{"ً":{"ٌ":36972,"ٍ":"شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية - الراجحي","َ":6,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية\nالمؤلف: عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن الراجحي\nمصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية\nhttp://www.islamweb.net\n[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ١٨ درسا]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":63,"ٕ":1,"ٖ":1770153821,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9","10","11","12","13","14","15","16","17","18"],"ٚ":[{"title":"[١]","level":1,"page":1},{"title":"فضل العلم وآدابه","level":2,"page":2},{"title":"فضيلة طلب العلم","level":3,"page":3},{"title":"أهمية الإخلاص في طلب العلم","level":3,"page":4},{"title":"آداب طالب العلم مع شيوخه","level":3,"page":5},{"title":"شرح خطبة الكتاب","level":2,"page":6},{"title":"معنى الحمدلة","level":3,"page":7},{"title":"معنى الهداية ومعنى الشهادة لله بالوحدانية","level":3,"page":8},{"title":"معنى شهادة أن محمدا رسول الله","level":3,"page":9},{"title":"معنى الصلاة على النبي وأصحابه وآله","level":3,"page":10},{"title":"سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان وجوابه عن ذلك","level":2,"page":11},{"title":"تخريج حديث جبريل","level":3,"page":12},{"title":"رؤساء الملائكة","level":3,"page":13},{"title":"سؤال جبريل عن الإسلام","level":3,"page":14},{"title":"سؤال جبريل عن الإيمان والإحسان","level":3,"page":15},{"title":"سؤال جبريل عن الساعة","level":3,"page":16},{"title":"التفريق بين الإسلام والإيمان في حديث جبريل","level":3,"page":17},{"title":"[٢]","level":1,"page":18},{"title":"أقوال الناس في الإيمان والإسلام","level":2,"page":19},{"title":"القول الأول في الإسلام والإيمان","level":3,"page":20},{"title":"القول الثاني في الإسلام والإيمان","level":3,"page":21},{"title":"القول الثالث في الإسلام والإيمان","level":3,"page":22},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":23},{"title":"الحث على الاستمرار في طلب العلم والدعوة إليه ونشره بين الناس","level":3,"page":24},{"title":"النجاشي لا يدخل في تعريف الصحابي","level":3,"page":25},{"title":"التحذير من الادعاءات الباطلة على علماء أهل السنة ووجوب محاربتها","level":3,"page":26},{"title":"مكانة الشيخ الألباني","level":3,"page":27},{"title":"درجة حديث ابن عمر في أركان الإسلام","level":3,"page":28},{"title":"الفرق بين الإيمان والاعتقاد","level":3,"page":29},{"title":"حكم من لقي النبي ﷺ وآمن به ثم ارتد بعد وفاته ثم آمن","level":3,"page":30},{"title":"حكم من شك فيما هو معلوم من الدين بالضرورة","level":3,"page":31},{"title":"إطلاق الصلاة والسلام على آل البيت لا يشمل الكفار وأهل البدع منهم","level":3,"page":32},{"title":"حكم تكفير المعين","level":3,"page":33},{"title":"ضرورة التثبت من الأقوال المنسوبة إلى العلماء","level":3,"page":34},{"title":"دلالة عمر سارية على الجبل والرد على احتجاج المبتدعة به","level":3,"page":35},{"title":"حكم قصر الصلوات والجمع بينها للمسافر","level":3,"page":36},{"title":"كيفية التخلص من المال الربوي","level":3,"page":37},{"title":"حكم التوضؤ من الماء المغصوب كالمياه الموضوعة للشرب","level":3,"page":38},{"title":"النصيحة لمن يحضر الدروس العلمية بالتأدب بآداب طلب العلم","level":3,"page":39},{"title":"[٣]","level":1,"page":40},{"title":"تعريف الإيمان","level":2,"page":41},{"title":"أقسام المرجئة","level":2,"page":42},{"title":"حقيقة الخلاف بين مرجئة الفقهاء وأهل السنة","level":2,"page":43},{"title":"القول بأن الخلاف مع مرجئة الفقهاء لفظي","level":3,"page":44},{"title":"يترتب على قول مرجئة الفقهاء فتح الباب للفساق والعصاة","level":3,"page":45},{"title":"يترتب على قول مرجئة الفقهاء فتح الباب للمرجئة المحضة","level":3,"page":46},{"title":"منع مرجئة الفقهاء الاستثناء في الإيمان","level":3,"page":47},{"title":"زيادة الإيمان ونقصانه","level":2,"page":48},{"title":"الخلاف بين أهل السنة والمرجئة في زيادة الإيمان ونقصانه","level":3,"page":49},{"title":"الرد على المعتزلة والخوارج في زيادة الإيمان ونقصانه","level":3,"page":50},{"title":"مذاهب الناس في مسمى الإيمان والكفر","level":2,"page":51},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":52},{"title":"توجيه قول الطحاوي: (ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله)","level":3,"page":53},{"title":"توجيه حديث: (لم يعملوا خيرا قط)","level":3,"page":54},{"title":"حكم الاحتيال في الربا","level":3,"page":55},{"title":"حكم الاستثناء في الإيمان","level":3,"page":56},{"title":"مراجع عقيدة الإرجاء","level":3,"page":57},{"title":"حكم القول بأن مصطلح العقيدة مصطلح بدعي","level":3,"page":58},{"title":"نظرة في الآثار الواردة عن بعض الصحابة في فناء النار","level":3,"page":59},{"title":"صحة اشتراط الاستحلال في الكفر","level":3,"page":60},{"title":"ضوابط تكفير المعين","level":3,"page":61},{"title":"أسباب حصول حلاوة الإيمان","level":3,"page":62},{"title":"[٤]","level":1,"page":63},{"title":"كيفية تمييز الحق في الكلام على الإسلام والإيمان","level":2,"page":64},{"title":"أصناف الناس في العهد النبوي","level":3,"page":65},{"title":"صفات المؤمنين الصادقين في أول سورة البقرة","level":3,"page":66},{"title":"صفات الكفار الظاهرين في أول سورة البقرة","level":3,"page":67},{"title":"صفات المنافقين في أول سورة البقرة","level":3,"page":68},{"title":"المثل الناري والمثل المائي للمنافقين في سورة البقرة","level":3,"page":69},{"title":"المثل الناري والمثل المائي للمؤمنين في سورة الرعد","level":3,"page":70},{"title":"أقسام الناس قبل الهجرة إلى المدينة","level":2,"page":71},{"title":"ذكر المنافقين وصفاتهم في مواضع قرآنية كثيرة","level":2,"page":72},{"title":"أوصاف المنافقين في سورة آل عمران","level":2,"page":73},{"title":"تخذيل المنافقين عن الجهاد","level":3,"page":74},{"title":"تخذيل المنافقين للمؤمنين وحمل الأحقاد عليهم","level":3,"page":75},{"title":"[٥]","level":1,"page":76},{"title":"ذكر صفات المنافقين في سورة النساء","level":2,"page":77},{"title":"تحاكم المنافقين إلى الطاغوت","level":3,"page":78},{"title":"عدم رضا المنافقين بحكم الله ورسوله","level":3,"page":79},{"title":"إنكار الله على المؤمنين بسبب اختلافهم في المنافقين","level":3,"page":80},{"title":"تمني المنافقين وقوع المسلمين في الكفر الذي وقعوا فيه","level":3,"page":81},{"title":"بيان الأصناف الذين نهى الله عن مقاتلتهم","level":3,"page":82},{"title":"الصفات التي استحق المنافقون بسببها التبشير بالعذاب الأليم","level":3,"page":83},{"title":"واجب المؤمن تجاه من يكفر بآيات الله ويستهزئ بها","level":3,"page":84},{"title":"تربص المنافقين بالمؤمنين والتمسك بالدنيا","level":3,"page":85},{"title":"خداع المنافقين وتذبذبهم وكسلهم في العبادات","level":3,"page":86},{"title":"المنافقون في الدرك الأسفل من النار","level":3,"page":87},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":88},{"title":"مذهب مرجئة الفقهاء في حكم تارك الصلاة","level":3,"page":89},{"title":"حكم إدخال العلمانيين في المنافقين","level":3,"page":90},{"title":"حقيقة نسبة دعاء (يا حي يا قيوم) لشيخ الإسلام","level":3,"page":91},{"title":"عقيدة الرافضة في الإيمان","level":3,"page":92},{"title":"عقيدة أبي حنيفة في زيادة الإيمان ونقصانه","level":3,"page":93},{"title":"الفرق بين معرفة القلب وتصديقه","level":3,"page":94},{"title":"عقيدة شيخ الإسلام في فناء الجنة والنار","level":3,"page":95},{"title":"حكم اختبار عامة المسلمين في عقائدهم","level":3,"page":96},{"title":"حقيقة الوهابية","level":3,"page":97},{"title":"[٦]","level":1,"page":98},{"title":"ذكر صفات المنافقين في سورة المائدة","level":2,"page":99},{"title":"مسارعة المنافقين في الكفر","level":3,"page":100},{"title":"المنافقون يتخذون اليهود والنصارى والكفار أولياء","level":3,"page":101},{"title":"المنافقون يسارعون في الإثم والعدوان وأكل السحت وتولي الكفار","level":3,"page":102},{"title":"ما جاء في سورة براءة من كشف المنافقين وذكر صفاتهم","level":2,"page":103},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":104},{"title":"حكم التحاكم إلى من لا يحكم بشريعة الله تعالى لغرض استرداد الحقوق","level":3,"page":105},{"title":"حكم لبس الصليب","level":3,"page":106},{"title":"حكم ترك إنكار المنكر مع القدرة","level":3,"page":107},{"title":"حكم محاباة الكفار","level":3,"page":108},{"title":"كيفية الوصول إلى مرتبة عبادة الله كأنك تراه","level":3,"page":109},{"title":"حكم القول بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دخول فيما لا يعني","level":3,"page":110},{"title":"حكم من يتحاكمون إلى الأعراف دون الشريعة","level":3,"page":111},{"title":"ضابط الإكراه على الكفر","level":3,"page":112},{"title":"حكم السلام على الرافضة والشيعة والأكل معهم","level":3,"page":113},{"title":"حكم صلاة الجمعة في السفر","level":3,"page":114},{"title":"حكم التشبه بالكفار في الكلام وغيره","level":3,"page":115},{"title":"التحذير من التنقيب عن نيات الناس ومقاصدهم","level":3,"page":116},{"title":"[٧]","level":1,"page":117},{"title":"أوصاف المنافقين في سورة النور","level":2,"page":118},{"title":"أوصاف المنافقين في سورة العنكبوت","level":2,"page":119},{"title":"أوصاف المنافقين في سورة الأحزاب","level":2,"page":120},{"title":"أوصاف المنافقين في سورة محمد","level":2,"page":121},{"title":"أوصاف المنافقين في سورة الفتح","level":2,"page":122},{"title":"أوصاف المنافقين في سورة الحديد","level":2,"page":123},{"title":"أوصاف المنافقين في سورة المجادلة","level":2,"page":124},{"title":"أوصاف المنافقين في سورة الحشر","level":2,"page":125},{"title":"[٨]","level":1,"page":126},{"title":"أوصاف المنافقين في سورة المنافقون","level":2,"page":127},{"title":"المنافقون يظهرون خلاف ما يبطنون","level":3,"page":128},{"title":"المنافقون يرفضون استغفار الرسول لهم","level":3,"page":129},{"title":"المنافقون يصدون الناس عن الرسول","level":3,"page":130},{"title":"سبب نزول قوله تعالى (يقولون لئن رجعنا)","level":3,"page":131},{"title":"مسائل متعلقة بالمنافقين","level":2,"page":132},{"title":"العلة في التزام المنافقين حال قوة المسلمين","level":3,"page":133},{"title":"إطلاع الله لنبيه على أسماء المنافقين","level":3,"page":134},{"title":"قاعدة في الصلاة على موتى المنافقين ونحوهم","level":3,"page":135},{"title":"خطورة النفاق","level":3,"page":136},{"title":"خوف السلف من النفاق","level":3,"page":137},{"title":"العبادات لا تقبل من المنافقين","level":3,"page":138},{"title":"سبب عدم قبول عبادات المنافقين","level":3,"page":139},{"title":"انكشاف أمر عبد الله بن أبي عند الصحابة","level":3,"page":140},{"title":"ظهور مصطلح الزنديق والخلاف في حكمه","level":2,"page":141},{"title":"ظهور هذا المصطلح وسببه","level":3,"page":142},{"title":"الخلاف في قبول توبة الزنديق","level":3,"page":143},{"title":"معنى الزنديق عند الفقهاء وغيرهم","level":3,"page":144},{"title":"التفريق بين الحكم بالظاهر والحكم بالباطن","level":2,"page":145},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":146},{"title":"حكم الصلاة في المساجد التي فيها مقابر","level":3,"page":147},{"title":"حكم الدراسة عند المنحرفين","level":3,"page":148},{"title":"حكم دراسة اللغة الإنجليزية والتكلم بها بين المسلمين لإتقانها","level":3,"page":149},{"title":"حكم ساب الصحابة","level":3,"page":150},{"title":"معنى قوله تعالى: (باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب)","level":3,"page":151},{"title":"حكم الدراسة في الجامعات المختلطة","level":3,"page":152},{"title":"حل إشكال في كلام الإمام ابن تيمية عن المنافقين","level":3,"page":153},{"title":"وجه ذكر المنافقين في السور المكية","level":3,"page":154},{"title":"عقيدة الدروز وحكم التعامل معهم","level":3,"page":155},{"title":"الطائفة المنصورة والطائفة الناجية","level":3,"page":156},{"title":"حكم من يتنصر لأجل الحصول على الطعام والمال","level":3,"page":157},{"title":"حكم القرض الربوي","level":3,"page":158},{"title":"الاهتمام بالمناطق القروية في الدعوة إلى الله","level":3,"page":159},{"title":"[٩]","level":1,"page":160},{"title":"أصل مهم في الفرق بين الوصف بالإسلام دون الإيمان","level":2,"page":161},{"title":"الآيات التي فرقت بين الإسلام والإيمان أو ساوت بينهما","level":3,"page":162},{"title":"القول بأن الإسلام والإيمان شيء واحد","level":3,"page":163},{"title":"القول بعدم كون الإسلام والإيمان شيئا واحدا","level":3,"page":164},{"title":"بيان توافق معنى آية الحجرات وآية الذاريات","level":3,"page":165},{"title":"حكم نكاح البغايا والكافرات","level":3,"page":166},{"title":"مسمى الإيمان والإسلام: مدلولهما، والفرق بينهما","level":2,"page":167},{"title":"عموم الإسلام","level":3,"page":168},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":169},{"title":"الحكمة في ترك النبي ﷺ قتل المنافقين","level":3,"page":170},{"title":"الخلاف في التفريق بين عوام الشيعة والخوارج وأئمتهم","level":3,"page":171},{"title":"واجب الأبناء تجاه الوالدين بعد موتهما","level":3,"page":172},{"title":"الخلاف في رؤية الكفار لربهم بعد الموت","level":3,"page":173},{"title":"الجمع بين حديث: (لا يدخل الجنة قاطع رحم)، وأن أهل الكبائر تحت المشيئة","level":3,"page":174},{"title":"حكم بقاء المرأة في عصمة زوج يتعمد تأخير الصلاة","level":3,"page":175},{"title":"حكم زواج الرجل بامرأة زنى بها","level":3,"page":176},{"title":"حكم وصف الله بالصانع","level":3,"page":177},{"title":"شرط نكاح الكتابية","level":3,"page":178},{"title":"حكم ولد الزنا","level":3,"page":179},{"title":"حكم مخالفة أهل السنة في مسائل الإيمان","level":3,"page":180},{"title":"حكم تزويج اللقيط","level":3,"page":181},{"title":"حكم إمامة ولد الزنا","level":3,"page":182},{"title":"كلام مسيء إلى النبي ﷺ","level":3,"page":183},{"title":"[١٠]","level":1,"page":184},{"title":"القول فيمن أثبت الإسلام دون الإيمان","level":2,"page":185},{"title":"قول الجمهور فيمن أثبت الإسلام دون الإيمان","level":3,"page":186},{"title":"أدلة الجمهور على إثبات الإسلام لضعيف الإيمان","level":3,"page":187},{"title":"الأدلة التي رجح بها الجمهور كون ضعيف الإيمان يسمى مسلما","level":2,"page":188},{"title":"دليل إثبات الطاعة للمسلم","level":3,"page":189},{"title":"دلالة وصف كاملي الإيمان بعد ذكر الضعفاء فيه","level":3,"page":190},{"title":"تقرير مذهب الجمهور","level":3,"page":191},{"title":"بيان مبدأ ظهور الخلاف في الدين","level":3,"page":192},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":193},{"title":"الكلام حول كتاب (المعلوم في علاقة الحاكم والمحكوم)","level":3,"page":194},{"title":"حكم ترك الجوال مفتوحا أثناء الدروس والصلاة","level":3,"page":195},{"title":"حكم فاعل الكبيرة إذا تاب","level":3,"page":196},{"title":"كيفية الجمع بين إثبات الزنا من المؤمن ونفي الإيمان عن الزاني","level":3,"page":197},{"title":"الكلام حول حديث: (لا يدخل الجنة مدمن خمر)","level":3,"page":198},{"title":"حكم تعليق التميمة","level":3,"page":199},{"title":"الفرق بين من حقق الإيمان بفعل الطاعات وبين الذين يدخلون الجنة بلا حساب","level":3,"page":200},{"title":"حكم الدراسة في جامعة مختلطة","level":3,"page":201},{"title":"حكم من يتبخر بالحبة السوداء","level":3,"page":202},{"title":"حكم أخذ الأجرة على قراءة القرآن في الرقية","level":3,"page":203},{"title":"[١١]","level":1,"page":204},{"title":"خروج الخوارج عن الوسطية وغلوهم","level":2,"page":205},{"title":"الخلاف في الفاسق الملي","level":3,"page":206},{"title":"ذكر ما يؤيد أن العاصي مؤمن ضعيف الإيمان وليس كافرا","level":3,"page":207},{"title":"بيان أصل الخوارج","level":3,"page":208},{"title":"صفات الخوارج","level":3,"page":209},{"title":"بداية خروجهم","level":3,"page":210},{"title":"جريان الأحكام على الظاهر","level":3,"page":211},{"title":"الخلاف بين علي ومعاوية ﵄","level":2,"page":212},{"title":"بيان أقرب الطائفتين إلى الحق","level":3,"page":213},{"title":"أصل الخلاف بين علي ومعاوية ﵄","level":3,"page":214},{"title":"موقف أهل السنة من الخلاف بين الصحابة","level":3,"page":215},{"title":"من اعتقادات الخوارج","level":2,"page":216},{"title":"تكفير الخوارج لأهل القبلة بالذنوب واستحلال دمائهم بذلك","level":3,"page":217},{"title":"اتصاف الخوارج بقتل المسلمين وترك الكفار","level":3,"page":218},{"title":"[١٢]","level":1,"page":219},{"title":"الأدلة على بطلان مذهب الخوارج في تكفير الفاسق","level":2,"page":220},{"title":"بطلان مذهب الخوارج بالأمر بقطع يد السارق دون قتله","level":3,"page":221},{"title":"بطلان مذهبهم بالأمر بجلد شارب الخمر دون قتله","level":3,"page":222},{"title":"حكم قتل الشارب في الرابعة","level":3,"page":223},{"title":"الرد على الخوارج بأن الله سمى المقتتلين مؤمنين","level":3,"page":224},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":225},{"title":"حكم لعن المعين","level":3,"page":226},{"title":"وقت القيام للصلاة","level":3,"page":227},{"title":"علة كفر من نكح امرأة أبيه","level":3,"page":228},{"title":"الخلاف في كفر الخوارج","level":3,"page":229},{"title":"حكم من يصف الآمر بالمعروف والمجاهد بأنه خارجي","level":3,"page":230},{"title":"حكم حلق الرأس","level":3,"page":231},{"title":"حكم دفع الزكاة لمن عليه دين ليسدد دينه","level":3,"page":232},{"title":"نوع كفر إبليس وأنواع الكفر","level":3,"page":233},{"title":"موقف المسلم تجاه ما حصل بين الصحابة","level":3,"page":234},{"title":"[١٣]","level":1,"page":235},{"title":"حكم الفاسق عند المعتزلة","level":2,"page":236},{"title":"ظهور المعتزلة وإنكارهم الشفاعة للعصاة","level":3,"page":237},{"title":"الرد على المعتزلة في تقسيم الناس بين الإيمان والكفر","level":3,"page":238},{"title":"بيان الرد على الوعيدية بآية (إن الله لا يغفر أن يشرك به)","level":2,"page":239},{"title":"أصناف المؤمنين في القرآن","level":2,"page":240},{"title":"الاحتجاج على طائفتي الوعيدية والمرجئة بنصوص الوعد والوعيد","level":2,"page":241},{"title":"إثبات الإيمان للعصاة","level":2,"page":242},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":243},{"title":"بيان أن الرافضة لا يعتمد عليهم في الأذكار ولا غيرها","level":3,"page":244},{"title":"حكم أهل الفترة","level":3,"page":245},{"title":"حكم من قال للنبي ﷺ اعدل","level":3,"page":246},{"title":"حكم الجاسوس","level":3,"page":247},{"title":"حكم فسخ عقد الإجارة قبل انتهاء مدته","level":3,"page":248},{"title":"أقسام الرياء","level":3,"page":249},{"title":"حكم من فسق الصحابة أو كفرهم","level":3,"page":250},{"title":"كيفية مناظرة النصراني","level":3,"page":251},{"title":"العلاقة بين العقل والشريعة","level":3,"page":252},{"title":"مراتب الأفضلية بعد الأنبياء والمرسلين","level":3,"page":253},{"title":"حكم السفر لأجل الترخص","level":3,"page":254},{"title":"حكم الصلاة خلف إمام يأخذ من لحيته","level":3,"page":255},{"title":"[١٤]","level":1,"page":256},{"title":"الرد على الوعيدية بحديث المغفرة لأهل بيعة الرضوان","level":2,"page":257},{"title":"الرد على الوعيدية بأسباب سقوط العقوبة عن العاصي","level":2,"page":258},{"title":"زوال عقوبة الذنب بأسباب مختلفة","level":3,"page":259},{"title":"ذكر أسباب سقوط عقوبة الذنوب","level":2,"page":260},{"title":"الشروط الموجبة لإسقاط التوبة لعقوبة الذنب","level":3,"page":261},{"title":"الاستغفار وإسقاطه لعقوبة الذنب","level":3,"page":262},{"title":"الخلاف في وقوع الاستغفار بدون توبة","level":3,"page":263},{"title":"إسقاط الحسنات الماحية لعقوبة الذنب","level":3,"page":264},{"title":"اعتراض على أن الحسنات تمحو الكبائر والجواب عنه","level":3,"page":265},{"title":"دلالة التصريح أن المغفرة قد تكون مع الكبائر","level":3,"page":266},{"title":"[١٥]","level":1,"page":267},{"title":"تابع أجوبة شيخ الإسلام عن الاعتراضات الواردة على دلالة محو الحسنات للسيئات على إسلام العاصي","level":2,"page":268},{"title":"الرد على القول بأن سقوط عقوبة الذنب بالحسنة مقيد باجتناب الكبائر","level":3,"page":269},{"title":"وجوب الابتعاد عن المعاصي والتحذير من الوقوع فيها بنية التوبة","level":3,"page":270},{"title":"الأمر بتجديد التوبة مع كل ذنب","level":3,"page":271},{"title":"جواب آخر على القول بأن الحسنات الماحية تكفر الذنوب بشرط اجتناب الكبائر","level":3,"page":272},{"title":"بطلان مذهب المعتزلة في التوحيد والعدل","level":3,"page":273},{"title":"جواب آخر على القول بأن الحسنات الماحية لا تسقط عقوبة الذنب بشرط اجتناب الكبائر","level":3,"page":274},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":275},{"title":"الفرق بين التوبة والاستغفار","level":3,"page":276},{"title":"الذكر بعد الأذان","level":3,"page":277},{"title":"حكم توبة المريض مرض الموت","level":3,"page":278},{"title":"حكم توبة من نوى قبل فعل الذنب التوبة بعد فعله","level":3,"page":279},{"title":"وقت أذكار الصباح والمساء","level":3,"page":280},{"title":"الطريقة الصحيحة في رد المحكم إلى المتشابه","level":3,"page":281},{"title":"المراد بأهل القبلة ودخول المنافقين فيهم","level":3,"page":282},{"title":"عدد النفخات في الصور","level":3,"page":283},{"title":"[١٦]","level":1,"page":284},{"title":"استدلال الخوارج والمعتزلة على خلود مرتكب الكبيرة في النار بآية (إنما يتقبل الله من المتقين) والرد عليهم","level":2,"page":285},{"title":"اتحاد استدلال الخوارج والمعتزلة بقوله تعالى: (إنما يتقبل من المتقين)","level":3,"page":286},{"title":"الرد على استدلال الخوارج والمعتزلة","level":3,"page":287},{"title":"الرد على المعتزلة والخوارج بقبول إسلام الكافر والذمي الذي عليه مظالم للناس","level":3,"page":288},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":289},{"title":"حكم النية للعمل الصالح مع عدم التمكن من فعله","level":3,"page":290},{"title":"حكم التوسل بجاه النبي ﷺ","level":3,"page":291},{"title":"الجواب عن استشكال تكفير الكبائر بالنوافل مع كونه لا يحصل بالفرائض","level":3,"page":292},{"title":"رأي الخوارج والمعتزلة في التوبة","level":3,"page":293},{"title":"حكم إهداء ثواب قراءة القرآن للميت","level":3,"page":294},{"title":"الترتيب الصحيح لأحداث الآخرة","level":3,"page":295},{"title":"كيفية إثبات الصفات","level":3,"page":296},{"title":"بيان ما يعمله من موطنه وبلاده يكثر فيها الفتن","level":3,"page":297},{"title":"الجمع بين حديث (ذهاب حسنات قوم كجبال تهامة) وبين (الحسنات لا يحبطها إلا الموت على الكفر)","level":3,"page":298},{"title":"حكم الصلاة في مسجد بني بمال حرام","level":3,"page":299},{"title":"التوكل حكمه وأقسامه","level":3,"page":300},{"title":"حكم تخليص الأسير المسلم","level":3,"page":301},{"title":"حكم الشركيات التي تقع عند قبر النبي ﷺ","level":3,"page":302},{"title":"حكم عمل المرتد إذا عاد إلى الإسلام","level":3,"page":303},{"title":"[١٧]","level":1,"page":304},{"title":"من أسباب سقوط العقوبة عن العاصي دعاء المؤمنين له","level":2,"page":305},{"title":"سقوط عقوبة الذنب بأعمال البر التي تعمل عن الميت وانتفاعه بها","level":2,"page":306},{"title":"أقوال العلماء في وصول الثواب إلى الميت","level":3,"page":307},{"title":"الرد على من يمنع انتفاع الميت بعمل الحي","level":3,"page":308},{"title":"سقوط عقوبة الذنب بشفاعة النبي ﷺ","level":2,"page":309},{"title":"سقوط عقوبة الذنب بالمصائب، وأهوال القبر والقيامة","level":2,"page":310},{"title":"[١٨]","level":1,"page":311},{"title":"ذكر عقائد المبتدعة في صاحب الكبيرة وأصول الدين","level":2,"page":312},{"title":"عقيدة الخوارج والمعتزلة في صاحب الكبيرة ونتيجة الخلاف بينهما","level":3,"page":313},{"title":"عقيدة غلاة المرجئة والملاحدة في صاحب الكبيرة وفي الوعد والوعيد","level":3,"page":314},{"title":"شبهة الملاحدة من القرامطة والإسماعيلية والنصيرية وغيرهم في دين الرسل والرد عليهم","level":3,"page":315},{"title":"شبهة ملاحدة الصوفية في حقيقة الدين والرد عليهم","level":3,"page":316},{"title":"طبقات الناس عند ملاحدة الصوفية وحكم كل طبقة","level":3,"page":317},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":318},{"title":"حكم زكاة الحلي المستعمل","level":3,"page":319},{"title":"حقيقة رضا المخلوقين في قوله تعالى: (رضي الله عنهم ورضوا عنه)","level":3,"page":320},{"title":"مدى صحة قصة المرأة التي ذهبت إلى بابل وتعلمت السحر","level":3,"page":321},{"title":"الفرق بين ابن عربي وابن العربي","level":3,"page":322},{"title":"ورود النص بتسمية منكر ونكير","level":3,"page":323},{"title":"نصيحة موجهة للنساء بلزوم الحجاب الشرعي وعدم الخلوة بالأجنبي","level":3,"page":324},{"title":"وجه تكفير الذنوب بالمصائب دون استشعار واحتساب","level":3,"page":325},{"title":"حكم سترة المصلي وصفتها","level":3,"page":326},{"title":"حكم جعل العتق من العبادات التي يهدى ثوابها للميت","level":3,"page":327},{"title":"حكم أداء أكثر من عمرة في سفر واحد","level":3,"page":328},{"title":"معنى دعاء الملك بقوله: (ولك بمثله)","level":3,"page":329},{"title":"فضل الجهاد والمجاهدين","level":3,"page":330},{"title":"ذكر أسماء كتب في العقيدة وغيرها للمبتدئين مع بيان ضرورة استغلال الوقت بالعلم","level":3,"page":331}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"2,1":18,"2,2":19,"2,3":20,"2,4":21,"2,5":22,"2,6":23,"2,7":24,"2,8":25,"2,9":26,"2,10":27,"2,11":28,"2,12":29,"2,13":30,"2,14":31,"2,15":32,"2,16":33,"2,17":34,"2,18":35,"2,19":36,"2,20":37,"2,21":38,"2,22":39,"3,1":40,"3,2":41,"3,3":42,"3,4":43,"3,5":44,"3,6":45,"3,7":46,"3,8":47,"3,9":48,"3,10":49,"3,11":50,"3,12":51,"3,13":52,"3,14":53,"3,15":54,"3,16":55,"3,17":56,"3,18":57,"3,19":58,"3,20":59,"3,21":60,"3,22":61,"3,23":62,"4,1":63,"4,2":64,"4,3":65,"4,4":66,"4,5":67,"4,6":68,"4,7":69,"4,8":70,"4,9":71,"4,10":72,"4,11":73,"4,12":74,"4,13":75,"5,1":76,"5,2":77,"5,3":78,"5,4":79,"5,5":80,"5,6":81,"5,7":82,"5,8":83,"5,9":84,"5,10":85,"5,11":86,"5,12":87,"5,13":88,"5,14":89,"5,15":90,"5,16":91,"5,17":92,"5,18":93,"5,19":94,"5,20":95,"5,21":96,"5,22":97,"6,1":98,"6,2":99,"6,3":100,"6,4":101,"6,5":102,"6,6":103,"6,7":104,"6,8":105,"6,9":106,"6,10":107,"6,11":108,"6,12":109,"6,13":110,"6,14":111,"6,15":112,"6,16":113,"6,17":114,"6,18":115,"6,19":116,"7,1":117,"7,2":118,"7,3":119,"7,4":120,"7,5":121,"7,6":122,"7,7":123,"7,8":124,"7,9":125,"8,1":126,"8,2":127,"8,3":128,"8,4":129,"8,5":130,"8,6":131,"8,7":132,"8,8":133,"8,9":134,"8,10":135,"8,11":136,"8,12":137,"8,13":138,"8,14":139,"8,15":140,"8,16":141,"8,17":142,"8,18":143,"8,19":144,"8,20":145,"8,21":146,"8,22":147,"8,23":148,"8,24":149,"8,25":150,"8,26":151,"8,27":152,"8,28":153,"8,29":154,"8,30":155,"8,31":156,"8,32":157,"8,33":158,"8,34":159,"9,1":160,"9,2":161,"9,3":162,"9,4":163,"9,5":164,"9,6":165,"9,7":166,"9,8":167,"9,9":168,"9,10":169,"9,11":170,"9,12":171,"9,13":172,"9,14":173,"9,15":174,"9,16":175,"9,17":176,"9,18":177,"9,19":178,"9,20":179,"9,21":180,"9,22":181,"9,23":182,"9,24":183,"10,1":184,"10,2":185,"10,3":186,"10,4":187,"10,5":188,"10,6":189,"10,7":190,"10,8":191,"10,9":192,"10,10":193,"10,11":194,"10,12":195,"10,13":196,"10,14":197,"10,15":198,"10,16":199,"10,17":200,"10,18":201,"10,19":202,"10,20":203,"11,1":204,"11,2":205,"11,3":206,"11,4":207,"11,5":208,"11,6":209,"11,7":210,"11,8":211,"11,9":212,"11,10":213,"11,11":214,"11,12":215,"11,13":216,"11,14":217,"11,15":218,"12,1":219,"12,2":220,"12,3":221,"12,4":222,"12,5":223,"12,6":224,"12,7":225,"12,8":226,"12,9":227,"12,10":228,"12,11":229,"12,12":230,"12,13":231,"12,14":232,"12,15":233,"12,16":234,"13,1":235,"13,2":236,"13,3":237,"13,4":238,"13,5":239,"13,6":240,"13,7":241,"13,8":242,"13,9":243,"13,10":244,"13,11":245,"13,12":246,"13,13":247,"13,14":248,"13,15":249,"13,16":250,"13,17":251,"13,18":252,"13,19":253,"13,20":254,"13,21":255,"14,1":256,"14,2":257,"14,3":258,"14,4":259,"14,5":260,"14,6":261,"14,7":262,"14,8":263,"14,9":264,"14,10":265,"14,11":266,"15,1":267,"15,2":268,"15,3":269,"15,4":270,"15,5":271,"15,6":272,"15,7":273,"15,8":274,"15,9":275,"15,10":276,"15,11":277,"15,12":278,"15,13":279,"15,14":280,"15,15":281,"15,16":282,"15,17":283,"16,1":284,"16,2":285,"16,3":286,"16,4":287,"16,5":288,"16,6":289,"16,7":290,"16,8":291,"16,9":292,"16,10":293,"16,11":294,"16,12":295,"16,13":296,"16,14":297,"16,15":298,"16,16":299,"16,17":300,"16,18":301,"16,19":302,"16,20":303,"17,1":304,"17,2":305,"17,3":306,"17,4":307,"17,5":308,"17,6":309,"17,7":310,"18,1":311,"18,2":312,"18,3":313,"18,4":314,"18,5":315,"18,6":316,"18,7":317,"18,8":318,"18,9":319,"18,10":320,"18,11":321,"18,12":322,"18,13":323,"18,14":324,"18,15":325,"18,16":326,"18,17":327,"18,18":328,"18,19":329,"18,20":330,"18,21":331},"ٜ":{"1":[1,17],"2":[1,22],"3":[1,23],"4":[1,13],"5":[1,22],"6":[1,19],"7":[1,9],"8":[1,34],"9":[1,24],"10":[1,20],"11":[1,15],"12":[1,16],"13":[1,21],"14":[1,11],"15":[1,17],"16":[1,20],"17":[1,7],"18":[1,21]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","8,1","8,2","8,3","8,4","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","8,13","8,14","8,15","8,16","8,17","8,18","8,19","8,20","8,21","8,22","8,23","8,24","8,25","8,26","8,27","8,28","8,29","8,30","8,31","8,32","8,33","8,34","9,1","9,2","9,3","9,4","9,5","9,6","9,7","9,8","9,9","9,10","9,11","9,12","9,13","9,14","9,15","9,16","9,17","9,18","9,19","9,20","9,21","9,22","9,23","9,24","10,1","10,2","10,3","10,4","10,5","10,6","10,7","10,8","10,9","10,10","10,11","10,12","10,13","10,14","10,15","10,16","10,17","10,18","10,19","10,20","11,1","11,2","11,3","11,4","11,5","11,6","11,7","11,8","11,9","11,10","11,11","11,12","11,13","11,14","11,15","12,1","12,2","12,3","12,4","12,5","12,6","12,7","12,8","12,9","12,10","12,11","12,12","12,13","12,14","12,15","12,16","13,1","13,2","13,3","13,4","13,5","13,6","13,7","13,8","13,9","13,10","13,11","13,12","13,13","13,14","13,15","13,16","13,17","13,18","13,19","13,20","13,21","14,1","14,2","14,3","14,4","14,5","14,6","14,7","14,8","14,9","14,10","14,11","15,1","15,2","15,3","15,4","15,5","15,6","15,7","15,8","15,9","15,10","15,11","15,12","15,13","15,14","15,15","15,16","15,17","16,1","16,2","16,3","16,4","16,5","16,6","16,7","16,8","16,9","16,10","16,11","16,12","16,13","16,14","16,15","16,16","16,17","16,18","16,19","16,20","17,1","17,2","17,3","17,4","17,5","17,6","17,7","18,1","18,2","18,3","18,4","18,5","18,6","18,7","18,8","18,9","18,10","18,11","18,12","18,13","18,14","18,15","18,16","18,17","18,18","18,19","18,20","18,21"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"4":[4],"5":[5],"6":[6],"7":[7],"8":[8],"9":[9],"10":[10],"11":[11],"12":[12],"13":[13],"14":[14],"15":[15],"16":[16],"17":[17],"18":[18],"19":[19],"20":[20],"21":[21],"22":[22],"23":[23],"24":[24],"25":[25],"26":[26],"27":[27],"28":[28],"29":[29],"30":[30],"31":[31],"32":[32],"33":[33],"34":[34],"35":[35],"36":[36],"37":[37],"38":[38],"39":[39],"40":[40],"41":[41],"42":[42],"43":[43],"44":[44],"45":[45],"46":[46],"47":[47],"48":[48],"49":[49],"50":[50],"51":[51],"52":[52],"53":[53],"54":[54],"55":[55],"56":[56],"57":[57],"58":[58],"59":[59],"60":[60],"61":[61],"62":[62],"63":[63],"64":[64],"65":[65],"66":[66],"67":[67],"68":[68],"69":[69],"70":[70],"71":[71],"72":[72],"73":[73],"74":[74],"75":[75],"76":[76],"77":[77],"78":[78],"79":[79],"80":[80],"81":[81],"82":[82],"83":[83],"84":[84],"85":[85],"86":[86],"87":[87],"88":[88],"89":[89],"90":[90],"91":[91],"92":[92],"93":[93],"94":[94],"95":[95],"96":[96],"97":[97],"98":[98],"99":[99],"100":[100],"101":[101],"102":[102],"103":[103],"104":[104],"105":[105],"106":[106],"107":[107],"108":[108],"109":[109],"110":[110],"111":[111],"112":[112],"113":[113],"114":[114],"115":[115],"116":[116],"117":[117],"118":[118],"119":[119],"120":[120],"121":[121],"122":[122],"123":[123],"124":[124],"125":[125],"126":[126],"127":[127],"128":[128],"129":[129],"130":[130],"131":[131],"132":[132],"133":[133],"134":[134],"135":[135],"136":[136],"137":[137],"138":[138],"139":[139],"140":[140],"141":[141],"142":[142],"143":[143],"144":[144],"145":[145],"146":[146],"147":[147],"148":[148],"149":[149],"150":[150],"151":[151],"152":[152],"153":[153],"154":[154],"155":[155],"156":[156],"157":[157],"158":[158],"159":[159],"160":[160],"161":[161],"162":[162],"163":[163],"164":[164],"165":[165],"166":[166],"167":[167],"168":[168],"169":[169],"170":[170],"171":[171],"172":[172],"173":[173],"174":[174],"175":[175],"176":[176],"177":[177],"178":[178],"179":[179],"180":[180],"181":[181],"182":[182],"183":[183],"184":[184],"185":[185],"186":[186],"187":[187],"188":[188],"189":[189],"190":[190],"191":[191],"192":[192],"193":[193],"194":[194],"195":[195],"196":[196],"197":[197],"198":[198],"199":[199],"200":[200],"201":[201],"202":[202],"203":[203],"204":[204],"205":[205],"206":[206],"207":[207],"208":[208],"209":[209],"210":[210],"211":[211],"212":[212],"213":[213],"214":[214],"215":[215],"216":[216],"217":[217],"218":[218],"219":[219],"220":[220],"221":[221],"222":[222],"223":[223],"224":[224],"225":[225],"226":[226],"227":[227],"228":[228],"229":[229],"230":[230],"231":[231],"232":[232],"233":[233],"234":[234],"235":[235],"236":[236],"237":[237],"238":[238],"239":[239],"240":[240],"241":[241],"242":[242],"243":[243],"244":[244],"245":[245],"246":[246],"247":[247],"248":[248],"249":[249],"250":[250],"251":[251],"252":[252],"253":[253],"254":[254],"255":[255],"256":[256],"257":[257],"258":[258],"259":[259],"260":[260],"261":[261],"262":[262],"263":[263],"264":[264],"265":[265],"266":[266],"267":[267],"268":[268],"269":[269],"270":[270],"271":[271],"272":[272],"273":[273],"274":[274],"275":[275],"276":[276],"277":[277],"278":[278],"279":[279],"280":[280],"281":[281],"282":[282],"283":[283],"284":[284],"285":[285],"286":[286],"287":[287],"288":[288],"289":[289],"290":[290],"291":[291],"292":[292],"293":[293],"294":[294],"295":[295],"296":[296],"297":[297],"298":[298],"299":[299],"300":[300],"301":[301],"302":[302],"303":[303],"304":[304],"305":[305],"306":[306],"307":[307],"308":[308],"309":[309],"310":[310],"311":[311],"312":[312],"313":[313],"314":[314],"315":[315],"316":[316],"317":[317],"318":[318],"319":[319],"320":[320],"321":[321],"322":[322],"323":[323],"324":[324],"325":[325],"326":[326],"327":[327],"328":[328],"329":[329],"330":[330],"331":[331]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-1>[١]</span>\nكتاب الإيمان الأوسط أو الصغير لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من أحسن كتبه، وهو في شرح حديث جبريل المشهور، وقد ميز فيه بين أقوال الناس في الإسلام والإيمان، وأدلة كل قول، وما هو الحق في ذلك.","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>فضل العلم وآدابه</span>","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>فضيلة طلب العلم</span>\nالحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبد الله ورسول نبينا وإمامنا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد: فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو إليكم، وأثني عليه الخير كله، وأسأله المزيد من فضله، وأسأله ﷾ أن يرزقنا جميعًا العلم النافع والعمل الصالح، وأسأله ﷾ أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وصوابًا على هدي رسول الله ﷺ، وأسأله سبحانه أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعًا مرحومًا وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقًا معصومًا، وأن لا يجعل فينا ولا منا ولا من بيننا شقيًا ولا محرومًا.\nأيها الإخوان! إن طلب العلم، والاستزادة منه، والحرص عليه، عن إخلاص ومحبة ورغبة ورهبة من أفضل القربات وأجل الطاعات، فإن العلم الذي بعث الله به نبيه محمدًا ﷺ أشرف العلوم، والله ﷾ رفع شأن العلماء وميزهم، وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة الملائكة على أجل مشهود به، وهو الشهادة له ﷾ بالوحدانية.\nوقال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩]، وقال سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨].\nوأمر الله نبيه أن يقول: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤].\nوالعلم الشرعي هو ميراث الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر، ومن اتصف بالعلم كان له مزية على غيره.\nولهذا فإن في حديث أبي موسى الأشعري ﵁ الذي فيه بيان أقسام الناس الذين يقرءون القرآن جعل لمن يقرأ القرآن ميزة وإن كان من المنافقين، فقال ﵊: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة لا ريح لها وطعمها مر).\nفجعل المنافق الذي يقرأ القرآن له مزية، وإن كان لا ينفعه، لكن العلم يجعل للإنسان مزية تميزه على غيره، حتى الحيوانات المعلمة تتميز عن غيرها من غير المعلمة، فالكلب المعلم له ميزة على غيره من الكلاب، والكلب المعلم يجوز أكل ما صاد، والكلب غير المعلم لا يؤكل صيده، بالشروط.\nفالمسلم الذي من الله عليه بالعلم وسلوك طريق العلم عليه أن يغتبط بهذه النعمة، ويعلم أن الله أراد به خيرًا، وإن من علامات إرادة الله الخير للعبد أن يفقهه في دينه، وأن يتبصر، وأن يحرص على طلب العلم، ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين)، قال العلماء: هذا الحديث له منطوق وله مفهوم، منطوقه: أن من فقهه الله في الدين فقد أراد به خيرًا، ومفهومه: أن من لم يفقهه الله في الدين لم يرد به خيرًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وما ذاك إلا أن الفقه في الدين وسيلة إلى العمل، وإلى تنفيذ الأحكام والتصديق بالأخبار، ولهذا فإن العلماء ورثة الأنبياء.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>أهمية الإخلاص في طلب العلم</span>\nفأنتم اتجهتم إلى طريق العلم، ونحسبكم والله حسيبكم أنكم قصدتم بذلك وجه الله والدار الآخرة، لا تريدون مالًا ولا جاهًا ولا شهادة ولا وظيفة، وإنما تطلبون العلم للتبصر والتفقه.\nفأوصيكم ونفسي بالإخلاص والصدق مع الله، فأخلصوا طلبكم للعلم لله، واقصدوا بذلك وجه الله والدار الآخرة؛ لأن طلب العلم من أجل القربات وأفضل الطاعات، وهو أفضل من نوافل العبادة، قال العلماء: إن طلب العلم أفضل من نوافل العبادة، يعني: كونك تتفرغ لطلب العلم أفضل من كونك تتفرغ لتصلي الليل، أو لتصلي صلاة الضحى، أو لتصوم الإثنين والخميس، أو لتصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وإذا كان طلب العلم يمنعك من صلاة الليل أو صلاة الضحى، فأنت بين أمرين: إما أن تصلي الضحى أو تحضر درس العلم.\nنقول: حضور درس العلم مقدم على صلاة الليل، وإذا كان صيام الإثنين والخميس أو صيام ثلاثة أيام من كل شهر يمنعك من طلب العلم فطلب العلم مقدم؛ لأن طلب العلم أفضل من نوافل العبادة، يعني: ما زاد عن الفرائض؛ وما ذاك إلا لأن طلب العلم يتبصر به الإنسان في دين الله ويتفقه ويعلم الحلال والحرام، ويمتثل الأوامر ويجتنب النواهي، فيعبد الله على بصيرة، بخلاف الجاهل فإنه لا علم عنده.\nفأوصيكم ونفسي بالإخلاص، أن يخلص الإنسان في طلبه للعلم، ويعلم أنه في عبادة عظيمة من أجل القربات وأطيب الطاعات.\nوعليه أن يحسن القصد ويخلص النية، ويتذكر دائمًا أنه يعبد الله بطلب العلم، ويتذكر دائمًا أن الله من عليه بهذه النعمة العظيمة، ووجهه هذه الوجهة، وشرح قلبه وصدره لطلب العلم، فيرتبط بهذه النعمة ويفرح بها، قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨].","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>آداب طالب العلم مع شيوخه</span>\nوعليه مع ذلك أن يحترم أهل العلم والمدرسين، ويعرف لهم قدرهم وحرمتهم، ويتأدب معهم في خطابه وفي أسلوبه وفي أسئلته، وعليه مع ذلك أن يحذر من التعنت الذي يصاب به بعض الناس في أسئلته، فلا يتعنت، لا يسأل أسئلة تعنت، ولا يسأل أسئلة يريد بها الرياء والسمعة، أو يريد أن يعنت المسئول ويوقعه في الحرج، أو لأجل أن يظهر نفسه، بل يسأل أسئلة يريد بها الفائدة، ولا يسأل أسئلة غير واقعية، أو أسئلة مستحيلة، أو لا تكون، لكن يسأل أسئلة يمكن أن تقع أو واقعة، ويكون قصده بذلك الفائدة.\nوعليه مع ذلك الحرص على حضور دروس الحلقات العلمية، وبذل الوسع والاجتهاد، وإحضار الكتاب بين يديه، وعليه أن يحضر ذهنه، ويجاهد نفسه؛ حتى لا ترد عليه الخواطر والوساوس، فلابد أن يكون حاضر الذهن، فيفهم عن المدرس ما يقول، وعليه أن يعلق الفوائد العلمية؛ لأن الفوائد العلمية قد تفوته، ولهذا يقول السلف: العلم صيد والكتابة قيده قيد صيودك بالحبال الواثقة وعليه مع ذلك أن يستفسر عما أشكل عليه، ويرجع إلى زملائه يسألهم عما خفي عليه، ويرجع إلى الشريط أيضًا، وعليه مع ذلك أن يستفيد من أهل العلم، بأن يتصل بهم هاتفيًا أو شخصيًا، لكن مع التأدب، ومع القصد الحسن، وقد يحرم الإنسان العلم بسبب عدم تأدبه بآداب طالب العلم، فلابد للإنسان أن يخلص عمله لله وأن يتأدب بآداب طالب العلم.\nوعليه مع ذلك أن يستفيد من الكتب ومن أهل العلم، وأن يسلك الطرق والوسائل التي يستفيد منها، والوسائل في هذا العصر كثيرة: منها حضور الحلقات والدورات العلمية، ومنها حضور الدروس في المساجد، ومنها سؤال أهل العلم هاتفيًا أو شخصيًا، ومنها سماع الأشرطة المفيدة، ومنها القراءة في كتب أهل العلم والبصيرة، ومنها الدراسة في المعاهد والكليات والمدارس العلمية، كل هذه وسائل لطلب العلم، فنسأل الله ﷾ أن يرزقنا جميعًا العلم النافع والعمل الصالح، ونسأله سبحانه أن يرزقنا وإياكم الإخلاص في العمل والثقة في القول، ونسأله ﷾ أن يعيذنا وإياكم من الرياء والسمعة ومن المقاصد السيئة.\nونحن إن شاء الله في هذه الدورة سوف نتكلم بما يفتح الله به على كتاب الإيمان الأوسط للإمام المجتهد المطلق العلامة شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني رحمة الله عليه، المولود سنة إحدى وستين وستمائة من الهجرة، والمتوفى سنة ثمانية وعشرين وسبعمائة ﵀ رحمة واسعة.\nوشيخ الإسلام معروف لدى الجميع، وهو ممن نصر الله به الحق، وأظهر الله به معتقد أهل السنة والجماعة، وقد انتشرت كتبه ومؤلفاته، ونفع الله بها في مشارق الأرض ومغاربها، ودعوة الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ امتداد لدعوة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولا زال شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب وأحفاده وتلاميذه كلهم يستفيدون من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم وغيرهم من أهل العلم.\nوهذا الإمام شيخ الإسلام ﵀ هو ممن نصر الله به الحق وأظهر به عقيدة أهل السنة والجماعة، وما قرره من معتقد أهل السنة والجماعة، كله عليه أدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وكان من أهل العلم، ويندر أن يكون له قول ضعيف في مسائل الاعتقاد، أما المسائل الفرعية فأمرها سهل، كمسائل الفروع في الفقه وفي غيرها، لكن مسائل الاعتقاد يندر أن يكون له قول ضعيف أو مرجوح ﵀.\nوهذا كتاب الإيمان الأوسط ويقال له: كتاب الإيمان الصغير، وله كتاب آخر هو كتاب الإيمان الكبير أو شرح حديث جبريل، وكأن هذا الكتاب مختصر من كتاب الإيمان الكبير، وكتاب الإيمان الكبير أوسع، وهذه المباحث الموجودة في كتاب الإيمان الأوسط أو كتاب الإيمان الصغير موجودة في كتاب الإيمان الكبير، والإيمان الكبير يزيد عليه.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>شرح خطبة الكتاب</span>","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>معنى الحمدلة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [بسم الله الرحمن الرحيم.\n﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [هود:٨٨].\nالحمد لله، نحمده ونستعينه ونستعيذه ونستهديه ونسترشده، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٦]، ففتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، تبصر به من العمى، وأرشد به من الغي، وأنقذ به من الضلالة، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.\nأما بعد].\nهذه خطبة تسمى خطبة الحاجة، وكثيرًا ما يفتتح بها الإمام ﵀ رسائله وكتبه، وتقرأ هذه الخطبة عند خطبة النكاح وغيرها، فيفتتح بها مثل الكتاب أو الرسالة أو الجمعة، وإن لم تفتتح بها خطبة الجمعة فلا حرج.\nيقول: (الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه).\nالحمد: هو الثناء على المحمود بصفاته الجميلة الاختيارية، وهو أعلى من المدح، فالمدح: هو الإخبار عن صفات الممدوح، وقد تكون هذه الصفات ليست اختيارية، كما إذا مدحت الأسد بأنه قوي العضلات، هذه صفات له لكنه لم يفعلها باختياره، بخلاف الحمد؛ لأنه الثناء على المحمود بصفات اختيارية، مع حبه وإجلاله وتعظيمه، فالحمد أبلغ من المدح، فالحمد: هو الثناء على المحمود بصفاته الاختيارية مع حبه وإجلاله وتعظيمه.\nولهذا جاء الحمد في الثناء على الرب ﷾: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] افتتح الله به كتابه العظيم، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١] وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف:١].\nوجميع أنواع المحامد كلها ملك لله، هو مستحق لها ﷾، فإنه ﷾ هو الكامل في ذاته وصفاته وأفعاله وهو مولي النعم ومسديها، وما بالخلق من نعمة فهي من الله، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣].\nفلهذا كان ﷾ مستحقًا لجميع أنواع المحامد، وهو المالك لها ﷾.\nقوله: (ونستعينه) يعني: نستعين بالله ﷾، أي: نطلب منه العون، والسين والتاء تدل على الطلب، (ونستغفره)، يعني: نطلب منه المغفرة لجميع الذنوب؛ لأن الإنسان محل الخطأ، فهو بحاجة إلى الاستغفار، أي: طلب المغفرة، والمغفرة: هي ستر الذنب ومحوه والعفو عنه والسلامة من شروره في الدنيا والآخرة.\nفالمؤلف يقول: نثني على الله ﷾ بجميع أنواع المحامد، ونسأله العون، ونطلب منه أن يغفر ذنوبنا وأن يسترها، وأن يسلمنا من شرها في الدنيا والآخرة.\nقوله: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا)، يعني: الشرور تأتي من النفس، وتأتي من غير النفس، وكذلك الأعمال تنسب إلى العبد، وهو المباشر لها والكاسب لها، فالأعمال تكون حسنة وتكون سيئة، ولهذا قال: ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>معنى الهداية ومعنى الشهادة لله بالوحدانية</span>\nوقال: (من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له).\nهذا فيه بيان أن الرب ﷾ هو الهادي وهو المضل، هو الذي يقذف الهداية في قلب العبد، ويجعله يختار الحق ويرضى به، وهو ﷾ مقدر الضلالة على العبد لما له من حكمة بالغة، فهو ﷾ يهدي من يشاء فضلًا منه وإحسانًا، ويضل من يشاء عدلًا منه وحكمة.\nمن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ومن هداه الله فلا يستطيع أحد أن يضله، ولو اجتمع الخلق كلهم ما استطاعوا أن يضلوه، ومن أضله الله فلا يستطيع أحد أن يهديه، وإن اجتمع أهل الأرض كلهم أن يضلوه ما استطاعوا.\nوفي هذا رد على المعتزلة الذين يقولون: إن العبد هو الذي يهدي نفسه ويضل نفسه، يقولون: إن تسميته مهتديًا يعني: أن وصفه بأنه مهتد معناه أنه سمي مهتديًا أي: فهو من باب التسمية.\nمن يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، هذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف:١٧].\nثم شهد المؤلف ﵀ بالوحدانية لله تعالى ولنبيه ﷺ بالرسالة، فقال: (وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له)،يعني: أقر وأعترف بأنه لا معبود بحق إلا الله.\nلا إله إلا الله هي كلمة التوحيد، ومعناها: لا معبود بحق إلا الله، فالمعبود بالحق هو الله، وما عبد سواه فهو معبود بالباطل، والمعبودات كثيرة: عبدت الشمس، والقمر، والنجوم، والكواكب، والبشر، والحجر، والأصنام، والأوثان، والجن، والإنس، والشياطين كلهم عبدوا لكن بالباطل، والعبادة بالحق هي عبادة الله وحده، كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢].\nهذه كلمة التوحيد وهي أعظم كلمة، فأعظم كلمة وأفضل الكلام بعد كلام الله ﷿ كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) وهذه الكلمة العظيمة لأجلها خلق الله الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وانقسم الناس إلى شقي وسعيد، ولأجلها خلقت الجنة والنار، وقامت القيامة، وحقت الحاقة، ووقعت الواقعة، وهي حق الله على عباده، من وحد الله وأخلص له العبادة فإنه لا يخلد في النار وهو من أهل الجنة قطعًا، ومن مات على التوحيد فهو من أهل الجنة قطعًا، لكن إن مات على توحيد خالص خال من الشرك والبدع والكبائر دخل الجنة من أول وهلة، فضلًا من الله تعالى وإحسانًا، وإن مات على توحيد ملطخ بالمعاصي والكبائر والبدع دون الشرك فهو على خطر من العذاب أن يصيبه في القبر، قد يعذب في قبره، وقد تصيبه أهوال وشدائد في موقف القيامة، وقد يعذب في النار، فهو تحت مشيئة الله، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].\nوإذا دخل النار فإنه يعذب فيها على قدر جرائمه ومعاصيه، وفي النهاية يخرج منها ولا يخلد، بل يخرج منها إلى الجنة بشفاعة الشافعين أو برحمة أرحم الراحمين، ولا يبقى في النار إلا الكفرة، وإذا تكامل خروج العصاة الموحدين من النار ولم يبق منهم أحد أطبقت النار على الكفرة بجميع أصنافهم: اليهود والنصارى والوثنيين والملاحدة والشيوعيين والمنافقين، والمنافق في الدرك الأسفل منها، فلا يخرج منها أبد الآباد، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ﴾ [الهمزة:٨] يعني: مطبقة مغلقة، ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة:٩].\nوقال سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة:٣٧]، وقال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧]، وقال سبحانه: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣] يعني: مددًا متطاولة، كلما انقضى حقب أعقبه حقب إلى ما لا نهاية.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>معنى شهادة أن محمدًا رسول الله</span>\nوالشهادة لله تعالى بالوحدانية لا تصح إلا بالشهادة لنبيه بالرسالة ﵊، ولهذا قال المؤلف: (وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله)، وأشهد أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي العربي المكي ثم المدني هو عبد الله ورسوله، وأنه خاتم النبيين، وأنه رسول الله حقًا، وأنه رسول الله إلى العرب والعجم من الجن والإنس إلى الثقلين، وأنه لا نبي بعده، فمن اعتقد أن رسالة محمد ﷺ خاصة للعرب أو اعتقد أن بعده نبيًا فهو كافر بإجماع المسلمين، قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]، وقال سبحانه: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٧٩]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ:٢٨]، وقال ﵊: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار)، وقال ﵊: (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة).\nفرسالة النبي ﷺ عامة للثقلين الجن والإنس، العرب والعجم، وهو خاتم النبيين فلا نبي بعده، قال سبحانه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠].\nفلا تصح إحدى الشهادتين إلا بالأخرى، فمن شهد لله تعالى بالوحدانية ولم يشهد لنبيه بالرسالة لم تقبل، ومن شهد لمحمد ﷺ بالرسالة ولم يشهد لله بالوحدانية لم تقبل، فلا بد من الشهادتين، وإذا أطلقت إحداهما دخلت فيها الأخرى.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>معنى الصلاة على النبي وأصحابه وآله</span>\nثم قال المؤلف ﵀: (صلى الله عليه)، هذا سؤال ودعاء الرب ﷾ بأن يصلي على نبيه، وصلاة الله على العبد أصح ما قيل فيها: ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي العالية التابعي الجليل أنه قال: صلاة الله على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:٥٦] يعني: يثنون عليه، والصلاة من الآدمي ومن الملائكة دعاء.\n(وعلى آله وأصحابه)، الأصحاب: جمع صاحب، والصحابي أصح ما قيل في تعريفه: هو من لقي النبي ﷺ مؤمنًا ولو لحظة ومات على الإيمان، ولا يشترط أن يراه، فيدخل في ذلك العميان مثل عبد الله بن أم مكتوم الأعمى فإنه صحابي ولم ير النبي ﷺ، لكن لقيه، ويدخل في ذلك الأعراب الذين لقوا النبي ﷺ، فمن لقي النبي ﷺ مؤمنًا ومات على الإيمان فهو صحابي، أما الأعراب الذين ارتدوا والعياذ بالله على أعقابهم وماتوا على الكفر فليسوا من الصحابة.\nوآل النبي ﷺ قيل المراد بآله: ذريته وأقاربه، ويدخل في ذلك زوجاته، ويدخل في ذلك علي وفاطمة والحسن والحسين والعباس عم النبي ﷺ وحمزة، وأزواجه كذلك.\nوقيل: المراد بالآل: أتباعه على دينه إلى يوم القيامة.\nوعطف الآل على الأصحاب من عطف العام على الخاص، وعطف الأصحاب على الآل من عطف الخاص على العام، فقوله: (على آله وأصحابه)، أصحابه داخلون في الآل؛ لأنهم من أتباع دينه، وإذا قيل: وعلى أصحابه وآله، يكون الأصحاب قد ذكروا مرتين: مرة بالخصوص ومرة بالعموم.\nوقال: (أرسله بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا).\nهذا وصفه ﵊: أرسله الله بشيرًا ونذيرًا بين يدي الساعة يعني أنه نبي الساعة، وسمي نبي الساعة؛ لأنه ﵊ هو آخر الأنبياء، والساعة تقوم في آخر أمته؛ ولهذا قال النبي ﷺ (بعثت أنا والساعة كهاتين، وقرن بين أصبعه السبابة والوسطى)، وهو بشير لمن أطاعه بالجنة والكرامة، ونذير لمن عصاه بالنار وغضب الله وعقوبته.\nقال: [﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٦]].\n﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ [الأحزاب:٤٦] حيث أمره الله بذلك، بإذنه وكونه القدري وإذنه الديني الشرعي، وأتباعه ﵊ كذلك يدعون إلى الله بإذنه.\nووصف بالسراج المنير لأنه ﵊ هو المبلغ عن الله، وهو المبين لطريق الجنة وطريق النار، فهو السراج يضيء لمن أراد الله هدايته، فمن أراد الله هدايته فإنه يعرف طريق الجنة وطريق النار، فيوحد الله ويخلص له العبادة، ويعمل الأعمال التي ترضي الله؛ لأن الرسول ﵊ سراج منير أنار الطريق، حيث دعا إلى الله وإلى توحيده، وبين الواجبات والمحرمات في كتاب الله الذي أنزله عليه وفي سنته المطهرة، فهو السراج المنير.\nقال: (ففتح به أعينًا عميًا وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا).\nوفتح الله به أعينًا عميًا وهي أعين الكفار الذين عموا عن الحق، ومن أراد الله هدايته فتح عينه للحق، وفتح به آذانًا صمًا وهي آذان الكفار الذين صموا عن سماع الحق، لكن من أراد الله هدايته فتح الله أذنه وسمع الحق.\nوفتح به قلوبًا غلفًا عليها غلاف وهي قلوب الكفرة، كما قال الله سبحانه أنهم قالوا: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة:٨٨] يعني: عليها غلاف، لكن من أراد الله هدايته فتح الله له وأزال الله هذا الغلاف، فنفذ إليه الحق فآمن وأسلم واستقام.\nقال: (تبصر به من العمى وأرشد به من الغي).\nوالعمى: هو الكفر والمعاصي، والغي: الضلال والانحراف، أي: أرشد بدعوته ﵊، وبالكتاب الذي أنزله الله عليه وهو القرآن العظيم والسنة، فهو إرشاد يبين للإنسان الطريق المستقيم حتى لا يسلك طريق الغي.\nقال: (وأنقذ به من الضلالة).\nأنقذ الله به من الضلالة ومن الكفر، والضلالة: هي الكفر والمعاصي والبدع.\nقال: (صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا).\nكما سبق، وصلى الله عليه وعلى آله، ولم يذكر أصحابه، وإذا عطف الصحابة على الآل صار من عطف الخاص على العام.\n(وسلم تسليمًا كثيرًا)، هذا: دعاء للنبي بالسلامة، مثل: اللهم سلمه.\nقوله: (أما بعد).\nهذه كلمة يؤتى بها للانتقال من شيء إلى شيء، واختلف في أول من قالها، قيل: أول من قالها داود النبي ﵊، وقيل: هي فصل الخطاب، وقيل: أول من قالها قس بن ساعدة الإيادي، وقيل غير ذلك، وكان النبي ﷺ يقول في خطبته: (أما بعد، فإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ)، وهي أولى من قوله: (وبعد).\nفمن الناس من يقول: وبعد، وكان النبي ﷺ يقول: أما بعد في خطبته، وكذلك العلماء وغيرهم يقولون: أما بعد، وهو انتقال من الخطبة إلى الدخول في الموضوع والصلب.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان وجوابه عن ذلك</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقال الشيخ العالم العامل الورع الناسك شيخ الإسلام، بقية السلف الكرام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الشامي رحمه الله تعالى].\nفهو عالم وإمام ومجتهد وورع وزاهد، وكنيته أبو العباس ولقبه: شيخ الإسلام.\nويقال له: ابن تيمية الحران ي؛ لأنه ولد في بلد حران، ويقال: الشامي؛ لأنه نشأ في بلاد الشام، وكان في الشام في ذلك الوقت، وكذلك العراق كانت هي محط رحال العلماء، وكان العلماء متوافرين في ذلك الزمان والعلم منتشرًا هناك.\nقال: [فصل: يتضمن الحديث سؤال النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان وجوابه ﷺ عن ذلك.\nوقوله في آخر الحديث: (هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم)، فجعل هذا كله من الدين.\nوللناس في الإسلام والإيمان من الكلام الكثير: مختلفين تارة ومتفقين أخرى، ما يحتاج الناس معه إلى معرفة الحق في ذلك، وهذا يكون بأن نبين الأصول المعلومة المتفق عليها، ثم بذلك يتوصل إلى معرفة الحقيقة المتنازع فيها].","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>تخريج حديث جبريل</span>\nالمؤلف ﵀ بدأ بالفصل هنا، فقال: (فصل تضمن حديث سؤال النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان وجوابه عن ذلك).\nوقوله: (فجعل هذا كله من الدين)، يعني: حديث جبريل وهو الحديث المشهور الطويل الذي رواه الإمام مسلم ﵀ من حديث أبي هريرة ومن حديث عمر بن الخطاب ﵁، ويسمى بحديث جبرائيل، ويسمى بحديث عمر ﵁.\nوقد أخرجه الإمام مسلم ﵀ مطولًا في كتاب الإيمان، وأخرجه أبو داود في كتاب السنة، والترمذي في كتاب الإيمان، والنسائي في كتاب الإيمان والشرائع، وابن ماجة في المقدمة، وأخرجه الإمام أحمد، والبغوي في شرح السنة، وابن حبان وغيرهم.\nوأخرجه الإمام أحمد مختصرًا ومطولًا، وابن أبي شيبة عن ابن عمر، وروي الحديث من طريق أبي هريرة.\nوأخرجه البخاري مختصرًا في كتاب الإيمان، ومسلم أيضًا في الإيمان والشرائع، فهذا الحديث وهو حديث جبرائيل رواه الإمام مسلم مطولًا من حديث عمر ﵁، ورواه البخاري مختصرًا، ورواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة مختصرًا.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>رؤساء الملائكة</span>\nوهذا الحديث حديث عظيم، وفيه أن جبرائيل جاء للنبي ﷺ في صورة رجل أعرابي ورآه الصحابة، فدل على أن الملك ملك الوحي، وهو أشرف الملائكة وأصل الملائكة، وأفضل الملائكة ورؤساء الملائكة ثلاثة: جبريل وميكائيل وإسرافيل، وهؤلاء الثلاثة هم رؤساء الملائكة، وذلك أن كل واحد من هؤلاء الثلاثة موكل بما فيه الحياة، فجبريل موكل بالوحي الذي به حياة القلوب والأرواح، وميكائيل موكل بالقطر والمطر والماء الذي فيه حياة الحيوانات والنباتات، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي فيه استعادة الأرواح إلى أجسادها بعد الموت، فكل واحد من هؤلاء الثلاثة موكل بما فيه الحياة، فهم رؤساء الملائكة وأصل الملائكة؛ ولهذا توسل النبي ﷺ في دعاء الاستفتاح المذكور في صلاة الليل بربوبية الله لهؤلاء الأملاك الثلاثة، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل للصلاة استفتح بهذا الاستفتاح: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم).\nهذا دعاء استفتاح كان النبي ﷺ يستفتح به في صلاة الليل، وفيه: أن النبي ﷺ توسل إلى الله بربوبيته لهؤلاء الأملاك الثلاثة الذين وكلوا بما فيه الحياة، ويقال: جبرائيل وجبريل، وميكائيل وميكال.\nفجبريل جاء إلى النبي ﷺ في صورة أعرابي، وسأل النبي ﷺ عن الإسلام، ثم سأله عن الإيمان، ثم سأله عن الإحسان، وجاء أن سبب مجيء جبرائيل: أن النبي ﷺ قال: سلوني سلوني، فهابوا، فأرسل الله جبرائيل وجاء فسأل النبي ﷺ.\nفدل هذا على أن الملك يتشكل ويتصور، وأعطاه الله القدرة على ذلك، فجاء جبريل على صورة أعرابي هنا، ورآه الصحابة، وكثيرًا ما يأتي في صورة دحية الكلبي وكان رجلًا جميلًا، وأما صورته التي خلقه الله عليها فله ستمائة جناح، كل جناح يملأ ما بين السماء والأرض، ورآه النبي ﷺ على هذه الصورة مرتين: مرة في الأرض عند البعثة عند غار حراء، فقد رأى ملكًا قاعدًا بين السماء والأرض قد سد الأفق، فرعب منه رعبًاَ شديدًا، فغطه وقال له: اقرأ يا محمد، قال: ما أنا بقارئ، يعني: لست قارئًا، قال: اقرأ، ثلاث مرات، ويذكر في كل مرة أنه يغطه حتى يبلغ منه الجهد، وهذه تهيئة لتحمل الرسالة وأعبائها، فذهب إلى زوجه خديجة وقال: خفت أن يختلج عقلي، قالت: كلا والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق.\nورآه مرة ثانية على هذه الصورة ليلة المعراج، حينما جاوز السبع الطباق، ورآه مرات كثيرة بطرق متعددة، وهذه المرة جاء في صورة أعرابي.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>سؤال جبريل عن الإسلام</span>\nقال: (وأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟) هذا السؤال الأول، فأخبره النبي ﷺ بالحديث، وكتاب الإيمان الكبير وكتاب الإيمان الصغير يدور على شرح هذا الحديث من أوله إلى آخره.\n(جاء إلى النبي ﷺ وأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال ﵊: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان)، أو (أن تقيم الصلاة وأن تؤتي الزكاة وأن تصوم رمضان وأن تحج البيت).\nففسر الإسلام بالأركان الخمسة، الركن الأول: الشهادة لله تعالى بالوحدانية ولنبيه ﷺ بالرسالة، والثاني: إقام الصلاة، والثالث: إيتاء الزكاة، والرابع: صوم رمضان، والخامس: حج بيت الله الحرام.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>سؤال جبريل عن الإيمان والإحسان</span>\nقال: (قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه) هذا سؤال العارف، والعادة أن الذي يسأل لا يعلم، وهذا يسأل ويصدق، فالسؤال سؤال العارف فتعجب الصحابة، (قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه) وهو إنما سأل ليعلم الناس دينهم، كما بين النبي ﷺ في آخر الحديث.\n(فقال: يا محمد أخبرني عن الإيمان؟ فقال: الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره).\nفسر الإيمان بالأصول الباطنة، أي: بالأركان الباطنة الستة، فالإسلام فسر بأعمال ظاهرة: نطق بالشهادتين، الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والإيمان فسر بالأركان الباطنة قال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإحسان؟ فقال النبي ﷺ: الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، جعل الإحسان له مرتبتان: المرتبة الأولى: أن تعبد الله كأنك تراه، أي: تعبد الله على المشاهدة.\nالمرتبة الثانية: فإن لم تكن تراه فإنه يراك.\nفإن ضعفت عن المرتبة الأولى فإنك تنتقل إلى المرتبة التي بعدها، فالمرتبة الأولى: أن تعبد الله كأنك تراه، أي: كأنك تشاهده، والثانية: إن لم تكن تراه فإنه يراك.\nوالإحسان مرتبة عالية يعني أنك حينما تعبد الله بالصلاة والزكاة والصوم والحج وبر الوالدين وصلة الرحم تعبد الله على المشاهد، وتعبد الله على المراقبة، فأنت تراقب الله والله يراقبك، وتستشعر هذا الإحساس، (قال: صدقت).","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>سؤال جبريل عن الساعة</span>\nثم وجه إليه السؤال الرابع (قال: أخبرني عن الساعة؟) والسؤال الرابع ليس عند الرسول له جواب، قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) يعني: علمي وعلمك سواء، فالساعة لا يعلمها إلا الله، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ * قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف:١٨٧ - ١٨٨].\nوبالمناسبة للفائدة: عندي كتاب كتبه شخص وحدد قيام وقت الساعة، وهذا من التخريف، واسم المؤلف يمكن أن يكون مستعارًا (كتبه فهد السالم)، ذكر أن نزول المسيح عيسى بن مريم سنة ألف وتسعمائة وتسعة عشر ميلادي، وأن قيام الساعة عام ألفين وعشرة ميلادي، وهذا مما يدل على سخافته، وأنه يؤرخ بالتاريخ النصراني، ولا يؤرخ بتاريخ الإسلام، فهذا من المخرفين، إذ حدد خروج المسيح الدجال وحدد وقت الساعة، والنبي ﷺ يقول: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، يعني: علمي وعلمك سواء، وهذا حددها.\nثم توجه إلى السؤال الخامس: (قال: أخبرني عن أمارتها؟) أي: إذا كنت لا تعلم وقت الساعة فأخبرني عن العلامات، فأخبره النبي ﷺ عن العلامات: (قال: أن تلد الأمة ربتها) أي: الأمة تلد سيدتها، والمعنى: أمة تباع وتشترى تلد مولودة فتكون سيدة على أمها.\nقال العلماء: معنى ذلك أنه تكثر السراري ويتسرى الملوك الإماء ثم تلد الأمة بنتًا للملك فتكون بنت الملك سيدة على أمها.\nوفي لفظ: (أن تلد الأمة ربها) وهنا: (أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان) الحفاة: الذين لا نعال لهم، العراة: الذين لا ثياب عليهم، العالة: الفقراء، يتطاولون في البنيان.\nوالحديث له ألفاظ أخرى.\n(ثم لبث مليًا)، وفي لفظ: قال النبي ﷺ: (ردوا السائل، فذهبوا فلم يجدوا أحدًا) أي: خرج الرجل من عندهم فلما ذهبوا لإحضاره لم يجدوا أحدًا؛ لأنه ملك من الملائكة وقد جاء في حالة غريبة: شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، والعادة في ذلك الوقت أن الأسفار متعبة، والذي يأتي من السفر تكون ثيابه رثة متسخة وشعره كذلك متسخ، لكن هذا ثيابه بيضاء جميلة، كأنه خرج من بيته مثلنا الآن، وشعره كذلك أسود ليس فيه غبار، فتعجب كيف يكون مسافرًا ويأتي بهذه الصورة؟! فقال النبي ﷺ: (ردوا السائل)، وفي لفظ قال: (فلبث مليًا ثم قال: يا عمر! أتدري من السائل؟ فقال عمر: الله ورسوله أعلم)، هذا يقال للنبي ﷺ في حال حياته، يقال: الله ورسوله أعلم، أما بعد وفاته يقال: الله أعلم؛ لأن الرسول لا يعلم الغيب، ولا يعلم أحوال أمته.\n(فقال ﵊: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) وهذه اللفظة التي ذكرها المؤلف الآن، وفي لفظ: (أمر دينكم).\nفبين النبي ﷺ أن مسمى الإسلام ومسمى الإيمان ومسمى الإحسان هو الدين، إذًا: الإسلام والإيمان والإحسان داخل في مسمى الدين، والدين يشمل الإسلام والإيمان والإحسان، وله ثلاث مراتب: مرتبة الإسلام، ثم المرتبة الثانية مرتبة الإيمان وهي أعلى منه، ثم المرتبة الثالثة مرتبة الإحسان.\nإذًا: الدين يشمل الإسلام والإيمان والإحسان وهي مراتب، أعلاها الإحسان، ثم الإيمان، ثم الإسلام.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>التفريق بين الإسلام والإيمان في حديث جبريل</span>\nفي هذا الحديث فرق النبي ﷺ بين الإسلام والإيمان، ففسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، وفسر الإيمان بالاعتقادات الباطنة، وجاء في القرآن أيضًا ما يدل على التفرقة بينهما، كقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥]، فرق بينهما.\nوكذلك قول الله ﷿ في سورة الحجرات: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، وفي حديث سعد بن أبي وقاص: (أن النبي ﷺ أعطى بعض الناس عطايا يتألفهم على الإسلام وترك رجلًا هو أعجبهم إلي، فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنًا، فقال النبي ﷺ: أو مسلمًا) يعني: ما وصل إلى درجة الإيمان، (قال: فسكت ثم غلبني ما أجد فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان! فوالله إني لأراه مؤمنًا، فقال: أو مسلمًا، فسكت ثم غلبني أجد فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان فو الله إني لأراده مؤمنًا فقال: أو مسلمًا، ثم قال النبي ﷺ: يا سعد إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي مخافة أن يكبه الله على وجهه في النار) يعني: أن النبي ﷺ يعطي العطاء حتى يتألفهم على الإسلام، فمن كان قوي الإيمان لا يعطيه، بل يتركه لإيمانه، ومن كان ضعيف الإيمان يعطيه؛ حتى لا يرتد عن دينه، وحتى يتقوى إيمانه، وهذا فيه فرق بين الإيمان والإسلام.\nواختلف العلماء في الإيمان والإسلام هل هما شيء واحد أو شيئان؟ فذهب بعض أهل السنة إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد، وأن الإسلام هو الإيمان والإيمان هو الإسلام، وعلى رأسهم الإمام البخاري ومحمد بن نصر المروزي فقالوا: الإيمان والإسلام شيء واحد، وشاركهم فيها بعض البدع كالخوارج والمعتزلة وقالوا: إن الإيمان هو الإسلام.\nوأجابوا عن قول النبي ﷺ: (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله)، قالوا: هذا على تقدير محذوف، والتقدير: شعائر الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله.\nوقالوا: إن آية الحجرات: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، في المنافقين؛ لأن الله نفى عنهم الإيمان وأثبت لهم الإسلام في الظاهر؛ لأن المنافقين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر.\nوذهب جمهور العلماء والمحققون من أهل العلم: إلى أن الإسلام والإيمان شيئان، وأنهما إذا اجتمعا كان لكل واحد منهما معنى، أما إذا أفرد أحدهما وتجرد عن الآخر فإنه يدخل فيه الآخر، فإذا أفرد الإسلام دخل فيه الإيمان، وإذا أفرد الإيمان دخل فيه الإسلام، وإذا اجتمعا فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة وفسر الإيمان بالأعمال الباطنة، كما في حديث جبرائيل.\nوهذا هو الصواب الذي عليه جمهور العلماء وعليه المحققون كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم.","vol":"1","page":17},{"text":"شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-18>[٢]</span>\nاختلف الناس في مسمى الإيمان والإسلام على أقوال شتى، واستدل كل قوم على ما قالوا بأدلة، وقد بين شيخ الإسلام أقوالهم والراجح في ذلك.","vol":"2","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>أقوال الناس في الإيمان والإسلام</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: تضمن حديث سؤال النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان وجوابه عن ذلك، وقوله في آخر الحديث: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)، فجعل هذا كله من الدين.\nوللناس في الإسلام والإيمان من الكلام الكثير: مختلفين تارة ومتفقين أخرى، ما يحتاج الناس معه إلى معرفة الحق في ذلك، وهذا يكون بأن تبين الأصول المعلومة المتفق عليها، ثم بذلك يتوصل إلى معرفة الحقيقة المتنازع فيها].\nفهذا كتاب الإيمان الأوسط أو الصغير شرح لحديث جبرائيل ﵊، والمؤلف ﵀ لم يذكر الحديث بفصوله وإنما ذكر معناه، فقال: تضمن حديث جبرائيل سؤال النبي ﷺ عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، ثم قال في آخر الحديث: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) فسمى الإسلام والإيمان والإحسان دينًا، فالدين له ثلاث مراتب: الإسلام والإيمان والإحسان.\nوشيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إن الناس اختلفوا في مسمى الإسلام وفي مسمى الإيمان، مختلفين تارة ومتفقين تارة، وقال: إن الحق يتبين بعد معرفة الأصول المتفق عليها، وذكر من هذه الأصول التي دلت عليها النصوص أصلين: الأصل الأول: أن الناس في عهد النبي ﷺ بعد هجرته إلى المدينة ثلاث طوائف: مؤمنون باطنًا وظاهرًا، وكفار باطنًا وظاهرًا، ومسلمون في الظاهر وكفار في الباطن وهم المنافقون، وهذا أصل دلت عليه النصوص من الكتاب ومن السنة، وأجمع عليه العلماء.\nالأصل الثاني: أن النصوص وصفت أقوامًا من الناس بالإسلام ونفت عنهم الإيمان، كقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، وكقوله ﷺ لـ سعد بن أبي وقاص لما قال له حين أعطى رجالًا يتألفهم على الإسلام: (ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنًا، فقال ﵊: أو مسلمًا.\nثلاث مرات).\nوالخلاصة في هذا: أن مسمى الإسلام ومسمى الإيمان اختلف الناس فيه على أقوال:","vol":"2","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>القول الأول في الإسلام والإيمان</span>\nالقول الأول: أن مسمى الإسلام هو الكلمة ومسمى الإيمان يعم.\nوالكلمة يعني: النطق بالشهادتين، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فمن نطق بهما فهو مسلم، فإذا عمل وأدى الواجبات وترك المحرمات فهو المؤمن.\nوهذا القول مروي عن الإمام الزهري رحمه الله تعالى وبعض أهل السنة، وليس مقصود الإمام الزهري ﵀ أن الأعمال لا تدخل في مسمى الإسلام، فإن الإمام الزهري أجل من أن يخفى عليه مثل ذلك، لكن مقصود الإمام الزهري بقوله إن الإسلام هو الكلمة أن الإنسان إذا نطق بالشهادتين حكم له بالإسلام، وتميز عن المشركين وعن اليهود والنصارى، والأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان.\nومن أدلتهم: قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢].\nقالوا: فالظالم لنفسه هو المسلم، والمقتصد هو المؤمن الذي أدى الواجب فترك المحرمات، والسابق بالخيرات هو المحسن.\nوهذه الآية لا تدل على ما ذهب إليه هؤلاء؛ لأن الآية ليس فيها أن الإسلام هو الكلمة، وإنما فيها تقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه: وهو الذي قصر في بعض الواجبات وارتكب بعض المحرمات.\nومقتصد: وهو الذي أدى الواجبات وترك المحرمات.\nوسابق بالخيرات: وهو المحسن.\nفالآية قسمت الناس إلى ثلاثة أقسام، كحديث جبرائيل لما سأل النبي ﷺ عن الإسلام وعن الإيمان وعن الإحسان.\nومن أدلتهم أيضًا: أن النصوص دلت على تسمية الإسلام باسم الإيمان، وتسمية الإيمان باسم الإسلام، فحديث جبرائيل الذي معنا فسر النبي ﷺ الإسلام بالأعمال: الشهادتين والصلاة والزكاة والصوم والحج.\nوفي حديث وفد عبد القيس فسر الإيمان بالأعمال، فإن في حديث وفد عبد القيس وهو حديث صحيح رواه الشيخان قال النبي ﷺ: (آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا سدس ما غنمتم)، ففسر الإيمان بالأعمال، قالوا: إن النصوص سمت الإسلام بما سمي به الإيمان، وسمت الإيمان بما سمي به الإسلام.","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>القول الثاني في الإسلام والإيمان</span>\nالقول الثاني لأهل العلم في مسمى الإسلام والإيمان: أن الإيمان والإسلام شيء واحد، فالإسلام هو الإيمان والإيمان هو الإسلام، فهما مترادفان.\nوذهب إلى هذا بعض أهل السنة وعلى رأسهم الإمام البخاري ﵀، ذهب إلى هذا في كتابه الجامع الصحيح في التراجم، وشارك أهل السنة في هذا القول بعض أهل البدع كالخوارج والمعتزلة، قالوا: إن الإسلام هو الإيمان والإيمان هو الإسلام، فهما مترادفان.\nوأجابوا عن حديث جبرائيل: (الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله) قالوا: هذا فيه تقدير، والتقدير: شعائر الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله.\nولكن الأصل عدم التقدير.\nواستدلوا بقول الله تعالى في قصة قوم لوط ﵊: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦].\nقالوا: هذا البيت الواحد وصف بالإيمان ووصف بالإسلام، بيت واحد وهو لوط وابنتاه، نجاهم الله من الهلاك، فهذا يدل على أنهما مترادفان.\nولكن الصواب: أنهما ليسا مترادفين.\nوالجواب عن هذه الآية: أن البيت المفرد اتصف بالإيمان وبالإسلام؛ لأنها تنطبق عليهم أوصاف الإسلام وأوصاف الإيمان، ولا يلزم من كون هذا البيت المفرد اتصف بالإسلام والإيمان أن يكون الإسلام والإيمان واحدًا؛ لأن غيرهم قد لا يتصف بصفة الإيمان.\nومن أدلتهم: قول الله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤].\nفهذه الآية فيها أن الله نفى عنهم الإيمان وأثبت لهم الإسلام، فدل على أن الإيمان والإسلام شيء واحد، ولو كان الإيمان والإسلام شيئين لما نفى عنهم الإيمان، فلما نفى عنهم الإيمان وأثبت لهم الإسلام دل على أن هؤلاء منافقون، والمعنى: قولوا استسلمنا وانقدنا للإسلام ظاهرًا نفاقًا.\nوالصواب الذي عليه جمهور العلماء والمحققون من أهل السنة وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره: أن هذه الآية ليست في المنافقين، وإنما هي في ضعفاء الإيمان؛ لأن هذه الآية من سورة الحجرات، وآية الحجرات ذكر فيها المعاصي: القتل، والغيبة، والنميمة، والسخرية، والهمز، واللمز، وليس فيها ذكر النفاق، فضعيف الإيمان ينفى عنه الإيمان ويثبت له الإسلام، وإن كان لا بد للإسلام من إيمان يصح به، إلا أنه لا يطلق عليه اسم الإيمان.\nويدل على هذا ما سبق هذه الآية، فإن هذه الآية في المؤمنين قال فيها: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، فأثبت لهم طاعة الله ورسوله، ولو كانوا منافقين لما أثبت لهم طاعة، وقال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات:١٧] فأثبت لهم الإسلام، ولو كانوا منافقين لما أثبت لهم الإسلام.","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>القول الثالث في الإسلام والإيمان</span>\nوالقول الثالث لأهل العلم: أن الإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان هو الأعمال الباطنة.