{"ً":{"ٌ":36977,"ٍ":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - حطيبة","َ":6,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان\nالمؤلف: الشيخ الطبيب أحمد حطيبة\nمصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية\nhttp://www.islamweb.net\n[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ٣٦ درسا]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2333,"ٕ":18,"ٖ":1770155872,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9","10","11","12","13","14","15","16","17","18","19","20","21","22","23","24","25","26","27","28","29","30","31","32","33","34","35","36"],"ٚ":[{"title":"تعريف الصيام في اللغة والشرع وحكمه","level":1,"page":1},{"title":"تعريف الصوم في اللغة والغاية العظمى منه","level":2,"page":2},{"title":"تعريف الصيام في الشرع","level":2,"page":3},{"title":"حكم صوم رمضان","level":2,"page":4},{"title":"بيان أن الصوم ركن من أركان الإسلام","level":2,"page":5},{"title":"شرح حديث وفد عبد القيس","level":3,"page":6},{"title":"الإجماع على وجوب صوم رمضان","level":3,"page":7},{"title":"بيان الفجر الصادق والكاذب","level":2,"page":8},{"title":"جواز الأكل والشرب ما لم يتبين بزوغ الفجر الصادق","level":2,"page":9},{"title":"حكم السحور بعد الأذان الثاني للفجر","level":2,"page":10},{"title":"متى فرض الصيام وفضل صوم رمضان","level":1,"page":11},{"title":"تعريف الصيام","level":2,"page":12},{"title":"عدم وجوب صوم غير رمضان إلا ما كان بنذر أو كفارة أو غيره","level":2,"page":13},{"title":"مراحل وأحوال تشريع الصيام","level":2,"page":14},{"title":"شرح حديث معاذ في أحوال تشريع الصيام","level":3,"page":15},{"title":"شرح حديث سلمة بن الأكوع في أحوال تشريع الصيام","level":3,"page":16},{"title":"فضل الصيام","level":2,"page":17},{"title":"الأحاديث الواردة في فضل الصيام","level":3,"page":18},{"title":"فضل صيام رمضان","level":3,"page":19},{"title":"فضل الصيام ومن يجب عليه الصوم والقضاء","level":1,"page":20},{"title":"فضل صوم رمضان إيمانا واحتسابا","level":2,"page":21},{"title":"الترهيب من عدم الإخلاص في صوم رمضان","level":2,"page":22},{"title":"بيان ما يحدث عند دخول شهر رمضان","level":2,"page":23},{"title":"ذكر بعض أسباب دخول الجنة والعتق من النار","level":2,"page":24},{"title":"جزاء المفطرين عمدا في رمضان","level":2,"page":25},{"title":"بيان من يجب عليهم الصوم والقضاء","level":2,"page":26},{"title":"حكم صوم الصبي","level":3,"page":27},{"title":"حكم صوم المجنون","level":3,"page":28},{"title":"حكم صوم المغمى عليه ووجوب القضاء عليه","level":3,"page":29},{"title":"حكم من بلغ أو أسلم في نهار رمضان","level":3,"page":30},{"title":"النية في الصيام","level":1,"page":31},{"title":"وجوب النية في الصيام","level":2,"page":32},{"title":"محل النية هو القلب","level":3,"page":33},{"title":"هل ينوي لكل يوم من رمضان أم تكفي النية في أول يوم","level":3,"page":34},{"title":"الفرق بين النية في صيام الفرض وصيام التطوع","level":3,"page":35},{"title":"تصح نية صيام الفرض في جميع الليل وحكم الأكل بعد النية قبل الفجر","level":2,"page":36},{"title":"جواز النية من النهار في صوم النفل","level":3,"page":37},{"title":"تعيين النية في الصيام","level":3,"page":38},{"title":"حكم صيام التطوع بنية مطلقة","level":2,"page":39},{"title":"حكم الجزم بالنية في الصيام","level":2,"page":40},{"title":"حكم صوم الفرض بنية من النهار","level":2,"page":41},{"title":"حكم التردد في الصيام في آخر يوم من رمضان","level":2,"page":42},{"title":"مسائل في النية وبداية ونهاية الصوم","level":1,"page":43},{"title":"مسائل تتعلق بالنية في الصوم","level":2,"page":44},{"title":"حكم من نوى قطع الصوم جازما أو مترددا","level":3,"page":45},{"title":"حكم الحائض إذا نوت الصوم قبل انقطاع حيضها ثم انقطع في الليل","level":3,"page":46},{"title":"أي فعل يدل على الصوم في الليل يكفي في نية الصوم","level":3,"page":47},{"title":"حكم تعقيب الصائم النية بقوله: إن شاء الله","level":3,"page":48},{"title":"حكم من نسي نية الصوم في رمضان حتى مطلع الفجر","level":3,"page":49},{"title":"حكم النية في الليل ثم قطع النية قبل الفجر","level":3,"page":50},{"title":"حكم من علم أن عليه صوما واجبا لا يدري هل هو من رمضان أو نذر أو كفارة","level":3,"page":51},{"title":"مسائل تتعلق ببداية ونهاية الصوم","level":2,"page":52},{"title":"جواز الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر الثاني","level":3,"page":53},{"title":"عدم الأكل والشرب إلا بعد التيقن من غروب الشمس","level":3,"page":54},{"title":"حكم من أكل ظانا غروب الشمس فبانت طالعة أو ظانا أن الفجر لم يطلع فبان طالعا","level":3,"page":55},{"title":"مسائل في النية وما يحرم على الصائم وما يباح له","level":1,"page":56},{"title":"جواز صوم الحائض والنفساء يدركهما الفجر قبل أن يغتسلا","level":2,"page":57},{"title":"حكم الصائم يشك في طلوع الفجر وعنده طعام وشراب","level":2,"page":58},{"title":"بيان ما يحرم على الصائم من حيث الإجمال","level":2,"page":59},{"title":"حكم الاكتحال وقطرة العين للصائم","level":2,"page":60},{"title":"حكم الحقن الشرجية والعضلية والوريدية وحقن التغذية للصائم","level":2,"page":61},{"title":"حكم نقل الدم وتغسيل الكلى والبخاخ أثناء الصوم","level":2,"page":62},{"title":"حكم استخدام الأقراص الدوائية في نهار رمضان","level":2,"page":63},{"title":"حكم استعمال الطيب للصائم وابتلاع ما لا يؤكل في العادة","level":2,"page":64},{"title":"حكم ابتلاع الصائم للطعام المتبقي بين أسنانه","level":2,"page":65},{"title":"حكم ابتلاع الريق","level":2,"page":66},{"title":"حكم ابتلاع الدم الخارج بسبب قلع السن أو الضرس","level":2,"page":67},{"title":"ما يحرم على الصائم وما يباح له [١]","level":1,"page":68},{"title":"الصيام وأحكامه","level":2,"page":69},{"title":"تعريف الصيام","level":3,"page":70},{"title":"حكم من تقيأ في نهار رمضان","level":3,"page":71},{"title":"حكم وضع قطرة الأنف للصائم","level":3,"page":72},{"title":"حكم المبالغة في الاستنشاق للصائم","level":3,"page":73},{"title":"حكم من جامع زوجته في نهار رمضان","level":3,"page":74},{"title":"حكم القبلة والمباشرة للصائم","level":3,"page":75},{"title":"من جامع زوجته فنزع مع طلوع الفجر فأنزل","level":3,"page":76},{"title":"حكم نظر الصائم إلى المرأة","level":3,"page":77},{"title":"حكم الاستمناء باليد للصائم وغيره","level":3,"page":78},{"title":"حكم من قبل زوجته فأمذى وهو صائم","level":3,"page":79},{"title":"حكم من أفطر ناسيا","level":3,"page":80},{"title":"ما يحرم على الصائم وما يباح له [٢]","level":1,"page":81},{"title":"حكم الحجامة للصائم","level":2,"page":82},{"title":"ذكر ما جاء من احتجام النبي ﷺ ونهيه عن الحجامة ثم ترخيصه فيها","level":3,"page":83},{"title":"حكم مضغ العلك للصائم","level":2,"page":84},{"title":"ما يكره للصائم","level":2,"page":85},{"title":"حكم الصائم إذا أراد مضغ الطعام لولده ولم يحصل الاستغناء عن مضغه","level":2,"page":86},{"title":"ذكر ما يجب على الصائم أن ينزه به صومه","level":2,"page":87},{"title":"رخص الفطر لأصحاب الأعذار","level":1,"page":88},{"title":"من أحكام الحائض والنفساء في الصيام","level":2,"page":89},{"title":"متى وجد الحيض في جزء من النهار فسد صوم ذلك اليوم","level":3,"page":90},{"title":"حكم صيام الحائض والنفساء","level":3,"page":91},{"title":"حكم الحائض إذا طهرت أثناء النهار","level":3,"page":92},{"title":"الكبير الذي لا يقدر على الصوم والمريض الذي لا يرجى برؤه","level":2,"page":93},{"title":"مقدار الفدية","level":3,"page":94},{"title":"الفرق بين المريض مرضا يرجى برؤه ومن لا يرجى برؤه","level":3,"page":95},{"title":"حكم الشيخ العاجز والمريض الذي لا يرجى برؤه إذا أفطر ثم قدر على الصوم","level":3,"page":96},{"title":"حكم تعجيل الفدية قبل دخول رمضان","level":3,"page":97},{"title":"المسافر في نهار رمضان","level":2,"page":98},{"title":"اختلاف العلماء في أيهما أفضل في السفر الصوم أو الفطر","level":3,"page":99},{"title":"مسافة القصر","level":3,"page":100},{"title":"رخص الفطر لأصحاب الأعذار ومسائل في رؤية الهلال","level":1,"page":101},{"title":"جواز الفطر لمن سافر أثناء يوم في رمضان بدأه بالصيام","level":2,"page":102},{"title":"الخلاف في جواز إفطار المسافر قبل سفره","level":3,"page":103},{"title":"حكم فطر من كانت السفينة مسكنه وأهل البادية في تنقلاتهم","level":2,"page":104},{"title":"حكم المسافر إذا قدم من سفره في نهار رمضان","level":2,"page":105},{"title":"حكم صوم المسافر في رمضان عن غير رمضان","level":3,"page":106},{"title":"حكم المسافر إذا قدم من سفره فوجد امرأته طهرت من الحيض فجامعها في رمضان","level":3,"page":107},{"title":"حكم الحامل والمرضع","level":2,"page":108},{"title":"تلخيص مذاهب العلماء في حكم الحامل والمرضع في الصيام والفطر","level":3,"page":109},{"title":"وجوب صيام رمضان برؤية الهلال","level":2,"page":110},{"title":"النهي عن صيام يوم الشك","level":3,"page":111},{"title":"وقت بداية رؤية الهلال","level":3,"page":112},{"title":"حالات رؤية الهلال","level":3,"page":113},{"title":"اختلاف العلماء في حكم رؤية الهلال في بلد دون بلد آخر","level":3,"page":114},{"title":"نقصان الشهر لا يلزم منه نقصان الأجر سواء في رمضان أو ذي الحجة","level":3,"page":115},{"title":"حكم النية المترددة لمن لم يتبين له دخول رمضان من ليلته","level":3,"page":116},{"title":"حكم من سافر إلى بلد واختلف مع أهله في عدة أيام رمضان زيادة أو نقصا","level":3,"page":117},{"title":"ثبوت دخول رمضان بشهادة عدل واحد واشتراط الشاهدين فيما سوى ذلك","level":3,"page":118},{"title":"استحباب الدعاء عند رؤية الهلال","level":3,"page":119},{"title":"حكم صيام الأسير الذي لا يتبين له وقت دخول شهر الصوم","level":3,"page":120},{"title":"الفطر في رمضان ومن لا يرخص له فيه وأحكام الكفارة","level":1,"page":121},{"title":"مسائل في الصيام","level":2,"page":122},{"title":"حكم من أفطر ناسيا أو جاهلا أو مكرها","level":3,"page":123},{"title":"حكم المضمضة والاستنشاق للصيام","level":3,"page":124},{"title":"حكم من أفطر بلا عذر في نهار رمضان","level":3,"page":125},{"title":"حكم الجماع في نهار رمضان","level":3,"page":126},{"title":"حكم من طلع عليه الفجر وهو مجامع","level":3,"page":127},{"title":"الجهل عذر في عدم وجوب الكفارة","level":3,"page":128},{"title":"حكم من جهل تحريم الجماع في نهار رمضان","level":3,"page":129},{"title":"ترتيب الكفارة وكيفيتها","level":3,"page":130},{"title":"حكم من جامع وهو صائم قضاء عن رمضان","level":3,"page":131},{"title":"حكم النوم والإغماء والجنون في نهار رمضان","level":3,"page":132},{"title":"حكم المرأة إذا حاضت أو نفست في أثناء الصيام","level":3,"page":133},{"title":"حكم صيام من ارتد وهو صائم ثم تاب","level":3,"page":134},{"title":"حكم من ذهب عقله بفعل نفسه في نهار رمضان","level":3,"page":135},{"title":"جواز غطس الصائم في الماء","level":3,"page":136},{"title":"الوصال في الصيام","level":1,"page":137},{"title":"حكم الوصال في الصوم","level":2,"page":138},{"title":"حكم السحور وبيان وقته وفضله","level":2,"page":139},{"title":"مشروعية اتخاذ مؤذنين لصلاة الفجر في رمضان","level":2,"page":140},{"title":"الحكمة من الأذان الأول والأذان الثاني","level":3,"page":141},{"title":"استحباب تعجيل الفطر","level":2,"page":142},{"title":"استحباب الإفطار على رطب أو تمر","level":2,"page":143},{"title":"استحباب الإكثار من الدعاء للصائم والذكر عند الإفطار","level":2,"page":144},{"title":"استحباب إطعام الصائم","level":2,"page":145},{"title":"قضاء رمضان وحكم من مات وعليه صوم","level":1,"page":146},{"title":"أحكام قضاء من أفطر أياما من رمضان","level":2,"page":147},{"title":"اختلاف العلماء في جواز صيام النافلة قبل القضاء","level":3,"page":148},{"title":"حكم من مات وعليه قضاء من رمضان","level":3,"page":149},{"title":"حكم الشيخ الكبير العاجز عن الصوم والمرأة العجوز","level":3,"page":150},{"title":"ما يستحب في شهر رمضان","level":3,"page":151},{"title":"ما يستحب في شهر رمضان","level":2,"page":152},{"title":"فضل قيام الليل","level":1,"page":153},{"title":"الحث على قيام الليل وما جاء في فضله","level":2,"page":154},{"title":"الأسباب المعينة على قيام الليل","level":2,"page":155},{"title":"قيام النبي ﷺ في الليل","level":2,"page":156},{"title":"أعمال تدخل الجنة وتباعد عن النار","level":2,"page":157},{"title":"معنى الحسد والغبطة والفرق بينهما وحكمهما","level":2,"page":158},{"title":"فضل قيام الليل وصلاة التراويح","level":1,"page":159},{"title":"فضل قيام الليل","level":2,"page":160},{"title":"قيام الليل يمنع العبد من الفحشاء والمنكر","level":3,"page":161},{"title":"صلاة التراويح تسميتها ووقتها وفضلها","level":2,"page":162},{"title":"مراعاة آداب المسجد عند صلاة الجماعة فيه","level":2,"page":163},{"title":"مشروعية حضور النساء لصلاة التراويح","level":2,"page":164},{"title":"صفة صلاة التراويح","level":1,"page":165},{"title":"أسماء صلاة التراويح","level":2,"page":166},{"title":"عدد ركعات صلاة التراويح وذكر الخلاف في ذلك","level":2,"page":167},{"title":"ذكر بعض الأحاديث الواردة في صفة قيام النبي ﷺ في الليل","level":2,"page":168},{"title":"جمع عمر ﵁ الناس على إمام واحد في صلاة التراويح","level":2,"page":169},{"title":"صلاة الوتر وما يقرأ فيها وأحكام القنوت","level":1,"page":170},{"title":"استحباب صلاة الوتر","level":2,"page":171},{"title":"عدد الركعات في صلاة الوتر","level":2,"page":172},{"title":"من نام عن صلاة الوتر أن نسيها","level":2,"page":173},{"title":"القراءة في صلاة الوتر","level":2,"page":174},{"title":"حكم الصلاة في وقت الترويح","level":2,"page":175},{"title":"استحباب قراءة القرآن في التراويح من الحفظ ويجوز من المصحف","level":2,"page":176},{"title":"حكم القنوت في الوتر","level":2,"page":177},{"title":"الدعاء بعد الوتر","level":2,"page":178},{"title":"ليلة القدر وفضل قيامها","level":1,"page":179},{"title":"حكم من نذر أن يعتكف فمات قبل ذلك","level":2,"page":180},{"title":"فضل ليلة القدر","level":2,"page":181},{"title":"سبب تسمية ليلة القدر بليلة القدر","level":3,"page":182},{"title":"متى تكون ليلة القدر","level":2,"page":183},{"title":"علامات ليلة القدر","level":3,"page":184},{"title":"ما يستحب في هذه الليلة","level":2,"page":185},{"title":"الأحاديث التي فيها تحري ليلة القدر","level":2,"page":186},{"title":"صيام التطوع","level":1,"page":187},{"title":"فضيلة صيام التطوع","level":2,"page":188},{"title":"فضلة صوم الست من شوال","level":3,"page":189},{"title":"فضلة صوم يوم عرفة","level":3,"page":190},{"title":"فضلة صيام يوم عاشوراء","level":3,"page":191},{"title":"فضلة صيام أيام البيض","level":3,"page":192},{"title":"فضل صيام يوم الإثنين والخميس","level":3,"page":193},{"title":"صيام التطوع وما لا يجوز صيامه من الأيام","level":1,"page":194},{"title":"الأيام التي يستحب صيامها","level":2,"page":195},{"title":"صوم النبي ﷺ","level":3,"page":196},{"title":"صوم عشر ذي الحجة","level":3,"page":197},{"title":"استحباب مخالفة أيام الصيام من شهر إلى شهر","level":3,"page":198},{"title":"أفضل صيام التطوع","level":3,"page":199},{"title":"الأيام التي حرم الشارع صومها","level":2,"page":200},{"title":"النهي عن صوم الدهر","level":3,"page":201},{"title":"ما جاء في صيام النذر والصيام الممنوع","level":1,"page":202},{"title":"من