{"ً":{"ٌ":36971,"ٍ":"شرح الترغيب والترهيب للمنذرى - حطيبة","َ":6,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: شرح الترغيب والترهيب للمنذرى\nالمؤلف: الشيخ الطبيب أحمد حطيبة\nمصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية\nhttp://www.islamweb.net\n[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ٥٥ درسا]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2333,"ٕ":7,"ٖ":1770155872,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9","10","11","12","13","14","15","16","17","18","19","20","21","22","23","24","25","26","27","28","29","30","31","32","33","34","35","36","37","38","39","40","41","42","43","44","45","46","47","48","49","50","51","52","53","54","55"],"ٚ":[{"title":"الترغيب في الرحلة في طلب العلم","level":1,"page":1},{"title":"فضل طلب العلم","level":2,"page":2},{"title":"أجر مبلغ حديث النبي ﷺ","level":2,"page":3},{"title":"التحذير من الكذب في حديث النبي ﷺ","level":2,"page":4},{"title":"الترغيب في المشي إلى المساجد سيما في الظلم وما جاء في فضلها","level":1,"page":5},{"title":"فضيلة المشي إلى المساجد","level":2,"page":6},{"title":"الترغيب في المشي إلى المساجد في الظلام","level":2,"page":7},{"title":"ثلاثة ضمن الله لهم الرزق والجنة","level":2,"page":8},{"title":"أحب البلاد إلى الله وأبغضها إليه","level":2,"page":9},{"title":"الترغيب في لزوم المساجد والجلوس فيها","level":1,"page":10},{"title":"حب المسجد والتعلق به صفة من صفات المؤمنين","level":2,"page":11},{"title":"بيان صفات الذين يظلهم الله بظل عرشه يوم القيامة","level":2,"page":12},{"title":"الإمام العادل تحت ظل العرش","level":3,"page":13},{"title":"الشاب التقي تحت ظل العرش","level":3,"page":14},{"title":"أهل المساجد تحت ظل العرش","level":3,"page":15},{"title":"الحب في الله سبب للاستظلال بظل العرش","level":3,"page":16},{"title":"العفة عن الزنا عند توفر دواعيه سبب للاستظلال بظل العرش","level":3,"page":17},{"title":"الصدقة الخالصة يوم المحشر","level":3,"page":18},{"title":"جزاء البكاء من خشية الله","level":3,"page":19},{"title":"فضل لزوم المسجد والجلوس فيه","level":2,"page":20},{"title":"آداب المساجد","level":1,"page":21},{"title":"المساجد وآدابها","level":2,"page":22},{"title":"حرمة مكث الجنب في المسجد","level":3,"page":23},{"title":"جواز المكث في المسجد لمن أحدث حدثا أصغر","level":3,"page":24},{"title":"جواز النوم والأكل في المسجد","level":3,"page":25},{"title":"نهي من أكل ثوما أو بصلا عن الصلاة في المسجد","level":3,"page":26},{"title":"النهي عن البصاق في المسجد والبول والحجامة ونحوه","level":3,"page":27},{"title":"كراهية زرع الشجر داخل المسجد","level":3,"page":28},{"title":"تحريم الخصومة والبيع والشراء داخل المسجد","level":3,"page":29},{"title":"كراهة اتخاذ المسجد مكانا للحرفة واستلقاء الرجل فيه واضعا رجله على الأخرى","level":3,"page":30},{"title":"كراهة تشبيك الأصابع في المسجد","level":3,"page":31},{"title":"الترغيب في الصلوات الخمس والمحافظة عليها والإيمان بوجوبها [١]","level":1,"page":32},{"title":"الترغيب في الصلوات الخمس والمحافظة عليها والإيمان بوجوبها","level":2,"page":33},{"title":"تكفير الصلوات الخمس للصغائر دون الكبائر","level":2,"page":34},{"title":"الترغيب في الصلوات الخمس والمحافظة عليها والإيمان بوجوبها [٢]","level":1,"page":35},{"title":"الترغيب في الصلوات الخمس","level":2,"page":36},{"title":"أعمال تدخل الجنة","level":2,"page":37},{"title":"أحاديث تبين فضل الصلاة","level":2,"page":38},{"title":"الترغيب في الصلاة مطلقا وفضل الركوع والسجود والخشوع","level":1,"page":39},{"title":"شرح حديث أبي مالك الأشعري ﵁ (الطهور شطر الإيمان)","level":2,"page":40},{"title":"فضل التسبيح والتحميد","level":3,"page":41},{"title":"فضل الصلاة","level":3,"page":42},{"title":"فضل الصدقة","level":3,"page":43},{"title":"فضل الصبر","level":3,"page":44},{"title":"فضل قراءة القرآن","level":3,"page":45},{"title":"شرح حديث أبي ذر الغفاري ﵁: (إن العبد المسلم ليصلي الصلاة)","level":2,"page":46},{"title":"كثرة السجود سبب لدخول الجنة","level":2,"page":47},{"title":"بيان أن الصلاة خير من الدنيا عند أصحاب القبور","level":2,"page":48},{"title":"عظم أجر السجود وفضله","level":2,"page":49},{"title":"الحرص على الإكثار من الصلاة","level":2,"page":50},{"title":"الترغيب في الصلاة في أول وقتها","level":1,"page":51},{"title":"فضل الإتيان بالصلاة في أول وقتها","level":2,"page":52},{"title":"فضل صلاة الجماعة وأهمية المحافظة عليها","level":2,"page":53},{"title":"يعجب الله تعالى من صلاة الجماعة","level":3,"page":54},{"title":"الترغيب في كثرة الجماعة","level":1,"page":55},{"title":"فضل صلاة الجماعة وكثرتها","level":2,"page":56},{"title":"ثقل صلاة الفجر والعشاء على المنافقين","level":3,"page":57},{"title":"فضل الصف الأول على غيره من الصفوف","level":3,"page":58},{"title":"زيادة الأجر والثواب بكثرة الجماعة","level":3,"page":59},{"title":"الصلاة في جماعة تعدل خمسا وعشرين صلاة","level":3,"page":60},{"title":"من صلى الفجر والعشاء في جماعة فكأنما قام الليل كله","level":3,"page":61},{"title":"أهمية صلاة الجماعة والمحافظة عليها","level":2,"page":62},{"title":"الترهيب من ترك حضور الجماعة لغير عذر","level":1,"page":63},{"title":"فضل صلاة الجماعة والتحذير من تركها","level":2,"page":64},{"title":"الترغيب في صلاة النافلة في البيوت","level":1,"page":65},{"title":"الأمر بصلاة الجماعة في المسجد للرجال","level":2,"page":66},{"title":"أفضل صلاة المرأة في بيتها مطلقا","level":2,"page":67},{"title":"فضل صلاة النافلة في البيت","level":3,"page":68},{"title":"الأمر بالصلاة في البيوت","level":2,"page":69},{"title":"الترغيب في المحافظة على النوافل","level":2,"page":70},{"title":"فضل المحافظة على ركعتي الفجر","level":3,"page":71},{"title":"فضل المحافظة على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها","level":3,"page":72},{"title":"فضل المحافظة على أربع ركعات قبل العصر","level":3,"page":73},{"title":"فضل التطوع بين المغرب والعشاء","level":3,"page":74},{"title":"الترغيب في التطوع بعد صلاة العشاء","level":3,"page":75},{"title":"الترغيب في قضاء الإنسان ورده إذا فاته من الليل","level":1,"page":76},{"title":"الترغيب في قيام الليل، وصلاة الضحى","level":2,"page":77},{"title":"ما جاء عنه ﷺ في فضل صلاة الضحى وعظم أجرها","level":2,"page":78},{"title":"صلاة التسبيح فضلها وكيفيتها","level":2,"page":79},{"title":"اعتراض والرد عليه","level":3,"page":80},{"title":"ذكر ما جاء في صلاة التوبة وبيان استحبابها","level":2,"page":81},{"title":"الترغيب في صلاة الجمعة والسعي إليها وما جاء في فضل يومها وساعتها [١]","level":1,"page":82},{"title":"الترغيب في صلاة الجمعة والسعي إليها","level":2,"page":83},{"title":"تعليق الحصول على الفضل باجتناب الكبائر","level":3,"page":84},{"title":"خمس من فعلها في يوم دخل الجنة","level":3,"page":85},{"title":"استحباب الطيب ولبس أحسن الثياب للمصلي والنهي عن الأذى","level":3,"page":86},{"title":"الترغيب في صلاة الجمعة والسعي إليها وما جاء في فضل يومها وساعتها [٢]","level":1,"page":87},{"title":"أحاديث ترغب في صلاة الجمعة","level":2,"page":88},{"title":"شرح حديث أبي هريرة: من توضأ فأحسن الوضوء","level":2,"page":89},{"title":"شرح حديث أبي هريرة: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة)","level":2,"page":90},{"title":"شرح حديث أبي سعيد: (خمس من عملهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة)","level":2,"page":91},{"title":"شرح حديث يزيد: (لحقني عباية بن رفاعة)","level":2,"page":92},{"title":"شرح حديث أوس بن أبي أوس: (من غسل يوم الجمعة واغتسل)","level":2,"page":93},{"title":"الترغيب في صلاة الجمعة والسعي إليها وما جاء في فضل يومها وساعتها [٣]","level":1,"page":94},{"title":"فضل يوم الجمعة على سائر الأيام","level":2,"page":95},{"title":"شرح بعض الأحاديث في فضل الجمعة","level":3,"page":96},{"title":"زفة يوم الجمعة بأهلها إلى الجنة","level":3,"page":97},{"title":"سبق أهل الجمعة في القضاء بينهم يوم القيامة وسبقهم غيرهم في دخول الجنة","level":3,"page":98},{"title":"ساعة إجابة الدعوة يوم الجمعة واختلاف العلماء في تحديدها","level":3,"page":99},{"title":"الترغيب في الغسل يوم الجمعة والترغيب في التبكير إلى الجمعة وما جاء فيمن يتأخر عن التبكير من غير عذر","level":1,"page":100},{"title":"الحث على الاغتسال والتبكير يوم الجمعة","level":2,"page":101},{"title":"غسل يوم الجمعة يطهر العبد من أدران الذنوب","level":3,"page":102},{"title":"شرح حديث: (غسل يوم الجمعة واجب)","level":3,"page":103},{"title":"شرح حديث: (إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين)","level":3,"page":104},{"title":"شرح حديث: (من اغتسل يوم الجمعة كغسل الجنابة)","level":3,"page":105},{"title":"الحث على التبكير قبل صعود الإمام المنبر","level":3,"page":106},{"title":"من آداب يوم الجمعة","level":2,"page":107},{"title":"التحذير من ترك صلاة الجمعة","level":2,"page":108},{"title":"سنن يوم الجمعة","level":2,"page":109},{"title":"الترغيب في أداء الزكاة وتأكيد وجوبها","level":1,"page":110},{"title":"الترغيب في أداء الزكاة وتأكيد وجوبها","level":2,"page":111},{"title":"فرض الله الزكاة تطهيرا للمال وإذهابا لشره","level":3,"page":112},{"title":"عدم جواز خصم الدين من الزكاة","level":3,"page":113},{"title":"الحث على السير على الطريق المستقيم","level":3,"page":114},{"title":"التوسط في إخراج المال في الزكاة","level":3,"page":115},{"title":"الترهيب من منع الزكاة وما جاء في زكاة الحلي","level":1,"page":116},{"title":"الترهيب من منع الزكاة","level":2,"page":117},{"title":"التحذير من منع زكاة الذهب والفضة","level":3,"page":118},{"title":"التحذير من منع زكاة الإبل","level":3,"page":119},{"title":"التحذير من منع زكاة البقر والغنم","level":3,"page":120},{"title":"أقسام الناس في الخيل","level":2,"page":121},{"title":"الفرق بين زكاة عروض التجارة وزكاة بهيمة الأنعام","level":2,"page":122},{"title":"الترغيب في القناعة والعفة","level":1,"page":123},{"title":"القناعة مما بأيدي الناس","level":2,"page":124},{"title":"معنى القناعة","level":3,"page":125},{"title":"الحكمة في منع النظر إلى من هو أعلى منك في المال ونحوه","level":3,"page":126},{"title":"زهد النبي ﷺ وقناعته","level":3,"page":127},{"title":"قصة نافع مع أم المؤمنين عائشة","level":3,"page":128},{"title":"فضل القناعة","level":3,"page":129},{"title":"الاستغناء والاستكفاء بالله","level":3,"page":130},{"title":"الترغيب في الصدقة والحث عليها","level":1,"page":131},{"title":"ما جاء في الترغيب في الصدقة والحث عليها","level":2,"page":132},{"title":"شرح حديث: (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب)","level":3,"page":133},{"title":"شرح حديث: (ما نقصت صدقة من مال)","level":3,"page":134},{"title":"شرح حديث: (بقي كلها غير كتفها)","level":3,"page":135},{"title":"شرح حديث: (وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى)","level":3,"page":136},{"title":"شرح حديث: (فإن ماله ما قدم)","level":3,"page":137},{"title":"شرح حديث: (بينا رجل في فلاة من الأرض فسمع صوتا في سحابة)","level":3,"page":138},{"title":"شرح حديث: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله)","level":3,"page":139},{"title":"شرح حديث: (الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة)","level":3,"page":140},{"title":"الترغيب في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها وفضل تعلمه وتعليمه والترغيب في سجود التلاوة [١]","level":1,"page":141},{"title":"الترغيب والحث على قراءة القرآن","level":2,"page":142},{"title":"شرح حديث: (أيكم يحب أن يغدو إلى بطحان)","level":3,"page":143},{"title":"شرح حديث: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة)","level":3,"page":144},{"title":"الترغيب في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها وفضل تعلمه وتعليمه والترغيب في سجود التلاوة [٢]","level":1,"page":145},{"title":"أنواع الحسد الجائز","level":2,"page":146},{"title":"فضل قراءة القرآن","level":2,"page":147},{"title":"بيان فضل أهل القرآن","level":2,"page":148},{"title":"عموم ثواب حفظ القرآن لمن حفظه ولوالديه","level":2,"page":149},{"title":"الترغيب في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها وفضل تعلمه وتعليمه والترغيب في سجود التلاوة [٣]","level":1,"page":150},{"title":"أحاديث واردة في الترغيب بتلاوة القرآن","level":2,"page":151},{"title":"شرح حديث عثمان: (خيركم من تعلم القرآن)","level":2,"page":152},{"title":"حديث ابن مسعود: (من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة)","level":2,"page":153},{"title":"شرح حديث أبي هريرة: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله)","level":2,"page":154},{"title":"الترغيب في طلب الحلال والأكل منه والترهيب من اكتساب الحرام وأكله ولبسه ونحو ذلك [١]","level":1,"page":155},{"title":"التحري في الحلال سبب لإجابة الدعاء","level":2,"page":156},{"title":"خصال الخير خير من الدنيا وما فيها","level":2,"page":157},{"title":"الحرام سبب لرد الصدقة","level":2,"page":158},{"title":"ضرورة التحري في الحلال","level":2,"page":159},{"title":"بيان طمع الإنسان وجشعه","level":2,"page":160},{"title":"بيان حقيقة الحياء الحق","level":2,"page":161},{"title":"الترغيب في طلب الحلال والأكل منه والترهيب من اكتساب الحرام وأكله ولبسه ونحو ذلك [٢]","level":1,"page":162},{"title":"الأحاديث الواردة في الترغيب في أكل الحلال","level":2,"page":163},{"title":"أكل الحرام يمنع إجابة الدعوة","level":3,"page":164},{"title":"عفة المطعم تغني صاحبها عما فاته من الدنيا","level":3,"page":165},{"title":"تحريم أخذ المال الحرام بحجة التصدق به أو منه","level":2,"page":166},{"title":"الترغيب في الورع وترك الشبهات وما يحوك في الصدر","level":1,"page":167},{"title":"التحذير من الوقوع في المشتبهات","level":2,"page":168},{"title":"الوقوع في المشتبهات سبب للوقوع في الحرام","level":2,"page":169},{"title":"بيان بعض وسائل معرفة الحرام","level":2,"page":170},{"title":"نماذج من ورع أبي بكر الصديق وتركه للشبهات","level":2,"page":171},{"title":"بيان أعبد الناس عند الله وصفته","level":2,"page":172},{"title":"بيان صفة أشكر الناس","level":2,"page":173},{"title":"حب الخير للناس من علامات الإيمان","level":2,"page":174},{"title":"صور من علامات الإسلام الحق","level":2,"page":175},{"title":"مضار كثرة الضحك","level":2,"page":176},{"title":"الترغيب في السماحة في البيع والشراء وحسن التقاضي والقضاء","level":1,"page":177},{"title":"الأحاديث الواردة في الترغيب في السماحة في البيع والشراء وحسن القضاء","level":2,"page":178},{"title":"شرح حديث: (رحم الله عبدا سمحا إذا باع)","level":2,"page":179},{"title":"شرح حديث ابن مسعود: (ألا أخبركم بمن يحرم على النار)","level":2,"page":180},{"title":"شرح حديث: (أتى الله بعبد من عباده آتاه الله مالا)","level":2,"page":181},{"title":"الترهيب من بخس الكيل والميزان","level":1,"page":182},{"title":"ما جاء في الترهيب من بخس الكيل والوزن","level":2,"page":183},{"title":"شرح حديث: (خمس خصال إذا ابتليتم بهن)","level":3,"page":184},{"title":"عقوبة نقص المكيال والميزان","level":3,"page":185},{"title":"عقوبة منع الزكاة","level":3,"page":186},{"title":"عقوبة نقض العهد والميثاق","level":3,"page":187},{"title":"عقوبة الحكم بغير ما أنزل الله","level":3,"page":188},{"title":"الترهيب من تضييع الأمانة","level":1,"page":189},{"title":"الترهيب من تضييع الأمانة","level":2,"page":190},{"title":"شرح أثر ابن مسعود في الأمانة","level":3,"page":191},{"title":"شرح حديث: (من حمل علينا السلاح فليس منا)","level":3,"page":192},{"title":"بعض الأعمال التي قال رسول الله عن فاعلها: (ليس منا)","level":3,"page":193},{"title":"جزاء المكر والخداع","level":3,"page":194},{"title":"أمانة الصحابة ﵃","level":3,"page":195},{"title":"ترغيب التجار في الصدق وترهيبهم من الكذب والحلف وإن كانوا صادقين","level":1,"page":196},{"title":"ترغيب التجار في الصدق وترهيبهم من الكذب","level":2,"page":197},{"title":"التحذير من الأيمان الفاجرة في البيع","level":2,"page":198},{"title":"التجار هم الفجار يوم القيامة","level":2,"page":199},{"title":"عقوبة من حلف بالله كاذبا ليبيع سلعته","level":2,"page":200},{"title":"الترهيب من الدين وترغيب المستدين والمتزوج أن ينويا الوفاء والمبادرة إلى قضاء دين الميت [١]","level":1,"page":201},{"title":"الترهيب من الدين","level":2,"page":202},{"title":"شرح حديث: (لا تخيفوا أنفسكم بعد أمنها)","level":3,"page":203},{"title":"شرح حديث: (من فارق روحه جسده وهو بريء من ثلاث دخل الجنة)","level":3,"page":204},{"title":"شرح حديث: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها)","level":3,"page":205},{"title":"شرح حديث: (أيما رجل تدين دينا وهو مجمع ألا يوفيه إياه)","level":3,"page":206},{"title":"قصة الرجل من بني إسرائيل الذي استدان وجعل الله شاهده وكفيله","level":3,"page":207},{"title":"الترهيب من الدين وترغيب المستدين والمتزوج أن ينويا الوفاء والمبادرة إلى قضاء دين الميت [٢]","level":1,"page":208},{"title":"ما جاء في الترهيب من الدين","level":2,"page":209},{"title":"شرح حديث (وأيما رجل استدان دينا لا يريد أن يؤدي إلى صاحبه حقه)","level":3,"page":210},{"title":"شرح حديث: (ومن مات وعليه دين فليس ثم دينار ولا درهم)","level":3,"page":211},{"title":"شرح حديث: (إن صاحبكم مأسور بدينه)","level":3,"page":212},{"title":"الترغيب في ستر المسلم والترهيب من هتكه وتتبع عورته","level":1,"page":213},{"title":"الترغيب في ستر المسلم والترهيب من هتكه","level":2,"page":214},{"title":"شرح حديث: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا)","level":3,"page":215},{"title":"شرح حديث: (لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة)","level":3,"page":216},{"title":"شرح حديث: (من ستر على مؤمن عورة فكأنما أحيا موءودة)","level":3,"page":217},{"title":"شرح حديث: (فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته)","level":3,"page":218},{"title":"فضل إقالة عثرات ذوي الهيئات","level":2,"page":219},{"title":"الترغيب في الحياء وما جاء في فضله والترهيب من الفحش والبذاء","level":1,"page":220},{"title":"الترغيب في الحياء، وما جاء في فضله","level":2,"page":221},{"title":"الفرق بين الخجل والحياء","level":3,"page":222},{"title":"معنى قوله ﷺ: (الحياء من الإيمان)","level":3,"page":223},{"title":"الاستحياء من الله حق الحياء","level":3,"page":224},{"title":"الترغيب في الخلق الحسن وفضله والترهيب من الخلق السيئ وذمه","level":1,"page":225},{"title":"الترغيب في حسن الخلق والترهيب من سوء الخلق","level":2,"page":226},{"title":"شرح حديث: (البر حسن الخلق)","level":3,"page":227},{"title":"شرح حديث: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق)","level":3,"page":228},{"title":"شرح حديث: (ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن)","level":3,"page":229},{"title":"حالات يجوز فيها الكذب","level":3,"page":230},{"title":"شرح حديث: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحسنكم أخلاقا)","level":3,"page":231},{"title":"الترغيب في الرفق والأناة والحلم","level":1,"page":232},{"title":"الترغيب في الرفق والأناة والحلم","level":2,"page":233},{"title":"الأسباب المعينة على الرفق","level":2,"page":234},{"title":"شرح حديث: (إن الله ﷿ ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرق)","level":2,"page":235},{"title":"شرح حديث: (أن أعرابيا بال في المسجد فقام الناس إليه)","level":2,"page":236},{"title":"شرح حديث: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا)","level":2,"page":237},{"title":"الترغيب في طلاقة الوجه وطيب الكلام","level":1,"page":238},{"title":"أحاديث واردة في الترغيب في طلاقة الوجه وطيب الكلام","level":2,"page":239},{"title":"شرح حديث أبي ذر: (لا تحقرن من المعروف شيئا)","level":3,"page":240},{"title":"شرح حديث: (موجب الجنة إطعام الطعام)","level":2,"page":241},{"title":"الترغيب في إفشاء السلام [١]","level":1,"page":242},{"title":"إفشاء السلام وفضله","level":2,"page":243},{"title":"ما ورد من الأحاديث في إفشاء السلام","level":3,"page":244},{"title":"فضل من يبدأ بالسلام","level":3,"page":245},{"title":"فضل رد السلام","level":3,"page":246},{"title":"الترغيب في إفشاء السلام [٢]","level":1,"page":247},{"title":"إفشاء السلام","level":2,"page":248},{"title":"شرح حديث: (أن رجلا مر على رسول الله وهو في مجلسه فقال: سلام عليكم، فقال: عشر حسنات)","level":3,"page":249},{"title":"شرح حديث: (أربعون خصلة أعلاهن منيحة العنز)","level":3,"page":250},{"title":"شرح حديث: (وأبخل الناس من بخل بالسلام)","level":3,"page":251},{"title":"فضل التواضع وجزاء الكبر","level":2,"page":252},{"title":"الترغيب في إنجاز الوعد والأمانة","level":1,"page":253},{"title":"الترغيب في إنجاز الوعد والأمانة، والترهيب من ضد ذلك","level":2,"page":254},{"title":"شرح حديث: (تقبلوا إلي ستا أتقبل لكم بالجنة: وإذا اؤتمن فلا يخن)","level":3,"page":255},{"title":"شرح حديث: (إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال)","level":3,"page":256},{"title":"بيان كيف ترفع الأمانة","level":3,"page":257},{"title":"جزاء من خان الأمانة","level":2,"page":258},{"title":"الترغيب في الحب في الله والترهيب من حب الأشرار وأهل البدع [١]","level":1,"page":259},{"title":"الترغيب في الحب في الله ﷾ والحث عليه","level":2,"page":260},{"title":"شرح حديث: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان)","level":3,"page":261},{"title":"شرح حديث: (أين المتحابون بجلالي؟)","level":3,"page":262},{"title":"الترغيب في الحب في الله والترهيب من حب الأشرار وأهل البدع [٢]","level":1,"page":263},{"title":"الحب في الله","level":2,"page":264},{"title":"أسباب المحبة في الله","level":3,"page":265},{"title":"مقتضيات الحب في الله","level":3,"page":266},{"title":"خير الجيران عند الله","level":3,"page":267},{"title":"فضل المحبة في الله","level":3,"page":268},{"title":"ثمرة الحب في الله في الآخرة","level":3,"page":269},{"title":"الترغيب في التوبة والمبادرة بها","level":1,"page":270},{"title":"الترغيب في التوبة","level":2,"page":271},{"title":"ظهور مقتضى اسمي الله ﷿: الغفور الرحيم في التوبة","level":2,"page":272},{"title":"ذكر قصة توبة الجهنية","level":2,"page":273},{"title":"الترغيب في ترك أرض المعاصي","level":1,"page":274},{"title":"الترغيب في ترك أرض المعاصي والحث على ذلك","level":2,"page":275},{"title":"الترغيب في الفراغ للعبادة والترهيب من الاهتمام بالدنيا [١]","level":1,"page":276},{"title":"التفرغ للعبادة وفضله","level":2,"page":277},{"title":"المفهوم الصحيح للعبادة","level":3,"page":278},{"title":"فضل التفرغ لعبادة الله سبحانه","level":3,"page":279},{"title":"الترغيب في الفراغ للعبادة والترهيب من الاهتمام بالدنيا [٢]","level":1,"page":280},{"title":"استشعار العبودية في كل حال","level":2,"page":281},{"title":"شرح حديث: (يابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى)","level":2,"page":282},{"title":"شرح حديث: (ما قل وكفى خير مما كثر وألهى)","level":2,"page":283},{"title":"شرح حديث: (من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره)","level":2,"page":284},{"title":"وقت صلاة الضحى وفضيلتها","level":2,"page":285},{"title":"حكم رفع الصوت في الصلاة","level":2,"page":286},{"title":"حكم من صلى قاعدا وهو يقدر على القيام","level":2,"page":287},{"title":"الترغيب في العمل الصالح عند فساد الزمان","level":1,"page":288},{"title":"شرح حديث أبي ثعلبة الخشني","level":2,"page":289},{"title":"شرح حديث: (بدأ الإسلام غريبا)","level":3,"page":290},{"title":"شرح حديث عائشة: (إن الله لا يمل حتى تملوا)","level":2,"page":291},{"title":"الترغيب في الفقر وقلة ذات اليد وما جاء في فضل الفقراء والمساكين [١]","level":1,"page":292},{"title":"أهمية التخفف من الدنيا","level":2,"page":293},{"title":"شرح حديث أبي الدرداء في التخفف من الدنيا","level":3,"page":294},{"title":"شرح حديث أبي ذر ﵁ في التخفف من الدنيا","level":3,"page":295},{"title":"حماية الله لعبده المؤمن من الدنيا","level":2,"page":296},{"title":"الترغيب في الفقر وقلة ذات اليد وما جاء في فضل الفقراء والمساكين [٢]","level":1,"page":297},{"title":"الفقر ليس مطلوبا لذاته وإنما الفضل في الرضا به","level":2,"page":298},{"title":"أول من يدخل الجنة","level":2,"page":299},{"title":"الترغيب في حب المساكين","level":1,"page":300},{"title":"فضل المساكين والفقراء","level":2,"page":301},{"title":"فضل المساكين والقرب منهم","level":3,"page":302},{"title":"النظر في الدنيا إلى من هو أقل غنى","level":3,"page":303},{"title":"التحذير من إغضاب فقراء المؤمنين","level":3,"page":304},{"title":"من صفات أهل الجنة أنهم ضعفاء","level":3,"page":305},{"title":"لا تحكم على الإنسان بظاهره","level":1,"page":306},{"title":"فضل المساكين وضعة المتكبرين","level":2,"page":307},{"title":"شرح حديث: (هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا)","level":3,"page":308},{"title":"تصحيح النبي ﷺ للمفاهيم","level":3,"page":309},{"title":"شرح حديث: (انظر أرفع رجل في المسجد)","level":3,"page":310},{"title":"شرح حديث: (إن الله لا يحب هذا وأضرابه)","level":3,"page":311},{"title":"الترغيب في الزهد في الدنيا والترهيب من حبها والتكاثر فيها [١]","level":1,"page":312},{"title":"الترغيب في الزهد","level":2,"page":313},{"title":"بيان أن صلاح هذه الأمة بزهدها في الدنيا","level":3,"page":314},{"title":"بيان أن البخل والأمل سببان لهلاك هذه الأمة","level":3,"page":315},{"title":"التحذير من الاغترار بالدنيا","level":3,"page":316},{"title":"بيان أن الأخذ من الدنيا سبب لنقصان الدرجات في الآخرة","level":2,"page":317},{"title":"الحث على الاستعداد ليوم القيامة","level":2,"page":318},{"title":"الترغيب في الزهد في الدنيا والترهيب من حبها والتكاثر فيها [٢]","level":1,"page":319},{"title":"تابع ما جاء في الزهد في الدنيا والاكتفاء منها بالقليل","level":2,"page":320},{"title":"شرح حديث: (ما من عبد ولا أمة إلا وله ثلاثة أخلاء)","level":3,"page":321},{"title":"شرح حديث: (يقول ابن آدم مالي مالي)","level":3,"page":322},{"title":"شرح حديث تمثيل الدنيا بما يخرج من بطن الإنسان","level":3,"page":323},{"title":"شرح حديث: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها)","level":3,"page":324},{"title":"الترغيب في الزهد في الدنيا والترهيب من حبها والتكاثر فيها [٣]","level":1,"page":325},{"title":"الدنيا فانية ومتاعها زائل","level":2,"page":326},{"title":"شرح قوله: (تعس عبد الدينار)","level":3,"page":327},{"title":"شرح قوله: (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه)","level":3,"page":328},{"title":"من أحب الدنيا أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه","level":3,"page":329},{"title":"شرح حديث: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم)","level":3,"page":330},{"title":"الترغيب في الزهد في الدنيا والترهيب من حبها والتكاثر فيها [٤]","level":1,"page":331},{"title":"ذكر ما جاء من زهد النبي ﷺ وتقشفه","level":2,"page":332},{"title":"الاستشعار بالفقراء والمساكين وتربية النفس على الجوع والصبر","level":3,"page":333},{"title":"أكل النبي ﷺ الخبز الخشن على سفرة","level":3,"page":334},{"title":"شرح حديث: (ما رأى النبي ﷺ النقي)","level":3,"page":335},{"title":"ذكر ما كان عليه الرسول ﷺ من التقلل من الدنيا","level":3,"page":336},{"title":"اختيار النبي ﷺ أن يكون عبدا رسولا","level":3,"page":337}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"2,1":5,"2,2":6,"2,3":7,"2,4":8,"2,5":9,"3,1":10,"3,2":11,"3,3":12,"3,4":13,"3,5":14,"3,6":15,"3,7":16,"3,8":17,"3,9":18,"3,10":19,"3,11":20,"4,1":21,"4,2":22,"4,3":23,"4,4":24,"4,5":25,"4,6":26,"4,7":27,"4,8":28,"4,9":29,"4,10":30,"4,11":31,"5,1":32,"5,2":33,"5,3":34,"6,1":35,"6,2":36,"6,3":37,"6,4":38,"7,1":39,"7,2":40,"7,3":41,"7,4":42,"7,5":43,"7,6":44,"7,7":45,"7,8":46,"7,9":47,"7,10":48,"7,11":49,"7,12":50,"8,1":51,"8,2":52,"8,3":53,"8,4":54,"9,1":55,"9,2":56,"9,3":57,"9,4":58,"9,5":59,"9,6":60,"9,7":61,"9,8":62,"10,1":63,"10,2":64,"11,1":65,"11,2":66,"11,3":67,"11,4":68,"11,5":69,"11,6":70,"11,7":71,"11,8":72,"11,9":73,"11,10":74,"11,11":75,"12,1":76,"12,2":77,"12,3":78,"12,4":79,"12,5":80,"12,6":81,"13,1":82,"13,2":83,"13,3":84,"13,4":85,"13,5":86,"14,1":87,"14,2":88,"14,3":89,"14,4":90,"14,5":91,"14,6":92,"14,7":93,"15,1":94,"15,2":95,"15,3":96,"15,4":97,"15,5":98,"15,6":99,"16,1":100,"16,2":101,"16,3":102,"16,4":103,"16,5":104,"16,6":105,"16,7":106,"16,8":107,"16,9":108,"16,10":109,"17,1":110,"17,2":111,"17,3":112,"17,4":113,"17,5":114,"17,6":115,"18,1":116,"18,2":117,"18,3":118,"18,4":119,"18,5":120,"18,6":121,"18,7":122,"19,1":123,"19,2":124,"19,3":125,"19,4":126,"19,5":127,"19,6":128,"19,7":129,"19,8":130,"20,1":131,"20,2":132,"20,3":133,"20,4":134,"20,5":135,"20,6":136,"20,7":137,"20,8":138,"20,9":139,"20,10":140,"21,1":141,"21,2":142,"21,3":143,"21,4":144,"22,1":145,"22,2":146,"22,3":147,"22,4":148,"22,5":149,"23,1":150,"23,2":151,"23,3":152,"23,4":153,"23,5":154,"24,1":155,"24,2":156,"24,3":157,"24,4":158,"24,5":159,"24,6":160,"24,7":161,"25,1":162,"25,2":163,"25,3":164,"25,4":165,"25,5":166,"26,1":167,"26,2":168,"26,3":169,"26,4":170,"26,5":171,"26,6":172,"26,7":173,"26,8":174,"26,9":175,"26,10":176,"27,1":177,"27,2":178,"27,3":179,"27,4":180,"27,5":181,"28,1":182,"28,2":183,"28,3":184,"28,4":185,"28,5":186,"28,6":187,"28,7":188,"29,1":189,"29,2":190,"29,3":191,"29,4":192,"29,5":193,"29,6":194,"29,7":195,"30,1":196,"30,2":197,"30,3":198,"30,4":199,"30,5":200,"31,1":201,"31,2":202,"31,3":203,"31,4":204,"31,5":205,"31,6":206,"31,7":207,"32,1":208,"32,2":209,"32,3":210,"32,4":211,"32,5":212,"33,1":213,"33,2":214,"33,3":215,"33,4":216,"33,5":217,"33,6":218,"33,7":219,"34,1":220,"34,2":221,"34,3":222,"34,4":223,"34,5":224,"35,1":225,"35,2":226,"35,3":227,"35,4":228,"35,5":229,"35,6":230,"35,7":231,"36,1":232,"36,2":233,"36,3":234,"36,4":235,"36,5":236,"36,6":237,"37,1":238,"37,2":239,"37,3":240,"37,4":241,"38,1":242,"38,2":243,"38,3":244,"38,4":245,"38,5":246,"39,1":247,"39,2":248,"39,3":249,"39,4":250,"39,5":251,"39,6":252,"40,1":253,"40,2":254,"40,3":255,"40,4":256,"40,5":257,"40,6":258,"41,1":259,"41,2":260,"41,3":261,"41,4":262,"42,1":263,"42,2":264,"42,3":265,"42,4":266,"42,5":267,"42,6":268,"42,7":269,"43,1":270,"43,2":271,"43,3":272,"43,4":273,"44,1":274,"44,2":275,"45,1":276,"45,2":277,"45,3":278,"45,4":279,"46,1":280,"46,2":281,"46,3":282,"46,4":283,"46,5":284,"46,6":285,"46,7":286,"46,8":287,"47,1":288,"47,2":289,"47,3":290,"47,4":291,"48,1":292,"48,2":293,"48,3":294,"48,4":295,"48,5":296,"49,1":297,"49,2":298,"49,3":299,"50,1":300,"50,2":301,"50,3":302,"50,4":303,"50,5":304,"50,6":305,"51,1":306,"51,2":307,"51,3":308,"51,4":309,"51,5":310,"51,6":311,"52,1":312,"52,2":313,"52,3":314,"52,4":315,"52,5":316,"52,6":317,"52,7":318,"53,1":319,"53,2":320,"53,3":321,"53,4":322,"53,5":323,"53,6":324,"54,1":325,"54,2":326,"54,3":327,"54,4":328,"54,5":329,"54,6":330,"55,1":331,"55,2":332,"55,3":333,"55,4":334,"55,5":335,"55,6":336,"55,7":337},"ٜ":{"1":[1,4],"2":[1,5],"3":[1,11],"4":[1,11],"5":[1,3],"6":[1,4],"7":[1,12],"8":[1,4],"9":[1,8],"10":[1,2],"11":[1,11],"12":[1,6],"13":[1,5],"14":[1,7],"15":[1,6],"16":[1,10],"17":[1,6],"18":[1,7],"19":[1,8],"20":[1,10],"21":[1,4],"22":[1,5],"23":[1,5],"24":[1,7],"25":[1,5],"26":[1,10],"27":[1,5],"28":[1,7],"29":[1,7],"30":[1,5],"31":[1,7],"32":[1,5],"33":[1,7],"34":[1,5],"35":[1,7],"36":[1,6],"37":[1,4],"38":[1,5],"39":[1,6],"40":[1,6],"41":[1,4],"42":[1,7],"43":[1,4],"44":[1,2],"45":[1,4],"46":[1,8],"47":[1,4],"48":[1,5],"49":[1,3],"50":[1,6],"51":[1,6],"52":[1,7],"53":[1,6],"54":[1,6],"55":[1,7]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","5,1","5,2","5,3","6,1","6,2","6,3","6,4","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","8,1","8,2","8,3","8,4","9,1","9,2","9,3","9,4","9,5","9,6","9,7","9,8","10,1","10,2","11,1","11,2","11,3","11,4","11,5","11,6","11,7","11,8","11,9","11,10","11,11","12,1","12,2","12,3","12,4","12,5","12,6","13,1","13,2","13,3","13,4","13,5","14,1","14,2","14,3","14,4","14,5","14,6","14,7","15,1","15,2","15,3","15,4","15,5","15,6","16,1","16,2","16,3","16,4","16,5","16,6","16,7","16,8","16,9","16,10","17,1","17,2","17,3","17,4","17,5","17,6","18,1","18,2","18,3","18,4","18,5","18,6","18,7","19,1","19,2","19,3","19,4","19,5","19,6","19,7","19,8","20,1","20,2","20,3","20,4","20,5","20,6","20,7","20,8","20,9","20,10","21,1","21,2","21,3","21,4","22,1","22,2","22,3","22,4","22,5","23,1","23,2","23,3","23,4","23,5","24,1","24,2","24,3","24,4","24,5","24,6","24,7","25,1","25,2","25,3","25,4","25,5","26,1","26,2","26,3","26,4","26,5","26,6","26,7","26,8","26,9","26,10","27,1","27,2","27,3","27,4","27,5","28,1","28,2","28,3","28,4","28,5","28,6","28,7","29,1","29,2","29,3","29,4","29,5","29,6","29,7","30,1","30,2","30,3","30,4","30,5","31,1","31,2","31,3","31,4","31,5","31,6","31,7","32,1","32,2","32,3","32,4","32,5","33,1","33,2","33,3","33,4","33,5","33,6","33,7","34,1","34,2","34,3","34,4","34,5","35,1","35,2","35,3","35,4","35,5","35,6","35,7","36,1","36,2","36,3","36,4","36,5","36,6","37,1","37,2","37,3","37,4","38,1","38,2","38,3","38,4","38,5","39,1","39,2","39,3","39,4","39,5","39,6","40,1","40,2","40,3","40,4","40,5","40,6","41,1","41,2","41,3","41,4","42,1","42,2","42,3","42,4","42,5","42,6","42,7","43,1","43,2","43,3","43,4","44,1","44,2","45,1","45,2","45,3","45,4","46,1","46,2","46,3","46,4","46,5","46,6","46,7","46,8","47,1","47,2","47,3","47,4","48,1","48,2","48,3","48,4","48,5","49,1","49,2","49,3","50,1","50,2","50,3","50,4","50,5","50,6","51,1","51,2","51,3","51,4","51,5","51,6","52,1","52,2","52,3","52,4","52,5","52,6","52,7","53,1","53,2","53,3","53,4","53,5","53,6","54,1","54,2","54,3","54,4","54,5","54,6","55,1","55,2","55,3","55,4","55,5","55,6","55,7"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"4":[4],"5":[5],"6":[6],"7":[7],"8":[8],"9":[9],"10":[10],"11":[11],"12":[12],"13":[13],"14":[14],"15":[15],"16":[16],"17":[17],"18":[18],"19":[19],"20":[20],"21":[21],"22":[22],"23":[23],"24":[24],"25":[25],"26":[26],"27":[27],"28":[28],"29":[29],"30":[30],"31":[31],"32":[32],"33":[33],"34":[34],"35":[35],"36":[36],"37":[37],"38":[38],"39":[39],"40":[40],"41":[41],"42":[42],"43":[43],"44":[44],"45":[45],"46":[46],"47":[47],"48":[48],"49":[49],"50":[50],"51":[51],"52":[52],"53":[53],"54":[54],"55":[55],"56":[56],"57":[57],"58":[58],"59":[59],"60":[60],"61":[61],"62":[62],"63":[63],"64":[64],"65":[65],"66":[66],"67":[67],"68":[68],"69":[69],"70":[70],"71":[71],"72":[72],"73":[73],"74":[74],"75":[75],"76":[76],"77":[77],"78":[78],"79":[79],"80":[80],"81":[81],"82":[82],"83":[83],"84":[84],"85":[85],"86":[86],"87":[87],"88":[88],"89":[89],"90":[90],"91":[91],"92":[92],"93":[93],"94":[94],"95":[95],"96":[96],"97":[97],"98":[98],"99":[99],"100":[100],"101":[101],"102":[102],"103":[103],"104":[104],"105":[105],"106":[106],"107":[107],"108":[108],"109":[109],"110":[110],"111":[111],"112":[112],"113":[113],"114":[114],"115":[115],"116":[116],"117":[117],"118":[118],"119":[119],"120":[120],"121":[121],"122":[122],"123":[123],"124":[124],"125":[125],"126":[126],"127":[127],"128":[128],"129":[129],"130":[130],"131":[131],"132":[132],"133":[133],"134":[134],"135":[135],"136":[136],"137":[137],"138":[138],"139":[139],"140":[140],"141":[141],"142":[142],"143":[143],"144":[144],"145":[145],"146":[146],"147":[147],"148":[148],"149":[149],"150":[150],"151":[151],"152":[152],"153":[153],"154":[154],"155":[155],"156":[156],"157":[157],"158":[158],"159":[159],"160":[160],"161":[161],"162":[162],"163":[163],"164":[164],"165":[165],"166":[166],"167":[167],"168":[168],"169":[169],"170":[170],"171":[171],"172":[172],"173":[173],"174":[174],"175":[175],"176":[176],"177":[177],"178":[178],"179":[179],"180":[180],"181":[181],"182":[182],"183":[183],"184":[184],"185":[185],"186":[186],"187":[187],"188":[188],"189":[189],"190":[190],"191":[191],"192":[192],"193":[193],"194":[194],"195":[195],"196":[196],"197":[197],"198":[198],"199":[199],"200":[200],"201":[201],"202":[202],"203":[203],"204":[204],"205":[205],"206":[206],"207":[207],"208":[208],"209":[209],"210":[210],"211":[211],"212":[212],"213":[213],"214":[214],"215":[215],"216":[216],"217":[217],"218":[218],"219":[219],"220":[220],"221":[221],"222":[222],"223":[223],"224":[224],"225":[225],"226":[226],"227":[227],"228":[228],"229":[229],"230":[230],"231":[231],"232":[232],"233":[233],"234":[234],"235":[235],"236":[236],"237":[237],"238":[238],"239":[239],"240":[240],"241":[241],"242":[242],"243":[243],"244":[244],"245":[245],"246":[246],"247":[247],"248":[248],"249":[249],"250":[250],"251":[251],"252":[252],"253":[253],"254":[254],"255":[255],"256":[256],"257":[257],"258":[258],"259":[259],"260":[260],"261":[261],"262":[262],"263":[263],"264":[264],"265":[265],"266":[266],"267":[267],"268":[268],"269":[269],"270":[270],"271":[271],"272":[272],"273":[273],"274":[274],"275":[275],"276":[276],"277":[277],"278":[278],"279":[279],"280":[280],"281":[281],"282":[282],"283":[283],"284":[284],"285":[285],"286":[286],"287":[287],"288":[288],"289":[289],"290":[290],"291":[291],"292":[292],"293":[293],"294":[294],"295":[295],"296":[296],"297":[297],"298":[298],"299":[299],"300":[300],"301":[301],"302":[302],"303":[303],"304":[304],"305":[305],"306":[306],"307":[307],"308":[308],"309":[309],"310":[310],"311":[311],"312":[312],"313":[313],"314":[314],"315":[315],"316":[316],"317":[317],"318":[318],"319":[319],"320":[320],"321":[321],"322":[322],"323":[323],"324":[324],"325":[325],"326":[326],"327":[327],"328":[328],"329":[329],"330":[330],"331":[331],"332":[332],"333":[333],"334":[334],"335":[335],"336":[336],"337":[337]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-1> الترغيب في الرحلة في طلب العلم</span>\nلقد رفع الله ﷿ من منزلة العلماء، ورفع مكانتهم وقدرهم، فهم ورثة الأنبياء، وحراس الدين، والمبلغون الموقعون عن الله ﷿ في خلقه؛ فلهذا كان لهم أجر المجاهد في سبيل الله، وأجر الحاج الذاهب إلى بيت الله، ويستغفر لهم كل مخلوق على وجه الأرض، وحق لهم ذلك فلقد ورثوا هذا الدين، وبلغوه إلى الخلق أجمعين، وميزوا فيه الصحيح من السقيم.","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>فضل طلب العلم</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الحافظ المنذري ﵀: [الترغيب في الرحلة في طلب العلم: عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة) رواه مسلم.\nوعن زر بن حبيش ﵁ قال: (أتيت صفوان بن عسال المرادي ﵁ قال: ما جاء بك؟ قلت: أنبط العلم، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من خارج من بيته في طلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضًا بما يصنع) رواه الترمذي.\nوروى الطبراني في كتابه عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: (من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرًا أو يعلمه كان له كأجر حاج تامًا حجته)].\nفهذه أحاديث من كتاب الترغيب والترهيب للإمام الحافظ المنذري في الترغيب في الرحلة إلى طلب العلم.\nفالإنسان المسلم يرحل ويسافر ليبحث عن العلم حتى يعلم ما يريد الله ﷿ منه، والمؤمن ينشر العلم بإخلاص ويبتغي به وجه الله سبحانه، ويبتغي الثواب على ذلك.\nمن الأحاديث ما جاء عن النبي ﷺ: (من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة).\nفالجزاء من جنس العمل، فإذا كنت تسعى ذاهبًا إلى بيت الله ﷾، لعلك تذهب في طريق صعب أو طويل تذهب في ليل تذهب في نهار في أرض سهلة في أرض وعرة تلتمس طلب العلم، والمقصد: العلم الشرعي أي: علم الكتاب وعلم سنة النبي ﷺ فإذا أتعبت نفسك من أجل ذلك في الدنيا سهل الله ﷿ لك العلم، وسهل لك به طريقًا إلى الجنة.\nعن زر بن حبيش قال: (أتيت صفوان بن عسال المرادي ﵁ قال: ما جاء بك؟ قال: قلت: أنبط العلم).\nومعنى أنبط: خرجت أبحث عن العلم الصحيح وهو علم الكتاب والسنة، فأنبط هذا العلم: أستخرجه، فقال له صفوان ﵁: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من خارج خرج من بيته في طلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضًا بما صنع)، فطالب العلم وهو يسير في الطريق بدلًا من أن يفرشوا له سجادًا فإن الملائكة تشرفه بأن تفرش له أجنحتها، ولم يذكر العالم فقط، لا، بل طالب العلم.\nإذًا: الطلبة والعلماء وكل من يطلب العلم الشرعي يسير في طريق الملائكة، فتفرش له أجنحتها في هذا الطريق، تواضعًا له.\nمن الأحاديث: حديث أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرًا أو يعلمه)، (من غدا إلى المسجد) فإذا جئت لتصلي فأنت في الطريق كأنك تصلي طالما أنك على وضوء، وإذا جلست في المسجد تنتظر الصلاة فأنت في صلاة، وإذا انتظرت بعد الصلاة فالملائكة تدعو لك وتستغفر لك، وإذا جئت لطلب العلم الشرعي يقول النبي ﷺ هنا: (كان له كأجر حاج تامًا حجته)، هذا ما يكون لطالب العلم ولمعلم الخير من قدر ومنزله، ومن ثواب في طلب العلم، كلما ذهب إلى بيت الله ليتعلم علمًا أو ليعلمه الناس.\nفالمعلم وطالب العلم يشتركان في الأجر، ويكون لهما كأجر الحاج الذي يذهب ليحج ويرجع، وهذا الأجر تامًا لا ينقص منه شيء.\nكذلك جاء عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو بمنزلة المجاهدين في سبيل الله) وهذه فضيلة أخرى لمن يتوجه إلى بيت الله ﷿ ليتعلم العلم الشرعي أو يعلم العلم الشرعي.\nفهذه أحاديث تجعل المسلمين يتنافسون في طلب العلم، وفي حفظ العلم الشرعي، وفي طلب من يتعلم العلم الشرعي من كتاب أو سنة أو فقه وغير ذلك من علوم الدين، فأخبر ﷺ في الحديث أن الذي يأتي ليتعلم الخير أو يعلم الخير بمنزلة المجاهدين في سبيل الله.\nيعني: له أجر عظيم كأجر الغازي المجاهد في سبيل الله سبحانه.\nفما هو أجر الذي جاء إلى المسجد لغير ذلك كمن جاء ينتظر شخصًا وليس مراده طلب علم ولا غيره؟!\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قال ﷺ: (ومن جاء لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره)، أي: كمن مر في الشارع نظر إلى أثاث جيد ولكنه لا ينتفع بهذا الأثاث؛ فهو ملك لغيره.","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>أجر مبلغ حديث النبي ﷺ</span>\nروى أبو داود ﵁ عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (نضر الله امرأً سمع منا شيئًا فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع).\nوفي هذا الحث على تبليغ حديث النبي ﷺ، ولكن بقيد ذكره النبي ﷺ وهو أنه سمعه منه ﷺ، أو ساوى من سمع من النبي ﷺ، فالسامع من النبي ﷺ على يقين أن هذا قاله النبي ﷺ، والذي يساويه هو من عنده الإسناد الصحيح بحيث يستيقن أن هذا قاله النبي ﷺ، فهذا القيد الأول.\nوالقيد الآخر: أن تبلغه كما سمعته، ولا تزد فيه شيئًا، قال ﷺ: (فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع)، وفي هذا يحثنا النبي ﷺ على تبليغ الحديث بألفاظه، فربما لا يكون عندك فقه، ولا تفهم في اللغة العربية تمامًا، ولكنك تبلغ الحديث لإنسان يفهم اللغة العربية، وعنده فقه فيأخذ الحديث ويستنبط منه الفقه فيتعلم الناس ويتفقهون بما رويته أنت لهذا الآخر، فقال ﷺ: (نضر الله) وهذا دعاء له بالنضارة، والنضارة في وجه الإنسان نعمة وبهجة وحسن وجمال.\nفعندما تنقل ما سمعت عن النبي ﷺ من أحاديث صحيحة يكون لك هذا الأجر حيًا وميتًا، ولذلك قال النبي ﷺ: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).\nفإذا بلغت العلم الشرعي فانتفع به الناس سواء في حياتك أو بعد وفاتك فإن الذي نقلته وعلمته الناس ينفعك.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>التحذير من الكذب في حديث النبي ﷺ</span>\nلو أن إنسانًا نقل عن النبي ﷺ ما لم يقل، أو فسر القرآن بغير الذي أراده الله ﵎ فهذا مصيبته مصيبة، فبقدر ما يأخذ الذي يبلغ الصحيح مما جاء عن النبي ﷺ من حسنات عظيمة، ويكون له كأجر الحاج وأجر المجاهد في سبيل الله، بقدر ما يهيئ هذا نفسه للنار؛ لأنه كذب على الله وعلى رسول الله.\nيقول النبي ﷺ: (من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار).\nوفي رواية أخرى عن سمرة عن النبي ﷺ: (من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين) فالذي يحدث عن النبي ﷺ بحديث علامات الكذب فيه واضحة يعد كذابًا، فعلى المسلم أن يحذر من أن يروي عن النبي ﷺ ما لم يقله؛ لأنه ﷺ قال: (إن كذبًا علي ليس ككذب على أحدكم)؛ فالذي يتقول على النبي ﷺ إنما يكذب على الوحي، ويكذب على الله سبحانه ﵎؛ لأن النبي ﷺ لا ينطق عن الهوى.\nوالذي جعلنا نتكلم في هذا الحديث عن النبي ﷺ وجود من يوزع أوراقًا فيها حديث مكذوب على النبي ﷺ، ونحن في غنى عن مثل هذا الكذب على النبي ﷺ، فالناس ولله الحمد منذ عشرين سنة أو أكثر وهم يدرسون سنة النبي ﷺ، كالكتب السنة الستة: البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وابن ماجة.\nوكذلك مسند الإمام أحمد.\nفنحن في غنى عن الكذب على النبي ﷺ، وهذه الورقة التي وزعت بين الأخوات فيها حديث مكذوب عليه ﷺ، وفيه: أنه من فاتته صلوات عمره ولم يحصها فليقم في آخر جمعة من رمضان وليصل أربع ركعات بتشهد واحد، يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة القدر خمس عشرة مرة، وسورة الكوثر كذلك، ويقول في النية: نويت أصلي أربع ركعات.\nفهل النبي ﷺ أمر بهذا؟! وكل العلماء يقولون: إن النبي ﷺ ما قال أبدًا: نويت أصلي ولا نويت أصوم، ولا أمر بذلك، إنما هذا من كلام الفقهاء، فهذا كذب على النبي ﷺ فما أمر بقراءة سورة أكثر من مرة في صلاة قط، ولا يصح هذا عنه ﷺ، والحديث جاء فيه من الثواب: أنه يغفر له ذنوب أربعمائة سنة، وأن أبا بكر الصديق قال هذا، فقال علي بن أبي طالب معقبًا عليه: لا بل ألف سنة، أي: يغفر له ذنوب ألف سنة، وهذا معناه: إلغاء الدين كله، فلو لم تصل ولم تصم فسيكفيك هذا الفعل، ويذكر في هذا الحديث المكذوب على النبي ﷺ أن رجلًا قال: إن أحدنا يعيش ستين سنة أو مائة سنة فلمن تكون الصلاة الزائدة؟ -يعني: تكفير ذنوب ألف سنة كثير ويتجاوز عمر الإنسان- قال: تكون لأبويه وزوجته ولأولاده وأقاربه وأهل البلد.\nفهذا من الكذب! ولعنة الله على الكذابين! لعنة الله على الكذابين! لعنة الله على الكذابين! ولماذا توزع مثل هذه الأحاديث؟ أليس هناك كتب فيها الأذكار الصحيحة عن النبي ﷺ، ككتاب الدعوات مثلًا، ففيه الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ.\nوهناك ورقة أخرى وزعت قبل مدة فيها حديث: أن الشيطان قابل النبي ﷺ فسأله النبي ﷺ عن أمور، والشيطان أجاب على تلك الأسئلة، وهذا كله كذب على النبي ﷺ، ولا يثبت فيه شيء ولا يصح، فاتقوا الله ﷿، واتقوا الكذب على النبي ﷺ، قال النبي ﷺ: (من حدث بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين).\nولا يجوز لكل من قرأ حديثًا في ورقة أو مجلة أن يلقيه على الناس حتى يتأكد من صحته عند أهل العلم.\nوقد وزعت قبل أيام ماضية ورقة فيها كذبة، وهي أن خادم الحرم واسمه الشيخ أحمد رأى رؤيا فيها: أن النبي ﷺ يقول له: يا شيخ أحمد! الأمة ستهلك! -وكلام آخر غير هذا- فاكتب هذه الورقة، والذي سيصورها عشر مرات سيحصل له كذا والذي لا يصدقها ولا يوزعها سيبتليه الله بكذا.\nوالناس عادتهم دائمًا يعيشون في أحلام وأوهام، فيقولون: إن أحدهم نسخها فحصل على ألف جنيه، وآخر مزقها فحصلت له مصيبة، فعلينا أن نكتبها حتى لا نصب بمثل هذا، فهذه أحلام وأوهام وغباء -ولا حول ولا قوة إلا بالله- سيعيش المسلمون عليها إلا أن يرحمهم الله ﷾، وإذا ظلوا في هذا الضلال وفي هذه الخرافات سيأتي لهم الكنز من غير تعب، وهكذا يأتي أحدهم فينسخ الورقة عشر مرات أو خمسة عشر مرة لأجل أن يفتح له أبواب الرزق بالكذب على النبي صلوات الله وسلامه عليه، والورقة هذه لها أكثر من عشرين أو ثلاثين سنة وكل سنة تتجدد وتنزل للناس، والعلماء ينكرون وجود شخص بهذا الاسم، ولكن أعداء الإسلام هم الذين يصنعون ذلك لأجل يشغلوا المسلمين بذلك فيظلوا تائهين في الأحلام، وهذه عادة كثير من الناس، فأحدهم ينتظر متى سيأتيه اتصال على الهاتف يبشره بجائزة، ويقعد عن العمل والكسب، فلما صار المسلمون على ذلك ضعف دينهم، وأصبحت الأمم الكافرة في القمم وهم في الذيول والرمم ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nفاتقوا الله في أحاديث النبي ﷺ، ولا تكذبوا على الله، ولا تكذبوا على رسول الله.\nنسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":4},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-5> الترغيب في المشي إلى المساجد سيما في الظُّلَم وما جاء في فضلها</span>\nلقد رغب النبي ﷺ في المشي إلى المساجد وأخبر أن الله سبحانه يُعد لمن مشى إليها نزلًا عنده في الجنة كلما غدا إليها أو راح، كما بشر النبي ﷺ الذين يذهبون إلى المساجد في الظُّلم -خاصة- بالنور التام يوم القيامة وأخبر أن الله ضمن لمن خرج إلى المسجد أن يرزقه وأن يكفيه ما دام حيًا وإن مات أن يدخله الجنة.","vol":"2","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>فضيلة المشي إلى المساجد</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلًا كلما غدا أو راح).\nوروى أبو داود والترمذي عن بريدة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة).\nوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله ليضيء للذين يتخللون إلى المساجد في الظلم بنور ساطع يوم القيامة).\nرواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن.\nوعن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من خرج من بيته متطهرًا إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين) رواه أبو داود.\nهذه أحاديث عن النبي ﷺ يذكرها الحافظ المنذري في كتابه الترغيب والترهيب في باب: الترغيب في المشي إلى المساجد لا سيما في الظُّلم.\nوالمسلم إذا مشى إلى بيوت الله فإن الله يأجره على ذلك، فلا يخطو خطوة إلا ويرفع الله ﷿ له بها درجة ويحط عنه بها سيئة، بعد عن المسجد أو قرب منه، وكلما ابتعدت كلما كان الأجر أعظم، وكلما كان بيتك بعيدًا عن المسجد كلما كان أفضل.\nوليس معنى الحديث أن الإنسان يتتبع المساجد البعيدة لهذا الفضل؛ لأنه جاء عن النبي ﷺ أنه نهى عن تتبع المساجد، ولكن يصلي الإنسان في مسجد حيه، حتى يأتلف مع أهل حيه، ويتعرف عليهم، ويكون معهم في صلاتهم، ويعود مريضهم، ويحضر جنازتهم، ويعرف أهل حاجتهم وهكذا.\nلكن الذي يكون بيته بعيدًا عن المسجد لا يخطو خطوة إلا كان له بها أجر ولا يخطو أخرى إلا حط الله ﷿ عنه بها وزرًا.\nهنا يقول ﵊: (من غدا إلى المسجد أو راح) والغدو: البكور في أول النهار.\nوالرواح في آخر النهار، وكأن الغرض أنه في أي صلاة من الصلوات من الفجر إلى العشاء كلما ذهبت إلى المسجد ورجعت إلى بيتك أعد الله ﷿ لك في الجنة نزلًا كلما غدوت أو رحت، فكلما ذهبت إلى المسجد في أول النهار أو في آخر النهار فإن الله ﷾ يكافئك بنزل في الجنة، وأصل النزل: طعام الضيف، فالله ﷿ يعد لك ضيافتك في الجنة كلما ذهبت إلى بيت الله ﷿.\nفأنت وأنت ذاهب إلى بيت الله ﷿ تعد زائرًا لله ﷾، وقد ورد عن سلمان عند الطبراني في الكبير أن النبي ﷺ قال: (من توضأ في بيته فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد فهو زائر الله، وحق على المزور أن يكرم الزائر) أنت إذا زرت إنسانًا فإنه يقدم لك الضيافة، والله ﷿ من فضله جعل لك حقًا عليه وهو أن يقدم لك ضيافتك عنده في الجنة ﷾.","vol":"2","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>الترغيب في المشي إلى المساجد في الظلام</span>\nلقد ورد في فضل الذهاب إلى المسجد في الظلام أحاديث كثيرة منها حديث بريدة وحديث أبي هريرة وحديث أبي الدرداء وحديث سهل بن سعد الساعدي وذكر فيه: (بشر المشائين في الظلم بالنور التام يوم القيامة).\nوفي رواية: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة).\nوهذا أصل الحديث.\nوفي رواية: (من مشى في ظلمة الليل إلى المسجد لقي الله ﷿ بنور يوم القيامة).\nوفي رواية: (يبشر المشاءون في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة).\nويوم القيام يوم فظيع وعظيم، وطويل، وإذا مرَّ الناس على الصراط فهم في ظلمة شديدة فالمؤمنون يعطيهم الله ﷿ نورًا كل إنسان بحسب عمله، منهم من يسطع نوره أمامه، ومنهم من يخبو نوره ويشتعل ويخبو ويشتعل، ومنهم من ينطفئ نوره.\nوالذي يواظب على صلاة الجماعة وخاصة صلاة الفجر والعشاء له نور تام يوم القيامة.\nقال النبي ﷺ: (بشر المشائين في الظلم) أي: الذين يمشون في الظلمات لصلاة الفجر وصلاة العشاء بأن لهم نورًا لا يخبو، ولا ينقطع يوم القيامة، بل لهم نور ساطع عظيم (بالنور التام يوم القيامة).\nونور كل إنسان لنفسه فقط يوم القيامة، أما في الدنيا فقد يمشي في الطريق ومعه مصباح يضيء فيستضيء به الذين بجواره، أما يوم القيامة فلا يكون ذلك، فمن كان عمله صالحًا أعطاه الله نورًا ومن كان غير ذلك لم يعطه ولم ينفعه نور الآخرين، ولذلك فإن المنافقين يقولون للمؤمنين: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد:١٣] فهم غير قادرين على أن يقتبسوا من نور المؤمنين، لقد رأوا المؤمنين ولهم نورهم ولكن نور المؤمنين يضيء للمؤمنين فقط ولا يضيء للمنافقين، فلا ينتفع أحد بنور أحد يوم القيامة.\nوالذي يواظب على الصلاة في الجماعة خاصة صلاة الفجر والعشاء يبشره النبي ﷺ بالنور التام يوم القيامة، مع الأجر العظيم، ففي حديث أبي أمامة في سنن أبي داود: (من خرج من بيته متطهرًا إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم) يعني: إذا كان الإنسان يصلي في اليوم خمس صلوات في بيت الله ﷿ فله أجر خمس حجج على الصلوات التي يؤديها، فإذا كان في صلاة الفجر خصوصًا وجلس حتى تشرق الشمس ثم صلى الضحى فله أجر حجة وعمرة تامة تامة تامة.\nثم قال ﷺ (ومن خرج إلى تسبيح الضحى -لكي يصلي صلاة الضحى- لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين) أي: وصلاة بعد صلاة، يعني: إذا صليت الصبح ثم رجعت إلى بيتك وذهبت إلى عملك على شرط: أن لا تلغو، أي: أن لا تتكلم كلامًا باطلًا ولا تقع في الكذب، ولا في الزور، حتى تصلي الصلاة التي بعدها فإنه يكتب كتابك في عليين، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين:١٩]، ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين:٩].\nوهذه المنزلة هي التي يتنافس فيها المتنافسون، وعليون من العلو وهو أعلى الجنة، وكل إنسان يتمنى أن يكتب كتابه في عليين، وفي حديث البراء بن عازب كما في المسند وفي سنن أبي داود والذي ذكر فيه: موت الإنسان وكيف تأتيه الملائكة إذا كان مؤمنًا وكيف يصعدون بروحه إلى السماء حتى يرفعونه إلى السماء السابعة، وبعد ذلك يقول الله ﷾: (اكتبوا كتاب عبدي في عليين) ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين:١٩]، ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين:٩] أي: كتاب عظيم عند رب العالمين، فيكون مكان هذا العبد عال في جنة الفردوس.\nنسأل الله ﷿ أن يجعلنا من أهلها.","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>ثلاثة ضمن الله لهم الرزق والجنة</span>\nروى الإمام أبو داود حديثًا عن أبي أمامة وفيه قال: قال رسول الله ﷺ: (ثلاثة كلهم ضامن على الله -يعني: مضمون لهم ما وعدهم الله ﷿ به- إن عاش رزق وكفي، وإن مات أدخله الله الجنة) وأمنية كل إنسان هي: أن يرزقه الله ويكفيه إذا عاش وأن يدخله الجنة إذا مات، قال النبي: (من دخل بيته فسلم فهو ضامن على الله) والإنسان الذي يتعود السلام على الخلق وعلى أهله يتعامل مع الناس بالأمن والأمان والطمأنينة فيكون سالم مسالم، لا يريد أن يؤذي أحدًا من الناس، والسلام عنوان لذلك، وبعض الناس مع الغريب يقول: السلام عليكم، لكنه إذا دخل بيته يضرب هذا ويرفع صوته على هذا ويوقظ هذا مع أن النبي قال: (خيركم خيركم لأهله) فإذا سلمت حين تدخل البيت فأنت مأجور على ذلك، وسيرزقك الله سبحانه ويدخلك الجنة.\nفالسلام مفتاح حسن الخلق، فإذا كان خلقك حسنًا فأنت تستحق من الله أن يرزقك، وأن يكفيك، وأن يدخلك الجنة، فكأن السلام عنوان حسن خلق الإنسان، ومن الناس من يدخل بيته ولا يسلم! كأن يدخل إلى الأكل والشرب مباشرة، أو يقول: صباح الخير، أو مساء الخير، وينسى التسليم الذي جاءنا به القرآن وجاءت به السنة، وهو قول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.\nولو أنك كلما دخلت بيتك سلمت اعتاد أهل البيت ذلك وحرسته الملائكة، فكان في سلام وطمأنينة، وأمن وبركة من الله ﷿ وهذا هو معنى قوله: إن الله ﷿ ضامن لمن دخل بيته فسلم عليهم.\nقال: (ومن خرج إلى المسجد فهو ضامن على الله) أي: إذا ذهبت إلى صلاة الجماعة وأنت مأمور بها فإن الله هنا من لك الرزق والجنة.\nفلا تضيع الجماعة، ولا تصل متكاسلًا في بيتك، وتقول: عندي عمل والصلاة ستضيع علي الوقت، الصلاة لن تضيع عليك شيئًا.\nأحيانًا بعض الناس قد يعمل عند شخص من الأشخاص فيقول لصاحب العمل: اسمح لي أن أصلي صلاة الجماعة، وأحيانًا قد يكون صاحب العمل سيء الخلق فيمنعه من الصلاة، وأحيانًا يكون المصلي نفسه هو السبب في منعه من صلاة الجماعة؛ لأن صلاة الجماعة قد تأخذ من الوقت عشر دقائق، أو ربع ساعة، فيذهب يصلي في جماعة ويتأخر ساعتين فيمنعه صاحب العمل بسبب ذلك، فالعمل عليك واجب لأنك تأخذ عليه أجرًا، فاعط العمل حقه، وصلاة الجماعة لها قدر معين، فالله لم يأمرك أن تصلي صلاة الجماعة ساعتين، فتصلي في المسجد ثم تتكلم مع هذا وتتحدث مع هذا، ثم بعد ذلك تأتي إلى العمل، فإذا أردت أن تصلي صلاة الجماعة فاذهب وقت صلاة الجماعة، ثم صل ركعتين، ثم ارجع إلى عملك عندئذٍ يعرف صاحب العمل أنك أمين مع الله ﷿، وستكون أمينًا على عملك.\nوإذا تركت الصلاة لست مأمونًا على دينك ولذلك لن تكون مأمونًا على عملك، والله ﷾ لا يجعل صاحب العمل في كثير من الأحيان يحب تارك الصلاة ويتمسك به.\nوكثير ممن ترك الصلاة يذهب يبحث عن عمل فلا يقبله صاحب العمل أبدًا، بخلاف المحافظ على الصلاة فإنهم يحبونه ويقولون عنه: إنه أمين وإنه ممتاز.\nفيجب عليك أن تؤدي الأمانات إلى أصحابها، وأمانة الله ﷿ الصلاة فتؤديها في وقتها، وتصليها حيث ينادى بها، وأمانة صاحب العمل إن تواظب على عملك في وقته ولا تفرط فيه، وسوف تؤجر على هذا كله.\nفإذا كنت تصلي الصلوات المكتوبات في بيت الله ﷿ فالله ضامن أن يرزقك ويكفيك ﷾، وإذا مت أن يدخلك الجنة.\nقال: (ومن خرج في سبيل الله فهو ضامن على الله) أي: ومن خرج مجاهدًا في سبيل الله ﷿ فهو ضامن على الله أن يرجعه بأجر وغنيمة أو يستشهد فيكون في أعلى عليين.","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>أحب البلاد إلى الله وأبغضها إليه</span>\nروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها).\nوفي المسند عن جبير بن مطعم: (أن رجلًا سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أي البلاد أحب الله؟ وأي البلدان أبغض إلى الله؟ -والبلاد هنا بمعنى: المواطن والأماكن- فقال: لا أدري حتى أسأل جبريل، فأتاه جبريل فأخبره أن أحب البقاع إلى الله المساجد، وأبغض البقاع إلى الله الأسواق).\nفلا تشبه المسجد بالسوق أبدًا، فالمسجد بيت الله ﷿ يجب عليك أن تحترمه وتعظمه، والسوق مكان الشيطان وفيه يرفع رايته.\nففي السوق الكذب، والغدر، والخداع، والغش، والخيانة، وأكل أموال الناس بالباطل، وفيه هيشات وصخب وضجيج، أما المسجد فلا يكون كذلك أبدًا، ولذلك نهانا النبي ﷺ عن البيع والشراء في المسجد وقال لنا: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، فإن المساجد لم تبن لهذا).\nفالمسجد لا يشبه بالسواق أبدًا، فلا ترفع فيه الأصوات، ولا تكون فيه عقود البيع والشراء والإجارة ونحوها، ولا يكون فيه أمور تؤذي المصلين، كما أن الأسواق فيها الرائحة الكريهة، والمساجد يجب أن يكون فيها الروائح الطيبة، فلا تؤذي أحدًا في المسجد لا بصوت ولا بكلام ولا بضجيج، ولا ترفع صوتك إلا محتاجًا إلى ذلك، سواء كنت عالمًا أو متعلمًا سائلًا أو مسؤلًا، وقد ترفع صوتك بالقراءة كصلاة الجماعة مثلًا، أو في مجلس علم بشرط ألا تؤذي أحدًا من المسلمين.\nوبعض الإخوة يدخل المسجد وقد ضبط ساعته على وقت معين فتنبهه الساعة في المسجد وهذا تشبيه لها بالأسواق لأنه لم يحترمها، وكذلك التلفون قد يدخل به المسجد وينسى أو يتعمد بأن يتركه حتى يدخل في الصلاة، ثم يتصل به فإذا بالتلفون يشغل المصلين، والتلفونات أصبحت كلها موسيقى وأشياء تجعل الملائكة تنفر من المكان التي هي فيه؛ فلا تأت المسجد بالتلفون حتى لا تطرد الملائكة من المسجد، وحين تأتي إلى المسجد ضع تلفونك في بيتك ولا تأت به إلى المسجد وإذا جئت به فأغلقه.\nوقد يقول قائل: إذا كانت نغمة التلفون موسيقى لكن على لحن الأذان؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الأذان لا يصلح فيه هذا أصلًا، والذي يأذن ويتغنى في الأذان واقع في الحرام فقد جاء عن ابن عمر ﵁ أنه دخل مسجدًا فسمع المؤذن يتغنى في الأذان، فلما سمع المؤذن يتغنى لم يصل في المسجد الذي فيه ذلك، فلحقه المؤذن وقال: ما هذا يا أبا عبد الرحمن والله إني لأحبك في الله.\nقال أبو عبد الرحمن: والله إني لأبغضك في الله.\nفقال: ولم يا أبا عبد الرحمن؟ -وعبد الله بن عمر صحابي فاضل وهذا المؤذن تابعي- فقال له: لأنك تتغنى بالأذان وتأخذ عليه أجرًا.\nوالتغني يكون في قراءة القرآن وليس في الأذان، فكأنه يقول له: تريد أن تشبه الأذان بالقرآن؟ والتغني لا يكون إلا في قراءة القرآن فقط، فقد جاء عن النبي ﷺ: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن).\nفلا تقنت في الصلاة أو تدعو في الصلاة وتغني فيه وتقول: إن الناس يعجبهم هذا، وإلا فكل إنسان سيفعل مثل ذلك حتى يشبه الكلام العادي بكتاب الله ﷿.\nفالتغني فقط بالقرآن لا بالأذان ولا بالدعاء ولا بغيره.\nجاء عن أحد السلف أنه دخل المسجد ثم خرج وقال: أخرجتني البدعة -قد يكون ابن عمر أو غيره- وذلك لأنه سمع المؤذن يتغنى بالأذان.\nفإذا كان التغني بالأذان ممنوع منه فما بالك بالموسيقى التي على صوت الأذان، وليست بأذان أصلًا، فلا يجوز لك أن تدخل بها بيت الله ﷾، وقد تكون معذورًا بأن تكون محتاجًا لهذا الجهاز وفيه نغمات الموسيقى، لكن ليس معنى ذلك أن تدخل به المسجد والله أعلم.\nنكتفي بهذا القدر، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"2","page":5},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-10> الترغيب في لزوم المساجد والجلوس فيها</span>\nإن من الأهوال التي يلقاها أهل المحشر يوم القيامة أن يدني الله ﷿ منهم الشمس حتى تكون منهم بمقدار ميل، إلا أن الله سبحانه يصطفي منهم ثلة لا يضرهم ما ضر الناس، ولا يسوؤهم ما ساءهم، منهم: رجل قلبه معلق بالمساجد، فلا يكاد يخرج منها إلا اشتاق إليها من جديد، فهو لله ومع الله، وكذلك كان الله معه، وسخر ملائكته لأجله، فيفتقدونه إذا غاب، ويعودونه إذا مرض، ويعينونه إذا احتاج.","vol":"3","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>حب المسجد والتعلق به صفة من صفات المؤمنين</span>\nالحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلى ظله، الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله ﷿، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها؛ حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه).\nوروى ابن أبي شيبة وابن ماجه وابن خزيمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (ما توطن رجل المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله تعالى إليه كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم).\nوفي رواية: (ما من رجل كان توطن المساجد فشغله أمر أو علة ثم عاد إلى ما كان إلا يتبشبش الله إليه، كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم).\nهذه أحاديث عن النبي ﷺ ذكرها الحافظ المنذري في الترغيب في لزوم المساجد والجلوس فيها.\nفالمسلم يحب بيت الله ﷾، وفيه يصلي، وفيه يتعلم سنة النبي ﷺ وكتاب ربه سبحانه، وفيه يحضر مجالس الذكر، ويقوم لله ﷿ متهجدًا، وفيه يحافظ على عمله وسمعه وبصره، ويبتعد عن الملاهي والمعاصي التي تبعده عن الله ﷾.\nفهو مواظب على بيت الله سبحانه، يمضي كثيرًا من وقته فيه، فيكون متوطنًا في بيت الله ﷾.\nفهذه الأحاديث فيها الترغيب في لزوم المسجد.\nفينبغي على المسلم أن يقسم وقته ما بين نومه وعمله، وعبادته لله ﷾.\nفيواظب على الصلوات المكتوبات في المساجد، ويواظب على الجلوس في الأوقات المستحبة في بيت الله ﷾، كأيام وليالي الاعتكاف مثلًا، وساعة إجابة الدعاء يوم الجمعة، وما بين الفجر إلى طلوع الشمس، وآخر وقت صلاة الضحى، وانتظار الصلوات.\nوهناك أوقات خاصة لأهله، حيث لا يجلس الإنسان في المسجد ويترك أهله ويضيعهم، ففي حديث النبي ﷺ: (كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول).\nفالمسلم يعمل ويكتسب رزقه حتى ينفق على أهله، فإذا عمل ما عليه وبقي عنده وقت فراغ فبيت الله ﷿ أولى به، فيكون حاضرًا لدروس العلم فيه، ذاكرًا لله ﷾، فالاجتماع في بيت الله فيه فضل عظيم كما سيأتي في هذه الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ.","vol":"3","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>بيان صفات الذين يظلهم الله بظل عرشه يوم القيامة</span>\nجاء في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)، إذ يوم القيامة تدنو الشمس من الرءوس، وهو يوم طويل جدًا يقدر بحسابنا كخمسين ألف سنة، فتدنو الشمس من رءوس الخلق فإذا بهم يعرقون عرقًا شديدًا، ولا يوجد لهم مكان يختبئون ويحتمون فيه من الشمس، وينجون من العرق الذي يغطي أرجلهم، وقد يغطي رءوس بعضهم، فمن لم يبذل عرقه في الدنيا لله ﷾، يبذله في هذا اليوم العظيم، نسأل الله ﷿ العفو والعافية، وأن يظلنا بظله يوم لا ظل إلا ظله.","vol":"3","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الإمام العادل تحت ظل العرش</span>\nيوم القيامة يظل الله ﷿ سبعة من خلقه في ظله يوم لا ظل إلا ظله منهم: الإمام العادل، أي: الحاكم العادل الذي يحكم بشرع الله ﷿، فيحكم بكتاب الله وسنة النبي ﷺ، ويسير على هدي النبي ﷺ، كما كان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان وعلي ﵃، وغيرهم ممن اتبع هدي النبي ﷺ وسار على منهجه صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"3","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الشاب التقي تحت ظل العرش</span>\nالثاني: شاب نشأ في عبادة الله ﷿، يعني: منذ طفولته وهو يعبد الله ﷾ فشب على ذلك، ولذلك فإن النبي ﷺ يحفزنا أن نربي أولادنا على طاعة الله وحسن عبادته فيقول: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع) فإذا أصبح الطفل يفهم ويميز الخطأ من الصواب، الطيب من الخبيث فعلينا أن نعلمه كيف يصلي، وكيف يتوضأ، فإذا نشأ وشب وبلغ كان قد تعلم كيف يصلي وكيف يخاف من الله رب العالمين، فلا يزال على الخير، عابدًا لربه سبحانه، خائفًا منه ﷿؛ لأنه نشأ على حب الحلال، وعلى الخوف من الحرام، وعلى مراقبة الله ﷾، وعلى طاعة الله وعبادته، فهذا يظله الله يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله.\nيقول الله تعالى مخاطبًا عباده: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، فالمسلم يقي نفسه وأولاده وأهله هذه النار يوم القيامة، ويقيهم حر الشمس في ذلك اليوم الطويل العظيم، فينشئ أولاده على الفضيلة وعلى طاعة الله ﷿، وينشئ بناته على حب الله ﷿، وعلى الحجاب الشرعي، وعلى طاعة الله سبحانه.\nفاحرص على تربية أولادك وبناتك على طاعة الله ﷾، وعلى الالتزام بدين الله وحفظ كتابه وسنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"3","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>أهل المساجد تحت ظل العرش</span>\nالثالث: قال ﷺ: (ورجل قلبه معلق في المساجد) والإنسان المؤمن يحب بيته، ويحب بيت الله ﷿ أكثر من حبه لبيته، ففي بيت الله الثواب والأجر، وهو المكان الذي تحفه الملائكة، وتدعو له فيه، وهو المكان الذي يزور فيه ربه سبحانه، وحق على المزور، -وهو الله ﷿- أن يكرم زائره - وهو هذا الإنسان المصلي - فهو يأتي إلى بيت الله ليقبل على الله وهو محب لبيت الله ﷾، وإذا ذهب إلى عمله فعقله يفكر في الصلاة القادمة وفي وقت ذهابه إلى بيت الله ﷾، ولذلك فهو يستريح في صلاته، وليس من الممكن أن يصل حب أحد لبيت الله إلى حب النبي ﷺ، ولكن يتمثل ويتشبه بالنبي ﷺ ويأتسي ويقتدي به، فقد كان النبي ﷺ يقول عن الصلاة: (أرحنا بها يا بلال)، وكان إذا أهمه شيء وضاق صدره بشيء قال لـ بلال: (أرحنا بها) فينادي بالصلاة ليستريح بها، ولذلك يقول النبي ﵌: (جعلت قرة عيني في الصلاة)، فقرة العين وطمأنينة القلب وراحة البدن في الصلاة لله ﷾، مع أن الصلاة بالنسبة للنبي ﷺ متعبة جدًا له، فقد كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، ولكنه يستشعر حلاوة الطاعة التي تنسيه تورم القدمين وتجعله يواظب على ذلك، صلوات وسلامه عليه.\nوقوله: (رجل قلبه معلق بالمسجد)، جاء في رواية أخرى: (إذا خرج منه حتى يعود إليه) أي: إذا خرج من المسجد ظل قلبه معلق بالمسجد، حتى يرجع إليه في الصلاة التالية.","vol":"3","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>الحب في الله سبب للاستظلال بظل العرش</span>\nالرابع: قال ﵌: (ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه)، فهذان رجلان كل همهما أن يجتمعا على طاعة الله ﷾، فقد تحابا لا لدنيا، ولا لمنصب، ولا لفائدة -يستفيدها أحدهما من الآخر، فإذا حصل عليهما ترك صاحبه- بل حب أحدهما أخاه؛ لأنه مطيع لله، والآخر أحبه لذلك، فاجتماعهما كان على ذلك، وسواء اجتمعا فتكلما أو لم يتكلما، فهما متحابان في الله، ولعلهما يأتيان إلى المسجد فيصليان ويسلم أحدهما على الآخر ثم ينصرفان، ولكن في قلب كل منهما حب صاحبه على هذه الطاعة في الله ﷾، فاجتماعهما على طاعة الله سبحانه، فإذا تفرقا تفرقا على طاعة الله ﷾.","vol":"3","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>العفة عن الزنا عند توفر دواعيه سبب للاستظلال بظل العرش</span>\nالخامس: قال ﵌: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله) فهذا رجل آخر ممن يظلهم الله ﷿ بظله يوم لا ظل إلا ظله، وهو رجل تعرض للفتنة، بأن اعترضته امرأة ذات منصب وجمال، فراودته عن نفسه، فإذا به يعتصم بربه سبحانه، ويستجير به، ويستعيذ بالله منها ومن الشيطان، ويبتعد عن ذلك، يقول: إني أخاف الله.\nوهذه امرأة ذات منصب وجمال، فمنصبها يجعلها ذات تستقوي على هذا الإنسان وتخيفه بمنصبها، وتدعوه هي إلى نفسها، ومع ذلك يلتجئ إلى ربه ويعتصم به، ويبتعد عن الفتنة، ولا يخاف من منصبها، فالله ﷾ يكرم هذا العبد بأن يجعل في قلبه حلاوة الإيمان؛ لأنه ابتعد عن الفتن، ويجعله يوم القيامة ممن يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله.","vol":"3","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>الصدقة الخالصة يوم المحشر</span>\nالسادس: قال ﵌: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها؛ حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) وهذا على وجه المبالغة الشديدة بأن يخرج الصدقة من جيبه ويبالغ في إخفائها فلا يراها أحد حتى يعطيها الفقير، والصدقة في السر أفضل، وهذا هو الغالب فيها، وأحيانًا قد يكون لها فضيلة في العلانية، وخاصة إذا كانت من زكاة المال، ويرجو إذا أخرجها ودفعها لإنسان أن يقتدي غيره به، لكن الغالب أن الإنسان إذا أخفى صدقته كان هذا أعظم لأجره، ويدخل تحت هذا الحديث.","vol":"3","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>جزاء البكاء من خشية الله</span>\nالسابع: قال ﵌: (ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه)، وهذا رجل ذكر الله خاليًا فبكي من خوف الله ﷾.\nوفي حديث آخر عن النبي ﷺ أنه قال: (عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله) والمعنى: لا تمس النار صاحب هاتين العينين، وهما: عين إنسان جندي يحرس في سبيل الله ﷾، والآخر: إنسان بكى من خوف الله سبحانه.\nوالبكاء قد يكون في جماعة، بأن يصلي إنسان مع جماعة فتحدث له رقة وبكاء فيبكى، فهذا مأجور، وقد يكون الإنسان خاليًا مع الله -وهو وحده- فيتذكر ربه سبحانه، ويتذكر الحساب يوم القيامة، فيبكي خوفًا من يوم القيامة، فهذا أبعد من الرياء، وهو ممن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.","vol":"3","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>فضل لزوم المسجد والجلوس فيه</span>\nمن الأحاديث الواردة في فضل لزوم المساجد والجلوس فيها: حديث رواه ابن ماجه وابن أبي شيبة وغيرهما، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (ما توطن رجل المساجد بالصلاة والذكر، إلا تبشبش الله تعالى إليه كما يتبشبش أهل الغائب لغائبهم إذا قدم عليهم).\nوالتبشبش: هو الفرح بمجيء الغائب، فلو أن قريبك غاب عنك ثم حضر بعد سفر طويل، فإنك ستفرح به وتقبل عليه، ولله المثل الأعلى فالله ﷾ يفرح بعبده الذي يتوب إليه ويتوطن بيته.\nوفي رواية أخرى لهذا الحديث: (ما من رجل كان توطن المساجد فشغله أمر أو علة ثم عاد إلى ما كان، إلا يتبشبش الله إليه كما يتبشبش أهل الغائب لغائبهم إذا قدم)، وهنا الإنسان الذي تعود على المسجد، وعلى الصلوات فيه، قد يعرفه أهل المسجد، وقد لا يعرفونه، ولكن يقينًا يعرفه ربه سبحانه، وتعرفه ملائكة الله ﷿، فإذا غاب هذا الإنسان تفقده الناس، والملائكة أشد افتقادًا له.\nفالله ﷿ يصبر على عبده، فإذا رجع إلى بيته تبشبش إليه وفرح به، وأقبل عليه بفضله وبثوابه وبرحمته ﷾.\nوهنا ضرب لنا مثلًا ﷺ بالغائب الذي يغيب عن أهله ثم يرجع إليهم، حيث يستقبلونه بالترحاب والفرح والسرور، فالله ﷿ يقبل على عبده كذلك.\nوقوله ﷺ: (فشغله أمر أو علة) أي: انشغل بأمر من الأمور فلم يعد يحضر المسجد، أو ألم به مرض من الأمراض فانقطع عن المسجد بسبب مرضه، ثم رجع إلى المسجد إلا أقبل الله ﷿ عليه بفضله ورحمته ﷾ وفرح به.\nومن الأحاديث: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن رسول الله ﷺ قال: (ست مجالس المؤمن ضامن على الله تعالى) ومعنى: ضامن على الله أي: أن الله يكفيه إذا عاش فيعطيه رزقه، ويكفيه ﷾ إذا مات فيعطيه الأجر عنده سبحانه، فهذا ضمان الله ﷿ لهذا العبد.\nوهذه الست هي قوله: (في مسجد جماعة) أي: مواظبة الإنسان على الصلاة في مسجد الجماعة.\nقال: (وعند مريض) أي: عيادة المرضى، فقد جاء في الحديث أن النبي ﵌ قال: (من عاد مريضًا فهو في مخرفة من مخارف الجنة) يعني: في بستان من بساتين الجنة، (ويستغفر له سبعون ألف ملك) أي: للإنسان الذي يعود مريضًا.\nقال: (أو في جنازة) أي: حضوره جنازة، فإن من حضر جنازة كان له أجر عظيم، وأعطاه الله بركة في رزقه، ورزقه ﷾ بذلك، إذ نظرة الإنسان غالبًا ما تكون نظرة مادية، فيخاف إن حضر الجنازة أن يضيع عليه رزقه، فهنا يقول النبي ﵌: من حضر الجنازة تكفل الله له برزقه، ولن ينقص من رزقه شيئًا، ومن عاد مريضًا فلن يضيع الله وقته وجهده أبدًا.\nقال: (أو عند إمام مقسط يعزره ويوقره) يعني: عند إمام عادل يقوم معه بأمره، ويعينه على طاعة الله، وعلى الحكم بالعدل بين الناس.\nقال: (أو في مشهد جهاد) يعني: في سبيل الله ﷿.\nوجاء في حديث آخر رواه أحمد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن للمساجد أوتادًا الملائكة جلساؤهم، إن غابوا يفتقدونهم، وإن مرضوا عادوهم، وإن كانوا في حاجة أعانوهم، ثم قال: جليس المسجد على ثلاث خصال: أخ مستفاد، أو كلمة حكمة، أو رحمة منتظرة).\nالحديث فيه: أن للمساجد أوتادًا كأنها أصول للمساجد، وكما يقولون: الخيمة لها أوتاد، ولن تقوم إلا بهذه الأوتاد، فكأن المسجد قائم بهؤلاء، ففي المساجد ترى أناسًا هم لها أصولًا، وترى آخرين يحضرونها مرة ومرة لا يحضرون.\nفالنبي ﵌ يقول لنا: المساجد لها أوتاد، ولم يقل: إن كل المسلمين هم أوتادها، إذًا: البعض من الناس هم الأوتاد، وهم المواظبون على الحضور في صلوات الجماعة، والمواظبون على طاعة الله ﷾، المحبون لبيت الله، والمعلقة قلوبهم به.\nوقوله: (الملائكة جلساؤهم)، أي: إذا جلسوا فالملائكة تجلس معهم، وإذا غابوا تفقدهم، وتبحث عنهم.\nوقوله: (وإن مرضوا عادوهم)، أي: إذا كانوا مرضى فإن الملائكة التي كانت تقعد معهم في بيت الله تذهب إليهم في بيوتهم وتعودهم.\nقال: (وإن كانوا في حاجة أعانوهم).\nثم قال ﷺ (جليس المسجد -أي: من يقعد في المسجد- على ثلاثة خصال: أخ مستفاد) أي: يجلس في المسجد فيكسب أخًا في الله ﷾.\nقال: (أو تسمع كلمة حكمة، أو رحمة منتظرة)، أي: تسمع كلمة حق وحكمة، أو تنتظر الصلاة، فعندما تجلس صامتًا تنتظر لصلاة فأنت منتظر لرحمة الله ﷿.\nنسأل الله ﷾ من فضله ورحمته.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"3","page":11},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-21> آداب المساجد</span>\nالمسجد يعد مهد الانطلاقة الكبرى، وهو بيت الله، ويكفيه شرفًا ومكانة أنه مضاف إلى الله إضافة تشريف.\nولما كان للمسجد هذه المكانة العالية فقد سنت له أحكام ينبغي مراعاتها والالتزام بها.","vol":"4","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المساجد وآدابها</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nإن المسجد بيت الله ﷾، شرفه الله سبحانه بأن نسبه إليه، يقال: بيت الله، فأضافه إليه ﷾، وسمي المسجد مسجدًا من السجود، والسجود أشرف الهيئات التي يكون عليها العبد، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فسمي المسجد مسجدًا لكثرة السجود فيه، وإن كان في المسجد القيام والقعود والركوع والسجود، ولكن أشرف الهيئات هيئة السجود، فأخذ من ذلك اسم المسجد الذي يسجد فيه العبد ويجعل وجهه على الأرض طاعة وعبادة لله سبحانه ﵎.\nوقد جاء النهي عن تصغير المسجد، فلا يجوز أن نقول مسيجد، فالمسجد معظم ومكبر، وكذلك المصحف فإنه عظيم لا يجوز أن يصغر فيقال: مصيحف، فهذا حرام لا يجوز، المصحف عزيز كبير جليل، حتى وإن كان خطه وحجمه صغيرًا، لكن لا يجوز تصغيره، فلا يقال: مصيحف ولا مسيجد، وإنما يقال: المسجد بيت الله سبحانه، والمصحف كتاب الله ﷾.\nالمسجد له أحكام عظيمة، ويكفي أنه بيت الله سبحانه حتى نتأدب فيه، ويكفي أن الثواب فيه ثواب عظيم، فإذا أتيت إلى بيت الله من بيتك فكل خطوة تخطوها فيها أجر وثواب: ففي الخطوة الواحدة يرفعك الله ﷿ بها درجة، ويعطيك بها حسنة، ويكفر عنك بها سيئة، بل إن كل خطوة من الخطوات التي تأتيها إلى بيت الله في يوم الجمعة لك في كل خطوة منها أجر سنة قيامها وصيامها، وهذا في المجيء من البيت إلى المسجد، وفي فكيف بالمكث في المسجد والجلوس فيه للذكر ونحوه.\nلذلك لابد وأن نفرق بين بيت الله المسجد وبين غيره من البيوت والأماكن.\nفإذا جئنا إلى بيت الله احترمناه، وتعلمنا كيف نصلي فيه، وكيف نتأدب فيه، وإذا أتينا بأولادنا إلى بيت الله فليكن الولد في سن التمييز حتى يتأدب في بيت الله، فإذا أمر يأتمر وإذا نهي ينزجر.\nفنأتي بمن يحترم بيت الله، ولا نأتي بمن يهين بيت الله سبحانه ويمزق المصاحف، ويكتب عليها ويتبول على أرض في المسجد، ويلعب ويعبث والناس يصلون.\nوإذا نهانا النبي ﷺ عن رفع الصوت بالقرآن في بيت الله فمن باب أولى أن نكون منهيون عن رفع الصوت بالكلام المباح الذي يزعج بعضنا بعضًا، وأن نأتي بصبيان أو ببنات صغار يزعجون المصلين أثناء صلاتهم أو دروسهم.","vol":"4","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>حرمة مكث الجنب في المسجد</span>\nأحكام المساجد كثيرة منها: أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد، وكذلك من في حكمه كالحائض، فالجنابة ليست نجاسة والحيض نجاسة فمن باب أولى أن يحرم على الحائض، فليس للجنب ولا للحائض أن يمكث في المسجد، ولكن مع الحاجة يجوز المرور فيه، قال الله سبحانه: ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣].\nوقال النبي ﷺ لـ عائشة وهي حائض: (ناوليني الخمرة من المسجد) فدل القرآن ودلت السنة على جواز العبور والمرور للحاجة، أما الجلوس والمكث فلا، فقد نهانا الله ﷿ في القرآن، ونهانا النبي ﷺ في السنة، ولكنه أثبت المرور فقط للمرأة الحائض.\nولو احتلم إنسان في المسجد كأن يكون معتكفًا فيه وجب عليه الخروج منه، كما يجب عليه أن يغتسل فإن وجد مكان في المسجد للاغتسال وإلا فيلزمه أن يسارع بالاغتسال في بيته فيغتسل ويرجع إلى المسجد مرة ثانية.","vol":"4","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>جواز المكث في المسجد لمن أحدث حدثًا أصغر</span>\nومن الأحكام: أنه يجوز للمحدث حدثًا أصغر الجلوس في المسجد، والحدث الأصغر غير الجنابة، يكون من بول أو غائط أو خروج ريح لم يتوضأ بعده، فيجوز للإنسان أن يجلس في المسجد وهو على غير وضوء، لكن الأفضل والأكمل أن يكون على وضوء، فإذا كان على وضوء وجلس في المسجد ينتظر يكتب له أجر الصلاة وكأنه يصلي، سواء جلس لغرض شرعي كانتظار صلاة أو اعتكاف أو لسماع قرآن أو للتعلم أو لاستماع موعظة فيجوز له أن يجلس على وضوء أو على غير وضوء لكن الأفضل أن يكون على وضوء.","vol":"4","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>جواز النوم والأكل في المسجد</span>\nويجوز النوم في المسجد للحاجة، وهذا للمعتكف، وكذلك الذي ينتظر الصلاة يجوز له أن ينام في المسجد، لكن ينبغي أن لا يكون المسجد مكانًا للنوم، كان يأتي إنسان من العمل لكي ينام في المسجد ولا يصلي ولا يذكر الله، فالمسجد ليس منامًا للناس، ولكن يكون النوم مع الصلاة كأن يكون منتظرًا للصلاة، أو أنه سيقوم الليل في المسجد.\nولا بأس بالأكل والشرب في المسجد ووضع المائدة فيه وغسل اليد فيه، فيجوز للمعتكفين الأكل والشرب في المسجد ولكن مع مراعاة نظافة أرض المسجد، وعدم تقذير فراشه.