\nودليلهم حديث جبرائيل، فإنه لما سأل النبي ﷺ عن الإسلام فسره بالأعمال الظاهرة، ولما سأل عن الإيمان فسره بالاعتقادات الباطنة، فدل على أن الإسلام الأعمال الظاهرة والإيمان الأعمال الباطنة.\nوالصواب الذي تدل عليه النصوص والذي عليه المحققون من أهل العلم والذي أقره شيخ الإسلام ﵀ في هذا الكتاب من أوله إلى آخره: أن الإسلام والإيمان تختلف دلالتهما بالاقتران والإفراد، فإذا انفرد الإسلام دخل فيه الأعمال الظاهرة والباطنة، وإذا انفرد الإيمان دخل فيه الأعمال الباطنة والظاهرة، وإذا اجتمعا صار لكل واحد منهما معنى.\nفإذا اجتمعا فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة وفسر الإيمان بالأعمال الباطنة، كما في حديث جبرائيل فإنهما اجتمعا، فلما اجتمعا فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة وفسر الإيمان بالأعمال الباطنة.\nلما سأله عن الإسلام فسر الإسلام: بالشهادتين، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، ولما سأل عن الإيمان فسره بالاعتقادات الباطنة: بالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.\nوإذا انفرد أحدهما دخل فيه الآخر، فإذا انفرد الإسلام فيدخل فيه الأعمال الظاهرة والباطنة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، فالإسلام هنا يشمل الأعمال الظاهرة والباطنة.\nوكذلك الإيمان إذا انفرد فإنه يدخل فيه الأعمال الظاهرة والباطنة، وبهذا تجتمع الأدلة ولا تختلف.\nوهذا ليس خاصًا بالإسلام والإيمان، فمثلهما مسمى الدين، فالدين إذا أطلق يشمل الأعمال الظاهرة والباطنة، والإسلام إذا أطلق يدخل فيه الأعمال الظاهرة والباطنة، والإيمان إذا أطلق يدخل فيه الأعمال الظاهرة والباطنة، والبر إذا أطلق يدخل فيه الأعمال الظاهرة والباطنة، والتقوى إذا أطلقت يدخل فيها الأعمال الظاهرة والباطنة.\nلكن إذا اجتمع الإسلام والإيمان صار لكل واحد منهما معنى، فمعنى الإسلام الأعمال الظاهرة والإيمان الأعمال الباطنة، وإذا اجتمع البر والتقوى صار لكل واحد منهما معنى، البر فعل الأوامر والتقوى ترك النواهي، وإن أطلق البر وحده شمل الأعمال الظاهرة والباطنة، وإذا أطلقت التقوى وحدها شملت الأعمال الباطنة والظاهرة.\nوكذلك الفقير والمسكين، الفقير إذا أطلق دخل فيه المسكين، والمسكين إذا أطلق دخل فيه الفقير، وإذا اجتمعا فسر الفقير بمن هو أشد الحاجة، فالفقير: هو الذي لا يجد شيئًا أو يجد نصف الكفاية، يعني: لمدة سنة، والمسكين: هو الذي يجد نصف الكفاية إلا أنه لا يجد الكفاية؛ ولهذا بدأ الله بالفقير في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠]، إذًا: الفقراء والمساكين هنا شيئان.\nلكن في مثل قوله ﷺ: (ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان)، يدخل الفقير.\nوكذلك الربوبية والألوهية، إذا أطلقت الربوبية دخلت فيها الألوهية، وإذا أطلقت الألوهية دخلت فيها الربوبية، وإذا اجتمعا فسرت الربوبية بأفعال الرب، والألوهية: بأن الله هو المعبود وحده سبحانه، أي توحيد الله بأفعالك أنت أيها العبد.\nومثل قول الملكين للميت في قبره: (من ربك؟) يعني: من إلهك الذي تعبد؟ فيدخل فيه الألوهية، لكن لما اجتمعا في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:١ - ٣] صار لكل واحد معنى.\nورب الناس، أي: مربيهم وخالقهم ومدبرهم، وإذا أفرد الرب دخل فيه المعبود الإله، وإذا أفرد الإله دخل فيه الرب، وإذا اجتمعا صار لكل واحد منهم معنى.\nومن اجتماع الإيمان والإسلام قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] وقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، وما جاء أيضًا في حديث سعد بن أبي وقاص: (ما لك عن فلان؟ فوالله! إني لأراه مؤمنًا، قال: أو مسلم) ففرق بين الإسلام والإيمان.\nوهذا هو الصواب الذي تدل عليه النصوص وتجتمع به الأدلة، وهو الذي أقره المصنف ﵀ من أول الكتاب إلى آخره.","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>الأسئلة</span>","vol":"2","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>الحث على الاستمرار في طلب العلم والدعوة إليه ونشره بين الناس</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نحن شباب جئنا من دولة لبنان، ولا يخفى عليك حفظك الله حال الإسلام فيها، فبماذا تنصحنا به عند رجوعنا إلى بلدنا بعد الدورة العلمية؟ وهل المجيء إلى هذه البلاد لإقامة الدين يعتبر هجرة أم ماذا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ننصحكم أولًا بالاستمرار في طلب العلم، والاستزادة منه والتبصر والتفقه، والاستمرار في طلب العلم بعد الدورة، وتستطيعون أن تواصلوا طلب العلم عن طريق الشبكة والدروس العلمية التي تنشر، وعن طريق سؤال أهل العلم ومهاتفتهم، وكذلك بقراءة الكتب النافعة، تستمرون ثم بعد ذلك تنشرون هذا العلم بقدر استطاعتكم، وتدعون إلى الله بالحكمة واللين والرفق من حولكم من أهليكم، ومن جيرانكم ومجتمعكم، بالطرق المناسبة التي ترونها كفيلة بإيصال العلم، عن طريق فتح المدارس، وإذا سمح لكم بإقامة الدورات بالدروس على حسب الاستطاعة، لكن أوصيكم بالاستمرار في طلب العلم والاستزادة من طلب العلم.\nوأما مجيئكم إلى هذه البلاد فهو مجيء لطلب العلم، وسفر لطلب العلم والرحلة في طلب العلم معروفة عن أهل العلم.","vol":"2","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>النجاشي لا يدخل في تعريف الصحابي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل النجاشي يعد من الصحابة أم من العباد المسلمين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  النجاشي لم ير النبي ﷺ ولم يلقه، وقد سبق تعريف الصحابي: أنه من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به ومات على الإسلام، وهو ممن أسلم في حياة النبي ﷺ، وهناك من أسلم في حياة النبي ﷺ ولم يلقه، فيعده علماء المصطلح من المخضرمين، وحكمه حكم التابعين؛ لأنه لم يلق النبي ﷺ ولم يره ولم يجتمع به، فهو من الملوك المؤمنين المسلمين، ولهذا فإن النبي ﷺ شهد له بالإيمان والأخوة، ولما مات خرج النبي ﷺ بالصحابة إلى المصلى وصفهم، وقال: (مات أخ لكم في الحبشة) وكبر وصلى عليه، وكبر عليه أربعًا.","vol":"2","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>التحذير من الادعاءات الباطلة على علماء أهل السنة ووجوب محاربتها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  وردت ادعاءات في هذا الزمن من بعض المشبوهين تقول: إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ليست كل أقواله من أقوال أهل السنة، فما رأيكم بذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  صحيح أن هذه الادعاءات ادعاءات هدامة، وهناك بعض المنحرفين الآن يشككون في كلام أهل العلم وفي كتب أهل العلم، وشككوا في كثير من الكتب، حتى قالوا: إن بعض الكتب نسبتها غير صحيحة، وقالوا: مسألة الإمام أحمد لم تثبت، ورسالة كذا لم تكن للإمام أحمد، ورسالة العقيدة الواسطية لم تكن عن شيخ الإسلام وهكذا، وهم يريدون ألا تثبت هذه الكتب؛ حتى يطعنوا فيها لأنها تخالف معتقدهم الباطل، فهذه ادعاءات هدامة، قصد منها أصحابها التنفير من الأئمة ومن أقوالهم ومن كتبهم.\nفنصيحتي لأخواني طلبة العلم أن يعرضوا عن هذه الادعاءات، وأن ينكروها، وأن يحذروا منها، فهي ادعاءات هدامة قصد منها أعداء الإسلام التنفير من الأئمة، ومن العلماء، ومن أقوالهم، ومما قرروه من العقيدة السليمة التي استدلوا عليها بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.","vol":"2","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>مكانة الشيخ الألباني</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما رأيكم فيمن يتكلم في عقيدة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀، ويطعن في إيمانه، ويتهمه بالإرجاء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الشيخ محمد ناصر الدين الألباني من أهل السنة والجماعة، وهؤلاء الذين يطعنون فيه من المغرضين، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني محدث له مؤلفات كثيرة في الحديث، وأما آراؤه الفقهية فقد يغلط كغيره، وقد يغلط في بعض المسائل، لكنه في الجملة من أهل السنة والجماعة، وإن كان يغلط في بعض المسائل فيما يتعلق بالإيمان أو غيره، فإنه ليس معصومًا، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله ﷺ.","vol":"2","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>درجة حديث ابن عمر في أركان الإسلام</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يصح الحديث: (الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  في حديث ابن عمر الذي رواه الشيخان أن النبي ﷺ قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت).\nهذا الحديث الذي رواه الشيخان عن ابن عمر.","vol":"2","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>الفرق بين الإيمان والاعتقاد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفرق بين الإيمان والاعتقاد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الإيمان هو تصديق القلب وإقراره وعمله، والتصديق والاعتقاد والإقرار ألفاظ متقاربة، فالتصديق يعني: يعتقد صدق الله وصدق رسوله ﷺ.","vol":"2","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>حكم من لقي النبي ﷺ وآمن به ثم ارتد بعد وفاته ثم آمن</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم من لقي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وآمن به ثم ارتد بعد وفاته ﷺ ثم آمن بعد حرب المرتدين، هل يعتبر من الصحابة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، إذا مات على الإيمان فهو من الصحابة، وإن مات على الكفر فليس من الصحابة، وذلك أن المرتد إذا رجع إلى الإسلام ومن الله عليه بالإسلام فإنه يحرز أعماله السابقة ولا تضيع عليه، أما إذا ارتد ومات على الكفر بطلت أعماله وحبطت؛ لأن الله تعالى جعل سبب حبوط العمل الموت على الردة؛ قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧].\nفمن ارتد ومات على الكفر حبطت أعماله، ومن ارتد ومن الله عليه وعاد إلى الإسلام ومات على الإسلام سلمت له أعماله وأحرزها بإيمانه، والحمد لله.","vol":"2","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>حكم من شك فيما هو معلوم من الدين بالضرورة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  سائل يقول: إنه أصيب بالشك المؤدي إلى الكفر، فكيف يستطيع أن يزيله، علمًا بأن الذي أصيب به ليس وساوس بل هو شك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  عليه التوبة إذا لم تكن وساوس، كأن يكون عنده شك في الله، أو في وجود الله، أو شك في استحقاق الله الوحدانية، أو شك في ربوبية الله، أو في أسمائه وصفاته، أو شك في ملك من الملائكة، أو شك في الرسل، أو في رسالة النبي ﷺ هل هي حق أو غير حق؟ أو شك في البعث، أو في الجنة، أو في النار هذا كفر، والعياذ بالله.\nكما أخبر الله عن صاحب الجنتين حين دخل جنته: ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف:٣٥ - ٣٦]، هذا الشك شك في الساعة، ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ﴾ [الكهف:٣٧] كفر بهذا الشك.\nفإذا كان هذا الشخص يشك فعليه التوبة من هذا الكفر، وعليه أن يجدد إسلامه من جديد، ويعتقد عقيدة جازمة لا يتطرق إليها شك فيها شك فيه، سواء شك في الله، أو في الملائكة، أو في الرسل، أو في الكتب، أو في البعث، أو في الجنة، أو في النار، مثل من أنكر شيئًا فليتب من هذا الإنكار، ومن أنكر وجحد ما هو معلوم من الدين بالضرورة عليه أن يتوب من هذا الجحد ويقر به، ومن شك عليه أن يتوب من هذا الشك ويجزم ويعتقد.","vol":"2","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>إطلاق الصلاة والسلام على آل البيت لا يشمل الكفار وأهل البدع منهم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الصلاة على آل بيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تشمل بعض الرافضة والبعثيين الذين يدعون نسبهم للنبي ﷺ؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا تشمل إلا المؤمنين، فآله أهل بيته المؤمنين، قوله: (وعلى آله) لا تشمل أبا طالب ولا أبا جهل، وهم من آل النبي ﷺ؛ لأنهم كفار ماتوا على الكفر، لكن تشمل عليًا وفاطمة والحسن والحسين والعباس، وحمزة، لأنهم مؤمنون، أما أبو لهب وأبو جهل فلا تشملهم، وأبو طالب لا تشمله وهم من آل النبي ﷺ، فالرافضة المتأخرون من باب أولى، هؤلاء أعداء الله وأعداء رسوله ﷺ.","vol":"2","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>حكم تكفير المعين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل من آراء شيخ الإسلام ﵀ تكفير المعين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قول شيخ الإسلام وغيره أن المعين إذا قامت عليه الحجة ووجدت الشروط وانتفت الموانع يكفر، أما إذا لم تقم عليه الحجة فلا يكفر؛ حتى تكشف الشبهة وتوجد الشروط وتنتفي الموانع.","vol":"2","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>ضرورة التثبت من الأقوال المنسوبة إلى العلماء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما صحة ما ينقل عن شيخ الإسلام ﵀ أنه قال: من قال: يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث، أربعين مرة بين سنة الفجر إلى صلاة الفجر رزق حياة القلب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا أعلم صحة هذا، إذا كان ورد هذا عنه فليراجع، وعلى السائل أن يثبت هذا، فإذا ثبت بسند صحيح، وإلا فلا يقبل.","vol":"2","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>دلالة عمر سارية على الجبل والرد على احتجاج المبتدعة به</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل لأهل البدع حجة في أثر عمر ﵁ حينما قال: يا سارية الجبل، على معرفة الغيب والكشف؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس لهم حجة، وهذا من باب الكرامة، وكرامات الأولياء معروفة، وقد يكشف للولي ما لا يكشف لغيره، وهذا من كرامة عمر ﵁، أما الصوفية الذين يدعون علم الغيب فهذا منهم كفر وضلال أعوذ بالله.","vol":"2","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>حكم قصر الصلوات والجمع بينها للمسافر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  جئت من خارج مدينة الرياض وأنا مسافر، فهل آخذ برخص السفر، مع العلم بأني مقيم إلى نهاية الدورة العلمية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا يذكرني بأن أحد الإخوان سألني بعد الصلاة وقال: هل نصلي السنة الراتبه أو نؤخرها؟ قلت: صلها الآن، السنة الراتبة لا تؤخر، فالسنة الراتبة وقتها من المغرب إلى دخول وقت العشاء، فإذا دخل وقت العشاء ذهب وقتها، وأنا أشاهد بعض الإخوان يجلسون ولا يصلون السنة الراتبة، وهذا غلط، فينبغي للإنسان أن يحافظ على السنة الراتبة.\nوأما المسافر الذي أتى من بعيد فإذا نوى أن يقيم أكثر من أربعة أيام فالصواب الذي تدل عليه النصوص والذي أقره جمهور العلماء: أنه تنقطع أحكام السفر من أول فريضة يصليها، فيصلي السنن الرواتب من أول فريضة.\nفإذا نوى الإقامة يومًا أو يومين أو ثلاثة أيام أو أربعة فقط، أو له حاجة ولا يدري متى تنتهي، فهذا لا يزال مسافرًا، لكن إذا صلى مع الإمام وأتم فالحكم حكم المقيمين، وإن صلى وحده مع المسافرين فإنه يقصر الصلاة ولا يصلي السنة الراتبة، راتبة الظهر وراتبة المغرب وراتبة العشاء، أما سنة الفجر فلا تترك حضرًا ولا سفرًا.\nفالإخوان الذين جاءوا للدورة وقد قرروا ونووا أن يقيموا أسبوعين ليسوا مسافرين، ومن أول فريضة تنقطع أحكام السفر عندهم، فعليهم أن يصلوا السنن الرواتب وغيرها، وليس لهم أن يقصروا ولا أن يجمعوا.","vol":"2","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>كيفية التخلص من المال الربوي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أعطيت زوجتي مالًا ربويًا وهي لا تعلم ذلك واشترت به ذهبًا، فكيف تتخلص من هذا الذهب؟ وهل يجب علي إخبارها بذلك؟ وهل يصلح التصدق به في بناء مسجد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، وعليك أن تخرج ما يقابل هذا المال، فالإثم عليك وهي لا إثم عليها، فعليك أن تخرج ما يقابل قيمة الذهب وتنفقه في المصالح العامة بنية التخلص منه لا بنية التقرب إلى الله.\nوإذا وصل للإنسان فوائد ربوية فلا يجوز له أن يأخذها أولًا، أي: إن أمكن ألا يأخذها فلا يأخذها، وإن لم يمكن أو لا يستطيع ردها فإنه ينفقها في المصالح العامة للمسلمين بنية التخلص منها لا بنية التقرب، فينفقها على المساكين وعلى الفقراء وعلى المساجد وعلى مدارس تحفيظ القرآن ودور الأيتام، وحينئذ تبرأ ذمته منها، فأنت تخرج قيمة الذهب في المصالح العامة بنية التخلص منها.","vol":"2","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>حكم التوضؤ من الماء المغصوب كالمياه الموضوعة للشرب</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم الوضوء من برادات المياه حال ازدحام مواضع الوضوء؟ وما صحة ما ذكر عن الشيخ ابن باز ﵀ أنه يرى عدم صحة صلاة من توضأ من برادات المياه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يجوز الوضوء من البرادات؛ لأن البرادات إنما وضعت للشرب ولم توضع للوضوء، ولو توضأ الناس منها لتعطل الشرب، وتعطل غرض الواقف.\nفالوضوء من البرادات يعتبر الماء ماءً مغصوبًا، وإذا توضأ بماء مغصوب اختلف العلماء فيه على قولين: منهم من يقول: لا تصلح الصلاة، كما لو صلى في أرض مغصوبة، أو صلى في ثوب حرير، فإنها لا تصح الصلاة في مذهب الإمام أحمد وجماعة، وعليه أن يعيد الصلاة.\nوالقول الثاني: أنها تصح مع الإثم.\nوهذا هو الصواب: أنها صحيحة مع الإثم، فله أجر الصلاة وعليه إثم الغصب.","vol":"2","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>النصيحة لمن يحضر الدروس العلمية بالتأدب بآداب طلب العلم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف يمكن توجيه نصيحة لبعض الإخوة الذين يحضرون الدروس، ويجتمعون ويتحدثون ويشوشون على من يحضر الدرس؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ننصح هؤلاء الإخوان أن يتأدبوا بآداب طلب العلم، فإذا جاءوا للفائدة فعليهم أن يتأدبوا وأن يجلسوا ويستفيدوا، أما أن يشوشوا فهذا غلط كبير، ومعنى هذا أنهم يتسببون في عدم وصول الفائدة إلى من يريدها، ويخشى عليهم من الإثم، لكن ننصحهم أن يجلسوا حيث ينتهي بهم المجلس.\nوينبغي للإخوان أن يتفسحوا ويتوسعوا، ولكن يحرصون كل الحرص على ألا يشوشوا على إخوانهم؛ لئلا يحرموهم الفائدة، ولأنه يخشى عليهم من الإثم.","vol":"2","page":22},{"text":"شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-40>[٣]</span>\nمن أعظم بدع المرجئة مخالفتهم في الإيمان، فإنه يؤدي إلى مفاسد دينية اعتقادية مخالفة للكتاب والسنة، ولذلك فطوائف المرجئة كلها تعد مخالفة لأهل السنة والجماعة.","vol":"3","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>تعريف الإيمان</span>\nأصل الإيمان في اللغة: التصديق والإقرار والمعرفة، وهو تصديق القلب وإقراره واعترافه.\nوشرعًا: تصديق القلب، وإقرار اللسان، وعمل القلب والجوارح.\nفيشمل أربعة أشياء: تصديق القلب ويسمى قول القلب، وقول اللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح.\nفقول القلب: هو التصديق والإقرار والمعرفة.\nوقول اللسان: هو النطق، كالنطق بالشهادتين، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، والذكر، وتلاوة القرآن.\nوعمل القلب: كالنية والإخلاص والصدق والمحبة والتوكل والرغبة والرهبة.\nوعمل الجوارح: كالصلاة والصيام والزكاة والحج.\nولهذا يقول العلماء: الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان -وهو القلب- وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.\nومن عبارات السلف في هذا: الإيمان عمل ونية، أي: عمل القلب وعمل الجوارح، والنية التصديق والإقرار، ويدخل في العمل أيضًا قول اللسان.\nوبهذا ينفصل أهل السنة عن المرجئة بجميع طوائفهم وعن أهل البدع جميعًا.\nوالعلماء والسلف والأئمة من الصحابة والتابعين وأهل السنة قاطبة ومنهم الأئمة الأربعة يقررون أن الإيمان تصديق القلب، وإقرار اللسان ونطقه، وعمل القلب وعمل الجوارح، وقرروا أنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وبهذا انفصلوا عن جميع الطوائف، فانفصلوا عن الخوارج، والمعتزلة، والمرجئة، والشيعة، والكرامية، والجهمية وغيرهم، فالمرجئة الذين يرون أن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، من أعظم من خالف أهل السنة في مسمى الإيمان.","vol":"3","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>أقسام المرجئة</span>\nالمرجئة أربع طوائف: الطائفة الأولى: الجهمية، ومذهبهم في الإيمان أن الإيمان معرفة الرب بالقلب، والكفر: جهل الرب بالقلب.\nوالجهمية نسبة إلى جهم بن صفوان السمرقندي الراسبي الذي نشر مذهب الجهمية، وتعريفهم هذا أفسد ما قيل في تعريف الإيمان وأبطلها وأشدها كفرًا وضلالًا وبعدًا عن الحق.\nوألزمهم العلماء على هذا التعريف أن إبليس مؤمن؛ لأنه عرف ربه بقلبه، قال الله عنه: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر:٣٦] وألزموهم بأن فرعون أكفر أهل الأرض مؤمن؛ لأن فرعون يعرف ربه بقلبه، قال الله تعالى عن فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، وقال الله عن موسى أنه قال لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ [الإسراء:١٠٢] والعلم هو يقين القلب، ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء:١٠٢] فعلى هذا يكون فرعون مؤمنًا على مذهب الجهم.\nواليهود مؤمنون أيضًا على مذهب الجهم؛ لأن اليهود يعرفون صدق النبي ﷺ، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٤٦].\nوأبو طالب عم النبي ﷺ الذي مات على الشرك، وأبى أن يقول لا إله إلا الله يكون مؤمنًا على مذهب الجهم؛ لأنه قال في قصيدته المعروفة: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحًا بذاك مبينًا بل إن العلماء ألزموا الجهم على قوله بأنه كافر بتعريفه هو؛ لأنه قال: الكفر هو الجهل بالرب، ولا أحد أجهل من الجهم بربه، فيكون كافرًا بتعريفه هو.\nوالجهم اشتهر بأربع عقائد خبيثة فاسدة: الأولى: عقيدة الإرجاء، وهو أن الإيمان معرفة الرب بالقلب، والكفر جهل الرب بالقلب.\nوالثانية: عقيدة الجبر، وهو القول بأن العبد مجبور على أفعاله، وأن الأفعال هي أفعال الله، والإنسان وعاء للأفعال، فهو آلة يحركها الله، فالأفعال أفعال الله، فالله هو المصلي والصائم على مذهب الجهم، والعباد وعاء للأفعال كالكوز الذي يصب فيه الماء، فيقول: العباد كالكوز، والله كصباب الماء فيه، هذا مذهب مذهب الجهم في الجبر.\nوالعقيدة الثالثة: عقيدة نفي الأسماء والصفات عن الله ﷿، حيث قال: ليس لله سمع ولا بصر ولا قدرة، وليس فوق العالم ولا تحت العالم، ولا مباين له ولا محايث له، ولا متصل به ولا منفصل عنه.\nوهو بهذا يصف ربه بالعدم، بل أشد من العدم.\nالعقيدة الرابعة: القول بفناء الجنة والنار.\nالطائفة الثانية: الكرامية، ومذهبهم أن الإيمان هو النطق باللسان والإقرار به.\nفإذا أقر الإنسان فشهد أن لا إله الله بلسانه فإنه يكون مؤمنًا ولو كان مكذبًا بقلبه.\nوهذا يلي مذهب الجهم في الفساد، فيقولون: إن الإنسان إذا نطق بلسانه فهو مؤمن كامل الإيمان، وإن كان مكذبًا بقلبه فهو مخلد في النار، فيجمعون بين الأمرين المتناقضين، فيقولون: إذا نطق المنافق بالشهادتين فهو مؤمن كامل الإيمان ومع ذلك يخلد في النار.\nوعللوا ذلك فقالوا: مؤمن كامل الإيمان؛ لأنه نطق بلسانه، ويخلد في النار؛ لأنه كذب بقلبه.\nالطائفة الثالثة: الماتريدية والأشاعرة، ويقولون: إن الإيمان تصديق القلب فقط، وأما نطق اللسان وعمل الجوارح فهما وإن كانا مطلوبين وجوبًا إلا أنهما ليسا من الإيمان.\nفهذا هو مذهب الماتريدية والأشعرية، ورواية عن الإمام أبي حنيفة اختارها بعض أصحابه.\nالطائفة الرابعة من المرجئة: وهم مرجئة الفقهاء، وهم طائفة من أهل السنة، يقولون: إن الإيمان شيئان: تصديق القلب، وإقرار اللسان، أما أعمال الجوارح فليست من الإيمان، وهذه هي الرواية الثانية عن الإمام أبي حنيفة وعليها جمهور أصحابه، وهذه هي التي قررها الطحاوي في الطحاوية، حيث قال: والإيمان إقرار باللسان، وتصديق بالجنان فقط.","vol":"3","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>حقيقة الخلاف بين مرجئة الفقهاء وأهل السنة</span>","vol":"3","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>القول بأن الخلاف مع مرجئة الفقهاء لفظي</span>\nوأول من قال بالإرجاء: حماد بن أبي سليمان شيخ الإمام أبي حنيفة في الكوفة، قال: إن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان.\nوهؤلاء طائفة من أهل السنة، يقولون: إن الأعمال مطلوبة، ولكن لا نسميها إيمانًا، بل الإيمان شيئان فقط: الإقرار باللسان، والتصديق بالقلب، أما الأعمال: كالصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها فواجبة، لكن ليست إيمانًا.\nفالإنسان عليه واجبان: واجب الإيمان وواجب العمل، وهؤلاء طائفة من أهل السنة، ويقولون: إن خلافنا مع الجمهور خلاف لفظي لا يترتب عليه أي فساد في العقيدة؛ لأننا متفقون على أن الأعمال مطلوبة وواجبة، لكن الخلاف بيننا: هل هي إيمان أو ليست إيمانًا؟ فنحن نقول: ليست من الإيمان، وأنتم تقولون: من الإيمان، ونحن متفقون على أنها واجبة ومطلوبة، وأن من أدى الواجبات أثابه الله، ومن ترك الواجبات فهو آثم متعرض للعقوبة، ويقام عليه الحد.\nويقولون: إن الأعمال التي سميت إيمانًا إنما هي تسمية مجازية لا حقيقية، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]، أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، فسمى الصلاة إيمانًا تسمية مجازية.\nوكذلك الكفر عندهم هو الجحود فقط، أما الأعمال فإذا سميت كفرًا فإنما هي تسمية مجازية، وهكذا.\nقال بعض العلماء وبعض الذين شرحوا الطحاوية: إن الخلاف بين مرجئة الفقهاء وجمهور أهل السنة خلاف لفظي لا يترتب عليه فساد في العقيدة.\nفالأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد يرون أن الإيمان قول باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالقلب، وعمل بالجوارح.\nوالإمام أبو حنيفة يرى أن الإيمان شيئان: إقرار باللسان، وتصديق بالقلب، أما عمل الجوارح فهو واجب آخر، ونحن متفقون على أن الأعمال مطلوبة، والخلاف بيننا وبينهم التسمية فقط.","vol":"3","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>يترتب على قول مرجئة الفقهاء فتح الباب للفساق والعصاة</span>\nفي الواقع أن الخلاف ليس لفظيًا من جميع الوجوه، فالخلاف بين جمهور أهل السنة ومرجئة الفقهاء وإن كان لا يترتب عليه فساد في العقيدة إلا أن له ثمرات وآثارًا تترتب عليه، ولهذا قال بعض العلماء: إن بدعتهم -وإن كانت في اللفظ بدعة المرجئة- أشد من فتنة الأزارقة، وهم الخوارج.\nفمن الآثار التي ترتبت على خلاف مرجئة الفقهاء وإن كانوا طائفة من أهل السنة أنهم فتحوا بابًا للفساق والعصاة، فمرجئة الفقهاء يقولون: إيمان أهل السماء وأهل الأرض واحد، وإيمان الفاسق والعاصي واحد هو التصديق، فكل منهم مصدق، ولكن التفاوت بينهم في الأعمال والتقوى.\nفلما قالوا هذا القول فتحوا بابًا للفساق والعصاة، فيأتي السكير، ويقول: أنا مؤمن كامل الإيمان، وإيماني كإيمان جبريل وميكائيل، وكإيمان أبي بكر وعمر، فإذا قيل له: كيف ذلك؟ قال: أنا مصدق، وأبو بكر مصدق وعمر مصدق.\nفإذا قيل له: أبو بكر وعمر لهم أعمال عظيمة.\nقال: الأعمال غير الإيمان، ونحن متفقون في الإيمان، فإيماني كإيمان أبي بكر وعمر.\nوهذا باطل، فإن إيمان أبي بكر وعمر لو وزن بإيمان أهل الأرض لرجح، فكيف تقول أيها السكير: إن إيماني كإيمان أبي بكر وعمر، والذي فتح الباب لمثل هؤلاء هم مرجئة الفقهاء عندما قالوا: إن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان.","vol":"3","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>يترتب على قول مرجئة الفقهاء فتح الباب للمرجئة المحضة</span>\nالأمر الثاني من الآثار التي تترتب على خلاف مرجئة الفقهاء مع جمهور أهل السنة فتح الباب للمرجئة المحضة وهم الجهمية، فلما قال مرجئة الفقهاء: إن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان وهي مطلوبة، دخل المرجئة المحضة وقالوا: الأعمال ليست من الإيمان، وليست مطلوبة، فالمرجئة المحضة يقولون: إذا عرف الإنسان ربه بقلبه وصدق فلا يضره أي كبيرة يعملها، فلا ينفع مع الكفر طاعة كما لا يضر مع الإيمان معصية، ولهذا يقولون: إذا صدق أحد فهو مؤمن كامل الإيمان ويدخل الجنة من أول وهلة، حتى ولو فعل بعض المكفرات عندهم فلا يؤثر عليه مادام يعرف ربه بقلبه، فلو سب الله والرسول وهو يعرف ربه بقلبه ما تأثر إيمانه، ولو قتل النبي وداس المصحف بقدميه فلا يكون كافرًا.\nفهذه من الآثار التي ترتبت على الخلاف بين مرجئة الفقهاء وجمهور أهل السنة.","vol":"3","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>منع مرجئة الفقهاء الاستثناء في الإيمان</span>\nالمسألة الثالثة: مسألة الاستثناء في الإيمان، وهو قول الإنسان: أنا مؤمن إن شاء الله، ومرجئة الفقهاء يمنعون الاستثناء في الإيمان، ويقولون: الاستثناء شك في الإيمان، ولا يجوز شك الشخص في إيمانه، بل لا بد أن يعلم أنه مصدق كما يعلم أنه قرأ الفاتحة، وكما يعلم أنه يحب الرسول ﵊، وأنه يبغض اليهود، ولهذا من قال: أنا مؤمن إن شاء الله، قالوا: هذا شاك في إيمانه، ويسمونه من أهل السنة الشكاكة.\nأما جمهور أهل السنة فإنهم أجازوا الاستثناء باعتبار ومنعوه باعتبار، فقالوا: إن قصد الشك في أصل الإيمان والتصديق فهذا ممنوع، وإن أراد بقوله: أنا مؤمن إن شاء الله أن شرائع الإيمان والواجبات كثيرة ولا يجزم الإنسان أنه أدى ما عليه ولا يزكي نفسه، جاز له أن يستثني فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله.\nوكذلك إذا أراد عدم علمه بالعاقبة فله أن يستثني ويقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وكذلك إذا أراد التبرك بذكر اسم الله فله أن يستثني.\nولقد انتشر في هذه الآونة مذهب الإرجاء وصار فيه كلام كثير، وأخذ ورد في الشبكة المعلوماتية، والكتابات والصحف والرسائل، واختلط الحابل بالنابل على كثير من الناس، فلا يفرقون بين الحق والباطل إلا من عصم الله، فكل من قال: إن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان فهو من المرجئة، سواء قال إنه شرط كمال أو شرط صحة أو غير ذلك، فإن الشرط خارج عن المشروط، وعليه لا يقال شرط ولا غيره، وإنما الأعمال جزء من الإيمان ركن فيه.","vol":"3","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>زيادة الإيمان ونقصانه</span>","vol":"3","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>الخلاف بين أهل السنة والمرجئة في زيادة الإيمان ونقصانه</span>\nأقر أهل السنة أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، كما دلت النصوص الكثيرة على هذا، قال الله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]، وقال: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤].\n: والكفر أيضًا يزيد وينقص، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤ - ١٢٥].\nإذًا: الكفر يزيد وينقص، والنفاق يزيد وينقص، والإيمان يزيد وينقص.\nأما المرجئة بجميع طوائفهم فيقولون: الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، وهذا خلاف ما دلت عليه النصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وكلام السلف الصالح من الصحابة والتابعين، إذ كان يقول أحدهم لصاحبه: هلم نزدد إيمانًا، ويذكرون الله، ويقرءون القرآن، فإذا أمر الإنسان بالمعروف ونهى عن المنكر، ودعى إلى الله، وقرأ القرآن زاد إيمانه، وإذا غفل أو عصى نقص إيمانه.\nأما أهل البدع فإنهم خالفوا أهل السنة والجماعة في هذا، فالخوارج والمعتزلة يرون أن مسمى الإيمان كما يقول أهل السنة: قول باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالقلب وعمل بالجوارح، لكنهم يقولون: إذا ترك الإنسان واجبًا من الواجبات ذهب عنه الإيمان كله.\nوجمهور أهل السنة يقولون: الإيمان يزيد وينقص، وهم يقولون: لا ينقص، بل يذهب جملة أو يبقى جملة، وقالوا: الإيمان حقيقة مركبة، والحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها، فإذا عصى الإنسان ربه كأن سرق أو زنا أو تعامل بالربا أو عق والديه فقد خرج من الإيمان وصار كافرًا.\nأما أهل السنة فيقولون: بل هو ضعيف الإيمان غير كافر، إذ لو كان الزاني كافرًا لقتل، ولو كان السارق كافرًا لما قطعت يده، بل لو كان كافرًا لقتل، كما قال النبي ﵌: (من بدل دينه فاقتلوه)، ولما ورث من أقاربه، لقول النبي ﷺ: (لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم) فالخوارج والمعتزلة وإن وافقوا أهل السنة في مسمى الإيمان إلا أنهم يخالفونهم في زوال الإيمان.\nفالخوارج يقولون: إذا عصى الإنسان أو فسق أو ارتكب كبيرة ذهب الإيمان منه ودخل في الكفر، والمعتزلة يقولون: ذهب منه الإيمان ولا يدخل في الكفر، بل يكون في منزلة بين المنزلتين، فلا هو مؤمن ولا كافر، وهذا من أبطل الباطل.","vol":"3","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>الرد على المعتزلة والخوارج في زيادة الإيمان ونقصانه</span>\nالمرجئة يقولون: الإيمان شيء واحد، وحقيقة مركبة يزول بزوال بعض أجزائه، فإذا زال التصديق زال الإيمان، وإذا وجد التصديق وجد الإيمان.\nوهذه الشبهة هي عند جميع الطوائف ما عدا جمهور أهل السنة، وهذه الشبهة من أبطل الباطل، فإن الإيمان متعدد ومتبعض، ولهذا قال جمهور أهل السنة ومنهم الصحابة، والتابعون، والعلماء ومنهم الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد، وسفيان الثوري وابن عيينة والبخاري ومسلم وغيرهم من أهل العلم وأهل لحديث: إن الإيمان قول باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.\nفإذا فعل الإنسان معصية نقص إيمانه وضعف ولو كثرت المعاصي، بل لا يذهب الإيمان إلا الكفر الصراح.\nولهذا جاء في أحاديث الشفاعة: (أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) فدل على أن الإيمان يضعف حتى لا يبقى منه إلا مثقال ذرة، ومع هذا لا يزول ولا ينتهي الإيمان إلا إذا جاء الكفر الأكبر، أو النفاق الأكبر، أو الفسق الأكبر، أو الشرك الأكبر؛ لامتناع أن يجتمع إيمان وكفر.\nفإذا فعل شخص كفرًا كأن سب الله، أو سب الرسول، أو استهزأ بالله أو برسوله أو بكتابه، أو كذب الله أو كذب رسوله، أو أنكر المعلوم من الدين بالضرورة وجوبه وتحريمه، كإنكار تحريم الزنا، أو تحريم الربا، أو تحريم الخمر، أو تحريم عقوق الوالدين، أو أنكر وجوب الصلاة، أو وجوب الزكاة، أو وجوب الحج، فمثل هذا قد ذهب إيمانه بالكلية.\nولهذا فإن أهل السنة بدعوا المعتزلة وصاحوا بهم: أنتم أنكرتم النصوص التي تواترت عن النبي ﷺ بأنه يدخل النار جملة من أهل الكبائر، وهم مؤمنون موحدون مصلون ولا تأكل النار وجوههم؛ لأن الله حرم على النار أن تأكل وجوههم وهم مصلون، بل تأكلهم النار من نواحى أخرى، فمثل هذا مات وهو مؤمن مصل، لكنه مات عاقًا لوالديه من غير توبة، وهذا مات على الزنا من غير توبة، وهذا مات على التعامل بالربا من غير توبة، وهذا مات على الغيبة من غير توبة، وهذا مات على النميمة من غير توبة، وهذا مات على القتل بغير حق ولم يستحله، وهكذا تواترت الأخبار عن النبي ﷺ أنه يدخل النار جملة من أهل الكبائر، فلو كان الإيمان ينتهي بالمعاصي ما أخرجو من النار.\nبل تواترت الأخبار عن النبي ﷺ أنه يشفع للعصاة الموحدين، قال ﵊: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) وفي كل مرة يحد الله له حدًا يعرفهم بالعلامة يخرجك من النار، فقد جاء في بعض الأحاديث أن الله تعالى يقول لنبيه ﷺ: (أخرج من النار من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان) وفي بعضها: (أخرجوا من كان في قلبه نصف دينار) وفي بعضها: (أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) والبعض الآخر: (أخرجوا من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان).\nبل تواتر عن النبي ﷺ أنه يشفع أربع شفاعات للعصاة، وكذلك يشفع بقية الأنبياء، ويشفع الملائكة، ويشفع الشهداء، وكل عبد صالح، وتبقى بقية لا تنالهم الشفاعة، فيخرجهم رب العالمين برحمته، ويقول: (شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المرسلون، ولم يبق إلا رحمة أرحم الراحمين، فيخرج قومًا من النار لم يعملون خيرًا قط) يعني: زيادة على التوحيد والإيمان أو كما قال ﵊.\nوثبت في الحديث الصحيح: أنهم يخرجون من النار كأنهم الضغابيس قد امتحشوا وصاروا فحمًا، فيصب عليهم من نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، فإذا هذبوا ونقوا قيل لهم: ادخول الجنة.\nوالأخبار في هذا متواترة.\nوثبت حديث الرجل الذي هو آخر أهل النار خروجًا، وآخر أهل الجنة دخولًا، فإذا سلمه الله من النار التفت إليها وقال: الحمد لله الذي نجاني منك، وفي أول الأمر يكون وجهه إلى النار، فيقول: يا رب! اصرف وجهي عن النار، فقد قشبني ريحها وأحرقني حرها، فيأخذ عليه العهد والميثاق ألا يسأل غير ذلك، فيعطيه، فيصرف الله وجهه عن النار، ثم ترفع له شجرة فيسكت ما شاء الله، ثم يدعو ربه ويقول: يا رب! أدنني من هذه الشجرة أستظل بظلها وأشرب من مائها، فيقول الله: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك! ألم تقل إنك لن تسألني غيره، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له، فيعطي ربه العهد والميثاق فيدنيه، ثم يسكت ما شاء الله، وتظهر له شجرة أخرى، وهكذا حتى يصل إلى الجنة.\nفإذا وصل إلى باب الجنة ورأى ما فيها من النعيم والكرامة مما لا صبر له عليه، يقول: يا ربي! أدخلني الجنة، فيقول الله: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك! ألم تقل إنك: لا تسألني غيرها، فيقول: يا ربي! لا أكون أشقى خلقك، فيضحك الله ﷾ له، فإذا ضحك أدخله الجنة، فإذا دخل الجنة قال الله: تمنَّ! أما ترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟! فيقول: رضيت يا رب، فيقول الله له: لك ذلك، ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، خمس مرات.\nوجاء في الحديث الآخر: لك ذلك وعشرة أمثاله.\nيعني: لك مثل مُلْكِ مَلِكٍ من ملوك الدنيا خمسين مرة.\nفهذا آخر أهل النار خروجًا وآخر أهل الجنة دخولًا، وهذا الحديث ثابت في صحيح البخاري، فكيف يقول الخوارج والمعتزلة: إن من دخل النار لا يخرج منها! ويجعلون العصاة كالكفار سواء بسواء، وأنكروا النصوص مع تواترها، والله تعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].","vol":"3","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>مذاهب الناس في مسمى الإيمان والكفر</span>\nمسمى الإيمان ومسمى الكفر فيه هذا الاختلاف الشديد، ومذهب أهل السنة هو المذهب الحق، وهو أن الإيمان يكون تصديقًا بالقلب، وإقرارًا باللسان، وعملًا بالقلب، وعملًا بالجوارح، وأن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وأقوال اللسان داخلة في مسمى الإيمان، وأعمال القلب داخلة في مسمى الإيمان، وتصديق القلب دخل في مسمى الإيمان، فالإيمان يكون قولًا، ويكون عملًا، ويكون تصديقًا، ويكون إقرارًا، كما أن الكفر يكون بالجحود، ويكون بالعمل، ويكون بالقول.\nوالمرجئة يقولون: الإيمان لا يكون إلا تصديقًا بالقلب، وعليه فالكفر لا يكون إلا بجحود القلب فقط، فأقوال اللسان ليست من الإيمان، وأعمال الجوارح ليست من الإيمان، فكذلك أقوال اللسان ليست من الكفر، والأعمال ليست من الكفر، فإذا سب الله أو سب الرسول قالوا: هذا ليس بكفر، وإنما هو دليل على الكفر، وإذا سجد لصنم قالوا: ليس السجود بذاته كفرًا، لكن هو دليل على الكفر الذي في قلبه.\nوهذا من أبطل الباطل، فإن نفس السجود لصنم كفر، ونفس السب كفر، فإن الكفر يكون بالجحود وبالاعتقاد كمن اعتقد أن لله صاحبة، أو ولدًا، أو شريكًا في الملك، أو جحد ملكًا من الملائكة، أو نبيًا من الأنبياء، أو جحد البعث أو القيامة، فهذا يكفر بهذا الاعتقاد.\nويكون الكفر أيضًا بالشك، كمن شك في الله، أو ربوبيته، أو أسمائه، أو صفاته، أو شك في الملائكة، أو في البعث، أو الساعة، أو القيامة، أو الجنة، أو النار، فهذا كافر بهذا الشك.\nويكون الكفر بالعمل كالسجود لصنم قاصدًا للسجود، فإنه كافر ولو لم يشأ بهذا العمل الكفر، ومثله من داس المصحف بقدميه، أو لطخ المصحف بالنجاسة، فقد كفر بهذا العمل.\nويكون الكفر بالقول كمن سب الله، أو الرسول، أو استهزأ بالله أو ملائكته أو كتبه أو رسله.\nويكون الكفر أيضًا بالرفض والترك، كمن أعرض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف:٣]، وقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢].\nفالكفر يكون في القلب والاعتقاد بالجحود، ويكون في القول باللسان، ويكون في العمل بالجوارح، ويكون بالشك، ويكون بالرفض والترك، فهذه خمسة أنواع.\nوالمرجئة يقولون: لا يكون الإيمان إلا بالقلب فقط، ولا يكون الكفر إلا بالقلب.\nفهذه مقدمة أردت أن ينفع الله بها، وأسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد، والعلم النافع، والعمل الصالح، وأسأل الله تعالى أن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، اللهم ثبتنا على دينك القويم حتى الممات، إنك ولي ذلك والقادر عليه.","vol":"3","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>الأسئلة</span>","vol":"3","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>توجيه قول الطحاوي: (ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يذكر من قول أهل السنة والجماعة: (ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله) أهي صحيحة أم أنها قيلت للرد على الخوارج، مع أن ترك الصلاة بدون استحلال كفر، أفتونا مأجورين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا قول الطحاوي ﵀، وأجاب عنه الشارح وقال: (ما لم يستحله) أي: ما لم يعتقده، ثم اعترض أيضًا على هذا الجواب بأن معنى (يعتقده) معنى يستحله.\nوالذنب إذا أطلق شمل الكفر وغيره، والمعصية تشمل الكفر وغيره، قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٨١] فهذه هي خطيئة الشرك، فالذنب يطلق على الشرك وعلى ما دونه.\nوالعلماء اصطلحوا على أن الذنب يطلق على ما دون الشرك، وما دون الشرك لا يكفر مرتكبه إلا إذا استحله وكان أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة وليس له شبهة، وذلك مثل الزنا السرقة الخمر عقوق الوالدين وقطيعة الرحم، فهذه كلها كبائر، من استحلها واعتقد أنها حلال كفر، أما إذا فعلها طاعة للهوى والشيطان فلا يكفر، بل يكون عاصيًا، فالزاني عاص إلا إذا اعتقد أنه حلال؛ لأنه كذب الله، ومن تعامل بالربا وهو يعلم أن الربا حرام، لكن غلبه حب المال والجشع وأطاع الشيطان فهذا عاص ضعيف الإيمان مرتكب لكبيرة، فإذا استحله كفر.\nوكذلك من عق والديه، ويرى أن عقوق الوالدين حلال، فهذا يكفر، لكن إن عق وهو يعلم أن عقوق الوالدين حرام، ويؤمن بقول الله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة:٨٣]، لكن غلبه الهوى والشيطان، فهذا ضعيف الإيمان، وهكذا.\nفالذنب إذا كان من الكبائر وكان من الأمور المعلومة في الدين بالضرورة واستحله كفر، أما إذا لم يستحله فإنه يكون عاصيًا ضعيف الإيمان، ولا يكفر إلا بالشرك.","vol":"3","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>توجيه حديث: (لم يعملوا خيرًا قط)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف نحمل الحديث الذي رواه الإمام البخاري: (ويخرج الله أقوامًا من النار لم يعملوا خيرًا قط فيدخلهم الجنة) هل معناه أنهم دخلوا الجنة بمجرد وجود أصل الإيمان في قلوبهم، كما في الحديث الآخر الذي رواه البخاري: (من كان في قلبه وزن ذرة من إيمان فأخرجه من النار)، وجزيتم خيرًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معنى: (ما عمل خيرًا) قط يعني: زيادة على التوحيد والإيمان، ولهذا جاء في اللفظ الآخر: (إلا أنهم يقولون: لا إله إلا الله) إلا أنهم موحدون، فأخرجهم الله بالتوحيد والإيمان، وليس عندهم زيادة عن التوحيد والإيمان.\nولا يمكن أن يفهم معنى ذلك أن الله أخرجهم وهم على الشرك؛ لأن الجنة حرام على المشرك بنص القرآن، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة:٧٢]، فالنصوص تضم بعضها إلى بعض، ويصدق بعضها بعضًا، ولا يجوز أن يصدم بعضها ببعض.","vol":"3","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>حكم الاحتيال في الربا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  رجل أراد الاستقراض من أحد البنوك مائة ألف ريال، ويردها لهم مائة وخمسين ألفًا، فأخبرهم بأن ذلك من الربا الصريح المحرم، فقالوا له: هناك طريقة مباحة ومجازة من الهيئة الشرعية، وهي أن نشتري لك حديدًا خامًا بقيمة مائة ألف ريال، ونبيعه لك، وتسدد مائة وخمسين ألفًا بأقساط شهرية لمدة ست سنوات، فما رأيكم حفظكم الله بهذا، وهل هو من الحيل المحرمة، وضحوا لنا الأمر واللبس، حفظكم الله وغفر لكم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ظاهره حيلة محرمة، فالحيل لا تبيح محرمًا، بل تزيده إثمًا، فكونه الآن يقترض كما ذكر حرام، وهو ربًا صريح، وهو ربا الجاهلية، وكونه يقول: اشتر منا سلعة ونبيعها لك حتى تشتري منا سلعة بثمن أكثر حتى تقابل الزيادة مائة وخمسين حيلة على الربا لا تبيحه.\nومثله قلب الدين على المعسر، وذلك حينما يكون على شخص دين قدره عشرة آلاف، ثم حل عليه الدين وهو معسر فقير، فقال الدائن: أبيع لك السيارة التي قيمتها عشرة آلاف بعشرين ألفًا، فباعها له بعشرين ألفًا، ثم قال له: بعها وأوفني فباعها على شخص آخر بعشرة آلاف فأوفاه، وبقي عليه في ذمته عشرة آلاف، فهذا هو قلب الدين على المعسر، وهو من الربا الذي لا يجوز.\nفالواجب على الدائن أن ينظر المعسر، لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠].\nأما قوله: إن اللجنة أحلت هذا، فهذا فيه نظر، وعلى السائل أن يرجع إلى اللجنة الشرعية، ولا أظنها تبيح مثل هذا.","vol":"3","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>حكم الاستثناء في الإيمان</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  سأل رجل: هل أنت مؤمن؟ فأجاب: أسأل الله أن أكون كذلك.\nفهل يصح قوله هذا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  بعض السلف يقال له: أنت مؤمن؟ فيقول: أنا مؤمن بالله ورسوله وملائكته وكتبه.\nفهذا لا بأس، وإذا قال: أنا مؤمن إن شاء الله، وقصد أن الاستثناء راجع إلى الأعمال فلا بأس.","vol":"3","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>مراجع عقيدة الإرجاء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما المراجع في معرفة عقيدة الإرجاء قديمًا وحديثًا أثابكم الله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  عقيدة الإرجاء ذكرها العلماء وردوا عليها في كتب السنة، ومنها كتابا الإيمان الكبير والصغير، ففيهما عقيدة الإرجاء والإفاضة فيها، وكذلك كتب العقائد أفاضوا فيها وبينوها، وكذلك أيضًا المرجئة في كتبهم ومؤلفاتهم الخاصة.","vol":"3","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>حكم القول بأن مصطلح العقيدة مصطلح بدعي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ظهرت في الآونة الأخيرة بعض الدعوات الغربية، ومنها: أن مصطلح العقيدة مصطلح بدعي حادث لا يجوز استخدامه في قضايا التوحيد، ويستدلون بأن هذا اللفظ لم يرد عن النبي ﵊، ولا عن السلف الأوائل، فما رأيكم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا أدري ما مقصودهم بمصطلح (بدعي)، وكيف يكون مصطلحًا بدعيًا والرسول ﵊ سئل عن الإيمان فقال: (الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره) فهذه العقيدة بينها النبي، وهي عقيدة المؤمنين، فيكف تكون مصطلحًا بدعيًا؛ لكن هؤلاء يريدون بكلامهم هذا أن يصرفوا الناس عن العقيدة السليمة، ويجعلوهم ضائعين لا يعتقدون شيئًا.","vol":"3","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>نظرة في الآثار الواردة عن بعض الصحابة في فناء النار</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل تصح الآثار عن عمر ﵁، وأبي هريرة ﵁، وأبي سعيد ﵁، بالقول بفناء النار؟ وهل القول بفنائها قول شاذ؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه الأقوال المذكورة عن بعض السلف تحتاج إلى ثبوتها بسند، فالذين يذكرونها يذكرونها ولا يذكرون لها سندًا، ولو صح فيكون هذا اجتهادًا منهم مخالفًا للنصوص، والنصوص مقدمة على الاجتهاد.\nفالنصوص الكثيرة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ دلت على أن النار باقية دائمة لا تفنى، قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة:٣٧].\nوقال: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧]، وقال: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣] والحقب: هي المدد المتطاولة، كلما انتهى حقب عقبه حقب إلى ما لا نهاية، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء:٩٧] فكيف نأخذ بالآثار ونترك النصوص الواضحة؟ وهذه الآثار في الغالب ليس لها أسانيد، ولو صحت الأسانيد لكان هذا اجتهادًا، والاجتهاد يخطئ ويصيب، والحجة في كلام الله وكلام رسوله، لا اجتهاد المجتهد.","vol":"3","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>صحة اشتراط الاستحلال في الكفر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما رأيكم فيمن يقول: إن مجرد السجود للصنم ليس كفرًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا قول المرجئة، يقولون: السجود للصنم ليس بكفر، لكنه دليل على الكفر، والصواب أن السجود للصنم كفر إذا كان قاصدًا السجود له، وقولي: (قاصدًا)؛ يخرج النائم، أو الناعس، أو شخصًا وضع جبهته على الأرض يريد أن يستريح بلا قصد ولا علم بالصنم، وغير ذلك، لكن قصد السجود للصنم كفر وشرك ولو اعتقد بقلبه خلاف ذلك، ومثله سب الله وسب الرسول، ولو قال: أنا لا أريد الكفر.\nومثله من استهزأ بالله أو بكتابه أو برسوله، وقد اجتمع جماعة في غزوة تبوك وتكلموا في حق النبي ﷺ والقراء من أصحابه، وقالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء، فأنزل الله في حقهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] فأثبت لهم الكفر بعد الإيمان بهذا القول، ولم يقل: هل تعتقدون أو لا تعتقدون؟ أما المرجئة فيقولون: السجود ذاته ليس بكفر، لكنه دليل على الكفر، ودليل على ما في قلبه.\nويقولون: مجرد السب ليس كفرًا، لكنه دليل على الكفر.\nوهذا من أبطل الباطل، بل نقول: نفس السب كفر، ونفس السجود للصنم كفر، ووطء المصحف بالقدم امتهانًا له كفر، وقتل النبي أو سبه كفر.\nوالمرجئة بنوا معتقدهم على أن الإيمان التصديق بالقلب، والكفر الجحود بالقلب، فالكفر لا يتجاوز القلب، والإيمان لا يتجاوز القلب، والسجود للصنم فعل، فعلى معتقدهم لا يكون كفرًا؛ لكونه ليس في القلب، ومثله عندهم أن يلطخ المصحف بالنجاسة، وهكذا.","vol":"3","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>ضوابط تكفير المعين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من عمل عملًا كفريًا، أو قال قولًا كفريًا، فهل يكفر بمجرد القول أو الفعل أم لابد من استحلال؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يكفر بمجرد القول والعمل، إلا إذا لم تثبت له الحجة، أو كان جاهلًا، أو لا يعلم هذا الشيء، فلابد حينئذٍ من إقامة الحجة عليه، أما إذا تكلم بكلام الكفر قاصدًا له في الكلام، أو عمل عملًا كفريًا قاصدًا ذلك فإنه يكفر ما لم يكن مثله يجهل هذا الشيء، أو يحتاج إلى إزالة الشبهة؛ لأن من تكلم بالكلام الكفري أو عمل الكفر فلا بد من قيام الحجة عليه، ولا بد أيضًا من وجود الشروط وانتفاء الموانع، أما إذا كان مثله يجهل هذا الشيء أو كانت له شبهة فإنه لا يكفر.","vol":"3","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>أسباب حصول حلاوة الإيمان</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n [ما أسباب زيادة الإيمان، وكيف أجد حلاوته؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أسباب زيادة الإيمان: طاعة الله ورسوله، من أطاع الله وأطاع رسوله زاد إيمانه، ومن عصى الله أو عصى رسوله نقص إيمانه، وحلاوة الإيمان تعني: لذته، ويجدها الإنسان في ثلاثة أشياء: إذا كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وإذا كان يحب الإنسان يحبه لله، وإذا كان يكره الرجوع في الكفر كما يكره أن يقذف في النار، كما في حديث أنس: (ثلاثة من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار) هذا يجد لذة الإيمان وحلاوته.","vol":"3","page":23},{"text":"شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-63>[٤]</span>\nانقسم الناس في العهد المدني إلى ثلاث فرق: مسلمين باطنًا وظاهرًا، وكفار باطنًا وظاهرًا، ومنافقين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وقد ذكر الله الفرق الثلاث في أول سورة البقرة وبين بعض صفاتها.","vol":"4","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>كيفية تمييز الحق في الكلام على الإسلام والإيمان</span>","vol":"4","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>أصناف الناس في العهد النبوي</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل.\nتضمن الحديث سؤال النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان، وجوابه صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك، وقوله في آخر الحديث: (هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم) فجعل هذا كله من الدين.\nوللناس في الإسلام والإيمان من الكلام الكثير، مختلفين تارة، ومتفقين أخرى، ما يحتاج الناس معه إلى معرفة الحق في ذلك، وهذا يكون بأن نبين الأصول المعلومة المتفق عليها، ثم بذلك يتوصل إلى معرفة الحقيقة المتنازع فيها، فنقول: مما علم بالكتاب والسنة والإجماع، وهو المنقول نقلًا متواترًا عن النبي ﷺ، بل هو من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام دين النبي ﷺ أن الناس كانوا على عهده بالمدينة ثلاثة أصناف: مؤمن، وكافر مظهر للكفر، ومنافق ظاهره الإسلام وهو في الباطن كافر.\nولهذا التقسيم أنزل الله تعالى في أول سورة البقرة ذكر الأصناف الثلاثة، فأنزل أربع آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين، وبضع عشرة آية في صفة المنافقين.\nفقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٢ - ٥] في صفة المؤمنين.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦] الآيتين في صفة الكفارين الذين يموتون كفارًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] الآيات في صفة المنافقين، إلى أن ضرب لهم مثلين أحدهما بالنار والآخر بالماء، كما ضرب المثل بهذين للمؤمنين في قوله: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد:١٧]].\nقول المؤلف: (وللناس في الإسلام يعني: في مسمى الإسلام والإيمان، من الكلام الكثير، مختلفين تارة، ومتفقين أخرى، ما يحتاج الناس معه إلى معرفة الحق في ذلك).\nفلما كان هذا الاختلاف كبيرًا كان لابد من معرفة الحق في ذلك، وكيف يعرف الحق في ذلك؟ قال المؤلف: (هذا يكون بأن تبين الأصول المعلومة المتفق عليها، ثم بعد ذلك يتوصل إلى معرفة الحقيقة المتنازع فيها).\nيعني: تبين الأصول المعلومة المتفق عليها بين الجميع، فإذا علمت الأصول وبينت ووضحت واتفق عليها الجميع انتقلنا إلى الأصول المختلف فيها، وبينا الحقيقة في ذلك.\nفالمؤلف ﵀ ذكر من الأصول المتفق عليها: انقسام الناس إلى ثلاثة أصناف في عهد النبي ﷺ: مؤمن باطنًا وظاهرًا، وكافر باطنًا وظاهرًا، ومسلم في الظاهر وكافر في الباطن وهو المنافق، فهذا أصل متفق عليه لا يخالف عليه أحد، وهناك أصل آخر سيذكره المؤلف وهو أنه قد جاء في الكتاب والسنة وصف أقوام بالإسلام دون الإيمان.\nفهذان أصلان متفق عليهما.\nوقد ذكر الله أقسام الناس في أول سورة البقرة، ولهذا قال المؤلف ﵀: (ولهذا التقسيم أنزل الله في أول سورة البقرة ذكر الأصناف الثلاثة، فأنزل أربع آيات في سورة المؤمنين باطنًا وظاهرًا، وآيتين في صفة الكفار ظاهرًا وباطنًا، وبضعة عشرة آية في صفة المنافقين).\nوالبضع من ثلاثة إلى تسعة، يعني: نزل فيهم ثلاث عشرة آية.\nإذًا: في المؤمنين أربع آيات، وفي الكفار آيتان، وفي المنافقين ثلاث عشرة آية؛ لشدة خطرهم على الإسلام والمسلمين؛ ولأن المنافقين شاركوا الكفار بالكفر وزادوا عليهم بالخداع، فكانوا يظهرون الإسلام خداعًا، أما الكافر فهو عدو مكشوف ظاهرًا وباطنًا، فاليهودي والنصراني والوثني والشيوعي والملحد كافر ظاهرًا وباطنًا، وتستطيع الحذر منه، أما العدو الباطن كالمنافق الذي هو كافر في الباطن ومسلم في الظاهر يعيش بين المسلمين، ويخطط ويدبر المؤامرات للقضاء على الإسلام والمسلمين، قد يصلي إلى جنبك وهو منافق فلا تعلمه، فلهذا بيّن الله هذه الأصناف الثلاثة.","vol":"4","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>صفات المؤمنين الصادقين في أول سورة البقرة</span>\nأنزل في المؤمنين ظاهرًا وباطنًا أربع آيات تبين صفاتهم، وهي قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢] هذه الآية الأولى، ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٣] هذه الآية الثانية، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:٤] هذه الآية الثالثة، ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥] هذه الآية الرابعة.\nوصفهم الله بأنهم المتقون، أي: اتقوا الله، واتقوا النار، واتقوا عذاب الله وسخطه، فوحدوا الله، وأخلصوا له العبادة، فالمتقي: هو الذي جعل بينه وبين النار وقاية تقيه من غضب الله وسخطه بالإيمان والتوحيد وأداء الواجبات وترك المحرمات.\nثم وصف المتقين بقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣] أي: ما غاب من الأمور الغيبية، والمعنى: يصدقون الله في أخباره الماضية والمستقبلة، ويصدقون الرسول ﵊ في الأخبار التي أخبر بها من الأخبار الماضية والمستقبلة، كإخباره عن الأمم السابقة وعن بدء الخلق، وعن ما أخبر الله به عن نفسه من أفعاله وصفاته وأسمائه، فكل هذه من أمور الغيب، ويؤمن بما أخبر الله بأنه عليم حيكم، عزيز، وأنه مستوٍ على العرش، وأنه التواب، وأنه الرحيم، وأنه الملك، وأنه القدوس، وأنه السلام، وأنه المؤمن، وأنه المهيمن، وأنه العزيز، وأنه الجبار، وأنه المتكبر، وأنه بكل شيء عليم، وأنه خالق الخلق، وبكل ما أخبر الله به عن نفسه.\nوكذلك ما أخبر به عن الأمم السابقة، وعن العرش، واللوح المحفوظ، والقلم، والسماوات، والأرضين، والنجوم.\nويؤمنون أيضًا بما أخبر الله من أخبار المستقبل مما يكون قبل الساعة، وما يكون للإنسان إذا وضع في قبره من سؤال منكر ونكير، ومن عذاب القبر ونعيمه، ويؤمن ببعث الأجساد، وإعادة الأرواح إلى أجسادها، والوقوف بين يدي الله للحساب، وتطاير الصحف، والميزان، والحوض، والصراط، والجنة، والنار، وكل هذا داخل في قوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣].\nالوصف الثاني: قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاة﴾ [البقرة:٣] يعني: يؤدونها كما أمر الله وكما أمر رسوله ﷺ.\nوالإقامة غير الصلاة، فهو لم يقل: يصلون، بل قال: يقيمون، فقد يفعل الإنسان صلاة صورية ولكن لا يقيمها، ولهذا توعد الله من فعل الصلاة مع السهو بالويل، فقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥] ولم يقل: ويل للذي يقيم الصلاة، بل له الجزاء، فمن أداها كما أمر الله وكما أمر الرسول، بإخلاص، وصدق، ومحبة، ورهبة، وأتى بها في الوقت بشروطها وخشوعها وهيئاتها وجماعتها فقد أقامها، وإلا فلا.\nالوصف الثالث: قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٣] أي: ينفقون مما رزقهم الله من الأموال التي استخلفهم فيها، ويدخل في ذلك النفقات الواجبة كالزكاة والكفارات والنفقة على الأولاد والزوجات وعلى الأقارب والمماليك والبهائم والعبيد والأرقاء، إلى غير ذلك.\nالوصف الرابع: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [البقرة:٤] أي: يؤمنون بما أنزل إليك يا محمد من الكتاب والحكمة: القرآن والسنة؛ لأن السنة وحي ثانٍ، ويؤمنون أيضًا بما أنزل من قبلك على الأمم السابقة، كالتوراة التي أنزلها الله على موسى، والإنجيل الذي أنزله الله على عيسى، والزبور الذي أنزله على داود، وصحف إبراهيم وصحف موسى، وغيرها من الكتب التي لم تسم.\nالوصف الخامس: قوله تعالى: ﴿وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:٤] أي: لا يشكون، بل يتيقنون بالآخرة ويؤمنون بها، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، ويؤمنون بالبعث والجزاء والحساب والحشر والنشر، وما بعد تطاير الصحف والحوض والميزان والصراط والجنة والنار.\nفهذه هي أوصافهم، وهؤلاء مؤمنون باطنًا وظاهرًا.\nثم بعد ذلك حكم عليهم سبحانه بالهداية في الدنيا والفلاح في الآخرة، فقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٥] أي: هؤلاء هم المهديون الذين هداهم الله إلى الصراط المستقيم، وهداهم الله للحق والدين، واستقاموا على شرع الله ودينه، فهم على هدايتهم من ربهم، ليسوا ضالين كالنصارى ولا مغضوب عليهم كاليهود، بل هؤلاء أنعم الله عليهم بالعلم والعمل، فعلموا ثم عملوا فصاروا مهتدين في الدنيا، وفي الآخرة لهم الفلاح كما قال تعالى: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥] والفلاح: هو الحصول على المطلوب، والنجاة من المرهوب.\nوأعظم ما يطلبه المسلم هو رضا الله ﷿، والتمتع بدار كرامته وجنته، وأعظم ما يكره الإنسان ويخافه عذاب الله وسخطه والنار، فهؤلاء المتقون حصلوا على الفلاح، وحصل لهم ما يطلبون، ونجوا مما يخافون منه.\nفهذه هي الآيات الأربع في صفات المؤمنين باطنًا وظاهرًا.","vol":"4","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>صفات الكفار الظاهرين في أول سورة البقرة</span>\nقوله المؤلف ﵀: (وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦] الآيتين في صفة الكفار الذين يموتون كفارًا).\nهذا الصنف الثاني، وهم الكفار ظاهرًا وباطنًا، وذكرهم الله في آيتين: الآية الأولى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:٦] يعني: جحدوا توحيد الله، وجحدوا حق الله، والصواب أنهم لم يوحدوا الله، ولم يخلصوا له العبادة، فهم كفار.\nويسمى الكافر كافرًا؛ لأنه ستر الحق، والكافر من الكفر وهو الستر والتغطية، وسمي الزارع كافرًا؛ لأنه يغطي الحب في الأرض، وسمي الكافر كافرًا؛ لأنه يغطي الحق ويجحده، والحق هو توحيد الله وإخلاص العبادة له، فجحوده الحق، وتركه لعبادة الله، وتكذيبه لله ولرسوله، صيره كافرًا.\nيقول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦] هؤلاء الكفار لا يستفيدون من المواعظ ولا الإنذار، فسواء أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يستفيدون، كما قال الله عن قوم هود وعاد: ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ [الشعراء:١٣٦] أي: نحن مستمرون على كفرنا وعنادنا، ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ [الشعراء:١٣٦]، وهنا قال سبحانه ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦].\nثم بين الله جزاءهم لما تركوا الحق عنادًا، فقال: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة:٧].\nفقوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ) أي: جعل على القلوب ختمًا، وعلى السمع ختمًا معنويًا يمنع وصول الحق إليه، فلا يعون الحق، ولا يستمعون إليه، وإن كانوا يسمعون أمور الدنيا، لكن الحق لا يسمعونه ولا يعونه.\nقال تعالى: (وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) أي: غطاء معنوي على الأبصار، فلا يرون الحق ولا يبصرونه، مع أنهم يبصرون أمور دنياهم في أكلهم وشربهم وبيعهم، لكن الحق لا يبصرونه؛ لأن على أعينهم غشاوة، عقوبة لهم وجزاء لما عملوا قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١١٧].\nوقال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٧] أي: جزاؤهم في الآخرة العذاب العظيم من الله، وهو عذاب الله والخلود فيها أبد الآباد، نسأل الله السلامة والعافية.","vol":"4","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>صفات المنافقين في أول سورة البقرة</span>\nقال المؤلف ﵀: [وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] الآيات في صفة المنافقين].\nأي: ذكر الله في صفات المنافين الذين هم كفار في الباطن ومسلمون في الظاهر ثلاث عشرة آية.\nالكفار ظاهرًا وباطنًا ذكرهم الله في آيتين؛ لوضوح أمرهم، أما العدو اللدود فهو المنافق الذي يعيش بين المسلمين، ولهذا فإن عبد الله بن أبي رئيس المنافقين كان في زمن النبي ﷺ يصلي مع النبي ﷺ، وأحيانًا يخطب في الناس ويقول: اتبعوا هذا النبي، وهو كذاب، هذا من النفاق، وكان يجاهد مع النبي ﷺ، وهو يدبر المؤامرات ويخطط الخطط للقضاء على الإسلام والمسلمين، وهذا العدو المستور الذي يلتبس أمره على كثير من الناس جلى الله صفاته حتى لا ينخدع الناس به، فذكر الله في ذلك ثلاث عشرة آية.\nقال المؤلف: (إلى أن ضرب لهما مثلين أحدهما بالنار والآخر بالماء) أي: ضرب الله لهم مثلين: مثلًا ناريًا، ومثلًا مائيًا.\nقال فيهم سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] فهذا هو الوصف الأول: أنهم يؤمنون بألسنتهم ويكذبون بقلوبهم، فقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ) يعني: بألسنتهم، (وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) يعني: بقلوبهم.\nوهنا إشكال، وهو: كيف أثبت الله لهم الإيمان ونفاه عنهم، فهل هذا تناقص؟\nو\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معاذ الله! فإن شرط التناقض اتحاد الجهة كما هو معروف عند المناطقة وغيرهم، والجهة هنا منفكة، فإذا ورد النفي والإثبات على محل واحد كان تناقضًا، لكن إذا كان النفي في جهة والإثبات في جهة فلا يكون هناك تناقض، لأن الجهة منفكة، وهنا الجهة منفكة عن الأخرى، فقول الله تعالى: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ» أثبت لهم الإيمان من جهة اللسان.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] نفى عنهم الإيمان من جهة القلب، فالإثبات مسلط على اللسان، والنفي مسلط على القلب، والمعنى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ) بألسنتهم، (وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) بقلوبهم، كما قال ﷾ في الآية الأخرى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] فقوله: (قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّه) أي: بألسنتهم، وقوله: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) أي: بقلوبهم، نسأل الله العافية.\nالوصف الثاني: قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:٩]، فوصفهم الله بالخداع له وللمؤمنين، فيخادعون الله بإظهارهم الإيمان، ويظنون أن هذا ينفعهم، ويخادعون المؤمنين ويظنون أنه تنطلي مكائدهم وتدبيراتهم، وهي لا تنطلي، فالله تعالى عليم بأحوال الناس، والمؤمنون لابد أن يعلموا، إذ قد بين الله لهم وصف هؤلاء المنافقين.\nوقوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ﴾ [البقرة:٩] أي: أن خداعهم يعود على أنفسهم فيضرهم.\nقوله: (وَمَا يَشْعُرُون) أي: وما يشعرون أن ضرر خداعهم راجع إليهم.\nثم جاءت الآية الثالثة فقال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة:١٠] وهو مرض الشك والريب والتردد، فليس عندهم علم ولا يقين.\nوالمنافقون أقسام: منهم من هو مكذب، ومنهم من عنده شك وريب، ومنهم من يؤمن تارة ويكفر تارة، نسأل الله السلامة والعافية.\nقال تعالى: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة:١٠] أي: إلى مرض الشبهة والشك، فالمرض مرضان: مرض جسمي، ومرض قلبي، فالمرض الجسمي أمره هين، وعلاجه عند الأطباء، والثاني مرض القلب، وهذا هو المصيبة.\nومرض القلب ينقسم إلى قسمين: مرض شبهة وشك، ومرض شهوة.\nفمرض الشبهة والشك هو الأشد؛ لأنه مرض في الاعتقاد، وشك في العقيدة.\nومرض شهوة المعاصي كمن يحب الزنا والفواحش، ويحب الغناء، فهذا عنده مرض شهوة المعاصي، قال الله تعالى في سورة الأحزاب مخاطبًا لأزواج النبي ﷺ: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] أي: مرض الشهوة، فنهيت المرأة عن الخضوع بالقول؛ لأنها إذا رخمت الصوت وحسنته طمع فيها الفاسق، لكن إذا تكلمت كلامًا عاديًا لم يطمع فيها، وإن كانت المرأة مأمورة بخفض صوتها حتى لا يفتتن بصوتها فلا تخاطب إلا بقدر الحاجة وبقدر الضرورة، لكنها مع ذلك ليس لها أن تخضع بالقول.\nفالمقصود أن مرض القلب مرضان: مرض شهوة، ومرض شبهة، وأشدهما مرض الشبهة والشك؛ لأنه في العقيدة، وهذا هو الذي أصاب المنافقين، والعياذ بالله، قال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة:١٠]؛ لأن المرض يزيد وينقص، والكفر يزيد وينقص، والإيمان يزيد وينقص.\nقال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:١٠] فتوعدهم الله بالعذاب بما كانوا يكذبون، حيث إنهم أظهروا الإيمان بألسنتهم وقلوبهم مكذبة، فهم مكذبون.\nالوصف الرابع: قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١] هذا هو الوصف الرابع، وهو أنهم يفسدون في الأرض ويسمون إفسادهم صلاحًا.\nأي: من صفات المنافقين أنهم يفسدون في الأرض وينشرون الفساد ويعلنونه ويرون ذلك صلاحًا، كذلك اليوم يسمون موالاة الكفار حضارة ومدنية وسياسة وتقدمًا وما أشبه ذلك، مع أنه فساد، والواجب البراءة من الكفار، والواجب التوبة من المعاصي، فهم يظهرون المعاصي والكفر وموالاة الكفار ويسمون هذا إصلاحًا.\nلقد حكم الله عليهم بقوله: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٢].\nالوصف الخامس: قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٣] أي: يسمون الإيمان سفهًا، ويصفون المؤمنين بالسفه، ويصفونهم بضعف العقل والبصيرة والرأي، يقولون: هؤلاء سفهاء ضعفاء البصائر.\nالوصف السادس: قال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤].\nفي هذه الآية بين الله أن للمنافقين باطنًا وظاهرًا، ظاهرًا مع المؤمنين، وباطنًا مع رؤسائهم.\nقوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة:١٤] أي: أظهروا الإيمان بألسنتهم.\nقوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة:١٤] أي رؤسائهم وكبرائهم وسادتهم.\nقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة:١٤]، أي: نحن معكم.\nقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤] أي: نستهزئ بالمؤمنين، وهم الصحابة، فقال الله تعالى ردًا عليهم: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٥] هذا جزاء وعقوبة، فاستهزاء الله بهم في مقابلة استهزائهم هو صفة كمال في حق الرب، كما قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤] فالله تعالى يوصف بالمكر في مقابلة مكرهم، والكيد في مقابلة كيدهم، قال ﷿: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٦] فقابلهم الله بهذه الصفات عقوبة لهم.\n﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٦] أي: أن هؤلاء اعتاضوا عن الهدى بالضلالة، يعني: تركوا الهدى واعتاضوا عنه بالضلالة، فالشراء معناه الاعتياض.\nقوله: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٦] أي: بل هم الخاسرون.","vol":"4","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>المثل الناري والمثل المائي للمنافقين في سورة البقرة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: (إلى أن ضرب لهم مثلين: أحدهما بالنار، والآخر بالماء).\nأي: ضرب لهم مثلين: المثل الأول: مثلًا ناريًا، والمثل الثاني: مثلًا مائيًا.\nالمثل الناري قال فيه سبحانه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة:١٧ - ١٨].\nأي: ضرب الله لهم مثلًا في كفرهم بعد وضوح الحق، وهؤلاء قوم وضح لهم الحق وآمنوا، ثم بعد ذلك كفروا بعد إيمانهم، فهؤلاء مثلهم مثل الذي استوقد نارًا، فلما أضاءت النار وأبصر ما حوله وأمامه وما يخشاه أمن، ثم ما لبث أن انطفأت عليه النار فصار لا يرى شيئًا، ولا يبصر ما عنده ولا يعرف ما عنده، ولهذا قال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ﴾ [البقرة:١٨] أي: لا يسمعون الحق، ﴿بُكْمٌ﴾ [البقرة:١٧ - ١٨] أي: لا ينطقون بالحق، ﴿عُمْيٌ﴾ [البقرة:١٨] أي: لا يرون الحق، ﴿فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩].\nهذا المثل الناري الذي ضربه الله للمنافقين الذين أبصروا الحق ثم عموا عنه، وآمنوا ثم كفروا فصاروا يتخبطون في الظلمات.\nوالمثل الثاني: المثل المائي الذي قال الله فيه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:١٩] الصيب: هو المطر وهذا المثل ضربه الله لطائفة أخرى من المنافقين عندهم شك وريب، يؤمنون أحيانًا ويكفرون أحيانًا، يؤمنون حين يلمع بهم الحق ويضيء، ولكن إيمانهم ضعيف، فإذا غاب عنهم الحق ولم يبصروه يكفرون، فشبههم بالصيب.\nقوله تعالى: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [البقرة:١٩] الرعد: الصواعق التي تصيبهم، والبرق: النور الذي يلمع ويضيء لهم أحيانًا.\nقال الله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة:٢٠] فإيمانهم تارة يظهر وتارة يختفي، ولهذا قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ [البقرة:٢٠] يعني: إذا أضاء البرق مشوا، وإذا أظلم وقفوا، فهم في حيرة وتردد.\nقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠].\nهذا معنى قول المؤلف ﵀: (إلى أن ضرب لهم مثلين: أحدهما بالنار والآخر بالماء)، وبهذا انتهت الآيات في وصف المنافقين، من قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠].","vol":"4","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>المثل الناري والمثل المائي للمؤمنين في سورة الرعد</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما ضرب المثل بهذين للمؤمنين في قوله تعالى: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد:١٧]].\nأي: فكذلك ضرب الله للمؤمنين مثلين: مثلًا مائيًا ومثلًا ناريًا في سورة الرعد، في قوله تعالى: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ [الرعد:١٧] أي: ضرب الله مثلًا مائيًا ومثلًا ناريًا للحق في ثباته وبقائه، وللباطل في ذهابه وفنائه.\nالمثل الأول: المثل المائي قال فيه ﷿: «أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً» أي: المطر، «فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا» منها الوادي الكبير ومنها الوادي الصغير، فالوادي الكبير يحمل ماء كثيرًا، والوادي الصغير يحمل ماء قليلًا، كل بقدره.\nقوله: ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ [الرعد:١٧] أي: احتمل السيل الزبد وهي الفقاقيع التي تكون فوق الماء، ثم قال بعد ذلك: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧] أي: هذا الزبد سرعان ما يتبخر ويكون على شاطئ الوادي ويذوب، ويبقى الماء، فمثل للحق بالماء، ومثل للباطل بالزبد الذي يذهب جفاء.\nالمثل الثاني: المثل الناري قال فيه ﷿: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ [الرعد:١٧] أي: ضرب الله مثلًا بالحداد الذي يأتي بالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص ويصهرها على النار ويذيبها، فتخرج منها الشوائب وهو الزبد المقصود في هذه الآية، ويبقى الذهب الصافي الخالص، فالذهب والفضة الصافي هذا مثل الحق فإنه يثبت، فأما الزبد والوسخ فإنه يذهب ويزول، والزبد والوسخ هو مثل الباطل في ذهابه وبطلانه.\nهذا معنى قوله: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ [الرعد:١٧].\nإن أمثال القرآن أمثال عظيمة، وقد أكثر الله منها في كتابه، وكذلك النبي ﵊ ضرب أمثلة كثيرة، والأمثلة فيها فوائد عظيمة، وقد كان بعض السلف إذا لم يعرف المثل يبكي، ويقول: إن الله تعالى يقول: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣] أي: أني لست من العالمين.","vol":"4","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>أقسام الناس قبل الهجرة إلى المدينة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما قبل الهجرة فلم يكن الناس إلا مؤمن أو كافر، لم يكن هناك منافق، فإن المسلمين كانوا مستضعفين، فكان من آمن آمن باطنًا وظاهرًا، ومن لم يؤمن فهو كافر، فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، وصار للمؤمنين بها عز وأنصار، ودخل جمهور أهلها في الإسلام طوعًا واختيارًا، كان بينهم من أقاربهم ومن غير أقاربهم من أظهر الإسلام موافقة، رهبة أو رغبة، وهو في الباطن كافر، وكان على رأس هؤلاء عبد الله بن أبي بن سلول وقد نزل فيه وفي أمثاله من المنافقين آيات].\nأي: أن الناس كانوا ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: مؤمن باطنًا وظاهرًا، وكافر باطنًا وظاهرًا، وكافر بالباطن مسلم في الظاهر، وكان هذا في المدينة بعد غزوة بدر، وأما قبل الهجرة، فلم يكن هناك إلا قسمان من الناس: مؤمن باطنًا وظاهرًا، وكافر باطنًا وظاهرًا، ولم يكن هناك منافق، لماذا لم يكن هناك منافق في مكة؟ قال المؤلف: (فإن المسلمين كانوا مستضعفين؛ فكان من آمن آمن باطنًا وظاهرًا، ومن لم يؤمن فهو كافر)، أي: باطنًا وظاهرًا؛ لأن الكفار كانوا أقوياء يعلنون كفرهم ليسوا بحاجة إلى أن يخفوا ذلك الكفر، لكن عندما تقوى المؤمنون في المدينة خاف المنافقون فأظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر؛ ولهذا قال المؤلف: (فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة وصار للمؤمنين بها عز وأنصار).\nأي: بعد أن صالح النبي ﷺ قبائل اليهود في المدينة ووادعهم، وكانوا ثلاث قبائل: بني قينقاع وكانوا حلفاء الخزرج، وبني قريظة وبني النضير وكانوا حلفاء الأوس، ودخل أكثر الأنصار في الإسلام، ووقعت غزوة بدر، حينها تقوى المسلمون، وخذل الله الكفار، مما جعل بعض الأوس والخزرج الذين ليس في قلوبهم إيمان يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، حتى قال عبد الله بن أبي: هذا أمر قد توجه، فأظهر الإسلام وأبطن الكفر.\nوكان عبد الله بن أبي بن سلول رئيسًا في المدينة، وكان أهل المدينة قبيل الهجرة يصنعون له الخرز ليتوجوه ملكًا عليهم، فلما هاجر النبي ﷺ فاته ذلك، فشرق بالإسلام، فأظهر الإسلام وأبطن الكفر، وتبعه على ذلك بعض الناس، فصاروا منافقين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر؛ خوفًا من القتل وسلب الأموال.\nأما في مكة فلا حاجة إلى إظهار الإسلام وإبطان الكفر؛ لأن الكفار كانوا أقوياء والمسلمين كانوا ضعفاء قلة، بل إن بعض المسلمين كان يخفي إسلامه خوفًا من الكفار، فقد كان بلال وعمار وغيرهما يعذبون.\nقوله: (ودخل جمهور أهلها في الإسلام طوعًا واختيارًا)، أي: جمهور الأوس والخزرج.\nقوله: (كان بينهم من أقاربهم ومن غير أقاربهم من أظهر الإسلام) يعني: نفاقًا.\nقوله: (موافقة رهبة أو رغبة، وهو في الباطن كافر، وكان رأس هؤلاء عبد الله بن أبي بن سلول، وقد نزل فيه وفي أمثاله من المنافقين آيات) أي: كالآيات التي في سورة البقرة وغيرها.","vol":"4","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>ذكر المنافقين وصفاتهم في مواضع قرآنية كثيرة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [والقرآن يذكر المؤمنين والمنافقين في غير موضع، كما ذكرهم في سورة البقرة وآل عمران والنساء وسورة العنكبوت والأحزاب، وكان هؤلاء في أهل المدينة والبادية، كما قال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١]].\nيذكر القرآن المؤمنين والمنافقين في مواضع كثيرة، كما ذكرهم في سورة البقرة، وذكرهم في سورة آل عمران، كما سيبين المؤلف ﵀ في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٥٦] إلى أن قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران:١٦٧].\nوذكرهم أيضًا في سورة النساء في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء:٦٠] وقال: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء:١٣٨]، إلى قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢].\nوكذلك في سورة المائدة: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة:٥٢] وفي سورة العنكبوت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠] وفي سورة الأحزاب ذكر كثيرًا من أوصافهم، قال الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب:١٣].\nوكان هؤلاء المنافقون في المدينة وفي البوادي التي حول المدينة، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ [التوبة:١٠١] يعني: ومن أهل المدينة منافقون.