فضائل الصيام","level":2,"page":203},{"title":"عظمة بناء الجنة وغرفها","level":3,"page":204},{"title":"تعظيم أماكن العبادة","level":2,"page":205},{"title":"صيام النذر","level":2,"page":206},{"title":"أنواع النذر","level":3,"page":207},{"title":"نذر ما لا يطيق","level":3,"page":208},{"title":"صيام التطوع للمرأة","level":2,"page":209},{"title":"المتطوع إذا بدا له أن يفطر","level":2,"page":210},{"title":"أثر النية الصالحة على الأعمال المباحة","level":2,"page":211},{"title":"الصيام الممنوع","level":2,"page":212},{"title":"صيام يوم الشك","level":3,"page":213},{"title":"صوم يوم الجمعة","level":3,"page":214},{"title":"الحث على قراءة القرآن وتعاهده","level":1,"page":215},{"title":"نماذج من تعاهد الصحابة للقرآن وحفظهم له","level":2,"page":216},{"title":"عمل الصحابة بالقرآن وتناصحهم فيما بينهم على ذلك","level":3,"page":217},{"title":"قصة جمع أبي بكر للقرآن","level":2,"page":218},{"title":"قصة جمع عثمان للقرآن وسبب ذلك","level":2,"page":219},{"title":"فضائل القرآن الكريم [١]","level":1,"page":220},{"title":"فضل القرآن الكريم وتلاوته في رمضان وغيره","level":2,"page":221},{"title":"نزول القرآن ومدارسة النبي ﷺ له مع جبريل في رمضان","level":3,"page":222},{"title":"شفاعة القرآن لصاحبه يوم القيامة","level":3,"page":223},{"title":"فضل قراءة سورتي البقرة وآل عمران","level":3,"page":224},{"title":"وجوب الإخلاص في قراءة القرآن وحفظه وتعلمه","level":3,"page":225},{"title":"أجر قراءة القرآن","level":3,"page":226},{"title":"مزايا مدارسة القرآن","level":3,"page":227},{"title":"التحذير من نسيان القرآن","level":3,"page":228},{"title":"فضل القيام بالقرآن","level":3,"page":229},{"title":"فضائل القرآن الكريم [٢]","level":1,"page":230},{"title":"ما جاء في فضل قراءة القرآن","level":2,"page":231},{"title":"شرح حديث: (من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين)","level":3,"page":232},{"title":"شرح حديث: (إذا قام أحدكم يصلي من الليل فليستك)","level":3,"page":233},{"title":"شرح حديث: (أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟)","level":3,"page":234},{"title":"شرح حديث: (من قرأ بمائة آية في ليلة)","level":3,"page":235},{"title":"شرح حديث: (من رأى منكم الليلة رؤيا؟)","level":3,"page":236},{"title":"فضائل القرآن وآداب قراءته","level":1,"page":237},{"title":"فضائل القرآن الكريم","level":2,"page":238},{"title":"خير الناس من يتعلم القرآن ويعلمه","level":3,"page":239},{"title":"نجاة الناس وهدايتهم بتمسكهم بكتاب الله","level":3,"page":240},{"title":"ذكر ما يعطى صاحب القرآن ووالداه يوم القيامة","level":3,"page":241},{"title":"من أحسن الناس صوتا من يقرأ القرآن وهو يخشى الله","level":3,"page":242},{"title":"استحباب قراءة القرآن آية آية","level":3,"page":243},{"title":"فضل قراءة القرآن على سائر الأذكار إلا في المواضع المخصصة للأذكار","level":3,"page":244},{"title":"آداب ينبغي لقارئ القرآن أن يتأدب بها أثناء القراءة","level":3,"page":245},{"title":"آداب قراءة القرآن [١]","level":1,"page":246},{"title":"آداب قراءة القرآن الكريم","level":2,"page":247},{"title":"استعمال السواك عند القراءة","level":3,"page":248},{"title":"الاستعاذة عند القراءة","level":3,"page":249},{"title":"الخشوع والتدبر عند القراءة","level":3,"page":250},{"title":"التغني بالقرآن","level":2,"page":251},{"title":"استحباب البكاء عند قراءة القرآن","level":3,"page":252},{"title":"من أسباب البكاء عند قراءة القرآن: تدبر ما يقرأ","level":3,"page":253},{"title":"استحباب ترتيل القرآن عند القراءة","level":3,"page":254},{"title":"كراهة الهذ في قراءة القرآن","level":3,"page":255},{"title":"آداب قراءة القرآن [٢]","level":1,"page":256},{"title":"استحباب الترتيل عند قراءة القرآن","level":2,"page":257},{"title":"حكم قراءة القرآن بغير اللغة العربية","level":2,"page":258},{"title":"جواز القراءة في الصلاة بإحدى القراءات السبع أو العشر","level":2,"page":259},{"title":"قراءة القرآن على ترتيب المصحف","level":2,"page":260},{"title":"عدم جواز قراءة السورة منكسة آياتها","level":3,"page":261},{"title":"القراءة في المصحف أفضل من غيرها","level":2,"page":262},{"title":"جواز القراءة الجماعية","level":2,"page":263},{"title":"آداب القراء في القراءة الجماعية","level":2,"page":264},{"title":"اجتناب الضحك واللغط والعبث","level":3,"page":265},{"title":"اجتناب النظر إلى المحرم","level":3,"page":266},{"title":"الجهر والإسرار بالقراءة يختلف باختلاف الأحوال","level":2,"page":267},{"title":"استحباب الاستعاذة والبسملة والبدء من أول السورة وأول الكلام","level":2,"page":268},{"title":"الحالات التي تكره فيها قراءة القرآن","level":2,"page":269},{"title":"حكم قراءة القرآن ومس المصحف للمحدث حدثا أصغر","level":2,"page":270},{"title":"تسليم القارئ على من مر به ورده للسلام","level":2,"page":271},{"title":"ما ورد من الإجابة عند قراءة بعض الآيات","level":2,"page":272},{"title":"أوقات قراءة القرآن المختارة","level":2,"page":273},{"title":"آداب ختم القرآن","level":2,"page":274},{"title":"آداب قراءة القرآن [٣]","level":1,"page":275},{"title":"حث قارئ القرآن على الترفع عن سؤال الناس","level":2,"page":276},{"title":"آداب حامل القرآن","level":2,"page":277},{"title":"الأمر بالنصيحة لكتاب الله تعالى","level":2,"page":278},{"title":"كراهة قول: نسيت آية كذا","level":2,"page":279},{"title":"الرقية بالقرآن","level":2,"page":280},{"title":"ما ورد من قراءته ﷺ بسور وآيات مخصوصة في صلوات وأوقات مخصوصة","level":2,"page":281},{"title":"الاعتكاف وأحكامه [١]","level":1,"page":282},{"title":"تعريف الاعتكاف وحكمه","level":2,"page":283},{"title":"تأكد سنة الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان","level":2,"page":284},{"title":"استحباب قضاء الاعتكاف لمن فاته","level":2,"page":285},{"title":"وقت الاعتكاف","level":2,"page":286},{"title":"شروط الاعتكاف","level":2,"page":287},{"title":"بعض أحكام الاعتكاف","level":2,"page":288},{"title":"الاعتكاف وأحكامه [٢]","level":1,"page":289},{"title":"أحكام الاعتكاف","level":2,"page":290},{"title":"تعريف الاعتكاف","level":3,"page":291},{"title":"حكم الاعتكاف","level":3,"page":292},{"title":"مكان الاعتكاف","level":3,"page":293},{"title":"استواء المساجد في الفضيلة إلا ثلاثة مساجد","level":3,"page":294},{"title":"حكم الاعتكاف في المساجد الثلاثة أو في أحدها","level":3,"page":295},{"title":"مدة الاعتكاف وحكمه بصوم أو بغير صوم","level":3,"page":296},{"title":"حكم نذر الاعتكاف مطلقا من غير تحديد للوقت","level":3,"page":297},{"title":"النية في الاعتكاف","level":3,"page":298},{"title":"حكم من أراد الاعتكاف وأبواه يمنعانه","level":3,"page":299},{"title":"حكم خروج المعتكف من المسجد لعذر أو لغير عذر","level":3,"page":300},{"title":"الاشتراط في الاعتكاف","level":3,"page":301},{"title":"مبطلات الاعتكاف","level":3,"page":302},{"title":"الاعتكاف وأحكامه [٣]","level":1,"page":303},{"title":"مسائل في الاعتكاف","level":2,"page":304},{"title":"الفرق بين اعتكاف النذر والنافلة","level":3,"page":305},{"title":"ما يجوز للمعتكف فعله في المسجد وما لا يجوز","level":2,"page":306},{"title":"جواز الأكل ولبس أجمل الثياب في المسجد","level":3,"page":307},{"title":"اجتناب أكل ما له رائحة في المسجد","level":3,"page":308},{"title":"الحفاظ على نظافة المسجد","level":3,"page":309},{"title":"حكم النوم والاضطجاع والاستلقاء للمعتكف","level":3,"page":310},{"title":"يجوز للمعتكف أن يزوج ويتزوج","level":3,"page":311},{"title":"جواز التجارة الخفيفة للمعتكف","level":3,"page":312},{"title":"جواز الحديث مع الأهل للمعتكف","level":3,"page":313},{"title":"النهي عن إنشاد الضالة في المسجد وإنشاد الأشعار والتحلق قبل صلاة الجمعة","level":3,"page":314},{"title":"جواز اشتغال المعتكف بالأمور اليسيرة","level":3,"page":315},{"title":"زكاة الفطر","level":1,"page":316},{"title":"الأدلة على وجوب زكاة الفطر","level":2,"page":317},{"title":"متى فرضت زكاة الفطر","level":2,"page":318},{"title":"شروط وجوب زكاة الفطر","level":2,"page":319},{"title":"عمن يخرج المسلم زكاة الفطر","level":2,"page":320},{"title":"حكم إعطاء الزكاة للمطلقة","level":3,"page":321},{"title":"وقت وجوب زكاة الفطر","level":3,"page":322},{"title":"حكم تعجيل زكاة الفطر","level":3,"page":323},{"title":"حكم تأخير زكاة الفطر عن صلاة العيد","level":3,"page":324},{"title":"مقدار زكاة الفطر","level":3,"page":325},{"title":"أحكام المساجد وآدابها [١]","level":1,"page":326},{"title":"فضل المساجد وأحكامها","level":2,"page":327},{"title":"أخذ الزينة في بيوت الله","level":3,"page":328},{"title":"حكم المكث في المسجد للحائض والجنب","level":3,"page":329},{"title":"حكم الأكل والشرب في المسجد","level":3,"page":330},{"title":"حكم دخول المسجد لمن أكل ثوما أو بصلا أو ما له رائحة كريهة","level":3,"page":331},{"title":"حكم البزاق في المسجد","level":3,"page":332},{"title":"تحريم البول والفصد والقيء والحجامة على أرض المسجد","level":3,"page":333},{"title":"حكم غرس الشجر في المسجد","level":3,"page":334},{"title":"حكم حفر الآبار في المساجد","level":3,"page":335},{"title":"حكم الخصومات في المسجد","level":3,"page":336},{"title":"حكم نشد الضوال في المساجد","level":3,"page":337},{"title":"وجوب احترام بيوت الله وحفظها واحترام أهلها","level":2,"page":338},{"title":"أحكام المساجد وآدابها [٢]","level":1,"page":339},{"title":"آداب المساجد","level":2,"page":340},{"title":"المنع من الخصومة في المساجد","level":3,"page":341},{"title":"عدم جواز إنشاد الضالة والبيع في المساجد","level":3,"page":342},{"title":"عدم رفع الصوت في المساجد","level":3,"page":343},{"title":"صيانة المساجد مما يؤذيها والمصلين","level":3,"page":344},{"title":"عدم اتخاذ المساجد مكانا لمزاولة الحرف","level":3,"page":345},{"title":"حكم استلقاء الرجل في المسجد إحدى رجليه على الأخرى أمام غيره","level":2,"page":346},{"title":"حكم تشبيك الأصابع في المسجد","level":3,"page":347},{"title":"استحباب عقد حلق العلم والمواعظ في المسجد","level":3,"page":348},{"title":"جواز التحدث في المسجد بالحديث المباح","level":3,"page":349},{"title":"حكم إنشاد الشعر في المسجد إذا كان فيه دفاع عن الدين","level":3,"page":350},{"title":"تنظيف المساجد وإزالة ما فيها من أذى","level":3,"page":351},{"title":"البداءة بالمسجد والصلاة فيه عند القدوم من سفر","level":3,"page":352},{"title":"استحباب استحضار نية الاعتكاف عند دخول المسجد والمكث فيه","level":3,"page":353},{"title":"صلاة ركعتين تحية للمسجد","level":3,"page":354},{"title":"أحكام المساجد وآدابها وأحكام صلاة العيد","level":1,"page":355},{"title":"تابع آداب المساجد","level":2,"page":356},{"title":"صلاة تحية المسجد","level":3,"page":357},{"title":"الأوقات التي يحرم فيها صلاة النافلة وسجود التلاوة","level":3,"page":358},{"title":"تحريم اتخاذ القبور مساجد","level":3,"page":359},{"title":"استثناء المسجد النبوي من سائر المساجد في دخول قبر النبي ﷺ","level":3,"page":360},{"title":"الرد على من يحتج بما رواه موسى بن عقبة في جواز اتخاذ المساجد على القبور","level":3,"page":361},{"title":"حائط المسجد من داخله وخارجه له حكم المسجد","level":3,"page":362},{"title":"تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلى إلا لعذر","level":3,"page":363},{"title":"ما يقال عند دخول المسجد والخروج منه","level":3,"page":364},{"title":"استحباب بناء المساجد","level":3,"page":365},{"title":"جواز بناء المسجد في موضع كان فيه كنيسة أو بيعة أو مقبرة","level":3,"page":366},{"title":"ما يكره في بناء المساجد","level":3,"page":367},{"title":"جواز تسمية المسجد باسم شخص","level":3,"page":368},{"title":"جواز مكث الحائض والجنب في المصلى الذي ليس بمسجد","level":3,"page":369},{"title":"أحكام العيد","level":2,"page":370},{"title":"معنى كلمة العيد","level":3,"page":371},{"title":"حكم صلاة العيد وأقوال العلماء في مشروعيتها","level":3,"page":372},{"title":"وقت صلاة العيدين وما يستحب فيها","level":3,"page":373},{"title":"أحكام صلاة العيد","level":1,"page":374},{"title":"المشروع في صفة صلاة العيد","level":2,"page":375},{"title":"حكم الصلاة قبل صلاة العيد أو بعدها","level":3,"page":376},{"title":"هيئة التكبيرات والذكر بينها","level":3,"page":377},{"title":"إذا شك الإمام في عدد التكبيرات","level":3,"page":378},{"title":"الجهر بالتكبيرات والقراءة في صلاة العيد","level":3,"page":379},{"title":"القراءة في صلاة العيد","level":3,"page":380},{"title":"خطبة العيد","level":3,"page":381},{"title":"موقف الخطيب","level":3,"page":382},{"title":"خطبة العيد","level":3,"page":383},{"title":"استماع الخطبة","level":3,"page":384},{"title":"حكم من فاتته صلاة العيد","level":3,"page":385},{"title":"التكبير في العيدين","level":3,"page":386},{"title":"صيغة التكبير","level":3,"page":387}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"2,1":11,"2,2":12,"2,3":13,"2,4":14,"2,5":15,"2,6":16,"2,7":17,"2,8":18,"2,9":19,"3,1":20,"3,2":21,"3,3":22,"3,4":23,"3,5":24,"3,6":25,"3,7":26,"3,8":27,"3,9":28,"3,10":29,"3,11":30,"4,1":31,"4,2":32,"4,3":33,"4,4":34,"4,5":35,"4,6":36,"4,7":37,"4,8":38,"4,9":39,"4,10":40,"4,11":41,"4,12":42,"5,1":43,"5,2":44,"5,3":45,"5,4":46,"5,5":47,"5,6":48,"5,7":49,"5,8":50,"5,9":51,"5,10":52,"5,11":53,"5,12":54,"5,13":55,"6,1":56,"6,2":57,"6,3":58,"6,4":59,"6,5":60,"6,6":61,"6,7":62,"6,8":63,"6,9":64,"6,10":65,"6,11":66,"6,12":67,"7,1":68,"7,2":69,"7,3":70,"7,4":71,"7,5":72,"7,6":73,"7,7":74,"7,8":75,"7,9":76,"7,10":77,"7,11":78,"7,12":79,"7,13":80,"8,1":81,"8,2":82,"8,3":83,"8,4":84,"8,5":85,"8,6":86,"8,7":87,"9,1":88,"9,2":89,"9,3":90,"9,4":91,"9,5":92,"9,6":93,"9,7":94,"9,8":95,"9,9":96,"9,10":97,"9,11":98,"9,12":99,"9,13":100,"10,1":101,"10,2":102,"10,3":103,"10,4":104,"10,5":105,"10,6":106,"10,7":107,"10,8":108,"10,9":109,"10,10":110,"10,11":111,"10,12":112,"10,13":113,"10,14":114,"10,15":115,"10,16":116,"10,17":117,"10,18":118,"10,19":119,"10,20":120,"11,1":121,"11,2":122,"11,3":123,"11,4":124,"11,5":125,"11,6":126,"11,7":127,"11,8":128,"11,9":129,"11,10":130,"11,11":131,"11,12":132,"11,13":133,"11,14":134,"11,15":135,"11,16":136,"12,1":137,"12,2":138,"12,3":139,"12,4":140,"12,5":141,"12,6":142,"12,7":143,"12,8":144,"12,9":145,"13,1":146,"13,2":147,"13,3":148,"13,4":149,"13,5":150,"13,6":151,"13,7":152,"14,1":153,"14,2":154,"14,3":155,"14,4":156,"14,5":157,"14,6":158,"15,1":159,"15,2":160,"15,3":161,"15,4":162,"15,5":163,"15,6":164,"16,1":165,"16,2":166,"16,3":167,"16,4":168,"16,5":169,"17,1":170,"17,2":171,"17,3":172,"17,4":173,"17,5":174,"17,6":175,"17,7":176,"17,8":177,"17,9":178,"18,1":179,"18,2":180,"18,3":181,"18,4":182,"18,5":183,"18,6":184,"18,7":185,"18,8":186,"19,1":187,"19,2":188,"19,3":189,"19,4":190,"19,5":191,"19,6":192,"19,7":193,"20,1":194,"20,2":195,"20,3":196,"20,4":197,"20,5":198,"20,6":199,"20,7":200,"20,8":201,"21,1":202,"21,2":203,"21,3":204,"21,4":205,"21,5":206,"21,6":207,"21,7":208,"21,8":209,"21,9":210,"21,10":211,"21,11":212,"21,12":213,"21,13":214,"22,1":215,"22,2":216,"22,3":217,"22