\nفقد دعا النبي ﷺ للمرأة التي كانت تقم المسجد وصلى على قبرها لكونها كانت تنظف المسجد لذلك ينبغي الحرص على نظافة المسجد.","vol":"4","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>نهي من أكل ثومًا أو بصلًا عن الصلاة في المسجد</span>\nوليس لمن أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا أو غيرها مما له رائحة كريهة فبقيت رائحته في فمه أن يدخل المسجد من غير ضرورة؛ لأن النبي ﷺ ذكر أن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، ونهى من أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا أن يقرب المسجد، بقوله: (من أكل ثومًا أو بصلًا فلا يقربن مسجدنا).\nإذًا فمن كانت رائحة فمه غير طيبة لا يجوز له أن يدخل المسجد فيؤذي الملائكة، وليس معنى ذلك أن يتعمد قبل الصلاة أن يأكل ثومًا أو بصلًا بحيث يكون له بذلك رخصة تسمح له عدم المجيء إلى المسجد، ولكن الإنسان يحتاط، فإذا حدث وأكل ثومًا أو بصلًا فلا داعي أن يأتي المسجد؛ لأنه يؤذي الملائكة بذلك.","vol":"4","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>النهي عن البصاق في المسجد والبول والحجامة ونحوه</span>\nجاء في الصحيحين عن أنس ﵁ قال النبي ﷺ: (البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها) ففي زمن النبي ﷺ كانت أرضية المسجد عبارة عن حصى وتراب فكان أحدهم يبصق في أرض المسجد؛ لأنها تراب ثم يدفنها ويغطيها، فأخبرهم النبي ﷺ أن الإنسان الذي يبصق في المسجد قد أتى خطيئة، والخطيئة الذنب الكبير، والبصاق خطيئة، وكفارة هذه الخطيئة أن يدفنها، هذا إذا كانت الأرض أرضًا ترابية، أما إذا كانت الأرض سجادًا ونحوها فيحرم عليه أن يفعل ذلك ولا يكفي أن يدفنها بل لابد أن يغسلها ويزيل هذا الأثر من الأذى الذي تركه في المسجد.\nكما يحرم البول والفصد والقيء والحجامة على أرض المسجد.\nوغالبًا ما يكون في المسجد دورات مياه فالإنسان الذي يريد أن يقضي حاجته فعليه أن يقضيها في دورات المياه، فعلى المسلم أن يراعي حرمة المسجد، فكثيرًا ما تجد بعض الإخوة أو الأخوات يأتون بأبنائهم، إلى المسجد، فيتبول الابن أو البنت في أرض المسجد فلا يلقي الأب لذلك بالًا ولا ينظف مكان البول، وهذا حرام، وليس الذنب على الطفل إنما الذنب على أبيه أو على أمه الذي أتى به وقذر به أرض المسجد.\nفلنتق الله سبحانه ﵎ في بيوت الله، فإذا أتى الإنسان بابنه إلى المسجد فليكن في سن التمييز -في سن سبع سنوات فما فوقها- بحيث يفهم فإذا قلت له اسكت سكت، وإذا قلت له صل صلى مع الناس، ولا يتبول على أرض المسجد.\nويجوز التبرع بالدم في المسجد، مع الحاجة لذلك، وأحيانًا تكون هناك حملات للتبرع بالدم والغالب على أصحابها أن لديهم أدوات بحيث لا ينزل الدم على الأرض، ففي هذه الأحوال يجوز التبرع في المسجد، لكن إذا كان الذي يقوم بهذا الأمر لا يحتاط لذلك وينزل الدم على أرض المسجد فيحرم هذا الشيء؛ لأن الدم نجس، وهو بذلك ينجس أرض المسجد.\nكما يحرم إدخال النجاسة إلى المسجد، ومن كان على بدنه نجاسة أو به جرح فإن خاف تلويث المسجد حرم عليه دخوله.\nفلا يجوز لأحد أن يأتي بشيء نجس ويجعله بداخل المسجد، وبعض الناس يذبح الأضاحي ثم يأتي بجلود الأضحية إلى داخل المسجد، وهذا خطأ، فجلد الأضحية الغير مدبوغ نجس ولا يكون طاهرًا إلا إذا دبغ، ولو كان الإنسان على بدنه نجاسة فلا يجوز له أن يدخل المسجد بهذه النجاسة إلا أن يزيلها.\nوقد يكون الإنسان مجروحًا في يده أو في رجله، فإن كان الجرح طريًا ينزل منه دم، فلا داعي أن يدخل المسجد فينجس أرض المسجد، وإن كان جافًا فيحتاط بشاش أو نحوه وفي هذه الحالة يجوز له أن يدخل المسجد.","vol":"4","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>كراهية زرع الشجر داخل المسجد</span>\nويكره غرس الشجر في المسجد، فالمسجد مكان موقوف للصلاة، والشجر فيها فائدة للناس فهم يأكلون منها، والطيور تأكل منها، وإذا كانت داخل المسجد فلا فائدة منها، فالمسجد يوسع للناس، فقد كان في أرضية مسجد النبي ﷺ نخل فأمر بقطعها وجعلها في عضادتي المسجد، فلا يصح أن يوضع أو يزرع الشجر في داخل المسجد وإنما جنبي المسجد، فيكون المسجد فضاء بحيث يستطيع الناس أن يصلوا فيه فلا تنقطع الصفوف، ويكره كذلك حفر البئر في المسجد لغير حاجة.","vol":"4","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>تحريم الخصومة والبيع والشراء داخل المسجد</span>\nويمنع أهل المسجد من الخصومة في المسجد، فالمسجد للصلاة والذكر ودروس العلم، وما والاه.\nأما الخصومة فلا تجوز في المسجد كأن يتعارك اثنان على أمر دنيوي، أو أن يأتي صاحب حاجة يبحث عن من أخذ ماله في المسجد.\nفقد حدث مرة في مسجد النبي ﷺ أن تخاصم اثنان في مال فقد كان كعب عليه مال لـ ابن أبي حدرد، وجاء ابن أبي حدرد في المسجد وكأنه لم ينتبه أن النبي ﷺ موجود وقال له: هات الذي عليك، فارتفع صوته هو والآخر، فخرج النبي ﷺ وقال لـ ابن أبي حدرد: (ضع الشطر -أي: ضع شطر المال الذي تطلبه فهذه المجادلة ليس مكانها المسجد- فالرجل قال: أفعل، قال النبي ﷺ للآخر: قم فاقضه)، وأنهى الخصومة ﷺ.\nفالمسجد ليس محلًا لسماع القضايا المالية، ولا يجوز فيه البيع ولا الشراء ولا الإجارة ولا نحوها من العقود.\nوجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا) فلو أضاع إنسان مالًا داخل المسجد، أو ضاع منه مال خارج المسجد فجاء المسجد فسأل الناس عن ماله، فالنبي ﷺ لم يكتف بأن قال: لا تنشد الضالة في المسجد، وإنما دعى على الذي ينشد ضالته حتى يمتنع عن فعله، وحين يعرف أن جزاءه أن يقول الناس له: نسأل الله أن لا تجد هذا المال فإنه سيمتنع من إنشاده داخل المسجد، فالمساجد لم تبن للخصومات، ولا لرفع الأصوات.\nأيضًا في البيع والشراء قال ﷺ: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك) فإذا أتى إنسان بسلعة ويريد أن يبيعها في المسجد فادع عليه بلا أربح الله تجارتك؛ لكي يمتنع عن فعل ذلك في المسجد.\nفالمسجد سوق للدار الآخرة، ولذلك كان بعض التابعين عندما يجد إنسانًا يتكلم في البيع والشراء يقول: يا هذا! إن هذا سوق الآخرة اذهب إلى سوق الدنيا، فبيت الله لذكر الله سبحانه وللصلاة.\nروى مسلم عن بريدة ﵁ أن رجلًا نشد في المسجد فقال: من دل على الجمل الأحمر، والجمل الأحمر من الأموال النفيسة عند العرب، فالرجل ضاع منه جمل أحمر، فذهب ينشده في المسجد، فقال له رسول الله ﷺ: (لا وجدته لا وجدته؛ إنما بنيت المساجد لما بنيت له).\nإذًا فالإنسان الذي ضاع منه شيء إذا أراد أن ينادي بالبحث عنه فليكن ذلك خارج المسجد إما في السوق أو يعلن في أي مكان آخر.\nجاء عنه ﷺ (أنه نهى عنه البيع والشراء في المسجد وأن تنشد فيه ضالة، وأن ينشد فيه شعر)، وهذا من عادة أهل الجاهلية، فقد كانوا عندما يتقابلون في سوق عكاظ يقول هذا شعرًا والثاني يرد عليه بشعر مثله، فنهى عنه النبي ﷺ أن يكون ذلك داخل المسجد.\nأما الشعر في شيء تعليمي كأن تكون قصيدة في علم من العلوم كالفقه أو أصول الفقه أو مصطلح الحديث، فهذا جائز، وكذلك أن يكون هذا الشعر فيه مدح لدين الله ﷿ أو دفاع عن دين الله فهذا قد حدث في مسجد النبي ﷺ ولم ينكره صلوات الله وسلامه عليه.\nروى البخاري أيضًا في الحديث نفسه (نهى أن ينشد فيه شعر، ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة) فخطبة الجمعة هي الموعظة فلا معنى إذًا في عشرين موعظة في المسجد يوم الجمعة، فيجلس الناس حلقة قبل الجمعة كل واحد يأتي بموعظة سواءً قبل الخطبة أو بعدها مباشرة.\nفقبل الخطبة الأفضل أن ينشغل الناس بالذكر وقراءة القرآن وبالصلاة، ولذلك جاء عن النبي ﷺ في الرجل الذي يأتي المسجد يوم الجمعة، فقال: (من بكر وابتكر، وغسل واغتسل، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع وأنصت ولم يلغ كتب له بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها) وجاء في حديث آخر قال: (فجاء إلى بيت الله فصلى ما كتب له) يعني جاء ينتقل قبل أن يأتي الإمام، ولما جاء الإمام جلس ليستمع لخطبة الجمعة، فلو أن الناس تحلقوا قبل الجمعة، فستضيق كل حلقة على الناس المكان، فلا يستطيع الناس الجلوس، فسد النبي ﷺ الذريعة من أولها، فنهى عن عمل حلقات قبل صلاة الجمعة لكي يكفي المسجد للجميع فيصطف الناس صفوفًا فيكفيهم بيت الله ﷾، وأيضًا لا ينشغل الناس عن الصلاة وعن الذكر بالكلام قبل الصلاة.\nروى البخاري عن السائب بن يزيد ﵁ قال: كنت قائمًا في المسجد فحصدني رجل -أي: رماني بالحصى- فنظره فوجده عمر ﵁، وقد فعل ذلك لئلا يرفع صوته، وإنما أراد أن يناديه فرمى عليه الحصى فانتبه السائب حين أبصر الحصى وذهب إلى عمر ﵁، فقال: اذهب فائتني بهذين، وكانا يتكلمان بصوت مرتفع، فأتى له بهما فقال: من أين أنتما؟ أو من أنتما؟ فقالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، فمن الواضح أنكما جهلة لا تعرفانت، فعذرهما بجهلهما، فقال: ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ؟! فأنكر عليهما ﵁ ذلك.\nومسجد رسول الله ﷺ له فضيلة عظيمة، وكل المساجد لها فضيلة فهي بيوت الله سبحانه، فما لا يباح في مسجد النبي ﷺ لا يباح في غيره أيضًا، فعلى ذلك لا ينبغي للمسلم أن يرفع صوته بخصومة ولا بنداء ولا بغيره في بيت الله سبحانه إلا إن يحتاج إلى شيء فيتكلم بصوت منخفض.\nفيصان المسجد عما يؤذيه ويؤذي المصلين فيه، حتى رفع الصبيان أصواتهم فيه لا يجوز، وكذلك توسيخهم لفراشه، كان يأتي أحدهم بابنه ومعه مأكول فيأكله ويلوث به أرض المسجد فهذا غير جائز.\nوقد ذكرنا فتوى لشيخ الإسلام ابن تيمية: يصان المسجد عما يؤذيه ويؤذي المصلين فيه، حتى رفع الصبيان أصواتهم فيه، وكذلك توسيخهم الحصر ونحو ذلك، لاسيما إن كان ذلك في وقت الصلاة فإن ذلك من عظيم المنكرات.\nوهذا الكلام الفقهي الرصين المتين لـ شيخ الإسلام ﵀، وليس كمثل بعض الناس ممن ينعق بما لا يعلم، ويقول: الكنائس يأتون فيها بالأطفال الصغار فاتركوا المسجد كالكنائس.\nويقول: النبي ﷺ كان يأخذ أمامة ودخل بها المسجد، فيجوز لي أن أعمل مثل النبي ﷺ، وجواب هذا أن نلزمه بما يقول، فقد أخذ أمامة ودخل بها وصلى وهو يحملها صلوات الله وسلامه عليه، فعليك إذًا أن تأخذ ابنك ولا تضعه في الأرض فيؤذي الناس، واعمل كالنبي ﷺ، فقد أخذ أمامة وهو واقف في الصلاة، فلما ركع وضعها بجواره، فلما رفع رفعها ﷺ، ولما سجد وضعها بجواره، وهكذا فعل في صلاته ﷺ، فإذا كنت تحتج بذلك فافعل كما فعل النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولم يأت عنه ﷺ أنه كان يأتي بها كل صلاة ويدخل بها المسجد ﵊، فلم يأت بها إلا مرة واحدة.\nوقد ركب الحسن ظهر النبي ﷺ وهو ساجد فخشي أن يزعج الناس فظل النبي ﷺ ساجدًا والغلام على ظهره، وخشي أن يرفع مرة واحدة فيصرخ الطفل، فظل ﷺ ساجدًا ثم رفع بعد ذلك، وظن الناس أن النبي ﷺ توفي في هذه السجدة فأخبرهم: (إنه ليس كما ظننتم، ولكن ارتحلني ابني فكرهت أن أعجله)، أي: أعجل في ذلك فيبكي الصبي فيزعج المصلين في المسجد ببكائه.\nيقول الإمام النووي ﵀: يكره إدخال المجانين والصبيان الذين لا يميزون المسجد؛ لأنه لا يؤمن تلويثهم إياه.\nقال: ولا يحرم ذلك.\nأي: إذا عرف الإنسان أن ابنه لن يلوث المسجد فغايته أن يكره في هذه الحال، فإذا علم أنه سيلوثه فيحرم عليه الإتيان به، وذكر أن رسول الله ﷺ صلى حاملًا أمامة بنت زينب ﵄ وطاف على بعيره ﷺ في المسجد.\nيقول النووي ﵀: ولا ينفي هذا الكراهة.\nيعني الذي يقول أن النبي ﷺ أخذ أمامة ودخل بها المسجد، فالعلماء يقولون: إن النبي ﷺ يشرع للأمة فيفعل الشيء الذي لو فعله غيره كان مكروهًا، ولكنه بالنسبة للنبي ﷺ يكون مستحبًا فلو اضطررت في مثل هذه الصورة فلابد أن تفعل كما فعل النبي ﷺ.\nيقول في حاشية قليوبي وعميرة عن كلام النووي هذا: اعترضه الأسنوي بتصريحهم بتحريم إدخال الصبيان المساجد كما نقله الرافعي عن صاحب العدة.\nوقال الأسنوي: هذا صريح في التحريم عند غلبة النجاسة، والكراهة عند عدم الغلبة، فقيد الأمر بذلك، فلو أن الأطفال حال وجودهم في المسجد يمكن أن يحصل منهم الأذى، كأن يتبولون في المسجد أو يتغوطون أو أن يفسدون في أرض المسجد فيحرم إدخالهم، أما إذا كان الصبي لا يؤذي أحدًا من المصلين بل يصلي فغايته الكراهة، أي: إذا كان الصبي دون التمييز، أما إذا كان فوق سن التمييز فعلى ذلك يستحب أن يؤتى به للمسجد إذا جاوز سبع سنوات ويؤمر ويزجر حتى يتعلم آداب الصلاة.","vol":"4","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>كراهة اتخاذ المسجد مكانًا للحرفة واستلقاء الرجل فيه واضعًا رجله على الأخرى</span>\nيكره أن يتخذ المسجد مكانًا للحرفة كالخياطة ونحوها؛ لحديث أنس: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله ﷿ والصلاة وقراءة القرآن) فصاحب الحرفة الخياط مثلًا إذا أتى بقماشة إلى المسجد وجلس يسمع درس علم وهو يخيط فهذا لا يجوز، فإما أن يحضر للعلم وإما يخيط قماشه في محله ولا داعي لأن يأتي إلى المسجد.\nولا يجوز استلقاء النائم في المسجد على ظهره واضعًا إحدى الرجلين على الأخرى، فقد نهى النبي ﷺ عن ذلك.\nفقد جاء في صحيح مسلم عن جابر (أن رسول الله ﷺ نهى عن اشتمال الصماء والاحتباء في ثوب واحد، وأن يرفع الرجل إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلق على ظهره) فمن الأدب ألا يضع الإنسان رجل على الأخرى وهو مستلق على ظهره، وعللوا ذلك بالانكشاف وأنه قد ينكشف فخذه وقد تنكشف عورته، لكن إذا أمن ذلك ولم يكن معه أحد وكان منفردًا جاز له، فقد جاء عن عباد بن تميم عن عمه: (أنه رأى رسول الله ﷺ مستلقيًا في المسجد واضعًا إحدى رجليه على الأخرى).\nيقول الحافظ ابن حجر: والظاهر أن فعله ﷺ كان لبيان الجواز، وكان ذلك في وقت الاستراحة -يعني في وقت كان نائمًا مستريحًا في المسجد ﷺ- قال: لا عند مجتمع الناس، لما عرف من عادته ﷺ من الجلوس بينهم بالوقار التام.\nفالنبي ﷺ كان غاية في الأدب، فكان إذا جلس في وسط أصحابه يجلس وعليه السكينة، ويقول: (أجلس كما يجلس العبد وآكل كما يأكل العبد)، وإنما كان يفعل ذلك في حالة عدم وجود عدد كبير من الصحابة.","vol":"4","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>كراهة تشبيك الأصابع في المسجد</span>\nومن الآداب: يكره تشبيك الأصابع في المسجد وفرقعتها وهذا دليل على أن الإنسان يحب اللهو والاستراحة، فكرهوا ذلك.\nلكن يجوز إذا كان للتمثيل مثلما قال النبي ﷺ في الحديث: (المؤمن للمؤمن كالبنيان أو كالبنان يشد بعضه بعضًا ويشبك بين أصابعه) أما لغير تمثيل ولغير حاجة فقد جاء عنه ﷺ أنه قال: (إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامدًا إلى المسجد فلا يشبكن يديه فإنه في صلاة) أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"4","page":11},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-32> الترغيب في الصلوات الخمس والمحافظة عليها والإيمان بوجوبها [١]</span>\nلقد بين النبي ﷺ مكانة الصلاة في الإسلام، وأخبر أنها من أركانه العظيمة، فهي الركن الثاني بعد كلمة التوحيد، والصلوات الخمس مكفرات للخطايا والذنوب إذا اجتنبت الكبائر، وقد أمرنا الله بإقامة الصلاة ولم يأمرنا بالصلاة فقط، وليس الأمر بإقامة الصلاة كالأمر بالصلاة فقط.","vol":"5","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>الترغيب في الصلوات الخمس والمحافظة عليها والإيمان بوجوبها</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الحافظ المنذري: الترغيب في الصلوات الخمس والمحافظة عليها والإيمان بوجوبها.\nروى البخاري ومسلم عن ابن عمر وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت).\nوروى البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، فقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت) الحديث.\nوروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء، قالوا: لا يبقى من درنه شيء.\nقال: فكذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا).","vol":"5","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>تكفير الصلوات الخمس للصغائر دون الكبائر</span>\nوالغرض من ذكر حديث عمر ﵁: هو بيان أركان الإسلام الخمسة، وأهمها: التوحيد ثم الصلاة.\nوعن أبي هريرة في المتفق عليه قال: قال النبي ﷺ: (أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟).\nويبين هذا الحديث حديث أبي سعيد عند البزار والطبراني وفيه: قال ﷺ: (أرأيت لو أن رجلًا كان يعتمل وكان بين منزله وبين معتمله خمسة أنهار، فإذا أتى معتمله عمل فيه ما شاء الله فأصابه الوسخ أو العرق فكلما مر بنهر اغتسل ما كان ذلك يبقي من درنه؟ فكذلك الصلاة كلما عمل خطيئة فدعا واستغفر غفر له ما كان قبلها)، وهذا بيان كيف تكون هذه الصلاة العظيمة كفارة للذنوب.\nوجاء في الحديث: (الصلوات الخمس كفارة لما بينهما)، وذكر: (الجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان)، بقيد: (ما اجتنبت الكبائر)، فإذا اجتنب الإنسان الوقوع في كبائر الذنوب: كقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والشرك بالله ﷿، والسحر، وعقوق الوالدين، وأخذ الرشوة، وأكل مال اليتيم، وأكل أموال الناس بالباطل، ولم يقع في الجرائم التي فيها حدود في القرآن والسنة ولم يقع فيما توعد عليه ربنا سبحانه بالعقوبة أو باللعن أو بالطرد من رحمته فإن الصلوات الخمس تكفر له ما وقع فيه من الصغائر إذا اجتنب هذه الكبائر.\nفلو وجد نهر باب أحدكم وكل ما خرج من البيت اغتسل في هذا النهر ثم رجع إلى بيته فلوا اغتسل فيه في اليوم خمس مرات هل يبقى من الدرن والوسخ عليه شيء؟ فالصحابة أجابوا: لا، فقال: (كذلك الصلوات الخمس كفارة لما بينهن).\nوذكر في حديث أبي سعيد الإنسان الذي بينه وبين محله أو مصنعه أو حقله: (خمسة أنهار، فإذا أتى معتمله عمل فيه ما شاء فأصابه الوسخ أو العرق فكلما مر بنهر اغتسل) فهل سيبقى عليه أثر العمل من عرق أو وسخ أو شيء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، لن يبقى عليه شيء، فكذلك الصلوات الخمس، فالإنسان قد يقع في اليوم والليلة في الخطأ والإثم، فإذا صلى الصلاة فإنها تكون كفارة له، وأنت إذا صليت تسجد لله وتستغفره وتسبحه والنبي ﷺ قال: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم).\nفأنت تصلي لله ﷿ وتستغفره وتدعوه ليكفر ذنوبك بفضله وبرحمته.\nومن الأحاديث التي جاءت في هذا المعنى: حديث ابن مسعود الذي رواه الطبراني في الصغير والأوسط، قال: قال رسول الله ﷺ: (تحترقون، فإذا صليتم الصبح غسلتها).\nومعنى تحترقون أي: تقعون في الذنوب، وذنوب الإنسان تجتمع عليه دائمًا، عودًا وعودًا وعودًا ثم يشعل فيها النار فتشتعل، ومعظم النار من مستصغر الشرر، كذلك الذنوب فإن الإنسان قد يقع في ذنب ثم في ذنب آخر ثم في ذنب ثالث، وهكذا فالصلوات تجعل الإنسان يحافظ على نفسه مع نفسه ومع الناس ومع ربه ﷾.\nقال: (تحترقون تحترقون) أي: بالغفلة واللهو واللعب، ونسيان ذكر الله سبحانه، وبالوقوع في الذنوب، قال: (فإذا صليتم الصبح غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون فلا يكتب عليكم حتى تستيقظوا) وهذا من فضائل الصلاة، وكثير من الناس يضيع الصلاة وينسى، فإذا بالذنوب تتراكم عليه وصغائر الذنوب تصير كبائر، وترك الصلاة كبيرة من الكبائر، وقد كفر النبي ﷺ تاركها فقال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) وقال: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة).\nفالصلاة حين يتركها الإنسان جاحدًا لها يكفر ويخرج من دين الله ﷿، والذي يصلي أحيانًا ويترك أحيانًا تكاسلًا واقع في كبيرة من الكبائر، فإذا كان الإنسان بذنوبه الصغيرة يحترق فكيف بترك الصلاة؟! لذلك لا بد على المؤمن أن يواظب على الصلاة؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥] والصلاة المقبولة عند الله ﷿ علاماتها تظهر على الإنسان من نور في وجهه، وعمل صالح يعمله، ومواظبة على أداء ما فرض الله ﷾ عليه، وبعد عن الفواحش وعن المنكرات، وإذا وجدت نفسك بعد الصلاة تتطلع للفحشاء والمنكر مثلما كنت قبل الصلاة فكأن هذه الصلاة ليست مقبولة عند الله ﷿، فالصلاة المقبولة هي التي تغير صاحبها، يدخل في الصلاة ثم يخرج خائفًا من الله ﷾، يخرج من الصلاة وقد سجد لله سبحانه فتعلم التواضع فيتواضع لخلق الله ﷾، فالصلاة تزيد في إيمانه فيخرج من الصلاة وهو أفضل حالًا مما كان عليه، ولا تزال كل صلاة تفعل فيه ذلك حتى يلقى الله ﷿ وليس عليه من الذنوب شيء.\nيقول أنس بن مالك: قال رسول الله ﷺ: (إن الله ملكًا ينادي عند كل صلاة -هذا ملك جعله الله ﷿ لهذا الأمر- ينادي عند كل صلاة: يا بني آدم! قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها فأطفئوها).\nنيران الغفلة واللهو والبعد عن الله سبحانه، والمعاصي والذنوب التي أوقدتموها على أنفسكم، فقوموا إلى الصلاة حتى تطفئ الصلاة هذه النيران التي أوقدتموها على أنفسكم.\nوقد روى الطبراني في الكبير عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: (يبعث مناد عند حضرة كل صلاة فيقول: يا بني آدم! قوموا فأطفئوا عنكم ما أوقدتم على أنفسكم، فيقومون فتسقط خطاياهم من أعينهم، ويصلون فيغفر لهم ما بينهما، ثم توقدون فيما بين ذلك فإذا كان عند الصلاة الأولى نادى: يا بني آدم! قوموا فأطفئوا ما أوقدتم على أنفسكم، فيقومون فيتطهرون ويصلون الظهر فيغفر لهم ما بينهما، فإذا حضرت العصر فمثل ذلك، فإذا حضرت المغرب فمثل ذلك، فإذا حضرت العتمة -يعني: العشاء- فمثل ذلك، فينامون وقد غفر لهم، فمدلج في خير ومدلج في شر) والإنسان المدلج: هو الداخل في الليل فيكون على خير بسبب هذه الصلوات.\nيقول طارق بن شهاب: أنه بات عند سلمان الفارسي ﵁ لينظر إلى اجتهاده، فقام يصلي من آخر الليل -يعني: يتنفل وقت السحر- قال: فكأنه لم ير الذي كان يظن، وهو يعرف أن سلمان من الزهاد العباد، وهو من كبار أصحاب النبي ﷺ الأفاضل رضي الله ﵎ عنه، وقد مدحه النبي ﷺ وقال: (سلمان منا آل البيت).\nمع أن سلمان فارسي أصلًا ولكن لعبادته لله ﷾ وقربه من ربه ادعاه المهاجرون فقالوا: سلمان منا، وقالت الأنصار: هو يسكن معنا في المدينة فهو منا، فالنبي ﷺ قال: (سلمان منا آل البيت) رضي الله ﵎ عنه.\nفقد كان يزور الواحد منهم الآخر حتى ينظر إلى عمله لكي يقلده ويأتسي به، فلما وجده قام من آخر الليل يصلي في السحر وكان يظن أنه سيقوم الليل كله من أوله إلى آخره فسأله عن ذلك، فقال سلمان: حافظوا على هذه الصلوات الخمس فإنهن كفارات لهذه الجراحات ما لم تصب بمقتلة.\nوالمعنى: أنه طالما أنك أديت الصلوات الخمس كما أمر الله فهذا أهم شيء وما بعد ذلك كلها نوافل، فإذا حافظت على الصلوات الخمس حيث ينادى بهن في بيت الله ﷾، وأديتها بشروطها، وأركانها، وهيئاتها، وسننها، فإنها تكون صحيحة ومقبولة عند الله ما لم تصب بمقتلة، يعني: ما لم تقع في كبيرة من الكبائر، كالسرقة، والزنا، والشرك بالله ﷿ وغير ذلك من الكبائر.\nفالإنسان المؤمن إذا عرف فضيلة الصلاة وفضلها عند الله ﷿ حافظ عليها كما أمره الله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨].\nنسأل الله ﷿ أن يعيننا على المحافظة على الصلوات وعلى ذكره وشكره وحسن عبادته.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"5","page":3},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-35> الترغيب في الصلوات الخمس والمحافظة عليها والإيمان بوجوبها [٢]</span>\nالمداومة على أداء الصلوات الخمس سببٌ في دخول الجنة، ولا بد فيها من الإيمان والخشوع والمحافظة على أوقاتها، وهناك أحاديث تبين فضل الصلاة على سائر الأعمال، وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، وفي صلاحها صلاح الأعمال، وفي فسادها فساد الأعمال.","vol":"6","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>الترغيب في الصلوات الخمس</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: روى الإمام أبو داود والنسائي عن عبادة بن الصامت ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن ولم يضيع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة).\nوفي رواية لـ أبي داود سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خمس صلوات افترضهن الله من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وسجودهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه).\nوروى أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رجلان من بلي -حي من قضاعة- أسلما مع رسول الله ﷺ فاستشهد أحدهما وأخر الآخر سنة، فقال طلحة بن عبيد الله فرأيت المؤخر منهما أدخل الجنة قبل الشهيد فتعجبت لذلك، فأصبحت فذكرت ذلك للنبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: (أليس قد صام بعده رمضان، وصلى ستة آلاف ركعة، وكذا وكذا ركعة صلاة سنة)، وفي رواية: (فلما بينهما أبعد من السماء والأرض).","vol":"6","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>أعمال تدخل الجنة</span>\nأحاديث أخرى يذكرها الحافظ المنذري في الترغيب في الصلوات الخمس، منها: حديث عبادة بن الصامت ﵁ ونحوه حديث لـ أبي الدرداء ﵁، ولفظ حديث أبي الدرداء: (خمس من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة)، أي: خمس صلوات، فالإنسان المؤمن يؤمن بالله ﷿ وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويؤمن بالقدر خيره وشره، ومصدق بثواب هذه الصلوات عند الله سبحانه، فإذا جاء بهذه الصلوات مع الإيمان ويأتي بأربعة أشياء غير الصلوات، قال: (خمس من جاء بهن مع إيمان)، إذًاَ: فالأصل: الإيمان، ثم الخمس الأشياء التي ذكرها النبي ﷺ، قال: (من حافظ على الصلوات الخمس، على وضوئهن، وركوعهن، وسجودهن، ومواقيتهن)، الصلوات الخمس، ولكنها ليست مجردة، أنه صلى فقط، بل أقام الصلاة وحافظ عليها، وليست صلاة واحدة فقط، بل الخمس الصلوات وكل يوم يواظب على ذلك، ويحافظ على هذه الصلوات حيث ينادى بهن، ويحافظ على وضوئهن، ويحافظ على ركوعهن وسجودهن، ومواقيتهن، وهنا فصل النبي ﷺ حتى لا يظن الإنسان أنه يصلي صلاة سريعة، صلاة لا يذكر الله ﷿ فيها إلا قليلًا، وفي آخر وقتها، ويتكاسل عنها، صلاة يجمعها إلى غيرها من غير عذر، ويظن أنه داخل تحت هذا الحديث.\nفقوله ﷺ: (حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن) يعني: أحسن الوضوء، وأسبغ الوضوء وأتقنه، ثم دخل في الصلاة فحافظ على الركوع وعلى السجود، أما الذي يصلي فلا يذكر الله ﷿ فيها إلا قليلًا، صلاة يجمعها إلى غيرها من غير عذر، فليس بداخل تحت هذا الحديث، فمن حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن، يعني: أحسن الوضوء، وأسبغ الوضوء وأتقنه، ثم دخل في الصلاة فحافظ على الركوع وعلى السجود، وعلى مواقيت الصلاة، ويصليها على أول وقتها، ويسمع النداء فيذهب إلى بيت الله ﷿ يصلي، فهو داخل تحت هذا الحديث، وكذلك إذا صلت المرأة في بيتها، فحافظت على ذلك، على الوضوء، وعلى الركوع، وعلى السجود فلا يسرع الإنسان في الركوع والسجود، ولا ينقرها نقر الغراب، ولكن يتقن الصلاة، ويتقن القراءة ويحسن، ويتقن التسبيح في الركوع، ثم يقول: (سمع الله لمن حمده) ويطمئن قائمًا، ثم يسجد لله ﷿ ويطمئن ساجدًا، فإذا حافظ على ذلك فهي الأولى.\nوالثانية قال: (وصام رمضان).\nوالثالثة قال: (وحج البيت إن استطاع إليه سبيلا).\nوالرابعة قال: (وآتى الزكاة طيبة به نفسه).\nفهذه أربعة أشياء مع إيمان، ومع كلمة التوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله بحق.\nوالخامسة قال: (وأدى الأمانة)، إذًا: الأصل: كلمة التوحيد: الإيمان بالله ﷿ على ما ذكرنا، ثم هذه الخمسة الأشياء: الصلوات، صيام رمضان، أداء فريضة الحج إن استطاع إليه سبيلًا، آتى الزكاة، أدى الأمانة، (قيل: يا رسول الله! وما أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة، إن الله لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها)، فهذه أداء الأمانة.\nفالإنسان الذي يكون على جنابة لا أحد يعرف أنه على جنابة، والمرأة التي جاءها الحيض ثم طهرت من الحيض، لا أحد يعرف أنها طهرت من الحيض إلا هي تعرف عن نفسها ذلك، فجعل الله ﷿ أمانة على هذا العبد: أنه يتطهر بعد زوال السبب الذي منعه من الصلاة، فجعلها أمانة، لا أحد يراقب أحدًا على هذا الشيء: هل أتى وقت الدورة للمرأة أم لم يأت؟ انتهى حيضها أم لم ينته؟ فهي مؤتمنة على فرجها، مؤتمنة على ذلك، والله ائتمن العبد على ذلك.\nوقد ذكر الله الأمانة في القرآن: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]، والأمانة: التكاليف الشرعية، والله ﷿ هو الذي يعلم أن الإنسان العبد يؤديها بإتقان أو بغير إتقان، يؤديها بشروطها وأركانها على الصحة أم لا، يؤديها مخلصًا لله ﷿ أم لا، فإذا أدى الأمانة كان له عند الله ﷿ أن يدخله الجنة.\nفي حديث عبادة بن الصامت: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن ولم يضيع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن) وكأن الإنسان يضيع الصلوات مستخفًا بها، ومحتقرًا للعقوبة، فليس في ذهنه أن الله سيحاسبه على ذلك، فلا يستحضر هذا الشيء، فيستخف بها، وهذا يستحق العذاب الأليم عند رب العالمين إذا شاء سبحانه.\nلكن الذي يأتي بهن ولا يستخف بهن، ولا يضيع منهن شيئًا، وفي الرواية الأخرى: (من أحسن وضوءهن بوقتهن، وأتم ركوعهن وسجودهن وخشوعهن، كان له عهد على الله أن يغفر له)، إذا جاء بالصلاة على الوجه الذي يريده الله ﷿ ويقبله منه، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة.\nوالذي يفعل خلاف ذلك: فلا يأتي بالصلاة في أول وقتها، بل يتركها لآخر وقتها، ويجمع الصلاة مع الصلاة بغير عذر، ويضيع الركوع، ويضيع السجود، ولا يتقن صلاته، ولا يتقن وضوءه، فهذا لا عهد له عند الله.\nنضرب مثلًا على ذلك: العهد في القتال: عندما يأتي الأمير في القتال أو القائد ويعطي العهد للذين يقاتلونهم، فيقول له: أعطيك أمانًا، أمنتك، فلن يؤذيه بشيء، والذي يصلي قد أعطاه الله هذا الأمان، وأعطاه هذا العهد، يصلي على الكيفية التي ذكرناها، هذه الكيفية: هي الصلاة التي أمر الله بها ﷿ في القرآن، وأرادها، ووعد عليها الأجر والثواب في الدنيا:: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، وفي الآخرة: له عند الله عهد ألا يعذبه، وله عند الله عهد أن يدخله الجنة.\nفإذا لم يأت بهذه الصلاة على هذه الكيفية، فلا أمان له عند الله، ولا عهد له عنده سبحانه، فهو يقدم على خطر عظيم جدًا، إن شاء ربه سبحانه غفر له، هذا أمر لله ﷿، وإن شاء عذبه العذاب الأليم بذلك، قال في كتابه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٦].","vol":"6","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>أحاديث تبين فضل الصلاة</span>\nومن الأحاديث العظيمة الواردة في فضل الصلاة: حديث جاء عن سعد بن أبي وقاص ﵁، وحديث جاء عن أبي هريرة، وفيه: (أن رجلين كانا من بلي -حي من قضاعة- أسلما مع رسول الله ﷺ فاستشهد أحدهما وأخر الآخر سنة) هذا حديث أبي هريرة، وأما حديث سعد بن أبي وقاص: (كان رجلان أخوان فهلك أحدهما قبل صاحبه بأربعين ليلة)؛ فيه قصتان: الأولى: هما أخوان اثنان، واحد مات، والثاني مات بعده بأربعين ليلة، والقصة الثانية: أرادا الإسلام فأسلما مع النبي ﷺ، وأحدهما استشهد والآخر مات بعده بسنة، ولاحظ هذا اللفظ الثاني الذي في حديث أبي هريرة أن الأول استشهد، قتل شهيدًا في سبيل الله ﷿، والثاني مات بعده بسنة ولم يستشهد.\nفأحد الصحابة رأى رؤيا، قال طلحة بن عبيد الله: (فأريت الجنة) رأى الجنة، فرأيت المؤخر منهما أدخل الجنة قبل الشهيد، والشهيد قتل الأول، والآخر هذا مات بعده بسنة ولم يقتل، وطلحة بن عبيد الله هذا أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵁، صحابي فاضل شلت يده في دفاعه عن النبي ﷺ في يوم أحد، وقاتل قتالًا عظيمًا ﵁، وكان صوته في الجيش أقوى من صوت ألف رجل ﵁، هذا الرجل العظيم الفاضل رأى رؤيا في المنام، أن الاثنين أدخلا الجنة، فالذي مات دخل الأول، ودخل بعده الذي استشهد.\nقال: (فلما بينهما أبعد من السماء والأرض) يعني: نظر إلى منزلة المتوفى فوجده في السماء، ومنزلة الشهيد في الأرض، وكأن البعد بين الاثنين كما بين السماء والأرض والاثنان في الجنة، فتعجب لذلك، حيث أن الشهيد أقل مرتبة من الذي مات، فسأل النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: (أليس قد صام بعده رمضان؟) انظر إلى فضل شهر رمضان، فإن هذا أخذ أجر الشهادة وفوقها صيامه شهر رمضان وأنه أخر بعد هذا، قال: (وصلى ستة آلاف ركعة) يعني: صلاة سنة، ولو حسبتها لوجدتها ستة آلاف ركعة، فالسنة (٣٥٤) يومًا أو (٣٥٥) يومًا وهذه هي السنة الهجرية، ستضربها في (١٧) ركعة فريضة اليوم، ستبلغ حوالي: (٦٠١٨) ركعة، أو (٦١١٨) ركعة، ستة آلاف ركعة صلاها هذا الإنسان، فرفعته هذه المرتبة العظيمة عند الله رب العالمين، ستة آلاف ركعة، هذه الفريضة فقط.\nقال: (وكذا ركعة صلاة سنة) بمعنى: أنه لم يصل فقط الفريضة التي بلغت ستة آلاف ركعة، ولكنه كان يصلي رواتب في اليوم عشر ركعات، أو أكثر أو أقل من ذلك، فانظر في السنة كم تبلغ هذه الصلوات؟ وانظر كيف ترفع الصلوات صاحبها، مع أن الشهيد له مرتبة عالية جدًا عند الله ﷿، وهذا الذي أخر بعده كان أعلى منه، ولذلك الإنسان لا يستعجل الموت أبدًا، فلا يقول: يا رب! خذني فالنبي ﷺ يقول في الحديث: (خيركم من طال عمره وحسن عمله)، فكلما زيد في عمره عن الآخر زاد عنه بصلاة وصوم وعمل صالح، وكان أرفع له في الدرجة عند الله ﷾.\nفي حديث آخر للسيدة عائشة ﵂، تقول: إن رسول الله ﷺ قال: (ثلاث أحلف عليهن)، يحلف النبي ﷺ على ثلاث، وهو الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، ولكن المعنى الذي يؤكد ذلك أنه يقول: ليكن في يقينكم، لتكونوا مؤمنين بهذا الذي أقوله، فإنه يقين يقين: (لا يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له)، أي: أن الذي دخل في الإسلام وبعدها صار له سهم في الإسلام ليس كالذي دخل ولا سهم له؛ لأن ذلك لا يكون أبدًا، ثم قال ﷺ: (وأسهم الإسلام ثلاثة: الصلاة والصوم والزكاة)، فالذي له صلاة، وله صوم، وله زكاة لن يكون مثل الذي ليس له، وقال هنا ﷺ: (ولا يتولى الله عبدًا في الدنيا فيوليه غيره يوم القيامة).\nإذًا: أولًا: أن العبد الذي يصلي ويصوم ويزكي مستحيل في عدل الله ﷿ أن يجعل مثله من لا يفعل ذلك، والذي له سهم في الإسلام ليس كمن لا سهم له، وهذا فرق كبير بين الاثنين.\nثانيًا: قال ﷺ: (لا يتولى الله عبدًا في الدنيا فيوليه غيره يوم القيامة) ويقسم النبي ﷺ على ذلك، يعني: إذا كان ربك معك وأنت في الدنيا، يحفظك ويعينك على الصلاة، ويعينك على الصوم، ويعينك على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتولاك في الدنيا، وتقول له: يا رب! فيعطيك، فإذا أعطاك في الدنيا فلن يتخلى عنك يوم القيامة، كما أنه كان معك في الدنيا فأنت تعبده فيتولاك فلن يتركك يوم القيامة، ويحلف على ذلك ﷺ، والثالثة قال ﷺ: (ولا يحب رجل قومًا إلا جعله الله معهم).\nفكل إنسان له مقدرة على العمل بصورة معينة، فمنهم من يقدر أن يصلي، والآخر يقدر أن يصوم النوافل، ومنهم من يقدر على قيام الليل كثيرًا، والآخر لا يقدر، ولكن كل إنسان قد هيأه الله ﷿ لما يصلح له، وجعل الناس كلهم شيئًا واحدًا مستحيل جدًا، والإنسان يتمنى أنه يكون مثل الصالحين، لما يسمع عن النبي ﷺ والصحابة الأفاضل، والتابعين والأئمة، فكيف سيكون مثلهم؟ فجعل لهم طريقة سهلة في ذلك، أن يعملوا الذي عليهم، والذي يقدرون عليه، فيكونون بذلك قد فعلوا الذي عليهم، ولكن هناك شيء آخر يوصلك إلى هؤلاء الأخيار، وهذا الشيء هو أن تحبهم، أن تحب الله ﷿، وأن تحب رسول الله ﷺ، وأن تحب الصحابة رضوان الله عليهم، وأن تحب التابعين لهم بإحسان، فإذا كنت تحب هؤلاء فالله ﷿ يوصلك إلى منزلة هؤلاء بعملك المتواصل، فتحاول حتى تصل، فالإنسان يتمنى أن يحفظ القرآن كله، فيحاول ويجتهد فلا يستطيع، وبما أنه يحب حفاظ القرآن فالله ﷿ قد يجعله معهم، بمحاولته للحفظ وبحبه لهؤلاء، فقال ﷺ: (ولا يحب رجلًا قومًا إلا جعله الله معهم، والرابعة لو حلفت عليها رجوت ألا آثم)، وحاشا له ﷺ أن يحلف على خطأ، أو على كذب، يقول: (لا يستر الله عبدًا في الدنيا، إلا ستره يوم القيامة)، فهذا وعد، وهذا شيء عظيم من كرم رب العالمين سبحانه، أنه إذا ستر عبدًا في الدنيا ستره يوم القيامة، وما من عبد إلا وله خطأ، فقد قال ﷺ في الحديث: (كل ابن آدم خطاء وخير الخطاءين التوابون)، فإذا وقع عبد في معصية، فندم وتاب واستغفر وستر على نفسه، وأصلح عمله، فلم يفضحه الله ﷿ ولم يطلع أحدًا على ذلك فتاب، فستره في الدنيا، فهذا وعد منه سبحانه أنه يستره أيضًا يوم القيامة.\nفإذا كان العبد قد ستره الله بالليل، وفضح نفسه بالنهار، فقال: أنا عملت كذا وكذا، ويحكي عن نفسه ما فعل من الذنوب ويفضح نفسه فهو مفضوح في الدنيا وفي الآخرة، فهنا: الوعد أن الله إذا ستر العبد في الدنيا، والعبد ستر نفسه، لا يفضحه الله يوم القيامة، والعكس كذلك.\nومن الأحاديث التي جاءت في ذلك: حديث عبد الله بن قرط ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة في الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله)، فالصلاة أعظم شيء يتقرب الإنسان بها إلى الله بعد التوحيد، فإذا جاء يوم القيامة سأله الله ﷿ عن الصلاة، فإذا صلحت هذه الصلاة وأداها كما أمر الله سبحانه حيث ينادى بها، صلح باقي العمل وأصبح سهلًا، فالله ﷿ يغفر ويتجاوز، وإذا ضاعت الصلاة ضاع منه باقي العمل، والله ﷾ يقول: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، ومستحيل أن الإنسان يحسن صلاته، ويتقنها بوضوئها وبخشوعها وبركوعها وسجودها وقيامها، ثم بعد ذلك يكون تاركًا للصوم، وتاركًا للزكاة، وتاركًا للنوافل، لا يمكن ذلك أبدًا؛ لأن الله أخبرنا أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.\nفالمعنى: أن الصلاة هذه باب العبادة الكبير، الذي إذا دخل منه الإنسان أحسن جميع العبادات، والعبد يوم القيامة إذا وافى ربه بصلاة صحيحة مقبولة، فيقينًا أن باقي العمل سيكون صحيحًا كذلك.\nوإذا كانت الصلاة فاسدة، وضيعها العبد، ضيع باقي عمله في الدنيا، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"6","page":4},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-39> الترغيب في الصلاة مطلقًا وفضل الركوع والسجود والخشوع</span>\nلقد أمر الله ﷿ بالصلاة، ورغب فيها، وجعلها ركنًا من أركان الإسلام، التي لا يتم إلا بها، ذلك لأنها الفارقة بين المسلم والكافر والمشرك.\nوهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة.\nولذلك اهتم الإسلام بها اهتمامًا عظيمًا، لدرجة أن النبي ﷺ كان لا يقاتل إلا إذا لم يسمع النداء بها، فالصلاة هي شعار الإسلام، وهي جنة المؤمنين في الدنيا، فقد كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر فزع إليها، فقد جعلت قرة عينه، وقد كثرت الأحاديث المرغبة فيها، والتي تحظ على المحافظة عليها، مبسوطة في مظانها.","vol":"7","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>شرح حديث أبي مالك الأشعري ﵁ (الطهور شطر الإيمان)</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: أما بعد: قال الإمام المنذري ﵀: (الترغيب في الصلاة مطلقًا وفضل الركوع والسجود والخشوع): روى مسلم وغيره عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها).\nوروى أحمد عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ: (خرج في الشتاء والورق يتهافت فأخذ بغصن من شجرة، قال: فجعل ذلك الورق يتهافت، فقال: يا أبا ذر! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: إن العبد المسلم ليصلي الصلاة يريد بها وجه الله تتهافت عنه ذنوبه كما يتهافت هذا الورق عن هذه الشجرة).\nوعن ثوبان أن النبي ﷺ قال: (عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة).\nرواه مسلم.\nوروى ابن ماجة عن عبادة بن الصامت ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ما من عبد يسجد لله سجدة إلا كتب الله له بها حسنة، ومحا عنه بها سيئة، ورفع له بها درجة، فأكثروا من السجود).\nهذه الأحاديث عن النبي ﷺ التي ذكرها الحافظ المنذري ﵀ هي في الترغيب في الصلاة مطلقًا، وفي الترغيب في كثرة الصلاة، سواء كانت نوافل لها سبب، أو ليست لها سبب.\nوأيضًا هي في فضل الركوع والسجود والخشوع.\nومن هذه الأحاديث التي ذكرها: حديث أبي مالك الأشعري أن النبي ﷺ قال: (الطهور شطر الإيمان).\nو(الطهور) هو: أن يتطهر الإنسان لصلاته، سواء من الحدث الأصغر أو من الحدث الأكبر، فجعله النبي ﷺ نصف الإيمان، وكلمة: (الإيمان) أحيانًا تأتي بمعنى الصلاة، وأحيانًا تأتي بمعنى الإسلام، والغالب في معنى الإيمان: أن يؤمن العبد بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.\nوالإيمان في هذا لحديث بمعنى/ الصلاة، وقد جعلها نصفين، فالطهور نصفها، فمن صلى بغير طهور فإنها لا تعتبر صلاة، ولا تعتبر صلاة إلا إذا صلى الإنسان متطهرًا، فكأن الطهور على النصف من ذلك، كما جاء في الحديث: (الطهور شطر الإيمان).\nوالمقصود به: أن يتطهر الإنسان ظاهرًا وباطنًا، فطهارة الباطن تكون بأن يطهر قلبه من أدناس الشرك، ومن عبادة غير الله ﷾، يطهر قلبه من الغلّ والحقد والحسد والغش للمسلمين، فالطهور نصف إيمان الإنسان، فعلى الإنسان أن يهتم بتطهير قلبه وبدنه.","vol":"7","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>فضل التسبيح والتحميد</span>\nقال ﷺ: (والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض).\nأي: أن كلمة (الحمد لله) لو وضعت في ميزان، أو لو جُعلت جرمًا، -أي: شيئًا محسوسًا يرى،- لرأيتها تملأ الميزان، أي: تملأ كفة الميزان يوم القيامة، وتثقل عملك، وقوله ﷺ: (وسبحان الله والحمد لله تملآن) أي: أن هاتين الكلمتين لو تخيلت لهما حجمًا موجودًا لرأيتهما تملآن ما بين السماء والأرض من عظيم ثوابهما.","vol":"7","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>فضل الصلاة</span>\nقال ﷺ: (والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء)، والصلاة مأمور بها العبد، وكذلك الصدقة والصبر، وقد شبه النبي ﷺ صلاة الإنسان بالنور، وهناك فرق بين النور والضياء، فالنور تستفيد منه وترى فيه من غير أن يؤذيك، وأما الضياء فتستفيد منه وترى فيه أيضًا ولكن فيه إحراق ولفح، فشبه النبي ﷺ الصلاة بالنور؛ لأنها كلها خير، وليس فيها إيذاء وتعب، فقد قال ﷺ: (صلّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب).\nفالصلاة خير عظيم من رب العالمين، ولا تعب فيها، فإن تعبت وأنت قائم فصل قاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب، وكل التكاليف لابد وأن يكون فيها شيء من المشقة، ولكن الصلاة سهلة ومريحة، فشبهها بالنور؛ لأنها كلها فائدة، وتعبها يسير.","vol":"7","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>فضل الصدقة</span>\nقال ﷺ: (والصدقة برهان)، أي: برهان على إيمان الإنسان، وعلى أنه ليس شحيحًا أو بخيلًا، بل هو يخرج الصدقة ويتصدق بها، ففرق بين الإنسان الشحيح الذي لا يريد أن يخرج ما معه من المال، ولا يريد أن يعطي الفقراء، ولا ما أمره الله ﷿ به، وبين الإنسان المؤمن، فالكل في مسألة الإيمان يقول: أنا مؤمن، والكل يقول: أنا جيد، وأنا جواد، وغيرها، ولا يظهر برهان وحقيقة دعوى هذا الإنسان إلا وقت النفقة، فإذا أنفق وتصدق دل هذا على قوة إيمان هذا العبد الذي يدفعه لأن يتصدق وأن يخرج ما معه.\nفالصدقة برهان على قوة إيمان هذا الإنسان، فإن إيمانه هو الذي يدفعه أن يؤدي الزكاة الواجبة عليه، ويدفعه أيضًا إلى الصدقة.","vol":"7","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>فضل الصبر</span>\nقال ﷺ: (والصبر ضياء) فيصبر الإنسان على قضاء الله ﷿ وقدره، وعلى البلاء والمصائب، والمصيبة تؤذي العبد وقد تحرقه من شدتها وقسوتها، ولكنه يصبر وينتظر الأجر من الله، فيجد النور والضياء والأجر من الله ﷾ على الصبر.\nولا يؤجر الإنسان على الصبر إلا إذا عانى من المشقة، وصبر على الأمر الصعب الشديد الذي كأنه يحرقه.\nولذلك وصف النبي ﷺ الصبر بأنه ضياء، ففرق بين وصف الصلاة بأنها نور، ووصف الصبر بأنه ضياء.\nفإن الصلاة فيها سهولة، وليس فيها مشقة شديدة، ولكن الصبر كظم للغيظ وكتم للحزن، ولذلك فإن سيدنا يعقوب ﵊ لما صبر على فقد ابنيه ابيضت عيناه من شدة كظمه غيظه، كما قال تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف:٨٤]، أي: من شدة كتمه غيظه وحزنه ابيضت عيناه وذهب نورهما، فالصبر ضياء.","vol":"7","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>فضل قراءة القرآن</span>\nقال ﷺ: (والقرآن حجة لك أو عليك)، أي: قد يكون حجة لعبد، وقد يكون حجة على عبد آخر، فالعبد الذي عرف أحكام الله ﷿ فعمل بها، وتلا كتاب الله ﷿ وقام به آناء الليل وأطراف النهار، وأرضى به ربه سبحانه، فإن القرآن يكون حجة له، وأما الإنسان الذي جعل القرآن وراءه ظهريًا فإنه يكون حجة عليه.","vol":"7","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>شرح حديث أبي ذر الغفاري ﵁: (إن العبد المسلم ليصلي الصلاة)</span>\nوعن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ: (خرج في الشتاء والورق يتهافت فأخذ بغصن من شجرة، قال: فجعل ذلك الورق يتهافت، فقال: يا أبا ذر! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: إن العبد المسلم ليصلي الصلاة يريد بها وجه الله فتهافت عنه ذنوبه كما يتهافت هذا الورق عن هذه الشجرة)، يعني: كما أن الريح تطير أوراق الأشجار، كذلك الصلاة تمحو الذنوب، ولا تبقي منها شيئًا، فالصلاة عظيمة الأجر، مكفرة للذنوب.","vol":"7","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>كثرة السجود سبب لدخول الجنة</span>\nوعن معدان بن أبي طلحة ﵁ قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ، فقلت: (أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة؟ -وكرر الشيء ثلاث مرات- فقال ثوبان: سألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: عليك بكثرة السجود لله).\nوكل إنسان يريد أن يدخل الجنة، ولكن دخولها ليس بسيطًا ولا سهلًا، فمن أراد دخولها فليعمل لها، ولذلك كان النبي ﷺ ينصح أصحابه أن من أراد أن يدخل الجنة فليعنه على نفسه بكثرة السجود، فقال لـ ثوبان: (عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط بها عنك خطيئة).\nوعن ربيعة بن كعب، قال: (كنت أخدم النبي ﷺ نهاري)، وقد كان الصحابة يحبون أن يخدموا النبي ﷺ، طمعًا في الأجر من الله ﷿.\nفهذا ربيعة بن كعب ﵁ يقول: (كنت أخدم النبي ﷺ نهاري، فإذا كان الليل أويت إلى باب رسول الله ﷺ فبت عنده)، يعني: يريد أن يكون خادمًا للنبي ﷺ بالليل وبالنهار، فكان بالنهار يخدمه، بالليل ينام بجوار عتبة باب النبي ﷺ لعل النبي ﷺ يحتاجه في شيء، قال: (فلا أزال أسمعه يقول: سبحان الله! سبحان الله! سبحان ربي! حتى أمل أو تغلبني عيني فأنام فقال يومًا: يا ربيعة! سلني فأعطيك)، يعني: اطلب مني ما تحتاجه فأعطيك كما خدمتني.\n(قال: فقلت: أنظرني حتى أنظر)، يعني: حتى أفكر فيما أسألك.\n(قال: وفكرت أن الدنيا فانية منقطعة، فقلت: يا رسول الله! أسألك أن تدعو الله أن ينجيني من النار ويدخلني الجنة).\nأي: أنه فكر أنه لو طلب منه مالًا أو أرضًا أو إبلًا أو بقرًا فسيعطيه، ولكن هذا كله سيزول، فقال: أطلب من النبي ﷺ أن يدعو الله أن ينجيني من النار وأن يدخلني الجنة، فلما طلب ذلك قال: (فسكت رسول الله ﷺ، ثم قال: من أمرك بهذا؟ -من الذي علمك أن تقول لي هذا؟ - قال: قلت: ما أمرني به أحد، ولكني علمت أن الدنيا منقطعة فانية، وأنت من الله بالمكان الذي أنت منه، فأحببت أن تدعو الله لي، فقال ﷺ: إني فاعل)، أي: سأدعو لك، ولابد لك من أن تعمل، فقال: (إني فاعل أي: سأدعو لك- فأعني على نفسك بكثرة السجود).\nيعني: لا تتكل على دعائي فإنما هو وسيلة، ولكن لابد لك من فعل السبب الذي تستحق به هذا، وهو أن تكثر من السجود، حتى يقبل الله ﷿ دعائي لك.","vol":"7","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>بيان أن الصلاة خير من الدنيا عند أصحاب القبور</span>\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: (إن رسول الله ﷺ مرّ بقبر فقال: من صاحب هذا القبر؟ فقالوا: فلان، فقال ﷺ: ركعتان أحب إلى هذا من بقية دنياكم).\nوقد أمرنا النبي ﷺ أن نزور القبور وقال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكر الآخرة).\nوقد كان نهاهم في فترة من الفترات أن يزوروا القبور، وكان السبب في النهي: الخوف من الشرك، أي: حتى لا يقعوا في الشرك بالله ﷿؛ لأنهم كانوا معتادين على دعاء القبور وعلى عبادة الأصنام، فمنعهم من ذلك وكانوا معتادين على التفاخر بما في القبور من أهليهم والتكاثر بعشيرتهم، فنهاهم فترة عن ذلك؛ سدًا لذريعة الشرك والتفاخر بالأجداد، ثم لما استقر في قلوبهم الإيمان والتوحيد والبعد عن التفاخر بالأهل والأنساب أمرهم النبي ﷺ بزيارة القبور للاتعاظ، والتفكر في نفسه وفي صحته وفي عافيته، وفي صلاته وعمله، وصحة عبادته، وأن هذا الذي في هذا القبر يتمنى لو أنه خرج إلى الدنيا ليصلي ركعتين فقط، فقد قال النبي ﷺ لما سأل عن صاحب القبر فأخبروه أنه رجل من المسلمين: (ركعتان أحب إلى هذا من بقية دنياكم)، يعني: الباقي من الدنيا إلى أن تقوم الساعة، أي: لو قيل له: أنعطيك هذه الدنيا كلها أو تصلي ركعتين؟ لقال: أصلي ركعتين أحب إلي من ذلك، ونحن الآن في هذه الدنيا ليس أمامنا ركعتان فقط، بل ركعات كثيرة، فلنصلي ولنكثر من الركعات.","vol":"7","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>عظم أجر السجود وفضله</span>\nوفي الأثر عن مطرف قال: (قعدت إلى نفر من قريش، فجاء رجل فجعل يصلي ويركع ويسجد ولا يقعد، فقلت: والله ما أرى هذا يدري ينصرف على شفع أو على وتر؟ فقالوا: ألا تقوم إليه فتقول له؟ قال: فقمت)، أي: كأنه صلى صلاة كثيرة، وصلى الركعات متصلات، ولم يجلس بينهن للتشهد، وإنما جلس للتشهد في النهاية، وهذا يجوز في صلاة الضحى، فإذا صلاها أكثر من ركعتين جاز له أن يصلي ركعتين ويسلم، وجاز له أن يصلي أربع ركعات ويسلم، ويجوز أكثر من ذلك، سواء جلس في التشهد الأوسط في الأربع الركعات أو لم يجلس.\nوكذلك يجوز للإنسان في قيام الليل أن يصلي تسع ركعات متصلة، ولا يجلس إلا في الثامنة والتاسعة، وإن كان الأفضل له أن يصلي ركعتين ركعتين، كما جاء في حديث النبي ﷺ: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى).\nفهذا الرجل دخل وصلى ركعات كثيرة من غير أن يجلس للتشهد بين كل ركعتين، وإنما جلس في النهاية وسلم، وكأنه في قيام الليل، فلما رآه مطرف قال: (والله ما أرى هذا يدري ينصرف على شفع أو على وتر)، يعني: أنه لا يدري كم صلى، فلما قال ذلك، قالوا له: قم فأخبره، فقام وهو يظن نفسه أنه ينصحه، فقال: (يا عبد الله! ما أراك تدري تنصرف على شفع أو على وتر؟ فرد عليه الرجل وقال: ولكن الله يدري)، أي: إذا كنت لا أدري فربنا يدري، فكان جوابًا مؤدبًا ومهذبًا من رجل فاضل، قال الرجل: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من سجد لله سجدة كتب الله له بها حسنة، وحط عنه بها خطيئة، ورفع له بها درجة).\nقال مطرف: (فقلت من أنت؟ فقال: أبو ذر الغفاري قال: فرجعت إلى أصحابي، فقلت: جزاكم الله من جلساء شرًا، جزاكم الله من جلساء شرًا)، يعني: تطلبون مني أن أنصح صحابيًا، وأنتم تعرفون أنه صحابي؟ قال: أفتأمروني أن أعلم رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ؟ أي: أنه لا يليق بتابعي أن يعلم صحابيًا، وكان الأحرى بهؤلاء أن يقولوا له: إن هذا أبو ذر الصحابي، فقم تعلم منه ولا تنكر عليه، فالغرض من هذا: بيان أن الصلاة فيها هذا الفضل كله، وكل سجدة فيها يكتب الله للعبد بها حسنة ويحط عنه بها خطيئة ويرفع له بها درجة.\nوفي رواية يقول مطرف: (فرأيته يطيل القيام، ويكثر الركوع والسجود)، أي: أنه لم يصلها بسرعة بحيث لا يدري ما يقول فيها، وإنما كان يطيل القيام، فصلى قيامًا طويلًا وركوعًا طويلًا وسجودًا طويلًا، وأكثر من الركوع والسجود.\nقال: (فذكرت له ذلك، فقال الصحابي ﵁: ما آلوت أن أحسن)، يعني: لقد اجتهدت أن أحسن في صلاتي، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من ركع ركعة أو سجد سجدة رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة).","vol":"7","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>الحرص على الإكثار من الصلاة</span>\nهذه بعض فضائل الصلاة، والإنسان المؤمن الذي يعرف هذه الأحاديث في فضيلة الصلاة فإنه يكثر من الصلاة، ويكثر من الركوع ومن السجود، ولا يضيع وقته في أمر الدنيا، والإنسان قد يبقى أحيانًا فارغًا، ويضيع وقته في اللغو وفي الكلام الفارغ، فأفضل منه لو أنه توضأ وصلى ركعتين، فإن في الوضوء أجرًا، فهو يحط خطايا الوجه واليدين والرأس والرجلين في أثناء الوضوء، فإذا قام إلى الصلاة تساقطت عنه الذنوب.\nفالمؤمن لا يضيع وقته في الكلام مع الخلق وفي اللغو وفي اللعب وفي اللهو، وإنما يكون في أمر الصلاة ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، فهي باب الجنة الموصلة إليها.\nنسأل الله ﷿ أن يجعلنا من أهل جنته.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"7","page":12},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-51> الترغيب في الصلاة في أول وقتها</span>\nإن شوق المؤمن لمناجاة ربه غالبة إن صدقت محبته له، ولذا لا يفرط في الصلاة عمومًا، بل لا يفرط في الجماعة ويحرص عليها أتم الحرص، وليس ذلك فحسب، بل لا تفوته تكبيرة الإحرام، وقد يتقدم إلى المسجد قبل الصلاة ولا عجب في ذلك، إنه الشوق.","vol":"8","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>فضل الإتيان بالصلاة في أول وقتها</span>\nالحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام المنذري ﵀: الترغيب في الصلاة في أول وقتها.\nروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (سألت رسول الله ﷺ: أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها، قال: قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قال: قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: حدثني بهن رسول الله ﷺ، ولو استزدته لزادني).\nوروى أبو داود عن أم فروة ﵂ وكانت ممن بايع النبي ﷺ، قالت: (سئل النبي ﷺ: أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لأول وقتها).\nوروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: (صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا؛ وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج من المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه مادام في مصلاه ما لم يحدث، اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة).\nيذكر الإمام المنذري ﵀ أحاديث منها: حديث ابن مسعود رضي الله ﵎ عنه في سؤاله النبي ﷺ: (أي العمل أحب إلى الله؟)، وفي رواية أخرى: لرجل من أصحاب النبي ﷺ: (أي العمل أفضل؟)، يريد من الأعمال التي يتعبد بها العبد لربه ﷾، وكأنه يقول: ما هي الأعمال الفاضلة التي هي أحب إلى الله ﷾؟ فأجابه النبي ﷺ: (الصلاة على وقتها)، وهذا الحديث يوضحه حديث أم فروة بعده المروي في سنن أبي داود وفيه: أن النبي ﷺ قال: (الصلاة لأول وقتها)، أي: إذا نودي للصلاة استحب أن يذهب المسلم حيث ينادى بالصلاة، ثم يصلي هذه الصلاة فيصلي مع الجماعة، وجعل هذا العمل هو المقدم على غيره من أعمال، بل هو أول الأعمال، ويليه بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله.\nوالمتأمل في هذا الترتيب يعلم فضيلة الصلاة، وكيف أنها أفضل العمل الذي يعمله العبد متقربًا به إلى الله ﷾، ويؤكد هذا المعنى ما روي عن رجل من أصحاب النبي ﷺ: أن النبي ﷺ سئل أي العمل أفضل؟ قال: (الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد).","vol":"8","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>فضل صلاة الجماعة وأهمية المحافظة عليها</span>\nومن الأحاديث المذكورة: حديث لـ أبي هريرة ﵁، وفيه الحث على صلاة الجماعة، إذ أن صلاة الجماعة واجبة على الرجل، ولذا ينبغي أن يذهب إليها حيث ينادى بالصلاة، ولابد أن يعلم أن أمر صلاة الجماعة من الأهمية بمكان، فإن الشأن في صلاة الجماعة أنها تجمع المسلمين في بيت الله ﷾، ومن ثم تكون سببًا أن يحدث بين المسلمين التعارف، وقد قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣]، وأفضل الأماكن التي يتعرف المسلم فيها على أخيه المسلم هي بيوت الله ﷾، فيعرفه بالتقوى، ويعرفه بمواظبته على الصلاة وحرصه على دين الله سبحانه، كما أن المسلم إذا فقد أخاه في صلاة الجماعة سئل عنه فربما كان مريضًا، أو محتاجًا، فإذا كان في حاجة من الحوائج أعانه وكان معه.\nوفي الحديث يخبرنا النبي ﷺ: أن الصلاة في بيت الله سبحانه تضعف على صلاة الإنسان في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا، قال ﷺ: (صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا؛ وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة) أي: خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة، قال: (لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة)، ثم قال: (فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه)، إذ الإنسان إذا كان خارجًا لصلاة الجماعة، بعد أن توضأ في بيته، فخرجت بعض خطاياه بوضوئه، ثم خرج من بيته يريد الصلاة فكلما خطا خطوة رفع بها درجة، أو كتب له بها حسنة، أو حط بها عنه خطيئة، حتى يصل إلى المسجد، فإن صلى لله ﷿ أو انتظر الصلاة فهو في صلاة، فإن انتهى من الصلاة ومكث في المسجد يسبح الله ﷿ ويذكره كان في صلاة، وكتبت له فضيلة الصلاة مادام في بيت الله ﷿.\nقوله: (فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه مادام في مصلاه ما لم يحدث، تقول الملائكة: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة)، أي أنه إذا أكمل صلاة الفريضة ثم جلس حتى أتت الفريضة التي تليها تكتب له جلسته صلاة، وهكذا ما بين الصلاتين يكتب له كأنه يصلي، وشرط ذلك: أن يكون على وضوء، وأن يجلس في مصلاه.\nومن الآثار الواردة: أثر لـ ابن مسعود ﵁، وفيه يبين أهمية صلاة الجماعة، وأنها ليست بالبساطة التي يعتقدها الناس الذين يتهاونون عنها أو يتركونها، بل ربما قد يترك أحدهم الصلاة من أصلها، والأثر يرويه الإمام مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن مسعود أنه قال: من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات، ويدل على هذا الكلام حديث النبي ﷺ: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، يقول ابن مسعود: فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن -أي في المسجد- فإن الله تعالى شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم ﷺ، ولو تركتم سنة نبيكم ﷺ لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطُهور، ثم يعمِد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة.\nوقد أثر عن ابن مسعود أنه قال: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق) أي: أنه في عهد النبي ﷺ لم يكن يتخلف عن هذه الصلاة إلا رجل موسوم بالنفاق معلوم عند الناس بالنفاق.\nثم يقول: (ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين رجلين حتى يقام في الصف) وهذا من حرصهم على صلاة الجماعة، فيكون أحدهم متعبًا لا يستطيع المشي إلا أن يستند على اثنين فيسندوه ويوقفوه في الصف، كل ذلك حرصًا على صلاة الجماعة ألا تضيع منه، ومع أن له عذره بسبب المرض؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١]، ولكن مع اعتيادهم على صلاة الجماعة، وحبهم لصلاة الجماعة، كان الواحد منهم يفضل أن يستند على غيره ليصلي في المسجد على أن يصلي في بيته، وقد رأينا النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهو في آخر حياته، كيف أنه سأل عن الصلاة في يوم من الأيام، وكان مريضًا وعكًا صلوات الله وسلامه عليه: أقيمت الصلاة؟ فقالوا: لا، فأراد أن يقوم ليصلي ﷺ، فلما قام سقط ﷺ ولم يقدر على القيام، فقال: ائتوني بماء، فأتوا له بطست فيه ماء، فصب على النبي ﷺ من الماء ليغتسل فيصحو من الحمى، ويذهب إلى الصلاة ﷺ، فلما قام أراد أن يذهب ناء ﷺ ولم يقدر -أي: سقط مرة ثانية- فأتوا بماء مرة أخرى وصبوا عليه ﷺ، وهكذا مرة بعد أخرى وهو لا يستطع أن يقوم، حتى قدر في مرة أن يقوم فخرج متكئًا على عمه العباس وابن عمه علي رضي الله ﵎ عنهما، ورجلاه تخطان في الأرض، يريد أن يصلي بالناس صلوات الله وسلامه عليه.\nفقد يكون الإنسان مريضًا، لكن حبه لصلاة الجماعة يجعله يواظب عليها، مع أن له العذر أن يصلي منفردًا في بيته، ولكن شدة حبه لصلاة الجماعة والمحافظة عليها تجعله يأتي إلى بيت الله كما صنع هذا الذي ذكره ابن مسعود رضي الله ﵎ عنه اقتداء بالنبي صلوات الله وسلامه عليه.\nوقول ابن مسعود: لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد علم نفاقه أو مريض.\nبمعنى: أن المريض الذي يجهد نفسه، ويأتي المسجد مأجور، ولكن لو أنه لم يأت أيضًا مأجور، وأجره كأجر الجماعة؛ لأنه معذور، وقوله: إن كان الرجل ليمشي بين رجلين حتى يأتي إلى الصلاة، معناه: مستند على رجلين.","vol":"8","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>يعجب الله تعالى من صلاة الجماعة</span>\nومن الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ: ما روي عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله ﵎ ليعجب من الصلاة في الجمع)، أي: صلاة الجماعة، والمعنى: أن الله ﷿ يعجبه ذلك، ويفرح به، ويحب عبده الذي يواظب على صلاة الجماعة، فصلاة الجماعة والمواظبة عليها ينبغي أن يحرص عليها المسلم أشد الحرص، كما ينبغي أن يحرص على أن يسمع تكبيرة الإحرام من الإمام، وهي أول تكبيرة في الصلاة، وقد ورد في فضيلة المحافظة عليها حديث رواه الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من صلى لله أربعين يومًا في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق)، قوله: (من صلى لله أربعين يومًا)، كأن العدد فيه مقصود، ففي قصة سيدنا موسى ﵊ حين واعده ربه سبحانه أن ينزل عليه التوراة، فواعده أن يتعبد لله ثلاثين يومًا، ثم أتبعها بعشر قال تعالى: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف:١٤٢]، فجعلها أربعين يومًا، فكأن هذا العدد له مزية في العبادة والمواظبة على العبادة، وكأنه إذا وصل إليه الإنسان في المواظبة على العبادة، كانت له العبادة بعد ذلك عادة فلا تشق عليه.\nفقوله في صلاة الجماعة: (من صلى لله أربعين يومًا في جماعة) أي: مائتي صلاة، لا أربعين صلاة، وهي عدد الصلوات في أربعين يومًا، ويشترط لنيل هذا الفضل: أن (يدرك التكبيرة الأولى) وهي تكبيرة الإحرام، أي: يسمع الإمام وهو يكبر تكبيرة الإحرام.\nوقوله: (كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق)، فيه فضيلة عظيمة جدًا تجعل الإنسان يحرص قدر المستطاع على أن يواظب على صلاة الجماعة في بيت الله ﷿ من أجل أن ينال هذه الفضيلة.\nوقوله: (براءتان: براءة من النفاق)، أي أن الله ﷿ يؤمنه أن يقع في النفاق، ويعصمه من أن ينافق نفاق عقيدة، أو نفاق عمل بفضل هذه المواظبة، فالمعلوم أن المنافقين كما أخبر الله عنهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:١٤٢]، فالبراءة المذكورة في الحديث أنها من النفاق أي: لا يقوم كسلان، إذ كيف يقوم كسلان وهو جاهد أن يدرك تكبيرة الإحرام، فالفرق كبير بين هذا الإنسان وبين هؤلاء، بل لا يوجد تناسب بين الإنسان المؤمن والإنسان المتكاسل عن الصلاة.\nوقوله: (وبراءة من النار)، أي أنه لا يكون من أهل النار يوم القيامة، وليس معنى الحديث: أن من أدرك تكبيرة الإحرام أربعين يومًا لا يواظب عليها بعدها، أو يجلس في البيت ولا يصلي متوهمًا أنه مادام قد أخذ جائزته فله أن يترك الصلاة، بل المراد: المواظبة على تكبيرة الإحرام.\nولذلك جاء عن السلف رضوان الله عليهم: أنهم كانوا إذا فاتت أحدهم تكبيرة الإحرام يعزي نفسه ويعزونه الناس ثلاثة أيام، أما الصلاة فهو مدركها، لكن فاتته تكبيرة الإحرام.\nأما إذا فاتت أحدهم الصلاة في وقتها، فإنهم يعزونه أسبوعًا على ما فاته، وكأن مصيبة نزلت به، كالمصيبة التي تنزل بالإنسان فيعزى من أجلها، كموت أحد أقاربه.\nلذلك ينبغي على الإنسان المسلم أن يحرص على المواظبة على تكبيرة الإحرام، ولعله لا يدرك ذلك من أول مرة، كأن يواظب أسبوعًا ثم يقطعها، فينبغي عليه أن يعيد ذلك مرة ثانية وثالثة حتى يوفقه الله، قال تعالى: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧٠]، فالله ﷾ أدرى بمن يستحق ذلك الفضل، إذ الأمر ليس هينًا يمكن أن يدرك بسهولة، كما أن كثرة المشاغل في الدنيا تحول في الغالب دون الاستمرار في ذلك، ولكن الله ﷿ قد يعلم من نية العبد المواظبة فيكتب له الأجر والثواب حتى ولو فاتته تكبيرة الإحرام في بعض الصلوات، ولكن العبد يعامل نفسه بما جاء في الحديث، وينتظر رحمة الله ﷾ من وراء ذلك.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"8","page":4},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-55> الترغيب في كثرة الجماعة</span>\nالصلاة صلة بين العبد وربه، والمحافظة عليها جماعة من أفضل القربات عند الله، ولها من الأجر والثواب العظيم ما تفضل به عن صلاة الفرد؛ إذ كلما كثرت الجماعة بالمصلين كان الثواب أكثر.","vol":"9","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>فضل صلاة الجماعة وكثرتها</span>","vol":"9","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>ثقل صلاة الفجر والعشاء على المنافقين</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الحافظ المنذري ﵀: [الترغيب في كثرة الجماعة.\nروى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي بن كعب ﵁ قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ يومًا الصبح فقال: أشاهد فلان؟ قالوا: لا.\nقال: أشاهد فلان؟ قالوا: لا.\nقال: إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبوًا على الركب، وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما في فضيلته لابتدرتموه.\nوإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وكلما كثر فهو أحب إلى الله ﷿).\nوروى البزار والطبراني عن قباث بن أشيم الليثي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (صلاة الرجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من صلاة أربعة تترى، وصلاة أربعة أزكى عند الله من صلاة ثمانية تترى، وصلاة ثمانية يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مائة تترى)].\nالمقصد أن المسلم يصلي الجماعة قدر المستطاع، وكلما كانت الجماعة أكثر عددًا كانت للإنسان أزكى وأفضل، فلذلك على المسلم أن يكون مع الجماعة الكثيرة خاصة الذين يقيمون سنة النبي ﷺ، ويعملون بهديه صلوات الله وسلامه عليه.\nفهنا من الحديث حديث أبي بن كعب ﵁: (صلى بنا رسول الله ﷺ يومًا الصبح فقال: أشاهد فلان؟ قالوا: لا) فهو يسأل عن بعض الناس، حيث كان النبي ﷺ يتفقد أصحابه، فمن غاب عن الصلاة سأل عنه النبي ﷺ أين فلان؟ فلعل فلانًا هذا يكون مريضًا فيعوده النبي ﷺ، أو يدعو له، أو لعل له عذرًا فيسأله عن عذره، أو لعله لا يكون له عذر فيعاتبه النبي ﷺ على ذلك.\nفقالوا: غير موجود هذا الإنسان، فالنبي ﷺ قال: (إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين).\nفصلاة الصبح ثقيلة، حيث يترك الإنسان فراشه ويذهب للصلاة، وصلاة العصر يكون الإنسان في تعب ورجوع من شغل فيترك بيته ويذهب لصلاة الجماعة.\nكذلك في صلاة العشاء والصلوات الخمس، والمنافقون إذا أتوها فإنما يأتونها وهم كسالى ولا يذكرون الله فيها إلا قليلًا.\nفكان النبي ﷺ في صلاة الصبح يسأل: أشاهد فلان؟ أشاهد فلان؟ ثم ذكر ﷺ: (لو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبوًا على الركب) أي: لو تعرف ما في صلاة الفجر وصلاة العصر من فضيلة لأتيت هاتين الصلاتين ولو حبوًا على الركب.","vol":"9","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>فضل الصف الأول على غيره من الصفوف</span>\nقال النبي ﵌: (وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما في فضيلته لابتدرتموه) أي: لتسابقتم إلى الصف الأول.\nوهو صف يشبه صفوف الملائكة، فالملائكة المقدمون عند الله أفضل من المؤخرين، فكذلك أهل الصف الأول في الصلاة أفضل عند الله من المؤخرين، ولذلك جاء في الحديث: (إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول، قالوا: والثاني، فقال: إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول قالوا: والثاني؟ قال: والثاني).\nفهذا يدل على أن الصف الأول له فضيلة عظيمة، وإذا علم الإنسان هذه الفضيلة سابق إليها، وليس معنى المسابقة أن يلحم الناس بعضهم بعضًا، ويضايق الناس بعضهم بعضًا، ولكن الإنسان يحرص على أنه يكون موجودًا في الصف الأول، فإذا لم يجد مكانًا وقف في الصف الثاني، ومن سبق إلى مكان فهو أولى به وقد فاز بذلك.","vol":"9","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>زيادة الأجر والثواب بكثرة الجماعة</span>\nقال صلوات الله وسلامه عليه: (وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده) أي: أن يصلي مع شخص أفضل من أن يصلي منفردًا.\nقال: (وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل) أي: لو فرضنا أنك تعلم بأن المسجد الذي ستذهب إليه لتصلي فيه ليس فيه إلا رجل واحد، فصلاتك معه خير من صلاتك في بيتك منفردًا، سواء كان في المسجد أو في المصلى، ولو كنت في مكان ليس فيه مسجد ولا مصلى فلئن تصلي مع الناس جماعة في هذا المكان خير من أن تصلي منفردًا.\nقال: (وكلما كثر فهو أحب إلى الله) أي: أن يصلي في الجماعة التي فيها عدد كثير أفضل من أن يصلي في مسجد فيه عدد قليل من الناس، ولكن قد يكون قلة الناس في المسجد بسبب متابعتهم للسنة أفضل وأولى.\nوليس المقصد أنا نكفر المبتدعة، ولكن القصد هو الحرص على الصلاة مع أهل السنة؛ لأنه أفضل وأولى، فالمسجد الذي فيه عدد كبير من أهل السنة أولى من مسجد آخر عدد أهل السنة فيه أقل، فالإنسان يحرص على الأكثر لما جاء في هذه الأحاديث: (كلما كثر فهو أحب إلى الله) أي: كلما زاد العدد كان أحب إلى الله.\nجاء في الحديث الذي رواه البزار والطبراني عن قباث بن أشيم الليثي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (صلاة الرجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من صلاة أربعة تترى).\nأي: لو أن أربعة أشخاص صلى كل اثنين لوحدهما فهي أفضل من صلاة أربعة كل واحد وحده.\nقال: (وصلاة أربعة أزكى عند الله من صلاة ثمانية تترى) أي: أن صلاة ثمانية أشخاص يصلي بعضهم ببعض، أو يصلي أربعة مع بعض جماعة أفضل من صلاة الثمانية إذا صلى كل واحد وحده، وهكذا.\nقال ﷺ: (وصلاة ثمانية يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مائة) يعني: صلاة ثمانية أفراد جماعة أفضل من مائة يصلي كل واحد في بيته، فصلاة الجماعة أفضل وأعظم أجرًا من صلاة الإنسان وحده، وكلما كان عدد الجماعة أكثر فهو أزكى وأفضل عند الله ﷾.","vol":"9","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>الصلاة في جماعة تعدل خمسًا وعشرين صلاة</span>\nمن الأحاديث: حديث أبي سعيد الخدري رواه أبو داود وفيه: قال رسول الله ﷺ: (الصلاة في الجماعة تعدل خمسًا وعشرين صلاة).\nأي: أن صلاتك في الجماعة تضاعف على صلاة الواحد خمسة وعشرين مرة، ولذلك كان صلاة الثمانية أفضل من صلاة مائة وأكثر منهم؛ لأن الإنسان في الجماعة صلاته أفضل من صلاة خمسة وعشرين فرادى.\nفقال لنا هنا: (الصلاة في الجماعة تعدل خمسًا وعشرين صلاة، وإذا صلاها في فلاة) فالإنسان الذي في المسجد سيلاقي من يعينه على صلاة الجماعة، أما إذا كان في صحراء كأن يكون مسافرًا في الطريق وحضرت عليه الصلاة فصلى منفردًا متمًا لركوعها وسجودها فإن أجره يزيد ويتضاعف؛ لأن صلاة الإنسان منفردًا يدخلها وسوسة الشيطان وحثه على الإسراع فيها، فإذا أتم الركوع والسجود كان ثوابه فيها أكثر.\nيقول النبي ﵌: (وإذا صلاها في فلاة فأتم ركوعها وسجوها بلغت خمسين صلاة) ولأنك إذا أذنت في الصحراء وأقمت وصليت صلى وراءك عدد لا تعلمه من خلق الله ﷾.\nفقد جاء في الحديث عن سلمان الفارسي ﵁ كما عند عبد الرزاق في مصنفه قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا كان الرجل بأرض فلاة - أي: صحراء- فحانت الصلاة فليتوضأ، فإن لم يجد ماء فليتيمم، فإذا أقام صلى معه من خلفه من جنود الله ما لا يرى صلاته).\nيعني: ألوفًا مؤلفة لا يمكن أن يرى طرفاها، ولا يعرف أولها من آخرها، فالله يفرح من عبده الذي يفعل ذلك ويعجب منه.\nوفي الحديث: (يعجب ربك من راعي غنم في رأس شظية جبل) أي: راعي غنم فوق جبل يؤذن للصلاة ويصلي فيقول الله ﷿: (انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة).","vol":"9","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>من صلى الفجر والعشاء في جماعة فكأنما قام الليل كله</span>\nمن الأحاديث العظيمة التي فيها هدية من النبي ﷺ للمواظبين على الصلاة وخاصة صلاة العشاء وصلاة الفجر حديث عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله).\nيوضح هذه الرواية التي في صحيح مسلم رواية أبي داود: (من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليل، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام الليل).\nفالمعنى: أنك إن صليت العشاء في جماعة كنت كأنك قمت نصف الليل، وإن صليت الفجر في جماعة كنت كأنك قمت نصف الليل.\nوتخيل إن كنت في شهر رمضان المبارك فكم من الممكن أن تصلي قيام ليل في الليلة الواحدة، فصلاتك الفجر والعشاء في جماعة كقيام ليلة، وصلاتك مع الإمام التراويح حتى يفرغ كقيام ليلة، وتصلي وحدك بعد ذلك قيام ليلة، فتصير ثلاث ليال في ليلة واحدة، وهذا من فضل الله ﷿ ورحمته وبركاته لهذا الشهر العظيم، ففضل من الله على العبد أن يوفقه لقيام الليل، وأن يعطي عبده من الصحة والعافية ما يستطيع به على هذا الصيام، ولذلك على المؤمن أن يحرص على صلاة الجماعة، وأن يصلي مع الإمام حتى ينصرف، وإذا كان في بيته أو مسجده أو معتكفه فعليه أن يكثر من الصلاة سواء مع الإمام أو وحده، وليجتهد أن يصلي في الليلة الواحدة أضعافًا مضاعفة.","vol":"9","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>أهمية صلاة الجماعة والمحافظة عليها</span>\nمن الأحاديث: حديث أبي هريرة: (إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا).\nوهذا الحديث يوضح الحديث السابق، يعني: أن أثقل صلاتين على المنافقين الفجر والعشاء.\nومن الصلوات المأمور بالمحافظة عليها الصلاة الوسطى صلاة العصر، وهي أيضًا ثقيلة، قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨].\nوهذه الصلوات ثقيلة؛ لأن صلاة الفجر والعشاء في وقت نوم للإنسان، والصلاة الوسطى صلاة العصر وقت الرجوع من العمل وفيه تعب للإنسان، ولذلك فربنا يحثنا أن نحافظ على الصلوات كلها، صلاة الفجر، وصلاة الظهر، وصلاة العصر، وصلاة المغرب، وصلاة العشاء.\nومما جاء في المحافظة على الصلاة قول النبي ﷺ: (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم) ولقد كاد يصنع ذلك، وما منعه إلا أن البيوت فيها الأطفال الذين لا تجب عليهم الصلاة، وفيها النساء اللاتي لا تجب عليهن صلاة الجماعة؛ ولذلك لم يفعل صلوات الله وسلامه عليه.\nيقول ابن عمر: كنا إذا فقدنا الرجل في الفجر والعشاء أسأنا به الظن.\nفالصحابة كانوا إذا لاقوا الرجل لا يصلي الفجر جماعة ولا العشاء جماعة أساءوا به الظن.\nوأعداء الإسلام ينظرون إلى مساجد المسلمين، ويعرفون أن الإسلام لن يكون قويًا حتى تمتلئ المساجد في صلاة الفجر، ولهذا فاحرصوا على صلاة الفجر، وقاوموا الشيطان، وواظبوا على الصلاة في الجماعة خاصة الفجر والعشاء.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"9","page":8},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-63> الترهيب من ترك حضور الجماعة لغير عذر</span>\nصلاة الجماعة لها فضل عظيم عند الله سبحانه، وقد حذر النبي ﷺ ورهّب من ترك صلاة الجماعة من غير عذر، لما في صلاة الجماعة من فوائد ومنافع للمسلمين، وسنة النبي ﷺ تبين أهمية صلاة الجماعة.","vol":"10","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>فضل صلاة الجماعة والتحذير من تركها</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الحافظ المنذري ﵀: [الترهيب من ترك الحضور جماعة لغير عذر: عن ابن عباس ﵁ عنهما أن النبي ﷺ قال: (من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر).\nوعن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية).\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لقد هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا لي حزمًا من حطب، ثم آتي قومًا يصلون في بيوتهم ليست بهم علة فأحرقها عليهم).\nفقيل لـ يزيد بن الأصم: الجمعة عنى أو غيرها، قال: (صمت أذناي إن لم أكن سمعت أبا هريرة يأثره عن رسول الله ﷺ، ولم يذكر جمعة ولا غيرها)، هذه أحاديث عن النبي ﷺ يذكرها الحافظ المنذري ﵀ في الترهيب من ترك حضور الجماعة لغير عذر، فصلاة الجماعة فضيلة، ويجب على المسلم أن يصلي صلاة الجماعة حيث ينادى بها، وهذا كان أمر النبي ﷺ وأصحابه، يؤذن للصلاة فيقبل المسلمون من كل مكان على نهج النبي ﷺ ويصلون صلاة الجماعة، فكان ينظر في وجوه أصحابه فإذا حضر الصحابة صلَّى ﷺ، وإذا تأخروا أخر الصلاة حتى يجتمعوا.\nفأمر صلاة الجماعة هام جدًا، يجتمع المسلمون في خمس صلوات في اليوم والليلة، فتنزل عليهم بركات من عند رب العالمين ﷾، ويؤجرون ويكفر عنهم الخطايا بذلك، ووجودهم في مسجد الجماعة يبعد عنهم الشيطان، قال رسول الله ﷺ: (إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)، ووجودهم في جماعة في مكان واحد يعرف بعضهم بعضًا، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣]، فمكان صلاة الجماعة مكان للتعارف بين المؤمنين، يعرفون حاجاتهم، وهو مكان النصيحة، ومكان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومكان تلقي العلم، ومكان قراءة كتاب الله سبحانه، والتعرف على هدي النبي ﷺ والعمل به.\nفهنا في الأحاديث ما يفيد الزجر عن ترك صلاة الجماعة والترهيب من ترك هذه الصلاة العظيمة.\nومن الأحاديث: ما رواه ابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر)، فكأنه ينفي عن هذا الإنسان قبول الصلاة التي يصليها وحده، وكأن المقصد: لا صلاة له يعني: الصلاة التي يثاب عليها الأجر العظيم من الله ﷿، هذا لا يستحق ذلك، وإن كان فيها صلاة، فإنه لا يقال: إنها صلاة باطلة إذا صلاها وحده في بيته، ولكنه يزجر من ترك الجماعة وهو قادر على أن يصليها، فقال: (لا صلاة له)، ولكن استثنى أهل الأعذار، فقد يكون الإنسان له عذر من الأعذار كالمرض ونحوه، ويحتاج إلى أن يصلي في بيته بسبب علة من مرض ونحوه، فهذا معروف، لكن الإنسان الصحيح القادر على أن يأتي الجماعة ثم لا يأتيها ما الذي يمنعه من إتيان الجماعة؟ فكأنه يستكبر حين يسمع المنادي يقول له: حي على الصلاة، هيا تعال إلى الصلاة، حي على الفلاح، تعال لتكون من المفلحين، ثم يأنف أن يكون من المصلين ويكون من المفلحين، فهذا يستحق العقوبة والحرمان.\nفي حديث رواه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان)، أي: لم يجد إذا الجماعة في مكان، وأقلها ثلاثة، بل وأقلها أيضًا اثنان كما ثبت عن النبي ﷺ أنه جعل الجماعة اثنين قال: (أيكم يتصدق على هذا؟ فقام رجل فصلى معه) فكان الاثنان جماعة.\nفهنا إذا كان مكان لا يعيش فيه إلا ثلاثة، وهؤلاء الثلاثة لا يؤذنون ولا تقام فيهم الصلاة فإن الشيطان يستحوذ عليهم ويحيط بهم ويدخل في قلوبهم ويسيطر عليهم بسبب تركهم لصلاة الجماعة، فقوله: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو)، أي: أن صلاة الجماعة تتعلق بأهل القرى وأهل البدو أيضًا، والقرية بمعنى: المصر أو البلد، فسواء كان هذا البلد في ريف أو في الحضر أو كان في البدو، فالجميع يلزمهم أن يصلوا جماعة طالما أنهم عدد يقيم في مكان فعليهم صلاة الجماعة.\nفإذا لم تقم فيهم الصلاة قال: (إلا قد استحوذ عليهم الشيطان)، وحاذ الشيء: أخذه، فكأن الشيطان أحاط بهم، وأخذهم الشيطان إلى جانبه، وسيطر عليهم بسبب تركهم الجماعة.\nفصلاة الجماعة عصمة من الشيطان، فإنك حين تدخل باب المسجد تقول: اللهم صلِّ على محمد ﵊، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، فتأخذ على ذلك الرحمة، وإذا خرجت من المسجد تقول: اللهم صلِّ على محمد، طبعًا بعد التسمية، ثم تقول: اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك، اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم، ومثلما عصمك الله وأتى بك إلى بيته ﷾، كذلك لا يزال يعصمك من الشيطان الرجيم حتى لا يسيطر عليك ويضيع عليك صلواتك، ويضيع عليك ثوابك.\nقال ﷺ: (فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)، فالناس كمجموعة إذا جاء الشيطان من بعيد وهم مجموعة لا يستطيع أن يخطف واحدًا منهم، ولكن إذا شذ منهم إنسان ومشى بعيدًا وترك صلاة الجماعة وترك المسلمين وبقي وحده بعيدًا فالشيطان يستحوذ عليه ويسيطر عليه ويضله ويضيعه، كهذا المثال الذي ضربه ﷺ، مجموعة أغنام كلها مع الراعي، الذئب كيف سيأتي لها وهي مجموعة والراعي معها؟ ولكن الذئب ينتظر بعيدًا، فإذا شذت منها شاذة، واحدة من الغنم بعدت بعيدًا عن القطيع وعن الراعي فإن الذئب يخطفها ويجري بها، ولا يستطيعون استنقاذها منه، كذلك الإنسان الذي يترك صلاة الجماعة يبتعد عمن يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر.\nحديث لـ ابن أم مكتوم رضي الله ﵎ عنه قال: (قلت يا رسول الله! أنا ضرير شاسع الدار ولي قائد لا يلائمني، فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال ﷺ: أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: ما أجد لك رخصة).\nالحديث رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة.\nإن عمرًا بن أم مكتوم ضريرٌ ويسمع النداء وله قائد، والمدينة كبيره وبيته شاسع بعيد جدًا عن مسجد النبي ﷺ، بل يذكر أنه معذور، قال: (لي قائد لا يلائمني)، والمدينة كثيرة الهوام، وقد يلاقي في الطريق كلبًا مسعورًا، أو أي شيء يؤذيه، كل ذلك والقائد الذي يقوده إلى المسجد لا يلائمه، يعني: لا يوافقه.\nفالنبي ﷺ سأله قال: (أتسمع النداء؟)، هل تسمع المؤذن يؤذن؟ قال: نعم، قال: (ما أجد لك رخصة).\nهذا قول النبي ﷺ لهذا الأعمى، فغيره من المبصرين الذي يرى الطريق هو أولى أن يرابط ويحرص على صلاته في جماعة.\nحديث آخر في رواية أحمد: (أن رسول الله ﷺ أتى المسجد فرأى في القوم رقة)، فقال ﷺ: (إني لأهم أن أجعل للناس إمامًا)، يعني: يستخلف أحدًا يصلي بالناس، (ثم أخرج فلا أقدر على إنسان، يتخلف عن الصلاة في بيته إلا أحرقته عليه)، أي: يتخلف عن صلاة الجماعة، يتخلف في بيته عن صلاة الجماعة إلا أحرقته عليه.\nكاد أن يصنع ذلك، فيا ترى لو كان عائشًا معنا ويرى اليوم أحول المسلمين مع الكرة وممن لا يأتون المسجد؛ من أجل أن يتفرجوا على لعبة الكرة ماذا كان سيعمل؟ فإذا كان المسلمون في حفلة فإن نصف المسلمين يتركون الصلاة، إذًاَ: غير المصلين حالهم كما قال تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة:١٩].\nولو كان النبي ﷺ يريد ذلك لأحرق بيوتًا على أهلها وهم يشاهدون التلفاز، ويتركون بيت الله ﷾، حتى في رمضان ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nقال ﷺ: (إني لأهم أن أجعل للناس إمامًا ثم أخرج فلا أقدر على إنسان يتخلف عن الصلاة في بيته إلا أحرقته عليه، فقال ابن أم مكتوم: يا رسول الله! إن بيني وبين المسجد نخلًا وشجرًا)، هو أعمى سيمشي في الطريق في نخل وشجر، وسيتخبط في النخل والشجر قال: (ولا أقدر على قائد كل ساعة، أيسعني أن أصلي في بيتي؟ قال: أتسمع الإقامة؟ قال: نعم، قال: فأتها).\nهذا الأعمى ونحن المبصرون نترك صلاة الجماعة التي أمرنا بها ربنا سبحانه، وأمرنا بها النبي ﷺ.\nيقول لنا الإمام الخطابي بعدما ذكر هذا الحديث: في هذا دليل على أن حضور الجماعة واجب، ولو كان ذلك ندبًا لكان أولى من يسعه التخلف عنها أهل الضرورة والضعف، ومن كان في مثل حال ابن أم مكتوم، وكان عطاء بن أبي رباح يقول: ليس لأحد من خلق الله في الحضر وبالقرية رخصة إذا سمع النداء في أن يدع الصلاة.\nوقال الإمام الأوزاعي: لا طاعة للوالد في ترك الجمعة والجماعات، حتى وإن كان الأب أو الأم يقولان للابن: لا تُصًلِّ الجمعة، فلا تصلِّ الجماعة، لا ط","vol":"10","page":2},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-65> الترغيب في صلاة النافلة في البيوت</span>\nإن الصلاة عمود الدين، وأحد أركانه التي بني عليها، فإذا ضاعت ضاع الدين كله، وقد فرضت على النبي ﷺ وهو في السماء؛ إظهارًا لفضلها، ومكانتها في هذا الدين.\nوقد رغب الإسلام مع هذه الفريضة بالتطوع معها، نظرًا لفضلها، ورغب في صلاة النوافل في البيوت، فالبيت الذي يذكر الله فيه كمثل الحي، والبيت الذي لا يذكر الله فيه كالميت، ومن حافظ على النوافل بني له بيت في الجنة، فليستقل العبد من ذلك أو ليستكثر.","vol":"11","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>الأمر بصلاة الجماعة في المسجد للرجال</span>\nوأما صلاة الفريضة فت١صلى في بيت الله ﷿ كما أمرنا بها النبي ﷺ، وقد جاء في الأحاديث: أن النبي ﷺ كان يأمر بصلاة الجماعة، وهمَّ أن يخالف إلى أقوام يتخلفون عن صلاة الجماعة فيصلون في بيوتهم فيحرق عليهم بيوتهم، فلا بد أن يصلي المؤمن صلاة الجماعة في بيت الله ﷾، فصلاة الجماعة فرض حيث ينادى بها، كما قال ابن مسعود وغيره، فلا يتخلف الإنسان عن صلاة الجماعة إلا لعذر، وخاصة مع قول النبي ﷺ: (من سمع النداء فلم يلب فلا صلاة له إلا من عذر) وصلاة الجماعة في المسجد للرجال.","vol":"11","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>أفضل صلاة المرأة في بيتها مطلقًا</span>\nوأما النساء فجاء عن النبي ﷺ أن صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في مسجده صلوات الله وسلامه عليه.\nوجاء في الحديث الذي رواه أحمد عن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي ﵁: (أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إني أحب الصلاة معك) فالمرأة تحب أن تصلي مع النبي ﷺ صلوات الجماعة كلها.\nفقال: (قد علمت) فصدقها النبي ﷺ وهي صادقة في ذلك، قال: (قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتكِ في بيتكِ خير من صلاتكِ في حجرتكِ، وصلاتكِ في حجرتكِ خير من صلاتكِ في دارك، وصلاتكِ في داركِ خير من صلاتكِ في مسجد قومكِ، وصلاتكِ في مسجد قومكِ خير من صلاتكِ في مسجدي، قال: فأمرت فبني لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلمه، وكانت تصلي فيه حتى لقيت الله ﷿).\nفصلاة المرأة الفريضة في بيتها خير لها من صلاتها مع النبي ﷺ، إلا إن كان خروج المرأة لتلقي علم شرعي تحتاج إليه، فقد جعل النبي ﷺ للنساء يومًا يخرجن ويأتين إليه، فيحدثهن صلوات الله وسلامه عليه، ويعلمهن ويسألنه ويجيبهن صلوات الله وسلامه عليه.