\n﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١].\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكان في المنافقين من هو في الأصل من المشركين وفيهم من هو في الأصل من أهل الكتاب].\nيعني: بعض المنافقين كانوا في الأصل مشركين وهم من الأوس والخزرج الذين دخلوا في الإسلام نفاقًا، حيث أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر؛ وذلك لما تقوى الإسلام خافوا من القتل فأظهروا الإسلام وأبطنوا الشرك، وبعض المنافقين كانوا في الأصل من اليهود والنصارى كما أخبر الله عنهم في سورة البقرة قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة:٧٨]، ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٧٥ - ٧٦].\nإذًا: المنافقون لهم ظاهر وباطن، فقد يكون مشركًا في الأصل فيخاف من القتل فيظهر الإسلام ويبطن الشرك، وقد يكون من أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فيخاف ويظهر الإسلام ويبطن اليهودية أو النصرانية.","vol":"4","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>أوصاف المنافقين في سورة آل عمران</span>","vol":"4","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>تخذيل المنافقين عن الجهاد</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وسورة الفتح والقتال والحديد والمجادلة والحشر والمنافقين، بل عامة السور المدنية يذكر فيها المنافقين، قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٥٦] إلى قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ [آل عمران:١٦٧] الآيات].\nذكر الله المنافقين في كثير من السور، بل في عامة السور المدنية، منها: سورة الفتح، قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح:٦].\nومنها: سورة القتال وتسمى سورة محمد، فقد ذكر الله فيها كثيرًا من صفات المنافقين، قال ﷿: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩].\nومنها: سورة الحديد، قال ﷿: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣].\nومنها: سورة المجادلة، قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المجادلة:١٤].\nومنها: سورة الحشر، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [الحشر:١١].\nوسورة (المنافقون) فهي سورة كاملة باسمهم، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون:١] إلى آخر السورة.\nيقول المؤلف: (بل عامة السور المدنية يذكر فيها المنافقين) بخلاف السور المكية التي نزلت قبل الهجرة ليس للمنافقين فيها ذكر؛ لأن النفاق إنما ظهر بعد الهجرة.\nقال الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٥٦].\nنهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالكفار الذين يقولون لإخوانهم المنافقين: لو كانوا عندنا ولم يحضروا المعركة لما ماتوا ولما قتلوا، فرد الله عليهم بقوله في الآية الأخرى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٤].\nثم قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٧] أي: ليعلم الذين نافقوا أن القتال يظهر فيه المؤمن الصادق من المنافق الكاذب.\nثم قال تعالى: ﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٧] أي: إذا قيل لهم: قاتلوا قالوا: لو كنا نعلم أن هناك قتالًا لاتبعناكم، فرد الله عليهم بقوله: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٦٧] فمن أوصاف النفاق أن القلوب تختلف عن الألسنة، فهم يقولون بأفواههم هذا القول لكن قلوبهم مكذبة لأقوالهم.","vol":"4","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>تخذيل المنافقين للمؤمنين وحمل الأحقاد عليهم</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى فيها أيضًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران:١١٨] إلى قوله: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران:١١٩ - ١٢٠]].\nالآية الأولى فيها تحذير من المنافقين واتخاذهم بطانة يفشى إليهم الأسرار ويؤتمنون، فالله تعالى نهى المؤمنين أن يتخذوا بطانة من الكفار؛ لأنهم أعداء لا يؤتمنون، فقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران:١١٨] يعني: من غير المؤمنين، أي: لا تتخذوا بطانة من اليهود ولا النصارى ولا الوثنيين ولا الشيوعيين وغيرهم، فكل هؤلاء أعداء.\nقوله تعالى: ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران:١١٨] يعني: لا يقصرون في الشر والعداوة والإيذاء وإيصال الضرر إليكم؛ لأنهم أعداء.\nقوله: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران:١١٨] يعني: يودون الشيء الذي يعنتكم ويشق عليكم ويعييكم، فهم يفرحون به ويتمنونه.\nقوله: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران:١١٨] أي: تخرج كلمات وتفلت من ألسنتهم تدل على عداوتهم.\nقوله: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨] أي: من شدة ما في قلوبهم من الغيظ والنفاق تبدو أحيانًا على اللسان الكلمات التي تدل على ما في صدورهم من الشر والعداوة؛ لأنه إذا امتلأ صدره شرًا وعداوة، فإنه كالقدر الممتلئ لا بد أن يفور ويظهر شيء منه.\nوهذا موجود في القديم وفي الحديث، فبعض الكفرة وبعض رؤسائهم يصرح مثلًا بالعداوة والحرب على الإسلام والمسلمين، ويعلنها حربًا صليبية وما أشبه ذلك، فتبدو على فلتات ألسنتهم، كما قال الله: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨] أي: الذي في صدروهم من الغيظ والعداوة والبغضاء أكبر وأعظم مما يظهر على ألسنتهم.\nثم قال الله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران:١١٨] أي: إن كنتم تعقلون ما ينفعكم وما يضركم، فالله تعالى قد بين لكم.\nثم قال بعد ذلك: ﴿هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١١٩] هذه الآية فيها دلالة على أن النفاق يكون في أهل الكتاب.\nثم قال سبحانه بعد ذلك: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [آل عمران:١٢٠] أي: إذا أصابكم نصر وعز وسلامة وغنيمة ساءهم ذلك، ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران:١٢٠] أي: إذا أصابكم جدب وقحط وهزيمة فرحوا بذلك.\nثم قال الله: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران:١٢٠] لو طبق المسلمون هذه الآية لانتصروا على الكفار، فلابد من صبر وتقوى، والتقوى هي توحيد الله وإخلاص الدين له وأداء الواجبات وترك المحرمات، ومن ذلك إعداد العدة للكفرة، والجهاد بالعدة الروحية والمعنوية والحسية، والأسلحة المناسبة في كل وقت وفي كل زمان والتدرب عليها مع الإيمان والتقوى.\nوما أصاب المسلمين من كيد الكفار فهو بسبب التقصير في الشرع، إما التقصير في الصبر أو التقصير في التقوى.\nقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران:١٢٠] أي: لا يخفى عليه شيء من أحوالهم، فهم في قبضته وتحت تصرفه، فلا يضركم كيدهم بشرط الصبر والتقوى.","vol":"4","page":13},{"text":"شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-76>[٥]</span>\nوردت آيات كثيرة في سورة النساء تذكر أوصاف المنافقين، فبينت أنهم يريدون التحاكم إلى الطاغوت ولا يرضون بحكم الله ورسوله ويتربصون بالمؤمنين الدوائر، وأنهم متكاسلون عن العبادات متذبذبون في أمورهم، وذكر أن جزاءهم أنهم في الدرك الأسفل من النار.","vol":"5","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>ذكر صفات المنافقين في سورة النساء</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى في سورة النساء: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء:٦٠ - ٦١] إلى قوله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].\nوقال تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا * وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء:٨٨ - ٩٠] الآيات.\nوقال تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٣٨ - ١٣٩] إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا * الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [النساء:١٤٠ - ١٤١] إلى قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤٢ - ١٤٣] إلى قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١٤٥ - ١٤٦]].\nإن من الأصول المتفق عليها المعلومة من الدين بالضرورة أن الناس كانوا على عهد النبي ﷺ ثلاثة أصناف: مؤمنين باطنًا وظاهرًا، وكفارًا باطنًا وظاهرًا، ومسلمين في الظاهر كفارًا في الباطن وهم المنافقون.\nولقد سرد المؤلف ﵀ الآيات التي فيها بيان صفات المنافقين، وهذا الصنف من الناس كثيرون موجودون في زمان النبي ﷺ وما بعده من الأزمان إلى يوم القيامة، فإذا قوي المسلمون صار هناك منافقون يخفون كفرهم ونفاقهم؛ لئلا تقام عليهم الحدود؛ لأنهم لو أظهروا كفرهم قتلوا، فهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، لكن في وقت ضعف المسلمين يعلنون كفرهم ولا يبالون، فوجود المنافقين يدل على قوة المسلمين في المجتمع، ولهذا لم يكن في مكة في أول دعوة النبي ﷺ منافقون، لم يكن فيها إلا مؤمن أو كافر ظاهرًا وباطنًا، بل إن بعض المؤمنين يخفون إسلامهم بسبب إيذاء الكفار لهم.\nفلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، وكثر الداخلون في الإسلام، ووقعت غزوة بدر، وانتصر فيها المسلمون انتصارًا عظيمًا، وأعز الله جنده ورسوله والمؤمنين؛ أظهر بعض الناس الإسلام وأبطنوا الكفر، ممن في قلوبهم مرض من اليهود والمشركين.\nثم بين المؤلف ﵀ أن الآيات التي فيها بيان صفة المنافقين كثيرة في القرآن العظيم، قل أن تجد سورة مدنية إلا وفيها شيء من صفاتهم.","vol":"5","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>تحاكم المنافقين إلى الطاغوت</span>\nقال تعالى في سورة النساء: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠] في هذه الآية وصف الله المنافقين بأنهم يتحاكمون إلى الطاغوت، والطاغوت: هو كل ما خالف كتاب الله وسنة رسوله.\nفقوله: «ألم تر» يفهم منه التعجب.\nوقوله: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ» أي: يدَّعون.\n«أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ» والخطاب للنبي ﷺ.\n«وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ» لا يمكن أن يجمعوا بين أمرين متناقضين: الإيمان بالله وبرسوله وبما أنزل إليه من قبل، والتحاكم إلى الطاغوت؛ لأن التحاكم إلى الطاغوت ينافي الإيمان بما أنزل إلى النبي ﷺ وما أنزل من قبله، ومع ذلك يتحاكمون إلى الطاغوت، وهو ما خالف كتاب الله وسنة رسوله، فالتحاكم إلى الطاغوت ينقض الإيمان بالله ورسوله، والإيمان بالله ورسوله ينافي التحاكم إلى الطاغوت، فإذا جمعوا بينهما دل على كفرهم ونفاقهم.\nثم قال سبحانه: «وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا» بين الله ﷾ أن التحاكم إلى الطاغوت من إرادة الشيطان، وأنه ضلال بعيد عن الحق.\nثم ذكر من أوصاف المنافقين فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء:٦١] أي: إذا دعوا إلى التحاكم إلى الله وإلى ما أنزل الله لووا رءوسهم وأعناقهم وأعرضوا؛ بسبب كفرهم ونفاقهم.\nفإذًا: التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله واجب، ومن تحاكم إلى الطاغوت الذي هو ما خالف كتاب الله وسنة رسوله، فإنه ينافي الإيمان بالله وبرسوله، وهذا من أوصاف المنافقين.","vol":"5","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>عدم رضا المنافقين بحكم الله ورسوله</span>\nقال الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] وقال قبلها: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [النساء:٦٢] يعني: إذا أصابتهم مصيبة قدرها الله عليهم بسبب أعمالهم وما قدمت أيديهم، ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء:٦٢] يعني: إنما نريد الجمع والتوفيق بين هؤلاء وهؤلاء، نريد أن نجمع بين السياسة المخالفة للحق وبين الشريعة، هذه سياسة شيطانية فرعونية أمريكية، فهم يريدون أن يجمعوا بين هؤلاء وهؤلاء؛ لأن قلوبهم مريضة، فهم يخشون أن ينتصر المؤمنون، فإذا هُزِم المؤمنون صاروا مع اليهود والنصارى، وإذا انتصر المؤمنون وغنموا صاروا معهم وقالوا: نحن معكم، كما قال تعالى في سورة النساء: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١٤١] كما سيأتي.\nوفي سورة العنكبوت: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ [العنكبوت:١٠] أي: إذا جاء نصر وفتح وغنيمة قالوا: نحن معكم، وإن حصل هزيمة انضموا إلى الصنف الثاني، يريدون أن يتخذوا مع هؤلاء يدًا ومع هؤلاء يدًا؛ لكفرهم ونفاقهم، ولهذا يقول ﷿: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء:٦٢] أي: نريد التوفيق بين الشريعة والسياسة.\nثم قال سبحانه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] هذه الآية عظيمة، فيها بيان أن من لم يتحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فإنه ليس بمؤمن؛ ولذلك أقسم الرب سبحانه بنفسه الكريمة: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء:٦٥] نفى عنهم الإيمان حتى توجد الغاية، وهي: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء:٦٥] الخطاب للرسول ﷺ، ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] أي: حتى يحكموا الرسول في موارد النزاع وفيما حصل بينهم من اختلاف وشجار، هذا الأمر الأول.\nثم قال سبحانه: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء:٦٥] أي: لا يكفي التحاكم، مع وجود الحرج من حكم الله وحكم رسوله، بل لابد أن يوجد الرضا مع التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله.\nقال سبحانه: «وَيُسَلِّمُوا» أي: لا بد من التسليم وهو الاطمئنان، ولا يكفي هذا حتى يكون الاطمئنان كاملًا وتامًا، ولهذا أكد بالمصدر فقال: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].\nإذًا: أقسم الرب سبحانه بنفسه الكريم أنه لا يحصل لهم الإيمان إلا بهذه الأمور الأربعة: الأول: تحكيم الرسول ﵊ في النزاع والخصومة.\nالثاني: الرضا بهذا الحكم.\nالثالث: الطمأنينة.\nالرابع: الطمأنينة التامة.\nوهذا يدل على أهمية التحاكم إلى الكتاب والسنة.","vol":"5","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>إنكار الله على المؤمنين بسبب اختلافهم في المنافقين</span>\nقال سبحانه: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء:٨٨] هذا إنكار على المؤمنين في اختلافهم في المنافقين.\nوسبب نزول هذه الآية: أنه لما رجع طائفة من المنافقين في غزوة أحد اختلف الصحابة فيهم، فقالت طائفة: نقتلهم لنفاقهم، وقالت طائفة: لا نقتلهم، فأنزل الله فيهم هذه الآية: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء:٨٨] فئة تقول: نقتلهم، وفئة تقول: لا نقتلهم.\nقوله: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء:٨٨] أي: ردهم إلى ما كانوا عليه.\nقوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [النساء:٨٨]، فيه دليل على أنهم ضالون؛ لكفرهم ونفاقهم.\nقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء:٨٨] أي: من أضله الله فلا يستطيع أحد أن يهديه؛ لأنه ﷾ له الحكمة البالغة، وما أضلهم ﷾ إلا عقوبة لهم، حيث إنه تبين لهم الحق واتضح لهم ثم عدلوا عنه فعوقبوا، كما قال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] فالزيغ الأول هو أنهم مالوا وزاغوا عن الحق بعد وضوحه لهم، وعوقبوا بالزيغ الثاني الذي هو أن الله أزاغ قلوبهم.\nوقال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:١١٠] فكانت العقوبة تقليب القلوب والأبصار؛ بسبب أنهم لم يؤمنوا به أول مرة بعد وضوح الحق لهم، ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ:٢٦]، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١١٧].\nوفيه دليل على أن الله هو الهادي وهو المضِل، وهو سبحانه يقذف الهداية إلى القلب فضلًا منه وإحسانًا، وهو المضل لمن شاء حكمة منه وعدلًا، وهذا فيه الرد على المعتزلة الذين يقولون: إن الإنسان هو الذي يهدي نفسه ويضل نفسه، والله لا يهدي أحدًا ولا يضل أحدًا، ويجيبون على الآية بقولهم: إن تسمية الله نفسه بأنه الهادي والمضل هو من باب التسمية فقط، وإلا فالعبد هو الذي يهدي نفسه ويضل نفسه، وهذا باطل، قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٨] ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء:٨٨].","vol":"5","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>تمني المنافقين وقوع المسلمين في الكفر الذي وقعوا فيه</span>\nلقد بين ﷾ شدة عداوة الكفار والمنافقين للمسلمين فقال سبحانه: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩] أي: الكفار يودون ويتمنون ويحاولون جاهدين ويبذلون وسعهم في أن يردوا المسلمين عن دينهم حتى يكونوا كفارًا مثلهم، قال ﷾ في الآية الأخرى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] وقال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧].\nفإذًا: الكفار بجميع أصنافهم وطبقاتهم لا يودون الخير للمسلمين، فلا ينبغي للمسلم أن يركن إليهم.\nوقال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٠٥] أي: أن المشركين لو يستطيعون أن يقطعوا المدد من السماء على المسلمين لقطعوه، لكن لا يستطيعون.\nقوله: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [النساء:٨٩] أي: كيف توالون الكفرة من اليهود النصارى والوثنيين، وهم هذه حالهم؟! وفي الآية الأخرى: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران:١١٨] أي: يودون كل شيء يشق عليكم ويعنتكم ويؤذيكم، ويسعون في إيصاله إليكم، أَبعد هذا يركن المسلم إلى الكفرة ويتخذهم أولياء من دون المؤمنين؟! هذا كلام ربنا، ومن أصدق من الله قيلًا، ومن أحسن من الله حديثًا، فهذه نصيحة الله لعباده المؤمنين، فقد نصحنا ﷾ وحذرنا من الأعداء فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران:١١٨] أي: لا تتخذوا بطانة ودخلاء من الكفرة، تفاوضونهم وتسرون إليهم أموركم وتفوضون إليهم الأمور، وهم لا يقصرون في إيصال الأذى والشر إليكم بكل طريق.\nثم قال ﷿: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران:١١٨] أي: ظهرت من أفواههم الكلمات التي تدل على البغضاء.\n﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨] أي: أعظم مما يبدو على فلتات ألسنتهم من كلمات تدل على البغضاء والعداوة وشدة الحقد.\nثم قال سبحانه: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران:١١٨] آيات عظيمة لو تدبرها المسلمون حق التدبر وتعقلوها وتفهموها وامتثلوها لصاروا أعزة، لكن المصيبة أنا نقرأ الآيات وقلوبنا غافلة، ومن تدبر فإنه لا يطبق ولا يمتثل.\nقال سبحانه: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٨٩] أي: لا تتخذوا منهم أصحابًا وأصدقاء ونصحاء حتى يهاجروا في سبيل الله.\nقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [النساء:٨٩] هذا الأمر في سائر الكفار وهذا مع القدرة، وهذه الآية فيها النهي عن أن يتخذ المسلمون منهم أولياء وأنصارًا.","vol":"5","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>بيان الأصناف الذين نهى الله عن مقاتلتهم</span>\nوقد استثنى الله ﷾ صنفين من الناس حيث نهى عن مقاتلهم، الصنف الأول: قال الله فيهم: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء:٩٠] أي: الذين يلجئون ويأتون إلى قوم بينكم وبينهم عهد وميثاق، فهم مثلهم في الحكم نهى الله عن أن نقاتلهم؛ لأن النبي ﷺ لما عقد الصلح بينه وبين كفار قريش كان من بنود العقد: من أحب أن يدخل في عهد النبي ﷺ دخل، ومن أحب أن يدخل في عهد قريش دخل، فمنهم من دخل في عهد النبي ﷺ وهم خزاعة، ومنهم من دخل في عهد قريش وهم بكر، هذا الصنف الأول.\nالصنف الثاني: قال الله سبحانه فيهم: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ [النساء:٩٠] يعني: ضاقت صدورهم وأبغضوا قتالكم، وكرهوا مع ذلك أن يقاتلوا قومهم معكم، فهؤلاء لا يقاتلون.\nقيل: إن هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين في مكة أسروا إيمانهم، فلما كانت غزوة بدر خرجوا فيها مع المشركين مكرهين، فنزلت هذه الآية، ومنهم العباس عم النبي ﷺ حين أسر وفدى نفسه.\nقال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء:٩٠] أي: إذا اعتزلوكم وسالموكم ولم يقاتلوكم فلا تقاتلوهم.","vol":"5","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>الصفات التي استحق المنافقون بسببها التبشير بالعذاب الأليم</span>\nقال الله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٣٨ - ١٣٩] أي: بشر المنافقين بالعذاب الأليم.\nوقال في المؤمنين: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ﴾ [التوبة:٢١] فالبشارة تكون في الخير وتكون في الشر.\nوهؤلاء المنافقون وصفهم الله بقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١٣٩] أي: من صفات المنافقين أنهم يتخذون الكافرين أصحابًا وأصدقاء، يوالونهم ويحبونهم ويركنون إليهم.\nوهذه الآيات فيها تحذير للمؤمنين من أن يتصفوا بهذه الصفات، فقد قص الله تعالى علينا صفات المنافقين؛ لنحذرها ولنبتعد عنها ولنتخلق بصفات المؤمنين، قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٣٩].","vol":"5","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>واجب المؤمن تجاه من يكفر بآيات الله ويستهزئ بها</span>\nقال سبحانه: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٤٠].\nهذه الآية فيها بيان أنه لا يجوز للإنسان أن يجلس في مجلس يعصى الله فيه، ويكفر فيه بآيات الله ويستهزأ بها، وأن من جلس في مثل هذه المجالس فإن عليه أن ينكر، فإن سكت ولم ينكر فحكمه حكمهم، فإذا جلس في مجلس يكفر فيه بالله ويستهزأ به وبكتابه وسكت ولم ينكر، فإن حكمه حكم الكافرين، والراضي بالكفر كافر، وإذا جلس في مجلس غيبة ولم ينكر عليهم، فحكمه حكم المغتابين في الإثم، وإذا جلس في مجلس يشرب فيه الخمر أو الدخان ولم ينكر فحكمه حكم من شرب الخمر أو شرب الدخان.\nإذًا: الواجب على الإنسان أحد أمرين: الإنكار، فإن زال المنكر وإلا قام عن المجلس، أما إذا لم ينكر وسكت فحكمه حكمهم.","vol":"5","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>تربص المنافقين بالمؤمنين والتمسك بالدنيا</span>\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا * الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ [النساء:١٤٠ - ١٤١].\nأي: من صفات المنافقين أنهم يتربصون بالمؤمنين الدوائر، ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١٤١] أي: أن المنافقين يجعلون لهم يدًا مع المؤمنين، ويدًا مع المشركين، فهم إذا حدث للمؤمنين فتح ونصر وغنيمة قالوا: نحن معكم، ويظهرون الإسلام، والموالاة للمؤمنين، ويطلبون أن يكون لهم سهم في الغنيمة، وإن حدث للمسلمين هزيمة صاروا مع الكفار، وهكذا يجعلون مع المؤمنين يدًا ويجعلون مع الكفار يدًا؛ بكفرهم وضلالهم، وليس عندهم إيمان ثابت.\nثم يقول تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١].","vol":"5","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>خداع المنافقين وتذبذبهم وكسلهم في العبادات</span>\nوقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤٢ - ١٤٣] فمن أوصاف المنافقين الخداع.\nقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢] هذا جزاء الله في مقابلة خداعهم، فالله تعالى يخدع من خدعه، ويكيد من كاده، ويمكر بمن مكر به، وهي صفة كمال في حق الله؛ لأنها جزاء لهم في مقابلة مكرهم، فالمكر والخداع والكيد صفة نقص، لكنها إذا كانت جزاء لهم على أفعالهم صارت صفة مدح وكمال، فالله تعالى موصوف بالكمال ولا يشتق لله أسماء من هذه الصفات، فلا يقال: من أوصافه الماكر ولا الخادع، وإنما يقال: إن الله يمكر بمن مكر به، ويخدع من خدعه، ويكيد من كاده، ولا يقال: من أسمائه الماكر والكائد والخادع، وإنما هذا وصف للفعل، فما جاء مضافًا يبقى مضافًا.\nومن أوصافهم الكسل في العبادات، فالصلاة مع أنها أعظم العبادات البدنية، وأفرض الفرائض، وأوجب الواجبات بعد توحيد الله فهذه حالهم معها، قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:١٤٢] وهذا فيه تحذير للمؤمن من أن يتصف بالكسل؛ فلابد للمسلم أن يقوم للصلاة وغيرها من العبادات وهو نشيط قوي وعنده رغبة؛ لأنه يعلم ما عند الله من المثوبة، بخلاف المنافق الذي لا يرجو ما عند الله، فلا يليق بمسلم أن يتصف بصفة الكسل عند إرادة الصلاة.\nقوله تعالى: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء:١٤٢] هذا وصف آخر من أوصاف المنافق وهو الرياء، أي: مراءاة الناس بالأعمال الصالحة، فإن المؤمن يعمل العمل ويخلص لله فيه ولا يرائي؛ لأن الرياء شرك وهو من صفات المنافقين.\nقوله تعالى: ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢] هذا وصف آخر من أوصاف المنافقين، فقد وصفهم بثلاثة أوصاف عند الصلاة: بالكسل والرياء وعدم ذكر الله إلا قليلًا، وجاء في الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال (تلك صلاة المنافق يرقب الشمس حتى إذا كادت أن تغرب بين قرني الشيطان قام فنقر أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا).\nووصف النبي ﷺ المنافق في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: (أن المنافق يؤخر صلاة العصر يرقب الشمس حتى إذا كادت أن تغرب قام فنقر أربعًا -أي: ينقرها كنقر الغراب لا يطمئن فيها- ولا يذكر الله فيها إلا قليلًا) فالله تعالى يحذر المسلم من أن يتصف بصفات المنافقين.\nثم وصفهم تعالى بقوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ [النساء:١٤٣] أي: ليس عندهم ثبات، فهم مذبذبون بين المشركين والمؤمنين، فالمنافقون يأتون هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، وجه مع المؤمنين يظهرون الإسلام، ووجه مع الكفار يظهرون الباطل.\nفعلى المسلم أن يثبت على التوحيد والطاعة والإيمان ولا يتذبذب ولا يكون مع الكفرة.\nثم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤٣] وكما جاء في صحيح مسلم: (إن المنافق كالشاة العائر، تعير إلى هؤلاء وإلى هؤلاء).","vol":"5","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>المنافقون في الدرك الأسفل من النار</span>\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء:١٤٥] هذه الآية فيها جزاء المنافقين في الآخرة.\nقوله: ﴿فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] أي: أن النار والعياذ بالله دركات سفلى، كل دركة أشد عذابًا من الدركة التي أعلى منها، والجنة درجات، كل درجة أعظم نعيم من الدرجة التي تحتها، والمنافقون أين مكانهم؟ ﴿فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] آخر درك، فهم تحت دركة اليهود والنصارى والمشركين.\nفالمشركون فوق اليهود والنصارى، واليهود والنصارى فوق المنافقين، وإن كانوا جميعًا معذبين وخالدين في النار، فقد جاء في الحديث (إن أهون الناس عذابًا رجل في أخمصيه -يعني: في أسفل رجليه- جمرتان يغلي منهما دماغه) وفي اللفظ الآخر: (إن أهون أهل النار عذابًا لرجل في رجليه شراكان من نار يغلي منهما دماغه).\nوفي اللفظ الآخر: (لرجل في رجليه نعلان يغلي منهما دماغه، وإنه ليظن أنه أشد أهل النار عذابًا) أي: من شدة ما يجد من الألم وهو أهونهم، فكيف عذاب اليهود والنصارى؟ وكيف عذاب المنافقين في الدرك الأسفل من النار والعياذ بالله؟! فالمنافقون استحقوا أن يكونوا في الدرك الأسفل من النار؛ بسبب أنهم زادوا على اليهود والنصارى والوثنيين بالخداع والتلبيس على المسلمين، فهم يدبرون المكائد للقضاء على الإسلام والمسلمين؛ لأنهم يعيشون بينهم ويظهرون الإسلام، فلهذا صاروا في دركة سفلى، فزاد عذابهم على الكفرة من اليهود والنصارى.\nإن الله ﷾ فتح باب التوبة للمنافقين وغيرهم، فقال سبحانه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٠] أي: من تاب قبل الموت تاب الله عليه، سواء كان يهوديًا أو نصرانيًا أو وثنيًا أو شيوعيًا، والتوبة من المعاصي من باب أولى، فإذا تاب من الزنا أو من السرقة أو شرب الخمر أو عقوق الوالدين، أو قطيعة الرحم توبة نصوحًا تاب الله عليه.\nفالتوبة النصوح هي الإقلاع عن المعاصي والكفر والضلال، وكذلك الندم على ما مضى، والعزم عزمًا جازمًا على ألا يعود إلى الذنوب مرة أخرى، وإذا كانت المعصية بينه وبين الناس رد الحقوق إلى أهلها، إن كان مالًا رد المال لهم، وإن كان قصاصًا سلم نفسه، وإن كان عرضًا استحله منهم، قال الله تعالى في كتابه العظيم: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢].\nوقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] هذه الآية أجمع العلماء على أنها نزلت في التائبين؛ لأن الله عمم وأطلق فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣] بخلاف الآية الأخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فهذه في غير التائبين؛ لأن الله خصص وعلق، خص الشرك بأنه لا يغفر وعلق ما دونه، وهنا ﷾ فتح باب التوبة للمنافقين فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١٤٦] يعني: إلا الذين تابوا من نفاقهم وكفرهم، وأصلحوا أحوالهم وأعمالهم، ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء:١٤٦] أي: لجئوا إليه سبحانه وكانوا مخلصين في توبتهم، فحكمهم حكم المؤمنين، والمؤمنون جزاؤهم كما قال سبحانه: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١٤٦].\nلقد عرض الله التوبة على المثلثة من النصارى، قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٧٣ - ٧٤]، فباب التوبة مفتوح لمن تاب قبل الموت أو قبل طلوع الشمس من مغربها.","vol":"5","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>الأسئلة</span>","vol":"5","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>مذهب مرجئة الفقهاء في حكم تارك الصلاة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل مرجئة الفقهاء يقولون بعدم كفر تارك الصلاة بناء على مذهبهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  مرجئة الفقهاء يرون أن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان؛ لأنهم يرون أن الكفر والإيمان لا يكونان إلا بالقلب، وأما تسمية الصلاة كفرًا في قوله ﷺ: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) فتسمية مجازية عندهم.\nوهناك بعض أهل السنة يرون أن ترك الصلاة ليس كفرًا مع عدم جحد وجوبها، والقائلون بهذا القول ليسوا من المرجئة، لكن الصواب الذي تدل عليه النصوص أن تارك الصلاة كافر ولو لم يجحد وجوبها، وهو الذي أجمع عليه الصحابة كما نقله عنهم عبد الله بن شقيق العقيلي وابن حزم، وإسحاق بن راهويه وغيرهم.\nلكن هناك طوائف من أهل السنة المتأخرين يرون أن تارك الصلاة يكون قد كفر كفرًا أصغر إذا لم يجحد وجوبها، وهو مذهب المتأخرين من الشافعية والمالكية والأحناف والحنابلة.\nوالرواية الثانية عن الإمام أحمد التي عليها المحققون وهو وجه للشافعية ومن المالكية عبد الملك بن حبيب المالكي أن ترك الصلاة كفر أكبر.\nوالمقصود أن المرجئة يرون أن تارك الصلاة إذا جحد وجوبها يكون كافرًا، وإذا لم يجحد وجوبها فلا يكون كافرًا كفرًا أكبر، وإنما يكون كافرًا كفرًا أصغر.\nإذًا: فالذين يقولون: إن ترك الصلاة ليس بكفر قسمان: القسم الأول: المرجئة.\nالقسم الثاني: بعض أهل السنة.","vol":"5","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>حكم إدخال العلمانيين في المنافقين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يصح دخول العلمانيين في المنافقين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المنافق هو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وسمي منافقًا من النافقاء، وهي نافقاء اليربوع؛ لأن اليربوع له جحران: ظاهر وباطن يقال لأحدهما: النافقاء ويقال للآخر: القاصعاء، فالجحر الظاهر الذي يدخل منه، والجحر الخفي الباطن هو الذي يلقي عليه التراب الرقيق، فإذا رابه ريب دفع التراب برأسه فخرج، فكذلك المنافق له ظاهر وباطن، ظاهره الإسلام وباطنه الكفر.\nففي عصر الصحابة كان يسمى الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر منافقًا، ثم بعد ذلك صار المنافق، وأيضًا الجاحد المعطل الذي يعطل الله من أسمائه وصفاته، أو ينكر وجود الله يسمى زنديقًا، أما في العصر الحاضر فصار يسمى المنافق علمانيًا، وهو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، هذه أسماء كلها تحمل معنى النفاق.","vol":"5","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>حقيقة نسبة دعاء (يا حي يا قيوم) لشيخ الإسلام</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل ثبت عن شيخ الإسلام أنه قال: من قال: يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث أربعين مرة بين سنة الفجر وصلاة الفجر أحيا الله قلبه ولم يمته، قيل: إنه موجود في مدارج السالكين لـ ابن القيم ﵀ في الجزء الأول صفحة (٣٣٩) طبعة دار إحياء التراث، وفيه قال ابن القيم: وسمعته من شيخنا يعني ابن تيمية رحمه الله تعالى؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا أعلم لهذا الدعاء أصلًا ولا أذكر أنه مر عليَّ، لكن يراجع كلام ابن القيم في هذا، على كل حال إذا كان هناك دليل يدل على هذا فالحمد لله، وعلى الرأس والعين، أما إذا لم يوجد دليل فلابد من الدليل.","vol":"5","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>عقيدة الرافضة في الإيمان</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما عقيدة الرافضة الإثني عشرية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  عقيدة الإثني عشرية تكفير الصحابة، يقولون: بأن الصحابة ارتدوا وكفروا بعد وفاة النبي ﷺ، ومن عقيدتهم أيضًا أنهم يعبدون آل البيت ويتوسلون بهم، ومن عقيدتهم اعتقاد أن القرآن غير محفوظ، كل هذه الأنواع كفرية، نسأل الله السلامة والعافية.","vol":"5","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>عقيدة أبي حنيفة في زيادة الإيمان ونقصانه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقال: إن الإمام أبا حنيفة ﵀ يرى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فما صحة ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الإمام أبو حنيفة له روايتان: الرواية الأولى: أن الإيمان هو تصديق القلب فقط ولا يزيد ولا ينقص.\nالرواية الثانية التي عليها جماهير أصحابه: أن الإيمان شيئان: إقرار باللسان، وتصديق بالقلب، ولا يزيد ولا ينقص.\nوجميع المرجئة تقول به، ومنهم مرجئة الفقهاء من الماتريدية والأشاعرة والكرامية والجهمية؛ كلهم يقولون: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لا يقول بالزيادة والنقصان في الإيمان إلا جمهور أهل السنة.","vol":"5","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>الفرق بين معرفة القلب وتصديقه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفرق بين معرفة القلب وتصديقه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إنه يعسر التفريق بين معرفة القلب والتصديق المجرد، إذا كان التصديق مجردًا ليس معه عمل فلا فرق بينه وبين المعرفة، أما إذا كان التصديق مقترنًا بالعمل فهناك فرق.","vol":"5","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>عقيدة شيخ الإسلام في فناء الجنة والنار</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما رأي شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مسألة فناء الجنة والنار؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا أحد يقول بفناء الجنة إلا الجهم بن صفوان الكافر الضال المضل، ولا أحد من أهل السنة يقول ذلك، فإن أهل السنة ضللوا الجهمية وبدّعوهم، وإنما الكلام في فناء النار، فهناك طائفة من أهل السنة نسب إليهم القول بفناء النار في بعض الآثار، وهو قول ضعيف مرجوح، وشيخ الإسلام له كلام صريح يدل على أن النار مثل الجنة دائمة لا تفنى ولا تبيد، ولهذا يقول الطحاوي: (والجنة والنار دائمتان أبدًا لا تفنيان ولا تبيدان)، لكن ابن القيم ﵀ له كلام في (مدارج السالكين) وكذلك في كتابه (وصف الجنة) وهو يدل على أنه يميل إلى القول بفناء النار، وله أيضًا كلام يؤيد القول ببقاء النار، فلعله له قولان في هذا، فالذي يظهر والله أعلم أنه رجع عن القول بفناء النار، وذكر هذا في (مدارج السالكين) وفي غيره، أما شيخ الإسلام فكلامه صريح في بقاء النار.","vol":"5","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>حكم اختبار عامة المسلمين في عقائدهم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز اختبار الناس في عقائدهم كسؤال العامة: أين الله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يسأل المسلم ولا يمتحن؛ لأن الأصل أن المسلم على التوحيد وعلى العقيدة، الصحيحة فلا يسأل إلا إذا كثر أهل البدع وأهل الضلال وكان هناك حاجة مثلًا إلى إمام يؤم الناس فيمتحن ويسأل فلا يؤم الناس إلا مسلم، أو شخص يريد أن يتزوج وهو شاك في ذلك لكثرة البدع، فلابد أن يمتحن.\nوأهل البدع ينكرون السؤال عن الله بأين، يقولون: لا يسأل عن الله بأين؛ لأن (أين) يسأل بها عن المكان، والله ليس له مكان عند أهل البدع، يقولون: الله في السماء وفي الأرض تعالى الله عما يقولون، وهذا كفر وضلال، والنبي ﷺ سأل الجارية قال: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة).\nفالمبتدعة الذين أنكروا أن يكون الله في السماء وفي العلو غلطوا النبي ﷺ، قالوا: إن الرسول ﷺ غلط حينما سأل الجارية، أو لأن الجارية أعجمية لا تفهم الدين، فسألها سؤالًا فاسدًا يناسب عقلها وفهمها، ولما قالت: (في السماء) أقرها على جواب فاسد يناسب عقلها وفهمها، وأن الرسول لم يقصد أن يقول: أين الله؟ وإنما قصد أن يقول: من الله؟ لكن لما كانت الجارية أعجمية اضطر ﷺ أن يسألها سؤالًا فاسدًا، ثم أقرها على الجواب الفاسد.\nهكذا اتهموا الرسول عليه الصلاة السلام، وكأنه ﷺ عجز عن أن يقول: من الله؟ (من) حرفان، و(أين) ثلاثة حروف، فهؤلاء والعياذ بالله في قلوبهم مرض، ولهذا يكثر النفاق في أهل الكلام وفي أهل البدع، فمن اتهم الرسول ﷺ بهذا يخشى عليه من النفاق، وقد صرح بذلك أهل البدع حيث قالوا: من قال: إن الله في السماء فقد كفر؛ لأنه شبه الله بجسم محدود على محدود، والذي يكون في المكان هو الأجسام والله ليس بجسم، ومن قال: إن الله جسم فقد كفر، هكذا يقولون؛ نعوذ بالله من جهل القلوب!","vol":"5","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>حقيقة الوهابية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هي الفرقة الوهابية؟ وهل هي على الحق أم على الباطل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا السائل لا أدري لماذا يسأل هذا السؤال، الوهابية لقب ينبز به أعداءُ التوحيد أهل التوحيد وأهل السنة والجماعة، فأهل البدع يقولون (وهابية) نسبة إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، ويقولون: إن الوهابية فرقة مخالفة للسنة، مع أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب إمام من أئمة أهل السنة والجماعة ولم يأت بشيء من عنده، وإنما قرأ كتاب الله وسنة رسوله واستدل بالقرآن وبالسنة في جميع كتبه مثل: (الأصول الثلاثة) و(كشف الشبهات)، و(كتاب التوحيد)، وغيرها.\nلكن أعداء السنة والجماعة أبوا إلا أن ينبزوا أهل السنة والجماعة بالألقاب الشنيعة التي تنفر الناس عن معتقد أهل السنة والجماعة، كما نبزوهم قديمًا حيث كانوا يسمونهم: الحشوية والمجسمة والمشبهة أو الغثاء وغير ذلك، فهم ينبزونهم من قديم الزمان، فصاروا في هذا الزمان بعد دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب يسمونهم الوهابية.\nثم الوهابية هي نسبة إلى والد الشيخ محمد بن عبد الوهاب عبد الوهاب، وكان الأجدر أن تنسب إليه فنقول: محمدية، لكن هؤلاء ينبزون أهل السنة بلقب بعيد، كما أن الكفار كانوا ينبزون النبي ﷺ بلقب بعيد يقولون: ابن أبي كبشة ينسبونه إلى جد له من الرضاعة بعيد؛ لشدة عداوتهم، فلهذا أبو سفيان لما ذهب إلى الشام قبل أن يسلم وسأله هرقل الأسئلة العشرة ثم خرج من عنده وكثر اللغط بين الأحبار والرهبان وصار في نفس أبي سفيان شيء قال: (لقد أَمِرَ أَمْر ابن أبي كبشة حتى إنه ليخافه ملك بني الأصفر) يعني: عظم أمر محمد حتى إن ملك الروم يخاف منه.\nأعداء أهل السنة والجماعة ينسبون الإمام ابن القيم إلى جد غامض بعيد؛ لشدة عداوتهم، فهم الآن ينبزون أهل السنة بالوهابية؛ للتنفير من مذهب أهل السنة والجماعة، وإلا فالشيخ محمد بن عبد الوهاب ما جاء بشيء من عنده، وهذه كتبه واضحة للعيان فيها قال الله قال رسول الله.","vol":"5","page":22},{"text":"شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-98>[٦]</span>\nيعتبر المنافقون أخطر من الكفار على المسلمين، ولذلك أكثر الله تعالى من ذكر أوصافهم التي تبين مفارقة الإيمان لقلوبهم، وتربصهم بالمؤمنين الدوائر، وفي سورة المائدة كثير من هذه الأوصاف، أما سورة التوبة فقد فضحتهم حتى كادت أن تعينهم بأسمائهم.","vol":"6","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>ذكر صفات المنافقين في سورة المائدة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ [المائدة:٤١].\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]، إلى قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٥٢ - ٥٣].\nوقال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ * وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:٦١ - ٦٢].\nوقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧] إلى قوله: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٨٠ - ٨١]].","vol":"6","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>مسارعة المنافقين في الكفر</span>\nهذه الآيات في سورة المائدة تذكر أوصاف المنافقين حيث يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ [المائدة:٤١].\nفالله تعالى ينهى رسوله عن أن يحزن على الذين يسارعون في الكفر بالله وبرسوله ولا يبالون، وهؤلاء الذين يسارعون إلى الكفر ويركضون ويجرون حتى يصلوا إليه؛ إنما فعلوا ذلك بسبب تركهم الحق وعنادهم بعد وضوح الحق لهم، فهم لما تركوا الحق وأعرضوا عنه بعد وضوحه، ووالوا الكفار، وأعرضوا عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ولم يعزروا الرسول ﷺ ولم يوقروه صاروا يسارعون إلى الكفر ويركضون إليه ركضًا، ولهذا قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة:٤١]، فهذا وصف المنافقين، فهم يقولون: ﴿آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [المائدة:٤١] أي: بألسنتهم ﴿وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة:٤١] أي: أن قلوبهم مكذبة، وألسنتهم مصدقة.\nوهذا كما قال سبحانه في الآية الأخرى في أول سورة البقرة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة:٨] أي: بألسنتهم، ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] أي: بقلوبهم.\nوكما قال سبحانه في سورة المنافقين: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون:١] يعني: بألسنتهم، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] أي: بقلوبهم.\nفالله تعالى يقول لنبيه: ﴿لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة:٤١] من المنافقين واليهود، ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة:٤١] وهؤلاء هم المنافقون، ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة:٤١] وهم اليهود، ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ [المائدة:٤١] إلى آخر تلك الأوصاف.\nثم وصفهم في آخر الآية فقال: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة:٤١ - ٤٢] إلى آخر الآيات في وصف اليهود.","vol":"6","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>المنافقون يتخذون اليهود والنصارى والكفار أولياء</span>\nقال المؤلف ﵀: [وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]].\nفي هذه الآية ينهى الله ﷾ المؤمنين عن أن يتخذوا اليهود والنصارى أولياء يحبونهم بقلوبهم، ثم ينشأ عن تلك المحبة في القلب المساعدة والمعاونة بالرأي أو بالسلاح على المسلمين، فتولي الكفار ردة؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]، وتوليهم هو محبتهم في القلب، فحكم على من تولى الكفار بأنه كافر مثلهم.\nوقال: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١]، فالكفار بعضهم أولياء بعض، كما قال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٣]، وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١]، فالمؤمن ولي لأخيه المؤمن، والكافر ولي لأخيه الكافر، فلا يجوز للمسلم أن يتخذ الكافر وليًا، فإذا اتخذه وليًا وأحبه لدينه، ونشأ عن هذه المحبة المساعدة والمعاونة فإن هذه ردة عن الإسلام، فتولي الكفرة ومحبتهم ردة عن الإسلام.\nوأما الموالاة بمعنى المعاشرة والمصادقة بدون محبة القلب فهذه كبيرة من كبائر الذنوب، كما قال سبحانه في آية الممتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة:١]، وهذا غير البيع والشراء والمعاملة، فلا يلزم منها الموالاة، فإذا باع الإنسان أو اشترى من الكفار عند الحاجة فليس ذلك من الموالاة في شيء إذا كان ذلك مع بغضه لهم ولدينهم، فإن النبي ﷺ قد عامل اليهود، فعاملهم على شطر ما يخرج من أرض خيبر من ثمر أو زرع، واشترى غنمًا من مشرك، ومات ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعًا من شعير، فالمعاملة شيء والموالاة شيء آخر.\nفالمعاملة كأن يبيع ويشتري منهم عند الحاجة، ولا حرج في ذلك إذا كان الكافر ليس بحربي، وأما الموالاة فمعناها أن يتخذه صديقًا يزوره، ويجيب دعوته من دون حاجة بيع ولا شراء ولا غيرها، وأما محبته بالقلب فهذه ردة عن الإسلام، وهي التولي لهم، وأصل التولي المحبة بالقلب، ثم ينشأ عنها المساعدة، فمن أحب كافرًا لدينه كأن يحب يهوديًا أو نصرانيًا أو وثنيًا فهو كافر مثله، كما قال الله في هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]، وأما الموالاة والمعاشرة والمصادقة لهم من دون محبة في القلب فهذه كبيرة من كبائر الذنوب، وهي فسق ومعصية، وتدل على ضعف الإيمان ونقصه.\nثم ذكر أوصاف المنافقين فقال سبحانه: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة:٥٢]، قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [المائدة:٥٢] هو مرض الشك والنفاق والشبهة.\nوقد سبق أن ذكرنا أن المرض مرضان: مرض شك، ومرض شهوة، فمرض الشهوة هو مرض المعصية، قال ﷾ في خطاب أزواج النبي ﷺ: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢]، فهذا هو مرض المعصية، وهو مرض الزنا ومرض الشهوة.\nوأما مرض الشك والكفر والنفاق فكما قال سبحانه في سورة البقرة: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة:١٠]، وهذا أشد من مرض الشهوة؛ لأن هذا مرض في العقيدة.\nوقال تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم﴾ [المائدة:٥٢] أي: يضعون أيديهم مع الكفار من اليهود والنصارى، فإذا قيل لهم: كيف توالون اليهود والنصارى وتكونون معهم؟ قالوا: ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة:٥٢] أي: نخشى أن ينهزم المسلمون، فإذا انهزموا لجئوا إلى الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم، وإن حصل للمسلمين فتح ونصر وغنيمة لجئوا إلى المسلمين وقالوا: نحن معكم، فشاركوهم في الغنائم، فيجعلون يدًا مع هؤلاء ويدًا مع هؤلاء، كما قال الله تعالى: ﴿لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ [النساء:١٤٣].\nقال الله: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ [المائدة:٥٢] أي: للمسلمين، ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا﴾ [المائدة:٥٢] أي: المنافقون، ﴿عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة:٥٢] من موالاتهم للكفار.","vol":"6","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>المنافقون يسارعون في الإثم والعدوان وأكل السحت وتولي الكفار</span>\nقال سبحانه: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ [المائدة:٥٣] وهم المنافقون، قال الله عنهم: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٥٣].\nوقال تعالى في نفس السورة في وصف المنافقين: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ [المائدة:٦١]، أي: إذا جاء المنافقون إلى المسلمين قالوا: آمنا وأظهروا لهم الإسلام، وإذا ذهبوا إلى رؤسائهم وإلى الكفار قالوا: نحن معكم كما قال الله ﷾ عنهم: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة:١٤]، وهنا قال سبحانه: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ * وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:٦١ - ٦٢]، فهذه أوصافهم: المسارعة في الإثم والعدوان، وأكل السحت.\nوقال بعدها: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:٦٣].\nوقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧]، فنهى الله أهل الكتاب عن الغلو في الدين، والغلو: هو مجاوزة الحد، ومن الغلو في الدين أن النصارى غلوا في عيسى حتى جعلوه إلهًا يعبد مع الله.\nقال تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧]، فنهاهم الله عن اتباع الضالين.\nثم قال سبحانه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة:٧٨] إلى قوله: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة:٨٠]، فمن وصف المنافقين تولي الكفرة.\n﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾ [المائدة:٨٠]، لعدم إيمانهم، حيث إنهم يريدون أن يخادعوا هؤلاء وهؤلاء، قال الله: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة:٨٠]، أي: سخط الله عليهم بسبب موالاتهم الكفرة، فخلدهم في النار.\nثم بين سبحانه أن اتخاذ الكفار أولياء ينافي الإيمان، فلا يجتمع الإيمان واتخاذ الكفرة أولياء، قال سبحانه: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٨١] أي: لو كانوا يؤمنون بالله ورسوله حقيقة ما اتخذوا الكفار أولياء يحبونهم ويساعدونهم ويعينونهم على المسلمين، ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٨١].","vol":"6","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>ما جاء في سورة براءة من كشف المنافقين وذكر صفاتهم</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما سورة براءة فأكثرها في وصف المنافقين وذمهم، ولهذا سميت الفاضحة والمبعثرة، وهي نزلت عام تبوك، وكانت تبوك سنة تسع من الهجرة، وكانت غزوة تبوك آخر مغازي النبي ﷺ التي غزاها بنفسه، وتميز فيها من المنافقين من تميز، فذكر الله تعالى من صفاتهم ما ذكره في هذه السورة].\nلقد أكثر الله في سورة براءة من صفات المنافقين، ولهذا سميت هذه السورة: الفاضحة؛ لأنها فضحت المنافقين، وتسمى المبعثرة؛ لأنها بعثرتهم، فلم تزل تذكر: ومنهم ومنهم ومنهم ومنهم حتى خاف المنافقون أن يسموا بأعيانهم.\nقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة:٥٨]، ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة:٦١]، قال ابن عباس: لم تزل الآيات تذكر أوصافهم ومنهم ومنهم حتى خافوا أن يسموا بأعيانهم؛ ولهذا سميت هذه السورة سورة الفاضحة؛ لأنها فضحتهم.\nقال سبحانه فيها: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة:٤١]، ثم بين وصف المنافقين فقال: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ [التوبة:٤٢]، أي: لو كان السفر قريبًا لاتبعوك، لكن كان السفر بعيدًا، أي: أن السفر إلى تبوك في ذلك الوقت كان سفرًا بعيدًا، وكان في شدة الحر في وقت نضوج الثمار، فلا يستطيع المنافقون الخروج؛ لأنهم ليس لديهم إيمان يدفعهم إلى الجهاد، ولهذا تخلف كثير من المنافقين.\nوهذا بخلاف المؤمنين الذين يبعثهم إيمانهم بالله ورسوله على التضحية بالأموال والراحة وبكل شيء، وأما المنافقون فليس لديهم ما يبعثهم، فالسفر بعيد ومتعب وطويل المسافة، والمدة طويلة، فالسفر قديمًا يحتاج إلى امتطاء ظهور الإبل، وليس كالسفر في وقتنا الحاضر، فقد صار قصيرًا، ولهذا قال ﷾: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ﴾ [التوبة:٤٢] أي: لو كانت الغنيمة سهلة، والسفر قريبًا لاتبعوك؛ لأنهم ليس لهم هم إلا الدنيا، لكن السفر بعيد، ولا يدرون هل سيحصلون على الغنيمة أو لا، ولم يكن عندهم إيمان يبعثهم.\n﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة:٤٢] أي: إذا رجع الرسول ﷺ من الغزو، ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة:٤٢].\nثم قال ﷾: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة:٤٣].\nثم قال في أوصافهم: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ * وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾ [التوبة:٤٤ - ٤٦] أي: إلى غزوة تبوك ﴿لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦].\nوقد بين الله سبحانه الحكمة في تثبيطهم وعدم خروجهم، فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة:٤٧]، فلو خرج المنافقون فإنهم لا يألون المؤمنين خبالًا وشرًا وتشويشًا وإدخالًا للهلع والضعف في نفوسهم، ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ [التوبة:٤٧] أي: سعوا في الشر والفساد بينكم، ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٧] أي: فيكم من يسمع لهم، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ [التوبة:٤٧ - ٤٩] أي: ومن المنافقين ﴿مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٤٩].\nأي: أن أحد المنافقين قال: يا محمد! ائذن لي فأنا لا أستطيع وأخشى على نفسي، فإني إذا رأيت بنات بني الأصفر فسأفتن ولا أستطيع أن أمتنع، فأنزل الله فيه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة:٤٩]، قال الله: ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٤٩].\nومن أوصافهم: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ [التوبة:٥٠]، وقال سبحانه: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة:٥٧]، فهذه من أوصافهم.\nثم قال سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة:٥٨].\nثم قال سبحانه: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٦١]، ثم قال سبحانه: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ * يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة:٦٢ - ٦٦].\nثم ذكر من أوصافهم: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٦٧]، فمن صفات المنافقين أن بعضهم ولي لبعض، فينصر بعضهم بعضًا، وهذا فيه تحذير من الاتصاف بهذه الصفات، فالمؤمن ينصر أخاه المؤمن ويوالي أخاه المؤمن.\nومن أوصافهم: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧]، إذًا المنافق يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف، والمؤمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧] أي: عن النفقة في سبل الخير، فليس عندهم إيمان يدفعهم إلى ذلك، فلا ينفق إلا المؤمن، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٦٧].\nومن أوصافهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [التوبة:٧٥ - ٧٨].\nومن أوصافهم: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٧٩]، فالمنافقون لا يتصدقون، ولما حث النبي على الصدقة تصدق بعض الصحابة بصدقة كبيرة فقالوا: هذا مراء، ثم جاء بعضهم بالقليل فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، فأنزل الله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة:٧٩] أي: لا يجدون إلا القليل، ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٧٩].\nوقد ذكر الله تعالى من أوصافهم في هذه السورة ما لم يذكره في غيرها، قال: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُم","vol":"6","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>الأسئلة</span>","vol":"6","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>حكم التحاكم إلى من لا يحكم بشريعة الله تعالى لغرض استرداد الحقوق</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم التحاكم عند من لا يحكم بشريعة الله لغرض استرداد الحقوق؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يجوز للإنسان أن يتحاكم إلى غير شرع الله، ولكن يأخذ حقه ويطالب به من دون أن يتحاكم إلى من لا يحكم بشريعة الله.","vol":"6","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>حكم لبس الصليب</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يكفر من لبس الصليب أو لا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يكفر إلا إذا رضي بدينهم، وأما إذا لبسه من باب التشبه بهم فالتشبه بهم محرم، يقول النبي ﷺ: (من تشبه بقوم فهو منهم)، فهو محرم ومن الكبائر.\nقال شيخ الإسلام ﵀: يدل هذا الحديث على أن أقل أحواله هو التحريم، فإذا تشبه بهم في لباسهم أو في أعيادهم فهذا منكر عظيم، ولكنه لا يصل إلى درجة الكفر إلا إذا أحب دينهم، أو رضي به، أو والاهم، نسأل الله السلامة والعافية، ولكنه يخشى عليه إذا لبس الصليب، فقد يوصل هذا التشبه في الظاهر إلى التشبه في الباطن فيصل إلى الكفر، نعوذ بالله.","vol":"6","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>حكم ترك إنكار المنكر مع القدرة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نرى انتشار طلاب العلم -ولله الحمد- وكذلك أهل الخير، فما رأيكم في ضعفهم في إنكار المنكر، وعدم القيام به على الوجه المطلوب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الواجب على المسلم أن ينكر المنكر بقدر استطاعته، فيزيله باليد إذا كان مستطيعًا كأن يكون المنكر في بيته، أو كالأمير أو كرجال الهيئة في حدود صلاحياتهم فيغيرون المنكر باليد.\nفإن كان لا يستطيع تغيير المنكر باليد فينكر باللسان، فإن عجز عن ذلك كما إذا كان يترتب على إنكاره باللسان ضرر محقق في بدنه أو ماله أو أهله فإن ينكر بقلبه، بمعنى أنه يكره المنكر بقلبه ولا يجالس أهله، بل يقوم عنهم، ولتكن علامات الإنكار على وجهه، فيقطب وجهه وتظهر عليه علامات الكراهة، فقد ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم من حديث أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان).\nإذًا: فدرجات التغيير ثلاث: باليد ثم باللسان ثم بالقلب، فالإنكار بالقلب معناه كراهة المنكر والبعد عن أهله، فإذا كان يكره بقلبه فإنه لا يجلس وهو يستطيع البعد، فإذا كان يستطيع القيام فإنه يجب عليه أن يقوم، فإن لم يقم فليس صادقًا في إنكار المنكر، ولابد أن تظهر علامات المنكر على وجهه، ولينصرف عنهم، فإن جلس فحكمه كحكمهم، ودعواه أنه أنكر المنكر كذب وليست صحيحة، كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:١٤٠].\nفمن جلس في مجلس يكفر فيه بالله وهو يستطيع القيام ولم ينكر ولم يقم فحكمه حكمهم، ومن جلس في مجلس يشرب فيه الخمر ولم ينكر عليهم وهو يستطيع الإنكار فحكمه كحكم شارب الخمر في الإثم، ومن جلس في مجلس يغتاب فيه الناس وهو يستطيع القيام ولم ينكر عليهم ولم يقم فحكمه كحكم المغتابين.","vol":"6","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>حكم محاباة الكفار</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم مجاملة الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس هناك مجاملة، فاليهود والنصارى وغيرهم إذا كان بيننا وبينهم عهد فهم أهل عهد، وإن لم يكن بيننا وبينهم عهد وكان المسلمون أقوياء فتفرض عليهم الجزية، وإن كانوا وثنيين فإنهم يقاتلون مع القدرة.","vol":"6","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>كيفية الوصول إلى مرتبة عبادة الله كأنك تراه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف الوصول إلى مرتبة أن تعبد الله كأنك تراه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه مرتبة الإحسان ومرتبة السابقين، أي: أن تعبد الله على المراقبة والمشاهدة، بأن تعبد ربك كأنك تراقبه وتشاهده في تأديتك الصلاة والزكاة والصوم، فهذه هي المرتبة الأولى.\nوالمرتبة الثانية: إذا ضعفت (فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، أي: أن تعبده على أنه يراك.","vol":"6","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>حكم القول بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دخول فيما لا يعني</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يكفر من يقول عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: إنه تدخل فيما لا يعني؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يكفر؛ لأنه قد يكون جاهلًا، وأما إذا أنكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقال: لسيا من الدين وهو يعلم ذلك، أو جحده أو استهزأ به أو بالنصوص التي فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا كفر وردة، وأما إذا قال ذلك جهلًا فينبه ويبين له ويحذر من هذا الكلام.","vol":"6","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>حكم من يتحاكمون إلى الأعراف دون الشريعة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الحكم فيمن يلجئون إلى أحكام القبائل دون حكم الشريعة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا من أنواع الكفر، فبعض الناس يتحاكمون إلى أعراف وعادات القبائل، فيذهبون إلى شيخ القبيلة ويتحاكمون إليه، فإذا وقع شخص في الزنا ذهبوا إلى شيخ القبيلة فحكم بينهم بالطاغوت، فيقول لهم: الأمر سهل، ائتوا بذبيحة فاذبحوا، ثم يتصالحون، أو يقول: يدفع كذا من الدراهم ويعفى عنه، وكذلك في القتل وما أشبه ذلك، فالحكم بالأعراف والأسلاف والتحاكم إلى الطاغوت من أنواع الكفر الأكبر المخرج من الملة، نعوذ بالله.","vol":"6","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>ضابط الإكراه على الكفر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هو ضابط الإكراه على الكفر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ضابطه ألا يكون له مخرج، وذلك مثل أن يوضع السيف على رقبته ويقال له: اكفر وإلا قتلناك، فهذا هو المكره، فيجوز له أن يتكلم بكلمة الكفر تخلصًا من الإكراه، بشرط أن يكون قلبه مطمئنًا بالإيمان، ولا يضر هذا، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦].\nوأما إذا تكلم بكلمة الكفر وانشرح صدره بالكفر فهو كافر نعوذ بالله من ذلك، فلابد أن يتكلم باللسان تخلصًا من الإكراه وقلبه مطمئن بالإيمان، نسأل الله السلامة والعافية.","vol":"6","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>حكم السلام على الرافضة والشيعة والأكل معهم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أنا مدرس في منطقة ما والغالب على أهلها الرفض والتشيع، فماذا يجب علي من أحكام من حيث الأكل معهم، وهل إذا دخلت عليهم الفصل أسلم عليهم أم أكتفي بالترحيب مع أنني القدوة، أفيدوني أفادكم الله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كانوا يظهرون الإسلام ويخفون كفرهم فإنهم يعاملون معاملة المسلمين، كما كان النبي ﷺ يعامل عبد الله بن أبي وغيره معاملة المسلمين، حتى إنه ﵊ أعطى عبد الله بن أبي قميصه، ونفث عليه من ريقه، وصلى عليه قبل أن ينهى عن ذلك، فلما أراد النبي ﷺكما في صحيح البخاري - أن يصلي عليه أخذ عمر بثوبه وقال: تصلي على المنافق، فقال له النبي ﷺ: (أخر عني يا عمر! فإني خيرت وقيل لي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠]، فلو أعلم أني إذا زدت على السبعين غفر له لزدت على السبعين).\nوإنما قال ذلك ﵊؛ لأنه لم ينه ذلك ولعل الله أن ينفعه، ومراعاة لقومه ولابنه عبد الله بن عبد الله، فإنه كان من أصلح المؤمنين، وأبوه رئيس المنافقين، وهذا قبل أن يُنهى، وأعطاه قميصه مكافأة له على إعطائه قميصًا لعمه العباس لما أسر يوم بدر، ثم بعد ذلك أنزل الله: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨٤]، فلم يصل بعد ذلك على منافق.\nرواه البخاري في صحيحه.\nوهؤلاء إذا كانوا يظهرون الإسلام ولا يظهرون كفرهم فإنك تعاملهم، وأما إذا كانوا يظهرون كفرهم فلا تبدأهم بالسلام إذا كانوا مجتمعين، وأما إذا كان معهم غيرهم فسلم عليهم، ويكون السلام للمؤمنين، فقد ثبت: (أن النبي ﷺ مر على مجلس فيه أخلاط من المؤمنين واليهود وعبدة الأوثان فسلم عليهم).","vol":"6","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>حكم صلاة الجمعة في السفر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  سافرت إلى بلد وحضرت صلاة الجمعة فصليتها مع الجماعة، فقال لي أحدهم بعد عودتي: لا يجوز لك ذلك، ويجب عليك صلاتها ظهرًا، وعليك الآن قضاء الظهر، فأصبحت لا أصلي الجمعة في أسفاري، فما حكم ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه الفتوى خاطئة، والصواب: أن المسافر إذا مر ببلد وصلى معهم الجمعة فإنها تجزئه، ولذلك قال العلماء: إن حضرها مسافر أجزأته، فإذا حضر المسافر والمريض والمرأة صلاة الجمعة أجزأتهم، فالمرأة ليس عليها صلاة جمعة ومع ذلك لو صلت مع الناس الجمعة فإنها تصح منها، وإن صلت في بيتها صلتها ظهرًا أربع ركعات، والمسافر إذا صلى في السفر صلاها ركعتين، وإن صلى مع المقيمين أجزأت، وكذلك المريض الذي لا يستطيع الذهاب إلى المسجد لا تجب عليه الجماعة، وإذا حضر الجماعة أو الجمعة وصلى معهم أجزأت.\nفالمسافر إذا صلى الجمعة مع المقيمين أجزأته وصحت صلاته.","vol":"6","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>حكم التشبه بالكفار في الكلام وغيره</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  سؤال قد تطاول فيه قوم فلم يجدوا لسؤلهم جوابًا فبلغنا كلام الله فيهم وحكم رسوله حقًا صوابًا نرى منا أناسًا أهل رطن بغير كلامنا عجمًا غرابًا يحاكون النصارى بلا اضطرار ويرجون التشبه واقترابًا أجبنا يا رعاك الله فيهم بقول إن أتى فصل الخطابا\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الذي يفهم من هذه الأبيات أنهم قوم يشابهون الكفار من اليهود والنصارى في الرطانة ويحاكونهم ويتشبهون بهم، وهذا حرام من كبائر الذنوب، قال ﵊: (من تشبه بقوم فهو منهم)، قال شيخ الإسلام ﵀: أقل أحواله التحريم وإلا فظاهره الكفر، فيخشى عليهم من هذا التشبه في الظاهر أن يوصلهم إلى التشبه في الباطن، والتشبه بالكفرة في أعمالهم وأقوالهم وعاداتهم وتقاليدهم واحتفالاتهم وموالدهم ورطانتهم إلى غير ذلك، من كبائر الذنوب.\nوأما إذا تشبه بهم حبًا لدينهم فهذه ردة، وأما إذا تشبه بهم وهو لا يحب دينهم فهذه معصية صغيرة، فيخشى أن تتدرج به الحال من تشبه إلى تشبه حتى يصل إلى الكفر نعوذ بالله من ذلك، فنسأل الله السلامة والعافية، وفق الله الجميع إلى حسن الخاتمة، وثبت الله الجميع على الهدى.","vol":"6","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>التحذير من التنقيب عن نيات الناس ومقاصدهم</span>\nبعض الإخوان لما خرجنا من الدرس أمس قال: إن بعض الأسئلة التي أجبت عليها يقصد بها كذا وكذا فلابد أن تنبه، فقلت: أنا أجبت على السؤال ولا أدري من يقصد؟ فقال: هؤلاء يقصدون كذا وكذا، قلت: كيف تدخل هذا الشخص في المقاصد والنيات؟ فمن الذي علمك هذا؟ وهل شققت عن قلبه؟ وهذا يحصل كثيرًا، ففي ببعض الأحيان يقول بعضهم: هذا السائل يقصد فلانًا من العلماء أو من المحدثين، أو يقصد فلانًا من الملوك أو من رؤساء الجمهوريات، فنقول لهذا: كيف تقول هذا الكلام؟ سؤال هذا الأخ واضح ليس فيه أي إشكال وقد أجبنا عليه، فكيف تقول: إن مقصوده كذا وكذا أشققت عن قلبه؟ فهذه من المصائب التي لم تعرف إلا في هذا الزمان، أعني: الدخول في المقاصد والنيات.\nفـ أسامة بن زيد ﵁ لما قتل ذلك الرجل الذي قال: لا إله إلا الله، أنكر عليه النبي ﷺ، وقال: (أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله! إنما قالها متعوذًا يخشى الموت، قال: أشققت عن قلبه؟ كيف تفعل بلا إله إلا الله يوم القيامة إذا جاءت؟ فما زال يكرر ذلك عليه حتى تمنى أنه لم يسلم قبل ذلك اليوم)، وقد نبهت في أول يوم وقلت: ينبغي للإنسان ألا يسأل إلا أسئلة مفيدة، وليترك الأسئلة التي فيها تعنت وإحراج للمسئول، والتي فيها دخول في المقاصد والنيات، فاتقوا الله يا إخوان! فهذا لم يعرف إلا في هذا الزمن.\nلقد انتشرت الآن التحزبات عند بعض الشباب، فترى بعضهم يقول: هذا جهمي، وهذا سروري، وهذا كذا، وهؤلاء تكفيريون يريدون كذا وكذا، فنقول لهؤلاء: هؤلاء إخوانك وزملاؤك فكيف تقول عنهم: إنهم تكفيريون؟ وما هذه التحزبات، فكلكم طلبة علم، وكلكم إخوان، وكلكم من أهل السنة والجماعة، وكلكم درستم التوحيد، فدرستم العقيدة الواسطية، ودرستم الحموية، فكيف هذه التحزبات؟!! فكيف يقول بعضهم: هذا جامي، وهذا تبليغي، وهذا سروري، وهذا تكفيري؟ فينبغي لكم أن تتحدوا وتكون كلمتكم واحدة، فكلكم أهل سنة وجماعة، وكلكم يقول: أنا على معتقد أهل السنة والجماعة، وعلى معتقد الصحابة والتابعين، وعلى ما دلت عليه النصوص من كتاب الله وسنة رسوله، وأنا على عقيدة الرسل والأنبياء والصحابة والتابعين والعلماء، فما هذه التحزبات التي يخشى أن تقضي على كثير من الحسنات؟! فهي سوء ظن واتهامات وتحزبات صرفت الكثير عن طلب العلم.\nفبعض الشباب يريد أن يطلب العلم فيذهب إلى بعض الحلقات فيقولون له: أنت إخواني أم سلفي؟ فإذا كان إخوانيًا فإنهم يطردونه، والعكس أيضًا إذا ذهب إلى آخرين يقولون له: أنت سلفي، ويطردونه، فيبقى في حيرة ولا يدري أين يذهب فهؤلاء ويطردونه وهؤلاء ويطردونه!! فاتقوا الله، وتوبوا إلى الله ﷿، واتركوا هذه التحزبات، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] فهذه التحزبات دخلت فيها أصابع آثمة أرادت تفريق الشباب، وأرادت قتل الصحوة الإسلامية، وفيها أصابع لأعداء الله يريدون من خلالها أن يفرقوا المسلمين، وأن يفرقوا الشباب ويضيعوهم، ويضيعوا عليهم طلب العلم، فلا يجوز للإنسان أن يقول: إن السائل مقصوده كذا وكذا، أأنت تعلم الغيب؟ أشققت عن قلبه؟ هو سأل سؤالًا محددًا فأجبناه عنه، فهل أنت أعرف بالسائل؟ وهل شققت عن قلبه حتى تعرف أنه يريد فلانًا، وأنه يريد رئيس الجمهورية الفلانية، ويريد الملك الفلاني، ويريد المحدث الفلاني؟ فإنه لم يقل شيئًا من هذا في سؤاله.\nفالله تعالى يقول في كتابه العظيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢] ومنه هذا الذي ليس عليه دليل.\nوقال بعض السلف: لا تظن بكلمة خرجت من أخيك شرًا وأنت تجد لها في الخير محملًا، فما دمت تجد لها في الخير محملًا فاحملها على ذلك الخير، وأما أن تحملها على الشر بلا دليل فهذا هو ظن الإثم الذي يحاسب عليه الإنسان، وأما إذا كان هناك دليل على ذلك لا بأس.\nوأما أن تدخل في هذه التحزبات فهذا هو الذي يضيع العلم، وهو يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، ويذهب بركة العلم، ويجعل الناس شيعًا وأحزابًا، وقد أراد الله تعالى من المسلمين أن يكونوا إخوة متحابين فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، وقال النبي ﷺ: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، وقال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا).\nوإذا أشكل عليك شيء، أو اختلفت أنت وأخوك في شيء فاسأل أهل العلم الكبار وقل: ما حكم المسألة الفلانية؟ وأما أن تتهم وتظن ظنًا ليس عليه دليل، أو تدخل في المقاصد والنيات بغير دليل فهذا لا يجوز لك وهو حرام عليك، وأنت بذلك آثم، فاتق الله واحذر.\nفأرجو ألا يتكلم أحد مثل هذا الكلام، واحذروا هذه التحزبات، فكلكم حزب واحد وهو حزب الله، ومن غلط يرد عليه غلطه، ومن أخطأ يرد عليه خطأه، إلا الشخص الذي يظهر بدعة الخوارج أو بدعة المعتزلة أو بدعة الرافضة أو بدعة المرجئة فهذا يقال له: هذه بدعة، وينصح في ترك هذه البدعة، فنسأل الله للجميع التوفيق والسداد، والسلامة والعافية، فسلامة الصدور لها أثر عظيم.\nفقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ كان جالسًا بين أصحابه فقال: يمر عليكم رجل من أهل الجنة، فجاء رجل تنطف لحيته، معلقًا نعليه بيديه، وفي اليوم الثاني والثالث قال النبي ﷺ نفس الكلام فكان يطلع عليهم ذلك الرجل، فصحبه عبد الله بن عمرو وقال: إني لاحيت أبي، وإني أريد أن أبيت عندك إن شئت، فبات عنده ثلاث ليال ولم يجد عنده كثير عمل إلا أنه كان يستيقظ آخر الليل، وكان كلما استيقظ ذكر الله، فلما انتهت الثلاثة الأيام قال: يا أخي! ليس بيني وبين أبي شيء ولكني سمعت النبي ﷺ يقول: يطلع عليكم رجل من أهل الجنة، فطلعت أنت، فأنا أريد أن أعمل مثل عملك، فما هو العمل الذي نلت به هذه المنزلة؟ قال: ما هو إلا ما رأيت، فلما أراد أن يولي قال: إلا أنني أبيت ولا أجد في نفسي شيئًا على أحد من المسلمين.\nفسلامة الصدر لها تأثير عظيم، فهل يصلح أن يحمل طالب العلم في صدره غلًا لأخيه، فيحقد عليه، ويظن به ظن السوء، ويسميه تكفيريًا، وينزل فيه الألقاب السيئة، ويقول: إنه يريد كذا أو يقصد كذا بدون دليل، فهذا حقد وعداوة وبغضاء لا يتصف بها المؤمن فكيف بطالب العلم؟! نسأل الله للجميع السلامة والعافية.","vol":"6","page":19},{"text":"شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-117>[٧]</span>\nالمنافقون يظهرون الإيمان ويخفون الكفر، والله تعالى يعلم بكمائن نفوسهم، وقد بين للرسول ﷺ وللمؤمنين أوصاف المنافقين في سور كثيرة من القرآن، ومن ذلك سورة النور والعنكبوت والأحزاب والحديد والمجادلة والحشر.","vol":"7","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>أوصاف المنافقين في سورة النور</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد قال الله تعالى في سورة النور: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٤٧] إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١]].\nلا يزال المؤلف ﵀ يستعرض الآيات من كتاب الله تعالى سورة سورة في وصف المنافقين، وذلك أن المنافقين -وهم الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر- خطرهم على الإسلام شديد؛ لأنهم عدو ملتبس، يخفي أمره؛ لأنه يعيش بين المسلمين، بخلاف الكافر ظاهرًا وباطنًا فإنه عدو مكشوف لكل أحد، فلهذا أكثر الله من أوصاف المنافقين في كتابه العظيم، قال ﷾ في سورة النور: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٤٧].\nقوله: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ [النور:٤٧] يعني: المنافقين، ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٤٧] أي: أنهم يظهرون الإيمان والطاعة لله ورسوله ولكنهم يعرضون عن حكم الله وعن حكم رسوله، فإذا دعوا إلى التحاكم إلى كتاب الله وإلى رسوله في حياته وإلى سنته بعد وفاته أعرضوا وتولوا، فنفى الله تعالى عنهم الإيمان فقال: ﴿وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٤٧] ففعلهم يناقض قولهم؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٤٧]، فمن تولى عن الأوامر والنواهي فليس بمؤمن، ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل:١٦]، فهذا وصف الكافر أنه يكذب الخبر، ويتولى عن الأمر.\nفهؤلاء يتولون عن الأوامر والنواهي ولا يمتثلون ولا يتحاكمون إلى شرع الله ودينه، ولهذا نفى سبحانه عنهم الإيمان: ﴿وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور:٤٧ - ٤٨] أي: إذا دعوا إلى التحاكم إلى شرع الله فإنهم يتولون عن الأمر، مع أنهم يظهرون الطاعة في الظاهر، ثم قال سبحانه: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ [النور:٥٠] أي: هل في قلوبهم مرض ملازم لهم؟ أم عندهم شك؟ أم يخافون الجور من الله ومن رسوله ﷺ؟ وكل واحد من هذه الثلاثة يدل على نفاقهم وكفرهم.\nفقوله: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [النور:٥٠] أي: مرض الكفر والشك، ﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾ [النور:٥٠] أي: أم في قلوبهم شك وريب، أم يتهمون ربهم ونبيهم بالظلم والجور، وكل هذا كفر وضلال.\nثم بين وصف المؤمنين الخلص فقال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١] فوصف المؤمنين بالسمع والطاعة والامتثال.","vol":"7","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>أوصاف المنافقين في سورة العنكبوت</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ * وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت:١٠ - ١١].\nقوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠] هذا وصف المنافق، فإنه إذا أوذي ارتد عن دينه، ولا يتحمل المحنة والشدة أو الصد عن دينه.\n﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ [العنكبوت:١٠] أي: إن حصل للمسلمين نصر وغنيمة وفتح جاءوا وقالوا: لقد كنا معكم، وطلبوا المشاركة في الغنيمة، وإن حصل نكبة أو هزيمة ارتدوا عن دينهم، وهذا كقوله تعالى في سورة الحج: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج:١١] أي: ارتد عن دينه، فإن أصابه خير من فتح ونصر وغنيمة قال: هذا دين طيب، وإن حصل للمسلمين نكبة أو هزيمة ارتد عن دينه ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١].\nوهنا بين أن المنافق لا يصبر على المحن ولا على الشداد، فإذا أصابته محنة أو شدة فإنه يرتد عن دينه، وإن حصل له مال وغنيمة وسعة ثبت؛ لأنه ليس لديه إيمان يثبت به قلبه، ولكنه كما في الآية الأخرى (على حرف)، نسأل الله السلامة والعافية.\nقال الله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:١٠]، فالله تعالى يعلم ما في صدور العالمين من الإيمان والطاعة، ومن الكفر والنفاق.\nوقال سبحانه: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت:١١] أي: يعلم علم ظهور، فهو سبحانه عالم بحالهم، لكن المعنى: أنه ﷾ يجعل من الأسباب ما يظهر به المنافق للناس ظهور عيان، فالمحن والشدائد والمصائب يتبين بها المؤمن الصابر الثابت على دينه من المنافق الذي ليس عنده إيمان ولا ثبات، فيظهر نفاقه عند المحن والشدائد، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت:١١].","vol":"7","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>أوصاف المنافقين في سورة الأحزاب</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب:١].\nوذكر فيها شأنهم في الأحزاب، وذكر من أقوال المنافقين وجبنهم وهلعهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢] إلى قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:١٨ - ٢٠].\nوقال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٠ - ٦١] إلى قوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٧٣]].\nذكر الله تعالى هذه الآيات في أوصاف المنافقين وفي شأنهم، وهي في سورة الأحزاب، وسميت الأحزاب باسم غزوة الأحزاب التي تحزب فيها الكفار وتجمعوا من كل قوم حتى أحاطوا بالمدينة النبوية؛ للقضاء على الإسلام والمسلمين، قال الله تعالى في أول هذه السورة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب:١].\nقوله: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١] أمر، وإذا كان النبي ﷺ مأمورًا بالتقوى فغيره من باب أولى، وتقوى الله هي جماع الدين، وهي أصل الدين وأساس الملة، قال طلق بن حبيب: تقوى الله أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله.\nفاجعل بينك وبين النار وغضب الله وقاية بالتوحيد وأداء الواجبات وترك المحرمات.\nوقوله: ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب:١] نهى عن طاعة الكفار والمنافقين، وهذا يراد به التنبيه بالأعلى على الأدنى، أي: إذا كان النبي ﷺ وهو المعصوم يوجه إليه هذا الخطاب فغيره من باب أولى، فالمؤمنون مأمورون بتقوى الله، ومأمورون بألا يطيعوا الكافرين والمنافقين، ومأمورون بالتوكل على الله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب:٣].\nثم بين الله ﷾ في هذه السورة أنه في وقت الشدائد والمحن في غزوة الأحزاب ظهر النفاق، وذلك أن غزوة الأحزاب حصل فيها محن وشدائد على المؤمنين، ورمتهم العرب عن قوس واحدة، وذلك أن بعض رؤساء اليهود ذهبوا إلى كفار قريش وحرضوهم على قتال النبي ﷺ وواعدوهم بأن يساعدوهم، وذهبوا إلى غيرهم من القبائل فاستجابوا لهم وتحزبوا وتجمعوا.\nفجاءت قريش بقيادة أبي سفيان، وجاءت غطفان وغيرهم من العرب، وكان في المدينة ثلاث قبائل من اليهود قد صالحهم النبي ﷺ، وهم: بنو قينقاع، وبنو قريظة، وبنو النضير، فنقضت بنو النضير العهد فأجلوا، ونقضت بنو قريظة أيضًا، فكانت هذه الأيام شديدة على المسلمين.\nولكن الله ﷾ بعد ذلك فرج كربة المؤمنين، ونصرهم بالملائكة والريح بجنود لم يرها المسلمون؛ بسبب تقواهم، تحقيقًا لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق:٢]، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق:٤].