,4":218,"22,5":219,"23,1":220,"23,2":221,"23,3":222,"23,4":223,"23,5":224,"23,6":225,"23,7":226,"23,8":227,"23,9":228,"23,10":229,"24,1":230,"24,2":231,"24,3":232,"24,4":233,"24,5":234,"24,6":235,"24,7":236,"25,1":237,"25,2":238,"25,3":239,"25,4":240,"25,5":241,"25,6":242,"25,7":243,"25,8":244,"25,9":245,"26,1":246,"26,2":247,"26,3":248,"26,4":249,"26,5":250,"26,6":251,"26,7":252,"26,8":253,"26,9":254,"26,10":255,"27,1":256,"27,2":257,"27,3":258,"27,4":259,"27,5":260,"27,6":261,"27,7":262,"27,8":263,"27,9":264,"27,10":265,"27,11":266,"27,12":267,"27,13":268,"27,14":269,"27,15":270,"27,16":271,"27,17":272,"27,18":273,"27,19":274,"28,1":275,"28,2":276,"28,3":277,"28,4":278,"28,5":279,"28,6":280,"28,7":281,"29,1":282,"29,2":283,"29,3":284,"29,4":285,"29,5":286,"29,6":287,"29,7":288,"30,1":289,"30,2":290,"30,3":291,"30,4":292,"30,5":293,"30,6":294,"30,7":295,"30,8":296,"30,9":297,"30,10":298,"30,11":299,"30,12":300,"30,13":301,"30,14":302,"31,1":303,"31,2":304,"31,3":305,"31,4":306,"31,5":307,"31,6":308,"31,7":309,"31,8":310,"31,9":311,"31,10":312,"31,11":313,"31,12":314,"31,13":315,"32,1":316,"32,2":317,"32,3":318,"32,4":319,"32,5":320,"32,6":321,"32,7":322,"32,8":323,"32,9":324,"32,10":325,"33,1":326,"33,2":327,"33,3":328,"33,4":329,"33,5":330,"33,6":331,"33,7":332,"33,8":333,"33,9":334,"33,10":335,"33,11":336,"33,12":337,"33,13":338,"34,1":339,"34,2":340,"34,3":341,"34,4":342,"34,5":343,"34,6":344,"34,7":345,"34,8":346,"34,9":347,"34,10":348,"34,11":349,"34,12":350,"34,13":351,"34,14":352,"34,15":353,"34,16":354,"35,1":355,"35,2":356,"35,3":357,"35,4":358,"35,5":359,"35,6":360,"35,7":361,"35,8":362,"35,9":363,"35,10":364,"35,11":365,"35,12":366,"35,13":367,"35,14":368,"35,15":369,"35,16":370,"35,17":371,"35,18":372,"35,19":373,"36,1":374,"36,2":375,"36,3":376,"36,4":377,"36,5":378,"36,6":379,"36,7":380,"36,8":381,"36,9":382,"36,10":383,"36,11":384,"36,12":385,"36,13":386,"36,14":387},"ٜ":{"1":[1,10],"2":[1,9],"3":[1,11],"4":[1,12],"5":[1,13],"6":[1,12],"7":[1,13],"8":[1,7],"9":[1,13],"10":[1,20],"11":[1,16],"12":[1,9],"13":[1,7],"14":[1,6],"15":[1,6],"16":[1,5],"17":[1,9],"18":[1,8],"19":[1,7],"20":[1,8],"21":[1,13],"22":[1,5],"23":[1,10],"24":[1,7],"25":[1,9],"26":[1,10],"27":[1,19],"28":[1,7],"29":[1,7],"30":[1,14],"31":[1,13],"32":[1,10],"33":[1,13],"34":[1,16],"35":[1,19],"36":[1,14]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","8,1","8,2","8,3","8,4","8,5","8,6","8,7","9,1","9,2","9,3","9,4","9,5","9,6","9,7","9,8","9,9","9,10","9,11","9,12","9,13","10,1","10,2","10,3","10,4","10,5","10,6","10,7","10,8","10,9","10,10","10,11","10,12","10,13","10,14","10,15","10,16","10,17","10,18","10,19","10,20","11,1","11,2","11,3","11,4","11,5","11,6","11,7","11,8","11,9","11,10","11,11","11,12","11,13","11,14","11,15","11,16","12,1","12,2","12,3","12,4","12,5","12,6","12,7","12,8","12,9","13,1","13,2","13,3","13,4","13,5","13,6","13,7","14,1","14,2","14,3","14,4","14,5","14,6","15,1","15,2","15,3","15,4","15,5","15,6","16,1","16,2","16,3","16,4","16,5","17,1","17,2","17,3","17,4","17,5","17,6","17,7","17,8","17,9","18,1","18,2","18,3","18,4","18,5","18,6","18,7","18,8","19,1","19,2","19,3","19,4","19,5","19,6","19,7","20,1","20,2","20,3","20,4","20,5","20,6","20,7","20,8","21,1","21,2","21,3","21,4","21,5","21,6","21,7","21,8","21,9","21,10","21,11","21,12","21,13","22,1","22,2","22,3","22,4","22,5","23,1","23,2","23,3","23,4","23,5","23,6","23,7","23,8","23,9","23,10","24,1","24,2","24,3","24,4","24,5","24,6","24,7","25,1","25,2","25,3","25,4","25,5","25,6","25,7","25,8","25,9","26,1","26,2","26,3","26,4","26,5","26,6","26,7","26,8","26,9","26,10","27,1","27,2","27,3","27,4","27,5","27,6","27,7","27,8","27,9","27,10","27,11","27,12","27,13","27,14","27,15","27,16","27,17","27,18","27,19","28,1","28,2","28,3","28,4","28,5","28,6","28,7","29,1","29,2","29,3","29,4","29,5","29,6","29,7","30,1","30,2","30,3","30,4","30,5","30,6","30,7","30,8","30,9","30,10","30,11","30,12","30,13","30,14","31,1","31,2","31,3","31,4","31,5","31,6","31,7","31,8","31,9","31,10","31,11","31,12","31,13","32,1","32,2","32,3","32,4","32,5","32,6","32,7","32,8","32,9","32,10","33,1","33,2","33,3","33,4","33,5","33,6","33,7","33,8","33,9","33,10","33,11","33,12","33,13","34,1","34,2","34,3","34,4","34,5","34,6","34,7","34,8","34,9","34,10","34,11","34,12","34,13","34,14","34,15","34,16","35,1","35,2","35,3","35,4","35,5","35,6","35,7","35,8","35,9","35,10","35,11","35,12","35,13","35,14","35,15","35,16","35,17","35,18","35,19","36,1","36,2","36,3","36,4","36,5","36,6","36,7","36,8","36,9","36,10","36,11","36,12","36,13","36,14"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"4":[4],"5":[5],"6":[6],"7":[7],"8":[8],"9":[9],"10":[10],"11":[11],"12":[12],"13":[13],"14":[14],"15":[15],"16":[16],"17":[17],"18":[18],"19":[19],"20":[20],"21":[21],"22":[22],"23":[23],"24":[24],"25":[25],"26":[26],"27":[27],"28":[28],"29":[29],"30":[30],"31":[31],"32":[32],"33":[33],"34":[34],"35":[35],"36":[36],"37":[37],"38":[38],"39":[39],"40":[40],"41":[41],"42":[42],"43":[43],"44":[44],"45":[45],"46":[46],"47":[47],"48":[48],"49":[49],"50":[50],"51":[51],"52":[52],"53":[53],"54":[54],"55":[55],"56":[56],"57":[57],"58":[58],"59":[59],"60":[60],"61":[61],"62":[62],"63":[63],"64":[64],"65":[65],"66":[66],"67":[67],"68":[68],"69":[69],"70":[70],"71":[71],"72":[72],"73":[73],"74":[74],"75":[75],"76":[76],"77":[77],"78":[78],"79":[79],"80":[80],"81":[81],"82":[82],"83":[83],"84":[84],"85":[85],"86":[86],"87":[87],"88":[88],"89":[89],"90":[90],"91":[91],"92":[92],"93":[93],"94":[94],"95":[95],"96":[96],"97":[97],"98":[98],"99":[99],"100":[100],"101":[101],"102":[102],"103":[103],"104":[104],"105":[105],"106":[106],"107":[107],"108":[108],"109":[109],"110":[110],"111":[111],"112":[112],"113":[113],"114":[114],"115":[115],"116":[116],"117":[117],"118":[118],"119":[119],"120":[120],"121":[121],"122":[122],"123":[123],"124":[124],"125":[125],"126":[126],"127":[127],"128":[128],"129":[129],"130":[130],"131":[131],"132":[132],"133":[133],"134":[134],"135":[135],"136":[136],"137":[137],"138":[138],"139":[139],"140":[140],"141":[141],"142":[142],"143":[143],"144":[144],"145":[145],"146":[146],"147":[147],"148":[148],"149":[149],"150":[150],"151":[151],"152":[152],"153":[153],"154":[154],"155":[155],"156":[156],"157":[157],"158":[158],"159":[159],"160":[160],"161":[161],"162":[162],"163":[163],"164":[164],"165":[165],"166":[166],"167":[167],"168":[168],"169":[169],"170":[170],"171":[171],"172":[172],"173":[173],"174":[174],"175":[175],"176":[176],"177":[177],"178":[178],"179":[179],"180":[180],"181":[181],"182":[182],"183":[183],"184":[184],"185":[185],"186":[186],"187":[187],"188":[188],"189":[189],"190":[190],"191":[191],"192":[192],"193":[193],"194":[194],"195":[195],"196":[196],"197":[197],"198":[198],"199":[199],"200":[200],"201":[201],"202":[202],"203":[203],"204":[204],"205":[205],"206":[206],"207":[207],"208":[208],"209":[209],"210":[210],"211":[211],"212":[212],"213":[213],"214":[214],"215":[215],"216":[216],"217":[217],"218":[218],"219":[219],"220":[220],"221":[221],"222":[222],"223":[223],"224":[224],"225":[225],"226":[226],"227":[227],"228":[228],"229":[229],"230":[230],"231":[231],"232":[232],"233":[233],"234":[234],"235":[235],"236":[236],"237":[237],"238":[238],"239":[239],"240":[240],"241":[241],"242":[242],"243":[243],"244":[244],"245":[245],"246":[246],"247":[247],"248":[248],"249":[249],"250":[250],"251":[251],"252":[252],"253":[253],"254":[254],"255":[255],"256":[256],"257":[257],"258":[258],"259":[259],"260":[260],"261":[261],"262":[262],"263":[263],"264":[264],"265":[265],"266":[266],"267":[267],"268":[268],"269":[269],"270":[270],"271":[271],"272":[272],"273":[273],"274":[274],"275":[275],"276":[276],"277":[277],"278":[278],"279":[279],"280":[280],"281":[281],"282":[282],"283":[283],"284":[284],"285":[285],"286":[286],"287":[287],"288":[288],"289":[289],"290":[290],"291":[291],"292":[292],"293":[293],"294":[294],"295":[295],"296":[296],"297":[297],"298":[298],"299":[299],"300":[300],"301":[301],"302":[302],"303":[303],"304":[304],"305":[305],"306":[306],"307":[307],"308":[308],"309":[309],"310":[310],"311":[311],"312":[312],"313":[313],"314":[314],"315":[315],"316":[316],"317":[317],"318":[318],"319":[319],"320":[320],"321":[321],"322":[322],"323":[323],"324":[324],"325":[325],"326":[326],"327":[327],"328":[328],"329":[329],"330":[330],"331":[331],"332":[332],"333":[333],"334":[334],"335":[335],"336":[336],"337":[337],"338":[338],"339":[339],"340":[340],"341":[341],"342":[342],"343":[343],"344":[344],"345":[345],"346":[346],"347":[347],"348":[348],"349":[349],"350":[350],"351":[351],"352":[352],"353":[353],"354":[354],"355":[355],"356":[356],"357":[357],"358":[358],"359":[359],"360":[360],"361":[361],"362":[362],"363":[363],"364":[364],"365":[365],"366":[366],"367":[367],"368":[368],"369":[369],"370":[370],"371":[371],"372":[372],"373":[373],"374":[374],"375":[375],"376":[376],"377":[377],"378":[378],"379":[379],"380":[380],"381":[381],"382":[382],"383":[383],"384":[384],"385":[385],"386":[386],"387":[387]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-1> تعريف الصيام في اللغة والشرع وحكمه</span>\nلقد حكم الله على عباده بوجوب صوم رمضان، وبين لهم أن الصيام سبب للتقوى، وأخبرهم بأن الصوم كان مفروضًا على الذين من قبلهم من القرون الماضية، والأمم السالفة، وقد بين العلماءمعنى الصيام وحكمه وأحكامه، فعلى كل مسلم أن يتعلم أحكام الصيام ولو بالجملة؛ ليعبد الله على علم وبصيرة، فمن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين.","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تعريف الصوم في اللغة والغاية العظمى منه</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nنبدأ من هذه الليلة إن شاء الله في شرح كتاب الصيام وأعمال شهر رمضان، فإننا نحتاج إلى معرفة هذه الأحكام فنقول: لقد فرض الله ﷾ الصيام، وجعله ركنًا من أركان الإسلام، وذكر الله ﷿ في كتابه أحكامًا تفصيلية للصيام في خمس آيات من سورة البقرة، من قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣]، إلى قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ [البقرة:١٨٧]، فالصيام فريضة فرضها الله ﷿ علينا، وفرضها على الأمم من قبلنا، فهو تهذيب للنفوس، وشعور يجعل المؤمن يشعر بحاجة الفقير والمسكين إلى الطعام والشراب، فالصوم يهذب نفسه، ويجعله يرحم غيره من الخلق، ويقربه من الله ﷾، ويعينه على العبادة، فالمسلمون في هذه العبادة يصومون في شهر واحد، ويقومون في هذا الشهر في صلاة التراويح معًا، ويتعاونون على البر والتقوى، وعندما يأتي وقت زكاة الفطر يخرجون الزكاة معًا في وقت محدد من أواخر هذا الشهر قبل يوم العيد، فالمسلمون في هذا الشهر يجتمعون على أنواع من الطاعات والقربات، من صيام وصلاة وقيام وإطعام للفقراء وإخراج للزكاة، وهذا يؤلف بين قلوب الجميع من الفقراء والأغنياء، والكبراء والمتواضعين، وغير ذلك من الحكم الظاهرة من وراء هذا الصيام العظيم.\nوالأصل في الصيام معناه اللغوي، وقد جاءت الشريعة بالصيام على معناه اللغوي، ثم أعطت له معنى شرعيًا لا يخرج عن معناه اللغوي، فقيدته بقيود، فالصيام لغةً: الإمساك، فإن أمسك عند الطعام والشراب سمي صائمًا، وإن أمسك عن الحركة أو الكلام سمي صائمًا، لكن الشريعة قيدت المعنى اللغوي للصيام بالمعنى الشرعي.\nإذًا: الصوم في اللغة بمعنى: الإمساك، فكل إمساك يطلق عليه صيام، فيقال: صام إذا سكت، وصامت الخيل إذا وقفت ولم تتحرك، قال الله ﷿ لمريم ﵍: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم:٢٦]، ما هو هذا الصوم؟ ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٦]، فهو صوم عن الكلام، قال ابن عباس: معنى قوله تعالى: ﴿نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم:٢٦] أي: سكوتًا وصمتًا.\nوقال أبو عبيد القاسم بن سلام: كل ممسك عن كلام أو طعام أو سير فهو صائم.\nوقال النابغة: خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما فصائمة أي: لا تتحرك، وتحت العجاج أي: تحت التراب والغبار، تعلك اللجما أي: تحرك أفواهها وكأنها تنظر إلى اللجام المعقود عليها.\nوقال الخليل: الصيام: قيام بلا عمل، والصوم: الإمساك عن الطعام، وصام الفرس أي: قام على غير اعتلاف، وصام النهار أي: إذا قام قائم الظهيرة واعتدل، يعني: بأن توسطت الشمس في كبد السماء واستقامت، والصوم أيضًا: ركود الريح، يقال: صامت الريح: إذا ركدت ولم تتحرك.\nويطلق الصيام كذلك على السياحة، والسياحة: أن يسافر الإنسان من بلد إلى بلد آخر بحثًا عن مكان يتعبد الله فيه، فيسمى الصائم سائحًا، وقد تتبع العلماء النصوص فيجدوا أن الله ﷿ إذا ذكر الصيام لم يذكر السياحة، وإذا ذكر السياحة لم يذكر الصوم، وذلك في معرض الحديث عن العبادات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٥]، فذكر الصوم ولم يذكر السياحة، وقال سبحانه: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١٢]، فذكر السياحة ولم يذكر الصوم، وكأنه أبدل الصوم بكلمة السائحين، وقد قال أهل التفسير: السياحة هنا بمعنى: الصيام، فهو داخل في عموم المعنى اللغوي للسياحة: وهو السفر من بلد إلى آخر بحثًا عن مكان يتعبد الله فيه.\nوقال في سورة التحريم لنساء النبي ﷺ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم:٥]، فذكر السياحة ولم يذكر الصوم، وهذا دليل على أن السياحة هنا بمعنى: الصيام، يقول الزجاج: السائحون في قول أَهل التفسير واللغة جميعًا: الصائمون.\nوإنما قيل للصائم: سائح؛ لأن المتعبد يسيح في الأرض ولا زاد معه، فهو لا يهتم كثيرًا بطعام أو شراب، فتراه لا يطعم إلا إذا وجد الزاد، وكذلك الصائم فهو لا يطعم أيضًا، فلشبهه بالسائح سمي سائحًا، هذا تعريف الصيام في اللغة.","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>تعريف الصيام في الشرع</span>\nالصيام في الشرع: هو الإمساك عما منعه الله ﷿ منه، وكان مباحًا له في الأصل، فيمسك عن شهوتي البطن والفرج، فشهوة البطن في الطعام والشراب، وشهوة الفرج في الجماع.\nويصح الصوم من مسلم مميز، والمميز: من كان عمره سبع سنوات أو ثماني سنوات، فهو يميز بين الصواب والخطأ، ويفهم الأشياء وإن كان ليس فهمًا كاملًا.\nإذًا: الصوم: هو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من مسلم مميز، وإذا كان هذا الحكم في المميز فالمكلف من باب أولى.\nوالفرق بين المميز والمكلف: أن المميز: هو الذي يعقل وإن لم يصل إلى درجة البلوغ، والمكلف هو البالغ العاقل، وهذا الأمر ينطبق كذلك على المرأة، فلابد أن تمسك عن شهوتي البطن والفرج إذا كانت مميزة، ونضيف لها شرطًا آخر إذا كانت بالغة مكلفة، وهو طهارتها من الحيض أو النفاس إذا كانت متزوجة، فإذا صامت المرأة المكلفة الحائض أو النفساء لم يصح منها الصوم، وكذلك المميزة إذا كانت حائضًا؛ وذلك لوجود مانع من موانع قبول هذا الصوم وهو: الحيض أو النفاس.