الحجر تحت الميزاب، وإلا ففي المسجد وإلا ففي الحرم، وإذا أراد أن يطوف في الحال طوافين أو أكثر فيستحب له أن يصلي عقب كل طواف ركعتين، فإن طاف طوافين أو أكثر بلا صلاة ثم صلى لكل طواف ركعتين جاز بلا كراهة، لكن ترك الأفضل.\nوإذا كان الصغير محرمًا؛ فإن كان مميزًا طاف بنفسه وصلى ركعتين، وإن كان غير مميز طاف به وليه وصلى الولي ركعتي الطواف، ويستحب أن يدعو عقب صلاته هذه خلف المقام بما أحب من أمور الدنيا والآخرة، وإذا فرغ من الصلاة استحب أن يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه، ثم يخرج من باب الصفا للسعي.","vol":"3","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>حكم الطواف وصلاة ركعتي الطواف في أوقات النهي</span>\nوأجمع العلماء على أن الطواف في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها جائز، أما صلاة الطواف فتصلى في كل الأوقات والأولى أن يجتنب أوقات النهي الثلاثة: وقت طلوع الشمس إلى أن ترتفع، وعند اصفرار الشمس قبيل الغروب؛ لأن الشمس تطلع وتغرب بين قرني شيطان فنهى النبي ﷺ عن الصلاة حينئذ، وقبل صلاة الظهر بقدر صلاة ركعة أو نحوها؛ وهو وقت تسجر فيه جهنم، وله أن يصلي في سائر الأوقات؛ فقد روى مسلم عن عقبة بن عامر ﵁ قال: (ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب).\nوجاء عن ابن عمر، وابن عباس، والحسن والحسين ابني علي، وابن الزبير، وطاوس، وعطاء، والقاسم بن محمد، وعروة، ومجاهد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور رضي الله عن الجميع، جاء عنهم جوازها -أي: ركعتي الطواف- في جميع الأوقات بلا كراهية، وحجتهم في ذلك: ما رواه الترمذي عن جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار).\nقال الترمذي: وقد اختلف أهل العلم في الصلاة بعد العصر وبعد الصبح بمكة، فقال بعضهم: لا بأس بالصلاة والطواف بعد العصر وبعد الصبح، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقال بعضهم: إذا طاف بعد العصر فلا يصلي حتى تغرب الشمس، وإن طاف بعد صلاة الصبح فلا يصلي حتى تطلع الشمس، واحتجوا بحديث عمر: أنه طاف بعد صلاة الصبح فلم يصل، وخرج من مكة حتى نزل بذي طوى فصلى بعدما طلعت الشمس، وهو قول سفيان الثوري، ومالك بن أنس.","vol":"3","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>السعي بين الصفا والمروة</span>\nالسعي ركن من أركان العمرة، ومن أركان الحج، لا يتم واحد منهما إلا به؛ لما روى أحمد أن النبي ﷺ قال: (أيها الناس! اسعوا فإن السعي قد كتب عليكم).\nفبعد أن يفرغ المعتمر من ركعتي الطواف فالسنة أن يرجع إلى الحجر الأسود فيستلمه، ثم يخرج من باب الصفا إلى المسعى، حتى إذا دنا من الصفا قرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨]، فيبدأ بالصفا فيرقى عليه، حتى إذا رأى البيت كبر الله وهلله وحمده، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده لا شريك له أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم يدعو بما أحب من أمر الدين والدنيا والآخرة، لنفسه ولمن شاء، واستحبوا أن يقول ما قاله ابن عمر على الصفا: اللهم إنك قلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، وإنك لا تخلف الميعاد، وإني أسألك كما هديتني إلى الإسلام ألا تنزعه مني حتى تتوفاني وأنا مسلم، وكان يقول: اللهم اعصمنا بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك ﷺ، وجنبنا حدودك، اللهم اجعلنا نحبك، ونحب ملائكتك وأنبياءك ورسلك ونحب عبادك الصالحين، اللهم حببنا إليك وإلى ملائكتك وإلى أنبيائك ورسلك وإلى عبادك الصالحين، اللهم يسرنا لليسرى وجنبنا العسرى، واغفر لنا في الآخرة والأولى، واجعلنا من أئمة المتقين.\nولا يلبي على الصفا، ثم يعيد هذا الذكر ثانيًا: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم يدعو، ثم يعيد الذكر ثالثًا، ثم يدعو.\nفإذا فرغ من الذكر والدعاء نزل من الصفا متوجهًا إلى المروة فيمشي على سجية مشيه المعتاد حتى يبقى بينه وبين الميل الأخضر -المعلق بركن المسجد على يساره- قدر ستة أذرع، ثم يسعى سعيًا سريعًا حتى يتوسط بين الميلين الأخضرين والذي أحدهما في ركن المسجد والآخر متصل بدار العباس ﵁، ثم يترك السعي بسرعة ويمشي على عادته حتى يأتي المروة فيصعد عليها حتى يظهر له البيت إن ظهر، فيأتي بالذكر: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم يدعو ويفعل كما فعل على الصفا، وهكذا يعود إلى الصفا ويرجع إلى المروة حتى يكمل سبع مرات؛ يبدأ بالصفا ويختم بالمروة، ويستحب أن يدعو بين الصفا والمروة في مشيه وسعيه، ويستحب قراءة القرآن فيه، وهذه هي صفة السعي.","vol":"3","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>واجبات السعي</span>\nأما واجبات السعي فأربعة: أحدها: أن يقطع جميع المسافة بين الصفا والمروة، فلو بقي منها بعض خطوة لم يصح سعيه، هذا كله إذا لم يصعد على الصفا والمروة، فإن صعد فهو الأكمل، وقد زاد خيرًا، وهكذا فعل رسول الله ﷺ.