\nوأيضًا جاء عنه: أنه منع من منع النساء من الخروج إلى المساجد، ففي حديث ابن عمر قال النبي ﷺ: (لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن).\nإذًا: فالصلاة المكتوبة على الرجل أن يصليها في المسجد، وعكسه المرأة، فصلاتها في بيتها خير لها، وأما النافلة فصلاة الرجل في بيته خير له من صلاته في المسجد، إلا أن تكون تراويح في رمضان فهي مع الجماعة أفضل من صلاة الإنسان وحده؛ لأن النبي ﷺ قام بأصحابه ليلة وثانية وثالثة، ثم خشي أن تفرض عليهم هذه الصلاة فلم يصلها بهم بعد ذلك ﷺ خشية الفرضية، ولفضلها اجتمع الصحابة مع النبي ﷺ في المسجد، وكانوا يقومون فرادى في بيت الله ﷿ في المسجد النبوي؛ خوفًا من أن تفرض عليهم صلاة التراويح جماعة، فلما مات النبي ﷺ وزلت خشية فرضية صلاة التراويح رجع الأمر إلى أن صلاتها في الجماعة أفضل، ولذلك رتب الخلفاء الراشدون لها من يصليها بالناس جماعة في بيت الله ﷾.\nوصلاة النافلة عمومًا في البيت خير للإنسان من صلاته في المسجد، وأفضل ثوابًا منها بكثير، ولا بد أن يعتاد الإنسان على الصلاة في بيته، ولا تكون عادته أنه لا يصلي إلا في المسجد، ويكون مثل النصارى واليهود في أن صلاتهم لا تنفع إلا في أماكن الصلاة التي أعدت لذلك، ففي الإسلام قال النبي ﷺ: (جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) فالصلاة تنفع في أي مكان على الأرض إذا كان طاهرًا، وأما صلاة الجماعة فحيث ينادى بها، ولو أن الصلاة لا تصح إلا في المسجد لأصبح ذكر الله مقيدًا بالمساجد؛ ولذلك جعل الله ﷿ لنا أن نذكره في كل حال من الأحوال قائمين وقاعدين ومضطجعين ونائمين، ونصلي له ﷿ في المسجد، وفي البيت، وفي الصحراء، وفي السوق، وفي أي مكان طالما أنه طاهر.\nوأما الفريضة فإذا نودي لها فإنها تصلي في بيت الله ﷿؛ لأن الجماعة تضعف على صلاة الإنسان وحده بخمس وعشرين درجة، أو بسبع وعشرين درجة، وإذا صلى في الصحراء وحده ولكنه أذن وأقام فإن صلاته وحده تعدل صلاة الفرد خمسين مرة، مع أنه صلاها وحده في الصحراء، ولكنه لما أذن وأقام فإنه يصلي وراءه من خلق الله ما يشاء الله ﷿ من ملائكة وجان.","vol":"11","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>فضل صلاة النافلة في البيت</span>\nوصلاة النافلة في البيت تنير البيت، وقد أمرنا النبي ﷺ أن ننور بيوتنا بهذه الصلاة ولا نشبهها بالمقابر، فإن المقابر لا يصلى فيها، وهي مظلمة على أصحابها، فلا تجعل بيتك مظلمًا كالمقبرة، ولا تحرمها من بركة الصلاة، فتكون كالمقبرة التي لا يصلى فيها، قال ﷺ: (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم)، أي: اجعلوا من النوافل في بيوتكم، (ولا تتخذوها قبورًا) أي: ولا تجعلوا بيوتكم قبورًا؛ فإن المقبرة يحرم الصلاة فيها، والمقابر ممتلئة ظلمة على أصحابها، كما جاء في حديث النبي ﷺ: لما ماتت المرأة التي كانت تقم المسجد، أي: تكنس مسجد النبي ﷺ، فدفنوها بالليل ولم يخبروا بها النبي ﷺ، -وكأنهم قللوا من شأنها-، ومرت أيام وافتقدها النبي ﷺ، وقد ظنوا أن النبي ﷺ لا يعرفها لأنها فقيرة، ولكن النبي ﷺ أدرى وأعلم صلوات الله وسلامه عليه بعباد الله الذين يحبون الله ويحبهم الله ﷿، وقد كانت هذه المرأة منهم، (فلما سألهم عن المرأة قالوا: ماتت ودفناها بالليل وخشينا أن نوقظك، فقال ﷺ: إن هذه المقابر ممتلئة أو مملوءة ظلمة على أصحابها، وإن الله يضيئها بصلاتي عليهم، ثم ذهب إلى قبر المرأة فصلى عليها صلاة الجنازة) فصلى عليها على قبرها بعدما دفنت بأيام صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"11","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>الأمر بالصلاة في البيوت</span>\nفي حديث جابر بن عبد الله كما في صحيح مسلم قال النبي ﷺ: (إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته، فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا)، يعني: تحصل بركة ونور في بيتك بسبب صلاتك فيه.\nوفي الحديث الآخر عن أبي موسى الأشعري كما في الصحيحين: (مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت)، أي: كما أن هناك فرق كبير بين الحي والميت ولا يوجد وجه للمقارنة بينهما، فكذلك هناك نفس الفرق بين بيت يذكر فيه الله وبيت لا يذكر فيه الله.\nوفي الحديث: جاء رجل يسأل النبي ﷺ أيهما أفضل: الصلاة في بيتي أو الصلاة في المسجد؟ فقال ﷺ: (ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد؟ فلأن أصلي في بيتي أحب إلي من أن أصلي في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبة)، أي: إلا أن تكون صلاة الفريضة، فقد كان ﷺ يصلي النافلة في بيته، ثم يخرج على الناس في المسجد يصلي بهم ويرجع إلى بيته فيتنفل صلوات الله وسلامه عليه.\nوفي الحديث الذي رواه البيهقي بإسناد جيد عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال النبي ﷺ: (فضل صلاة الرجل في بيته على صلاته حيث يراه الناس كفضل الفريضة على التطوع).\nومعلوم أن فضل الفريضة على التطوع كبير جدًا، فكذلك صلاتك في بيتك حيث لا يراك أحد فضلها على صلاتك على مرأى من الناس كفضل الفريضة على التطوع.\nوهذا محمول على إذا كان من الممكن للإنسان أن يرجع إلى بيته ويصلي هذه الصلاة، ولكن أحيانًا قد يحدث للإنسان عذر من الأعذار لا يتمكن معه من صلاة النافلة في البيت، وإذا حاول ذلك فقد تضيع منه النافلة، وقد يتكرر هذا الأمر، فعلى ذلك يصلي النافلة ولو في المسجد فهذا أفضل من أن تضيع منه النافلة، فإن استطاع أن يصلي صلاة النافلة في بيته فهذا أفضل من أن يصليها في المسجد، ولكن أحيانًا قد يحب الإنسان أن يأتي إلى المسجد مبكرًا حتى لا تفوته تكبيرة الإحرام، فليأت إليه مبكرًا فهذا أفضل له، ويصلي النافلة في بيت الله ﷿ بعد الأذان، فإن استطاع أن يصلي النافلة في بيته، وعلم أنه لن تفوته تكبيرة الإحرام - كأن يكون بيته قريبًا من المسجد- فعلى ذلك صلاته في بيته أفضل له.","vol":"11","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>الترغيب في المحافظة على النوافل</span>\nومن الأحاديث التي جاءت عنه صلوات الله وسلامه عليه في الترغيب في المحافظة على النوافل في اليوم والليلة: حديث أم حبيبة كما في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى في كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعًا غير فريضة إلا بنى الله تعالى له بيتًا في الجنة، أو: إلا بني له بيت في الجنة)، وأنت لو أردت أن تبني بيتًا في الدنيا فإنك تجمع المال وتشتري أرضًا لتبني عليها البيت، ولا تدري كم ستعيش فيه، وبعد ذلك تتركه وتذهب، ولكنه في الجنة بيت خالد لك، فابن لك كل يوم بيتًا في الجنة بهذا الشيء، وقد تبني أكثر من ذلك فإذا حافظت على اثني عشرة في اليوم والليلة بني لك بيت في الجنة، وهذا لمن ثابر على ذلك وحافظ عليها، ففي الحديث: (ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى في كل يوم)، يعني: مواظبًا على ذلك، (ثنتي عشرة ركعة تطوعًا غير فريضة) أي: تطوعًا، وهي صلاة النوافل الرواتب، وقد بينها في رواية أخرى فقال ﷺ: (أربعًا قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الغداة)، أي: قبل صلاة الفجر فيكون ترتيبها هكذا: ثنتان قبل الفجر، وأربع قبل الظهر، واثنتان بعدها، واثنتان بعد المغرب، واثنتان بعد العشاء فلو واظبت عليها كما في الحديث الآخر عن السيدة عائشة قال رسول الله ﷺ: (من ثابر -أي: واظب وصابر على ذلك- على ثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة دخل الجنة) أربعًا قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر.","vol":"11","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>فضل المحافظة على ركعتي الفجر</span>\nوقد جاء الترغيب في بعض هذه الصلوات في أحاديث أخر مثل: صلاة سنة الفجر، فقد قال النبي ﷺ: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) وركعتا الفجر هما: سنة الفجر، أي الركعتان اللتان قبل الفجر، وقال: (لهما أحب إلي من الدنيا جميعًا).\nوفي حديث السيدة عائشة ﵂: (لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر).\nفقد كان لا يتركهما أبدًا لا في حضر ولا في سفر، وكان قد يترك باقي النوافل في السفر ما عد! الوتر، وقيام الليل، وسنة الفجر.\nوفي حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: (﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] تعدل ثلث القرآن، و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] تعدل ربع القرآن، وكان يقرأهما في ركعتي الفجر).\nوركعتا الفجر أو سنة الفجر ركعتان قصيرتان وليستا طويلتين، فليس من السنة الإطالة فيهما، مع أن السنة الإطالة في جميع الصلوات إلا سنة الفجر.\nفقد كان يقرأ فيها ﷺ في الركعة الركعة الأولى بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، وفي الركعة الثانية بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، وقد قال: (﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] تعدل ثلث القرآن، و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] تعدل ربع القرآن).\nوأيضًا: ليس من السنة صلاة أكثر من ركعتين بعد أذان الفجر، فقد نهى النبي ﷺ أن يصلي الرجل بعد الفجر إلا ركعتين فقط، والشريعة هي التي تحدد لنا السنة في الصلاة وكيفيتها من حيث الطول والقصر فيها فسنة الفجر القبلية ركعتان فقط، وهما ركعتان قصيرتان وليستا طويلتين، حتى إن السيدة عائشة ﵂ لتقول: (لا أدري أقرأ فيهما بأم الكتاب أم لا؟).\nولا شك أنه قرأ بأم الكتاب، ولكن تقصد من سرعته فيهما، يعني: أنه يصلي ركعتين خفيفتين وليستا طويلتين في سنة الفجر القبلية.","vol":"11","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>فضل المحافظة على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها</span>\nوفي حديث أم حبيبة ﵂ قالت: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار).\nففي الحديث الأول ذكر أربعًا قبل الظهر واثنتان بعد الظهر، وهنا في هذا الحديث زيادة أخرى وهي: أن تحافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعد الظهر، فيحرم الله ﷿ جسدك على النار في ذلك، وكل هذا بالمواظبة على ذلك، لا أن تفعلها مرة واحدة.","vol":"11","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>فضل المحافظة على أربع ركعات قبل العصر</span>\nولم يأت في الحديث الذي ذكر المواظبة على اثنتي عشرة ركعة شيء منها قبل العصر، ولكن جاء في الحديث كما في مسند أحمد وفي السنن عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعًا).\nفدعا النبي ﷺ بالرحمة لمن يصلي قبل العصر أربع ركعات، وهذه سنة أخرى، ولكنها ليست في التأكيد كتأكيد الاثنتي عشرة ركعة التي ذكرناها.","vol":"11","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>فضل التطوع بين المغرب والعشاء</span>\nوأما في المغرب فقد جاء في حديث أنس ﵁ قال في قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦]، قال: (نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة، كانوا ينتظرون بين المغرب والعشاء في المسجد ينتظرون العشاء، وكانوا يتيقظون ما بين المغرب والعشاء يصلون) يعني: لم يكونوا يقتصرون على ركعتي سنة المغرب فقط، بل كانوا يجعلون ذلك من قيام الليل فيصلون بعد المغرب ما شاء الله ﷿ لهم من النوافل.","vol":"11","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>الترغيب في التطوع بعد صلاة العشاء</span>\nوأما بعد العشاء فكما جاء في الحديث أنه يُصلي ركعتان، وفي حديث آخر قال: (إن النبي ﷺ كان إذا صلى العشاء ورجع إلى بيته صلى أربع ركعات) صلوات الله وسلامه عليه.\nومن زاد فله خير في ذلك، وهذا غير قيام الليل، فقد كان يقوم الليل صلوات الله وسلامه عليه كما قالت السيدة عائشة ﵂: (أنه كان يصلي إحدى عشرة ركعة).\nفالغرض: بيان النوافل التي يسمونها الرواتب، يعني: التي هي مخصوصة بصلوات معينة، فتكون قبلها صلاة وبعدها صلاة، فيصلي قبل الظهر أربعًا وأربعًا بعدها، والعصر يصلي قبلها أربعًا، والمغرب يصلي بعدها ركعتان، والعشاء يصلي بعدها ركعتان أو أربع ركعات، ويقوم من الليل ما شاء الله ﷿ له أن يقوم، والفجر يصلي قبلها ركعتان، فهذه هي الصلوات المرتبة بعد الفرائض، فاحرص عليها، ولو على أقل ما فيها، وهن الاثنتا عشرة ركعة التي ذكرناها؛ حتى يبنى لك بيت في الجنة.\nنسأل الله ﷿ ألا يحرمنا من جنته، وأن يحرم علينا ناره.\nأقول قول هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"11","page":11},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-76> الترغيب في قضاء الإنسان ورده إذا فاته من الليل</span>\nلقد جعل الله ﷿ لهذا الإنسان سدًا منيعًا من النوافل يحول بينه وبين الشيطان، ويكمل الفرائض، فيجبر نواقصها، ويقيم اعوجاجها، ومن هذه النوافل: قيام الليل، وصلاة الضحى، وصلاة التسبيح، وصلاة التوبة، فقد جاءت فيها أحاديث عظيمة تبين أهميتها، وعظيم أجرها وثوابها، فعلى الإنسان أن يحافظ على مثل هذه النوافل لكي تجبر كسره أمام الواحد في ذلك اليوم العصيب.","vol":"12","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>الترغيب في قيام الليل، وصلاة الضحى</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الحافظ المنذري ﵀: [الترغيب في قضاء الإنسان ورده إذا فاته من الليل، والترغيب في صلاة الضحى.\nعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من نام عن حزبه، أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل).\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: (أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: أوصاني بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد) متفق عليه.\nوعن أبي الدرداء وأبي ذر ﵄ عن رسول الله ﷺ عن الله ﵎ أنه قال: (يا ابن آدم! لا تعجزني من أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره) رواه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن غريب.\nوروى الطبراني عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أواب، قال: وهي صلاة الأوابين)].\nفهذه أنواع من أنواع الصلوات التي يصليها الإنسان المؤمن مبتغيًا الأجر من الله ﷿ فيها، ومنها: صلاة الضحى.\nفقد النبي ﷺ من حديث عمر أنه قال: (من نام عن حزبه، أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل).\nوالمعنى: أنه يستحب للمسلم أن يكون له ورد من الليل يقوم به، فلا يكن قيام الليل في رمضان فقط، بل لابد للصالح أن يتعود على ذلك.\nفقد كان الصالحون كـ سفيان الثوري وغيره يقول: كابدنا قيام الليل سنة واستمتعنا به عشرين سنة.\nفقيام الليل يتعب الإنسان فيه نفسه، وقد يجد في رمضان من يعينه على صلاة الجماعة، لكنه يجد نفسه في غير رمضان وحيدًا فلعله يشق عليه، ولكن مع التعود يصير سهلًا عليه، فقد يتعب سنة فيه ثم إذا به يستمتع بقيام الليل طول عمره، فتصير له عادة طيبة، وقد يجد من يوقظه بالليل، فهو ينام وفي قلبه منبه يوقظه في الساعة التي يقوم فيها الليل؛ لأنه اعتاد على قيام الليل في هذا الوقت.\nلذلك يجب على الإنسان المؤمن أن يعود نفسه على ذلك، فيكون له ورد بالليل يقوم به ولو شيئًا يسيرًا، ساعة أو أقل بحسب ما يفتح الله ﷿ به عليه.\nفلو أن إنسانًا نام في الليل على أن يقوم ويصلي فنام ولم يستيقظ من الليل فإنه يكتب له كأنه قام وصلى، بل يكون نومه صدقة من الله ﷿ عليه كما جاء في حديث النبي ﷺ، لكن يبقى عليه أن يعوض هذا الذي فاته من الليل في وقت صلاة الضحى.","vol":"12","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>ما جاء عنه ﷺ في فضل صلاة الضحى وعظم أجرها</span>\nوصلاة الضحى عظيمة جدًا، ولذلك أوصى النبي ﷺ أصحابه بها، ومن هؤلاء: أبو هريرة، فإنه قال: (أوصاني خليلي ﷺ بثلاث لست بتاركهن: ألا أنام إلا على وضوء)، أي: لا ينام إلا وقد صلى صلاة الوتر، قال: (وألا أدع ركعتي الضحى)، أي: يواظب عليها ولا يتركها.\nووقت صلاة الضحى: بعد شروق الشمس بحوالي ربع ساعة أو ثلث ساعة إلى قبل صلاة الظهر بدقيقة أو بدقيقتين، وهذا وقت واسع لأن تصلي فيه صلاة الضحى، أما صلاة الضحى فأقلها ركعتين، ولا حد لأكثرها.\nوقد جاء عن النبي ﷺ: أنه صلاها أربعًا وثماني ركعات واثني عشرة ركعة صلوات الله وسلامه عليه، فصل ما شئت في وقت الضحى، وأهم شيء في ذلك المواظبة عليها، ولذلك قال فيها النبي ﷺ: (إنها صلاة الأوابين)، والأواب: الكثير الرجوع والتوبة إلى الله سبحانه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢] قال: (وصيام ثلاثة أيام من كل شهر)، يعني: ليس مجرد صوم رمضان فقط، ولكنه يصوم النوافل، فإذا صام مثلًا ستة أيام بعد رمضان من شوال فإنه يكتب له كأنه صام الدهر، قال: (وصيام ثلاثة أيام من كل شهر)، وقد كان النبي ﷺ يحب صيام النوافل، وقد ذكر لنا: أن أفضل الصوم في النوافل صوم داود: (كان يصوم يومًا ويفطر يومًا)، فالمقصود: أن يجعل الإنسان له من النوافل بحسب ما يسر الله له سبحانه.\nومن الأحاديث: ما رواه مسلم عن أبي ذر وعن بريدة أيضًا بمعناه، ولفظ حديث بريدة جاء في مسند أحمد، قال ﷺ: (للإنسان ستون وثلاثمائة مفصل، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل صدقة)، أي: في كل يوم عليه أن يتصدق بثلاثمائة وستين صدقة.\nأما لفظ حديث أبي ذر في صحيح مسلم: (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى)، فصلاة الضحى تعدل ثلاثمائة وستين صدقة.\nومن الأحاديث التي جاءت في فضل صلاة الضحى: حديث يرويه أبو يعلى بإسناد صحيح عن أبي هريرة، حيث يقول ﵁: (بعث رسول الله ﷺ بعثًا فأعظموا الغنيمة، وأسرعوا الكرة)، أي: بعث سرية يجاهدون في سبيل الله، فنصرهم الله بسرعة، ورجعوا بغنيمة، قال: (قال رجل: يا رسول! الله ما رأينا بعثًا قط أسرع كرة، ولا أعظم غنيمة من هذا البعث)؛ لأن هؤلاء خرجوا وجاهدوا بسرعة، فنصرهم اللهم بسرعة، ورجعوا بغنيمة عظيمة، فقال النبي ﷺ: (ألا أخبركم بأسرع كرة منهم، وأعظم غنيمة؟ رجل توضأ فأحسن الوضوء، ثم عمد إلى المسجد فصلى فيه الغداة -صلاة الفجر- ثم عقب بصلاة الضحوة، فقد أسرع الكرة، وأعظم الغنيمة)، والمعنى: أنه انتظر في مصلاه إلى أن صلى بعد ذلك صلاة الضحى في وقتها، فهذا أسرع كرة أي: أسرع في الرجوع إلى بيته، وأعظم غنيمة أي: أجرًا عند الله ﷾.\nومن الأحاديث العظيمة في فضل صلاة الضحى: قول النبي ﷺ: (قال الله ﷿: ابن آدم! صل لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره).\nوفي هذا دليل على كفاية الله ورعايته سبحانه لعبده الذي يصلي هذه الصلاة، فإذا صليت أربع ركعات في وقت الضحى حفظك الله ﷿، ودافع عنك، وكفاك ما أهمك من أمر الدنيا، وأمر الخلق، وأمر أعدائك، وأمر الآخرة كذلك بفضله وبرحمته سبحانه.","vol":"12","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>صلاة التسبيح فضلها وكيفيتها</span>\nومن الصلوات التي رويت عنه ﷺ وكثرت الأسئلة عنها: صلاة التسبيح، وقد صح فيها حديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهو حديث رواه أبو داود عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ للعباس بن عبد المطلب -عم النبي ﷺ-: (يا عباس! يا عماه! ألا أعطيك، ألا أمنحك، ألا أحبوك، ألا أفعل بك عشر خصال إذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك أوله وآخره، وقديمه وحديثه، وخطأه وعمده، وصغيره وكبيره، وسره وعلانيته)، والذي يسمع مثل هذه المغفرة العظيمة لابد له أن يسارع إلى فعل هذه الخصال دون تردد، قال: (أن تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة فقل وأنت قائم: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشرًا، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشرًا)، أي: بعد أن تقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد.\nقال: (ثم تهوي ساجدًا فتقول وأنت ساجد عشرًا، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرًا، ثم تسجد فتقولها عشرًا، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرًا، قال ﷺ: فذلك خمس وسبعون في كل ركعة، تفعل ذلك في أربع ركعات، وإن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تستطع ففي كل جمعة مرة، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي عمرك مرة)، والحديث فيه زيادة: (فلو كانت ذنوبك مثل زبد البحر، أو رمل عالج غفر الله لك).\nفهذه أربع ركعات من الممكن أن تصليها في ثلث ساعة أو نصف ساعة وتحصل على هذه المغفرة العظيمة، أربع ركعات ستقول فيها ذكرًا كلنا نحفظه: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر خمسًا وسبعين مرة في كل ركعة، أي: أنك ستقولها ثلاثمائة مرة في أربع ركعات، والنتيجة أن يغفر الله لك ذنوبك وإن كانت مثل زبد البحر.\nوفي الحديث: استحباب أن يصلي المسلم هذه الصلاة مرة في اليوم إن استطاع، فإن لم يستطع ففي الأسبوع مرة، فإن لم ففي الشهر مرة، فإن لم ففي السنة مرة، فإن لم ففي العمر مرة.","vol":"12","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>اعتراض والرد عليه</span>\nفإن قيل: فهل تصلى جماعة أم فرادى؟ ف\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لم يثبت أن النبي ﷺ صلاها بأصحابه جماعة صلوات الله وسلامه عليه، فعلى ذلك وجب أن يصليها الإنسان وحده، فهذا الذي ذكره ﷺ للعباس ﵁ وأرضاه.","vol":"12","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>ذكر ما جاء في صلاة التوبة وبيان استحبابها</span>\nومن الصلوات التي رويت عنه ﷺ أيضًا: صلاة التوبة، فقد جاء في سنن أبي داود والترمذي من حديث أبي بكر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من رجل يذنب ذنبًا، ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له)، وهي صلاة سهلة، ولم يذكر لنا فيها زيادات حتى تكون لكل المؤمنين، فإذا أذنب الإنسان ذنبًا، ثم قام فتوضأ وصلى ركعتين، ثم استغفر الله غفر له، قال: (ثم قرأ النبي ﷺ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥])، إذًا: فشرطها: العزم على عدم العودة إلى هذا الذنب، فلو تاب ثم عاد إلى نفس الذنب لم تقبل منه توبته.\nنسأل الله ﷿ أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يغفر لنا ذنوبنا جميعها.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"12","page":6},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-82> الترغيب في صلاة الجمعة والسعي إليها وما جاء في فضل يومها وساعتها [١]</span>\nيوم الجمعة من أعظم الأيام عند الله، وقد فضل الله أمتنا على سائر الأمم بأن جعله لها عيدًا، وشرع لنا فيها أمورًا ورغب في فعلها، وجعل عليها الأجر الكبير ومغفرة الذنوب، وكتابة المسلم من أهل الجنة وغير ذلك من الفضل، لمن التزم بالسنن والآداب ليوم الجمعة.","vol":"13","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>الترغيب في صلاة الجمعة والسعي إليها</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام المنذري ﵀: [الترغيب في صلاة الجمعة والسعي إليها، وما جاء في فضل يومها وساعتها.\nروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: (من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فأستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغى).\nوروى مسلم عن أبي هريرة أيضًا عن رسول الله ﷺ أنه قال: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر).\nوعن أبي سعيد أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (خمس من عملهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة: من عاد مريضًا، وشهد جنازة، وصام يومه، وراح إلى الجمعة، وأعتق رقبة) رواه ابن حبان في صحيحه.\nمن الأحاديث الواردة في هذا الباب: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام).\nفي الحديث أن الذي يتوضأ ويحسن الوضوء، أي: يسبغه ويتمه، كما كان يفعله النبي صلوات الله وسلامه عليه، ثم يأتي الجمعة فيستمع وينصت؛ لقوله: فاستمع وأنصت، وقوله: استمع، أي: لخطبة الجمعة، والاستماع فيه إصغاء، أما الإنصات ففيه تفكر، إذ المقصود من إتيان المسلم لصلاة الجمعة أن يستفيد ويتعلم ويتعظ، ولذا فإنه إذا استمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى.\nوقد جاء الحديث بتأكيد الوضوء، وذلك قوله: توضأ فأحسن الوضوء، أما إذا اغتسلت فالغسل أفضل، كما جاء في الحديث الآخر، وغسل الجمعة جاء عن النبي ﷺ أنه أمر به، وأخبر في حديثه أنه واجب على كل محتلم، والراجح: أن غسل الجمعة سنة مؤكدة عن النبي ﷺ، فينبغي على المسلم أن لا يتركها، فقد أكدت بأحاديث كثيرة عنه صلوات الله وسلامه عليه، وإن كان الوضوء جائز لحديث: (من توضأ - يعني للجمعة - فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) ففيه بيان أن الغسل أفضل من الوضوء عند إتيان صلاة الجمعة، وسترد المسألة مفصلة في باب فضل الغسل للجمعة.\nقوله: (من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام)، فيه فضيلة التبكير إلى الجمعة إذ يغفر له ليس فقط سبعة أيام بل يغفر له عشرة أيام، والحسنة بعشر أمثالها، وفضل الله ﷿ أن يغفر بين الجمعة إلى الجمعة، مقيد فيما إذا اجتنبت الكبائر، أي أن الله ﷿ يغفر صغائر الذنوب بين الجمعتين.\nولذا لا يقول الإنسان مثلًا: أنا سأصلي الجمعة، ثم أدع الصلاة إلى الجمعة المقبلة ثم أصليها، وهكذا لأنه بذلك واقع في كبيرة من الكبائر، وهي ترك الصلاة، إذ الكبائر ليست داخلة في هذا الحديث، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم.\nقوله: ومن مس الحصى فقد لغى، فيه تأكيد على الاستماع والإنصات، والنهي عما يخل بهما بما فيه مسح الحصى؛ لأن ذلك يعني أن المستمع مشغول في شيء غير الخطبة.\nومعلوم أن الخطبة تتضمن آيات وأحاديث عن النبي ﷺ، فالذي ينصت لا ينصت للخطيب فقط، ولكنه ينصت لقول الله، وقول رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وينصت للموعظة، ومن ينشغل عن ذلك لأدنى شيء ولو بمس الحصى أو للعب بيديه وهو جالس ويظن أنه يسمع، فإنه داخل في قول النبي ﷺ: (من مس الحصى فقد لغى)، والمعنى: أنه غير داخل فيمن ذكر الحديث أنه يغفر له؛ لأن شرط المغفرة أن يستمع وينصت، فإذا مس الحصى فقد تشاغل باللعب ولم يعد مستمعًا ومنصتًا.","vol":"13","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>تعليق الحصول على الفضل باجتناب الكبائر</span>\nروى مسلم أيضًا عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)، وفيه أن ما بين الصلاة والصلاة، وما بين الجمعة إلى الجمعة، وما بين رمضان إلى رمضان، يكفر بتلك العبادات بشرط أن تجتنب الكبائر، فالتكفير للذنوب مشروط باجتناب الكبائر، ومن الكبائر: أن يسرق، أو يزني، أو يتعامل بالسحر، وقد جاء عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة يذكر فيها الكبائر ومنها: ما في قوله ﷺ: (اجتنبوا السبع الموبقات -يعني الكبائر التي توبق وتهلك صاحبها- قالوا: وما هن يا رسول الله؟! قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)، ويزاد عليها ما جاء في القرآن من ذكر السرقة والزنا وقذف المحصنات الغافلات، وأن يتولى المسلم يوم الزحف، وكذلك شهادة الزور.","vol":"13","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>خمس من فعلها في يوم دخل الجنة</span>\nومن الأحاديث حديث أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (خمس من عملهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة: من عاد مريضًا، وشهد جنازة، وصام يومه، وراح إلى الجمعة، وأعتق رقبة).\nوهذه الأشياء تتحقق في رمضان أكثر من غيره؛ لأن العادة أن المسلم يصوم فيه يوم الجمعة، كما قد يحضا بهذا الفضل إذا وافق يوم الجمعة صيامًا كان يصومه ويواظب عليه، كأن كان يصوم الأيام البيض فوافق أحدها يوم الجمعة، أو كان يصوم يومًا ويفطر يوما فوافق الجمعة يوم صيامه؛ وذلك لأن صيام يوم الجمعة منفردًا نهى عنه النبي ﷺ، أما إذا صامه مع الخميس، أو صامه مع السبت فقد جاز له أن يصوم.\nولاشك أن كل مسلم حريص على أن يكون من أهل الجنة، ولذا سيسعى نحو تطبيق قول النبي ﷺ: من عاد مريضًا أي: يزور مريضًا، وشهد جنازة أي: حضر الجنازة سواء صلى عليها أو شيعها إلى قبرها.\nقوله: وصام يومًا وراح إلى الجمعة، فيه ضرورة أن يوافق صومه يوم جمعة.\nقوله: وأعتق رقبة، هذا غير موجود في زمننا، وقد جاء في حديث آخر ذكر الصدقة والحث عليها.\nوالمطلوب من كل مسلم: أن يفعل ما قاله النبي ﷺ حتى يكون ممن يكتبه الله ﷿ من أهل الجنة، أما عن عتق الرقبة الآن فلا يوجد، ولكن يوجد البدل، فقد جاء عن النبي ﷺ أحاديث فيها فضائل عمل إذا عمله إنسان كان كأنه أعتق أربع رقاب، وكأنه أعتق عشر رقاب، ومن ذلك ما جاء عنه ﷺ أنه قال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، يقولها المسلم بعد الفجر مائة مرة فكأنما أعتق عشر رقاب)، وهذا ثواب بشيء معلوم، والعتق الحقيقي ثواب آخر، ولكن هذا الموجود؛ لأنه في زماننا لا يوجد عتق رقاب.","vol":"13","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>استحباب الطيب ولبس أحسن الثياب للمصلي والنهي عن الأذى</span>\nمن الأحاديث التي جاءت عنه صلوات الله وسلامه عليه ما رواه أحمد عن أبي أيوب الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من اغتسل يوم الجمعة، ومس من طيبه إن كان عنده، ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج حتى يأتي المسجد فيركع ما بدا له، ولم يؤذ أحدًا، ثم أنصت حتى يصلى كان كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى).\nوفي الحديث شروط أخرى للكفارة فيما بين الجمعة والجمعة، فقد ذكر لنا في الحديث الأول: الوضوء والغسل أفضل وأتم وأحسن، وفي هذا الحديث: (ومسح من طيبه إن كان عنده) أي: من مسك أو نحوه- ولبس من أحسن ثيابه، إذ الجمعة عيد للمسلمين، فالمسلم يأتي الجمعة في أحسن ثيابه لا في ثيابه العامة التي قد تكون غير نظيفة يشم منها رائحة العرق مثلًا، فينبغي أن يأتي إلى الجمعة في ثياب طيبة نظيفة كالتي يلبسها في العيد، أو لتكن من أحسن ثيابه، قوله: ثم خرج حتى يأتي المسجد فيركع ما بدا له، أي: إذا أتى المسلم المسجد فينبغي له أن يصلي، فمن المعلوم أن الصلاة عند دخول المسجد سنة، وفيه أنك إذا جئت إلى بيت الله ﷿ يوم الجمعة فلك أن تصلي ركعتين، أو أربعًا، أو ستًا، أو ثمانًا، أو عشرًا، أو ما بدا لك، فلم يقيد الإسلام النافلة في هذا الوقت بعدد، بل كلما زدت كان خيرًا لك.\nقوله: (ولم يؤذ أحدًا)، هذا قيد أيضًا، أي: أنه لا يأت ويؤذي أحدًا من الناس لا في طريقه ولا في بيت الله ﷿، ولا يسخط، ولا يرفع صوته، ولا يضايق المسلمين كأن يوسع الناس ليجلس هو فيؤذي الناس بجلوسه، أو يتخطى رقاب الناس في أثناء دخوله إلى المسجد، فشأنه أن يبتعد عن أي شيء يؤذي به الناس؛ لقوله في الحديث: ولم يؤذ أحدًا، ويتبع ذلك بإنصاته للخطبة؛ لقوله في الحديث: (ثم أنصت حتى يصلى) يعني: حتى يصلي الإمام بالناس صلاة الجمعة، فإذا صنع ذلك كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى.\nوجاء عن أوس بن أوس الثقفي فيما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنى من الإمام فاستمع ولم يلغ كان له من كل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها)، وهذا فضل كبير من الله ﷿ أن جعل هذه الأشياء التي يصنعها المسلم كلها للجمعة.\nقوله: (من غسل يوم الجمعة واغتسل) المرادفات في قوله: غسل واغتسل للتوكيد، والمعنى: كأنه غسل رأسه وغسل بدنه يوم الجمعة فأحسن الغسل.\nقوله: (وبكر وابتكر) أي: جاء مبكرًا إلى صلاة الجمعة، فإنه كلما جاء مبكرًا كلما كان ذلك أفضل له، والساعات المرتبة في الحديث تبدأ من بعد طلوع الشمس إلى صلاة الجمعة، فمن بعد طلوع الشمس تبدأ الساعة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة وهكذا، فكلما جاء مبكرًا إلى بيت الله ﷿ كان له أجر أعظم.\nقوله: (ومشى ولم يركب) أي: مشى من بيته إلى بيت الله ﷿ ولم يركب إلا إن دعت الحاجة لذلك، كأن يكون المسجد بعيدًا يصعب الوصول إليه دون ركوب.\nقوله: (ودنى من الإمام)، فإنه إذا جاء مبكرًا ودنى من الإمام، كان أدعى لأن يستمع وينصت ويتفكر ويتدبر ويتعظ.\nقوله: ولم يلغ، أي: لم يفعل اللغو كأن يمس الحصى أو يكلم الذي بجواره، أو ينشغل عن الخطبة بشيء، أو ينام في خطبة الجمعة، بل استمع ولم يلغ، فإنه إن فعل ذلك كان له بكل خطوة عمل سنة صيامها وقيامها، فلو كان بين البيت وبين المسجد عشر خطوات والواقع لا يوجد أحد بين بيته وبين المسجد عشر خطوات، ولكن لو فرضنا ذلك لكان له في كل خطوة عمل سنة من الأعمال الصالحة، فكأنك تصوم وتقوم ستمائة وخمسة وستون يومًا، وكذا إن كان مائة خطوة، وبذلك يضاف يوم القيامة إلى عمرك أعمارًا من العمل الصالح الخالص، ومن قصر في ذلك وفرط فهو محروم قد حرم نفسه من الخير، وحرم نفسه من أجر عظيم جدًا كان سيناله بقليل عمل.\nوقد يتشاغل المرء عن هذا بأشياء من مشاغل الحياة وهي كثيرة، ولكن كلما استحضر الثواب وتفكر فيه كلما كان هذا دافعًا له على الحرص على ذلك.\nنسأل الله ﷿ أن يعيننا على فعل الخيرات وفعل المعروف وأن يجعل عملنا كله صالحًا وله خالصًا وأن لا يجعل لأحد فيه شيئًا.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"13","page":5},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-87> الترغيب في صلاة الجمعة والسعي إليها وما جاء في فضل يومها وساعتها [٢]</span>\nإن يوم الجمعة من أعظم أيام الله، وقد اختصه الله عيدًا للمسلمين، وفيه ساعة لا يرد فيها طلب طالب، وليوم الجمعة الكثير والكثير من الفضائل التي تجعله مميزًا عن غيره من الأيام، وقد حث الشرع على فضل التبكير فيه لصلاة الجمعة، والعمل بآدابها.","vol":"14","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>أحاديث ترغب في صلاة الجمعة</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام المنذري ﵀: [كتاب الجمعة الترغيب في صلاة الجمعة والسعي إليها وما جاء في فضل يومها وساعتها عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا) رواه مسلم.\nوعنه أيضًا عن رسول الله ﷺ أنه قال: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) رواه مسلم وغيره.\nوروى الطبراني في الكبير من حديث أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: (الجمعة كفارة لما بينها وبين الجمعة التي تليها وزيادة بثلاثة أيام وذلك لأن الله ﷿ قال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام:١٦٠]).\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (خمس من عملهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة: من عاد مريضًا، وشهد جنازة، وصام يومًا، وراح إلى الجمعة، وأعتق رقبة) رواه ابن حبان في صحيحه.\nهذه أحاديث من صحيح الترغيب والترهيب للإمام المنذري ﵀ في كتاب الجمعة وفي الترغيب في صلاة الجمعة والسعي إليها وما جاء في فضل يومها وفضل ساعة الإجابة التي فيها، ويوم الجمعة هو أعظم أيام الأسبوع كما جاء عن النبي ﷺ في الحديث، وصلاة الفجر يوم الجمعة أعظم من الصلوات الخمس التي يصليها المسلم في الأسبوع كله، ومن أعظم شيء أن تصلي صلاة الجمعة، ولكن الصلوات المفروضات الخمس المكتوبات في اليوم أعظمها صلاة فجر يوم الجمعة.\nكان من سنة النبي ﷺ في فجر يوم الجمعة يقرأ بسورة السجدة كاملة ويقرأ بسورة الإنسان كاملة، فكان النبي ﷺ أغلب أحواله يصلي بهاتين السورتين في فجر يوم الجمعة ويخبر عن يوم الجمعة أن صلاة الفجر فيه أعظم صلاة في الأسبوع تصليها، لذلك ينبغي على المسلم أن يحرص على صلاة الفجر في كل يوم، وإذا حرص على صلاة الفجر فغيرها من باب أولى أن يحرص عليها، وأن يحرص على فجر الجمعة خاصة؛ لأنها أعظم الصلوات، وأن لا يمل ولا يتعب من السورتين سورة السجدة وسورة الإنسان كاملتين في صلاة الفجر يوم الجمعة فإنها سنة النبي ﷺ، وفيهما التذكير بخصال هذا اليوم.\nوقد خلق آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام في هذا اليوم، والساعة تقوم في هذا اليوم، ويوم الجمعة يوم عيد للمسلمين فهو يوم عظيم.","vol":"14","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>شرح حديث أبي هريرة: من توضأ فأحسن الوضوء</span>\nليوم الجمعة فضائل كثيرة جاءت عن النبي ﷺ، فمنها: رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة) قوله: من توضأ، يعني: لصلاة الجمعة، وجاء في حديث آخر (من توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)، فالأفضل لك والسنة المتأكدة والحق عليك أن تأتي الجمعة وقد اغتسلت لصلاتها، وهذا أفضل وأعظم في أجرك فقال هنا: (من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)، ولاحظ قوله ﷺ (فاستمع وأنصت) فهو لم يقل فسمع، وهناك فرق بين السماع والاستماع، فسمع الإنسان وصل إلى أذنه، ولكن لا يشترط أن كل ما سمعه يعيه ويفهمه، ولكن استمع أي: أصغى وتعمد أن يستمع وركز في السماع ولم يتكلم في خطبة الجمعة، وانتبه ليعي ويفقه ويتعلم من خطبة الجمعة، قال: (فاستمع وأنصت) وهذا توكيد مع أن الإنصات يستدعي الاستماع ولكنه أراد أن يؤكد، فبالغ في ذلك لئلا يفوتك شيء من خطبة الجمعة فتعي بذلك خطبة الجمعة جميعها، والجزاء قال: (غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى).\nلذلك لا بد أن يحرص المسلم على أن لا يقصر في ذلك، فلو أنه حضر الخطبة فنام فلم يستمع ولم ينصت فليس له ذلك الفضل، فيحرص المسلم على الاستماع، ولو أنه جلس فلغا بأن كلم هذا وكلم هذا ففاته من الخطبة شيء فهذا لم يستمع فليس له ذلك الفضل، بل لا جمعة له كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ، فقال هنا في هذا الحديث (استمع وأنصت غفر له ما بينه وبني الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام)، أي: من فضل الله أنك إذا حضرت الجمعة يغفر الله لك من الأسبوع إلى الأسبوع سبعة أيام فقط، ولكن الله كريم ومن كرمه أنه ﷿ جعل الحسنة بعشر وليس بسبعة، فعلى ذلك أعطاك فضلًا ثلاثة أيام وهذا من فضله وكرمه وجوده سبحانه ﵎.\nولو أن إنسانًا لعب أثناء الخطبة بمسباحة في يده، أو حصى على الأرض، أو كان يخط خطوطًا على الرمل الذي أمامه، فلا جمعة له، كما قال: (ومن مس الحصى فقط لغى)، أي: ليس له جمعة، ولا صلاة.\nفالإنسان قد يفعل أشياء صغيرة لا يلقي لها بالًا فتضيع عليه الجمعة، ويضيع منه الأجر العظيم وأصبحت جمعته كصلاة الظهر، أي: ليس له أجر الجمعة.","vol":"14","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>شرح حديث أبي هريرة: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة)</span>\nمن الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ ما رواه مسلم عن أبي هريرة أيضًا قال: قال النبي ﷺ: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر)، أي: باجتنابك الكبائر فإن الله سيكفر عنك صغائر الذنوب، وهذا يكون حين الوفاة، يقول الله ﷿: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] فلو أنك اجتنبت الكبائر وعلى رأسها الشرك بالله سبحانه ﵎، وكذا السحر وعقوق الوالدين والسرقة، والزنا والفواحش التي ذكرها الله ﷿ وحذر العباد منها، والفرار من القتال المتعين في الحرب، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وأكل الرشوة والسحت وهو الحرام، يقول لك الله عند وفاتك: غفرنا لك ما صنعت طول حياتك، فقال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] وهذا على شرط الوفاة.\nومن كفارات أو مكفرات الذنوب على شرط البعد عن الكبائر: الصلوات الخمس، فالصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما، فعندما تأتي للمسجد فتصلي والصلاة التي تليها كفارة، وفي حالة عدم وجود ذنوب، فيحصل على حسنات ودرجات فإما أن تحصل على كفارات تبعد عنك الأذى والخطايا وإما أن تحصل على درجات من فضل الله سبحانه ﵎، يقول لنا: (والجمعة إلى الجمعة) أي: كذلك كفارة لما بينهما، (ورمضان إلى رمضان) ولكنه قيدها فقال: (إذا اجتنبت الكبائر).","vol":"14","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>شرح حديث أبي سعيد: (خمس من عملهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة)</span>\nمن الأحاديث حديث رواه ابن حبان عن أبي سعيد ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (خمس من عملهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة) والمسلم إذا سمع مثل هذه الأمور فيجب عليه أن يبادر قال: (من عاد مريضًا) أي: يزور إنسانًا مريضًا، (وشهد جنازة) ويدخل تحته أن يصلي عليها أو أن يشيعها إلى قبرها أو أن يصلي ويشيع إلى القبر، وشهد الجنازة أي: حضرها (وصام يومًا وأعتق رقبة)، وهذه الخامسة ليست موجودة الآن، ولكن الله جعل لنا البدل منها، فقال لنا: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير مائة مرة كانت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له عدل عشر رقاب)، أي: تعدل عتق عشر رقاب.\nفعلى ذلك يحرص المؤمن أن يقول في أذكار الصباح في كل يوم لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، أو يزيد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير مائة مرة فيكون له كعتق عشر رقاب.","vol":"14","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>شرح حديث يزيد: (لحقني عباية بن رفاعة)</span>\nومن الأحاديث التي جاءت حديث ل يزيد بن أبي مريم يرويه الترمذي وفيه يقول: لحقني عباية بن رفاعة بن رافع وأنا أمشي إلى الجمعة، فـ يزيد بن أبي مريم كان متوجهًا مشيًا لصلاة الجمعة، فلحقه عباية بن رفاعة بن رافع، وهو صحابي فقال له: أبشر فإن خطاك هذه في سبيل الله، أي: أن الخطى التي تمشيها للجمعة، وأنت ذاهب لبيت الله ﷿ في سبيل الله سبحانه ﵎ قال: سمعت أبا عبس يقول: قال رسول الله ﷺ: (من أغبرت قدماه في سبيل الله فهما حرام على النار)، وأكثر ما يكون ذلك في الجهاد في سبيل الله، ومن الجهاد أيضًا التوجه إلى بيت الله، والمحافظة على الصلوات وخاصة صلاة الفجر العشاء، فإذا واظبت على ذلك كانت خطواتك هذه في سبيل الله.","vol":"14","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>شرح حديث أوس بن أبي أوس: (من غسل يوم الجمعة واغتسل)</span>\nحديث آخر من الأحاديث التي جاءت في يوم الجمعة، يقول فيه أوس بن أبي أوس الثقفي: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من غسل يوم الجمعة واغتسل) والحديث في المبالغة تأكيدًا على غسل يوم الجمعة (من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر)، أي: مبكرًا لصلاة الجمعة ومشى مشيًا ولم يركب، (ودنى من الإمام فاستمع ولم يلغُ) أي: أنه لم يقعد بعيدًا ولكن قرب من الإمام بحسب ما تيسر له، ومعنى: (ولم يلغُ) أي: لم يتكلم أثناء خطبة الجمعة ولم يعبث فيها، قال: (كان له بكل خطوة) أي: كل خطوة خطوتها من بيتك إلى المسجد (عمل سنة أجر صيامها وقيامها)، ومن يستطيع أن يصوم سنة كاملة، فإن في كفارات القتل الخطأ أو الظهار أو إتيان أهله في نهار رمضان يأمره الله بصوم شهرين متتابعين فيصعب على الإنسان ذلك، فكيف بسنة؟ وجاء في حديث آخر: (لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر) فإن الاغتسال في الجمعة فيه شيء من المبالغة (من طيب ويدهن من دهنه ويمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين) وهذا من آداب يوم الجمعة، فإذا أردت أن تجلس بين اثنين فعليك أن تستأذن ولكن لا تفرق بينهما فهما قد يكرهان ذلك.\nقال: (ثم يصلي ما كتب له) فلما أن تتقدم لصلاة الجمعة والخطيب لم يأتِ بعد (ثم تنصت إذا تكلم الإمام إلا غفر لك ما بين جمعتك وبين الجمعة الأخرى).\nفجملة الأحاديث فيها: أن المسلم عليه أن يحرص على التبكير لصلاة الجمعة، وعلى الاغتسال لها، وعلى أن يمشي إليها بقدر المستطاع، وعليه أن يجلس قريبًا من الإمام ويدنو منه، ولا يفرق بين اثنين، ولا يلغو، وأن ينصت للإمام فيكون له هذا الأجر العظيم.\nنسأل الله ﷿ أن يعطينا من أجره وفضله ورحمته.\nأقول قولي هذا واستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"14","page":7},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-94> الترغيب في صلاة الجمعة والسعي إليها وما جاء في فضل يومها وساعتها [٣]</span>\nرغب الإسلام في الاغتسال والتطيب يوم الجمعة، وفي حضور صلاتها، وليوم الجمعة خصائص وفضائل على سائر الأسبوع، ففيه ساعة إجابة للدعوة، ويستحب في يوم الجمعة الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ، وقراءة سورة الكهف والإكثار من الدعاء.","vol":"15","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>فضل يوم الجمعة على سائر الأيام</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الحافظ المنذري: [الترغيب في صلاة الجمعة.\nروى الطبراني في الأوسط بإسناد جيد عن أنس بن مالك ﵁ قال: (عرضت الجمعة على رسول الله ﷺ، جاءه بها جبريل ﵊ في كفه كالمرآة البيضاء، في وسطها كالنكتة السوداء فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيدًا ولقومك من بعدك، ولكم فيها خير تكون أنت أول، وتكون اليهود والنصارى من بعدك، وفيها ساعة لا يدعو أحد ربه فيها بخير هو له قُسِمَ إلا أعطاه، أو يتعوذ من شر إلا دفع عنه ما هو أعظم منه، ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد).\nروى مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه دخل الجنة، وفيه أخرج منها).\nوروى أبو داود عن أوس بن أوس الثقفي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق الله آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم يوم الجمعة معروضة علي، قالوا: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت أي: بليت؟ فقال: إن الله جل وعلا حرم على الأرض أن تأكل أجسامنا).","vol":"15","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>شرح بعض الأحاديث في فضل الجمعة</span>\nفهذه أحاديث يذكرها الحافظ المنذري ﵀ في كتاب الترغيب والترهيب في باب الترغيب في صلاة الجمعة.\nومن الأحاديث: حديث أنس بن مالك ﵁ في أن يوم الجمعة عرضت على النبي صلوات الله وسلامه عليه، إذ نزل عليه جبريل بيوم الجمعة في كفه كالمرآة البيضاء، وأرى النبي ﷺ شيئًا في كفه، فنظر كالمرآة البيضاء في كف جبريل، وفي وسط هذه المرآة البيضاء نكتة سوداء -يعني: نقطة سوداء فقال: ما هذه يا جبريل؟ قال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربك يعني: تكون يوم الجمعة عيدًا للمسلمين يوم الجمعة، فقد عرضت على اليهود وعلى النصارى فبدلوه، إذْ بدل اليهود الجمعة بالسبت وبدلها النصارى بالأحد.\nأما المسلمون فثبتوا على يوم الجمعة، فهو اليوم الذي خلق فيه آدم واختاره الله ﷿ بأن يهبط فيه إلى الأرض، واختاره عيدًا للمسلمين، وبهذا اليوم تكون النفخة والصعقة، وفيه القيامة، فقال هنا النبي ﷺ يسأل جبريل: (ما هذا يا جبرائيل؟ قال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيدًا).\nفيوم الجمعة هو العيد الأسبوعي للمسلمين.\nوأعياد المسلمين تتميز بأن فيها ذكر الله ﷾، وتبدأ دائمًا بذكر الله سبحانه، ففيها أجر عظيم عند الله، فيوم الجمعة، ويوم الفطر ويوم الأضحى أعياد المسلمين، وأعظم صلاة تصليها في الأسبوع صلاة الفجر في جماعة، وصلاة الجمعة؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة:١٠] وهو عيد ويأمركم الله ﷿ أن تبتغوا فيه من فضله، ولكن تذكرون الله ﷾ فيه كثيرًا.\nوأيضًا: تصلون على النبي صلوات الله وسلامه عليه في يوم العيد، ويبدأ يوم عيد الفطر من صلاة العيد، وعيد الأضحى يبدأ بصلاة الأضحى، وأعياد المسلمين ليست مجرد لهو ولغو ولعب وضياع للوقت، ولكن يبدأ فيها بالصلاة، وفي يوم الجمعة تصلى الجمعة، وتصلي على النبي صلوات الله وسلامه عليه مكثرًا من ذلك فهذا عيد المسلمين.\nيقول جبريل للنبي ﷺ: لتكون لك عيدًا ولقومك من بعدك، ولكم فيها خير، تكون أنت الأول، يعني: يومك الأول يوم الجمعة، واليهود يومهم السبت، والنصارى يومهم الأحد، فعيدنا قبل عيدهم، ويوم القيامة يكون الحساب على ذلك، فأمة الإسلام قبل غيرها من الأمم، وعند دخول الجنة أمة الإسلام أول من يدخل الجنة، والنصارى الذين تابعوا المسيح واليهود الذين تابعوا موسى المؤمنين منهم، يعني: الذين كانوا على عهد موسى، والذين كانوا على عهد عيسى على نبينا وعليهم الصلاة والسلام يكونون تابعين لنا، فيدخل النبي ﷺ والمؤمنون من أمته الجنة أولًا، وهؤلاء من بعدهم.\nأما اليهود والنصارى الموجودون بعد النبي ﷺ فكلهم كفار كما ذكر الله ﷿ في كتابه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣].\nوقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة:٣٠].\nفلما يذكر المؤمنون من أهل الكتاب فيقصد المؤمنون الذين كانوا على عهد المسيح، والذين كانوا على عهد موسى على نبينا وعليهم الصلاة السلام.\nقال: وفيها ساعةً لا يدعو أحد ربه فيها بخير هو له قسم إلا أعطاه الله سبحانه، ويوم الجمعة فيها ساعة إجابة وهو يوم عظيم كله، وخصوصًا هذه الساعة لا كما يقوله الجهلة والمغفلون من الناس في يوم الجمعة: فيها ساعة نحس، هذا من كذبهم وتبديلهم لما يقوله النبي ﷺ، بل إن يوم الجمعة فيه ساعة عظيمة لإجابة الدعاء، وهذه الساعة ذكر النبي ﷺ أن وقتها يسير وسنرى في الأحاديث هذه الساعة.\nفيقول هنا جبريل: وفيها ساعة لا يدعو أحد ربه فيها بخير هو له قسم إلا أعطاه، أو يتعوذ من شر إلا دفع عنه ما هو أعظم منه، ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد، يوم الجمعة في الآخرة وفي الجنة اسمه: يوم المزيد، إذ إن أيام الأسبوع موجودة، ولكن اليوم في يوم القيامة كألف سنة مما تعدون، ويوم الجمعة له فضيلة عظيمة، إذ يعطي الله ﷿ المسلمين زيادة من فضله في هذا اليوم، ويطلعون إلى ربهم فينظرون إليه ﷾.\nومن الأحاديث: حديث أوس بن أوس ﵁ يقول فيه: قال رسول الله ﷺ: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة) وفضيلة هذا اليوم بقوله: (فيه خلق الله آدم، وفيه قبض) أي: توفى الله ﷿ آدم فيه (وفيه النفخة) أي: يوم القيامة (وفيه الصعقة) أي: يصعق الخلق في هذا اليوم، كأنهم يموتون في يوم الجمعة، ويبعثون فيها يوم القيامة، (فأكثروا علي من الصلاة فيه).\nومن أفضل العمل في يوم الجمعة صلاة الفجر في جماعة، والإكثار من الصلاة على النبي ﷺ، وإن الإكثار من الصلاة عليه في كل وقت أجره عظيم جدًا، ويكفيك الله ﷾ كلما أهمك بإكثارك الصلاة على النبي ﷺ.\nولكن يوم الجمعة بالذات له فضيلة أكثر، قال النبي ﷺ: (فإن صلاتكم معروضة علي) وإن كانت معروضة في كل وقت ولكن لها مزيد فضيلة في يوم الجمعة، وتعرض على النبي ﷺ في هذا اليوم بطريقة مختلفة عن أي يوم آخر، قالوا: (وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟) يعني: كيف تعرض عليك صلاتنا وقد أكلت الأرض لحمك كما تأكل لحم غيرك من الخلق، فكيف تعرض عليك صلاتنا وأنت على هذه الهيئة؟ فأخبرهم أن هذا لا يكون بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكل الخلق إذا دخلوا قبورهم تأكلهم الدود وتفنى أجسامهم في قبورهم إلا الأنبياء، فتبقى أجسامهم كما هي في قبورهم، فقال ﷺ: (إن الله جل وعلا حرم على الأرض أن تأكل أجسامهم) فالأرض لا تأكل أجسام الأنبياء وتأكل غير ذلك، وإن كان هناك من الشهداء من يحفظه الله ﷿ في الأرض كما يشاء ﷾، ولكن الأنبياء كلهم لا تأكل الأرض أجسامهم.","vol":"15","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>زفة يوم الجمعة بأهلها إلى الجنة</span>\nومن الأحاديث التي جاءت: ما رواه أبو موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (تحشر الأيام على هيئتها، وتحشر الجمعة زهراء منيرة أهلها يحفون بها كالعروس تهدى إلى خدرها، تضيء لهم يمشون في ضوئها، ألوانهم كالثلج بياضًا، وريحهم كالمسك يخوضون في جبال الكافور، ينظر إليهم الثقلان لا يطرقون تعجبًا حتى يدخلون الجنة، لا يخالفهم أحد إلا المؤذنون المحتسبون) فهذه فضيلة لأهل الجمعة الذين يواظبون على صلاتها الجمعة ويأتون مبكرين لتأديتها، ويغتسلون لها ويتهيئون لها كما هو هدي النبي ﷺ فيها.\nفالأيام تحشر على هيئتها كما يشاء الله ﷾، ويحشر يوم الجمعة وقد مثله الله ﷿ يوم القيامة، فيوم الجمعة شيء معنوي في الدنيا، لكن يهيئه الله ويمثله ويشخصه يوم القيامة كهيئة عروس تهدى في يوم الجمعة.\nوهذه العروس -أي: يوم الجمعة- يحف بها أهلها الذين كانوا يواظبون على صلاتها في بيوت الله ﷾، والذين كانوا يحرصون على الاغتسال لها، والذين كانوا يجعلون هذا اليوم عيدًا بحق، فيفعلون ما أمر الله ﷿ فيه من استعداد لها ومن صلاة جمعة، ومن ذكر لله ﷾، ومن أعمال تختص بهذا اليوم، فهم يحفون بها كالعروس تهدى إلى خدرها تضيء لهم، يعني: زفة عظيمة جدًا: عروس ويحيط بها أهلها، وأهل هذه العروس: أهل الجمعة، وهم المؤمنون الذين كانوا يصلون الجمعة ويسرعون إليها ويأتون مبكرين إليها.\nقال: تضيء لهم يمشون في ضوئها، ألوانهم كالثلج بياضًا، ليس عليهم دنس من أدناس الذنوب، بل قد نقاهم الله ﷿ وجعل ألوانهم بيضاء زاهرة.\nقال: وريحهم كالمسك يخوضون في جبال الكافور ينظر إليهم الثقلان لا يطرقون تعجبًا يعني: كل الخلق ينظرون إلى المسلمين الذين كانوا يصلون الجمعة ويواظبون عليها ويتعجبون من جمالهم وطيب ريحهم، وهيئتهم.\nقال: لا يطرقون تعجبًا حتى يدخلوا الجنة، وكأنهم يحيطون بهذه العروس حتى تؤدي بهم أي: تأخذ أهلها وتدخل بهم إلى الجنة، وأي عظمة أعظم من هذه الجنة التي ينصرفون إليها من الموقف العظيم، فتراهم متجهين إلى الجنة في هذا الجمال العظيم والزفة العظيمة، فيدخلون الجنة وكل الخلق واقفون يشاهدون أهل الجمعة، وهم داخلون الجنة بهذا المنظر والموكب العظيم.\nقال: لا يخالطهم أحد إلا المؤذنون المحتسبون يعني: المؤذن الذي يحتسب أذانه ولا يأخذ عليه أجره.","vol":"15","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>سبق أهل الجمعة في القضاء بينهم يوم القيامة وسبقهم غيرهم في دخول الجنة</span>\nمن الأحاديث التي جاءت عنه صلوات الله وسلامه عليه: حديث أبي هريرة وهو لحذيفة أيضًا: قال: قال رسول الله ﷺ: (أضل الله ﵎ عن الجمعة من كان قبلنا، كان لليهود يوم السبت، والأحد للنصارى، فهم لنا إلى يوم القيامة) يعني: المسلمون أهل الجمعة يدخلون الجنة قبل غيرهم.\nوالآخرون: اختاروا أيامًا بعدها السبت والأحد، فدخول المؤمنين أتباع النبي ﷺ الجنة يكون قبل غيرهم، والباقون بعدهم.\nكذلك في القضاء يوم القيامة بين العباد يقضى للمؤمنين قبل غيرهم.\nوقال ﷺ: (نحن الآخرون من أهل الدنيا) أي: نحن المتأخرون في الدنيا بعدهم، ولكن يوم القيامة قال: (والأولون يوم القيامة المقتضى لهم قبل الخلائق).\nوفي رواية أخرى قال: (المغفور لهم قبل الخلائق).","vol":"15","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>ساعة إجابة الدعوة يوم الجمعة واختلاف العلماء في تحديدها</span>\nأيضًا: من الأحاديث حديث رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ ذكر الجمعة فقال: (فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه وأشار بيده يقللها).\nوفي يوم الجمعة ساعة إجابة الدعاء، وهي ساعة ليست طويلة، وقد تكون ساعة كاملة، وقد تكون نصف ساعة، وقد تكون ربع ساعة، ولكنها فترة من الزمن في يوم الجمعة، وهذه الفترة إذا وافقها عبد مؤمن وهو يدعو ربه سبحانه، استجاب الله له وأعطاه ﷿ ما سأله.\nوفي حديث أنس بن مالك تحديد هذه الساعة ففيه: (التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد صلاة العصر إلى غيبوبة الشمس) أي: من بعد العصر حتى غروب الشمس يستحب للإنسان المؤمن أن يكثر من الدعاء في هذا الوقت.\nوفي حديث عبد الله بن سلام قال: قلت ورسول الله ﷺ جالس: (إنا لنجد في كتاب الله تعالى يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله فيها شيئًا إلا قضى الله له حاجته) قيل: هذه الساعة لعله يقصد في التوراة، فقد كان عبد الله يهوديًا وأسلم رضي الله تعالى عنه، فكأنهم اطلعوا على ذلك، وعرفوا أن في يوم الجمعة ساعة إجابة دعاء، فهو يقول للنبي ﷺ: إنا كنا نعرف أن يوم الجمعة ساعة إجابة دعاء، قال عبد الله: فأشار إليه رسول الله ﷺ أو بعض ساعة يعني: قد لا تكون ساعة، وقد تكون أقل من ساعة، فقلت: صدقت أو بعض ساعة.\nقلت: أي ساعة هي؟ يسأل النبي ﷺ أي ساعة في يوم الجمعة؟ فقال ﷺ: (آخر ساعات النهار) يعني: الساعة الأخيرة قبل غروب الشمس.\nقال: قلت: إنها ليست ساعة صلاة فقال النبي ﷺ: (بلى) يعني: عبد الله بن سلام يقول: إن آخر ساعة بعد العصر يوم الجمعة ساعة لا صلاة فيها فقال له النبي ﷺ: (بلى إن العبد إذا صلى ثم جلس لم يجلسه إلا الصلاة فهو في صلاة).\nفي هذا الحديث فضيلة أن تكون في المسجد يوم الجمعة قبل غروب الشمس، فإذ صليت العصر وجلست حتى غروب الشمس فأنت في صلاة، فإذا دعوت الله ﷿ فكأنك قائم تصلي وتدعو ربك ﷾، فالذي يفعل ذلك جدير بالإجابة.\nفي حديث آخر لـ جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ قال: (يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة) أي: النهار اثنتا عشرة ساعة تقريبًا (لا يوجد فيها عبد مسلم يسأل الله ﷿ شيئًا إلا أتاه إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر).\nواختلف العلماء في هذه الساعة وواضح من هذه الأحاديث أن النبي ﷺ يذكر أنها آخر ساعة قبل غروب الشمس، وإن كان يستحب أن تدعو في اليوم كله، وقد اختلف العلماء في هذه الساعة على ثلاثة وأربعين قولًا.\nفاختار منها الحافظ ابن المنذر سبعة أو ثمانية أوقات، ذكرها أنها راجحة عند العلماء كالتالي: القول الأول: من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.\nالقول الثاني: من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس.\nالقول الثالث: عند زوال الشمس، يعني: في وقت بداية أذان الجمعة.\nالقول الرابع: إذا أذن المؤذن لصلاة الجمعة وهذا راجع لما قبله.\nالقول الخامس: إذا قعد الإمام على المنبر حتى يفرغ.\nالقول السادس: هي الساعة التي اختار الله فيها الصلاة، يعني: صلاة الجمعة.\nالقول السابع: ما بين زوال الشمس وحتى يدخل الإمام في الصلاة، ومن وقت أذان الظهر حتى يدخل الإمام في الصلاة، يعني: كأنه دعاء الإمام في هذا الوقت يكون من ضمن دخوله في هذه الساعة بهذا القيد.\nالقول الثامن: هو أنها بين أن تزيغ الشمس بشبر إلى ذراع يعني: أنها الساعة التي بعد وقت أذان الجمعة.\nالقول التاسع: ما بين العصر إلى أن تغرب الشمس.\nوهذا من أقوى الأقوال.\nوأقواها: أنها آخر ساعة قبل غروب الشمس، فينبغي على المسلم أن يحرص على هذه الساعة وأن يكثر فيها من الدعاء، وأن يحرص في اليوم كله على الصلاة على النبي ﷺ وعلى قراءة سورة الكهف، وأن يحرص دائمًا على صلاة الفجر في يوم الجمعة فإنها أعظم صلاة يصليها الإنسان كما سيأتي في أحاديث الجمعة إن شاء الله.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"15","page":6},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-100> الترغيب في الغسل يوم الجمعة والترغيب في التبكير إلى الجمعة وما جاء فيمن يتأخر عن التبكير من غير عذر</span>\nيوم الجمعة من أعظم أيام الله، وقد اختاره الله للمسلمين ليكون لهم عيدًا، وسن لهذا اليوم شعائر، وشرع له شرائع، فينبغي على كل مسلم أن يلتزم بها ويحافظ عليها؛ لما في ذلك من الأجر العظيم والثواب الجزيل.","vol":"16","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>الحث على الاغتسال والتبكير يوم الجمعة</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام المنذري ﵀: [الترغيب في الغسل يوم الجمعة والترغيب في التبكير إليها.\nعن عبد الله بن أبي قتادة ذكر عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من اغتسل يوم الجمعة كان في طهارة إلى الجمعة الأخرى).\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا كان يوم الجمعة فاغتسل الرجل وغسل رأسه، ثم تطيب من أطيب طيبه، ولبس من صالح ثيابه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يفرق بين اثنين، ثم استمع للإمام، غفر له من الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين، فمن جاء الجمعة فليغتسل، وإن كان عنده طيب فليمس منه، وعليكم بالسواك)].","vol":"16","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>غسل يوم الجمعة يطهر العبد من أدران الذنوب</span>\nهذه أحاديث يذكرها الحافظ المنذري ﵀ في الترغيب في الغسل يوم الجمعة، وفي الترغيب في التبكير إلى الجمعة وغير ذلك.\nمنها: حديث عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي ﷺ: (من اغتسل في يوم الجمعة كان في طهارة إلى الجمعة الأخرى)، فهذا نوع من أنواع الطهارة، وهي طهارة للبدن، وطهارة لقلب الإنسان.\nفطهارة البدن: طهارة من الحدث الأصغر ومن الحدث الأكبر، ومعلوم يقينًا أن الإنسان إذا أحدث انتقضت طهارته من الحدث الأصغر، ومعلوم أنه إذا أجنب انتقضت طهارته من الحدث الأكبر، فكأن هذا النوع من أنواع الطهارة المذكورة في الحديث نوع آخر غير التطهر من الحدث الأصغر أو الأكبر، وكأنها نوع من تطهير الإنسان من ذنوبه وذلك بزيادة الإيمان، وتطهير من دنس الشرك والمعاصي، لكن ليست معناها: أنه طاهر من الحدث الأصغر والأكبر؛ لأن هذا لا يعقل أن الإنسان خلال اليوم لا يبول ولا يتغوط، ويكون على طهارة بسبب غسل الجمعة.\nإذًا: الذي يقصده النبي ﷺ في طهارة الإنسان في الحديث طهارة أخرى غير الطهارة من الحدثين، فقال: (من اغتسل يوم الجمعة كان في طهارة إلى الجمعة الأخرى).\nوفي حديث آخر: (من اغتسل يوم الجمعة لم يزل طاهرًا إلى الجمعة الأخرى)، وكأنها التنقية من الذنوب، فيكفر الله عنه الخطايا والذنوب.","vol":"16","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>شرح حديث: (غسل يوم الجمعة واجب)</span>\nمن الأحاديث حديث لـ أبي سعيد الخدري وهو في صحيح مسلم وفيه قال النبي ﷺ: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وسواك، ويمس من الطيب ما قدر عليه).\nوالحديث رواه مسلم والنسائي وهذا لفظ النسائي: (غسل يوم الجمعة واجب)، ومعنى الوجوب هنا يحتمل أنه الفرض، وقد ذهب إليه بعض أهل العلم، والراجح أنه بمعنى: اللزوم أو بمعنى تأكيد الاستحباب، والذي يدفع بهذا القول أنه جاء عن النبي ﷺ من قوله: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)، فدل هذا على أن الغسل ليوم الجمعة أفضل من الوضوء.\nولو كان الغسل واجبًا فإنه لو توضأ سيكون آثمًا؛ لأن الغسل واجب في الجمعة، ولكن كونه يقول: (بها ونعمت) دليل على أنه مجزئ، وأنه ليس عليه إثم إذا توضأ وذهب لصلاة الجمعة، لذلك فالراجح هو صرف هذا المعنى عن معنى الوجوب المعروف عند الأصوليين إلى معنى تأكيد الاستحباب.\n(غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم) والمحتلم هو البالغ، وليس معناه أنه لا بد أن يكون على جنابة حتى يلزمه هذا الغسل.\nقوله: (وسواك) وهذا أيضًا من الصوارف لهذا الحديث عن بالوجوب، وجاء في الحديث الآخر: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء)، وفي حديث: (عند كل صلاة)، والسواك باتفاق أهل العلم على أنه ليس فرضًا واجبًا.\nوإن كان هذا من دلالة الاقتران وهي ضعيفة عند الأصوليين، لكن الأقرب: أن السواك من المستحبات للجمعة، سواء كان المصلي يصلي الجمعة في رمضان أو في غير رمضان، والراجح جواز استخدام السواك طول النهار في الصيام وفي غير الصيام.\nقال ﵊: (ويمس من الطيب ما قدر عليه) أي: يضع طيبًا من أجل صلاة الجمعة، ويظن بعض الناس أن وضع الطيب في نهار رمضان مفطر أو مكروه، وهذا خطأ لم يثبت عن النبي ﷺ في ذلك شيء، ويجوز وضع الطيب في نهار رمضان كما يجوز في غير رمضان.","vol":"16","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>شرح حديث: (إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين)</span>\nعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: (إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين، فمن جاء الجمعة فليغتسل، وإن كان عنده طيب فليمس منه، وعليكم بالسواك)، وهذا معناه نفس المعنى في الحديث السابق، وزيادة: أن يوم الجمعة يوم عيد.","vol":"16","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>شرح حديث: (من اغتسل يوم الجمعة كغسل الجنابة)</span>\nمن الأحاديث حديث أبي هريرة في الصحيحين قال النبي ﷺ: (من اغتسل يوم الجمعة كغسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة)، ففيه ثواب عظيم جدًا للإنسان المبكر في الساعة الأولى عند طلوع الشمس عندما يتوجه إلى بيت الله ﷿.\nوتقسيم الساعات ورد في حديث ذكر خمس ساعات قبل صلاة الجمعة، وفي حديث ذكر ست ساعات قبل صلاة الجمعة، فكأنها تقسيم ما بين وقت انتهاء الفجر إلى غاية صلاة الجمعة وهنا في الحديث ذكر خمسًا منها فقال: (ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة)، أي: كأنما قرب لله ﷿ وأهدى جملًا أو ناقة، (ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن) أي: كأنه ذبح خروفًا ووزعه على الفقراء، (ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة)، وظاهر أن هذه الأشياء التي يتقرب بها الإنسان تكون في التبكير فقط، وأما ثواب صلاة الجمعة فشيء غير هذا، قال: (ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة).\nوفي رواية في حديث آخر قال: (من راح في الخامسة فكأنما قرب عصفورًا، وذكر في السادسة: فكأنما قرب بيضة)، فكأن الست الساعات قبل صلاة الجمعة مقسمة على ذلك، فكلما بكر الإنسان كان الثواب أعظم، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر.","vol":"16","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>الحث على التبكير قبل صعود الإمام المنبر</span>\nومن الأحاديث حديث ورد فيه أنه على كل باب من أبواب المساجد يوم الجمعة ملكان يكتبان الداخلين إلى المسجد الأول فالأول إلى أن يأتي الإمام، فكأن الإمام آخر من يأتي إلى الجمعة، فإذا صعد الإمام على المنبر طويت الصحف، فلا يكتب في هذه الصحف أسماء أحد ممن يأتون متأخرين بعدما خرج الإمام على الناس.\nوفي حديث لـ أبي أمامة عند أحمد والطبراني قال: قال رسول الله ﷺ: (تقعد الملائكة يوم الجمعة على أبواب المساجد معهم الصحف يكتبون الناس) أي: يكتبون أسماء الناس في صحف تكريم وتشريف لهؤلاء الحاضرين إلى الجمعة، قال: (فإذا خرج الإمام طويت الصحف).\nفقال الراوي عن أبي أمامة: قلت: يا أبا أمامة: أليس لمن جاء بعد خروج الإمام جمعة؟ قال: بلى -أي: له جمعه- ولكن ليس ممن يكتب في الصحف، أي: لا يكتب من ضمن الناس المتقدمين إلى صلاة الجمعة، وسيأتي في حديث عن النبي ﷺ أن الناس يوم القيامة في دخولهم الجنة وفي قعودهم للنظر إلى وجه الله ﷾ سيكون ترتيبهم على حضورهم إلى الجمعة، فالمتقدم للجمعة هو من ينظر إلى وجه الله ﷿ قبل غيره.\nويوم الجمعة اسمه يوم المزيد في يوم القيامة، فعلى ذلك فإن المسلم حين يعرف هذا الثواب يحافظ على الحضور في الجمعة مبكرًا قدر استطاعته.","vol":"16","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>من آداب يوم الجمعة</span>\nجاء من حديث عبد الله بن بسر ﵁ قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فقال النبي ﷺ: (اجلس فقد آذيت وآنيت).\nفمن الأدب لصلاة الجمعة أن الإنسان يأتي مبكرًا، فإذا ارتقى الخطيب على المنبر فلا ينبغي لأحد أنه يخترق الصفوف ويتخطى رقاب الناس.\nفالنبي ﷺ بدأ يخطب وهذا الرجل جاء متأخرًا وقام يخترق الصفوف؛ يريد أن يكون في الصفوف الأولى، فما كان من النبي ﷺ إلا أن قطع الخطبة وقال: (اجلس)، فأمره أن يجلس، وفي قوله هذا زجر وتأديب له ولغيره من الناس، وأنه لا ينبغي هذا الفعل طالما الإمام على المنبر وبدأت الموعظة، فلا ينبغي لأحد أن يشوش على الناس.\nومن التشويش كذلك ما يفعله الأطفال الصغار الذين يسعون بين الناس ذهابًا وإيابًا، فلابد من تعليم هؤلاء الأدب في ذلك، فالنبي ﷺ قطع الخطبة، وقال له: (اجلس)، وأدبه بقوله: (فقد آذيت وآنيت)، فالأذى يضايق الناس، والشيء الثاني: آنيت، أي: جئت متأخرًا عن الصلاة، فهذا خطؤك أنت، فأنت الذي جئت متأخرًا عن الصلاة فعليك أن تجلس حيث انتهى بك المجلس.\nومن الأحاديث ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال النبي ﷺ: (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)، فعليه أن يشير إليه فقط، ولا يتلفظ ويقول له: اسكت، فإذا لغا ضاعت عليه صلاة الجمعة.\nوفي حديث لـ أبي ذر ﵁ يقول: (دخلت المسجد يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فجلست قريبًا من أبي بن كعب فقرأ النبي ﷺ سورة براءة، قال: فقلت لـ أبي: متى نزلت هذه السورة؟) وأبو ذر هو أصدق الخلق لهجة بشهادة النبي ﷺ له.\nفأبو ذر يسأل أبي بن كعب، وأبي بن كعب كان من حفاظ القرآن رضي الله ﵎ عنه، وأبي كان يسمع الخطبة وأبو ذر يسأله: متى نزلت سورة براءة؟ ومعنى هذا الكلام أن هذا حدث في أواخر حياة النبي ﷺ.\nفلما قال ذلك قال: (فتجهمني ولم يكلمني) أي: نظر إليه ولم يرد عليه، قال: (ثم مكثت ساعة ثم سألته متى نزلت هذه السورة؟ فتجهمني ولم يكلمني، ثم مكثت ساعة ثم سألته، فتجهمني ولم يكلمني، فلما صلى النبي ﷺ، قلت لـ أبي: سألتك فتجهمتني ولم تكلمني؟ فقال أبي: مالك من صلاتك إلا ما لغوت) فسماه لغوًا مع أنه سؤال في طلب العلم، ولكن في الخطبة لا ينبغي هذا.\nقال: (فذهبت إلى النبي ﷺ فقلت: يا نبي الله! كنت بجنب أبي وأنت تقرأ براءة، فسألته: متى نزلت هذه السورة فتجهمني ولم يكلمني، ثم قال: مالك من صلاتك إلا ما لغوت، فقال النبي ﷺ: صدق أبي، صدق أبي) يعني: صلاة الجمعة تكتب لك ظهرًا فضاعت الجمعة.\nوفي حديث آخر نفس الأمر يحدث لـ عبد الله بن مسعود مع أبي بن كعب ﵁، فقد دخل المسجد والنبي ﷺ يخطب، فجلس إلى جنب أبي بن كعب فسأله عن شيء أو كلمه بشيء فلم يرد عليه أبي ﵁، وظن ابن مسعود أنها موجبة، وابن مسعود من فقهاء الصحابة الكبار، فلما انتهى النبي ﷺ من صلاته، قال ابن مسعود: يا أبي! ما منعك أن ترد عليّ؟ قال: إنك لم تحضر معنا الجمعة، فقال: بم؟ قال: تكلمت والنبي ﷺ يخطب، فقام ابن مسعود ودخل على النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال ﷺ: (صدق أبي صدق أبي، أطع أبي) رضي الله ﵎ عنه، فحدثت هذه الحادثة مرتين مرة مع أبي ذر، ومرة مع عبد الله بن مسعود، وفي كل منهما بان الحكم الشرعي: أنه لا يجوز الكلام أثناء خطبة الخطيب، وإنما الذي يجوز أن تشير فقط، ولا يجوز لك أن تتكلم، بل والإشارة إذا كانت لغير هدف فإنها لغو، كإنسان يلعب بالحصى، فجمعته لاغية، فالنبي ﷺ ذكر لنا من ضمن اللغو مس الحصى فقال: (من مس الحصى فقد لغا).\nومن الأحاديث: حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: (كفى لغوًا أن تقول لصاحبك: أنصت إذا خرج الإمام في الجمعة)، فإذا لغا في الجمعة ضاعت عليه جمعته وصارت له كصلاة الظهر.","vol":"16","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>التحذير من ترك صلاة الجمعة</span>\nورد حديث عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: (لقد هممت أن آمر رجلًا أن يصلي بالناس، ثم أحرق على رجالٍ يتخلفون عن الجمعة بيوتهم)، جاء في رواية (الجمعة) وجاء في رواية: (الجماعة)، وهذا صحيح فتارك الجمعة وتارك الجماعة يستحقان ذلك.\nوحديث آخر من حديث الجعد الضمري عن النبي ﷺ: (من ترك ثلاث جمع تهاونًا بها طبع الله على قلبه).\nوحديث لـ أسامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من ترك ثلاث جمعات بغير عذر كتب من المنافقين).\nوجاء حديث آخر لـ محمد بن عبد الرحمن بن زرارة قال: سمعت عمر ولم أر رجلًا منا به شبيهًا، قال: قال رسول الله ﷺ: (من سمع النداء يوم الجمعة فلم يأتها، ثم سمعه فلم يأتها، ثم سمعه فلم يأتها، طبع الله على قلبه، وجعل قلبه قلب منافق)، فكم هم الناس المنافقون الذين يسمعون النداء ويتغافلون عنه؟!","vol":"16","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>سنن يوم الجمعة</span>\nمن سنن يوم الجمعة -كما سبق-: التبكير لصلاة الجمعة.\nومنها أيضًا: الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ، فإن الصلاة تبلغه، وخصوصًا في مثل هذا اليوم، فالملائكة تبلغ النبي ﷺ ذلك.\nمن سننها أيضًا: ما جاء في سنن النسائي عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: (من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين)، فالله ﷿ يجعل له نورًا عظيمًا ما بين الجمعة والتي قبلها، هذا إذا قرأ سورة الكهف، وإذا واظب على قراءتها في كل يوم جمعة كان له هذه الفضيلة، ويكون له في كل الأيام كما في هذا الحديث.\nقال ﷺ في الحديث: (من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه وما بين البيت العتيق) يعني: يعطى نورًا عظيمًا، فتخيل أن لك نورًا يوم القيامة حجمه ما بينك وبين البيت العتيق، فيا ترى هذا النور أليس كافيًا أن يضيء لك طريقك وسبيلك يوم القيامة؟!! نسأل الله ﷿ أن يهدينا صراطه المستقيم.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصلّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"16","page":10},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-110> الترغيب في أداء الزكاة وتأكيد وجوبها</span>\nمن فرائض الله على عباده: الزكاة، فهي أحد أركان الإسلام، وهي من ضمن الخمس التي تدخل صاحبها الجنة مع اقترانها بالإيمان، وإخراج الزكاة يكون عن طيب نفس، ولا يخرج المسلم الزكاة إلا من أوسط ماله، فيجتنب الرديء، ولا يتكلف الغالي من ماله.","vol":"17","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>الترغيب في أداء الزكاة وتأكيد وجوبها</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الحافظ المنذري ﵀: [الترغيب في أداء الزكاة وتأكيد وجوبها.\nعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان)، رواه البخاري ومسلم.\nوروى الطبراني في الكبير بإسناد جيد عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (خمس من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس: على وضوئهن، وركوعهن، وسجودهن، ومواقيتهن، وصوم رمضان، وحج البيت إن استطاع إليه سبيلًا، وأعطى الزكاة طيبة بها نفسه).\nوروى أحمد والترمذي من حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ في سفر فأصبحت يومًا قريبًا منه ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال: (لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت)].\nهذه أحاديث يذكرها الحافظ المنذري ﵀ في كتاب الصدقات في باب الترغيب في أداء الزكاة وتأكيد وجوبها، ولا شك في هذه الأيام أننا نتذكر الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ في ذلك، فمن كانت عليه زكاة مال فليخرجها، ومن كان عليه في هذه الأيام زكاة الفطر، فليخرجها قبل العيد بيوم أو يومين أو قبل صلاة العيد، وليعرف ما الواجب عليه.\nوالزكاة ركن من أركان الإسلام، وهي الركن الثالث بعد شهادة أن لا إله الله وأن محمدًا رسول الله، وبعد إقام الصلاة.\nوقد فرضها الله ﷿ في كتابه، وجاءت عن النبي ﷺ الأحاديث التي تفيد ذلك، منها: حديث: (بني الإسلام على خمس)، وهو حديثٌ معروف.\nوحديث أبي الدرداء: (خمس من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس: على وضوئهن، وركوعهن، وسجودهن، ومواقيتهن) فالصلوات الخمس لعظم شأنها يفصل النبي ﷺ فيها، فكان من الممكن أن يذكر من حافظ على الصلوات الخمس فقط، ولكن تأكيدًا لأهمية المحافظة، فقد يظن إنسان أن المحافظة تعني: على الوقت فقط، فيكون بذلك حافظ على الصلاة، ثم يصلي الصلاة فيسرع فيها، وينقرها كنقر الغراب مثلًا، ويظن أنه قد أتى بما هو واجب عليه، فأكد النبي ﷺ وفصل حتى يعرف المسلم أن الصلاة لابد أن يؤديها بحقها كما أمر الله ﷾.\nفيحسن صلاته، وهيئتها وقيامها وقعودها، وركوعها وسجودها، ويحسن وضوءها، فقال النبي ﷺ مفصلًا: (من حافظ على الصلوات الخمس: على وضوئهن، وركوعهن، وسجودهن، ومواقيتهن) فأصلها تأصيلًا، ثم قال: (وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إليه سبيلًا، وأعطى الزكاة طيبةً بها نفسه) فهذه أركان الإسلام، وبدأ بالإيمان بالله سبحانه في الحديث الآخر، فذكر: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ، وذكر الصلاة، وذكر الصوم وذكر الزكاة، وذكر حج البيت من استطاع إليه سبيلًا.\nوفي حديث معاذ كذلك ذكره ﷺ.","vol":"17","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>فرض الله الزكاة تطهيرًا للمال وإذهابًا لشره</span>\nجاء في حديث آخر لـ جابر بن عبد الله ﵁ قال: (قال رجل: يا رسول الله! أرأيت إن أدى الرجل زكاة ماله؟ فقال ﷺ: من أدى زكاة ماله فقد ذهب عنه شره) فكأن المال فيه خير وفيه شر، وبأدائك لزكاة المال تطهر هذا المال فتذهب عنك شره.\nوفي رواية: (إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره).\nوقد فرض النبي ﷺ زكاة الفطر بأمر ربه سبحانه طهرة للصائم من الرفث واللغو، وزكاة الفطر تطهير بدني للإنسان، فالإنسان قد يلغو بلسانه، وقد يلهو، وقد يقع في الرفث وفي الفاحش من القول من حيث يدري أو من حيث لا يدري، ففيه زكاة الفطر، فهي تطهر بدن هذا الإنسان مما عساه وقع فيه في شهر رمضان من لغو ورفث.","vol":"17","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>عدم جواز خصم الدين من الزكاة</span>\nوزكاة المال تطهر مال الإنسان مما فيه من الشر.\nومن الأحاديث حديث لـ سمرة عند الطبراني يقول: قال رسول الله ﷺ: (أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وحجوا واعتمروا، واستقيموا يستقم بكم).\n(أقيموا الصلاة) تقيمها صلاة مستقيمة كما أمر الله وفرض.\n(وآتوا الزكاة) والزكاة: إعطاء، ولا يصلح الخصم في الزكاة، وهذا السؤال يتكرر كثيرًا من الناس، حيث يقول السائل: أنا لي دين عند إنسان وهذا الإنسان فقير، فهل أتصدق عليه بهذا الدين؟ نقول له: تصدق بالدين.\nولا يجوز أن تخصم ما تصدقت به من الزكاة؛ لأن الزكاة إيتاء وليست خصمًا، فإنك لن تفيد إذا خصمت الدين من الزكاة لا أنت ولا هو، فإنك لم تطعمه وتسقيه، فأنت تعطيه الزكاة لتسد خلته وحاجته، وخصمك للدَّين وجعل هذا الخصم من الزكاة ليس فيه إطعام ولا سقي، فأنت لم تفد شيئًا عن طريق هذا الخصم، والله ﷿ قال: إيتاء: (وآتوا الزكاة) فالزكاة إعطاء، ولا يصلح في الزكاة الخصم، فأنت تعطي الإنسان الزكاة حتى ولو كان هذا الإنسان لك دين عليه، فيجوز لك أن تعطيه من زكاة مالك، لكن لا تخصم شيئًا، والدين الذي عليه سيؤديه إليك يومًا من الأيام إن شاء الله ﷿.\nوإذا أحببت أن تلغي هذا الدين تصدقت عليه بإبرائه، ولكن لا تخصم ذلك من الزكاة، ولا يحسب ذلك من الزكاة، وإنما أنت تتصدق عليه صدقة مطلقة فتلغي هذا الدين ويكون لك أجر عظيم، ولو صبرت على الإنسان الذي استلف منك مالًا وأعطيته موعدًا لسداده، فكأنك تصدقت بنصف هذا المال، فإذا جاء الأجل ولم يقدر هذا الإنسان على دفع ما عليه من الدين فأنظرته فقد تصدقت على هذا الإنسان، فكيف بك لو تنازلت عن هذا الدين وسامحته؟!","vol":"17","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>الحث على السير على الطريق المستقيم</span>\nقال: (وحجوا واعتمروا واستقيموا) فالإنسان المؤمن يستقيم في طريقه ولا يعوج يمينًا ولا شمالًا عن طريق الله ﷾، والله ﷿ قال للنبي ﷺ: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢] أي: استقم على ما أمرك الله به، وامش على الصراط المستقيم، وما أخصر الطريق إلى جنة الله ﷿ من الطريق المستقيم، بل إن أخصر الطرق في الدنيا الطريق المستقيم، فإذا ذهبت شمالًا أو يمينًا جعلت الطريق طويلًا، ولكن الطريق المستقيم يؤدي بك إلى الغاية سريعًا، فغاية المؤمن في الدنيا هي الجنة، وأخصر طريق للجنة ألا تعوج شمالًا ولا يمينًا، ولا تأتي المعاصي أو الشبهات والشهوات، ولكن كن في طريق الله على الصراط المستقيم، وإن استقمت وعلم الله ﷿ في قلبك ذلك أعانك، فالله ﷿ يوجهك ويدفعك إلى طريق الجنات، ومن الأحاديث التي جاءت عنه صلوات الله وسلامه عليه: ما رواه البزار عن عمرو بن مرة الجهني قال: جاء رجل من قضاعة إلى رسول الله ﷺ فقال: إني شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله ﷺ، وصليت الصلوات الخمس وصمت رمضان وقمته، وآتيت الزكاة، فقال رسول الله ﷺ: (من مات على هذا كان من الصديقين والشهداء)، وهذه بشارة عظيمة جدًا من رسول الله ﷺ على الأعمال اليسيرة التي تعملونها في هذا الشهر وفي غيره.\nفقوله: (من مات على هذا) ليس المعنى: أنك تصوم رمضان وتقومه، فإذا ذهب رمضان انقطع هذا العمل الذي كنت تعمله، فقال: (من مات على هذا) يعني: واظب على هذا، وهي أعمال سهلة وبسيطة: شهادة أن لا إله الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ، وإقامة الصلاة والمحافظة عليها كما أمر الله حيث ينادى بهن، فصيام رمضان وقيامه، وإيتاء الزكاة، فمن فعل ذلك، (ومات على ذلك فهو من الصديقين والشهداء)، وهم أعلى أهل الجنة درجات، قال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩] يعني: إذا أردت مرافقة هؤلاء فالعمل بسيط وسهل فيها، ولكن واظب على هذا العمل، فتأتي بكلمة التوحيد بحقها لا إله إلا الله، وشروط هذه الكلمة: العلم، واليقين، والقبول، والانقياد، والصدق، والإخلاص، والمحبة، والولاء والبراء، وتؤمن بأن محمدًا رسول الله ﷺ، وتواظب على الصلاة حيث ينادى بها وتستقيم فيها، وتصوم رمضان وتقومه، فإن مت على ذلك كنت مع الصديقين والشهداء، قال النبي ﷺ: (من مات على هذا كان من الصديقين والشهداء).","vol":"17","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>التوسط في إخراج المال في الزكاة</span>\nروى أبو داود من حديث عبد الله بن معاوية الغاضري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ثلاث من فعلهن فقد طَعِمَ طَعْمَ الإيمان) أي: ذاق طعم الإيمان في قلبه، قال: (من عبد الله وحده، وعلم أن لا إله إلا الله) وهذا كقول الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] أي: العلم المنافي للشك، قال: (من عبد الله وعلم أن لا إله الله، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه) فيعطي زكاة ماله ولكن شرط ذلك: أن يعطي زكاة المال طيبة بها نفسه، فتراه مسرورًا بأنه يدفع زكاة المال؛ لأن الله ﷿ وعده الأجر العظيم.\nوالرفد معناه: الإعانة، أي: يعطي ويعين بها في كل عام، وأيضًا: نفسه تعينه على ذلك، قال: (ولم يعط الهرمة، ولا الدرنة، ولا المريضة، ولا الشرط اللئيمة) والهرمة: العجوزة إذا كانت في زكاة بهيمة الأنعام، والدرنة التي فيها درن، والشرط اللئيم: الرذيلة من المال كالمسنة والعجفاء أو التي فيها داء.\nقال: (ولكن من وسط أموالكم فإن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره) يعني: في زكاة المال لم يطلب منكم أغلى شيء في أموالكم ولا أدنى الأشياء، ولكن تدفع في زكاة مالك أو الصدقة الوسط، وهو الشيء الذي تحبه لنفسك، فتعطيه للفقراء فهذه بعض الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ في زكاة المال.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"17","page":6},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-116> الترهيب من منع الزكاة وما جاء في زكاة الحلي</span>\nإن منع الزكاة من الذنوب التي يعاقب عليها صاحبها في الموقف يوم القيامة، يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم ينظر بعد ذلك إن كان من أهل الجنة أو من أهل النار، فعلى المسلم أن يؤدي فرائض الله تعالى إذا أراد أن ينجو من عذاب الله.","vol":"18","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>الترهيب من منع الزكاة</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: قال الإمام المنذري ﵀: [الترهيب من منع الزكاة وما جاء في زكاة الحلي.\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفايح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار.\nقيل يا رسول الله! فالإبل؟ قال: ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها -ومن حقها حلبها يوم وِرْدها- إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلًا واحدًا، تطؤه بأخفافها، وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أولها رد عليه آخرها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) وذكر الحديث.\nوعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (ما من أحد لا يؤدي زكاة ماله إلا مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع حتى يطوق به عنقه، ثم قرأ علينا رسول الله ﷺ مصداقه في كتاب الله: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٨٠]) آية].\nلقد وردت الأحاديث عن النبي ﷺ في الأمر بإعطاء الزكاة، والقرآن ذكر لنا كيف تقسم هذه الزكاة على أهلها.\nوفي هذه الأحاديث الوعيد الشديد لمن منع زكاة ماله، والمال قد يكون من الذهب أو الفضة، والنقدان يقومان مقام ذلك، وقد يكون من بهيمة الأنعام: من الإبل أو من البقر أو من الغنم.\nوقد يكون المال حَبّ وثمار، وقد يكون المال من عروض التجارة، وهكذا.\nفما من مال للإنسان يدخل تحت ما جاء عن النبي ﷺ في الزكاة إلا ويلزمه أن يخرج زكاته؛ فإذا امتنع صاحب الإبل، أو صاحب البقر، أو صاحب الذهب، أو صاحب الفضة، أو صاحب التجارة من إخراج زكاة ماله فجزاؤه يوم القيامة ما نسمع في هذا الحديث، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، وبعد ذلك يرى سبيله، يعني: قبل أن ينصرف سيعذب في الموقف العظيم بين يدي الله ﷿ على منعه زكاة ماله.","vol":"18","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>التحذير من منع زكاة الذهب والفضة</span>\nيقول النبي ﷺ: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفايح من نار) يعني: الذهب والفضة التي كانت معه يحولها الله ﷿ فيجعلها صفايح من نار، فيحمى عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره.\nقال: (كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقدراه خمسين ألف سنة) أي: كلما بردت الصفايح يحمى عليها في نار جهنم مرة أخرى، ويكوى بها جنبه وجبينه وظهره في ذلك اليوم الطويل الذي مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فإذا قضي بين العباد نظر طريقه إن كان من أهل الجنة أو من أهل النار.\nوبهيمة الأنعام ثلاثة: الإبل والبقر والغنم، والغنم يدخل تحتها المعز، والذكور والإناث في ذلك سواء.","vol":"18","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>التحذير من منع زكاة الإبل</span>\nقال: (ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها) إذا كان عنده خمس من سائمة الإبل فيلزمه أن يخرج عليها شاة، وإذا كان عنده عشرة من الإبل فيخرج شاتين، وإذا كان عنده خمسة عشر فيخرج ثلاث شياه، وفي عشرين يخرج أربع شياه، وفي خمسة وعشرين إلى خمس وثلاثين يخرج بنت مخاص، وفي ست وثلاثين إلى خمس وأربعين يخرج بنت لبون، وهكذا.