\nإذًا: الصوم هو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من مسلم مميز أو مكلف، أو مسلمة مميزة أو مكلفة، بشرط أن تكون المكلفة طاهرة من الحيض أو النفاس، ويكون هذا الإمساك من طلوع الشمس إلى غروبها بنية التعبد والتقرب لله ﷾.\nقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣].\nوقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧]، إلى أن قال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]، فلك أن تأكل طوال الليل إلى أن يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، فإذا ظهر الفجر حرم عليك الطعام والشراب إلى الليل، أي: من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، وهذا الصوم بنية التقرب إلى الله ﷾.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>حكم صوم رمضان</span>\nصوم رمضان فرض واجب وركن من أركان الإسلام، والأصل في وجوبه: الكتاب والسنة والإجماع، فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٣ - ١٨٥].\nإذًا: فقد فرض الله ﷿ صيام هذه الأيام في البداية، فجعل لهم شدة من وجه وتخفيفًا من وجه آخر، ثم بعد ذلك يسر الله سبحانه وفرض صوم رمضان على النحو الذي جاءت به الآية، يقول الحافظ ابن حجر في قول الله ﷿: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣]: (كتب) أي: فرض عليكم الصيام، والمراد بالمكتوب في قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ) أي: مكتوب في اللوح المحفوظ عند الله ﷿، فقد كتب في اللوح المحفوظ أن عليكم صيام رمضان، قال: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣].\nوقد اختلفوا في التشبيه الذي تدل عليه الكاف هنا، وما المقصود به؟ ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣]، فإذا حملنا التشبيه هنا على الحقيقة فسيكون معناه: أن الصيام كان شهرًا كاملًا على الذين من قبلنا، مثلما وجب علينا صيام شهر رمضان وإن تسمى باسم آخر، وإلا فالمقصود: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] أي: كصيامهم، فقد كتب عليهم الصيام، وهذا أيضًا محتمل، وإن كان الكثيرون من أهل العلم يرجحون فرضيته على السابقين شهرًا كما فرض علينا، فإذا بهم يزيدون فيه وينقصون منه، وإذا بهم يأكلون ويشربون، ويزيدون في مدة الصيام بدعوى التعويض عن الفوائت، فإذا جاءهم شهر رمضان في أيام الحر مثلًا أخروه إلى وقت معين وعوضوا ما فاتهم منه، مع زيادة عشرة أيام مقابل هذا التأخير.\nقال الله ﷿: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣]، ثم ذكر لنا العلة فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]، وكأن هذه العلة تشير إلى أنه كتب على الذين من قبلنا على سبيل الإصرار والتشديد عليهم، وقد قال جماعة من أهل العلم منهم معاذ وابن مسعود وغيرهما من أصحاب النبي ﷺ: إن الصيام لم يزل مشروعًا منذ عهد نوح.\nفالصوم عبادة لله ﷿، وهو من ضمن العبادات التي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣].\nإذًا: فكل من كانوا قبلنا كان مكتوبًا عليهم الصوم بحسب ما فرض الله ﷿ عليهم، ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٤].","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>بيان أن الصوم ركن من أركان الإسلام</span>\nقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، الأيام المعدودات هي: أيام شهر رمضان، فمن شهد هذا الشهر بأن كان حيًا مكلفًا قادرًا لزمه صومه، وقد دلت السنة على فرضية صيام هذا الشهر، فقد جاء في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان).\nفهذه أركان الإسلام: فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله هي التوحيد والشهادة بالرسالة للنبي ﷺ، وهذا الركن هو أهم أركان الإسلام، أما الركن الثاني فهو أهمها بعد التوحيد، وهو إقام الصلاة، وقد أمر الله ﷿ به، أمر النبي ﷺ معاذًا لما وجهه إلى اليمن أن يأمرهم بهذه الصلاة العظيمة بعد كلمة التوحيد، ثم يأتي بعد ذلك: إيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان.\nوفي الصحيحين عن طلحة بن عبيد الله ﵄: (أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله ﷺ ثائر الرأس، فقال: يا رسول الله! أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ فقال النبي ﷺ: الصلوات الخمس، إلا أن تطوع شيئًا، فقال الرجل: أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة؟ فأخبره النبي ﷺ، فقال: أخبرني بما فرض الله علي من الصيام؟ قال: شهر رمضان إلا أن تطوع شيئًا، ثم أخبره عن شرائع الإسلام، فقال الرجل: والذي أكرمك لا أتطوع شيئًا ولا أنقص مما فرض الله علي شيئًا، فقال النبي ﷺ: أفلح إن صدق)، أو قال: (دخل الجنة إن صدق)، فعبر ﷺ بـ (إن) الدالة على أنه قد يحدث الخبر، بخلاف ما لو أخبر بلو، فإنه حرف امتناع لامتناع، أي: يمتنع وقوع الجواب لامتناع الشرط، ولكن قال: (أفلح إن صدق)، ولكن أنى يكون للإنسان الصدق في ذلك؟! فإن كان للبعض فلن يكون للباقين؛ لأن الإنسان قد لا يأتي بالفريضة على الوجه الذي يرضى الله ﷿ عنه بها، فكل إنسان يعتريه في صلاة الفريضة السهو والخطأ، وقد يتأخر عنها وما إلى ذلك، أما أن يأتي بها كاملة فهذا بعيد، وعلى كل فقد أفلح من أتى بهذه الفرائض من غير النوافل إن صدق في إتيانها.\nوهذا دليل كذلك: على أنه لا فرض في الصوم غير فرض رمضان، إلا أن يكون بسبب آخر، كنذر ينذره الإنسان، أو كفارة من الكفارات التي لا تكون إلا بالصيام، فهذه فروض في الصوم بسبب آخر غير الأصل وهو صيام شهر رمضان.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>شرح حديث وفد عبد القيس</span>\nفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: (قدم وفد عبد القيس فقالوا: يا رسول الله! نحن من ربيعة وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، فلسنا نصل إليك إلا في الشهر الحرام، فمرنا بأمر نأخذ به وندعو إليه من وراءنا)، وكأن هذا الحي لم يزل على كفره إلى أن وفد وفد عبد القيس هذا، فقال: (آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله) يعني: آمركم بالإيمان بالله، قال: (وهو شهادة أن لا إله إلا الله، وعقد بيده) أي: أنه أشار بيده وكأنه يقول: فهذه واحدة، قال: (وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان)، فهذه الخصال الأربع التي أمرهم النبي ﷺ بها.\nوقوله: (شهادة أن لا إله إلا الله) دليل على ما بعدها، وهي شهادة أن محمدًا رسول الله، ويطلق على هاتين الشهادتين مسمى: كلمة التوحيد، ولم يذكر الحج في الحديث مع أنهم جاءوا في السنة الثامنة من الهجرة بعد فرض الحج؛ لأنهم لم يكونوا مستطيعين الحج، وإنما يجب الحج على من استطاع إليه سبيلًا.\nثم زادهم فرضًا خامسًا فقال: (وأن تؤدوا لله خمس ما غنمتم) فإذا جاهدتم في سبيل الله ﷿ وغنمتم فعليكم الخمس المذكور في سورة الأنفال في قوله سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال:٤١]، وهذا الخمس الخاص بالله ﷾ يخرج قبل توزيع الغنائم، ثم يأخذ المجاهدون أربعة أخماس من المغنم فيما بينهم.\nثم قال ﷺ (وأنهاكم عن أربع: عن الدباء، والحنتم، والنقير، والمقير أو المزفت)، وهذه أربعة أشياء يكون التخمر والفساد فيها سريعًا فنهاهم عنها، وإن كان بعد ذلك قد رخص لهم الشرب في جميع الأواني إلا أن يكون محرمًا.\nقال: (أنهاكم عن الدباء)، الدباء: هو القرع، سواء كان القرع العسلي أو اليابس، فيعمد إلى هذا القرع فيفتح فيه فتحة بسيطة ويأخذ ما بداخله، فيصير كهيئة الإناء، فيطرح فيه النبيذ، والنبيذ: هو الشراب الذي ينبذ فيه التمر أو الزبيب، والنبيذ على وزن فعيل بمعنى مفعول، فهو الشيء المنبوذ الملقى بداخله، فإذا وضع التمر أو الزبيب داخل هذه القرعة أخذ في التخمر والتحول بسرعة كبيرة، فيصير خمرًا، فنهاهم ﷺ عن ذلك.\nقال: (والحنتم)، وهو: نوع من أنواع الجرار لها فم في جانبها، وكان لون هذه الجرار أخضر، والحنتم أو الحنتمة شيء واحد، يستعملونها كالأواني فيشربون فيها الخمر، وقد نهاهم النبي ﷺ عن ذلك سدًا للذريعة، ولئلا توسوس لهم أنفسهم بعد ذلك فيشربون الخمر.\nونهاهم كذلك عن: (النقير)، والنقير: مأخوذ من النقرة، وهو أن يأخذ جذعًا ملقى على الأرض فينقر فيه نقرة فيجعله مجوفًا، فيضع فيه النبيذ ويغطيه، فيتخمر سريعًا فيشربه، فنهاهم عن ذلك أيضًا.\nونهاهم كذلك عن: (المزفت أو المقير)، وهو الإناء المطلي بالقار أو الزفت، فعندما يوضع فيه النبيذ يسخن إلى أن يتخمر، وقد نهاهم النبي ﷺ عن ذلك أيضًا.\nفقالوا للنبي ﷺ: (إن أرضنا كثيرة الجرذان، ولا تبقى فيها أسقية الأدم -أي: أسقية الجلود، وهذه الأسقية تأكلها الجرذان- فقال ﷺ: وإن أكلتها الجرذان، وإن أكلتها الجرذان، وإن أكلتها الجرذان).\nوهذا كان في البداية، حتى يمتنع الناس عن الخمر بتاتًا، فلما تعودوا على التحريم بعد ذلك أخبرهم أن الآنية لا تحل شيئًا ولا تحرمه، فاشربوا فيما شئتم غير ألا تشربوا مسكرًا، فأصبح النهي عن هذه الآنية منسوخًا بما جاء عنه ﷺ بعد ذلك أنه قال: (كنت نهيكم عن الانتباذ في الأسقية، فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرًا).\nففي البداية حرم النبي ﷺ الانتباذ في الأسقية هذه سدًا للذريعة؛ لأن الإنسان قد تستهويه نفسه فتجعله يشرب الخمر بعد أن كان نبيذًا، ثم لما تعود الناس على هذا الحكم بين لهم النبي ﷺ أن الآنية لا تحرم شيئًا ولا تحله، فنسخ الحكم السابق القاضي بالنهي فأجازها.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>الإجماع على وجوب صوم رمضان</span>\nأجمع أهل العلم على وجوب صيام شهر رمضان، وقلنا: إن الصوم المشروع: هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الصادق المستطير إلى غروب الشمس، قال الله ﷿: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]، فلك أن تأكل في الليل وتشرب حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، والمقصود بذلك: بياض النهار من سواد الليل، فإذا تبين ذلك فلا يجوز لك أن تأكل أو تشرب.\nقال ابن عبد البر في قول النبي ﷺ: (إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)، وفي هذا الحديث دلالة على أن للفجر أذانين، أذان يؤذنه بلال، وأذان يؤذنه ابن أم مكتوم، وفي الحديث دليل على أن الخيط الأبيض: هو الصباح، وأن السحور لا يكون إلا قبل الفجر، فلا يوجد هناك سحور بعد الفجر، وهذا بدلالة الأحاديث والآيات، وكأنه يشير هنا إلى الخلاف الواقع في هذه المسألة، ولذلك سينقل لنا الإجماع بعد ذلك على أن الطعام والشراب وغيرهما مفطرات إذا طلع الفجر، ثم قال: إلا الأعمش وحده فقد شذ ولم يعرج أحد على قوله، وكأن الأعمش وحده يرى جواز الأكل والشرب حتى تطلع الشمس، أي: يرى جوازه في وقت الإسفار بين الفجر وطلوع الشمس! ثم قال: والنهار الذي يجب صيامه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس هو الذي دلت عليه الآية، قال ابن عبد البر: هذا قول جماعة علماء المسلمين.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>بيان الفجر الصادق والكاذب</span>\nروى البخاري عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا يمنعن أحدًا منكم أذان بلال من سحوره)، والسحور: طعام السحور، وهو فعل الأكل، أي: الأكل في وقت السحر، قال: (لا يمنعن أحدًا منكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن أو ينادي بليل ليرجع قائمكم، ولينبه نائمكم)، فقوله: (ليرجع)، هذا فعل لازم ومتعد، فيجوز أن ينصب (قائمكم) على المفعولية، أو يرفعه فيكون فاعلًا له، ولفظ الحديث بالنصب، قال: (ولينبه نائمكم، وليس له أن يقول الفجر أو الصبح، وقال بأصابعه هكذا، فرفعها إلى فوق وطأطأ إلى أسفل حتى يقول هكذا)، وكأنه يريد أن يقول: إن الفجر الكاذب: ما كان ضوءً عموديًا من أعلى إلى أسفل، وأن الفجر الصادق ما كان أفقيًا مستطيلًا في السماء.\n(ثم قال بسبابتيه إحداهما على الأخرى ثم مدها عن يمينه وشماله)، وإذا نظرت إلى هذا الفجر وجدته يبدأ نورًا أفقيًا من المشرق إلى المغرب، ثم يبتدأ هذا الخيط من النور في الظهور شيئًا فشيئًا إلى أن تتغير السماء من الظلمة إلى اللون الأزرق أو اللبني، وهذا هو الإسفار، إذًا: فالفجر الصادق: هو النور المستطيل في السماء المبتدئ من المشرق إلى المغرب.\nوفي رواية: (وليس أن يقول الفجر أو الصبح -وقال بأصابعه ورفعها إلى فوق وطأطأ إلى أسفل- حتى يقول هكذا بسبابتي إحداهما فوق الأخرى، ثم مدها عن يمينه وشماله).\nوروى مسلم عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يغرنكم أذان بلال ولا هذا البياض لعمود الصبح حتى يستطير هكذا)، فلا تغتر بهذا البياض أو النور في السماء، بل البياض المعتمد في الفجر هو ما كان على امتداد الأفق، والأفق هو المكان البعيد الذي ينقطع إليه بصرك.\nفيقول لنا النبي ﷺ: (لا يغرنكم أذان بلال ولا هذا البياض لعمود الصبح)، والعمود: هو الشيء النازل من أعلى إلى أسفل.\nيقول: (حتى يستطير) أي: حتى ينفرد عن الأفق كخيط أمامك، ولذلك قال الله عنه: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾ [البقرة:١٨٧].\nولـ أبي داود والترمذي من حديث طلق بن علي قال: قال النبي ﷺ: (كلوا واشربوا ولا يهيدنكم) أي: لا يزعجنكم، قال: (ولا يهيدنكم الساطع المصعد) يعني: الضوء الصاعد أو النازل بشكل طولي من السماء، قال ﷺ: (كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد، وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر)، وهو الخيط الأفقي الممتد من المشرق إلى المغرب، وليس الأحمر لونًا له، لكنه يكون محمرًا عند أول ظهوره، ثم يصير خطًا ذهبيًا أمام ناظريك، وهذا هو الخيط الأبيض المعبر عنه في القرآن الكريم.\nولـ ابن أبي شيبة عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: (الفجر فجران: فأما الذي كأنه ذنب السرحان فإنه لا يحل شيئًا ولا يحرمه ولكن المستطير)، وذنب السرحان: هو ذيل الثعلب، فهذا لا يحل شيئًا ولا يحرم شيئًا، بل الضوء المستطير الأفقي هو الذي يحرم الأكل والشرب، وهو الفجر الصادق، فإذا طلع الفجر الصادق فلا يحل لك أن تأكل أو تشرب شيئًا، هذا إذا تبين لك الفجر الصادق، وإذا لم يتبين فالأكل والشرب والجماع مباح لك؛ لأن الله تعالى أباح الوطء أو الأكل أو الشرب إلى أن يتبين لنا الفجر، فقال تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]، فلو تبين لك الفجر فلا يحل لك أن تأكل أو تشرب أو تجامع، ولو كان في فمك ماء أو طعام لزمك أن تلفظه، وحرم عليك بلعه، قال الله تعالى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧].","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>جواز الأكل والشرب ما لم يتبين بزوغ الفجر الصادق</span>\nروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم)، فمنطوق الحديث يدل على جواز الأكل والشرب إلى أن ينادي ابن أم مكتوم، ومفهوم المخالفة في الحديث يدل على عدم جواز الأكل والشرب بعد أذانه ﵁.\nقال: (وكان رجلًا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت).\nيعني: طلع الصبح أو الفجر.\nوروى البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم ﵁ قال: لما نزلت ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]، قلت: يا رسول الله! إني أجعل تحت وسادتي عقالين: عقالًا أبيض وعقالًا أسود، أعرف الليل من النهار، يعني: أنه فهم الآية على ظاهرها، فكان يأكل ويشرب حتى يتميز الخيط الأبيض من الخيط الأسود له، إذا أصابهما الضوء، فقال رسول الله ﷺ: (إن وسادك لعريض -أي: ضخم- إنما هو سواد الليل وبياض النهار)، وهذا لفظ الإمام مسلم، وفيه دلالة لما سبق، وأن من شك في طلوع الفجر فله أن يأكل ويشرب إلى أن يستيقن من طلوعه، ثم بعد ذلك يمسك، وقال ابن عباس: كل ما شككت حتى لا تشك، فتأخذ من هذه القاعدة أن كل ما جاء عن الصحابة في الأكل مع وجود الضوء محمول على أنهم شكوا في طلوع الفجر، فأكلوا حتى استيقنوا من طلوع الفجر، وهذا كان في عصرهم، أما الآن فقد توافرت لدينا الساعات، فإذا جاء وقت صلاة الفجر وجب علينا الإمساك عن جميع المفطرات.\nويقول النبي ﷺ: (أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر) أي: أطيلوا الصلاة في الفجر، حتى يرى بعضكم بعضًا بعد الصلاة، فهذا أول وقت الأسفار، وهو الوقت الذي تتلون فيه الشمس باللون الأزرق بعد أن كانت سوداء مظلمة، نتيجة لبداية ظهور الشمس على هذا الجزء من الأرض، فإذا ارتفعت الشمس عن الأرض قدر رمح لم يجز لك أن تصلي في هذا الوقت، وهذا التقدير تقريبي؛ وقد حرمت الصلاة في هذا الوقت لأن الشمس تشرق فيه على قرني شيطان، فتكون العبادة في هذه الساعة مصروفة للشيطان لا لله جل وعلا.