\nولهذا خاطب الله المؤمنين وأمرهم بأن ينصروا الله، وذكر نعمته عليهم حيث نجاهم من عدوهم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ [الأحزاب:٩]، وهم جنود من الكفرة من جميع القبائل ومعهم قريش، ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب:٩] أي: جنودًا من الملائكة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب:٩ - ١٠]، فبعضهم نزل في أسفل المدينة وبعضهم نزل في أعلاها.\nوأمر النبي ﷺ بحفر الخندق لما سمع بقدوم قريش، وكان ذلك بإشارة من سلمان الفارسي، فأمر بحفر الخندق حول المدينة؛ حتى لا تقتحمه الخيول.\n﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب:١٠] أي: من شدة هذا الأمر، ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:١٠ - ١١].\nوبعد ذلك ذكر أهل النفاق فقال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢].\nوذلك أن بعض المنافقين قال: أين محمد الذي يعدنا بأن نأكل من خزائن كسرى وقيصر وأحدنا لا يستطيع أن يذهب إلى الخلاء من شدة الخوف؟! ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ [الأحزاب:١٣] يعني: المنافقين، ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب:١٣] قال الله: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب:١٣].\nثم قال: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ [الأحزاب:١٤] يعني: المدينة ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ [الأحزاب:١٤] أي: لارتدوا وسارعوا إلى الكفر.\nثم قال: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا * قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا * قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب:١٥ - ١٧]، فكل هذه من أوصاف المنافقين.\nثم قال سبحانه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب:١٨] أي: أنهم يعوقونهم ويثبطونهم، ﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:١٨] أي: الحرب والقتال، ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ [الأحزاب:١٩] أي: إذا ذهب الخوف والحرب والقتال صاروا أشحاء وبلغاء يتكلمون بكلام فصيح بليغ، فيطالبون بحقوقهم والمشاركة في الغنيمة، فإذا جاء الخوف والحرب ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب:١٩]، قال الله: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأحزاب:١٩] أي: بكفرهم وضلالهم ونفاقهم، ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب:١٩].\nثم قال سبحانه: ﴿يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ﴾ [الأحزاب:٢٠]، وهذه من شدة هلعهم وخوفهم، فقد ارتحل الأحزاب وذهبوا ولكن هؤلاء من شدة خوفهم لا يزالون هلعين خائفين، ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ [الأحزاب:٢٠] أي: أنهم إذا جاء الأحزاب يتمنون أنهم ليسوا في المدينة بل خارج المدينة في البوادي، فيسمعون الأخبار وماذا حصل للمسلمين، وهذا من شدة خوفهم، ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا * لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢٠ - ٢١].\nفهذه أوصاف المنافقين بينها الله لنا لنحذرها، فالمؤمن يرجو ثواب الله والدر الآخرة، لذلك تجد عنده شجاعة وإقدامًا، وقوة وثبات قلب، وليس كالمنافقين الهلعين الخائفين، ولهذا وصف الله المؤمنين فقال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا ع","vol":"7","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>أوصاف المنافقين في سورة محمد</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى في سورة القتال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٢٩ - ٣٠] إلى ما في السورة من نحو ذلك].\nهذه الآيات في سورة القتال ويقال لها: سورة محمد.\nيقول الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ [محمد:٢٩]، هذا المرض هو مرض النفاق والشك والشبهة، وهو أشد من مرض الشهوة، ومرض الشهوة هو مرض المعاصي، ومرض الشبهة هو مرض القلب ومرض الشك والريب والنفاق.\n﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ [محمد:٢٩]، بل إن الله تعالى سيخرج أضغانهم، ويبين صفاتهم لعباده المؤمنين، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [محمد:٣٠] ولكنه ﷾ أخفى ذلك؛ لتكون الأحكام على الظاهر، وتوكل السرائر إلى الله ﷿.\n﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠] أي: قد يظهر من أقوالهم ما يدل على ما تخفيه بواطنهم، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٠].\nثم قال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١] أي: أن الله تعالى يختبر عباده في السراء والضراء والمحن والشدائد؛ حتى يتميز الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق كما قال سبحانه في آية العنكبوت: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت:١١].","vol":"7","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>أوصاف المنافقين في سورة الفتح</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى في سورة الفتح: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا * وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح:٤ - ٦]].\nهذه الآيات في سورة الفتح، وقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١] المراد بالفتح هنا: صلح الحديبية، وسمي فتحًا لأنه مقدمة الفتح، فلما عقد النبي ﷺ الهدنة والصلح بينه وبين الكفار عشر سنين تضع الحرب فيها أوزارها اختلط الكفار بالمسلمين، فلما سمعوا كلام الله وكلام رسوله أسلم منهم عدد كبير، وتفرغ النبي ﷺ لفتح خيبر، فحصل خير عظيم، ثم نقضت قريش العهد بعد سنتين، فغزاهم النبي ﷺ وفتح مكة، وسماه الله فتحًا.\nوجاء في بعض الأحاديث: (أن النبي ﷺ سئل أفتح هو؟ قال: نعم)، ولهذا قال الله سبحانه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١] وهو صلح الحديبية، ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢].\nوقال فيها سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٤ - ٥]، ثم قال سبحانه: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ [الفتح:٦]، فهذا جزاء المنافقين والمشركين، ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح:٦]، وظن السوء هذا جاء تفسيره بأنهم ظنوا أن الله تعالى لا يحفظ رسوله والمؤمنين، وأن النبي ﷺ سيقتل ويقضى على الإسلام والمؤمنين فلا تبقى للإسلام قائمة، فهذا هو ظن السوء.\nفمن كان يظن أن الحق سيقضى عليه، وأن الله يديل الباطل على الحق إدالة مستمرة ينتهي معها الحق ولا يبقى إلا الباطل فقد ظن بالله ظن السوء؛ لأن الله تعالى وعد أنه سينصر دينه، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣]، فلابد أن يظهر هذا الدين، ولهذا جاء في الحديث: (ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك بيت مدر ولا شعر إلا أدخله بعز عزيز أو بذل ذليل).\nوثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ﵎).\nفالحق لابد أن يبقى، والطائفة المنصورة باقية إلى قيام الساعة، لكن هذه الطائفة تقل أحيانًا وتكثر أحيانًا، وتكون مجتمعة أحيانًا وتكون متفرقة أحيانًا أخرى، فقد تكون مثلًا في بعض الأزمنة في الجزيرة العربية، وقد تكون في الشام، وقد تكون في مصر، وقد تكون في إفريقيا، وقد يكون بعضها هنا وبعضها هناك، وفي آخر الزمان قبيل خروج الدجال تكون في الشام، وقبيل خروج المهدي تحصل الفتن، فأهل الحق يجتمعون في الشام بعد الحروب الطاحنة التي تحصل لهم، وبعد فتح القسطنطينية يخرج الدجال، ثم ينزل عيسى بن مريم ﵊.\nقال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح:٦] أي: سيعود وبال ظنهم عليهم، فهذا الظن كفر، فمن ظن بالله هذا الظن فقد ظن بالله ظن السوء، فعليه دائرة السوء، وغضب الله عليه ولعنه وأعد له جهنم وساءت مصيرًا.\nفالواجب على المسلم أن يظن بالله الظن الحق وأن يحسن الظن بربه، وأن يعلم أن هذا الدين لابد أن ينتصر، وأن الله لابد أن يظهر دين الإسلام، وفي الحديث القدسي الصحيح يقول الرب ﷿: (أنا عند ظن عبدي فليظن بي ما شاء) أو كما جاء في الحديث.\nوهذا فيه تحذير لنا من صفات المنافقين، ولهذا بين هذا الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه في كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، وذكر هذه الآية: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح:٦] قال: هو أن يظن بالله أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستمرة، وأنه لا يبقى على الحق أحد.\nقال: (ولو فتشت من فتشت لوجدت عنده تعنتًا على القدر واعتراضًا عليه، وأنه ينبغي أن يكون كذا، ولماذا يكون كذا؟) فبعض الناس يعترض على الله: أنه لماذا يكون كذا؟ ولماذا يقدر كذا؟ ولماذا يعطي هذا؟ ولماذا يجعل هذا غنيًا؟ ولماذا يجعل هذا فقيرًا؟ ثم قال الشيخ ﵀: (وفتش نفسك هل أنت سالم)، أي: فتش نفسك هل أنت سالم من هذه الظنون السيئة أو غير سالم.\nفإن تنج منها تنج من ذي عظيمة وإلا فإني لأخالك ظالما.\nيعني: كل واحد يفتش نفسه ويتفقد حاله من هذه الظنون السيئة بالله.\nومن الظنون السيئة: الاعتراض على الله وعلى قدره وعلى إنعامه على من أنعم عليه، والله تعالى ذكر صفات المنافقين هذه لنحذرها.","vol":"7","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>أوصاف المنافقين في سورة الحديد</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى في سورة الحديد: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحديد:١٢ - ١٥]].\nهذه الآيات فيها بيان حال المؤمنين وحال المنافقين، ففيها حال المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله باطنًا وظاهرًا، واستقاموا على توحيد الله وطاعته، وفيها حال المنافقين الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، ودبروا الحيل والمكائد في الدنيا للقضاء على الإسلام والمسلمين، فماذا كان حالهم؟ وماذا كانت نتيجتهم؟ لقد كانت النتيجة أن الله تعالى نجى المؤمنين من شدائد يوم القيامة وأهوالها، فحصلوا على الفوز العظيم، والنعيم المقيم، وأما المنافقون فإن نفاقهم وكفرهم خذلهم في أحرج المواقف، وانطفأ نورهم وصاروا في الظلمات، ثم سيقوا إلى الجحيم والدركات في النار، نسأل الله السلامة والعافية، فبين الله حالهم ومآلهم فقال: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد:١٢] أي: أمامهم، فيمشون في النور، فلما كانوا صادقين في إيمانهم صار هذا النور المعنوي في الدنيا نورًا حسيًا حقيقًا في الآخرة، فيكون أمامهم ويكشف لهم الطريق؛ ليمشوا على بصيرة، ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الحديد:١٢] فتبشرهم الملائكة بذلك.\nوأما المنافقون فقال عنهم: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾ [الحديد:١٣] أي: يمشى المنافقون والمؤمنون جميعًا في النور، ثم ينطفئ نور النفاق، فالمنافقون لا يزالون في خداعهم فيظنون أنهم مع المؤمنين، فلما كانوا مع المؤمنين في الدنيا ظنوا أن هذا سينفعهم في الآخرة، فمشوا معهم يوم القيامة فانطفأ نورهم، وبقي نور المؤمنين مضيئًا، فقالوا للمؤمنين: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣] أي: اصبروا وانتظرونا فليس عندنا نور، فقال لهم المؤمنون: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ﴾ [الحديد:١٣] أي: فصل بينهم وبين المؤمنين ﴿بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ [الحديد:١٣] أي: من قبل المؤمنين، ﴿وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣] من قبل المنافقين، ثم سوقوا إلى النار عياذًا بالله، فهذا جزاؤهم بسبب كفرهم وعنادهم.\nقوله: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [الحديد:١٤] أي: لما انطفأ نور المنافقين وضرب بينهم بسور جعل المنافقون ينادون المؤمنين، فليس لديهم الآن إلا النداء: ألم نكن معكم في الدنيا فكنا نصلي معكم، ونصوم معكم، ونجاهد معكم؟ فما الذي حصل؟ ولماذا افترقنا؟ ﴿قَالُوا بَلَى﴾ [الحديد:١٤] أي: كنتم معنا، ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد:١٤] فلستم على استقامة، ولستم على إيمان، ولستم على توحيد.\n﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحديد:١٥]، لا يمكن أن تفدوا أنفسكم من عذاب الله لا أنتم ولا الكفار ظاهرًا وباطنًا، ﴿مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحديد:١٥]، فهذه عاقبة الكفار والمنافقين، نسأل الله السلامة والعافية.","vol":"7","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>أوصاف المنافقين في سورة المجادلة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى في سورة المجادلة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة:٨] إلى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة:١٤ - ١٦] إلى آخر السورة.\nوقوله: ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ﴾ [المجادلة:١٤]].\nهذه الآيات من سورة المجادلة في صفات المنافقين، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [المجادلة:٨].\nفنهاهم الله عن النجوى والتناجي بالسر؛ لأن الكفار قد يتناجون بالكلام فيما بينهم بما فيه مضرة على المسلمين، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، فلم ينته هؤلاء المنافقون عن ذلك؛ عصيانًا لله ولرسوله، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ﴾ [المجادلة:٨] أي: أنهم استمروا في تلك الخصلة الذميمة، ﴿بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المجادلة:٨] أي: بما فيه إثم ومعصية، وبما فيه عدوان على المسلمين في دمائهم أو أموالهم أو أعراضهم.\nقوله: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ﴾ [المجادلة:٨] الخطاب للرسول ﵊، ﴿حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة:٨].\nوهذا في المنافقين من اليهود، فإنهم إذا جاءوا إلى ﷺ يظهرون أنهم يسلمون عليه فيقولون: السام عليك، فيحذفون اللام، والسام هو الموت.\nوكان يرد عليهم فيقول: وعليكم، فسمعتهم عائشة! من وراء الحجاب فقالت: وعليكم السام واللعنة، فقال النبي ﷺ: (يا عائشة إن الله يبغض الفحش والتفحش، فقالت: يا رسول الله! ألم تسمع ما قالوا؟ قال: ألم تسمعي ما قلت: وعليكم، فرددت عليهم تحيتهم، فإنها تقبل منا ولا تقبل منهم).\nقوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة:٨] أي: لو كان نبيًا لعذبنا الله على مقولتنا له، فأنزل الله: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [المجادلة:٨] أي: مصيرهم، وبئس المقام مقامهم.\nوقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ﴾ [المجادلة:١٤] وهذا وصف المنافقين على الصحيح، والذين غضب الله عليهم هم اليهود، فالمنافقون يتولونهم من دون المؤمنين، ويحبونهم وينصرونهم ويؤيدونهم، وموالاة الكفار ومحبتهم لدينهم كفر وردة، وقد وقع هذا من المنافقين، فإنهم يتولون اليهود الذين وصفهم الله بقوله: ﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المجادلة:١٤].\nقوله: ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ [المجادلة:١٤] أي: أن المنافقين ليسوا من المؤمنين، ﴿وَلا مِنْهُمْ﴾ [المجادلة:١٤] أي: وليسوا من اليهود، بل هم صنف ثالث.\nومن أوصافهم: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة:١٤] أي: يحلفون على الكذب وهم يعلمون أنه كذب نعوذ بالله، فالله تعالى قص علينا خبرهم ونبأهم وبينا لنا أوصافهم لنحذرها، فالواجب على المسلم أن يحذر من تولي الكفرة واليهود، ويحذر من الحلف على الكذب.\nقوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة:١٥ - ١٦] أي: جعلوا أيمانهم سترة في إخفاء كفرهم ونفاقهم، فإذا جاءوا إلى النبي حلفوا له، وكان النبي ﷺ يقبل ظواهرهم ويكل السرائر إلى الله، فلما تخلفوا عن غزوة تبوك جاءوا النبي ﷺ فحلفوا له أنهم لا يستطيعون، وأن لهم أعذارًا، فقبل النبي ﷺ ظواهرهم وحالهم، ووكل سرهم إلى الله، فهم اتخذوا أيمانهم جنة وسترة يتسترون بها لإخفاء كذبهم وكفرهم ونفاقهم، ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المجادلة:١٦] أي: بذلك ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة:١٦] * ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المجادلة:١٧] أي: لا تنفعهم أموالهم ولا أولادهم يوم القيامة، بل سيخلدون في النار، ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة:١٨] أي: أنهم يوم القيامة إذا بعثوا فإنهم يبقون على كذبهم وخداعهم، فيحلفون أمام الله ﷿ أنهم صادقون كما يحلفون للمؤمنين في الدنيا، ويظنون أن هذا ينفعهم.\n﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة:١٩] أي: توحيده وطاعته، ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة:١٩].\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة).\nأي: أن المنافقين مذبذبون، فلهم ظاهر ولهم باطن، فظاهرهم مع المؤمنين وباطنهم مع الكفار، لذا شبههم النبي ﷺ بالشاة بين الغنمين، فهي مرة تذهب مع هذه الغنم ومرة تذهب مع الغنم الأخرى، فليس عندها ثبات، وكما قال الله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ [النساء:١٤٣] أي: لا إلى المؤمنين ولا إلى الكفار، فمرة مع المؤمنين ومرة مع الكفار، فهم يخافون وعندهم ذعر يقولون: نجعل يدًا مع المؤمنين ويدًا مع الكفار.\nقال تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ [النساء:١٤٣] لا إلى المؤمنين ولا إلى الكفار، فهم مرة مع المؤمنين ومرة مع الكفار، وعندهم ذعر وخوف، فهم يقولون: نكون مع المؤمنين، فإن انتصر المؤمنون شاركناهم في الغنيمة، وكنا معهم، وإن انتصر الكفار صرنا معهم، فليس عندهم ثبات، ولا إيمان، وهذا فيه تحذير من صفات المنافقين، وفيه حث على الإيمان والثبات والاستقامة.","vol":"7","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>أوصاف المنافقين في سورة الحشر</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى في سورة الحشر: ﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ * لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر:١١ - ١٣]].\nهذه الآيات في سورة الحشر، يقول الله ﷾ فيها: ﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [الحشر:١١]؛ ولأنهم منافقون ﴿يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحشر:١١] وهم اليهود.\nوذلك أن عبد الله بن أبي وغيره من المنافقين جاءوا إلى يهود بني قريظة، وحرضوهم على نقض العهد، وقالوا لهم: نحن معكم؛ إن قاتلكم محمد قاتلنا معكم، وإن أخرجكم خرجنا معكم، فهؤلاء المنافقون يمنون اليهود بهذا الكلام، وهم أجبن من أن يقاتلوا؛ ولهذا أنزل الله فيهم قوله: ﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ [الحشر:١١] يعني: من المدينة ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ [الحشر:١١] فبين كذبهم بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [الحشر:١١ - ١٢]، وهذا وصف المنافقين بأنهم كذبة.\nوعندما أخرج اليهود لم يخرجوا معهم، بل ما استطاعوا الخروج، ولما حاصر النبي ﷺ بني قريظة لم ينصروهم، ولا قربوا منهم، فهم يخشون على أنفسهم، ولو قاتلوا على الفرض والتقدير، لولوا منهزمين، قال الله تعالى في وصفهم: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر:١٣]، هذا وصف المنافقين بأنهم يخشون المؤمنين ويخافونهم أشد من خوفهم من الله؛ لأنهم ليس عندهم إيمان، فلو كان عندهم إيمان لخافوا الله، ولكنهم يخافون من المؤمنين أن يطلعوا على ما في نفوسهم من النفاق فيقتلونهم، ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الحشر:١٣].\nثم ذكر الله من أوصاف اليهود، فقال: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر:١٤]، وهذا الوصف هو أنهم لا يقاتلون، وهنا وصف بالجبن والهلع، فلا يقاتلون إلا في قرى محصنة أي: من وراء حصون، ولا يبرزون إلى الصحاري؛ لأنهم لا يؤمنون ولا يرجون الشهادة، ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ * كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الحشر:١٤ - ١٥].\nثم ضرب الله مثلين، مثلًا بالذين من قبلهم من الذين ذاقوا وبال أمرهم، والمثل الثاني هو الشيطان في قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر:١٦].\nأي: ومثل المنافقين عندما يحرضون المنافقين على نقض العهد ويقولون لهم: إننا معكم، وهم يكذبون في ذلك، فلما نقضوا العهد تركوهم، فمثلهم هذا كمثل الشيطان عندما دعا الإنسان للكفر؛ فلما كفر تبرأ منه.\nوقد جاء في سبب نزول هذه الآية: أنها نزلت في عابد جاءه الشيطان، فلم يزل به حتى زنى بامرأة وحملت، ثم قتل الولد، فأخذ وصلب، فجاءه الشيطان وقال له: أنا الذي فعلت بك كذا وكذا، وأنا الذي أخلصك إذا فعلت شيئًا واحدًا، قال: وما هو؟ قال: تومئ لي برأسك بالسجود، فأومأ له برأسه بالسجود، فقال: أنا بريء منك، فتبرأ منه، فأنزل الله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر:١٦].\nووجه الشبه أن المنافقين قالوا لليهود: انقضوا العهد، وقاتلوا محمدًا ونحن معكم، فلما نقضوا العهد تبرءوا منهم، وهذا المثل ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر:١٦ - ١٧]، نسأل الله السلامة والعافية.\nوقد ذكر الله هذه الأوصاف تحذيرًا لنا؛ لئلا يصيبنا ما أصابهم.","vol":"7","page":9},{"text":"شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-126>[٨]</span>\nالآيات القرآنية الواردة في ذكر صفات المنافقين كثيرة، بل أنزل الله سورة كاملة باسمهم وبين فيها صفاتهم، وقد صار الفقهاء يطلقون مصطلح الزنديق على المنافق، وذلك لما كثر المسلمون من العجم وتداولوا هذا المصطلح، واختلف الفقهاء في حكم الزنديق وقبول توبته.","vol":"8","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>أوصاف المنافقين في سورة المنافقون</span>","vol":"8","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>المنافقون يظهرون خلاف ما يبطنون</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد ذكر في سورة المنافقين قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] إلى آخر السورة، والمقصود بيان كثرة ما في القرآن من ذكر المنافقين وأوصافهم].\nذكر الله تعالى سورة كاملة في شأن المنافقين تسمى سورة المنافقين، بين الله تعالى فيها أوصافهم وأخلاقهم؛ تحذيرًا لعباده المؤمنين أن يتصفوا بصفاتهم، قال سبحانه: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون:١] وهم الذي كفروا في الباطن، وأظهروا الإسلام في الظاهر ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون:١] هذا قولهم باللسان ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] إذًا: لهم ظاهر وباطن، ظاهرهم الشهادة لله تعالى بالوحدانية باللسان، وكذلك الشهادة لرسول الله ﷺ بالرسالة، وأما في الباطن فقلوبهم مكذبة.\n﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة:١٦] أي: اتخذوا أيمانهم وقاية يتقون بها العقوبات التي تصيبهم في الدنيا، فكلما فعلوا شيئًا حلفوا أيمانًا أنهم ما فعلوا فيسلمون من العقاب؛ لأن الأحكام إنما تكون على الظاهر، والسر تكله إلى الله، فجعلوا أيمانهم وقاية.\nوهذا فيه تحذير للمؤمن من الأيمان، فنجد بعض المؤمنين يحلف ولا يبالي، وهذه من صفات المنافقين، وبئسما صنعوا، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون:٣] آمنوا: عرفوا الحق، ووضح لهم، ثم كفروا، فلما كفروا بعد وضوح الحق عوقبوا بأن طبع الله على قلوبهم، فجعل عليها غلافًا كالطابع.\nوفي آية أخرى أخبر عنهم سبحانه بقوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة:٨٨] أي: إذًا قلوبهم عليها غلاف وطابع وختم؛ بسبب تركهم الحق، وإعراضهم عنه بعد وضوحه، كما قال تعالى عن أهل القرى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] فقد أزاغ الله قلوبهم بسبب زيغهم وتركهم الحق بعد وضوحه.\nوقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام:١١٠] ومن أوصافهم أنهم ممن يعجبك منظرهم، وأيضًا كلامهم معسول وبليغ وفصيح، لكن القلوب خراب ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] أي: خاوية ليس فيها شيء فهي جوفاء.\n﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون:٤] وذلك بسبب ما في قلوبهم من الهلع، يظنون كل أمر وبلاء ينزل نازلًا بهم، ويرون أن كل حادثة هي عليهم؛ بسبب ما في قلوبهم من الريب والزيغ.\nقال الله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون:٤] أي: هم العدو الحقيقي اللدود، شديد العداوة، وإن كان اليهود أعداء، والنصارى أعداء، لكن هؤلاء أشد عداوة؛ ولهذا قال: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون:٤].","vol":"8","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>المنافقون يرفضون استغفار الرسول لهم</span>\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون:٥] أي: ومن صفاتهم أنهم ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون:٥] فإذا جاء الرسول ليستغفر لهم لووا رءوسهم كأنهم لا يحتاجون؛ لما في قلوبهم من الكفر والنفاق، فإذا استغفر لهم أعرضوا وصدوا ولم يقبلوا ﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون:٥].\nقال تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المنافقون:٦] يعني: ما داموا على كفرهم ونفاقهم؛ فلن يجدوا المغفرة، حتى ولو استغفر لهم الرسول ﵊.","vol":"8","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>المنافقون يصدون الناس عن الرسول</span>\nقال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون:٧] أي من أوصافهم أنهم يقولون لبعضهم البعض: لا تنفقوا على المؤمنين، ولا تبذلوا أموالكم، بل اتركوهم في حاجتهم وفقرهم، حتى ينفضوا عن النبي ﷺ ويتركوه، فلا يبقى عنده أحد، وهذا من ظنهم السيئ أن الإسلام سينتهي، فهم يقولون: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [المنافقون:٧] أي: من الصحابة لعلهم ينفضون عنه ويتركونه ولا يبقى معه أحد.\nفقال الله ردًا عليهم: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون:٧]، أي: إذا منعتم النفقة أنتم، فإن الله له خزائن السموات والأرض، فالرزق بيد الله.","vol":"8","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>سبب نزول قوله تعالى (يقولون لئن رجعنا)</span>\nوذكر الله من أوصافهم قوله: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨].\nوهذه الكلمة قالها عبد الله بن أبي عندما حصل نزاع بين بعض المهاجرين وبعض الأنصار، والمهاجرون هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، والأنصار هم الذين نصروهم واستقبلوهم في المدينة حتى أعز الله المسلمين.\nوالنزاع الذي حدث بين بعض الشباب من الأنصار والمهاجرين أن مهاجريا كسع أنصاريًا، فتنادى هؤلاء وهؤلاء، وبلغ ذلك عبد الله بن أبي، فقال: أوفعلوها، وقال: ما حالهم إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك! يعني: جئنا بهم إلى المدينة والآن صاروا ضدنا.\nثم قال: والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ويقصد بالأعز نفسه، وبالأذل الرسول ﷺ وأصحابه.\nفسمعها زيد بن أرقم، فأنزل الله: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨]، ولما سمع عبد الله بن أبي ابنه عبد الله، وكان من أصلح عباد الله، جاء ووقف أمام أبيه بالسيف، وقال: والله لا تدخل المدينة؛ حتى تكون أنت الأذل والرسول هو الأعز! وجاء إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله! إني سمعت أنك تقتل عبد الله -يعني أباه- وإني لا أستطيع أن أرى قاتل أبي، ولكن إن أردت قتله، فأمرني أن آتيك برأسه! فقال: النبي ﷺ: لا، نستبقيه؛ حتى لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، فأنزل الله قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨] أي: ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين أبدًا دائمًا إلى يوم الدين، رغم أنوف الكافرين والمنافقين، واليهود والنصارى، ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨] أي: لا يعلمون أن العزة باقية لله ولرسوله وللمؤمنين.\nفنسأل الله أن يعزنا بطاعته، ونسأل الله أن يعز الإسلام وأهله، وأن يذل الشرك وأهله، وأن يخذل الكفار والمنافقين ويهلكهم، ويقطع دابرهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.","vol":"8","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>مسائل متعلقة بالمنافقين</span>\nقال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه، ونور ضريحه: [والمنافقون هم في الظاهر مسلمون، وقد كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يلتزمون أحكام الإسلام الظاهرة -لاسيما آخر الأمر- ما لم يلتزمه كثير من المنافقين الذين من بعدهم؛ لعز الإسلام وظهوره إذ ذاك بالحجة والسيف، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣]].\nيقول المؤلف: (والمنافقون هم في الظاهر مسلمون)، هذا هو المنافق، والمنافق: هو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، فهم في الظاهر مسلمون وفي الباطن منافقون، وهم كفرة؛ لأنهم شاركوا الكفار في الكفر، وزادوا عليهم بالخداع، حيث أظهروا الإسلام، ولهذا كانت عقوبتهم أشد، وعذابهم كذلك أشد في الآخرة.","vol":"8","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>العلة في التزام المنافقين حال قوة المسلمين</span>\nوذكر المؤلف ﵀ أن المنافقين صاروا يلتزمون بأحكام الإسلام الظاهرة، ولا سيما في آخر الأمر لما قوي المسلمون، وظهر الإسلام، وأعز الله رسوله والمؤمنين، فصاروا يلتزمون بأحكام الإسلام الظاهرة ولا يخالفونها؛ خوفًا من سطوة الإسلام والمسلمين عليهم لو أظهروا كفرهم ونفاقهم، فالتزموا بأحكام الإسلام ما لم يلتزمه كثير من المنافقين الذين من بعدهم؛ لأن قوة الإسلام عند النبي ﷺ والصحابة أقوى منها فيمن بعدهم.\nوإذا قوي المسلمون التزم المنافقون بأحكام الإسلام في الظاهر، وإذا ضعف المسلمون ضعف التزام المنافقين بأحكام الإسلام، وصاروا يظهرون حقيقتهم، فالمنافقون يتحينون الفرص؛ ليظهروا ما يخفون من الكفر والنفاق.\nفإن كان الإسلام قويًا، وكان المسلمون أقوياء يقيمون الحدود، فحينئذ يلتزم المنافقون بأحكام الإسلام؛ خوفًا من أن تقطع رقابهم، وأن تؤخذ أموالهم.\nولهذا بين المؤلف ﵀ بأن المنافقين التزموا بأحكام الإسلام في الظاهر، في عهد النبي ﷺ في آخر الأمر، وذلك لعز الإسلام وظهوره إذاك بالحجة والسيف، فالإسلام قوي بالحجة والبرهان والبيان، والمسلمون أقوياء يظهرون الإسلام ويبينون محاسنه، ويبينون وجوب التزامه، فلا يستطيع المنافقون أن يقابلوا الحجة بالحجة، إذ ليس عندهم حجج.\nوكذلك كان المسلمون لهم الغلبة بالسيف والقوة والسلطان، فمن أظهر النفاق قتل؛ فلهذا صار المنافقون يلتزمون أحكام الإسلام، حتى لا تقام عليهم الحدود.\nيقول المؤلف: [وتحقيقًا لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣]].\nأي: أن الله تعالى وعد في هذه الآية الكريمة، بأنه مظهر دينه على الدين كله، وعلى جميع الأديان، وقد وقع ذلك.","vol":"8","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>إطلاع الله لنبيه على أسماء المنافقين</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا قال حذيفة بن اليمان ﵁، وكان من أعلم الصحابة بصفات المنافقين وأعيانهم، كان النبي ﷺ قد أسر إليه عام تبوك أسماء جماعة من المنافقين بأعيانهم؛ فلهذا كان يقال هو صاحب السر الذي لا يعلمه غيره].\nحذيفة بن اليمان ﵁، أسر إليه النبي ﷺ ببعض أسماء المنافقين، فكان من أعلم الصحابة بصفات المنافقين وأعيانهم، فكان يقال: هو صاحب السر الذي لا يعلمه غيره، كما روى ذلك البخاري في صحيحه وأحمد في مسنده وابن حبان والنسائي عن أبي الدرداء قال: أليس فيكم صاحب السر، الذي لا يعلمه غيره؟ يعني: حذيفة.","vol":"8","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>قاعدة في الصلاة على موتى المنافقين ونحوهم</span>\nقال المؤلف ﵀: [ويروى أن عمر بن الخطاب ﵁، لم يكن يصلي على أحد حتى يصلي عليه حذيفة ﵁؛ لئلا يكون من المنافقين الذين نهى الله تعالى عن الصلاة عليهم].\nوذلك لأن الله تعالى نهى عن الصلاة عليهم بقوله: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨٤] وهذه الآية فيها النهي عن الصلاة على الكفار، وقد ذكر الله تعالى العلة في ذلك قال: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٨٤] فمن علم كفره فلا يصلى عليه، ومن لم يعلم كفره فإنه يصلى عليه ولو كان فاسقًا، إلا أنه جاء في بعض الأحاديث أن النبي تأخر عن الصلاة على بعض الفساق، كالغال من الغنيمة، والقاتل نفسه، وغيرهم ممن جاء النص بأنه لا يصلى عليه، فإنه لا يصلي عليهم أعيان الناس ووجهاؤهم وعلماؤهم، ولكن يصلي عليهم بقية الناس؛ ليكون في ذلك تحذير للأحياء من أن يفعلوا ذلك فلا يصلى عليهم، ولكن يصلي عليه عامة المسلمين؛ لأنه مسلم.\nوالقاعدة في هذا: أنه من علم كفره فإنه لا يصلى عليه، ومن لم يعلم كفره فإنه يصلى عليه؛ لهذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤] ثم ذكر العلة فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨٤].\nفكان عمر ﵁ لا يصلي على أحد حتى يصلي عليه حذيفة، خشية أن يكون من المنافقين الذين نهى الله عن الصلاة عليهم، فإذا صلى حذيفة على شخص صلى عليه عمر؛ لأن حذيفة صاحب السر، أي: الذي أسر إليه النبي ﷺ بأسماء المنافقين وأعيانهم.","vol":"8","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>خطورة النفاق</span>\nقال المؤلف ﵀: [قال حذيفة ﵁: النفاق اليوم أكثر منه على عهد رسول الله ﷺ، وفي رواية: كانوا على عهد النبي ﷺ يسرونه، واليوم يظهرونه].\nوهذا رواه البخاري في الفتن، ورواه ابن أبي شيبة أيضًا في الفتن، وأبو نعيم في الحلية، والفريابي في صفة النفاق.\nوكونهم يسرونه على عهد النبي ﷺ؛ فذلك لقوة الإسلام وعزه بالحجة والسيف.\nوأما بعد ذلك فإن المسلمين حصل لهم بعض الضعف، فصار المنافقون يظهرون النفاق، وكذلك الآن في هذا الزمن تجد بعض المنافقين وبعض العلمانيين يظهرون نشاطهم في الصحف وفي المجلات إذا أمنوا إقامة الحدود، وإن خافوا أن تقام عليهم الحدود تجدهم إما أن يعتذروا وإما أن يؤولوا.","vol":"8","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>خوف السلف من النفاق</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وذكر البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن ابن أبي مليكة قال: أدركت ثلاثين من أصحاب محمد ﵌ كلهم يخاف النفاق على نفسه].\nهذا الأثر ذكره البخاري أيضًا في صحيحه في كتاب الإيمان تحت هذه الترجمة: باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر.\nوقال إبراهيم التيمي: (ما عرضت قولي على عملي، إلا خفت أن أكون مكذبًا).\nيعني: إن الإنسان في الغالب تكون الأقوال عنده أكثر من الأعمال وأوسع، فالإنسان يتكلم بكلام طيب، لكن عند التطبيق يضعف، ولهذا قال إبراهيم التيمي: (ما عرضت قولي على عملي إلا خفت أن أكون مكذبًا)؛ لأن القول طيب، وأما العمل فهو ضعيف.\nوقال الحسن البصري: (ما خافه إلا مؤمن، وما أمنه إلا منافق).\nيعني: ما خاف النفاق إلا مؤمن، وما أمنه إلا منافق، فالمنافق يأمن من النفاق؛ لأنه منافق، والمؤمن يخافه على نفسه وذلك دليل إيمانه.\nقال ابن أبي مليكة، كما ذكر المؤلف: [أدركت ثلاثين من أصحاب محمد ﷺ، كلهم يخاف النفاق على نفسه، ثم قال: ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل].\nوهذا فيه رد على المرجئة الذين يقولون: إن إيمان جبريل وميكائيل وإيمان سائر الناس سواء، وإيمان أهل السماء وأهل الأرض سواء، وهذا معناه أن إيمان أفجر الناس وأتقى الناس سواء.\nولهذا قال الطحاوي في الطحاوية: (والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء)، أي: أهل الإيمان في أصله سواء، فالناس كلهم مؤمنون، وكلهم أولياء لله.\nفكان الصحابة كلهم يخاف النفاق على نفسه الأصغر؟ وإن كان ظاهر الترجمة وهي باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر أنه النفاق الأكبر؛ لأن الذي يحبط العمل النفاق الأكبر، ولكن آخر الأثر: (ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل)، يدل على أن المراد هو النفاق الأصغر، يعني: كل منهم يعتقد أنه ناقص الإيمان، وأنه لا يصل إلى ما وصل إليه جبريل وميكائيل.\nالصحابة لا يخافون أن يكفروا بالله ورسوله، وإنما يخافون من نفاق يكون في الأعمال.\nقال الحافظ: قد جزم بأنهم كانوا يخافون النفاق في الأعمال غير واحد ولم ينقل عن غيرهم خلاف في ذلك، وكأنه إجماع؛ وذلك لأن المؤمن قد يعرض له في علمه ما يشوبه مما يخالف الإخلاص.","vol":"8","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>العبادات لا تقبل من المنافقين</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد أخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم يصلون ويزكون، وأنه لا يقبل ذلك منهم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢].\nقوله: (فقال تعالى) في نسخة أخرى: وقال تعالى، والأحسن صيغة (وقال تعالى).\nوالآية قد أخبر الله فيها عن المنافقين أنهم يصلون ويزكون، وأنه لا يقبل ذلك منهم، ومثلها قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة:٥٤].\nإن من أوصاف المنافقين أنهم ارتضوا الخداع والكسل عند الصلاة والمراءاة بها، وهذه أوصاف مشينة، وفيه تحذير للمؤمن من هذه الأوصاف، فلا ينبغي للمؤمن أن يخادع، بل يجب أن يكون أمره واضحًا.\nوكذلك على المؤمن أن يقوم إلى الصلاة برغبة ولا يقوم بكسل وتثاقل، وكذلك يحذر المؤمن من الرياء، ويخلص عمله لله، فإن الرياء من صفات المنافقين، وعدم ذكر الله ﷿ كثيرًا من صفاتهم أيضًا، فهذه أربعة أوصاف من أوصاف المنافقين: الخداع، والكسل عند إقامة الصلاة، والرياء، وقلة ذكر الله.","vol":"8","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>سبب عدم قبول عبادات المنافقين</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ * وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة:٥٣ - ٥٤]].\nهنا بين الله ﷾ أن المنافقين لا تقبل منهم نفقاتهم، ولا تقبل صلاتهم، وبين العلة، وهي كفرهم بالله ورسوله.\nإن التوحيد هو المصحح للأعمال، فمن كان من أهل التوحيد صحت أعماله وقبلت، ومن كان من أهل النفاق والكفر بطلت أعماله وردت، فأي موحد أخلص عمله قبل منه ولو كان عاصيًا، فالعاصي نقول له: صلاتك صحيحة، أو زكاتك صحيحة، ولو كان عنده بعض المعاصي، كعقوق الوالدين أو قطيعة الرحم، أو شرب الخمر أو الدخان، أو حلق اللحية، فهذه المعاصي لا تمنع من قبول عباداته إذا كان موحدًا.\nلكن الكافر لا يقبل منه أي عمل؛ لأنه ليس عنده توحيد، بل أشرك بالله، فلا تقبل عباداته؛ لأن المصحح للأعمال كلها هو التوحيد، والمبطل للأعمال كلها هو الشرك والكفر، ولهذا بين الله ﷾ سبب عدم قبول الصلاة والزكاة فقال: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٥٤] فهذا هو المانع المبطل لأعمالهم، وفي هذا تحذير للمؤمن من أن يتصف بصفات المنافقين، فإن إتيان الصلاة عن كسل، والإنفاق مع الإكراه وصف نفاق، والمؤمن ينفق مع النشاط والطواعية وانشراح الصدر، لا كارهًا متبرمًا، بخلاف المنافق؛ لأنه ليس عنده إيمان.","vol":"8","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>انكشاف أمر عبد الله بن أبي عند الصحابة</span>\nقال المؤلف ﵀: [فقد كانوا يشهدون مع النبي ﷺ مغازيه، كما شهد عبد الله بن أبي بن سلول وغيره من المنافقين الغزوة التي قال فيها ابن أبي: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨] وأخبر بذلك زيد بن أرقم النبي ﷺ وكذبه قوم حتى أنزل الله القرآن بتصديقه].\nوهذه القصة رواها البخاري ومسلم في صحيحيهما، فقد كان عبد الله بن أبي رأس المنافقين، يشهد مع النبي مغازيه، ويصلي معه، وكان أيضًا يشهد معه الجمعة، وإذا صلى الجمعة قام وخطب في الناس وقال: احمدوا ربكم على هذا النبي الكريم، أطيعوه واتبعوه.\nثم بعد غزوة تبوك قام وأراد أن يقول مثل الذي يقوله دائمًا، فأخذه بعض الصحابة وقالوا: اجلس عدو الله، قد عرفنا أمرك، فخرج وهو يقول: أردت أن أشد أمره، فمنعني فلان وفلان.\nوقد حدث في غزوة تبوك، أو غزوة المريسيع على خلاف أن قال عبد الله بن أبي: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨]، يعني: أنه هو الأعز والنبي ﷺ هو الأذل، حاشاه، فسمع ذلك زيد بن أرقم، فأخبر النبي ﷺ، فكذبه قومه حتى شق عليه ذلك، فأنزل الله تصديقه في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨].\nوهذا يدل على أن المنافقين يظهرون الإسلام، وهم مكذبون في الباطن، وهم يصلون الصلوات الخمس، لكنهم يتخلفون عن صلاة العشاء وصلاة الفجر؛ لأن صلاة العشاء والفجر في الظلام، ولا يراهم أحد ويخفون على الناس، وفي صلوات النهار يأتون، ويجاهدون مع النبي ﷺ.\nوفي هذا الزمن وفي جميع الأزمان نرى المنافقين يعيشون بين المسلمين، ويصلون معهم، وهم على كفرهم ونفاقهم، فمتى حانت لهم الفرصة أظهروا نفاقهم وكفرهم، وهم في الخفاء يخططون لهدم الإسلام، والإضرار بالمسلمين.\nقال المؤلف ﵀: [والمقصود أن الناس ينقسمون في الحقيقة إلى: مؤمن، ومنافق كافر في الباطن مع كونه مسلمًا في الظاهر، وإلى كافر باطنًا وكافرًا].\nفهذه هي أقسام الناس، وهذه الأقسام لا شك فيها، فقد دل عليها القرآن والسنة والإجماع، وهي معلومة من الدين بالضرورة.","vol":"8","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>ظهور مصطلح الزنديق والخلاف في حكمه</span>\nقال المؤلف ﵀: [ولما كثرت الأعاجم في المسلمين تكلموا بلفظ الزنديق، وشاعت في لسان الفقهاء، وتكلم الناس في الزنديق هل تقبل توبته في الظاهر إذا عرف بالزندقة، ودفع إلى ولي الأمر قبل توبته؟ فمذهب مالك رحمه الله تعالى، وأحمد في أشهر الروايتين عنه، وطائفة من أصحاب الشافعي، وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة، أن توبته لا تقبل.\nوالمشهور من مذهب الشافعي ﵀ قبولها، كالرواية الأخرى عن أحمد، وهو القول الآخر في مذهب أبي حنيفة، ومنهم من فصل].","vol":"8","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>ظهور هذا المصطلح وسببه</span>\nهذا الخلاف في قبول توبة الزنديق، والزنديق قد يطلق على المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وقد يطلق على الجاحد من أصله، ولفظ الزنديق هذا إنما تكلم الناس به عندما كثر المسلمون من الأعاجم بعد زمن الصحابة والتابعين، ودخل الناس في دين الإسلام، فتكلموا بلفظ زنديق، وهي كلمة فارسية معناها: المنافق، وشاعت في لسان الفقهاء، وتكلموا هل تقبل توبته الزنديق أو لا تقبل؟ والزنديق يطلق على المنافق، ويطلق على الجاحد المعطل الذي عطل الرب ﷾ من أوصافه، وعطل المصنوعات من صانعها، فالمنافق الزنديق، إذا ادعى التوبة، هل تقبل توبته؟","vol":"8","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>الخلاف في قبول توبة الزنديق</span>\nاختلف العلماء على ثلاثة أقوال: القول الأول: مذهب مالك، وأحمد في المشهور عنه، وطائفة من أصحاب الشافعي، وهو قول لـ أبي حنيفة: أن توبته لا تقبل، يعني: في الدنيا، فإذا عرف أنه منافق فلابد أن تقطع رقبته، وإن قال: تبت.\nوألف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كتابًا في هذا وسماه (الصارم المرسول على شاتم الرسول) قالوا: الزنديق والذي سب الله أو سب الرسول، أو استهزأ بالله أو برسوله أو بكتابه، أو الساحر، هؤلاء لا تقبل توبتهم، بل يقتلون؛ حتى لا يتجرأ الناس على مثل هذا الكفر الغليظ، وكذلك من تكررت ردته، أما ما عداهم من الكفرة إذا ادعى التوبة، فإننا نقبل توبته.\nفالقول الأول هو أن هذا يقتل زجرًا له ولأمثاله؛ حتى لا يتجرأ الناس على مثل هذا الكفر أو غيره، أما ما بينه وبين الله فإن كان صادقًا في التوبة، فالله يقبل توبة الصادقين، وإن كاذبًا فلا يقبل الله توبة الكاذبين وهذا في الآخرة، أما في الدنيا فلابد من قطع رقبته.\nالقول الثاني: أن توبته تقبل، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد، وقول في مذهب أبي حنيفة، أي: إذا أخذناه فقال: أنا تائب، فإننا نتركه، ولا نقتله ومن تاب تاب الله عليه.\nالقول الثالث: التفصيل، وهو أنه إن أخذ قبل التوبة ثم ادعى التوبة لا تقبل توبته، بل لابد أن تقطع رقبته، أما إذا تاب وسلم نفسه، فإنها تقبل توبته؛ لأنه ما سلم نفسه إلا لأنه تائب.\nوهذا القول لعله أعدلها، فإنه إذا سلم نفسه كان مثل المحاربين، وقد قال الله تعالى عن المحاربين وقطاع الطريق: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٣٣]، ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣٤] يعني: إذا سلموا أنفسهم قبل القبض عليهم، فهؤلاء تقبل توبتهم.\nفهنا بين الله تعالى في كتابه أن المحارب وهو قاطع الطريق إن سلم نفسه قبلنا توبته، وإن قبضنا عليه ثم ادعى التوبة فلا تقبل توبته، فكذلك الساحر وكذلك الزنديق وكذلك المنافق له هذا الحكم.\nوهذا أعدل الأقوال، فإن القول الأول يقتل مطلقًا، والقول الثاني لا يقتل مطلقًا، والقول الثالث يقتل إذا قبضنا عليه قبل أن يسلم نفسه، ولا يقتل إذا سلم نفسه قبل أن نقبض عليه.","vol":"8","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>معنى الزنديق عند الفقهاء وغيرهم</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمقصود هنا أن الزنديق في عرف هؤلاء الفقهاء هو المنافق الذي كان على عهد النبي ﷺ، وهو أن يظهر الإسلام ويبطن غيره، سواء أبطن دينًا من الأديان كدين اليهود والنصارى أو غيرهم، أو كان معطلًا جاحدًا للصانع والمعاد والأعمال الصالحة.\nومن الناس من يقول: الزنديق هو الجاحد المعطل، وهذا يسمي الزنديق في اصطلاح كثير من أهل الكلام والعامة، ونقلة مقالات الناس.\nولكن الزنديق الذي تكلم الفقهاء في حكمه هو الأول؛ لأن مقصودهم هو التمييز بين الكافر وغير الكافر، والمرتد وغير المرتد، ومن أظهر ذلك أو أسره.\nوهذا الحكم يشترك فيه جميع أنواع الكفار والمرتدين، وإن تفاوتت درجاتهم في الكفر والردة، فإن الله تعالى أخبر بزيادة الكفر كما أخبر بزيادة الإيمان بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٣٧]، وتارك الصلاة وغيرها من الأركان، أو مرتكبي الكبائر، كما أخبر بزيادة عذاب بعض الكفار على بعض في الآخرة بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ﴾ [النحل:٨٨]].\nوالزنديق عند هؤلاء الذين ذكرهم المؤلف يطلق على الجاحد المعطل، يعني: الذي يجحد الرب ويعطل الرب من أفعاله وربوبيته وأسمائه وصفاته، فهذا يسمى زنديقًا، ويسمى المنافق زنديقًا أيضًا، فالزنديق يطلق على أمرين: الأول الجاحد المعطل، والثاني المنافق.\nولكن الزنديق الذي تكلم الفقهاء في حكمه هو الأول كما قال المؤلف، وهو المنافق؛ لأن مقصودهم هو التمييز بين الكافر وغير الكافر، والمرتد وغير المرتد، ومن أظهر ذلك أو أسره، وهذا الحكم يشترك فيه جميع أنواع الكفار والمرتدين، وإن تفاوتت درجاتهم في الكفر والردة، فإن الله أخبر بزيادة الكفر كما أخبر بزيادة الإيمان.\nفالإيمان يزيد وينقص، كما قال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]، وقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤].\nوالكفر يزيد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٣٧]، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة:١٢٥]، فالكفر يزيد وينقص، والإيمان يزيد وينقص.\nوكذلك تارك الصلاة وغيرها من الأركان، أو مرتكب الكبائر، كما أخبر بزيادة عذاب بعض الكفار على بعض في الآخرة بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل:٨٨]، فالكفرة يتفاوتون، بعضهم يزيد على بعض، فالكافر الذي يصد عن سبيل الله، ويؤذي المؤمنين، أشد عذابًا من الكافر الذي لا يصد عن سبيل الله.","vol":"8","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>التفريق بين الحكم بالظاهر والحكم بالباطن</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهذا أصل ينبغي معرفته؛ فإنه مهم في هذا الباب، فإن كثيرًا ممن تكلم في مسائل الإيمان والكفر لتكفير أهل الأهواء، لم يلحظوا هذا الباب، ولم يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أن الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة والإجماع المعلوم، بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام].\nيعني: أن هذا الكلام أصل ينبغي معرفته؛ وهو أن المنافق تجرى عليه أحكام الإسلام في الظاهر، وإذا أظهر النفاق قتل، كما تجرى على المسلم ظاهرًا وباطنًا، فالمؤمن ظاهرًا وباطنًا تجرى عليه أحكام الإسلام، والمنافق الذي يظهر الإسلام تجرى عليه أحكام الإسلام، فإذا لم نعلم حاله عاملناه كمسلم في الزواج، والنكاح، والصداق، والصلاة عليه إذا مات، والميراث، وإجابة دعوته، وتغسيله، ودفنه في مقابر المسلمين.\nفكل هذه الأحكام تجرى على المنافق الذي أظهر الإسلام وأبطن الكفر، ما لم يظهر نفاقه، فإذا أظهر نفاقه قتل وعومل بما أظهر من نفاقه على الخلاف المشهور: هل يقتل بدون استتابة، أو بعد الاستتابة؟ أو إذا سلم نفسه فلا يقتل، وإذا لم يسلم نفسه فإنه يقتل.\nفأحكام الإسلام تجرى على المنافقين، وتجرى أيضًا على المسلمين، وأما الكفار الذين أظهروا الكفر فتجرى عليهم أحكام الكفار.\nيقول المؤلف: (فإن كثيرًا ممن تكلم في مسائل الإيمان والكفر لتكفير أهل الأهواء، لم يلحظوا هذا الباب)، يعني: أن بعض الناس يكفر أهل البدع ولا يلحظ هذا المعنى، مع أن أهل البدع والأهواء، إن كانوا يظهرون الإسلام فتجرى عليهم أحكام الإسلام ولا يكفرون، والبدعة والمعصية لا يكفر صاحبها، فكما أن الزاني لا يكفر، فكذلك المبتدع -كصاحب بدعة المولد- لا يكفر كذلك، ولا يكفر إلا من أظهر الكفر.\nفالذين كفروا أهل البدع لم يلحظوا هذا الباب، وهو إجراء الأحكام على الظاهر، ولم يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أن الفرق بين الحكم الظاهر والحكم الباطن ثابت شرعًا.\nوالحكم الظاهر هو الحكم على المنافق بالإسلام، والحكم الباطن هو الكفر، وهذا هو حكمه في الآخرة، والفرق بينهما ثابت بالنصوص المتواترة، والإجماع المعلوم، بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن تدبر هذا علم أن كثيرًا من أهل الأهواء والبدع قد يكون مؤمنًا مخطئًا جاهلًا ضالًا عن بعض ما جاء به الرسول ﷺ، وقد يكون منافقًا زنديقًا يظهر خلاف ما يبطن].\nفالمبتدع قد يكون مؤمنًا، ولم يكفر، لكن أخطأ بسبب جهله وضلاله، كمثل شخص يقيم الموالد، وهو مؤمن يصلي ويصوم، ويزكي ويحج، فإذا قيل له: لماذا تقيم بدعة المولد؟ قال: أقيمه محبة للرسول، فهو هنا قد أخطأ لجهله وضلاله، فلا يكون كافرًا، فليس كل من يأتي ببدعه يقال له كافر، بل لابد من التمييز بين الأحكام كما قال المؤلف.\nوهذا الذي أقام البدعة كأن يقول: نويت أن أصلي فرض العشاء خلف هذا الإمام أربع ركعات، فهذه بدعة عندما تلفظ بها، ويقولها بعض الناس للجهل والضلال، فلا يكون كافرًا، بل هو مبتدع.\nولهذا قال المؤلف ﵀: (ومن تدبر هذا علم أن كثيرًا من أهل الأهواء والبدع قد يكون مؤمنًا، مخطئ جاهل، قد يكون مؤمنًا مخطئًا جاهلًا ضالًا عن بعض ما جاء به الرسول ﵊، وقد يكون منافقًا يظهر خلاف ما يبطن)، يعني: الشخص الذي يظهر البدعة هو على أحد أمرين: إما أن يكون مؤمنًا ابتدع هذه البدعة لجهله وضلاله، وإما أن يكون منافقًا زنديقًا؛ لأنه يبطن الكفر ويظهر البدعة.\nفهو دائر بين هذا وبين هذا.","vol":"8","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>الأسئلة</span>","vol":"8","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>حكم الصلاة في المساجد التي فيها مقابر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أنا من بلاد الشام، ويوجد عندنا مساجد كثيرة وفيها مقابر، فما حكم الصلاة في تلك المساجد، سواء صلاة الجمعة أو صلاة الجماعة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا تصح الصلاة في المسجد الذي فيه قبر؛ لما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، فهم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ثم قال: (ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك).\nفنهى النبي ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد، ولعن من اتخذ القبور مساجد، وهذا يدل على أنه لا تصح الصلاة في المسجد الذي فيه قبر؛ لأن النهي يقتضي الفساد، فالمسجد الذي فيه قبر لا تصح الصلاة فيه، إذا كان داخلًا في سور المسجد.\nوالواجب إزالة القبور التي في المساجد، والحكم للأول، فإن كان المسجد هو الأقدم ودفن فيه الميت، فإنه يجب نبش الميت ودفنه في المقابر، ويبقى المسجد سليمًا، وأما إذا كان القبر سابقًا، ثم بني المسجد على القبر، فيجب هدم المسجد، ونقله إلى مكان آخر.","vol":"8","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>حكم الدراسة عند المنحرفين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إنني أدرس في مدرسة يكثر فيها المدرسون من الصوفية، فهل يجوز لي أن أدرس عندهم عقيدة التوحيد أو غيرها من المواد الشرعية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يجوز لك أن تدرس في مدارس الصوفية عقيدة التوحيد؛ لأن عقيدة الصوفية منحرفة، بل ادرس عقيدة التوحيد عند أهل التوحيد لا عند المخرفين من الصوفية والوثنيين وغيرهم.","vol":"8","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>حكم دراسة اللغة الإنجليزية والتكلم بها بين المسلمين لإتقانها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كثرت الأسئلة عن حكم تعلم اللغة الإنجليزية لغرض دراسة الطب أو غيره، وحاجة الدارس للتحدث بها حتى بين إخوانه من المسلمين العرب لغرض إتقانها، فما حكم ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا تعلم اللغة الإنجليزية لحاجته إليها للدعوة إلى الله، أو للعمل في الطب، فأرجو ألا يكون في ذلك حرج إن شاء الله، بل هو مطلوب خصوصًا إذا كان داعية وعنده علم؛ حتى يدعو إلى الله على بصيرة، وهذا أمر حسن، أما إذا تعلمها محبة للكفار أو محبة للغتهم، فلا شك أن هذا أمر خطير.","vol":"8","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>حكم ساب الصحابة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يكفر من سب الصحابة رضوان الله تعالى عليهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا سبهم لدينهم يكفر، وهكذا من كفرهم أو فسقهم؛ لأنه مكذب لله؛ لأن الله زكاهم وعدلهم ووعدهم بالجنة، فمن كفرهم فقد كذب الله، ومن كذب الله كفر.\nأما إذا سبهم من دون تكفير وتفسيق، فهذا فيه تفصيل كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن السب قد يكون للتكفير، وقد يكون للغيظ، فإن سبهم تكفيرًا لهم فهذا يكفر، أما إذا سبهم لغيظ في نفسه وهو لا يعتقد كفرهم فهذا فسق.\nوالمقصود أن سب الصحابة ذنب عظيم، وهو دائر بين الكفر وبين الكبيرة العظيمة.","vol":"8","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>معنى قوله تعالى: (باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كثرت الأسئلة حول معنى قول الله ﵎: ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣]، فما معنى ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه الآية على ظاهرها، وهي تتحدث عن سور باطنه فيه الرحمة، وباطنه هو الجزء الذي من قبل المؤمنين، وظاهره من قبله العذاب، وهو الجزء الذي من قبل المنافقين، نسأل الله السلامة والعافية.\nوقال بعضهم: إن هذا السور هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ [الأعراف:٤٦].","vol":"8","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>حكم الدراسة في الجامعات المختلطة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إنني أدرس في بلد فيه الجامعات مختلطة بين الشباب والشابات، يدرسون في صف واحد، فهل تجوز لي الدراسة في تلك الجامعة أم لا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا تجوز الدراسة في الجامعات المختلطة، ولا في الفصول المختلطة، لا للبنين ولا للبنات، ويحرم على الإنسان أن يدرس في جامعة مختلطة، فلا يجوز للمرأة أن تختلط بالرجال، ولا يجوز أيضًا للرجل أن يختلط بالنساء، بل يجب أن تكون النساء على حدة والرجال على حدة، وإذا لم توجد إلا جامعة مختلطة فاجلس في بيتك، واطلب العلم على أهل العلم في الدروس العلمية والحلقات والأنشطة والبرامج المفيدة، وفي كتب أهل العلم، ويكفي هذا.\nلأن الاختلاط فيه خطر على دين الإنسان وخلقه، ومن الذي يأمن على نفسه؟ وهذا اجتمعت فيه عدة محرمات: الاختلاط، والنظر، ومن الذي سمح لك أن تنظر إليها؟ ومن الذي سمح لك أن تلامسها بجسدك؟ ثم إن هذه وسيلة قريبة -كما هو الواقع- للذهاب بها، والخلوة بها، وفعل الفاحشة، نسأل الله السلامة والعافية، والوسيلة المؤدية إلى الحرام حرام، والله تعالى قال في كتابه العظيم: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠]، فأين الغض عندما تجلس بجوار بنت وهي تجلس بجوارك؟","vol":"8","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>حل إشكال في كلام الإمام ابن تيمية عن المنافقين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى كلام شيخ الإسلام ﵀ في شرح حديث جبريل ﵊ حينما قال: (وكان في المنافقين من هو في الأصل من المشركين، وفيهم من هو في الأصل من أهل الكتاب)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يعني أن المنافق قد يكون أصله وثنيًا مشركًا، ثم يدخل في الإسلام نفاقًا، فيظهر الإسلام ويبطن الشرك، وقد يكون في الأصل يهوديًا، فيدخل في الإسلام نفاقًا، يظهر الإسلام ويبطن اليهودية، كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٧٥ - ٧٦].\nفالمقصود أن المنافق قد يكون مسلمًا ظاهرًا وباطنًا ثم ينافق، وقد يكون في الأصل مشركًا، ثم أظهر الإسلام وأبطن الشرك، وقد يكون في الأصل يهوديًا أو نصرانيًا من أهل الكتاب، ثم أظهر الإسلام وأبطن اليهودية أو النصرانية.","vol":"8","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>وجه ذكر المنافقين في السور المكية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا كان النفاق لم يظهر إلا في المدينة على عهد النبي ﷺ، فما وجه ذكر المنافقين في سورة العنكبوت وهي مكية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قد تكون السورة مكية، ولكن فيها آيات مدنية، وقد تكون السورة مدنية وبعض الآيات فيها مكية، ولهذا تجد في المصحف: سورة كذا مكية إلا آية كذا وكذا، وآية كذا وكذا فهي مدنية.","vol":"8","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>عقيدة الدروز وحكم التعامل معهم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هي عقيدة الدروز، وما حكم التعامل معهم، والسلام عليهم، وأكل ذبائحهم، وشراء بضاعتهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  عقيدة الدروز من عقائد الباطنية، والباطنية طوائف كثيرة، ولهم عقائد باطنية تخالف الظاهر، وهم طبقات، فإذا كانت عقيدتهم توصل إلى الكفر؛ فلا يجوز أكل ذبائحهم، أما شراء البضائع منهم فلا بأس به، إذا لم يكن فيها ذبح.\nلكن هناك مسألة وهي: مقاطعة الكفرة، فإنه ينبغي أن يشتري المرء من المسلمين، حتى لا تروج بضاعة الكفار.","vol":"8","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>الطائفة المنصورة والطائفة الناجية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل هناك فرق بين الطائفة المنصورة والفرقة الناجية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا فرق بينهما، فإن الطائفة المنصورة هي الفرقة الناجية، وهم أهل السنة والجماعة، وكلهم أنصار الله وكل هذه أوصاف لها، وهي شيء واحد.","vol":"8","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>حكم من يتنصر لأجل الحصول على الطعام والمال</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ينشط التنصير في بلاد إفريقيا، وبعض المسلمين يتنصر من أجل الحصول على المال والطعام، فهل يكفرون بذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  من تنصر كفر، نسأل الله العافية، سواء لأجل الطعام أو لغيره، لكن الواجب على المسلمين أن يحتضنوا المسلمين، وأن يفتحوا لهم المدارس والدورات العلمية، وكذلك ينبغي أن يكون هناك إغاثة لهم حتى لا يتنصروا، وحتى لا تحتضنهم دور التنصير، فالواجب على المسلمين أن تكون لهم عناية بإخوانهم المسلمين، فالمؤمنون بعضهم إخوان لبعض، فكيف يتركون إخوانهم للنصارى ينصرونهم بسبب الفقر؟","vol":"8","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>حكم القرض الربوي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقول السائل: استدنت من رجل مبلغًا قدره ثلاثون ألف ريال، على أن أشتري به سيارة، فقال لي: بشرط أن ترد المبلغ لي أقساطًا خمسة وثلاثين ألف ريال، فهل هذا جائز أم لا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا ربا في القرض، وكأنه يقول: إما أن تقضي حالًا، وإما أن تزيد إذ أخرت، وهذا ربا صريح بإجماع المسلمين، نسأل الله العافية، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠]، والواجب على الإنسان إذا أقرض أخاه أن يسترد مثله، لئلا ينقطع المعروف، وفي الحديث: (من أقرض شخصًا مرتين، كان كصدقة مرة).\nوأما إذا أقرضته وطلبت أن يرد أكثر فهذا ربا، نعوذ بالله من ذلك.\nوكل قرض جر نفعًا فهو ربا، بل لو أقرضه ثم أخذ منه سيارة ينتفع بها فسيكون ربا، أو أعطاه دارًا يسكن بها مقابل قرضه فهو ربا، إلا إذا احتسب أجرة السيارة أو أجرة الدار التي يسكنها من القرض فلا مانع منه.","vol":"8","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>الاهتمام بالمناطق القروية في الدعوة إلى الله</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  تكتض المدن بالدعاة وطلبة العلم وفقهم الله، بينما تشتكي القرى الصغيرة من قلتهم وندرتهم، إضافة إلى أن أهل القرى لا توجد عندهم المنكرات الكثيرة، ويقل الغزو الفضائي عندهم، ويتميزون بقوة الاستيعاب والحفظ، فما نصيحتك لأهل العلم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نصيحتي لأهل العلم أن يذهبوا إلى تلك القرى ويعلموا أهلها، وأن يقيموا عندهم الدورات والدروس العلمية، وعلى أهل القرى أيضًا أن يأتوا بأنفسهم إلى المدن حتى يستفيدوا من الدروس العلمية، وإن لم يأتوا فعلى طلبة العلم أن يذهبوا إليهم في قراهم وبلدانهم، وأن ينشروا علمهم وأن يعلموهم مما علمهم الله، نسأل الله للجميع العلم النافع والعمل الصالح.\nونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المباركين، ومن أهل العلم الذين يعلمون ويعملون، ونسأل الله أن يثبتنا وإياكم على دينه القويم حتى الممات، إنه ولي ذلك والقادر عليه.","vol":"8","page":34},{"text":"شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-160>[٩]</span>\nجاء في القرآن الكريم والسنة النبوية وصف أقوام بالإسلام دون الإيمان، وجاء عكس ذلك، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية المراد من ذلك ودلالاته.","vol":"9","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>أصل مهم في الفرق بين الوصف بالإسلام دون الإيمان</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهنا أصل آخر، وهو أنه قد جاء في الكتاب والسنة وصف أقوام بالإسلام دون الإيمان فقال تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٤] وقال تعالى في قصة لوط ﵊: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦].\nوقد ظن طائفة من الناس أن هذه الآية تقتضي أن مسمى الإيمان والإسلام واحد، وعارضوا بين الآيتين وليس كذلك، بل هذه الآية توافق الآية الأولى؛ لأن الله تعالى أخبر أنه أخرج من كان فيها مؤمنًا، وأنه لم يجد إلا أهل بيت من المسلمين.\nوذلك لأن امرأة لوط كانت في أهل البيت الموجودين، ولم تكن من المخرجين الذين نجوا، بل كانت من الغابرين الباقين في العذاب، وكانت في الظاهر مع زوجها على دينه، وفى الباطن مع قومها على دينهم خائنة لزوجها، تدل قومها على أضيافه، كما قال تعالى فيها: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم:١٠]، وكانت خيانتهما لهما في الدين لا في الفراش، فإنه ما بغت امرأة نبي قط، إذ نكاح الكافرة قد يجوز في بعض الشرائع، ويجوز في شريعتنا نكاح بعض الأنواع، وهن الكتابيات، وأما نكاح البغي فهو دياثة، وقد صان الله النبى عن أن يكون ديوثًا.\nولهذا كان الصواب قول من قال من الفقهاء بتحريم نكاح البغي حتى تتوب].\nبعد أن ذكر المؤلف ﵀ الأصل الأول: وهو أن الأحكام تجرى على الظاهر في الدنيا، أما في الآخرة فإنها تجرى على الظاهر وعلى الباطن جميعًا، فالمؤمن ظاهرًا وباطنًا عند الله مؤمن، والكافر ظاهرًا وباطنًا عند الله كافر، والمنافق عند الله كافر، فهذا أصل ينبغي معرفته، وهو التمييز بين الحكم الظاهر والباطن، والفرق بينهما، وهذا ثابت بالنصوص المتواترة والإجماع.","vol":"9","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>الآيات التي فرقت بين الإسلام والإيمان أو ساوت بينهما</span>\nوالأصل الثاني: ما ذكره هنا، وهو أنه قد جاء في الكتاب والسنة وصف أقوام بالإسلام دون الإيمان، مثل الأعراب في سورة الحجرات، قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] فإذًا: نفى عنهم الإيمان، وأثبت لهم الإسلام.\nوكذلك قول الله تعالى في قصة لوط: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦]، وهؤلاء هم أهل بيت واحد، وصفهم بالإيمان ووصفهم بالإسلام، وفي الآية الأولى فرق الله بين الإسلام والإيمان.","vol":"9","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>القول بأن الإسلام والإيمان شيء واحد</span>\nواختلف العلماء في تفسير ذلك: فمن العلماء من قال: إن الإسلام والإيمان شيء واحد، فالإيمان هو الإسلام، والإسلام هو الإيمان، ولا فرق بينهما، واستدلوا بهذه الآية: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦]، فقالوا: هذا بيت واحد وصف بالإيمان، ووصف بالإسلام، فدل على أن الإيمان والإسلام شيء واحد، وذهب إلى هذا طائفة من أهل السنة، وعلى رأسهم الإمام البخاري، وقالوا: إن هذه الآية تعارض الآية الأولى، وهي: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، فتحمل آية الحجرات على المنافقين الذين نفى الله عنهم الإيمان وأثبت لهم الإسلام، قالوا: والمراد بالإسلام الذي استثناه هو الإسلام في الظاهر، والمعنى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، يعني استسلمنا وانقدنا للإسلام ظاهرًا نفاقًا، وقال بهذا القول أيضًا الخوارج والمعتزلة.","vol":"9","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>القول بعدم كون الإسلام والإيمان شيئًا واحدًا</span>\nالقول الثاني: وهو قول جمهور أهل السنة، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الإيمان والإسلام ليسا شيئًا واحدًا، بل إذا اجتمعا فإن الإسلام يفسر بالأعمال الظاهرة، والإيمان يفسر بالأعمال الباطنة، وإذا أفرد أحدهما بالذكر دخل فيه الآخر.\nوأجابوا عن هذه الآية: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦] بأنه بيت واحد تحقق فيه وصف الإيمان، ووصف الإسلام، فلوط وابنتاه اتصفوا بالإسلام والإيمان، وزوجة لوط اتصفت بالإسلام.\nقالوا: وأما آية الحجرات فإنها تتحدث عن ضعفاء الإيمان، وليست في المنافقين، فقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] يعني: ولكن قولوا أسلمنا؛ لأنهم لم يتمكن الإيمان من قلوبهم، وهم أظهروا الإسلام، ولكنهم لا يطلق عليهم الإيمان لضعف إيمانهم، ويدل على ذلك أن هذه السورة ليست في المنافقين، وإنما هي في العصاة، وتسمى سورة الآداب، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات:٦]، وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات:١١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:١٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [الحجرات:١٣]، ثم قال: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] ثم قال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] يعني: أنه متوقع دخوله، ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات:١٤]، فأثبت لهم طاعة، ولو كانت في المنافقين لما أثبت لهم طاعة، ثم قال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات:١٧]، فأثبت لهم إسلامًا.\nفدل على أن هذه الآية في ضعفاء الإيمان، وهذا هو الأرجح، ولهذا فإن المؤلف ﵀ ذكر القولين، قال: (وقد ظن طائفة من الناس أن هذه الآية، وهي: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦] تقتضي أن مسمى الإيمان والإسلام واحد، وعارضوا بين الآيتين) وبين المراد بهذه الآية وآية الحجرات، فآية الحجرات أثبتت لهم الإيمان ونفت عنهم الإسلام، وآية الذاريات تصفهم بالإيمان والإسلام معًا.","vol":"9","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>بيان توافق معنى آية الحجرات وآية الذاريات</span>\nقال المؤلف: (وليس كذلك بل هذه الآية توافق الآية الأولى) أي: أن آية الذاريات توافق آية الحجرات؛ لأن الله أخبر أنه أخرج من كان فيها مؤمنًا، قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٣٥]، وأنه لم يجد إلا أهل بيت من المسلمين، وذلك لأن امرأة لوط كانت في أهل البيت الموجودين، ولم تكن من المخرجين الذين نجوا، فقال تعالى: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٦]، أي: ومنهم امرأة لوط، ولكن من حصل لهم الإخراج وصفهم الله بالإيمان، وامرأة لوط ليست من المخرجين، وأما الموجودون في البيت فقد وصفهم جميعًا بالإسلام فقال: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٦]، وامرأة لوط كانت كافرة، هي موجودة معهم في البيت، فلما كانت معهم وصفهم الله بالإسلام؛ لأنها كانت تظهر أنها على دين زوجها، وهي في الحقيقة على دين قومها، ولذلك لم يخرجها الله معهم، وقال: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٣٥] ومعهم المرأة؛ لأنها من الذين أظهروا الإسلام.\nولهذا يقول المؤلف ﵀: (وذلك لأن امرأة لوط كانت في أهل البيت الموجودين، ولم تكن من المخرجين الذين نجوا، بل كانت من الغابرين الباقين في العذاب) كما قال تعالى: ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ [الشعراء:١٧١] أي: في الباقين، وكانت في الظاهر مع زوجها على دينه، فتظهر الإسلام، وفي الباطن مع قومها على دينهم، خائنة لزوجها تدل قومها على أضيافه، فإذا جاء إلى لوط أضياف دلت عليهم، كما قال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [التحريم:١٠] وكانت خيانتهما لهما في الدين لا في الفراش؛ لأن زوجة النبي مصونة العرض، وإنه ما بغت امرأة نبي قط، وهذا من صيانة الله لأنبيائه.","vol":"9","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>حكم نكاح البغايا والكافرات</span>\nإن كان نكاح الكافرة قد يجوز في بعض الشرائع، كما في شريعة لوط، وفي شريعتنا يجوز للمسلم أن يتزوج الكافرة إذا كانت كتابية يهودية أو نصرانية؛ لقول الله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة:٥] أي: إذا كانت من الذين أوتوا الكتاب وهي عفيفة الفراش، فيجوز للمسلم أن يتزوجها، فإن اليهودية والنصرانية أخف كفرًا من الوثنية.\nفلا يجوز للمسلم أن يتزوج وثنية، ولا مجوسية، ولا شيوعية، ولا غيرها من الكافرات إلا اليهودية والنصرانية بشرط أن تكون محصنة، يعني عفيفة طاهرة في عرضها.\nوفي شرع من قبلنا كشريعة لوط وشريعة نوح كان يجوز الزواج من امرأة كافرة.\nوأما نكاح البغايا والزانيات فقد صان الله الأنبياء عن أن تكون في بيوتهم بغي، وقد صان الله الأنبياء عن الدياثة.\nولهذا كان الصواب قول من قال من الفقهاء بتحريم نكاح البغي حتى تتوب، فالزانية لا يجوز نكاحها حتى تتوب؛ لقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣] أي: فالزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ما دامت على زناها ولم تتب، ولكن إذا صحت توبتها وظهرت فيجوز أن يتزوجها المسلم.\nومن هذا أن بعض الناس والعياذ بالله يقول: قد يقع رجل مع امرأة في الفاحشة، فإذا علم أهلها أنه عمل بها الفاحشة قالوا: نريد أن نزوجها إياه حتى نستر عليهما، وهذا لا يجوز؛ لأنها هي عاهرة، ولا يتزوج بها، فإنها زانية، ولابد أن يفرق بينهما، حتى تظهر توبتها وصلاحها، وتظهر توبته وصلاحه، ثم بعد ذلك يتزوج هو أو غيره بها.\nوالولد الذي جاء من السفاح لا يجوز أن ينسب إلى الذي زنى، بل هو لقيط، فيفرق بينهما، وهذا الولد يكون لقيطًا ليس له أب، ولا ينسب إلى أحد.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمقصود أن امرأة لوط ﵊ لم تكن مؤمنة، ولم تكن من الناجين المخرجين، فلم تدخل في قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٣٥] وكانت من أهل البيت المسلمين، وممن وجد فيه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٦] وبهذا تظهر حكمة القرآن، حيث ذكر الإيمان لما أخبر بالإخراج، وذكر الإسلام لما أخبر بالوجود].\nأي: أن امرأة لوط لم تكن مؤمنة، بل كانت كافرة، ولم تكن من الناجين المخرجين، فلم تدخل في قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٣٥] وهو بيت واحد وفيه امرأة لوط، لكن لما أخرج الله لوطًا وابنتيه لم تخرج المرأة، بل هلكت وأصابها ما أصاب قومها؛ لكفرها وضلالها، فلم تكن من أهل البيت المخرجين، ولكن كانت من أهل البيت المسلمين، وممن وجد فيه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٦] أي: وجدنا في هذه القرية بيتًا من المسلمين.\nوسماهم الله مسلمين وفيهم امرأته؛ لأنها أظهرت الإسلام، وهي في الباطن مع قومها، فتجرى عليها أحكام الإسلام.\n(وبهذا تظهر حكمة القرآن، حيث ذكر الإيمان لما أخبر بالإخراج، وذكر الإسلام لما أخبر بالوجود) أي: لما ذكر الإخراج وصفهم بالإيمان، قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٣٥]؛ لأن المرأة الكافرة لم تكن معهم، ولما ذكر الوجود ذكر الإسلام؛ لأنها أظهرت الإسلام، فهي معهم في الإسلام الظاهر، والأحكام تجرى على الظاهر.","vol":"9","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>مسمى الإيمان والإسلام: مدلولهما، والفرق بينهما</span>","vol":"9","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>عموم الإسلام</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وأيضًا فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] وفرق بين هذا وهذا، فهذه ثلاثة مواضع في القرآن].\nفرق الله تعالى في كتابه العظيم بين الإيمان والإسلام في ثلاثة مواضع: فالموضع الأول: في سورة الحجرات، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، أثبت لهم الإسلام ونفع عنهم الإيمان.\nالموضع الثاني: في سورة الذاريات، يقول تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦].\nالموضع الثالث: في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥].\nوكذلك جاء في السنة حديث سعد بن أبي وقاص الذي رواه الشيخان وغيرهما أنه لما وصف سعد رجلًا بالإيمان قال: (أو مسلم) ففرق بين الإيمان والإسلام.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وأيضًا فقد ثبت في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص ﵁، (أعطى رسول الله ﷺ رجالًا ولم يعط رجلًا، فقلت: يا رسول الله أعطيت فلانًا وتركت فلانًا وهو مؤمن قال: أو مسلم، قال: ثم غلبني ما أجد فقلت: يا رسول الله! أعطيت فلانًا وفلانًا وتركت فلانًا وهو مؤمن، فقال أو مسلم؟ مرتين أو ثلاثًا)، وذكر في تمام الحديث: (أنه يعطي رجالًا ويدع من هو أحب إليه منهم؛ خشية أن يكبهم الله في النار على مناخرهم).\nقال الزهري ﵀: فكانوا يرون أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل].\nهذا الحديث وهو حديث سعد أن النبي ﷺ أعطى رجالًا ولم يعط رجالًا، أي: أعطاهم من الغنائم يتألفهم على الإسلام، والنبي ﷺ لا يعطي على الهوى، ولكن يعطي ضعفاء الإيمان حتى يتقوى إيمانهم وحتى لا يرتدوا، وأقوياء الإيمان لا يعطيهم، وإنما يكلهم إلى إيمانهم، فعطاؤه ﵊ هو لله وليس عن الهوى.\nفلما أعطى النبي ﷺ رجالًا وترك رجلًا، قال: سعد: فترك رجلًا هو أعجبهم إلي أرى أنه مؤمن، فكيف يتركه الرسول ﷺ ولا يعطيه؟ ولا يدري ما الحكمة في ذلك، يظن أنه من كان قوي الإيمان يعطيه ومن كان ضعيف الإيمان لا يعطيه، فقال: (يا رسول الله! مالك عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمنًا، فقال النبي ﷺ: أو مسلم؟ -يعني: ما بلغ درجة الإيمان- فسكت سعد ﵁، قال: ثم غلبني ما أجد فقلت: يا رسول الله! أعطيت فلانًا وتركت فلانًا وهو مؤمن، فقال: أو مسلم، للمرة الثانية، فسكت سعد، ثم غلبه ما يجد، فقال في المرة الثالثة، يا رسول الله! مالك عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمنًا، فقال: أو مسلم، ثم قال النبي ﷺ: إني أعطي رجالًا وغيرهم أحب إلي خشية أن يكبهم الله في النار)، أي: أحس أنه سيرتد، فهو ضعيف الإيمان، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ [الحج:١١].\nوفي حديث آخر أن النبي ﷺ قال: (إني لأعطي رجالًا لما في قلوبهم من الهلع والجزع، وأترك أقوامًا لما في قلوبهم من الخير، منهم فلان وفلان) فقال من استثناه: ما أحب أن لي بكلمة رسول الله الدنيا وما فيها.\nفالنبي ﷺ يعطي ليتألف على الإسلام.\nوالشاهد من الحديث أن النبي ﷺ أثبت له الإسلام ورفع منزلته.\nأما قول الزهري: (فكانوا يرون الإسلام الكلمة والإيمان العمل)، فقد سبق في مسمى الإسلام، وقد قلنا إن فيه ثلاثة أقوال: القول الأول للزهري وجماعة: أن الإسلام هو كلمة النطق بالشهادتين، والإيمان هو العمل، لكن الزهري إمام وليس مقصوده ﵀ أن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان بل المقصود أن الكافر إذا نطق بالشهادتين تميز عن اليهودي والنصراني وحكم له بالإسلام، وإلا فالعمل داخل في مسمى الإسلام.\nالقول الثاني: أن الإسلام والإيمان مترادفان، فالإسلام هو الإيمان والإيمان هو الإسلام.\nوالثالث: أن الإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان الأعمال الباطنة.\nوالقول الرابع وهو الصحيح الراجح: أنها تختلف دلالة الإسلام والإيمان بالتفرد والاقتراب، فإذا قرن الإسلام بالإيمان صار لكل واحد معنى، وصار الإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان هو الأعمال الباطنة كما في حديث جبريل، وإذا أفرد الإسلام دخل فيه الإعمال الظاهرة والباطنة، وإذا أفرد الإيمان دخل فيه الأعمال الظاهرة والباطنة.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [فأجاب سعدًا بجوابين: أحدهما أن هذا الذي شهدت له بالإيمان قد يكون مسلمًا لا مؤمنًا].\nهذا هو الجواب الأول الذي أجاب به النبي ﷺ سعدًا وهو: أن هذا الذي شهدت له بالإيمان قد يكون مسلمًا لم يصل إلى درجة الإيمان، ولهذا لما قال سعد ﵁: والله إني لأراه مؤمنًا، قال: أو مسلم، أي: ما وصل إلى درجة الإيمان؛ لأن المسلم هو الذي عنده تقصير في بعض الواجبات، فهو مسلم موحد لكن عنده تقصير في بعض الواجبات، أو يفعل بعض المحرمات، فإذا أدى الواجب وترك المحرمات يسمى مؤمنًا بإطلاق، وإن كان مسلمًا لابد له من إيمان يصحح إسلامه، لكن لا يطلق عليه اسم الإيمان إذا كان عاصيًا، بل يسمى مسلمًا ولا يسمى مؤمنًا، فإذا أدى الواجبات وترك المحرمات يسمى مؤمنًا بإطلاق.\nفهذا هو الجواب الأول ومعناه: أن هذا الذي تشهد له بالإيمان قد يكون مسلمًا، وما وصل إلى درجة الإيمان، وذلك لتقصيره في بعض الواجبات، أو لفعله بعض المحرمات.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [الثاني: إن كان مؤمنًا وهو أفضل من أولئك، فأنا قد أعطي من هو أضعف إيمانًا؛ لئلا يحمله الحرمان على الردة فيكبه الله في النار على وجهه، وهذا من إعطاء المؤلفة قلوبهم].\nهذا هو الجواب الثاني، وهو أنه لو سلمنا أنه مؤمن كما تقول يا سعد فأنا أعطي المال لمن كان أضعف إيمانًا حتى يتقوى إيمانه، أما هذا فقوي الإيمان فلا أعطيه بل أتركه لإيمانه، وضعيف الإيمان أعطيه لئلا يحمله الحرمان على الردة.","vol":"9","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>الأسئلة</span>","vol":"9","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>الحكمة في ترك النبي ﷺ قتل المنافقين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  الرسول ﵊ عرف أن عبد الله بن أبي منافق، فلماذا لم يقتله، ولماذا لم يظهر أصحابه على أسماء المنافقين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  بين النبي ﷺ ذلك وقال: لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، لأن من لم يعرفهم من اليهود والنصارى وغيرهم يرى أن عبد الله بن أبي من الصحابة، فإذا قتله النبي ﷺ قالوا: محمد يقتل أصحابه، وهذا تنفير عن الدين، ولا يعلمون أن هناك منافقين؛ لأن عبد الله بن أبي وغيره يظهرون أنفسهم أنهم من المسلمين ويعتبرون أنفسهم من الصحابة فإذا قتلوا تحدث الناس بأن محمدًا يقتل أصحابه، فكان في هذا تنفير عن الإسلام.