\nفهذه أقسام قسمها الشارع الحكيم، فإذا بخل في إخراج عذبه الله تعالى بهذه الإبل؛ لأنه امتنع عن أداء حقها، وحقها الزكاة، وأيضًا حلبها يوم وردها، فأنت تأخذ الإبل وتسقيها من الماء الذي أنزله الله سبحانه، وكذلك احلب الإبل وأعط للفقراء شيئًا من ذلك.\nقال: (ومن حقها حلبها يوم وردها) وإذا لم يفعل وكان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر، أي: أملس ناعم، والقاع هو الأرض العظيمة الفسيحة المستوية، قال ﷺ: (أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلًا واحدًا تطؤه بأخفافها، وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار).\nستأتي هذه الإبل أوفر ما كانت وحتى لو كانت هزيلة في الدنيا فستأتي يوم القيامة أوفر ما كانت تطؤه بأخفافها، أي: تدوس عليه في هذا اليوم، وتعضه بأنيابها، وليس مرورها مرة واحدة بل كلما مرت عليه عادت تمر عليه مرة ثانية وهكذا.\nولن يموت فيستريح، بل سيظل يعذب خمسين ألف سنة حتى يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار.","vol":"18","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>التحذير من منع زكاة البقر والغنم</span>\nقيل: يا رسول الله، فالبقر والغنم؟ قال: (ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إذا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت لا يفقد منها شيئًا، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء) والبطاح هي الرمال والتراب الذي على الأرض، فيبطح هذا الإنسان على الأرض وتمر عليه لا يفقد منها شيئًا، ليس فيها عقصاء، والعقصاء: هي ذات القرون الملتوية، فتكون قرونها يوم القيامة مستوية مستقيمة حتى يكون أذاها عليه شديدًا.\nقال: (ولا جلحاء) والأجلح من الغنم: ما ليس له قرن، (ولا عضباء) والأعضب: مكسور القرن، فتكون قرونها سليمة يوم القيامة حتى تؤذيه.\nقال: (تنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقدراه خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار).\nفالإنسان الذي يبخل بالزكاة من أجل أن يجمعها ويستمتع بها عشر سنين عشرين سنة، وأيضًا هو يجمعها وهو خائف عليها أن يحصل له أمر فيخرجها بسببه.\nفهذا الذي ادخر المال وجمعه ولم يخرج زكاته، ويخاف أن يصاب بمرض في الدنيا فينتهي عليه ماله، هذا يعذبه الله يوم القيامة خمسين ألف سنة بنفس المال الذي لم يخرج زكاته لله ﷾.","vol":"18","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>أقسام الناس في الخيل</span>\nقيل: يا رسول الله، فالخيل؟ قال: (الخيل لثلاثة: هي لرجل وزر، وهي لرجل ستر، وهي لرجل أجر) فأصحاب الخيول ثلاثة أصناف.\n(فأما التي هي له وزر فرجل ربطها رياءً وفخرًا ونواءً لأهل الإسلام، فهي له وزر)، فالإنسان الذي يربط خيله من أجل أن يفتخر بها ومن أجل أن يتعالى ويستكبر على الناس ويكيد لأهل الإسلام، تكون خيله عليه وزر.\n(وأما التي هي له ستر -أي: يستره الله ﷿ بها- فرجل ربطها في سبيل الله ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها، فهي له ستر) يعني: أنه ربطها وجهزها فإن احتاجها في سبيل الله، أو احتاجها رجل مسلم لبعض حاجته أعطاه فلم ينس حق الله ﷾ في ظهورها ولا في رقابها، إذ هو يطعمها ويعلفها ولا ينسى حق الله وهو أن يعين بها من يحتاج لذلك.\nوالخيل ليس فيها زكاة، وبهيمة الأنعام فيها زكاة من جنسها، وأما الخيل فلا زكاة فيها من جنسها إلا أن تكون للتجارة، فسواء كانت خيولًا وحميرًا أو أي نوع من أنواع عروض التجارة فإن عليه زكاة عروض التجارة، فتقوَّم عليه ثم يخرج ربع العشر فيها إذا كان يتاجر فيها، وأما إذا لم يكن يتاجر بها وإنما رباها عنده فليس فيها زكاة، ولكن الذي عليه هو ما ذكر في هذا الحديث وهو أن يعرف الحق الذي فيها،.\n(وأما التي هي له أجر: فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام في مرج أو روضة) أي: جهزها للجهاد في سبيل الله ﷿ للمجاهدين، قال: (فما أكلت من ذلك المرج أو الروض أو من شيء إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات).\nوالجهاد في سبيل الله أجره عظيم، والإنسان الذي يجهز الخيل للجهاد في سبيل الله ﷾ له أجر عظيم، لكن الآن قليل من البلدان التي يكون فيها مثل ذلك، ولكن في الماضي كانوا يحتاجون إلى ذلك، فكان الذي يجهز هذا له هذا الأجر العظيم.\nفالإنسان الذي جهز خيله للجهاد في سبيل الله ﷿ كونها تأكل الأكل في المرج أو الروضة التي هي فيها يكون لصاحبها حسنات، قال: (إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات، وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات) حتى الروث والبول من الخيل يكون له حسنات.\n(ولا تقطع طولها فاستنت شرفًا أو شرفين إلا كتب له عدد آثارها وأرواثها حسنات)، والطول: الحبل الذي يربط فيه الخيل أو بهيمة الأنعام في قدمها حتى لا تذهب من المكان التي هي فيه، فإذا قطعت الحبل وذهبت هنا أو هناك في جهاد أو غيره، فإن عدد الخطوات التي خطتها تكتب لصاحبها حسنات.\nقال ﷺ: (ولا مر بها صاحبها على نهر فشربت منه ولا يريد أن يسقيها إلا كتب الله تعالى له عدد ما شربت حسنات)، فصاحب الخيل الذي جهزها في سبيل الله إذا مر بها على نهر وهو لا يريدها أن تشرب ففلتت وشربت فإنه يكتب له أجر ما شربت حسنات، فيكتب له كل شيء طالما أنه جهزها في سبيل الله ﷾.\nوأي: شيء معروض للتجارة ففيه زكاة عروض التجارة، سواء باع سلاحًا أو خيلًا أو حميرًا فإنه يلزمه الزكاة.","vol":"18","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>الفرق بين زكاة عروض التجارة وزكاة بهيمة الأنعام</span>\nإن الفرق بين زكاة عروض التجارة وزكاة بهيمة الأنعام: أن زكاة بهيمة الأنعام تخرج من جنسها، فلو أن إنسانًا عنده أبقار أخذها من أجل الدر والنسل وهي سائمة العام كله، فهذا إذا كان عنده ثلاثون بقرة فإن فيهن تبيع عمره سنة.\nوإذا كان عنده أربعون بقرة فإنه يخرج مسنة -يعني: بقرة لها سنتان- فيخرج الزكاة من جنسها، والإبل أيضًا نخرج زكاتها من جنسها إلا إذا كانت قليلة فيخرج من غير جنسها، يخرج من الغنم.\nإذًا: فالإبل والبقر والغنم تخرج الزكاة منها من جنسها.\nوأما إذا لم يأخذ هذه الأشياء لأجل النسل والدر ولا هي سائمة كأن يكون رجل عنده مائة خروف يعلفها هو فهذا النوع ليس عليه زكاة بهيمة الأنعام، فلا نقول له: لديك مائة خروف فأخرج عليهن خروفًا أو أكثر، ولكن سنقول له: قوم هذه بالمال لأنه مال أصلًا فهو عبارة عن فلوس سيشتري بها خرفان ثم يبيع الخرفان، فيكون له فلوس مرة أخرى وهكذا، فتكون بهيمة الأنعام هنا عليها زكاة عروض التجارة، والمال الذي يبيع به يحسبه، فإذا كانت الخرفان والمال الذي جمعه يبلغ النصاب فيلزمه إخراج زكاة، والنصاب هو مائتان درهم من الفضة، أي: حوالي خمسمائة وستة وتسعين جرامًا من الفضة، فيقدر النصاب على جرامات الفضة.\nفإذا وجد معه من عروض التجارة ما جاوز هذا المقدار أو وصل إليه لزمه إخراج زكاة عروض التجارة.\nفلما سئل النبي ﷺ عن الحمر قال: (ما أنزل علي في الحمر إلا هذه الآية الفاذة الجامعة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]) والفاذة معناها: الآية العظيمة الوحيدة المتفردة بهذا المعنى الجامع العظيم، فقد جمع فيها كل شيء من الحسنات والسيئات، فإذا عملت خيرًا ولو مثقال ذرة يسيرة فإن الله ﷿ يريك إياه يوم القيامة حسنات، وإن عملت مثقال ذرة من شر فإن الله ﷾ يجازيك، أو يعفو عنها ﷾.\nفالمعنى: بيان أنه إن لم تجب عليك الزكاة في شيء، فعلى الأقل اعمل الخير واحذر من الشر،: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].\nولهذا الحديث رواية رواها النسائي وفيه قال النبي ﷺ: (وما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جاء يوم القيامة شجاعًا من نار، فيكوى بها جبهته وجنبه وظهره).\nوفي حديث ابن مسعود: (ما من أحد لا يؤدي زكاة ماله إلا مثل له يوم القيامة شجاع أقرع) فهذه صورة ثانية من الصور.\nوالشجاع الأقرع: هو الثعبان الضخم الكبير، والسبب في وصفه بهذا الوصف زيادة السمية التي فيه، فهو سام جدًا، فهذه النار يحولها الله ﷿ إلى هذا الثعبان حتى يطوق به عنقه، وتلا النبي ﷺ الآية: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران:١٨٠].\nوفي رواية للحديث في صحيح مسلم وفيه قال ﷺ: (إلا جاء كنزه يوم القيامة شجاعًا أقرع يتبعه فاتحًا فاه؛ فإذا أتاه فر منه) يفر من هذا الثعبان يوم القيامة فيناديه خذ كنزك الذي خبأته الآن فأنا عنه غني، (فإذا رأى أن لابد له منه سلك يده في فيه فيقضمها) يعني: يأكل يده وهل يأكل يده فقط لا، ففي حديث ثوبان عند البزار قال: (ثم يتبعه سائر جسده) يعني: الثعبان لن يكتفي بيده بل سيأكله كله وبعد أن يأكله لن يموت، بل يظل على هذا الشيء والعياذ بالله، وهذا أمر رهيب جدًا، ولو أن الإنسان تذكر هذا الأمر الرهيب فلن يمنع حق الله ﷾ ولن يبخل به؛ فإذا علم ما في هذه الأحاديث من تخويف، وعرف ما في الإعطاء وأنه ما نقص مال من صدقة، وأنه يبارك له ربه ﷾ في هذا المال، وأن زكاة المال تحمي العبد يوم القيامة ويأتي من أبواب الجنة: هذا باب للزكاة، وهذا باب للصيام، وهذا باب للصلاة، وينادى العبد من هذه الأبواب فيدخل منها، فالإنسان المؤمن يحرص على أداء زكاة ماله، ويعطي لله حقه، وغير ممكن أن تعط الله حقه ويبخسك فهو الكريم سبحانه، نسأل الله العفو والعافية في الدين الدنيا والآخرة.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"18","page":7},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-123> الترغيب في القناعة والعفة</span>\nإن القناعة كنز من وجده فقد أفلح وأنجح.\nوإن الغنى غنى القلب، فمن رزقه الله هذه النعمة التي فقدها كثير فقد استراح.\nوغنى القلب يورث الإنسان قناعة مما في أيدي الناس من المتاع الزائل؛ لأنه لا ينظر إلى من هو أعلى منه في الدنيا؛ كيلا يزدري نعمة الله عليه، وإنما نظره دومًا لمن هو دونه، فيزداد غنىً وقناعة وشكرًا وثناءً على مولاه، بخلاف من أطلق بصره في أمتعة الدنيا، فقد شتت شمله، وجُعل الفقر بين عينيه، وحياته كلها سخط وكآبة وهمّ وغم.","vol":"19","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>القناعة مما بأيدي الناس</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: قال الإمام المنذري رحمه الله تعالى في الترغيب والترهيب: [روى الإمام أحمد ﵀ عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ: (لا ينظر أحدكم إلى من فوقه في الخلق أو المال، ولكن ينظر إلى من هو دونه).\nوعن نافع قال: كنت أتجر إلى الشام أو إلى مصر، فتجهزت إلى العراق، فدخلت على عائشة أم المؤمنين فقلت: يا أم المؤمنين! إني قد تجهزت إلى العراق، فقالت: مالك ولمتجرك، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا كان لأحدكم رزق في شيء فلا يدعه حتى يتغير له أو يتنكر له، قال: فأتيت العراق ثم دخلت عليها فقلت: يا أم المؤمنين! والله ما رددت رأس المال، فأعادت عليه الحديث، أو قالت الحديث كما حدثتك).\nوعن فضالة بن عبيد أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (طوبى لمن هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافًا وقنع)].\nهذه أحاديث من مسند الإمام أحمد ﵀ في الترغيب في القناعة والعفة، فالإنسان المؤمن يقنع برزق الله ﷾، فيسعى في طلب الرزق الحلال، وما آتاه الله رضي به وقنع به، فلا يطمع في الدنيا، ولا يترك الأخذ بالأسباب، بل هو يأخذ بأسباب الرزق ويقنع بما آتاه الله سبحانه، ولا يطمع فيما هو في يد غيره مما لم يقسمه له الله ﷾.","vol":"19","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>معنى القناعة</span>\nالقناعة مأخوذة من قنع بالشيء إذا رضي به ولم يطمع فيما هو أكثر منه، والعفة هي: التعفف عما في أيدي الناس، وعدم مد اليد إلى الغير، وعدم تمني أن يكون ما في يد غيره له، فيسلب غيره رزقه، فهذه هي القناعة والعفة.\nإن الإنسان المؤمن قانع متعفف عفيف، حتى وإن كان ذا عيال، وإن كان ذا حاجة، فهو عفيف متعفف، فله أجر عظيم عند الله سبحانه لعفته ولعدم بسط يده إلى أموال الغير.\nإن من الأحاديث الدالة على القناعة حديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه الإمام أحمد، ورواه الترمذي أيضًا، وهو حديث صحيح، عن النبي ﷺ قال: (لا ينظر أحدكم إلى من فوقه في الخلق أو المال)، يعلمنا النبي ﷺ هنا كيف نقنع، ويعلمنا أن القناعة والعفة تكون بالرضى عن الله سبحانه، وبالرضى عن رزق الله سبحانه، فإن آتاك الله ﷿ شيئًا فاحمده سبحانه، واعتقد أنه نعمة عظيمة من الله أن أعطاك ﷾، لكن لو أن الإنسان أعطاه الله فنظر إلى من هو فوقه، وإلى من هو أحسن منه فلن يقنع أبدًا.","vol":"19","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>الحكمة في منع النظر إلى من هو أعلى منك في المال ونحوه</span>\nقال النبي ﷺ في هذا الحديث: (لا ينظر أحدكم إلى من فوقه في الخلق أو المال)، فلا تنظر إلى من هو أحسن منك في الخلْق، فقد تكون أنت ضعيف البنية، ولكن أعطاك الله ﷿ من نعمته صحةً، وإن كنت أقل من غيرك.\nلو أنك لو نظرت إلى من هو أقوى منك، وإلى من هو أكثر منك صحة، فستحسد هذا الغير، وتستقل نعمة الله ﷾ عليك، لذلك جاء في رواية أخرى لهذا الحديث قال النبي ﷺ: (انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم).\nإن ازدراء نعمة الله هو: احتقار نعمة الله ﷾، فلو أنك نظرت إلى من هو فوقك دائمًا فإنك تتعب نفسك وقلبك وتقول: إن فلانًا أحسن مني، أو أقوى مني، ومهما نظرت إلى الإنسان القوي ستجد من هو أقوى منه، فإذا كان في الإنسان من هو قوي، ففي الحيوان من هو أقوى منه، وإذا كان في الإنسان من هو جميل، ففي الحيوان والطير من هو أجمل منه، فالله ﷾ يقسم بين خلقه كما يشاء ﷾، فلا تنظر إلى من هو فوقك نظرة الحسد ونظرة تمنٍّ لزوال ما عند الناس.\nفالممنوع هو النظر إلى من هو فوقك في الخلق، وفي القوة البدنية، وفي المنظر وفي الصحة على وجه الحسد لهذا الإنسان، ولكن لا مانع من أن تنظر إلى من هو أفضل منك في الخلُق، فتقول: يا ليتني أكون مثل هذا الإنسان، فهذا شيء مطلوب شرعًا.\nقال في الحديث: (أو المال)، فلو أن إنسانًا غنيًا عنده ألوف نظر إلى من عنده ملايين فسيحسده، ويقول: لماذا فلان عنده ملايين وأنا لست مثله، والذي عنده ملايين لو نظر إلى الذي عنده مليارات فسيحسده وهكذا، فكل إنسان لو نظر إلى الذي فوقه فسيحسده على ما هو فيه.\nيقول سبحانه: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه:١٣١].\nفإذا عرفت أن الله قد يعطي أناسًا ليفتنهم في هذه الدنيا فستقول: الحمد لله الذي لم يعطن هذا الشيء؛ حتى لا يفتنّي في هذه الدنيا، ولا تحسد غيرك.\nفهنا يأمرك النبي ﷺ أنك إذا أردت أن تنظر فانظر إلى من هو أسفل منك، فقال في الحديث في الرواية الأخرى: (انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم)، فعندما تنظر إلى الأقل منك تعلم أنك في صحة وعافية، فانظر إلى المرضى وقل: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به، وفضلني عليكم وعلى كثير ممن خلق من عباده تفضيلًا، فيكون أجدر أنك تحمد الله ﷾، ولا تحتقر نعمته عليك.\nوأيضًا في المال: انظر إلى من هو أفقر منك، فتعلم أن الله أعطاك مالًا، وأعطاك نعمًا، وتعلم أنك إن تغديت وتعشيت فغيرك لا يلقى مثل هذا الشيء، فأنت أفطرت وتسحرت وغيرك لو فطر لعله لا يتسحر، فتقول: الحمد لله؛ لقد أعطاني الله سبحانه وفضلني على كثير من خلقه.","vol":"19","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>زهد النبي ﷺ وقناعته</span>\nتذكر كيف كان النبي ﷺ يضع الحجر على بطنه من شدة الجوع، فيقعد اليوم واليوم ولا يوجد طعام في البيت، بل ولا يوجد طعام في المدينة، وكانوا يعيشون في فقر شديد حتى فتح الله ﷾ عليهم، فقد كان يضع الحجر على بطنه ﷺ؛ ليضغط على المعدة حتى تستشعر أنها ملأى، وحتى يستطيع أن ينصب ظهره، لأن الجائع الشديد الجوع يمشي منثنيًا، فالنبي ﷺ ليستطيع أن يمشي في الطريق يربط الحجر على بطنه صلوات الله وسلامه عليه، فهل فعل به ربه ﷾ ذلك لهوانه عليه؟! كلا، ولكن منعه من الدنيا، وقال له: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه:١٣١]، وقال له: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٣١].","vol":"19","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>قصة نافع مع أم المؤمنين عائشة</span>\nإن من الأحاديث التي ساقها الإمام أحمد بإسناد فيه ضعف حديث نافع قال: كنت أتجر إلى الشام أو إلى مصر، ونافع كان تاجرًا يتاجر إما إلى الشام وإما إلى مصر، فمرة يذهب إلى مصر، ومرة يذهب إلى الشام، فأراد أن يحول تجارته ويذهب بها إلى العراق، فذهب إلى السيدة عائشة ﵂، وقال: إني قد تجهزت إلى العراق، فكأنها تعجبت لماذا ترك الشام ومصر مع أنه متعود على هذه وعلى تلك، فلماذا يغير المكان ويذهب مكانًا لا تعرفه أصلًا، فهنا كأنها أرادت أن تقول له: لا تطمع، فربنا يعطيك رزقًا هنا، وأنت معتاد عليه في هذه البلدة وهذه البلدة فلماذا تتجر في مكان لا تعرفه، لكنه رفض وذهب إلى العراق، ورجع وقد ضاع رأس المال، فذهب إليها، فقالت: قد قلت لك: أنك لو قنعت بما آتاك الله ﷿ من رزق، وأنت متعود على السفر إلى مكان معين فلا تغيره.\nوهذه نصيحة لكل إنسان ليس له خبرة في شيء أنه لا يدخل فيه، وخاصة الذي يتاجر في أموال الناس فيفتح الله ﷾ له باب رزق في مكان معين فيقوم ويطمع يريد أكثر، فيتوجه إلى مكان آخر وهو لا يعرف عنه شيئًا، فيذهب إليه، فإذا به فجأة يخسر ويضيع منه المال كله.\nفبعض الناس يفتح له الله في التجارة فيتاجر، وبعدها يبدأ يأخذ من أموال الناس يتاجر فيها، يقول لهذا: هات مالك أشغله لك، ولهذا: هات أشغل لك مالًا، فأعطاه الله شيئًا وراء شيء، فيطمع أكثر، ويقول: هذه البرصة تأتي بربح كثير جدًا، فلو وضعت مالي في البرصة الأخرى سأكسب الضعف، أو ثلاثة أضعاف، أو خمسة أضعاف، فأموال الناس التي كانت معه وضعها في هذه البرصة فخسر، وبعدها هرب وترك البلد؛ لأنه ضيع على الناس أموالهم، فلماذا هذا الطمع؟! فيأخذ المال أضعافًا مضاعفة فيذهب به إلى من لا يؤمن عليه، فتضيع الأموال، وتسمع قصصًا كثيرة جدًا من قصص النصب والاحتيال، فالتاجر لطمعه في الربح يدفع المال ببساطة لنصَّاب، فيسلط الله الإنسان المحتال النصاب على الإنسان الطماع، فيأخذ المال ويضيعه، وخاصة إذا كان هذا الطماع يأخذ أموال الناس بدعوى أنه يشغل للناس أموالهم، أو أنه هو تاجر خبير بالتجارة فالطمع يضيع كل ما جمع، فاحذر من الطمع، وانظر إلى من هو دونك، ولا تنظر إلى من هو أعلا منك.","vol":"19","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>فضل القناعة</span>\nجاء في الحديث الصحيح عن فضالة بن عبيد أنه سمع النبي ﷺ يقول: (طوبى لمن هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافًا وقنع) و(طوبى) هي شجرة في الجنة عظيمة منها تخرج ثياب أهل الجنة، ولا توجد هناك مصانع تصنعها في الجنة، ولا تقعد تخيط وتعمل لا، بل هناك شجرة تنبت نباتها وتظهر الثمار، ومنها: ثياب أهل الجنة، فهذا حديث عظيم يعلمنا القناعة.\nإن الإسلام هو أعظم النعم التي ينعم الله ﷿ بها على عبده، ولذلك فإن أهل الجنة إذا دخلوها قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣]، فطوبى لإنسان أنعم الله ﷿ عليه بهذا الإسلام.\nوهذا الحديث رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وفيه: (قد أفلح)، وهو نفس المعنى، والفلاح العظيم هو دخول الجنة: (قد أفلح من أسلم، ورزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه).\nفنعمة الإسلام هي أعظم النعم، فإذا أنعم الله بها عليك فقد رزقك الله ﷾ رزقًا عظيمًا، كما قال: (ورزق كفافًا) والكفاف هو: القدر الكافي، فلا زيادة فيه ولا نقصان، ومع هذا الرزق إذا أعطاك الله ﷿ أعظم الغنى وهو القناعة (وقنعه الله بما آتاه) فقد أفلحت عند الله سبحانه، ومن كان هذا حاله فهو من المفلحين؛ لأنه راضٍ عن الله ﷾، فرضي بالإسلام دينًا، ورضي برزق الله سبحانه الكفاف، ولا يريد أكثر مما أعطاه الله ﷾، ولا يطمع في أموال الناس.\nو(قنع) بمعنى: رضي، و(القانع) هو: الإنسان الراضي بالشيء الذي أعطاه الله.","vol":"19","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>الاستغناء والاستكفاء بالله</span>\nوفي حديث آخر من رواية أبي سعيد الخدري ﵁: (أن رجلًا من الأنصار كان له حاجة، فقال له: أهله ائت النبي ﷺ، فأتاه وهو يخطب يقول: من استعف أعفه الله، ومن استغنى أغناه الله، ومن لجأ لنا فوجدنا له أعطيناه، قال: فذهب ولم يسأل).\nالراوي هنا هو أبو سعيد قال: (إن رجلًا من الأنصار)، والرجل هو أبو سعيد نفسه، فكأنه عرَّض، والحديث جاء في سنن النسائي: أن هذا الرجل هو أبو سعيد ﵁، ولفظ النسائي: (قال أبو سعيد: سرحتني أمي).\nوأبو سعيد الأنصاري اسمه: سعد بن مالك بن سنان، وهو أنصاري رضي الله ﵎ عنه، قال: (سرحتني أمي إلى رسول الله ﷺ، فأتيته وقعدت، فاستقبلني وقال: من استغنى أغناه الله) يعني: كان النبي ﷺ يخطب خطبة، ويكلم الناس، وجلس أبو سعيد الخدري مواجهًا للنبي ﷺ، فذكر الرسول الجواب الذي جاء بـ أبي سعيد ﵁ من أجله، فقد جاء ليقول: أعنا وأعطنا معونة يا رسول الله ﵊، فقال النبي ﷺ: (من استغنى أغناه الله ﷿، ومن استعف أعفه الله ﷿، ومن استكفى كفاه الله ﷿، ومن سأل وله قيمة أو قية فقد ألحف).\nفالنبي ﷺ ذكر هنا الإنسان الذي يستغني، فيطمئنه أن الله غني وسيعطيه الغنى حتى ولو كان هذا الإنسان ليس عنده شيء، فغناه في قلبه، فمن استغنى بالله أغناه الله سبحانه، ومن استكفى بالله وقال: حسبي الله ونعم الوكيل، كان الله حسبه وكافيه.\nومن استعف عن أموال الناس، فلا يطمع، ولا ينظر إلى الناس، ولا يحدث نفسه أن فلانًا معه كذا سأذهب وآخذ منه قليلًا.\nفأبو سعيد كان ذاهبًا إلى النبي ﷺ يطلب منه، فقال له هذا الكلام، ثم قال ﷺ: (ومن سأل وله قيمة أوقية) يعني: عنده قيمة أوقية، والأوقية: أربعون درهمًا، والدرهم حوالي ثلاثة جرام من الفضة، إذًا: فالأوقية قيمتها: حوالي مائة وعشرين جرامًا من الفضة، وجرام الفضة قيمته من سبعين قرشًا إلى جنيه، إذًا فـ (١٢٠) جرامًا من الفضة تساوي (١٠٠) جنيه مثلًا، فالذي معه مثل ذلك ويسأل، فهذا يسأل إلحافًا.\nفـ أبو سعيد الخدري تفكر في نفسه أن من عنده ناقة فعنده أكثر من أوقية، فقال: (ناقتي خير من أوقية) يعني: لو بعتها فستأتي بكذا ولكن أنا أحتاجها، إذًا سأسأل النبي ﷺ، فنفعته الموعظة وانصرف ولم يطلب من النبي ﷺ شيئًا.\nلفظ الحديث عند الإمام أحمد: قال النبي ﷺ: (من استعف أعفه الله) أي: من تعفف عن أموال الناس، ولم يمد عينه ولا يده إلى أحد أبدًا، فإن الله سبحانه يعفه، ويجعل القناعة في قلبه.\n(ومن استغنى) يعني: بالله سبحانه، (أغناه الله)، (ومن لجأ إلينا) أي: جاء يسألنا ويطلب منا، (فوجدنا له أعطيناه) أي: الذي سيسألنا لن نعطيه دائمًا، بل بحسب ما عندنا، فإذا كان عندنا أعطيناه، وإذا لم يوجد عندنا لم نعطه شيئًا.\nوجاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه أيضًا قال: (إن أناسًا من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم) ومنهم أبو سعيد ﵁ ذهب ليسأل فانتفع بهذه الموعظة، وسمع النبي ﷺ وهو يقول: (ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم) أي: أن المال الذي في يده سيوزعه على الناس ﵊: (ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغنِ يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله)، وهنا زيادة في صحيح البخاري ومسلم وهي: (ومن يتصبر يصبره الله).\nأي: أن الإنسان عنده صبر أصلًا، لكن الكلام هنا عن الإنسان الذي يتصبر وليس عنده صبر، لكنه يحاول، فنفسه تريد ولكن هو يضغط على نفسه لتسكت وتصبر، فهذا هو الذي يتصبر، فيصبره الله، أي: يعينه على الصبر.\nقال ﷺ: (وما أعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر) أي: أن أعظم ما يعطاه الإنسان أن يصبره الله سبحانه.\nنسأل الله ﷿ أن يرزقنا من فضله، وأن يصبرنا سبحانه عن هذه الدنيا، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.\nا.\nهـ","vol":"19","page":8},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-131> الترغيب في الصدقة والحث عليها</span>\nلقد حث النبي ﷺ على الصدقة، وبين أن للعبد في ذلك أجرًا عظيمًا، ومقامًا رفيعًا عند الله ﷾، بل إن الله يتقبل الصدقة فيربيها بيمينه كما يربي أحدنا فلوه حتى تكون مثل الجبل أو أعظم، والعبد يكون في ظل صدقته يوم القيامة، ووعد الله أنه لا ينقص مالًا من صدقة، بل أصل البركة والسعة في الرزق هو الإحسان إلى الفقراء والمساكين.","vol":"20","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>ما جاء في الترغيب في الصدقة والحث عليها</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الحافظ المنذري ﵀: [الترغيب في الصدقة والحث عليها، وما جاء في جهد المقل، ومن تصدق بما لا يحب.\nروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل).\nوروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ﷿).\nوروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يقول العبد: مالي مالي! وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو ما لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى، وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس).","vol":"20","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>شرح حديث: (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب)</span>\nهذه الأحاديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه يذكرها الحافظ المنذري ﵀ في الترغيب في الصدقات والحث عليها، ومنها حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (من تصدق بعدل تمرة).\nيقال: عِدل وعَدْل، أي: مقدار، فإذا كان أراد جنسها فهو العِدل، أي: عدل تمرة، يعني: نصف تمرة، وإذا كان من قيمتها أو ثمنها فيكون بعَدل تمرة، يعني: بما يساوي التمرة أو الجزء من التمرة.\nقال ﷺ: (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب)، وهذا شرط لابد منه، فإن الكسب الخبيث لا يصلح أن يكون صدقة، والنار أولى بصاحبه، فهنا الذي يتصدق يتصدق بالمال الطيب وليس بالمال الخبيث.\nقال: (ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يقبلها بيمينه)، فيقبلها الله ﷿، وتنزل من الله ﷿ المنزلة عظيمة (يقبلها بيمينه).\nقوله: (ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل) قالوا: الفلو: هو المهر الصغير، فيربيه الإنسان حتى يصير حصانًا كبيرًا مثل الخيل العظيم، وكذلك الشيء اليسير من الكسب الطيب يتصدق به الإنسان فإن الله ﷿ ينمي له أجره حتى يصير مثل الجبل العظيم.\nوفي رواية أخرى في الحديث: (إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد).\nفإذا تصدق الإنسان لله فإن الله ﷿ يربيها لهذا الإنسان وينميها حتى تصير كجبل أحد.","vol":"20","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>شرح حديث: (ما نقصت صدقة من مال)</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (ما نقصت صدقة من مال).\nوقال: (ثلاث أقسم عليهن) أي: أحلف عليهن، وذكر منها: (ما نقصت صدقة من مال) فالشخص عندما يتصدق فإن الله يبارك له في ماله، ويزداد ماله بهذه الصدقات التي يخرجها لله ﷿.\nقال ﷺ: (وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا) فالإنسان إذا عفا عن خصمه، وإذا عفا عن الإنسان الذي أساء إليه زاده الله عزًا، قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون:٩٦]، فإذا دفع بالحسنى وعفا فالله ﷿ يزيد هذا العبد عزًا.\nقوله: (وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ﷿) فالإنسان المتواضع الذي يخاف رب العالمين، ويعرف أن أصله من تراب فلا يستكبر على أحد من خلقه، فكلما تواضع الإنسان رفعه الله ﷾.","vol":"20","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>شرح حديث: (بقي كلها غير كتفها)</span>\nروى الترمذي عن عائشة ﵂ أنهم ذبحوا شاة فقال النبي ﷺ: (ما بقي منها؟ قالت: ما بقي منها إلا كتفها، فقال ﷺ: بقي كلها غير كتفها) فالذي بقي منها كلها يعني: عند الله ﷾، فكتف اللحم الذي سيبقى هو الذي أنفق صدقة، فالنبي ﷺ يعلمنا أن ما أخرجناه لله فإنه لا يضيع أبدًا، فهناك مال أنت تحفظه في نفقتك ومتعتك، وهناك مال تخرجه لله؛ فالذي أخرجته لله هو هذا الذي يدخر عند الله ﷾ ويبقى، فهذه هي حقيقة الأشياء، فالأشياء لها ظاهر أمامنا نراه، ولها حقيقة أخرى عند الله ﷾، فمال العبد إما أن ينتفع به في الدنيا فينفذ كما سيأتي في الحديث، وإما أن يتركه لوارثه ويغادر الدنيا ولم ينتفع بهذا المال، وفي كل الأحوال هو نفع مؤقت، وأما الذي أخرج لله ﷾ فهو الذي يبقى، ويأتي العبد يوم القيامة فيجد هذا المال ثوابًا عند الله سبحانه، ويجده مظلة تحميه يوم القيامة من حر الشمس في هذا اليوم العظيم كما سيأتي في الأحاديث.","vol":"20","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>شرح حديث: (وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى)</span>\nروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: (يقول العبد: مالي مالي) يعني: أن العبد يغتر بالمال، فيقول ﷺ: (وإنما له من ماله ثلاث)، أي: أن الذي ينتفع به من هذا المال هو ثلاث حاجات، (ما أكل فأفنى)، أكل فانتهى أمر هذا الذي أكله، (أو لبس فأبلى) أي: يلبس الثوب ثم بعد ذلك يتقطع وينتهي.\n(أو أعطى فاقتنى) والمعنى: أنه أعطى لله سبحانه، فحقيقة ما أعطاه لله هو هذا الذي اقتناه، فإذا أخرج المال فتصدق به على الفقير والمسكين، أو أعطاه لرحمه فهذا هو الذي اقتناه حقيقة عند ربه سبحانه.\nقال ﷺ: (وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس).","vol":"20","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>شرح حديث: (فإن ماله ما قدم)</span>\nجاء عن ابن مسعود ﵁ في صحيح البخاري أن النبي ﷺ سأل: (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟) أي: من يحب أن يكون مال الوارث أحب إليه من ماله؟ فالصحابة قالوا: ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، فإن مالي في يدي سأتصرف فيه، وأستمتع به، والآن تغير حال الناس وتغير تفكيرهم، فتجد الذي يدخر للزمن، والذي يجمع للوارث، وهو حقيقة لا يجمع لا لوارث ولا لغيره، وإنما يجمع لنفسه، ويزعم أنه خائف على العيال، وعندما يكبرون ويحتاجون لا يعطيهم شيئًا.\nفالصحابة كانوا قوم صدق رضوان الله ﵎ عليهم، قالوا: لا، إن مالنا أحب إلينا من مال وارثنا، فقال ﷺ: (فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخر).\nفيخبر النبي ﷺ: أن مالك حقيقة هو الذي قدمته لله، فهذا المال يوم القيامة تستمتع به، ومال الوارث الذي أنت حزته وادخرته ولا تدري فيم ينفقه هذا الوارث، وليس المعنى: أن الإنسان يترك الورثة عالة يتكففون الناس، لا، ولكن المعنى: أن تبذل طالما وأنت قادر على البذل، فابذل وادخر لك عند الله ﷿.\nوفي حديث سعد ﵁ لما سأل النبي ﷺ: (أتصدق بمالي؟ فقال له: لا، قال: فالشطر؟ قال: لا، قال: فالثلث؟ قال: نعم، والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس).\nفإذا تصدقت بثلث المال فهذا كثير، فليس المقصد أنه يترك الورثة يمدون أيديهم إلى الناس، لا، وإنما يورث للورثة مالًا بحيث أنهم لا يمدون أكفهم للناس، ولكن لا تنسى نفسك من الصدقة والادخار عند الله، فبعض الناس يدخر المال كله للوارث ولا يخرج زكاة ولا صدقة، فهو خائف من الزمن، وخائف ألا يحصل له حاجة، فيموت ويترك المال يأخذه الورثة ويستمتعون به، وينسوه، ويمكن إذا ذكروه قالوا: كان بخيلًا ما كان يتصدق، ما كان يخرج زكاة، فلا يتحدثون عنه بخير أبدًا.\nقال ﷺ: (فإن ماله ما قدم) يعني: إلى الله ﷿، (ومال وارثه ما أخر)، فإن تصدق فمستحيل أنها تنقص من المال، فهذا وعد من النبي ﷺ أنطقه به ربه سبحانه فقال: (ما نقص مال من صدقة)، ولا نحتاج أن يحلف صلوات الله وسلامه عليه؛ فهو الصادق المصدوق والمعصوم صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"20","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>شرح حديث: (بينا رجل في فلاة من الأرض فسمع صوتًا في سحابة)</span>\nوروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (بينا رجل في فلاة من الأرض).\nأي: في صحراء من الأرض، (فسمع صوتًا في سحابة: أسق حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة) سمع الرجل صوتًا من السحاب يقول ذلك، فإذا بالسحاب يجتمع ويميل إلى الحرة يعني: أرض حجرية، فالسحاب ترك الرمال والتراب وذهب إلى أرض حجرية، فأنزل كل الماء في هذه الأرض الحجرية.\nقال: (فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله) الشرجة: شعب في الحجارة استوعب كل الماء من السحابة.\nفالرجل مشى وراء الماء لينظر إلى أين سيصل هذا الماء، قال: (فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقة يحول الماء بمسحاته)، شخص في حديقة يعدل الماء ويحوله (فقال له: يا عبد الله! ما اسمك؟ فقال: فلان للاسم الذي سمع في السحابة، فقال له: يا عبد الله! لم سألتني عن اسمي؟ قال: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان لاسمك فما تصنع فيها؟) أي: ماذا تعمل في هذه الأرض حتى أكرمك الله بسحابة نزلت لك لوحدك؟ (فقال: أما إذ قلت هذا فإني أنظر ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثًا، وأرد فيها ثلثًا) انظر إلى تدبير الرجل للأمر فيه! فإن حظ نفسه وعياله ما ضاع، وكذلك الحديقة بحاجة إلى مال ليصلحها، وأعطى الفقراء الثلث الثالث، فلم يضيع الله ﷿ أجر هذا الإنسان، وأرسل له سحابة من الصحراء لتوصل الماء إليه بهذه الطريقة العجيبة، فهذه آية للخلق حتى يعلم الإنسان أنه مهما أعطى لله فلن يضيعه الله ﷿، فإذا أعطى لله لم يعط ماله كله، وإنما أعطى ثلث المال لله ﷾.\nوالنبي ﷺ قال لـ سعد: (الثلث والثلث كثير)، وكعب بن مالك لما قال للنبي ﷺ: (إن من توبتي أن أتصدق بمالي؟ قال: لا، أبق عليك بعضه فهو خير لك).\nأي: لا تتصدق بالمال كله، فالإنسان يتصدق بشيء والله ﷿ يبارك له في الباقي من ماله، وينمي له هذه الصدقة ويؤجره عليها يوم القيامة.","vol":"20","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>شرح حديث: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله)</span>\nوعن عدي بن حاتم كما في الصحيحين أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان)، فكل عبد من عباد الله سيكلمهم الله سبحانه ليس بينه وبين الله ترجمان، ولا توجد واسطة بينهم وبين الله، وهذا في يوم القيامة.\nقال: (فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم)، والإنسان يكون مرعوبًا بين يدي الله ﷿، فلا يجد إلا العمل الذي عمل.\nقال: (فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة) فالإنسان المؤمن كلما ذكر النار أنفق وفعل الخير؛ لأجل أن يتقي هذه النار فلا يقع فيها.","vol":"20","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>شرح حديث: (الصوم جُنة والصدقة تطفئ الخطيئة)</span>\nعن معاذ بن جبل ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر وذكر الحديث وفيه: قال ﷺ: (ألا أدلك على أبواب الخير؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار).\nقوله: (الصوم جُنَّة)، فتصوم رمضان وتصوم تطوعًا لله حتى تكون لك سترًا ووقاية من النار، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، فالصوم يقيك من النار، والذي يطفئ لك هذه النار هي الصدقة، فأنت عندما تصوم وتتصدق وقيت نفسك من النار، وأطفأت عن نفسك هذه النار.\nوعن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس)، رواه أحمد وابن خزيمة.\nفيوم القيامة هو يوم مقداره خمسون ألف سنة، فالشمس تدنو من الرءوس حتى ما يبقى إلا قدر ميل، سواء ميل المسافة أو ميل المكحلة، فإنها فوق الرأس مباشرة، فمن سيظلل العبد من هذه الشمس يوم القيامة؟ فأخبر النبي ﷺ أن الصدقة ستظللك من هذه الشمس يوم القيامة، ذلك اليوم الطويل الذي قدره خمسون ألف سنة.\nيقول النبي ﷺ: (كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس)، قال يزيد: فكان أبو مرثد لا يأتي يوم إلا تصدق فيه بشيء.\nوهذا رجل من التابعين اسمه: أبو مرثد رضي الله ﵎ عنه، وكل يوم يأتي لابد أن يتصدق فيه بصدقة حتى يظله الله بظله يوم القيامة.\nقال: حتى ولو كعكة، ولو بصلة، حتى تدركه رحمة الله، فلا يشترط أن تكون الصدقة مالًا كثيرًا، لا، ففي الحديث قال: (ولو بشق تمرة)، فكان الرجل يأخذ أي شيء ليتصدق به على أخيه الموجود.\nوفي رواية: أنه كان أول شخص يذهب إلى المسجد، قال: وما رايته داخلًا المسجد قط إلا وفي كمه صدقة.\nفكأن الرجل ما كان غنيًا، لكنه كان يتصدق بما يملك: إما خبزًا، أو قمحًا، قال: حتى ربما رأيت البصل معه يحمله، قال: فأقول: يا أبا الخير! إن هذا البصل يعطي ثيابك رائحة كريهة! فقال: يا ابن أبي حبيب! أما إني لم أجد في البيت شيئًا أتصدق به غيره، إنه حدثني رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: (المؤمن يوم القيامة في ظل صدقته).\nوفي رواية: (أن الصدقة لتطفئ عن أهلها حر القبور، وإنما يستظل المؤمن يوم القيامة في ظل صدقته)، وهذه رواية أخرى.\nفنتعلم من هذه الأحاديث أن المؤمن إذا قدر على الصدقة فليتصدق ولو بأقل الأشياء، ولا تستقل شيئًا تنفقه لله ﷾، فأعط ولو القليل أفضل من ألا تعطي شيئًا، وعندما يتعود الإنسان فيعطي شيئًا فشيئًا تكون له عادة بعد ذلك، فكل يوم له صدقة من الصدقات، ويوم القيامة يجد ظلًا وفيرًا عظيمًا، وفي قبره لا يجد ما يطفئ عنه نار القبر إلا الصدقة.\nنسأل الله ﷾ أن يظلنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وأن يطفئ عنا نيران القبور.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"20","page":10},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-141> الترغيب في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها وفضل تعلمه وتعليمه والترغيب في سجود التلاوة [١]</span>\nالقرآن هو الدستور الذي قادت به أمة الإسلام سائر أمم الأرض، وهو الحبل المتين والذكر الحكيم، ولعظم منزلته كان لقراءته أجر عظيم، وكان هذا الأجر ليس مقصورًا على الذي يجيد قراءته والماهر فيه، وإنما شمل كل مسلم قرأ كتاب الله ولو تتعتع فيه، بل لهذا المتمتع أجران.","vol":"21","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>الترغيب والحث على قراءة القرآن</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام المنذري ﵀: الترغيب في قراءة القرآن.\nوعن عقبة بن عامر ﵁، قال: (خرج رسول الله ﷺ ونحن في الصفة، فقال: أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين زهراوين في غير إثم ولا قطع رحم؟ فقلنا: يا رسول الله! كلنا يحب ذلك، فقال ﷺ: أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو فيقرأ آيتين من كتاب الله ﷿، خير له من ناقتين وثلاث خير من ثلاث، وأربع خير من أربع، ومن أعدادهن من الإبل)، رواه مسلم وأبو داود.\nوعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة، ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها، وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانه، ريحها طيب، وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن، كمثل الحنظلة ليس لها ريح، وطعمها مر)، متفق عليه.\nهذه أحاديث أخرى يذكرها الإمام المنذري ﵀ في كتابه الترغيب والترهيب، في باب الترغيب في قراءة القرآن في الصلاة وغير ذلك.\nفالمؤمن يقرأ كتاب الله، ويحفظ منه ما استطاع؛ لأنه يعلم أنه نور في قلبه، وأنه بحفظ المؤمن له، يحفظه الله ﷿ به، فيتعلم القرآن؛ لأن خير الناس متعلم القرآن والعالم به.","vol":"21","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>شرح حديث: (أيكم يحب أن يغدو إلى بطحان)</span>\nوهنا من الأحاديث، حديث لـ عقبة بن عامر: (أنه خرج النبي ﷺ وهم في الصفة)، والصفة: مكان في آخر المسجد كان يجلس ويعيش فيه فقراء المسلمين، ويبيتون ويصلون فيه، فخرج عليهم وقال لهم: (أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطع رحم)، بطحان والعقيق: موضعان بالمدينة وفيها أسواق للناس فقال لهم: من يحب أن يذهب للسوق هنالك في بطحان أو في العقيق ويشتري ناقة من النوق السمان كوماء عظيمة ضخمة ويرجع من غير أن يصيبه إثم ولا يقطع رحمًا في ذلك؟ فقالوا: كلنا يحب ذلك، فكلنا نريد أن نشتري ويكون عندنا نوقًا عظامًا من غير إثم ولا قطيعة رحم، فقال النبي ﷺ: (أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو يقرأ آيتين -وفي رواية أخرى- فيعلم أو يقرأ آيتين).\nفإذا كأن الذي يذهب إلى بيت الله ﷿ فيتعلم آية واحدة ويحفظها أو يعرف الحكم الشرعي الذي فيها فهذا أفيد وأنفع له من أن يحصل على ناقة عظيمة كوماء أو جمل عظيم أكوم كما جاء في الحديث، أو ناقتين كوماوين، فالآية الواحدة خير له من ذلك، والثلاث خير من ثلاث نوق وهكذا.\nفقال ﷺ: (أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله ﷿، خير له من ناقتين وثلاث خير من ثلاث، وأربع خير من أربع، ومن أعدادهن من الإبل)، فهذا كنز عظيم لك، وأجر عظيم عند الله ﷾ فإذا جئت إلى بيت الله فتعلمت آية سواء بقراءتها أو بحفظها فهذا خير وأفضل من أحسن الإبل، أو أنك تتعلم الآية حكمها الشرعي.","vol":"21","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>شرح حديث: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة)</span>\nمن الأحاديث حديث أبي موسى الأشعري الذي يبين فيه النبي ﷺ الفرق بين المؤمن والمنافق، فهنا يقول: مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن، ومثل المنافق -وفي رواية الفاجر- الذي يقرأ القرآن ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن.\nفكأن الناس منهم مؤمنون ومنهم منافقون ومنهم فجار، والمنافقون والفجار جعلهم في هذا الحديث في مرتبة واحدة في حفظهم للقرآن أو عدم حفظهم للقرآن، والمؤمنون هنا ذكرهم النبي ﷺ على قسمين: مؤمن قارئ للقرآن يعني: حافظ له، وقد وصفه بقوله: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة: ريحها طيب، وطعمها طيب)، والأترجة نوع من الموالح مثل البرتقال، وهو نوع من الحمضيات، وريحها طيب وطعمها طيب، فالمؤمن الذي يحفظ القرآن سواء حفظه كله أو حفظ بعض كتاب الله سبحانه، مثله كمثل هذه الأترجة الثمرة طيبة لذيذة الطعم.\n(مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب) فهذا لا تعدم منه خيرًا أبدًا، ففي مجالسته لك خير، وفي مكالمتك له خير، فتسأله وتستفهمه عما تريد من أمر دينك وتتعلم منه؛ لأنه يقرأ القرآن.\nوالصحابة كانوا يقرءون القرآن كما علمهم النبي صلوات الله وسلامه عليه، وليس مجرد حفظ كما هو حال كثير من الناس في زماننا، فيحفظ القرآن ولا يفهم شيئًا من معانيه، ويحفظ القرآن ولا يدري ما الذي يقرأه.\nوهذا خلاف ما كان يفعله الصحابة فقد كانوا يتعلمون القرآن علمًا وعملًا، ويقرأ الواحد منهم ويتلو القرآن ويعلم ما فيه ويفهم معانيه؛ لأنه صاحب لسان ومن أهل اللغة العربية، فهم يفهمون القرآن العظيم، فلذلك إذا قيل: هذا قارئ للقرآن من أصحاب النبي ﷺ فمعناه: أنه قارئ حافظ عالم بمعانيه عامل بما فيه، فهؤلاء هم أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nفالذي يتشبه بهؤلاء مثله مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، فتكون قراءته للقرآن شيء حسن، وقراءة القرآن دليل على أنه يعرف أحكام القرآن فيعمل بها، فإذا خبرت هذا الإنسان واختبرته وجدته عاملًا به، ومثل هذا الإنسان مثل ما تجد الثمرة عندما تأخذها وتجد أن ريحتها طيبة، وعندما تتذوق طعمها تجد طعمها جميل، فحافظ القرآن من المؤمنين كذلك: ظاهره طيب، وباطنه طيب.\nوأما الصنف الثاني من المؤمنين: فهم من لا يحفظ القرآن ولا بعضه، فقد قال لنا النبي ﷺ: (ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها، وطعمها حلو)، فالتمرة تراها من بعيد فلا تشم لها رائحة، فلا نفع في أنك تراها من بعيد، لكن نفعها في أن تأكلها، فإذا أكلتها وجدت فائدتها، فكذلك الإنسان المؤمن الذي لا يحفظ القرآن، فيكون النفع في التعليم غير موجود، لكن النفع في العمل موجود، وأن هذا المؤمن يعمل لله ﷾، فتجده في العمل يعمل ولكن في التعليم لا يوجد له أثر؛ لأنه لا يحفظ كتاب الله ﷿، ولا يعرف أحكامه.\nوهناك فرق كبير بين من يحفظ ويعلم ويعمل وبين من يعمل ولا يحفظه.\nثم ذكر في الحديث صنفًا غير المؤمنين وهم المنافقون والفجار، فجعلهم مع القرآن بمنزلة المنافق، إما منافق يحفظ القرآن أو يحفظ بعضه، وإما منافق لا يحفظ شيئًا من القرآن، والمنافق الذي يحفظ القرآن قال لنا: (مثله مثل الريحانة)، فعندما تشم ريحانة تجد رائحتها جميلة من بعيد، ولكن عندما تتذوقها تجد طعمها مر، وكذلك المنافق، فتنتفع من المنافق الذي يقرأ القرآن بشيء فلعله يقرأ القرآن بصوت جميل، فيعجبك صوت، ولعلك تسأله عن أماكن الآيات فيجيبك، وتجده لا يعمل بشيء مما ورد في القرآن، فيستبيح لنفسه أن يكذب وينافق ويرائي ويخادع ويخون؛ ولهذا شبهه النبي ﷺ بالريحانه؛ فرائحتها فيها فائدة، وهذا مثل كلامه المحسَّن، وأما عمله فلا فائدة فيه، فهو منافق، فإذا خبرته وجدت المرارة في عمله، ووجدت بعده عن دين الله ﷾.\nوالمنافق أو الفاجر الأخير الذي جاء ذكره في الحديث هو الذي لا يقرأ القرآن، وبهذا يكون قد جمع الشر كله، فهو لا يعرف شيئًا في دين الله ﷿، ولا يعمل بما أمر الله سبحانه، فمثله كمثل الحنظلة رائحتها غير طيبة، فلا تنتفع برائحتها، فهو لا يعلَم ولا يعلِّم، وكذلك إذا خبرته وبلوته في العمل وجدت منه المرارة في أعماله، ووجدت منه الخيبة والخسران في أقواله وأفعاله، قال ﷺ: (كمثل الحنظلة: ليس لها ريح وطعمها مر).\nولذلك فالإنسان المؤمن الذي يجد هذه الصور الأربع التي ذكرها النبي ﷺ يتنافس في أعلى ما يكون وأفضل ما يكون، ويحاول أن يحفظ كتاب الله ﷾، وحفظ القرآن يسير على من يسره الله ﷿ له، وإنما يحتاج لإرادة وعزيمة، والإنسان المؤمن الذي يحب أنه يحفظ القرآن سيعينه الله على ذلك، وحفظ القرآن لن يكون بين يوم وليلة، وإنما يحتاج لمكافحة ومتابعة ومحافظة على ما تحفظه بمراجعة ما سبق حفظه، وبقراءته في صلاتك حتى يثبته الله ﷿ في قلبك.\nوهناك كثير من الناس يطلق عليه أنه يحفظ القرآن، فلما يُطلب منه أن يقرأ هذه الآيات فلا يعرف منها شيئًا، وحفظ القرآن لا يكون بالقوة، فإذا أردت مثلًا أن تحفظ سورة البقرة مثلًا في يوم واحد، فلا تستطيع، وهذا لا يمكن، فعليك إذا أردت الحق أن تبدأ من آخر المصحف من جزء عم، ومن السور القصيرة وتحفظ شيئًا فشيئًا إلى أن تتمرن على الحفظ وتصل إلى السور الكبيرة بعد ذلك، وأما أن تترك قصار السور والسهلة منها وتحاول حفظ السور الطويلة التي آياتها طويلة وأحكامها متشابهة، فلعله يكون صعبًا عليك، لذلك فالعلم آية آية وحديث حديث.\nولا تمل ولا تيأس، وخاصة إنك قرأت كلما أعطاك الله ﷿ من الأجر، فعندما تقرأ القرآن وأنت حافظ له ومجيد للقراءة فلك درجة عند الله، وعندما تقرأ القرآن وهو صعب عليك وتتعتع فيه فلك درجة عند الله ﷾، وفي كلا الحالتين أنت مثاب، فلا تترك القرآن أبدًا، ولكن حاول أن تتعلمه.\nونرى في حديث السيدة عائشة ﵂، الذي رواه البخاري ومسلم والذي قال فيه ﷺ: (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة)، والماهر هو الذي يحفظ القرآن حفظًا جيدًا، وحفظه للقرآن علمًا وعملًا، فيحفظ القرآن ويعمل بما يحفظه من القرآن ويفهم معاني القرآن، وهذا من أعلى ما يكون، فهو مع السفرة الكرام البررة، والسفرة هم الملائكة، وهم سفراء الله ﷿ إلى الأرض، وقد نزلوا بالقرآن من عند الله ﷿، والملائكة لا تخطئ في الذي تنزل من عند الله ﷿، فكذلك الإنسان الذي يحفظ القرآن فإنه يقيمه حروفًا وحدودًا، ويعرف معانيه ويقرأه دائمًا في صلاته وغيرها، وهذا مع السفرة الكرام الأبرار.\nقال ﵊: (والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران) أي: أنك ما دمت تقرأ القرآن فلن تعدم خيرًا أبدًا، فعندما تقرأ القرآن وتتعتع فيه وتقرأ الكلمة وتعيدها مرة أخرى إلى أن تتقنها فلك على كل حرف عشر حسنات، ولك على هذه التعتعة والمشقة التي تقرأ بها القرآن لك فيها أجران، لذلك فالإنسان المؤمن يجب عليه أن يقرأ القرآن حتى ولو كان لا يجيد قراءته، ولكن لابد من التعلم، فالإنسان لا يركن للخمول والراحة التي هو فيها، فعلى الإنسان أن يحاول، وليبحث عمن يعلمه، ويحضر مجالس الذكر ومجالس العلم؛ لكيلا يستمر على ضعف في القراءة، ولا يمنعك من حضور مجالس الذكر الخجل وتقول: أنا أخجل من أن أقرأ وأخطئ ومن ثم يسخروا مني، فاعلم أن لك أجرين؛ لأنك أتعبت وذللت نفسك لطلب العلم، ولذلك فالإنسان الذي يصل إلى درجة العالم لا بد وأن يذل نفسه للعلماء حتى يتعلم منهم، ولذلك يقال: إن العلم ينال ببذل النفوس، فالإنسان يتواضع لمن يعلمه ويتعلم منه، فإذا قرأ القرآن وغلط فإنه يذهب لمن يعرفه كيف يقرأ القراءة الصحيحة.\nوأما الإنسان الذي يستحيي فإنه يضيع منه العلم، فإن العلم يضيع من الإنسان بأمرين هما: الكبر والحياء، فإذا منعك الخجل فإنك لن تقرأ ما حييت.\nوالإنسان الذي يتكبر عن سؤال غيره بحجة أنه أفضل من غيره فلن يصل وحده أبدًا، وإنما ينال العلم بالصبر على مجالسة أهل العلم حتى يصل الإنسان إلى ما يحبه الله ﷾.\nوورد حديث عن أبي ذر أنه قال: (يا رسول الله! أوصني، فقال ﷺ: عليك بتقوى الله فإنه رأس الأمر كله، قال: زدني يا رسول الله! فقال: عليك بتلاوة القرآن فإنه نور لك في الأرض وذخر لك في السماء).\nفتلاوة القرآن نور لك في قلبك في طريقك وفي سبيلك وفي دعوتك إلى الله ﷿، فهو الذي ينور الله ﷿ به بصرك وبصيرتك، ويفتح مداركك وحسك وقلبك بهذا القرآن العظيم، وهو ذخر لك، وأجر مدخر عند الله في السماء.\nنسأل الله ﷿ أن يعيننا على حفظ كتابه وسنة نبيه ﷺ، وعلى العلم والعمل على الوجه الذي يرضى به عنا ﷾.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"21","page":4},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-145> الترغيب في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها وفضل تعلمه وتعليمه والترغيب في سجود التلاوة [٢]</span>\nلقد أنزل الله ﷿ كتابه الكريم وحث على تدبره وتعقله والعمل به، وجعل لحفظته والعاملين به الأجر العظيم عنده سبحانه، وخصهم من بين سائر الناس أن جعلهم أهله وخاصته، وليس ذلك إلا لقارئ القرآن والعامل به، بل ما رخص النبي ﵌ أن يحسد أحد إلا اثنان أحدهما: قارئ القرآن والعامل به، والتالي له آناء الليل وأطراف النهار.\nفأنعم بها من نعمة، وأجزل به من أجر وشرف.","vol":"22","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>أنواع الحسد الجائز</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nروى الإمام البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثلما أوتي فلان فعملت مثلما يعمل، ورجل آتاه الله مالًا فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثلما أوتي فلان فعملت مثلما يعمل) وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد، يقول الصيام: رب إني منعته الطعام والشراب بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال: فيشفعان).\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ (أن أسيد بن حضير بينما هو في ليلة يقرأ في مربده إذ جالت فرسه، فقرأ، ثم جالت أخرى، فقرأ ثم جالت أيضًا، فقال أسيد: فخشيت أن تطأ يحيى -يعني: ابنه- فقمت إليها فإذا مثل الظلة فوق رأسي فيها أمثال السرج عرجت في الجو حتى لا أراها، قال: فغدوت على رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله! بينما أنا البارحة في جوف الليل أقرأ في مربدي إذ جالت فرسي، فقال رسول الله ﷺ: اقرأ ابن حضير قال: فقرأت ثم جالت أيضًا، فقال رسول الله ﷺ: اقرأ ابن حضير، قال: فقرأت، ثم جالت أيضًا، فقال رسول الله ﷺ: اقرأ ابن حضير قال: فانصرفت وكان يحيى قريبًا منها خشيت أن تطأه، فرأيت مثل الظلة فيها أمثال السرج عرجت في الجو حتى ما أراها، فقال رسول الله ﷺ: تلك الملائكة كانت تستمع لك، ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستر منهم) متفق عليه.\nوهذه أحاديث أخرى يذكرها الإمام المنذري ﵀ في الترغيب في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها.\nفمن الأحاديث حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا حسد إلا على اثنتين) وجاء في حديث أبي هريرة وفيه: (لا حسد إلا في اثنتين).\nوالحسد هنا بمعنى: الغبطة حيث يغتبط الإنسان ويغبط غيره، ويغبطه أي: يتمنى أن يكون لنفسه مثلما لهذا الإنسان.\nفهذا هو المقصود من الحسد في هذا الحديث، وإلا فالحسد مذموم شرعًا، وهو حرام، وربنا ﷾ أمرنا أن نتعوذ من شر حاسد إذا حسد.\nأما الحسد فأصله تمني زوال نعمة الغير، كأن يرى في يد غيره نعمة فيتمنى أن تزول هذه النعمة من الغير، خاصة إذا كان هو محروم منها، فهو لا يحب لغيره أن يؤتى بشيء ليس عنده، أو يتمنى أن تزول من يد هذا الإنسان وتصير إلى يده هو، فهذا هو الحسد الذي نهينا عنه شرعًا.\nأما أن تغبط ما مع الإنسان وتتمنى أن يكون معك مثل الذي معه فلا مانع من ذلك، وخاصة في أمر الخير.\nفالنبي ﷺ يقول لنا: لا حسد أي: لا غبطة إلا في أمرين اثنين، قال: (إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثلما أوتي فلان).\nفهنا يجوز للإنسان أن يتمنى أن يكون حافظًا للقرآن مثل فلان الذي يحفظه، ويتمنى من الخير لنفسه مثل هذا الخير الذي عند فلان فهذا الأمر الأول.\nالأمر الثاني: أن يكون إنسان له مال ينفقه في الحق، وفي سبيل الله سبحانه، ينفقه على الفقراء، والمساكين، وذوي القربى، واليتامى، وينفق في كل وجه من وجوه الخير، فهو لا يكتنز المال وإنما ينفقه.\nإذًا: معنى كلمة (فهو يهلكه في الحق) وفي الحديث الآخر: (فسلطه على هلكته) يعني: سلطه الله على هذا المال بالإنفاق ولا يمكن لإنسان أن ينفق لله ﷿ ويحرمه الله سبحانه، قال النبي ﷺ: (ما نقص مال من صدقة) فالإنسان ينفق والله ﷿ يزيد من خيره وبركاته وفضله سبحانه.\nفيرى إنسان هذا الذي ينفق في سبيل الله فيتمنى أن يكون لديه مال مثل هذا الإنسان فينفق كنفقته.\nفهذا حسد جائز، أو هذه رخصة جائزة، لكن أن يغبط الإنسان على شيء من أمر الدنيا ويحسده عليها، فيتمنى له مثلما معه من أمر الدنيا، أو أن تزول نعمة هذا الإنسان، فهذا لا ينبغي.\nفلا ينبغي أن يتمنى زوال نعمة الغير، أو يتمنى أن يكون له حظ من الدنيا كحظوظ أهل الدنيا من اللهو واللعب واللغو؛ إذ لا ينبغي أبدًا أن تتمنى ضياع وقتك وأن تلغو مثل فلان، ولذلك جاء في حديث آخر (اثنان هما في الأجر سواء، واثنان هما في الوزر سواء).\nفالذين في الأجر سواء رجلان: أحدهما عالم علمه الله ﷿ من القرآن وعلمه من السنة، فهو يعمل بعلمه، وأعطاه مالًا ﷾، فهو بعلمه ينفق ماله في كل وجوه الخير، ورجل آخر فقير ليس عنده مال ولا علم، فهو ينظر إلى هذا العالم الذي يتصدق وينفق فيقول: يا ليت لي مثل ما مع فلان، ولو كان لي مثل ما مع فلان لفعلت أكثر منه، فهذا فقير محروم ليس معه مال، لكن نيته صالحة.\nفهو النية الجميلة يقول النبي ﷺ: (هما في الأجر سواء، واثنان في الوزر سواء، رجل ليس عنده علم وعنده مال كثير، وينفق هذا المال في سبل الشر جميعها، ورجل ليس عنده علم وليس عنده مال فيقول: لو أن لي مثل ما عند فلان لفعلت أكثر منه -يعني من المعاصي والشرور والمصائب- فهما في الوزر سواء).\nفالإنسان إذا تمنى الشر أثم عند الله ﷿ إذا علم الله من نيته أنه لو مكن من هذا لفعل، أما من تمنى الشيء ثم تركه خوفًا من الله فهذا يؤجر، وتكتب له حسنة عند الله ﷿.\nولذلك فاحذر من تمني الشر، واحذر من حسد الناس وتمني زوال النعمة عنهم.\nوقالوا: ما رأينا ظالمًا أشبه بمظلوم من الحسود.\nفالإنسان الحسود كلما رأى خيرًا وصل لأحد حزن واغتاظ وكأنه مظلوم في هذا الأمر.\nفمثل هذا الرجل هو ظالم لنفسه وظالم لغيره ومتشبه بالمظلومين خسر الدنيا والآخرة، حيث حرم في الدنيا فلم يعط، وهو في الآخرة يحاسب على حسده للخلق.\nوربنا يقول لنا: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٥٤] أي: هذا فضل الله ﷿ يؤتيه من يشاء.","vol":"22","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>فضل قراءة القرآن</span>\nمن الأحاديث الجميلة في هذا المعنى حديث أسيد بن حضير، ويروي هذا الحديث أبو سعيد الخدري.\nوفيه: أن أسيد بن حضير بينما هو ليلة يقرأ في مربده -والمربد: هو المكان الذي يجمع فيه التمر حتى ييبس فيه- فكان يصلي أسيد بن حضير بالليل في مربده، قال: إذ جالت فرسه أي: كانت فرسه مربوطة بجواره فإذا بالفرس تنفر وتضطرب وهي واقفة في مكانها، وكان ابنه بجوارها فخاف فسكت عن القراءة فسكتت الفرس، ثم قرأ القرآن مرة أخرى فإذا بالفرس تنفر مرة ثانية وأسيد بن حضير لا يعرف لماذا، فسكت مرة ثانية فسكتت الفرس، وفي المرة الثالثة سكت حيث خاف أن ترفس الفرس ابنه، فلما أصبح بالنهار ذهب للنبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! بينما أنا البارحة في جوف الليل أقرأ في مربدي إذ جالت فرسي، فقال له رسول الله ﷺ: اقرأ ابن حضير) أي: أكمل قراءتك، وكأنه يستحضر حاله بالأمس ويقول له: كنت ستكمل قراءتك فلماذا سكت؟ فقال له: أكملت القراءة ولكن الفرس زادت نفورًا، فقال له: (اقرأ ابن حضير) يعني: استحضر حال الأمس، بمعنى: لو كنت أكملت القراءة، فقال له: خشيت على يحيى فانصرفت، فلما أكمل القراءة أو الصلاة التي كان فيها انصرف ونظر في السماء وجد مثل الظلة أي: سحابة في السماء مليئة بالمصابيح وكانت هذه السحابة فوق رأسه وتدنو منه أثناء قراءته للقرآن، قال: رأيت مثل الظلة فيها أمثال السرج عرجت في الجو حتى ما أراها، وكان يقرأ القرآن حتى كانت السحابة من النور تنزل من السماء والفرس تراها وتنفر من مكانها، فهو يسأل ما هذه السحابة التي فيها النور كأمثال المصابيح؟ فقال رسول الله ﷺ: (تلك الملائكة كانت تستمع لك، ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم).\nفهنا قدر الله ﷿ أن تستتر حتى لا يرى الناس الملائكة، ولو أنه أتم قراءته ونزلت الملائكة تدنو منه لأصبح يراهم الناس لعرفوا أن الملائكة تستمع لكتاب الله ﷾ وخاصة من حسن الصوت به.\nوفي رواية أخرى: (قال: فالتفت فإذا أمثال المصابيح مدلاة بين السماء والأرض.\nفقال: يا رسول الله! ما استطعت أن أمضي، فقال النبي ﷺ: تلك الملائكة نزلت لقراءة القرآن، أما إنك لو مضيت لرأيت العجائب)، أي: لو مضيت في قراءتك لرأيت العجائب يعني: من نزول الملائكة من السماء إلى الأرض.\nوالملائكة تنزل، ولكن قد تراها وقد لا تراها، بل أنت إذا قمت من جوف الليل فقرأت القرآن فإن الملك الذي معك يدنو منك يسمع القرآن الذي تقرأه، فإذا كنت في صلاة تقرأ وقد تسوكت ورائحة فمك طيبة فإنه يدنو منك حتى يجعل فمه على فمك، فلا تخرج منك آية إلا في فم الملك من حبه للقرآن.\nفلذلك على الإنسان المسلم أن يستعد لقراءة القرآن بأن يكون على وضوء، وأن يطيب فمه، وأن يحفظ كتاب الله سبحانه حتى يكون من أهل القرآن، بل من أهل الله ﷾.","vol":"22","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>بيان فضل أهل القرآن</span>\nروى النسائي وابن ماجة والحاكم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: (إن لله أهلين من الناس قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته).\nفالإنسان المؤمن يحب أن يكون مع هؤلاء الذين يظلهم القرآن يوم القيامة عند ربه سبحانه يوم لا ظل إلا ظل ربك سبحانه.\nوالمؤمن يحفظ كتاب الله قدر المستطاع، يحفظ منه ولا يراءي بعمله، ولا يطلب به الناس، فقد جاء في الحديث عن عمران بن حصين أنه مر على قارئ يقرأ، وبعد أن أكمل القراءة مد يده يسأل الناس، فقال عمران بن حصين: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنه سيجيء أقوام يقرءون القرآن يسألون به الناس) أي: سيأتي أقوام يقرأ الواحد منهم القرآن ليس لله ﷿ وإنما لأخذ أموال الناس، فحذر النبي ﷺ من هؤلاء.","vol":"22","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>عموم ثواب حفظ القرآن لمن حفظه ولوالديه</span>\nوجاء في حديث عن النبي ﷺ وإسناده فيه ضعف، ولكن له شواهد يرتقي بها إلى الحسن لغيره.\nعن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من قرأ القرآن وتعلمه وعمل به ألبس والداه يوم القيامة تاجًا من نور ضوءه مثل ضوء الشمس، ويكسى والداه حلتان لا تقوم لهما الدنيا، فيقولان: بم اكتسينا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن) فحث أولادك على حفظ القرآن، سيما إذا لم تستطع أنت، واحرص على أن يكون حالهم مع القرآن هو كما ورد في الحديث: (من قرأ القرآن وتعلمه وعمل به) فهذا هو قارئ القرآن، أي: الذي يتعلم ويعمل.\nقال رسول الله ﵌: (ألبس والداه يوم القيامة تاجًا من نور ضوءه مثل ضوء الشمس) فهذا جزاء الوالدين، فكيف بالقارئ نفسه؟ وماذا سيكون له؟ ولذلك يقول الإمام الشاطبي في قصيدته: فيا أيها القاري به متمسكًا مجلًا له في كل حال مبجلا هنيئًا مريئًا والداك عليهما ملابس أنوار من التاج والحلا فما ظنكم بالنجل عند جزاءه أولئك أهل الله والصفوة الملا أولو الفضل والإحسان والبر والتقى حلاهم به جاء القرآن مفصلا فقارئ القرآن من هؤلاء إذا كان أبوه وأمه يكسيان يوم القيامة كيف به هو وكيف بجزائه عند الله ﷿؟ لذلك احرص على حفظ كتاب الله ﷿ ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وليكن حفظك لله ليس للرياء، ولا لأن يقال قارئ للقرآن، ليس لأن يقال صوته حسن، ولكن لله ﷾.\nنسأل الله ﷿ أن يجعلنا من أهل الله وخاصته.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"22","page":5},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-150> الترغيب في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها وفضل تعلمه وتعليمه والترغيب في سجود التلاوة [٣]</span>\nالقرآن دستور الأمة، ومنهجها المعقود عليه مصيرها ومكانتها، وانبثاقًا من هذه الأهمية العظيمة لهذا الكتاب الكريم كان لقراءته وتلاوته أجر عظيم وحسنات هائلة العدد.","vol":"23","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>أحاديث واردة في الترغيب بتلاوة القرآن</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم.\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام المنذري ﵀: [الترغيب في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها وفضل تعلمه وتعليمه وترغيبه بسجود التلاوة.\nعن عثمان بن عفان ﵁ عن النبي ﷺ قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) متفق عليه.\nوعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب.\nوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم وأبو داود].\nإن قراءة القرآن لابد للمسلم منها وخصوصًا في شهر رمضان شهر الصيام فهو شهر القرآن، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥].\nفالمسلم في هذا الشهر يعلم أن القرآن نزل فيه ولم ينزل فيه إلا لفضيلة عظيمة مرتبطة بهذا الشهر، وكون ربنا ﷾ عندما يذكرنا بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] فكأنه يأمرنا بمزيد العناية بالقرآن في هذا الشهر الكريم، ولذلك كان النبي ﷺ يتدارس القرآن في رمضان مع جبريل أكثر مما يكون في غير رمضان.","vol":"23","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>شرح حديث عثمان: (خيركم من تعلم القرآن)</span>\nجاء عن النبي ﷺ حديث في صحيح البخاري، عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) وهذا جاء في البخاري فقط دون مسلم.\nوفيه أفضلية أن تتعلم القرآن؛ فإذا تعلمته علمته بعد ذلك، والإنسان الذي يتعلم دون أن يعمل لا يجوز له ذلك، ولكن يتعلم ويعمل بما تعلمه من القرآن، فالقرآن فيه أحكام الحلال والحرام بشرع الله ﷿ الذي جعله لنا منهاجًا وشريعة وحكمًا يفصل بيننا، فالإنسان المسلم يتعلم القرآن ويعمل به ويعلمه.\nويقول النبي ﷺ: (بلغوا عني ولو آية) أي: بلغوا عني ولو حكمًا شرعيًا من الأحكام.\nإذًا: ففي قول النبي ﷺ: (خيركم من تعلم) فيه أن الصحابة خير الناس؛ لأنهم تعلموا القرآن من النبي ﷺ وهم أهل لسان عربي فصيح، ففهموا القرآن الذي أنزله الله على المعنى الذي يريده ﷾.\nوأما أمثالنا فنحتاج أن نتعلم من اللغة العربية ما نستطيع أن نفهم من القرآن وعلينا أن نتعلم من كلام المفسرين الذين فهموا ما لم نفهم، وتعلموا ما لم نتعلم فنقرأ القرآن وتفسيره الذي ذكره علماء السنة من المفسرين.\nوذكر البخاري عن أبي عبد الرحمن السلمي أحد القراء، وهو يروي هذا الحديث عن عثمان ﵁ عن النبي ﷺ.\nوالمقرئ هو: الذي يعلم الناس ويحفظهم كتاب الله ﷾، وهو غير القارئ؛ لأن القارئ له حافظ للقرآن، لكن المقرئ حافظ ومحفظ للقرآن.\nفـ أبو عبد الرحمن السلمي أقرأ في إمرة عثمان حتى زمن الحجاج، قال: وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا يعني: كان أبو عبد الرحمن يحفظ الناس القرآن، وكان له مجلس في المسجد يجلس فيه يحفظ الناس كتاب الله ﷿، والفترة التي كانت منذ زمن سيدنا عثمان إلى نهاية زمن الحجاج حوالي ثمانٍ وسبعين سنة، وأقل ما قيل فيها: حوالي ثمانٍ وثلاثين سنة تقريبًا.\nفهنا كأنه مكث هذه المدة الطويلة -سواء كانت سبعين سنة، أو ثمانٍ وثلاثين سنة- والعمر الطويل يحفظ القرآن ويعلم القرآن.\nويخبر أبو عبد الرحمن السلمي فيقول: إن هذا هو الذي أقعدني مقعدي هذا.\nفجلس عمرًا طويلًا جدًا يحفظ القرآن ويعلمه، وسبب تحفيظه وتعليمه القرآن هو هذا الحديث العظيم الذي سمعه من عثمان وسمعه عثمان من النبي ﷺ: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).\nفإن قيل: أليس المجاهد خير الناس؟ ف\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أن هنا في هذا الحديث ذكر الذي يعلم القرآن ويعلمه، وهذا من الجهاد في سبيل الله ﷾ في الدعوة إلى الله سبحانه، وفي حفظ دين الله سبحانه، والإنسان الذي يتعلم ويعلم أحكام كتاب الله ﷿، ويعمل بها سيجد فيها الجهاد في سبيل الله، وكان الصحابة هم حفاظ القرآن وهم المجاهدون في سبيل الله ﷾، فكأنهم تعلموا القرآن وعرفوا أحكامه وعملوا بهذه الأحكام فعلموها للناس وجاهدوا في سبيل الله ﷾.\nفالذي يجمع ذلك كله هو الذي يعلم ويحفظ كتاب الله ﷿ ويعمل بما فيه، ويعلم ويجاهد في سبيل الله ﷿ وهذا من خير الناس، أو هو خير الناس كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"23","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>حديث ابن مسعود: (من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة)</span>\nمن الأحاديث التي جاءت في الباب حديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ وفيه: (من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة قال: والحسنة بعشر أمثالها) يعني: له عشر حسنات، قال: (لا أقول الم حرف) في رواية الترمذي.\nوقال: (ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف والحرف بعشر حسنات) وحين تقرأ (الم) من سورة البقرة فلك ثلاثين حسنة، فكيف لو قرأت عشر آيات منها؟! وكيف لو قرأت كل سورة البقرة؟! الحديث رواه أبو جعفر النحاس في كتاب الوقف والابتداء وفيه: (اقرءوا القرآن فإنكم تؤجرون عليه، أما إني لا أقول: الم حرف، ولكن ألف عشر، ولام عشر، وميم عشر فتلك ثلاثون) أي: ثلاثون حسنة تحصل عليها إذا قرأت الم، فكيف إذا قرأت سورة الفاتحة مثلًا وهي أعظم سورة في كتاب الله ﷿؟! وكيف إذا قرأت آية الكرسي وهي أعظم آية في كتاب الله ﷿.","vol":"23","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>شرح حديث أبي هريرة: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله)</span>\nمن الأحاديث العظيمة الجميلة التي نحتاج إليها في مثل هذه الأيام، حديث لـ أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه فيما بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائك وذكرهم الله فيمن عنده) وهذا حديث عظيم عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهو في صحيح مسلم، وأول هذا الحديث ذكر فيه النبي ﷺ: (من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة) وذكر الحديث وفيه: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله) وفضل التلاوة وقراءة القرآن وخاصة إذا كان على وجه السماع والاستماع، والمدارسة، فواحد يقرأ والآخر يصلح له الذي يقرأه ويحفظه، ويعلمهم الأحكام الموجودة فيه والملائكة تحب مثل هذه المجالس، فتجتمع الملائكة حول الناس وخاصة إذا كان في صلاة الصبح أو في صلاة العصر، فإن الملائكة تجتمع في الليل والنهار وفي صلاة الفجر وفي صلاة العصر؛ لأن النبي ﷺ قال: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم) ليعرفوا أحكام القراءة، وأحكام التجويد والأحكام الشرعية من حلال وحرام إلا نزلت عليهم السكينة) فينزل الله ﷾ عليهم السكينة وهي الطمأنينة والسداد، فيأخذوا القيد وهدوء الحال وعدم انشغال إلا بما هم فيه من ذكر الله ﷾، لذا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة فتغطيهم كاللحاف وتحفهم من حولهم، وتحيط بهم ملائكة الله ﷾ وذلك في مجالس الذكر.\nقال: (وذكرهم الله فيمن عنده) فأجر عظيم للإنسان المؤمن الذي يجتمع مع إخوانه على مدارسة كتاب الله ﷾.\nفي آخر الحديث يقول لنا النبي ﷺ: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) فينبغي أن لا تعتمد على نسبك وأنك ابن فلان، وأبوك كان عالمًا، فهذا لا ينفعك في شيء إنما ينفعك عملك الصالح.\nولذا قال: (من بطأ به عمله) أي: الذي يعتمد على النسب وأن أباه كان حافظًا وشيخًا، فكل ذلك لا ينفعك عند الله ﷾؛ لأنه يعرف حقيقتك، ولذلك: (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) فإذا أسرع في العمل الصالح نفعه هذا العمل وكان له ذخرًا عند الله ﷾.\nنسأل الله ﷿ أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.\nأقول قولي هذا وأستغر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"23","page":5},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-155> الترغيب في طلب الحلال والأكل منه والترهيب من اكتساب الحرام وأكله ولبسه ونحو ذلك [١]</span>\nإن مما رغب الله به عباده التحري في الحلال والحرام؛ ليطيب للإنسان مطعمه فتجب بإذن الله دعوته، وهذه هي وصية الله للأنبياء والمؤمنين، وهو إحدى الخصال الأربع التي من كن فيه فلا عليه ما فاته من الدنيا، ولأن أخذ الحرام وعدم التحري فيه سبب لرد الصدقات، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا.","vol":"24","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>التحري في الحلال سبب لإجابة الدعاء</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الحافظ المنذري ﵀: [الترغيب في طلب الحلال والأكل منه، والترهيب من اكتساب الحرام وأكله ولبسه ونحو ذلك.\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد إليه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟!) رواه مسلم والترمذي.\nوروى أحمد والطبراني عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ الأمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة).\nوعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك، ومن جمع مالًا حرامًا ثم تصدق به لم يكن له فيه أجر وكان إصره عليه)].\nهذا باب من كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري ﵀، وفيه الترغيب في طلب الحلال والأكل منه، والترهيب من اكتساب الحرام.\nفالمؤمن مأمور بأن يبحث عن رزقه قال تعالى: ﴿سِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [النمل:٦٩] وقال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك:١٥]، والله ﷿ قد كتب وقسم رزق كل شخص قبل ولادته.\nوالرزق الحلال موجود، ولكن ابحث واصبر والله ﷿ يعطيك من فضله وكرمه سبحانه.\nوقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال النبي ﷺ: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا)، فالله طيب ﷾، ولا يقبل من عبده أن يتصدق إلا بالطيب، ولا ينفق إلا طيبًا، ولا يأخذ إلا طيبًا، ولا يعطي إلا طيبًا، فلا يقبل إلا الطيب ﷾.\nقال رسول الله ﷺ: (وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين) أي: أمر جميع خلقه المؤمنين والمرسلين، فقال للمرسلين: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون:٥١] فأمر رسله عليهم الصلاة والسلام أن يأكلوا الطيبات، وقال: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١]، والأمر نفسه أمر به المؤمنين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة:١٧٢].\nقال أبو هريرة: (ثم ذكر النبي ﷺ الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب!).\nوالمسافر مستجاب الدعوة، فإذا كان مسافرًا وأشعث وأغبر فهذا قريب من الله ﷾، فإذا مد يديه إلى الله فهو حيي كريم يستحيي أن يمد العبد إليه يديه ويردهما صفرًا، ولكن هذا الإنسان لا يستحق أن يستجيب الله ﷿ له، فهو يمد يديه ويقول: يا رب! يا رب! وربنا لا يعطيه شيئًا.\nوالسبب ما ذكر بعد ذلك، قال: (ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له).\nفإنسان لبسه حرام، وأكله حرام، وشربه حرام، أي: لا يتحرى الحلال، فإن كان في عمله سرق الناس وغشهم، وأكل أموالهم بالباطل، فإذا كان المكسب حرامًا، ثم صرف هذا المكسب على طعام وشراب ولبس وسفر ثم يمد يده يقول: يا رب! يا رب! أنى يستجاب له؟! يعني: كيف يستجاب له؟! يعني: هو لا يستحق أن يستجيب الله ﷿ له.\nولذلك فعلى المؤمن أن يطيب مطعمه ومكسبه؛ حتى يستجيب الله دعاءه.","vol":"24","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>خصال الخير خير من الدنيا وما فيها</span>\nمن الأحاديث: حديث رواه أحمد والطبراني عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا)، معنى: أربع: أي: أربع خصال، أو أربع صفات، إذا أكرمك الله بهذه الصفات وكن موجودة فيك فلا يهمك أي شيء من الدنيا ضاع ولو ضاعت الدنيا جميعها، وهن: (حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة).\nفأولهن: حفظ الأمانة، والأمانة من أخطر وأصعب ما يكون، فلقد رفضت الجبال والسماوات والأرضون أن تحمل هذه الأمانة، قال الله ﷿: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢].\nولا شك أن هذه أقوى من الإنسان، ومع ذلك لما عرضت عليها الأمانة، أي: التكاليف، بأن عرض عليهن تكليفهن كما كلف الإنسان، فيقال له: اعمل كذا وإن كلفتن فهناك ثواب وعقاب، فأبين حملها، وخفن من عقوبة رب العالمين ﷾.\nأما الإنسان فقبل هذه الأمانة، وأن يعطيه الله العقل والتكليف ثم تختار لنفسك أي الطريقين: طريق السعادة أو طريق الشقاوة، وبناء على ذلك تحاسب، والله يقدر الأقدار ﷾.\nفهذا هو اختيار الإنسان وفي طبيعته الجهل والظلم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢].\nفالأمانة: هي التكاليف الشرعية، والله أمرك وكلفك بالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والطهارة من أجل الصلاة والعبادة، وغير ذلك من أمانات الله ﷿ في خلقه.\nومنها أيضًا: حفظ معاملات الناس كأماناتهم، وودائعهم، وحفظ حق الجوار والضيف، وحفظ الإنسان أهله، وغير ذلك من أمانات الله ﷿ التي أمرنا أن نراعيها.\nفإذا كانت هذه الخصلة في نفسك فحافظ على أمانة الله وعلى أمانات الخلق.\nالثانية: صدق حديث، والصدق لا يأتي إلا بخير، ومهما يصاب الإنسان بضرر بسبب صدقه إلا أن نهاية الصدق الخير كما ذكرنا في قصة كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه.\nفإذا كان الإنسان صادقًا أحبه الله ﷿، ووضع له المحبة في قلوب العباد، وكتب عند الله من الصديقين ولهذا يقول النبي ﷺ: (لا يزال العبد يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا).\nالثالثة: حسن الخلق، فإذا كان الإنسان المؤمن حسن الخلق أحبه الخلق، وقدر أن يتعامل معهم، فيأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر فيستجيبون له، ويرتفع العبد أعلى الدرجات يوم القيامة بحسن خلقه، فالإنسان لن يسع الناس بماله مهما أوتي من كنوز، ولكن يسع الناس بحسن الخلق.\nالرابعة: وعفة في طعمة، فلا ينظر إلى أرزاق الناس، ولا يكون في قلبه حقد على الناس.\nوكذلك مكسبه من حلال، فلا يطعم ولا يتذوق إلا الطعام الطيب.\nفهذه هي الخصال الأربع، وإذا اجتمعت في أحد فلا عليه ما فاته من الدنيا، ولو فاتته الدنيا جميعها، فله عند الله ما هو أعظم بكثير من هذه الدنيا.","vol":"24","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>الحرام سبب لرد الصدقة</span>\nمن الأحاديث التي جاءت عنه ﷺ: حديث لـ أبي هريرة ﵁ ومثله لـ أبي الطفيل وذكر النبي ﷺ في الحديث: (إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك، ومن جمع مالًا حرامًا ثم تصدق به لم يكن له فيه أجر وكان إصره عليه) يعني: لا يحل لك أن تأخذ المال من حرام، وإذا أخذت المال الحرام فيلزمك أن تعيده إلى صاحبه، ولا يجوز لك أن تتصدق بهذا المال.\nفلو أن إنسانًا سرق مالًا أو اغتصبه ثم أراد أن يتصدق به وصاحبه موجود، فنقول له: ارجع المال إلى صاحبه، فلن يقبل الله ﷿ منك ذلك.\nومثله: من أخذ مالًا خبيثًا من خمر أو حشيش ومخدرات وغيرها، فلا يجوز له أن يقول: أبيع الحشيش لأجل أن أتصدق بالمال، بل خير للإنسان أن يظل فقيرًا من بيع هذه المحرمات أو شرائها، فلقد قال ﷺ: (من اكتسب مالًا من مأثم فوصل به رحمه) واكتساب المال من مأثم يكون كأن غش فأخذ زيادة مال، أو خدع الناس ولبس عليهم، أو غبنهم في بيوعهم، أو سرق مالهم، أو اغتصبه، أو أخذ رشوة، أو أكل مالًا من سحت، أو أي نوع من أنواع المظالم والأموال المحرمة التي شاعت بين الناس وصارت كثيرة، وما من إنسان إلا ودخله من هذه الأشياء المحرمة ما دخل، فالذي يكسب هذا المال ثم يقول: أنا أصل به الرحم، فقال ﷺ هنا: (من اكتسب مالًا من مأثم فوصل به رحمه، أو تصدق به، أو أنفقه في سبيل الله، جمع ذلك كله جميعًا فقذف به في نار جهنم).\nيعني: هو بماله الذي كسبه من حرام، ثم تصدق به، أو وصل به رحمه في نار جهنم والعياذ بالله، فإن الله غني عن ذلك المال.","vol":"24","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>ضرورة التحري في الحلال</span>\nفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ: أمن الحلال أم من الحرام)، أما زمن الصحابة فكان مستحيلًا أن يكون فيهم هذا الشيء، ومن بعدهم كانوا يأتسون بهم، ولا يزال يتباعد الزمان إلى أن يأتي على الناس زمان -وأظن أنا في مثل ذلك- يأخذ الإنسان الحرام ويستحله لنفسه، ويأخذ الرشوة ويقول: هي من عملي، ومرتبي ضعيف، ويغش الناس ويقول: المبيع لن يباع إلا بهذا الشيء، فتراه يحلف أنه اشترى المبيع بكذا وهو كاذب في يمينه، أو يحلف بأنه عرض عليه كذا وكذا ولم يعرض عليه من أحد، أو يكذب ويقول: هذا الشيء طيب وناضج، وهذا كذا وكذا فيمدح سلعته وهي متلفة كاسدة، ولا يهمه أن يخدع الناس في هذه الأشياء.\nفمن كان هذا حاله فهو وماله الذي كسبه في نار جهنم والعياذ بالله؛ ولذلك يقول النبي ﷺ: (يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ: أمن الحلال أم من الحرام).","vol":"24","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>بيان طمع الإنسان وجشعه</span>\nورد حديث يبين جشع الإنسان فيقول بريدة ﵁: (سمعت النبي ﷺ يقرأ: لو أن لابن آدم واديًا من ذهب لابتغى إليه ثانيًا، ولو أعطي ثانيًا لابتغى إليه ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب).\nوهذه كانت آية ثم نسخ تلاوتها وبقي حكمها، وهي تدل على أن الإنسان طماع، فلو أن الله ﷿ أعطاه واديًا من ذهب لتمنى واديًا ثانيًا، ولو أعطاه ثانيًا لطلب الثالث، ولا يملأ عين ابن آدم إلا تراب قبره إذا دخل فيه فامتلأت عينيه منه -ولا حول ولا قوة إلا بالله- ولذلك فعلى الإنسان المؤمن أن يحذر من الدنيا وفتنتها.\nوفي حديث النبي ﷺ: (يقول العبد: مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم! من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت).\nوتفكر يا ابن آدم! لو أن عندك عشرة قصور فلن تعيش إلا في قصر واحد، وعلى سرير واحد.\nولو أن عندك كل طعام الأرض فلن تأكل إلا ما يملأ بطنك، أو عندك كل ثياب الدنيا فلن تلبس إلا قميصًا واحدًا.\nفإذا تفكر الإنسان في ذلك فلن يطمع في الدنيا، ولن ينظر إلى أخيه بعين الغلة والحسد والحقد، بل سيطمع في الدار الآخرة وفي جنة الرحمن، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.","vol":"24","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>بيان حقيقة الحياء الحق</span>\nعن ابن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (استحيوا من الله حق الحياء).\nفالإنسان الذي يستحيي يفني عمره ولا يشكو على أحد، أو يحسد أحدًا، أو يطلب شيئًا ليس له، ولا يعمل الحرام أو يقوله؛ لأنه يستحيي من الله أن يراه على شيء من المنكرات.\nقال: (قلنا: يا نبي الله! إنا لنستحيي والحمد لله، قال: ليس ذلك) أي: ليس الذي أنتم تظنونه، ولكن أكثر من ذلك، (الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء).\nفالاستحياء من الله حق الحياء: هو أن تحفظ كل بدنك، فتحفظ الرأس وما وعى، أي: ما وعى من أعضاء وحواس في رأسك، أو فم تتكلم به، أو أنف تشم به، أو أذن تسمع بها، أو عين تنظر بها.\nوتحفظ بطنك وما نزل فيها من طعام وشراب وما فيها من شهوة، وتتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا.\nفالإنسان إذا حفظ لسانه حتى في طعامه وشرابه، وحفظ سمعه عن المنكرات، وحفظ بصره من النظر إلى المحرمات، وحفظ نفسه من الوقوع في الشبهات والشهوات، فقد استحيا من الله حق الحياء، وهذا هو الذي يعين الإنسان عند الموت، فالموت آتٍ، والأيام تمر سريعًا، سنة إلى سنة، وشهر إلى شهر، ويوم إلى يوم، وهذه الأيام هي عمرك، وعمرك هو أنت، وبعدها قبر، ثم جنة أو نار، فإذا تذكر الإنسان ذلك، وتذكر أن ربنا خلقه ليعبده في الدنيا، وسيرجع إليه بعد ذلك ليجازيه ويحاسبه، كان ذلك أدعى لاستحيائه.\nوقوله: (تذكر الموت والبلى) أي: بلاء أعضاء الإنسان، فالإنسان في الدنيا يأكل ويقوى ويكبر، ثم يذهب ذلك كله في البلى والتراب.\nويلبس الثياب ليجمل منظره أمام الناس ثم تبلى هذه الثياب وتضيع.\nفتذكر الموت، وتذكر البلى، ولا تغتر بهذه الدنيا.\nقال رسول الله ﷺ: (ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء).\nنسأل الله ﷿ أن يرزقنا الحياء منه حق الحياء.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"24","page":7},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-162> الترغيب في طلب الحلال والأكل منه والترهيب من اكتساب الحرام وأكله ولبسه ونحو ذلك [٢]</span>\nوردت أحاديث ليست بالقليلة - فضلًا عن الآيات الواردة- في الترغيب والحث على الأكل من الكسب الحلال النقي الذي يجعل الإنسان يرتجي الثواب من عند الله ﵎.","vol":"25","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>الأحاديث الواردة في الترغيب في أكل الحلال</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم.\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام المنذري ﵀: الترغيب في طلب الحلال والأكل منه، والترهيب من اكتساب الحرام وأكله ولبسه ونحو ذلك.\nروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له؟!).\nوروى أحمد والطبراني عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق وحديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة).","vol":"25","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>أكل الحرام يمنع إجابة الدعوة</span>\nالأحاديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه في الترغيب في طلب الحلال والأكل منه، والترهيب من اكتساب الحرام، منها: ما جاء عن أبي هريرة في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا)، فمن صفاته ﷾ أنه طيب، ولا يرفع إليه إلا العمل الطيب، ولا يقبل من عباده إلا العمل الطيب، قال ﵊: (وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين) فيستوي الجميع عند الله ﷾ في التقرب إليه في الشيء الطيب، فأمر المرسلين بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١].\nوقال للمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة:١٧٢]، (ثم ذكر النبي ﷺ الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يرفع إلى السماء يقول: يا رب! يا رب!)، والمسافر مستجاب الدعوة كما جاء في حديث النبي ﷺ في ثلاثة يستجاب لهم: فذكر المظلوم، وذكر المسافر، وذكر دعوة الوالد على ولده.\nالمسافر مع طول سفره كلما دعا استجيب له، ولكن الإنسان هذا الذي يأكل الحرام لا يستجيب له ربه، مع طول سفره ومع شعثه واغبرار وجهه، ومع كثرة ما يتعب في السفر، لكن لا يستجاب له.\nقال النبي ﷺ: (وذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء)، والله يستحيي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفرا ولكن هذا يرد، يقول: (يا رب! يا رب!) هذا المسافر كان يتعمد أكل الطعام الحرام، سواء كان من سرقة أو من رشوة أو من سحت أو من غصب، فهو طعام ليس حلالًا فيأكل الحرام ولا يتورع، ومشربه حرام كذلك، وملبسه حرام وغذي بالحرام فقد تربى على هذا الشيء (فأنى يستجاب له؟!).\nفالمسافر يستجاب له لو كان طيب المطعم وطيب المشرب، وطيب الملبس وهذا الذي يستحق أن يستجيب الله ﷿ له.","vol":"25","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>عفة المطعم تغني صاحبها عما فاته من الدنيا</span>\nحديث آخر لـ عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ: (أربع إذا كن فيه فلا عليك ما فاتك من الدنيا) فيقول النبي الكريم للإنسان المؤمن: لو فيك هذه الخصال الأربع وضاعت منك الدنيا كلها فلا تهتم ولا تحزن فإن لك الآخرة والجنة عند الله سبحانه، فلو لم تستفد شيئًا من هذه الدنيا إلا الأربع الصفات التي لا بد وأن تكون موجودة في كل إنسان مؤمن تقي نقي لكفى، قال ﷺ: (حفظ أمانة، وصدق حديث، وعفة في طعمة، وحسن خليقة أو حسن خلق).\nفقوله: (حفظ أمانة) أي: أن تكون حافظًا للأمانة وهي أمانة الله ﷿ تؤديها كما أمرك: في الطهارة في الصلاة في الوضوء في الزكاة في الصوم في الحج في العمرة في الاعتكاف في الجهاد في سبيل الله في التعامل مع الناس بالحلال في عدم الخيانة في عدم الغش، وكذلك حفظ أمانات الناس من أموال وودائع وقروض، وغير ذلك من المعاملات التي ينبغي أن تحافظ عليها، وعلى أمانتك بينك وبين الله، وبينك وبين الخلق.\nقوله: (وصدق حديث) أي: أن تكون صادق اللهجة، فلا تتحدث إلا بصدق ولا تكذب أبدًا، وقد رأينا في حديث ورد عن النبي ﷺ أن الكذاب يشدق ويشرشر فاه إلى قفاه بسبب كذبه، ولا يزال يصنع به ذلك وهو في قبره إلى أن تقوم الساعة.\nقوله: (وحسن الخليقة) أي: إذا حسنت خلقك أحبك الله وكنت قريبًا من النبي ﷺ في الجنة، وأحبك الناس ودعوا لك.