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>حكم السحور بعد الأذان الثاني للفجر</span>\nجاء عند أبي داود وأحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا سمع أحدكم النداء والإناء في يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه)، زاد أحمد: (وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر)، وقد قررتم فيما سبق أن من الواجب على الإنسان إذا سمع النداء وفي فمه شيء أن يلقيه ولا يبلعه، فكيف الجمع بين هذا وذاك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قد استدل بعض أهل العلم بهذا الحديث على جواز أكل ما في اليد والمؤذن يؤذن، والحديث محتمل لهذا المعنى، وقد ذكر ابن حزم ﵀ هذا الحديث مع أحاديث عن النبي ﷺ أخرى كثيرة ثم حمل هذا الحديث على الشك، فكأنه يجوز للمتشكك في طلوع الفجر أن يأكل ما بيده والمؤذن يؤذن، ونحن نخاف من أن نقول بهذا الحديث؛ لورود الاحتمالات عليه؛ ولأن الله ﷿ يقول: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ [البقرة:١٨٧] ولم يقل: حتى يتبين للمؤذن فقط، فكأنه يقول: يجب على الناس كلهم أن يستيقنوا بزوغ الفجر ودخول وقته، ما لم فليأكلوا ما بأيديهم حتى يستيقنوا من ذلك.\nأيضًا: جاء حديث عند النسائي وأحمد عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ عند السحور: (يا أنس! إني أريد الصيام فأطعمني شيئًا) أي: يريد أن يصوم تطوعًا ﷺ قال: (يا أنس! أطعمني شيئًا، قال: فأتيته بتمر وإناء فيه ماء وذلك بعدما أذن بلال)، وبلال كان يؤذن الأذان الأول، فقال: (يا أنس! انظر رجلًا يأكل معي)، ولاحظ أنه كان بين الأذانين وقت قصير جدًا، وقد ذكر: أنه ما كان بينهما من الوقت إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا، فهنا النبي ﷺ لا يريد أن يتسحر لوحده، بل يريد أن يتسحر مع رجل آخر، قال: (فدعوت زيد بن ثابت فجاء فقال: إني قد شربت شربة سويق -وهو الشعير المخلوط بالماء- قال: وأنا أريد الصيام، فقال النبي ﷺ: وأنا أريد الصيام، فتسحر معه، ثم قام فصلى ركعتين، ثم خرج إلى الصلاة)، فكأن زيدًا تبين له الفجر فلم يأكل، ولم يتبين للنبي ﷺ فأكل، ثم امتنع عن الأكل لما تبين له طلوع الفجر بعد ذلك، فهذا الحديث قد يوهم أنه أكل بعد الأذان الثاني وليس كذلك؛ لأنه قد نص في الحديث على أن مؤذن هذا الأذان هو بلال ﵁، وهو الذي كان يؤذن الأذان الأول، فاندفع الوهم، وارتفع الإشكال.\nقال ابن حزم في المحلى بعدما ذكر آثارًا كثيرة جدًا عن الصحابة في هذا الشيء: وهذا كله محمول على أنه لم يكن تبين لهم الفجر بعد، وبهذا تتفق السنن مع القرآن.\nوقد كان ابن عباس في آخر حياته بعد أن عمي يسأل عن الفجر هل طلع أم لا؟ فإن قال أحدهم: نعم، والآخر: لا، قال: شككتما، ثم يأكل حتى يستيقن، وهذا هو رأي جمهور أهل العلم، والله تعالى أعلم.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.\nوصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":10},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-11> متى فرض الصيام وفضل صوم رمضان</span>\nدين الإسلام دين يسر وسهولة، ليس فيه حرج، وقد فرض الإسلام الصيام خلال مراحل حسب ما تقتضيه قدرة الإنسان وطاقته، تخفيفًا وتيسيرًا منه ﷾.\nووعد الله على الصيام بالأجر الكثير، وجعل فيه فضائل كثيرة في الدنيا والآخرة، وجعل صوم رمضان من أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى مولاه.","vol":"2","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>تعريف الصيام</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nتكلمنا في الحديث السابق عن الصيام، وأنه ركن من أركان الإسلام، وأن الصيام لغة: بمعنى الإمساك.\nوشرعًا: بمعنى الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية التقرب إلى الله، من مسلم مميز أو بالغ مكلف، أو من مسلمة مميزة أو بالغة مكلفة طاهرة من الحيض والنفاس.","vol":"2","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>عدم وجوب صوم غير رمضان إلا ما كان بنذر أو كفارة أو غيره</span>\nصوم رمضان هو الفريضة التي فرضها الله ﷿، ولا يجب صوم غير رمضان بأصل الشرع بإجماع أهل العلم، ولكن قد يجب صوم غير رمضان بنذر أو بكفارة أو بجزاء صيد، وهنا وجوبه لسبب من الأسباب التي يتسبب فيها صاحبها، أما بأصل الشرع فلا يجب صوم غير صوم رمضان.\nدليل الإجماع على أنه لا يجب صيام إلا صيام رمضان الحديث الذي في الصحيحين من حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ (لما سأل أعرابي النبي ﷺ عن الصيام الذي هو فرض عليه، فقال النبي ﷺ: صيام رمضان، قال: هل علي غيره؟ فقال: لا إلا أن تتطوع).\nفصوم رمضان هو الصوم الوحيد الذي أوجبه الله ﷿، قال لنا ربنا سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣]، وقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥].\nحديث النبي ﷺ بين أن غير رمضان يكون تطوعًا، إلا لسبب من الأسباب كما قدمنا.","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>مراحل وأحوال تشريع الصيام</span>\nالصيام أول ما فرض على النبي ﷺ كان على هيئة معينة، ولذلك نقول: إن للصيام أحوالًا ومراحل تم فيها تشريع الصيام، فقد كان الإسلام يحرم على الصائم الطعام والشراب والجماع منذ أن ينام أو يصلي العشاء الآخرة، فأيهما وجد أولًا حصل به التحريم، فلو أن شخصًا نام في وقت غروب الشمس، فلم يجز له أن يأكل، أو أنه كان مستيقظًا فأكل إلى أن أذن العشاء فلا يجوز له أن يأكل إلى فجر اليوم الثاني، وكان وقت الطعام والشراب والجماع ما بين المغرب والعشاء، بقيد آخر وهو ألا يكون نائمًا في هذا الوقت.\nفنسخ هذا الحكم الصعب بحكم آخر أسهل منه وهو الصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس كما سبق في التعريف، وهذه أحوال الصيام.\nوجاء في حديث البراء بن عازب ﵁ في صحيح البخاري قال: كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل منهم صائمًا فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وهذا الأمر فيه صعوبة شديدة، والله ﷾ يقول لنا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٠]، لشدد عليكم، ولألزمكم العنت والمشقة بالتكاليف الشرعية، ولكن رحمة الله ﷿ خففت على المؤمن من فضل الله ﷾، والحكمة من كونه يشرع لنا حكمًا ثم ينسخه؛ حتى نذوق صعوبة هذا الشيء الذي لو شاء الله لأدامه، فلما فرضه فترة ثم رفعه يعرف المسلم مدى رحمة الله ﷿ وسعة فضله وبيان رحمة رب العالمين ﷾.\nولذلك ربنا ﷾ في البداية أمرهم بصوم طويل صعب ثم خفف بعد ذلك رحمة بعباده.\nيقول البراء: كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل منهم صائمًا فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائمًا، فلما حضر الإفطار أتى إلى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك.\nجاء وقت غروب الشمس يسأل عن طعام في البيت فلم يجد، فذهبت المرأة تحضر له طعام وكأن الطعام الموجود في البيت هو التمر، ولذلك في بعض الروايات أنه قال: لقد أحرق التمر بطني، أي: من كثر أكل التمر لقد احترقت بطني، فكأنه يسأل عن طعام غير التمر، فذهبت تبحث عن طحين لكي تعجن له شيئًا يأكله، ثم رجعت فوجدته نائمًا ﵁، فقالت: خيبة لك! فنام ولم يأكل شيئًا حتى اليوم الثاني وهذا صيام طويل، قال: (فأصبح صائمًا، فرآه رسول الله ﷺ وقد جهد جهدًا شديدًا، قال: ما لي أراك قد جهدت جهدًا شديدًا؟ قال: يا رسول الله! إني عملت أمس فجئت حين جئت فألقيت نفسي فنمت وأصبح حين أصبحت صائمًا)، فكأن الرجل عند غروب الشمس صلى ثم نام، واستيقظ عند العشاء، وليس له أن يطعم، فصلى العشاء ونام وأصبح على هذه الحال.\nوكان عمر قد أصاب من النساء من جارية له أو من حرة بعد أن نام وأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، وهذه من الأسباب التي نسخت الحكم فذكر الله ﷿: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ﴾ [البقرة:١٨٧]، وتختانون من الخيانة، وما قال: تخونون، والفرق بينهما أن الإنسان الذي يخون يخون وهو يعلم أنه خائن، أما الذي يختان فيقع في الخيانة ولكن مع الشك هل الأمر الذي يعمله خطأ أم لا.\nفـ عمر ﵁ ذهب إلى البيت عند غروب الشمس فاستلقى، والجارية أو المرأة رأته نائمًا، وهو كان يظن أنه ليس بنائم، فقد كانت الجارية تقول له: أنت نمت، وهو يقول: لم أنم، فأتى هذه الجارية ثم ذهب للنبي ﷺ وحكى له هذا الأمر، فأنزل الله ﷿ رحمة بعبادة قوله ﷾: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]، هذه من رحمة رب العالمين سبحانه.\nفمعنى ﴿أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] أي: أنكم تقعون في الخطأ ثم تتأولون لأنفسكم، قال تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]، فما أعظم رحمة الله ﷾! وقال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ [البقرة:١٨٧]، وما قال: حتى يطلع الفجر رحمة منه.\nفنزلت هذه الآية الكريمة: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧]، ففرحوا بها فرحًا شديدًا، فهم نفذوا ما أمر الله ﷿ به، فلما نزل التخفيف من الله سبحانه فرحوا.\nونزل قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]، ولكن رحمة الله سبحانه واضحة أنه لما فرض هذا الصوم الشاق جعله على التخيير، إما أن تصوم بهذه الصورة من العشاء إلى مغرب ثاني يوم، أو أن تطعم مكان كل يوم مسكينًا، فجعله مخيرًا رحمة الله ﷿ في كل شيء حتى في الحكم الصعب يجعل له تيسيرًا آخر.\nفقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، منسوخ بقوله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة:١٨٣ - ١٨٤]، ومعنى يطيقونه أي: يستطيع أن يصوم ولكنه يشعر بالمشقة في ذلك، فكانت رخصة للجميع، فكان الذي يشق عليه يطعم بكل يوم مسكينًا، وبعد أن نسخت هذه الآية بقيت الرخصة على الذين لا يستطيع الصوم، فبقيت للمرأة الحامل، وللمرأة المرضع، وللمرأة العجوز، وللشيخ الكبير الضعيف، فهؤلاء إذا صاموا ستكون عليهم مشقة شديدة جدًا وقد لا يطيقون ذلك، فجعل الرخصة لهؤلاء فقط، أما باقي الناس الذين يطيقون الصوم يلزمه الصيام لقول الله ﷿: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، فصار الجميع يلزمهم الصوم، واستثنى المرضع والحامل والعجوز والشيخ.","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>شرح حديث معاذ في أحوال تشريع الصيام</span>\nروى أبو داود وأحمد عن معاذ بن جبل ﵁ قال: (أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال)، والمقصد من الحديث هنا أحوال الصيام.\nفالصلاة فرضها الله ﷾ على النبي ﷺ فكان في مكة يصلي صلوات الله وسلامه عليه أول النهار وآخر النهار، فيصلي ركعتين في أول النهار، وركعتين في آخر النهار، إلى أن عرج به إلى السماء وفرضت الصلوات الخمس المعروفة، فجاء جبريل وعلم النبي ﷺ كيف يصلي، فصلى وقتًا ثم هاجر إلى المدينة، وهم في المدينة أرادوا أن يجتمعوا على الصلاة، فتناقشوا فيما بينهم كيف نصلي الصلوات الخمس؟ وكيف ننادي إلى هذه الصلاة؟ فشاور النبي ﷺ أصحابه، فكل منهم أدلى برأيه، فمنهم من قال: نوقد نارًا -عند وقت الصلاة فيراها الناس فيأتون للصلاة، ومنهم من قال: نصنع ناقوسًا مثل ناقوس النصارى فإذا جاء وقت الصلاة ضربنا الناقوس فاجتمع الناس للصلاة، فلما كادوا يصنعون ذلك، رأى عبد الله بن زيد بن عبد ربه رؤيا فيها الأذان، فجاء وأخبر بها النبي ﷺ ورأى مثلها أيضًا عمر ﵁ فسبقه عبد الله بن زيد بن عبد ربه فالنبي ﷺ أمرهم بالأذان، فكان ينادى على الناس بالصلاة فيصلون.\nوأحوال الصيام، قال معاذ بن جبل: (فإن رسول الله ﷺ قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فصام سبعة عشر شهرًا من ربيع الأول إلى رمضان من كل شهر ثلاثة أيام)، فلما هاجر ولم يفرض الصوم، فكان النبي ﷺ يصوم، وكان قبل ذلك يصوم بعض الأيام وهو في مكة ﵊، فكان يصوم عاشوراء في مكة، ولما قدم المدينة وجدهم يصومون عاشوراء فصام معهم ﷺ، ولكنه كان يصوم قبل ذلك، كما سيأتي في صوم عاشوراء.\nفقال هنا: (وصام يوم عاشوراء) وكان فرضًا عليهم في العام الثاني من الهجرة، ولذلك سيأتي في صوم عاشوراء أن النبي ﷺ أصبح وقال لهم: (من أصبح صائمًا فليتم صومه، ومن لم يصبح صائمًا فليصم)، فكان في العام الثاني الذي فرض فيه صيام رمضان ثم نسخ عاشوراء بصيام رمضان.\nفأنزل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] إلى قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، قال: فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينًا فأجزأ ذلك عنه، وهذه حالة من أحوال الصيام.\nفصاموا عاشورا مع النبي ﷺ، وكان ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام تطوعًا، ثم فرض عاشورا لسنة واحدة فقط، ونسخ بعد ذلك، ثم فرض صيام رمضان، فإما تصوم من العشاء إلى غروب شمس اليوم الثاني، أو لك الخيار أن تطعم مسكينًا مكان كل يوم، ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٤].\nقال معاذ: (ثم إن الله ﷿ أنزل الآية الأخرى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، فأثبت الله ﷿ صيامه على المقيم الصحيح).\nفصام تسعة عشر شهرًا من ربيع الأول إلى رمضان وهي الأشهر التي صامها النبي ﷺ في كل شهر ثلاثة أيام وهذا ما جاء في رواية يزيد قال: (فصام تسعة عشر شهرًا من ربيع الأول) والرواية الأولى: (صام سبعة عشر شهرًا) صلوات الله وسلامه عليه.\nوقد فرض الله صيام شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة فصامه إلى أن توفي ﷺ في أول السنة الحادية عشرة، فصام ﷺ رمضان لتسع سنين؛ لأنه فرض رمضان في شهر شعبان من السنة الثانية من هجرته ﷺ، وتوفي النبي ﷺ في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من هجرته ﵊.","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>شرح حديث سلمة بن الأكوع في أحوال تشريع الصيام</span>\nفي الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال ﵁: (لما نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها).\nفيبين إن الآية الثانية نسخت الآية الأولى، والآية الثانية هي: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥].\nوفي لفظ لـ مسلم: (كنا في رمضان على عهد رسول الله ﷺ من شاء صام ومن شاء أفطر، فافتدى بطعام مسكين حتى أنزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]).","vol":"2","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>فضل الصيام</span>\nكلنا يعرف فضل الصيام وفضل صيام رمضان، ولكن نذكره للتذكرة، فكلما تذكرت فضيلة شيء فعلته، فيتشجع الإنسان على العمل ويتذكر الثواب المترتب على فعله، فإن كل مؤمن يحب أن يصوم ولكن عندما يتذكر فضل الصيام ومقدار الثواب عند الله ﷿ عليه، يحثه هذا الأمر على أن يصوم ويجتهد في ذلك.","vol":"2","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>الأحاديث الواردة في فضل الصيام</span>\nروى الجماعة -وهم السبعة: البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة والإمام أحمد - وغيرهم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (قال الله ﷿: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به)، وكأن ابن آدم عرف الثواب المترتب على بقية الأعمال إلا الصيام فقد ادخرت ثوابه عندي ولم أخبرك بهذا الثواب، فالثواب أعظم من أن تتخيله.\nقال: (إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به)، فالأعمال كلها لله سبحانه لكن الصيام وكأنه سر بين العبد وبين الرب، ومن سيعرف أنك صائم أو مفطر؟! ويخفي العبد ذلك فيؤجر عليه الأجر العظيم من الله سبحانه.\nقال ﷺ: (والصيام جنة) أي: وقاية يستجن به الإنسان، فيحمي به نفسه من النار ومن عذاب الجبار سبحانه.\nقال ﵊: (وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب)، الرفث الكلام الفاحش، فينهاك عن أن تتكلم بكلام فاحش وخاصة ما يتعلق بالجماع والنساء ومقدمات ذلك.\nقال: (فلا يرفث ولا يصخب)، والصخب من الجهل وهو رفع الصوت والصراخ والمشاجرة مع الناس.\nقال ﵊: (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم)، إذا سابه أحد أي: تعرض له بالشتم من أجل أن يتعارك معه، فليقل له: إني صائم قال: (فليقل: إني امرؤ صائم)، وكأنه يذكر نفسه، ويقول للآخر: إني صائم لن أرد عليك بهذا الشيء؛ لأن الصوم يمنعني من ذلك، فالصوم يدفع المؤمن إلى الالتزام بالخلق الحسن، وليس من حسن الخلق أن أتشاجر أو أسب أو أرد على إنسان.\nقال ﵊: (والذي نفس محمد بيده!)، يقسم بالله سبحانه (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)، قوله: (لخلوف فم الصائم) أي: تغير رائحة فم الصائم بسبب صومه، (أطيب عند الله من ريح المسك)، فربنا سبحانه يجعل هذه الرائحة عنده حين يرى العبد الثواب يوم القيامة، وحين يقابل ربه ﷾ يوم القيامة، فالريح الذي كان يصدر من فمه وهي رائحة كريهة متغيرة يجعله الله ﷿ أطيب عنده من رائحة المسك، كما يجعل دم الشهيد، والدم الأصل فيه أنه نجس، ولكن الشهيد يجعل الله ﷿ دمه اللون لون الدم، والريح ريح المسك، فيفضله ويكرمه ويجزيه بسبب استشهاده أن يغير الله ﷿ رائحة دمه من رائحة دم إلى رائحة المسك.\nقال ﵊: (للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر)، فالصائم يظل طوال اليوم جائعًا عطشان فما أن يأتي وقت الإفطار فيفطر فيفرح بذلك، وهذا فرحه بالدنيا، وإذا لقي ربه سبحانه فرح بالأجر والثواب، قال: (وإذا لقي ربه فرح بصومه).