\nوأما كونه لم يعلم بأسمائهم فهناك أسماء أسرهم النبي ﷺ إلى حذيفة، وهناك منافقون لا يعلمهم، فليس كل المنافقين يعلمهم، ولهذا قال الله تعالى للصحابة: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١].\nإذًا هناك بعض المنافقين لا يعلمهم النبي ﷺ، وبعضهم أعلمه الله بهم، كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٢٩ - ٣٠]، وفي الآية الأخرى قال تعالى: ﴿لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١]، فبعضهم يعلمهم وبعضهم لا يعلمهم.","vol":"9","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>الخلاف في التفريق بين عوام الشيعة والخوارج وأئمتهم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يفرق بين عوام الصوفية والخوارج والشيعة، وبين أئمتهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  بعض العلماء فرق بينهم وآخرون من أهل العلم جعلوا حكم العامة حكم غيرهم؛ لأنهم تبع لهم؛ ولأن الله تعالى جعل حكم عوام الكفار والتابعين كحكم المتبوعين، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب:٦٧]، ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ [الأعراف:٣٨] أي: للتابعين والمتبوعين.\nوقال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦]، ثم قال بعد ذلك: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة:١٦٧]، فالتابعون والمتبوعون والعوام والسادة حكمهم واحد.","vol":"9","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>واجب الأبناء تجاه الوالدين بعد موتهما</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  لقد بلغت من العقوق لوالدي أيام حياته شيئًا كثيرًا، حتى أنني لعنته في الصغر وقد مات والدي ﵀، وأنا الآن نادم على ذلك فما المخرج من ذلك، مع العلم بأني تعيس في حياتي وتزداد تعاستي كلما تذكرت ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه عقوبة معجلة لقطيعة الرحم؛ لكن عليك التوبة ومن تاب تاب الله عليه، وعليك مع ذلك أن تدعو لوالديك وتستغفر لهما في ظهر الغيب، وتكثر من الدعاء لهما ليل نهار، وتتصدق عنهما، وتحج عنهما، وتعتمر عنهما وكل هذا ينفعهم.\n(جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما بعد موتهما قال: نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما)، وهذه كلها من الحقوق، الدعاء وإنفاذ الوصية والعهد، وإكرام صديقهما، والصدقة، والحج والعمرة وكل هذا ينفعهم.","vol":"9","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>الخلاف في رؤية الكفار لربهم بعد الموت</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما المقصود من قوله جل وعلا ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] هل هم الكفار فقط أم يشمل المنافقين، ومتى يحجبون عن الله ﵎؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا يشمل جميع الكفار، فكل الكفار محجوبون عن الله، والمؤمنون يرون ربهم يوم القيامة، يرونه في موقف القيامة ويرونه بعد دخولهم الجنة.\nوأما الكفار فقد اختلف العلماء في رؤيتهم لربهم في الموقف، فمن العلماء من قال: بأنه يراه أهل الموقف جميعًا، ومنهم الكافرون، ثم يحتجب عن الكفرة.\nوقيل: لا يراه إلا المؤمنون فقط.\nوقيل: لا يراه إلا المؤمنون والمنافقون؛ لأن المنافقين مع المؤمنين في الدنيا.\nفهذه أقوال ثلاثة لأهل العلم، ومن قال إن المؤمنين والكفار يرون ربهم قال: إن الكفار يرون الله في موقف القيامة ولكن لا تفيدهم هذه الرؤية بل تكون عذابًا لهم، كالسارق الذي يؤتى به أمام الأمير وأمام الملك يوبخه، ثم بعد ذلك يعاقب، وتكون هذه زيادة عقوبة له.\nومن العلماء من استدل بهذه الآية على أن جميع الكفرة محجوبون عن الله، وقال: لا يراه إلا المؤمنون: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ﴾ [المطففين:١٥]، فالضمير للكفرة بجميع أصنافهم و﴿يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] أي: يوم القيامة.","vol":"9","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>الجمع بين حديث: (لا يدخل الجنة قاطع رحم)، وأن أهل الكبائر تحت المشيئة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف نجمع بين قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا يدخل الجنة قاطع رحم)، وبين ما استقر من نصوص الشريعة عند أهل السنة من أن أهل الكبائر تحت المشيئة إن شاء الله غفر لهم وإن شاء أدخلهم النار؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يوجد منافاة، فهذا من باب الوعيد عند أهل السنة، وقد ينفذ الوعيد وقد لا ينفذ، والوعيد قد ينفذ في بعضهم، فقاطع الرحم تحت مشيئة الله إن شاء الله غفر له وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه فلا يدخل الجنة مع الأولين، بل يعذب ثم يدخل الجنة بعد ذلك، إذا لم يكن عنده كفر أكبر أو نفاق أكبر أو شرك أكبر، فلا توجد منافاة.","vol":"9","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>حكم بقاء المرأة في عصمة زوج يتعمد تأخير الصلاة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أنا امرأة متزوجة ولدي أولاد، وزوجي -هداه الله- ينام طيلة اليوم ولا يصلي أحيانًا أكثر الصلوات إلا جمعًا، فيصلي الظهر مع العصر والفجر مع الظهر أو مع العصر وهكذا، هذا ديدنه، علمًا بأنه يتكاسل حتى عن أغراض كثيرة نحتاجها للبيت في فترة نومه وبعد استيقاظه، فما حكم ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أغراض البيت سهلة، لكن المصيبة الصلاة، فكيف يجمع الفجر مع الظهر، والفجر لا تجمع مع الظهر لا للمسافر ولا للمريض ولا غيره، وهو يجمع الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فهذا نخشى عليه من الردة والكفر.\nوبعض العلماء يرى أنه إذا تعمد تأخير الصلاة عن وقتها تكون ردة وكفرًا والعياذ بالله، فالواجب على هذه المرأة أن تنصح هذا الرجل فإن لم يقبل تذهب إلى أهلها وتتركه، ولا يجوز لها البقاء عنده على هذه الحال.\nبعض العلماء يرى كفره وضلاله، وقال آخرون: إنها جريمة عظيمة أعظم من جريمة الزاني والسارق وشارب الخمر والعاق لوالديه وقاطع الرحم.\nوالمقصود أن على هذه المرأة أن تذهب إلى أهلها وتترك هذا الرجل حتى يتوب إلى الله، ولا تبقى عنده.","vol":"9","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>حكم زواج الرجل بامرأة زنى بها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا زنا رجل بامرأة وأرادوا منه التزوج بها قبل توبتهما، فهل نقول بجواز ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً﴾ [النور:٣]، فهما لم يتوبا، فهل يصح زواجهما، وما حكم ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يجوز أن تزوج وهي زانية، وإن كان بينهما ولد فهو سفاح، ويفرق بينهما، ويقام الحد على الرجل وعلى المرأة، فالرجل يجلد مائة جلدة ويغرب عامًا، والمرأة تجلد مائة جلدة وتغرب، وإن كانت متزوجة ترجم بالحجارة حتى تموت، وإذا صحت التوبة بعد ذلك وظهرت توبتها وإصلاحها تزوج، وهو إذا صحت توبته يزوج منها أو من غيرها، أما أن تزوج وهي على زناها والعياذ بالله، فهذا منكر.","vol":"9","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>حكم وصف الله بالصانع</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز أن يطلق على الله جل وعلا وصف الصانع؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، وهذا من باب الخبر، وباب الخبر أوسع من باب الوصف عند أهل العلم، فيذكر عن الله بأنه صانع، بأنه شيء، وبأنه ذات، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١٩]، يخبر عن الله بأنه موجود، ولكن لا يقال: إن من أسماء الله الموجود أو الصانع أو الذات.\nفالقاعدة عند أهل العلم أن الخبر أوسع من باب الصفة؛ لأن الصفة توقيفية وكذلك الأسماء، فلا يسمى الله إلا بما سمى به نفسه، وأطلقه على نفسه كالعليم، السميع، البصير.\nأما الإخبار عن الله بأنه صانع، أو بأنه ذات، أو بأنه شيء، فهذا من باب الخبر لا من باب الوصف فيجوز.","vol":"9","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>شرط نكاح الكتابية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل من شروط للزواج من الكتابية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، يشترط أن تكون الكتابية محصنة لجواز الزواج بها، فتكون محصنة عفيفة تعمل بدينها، وتعرف بأنها من أهل الكتاب، أما إذا تحللت من دينها فقد صارت جاحدة أو معطلة تخرج عن أهل الكتاب.","vol":"9","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>حكم ولد الزنا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الحكم في الابن الذي أتى من الزنا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يكون لقيطًا من اللقطاء، فإذا كان هناك دار خاصة له يتربى فيها فهو أفضل، وإن لم يكن أخذه أحد المسلمين ورباه حتى يكبر وله الأجر.","vol":"9","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>حكم مخالفة أهل السنة في مسائل الإيمان</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم من خالف أهل السنة والجماعة في مسائل الإيمان؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا السؤال مجمل، فما المراد بمسائل الإيمان؟ هل في شعب الإيمان؟ أو خالف أهل السنة والجماعة في أنه ما عمل بشرائع الإيمان، فيكون عاصيًا، أو هل خالف المعتقد؟ فينظر مراد السائل.","vol":"9","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>حكم تزويج اللقيط</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هو حكم تزويج اللقيط؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان يرضى دينه، وكان مستقيمًا فلا بأس بذلك، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، وهو ليس عليه شيء، بل يكون فردًا من أفراد المسلمين، يزوج كغيره، والإثم على الزاني وليس عليه.","vol":"9","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>حكم إمامة ولد الزنا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يكون ولد الزنا إمامًا في الصلاة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، يكون إمامًا، كما ذكر الفقهاء وقالوا: تصح إمامة ولد الزنا، إذا سلم دينه وصح؛ لأنه ليس عليه الإثم، إنما الإثم من الزاني.","vol":"9","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>كلام مسيء إلى النبي ﷺ</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقول أحدهم: وكذلك ذله -يعني: النبي ﷺ- وانكساره بين يدي الله عندما يطالع المقامات العظيمة، والمنن الوفيرة التي أعطيها؛ ما ذلك إلا لأنه أوتي شيئًا هو أحقر من أن يعطاه ببشريته وإنسانيته وآدميته ودينه، فما رأيكم في مثل هذا الكلام؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا الكلام ليس بطيب، بل هو كلام سيء، فإننا لا نشك أن الرسول كان متواضعًا، فهو يتواضع لربه ﵊، عندما دخل مكة دخلها وقد خفض رأسه، تواضعًا لربه ﷿.\nوقوله: (أحقر من أن يعطى ببشريته) فإنه ﵊ أهل لذلك، فلولا أنه أهل لذلك لما أعطاه الله ذلك، والله تعالى كمله وجعله في أعلى مقام العبودية والرسالة، فكيف يكون أحقر في ذلك؟","vol":"9","page":24},{"text":"شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-184>[١٠]</span>\nوردت بعض النصوص بإثبات الإسلام لقوم مع نفي الإيمان عنهم، وقد اختلف الناس في ذلك، وقد بين شيخ الإسلام بالأدلة أن المنفي كمال الإيمان والمثبت أصله.","vol":"10","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>القول فيمن أثبت الإسلام دون الإيمان</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وحينئذ فهؤلاء الذين أثبت لهم القرآن والسنة الإسلام دون الإيمان، هل هم المنافقون الكفار في الباطن؟ أم يدخل فيهم قوم فيهم بعض الإيمان؟ هذا مما تنازع فيه أهل العلم على اختلاف أصنافهم، فقالت طائفة من أهل الحديث والكلام وغيرهم: بل هم المنافقون الذين استسلموا وانقادوا في الظاهر، ولم يدخل إلى قلوبهم شيء من الإيمان].\nهذا القول الأول، وهو قول الإمام البخاري وبعض أهل الكلام من الخوارج والمعتزلة، قالوا: هؤلاء الذين نفي عنهم الإيمان وأثبت لهم الإسلام في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، هم منافقون، وهذا إسلام المنافقين.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وأصحاب هذا القول قد يقولون: الإسلام المقبول هو الإيمان؛ ولكن هؤلاء أسلموا ظاهرًا لا باطنًا فلم يكونوا مسلمين في الباطن، ولم يكونوا مؤمنين، وقالوا: إن الله سبحانه يقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]].\nهذا دليلهم، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]، قالوا: المراد بالإسلام الإيمان، والإيمان هو الإسلام فهما مترادفان عند هذه الطائفة ولا فرق بينهما، فمن ابتغى غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه، والإسلام هو الإيمان، ومادام نفي عنهم الإيمان، فلا يقبل منهم، ودل على أنهم منافقون.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [بيانه: كل مسلم مؤمن فما ليس من الإسلام فليس مقبولًا، يوجب أن يكون الإيمان منه، وهؤلاء يقولون: كل مؤمن مسلم وكل مسلم مؤمن إذا كان مسلمًا في الباطن، وأما الكافر المنافق في الباطن، فإنه خارج عن المؤمنين المستحقين للثواب باتفاق المسلمين].\nعندهم أن كل مسلم مؤمن وكل مؤمن مسلم، أما الكافر منافق الباطن فلا شك أنه ليس من المؤمنين.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا يسمون بمؤمنين عند أحد من سلف الأمة وأئمتها، ولا عند أحد من طوائف المسلمين، إلا عند طائفة من المرجئة وهم الكرامية الذين قالوا: إن الإيمان هو مجرد التصديق في الظاهر، فإذا فعل ذلك كان مؤمنًا، وإن كان مكذبًا في الباطن، وسلموا أنه معذب مخلد في الآخرة، فنازعوا في اسمه لا في حكمه].\nالكرامية جمعوا بين المتناقضين في مسمى الإيمان، وفي اسم المؤمن وحكمه، قالوا: إذا نطق الإنسان بالشهادتين نسميه مؤمنًا كامل الإيمان، وإن كان مكذبًا في الباطن فهو مخلد في النار، فجمعوا بين المتناقضين، ولهذا كان من أفسد تعاريف الإيمان قول الكرامية، يليه في الفساد قول الجهمية الذين يقولون: الإيمان معرفة الرب بالقلب، والكرامية يقولون: الإيمان النطق اللسان ولو كان مكذبًا في الباطن، فإذا نطق باللسان فهو مؤمن كامل الإيمان، ثم بعد ذلك ننظر إلى قلبه، إن كان مصدقًا فإنه يدخل الجنة، وإن كان مكذبًا فهو مخلد في النار، وهذا من أفسد ما قيل.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن الناس من يحكي عنهم أنهم جعلوهم من أهل الجنة، وهو غلط عليهم].\nهذا ليس بصحيح، فالذين يجعلونهم من أهل الجنة هم المرجئة.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ومع هذا فتسميتهم له مؤمنًا بدعة ابتدعوها مخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وهذه البدعة الشنعاء هي التي انفرد بها الكرامية دون سائر مقالاتهم أي: تسمية المكذب بالباطن مؤمنًا بدعة ابتدعوها مخالفة للكتاب والسنة، حيث سموا من نطق بالشهادتين مؤمنًا ولو كان مكذبًا في الباطن.","vol":"10","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>قول الجمهور فيمن أثبت الإسلام دون الإيمان</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الجمهور من السلف والخلف: بل هؤلاء الذين وصفوا بالإسلام دون الإيمان، قد لا يكونون كفارًا في الباطن، بل معهم بعض الإسلام المقبول].\nهذا هو القول الثاني: أن المسلم غير المؤمن، فالمسلم هو الذي دخل في الإسلام ولكنه مقصر في بعض الواجبات، أو فاعل لبعض المحرمات، والمؤمن هو الذي أدى الواجبات وترك المحرمات، فالآيات التي أثبتت الإسلام ونفت الإيمان محمولة على ضعيف الإيمان، وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية وجمهور من السلف والخلف.\nمثل قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، والأعراب ليسوا كلهم منافقين، ولكنهم ضعيفو الإيمان، دخلوا في الإسلام وعندهم ضعف.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وهؤلاء يقولون: الإسلام أوسع من الإيمان فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنًا].\nالإسلام أوسع دائرة من الإيمان؛ لأن الإسلام يطلق على العاصي وعلى المطيع، أما الإيمان فلا يطلق إلا على المطيع، فالعاصي لا يسمى مؤمنًا بإطلاق، وكل المسلمين يدخلون في الإسلام، العصاة والمطيعين؛ لكن الإيمان لا يدخل فيه إلا المطيع، ودائرته أضيق.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويقولون في قول النبي ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) إنه يخرج من الإيمان إلى الإسلام].\nهذا الحديث صحيح رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والدارمي وابن حبان والبغوي وابن أبي شيبة وغيرهم.\nوفي هذا الحديث نفى النبي ﷺ الإيمان عن الزاني والسارق والشارب، وفي لفظ: عن الناهب قال: (ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن).\nوهذه فسرها الجمهور فقالوا: إن الزاني والسارق خرجوا من الإيمان عند الإطلاق إلى الإسلام، فيسمى الزاني مسلمًا ولا يسمى مؤمنًا؛ لأنه فعل كبيرة، وإلا فمعه أصل الإيمان، وليس بكافر، فالإسلام لابد له من إيمان، فيؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر لكن لما فعل الكبيرة لم يسم مؤمنًا حتى يتوب فيسمى مسلمًا.\nوكذلك السارق وشارب الخمر عند جمهور أهل السنة، فلا نقول عن الزاني إنه مؤمن ولا نقول ليس بمؤمن، بل نقول: إنه مؤمن ضعيف الإيمان، مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وفي النفي لا نقول: إن الزاني ليس بمؤمن لأن هذا معناه أنه كافر، ولكن نقول: ليس بصادق الإيمان، وليس بمؤمن حقًا، وهذا مذهب جماهير أهل السنة وعلى رأسهم، شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ودوروا للإسلام دارة، ودوروا للإيمان دارة أصغر منها في جوفها، وقالوا: إذا زنى خرج من الإيمان إلى الإسلام ولا يخرجه من الإسلام إلى الكفر.\n].\nجعلوا دائرتين دائرة كبيرة وفي وسطها دائرة صغيرة وقالوا: إذا أدى المؤمن الواجبات وترك المحرمات فهو في الدائرة الصغيرة، فإذا زنا خرج من الدائرة الصغيرة إلى الدائرة التي هي أكبر منها، فإذا خرج من الدائرة التي أكبر منها خرج إلى الكفر، فيكون للإسلام دائرة، في وسطها دائرة صغيرة، ومن وراء الإسلام دائرة كبرى، فالمؤمن إذا أدى الواجبات وترك المحرمات صار في الدائرة الصغيرة، وإذا زنى أو فسق أو سرق خرج من الدائرة الصغيرة إلى دائرة الإسلام، وإذا فعل مكفرًا خرج من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر، نسأل الله السلامة والعافية.\nودائرة الإحسان تكون دائرة أصغر من دائرة الإسلام، فدائرة الإحسان صغيرة ثم أكبر منها دائرة الإيمان، ثم دائرة الإسلام، ثم بعد ذلك دائرة الكفر.\nوالإحسان: أن يعبد الله على المشاهدة، ويراقب ربه، والمؤمن هو الذي فعل الطاعات وترك المحرمات، لكن ما وصل إلي درجة المراقبة والمشاهدة التي هي درجة الإحسان.","vol":"10","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>أدلة الجمهور على إثبات الإسلام لضعيف الإيمان</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ودليل ذلك أن الله ﵎ قال: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٤ - ١٧]].\nهذه الآيات استدل بها أهل القول الثاني من جمهور السلف والخلف على أن ضعيف الإيمان يثبت له الإسلام وينفى عنه الإيمان، والدلالة أنه نفى عنه الإيمان وأثبت له الإسلام قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، وهؤلاء الأعراب دخلوا في الإسلام من جديد وعندهم ضعف ونقص.\nوالبخاري وجماعة يقولون: هؤلاء منافقون، والإسلام الذي أثبت لهم هو إسلام المنافقين؛ لأن الإيمان والإسلام شيء واحد.\nوهناك مرجحات للقول بأنهم ضعفاء الإيمان وليسوا منافقين، منها قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] أي: لما يدخل الإيمان الكامل فيكم ويتوقع دخوله.\nمنها أنه أثبت لهم طاعة حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحجرات:١٤]، ولو كانوا منافقين فليس لهم طاعة.\nومنها أنه أثبت لهم ثوابًا.\nومنها أنه بين المؤمنين الخلص الكاملين بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:١٥]، ثم قال: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ [الحجرات:١٦]، فأثبت لهم الدين، ثم قال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات:١٧]، فأثبت لهم الإسلام، ولو كانوا منافقين ما أثبت لهم الإسلام.","vol":"10","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>الأدلة التي رجح بها الجمهور كون ضعيف الإيمان يسمى مسلمًا</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [فقد قال تعالى ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، وهذا الحرف - أي: لما - ينفى به ما قرب وجوده وانتظر وجوده ولم يوجد بعد، فيقال لمن ينتظر غائبًا: أي: لما، ويقال: قد جاء لما يجئ بعد، فلما قالوا آمنوا قيل: لم تؤمنوا بعد، بل الإيمان مرجو منتظر منهم].\nهذا هو المرجح الأول أنهم ضعفاء الإيمان، وهو أنه أتى بلما، فقال تعالى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، وهذا ينفى به ما قرب وجوده وانتظر وجوده ولم يوجد بعد، فتقول: أثمرت البساتين ولما يثمر بستاننا، أي: قرب، والمعنى: أن بستاننا ما أثمر وسوف يثمر قريبًا، فقوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، أي: لم تؤمنوا ولكن قرب دخول الإيمان في قلوبكم، فهذا دليل على أنهم دخلوا في الإسلام إلا أنهم لم يدخلوا الإيمان الكامل، ولهذا قال: وهذا الحرف -أي: لما- ينفى به ما قرب وجوده وانتظر وجوده، فهنا المعنى: قرب وجود الإيمان المنتظر وجوده ولكنه لم يوجد بعد، فمن ينتظر غائبًا وسأل هل أتى فلان؟ تقول له: لما يأت، وسوف يأتي قريبًا، وهل قدم فلان من السفر؟ لما يقدم، أي: هو سيقدم قريبًا، فأنت نفيت عنه القدوم ولكنك أثبت قرب قدومه، وكذلك لما يدخل الإيمان في قلوبكم أي: هو سوف يدخل قريبًا، وهذا هو المرجح الأول.","vol":"10","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>دليل إثبات الطاعة للمسلم</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، أي: لا ينقصكم من أعمالكم المثبتة شيئًا، أي: في هذه الحال؛ فإنه لو أراد طاعة الله ورسوله بعد دخول الإيمان في قلوبهم لم يكن في ذلك فائدة لهم ولا لغيرهم؛ إذ كان من المعلوم أن المؤمنين يثابون على طاعة الله ورسوله، وهم كانوا مقرين به فإذا قيل لهم: المطيع يثاب والمراد به المؤمن الذي يعرف أنه مؤمن لم يكن فيه فائدة جديدة].\nهذا هو المرجح الثاني، ووجه الدلالة أنه أثبت لهم طاعة، ولو كانوا منافقين لم يثبت لهم طاعة، فلما أثبت لهم طاعة دل على أنهم مسلمون، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات:١٤]، إن تطيعوا الله ورسوله وأنتم في هذه الحال، لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئًا؛ لأنكم مسلمون، ولا يقول القائل: إن المراد وإن تطيعوا الله بعد دخول الإيمان في قلوبكم؛ لأنه لو أراد طاعة الله ورسوله بعد دخول الإيمان في قلوبهم لم يكن في ذلك فائدة لهم أو لغيرهم، إذ كان من المعلوم أن المؤمنين يثابون على طاعة الله ورسوله، وهم كانوا مقرين به.\nلكن المراد: إن تطيعوا الله ورسوله وأنتم في هذه الحال مع ضعف إيمانكم يثبكم الله على أعمالكم.\nفكونه أثبت لهم طاعة الله ورسوله وهم في هذه الحال، دل على أنهم ليسوا منافقين وإنما هم ضعيفو الإيمان، وضعيف الإيمان يثاب على أعماله.\nفأثبت لهم طاعة مع نفي الإيمان الكامل عنهم، فدل على أنهم مسلمون وليسوا منافقين كما يقوله الإمام البخاري والجماعة.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وأيضًا: فالخطاب لهؤلاء المخاطبين قد أخبر عنهم: لما يدخل في قلوبهم، وقيل لهم: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات:١٤]، فلو لم يكونوا في هذه الحال مثابين على طاعة الله ورسوله لكان خلاف مدلول الخطاب].\nهذا هو المرجح الثالث، فمدلول الخطاب لهؤلاء الأعراب، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات:١٤]، ثم خاطبهم فقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات:١٤].\nفأهل القول الأول يقولون: هذه الطاعة تكون بداية دخول الإيمان في قلوبهم، ونحن نقول: ولو كان كذلك لكان خلاف مدلول الخطاب، والخطاب موجه لهم وهم في هذه الحال، أي: قل لم تؤمنوا أيها الأعراب ولكن قولوا أسلمنا، وإن تطيعوا الله يثبكم على أعمالكم.\nفإن قيل: إن الطاعة تكون بعدما يدخل الإيمان في قلوبهم، قلنا: لو كان كذلك لصار الخطاب غير موجه إليهم، وإنما وجه إليهم بعد دخول الإيمان، وهذا خلاف مجيء الخطاب، وهذا هو المرجح الثالث.","vol":"10","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>دلالة وصف كاملي الإيمان بعد ذكر الضعفاء فيه</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [فبين ذلك أنه وصف المؤمنين الذين أخرج هؤلاء منهم فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥]، وهذا نعت محقق للإيمان؛ لا نعت من معه مثقال ذرة من إيمان].\nهذا هو المرجح الرابع: أنه بعد أن أخبرهم بأنهم ضعفاء الإيمان، بين لهم أوصاف المؤمنين الكمل الذين حققوا الإيمان فقال: انظروا أوصاف المؤمنين الذين حققوا الإيمان: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥]، فهؤلاء هم الصادقون في إيمانهم، الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يشكوا وجاهدوا بالمال وجاهدوا بالنفس فأولئك هم الصادقون، وأنتم لستم صادقين.\nوضعيف الإيمان ليس بصادق الإيمان، وهؤلاء هم الصادقون، كما قالت الآية الأخرى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٢ - ٤]، فهؤلاء المؤمنون الذين حققوا لإيمان.\nوفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور:٦٢]، فالمرجح الرابع: أن الله بين وصف المؤمنين الكمل الذين حققوا الإيمان، والأعراب خرجوا من هذا الوصف، فهذا وصف المؤمنين الذين حققوا الإيمان ولستم أيها الأعراب منهم؛ لأنكم لم تصلوا إلى هذه الدرجة، فأنتم ضعيفو الإيمان، وهؤلاء حققوا الإيمان وكملوه.\nوهؤلاء الأعراب وغيرهم معهم أصل الإيمان، لكن ليس معهم كمال الإيمان.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٢ - ٤]].\nهذا هو الشاهد: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤]، كما أن الشاهد في الآية السابقة، ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥]، والمقصود هؤلاء الذين حققوا الإيمان وصدقوا في إيمانهم، وأنتم أيها الأعراب لم تصلوا إلى هذه الدرجة، ولم تصلوا إلى كمال الإيمان.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النور:٦٢]].\nهؤلاء هم المؤمنون الكمل.","vol":"10","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>تقرير مذهب الجمهور</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ومنه قوله ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، وأمثال ذلك].\nهؤلاء نفي عنهم الإيمان لضعفهم مثل الأعراب.\nوالمؤلف ﵀ يقرر بهذا مذهب الجمهور، وأن هؤلاء الذين نفي عنهم الإيمان وأثبت لهم الإسلام ليسوا منافقين ولكن إيمانهم ضعيف، فلهذا نفى عنهم الإيمان الكامل وإن كان معهم أصل الإيمان الذي يصح به الإسلام، والإسلام لابد له من إيمان يصححه، فالمسلم لابد أن يكون مؤمنًا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإيمان الذي يصحح الإسلام لابد منه، لكن الإيمان المكمل هو الذي نفي عنهم، والمثبت لهم أصل الإيمان.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [فدل البيان على أن الإيمان المنفي عن هؤلاء الأعراب: هو هذا الإيمان الذي نفي عن فساق أهل القبلة الذين لا يخلدون في النار].\nالإيمان الذي نفي عن الأعراب في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، هو الإيمان الذي نفي عن الفساق في الحديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن)، والفاسق عندما ينفى عنه الإيمان ليس بكافر، وإنما ينفى عنه الكمال؛ لأن عنده أصل الإيمان الذي يصح به الإسلام، فهو مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، فكذلك الأعراب أثبت لهم أصل الإيمان ونفي عنهم كمال الإيمان وتحقيقه.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [بل قد يكون مع أحدهم مثقال ذرة من إيمان، ونفي هذا الإيمان لا يقتضي ثبوت الكفر الذي يخلد صاحبه في النار].\nيعني: أن نفي الإيمان هنا معناه: نفي كمال الإيمان، لا أنه يكون كافرًا، كما في الحديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، فالذي نفي عنه هو كمال الإيمان ولا يقتضي الكفر، بل يقتضي حدوث أصل الإيمان، إنما الذي يقتضي الكفر هو نفي أصل الإيمان.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وبتحقق هذا المقام يزول الاشتباه في هذا الموضع، ويعلم أن في المسلمين قسمًا ليس هو منافقًا محضًا في الدرك الأسفل من النار، وليس هو من المؤمنين الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥].\nولا من الذين قيل فيهم: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٧٤].\nفلا هم منافقون ولا هم من هؤلاء الصادقين المؤمنين حقًا، ولا من الذين يدخلون الجنة بلا عقاب، بل له طاعات ومعاص وحسنات وسيئات، ومعه من الإيمان ما لا يخلد معه في النار.\nوله من الكبائر ما يستوجب دخول النار، وهذا القسم قد يسميه بعض الناس: الفاسق الملي، وهذا مما تنازع الناس في اسمه وحكمه].\nبتحقيق هذا المقام يزول الاشتباه في هذا الموضع؛ لأن هذا الموضع موضع اشتباه، ووجه ذلك أن الخوارج لما سمعوا: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، وقوله: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، كفروه، وقالوا: نفي عنه الإيمان لكفره، فاشتبه عليهم الأمر، واشتبهت عليهم النصوص، ولم يجمعوا بينها.\nوأما المرجئة فقالوا: هو مؤمن كامل الإيمان.\nوهدى الله أهل السنة والجماعة فجمعوا بين النصوص.\nوبتحقيق هذا المقام في هذا الموضع، الذي فيه نصوص أثبتت الإسلام لقوم ونفت عنهم الإيمان علم أن في المسلمين قسمًا ليس هو منافقًا محضًا في الدرك الأسفل من النار وليس هو من المؤمنين الكمل، الذين حققوا الإيمان.\nفهو مؤمن ضعيف الإيمان، وليس من المؤمنين الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥]، ولا من الذين قيل فيهم: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤]، كما في سورة الأنفال، فلا هم منافقون، ولا هم من هؤلاء الصادقين المؤمنين حقًا، ولا هم من الذين يدخلون الجنة بلا عقاب، بل لهم طاعات ومعاصي، فالناس أربعة أصناف، وكلها داخلة في مسمى الإسلام، وهم الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، وهؤلاء يثبت لهم الإسلام وينفى عنهم الإيمان، القسم الثاني الصادقون المؤمنون حقًا، وهم الذين أدوا الواجبات وتركوا المحرمات، قال الله عنهم: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥]، ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤].\nالقسم الثالث: الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، وهم الذين أحكموا التوحيد وخلصوه ونقوه من شوائب الشرك والبدع ونحو ذلك.\nالقسم الرابع: المؤمنون ضعيفو الإيمان، الذين لهم طاعات وحسنات ومعاص وسيئات، ومعهم من الإيمان ما يمنع الخلود في النار، ومعهم من الكبائر ما يقتضي دخول النار، وهذا هو الذي وصف به الأعراب والزاني والسارق الذين نفي عنهم الإيمان في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] والحديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن).\nفهذه أربعة أصناف كلها داخلة في مسمى الإسلام غير الكفار، والكافر هو القسم الخامس.\nفالكافر ظاهرًا وباطنًا ليس بمؤمن، ويشمل اليهود والنصارى والوثنيين والمجوس والشيوعيين والملاحدة جميعًا، فكلهم أظهروا كفرهم، وهم صنف واحد.\nوالصنف الرابع الذين لهم طاعات وحسنات ولهم معاص وسيئات، فليس معهم كمال الإيمان، بل معهم من الإيمان ما لا يخلد في النار ولهم كبائر يستوجبون بها دخول النار- فهم تحت مشيئة الله، قد يعفو الله عنهم ويدخلهم الجنة من أول وهلة، وقد يعذبهم ولكن لا يخلدون، وقد يكون مخلدًا في النار على حسب الجرائم؛ لأنه تواترت الأخبار أنه يدخل النار جملة من أهل الكبائر مؤمنون مصدقون لكنهم دخلوا النار بالمعاصي، كمن مات على سرقة أو زنا أو عقوق، وبعضهم يكون مكثرًا حتى أنه يخلد كالقاتل، والمراد بالخلود: طول المكث، أي: يمكث مدة طويلة ولكن لا يخلد، فالخلود خلودان: خلود مؤبد لا نهاية له، وهذا خلود الكفرة، والثاني: خلود مؤقت، له أمد ونهاية، وهو خلود بعض العصاة الذين اشتدت جرائمهم وكثرت وفحشت كالقاتل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣]، لكنه ليس بكافر إلا إذا استحل، فإذا رأى أن القتل حلال كفر.\nكذلك المرابي إذا تعامل بالربا فهو ضعيف الإيمان، إلا إذا اعتقد أن الربا حلال كفر.\nفهذا القسم هم الذين قال فيهم النبي ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، فمعهم أصل الإيمان الذي يمنعهم من الخلود في النار كالكفرة، ومعهم كبائر يستوجبون بها دخول النار كالعصاة، وهذا القسم يسميه بعض الناس الفاسق الملي.\nوالفاسق هو الذي دخل في ملة الإسلام مثل الزاني والسارق وشارب الخمر والمرابي والقاتل، وهذا مما تنازع الناس في اسمه وحكمه، فأهل السنة يسمونه مؤمنًا ناقص الإيمان، والخوارج يسمونه كافرًا، والمعتزلة يقولون: خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، والمرجئة يسمونه مؤمنًا كامل الإيمان.\nهذا في الاسم، وأما في الحكم فأهل السنة يقولون: هو تحت مشيئة الله، والخوارج يقولون: مخلد في النار، والمعتزلة: مخلد في النار، والمرجئة: يدخل الجنة من أول وهلة.","vol":"10","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>بيان مبدأ ظهور الخلاف في الدين</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [والخلاف فيه أول خلاف ظهر في الإسلام في مسائل أصول الدين].\nوذلك في عصر الصحابة، فبعد قتل أمير المؤمنين عثمان، خرجت الخوارج وكفروا عليًا وعثمان، وقالوا: أنتم حكمتم الرجال في كتاب الله، وأصل الخوارج رجل خرج في عهد النبي ﷺ، وهو الرجل الذي اعترض على النبي ﷺ وقال: اعدل يا محمد.\nولما استأذنه خالد ﵁ في قتله، قال: (اتركه فإنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم، تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم)، فرأي الخوارج قديم أصله على عهد النبي ﷺ، وبعد قتل أمير المؤمنين عثمان ﵁ خرجت الخوارج، ثم بعده جاءت المرجئة والمعتزلة.\nوكذلك الشيعة خرجوا في زمن علي ﵁ وظهرت السبئية الذين غلوا فيه، وقالوا أنت الإله، فخد لهم أخدودًا وأجج لها نارًا وألقاهم فيها وهم أحياء من شدة غضبه عليهم، وقال: لما رأيت الأمر منكرًا أججت ناري ودعوت قنبرًا.\nوإن كان هذا شاذًا من أمير المؤمنين علي، والصواب: أنه يقتل، لأنه لا يعذب بالنار إلا رب النار كما في الحديث، ولكن من شدة حنقه اجتهد وأحرقهم بالنار، فلما ألقوا في النار زادوا في الشرك وسجدوا له وقالوا: هذا هو الإله، نعوذ بالله.\nقال ابن عباس ﵁: لو كنت مكان أمير المؤمنين لقتلتهم بالسيف، لقول النبي ﷺ: (لا يعذب بالنار إلا رب النار)، لكن اجتهد.\nوالصديق ﵁ حرق بعض المرتدين من أهل الردة، وكذلك خالد بن الوليد حرقهم بالنار اجتهادًا، فيحتمل أن النص ما بلغهم.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [فنقول: لما قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، وصار علي بن أبي طالب ﵁ إلى العراق، وحصل بين الأمة من الفتنة والفرقة يوم الجمل، ثم يوم صفين ما هو مشهور؛ خرجت الخوارج المارقون على الطائفتين جميعًا، وكان النبي ﷺ قد أخبر بهم، وذكر حكمهم].\nبعد موقعة الجمل وصفين خرجت الخوارج، والخوارج مذهبهم مذهب فاسد باطل، وهو: تكفير المسلمين بالمعاصي، فمن فعل معصية كبيرة كفر عند الخوارج، وخرج من الإيمان، هذا في الدنيا يعاملونه معاملة الكافر، فإذا زنا قالوا: كفر، وإذا سرق كفر، وإذا عمل بالربا كفر، إذا عق والديه كفر، وإذا أكل الرشوة كفر، وإذا اغتاب كفر، وإذا نم كفر، وحكمه عندهم أنهم يقتلونه، ويحلون دمه وماله، وهو في الآخرة مخلد في النار كالكفار، وهذا المذهب خبيث.\nإذًا في الدنيا يكفرونه ويستحلون دمه وماله، وفي الآخرة يخلد في النار.\nثم خرجت المعتزلة بعدهم ووافقوهم في أنه يخلد في النار، وخالفوهم في الدنيا وقالوا: لا نسميه كافرًا؛ لأن النصوص دلت على أنه خرج من الإيمان، ولم يدخل في الكفر؛ فقالوا: هو في منزلة بين منزلتين.\nوالمرجئة قالوا: هو مؤمن كامل الإيمان، فلو فعل جميع الكبائر والمنكرات فلا يضره ما دام أنه مصدق، بل هو مؤمن كامل الإيمان يدخل الجنة من أول وهلة.\nوأهل السنة وهم الطائفة الرابعة قالوا: هو مؤمن ضعيف الإيمان، ولا يقتل كالكافر، لكن يقام عليه الحد، فإذا زنى يقام عليه الحد، وإذا سرق يقام عليه الحد وتقطع يده، وهو في الآخرة تحت مشيئة الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨]، قد يعفو الله عنه، وقد يعذبه على قدر ذنوبه، وإذا عذب دخل النار ولم يخلد، وبعض العصاة يطول مكثه لكن له نهاية فيخرج، ولا يخلد إلا الكفرة.\nفهذه مباحث دقيقة ومسائل دقيقة جدًا وخطيرة في نفس الوقت؛ لأن بعض الناس يسلك مسلك الخوارج وهو لا يشعر، وبعض الناس يسلك مسلك الجهمية وهو لا يشعر، وبعض الناس يسلك مسلك المعتزلة، فلابد أن يكون المسلم عنده التحقيق في هذا المقال، ويجمع بين النصوص من كتاب الله وسنة رسوله، ويعمل بها من الجانبين.\nوالخوارج لا يعملون إلا ببعض النصوص، فيعملون بنصوص الوعيد، وأغمضوا أعينهم عن نصوص الوعد، فكفروا العصاة وخلدوهم في النار.\nوالمرجئة يعملون ببعض النصوص، كنصوص الوعد، وأهملوا نصوص الوعيد، فصاروا يقولون: إن العاصي كامل الإيمان، ويدخل الجنة من أول وهلة.\nوأهل السنة وفقهم الله فأخذوا نصوص الوعيد وصفعوا بها وجوه المرجئة وأبطلوا مذهبهم، وأخذوا نصوص الوعد وصفعوا بها وجوه الخوارج وأبطلوا مذهبهم، وأخذوا نصوص الوعيد فاحتجوا بها على أن المؤمن يضعف إيمانه، ونصوص الوعد فاحتجوا بها على أنه لا يخرج من الإسلام، فخرج مذهب أهل السنة من بين فرث ودم لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين، من بين فرث الخوارج ودم المرجئة.","vol":"10","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>الأسئلة</span>","vol":"10","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>الكلام حول كتاب (المعلوم في علاقة الحاكم والمحكوم)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما رأيكم في كتاب المعلوم في علاقة الحاكم بالمحكوم، وهل تنصحون بقراءته وتوزيعه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه الرسالة: العلاقة بين الحاكم والمحكوم أسئلة أجاب عليها سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز يرحمه الله، إعداد أبي عبد الله بن إبراهيم آل بليطح الوائلي، وقد قرأتها، وهي أسئلة موجهة لسماحة الشيخ ﵀، وأجاب عنها في مسائل تتعلق بالحكم فيما أنزل الله، ومسائل أخرى كثيرة.\nثم أضاف عليها بعد نهاية الأسئلة أقوالًا لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، بعضها مأخوذ من كتاب الإيمان، وأقوالًا للعلامة ابن القيم ﵀ في كتاب أعلام الموقعين.\nثم أورد بعد ذلك كلام ابن رجب الحنبلي ﵀ على حديث تميم الداري: (النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)، ثم نقل عن أبي بكر الآجري في الشريعة مسائل في حكم الأئمة وولاة الأمور، ثم نقل عن الشوكاني في كتابه السيل الجرار في الأئمة.\nوقد قرأته كله ولم يأت الكاتب بشيء من عند نفسه، وإنما هو نقول، والعلماء كانت توصي بقراءته وتوزيعه.","vol":"10","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>حكم ترك الجوال مفتوحًا أثناء الدروس والصلاة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نطلب منكم نصيحة لأصحاب الجوالات أن يغلقوها أثناء الدرس، حيث إنا قدمنا من بلاد بعيدة نطلب الفائدة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أجهزة الجوال يجب إغلاقها، وبعض الإخوان في آخر المسجد يستعملون الجوالات ويتكلمون في أثناء الدرس فيشوشون على إخوانهم، وهذا غلط، ولا ينبغي، والذي ينبغي التعاون على البر والتقوى، وإذا كنت لا تريد الفائدة، فاخرج من المسجد ولا تشوش على إخوانك، فيجب إغلاقه وقت الدرس، ووقت الصلاة، وطالب العلم لا يجمل به أن يجعل نغمات موسيقية، فهي محرمة.\nوالمقصود منها التنبيه، وليس المقصود منها الطرب، وأعظم من ذلك إذا كان في المسجد، وأعظم من ذلك إذا كان في الصلاة، فهذه ظلمات بعضها فوق بعض، ففي هذا تشويش على المصلين، فلا تلم إلا نفسك فأنت الآثم، فنصيحتي لإخواني جميعًا أن يجعلوا الجرس تنبيهًا عاديًا وليس فيه نغمات، سواء جرس الهاتف أو الجوال.\nوثانيًا: عليهم أن يغلقوه في المسجد، وفي وقت الصلاة وفي وقت الدرس كذلك، فينبغي للإخوان أن يتعاونوا، ومن يريد أن يفتحه فلا يفتحه في المسجد، بل عليه أن يخرج من المسجد.","vol":"10","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>حكم فاعل الكبيرة إذا تاب</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا خرج الإنسان من الإيمان إلى الإسلام بسبب المعاصي، فمتى يرجع إلى الإيمان مرة أخرى، وهل كل المعاصي تخرج من الإيمان؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الذي يخرج من الإيمان الكامل، يخرج إلى الإيمان الناقص وهو الإسلام، فالإسلام هو إيمان ناقص، فإذا تاب من الكبيرة التي ارتكبها أو تاب من التقصير في الواجبات عاد إلى تمام الإيمان.\nوكذلك الزاني إذا تاب من الزنا توبة نصوحًا بشروطها، بمعنى أنه أقلع عن المعصية، وندم على ما مضى، وعزم عزمًا جازمًا على ألا يعود إليها، ورد المظلمة إلى أهلها، فإن كانت سرقة ورد المال إلى صاحبه، فإنه يعود إليه الإيمان الكامل.\nوالمراد الكبائر وليس المراد الصغائر، فالصغائر تكفر باجتناب الكبائر، والكبائر جمع كبيرة، والكبيرة أصح ما قيل في تعريفها: هي كل ذنب وجب فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة بالنار أو اللعنة أو الغضب، مثل الزنا الذي جاء فيه الوعيد: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء:٣٢].\nوالقتل وعد عليه بالنار فهو كبيرة، وأكل مال اليتيم وعد عليه بالنار فهو كبيرة، والسرقة فيها حد وهو قطع يد فهي كبيرة.\nفإذا فعلها رجل ثم تاب توبة نصوحًا عاد إلى الإيمان الكامل، أما الصغائر فتكفر باجتناب الكبائر وأداء الفرائض، فإذا أدى الإنسان الفرائض وترك الكبائر كفر الله عنه الصغائر، قال ﵊: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينها إذا اجتنبت الكبائر)، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١]، والصغيرة كلطمة أو زلة أو هفوة أو نظرة وما أشبه ذلك، فهذه تكفر باجتناب الكبائر وأداء الفرائض.\nجاء في الحديث الآخر: أن فتنة الرجل في أهله وماله تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والحج، وقوله: (فتنة الرجل في أهله) أي: ما يحصل بينه وبين أهله أو بينه وبين جاره أو بينه وبين ولده من الكلام الذي يحصل بينهم، فهذا من الصغائر التي تكفر بأداء الفرائض، أما الكبائر فإنه بها من الإيمان الكامل إلى أصل الإيمان إذا فعل كبيرة، ويعود إليه إذا تاب من الكبيرة توبة نصوحًا.\nوألحق بعضهم بالكبائر ما نفي عن صاحبه الإيمان، أو قال فيه ليس منا، كحديث: (من غشنا فليس منا)، و(ليس منا ضرب الخدود وشق الجيوب)، أو تبرأ منه النبي ﷺ كما في الحديث: (برئ النبي ﷺ من الصالقة والحالقة والشاقة).\nفإن قيل: فهل البدع تدخل في الكبائر؟ قلنا: البدع تنقسم إلى قسمين: بدعة مكفرة وبدعة غير مكفرة، فإذا كانت البدع مكفرة فلها حكم الكفر، وإذا كانت بدعة غير مكفرة فحكمها حكم الكبائر وإن كانت أشد من الكبائر، فالبدعة المكفرة مثل بدعة القدرية الأولى الذين نفوا علم الله بالأشياء، ومثل بدعة الجهمية الذين نفوا الأسماء والصفات عن الله، وقد كفرهم ثلاثمائة عالم، ومثل بدعة الروافض الذين يعبدون آل البيت ويكفرون الصحابة ويفسقونهم وكذبوا النصوص، فهذه بدع مكفرة.\nأما البدع غير المكفرة فمثل بدعة المولد، وبدعة التلفظ بنية الأذكار في الصلوات وفي غيرها، فالبدعة حكمها حكم الكبيرة إذا كانت غير مكفرة، وإذا كانت مكفرة فحكمها حكم الكفر.","vol":"10","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>كيفية الجمع بين إثبات الزنا من المؤمن ونفي الإيمان عن الزاني</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف نجمع بين قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، إلى آخر الحديث وبين قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أيزني المؤمن يا رسول الله! قال: نعم، أيسرق المؤمن قال: نعم، أيكذب المؤمن، قال: لا)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نص الحديث: (أيكون المؤمن جبانًا، قال: نعم، قال: أيكون المؤمن كذابًا، قال: لا)، أما هذا اللفظ الذي ذكره السائل فلا أعرف صحته، ولو صح فالمراد بالإيمان المنفي هو الإيمان الكامل، والمثبت أصل الإيمان، وهذه قاعدة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، فأثبت لهم الإسلام ونفى عنهم الإيمان.\nفالإيمان المنفي هو كمال الإيمان وتحقيقه، والإيمان المثبت هو أصل الإيمان، فإذا صح الحديث الذي ذكره السائل فيعني أن معه أصل الإيمان.\nوأما حديث نفي الإيمان: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) فالمنفي كمال الإيمان، والمثبت أصل الإيمان، وهذا هو الجمع بينهم.\nأما الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه)، فهذا من كمال الإيمان، وكذلك قوله: (لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه)، وقوله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه).","vol":"10","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>الكلام حول حديث: (لا يدخل الجنة مدمن خمر)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما صحة حديث: (لا يدخل الجنة مدمن خمر)، وإذا صح، فعلام يحمل هذا النفي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الأصل أنهم لا يدخلون الجنة، والحديث (لا يدخل الجنة مدمن خمر ومصدق للسحر وقاطع رحم)، فيحمل على الوعيد عند أهل السنة، ويحمل على أنه كبيرة من كبائر الذنوب وعد عليه بعدم دخول الجنة، ولا يكون كافرًا.\nوالمعنى أنه لا يدخل الجنة جملة من أهل الكبائر من أول وهلة، ولكنهم يدخلونها بعد أن يتطهروا في النار، وليس المراد أنه كافر إلا إذا استحل الخمر، وقال إنه حلال فيكفر.","vol":"10","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>حكم تعليق التميمة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف ينكر على من وجد قد علق تيمية في يده يزعم أنها تشفي من المرض، وإذا لم يستجب للنصح فهل يمد الناطق يده ويقطع التميمية، أم يكتفي بالنصيحة وتبرأ ذمته؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  التميمة هي ما يعلق لدفع العين من الحُجُب، وقد يكون الحجاب على الرقبة أو في اليد أو في الإصبع، وأصلها خرزات يعلقها العرب لدفع العين في رقاب الأطفال وغيرها، وقال النبي ﷺ: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك).\nقال ﵊: (من تعلق تميمية فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله عليه)، وبعضهم يجعل المصحف تميمة فيجعله في السيارة بقصد دفع العين، والتمائم شرك أصغر إذا اعتقد أنها سبب.\nأما إذا اعتقد أنها هي المؤثرة بذاتها فهذا كفر وشرك بالربوبية، فإذا اعتقد أن التميمية نفسها تدفع العين وتدفع المرض بذاتها فهذا شرك في الربوبية يخرج من الملة تجاوز شرك كفار قريش، وشرك كفار قريش في العبادة والألوهية وهذا شرك في الربوبية، لكن الغالب الآن أن الذي يجعل التميمة يعتقد أنها سبب تدفع العين والشافي هو الله، وإذا اعتقد أنها سبب فهذا شرك أصغر؛ لأنها ليست شركًا، ومن اعتقدها سببًا لم يجعلها الله له سببًا.\nفالحاصل أن الذي يعلق التميمة له حالتان: الحالة الأولى: أن يعتقد أنها بذاتها تشفي وتدفع العين، فهذا شرك في الربوبية يخرج من الملة، وهذا قليل.\nالحالة الثانية: أن يعتقد أنها سبب والشافي هو الله، وهذا شرك أصغر.","vol":"10","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>الفرق بين من حقق الإيمان بفعل الطاعات وبين الذين يدخلون الجنة بلا حساب</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفرق بين من حقق الإيمان بفعل الطاعات وترك المعاصي، وبين الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب لتحقيقهم التوحيد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الفرق بينهم أن المؤمن كامل الإيمان الذي أدى الواجب وترك المحرمات، لكن الذي يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب قد زاد على هذا فحقق التوحيد وخلصه ونقاه وصفاه وترك الأمور المكروهة، وفعل المندوب، وترك الأمور التي هي خلاف الأولى، كما في قصة الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب قال عنهم النبي ﷺ: (هم الذين لا يسترقون) أي: لا يطلبون من يرقيهم.\nوالرقية هي القراءة على المريض، وذلك جائز، وقد يفعله كاملو الإيمان وليس فيه مانع، وليس بمعصية، لكن الذي حقق الإيمان فلا يطلب أحدًا يرقيه حتى لا يميل قلبه إليه، وإنما يعتمد على الله، فلا يطلب الكي أو التطبب مع أنه جائز وليس بحرام، فالذي يسترقي لا نقول إنه ناقص الإيمان أو ضعيف الإيمان، بل نقول: إنه ما حقق الإيمان، وقد حققه الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهم لا يسترقون ولا يتطيرون كأهل الشرك، فهم تركوا الشرك والطيرة، وتركوا الأمور المكروهة، وتركوا الأمور التي هي خلاف الأولى كالاسترقاء.\nوإن كان الذين يسترقون ويكتوون ليسوا فساقًا ولا ضعفاء الإيمان، بل هم كاملو الإيمان، لكن ما وصلوا إلى درجة من حقق التوحيد ودخل الجنة بلا حساب ولا عذاب.","vol":"10","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>حكم الدراسة في جامعة مختلطة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أدرس في جامعة مختلطة خارج المملكة بعد أن لم أجد قبولًا هنا، فما حكم الدراسة فيها، علمًا بأنني لم أجد قبولًا هنا، وقد أمضيت سنة دراسية فيها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يجوز لك أن تدرس في جامعة مختلطة؛ لأن هذا فيه خطر على دينك وعرضك؛ ولأن الدراسة في جامعة مختلطة والرجل والمرأة والذكر والأنثى في فصل واحد وسيلة قريبة إلى الزنا وفعل الفاحشة.\nكيف تخاطر بدينك وعرضك؟! أأنت تريد أن تطلب العلم الشرعي حينما تدرس في جامعة مختلطة؟ فالذي يريد أن يطلب العلم الشرعي يطلب رضا الله وثوابه، وهذه وسيلة قريبة إلى الزنا، وهو حرام عليك ولا يجوز لك ولو لم تقبل في الدنيا كلها، وعليك أن تجلس في البيت، فليس الرزق محصورًا في هذه الجامعة المختلطة، وإذا كنت تريد العلم فالدراسة فيها ينافي العلم الشرعي، وإذا كنت تريد الدنيا فالدنيا لا تطلب بالمعاصي، وإذا كنت تريد أن تطلب العلم فاطلبه في مدراس غير مختلطة، أو في حلق الدروس، أو في الشبكة، أو في الأشرطة المفيدة، أو في كتب أهل العلم والاتصال بأهل العلم في الهاتف، وهذه طرق متاحة لطلب العلم.\nأو تبحث عن جامعات أو مدارس أو كليات ليست مختلطة، وإن لم تجد شيئًا فلا يجوز لك أن تدخل هذه الجامعة المختلطة، فإن دخلتها فأنت عاصٍ لله ولرسوله، وهذه وسيلة قريبة إلى الزنا، نعوذ بالله؛ لأن الطالب يجلس بجوار بنت أو زميلة ويخرج معها ويخلو بها في غرفة ويذهب معها في سيارة واحدة، فهذه فواحش وليست علمًا، نسأل الله السلامة والعافية.","vol":"10","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>حكم من يتبخر بالحبة السوداء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم من يتبخر بالحبة السوداء وبعض الأعشاب ويزعم أنها تطرد الشياطين وتشفي من العين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا أعلم لهذا أصلًا، وهذا يحتاج إلى دليل، أما كونه يستعملها فإذا كانت الحبة السوداء قد جربها بعض الناس ووجد أنها مفيدة وتشفي من بعض الأمراض فلا بأس، لكن كونه يعتقد أنها تطرد الشياطين، فهذا لابد له من دليل، وإذا لم يكن عنده دليل فإنه يكون مبتدعًا يفعل شيئًا بدون دليل.","vol":"10","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>حكم أخذ الأجرة على قراءة القرآن في الرقية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم من يأخذ أجرًا على قراءته للقرآن للمريض في الرقية، ويأخذ الأجر على الماء والزيت؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا بأس أن يأخذ الأجرة على الرقية إذا كانت رقية شرعية، فقد أخذ الصحابة رضوان الله عليهم أجرة على الرقية، وذلك في قصة الصحابي الذي رقى رئيس قبيلة من العرب على قطيع من الغنم، وقرأ عليه الفاتحة فقط فشفي الرجل من سم العقرب، فلما تحرج الصحابة من أخذ الأجرة سألوا النبي ﷺ فقال: (خذوها واضربوا لي معكم بسهم) تطييبًا لخواطرهم، وهذا الحديث صحيح.\nويقول النبي ﷺ: (إن ما أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله)، رواه البخاري في الصحيح، فلا بأس بذلك لكن عليه ألا يستغل حاجة الناس، بحيث يبيع علبة الصحة بخمسين ريالًا وهو لم يقرأ فيها، أو قرأ فيها شيئًا يسيرًا، أو قرأ في ماء كثير ثم عبأ هذه القوارير، فكل هذا استغلال.\nولا ينبغي للمسلم أن يكون همه المال، والأصل أنه يرقي المريض، وينفث عليه، ولا بأس أن ينفث في الماء كما جاء في سنن أبي داود أنه ينفث على الماء، لكن الأصل أنه يرقي المريض ويقرأ، وإذا رقاه بآية من كلام الله، أو بأدعية شرعية نبوية، وبأدعية لا محذور فيها فلا بأس، وهذا له أن يأخذ عليه أجرة معقولة، أما ما يفعله بعض الناس من كونه يجعلها حرفة وتجارة، ويبيع الزجاجة بكذا والزيت بكذا، وقد يكون قرأ وقد لا يكون قرأ فيأخذ أجرًا زيادة عما تستحق، فهذا من باب استغلال المسلمين، نسأل الله السلامة والعافية.","vol":"10","page":20},{"text":"شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-204>[١١]</span>\nمذهب الخوارج التكفير بالمعصية، ويحكمون على الفاسق بأنه كافر حلال الدم والمال، وقد خرجوا على المسلمين بعد مقتل عثمان ﵁.","vol":"11","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>خروج الخوارج عن الوسطية وغلوهم</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: لما قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ وسار علي بن أبي طالب ﵁ إلى العراق، وحصل بين الأمة من الفتنة والفرقة يوم الجمل ثم يوم صفين ما هو مشهور، خرجت الخوارج المارقون على الطائفتين جميعًا، وكان النبي ﷺ قد أخبر بهم، وذكر حكمهم].","vol":"11","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>الخلاف في الفاسق الملي</span>\nالمؤلف ﵀ يبين الخلاف في الفاسق الملي، وهو: المؤمن العاصي الموحد، الذي وحد الله وأخلص له العبادة، ولم يقع في عمله شرك لكنه اقترف بعض الكبائر، أو قصر في بعض الواجبات، وهذا يسمى الفاسق الملي، وهذا هو الذي جاءت النصوص بإثبات الإسلام له ونفي الإيمان عنه، كقوله تعالى في سورة الحجرات: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، وقوله سبحانه في سورة الذاريات: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦]، وقوله سبحانه في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥].\nوقوله ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان عن سعد بن أبي وقاص: (أنه لما أعطى رجالًا وترك رجالًا قال سعد: وترك رجلًا هو أعجبهم إلي، قلت: يا رسول الله! ما لك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمنا؟! فقال: أو مسلمًا).\nوهذا الصنف من الناس فيه قولان لأهل العلم: القول الأول: أن الذين أثبت لهم الإسلام ونفي عنهم الإيمان، إنما هم المنافقون، فيكون الإسلام هو الاستسلام في الظاهر، وذهب إلى هذا الإمام البخاري وجماعة، وقالوا: لأن الإسلام هو الإيمان، والإيمان هو الإسلام.\nالقول الثاني: قول جمهور العلماء من السلف والخلف: أن هؤلاء الذين أثبت لهم الإسلام ونفي عنهم الإيمان ليسوا منافقين، وإنما هم ضعفاء الإيمان، وهذا هو الذي يسمى الفاسق الملي، وهذا هو الأرجح والأصوب.","vol":"11","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>ذكر ما يؤيد أن العاصي مؤمن ضعيف الإيمان وليس كافرًا</span>\nوهذا القول يرجح من عدة مرجحات وهي: المرجح الأول: قوله ﷾ في سورة الحجرات: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، والحرف (لما) ينفى به ما قرب وجوده وانتظر، والمعنى أنه: لم يدخل الإيمان الكامل في قلوبكم، وسوف يدخل قريبا.\nالمرجح الثاني: أنه أثبت لهم الطاعة لله ورسوله وهم على حالهم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات:١٤].\nالمرجح الثالث: أن الله تعالى خاطب هؤلاء بقوله: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحجرات:١٤]، ولو لم يكونوا في هذا الحال مثابين لكان خلاف مدلول الخطاب.\nالمرجح الرابع: أنه وصف المؤمنين الذين حققوا إيمانهم بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥].\nوالفاسق الملي أو المؤمن الذي ارتكب بعض الكبائر أو قصر في بعض الواجبات يعطى مطلق الإيمان، أي: أصل الإيمان، وينفى عنه الإيمان المطلق، أي: الإيمان الكامل.\nوهذا القسم يسميه بعض الناس الفاسق الملي، أي: أنه فاسق ولكنه داخل في ملة الإسلام، والناس تنازعوا في اسمه لا في حكمه، والذين يدخلون في مسمى الإسلام أقسام: القسم الأول: المنافقون.\nالقسم الثاني: الصادقون في إيمانهم.\nالقسم الثالث: الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب.\nالقسم الربع: الفاسق الملي، الذي له طاعات وحسنات، وله معاص وسيئات.\nالقسم الخامس: الكافر ظاهرًا وباطنًا من اليهود والنصارى والوثنيين.\nوالخلاف في الفاسق الملي، أول خلاف ظهر في الإسلام في مسائل أصول الدين، فبعد قتل أمير المؤمنين عثمان ﵁، ظهرت الخوارج وخالفوا في الفاسق الملي، وقالوا: إنه كافر، وخالفوا أهل السنة والجماعة، وأهل السنة والجماعة على أنه مؤمن عاصٍ ضعيف الإيمان.\nوالخوارج قالوا: إنه كافر في الدنيا أو مخلد في النار في الآخرة، والمعتزلة قالوا: إنه خرج من الإيمان، ولم يدخل في الكفر، وهو مخلد في النار كقول الخوارج.","vol":"11","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>بيان أصل الخوارج</span>\nوأول من تكلم في هذا وهو أصل الخوارج -كان في عهد النبي ﷺ، وهو الرجل الذي اعترض على النبي ﷺ وقال: اتق الله واعدل، ولما سأل خالد ﵁ النبي ﷺ قتله قال: (إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم عند صلاتهم، وصيامكم عند صيامهم)، أي: من كثرة عبادتهم.\nفإذًا أول خلاف حصل في مسائل أصول الدين في الفاسق الملي، وقد حصل الخلاف بعد قتل أمير المؤمنين عثمان ﵁، وعندما بويع لأمير المؤمنين علي رضي عنه بايعه أكثر أهل الحل والعقد، وامتنع معاوية وأهل الشام من مبايعته، لا لأنه ليس أهلًا للخلافة بل لأنهم مطالبون بدم عثمان، وعلي ﵁ لم يمانع من أخذ قتلة عثمان، ولكنه ﵁ يطلب من معاوية وأهل الشام أن يبايعوه، وإذا هدأت الأمور وثبت على جماعة أنهم قتلوا أمير المؤمنين يقتص منهم.\nولكن أهل الشام امتنعوا اجتهادًا منهم فحصل الخلاف، وكل من الصحابة مجتهد، كما جاء في الحديث: (من اجتهد فأصاب فله أجران) كـ علي وأهل العراق، (ومن اجتهد وأخطأ فله أجر) كـ معاوية وأهل الشام.\nفالمؤلف رحمه يبين أن هذا أول خلاف وقع في الإسلام في أصول الدين، وهو خلاف الخوارج، وكان بعد قتل أمير المؤمنين عثمان، وأصله اعتراض ذي الخويصرة التميمي الذي اعترض على النبي ﷺ، وقال: يا محمد! اتق الله واعدل، وفي اللفظ الآخر أنه قال: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله.\nوبعد وقعة النهروان خرجت الخوارج، ومرقت مارقة على حين فرقة من المسلمين فقتلهم علي ﵁ وجيشه، قال فيهم النبي ﷺ: (تقتلهم أدنى الطائفتين)، أي: أقرب الطائفتين إلى الحق.\nفالمؤلف يبين هذا، ويبين أن الخوارج صحت فيهم الأحاديث عن النبي ﷺ، قال الإمام أحمد: صح حديث الخوارج من عشرة أوجه، بخلاف الأحاديث في القدرية وذمهم فإن رفعها ضعيف، والصحيح أنها موقوفة على الصحابة بخلاف الأحاديث في الخوارج فإنها أحاديث صحيحة ثابتة في الصحيحين وغيرهما.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه، وهذه العشرة أخرجها مسلم في صحيحه موافقة لـ أحمد، وروى البخاري منها عدة أوجه، وروى أحاديثهم أهل السنن والمسانيد من وجوه أخر].\nالأحاديث صحت في الخوارج من عشرة أوجه، وخروج الخوارج كان في الوقت الذي حصل فيه الخلاف بين أهل الشام وأهل العراق يوم الجمل، ثم يوم صفين خرجت الخوارج على الطائفتين جميعًا: على طائفة علي وأهل العراق، وطائفة معاوية وأهل الشام.","vol":"11","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>صفات الخوارج</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن أصح حديثهم حديث علي بن أبي طالب ﵁، وأبي سعيد الخدري ﵁ ففي الصحيحين عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: إذا حدثتكم عن رسول الله حديثًا فوالله لئن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أكذب عليه، وإن حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة].\nهذا فيه بيان عناية الصحابة رضوان الله عليهم بحديث النبي ﷺ، فـ علي ﵁ يقول: إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ، فأنا لا أحدث إلا عن يقين، فوالله لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أكذب عليه، أما إذا حدثت فيما بيني وبينكم بعيدًا عن حديث الرسول ﷺ فإن الحرب خَدْعَة، يقال: خَدْعة، ويقال: خَدَعة، ويقال: خِدعْة، ويقال: خُدعة، بالضم لكن فيه ضعف.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [واني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (سيخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة)].\nهذا الحديث رواه البخاري ﵀، ومسلم، والنسائي، وأحمد، والبغوي، وابن حبان، وابن أبي عاصم، ومعنى: (أحداث الأسنان) أي: صغار الأسنان، وشباب صغار، وسفهاء الأحلام أي: ضعفاء العقول.\nأسنانهم صغار وأحلامهم ضعاف تأولوا الأحاديث على غير تأويلها، وما فهموها، وأخذوا الأحاديث التي فيها الوعيد، والأحاديث التي جاءت في الكفار فجعلوها في المسلمين فحكموا على المسلمين بأحكام الكفار.\nفإذا زنا المسلم كفروه، وإذا سرق كفروه، وإذا عق والديه كفروه، وإذا قطع رحمه كفروه، وإذا اغتاب كفروه، كل من فعل كبيرة فهو كافر عندهم ويخلدونه في النار؛ لضعف عقولهم وصغر أسنانهم، كما جاء في الحديث: (يقولن من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم)، وفي لفظ: (أنهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم).\nوفي اللفظ الآخر: (يمرقون من الدين، ثم لا يعودون إليه)، وفي اللفظ الآخر: (لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد)، شبههم بعاد وهم قوم كفار، وفي لفظ: (لأقتلنهم قتل ثمود).\nواحتج بهذا بعض العلماء على كفر الخوارج، وهو رواية عن الإمام أحمد أن الخوارج كفار؛ لأن النبي ﷺ قال: (يمرقون من الدين)، وأمر بقتلهم، وقال: (في قتلهم أجر لمن قتلهم عند الله)، وقال: (يمرقون من الإسلام، ثم لا يعودون إليه).\nقال: هذا دليل كفرهم، وشبههم بعاد وبثمود وهم قوم كفار، فقال: (لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد).\nولهذا ذهب بعض العلماء، وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀ إلى أنهم كفار، ويختار هذا القول سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ أن الخوارج كفار.\nوالقول الثاني: قول جمهور العلماء: أنهم ليسوا كفارًا ولكنهم مبتدعة؛ لأنهم متأولون، والصحابة ﵃ عاملوهم معاملة الفساق والمبتدعة، ولم يعاملوهم معاملة الكفار؛ لأنهم متأولون، وهناك فرق بين المتأول وبين الجاهل، فهم تأولوا وغلطوا، وقد استدلوا بقول علي ﵁ لما سئل عن الخوارج: أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا، وعلى قول الجمهور يكونون مبتدعة وليسوا كفارًا.","vol":"11","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>بداية خروجهم</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي الصحيحين عن أبي سعيد ﵁ قال: (بعث علي بن أبي طالب ﵁ إلى النبي ﷺ من اليمن بذهيبة في أدم مقروض لم تحصل من ترابها)].\nالأدم: الجلد، ومقروض، أي: مدبوغ بالقرض، والقرض: شجر يدبغ بورقه وثمره.\nفـ علي ﵁ لما كان أميرًا على اليمن بعث إلى النبي ﷺ بذهيبة في جلد مدبوغ بالقرض.\nوقوله: لم تحصل من ترابها أي: أنها لم تخلص من تراب معدنها؛ لأن الذهب إذا استخرج من الأرض يكون قطعة من الذهب، ثم بعد ذلك يجعل جنيهات، ويجعل حليًا، وغير ذلك، فهذه قطعة من الذهب أخذت من التراب على حالها ولم تصغ، فقسمها النبي ﷺ بين أربعة أشخاص من رؤساء القبائل في نجد وغيرها؛ لأنهم أسلموا حديثًا حتى يقوى إسلامهم.\nفلما رأى رجل ذلك، قال: اعدل يا محمد! فطلب خالد ﵁ قتله، فالنبي ﷺ منعه من قتله، وقال: (إنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم -وهم الخوارج- تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم) وهذا هو أصل الخوارج.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [(قال: فقسمها بين أربعة نفر، فقال رجل من أصحابه: كنا أحق بهذا من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء، قال: فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا رسول الله! اتق الله، فقال: ويلك! أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله)].\nهذا الرجل وصفه: أنه غائر العينين من الغور، أي: عيناه داخلتان في محاجرهما لاصقتان بمقر الحدقة، وهو ضد الجحوض، ومشرف الوجنتين أي: بارز العظمين المشرفين على الخدين، وناشز الجبهة أي: مرتفعة جبهته، كث اللحية، محلوق الرأس، وهذه سيما الخوارج، كما في الحديث: (سيماهم التحليق) فعلامة الخوارج حلق الرأس، يشددون ويتعبدون بحلق الرأس حتى يكون أبيض من شدة الحلق بالموسى.\nفقال هذا الرجل: اتق الله، يا رسول الله! كيف تعطي الذهب بين أربعة ولا تعطينا؟ وفي اللفظ الآخر قال: اعدل.\nفالنبي ﷺ قال: (ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله)، وفي اللفظ الآخر أنه قال: (ويلك فمن لم يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله).\nفهذا الرجل الذي اعترض على النبي ﷺ هو أصل الخوارج.","vol":"11","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>جريان الأحكام على الظاهر</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى (قال: ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد ﵁: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال: لا، لعله أن يكون يصلي، قال خالد ﵁: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله ﷺ: إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم)].\nفيه أن الأحكام تجرى على الظاهر فمن كان يصلي فلا يقتل، ولهذا لما استأذن خالد ﵁ أن يضرب عنقه، قال: (لعله أن يكون يصلي، قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال النبي ﷺ: إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم)، أي: فالأحكام على الظاهر، أما الخفي وما داخل النفس فالله أعلم به وهو يحاسبه، ولهذا فإن المنافقين تجرى عليهم أحكام الإسلام وهم منافقون في الباطن، إلا من أظهر نفاقه وكفره قتل من قبل ولاة الأمور، ومن لم يظهر نفاقه تجر عليه أحكام الإسلام: من الإرث، والتغسيل، والنكاح، وجميع الأحكام.\nوجاء في اللفظ الآخر: أن النبي ﷺ بين أنه منعهم من ذلك لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه.\nقال المؤلف: (قال: ثم نظر إليه وهو مقف).\nقوله: (مقف)، أي: قد ولاه قفاه، وهذا الرجل اعترض على النبي ﷺ وقفى، فلما ذهب وأعطاهم قفاه، قال النبي ﷺ: (إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم عند صلاتهم).\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [(فقال: إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبًا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، قال: أظنه قال: لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)، اللفظ لـ مسلم.\nقوله: (من ضئضئ هذا) من نسله وعقبه، قال: (لأقتلنهم قتل عاد) ذكر في الحاشية أن لفظ: (عاد) من رواية مسلم، وعند مسلم: (لأقتلنهم قتل ثمود)].\nواحتج بهذا الإمام أحمد في رواية على كفر الخوارج؛ لأنه شبههم بثمود وعاد وهم قوم كفار، وقال: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) في اللفظ الآخر: (ثم لا يعودون إليه)، قالوا: وهذا دليل على كفرهم.\nوالقول الثاني لأهل العلم وهم الجمهور: أنهم مبتدعة وعصاة وليسوا كفارًا؛ لأنهم متأولون، وهو الذي عليه عمل الصحابة.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ولـ مسلم في بعض الطرق عن أبي سعيد ﵁: (أن النبي ﷺ ذكر قوما يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحليق)].\nالفُرقة بالضم: الخلاف، أما الفرقة بالكسر: الجماعة، وقوله: (يخرجون في فرقة من الناس) يعني: الخلاف الذي حصل بين علي وأهل العراق، ومعاوية وأهل الشام، وقد خرجوا في وقت الخلاف، وهذا فيه علم من أعلام النبوة، وأنه رسول الله حقًا، حيث أخبر أنهم يخرجون في وقت الفرقة والخلاف فخرجوا بعدما حصل قتال بين علي وأهل الشام.\nوقوله: (سيماهم التحليق) أي: علامتهم حلق الرأس، فيشددون في حلق الرأس ولا يتركونه يطول، ويحلقونه حلقًا كاملًا ويشددون في هذا، فهذه علامتهم وسيماهم.","vol":"11","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>الخلاف بين علي ومعاوية ﵄</span>","vol":"11","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>بيان أقرب الطائفتين إلى الحق</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [عن أبي سعيد: (أن النبي ﷺ: ذكر قومًا يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحليق، ثم قال: شر الخلق أو من شر الخلق، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق)].\nقوله: أدنى أي: أقرب الطائفتين إلى الحق، فقتلهم جيش علي ﵁، فدل على أن عليًا ﵁ أقرب إلى الحق من معاوية وأهل الشام.\nوفي اللفظ الآخر: (عمار تقتله الفئة الباغية)، وقد قتله جيش معاوية وأهل الشام، فدل على أن معاوية وأهل الشام بغاة، لكن لا يعرفون أنهم بغاة، وهم مجتهدون لهم أجر الاجتهاد وفاتهم أجر الصواب، وعلي ﵁ وأصحابه مجتهدون مصيبون لهم أجر اجتهاد وأجر الصواب.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو سعيد ﵁: أنتم قتلتموهم يا أهل العراق، وفى لفظ له: (تقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق)، وهذا الحديث مع ما ثبت في الصحيح عن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال للحسن بن علي ﵄: (إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المؤمنين)].\nوقوله: (ابني هذا سيد) وهو ابن ابنته فاطمة فدل على أن ابن الابن وابن البنت يسمى ابنًا، قوله: سيد، وفي اللفظ الآخر: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)، وقوله: (وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المؤمنين)، فيه دليل على أن معاوية وأهل الشام وعليًا وأهل العراق كلهم مؤمنون؛ لأنه وصفهم بالإيمان، وفيه الرد على من كفرهم من الخوارج وغيرهم.\nولما قتل علي ﵁ وبايع الناس ابنه الحسن بالخلافة، فبقي في الخلافة ستة أشهر، ثم تنازل عن الخلافة لـ معاوية ﵁ بشرط حقن دماء المسلمين، فأصلح الله به بين فئتين عظيمتين، ووضعت الحرب أوزارها، وبويع لـ معاوية بالخلافة في عام أربعين من الهجرة، وسمي ذلك العام عام الجماعة، واجتمع الناس كلهم على معاوية ﵁.\nفيكون معاوية أول ملوك المسلمين وبه انتهت الخلافة، قال النبي ﷺ: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة)، وآخر الثلاثين السنة الستة أشهر التي تنازل فيها الحسن بن علي ﵁ لـ معاوية بن أبي سفيان ﵁.\nوالمصنف ﵀ ذكر في موضع آخر أن الرجل الذي اعترض على النبي ﷺ كان قتله جائزًا، ولكن النبي ﷺ بين أن قتله لم يحل؛ لأن سفك الدماء بغير الحق من أكبر الكبائر، إلى إن قال: ولما قال ذو الخويصرة: اعدل فإنك لم تعدل، وإنما لم يقتلهم لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، ذكر هذا ﵀ في الصارم المسلول.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [فبين أن كلا الطائفتين كانت مؤمنة وأن اصطلاح الطائفتين كما فعله الحسن ﵁ كان أحب إلى الله ورسوله من اقتتالهما، وأن اقتتالهما وإن لم يكن مأمورًا به، فـ على بن أبي طالب ﵁ وأصحابه أقرب إلى الحق من معاوية ﵁ وأصحابه، وأن قتل الخوارج مما أمر به النبي ﷺ].\nالأقرب: بدل كلمة (قتل): قتال؛ لأن إمام المسلمين قد قاتلهم، وأن قتال الخوارج أحسن، وليس للإنسان أن يأخذ واحدًا من الخوارج ويقتله، فتصير المسألة فوضى، لكن هذا إمامه يكشف شبهته إذا كان له شبهه، فإن أبوا قاتلهم الإمام.","vol":"11","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>أصل الخلاف بين علي ومعاوية ﵄</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ولذلك اتفق على قتالهم الصحابة والأئمة].\nقوله: (على قتالهم) هذا يبين المراد، وهذه أربع فوائد استنبطها المؤلف ﵀ من هذا الحديث: (إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المؤمنين).\nالفائدة الأولى: أن كلًا من الطائفتين مؤمنة وليسوا كفارًا، فـ علي وأهل العراق ومعاوية وأهل الشام كلهم مؤمنون، وفيه الرد على من كفرهم.\nالفائدة الثانية: أن اصطلاح الطائفتين أحب إلى الله من القتال، وقد اصطلحوا على يد الحسن.\nالفائدة الثالثة: أن قتال الطائفتين مع كونه غير مأمور به، لكن عليًا وأهل العراق أقرب إلى الحق من معاوية وأهل الشام؛ لأن عليًا ﵁ هو الخليفة الذي بايعه أكثر أهل الحل والعقد فثبتت له الخلافة، فيجب على معاوية وأهل الشام أن يبايعوه، لكن اجتهد معاوية وأهل الشام، وهم لا يمانعون في أنه يستحق البيعة، لكن قالوا: أولًا نطالب بدم عثمان ونحن أولياؤه، ومعاوية يرى أنه من أوليائه، وعلي ﵁ لا يمانع، لكن يقول: لا نستطيع أن نأخذ قتلة عثمان في هذا الوقت، فهو وقت التباس واشتباه ووقت فتنة، ولا يعرف أحدًا بعينه من الذين قتلوه فقد اندسوا ودخلوا في قبائلهم.\nفإذا هدأت الأمور استطعنا أن نأخذهم بعد ثبوتهم، لكن معاوية وأهل الشام قالوا: نريد أن نأخذهم الآن، فحصل الخلاف، ورأى علي ﵁ أنه يجب عليه أن يقاتلهم ويجب أن يخضعوا؛ لأنه يجب عليهم أن يبايعوه وألا يشقوا عصا المسلمين، ومعاوية وأهل الشام مجتهدون قالوا: نحن نطالب بدم عثمان ولا نريد الخلافة، فحصل الخلاف، فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر.\nوأكثر أهل العلم وأكثر الصحابة انضموا إلى علي ﵁ ورأوا أن الحق معه، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات:٩].\nقالوا: طائفة معاوية وأهل الشام بغت فيجب قتالهم بنص الآية: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩]، وبعض الصحابة مثل معاوية وأهل الشام أشكل عليهم الأمر وما فهموا هذا المثال، بل فهموا أنهم يطالبون بدم عثمان.\nوبعض الصحابة اشتبه عليهم الأمر، فتوقفوا واعتزلوا الفريقين، منهم سلمة بن الأكوع الذي ذهب إلى البادية وتزوج، وقال: إن النبي ﷺ أذن له في البدو، ومنهم: أسامة بن زيد وابن عمر وجماعة اشتبه عليهم الأمر فاعتزلوا الفريقين.\nوأكثر الصحابة اتضح لهم الأمر وعلموا أن عليًا ﵁ مصيب، وأنه يجب أن ينصر، وهو الخليفة الراشد الذي تمت له البيعة فمن لم يبايع يجب قتاله، وهذا هو الصواب أن علي هو الذي معه الحق وهو الخليفة بنص حديث معاوية (عمار بن ياسر تقتله الفئة الباغية)، وقد قتله أهل الشام.\nوحديث الخوارج: (تقتلهم أدنى الطائفتين)، أي: تقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق، فقتلهم علي ﵁، فدل على أنهم أقرب إلى الحق.\nولكن معاوية وأهل الشام مجتهدون، فلا يجوز للإنسان أن يطعن في الصحابة ولا يتكلم فيهم، والصحابة رضوان الله عليهم كلهم مجتهدون، من أصاب فله أجران أجر الإصابة وأجر الاجتهاد، ومن أخطأ فله أجر الاجتهاد وفاته أجر الصواب، ولهم من الحسنات من جهادهم مع رسول الله ﷺ وسبقهم إلى الإيمان ونشرهم للإسلام ما يغطي ما صدر عنهم من الهفوات، ونقول كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠].","vol":"11","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>موقف أهل السنة من الخلاف بين الصحابة</span>\nوكما قال بعض السلف: هذه الحروب والقتال الذي حصلت نزه الله منها أيدينا فنسأل الله أن ينزه ألسنتنا منها، لكن أهل البدع تجدهم يطعنون في الصحابة، يطعنون في علي، ويطعنون في معاوية، وهذا خطأ، وهو خلاف معتقد أهل السنة والجماعة.\nفالواجب الترضي على الجميع، وأن نعتقد أنهم مجتهدون ما بين مجتهد مصيب له أجران، وما بين مجتهد مخطئ له أجر، وما ينقل عن الصحابة كما قال شيخ الإسلام ﵀ في الواسطية: منه ما هو كذب لا أساس له من الصحة، ومنه ما له أصل ولكن زيد فيه ونقص، ومنه ما هو صحيح، والصحيح هم فيه بين مصيب مجتهد له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر، ولهم من الحسنات ما يغطي ما صدر عنهم من الهفوات، هذا هو الواجب على المسلمين، أما الكلام في الصحابة والطعن فيهم، وذكر مساوئهم، فهذا من طريقة أهل البدع.\nأما أهل السنة والجماعة فإنهم يترضون عن الجميع، ويترحمون على الجميع، ويعتقدون أن قتالهم ليس للهوى ولا للعصبية وإنما هو عن اجتهاد، ويعتقدون أن لهم من الحسنات من السبق إلى الإيمان والجهاد مع النبي ﷺ ونشر الإسلام والدعوة إلى الله، ما يغطي ما صدر عنهم ما الهفوات.\nونقول في الجميع كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].\nفإياك أن تلوث لسانك في الطعن في الصحابة فإن هذا شعار أهل البدع من الخوارج والمعتزلة، والروافض هم الذين يطعنون في الصحابة ويسبونهم، نسأل الله السلامة والعافية.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وهؤلاء الخوارج لهم أسماء يقال لهم: الحرورية؛ لأنهم خرجوا بمكان يقال له: حروراء، ويقال لهم: أهل النهروان؛ لأن عليًا ﵁ قاتلهم هناك].\nالخوارج لهم أسماء فيسمون: الحرورية؛ لأنهم خرجوا في مكان في العراق يسمى حروراء، فنسبوا إليه فيقال لهم: الحرورية، ومن ذلك أن عائشة ﵂ سألتها امرأة، فقالت: يا أم المؤمنين، ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، ففهمت عائشة أنها معترضة، وأن السؤال سؤال اعتراض، فقالت: أحرورية أنت؟ أي: هل أنت من الخوارج من بلدة حروراء فتعترضين؟ لأن الخوارج يعتقدون أن الحائض تقضي الصلاة مثل الصوم، فهذه المرأة ليست من الخوارج، لكنها لم تحسن السؤال، فكأنها تقول: ما الحكمة في كون الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، لكن قالت: ما بالها؟ ففهمت منها أنها معترضة وأنها من الخوارج فقالت: أحرورية أنت؟ أأنت من الخوارج؟ قالت: لا، لست بحرورية ولكن لأفهم، فقالت عائشة ﵂: (هكذا كان يصيبنا على عهد رسول الله ﷺ، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة).\nفهذه الفرقة تسمى الحرورية نسبة إلى حروراء، ويسمون أهل النهروان؛ لأن عليًا قاتلهم بمكان يقال له: النهروان، ويسمون الخوارج؛ لأنهم خرجوا على الطائفتين، على علي ﵁ وعلى معاوية، وكفروا الجميع، وقالوا: علي كافر، ومعاوية كافر وعثمان كافر، قالوا: لأنهم تقاتلوا؛ ولأنهم حكموا الرجال في كتاب الله فكفروا، فهذا هو مذهبهم يكفرون المسلمين بالمعاصي.\nومذهبهم باطل خبيث فهم يخلدون المؤمنين في النار، ويكفرونهم بالمعاصي.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن أصنافهم الإباضية أتباع عبد الله بن أباض، والأزارقة أتباع نافع بن الأزرق، والنجدات أتباع نجدة الحروري].\nالخوارج أصناف كثيرة ذكر الذين كتبوا في الفرق أنهم يبلغون ما يقرب من أربع وعشرين فرقة، منهم الإباضية نسبة إلى عبد الله بن أباض، ومنهم الأزارقة أتباع نافع بن الأزرق، ومنهم النجدات، ومنهم الصفرية، فلهم فرق كثيرة متعددة، ولو راجعت كتب الفرق مثل الفرق بين الفرق للبغدادي، والملل والمحل للشهرستاني وغيرها، ففي الفصل والملل لـ ابن حزم يذكر أن الخوارج أربع وعشرون فرقه أو اثنتان وعشرون فرقة، والشيعة أربع وعشرون فرقة.","vol":"11","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>من اعتقادات الخوارج</span>","vol":"11","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>تكفير الخوارج لأهل القبلة بالذنوب واستحلال دمائهم بذلك</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وهم أول من كفر أهل القبلة بالذنوب بما يرونه هم من الذنوب].