\nقوله: (وعفة في طعمة) أي: يتعفف الإنسان في طعامه، فلا يتكسب إلا شيئًا طيبًا ولو كان قليلًا، ولا يدخل جوفه إلا ما أحله الله ﷾، ويجتنب ما حرمه فإن الجسد إذا نبت من سحت فالنار أولى به، ومما نبت من لحمك من طعام قد حرمه الله سبحانه ومن أكل حرام ومن كسب حرام نبت منه لحم الإنسان فالنار أولى به والعياذ بالله.","vol":"25","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>تحريم أخذ المال الحرام بحجة التصدق به أو منه</span>\nأيضًا: جاء في الحديث عند ابن خزيمة من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك).\nقوله: (إذا أديت زكاة مالك)، هذه الفريضة التي عليك، وما تصدقت به بعد ذلك فهو من المستحبات، ومن جمع مالًا حرامًا ثم تصدق به لم يكن له فيه أجر وكان إصره عليه، فالغاية لا تبرر الوسيلة أبدًا، فالإنسان الذي يتعامل بالحرام ويقول: سأتعامل بالحرام من أجل أن آكل وأتصدق به لا يقبل منه ذلك.\nالإنسان الذي يتعامل بالرشوة ويقول: أنا سأتصدق بها، يحرم عليه ذلك، كما يحرم عليه أن يتعامل بالربا بهذه الحجة.\nيقول ﷺ: (ومن جمع مالًا حرامًا ثم تصدق به لم يكن فيه أجر وكان إصره عليه)، وقال في الحديث الآخر: (من اكتسب مالًا من مأثم) يعني: عمله عمل محرم، كأن يأخذ رشوة أو سحتًا أو يأكل من الربا أو يتعامل بالحرام، يقول ﵊: (فوصل به رحمه أو تصدق به أو أنفقه في سبيل الله) فهو يبرر لنفسه ما أخذه من مال حرام، فحتى ولو أنفق ذلك في سبيل الله لا يبرر منكره، وترى أناسًا معهم مهن محرمة ويريدون أن يفعلوا خيرًا، مثلًا: رقاصة تعمل موائد للرحمن وتقول: إنها تتصدق، وتذهب تحج بهذا المال، وتتصدق بأفخر الطعام للناس، قال ﷺ: (من اكتسب مالًا من مأثم فوصل به ﵀، أو تصدق به، أو أنفقه في سبيل الله، جمع ذلك كله جميعًا فقذف به في جهنم) يعني: المال وصاحبه في نار جهنم ولن ينفعه ما تصدق به، لذلك فتصدق من شيء طيب ولو قليلًا.\nوعرفتم حديث النبي ﷺ قبل ذلك: (سبق درهم مائة ألف درهم) وذلك أن هذا الإنسان صاحب الدرهم فقير مسكين ليس معه إلا درهمان فتصدق بأحدهما، فيكون قد تصدق بنصف ماله، فكان له أجر عظيم عند الله ﷿.\nوالآخر لديه الملايين فأخرج منها مائة ألف، فلم تأثر شيئًا في ملايينه فله أجر عظيم عند الله، ولكنه عندما يقارن بين أجر من تصدق بنصف ماله، ومن تصدق بشيء من الأموال وإن كانت كثيرة فإن الأول يسبق الثاني وللثاني أجر عند الله ﷿.\nومن الأحاديث: ما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ، أمن الحلال أم من الحرام) فيعمل أي عمل سواءً كان حلالًا أم حرامًا، والذي يهمه فقط كيف يحصل على أكبر قدر من الأموال.\nوفي الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي هريرة أيضًا: سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال: (الفم والفرج) الفم: والمراد بالفم: ما يأكله الإنسان.\nوالفرج: أي: عند وقوعه في الزنا أو نحوه من الفواحش يكون سببًا في دخول صاحبه النار.\nوسئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: (تقوى الله وحسن الخلق) فتقوى الله من أعظم الأشياء التي تدخل الإنسان الجنة، وكذا حسن الخلق وكلما حسن خلق الإنسان كلما رضي للناس جميعهم الخير، وكلما أحب الناس فلم يخدع أحدًا، ولم يغش أحدًا، وكلما تعامل مع الناس بمعاملات طيبة.\nومن الأحاديث: حديث أبي بردة الأسلمي ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع) أي: لا يتحرك من مكانه حتى يسأل عن أربعة أشياء.\nوفي رواية أخرى: (عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به) ومعنى: عن عمره وعن شبابه أي: أين ضيعت عمرك وفيم أفنيت عمرك وشبابك وقوتك؟ قال: (وعن ماله) سؤالان عن المال (من أين اكتسبه وفيما أنفقه).\nوآخر الأشياء التي يسأل عنها عن علمه، فإذا كنت قد تعلمت كتاب الله وعرفت الأحكام الشرعية وعرفت سنة النبي ﷺ فما الذي عملته فيما علمت من ذلك؟ فأعدوا للسؤال جوابًا.\nنسأل الله سبحانه أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.\nأقول قولي هذا واستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"25","page":5},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-167> الترغيب في الورع وترك الشبهات وما يحوك في الصدر</span>\nلقد من الله على عباده بأن جعل أصول دينهم واضحة الدلالة، منصوصًا عليها في كتابه وفي سنة نبيه ﵌، فبين الحلال والحرام، وجعل فيما دون ذلك أمورًا مشتبهات، اختبارًا لعباده وامتحانًا لهم، ولقد ضرب الصحابة أروع الأمثلة في الورع واجتناب المشتبهات، خوفًا من الوقوع في الحرام، ومراقبة لربهم العلام، وهكذا فلنكن.","vol":"26","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>التحذير من الوقوع في المشتبهات</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام المنذري ﵀: [الترغيب في الورع وترك الشبهات وما يحوك في الصدر.\nروى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).\nوروى مسلم عن النواس بن سمعان ﵁ عن النبي ﷺ قال: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس).\nوعن وابصة بن معبد ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ وأنا أريد أن لا أدع شيئًا من البر والإثم إلا سألت عنه، فقال وابصة: فدنوت حتى مست ركبتي ركبته فقال لي: يا وابصة أخبرك ما جئت تسأل عنه؟ فقلت: يا رسول الله! أخبرني، قال: جئت تسأل عن البر والإثم؟ قلت: نعم.\nفجمع أصابعه الثلاث فجعل ينكت بها في صدره ويقول: يا وابصة! استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمئن إليه القلب، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك)].\nهذه أحاديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه يذكرها الحافظ المنذري ﵀ في الترغيب في الورع وترك الشبهات، إذ أن الدين يحثنا على الورع، والورع: هو أن يجتنب الإنسان الحرام وأن ويجتنب أن يقع في المكروه، ويتورع عن الشيء الذي يشكل عليه أن يقع فيه خشية أن يكون حرامًا، فجاء في الصحيحين عن النعمان بن بشير قال: النبي ﷺ: (الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشتبهات).\nأي: الحلال معروف في كتاب الله سبحانه وفي سنة نبيه ﷺ، حيث نص على أن هذا حلال أو هذا حرام، فالحلال بين والحرام بين، وبين الاثنين -أي: بين الحلال والحرام- أشياء تشتبه على الإنسان فلا يعرف هي من الحلال أم من الحرام، فالورع يكون في مثل هذه الحالة أن يجتنبها، وأن يسأل أهل العلم، فإذا بين له أهل العلم أنها حرام اجتنب ذلك، وإذا قالوا له: إنها حلال أتاها، وإذا صار الأمر مشكلًا عليه فلا يعرف هو حلال أو حرام حيث أن فيها شبهة من هذا ومن هذا فليجتنبها وليبتعد عنها حتى لا يقع في الحرام.","vol":"26","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>الوقوع في المشتبهات سبب للوقوع في الحرام</span>\nديننا يعلم الإنسان أن يأخذ حذره؛ إذ لعله يأخذ من هذا الشيء المشتبه شيئًا وراء شيء إلى أن يصير الأمر سهلًا عليه، فلا يتحرى الحلال من الحرام، ويقع آخر أمره في الحرام.\nوقد ضرب النبي ﷺ هذا المثل فقال ﷺ: (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه).\nوالحمى: هو حريم يجعله السلطان مكانًا محرمًا وممنوعًا على الناس، كأن يقول: هذه الخيل للمسلمين، وهذه الإبل للمسلمين، وهذه للسلطان، فلو أن راعيًا معه إبل أو غنم وجاء بالقرب من هذا المكان يرتع فيه، ويقول: المكان هذا مكان خصب، ولن أدخل مكان السلطان، بل أنا من حوله فهو لا يملك أن تدخل واحدة من الأغنام حمى السلطان، فلو أن هذا الراعي بجهله ذهب بغنمه حول مكان السلطان ورأى غنمه تدخل حمى السلطان، فعاقبة السلطان وأخذ منه الغنم، فرجع ولا غنم ولا مال لعاتبه الناس وسخروا من جهله، فكذلك هذا الإنسان الذي يرتع حول الشبهات ويأتي إلى الشيء المشتبه فيأخذ منه شيئًا فشيئًا إلى أن تحدثه نفسه بأكل الحرام فيقع فيه بعد ذلك وهو يعلمه، فلذلك على المؤمن أن يتحرى ويسأل، قال الله سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣].\nوليحذر الإنسان من أن يحوم حول المعاصي ومقدماتها التي توقعه فيها، فإن من حام حول هذه المقدمات أوشك أن يقع في المعاصي بعد ذلك.\nفعلى المؤمن أن يجتنب الحرام وما أشكل عليه، وأن يسأل أهل العلم في ذلك كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، فإذا سأل فليتجرد في سؤاله، بحيث لا يسأل بطريقة يأخذ بها الجواب الذي يريده، وكم من سائل يفعل مثل ذلك، فتجده يريد جوابًا بعينه، فيسأل المسألة معميًا فيها على المفتي حتى يفتيه بالشيء الذي يوافق رغبته.","vol":"26","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>بيان بعض وسائل معرفة الحرام</span>\nجاء عن النبي ﷺ في الحديث: (الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس)، فكل ما داريته في نفسك وأردت أن لا تظهره فهو إثم وإن كنت تزعم أنه من المتشابهات.\nفي حديث وابصة بن معبد أنه أتى النبي ﷺ يريد أن يسأله عن البر والإثم، فلما رآه النبي ﷺ قال له: (أخبرك بما جئت تسأل)، وهذه من معجزات النبي ﷺ، فالرجل ما قال شيئًا بل أتى يسأل النبي ﷺ عن شيء، فقبل أن يسأل قال له النبي ﷺ: (أخبرك؟ فقال: نعم.\nيا رسول الله! فقال: جئت تسألني عن الإثم قال: قلت: نعم.\nيا رسول الله! فجمع أصابعه الثلاث فجعل ينكت بها -أي: يدق بها على صدر وابصة - ويقول: يا وابصة! استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمئن إليه القلب، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك).\nإذًا من الممكن أن يسأل الإنسان المفتي عن شيء أهو حلال أو حرام؟ وعلى حسب سؤال المستفتي يكون جواب المفتي بأنه حلال أو حرام، فالإنسان يمكن أن يعمي على من يجيب عنه بحيث يأخذ منه ما يريد، وهو في نفسه يعرف أن هذا حرام أو حلال، لكن كثيرًا من الناس تجد أحدهم يريد أن يأخذ فتوى تبرر موقفه، ولسان حاله يقول: يتحمل عبء هذه الفتوى العالم وليس أنا، فنقول لمثل هذا: العالم لن يتحمل إلا ما أفتى به وبما استبان له، فهو إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، لكن أنت الذي عميت عليه، وأنت الذي خدعته في السؤال، فعليك الوزر في كل أحوالك.","vol":"26","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>نماذج من ورع أبي بكر الصديق وتركه للشبهات</span>\nمن الأحاديث التي جاءت عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه في تركه الشبه والحرام قول عائشة ﵂: كان لـ أبي بكر الصديق ﵁ غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء الغلام يومًا بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ -يريد بذلك أن يظهر مهارته- فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته، وفي بعض الروايات أنها كانت امرأة وأخبرها بأنها ستلد ولدًا، وقال لها: إذا أتيت بولد فأعطيني مقابل ذلك، وفعلًا ولدت المرأة ولدًا فأعطوه مقابل ما قاله مالًا.\nفإذا به يخبر أبا بكر بهذا الأمر، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه؛ لأنه أكل لقمة أخذت من حرام، فهو يعلم أن النبي ﷺ حرم حلوان الكاهن، وهو ما يأخذه الإنسان على تكهنه، بأن يخبر أحدًا بأمر سيحصل للمستمع في المستقبل ويطلب لهذا الأمر مقابلًا يسلم إليه عند حصول هذا الأمر.\nفغلام أبي بكر كان قد فعل هذا، وأخذ المقابل واشترى به طعامًا ثم قدمه لسيده، فأكل منه أبو بكر ﵁ لقمة وأراد أن يتقيأها فما استطاع، فظل يضع إصبعه في حلقه حتى كادت نفسه أن تزهق بسبب ذلك، فأشاروا عليه أنه يشرب ماء يسيرًا ثم يرجع حتى تخرج، فقال: لو لم تخرج إلا بنفسي لأخرجتها؛ وذلك لأنه سمع من النبي ﷺ: (ما نبت من حرام فالنار أولى به).","vol":"26","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>بيان أعبد الناس عند الله وصفته</span>\nروى ابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ قال: يقول النبي ﷺ: (كن ورعًا تكن أعبد الناس)، فهذا الحديث يخبر بأن من أراد أن يكون أعبد الناس فما عليه إلا أن يكون على ورع، فيجتنب الحرام والمتشابه، ولا يأكل إلا طيبًا، ويكون بذلك مستجاب الدعوة أيضًا، فكأن المدخل إلى طاعة الله ﷿ هو الورع.","vol":"26","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>بيان صفة أشكر الناس</span>\nقال النبي ﷺ: (وكن قنعًا تكن أشكر الناس)، أي: كن راضيًا باليسير، فإذا رضيت باليسير شكرت الله سبحانه، ومن يشكر الله على اليسير يشكره على الكثير، وتكون بذلك أشكر الناس.","vol":"26","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>حب الخير للناس من علامات الإيمان</span>\nقال النبي ﷺ: (وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنًا)، أي: أن هذا من علامة الإيمان، فالمؤمن مع إخوانه وجيرانه، بل مع المؤمنين جمعيًا يحب لهم ما يحبه لنفسه من محافظة على الصلوات، وصيام وقيام، وعبادة لله وغيرها، فإذا كان الإنسان يحب للناس ما يحب لنفسه فهذا من علامات الإيمان.\nفمن يحب للناس الخير يعطيه الله الخير، ومن في قلبه الضغائن والحسد للناس، فيتمنى زوال النعمة منهم وحصوله عليها، فهذا يشعر في نفسه أنه مظلوم؛ ولذلك قالوا: ما رأينا ظالمًا أشبه بمظلوم من الحاسد.\nفالإنسان الحسود يحس أنه المظلوم الوحيد في هذه الدنيا، وأن كل الناس ظلمة؛ لأن لديهم نعمًا من ربهم وليست لديه.\nوحقيقة شعوره أنه يشعر بأن الله ﷾ هو الذي ظلمه، إذ أعطى الناس وما أعطاه، وأنعم عليهم ولم ينعم عليه، فيحرق قلبه بحسده، فيعاقبه من جنس عمله فيحرقه يوم القيامة بالنار بسبب الحسد.\nفعلى الإنسان المؤمن أن يحب الناس، ويحب الخير لهم، ويحب أن ينفعهم.\nفهذه هي علامة الإنسان المؤمن كما ذكرها النبي ﵌ في حديثه.","vol":"26","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>صور من علامات الإسلام الحق</span>\nقال ﷺ: (وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلمًا)، أي: أن علامة الإسلام الصحيح أن يكون الإنسان خيرًا مع جيرانه، فلا يؤذي أحدًا منهم، بل يحب الخير لهم، ويتفقد أحوالهم: هل عندهم طعام؟ وهل لهم حاجة يحتاجون إليها؟ فتراه يحب جيرانه، ويمنع أذاه عنهم، وإذا علم أن جاره يضايقه شيء لم يفعل هذا الشيء الذي يضايق جاره، فهذه هي علامة الإسلام الصحيح.","vol":"26","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>مضار كثرة الضحك</span>\nالنصيحة الأخيرة في هذا الحديث العظيم هي قوله ﷺ: (وأقل الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب)، وهذه النصيحة نقولها لمن يحب أن يضحك كثيرًا فيصير مهذارًا كثير الضحك.\nونقول له: أنت لم تخلق للضحك، ولا يعني ذلك أن يمتنع الإنسان من الضحك مطلقًا، بل ساعة وساعة، أما أن تصبح طبيعة الشخص كثرة الضحك فهذا هو الممنوع؛ لأن الإنسان إذا تعود على الضحك والإضحاك فإنه إما أن يضحك على شيء حقيقي يستحق أن يضحك عليه، وإما أنه يخترع ويكذب على الناس من أجل أن يضحكوا على الكذب، وإن الكلمة يتفوه بها الإنسان من غضب الله تهوي به في النار سبعين خريفًا، أي: سبعين سنة، ومن يعتاد على إضحاك الناس يموت قلبه، ومن يركن إلى مثل ذلك يكون مثله.\nوكما قلنا: لا يعني هذا الأمر أن يمتنع الشخص من الضحك، ولكن بمقادير وحدود، بحيث لاتكون حياته كلها ضحك وسخرية واستهزاء بالغير، فيضحك الناس حتى يقال عنه أنه صاحب فكاهة، وإلا وقع في غضب الله.\nنسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"26","page":10},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-177> الترغيب في السماحة في البيع والشراء وحسن التقاضي والقضاء</span>\nإن دين الإسلام هو دين السماحة في جميع تفاصيله وتعاملاته، وقد أثنى الشرع الحنيف على من كان سمحًا في البيع والشراء والقضاء؛ لأنها غالبًا ما تكون في أمور مالية محببة إلى قلب الإنسان.","vol":"27","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>الأحاديث الواردة في الترغيب في السماحة في البيع والشراء وحسن القضاء</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام المنذري ﵀: [الترغيب في السماحة في البيع والشراء وحسن التقاضي والقضاء.\nروى البخاري وابن ماجة عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (رحم الله عبدًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا اقتضى)، وفي رواية للترمذي: (غفر الله لرجل كان قبلكم، كان سهلًا إذا باع، وسهلًا إذا اشترى، سهلًا إذا اقتضى).\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من كان هينًا لينًا قريبًا حرمه الله على النار) رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.\nوعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (اسمح يسمح لك) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح إلا مهدي بن جعفر.\nهذه الأحاديث جاءت عن النبي صلوات الله وسلامه عليه في الترغيب في السماحة في البيع والشراء وحسن التقاضي والقضاء، وهذا كله راجع إلى حسن الخلق، فالإنسان المؤمن يتعامل مع الخَلْق المعاملة التي يحب أن يُتعامل معه بها، فيحسن خلقه ويبتغي بذلك رضوان الله ﵎، وأيضًا يبتغي بذلك حب الناس، فإن الإنسان إذا أحبه الله سبحانه جعل محبته في قلوب الخلق، فيدعون لهذا الإنسان الذي فيه السماحة وفيه حسن الخلق وفيه اللين، فهو هين لين مع الناس.","vol":"27","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>شرح حديث: (رحم الله عبدًا سمحًا إذا باع)</span>\nجاء عن جابر ﵁ ومثله عن عثمان وعن عبد الله بن مسعود، ولفظ حديث جابر: (رحم الله عبدًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا اقتضى)، والسماحة هي السهولة، فالإنسان عندما يسمح بماله، أي: يعطي ويبذل ماله ويسمح، فيكون سهلًا في عطائه، فقد دعا له النبي ﷺ أو أخبره وكلا الأمرين حسن فإن دعا فدعوته مستجابة، أو أخبر عن حاله فهذا من المؤكد أن الله سبحانه قد رحمه.\nوصفة هذا العبد السماحة في البيع فهو يبيع بسماحة وبطيب نفس، ويبذل ما عنده، ويعطي ولا يماري ولا يجاري ولا يغش ولا يخدع، وفيه سماحة في بيعه وعطائه فليس عنده تعنت، فإذا وجد المحتاج الذي لا يقدر على دفع المال فإنه يعطيه ويتسامح معه بطيب نفس وبطيب خلق، فرحم الله عبدًا سمحًا إذا باع سمحًا إذا اشترى، فيشتري ولا يبخس السلعة قدرها ولا يجادل كثيرًا، ولا يخاصم في ذلك، ولا يرفع صوته ولكن فيه سماحة في شرائه، وعلى قدر ما يكون الإنسان كذلك على قدر ما تكون المعاملة بينه وبين الله سبحانه على ذلك.\nفلا تظن أبدًا أن إنسانًا يكون سمحًا في العطاء وأن الله يضيق عليه في الرزق فهذا مستحيل، ولا يكون أبدًا، والجزاء من جنس العمل، فالإنسان الذي يشح ويبخل فهذا يضيق الله ﵎ عليه، حتى وإن كان رزقه أمام الناس واسعًا لكن تجده خائفًا على المال مستشعرًا بالفقر وبأن المال سيضيع منه.\nفصاحب البذل وصاحب السماحة تجد الله ﷾ يوسع عليه في الرزق حتى وإن كان رزقه ضيقًا ولكنه يعطيه في قلبه غنى يشعر من خلاله أنه غني.\nفإذا اشترى الشيء دفع فيه ثمن ما يماثله فلا يكثر من الجدال، ولكن ليس المعنى أن يُخدع في الشراء فإنه إذا خدع مرة لن يخدع كل مرة، ولكن المقصد أن يعطي الثمن الذي تستحقه هذه السلع دون بخس ودون زيادة، وعلى الإنسان ألا يتعود على كثرة الجدل وشراسة الخلق مع البائع، وهنا الدِّين يعلمنا اليسر والسهولة والسماحة في البيع والشراء، قال: (سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا اقتضى).\nواقتضى أي: طلب القضاء، فمن حق المؤمن أن يطلب ماله عند الناس ولكن إذا طلب فليكن طلبه بسماحة وبسهولة، فإذا وجد الإنسان الضعيف الفقير يتسامح معه، فإذا كان معه مال دفعه وإلا صر عليه قليلًا، فالصبر على المال أجره عجيب وعظيم.\nفلو أن لك عندي مالًا ووعدتني بأن تدفع لي وترجع مالي يوم كذا بعد شهر مثلًا، فجئت بعد شهر أطالبه بالدين الذي لديه فإن أعطاني كان من الأجر كأني تصدقت بنصف مالي، جزاء أني دينت الرجل، فإذا سلفت إنسانًا ألف جنيه مثلًا ودفع لك المال في وقته فأخذت الألف فكأنك تصدقت بخمسمائة جنيه جزاء دينك للمستدين.\nولو فرضنا أنه جاء السداد المتفق عليه، ولا يوجد معه مال يعطيك، فصبرت عليه فلم تأخذ مالك، ولو أن تاجرًا يحسبها سيجد أن المال لو استثمره وكان ألف جنيه مثلًا فسيكون له من الربح مقدار مائة جنيه مثلًا، ولكن الله يعطيك جزاء صبرك على دين الرجل أكثر من ذلك بكثير، فيكتب لك في ميزان حسناتك كأنك تصدقت في كل يوم صبرت عليه بمثل هذا الربح، فلو صبرت عليه عشرين يومًا لكان لك من الأجر أجر صدقة ألفين جنيه.\nوهذا الذي يصبر عشرين يومًا فكيف بمن ينتظر سنة أو سنتين لا شك أنه سيحصل على أجر كبير، وقد صح الحديث عن النبي ﷺ في ذلك، وهذا الذي يجعل الإنسان المؤمن في راحة إذا لم يحصل على ماله المستدان، فإذا دفع لك بعد عشرين سنة المال فقد كسبت هذا الأجر كله من الله سبحانه، وليس معنى ذلك أن الإنسان إذا ما طله آخر ليس من حقه أن يرفع عليه دعوى في المحكمة ويحاكمه، بل هذا من حقه، ولكن ينظر هذا الإنسان هل هو معسر أم موسر؟ فإذا كان موسرًا ومماطلًا فيستحق أن يعاقب.\nفقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته) والمطل من المماطلة، وهذا مثل كثير من التجار تراه يستلف من هذا ويستلف من هذا ومعه مال، ولكنه يريد أن يوفر ماله في التجارة ويريد أن يزيد رأس ماله من مال الناس، ولكنه يؤخر أموال الناس، وكل ذلك من أجل أن ويحصل على أرباح ويكسب منها، فإذا أخذ إنسان منك دينًا ولديه القدرة على سداده فمن حقك أن تقاضيه، وهذا مستحق بنص حديث النبي ﷺ قال: (مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته) ويحل عرضه يعني يقال عنه: إنه ظالم وأنه يأكل أموال الناس، ويحل عقوبته أي: بأن يقاضيه عند الحاكم، ويستحق العقوبة، ولو أنه صبر فإن ربنا يقول: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣].\nأما المعسر من الأولى أن تصبر عليه وتؤجر من الله سبحانه لعل الله سبحانه يرزقك خيرًا من ذلك ويرزقه فيرد عليك مالك.\nوفي رواية لهذا الحديث عن عثمان ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (أدخل الله ﷿ رجلًا كان سهلًا مشتريًا وبائعًا وقاضيًا ومقتضيًا الجنة) فرحمه الله سبحانه وجزاه الله الجنة على ذلك؛ لأن فيه يسر وسهولة ولين، إذا اشترى السلعة أو باعها تجده سهلًا، وسهل إذا كان قاضيًا، أي: يقضي بالحق، وأمين في الأمانات والودائع وحقوق للناس، فإذا جاء وقتها ذهب بها إلى أصحابها ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]، قال: ومقتضيًا يعني مطالبًا بحقه.","vol":"27","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>شرح حديث ابن مسعود: (ألا أخبركم بمن يحرم على النار)</span>\nعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ألا أخبركم بمن يحرم على النار؟) عندما نسمع هذا الكلام من النبي ﷺ تتطلع النفس إلى معرفة هذا الشيء، يقول ﵊: (تحرم النار على كل قريب هين سهل) يعني: تستطيع أن تتكلم مع هذا الإنسان بسهولة، وعندما تعتذر له يقبل منك الاعتذار دون أدنى صعوبة، فيكون قريبًا من القلب قريبًا من الناس.\n(إنما تحرم النار على كل هين لين قريب سهل)، وهذه كلها مترادفات، وكأنه يقول: المؤمن يكون على هذه الصفة الجميلة فيكون هينًا، والهين هو الإنسان السهل البسيط، في معاملته والذي لا يصعب الأمور ولا يعقدها فهو سهل في المعاملة، ولين في المعاملة، أي: ليس عنيفًا ولا صعبًا ولا صخابًا، بل هو إنسان قريب سهل التناول.\nوكل مفردات الحديث مرادفات لمعنى واحد.","vol":"27","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>شرح حديث: (أتى الله بعبد من عباده آتاه الله مالًا)</span>\nعن حذيفة ﵁ قال: (أتى الله بعبد من عباده آتاه الله مالًا، فقال له: ماذا عملت في الدنيا؟ -ولا يكتمون الله حديثًا- فقال الرجل: يا رب! آتيتني مالًا فكنت أبايع الناس، وكان من خلقي الجواز -أي: السهولة في التجاوز والتغاضي- فكنت أيسِّر على الموسر، وأُنظِر المعسر) أي: أنه مع كل الناس إنسان طيب، فكان يصبر على الموسر ويتجاوز عن المعسر ويسامحه، ويصبر عليه فترة طويلة.\n(فقال الله تعالى: أنا أحق بذلك منك، تجاوزوا عن عبدي) هذا الحديث موقوف من قول حذيفة، وقد رواه غيره كـ عقبة بن عامر وأبو مسعود الأنصاري قالوا: هكذا سمعناه من رسول الله ﷺ، أي: هكذا سمعوا هذا الحديث أن الله سبحانه تجاوز عن هذا العبد يوم القيامة لكونه كان يتعامل مع الناس بتيسير وليس بتعسير.\nومن أخلاق النبي ﷺ السهولة والتيسير، فقد كان أحسن الناس قضاء ولذلك في حديث أبي هريرة في الصحيحين: (أن رجلًا أتى النبي ﷺ يتقاضاه)، والنبي ﷺ كان يستدين؛ لكثرة الضيوف الذين ينزلون عليه وكثرة أهل الحاجة، ولا يوجد بيت مال عند النبي ﷺ حتى ينفق منه، ولهذا كان يستدين، ويقضي مما آتاه الله ﷿ من رزق، قال ﵊: (جعل رزقي تحت ظل رمحي)، فماله ﷺ من الفيء ومن المغانم، كان يعطي منه لأهله النفقة الواجبة، وينفق على الناس صلوات الله وسلامه عليه، وكان لا يعطي أهل بيته صدقات ولا زكوات؛ لأنهم لا يحل لهم منها شيء، وكان يوزع الغنائم للناس الذين يأتون يطلبون منه، فقل أن يمر عليه وقت إلا ويستلف ﷺ.\nفجاء رجل قد استلف منه النبي ﷺ ليتقاضاه ويطلب من النبي ﷺ فأغلظ على النبي ﷺ فهمَّ به أصحابه، أي: أن هذا الرجل جاء للنبي ﷺ يطلبه ما عليه بطريقة سيئة، فقال له النبي ﷺ: (اصبر قليلًا حتى يأتي لنا مال، فإذا بالرجل يتطاول على النبي ﷺ ويقول: يا محمد! هات ما عليك، فإنكم -يا بني عبد المطلب- قوم مطل -أي: أناس مماطلون- فلما قال ذلك قام الصحابة ليضربوه، فهدّأ الرسول ﵊ الصحابة أن اصبروا، إن لصاحب الحق مقالًا) صحيح أنه أساء الأدب ولكنه صاحب حق فاصبروا عليه.\nفصبر وأرانا حسن خلقه ﷺ، بل أعظم من ذلك أنه يعذر مثل هذا الإنسان المتهجم عليه بالكلام القبيح، ويقول: لا بأس إنه صاحب حق وله مقال، وليس من حق هذا ولا غيره أن يقول للنبي ﷺ ذلك، ولكن النبي ﷺ بالمؤمنين رءوف رحيم، فصبر عليه وأمرهم أن يوافقوه وأن يؤدوا له الذي يريده فأعطوه مُسنًَّا مثل سنه.\nويطلق على الجمل أو الناقة عندما تبلغ سنة بنت مخاض، أو بنت لبون وهي التي تبلغ من العمر سنتين، أو حقة وهي التي تبلغ ثلاث سنوات، وجذعة عندما تبلغ أربع سنوات وهكذا، فإذا زادت في السن تكون أغلى في السعر.\nفهذا الرجل سلَّف النبي ﷺ سنًا معينًا فقال: (اقضوه مثل سنّه أو أعطوه سنًَّا مثل سنّه، فقالوا: لا نجد إلا أمثل من سنه، أي: الذي عندنا أحسن من الذي أعطاه لنا -وكأنهم نظروا أنه لا يستحق؛ لأنه قليل الأدب، فلا يستحق أن نعطيه أحسن مما أعطى للنبي ﷺ- فإذا بالنبي ﷺ يقول: أعطوه؛ فإن خيركم أحسنكم قضاء)، فأرانا حسن خلقه ﷺ مع هذا الإنسان السيئ، وأرانا حلمه مع هذا الإنسان المتهور المتعجل، وأرانا حسن القضاء مع هذا الذي يعسر في طلب الحق الذي له، فأرانا النبي ﷺ بعمله وخلقه أن الإنسان يتجاوز لعل الله ﷿ أن يتجاوز عنه.\nنسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"27","page":5},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-182> الترهيب من بخس الكيل والميزان</span>\nلقد حذر الإسلام من جميع التعاملات التي تؤدي إلى فساد الأخوة بين المسلمين، وتقطع روابط المحبة بينهم، ومن ذلك بخس الكيل والميزان وتطفيف الكيل، وقد رتب الله جل في علاه على ذلك عقوبات عاجلة تصيب أصحابها في الدنيا قبل الآخرة.","vol":"28","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>ما جاء في الترهيب من بخس الكيل والوزن</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم.\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الحافظ المنذري ﵀: [الترهيب من بخس الكيل والوزن: عن ابن عمر ﵄ قال: (أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: يا معشر المهاجرين! خمس خصال إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله بأن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله يتخيروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم)، رواه ابن ماجة واللفظ له ورواه البزار والبيهقي].\nهذا الحديث العظيم عن النبي صلوات الله وسلامه عليه يذكره الحافظ المنذري في الترهيب من بخس الكيل والوزن.\nوجاء عن ابن عباس ﵄ قال: (لما قدم النبي ﷺ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلًا)، يعني: أهل المدينة والأنصار رضوان عليهم قبل أن يأتيهم النبي ﷺ كانوا يتعاملون في البيع والشراء وكانوا أخبث الناس كيلًا أو من أخبث الناس في الكيل يعني: يطففون في الكيل والميزان ويبخسون الناس أشياءهم في ذلك.\nفلما قدم النبي ﷺ أنزل الله ﷾ عليهم من القرآن فكان مما نزل: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين:١ - ٣]، فتلى النبي ﷺ عليهم ذلك فكانوا من أحسن الناس وزنًا بعد ذلك.","vol":"28","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>شرح حديث: (خمس خصال إذا ابتليتم بهن)</span>\nفي حديث ابن عمر ﵄: (أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: يا معشر المهاجرين خمس خصال إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن)، يعني: خمسة أوصاف.\nإذا وقعتم فيها جاء من وراء ذلك العذاب من عند الله سبحانه معجلًا في الدنيا.\nوهذه الأشياء ينبغي على المسلمين أن يجتنبوها، وينبغي عليهم أن يتدبروا هذا الحديث عن النبي ﷺ وغيره من الأحاديث ليعلموا مواطن الداء الموجود في أمة الإسلام ليعرفوا لماذا أمة الإسلام الآن ذليلة عند الكفار، ولماذا أذل الكفار المسلمين في كل مكان؟ فالعيب من أنفسهم: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠].\nفالمرء بما كسبت يداه يبتليه الله ﷾ بما يستحق من عقوبة عاجلة أو آجلة.\nقال النبي ﷺ: (لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن قد مضت في أسلافهم الذين مضوا).\nوهذه بلية ومصيبة يبتلى بها الناس فإذا ابتلوا بهذه المعصية كان من وراء ذلك بلاء آخر وهي: المصائب والأوجاع.\nوهذه البلية هي الفاحشة، فإذا ظهرت بين الناس وظهر التبرج عند النساء وظهر من الرجال بسبب ذلك الوقوع في الزنا واستحلال ما حرم الله ﵎ من الزنا واللواط، فانتشر بين الناس وشاع ذلك استحق الناس أن يبتليهم الله سبحانه بأوجاع لم تخطر على بالهم قط ولم يروها قبل ذلك.\nقال النبي ﷺ: (إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع)، لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها ويظهروها، فيظهر الرجل أنه يفعل الفاحشة وتظهر المرأة كذلك ويتستر عليهم الناس ثم يعلنون بها ولا يهتمون بأن يراهم أحد، ويمشي الرجل مع المرأة في الطريق على شاطئ البحر وفي الشارع ويفعل ما يشاء من معاص ولا أحد ينكر عليه، حتى يعلنون بها وتشجعهم الحكومات على ذلك؛ فيسنون لهم الأحكام الوضعية لإباحة الزنا وأنه يجوز هذا الشيء طالما المرأة بالغة ورشيدة فمن حقها وما أحد له دخل في شأنها، والوحيد الذي من حقه أن يشكو هو زوجها فقط كما تفعل حكومات الكفر في بلادهم ويقلدهم المسلمون في بلادهم، والآن يسعون إلى سن القوانين للناس فهم يبحثون عن قوانين إباحة زواج المثلين المرأة بالمرأة والرجل بالرجل.\nعندما يفعلون ذلك يبتليهم الله ﷾ بالأمراض التي لم تكن على بالهم فيأتيهم الطاعون، والكوليرا والإيدز، ويأتيهم فيروس الكبد الوبائي فيروس (\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n)  وفيروس (B)  وفيروس (C)  والله أعلم ما الذي سيأتي بعد ذلك من بلاء ومصائب، وكلما قيل: اكتشفنا علاجًا لهذا المرض جاء مرض ثانٍ.\nولا يزال الأمر على ذلك طالما الإنسان يعارض الله ﷾، ويحاربه، فالله سيبتليه بالعلل والأمراض التي لا يقدر أن يقاومها أبدًا، فتجد هؤلاء الناس يصيبهم الله بالبلاء من عنده وإذا نزل البلاء فإنه يعم ولا يخص، فتجد إنسانًا مريضًا بالإيدز قد ينقل منه الدم لآخر وهو ليس له ذنب فينتقل الإيدز إليه دون أي ذنب.\nأو مريض بالتهاب الكبد الوبائي وهو بسبب معصية من المعاصي التي يعملها ونقل الدم إلى غيره ويصيبهم بالمرض فيأتي البلاء على هؤلاء جميعهم، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥]، فلن يأتي البلاء على الظالم فقط وإنما على الجميع.\nيقول النبي ﷺ: (ولم ينقص المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين، وشدة المؤنة، وجور السلطان)، فمن أعمال الناس يسلط الله ﷿ عليهم من يذيقهم الأمرين.\nفالناس يظلمون ويرتكبون المعاصي والمنهيات الشرعية، وقد يلقوا بالملامة على الحكام بحجة أنهم ظلمة وما ينظرون إلى نفسهم وإلى ما يعملون، فلو أن الإنسان أصلح من حاله لولى الله ﷿ عليه من ينصفه ومن يكون صالحًا، ولكن من ظلم فإن الله يولي عليه من يشدد عليه ويؤذيه ويجور عليه.\nيقول النبي ﷺ في الحديث: (ولم ينقصوا المكيال والميزان)، فكم من الناس ينقصون الميزان والمكيال؟! وكم من التجار؟! إلا من رحم الله سبحانه، وصدق النبي ﷺ حين يخاطب التجار بقوله: (إن التجار هم الفجار)، وأكثر أهل المدينة كانوا تجارًا يتاجرون ويقول النبي ﷺ لهم ذلك: (إن التجار هم الفجار)، فيخبر النبي ﷺ عن السبب ويقول: (إن أحدهم يحلف فيكذب ويعد فلا يوفي).\nفمن فجورهم أن أحدهم يحلف بأن هذه السلعة من أجود السلع وهو كاذب فيما يقول، فيحلف بالله ويحلف بغير الله وهو كاذب فيما يدعي.\nوالشياطين تخدع أمثال هؤلاء فتجد بعض التجار الحمقى والمغفلين يحلف كذبًا وإذا أنكر عليه أحدهم قال: عندما طلعت من البيت قلت في نفسي إن كل يمين أحلفها اليوم فهي كذب، وهو يظن أن هذا الشيء يبرر حلفه الكاذب، فهو بذلك يضحك على نفسه ويخدع نفسه.\nوقد سمع النبي ﷺ رجلًا حلف أنه لا يبيع سلعة ثم باعها بعد ما حلف فأخبر النبي ﷺ: (أنه باع آخرته بدنياه)، فيا ترى كم من الناس يبيعون أخراهم بدنياهم.","vol":"28","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>عقوبة نقص المكيال والميزان</span>\nيقول النبي ﷺ: (ولم ينقصوا المكيال والميزان لأخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان) وأخذوا بالسنين، أي: القحط، فيمنع الله ﷿ عنهم المطر، وإذا أنبتت الأرض فإن الله يبتليهم بالحشرات والديدان والأوبئة التي تضيع الزروع، وإذا أثمرت الزروع والثمار فليس فيها ذلك الطعم الحلو والمذاق الرائع.\nفكم من الناس يغشون فتكون فاكهتهم بلا طعم، وقد يكون الغش والخداع في السموم التي يصنعها بعض الفلاحين والتي تساعد على نمو النبات بشكل سريع، وهي في حقيقة الأمر مضرة أشد الضرر.\nفكم يؤذي هؤلاء الناس بعضهم بعضًا لبعدهم عن الله سبحانه ولجشعهم وطمعهم، فيطمع المزارع ويريد أن يأخذ أكثر ما يقدر عليه، والتاجر يريد أن يأخذ السلعة بثمن بخس ويبيعها بأعلى ما يكون، فيبيعها فاسدة تالفة، المهم أن يكسب، ويخدع المشتري بأن ينقص في الكيل والميزان، فيكون له ميزانان: ميزان يشتري به وميزان يبيع به، فهنا يبين النبي ﷺ أن هؤلاء الظلمة يستحقون أن يؤخذوا بالسنين وشدة المؤنة أي: أن الحياة تصير شديدة عليهم، والأسعار تغلى على مثل هؤلاء الناس بسبب أعمالهم، ويصبح كل منهم يقول: ليس عندي الحاجة الفلانية؛ لأنها صارت غالية.\nويسلط الله عليهم الحاكم الذي يجور عليهم، ويفرض عليه الضرائب الباهضة، ويكلفهم ما لا قدرة لهم عليه.\nفمن يطالب بالتغيير عليه أن يبدأ بتغيير نفسه أولًا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، فغير ما في قلبك من غش وخداع وطمع وجشع ومن حسد للناس على ما آتاهم الله ﷿ من فضله.","vol":"28","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>عقوبة منع الزكاة</span>\nيقول ﷺ في الحديث: (ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء)، إذا منع الناس الزكاة ولم يخرجوها وتحايلوا عليها فالله ﷾ يمنع عنهم القطر، ولكن برحمته سبحانه يقول النبي ﷺ: (ولولا البهائم لم يمطروا)، لولا وجود البهائم ما نزل عليهم المطر من السماء؛ لأنهم لا يستحقونه.","vol":"28","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>عقوبة نقض العهد والميثاق</span>\nقال ﷺ: (ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم)، نقض العهد والميثاق وهو الخيانة التي اشتهر بها العرب الآن بعدما كانوا يوفون بالعهود فقد رجعوا إلى جاهليتهم مرة ثانية، فإذا بهم يعاهد بعضهم بعضًا وينقض بعضهم عهد بعض، ويحالفون أعداءهم على إخوانهم المسلمين، ويغدر المسلم بأخيه المسلم من أجلهم، قال الله ﷾: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:١٠].\nفالذي ينكث العهد إنما ينكثه على نفسه قال النبي ﷺ: (إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم)، يعني: من غير المسلمين أعداء يتسلطون فيأخذون بلاد المسلمين مثلما أخذوا العراق وفلسطين.\nوالسبب في وجود المصائب في بلداننا وقلة الخيرات من زروع وثمار هو الجور والظلم، بينما نجد أن لديهم الكثير من الجنات والبساتين والسبب في ذلك كله أن عندهم عدالة في بلادهم فأعطاهم الله ﷾ الرزق، بينما عندنا ظلم بيننا وبين أنفسنا، فنظلم أنفسنا، ويظلم بعضنا بعضًا، وبسبب هذه المعاصي حُرمنا من فضل الله سبحانه إلا برحمة ربنا لبعض الصالحين وللبهائم التي في الأرض كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"28","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>عقوبة الحكم بغير ما أنزل الله</span>\nقال ﷺ: (وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا فيما أنزل الله)، أي: إذا لم يحكموا بحكم الله سبحانه، ويتخيروا بمعنى: يأخذون الخير من كتاب الله وسنة النبي صلوات الله وسلامه عليه إلا (جعل الله بأسهم بينهم).\nفإذا تركوا القرآن وتركوا السنة وصاروا يحكمون بغير ما فرضه الله، وبغير ما أنزل الله جعل الله بعضهم أعداء لبعض؛ لأنه صار أمرهم على الدنيا فنزع من قلوبهم الخير، وحلت عليهم عقوبة رب العالمين سبحانه.\nنسأل الله ﷿ العفو والعافية، وأن يهدي المسلمين في كل مكان، وأن يؤلف بين قلوبهم حتى يراجعوا أمر دينهم.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"28","page":7},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-189> الترهيب من تضييع الأمانة</span>\nلقد حذر الإسلام من تضييع الأمانة وكتمانها، وتوعد فاعله بالعقاب والنكال.\nونظرًا لعظم أمر الأمانة فقد قرن الله الخيانة فيها بخيانته وخيانة رسوله.\nوالله ﷿ يغفر يوم القيامة ما شاء إلا حقوق الناس فلا يغفر منها شيئًا إلا أن يعفوا.\nفالمسلم لا يكون خائنًا أبدًا، إذ الخيانة صفة لؤم تناقض الإسلام، بل شدد الإسلام حتى بعدم خيانة الخائن.","vol":"29","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>الترهيب من تضييع الأمانة</span>\nأعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: فقد روى الإمام البيهقي عن ابن مسعود ﵁ قال: (القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة.\nقال: يؤتى بالعبد يوم القيامة وإن قتل في سبيل الله ويقال: أد أمانتك، فيقول: أي رب! كيف وقد ذهبت الدنيا؟ قال: فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية، فينطلقون به إلى الهاوية، وتمثل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه، فيراها فيعرفها، فيهوي في أثرها حتى يدركها، فيحملها على منكبيه، حتى إذا نظر -ظن- أنه خارج زلت عن منكبيه فهو يهوي في أثرها أبد الآبدين، ثم قال: الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة.\nوأشياء عددها.\nوأشد ذلك الودائع).\nقال زاذان: فأتيت البراء بن عازب فقلت: ألا ترى إلى ما قال ابن مسعود قال: كذا وكذا؟ قال: صدق، أما سمعت الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨].\nوعن أبي هريرة ﵁ إن رسول الله ﷺ قال: (من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا).","vol":"29","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>شرح أثر ابن مسعود في الأمانة</span>\nهذه الأحاديث ذكرها الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب.\nومنها هذا الأثر عن ابن مسعود ﵁ موقوفًا عليه.\nوقد ذكر فيه الأمانة.\nوالأمانة من أعظم ما يحمل الإنسان، ويسأل عنه يوم القيامة.\nفقد قال: القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة.\nوجاء هذا المعنى في حديث النبي ﷺ عندما سأله رجل: أرأيت إن قاتلت في سبيل الله صابرًا، أو: قتلت صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر، أيكفر عني ذلك، -يعني: الذنوب-؟ فقال النبي ﷺ: (نعم، فلما أدبر الرجل ناداه النبي ﷺ وقال: إلا الدين، أخبرني بذلك جبريل آنفًا).\nفالإنسان لو استشهد في سبيل الله مقبلًا غير مدبر صابرًا محتسبًا، وقتل في سبيل الله فإن هذا القتل يكفر عنه كل الذنوب التي وقع فيها، إلا الدين، أي: إلا أمانات الناس.\nفإن كان عنده دين للناس، فإن هذا لا يكفر عنه، والناس تطالبه بحقوقها يوم القيامة.\nفيؤخذ لهم من هذا الإنسان حتى ولو كان شهيدًا.\nوهنا يقول ابن مسعود: (القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة.\nيؤتى بالعبد يوم القيامة وقد قتل في سبيل الله، فيقال: أد أمانتك).\nوهذا له حكم المرفوع؛ لأن ابن مسعود لم ير يوم القيامة، ولا يعلم شيئًا من الغيب، إلا أن يكون النبي ﷺ أخبره بذلك.\nفقال: (فيقال: أد أمانتك) أي: أن الإنسان عندما يأتي يوم القيامة يقول له الله ﷿: عليك أمانة، وعليك وديعة لفلان، وعليك دين لفلان، وعليك كذا.\nفأد هذه الأمانة.\nقال: (فيقول: أي رب، كيف وقد ذهبت الدنيا؟)، أي: من أين آت بها؟! وهي لا توجد الآن؛ لأن الدنيا ذهبت.\nقال: (فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية)، وهذا من أسماء النار والعياذ بالله.\nسميت بذلك لأنها تهوي بصاحبها.\nوقد جاء أن الحجر يرمى به من رأس النار فيهوي إلى قاعها لا يصل إلا بعد سبعين خريفًا.\nفقعر جهنم اسمه الهاوية، والعياذ بالله.\nقال: (فيقال للملائكة: اذهبوا بهذا الرجل إلى الهاوية، فينطلقون به إلى الهاوية، وتمثل له أمانته، كهيئتها يوم دفعت إليه)، أي: يرى الأمانة أمامه في النار.\nفيقال له: هذه الأمانة التي أخذتها من الناس.\nفهو قد أخذ من الناس في الدنيا ودائع وعواري، وأخذ منهم أموالًا على هيئة الدين.\nفتكون أمانة عنده، ثم لم يردها إلى أصحابها، فمن هذه حاله في الدنيا، فإنه يوم القيامة يذهب به إلى النار، ويقال له: هذه أمانتك داخل النار، فادخل واحضر هذه الأمانة.\nفينزل وراء الأمانة، ويظن أنه سيمسكها، فينزل وراءها حتى يمسكها، ويضعها على كتفيه، ويصعد من أجل أن يخرج من النار.\nقال: (فينطلق به إلى الهاوية، وتمثل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه، فيراها فيعرفها، فيهوي في أثرها حتى يدركها، فيحملها على منكبيه، حتى إذا نظر -ظن- أنه خارج)، أي: ظن أنه سيخرج من النار، تفلت الأمانة منه وتسقط في النار ثانية، فينزل وراءها ليحضرها، وهكذا.\nقال: (حتى إذا نظر -ظن- أنه خارج زلت عن منكبيه فهو يهوي في أثرها أبد الآبدين.\nثم قال: الصلاة أمانة).\nفالإنسان يسأل يوم القيامة عن الصلاة التي اؤتمن عليها.\nفإذا قال: كيف أصلي الآن؟ يقولون: اذهب واحضرها من النار، فيذهب إلى النار، ويهوي فيها وراءها أبد الآبدين؛ لأنه ضيع الصلاة وهي أمانة رب العالمين.\nقال: (والوضوء أمانة، والوزن أمانة).\nفالإنسان عندما يزن ويبيع للناس فهذا أمانة.\nقال: (والكيل أمانة وأشياء عددها.\nوأشد ذلك الودائع).\nفعندما يقول لك إنسان: ضع لي هذه الحاجة عندك.\nفهذه وديعة.\nوكم من الناس يؤتمن على شيء فيأخذه ويقول: لم أر شيئًا؟ ولم آخذ شيئًا؟ وكم من إنسان يستعير الشيء ويتلف عليه ويقول: لقد ضاع، فماذا أعمل؟ وينتهي الأمر.\nفهذه أمانات لابد وأن ترد إلى أصحابها، فإن لم يردها صاحبها في الدنيا فهذا حاله يوم القيامة والعياذ بالله.\nقال زاذان راوي الحديث عن ابن مسعود: فأتيت البراء بن عازب فقلت: ألا ترى إلى ما قال ابن مسعود؟ قال: كذا وكذا.\nقال: صدق، أما سمعت الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨].\nفإذا لم يؤد الإنسان أمانته في الدنيا فُعل به ذلك في النار، والعياذ بالله.","vol":"29","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>شرح حديث: (من حمل علينا السلاح فليس منا)</span>\nومن الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ ما رواه مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من حمل علينا السلاح فليس منا).\nفالإنسان الذي يحمل السلاح ويقاتل المسلمين لكونهم مسلمين فهو كافر، وليس مسلمًا.\nفالذي يقاتل المسلم لكونه مسلمًا، فيقاتله على إسلامه وعلى دينه ليفتنه عنه فليس بمسلم، حتى وإن زعم هذا الإنسان أنه مسلم، طالما أنه يقاتل المسلم ليفتنه عن دينه.\nوأما من حمل السلاح على المسلمين على وجه التهديد والسطو عليهم ليأخذ أموالهم فيدخل تحت (فليس منا)، أي: ليس على طريقتنا ولا ينسب إلينا، وإن كان الأول أشد شرًا من هذا الثاني.\nفالأول: فتن المسلم عن دينه.\nوحمل السلاح ليقاتله لكونه مسلمًا.\nفهذا ليس منا على الحقيقة؛ لأنه لا يوجد مسلم أبدًا يقاتل مسلمًا لكونه مسلمًا.\nفإذا وجد مثل ذلك فإنه ليس مسلمًا.\nكما قال النبي ﷺ.\nولكن من يحمل السلاح على وجه التعدي والاعتداء، وعلى وجه قطع الطريق، وغير ذلك فهذا ليس من المسلمين، أي: لا ينسب إليهم، يعني: أنه قد أتى بكبيرة من الكبائر.\nوليس مثل هذا يستحق أن ينسب إلينا.\nفالفرق بينهما: أن الأول كافر، والثاني مرتكب كبيرة من الكبائر.","vol":"29","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>بعض الأعمال التي قال رسول الله عن فاعلها: (ليس منا)</span>\nقال ﷺ: (ومن غشنا فليس منا).\nوقد جاءت روايات كثيرة لهذا الحديث.\nوجاءت أسباب فيها.\nفمنها: (أن النبي ﷺ مر على صبرة طعام فأدخل يده فنالت أصابعه بللًا، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء، يا رسول الله.\nقال: أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس، من غشنا فليس منا).\nفلا تخدع في البيع، ولا تبع للناس شيئًا بعضه فاسد، وتخبئه في النصف، وتضع في الأعلى الشيء الجيد؛ لتخدع الناس.\nقال ﷺ: (من غشنا فليس منا).\nوفي رواية أخرى: (أن النبي ﷺ مر بطعام قد حسنه -يعني: صاحبه- فأدخل يده فيه)، يعني: وضع كومًا من الطعام منظره من الخارج جميل، أي: قد جمله صاحبه.\nقال: (فأدخل يده فيه فإذا طعام رديء)، أي: وجد شيئًا سيئًا داخل هذا الطعام الذي ظاهره حسن.\nفقال النبي ﷺ لصاحب الطعام: (بع هذا على حدة وهذا على حدة.\nفمن غشنا فليس منا).\nفعندما تريد أن تبيع الطعام فلا تخلط بعضه مع البعض الآخر، وإنما بع الرديء وحده وبع الطيب وحده؛ لأن هذا له سعر وهذا له سعر آخر، (فمن غشنا فليس منا).\nووردت أحاديث في أن رجلًا كان يبيع رطبًا، وقد جعل الرطب المبلول في الداخل، واليابس في الخارج، فقال له النبي ﷺ ذلك.\nوفي بعض الأحاديث: (إن النبي ﷺ سأله: ما حملك على هذا؟)، أي: لماذا خلطت هذه الأشياء مع بعضها؟ (فقال الرجل: إنه أصابته سماء)، يعني: فليس لي ذنب في ذلك.\nفقال له النبي ﷺ: (أفلا عزلت الرطب على حدة، واليابس على حدة، فيبتاعون ما يعرفون؟)، يعني: حتى يشتري المشتري ما يعرف.\nثم قال: (غشنا فليس منا).","vol":"29","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>جزاء المكر والخداع</span>\nوذُكر في حديث آخر لـ ابن مسعود ﵁: (من غشنا فليس منا، والمكر والخداع في النار).\n(والمكر) كما يفعله بعض الناس ثم يقول: ضحكت عليه، وبعت له السلعة بكذا.\nفانظر ماذا عملت له، فتعال تعلم مني، وانظر كيف أبيع وكيف أشتري.\nفهو مخادع ومكار، ومصيره إلى النار.\nوهذا مصير أهل النار.\nفأهل المكر والخيانة والخداع، يظنون أنفسهم أذكياء في الدنيا، وأنهم يعرفون التصرف والبيع، فهؤلاء آخرتهم النار، والعياذ بالله.\nقال النبي ﷺ: (والمكر والخداع في النار).\nوفي حديث آخر: (المكر والخديعة في النار).\nومهما يصنع الإنسان من مكر وخديعة ليأخذ أموال الناس فلا يظن أبدًا أنه سيبارك له في هذا الشيء.\nوقد ضرب لنا النبي ﷺ مثلًا من الأقوام الذين من قبلنا، حتى نعرف ما الذي يمكن أن يحدث لهذا المال، فالإنسان المخادع والتاجر الذي يريد أن يبيع الحاجة بأكثر من ثمنها، ويظن أنه سيخدع الناس بهذا الشيء، إنما يضحك على نفسه ويخدعها؛ لأن هذا المال الذي يأخذه محكوم عليه بالهلاك وبالضياع؛ لأنه إنما يبتليه الله ﷾ به، فإما أن يضيع منه هذا المال، وإما أن يسلط عليه نفسه وشهوته ويضيعه في الحشيش والمخدرات وغيرها، أو يبتليه بالأمراض التي يظل يصرف هذا المال على علاجها، ولا تذهب هذه الأمراض منه، أو يبتليه بفساد عياله وزوجته، فيسرقون المال من ورائه.\nفيجد أن هذا المال المأخوذ بالخديعة والمكر محكوم عليه بالتتبير والهلاك.\nوقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة وهو عند الطبراني عن النبي ﷺ: (أن رجلًا كان يبيع الخمر في سفينة له).\nوفي رواية: (أن رجلًا ممن كان قبلكم جلب خمرًا إلى قرية فشابها بالماء فأضعف أضعافًا).\nولعل هذا كان جائزًا في ملتهم، أو أنه حكاية يحكيها النبي ﷺ، وليس معناه جواز بيع الخمر، ولكن المعنى: أن هذا الإنسان ذهب يبيع الخمر في قرية، فركب سفينة وسافر إلى هذه القرية، فلما نزل في القرية وجد أن الذين يريدون أن يشتروا الخمر كثير، فزادها ماء وضاعفها أضعافًا بالماء، وباعها للناس، وأخذ المال.\nقال النبي ﷺ: (إن رجلًا كان يبيع الخمر في سفينة له، ومعه قرد في السفينة).\nفقد جمع الشر كله معه.\nفقد باع الخمر للناس وغشهم، وأخذ المال.\nقال: (كان يشوب الخمر بالماء، فأخذ القرد الكيس).\nوفي رواية: (فاشترى قردًا فركب البحر)، يعني: اشترى هلاكه معه.\nقال: (حتى إذا لجّج فيه)، يعني: دخل في نصف البحر، وفي مكان لا يعرف أن ينزل فيه.\nقال: (فألهم الله القرد صرة الدنانير فأخذها)، فقد جاء وقت الحسرة، وأحسره الله على ما صنع؛ لأنه ضحك على الناس، وأخذ أموالهم.\nقال ﷺ: (فصعد الدقل)، يعني: عمود السفينة، وصاحبه لا يستطيع الصعود وراءه.\nفأخذ كيس الدنانير وصعد فيها.\nقال: (ففتح الصرة وصاحبها ينظر إليه، فأخذ دينارًا فرماه في البحر، ودينارًا في السفينة) يعني: ما غش وخدع الناس فيه رماه له في البحر، وترك له باقي ماله.\nقال: (حتى قسمها نصفين).\nفسلط الله ﷿ عليه من ماله.\nفهو لما خدع الناس، وأخذ أموالهم، سلط الله القرد على إتلاف ماله.\nفهذا المثل يذكره النبي ﷺ عبرة وعظة لكل تاجر؛ حتى لا يغش ولا يخدع.\nفإذا أخذ المال من الغش فماله محكوم عليه بالخسران وبالهلاك.\nوسيرى ذلك في يوم من الأيام.\nفتجد التاجر من هؤلاء معه النقود الكثيرة جدًا وقد سلط الله عليه البلاء كله.\nوهو يخاف أن يصرف النقود ويقول: إنه يحتاجها في مرض كذا، أو للأولاد، ثم تسرق منه نقوده، ولا يعرف أين ذهبت؟","vol":"29","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>أمانة الصحابة ﵃</span>\nومن هذه القصة وأمثالها تعلم أصحاب النبي ﷺ الأمانة، وتعلموا من النبي ﷺ ألا يخدعوا أحدًا في شيء.\nخاصة وإن النبي ﷺ لما قدم المدينة وجدهم أخبث الناس كيلًا؛ فقد كانوا يبيعون ويطففون في الكيل والميزان.\nفلما قدم نزلت سورة المطففين فتركوا هذا الشيء وامتنعوا من تخسير الكيل والميزان.\nوعند الحاكم والبيهقي قال أبو سباع: اشتريت ناقة من دار واثلة بن الأسقع ﵁، -وقد كانت الدار عندهم مثل العمارة عندنا الآن، فيها الشقق، ولكنها أفقية، فتكون البيوت فيها بجانب بعضها بعضهًا، ويجمعها حوش واحد.\nفـ أبو سباع اشترى ناقة من هذه الدار، يعني: من بيت من البيوت.\nقال: فلما خرجت بها أدركني واثلة وهو يجر إزاره، يعني: لم يتسن له أن يعدل إزاره على نفسه؛ خوفًا أن يذهب قبل أن ينصحه، فقال: يا عبد الله! اشتريت؟ قال: قلت: نعم.\nقال: بين لك ما فيها؟ يعني جاري الذي باع لك هذه السلعة، هل بين لك العيب الذي فيها؟ قال: فقلت: وما فيها؟ إنها لسمينة ظاهرة الصحة.\nقال: أردت بها سفرًا، أو أردت بها لحمًا؟ قال: أردت بها الحج.\nقال: فإن بخفها نقب، يعني: خفها، وهو قدم الناقة منقوب خفيف، لا يتحمل السفر.\nهذه هي الأمانة.\nولم يكن هو الذي باع، ولا هو المشتري.\nفقال له البائع: ما أردت أصلحك الله؟ تفسد علي؟ يعني: قال له جاره: أنت تفسد علي البيعة التي بعتها.\nفطالما أنه قد رضي الرجل فما دخلك أنت؟ فقال واثلة ﵁: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يحل لأحد بيع أو يبيع شيئًا إلا بين ما فيه، ولا يحل لمن علم ذلك إلا بينه).\nفلا تدلس على أحد في البيع ولا في الشراء، وكذلك انصح الإنسان الذي يشتري إذا عرفت أن البائع خدعه.\nفقد قال: النبي ﷺ: (المكر والخديعة في النار).\nوقال: (الدين النصيحة).\nوهذا من النصيحة.\nوكان النبي ﷺ يبايع أصحابه على النصح لكل مسلم.\nوفي حديث عقبة ﵁ عن النبي ﷺ كما جاء عند الإمام أحمد وابن ماجه قال: (المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم إذا باع من أخيه بيعًا فيه عيب ألا يبينه).\nفإذا بعت شيئًا فيه عيب فلا تواريه، ولا تكتم ما فيه، وثق بأن الله يبارك لك.\nفإذا لم يشترها هذا فيشتريها آخر.\nوإذا لم يشترها أحد بارك الله ﷿ لك في مالك.\nولذلك قال النبي ﷺ: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما).\nفالكتمان والكذب في البيع يضيع بركة البيع.\nولذلك عندما تتعامل فتعامل مع الله سبحانه وليس مع الناس.\nفإذا كان الإنسان لا يرى هذا العيب فالله يراه ويطلع عليه سبحانه.\nفاحذر أن تمكر فيمكر الله ﷿ بك.\nنسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين.","vol":"29","page":7},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-196> ترغيب التجار في الصدق وترهيبهم من الكذب والحلف وإن كانوا صادقين</span>\nإن التاجر المسلم إذا جاهد نفسه ولم يفتنه ماله وكان أمينًا صادقًا غير حلاف ولا كذاب فإن الله يبعثه يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء، وإن التاجر إذا غش الناس وحلف بالله كاذبًا فإن الله يمحق عن ماله البركة، وإذا محق الله بركة ماله فلينتظر الهلاك والدمار.","vol":"30","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>ترغيب التجار في الصدق وترهيبهم من الكذب</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: قال الإمام المنذري ﵀: ترغيب التجار في الصدق، وترهيبهم من الكذب والحلف وإن كانوا صادقين.\nروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: (التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء).\nورواه ابن ماجة عن ابن عمر ولفظه قال رسول الله ﷺ: (التاجر الأمين الصدوق المسلم مع الشهداء يوم القيامة).\nوروى البخاري ومسلم وغيرهما عن حكيم بن حزام ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا البيعان وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا فعسى أن يربحا ربحًا ويمحق بركة بيعهما).\nوفي رواية: (اليمين الفاجرة منفقة للسلعة ممحقة للكسب).\nهذه الأحاديث يرهب بها النبي ﷺ التجار من النار ومن الكذب ومن الحلف بالله ﷾، حتى ولو كانوا صادقين؛ لأن الإنسان الذي يعتاد على اليمين يحلف صادقًا ثم يأتي عليه زمان يحلف فيه معرضًا ثم يحلف بعد ذلك كاذبًا، فلذلك يحذر الإنسان من اليمين ولا يعود نفسه على الحلف إلا إن يحتاج إلى ذلك، أما أن يكون الأمر المراد منه لا يحتاج إلى يمين ثم هو يسارع إلى الحلف فهذا حتى ولو كان صادقًا سيتدرج حتى يحلف كاذبًا بعد ذلك، وخاصة إذا كان تاجرًا؛ لأن المال يفتن صاحبه فيحلف حتى يروج السلعة، يحلف مرة صادقًا ومرات كاذبًا فليحذر من ذلك.\nوهذه أحاديث فيها بيان أن التاجر الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء، وأن التاجر الفاجر في النار، والعياذ بالله.\nعن أبي سعيد وابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (التاجر الصدوق الأمين المسلم مع النبيين والصديقين والشهداء).\nما قال: التاجر الصادق ولكن قال: الصدوق يعني: كثير الصدق، (الأمين) أي: المؤتمن الذي لا يغش في تجارته، ولا يخدع، ولا يمكر، ولا يحتال، ولا يدلس، ولا يبيع الشيء المعيب بغير تبيين، فهذا هو الأمين.\nوفي الحديث الآخر المسلم، وهذا طيب فإن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وقوله: (مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة).\nأي: يوم القيامة يحشر مع هؤلاء.\nوفتنة المال عند التجار فتنة عظيمة جدًا فالتاجر عنده مال لكنه يريد ربحًا أكثر فإذا اتقى الله سبحانه ولم يفتنه المال فباع بصدق وهمه أن يرضي الله ﷾ فإن الله يبارك له في دنياه، ويبارك له في أخراه.\nفالتاجر الذي يصدق في كلامه، ولا يكذب ولا يخون ولا يخدع ولا يغش في منزلة عالية يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء.\nوفي حديث آخر عن النبي ﷺ قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)، والبيعان: البائع والمشتري، فهما بالخيار ما لم يتفرقا.\nلعل إنسانًا يذهب إلى البائع يشتري شيئًا وبعد أن يشتريه وهو يسير في المتجر يقول لا أريد هذا الشيء لقد تذكرت أني محتاج إلى المال الذي معي فهنا النبي ﷺ يقول: بالخيار، طالما أنهما لم يفترقا ولم يحدث نوع من الخسارة للتاجر، فيجوز أن يتقايل هذا البيع ولا يتم للبائع طلبًا لأنه ما زال في المتجر ولم يحصل للسلعة أي عيب.\nقال ﷺ: (فإن صدق البيعان وبينا -أي: صدق البائع والمشتري- بورك لهما في بيعهما)، فالصدق منجاة في الدنيا وفي الآخرة فإنه يبارك لهما في السلعة، (وإن كتما وكذبا)، الاثنان، وقد يقول قائل: البائع سيكتم لكن المشتري ماذا سيكتم فإنه يدفع نقودًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قد لا يدفع نقودًا بل يدفع شيئًا آخر كأن يتبادلا سلعة بسلعة، فكل منهما يكون بائعًا ومشتريًا وكل سلعة من السلعتين فيها بيع وهي ثمن للسلعة الأخرى.\n(وإن كتما وكذبا)، الاثنان أو واحد من الاثنين فالذي يكتم ويكذب لا يبارك له.\nقال ﷺ: (فعسى أن يربحا ربحًا)، هذا اللفظ في غير البخاري ومسلم وهو صحيح.\nيعني: قد يبدو في الظاهر أنهما ربحا، لكن الحقيقة أن هذا الربح ممحوق يمحقه الله ﷾.\nفإذا محقت البركة فلينتظر هلاك المال الذي لا يبارك الله ﷿ فيه.","vol":"30","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>التحذير من الأيمان الفاجرة في البيع</span>\nقال النبي ﷺ: (اليمين الفاجرة منفقة للسلعة ممحقة للكسب)، ورواية أخرى: (منَفقة)، وهي أولى، ومعنى: منفقة للسلعة، أن الإنسان ينفق سلعته ويبيعها باليمين الفاجرة الكاذبة، فيحلف أن هذه السلعة قد دفع فيها كذا ولم أرض بذلك، ويحلف أنه اشتراها بكذا وسيبيعها بخسارة! وهو كاذب في هذا كله، وكم تسمع مثل ذلك من التجار، يحلف أيمانًا فاجرة على أن السلعة قد دفع له فيها كذا وأنه سيميزك على غيرك، وهو في حقيقة الأمر ليس كذلك، فإذا حلف وصدقه المشتري بما يقول، فأخذ السلعة، كانت يمينه ممحقة للكسب.\nفالمال الذي سيكسبه لن يكون فيه بركة بل سيهلكه ويمحقه الله سبحانه، ويرسل عليه ما يذهبه.","vol":"30","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>التجار هم الفجار يوم القيامة</span>\nروى الترمذي عن النبي ﷺ حديثًا وفيه: (أنه خرج إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال: يا معشر التجار)، فاستجابوا لرسول الله ﷺ ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه فقال ﷺ: (إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارًا)، هذا الأصل، واستثنى القليل (إلا من اتقى الله وبر وصدق) فالإنسان الذي يبر ويصدق ويخاف من الله ﷾ يبعث مع النبيين والصديقين والشهداء، أما غالب التجار فسيبعثون فجارًا.\nوفي رواية أخرى لهذا الحديث في مسند الإمام أحمد قال ﷺ: (إن التجار هم الفجار، قالوا: يا رسول الله! أليس قد أحل الله البيع فقال ﷺ: بلى ولكنهم يحلفون فيأثمون ويحدثون فيكذبون).\nوهذه هي المصيبة وهي أن التاجر الغالب عليه كثرة الحلف، فهو يحلف بالله ويحلف بالطلاق ويحلف بغير الله ولا يهتم لذلك، إذا حلف بغير الله أشرك، وإذا حلف بالله سبحانه فقد لا يصدق في يمينه بل يكذب فيكون يمينه يمينًا غموسًا، واليمين الغموس هي أن يحلف بالله كاذبًا، ليقتطع من مال المسلم.\nفالذي يقول لك: والله إن هذه ثمنها علي كذا لكي يأخذ منك مالًا أكثر وهو كاذب في يمينه فقد وقع في اليمين الغموس الذي حكم على صاحبها بأن يغمس في النار والعياذ بالله، وسميت يمينًا غموسًا؛ لأن صاحبها لا بد أن يذوق ويل هذه اليمين والعياذ بالله.\nقال ﷺ: (لكنهم يحلفون فيأثمون ويحدثون فيكذبون) فيتعود على الكذب، ولكثرة ما يبيع ويشتري إذا جاء المشتري إليه قال لا بد أن أكذب عليه حتى أبيع فيكذب ويكذب ويأثم ويكون يوم القيامة مع الفجار والعياذ بالله.","vol":"30","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>عقوبة من حلف بالله كاذبًا ليبيع سلعته</span>\nروى مسلم عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم).\nلما قالها النبي ﷺ مرة واثنتين وثلاثًا قال أبو ذر: (خابوا وخسروا منهم يا رسول الله؟! قال: المسبل، والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب).\nوالمسبل هو: الذي يلبس القميص أو البنطلون أو الإزار ويجرجره في الأرض، وما أكثر ذلك، فتراه يمشي في المجالس فيلوث ثوبه، ويصلي على هذا الحال، هذا المسبل لا ينظر الله ﷿ إليه، وقال النبي ﷺ: (ما زاد عن الكعبين فهو في النار)، وتجد الكثير من الناس في غفلة عن حديث النبي صلوات الله وسلامه عليه، وإذا قلت لإنسان: ارفع بنطلونك عن الأرض، أو ارفع قميصك قال: الموضة هكذا، أي موضة هذه التي ستودي بك إلى نار جهنم، وتكون من الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم؟ هو الذي يعطي الشيء ويمن على من أعطاه، ويهدي الهدية ويمن عليها ويتصدق على إنسان بصدقة ويفضحه بين الناس ويمن عليه، فاحذر أن تمن على أحد بشيء صنعته له.\nقال: (والمنفق سلعته بالحلف الكاذب)، أي: هو يريد أن يبيع سلعته، وحتى يشتريها الناس يحلف كاذبًا أن قيمتها كذا وأنه سيبيعها بخسارة وهكذا.\nفهؤلاء الثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم يوم القيامة ولهم عذاب عظيم.\nوفي الحديث الآخر: (لا ينظر إليهم).\nوهناك حديث آخر في هذا المعنى: عن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: أشيمط زان، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه) فهؤلاء لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، وهو أشيمط زاني، والشمط: البياض الذي يدخل في شعر الإنسان، تقول فلان: أشمط يعني: بدا البياض في شعره، يعني: بدأ سنه في الكهولة والشيب هذا الأشمط، الله ﷾ جعل له الشيبة واعظًا، وليس معنى ذلك أن الشاب معذور إذا زنى، فإنه لا عذر في كبيرة من الكبائر، ولكن أحدهما أبغض إلى الله من الآخر، فالذي كبر سنه أشد بغضًا عند الله من الشاب الذي وقع في الزنا والعياذ بالله.\nوالعائل المستكبر: هو الفقير، فالله منع عنه أسباب الكبر حتى يتواضع، ثم هو يستكبر على غيره من الناس فهو أبغض إلى الله من الغني المستكبر، وكلاهما بغيض إلى الله سبحانه.\nوالإنسان المتكبر أبى الله أن يدخله الجنة حتى يعذبه بالنار والعياذ بالله.\nقال: (ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه)، هذا المنفق سلعته بالحلف الكاذب جعل الله بضاعته وسلعته أن يحلف بالله دائمًا كاذبًا، حتى يبيع السلعة.\nوفي حديث آخر: زاد رابعًا على هؤلاء فقال: (البياع الحلاف، والفقير المختال، الشيخ الزاني، والإمام الجائر)، والإمام معناه: الحاكم أو الأمير الجائر الظالم فبسبب ظلمه يكون يوم القيامة مع الذين يبغضهم الله ﷾ ولا ينظر إليهم ولا يكلمهم ولهم عذاب أليهم.\nنسأل الله العفو والعافية في الدين الدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"30","page":5},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-201> الترهيب من الدين وترغيب المستدين والمتزوج أن ينويا الوفاء والمبادرة إلى قضاء دين الميت [١]</span>\nلقد حذر النبي ﷺ من التوسع في الدين لغير حاجة، فالدين هم بالليل وذلة في النهار، ويغفر للشهيد كل شيء إلا الدين، ولذا من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله، ومن أخذها يريد أداءها أدى الله عنه؛ لأن هذه الأموال ملك للغير وحق من حقوقهم، فصارت عند المستدين كالأمانة المتعلقة بالذمة، فلا تبرأ منها ذمة العبد حتى يعطيها الغير.","vol":"31","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>الترهيب من الدَّين</span>\n\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\n\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [الترهيب من الدين، وترغيب المستدين والمتزوج أن ينويا الوفاء، والمبادرة إلى قضاء دين الميت.\nروى الإمام أحمد عن عقبة بن عامر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: (لا تخيفوا أنفسكم بعد أمنها.\nقالوا: وما ذاك يا رسول الله؟! قال: الدَّين).\nوروى الترمذي وابن ماجة عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من فارق روحه جسده وهو بريء من ثلاث دخل الجنة: الغلول، والدين، والكبر).\nوروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله)].\nهذه أحاديث يذكرها الحافظ المنذري في الترهيب من الدين، وترغيب المستدين والمتزوج أن ينويا الوفاء، يعني: في الديون التي عليها.","vol":"31","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>شرح حديث: (لا تخيفوا أنفسكم بعد أمنها)</span>\nوجاءت أحاديث عن النبي ﷺ تخيف المؤمن من الدين، وأنه لا يستدين إلا إذا كان محتاجًا، وإذا استدان فإنه ينوي الأداء ويجتهد في أداء هذا الدين الذي عليه، ومن هذه الأحاديث ما جاء عن عقبة بن عامر ﵁ في مسند الإمام أحمد أنه سمع النبي ﷺ يقول: (لا تخيفوا أنفسكم بعد أمنها).\nومعنى الحديث: إنك وأنت آمن لا تدخل نفسك في شيء تخافه بعد ذلك.\nقوله: (قال الصحابة: وما ذاك يا رسول الله؟! قال: الدَّين)؛ لأن الشخص آمن فبمجرد ما دخل في الدين فإنه يخوف نفسه بهذا الدين، ويبقى صاحب الدين بعد كل مدة قليلة يقول له: هات الذي عليك، وربما يذهب يرفع عليه قضية، أو يخوفه بالله ﷾ يوم القيامة بأن يقول له: هذا الدين سآخذه منك حسنات يوم القيامة، وسأحملك إياه يوم القيامة فيبقى مرعوبًا في الدنيا والآخرة بسبب هذا الدين، لذلك لا يستدين إلا من احتاج إلى ذلك ولم يجد بدًا من الاستدانة.","vol":"31","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>شرح حديث: (من فارق روحه جسده وهو بريء من ثلاث دخل الجنة)</span>\nومن الأحاديث ما جاء عن ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من فارق روحه جسده وهو بريء من ثلاث دخل الجنة)، فالإنسان الذي يموت وهو بريء من ثلاث خصال يدخل الجنة، وما هي هذه الخصال؟ قال: (الغلول، والدين، والكبر)، فيدخل الجنة إذا برأ من هؤلاء الثلاث، فالغلول أمر متعلق بالمال، والدين متعلق بالمال، والكبر: هو الغرور.\nوالغلول: هو السرقة من الغنيمة، فيسرق الإنسان في الجهاد في سبيل الله، ويمد يده إلى الغنائم التي تحت أيدي الكفار وقد أخذها المسلمون، فهذا هو الغلول، ومثل ذلك: أن يكون الإنسان يعمل في وظيفة فيمد يده للناس ويأخذ منهم الرشوة والهدايا، فهذا غلول، قال النبي ﷺ: (هدايا العمال غلول)، فالإنسان الذي يموت وهو بعيد عن الغلول وما مد يده إلى أحد، ولم يأخذ رشوة ولا أتى بسحت، ولا أخذ من غنيمة، ولا أخذ سرقة، فهذا بريء.\nفالعبد إذا لم يستدن من أحد، أو استدان ووفى ما عليه فيموت وليس عليه دين لأحد.\nالثالث: الكبر، فإذا كان الإنسان مغرورًا فهذا ممنوع من دخول الجنة، فغروره يمنعه من دخول الجنة، والإنسان لو ترك نفسه وهو مغرور وجد نفسه متعاليًا على الخلق، فليتواضع المؤمن لله ﷿، وليتواضع لخلق الله ﷾، وفي الحديث: (ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله).\nفالمتواضع يرفعه الله سبحانه، ويجعل له قدرًا في قلوب الخلق، والإنسان المتكبر أبى الله ﷿ أن يدخله الجنة.","vol":"31","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>شرح حديث: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها)</span>\nومن الأحاديث حديث أبي هريرة، الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه)، فالإنسان الذي يستدين من الناس وفي نيته أنه يؤده، وليس الذي في نيته أن يؤدي ما يستلف من المال ويجلس في بيته يتفرج على المال ويتفرج على صاحب الدين، لا، هذا يجهد نفسه، ولذلك جاء في الحديث الآخر الذي ترويه عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (من حمل من أمتي دينًا ثم جهد في قضائه) يعني: أتعب نفسه في العمل على شأن يؤدي هذا الدين، ويقضي عن نفسه هذا الدين، فهذا الذي قال النبي ﷺ فيه: (ثم مات قبل أن يقضيه فأنا وليه).\nإذًا: على ذلك إذا استدنت فأجهد نفسك في أداء هذا الدين وفي قضائه حتى يكون لك العذر عند الله ﵎.\nففي حديث أبي هريرة: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه) إذًا ربنا سيعينك على هذا الأداء في الدنيا، وإذا مات الإنسان قبل أن يؤدي في الآخرة فالله ﷿ يوفي صاحبه من عنده سبحانه.\nقوله: (ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها) ليس المقصود أن يأخذ أموال الناس فيحرقها أو يقطعها لا، وإنما هو شخص يأتي شخصًا فيقول له: أعطني هذا المال وسأعطيه لك بعد كذا، وفي نفسه أنه لا يريد إرجاعه، فهذا مهما تكلم وعاهد ومهما كتب ورقة أو أوصل أمانة أو شيكًا وهو في نيته عدم إرجاع هذا المال فهذا ينوي الإتلاف، فيدخل في قوله: (أتلفه الله)، فينتظر مصيبة تحصل له من الله ﷾، ولن يعجز الله ﵎، فقد تجد الإنسان شابًا طويلًا عريضًا وفجأة جاءه مرض من أمراض السرطان فمات، فالله بالمرصاد، فاحذر وخف على نفسك، فالمال ما له قيمة، وصاحبه لعل الله ﷿ يعطيه غيره، ولكن المصيبة فيك أنت الذي أخذت هذا المال، انتظر في الليل والنهار ماذا سيحدث لك من الله سبحانه؛ لأنك أخذت المال تنوي إتلافه، فكم من إنسان يستدين من إنسان مالًا، وبعدما يستلف كأنه لا يعرف هذا الإنسان فيمشي بعيدًا عنه، ولا يقابله، ولا يقول له: إنني أخذت منك، ولا كأنه يعرف هذا الإنسان، سبحان الله! أمثال هؤلاء يجعل الله ﷿ فيهم فتنة لغيرهم، فتجد صاحب المال لو جاءه شخص آخر يقول له: سلفني.\nيقول له: لا، ما أعطيك، أنا أعطيت لفلان وما رجع لي مالي، وأعطيت لفلان وما رجع لي مالي، وأعطيت لفلان وكأنه لا يعرفني، فلذلك كانت مصيبته أنه في الدنيا أتلف مال صاحبه، وأنه جعل صاحب المال يمنع خيره عن الغير، فيمنع الناس من المال فلا يسلف أحدًا شيئًا؛ لأنه رأى من هذا الإنسان لم يرد إليه المال.","vol":"31","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>شرح حديث: (أيما رجل تدين دينًا وهو مجمع ألا يوفيه إياه)</span>\nوروى ابن ماجة عن صهيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أيما رجل تدين دينًا وهو مجمع ألا يوفيه إياه)، استلف وهو غير ناوٍ أن يرد هذا المال (لقي الله سارقًا).\nإذًا هنا أتى بكبيرة من الكبائر يلقى الله بها يوم القيامة، فهذا مثل الذي يسرق أموال الناس، فقد استلف وهو ينوي ألا يرد المال، وآخر استعار من الناس شيئًا يقول: أعطني هذه الحاجة التي عندك أعمل بها وأرجعها لك، وهو ينوي ألا يرد إليه هذه الآلة التي استلفها، فهؤلاء يلقون الله سبحانه يوم القيامة وقد سرقوا أموال الناس، وإن كان السارق يأخذ في الخفاء، وهؤلاء يأخذون مع العلم بذلك ولكن الجميع يستوون عند الله فاحذر على نفسك.","vol":"31","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>قصة الرجل من بني إسرائيل الذي استدان وجعل الله شاهده وكفيله</span>\nروى الإمام البخاري وغيره عن أبي هريرة: (أن النبي ﷺ ذكر رجلًا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار)، رجل من بني إسرائيل احتاج إلى مال فأراد من أحد أن يسلفه ألف دينار، وهذه حاجة كبيرة جدًا، فالدينار وزنه حوالي أربعة جرامات وربع من الذهب، (فقال له: ائتني بالشهداء أشهدهم -هات أحدًا يشهد-، فقال: كفى بالله شهيدًا) أي: ربي شهيد علي وعليك، (قال: فائتني بالكفيل -شخص يضمنك- فقال: كفى بالله كفيلًا) هذا من أصعب ما يكون، أنك جعلت الله عليك شهيدًا، وجعلت الله عليك كفيلًا، (قال الرجل -الذي هو صاحب المال- صدقت) طالما أنك قلت: كفى بالله شهيدًا وكفى بالله كفيلًا، صدقت، (فيدفعها إليه إلى أجل مسمى) سلفه الألف الدينار إلى أجل مسمى، (فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركبًا يركبه ويقدم عليه للأجل الذي أجله فلم يجد مركبًا) إذًا هو وعده في اليوم الفلاني أنه سيسدده، ولكن بينه وبين صاحبه بحر ولا يجد مركبًا يوصله، فماذا عمل؟ (فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبها، ثم زجج موضعها) يعني: كتب خطابًا إلى صاحبها، وأتى بخشبة ونقرها ووضع فيها أربعة كيلو وربع ذهبًا، هل تتخيل أن أحدًا يمكن يعمل هذا الشيء؟! والله لولا أن النبي ﷺ قال ذلك ما كنا نظن أبدًا أن أحدًا يعمل هذا، أربعة كيلو ذهبًا يرميها في البحر كيف يكون هذا الشيء؟! أتى بخشبة فنقرها ووضع فيها أربعة كيلو ذهبًا ثم أغلقها وكتب جوابًا فوق الخشبة أن هذا الدين الذي علي لفلان، ورمى الخشبة في البحر، يقول النبي ﷺ: (ثم أتى بها البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني تسلفت فلانًا -استدنت- ألف دينار فسألني كفيلًا، فقلت: كفى بالله كفيلًا فرضي بك، وسألني شهيدًا فقلت: كفى بالله شهيدًا فرضي بك، وإني جهَدت أن أجد مركبًا أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإني استودعكها) يعني: هو عمل هذا ولا يعني أنه رد الدين حقه وانتهى الأمر، وإنما هو يريد أن يقول: ربي إني أعذرت من نفسي، وهو قد قال: كفى بالله شهيدًا، وأرى من نفسي أني جاهدت في ذلك، فكأنه يدفعها لكفيله الله ﷾، ورمى بهذه الخشبة في البحر، قال: (فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه ثم انصرف) هل أدى الدين؟ يقول: (وهو في ذلك يلتمس مركبًا يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبًا قد جاء بماله، فإذا الخشبة التي فيها المال) الآخر واقف على البحر ينتظر الموعد يمكن يأتي المركب ومعه المال حقه، فما جاء المركب، وفي النهاية تعب قال: (فأخذها لأهله حطبًا، فلما نشرها وجد المال والصحيفة) وجد المال أربعة كيلو وربع ذهبًا، ووجد الصحيفة مكتوب فيها: يا رب هذا دين فلان، وإنه استأمنني على ذلك، وإني استودعتك هذا المال.\nفصاحب المال كتب هذه الرسالة ليعلم صاحبها إذا وصلت إليه أن هذا الدين الذي هو له، ولعل صاحبها يلاقيها فيظنها حق شخص آخر، فيقوم يأخذها ويجعلها أمانة حتى يسأل عنها أحد، فلذلك الآخر كان ذكيًا حين وضع المال ووضع معه صحيفة حتى لا يتحرج صاحبه إذا أخذ هذا المال ألا ينفقه.\nقال: (ثم قدم الذي كان أسفله) الآخر وجد مركبًا بعد ذلك ثم قدم إلى الذي كان أسلفه وأتى بألف دينار وقال: (والله ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبًا قبل الذي جئت فيه).\nوالرجلان غاية في الأمانة، فصاحبه يقول له: (هل كنت بعثت إلي بشيء؟) فقال له معرضًا (قال: أخبرك أني لم أجد مركبًا قبل الذي جئت فيه) ما لقيت مركبًا قبل ذلك، وما رضي أن يقول له: إنني بعثت إليك المال هل وصل؟! يقوم صاحبه ويقول له: انتهى المال في البحر ما أريد منك شيئًا، ولكن الأمانة تقتضي كأنه ما بعث له شيئًا، ولكن ما صرح حتى لا يكون كذابًا وإنما عرض في الكلام (فقال له صاحبه: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثته في الخشبة فانصرف بالألف الدينار راشدًا).\nتخيل أحدًا يعمل هذا الشيء! ولو كان أخذ المال من البحر وقال له: ما أخذت شيئًا هات المال، فيعطيه هذا المال، وهو يقول له: ما بعثت لك حاجة وإنني أتيت في المركب الآن، فهذه الأمانة التي يعلمنا إياها النبي صلوات الله وسلامه عليه، وانظروا الآية عندما يقول لنا ربنا ﷾: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران:٧٥]، تعطي له قناطير مقنطرة يؤديها إليك، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران:٧٥].\nكأن الله سبحانه يعرف المؤمنين بأهل الكتاب وليسوا على ملتهم، فمنهم من يؤدي الأمانة ولو كانت قناطير مقنطرة، ومنهم من يسرقها ولا يعطيها، فكونوا أنتم أيها المؤمنون! كلكم تؤدون الأمانة، ولا تأكلوا أموال الناس، ولا تتشبهوا بهؤلاء، قال ﷺ: (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك).\nنسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"31","page":7},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-208> الترهيب من الدين وترغيب المستدين والمتزوج أن ينويا الوفاء والمبادرة إلى قضاء دين الميت [٢]</span>\nإن المتساهل في الدَّين له عواقب كثيرة في الآخرة، ومنها: أنه يحبس عن الجنة إن كان من أهلها حتى يقضى عنه، أو يعذب في قبره والعياذ بالله، ويوم القيامة يؤخذ من حسناته فتعطى لأصحاب الحقوق، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئاتهم وطرحت عليه فطرح في النار والعياذ بالله!","vol":"32","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>ما جاء في الترهيب من الدين</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام المنذري ﵀: [الترهيب من الدين.\nروى الطبراني عن ميمون الكردي عن أبيه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أيما رجل تزوج امرأة على ما قل من المهر أو كثر ليس في نفسه أن يؤدي إليها حقها خدعها، فمات ولم يؤد إليها حقها لقي الله يوم القيامة وهو زانٍ، وأيما رجل استدان دينًا لا يريد أن يؤدي إلى صاحبه حقه، خدعه حتى أخذ ماله، فمات ولم يؤد إليه دينه لقي الله وهو سارق).\nوروى أبو داود عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره، ومن مات وعليه دين فليس ثَم دينار ولا درهم ولكنها الحسنات والسيئات، ومن خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج مما قال).","vol":"32","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>شرح حديث (وأيما رجل استدان دينًا لا يريد أن يؤدي إلى صاحبه حقه)</span>\nجاءت أحاديث عن النبي ﷺ في الترهيب من الدين على أي صورة من الصور، فمن هذه الأحاديث ما رواه ميمون الكردي عن أبيه -وهو حديث صحيح- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أيما رجل تزوج امرأة على ما قل من المهر أو كثر).\nإنسان يتزوج ويتفق مع المرأة أو مع أهلها على أنه سيدفع المهر كذا، وهو ينوي ألا يدفع، وينوي أن يخدع ولا يدفع شيئًا، فقال النبي ﷺ: (ليس في نفسه أن يؤدي إليها حقها، خدعها فمات ولم يؤد إليها حقها لقي الله يوم القيامة وهو زان) والعياذ بالله! فانظر إلى بشاعة هذه الجريمة التي يقع فيها الإنسان! وانظر إلى العقوبة التي يعاقب عليها تعرف مدى الجرم الذي أجرمه هذا الإنسان، فيتزوج وينوي الخديعة، والزواج آية من آيات الله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١].\nفالزواج تظهر فيه آيات الله سبحانه من المودة والرحمة، فيؤدي الحق (إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج) كما ذكر النبي ﷺ.\nفإذا كان الإنسان يتزوج وينوي الخداع أنه لا يدفع شيئًا، ويريد أن يتزوج المرأة ويدخل بها ثم بعد ذلك يطلقها ويضيع حقها، فهذا الإنسان يحشر يوم القيامة مع الزناة والعياذ بالله! قال ﷺ: (وأيما رجل استدان دينًا لا يريد أن يؤدي إلى صاحبه حقه خدعه حتى أخذ ماله)، خدعه مع لين القول، وضحك عليه بكلام طيب: أعطني المال وسأرجعه لك يوم كذا، وستلاقي مني كذا، وهو ينوي ألا يرد هذا المال، فهذا يلقى الله سبحانه وهو سارق يوم القيامة، فالسرقة كبيرة من الكبائر، فماذا ينتظر صاحب الكبيرة إلا النار والعياذ بالله!","vol":"32","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>شرح حديث: (ومن مات وعليه دين فليس ثَم دينار ولا درهم)</span>\nومن الأحاديث حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره).\nوجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (تعافوا الحدود فيما بينكم، فإذا بلغت السلطان فلعن الله الشافع والمشفع).\nفحدود الله ﷾ جعلها رادعة عن الوقوع في الجريمة، كالحد في شرب الخمر، والحد في السرقة، والحد في قطع الطريق، والحد في الزنا، فهذه حدود جعلها الله ﷿ تأديبًا للعباد وتهذيبًا لهم، ومنعًا لغيرهم أن يقعوا في هذه المنكرات، فإذا كان بين إنسان وآخر شيء فعفا عنه بينه وبينه فلا مانع أن تعفو عن شيء يخصك أنت، كإنسان سرق من إنسان شيئًا ثم عفا عنه وترك له ذلك، وأما إذا بلغ هذا الحد إلى الحاكم فلا يجوز لأحد أن يشفع في ذلك، فقد لعن النبي ﷺ الشافع والمشفع.\nوفي حديث: أن صفوان بن أمية لما أسلم وجاء للنبي ﷺ في المدينة جعل برده تحت رأسه في مسجد النبي ﷺ ونام، فإذا برجل من الذين كانوا في المسجد يمد يده ليسرق البرد الذي كان الرجل لابسه وقد طرحه تحت رأسه وهو نائم، فأمسك به صفوان ورفعه للنبي ﷺ وقال له: إن هذا أراد أن يسرق مني بردي، فأمر النبي ﷺ بقطع يده.\nإذًا: فقد رفع الأمر إلى الحاكم وهو النبي ﷺ؛ فأمر بقطع يد السارق، فإذا بـ صفوان يندهش فقال للنبي ﷺ: أفي مثل هذا البرد تقطع يده؟! فهو له، فقال النبي ﷺ: (هل ذاك قبل أن تأتيني به؟) لماذا لم تتركه له قبلما ترفعه لي؟ فإذا بلغ الحكم إلى الحاكم قال النبي ﷺ: (لعن الله الشافع والمشفع).\nفلا تجوز الشفاعة بعدما وصل الأمر إلى القاضي في أي حد من حدود الله ﷾.\nفهنا في هذا الحديث: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله) يعني: أتي بإنسان زانٍ وأقر على نفسه، أو بإنسان شهد عليه أربعة أنه وقع في هذه الجريمة ورفع إلى القاضي، فأمر القاضي برجمه أو أمر بجلده حسب حاله، وتدخل إنسان ليشفع ويقول: أرجوك اتركه، فهنا يقول النبي ﷺ: (فقد ضاد الله في أمره)، فأحكام الشريعة ليس فيها تلاعب، ولا أن الإنسان يقول: من أجلي اتركه، لا، فحد واحد يقام في الأرض أحب إلى أهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحًا، وحد يقام في الأرض تأتي بسببه البركة من السماء؛ لأن الحدود عقوبة على جريمة، وردع للناس من أن يقعوا في هذه الجريمة، قال ﷺ: (ومن مات وعليه دين فليس ثَم دينار ولا درهم).\nفالذي يموت وهو مديون فلا يوجد يوم القيامة دراهم، قال: (ولكنها الحسنات والسيئات)، إذًا: فيوم القيامة إما أن تعطي لهذا الذي له الدين من حسناتك، وإما أن تحمل من سيئاته قصاصًا لهذا الدين، قال: (ولكنها الحسنات والسيئات).\nقال: (ومن خاصم في باطل وهو يعلم)، فالإنسان الذي يخاصم في خصومة ويجادل فيها وارتفع الأمر إلى القاضي وهو يعلم أنه كذاب، كإنسان يدعي على فلان أن الأرض هذه حقه، والشقة هذه حقه، والمكان هذا حقه ويرتفع الأمر إلى السلطان، وهذا المخاصم الذي يجادل كذاب ويعلم في نفسه أنه كذاب، فهذا مصيبته عند الله ﷿ عظيمة، قال: (من خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع)، فيغضب الله ﷿ عليه، وإذا غضب الله عليه فلا ينتظر إلا المصائب، ويظل على هذه المصائب والله غضبان عليه حتى يرجع عن ذلك فيرد الحق لصاحبه، ويتوب إلى الله سبحانه.\nقال: (ومن قال في مؤمن ما ليس فيه) أي: رماه ببهتان، ورماه بقول زور وكذب عليه، فيقول: فلان هذا أنا رأيته يعمل كذا وكذا، وقد قالوا عليه كذا وكذا، وليس فيه هذا الشيء، قال: (ومن قال في مؤمن ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال) حبس في النار والعياذ بالله! في مكان اسمه: (ردغة الخبال)، و(ردغة الخبال): منطقة في النار يسيل فيها صديد أهل النار والعياذ بالله! فهذا مكان يليق بهذا الإنسان الكذاب الذي فيه نتانة الكذب، فيحبس فيه (حتى يأتي بالمخرج مما قال) والإنسان يأتي بالمخرج إذا كان صادقًا، لكن هذا كذاب، فاحذر أن تقول على مؤمن أو مؤمنة ما ليس فيه، واحذر أن تسمع شائعة عن إنسان فتردد هذه الشائعة كما سمعتها فتحبس في (ردغة الخبال) وهو مكان يسيل فيه عصارة أهل النار والعياذ بالله!","vol":"32","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>شرح حديث: (إن صاحبكم مأسور بدينه)</span>\nوعن سمرة قال: (خطبنا رسول الله ﷺ فقال: هاهنا أحد من بني فلان؟)، فالنبي ﷺ صلى بالناس ثم قام يسألهم: هل أحد من بني فلان موجود؟ (ثم قال: هاهنا أحد من بني فلان؟ فلم يجبه أحد، ثم قال: هاهنا أحد من بني فلان -للمرة الثالثة- فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله! فقال ﷺ: ما منعك أن تجيبني في المرتين الأوليين؟ ثم قال: إني لم أنوه بكم إلا خيرًا) يعني: كأن فلان هذا ميت، فلما أخذ النبي ﷺ يسأل هل أحد من أهله موجود؟ خاف الرجل أن تكون هناك مصيبة على هذا الإنسان أو شيء آخر، وفعلًا كان هناك شيء، فقال النبي ﷺ: (إني لم أُنوه بكم إلا خيرًا، إن صاحبكم مأسور بدينه)، كان عليه دين فحبس به، (قال: فلقد رأيته أدى عنه حتى ما أحد يطلبه بشيء).\nوفي رواية أخرى قال: (إن صاحبكم حبس على باب الجنة بدين كان عليه) يعني: هذا الرجل كان يستحق دخول الجنة ولكن الدين منعه من دخوله الجنة.\nوفي رواية أخرى: (فإن شئتم فافدوه، وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله)، أي: إن شئتم فافدوا هذا الإنسان الذي يستحق الجنة، (وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله فقاموا ودفعوا ما كان عليه من دين).\nوالله سبحانه رحم هذا الإنسان بأن أعلم النبي ﷺ فقال ذلك، فيا ترى كيف سيعلم أحد منا بهذا الشيء؟! فيموت الإنسان وعليه دين وأهله لا يدفعون ما عليه من الدين، ويقولون: مات وليس لنا دخل في دينه، ويتقاسمون المواريث والديون ولا أحد يسأل عن دين هذا الإنسان، وكم رأينا من ذلك! فتجد إنسانًا يموت وهو مليونير وعليه ديون للناس، فقد كان يتاجر للناس في أموال فأخذ أموالهم، فلما يموت هذا الإنسان يجيء أصحاب الديون يطلبون أموالهم فيماطلهم الورثة، والورثة يتنازعون في الميراث وليس مهمًا دين هذا الإنسان، والمهم أن يصل إليهم إرثه، لذلك لا يحافظ على أداء الدين إلا صاحب الدين الذي يخاف من الله ﷾، وأما أن يبقى عليك دين وتنتظر من أهلك بعد وفاتك أن يقضوه فالغالب أنه لا يحدث هذا الشيء، ولا ينظر أحد في ذلك، ويجدون من رفقاء وأصدقاء وجيران السوء من يقول لهم: لا تدفع عنه دينه فعنده عيال لما يكبروا سيسددون عنه هذا الدين، وهو يحبس عن الجنة ويعذب في النار مدة ذلك.\nوانظر هذا الحديث عن جابر قال: (توفي رجل فغسلناه وكفناه وحنطناه، ثم أتينا به رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقلنا: تصلي عليه، فخطى خطوة ثم قال: أعليه دين؟ قلنا: ديناران) عليه ديناران فقط، قال: (فانصرف النبي ﷺ) أي: لم يصل على هذا الرجل، (ثم تحملهما أبو قتادة)، فأبو قتادة قال: يا رسول الله! أنا سأدفع الدينارين عنه، (هما علي، قال: هما عليك وفي مالك والميت منهما براء؟ قال: نعم، فصلى عليه النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقال رسول الله ﷺ بعد يوم: ما فعل الديناران؟) يسأل أبا قتادة: الديناران اللذان أنت تحملتهما عن فلان هل قضيتهما أم لا؟ (فقال: إنما مات أمس، قال: فعاد إليه من الغد -اليوم الذي بعده- فقال: قد قضيتهما، فقال رسول الله ﷺ: الآن قد بردت جلدته)، كأن الميت كان يعذب فبردت جلدته لما دفع أبو قتادة ما على هذا الإنسان المتوفى من الدين، وهذا العذاب يكون للإنسان الذي استدان في غير حاجة ولم ينو الوفاء، واستدان وهو قادر على السداد ولم يتعب نفسه في السداد، وكم من إنسان يكون فيه نوع من الاستهانة بأموال الناس، فاستحلى السؤال، وما زاد الله ﷿ عبدًا بسؤاله الناس إلا فقرًا، فيزيده فقرًا عندما يتعود: سلفني يا فلان! أعطني يا فلان! فيتعود على هذا الشيء وتبقى طبيعة فيه ولا يستطيع أن يرد للناس شيئًا، وسهل عليه أن يستلف ولا يرد للناس أموالهم، فمثل هذا الإنسان الذي يموت وعليه دين للناس ولم يجتهد في قضائه، ولم يتعب نفسه في قضاء ما عليه من الدين، فهذا الإنسان ممن يعذب في قبره بسبب أموال الناس، فاحذروا من تضييع أموال الناس، وكفى قول النبي ﷺ: (من أخذ أموال الناس ينوي إتلافها أتلفه الله)، فأخبر عن حاله عند الله أن الله يهلكه ويتلفه، أو دعا عليه النبي ﷺ.\nنسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"32","page":5},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-213> الترغيب في ستر المسلم والترهيب من هتكه وتتبع عورته</span>\nستر المسلم في الدنيا من أفضل الأعمال التي تقرب إلى الله جل وعلا، ولا يخلو إنسان من الوقوع في الذنب والزلل، فإذا رأيت شيئًا من أخيك المسلم فاستره، وخاصة إذا كان من ذوي الهيئات، وإذا سترته ابتغاء وجه الله فإن الله ﷿ يسترك في الدنيا والآخرة.","vol":"33","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>الترغيب في ستر المسلم والترهيب من هتكه</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: قال الإمام المنذري: [الترغيب في ستر المسلم، والترهيب من هتكه وتتبع عورته.\nروى الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (من نفَّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه).\nوروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة).\nعن مكحول أن عقبة بن عامر أتى مسلمة بن مخلد فكان بينه وبين البواب شيء، فسمع صوته فأذن له، فقال: إني لم آتك زائرًا، ولكن جئتك لحاجة؛ أتذكر يوم قال رسول الله ﷺ: (من علم من أخيه سيئة فسترها ستر الله عليه يوم القيامة) قال: نعم، قال: لهذا جئت.\nرواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح].\nعن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (من ستر عورة أخيه ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه المسلم كشف الله عورته حتى يفضحه بها في بيته)].\nهذه الأحاديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه في حسن الخلق، ومنها: خلق الستر على المسلمين؛ فإن الإنسان المسلم من طبيعته أنه كتوم، وأنه يستر ما يراه من شر، وأنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ ليكن بين الناس الخير، وحتى يقل بين الناس الشر، وإذا نهى عن منكر فليس غايته أن يفضح صاحب المنكر، وإنما غايته أنه يمنع الشرور التي هي موجودة بين الناس، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولا يفضح الناس.\nوقد جاءت أحاديث عن النبي ﷺ في قضية من أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، وستر على من أمره ونهاه ولم يفضحه، وجاءت أيضًا أحاديث في الترهيب والتخويف ممن يحب أن يهتك حرمات المسلمين، ويكشف عوراتهم وسوءاتهم.","vol":"33","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>شرح حديث: (من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا)</span>\nومن تلك الأحاديث: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺوجاء نحوه عن عبد الله بن عمر ﵄- عن النبي ﷺ قال: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)، فالإنسان المؤمن يعين أخاه المؤمن، وإذا كان في كربة فينفس عنه ويفسح له ويزيل عنه هذه الكربة التي قد ضاقت بها نفسه، فيفرج عنه هذه الكربة، والجزاء من جنس العمل، فكما هو فرج عن مؤمن فالله ﷿ يفرج عنه كربة من كرب يوم القيامة، وما أكثر الكربات يوم القيامة! فإنه يوم عظيم صعب طويل، وكربات الدنيا لا تدوم فمهما كانت فستنتهي.\nفالإنسان لو كان عمره ستين سنة أو سبعين سنة عمر، وكانت عليه الكربة عمره كله فإنها إذا قورنت بيوم القيامة الذي مقداره خمسون ألف سنة فإنها تكون لا شيء.\nفالمؤمن حين يفرج عن أخيه كربة من كرب الدنيا يفرج الله ﷿ عنه هول موقف من مواقف يوم القيامة، وكربة من كربات الحساب يوم القيامة.\nقال: (ومن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة)، والشاهد من الحديث قوله: (ومن ستر على مسلم)، ورحمة ربنا ﷾ عظيمة، فإذا نفست عن مسلم كربة يفرج الله عنك يوم القيامة، ويدخر ذلك إلى يوم القيامة، ولعله يفرج عنك في الدنيا أيضًا، ولكن الحديث ذكر هنا أن الستر على المسلم الجزاء فيه عاجل، فالجزاء العاجل أنك تستر على المسلم فيسترك الله الآن، ولا يكون هذا هو الجزاء الكامل، بل كذلك يوم القيامة يكون لك ستر، فيستر عليك مرتين في الدنيا وفي الآخرة.\nوالإنسان قد يكون بينه وبين أخيه شيء، فحين يرى شيئًا من أخيه يقول في نفسه: سأفضحه؛ لأنه في اليوم الفلاني عمل لي كذا، وكان يغيظني، وكان يدعي أنني لا أحبه، فسأفضح هذا الإنسان، لكن الإنسان المؤمن قلبه يخوفه بالله ﷾، فلا تجاز الإنسان بالذي يفعله، ولكن استر؛ حتى يسترك الله ﵎، فإذا ضغط على نفسه وعلى مشاعره التي فيها الغيظ من أخيه المسلم وستر عليه جازاه الله ﷿ الجزاء العاجل أن يستر عليه.\nوالستر على المسلم ليس معناه أننا نتركه في المعصية، بل مر بالمعروف وانه عن المنكر، واستر هذا الإنسان ولا تفضحه عند الناس، ولا يكون الغرض من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الفضيحة للإنسان، وإنما يكون الغرض النصيحة وتقليل المنكرات وكف الشرور.","vol":"33","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>شرح حديث: (لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة)</span>\nومن الأحاديث في ذلك حديث أبي هريرة ﵁، وفيه: (لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة)، وهذا وعد من الله ﷾ على لسان نبيه ﷺ، وجزاؤك من جنس عملك؛ فإذا سترت إنسانًا في الدنيا سترك الله يوم القيامة.\nومن ذلك حديث يزيد بن نعيم عن أبيه: أن ماعزًا أتى النبي ﷺ فأقر عنده أربع مرات، فأمر برجمه، وقال: لـ هزال: (لو سترته بثوبك كان خيرًا لك).\nوهزال رجل كان يربي ماعزًا، وماعز واحد من أصحاب النبي ﷺ، وكان شابًا قويًا، وكان وهو صغير يتيمًا، والذي رباه هو هزال، وماعز في يوم من الأيام لقي الحي خاليًا، ولقي جارية في الحي فذهب وزنى بها، فلما زنى رآه هزال أو علم بعد ذلك بأمره، فقال: اذهب إلى النبي ﷺ لعله يجد لك حلًا لهذا الذي وقعت فيه، اذهب إلى النبي ﷺ فأخبره بما صنعت؛ لعله يستغفر لك.\nوهنا: كونه يذهب إلى النبي ﷺ ويفضح نفسه ما كان ينبغي ذلك، وإنما كان ينبغي أنه يستر عليه، ولكن كأن هزالًا غضب منه كيف يعمل هذا الشيء، فقال له: اذهب إلى النبي ﷺ وأخبره، وبقي يردد عليه: اذهب إلى النبي ﷺ اذهب للنبي ﷺ، وأخيرًا ذهب، وكان في ظنه أن النبي ﷺ سيتركه، فلما ذهب إلى النبي ﷺ أعرض عنه، وكان ماعزًا متزوجًا، والمتزوج إذا وقع في هذه الجريمة -جريمة الزنا- فالحد فيه الرجم، فيرجم بالحجارة حتى الموت.\nفـ هزال كان عارفًا هذا الشيء، ومع ذلك نصح ماعزًا وقال له: اذهب إلى النبي ﷺ، فذهب ماعز إلى النبي ﷺ وقال: زنيت، فالنبي ﷺ أعرض عنه ولم يرد عليه، فذهب وأتى إليه من الناحية الثانية وقال له: زنيت، فأعرض عنه النبي ﷺ، حتى جاء أربع مرات يصر أمام النبي ﷺ، وفي النهاية قال له النبي ﷺكأنه يصرفه-: (لعلك قبلت) يعني: يمكن أنت لقيت واحدة فقبلتها فرأيت أن هذا هو الزنا الذي يقام عليه الحد، فالرجل قال له: أنا ما قبلت، أنا زنيت، فقال: (لعلك لامست لعلك فاخذت) وهنا يتضح أن النبي ﷺ رحيم، لا يريد أنه يوقع الرجل فيرجم، ولكن الرجل كان مصرًا، وإصراره بسبب هزال الذي كان مربيه، فإنه كان غضبان منه أنه زنى بجارية من الحي، فقال له: اذهب وخذ جزاءك من النبي ﷺ، والنبي ﷺ بالمؤمنين رءوف رحيم، فاستمر يقول له: (أبك جنون؟ أتدري ما الزنا؟ فقال: نعم)، إذًا: الرجل أقر على نفسه، فقال في الآخر: (خذوه فارجموه).\nفأخذوه وحذفوه بالحجارة، فلما أذلقته الحجارة وأوجعته قام يجري هاربًا، وقال: أعيدوني إلى النبي ﷺ؛ لقد غرني هزال من نفسي، هزال ضحك عليّ وقال: لن يفعل فيك شيئًا، هزال قال لي: سوف يستغفر لك النبي ﷺ، فلما جرى تبعه رجل على بعير وضربه على رأسه وأوقعه، فرجموه، فلما بلغ الأمر إلى النبي ﷺ كأنه حزن عليه، فقال: (هلاّ تركتموه؟ لعله يتوب فيتوب الله عليه)؛ لأن الرجم هنا لم يكن بشهادة الشهود، وإنما كان بإقراره على نفسه، وبعد ذلك النبي ﷺ قال لـ هزال: (يا هزال! هلا سترته بثوبك؟) لأن هزالًا هو الذي في البداية أمره أن يذهب إلى النبي ﷺ ويخبره بأنه زنى، ولو ذهب هو وأخبر النبي ﷺ فسوف يقول له: لابد أن يكون معك ثلاثة شهود؛ لأن حد الزنا لا يقام إلا بشهادة أربعة يشهدون، وإذا كان هو وحده شهد فسوف يقام عليه حد القذف، فكأن هزالًا يريد أن يهرب من أنه هو وحده الذي قال ذلك فأوقع ماعزًا في أنه يقول ذلك، وأقيم عليه هذا الحد.\nفقول النبي ﷺ: (هلَّا سترته بثوبك)، فيه: أن الإنسان إذا وجد إنسانًا على معصية فإنه ينهاه عن هذه المعصية ويزجره، ولكن لا يفضحه إلا أن يكون مجاهرًا بالمعاصي، فإذا كان مجاهرًا بالمعاصي فهذا يستحق أن يفضح؛ لأنه هو الذي فضح نفسه، ولذلك فهناك فرق بين من أقر بالزنا -لأن المقر يريد أن يتوب- وبين الذي يشهد عليه أربعة أنهم رأوه أنه يزني، فإن هذا إنسان فاجر، فلذلك يرجم، وليس هناك كلام في مثل هذا، بخلاف من أقر على نفسه؛ فهذا علامة التوبة بادية عليه بإقراره على نفسه.\nوالغرض أن قول النبي ﷺ لـ هزال: (هلا سترته بثوبك) ليس معناه: أنه يزني ويستر عليه، ولكن المعنى: استر عليه هذه الفضيحة، ولو كنت نهيته عن ذلك فيما بينه وبينك وسترت عليه لكان أولى من أن توقعه في مثل هذا.","vol":"33","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>شرح حديث: (من ستر على مؤمن عورة فكأنما أحيا موءودة)</span>\nومن الأحاديث التي جاءت في هذا حديث رجاء بن حيوة قال: سمعت مسلمة بن مخلد ﵁ يقول: بينا أنا على مصر فأتى البواب فقال: إن أعرابيًا على الباب يستأذنك، فقال: قلت: من أنت؟ قال: أنا جابر بن عبد الله، وجابر بن عبد الله ليس أعرابيًا، وإنما هو صحابي فاضل، وأبوه هو عبد الله بن حرام الأنصاري الذي خاطبه الله ﷿ كفاحًا، ورأى ربه ﷾، وكان شهيدًا من شهداء أحد، ومن أفضل الشهداء، فرضي الله ﵎ عنه، وقال له ربه: (يا عبدي! تمنّ عليّ، فقال: أتمنّ أن أعود إلى الدنيا فأقتل فيك).\nفهذا ابنه جابر بن عبد الله من الصحابة الأفاضل، يسافر من المدينة إلى مصر، والسفر في ذلك الوقت ما كان بأن يركب سيارة ولا أن يركب طيارة، وإنما كان يركب على جمله من المدينة إلى مصر.\nفقال هنا: أنا جابر بن عبد الله، وكان مسلمة بن مخلد في قصره، وكان جابر بن عبد الله تحت القصر، قال مسلمة فأشرفت عليه، فقلت: أنزل إليك أو تصعد إليّ؟ وكلاهما من الصحابة، فهذا صحابي وهذا صحابي، فـ مسلمة يقول له: هل أنزل إليك أم تطلع إليّ؟ فقال: لا تنزل ولا أصعد، قال: وما الذي تريده؟ قال: حديثًا بلغني أنك ترويه عن رسول الله ﷺ في ستر المؤمن جئت أسمعه، لقد جاء من المدينة إلى مصر يسمع حديثًا، ولا يريد أن ينزل ضيفًا عند الأمير ولا أن يطلع، ولا أن الأمير ينزل، وإنما قال: حدثني بحديث وأنا منتظر هنا في الخارج، وقل لي ما هو الحديث، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من ستر على مؤمن عورة فكأنما أحيا موءودة) قال: فضرب بعيره راجعًا.\nفقد جاء من المدينة إلى مصر من أجل أن يسمع هذا الحديث، فسمعه وانصرف من غير أن يدخل لضيافة، ومن غير أن يأكل ويشرب، وإنما سمع الحديث وضرب بعيره ورجع.\nفهذا حديث عظيم عن النبي ﷺ، والصحابة كان يهمهم أن يسمعوا حديث النبي ﷺ إما منه ﷺ أو ممن سمعه من النبي ﷺ، فـ جابر لم يسمع هذا الحديث من النبي ﷺ، ولكن بلغه من واحد ممن سمعه من مسلمة، وما أحب أن يكون بينه وبينه واسطة، فأراد بنفسه أن يسمع الحديث ممن سمعه من النبي ﷺ، فسافر إليه كل هذا السفر؛ لكي يسمع حديثًا ويرجع مرة أخرى إلى بلده.\nفالحديث فيه: (من ستر على مؤمن عورة فكأنما أحيا موءودة) والموءودة: هي الطفلة التي كان أهل الجاهلية يدفنونها وهي حية، فكان الواحد منهم يأخذ ابنته بعد ولادتها ويدفنها حية، قال سبحانه: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩]، فهذا الذي أماتها له عذاب، والذي أحياها له أجر عظيم، يعني: الذي استنقذها من أبيها، وكان بعض الناس يفعلون ذلك مثل زيد بن عمرو بن نفيل، فكان يذهب إلى الإنسان الذي يريد أن يقتل ابنته ويقول له: هات البنت هذه التي لا تريدها، فيأخذها هو ويربيها إلى أن تتزوج هذه الفتاة، فمن أحياها فله أجر عظيم عند الله ﷾.\nفالإنسان الذي يستر على مؤمن عورة يكون كالذي أحيا الموءودة، فله أجر عظيم عند الله ﷾.","vol":"33","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>شرح حديث: (فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته)</span>\nومن الأحاديث التي جاءت عنه صلوات الله وسلامه عليه في هذا حديث ابن عمر قال: (صعد رسول الله ﷺ المنبر فنادى بصوت رفيع -يعني: بصوت مرتفع- فقال: يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه! لا تؤذوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله).\nونظر ابن عمر يومًا إلى الكعبة، فقال: ما أعظمك وما أعظم حرمتك! والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك، فهنا: النبي ﷺ قام وخطب في الناس، وقال: (يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه)، والإيمان: تصديق وقول وعمل، فإذا كان الإنسان يقول: أنا مسلم، ويقول: لا إله إلا الله، وعمله لا يوافق ذلك، فكأن إسلامه إسلام باللسان فقط، فهنا النبي ﷺ يقول للمنافقين الذين كانوا يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا: (يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه) يعني: إسلامه مجرد كلام باللسان، وأما قلبه فلا، ولو كان قلبه فيه إيمان ما كان يتتبع عورات المسلمين.\nقال: (لا تؤذوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم) أي: لا تؤذوا المسلمين بألسنتكم، ولا تتبعوا عوراتهم، ولا يفضح بعضكم بعضًا، (فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم) أي: الذي يظل يراقب إنسانًا من أجل أن يفضحه، ومن أجل أن ينظر ماذا يعمل حتى يتكلم عن سيرته أمام الناس بالفضيحة، قال: (تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله) فاحذر فالجزاء من جنس العمل، ولا تفكر أنك تفضح إنسانًا، وهكذا النساء أيضًا، فالنساء يحببن أن يتكلمن كثيرًا، فلانة عملت كذا، وفلانة تعمل كذا.\nفهناك من يتتبع عورات الناس ويتجسس عليهم من أجل أن يفضحهم، فالذي يفعل هذا الشيء ربنا يسلط عليه من يصنع معه مثل هذا الشيء.\nقال: (يفضحه الله ﷿ ولو في جوف رحله)، وفي الرواية الأخرى: (ولو في جوف بيته).","vol":"33","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>فضل إقالة عثرات ذوي الهيئات</span>\nنظر ابن عمر يومًا إلى الكعبة فقال: ما أعظمك! وما أعظم حرمتك! يعني: أن حرمتك عظيمة، قال: ولكن المؤمن أعظم حرمة عند الله منك، يعني: أن الإنسان لا يؤذي مسلمًا ولا يتكلم عنه، ولا يفضحه، فإذا وجدت من أخيك سوءًا فائمره بالمعروف وانهه عن المنكر ولا تفضحه، إلا أن يكون هو فضح نفسه فيستاهل ما يحدث له، ولكن الإنسان الذي ستر على نفسه فاستر عليه، وخاصة إذا كان من ذوي الهيئات.\nوذوي الهيئات: هم الناس الكبراء، فالإنسان الذي له مقام بين الناس وله فضل والناس يعرفونه فهذا إنسان مهذب، وهذا إنسان محترم، وهذا إنسان له عند الناس مكانة، وإن كان لا يوجد إنسان يخلو من معصية، فإن النبي ﷺ قال: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، فالإنسان الذي له شرف فضل بين الناس، لعله يقع في شيء من الزلل يومًا من الأيام، ولعله يفلت منه لسانه بشيء، فلا تأخذ زلته وتجري بها وتنشرها، يقول النبي ﷺ: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم)، وكل المؤمنين استر عليهم جميعًا، وخاصة ذوي الهيئات؛ لأن الناس إذا علموا أن فلانًا رجل محترم فإنهم يقتدون به، فإذا وجدت عليه شيئًا فلا تفضحه؛ لأنه إذا كان كل الناس يفضح بعضهم بعضًا فستتشوه سمعة كل الناس، والناس بعد ذلك سيقتدون بلاعب الكرة، وبالرقاصة وبالمغني، وسيتركون أهل الفضل، فلذلك دع الناس يقتدون بالعلماء وبأهل الخير، فإذا وجدت منهم زلة من الزلات فأمر بالمعروف وانه عن المنكر، ولا تفضح إنسانًا، ولا تشهر بإنسان؛ حتى لا تضيع دين الله ﷿.\nنسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"33","page":7},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-220> الترغيب في الحياء وما جاء في فضله والترهيب من الفحش والبذاء</span>\nالحياء خلق عظيم لا يأتي إلا بخير، وهو شعبة من شعب الإيمان، ولقد أرشدنا النبي ﷺ إلى التخلق بهذا الخلق الرفيع؛ لأنه يدفع صاحبه إلى عمل الطاعات، والابتعاد عن المعاصي والسيئات.","vol":"34","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>الترغيب في الحياء، وما جاء في فضله</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد: قال الإمام المنذري ﵀: [الترغيب في الحياء وما جاء في فضله، والترهيب من الفحش والبذاء.\nعن ابن عمر ﵄: (أن رسول الله ﷺ مرَّ على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله ﷺ: دعه فإن الحياء من الإيمان)، متفق عليه.\nوعن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (الحياء لا يأتي إلا بخير).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (الإيمان بضع وستون شعبة، فأفضلهما قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان).\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار)، رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح].\nذكر الإمام المنذري بابًا في الترغيب في الحياء وما جاء فضله، وهذا من الآداب التي ينبغي أن يكون عليها الإنسان المؤمن.\nوشهر رمضان فرصة للإنسان المؤمن أن يتخلق بمكارم الأخلاق، وتكون له عادة بعد ذلك، فيكون دائمًا على هذه الأخلاق العالية، ويترك السفاسف من الأشياء التي يبغضها الله ﷾.\nفخلق الحياء خلق الإنسان المؤمن، وهو الذي يجعله يستحيي من الخالق سبحانه.\nوجاء عن النبي ﷺ أحاديث منها: (الحياء شعبة من شعب الإيمان)، وأن (الحياء لا يأتي إلا بخير)، بل الحياء كله خير.\nوقد يكون في الإنسان حياء يدفعه! إلى عدم المطالبة بحقه، أو أنه يتنازل عن شيء من حقه ويبتغي بذلك وجه الله ﷾، ولا يريد أن يحرج الناس، فهذا خلق عظيم في الإنسان.\nففي حديث ابن عمر: (أن النبي ﷺ مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء) أي: إن الرجل يعاتب أخاه ويقول له: إنك تستحي فلم تأخذ حقك ولم تتكلم! فكان جواب النبي ﷺ لهذا الناصح: (دعه؛ فإن الحياء من الإيمان).\nوخلق الحياء يجعل الإنسان قد يتنازل عن الشيء الذي هو من حقه، ويجعله لا يقبح أخاه في وجهه، ويعفو عن إساءة من أساء إليه.","vol":"34","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>الفرق بين الخجل والحياء</span>\nوهناك فرق بين الحياء والخجل، فالخجل خلق يكون في الإنسان يشبه الحياء، فيجعله يترك الواجبات فلا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر.\nوالحياء خلق في الإنسان المؤمن لا يمنعه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا وجد منكرًا أنكره، وأما الخجل فيجعل الإنسان لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن منكر؛ خوفًا من غضب الناس عليه.\nوالخجل يجعل الإنسان يجامل الخلق على حساب الدين، وفي الحياء يتغاضى عن شيء من حقوقه لكيلا يحرج الذي أمامه، وأما عند الدين فإنه يأمر بمعروف وينهى عن منكر، وينصح كما أمر الله ﷾.\nفالإنسان المؤمن لا يترك فرض النصيحة أبدًا، وقد أمرنا النبي ﷺ بها فقال: (الدين النصيحة).\nوجاء في حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة)، وهذه خصال الإيمان أو شعب الإيمان، فأفضل خصلة في الإيمان التوفيق في أن تقول: لا إله إلا الله فهذه أعلاها، وأدنى شعب الإيمان إماطة الأذى عن الطريق، فإذا كان الإيمان يدفعه لإماطة الأذى عن الطريق فسيمنعه من أن يضع الأذى في طريق الناس، فهذه من خصال الإيمان، والحياء شعبة من الإيمان.\nوجاء في حديث عمران بن حصين قال: قال النبي ﷺ: (الحياء لا يأتي إلا بخير)، والإنسان الذي يستحي فإن الله ﷿ يعامله بحسب هذا الخلق العالي الذي هو عليه، فلن يضيعه الله ﷾ حتى وإن كان بسبب حيائه ضاع منه شيء من الدنيا، فالله ﷿ يعوضه بإيمان في قلبه، وبالثواب بالجنة يوم القيامة.","vol":"34","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>معنى قوله ﷺ: (الحياء من الإيمان)</span>\nجاء في حديث أبي هريرة الذي رواه أحمد والترمذي أنه قال: قال رسول الله ﷺ: (الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة)، فإذا كان الإنسان عنده إيمان فلا يضيع ولا يذهب إلى النار بفضل الله ﷾.\nفالحياء يجعل المؤمن يستحي من الله سبحانه ومن الخلق، واستحياء الإنسان من الله يمنعه من الوقوع في المعاصي حياءً من نظر الله الله ﷾ إليه.\nوقال النبي ﷺ: (والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار) وهذا عكس الحياء، وهو الكلام بالفحش، وهو من عدم الحياء، قال النبي ﷺ: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت)، والمعنى: أن الإنسان الذي ما عنده حياء يعمل أي شيء فلا يستحي من أحد: لا يستحي من الخالق ﷾ ولا من المخلوق.\nوجاء في حديث عن النبي ﷺ أنه قال: (الحياء والعي شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق)، والحياء في الإنسان أن يستحيي من الله ومن الخلق فلا يفرط في الواجبات؛ ولا يقع في المحرمات والمعاصي، ويتنازل عن شيء من حقوقه؛ لأنه يستحيي من الناس.\nوالعي: هو عدم القدرة على التعبير في مسألة الحقوق، فإذا كان الإنسان له حق فلا يعرف أن يستنجد أحدًا أو يطالب بحقه، فيجعل هذه الأمور أشياء تافهة ليست مهمة ويتنازل عنها، فكأنه قد عيّ لسانه فلا يعرف أن يتكلم في حقه.\nفالنبي ﷺ يخبر عن هذا الإنسان أنه يتنازل عن حقه للغير، فهذا دليل على إيمان هذا الإنسان.\nوالبذاء والبيان شعبتان من النفاق، والبذاء: التفحش، والإنسان قد يكون فاحشًا وألفاظه بذيئة قذرة فلا يستحيي من أنه يعبر عن الأشياء المنكرة بألفاظها الشائعة التي عند أهل التفحش، وعنده القدرة على البيان والتعبير والمطالبة بالحق، ولا يستحي من أحد كبيرًا كان أو صغيرًا فيطلب الشيء التافه البسيط والرديء ولا يتنازل عنه أبدًا، ويظن أنه يأخذ حقه تمامًا بهذه الطريقة.\nويتكلم في سفاسف الأمور ويستفيض فيها، والله ﷿ يبغض سفاسف الأمور، فإذا تكلم في كل تافهة جعلها شيئًا كبيرًا، فهذا شعبة من النفاق.","vol":"34","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>الاستحياء من الله حق الحياء</span>\nوفي الحديث الذي يرويه ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (استحيوا من الله حق الحياء فقالوا: يا نبي الله إنا لنستحيي من الله حق الحياء) وهم أهل لذلك ﵃، فبين لهم النبي ﷺ أن الحياء من الله ﷿ حق الحياء هو أن (تحفظ الرأس وما وعاه والبطن وما حواه، ولذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك الحياة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء).\nفالصحابة يستحيون من ربنا فلا يعملون المعاصي، فبين لهم النبي ﷺ أن الاستحياء من الله حق الحياء غير الحياء العادي، وهو: (أن تحفظ الرأس وما وعى) فعقلك لا تفكر به إلا في الخير وفي ربك ﷾ وفي طاعته، فلا يشك بالله، ولا يفرح بشهوات تافهة ومحرمة.\nوأذنك لا تسمع بها إلا الخير، فلا تسمع بها أشياء منكرة من القول الزور والكلام الفاحش ونحو ذلك.\nوالعين لا تنظر بها إلا إلى ما أحل الله ﷿، وامتنع أن تنظر إلى ما حرم الله ﷾.\nواللسان لا تنطق به إلا خيرًا وابتعد عما حرم الله سبحانه، والفم لا تدخل فيه إلا ما أحل الله سبحانه.\nوقال ﷺ: (وتحفظ البطن وما حوى)، ففيها المعدة فلا تدخل فيها أكلًا ولا شربًا محرمًا، وتحفظ فرجك من أن يقع فيما حرم الله ﷿ من الزنا واللواط وغيرهما من المنكرات.\nوقال ﷺ: (ولتذكر الموت والبلى)، فالموت على باب المؤمن، وأتعجب من إنسان يقول: أنا أخاف من الموت ومع ذلك يعصي الله ﷾، أو يخاف من الموت ولا يعمل الأعمال الصالحة، فهذا نوع من المرض يحتاج إلى علاج، لكن الخوف من الموت هو الخوف من لقائه ﷾، فيدفعه لأن يعمل لله ﷾، ويعطي الحقوق لأصحابها، ولا يضيع الفرائض التي فرضها الله ﷾، ولا ينتهج المحرمات التي حرمها الله سبحانه.\nوإذا قيل للإنسان أنه سيموت بعد ساعة فإنه سيؤدي الفرائض، وسيتوب إلى الله ﷾، وسيؤدي الحقوق إلى أصحابها؛ لكي يموت نظيفًا، فأعد نفسك كأنك تموت الآن، فإذا كان الإنسان مستعدًا للموت في كل لحظة من لحظاته فإن الموت يأتيه وهو نظيف من المعاصي وما وقع في شيء منها.\nوقال ﷺ: (ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا)، فإذا كان الإنسان طالبًا ما عند الله فإنه لا يهتم لزينة الدنيا من لباس وطعام وشراب، فيكفيه ما كفى رسول ﷺ أو نحو ذلك، فلا يطلب زينة الحياة الدنيا، فالله ﷿ يجعل هذا الإنسان هو صاحب الحياء الذي يستحق ما عند الله.\nنسأل الله ﷿ أن يرزقنا الحياء منه ﷾ حق الحياء، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"34","page":5},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-225> الترغيب في الخلق الحسن وفضله والترهيب من الخلق السيئ وذمه</span>\nيحثنا ديننا الإسلامي على حسن المعاملة مع الخلق كثيرًا، وهي التي تتيح أكبر قدر من التعايش بينهم، وهي طريق لحسن المعاملة مع الله تعالى.\nوحسن الخلق بشره النبي ﷺ بمحبته ومجاورته، وأنذر سيء الخلق بالعذاب والنار، كيف لا وقد كان من نفعه وبركته: دخول شعوب من دول آسيا في ديننا الإسلامي عن طريق التجار المهاجرين ذوي الأخلاق الحسنة.","vol":"35","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>الترغيب في حسن الخلق والترهيب من سوء الخلق</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [الترغيب في الخلق الحسن وفضله، والترهيب من الخلق السيئ وذمه: عن النواس بن سمعان ﵁ قال: (سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم؟ فقال: البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس)، رواه مسلم والترمذي.\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: (لم يكن رسول الله ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا، وكان يقول: إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا)، رواه البخاري ومسلم والترمذي.\nوعن أبي الدرداء ﵁: أن النبي ﷺ قال: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله يبغض الفاحش البذيء)، رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوزاد في رواية له: (وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة).\nورواه بهذه الزيادة البزار بإسناد جيد لم يذكر فيه: (الفاحش البذيء)، ورواه أبو داود مختصرًا قال: (ما من شيء أثقل في الميزان من حسن خلق)].\nهذا الحديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه في الترغيب في الخلق الحسن وفضل حسن الخلق، وقد جاءت فيه أحاديث كثيرة جدًا، فجاء عنه ﷺ: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، فمن أفضل ما ينعم الله ﷿ به على الإنسان المؤمن بعد نعمة الإسلام أن يحسن خلقه، ولولا أن أمر الخلق الحسن أمر عظيم في الدين ما كان لتِأتي فيه هذه الأحاديث الكثيرة عن النبي ﷺ في الحث عليه، وفي ثوابه، وكيف يبلغ به أعلا الدرجات يوم القيامة، بل إن الإنسان بالخلق الحسن يجاور النبي ﷺ.","vol":"35","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>شرح حديث: (البر حسن الخلق)</span>\nفمن الأحاديث: حديث النواس بن سمعان ﵁ قال: (سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم، فقال: البر حسن الخلق).\nالإنسان البار هو الكثير الأفعال الحسنة، فيبر الناس، ويبر أهله، ويبر نفسه، وبهذا يكون الإنسان بارًا، وهو أفضل شيء يكون عليه، والذي يدفعه لهذا البر هو حسن الخلق؛ لأن الدافع لأعمال البر حسن خلق الإنسان، والإثم: هو الذنوب، وهو الشيء الذي يدفع العبد لمعصية الله ﷾، وقد أعطاه النبي ﷺ معنىً جامعًا فقال: (ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس)، وصحيح فكل إنسان يعرف أن هذا صحيح وهذا غلط، وأن هذه معصية وهذه طاعة، ولكنه أحيانًا يتغافل عن الشيء ويذهب يسأل المسألة ويغلفها بإطار حتى يأخذ الجواب على هواه، فالنبي ﷺ يقول لك: إنك حتى لو أخذت هذا الجواب على هواك فلا تعمل بهذا الشيء؛ لأنك تعرف أن هذا خطأ.\nوإذا حاك في صدرك منه شيء فلا تعمل بهذا الشيء؛ لأن النبي ﷺ قال: (والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس).\nفقد يحس الإنسان في صدره من مسألة معينة وإن كان قد سأل فيها، وقيل له: إن هذه حلال، ولكن: يشعر في نفسه أنه خطأ، وأنه ما سأل السؤال على الوجه الصحيح فيها؛ ولذلك جاءته الإجابة خاطئة.\nفنقول له: إن الجواب الخاطئ لن يغير من أصل حقيقة المسألة شيئًا، والإثم إثم ولن يتحول إلى شيء حسن، وانظر إلى بني إسرائيل لما تحايلوا على ما نهاهم الله ﷿ من العمل في يوم السبت، وقالوا: نحن لن نصطاد يوم السبت، ولكنهم ينصبون شباكهم في يوم الجمعة فتحبس السمك يوم السبت، ثم يأتي يوم الأحد ويأخذونه.\nفهم ظنوا أنهم بهذا قد نجوا؛ لأنهم لم يعملوا يوم السبت شيئًا، فتحايلوا على ربهم سبحانه، فكان أن مسخهم الله ﷿ قردة وخنازير؛ لعصيانهم وبعدهم عن الله سبحانه، وتحايلهم على دينه.\nوأما الإثم: فإذا عرفت في نفسك أن هذا خطأ فلا تفعله، حتى وإن قيل لك: إن هذا صواب طالما أنك شككت في الأمر، وفي نفسك أن هذا خطأ، فلا تعمل بهذا الخطأ.","vol":"35","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>شرح حديث: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق)</span>\nقال ﷺ في الحديث الآخر: (ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن)، وقال: (وإن الله يبغض الفاحش البذيء)، وفي الحديث الآخر، يقول عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: (لم يكن رسول الله ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا).\nوالفاحش: هو الإنسان الذي ينطق بالبذيء من القول.\nوالمتفحش: هو الذي يبالغ في ذلك، أو الذي يتكلف ذلك، مثل: أن تجد شابًا منحرف السلوك في الشارع فيأتي آخر ويجعل نفسه مثله، فهنا الأمر: الفاحش والمتفحش، والنبي ﷺ ليس في لسانه الفحش، ولا يتكلف ذلك، فلم يكن هذا من شأنه ولا من طبعه، صلوات الله وسلامه عليه.\nونحن نقول: الفحش: هو الكلام الخطأ، ولكن كان عند النبي ﷺ الفحش من القول ما هو دون ذلك بكثير، لذلك كان الصحابة يقولون لمن بعدهم: إنكم لتعملون أعمالًا هي في أعينكم أدق من الشعر، وكنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات.\nوقد دخل يهودي على النبي ﷺ وسلّم فقال: السام عليكم، والسام: الهلاك، فهو يلوي لسانه بالكلمة حتى يفهمها النبي ﷺ: السلام عليكم، فالنبي ﷺ قال: (وعليك)، وفهم الذي يقوله الرجل.\nوالسيدة عائشة سمعت وظنت أن النبي ﷺ لم يفطن إلى ذلك، فقالت: وعليك السام واللعنة، وردت عليه كما قال، فالنبي ﷺ قال: (مه يا عائشة -أي: اسكتي واصمتي- فقالت: أوما سمعت ما يقول؟ فقال: قد سمعت وأجبت، يستجاب لي فيه، ولا يستجاب له في).\nوفي رواية أنه قال لها: (متى عهدتني فحاشًا، إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش)، وكأنه اعتبر أنها بهذه المقالة ردت عليه أكثر مما قال، فهو قال: السام عليك، وهي قالت: وعليك السام واللعنة، فاعتبر هذا من الفحش.\nوأما ما نراه اليوم عندما يخرج الواحد منا من لسانه الكلمات الكثيرة، ويقول: إني سريع الغضب ولا أملك نفسي، فهذا هو الفحش من القول، وقد تركه النبي ﷺ، ونحن نعتبره في أعيننا أدق من الشعرة وشيئًا بسيطًا جدًا، ولكن النبي ﷺ كان يعتبره شيئًا كبيرًا.","vol":"35","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>شرح حديث: (ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن)</span>\nومن الأحاديث العظيمة التي تدفع كل إنسان إلى أن يحسن خلقه، وأن يتعامل مع الناس بما يحب أن يتعاملوا به معه، قول النبي ﷺ: (ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله يبغض الفاحش البذيء)، فالله يبغض الإنسان الفاحش في كلامه وفعاله، والبذيء: هو صاحب الألفاظ القبيحة.\nقال ﷺ: (وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة) أي: قد تجد إنسانًا كثير الصلاة، والمقصود هنا بصاحب الصلاة: صلاة النافلة، وإلا فالمسلمون كلهم محافظون على صلاة الفريضة، وليس فيها كلام، ولا يعني هذا: أن يترك شخص الصلاة نهائيًا ويقول: خلقي حسن وسأبلغ به ذلك، فنقول له: نعم تبلغ، ولكن إلى الكفر والعياذ بالله، والصلاة هي الأصل ولابد منها، والصلاة التي ذكرها في هذا الحديث هي: صلاة النافلة، والصوم المذكور هو: صوم النافلة، وقد جاء عن النبي ﷺ أن الله ﷾ قال: (وأنه لم يتقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه) فيتقرب الإنسان أولًا بالفريضة، ثم بالنوافل حتى يحبه الله سبحانه ﵎، وإذا كانت هذه النوافل معها حسن الخلق فما أعظم حظ هذا الإنسان! فقد وصل إلى درجة عظيمة جدًا.\nوقد يكون الإنسان مصليًا وصائمًا ولكن لا يصلي نوافل كثيرة، أو يصوم نوافل كثيرة، ولكنه حسن الخلق، فيتعامل مع الناس بحلم وبلين، فلا يغضب، ولا يحمق، وليس من الذين إذا أتيت أحدهم بكلمة أتاك بعشر! ولكنه يصدق ويحلم على الناس، فهذا من أفضل الناس، وقد يبلغ بحسن خلقه درجة الصوّام القوّام، كما في الرواية: (ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة).\nوفي رواية أخرى: قال النبي ﷺ: (إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة القائم بالليل، الظامئ بالهواجر)، فهذا إنسان يقيم الليل ويظمأ بالهواجر، أي: يصوم بالنهار الحار جدًا في أيام الصيف الشديدة، وصاحب الخلق الحسن قد يبلغ درجته أو أعلى منه، وفي رواية أخرى: (إن المسلم المسدد ليدرك درجة الصوّام القوّام بآيات الله، بحسن خلقه وكرم ضريبته).\nفالمسلم المسدد: هو الموفق الذي وفقه ربه لحسن الخلق، وطاعة الله ﷿، وطاعة رسوله ﷺ، (ليدرك درجة الصوّام)، أي: الذي يصوم النوافل المواظب على ذلك، فهذا الحسن الخلق لا يصوم كثيرًا من النوافل، ولكن يبلغ بحسن خلقه درجة هذا الصوام القوام بآيات الله بحسن خلقه، وكرم ضريبته، والضريبة هنا: الطبيعة، أي: أن طبيعته كريمة وسمحة وسهلة، وليس فيه عنف، وهذه هي فيه طبيعة وسجية سهلة، فهذا من أعظم الناس درجة.\nوفي حديث النبي ﷺ الذي ذكر لنا فيه أن الناس ثلاث درجات، قال ﷺ: (أنا زعيم ببيت) أي: أنا ضامن، والزعيم هو الضامن، ومنه قول نبي الله يوسف: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:٧٢] أي: وأنا ضامن، فالنبي ﷺ يقول لنا: أنا ضامن، ومتكفل لهذا الإنسان بهذا البيت في الجنة، قال ﷺ: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا)، والجنة درجات، والمعنى: أنا ضامن أن يدخل الجنة بترك المراء وإن كان محقًا، والمراء: الجدل.\nوالجدل يفسد العلاقات بين الناس، حتى لو أنت على صواب إذا فتحت باب الجدل مع إنسان لا تصل معه في النهاية إلى شيء، وخاصة إذا كان مخاصمًا عنيدًا، وهذا في أمور الدنيا، فإذا كان في أمر الدين فالأفضل للإنسان أن يقفل باب الجدل إلا أن يحتاج للرد على كافر، أو صاحب بدعة، ولكن لا تبقى هذه عادة الإنسان في كل وقت، فيتوهم أن هذا ابتدع بدعة فيقول: لا تتكلم معه، ولا تفعل معه أي شيء، هذا فعل كذا فلا أتكلم معه، ولا أناقشه، بسبب وبغير سبب! ولكن إن احتاج إلى ذلك فعل، ولا يرضى أن تكون كثرة الجدل طبيعة في نفسه أبدًا، فقد قال النبي ﷺ: (أنا ضامن -أي: أنا زعيم- ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا)، وهذه هي الدرجة الأولى، وهي أقل درجات الجنة.\nالدرجة الثانية: قال النبي ﷺ: (وببيت في وسط الجنة) أي: أعلى قليلًا من الأول، (لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا) فضمن له بيتًا في وسط الجنة إذا كان لا يكذب، حتى ولو كان يمزح مع صديق أو مع الناس فلا يكذب، ولم يبح النبي ﷺ الكذب إلا في أحوال:","vol":"35","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>حالات يجوز فيها الكذب</span>\nالحالة الأولى: إذا كان الرجل مع أهله، ففي حال الكلام والمعاشرة يتكلم معها ويقول: أنت أجمل النساء، وأنت كذا، ويتكلف في أشياء لعلها غير موجودة، ولكن كنوع من العشرة والمودة والمحبة، وهذا مغتفر.\nالحالة الثانية: في الحرب، فقد قال النبي ﷺ: (الحرب خدعة)، فالإنسان في الحرب إما أن يخدع خصمه ويغلبه، أو أن يُخدع من الخصم فيقتل، فأباح النبي ﷺ الكذب إذا كان في حال من هذه الأحوال التي ذكرها النبي ﷺ، والغرض بيان أن هناك صورًا أباح النبي ﷺ للإنسان أنه إما أن يعرِّض في الكلام، أو إذا لم يجد إلا أن يكذب لذلك فله ذلك.\nالحالة الثالثة: الصلح بين الناس، فإذا قال الخصم للذي يريد الإصلاح: هل سمعته يشتمني؟ فيقول: لا لم أسمعه يشتمك.\nفهذا جائز للإصلاح بين الناس.\nوالأفضل في هذه الأشياء أن تكون على وجه التعريض، فإن لم ينفع ويؤد الغرض فله أن يقول ما ذكره النبي ﷺ، وغير ذلك لا يجوز للإنسان أن يكذب فيه، فلا يجوز له أن يمزح مع إنسان ويقول له: فلان عمل كذا البارحة، ثم تقول: لا أنا كنت أمزح معك، فلا يجوز للإنسان أن يقول ذلك.\nفمعنى الحديث: أنا ضامن لك بيتًا في وسط الجنة لو تركت هذا الكذب وإن كنت مازحًا.\nالدرجة الثالثة: قال النبي ﷺ: (وببيت في أعلا الجنة) وأعلى الجنة يتشوف إليها كل إنسان، وهذا البيت كما قال ﷺ هو: (لمن حسَن خلقه، أو لمن حسّن خلقه)، فالإنسان الحسن الخلق فاز على جميع هؤلاء، وارتفع إلى أعلى الجنات بحسن خلقه.","vol":"35","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>شرح حديث: (إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحسنكم أخلاقًا)</span>\nومن الأحاديث التي جاءت تسلي الإنسان وتجعله يحاول أن يكون حسن الخلق، ويتكلف حتى يصير حسن الخلق له سجية وطبيعة، حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: (إن من أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحسنكم خلقًا)، فأقرب واحد من النبي ﷺ مجلسًا يوم القيامة وليس قريبًا فقط، فقد يكون إنسان قريبًا منك وأنت لا تحبه، وهذا يحبه النبي ﷺ، وقريب منه ﷺ، فما أسعد حظ هذا الإنسان! وهو كما قال النبي ﷺ: (أحسنكم خلقًا).\nوفي حديث آخر قال النبي ﷺ: (ألا أخبركم بخياركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: أطولكم أعمارًا، وأحسنكم أخلاقًا)، وهذا حديث عظيم ومهم جدًا، فإنه كلما طال عمر الإنسان أصيب بالضيق، فتضيق أخلاقه، وتسوء تصرفاته، وتجد أصدقاءه كانوا كثيرين فقلوا؛ لأنه كل ما زاد في العمر كان أكثر غضبًا، فيقول لنا: إن أفضلكم وخياركم الذي كلما طال عمره ازداد حلمه، وازداد علمه، وازداد حسن خلقه، قال ﷺ: (ألا أخبركم بخياركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: أطولكم أعمارًا، وأحسنكم أخلاقًا).\nوفي حديث آخر يقول النبي ﷺ: (إن أحبكم إليّ أحاسنكم أخلاقًا، الموطئون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون، وإن أبغضكم إليّ المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الملتمسون للبرآء العيب)، فهنا ذكر الأحب إليه ﷺ، والأبغض إليه ﵊، فأحب الناس إلى النبي ﷺ كما قال: (أحاسنكم أخلاقًا) أي: المؤمنون ذوو الأخلاق الحسنة.\nوقوله: (الموطئون أكنافًا) الكنف: هو جانب البهيمة، ودابة موطأة الكنف: أي يركبها صاحبها بسهولة، وهذا مثل يضرب للمؤمن وكأنه يذلل ويمهد نفسه، ويجعل نفسه سهلة مع الناس، فهو موطأ الكنف، أي: سهل كالدابة التي يركبها صاحبها بسهولة، فالإنسان المؤمن يجعل نفسه مع المؤمنين سهلًا سمحًا يجيبهم ويتعامل معهم بحسن الخلق.\nويقال للفراش: هذا فراش وطئ، أي عندما تنام عليه لا يؤذي جنبك، فكذلك الإنسان المؤمن عندما تميل عليه لا يؤذيك أبدًا، ويكون حسن الخلق.\nوقال ﷺ: (الذين يألفون ويؤلفون) أي: ليس عندهم نفرة من الناس، فقد تجد الإنسان يقعد مع الناس ولا يندمج معهم بسهولة ويقول: طبعي هكذا! لكن الإنسان الحسن أخلاقه حسنة، فإذا جاء واحد إليك مغضبًا فلا تعامله كما يتعامل معك؛ لأن المؤمن حسن الخلق، رفيق مهذب، يعتذر للناس، ويقول: كان يضحك قبل وجاء مغضبًا فلعل عنده ظروفًا، فيعذر الناس ويحب الناس، والذي يحب الناس يحبونه، والذي يبغضهم يبغضونه، والمعاملة بالمثل.\nولذلك: أحب الناس إلى الله ﷿ الذي يحبه الناس، والذي يحب الناس أكثر من حبهم له، فلذلك في الحديث قال ﷺ: (الذين يألفون -يألف الناس- ويؤلفون)، فيرضى عن الناس، والناس يرضون عنه بسهولة، وليس معنى هذا أن يكون مسخرة يسخر منه الناس، فهذا يلطشه وهذا يضحك عليه، وهذا يسخر به، ولكنه الذي يألف بسهولة، فعندما يتكلم لا يحس أحد معه بفجوة، فكأن بينه وبينه عِشْرة منذ زمن، وهو لعله أول مرة يكلمه، فهذا الذي يألف ويؤلف.\nوأما الإنسان الذي يريد أن يألف أو يؤلف بالمزاح وبالضحك فقد سمعنا الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ فيمن ترك ذلك.\nقوله ﷺ: (وإن من أبغضكم إلي: المشاءون بالنميمة)، فقد تجد إنسانًا يحضر عند فلان ويسمع منه كلمة فيحملها إلى فلان الثاني، فهو نمام، وأصل الكلمة من التنمية، والتنمية: الزيادة؛ لأنه سمع الخبر وزين له الشيطان أن يسمع ويزيد في الخبر أشياءً، فسمع فلانًا يقول عن آخر: أنه متجهم، فينقل الخبر ويقول: قال عنك كذا وكذا، ويزيد على الكلام أكثر مما قال، وهذا هو المشاء بالنميمة، أي: الذي يمشي كثيرًا بالنميمة.\nوقوله ﷺ: (المفرقون بين الأحبة) فلا يحب أن يجد اثنين يحب أحدهما الآخر إلا ويفرق بينهما، فهذا من أبغض الناس إلى النبي ﷺ.\nومنهم: (الملتمسون للبرآء العيب) أي: المتتبعون لعيوب الناس، فإذا اطلع على عيب لأحدهم فضحه بين الناس، فهذا من أبغض الناس إلى رسول الله ﷺ، فكيف بحاله مع رب العزة! نسأل الله ﷿ أن يرزقنا حسن الخلق، وأن يجعلنا ممن يجاور النبي ﷺ يوم القيامة.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"35","page":7},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-232> الترغيب في الرفق والأناة والحلم</span>\nإن الرفق والحلم والأناة أخلاق عظيمة، وقد جاء الإسلام بمدحها والحث عليها، فإنها ما كانت في أمر إلا كان مستقيمًا صالحًا، ولا نزعت من شيء إلا شابه انحراف واعوجاج.","vol":"36","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>الترغيب في الرفق والأناة والحلم</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: قال الإمام المنذري ﵀: [الترغيب في الرفق والأناة والحلم.\nعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: (إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه).\nوعنها أيضًا عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه)، رواه مسلم.\nوعن جرير بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله ﷿ ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرَق، وإذا أحب الله عبدًا أعطاه الرفق، وما من أهل بيت يحرمون الرفق إلا حرموا الخير)، رواه الطبراني، ورواته ثقات.\nوعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ما كان الرفق في شيء قط إلا زانه، ولا كان الخرق في شيء قط إلا شانه، وإن الله رفيق يحب الرفق)، رواه البزار.\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: (بال أعرابي في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه، فقال النبي ﷺ: دعوه وأريقوا على بوله سجلًا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)، رواه البخاري].\nهذا باب آخر من كتاب الترغيب والترهيب للإمام المنذري ويذكر فيه: الترغيب في الرفق والأناة والحلم.\nفالرفق بأن الإنسان يكون رفيقًا بغيره، والرفق عكسه العنف، والعنف: الشدة، فالعنيف يشدد على الغير ويصل إلى أمره بشدة، وإن كان هذا الأمر أمرًا فيه خير لكن يصل إليه بصعوبة، ويصل إليه بالطريقة العسرة بالشدة، فيرفع السوط، ويتعامل بالمعاملة العنيفة الغليظة القاسية.\nفإذا كان الأمر ممكن نصل إليه بطريقين: طريق فيه الرفق، وطريق فيه العنف، والنتيجة واحدة، فطريق الرفق هو الذي فيه الثواب العظيم، والذي يدل على خيرية صاحبه.\nوطريق العنف وإن كان في النهاية سيصل إلى النتيجة نفسها لكن صاحبه أقل ثوابًا، ولا يبعد أن يحرم من الثواب؛ لأن الإنسان الذي فيه العنف قد يأتي ليأمر بالمعروف وإذا به يأمر بطريقة منكرة، فأمره يكون معروفًا ولكن فعله يكون منكرًا، فيكون أمر بالمعروف بطريقة منفرة، وقد نهانا النبي ﷺ عن التنفير.\nوهنا في حديث السيدة عائشة في الصحيحين: (إن الله رفيق يحب الرفق) فالله الخالق العظيم بجلاله سبحانه يرفق بعباده، فمن صفات الله ﷾: صفة الرفق، وصفة الحلم، فإنه حليم ورفيق وصبور سبحانه، وأمر العباد أن تكون هذه من أخلاقهم: خلق الرفق، وخلق الحلم، وخلق الصبر.\nفالإنسان يكون رفيقًا في كل أموره، ويصل بهذه الطريقة إلى دعوة الخلق إلى دين الله ﷾ من غير تنفير لهم ولا تعسير عليهم.\nفي رواية مسلم: (إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف)، يعني: أن الإنسان الذي يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر بطريقة رفيقة يأخذ أجرًا مضاعفًا، والذي يأمر وينهى بطريقة عنيفة يأخذ أجرًا دون الأول.\nوفي رواية: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء شانه)، والرفق أمام الناس هذا شيء يحلي صاحبه، والعنف والشدة أمام الناس شيء يشين صاحبه، وكذلك الأمر عند الله سبحانه ﵎، فالرفق زين لصاحبه، والعنف والشدة والخرق شين لصاحبه.\nولذلك الإنسان الذي في جاهليته كان حليمًا رقيقًا طيبًا كذلك في إسلامه يكون على ذلك، وقد جاء عن النبي ﷺ في الحديث أنه قال: (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا)، فالرفق خلق وسجية في الإنسان، فإذا كان أصله طيبًا وأصله رفيقًا فكذلك بعد دخوله في دين الله ﷿ يكون على هذه الصورة، فيزداد خيرًا على ما كان في نفسه من الخير.\nفإذا كان يوم القيامة كان هذا الإنسان الرفيق الحسن الخلق بجوار النبي ﷺ كما قدمنا من قبل.\nوالإنسان الذي فيه كبر، والذي فيه عنف، والذي فيه شدة، والذي فيه حماقة وخرق ودائمًا هو مندفع ومتهور إذا كان قبل الإسلام على ذلك، فإنه إذا أسلم يكون كذلك أيضًا فيه صفة الاندفاع، فيحتاج إلى تغيير هذه الصفة التي في نفسه من الاندفاع والتهور والخرق والاستكبار على الخلق.","vol":"36","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>الأسباب المعينة على الرفق</span>\nوالأشياء التي تعينه على ذلك: الخوف من الله ﷾، ومعرفة أن الله يراقبه، وأن الله يحاسبه، وأنه بخرقه وبعنفه وبشدته يبعد عن النبي ﷺ يوم القيامة، ففي حديث أبي ثعلبة الخشني يقول النبي ﷺ: (إن أحبكم إلي وأقربكم مني في الآخرة أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني في الآخرة أسوؤكم أخلاقًا: الثرثارون والمتفيهقون والمتشدقون).\nوالإنسان سيئ الخلق فيه استكبار، ومن أفحش أخلاق الإنسان الكبر، بأن يكون مغرورًا متكبرًا.\nوكذلك الثرثرة وكثرة الكلام، فيريد أن يتكلم وحده وغيره لا يتكلم، ولا يستمع لأحد أبدًا، إنما هو دائمًا يتكلم سواء في الخير أو في الشر أو في أي شيء، فهو يريد أن يتصدر القوم.\nوالثرثارون: هم كثيروا الكلام، والمتكلفون فيه، والمتفيهقون: كلمة (المتفيهق) كأنها مأخوذة من الفهق، والفهق: امتلاء الفم بالكلام، فكأن المتكلم متشدق بذلك، يعني: أنه يريد أن يري الناس أنه إنسان بليغ، وأنه يعرف أن يتكلم، ويقول الذي لا يقال، والذي لا يعرف أحد أن يقوله.\nوكذلك الأصل: التفقه، وفقه بمعنى: فهم، ومنه متفقه، وإنسان يتعلم الفقه وإنسان متفيقه يعني: طالب صغير يطلب الفقه.\nفالمتفيهق إذا كان طالبًا صغيرًا من طلبة العلم فهو على خير، لكن إذا كان مغرورًا شديدًا فهو متفيهق، يعني: أنه كثير الكلام، يريد أن يتكلم وهو جاهل قليل العلم.\nفهنا إذا أمر الإنسان بالمعروف ونهى عن المنكر إذا كان على علم فإن يكون حليمًا ويكون صبورًا، وإذا كان جاهلًا فإن يخاف من الذي أمامه ألا يحرجه بسؤاله عن حجته، فيداري جهله بعنفه وبشدته وبرفع صوته وبصخبه.\nإذًا: الإنسان المؤمن لا يكون على هذه الصفات أبدًا، فالمؤمن رفيق، والله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف.","vol":"36","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>شرح حديث: (إن الله ﷿ ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرق)</span>\nفي حديث جرير بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله ﷿ ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرق).\nفالإنسان الأخرق هو الذي فيه حماقة، وفيه تهور، وفيه اندفاع، وفيه طيش، وفيه عنف، فالإنسان يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف.\nوإذا أحب الله عبدًا أعطاه الرفق، يعني: أن من علامات محبة الله ﷿ للعبد أنه يكون رفيقًا، وفيه تؤدة وطمأنينة، وفيه يسر، وكذلك العكس: فالإنسان الذي فيه نفور وشغب هذه علامة على بعده عن الخير.\nثم قال ﷺ: (ما من أهل بيت يحرمون الرفق إلا حرموا الخير) يعني: أن من علامات الخير أن يتربى أهل البيت على الرفق، ويكون كل أهل البيت فيهم هذه الصفة، ورب البيت هو الذي يؤثر عليهم بذلك، فإن كان رب البيت طائشًا أخرق أحمق فتكون صفة أهل البيت كذلك إلا من رحم الله ﷿، فإذا كان كبير البيت أخرق طائشًا فإن بقية أهل البيت يقلدونه في هذا الشيء.\nكذلك جاء في حديث النبي ﷺ: (إن الله ﷿ يحب الرفق ويرضاه، ويعين عليه ما لا يعين على العنف)، وهذا الحديث رواه الطبراني من حديث أبي أمامة، وفيه: (إن الله ﷿ يحب الرفق ويرضاه)، فالرفيق يحبه الله ﷿، والإنسان الرفيق حسن الخلق يكون بجوار النبي ﷺ يوم القيامة، والإنسان الرفيق يعينه الله ﷾.\nوفي الحديث هنا قال: (يعين عليه ما لا يعين على العنف).\nفإذا أردت أمرًا بمعروف أو نهيًا عن منكر بطريقة فيها لطف وفيها رفق، فإن الله يعينك عليه أكثر من أن تكون الطريقة فيها عنف وشدة، وكأن العنيف اعتمد على نفسه، وكأنه يقول: أنا سأغير، وأما الرفيق فاعتمد على ربه سبحانه، فاستحق الرفيق أن يعان من عند الله ﷿، وأما العنيف فوكله الله ﷿ إلى نفسه.\nوفي حديث السيدة عائشة ﵂ قال لها النبي ﷺ: (يا عائشة! ارفقي؛ فإن الله إذا أراد بأهل بيت خيرًا أدخل عليهم الرفق).\nفحق الرفيق أن يعان من عند الله ﷿، وأما العنيف فوكله الله ﷿ إلى نفسه.","vol":"36","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>شرح حديث: (أن أعرابيًا بال في المسجد فقام الناس إليه)</span>\nوفي حديث أبي هريرة في صحيح البخاري: (أن أعرابيًا بال في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه) فهنا جاء أعرابي جاهل ودخل المسجد، ومسجد النبي ﷺ واسع كبير ليس فيه سجاد ولا حصير ولا شيء، بل الأرض تراب وحصى، فالرجل نظر الأرض لم ير شيئًا، فالشارع تراب والمسجد تراب، فدخل وقعد يتبول في المسجد، فرآه الصحابة، وأي أحد ينظر إلى هذا الإنسان سينكر عليه ويمنعه، فزجره الصحابة، ولكن النبي ﷺ الذي هو بالمؤمنين رءوف رحيم أمرهم أن يدعوه، فهو قد بدأ يبول في المسجد، والأرض قد تنجست، فإذا قاموا إليه فسيقطعون عنه بوله، ولعله بقطع البول يحصل له شيء، فقال النبي ﷺ: (لا تزرموه بولته) يعني: لا تحبسوا عليه البول فيحصل له شيء، فرحمة عظيمة منه صلوات الله وسلامه عليه، قال: (لا تزرموه بولته، وقال: أريقوا على بوله سجلًا أو ذنوبًا من ماء) يعني: هو قد تبول فصبوا على البول سجلًا من ماء أو ذنوبًا من ماء، ثم قال: (فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين).\nوهنا فرق بين إنسان يريد أن يتبول فيمنع، وبين إنسان قد شرع في التبول، فهذا الإنسان تركه النبي ﷺ حتى أكمل بوله، ولم يحبس عليه بولته؛ حتى لا يمرض أو يحصل له شيء.\nوفي هذا الحديث بيان حسن معاملة النبي ﷺ مع الخلق، قال ﷿: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١].","vol":"36","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>شرح حديث: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا)</span>\nوفي حديث أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا).\nفالتيسير من دين الله ﷾، والتيسير يكون بإقامة دين الله سبحانه، لهذا لا يأتي إنسان ويقول: أريد أن أصلي ثلاث صلوات في اليوم أو صلاتين، فهو ليس من التيسير، بل هذا بعد عن دين الله، وتشريع للخلق بغير ما أنزل الله ﷾.\nولكن التيسير يكون بالدين، فيسر بدين الله، والدين فيه رخصة، فالإنسان ييسر له بهذه الرخصة كقوله ﷿: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤].\nفالإنسان إذا كان سيسافر ويريد أن يفطر فلا يقال له: اتق الله، اتق الله وصم؛ لأن الله قد رخص له، فيجوز للمسافر أنه يفطر، ويجوز للمريض أنه يفطر بنص القرآن العظيم، فإذا جاء إنسان وتشدد وأرغم المريض أنه يصوم فإنه قد يزداد عليه المرض، وهذا من التعسير على الخلق.\nفالتيسير يكون بدين ﷾، والرخص التي شرعها الله سبحانه تؤخذ في مواطنها، وأما إنسان ييسر بإلغاء الدين فلا، فإنه لا يحل لمسلم إن يلغي شيئًا شرعه ربنا ﷾.\nقال: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا).\nيعني: اذكر ما فيه بشرى للناس، وما فيها ذكر دخول الجنة للناس، ولا تجزم على إنسان أنه من أهل النار، ولا تجزم لإنسان أنه من أهل الجنة.\nفلا تقل لأحد: أنت في النار، فإنه لا علم لك بذلك، قال ﷺ: (إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها).\nفالإنسان لا يدري عن حال نفسه فضلًا عن أن يدري عن حال غيره، فلا نجزم على أحد أن هذا في النار أو هذا في الجنة.\nوجاء في حديث النبي ﷺ قال: (من قال: هلك الناس، فهو أهلكهم)، وكأن من علامات المغرور أن يقول: كل الناس ضيعوا، وكل الناس في النار، فأنت ترى مجموعة من الناس ولا ترى كل الناس، ولا حضرت كل الناس، ولا عرفت كيف ستكون نهايتهم، لذلك لا يجوز لإنسان أن يقول: كل الناس هلكوا وسيدخلون النار، ولكن الإنسان يدعو لغيره برحمة رب العالمين، وأن يهديهم الله سبحانه ﵎، وليس معنى ذلك أنه يرى المنكر ويتركه، ولكن يرى المنكر فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وليكن سبيله إليه التغيير برفق وليس بعنف.\nوقوله: (بشروا ولا تنفروا)، فالتبشير فيه خير، وقد تقبل بالإنسان من أبواب الرجاء على ربه سبحانه أكثر ما تقبل به من أبواب التشديد، ويمكن أن إنسانًا يقول له: إذا عملت كذا فسوف تدخل النار، فبعض الجهلة يقول: نحن داخلون النار داخلون! بعض الناس يقول ذلك فيستهين ويكفر والعياذ بالله.\nفالإنسان الذي يستهين بالنار قد وقع في الكفر والعياذ بالله، والذي يستهزئ بالنار وقع في الكفر، ولكن الإنسان الذي يخاف من النار، ويعترف بذنوبه ويقر بها فهذا أقرب إلى رحمة رب العالمين سبحانه.\nفمن التنفير أنه ييئس الناس من رحمة رب العالمين ﷾، ولكن الإنسان المسلم يبشر، وكما يذكر الأشياء التي فيها الترهيب والتخويف يذكر الأشياء التي فيها الترغيب والتبشير؛ لعل الله ﷿ أن يهدي العباد إلى دينه سبحانه؛ ولأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك مما طلعت عليه الشمس.\nنسأل الله ﷿ أن يجعلنا هداة مهتدين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"36","page":6},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-238> الترغيب في طلاقة الوجه وطيب الكلام</span>\nلقد سعى الإسلام بشتى الوسائل والطرق إلى تقوية أواصر المحبة والألفة بين المسلمين، وشرع لذلك طرقًا وأساليب وإن كانت يسيرة إلا أن لها أثرًا بالغًا في النفوس، ومنها: طلاقة الوجه، وطيب الكلام، وحسن المنطق، وإفشاء السلام.","vol":"37","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>أحاديث واردة في الترغيب في طلاقة الوجه وطيب الكلام</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام المنذري ﵀: [الترغيب في طلاقة الوجه وطيب الكلام وغير ذلك.\nعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق)، رواه مسلم.\nوعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (كل معروف صدقة، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك)، رواه أحمد والترمذي.\nوعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وإماطتك الأذى والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة)، رواه الترمذي وحسنه].\nإن الشريعة العظيمة تحث وتدعو المسلم إلى أن يفعل الخير أكثره وأقله ما استطاع، ولا يحتقر شيئًا من الخير يصنعه فكل خير يثاب عليه، وما دام الثواب موجودًا فينبغي ألا يستقل فعل شيء من أمور الخير.","vol":"37","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>شرح حديث أبي ذر: (لا تحقرن من المعروف شيئًا)</span>\nمن الأحاديث الذي جاءت في ذلك حديث أبي ذر في صحيح مسلم قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق).\nوالحديث الآخر: (كل معروف صدقة) وطالما أن كل معروف صدقة فإنك عليه مأجور، وينبغي ألا تستقل شيئًا من المعروف فتتركه، فأقل المعروف تؤجر عليه حتى الإنسان الذي يتصدق بشق تمرة له فيه أجر وثواب، ويقي وجهه من النار بشق تمرة يتصدق بها، ومن أقل الأشياء قوله: (ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق).\nوفي الحديث الآخر يوضحه: قال: (تبسمك في وجه أخيك صدقة)، فيلقى المسلم أخاه المسلم فيتبسم في وجهه، وله فيها صدقة.\nوفي حديث أبي ذر ﵁ يقول النبي ﷺ: (تبسمك في وجه أخيك لك صدقة) يعني: تكسب بذلك صدقة وأجر عند الله ﷾.\nومن الصدقات: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: قال: (وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر لك صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة) أي إذا وجدت رجلًا ضائعًا في مكان ما فتدله أن الطريق من هنا، فلك صدقة في ذلك.\n(وإماطتك الأذى والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة).\nقال: (وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة)، فإذا كان معك دلو فيه ماء وصاحبك محتاج للماء وأفرغت قليلًا من الماء في دلوه فلك أيضًا صدقة بذلك.\nوفي حديث أبي جري الهجيمي عند أبي داود والترمذي قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! إنا قوم من أهل البادية فعلمنا شيئًا ينفعنا الله به.\nفقال النبي ﷺ: (لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي).\nفإذا كان إنسان معه دلو فيه ماء وآخر محتاج للماء ليسقي البهيمة التي عنده فيعطيه قليلًا من الماء كي يسقي بهيمته، فهذا يعتبر شيئًا قليلًا، ولكنه عند الله ﷿ كثير، ولا يُحتقر المعروف أبدًا.\nقال: (ولو أن تكلم أخاك ووجهك إليه منبسط) أي: عندما تكلم إنسانًا تكون صاحب وجه طليق، وأن تعطي له الفرصة بأن يأخذ ويعطي معك في الكلام، وعندما تكلم أخاك وأنت مبتسم فإن لك الأجر أكثر من أن تكلمه وأنت غير مبتسم، فتؤجر لحسن الكلام وطلاقة الوجه.\nثم نصحه النبي ﷺ فقال: (إياك وإسبال الإزار) فعندما تلبس الإزار سواء كان قميصًا أو بنطلونًا فلا يكون مسبلًا، والإسبال هو: ما جاوز الكعبين من الإزار فإذا مشى جره في الأرض، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، ووضح سبب النهي فقال: (فإنه من المخيلة) أي: من العجب بالنفس والغرور، وهذا لا يحبه الله، وجاء في الحديث الآخر: (لا ينظر إلى صلاة مسبل)، لا ينظر الله إلى إنسان يقوم في الصلاة وإزاره نازل إلى الأرض وجاوز الكعبين، فهذا لا ينظر الله إلى صلاته.\nوجاء في الحديث الآخر: (ما زاد عن الكعبين فهو في النار) هذا بالنسبة للرجال، وأما النساء فتستر المرأة قدميها ولو وصل ثوبها إلى الأرض.\nقال: (وإن امرؤ شتمك بما لا يعلم فيك فلا تشتمه بما تعلم فيه؛ فإن أجره لك ووباله على من قاله).\nيعلمنا النبي ﷺ في هذا الحديث خلقًا عظيمًا من مكارم الأخلاق وهو: أن الإنسان لعله يغيظه إنسان ويعيره بشيء فيقول ﵊: (إن امرؤ عيرك بما لا يعلمه فيك فلا تعيره بما تعلمه فيه) فقد يأتي إنسان ويشتمك ويتطاول عليك وقد يذكر أشياء لا وجود لها أصلًا، وهو إنسان تعلم أنه ناقص وأن فيه الكثير من النقائص فلا تذكر عليه هذه الأشياء التي تعلمها؛ ليصيبه الإثم لوحده، ولكيلا تدخل معه في هذا الباب القبيح.\nوجاء في الحديث الآخر: (أنه افترى عليك واختلق شيئًا ليس فيك) فلا ترد عليه حتى يكون الوبال عليه لوحده، ولا تدخل أنت في ذلك ولكن يكون لك الأجر.\nقال: (فإن أجره لك ووباله على من قاله).","vol":"37","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>شرح حديث: (موجب الجنة إطعام الطعام)</span>\nمن الأحاديث التي جاءت: حديث المقدام بن شريح عن أبيه عن جده قال: (قلت: يا رسول الله! حدثني بشيء يوجب لي الجنة؟ فقال: موجب الجنة: إطعام الطعام، وإفشاء السلام، وحسن الكلام)، فقلب كل مؤمن لا بد وأن تكون أصول الإيمان موجودة فيه، ولكن سيزيد إيمان إنسان عن إنسان، فقد يوجد إنسان من المسلمين ولكنه عاص ويستحق النار، وأما هذا الإنسان الذي يطعم الطعام، ويفشي السلام، ويحسن الكلام فكأنه يستحق أن يدخل الجنة، وهذا الأشياء لن تكون من كافر مثلًا، ولا من إنسان ليس محصلًا لأصول الإيمان، ولكن من يفعل ذلك هو إنسان مؤمن يزيد على غيره من الناس بهذه الأشياء: أنه يطعم الطعام، أي: يبذله ويتصدق به على المحتاجين.\nقال: (وإفشاء السلام) وفرق بين أن يسلم الإنسان، وأن يفشي السلام، فإذا سلم ربما سلم مرة أو مرتين، ولعله لا يسلم على بعض الأشخاص غير المعروفين أو الذين لا يردون عليه، ولكن الإنسان الذي يفشي السلام فهو لا يهمه من يسلم عليه سواء كان معروفًا أو غير معروف، سواء رد أو لم يرد، فقد يمر على ناس فيردون السلام، وقد يمر على ناس فلا يردون السلام فلا يهتم بهؤلاء فهو يفشي السلام؛ لأن السلام اسم من أسماء الله ﷾، وأراد الله ﷿ أن يفشى في الأرض ليتميز المسلمون بهذا التسليم العظيم، ولذلك جاء عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: (لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا) فعلامة الإيمان والذي يقوي الإيمان في قلوب المؤمنين: المحبة بين المؤمن وأخيه التي تدفعهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتدفعهم للتمسك بخصال الإيمان، وتدفعهم للتدافع على طاعة الله ﷾، والابتعاد عن معصية الله.\nفيقول ﵊: (ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) يعني: أكثروا من التسليم، فيسلم الرجل على أخيه إذا لقيه، ويسلم على أخيه إذا غاب عنه ثم ظهر مرة أخرى، وإذا جلس في مجلس فيبدأ بالسلام، وإذا قام لينصرف سلم قبل أن ينصرف، لكن الأمر صار كما قال النبي ﷺ: (دب إليكم داء الأمم قبلكم: البغضاء والحسد) إن هذا الداء الذي يزيل أممًا من على الأرض، فتستحق الفناء بذلك، هو أن يحسد بعضهم بعضًا، وأن يبغض بعضهم بعضًا، وإذا كانوا على ذلك سلط الله بعضهم على بعض، ثم سلط الله ﷿ عليهم أعداءهم.\nقال ﷺ: (البغضاء هي الحالقة ليس حالقة الشعر، ولكن حالقة الدين) فتحلق الدين بمعنى: أن الإنسان إذا كره إنسانًا فإنه يظل يترصد له، ويتنافر معه، ويشد معه في الكلام، ويبغض بعضهم فيضيعوا أنفسهم.\nثم ذكر في هذا الحديث قال: (ألا أنبئكم بما يثبت لكم ذلك؟) يعني: يثبت المحبة في القلوب، قال: (أفشوا السلام بينكم).\nوقال في حديث ابن مسعود: (السلام اسم من أسماء الله تعالى وضعه في الأرض فأفشوه بينكم، فإن الرجل المسلم إذا مر بقوم فسلم عليهم فردوا عليه كان له عليهم فضل درجة بتذكيره إياهم السلام).\nفإذا مر المسلم على قوم فليسلم عليهم، وهو أعلا بذلك منهم درجة؛ لأنه يذكرهم باسم الله ﷿ السلام، (فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم) وهم الملائكة، كما قال النبي ﷺ: (فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم).\nلذلك يجب على المسلم أن يلقي السلام ويفشيه ويكثر من ذلك كما أمر النبي ﷺ، فتكون المحبة حادثة بين المؤمنين.\nنسأل الله ﷿ أن يفقهنا في ديننا، وأن يعيننا على العلم والعمل.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"37","page":4},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-242> الترغيب في إفشاء السلام [١]</span>\nعلى المسلم أن يحرص على كل عمل أو قول يؤدي إلى توحيد صف الأمة، وظهور المحبة والرحمة بين أفرادها، لا سيما إذا كان هذا العمل سببًا من أسباب المحبة بين الناس، والمحبة هي سبب من أسباب الإيمان الذي لن يدخل أحد الجنة إلا به، ومن هذه الأعمال التي قد لا يأبه لها كثير من الناس إفشاء السلام، فينبغي على المسلم أن يلقي السلام على كل من لقي سواء أعرفه أم لم يعرفه، حتى تسود المحبة بين الناس.","vol":"38","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>إفشاء السلام وفضله</span>","vol":"38","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>ما ورد من الأحاديث في إفشاء السلام</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nروى ابن حبان عن البراء بن عازب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أفشوا السلام تسلموا).\nوروى الترمذي عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام).\nوروى الطبراني عن أبي شريح ﵁ أنه قال: (يا رسول الله! أخبرني بشيء يوجب لي الجنة، قال: طيب الكلام، وبذل السلام، وإطعام الطعام).\nوروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس).\nهذه أحاديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه ذكرها الحافظ المنذري ﵀ في باب الترغيب في إفشاء السلام، وقد ذكرنا بعض الأحاديث فيما سبق وكثرة الأحاديث التي تأتي عن النبي ﷺ في موضوع واحد تدل على أهمية هذا الموضوع.\nفقد ورد أكثر من عشرين حديثًا في الأمر بالتسليم ورد السلام وإفشائه، وفيها أن المؤمنين إذا تحابوا دخلوا الجنة وأن السلام وسيلة للمحبة بين المسلمين، وهذه الأدلة يذكرها النبي ﷺ ليحثنا على التسليم، فالمسلم ينبغي ألا يقصر في أمر التسليم حتى يكون من أهل الجنة وحتى تسود المحبة بين المؤمنين.\nمن الأحاديث حديث البراء بن عازب ﵁ وفيه قال النبي ﷺ: (أفشوا السلام تسلموا)، وفي رواية أخرى: (أفشوا السلام كي تعلوا)، أي: أنه بإفشاء السلام بين المؤمنين يرفعهم الله ﷿ ويعزهم، وكذلك بإفشاء السلام تكون السلامة بين المؤمنين والمسالمة فيما بينهم، والطمأنينة في أرضهم وديارهم.\nومن الأحاديث حديث عبد الله بن سلام ﵁ يقول: إنه سمع النبي ﷺ يقول: (يا أيها الناس! أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام).\nوفي هذا الحديث أسباب لدخول الجنة، وهذا لا يكون إلا إذا حققوا الأصل الأصيل من أصول دخول الجنة وهو الإيمان بالله ﷿، وتحقيق معنى كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، محمد رسول الله ﷺ، ثم يأتي بالعمل الصالح، وهذه الخصال التي ذكرها النبي ﷺ في الحديث وذكر أنها إذا كانت في المؤمنين هذه الخصال فإنهم يستحقون أن يدخلوا الجنة بسلام، فكأن معنى قوله: (تدخلوا الجنة بسلام) أي: بدون أن تنالوا أذى، وبدون أن تمسكم النار.\nقال: (يا أيها الناس أفشوا السلام)، فإذا اعتاد المسلمون إفشاء السلام فيما بينهم وقعت المحبة بينهم، ففرق بين إنسان تمر عليه ولا تسلم عليه ثم تجده على منكر في يوم من الأيام، فإنك لا تجرؤ على أن تأمره بمعروف أو تنهاه عن منكر، وقد تفعل ذلك ولكنه لا يقبل منك؛ لأنك لم تجعل وسيلة بينك وبينه في الكلام والأخذ والعطاء.\nفإفشاء السلام بين المسلمين يجعل للمسلم في قلب أخيه المسلم محبة ومودة واحترامًا، فإذا أحب في يوم من الأيام أن يأمره بمعروف، أو ينهاه عن منكر، أو ينصحه بنصيحة، فإنه ينتصح ويسمع له، لكن إذا كان لا يرد السلام بل يمر على الشخص ويدير له ظهره، فإنه إذا أتى في يوم من الأيام ليأمره بمعروف أو ينهاه عن منكر، فلن يقبل أحد منه؛ لأنه ليس بصاحب دعوة ولا خلق مع الناس.\nوهناك الكثير من العيوب والأخطاء الموجودة في كثير منا، منها: أن البعض لا يرد السلام إلا على من يعرفهم فقط، وأنه قد يسلم ولا يردون عليه لسبب ما، كعدم السماع أو الانشغال بموضوع، فيقع في نفسه شيء عليهم، وهذا خطأ فأنت تسلم من أجل أن تأخذ الثواب من الله ﷿ سواء ردوا أم لم يردوا، فالله ﷿ يأمر ملائكة من ملائكته بأن ترد عليك السلام، فلا تتعالى وتقول: ماداموا لم يردوا علي فلن أرد عليهم، أو تقول: فلان لا يسلم علي فلن أسلم عليه، فإن هذا من التكبر والغرور؛ لأنك تريد أن كل الناس الذين تمر عليهم يردوا عليك السلام ويعطوك الاحترام، فلا تكن من هؤلاء، بل تواضع لله فإن من تواضع لله رفعه الله.\nوابدأ أنت وتواضع للناس فستجد الناس يتواضعون لك، ابدأ بالسلام على الناس، وهم سيسلمون عليك بعد ذلك، وإن كان ذلك قد يأخذ وقتًا معينًا، فإنك قد تمر على إنسان صاحب أخلاق غير طيبة، ولكن مع كثرة التسليم عليه فإنه يبدأ يستحي وتبدأ أخلاقه بالتحسن.\nوهكذا إن كان يعمل منكرًا من المنكرات، فإنه يمكن أن يعمله عند مرورك عليه أول مرة، ولكنه في المرة الثانية سيستحي منك ولا يفعل هذا الشيء، وبهذا تكون قد دعوت إلى الله بأخلاقك وردك للسلام، وتكون قد ساهمت في تكثير أعداد المسلمين المصلين المتحابين في الله ﷿، الفاعلين المعروف الآمرين به، المنتهين عن المنكر الناهين عنه.\nوهذا يكون بإفشاء السلام، وانظر إلى تعبير الحديث حيث يقول ﵊: (أفشوا السلام بينكم)، أفشوا يعني: أجعلوه ذائعًا منتشرًا فيما بينكم، وهذه هي التي عرفها أعداء الإسلام، أن كثرة السلام بين المسلمين تزيد من ترابطهم ومحبتهم ولذلك أتوا بالنكت والاستهزاء في هذا الموضوع، فقالوا: كثر السلام يقل المعرفة.\nوبقي الحمقى والمغفلون من المسلمين يأخذون مثل هذه الكلمة ويقولونها، يسمعك تسلم عليه مرة واثنين وثلاث، فيقول لك: كثر السلام يقل المعرفة، بكل سذاجة واستهزاء وبعد عن دين ربنا ﷾، ولو أنهم عقلوا وفهموا أن السلام يزيد المحبة بين المؤمنين ويقوي الروابط فيما بينهم لقبلوا النصح.\nوقد جاء في حديث النبي ﷺ قوله: (من بدأكم بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه)، وذلك من كثرة ما يأمر بإفشاء السلام ﵊، فلو جاء إنسان وبدأ يتكلم ويقول: هات كذا، أعطني كذا، من غير أن يبدأ بالسلام، فهذا لا يستاهل أن ترد عليه؛ لأن الأصل أن يبدأ بالسلام، فإذا سلم الإنسان أصبحت بينه هو ومن يسلم عليه مسالمة وموادعة، وأصبحت هناك طمأنينة ومحبة وأمان فيما بينهم فيقبل بعضهم من بعض.\nقال في الحديث: (أفشوا السلام وأطعموا الطعام)، أي: تطعم الضيوف، وتطعم الفقراء والمساكين والمحتاجين، وتطعم في رمضان وفي غير رمضان، ولم يحدد متى يكون الإطعام ولمن يكون، فلعل هذه دعوة ليكون خلق الإنسان البذل والإطعام وهو أسهل بكثير من أخراج النقود؛ لأن الطعام لابد وأن يوجد في كل بيت، فإذا أكثر الإنسان من إطعام الطعام فإنه سوف يتعود على كرم النفس وسماحة الطبع، وتبقى هذه الأمور سجية فيه.\nانظروا إلى سيدنا إبراهيم ﵊ حين أتاه ثلاثة من الضيوف وحقيقتهم أنهم ملائكة، عندما جاءوه بالبشرى بأنهم سيهلكون قوم لوط، وظنهم إبراهيم ﵊ ضيوفًا من البشر، فقام وذبح لهم عجلًا، قال تعالى: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود:٦٩] عجل لثلاثة ضيوف! مع أنه كان يكفيهم كيلو لحم، ولكنه ذبح لهم عجلًا كاملًا، وهذا كرمًا من إبراهيم، وربنا ﷾ سجل له كرمه ذلك في القرآن: ﴿جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود:٦٩] ﵊.\nثم قال لهم: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات:٩١]، وهذا بيان آخر ذكره لنا ربنا سبحانه ﵎ في القرآن الكريم وهو كيفية الأدب في إطعام الطعام، ففرق بين إنسان يضع الطعام لضيفه ويقول له: كل، وبين آخر يقول: تفضل، ألا تأكل، فهناك فرق في إلقاء الكلمة، وهناك كلمة تجعل الإنسان يأكل وهو منشرح الصدر، وهناك كلمة تجعل الإنسان قد يمتنع عن الأكل، ويقول: لست جائعًا، أو قد أكلت، أو نحو ذلك.\nفهذا الأدب ذكره لنا ربنا سبحانه ﵎ في القرآن الكريم عن سيدنا إبراهيم ﵊، كيف أنه دعا ضيوفه، وما نوع الطعام الذي دعاهم إليه، وكيف قدم لهم هذا الطعام ليأكلوا معه ﵊.\nثم قال النبي ﷺ في هذا الحديث: (وصلوا بالليل والناس نيام)، أي: صلاة التطوع، بعد أداء الصلوات المفروضة، لأن الأصل هو أداء الفرائض ثم يعمل الإنسان النوافل، (وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام).\nومن الأحاديث التي جاءت عنه ﷺ في السلام حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس).\nفرد السلام فرض وإلقاء السلام سنة، وربنا ﷾ يقول: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦]، فإذا حياك إنسان فقال: السلام عليك، فرد عليه بقولك: وعليك السلام ورحمة الله، وإن زدت: وبركاته كان خيرًا، وإذا قال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فرد عليه بمثلها.\nمن حق المسلم على أخيه المسلم هؤلاء الخمس، بل قد ذكر رسول الله ﷺ في رواية أخرى ستة حقوق، وقد قال ﷺ ذاكرًا هذه الحقوق الستة: (إذا لقيته فسلم عليه)، من حقوق المسلم عليك أن تسلم عليه عندما تلقاه.\n(وإذا دعاك فأجبه) أي: إذا دعاك لطعام وكانت ظروفك تسمح لك بالذهاب فأجبه فإن له حقًا عليك، (وإذا استنصحك فانصح له) أي: طلب منك النصيحة في شيء ما، فكما تنصح لنفسك ولأهلك انصح لأخيك المسلم، (وإذا عطس فحم","vol":"38","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>فضل من يبدأ بالسلام</span>\nأبو بكر أفضل منهم جميعًا رضوان الله ﵎ عليهم، ولكنه هو الذي يبدأ بالسلام، قال: فقال أبو بكر ﵁: أما ترى ما يصيب القوم عليك من الفضل، يعني: لو أنهم بدءوك بالسلام لكان لهم الفضل عليك، فلا تجعل أحدًا يسبقك بالسلام ما استطعت.\nقال: فكنا إذا طلع الرجل من بعيد بادرناه بالسلام قبل أن يسلم علينا، فقد عرفوا الفضل في البدء بالسلام، فكانوا سباقين إلى ذلك.\nولذلك جاء في حديث آخر يبين لنا هذا الفضل، وهو حديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام)، فكل مسلم يحب الله ويحب التقرب إلى الله، ولكن أولى الناس بالله قال: (من بدأهم بالسلام).\nوفي الحديث قيل: يا رسول الله! (الرجلان يلتقيان أيهما يبدأ بالسلام؟ قال: أولاهما بالله تعالى)، وجاء في حديث آخر: (يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والماشيان أيهما بدأ فهو أفضل).\n(يسلم الراكب على الماشي)، فإنسان راكب على دابة أو على سيارة قد يدخله شيء من الغرور أنه أعلى من الثاني الذي يمشي على رجليه، فعلمك رسول الله ﷺ أنك أنت الذي تبدأ بالسلام من أجل ألا تشعر بالغرور والتعالي على الناس.\nثم قال: (والماشي على القاعد)، فالذي يمشي ويمر على الناس فإنه ينبغي أن يسلم على القاعد في مكانه، قال: (والماشيان) أي: كلاهما يمشيان (أيهما بدأ فهو أفضل) يعني: الذي يبدأ هو أفضل من الآخر.","vol":"38","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>فضل رد السلام</span>\nنتعلم من جملة تلك الأحاديث التي وردت عن النبي ﷺ أن المسلم ينبغي له أن يفشي السلام ويكثر التسليم على المسلمين، ففي ذلك الأجر الكثير، فإذا قال: السلام عليك، فله عشر حسنات، وإذا زاد: ورحمة الله زادت له عشر حسنات، وإذا زاد وبركاته زادت له عشر حسنات، فانظر كم تأخذ من الحسنات إذا سلمت على مائة شخص مثلًا وأنت مار في الطريق، فكل تسليمة بثلاثين حسنة، فتعود إلى بيتك ولديك ثلاثة آلاف حسنة، بسبب التسليم على الناس فقط.\nلذلك كان بعض الصحابة رضوان الله عليهم يخرج إلى السوق وهو لا يريد أن يشتري شيئًا، وإنما يريد أن يسلم على الناس، مثل عبد الله بن عمر ﵄، فقد خرج مع شخص فقال له: ما رأيتك اشتريت شيئًا؟ قال: أما رأيتني سلمت على الناس؟ قال: نعم، قال: فلهذا خرجت، وذلك لأنه عرف ما في السلام من الفضل الكثير.\nفخذوا أمر السلام بجد وليس بهزل؛ لأن الدين إذا دخله المزاح ضاع وضاع الثواب، فإذا سلمت على أخيك فاستشعر الثواب، واعلم أنك إذا مددت يدك فصافحت أخاك المسلم تساقطت السيئات عنكما.\nفعلى الإنسان المسلم أن يلقي السلام محتسبًا الأجر من الله ﷿، سواء رد عليه الناس أو لم يردوا، وعليه أن يلقي السلام على من هو في استعداد للرد عليه، فلا يشغل إنسانًا عن شيء مهم يقوم به، فمثلًا إذا أتى حلقة فلا ينبغي أن يسلم على كل من في الحلقة ليقوموا كلهم بالرد عليه، وهكذا يأتي الثاني والثالث فيصبح الوقت كله رد للسلام، ولكن إذا انتهيت إلى المجلس فرد السلام على أقرب الناس إليك ثم اجلس، فإذا قمت من المجلس سلمت على أقرب من هم إليك وانصرفت، ولا تزعج أحدًا بذلك.\nوإذا مررت على من يقرأ القرآن أو يحفظ القرآن وهو في مكان يمر عليه فيه ناس كثير، فعلى ذلك لا داعي أن تشغله عن حفظه وعن مراجعته بالسلام عليه، لكن إن وجدت من هو في حال يسمح له بالرد ولا يشغله ذلك عن شيء فألق السلام، وأكثر من ذلك، وأفشه بين الناس كما قال النبي ﷺ.\nنسأل الله ﷿ أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"38","page":5},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-247> الترغيب في إفشاء السلام [٢]</span>\nلقد رغّب الإسلام في إفشاء السلام لما فيه من المودة والألفة، وتقوية رباط الأخوة، وأوجب ردّ السلام، وبين لنا فضل السلام وما فيه من مضاعفة الحسنات، وأبخل الناس من بخل عن رد السلام، ورد السلام من التواضع، بل هو سبب من أسباب دخول الجنة.\nولا يجوز القيام عند السلام تعظيمًا إلا لله ﷿.","vol":"39","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>إفشاء السلام</span>","vol":"39","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>شرح حديث: (أن رجلًا مرّ على رسول الله وهو في مجلسه فقال: سلام عليكم، فقال: عشر حسنات)</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\n[روى ابن حبان عن أبي هريرة ﵁: (أن رجلًا مر على رسول الله ﷺ وهو في مجلسه فقال: سلام عليكم، فقال: عشر حسنات، ثم مر آخر فقال: سلام عليكم ورحمة الله، فقال: عشرون حسنة، ثمر مر آخر فقال: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال: ثلاثون حسنة، فقام رجل من المجلس ولم يسلم فقال النبي ﷺ: ما أوشك ما نسي صاحبكم، إذا جاء أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإن بدا له أن يجلس فليجلس، وإن قام فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة).\nوروى البخاري عن ابن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: (أربعون خصلة أعلاهن منيحة العنز، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله الله بها الجنة)، قال حسان: فعددنا ما دون منيحة العنز من رد السلام وتشميت العاطس وإماطة الأذى عن الطريق ونحوه، فما استطعنا أن نبلغ خمس عشرة].\nهذان الحديثان وغيرهما عن النبي ﷺ ذكرها الإمام المنذري ﵀ في الترغيب في إفشاء السلام، فحديث أبي هريرة ﵁: (أن رجلًا مر على رسول الله ﷺ وهو في مجلسه فقال: سلام عليكم، فقال: عشر حسنات)، يعني: تؤجر في قولك السلام عليكم عشر حسنات، (ثم مر آخر وقال: سلام عليكم ورحمة الله، فقال: عشرون حسنة، ثم مر الثالث فقال: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال النبي ﷺ: ثلاثون حسنة) أي: أن الإنسان إذا سلم فاختصر وقال: السلام عليكم، أخذ عشر حسنات، فإذا زاد: ورحمة الله، أخذ عشرين، فإذا زاد: وبركاته، أخذ ثلاثين حسنة.\nوقد جاء عن النبي ﷺ في مسند أحمد حديث فيه: (حق على من قام على جماعة أن يسلم عليهم، وحق على من قام من مجلس أن يسلم)، ففي الحديث جعل السلام على الناس من الحقوق لهم سواء عند الدخول عليهم أو عند الانصراف عنهم.\nولما قال ذلك ﷺ قام رجل ولم يسلم، فقال النبي ﷺ: (ما أوشك ما نسي صاحبكم)، وفي الحديث الذي في مسند أحمد قال: (ما أسرع ما نسي).\nفالنبي ﷺ أخبرهم بفضل رد السلام، وأنك إذا جئت إلى مجلس فحق عليك أن تسلم، وإذا قمت من المجلس فحق عليك أن تسلم، وأخبرهم بذلك منذ لحظات قليلة في نفس المجلس، فالرجل جلس فلما قام نسي ما قال رسول الله ﷺ، فقال ﷺ متعجبًا: (ما أسرع ما نسي)، ثم قال ﷺ: (إذا جاء أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإن بدا له أن يجلس فليجلس، وإن قام فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة).\nفالإنسان إذا دخل على قوم ينبغي عليه أن يلقي ﵈ ويحييهم، وهو بذلك يدعو لهم بالتحية، ويدعو لهم بالأمن والطمأنينة، يعني: إني أجلس معكم في أمن وأمان، فهذا يطمئن له المجلس بعكس الذي يأتي ويجلس من غير أن يرد السلام، فإنهم سوف يتوجسون منه خيفة: لماذا جاء؟ وماذا يريد؟ وما هو الذي أقعده من غير أن يسلم؟ فالتسليم تحية بين المسلمين، وطمأنينة فيما بينهم.","vol":"39","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>شرح حديث: (أربعون خصلة أعلاهن منيحة العنز)</span>\nومن الأحاديث في ذلك حديث ابن عمرو الذي رواه البخاري عن النبي ﷺ قال: (أربعون خصلة أعلاهن منيحة العنز، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها أو تصديق موعودها إلا أدخله الله بها الجنة)، فالأعمال الحسنة التي يعملها الإنسان لابد أن يكون الذي يفعلها مصدقًا بموعودها؛ لأن ربنا ﷾ وعد على فعل الحسنات الجنة، فيفعل العبد ذلك وهو مستيقن من كلام رب العالمين سبحانه، ويفعل ذلك وهو يرجو الثواب الذي ذكر في الحديث.\nومنيحة العنز هي: أن يعطي المسلم أخاه المسلم عنزته ليحلبها ويستفيد من لبنها ثم يعيدها له بعد ذلك، فهذه هي المنيحة.\nفهنا ذكر النبي ﷺ أن هناك أربعين خصلة أعلاهن منيحة العنز، فبدأ الصحابة يعدون الحسنات التي هي على أعمال بسيطة وسهلة بحيث تكون هذه الأعمال تحت منيحة العنز في الأجر، وذلك من أجل أن يعملوا بها ليحصلوا على الأجر الذي ذكره النبي ﷺ، فذكر راوي الحديث أنهم ما استطاعوا أن يبلغوا خمس عشرة خصلة، فمما ذكروه: تشميت العاطس، يعني: أنه من الأعمال السهلة التي تدخل بها الجنة، فإذا عطس الإنسان وقال: الحمد لله، فادع الله له وقل: يرحمك الله، ولاحظ أن الحديث قال فيه ﷺ: (ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها أو تصديق موعودها) أي: تقول ذلك لترجو الثواب من الله ﷾، ولا تقول ذلك مزاحًا أو استهزاء.\nفالذي يأخذ الثواب هو الذي يرجو هذا الثواب، ويكون مصدقًا بما قاله النبي ﷺ، فالأمر جد وليس مزاحًا، فالذي يمزح في هذه الأشياء يضيع سنة النبي ﷺ، ويستخف بها، ويفتح باب لأهل الاستهزاء بأن يستهزءوا بسنة النبي ﷺ.\nولعل الذي يفعل ذلك يسن سنة سيئة يتبعه الناس عليها، ويكون (عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى قيام الساعة)، ولا يبعد أن يكفر هذا الإنسان الذي يستهزئ بسنة النبي ﷺ على هذا النحو، فدائمًا الوسائل الشرعية لابد أن ترجو فيها الثواب، واحذر من إدخال المزاح فيها.\nفلا تسليم في مزاح، ولا تشميت للعاطس في مزاح، بل أولى لك أن تسكت، وذلك خير من أنك تقول كلامًا يؤخذ على أنه استهزاء ويضحك الناس: (وإن العبد ليتكلم بالكلمة من غضب الله ما يلقي لها بالًا تهوي به في النار سبعين خريفًا).\nفهنا يذكر لنا الأشياء التي هي دون منيحة العنز مثل: تشميت العاطس، وإماطة الأذى عن الطريق ونحو ذلك من الأشياء، وفي هذا إشارة إلى أن الأعمال مهما كانت صغيرة في نظر الإنسان فيجب أن يعملها وهو يرجو الثواب من الله، ويكون مصدقًا بموعود الله؛ حتى ينال الأجر على تلك الأعمال.","vol":"39","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>شرح حديث: (وأبخل الناس من بخل بالسلام)</span>\nمن الأحاديث التي جاءت في الباب حديث رواه الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أعجز الناس من عجز في الدعاء، وأبخل الناس من بخل بالسلام).\nالعجز: هو عدم القدرة على فعل الشيء، فالإنسان العاجز هو الإنسان الضعيف، فأضعف الناس وأعجز الناس عن فعل الخير هو الذي يعجز عن الدعاء؛ لأنه يستكثر أن يرفع يديه ويقول: يا رب.\n(أبخل الناس من بخل بالسلام)، وانظروا المثل الذي ذكره لنا النبي ﷺ في القصة التي حصلت معه، يروي جابر بن عبد الله ﵁: (أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: إن لفلان في حائطي عذقًا، وإنه قد آذاني وشق علي مكان عذقه، فأرسل إليه رسول الله ﷺ فقال: بعني عذقك الذي في حائط فلان) أي: كان أحد الصحابة له بستان، وكان لصاحبه نخلة داخلة في هذا البستان، وكان صاحب البستان متأذي من هذه النخلة، فأراد من صاحبها إما أن يبيعها له وإما أن يقطعها ويأخذها، فأخبر النبي ﷺ بذلك، فقال النبي ﷺ لصاحب النخلة: (بني عذقك الذي في حائط فلان)، فالرجل قال: لا، مع أن النبي ﷺ لو أخذ من أحد شيئًا فسرعان ما يعطيه أضعافًا على هذا الشيء، فإنه كان يأخذ ويكافئ ﷺ، فإن لم يعط في الدنيا كان له الأجر والثواب عند الله ﷿، وهذا هو المقصود الأسمى لكل مؤمن، فأبى الرجل، فقال ﷺ: (فبعنيه بعذق في الجنة)، يعني: بعني النخلة هذه بعذق مثله في الجنة، فقال الرجل: لا، والنبي ﷺ يضمن له ذلك، والرجل يقول: لا، فهذا رجل عجيب جدًا وبخيل جدًا.\nفلما قال الرجل ذلك قال رسول الله ﷺ: (ما رأيت الذي هو أبخل منك) يعني: أنت أبخل واحد رأيته، ومع ذلك يوجد من هو أبخل منك: (ما رأيت الذي هو أبخل منك إلا الذي يبخل بالسلام).\nوفي حديث آخر لـ عبد الله بن مغفل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أسرق الناس الذي يسرق صلاته، قيل: يا رسول الله وكيف يسرق صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها، وأبخل الناس من بخل بالسلام).\nفالسرقة حرمها الله ﷾، فكونك تسرق مال الغير هذه مصيبة، ولكن أشد منها أن تسرق من صلاتك؛ لأنه عندما يسرق مال الغير يظن أنه سينتفع بهذا المال الذي يأخذه، وأما الذي يسرق من صلاته فأي نفع له في هذه السرقة، فقد صلى وأتعب نفسه ثم أخذت الصلاة ورُجمت في وجهه ولم تُقبل منه، فهذا أسرق الناس، فهو قد سرق من صلاته من أجل أن يضيعها ولا تقبل منه وضيع وقته هباء، فلا انتفع بوقته ولا صلى صلاةً تنفعه وتقبل منه، فهذا أسرق الناس، والصحابة ﵃ تعجبوا كيف أن الشخص يسرق الصلاة، فسألوا رسول الله ﷺ، فقال: (لا يتم ركوعها ولا سجودها) يعني: يركع ولا يطمئن في الركوع، ويسجد ولا يطمئن في السجود، فهذا الذي سماه ووصفه النبي ﷺ بأنه ينقر صلاته نقرًا.\nوإنك لترى الكثير من الناس يفعلون ذلك، فتجده لا يطمئن في صلاته أبدًا، ولا يكاد يقرأ الفاتحة حتى يركع ويرفع ثم يسجد بدون أن يطمئن في صلاته، فهل أصبحت الصلاة لعبًا: قيام ثم قعود وهكذا!! فهذه صلاة غير مقبولة، وقد حكم النبي ﷺ عليها بذلك، فالرجل الذي صلى أمامه هذه الصلاة قال له ﷺ: (ارجع فصل فإنك لم تصل)، وإذا لم تصح الصلاة فهي ليست مقبولة عند الله ﷿.","vol":"39","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>فضل التواضع وجزاء الكبر</span>\nمن الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ تعلم المسلم التواضع: حديث رواه أبو داود عن معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار)، فالإنسان المؤمن متواضع يرى نفسه أقل من الناس، ولا يرى على الناس حقًا لنفسه، أو أنه يجب أن يقوم الناس له مثلًا عند مروره بهم، وفمن كانت هذه صفته (فليتبوأ مقعده من النار) أي: فليحضر نفسه للنار.