\nوالحديث لفظه في لـ مسلم: يقول النبي ﷺ: (كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف)، فكأنه يبين أن كل عملك لك، يعني: الله ﷿ أعطاك وأعلمك أن الحسنة بعشر أمثالها، أو الحسنة بسبعمائة ضعف أو بما شاء الله سبحانه، إلا الصوم لم يذكر لك، فكأنه يقول: إن أعظم من ذلك الذي ادخرت لك من الأجر ليوم القيامة فسأخبرك به يوم القيامة.\nقال: (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي)، وهذا الجزء من الحديث هام في مسائلنا الفقهية بعد ذلك، (يدع شهوته وطعامه من أجلي)، فالصيام إمساك بقصد التقرب إلى الله ﷿، فإذا وجد الصوم مع القصد فصاحبه مأجور على صومه، حين تجيء في مسألة الإنسان الذي تصيبه حالة صرع فيذهب عقله، فإذا كان وقت صرعه صائمًا ممسكًا، ووجدت منه النية قبل ذلك، فالأصل أن هذا الصوم ينفعه حتى ولو كان يصرع ويفيق في اليوم أكثر من مرة، كذلك الإنسان الذي يغمى عليه وقد أفاق في فترة من الصوم في أول النهار أو في آخر النهار، فإذا وجد منه الإمساك ووجدت منه نية والتقرب لله ﷿، فيؤخذ من هذا الحديث أنه ترك مع القصد، فإذا وجد هذان في النهار فصاحبها صائم.\nيقول: (يدع شهوته وطعامه من أجلي)، وفي لفظ للبخاري قال: (الصيام جنة، فلا يرفث ولا يجهل)، ثم ذكر: (يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي)، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها.\nوروى الإمام النسائي من حديث عثمان بن أبي العاص عن النبي ﷺ: (الصيام جنة كجنة أحدكم من القتال)، وكلمة الجن مأخوذة من الاستتار، فالجن خفي مستتر، وكذلك الصيام فهو جنة، مأخوذ من المجن، والمجن هو الدرع الذي يختفي خلفه المقاتل حتى لا يصيبه سيف أو سهم من العدو.\nوكذلك الصوم فهو درع وهو مجن تستجن وراءه، فالصيام يحميك من غضب الله ﷾، ويسترك من النار، ويبعد عنك غضب الله ﷾.\nقال أحمد: الصيام جنة وحصن حصين من النار.\nفمن تحصن بالصوم كان له حصنًا حصينًا من النار، ولم يعذب بالنار.\nروى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا).\nوهذا من ثواب الصوم، وليس كله فقد قال: (الصيام لي وأنا أجزي به)، جزاؤك عندي، ولكن من ضمن هذا الجزاء أنه يبعدك عن النار سبعين سنة، فبالمقياس الدنيوي نبدأ نقيس المسافة بالمتر، ثم بالكيلو متر، ثم بالميل، وكلما ازدادت المسافة زدنا في وحدة القياس، وعندما تطول المسافة تقاس بالسنين.\nفنقول: بعد النجم الفلاني عن الأرض أربعة ونصف مليون سنة ضوئية، وهذه مسافة بعيدة جدًاَ جدًا، فإذا قال لنا هنا: (من صام يومًا في سبيل الله باعد الله ﷿ وجهه عن النار)، ولا أحد يعلم هل مسافة السبعين سنة هذه ونحن نجري أو نطير أم سرعة الصاروخ؟ فالله أعلم بهذا الشيء.\nجاء عن عبد الله بن عمرو في مسند الإمام أحمد أن رسول الله ﷺ قال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة)، وهذا أيضًا من ضمن الثواب المترتب على الصيام، فالصيام لله ﷿ وهو يجزي به، والصيام يباعدك عن النار سبعين خريفًا، والصيام يشفع لك، وذلك بأن يمثله الله كما يشاء سبحانه، فيتكلم ويجادل عنك عند الله ﷿.\nوكذلك ثواب حفظك القرآن فإن الله ﷿ يمثله بصورة رجل شاحب يدافع عنك ويحامي عنك يوم القيامة عند الله سبحانه.\nقال ﵊: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب! منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعني فيه)، يقول القرآن: يا رب! أنا منعته طعامه وشرابه فشفعني فيه، (والقرآن يقول: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال: فيشفعان) أي أن ربنا ﷾ يقبل شفاعة صومك وشفاعة قراءتك للقرآن، ويمنعك من النار ﷾.\nوجاء في مسند الإمام أحمد عن حذيفة ﵁ قال: (أسندت النبي ﷺ إلى صدري فقال: من قال: لا إله إلا الله! ابتغاء وجه الله وختم له بها دخل الجنة، ومن صام يومًا ابتغاء وجه الله وختم له به دخل الجنة) أي: من مات وهو صائم، أو أفطر وقت الإفطار ومات، أو مات قبل أن يفطر، المهم أن الصيام آخر عمل عمله في هذا اليوم، دخل الجنة.\nفليس شرطًا أن يموت وهو صائم، أو يموت وهو يفطر عند غروب الشمس، لكن آخر عمل صالح قام به في يومه هو الصيام، فيدخل الجنة، حتى لو مات قبل الفجر قبل أن يأتي يوم آخر، فكنت في آخر أيام حياتك صائم فيه، من ختم له بذلك استحق الجنة.\nقال: (ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله وختم له بها دخل الجنة)، أعطى للفقير صدقة وختم له بذلك دخل الجنة، وليست هذه الأعمال فقط، فقد جاء عن النبي ﷺ في الصلاة: (من قرأ آية الكرسي دبر الصلاة -الصلاة المكتوبة- لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت)، والمعنى أن لو كان آخر عمل عمله الإنسان ومات بعدها دخل الجنة، وقس على ذلك إذا قرأ قرآنًا، وختم له بذلك فاستحق فضل الله ﷿ ورحمته سبحانه، نسأله سبحانه أن يختم لنا بالأعمال الصالحة.\nوروى النسائي عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: (أتيت رسول الله ﷺ فقلت: مرني بأمر آخذه عنك، قال: عليك بالصوم فإنه لا مثل له)، وكأن غيره من الأعمال من الممكن أن أي أحد يعملها، فقد يصلي الإنسان ركعتين نافلة وهذا أمر سهل، (فالصلاة نور)، لكن الصوم مشقة وتعب، فالصلاة قد يصلي المرء دقيقة أو دقيقتين أو عشر دقائق، أو يصلي نصف ساعة، لكن الصوم فإنه سيصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فهذا صعب على الإنسان ولذلك قال: (الصوم لا مثل).\nأيضًا روى الترمذي عن أبي أمامة ﵁ النبي ﷺ قال: (من صام يومًا في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقًا كما بين السماء والأرض)، وجاء في الحديث السابق: (باعد بينه وبين النار سبعين خريفًا)، فقد يكون هذا الحديث مفسرًا للحديث السابق فإن السبعين سنة مدتها ما بين السماء والأرض، والله أعلم.\nوروى عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن أبي موسى ﵁ قال: (كنا في البحر)، وهذا أثر لـ أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، حين كانوا مهاجرين إلى النبي ﷺ من الحبشة، ي","vol":"2","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>فضل صيام رمضان</span>\nهذا كان في فضل الصوم، أما صوم رمضان فهو أعظم، فهو فرض فرضه الله، وجعله ركنًا من أركان الإسلام الخمسة، وفيه ثواب عظيم عند الله سبحانه.\nروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)، فصيام رمضان إيمانًا واحتسابًا يغفر لك ما تقدم من ذنبك، وإذا قمت ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر لك ما تقدم من ذنبك.\nوروى أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة قال النبي ﷺ: (من صام رمضان وقامه إيمانًا واحتسابًا).\nفعندما تصوم وتقوم رمضان إيمانًا واحتسابًا، وتقوم ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا ففضل الله عظيم، فقد جعل للعبد ما يكفر الله ﷿ به عن ذنوبه وسيئاته ومنها رمضان، والعمرة إلى العمرة، ومنها الحج، ومنها الصلاة إلى الصلاة، ومنها الجمعة إلى الجمعة، ففضل الله على عباده عظيم، فقد جعل للعبد مكفرات عظيمة تكفر عنه بها من سيئاته.\nفي هذا الحديث العظيم الجليل ذكر لنا الإيمان والاحتساب، فالإيمان أن تؤمن بفرضية صيام رمضان، وأن الله فرض صيام رمضان إيمانًا، وأن تؤمن أي: أن تصدق وأن تستيقن بذلك، وأنه جعل ذلك نافلة، وأن تؤمن بأن ليلة القدر ليلة عظيمة، يقول الله ﷿ فيها: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٣]، وصدقت بما قاله الله ﷾.\nوالاحتساب: أن تفعل ذلك طالبًا الأجر من الله وحده، فلا تصوم وتنتظر ثناء الناس ومديحهم، ولا تنتظر الأجر من الناس، أو الأجرين من الله ومن الناس، لكن ترجو الأجر من الله سبحانه وحده.\nلذلك يقول الحافظ ابن حجر: المراد بالإيمان: الاعتقاد بحق فرضية صومه، والمراد بالاحتساب: طلب الثواب من الله ﵎.\nوقال الخطابي: احتسابًا أي عزيمة، وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه، طيبة نفسه بذلك غير مستثقلًا لصيامه ولا مستطيلًا لأيامه.\nفالإنسان الذي يصوم ولا يستثقل الصيام، ويستشعر رحمة الله ﷿ في هذا الشهر العظيم، فيتمنى المؤمن لو أن عامه كله كان رمضان حينها يكون محتسبًا.\nيقول الإمام النووي: معنى إيمانًا: أي تصديقًا بأنه حق، مصدقًا بفضيلته، ومعنى الاحتساب: أن يريد الله تعالى وحده، ولا يقصد رؤية الناس ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص.\nفيقوم رمضان إيمانًا واحتسابًا مصدقًا بما قاله النبي ﷺ، وأن له في ذلك الأجر، والقيام المقصود هو أن يصلي صلاة التراويح.\nروى الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يقول: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)، وهذا قيد، فالذي يكفر عنه سيئاته اجتنابه للكبائر، فيبتعد عما يغضب الله ﷾ من الكبائر، فيكفر الله ﷿ بذلك عنه سيئاته.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"2","page":9},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-20> فضل الصيام ومن يجب عليه الصوم والقضاء</span>\nجعل الله للصائمين شهر رمضان إيمانًا واحتسابًا أجرًا عظيمًا، وغفر لهم بذلك ما تقدم من ذنوبهم، ورهب المفطرين فيه عمدًا وعدوانًا، وتوعدهم بالعقاب الأليم؛ إذ قد هيأ لهم وللناس جميعًا أسباب القرب من الرحمن والبعد من الشيطان، ففتح أبواب الجنان، وأغلق أبواب النيران، وسلسل الشياطين، ولذلك استحق من بغى وتجبر في ذلك الشهر، العذاب الأليم.\nومن رحمته سبحانه أنه لم يوجب الصيام على الجميع في كل حال، بل قد عذر أصحاب العذر، ولهم أحكام خاصة في الصيام.","vol":"3","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>فضل صوم رمضان إيمانًا واحتسابًا</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nجاءت أحاديث عن النبي ﷺ في فضل الصوم عمومًا، وأحاديث أخرى في فضل صوم رمضان خاصة، ومن هذه الأحاديث ما جاء عن النبي ﷺ حيث قال: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه).\nوفي حديث آخر: (من صام رمضان وقامه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه).\nوذكرنا أن إيمانًا معناها: أنه مصدق بأن هذا الصوم حق وفريضة فرضها الله ﷾، وأن يكون صومه ابتغاء وجه الله ﷾ قاصدًا فضيلة هذا الصوم.\nواحتسابًا: أي: محتسبًا الأجر عند الله، فيرجو الثواب من الله لا من غيره ﷾، ولا يقصد تسمية ولا يقصد أن يُري الناس أنه صائم، إذ لا رياء ولا سمعة في ذلك.\nففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر)، فهذه مكفرات جعلها الله ﷿ من فضله ورحمته تكفيرًا لسيئات العبد، فجعل له مكفرات في اليوم، وفي الليلة، وفي العام، وغير ذلك من المكفرات.\nومن ذلك الصلوات الخمس في اليوم، فمن الصلاة إلى الصلاة تكون صلاته التي صلاها كفارة لما وقع في مصائب وذنوب قبلها.\nوكذلك الجمعة إلى الجمعة، وكذلك رمضان إلى رمضان، فكل هذه من المكفرات لذنوب الإنسان المؤمن إذا أتى بهذه الأعمال على الوجه الذي يرضي به ربه ﷾.","vol":"3","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>الترهيب من عدم الإخلاص في صوم رمضان</span>\nجاء في مستدرك الحاكم عن كعب بن عجرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (احضروا المنبر) يعني: احضروا عند المنبر، قال: (فحضرنا، فلما ارتقى درجة قال: آمين، فلما ارتقى الدرجة الثانية قال: آمين، فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال: آمين).\nوكانت درجات منبر النبي ﷺ ثلاث درجات.\nيقول: (فلما نزل قلنا: يا رسول الله! لقد سمعنا منك اليوم شيئًا ما كنا نسمعه، قال: إن جبريل عرض لي فقال: بعد)، ومعناه: هلك هذا الإنسان وابتعد عن رحمة الله واستحق العذاب، (بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له! فقلت: آمين، فلما رقيت الثانية قال: بعد من ذكرتَ عنده فلم يصل عليك! فقلت: آمين -﵊-، قال: فلما رقيت الثالثة قال: بَعُد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة! فقلت: آمين)، فجبريل دعا على الإنسان الذي يصنع هذه الأشياء الممنوع منها، أو يترك الأشياء التي تقربه من الله ﷾ المذكورة في الحديث، ومنها: من أدرك رمضان ولم يغفر الله ﷿ له، إما لكونه كان يفطر في رمضان، أو يفعل في رمضان ما يجعل صومه معدومًا من الأجر كما سيأتي في أحاديث عن النبي ﷺ حيث قال: (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر)، فمثل هذا يصوم رمضان ولكنه يؤذي الخلق، ويستحق العقوبة، إذ لم يمنعه صومه ولا صلاته عن الفحشاء والمنكر فاستحق عقوبة الله سبحانه.\nفقوله: (بَعُد) أي: هلك واستحق العذاب، (من أدرك رمضان فلم يغفر له)، فلقد دعا جبريل وأمن النبي ﷺ على ذلك.\nوالدرجة الثانية قال فيها: (بَعُد من ذكرتَ عنده فلم يصل عليك)، والنبي ﷺ يرقى على المنبر وجبريل يقول ذلك فيدعو ويؤمن النبي ﷺ وآله وسلم.\nيقول: (قال: فقلت: آمين، قال: فلما رقيت الثالثة قال: بَعُد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما) يعني: أدرك الكبر أبويه أو أحد أبويه: (فلم يدخلاه الجنة)، وهذا يدل على أن بر الوالدين يدخل العبد الجنة فضلًا عما يكون له من بركة في الدنيا ببر الوالدين في الدنيا ونيل الثواب في الآخرة، فيعجل له الخير في الدنيا بصلة الرحم وبر الوالدين، ثم يكونان سببًا في دخوله الجنة عند الله ﷿.","vol":"3","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>بيان ما يحدث عند دخول شهر رمضان</span>\nروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين)، وكأنه احتفال في السماء لدخول شهر رمضان، فيقول النبي ﵌: (فتحت أبواب السماء)، وكأنها تفتح للمباهاة بالصائمين عند الملائكة، وكأن الله يقول لهم: انظروا إلى عبادي يصلون ويصومون ويقومون.\nويري الله ﷿ الملائكة رحمته في عباده.\nونحن لا نرى أبواب السماء، ولكن إذا فتحت فإنه إما ينزل منها ملائكة وإما يعرج إليها ملائكة، وذلك بنزول وعروج أعمال صالحة للعباد إلى السماء، فالله ﷿ يفتح أبواب السماء ليتلقى من عباده الأعمال الصالحة، ويزين السماء فيباهي بعباده الملائكة.\nقال: (فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين)، فقوله: (غلقت أبواب جهنم)؛ وذلك ليري ربنا سبحانه عباده وملائكته ﷾ أنه يغفر لعباده بسبب صيامهم وقيامهم في هذا الشهر فيغلق أبواب جهنم.\nوقوله: (وسلسلت الشياطين)، وفي حديث آخر: (سلسلت أو صفدت مردة الشياطين)، والحديث رواه الترمذي وفيه: (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين) فصفدت أي: غلت بالأغلال وأوثقت بالأغلال.\nقال: (وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير! أقبل) أي: يا من يريد أن يهتدي! لتقبل على الطاعة وعلى العبادة في هذا الشهر العظيم حتى تعتاد عليها في باقي العام وباقي العمر، قال: (ويا باغي الشر! أقصر) أي: كف عن شرك، وكف عن مؤاذاة خلق الله، واكتف بذلك، وإلا كانت نهايتك النار والعياذ بالله.\n(ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة)، وهذا فضل الله العظيم.\nأيضًا روى هذا الحديث الإمام النسائي وفيه زيادة: (أتاكم رمضان شهر مبارك -شهر فيه البركة-، فرض الله ﷿ عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حرم)، وهذه الليلة هي ليلة القدر، فهي ليلة خير من ألف شهر ليس فيها شهر رمضان ولا ليلة القدر.\nيقول الحليمي فيما ينقله الحافظ ابن حجر: (يحتمل في الحديث أن يكون المراد من الشياطين مسترقي السمع منهم) يعني: يريد أن يجمع بين أنه تغل الشياطين وتسلسل وتصفد، وبين أنه يحصل في رمضان معاصي كثيرة، فيقول: بأن الذي يغل ويصفد ويسلسل هم مردة الشياطين أو جنس منهم وهم من يسترقون السمع من السماء، يقول: (وأن تسلسلهم يقع في ليالي رمضان دون أيامه)، يريد أن يقول: أنهم يسلسلون في الليل دون نهار رمضان، قال: (لأنهم كانوا منعوا في زمن نزول القرآن من استراق السمع فزيدوا التسلسل مبالغة في الحفظ.\nويحتمل أن يكون المراد أن الشياطين لا يخلصون من افتتان المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غيره؛ لاشتغالهم بالصيام) يعني: أن الشر الذي يكون في غير رمضان قد يكون شرًا بدرجة عظيمة جدًا، فإذا غلت الشياطين يقل الشر، وليس معناه أنه يزول وإنما يقل.\nفالإنسان الذي يصوم ويحسن صومه، ويتقي الله، فهو وإن كان فيه شر، إلا أن هذا الشر كبت بسبب أن الله غل عنه الشياطين أو بعض الشياطين وهذا معنى حسن.\nيقول: (لاشتغال الصائمين بالصيام الذي فيه قمع الشهوات وبقراءة القرآن والذكر) وقال غيره المراد بالشياطين أي: بعض الشياطين، يقول هذا من أجل أن يجمع بين كون الناس يعصون ربنا ﷾ في رمضان في نهاره وليلة، والمقصد أن بعض الشياطين يصفدون، وهم الذين يؤذون المؤمنين ويوسوسون لهم، فالله يغلهم بفضل صيام هؤلاء وقيامهم وطاعتهم لله ﷾.\nقوله: (صفدت الشياطين) بمعنى: شدت بالأصفاد، والأصفاد: الأغلال، والأغلال: القيود التي تربط الأيدي بالأعناق، وهذا معنى سلسلت أيضًا.