\nهذا معتقدهم، وأول من كفر أهل القبلة بالذنوب الخوارج، والمراد بأهل القبلة المسلمون الذين يتجهون إلى الكعبة في الصلاة، وفي الذبح، وفي الدعاء، والمسلمون يسمون أهل القبلة؛ لأنهم يستقبلون القبلة في الصلاة، وفي الذبح، وفي الذكر، وفي الدعاء.\nوبعد قتل عثمان ﵁ خرجت الخوارج فكفروا أهل القبلة بالذنوب، والمعاصي لا يكفر بها الإنسان، إنما يكفر إذا أتى بمكفر، أما المعصية فلا يكفر بها، فهو بالزنا لا يكفر إلا إذا استحله، وبها يكون مؤمنًا ضعيف الإيمان.\nوكذلك شرب الخمر لا يكفر به فيقال فيها: هو ضعيف الإيمان، إلا إذا اعتقد أنه حلال، وإذا تعامل بالربا يكون ضعيف الإيمان وإذا عق والديه ضعيف الإيمان وإذا شهد الزور ضعيف الإيمان.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [واستحلوا دماء أهل القبلة بذلك].\nإذا زنا أو سرق كفروه وقتلوه فيستحلون دمه وماله، ويعاملونه معاملة الكافر: دمه حلال وماله حلال كالكافر سواء بسواء، بل يسمونه كافرًا، ويخلدونه في النار، ويحلون الدم والمال نعوذ بالله.\nومن العجيب أنهم يقاتلون المسلمين ولا يقاتلون عباد الأوثان، كما جاء في الحديث: (يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان)، فأهل الإسلام يقتلونهم، وأهل الأوثان الذين يعبدون الأوثان والأصنام يتركونهم.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [فكانوا بذلك كانوا كما نعتهم النبي ﷺ: (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان)، وكفروا علي بن أبي طالب ﵁ وعثمان بن عفان ﵁ ومن والاهما].","vol":"11","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>اتصاف الخوارج بقتل المسلمين وترك الكفار</span>\nوكذلك معاوية، فكفروا الجميع؛ كفروا عثمان وعليًا ومعاوية، ولهذا تواطؤ الخوارج في ليلة واحدة على قتل ثلاثة، يقولون: إنهم زعماء الكفر، وانتدبوا لكل واحد واحدًا من الخوارج، لقتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص، أما علي فإنه لما خرج إلى الصلاة وكان قد اختبأ له عبد الرحمن بن ملجم فقتله.\nوأما معاوية فإنه جرحه وسلم، وأما عمرو بن العاص فإنه تخلف تلك الليلة فسلم، وهذا الذي قتل عليًا ﵁ يسمى عبد الرحمن بن ملجم وكان يرى أنه متقرب إلى الله، ويرى أنه فاز في قتله، وأنه رفع بها درجات، وهناك أبيات في مدحه يمدحه بها واحد من الخوارج ويقول: فاز بها عبد الرحمن درجات بقتله علي ﵁، وهذه عقيدة خبيثة.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وقتلوا علي بن أبي طالب ﵁ مستحلين لقتله، قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي منهم، وكان هو وغيره من الخوارج مجتهدين في العبادة، لكن كانوا جهالًا فارقوا السنة والجماعة].\nهناك أبيات يقول فيها: يا ضربة من تقي ما أرد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا.\nإني لأذكره يومًا فأحسبه أوفى البرية عند الله ميزانًا وقد رد عليه رجل من أهل السنة والجماعة ﵀ فقال: يا ضربة من شقي ما أراد بها إلا ليبلغ عند ذي العرش سخطانا أني لأذكره يومًا فألعنه دينًا وألعن عمران بن حطانا قال المصنف رحمه الله تعالى: [فقال هؤلاء: ما الناس إلا مؤمن وكافر].\nهذا مذهب الخوارج وهو أن الناس قسمان: مؤمن أو كافر فقط، والعاصي أدخلوه مع الكافر.\nوأهل السنة قسموا الناس ثلاثة أقسام أو أربعة أقسام: مؤمن محقق الإيمان، ومؤمن ضعيف الإيمان، وكافر، والمنافق الذي دخل في الإسلام ظاهرًا، وعندهم أن المؤمن هو فاعل جميع الطاعات وتارك جميع المنكرات، والكافر هو الذي فعل الكفر أو فعل المعصية، فإذا قصر في بعض الواجبات أو فعل بعض المحرمات فهو كافر، وهذا مذهب الخوارج.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [والمؤمن من فعل جميع الواجبات وترك جميع المحرمات، فمن لم يكن كذلك فهو كافر مخلد في النار، ثم جعلوا كل من خالف قولهم كذلك، فقالوا: إن عثمان ﵁ وعليًا ﵁ ونحوهما حكموا بغير ما أنزل الله وظلموا فصاروا كفارًا].\nانتهى بيان مذهب الخوارج الذين يقولون: الناس قسمان: مؤمن وكافر، والمؤمن عند الخوارج من فعل جميع الواجبات وترك جميع المحرمات، فالإيمان عندهم: تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، مثل أهل السنة.\nلكن يأتي بعد ذلك الفرق، فأهل السنة يقولون: إذا أخل ببعض الواجبات، أو فعل بعض المحرمات صار ضعيف الإيمان ولا يخرج بذلك عن الإسلام، وهم يقولون: إذا أخل ببعض الواجبات أو فعل بعض المحرمات فهو كافر مخلد في النار، ثم جعلوا كل من خالف قولهم كافرًا، فكفروا عثمان وعليًا ومعاوية.\nقالوا: لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله؛ ولأنهم ظلموا فصاروا كفارًا، فالظالم كافر، ومن حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، فكفروا الجميع نسأل السلامة والعافية.","vol":"11","page":15},{"text":"شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-219>[١٢]</span>\nذهب الخوارج إلى تكفير مرتكبي الكبائر، وقد رد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية بنصوص الكتاب والسنة التي تبين أنهم باقون على الإسلام.","vol":"12","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>الأدلة على بطلان مذهب الخوارج في تكفير الفاسق</span>","vol":"12","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>بطلان مذهب الخوارج بالأمر بقطع يد السارق دون قتله</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ومذهب هؤلاء باطل بدلائل كثيرة من الكتاب والسنة، فإن الله سبحانه أمر بقطع يد السارق دون قتله، ولو كان كافرا مرتدًا لوجب قتله؛ لأن النبي ﷺ قال: (من بدل دينه فاقتلوه)].\nهذا هو الدليل الأول على بطلان مذهب الخوارج، وهو أن الله أمر بقطع يد السارق ولم يأمر بقتله، ولو كان السارق كافرًا كما يقول الخوارج لوجب قتله؛ لقول النبي ﷺ: (من بدل دينه فاقتلوه)، فدل هذا على أن الخوارج مذهبهم باطل، وعلى أن العاصي والسارق ليس بكافر، ولكنه مؤمن ناقص الإيمان.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ﷺ (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، أو قتل نفس يقتل بها)].\nهذا الحديث روي عن عثمان وهو محصور في الفتنة رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد والحاكم، وهو صحيح، وفيه أنه لا يحل دم امرئ مسلم إلا إذا فعل واحد من الثلاث: إذا ارتد، أو زنا وهو محصن، أو قتل نفسًا بغير نفس، والعاصي كالسارق لا يقتل، وإذا زنا وهو محصن يرجم بالحجارة حتى يموت حدًا، وإذا قتل عمدًا عدوانًا يقتل قصاصًا، وإذا ارتد يقتل، وما عدا هذه الثلاثة فلا يحل دمه.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وأمر سبحانه أن يجلد الزاني والزانية مائة جلدة، ولو كانا كافرين لأمر بقتلهما].\nهذا هو الدليل الثاني على بطلان مذهب الخوارج، وهو أن الزاني والزانية يجلدان ولا يقتلان، ولو كان العاصي كافرًا كما تقول الخوارج لوجب قتل الزاني والزانية، والله تعالى يقول: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢].\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وأمر سبحانه أن يجلد قاذف المحصنة ثمانين جلدة، ولو كان كافرًا لأمر بقتله].\nهذا هو الدليل الثالث على بطلان مذهب الخوارج، وهو أن الله تعالى أمر بجلد القاذف، والقاذف فاسق وعاصي، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤]، ولم يقل فاقتلوهم، ولو كان القاذف كافرًا لوجب قتله كما تقول الخوارج.","vol":"12","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>بطلان مذهبهم بالأمر بجلد شارب الخمر دون قتله</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وكان النبي ﷺ يجلد شارب الخمر ولم يقتله].\nهذا هو الدليل الرابع على بطلان مذهب الخوارج: أن شارب الخمر يجلد ولا يقتل ولو كان كافرًا لوجب قتله.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [بل قد ثبت عنه ﷺ في صحيح البخاري وغيره: (أن رجلًا كان يشرب الخمر وكان اسمه عبد الله حمارًا وكان يضحك النبي ﷺ وكان كلما أتي به إليه جلده، فأتي به إليه مرة فلعنه رجل، فقال النبي ﷺ: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله) فنهى عن لعنه بعينه، وشهد له بحب الله ورسوله ﷺ مع أنه قد لعن شارب الخمر عمومًا].\nفي لفظ آخر: كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارًا، وهذا الرجل كان كثيرًا ما يؤتى به ويجلد في الخمر، فأتي به مرة من المرات وجلد، فقال رجل: لعنه الله، وفي لفظ آخر: (أخزاه الله ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله)؛ ولأن الحد طهارة يطهره من الذنب، فإذا أقيم عليه الحد طهر، والتوبة طهارة.\nوالمرأة الغامدية وماعز جاءا إلى النبي ﷺ تائبين، وأقيم عليهما الحد، فاجتمع لكل منهما طهارتان: طهارة التوبة، وطهارة الحد.\nوهذا الحد يطهره؛ ولهذا لما لعنه الرجل قال النبي ﷺ: (لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله)؛ لأن عنده أصل الإيمان، وكل مؤمن عنده أصل المحبة لله ورسوله، فمن لم يحب الله ورسوله فهو كافر، ولا تنتهي محبة الله ورسوله إلا إذا جاء الشرك، والعاصي عنده أصل المحبة، ولذلك اتقى الشرك بسبب حبه لله ورسوله، فإذا جاء الشرك انتهت محبة الله ورسوله نعوذ بالله.\nفهذا الرجل وإن كان قد جلد في الخمر فعنده أصل المحبة، ولهذا قال النبي ﷺ: (فإنه يحب الله ورسوله)، فنهى عن لعنه بعينه، وشهد له بحب الله ورسوله مع أن النبي ﷺ قد لعن شارب الخمر عمومًا فقال: (لعن الله شارب الخمر وعاصرها ومعتصرها وساقيها)، وهذا على العموم، وفرق بين اللعن للعموم ولعن الخصوص، ففي العموم لا يوجد مانع فلك أن تقول: لعن الله اليهود والنصارى، ولعن الله السارق، كما في الحديث: (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده)، ولعن الله شارب الخمر.\nلكن فلان بن فلان السارق، وفلان بن فلان شارب الخمر لا يلعن بعينه على الصحيح؛ لأن الشخص المعين قد يتوب، وقد يكون لم يعلم الحكم، وقد يعفو الله عنه.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وهذا من أجود ما يحتج به على أن الأمر بقتل الشارب في الثالثة أو الرابعة منسوخ؛ لأن هذا أتي به ثلاث مرات، وقد أعيا الأئمة الكبار جواب هذا الحديث، ولكن نسخ الوجوب لا يمنع الجواز].\nالمؤلف ﵀ استطرد لما ذكر قصة هذا الرجل الذي كان يؤتي به كثيرًا ويجلد في الخمر، والجواب عن الحديث الذي ورد: (من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب الرابعة فاقتلوه) الصواب: أن قتله في الرابعة منسوخ، ودليل ذلك أن هذا الرجل كثيرًا ما يؤتي به فيجلد في الخمر ولم يقتله، أي: أنه أتي به مرات كثيرة فيجلد، فلو كان القتل باقيًا لقتله، فلما لم يقتله دل على أن الأمر بقتله منسوخ.","vol":"12","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>حكم قتل الشارب في الرابعة</span>\nوقد أعيا الأئمة الكبار الجمع بين الحديثين، ولكن نسخ الوجوب لا يمنع الجواز، فيجوز أن يقال: يجوز قتله إذا رأى الإمام المصلحة.\nأي: أن الأمر بقتله منسوخ لكن إذا رأى الإمام المصلحة في قتله من باب التعزير، وأنه لا يندفع الشر إلا بذلك، كما إذا كثر الناس وتجرءوا على شرب الخمر وأكثروا من شربه، فلا بأس أن يقتلهم الإمام في الرابعة تعزيرًا لا وجوبًا.\nكما أن عمر ﵁ لما تتابع الناس في الطلاق في الثلاث ألزمهم بطلاق الثلاث تعزيرًا فصار يوقع الثلاث، وكان الطلاق الثلاث بكلمة واحدة على عهد النبي ﷺ، وأبي بكر وصدر من خلافة عمر طلقة واحدة، فلما تتابع الناس في الطلاق وأكثروا منه في زمن عمر ﵁ قال: إن الناس استعجلوا شيئًا لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم ردعًا لهم حتى لا يتجرءوا، فصار من طلق بالثلاث يوقع عليه الثلاث.\nفكذلك شارب الخمر يجلد ثم يجلد ثم يجلد، لكن إذا تتابع الناس ولم يرتدعوا فلا بأس أن يقتل الإمام في الرابعة تعزيرًا وردعًا للناس.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [فيجوز أن يقال: يجوز قتله إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك، فإن ما بين الأربعين إلى الثمانين ليس حدًا مقدرًا في أصح قولي العلماء كما هو مذهب الشافعي وأحمد في إحدي الروايتين، بل الزيادة على الأربعين إلى الثمانين يرجع إلى اجتهاد الإمام فيفعلها عند المصلحة كغيرها في أنواع التعزير].\nشارب الخمر جاء في الحديث أنه يجلد أربعين، فكان شارب الخمر على عهد النبي ﷺ وأبي بكر يجلد أربعين جلدة، فلما تتابع الناس استشار عمر الصحابة، فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانين، فجلده عمر ثمانين.\nفالزيادة من أربعين إلى الثمانين اجتهاد، فكذلك للإمام أن يجتهد إذا تتابع الناس وأكثروا من شرب الخمر فيقتل شارب الخمر ردعًا وتعزيرًا، كما أنه يزيد من الأربعين إلى الثمانين تعزيرًا.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وكذلك صفة الضرب فانه يجوز جلد الشارب بالجريد والنعال وأطراف الثياب].\nوصفة الضرب كان على عهد النبي ﷺ أن يضرب الشارب بالجريد والنعال وأطراف الثياب، جاء في الحديث: (أتي برجل شرب الخمر، قال: فمنا الضارب بيده ومنا الضارب بنعله، ومنا الضارب بثوبه، حتى عد أربعين).\nفكما أنه للإمام أن يجتهد فيجلد من الأربعين إلى الثمانين، كذلك يجتهد في صفة الضرب فبدل أن يكون بالثياب والنعال يضرب بالجريد كما فعل الصحابة، وكذلك أيضًا للإمام قتله تعزيرًا واجتهادًا.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [بخلاف الزاني والقاذف].\nالزاني يجلد مائة ولا اجتهاد فيه، والقاذف يجلد ثمانين بنص القرآن كما قال تعالى في الزاني: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، وفي القاذف: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤].\nأما شارب الخمر فالزيادة على الأربعين اجتهاد.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [فيجوز أن يقال: قتله في الرابعة من هذا الباب].\nيجوز أن يقال إن قتل شارب الخمر في الرابعة من باب التعزير اجتهادًا، بخلاف الزاني والقاذف، فهذه جملة معترضة.","vol":"12","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>الرد على الخوارج بأن الله سمى المقتتلين مؤمنين</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وأيضًا: فإن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:٩ - ١٠]، الآية.\nفقد وصفهم بالإيمان والأخوة وأمرنا بالإصلاح بينهم].\nما زلنا في ذكر المرجحات والأدلة التي تدل على أن من وصفوا بالإسلام دون الإيمان في النصوص هم ضعفاء الإيمان، وأنهم لم يخرجوا من دائرة الإسلام، خلافًا لمن قال إنهم منافقون.\nوقد سبق ذكر مرجحات منها: أن الحرف (لما) في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، ينفي به ما قرب وجوده وانتظر وجوده.\nومنها أنه قال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات:١٤].\nفأثبت لهم طاعة لله ورسوله فدل على أنهم مؤمنون وليسوا منافقين، ومنها أن الله وجه الخطاب إليهم، ولو كانوا منافقين لكان هذا خلاف مدلول الخطاب.\nومن المرجحات المذكورة هنا قول الله ﷾: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩].","vol":"12","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>الأسئلة</span>","vol":"12","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>حكم لعن المعين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز لعن الكافر المعين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم مثل الفاسق، وفيها قولان لأهل العلم: من العلماء من قال: يجوز لعن الفاسق بعينه، ويجوز لعن الكافر بعينه.\nوالقول الثاني: أنه لا يلعن الفاسق ولا الكافر بعينه وإن كان ميتًا لقول النبي ﷺ: (لا تسبوا الأموات فإنهم أفضوا إلى ما قدموا)، أي: ولو كان ميتًا فلا تسبوه بعينه فإنه أفضى إلى ما قدم، وإذا كان حيًا فكذلك؛ لأنه قد يجوز أن يتوب الله عليه، إلا إذا اشتد أذى الكافر للمسلمين في الحياة فيجوز لعنه، وكذلك إذا كان الميت الكافر أو الفاسق صاحب بدعة، فتحذر الناس من هذه البدعة ولو كان فيه سب له؛ لأن هذا فيه مصلحه للأحياء.\nأما إن لم يكن صاحب بدعة فلا يلعن على الصحيح لا الكافر بعينه ولا العاصي بعينه، وإنما يلعن بالعموم، فتقول: لعن الله السارق أي: جنس السارق، لعن الله شارب الخمر أي: جنسه، لعن الله القاذف، أي: جنسه، لعن الله الكافر أي: جنس الكافر، أما فلان بن فلان الكافر فلا يلعن؛ لأنه أفضى إلى ما قدم إن كان ميتًا، وإن كان حيًا فلعل الله أن يهديه فيدعى له بالهداية، ولما عصت دوس، فقيل: يا رسول الله! إن دوسًا أبت وعصت فادع الله عليهم، فقال أحد الصحابة: هلكت دوس، فقال: (اللهم اهد دوسًا وائت بهم)، فهداهم الله وجاءوا مسلمين.\nفالمقصود: أن لعن المعين سواء كان كافر أو فاسقًا فيه قولان لأهل العلم: قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز.\nوالصواب من القولين: أنه لا يجوز لعن المعين الفاسق ولا الكافر، إلا إذا كان الميت كافرًا أو فاسقًا أو صاحب بدعة فيحذر الناس من بدعته؛ لأن فيه مصلحة للأحياء، وإلا إذا اشتد أذى الحي منهم على المسلمين الأحياء فلا بأس بلعنهم والدعاء عليهم والقنوت؛ لأن النبي ﷺ قنت ودعا على رعل وذكوان، ودعا على شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة في الصلاة وقال: اللهم اللعن فلانًا وفلانًا؛ لأنه اشتد أذاهم للمسلمين.","vol":"12","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>وقت القيام للصلاة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  بعض الناس يقومون عند سماع المقيم للصلاة عند قوله: قد قامت الصلاة، فهل هذا عليه دليل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا أعلم له دليلًا وإنما تقوم في أي وقت، قال بعض السلف: يقوم إذا رأى الإمام، لأنه قد يكون بينه وبين الإمام علامة فيقيم والإمام في البيت إذا كان بيته قريبًا ثم يأتي، فيشق على الإنسان، فإذا رأى الإمام قام، وهذا هو الأولى، وإن قمت فلا حرج لكن هذا فيه مشقه عليك، ولا يوجد تحديد للقيام.","vol":"12","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>علة كفر من نكح امرأة أبيه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما علة كفر من نكح امرأة أبيه عند أهل السنة كما في حديث البراء ﵁: أنه لقي عمه ومعه الراية فسأله: إلى أين أنت ذاهب، فقال: بعثني رسول الله ﷺ إلى فلان لأقتله وآخذ ماله، فإنه نكح امرأة أبيه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا الرجل الذي نكح زوجة أبيه استحلها فكفر بالاستحلال؛ ولذلك عقد النبي ﷺ لواءً للبراء وأمره بأن يذهب إليه ويقتله ويأخذ ماله لكفره؛ لأنه رأى أن زوجة أبيه حلال واستحلها ونكحها.\nمثل من استحل الخمر، فقال: الخمر حلال، أو الربا حلال، أو الزنا حلال فهو كافر، أو قال: نكاح زوجة الأب حلال فيكفر، فهذا الرجل استحل نكاح زوجة أبيه ونكحها مستحلًا لذلك، فلهذا كفر، وعقد النبي ﷺ لواءً للبراء وأمره أن يقتله ويأخذ ماله لكفره وضلاله، فمن استحل الكبيرة المعلومة من الدين بالضرورة كفر، وإذا لم يستحلها كان عاصيًا، لكن هذا استحلها.","vol":"12","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>الخلاف في كفر الخوارج</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل صح أن شيخ الإسلام ابن تيمية نقل إجماع الصحابة على عدم كفر الخوارج في منهاج السنة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  شيخ الإسلام قال: إن الصحابة عاملوا الخوارج معاملة أهل البدع والعصاة لا معاملة الكفرة؛ لأنهم متأولون، وهذا هو مذهب جمهور العلماء.\nوالقول الثاني لأهل العلم: أنهم كفار وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀، واستدلوا بظواهر الأحاديث كما قال: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، وفي لفظ: (ثم لا يعودون إليه)، وفي لفظ: (لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد - أو قتل ثمود -)، شبههم بعاد وثمود وهم قوم كفار، فدل على كفرهم، والجمهور والصحابة عاملوهم معاملة المبتدعة.\nولا يقال: إن معاملة الصحابة ﵃ للخوارج كفساق قبل أن يقيم ابن عباس ﵄ عليهم الحجة، وبعد إقامة الحجة من لم يرجع عن مذهبه فهو كافر؛ لأنهم متأولون وبعضهم بقي على شبهته.","vol":"12","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>حكم من يصف الآمر بالمعروف والمجاهد بأنه خارجي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ظهر في هذا العصر من يقول: إن المجاهد خارجي ومن أنكر المنكرات فهو خارجي، فما رأيكم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نسأل الله السلامة والعافية، فهذا تعدى مذهب الخوارج، كيف يقال: المجاهد في سبيل الله خارجي؟ ومن أنكر المنكر خارجي؟ والله تعالى يقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة:٧١]، فالذي يعتقد أن من ينكر المنكر يكون خارجيًا فهو مصادم للنصوص، نسأل الله السلامة والعافية، والله تعالى أثنى على المجاهدين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف:١٠ - ١٢].\nوقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١]، أفبعد هذه النصوص الآن في الثناء على المجاهدين يقال للمجاهد خارجي؟! وكذلك الذي ينكر المنكرات أيكون خارجيًا! قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فالخيرية حصلت في هذه الأمة بالإيمان بالله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكيف يقال للذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر: خارجي، ما يقول هذا إلا فاسد العقيدة، أو جاهل جهلًا مركبًا.","vol":"12","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>حكم حلق الرأس</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم حلق الرأس بالموسى؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا بأس به فهو جائز مباح، لكن تركه أولى، كان النبي ﷺ لا يحلق إلا في حج أو عمرة، قال الإمام أحمد ﵀: هو سنة، أي: ترك الرأس وإبقاء الشعر، لو نقوى عليه لا تخذناه، لكن له كلفة ومشقة، جاء في الحديث: (ومن كان له شعر فليكرمه).\nفالسنة تربيته اقتداء بالرسول ﵊، لكن يحتاج إلى تعب ومشقة من غسل ودهن وشد، فهذا لا نقوى عليه، وحلقه مباح.\nوقد قال النبي ﷺ لصبي رآه حلق بعض رأسه وترك بعضه: (احلقه كله أو اتركه كله) فهو مباح؛ لكن الأفضل تركه إذا كان يريد أن يقتدي بالنبي ﷺ.\nأما إذا أراد أن يقلد الفسقه أو يقلد -كما يقال- طائفةً من الخنافس، وقد كان قبل سنوات طائفة تسمى الخنافس يربون شعورهم في بريطانيا وفي غيرها، فإذا كان قصده أن يقلد الكفرة فهذا شيء آخر، أما إذا أراد أن يقتدي بالرسول ﷺ فشيء طيب.\nوقد تجد بعض الناس يحلق لحيته ويربي شعره، فإذا قلت له: لماذا تربي شعرك؟ قال: أقتدي بالرسول، فيقال له: تقتدي بالرسول في إبقاء شعر الرأس وأنت تحلق لحيتك، فإذا كان الإنسان يريد أن يقتدي بالنبي ﷺ فهو أفضل، وهو كما قال الإمام أحمد سنة، فيكون متبعًا للسنة، وحلقه جائز لا بأس به.\nوإذا كان شعره كشعر الفسقة أو كان الإنسان شابًا يخشى عليه من الفتنة فحلقه أفضل في هذه الحالة، حتى يبتعد عن شعار الفسقة وحتى يسلم من الشر؛ لأنه قد يكون الشاب إذا فرد شعره وهو أمرد وليس له لحية قد يخشى عليه من بعض الفسقة.","vol":"12","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>حكم دفع الزكاة لمن عليه دين ليسدد دينه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز دفع الزكاة لمن كان عليه دين وليس له دخل ويريد سداد الدين الذي عليه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، صاحب الدين من الغارمين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة:٦٠].\nمن عليه دين هو الغارم، والغارمون صنفان: الصنف الأول: غارم لمصلحة نفسه، وهو الذي عليه ديون من أجل النفقة على نفسه، والكسوة لنفسه وأهله وأولاده وأجرة السكن، فهذا يعطى ما يكفيه لمدة سنة من نفقة وكسوة وأجرة مسكن.\nوالثاني: غارم لإصلاح ذات البين، كالذي يصلح بين الناس ويتحمل في ذمته ديونًا، فيصلح بين القبائل أو بين الأشخاص ولا يصطلحون إلا إذا تحمل، فيأتي إلى القبيلتين بينهما شر فيقول: أنا أتحمل، ويعطي هؤلاء مائة ألف وهؤلاء مائة ألف حتى يصطلحون، ويتحملها في ذمته، فهذا يعطى من الزكاة ما يسدد هذه الديون ولو كان غنيًا؛ تشجيعًا له على هذا العمل النبيل، وقد كان هذا في الجاهلية وأقره الإسلام، قال الله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤].","vol":"12","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>نوع كفر إبليس وأنواع الكفر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  مما استدل به الأزارقة على مذهبهم كفر إبليس، وقالوا: ما ارتكب إلا كبيرة حيث أمر بالسجود لآدم فامتنع فطرد من الجنة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا المستدل جهله مركب، فإبليس ليس كفره بالمعصية بل كفره بالإباء والاستكبار، والإباء والاستكبار نوع من أنواع الكفر، فالكفر أنواع: منها: التكذيب، فمن كذب الله ورسوله كفر، ومنها: الإباء والاستكبار، وهو: أن يتلقى أمر الله وأمر رسوله بالإباء والاستكبار، بالرفض لا بالتكذيب.\nوإبليس ما كذب الله، فالله تعالى قال: اسجدوا لآدم، وهو وامتنع واعترض على الله، وقال: لا يمكن أن أسجد لآدم؛ لأن عنصري أحسن من عنصر آدم، فعنصر آدم الطين، وأنا عنصري النار، والنار خير من الطين، ولا يمكن أن يخضع الفاضل للمفضول كما قال تعالى: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢].\nفإذًا: كفر إبليس بالرفض والإباء والاستكبار، وليس بمعصية.\nواليهود يعلمون أن محمدًا هو رسول الله حقًا، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٤٦]، فكفرهم بالإباء والاستكبار.\nوكفر أبي طالب عم الرسول ﵊ الذي يقول: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحًا بذاك مبينا كان بالإباء والاستكبار، فكان مستكبرًا عن عبادة الله، وحملته الحمية أن يكون على دين قومه، فكان مستكبرًا عن عبادة الله واتباع الرسول ﷺ، فكفره بالإباء والاستكبار.\nفإبليس كفره بالإباء والاستكبار وهو نوع من أنواع الكفر، والكفر أنواع منها: كفر التكذيب، وكفر الإباء والاستكبار، وكفر الإعراض، وكفر الشك، وكفر الرفض، وقد يكون بالاعتقاد، بأن يعتقد أن لله صاحبة أو ولدًا، أو يكذب الله ورسوله، كما يكون بالقول كأن يسب الله أو يسب الرسول ﷺ، أو يستهزئ بالله وبرسوله، وكفر يكون بالعمل كالسجود للصنم، وكفر بالرفض والامتناع كأن يعرض فلا يتعلم دين الله ولا يعبد الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف:٣]، فإبليس كفره بالإباء والاستكبار.","vol":"12","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>موقف المسلم تجاه ما حصل بين الصحابة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هو موقف المسلم تجاه ما حصل بين الصحابة ﵃، وما حكم من يطعن في الصحابة ﵃؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أن الواجب على المسلم أن يترضى على الصحابة، وأن يكف اللسان عن ما صدر منهم، وأن يعتقد أن ما حصل بينهم كما قال الشيخ ابن تيمية ﵀: الأخبار التي تروى عن الصحابة منها ما هو كذب لا أساس له من الصحة، ومنها ما له أصل لكن زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، ومنها ما هو صحيح، والصحيح هم فيه ما بين مصيب له أجران، ومخطئ له أجر.\nويجب على الجميع أن يعتقد أن الصحابة أفضل الناس وخير الناس لا كان ولا يكون مثلهم، وهم قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، فهم أفضل الناس وخير الناس، سبقونا إلى الإيمان والجهاد، وحملوا الشريعة، وبلغوا دين الله، فلهم من الحسنات والسبق إلى الإيمان وتبليغ دين الله ونشر الإسلام ما يغطي ما صدر منهم من الهفوات.\nولما أراد بعض العلماء أن يقارن بين عمر بن عبد العزيز وورعه ومعاوية بن أبي سفيان، قال: عمر بن عبد العزيز له إيمانه وتقاه وورعه، لكن ليس له مزية الصحبة فلا يلحق الصحابة، والصحابة لهم مزية الصحبة ولا يلحقهم من بعدهم إلى يوم القيامة، ولهم مزية الجهاد في سبيل الله مع الرسول ﵊ والسبق إلى الإسلام، وهي مزية لا يمكن أن يلحقهم فيها من بعدهم، ولهذا لما جاء في الحديث أن: (الصابر على دينه له أجر خمسين من الصحابة)، قال العلماء: له أجر خمسين في ناحية الصبر، لكن ليس معناه أنه أفضل من الصحابة، فالصحابة فاقوا عليه بالجهاد، وفاقوا عليه بالصحبة، وفاقوا عليه بنشر دين الله، لكن في هذه الخصوصية فقط.\nولهذا قال بعض العلماء: الغبار الذي دخل في أنف معاوية في جهاده مع النبي ﷺ يعدل ورع عمر بن عبد العزيز، فالصحابة لا كان ولا يكون مثلهم، فهم خير الناس وأفضل الناس بعد الأنبياء.\nثم أيضًا باب التوبة مفتوح، ولهم من الحسنات والمصائب التي يشاركون الأمة فيها، فكيف بعد هذا يكون مسلم يؤمن بالله ورسوله يسب الصحابة أو يكفرهم أو يضللهم.","vol":"12","page":16},{"text":"شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-235>[١٣]</span>\nظهرت المعتزلة في عهد الحسن البصري وقالوا بأن الفاسق يخرج من الإيمان، لكن لا يدخل في الكفر، واعتزلوا حلقة الحسن البصري ﵀، ولهم أقوال رديئة فاسدة.","vol":"13","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>حكم الفاسق عند المعتزلة</span>","vol":"13","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>ظهور المعتزلة وإنكارهم الشفاعة للعصاة</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [فلما شاع في الأمة أمر الخوارج تكلمت الصحابة ﵃ فيهم، ورووا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الأحاديث فيهم، وبينوا ما في القرآن من الرد عليهم، وظهرت بدعتهم في العامة.\nفجاء بعدهم المعتزلة الذين اعتزلوا الجماعة بعد موت الحسن البصري ﵀، وهم: عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء الغزال وأتباعهما].\nلما شاع في الأمة أمر الخوارج تكلمت الصحابة فيهم وبينوا بدعتهم وحذروا الناس منهم، ورووا عن النبي ﷺ الأحاديث فيهم، وسبق أن الأحاديث في الخوارج كلها صحيحة، وفيهم عشرة أحاديث في الصحيحين وفي غيرهما، بخلاف الأحاديث التي في القدرية فرفعها ضعيف ووقفها أصح.\nفبدعة الخوارج أول البدع ظهورًا، ظهرت في أواخر عهد الصحابة بعد مقتل عثمان ﵁، ثم بعد ذلك ظهرت بدعة المعتزلة في أوائل عهد التابعين في أوائل المائة الثانية، وسببها: أن الحسن البصري -وهو تابعي جليل- كان له حلقة يدرس فجاء رجل فسأل الحسن البصري عن العاصي وعن الفاسق فأجابه، وكان في حلقته عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء فاعترضا على شيخهما فقال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إنه مؤمن ولا أقول إنه كافر، ثم جلس في حلقة مستقلة واعتزل حلقة شيخه الحسن البصري، ومن ذلك الوقت سموا معتزلة؛ لأنهم اعتزلوا حلقة شيخهم الحسن البصري.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [فقالوا: أهل الكبائر يخلدون في النار كما قالت الخوارج، ولا نسميهم لا مؤمنين ولا كفارًا بل فساق ننزلهم منزلة بين منزلتين].\nهذا مذهب المعتزلة وقد قالوا: أن أهل الكبائر مخلدون في النار كما قالت الخوارج، فهم يوافقون الخوارج في تخليد العاصي في النار في الآخرة، أما في الدنيا فيخالفونهم، فالخوارج يقولون: إذا فعل الكبيرة خرج من الإيمان ودخل في الكفر، والمعتزلة يقولون: خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، وصار في منزلة بين المنزلتين لا مؤمنًا ولا كافرًا، ويقولون: نسميه فاسقًا، والحقيقة أنه ليس هناك منزلة بين الإيمان الكفر، والناس إما مؤمن أو كافر، وهم اختلقوا من عند أنفسهم منزلة بين المنزلتين.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وأنكروا شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمته، وأن يخرج أحد من النار بعد أن دخلها].\nإنكار الشفاعة مشترك بين المعتزلة والخوارج، فكلهم أنكروا شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمته، وقالوا: إن العاصي مخلد في النار لا شفاعة له، واستدلوا بالآيات التي جاءت في الكفار كقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤]، وقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨].\nفهذه الآيات في الكفار حملوها على المؤمنين فقالوا: ليس لهم نصيب في الشفاعة، ولا يمكن أن يخرج أحد من النار بعد دخولها أبدًا، فالزاني والسارق وشارب الخمر والكافر كلهم مخلدون في النار، ولا يمكن أن يشفع في أحد، ولا يمكن أن يخرج أحد من النار بعد دخولها مع أن الأحاديث في إخراج العصاة الموحدين بلغت حد التواتر ومع ذلك أنكرها الخوارج والمعتزلة، فأنكر عليهم أهل السنة وصاحوا بهم وبدعوهم وضللوهم وفسقوهم، وقالوا: كيف تنكرون النصوص وهي متواترة ولا حصر لها، والنبي ﷺ يشفع أربع شفاعات، والأنبياء يشفعون، والملائكة يشفعون، والشهداء يشفعون، والأفراط يشفعون، فكيف تنكرون الشفاعة ونصوصها متواترة؟ قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقالوا: ما الناس إلا رجلان سعيد لا يعذب أو شقي لا ينعم، والشقي نوعان: كافر وفاسق، ولم يوافقوا الخوارج على تسميتهم كفارا].\nالمعتزلة قالوا: الناس رجلان سعيد لا يعذب أو شقي لا ينعم، والسعيد الذي لا يعذب هو الموحد الذي أدى الواجبات وترك المحرمات، والشقي نوعان: كافر أتى بالكفر ومات على الكفر، والثاني: فاسق -وهو المؤمن العاصي- وهذا قالوا فيه: إنه شقي كالكافر سواء ليس هناك فرق بينه وبين الكافر.\nوالخوارج قالوا: الشقي نوع واحد وهو الكافر، والكافر عندهم الذي أتى بالكفر والذي أتى بالمعصية سواء بسواء ولا فرق.\nوالمؤسس للاعتزال هو واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وقد كان عمرو بن عبيد زاهدًا في الدنيا لكنه ابتلي بالكلام، ونفى صفات الله ﷿، وكذلك واصل بن عطاء، وقد كانوا في حلقة الحسن البصري يدرسون، ولكن ابتلوا بهذه الآراء السيئة، وكان واصل بن عطاء الغزال فصيحًا جدًا، وعنده قوة في الخطابة والأسلوب وتصريف الكلام، حتى أنه يخطب الخطبة الطويلة -ساعتين أو ثلاثًا- لا يتلعثم إلا أنه في لسانه لثغة في الراء، فمن فصاحته صار يتجنب الراء في الخطبة الطويلة، فيأتي بخطبة طويلة ليس فيها راء حتى لا تبين لثغته، ومن فصاحته أنه قيل له مرة: قل أمر الأمير بحفر البئر في قارعة الطريق، فقال: أوعز القائد بقلب القليب في الجادة، فأدى المعنى بدون راء، ولكنه ابتلي بهذا الاعتقاد الفاسد، وهو المؤسس لمذهب المعتزلة هو وعمرو بن عبيد وهو القول بأن المؤمن العاصي يخرج من دائرة الإيمان في الدنيا ويخلد في النار في الآخرة، نسأل الله السلامة والعافية.","vol":"13","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>الرد على المعتزلة في تقسيم الناس بين الإيمان والكفر</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وهؤلاء يرد عليهم بمثل ما رد به على الخوارج، فيقال لهم: كما أنهم قسموا الناس إلى مؤمن لا ذنب له وكافر وفاسق لا حسنة له].\nالضمير يعود إلى الخوارج، (فكما أنهم) أي: الخوارج (قسموا الناس إلى مؤمن لا ذنب له وكافر لا حسنة له)، والمؤمن الذي لا ذنب له هو المؤمن المطيع، والكافر الذي لا حسنة له هو الكافر والعاصي.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [قسمتم الناس إلى مؤمن لا ذنب له وإلى كافر وفاسق لا حسنة له].\nقوله: (قسموا): الضمير يعود إلى المعتزلة، والمعنى: قسمتم أيها المعتزلة الناس إلى مؤمن لا ذنب له وهو المطيع، وإلى كافر وفاسق لا حسنة له، فالكافر معروف، والفاسق هو المؤمن العاصي، فجعلوهم قسمين، لكن الفاسق لا حسنة له كما أن الكافر لا حسنة له، فجعلوا الفاسق مثل الكافر، والفاسق مؤمن له حسنات عند أهل الحق، لكن عند المعتزلة ليس له حسنة.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [فلو كانت حسنات هذا كلها محبطة، وهو مخلد في النار لاستحق المعاداة المحضة بالقتل والاسترقاق، كما يستحقها المرتد].\nهذا هو الرد الأول، أن نقول للمعتزلة: لو كانت حسنة العاصي مرتكب الكبيرة حابطة وهو مخلد في النار لاستحق المعاداة المحضة بالقتل والاسترقاق كما يستحقها المرتد، ولو كان الزاني والسارق وشارب الخمر أو المرابي تحبط أعماله كالكافر وليس له حسنات لاستحق المعاداة المحضة فيقتل ويسترق كما أن الكافر يقتل ويسترق، فالمؤمنون إذا قاتلوا الكفار يقتلونهم ويسترقونهم، وإذا وقعوا أسرى بأيديهم فالإمام مخير بين القتل والاسترقاق والمفاداة، فهذا المؤمن العاصي الذي تقول المعتزلة إنه لا حسنة له وإن أعماله حابطة لو كانت أعماله حابطة لكان يستحق أن يعادى معاداة تامة كالكافر ويقتل ويسترق، لكن النصوص دلت على أنه يعامل معاملة المؤمنين.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [فإن هذا قد أظهر دينه بخلاف المنافق].\nالعاصي مرتكب الكبيرة قد أظهر دين الإسلام وهو مؤمن، وإذا سألت العاصي فقلت له: أأنت مؤمن؟ قال: نعم أنا مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، ونحن نصلي ونصوم، فهو يظهر دينه وينتسب إلى الإسلام بخلاف الكافر.","vol":"13","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>بيان الرد على الوعيدية بآية (إن الله لا يغفر أن يشرك به)</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد قال الله في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].\nفجعل ما دون ذلك الشرك معلقًا بمشيئته].\nهذه الآية فيها رد على المعتزلة، ووجه الرد من الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].\nفخص الله الشرك بأنه لا يغفر، وعلق ما دونه بالمشيئة، فدل على أن العاصي تحت المشيئة؛ لأن معصيته دون الشرك، فهو تحت مشيئة الله إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه، وإذا عذبه فإنه يخرج من النار بشفاعة الشافعين، أو برحمة أرحم الراحمين كما دلت على ذلك النصوص.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا يجوز أن يحمل هذا على التائب، فإن التائب لا فرق في حقه بين الشرك وغيره].\nقوله: (لا يجوز أن يحمل هذا) الإشارة تعود إلى الحكم الذي دلت عليه الآية السابقة، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].\nأي: فلا يقول قائل في التائب؛ لأن التائب لا فرق في حقه بين الشرك وغيره، والتوبة تجب ما قبلها سواء كان شركًا أو غير شرك، فمن تاب من الشرك قبل الله توبته إذا كانت توبة نصوحًا، ومن تاب من الزنا أو السرقة أو الربا قبل الله توبته، والآية فرقت بين الشرك وغيره: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].\nفدل على أن هذا في غير التائبين؛ لأن الله تعالى فرق بين الشرك وغيره، فخص الشرك بأنه لا يغفر وعلق ما دونه تحت المشيئة، أما التوبة فإنها تجب ما قبلها أيًا كانت، كالتوبة من الشرك أو الكفر أو النفاق أو الزنا أو السرقة، فإذا كانت التوبة نصوحًا وجاء التائب بشروطها: أن تكون التوبة لله، وأقلع عن المعصية، وندم على ما مضى، وعزم على عدم العودة إليها، ورد المظلمة إلى أهلها، وكانت التوبة قبل الموت وقبل طلوع الشمس من مغربها في آخر الزمان، فهذه مقبولة من كل شخص، حتى من المثلثة النصارى الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، فقد عرض الله عليهم التوبة بقوله: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ [المائدة:٧٤].\nفهذه الآية في غير التائبين، بخلاف آية الزمر فإنها في التائبين كما سيذكر المؤلف ﵀ وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣].\nفهذه أجمع العلماء على أنها في التائبين؛ لأن الله عمم وأطلق، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣]، أي ذنب: سواء كان كفرًا، أو شركًا، أو نفاقًا، فعمم وأطلق ولم يخصص ولم يقيد، فدل على أنها في التائبين، فآية الزمر في التائبين، وآية النساء في غيرهم.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣]، فهنا عمم وأطلق؛ لأن المراد به التائب، وهناك خص وعلق].\nقوله: (هناك): الإشارة تعود إلى آية النساء، و(هنا) الإشارة تعود إلى آية الزمر.\nوالتخصيص هو تخصيص الشرك بأنه لا يغفر، وعلق ما دون الشرك على المشيئة فقال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وفي آية الزمر عمم وأطلق.","vol":"13","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>أصناف المؤمنين في القرآن</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر:٣٢ - ٣٥].\nفقد قسم الله سبحانه الأمة التي أورثها الكتاب واصطفاها إلى ثلاثة أصناف: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات، وهؤلاء الثلاثة ينطبقون على الطبقات الثلاث المذكورة في حديث جبريل ﵊: الإسلام، والإيمان، والإحسان، كما سنذكره إن شاء الله تعالى].\nهذه الآية هي آية فاطر: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢]، وفيها أقسام المؤمنين، وهؤلاء الثلاثة كلهم مؤمنون، لأن الله أورثهم الكتاب واصطفاهم، فكلهم مصطفون، وكلهم أورثهم الله القرآن: فالصنف الأول: هو الظالم لنفسه، وهو المؤمن العاصي الذي أخل ببعض الواجبات أو فعل بعض المحرمات.\nوالصنف الثاني: هو المقتصد، وهو المؤمن المطيع الذي أدى الواجبات وترك المحرمات، لكن ليس عنده نشاط في فعل المستحبات والنوافل، وليس عنده نشاط في ترك المكروهات كراهة تنزيه وفضول المباحات، بل قد يتوسع في المباحات وقد يفعل المكروهات، فهؤلاء يقال لهم: مقتصدون، ويقال لهم أصحاب اليمين.\nوالصنف الثالث: السابق بالخيرات، وهم الذين أدوا الواجبات، ومع ذلك عندهم نشاط ففعلوا المستحبات والنوافل، وتركوا المحرمات، وتركوا المكروهات كراهة تنزيه، وتركوا فضول المباحات خشية الوقوع في المحرمات، وهؤلاء كلهم مؤمنون، فإن قيل: كيف يكون العاصي من المصطفين؟ قلنا: لما سلم من الشرك ووحد الله وأخلص له العبادة صار من المصطفين دون الكفار.\nوالقسم الرابع: الكفار.\nوفي سورة الواقعة قسمهم الله ثلاثة أصناف فقال: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة:٧]، وقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة:١٠]، وقال: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٢٧]، وقال: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [الواقعة:٤١].\nوفي آخر الواقعة قسمهم كذلك.\nوهؤلاء الثلاثة: الظالم والمقتصد والسابق ينطبقون على الطبقات الثلاث في حديث جبريل: الإسلام والإيمان والإحسان، فالظالم لنفسه يسمى مسلمًا ولا يسمى مؤمنًا؛ لأنه ترك بعض الواجبات وفعل بعض المحرمات، والمقتصد يسمى مؤمنًا، والسابق للخيرات يسمى محسنًا.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ومعلوم أن الظالم لنفسه إن أريد به من اجتنب الكبائر أو التائب من جميع الذنوب فذلك مقتصد أو سابق، فإنه ليس أحد من بني آدم يخلو عن ذنب، لكن من تاب كان مقتصدًا أو سابقًا].\nالأقرب والله أعلم أن الظالم لنفسه لا يراد به من اجتنب الكبائر، وقوله: (إن أريد به من اجتنب الكبائر) أي: ما أريد به من اجتنب الكبائر فإن هنا نافية بمعنى (ما)؛ لأن الظالم لنفسه هو الذي يفعل بعض الكبائر، والتائب من جميع الذنوب، إما مقتصد إذا كان يفعل بعض النوافل والمستحبات، وإما سابق بالخيرات إن كان يفعل مع ذلك المستحبات.\nفإذًا الظالم لنفسه غير التائب، لأن الظالم لنفسه هو الذي يفعل بعض المحرمات ويترك بعض الواجبات ولم يتب، أما من تاب من فعله لبعض الكبائر فيكون من المقتصدين أو من السابقين، فالظالم لنفسه يراد به من يفعل بعض الكبائر ولا يراد به من اجتنب الكبائر.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [كذلك من اجتنب الكبائر كفرت عنه السيئات كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١]، فلا بد أن يكون هناك ظالم لنفسه موعود بالجنة، ولو بعد عذاب يطهر من الخطايا].\nالتائب إما مقتصد أو سابق، ويقولون: ليس أحد من بني آدم يخرج من الذنب، فالإنسان محل الذنب، لكن من تاب كان مقتصدًا أو سابقًا، إن تاب من الذنب وفعل المستحبات فهو سابق، وإن تاب من الذنب ولم يفعل النوافل فهو مقتصد، ومن اجتنب الكبائر كفرت عنه السيئات، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١].\nإذًا: لابد أن يكون هناك ظالم لنفسه موعود بالجنة ولو بعد عذاب يطهر به من الخطايا وهذا هو المؤمن العاصي، وهو موعود بالجنة إن عاجلًا أو آجلًا؛ إن عفا الله عنه دخل الجنة من أول وهلة، وإن لم يعف الله عنه عذب بالنار ثم أخرج منها إلى الجنة.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [فإن النبي ﷺ ذكر أن ما يصيب المؤمن في الدنيا من المصائب مما يجزى به ويكفر به من خطاياه، كما في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: (ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا غم ولا أذىً حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه)].\nوهذا الحديث صحيح رواه الشيخان البخاري ومسلم وغيرهما.\nوالوصب المرض.\nوالنصب: التعب.\nوالهم والحزن والغم من أمراض الداخلية والباطن، والأذى عام، وقيل الهم ينشأ عن الفكر في ما يتوقع حصوله مما يتأذى به.\nوالغم كرب يحدث للقلب بسبب ما حصل.\nوالحزن يحصل لفقد ما يشق على المرء فقده.\nوهذه كلها يكفر بها من خطاياه، فإذا أصاب الإنسان مرض أو تعب أو هم أو حزن أو غم أو أذى حتى الشوكة إذا أصابت جسمه يكفر الله بها من خطاياه، ولما نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] بين النبي ﷺ لـ أبي بكر أن الحزن والهم يجزى به الإنسان.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي المسند وغيره أنه لما نزلت هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣].\nقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله! جاءت قاصمة الظهر، وأينا لم يعمل سوءًا؟ فقال: (يا أبا بكر ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء؟ فذلك مما تجزون به)].\nاللأواء: الشدة وضيق العيش.\nأبو بكر ﵁ بفقهه وعلمه وورعه يفهم معنى الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣]، إذ معناه: أن كل سوء يعمله الإنسان لا بد أن يجازى به، فقال: يا رسول الله! جاءت قاصمة الظهر، ومن يستطيع ألا يعمل شيئًا ولا يقع في سيئة ولا هفوة، وكل شيء نعمله لابد أن نجازى به، فبين له النبي ﷺ أن الجزاء ليس خاصًا في الآخرة، بل عام في الدنيا فقال: (يا أبا بكر ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء والشدة والهم والغم قال: بلى، قال: ذلك مما تجزون به).\nفإذا تعب الإنسان أو أصابه نصب أو هم أو غم أو شوكة أو أذى أو ضيق أو مصيبة كفر بها من خطاياه، والحمد لله على ذلك، والمؤمن أمره كله له خير؛ ولهذا جاء في الحديث: (عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته ضراء فصبر كان خيرًا له، وإن أصابته سراء فشكر كان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن)، فالمؤمن ينصب ويحزن ويتعب، وتصيبه اللأواء والشدة وضيق العيش والمرض، وهذا كله مما يبتلى به الإنسان.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وأيضًا فقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ من أنه يخرج أقوام من النار بعدما دخلوها، وأن النبي ﷺ يشفع في أقوام دخلوا النار].\nهذا هو المرجح السادس من المرجحات: أن وصف العصاة بالإيمان والإسلام لضعف إيمانهم لا لنفاقهم، وأن المؤمن العاصي إذا دخل النار فإنه يعذب بها ثم يخرج، وقد يشفع فيه فلا يدخل النار، وقد يعفو الله عنه، فدل هذا على أن الفاسق أو العاصي والذي وصف بالإيمان دون الإسلام لا يخرج من الإيمان ولو ضعف إيمانه.\nوقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ بأنه يخرج أقوام من النار بعدما دخلوها، وأن النبي ﷺ يشفع في أقوام دخلوا النار، بل ثبت أن النبي ﷺ يشفع في العصاة أربع مرات، وكل مرة يحد الله له حدًا، جاء في بعض الأحاديث: أن الله يقول: (أخرج من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان) وفي بعضها: (مثقال نصف دينار) وفي بعضها: (أخرج من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان) وفي بعضها: (أخرج من في قلبه أدنى مثقال حبة خردل من إيمان) وفي بعضها: (أخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان) فيخرجهم بالعلامة وقد جعل الله له علامة، وهذا فيه رد على الخوارج والمعتزلة الذين يقولون بتخليد العصاة في النار وأنهم لا يخرجون منها، فهذا دليل ومن المرجحات على أن العاصي وضعيف الإيمان لا يخرج من الإيمان ولا يسمى منافقًا، بل عنده أصل الإيمان، فيقال: إنه مؤمن ضعيف الإيمان، مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته.","vol":"13","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>الاحتجاج على طائفتي الوعيدية والمرجئة بنصوص الوعد والوعيد</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وهذه الأحاديث حجة على الطائفتين الوعيدية الذين يقولون: من دخلها من أهل التوحيد لم يخرج منها، وعلى المرجئة الواقفة الذين يقولون: لا ندري هل يدخل من أهل التوحيد النار أحد أولًا].\nهذا الحديث حجة على الطائفتين: الوعيدية: وهم الخوارج والمعتزلة، ويسمون الوعيدية؟ لأنهم يعملون بنصوص الوعيد، ويغمضون أعينهم عن نصوص الوعد، فيعملون ببعض النصوص ويتركون بعض النصوص، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء:١٠].\nفهذا من نصوص الوعيد، إذًا آكل مال اليتيم مخلد في النار.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣]، إذًا القاتل مخلد في النار، وهكذا عملوا بالنصوص التي فيها الوعيد للعصاة كالحديث: (من اقتطع مال امرئ بيمينه أوجب الله له النار).\nأما نصوص الوعد كالحديث: (من قال: لا إلا الله دخل الجنة) و(حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئًا) فهذه يغمضون أعينهم عنها، ولا يعملون إلا بنصوص الوعيد، وهذه علامة أهل الزيغ، أنهم يأخذون ببعض النصوص ويتركون البعض الآخر.\nفالخوارج والمعتزلة أخذوا نصوص الوعيد فخلدوا العصاة في النار وأخرجوهم من الإيمان في الدنيا، وأغمضوا أعينهم عن نصوص الوعد، وقابلتهم المرجئة فأخذوا بنصوص الوعد، فقالوا في مثل: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة)، إن المعاصي لا تضر، وإن زنى وإن سرق، أما الأثر: (من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه) فقالوا فيه: الموحد لا يضره أي كبيرة يعملها.\nأما نصوص الوعيد فقد أغمضوا أعينهم عنها؛ لأنهم من أهل الزيغ.\nفجاء أهل السنة وأخذوا نصوص الوعيد وصفعوا بها وجوه المرجئة وأبطلوا بها مذهبهم، وقالوا: مذهبكم باطل بنصوص الوعيد، وأخذوا نصوص الوعد وصفعوا بها وجوه الخوارج والمعتزلة وأبطلوا بها مذهبهم وقالوا: مذهبكم باطل، فأبطلوا مذهب الخوارج والمعتزلة بأدلة المرجئة، وأبطلوا مذهب المرجئة بأدلة الخوارج والمعتزلة، وتعارضا فتساقطا، وبقي مذهب أهل السنة والجماعة.\nقال أهل السنة: أنتم أدلتكم أيها الخوارج نأخذها ونستدل بها على أن المعاصي تضعف الإيمان وتنقص الإيمان، لكن لا يخرج بها من الإيمان بدليل نصوص الوعد، ونأخذ أدلتكم أيها المرجئة من نصوص الوعد ونستدل بها على أن العاصي معه أصل الإيمان، ولا يخرج من الإيمان، ولكن المعاصي تضره وتنقصه بدليل نصوص الوعيد، فأخذوا أدلة هؤلاء وأدلة هؤلاء، وعملوا بالأدلة من الجانبين، وأبطلوا مذهب المعتزلة بأدلة المرجئة، وأبطلوا مذهب المرجئة بأدلة الخوارج والمعتزلة، وبقي مذهب أهل السنة في الميدان هو الصحيح.\nوهذه الأحاديث حجة على الطائفتين: الوعيدية الذين يقولون من دخلها من أهل التوحيد لم يخرج منها، وهذا وصف مشترك بين الخوارج والمعتزلة، وحجة على المرجئة الواقفة الذين يقولون: لا ندري هل يدخل من أهل التوحيد النار أحد أم لا؟ فهؤلاء متوقفون عندهم شك، ويسمون الواقفة، فإذا قيل لهم: هل أهل التوحيد يدخلون النار؟ قالوا: لا ندري، فهذه النصوص حجة عليهم، فالنصوص فيها أنهم يدخلون ويخرجون.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [كما يقول ذلك طوائف من الشيعة والأشعرية، كالقاضي أبي بكر وغيره].\nالقاضي أبو بكر الباقلاني من أمكن الأشاعرة، وقد وافق المرجئة الواقفة طوائف من الشيعة والأشعرية وتوقفوا في دخول العصاة أهل التوحيد النار.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما ما يذكر عن غلاة المرجئة أنهم قالوا: لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد فلا نعرف قائلًا مشهورًا من المنسوبين إلى العلم يذكر عنه هذا القول].\nيقولون: لن يدخل النار من أهل التوحيد أحد ولو فعل جميع الكبائر وجميع المعاصي، وهذا يقوله غلاة المرجئة كالجهمية، ولا يوجد أحد من العلماء المنتسبين للعلم يقول بهذا القول، إنما يقوله غلاة المرجئة وغلاة المرجئة هم الجهمية الذين يقولون لا يضر مع الإيمان طاعة كما لا ينفع مع الكفر معصية، فيقولون: إن المؤمن إذا عرف ربه بقلبه يكفيه، ولو فعل المنكرات وجميع الكبائر، حتى لو فعل المكفرات فلا يضره ما دام أنه يعرف ربه بقلبه، وهذا من أبطل الباطل.","vol":"13","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>إثبات الإيمان للعصاة</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وأيضًا فإن النبي ﷺ قد شهد لشارب الخمر المجلود مرات بأنه يحب الله ورسوله ونهى عن لعنه، ومعلوم أن من أحب الله ورسوله ﷺ أحبه الله ورسوله بقدر ذلك].\nهذا هو المرجح السابع من مرجحات مذهب جمهور السلف والخلف القائلين بأن الذين وصفوا بالإسلام دون الإيمان ليسوا منافقين، وإنما معهم أصل الإيمان، خلافًا لطائفة من أهل السنة على رأسهم الإمام البخاري وجماعة حينما قالوا: إن هؤلاء منافقون.\nفالمرجح السابع: أن النبي ﷺ قد شهد لشارب الخمر بأنه يحب الله ورسوله ونهى عن لعنته، فالرجل الذي كان يؤتى به كثيرًا ويجلد في الخمر لما لعنه رجل قال: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله، ومعلوم أن من أحب الله ورسوله أحبه الله ورسوله بقدر ذلك، والذي يحبه الله ورسوله لا يمكن أن يكون كافرًا أو منافقًا؛ لأن المنافق لا يحبه الله ورسوله، فدل على أنه مؤمن.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وأيضًا فإن الذين قذفوا عائشة أم المؤمنين ﵂، كان فيهم مسطح بن أثاثة.\nوكان من أهل بدر، وقد أنزل الله فيه لما حلف أبو بكر ﵁ ألا يصله: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢]].\nقصة قذف عائشة معروف أنه أشاعه أهل الإثم وعلى رأسهم عبد الله بن أبي ابن سلول رئيس المنافقين، كان يشيع الإفك، والإفك أسوأ الكذب، وهو قذف عائشة ﵂ بالفاحشة، وذلك لما تخلفت عن الجيش وأركب هودجها الذين وكلوا بالهودج وظنوا أنها فيه لخفتها وهي كانت خرجت لحاجتها، فسار الجيش وتركها، فجاء صفوان بن المعطل السلمي وكان قد تأخر فلما رآها عرفها فخمرت وجهها بجلبابها ثم أناخ لها البعير فركبت وجعل يقودها إلى المدينة، فأشاع أهل الإفك من المنافقين وغيرهم ذلك، وعبد الله بن أبي يستوشيه ويجمعه ولكن لا يثبت عليه شيء؛ ولهذا ما جلده النبي ﷺ؛ لأنه ما ثبت عليه شيء، فهو يستوشيه وينشره من بعيد، ولكن لا يتكلم به أمام أحد حتى لا يثبت عليه شيء، وهو الذي تولى كبره قال تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١١].\nوشارك في هذا وتكلم فيه بعض الصحابة، منهم حسان بن ثابت الشاعر، ومنهم مسطح بن أثاثة ابن خالة أبي بكر ﵁، وكان أبو بكر ينفق عليه لقرابته وفقره، فجلد النبي ﷺ مسطح وأقام عليهم الحد ثمانين جلدة، ومعلوم أن الحد طهارة، فطهرهم الله بالحد والتوبة طهارة، فلما شارك مسطح بن أثاثة في الإفك حلف أبو بكر أن يقطع النفقة عنه، أنزل الله هذه الآية تنهى أبي بكر عن الحلف، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ﴾ [النور:٢٢]، أي: لا يحلف ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور:٢٢].\nوالفضل: السعة والغنى: ﴿أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى﴾ [النور:٢٢]، وهو مسطح: ﴿وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [النور:٢٢].\nفـ مسطح من القرابة وهو مسكين ومهاجر، اجتمعت فيه الأوصاف، قال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢].\nقال أبو بكر لما نزلت هذه الآية: بلى والله أحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى النفقة التي ينفقها على مسطح.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وإن قيل إن مسطحًا ﵁ وأمثاله تابوا؛ لكن الله تعالى لم يشترط في الأمر بالعفو عنهم والصفح والإحسان إليهم التوبة].\nإن هذه الآية أنزلها الله في أمر أبي بكر بالعفو والصفح، فإذا قيل إن مسطحًا وأصحابه تابوا إلى الله والحد طهارة وقد أقيم عليهم الحد، فيقال: الآية ليس فيها شرط التوبة وما قال الله: وليعفوا وليصفحوا إذا تابوا، فدل على أنه مأمور بالصفح والتوبة حتى ولو لم يتوبوا؛ لأنه مؤمن ولو كان عاصيًا، فدل على أنه بقي على ِإيمانه وأنه ليس من المنافقين.\nووجه الدلالة: أن الله أمر أبا بكر بالعفو والصفح والنفقة ولم يشترط التوبة.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وكذلك حاطب بن أبي بلتعة ﵁ كاتب المشركين بأخبار النبي ﷺ، فلما أراد عمر ﵁ قتله قال النبي ﷺ: (إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم،)].\nهذا هو المرجح التاسع من المرجحات أن من وصف بالإسلام دون الإيمان فإنه يبقى على إيمانه، وأن من فعل المعصية فهو باق على أصل إيمانه، وفي ذلك قصة حاطب بن أبي بلتعة ﵁ لما كاتب المشركين بأخبار النبي ﷺ وتأول فقال: إنه يريد أن يضع يدًا عندهم ليحموا بها أهله وعشيرته، فهذا عذره وهو صادق في ذلك، وما أنكر الله عليه وأنزل فيه صدر سورة الممتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة:١]، وفي آخرها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة:١٣].\nفجعل الله فعل حاطب من التولي ومع ذلك فهو مسلم من الصحابة وممن شهد بدرًا.\nفهذا كله من المرجحات لجمهور السلف والخلف على أن من فعل معصية فإن يبقى على إيمانه، وأن من وصف بالإسلام دون الإيمان فإنه لا يخرج بذلك عند دائرة الإيمان ولا يكون من المنافقين، ولما أراد عمر قتله وقال: دعني أضرب عنقه، وفي اللفظ الآخر: (أن عمر قال: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق فقد خان الله ورسوله و- عمر معذور؛ لأنه متأول حيث رأى حاله- فلما دعا النبي ﷺ حاطبًا وسأله قال: يا رسول الله! لا تعجل علي، فوالله ما فعلت ذلك رضا بالكفر بعد الإيمان وإنما أردت أن أتخذ يدًا عندهم يحمون بها أهلي وعشيرتي، وإن من عندك من قريش لهم قرابات يحمون أهليهم فأردت إن فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدًا، فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فإنه قد خان الله ورسوله، فقال النبي ﷺ: أما أنه قد صدقكم، وقال: أما إنه قد شهد بدرًا وما يدرك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).\nفقصة حاطب بن أبي بلتعة دليل لجمهور السلف والخلف على بقاء الإيمان مع المعصية، وأن من وصف بالإسلام دون الإيمان فإنه لا يكون من المنافقين.","vol":"13","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>الأسئلة</span>","vol":"13","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>بيان أن الرافضة لا يعتمد عليهم في الأذكار ولا غيرها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  لا يشك عاقل أن الرافضة -قبحهم الله- لهم خطط ماكرة للصد عن سبيل الله وقد ضايقوا المسلمين بأعظم مقدساتهم في الحرمين مكة والمدينة، ولهم خطط لجعلها -قبحهم الله- وكرًا لنشر مذاهبهم الضالة، وفي الآونة الأخيرة ازداد شرهم حتى نشروا بعض الأوراق مما ظاهره حسن من الأدعية التي رواها الأئمة كـ البيهقي وغيره ﵏، فما رأيكم في ذلك، وهل من توجيه لنا تجاه هذا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا الأذكار التي يوزعها الشيعة لا ينبغي لمسلم أن يعتمد عليها، ولا أن يقبلها؛ لأنهم ليسوا أهلًا للتوزيع وليسوا أهلا لأن يؤخذ منهم، والأذكار الشرعية موجودة في الأحاديث الصحيحة، وقد ألف العلماء كتبًا في الأذكار فألف ابن القيم كتاب الوابل الصيب في الكلم الطيب، وألف النووي كتاب الأذكار، فتؤخذ منها أذكار الصباح والمساء، وابن السني ألف في عمل اليوم والليلة، وشيخ الإسلام ابن تيمية له أيضًا الكلم الطيب، وسماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ له رسالة في الأذكار، وكذلك حصن المسلم لأخينا الشيخ سعيد بن وهف القحطاني، وكذلك الشيخ عبد الله الجار الله له أيضًا نشرة في الأذكار، وهو حديث يكفى به عن هذه التي يوزعها الشيعة، فالشيعة ليسوا أهلًا لأن يؤخذ ويعتمد على توزيعهم.","vol":"13","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>حكم أهل الفترة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما مذهب أهل السنة والجماعة في أهل الفترة الذين ماتوا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أهل الفترة الله أعلم بهم وهو الذي يحاسبهم، ولكن جاءت النصوص في أن بعض أهل الفترة بلغتهم الدعوة، فمن بلغتهم الدعوة فإنهم يؤاخذون، ومن ذلك ما جاء أن عبد الله بن جدعان قيل للنبي ﷺ إن له جفنة كبيرة يطعم منها الحجاج، فهل ينفعه ذلك؟ فقال النبي ﷺ: (لا، إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) أي: أنه أنكر البعث.\nوجاء في قصة الرجل الذي سأله: أين أبي؟ قال: (في النار فلما ولى دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار) فدل على أنه قد قامت عليه الحجة، وكذلك والد النبي ﷺ.\nوأما والدة النبي ﷺ فقد ثبت في صحيح مسلم وفي مسند الإمام أحمد أن النبي ﷺ قال: (استأذنت ربي في أن أزور قبر أمي فأذن لي واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي)، فزار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، ولم يأذن الله له بالاستغفار لأمه، وأمه ﵊ ماتت في الفترة، فيحتمل أنها بلغتها الدعوة ويحتمل أنها لم تبلغها الدعوة.\nوجاءت أحاديث في أهل الفترة بعضها صحيح وأكثرها ضعيفة لكن يشد بعضها بعضًا، وقد أخذ بها شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم في أنهم يمتحنون يوم القيامة، وجاء في بعض الأحاديث أنه يؤتي بالشيخ الكبير والهرم والأصم من أهل الفترة، وأنه يخرج لهم عنق من النار، فيقال: رِدُوها.\nفمن وردها صارت عليه بردًا وسلامًا، ومن امتنع فإنه يكون عاصيًا، فهذه الأحاديث فيها دليل على أن من لم تبلغه الدعوة يمتحن يوم القيامة، فمن أطاع دخل الجنة ومن عصى دخل النار، والله تعالى له الحكمة البالغة، وهو الحكم العدل ﷾.","vol":"13","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>حكم من قال للنبي ﷺ اعدل</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  الخوارج الذين خرجوا على علي ﵁ هل كان فيهم أحد ممن لاقى النبي ﷺ، وهل الذي قال للنبي ﷺ: (اعدل يا محمد) يعد من الصحابة ويترضى عنه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ظاهره أنه منافق، ولهذا استأذن خالد في قتله وقال: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال: (لا.\nأليس يصلي) جاء في اللفظ الآخر: (لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابة).\nولهذا قال: (إنه يخرج من ضئضي هذا)، أي: من نسله وعقيدته (قوم تحقرون صلاتكم عند صلاتهم)، فالأقرب والله أعلم أنه منافق؛ لأنه اعترض على النبي ﷺ وقال: اعدل، أو: اتق الله، فاتهم النبي ﷺ.\nوجاء في الحديث الآخر في قصة الأنصاري الذي اختصم هو والزبير في شراج الحرة، وهو مسيل الماء، وكان جارًا للزبير، وكان الماء يسقي من الأعلى ثم الأدنى، وكان الزبير هو الأعلى فقال الأنصاري للزبير: سرح الماء إلى أرضي، والزبير انتظر حتى يبلغ الماء الزرع ثم يرسله، فقال: لا، فاختصما إلى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ: (اسق يا زبير ثم سرح الماء إلى جارك) ولم يحدد له حدًا، فغضب الأنصاري وقال للرسول ﵊: أن كان ابن عمتك -قلت له هذا- فتلون وجه النبي ﷺ، وقال: (اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر) أي: مقدار ما يغطي الرجل ثم أرسل الماء إلى جارك، وفي الأول ما أعطى الزبير حقًا، فلما أغضب الأنصاري النبي ﷺ أعطى الزبير حقه كاملًا في الشرع، ولهذا أخذ العلماء من قوله ﷺ: (احبس الماء حتى يصل إلى الجدر) أنه بمقدار ما يمشي الماء في المزرعة فإذا غطى الماء الكعبين يجب أن تسرحه إلى جارك، وفي قول هذا الرجل: (أن كان ابن عمتك)، قيل: إنه منافق اتهم النبي ﷺ، وقيل: إنه ليس منافقًا ولكن من شدة الغضب قال هذا، والأقرب والله أعلم أن هذا الذي اتهم النبي ﷺ منافق.","vol":"13","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>حكم الجاسوس</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من فعل فعل حاطب ﵁ في هذا الزمان، فما حكمه هل يحكم عليه بما حكم به على حاطب ﵁؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  العلماء لهم كلام طويل في هذا، وهذا يسمى جاسوسًا يتجسس على المسلمين، والعلماء حكموا بأن الجاسوس يقتل، وهل يكفر أو لا يكفر؟ فيه كلام، وأما حاطب فإنه منع من قتله أمران: الأمر الأول: أنه صادق، قال النبي ﷺ: (أما إنه قد صدق).\nوالثاني: أنه شهد بدرًا، وهذان الأمران لا يجتمعان في غير حاطب إلى يوم القيامة، فلا يمكن لأحد أن يكون شهد بدرًا، فلهذا قالوا: الجاسوس إذا تجسس على المسلمين قتل.\nوهو الذي ينقل أخبار المسلمين إلى المشركين وقتله من قبل ولاة الأمور وليس من قبل الأشخاص، فإذا ثبت عند ولاة الأمور أنه جاسوس يقتل أما الأشخاص فلا؛ لأنه تصبح المسالة فوضى كلما أبغض شخص آخر قتله وقال: هذا جاسوس.","vol":"13","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>حكم فسخ عقد الإجارة قبل انتهاء مدته</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أجرت محلًا لي بعقد لمدة سنة ثم أخل المستأجر بشروط العقد، وماطل في الدفع، فهل يجوز أن أفسخ العقد ولو بقي له بعض المال من الأقساط الأولى التي دفعها كمقدم للعقد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الإجارة عقد لازم يلزم الوفاء به، وهذا لابد أن يؤدي، فيشتكى به ويحبس ويلزم بأداء الأجرة كاملة.\nلكن إذا اتفق معه على شيء أو اصطلح معه على ترك الأجرة أو على إنهاء الأجرة فلا بأس، إما إذا تمسك المؤجر بالأجرة فإنه يلزم المستأجر إتمام الإجارة.","vol":"13","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>أقسام الرياء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا كان الرياء يبطل الأعمال، فهل إذا توضأ الرجل رياء ثم صلى هل تبطل صلاته كما يبطل وضوءه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الرياء فيه تفصيل، فالرياء الذي يحبط العمل هو الذي يداخل العمل من أصله ويستمر معه إلى نهاية العمل، إما إذا طرأ الرياء على الإنسان ثم دفعه واستغفر الله فلا يضره، لكن إذا استرسل معه واستمر فقيل إنه يجازى بنيته الأولى ولا يبطل، وقيل: إنه إذا استمر معه فإنه يبطل العمل، ومن يتوضأ رياء كيف يتوضأ رياء؟! فالغالب أن الرياء يكون في الصلاة في تحسين الصلاة أو تزيينها ولا يكون في الوضوء.","vol":"13","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>حكم من فسق الصحابة أو كفرهم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الحكم على من فسق الصحابة أو كفرهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  من كفر الصحابة وفسقهم فقد كذب الله، ومن كذب الله كفر؛ لأن الله زكاهم وعدلهم ووعدهم بالحسنى بالجنة، فهو مكذب لله.","vol":"13","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>كيفية مناظرة النصراني</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يوجد لدينا في العمل شخص نصراني، ويقول: كيف تثبت لي أن دينكم هو الدين الصحيح الذي إذا دخل الإنسان فيه فإنه سوف يدخل الجنة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا يحتاج إلى إنسان يناظره بالأدلة العقيلة التي يقتنع بها، ويستطيع السائل أن ينظر ما الذي يناسب هذا الشخص بالأدلة العقلية، أو يستعين بكتب المناظرة فيناظر النصراني الذي لا يؤمن، ومن المناظرات أن يقال له: أنت تؤمن بأن عيسى رسول الله أو لا تؤمن؟ فإن آمن بأنه رسول الله فقل: إن عيسى أخبر بأن محمدًا رسول الله، والنبي لا يكذب، المقصود أن هذا يناظر بما يناسبه، وبالشيء الذي يصدق به.","vol":"13","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>العلاقة بين العقل والشريعة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم قول أحدهم: كل ما جاء عن الشرع وقبله العقل وجب علينا قبوله؟ وهل يعتبر هذا من أفكار المعتزلة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا ليس صحيحًا، فكل ما جاء به الشرع وثبت في الوحيين، في كتاب الله وسنة رسوله يجب على الإنسان أن يقبله سواء وافقه العقل أم خالفه، ولا يتقيد بالعقل، ولكن من المعلوم أن العقل الصريح يوافق النقل الصحيح، ولا يمكن أن يكون العقل صريحًا ويخالف النص الصحيح أبدًا، فإذا وجدت ما ظاهره أن العقل يخالف النقل، فهو أحد أمرين: إما أن النقل غير صحيح ولم يثبت.\nوإما أن العقل غير صريح قد يكون فيه شبهة أو شهوة، أما من عقله صريح ونقله صحيح فلا يتعارضان أبدًا، فالعقل الصريح يوافق النقل الصحيح.\nوشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ له كتاب سماه: موافقة المعقول لصحيح المنقول، التزم شيخ الإسلام في هذا الكتاب وقال: أنا مستعد وملتزم بأن كل شبهة وكل دليل يورده المبطل أقلبه حجة عليه، وإذا وجدت ما يخالفه فاعلم أن النقل غير صحيح أو العقل غير صريح، والعلماء يقولون: الشريعة جاءت بمحارات العقول لا بمحالاتها، والمعنى: أن الشريعة لا تأتي بشيء تنكره العقول وتنفيه، ولكن تأتي بشيء تتحير فيه العقول ولا تدركه على استقلالها، والمراد بالعقول: العقول السليمة، أما العقول المريضة فليس لها اعتبار، وعقل الإنسان الذي عنده شبهات أو شهوات لا عبرة به.","vol":"13","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>مراتب الأفضلية بعد الأنبياء والمرسلين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أيهما أفضل بعد الأنبياء والمرسلين هل هم الصالحون المذكورون في القرآن كلقمان ومريم بنت عمران، وذو القرنين أم هم الصحابة ﵃؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أفضل الناس الرسل، وأفضل الرسل أولو العزم الخمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام.\nوأفضل أولو العزم الخمسة الخليلان: إبراهيم ومحمد ﵉.\nوأفضل الخليلين نبينا وإمامنا محمد ﷺ، فهو أفضل الخلق على الإطلاق، وأشجعهم وأكرمهم وأعبدهم وأزهدهم وأتقاهم، قال ﵇: (إني لأتقاكم لله وأخشاكم له) ثم يليه جده إبراهيم، ثم موسى الكليم، ثم بقية أولي العزم الخمسة، ثم بقية الرسل، ثم الأنبياء.\nثم يليهم الصديقون، والصديق على وزن (فعِّيل) صيغة مبالغة، وسمي الصديق لقوة تصديقه، وإيمانه يحرق الشبهات والشهوات، فلا يبقى شبهة ولا شهوة، ولا يصر على معصية، وفي مقدمتهم الصديق الأكبر أبو بكر ﵁.\nثم يليهم الشهداء الذين بذلوا أموالهم وأرواحهم لله، فأغلى ما يملكه الإنسان نفسه التي بين جنبيه، والشهيد بذل روحه لله، وقاتل في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، ثم الصالحون، فهذه أربع طبقات: الأنبياء وفي مقدمتهم الرسل، ثم الصديقون، ثم الشهداء ثم الصالحون، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء:٦٩].\nوهم الذين أمرنا في كل ركعة من ركعات الصلاة أن ندعو الله أن يهدينا صراطه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧]، وهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، والصالحون طبقات الطبقة الأولى: السابقون بالخيرات، وهم: الذين يفعلون الواجبات والمستحبات والنوافل، ويتركون المحرمات والمكروهات وفضول المباحات.\nالطبقة الثانية: المقتصدون، وهم: الذين أدوا الواجبات لكن ليس عندهم نشاط لفعل المستحبات، وتركوا المحرمات وليس عندهم نشاط لترك المكروهات وفضول المباحات.\nوالطبقة الثالثة: الظالمون لأنفسهم، وهم الذين ارتكبوا بعض المحرمات أو تركوا بعض الواجبات.","vol":"13","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>حكم السفر لأجل الترخص</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كنت مع مجموعة من الشباب في السابق إذا جاء رمضان نذهب خارج مدينة الرياض مسافة ثمانين كيلو مترًا لأجل الترخص برخص السفر والإفطار، وليس لدينا غير هذا، وكان هذا الأمر قبل ما يقارب الخمس سنوات، فما الحكم الآن؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يجوز إفطاركم في هذه الحالة، لأنكم تعاملون بنقيض قصدكم، فمن خرج بقصد الإفطار لا يجوز له الإفطار، فحرام عليكم الإفطار وعليكم قضاء تلك الأيام مع التوبة والندم والعزم على عدم العود مرة أخرى.\nفلو خرج الإنسان لقصد أن يترخص وليس له غرض فهذا حرام عليه ولا يجوز له، أما إذا خرج للزيارة أو لغرض أو لحاجة أو للنزهة على الصحيح أيضًا -وإلا المسألة فيها خلاف- فإنه يترخص، لكن من خرج بقصد الإفطار حتى يتخلص من الصوم فهذا حرام عليه أن يفطر، ويجب أن يصوم، ولو سافر في هذه الحالة معاملة له بنقيض قصده.\nومثله من طلق زوجته في مرض الموت يريد أن يحرمها من الميراث فترث ولو خرجت من العدة ما لم تتزوج أو ترتد معاملة له بنقيض قصده، والقاتل الذي قتل مورثه حتى يرث يعامل بنقيض قصده فيحرم من الميراث، فهذه قاعدة في الشرع أن الإنسان يعامل بنقيض قصده، فالذي خرج في رمضان لأجل أن يفطر يعامل بنقيض قصده، ويقال: الفطر عليك حرام، ولا يجوز لك أن تفطر ولو كنت في السفر.\nوعليهم أن يتوبوا إلى الله ﷿ مما مضى ويكثروا من الأعمال الصالحة مع قضاء الأيام.\nوإذا كان مضى رمضان آخر فعليهم مع صوم كل يوم كفارة وهي إطعام مسكين.","vol":"13","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>حكم الصلاة خلف إمام يأخذ من لحيته</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إمام مسجد يأخذ من لحيته ويقول: إن إعفاء اللحية ليس بواجب، ويحتج بأن بعض أهل العلم إنما يأخذون بالحكم الأحوط وليس بالواجب، فما حكم قوله؟ وما حكم الصلاة خلفه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قوله باطل، وهذا مخالف للنصوص، فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ قال: (قصوا الشوارب وأرخوا اللحى، خالفوا المشركين، خالفوا المجوس) فوردت أوامر بألفاظ: جزوا، أرخوا، وفروا، وهذه أوامر، والأمر للوجوب عند أهل العلم، وقد قال الإمام أبو محمد ابن حزم: وأجمع العلماء على أن إعفاء اللحية فرض وأن حلقها حرام، فهذا الإمام حجته داحضة وفي قلبه مرض؛ لأنه أراد أن يترخص حتى إنه يفتي لنفسه، وأما الصلاة خلفه فصحيحة؛ لأنه مسلم، ولو أمكن آخر أحسن منه فهو أولى، وإذا كان مصرًا على هذا فينبغي أن يكون الإمام غيره، ويكون إمامًا ملتزمًا بالسنة، ويعمل بالنصوص.","vol":"13","page":21},{"text":"شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-256>[١٤]</span>\nمما يرد على الوعيدية من الخوارج والمعتزلة الذين يقولون بخلود العصاة في جهنم أن الله تعالى قد أخبر بالمغفرة لأهل بيعة الرضوان وهم معرضون لارتكاب الكبائر وكذلك ذكر الله أسبابًا كثيرة لإسقاط الذنب مما يدل على عدم الخلود.","vol":"14","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>الرد على الوعيدية بحديث المغفرة لأهل بيعة الرضوان</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وكذلك ثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة)، وهذه النصوص تقتضي أن السيئات مغفورة بتلك الحسنات، ولم يشترط مع ذلك توبة، وإلا فلا اختصاص لأولئك بهذا، والحديث يقتضي المغفرة بذلك العمل.\nوإذا قيل: إن هذا لأن أحدًا من أولئك لم يكن له إلا صغائر لم يكن ذلك من خصائصه أيضًا، وعلى هذا يستلزم تجويز الكبيرة من هؤلاء المغفور لهم].\nهو المرجح العاشر من المرجحات التي تؤيد أن العاصي الذي نفي عنه الإيمان وأثبت له الإسلام عنده أصل الإيمان، وليس منافقًا، وهو ما يسمى بالفاسق الملي، وسبق أن المسألة فيها قولان لأهل العلم أحدهما: أن الذين وصفوا بالإسلام دون الإيمان منافقون، وإسلامهم إسلام في الظاهر، وهذا مذهب البخاري وجماعة، وقول طائفة من أهل السنة ومن أهل الكلام.\nالقول الثاني: قول جمهور السلف والخلف: أن هؤلاء الذين أثبت لهم الإسلام ونفي عنهم الإيمان ليسوا منافقين، وإنما هم ضعفاء الإيمان معهم أصل الإيمان، ونفي عنهم الإيمان لكونهم قصروا في بعض الواجبات، أو فعلوا بعض المحرمات، وقد ذكر المؤلف مرجحات كثيرة، وهذا المرجح العاشر يدل على أن العاصي إذا نفي عنه الإيمان يبقى معه أصل الإيمان.\nفقد ثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة)، وهذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه ورواه أبو داود والترمذي وأحمد وابن حبان وغيرهم.\nوالمراد بالشجرة: الشجرة التي بايع النبي ﷺ فيها الصحابة بيعة الرضوان على قتال المشركين، وهذا في صلح الحديبية، وذلك سنة ست من الهجرة لما أحرم النبي ﷺ وأصحابه بالعمرة، فلما قربوا من مكة منعتهم قريش من الدخول إلى مكة فنزلوا في الحديبية، والحديبية قرب حدود الحرم، وهي مكان على طريق جدة، فأرسل النبي ﷺ عثمان بن عفان يفاوضهم ويخبرهم أنه ما جاء لقتال وإنما جاء للعمرة، فاحتبست قريش عثمان ﵁، وشاع في الصحابة أن عثمان قد قتل، فبايع النبي ﷺ الصحابة على الموت، وكانوا ألفًا وما بين الأربعمائة إلى الخمسمائة، فلما سمعت قريش بأن النبي بايع الصحابة على الموت وقتالهم خافوا وأطلقوا عثمان، فسميت هذه البيعة بيعة الرضوان، وأنزل فيها قوله ﷿: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨].\nوقال ﵊ في هذا الحديث الصحيح: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) هؤلاء الصحابة الذين بايعوا تحت الشجرة لهم مزية على غيرهم، كما أن من شهد بدرًا له مزية، فأهل بدر قال فيهم النبي ﷺ: (وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ولهذا يقول العلماء: أفضل الصحابة الخلفاء الراشدون ثم بقية العشرة المشهود لهم بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان.\nفقول النبي ﷺ: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) استدل به المؤلف ﵀ على أن من وقع في معصية أو في كبيرة يبقى معه أصل الإيمان، ولهذا قال المؤلف ﵀: وهذه النصوص تقتضي أن السيئات مغفورة بتلك الحسنات، والحسنة هي البيعة تحت الشجرة، فتغفر بها السيئات، وكذلك أيضًا شهود بدر.\nففي حق حاطب بن أبي بلتعة في المرجح التاسع السابق قال النبي ﷺ: (وما يدريك إن الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) فشهود بدر حسنة عظيمة تغفر بها السيئات؛ ولهذا غفرت هذه السيئة التي حصلت من حاطب وهي مكاتبة المشركين، وإخبارهم بقدوم النبي ﷺ عليهم، وقد أنزل فيها الله تعالى صدر سورة الممتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١].\nوقال: في آخر آية من السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة:١٣].\nفهذه السيئة التي صدرت من حاطب بن أبي بلتعة ﵁ غفرت بهذه الحسنة العظيمة وهي شهود بدر، كما أن الذين بايعوا تحت الشجرة وكانوا ألفًا وأربعمائة حصلت لهم هذه الحسنة العظيمة، وهي البيعة تحت الشجرة، وهذه حسنة عظيمة تغفر بها السيئات، فدل هذا على أنه لو وقع من هؤلاء سيئة أنه يبقى معهم أصل الإيمان، وهي تدل على أن العاصي في الجملة يثبت له الإسلام، وينفى عنه الإيمان، وأنه يبقى معه أصل الإيمان.\nفتكون النصوص التي جاءت بإثبات الإسلام لأقوام ونفي الإيمان عنهم دليل على أن معهم أصل الإيمان وليسوا المنافقين كما ذهب إليه الجمهور، ولهذا قال المؤلف ﵀: هذه النصوص تقضي أن السيئات مغفورة بتلك الحسنات.\nوقوله: (ولم يشترط مع ذلك توبة) فإنه ما قال النبي ﷺ: لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة إلا إذا تاب بعد أن وقع في المعصية؛ لأن التوبة طهارة تغفر بها السيئات عامة لكل مؤمن إلى يوم القيامة، فدل على أن هؤلاء الذين بايعوا تحت الشجرة، وهؤلاء الذين شهدوا بدرًا تغفر لهم السيئات بهذه الحسنة العظيمة ولم يشترط النبي ﷺ مع ذلك توبة، ولهذا قال المؤلف: وإلا فلا اختصاص لأولئك بهذا، أي: لا اختصاص لهم بالتوبة بل التوبة عامة، ولو كان المراد: لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة إذا تاب، وقوله في أهل بدر: اعلموا ما شئتم فقد غفرت لكم إذا تبتم، فلو كان المراد أنه لا بد من التوبة لزالت الخصيصة التي لأهل بدر والتي لأهل بيعة الرضوان، ولو قلنا إنه لا بد من التوبة صاروا مشاركين لغيرهم.\nفالتوبة طهارة لكل أحد، وليست خاصة بأهل بدر ولا بأهل بيعة الرضوان، فدل هذا على أن الخصيصة التي لأهل بدر والخصيصة التي لأهل بيعة الرضوان هي هذه الحسنة بخصوصها -ولو لم يحدث توبة إذا صدرت معصية- فإنها تغفر بهذه الحسنة العظيمة وهي شهود بدر وبيعة الرضوان.