\nوالنبي ﷺ لم يكن يحب أن أحدًا من أصحابه يقوم له، وإن كان هو قد تأتيه ابنته فاطمة رضي الله ﵎ عنها فيقوم لها ويقبلها ﷺ، ويجلسها بجواره، فهذه محبة البنوة، فلأنها ابنته ﷺ يفعل لها ذلك، ويأتي إليها فتقوم إليه وتقبله وتجلسه صلوات الله وسلامه عليه، فإن الأب مع ابنه أو الإنسان المحب مع من يحبه يستثنى من حكم هذا الحديث؛ لأن هذا الحديث إنما هو في الكبر والغرور، وذلك بأن يرى الإنسان نفسه أكبر من الناس، ويريد منهم أن يسكتوا إذا تكلم، وأن يقوموا له إذا دخل عليهم، وانظر إلى تعبير الحديث فقد قال ﷺ: (من أحب)، فهو لم يطلب من الناس، ولكن يكفي مجرد إرادة ذلك في نفسه، وأن يحب أن يعملوا له ذلك، فقال ﷺ: (فليتبوأ مقعده من النار).\nفالدين يعلمنا أن نحب الله سبحانه ﵎، وأن يكون المؤمن عزيزًا بما أعزه الله ﷿ به، ذليلًا بين يدي الله سبحانه ﵎، ولا يحب الفخر على الناس ولا أن يرفع مكانه عليهم، ويعلمنا أن الذي يرفع ويضع هو الله ﷿، فيرفع من يشاء ويضع من يشاء.\nفإذا تواضع الشخص لله سبحانه علم أنه ليس له حق على أحد، فيعمل العمل لا يعمله إلا لله، ولا ينتظر ثوابه من الناس، فإنه إذا علم الناس مثلًا وانتظر أن يحمدوه على ذلك ويثنوا عليه، فإنه بذلك قد ضيع علمه وعمله، وأخذ من الأجر ما حصله من الناس.\nولذلك كان أهل العلم وأهل الصلاح لا يحبون أن يمدحهم أحد في ذلك، وكان النبي ﷺ يقول: (إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب)، لأن المداح يجلس يمدحك أنت كذا وأنت كذا حتى يغرك في نفسك، وتحس بعظمة فيها، فتحب أن كل الناس يفعلوا معك مثل هذا.\nفالنبي ﷺ يقول: (إذا رأيتم المزاحين فاحثوا في وجوههم التراب)، لذلك فالمؤمن لا يغتر بكلام الناس ولا يغر نفسه، ويكون الذي ينصحه أحب إليه من الذي يمدحه، فهو يعمل ويبتغي وجه الله ﷿ بعمله، ويتواضع لله وليس من أجل أن يقول الناس أنه متواضع، ولكن يبتغي الأجر من الله ﷿ على ذلك، فيتعلم أو يعلم لا ليقال عالم أو قارئ، ولكن يعمل ذلك احتسابًا للأجر عند الله سبحانه.\nنسأل الله ﷿ أن يرزقنا الصدق والإخلاص، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"39","page":6},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-253> الترغيب في إنجاز الوعد والأمانة</span>\nإن أمر الأمانة خطير؛ ولهذا أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها، ولكن الإنسان لظلمه وجهله حملها، وبما أنه حملها فجيب عليه أن يؤديها كما أمره الله، سواء الأمانة التي بينه وبين الله، أو الأمانة التي بينه وبين الخلق.","vol":"40","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>الترغيب في إنجاز الوعد والأمانة، والترهيب من ضد ذلك</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: قال الحافظ المنذري ﵀: [الترغيب في إنجاز الوعد والأمانة، والترهيب من إخلافه، ومن الخيانة، ومن الغدر، وقتل المعاهد أو ظلمه.\nعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (تقبلوا إلي ستًا أتقبل لكم بالجنة: إذا حدث أحدكم فلا يكذب، وإذا وعد فلا يخلف، وإذا اؤتمن فلا يخن) رواه أبو يعلى.\nوعن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اضمنوا لي ستًا أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا اؤتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم)، رواه أحمد وابن حبان والحاكم والبيهقي].\nهذه أحاديث ذكرها الحافظ المنذري في الترغيب في إنجاز الوعد والأمانة، وفيها أن المؤمن إذا وعد وعدًا فعليه أن ينجز وينفذ وعده، ولا يترك ما وعد أن يفعله فيتركه.\nوأيضًا: أنه يؤتمن فيؤدي الأمانة، ولا يخون في أمانته، والأمانة أمانتان: أمانة مع الخالق، وأمانة مع الخلق.\nفالأمانة مع الله ﷿ هي التي قال فيها: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]، فالأمانة مع الله هي التكاليف الشرعية.\nوالأمانة مع الخلْق هي: ما يؤتمن عليه من أموال الناس، ومن دماء الناس، ومن أعراض الناس، فما يؤتمن عليه من شيء فيلزمه أن يحافظ عليه، وأن يؤديه ولا يخون فيه.","vol":"40","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>شرح حديث: (تقبلوا إليّ ستًا أتقبل لكم بالجنة: وإذا اؤتمن فلا يخن)</span>\nومن الأحاديث في ذلك حديث أنس بن مالك وحديث عبادة بن الصامت والمعنى واحد، ولفظ حديث عبادة قال: قال النبي ﷺ: (اضمنوا لي ستًا أضمن لكم الجنة)، ولفظ حديث أنس: (تقبلوا إلي ستًا أتقبل لكم بالجنة) والمعنى: احرصوا على هذه الستة، وكونوا ضامنين لهذه الستة متكفلين بأن تقوموا بها فأنا أتكفل لكم وأضمن لكم الجنة.\nوالستة التي ذكرها النبي ﷺ هي: (اصدقوا إذا حدثتم)، فبدأ بالصدق، وفي رواية أنس: (إذا حدث أحدكم فلا يكذب)، فالصدق منجاة ينجي الإنسان في الدنيا وفي الآخرة، وقد يصيب الإنسان بسبب صدقه ابتلاء من الابتلاءات، ولكن الله ﷿ في النهاية ينجيه بصدقه، وقد رأينا ما صنع كعب بن مالك وما صنع المنافقون في غزوة تبوك، فـ كعب تخلف بغير عذر، وكان قد أتى النبي ﷺ وكاد أن يكذب على النبي ﷺ، فلما نظر في وجه النبي ﷺ علم أنه لن ينفعه إلا الصدق، فصدق، وكان معه اثنان من المؤمنين قد تخلفا عن هذه الغزوة أيضًا، فعاقب النبي ﷺ هؤلاء الثلاثة الذين صدقوا، ثم كان في النهاية الفرج من الله ﷿، فغفر لهم سبحانه وأنزل التوبة عليهم.\nوأما المنافقون الذين اعتذروا كذبًا للنبي ﷺ فقد فضحهم الله ﷿ بكذبهم، وأنزل فيهم الآيات من سور البراءة يفضحهم بها.\nفالغرض: أن النبي ﷺ يحث المؤمن وينصحه ويأمره بأنه إذا حدث فلا يكذب في حديثه.\nقال: (وأوفوا إذا وعدتم)، وفي رواية أنس: (وإذا وعد فلا يخلف)، فإذا وعدت إنسانًا بشيء تصنعه فلا تخلف وعدك إلا لعذر من الأعذار، فصاحب العذر معذور، ولكن لا تعد إنسانًا ثم تخلف في موعدك من غير عذر.\nقال ﷺ: (وإذا اؤتمن فلا يخن)، وفي حديث عبادة: (وأداو إذا اؤتمنتم)، فأنتم مؤتمنون على أمانات: على دينكم على صلاتكم على زكاتكم على وضوئكم على طهارتكم على عباداتكم، وأنتم مؤتمنون في معاملتكم مع الناس، فإذا ائتمنك إنسان على شيء فأد إليه هذه الأمانة كما أمرك الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:٥٨].\nثم ذكر ثلاث خصال فقال: (واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم).\nقوله: (احفظوا فروجكم) فيحفظ المسلم فرجه إلا عن زوجه أو ملك يمينه.\nوقوله: (وغضوا أبصاركم)، فالإنسان إما أن ينظر إلى ما أحل الله وإما إلى ما حرم الله، وإذا نظر إلى ما حرم الله اشتهى الحرام، ويصدق ذلك فرجه أو يكذبه، فالنبي ﷺ يسد الذريعة للوقوع في الزنا فيقول مؤدبًا المؤمنين: (غضوا أبصاركم)، فإذا غضضت بصرك في الدنيا ومنعت نفسك وحرمتها من فتنة أمامها، فالله يعوضك من فضله ومن كرمه لذة إيمان وحلاوة إيمان تجدها في قلبك، فالذي يكف شره عن الناس، ويكف بصره عن أن ينظر إلى شيء حرمه الله ﷿، يعوضه الله عن هذا الكف بإيمان يجد حلاوته في قلبه.\nقال ﷺ: (وكفوا أيديكم)، فكف يدك فلا تمدها إلى حرام، فلا تسرق أموال الناس، ولا تخن، ولا تغدر، ولا تأخذ أموالًا في خلسة، ولا تسلب أموال الناس، فاحذر أن تمد يدك إلى حرام، فلا تمد يدك إلى مال الناس فتسرقه أو تغتصبه، ولا تمد اليد فتمسك بها ما حرم الله، فلا تلمس بها من النساء من حرم الله سبحانه، ولا تمد اليد فتسفك بها دماء أو تضرب بها ظلمًا.\nفقوله: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء:٧٧]، فتعم الكف عن الحرام بجميع وجوهه.","vol":"40","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>شرح حديث: (إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال)</span>\nومن الأحاديث الذي ذكرها النبي ﷺ في الأمانة حديث حذيفة رضي الله ﵎ عنه الذي رواه مسلم وغيره، وفيه يقول: (حدثنا النبي ﷺ أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن وعلموا من السنة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة).\nفحدث النبي ﷺ عن الأمانة، فذكر أن الله ﷿ جعلها في جذر قلوب الرجال، فمن هم هؤلاء الرجال؟ إنهم الرجال الصادقون، الرجال الذين تابعوا النبي ﷺ، وبايعوا على طاعة الله سبحانه ﵎، فنزلت الأمانة في قلوب أصحاب النبي ﷺ الذين دخلوا في الإسلام وهم صادقون، فالله جعل الأمانة في جذر قلوبهم، يعني: في أصل قلوبهم، فهي أمانة ثابتة لا تتزعزع أبدًا، ولا تخرج من قلوبهم.\nقال: (إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن وعلموا من السنة) يعني: نزلت الأحكام الشرعية، وأصحاب النبي ﷺ فضلهم الله ﷿، وبارك فيهم وفي أعمالهم وأعمارهم، ولما أسلموا ملأ الله قلوبهم بالأمانة، ثم نزل القرآن فهذب هذه القلوب وهذه الأبدان، وجاءت السنة فتعلموا وتأدبوا، ورباهم النبي ﷺ.","vol":"40","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>بيان كيف ترفع الأمانة</span>\nقال حذيفة: (ثم حدثنا عن رفع الأمانة)، فهؤلاء الصحابة نزلت الأمانة في قلوبهم، والذين يأتون من بعدهم عندهم أمانة، والذين من بعدهم عندهم أمانة، ولكن كلما مضى الزمان قل الخير وقلت الأمانة، وفجأة ترفع هذه الأمانة.\nيقول النبي ﷺ في بيان كيف ترفع: (ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه) أي: يكون الإنسان نائمًا فتقبض الأمانة من قلبه، لكن لماذا تقبض؟ وما هو السبب في هذا الشيء؟ السبب هو ما يصنعه الإنسان، وما يعاقب به فبما كسبت يداه، والله ﷿ يجزي العبد بصنيعه، فكأنهم فعلوا ذنوبًا ووقعوا في معاصٍ فعوقبوا عليها بأن نزعت هذه الأمانة من قلوبهم.\nقال ﷺ: (ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل الوكت) يعني: يبقى أثر قليل، والوكت: مثل الحكة في يد الإنسان، فيبقى أثر هذه الحكة موجودًا في يده.\nقال: (وينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المجل)، أي: ينام نومة ثانية فتقبض الأمانة من قلبه، ويبقى من هذه الأمانة كأثر المجل، والمجل فسره بقوله: (كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرًا) أي: كأنه أثر جمرة جاءت على اليد أو على الرجل فانتفخت اليد أو الرجل من هذا الجمر، وهذا الانتفاخ يظن الناظر إليه أنه كبير، لكن حقيقته أنه منفوخ على لا شيء، فهكذا الإنسان تقبض الأمانة من قلبه ويصبح بين الناس يقولون عنه: أمين، وفي الظاهر أنه أمين، وحقيقته أنه ليست فيه أمانة.\nيقول الراوي: (ثم أخذ حصاة فدحرجها على رجله، وقال: فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة)، فالنبي ﷺ يريهم هذه الجمرة مثل الحصى لو تدحرجت على الرجل، فستحرق جزءًا من الرجل، وسينتفخ هذا الجزء، وهذا الانتفاخ ليس فيه دم، وهذا الانتفاخ ليس لحمًا، وإنما هو انتفاخ لا شيء تحته.\nوكذلك الأمانة تقبض من قلب الإنسان، فيصبح أمام الناس ظاهره أنه أمين، وأما قلبه فخاين، وما أكثر ذلك! يقول النبي ﷺ: (فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة) يعني: أن البائع يبيع الشيء ويدلس على الناس ويخدع الناس ويعطيهم الشيء الفاسد، ويوهمهم أن هذا صالح، فيخون في الأمانة، والمشتري يدفع بعض الثمن، ويخون في باقيه فلا يدفعه، فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة لا البائع ولا المشتري.\nقال ﷺ: (لا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا) أي: حتى يقول الناس ذلك، يعني: أن الأمانة تصير عملة نادرة، ويقال: كل الناس فيهم خيانة إلا فلان، أو إلا في بني فلان ففيهم واحد أمين.\nقال النبي ﷺ: (حتى يقال للرجل: ما أظرفه! ما أعقله! وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان) يعني: أن الناس لما يمدحون بعضهم لا يذكرون الأمانة؛ لأنه لا يوجد أحد أمين، فيقولون: فلان هذا إنسان عاقل، فلان هذا ذكي، فلان هذا ظريف، فلان كذا، لكن ليس أمينًا.","vol":"40","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>جزاء من خان الأمانة</span>\nروى الإمام أحمد عن ابن مسعود ﵁ قال: (القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة، يؤتى بالعبد يوم القيامة -وإن قتل في سبيل الله- فيقال لهذا العبد: أدِ أمانتك، فيقول: أي رب! كيف وقد ذهبت الدنيا؟!)، أي: من أين سأدفع الآن؟! فقد ذهبت الدنيا، وليس معي مال الآن، (فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية، فينطلق به إلى الهاوية)، أي: التي قال ﷿ فيها: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:٨ - ٩]، فمصيره ونهايته الهاوية، فقال هنا: (فينطلق به إلى الهاوية) يعني: النار والعياذ بالله! وتتمثل له أمانته، ففي الدنيا يذكر أن فلانًا أعطاه وديعة فخانها ولم يعطها لصاحبها، وآخر أعطاه أمانة فخان في الأمانة ولم يعطها لصاحبها، وآخر باع له واعتمد على أمانته فلم يدفع الثمن وهرب من صاحبه.\nوهكذا كل أمانة من أمانات الدنيا، وكذلك أمانات الدين.\nقال: (وتمثل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه)، فيذكر أن واحدًا أدى له ذهبًا، والثاني أدى له فضه، والثالث أدى له كذا، فتمثل له هذه الأمانة أمامه وهو متوجه إلى النار.\nقال: (فيراها فيعرفها)، فيجري وراء هذه الوديعة التي خانها في الدنيا، فيهوي في أثرها في النار، تهوي في النار وهو يهوي وراءها في النار، فيمسكها في النار، ثم يحاول أن يصعد بها، فيحملها على منكبيه، حتى إذا ظن أنه خارج من النار زلت عن منكبه وهوت في النار، فينزل وراءها في النار مرة ثانية، ولا يزال يصعد بها ويهوي في أثرها أبد الآبدين.\nفأمر الأمانة خطير جدًا، وما أكثر ما نرى من يصلي ويصوم ويزكي، وإذا جاء وقت الأمانة فهو خائن، فلا تقدر أن تمدحه، ولا تقدر أن تقول لمن سألك عنه: فلان أمين، فضع مالك عند هذا الإنسان، لا تقدر أن تقول هذا الشيء، هذا في الدنيا، وهذه العقوبة يوم القيامة، فكم من الناس من يأتي يوم القيامة وهو خائن، فيأتي الذي اختلس مليون جنيه، والذي أخذ ألف جنيه، والذي أخذ جنيهًا واحدًا، والذي أخذ أقل من ذلك، ويقال له: هذه الأمانة فهات هذه الأمانة، فيهوي في النار ليأتي بها، فيحملها على منكبه، فإذا كاد أن يخرج زلت من على منكبه، ووقعت في النار، فينزل في النار ليأتي بها، ولا يزال كذلك أبد الآبدين إن لم يكن من الموحدين.\nثم قال ابن مسعود ﵁: الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة -وأشياء عددها- وأشد ذلك الودائع.\nيقول راوي الحديث: فأتيت البراء بن عازب فقلت: ألا ترى إلى ما قال ابن مسعود ﵁؟ قال كذا وقال كذا، قال البراء: صدق، أما سمعت الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨].\nلذلك احرصوا على أداء الأمانة، فمن وجد في نفسه القدرة فليتحمل، ومن لم يجد فليبتعد عن أخذ ودائع الناس وأخذ أموال الناس، وإلا فالجزاء كما سمعتم.\nنسأل الله العفو والعافية، في الدين والدنيا والآخرة.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"40","page":6},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-259> الترغيب في الحب في الله والترهيب من حب الأشرار وأهل البدع [١]</span>\nلقد رغب النبي ﷺ وحث على الحب في الله ﷾، وبين في كثير من الأحاديث أن الحب في الله تعالى سبب لنيل حلاوة الإيمان، كما أنه سبب في أن ينال صاحبه من الله أن يظله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله، ولا يكون هذا الثواب العظيم إلا لمن أحب في الله تعالى وليس من أجل منصب أو مال أو جاه.","vol":"41","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>الترغيب في الحب في الله ﷾ والحث عليه</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: قال الحافظ المنذري ﵀: [الترغيب في الحب في الله تعالى، والترهيب من حب الأشرار وأهل البدع؛ لأن المرء مع من أحب.\nعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواه، ومن أحب عبدًا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار)، متفق عليه.\nوروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي)، رواه مسلم.\nوعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره)، رواه الترمذي وحسنه.\nوروى الطبراني عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ (ما تحابا رجلان في الله إلا كان أحبهما إلى الله ﷿ أشدهما حبًا لصاحبه)].\nهذه أحاديث ذكرها الحافظ المنذري ﵀ في باب الترغيب في الحب في الله، أي: في أن يحب الإنسان المؤمن أخاه المؤمن في الله ﷾، والترهيب من حب الأشرار وأهل البدع؛ لأن المرء مع من أحب، فإذا أحب أهل الطاعة كان معهم يوم القيامة في الجنة، وإذا أحب أهل المعصية والأشرار وأهل البدع، كان معهم يوم القيامة في النار والعياذ بالله.","vol":"41","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>شرح حديث: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان)</span>\nومن الأحاديث التي وردت عن النبي ﷺ في الحث على الحب في الله ﷾، ما في الصحيحين عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان) يعني: ثلاث خصال من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان وفي رواية للنسائي (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان وطعمه) فالإيمان له حلاوة وله مذاق في قلب الإنسان المؤمن، فيجد المؤمن الحب ويستشعره ويتذوقه في الله ﷾، والحب في الله يزيد من إيمان المؤمن، ويجعل الإنسان مقبلًا على الله سبحانه، وعلى من يحبه في الله ﷾، فيذوق طعم الإيمان، والإنسان في الدنيا يتذوق الطعام الذي يحبه، وكل ما تذكره وكل ما اشتاق إليه فحلاوة الإيمان أعظم بكثير من ذلك، فإذا ذاق المؤمن حلاوة الإيمان في قلبه فإنها لا تزول من قلبه طالما أن أسباب هذه الحلاوة موجودة، (ذاق حلاوة الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ ﷺ نبيًا ورسولًا) فيذوق حلاوة الإيمان ولا تزول من قلبه أبدًا حتى يبتعد عن ذلك أو يقل ذلك في قلبه، فهو إما أن يزداد بزيادة إيمانه، وإما أن ينقص بضعف إيمانه، كذلك الحب في الله ﷾.\nيذكر النبي ﷺ أن هذه الثلاث الخصال يجد بها المؤمن حلاوة الإيمان في قلبه، (من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) فيحب الله سبحانه، ويحب رسوله ﷺ أكثر وأعظم من حبه لكل شي، فهو يحب الله ورسوله أكثر من حبه لنفسه، ولأبيه وأمه، ولبلده ووطنه، وأكثر من حبه للدنيا جميعها.\nوحب الله سبحانه له علامات، فتجد الإنسان الذي يحب الله سبحانه دائمًا يذكر الله ﷾ بلسانه وقلبه، ونيته دائمًا خالصة لله، فلا يريد أن يدخل في عمله لله سبحانه شيئًا، فلا يشرك مع الله أحدًا، ولا يحب أن يطلع عليه الناس، وإنما يحب أن يعرف الله وحده العمل الذي يعمله، ويجزيه الله ﷿ على هذا العمل، فهو يقدم طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ على كل شيء.\nالصفة الثانية: (ومن أحب عبدًا لا يحبه إلا لله)، وفي رواية (وأن يحب في الله ويبغض في الله)، فهو يحب الإنسان المطيع لله، فيكون هذا الحب حبًا في الله ﷿ لا طمعًا في الدنيا، ولا طمعًا في جاه ولا في مال ولا في منصب، وإنما طمعه في رضا الله سبحانه، ولعله لا يعرف هذا الإنسان فليس بينهما نسب ولا معاملة ولا زيارات ولا غيرها، فيحبه لأنه وجده مواظبًا على طاعة الله كصلاة الجماعة وغيرها من الطاعات.\nالصفة الثالثة: من (يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار) فهو يبغض الكفر وأهل الكفر، ويكره أن يرجع إلى الكفر إذا كان كافرًا فأسلم، وإذا كان مسلمًا أصلًا فإنه يكره ويبغض أن يزول عنه الإيمان العظيم من باب أولى، وفي رواية قال: (وأن توقد نار عظيمة فيقع فيها أحب إليه من أن يشرك بالله شيئًا) أي: لو خيروه بين أن يوضع في نار عظيمة توقد وبين أن يكفر بالله لاختار أن يقع في النار على أن يشرك بالله ﷾ شيئًا، فإذا كان إيمان العبد كذلك أذاقه الله ﷿ حلاوة الإيمان، وإذا ذاق طعم الإيمان في الدنيا فيستحيل أن يدخل النار يوم القيامة.","vol":"41","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>شرح حديث: (أين المتحابون بجلالي</span>؟)\nفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟) ويوم القيامة هو ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦].\nفيريد أن ينجو حتى ولو هلك من في الأرض جميعًا، ففي هذا اليوم الذي تدنو فيه الشمس من الرءوس يظل الله سبحانه بعض أهل الموقف، نسأل الله ﷿ أن يجعلنا منهم.\nيقول النبي ﷺ: (إن الله ﷿ ينادي يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟) أي: أين الذين كان يحب بعضهم بعضًا ليس من أجل الدنيا ولكن من أجل الله ﷿، فيميزون عن غيرهم، ويظلهم الله ﷾ بظل من عنده يوم لا ظل إلا ظله، ويقول: (اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي).\nيوم القيامة ترى الأرض لا عوج فيها ولا أمتا، لا مرتفعات ولا منخفضات، وتدنو الشمس من الخلق، ولا يحجبها عنهم شيء، فليس هناك جبال ولا أشجار ولا شيء، وإنما هي أرض منبسطة واسعة، والشمس فوق الرءوس بقدر ميل.\nوالميل قالوا: هو ميل المكحلة التي يكتحل بها الإنسان، ويعرق الإنسان حتى يغرق في عرقه، نسأل الله العفو والعافية، فيظل الله ﷿ في هذا اليوم العظيم المتحابين بجلال الله ﷿ وغيرهم ممن ذكرهم النبي ﷺ، ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال: النبي ﷺ (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل) يعني: الحاكم الذي يحكم بشرع الله ﷿، ويعدل بين الرعية، (وشاب نشأ في عبادة الله)، والشباب الذين يواظبون على الصلاة عليهم أن يحرصوا على ذلك، فإن النبي ﷺ يبشرهم إذا نشأوا في عبادة الله وشبوا وشابوا على ذلك أنهم يظللهم الله ﷿ في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ويحرص المؤمن على أن يُنشئ ابنه على الصلاح من صغره، ولا يقول: ما زال صغيرًا، أو ما زال شابًا طائشًا؛ لأن هذا يؤثر عليه يوم القيامة، ولكن من نشأ من صغره على طاعة الله ﷾ فكان مصليًا صائمًا قانتًا عابدًا متعلمًا حتى يموت على ذلك، فهذا هو الإنسان الذي يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.\nقال: (ورجل قلبه معلق بالمساجد) أي: يحب بيت الله سبحانه، فهو لا يأتي إلى المسجد لأجل السمر، ولأجل أن يتسلى، ولا أن يقابل فلانًا وعلانًا، لا، إنما جاء محبة لبيت الله ﷿، ولصلاة الجماعة، ولطلب العلم، فإذا خرج منه بقي قلبه معلقًا ببيت الله: متى يرجع يصلي فيه؟ ومتى يحضر الدرس؟ ومتى يأتي لذكر الله ﷿؟ فلا يزال قلبه معلقًا بالمسجد حتى يرجع إليه مرة ثانية، فهذا يظله الله ﷿ في ظله يوم لا ظل إلا ظله.\nقال: (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه) أي: أحب كل منهما الآخر ابتغاء وجه الله سبحانه، فإذا اجتمعا كان اجتماعهما على طاعة الله، فيذكر أحدهما الآخر بالطاعة: ماذا عملت في النهار؟ وكم قرأت من القرآن؟ وهل صليت في جماعة؟ وكم ذكرت الله سبحانه؟ وهل أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر؟ ويتذاكران العلم في اجتماعهما، وإذا تفرقا سلم أحدهما على الآخر وانصرفا على طاعة الله سبحانه، فيجتمعان في طاعة، ويفترقان على طاعة، ويتواعدان على طاعة الله ﷾.\n(ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله) تعرض للفتنة في أشد ما تكون الفتنة، فالمرأة لها منصب، أي: حكم وسلطة، وجمال أيضًا، وهي التي دعته إلى الفجور والعياذ بالله، فيقول: إني أخاف الله، فالله ﷿ يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.\nقال: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) والمعنى أنه تصدق بصدقة في السر وحاول قدر المستطاع ألا يعرف أحد ذلك، ومن شدة المبالغة في الإخفاء يكاد يخفيها حتى عن نفسه، حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه.\n(رجل ذكر الله خاليًا) يعني: لوحده، (ففاضت عيناه) يعني من البكاء من خوف الله ﷿، فاستحق أن ينجيه الله وأن يظله يوم لا ظل إلا ظله.\nنسأل الله ﷿ أن يظلنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"41","page":4},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-263> الترغيب في الحب في الله والترهيب من حب الأشرار وأهل البدع [٢]</span>\nالحب في الله من أوثق عرى الإيمان، وهذا الحب متى تعلق بدنيا زال بزوالها، أو تعلق بمصلحة انتهى بانتهائها، وأما إذا كان في الله ولله دام وبقي أجره وثوابه؛ ولذلك ينال به الإنسان حب لله، ويجعل الله المتحابين على منابر من نور يوم القيامة، فما أكرم ذلك المقام وأرقاه!!","vol":"42","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-264>الحب في الله</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الحافظ المنذري ﵀: [الترغيب في الحب في الله عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ما تحابَّ رجلان في الله إلا كان أحبهما إلى الله ﷿ أشدهما حبًا لصاحبه) رواه الطبراني وأبو يعلى ورواته رواة الصحيح إلا مبارك بن فضالة.\nوعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره) رواه الترمذي وحسنه.\nوعن أبي الدرداء ﵁ يرفعه عن النبي ﷺ: (ما من رجلين تحابا في الله بظهر الغيب إلا كان أحبهما إلى الله أشدهما حبًا لصاحبه) رواه الطبراني بإسناد جيد قوي].\nهذه جملة من الأحاديث التي ذكرها الحافظ المنذري في كتابه: (الترغيب والترهيب)، وصححها الشيخ الألباني ﵀ في الحب في الله ﷿.","vol":"42","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>أسباب المحبة في الله</span>\nالحب في الله من أعظم التجارات مع الله سبحانه ﵎، فيحب المسلم أخاه المسلم؛ لأنه مطيع لله؛ ولأنه تقي نقي؛ ولأنه لا يحمل في قلبه غلًا لأحد من المسلمين؛ ولأنه يتعلم معه الخير؛ ولأنه يدعو إلى الله سبحانه ﵎؛ ولأنه ليس من أهل البدع، فهو على السنة والاستقامة، وعلى طريق الله سبحانه ﵎، فهذا هو الحب في الله سبحانه لا لدنيا يريدها الإنسان، وإنما من أجل وجه الله سبحانه ﵎.\nفإذا كان الحب خالصًا وكان أحد المتحابين أشد حبًا لصاحبه، فهو أقرب إلى الله سبحانه ﵎.\nوأمر المحبة ليس بقول: إني أحبك فقط، ولكنه يكمن في قلب الإنسان، وإن كان يظهره بهذا القول، ولكن الله أعلم مَن هو الذي يحب أخاه فيه، ومن هو أشد حبًا لأخيه من الآخر، فلذلك يطلع الله ﷿ على القلوب، ويحب من هو أشد حبًا لصاحبه، فيكون أقرب إلى الله، وأحب الاثنين إلى الله، وإن كان كلاهما محبوب لله ﷿.\nيقول النبي ﷺ: (ما تحابَّ رجلان في الله إلا كان أحبهما إلى الله ﷿ أشدهما حبًا لصاحبه)، وهنا يوجد تقديم وتأخير، والمعنى إلا كان الأشد حبًا لصاحبه هو الأحب إلى الله سبحانه ﵎.\nوفي رواية لـ ابن حبان: (كان أفضلهما أشدهما حبًا لصاحبه).\nوفي حديث لـ عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ يقول: (خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه).","vol":"42","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>مقتضيات الحب في الله</span>\nإذا أحب الإنسان أخاه في الله ﷿، ترتب على ذلك أنه يريد أن ينفع أخاه، فينفعه ويدعو له بظهر الغيب مثلًا، ويعينه على حاجاته، وإذا وجده في كرب فرج عنه هذا الكرب، وإذا وجده في ضيق أتاه وفرج عنه ما نزل به من ضيق وسلاَّه وواساه، إذا نزلت به بلية أو مصيبة كان معه يعزيه ويسليه ويواسيه، فهذا الإنسان أقرب إلى الله سبحانه، وهو الأفضل عند الله ﷿.\nيقول النبي ﷺ: (خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه)، أي: إذا تصادق الناس، أو تحابوا، فالخيَّر منهم، والأقرب من الله ﷿ هو: الأَخْيَرُ لصاحبه.","vol":"42","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-267>خير الجيران عند الله</span>\nيقول ﷺ: (خير الجيران عند الله خيرهم لجاره)، الجيران يتحابون لكونهم جيران، والجار له حق على جاره، ولكن من من الجيران هو الأحب إلى الله؟ الأحب إلى الله من هو الأكثر نفعًا لجيرانه، والذي لا يؤذي جاره، ويحسن جواره، فالجار الخيرِّ هو الذي ينفع ولا يضر، ويحب ولا يبغض، والذي لا يتعرض بأذى لجاره، ولكن يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، ويحرص على أن يهديه إلى سبيل الله، وإلى طريق الله سبحانه، هذا خير الجيران وأحبهم عند الله سبحانه ﵎.","vol":"42","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>فضل المحبة في الله</span>\nجاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى؛ فأرصد الله له على مدرجته ملكًا).\nهذا رجل مسلم زار أخًا مسلمًا في قرية أخرى، وسافر إليه، وقطع طريقًا بعيدًا حتى يصل إلى أخيه، فالله سبحانه ﵎ أرصد له على مدرجته أي: على طريقه ملكًا ينتظره في هذا الطريق، (فلما أتى هذا الرجل على الملك -كان لا يعرف أن هذا ملكًا بل ظنه إنسانًا أمامه يسأله- قال الملك: أين تريد؟ فقال: أريد أخًا لي في هذه القرية، فقال الملك لهذا الرجل: هل لك عليه من نعمة تربها؟ -هل لك عليه من نعمة تذهب لها وتسعى من أجلها، من مال أو مصلحة- فقال: لا، غير أني أحبه في الله، قال له الملك -وأظهر نفسه- فإني رسول الله إليك أن الله قد أحبك كما أحببته فيه) كما أنك أحببت هذا الإنسان فإن الله قد أحبك سبحانه ﵎.\nهذا الحديث ذكره النبي ﷺ ليعلم المؤمنين إذا أحبوا بعضهم في الله أن ينتظروا الأجر من الله.\nفإذا أحببت إنسانًا فلا تنتظر منه نفعًا، ولا تنتظر منه أن يقول لك: أنا أحبك، ولكن ليكون هذا الحب لله سبحانه ﵎، وانتظر الأجر من الله، فهذا الرجل لم ينتظر من صاحبه شيئًا من نعمة، أو مال أو شيء ينتفع به، إنما انتظر ثواب الله فأرسل الله إليه ملكًا يبلغه أن الله يحبه سبحانه.\nومن هذه الأحاديث ما رواه الإمام مالك في موطئه بإسناد صحيح عن أبي إدريس الخولاني ﵁وهو من التابعين- قال: دخلت مسجد دمشق فإذا فتى براق الثنايا، وإذا الناس معه، فإذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه وصدروا عن رأيه، فسألت عنه، يعني: أن أبا إدريس الخولاني ذهب إلى الشام، فأتى دمشق فدخل المسجد الجامع، فإذا فتى براق الثنايا، والثنايا: الأسنان الأمامية، وبراق يعني: أنه لا يفتر ثغره عن التبسم، وحين يتبسم تظهر أسنانه البيضاء الجميلة، والناس يصدرون عن رأيه، وإذا اختلفوا في شيء يرجعون إليه فيفتيهم جميعًا، ولا يختلفون عن رأي هذا الرجل العظيم.\nقال: فسألت عنه فقيل: هذا معاذ بن جبل ﵁، وحق له أن يُؤْخَذَ بفتواه، وأن يصدر الناس عن رأيه ﵁، كيف لا وقد أخبر عنه النبي ﷺ: (إنه أعلم هذه الأمة بالحلال والحرام)، ومعاذ بن جبل كان عمره عند وفاة النبي ﷺ بضعًا وعشرين سنة رضي الله ﵎ عنه، لم يكن شيخًا كبيرًا كـ أبي بكر وعمر ﵄، هذا الرجل كان أعلم الناس بالحلال والحرام، وأرسله النبي ﷺ إلى اليمن ليفقه الناس، ويعلمهم الحلال والحرام رضي الله ﵎ عنه.\nفلما رجع معاذ بن جبل من اليمن كان النبي ﷺ قد توفي، وبعد ذلك رحل إلى دمشق، فكان يعلم الناس هنالك ﵁، فيقول أبو إدريس الخولاني: لما كان من الغد هجَّرت -يعني: ذهبت إلى المسجد مبكرًا قبل صلاة الظهر- فوجدته قد سبقني بالتهجير -يعني: معاذًا سبقه وذهب إلى المسجد مبكرًا؛ حرصًا على صلاة الجماعة- قال: ووجدته يصلي -يعني: قبل الظهر بفترة يصلي صلاة الضحى- قال: فانتظرته حتى قضى صلاته، ثم جئته من قبل وجهه فسلمت عليه، ثم قلت له: والله إني لأحبك في الله.\nيُلاحظ أن أبا إدريس الخولاني لم ير معاذًا قبل ذلك، ولم يسمع من معاذ شيئًا ولا يعلم عنه سوى أنه يفتي الناس والناس يأخذون بكلامه، ولكن ألقى الله ﷿ محبته في قلبه، وكان من يرى معاذًا يحبه ﵁؛ لنور إيمانه ولعلمه العظيم، فبعد أن قال: والله إني لأحبك في الله قال: آلله -يعني: يستحلفه بالله، أحقًا هذا الذي تقوله؟ - فقلت: آلله -أي: نعم والله أحبك في الله- فأخذ بحبوة ردائي -وحبوة الرداء: مجمع الرداء- فجذبني إليه، فقال: أبشر! فإني سمعت رسول ﷺ يقول: (قال الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيّ -أي: وجبت محبة الله ﷿ لكل مؤمن يحب أخاه في الله سبحانه ليس لأجل الدنيا- وللمتجالسين في) وهذه بشارة من الله ﷿ على لسان رسول الله ﷺ لكل مؤمن جلس في بيت الله ﷿ يحضر دروس العلم حبًا في الله، وحبًا في كلام رسول الله صلوات وسلامه عليه، وقوله: (وللمتجالسين فيَّ) أي: الذين يجلسون يسمعون كتاب الله، ويسمعون سنة النبي ﷺ، ويتفقهون في الدين، فالذين جلسوا من أجل ذلك وجبت لهم محبة الله سبحانه ﵎ قال: (وللمتزاورين فيَّ) يعني: أن المسلم متى يزور أخاه في الله سبحانه ﵎ فإن الله يحبه سواء كان هذا الأخ أخًا في النسب أو أخًا في الله، ويزوره لا لمصلحة في الدنيا، إنما يصل رحمه، ويزوره ابتغاء مرضات الله ﷿، وحبًا في الله سبحانه ﵎، قال: (وللمتزاورين في وللمتباذلين في) أي: من يبذلون أموالهم، وأوقاتهم، وعلمهم، وأنفسهم وأرواحهم ابتغاء مرضات الله سبحانه، فهؤلاء وجبت محبة الله ﷿ لهم.","vol":"42","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>ثمرة الحب في الله في الآخرة</span>\nجاء في الحديث من رواية عبادة بن الصامت، وهو نفس حديث معاذ، لكنه زاد عليه أن قال: (هم على منابر من نور -يعني: يوم القيامة الله ﷿ يجعلهم على كراسي عظيمة أو منابر من نور من أعظم ما يكون- يغبطهم النبيون والشهداء) يعني: ينظر إليهم الأنبياء والشهداء فيغبطونهم على ما هم فيه من هذه النعمة العظيمة.\nوفي رواية أخرى من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن من عباد الله عبادًا ليسوا بأنبياء، يغبطهم الأنبياء والشهداء -أي: على ما هم فيه من ثواب عظيم عند الله- قيل: من هم لعلنا نحبهم؟ قال: هم قوم تحابوا بنور الله، من غير أرحام ولا أنساب، وجوههم نور على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ ﷺ: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢]).\nفهؤلاء في أرض الموقف يوم القيامة لا يحزنون، ولا يخافون، والناس في فزع وفي خوف، أما هؤلاء فيؤمنهم الله، ويظلهم بظله يوم لا ظل إلا ظله، ويجلسهم على منابر من نور، وهذه مرتبة عظيمة جدًا.\nنسأل الله ﷿ أن يجعلنا منهم ومعهم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصبحه أجمعين.","vol":"42","page":7},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-270> الترغيب في التوبة والمبادرة بها</span>\nالإنسان يخطئ ويقع في الذنب، وليس أحد معصومًا من الذنوب إلا الأنبياء، ولكن من رحمة الله ﷿ أنه فتح لعباده باب التوبة، وسمى نفسه الغفور والتواب والرحيم، فعلى المرء المسلم إذا أذنب ذنبًا أن يبادر بالتوبة إلى ربه ﷿.","vol":"43","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>الترغيب في التوبة</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: قال الإمام المنذري ﵀: [باب الترغيب في التوبة.\nوعن معاذ بن جبل ﵁ قال: (قلت: يا رسول! الله أوصني، قال: عليك بتقوى الله ما استطعت، واذكر الله عند كل حجر وشجر، وما عملت من سوء فاحدث له توبة؛ السر بالسر والعلانية بالعلانية) رواه الطبراني.\nوعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) رواه ابن ماجة.\nوعن حميد الطويل قال: قلت: لـ أنس بن مالك: (أقال النبي ﷺ: الندم توبة؟ قال: نعم) رواه ابن حبان.\nوعن عبد الله بن معقل قال: دخلت أنا وأبي على ابن مسعود فقال له أبي: (سمعت النبي ﷺ يقول: الندم توبة؟ قال: نعم) رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد.\nهذه أحاديث آخر من كتاب الترغيب والترهيب للإمام المنذري ذكرها في كتاب التوبة والزهد: باب الترغيب في التوبة، وقد ذكرنا أحاديث في الدرس السابق في التوبة، وذكرنا أن التوبة الصحيحة التي يتوبها الإنسان هي التي يكون فيها صادقًا، فيتوب إلى الله ﷿ ويندم على ما فعل من ذنب، ويعزم على ألا يرجع إلى الذنب مرة ثانية، وإذا كانت عنده مظالم يرجعها إلى أصحابها، فمن تاب من الذنب وأقلع عنه واستغفر وندم عليه وعزم على ألا يرجع إليه، ثم رد المظالم إلى أصحابها فقد تاب توبة صحيحة.\nوهنا في حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! أوصني، فقال ﷺ: عليك بتقوى الله ما استطعت)، وهذه أعظم وصية.\nفالإنسان المؤمن يعلم أنه لا ينفعه شيء إلا أن يتقي الله سبحانه ﵎، فهذا هو الذي ينفع عند الله: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]، والقلب السليم: الذي يتوب ويرجع إلى الله سبحانه، والذي لا غل فيه ولا شرك ولا حسد لأحد من الناس.\nفهنا يقول النبي ﷺ موصيًا: (عليك بتقوى الله ما استطعت) يعني: قدر المستطاع، وما استطعت إلى ذلك سبيلًا.\nقال: (واذكر الله عند كل حجر وشجر)، يا ترى وأنت تمر في الطريق كم حجرة وكم شجرة تقابلها؟ والمعنى: دم على ذكر الله سبحانه، وكلما قابلت شيئًا في الطريق فأكثر من ذكرك الله سبحانه ﵎؛ فكأنه يقول: داوم على ذكر الله وأكثر من ذكر سبحانه.\nفعلى الإنسان أن يذكر الله سبحانه عند كل حجر وشجر، وفي كل مكان، سواء في أرض صحراوية فيها أحجار أو في أرض زراعية فيها أشجار، فاذكر الله ﷾ في كل وقت، واذكر الله وأنت ترى آياته فهذا حجر جماد، وهذا شجر نبات ينمو، والله يخلق فيما يشاء ما يشاء سبحانه ﵎، فكلما رأيت آيات الله من جمادات وحيوانات ونباتات أكثرت من ذكره سبحانه ﵎.\nقال: (وما عملت من سوء فأحدث له توبة) المعنى: أنه لا أحد معصوم من الوقوع في السوء، ولكن بادر إلى التوبة، وهذا يعينك على ألا تعود إلى السوء مرة أخرى، فكلما وقع الإنسان في معصية رجع إلى الله وتاب إليه، فإذا أراد أن يعاود المعصية يتذكر أنه تائب إلى الله فلا يرجع إليها، معلمنا النبي ﷺ كلما وقعنا في ذنب أن نبادر إلى الله بالتوبة.\nفليكن على بالك أمر التوبة إلى النهاية؛ حتى لا تقع في ذنب من الذنوب.\nقال: (واذكر الله عند كل حجر وشجر، وما عملت من سوء فأحدث له توبة؛ السر بالسر والعلانية بالعلانية).\nيعني: إذا عملت سوءًا في السر بينك وبين الله فتب إلى الله بالسر، واستر على نفسك، ولا تفضحها، فالإنسان إذا بات يعصي ربه ولم يره أحد فلا يصبح في النهار يحدث الناس بما صنع، فإذا سترك الله فاستر على نفسك.\nفالإنسان الذي يعصي جهارًا أمام الناس قد يقتدون به في ذلك، فيكون عليه من السوء ما على هؤلاء الذين فعلوا السوء.\nفالله ﷿ يأمرك على لسان نبيه ﷺ أن تتوب في السر والعلانية، فإذا أذنبت في العلانية فتب إلى الله وقل: أستغفر الله وأتوب إلى الله ولن أعود إلى هذا الذنب مرة أخرى، وأخبر من رأوك أن ما فعلته خطأ حتى لا يقتدي بك أحد، فالإنسان إذا تاب علانية فإنه يكون قد قطع الأمر على غيره أنه يقلدوه؛ لأنهم قد عرفوا أن فلانًا عصى الله سبحانه ورجع عن هذا الذي فعله، فلا أحد يقتدي به في ذلك.\nولو اقتدوا به في ذلك فلعلهم يقتدون به في التوبة، فيتوبوا إلى الله سبحانه ﵎.\nفأمر ﷺ بالتوبة في ذنب السر سرًا وفي ذنب العلانية علانية.\nوقد جاء من حديث ابن مسعود: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)، وهذا فضل عظيم من الله سبحانه ﵎، وقوله ﷺ: (الندم توبة)، فيه أن المؤمن الذي يقع في الذنب ويندم فإن ذلك توبة منه لله ﷿.\nأيضًا جاء في حديث ابن مسعود في صحيح مسلم: (ليس أحد أحب إليه المدح من الله)، فالله ﷿ له الجمال والجلال والكمال سبحانه ﵎، والذي له هذا كله هو الذي يستحق أن يمدح، لذلك لا ينبغي لأحد من العباد أن يزكي نفسه، فكل عبد من عباد الله سبحانه فيه نقص، والنقص يليق بالإنسان، أما الله ﷿ فاللائق به هو الجلال والكمال والجمال، لذلك استحق سبحانه المدح والتعظيم، فيحب أن يمدحه عبده، ومن أجل ذلك مدح نفسه، فلو لم يمدحه خلقه فقد مدح وحمد نفسه ﷾، كما قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة:٢].\nوكل إنسان فيه غيرة، كل بحسبه قد تزيد وقد تنقص، فالإنسان يغار أن تنتهك حرمات الله ﷿ أكثر من غيرته لأي أحد، قال النبي ﷺ: (ليس أحد أغير من الله؛ من أجل ذلك حرم الفواحش)، فالله ﷾ يغار أن يقع العبد في فاحشة من الفواحش، ولو أن إنسانًا رأى إنسانًا يقع في فاحشة بحرمة من حرماته فقد يبادر إلى قتله، كما قال سعد بن عبادة ﵁؛ فقد ذكر النبي ﷺ أمر الزاني، وأنه يؤتى بأربعة شهود يشهدون عليه، فقال: (يا رسول الله! أنا أنتظر حتى يأتي أربعة يشهدون على ذلك؟ والله لو وجدت رجلًا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح -يعني: أضربه بحد السيف ليس بجنب السيف، وأقتل هذا الإنسان- فالنبي ﷺ قال لأصحابه: أتعجبون من غيرة سعد؟ والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن)، قال ﷺ: (وليس أحد أحب إليه العذر من الله)، فالله سبحانه ﵎ كريم حليم يحب العذر لخلقه، وكأنه يقدم لهم الآيات منه سبحانه حتى لا يبقى لهم حجة بعدها.\nوقد أعذر من أنذر، يعني: بالغ في تقديم العذر، فقد يقال: سنعذرك فيما فعلت؛ لأنك لا تعلم، لكن حين نعلمك ونقيم عليك الحجة فإنه لا عذر لك، فقد أعذر، أي: أزال عذرك.\nوفرق بين من التمس لك عذرًا، وبين من لم يلتمس لك عذرًا، فالله ﷿ يحب أن يعذر، يعني: يقيم الحجة إلى ألا يبقى لك أي حجة على الله ولا أي عذر عنده سبحانه ﵎، قال ﷺ: (من أجل ذلك أنزل الكتب وأرسل الرسل) فعلى ذلك ليس لكم حجة؛ كما قال ﷿: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥].","vol":"43","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>ظهور مقتضى اسمي الله ﷿: الغفور الرحيم في التوبة</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ: (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم)، فالإنسان مكتوب عليه حظه من الذنوب، وكل إنسان يقع في شيء من الخطأ وشيء من الذنوب.\nوالله من أسمائه الحسنى أنه الغفور وأنه الرحيم، فلا بد من مقتضى ذلك، ومقتضى ذلك أنه يغفر، وأنه يرحم، لكن يغفر لمن إن لم يوجد ذنب؟ فعلى ذلك قد شاء الله ﷿ أن يكون في العباد من يذنب، فيذنب العباد فيغفر الله بفضله وبكرمه لهم، فقال النبي ﷺ: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم آخرين يذنبون)، وليس معنى هذا أنهم يذنبون فقط، بل يستغفرون، والمعنى: يتوبون.\nفالله ﷿ تواب كريم رحيم يقبل التوبة من العباد، فإذا أذنبوا وتابوا قبل منهم سبحانه ﵎.","vol":"43","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>ذكر قصة توبة الجهنية</span>\nومن الأحاديث الدالة على توبة ربنا العظيم على عباده ما جاء في صحيح مسلم من حديث عمران بن حصين ﵁: (أن امرأة من جهينة أتت رسول الله ﷺ وهي حبلى من الزنا، فقالت: يا رسول الله! أصبت حدًا فأقمه علي -يعني: جاءت تائبة إلى النبي ﷺ- أصبت حدًا فأقمه علي، فدعا النبي ﷺ وليها، فقال: أحسن إليها)، فلم يأمره بالإساءة إليها، ولم يأمره بأن يؤنبها وأن يضربها، ولكن أمره النبي ﷺ بالإحسان إليها حتى تضع ولدها، (فلما وضعت المرأة وجاء بها وليها إلى النبي ﷺ أمر بها فشدت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها) أي: بعدما رجمت المرأة صلى عليها صلاة الجنازة.\nفقال عمر للنبي ﷺ: (تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت؟! فقال النبي ﷺ: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم)، هي وقعت في فاحشة، ولكنها تابت إلى الله سبحانه ﵎ توبة عظيمة، بل إنها جاءت بنفسها ليرجمها النبي ﷺ ويقيم عليها هذا الحد.\nقال: (وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله ﷿؟)، فإنها جادت بنفسها، وجاءت إلى النبي ﷺ حتى يقيم عليها الحد، فهذه التوبة التي تابتها هذه المرأة التي وقعت في الفاحشة قبلها الله ﷿، وأعطاها رحمة لو وزعت هذه الرحمة على سبعين من أهل المدينة من العصاة لوسعتهم.\nنسأل الله سبحانه من فضله ورحمته، وأن يتوب علينا توبة نصوحًا.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"43","page":4},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-274> الترغيب في ترك أرض المعاصي</span>\nلقد وردت الأحاديث عن النبي ﷺ تحث المسلم على مفارقة أرض المعاصي والذنوب، إلى أرض يطاع الله ﷿ فيها؛ لأن الإنسان إذا بقي في أرض السوء فعل ما يفعله أهلها إلا من رحم الله، ولذلك كان من لوازم التوبة ترك أرض المعصية وترك رفقاء السوء؛ حتى لا يعود التائب إلى المعاصي والذنوب.","vol":"44","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>الترغيب في ترك أرض المعاصي والحث على ذلك</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: قال الإمام المنذري: وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: (كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ قال: نعم، من يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلا بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة).\nوفي رواية: (فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل من أهلها)، متفق عليه.\nهذا الحديث صحيح رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وفيه دليل على سعة رحمة رب العالمين، فالله سبحانه عظيم، رحيم، تواب، كريم، فالإنسان الذي يتوب إليه يتوب عليه مهما عظم ذنبه، والشرك فما دونه إذا تاب منه العبد إلى الله فإن الله ﷿ يتوب عليه ويغفر له، وفي هذا الحديث أن رجلًا ممن كانوا قبلنا قتل تسعة وتسعين نفسًا، وكان في قرية سوء وأهلها أهل معاصي ومنكرات، وهذا الأمر منتشر بينهم، فأراد أن يتوب إلى الله فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب، والراهب هو العابد، ولا يشترط أن يكون على علم، وليس من حق العابد أن يفتي حتى يكون عالمًا، فهو مجرد إنسان يصلي ويصوم ويقوم الليل ويتعبد لله، فليس من حقه أن يفتي في دين الله، وإنما الذي يفتي في الدين هم أهل العلم والفقه.\nفلما سأل الراهب وقال له: قتلت تسعة وتسعين نفسًا، هل لي من توبة؟ قال: لا، فحجر عنه التوبة، فقتله فكمل به المائة، ثم مع ذلك أراد أن يتوب وذهب يسأل هل له من توبة؟ فدلوه على عالم من العلماء فذهب إلى هذا العالم فقال له: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم، من يحول بينه وبين التوبة؟ هذا هو العالم الذي يعرف رحمة رب العالمين سبحانه، وأن الله لا يتعاظمه ذنب، فالإنسان لا ييئس من رحمة الله: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧].\nفالإنسان الذي عصى الله ﷿ عليه أن يعلم أن الله ﷿ قريب، وأنه تواب رحيم فليبادر إلى التوبة، وإذا لم يبادر إلى التوبة فإن الله شديد العقاب، فالله غفور رحيم لمن تاب وعمل صالحًا، وشديد العقاب على من لم يتب، فلذلك المؤمن يسرع ويبادر إلى التوبة لأنه لا يدري لعله يأتيه الموت وهو على الذنب الذي سوَّف في التوبة منه.\nفهذا الرجل سأل العالم، فأخبره العالم أن له توبة، إذا تاب إلى الله.\nثم أرشده العالم وقال له: أنت في أرض سوء أي: أهل هذه الأرض أهل منكرات وفواحش، ولو بقيت فيها فستفعل كفعلهم، فمن شروط توبتك أن تخرج، وأن تفارق أهل هذه القرية إلى القرية الفلانية، فإن فيها أناسًا صالحين فاذهب فاعبد الله معهم.\nوالإنسان الذي يتوب إلى الله، وكان له رفقة سوء: من لزوم توبته أن يفارق هؤلاء، فلا يبقى مع رفقة سيئة فيهم سفالة وبعد عن دين رب العالمين، ثم يقول: تبت وهو ما زال مصاحبًا لهم؛ لأنهم سيدعونه إلى الضلالة ويغوونه مرة ثانية فيردونه إلى ما كان عليه قبل ذلك، فمن شروط التوبة مفارقة أهل المعاصي وعدم ملازمتهم.\nفالرجل خرج من قريته إلى القرية الثانية حتى يعبد الله، وتاب إلى الله، وفي الطريق مات، وهنا نتذكر أنه يجب على الإنسان أن يبادر إلى التوبة، فلو أن هذا الرجل سوف يومًا آخر أو يومين ومكث في قرية السوء لكان من أهلها، ولكن الله ﷿ رحمته عظيمة واسعة.\nلقد مات الرجل بين القريتين فجاءت ملائكة العذاب وملائكة الرحمة، فقالت ملائكة الرحمة: تاب، وقالت ملائكة العذاب: لم يعمل خيرًا قط، فاختصمت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأنزل الله ﷿ ملكًا على صورة آدمي يحكم بين الفريقين.\nفقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أدنى فهو من أهلها، أي: قيسوا ما بينه وبين قرية السوء، وما بينه وبين القرية الطيبة، إذا كان أقرب إلى أرض أهل المعاصي فهو منهم فاقبضوه معهم واجعلوه من أهل النار، وإذا كان أقرب إلى القرية الأخرى فاجعلوه مع أهلها.\nفقاسوا ما بين القريتين وكان الرجل في نصف الطريق، وإذا بالله ﷾ يوحي إلى الأرض، وفي رواية: (فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي، وإلى هذه أن تقربي وقال: قيسوا بينهما فوجدوه أقرب إلى هذه بشبر).\nإن رحمة رب العالمين واسعة عظيمة فهو الذي ألهمه التوبة، وهو الذي دله على أن يسأل وهو الذي جعله يخرج من هذه الأرض، وهو الذي أمر الأرض أن تزيد من ها هنا وأن تنقص من ها هنا، فقبضته ملائكة الرحمة فكان من أهل رحمة رب العالمين ﷾.\nوفي رواية أخرى قال: (لما أتاه ملك الموت، نأى بصدره نحوها)، يعني: كان في نصف الطريق تمامًا فأوحى الله إلى الأرض أن تباعدي من هاهنا، وتقربي من هاهنا، وجعله ينأى بصدره فكان أقرب بشبر واحد إلى هذه فكان من أهلها، وهذه رحمة من الله رب العالمين فإنه من تاب تاب الله عليه مهما عمل من معاص وذنوب، ومن سوف فلا يدري لعله يدركه الموت وهو على عمله السيئ فيكون من أهل النار.\nوروى مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (قال الله ﷿: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني).\nقال ﷺ: (والله لللَّه أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في الفلاة)، وقال ﷺ: (ومن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا، ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإذا أقبل إلي يمشي أقبلت إليه أهرول).\nفأنت ابدأ فإذا رأى الله ﷿ منك أنك مقبل عليه أقبل عليك أكثر وأكثر، فإذا أقبلت وسارعت بالعبادة والطاعة أقبل عليك مسارعًا أكثر منك بالثواب والفضل.\nوفي الحديث: (إن الله لا يمل حتى تملوا)، فالإنسان طالما أنه مقبل على الله فإن الله يقبل عليه ويعطيه، حتى إذا مل العبد وترك العبادة تركه الله ولم يعطه ثوابًا.\nفهنا يذكر النبي ﷺ أن الله يفرح بتوبة العبد، إذا تاب فرحًا عظيمًا، وفي رواية لـ مسلم يقول النبي ﷺ: (والله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب).\nثم ضرب لنا مثلًا: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠]، والمثل للتقريب للأذهان والأفهام، يقول: (والله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت عنه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها).\nفهذا رجل ركب على راحلته عليها الطعام والشراب وذهب إلى أرض فلاة صحراء واسعة فلما كان فيها نزل من على الناقة فتاهت الناقة وضاعت منه، فأيس منها، لا مركب ولا طعام ولا شراب، فلن ينتظر إلا الموت، ثم قال ﷺ: (فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته -ونام تحت الشجرة حتى يأتيه الموت- قال النبي ﷺ: فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها).\nفأي فرحة يكون فيها هذا الإنسان؟ لقد رأى الناقة أمامه فأمسك بخطامها حتى لا تضيع مرة ثانية، ومن فرحته قال -يشكر رب العالمين سبحانه- (اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح).\nولله ﷿ المثل الأعلى: يقول النبي ﷺ: (لله أشد فرحًا بتوبة عبده من هذا بناقته)، ومما جاء عن النبي صلوات الله وسلامه عليه ما رواه أحمد وغيره عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: (إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل كانت عليه درع ضيقة قد خنقته ثم عمل حسنة فانفكت حلقه، ثم عمل حسنة فانفكت أخرى، حتى يخرج إلى الأرض).\nوالأصل أن الدرع تقي الإنسان من الأعداء، لكنها لا تقيه إلا إذا كانت واسعة يستطيع أن يحركها ويتحرك بها، أما إذا كانت ضيقة فإن الأعداء سينالون منه.\nفيقول النبي ﷺ: إن الإنسان الذي يعمل السيئات كهذا الذي يلبس الدرع الضيقة، فتضيق عليه حاله وبدنه ولا يقدر أن يتحرك منها.\nلكنه لما عمل الحسنات اتسعت الدرع عليه فتحرك ووقى نفسه من عذاب رب العالمين سبحانه.\nوالإنسان لا يخلوا من سيئات يفعلها، فالنبي ﷺ يأمره: أن يعمل حسنات.\nوروى الطبراني من حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من أحسن فيما بقي غفر له ما مضى).\nأي: إذا أساء الإنسان ولا يدري كم بقي له حتى يلقى الله ﷾ فأحسن فيما بقي غفر الله له ما سبق، (ومن أساء فيما بقي قال: أخذ بما مضى وما بقي)، أي: أخذ بالاثنين، لذلك على الإنسان أن يحسن العمل لأنه لا يدري متى يموت فلعل الباقي أنفاس يسيرة قليلة، فالمحسن: هو الذي يكسب المكسب العظيم بأن يغفر له جميع السيئات الماضية.\nنسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"44","page":2},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-276> الترغيب في الفراغ للعبادة والترهيب من الاهتمام بالدنيا [١]</span>\nعلى المسلم أن يعلم أنه في حياته كلها في عبادة لله ﷾، فيراقب ربه سبحانه في كل عمل يقوم به ويخلص النية له فيه، وبهذا تكون أعمال الإنسان كلها من عادات وعبادات ومعاملات عبادة لله ﷾، وبذلك يكون المسلم متفرغًا لعبادة الله؛ لأنه يعبد الله في كل أوقاته، ويراقبه في علنه وخلواته، فبهذا يحصل على الأجر العظيم من الله ﷾، ويفتح عليه أبواب الرزق والسعادة.","vol":"45","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>التفرغ للعبادة وفضله</span>","vol":"45","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>المفهوم الصحيح للعبادة</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الحافظ المنذري ﵀: [الترغيب في الفراغ للعبادة والإقبال على الله تعالى، والترهيب من الاهتمام بالدنيا والانهماك عليها.\nعن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يقول ربكم: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى وأملأ يديك رزقًا، يا ابن آدم لا تباعد مني أملأ قلبك فقرًا وأملأ يديك شغلًا).\nوعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ما طلعت شمس قط إلا بعث بجنبتيها ملكان، إنهما ليسمعان أهل الأرض إلا الثقلين، يا أيها الناس هلموا إلى ربكم فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ولا غربت شمس قط إلا وبعث بجنبتيها ملكان يناديان، اللهم عجل لمنفق خلفًا وعجل لممسك تلفًا)].\nهذا باب آخر من كتاب التوبة والزهد في كتاب المنذري، الترغيب والترهيب، وفيه الترغيب في الفراغ للعبادة والإقبال على الله ﵎، والترهيب من الاهتمام بالدنيا والانهماك عليها.\nوالمؤمن يعلم الحكمة من خلقه في هذه الدنيا، حيث قال الله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] فسبب خلق الإنسان ووجوده في هذه الدنيا، هو عبادة الله سبحانه، والعبادة هنا بالمعنى الأعم، فتكون الحياة كلها لله ﷾، فيكون في صلاته، وصيامه وزكاته وحجه وعمرته واعتكافه؛ مراقبًا لله ﷾؛ لأن هذه كلها أعمال عبادية يتعبد بها لله سبحانه.\nوكذلك يكون في معاملاته مع الخلق مراقبًا لله ﷾، فهو يراقبه تعالى في تجارته وبيعه وشرائه وإجارته ووكالته وكفالته وضمانه وأمانته ووديعته.\nفهو يراقب الله ﵎ دائمًا في كل عمل من الأعمال؛ لأنه يستشعر أنه يعبد الله بهذا العمل، فإذا باع واشترى استشعر قول النبي ﷺ: (رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى)، فإذا استشعر ذلك فإنه يتعامل مع الناس بناءً على هذا الشعور.\nفمن يرجو رحمة الله ﷾، فإنه إذا تعامل مع الناس تعامل بحسن الخلق، لا ليقال: خلقه حسن -وإن كان من الحسن أن يمدح الإنسان وهو لا يطلب ذلك- وإنما يطلب ما عند الله سبحانه، فإن صاحب الخلق الحسن يكون يوم القيامة في درجة عظيمة جدًا بجوار النبي صلوات الله وسلامه عليه بجوار باقي النبيين ﵈.\nفالعبادة التي نحن مخلوقون لها ليست هي الصلاة وحدها -وإن كانت الصلاة من أعظم العبادات- ولكن العبادة التي خُلقنا من أجلها هي العبادة بمعناها الأعم، فيدخل فيها العبادات والمعاملات وأحوال الإنسان مع أهله وغيرهم.\nفإذا علم العبد هذا فإنه سيفرغ نفسه لهذه العبادة، فإذا به يراقب ربه ليل نهار، فيكون نومه وقيامه عبادة لله سبحانه، فهو عندما ينام إنما ينام ليستريح ويتقوى ليؤدي عبادة الله ﷾ ويقيم الصلاة في أوقاتها، وهكذا لا يزال هذا العبد ينتظر عبادة وراء عبادة مدى حياته، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، فالمؤمن يقول لنفسه: إني أمرت بذلك وأنا من المسلمين.\nوالتفرغ للعبادة ليس معناه أن تحبس نفسك في البيت للصلاة والصوم فقط وتترك العمل، وإنما العبادة التي نذكرها هي العبادة بمعناها الأعم وهي أنك تصلي وتصوم وتزكي وتحج وتعتكف وتجاهد وتتعامل مع الناس بالخلق الحسن وأنك تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتحسن إلى الخلق وتصلح بين الناس بعضهم مع بعض وتعين الإنسان فتدله على الطريق أو تعينه في رفع حاجته على دابته، فكل ذلك من العبادة، فإذا تفرغت للعبادة بهذا المعنى، فالله ﷿ سوف يرزقك من حيث لا تحتسب.\nوكذلك إذا خرجت لطلب الرزق وأخلصت النية لله ونويت أن تطعم أولادك المال الحلال، فإن الله ﷾ لن يتركك بغير رزق، بل الله ﷿ هو الرزاق الكريم ﷾ قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٧]، أي: أنه لم يخلقك من أجل أن ترزقه ولا من أجل أن تطعمه ﵎، وإنما خلقك ليطعمك أنت ويعطيك.","vol":"45","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>فضل التفرغ لعبادة الله سبحانه</span>\nولهذا جاء في الحديث الذي رواه الحاكم عن معقل بن يسار، وروى مثله ابن ماجه والترمذي عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (يقول ربكم: يابن آدم تفرغ لعبادتي)، أي: فرغ قلبك وأقبل علي وحدي، فتكون في كل أحوالك ناظرًا إلى ربك سبحانه، مراقبًا له، خائفًا منه، تعمل ما يرضيه ﷾، فهذا هو التفرغ لعبادة رب العالمين، فإذا فعلت هذا فالنتيجة هي ما جاء في الحديث حيث قال: (أملأ قلبك غنى وأملأ يديك رزقًا)، فإذا امتلأ القلب غنى فلا يحتاج الإنسان إلى شيء بعد ذلك؛ لأن الغنى هو غنى القلب، فالإنسان إذا كان مفلسًا لا شيء معه وقلبه غني فإنه سيشعر أنه ملك، وأنه أفضل من جميع من معه مال؛ لأن من معه مال يحتاج إلى أن يحرس ماله، أما هذا فلا يحتاج أن يحرس شيئًا؛ لأن القلب ممتلئ غنى، أما إذا ملأ الله قلب الإنسان فقرًا وحاجة، فإنه سيشعر أنه فقير ولو كان من أغنى الناس؛ لأنه يحس أن ماله سينفد، وأن هناك أمراضًا يمكن أن تصيبه، فيظل يكنز ويكنز ولا يشبع أبدًا.\nإذًا: الغنى هو غنى القلب والفقر هو فقر القلب، وربنا يعدك أنك إذا تفرغت للعبادة وأحسنت فيها فإنه سوف يملأ قلبك غنى، ولم ينته الأمر عند غنى القلب فقط، بل وفوق ذلك قال: (وأملأ يديك رزقًا)، أي: سأملأ القلب واليدين.\nثم قال: (يابن آدم لا تباعد مني)، يعني: لا تتباعد مني، فالكلمة فيها إدغام للتاءين، (لا تباعد مني فأملأ قلبك فقرًا وأملأ يديك شغلًا)، فالإنسان الذي يتباعد عن الله فيسمع المؤذن يؤذن فيقول: أنا لست فارغًا، بل ورائي شغل أريد أن آكل أو أريد أن أشرب، كيف أترك العمل وأنا محتاج إليه؟ فمثل هذا سوف يظل محرومًا طول حياته؛ لأن الله يقول: (لا تباعد مني) فإذا تباعدت عن الله ﷿ فالنتيجة هي: (أملأ قلبك فقرًا)، أي: ستحس أنك فقير دائمًا مهما كان معك من أموال كثيرة، وفوق هذا (أملأ يديك شغلًا)، سبحان الله! البعيد عن طاعة الله ﷾ يحدث له عكس ما يحدث للمتفرغ لطاعة الله سبحانه، فتجده كثير العمل، يشتغل هنا وهناك، وفي النهاية لا يجد معه شيئًا من الأموال؛ لأن الله يبتليه بالأمراض وبالإنفاق على العمال وغير ذلك، فلا يبقى معه شيء؛ لأنه ابتعد عن الله ﵎.\nوفي رواية أخرى للحديث وردت عن أبي هريرة ﵁ وفيها: (يا ابن آدم! تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإن لا تفعل)، أي: إذا لم تعمل بهذا الشيء فلا تلم إلا نفسك، قال: (ملأت صدرك شغلًا ولم أسد فقرك).\nوروى أحمد وغيره عن أبي الدرداء ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: (ما طلعت شمس قط إلا بعث بجنبتيها ملكان إنهما ليسمعان أهل الأرض إلا الثقلين)، أي: وقت شروق الشمس تطلع الشمس وبجوارها عن يمينها وشمالها ملكان يناديان في الخلق: (يا أيها الناس! هلموا إلى ربكم -أي: أقبلوا إلى ربكم- فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى) يعني: الله ﷾ يحذرك من أن تنشغل بالأعمال الدنيوية وتنسى العمل للآخرة بحجة مخافة الفقر أو عدم الكفاية، فإنه يبعث الملكين يناديان: (هلموا إلى ربكم فإن ما قل) أي: إن جاءك القليل وكفاك فهو خير من أن يأتيك الكثير الذي يطغيك، فيقول: (فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وما غربت شمس قط إلا وبعث بجنبتيها ملكان يناديان: اللهم عجل لمنفق خلفًا) فالإنسان المنفق الذي وعلى عياله، وعلى ضيفه، ينفق على جيرانه، ينفق من زكاة ماله، فيتصدق ويعطي، فالله يبارك له ويعطيه ويأمر الملكين بالدعاء له: (اللهم عجل لمنفق خلفًا)، يعني: إذا أنفقت الآن فإنه سوف يُسخر لك بعد قليل أكثر مما أنفقت، من فضل الله ﷾.\n(وعجل لممسك تلفًا) يدعوان على الممسك المقتر البخيل الذي لا يؤدي زكاة ماله ولا ينفق صدقة ولا ينفق على عياله، فيدعوان عليه أن يتلف الله ماله.\nوفي حديث آخر لـ زيد بن ثابت ﵁ ومثله عن أنس بن مالك ومثله عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: (من كانت الدنيا همه: فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له).\nفالإنسان مخلوق من أجل العبادة، فإذا نسي هذا الأمر وأصبح نهمًا على الدنيا يريد أن يجمعها من أي جهة كانت، وأصبحت هذه الدنيا همه الوحيد فهذا جزاؤه ما سبق في الحديث، أي: (من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره)، فالذي يجمع لك الأمور ويؤلف بين القلوب هو الله ﷾، فالإنسان يجمع من شمال ويمين وربنا يفرق عليه هذا كله ما دام همه الوحيد هو الدنيا كما في الحديث: (فرق الله عليه أمره -الذي يجمعه- وجعل فقره بين عينيه)، يعني: أنه دائمًا مستحضر الفقر يرى الفقر بين عينيه، مهما وجد معه من المال، (ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له) فلا تتعب نفسك وتحملها فوق طاقتها فتقصر في عبادة الله سبحانه، وتقول: المال المال، ولكن ابحث عن المال من حلال، واحذر الحرام، واحذر أن تضيع الدين وتضيع الطاعة فيضيع منك الجميع الدنيا والآخرة.\nثم يقول ﷺ: (ومن كانت الآخرة نيته) يعني: يعمل ويطعم عياله يبتغي وجه الله ﷾، (حتى اللقمة يجعلها في فِي امرأته كان له أجر)، كما ورد في حديث آخر، محتسب ذلك عند الله ﷿، فهذا الإنسان الذي الآخرة همه يقول ﷺ عن جزائه: (جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة).\nوفي حديث لـ ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: (من جعل الهموم همًا واحدًا هم المعاد كفاه الله هم دنياه).\nولو أن كلًا منا في قلبه الآخرة، فسيدرك أن الله سبحانه على كل عمل يقوم به، فإنه إذا قام للصلاة تذكر: الله سيحاسبني على هذه الصلاة فيحسنها، وإذا صام أحسن الصيام، وإذا عمل أي عمل من الأعمال أتقن ذلك العمل، ولا من أجل أن يأخذ الجزاء من الناس، ليس من أجل أن يترقى، ولكن ابتغاء مرضات الله ﷾؛ لأن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه، فإذا كانت الآخرة على بال الإنسان دائمًا فإن الله سوف يكفيه أمر دنياه، قال: (كفاه الله هم دنياه).\nثم قال ﷺ: (ومن تشعبت به الهموم)، يعني: نسي الآخرة وبدأ يفكر يريد أن يأكل ويشرب ويلبس ويريد كذا وكذا، ويعمل طول النهار وهو يفكر في أمور الدنيا، ناسيًا ربه سبحانه فهذا يكون حاله كما في الحديث: (ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي واد أهلكه) يعني: في أي مكان هلك لا يبالي الله ﷿ به.\nفالمؤمن قريب من الله، والله يحبه ويفرح بتوبته وبإقباله عليه، أما الإنسان البعيد عن الله ﷾ فإن يهلك في أي واد لا يبالي الله به.\nنسأل الله ﷿ أن يجعلنا من عباده المقربين، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"45","page":4},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-280> الترغيب في الفراغ للعبادة والترهيب من الاهتمام بالدنيا [٢]</span>\nرغب النبي ﷺ في التفرغ للعبادة والإقبال على الله، وحذر من الانهماك في الدنيا، وجعلها أكبر الهم، ومبلغ العلم، ومن تفرغ لعبادة الله ملأ قلبه غنى ويديه رزقًا، ومن أعرض عن ذكره وتباعد عن طاعته ملأ قلبه فقرًا ويديه شغلًا.","vol":"46","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>استشعار العبودية في كل حال</span>\nالحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام المنذري ﵀: [الترغيب في الفراغ للعبادة والإقبال على الله تعالى، والترهيب من الاهتمام بالدنيا والانهماك عليها.\nعن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يقول ربكم: يابن آدم! تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى، وأملأ يديك رزقا، يا ابن آدم لا تباعد مني أملأ قلبك فقرا، وأملأ يديك شغلا) رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد.\nوعن أبي الدرداء ﵁، عن النبي ﷺ قال: (ما طلعت شمس قط إلا بعثت بجنبتيها ملكان إنهما يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين: يا أيها الناس! هلموا إلى ربكم فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وما غربت شمس قط إلا وبعث بجنبتيها ملكان يناديان: اللهم عجل لمنفق خلفا، وعجل لممسك تلفا) رواه أحمد وابن حبان.\nوعن زيد بن ثابت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة) رواه ابن ماجة ورجاله ثقات.\nإن الإنسان خلق لعبادة الله ﷿ وتوحيده وإقامة شرعه ودينه، قال الله ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٧].\nفإذا عرف المؤمن الهدف من خلقه، عمل به، وعمل له، واستعد للقاء الله سبحانه، ليسأله ما الذي عمله في هذه الدنيا، هل عبد الله ﷿ حق عبادته، أم أن الدنيا قد ألهته فانشغل بها؟ فهو يعبد الله سبحانه في كل أعماله، يعبد ربه بصلاته، وصيامه، وزكاته، وحجه، وعمرته، ويعبد ربه بأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، كما يعبد ربه بزواجه، وبتربية أهله وأولاده، ويعبد ربه بالدعوة إليه سبحانه، ويعبد ربه كذلك بالعمل ليطعم أهله وأولاده ويكف نفسه عن سؤال الغير؛ ويتعبد لربه بأن يتقن عمله، فالله ﷿ يحب المؤمن الذي يحسن صنعته ويتقن عمله، وهكذا فالمؤمن في كل وجوه الخير له فيه عبادة.","vol":"46","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>شرح حديث: (يابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى)</span>\nجاء في حديث معقل بن يسار ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: (يقول ربكم: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي، أملأ قلبك غنى، وأملأ يديك رزقا).\nمعنى قوله: (تفرغ لعبادتي): أي: أفرغ قلبك من الدنيا، وليس المعنى: اجلس في بيتك ولا تعمل، ولا تطعم عيالك، ولا تفعل الخير، وليس معنى التفرغ للعبادة أن تصلي الليل والنهار وتصوم الدهر، وقد حاول بعض الصحابة أن يصنع ذلك، كـ عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، فقام الليل كله، وصام دهره كله، فإذا بالنبي ﷺ يقول: لا تفعل، إنك إن فعلته نكهت عيناك، وتعبت نفسك، (إن لنفسك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه)، وكأن النبي ﷺ يبين له ما الذي يصنعه من حقوق يكون بتأديتها متعبد لله ﷾، ولذلك جاء في الحديث: أن الرجل سأل النبي ﷺ، (يأتي أحدنا شهوته فيكون له أجر؟ قال: أرأيت إن وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قال: نعم، قال: فكذلك إن وضعها في حلال كان له أجر).\nفالإنسان المؤمن حياته كلها عباده لله سبحانه، فإذا نام ليستريح من التعب وحتى يكمل بعد ذلك عبادة الله ﷿ كالقيام والصلاة والعمل من أجل الإنفاق على أولاده فنومه عبادة، وإذا نام ليقوم مستريحًا لهذه العبادة، أعانه الله ﷿، إذًا: فمعنى التفرغ للعبادة: أن لا يملأ الإنسان قلبه بالدنيا، ويكثر من التمني، فكلما رأى أهل الدنيا في الملاهي، والمطامع، والشهوات يريد أن يكون مثلهم، فإذا بقلبه ممتلئ بفتن الدنيا، وشهواتها وآمالها وأطماعها، فلا يقدر على العبادة، ولن يأتيه من الدنيا إلا ما قسمه الله ﷿ له.\nإذًا: فليس المطلوب من العبد أن لا يعمل ولكن المطلوب منه أن لا يطمع في الدنيا، والنبي ﷺ يخبرنا عن الله ﷿ أنه يقول: (لو كان لابن آدم واد من ذهب لتمنى له ثانيا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب).\nفعلى الإنسان أن يترك شهوات نفسه ولا يتمنى كل شيء في هذه الدنيا، فإنه لن يحصل منها إلا ما قسم له، فليرض بما كتب الله ﷿ له، وليأخذ الدنيا بالمعروف، ويجعلها في يده، كما كان الصحابة رضوان الله عنهم، يجعلون الدنيا في أيديهم، ولا يملؤون بها قلوبهم، فإذا جاءتهم الدنيا أنفقوا لله ﷿، وعملوا له سبحانه، وطلبوا رضا الله، وفرحوا بأمره وأحسنوا عبادته سبحانه.\nوفي الحديث وعد من الله لابن آدم أنه إذا أفرغ قلبه من الدنيا، ولم يجعلها تسكن قلبه أن الله ﷿ سيملأ قلبه غنى، أي: يجعله قلبه غنيًا، وفي الحديث: (ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس) ومهما امتلأت يد ابن آدم من المال وقلبه متعلق بالدنيا فهو فقير، يستشعر الفقر، ويخاف من الفقر، فيخاف أن لا يضيع منه المال، ويصرف، أو يأتيه مرض تضيع فيه الثروة كلها، فهو في حيرة وخوف دائم، لكن لو أن قلبه امتلأ بالإيمان فلن يهتم بالدنيا أبدا، فإذا جاءه القليل منها حمد الله، وإذا جاءه الكثير منها حمد الله، فلا يهتم للقليل ولا للكثير، طالما أنه أخذ بالأسباب، ولن يأتيه إلا ما قسمه الله ﷿ له.\nقوله: (يا ابن أدم! تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى، وأملأ يديك رزقا)، ولم يقل: اقعد في بيتك بلا عمل، وصل وسيأتيك الرزق، فالأخذ بأسباب الرزق سنة من سنن الله ﷿ في خلقه، وإن كان الله ﷿ لا يعجز أن ينزل له رزقًا من السماء، وهو جالس في بيته فالله على كل شيء قدير، لكن لم يجعل ذلك سببًا للرزق، إنما الأسباب أن يذهب الإنسان إلى عمله ويتعبد الله ﷿ بإتقانه، ويراقبه في صنعته وعمله والله ﷿ سوف يعطيه الرزق الذي وعده الله ﷿ به.\nوقوله: (يا ابن آدم لا تباعد مني) أي: لا تتباعد من طريق الله أو عن طريق الله، فإذا فعلت ذلك، قال: (أملأ قلبك فقرًا، وأملأ يديك شغلا) أي: أن ترى المال يأتيك ليل نهار والأرباح تتكاثر عليك ولكنك تشعر بالفقر، وتشعر بأن هذا المال لا يكفي، وأنه سرعان ما ينتهي، أو يضيع أو يسرق، وتفتح لك أبواب تضع فيها هذه الأموال، فيشغلك الله بما آتاك من المال.\nفالمعنى: أن الله لا يملأ يديك فقرًا فقط، بل قد يملؤها مالا، ولكن القلب يجعله فقيرا، محتاجًا يحس دائمًا بأنه محتاج للخلق، خائفًا أن يضيع منه المال، وهكذا فالعبد إذا تباعد من الله سبحانه، فليس في قلبه ثقة ولا يقين، لأنه تفرغ للدنيا فكان قلبه فارغا، وامتلأت يداه بالشغل ومع ذلك لم يشبع، ولم يكتف بما آتاه الله.\nوهذه الأحاديث التي جاءت عنه صلى في هذا الباب كلها صحيحة.","vol":"46","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>شرح حديث: (ما قل وكفى خير مما كثر وألهى)</span>\nجاء في حديث أبي الدرداء ﵁، قال النبي ﷺ: (ما طلعت شمس قط إلا بعثت بجنبتيها ملكان إنهما ليسمعان أهل الأرض إلا الثقلين) أي: أنه في كل يوم عند طلوع الشمس وعند غروبها يقول ملكان: (يا أيها الناس! هلموا إلى ربكم) أي: أقبلوا إلى ربكم سبحانه.\nقوله: (فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى) فالإنسان في الدنيا إذا انكب عليها فإنه كلما أخذ منها كلما ازداد نهمًا، ولذلك جاء في الحديث: (منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا)، أو (اثنان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا) فطالب العلم إذا كان طالبًا لله سبحانه لا يشبع أبدًا، وكلما ازداد علمًا علم بجهله، وطلب العلم وانكب عليه، فيفتح الله ﷾ له أبوابه، ولا يشبع منه أبدًا، وطالب المال كذلك لا يشبع منه أبدًا، وكلما ازداد مالًا ازداد حرصًا على المال،، وطلبًا له.\nفيقول الملكان هنا: (إن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى) أي: إذا كان المال على قدر حاجتك، وكفايتك فهو أفضل لك من الكثير الذي يلهيك، فقد ترى الرجل لديه ألف يريدها أن تكون ألفين، ثم يريدها أن تكون مليونًا، ثم يشغلها بعد ذلك، يعطي هذا وهذا وينشغل بمتابعتها طول النهار، هل أكمل هذا أم لم يكمل؟ وهذا هل عمل أم لم يعمل؟ وهكذا يظل يبحث عن المال، وفي النهاية يأتيه الموت وإذا به عليه ديون، وإذا بالمال له أصحاب يطلبونه، وإذا بالإنسان قد ضاع منه المال بسبب حرصه وجشعه.\nإذًا: فما قل مع الإنسان مما يكفيه، خير له مما كثر وهو يلهيه.\nقال في الحديث: (وما غربت شمس قط إلا وبعث بجنبتيها ملكان يناديان: اللهم عجل لمنفق خلفًا، وعجل لممسك تلفًا)، وجاء في حديث آخر: (أنه في كل يوم تطلع فيه الشمس وتغرب يبعث الله ﷿ ملكين يقولان ذلك، ويدعوان: اللهم أعط منفقًا خلفًا، وأعط ممسكًا تلفًا) فالذي ينفق لله ﷿، بأن ينفق على عياله، وعلى نفسه وقرابته وأرحامه، وينفق على الفقراء والمساكين، فهذا يعجل الله ﷿ له بعطاء، من فضله سبحانه ورحمته، وقوله: (اللهم عجل لمنفق خلفًا) أي: أخلف عليه.\nأما الممسك الذي يبخل: عن نفسه، وعياله، ويبخل عن أمه وأبيه، ويبخل عن الفقراء والمساكين، مع وجوب ذلك عليه، فهذا يعجل الله ﷿ له تلفًا: فيتلف ماله، تتلف صحته، ويضيع عليه هذا المال، الذي اكتسبه والذي بخل به.\nلذلك فالمؤمن ينفق مما أعطاه الله سبحانه ولا يبخل، فيتعبد الله بالمفهوم الأشمل والأوسع، في كل وقت وفي كل عمل من الأعمال، ويؤدي الواجبات، والنوافل، ويطعم نفسه وأهله، وضيفه، وعياله، فالله ﷿ يملأ يديه رزقًا من فضله وكرمه سبحانه.","vol":"46","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>شرح حديث: (من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره)</span>\nجاء في الحديث عن زيد بن ثابت ﵁، أنه سمع النبي ﷺ يقول: (من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة)، هذا حديث عظيم وجميل عن النبي ﷺ، يفرق فيه بين من كانت الدنيا همه، وكان مهمومًا منشغلًا بها، وبين من هو مشغول بأمر الآخرة، فهذا رزقه مقسوم،، وهذا رزقه مقسوم.\nأما الأول: فهو من كانت الدنيا همه، فإن الله يفرق عليه أمره، ويجعله مشغولًا بالدنيا، فإذا بها تشعبه في كل وديانها وسهولها.\n، وجبالها، وتتفرق به الأهواء والمطامع في الدنيا، قال ﷺ: (وجعل الله فقره بين عينيه،) حتى إذ امتلأت يداه مالًا فإن قلبه يمتلئ فقرًا فيحس أنه فقير، ويشعر أن المال سوف ينتهي، (ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له).\nوأما الآخر: فهو من كانت الآخرة همه، ونيته رضا ربه سبحانه، فهذا قال عنه ﷺ: (جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه)، فإذا به غني القلب لا يهتم بهذه الدنيا، ولا يريد أن يتوسع فيها توسعًا كبيرًا، وإنما هو قانع برزق الله سبحانه الذي قد كفاه هذا الرزق، (وأتته الدنيا وهي راغمة) أي: أتته الدنيا غصبًا عنها؛ لأن الله كتب له رزقه أنه سيأتيه، فبحث عن الزرق من الباب الحلال، فآتاه الله ﷿ به.","vol":"46","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>وقت صلاة الضحى وفضيلتها</span>\nإن البعض يصلي الضحى في وقت الشروق وهذا لا يجوز، فالشروق في الساعة السادسة واثنين وعشرين دقيقة، إذًا: صلاة الضحى بعده بحوالي ثلث ساعة، فتكون صلاة الضحى في الساعة السابعة إلا ثلث أو السابعة إلا ربع، والصلاة قبل ذلك في وقت الشروق حرام، فلا يجوز للإنسان أن يصلي وقت شروق الشمس؛ لأن الكفار تسجد لها في هذا الوقت، وقد نهانا النبي ﷺ أن نتشبه بهم، فإذا كان الإنسان مستعجلًا ووراءه شغل أو حاجة فلينصرف، ثم يصلي الضحى في بيته، لكن فضيلتها ليست كفضيلة صلاة من انتظر في المسجد وصلاها هناك، فقد جاء في حديث النبي ﷺ: (من صلى الفجر ثم جلس في مصلاه يذكر الله ﷿ حتى تطلع الشمس ثم يصلي ركعتين إلا كتب له حجة وعمرة تامة، تامة تامة) فالأفضل للإنسان أن يجمع ذلك فيصلي الفجر في جماعة ويجلس في مصلاه يقرأ القرآن أو يذكر الله ﷿ بالأذكار المأثورة التي جاءت عن النبي ﷺ من تسبيح وتكبير وتهليل، إلى أن تطلع الشمس، وينتظر ما يقرب من ثلث ساعة بعد الشروق وبعد ذلك يصلي الضحى، ويكون له أجر حجة وعمرة تامة تامة تامة.\nولا ينبغي أن ينشغل المسلم باللغو والكلام في هذا الوقت فيشغل نفسه ويشغل غيره.\nكما لا يجوز أن يقرأ القرآن بصوت عالٍ، فقد نهى النبي ﷺ أصحابه، عن رفع الصوت بالقرآن، إلا أن يكون الإنسان في مجلس علم فلا بأس برفع الصوت فيه، أما إذا كان مع غيره فلا يجوز أن يرفع صوته ويؤذي غيره، حتى ولو كان حافظًا للقرآن، فليقرأ سرًا، ولذلك خرج النبي ﷺ على الصحابة بعد العشاء في رمضان وكل منهم يقرأ فقال أيها المصلون! كلكم يناجي ربه فلا يؤذي بعضكم بعضا.\nوأحيانًا قد يكون رفع الصوت مدعاة للرياء، فيحب الرجل أو المرأة أن يعرف بأنه حافظ، أو عالم، أو أنه أفضل من غيره، يقول علي بن أبي طالب ﵁: تعلم واكتم، واصمت تسلم، تسر الأبرار وتغيظ الفجار.\nفاكتم العلم لتأخذ أجره، ولا تجهر به، وتظهر الرياء، وانشغل بنفسك ولا تنشغل بأحد، فإن المسجد إنما وضع للعبادة، والدعاء والدعوة إلى الله سبحانه وليس للتعرف على الناس، وكثرة الكلام والتسامر مع الآخرين.","vol":"46","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>حكم رفع الصوت في الصلاة</span>\nلا يجوز رفع الصوت في الصلاة إلا للإمام، يرفع صوته في القراءة في الصلاة الجهرية، ويرفع صوته بالتكبير، حتى يعرف الناس الركوع والسجود وغير ذلك، أما أن يرفع الإنسان صوته بالتشهد أو بالذكر أو التسبيح أو غيره فهذا لا يجوز.","vol":"46","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>حكم من صلى قاعدًا وهو يقدر على القيام</span>\nإن البعض يصلي مع الإمام الركعة الأولى في صلاة الفرض وهو قائم، وإذا قام الإمام للركعة الثانية أكمل الصلاة وهو قاعد، فإذا صلى النافلة صلاها وهو قائم، أي: أنه يقدر على الصلاة وهو قائم، إذًا: فصلاته للفريضة وهو قاعد باطلة.\nوالبعض يأتي من بيته ماشيًا حتى يصل إلى المسجد، فمعنى ذلك: أنه يقدر على الوقوف في الصلاة، ولكنه يجلس على كرسيه من أول الصلاة، فيضيع ركنًا من أركان الصلاة فتبطل صلاته.\nفالركن الذي يقدر الإنسان على أدائه فلا بد منه سواء كان ركن القيام، أو الركوع، فإذا كان لا يستطيع أن يقوم بركن كالسجود على الأرض فلا يقعد من أول الصلاة إلى آخرها، بل يقوم ويركع حتى إذا جاء وقت السجود لا يسجد على الأرض ويسجد كيفما شاء، أما إذا صلى الصلاة كلها قاعدًا فصلاته باطلة.\nنسأل الله ﷿ أن يعلمنا ويفقهنا في ديننا، وينفعنا بما علمنا، ويرزقنا الإخلاص ويجنبنا الرياء.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"46","page":8},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-288> الترغيب في العمل الصالح عند فساد الزمان</span>\nتكثر الفتن على المؤمن في آخر الزمان وأعظمها أن يفتن في دينه، فلا يجد من هو على شاكلته إلا القليل النادر، فيكون تمسكه بتعاليم الدين وشرائعه عند فساد من حوله كالقابض على الجمر تحرقه ولا يلقيها حفاظًا عليها.\nوعند فساد الزمان يعظم أجر العبادة لله تعالى حتى يكون كأجر الهجرة إلى النبي ﷺ، وأحب العبادات ما داوم عليها صاحبها وإن قلت.","vol":"47","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>شرح حديث أبي ثعلبة الخشني</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام المنذري ﵀: [الترغيب في العمل الصالح عند فساد الزمان.\nعن أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ - وذكر الحديث وفيه -: (فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله).\nرواه ابن ماجة، والترمذي، وقال: حديث حسن غريب، وأبو داود، وزاد: (قيل: يا رسول الله، أجر خمسين رجلًا منا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين منكم).\nوعن معقل بن يسار ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (عبادة في الهرج كهجرة إلي).\nوقال الإمام المنذري رحمه الله تعالى: [الترغيب في المداومة على العمل وإن قل.\nعن عائشة ﵂ قالت: (كان لرسول الله ﷺ حصير، وكان يحجره بالليل فيصلي عليه ويبسطه بالنهار فيجلس عليه، فجعل الناس يثوبون إلى النبي ﷺ فيصلون بصلاته حتى كثروا فأقبل عليهم فقال: يا أيها الناس، خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحبَّ الأعمال إلى الله ما دام وإن قل)].\nورغب النبي ﷺ المؤمنين في أن يعملوا الأعمال الصالحة في كل وقت، وخاصة حين لا يجدون ما يعينهم على الصلاة وعلى تقوى الله سبحانه وعلى أعمال الخير.\nففي الحديث الأول يقول النبي ﷺ لأصحابه: (فإن من ورائكم أيام الصبر) يقول هذا للصحابة وهم الذين جاهدوا مع النبي ﷺ حتى فتح الله ﷿ لهذا الدين قلوب الناس بلدانهم، وهذا من فضله ومن كرمه سبحانه، وأصبح المؤمنون أعزةً بعدما كانوا أذلة، وأقوياء بعدما كانوا ضعفاء، وأصبحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويجدون من يعينهم على ذلك، والنبي ﷺ معهم يعلمهم ويؤدبهم ويربيهم ﵊، فيذكر لهم أنه ستأتي بعد زمانهم أيام الصبر فيهن مثل القبض على الجمر.","vol":"47","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>شرح حديث: (بدأ الإسلام غريبًا)</span>\nوجاء في الحديث الآخر: (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء) بدأ الإسلام برسولنا صلوات الله وسلامه عليه وهو رجل واحد فدعا إلى الله فاستغرب الناس منه ذلك، وقاتلوه وطردوه، وأرادوا أن يوثقوه ﵊؛ حتى نصر الله ﷿ هذا الدين.\nفأوذي أذىً شديدًا وكان يقول: (لقد كنت أؤذى وما يؤذى أحد) أي: يؤذيني الناس ولا أحد يؤذى سواي ﵊.\nفبدأ الإسلام غريبًا وسيرجع مرة أخرى غريبًا فيكثر أهل المعاصي والفجور وأهل البعد عن دين الله ويصبح كلامهم هو الذي يصدق عند الناس.\nأما أهل الدين فيعتقد الناس فيهم كما يزعمون أهل تخلف ويدعون عليهم.\nوبدأ الإسلام غريبًا وسيرجع غريبًا بين أهله المسلمين، فيرون أن سنة النبي ﷺ بدعة من البدع، فهم على مثل ما كان عليه آباؤهم في الضلالات والبدع فلا يعرفون الله سبحانه، ففي هذا الزمن الذي يتمسك بدينه كالذي يقبض على الجمر، فيعاني المتمسكون بدينهم، والنبي ﷺ يرغبهم في الإكثار من التمسك والتشدد في ذلك؛ فإنها أيام الصبر، فاصبروا على دينكم، وعلى أذى الخلق، وعلى طاعة الله ﷾، وعلى قضائه وقدره.\nوالإنسان يجد الفتن في بيته وفي طريقه، وفي ولده، وفي كل مكان، ففتنة الرجل في أهله وماله تكفرها عبادات العبد من صلاة وصيام وأمر بمعروف ونهي عن منكر ونحو ذلك.\nويرغبك النبي ﷺ في التمسك بالدين مهما عاداك الأقربون والأبعدون، فقال: (الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله).\nفمن تمسك في زمن الفتن الذي يدعى فيه المؤمنون إلى ترك دينهم فله أجر خمسين رجلًا من أصحاب النبي ﷺ يعملون هذا العمل.\nوأصحاب النبي ﷺ صبروا وكانوا أقوى الناس إيمانًا، والله ﷿ جعلهم السابقين ولهم الدرجات العالية والمنزلة العظيمة عنده ﷾، ولكن الذين يأتون من بعدهم يجدون أهل الضلال كثيرين فيغرونهم، ويضلونهم، ويدعونهم إلى البعد عن الله ﷿، فلذلك الذي يصبر على هذا البلاء كله ولا ينظر إلى ما حرم الله، ولا يتمنى معاصي الله ﷾ فيصبر على الطاعة، ويصبر عن المعصية، ويصبر على القضاء والقدر، فالله يعطيه أجر خمسين رجلًا من أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nففيه ترغيب عظيم جدًا بالتمسك بحسن الخلق وبدين رب العالمين سبحانه، وإياك أن تفتن فالفتن كثيرة، ولذلك لما خلق الله ﷿ الجنة والنار وأمر جبريل أن يذهب فينظر إليهما فقال عن الجنة: ما يسمع بها أحد إلا ويدخلها.\nوقال عن النار: من يسمع بها يخاف منها فلا يدخلها مما فيها من عذاب ولهيب، قال النبي ﷺ: (حفت الجنة بالمكارة وحفت النار بالشهوات).\nوقال أيضًا: (وقيل لجبريل: اذهب فانظر، فنظر إلى الجنة فقال: خشيت أن لا يدخلها أحد - أي: من كثرة المكاره التي حولها فكل الخلق يبتعدون عنها خوفًا من المكاره فلا يدخلونها- ونظر إلى النار فقال: خشيت أن يدخلوها كلهم)، لما حول النار من الفتن ومن الشهوات التي حفت بها.\nفلذلك المؤمن يصبر كما قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران:٢٠٠] وهنا توكيد من كلام رب العالمين سبحانه بالصبر والمصابرة والمجاهدة والمدافعة والمرابطة في سبيل الله حتى يثبت على ذلك، وحتى يؤجر هذا الأجر العظيم أجر خمسين رجلًا من أصحاب النبي ﷺ.\nوروى الطبراني من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: (إن من ورائكم زمان الصبر للمتمسك فيه أجر خمسين شهيدًا منكم) أي: للمتمسك بدينه أجر خمسين شهيدًا، وهذا شيء عظيم ما تحلم به أبدًا.\nفالمؤمن يدعو ربه أن يرزقه شهادة كشهادة أصحاب النبي ﷺ، ويمكن أن يصل إليها بأن يتمسك بالدين، وأن يقبض عليه وأن يعاني في سبيل الله ﷾ ويصبر على ذلك، مهما آذاه الخلق، ومهما تعرض له من فتن فيصبر ويتمسك، حتى يكون له أجر خمسين شهيدًا أو رجلًا من أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nومن الأحاديث: ما رواه مسلم عن معقل بن يسار عن رسول الله ﷺ قال: (عبادة في الهرج كهجرة إلي) والهرج هو زمن الفتن الذي يقتل الناس بعضهم بعضًا على أتفه الأسباب أو بغير أسباب، ويفعلون المعاصي، فيتهارجون كتهارج الحمر ويقعون في الزنا والعياذ بالله، ويقعون في الكبائر والصغائر من الذنوب، كالقتل وأكل الأموال واغتصابها، ويقعون في كل شيء فيه هرج واختلاط.\nفالذي يعبد ربه في مثل هذا الزمان الذي فيه الهرج ولا يمن بعبادته، ولا يرى لنفسه فضلًا على أحد من خلق الله ﷾، فله أجر هجرة إلى النبي ﷺ.\nفالمؤمن إنسان متواضع، يعبد الله سبحانه ويخاف أن لا يقبل منه ذلك، وفرق بين من يعبده ويظن أنه حصل كل شيء بذلك وأنه أفضل من غيره فيأخذه العجب والغرور فقد يحبط عمله بسبب ذلك، وبين من يعمل ويعبد ربه ويرجوه ويدعوه كما دعاه أبو الأنبياء: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧] فهذا الذي له الأجر العظيم جدًا الذي لا يحلم به إنسان وهو كأجر الهجرة.\nوالهجرة قد مضت لأهلها كما قال النبي ﷺ: (لا هجرة بعد الفتح) فالمؤمن قد ينال أجر الهجرة وأجر خمسين شهيدًا، أو أجر خمسين رجلًا من أصحاب النبي ﷺ.\nبالعبادة في الزمن الصعب الشديد الذي لا يجد فيه من يعينه.\nوالعبادة ليست عبادة يوم وليلة أو عبادة شهر رمضان وانتهى الأمر على ذلك، وإنما عبادة يداوم عليها المؤمن كإنسان يمسك جمرة بيده ولا يلقيها، فتحرقه وتؤذيه وهو ممسك بها حتى يلقى ربه سبحانه.\nودين الله لا يؤذي أحدًا بل كل دين الله خير، ولكن المقصد أن المتمسك بالدين يؤذيه الخلق، فيفتنونه عن دينه، ويلومونه على ذلك، ويدعونه إلى الباطل، وهو صلب متمسك بدين الله ﷾، فهذا الذي له هذا الأجر الذي ذكر النبي ﷺ.","vol":"47","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>شرح حديث عائشة: (إن الله لا يمل حتى تملوا)</span>\nإذًا: فالمطلوب هو بالعبادة بها والمداومة عليها، ولذلك جاء في حديث عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ: (إن الله لا يمل حتى تملوا) يعني: لا يقطع عنكم الثواب حتى تملوا عن العمل فتحرمون الأجر.\n(وإن أحب الأعمال إلى الله تعالى ما دام وإن قل).\nفتداوم على العمل في رمضان وفي غيره، فهذه العبادة التي تكون بها أدركت هجرة إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه، وأدركت أجر خمسين شهيدًا.