\nيقول القاضي عياض: يحتمل الحديث أنه على ظاهره وحقيقته، وأن ذلك كله علامة للملائكة لدخول الشهر وتعظيم حرمته، ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين، ويحتمل أيضًا في المعنى أنه إشارة إلى كثرة الثواب والعفو، وأن الشياطين يقل إغواؤهم فيصيرون كالمصفدين، ولا مانع من أن يُحمل على حقيقته.\nيقول الطيبي: (فائدة فتح أبواب السماء توقيف الملائكة على استحماد فعل الصائمين) أي: أن الله ﷿ يري الملائكة أنه يحمد للصائمين هذا الذي يصنعونه، ويشكر لهم عبادتهم، ويثيبهم بهذا الذي يريهم إياه.\nقال: (وأنه من الله بمنزلة عظيمة -يعني: الصوم أو الصائم-، وفيه إذا علم المكلف ذلك بإخبار الصادق صلوات الله وسلامه عليه ما يزيد في نشاطه ويتلقاه بأريحية).\nيقول القرطبي: (فإن قيل: كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرة فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك؟) يعني: كأنه يقول: هذا سؤال متوقع من الآخرين.\nيقول: (والجواب أنها إنما تغل -يعني: تصفد- الشياطين الذين يريدون إغواء الصائمين، فمن كان منهم كذلك حيث صام الصائم وأراد أن يغويه فإن الله ﷾ يمنع هذا الشيطان من الوسوسة لهذا الصائم أو التمكن منه بتصفيد الشيطان وسلسلته).\nكأن مردة الشياطين أو البعض من الشياطين الذين يغوون المؤمنين، يقول: (إنما تغل عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه) بمعنى: أنه ليس أي صوم تغل فيه الشياطين، بل لا تغل إلا في الصوم الصحيح المتقن، بأن يصوم ابتغاء وجه الله سبحانه، فلا يرائي بصيامه ولا يسمع به، ويكون محافظًا على آداب الصيام، أما الصائم الذي يكون في صومه متعصبًا غضبان، يريد أن يتعارك مع الناس بسبب أنه صائم، فليس هذا بالصوم الذي تصفد عن مثله الشياطين، وإنما يكون عن الإنسان المؤمن الذي يصوم صومًا يرضي به ربه ﷾، صومًا قد حوفظ فيه على شروطه وروعيت آدابه.\nقال: (أو المصفد بعض الشياطين كما في بعض الروايات، أو المقصود تقليل الشرور).\nوقال غير القرطبي: في تصفيد الشياطين في رمضان إشارة إلى رفع عذر مكلف، كأنه يقال له: قد كفت الشياطين عنك فلا تعتل بهم) يعني: الصيام يزيدك من البركة، ويزيدك من القرب من الله ﷿، فعندما تقع في معصية لا تتعلل وتقول: الشيطان هو الذي أغواني، وإن كان الإنسان إذا تاب يقول كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف:٦٣].\nفالإنسان إذا تاب إلى الله ﷿ تاب الله عليه، أما أنه يقع في المعاصي ويترك الصيام ويقول: الشيطان أغواني.\nفإن الله ﷿ يقول له: قد غلت عنك الشياطين، وقدرة الشيطان عليك في رمضان ضعيفة، ولكن شهوتك وأذاك في الخلق هو الذي جعلك تصنع ذلك، والله أعلم.","vol":"3","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>ذكر بعض أسباب دخول الجنة والعتق من النار</span>\nروى الإمام أحمد عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد الخدري ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن لله عتقاء في كل يوم وليلة، لكل عبد منهم دعوة مستجابة) أي: عتقاء يعتقهم الله ﷿ من النار، نسأل الله ﷿ أن يجعلنا من عتقائه من النار.\nوروى الإمام مسلم عن جابر ﵁: (أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ فقال: أرأيت إذا صليت الصلوات المكتوبة، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئًا، أأدخل الجنة؟)، أي: أن الفرائض التي فرضها الله ﷿ لو أن العبد أتى بها على الوجه الذي ينبغي فهل يمكن أن يدخل الجنة بالفرائض فقط من غير نوافل معها؟ يقول: (أرأيت إذا صليت الصلوات المكتوبات) أي: صليت الخمس الصلوات وواظبت عليها كما أمر الله سبحانه، (وصمت رمضان) أي: على الوجه الذي يرضي به الله ﷾، (وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئًا) يعني: ما قال عنه الله: حرام بعدت عنه، وما قال عنه: حلال فعلته، فهل بإتيان الفرائض وترك الحرام ندخل الجنة؟ (قال: نعم، قال الرجل: والله لا أزيد على ذلك شيئًا).\nوفي الحديث الآخر وهو حديث جميل وعظيم، وقد رواه ابن حبان عن عمرو بن مرة الجهني ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان وقمته)، ويلاحظ هنا أنه ذكر أربعة أركان من أركان الإسلام، وكأن الرجل لم يبلغه فريضة الحج، أو أن الحج ليس على كل إنسان، وإنما على القادر فقط، فذكر في كلامه هذا أربعة أركان هي قوله: (أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله)، الركن الأول، والثاني قوله: (صليت الصلوات الخمس)، والثالث: (أديت الزكاة)، والرابع: (وصمت رمضان وقمته) وقوله: قمته أي: صليت التراويح فيه، قال: (فممن أنا؟ قال: من الصديقين والشهداء)، وهذا فضل واسع، وكرم عظيم من الله ﷾ أن يجعل العبد بتأديته الفرائض من الصديقين والشهداء، نسأل الله ﷿ أن يجعلنا منهم ومعهم.","vol":"3","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>جزاء المفطرين عمدًا في رمضان</span>\nروى النسائي في السنن الكبرى التي اختصرها في المجتبي وهو ما يسمى بالسنن الصغرى عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضبعي فأتيا بي جبلًا وعرًا) أي: أخذا بذراعي النبي ﷺ وخرجا به ﵊، قال: (وأتيا بي جبلًا وعرًا -أي: صعب المرتقى- فقالا لي: اصعد فقلت: إني لا أطيقه)؛ لأنه جبل صعب جدًا.\nقال: (فقالا: إنا سنسهله لك، قال: فصعدت، حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا أنا بأصوات شديدة، فقلت: ما هذه الأصوات؟!) أي: أن النبي ﷺ سمع صراخًا وهو على الجبل، وكان هذا في رؤيا منامية رآها ﷺ، قال: (فقالا: هذا عواء أهل النار) أي: عواء كعواء الذئاب والكلاب والعياذ بالله.\n(قال: ثم انطلق بي، فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم، مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دمًا)، وهؤلاء أناس معلقون بأرجلهم من عراقيبهم، شفاههم مشققة الأشداق، (تسيل أشداقهم دمًا) أي: يسيل الدم من أفواههم، قال: (قلت: من هؤلاء؟ قالا: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم) أي: هذا حال الذين يفطرون في رمضان قبل غروب الشمس، لا لعلة أو عذر، بل لهوى متبع، واستخفافًا بحرمة ذلك اليوم، فأمثال هؤلاء يكون حالهم يوم القيامة كما ذكر النبي ﷺ: (مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دمًا)، وأيضًا يعوون وهم في نار جهنم والعياذ بالله.","vol":"3","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>بيان من يجب عليهم الصوم والقضاء</span>\nيجب الصوم على كل مسلم بالغ عاقل قادر مقيم، والمسلمة كذلك مع شرط الطهارة من الحيض والنفاس.\nوالصيام: هو الإمساك عن الطعام والشراب والشهوة من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس بنية التقرب إلى الله.\nفأما الكافر فإنه إن كان أصليًا لم يطالب به، لوجود المانع من القبول وهو: الكفر، ولأن من شروط قبول الصيام توافر الشروط وانتفاء الموانع، فمن موانعه الكفر، ومن شروطه وهو أهمها أن يأتي الصائم بركن الإسلام وهو لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ، قال الله ﷿: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨].\nإذًا: هذا الإنسان إذا كان كافرًا ومكث عمرًا من عمره على ذلك، ثم أسلم فإن الله ﷿ يغفر له ما قد سلف، ولا يطالب بقضاء الأيام والشهور التي فاتته، ولأن في إيجاب قضاء ما فات في حال الكفر تنفيرًا عن الإسلام، وهذه علة صحيحة، وحكمة عظيمة، فلو أن كافرًا يبلغ من العمر خمسين سنة وأسلم، فعلى القول بإيجاب القضاء عليه سنطالبه بخمسة وثلاثين أو ستة وثلاثين شهرًا وهذا صعب جدًا.\nولو قيل لإنسان ذلك لنفر عن الدين، ولكن الله ﷿ برحمته العظيمة الواسعة قال له: ﴿إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨]، والإسلام يجب ما قبله.\nوالأصل أن العبادة التي يأتي بها في حال كفره لا تقبل منه، ولكن جاء عن النبي ﷺ استثناء في الصدقة والعتق، حيث من تصدق بشيء وأسلم، فقد أسلم على ما أسلف من خير، وتكتب له حسنات هذا الذي أنفق، أما الصيام فهو عبادة بدنية يشترط لقبوله أن يكون الصائم مسلمًا، وكذلك باقي العبادات.\nروى البخاري ومسلم عن حكيم بن حزام ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! أرأيت أشياء كنت أتحنث -أي: أتعبد- بها في الجاهلية من صدقة وعتاقة وصلة رحم فهل فيها من أجر؟)، فهذا حكيم بن حزام يصل الرحم، ويعطيهم الهدايا، وينفق عليهم، وكان يتعبد بذلك في جاهليته، وكان في ذلك الوقت كافرًا، إذ كان إسلامه متأخرًا، قال: (أرأيت أشياء كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة وعتاقة وصلة رحم فهل فيها من أجر؟ قال النبي ﷺ: أسلمت على ما أسلفت من خير) يعني: من هذه النفقات، فالصدقة نفقة، وعتق العبيد بأن تجعلهم أحرارًا وصلة رحم بالإنفاق عليهم وغيره صدقة، فالنبي ﷺ قال له: (أسلمت على ما أسلفت من خير)، فهذا هو الحال في الكافر الأصلي.\nأما المرتد -وهو من كان مسلمًا ثم ارتد وكفر- فإنه إذا رجع للإسلام بعد ذلك هل يلزمه قضاء ما فاته في ذلك؟ الراجح أنه لا يلزمه ذلك، وإن كان الأولى أن يقضيه؛ لأن العلة هي التي ذكرناها في الكافر الأصلي، إذ لعل هذا المرتد تمر عليه سنون وهو في ردته كعشر سنوات أو عشرين سنة ثم يسلم بعد ذلك، فلو قيل له صم عشرين شهرًا! لكان هذا الأمر صعبًا عليه، ولعله ينفر ولا يرجع إلى الإسلام بسبب ذلك، ولذلك نقول: الإسلام يهدم ما قبله، وأمره إلى الله ﷿.\nوعليه فالمرتد إذا أسلم لا يلزمه قضاء الصوم، ولا يطالب بأدائه في حال ردته؛ لأنه لو صام وهو مرتد لم يقبل منه.\nوبهذا قال أبو حنيفة ومالك وأحمد، وقال الشافعي: يلزمه قضاؤه، ويناقش هذه المسألة ابن العربي في أحكام القرآن فيقول: (إذا أسلم المرتد وقد فاتته صلوات وأصاب جنايات)، والصلوات حق لله، والجنايات حق للآدمي، قال: (فإن الشافعي قال: يلزمه كل حق لله وللآدمي)، ووجهة نظر الإمام الشافعي أنه طالما ستلزمه بعض الحقوق فإذًا يلزمه جميع الحقوق، فيلزمه إذا أتلف لآدمي شيئًا وهو في حال ردته إصلاح ما أفسد، أو دفع ثمن ما أتلفه على الآدمي، فطالما أننا نلزم المرتد بذلك فنلزمه أيضًا بحقوق الله ﷿ كالصيام وغيره.\nوقال أبو حنيفة: (ما كان لله يسقط وما كان للآدمي يلزمه)، يعني: يفرق بين حق الله وبين حق الآدمي، فإن الآدمي لا يتنازل عن حقه بل يطلبه، أما الله ﷿ فإنه هو الغفور الرحيم ﷾، يقول ابن العربي: (وبه قال علماؤنا) يعني: المالكية.\nقلنا: وكذلك هو مذهب أحمد رحمه الله تعالى.\nيقول: (ودليلهم عموم قول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨]، وقول النبي ﷺ: (الإسلام يهدم ما كان قبله)، هذا الحديث في صحيح مسلم من حديث عمرو بن العاص ﵁، وهو عام في الحقوق التي تتعلق بالله كلها.\nفإن قيل: المراد بذلك الكفر الأصلي) يعني: يريد أن يقول في المناقشة مع الإمام الشافعي ﵀، إذا قال قائل منهم: هذا في الكفر الأصلي وليس في المرتد، بدليل أن حقوق الآدميين تلزم المرتد، يعني: كأنه يفرق بين الكافر الأصلي إذا كان مع الكفار وهاجموا المسلمين، ثم أتلفوا في المسلمين، وبعد ذلك تاب ودخل في دين الله ﷿ فلا يطالب بشيء، أما المرتد، فإن أتلف ثم رجع إلى الإسلام طولب بضمان هذه الأشياء التي أتلفها.\nيقول: (بدليل أن حقوق الآدميين تلزم المرتد ولا تلزم الإنسان الكافر الأصلي، فوجب أن تلزم المرتد حقوق الله ﵎، ف\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أنه لا يجوز اعتبار حقوق الآدميين بحقوق الله)، أي: لا يجوز قياس الآدمي على ربه ﷾، ولا اعتبار حق الآدمي بحق الله ﷿، ولا حقوق الله بحقوق الآدميين في الإيجاب والإسقاط، يقول: (لأن حق الله يستغني عنه) أي: أن الله يستغني عن حقه سبحانه ويعفو ويتجاوز سبحانه، والإسلام يهدم ما قبله، أما حق الآدمي فهو مفتقر إلى حقه، ويطالب به.\nيقول: (ألا ترى أن حقوق الله لا تجب على الصبي) وهذا قياس آخر أجمل وأقوى، حيث إن الصبي لا تجب عليه حقوق الله ﷾، فلو تكلم بما يوقع الكبير في الكفر فإنه لا يطالب بحق الله ﷿ في ذلك، أما حقوق الآدمي فتلزمه، فلو أن هذا الصبي الصغير أتلف مالًا لآدمي لزمه حق هذا في ماله أو مما عنده من مال.\nيقول: (فرق بين حق الله وحق الآدمي، فإن الله ﷿ يعفو ويتجاوز، والآدمي يطلب حقه).","vol":"3","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>حكم صوم الصبي</span>\nالصبي لا يجب عليه صوم رمضان ولا قضاء ما فات قبل البلوغ، لكن المميز وهو الذي بلغ سبع سنوات، أو كان يميز ويدرك الصواب من الخطأ ويميز العورات، فهذا إذا صام يؤجر على هذا الصيام، وإذا لم يصم فليس عليه إثم في ذلك؛ لما روى علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل) فإذًا: قلم التكليف وهو كتابة الإثم على العبد أنه آثم أو أنه يعاقب على كذا قد رفع عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، فالإنسان النائم لو تكلم في نومه بكلام هذا الكلام لو تكلم به وهو يقظ لأثم، أما وهو نائم فلا شيء عليه، وكذلك إذا جاء وقت الصلاة على الإنسان وهو نائم فلم يسمع أذانًا، ولم ينتبه من نومه، فخرج وقت الصلاة فلا شيء عليه، فإذا استيقظ من نومه لزمه أن يصلي، أما ما ضاع من وقت نومه فلا يأثم على تضييعه طالما أنه ليس مفرطًا، قال النبي ﷺ: (إنه ليس في النوم تفريط).\nقال: (وعن الصبي حتى يحتلم) أي: وعن الصبي حتى يبلغ.\nقال: (وعن المجنون حتى يعقل) أي: لا إثم على هؤلاء، لكن إذا أصبح الصبي والصبية مميزان وهما عند الحنابلة من جاوزا السبع سنوات أو ثمان سنوات، وعند الشافعية من كان يُدرك الصواب من الخطأ ويفرق بين العورات، ومن إذا سئل عن شيء أجاب، فهو يفهم السؤال ويفطن لرد الجواب.\nفهذان المميزان على الولي أن يأمرهما بالصوم لسبع، ويضربهما على تركه لعشر قياسًا على الصلاة، فإن النبي ﷺ ذكر ذلك في الصلاة، وقال: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع)، فقوله: (مروا) أي: بالكلام، (واضربوهم عليها لعشر)، ولكن لاحظ أنه لم يقل ذلك في الصوم، ولذلك ينظر في الصوم إذا كان الصبي قد أفاق بأن كان مميزًا يطيق الصوم، فهذا يؤمر به لسبع ويضرب عليه لعشر قياسًا على الصلاة، أما إذا كان لا يطيق الصوم فيؤمر ولو بعضًا من الوقت؛ ليتمرن عليه، حتى لو وصل سنه إلى عشر سنوات وهو أيضًا لا يطيق، فإذا كان الكبير قد جعل الله ﷿ له عذرًا فالصبي من باب أولى، وعلى ذلك لا يضرب على الصوم من كان سنه في العشر سنوات طالما أنه لا يقدر أو يشق عليه.\nويلاحظ هنا أن الأمر في الصلاة أشد حيث قال النبي ﵌: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر)، فالصلاة سهلة إذ سيصلي الصبي صلاة الظهر أربع ركعات وهذا أمر سهل عليه، أما الصوم فهو الإمساك عن الطعام والشراب من طلوع الفجر حتى غروب الشمس وهذا صعب.\nقال النووي في المجموع: (الصواب في حقيقة الصبي المميز أنه الذي يفهم الخطاب، ويحسن رد الجواب، ومقاصد الكلام ونحو ذلك، ولا يضبط بسن مخصوص، بل يختلف باختلاف الأفهام) وهذا قيد جميل أيضًا، فهو يريد أن يقول: إذا كان سن صبي تسع سنوات مثلًا وهو لا يفهم كأن تقول له: الصلاة، فلا يفهم الصلاة، فهذا غير مميز، إذ ليس القيد بالسن، فإذا جاوز هذا السن وهو لا يفهم ما صلاة وما صوم فعنده تخلف في الإدراك عن غيره ممن هم في سنه، وعند ذلك يصبر عليه حتى يفهم.\nقال ابن قدامة: (واعتباره بالعشر الأولى؛ لأن النبي ﷺ أمر بالضرب على الصلاة عندها، واعتبار الصوم بالصلاة أحسن؛ لقرب إحدى العبادتين من الأخرى، واجتماعهما في أنهما عبادتان بدنيتان من أركان الإسلام، إلا أن الصوم أشق فاعتبرت له الطاقة) وهذا كلام جيد، حيث قد يطيق الصلاة من لا يطيق الصوم، فمن عنده عشر سنوات قد يطيق الصلاة ولا يطيق الصوم.\nإذًا: عند الجمهور أنه يقاس على الصلاة وإن كان الخلاف في المميز وغير المميز، أما عند المالكية فإن الصوم لا يجب على الصبيان، بل ولا يستحب! وهذا فيه نظر، إذ كيف لا يستحب وقد جاء عن أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يمرنون أولادهم على الصيام، ففي الصحيحين عن رُبيع بنت معوذ ﵂ قالت: (أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: من أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائمًا فليصم)، فقوله: (من أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه) أي: بالصوم وليس بالفطر.\nقالت الرُّبيع ﵂: فكنا نصومه بعد، ونصوم صبياننا.\nفهذا يدل على أن أصحاب النبي ﷺ كانوا يفعلون ذلك، ويستحيل عليهم فعل شيء ثم نقول نحن: لا يستحب ذلك، فهم فعلوا ذلك في حياة النبي ﷺ، ولو كان ممنوعًا لنهاهم النبي ﷺ عن ذلك، فتقول ﵂: (ونجعل لهم اللعبة من العهن) يعني: نعمل لهم لعبًا من العهن: وهو الصوف المصبوغ، تقول: (فإذا بكى أحدهم على الطعام) أي: لا نأتي له باللعبة من أول النهار، بل نحبس عنه اللعبة حتى يجوع ويبكي ثم نعطيه اللعبة يتسلى بها عن جوعه.