\nوقوله ﵀: (والحديث يقتضي المغفرة بذلك العمل) المقصود بذلك العمل: شهود بدر وبيعة الرضوان.\nقوله: (وإذا قيل إن هذا لأن أحدًا من أولئك لم يكن لهم إلا الصغائر لم يكن ذلك من الخصائص أيضًا) فليس المراد الآن ذكر خصيصة هؤلاء إنما المراد الوصف، والنبي ﷺ أتى بوصف وقال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة)، وهذا وصف ليس المراد به شخصًا بعينه، وقوله: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) كل من شهد بدرًا وصف بهذا الوصف، ويشفع له الحديث، فلا يقال لأن أولئك لم يعملوا الكبائر وإنما صدرت منهم الصغائر؛ لأن المراد الوصف لا الشخص.\nوهذا يستلزم تجويز الكبيرة من هؤلاء المغفور لهم فليسوا معصومين، وإنما المعصوم الرسل عن الشرك وعن الكبائر، ومعصومون عن الخطأ فيما يبلغونه عن الله، أما غير الرسل فليسوا معصومين من الكبائر حتى يقال: إن أهل بيعة الرضوان وكذلك أهل بدر لا تصدر منهم إلا الصغائر، فصدور الكبيرة منهم جائزة وليست مستحيلة، والنبي ﷺ أراد بهذا الوصف لا شخصًا بعينه، وبهذا يتبين أن من المرجحات شهود بدر، وأنها حسنة تغفر بها السيئات كالسيئة التي حصلت من حاطب لما كاتب المشركين بأخبار النبي ﷺ، وكذلك حسنة بيعة الرضوان تغفر بها السيئات التي تصدر منهم.","vol":"14","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>الرد على الوعيدية بأسباب سقوط العقوبة عن العاصي</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وأيضًا قد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن عقوبة الذنوب تزول عن العبد بنحو عشرة أسباب].","vol":"14","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>زوال عقوبة الذنب بأسباب مختلفة</span>\nهذا هو المرجح الحادي عشر، وهو يدل على أن المؤمن إذا صدرت منه معصية أو كبيرة يبقى معه أصل الإيمان، وأن النصوص التي فيها وصف بعض الناس بالإسلام دون الإيمان، تدل على أنه نفي عنهم كمال الإيمان وليسوا منافقين.\nوذلك أنه قد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن عقوبة الذنب تزول عن العبد بعشرة أسباب، وإذا حصل واحد من هذه العشرة محي الذنب، وسلم العبد من عقوبته، وهذا يدل على أن المؤمن إذا وقع في الكبيرة لا يخرج من الإيمان بل يبقى معه أصل الإيمان، وهذه العشرة ذكرها المؤلف وهي: أحدها التوبة: الثاني: الاستغفار.\nالثالث: الحسنات الماحية.\nالرابع: دعاء المؤمنين للمؤمن.\nالخامس: ما يعمل للميت من أعمال البر.\nالسادس شفاعة النبي ﷺ.\nالسابع: المصائب التي يكفر الله بها الخطايا.\nالثامن: ما يحصل في القبر من الفتنة والضغط والروعة.\nالتاسع: أهوال يوم القيامة وكربها وشدائدها.\nالعاشر: رحمة الله وعفوه ومغفرته بلا سبب من العباد.\nفهذه عشرة أسباب إذا حصل واحد منها محي الذنب عن صاحبه وسقطت العقوبة عنه، وليس المراد أن تجتمع العشرة كلها، بل إذا حصل واحد منها سقطت عقوبة الذنب عن العبد.\nفهذه الأسباب التي تسقط بها عقوبة الذنوب عن العبد تدل على أن المؤمن يقع في المعاصي ويقع في الكبائر، ويسمى مسلمًا ولا يسمى مؤمنًا إذا ارتكب الكبيرة، وينفى عنه الإيمان المطلق وإن كان معه أصل الإيمان الذي يصحح إسلامه، وأصل الإيمان لابد منه، والمسلم لابد له من إيمان يصحح إسلامه، فيؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، لكن الإيمان الكامل لا يطلق إلا على من أدى الواجبات وترك المحرمات، وهذا فعل كبيرة فلا نسميه مؤمنًا بإطلاق، بل لابد أن يكون مؤمنًا ناقص الإيمان، أو ضعيف الإيمان فهو مؤمن فاسق، ويقال هو مسلم ولا يقال مؤمن، والإيمان الذي نفي عن العاصي غير الإيمان الذي دخل به في الإسلام، فالإيمان دخل به في الإسلام لابد منه، وهو أصل الإيمان، والإيمان الذي ينفى عن العاصي هو الإيمان الكامل الذي يستحق به دخول الجنة والنجاة من النار.\nهذه الأسباب العشرة التي إذا حصل واحد منها سقطت عقوبة الذنب تدل على أن المؤمن يقع في الكبيرة ولا يخرج من الإسلام بل يسمى مسلمًا، وليس إسلامه كإسلام المنافقين كما ذهب إليه البخاري وجماعة، فـ البخاري ﵀ قال: إن الإيمان هو الإسلام والإسلام هو الإيمان، فهما مترادفان لا فرق بينهما، ومن نفي عنه الإيمان فقد نفي عنه الإسلام، سواء بسواء، والآية: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] نزلت هذه في المنافقين.\nوالصواب: أن الإسلام غير الإيمان وليسا مترادفين إذا اجتمعا، والذين نفي عنهم الإيمان لا لكونهم منافقين بل لكونهم نقص إيمانهم فلا يطلق عليهم الإيمان الكامل، لكن نقص إيمانهم وضعف بفعل الكبيرة فيسمون مسلمين؛ لأن معهم أصل الإيمان الذي يصح به إسلامهم، ولا يسمون مؤمنين بإطلاق لتقصيرهم في بعض الواجبات أو فعلهم لبعض المحرمات.\nفهذا المرجح الحادي عشر: أن عقوبة الذنب تسقط عن العبد إذا حصل واحد من عشرة أسباب، ودل على أن معه أصل الإيمان وليس منافقًا.","vol":"14","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>ذكر أسباب سقوط عقوبة الذنوب</span>","vol":"14","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>الشروط الموجبة لإسقاط التوبة لعقوبة الذنب</span>\nقال المؤلف ﵀: [أحدها: التوبة، وهذا متفق عليه بين المسلمين، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].\nوقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١٠٤].\nوقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى:٢٥] وأمثال ذلك].\nهذا هو السبب الأول: التوبة، فالتوبة تسقط بها عقوبة الذنب، وهذا بإجماع المسلمين وليس فيه خلاف، والتوبة عامة في كل ذنب صغير أو كبير، حتى من الكفر ومن النصرانية واليهودية والمجوسية، فإذا تاب من الزنا والسرقة وشرب الخمر وعقوق الوالدين والتعامل بالربا تاب الله عليه، وسقطت عنه عقوبة الذنب في الدنيا والآخرة، وسلم من شره في الدنيا والآخرة، لكن بشرط أن تكون التوبة نصوحًا، ليس كل من ادعى التوبة يكون تائبًا، فالتوبة تنقسم إلى قسمين: توبة الكذابين وتوبة الصادقين.\nفتوبة الكذابين: هو الذي يتوب بلسانه وقلبه معقود على المعصية مصر عليها، والتوبة لابد لها من شروط، فإذا وجدت الشروط صحت.\nالشرط الأول: أن تكون التوبة لله، فبعض الناس يتوب لكن ليس لله، بل لأجل الدنيا، ولأجل بعض المقاصد: صلى المصلي لأمر كان يطلبه فلما انقضى الأمر لا صلى ولا صاما التوبة عبادة لابد أن تكون لله، والعبادة لا تصح إلا بشرطين: أن تكون خالصة لله، وأن تكون موافقة للشرع.\nثانيًا: الإقلاع عن المعصية، ومعنى الإقلاع: ترك المعصية، فإذا كان يتعامل بالربا ترك الربا، أما أن يقول شخص: تبت من الربا، وهو يتعامل بالربا فهو كذاب، وكذلك من يعق والديه فيزعم أنه يتوب وهو مستمر على عقوق الوالدين، فهذه ليست توبة، فيجب الإقلاع عن المعصية، والذي يأكل الرشوة ويقول: أنا تائب ولكنه مستمر على أكل الرشوة هذه ليست توبة، فالإقلاع يعني: ترك المعصية.\nثالثًا: الندم على ما مضى، أن يندم ويتحسر ويتأسف.\nالشرط الرابع: العزم الصادق الجازم على عدم العودة إليها مرة أخرى، وبعض الناس يريد أن يتوب في رمضان خاصة، ولكنه ينوي أنه إذا خرج رمضان عاد إلى المعاصي، فهذه ليست توبة؛ لأنه ما صمم ولا عزم على عدم العودة إلى المعصية، بل هو يريد أن يرجع إلى المعصية، وهذه توبة مؤقتة.\nالشرط الخامس: رد المظلمة إلى أهلها إن كانت بينه وبين الناس، فإذا كانت المظلمة بينه وبين الناس كأن قتل شخصًا بغير حق فعليه أن يسلم نفسه لأولياء القتيل: إما أن يقتلوه قصاصًا، أو يأخذوا الدية، أو يعفوا عنه، أو إذا كان مالًا يرد المال حتى يتوب، أو شخص سرق من مال شخص أو اختلسه فإن أراد أن يتوب لابد يرد المال إليه، وإذا كانت غيبة أو نميمة يستحلهم منها، فلابد من رد المظلمة إلى أهلها إذا كانت بينك وبين الناس.\nالشرط السادس: أن تكون التوبة في وقت تقبل فيه، وهو قبل بلوغ الروح إلى الحلقوم بالنسبة للشخص الواحد، ففي الحديث: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) أي: ما لم تصل الروح إلى الغرغرة، وبالنسبة لعموم الناس: ما لم تطلع الشمس من مغربها في آخر الزمان كما في الحديث: (لا تنقطع التوبة حتى تنقطع الهجرة، ولا تنقطع الهجرة حتى تطلع الشمس من مغربها).\nفإذا طلعت الشمس من مغربها انتهى الأمر وكل يبقى على ما كان، المؤمن على إيمانه والكافر على كفره، قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ في إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]، جاء في تفسير الآية: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨]: أنها طلوع الشمس من مغربها.\nفالشروط السابقة هي: الأول: أن تكون لله.\nالثاني: الإقلاع عن المعصية.\nالثالث: الندم على ما مضى.\nالرابع: العزم على عدم العودة إليه.\nالخامس: رد المظلمة إلى أهلها.\nالسادس: أن تكون قبل طلوع الشمس من مغربها.\nوالسابع: أن تكون قبل بلوغ الروح إلى الحلقوم.\nالثامن: أن تكون قبل نزول العذاب، فإذا نزل العذاب لم تقبل، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر:٨٤]، قال الله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر:٨٥].\nففرعون آمن لكن بعد نزول العذاب فما نفعه، قال الله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠]، وفرعون هو الذي يقول للناس: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠]، لكن في وقت لا ينفع فيه الإيمان، قال الله: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩١ - ٩٢]؛ لأنه لابد أن يكون قبل نزول العذاب.\nإلا طائفة من الناس استثناهم الله لما نزل العذاب تابوا ونفعتهم التوبة، وهم قوم يونس، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ﴾ [يونس:٩٨]، لما أخبرهم نبيهم بأن العذاب نازل بهم ورأوا أسبابه تابوا فتاب الله عليهم، وجاءهم نبيهم فآمنوا، قال الله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ﴾ [الصافات:١٤٧ - ١٤٨].\nهذه أسباب ثمانية للتوبة إذا وجدت فهي توبة الصادقين، وإلا فهي توبة الكذابين.\nإذًا: التوبة تمحو الذنب لكن بشروطها الثمانية كما ذكرنا.\nوالدليل قول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]، هذه الآية أجمع العلماء على أنها في التائبين؛ لأن الله أطلق وعمم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣]، ويشمل ذنب الكفر والشرك والزنا والسرقة والربا، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣] أي: لمن تاب، قال سبحانه: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١٠٤]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى:٢٥]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢]، نعم.","vol":"14","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>الاستغفار وإسقاطه لعقوبة الذنب</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [الثاني: الاستغفار، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا أذنب عبد ذنبًا فقال: أي رب أذنبت ذنبًا فاغفره لي، فقال ربه: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم أذنب ذنبًا آخر فقال: أي رب أذنبت ذنبًا فاغفره لي فقال ربه: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، فليفعل ما شاء، قال ذلك في الثالثة أو الرابعة).\nوفي صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم)].\nهذا هو السبب الثاني من الأسباب التي تسقط بها عقوبة الذنب عن العبد: الاستغفار، وقد استدل المؤلف بحديثين: الحديث الأول في الصحيحين وغيرهما وهو حديث صحيح.\nوقوله: (فليفعل ما شاء)، ليس المراد به الإذن بالمعصية، وإنما المراد: أنه كلما أذنب وتاب فإن الله يغفر له، وهذا حصل منه الذنب ثم تاب بالشروط الثمانية، ثم ابتلي بالذنب مرة ثانية ثم تاب بالشروط الثمانية، ثم ابتلي ثم تاب وهكذا.\nوقوله في الحديث الثاني: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرونه فيغفر لهم)، دليل على أن الاستغفار يمحو الله به الخطايا والذنوب.","vol":"14","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>الخلاف في وقوع الاستغفار بدون توبة</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد يقال على هذا الوجه: الاستغفار هو مع التوبة، كما جاء في حديث: (ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم مائة مرة).\nوقد يقال: بل الاستغفار بدون التوبة ممكن واقع، وبسط هذا له موضع آخر، فإن هذا الاستغفار إذا كان مع التوبة مما يحكم به عام في كل تائب، وإن لم يكن مع التوبة فيكون في حق بعض المستغفرين الذين قد يحصل لهم عند الاستغفار من الخشية والإنابة ما يمحو الذنب، كما في حديث البطاقة بأن قول لا إله إلا الله ثقلت بتلك السيئات لما قالها بنوع من الصدق والإخلاص الذي يمحو السيئات، وكما غفر للبغي بسقي الكلب لما حصل في قلبها إذ ذاك من الإيمان، وأمثال ذلك كثير].\nوهذا اعتراض وجواب عنه، الاعتراض: أنه قد يقال: الاستغفار هو مع التوبة، أي: الاستغفار والتوبة شيء واحد فلابد أن يكون مع التوبة، ولا ينفع بدونها، وعلى هذا يكون السببان سبب واحد، التوبة والاستغفار شيء واحد، واستدل المعترض بحديث: (ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم مائة مرة)، أخرجه أبو داود والترمذي وابن السني والبغوي.\nوقال الترمذي بعد أن ساقه: هذا حديث غريب، إنما نعرفه من حديث أبي نصيرة وليس إسناده بالقوي.\nومع ذلك فقد حسنه الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره، في المجلد الأول، وعلى كل حال لعل الحافظ حسنه بشواهده، فالحديث له شواهد، وكذلك أيضًا شيخ الإسلام ﵀ لعله ساقه هنا لأنه يرى أنه ثابت وأنه حسن بشواهده.\nفالمقصود: أن الاعتراض على هذا الوجه أن يقال: الاستغفار مع التوبة شيء واحد، وقد أجاب المؤلف ﵀ فقال: الاستغفار إذا كان مع التوبة فليس فيه إشكال، ويغفر الذنب، لكن قد يوجد الاستغفار بدون التوبة وينفع؛ ولهذا قال المؤلف: قد يقال: (الاستغفار بدون التوبة ممكن واقع وبسط هذا له موضع آخر، فإن هذا الاستغفار إذا كان مع التوبة مما يحكم به عامة فكل شخص يصدر منه التوبة مع الاستغفار فهو مغفور له، لكن قد يكون الاستغفار بدون التوبة وينفع في حق بعض الناس دون البعض الآخر)، فالمؤلف ﵀ يجيب عن الاعتراض ويقول: إذا اعترض بعض الناس وقال: الاستغفار هو التوبة والتوبة هي الاستغفار، نقول: نعم، إذا كان الاستغفار مع التوبة فهذا عام في كل شخص، وعام في كل معصية، لكن قد يوجد استغفار بدون توبة وينفع، ولكن هذا في حق بعض الناس دون البعض، وبعض الناس يستغفر ولم يتب، لكن يحصل له عند الاستغفار من الخشية والإنابة ما يمحو الله به خطيئته بسبب ما قارن الاستغفار من الانكسار والخشية والإنابة إلى الله كما في حديث البطاقة، وحديث البطاقة حديث مشهور، وهو أرجى حديث لأهل السنة والجماعة، وهو أرجى حديث للعصاة، وخلاصته: (أنه يؤتى يوم القيامة برجل فينشر له تسعة وتسعين سجلًا كل سجل مد البصر سيئات، فيقول الله: أتنكر من هذا شيئًا؟ قال: لا والله يا رب، فيقول الله: هل لك حسنة يقول: لا والله ما أذكر شيئًا يا رب، فيقول الله: بلى فإنك لا تظلم، فيخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فتوضع البطاقة التي فيها الشهادتان في كفة وتوضع السجلات في كفة، فثقلت البطاقة وطاشت السجلات فغفر الله له)، فرجحت البطاقة التي فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله وخفت بطاقة السيئات، فغفر الله له.\nومعلوم أن كل مسلم له مثل هذه البطاقة، وكل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ومع ذلك يعذب بعضهم بالنار، وهذا لم يعذب فبعض الناس قال: لأن هذه البطاقة التي فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله قالها عن توبة وإخلاص، ولهذا نقول: إذا تاب فالتوبة تكفيه، وصاحب البطاقة ثقلت بطاقته بتلك السيئات؛ لأنه قالها بنوع من الصدق والإخلاص الذي يمحو السيئات، وقارن الشهادتين نوع من الإخلاص والصدق، وكثير من الناس يقولونها وليس عندهم صدق وإخلاص فلهذا يعذبون بسيئاتهم، أما هذا فغفر له بسبب أنه قال هذه البطاقة بنوع من الصدق والإخلاص الذي يمحو السيئات، فكذلك المستغفر، أي: إذا استغفر عن خشية وإنابة يمحو الله بهذا الاستغفار الذنب ولو لم يتب.\nقوله: (وكما غفر للبغي بسقي الكلب) والبغي الزانية من بني إسرائيل والحديث فيه: (أن امرأة بغيًا من بني إسرائيل مرت بركية بئر فوجدت كلبًا يلهث يكاد يأكل الثرى من العطش، فنزلت في البئر وملأت خفها ماء وأخرجته وسقت الكلب، فغفر الله لها ذنبها) غفر لها ذنبها العظيم وهو الزنا بسقيها الكلب، ومعلوم أنه قد يسقي بعض العصاة كلبًا أو غيره ولا يغفر له، وهذه المرأة غفر لها بسبب أنه حصل في قلبها إذ ذاك الإيمان والصدق والإخلاص؛ فلهذا غفر الله لها.\nفكذلك بعض المستغفرين يستغفر عن توبة وخشية وإنابة فيغفر له، وبعض المستغفرين يستغفر ولكن لا يكون عنده خشية ولا إنابة فلا يغفر له إلا إذا تاب، وبهذا يكون المؤلف أجاب عن هذا الاعتراض.","vol":"14","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-264>إسقاط الحسنات الماحية لعقوبة الذنب</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [السبب الثالث: الحسنات الماحية، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، وقال ﷺ: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر).\nوقال ﷺ: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه).\nوقال ﷺ: (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه).\nوقال ﷺ: (من حج البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه).\nوقال ﷺ: (فتنة الرجل في أهله وماله وولده تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).\nوقال ﷺ: (من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار حتى فرجه بفرجه).\nوهذه الأحاديث وأمثالها في الصحاح.\nوقال ﷺ: (الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)].\nهذا هو السبب الثالث من الأسباب التي تسقط بها عقوبة الذنب ويمحو الله بها الذنب: وهو الحسنات الماحية، فيفعل حسنة عظيمة فيمحو الله بها الخطايا ولو لم يتب، وقد استدل المؤلف بأدلة: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، جاء في سبب نزول هذه الآية: (أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة ثم جاء إلى النبي ﷺ فأخبره، فقال النبي ﷺ: أشهدت معنا الصلاة؟ قال: نعم، قال: اذهب فقد غفر الله لك).\nجاء في سبب نزولها أنه فعل صغيرة، وقد يقال: إنه تاب، وظاهره أنه تاب، والقبلة صغيرة، فهو فعل صغيرة من الصغائر ثم تاب، لكن المؤلف استدل بعموم الآية: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، وقال: الحسنة تمحو السيئة من دون توبة.\nالدليل الثاني: حديث أبي هريرة ﵁ المشهور: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)، وهذا الحديث رواه الإمام مسلم وغيره.\nوهذا الحديث استدل به المؤلف على أن من الحسنات التي يكفر بها السيئات: الصلوات الخمس، والجمعة، ورمضان لكن الحديث فيه: (إذا اجتنبت الكبائر)، وسيأتي الكلام عليه.\nالدليل الثالث: ما ثبت في صحيح البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)، وجه الدلالة: أن صوم رمضان حسنة يمحو الله بها الخطايا، وسيأتي أن بعض العلماء قال: إذا اجتنبت الكبائر.\nالدليل الرابع: قوله ﷺ: (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)، وهو حديث صحيح، فقيام ليلة القدر حسنة غفر بها الذنوب.\nالدليل الخامس: قوله ﷺ: (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) رواه البخاري ومسلم وغيرهما، وفيه: أن الحج حسنة عظيمة يمحو الله بها الخطايا.\nالدليل السادس: قوله ﷺ: (فتنة الرجل في أهله وماله وولده يكفرها: الصلاة، والصيام، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وهذا الحديث رواه الشيخان وغيرهما.\nومعنى: (فتنة الرجل في أهله وماله) ما يحصل من الكلام والأخذ والرد بينه وبين الزوجة وبينه وبين ولده وبينه وبين جاره، والمقصود ما يحصل من نزاع أو كلام وأخذ ورد، فهذه الفتنة التي تكون بين الإنسان وأهله وبينه وبين ولده وبينه وبين جاره يكفرها الصلاة والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه الحسنات يكفر الله بها الخطايا، ومعلوم أنها صغائر ليست كبائر.\nالدليل السابع: قوله ﷺ: (من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار حتى فرجه بفرجه) وهذا الحديث أيضًا رواه الشيخان وغيرهما.\nوفيه: أن العتق حسنة يكفر الله به الخطايا، ويعتق الله به رقبة المعتق من النار، إذا أعتق العبد أعتقه الله من النار، ومعناه: كفر سيئاته بهذه الحسنة، وهذه الحسنة وهي العتق محت السيئات، حتى إنه غفر له، فإذا أعتق عبدًا أعتق الله عنه اليد باليد والرجل بالرجل، ويده بيده، حتى فرجه بفرجه.\nوهذه الأحاديث وأمثالها في الصحاح كلها صحيحة، وقال: (الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب).\nقوله: (الصدقة تطفئ الخطيئة) أي: المعصية، والصدقة حسنة من الحسنات، ومع ذلك أخبر النبي ﷺ أنها تطفئ الخطيئة.\nوقوله: (والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)، الحديث فيه كلام لأهل العلم، رواه ابن ماجة، وفيه تقديم الجملة الأولى على الثانية، وقال بعضهم: له شواهد يتقوى بها، ومنهم من تكلم فيه، ومنهم من تكلم في الجملة الأخيرة.\nوهذه الأحاديث كلها تدل على أن الحسنات يمحو الله بها السيئات، ويمحو بها عقوبة الذنوب من غير التوبة.","vol":"14","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>اعتراض على أن الحسنات تمحو الكبائر والجواب عنه</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وسؤالهم على هذا الوجه أن يقولوا: الحسنات إنما تكفر الصغائر فقط، فأما الكبائر فلا تغفر إلا بالتوبة، كما قد جاء في بعض الأحاديث: ما اجتنبت الكبائر.\nفيجاب عن هذا بوجوه].\nهذا اعتراض على هذه الأحاديث التي استدل بها المؤلف على أن الحسنات يمحو الله بها الخطايا، قالوا: الحسنات إنما تكفر الصغائر ولا تكفر الكبائر، فأما الكبائر فلا تغفر إلا بالتوبة؛ ولهذا جاء في بعض الأحاديث: (ما اجتنبت الكبائر)، كما في حديث أبي هريرة في مسلم: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر).\nفأجاب المؤلف ﵀ عنها بخمسة أجوبة، وبعض الأجوبة عليها اعتراضات.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [أحدها: أن هذا الشرط جاء في الفرائض كالصلوات الخمس والجمعة وصيام شهر رمضان، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١]، فأداء الفرائض مع ترك الكبائر مقتض لتكفير السيئات، وأما الأعمال الزائدة من التطوعات فلا بد أن يكون لها ثواب آخر، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]].\nالجواب الأول على هذا الاعتراض هو: أن الحسنات إنما تمحو الكبائر، قال المؤلف ﵀: هذا الشرط إنما جاء في الفرائض خاصة دون التطوعات، والفرائض إنما يكفر الله بها الخطايا إذا اجتنبت الكبائر كالصلوات الخمس والجمعة وصيام رمضان، ودليلها الحديث السابق حديث أبي هريرة عند مسلم: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] أي: الصغائر، فاشترط لتكفير الصغائر ترك الكبائر، يقول المؤلف: فالفرائض مع ترك الكبائر مقتضٍ لتكفير السيئات، أما غير الفرائض مثل الحسنات الماحية مثل المرأة البغي التي سقت الكلب، فهذه حسنة يمحو الله بها الخطايا، وهكذا الأعمال الزائدة عن الفرائض من التطوعات، يقول المؤلف: فلابد أن يكون لها ثواب آخر؛ لقول الله ﷿: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].\nنعم.","vol":"14","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>دلالة التصريح أن المغفرة قد تكون مع الكبائر</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [الثاني: أنه قد جاء التصريح في كثير من الأحاديث بأن المغفرة قد تكون مع الكبائر، كما في قوله ﷺ: (غفر له وإن كان قد فر من الزحف).\nوفي السنن: (أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا قد أوجب، فقال: أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النار).\nوفي الصحيحين في حديث أبي ذر ﵁ قوله ﷺ: (وإن زنا وإن سرق)].\nهذا هو الجواب الثاني، وهو أنه قد جاء التصريح في كثير من الأحاديث بأن المغفرة قد تكون بالحسنة مع الكبيرة، منها هذا الحديث: (غفر له وإن كان قد فر من الزحف)، الجهاد في سبيل الله مستحب إلا في ثلاث مواضع يكون واجبًا فقط: الموضع الأول: إذا داهم العدو بلدًا من بلاد المسلمين وجب على أهل البلد أن يقاتلوا كلهم رجالهم ونساؤهم، وهو عليهم فرض عين.\nالثاني: إذا استنفر الإمام واحدًا من الناس وأمره بأن يجاهد يجب عليه، وصار فرضًا في حقه.\nالثالث: إذا وقف في الصف ولو كان متطوعًا، ففي هذه الحالة صار فرضًا عليه، ولا يجوز له أن يفر أو يهرب؛ لأنه يخذل إخوانه المؤمنين، فإذا فر من الزحف صار مرتكبًا لكبيرة من كبائر الذنوب، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال:١٥ - ١٦]، توعده الله بالنار وهو مرتكب للكبيرة.\nوالنبي ﷺ في هذا الحديث يقول: (من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفرت ذنوبه وإن كان قد فر من الزحف)، أي: وإن كان قد ارتكب كبيرة، إذًا: هنا فيه أنه غفر له مع الكبيرة.\nكذلك الحديث الثاني في السنن قال: (أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا قد أوجب، فقال النبي ﷺ: أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النار)، أوجب: ارتكب كبيرة توجب له النار ومع ذلك غفرت له هذه الكبيرة بهذه الحسنة وهي العتق.\nوالدليل الثالث: ما في الصحيحين من حديث أبي ذر أن النبي ﷺ قال: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال أبو ذر: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، فكررها ثلاثًا فقال في الثالثة: وإن زنى وإن سرق وإن رغم أنف أبي ذر).\nوهذا دليل على أنه يغفر له الزنا بالتوحيد الخالص، ولكن هذا سيأتي فيه الكلام لأهل العلم، وظاهره أن الأصل أن مرتكب الكبيرة تحت مشيئة الله إلا إذا تاب توبة نصوحًا، واستدل المؤلف ﵀ بهذه الأدلة على أن الحسنة قد يمحو الله بها الخطايا ولو مع الكبائر.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [الثالث: أن قوله ﷺ لأهل بدر ونحوهم: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) إن حمل على الصغائر أو على المغفرة مع التوبة لم يكن فرق بينهم وبين غيرهم، فكما لا يجوز حمل الحديث على الكفر لما قد علم أن الكفر لا يغفر إلا بالتوبة، لا يجوز حمله على مجرد الصغائر المكفرة باجتناب الكبائر].\nهذا هو الجواب الثالث، وقد استدل المؤلف بالحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال لأهل بدر: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، وهذا حديث قدسي قاله الله تعالى في قصة حاطب: (وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).\nوهذا الحديث فيه دليل على أن من شهد بدرًا يغفر له ولو فعل الكبيرة.\nفإذا قال قائل: إن المراد أن تغفر له الصغائر إذا تاب، فيقال: إذًا لا فرق بين أهل بدر وغيرهم، فكل واحد تغفر له الصغائر باجتناب الكبائر، وكل واحد يغفر له بالتوبة، ولا خصيصة بهذا لأهل بدر، فدل على أن المراد الكبيرة.\nيقول المؤلف: فكما لا يجوز حمل الحديث على الكفر لا يجوز حمله على مجرد الصغائر، فلا يقول قائل إن قوله: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) أي: غفرت لكم الكفر، فلا أحد يقول هذا؛ لأن الكفر لا يغفر إلا بالتوبة، فكذلك لا يقول قائل: إن المراد (اعملوا ما شئتم) الصغائر؛ لأن الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر، فدل هذا على أن المراد الكبيرة.\nوهذا يدل على أن هذه الحسنة وهي حضور بدر يمحو الله بها الكبائر؛ ولهذا قال المؤلف: فكما لا يجوز حمل الحديث على الكفر لما قد علم أن الكفر لا يغفر إلا بالتوبة لا يجوز حمله على مجرد الصغائر المكفرة في اجتناب الكبائر.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [الرابع: أنه قد جاء في غير حديث أنه: (أول ما يحاسب عليه العبد من عمله يوم القيامة الصلاة، فإن أكملها وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع؟ فإن كان له تطوع أكملت به الفريضة، ثم يصنع بسائر عمله كذلك)، ومعلوم أن ذلك النقص المكمل لا يكون لترك مستحب، فإن ترك المستحب لا يحتاج إلى جبران؛ ولأنه حينئذ لا فرق بين ذلك المستحب المتروك والمفعول فعلم أنه يكمل نقص الفرائض من التطوعات، وهذا لا ينافي ما ورد من أن الله لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة، مع أن هذا لو كان معارضًا للأول لوجب تقديم الأول؛ لأنه أثبت وأشهر، وهذا غريب رفعه، وإنما المعروف أنه في وصية أبي بكر ﵁ لـ عمر ﵁، وقد ذكره أحمد في رسالته في الصلاة.\nوذلك لأن قبول النافلة يراد به الثواب، ومعلوم أنه لا يثاب على النافلة حتى تؤدى الفريضة، فإنه إذا فعل النافلة مع نقص الفريضة كانت جبرًا له وإكمالًا لها فلم يكن فيها ثواب نافلة؛ ولهذا قال بعض السلف: النافلة لا تكون إلا لرسول الله ﷺ؛ لأن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وغيره يحتاج إلى المغفرة، وتأول على هذا قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء:٧٩]، وليس إذا فعل نافلة وضيع فريضة تقوم النافلة مقام الفريضة مطلقًا، بل قد تكون عقوبته على ترك الفريضة أعظم من ثواب النافلة].\nهذا هو الجواب الرابع وفيه يقول المؤلف أنه ورد في الحديث: (إن أول ما يحاسب عليه العبد من عمله يوم القيامة الصلاة، فإن أكملها وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع -أي: نوافل- فإن كان له تطوع أكملت به الفريضة ثم يصنع بسائر عمله كذلك).\nمعنى الحديث: أن الإنسان أول ما يحاسب عليه من الأعمال التي بينه وبين الله الصلاة، وهذا لا ينافي الحديث الآخر: (إن أول ما يقضى بين الناس في الدماء)، ومعناه: أول ما يقضى بين الناس في الدماء فيما يتعلق بحقوق الناس، وأول ما يحاسب عنها العبد صلاته فيما يتعلق بالعبادات، فإن أكملها وصارت تامة وليس فيها نقص شيء من الواجبات ولا خلل فالحمد لله، وإلا قيل كما جاء في الحديث: (وإلا قال الرب: انظروا هل له من تطوع)، (فإن كان له تطوع) مثل: السنن الرواتب وصلاة الضحى وصلاة الليل أكملت بها الفريضة، (ثم يفعل بسائر عمله كذلك)، كزكاة الفريضة إن كانت كاملة فالحمد لله، وإن لم تكن كاملة وفيها نقص فإذا كان له صدقات يكمل بها الفريضة، وكذلك صيام رمضان إذا كان فيه نقص يكمل من صيام التطوع كصيام الإثنين والخميس، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصيام ست من شوال، وصيام يوم التاسع والعاشر من شهر محرم، وهكذا سائر العمل.\nالمؤلف ﵀ يعلق على هذا الحديث فيقول: (ومعلوم أن ذلك النقص المكمل لا يكون لترك مستحب) أي: هذا النقص الحاصل في الصلاة أو في الزكاة والصوم، فلو كان ترك مستحبًا كترك زيادة الدعاء بعد التشهد الأول، فلا نقول: إنه يكمل من النوافل؛ لأن المستحب لا يحتاج إلى جبران، إنما الذي يحتاج إلى جبران هو الواجب.\nفإذًا: قول النبي ﷺ: (انظروا فإن أكملها وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع)، المراد منه إذا أخل بشيء من الواجبات في الصلاة أو في الزكاة تكمل من النوافل، وإذا أخل بشيء من المستحبات فلا يكمل، ولا يعتبر نقصًا في الصلاة ولا في غيرها.\nفتبين بهذا أن المراد بالحديث: (انظروا إن أكملها وإلا فانظروا هل له من تطوع)، أنه يجبر نقص الواجب فقط.\nيقول المؤلف: و(لأنه حينئذ إذا ترك مستحبًا أو فعل مستحبًا لا فرق بين المتروك والمفعول؛ لأنه ليس بواجب، سواء فعله أو تركه، فلا يقال: إنه إذا ترك مستحبًا يجبر به مستحب آخر، فعلم أنه يكمل نقص الفرائض من التطوعات).\nإذًا: إذا نقص شيئ من الواجبات في الفرائض كمل من التطوعات، فإذا ترك واجبًا من الصلاة كمل من التطوع، وإذا ترك واجبًا من الزكاة كمل من الصدقات، وإذا ترك واجبًا من صيام رمضان كمل من صيام النفل، وإذا ترك واجبًا من الحج كمل من حج النفل، وهكذا.\nوهذا لا ينافي حديث: (إن الله لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة) على فرض صحته.\nيقول المؤلف ﵀: لو قيل: إن هذا الحديث يعارض هذا الحديث فإنه يجب تقديم الحديث الأول؛ لأنه أثبت وأشهر، والقاعدة عند أهل العلم: إذا تعارض حديثان فإن أمكن الجمع بينهما فلا يعدل عنه؛ لأنه عمل بالحديث من الجانبين، فإن لم يمكن ننظر التاريخ فإن عرفنا المتقدم أو المتأخر يكون المتأخر ناسخًا للمتقدم، فإن لم يعرف التاريخ ننظر إلى الترجيح، فإذا كان أحدهما أصح فهو مقدم على غيره، فإن لم يمكن الترجيح نتوقف.\nيقول المؤلف: إن حديث (لا يقبل الله نافلة حتى تؤدى الفريضة) غريب رفعه إلى النبي ﷺ، والمعروف أنه في وصية أبي بكر لـ عمر قال له: واعلم أنه لا تقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة، وقد كتبها أبو بكر لـ عمر.\nيقول المؤلف رحمه ا","vol":"14","page":11},{"text":"شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-267>[١٥]</span>\nرد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على المعتزلة والخوارج الذين يخرجون العاصي من دائرة الإسلام ويخلدونه في النار بردود مقنعة للمنصف.","vol":"15","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>تابع أجوبة شيخ الإسلام عن الاعتراضات الواردة على دلالة محو الحسنات للسيئات على إسلام العاصي</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [فإن قيل: العبد إذا نام عن صلاة أو نسيها كان عليه أن يصليها إذا ذكرها بالنص والإجماع، فلو كان لها بدل من التطوعات لم يجب القضاء، قيل: هذا خطأ.\nفإن قيل: هذا يقال في جميع مسقطات العقاب، فيقال: إذا كان العبد يمكنه رفع العقوبة بالتوبة لم ينه عن الفعل، ومعلوم أن العبد عليه أن يفعل المأمور ويترك المحظور؛ لأن الإخلال بذلك سبب للذم والعقاب، وإن جاز مع إخلاله أن يرتفع العقاب بهذه الأسباب، كما عليه أن يحتمي من السموم القاتلة، وإن كان مع تناوله لها يمكن رفع ضررها بأسباب من الأدوية، والله عليم حكيم رحيم، أمرهم بما يصلحهم ونهاهم عما يفسدهم، ثم إذا وقعوا في أسباب الهلاك لم يؤيسهم من رحمته، بل جعل لهم أسبابًا يتوصلون بها إلى رفع الضرر عنهم، ولهذا قيل: إن الفقيه كل الفقيه الذي لا يؤيس الناس من رحمة الله ولا يجرئهم على معاصي الله؛ ولهذا يؤمر العبد بالتوبة كلما أذنب.\nقال بعضهم لشيخه: إني أذنبت، قال: تب، قال: ثم أعود، قال: تب، قال: ثم أعود، قال: تب، قال: إلى متى؟ قال: إلى أن تحزن الشيطان.\nوفي المسند عن علي عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله يحب العبد المفتن التواب)].","vol":"15","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>الرد على القول بأن سقوط عقوبة الذنب بالحسنة مقيد باجتناب الكبائر</span>\nالمؤلف ﵀ ذكر المرجحات التي تدل على أن المؤمن العاصي لا يخرج عن دائرة الإسلام لا بالمعصية ولا بالكبيرة، وأن النصوص التي وصفت بعض الناس بالإسلام ونفت عنهم الإيمان لا تدل على أنهم من المنافقين بل مضافة إلى الإيمان، واستدل على ذلك: بأن العقوبة على الذنب تسقط بعشرة أسباب، وذكر من هذه الأسباب ثلاثة: التوبة، والاستغفار، والحسنات الماحية.\nثم ذكر اعتراضًا على القول: بأن الحسنات تمحو السيئات، لما استدل بالنصوص: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود:١١٤]، و: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)، و: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)، و: (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)، و: (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه).\nوهذه كلها حسنات ماحية تسقط بها عقوبة الذنب، وذكر الاعتراض من بعض الناس وقولهم: إن هذا إنما يكون إذا اجتنبت الكبائر؛ لأن الحديث مقيد: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر).\nفالحسنات الماحية إنما تخص الصغائر، أما الكبائر فلا بد لها من توبة؛ بدليل أنها قيدت باجتناب الكبائر: (إذا اجتنبت الكبائر)، في حديث: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)، وفي حديث الوضوء لما ذكر في الحديث أن الوضوء يكفر السيئات قال: (ما لم تصب المقتلة)، والمقتلة هي الكبيرة.\nأجاب المؤلف ﵀ عن هذا الاعتراض بأجوبة: الجواب الأول: أن شرط اجتناب الكبائر إنما جاء في الفرائض خاصة: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان)، وأما الأعمال الزائدة من التطوعات فلابد أن يكون لها ثواب آخر.\nالجواب الثاني: أنه قد جاء التصريح في بعض النصوص بأن المغفرة تكون مع الكبيرة، كحديث: (غفر له وإن فر من الزحف)، وحديث الرجل الذي أوجب، أي: فعل ذنبًا أوجب له النار قال: (اعتقوا عنه يعتق الله عنه بكل عضو منه عضوًا من النار)، وحديث أبي ذر: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن سرق)، فهذه كبائر.\nالثالث: حديث حاطب بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين فقال عمر: (دعني أضرب عنقه، قال: وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، فهذه كبيرة، وسماها الله توليًا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١].\nالجواب الرابع: أنه جاء في الحديث: (أن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن أكملها وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع، فإن كان له تطوع أكملت به الفرائض)، وهذه التطوعات التي تكمل النقص في الفرائض تكمل الواجب ولا تكمل المستحب، فالمستحب إذا ترك لا يحتاج إلى جبران، وهذا يدل على أنه ترك واجبًا من واجبات الصلاة فتجبره النوافل، فدل على أن النوافل لها شأن، وأن الحسنات من التطوعات والأعمال الخيرية يجبر الله بها الواجبات في الصلاة، وكذلك الزكاة والصوم والحج.\nثم ذكر المؤلف اعتراضًا على هذا، وهو: إن الصلاة إذا نقص شيء من واجباتها كمل هذا الواجب من النوافل، واعترض على ذلك؛ لأن العبد إذا نام عن الصلاة أو نسيها فإنه جاء في الحديث: (من نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)، فلو كان لها بدل من التطوعات ما وجب عليه القضاء، ولو كانت التطوعات تكفي عن الواجبات لكان من نام عن الصلاة أو نسيها نقول له: صل بدلها تطوعات، ولهذا قال المؤلف: قيل هذا خطأ، كونه يترك الفريضة كاملة اكتفاء ببدلها من التطوعات، وإنما هذه تطوعات يكمل بها النقص الذي يحصل في الصلاة، لا أن التطوعات تكفي عن الصلاة.","vol":"15","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>وجوب الابتعاد عن المعاصي والتحذير من الوقوع فيها بنية التوبة</span>\nثم ذكر اعتراضًا آخر فقال: فإن قيل: هذا يقال في جميع مسقطات العقاب، فيقال: إذا كان العبد يمكنه رفع العقوبة بالتوبة لم ينه عن الفعل، وإذا كان الإنسان يمكن أن ترفع عنه عقوبة الذنب بشيء من المسقطات نقول له: لا تفعل هذا الواجب ويكفيك التوبة مثلًا، أو يكفيك الاستغفار، أو تكفيك الحسنات الماحية ما دام أن الحسنات تسقط بها عقوبة ترك الوجبات.\nفيقال: إذا كان العبد يمكنه رفع العقوبة بالتوبة فليس معنى ذلك أنه ينهى عن الفعل ويقال له: لا تفعل الواجبات اكتفاء بالتوبة أو بالاستغفار والحسنات؛ لأن المسلم مأمور بأن يفعل المأمور ويترك المحظور؛ ولأن ترك الواجب وفعل المحرم سبب للعقوبة، فكون الإنسان يترك الواجب أو يفعل المحرم يتسبب في عقوبته ويتسبب في ذمه، وإن كان يجوز أن تسقط عنه هذه العقوبة بمسقط من المسقطات وهي التوبة، أو الاستغفار، أو الحسنات الماحية، أو دعاء المؤمنين والصدقات، أو غير ذلك، فليس معنى ذلك: أن الإنسان يترك الواجب اكتفاء بالمسقط؛ لأن الإنسان المسلم مكلف بفعل الأوامر وترك النواهي، وإذا ترك الأوامر أو فعل النواهي فقد عرض نفسه للعقوبة؛ ولأنه قد لا يوفق لمسقط من مسقطات العقوبة، وإن كان يجوز أن تسقط عنه العقوبة لسبب من الأسباب، ومثله من يحتمي من السموم القاتلة، وإن كان مع تناوله لها يمكن رفع ضررها بأسباب من الأدوية.\nفنقول للإنسان: اتق السموم القاتلة، ولا تأكل السم؛ لأن السم يقتلك فلا تتناوله، وإن كان يجوز إذا تناول سمًا قاتلًا أن يأتي بأدوية ترفع هذا السم فلا يموت.\nوهذا مثل من يقول: أنا أترك الواجب أو أفعل المحرم اكتفاء بأني أفعل ما يسقط هذه العقوبة عني، فنقول: يمكن أن تجد أدوية ترفع هذه السموم ويمكن ألا تجد، ثم كون الإنسان يكون سليمًا من السم ليس كمن أكل السم أو تناول السم ثم أتى بشيء يرفعه فارتفع، فالأول أكمل حالًا وأحسن، وقد لا يوفق الإنسان لأدوية ترفع السم، كما أن الإنسان مأمور بفعل الأوامر وترك النواهي، فإذا ترك الأوامر أو فعل النواهي تسبب في العقوبة، وقد تسقط العقوبة بسبب من الأسباب لكن قد لا يوفق لمسقط للعقوبة؛ ولهذا قال المؤلف ﵀: (لأن الإخلال بفعل الواجبات وترك المحرمات سبب للذنب والعقاب وإن جاز مع إخلاله أن يرتفع العقاب بهذه الأسباب، كما عليه أن يحتمي من السموم القاتلة وإن كان مع تناوله لها يمكن رفع ضررها بأسباب من الأدوية، والله عليم حكيم رحيم، أمرهم -أي: أمر العباد- بما يصلحهم ونهاهم عما يفسدهم)، فالأوامر فيها صلاح للناس، والنواهي فيها سبب لفسادهم وسلب أحوالهم في الدنيا والآخرة، ثم إذا وقعوا في أسباب الهلاك لم يؤيسهم من رحمته ﷾، فمن زلت به القدم بفعل الكبيرة أو المعصية أو ترك الواجب لم يؤيسه الله من رحمته، بل جعل لهم أسبابًا يتوصلون بها إلى رفع الضرر عنهم، فأمر العباد بما فيه صلاحهم وهو فعل الواجبات، ونهاهم عما فيه ضررهم وهو المحرمات، فيجب على المسلم أن يجاهد نفسه حتى يمتثل الأوامر ويجتنب النواهي، فإذا زلت به القدم وترك الواجب أو فعل المحرم فالله تعالى لا يؤيسه من رحمته، بل جعل أسبابًا إذا فعلها سقطت هذه العقوبة، وكمل الواجب الذي أخل به، ورفعت العقوبة عن المحرم الذي فعله؛ ولهذا قيل: إن الفقيه كل الفقيه الذي لا يؤيس الناس من رحمة الله ولا يجرئهم على معاصيه، فلا يقول: إن من فعل المعصية أو الكبيرة هالك ولا حيلة له، كما تقول الخوارج إن من فعل الكبيرة كفر وخلد في النار، بل يقول: إن الله جعل أسبابًا ترفع العقوبة، فتب إلى الله من هذه المعصية، واستغفر، وافعل الحسنات، وهو كذلك لا يجرئهم على معاصي الله، فلا يقول: الأمر سهل وبسيط، ترك الواجب سهل، فعل المحرم سهل، التوبة تكفي والاستغفار يكفي، فلا نجرئ الناس على معاصي الله ولا نؤيسهم من رحمة الله.","vol":"15","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>الأمر بتجديد التوبة مع كل ذنب</span>\nيقول المؤلف ﵀: (ولهذا يؤمر العبد بالتوبة كلما أذنب)، والتوبة تكون صحيحة من الذنب إذا وجدت الشروط الثمانية التي سبقت، فإذا وجدت الشروط فالتوبة صحيحة مقبولة يمحو الله بها الذنب، فإذا بلي بالذنب مرة أخرى يؤمر بالتوبة، فتكون التوبة محت الذنب السابق والذنب الجديد يحتاج إلى توبة، فإذا تاب توبة نصوحًا بشروطها الثمانية محت هذه التوبة الذنب، فإذا بلي بالذنب مرة ثالثة عليه أن يتوب وهكذا، ولهذا قال بعضهم لشيخه: إني أذنب، قال: تب، قال: ثم أعود، قال: تب، قال: ثم أعود، قال: تب، قال: إلى متى؟ قال: إلى أن تحزن الشيطان، أي: استمر.\nوهذا كما جاء في الحديث الذي مر بنا لما وقع العبد في الذنب قال: (إني أذنبت ذنبًا فتب علي يا رب، فقال الله: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ، قد غفرت لك، ثم أذنب فقال: رب أذنبت، فقال: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به)، وهكذا ثم قال في آخر الحديث: (فليفعل ما شاء) أي: أنه كلما أذنب تاب، والمعنى: أن التوبة مقبولة إذا تاب توبة نصوحًا، وليس معنى ذلك: أنه أذن له بالمعاصي.\nقول المؤلف: (وفي المسند عن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله يحب العبد المفتن التواب) في بعض الألفاظ بدل المفتن: المفتقر، هذا الحديث فيه كلام لأهل العلم، قيل بضعفه، وقيل: إن إسناده ضعيف، وقيل: إن في إسناده راويًا لم يسم، وهو ضعيف جدًا؛ لكن المؤلف ﵀ ذكره لشواهده، ومن شواهده قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢].\nوهو في المسند وهو من زيادات عبد الله، وقال الشيخ أحمد شاكر ﵀: إسناده ضعيف جدًا، ورواه أبو يعلى في مسنده، والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: رواه عبد الله وأبو يعلى وفيه من لم أعرفه، ولفظه: (إن الله يحب العبد المؤمن المفتن التواب)، والمفتن بفتح التاء المشددة: هو الذي يفتن ويمتحن بالذنوب، ورواه في الحلية بلفظ: المفتقر بدل المفتن.\nوعلى كل حال: الحديث وإن كان ضعيفًا لكن له شواهد من القرآن ومن السنة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢].\nنعم.","vol":"15","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>جواب آخر على القول بأن الحسنات الماحية تكفر الذنوب بشرط اجتناب الكبائر</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وأيضًا: من نام عن صلاة أو نسيها فصلاته إذا استيقظ أو ذكرها كفارة لها تبرأ بها الذمة من المطالبة، ويرتفع عنه الذم والعقاب ويستوجب بذلك المدح والثواب، وأما ما يفعله من التطوعات فلا نعلم القدر الذي يقوم ثوابه مقام ذلك، ولو علم فقد لا يمكن فعله مع سائر الواجبات، ثم إذا قدر أنه أمر بما يقوم مقام ذلك صار واجبًا فلا يكون تطوعًا، والتطوعات شرعت لمزيد التقرب إلى الله تعالى، كما قال تعالى في الحديث الصحيح: (ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) الحديث.\nفإذا لم يكن العبد قد أدى الفرائض كما أمر لم يحصل له مقصود النوافل ولا يظلمه الله، فإنه تعالى لا يظلم مثقال ذرة بل يقيمها مقام نظيرها من الفرائض، كمن عليه ديون لأناس يريدون أن يتطوع لهم بأشياء، فإن وفاهم وتطوع لهم كان عادلًا محسنًا، وإن وفاهم ولم يتطوع كان عادلًا، وإن أعطاهم ما يقوم مقام دينهم وجعل ذلك تطوعًا كان غالطًا في جعله تطوعًا، بل يكون من الواجب الذي يستحقونه].\nهذا أيضًا جواب آخر عن الاعتراض، الجواب الأول: أنه وإن كانت له استطاعة على الذنب فإن الإنسان مأمور بأداء الواجبات وترك المحرمات، ولا يكلف بترك الواجب أو بفعل المحرم لاعتماده على أن له ما يمحوه.\nوجاء الجواب الثاني عن هذا الاعتراض: وهو أنه قد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك)، فبين النبي ﷺ أن صلاة الإنسان عندما يستيقظ من النوم بدون اختياره ومن النوم الذي يكون معذورًا فيه كمن يجعل أسبابًا توقظه كمنبه الساعة أو بعض أهله، فهذا معذور، ومتى استيقظ صلى، فهذا عمل بأسباب يريد أن يصلي الفرض في وقته فإذا نام مبكرًا، وجعل أسبابًا توقظه، لكن فاته الفرض دون اختياره، أما إنسان لا ينام إلا متأخرًا أو يؤقت الساعة على موعد العمل ويستيقظ مرة واحدة لصلاته وفطوره، فهذا ليس بمعذور، فهو تعمد ترك الصلاة؛ ولهذا لما نام النبي ﷺ في بعض أسفاره قال: (من يكلؤ لنا الصبح؟ قال بلال: أنا)، فالتزم بذلك، فنام النبي ﷺ، فلابد أن تجعل لك أسبابًا توقظك، وصاحب النوم قد يكون معذورًا وقد لا يكون معذورًا، فالمعذور الذي يجعل له أسبابًا توقظه: كأن يكلم بعض إخوانه أو أهله يوقظونه أو جيرانه، أو يوقت الساعة أو الجوال حتى ينتبه، وشخص لا يريد أن يصلي، فيوقت الساعة على العمل، ويستقيظ مرة واحدة لصلاته وفطوره، فهذا متعمد للتأخير، وهذا يكون مرتدًا إذا كانت هذه عادته، نعوذ بالله.\nومن أخر الصلاة عن وقتها بعذر فكفارتها أن يصليها وقت ما يذكر، وكذلك الناسي؛ لأن الإنسان يعذر بالنوم والنسيان، فحديث: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) بين النبي ﷺ أن كفارة الصلاة التي أخرت عن وقتها بالنوم أو بالنسيان أن يصليها حال استيقاظه وحال تذكره، وتبرأ بها الذمة فلا يطالب بها يوم القيامة، فلا يقال: صليت في غير وقتها، ويرتفع عنه الذم والعقاب، لا يذم شرعًا ولا عقلًا، وليس عليه عقوبة، ويستوجب بذلك المدح والثواب؛ لأنه أدى الفريضة بقدر استطاعته.\nلكن الشخص الذي يترك الفريضة ويقول: أنا أفعل تطوعًا وحسنات تمحوها، نقول له: أولًا: إنك لا تعلم القدر الذي يقوم مقام ثواب الفريضة، ولو قدر لك أن تعلم قد لا يمكنك أن تفعله مع الواجبات، ثم لو قدر أنه أمر بتطوع يقوم مقام الفريضة نقول: صار هذا التطوع واجبًا، وانتقل من كونه تطوعًا إلى كونه واجبًا، أما التطوع فإنه شرع لزيادة القربة إلى الله، كما قال الله تعالى في الحديث القدسي الصحيح: (وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه).\nإذًا: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض من أسباب محبة الله.\nقول المؤلف ﵀: (فإذا لم يكن العبد قد أدى الفرائض كما أمر لم يحصل له مقصود النوافل)؛ لأن الإنسان يطالب أولًا بالفرائض، ثم بعد ذلك يأتي بالنوافل فيكون من أحباب الله، لكن إذا لم يكن أدى الفريضة كيف يقال: أنه يأتي بالنوافل؟! والذي أخل بالواجبات لا يقال: إنه يأتي بالنوافل، ولكن عليه أولًا أن يكمل الواجب، ثم يأتي بالنوافل، وذمته مشغولة بالواجب، فإذا فعل تطوعًا نقول: هذا التطوع يسمى فرضًا وليس تطوعًا، ولا يكون له تطوع إلا إذا كمل الفرض.\nفإذا لم يكن العبد قد أدى الفرائض كما أمر لم يحصل له مقصود النوافل ولا يظلمه الله، فإن الله لا يظلم مثقال ذرة، بل يقيمها مقام نظيرها من الفرائض.\nأي: إذا أخل الإنسان أخل مثلًا بواجب من واجبات الصلاة ثم صلى النوافل، لا يكتب له النوافل، ونقول له: ذمتك مشغولة بترك الواجب، والله لا يظلمك مثقال ذرة، فالله تعالى يثمن النقص الذي حصل في فريضتك من هذه النوافل، فإذا كملت الفريضة وتمت ثم تطوعت كتب لك ثوابها.\nومثال ذلك: شخص ذمته مشغولة لشخص بألف ريال، فإذا أعطاه ألف ريال فهو عادل وإن أعطاه زيادة بدون شرط صار عادلًا محسنًا، فإذا قال له: لك عندي ألف ريال لكن سأعطيك ألف ريال صدقة؛ لأنه فقير، وأوفيك الدين بعد ذلك، يقال له: كيف تتصدق عليه وذمتك مشغولة بالواجب؟! فعليك أن تجعل هذه الصدقة هي الدين الواجب، فأد الواجب ثم بعد ذلك تطوع.\nكذلك الإنسان الذي يريد أن يتنفل وذمته مشغولة بالواجب نقول له: أولًا كمل الواجب، فإذا نقص الواجب يكمل من النوافل؛ ولذلك قال المؤلف ﵀: (فإن الله لا يظلم مثقال ذرة بل يقيمها) أي: يقيم النوافل مقام نظيرها من الفرائض، كمن عليه ديون لأناس يريد أن يتطوع لهم بأشياء فإن وفاهم وتطوع وأعطاهم الزيادة كان عادلًا محسنًا، وإن وفاهم ولم يتطوع ولم يعطهم زيادة كان عادلًا، وإن أعطاهم ما يقوم مقام دينهم وجعل ذلك تطوعًا كان غالطًا في جعله تطوعًا، بل يكون من الواجب الذي يستحقه صاحبه، فإن قال المدين: شخص له عندي ألف ريال وأنا أريد أن أتصدق عليه بألف ريال، نقول: هذا غلط منك، فاجعل هذه الصدقة هي قضاء الدين.\nوبهذا يتبين أن الإنسان إذا أخل ببعض الواجبات ثم تطوع فالتطوع يكمل به الواجب، ولا يعطى ثواب النوافل، وإنما يكمل الواجب الذي عليه.","vol":"15","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>بطلان مذهب المعتزلة في التوحيد والعدل</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن العجب أن المعتزلة يفتخرون بأنهم أهل التوحيد والعدل وهم في توحيدهم نفوا الصفات نفيًا يستلزم التعطيل والإشراك، وأما العدل الذي وصف الله به فهو ألا يظلم مثقال ذرة، وأنه من يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره، وهم يجعلون جميع حسنات العبد وإيمانه حابطًا بذنب من الكبائر، وهذا من الظلم الذي نزه الله تعالى نفسه عنه، فكان وصف الرب تعالى بالعدل الذي وصف به نفسه أولى من جعل العدل هو التكذيب بقدر الله تعالى].\nمن العجب أن المعتزلة يفتخرون بأنهم أهل التوحيد والعدل، والمعتزلة عندهم في أصول الدين خلط، وكل أصل ستروا تحته معنى باطلًا، وعند أهل السنة أصول الإيمان: الإيمان بالله، والإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب، والإيمان بالرسل، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره.\nوبدلًا من أصول الدين عند أهل السنة ألغى المعتزلة هذه الأصول وأحدثوا أصولًا لهم، فأصول الدين عند المعتزلة: التوحيد، والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، وإنفاذ الوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nوكل أصل من هذه الأصول ستروا تحته معنى باطلًا، فالتوحيد ستروا تحته: نفي الصفات، والقول بخلق القرآن، وأن الله تعالى لا يرى في الآخرة، فمعنى التوحيد عندهم نفي الصفات، ومن أثبت الصفات كان مشركًا؛ لأنه شبه الله بخلقه، ومن أثبت أن القرآن كلام الله وأن الله يرى في الآخرة فهو مشرك عند المعتزلة.\nوالعدل ستروا تحته: التكذيب بالقدر، والقول بأن الله لا يخلق المعاصي ولا يعذب عليها إلا أن يكون ظالمًا.\nوفي المنزلة بل المنزلتين قالوا: مرتكب الكبيرة خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، فهو في منزلة بين الإيمان والكفر.\nوإنفاذ الوعيد قالوا: مرتكب الكبيرة لابد أن ينفذ الله فيه الوعيد ويخلده في النار.\nوالأمر بالمعروف ستروا تحته إلزام الناس بآرائهم واجتهاداتهم الباطلة، والنهي عن المنكر ستروا تحته: الخروج على ولاة الأمور بالمعاصي والظلم، فهذه أصول المعتزلة.\nومن العجب أنهم يقولون: نحن أهل التوحيد والعدل، ويفتخرون بذلك، وهم ينفون الصفات، ويكذبون بالقدر.\nالمؤلف ﵀ يقول: ومن العجب أن المعتزلة يفتخرون بأنهم أهل التوحيد والعدل، وهم في توحيدهم نفوا الصفات نفيًا يستلزم التعطيل، قالوا: إن الله ليس له سمع ولا بصر ولا علم ولا قدرة ولا رحمة ولا صوت ولا هو فوق ولا تحت، فعطلوا الرب، بل إن الشيء الذي ليس له اسم ولا صفة لا يوجد إلا في الذهن، وبذلك شبهوا الله بالمعدوم فأشركوا، فصار توحيدهم يستلزم التعطيل والإشراك.\nوأما العدل فإنهم يقولون: العدل معناه القول بأن أفعال العباد هم الذين خلقوها، والله تعالى لا يقدر على خلقها، فالعباد خلقوا الطاعات والمعاصي، ولهذا يستحقون الثواب على الله كما يستحق الأجير أجرته، ويجب على الله أن ينفذ الوعيد في العاصي ولا يغفر له ولا يرحمه.\nوأما وجوب إنفاذ الوعيد: فهم يرون وجوب تخليد العصاة في النار، يقولون: العدل منه أنه لا يخلف وعيده، ويجب على الله أن يجازي المطيع؛ لأنه هو الذي خلق فعله، والعبد إذا فعل الكبيرة حبط إيمانه وخرج من الإيمان، وهذا ليس بعدل بل هو ظلم.\nوذكر المؤلف أن العدل الذي وصف الله به نفسه هو أنه لا يظلم مثقال ذرة وأن من ﴿يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]، فلا يمنع أحدًا من ثواب حسناته، ولا يحمل أحدًا أوزار غيره، فلا يظلم مثقال ذرة، بل من عمل أي عمل ولو مثقال ذرة من الخير يجده أو من الشر يجده، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].\nوهم -أي: المعتزلة- يجعلون جميع حسنات العبد وإيمانه حابطًا بذنب واحد من الكبائر، ويقولون: إذا زنى أو سرق أو شرب الخمر أو تعامل بالربا حبط العمل كله، وخرج من دائرة الإيمان، وخلد في النار، وهذا ظلم نزه الله نفسه عنه؛ فكان وصف الرب سبحانه بالعدل الذي وصف به نفسه أولى من جعل العدل هو التكذيب بقدر الله.\nوذلك أن الله تعالى نزه نفسه عن الظلم، والظلم الذي نزه الله نفسه عنه هو وضع الشيء في غير موضعه؛ بأن يمنع أحدًا من ثوابه لحسناته أو يحمله أوزار غيره، وهم جعلوا العدل التكذيب بالقدر، والقول بأن الله لا يخلق أفعال العباد، وأن العباد هم الذين خلقوا أفعالهم من طاعات أو معاص، ويوجبون على الله أن يثيب المطيع، وأن يعذب العاصي، فالله أولى بوصف العدل الذي وصف به نفسه وهو أن لا يحرم أحدًا من ثوابه أو يحمله وزر غيره.","vol":"15","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>جواب آخر على القول بأن الحسنات الماحية لا تسقط عقوبة الذنب بشرط اجتناب الكبائر</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [الخامس: إن الله لم يجعل شيئًا يحبط جميع الحسنات إلا الكفر، كما أنه لم يجعل شيئًا يحبط جميع السيئات إلا التوبة، والمعتزلة مع الخوارج يجعلون الكبائر محبطة لجميع الحسنات حتى الإيمان، قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧] فعلق الحبوط بالموت على الكفر، وقد ثبت أن هذا ليس بكافر، والمعلق بشرط يعدم عند عدمه، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة:٥]، وقال تعالى لما ذكر الأنبياء: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٧ - ٨٨]، وقال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥]، مطابق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]، فإن الإشراك إذا لم يغفر وأنه موجب للخلود في النار لزم من ذلك حبوط حسنات صاحبه.\nولما ذكر سائر الذنوب غير الكفر لم يعلق بها حبوط جميع الأعمال.\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٨]؛ لأن ذلك كفر، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]؛ لأن ذلك قد يتضمن الكفر فيقتضي الحبوط وصاحبه لا يدري، والمعنى: كراهية أن يحبط أو خشية أن يحبط، فنهاهم عن ذلك لأنه يفضي إلى الكفر المقتضي للحبوط، ولا ريب أن المعصية قد تكون سببًا للكفر، كما قال بعض السلف ﵏: المعاصي بريد الكفر، فينهى عنها خشية أن تفضي إلى الكفر المحبط، كما قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور:٦٣] وهي الكفر، ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، وإبليس خالف أمر الله فصار كافرًا وغيره أصابه عذاب أليم].\nهذا هو الجواب الخامس من الأجوبة على الاعتراض على مسقط من مسقطات العقوبة، وهي الحسنة الماحية، والاعتراض هو: أن هذه الحسنات الماحية إنما تكون ماحية للصغائر دون الكبائر.\nفالجواب الخامس: أن الله لم يجعل شيئًا يحبط جميع الحسنات إلا الكفر، كما أنه لم يجعل شيئًا يحبط جميع السيئات إلا التوبة، وإذا فعل الكفر بطلت جميع الأعمال، وإذا مات على الكفر والعياذ بالله خلد في النار، لكن إذا فعل المعصية: كما إذا عق والديه، أو قطع رحمه، أو تعامل بالربا وهو يعلم أنه حرام، لا نقول له: بطلت صلاتك وصومك وحجك، لكن إذا دعا غير الله وذبح لغير الله ومات على ذلك بطلت جميع الأعمال.\nفالله تعالى لم يجعل شيئًا يحبط جميع الحسنات إلا الكفر، كما أنه لم يجعل شيئًا يحبط جميع السيئات إلا التوبة، حتى الكفر، فإذا تاب توبة نصوحًا من الشرك أو الكفر أو الزنا أو السرقة أو عقوق الوالدين أو التعامل بالربا بشروطها الثمانية فالتوبة تجب ما قبلها، وتزيل جميع المعاصي، كما أن الكفر يزيل جميع الحسنات.\nوالمعتزلة مع الخوارج يخالفون النصوص، ويجعلون الكبيرة محبطة لجميع الحسنات حتى الإيمان، ويقولون: إذا زنا أو سرق أو شرب الخمر أو عق والديه أو تعامل بالربا بطلت جميع الأعمال حتى الإيمان، فخرج من الإيمان وخرج من الإسلام وبطلت جميع أعماله، وصار مخلدًا في النار.\nوهذا من أبطل الباطل؛ لأن الله تعالى بين في كتابه أن الذي يحبط الأعمال الكفر والشرك لا المعاصي، وبشرط: أن يموت على الكفر، فإذا منّ الله عليه بالإسلام لا تحبط أعماله بل تبقى له يخرجها الإيمان، فإن مات على الكفر بطلت جميع الأعمال، والدليل قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧]، ووجه الدلالة قوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة:٢١٧]، فعلق الحبوط بالموت على الكفر.\nوقد ثبت أن مرتكب الكبيرة ليس بكافر، والمعلق بشرط يعدم عند عدمه، وحبوط العمل معلق بشرط وهو الموت على الكفر، فإذا لم يمت على الكفر بعد عن حبوط العمل.\nومن الأدلة على أن الكفر يحبط الأعمال قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة:٥]، ومنها: قوله تعالى لما ذكر الأنبياء: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾ [الأنعام:٨٧] إلى قوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨].\nومن الأدلة على أن الشرك يحبط الأعمال قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥].\nإذًا: الشرك يحبط الأعمال إذا مات على الكفر، وهو مطابق لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]، فالشرك لا يغفر أبدًا إذا مات صاحبه عليه، فإن الشرك إذا لم يغفر موجب للخلود في النار ويلزم من ذلك حبوط الحسنات وصاحبها، ولما ذكر الله سائر الذنوب غير الكفر لم يعلق بها حبوط جميع الأعمال.\nأما قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٨]، فلأن ذلك كفر، ومن كره شيئًا مما جاء عن الله وعن رسوله حبط عمله، وهو ردة وكفر، فمن كره التشريع الذي أنزله الله في كتابه أو أنزله على رسوله حبط عمله بردته نعوذ بالله.\nوأما قول الله تعالى: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]، هذا قد يتضمن الكفر الذي يقتضي الحبوط وصاحبه لا يدري، والذي يرفع صوته فوق صوت النبي قد يحبط عمله وقد لا يحبط.\nفإذًا: نهي عن رفع الصوت خشية أن يؤدي إلى حبوط العمل، فنهاهم الله عن رفع الصوت؛ لئلا يفضي إلى الكفر الذي يقتضي الحبوط، ولا ريب أن المعصية قد تكون سببًا للكفر، كما قال بعض السلف: المعاصي بريد الكفر، فينهى عن المعصية خشية أن تفضي إلى الكفر المحبط، كما قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، فهذا تخويف، للذي يخالف أمر الله وعليه أن يحذر، وقوله: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور:٦٣] هو الشرك، ولهذا قال بعضهم: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، ولعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الفتنة فيهلك، وإبليس خالف أمر الله فصار كافرًا، وغيره خالف أمر الله فأصابه عذاب أليم.\nإذًا: الذي يخالف أمر الله قد يكون كافرًا كإبليس، وقد يكون عاصيًا يعرض نفسه للعذاب الأليم كالعاصي.","vol":"15","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>الأسئلة</span>","vol":"15","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>الفرق بين التوبة والاستغفار</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفرق بين التوبة والاستغفار؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  التوبة عرفنا أن معناها: الرجوع إلى الله من الذنب الذي حصل منه بشروطه الثمانية، والاستغفار طلب المغفرة.","vol":"15","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>الذكر بعد الأذان</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هو الذكر الذي يقال بعد الأذان؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الذكر الذي يقال بعد الأذان أولًا: الصلاة على النبي ﷺ، ثم يقال: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، كما جاء في الحديث أنه قيل لرسول الله ﷺ: (يا رسول الله! إن المؤذنين يغبنوننا -أي: يحصلون على الأجر- فقال: من سمع المؤذن ثم قال مثل قوله، ثم صلى عليَّ، وقال: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، حصل له مثل ما يحصل للمؤذن)، وكذلك أيضًا في الحديث: (إلا حلت له شفاعتي يوم القيامة).","vol":"15","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>حكم توبة المريض مرض الموت</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل المصاب بمرض خطير ومصيره في الغالب إلى الموت إذا تاب تاب الله عليه، أم يكون حكمه حكم من بلغت روحه الحلقوم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المريض ولو في مرض الموت تصح منه التوبة ما لم تصل الروح إلى الحلقوم؛ ولهذا ذكر العلماء أن المريض إذا حضره الموت يذكر بالتوبة ويذكر بالشهادة، فإنها تنفعه، ولا يقال له: قل: لا إله إلا الله، حتى لا يضجر ويرفض، بل يقال عنده: لا إله إلا الله، أمامه حتى يتذكر فيقولها.\nفإذا قالها سكت، فإن تكلم بشيء من كلام الدنيا أعاد وقال: لا إله إلا الله.\nكذلك ذكر العلماء أن من قرب موته يذكر بالتوبة فإنها تنفعه، مثل شخص سيقام عليه الحد قصاصًا فيذكر بالتوبة وبالاستغفار، ولو كان يعلم أنه سيقام عليه الحد عن قريب، فيذكر بالتوبة والاستغفار فإنها تنفعه ما لم تصل الروح إلى الحلقوم، يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)، فإذا سيقت الروح من الجسد ووصلت إلى الحلقوم انتهى الأمر، وكشف للإنسان عن المستقبل وصار الغيب شهادة، وعاين الملائكة؛ فلا توبة حينئذ.","vol":"15","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>حكم توبة من نوى قبل فعل الذنب التوبة بعد فعله</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل تقبل توبة من فعل ذنبًا ونوى قبل فعله للذنب أن يتوب بعد فعله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا وجدت الشروط الثمانية بعد الذنب فهي صحيحة، وإذا اختل شرط منها فلا.","vol":"15","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>وقت أذكار الصباح والمساء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  متى تقال أذكار الصباح والمساء على الصحيح من أقوال العلماء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أذكار الصباح بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، وأذكار المساء بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، قال الله تعالى: ﴿َسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه:١٣٠] ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق:٤٠]، ذكر هذا أهل العلم، وذكر هذا العلامة ابن القيم في الوابل الصيب، ولكن سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه يرى أن الأمر واسع، وأنه إذا فاته بعد العصر فله أن يأتي بالذكر بعد المغرب والعشاء، وكذلك في أذكار الصباح إذا فاتته له أن يأتي بالأذكار إلى الظهر.","vol":"15","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>الطريقة الصحيحة في رد المحكم إلى المتشابه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الأحاديث فيها من المحكم والمتشابه كما في القرآن الكريم؟ وإذا كان كذلك فلماذا تؤول؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  النصوص من السنة والقرآن فيها محكم وفيها متشابه، وكذلك أقوال أهل العلم، والقاعدة عند أهل العلم: أن المتشابه يرد إلى المحكم، ويوضح فيتضح، وأما أهل الزيغ فإنهم يأخذون بالمتشابه ويتركون المحكم.\nمثال ذلك: النصوص التي أثبت الله فيها علوه على خلقه كثيرة لا حصر لها، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس:٣] في سبعة مواضع، وقال ﷾: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وكل نص فيه إثبات العلو، وكل نص فيه الرفع قال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]، وكل نص فيه الصعود: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، والتنزيل: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر:١]، وأفراد هذه الأدلة تزيد ثلاثة آلاف، وجاء في النصوص الأخرى ما يدل على المعية كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] وقوله: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، فأهل الزيغ من أهل البدع من الجهمية والمعتزلة والمعطلة تعلقوا بالمتشابه، وعارضوا النصوص وضربوا بعضها ببعض، وقالوا: إن نصوص المعية تبطل نصوص العلو والفوقية، وقالوا: إن الله مشترك بين مخلوقاته، وإنه مع الخلق في كل مكان.\nتعالى الله عما يقولون! أما أهل الحق فإنهم ردوا المتشابه إلى المحكم، وعملوا بالنصوص من الجانبين، وقالوا: إنه لا معارضة بين النصوص، وليس معنى المعية الاختلاط والاهتزاز، فإن المعية في لغة العرب لمطلق المصاحبة، والمصاحبة لا تقتضي الاختلاط، والعرب تقول: ما زلنا نسير والقمر معنا، وما زلنا نسير والنجم معنا، ويقال: فلان المتاع معه، وإن كان فوق رأسه، ويقال: فلان زوجته معه وإن كانت في المشرق وهو في المغرب، فالمعية لا تقتضي المصاحبة، ولها معان على حسب متعلقها.\nفالمقصود: أن النصوص المحكمة والمتشابهة في الكتاب أو في السنة أو في أقوال أهل العلم ترد إلى نصوص المحكم وتفسر بها.\nأما أهل الزيغ فإنهم يتعلقون بالمتشابه ويتركون المحكم، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧].","vol":"15","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>المراد بأهل القبلة ودخول المنافقين فيهم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما المراد بأهل القبلة؟ وهل الرافضة يعدون منهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المراد بأهل القبلة كل من اتجه إلى القبلة في الصلاة وفي الذكر وفي الذبح، وأهل القبلة لا يكفرون عند أهل السنة والجماعة إلا إذا ثبت عليهم مكفر، وإلا فالأصل أن أهل القبلة يحكم عليهم بالإسلام، ومن أهل القبلة المنافقون الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر فإنهم يعاملون معاملة المسلمين في النكاح وغيره، إلا من أظهر منهم النفاق فإنه يقتل؛ ولهذا كان النبي ﷺ يعامل عبد الله بن أبي رئيس المنافقين وغيره من المنافقين معاملة المسلمين في جميع الأحداث.\nولهذا لما مات عبد الله بن أبي رئيس المنافقين ووضع في حفرته: (جاءه النبي ﷺكما ثبت في صحيح البخاري - واستخرجه من حفرته، ونفث فيه من ريقه، وألبسه قميصه).\nولما أراد أن يصلي عليه أخذ عمر بن الخطاب ثوبه وجره وقال: يا رسول الله أتصلي على منافق؟ فقال النبي ﷺ: (أخر عني يا عمر، فإني خيرت فقيل لي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠]، قال: ولو أعلم أني لو زدت على السبعين أن يغفر له لزدت على السبعين)، وإنما فعل هذا ﵊ رجاء أن يغفر الله له؛ لأنه لم ينه عن ذلك، ومراعاة لرهطه الأوس، ومراعاة لابنه عبد الله؛ لأنه كان من أصلح عباد الله، ولما قال ابن أبي القولة المشهورة: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨]، وقف ابنه عبد الله وقال: والله لا تدخل المدينة حتى تكون الأذل ورسول الله هو الأعز.\nفالنبي ﷺ مراعاة لابنه عبد الله وللأوس، ورجاء أن يغفر الله له صلى عليه؛ ولأنه لم ينه عن ذلك، ثم بعد ذلك أنزل الله هذه الآية: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨٤]، فلم يصل على منافق مات بعد ذلك، وبين الله العلة فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٨٤]، وهذا رواه البخاري في الصحيح.","vol":"15","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>عدد النفخات في الصور</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هو الصحيح من أقوال العلماء في عدد النفخات هل هي اثنتان أو ثلاث؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الصواب أنهما نفختان، كما قال الله تعالى في سورة الزمر: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨]، النفخة الأولى نفخة الصعق والموت، والنفخة الثانية نفخة البعث.\nوبعض العلماء ذهب إلى أنها ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق (الموت)، ونفخة البعث، وجاء في حديث الصور، وهو حديث ضعيف؛ لأن في سنده رجلًا ضعيفًا، جاء فيه أنها ثلاث نفخات، والصواب: أنهما نفختان: النفخة الأولى هي نفخة طويلة أولها فزع وآخرها صعقة الموت، كما قال الله في سورة النمل: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل:٨٧]، وفي سورة الزمر: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [الزمر:٦٨]، فهي نفخة واحدة أولها فزع وآخرها صعقة الموت، وهي نفخة يطولها إسرافيل ولا يزال الصوت يقوى شيئًا بعد شيء حتى يموت الناس، جاء في الحديث: (أنه لا يسمعها أحد إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا)، أرأيتم صفارات الإنذار؟ رأيتم في حرب الخليج ماذا يحصل للناس من الرعب إذا جاء الصوت، وهو صوت عادي، وإذا زاد مثل هذا الصوت مائة مرة ماذا يحصل للناس، فهكذا صوت إسرافيل أوله ليس بالقوي ثم لا يزال الصوت يقوى ويقوى حتى يموت الناس، وهذه نفخة الصعق.\nوالثانية: نفخة البعث، يمكث الناس بعدها أربعين، كما جاء في الحديث: (قيل لـ أبي هريرة: أربعين سنة؟ قال: أبيت، قيل: أربعين شهرًا؟ قال: أبيت، قيل: أربعين يومًا؟ قال: أبيت) أي: ليس عندي علم في هذا، ثم ينزل الله مطرًا تنبت منه أجساد الناس، وينشئون تنشئة غير هذه التنشئة في الدنيا، الذوات هي هي، لكن تبدل الصفات، فإذا تم نباتهم أذن الله لإسرافيل فنفخ في الصور نفخة البعث فتتطاير الأرواح، وتدخل كل روح في جسدها، فيقوم الناس ينفضون التراب عن رءوسهم ويقفون بين يدي الله للحساب، والأرواح باقية لا تموت بل تبقى إما في عذاب أو في نعيم، فروح المؤمن تنقل في الجنة، ولها اتصال بالجسد.\nوالروح تعذب مفردة ومتصلة بالجسد، فروح الكافر تنقل إلى النار، ولها صلة بالجسد، فإذا نفخ إسرافيل في الصور دخلت الأرواح في أجسادها، فالصواب أنهما نفختان.","vol":"15","page":17},{"text":"شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-284>[١٦]</span>\nمما استدل به الخوارج والمعتزلة على تخليد صاحب الكبيرة في النار أن الله لا يتقبل إلا من المتقين، وصاحب الكبيرة ليس منهم فلا يقبل الله منه عملًا صالحًا فيكون في النار، وقد رد عليهم أهل السنة في ذلك وبينوا غلطهم.","vol":"16","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>استدلال الخوارج والمعتزلة على خلود مرتكب الكبيرة في النار بآية (إنما يتقبل الله من المتقين) والرد عليهم</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد احتجت الخوارج والمعتزلة بقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]، قالوا: فصاحب الكبيرة ليس من المتقين فلا يتقبل الله منه عملًا، فلا تكون له حسنة، وأعظم الحسنات الإيمان فلا يكون معه إيمان، فيستحق الخلود في النار.\nوقد أجابتهم المرجئة: بأن المراد بالمتقين من يتقي الكفر، فقالوا: اسم المتقين في القرآن يتناول المستحقين للثواب، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥]، وأيضًا فابنا آدم حين قربا قربانًا لم يكن المقرب المردود قربانه حينئذ كافرًا، وإنما كفر بعد ذلك إذ لو كان كافرًا لم يتقرب.\nوأيضًا: فما زال السلف يخافون من هذه الآية، ولو أريد بها من يتقي الكفر لم يخافوا.\nوأيضًا: فإطلاق لفظ المتقين والمراد به من ليس بكافر، لا أصل له في خطاب الشارع فلا يجوز حمله عليه.\nوالجواب الصحيح: أن المراد من اتقى الله في ذلك العمل، كما قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود:٧] قال: أخلصه وأصوبه، قيل: يا أبا علي! ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا.\nوالخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة، فمن عمل لغير الله كأهل الرياء لم يقبل منه ذلك، كما في الحديث الصحيح، يقول الله ﷿: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري فأنا بريء منه، وهو كله للذي أشركه).\nوقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحديث الصحيح: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول).\nوقال: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار).\nوقال في الحديث الصحيح: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: فهو مردود غير مقبول، فمن اتقى الكفر وعمل عملًا ليس عليه أمر النبي ﷺ لم يقبل منه، وإذا صلى بغير وضوء لم يقبل منه؛ لأنه ليس متقيًا في ذلك العمل، وإن كان متقيًا للشرك.\nوقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠]، وفي حديث عائشة عن النبي ﷺ أنها قالت: (يا رسول الله! أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر ويخاف أن يعذب؟ فقال: لا يا ابنة الصديق ولكنه الرجل يصلى ويصوم ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه).\nوخوف من خاف من السلف أن لا يتقبل منه لخوفه أن لا يكون أتى بالعمل على وجهه المأمور، وهذا أظهر الوجوه في استثناء من استثنى منهم في الإيمان وفي أعمال الإيمان، كقول أحدهم: أنا مؤمن إن شاء الله، وصليت إن شاء الله، لخوف ألا يكون أتى بالواجب على الوجه المأمور به لا على جهة الشك فيما لقلبه من التصديق.\nولا يجوز أن يراد بالآية: أن الله لا يقبل العمل إلا ممن اتقى الذنوب كلها؛ لأن الكافر والفاسق حين يريد أن يتوب ليس متقيًا، فإن كان قبول العمل مشروطًا بكون الفاعل حين فعله لا ذنب له امتنع قبول التوبة، بخلاف ما إذا اشترط التقوى في العمل فإن التائب حين يتوب يأتي بالتوبة الواجبة، وهو حين شروعه في التوبة منتقل من الشر إلى الخير لم يخلص من الذنب، بل هو متق في حال تخلصه منه].","vol":"16","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>اتحاد استدلال الخوارج والمعتزلة بقوله تعالى: (إنما يتقبل من المتقين)</span>\nذكر المؤلف ﵀ هنا حجج الخوارج وحجج المرجئة، وبين الجواب الصحيح.\nفالخوارج مذهبهم: أن مرتكب الكبيرة يحبط إيمانه كله ويخرج من دائرة الإيمان، ويستدلون على هذا المذهب الباطل بأدلة من القرآن من غير تأويل.\nوالمرجئة يقولون: الإيمان لا يضر معه أي معصية وأي كبيرة.\nواحتجوا على ذلك من القرآن، فالمؤلف ﵀ يبين بطلان وجه احتجاجهم من النصوص، ويبين الجواب الصحيح.\nفالخوارج احتجوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]، وقالوا: صاحب الكبيرة ليس من المتقين فلا يتقبل الله منه عملًا، فلا يكون له حسنة، وأعظم الحسنات الإيمان، فلا يكون معه إيمان، فيستحق الخلود في النار.\nأجابتهم المرجئة وقالوا: المراد بالمتقين من يتقي الكفر، وقالوا: اسم المتقين في القرآن يتناول المستحقين للثواب، فالذي يتقي الكفر يقبل منه أي عمل، والذي يفعل الكبيرة واتقى الكفر ما وصل إلى الكفر فلا يحبط عمله، ولا يضره فعل الكبيرة.\nواحتجت المرجئة على أن اسم المتقين في القرآن يتناول المستحقين للثواب، بمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥].\nوقالوا: ابنا آدم قابيل وهابيل حينما قتل أحدهما أخاه؛ لأنهما قربا قربانًا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، فقتل أحدهما الآخر.\nوهما حين قربا قربانًا لم يكن المقرب المردود قربانه حينئذ كافرًا، وإنما كفر بعد القتل، وقبل ذلك ما كان كافرًا إذ لو كان كافرًا لم يتقرب.\nوأيضًا قالوا لهم: ما زال السلف يخافون من هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]، ولو أريد بها من يتقى الكفر لم يخافوا؛ لأنهم اتقوا الكفر، فدل على أنهم خافوا ما دون الكفر.\nوأيضًا: فإطلاق لفظ المتقين والمراد به من ليس بكافر لا أصل له في خطاب الشارع، فلا يجوز الحمل عليه.","vol":"16","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>الرد على استدلال الخوارج والمعتزلة</span>\nالمؤلف ﵀ يقول: والجواب الصحيح عن هذه الآية ردًا على الخوارج والمعتزلة والمرجئة: أن المراد بقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]، من اتقى الله في ذلك العمل الذي يعمله، فإذا كان متقيًا في ذلك العمل تقبل الله منه، وإن كان غير متق لله لا يتقبله منه، ويتقبل الله العمل إذا كان خالصًا لله وصوابًا على شرع الله، فإذا كان العمل خالصًا لله وصوابًا لله صار من المتقين في ذلك الأمر، وإن لم يكن خالصًا ولا صوابًا لم يكن من المتقين، فإذا كان خالصًا وصوابًا قبل الله منه؛ لأنه متق، وإذا كان ليس خالص ولا صوابًا فلا يقبل منه.\nإذًا: الجواب الصحيح هو: أن المراد بذلك من اتقى الله في ذلك العمل كما قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود:٧]، قال: أخلصه وأصوبه، قيل: يا أبا علي! ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكون صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة، فمن عمل لغير الله كأهل الرياء لم يقبل منه ذلك، المرائي لا يقبل الله منه عمل، كما في الحديث الصحيح يقول الله ﷿ في: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي فيه غيري فأنا بريء منه، وهو كله للذي أشركه به)، رواه ابن ماجة والبغوي.\nوفي رواية مسلم: (من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه)، وفي الحديث الصحيح: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول)، وقال: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار)، كل هذا فيه نفي القبول، فكذلك العمل الذي فيه رياء لا يقبله الله، والعمل الذي ليس موافقًا أو فيه شرك لا يقبله الله، والعمل الذي ليس موافقًا للشرع مردود.\nوقال في الحديث الصحيح: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه مسلم في صحيحه، وفي الصحيحين: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)؛ لأنه مخالف للشرع، أي: فهو مردود غير مقبول، فمن اتقى الكفر وعمل عملًا ليس عليه أمر النبي ﷺ لم يقبل منه، وإذا اتقى الكفر كما تقول الخوارج ثم عمل عملًا بدعة لا يقبل، أو عمل عملًا ليس بدعة موافق للشرع لكنه ليس خالصًا لله فلا يقبل، فإذا صلى اتقى الكفر؛ لكنه إن صلى بغير وضوء لم يقبل منه؛ لأنه ليس متقيًا في ذلك العمل وإن كان متقيًا للشرك، وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠]، وفي حديث عائشة أنها قالت: (يا رسول الله! أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر ويخاف أن يعذب؟ قال: لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصلى ويصوم ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه)، فهو قد اتقى الشرك، ومع ذلك يخاف ألا يقبل منه.\nقول المؤلف: (وخوف من خاف من السلف ألا يتقبل منه لخوفه ألا يكون أتى بالعمل على وجهه المعروف)، فالسلف كانوا يخافون ألا يقبل منهم، ويخشون أن يكونوا قصروا في هذا العمل فلم يأتوا به موافقًا للشرع.