\nنسأل الله ﷿ أن يعطينا ذلك كله من فضله ورحمته وكرمه إنه على كل شيء قدير، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"47","page":4},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-292> الترغيب في الفقر وقلة ذات اليد وما جاء في فضل الفقراء والمساكين [١]</span>\nإن الله ﷿ خلق الخلق، وقسم بينهم أرزاقهم، كما قسم أعمارهم فجعل منهم الغني والفقير ومنهم من رزقه كفافًا، ولله ﷿ في هذا التقسيم حكمة بالغة، وليس إنعام الله على شخص دليلًا على حبه له، ولا إفقاره دليلًا على بغضه؛ لأن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب.\nوقد أمر الله ﷿ عباده بالشكر وقت النعماء وبالصبر وقت الضراء، وبين الرسول ﷺ فضيلة التخفف من الدنيا، وعدم الحرص عليها، وألا يجعلها الإنسان همه؛ لأن الله تكفل برزقه.","vol":"48","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-293>أهمية التخفف من الدنيا</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: قال الإمام المنذري ﵀: [الترغيب في الفقر وقلة ذات اليد، وما جاء في فضل الفقراء والمساكين والمستضعفين وحبهم ومجالستهم].\nعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن بين أيديكم عقبة كؤودًا لا ينجو منها إلا كل مخف) رواه البزار بإسناد حسن.\nوعن أم الدرداء عن أبي الدرداء ﵄ قالت: قلت له: ما لك لا تطلب ما يطلب فلان وفلان؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن من ورائكم عقبة كؤودًا لا يجوزها المثقلون.\nفأنا أحب أن أتخفف لتلك العقبة.\nرواه الطبراني بإسناد صحيح.\nوعن أبي أسماء: أنه دخل على أبي ذر وهو بالربذة، وعنده امرأة سوداء مسغبة ليس عليها أثر المحاسن ولا الخلوق، فقال: ألا تنظرون إلى ما تأمرني هذه السويداء؟ تأمرني أن آتي العراق فإذا أتيت العراق مالوا علي بدنياهم وإن خليلي ﷺ عهد إلي أن دون جسر جهنم طريقًا ذا دحض ومزلة، وإنا إن نأتي عليه وفي أحمالنا اقتدار واضطمار أحرى أن ننجو من أن نأتي عليها ونحن مواقير.\nرواه أحمد، وروايته رواية الصحيح.\nهنا يذكر الإمام المنذري ﵀: الترغيب في الفقر وقلة ذات اليد، وما جاء في فضل الفقراء والمساكين.\nوكأن المعنى: أن الإنسان إذا لم يعطه الله ﷿ مالًا فليحمد الله سبحانه ﵎، ولا يتنافس مع أهل الدنيا، فإن الله قسم الأرزاق، فجعل من الناس من هو غني، ومنهم من هو فقير، ومنهم من هو شريف، ومنهم من هو وضيع ضعيف، فالله يقسم في خلقه ما يريد سبحانه.\nفالغرض أن يرضى الإنسان بما قسمه الله ﷿ له، فإذا أغناه شكر الله سبحانه، وإذا أفقره حمد الله سبحانه وشكره، وصبر على ما ابتلاه به، ولا يحسد الناس على ما آتاهم الله ﷿ من فضله.\nفالمؤمن إذا افتقر فهو ينظر إلى رحمة رب العالمين، ويتسلى ويتصبر بما جاء في هذه الأحاديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nفإذا أغناه الله ﷿ فليحذر وليخف على نفسه أن تفتنه الدنيا، وأن يمنع الحقوق عن أصحابها.\nفيكون في حاليه من فقر وغنى حامدًا لله سبحانه، شاكرًا له، صابرًا في أمر الفتنة التي هو فيها، سواء فتنة الغنى أو فتنة الفقر.","vol":"48","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-294>شرح حديث أبي الدرداء في التخفف من الدنيا</span>\nعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن بين أيديكم عقبة كؤودًا)، أي: أمامكم عقبة كؤودًا، أي صعبة، وحاجزة، وطريق وعر كالجبل يصعب أن تمروا عليه إلا أن تكونوا متخففين.\nوهذا ضرب مثل، فالإنسان الذي يسافر إذا كان الطريق الذي يسافر فيه سهلًا كأن يمشي في سهول وفي أرض منبسطة فمن السهل أن يحمل الجمل الذي يركبه، أو السيارة التي يركبها أحمالًا كثيرة؛ لأنها ستسير في الطريق السهل.\nوأما إذا كان طريقه صعبًا وعرًا في جبل، وفي صعود، فإنه يصعب عليه أن يحمل دابته أو سيارته أشياء كثيرة؛ لأنها لن تستطيع أن تتجاوز هذا الجبل، وهذه العقبة الكؤود، ولذلك فالنبي ﷺ يقول: أمامكم عقبة كؤود، حتى تتخطوا هذه الدنيا وتصلوا إلى الآخرة، فتنجوا وتدخلوا الجنة بغير حساب ولا عذاب.\nوهذه العقبة في الدنيا، وفي الموقف، وفي السؤال، وفي المرور على الصراط، حتى تصلوا إلى الجنة، فهناك زمن طويل، ومصاعب جمة في الطريق، والذي ينجو من هذا كله هو المتخفف.\nكالذي يركب سيارة فارغة ليس فيها حمولة، فإنه يجري بها، ويسير بسرعة، حتى لو صعد بها مكانًا فإنها تصعد به بسهولة.\nفيقول النبي ﷺ: (إن وراءكم عقبة كؤودًا لا يجوزها المثقلون).\nوهنا عن أم الدرداء أنها قالت لـ أبي الدرداء ﵁: ما لك لا تطلب ما يطلب فلان وفلان؟ يعني: لماذا لا تصاحب الأمير، وتذهب إلى الخليفة وتتكلم معه من أجل أن يعطيك من المال؟ فقال أبو الدرداء ﵁: إن وراءكم عقبة كؤودًا، لا يجوزها المثقلون.\nيعني: لو ذهبت وعملت مثل ما عمل فلان وفلان، وامتلأت بالأموال الكثيرة، فقد ثقلت نفسي بها، فيوم القيامة يسألني الله سبحانه ﵎ عن هذه الأموال جميعها، من أين جمعتها؟ وفيم أنفقتها؟ فيصير السؤال طويلًا وصعبًا، والمرور على الصراط أصعب فاتركيني خفيفًا على هذه الحال أفضل من الثقل، وألا أجوز الصراط.","vol":"48","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-295>شرح حديث أبي ذر ﵁ في التخفف من الدنيا</span>\nعن أبي ذر ﵁، يقول الراوي عنه وهو أبو أسماء: أنه دخل على أبي ذر وهو بالربذة.\nوأبو ذر ﵁ كان من أصدق الناس لهجة ﵁، وكان يشبه بالمسيح عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام.\nوقد كان ينصحه النبي ﷺ ويقول له: (يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، فلا تقضي بين الناس، ولا تولين مال يتيم)، فينصحه النبي ﷺ: بأني أحب لك ما أحب لنفسي، فأنت ضعيف عن هذا، ولا تقدر على القضاء، ولا على تولي أموال الأيتام، فلا تفعل ذلك.\nوقد كان أبو ذر ﵁ صادق اللهجة، وكان شديدًا في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ولعل صدق لهجته وشدته وحدته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جعل الناس ينفرون منه، ويشكونه لـ عثمان رضي الله ﵎ عنه، وعثمان بن عفان ﵁ هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وكان رفيقًا رقيقًا لطيفًا حنونًا، ﵁، فلا يحب أن أبا ذر ينفر الناس.\nفقال له: لو اعتزلت.\nيعني: طالما أنك شديد في أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر، وإنا نختلف معك في الفتوى التي تقولها؛ لأن أبا ذر كان يرى أن من معه فائض من المال فيجب عليه أن يوزعه على الناس الفقراء والمحتاجين.\nوكان غيره من الصحابة لا يرون ما يرى، وهذا الذي رآه كان قد سمعه من النبي ﷺ يومًا من الأيام.\nولكن بعد ذلك أخبروا عن النبي ﷺ: أن الإنسان الذي يؤدي الزكاة ثم فاض عنده مال فإن هذا ليس بكنز، فإذا أدي زكاته فليس بكنز.\nولم يسمع أبو ذر ذلك، فظل مصرًا على ما كان في الماضي، من أن الإنسان إذا ادخر مالًا فحتى ولو أدى الزكاة منه فهو كنز، ولا بد أن يخرجه قبل أن يحاسب عليه يوم القيامة.\nفقال له عثمان: أنت مخالف لنا في ذلك فلو اعتزلتنا، فبدلًا من أن تفتي أنت بشيء ونحن بخلافه فيحصل خلاف بين الناس، ونفرق الناس فأولى لك أن تعتزل.\nوفعلًا اعتزل أبو ذر ﵁، وذهب إلى الربذة، واعتزل هنالك، رضي الله ﵎ عنه.\nوكانت معه امرأته، وهي كما جاء في هذا الأثر أنها كانت امرأة سوداء مسغبة، كأنها ليست جميلة، يعني: امرأة سوداء ليس عليها أثر المحاسن ولا الخلوق.\nيقول أبو أسماء: قال أبو ذر: ألا تنظرون ما تأمرني به هذه السويداء؟ يعني: امرأته؛ لأن زوجته تطلب منه أن يخرج إلى الخليفة، ويرجع من عنده بمال، فيقول: تأمرني أن آتي العراق، فإذا أتيت العراق مالوا علي بدنياهم؛ لأنها أرض فيها خير كثير، وفيها أموال كثيرة، وسيقولون: هذا صحابي من أصحاب النبي ﷺ، فيغدقون علي من أموالهم.\nفقال: إذا أتيت العراق مالوا علي بدنياهم، وإن خليلي ﷺ عهد إلي أن دون جسر جهنم طريقًا ذا دحض ومزلة.\nأي: إن جسر جهنم عندما تعبره فهو طريق طويل، وقد جاء عن النبي ﷺ في الصراط: (أنه أحد من الموسى، وأدق من الشعرة، وأنه فوق ظهر جهنم، ويؤمر الخلق أن يمروا فوق هذا الجسر، وعن يمينه وشماله خطاطيف تخطف الناس، وتوقعهم في النار) والعياذ بالله، وهذا الجسر لا يجوزه إلا المتخففون، الذين لم يأخذوا من الدنيا شيئًا، والذين لم يذنبوا، ولم يقعوا في المعاصي وفي الذنوب، فيمرون كطرف العين، أو كالبرق فوق هذا الجسر، أو فوق هذا الصراط.\nيقول أبو ذر ﵁: وإنا إن نأتي عليه وفي أحمالنا اقتدار واضطمار أحرى أن ننجو من أن نأتي عليه ونحن مواقير.\nأي: إذا مررنا على الجسر وفي أحمالنا اقتدار، وهي: من قدر عليه رزقه، أي: خفف، فيقول: إذا كانت أحمالنا خفيفة فيها اقتدار، وفيها قلة، وفيها اضطمار، من الفرس المضمر الذي من كثرة العدو والجري يخف وزنه، فيقصد أن أحمالنا تكون خفيفة فيسهل علينا المرور على هذا الجسر.\nوقوله: (أحرى أن ننجو من أن نأتي عليه ونحن مواقير)، أي: موقرون أثقالًا، وآخذين أحمالًا وأثقالًا، فمن الصعب أن نجوزه.","vol":"48","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-296>حماية الله لعبده المؤمن من الدنيا</span>\nعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله ليحمي عبده المؤمن الدنيا وهو يحبه، كما تحمون مريضكم الطعام والشراب).\nقد يكون الإنسان المؤمن طالبًا للمال وللدنيا، فيكدح ويتعب، ورزقه قليل، وقد يظن في نفسه أنه محروم، والنبي ﷺ يقول: (إن الله ﷿ يحمي) بمعنى: يمنع والحمية: الامتناع، أي: يمنع عبده المؤمن من الدنيا.\nوالله أعلم أن هذا العبد لو نال هذا المال فلعله يشقى، ويصير تعيسًا في الدنيا والآخرة، ولعله يفتن به، فإذا بالله لحبه له يحرمه من هذا المال، فلا يناله، فلعله يحزن إن فاته، ويؤجر على حزنه، ويؤجر على همه وحزنه، ويوم القيامة يجد الطريق إلى الجنة مفتوحًا له، ولو أنه أخذ هذا المال فلعل طريق الجنة يغلق عنه فلا يدخلها، فيقول النبي ﷺ: (إن الله ليحمي عبده المؤمن الدنيا وهو يحبه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب).\nأي: عندما يكون لك مريض، والأطباء منعوه من أن يأكل كذا وكذا فإنك لا تعطيه هذا الطعام، ليس لكونك تبغضه، وإنما لكونك تحبه، وتخاف عليه من أن يزداد عليه المرض، ولله ﷿ المثل الأعلى، فإنه يحمي عبده الدنيا، ويمنعه من الدنيا، وهو يحبه، ولو أعطاه الدنيا لأفسدته، فيحميه ويمنعه منها ليدخر له أجره موفورًا يوم القيامة، فلذلك لا يحزن العبد المؤمن ولا يشقى بقلة المال، وإنما الشقي هو الذي حرم من معرفة رب العالمين سبحانه ﵎، والذي حرم من السعادة في الآخرة.\nنسأل الله ﷿ أن يجعلنا من عباده السعداء عنده.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"48","page":5},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-297> الترغيب في الفقر وقلة ذات اليد وما جاء في فضل الفقراء والمساكين [٢]</span>\nإن من حكمة الله ﷾ أن جعل الناس متفاوتين في الرزق، فجعل فيهم الغني الفقير، وجعل فيهم من رزقه كفافًا، ومع أن للفقراء مزية عند الله سبحانه؛ إلا أنه لا ينبغي للعبد أن يدعو على نفسه بالفقر والفاقة، أو يتقاعس عن السعي في كسب الرزق؛ لأن العبد مطالب بذلك، وأيضًا مأجور عليه، لكن إذا قدر عليه الفقر فلا يسعه إلا الرضا والصبر، وسوف يدرك ما أعده الله له بمقابل ما حرمه من لعاعة الدنيا.","vol":"49","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-298>الفقر ليس مطلوبًا لذاته وإنما الفضل في الرضا به</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الحافظ المنذري ﵀ الترغيب في الفقر: عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها فقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء)، رواه البخاري ومسلم.\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله ﷿؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الفقراء المهاجرون الذين تسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، فيقول الله ﷿ لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيوهم، فتقول الملائكة: ربنا نحن سكان سمائك، وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم قال: إنهم كانوا عبادًا يعبدوني ولا يشركون بي شيئًا، وتسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، قال: فتأتيهم الملائكة عند ذلك، فيدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار)، رواه أحمد والبزار.\nهذه الأحاديث يذكرها الحافظ المنذري في كتاب التوبة والزهد، باب الترغيب في الفقر وقلة ذات اليد، وما جاء في فضل الفقراء والمساكين والمستضعفين وحبهم ومجالستهم، والمقصد من هذا الباب: أن الإنسان إذا أفقره الله ﷿ فلا يبأس ولا يحزن ولا يحسد غيره ممن آتاه الله ﷿ مالًا، فالمال نعمة من الله سبحانه، وقد يكون لإنسان نعمة وعلى إنسان نقمة، فيكون لإنسان يتقوى به على طاعة الله سبحانه، وعلى عمل الخير، ويكون لإنسان آخر يتقوى به على معاصي الله سبحانه ﵎.\nوشأن المؤمن أن يرضى بالحال الذي هو فيها، فإن أعطاه الله ﷿ مالًا رضيه، وحمد الله وشكره على ما آتاه، وإن منعه من ذلك صبر ورضي وحمد الله سبحانه ﵎، ولا يتضجر، وليتسل وليتصبر بما جاء عن النبي ﷺ من أحاديث في هذا المعنى، وليس المعنى أن يطلب الإنسان من ربه الفقر فيدعو ويقول: يا رب! أفقرني، مثلًا، فقد كان النبي ﷺ يتعوذ بالله من الكفر والفقر، ولكن كان يقول: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا)، يعني: بقدر ما يحتاجون، وكان يقول: (اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين)، صلوات الله وسلامه عليه، فكان يسأل الله سبحانه أن يرزقه أن يكون كالمساكين، وليس المعنى أن يكون معهم في فقرهم أو أن يكون فقيرًا؛ لأنه كان يتعوذ بالله من الفقر، وإنما المعنى: أن يجعله في تواضع المساكين، إذ المسكين الذي ليس له مال يتواضع، ولذا يطلب النبي ﷺ من ربه أن يرزقه هذا الخلق، فيكون خلقه التواضع حتى لو آتاه الله كنوز الدنيا، وكذلك كان يسأل ربه سبحانه القوت، أي: أن يعطيه بقدر ما يحتاج، فهو لا يريد أكثر من ذلك صلوات الله وسلامه عليه، بل لو آتاه الله ﷿ مثل جبل أحد ذهبًا! لما بقي في بيته منه شيء إلا وهو ينفق هكذا وهكذا وهكذا، إلا شيئًا يبقيه لدين صلوات الله وسلامه عليه.\nفغاية ما تدل عليه هذه الأحاديث: أن الإنسان إذا أفقره الله ولم يعطه مالًا فعليه أن يصبر على ذلك، بعد أن يأخذ بالأسباب في طلب الرزق وفي طلب المعاش، ويرضى بقضائه وقدره، ويتصبر بمثل ما جاء عن النبي ﷺ من قوله: (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء)، وإذا كان الفقراء هم الأكثرين في الجنة، فالإنسان المؤمن يحب أن يكون معهم، والفقراء أيضًا أول من يدخلون الجنة، ولذا فالمؤمن يحب أن يدخل الجنة مع هؤلاء الفقراء، وهؤلاء المساكين.\nقال: (واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء)، وإنما كانت النساء أكثر أهل النار؛ لكون النساء أشد فتنة وجدت على الأرض، فهن فتنة لأنفسهن، وفتنة لغيرهن، إلا من رحم الله سبحانه ﵎، كما أن المرأة قليلة الصبر، كثيرة الشكوى والضجر، لا تخلو من البلاء، والإنسان يحتاج إلى طاعة ربه ولعلها تصرفه عن ذلك بكثرة شكواها، وكثرة طلبها، ويستثنى من ذلك المرأة الصالحة التي تعين زوجها وتعين أهلها على طاعة الله، وعلى تقوى الله سبحانه ﵎.\nوجاء في الحديث: (أن النبي ﷺ ذكر أن النساء أكثر أهل النار، فلما سألنه ولم؟ قال: يكثرن اللعن ويكفرن العشير)، فقوله: يكثرن اللعن، أي: يتسرعن في اللعن، فتشتم وتسب وتدعو على غيرها باللعنة كل ذلك في عجلة وعدم تؤدة، وهذه الدعوة دعوة سيئة، أي: الدعوة على إنسان باللعنة، كأن يقول: لعنك الله، إذ اللعنة يضيق عليها الفضاء كله بما رحب، وتضيق عنها السماوات والأرض، ولا يقبل أحد في السماوات ولا في الأرض هذه اللعنة، فإنها إن تصعد إلى السماء لا تجد مكانًا، وإن تنزل إلى الأرض لا تجد مكانًا، إلا اللاعن أو ذاك الملعون، فإذا كان المشتوم الملعون يستحق اللعن نزلت عليه، فطرد من رحمة الله وإن كان لا يستحقها رجعت إلى قائلها، فكأنه دعا على نفسه بالطرد من رحمة رب العالمين سبحانه.\nوإذا كانت المرأة تكثر من اللعن؛ فكأنه بكثرة لعنها لغيرها، قد تلعن من لا يستحق هذه اللعنة، فتحور عليها لعنتها، وتستحق جزاءها.\nقوله: (يكفرن العشير) يؤيده ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن المرأة لو أحسن إليها بعلها الدهر كله، ثم رأت منه شيئًا، قالت: ما أخذت منك شيئًا، ما رأيت منك شيئًا)، فهي تنكر ما أعطاها زوجها الدهر كله، فاستحقت بكفران العشير أن تدخل النار.","vol":"49","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-299>أول من يدخل الجنة</span>\nروى الإمام أحمد والبزار من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: (هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله ﷿؟ قالوا: الله ورسوله أعلم -أما نحن فلا نعلم- فقال ﷺ: الفقراء المهاجرون الذين تسد بهم الثغور ووتتقى بهم المكاره)، فالفقير الذي هاجر إلى الله ورسوله إذا أمر أن يخرج للجهاد خرج، وإذا أمر أن يسافر للمكان الفلاني سافر، وإذا قيل له: اسكت عن كذا، يسكت، فهو فقير ليس من ذوي الرأي، ولا من كبار القوم الذين يأمرون، بل هو من صغار القوم الذين يُؤَمرون، سواء في حياة النبي ﷺ أو بعد ذلك، قوله: (وتتقى بهم المكاره)، أي: هم الجنود دائمًا، ومعلوم أن القائد في الجيش يكون، في مؤخرة الجيش؛ يحميه الجنود، فهؤلاء تتقى بهم المكاره، ثم قال: (ويموت أحدهم حاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء)، فالفقير المسكين قد تشتهي نفسه أن يأكل أكلة معينة، أو يلبس لبسًا معينًا، أو يتكلم في حاجة معينة، لكن بسبب فقره لا يسمع إليه أحد، ولا يجد ما يشتري به هذا الطعام، ولا هذا الشراب ولا هذا اللباس، قال النبي ﷺ: (يموت أحدهم وحاجته في صدره)، أي: لا يستطيع أن يأتي ما نفسه فيه، وأكدها بقوله: (لا يستطيع لها قضاء، فيقول الله ﷿ لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيوهم)، أي: أن الله يدخل الجنة الإنسان الذي كان في الدنيا فقيرًا، مجاهدًا في سبيل الله، قد عمل الصالحات، وأعطى في الدنيا كثيرًا، ولم يأخذ منها إلا القليل حسب الظاهر، ولكن الحقيقة أن الله أعطاه الكثير، إذ يكفيه الإيمان الذي قلبه، والصبر الذي هو عليه ليس منه، بل هو من الله سبحانه الذي أعانه على الصبر على الدنيا، وكانت تكرمته الجنة، فإذا أدخله الله ﷿ الجنة أمر الملائكة أن يأتوا إليه، وأن يسلموا عليه ويحيوه، فتقول الملائكة لربها سبحانه ﵎: (ربنا نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك! أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم؟)، والملائكة خلق من خلق الله، خلقهم من نور، وهذا شيء أعظم مما خلق منه الإنسان، فهو مخلوق من طين، وكأن الملائكة نظروا إلى أن الله كرمهم وخلقهم من نور، وجعلهم أهل سماواته سبحانه ﵎، وجعلهم خيرته، وهؤلاء عباد مخلوقون من طين، وقد أذنبوا في الدنيا، وأصابهم فيها ما أصابهم، فكيف نذهب إليهم؟ -يستفهمون من ربهم ﷾- فيقول الله ﷿: (إنهم كانوا عبادًا يعبدونني، ولا يشركون بي شيئًا، وتسد بهم الثغور)، يري الله الملائكة كيف كان هؤلاء على خير في هذه الدنيا، وكيف أنهم كانوا عبادًا لله، يعبدون الله ولا يعبدون أحدًا إلا الله سبحانه ﵎، ولا يشركون به شيئًا وتسد بهم الثغور، وفي الحديث صورة لائقة لهؤلاء في قوله: (تسد بهم) فلو أن قربة مغلقة انخرقت ثم نزل منها الماء وأخذ يخرب في الدنيا فمن سيقوم بسد هذا الخرق؟ لقد كان هؤلاء هم الذين تسد بهم هذه الثغور يعني: الشرور التي تأتي من أعداء الإسلام عن طريق الثغور، فالله ﷿ جعل هؤلاء أسبابًا لسد الثغور وكف الشرور، قوله: وتتقى بهم المكاره، يعني: أمة الإسلام تتقي بهؤلاء المكاره فهم في المقدمة دائمًا، يدفعون ويدافعون ويموتون شهداء في سبيل الله سبحانه ﵎، أو يموتون على فرشهم قد طلبوا فضل الله ورحمته سبحانه.\nقوله: (ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء)، وبذلك عرفت الملائكة فضل هؤلاء، فأتتهم عند ذلك، ودخلوا عليهم من كل باب، هؤلاء في الجنة في قصورهم، في أماكنهم ينعمون والملائكة تأتي عليهم أفواجًا من كل باب من أبواب قصورهم ومنازلهم في الجنة يحيونهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد:٢٤]، أي: سلام عليكم، بسبب صبركم تستحقون السلام، والأمن، وتستحقون أن تحيوا في هذا المكان فلا تموتون أبدًا، فالله قال: (حيوهم)، يعني: ادعوا لهم بالتحية وبالحياة الكريمة عند الله والخلود في هذه الحياة فيدعون ويحيونهم: (سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار)، نسأل الله ﷿ أن يجعلنا مع هؤلاء الأبرار.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"49","page":3},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-300> الترغيب في حب المساكين</span>\nإذا اجتمع في الشخص إيمان مع فقر ارتفعت منزلته في الدنيا بقوة صبره وإجابة دعائه، وفي الآخرة بتشفيعه في الناس وعلو منزلته؛ لأن فقره كان سببًا لتواضعه ولين جانبه، ولذلك ينبغي حب المساكين والقرب منهم.","vol":"50","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-301>فضل المساكين والفقراء</span>\nالحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الحافظ المنذري ﵀: [وعن أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ قال: (اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة) رواه الترمذي.\nوعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: (أتاني الليلة آت أو أتاني الليلة ربي) وذكر الحديث، إلى أن قال: (قال: يا محمد! قلت لبيك وسعديك، فقال: إذا صليت قل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون) رواه الترمذي وحسنه.\nوعن أبي ذر ﵁، قال: (أوصاني خليلي ﷺ بخصال من الخير، أوصاني ألا أنظر إلى من هو فوقي، وأنظر إلى من هو دوني، وأوصاني بحب المساكين، والدنو منهم، وأوصاني أن أصل رحمي وإن أدبرت) رواه الطبراني وابن حبان في صحيحه].\nهذه الأحاديث في كتاب التوبة والزهد للحافظ المنذري ﵀ من كتابه الترغيب والترهيب، وفيها الترغيب في الفقر، وأن ينبغي للإنسان إذا منعه الله ﷿ من المال أن لا يحزن لذلك ولا يؤمل في الدنيا ولكن عليه أن يرضى بما هو فيه.","vol":"50","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-302>فضل المساكين والقرب منهم</span>\nوهذه الأحاديث في الحديث عن الفقر وقلة ذات اليد، وما جاء في فضل الفقراء والمساكين.\nوذكرنا في حديث سابق أن المعنى ليس هو أن يطلب الإنسان من ربه أن يفقره، ولكن المعنى: أنه إذا أعطاه مالًا فليؤد حق الله ﷿ في النعم، ويصبر لأمر الله سبحانه ولا يتضجر من ذلك، وإذا افتقر الإنسان فليعمل كما عمل النبي ﷺ في ما ورد أنه كان يتعوذ بالله من الكفر والفقر.\nفالأحاديث في جملتها فيها أمر للفقير بأن يصبر على ما هو فيه، وفي الحديث أيضًا مواساة للفقير، وإخبار بما له عند الله سبحانه من فضل ومنزلة، وأن على المسلم أن يحب الفقراء من المسلمين، ويعلم أن لهم فضلًا في الدنيا وفي الآخرة.\nففي الدنيا هم الضعفاء، وهم أهل إجابة الدعاء.\nوفي الآخرة يشفعون في دخول الجنة لمن كان يعطف عليهم ويعطيهم في الدنيا، ومن كان يقربهم، فعلى المسلم أن يحب الفقراء؛ لفضلهم عند الله، ولأن الله يحبهم، ولشفاعتهم عند الله.\nومن الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ في الدعاء أنه كان يقول: (اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين).\nوالمعنى هنا: أنه لا يطلب الفقر ﷺ، ولكنه يطلب قوتا على القدر والكفاية والحاجة.\nفالمسكين: هو الواجد لأقل من حاجته، وكأن النبي ﷺ يطلب ما يكون عليه المسكين، وهذا من حسن التواضع عنده ﷺ، كأنه يقول: اجعلني مع المساكين، قريبًا منهم، واجعلني معهم في الدنيا، وليس المعنى: أفقرني، بل هو كان يتعوذ بالله من الفقر.\nفقال: (أحيني مسكينًا) أي: مع هؤلاء، وارزقني أخلاق المساكين، من المسكنة والتواضع للخلق.\nوفي حديث ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ: (أتاني الليلة ربي) وفي رواية: (رأيت ربي في أحسن صورة)، في حديث طويل، وفي آخر الحديث أن الله سبحانه ﵎ أوصى النبي صلوات الله وسلامه عليه، (فقال: يا محمد! قال: قلت لبيك وسعديك، فقال: إذا صليت قل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون).\nوفي رواية أخرى: (وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وتتوب علي، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون).\nهذا النبي صلوات الله وسلامه عليه الذي عصمه الله سبحانه، ومع ذلك يوصيه ربه أن يدعو بهذا الدعاء، فنحن أولى أن ندعو بهذا الدعاء، أما هو فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.\nإذًا: بعد كل صلاة يستحب للمسلم أن يدعو بهذا الدعاء، ويقول: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، يعني: جميع الخيرات، كأن اللام هنا للجنس، أي: جنس الخيرات، فكل خير اجعلني أفعله وأعني عليه.\nوترك المنكرات، ولام المنكرات للجنس أي: جميع المنكرات، فيقول: اجعلني أترك جميع المنكرات ولا أقع فيها.\n(وحب المساكين): وهذا الشاهد من الحديث، وهو أنه يدعو ربه سبحانه أن يحبب إليه المساكين، فالإنسان المؤمن عندما يرزقه الله ﷾ حب المساكين، يجعل في قلبه رحمة، ويجعل في خلقه التواضع، ويجعله ذليلًا على المؤمنين، عزيزًا على الكافرين، فكان يطلب حب المساكين، ليحبهم ويحبوه، فينتفع المسلم بذلك، ليكون متواضعًا، والمتواضع يرفعه الله ﷿.\nوالمستكبر المتعالي لا بد أن يذله وأن يقصمه الله ﷾، فليسأل المؤمن ربه حب المساكين.\nقال ﷺ: (وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون)، وقد علم من حاله ﷺ أن الله ﷾ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولكنه يريد أن يعلمنا كيف ندعو عقب الصلاة.","vol":"50","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>النظر في الدنيا إلى من هو أقل غنى</span>\nوقد جاء عنه ﷺ في حديث رواه الطبراني وابن حبان، من حديث أبي ذر ﵁، وفيه: (أوصاني خليلي ﷺ بخصال من الخير)، فهذه وصية النبي ﷺ لـ أبي ذر، وقد قال له في حديث آخر: (يا أبا ذر! إني أراك ضعيفًا فلا تولين مال يتيم، ولا تقضين بين اثنين)، وكونه يوصي أبا ذر فيه دليل على أنه يحبه.\nوقد قال رسول الله في فضله: (ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء، من ذي لهجة أصدق من أبي ذر)، والخضراء: السماء، وأقلت أي: حملت.\nوقد كان أبو ذر يُشبَّه بين الصحابة بالمسيح عيسى بن مريم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.\nقال أبو ذر: (أوصاني خليلي ﷺ بخصال من الخير، أوصاني: ألا أنظر إلى من هو فوقي، وأن أنظر إلى من هو دوني).\nفوصية النبي ﷺ أن لا تنظر إلى من هو أعلى منك، ولكن انظر إلى من هو دونك، فإذا كنت على درجة معينة من الغنى فلتنظر إلى من هو دونك؛ لأنك لو نظرت إلى من فوقك من أصحاب فضول الأموال وغير ذلك، فسترى ما أنت فيه قليلا، فتحتقر النعمة التي أنت فيها.\nوكذلك كثير من الناس تقول له: احمد الله، فيقول لك: على ماذا؟! ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ لأنه ينظر إلى من هو فوقه، ونسي أن الله أعطاه صحة، وأن الله سبحانه أطعمه وسقاه، وأن الله كفاه وآواه، وأن الله رزقه وكساه، ينسى هذا كله؛ لأنه ينظر إلى من هو أعلى منه، فيقول: عند الناس أكثر مما عندي، وفلان لديه مائتا ألف، فلان لديه مليون، ونحن لدينا ماذا؟ فإذا به يستقل نعمة الله ﷾ عليه.\nفالنبي ﷺ يوصيه أن انظر إلى من هو دونك، ومن هو أقل منك، فإذا نظرت إلى الفقير يبيت ولا يجد ما يأكل، وأنا أبيت شبعانًا، فأنا أفضل منه والحمد الله، فالنظر إلى من هو دونك يجعلك تشكر الله ﷾.\nكذلك إذا نظرت إلى الإنسان المريض وأنت في صحة وعافية، فإنك ستقول: الحمد الله الذي عافني مما ابتلاه به، وفضلني عليه وعلى كثير ممن خلق من عباده تفضيلا.\nقال أبو ذر ﵁: وأوصاني بحب المساكين، والدنو منهم، أي: التقرب من المساكين.\nقال: وأن أصل رحمي وإن أدبرت، أي: أوصاني أن أصل أرحامي وإن كانوا يبتعدون عني.","vol":"50","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>التحذير من إغضاب فقراء المؤمنين</span>\nوجاء في الحديث الآخر في أمر المساكين: (أن أبا سفيان أتى على سلمان، وصهيب، وبلال في نفر، فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها).\nيعني: أن هؤلاء كانوا من فقراء الصحابة، فكانوا جالسين في نفر، فمر أبو سفيان قبل إسلامه، فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها؛ لأنهم يتذكرون ما عمل فيهم أبو سفيان في يوم أحد، وقد كان هو شيخ قريش، وهو الذي يجمع على النبي ﷺ الأعداء، فقال هؤلاء الصحابة: إنه يستحق أن تقطع رقبته في يوم من الأيام، ولكن أراد الله به الرحمة فرحمه وأسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه رضي الله ﵎ عنه.\nولكنهم قالوا هذا القول لكثرة ما عانوا منه ومن أمثاله في أيام كفرهم، فـ أبو بكر الصديق الذي يطمع أن يتألف هذا الرجل وأن يدخله في دين الله سبحانه، لما سمعهم يقولون هذا الكلام قال لهؤلاء: (أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم).\nأي: إن أبا بكر يطمع أن يسلم أبو سفيان، فلذلك لا يحب أن يضايقه أحد بكلمة تؤذيه فينفره عن دين الله سبحانه، فقال لهؤلاء الصحابة الأفاضل: (أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم، فلما قال ذلك وأتى النبي ﷺ وأخبره بذلك، فقال النبي ﷺ: يا أبا بكر! لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك)، أي: إن كنت أغضبت هؤلاء الفقراء المساكين الذين يحبون الله فقد أغضبت ربك، (فإذا بـ أبي بكر يهرع إليهم، فأتاهم، فقال: يا إخوتاه! هل أغضبتكم؟ فقالوا: لا، ويغفر الله لك يا أخي).\nفهذا أبو بكر الصديق الذي قال الله عنه: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة:٤٠] والذي أنفق ماله كله في سبيل الله سبحانه، والذي واسى رسول الله ﷺ وهاجر معه، فصفاته عظيمة، وأفعاله وخيراته كثيرة، ويكفي أنه أول العشرة المبشرين بالجنة الذين ذكرهم النبي ﷺ، ومع ذلك يقول له النبي ﷺ: (إن كنت أغضبت هؤلاء فقد أغضبت ربك)، وفيه بيان أن الإنسان المؤمن لا يستكبر على فقراء المؤمنين المتواضعين، ولا يتعالى عليهم ولا يؤذيهم ولا يغضبهم ولا يبتعد عنهم، بل يحبهم ويتقرب منهم؛ لعلهم ينفعونه في الدنيا بدعواتهم الطيبة، وفي الآخرة بشفاعتهم.","vol":"50","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>من صفات أهل الجنة أنهم ضعفاء</span>\nومن الأحاديث الدالة على فضل الفقراء والمساكين ما في الصحيحين من حديث حارثة بن وهب ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره).\nوذلك لأن الإنسان عندما يكون فقيرًا ضعيفًا يكون متواضعًا، ويشعر أن كل الناس أحسن منه، فيتواضع معهم، والناس ينظرون إليه على أنه ضعيف، فهو في نفسه يقول: أنا ضعيف، وهو عند الناس كذلك، وأمثال هذا هم أكثر أهل الجنة.\nوقوله: (لو أقسم على الله لأبره)، أي: أن هذا الذي ينظر إليه الناس أنه ضعيف لو أقسم على الله لأبره، يعني: أنه لو دعا ربه سبحانه: يا رب! أقسمت عليك بك أن افعل لي كذا وكذا، فيفعل الله ﷿ ما يطلبه هذا الإنسان الفقير.\nفلا تحتقر فقيرًا أبدا، فإنك لا تدري لعل قوته في دعائه، وقوته في استجارته بربه سبحانه واستغاثته به.\nولذلك قال النبي ﷺ للصحابة الأقوياء: (وهل تنصرون إلا بضعفائكم)، أي: أن النصر ليس بقوتكم أنتم، ولكن بدعوة هؤلاء الضعفاء وإن كنا مأمورين بإعداد القوة.\nإذًا: أهل الجنة هم الضعفاء من المؤمنين.\nأما أهل النار فقد قال ﷺ: (ألا أخبركم بأهل النار، كل عتل جواظ مستكبر).\nالعتل: الإنسان الجافي، الذي لا يسمع النصيحة ولا يقبلها، بل يتعالى ويستكبر، تقول: اتق الله، فيقول لك: اتق الله أنت مالك ومالي، فلا يرضى ولا يستمع للنصيحة.\nفالنبي ﷺ بين أن كل عتل غليظ جافٍ، وقلبه قاسٍ، فهو من أهل النار.\nوالجواظ: الضخم، إنسان ضخم، ومختال، ومتعال على الخلق، فهذا الإنسان يرى أن عنده مالًا فهو جموع منوع، يستكبر على الخلق، وينظر إليهم بازدراء، فأمثال هذا هم أهل النار، مع أنه في الدنيا طويل وعريض وسمين وثقيل، ولكنه لا يزن عند الله جناح بعوضة، فيوم القيامة ليس له أي قيمة، ويحشر هؤلاء الجبارون المستكبرون كأمثال الذر يدخلهم الله نارًا تلظى، نسأل الله العفو والعافية.\nوفي حديث آخر أن النبي ﷺ ذكر أهل النار وأهل الجنة، فقال لـ سراقة بن مالك بن جعشم: (يا سراقة! ألا أخبرك بأهل الجنة وأهل النار؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: أما أهل النار: فكل جعظري جواظ مستكبر)، أي: أن أهل النار: كل جعظري، وهو الإنسان المتكبر، وكأنها ألفاظ مترادفة، وإن كان بعضها يزيد على بعض في المعنى، لكنها كلها تدل على أنهم متكبرون، فالنبي ﷺ ذكر هنا صفة وراء صفة وكلها تدل على الكبر، فقالوا: الجعظري: المتكبر الجافي، والغليظ الفظ.\nوالجواظ هو: الإنسان الأكول الشروب الكفور الجموع المنوع، فأهل النار من صفاتهم أنهم أغنياء، وعندهم أكل وشرب، وعندهم صحة، وعندهم بدن، ولهم قوة ورياسة، ويستكبرون على الخلق، ولا يقبلون نصح الخلق، فهؤلاء هم من أهل النار.\nفأخبر النبي ﷺ (أن أهل الجنة هم الضعفاء المغلوبون)، لذلك يجب على المؤمن إذا صادق أحدًا أن لا يترك أهل الجنة وهم الفقراء والمساكين، بل عليه أن يرحمهم ويحبهم ويتقرب منهم؛ لعلهم ينفعونه في الدنيا والآخرة.\nنسأل الله ﷿ العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"50","page":6},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-306> لا تحكم على الإنسان بظاهره</span>\nلقد علمنا النبي ﷺ أن قدر الإيمان ليس بالمظاهر ولا الألوان وإنما هو بقوة الإيمان ومحبة الله ودينه، ولذا فإن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.","vol":"51","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-307>فضل المساكين وضعة المتكبرين</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم.\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام المنذري ﵀: [وعن سهل بن سعد ﵁ قال: (مر رجل على النبي ﷺ فقال لرجل عنده جالس: ما رأيك في هذا؟ فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يسمع لقوله، فسكت رسول الله ﷺ، ثم مر رجل فقال رسول الله ﷺ: ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله! هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب ألا ينكح، وإن شفع ألا يشفع، وإن قال ألا يسمع لقوله؛ فقال رسول الله ﷺ: هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا).\nوعن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: (انظر أرفع رجل في المسجد، فنظرت فإذا رجل عليه حلة، قلت: هذا، قال لي: انظر أوضع رجل في المسجد، قال: فنظرت فإذا رجل عليه أخلاق، قال: قلت: هذا، قال: فقال رسول الله ﷺ: لهذا عند الله خير يوم القيامة من ملء الأرض مثل هذا).\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ابغوني في ضعفائكم؛ فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم)].","vol":"51","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-308>شرح حديث: (هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا)</span>\nهذه أحاديث من كتاب التوبة والزهد من كتاب الترغيب والترهيب للإمام المنذري ﵀، يرشد النبي ﷺ فيها أنك لا تحكم على أحد بظاهره، فإذا نظرت إلى إنسان في ثيابه وحلته وفي شارته وزينته، فلا تغتر بهذه المظاهر التي هو عليها، وإذا نظرت إلى إنسان في فقره وضعفه، وأنه ليس عليه ثياب حسنة، فلا تنظر إلى ذلك فتحكم عليه بمجرد الظاهر، بخلاف الإسلام، ففي الإسلام لا نحكم إلا بالظاهر، هذا الإنسان يصلي إذًا نحكم عليه أنه مسلم، ومن رأيناه يفعل أفعال وشعائر الإسلام فالأصل أنه مسلم.\nإذًا: هنا نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر، لكن مسألة احترام الشخص وتعظيمه بالمظهر الذي هو عليه، ففي هذه الأحاديث علم النبي ﷺ الصحابة ألا يحكموا على الشخص لمجرد ظاهره أنه حسن أو سيئ.\nففي حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: (مر رجل على النبي ﷺ فقال لرجل عنده) والمقصود: تعليم الناس، وبيان أن هناك أشياء هم ينظرون إليها نظرة خاطئة، وليست هذه النظرة صحيحة، فمر الرجل وهو في منظر حسن لابس لبسًا جميلًا، فسأل النبي رجلًا بجواره، ما رأيك في هذا؟ فقال: هذا رجل من أشراف الناس هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يسمع لقوله.\nيعني: هذا رجل كبير في القوم، فلو ذهب ليخطب فكل الناس يريدون أن يزوجوه، ولو تكلم مع أحد فكل الناس يسمعون له عندما يتكلم، وإن ذهب ليشفع لأحد فكل الناس يقبلون منه شفاعته، وهذه نظرة الغالبية العظمى من الناس، فينظرون إلى الإنسان بظاهره فيرونه منفوخًا ويمشي وهو لابس بدلة جميلة، فهذا رجل كبير ابعد عنه وليس لك دعوة به، ولعله يكون من أوضع الخلق عند الله ﷿.\nوكان العرب يقولون عن الإنسان الذي هو على هذه الحال: (لابس ثوبي زور)، يعني: أنه متجمل على لا شيء، أي: لا يوجد داخله شيء، ومع قولهم ذلك فقد كانوا ينظرون إلى الإنسان على أنه حسن أو سيئ بمجرد المظهر.\nفسكت رسول الله ﷺ: (ثم مر رجل آخر، فقال رسول الله ﷺ للذي بجواره: ما رأيك في هذا؟) الأول كان رجلًا كبيرًا، وهذا رجل شكله وضيع فقير، فقال الرجل الذي بجوار النبي ﷺ: (يا رسول الله! هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب ألا ينكح، وإن شفع ألا يشفع، وإن قال: ألا يسمع لقوله) هذا لا يستوي مع الأول في المنظر والظاهر، فغير له النبي ﷺ هذا المفهوم فقال: (هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا).\nفقالها النبي ﷺ مرة في حديث سهل بن سعد، ومرة أخرى قالها لـ أبي ذر ﵁.\nفقال: (يا أبا ذر! أترى كثرة المال هو الغنى؟) إن الإنسان الغني معه أموال كثيرة، (قال: نعم)، الصحابة كانوا أهل صدق ﵃، فقال النبي ﷺ: (فترى قلة المال هو الفقر؟) يعني: أنتم نظرتكم هكذا قال: (نعم يا رسول الله) فغير له النبي ﷺ هذا المفهوم، وأخبر أن الأمر ليس كذلك، فقال: (إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب).\nالإنسان الغني: الذي يكون الغنى في قلبه، لا ينظر إلى الناس، ولا يطمع في أموالهم، فهذا هو الغني حقيقيًا، أما الذي يستشرف لأموال الناس فهو كالذي يأكل ولا يشبع فهو مفتقر يريد مالًا أكثر، فالذي يريد هذا هو الفقير، أما الذي هو مستغنٍ لا يريد شيئًا فهذا هو الغني، فوضح لهم النبي ﷺ هذا المفهوم.","vol":"51","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>تصحيح النبي ﷺ للمفاهيم</span>\nوكما وضح في حديث آخر: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: الذي لا درهم له ولا دينار) فأخبر أن هذا ليس هو المفلس، وإن كان حقيقة هو المفلس في الدنيا، لكن المفلس فلسًا حقيقيًا عند الله ﷾ هو: (المفلس: هو الذي يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، فيأتي وقد شتم هذا، وسب هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، فطرح في النار) فهذا هو المفلس إفلاسًا حقيقيًا، لكن الذي ليس معه فلوس ماذا سيحصل له؟ في آخر الأمر سيستوي هو ومن معه مال، سينزلون في القبر سواء، وسيحاسبون في القبر، ولكن يوم القيامة هناك فرق بين من يأتي ومعه حسنات كثيرة، فيعمل خيرًا ويصوم ويصلي ويزكي ويتصدق، ولكنه يشتم الناس ويقع في أعراضهم، ويسفك الدماء، ويأكل المال الحرام ولا يهتم، فيأتي يوم القيامة فتسلب عنه هذه الحسنات أمام عينيه فيصير مفلسًا، بل ويأخذ من سيئات الآخرين فتوضع عليه بسبب ظلمه لهم ولا حول ولا قوة إلا بالله! ووضح النبي ﷺ في حديث آخر معنى الصرعة فقال: (إنما الصرعة الذي يملك نفسه عند الغضب) فليس المصارع البطل، وإن كان هذا يسمى صرعة، أي: أنه يصرع غيره، ولكن الصرعة حقيقة هو الذي يغلب نفسه وهواه وشيطانه عند الغضب، فيمسك نفسه عند الغضب، ويتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ويكظم غيظه وغضبه ابتغاء وجه الله سبحانه.\nوقال ﷺ: (أتدرون من الرقوب؟ قالوا: الرقوب: المرأة التي لم تنجب، فقال: لا، الرقوب: التي لم تقدم ولدًا) يعني: التي لم يمت لها ولد صغير، فالتي مات لها ولد صغير لها أجر عظيم جدًا عند الله ﷿، فإن المفاهيم عند الناس لها معنى، وفي الشريعة لها معنى أكبر من هذا الذي ينظر إليه الناس.\nوحديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ سأله في الحديث نفسه فقال: (إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب، ثم سألني عن رجل من قريش فقال: أتعرف فلانًا من قريش؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله، قال: فكيف تراه؟ قال: قلت: إذا سأل أعطي، وإذا حضر أدخل، فقال: ثم سألني عن رجل من أهل الصفة: أتعرف فلانًا؟ فقال: قلت: لا والله ما أعرفه يا رسول الله! قال: فما زال يحليه وينعته حتى عرفته) يعني: النبي ﷺ يعرف هذا الإنسان الفقير الذي لا يعرفه الكثير، فعرفه النبي ﷺ.\nقال: (فما زال يحليه) يعني: يذكر أن صفته كذا ويلبس كذا ويقعد في المكان الفلاني، حتى عرفه أبو ذر، فهو رجل مجهول بين الناس، ولكن يعرفه الله، ويعرفه رسول الله ﷺ، وتعرفه ملائكة الله (قال: قد عرفته يا رسول الله قال: فكيف تراه؟ قال: هو رجل مسكين، فقال النبي ﷺ: فهو خير من طلاع الأرض من الآخر) يعني: هذا الفقير من فقراء المساكين من أهل الصفة خير من طلاع -يعني: ملء الأرض- من مثل هذا القرشي الذي أعجبك.\nيقول أبو ذر ﵁: (أفلا يعطي من بعض ما يعطى الآخر؟)، إذا كان هذا عند الله له المنزلة الكبيرة هذه فلماذا لا يعطيه الله قليلًا مما أعطى الآخر من المال الكثير؟ فقال النبي ﷺ: (إذا أعطي خيرًا فهو أهله) فلو أن الله أعطاه خيرًا من مال وغيره فهو أهل ويستحق ذلك، (وإذا صرف عنه فقد أعطي حسنة) يعني: فإذا صرف الله عنه هذا المال وصبر على ذلك فهذا أفضل له عند الله ﷾.","vol":"51","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>شرح حديث: (انظر أرفع رجل في المسجد)</span>\nوفي حديث آخر لـ أبي ذر أن النبي ﷺ قال: (انظر أرفع رجل في المسجد، قال: فنظرت فإذا رجل عليه حلة)، نظر إلى أحسن رجل في المسجد يلبس حلة جميلة أي: إزارًا ورداء.\n(فقال: قلت: هذا يا رسول الله! فقال: انظر أوضع رجل في المسجد) انظر أفقر رجل لم يملأ عينك.\n(قال: فنظرت فإذا رجل عليه أخلاق)، أخلاق أي: خروق، (قال: قلت هذا)، فهذا أوضع واحد.\n(قال: فقال رسول ﷺ: لهذا عند الله خير يوم القيامة من ملء الأرض مثل هذا).","vol":"51","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-311>شرح حديث: (إن الله لا يحب هذا وأضرابه)</span>\nوعن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: (كنت في أصحاب الصفة) والصفة: مكان في مؤخرة المسجد له غطاء يقعد فيه الفقراء ممن هاجروا إلى النبي ﷺ وليس لهم زوجات ولا بيوت، فهم أضياف رسول الله ﷺ، فهؤلاء كان منهم واثلة، يقول: (كنت في أصحاب الصفة، ولقد رأيتنا وما منا إنسان عليه ثوب تام)، أي: لا يوجد شخص يلبس ثوبًا كاملًا.\nيقول: (وقد أخذ العرق في جلودنا طريقًا من الغبار والوسخ) فالمدينة كانت حارة، وهم لا يجدون ماءً يستحمون به ويتجملون، قال: (إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: ليبشر فقراء المهاجرين)، أي: أبشروا يا فقراء المهاجرين، قال: (إذ أقبل رجل عليه شارة حسنة)، أي: جاء شخص من الناحية الأخرى متجملًا بأحسن الثياب، قال: (فجعل النبي ﷺ لا يتكلم بكلام إلا كلفته نفسه أن يأتي بكلام يعلو كلام النبي ﷺ) فهو إنسان سافل حقير، النبي ﷺ يتكلم وهو يقوم يتكلم ويريد بهذا أن يقول كلامًا أحسن من كلام النبي ﷺ، فهو يتكلف الفصاحة! إذًا: لا تحكم على الإنسان بظاهره، فهذا الذي أتى وهو لابس حلة وعليه شارة، جاء مستكبرًا حتى على النبي صلوات الله وسلامه عليه، ألا لعنت الله على الظالمين! وظل النبي ﵊ يتكلم وهذا الرجل يذهب بكلام ليظهر الفصاحة وأنه أحسن كلامًا من النبي ﷺ، فرسول الله لم يرد عليه وتركه حتى انصرف، فلما انصرف قال النبي ﷺ: (إن الله لا يحب هذا وأضرابه).\nفهذا بغيض عند الله سبحانه ﵎؛ لأنه معجب بنفسه، فنسي أنه أمام النبي ﷺ أفصح الخلق صلوات الله وسلامه عليه، وأتى يريد أن يتعاظم أمام النبي ﷺ، وكأن ثيابه التي لبسها دفعته إلى الغرور، حتى إنه لا يقدر لرسول الله ﷺ قدره، يقول النبي ﷺ: (إن الله لا يحب هذا وأضرابه، يلوون ألسنتهم للناس لي البقر بلسانها المرعى) مثل البقرة عندما تأخذ الكلأ والمرعى بلسانها وتلوكه، فكذلك هذا الإنسان يريد أن يجمع بين الفصاحة بزعمه وظنه.\nقال ﷺ: (كذلك يلوي الله تعالى ألسنتهم ووجوههم في النار) يعني: هذا المغرور يوم القيامة يلوي الله لسانه ووجهه ويدخله نار جهنم والعياذ بالله! المقصود من جملة هذه الأحاديث: أنك لا تنظر ولا تحكم على الإنسان بملبسه وشارته، ولذلك وفد بعض الحكماء من العرب على خليفة من الخلفاء وكان لابسًا جبة رثة فقيرة ليس فيها زينة ولا شيء، فالخليفة كأنه ما عبره وجعل ينظر إلى الجبة، فهذا الحكيم يتكلم والخليفة ينظر إلى الجبة، فقال: هذا الذي يكلمك وليست هذه، يعني: ليست الجبة هي التي تكلمك، وإنما لساني هو الذي يكلمك، فانظر إلى حكمة هذا الإنسان وعقله، ودعك من النظر إلى ثيابه وغناه، فإن الذي ينفع الإنسان هو ما وقر في قلبه من إيمان، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"51","page":6},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-312> الترغيب في الزهد في الدنيا والترهيب من حبها والتكاثر فيها [١]</span>\nحذر الإسلام من الركون إلى الدنيا، والإخلاد إليها، ومن الاغترار بها، وأمر بالمسارعة والمسابقة إلى ما عنده ﷾، وحذر من كل ما يقطع عن ذلك من متاع الدنيا وزهرتها.","vol":"52","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>الترغيب في الزهد</span>\nأعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: قال الحافظ المنذري في كتاب التوبة والزهد: [وعن عبد الله بن عمر ﵄ لا أعلمه إلا رفعه، قال: (صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، وهلاك آخرها بالبخل والأمل).\nرواه الطبراني.\nوروى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله تعالى مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء).\nوعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الدنيا حلوة خضرة، فمن أخذها بحقها بورك له فيها، ورب متخوض فيما اشتهت نفسه، ليس له يوم القيامة إلا النار).\nرواه الطبراني في الكبير، ورواته ثقات.\nهذه الأحاديث من كتاب الترغيب والترهيب للإمام المنذري وقد ذكرها الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، في الترغيب في الزهد، وهذه الأحاديث فيها الحث للإنسان المؤمن على أن يزهد في الدنيا، حتى وإن جاءته الدنيا فهو زاهد فيها.\nوليس المعنى: أنه لا يجمع شيئًا أو لا يطلب منها شيئًا، ويجلس فيها فقيرًا وإنما المعنى: أنه مهما جاءته الدنيا فهو لا يجعلها في قلبه، ولا يطمع في المزيد.\nوالكثير من أهل الدنيا كلما جاءهم من الدنيا شيء طمعوا في المزيد من ذلك، سواء جاءهم من حلال أو من حرام، فلا فرق عندهم.\nوالإنسان المؤمن زاهد في مطامع الدنيا، فإن جاءته أخذها بحقها، وأنفقها في حقها، واتقى الله ﷿ في ذلك، فيبارك الله ﷿ له فيما أنفق، وفيما ترك.","vol":"52","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-314>بيان أن صلاح هذه الأمة بزهدها في الدنيا</span>\nعن عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعًا إلى النبي ﷺ، وفيه: (صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين).\nوهذا يبين لنا فضل الصحابة ومن اتبعهم بإحسان، فصلاح هؤلاء بزهدهم في الدنيا، فهم زاهدون فيها، وغير راغبين في المزيد منها، فقد فتحت الفتوحات من بلاد قيصر وبلاد كسرى، وفتح الله ﷿ لهم مشارق الأرض ومغاربها، وجاءتهم الدنيا من كل مكان، وبزهدهم فيها أعطاهم الله أكثر وأكثر.\nفقد أعطوا لله حقه فأعطاهم الله وفتح عليهم سبحانه.\nومع أنهم جاءتهم الدنيا إلا أنها كانت في أيديهم، وكان الذي في قلوبهم هو الخوف من الله والخشية منه والزهد وعدم الطمع في هذه الدنيا.\nوقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ: (اثنان لا يشبعان، طالب علم وطالب دنيا).\nفطالب العلم لا يشبع أبدًا؛ لأنه كلما ازداد علمًا ازداد علمًا بجهله، فازداد طلبًا للعلم.\nوطالب الدنيا كلما أغناه الله من الدنيا استشعر الفقر إليها، وأنه محتاج أكثر وأكثر، فهما لا يشبعان.\nوفرق بين الاثنين كبير: فالعالم يطلب العلم يبتغي به وجه الله سبحانه، وكلما ازداد علمًا ازداد رفعة، وازداد في نفسه تواضعًا.\nوطالب الدنيا كلما ازداد غنىً ازداد في نفسه فقرًا وافتقارًا إلى الدنيا، وازداد شعورًا بأن هذا يزول منه، فيريد أن يتمكن منه، فهو يحرس الدنيا، وأما صاحب العلم فعلمه يحرسه، فالفرق كبير بين الاثنين.\nفلذلك المؤمن يكون طالبًا للعلم، وطالبًا للآخرة، وزاهدًا في الدنيا، وستأتيه الدنيا راغمة، كما أخبرنا النبي ﷺ.\nفصلاح أمر هذه الأمة كان بالزهد واليقين، أي: بالزهد في الدنيا، واليقين فيما عند الله سبحانه.\nبأن يكون الإنسان زاهدًا، وفي قلبه يقين بأن ما كتب له لا بد أن يأتيه، وأنه لن تفلت منه الدنيا التي كتبها الله ﷿ له.\nولذلك فهو لا يحسد الناس؛ لأن الشيء الذي آتاه الله ﷿ لغيره لو أراد أن يأتيه إياه لآتاه، فهو على يقين بأن الله لو أراد أن يعطيه هذا الشيء لأعطاه إياه، فلا ينظر إلى غيره نظرة حسد، ولا يتخط لأن الله أعطى هذا الشيء لغيره، ولم يؤته هو؛ لأنه واثق بأن الله لن يؤتيه إلا الخير، ولا يمنع عنه إلا الضير.\nفكان صلاح الأوائل بسبب زهدهم ويقينهم.","vol":"52","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-315>بيان أن البخل والأمل سببان لهلاك هذه الأمة</span>\nوهلاك آخر هذه الأمة بالبخل والأمل: فإذا أعطى الله أحدهم من الدنيا تجده يبخل، ولا يخرج منها شيئًا، وتجد بعض الناس معه الأموال الكثيرة، ويقول: إنه طول عمره لم يخرج زكاة ماله، ولا يعرف ما هي زكاة المال! وهذا عجيب، أن يكون عمر الإنسان ستين أو سبعين سنة ويقول إنه طوال عمره لم يخرج زكاة ماله.\nفأين ذهب عمره؟ وأن ذهبت السبعون السنة، وهو لم يسمع عن زكاة المال؟ ولم يخرج زكاة المال مرة من المرات.\nألم يسمع قول الله ﷿: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]؟ ولكن الإنسان يبخل، فيعاقبه الله ﷿ بالغفلة، فيسمع هذه الآية ولا ينبته لمعناها، ولا يتذكر بها، إلا أن يشاء الله ﷿ له يومًا من الأيام ذلك.\nفهلاك آخر هذه الأمة بالبخل، ففي أيديهم المال ويبخلون عن الحقوق، فلا يعطون لأهلهم حقهم، ولا يعطون الفقراء حقوقهم وحظهم، ولا يعطون أولادهم حقوقهم، ولا ينفقون على أحد فهم بخلاء.\nوكذلك عندهم الأمل فيطمعون في المزيد، ويؤملون أن يعشوا، ويقولون: سننفق فيما بعد، فلا يعيشون ولا ينفقون وإنما يموتون ويأخذ ما لهم غيرهم.","vol":"52","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-316>التحذير من الاغترار بالدنيا</span>\nوروى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، وروى مثله الطبراني عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال: (إن الدنيا حلوة خضرة).\nأي: مثل البقل الذي ينبت من الأرض، وتأكله البقر والإبل والغنم.\nفإن طعمه حلو، ولو تركت المواشي تأكل منه ما أرادت؛ لأتخمت ثم تموت.\nولكن الله ﷿ جعل آكلة الخضر من المواشي مثل البقرة تأكل ما يكفيها، ثم تركن إلى الشمس، فتجتر هذا الذي أكلته، ثم ثلطت وبالت وأخرجت.\nوأما الإنسان فلا يعمل هذا الشيء، وإنما يجمع الدنيا ويخزنها إلى أن تتخمه وتهلكه، قال ﷺ: (وإن الله تعالى مستخلفكم فيها)، يعني: جاعلًا بعضكم يخلف بعضًا فيها، فإذا مت جاء عيالك بعدك يخلفونك، ويأتي غيرك ليأخذ مكانك، فلا أحد يعيش فيها أبدًا.\nفإن الإنسان يصل إلى أعلى شيء ثم يموت، ويأتي غيره مكانه، ولا تدوم الدنيا لأحد أبدًا.\nولذلك السعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه.\nقال ﷺ: (وإن الله تعالى مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعلمون؟ فاتقوا الدنيا)، أي: اجعلوا بينكم وبين هذه الدنيا وقاية، وعين بصيرة من ذكر لله سبحانه، ومن مواعظ تسمعونها وتعملون بها.\nقال: (واتقوا النساء) أي: احذروا من النظر إلى النساء، واحذروا من أن تتبعوا الهوى، فتغووا في النهاية وتضيعوا.\nقال ﷺ: (فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء).","vol":"52","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-317>بيان أن الأخذ من الدنيا سبب لنقصان الدرجات في الآخرة</span>\nوعن عبد الله بن عمر ﵄ رواه ابن أبي الدنيا قال النبي ﷺ: (لا يصيب عبد من الدنيا شيئًا إلا نقص من درجاته عند الله، وإن كان عليه كريمة).\nوالدرجات في الآخرة درجات عالية جدًا، فمهما أخذ الإنسان من الدنيا، وطمع فيها، وقد يكون هذا الإنسان كريمًا عند الله ﷿، ولكنه لا يصل إلى الدرجات العلا لأخذه من الدنيا ومن حطامها؛ ولذلك المؤمن يأخذ ما يكفيه، وإن جاءته الدنيا أنفق لله ﷿ بقدر ما وسع عليه؛ حتى يزاحم في الآخرة مع أهل الدرجات.\nوعن أبي عسيب ﵁ قال: (خرج رسول الله ﷺ ليلة فمر بي، فدعاني فخرجت إليه، ثم مر بـ أبي بكر ﵀ فدعاه فخرج إليه، ثم مر بـ عمر ﵀ فدعاه فخرج إليه، فانطلقنا حتى دخل حائط لبعض الأنصار فقال لصاحب الحائط: أطعمنا، فأطعمنا بسرًا، -أي: بلح البسر- بعذق فوضعه، فأكل رسول الله ﷺ وأصحابه، ثم دعا بماء بارد فشرب).\nوبعد أن أكل النبي ﷺ وأصحابه التمر، وشربوا الماء، ولم يكن الماء من ثلاجة، ولكنه ماء بارد من البئر، كانوا يأتون به ويضعونه في زير أو في قلة، ويبردونه في الهواء، فشرب النبي ﷺ بعد أن أكل، ثم قال لهم هذه الموعظة، قال: (لتسألن عن هذا يوم القيامة) يعني: هذا من النعيم الذي أنعم الله ﷿ به عليكم.\nقال: فأخذ عمر ﵀ العذق فضرب به الأرض حتى تناثر البسر قبل رسول الله ﷺ، ثم قال: (يا رسول الله! إنا لمسؤلون عن هذا يوم القيامة؟) يعني: عن هذا وهو أقل شيء، وكل الناس تجده، والمدينة مليئة بالبساتين؟ فـ عمر بن الخطاب يستغرب ويقول: هل هذا هو الذي يقول الله عنه: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨]؟ وهل هذا هو الذي سنسأل عنه يوم القيامة؟ فقال النبي ﷺ: (نعم، إلا من ثلاث: خرقة لف بها الرجل عورته، أو كسرة سد بها جوعته، أو جحر يدخل فيه من الحر أو القر)، يعني: غرفة صغيرة يدخل فيها، وليس قصرًا ولا فلة كبيرة ولا شقة كبيرة، فهذه يسأل عنها كلها يوم القيامة.","vol":"52","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-318>الحث على الاستعداد ليوم القيامة</span>\nوعندما مر النبي ﷺ على رجل من أصحابه يبني بيته، وقف ﷺ وقال: (الأمر أعجل من هذا).\nفكأن النبي ﷺ يقول له: لا تطمع في الدنيا ولا تتمن أن تبني شاهقًا وعاليًا، وإلا فأنت تأمل أن تعيش أكثر.\nوليس معناه أنه ينهاه، ولكنه يذكره أنك عندما تبني فتذكر أنك لن تعيش، ويمكن أن يعيش البيت أكثر منك، وأكثر البيوت التي تجدها وتمر عليها قد مضى أصحابها وماتوا، وبقي البيت فقط موجودًا.\nفعلى الإنسان أن يتذكر، ففي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص لما سأله رجل فقال: ألست من الفقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ يعني: هل أنت متزوج؟ فقال: نعم.\nقال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم.\nقال: فأنت من الأغنياء.\nفقال الرجل: إن عندي خادمًا أيضًا.\nقال: فأنت من الملوك.\nفالذي عنده بيت وزوجة وخادم يخدمه فهو من الملوك.\nهذا كلام عبد الله بن عمرو بن العاص الذي قال له النبي ﷺ وهو يبني البيت: (الأمر أعجل من ذلك).\nفقد تعلموا من النبي ﷺ كيف يكون الزهد في الدنيا، بتربية النبي ﷺ لهم.\nنسأل الله عزل وجل أن يطمعنا فيما عنده من الدار الآخرة، وأن يزهدنا في الدنيا.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"52","page":7},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-319> الترغيب في الزهد في الدنيا والترهيب من حبها والتكاثر فيها [٢]</span>\nوردت الأحاديث النبوية التي فيها التحذير من الدنيا، والترغيب في الآخرة، وأن على المرء أن يعمل العمل الذي يعود عليه بالنفع في الآخرة، فإنه هو الذي يتبعه إلى قبره.","vol":"53","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-320>تابع ما جاء في الزهد في الدنيا والاكتفاء منها بالقليل</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الحافظ المنذري ﵀: [وعن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من عبد ولا أمة إلا وله ثلاثة أخلاء: فخليل يقول: أنا معك فخذ ما شئت ودع ما شئت فذلك ماله، وخليل يقول: أنا معك فإذا أتيت باب الملك تركتك، فذلك خدمه وأهله، وخليل يقول: أنا معك حيث دخلت وحيث خرجت، فذلك عمله)، رواه الطبراني في الكبير بأسانيد أحدها صحيح.\nوعن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١] قال: يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك يابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت)، رواه مسلم.\nوعن الضحاك بن سفيان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: (يا ضحاك! ما طعامك؟ قال: يا رسول الله! اللحم واللبن، قال: ثم يصير إلى ماذا؟ قال: إلى ما قد علمت، قال: فإن الله تعالى ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلًا للدنيا)، رواه أحمد].","vol":"53","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-321>شرح حديث: (ما من عبد ولا أمة إلا وله ثلاثة أخلاء)</span>\nفي كتاب الزهد من كتاب الترغيب والترهيب للإمام المنذري ﵀ ذكر عدة أحاديث، منها: حديث النعمان، ومثله حديث أبي هريرة، ومثله حديث أنس بن مالك رضي الله عن الجميع، والحديث فيه بيان كيف يكون أهل الإنسان ومال الإنسان وعمل الإنسان له، يضرب ﷺ هنا المثل في حديث النعمان فيقول: (ما من عبد ولا أمة إلا وله ثلاثة أخلاء)، وفي رواية: (مثل الرجل ومثل الموت كمثل رجل له ثلاثة أخلاء) أي: رجل له ثلاثة أصدقاء وأصحاب وأخلاء وأحبة، هذا في الظاهر، فقال النبي ﷺ: (فخليل يقول: أنا معك فخذ ما شئت ودع ما شئت فذلك ماله)، هذا واحد من ثلاثة أصدقاء للإنسان وهو المال.\nقوله: (ما من عبد ولا أمة)، يعني: أن الله هو الملك وأن كل عبد لا بد وأن يرجع إلى مالكه ليحاسبه عما عمل.\nفأنت راجع إلى الله ﷾، ومعك هؤلاء الثلاثة في الدنيا: مالك، أهلك، عملك، فيقول هنا ﷺ: (مثل الرجل ومثل الموت) أي: أن الموت مرجعك إلى الملك ﷾.\nثم قال: (كمثل رجل له ثلاثة أخلاء، فقال أحدهم: أنا معك فخذ ما شئت، ودع ما شئت)، يعني: هذا الخليل يقول لك: خذ المال وافعل به ما شئت، هذا مالك وأنت مسيطر عليه في الدنيا، وأنت تنفقه في الدنيا، فما أنفقت فهو مالك وما تركته وراءك فهو مال الورثة وليس مالك أنت.\nالخليل الثاني: أهل الإنسان، قال هذا الخليل: أنا معك أخدمك فإذا مت تركتك.\nالخليل الثالث: العمل، قال: أنا معك أدخل معك وأخرج معك إن مت وإن حييت.\nثلاثة من الأخلاء مثل صورة إنسان كان عند ملك من الملوك وزيرًا في المكان الفلاني، وبعد سنة قال له: تعال سوف أحاسبك، وكان له أصدقاء كثيرون، وهذا يقول له: نفديك بالروح، وهذا يقول له: نفديك بالمال، فالملك قال للوزير: تعال الآن أحاسبك، فالخليل الأول: مال الإنسان، جلس معه وقال: أنت حبيبي وأنت كذا فمضى الوزير وتركه، ومضى مع الوزير الخليل الثاني إلى أن وصل إلى السيارة أو القطار ثم قال له: مع السلامة لا أعرفك، أما الخليل الثالث فركب معه، وقال: أنا أدافع عنك، وأنا أصل معك إلى الملك، فوصل معه للملك ووقف أمام الملك فقال: هذا لم يعمل كذا وعمل كذا ولم يعمل كذا ودافع عنه، فأنفع شيء للإنسان هو عمله، فاعمل العمل الصالح وثق في الله سبحانه، فعملك هو الذي ينفعك بإذن الله، لا مالك ينفعك ولا أهلك ينفعونك إلا أن يشاء الله ﷾، وإنما الذي يبقى لك وينفعك هو عملك الذي يدخل معك في قبرك، أما المال فأنت تركته وانصرفت في نعشك إلى قبرك، وأما الأهل فيودعونك إلى القبر ولا يدخل أحد منهم معك القبر، وإنما الذي يدخل معك قبرك هو عملك، ولذلك الإنسان وهو في قبره يمثل له عمله الصالح في صورة رجل طيب الريح جميل الوجه فيقول له: (أبشر بخير يوم جاء عليك منذ ولدتك أمك، يقول: من أنت، فوجهك الوجه الذي يأتي بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، والله ما علمتك إلا كنت سريعًا إلى الخير بطيئًا عن الشر فجزاك الله خيرًا).\nفإذًاَ: عمل الإنسان هو الذي يدخل معه في قبره ويدافع عنه في قبره، فعندما يأتي العذاب على الإنسان في قبره يصبح العمل حول الإنسان: صلاة الإنسان، زكاة الإنسان، حج الإنسان، صوم الإنسان، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، هذه الأعمال تكون حول هذا الإنسان في قبره، تدافع عنه حتى ينجيه الله ﷾، هذا عمل الإنسان.\nيقول النبي ﷺ في رواية أنس بن مالك في الصحيحين: (يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله، ويبقى عمله).\nوروى البزار عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مثل ابن آدم وماله وأهله وعمله كرجل له ثلاثة إخوة -أو ثلاثة أصحاب- فقال أحدهم: أنا معك حياتك، فإذا مت فلست منك ولست مني، قال: فهو ماله، وقال الآخر: أنا معك فإذا بلغت تلك الشجرة فلست منك ولست مني)، أي: إذا بلغت تلك الغاية فلست معك، وهؤلاء أهل الإنسان، (قال الآخر: أنا معك حيًا وميتًا، فهذا عمل الإنسان).","vol":"53","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-322>شرح حديث: (يقول ابن آدم مالي مالي)</span>\nمن الأحاديث في هذا المعنى حديث رواه مسلم من حديث أبي هريرة ومن حديث عبد الله بن الشخير يقول النبي ﷺ: (يقول ابن آدم: مالي مالي).\nيعني: الإنسان حين يتكبر ويفتخر بالمال ويقول: أنا عندي أموال كثيرة، نقول لهذا: من الذي أعطاك هذا المال؟ أليس المال مال الله ﷾، وما مالك؟ يقول: (إنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فأقنى)، وفي الرواية الأخرى: (وهل لك يابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت) فمالك ما اشتريت به طعامًا وأكلته وفني هذا الطعام، أو اشتريت به ثيابًا ولبست هذه الثياب فخلقت وبليت، أو أخرجت الصدقة فنفعتك عند الله ﷾.\nويقول النبي ﷺ: (وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس)، يعني: مهما ادخرت من مالك تتركه في النهاية لورثتك.\nذكر النبي ﷺ هذا الحديث وهو يقرأ لهم: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١]، والتكاثر: هو التفاخر بالكثرة، كأن يقول: أنا معي (مليون) والثاني يقول: أنا معي (مليونان)، أنا معي ألف، أنا معي ألفان، تكاثر وافتخار وزهو وعجب وغرور بالمال، فقوله: ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ [التكاثر:١]، يعني: دفعكم عن التذكرة ودعاكم إلى التلهي والنسيان كثرة المال الذي في أيديكم، ثم ذكر النبي ﷺ هذا الحديث.","vol":"53","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>شرح حديث تمثيل الدنيا بما يخرج من بطن الإنسان</span>\nمن الأحاديث حديث رواه الإمام أحمد من حديث الضحاك بن سفيان ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ يسأله: (يا ضحاك! ما طعامك؟).\nالنبي ﷺ يعرف ما يأكل الناس ولكن أراد أن يضرب المثل، وكأن الضحاك كان رجلًا غنيًا يأكل من أعلى الأشياء، فقد كان يأكل اللحم ويشرب اللبن، هذا طعامه وشرابه، فقال: (يا رسول الله! اللحم واللبن)، يعني: أغلى شيء وأرفعه.\nفقال النبي ﷺ: (ثم يصير إلى ماذا؟) يعني: أغلى شيء عندك اللحم واللبن ثم يصير هذا اللحم واللبن إلى ماذا؟ قال الرجل متأدبًا مع النبي ﷺ: (إلى ما قد علمت).\nيعني: يتحول في بطن الإنسان إلى غائط، ويخرج في النهاية ويتقذره الإنسان، فقال النبي ﷺ: (فإن الله تعالى ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلًا للدنيا).\nيعني: الدنيا التي تنظر إليها أعلى ما فيها الطعام والشراب، وفي النهاية يصير شيئًا لا قيمة له، بل تتأذى من هذا الشيء الذي يخرج منك، كذلك هذه الدنيا تصير يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء، فتقول: هذه الدنيا هي التي كنت أحبها؟ هذه دنيا الإنسان.\nيقول في الحديث الآخر صلوات الله وسلامه عليه: (إن مطعم ابن آدم جعل مثلًا للدنيا، وإن قزحه وملحه) يعني: يأتي بالطعام ومن ثم يطبخه ويضع عليه توابل من أجل أن يصبح طعمه لذيذًا، وبعد ما أتعبت نفسك وطبخت هذا الطبيخ أكلته ثم صار إلى غائط في يوم من الأيام وتتأذى منه، فيقول النبي ﷺ: (فانظر إلى ما يصير).\nمثل هذا يدفع الإنسان ألا يتكالب على هذه الدنيا؛ لأن الذي تحبه اليوم هو الذي ستبغضه في الغد، والثوب الجديد تفرح حين تلبسه وتفتخر به على غيرك، وتمر عليه الأيام والشهور فيصبح ثوبًا قديمًا تستحيي من لبسه؛ لأنه قد تمزق وتقطع وترقع، كذلك هذه الدنيا تفرح بها حين تقبل عليك، وتتأذى منها يوم القيامة حين ترى ما صنعته فيها.","vol":"53","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>شرح حديث: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها)</span>\nيقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه ابن ماجة عن أبي هريرة مرفوعًا: (إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالمًا أو متعلمًا).\nهذه الدنيا كلها ملعونة مطرودة، ولم يستثن النبي ﷺ منها إلا ما يقربك من الله ﷾، وهو ذكر الله، أن تذكر الله ﷾ وتصلي لله، وتطيع الله، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، كذلك ما يتبع.\nذكر الله من علم وعمل، قال: (وعالمًا أو متعلمًا)، فإذا كان الإنسان في علم أو تعليم فهذا خير ما يكون في هذه الدنيا، وما كان في غير ذلك فيستحق أن يطرد وأن يبعد، كما قال النبي ﷺ، والله أعلم.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"53","page":6},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-325> الترغيب في الزهد في الدنيا والترهيب من حبها والتكاثر فيها [٣]</span>\nدعا النبي ﷺ على من يطمع في الدنيا بالتعاسة والانتكاس؛ لأنه يكون عبدًا لها ولهواه، ودعا لمن يجاهد في سبيل الله متواضعًا لا يعرفه أحد ولا يؤخذ برأيه، أن طوبى له على ذلك، وأشد الأشياء إفسادًا لدين المرء الحرص على المال والشرف.","vol":"54","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>الدنيا فانية ومتاعها زائل</span>","vol":"54","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>شرح قوله: (تعس عبد الدينار)</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الحافظ المنذري ﵀: [الترغيب في الزهد: روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، وإن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع).\nوروى الترمذي عن كعب بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه).\nوروى الطبراني عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ما ذئبان ضاريان جائعان باتا في زريبة غنم أغفلها أهلها يفترسان ويأكلان بأسرع فيها فسادًا من حب المال والشرف في دين المرء المسلم).\nهذه أحاديث يذكرها الحافظ المنذري ﵀ في الزهد في الدنيا، فالإنسان لا يطمع فيها وكلما علم من كتاب الله ﷾ شيئًا عن هذه الدنيا زاد زهدًا فيها، كقوله سبحانه: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، فالدنيا متاع غرور، وكم يتمتع هذا المغرور بهذه الدنيا؟ فالمغرور يتمتع بشيء يغره، أي: بصحة وعافية وقوة في بدنه ومنصب ورئاسة ومال وجمال ولا تدوم هذه الأشياء.\nفالإنسان مهما تمتع فإنه في النهاية يترك ذلك، فليحرص الإنسان على الدين وليترك الدنيا لأهلها ولا يتكالب عليها ولا يطمع فيها، فإنه لن ينال منها إلا ما قسمه وكتبه الله ﷿ له.\nمن الأحاديث التي في هذا الباب: حديث أبي هريرة رواه الإمام البخاري في صحيحه، أن النبي ﷺ قال: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة).\nوالتعس بمعنى: الهلاك والعثار والسقوط، والتعس بمعنى: الشر، وبمعنى: الانحطاط والبعد، فكل هذا دعاء يدعوه النبي ﷺ على هذا الإنسان، أي: بعد هذا العبد، وانحط وسقط ووقع ولم يجد من يرفعه، تعس هذا الذي نسي أنه مخلوق لعبادة الرب الواحد ﷾ وعبد الدنيا وعبد الدرهم والدينار، (تعس عبد الدينار)؛ لأنه نسي نفسه.\nوالإنسان عبد لله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، عابد لله يعرف ما الذي يريده الله وهو يؤدي حق الله سبحانه كما يريد الله، فهواه تابع لدين رب العالمين سبحانه، هذا هو عبد الله، وغير ذلك يكون عبدًا لهواه ولشهوته أي: تابعًا لهواه، حيثما ذهب به الهوى ذهب وراءه، وحيثما أدت به شهوته كان وراءها، فهو متبع للهوى ومتبع للدرهم ومتبع للدينار، صار عبدًا لهذه الأشياء، يجري وراءها في حلال وفي حرام، ويريد أن يخطفها ويأخذها، فقال ﷺ داعيًا على من هذا حاله: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة).\nكأن الإنسان يكون عبدًا للمال الكثير، بل قد يكون عبدًا للمال الحقير أيضًا، فالمال الكثير معبر عنه بالدينار، والمال الحقير معبر عنه بالدرهم.\nوالخميصة: القماش أو الخرقة التي يلبسها الإنسان فيصير عبدًا لذلك طامعًا في قطعة وخرقة وقماش فيختلسها ويسرقها، وهواه يدفعه أن يأخذها باختلاس وبخيانة وبطمع وبشره وبانحطاط، فتراه يركض وراء هواه في أي صورة من الصور، ويريد أن يحصل هذه الأشياء، فدعا عليه النبي ﷺ.\nوذكر من حاله: (إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط) يعني: كأنه يتبع الناس على أموالهم، إذا الناس أعطوه المال فرح ورضي بذلك، وإذا لم يعطوه ذلك يذم الناس ويتسخط؛ لأنهم لم يعطوه.\nترك دينه وراءه ظهريًا واتبع هواه واتبع مطامعه فتعس هذا الإنسان، قال النبي ﷺ: (تعس وانتكس)، دعا عليه بالتعاسة والانتكاس، انتكس الإنسان يعني: سقط على وجهه، وانتكس المريض بمعنى: أنه لما قارب شفاؤه وصحته إذا به ينقلب عليه المرض فيصير أشد مما كان.\nفدعا النبي ﷺ على هذا الإنسان الشره الذي يطمع في الكثير وفي القليل، ورضاه للدنيا فقط، فلا يرضى للدين ولا يرضى لله ﷾، ولا يسأل عن دينه، إنما سؤاله عن الدنيا ورضاه وسخطه في الدنيا.\nقال: (تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش)، دعاء عليه يعني: لو دخلت في رجله شوكة لا يجد من ينقشها له، نقشها بمعنى: أزالها بالمنقاش الذي تستخرج به الشوكة، كالإبرة ونحوه، فالشوكة إذا دخلت في رجل هذا الإنسان لا يلقى الذي ينقشها له، دعاءً من النبي ﷺ عليه.","vol":"54","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-328>شرح قوله: (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه)</span>\nثم دعا لعكس هذا الإنسان: (طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه).\nوجاء في الحديث أن طوبى شجرة من أشجار الجنة تخرج فيها ثياب أهل الجنة، فكأنه يدعو لهذا الإنسان أن ينال الحظ الوافر في الآخرة، وأن يكون من أهل الجنة ومن أهل هذه الشجرة.\nقال: (طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله)، يعني: عبدًا مجاهدًا فقيرًا ومع ذلك ليس له طمع في الدنيا ولا يطمع في الدرهم ولا في الدينار ولا الخميصة، ولكن طمعه في دين الله وفي رضا الله.\nقال ﷺ في وصف هذا الإنسان: (أشعث رأسه)، يعني: ليس عنده وقت يمشط فيه شعره.\nقال: (مغبرة قدماه)، مجاهد في سبيل الله، يمشي حافيًا، فيعلق الغبار والتراب بقدميه من كثرة المشي.\nقال: (إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة) فهو عبد متواضع فقير لا أحد يعرفه وليس له قيمة كبيرة لكي يوضع في مكان مرموق، فهذا الفقير يجعلونه حارسًا، وهو راض بهذا الشيء لرضا الله ﷿ به، أو يجعلونه في الساقة في آخر الجيش أو في غير ذلك فلا يهتم لمكانه ولا يريد أن يراه الناس إنما يريد أن يعرفه الله ﷾.\nقال: (إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع)، يعني: حاله أنه فقير مسكين ضعيف لو أنه استأذن لا أحد يأذن له، ليس له فضل عند الناس، وليس له عند الناس وجاهة لكي يستأذن فيدخل، وإذا شفع لإنسان عند إنسان ليس له عنده منزلة فلا يرضى منه ولا يقبل منه، هذا الإنسان دعا له النبي ﷺ: طوبى لهذا العبد.","vol":"54","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-329>من أحب الدنيا أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه</span>\nومن الأحاديث التي جاءت عنه ﷺ: حديث رواه الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى).\nالدنيا والآخرة ضرتان، ترضي واحدة وتغضب الأخرى، وليس من الممكن أن ترضي الثنتين أبدًا، فمن أحب دنياه أضر بآخرته؛ لأنه يحب الدنيا فيبدأ في الطمع ويجمع لهذه الدنيا ويترك أمر الآخرة فأضرب آخرته.\nوالعكس بالعكس: الذي ينتبه لأمر الآخرة لابد أن تضيع عليه أشياء من الدنيا، والدنيا تدعو صاحبها إلى أن شريفًا مفتخرًا، والآخرة تدعو صاحبها إلى أن يكون متواضعًا بين الناس، فيه ضعة وفقر وحب لأهل الزهد وبعد عن أهل الدنيا.\nفالذي يضر دنياه ينتفع في آخرته.\nقال ﷺ: (فآثروا ما يبقى على ما يفنى) أي: فضلوا الدار الآخرة، وإذا تعارضت الدنيا مع الآخرة ففضلوا الآخرة.","vol":"54","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-330>شرح حديث: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم)</span>\nمن الأحاديث العظيمة التي جاءت عن النبي ﷺ حديث رواه الترمذي عن كعب بن مالك، ورواه الطبراني عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه).\nنفهم من هذا المثل الذي يذكره ﷺ أن حظيرة فيها أغنام، هذه الحظيرة غفل عنها صاحبها فدخلها ذئبان، والذئب من أشد الحيوانات ضراوة وعداوة وإفسادًا، فلو كان ذئبًا واحدًا لأفسد فساد عظيمًا، فكيف بذئبين يشجع أحدهما الآخر؟ وكيف بحظيرة مفتوحة أهملها أصحابها وجاء الذئبان وهما جائعان ضاريان، والذئب إذا كان جائعًا وسلط على حظيرة غنم يهجم على الغنمة ويأكل من بطنها، ويهجم على الثانية ويأكل من بطنها، فلا يترك غنمة واحدة إلا نهش بطنها، وكأنه يريد أن يأكل الجميع، فلا تكفيه واحدة، هذا ذئب واحد، فكيف لو كانا ذئبين؟ فالذئب بشرهه وطمعه يفسد كل هذه الأغنام، ويأكل من الجميع ما يأكل.\nفالذي ذكره النبي ﷺ من التشبيه أن حظيرة غنم دخل فيها ذئبان جائعان أفسدا إفسادًا عظيمًا وأهل الحظيرة غافلون عنها، فالحظيرة هي دين الإنسان، والذئبان هما حرص الإنسان على ماله، وحرصه على شرفه، فالإنسان الذي يحرص على المال يبدأ في جمع المال بأي صورة من الصور، والإنسان فيه نهم يشبه نهم الذئب حين يأكل الغنم، ففيه طمع وفيه شره وفيه حرص على المال وحرص على السيادة والرفعة.\nفالإنسان قد يضحي بماله في سبيل سيادته ورفعته، والحرص على المال وعلى الجاه يفسد على الإنسان دينه أشد من إفساد هذين الذئبين في هذه الحظيرة التي فيها الأغنام، فقال ﷺ: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه)، يعني: يحرص على المال وعلى الشرف فيفسد دينه بحرصه ذلك.\nلذلك يقول العلماء: أما المال فإفساده أنه نوع من القدرة يحرك داعية الشهوة ويجر إلى التنعم في المباحات فيصير التنعم مألوفًا، يعني: معه مال فيألف كل شيء مباح، إذا غاب عنه هذا الشيء المباح يبدأ يغضب؛ لأنه فقد شيئًا من النعمة، وربما يشتد أنس الإنسان بهذا المال فيعجز عن كسب الحلال، ويبدأ يبحث عن الحرام فيقتحم في الشبهات وفي الحرام ويتلهى عن ذكر الله فيضيع دينه، ويكفي به إفسادًا أن المال يلزم الجاه، والجاه لا يلزم المال.\nفالإنسان يجمع المال لكي يكون ذا قدر كبير بين الناس، فكيف يكون جاه الإنسان الذي يحرص عليه؟ إذا كان في سبيل المال يضيع دينه فكيف إذا كان في سبيل الجاه؟ فذكر النبي ﷺ أن المال والجاه يضيعان دين الإنسان، فهنا يخوض الإنسان في المراءاة في سبيل الجاه وفي النفاق وفي المداهنة وفي سائر الأخلاق الذميمة لكي يقال عنه رجل كبير ورجل بين الناس رئيس، فهذا من إفساد طلب الشرف وطلب المال لدين المرء.\nوإذا كان الهم عند المرء همًا واحدًا كفاك الله ﷿ جل ما أهمك، وإذا اجتمعت بك الهموم في طلب المال وفي طلب الشرف وفي طلب المناصب ضاع الدين وضاعت الدنيا.\nنسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"54","page":6},{"text":"شرح الترغيب والترهيب -<span data-type=\"title\" id=toc-331> الترغيب في الزهد في الدنيا والترهيب من حبها والتكاثر فيها [٤]</span>\nترك النبي ﷺ الدنيا وطلب الدار الآخرة، مع أن الله ﷾ عرضها عليه، ولكنه رضي بالقليل؛ لأنه يعلم أن ما عند الله خير وأبقى، وفيه ﷺ أسوة حسنة للمؤمنين.\nوعلى نهجه سار الصحابة من بعده والصالحون.","vol":"55","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-332>ذكر ما جاء من زهد النبي ﷺ وتقشفه</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الحافظ المنذري ﵀ في الترغيب في الزهد: [وعن سهل بن سعد ﵁ قال: (ما رأى رسول الله ﷺ النقي من حين ابتعثه الله تعالى حتى قبضه الله، فقيل: هل كان لكم في عهد رسول الله ﷺ مُنخُل؟ قال: ما رأى رسول الله ﷺ مُنخُلًا من حين ابتعثه الله تعالى حتى قبضه الله، فقيل: فكيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ فقال: كنا نطحنه وننفخه فيطير ما طار وما بقي ثرَّيناه)، رواه البخاري.\nوعن أم أيمن ﵂: (أنها غربلت دقيقًا فصنعته للنبي ﷺ رغيفًا، فقال: ما هذا؟ فقالت أم أيمن: طعام نصنعه في أرضنا فأحببت أن أصنع لك منه رغيفًا، فقال: رديه فيه ثم اعجنيه)، رواه ابن ماجة.\nوعن عائشة ﵂ قالت: (أرسل إلينا آل أبي بكر بقائمة شاة ليلًا فأمسكت وقطع النبي ﷺ، أو قالت: فأمسك رسول الله ﷺ وقطعت، قال: فتقول للذي تحدثه: هذا على غير مصباح؟ قالت عائشة ﵂: إنه ليأتي على آل محمد ﷺ الشهر ما يختبزون خبزًا ولا يطبخون قدرًا).","vol":"55","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-333>الاستشعار بالفقراء والمساكين وتربية النفس على الجوع والصبر</span>\nهذه الأحاديث الصحيحة يذكرها الحافظ المنذري في الترغيب في الزهد، وشهر رمضان مناسب للإنسان المؤمن أن يتذكر مثل هذه الأحاديث؛ لأن شهر رمضان شهر الصوم، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]، فيتعلم المؤمن في هذا الشهر الامتناع عن الطعام وعن الشراب من الفجر وحتى غروب الشمس.\nويتعود في هذا الشهر على الجوع ويستشعر بما يستشعره الفقراء والمساكين، وما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه من الجوع فيربي نفسه على ذلك ويفطم نفسه عن الدنيا، وليس كل ما يريده الإنسان يناله في هذه الدنيا، وإنما يعتاد أن يترك الشيء الذي يقدر عليه، فيجعل بينه وبين الحرام سدًا وحاجزًا، ويترك من الحلال حتى لا يستنفذ الحلال، فيقع في الحرام بعد ذلك.","vol":"55","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-334>أكل النبي ﷺ الخبز الخشن على سفرة</span>\nمن الأحاديث التي جاءت عنه صلوات الله وسلامه عليه يقول أنس ﵁: (لم يأكل النبي ﷺ على خوان حتى مات، ولم يأكل خبزًا مرققًا حتى مات، ولا رأى شاة سميطًا بعينه قط).\nهذا أنس ﵁ وقد أغناه الله ﷿ ببركة دعوة النبي ﷺ له: اللهم بارك له في ماله وفي ولده، فأعطاه الله مالًا وأعطاه غنى وأعطاه أولادًا رضي الله ﵎ عنه، فلما رأى ذلك أخذ يذكرهم أن النبي ﷺ لم ير هذه الأشياء ولم يأكل على خوان حتى مات ﵊.\nوالخوان: طاولة يجلس حولها وقت الطعام، فلم يحدث أن النبي ﷺ رفع له طعامه على خوان ولكن على سفرة، وكلمة سفرة معناها: مفرش ينحط على الأرض، سميت بذلك لأنها تسفر عما بداخلها، فهي مفرش يوضع على الأرض ويوضع عليه طعامه ﷺ.\nيقول أنس ﵁: (ولم يأكل خبزًا مرققًا حتى مات)، يعني: خبزًا منقىً وخبزًا مغربلًا ومنخولًا.\n(ولا رأى شاة سميطًا بعينه قط)، يعني: شاة مسلوخة ومشوية بعد سلخها، ولكن كانوا يسلخون جلد الشاة فتوضع في السيخ وتشوى على حالها.\nفالنبي ﷺ لم ير الأشياء التي يراها المنعمون، وليس معنى ذلك أن هذه الأشياء محرمة، ولكن الله ﷾ لم يجعلها للنبي ﷺ ليس لهوانه على الله ﷿، بل لهوان الدنيا وأنها لا تستحق ذلك فلا تستحق من الإنسان أن يتعب من أجلها، وأن يقتتل مع أخيه من أجلها، وأن يطمع وأن يستكثر منها، لا داعي لمثل ذلك.","vol":"55","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-335>شرح حديث: (ما رأى النبي ﷺ النقي)</span>\nيقول سهل بن سعد ﵁: (ما رأى رسول الله ﷺ النقي) أي: الخبز الأبيض ما رآه النبي ﷺ، فالراوي عنه يسأله: هل كان لكم في عهد رسول الله ﷺ منخل، أي: غربال؟ فاليوم كل واحد منا في بيته غربال؟ يقول سهل: (ما رأى رسول الله ﷺ منخلًا من حين ابتعثه الله تعالى حتى قبضه الله)، قال السائل: فكيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ هذا سهل بن سعد والذي يليه ويروي عنه ويسأله من التابعين، وكأن المال كثر فاعتادوا على هذا الشيء، فلما اعتادوا نسوا ماذا كان يصنع النبي ﷺ، فيسأل عن الخبز كيف يأكله ﵊؟ فيسأل سؤال المستغرب المتعجب كيف تصنعون الخبز؟ كيف إذا كان الأمر على ذلك؟ فالإنسان عندما يعيش في النعم ينسى أن غيره لا يجد ذلك.\nيعني: نحن الآن حين نأكل طعامنا كيف نأكل القمح، فمن الضروري أن يكون مطحونًا ومنخولًا، وعندما نتذكر شخصًا يأخذ القمح من الحقل مباشرة فيفرك القمح في يده، ثم يأكله نتعجب لهذا الشيء، من الذي يأكل القمح بهذه الصورة؟ وكانوا يأكلونه من قبل على هذه الصورة، وكان يشبعهم ذلك الذي يأكلونه، فلم يروا من الدنيا إلا الشيء القليل.\nيقول هنا: كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ فقال: كنا نطحنه وننفخه، فيطير ما طار وما بقي ثريناه، أي: والباقي نضع عليه ماء ونعجنه ونأكله.\nومن الأحاديث حديث أم أيمن ﵂ وهي حبشية وكانت حاضنة النبي ﷺ، وزوجها النبي ﷺ بحبه زيد بن حارثة وولدت له أسامة حب رسول الله ﷺ.\nهذه أم أيمن أحبت أن تتحف النبي ﷺ بشيء تملكه، فغربلت دقيقًا، ولم ير النبي ﷺ أنها غربلت الدقيق، لكن أتت بدقيق أبيض أمامه ﷺ، فكانت قد غربلته ونخلته.\nفقال النبي ﷺ: (ما هذا؟ قالت: طعام نصنعه بأرضنا)، يعني: في الحبشة كنا نصنعه هكذا، نغربل الدقيق حتى يكون أبيض، قالت: فأحببت أن أصنع لك منه، أحبت أن تكرم النبي ﷺ برغيف، فقال لها النبي ﷺ: (رديه) أي: ردي النخالة فيه.","vol":"55","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-336>ذكر ما كان عليه الرسول ﷺ من التقلل من الدنيا</span>\nومن الأحاديث: حديث عن عائشة رواه الإمام أحمد ورواه الطبراني أيضًا تقول: (أرسل إلينا آل أبي بكر بقائمة شاة ليلًا)، يعني: ليلة من الليالي أبو بكر الصديق أرسل هدية للنبي ﷺ، الهدية يد خروف.\nوهذا دليل على أنهم في مرحلة من المراحل كانوا في غاية الفقر، وقد كان أبو بكر من أغنى الناس في مكة، فأنفق ماله كله على دين رب العالمين سبحانه، فهذا الذي يقدر عليه في هذه المرحلة أن يرسل إلى النبي ﷺ بيد شاة.\n(قالت: فأمسكت وقطع النبي ﷺ)، يعني: هذا شأنهم في الليل، فقد كانوا في ظلمة، فالسيدة عائشة أمسكت وأمسك النبي ﷺ بالسكين وقطع أو العكس.\nفيقول الراوي للسيدة عائشة ﵂: تقطعون يد الشاة على غير مصباح، فقالت عائشة ﵂: (إنه ليأتي على آل محمد ﷺ الشهر ما يختبزون خبزًا، ولا يطبخون قدرًا).\nفراوي الحديث يقول: يا أم المؤمنين -هذه رواية الطبراني - تقطعون على غير مصباح؟ فقالت: لو كان عندنا دهن مصباح لأكلناه، فلم يكن عندهم غاز ولا بترول يوقدون به المصباح! فانظر للحال الذي كان عليه بيت النبي ﷺ، لا نور في البيت ولا مصباح ولو كان هناك دهن للمصباح لأكلوا هذا الدهن، لذلك لا تعجب عندما يدعى النبي ﷺ في يوم من الأيام إلى خبز شعير وإهالة -دهنة- سنخة يعني: قد مكثت في الجراب فترة طويلة حتى بدأ طعمها يتغير، فيذهب النبي ﷺ ويأكل من ذلك.\nتقول السيدة عائشة ﵂: من حدثكم أنا كنا نشبع من التمر فقد كذبكم.\nأي: حتى التمر، وقد كانت المدينة مليئة بالبلح والتمر، لكنها تقول: من حدثكم أنا كنا نشبع من التمر فقد كذبكم! وفي الحديث الآخر أن سائلًا يسأل السيدة عائشة ﵂ يقول: يا خالة! ما كان يعيشكم؟ فتقول: الأسودان يعني: الطعام السائد الذي عندنا التمر والماء، فقد كانوا يمكثون شهرين اثنين وتطلع ثلاث أهلة عليهم في شهرين وليس في البيت طعام ولا خبز، وإنما في بيت النبي ﷺ التمر، ويا ليته يشبع منه صلوات الله وسلامه عليه! تقول: من حدثكم أن كنا نشبع من التمر فقد كذبكم، فلما افتتح النبي ﷺ قريظة أصبنا شيئًا من التمر والودك!","vol":"55","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-337>اختيار النبي ﷺ أن يكون عبدًا رسولًا</span>\nومن الأحاديث التي جاءت: حديث أبي هريرة يقول: (جلس جبريل إلى النبي ﷺ فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال له جبريل: هذا الملك ما نزل منذ خلق قبل الساعة).\nيعني: في يوم من الأيام وجبريل جالس مع النبي صلى الله عليه نزل ملك من السماء، وأول مرة ينزل هذا الملك من السماء إلى الأرض من ساعة ما خلقه الله ﷾، فيقول جبريل للنبي ﷺ: (هذا الملك ما نزل منذ خلق قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد! أرسلني إليك ربك: أملكًا أجعلك أم عبدًا رسولًا؟)، يعني: نزل الملك يخير النبي ﷺ يقول: أنت مقامك عالٍ عند رب العالمين، وهو يحب أن يخير نبيه ﷺ.\nوالحكمة من أن ينزل ملك آخر غير جبريل لكي يكون جبريل للنبي ﷺ وزيرًا وناصحًا ومشيرًا، فنزل الملك الآخر يخير النبي ﷺ: أتريد أن تصبح ملكًا رسولًا أم تبقى عبدًا رسولًا؟ فنظر جبريل إلى النبي ﷺ وأشار إليه: تواضع لربك يا محمد! فربنا يخيرك، فإذا تواضعت فإنه ما زاد الله عبدًا بتواضع إلا عزًا، فاختار النبي ﷺ وقال: (بل عبدًا رسولًا)، يعني: أكون عبدًا رسولًا.\nولذلك كان يجلس جلسة العبيد، ويقعد على الأرض ولا يقعد على الكرسي أو على عرش، وينام على السرير، وكانت حبال السرير تؤثر في جنب النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهنا كان ﷺ غاية في التواضع ليري الناس أن الدنيا لا تساوي شيئًا.\nقال ابن مسعود: (نام رسول الله ﷺ على حصير فقام وقد أثر في جنبه)، أي: أعواد الحصير أثرت في جنبه ﷺ، فقالوا للنبي ﷺ: (يا رسول الله! لو اتخذنا لك وطاءً) أي: فرشًا لينًا، فقال ﷺ: (مالي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها).\nهذا هو النبي ﷺ يضرب هذا المثال العظيم الذي يحدث الناس به حتى يعقلوا، فيقول: أنا مثلي مع هذه الدنيا كراكب نزل تحت ظل شجرة، وفي رواية أخرى قال: (كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة ثم راح وتركها) الذي يسير في الصيف ينزل تحت شجرة في أثناء الطريق ليرتاح قليلًا ثم يكمل سيره مرة أخرى.\nهكذا يعلمنا ﷺ أن نزهد في الدنيا حتى يحبنا الله سبحانه، وأن نزهد في ما في أيدي الخلق حتى يحبنا الخلق.\nنسأل الله ﷿ أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل الله اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"55","page":7}]}