\nوالواجب الثاني: الترتيب، وهو أن يبدأ من الصفا، فإن بدأ بالمروة لم يحسب مروره منها إلى الصفا.\nالواجب الثالث: إكمال سبع مرات؛ يحسب الذهاب من الصفا إلى المروة مرة، والرجوع من المروة إلى الصفا مرة ثانية وهكذا، ولو سعى أو طاف وشك في العدد قبل الفراغ لزمه الأخذ بالأقل.\nوالواجب الرابع: كون السعي بعد طواف صحيح لمن يذكره، وأما من لم يشعر فبدأ بالسعي فلا حرج عليه، ولو سعى ثم تيقن أنه ترك شيئًا من الطواف لزمه أن يأتي ببقية الطواف.\nوالموالاة بين مراتب السعي سنة، فلو تخلل فصل يسير أو طويل بينهن لم يضر، وكذلك الموالاة بين الطواف والسعي سنة، فلو فرق بينهما تفريقًا قليلًا أو كثيرًا صح سعيه.","vol":"3","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>سنن السعي</span>\nوسنن السعي: الأولى: يستحب أن يكون السعي عقب الطواف وأن يواليه.\nالثانية: يستحب أن يسعى على طهارة من الحدث والنجس ساترًا عورته.\nالثالثة: الأفضل أن يتحرى زمان الخلوة بسعيه وطوافه، وإذا كثرت الزحمة فينبغي أن يتجنب إيذاء الناس وأن يترك أي هيئة من الهيئات التي قد تؤدي إلى إيذاء مسلم، أو تعريض نفسه للأذى، وإذا عجز عن السعي في موضعه للزحمة؛ تشبه في حركته بالساعي.\nالرابعة: أن يكون سعيه بنفسه إن لم يكن صغيرًا ولا معذورًا بمرض ونحوه، ولو سُعي به غير محمول جاز.\nالخامسة: أن يكون الخروج إلى السعي من باب الصفا.\nالسادسة: أن يرقى على الصفا وعلى المروة ولو قليلًا.\nالسابعة: الذكر والدعاء على الصفا والمروة -كما سبق بيانه- ويستحب أن يقول في مروره بينهما: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم، فقد ثبت ذلك موقوفًا على ابن مسعود وابن عمر من قولهما ﵄، ويقول: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)، ويستحب أن يقرأ القرآن.\nالثامنة: يستحب أن يكون سعيه في موضع السعي الذي سبق بيانه سعيًا شديدًا فوق الرمل، والسعي مستحب في كل مرة من السبع، بخلاف الرمل في الطواف فإنه مختص بالثلاث الأول، وكما أن السعي الشديد في موضعه سنة فكذلك المشي على عادته في باقي المسافة سنة، فلو سعى في جميع المسافة أو مشى في جميعها صح، وفاتته الفضيلة.\nوأما المرأة فتمشي جميع المسافة -سواء كان ذلك نهارًا أو ليلًا- في الخلوة؛ لأنها عورة وأمرها مبني على الستر، ولهذا لا ترمل في الطواف ولا يسن لها الإسراع في السعي.","vol":"3","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>الحلق والتقصير</span>\nإذا فرغ المعتمر من السعي فليحلق رأسه أو ليقصر، والحلق والتقصير ثابتان بالكتاب والسنة والإجماع، وكل منهما يجزئ بالإجماع، والحلق في حق الرجل أفضل لظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح:٢٧]، وفي الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله! قال: اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله! قال: والمقصرين)، وفي رواية: قال في الرابعة: (والمقصرين).\nوالسنة أن يحلق جميع الرأس، فإن لم يكن على رأسه شعر بأن كان محلوقًا أو كان أصلع فلا يلزمه فدية؛ لأنه قربة تتعلق بمحل فسقطت بفواته، ويستحب إمرار الموس على رأسه ولا يجب، نقل ابن المنذر إجماع العلماء على أن الأصلع يمرر الموس على رأسه، ولو نبت شعره بعد ذلك لم يلزمه حلق ولا تقصير بلا خلاف؛ لأنه ما وجد وقتًا.\nأما المرأة فتقصر ولا تحلق؛ لما روى أبو داود عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (ليس على النساء حلق إنما على النساء التقصير)، وأجمع العلماء على ذلك، والحلق بدعة في حقهن، بل وفيه مثلة كذلك، وأما قدر ما تقصره فقال ابن عمر والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: تقصر من كل قرن مثل الأنملة، أي: رأس الإصبع، وقال مالك: تأخذ من جميع قرونها أقل جزء، ولا يجوز من بعض القرون.\nويستحب في الحلق أن يبدأ بالشق الأيمن من رأس المحلوق له وإن كان على يسار الحالق.","vol":"3","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>حكم طواف الوداع للعمرة</span>\nولا يجب للعمرة طواف وداع، وإنما طواف الوداع من واجبات الحج، وأما العمرة فلا يجب فيها طواف وداع عند جماهير العلماء، وإنما فيها طواف واحد يقال له: طواف الفرض أو طواف الركن.","vol":"3","page":15}]}