\nقول المؤلف: (وهذا أظهر الوجوه في استثناء من استثنى منهم في الإيمان وفي أعمال البر، كقول أحدهم: أنا مؤمن إن شاء الله، وصليت إن شاء الله)، فهم يستثنون لأن أعمال الإيمان متعددة، وأحدهم يخشى ألا يكون قد أدى الواجبات، فهو يستثني ويقول: أنا مؤمن إن شاء الله لا على جهة الشك فيما بقلبه من تصديق.\n(ولا يجوز أن يراد بالآية: إن الله لا يقبل العمل إلا لمن يتقي الذنوب كلها؛ لأن الكافر والفاسق حين يريد أن يتوب ليس متقيًا، ومع ذلك إذا تاب قبل الله توبته، فإن كان قبول العمل مشروطًا بكون الفاعل حين فعله لا ذنب له امتنع معه قبول التوبة)، أي: لو قيل إن العمل لا يقبل حتى يكون الإنسان ليس له ذنب لكان معنى ذلك أنه لا تقبل التوبة؛ لأن الشخص حينما يريد أن يتوب يكون متلبسًا بالمعاصي.\nفقول الخوارج والمعتزلة في قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧] إنه الذي ليس له ذنب ولا معصية، باطل، بخلاف ما إذا اشترط التقوى في العمل، فإذا أتى بالتقوى في العمل فإن التائب حين يتوب يأتي بالتوبة الواجبة، أي: إذا اتقى في العمل تكون التوبة لله موافقة للشرع، وهو حين شروعه في توبة منتقل من الشر إلى الخير ولم يخلص من الذنب، بل هو متق في حال تخلصه منه.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وأيضًا: فلو أتى الإنسان بأعمال البر وهو مصر على كبيرة ثم تاب لوجب أن تسقط سيئاته بالتوبة وتقبل منه تلك الحسنات، وهو حين أتى بها كان فاسقًا].\nأي: لو أتى الإنسان بأعمال البر كأن أتى بالحسنات من حج وصام وبر والديه لكنه مصر على التعامل بالربا ثم تاب فعلى معتقد الخوارج لا تقبل؛ لأنه مصر على المعاصي.\nوالصواب: أنه إذا تاب فإن الله يقبل توبته، وتسقط السيئات بالتوبة وتقبل منه تلك الحسنات، ولو كان حين أتى بها فاسقًا كأن كان مصرًا على كبيرة ثم تاب يقبل الله توبته وتقبل منه حسناته خلافًا للخوارج والمعتزلة.","vol":"16","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-288>الرد على المعتزلة والخوارج بقبول إسلام الكافر والذمي الذي عليه مظالم للناس</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وأيضًا: فالكافر إذا أسلم وعليه للناس مظالم من قتل وغصب وقذف، وكذلك الذمي إذا أسلم قبل إسلامه مع بقاء مظالم العباد عليه، فلو كان العمل لا يقبل إلا ممن لا كبيرة عليه لم يصح إسلام الذمي حتى يتوب من الفواحش والمظالم، بل يكون مع إسلامه مخلدًا، وقد كان الناس يسلمون على عهد رسول الله ﷺ ولهم ذنوب معروفة وعليهم تبعات فيقبل إسلامهم، ويبرئون إلى الله من التبعات، كما ثبت في الصحيح: (أن المغيرة بن شعبة ﵁ لما أسلم وكان قد رافق قومًا في الجاهلية فغدر بهم وأخذ أموالهم، وجاء فأسلم، فلما جاء عروة بن مسعود عام الحديبية والمغيرة قائم على رأس النبي ﷺ بالسيف، دفعه المغيرة بالسيف، فقال: من هذا؟ فقالوا: ابن أختك المغيرة، فقال: يا غدر! ألست أسعى في غدرتك، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: أما الإسلام فأقبله، وأما المال فلست منه في شيء).\nوقد قال تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٢].\nوقال لنوح ﵊: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ * قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء:١١١ - ١١٣].\nولا يعرف من المسلمين من جاءه ذمي يسلم فقال له: لا يصح إسلامك حتى لا يكون عليك ذنب، وكذلك سائر أعمال البر: من الصلاة والزكاة والصيام].\nمما يرد به على الخوارج والمعتزلة الذين يكفرون بالمعصية وبالكبيرة، أن يقال لهم: الكافر إذا أسلم وعليه للناس مظالم من قتل وغصب وقذف، وكذلك الذمي إذا أسلم هل يقبل إسلامه أو لا يقبل؟ يلزم على الخوارج أن يقولوا: لا يقبل حتى يتوب من المظالم، ويتوب من القتل، ويتوب من الغصب! وهذا باطل، فالذمي إذا أسلم صح إسلامه، والكافر إذا أسلم وعليه للناس مظالم أو إذا تاب المشرك من الشرك، وكان يشرب الخمر، ويعق والديه، ويقطع رحمه، ويتعامل بالربا، صح إسلامه، وبقي عليه التوبة من الخمر والربا وغيره، فالتوبة تكون عامة، والكافر إذا أسلم قد يحسن إسلامه، ويتوب من جميع الذنوب مع الشرك، وهناك كافر يسلم ولكن لا يحسن إسلامه، وهو أنه يتوب من الشرك فقط، فإذا تاب من الشرك صحت توبته من الشرك وبقيت عليه الذنوب فيحتاج إلى توبة منها.\nفعلى قول الخوارج الكافر إذا أسلم من الشرك ولم يتب من المعاصي والزنا والسرقة فتوبته هذه لا تقبل، وهذا باطل، والصواب أنها تصح وإن كانت عليه للناس مظالم، فلو كان العمل لا يقبل إلا ممن لا كبيرة عليه لم يصح إسلام الذمي حتى يتوب من الفواحش والمظالم، وهذا باطل.\nوهم يقولون: هو مع إسلامه يخلد في النار، وهذا من أبطل الباطل؛ لأن الناس كانوا يسلمون على عهد النبي ﷺ ولهم ذنوب معروفة، وعليهم تبعات، فيقبل إسلامهم، ولا يقول: لا يصح إسلامكم حتى تتوبوا من المعاصي.\nودليل ذلك ما ثبت في الصحيح: أن المغيرة بن شعبة لما أسلم وقد رافق قومًا في الجاهلية فغدر بهم وأخذ أموالهم قبل أن يسلم، وجاء فأسلم، فلما جاء عروة بن مسعود عام الحديبية يفاوض النبي ﷺ في الصلح، كان المغيرة بن شعبة قائمًا على رأس النبي يحرسه بالسيف، فلما مد يده إلى لحية النبي ﷺ دفعه بقائم السيف وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله، فقال: من هذا الذي ضرب بالسيف؟ قالوا: ابن أختك المغيرة، فقال: يا غدر ألست أسعى في غدرتك؟ أي: الذي فعلت في الجاهلية من غدر بأصحابك، فقال النبي ﷺ: (أما الإسلام فأقبله، وأما المال فلست منه بشيء).\nواستدل المؤلف بقوله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٢]، وقال لنوح: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ * قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء:١١١ - ١١٣] أي: أن الإنسان يقبل بما هو عليه ويعامل بالظاهر، أما ما بينه وبين الله من المعاصي فالله هو الذي يحاسبه.\nيقول المؤلف: ولا نعرف أحدًا من المسلمين جاءه ذمي يسلم، فقال له: لا يصح إسلامك حتى لا يكون عليك ذنب، ما قال هذا إلا الخوارج، كذلك سائر أعمال البر: من الصلاة والزكاة والصوم، لم يقل: لا تصح صلاتك ولا صومك ولا زكاتك حتى تتوب حتى لا يكون عليك ذنب، هذا من أبطل الباطل، وبهذا يبطل مذهب الخوارج والمعتزلة ومذهب المرجئة، ويبقى مذهب أهل السنة والجماعة الذي فيه العمل بالنصوص من الجانبين.","vol":"16","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>الأسئلة</span>","vol":"16","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>حكم النية للعمل الصالح مع عدم التمكن من فعله</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  لي أربعة أصدقاء حصل لهم حادث شنيع وهم يريدون حضور هذه الدورة، ولم يتمكنوا إلى هذا اليوم من حضورها، فهل لهم نية حضور هذا المجلس الصالح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يرجى لهم إن شاء الله؛ لأن المسلم إذا نوى أن يفعل الخير ثم منعه مانع فإن الله يكتب له ما نواه، فإذا مرض العبد وكان يصلي مع الجماعة ولم يستطع، أو كان يصوم ولم يستطع بسبب المرض، أو يصلي في الليل ولكن منعه المرض؛ فإن الله يكتب له ما كان يعمله في حالة الصحة، وكذلك إذا سافر ولم يتمكن من أجل السفر أن يصوم عادته الإثنين والخميس أو يصلي في الليل، فإن الله يكتب له أجر ما كان يعمله.\nثبت في الحديث الصحيح عن أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: (إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمله صحيحًا مقيمًا)، وكذلك الإنسان إذا نوى وفعل الأسباب كأن نوى الحضور إلى حلقة درس علمي ثم منعه مانع فإن الله يكتب له ما نوى، فضلًا منه وإحسانًا.","vol":"16","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>حكم التوسل بجاه النبي ﷺ</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل صحيح ما نسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من إجازته التوسل بجاه النبي ﷺ بعد وفاته؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس بصحيح هذا، وشيخ الإسلام من أبعد الناس عن هذا، ومن أشد الناس نهيًا عن هذا، ولا يجوز التوسل بجاه النبي ﷺ، إنما يكون التوسل بأسماء الله وصفاته، وبالعمل الصالح، وبالتوحيد والإيمان، وبدعاء الحي الحاضر، أما التوسل بجاه النبي ﷺ أو جاه غيره، أو بجاه فلان أو حرمة فلان فإن هذا من البدع.","vol":"16","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-292>الجواب عن استشكال تكفير الكبائر بالنوافل مع كونه لا يحصل بالفرائض</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أرجو التكرم بتوضيح قول الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود:١١٤]، حيث ذكرتم أن النوافل تكفر الكبائر بعكس الفرائض فإنها تكفر الصغائر، مصداقًا لقوله ﷺ: (الجمعة إلى الجمعة) الحديث، وهذا أحدث عندي إشكالًا: إذ كيف يحصل العبد تكفير الكبائر بالنوافل، وهذا ما لا يحصل له بالفرائض؟ الشيخ: هذا جاء في جواب شيخ الإسلام عن الوعيدية، وذلك إن هذا جاء في الفرائض؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١]، يعني: الصغائر، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)، فإذا فعل الإنسان الفرائض وترك الكبائر كفر الله ﷾ الصغائر فضلًا منه وإحسانًا.\nوفي الحديث: (فتنة الرجل في أهله وماله تكفرها الصلاة والصيام والصدقة)، لكن هذه غير الفرائض، فمثلًا الحسنات الماحية قد يكفر الله بها الكبيرة، مثل قصة المرأة البغي الزانية التي غفر الله لها بسقيها الكلب، لما حصل لها عندما سقت الكلب شيء من الإيمان والإخلاص والصدق، فهذه كفر الله لها فعلها بهذه الحسنة العظيمة.\nكذلك حديث البطاقة التي فيها: (لا إله إلا الله)، ورجحت بتسعة وتسعين سجلًا من السيئات؛ لأنه قالها مع الإخلاص والصدق، فلا إشكال في هذا، فإذا أتى الإنسان بالفرائض وترك الكبائر كفر الله الصغائر، وتكون هناك حسنات أخرى عظيمة قد يغفر الله بها الكبائر مع الفرائض، فالفرائض وترك الكبائر يكفر الله بها الصغائر، والحسنات الأخرى التي ورد بها النصوص يكفر الله بها بعض الكبائر.","vol":"16","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-293>رأي الخوارج والمعتزلة في التوبة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الخوارج والمعتزلة يرون التوبة، أو أنه لا توبة للرجل إذا أذنب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يرون التوبة، فعندهم من تاب صحت توبته، لكن يرون أن من لم يتب فهذا حكمه، أما من تاب فهو محل اتفاق بين الجميع، أي: من تاب تاب الله عليه، لكن الخوارج يرون أنه لابد أن تكون التوبة من جميع الكبائر، وليس من بعض الكبائر دون بعض، فإذا تاب من جميع الكبائر فإن هذه التوبة يمحو الله بها جميع الذنوب، لكن إذا تاب من بعض الذنوب ولم يتب من البعض الآخر فلا تصح، فإذا كان إنسان يتعامل بالربا ويأكل الرشوة، ثم تاب من التعامل بالربا ولم يتب من أكل الرشوة صحت عند أهل السنة والجماعة توبته من أكل الربا وبقي عليه كبيرة أكل الرشوة، أما الخوارج فيقولون: لا يزال كافرًا، حتى يترك التعامل بالربا، ويترك التعامل بالرشوة، فلابد أن يترك جميع الكبائر.","vol":"16","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-294>حكم إهداء ثواب قراءة القرآن للميت</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم إهداء ثواب القرآن الكريم للميت؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، فمن العلماء من أجاز إهداء ثواب قراءة القرآن، ومنهم من منعه؛ لأن النصوص إنما وردت في إهداء ثواب أربعة أشياء: الدعاء، والصدقة، والحج، والعمرة، ويدخل في ذلك الأضحية؛ لأنها صدقة من الصدقات، وهذه وردت فيها النصوص.\nوقد ذهب الشافعية والمالكية إلى الاقتصار على هذه الأربع، وذهب الأحناف والحنابلة إلى القياس، فقاسوا عليها الصيام، فإذا صام ونوى ثوابه للميت وصله، وإذا صلى ركعتين للميت وصله الثواب، وإذا قرأ القرآن وأهداه له وصله، وإذا سبح ونوى ثوابه وصله.\nوالمالكية والشافعية قالوا: لا نقيس؛ لأن العبادات ليس فيها قياس، فأصل العبادة التوقيف.\nوغيرهم قاسوا على الأربعة غيرها، كما قاسوا أيضًا على براءة الذمة من الدين إذا قضي عنه، وقاسوا على إسلام الصغير تبعًا لأبوية، وهناك قياسات أخرى.\nوالأرجح أنه يقتصر على هذه الأربع: الدعاء، والصدقة، والحج، والعمرة، والأضحية وهي داخلة تحت الصدقة، وأما أن يصلي ركعتين وينوي ثوابها للميت فهذا لم يرد، ولكن صل لنفسك وادع للميت.\nوأن تصوم يومًا وتنوي ثوابه للميت ما ورد، ولم يرد إلا الصوم الواجب فيما ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه)، فإذا مات الإنسان وعليه صوم من رمضان أو صوم نذر أو كفارة يصام عنه، أما أن يصوم تطوعًا ويهدي ثوابه فلم يرد.","vol":"16","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-295>الترتيب الصحيح لأحداث الآخرة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الترتيب الصحيح لأمور الآخرة: الحوض والصراط والميزان؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  فيه خلاف بين أهل العلم: من العلماء من قال: إن الحوض يكون الورود عليه قبل الميزان.\nومنهم من قال: توزن الأعمال قبل ذلك.\nفهذان قولان لأهل العلم.\nوالصواب: أن الحوض قبل الميزان؛ لأن الناس يخرجون من قبورهم عطشى فيحتاجون إلى الشرب، ولأنه لو كان الميزان قبل الحوض لكان من خفت موازينه علم أنه يطرد عن الحوض؛ وقد ثبت أن أناسًا يطردون عن الحوض، فدل على أنهم يردون قبل ذلك، كما جاء في الصحيح: (ليردن علي أناس من أمتي أعرفهم ويعرفوني فيطردون، يذادون عن الحوض كما تذاد الإبل العطاش، فأقول: أصحابي أصحابي -وفي لفظ: أصيحابي أصيحابي-، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم).\nفالأرجح أولًا: الوقوف بين يدي الله ﷿، ثم الحشر، ثم تتطاير الصحف، والحوض، ثم الميزان، ثم الصراط، ثم الجنة أو النار.","vol":"16","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-296>كيفية إثبات الصفات</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الالتفات صفة من صفات الله جل وعلا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الأسماء والصفات توقيفية، ولا يثبت لنا الصفة إلا بدليل، ولكن الصفات أحيانًا تأتي على لفظ الفعل فتبقى على لفظ الفعل: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠] ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢]، فأين الدليل على أن الالتفاف من صفات الله؟","vol":"16","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>بيان ما يعمله من موطنه وبلاده يكثر فيها الفتن</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أنا من أهل البلاد التي يكثر فيها الفتن، فما الكتب التي تنصحني بها، والتي تعنى بزيادة الإيمان لدى المسلم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أوصيك بالعناية بكتاب الله ﷿، وأن تقرأ كتاب الله وتتدبره وتتأمل فيه، فكتاب الله فيه الهدى والنور، اقرأ بتدبر وتمعن واستعن على فهم كتاب الله بالتفاسير المعتبرة عند أهل السنة والجماعة مثل تفسير: الحافظ ابن كثير، وتفسير ابن جرير، وتفسير البغوي، وتفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي وغيرها، وعليك بعد ذلك بقراءة الصحيحين: البخاري ومسلم والعناية بهما، واقرأ كتاب الفتن، وكذلك السنن الأربع وغيرها، تدبر أحاديث أمهات الكتب وفيها كتب الفتن، اقرأ أحاديث كتاب الفتن: في البخاري، ومسلم، وأبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجة، وتأملها وتدبرها، واقرأ كلام الشراح واسأل عما أشكل عليك.\nوابتعد عن أسباب الفتن، نسأل الله أن يسلمنا ويعيذنا وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.","vol":"16","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-298>الجمع بين حديث (ذهاب حسنات قوم كجبال تهامة) وبين (الحسنات لا يحبطها إلا الموت على الكفر)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف نجمع بين قول النبي ﷺ في الحديث: (أن أقوامًا يأتون يوم القيامة بأعمال كجبال تهامة بيضًا فيجعلها الله هباء منثورًا)، وأخبر أنهم: (الذين إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها)، وبين ما قرره شيخ الإسلام ﵀: أن الحسنات لا يحبطها إلا الموت على الكفر أو الشرك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يوجد شيء يحبط جميع الأعمال غير الموت على الكفر والشرك، فهذا الذي يحبط جميع الأعمال، أما العمل نفسه فإنه لا يصح إلا بشرطين: أن يكون خالصًا لله، وأن يكون موافقًا للشرع، وقد يحبط العمل ويكون باطلًا؛ لأنه لم يكن خالصًا لله، أو يكون خالصًا لله لكنه غير موافق للشرع، فإذا كان خالصًا ويوافق الشرع فهو صحيح، ثم بعد ذلك قد يأخذ ثواب هذا العمل الغرماء، مثل ما جاء في الحديث: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال ﵊: المفلس من أمتي من يأتي بصيام وصلاة وصدقة -وفي لفظ: وأعمال كالجبال- ويأتي وقد شتم هذا، وضرب هذا، وسفك دم هذا، وأخذ مال هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار)، فقد تكون أعماله لغيره.\nأما هذا الحديث فلا أعرفه ويحتاج إلى مراجعة.","vol":"16","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-299>حكم الصلاة في مسجد بني بمال حرام</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  مسجد بني بمال حرام، فما حكم الصلاة فيه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الصلاة صحيحة، والمال الحرام الإثم على صاحبه، والإنسان إذا كان عنده أموال يريد أن يتخلص منها فإنه يصرفها في المصارف العامة، كأن يبني بها مسجدًا وتبرأ ذمته، والمسجد لا غبار عليه ولا على من يصلي فيه.","vol":"16","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>التوكل حكمه وأقسامه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم قول: توكلت على الله ثم توكلت عليك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يجوز التوكل إلا على الله، والتوكل على غير الله إما شرك أكبر وإما شرك أصغر، فإن توكل على غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهذا شرك أكبر، وإن توكل على غير الله في الأمور التي يقدر عليها الناس كمن يتوكل على أمير أو سلطان فيما أقدره الله عليه من رزق أو شفاعة أو دفع أذى كان شركًا أصغر، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣].\nفالتوكل لا يكون إلا على الله، لكن لك أن توكل غيرك، والمعنى: أن تنيب غيرك ليقوم مقامك في فعل شيء، أما التوكل فلا تتوكل إلا على الله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]، وهنا حصر أي: توكلوا عليه لا على غيره.","vol":"16","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-301>حكم تخليص الأسير المسلم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل إذا أسر العدو مسلمًا وجب الجهاد لفك أسره؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا أسر المسلم فيجب على المسلمين أن يسعوا في تخليصه: إما بمفاداته بدفع مال، أو مفاداته بأسرى، أو نحو ذلك.","vol":"16","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-302>حكم الشركيات التي تقع عند قبر النبي ﷺ</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما يحصل من شركيات قرب قبر النبي ﷺ ورفع الصوت في ذلك، هل يدخل في النهي عن رفع الصوت عند النبي ﷺ؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يجوز رفع الصوت عند قبره حيًا ولا ميتًا، والشرك أعظم، فيجب النهي عن الشرك، وبعض الزوار والحجاج قد يتكلم بها، وهناك حول القبر النبوي من ينبه الناس، ولكن كثرة الزوار وكثرة الحجاج الذين اعتادوا في بلادهم الكلمات الشركية يجعلهم لا يبالون في أثناء الصلاة والسلام على النبي ﷺ بالتلفظ بالألفاظ الشركية.","vol":"16","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>حكم عمل المرتد إذا عاد إلى الإسلام</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا ارتد شخص بعد إسلامه ثم أسلم، فهل يرجع له عمله؟ وما القاعدة في ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا ارتد إنسان ثم من الله عليه بالإسلام ومات على الإسلام، أحرز عمله السابق، ولم يحبط؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧]، فاشترط لحبوط العمل الموت على الكفر، فإذا من الله عليه بالإسلام أحرز عمله.","vol":"16","page":20},{"text":"شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-304>[١٧]</span>\nجاءت الأدلة الشرعية تدل على أن الذنب قد تسقط عقوبته عن العاصي بواحد من عشرة أمور، منها دعاء المؤمنين له والتصدق عنه ونحو ذلك، وكذلك شفاعة النبي ﷺ، وكذلك ما يصيبه من مصائب في الدنيا والآخرة، وسقوط العقوبة بذلك يرد على الوعيدية الذي يحكمون بخلوده في النار.","vol":"17","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>من أسباب سقوط العقوبة عن العاصي دعاء المؤمنين له</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [السبب الرابع الدافع للعقاب: دعاء المؤمنين للمؤمن مثل صلاتهم على جنازته.\nفعن عائشة وأنس بن مالك ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون إلا شفعوا فيه).\nوعن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه) رواهما مسلم.\nوهذا دعاء له بعد الموت، فلا يجوز أن تحمل المغفرة على المؤمن التقي الذي اجتنب الكبائر وكفرت عنه الصغائر وحده، فإن ذلك مغفور له عند المنازعين، فعلم أن هذا الدعاء من أسباب المغفرة للميت].\nهذا هو السبب الرابع من الأسباب التي تسقط بها العقوبة عن المسلم ويسلم بها من شر الذنب، وقد سبق ثلاثة أسباب: السبب الأول: التوبة، السبب الثاني: الاستغفار، والسبب الثالث: الحسنة الماحية.\nوهذا هو السبب الرابع الدافع للعقاب، وهو دعاء المؤمنين للمؤمن واستغفارهم له، وهذا مما يدفع الله به العذاب عن المؤمن حيًا كان أو ميتًا، وبهذا يتبين أن من ارتكب الكبيرة فإنه لا يكون كافرًا كما يقول الخوارج، ولا يكون في منزلة بين المنزلتين كما يقول المعتزلة، وإنما يكون مؤمنًا معه أصل الإيمان وإن كان إيمانه ناقصًا.\nاستدل المؤلف ﵀ بحديثين في صحيح مسلم ﵀، الحديث الأول حديث عائشة وأنس: (ما من ميت يصلى عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون إلا شفعوا فيه).\nوالثاني حديث ابن عباس: (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه).\nوهذا من فضل الله تعالى وإحسانه، فالدعاء ينفع الله به الحي والميت جميعًا، فالحي الذي يصلي على الجنازة له قيراط من الأجر لو صلى عليها، والميت ينفعه الله بهذا الدعاء الذي يدعو به الأحياء، ويشفعهم الله فيه.\nوهذه المغفرة التي تقع للميت بدعاء المصلين عليه يقول المؤلف: لا يجوز أن تحمل على المؤمن التقي الذي اجتنب الكبائر وكفرت عنه الصغائر، فإن المؤمن التقي الذي اجتنب الكبائر وكفرت عنه الصغائر مغفور له حتى عند المنازعين من الخوارج والمعتزلة، إذا أدى الفرائض واجتنب الكبائر غفرت له الصغائر، يقول المؤلف: (فعلم أن هذا الدعاء من أسباب المغفرة للميت) حتى من عليه الكبيرة ينفعه الله بذلك.","vol":"17","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>سقوط عقوبة الذنب بأعمال البر التي تعمل عن الميت وانتفاعه بها</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [السبب الخامس: ما يعمل عنه من أعمال كالصدقة ونحوها، فإن هذا ينتفع به بنصوص السنة الصحيحة الصريحة واتفاق الأئمة ﵏، وكذلك العتق والحج، بل قد ثبت في الصحيحين أنه قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه)، وثبت مثل ذلك في الصحيح في صوم النذر من وجوه أخرى، ولا يجوز أن يعارض هذا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، لوجهين: أحدهما: أنه قد ثبت بالنصوص المتواترة وإجماع سلف الأمة أن المؤمن ينتفع بما ليس من سعيه، كدعاء الملائكة واستغفارهم له، كما في قول الله ﵎: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٧ - ٩].\nودعاء النبيين والمؤمنين واستغفارهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣]، وقوله سبحانه: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة:٩٩]، وقوله ﷿: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩]، وكدعاء المصلين للميت ولمن زاروا قبره من المؤمنين.\nالثاني: أن الآية ليست في ظاهرها إلا أنه ليس له إلا سعيه، وهذا حق فإنه لا يملك ولا يستحق إلا سعي نفسه، وأما سعي غيره فلا يملكه ولا يستحقه، لكن هذا لا يمنع أن ينفعه الله تعالى ويرحمه به، كما أنه دائمًا يرحم عباده بأسباب خارجة عن مقدورهم، وهو سبحانه بحكمته ورحمته يرحم العباد بأسباب تفعلها العباد ليثيب أولئك على تلك الأسباب، فيرحم الجميع كما في الحديث الصحيح عنه ﷺ أنه قال: (ما من رجل يدعو لأخيه بدعوة إلا وكل الله به ملكًا كلما دعا لأخيه قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل).\nوكما ثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال: (من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان أصغرهما مثل أحد)، فهو قد يرحم المصلي على الميت بدعائه له، ويرحم الميت أيضًا بدعاء هذا الحي له].","vol":"17","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-307>أقوال العلماء في وصول الثواب إلى الميت</span>\nهذا هو السبب الخامس من الأسباب التي يدفع الله بها العقوبة والعذاب عن الشخص، وهو ما يهدى للميت من ثواب أعمال البر، والذي يهدى للميت من ثواب أعمال البر بالاتفاق عند أهل السنة والجماعة أربعة أشياء: الدعاء، والصدقة، والحج، والعمرة، والأضحية داخلة في ذلك لأنها نوع من الصدقة، فهذه أربعة أشياء متفق عليها، وكذلك الصوم الواجب؛ فإذا كان عليه صوم واجب كصيام رمضان أو النذر أو الكفارة قضي عنه؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه)، فهذه من الأعمال التي ينتفع بها الميت بالاتفاق.\nأما إهداء ثواب الصلاة كأن يصلي ركعتين وينوي ثوابها للميت، أو يصوم أيامًا ويهدي ثوابها للميت، أو يقرأ القرآن ويهدي ثوابه للميت، أو يسبح ويهدي ثوابه للميت، أو يطوف بالبيت سبعة أشواط ويهدي ثوابها للميت، فهذا موضع خلاف بين أهل العلم: فمن العلماء من ذهب إلى أنها تنفع الميت، وذهب إلى هذا الحنابلة والأحناف قياسًا على الأربعة.\nومن العلماء من قال: نقف عند ما وردت به النصوص؛ لأن العبادات توقيفية، ولا قياس في العبادات، وإلى هذا ذهب المالكية والشافعية، وقالوا: نقتصر على الدعاء والصدقة والعمرة والحج والأضحية وصوم الواجب.\nوهذا هو الأرجح؛ أن نقتصر على هذه الأربع؛ لأن العبادات توقيفية، ولم يرد سوى هذه الأربعة، فلم يرد أن الميت يصلى عنه ركعتين، أو يصام عنه يوم ويهدى له ثوابه، أو يقرأ القرآن ويهدى ثوابه للميت، ولكن من أجازه من العلماء قاسوا على هذه الأربع، ومن منع قال: لا قياس في العبادات، فالعبادات توقيفية، ووصفوا العبادات بالمنع والحظر، وهذا هو الأصوب، فما أهدي للميت من ثواب أعمال البر ينفعه الله به، ويدفع عنه العقاب بذلك، وينتفع بالصدقة وكذلك العتق، فالعتق داخل تحت الصدقة.\nيقول المؤلف ﵀: (إن هذا ينتفع به بنصوص السنة الصحيحة الصريحة كالصدقة ونحو ذلك بل قد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه)، قوله: (وعليه) أي: الصوم الواجب، أما صوم النفل والتطوع فهو محل خلاف.\nوكذلك الخلاف أيضًا في صوم النذر، جاء في اللفظ الآخر: (من مات وعليه صوم نذر)، فبعض العلماء حمله على صوم النذر خاصة، أما الصوم الذي وجد بأصل الشرع كصوم رمضان فلا يقضى عنه، والصواب: أنه يقضى على الميت الواجب سواء كان صوم رمضان أو صوم نذر أو صوم كفارة، فهذا ينفع الله به الميت، ويكفر عنه، ويدفع الله به العقوبة عنه إذا أهدي له، وكذلك الدعاء أو صدقة أو عمرة أو حج.","vol":"17","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-308>الرد على من يمنع انتفاع الميت بعمل الحي</span>\nقول المؤلف ﵀: (ولا يجوز أن يعارض هذا بقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩])، فهذه احتج بها أهل البدع كالمعتزلة وغيرهم على أن الميت لا ينتفع إلا بسعي نفسه فقط، وقالوا: لا ينتفع الميت لا بالدعاء ولا بالصدقة ولا بالحج ولا بالعمرة، ولا ينتفع إلا بما تسبب فيه في الحياة كالعلم الذي ينتفع به، أو ولد صالح، كما جاء في الحديث، وكذلك الصدقة الجارية، واحتجوا بهذه الآية: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] وقالوا: إن المعنى: لا ينتفع الإنسان إلا بسعيه، وأما أهل السنة والجماعة فقالوا: إن الإنسان ينتفع بسعيه وبسعي غيره إذا وهبه له، وأجابوا عن هذه الآية بجوابين ذكرهما المؤلف ﵀ هما: الجواب الأول: أنه ثبت أن هذه الآية ليس فيها دليل على منع الإنسان من الانتفاع بسعي غيره، وقد ثبت بالنصوص المتواترة وإجماع سلف الأمة أن المؤمن ينتفع بما ليس من سعيه: كدعاء الملائكة، والاستغفار له، كما في الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧]، وينتفع بدعاء النبيين، ودعاء المؤمنين واستغفارهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣]، وقوله سبحانه: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة:٩٩] فتنفعهم صلوات الرسول، وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩]، وينفعه دعاء ولده أيضًا، وكذلك دعاء المصلين عليه، ودعاء زائر القبور.\nالجواب الثاني: أن قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] لم ينف الانتفاع وإنما نفى الملك، وفرق بين نفي الملك ونفي الانتفاع، والمعتزلة قالوا: الآية فيها حصر فقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، يدل على أنه لا ينتفع الإنسان إلا بسعيه.\nوفي الجواب الثاني نقول: الآية ليس فيها نفي الانتفاع وإنما فيها نفي الملك، فاللام للملك، والمعنى: لا يملك الإنسان إلا سعيه، وأما سعي غيره فهو لغيره، إن أبقاه لنفسه فهو لنفسه، وإن وهبه لغيره انتفع به، فأنت لا تملك إلا سعيك وأما سعي غيرك فهو ملك لذلك الغير، إن أبقاه لنفسه فهو له وإن وهبه لغيره انتفع به، ولهذا قال المؤلف: (لكن هذا لا يمنع أن ينفعه الله ويرحمه به، كما أنه دائمًا يرحم عباده بأسباب خارجة عن مقدورهم)، فهو سبحانه بحكمته ورحمته يرحم العباد بأسباب يفعلها العباد ليثيب أولئك على تلك الأسباب فيرحم الجميع، مثل: الإنسان إذا دعا لأخيه فله أجره حينما دعا لأخيه والميت ينتفع بهذا الدعاء، وإذا تصدق عن أخيه له أجر؛ لأنه أحسن لأخيه وصار الثواب للمتصدق عنه، كما في الحديث الصحيح أنه قال: (ما من رجل يدعو لأخيه بدعوة إلا وكل الله به ملكًا كلما دعا لأخيه قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل)، فإذا دعوت لأخيك فلك مثلها، والحديث صحيح رواه مسلم وغيره.\nفإذا دعوت لأخيك المسلم أجابك ملك وقال: آمين ولك بالمثل، أي: اللهم استجب ولك أيها الداعي مثل ذلك من الأجر، فتكون دعوت لأخيك واستفاد أخوك من دعائك وأنت تستفيد وتعطى مثل ذلك.\nوكما ثبت في الصحيح أنه ﷺ قال: (من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان أصغرهما مثل أحد)، فالذي يصلي على الجنازة له قيراط من الأجر فاستفاد هو، والميت استفاد بأن يشفعه الله فيه، فانتفع الحي والميت؛ ولهذا قال: (فهو قد يرحم المصلي على الميت بدعائه له ويرحم الميت أيضًا بدعاء هذا الحي له).","vol":"17","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>سقوط عقوبة الذنب بشفاعة النبي ﷺ</span>\nقال المصنف ﵀: [السبب السادس: شفاعة النبي ﷺ وغيره في أهل الذنوب يوم القيامة، كما قد تواترت عنه أحاديث الشفاعة مثل قوله ﷺ في الحديث الصحيح: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي).\nوقوله ﷺ: (خيرت بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة؛ لأنها أعم وأكثر، أترونها للمتقين؟ لا ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطائين)].\nهذا هو السبب السادس من الأسباب التي تسقط بها العقوبة عن المسلم، وهو: شفاعة النبي ﷺ وغيره في أهل الذنوب يوم القيامة.\nوأحاديث الشفاعة بلغت حد التواتر فتفيد العلم بيقين، ومع كونها متواترة أنكرها الخوارج والمعتزلة وقالوا: لا شفاعة للعاصي ولو كان موحدًا، فأنكروها مع أنها متواترة، والمتواتر لا يجوز إنكاره، ومن أنكر المتواتر قد يحكم بكفره في بعض الأحيان، لكن هؤلاء متأولون؛ ولهذا أنكر عليهم أهل السنة وبدعوهم وصاحوا بهم وضللوهم: كيف تنكرون النصوص وهي متواترة؟! وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه يشفع أربع شفاعات، في كل مرة يحد الله له حدًا، والأنبياء يشفعون، والملائكة يشفعون، والأفراط يشفعون، والشهداء يشفعون، فكيف تنكرونها وهي أحاديث صحيحة؟! فمنها: قول الرسول ﷺ: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) أي: لأهل الكبائر الموحدين.\nومنها: حديث أبي هريرة: (من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه) والحديث في الصحيح، فمن قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه استحق الشفاعة ولو مات عاصيًا.\nوكذلك الحديث الذي ذكره المؤلف: (خيرت بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة؛ لأنها أعم وأكثر أترونها للمتقين؟ لا ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطائين) أي: من الموحدين، فالمؤمن الموحد الذي مات على التوحيد استحق الشفاعة ما دام قد مات على التوحيد.\nأما المشرك فلا نصيب له في الشفاعة؛ لأنه مات على الشرك الأكبر أو الكفر الأكبر أو النفاق الأكبر، وهذا لا خلاف فيه، كما قال الله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، وقال تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤] وقال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨]، وهذه كلها في الكفار.","vol":"17","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>سقوط عقوبة الذنب بالمصائب، وأهوال القبر والقيامة</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [السبب السابع: المصائب التي يكفر الله بها الخطايا في الدنيا، كما في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: (ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب، ولا هم ولا حزن، ولا غم ولا أذي، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه)].\nالسبب السابع من الأسباب التي يدفع بها العقوبة عن العاصي: المصائب التي يكفر الله بها من خطاياه، كالأمراض والهموم والغموم والأحزان وفقد الأحبة والمصائب في النفس أو في المال أو في الولد، فكل هذه يكفر الله بها الخطايا، كما في الصحيحين: (ما يصيب المؤمن من وصب -مرض-، ولا نصب -تعب-، ولا هم ولا حزن ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه)، وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [السبب الثامن: ما يحصل في القبر من الفتنة والضغطة والروعة، فإن هذا مما تكفر به الخطايا].\nالسبب الثامن: مما يدفع الله به العقوبة عن العاصي هو: الفتنة، والمقصود سؤال منكر ونكير حين يسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وكل هذا امتحان يحصل له به تعب، فإذا حصل له التعب كفر الله من خطاياه، مثل الإنسان الذي يمتحن في الدنيا ويحصل له تعب من الامتحان، فكذلك هنا هذا التعب يكفر الله به من الخطايا.\nومن ذلك ضغطة القبر كما في الحديث: (ما من ميت يموت إلا ضمه القبر ضمة)، وفي الحديث أنه: (لو نجا منها أحد لنجا سعد بن معاذ) وهو الذي اهتز له عرش الرحمن، أصابته ضغطة القبر والروعة، وهذا مما تكفر به الخطايا.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [السبب التاسع: أهوال يوم القيامة وكربها وشدائدها].\nهذا هو السبب التاسع، وهو أهوال يوم القيامة وكربها وشدائدها، فهي مما يكفر الله به الخطايا، فقد يكون الإنسان مذنبًا ثم تصيبه أهوال وشدائد وكرب في موقف القيامة من دنو الشمس فوق رأسه، وكونه يلجمه العرق، وغير ذلك من الأهوال والشدائد، فهذه يكفر الله بها الخطايا.\nفقد يحصل لبعض الناس الشدائد والكرب وأهوال وبعضهم لا يحصل له، فالذي يحصل له كرب وشدائد يكفر الله به الخطايا.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [السبب العاشر: رحمة الله وعفوه ومغفرته بلا سبب من العباد].\nهذا هو السبب العاشر: رحمة الله وعفوه ومغفرته بلا سبب؛ لأن المؤمن العاصي تحت مشيئة الله إن شاء الله غفر له ورحمه بتوحيده وإيمانه وإسلامه من دون سبب وأدخله الجنة من أول وهلة، وإن شاء سبحانه عذبه بقدر جرائمه ثم يخرجه من النار، وليس كل العصاة يدخلون النار، فبعضهم يدخل وبعضهم لا يدخل، وبعضهم يغفر له وبعضهم لا يغفر له، فهم تحت مشيئة الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]، فإذا عفا الله عن العبد وغفر له سقطت عنه العقوبة، وإن كان مستحقًا لها، هذا هو السبب العاشر: (رحمة الله وعفوه ومغفرته بلا سبب من العباد).\nقال المصنف ﵀: [فإذا ثبت أن الذم والعقاب قد يدفع عن أهل الذنوب بهذه الأسباب العشرة، كان دعواهم أن عقوبات أهل الكبائر لا تندفع إلا بالتوبة مخالف لذلك].\nيعني: هذه الأسباب العشرة يدفع الله بها عن العصاة الموحدين العقوبة، وعلى هذا ترتفع العقوبات عن أهل الكبائر بواحد من هذه الأسباب العشرة، فقول المعتزلة والخوارج: إن صاحب الكبيرة إذا لم يتب لابد أن يخلد في النار، باطل؛ لأن العقوبة تدفع عن مرتكب الكبيرة بواحد من هذه الأسباب العشرة.\nفعند الخوارج صاحب الكبيرة -إذا زنى أو سرق- يخلد في النار إلا إذا تاب، والمرابي مخلد في النار إلا إذا تاب، والعاق لوالديه مخلد في النار إلا إذا تاب.\nونحن نقول: هذا ليس بصحيح، فقد تدفع عنه العقوبة ولو لم يتب بواحد من الأسباب العشرة المذكورة.","vol":"17","page":7},{"text":"شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية <span data-type=\"title\" id=toc-311>[١٨]</span>\nأهل البدع فرق كثيرة وطوائف متعددة، وأقوالهم في الإيمان وأصول الدين كثيرة وبعضها أضعف من بعض، بل بعضها كفر صريح ينطوي على تكذيب الرسل وإنكار المعاد والعقاب، وإسقاط التكليف، وقد بين شيخ الإسلام ضعفها والرد عليها.","vol":"18","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>ذكر عقائد المبتدعة في صاحب الكبيرة وأصول الدين</span>","vol":"18","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>عقيدة الخوارج والمعتزلة في صاحب الكبيرة ونتيجة الخلاف بينهما</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل.\nفهذان القولان: قول الخوارج الذين يكفرون بمطلق الذنوب ويخلدون في النار، وقول من يخلدهم في النار ويجزم بأن الله لا يغفر لهم إلا بالتوبة، ويقول: ليس معهم من الإيمان شيء، لم يذهب إليهما أحد من أئمة الدين أهل الفقه والحديث، بل هما من الأقوال المشهورة عن أهل البدع].\nهذان القولان: القول الأول: قول الخوارج، والقول الثاني: قول المعتزلة، لم يذهب إليهما أحد من أئمة الدين، بل هما قولان مبتدعان: القول الأول: قول الخوارج الذين يكفرون بمطلق الذنوب ويخلدون في النار، فهذا قول باطل ما قاله أحد من أهل السنة والجماعة، إنما هو لأهل البدع، يقولون: يكفر المسلم بمطلق الذنب، بعضهم يقول: بأي ذنب، وبعضهم يقول: بالذنب الكبير فقط، ويخلد في النار، فالشخص إذا فعل الكبيرة كفر وخلد في النار عندهم، وهذا قول باطل أنكره أهل السنة والجماعة، وضللوا الخوارج بهذا وبدعوهم.\nالقول الثاني: قول المعتزلة، وأشار إليه المؤلف بقوله: (وقول من يخلدهم في النار، ويجزم بأن الله لا يغفر لهم إلا بالتوبة، ويقول: ليس معهم من الإيمان شيء)، فهذا هو قول المعتزلة، وهم يوافقون الخوارج بالتخليد في النار، ويجزمون بأن الله لا يغفر لهم إلا بالتوبة، ويقولون: إنه ينتهي إيمان المؤمن بالكبيرة، لكن لا يصل إلى حد الكفر، فالخلاف بين الخوارج والمعتزلة في الحكم على صاحب الكبيرة في الدنيا، أما في الآخرة فقد اتفقوا على أن صاحب الكبيرة يخلد في النار.\nإذًا: اختلفوا في الدنيا، فقالت الخوارج: صاحب الكبيرة يخرج من الإيمان ويدخل في الكفر، وقالت المعتزلة: يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر، بل يبقى في منزلة بين المنزلتين -بين الإيمان والكفر- وإنما يسمى فاسقًا ليس بمؤمن ولا كافر.\nفإن قيل: هل لهذا الخلاف بين الطائفتين ثمرة؟ ف\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  في الآخرة لا توجد ثمرة، أما في الدنيا فله ثمرة، فالخوارج يقولون: خرج من الإيمان ودخل في الكفر، فيستحلون دمه وماله، ويعاملونه معاملة الكفار، أما المعتزلة فيقولون: خرج من الإيمان لكن ليس بكافر، فلا يقتلونه ولا يستحلون دمه وماله؛ لأنه خرج من الإيمان، لكن ما دخل في الكفر الذي يوجب قتله وأخذ ماله.\nفهذان القولان يقول عنهما المؤلف: (لم يذهب إليهما أحد من أئمة الدين أهل الفقه والحديث، بل هما من الأقوال المشهورة عن أهل البدع).","vol":"18","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-314>عقيدة غلاة المرجئة والملاحدة في صاحب الكبيرة وفي الوعد والوعيد</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك قول من وقف في أهل الكبائر من غلاة المرجئة، وقال: لا أعلم أن أحدًا منهم يدخل النار، هو أيضًا من الأقوال المبتدعة، بل السلف والأئمة ﵏ متفقون على ما تواترت به النصوص، من أنه لابد أن يدخل النار قوم من أهل القبلة، ثم يخرجون منها، وأما من جزم بأنه لا يدخل النار أحد من أهل القبلة فهذا لا أعرفه قولًا لأحد.\nوبعده قول من يقول: ما ثم عذاب أصلًا، وإنما هو تخويف بما لا حقيقة له، وهذا من أقوال الملاحدة الكفار].\nيعني: هناك قولان أيضًا للمرجئة: القول الأول: قول غلاة المرجئة، وهو التوقف في العصاة، والتوقف معناه أنهم يقولون: لا ندري هل يدخلون النار أو لا يدخلون النار.\nفهم يتوقفون في أهل الكبائر، إذا سألت أحدهم: أصحاب الكبائر يدخلون النار؟ يقول: أنا متوقف، لا أقول: يدخلون النار ولا أقول: لا يدخلون النار، ولهذا قال المؤلف: (كذلك قول من وقف في أهل الكبائر من غلاة المرجئة وقال: لا أعلم أن أحدًا منهم يدخل النار، وهو أيضًا من الأقوال المبتدعة) يعني: قولهم هذا بدعي، والتوقف لا وجه له، والصواب أن أهل الكبائر قسم منهم وجملة منهم يدخلون النار، وقسم يعفى عنهم، ليس كلهم يدخلون وليس كلهم يعفى عنهم، بل لابد أن يدخل النار جملة من أهل الكبائر؛ لأنه قد تواترت الأخبار والأحاديث عن النبي ﷺ أنه لابد أن يدخل النار جملة من أهل الكبائر وهم مؤمنون مصلون، ولا تأكل النار وجوههم، فهذا يدخل النار لأنه زنى ولم يتب، وهذا يدخل النار لأنه عاق لوالديه، وهذا يدخل النار لأنه تعامل بالربا، وهذا يدخل النار لأنه اغتاب الناس أو نم عليهم أو أكل أموال الناس بالباطل، ومنهم من يعفى عنه، ولكن جملة منهم لابد أن يدخلوا النار.\nإذًا: نقول: لا وجه لهذا القول، لابد أن تجزم بأنه يدخل النار جملة من أهل الكبائر، وهناك من يعفى عنهم، ولهذا قال المؤلف: (بل السلف والأئمة متفقون على ما تواترت به النصوص من أنه لا بد أن يدخل النار قوم من أهل القبلة)، يعني: من المؤمنين الذين يتجهون إلى القبلة بالصلاة والذكر والذبح وغيره، ثم يخرجون من النار.\nوهناك قول آخر في المسألة: وهو الجزم بأنه لا يدخل النار أحد من أهل القبلة، قال المؤلف: (وهذا القول لا نعرفه قولًا لأحد)، وهو ضد قول الخوارج والمعتزلة، فالخوارج والمعتزلة يجزمون بأن العصاة مخلدون في النار، أما هؤلاء فيجزمون بأنه لا يدخل النار أحد من أهل القبلة.\nإذًا: بعض غلاة المرجئة يتوقفون في صاحب الكبيرة، وهناك بعض غلاة المرجئة كالجهمية يجزمون بأنه لا يدخل النار أحد من أهل القبلة، مادام أنه مؤمن يعرف ربه بقلبه، يقولون: لا تضره جميع الكبائر ولا يدخل النار، ويدخل الجنة من أول وهلة.\nوبعده هناك قول آخر: وهو قول من يقول: ما ثمَّ عذاب أصلًا، وإنما هو تخويف بما لا حقيقة له.\nيعني: أنه ليس هناك عذاب ولا نار، فإذا قيل له: النصوص دلت على أنه يوجد عذاب، قال: هذا مجرد تخويف، وهذا هو قول الملاحدة الذين لا يؤمنون بالجنة ولا يؤمنون بالنار.\nوالملاحدة أشد من الكفار، فكفرهم أعظم من كفر اليهود والنصارى، فهؤلاء الملاحدة من القرامطة وغيرهم يقولون: ليس هناك عذاب ولا جنة ولا نار، فإذا قيل لهم: كيف؟ قالوا: هذه أمثال مضروبة من النبي وهي من السياسة، فهو قالها حتى يسوس الناس حتى يتعايشوا بسلام، وحتى لا يبغي بعضهم على بعضهم إذا علموا أن هناك جنة وهناك نارًا، وسيذكر المؤلف لهم شبهة، ويبين خطأهم وباطلهم.","vol":"18","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-315>شبهة الملاحدة من القرامطة والإسماعيلية والنصيرية وغيرهم في دين الرسل والرد عليهم</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وربما احتج بعضهم بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ [الزمر:١٦].\nفيقال لهذا: التخويف إنما يكون تخويفًا إذا كان هناك مُخوف يمكن وقوعه بالمخوَّف، فإن لم يكن هناك ما يمكن وقوعه امتنع التخويف، لكن يكون حاصله إيهام الخائفين بما لا حقيقة له كما يوهم الصبي الصغير، ومعلوم أن مثل هذا لا يحصل به تخويف للعقلاء المميزين؛ لأنهم إذا علموا أنه ليس هناك شيء مَخوْف زال الخوف.\nوهذا شبيهٌ بما تقول الملاحدة المتفلسفة والقرامطة ونحوهم: من أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم خاطبوا الناس بإظهار أمور من الوعد والوعيد لا حقيقة لها في الباطن، وإنما هي أمثال مضروبة لتفهم حال النفس بعد المفارقة، وما أظهروه لهم من الوعد والوعيد وإن كان لا حقيقة له فإنما يعلق لمصلحتهم في الدنيا، إذ كان لا يمكن تقويمهم إلا بهذه الطريق].\nيعني: هؤلاء الملاحدة الذين ينكرون العذاب ويقولون: ليس هناك عذاب ولا نار، بعضهم يحتج بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ [الزمر:١٦]، قالوا: النصوص التي فيها العذاب هي للتخويف فقط، وإلا ليس هناك نار ولا عذاب، فالمؤلف ﵀ أجاب عليهم وقال: إن قوله: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ [الزمر:١٦] يعني: الله يخوف عباده بشيء له حقيقة؛ لأنه لا يسمى تخويفًا إلا إذا كان له حقيقة، ولهذا يقول: (فيقال لهذا: التخويف إنما يكون تخويفًا إذا كان هناك مخوف) وهو النار يخوف بها (يمكن وقوعه بالمخوف، فإذا لم يكن هناك ما يمكن وقوعه امتنع التخويف)؛ لأنه إذا لم يكن هناك نار فليس هناك تخويف، وإنما هو إيهام الخائفين بما لا حقيقة له كما يوهم الصبي الصغير، ويقال له: إذا فعلت كذا حصل لك كذا وكذا، وهو إيهام، ومعلوم أن مثل هذا لا يحصل به تخويف للعقلاء المميزين، إنما يحصل التخويف للصبيان الصغار الأطفال، أما العقلاء المميزون فلا يخوفون بالأشياء التي لا حقيقة لها؛ لأنهم إذا علموا أنه ليس هناك شيء مخوف زال الخوف.\nيقول المؤلف: (وهذا شبيه بما تقول الملاحدة المتفلسفة والقرامطة) الملاحدة أقسام: ملاحدة المتفلسفة، وملاحدة القرامطة، وملاحدة الصوفية، وهؤلاء الذين يقولون: إن العذاب تخويف لا حقيقة له يشبه قول الملاحدة المتفلسفة والقرامطة الذين يقولون: الرسل يسوسون الناس، ويقولون: النبي رجل عبقري عنده ذكاء وعنده كذا ويسوس الناس، ويخبرهم أن هناك جنة ونارًا وملائكة، وهذا لا حقيقة له، وإنما هي أمثال مضروبة تناسب العوام، وإلا فليس هناك جنة ولا نار، وليس هناك أمر ولا نهي ولا حلال ولا حرام عند هؤلاء الملاحدة والعياذ بالله.\nويقول بعضهم: إن هذه من سياسة النبي، وهو رجل عبقري، يسوس الناس ويخوفهم بأن هناك عذابًا ونارًا وجنة؛ حتى يتعايش الناس بسلام، وحتى لا يعتدي أحد على أحد، ولهذا قال بعض الملاحدة: إن النبي فيلسوف العامة، وأما الفيلسوف فهو نبي الخاصة، ولهذا قال بعضهم: أنا لا أريد النبوة، أي فهو يريد شيئًا أعلى من النبوة وهي الفلسفة، ويقول: الفلسفة نبوة الخاصة، وأما النبي فهو يسوس العامة، وفرق بين سياسة الخاص وسياسة العام، فالفلاسفة جعلوا أنفسهم أعلى من الأنبياء نعوذ بالله، وكفر هؤلاء فوق كفر الذين قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٢٤].\nفهؤلاء الملاحدة يقولون: الرسل خاطبوا الناس بإظهار أمور من الوعد والوعيد لا حقيقة لها في الباطن، وإنما هي أمثال مضروبة لتفهم حال النفس بعد المفارقة، وما أظهروه لهم من الوعد والوعيد وإن كان لا حقيقة له، لكن من أجل مصلحتهم في الدنيا؛ لأنه لا يمكن تقويمهم ولا إصلاحهم إلا بالكذب، ويقولون: الأنبياء كذبوا على الناس لمصلحتهم، ويقولون: هناك فرق بين من يكذب لك ومن يكذب عليك، فالأنبياء كذبوا للناس لا على الناس، كذبوا لمصلحة الناس، ولم يكذبوا عليهم؛ لأنه لو لم يكذبوا لهم لصار بينهم نزاع وقتل واختلت أمورهم، وقد يبغي بعضهم على بعض، فإذا كذبوا لهم قالوا: هناك جنة وهناك نار وهناك قصاص صلحت أحوالهم واستقاموا، هكذا يقولون! نسأل الله السلامة والعافية.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا القول مع أنه معلوم الفساد بالضرورة من دين الرسل؛ فلو كان الأمر كذلك لكان خواص الرسل الأذكياء يعلمون ذلك، وإذا علمو زالت محافظتهم على الأمر والنهي، كما يصيب خواص ملاحدة المتفلسفة والقرامطة من الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم، فإن البارع منهم في العلم والمعرفة يزول عنه عندهم الأمر والنهي، وتباح له المحظورات، وتسقط عنه الواجبات، فتظهر أضغانهم، وتنكشف أسرارهم، ويعرف عموم الناس حقيقة دينهم الباطن؛ حتى سموهم باطنية؛ لإبطانهم خلاف ما يظهرون، فلو كان والعياذ بالله دين الرسل كذلك لكان خواصه قد عرفوه، وأظهروا باطنه، وكان عند أهل المعرفة والتحقيق من جنس دين الباطنية.\nومن المعلوم بالاضطرار أن الصحابة رضوان الله عليهم الذين كانوا أعلم الناس بباطن الرسول ﷺ وظاهره، وأخبر الناس بمقاصده ومراداته، كانوا أعظم الأمة لزومًا لطاعة أمره سرًا وعلانية، ومحافظة على ذلك إلى الموت، وكل من كان منهم إليه أقرب، وبه أخص، وبباطنه أعلم، كـ أبي بكر وعمر ﵄ كانا أعظمهم لزومًا لطاعته سرًا وعلانية، ومحافظة على أداء الواجب، واجتناب المحرم باطنًا وظاهرًا].\nيعني: أن قول هؤلاء الملاحدة: إنه ليس هناك جنة ولا نار وإنما هو تخويف، وكذلك قول ملاحدة الفلاسفة والقرامطة: إن الرسل جاءوا بالإخبار عن الجنة والنار من باب استصلاح الناس، وإلا فليس هناك جنة ولا نار، هذا القول مع أنه معلوم الفساد بالضرورة في دين الرسل، لو كان الأمر كما يزعمون لكان خواص الرسل الأذكياء يعلمون ذلك، و(لو) حرف امتناع لامتناع، وهذا هو الشرط التقديري، والشرط التقديري لا يمكن حصوله، ولا يمكن القول به، مثل قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥] والنبي ﷺ معصوم من الشرك، فهذا من باب التقدير.\nوالمعنى: لو كان الأمر كما يزعم هؤلاء أن الرسول ﵊ إنما لبس على الناس لأجل مصلحتهم وليس هناك جنة ولا نار، لكان خواص الرسل الأذكياء يعلمون الحقيقة، وخواص الرسل هم الملازمون للرسل، فلو كان الأمر كما يقولون وأن الرسل إنما كذبوا على الناس، لكان خواصهم الملازمون لهم مثل خواص النبي ﷺ كـ أبي بكر وعمر وغيرهما يعلمون الحقيقة، ويعلمون الباطن، وإذا علموا بذلك ما تعبدوا ولا عملوا أعمالًا صالحة، ولفعلوا المنكرات؛ لأنهم يعلمون حقيقة من لازموه، وهذا من أبطل الباطل، فإن خواص الأنبياء هم أعظم الناس محافظة على أوامر الله وأوامر رسله وأنبيائه.\nولهذا قال المؤلف ﵀: (لو كان الأمر كذلك لكان خواص الرسل يعلمون ذلك، وإذا علموه زالت محافظتهم على الأمر والنهي) يعني: لما امتثلوا الأمر ولا اجتنبوا النهي؛ لأنهم يعلمون الحقيقة، (كما يصيب خواص ملاحدة المتفلسفة والقرامطة)، فحالهم حال سيئ؛ لأنهم يعتقدون في الباطن الإلحاد والزندقة، ولذلك لا يلتزمون بالشرائع، ومن هؤلاء الإسماعيلية والنصيرية، فهم يدعون أن الله حل في علي.\nيقول: (فإن البارع منهم في العلم والمعرفة يزول عنه عندهم الأمر والنهي) أي: البارع من هؤلاء الملاحدة الإسماعيلية والنصيرية لا يمتثل الأوامر ولا النواهي، وتباح له جميع المحرمات، وتسقط عنه الواجبات، وتظهر أضغانهم، وتنكشف أسرارهم، ويعرف عموم الناس حقيقة دينهم الباطن حتى سموهم باطنية؛ لأن الباطنية يقولون: ليس هناك صلاة ولا صيام ولا زكاة، ويقولون: الصلاة لها ظاهر ولها باطن؛ ظاهرها الصلوات الخمس التي يصليها المسلمون، وهؤلاء يسمونهم عامة، والباطن عندهم خمسة أسماء: علي وفاطمة وحسن وحسين ومحسن خمسه أسماء تعدها.\nوالصيام عندهم له باطن وله ظاهر، ظاهره صوم المسلمين شهر رمضان ويسمونهم عامة، والباطن كتمان أسرار المشايخ.\nوالحج عندهم له ظاهر وله باطن، الحج الظاهر هو الحج إلى بيت الله الحرام، والباطن زيارة قبور مشايخهم.\nهؤلاء هم الملاحدة يقول: (فلو كان والعياذ بالله دين الرسل كذلك لكان خواصه قد عرفوه وأظهروا باطنه، وكان عند أهل المعرفة والتحقيق من جنس دين الباطنية، ومن المعلوم بالاضطرار أن الصحابة الذين لازموا النبي ﷺ كانوا أعلم بباطن الرسول ﷺ وظاهره، وأخبر الناس بمقاصده ومراداته، وكانوا أعظم لزومًا في طاعة أمره سرًا وعلانية، ومحافظة على ذلك إلى الموت، وكل من كان منهم إليه أقرب وبه أخص وبباطنه أعلم كـ أبي بكر وعمر كانوا أعظم الناس لزومًا للطاعة سرًا وعلانية، ومحافظة على أداء الواجب واجتناب المحرم باطنًا وظاهرًا، فدل هذا على كذب ما يقوله هؤلاء وأنهم ملاحدة).","vol":"18","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-316>شبهة ملاحدة الصوفية في حقيقة الدين والرد عليهم</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد أشبه هؤلاء في بعض الأمور ملاحدة المتصوفة، الذين يجعلون فعل المأمور وترك المحظور واجبًا على السالك، حتى يصير عارفًا محققًا في زعمهم، وحينئذ يسقط عنه التكليف، ويتأولون على ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] زاعمين أن اليقين هو ما يدعونه من المعرفة، واليقين هنا الموت وما بعده، كما قال تعالى عن أهل النار: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٥ - ٤٨].\nقال الحسن البصري: إن الله لم يجعل لعباده المؤمنين أجلًا دون الموت، وتلا هذه الآية.\nومنه قول النبي ﷺ لما توفي عثمان بن مظعون: (أما عثمان بن مظعون فقد أتاه اليقين من ربه)].\nيعني: أن ملاحدة الفلاسفة وملاحدة القرامطة الذين يقولون: إن الشريعة لها ظاهر وباطن، ولا يعملون بالشريعة؛ لأنهم يعتقدون في الباطن الكفر والإلحاد، فملاحدة الصوفية يشبهون ملاحدة الفلاسفة والقرامطة الذين قالوا: الشريعة لها ظاهر ولها باطن كما سبق، فالظاهر للمسلمين والباطن لهم، وملاحدة الصوفية يشبهونهم من جهة أنهم يقولون: الأوامر والنواهي والشريعة إنما تلزم العوام ولا تلزم الخواص، فالصوفي عندهم يسمونه السالك ويسمونه الفقير وله أسماء أخرى عندهم، فالسالك عندهم تلزمه التكاليف من الأوامر والنواهي والصلاة حتى يصل إلى درجة المعرفة عندهم واليقين، فإذا وصل إلى المعرفة سقطت عنه التكاليف، ويصل إلى درجة المعرفة عندهم إذا شاهد الحقيقة الكونية، وإذا شاهد القدر وعلم أن ما قدر سيكون، وألغى صفاته وجعلها صفات الله، فهذا قد وصل إلى الحقيقة، ويستدلون بمثل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] ويفسرون اليقين بالمعرفة، فمن وصل إلى المعرفة سقطت عنه التكاليف.\nوهذا لا شك أنه كفر وضلال، بل المعلوم من دين الإسلام بالضرورة كما قرر أهل العلم كـ شيخ الإسلام وغيره أن من قال: إن أحدًا يسقط عنه التكليف وعقله معه فإنه كافر بإجماع المسلمين، ويستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ لأنه لا يوجد أحد رفع عنه التكليف، إلا إذا رفع العقل كالشيخ المخرف الكبير والمجنون والصغير.\nفهؤلاء الملاحدة يقولون: يسقط التكليف عن الخواص، ويقسمون الناس إلى عوام وخواص، فالعامة عليهم تكليف من أوامر ونواه، وطاعات ومعاص، أما الخاصة فيسقط عنهم التكليف.\nبل إن الصوفية يقسمون الناس إلى ثلاثة أقسام: عامة، وخاصة، وخاصة الخاصة.\nفالعامة الذين كلفوا بالأوامر والنواهي.\nوالخاصة الذي تسقط عنهم الأوامر والنواهي، ليس عليهم تكليف، وكل أعمالهم طاعات ليس فيها معاص، وأي شيء يفعلونه طاعة؛ لأنه يوافق القدر، فالزنا منهم طاعة والسرقة طاعة والكفر طاعة.\nيقول أحدهم: أنا إن عصيت أمر الله الشرعي فقد وافقت أمر الله الكوني، ووافقت الإرادة الكونية.\nأما خاصة الخاصة فليس هناك طاعات ولا معاص، وهم الذين يقولون بوحدة الوجود، يقولون: إن الوجود واحد، وليس هناك رب ولا عبد، فأنت الرب وأنت العبد، ولذا قال ابن عربي رئيس وحدة الوجود: الرب عبد والعبد رب يا ليت شعري من المكلف يعني: لا أدري من المكلف.\nإن قلت عبد فذاك ميت أو قلت رب أنى يكلف يعني: التبس عليه الأمر، فقال: الرب هو العبد والعبد رب، ويقول أيضًا: رب مالك، وعبد هالك، وأنتم ذلك.\nويقول: ليس في الوجود واحد، فالخالق هو المخلوق والمخلوق هو الخالق.\nنقول: هذا ضلال وكفر وزيغ ووهم وحيرة وشك.\nويقول: سر حيث شئت فإن الله ثم وقل ما شئت فيه فإن الواسع الله يعني: كل ما تراه هو الله -نعوذ بالله- فهذا من أعظم الكفر والإلحاد، نسأل الله السلامة والعافية، والسبب في ذلك أنهم يشاهدون الحقيقة الكونية فتسقط عنهم التكاليف.","vol":"18","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-317>طبقات الناس عند ملاحدة الصوفية وحكم كل طبقة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهؤلاء قد يشهدون القدر أولًا وهي الحقيقة الكونية، ويظنون أن غاية العارف أن يشهد القدر ويفنى عن هذا الشهود، وذلك المشهد لا تمييز فيه بين المأمور والمحظور، ومحبوبات الله ومكروهاته، وأوليائه وأعدائه.\nوقد يقول أحدهم: العارف شهد أولًا الطاعة والمعصية، ثم شهد طاعة بلا معصية، يريد بذلك طاعة القدر، كقول بعض شيوخهم: أنا كافر برب يعصى، وقيل له عن بعض الظالمين: هذا ماله حرام، فقال: إن كان عصى الأمر فقد أطاع الإرادة.\nثم ينتقلون إلى المشهد الثالث: لا طاعة ولا معصية، وهو مشهد أهل الوحدة القائلين بوحدة الوجود، وهذا غاية إلحاد المبتدعة جهمية الصوفية، كما أن القرمطة آخر إلحاد الشيعة، وكلا الإلحادين يتقاربان، وفيهما من الكفر ما ليس في دين اليهود والنصارى ومشركي العرب.\nوالله أعلم].\nملاحدة الصوفية يجعلون الناس طبقات: الطبقة الأولى: العامة، والطبقة الثانية: الخاصة، والطبقة الثالثة: خاصة الخاصة، وكل طبقة لها أحكام.\nفالعامة عليهم الأوامر والنواهي، من الصلاة والصيام والزكاة والحج وطاعات ومعاص، ويجعلون من العامة جميع الأنبياء والمرسلين، فهنيئًا للعامة فتوحيدهم توحيد الأنبياء والمرسلين.\nأما الخاصة عندهم فيرتفعون عن هذه الطبقة، إذا وصل أحدهم إلى العلم والمعرفة، فالعلم المراد به شهود الحقيقة الكونية، يعني: أن يشهد القدر، وهو أن يشهد أن الله قدَّر كل شيء، قدر الكفر والمعاصي والطاعات، وأن الإنسان لابد أن ينفذ فيه قدر الله، ويرون أن الإنسان مجبور على هذا الشيء، فحينئذٍ تسقط عنه التكاليف، وفي هذه الحالة يصل إلى درجة المعرفة ويلغي صفاته وأفعاله ويجعلها صفات لله، فالله هو المصلي والصائم، والعباد وعاء للأفعال، والله هو الفاعل، كالكوز الذي يصب فيه الماء، فالأفعال أفعال الله، وفي هذه الحالة يسقط عنه التكليف، ولا تصير عنده معاص، وكل ما يفعله طاعة، حتى الكفر والزنا والسرقة! فإذا قيل له: أنت عصيت أمر الله الشرعي، قال: لكن وافقت أمر الله الكوني، فإنه قدر علي هذا، وعلى هذا فيعذرون الكفرة من قوم نوح وقوم هود.\nالطبقة الثالثة: طبقة خاصة الخاصة، يترقي الواحد منهم من هذه الطبقة إلى القول بوحدة الوجود، وحينئذ لا تكون عنده طاعات ولا معاص، والخاصة عندهم طاعات وليس عندهم معاص، فهؤلاء ملاحدة وصلوا إلى القول بوحدة الوجود والعياذ بالله، ولهذا بين المؤلف ﵀ ذلك وقال: (إن هؤلاء الملاحدة يجعلون فعل المأمور وترك المحذور واجبًا على السالك) يعني: السائر في الطريق إلى الله عندهم، حتى يصير عارفًا محققًا في زعمهم، وحينئذٍ يسقط عنه التكليف، ويتأولون على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] زاعمين أن اليقين هو ما يدعونه من المعرفة، الصواب أن اليقين هو الموت، كما قال الله تعالى عن أهل النار: ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر:٤٧] يعني: الموت.\nوقال الحسن: إن الله لم يجعل لعباده أجلًا دون الموت، وتلا هذه الآية: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩].\nوفي الحديث الصحيح لما توفي عثمان بن مظعون قال النبي ﷺ: (أما عثمان بن مظعون فقد أتاه اليقين من ربه)، وهذا الحديث رواه البخاري في الصحيح.\nوهؤلاء الصوفية يشهدون القدر أولًا، وشهود القدر يعني: أن يشهد أن الله قدر الأشياء، وأن كل مخلوق سائر بالقدر شاء أم أبى، وأنه تنفذ فيه قدرة الله، ويلغي النظر إلى الشرع والأوامر والنواهي، ولا ينظر إلا إلى القدر، وحينئذٍ يجعل الصفات صفات الله والأفعال أفعال الله، وحينئذ يسقط عنه التكليف، ويظنون أن غاية العارف أن يشهد القدر، فإذا شهد القدر وفني بهذا الشهود ففي هذا المشهد لا تمييز بين المأمور والمحظور، ومحبوبات الله ومكروهاته، وأوليائه وأعدائه، وليس هناك تمييز بين المحرم والجائز، ولا فرق بين الزنا والنكاح، ولا فرق بين الخمر والماء، ولا فرق بين الربا والبيع، ولا فرق بين المؤمن والكافر.\nيقول المؤلف: (وقد يقول أحدهم: العارف شهد أولًا الطاعة والمعصية) يعني: شهد ذلك لما كان في طبقة العامة، ثم يقول: (ثم شهد طاعة بلا معصية) يعني: لما ارتفع إلى الطبقة الثانية وهي طبقة الخاصة (يريد بذلك طاعة القدر) يعني: إذا زنى قال: هذه طاعة، وإذا سرق قال: هذه طاعة، فإذا قيل له: هذه طاعة الشرع؟ قال: لا، هذه طاعة القدر، (كقول بعض الشيوخ الصوفية: أنا كافر برب يعصى) والعياذ بالله، لماذا قال هذا القول: أنا كافر برب يعصى؟ يريد أن يقول: المعصية طاعة لله؛ لأنه قدرها عليه، فليس هناك معصية، فإذا قلتم: إن هناك معصية، يقول هو: أنا كافر برب يعصى، والعياذ بالله.\nإذًا: لا توجد معصية حتى لا يعصى الرب، وكل ما يقع فهو طاعة.\nوقيل له عن بعض الظالمين: هذا ماله حرام، قال: لا يوجد حرام وحلال، كل شيء حلال، إن كان عصى أمر الله الشرعي فقد أطاع الإرادة الكونية القدرية.\nثم ينتقلون إلى المشهد الثالث ويقولون: لا طاعة ولا معصية، وهذا مشهد خاصة الخاصة، وهم أهل وحدة الوجود، ولذلك يقول: (وهو مشهد أهل الوحدة القائلين بوحدة الوجود، وهذا غاية إلحاد المبتدعة كجهمية الصوفية، كما أن القرمطة آخر إلحاد الشيعة، وكلا الإلحادين يتقاربان، وفيهما من الكفر ما ليس في دين اليهود والنصارى ومشركي العرب).\nيعني: كفرهم تجاوز كفر اليهود والنصارى، وتجاوز كفر الوثنية والعياذ بالله، حتى إنهم الآن يقولون: إن فرعون مصيب حينما قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، نعوذ بالله! وقالوا: إن الرب هو العبد والعبد هو الرب، ولا فرق، فالوجود واحد، والرب عندهم يتمثل في صورة معبود كما في صورة فرعون، بل يتمثل في صورة هاد كما في صورة الأنبياء وهو واحد، والأحداث يلبسها ويخلعها.\nوابن عربي صاحب وحدة الوجود له كتاب سماه كتاب (الهو) يقول: العامة لهم ذكر: لا إله إلا الله، سبحان الله، والحمد لله، والخاصة ذكرهم لفظ الجلالة: الله الله الله الله الله الله، كما يحصل هذا، يقول شخص ذهب إلى أفريقيا: وجدناهم يكررون: الله الله من بعد العصر إلى المغرب، وأما خاصة الخاصة فذكرهم: (هو هو هو هو هو) يوهوهون كالكلاب.\nوملاحدة الصوفية يعتذرون عن إبليس وعن فرعون، ويقولون: فرعون مصيب لما قال: أنا ربكم الأعلى، وإذا قلنا: لماذا أغرق؟ يقولون: كل من عبد شيئًا دون الله فهو مصيب، فالذي يعبد الأصنام مصيب، والذي يعبد النار مصيب، والذي يعبد البشر مصيب، والذي يمنع الناس من عبادة شيء فهو كافر، وفرعون أغرق ليزول عنه التوهم أنه هو الرب، فأغرق حتى يزول عنه الوهم والحسبان تطهيرًا له، فهو لما أغرق تطهر وزال عنه التوهم والحسبان؛ لأنه خص نفسه وقال: أنا الرب، ومنع الناس من أن يكونوا أربابًا، فلذلك أغرق، هكذا في كتاب ابن عربي أعوذ بالله.\nوقال: إن عباد العجل من بني إسرائيل على حق، ومعلوم أن موسى ﵊ لما جاء ووجد بني إسرائيل يعبدون العجل، وعندهم أخوه هارون وكان نبيًا مثله جره برأسه ولحيته، وغضب ﵊، وألقى الألواح فتكسرت، فعندما جره قال: كيف تركتهم يعبدون الأصنام؟ كما أخبر الله بذلك.\nفهؤلاء الملاحدة يؤولون الآيات ويحرفونها ويقولون: إن موسى حينما جر هارون بلحيته ينكر عليه، قال له هارون: لماذا تنكر عليهم عبادة العجل؟ اتركهم يعبدون العجل فهم مصيبون، هكذا -والعياذ بالله- وصل الإلحاد والكفر والضلال بهم إلى هذا الحد، فهذا كفر لم يصل إليه إلا هؤلاء الملاحدة، فهم أعظم الناس كفرًا، نسأل الله السلامة والعافية، ونسأله سبحانه أن يهدينا وأن يثبت قلوبنا، ونسأله ﷾ ألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يثبت قلوبنا على طاعته.\nيا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، نسأل الله الثبات على دينه، والاستقامة عليه حتى الممات، إنه ولي ذلك والقادر عليه.","vol":"18","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-318>الأسئلة</span>","vol":"18","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>حكم زكاة الحلي المستعمل</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم زكاة الحلي المستعمل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، فجمهور العلماء على أن الحلي الذي تستعمله المرأة لا زكاة فيه، وقالوا: إنه من جنس الثياب ومن جنس الفرش ومن جنس ما يستعمل.\nوالقول الثاني لأهل العلم: أن فيه زكاة، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة، واستدلوا بعموم النصوص التي فيها أن الذهب والفضة تجب فيها الزكاة، كقوله ﷺ: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا صفحت له يوم القيامة صفائح من نار)، وقوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة:٣٤].\nوهناك أيضًا نصوص خاصة منها: (أن امرأة أتت النبي ﷺ بابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، قال: أتؤدين زكاتهما؟ قالت: لا، قال: أتحبين أن يسورك الله بهما سوارين من نار؟ قالت: هما لله ورسوله)، قال الحافظ ابن حجر: إسناده قوي.\nفالأحوط للمسلم أن يخرج الزكاة، احتياطًا لدينه، وخروجًا من خلاف العلماء، ولأن هذه المسألة الراجح فيها إخراج الزكاة، وهو اختيار سماحة الشيخ ابن باز رحمة الله عليه، واختيار فضيلة الشيخ محمد العثيمين ﵀ أخيرًا.\nوالمسألة فيها خمسة أقوال لأهل العلم، والجمهور على أنه ليس فيها زكاة، والقول بإخراج الزكاة هو الأحوط.","vol":"18","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-320>حقيقة رضا المخلوقين في قوله تعالى: (رضي الله عنهم ورضوا عنه)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أهل السنة يثبتون الرضا لله جل وعلا، لكن ما هو رضا المخلوقين كما في قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الرضا صفة من صفات الله، وصفات الله لا تشابه صفات المخلوقين، فرضاه سبحانه وغضبه وسمعه وبصره وعلمه، كما قال الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤] والله تعالى له صفات لا يماثل المخلوقين في صفاتهم ولا في أفعالهم، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤].\nوالمخلوقون لهم صفات تخصهم، فالمخلوق له رضًا يخصه، والخالق له رضًا يخصه، وهكذا السمع والبصر والعلو وسائر الصفات.","vol":"18","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-321>مدى صحة قصة المرأة التي ذهبت إلى بابل وتعلمت السحر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما صحة القصة التي ذكرها ابن قدامة المقدسي ﵀ في كتابه (كتاب التوابين) في المرأة التي تعلمت السحر، فخرج منها رجل راكب فرسًا ومعه السيف والدرع وصعد إلى السماء، فلما سألت عنه قيل لها: إن هذا إيمانك خرج منك ولن يعود؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه القصة أيضًا ذكرها الحافظ ابن كثير في تفسير سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة:١٠٢] والله أعلم بصحتها، فلا نستطيع أن نثبتها إلا إذا ورد بذلك نص وسند صحيح عن النبي ﷺ، والسند يحتاج إلى تأمل، وما أظنها تصح والله أعلم.","vol":"18","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-322>الفرق بين ابن عربي وابن العربي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من هو ابن العربي ومن هو ابن عربي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ابن عربي هو محيي الدين بن عربي رئيس وحدة الوجود، وكان في القرن السادس، وأما أبو بكر بن العربي المفسر المعروف فهذا عنده بعض التأويلات يشارك الأشاعرة فيها، لكنه يختلف عن ابن عربي رئيس وحدة الوجود.","vol":"18","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>ورود النص بتسمية منكر ونكير</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل وردت أحاديث بأسماء منكر ونكير؛ لأني قد سمعت بعض أهل العلم يقول: إنه لم يرد تحديد لأسمائهما، فما صحة ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  جاء في بعض الأحاديث: (إذا قبر الإنسان جاءه ملكان أزرقان أسودان، يقال لأحدهما: المنكر، ويقال للآخر: النكير).","vol":"18","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>نصيحة موجهة للنساء بلزوم الحجاب الشرعي وعدم الخلوة بالأجنبي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نرجو التكرم بإبداء النصح والتوجيه لبعض الأخوات الكريمات من ناحية الحجاب الشرعي والالتزام به، ولأن بعضهن تأتي إلى هذه الدورة العلمية مع السائق لوحدها، فما حكم ذلك حفظكم الله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ننصح أخواتنا المسلمات بلزوم الحجاب؛ لأنه يجب على المرأة أن تحتجب احتجابًا كاملًا، وأن تلبس ثيابًا واسعة فضفاضة، ليست ضيقة تبين مقاطع جسدها، وليست لماعة تلفت أنظار الرجال إليها، وأن تكون العباءة غير مزركشة، ولا تلبسها على كتفيها فقط، بل تكون عباءة تسترها، وألا تتشبه بالرجال، ولا تلبس العباءات التي هي في الحقيقة دعوة للفسق وللفساق، والتي فيها إظهار لزينتها ومفاتنها، ويجب عليها أن تتحجب حجابًا كاملًا عن الرجال، ولاسيما من تأتي للاستفادة وطلب العلم؛ لأنها قدوة لغيرها.\nوالله تعالى يقول في كتابه العظيم: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣]، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب:٥٩]، فبين ﷾ أن المرأة إذا تحجبت كان أقرب ألا تؤذى، بخلاف السافرة فإنها قد تؤذى من الفساق.\nوفي الحديث الصحيح في قصة الإفك لما تخلفت عائشة عن الركب، وجاء صفوان بن المعطل ووجدها وكان قد تخلف عن الجيش، فجعل يسترجع ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، قالت عائشة: فاستيقظت -كانت نائمة- لاسترجاع صفوان، فخمرت وجهي بجلبابي، وكان يعرفني قبل الحجاب، فهذا الحديث رواه البخاري في الصحيح، وهو يدل على أن النساء قبل الحجاب كن يكشفن الوجوه، وبعد الحجاب كن يسترن الوجوه، قالت: (فاستيقظت لاسترجاع صفوان، فخمرت وجهي بجلبابي، وكان يعرفني قبل الحجاب).\nوفي سنن أبي داود عن عائشة ﵂، قالت: (كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذونا أسدلت إحدانا جلبابها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه)، إذا كانت المحرمة تغطي وجهها بجلبابها فغير المحرمة من باب أولى.\nوكذلك أيضًا ننصح الأخوات بعدم الخلوة بالأجنبي، فلا يجوز للمرأة أن تخلو بالأجنبي، وركوبها مع السائق الأجنبي وحدها في السيارة خلوة، أو في المصعد، أو في الغرفة، وهذا حرام؛ يقول النبي ﷺ: (لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما).\nلكن إذا كان معها من تزول به الخلوة من رجل آخر أو امرأة وليس هناك ريبة فلا بأس إذا كان في البلد أو في سفر، أما إذا كان هناك ريبة فلا ينفع ولو كانوا مائة.\nلكن إذا لم يكن هناك ريبة ولا شك وكانوا اثنين فصاعدًا في البلد فلا بأس، لكن في السفر لا يجوز لها أن تسافر ولو كان مع هذا السائق راكب آخر، فلا يجوز أن تسافر إلا مع محرم، كما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم)، ولما خطب النبي ﷺ الناس في حجة الوداع قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم، قال رجل: يا رسول الله! إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وإن امرأتي خرجت حاجّة، فقال النبي ﷺ: ارجع فحج مع امرأتك)، فأمره ﷺ أن يترك الغزو ويحج مع امرأته، وهذا قد يكون في غير حجة الوداع.\nالمقصود أن النبي ﷺ أمر هذا الرجل أن يترك الغزو وأن يصحب امرأته في سفرها للحج.","vol":"18","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-325>وجه تكفير الذنوب بالمصائب دون استشعار واحتساب</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا أصيب الإنسان ببعض المصائب، لكنه لم يحتسب ولم يستشعر أنها تكفر الذنوب غفلة منه ونسيانًا، فهل يكفر الله تعالى به الذنوب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المصائب كفارات، لكن إذا احتسب كان له أجر آخر، ولابد أن يصبر ولا يجزع، فإذا صبر كفر الله بالمصيبة خطاياه، والصبر معناه: حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي، وحبس الجوارح عما يغضب الله، أي: حبس الجوارح عن لطم الخد، أو شق الثوب، أو نتف الشعر، واللسان لا يتشكى ويقول: لماذا حصل علي كذا؟ أما الرضا والتسليم بالمصيبة فهو مستحب.","vol":"18","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>حكم سترة المصلي وصفتها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أراد شخص أن يمر بين يدي المصلي فوضع كتابًا كان في يده أمام ذلك المصلي، ثم مر ثم رفع الكتاب، فهل فعله صحيح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  السترة أن تكون شيئًا قائمًا يقارب ثلثي ذراع؛ مثل مؤخرة الرحل، يعني: العمود الذي خلف الراكب في البعير، لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (يقطع صلاة المرء إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل: المرأة والحمار والكلب) رواه مسلم في صحيحه.\nفالسترة لابد أن تكون شيئًا قائمًا، ولا يكفي أن يضع كتابًا مبطوحًا على الأرض، إلا إذا نصب الكتاب وكان يقارب ثلثي الذراع فهذا سترة، أما أن يبسط كتابًا على الأرض أو طرف السجادة فلا يكون لك سترة، وإن كان قد جاء في الحديث: (أن النبي ﷺ خط خطًا هلاليًا) فهذا الحديث رواه الإمام أحمد، لكن هذا الحديث فيه كلام لأهل العلم، فمن العلماء من ضعفه وقال: إنه مضطرب، ومنهم من حسنه.\nومعناه: يخط خطًا هلاليًا إذا لم يجد شيئًا، أما طرف السجادة أو كتاب مبطوح على الأرض فهذا لا يعتبر سترة؛ لأنه لابد أن تكون السترة شيئًا قائمًا، مثل العصا أو سارية.","vol":"18","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>حكم جعل العتق من العبادات التي يهدى ثوابها للميت</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ألا يعني كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بإدخاله للعتق في العبادات التي يهدى ثوابها للميت، أنه ممن يقول بأن العبادات الأخرى تقاس على الأربع التي نص عليها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قال هذا ابن القيم، والمسألة أشيعت بين أهل العلم، قال الجمهور: العتق من جملة الصدقة.","vol":"18","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-328>حكم أداء أكثر من عمرة في سفر واحد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  بعض الناس يقوم في سفر واحد بأداء أكثر من عمرة، ويجعل الأولى له والثانية لأبيه مثلًا، فما حكم ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الأولى أن يكتفي الإنسان بعمرة واحدة إذا كان في مكة، وأن يستغل بقاءه في مكة بالتعبد في المسجد الحرام بالطواف، وبالصلاة، وبالقراءة، هذا هو الأولى؛ لأن الأصل أن العمرة إنما هي للداخل مكة، لا لمن كان في جوف مكة يخرج ويأتي بعمرة، قال بهذا الشيخ البسام وابن القيم وجماعة من المحققين، قالوا: إن النبي ﷺ حج وحج معه عدد كبير، ولم يعتمر أحد منهم بعد الحج إلا عائشة؛ لأنها حاضت وقد دخلت في العمرة ثم أدخلت الحج على العمرة، ولم تطب نفسها، قالت: تذهب صويحباتي بحج وعمرة وأرجع بحج، وهي رجعت بحج وعمرة لكنها عمرة دخلت في حج، وهي تريد عمرة مستقلة، فأمرها النبي ﷺ أن تحرم من التنعيم وتعتمر.\nوقال جمهور العلماء: لا حرج على الإنسان إذا جلس في مكة مدة وأراد أن يخرج إلى التنعيم ويأتي بعمرة؛ لكن ما يفعله بعض الناس من أنه كل يوم يأتي بعمرة، ويجعل عمرة لأبيه وعمرة لأمه وعمرة لزوجته، نقول: هذا ليس من السنة، وليس بمشروع.","vol":"18","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-329>معنى دعاء الملك بقوله: (ولك بمثله)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل ما ورد في الحديث عن النبي ﷺ: (ولك بمثله) خاص بالدعاء، أم أنه يدخل فيه العمرة والحج والصدقة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الذي نص عليه الدعاء، قال: (إذا دعا لأخيه في ظهر الغيب وكل الله به ملكًا فقال: آمين ولك بمثله) والصدقة والحج والعمرة له فيها أجر الإحسان، فإذا أحسن المرء إلى أخيه الميت وحج عنه أو اعتمر عنه أجر على ذلك، كما جاء في الحديث (أن النبي ﷺ لما لقي ركبًا بالروحاء، فسألوه، وقالوا: من أنت؟ قال: رسول الله، فجاءت امرأة بصبي في المهد وقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر) رواه مسلم في صحيحه، فأخبر النبي ﷺ أن الحج يكون للطفل، وهي لها أجر، فإذا تصدق عن الميت أو حج عنه، فالحج للميت والصدقة للميت، والحي له أجر الإحسان.","vol":"18","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-330>فضل الجهاد والمجاهدين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  لا يخفى عليكم عظم الجهاد وفضل المجاهدين وما يعانون من ضعف وقلة الناصر من القريب قبل البعيد، والطعن في نواياهم، فما توجيهكم في هذا الأمر، كما نرجو منكم التفضل بالدعاء لهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إن النصوص من كتاب الله وسنة رسوله دلت على فضل الجهاد والمجاهدين، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف:١٠ - ١١].\nوقال ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١].\nفإذا كان الإنسان مجاهدًا في سبيل الله لإعلاء كلمة الله فله هذا الفضل العظيم، والناس على نياتهم، ولهذا جاء في الحديث: (سئل النبي ﷺ عن الرجل يقاتل حمية، ويقاتل رياءً، ويقاتل ليرى مكانه، فقال ﵊: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله).\nنسال الله أن ينصر إخواننا المجاهدين الذين يجاهدون في سبيل الله لإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه، ونسأله سبحانه أن ينصرهم وأن يؤيدهم، وأن يثبتهم ويربط على قلوبهم، ونسأله ﷿ أن يوحد صفوفهم، ويجمع كلمتهم ويرحم ضعفهم، ويجبر كسرهم.\nكما نسأل الله ﷿ بعظمته وجبروته أن يخذل أعداءهم الكفرة، وأن يخالف بين قلوبهم وكلمتهم، وأن يشتت شملهم ويمزقهم كل ممزق، وأن يجعلهم غنيمة للمسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.","vol":"18","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-331>ذكر أسماء كتب في العقيدة وغيرها للمبتدئين مع بيان ضرورة استغلال الوقت بالعلم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الكتب التي تنصحون بها للمبتدئين في علم العقيدة، وما نصيحتكم لنا بعد نهاية هذه الدورة المباركة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كتب العقيدة للمبتدئين معروفة، يبدأ المبتدئ بالرسائل الصغيرة، مثل: رسائل الإمام المجدد محمد عبد الوهاب رحمة الله عليه مثل: القواعد الأربع، والأصول الثلاثة، وكشف الشبهات، ورسائل أبنائه وأحفاده وتلاميذه، ثم كتاب التوحيد، ثم العقيدة الواسطية، ثم الحموية، والطحاوية، والتدمرية.\nوكتب السنة المتعددة التي شرحت ككتاب السنة للإمام أحمد، وكتاب السنة لابنه عبد الله، وغيرها من الكتب.\nوكتب السنة كثيرة، ومنها ما شرح في دورات متعددة، فطالب العلم يتلقى شيئًا بعد شيء، ويسأل أهل العلم ويستفيد، نسأل الله للجميع الثبات على دينه والاستقامة عليه.\nوأنصح الإخوة بعد هذه الدورة بحفظ الوقت والاستفادة منه، والاستمرار في طلب العلم، وحفظ المتون، وحفظ القرآن أولًا وقبل كل شيء، والاستفادة من الأشرطة المفيدة المسجلة، ومن كتب أهل العلم.\nفينبغي لطالب العلم ألا يضيع الوقت، فيذهب سدى، بل يستفيد منه في حفظ القرآن في بقية أوقاته، والعناية بكتب العقيدة وكتب الفقه وكتب الحديث، مثل: الصحيحين وغيرهما والكتب الستة وغيرها من كتب السنة.\nونسأل الله للجميع العلم النافع والعمل الصالح.\nونسأل الله أن يثبتنا وإياكم على طاعته، ونسأل الله لنا ولكم الثبات على العلم النافع والعمل الصالح، ونسأل الله أن يثبتنا على دينه حتى الممات إنه ولي ذلك والقادر عليه.","vol":"18","page":21}]}