\nقالت ﵂: (حتى إذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار)، وفي لفظ لـ مسلم: (ونصنع له اللعبة من العهن فنذهب به معنا، فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم)، فهذا تمرين جميل، وفيه المكافأة على الشيء الحسن الذي يفعله الصبي.","vol":"3","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>حكم صوم المجنون</span>\nلا يلزم المجنون الصوم في الحال.\nوالمجنون يدخل تحته أصناف كثيرة منها: من يجن حينًا ويفيق حينًا، بأن تكون به نوبة صرع، والمجنون فاقد العقل، وغيرهما.\nوعليه فإن المجنون لا يلزمه الصوم في الحال؛ لحديث علي الذي تقدم وفيه: (وعن المجنون حتى يفيق) وهذا مجمع عليه.\nوإذا أفاق المجنون لم يلزمه قضاء ما فاته بالجنون.\nوذلك المجنون إذا كانت أيامًا تامة كاملة، وسواء قل أو كثر، وسواء أفاق بعد رمضان أو في أثنائه، كأن جن شخص من بداية شهر رمضان إلى يوم عشرة رمضان، ثم بعد ذلك أفاق، فنقول: هو الآن مكلف، وكان في خلال العشرة الأيام الأولى ليس مكلفًا فلا يلزمه القضاء؛ لأنه غير مكلف؛ ولأنه صوم فات في حال سقط فيه التكليف؛ لنقص في الأهلية، فلم يجب قضاؤه كما لو فات في حال الصغر.\nالصورة الثانية: إذا وجد الجنون في جزء من النهار كمن نوى من الليل وأصبح بالنهار صائمًا، ثم بين الظهر والعصر ذهب عقله، بأن حدث له صرع أو ما شابه، وسواء كان الصرع الذي جاء له أوقعه على الأرض وأغمى عليه ثم ذهب بعقله، أو أن عقله ذاهب وهو مفيق، فتراه يتكلم ولكنه في غياب عن الوعي والإدراك، حتى وإن كان جالسًا، وهذا يحدث عند البعض وخاصة كبار السن، حيث تراه يجلس ثم يذهب في غيبوبة ولا يدري بشيء أبدًا، ويأتي عليه وقت الصلاة فينبه لها فلا يفهم شيئًا، ويمكن أن يرفع يده ويكبر ثم يذهب ولا يدري بشيء، فهذا عقله ذاهب الآن، وهو غير مكلف في هذه الحالة، ولكن يستمر ساعة أو ساعتين ثم يرجع له عقله مرة ثانية.\nفمثل هذه الصورة نقول فيها: هذا الجزء الذي ذهب فيه عقله لم يكن مكلفًا فيه فلا ينقض صومه، بل لا زال صائمًا، حتى لو كان في هذا الجزء أكل أو شرب أو فعل شيئًا مما ينقض صيام غيره؛ لأنه ذاهب العقل غير مكلف في هذا الجزء.\nومثله في الحكم من جن وذهب عقله فجاء إنسان ووضع له دواءً في فمه؛ ليفيق من جنونه.\nفهذا الرجل مكره على هذا الشيء وهو ذاهب عقله فلا شيء عليه، وإذا أفاق فصومه صحيح؛ لأنه أكره على ذلك.\nولذلك نقول: إذا وجد الجنون في جزء من النهار لم يفسد الصوم، أما إذا وجد في جميع النهار فلا ينفع الصوم هنا، وذلك كمن جن من الفجر حتى غروب الشمس، فلا يصح صومه، وليس عليه القضاء.\nقال الشافعي ﵀: (إذا وجد الجنون في جزء من النهار أفسد الصوم؛ لأنه معنى يمنع وجوب الصوم فأفسده وجوده في بعضه كالحيض)، وهذه هي وجهة نظر الشافعي حيث قاس الصوم على الحيض، فالمرأة إذا كانت صائمة ثم نزل عليها الحيض فسد صومها ولزمها القضاء، والجنون مثلها أيضًا في الإفساد.\nيقول ابن قدامة رادًا على ذلك: لنا أنه زوال عقل في بعض النهار فلم يمنع صحة الصوم قياسًا على الإغماء، أي: هناك فرق كبير بين الجنون وبين الحيض، فالمرأة الحائض إنسانة مفيقة عاقلة، أما المجنون فقد ذهب عقله، وأقرب أصل لهذا هو المغمى عليه، والمغمى عليه أجمعوا على أن صومه صحيح، إن كان الإغماء في بعض النهار لا كله، فنقيس المجنون على المغمى عليه في صحة الصوم بالشرط المذكور.\nيقول: (لم يمنع صحة الصوم كالإغماء والنوم، ويفارق الحيض، فإن الحيض لا يمنع الوجوب) يعني: أن الحيض لم يمنع وجوب الصوم، بل يجب عليها الصوم، ولكن لا يصح منها لوجود المانع، ولذلك فهي ملزمة بقضاء أيام حيضها.\nفإن الحيض لا يمنع الوجوب، وإنما يجوز تأخير الصوم، ويحرم فعله، ويوجب الغسل، ويحرم الصلاة والقراءة واللبث في المسجد والوطء، فلا يصح قياس الجنون عليه؛ لوجود فروق كثيرة بين هذا وذاك؛ لذلك فهذا قياس مع الفارق.\nيقول: (وأما إن أفاق في بعض اليوم فلنا منع في وجوب قضائه وهو الصواب)، أي: وهو الصواب أنه لا يجب قضاء من جن في بعض اليوم؛ لأنه غير مكلف في هذا الجزء، بل مكلف في الباقي، واجتمعت النية مع الإمساك في باقي اليوم فصيامه صحيح.\nيقول: (وإن سلمنا، فإنه قد أدرك بعض وقت العبادة) يقول: بفرض التنزل، فالذي نقوله: إن المجنون في بعض اليوم فاقد للإدراك، لكنه قد أدرك بعض وقت العبادة فيلزمه القضاء كالصبي إذا بلغ.\nوالصواب أن الصبي إذا بلغ لا يلزمه القضاء طالما أنه أمسك باقي الجزء من اليوم الذي بلغ فيه، وكذلك الكافر إذا أسلم في بعض النهار، وكما لو أدرك بعض وقت الصلاة، فهذا يذكره ابن قدامة تنزلًا منه.","vol":"3","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>حكم صوم المغمى عليه ووجوب القضاء عليه</span>\nيقول: (متى أغمي على الصائم جميع النهار فلم يفق في شيء منه لم يصح صومه)، إذًا: هنا الإغماء كان جميع النهار، ونحن نقول: الصيام عبارة عن إمساك مع نية، إذ لابد ولو في جزء من النهار أن يكون ممسكًا ويحس، فالنائم مثلًا يستشعر الجوع، ولو أيقظه أحد لاستيقظ، أما المغمى عليه فإنه وإن ضرب فلا يحس بشيء، فإذا كان الإغماء من أول الفجر حتى غروب الشمس فإنه وإن كان ممسكًا، إلا أنه لا نية عنده، فهو لم يفق بحيث يستشعر هذا الجوع؛ ولأنه لا يحس بشيء فيها، فعلى ذلك إذا أغمي عليه بعض النهار أو أكثره وأفاق في بعضه فصومه صحيح، أما لو أغمي عليه جميع النهار فلا يصح منه هذا الصوم.\nيقول لنا: (فلم يفق في شيء منه لم يصح صومه، وهذا قول مالك والشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: يصح)، وكأن أبا حنيفة يقيس ذلك على النوم، وإن كان هنا فارق بين النوم وبين الإغماء، فالنائم يستشعر الجوع وهو نائم، وكذلك النائم لو أيقظته استيقظ، لكن المغمى عليه لا يستشعر بجوع ولا بشيء، ولو أيقظته لم يستيقظ، إذ لو كان يستيقظ لنفعه صوم بعض النهار فصح باقيه.\nقال أبو حنيفة: (يصح؛ لأن النية قد صحت، وزوال الاستشعار بعد ذلك لا يمنع صحة الصوم)، وكأنه يريد أن يكتفي بالنية إذا صحت بالليل.\nقال مالك: (إن كان أغمي عليه من أول النهار إلى الليل رأيت أن يقضي يومًا مكانه، وإن أغمي عليه وقد قضى أكثر النهار أجزأه ذلك)، يريد أن يقول: إن الإغماء إذا كان له أكثر النهار فعليه أن يقضي يومًا مكانه، أما إذا كان الإغماء أقل النهار فلا قضاء عليه، وكأنه يفرق بين القليل والكثير.\nوالراجح فيه أنه إذا أفاق بعض النهار وكان قد جمع بين النية مع الإمساك فصومه صحيح ولا يلزمه القضاء، أما إذا أغمي عليه النهار كله فهذا يبطل صومه ويلزمه القضاء؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤].\nوالإغماء يلحق بالمرض وليس بالجنون، فالمجنون إنسان ذاهب العقل غير مكلف، والمغمى عليه مريض، فعلى ذلك يلزمه أنه يقضي يومًا مكانه.\nفالجنون نقص في الأهلية، أما هذا فهو مريض، ولهذا لا يجوز الجنون على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ويجوز عليهم الإغماء.\nوالدليل على ما رجحناه قول الله ﷿ في الحديث: (كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي)، فهذا الجزء من الحديث فيه الشاهد على أن الواجب في الصيام هو الترك مع النية، ولو كان الترك كأن أغمي عليه في الباقي فيصح منه ذلك، أما إذا أغمي عليه اليوم كله فلا يضاف الإمساك إليه.\nأما النوم فلا يؤثر في الصوم سواء وجد في جميع النهار أو بعضه؛ لأن النوم عادة يجري على جميع الخلق، ولا يزيل إحساس الإنسان بالكلية، ومتى نبه النائم استيقظ، أما الإغماء فعارض يزيل العقل فأشبه الجنون.\nومن زال عقله بمرض أو بشرب دواء شربه لحاجة فهو ملحق بالجنون في حكمه، كأن أصابه صرع أو ما شابه، أما من كان مريضًا فأغمي عليه بسبب المرض كمن أصابته حمى فأغمي عليه في الحمى، فهذا مريض الآن، وحكمه حكم المريض، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] أي: عليه قضاء تلك الأيام التي أفطر فيها.\nإذًا: نفرق بين من حالته الجنون فهو غير مكلف في هذا الوقت، وفيه التفصيل الذي تقدم، وبين من كان في مرض فأغمي عليه بسبب المرض، كأن يكون مريضًا بالحمى أو أغمي عليه بسبب أنه مريض الكبد أو الكلى أو غير ذلك، فيلزم هذا الإنسان قضاء الصوم دون الصلاة؛ لمشقة التكليف بقضاء الصلاة دون الصوم.\nوهو غير آثم لترك الصيام في تلك الأيام؛ لأن زوال عقله كان بعذر صحيح، أما إذا زال عقله بمحرم، كأن يشرب مسكرًا، من حشيش، وخمر، وغيرهما، فهذا يلزمه القضاء، وهو آثم بالترك في هذه الحال.","vol":"3","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>حكم من بلغ أو أسلم في نهار رمضان</span>\nإذا نوى الصبي الصوم من الليل فبلغ في أثناء النهار أتم صومه ولا قضاء عليه، وكان أول صومه نافلة وآخره فريضة.\nولا يلزمه القضاء على الراجح في ذلك؛ لأن نية الصوم حصلت لهذا الإنسان ليلًا فيجزئه كالبالغ، ولا يمتنع أن يكون أول الصوم نافلة وباقيه فرضًا كما لو شرع في صوم يوم تطوعًا ثم نذر إتمامه، وصورة هذا النذر أن يكون أول النهار صائمًا بنية النفل، ثم قال: اليوم الذي سيقدم فيه فلان لله علي نذر أني أصومه، فقدم صاحبه في نفس اليوم، فيصير اليوم الذي بدأه بصوم النافلة فريضة عليه بسبب نذرهن أما ما مضى من الشهر قبل بلوغه فلا قضاء عليه.\nوإذا أسلم الكافر في شهر رمضان صام ما يستقبل، فيلزمه صوم بقية الشهر، أما اليوم الذي أسلم فيه فإنه إن كان إسلامه عند صلاة الظهر فقد وجب عليه الصوم في ذلك الوقت، فإن صام من ذلك الوقت فالراجح أن صومه هذا يكفيه كصوم عاشورا من قبل الصحابة، حيث أمرهم النبي ﷺ بالإمساك بقية اليوم، ولا يلزمه شيء أكثر من ذلك، فإن صام يومًا مكان هذا اليوم فهو أفضل احتياطًا للخلاف الذي في هذه المسألة.\nوهذا قول الإمام أحمد، وبه قال إسحاق، لكن قال مالك وأبو ثور وابن المنذر: لا قضاء عليه، ولو لم يصم ذلك اليوم أيضًا فلا قضاء عليه؛ لأنه لم يدرك يومًا كاملًا في إسلامه.\nوهذا مروي أيضًا عن أحمد ﵀.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"3","page":11},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-31> النية في الصيام</span>\nالنية شرط في جميع العبادات ومنها الصوم، فإذا كان الصوم فرضًا فلا بد من الجزم بالنية من الليل، وإذا كان نافلة فلا بأس أن ينويه في النهار ما لم يطعم، ولو نوى في صيام الفرض من الليل ثم أكل بعد أن نوى ذلك في الليل فلا يضره إذا كان ذلك قبل طلوع الفجر.\nومن لم يعلم بدخول رمضان إلا في النهار فإنه ينوي ويمسك من وقت علمه بذلك، ولا قضاء عليه على الراجح.","vol":"4","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>وجوب النية في الصيام</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nذكرنا في الحديث السابق أن صوم رمضان فريضة افترضها الله ﷿ على عباده، وهو ركن من أركان الإسلام، فصوم رمضان هو الفريضة، وغيره من الصيام إما أن يكون تطوعًا، وإما يكون واجبًا إذا أوجبه الإنسان على نفسه لسبب من الأسباب، لكن لا توجد فريضة صيام بأصل الشريعة إلا صوم رمضان.\nوهذه الفريضة كما ذكر لنا النبي ﷺ لابد فيها من نية، فجاء في حديث النبي ﷺ أنه قال: (من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له).\nأي: بالنية، وقال: (إنما الأعمال بالنيات) فكل عمل من الأعمال لابد فيه من نية، كالصلاة والصيام، وكل عبادة من العبادات لابد فيها من نية، وكل عمل يعمله الإنسان إذا نوى فيه نية حسنة فالله ﷿ يأجره عليه، (وإنما الأعمال بالنيات) أي: إنما الأعمال الصالحة بالنوايا الخالصة، فإذا كانت النية خالصة لله ﷿ والعمل صالحًا، تقبل الله ﷿ هذا العمل، نسأل الله ﷿ أن يتقبل منا صيام شهر رمضان، وأن يعيننا عليه، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما يحب ويرضى إنه ربنا سبحانه على كل شيء قدير.\nإذًا فلا يصح صوم رمضان إلا بنية، ولابد في الصوم الواجب أن تكون النية من الليل؛ والصوم الواجب: صوم رمضان وصوم الكفارة، وصيام قضاء رمضان، وصيام كفارات قتل الصيد للمحرم ونحو ذلك.\nإذًا: فلا يصح صوم رمضان ولا غيره من الصيام الواجب والمندوب إلا بالنية؛ للحديث الذي في الصحيحين من حديث عمر ﵁ قال: النبي ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).\nوعن ابن عمر عن حفصة ﵂ أن النبي ﷺ: (من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له)، فلا بد لصحة الصيام أن تكون النية قد بيتها صاحبها، والبيات يكون بالليل، فيبيت من الليل لنية أنه غدًا صائم، هذا لغير المعذور.\nوأما المعذور كأن يريد أن ينام وهو لم يتبين له أن غدًا من رمضان أو ليس من رمضان، فينوي: لو كان غدًا من رمضان فإني صائم، فتصح له هذه النية، إذًا: لابد في النية من أن تكون جازمة أنه سيصوم رمضان إلا لمن كان معذورًا كهذا، فله أن ينوي النية على التردد: إن كان غدًا من رمضان فإني صائم.","vol":"4","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>محل النية هو القلب</span>\nمحل النية القلب في كل العبادات، فلا يحتاج أن يتلفظ بها بلسانه؛ لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ أنه قال: نويت أن أصوم، أو قال: نويت أن أصلي، إلا في الحج والعمرة، فإنه يهل بهما، ويرفع صوته فيقول: لبيك حجة، لبيك عمرة، لبيك حجة وعمرة.\nوأما غيرها فلا؛ لأن الذي قال: لبيك حجة لم يقل: نويت أن أصلي، صلوات الله وسلامه عليه، فيؤخذ ذلك من النبي ﷺ، فما قاله قلناه، وما سكت عنه سكتنا عنه.\nومعنى النية العزم والقصد إلى فعل الشيء، فلا يكفي اللسان عن نية القلب، ولو أن الإنسان تكلم وقال: أنا غدًا صائم ثم لم يكن هذا الكلام بقصد النية فلا ينفع، بل لا بد أن يكون القلب موافقًا لهذا اللسان.","vol":"4","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>هل ينوي لكل يوم من رمضان أم تكفي النية في أول يوم</span>\nالنية في رمضان تجدد في كل ليله على الراجح، وبعض أهل العلم يرى أن نية واحدة في أول الشهر تغني عن الشهر كله، ولكن كون النبي ﷺ قال: (لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل)، وأن أيام رمضان لا يتعلق يوم فيها بيوم آخر، فإن ذلك يدل على أنه لا بد من النية لكل يوم، فأيام رمضان لا ارتباط فيما بينهما من حيث الصيام، فالذي يفطر يومًا لا نقول له: كأنك أفطرت الشهر كله، وهناك فرق بين صيام رمضان والصيام في كفارة القتل، وفي كفارة الظهار، فكفارة الظهار عليه أن يصوم فيها شهرين متتابعين، والصيام فيها متعلق بعضه ببعض، فليس له أن يفطر، قال تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة:٤]، فلا بد من التتابع، فلو انقطع هذا الصيام بغير عذر فإنه يلزمه أن يعيد الشهرين المتتابعين من جديد وكذلك في قتل الخطأ أو الخطأ شبه العمد، فالكفارة في ذلك صيام شهرين متتابعين، إذًا: فيلزمه التتابع، وفي مثل ذلك يقال: إن نية واحدة تكفي؛ لأن التتابع شرط والصيام مرتبط بعضه ببعض.\nوليس كذلك في شهر رمضان، فلو أنه أفطر يومًا أو عدة أيام فهذه الأيام التي أفطرها لا تؤثر في الأيام التي صامها، فعلى ذلك يبيت النية أنه غدًا صائم كل ليلة في صيام رمضان.\nوتبييت النية أمر سهل، فأنوي في قلبي أني غدًا صائم، وكوني أتسحر بالليل هذه نية الصيام في الغد، وعلى ذلك الإنسان الذي يستحضر أنه غدًا صائم، هذه هي النية، إذًا: تجب النية في كل صوم واجب سواء في رمضان أو في غير رمضان، فغير رمضان مثل صيام كفارة اليمين ثلاثة أيام، فيلزمه نية لكل ليلة، وخاصة إذا قلنا: إنها ثلاثة أيام لا يشترط فيها التتابع.\nوأما في صيام الكفارتين: كفارة الظهار والقتل شهرين متتابعين فتكفي بنية بواحدة من البداية على الراجح، ولكن الأولى أن ينوي في كل ليلة أنه غدًا صائم.","vol":"4","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>الفرق بين النية في صيام الفرض وصيام التطوع</span>\nهناك فرق بين صيام الفريضة وصيام التطوع من حيث النية، فالتطوع يجوز فيه أن تكون النية من النهار، لكن الفريضة لابد من تبييت النية من الليل، والذي فرق بين الاثنين هو النبي ﷺ، فكان إذا صام رمضان بيت النية من الليل، وأخبرنا عن ذلك فقال: (لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل)، هو ﷺ صام تطوعًا بنية من النهار، فقد كان ناويًا أن يفطر ثم صام ونوى التطوع من أثناء النهار.\nإذًا: لو نوى الصوم بعد الفجر لم ينعقد عن رمضان طالما أنه متمكن من النية بالليل، وهذا في النذر وغيره، إلا إذا كان النذر في النهار، والنذر أن يقول: لله علي نذر أن أصوم إذا قدم فلان، فإذا كان صائمًا تطوعًا فقدم فلان انقلب الصوم إلى فريضة؛ لأنه نذر بذلك، فكانت نية الفريضة من أثناء النهار، وكانت النية قبل ذلك تطوعًا.","vol":"4","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>تصح نية صيام الفرض في جميع الليل وحكم الأكل بعد النية قبل الفجر</span>\nتصح النية في جميع الليل، فإذا نوى بعد غروب الشمس أنه غدًا صائم تنفع هذه النية، ولا يشترط أنها تكون قبل الفجر مباشرة، ولكن في أي وقت من الليل من الغروب إلى قبيل الفجر يجوز له النية فيه.\nوإذا نوى الصوم بالليل ثم أكل أو شرب فهذا لا ينقض نيته، فبالليل نوى أنه غدًا صائم، وبعدما نوى أكل أو شرب فلا شيء عليه، ولا تنقتض هذه النية بشيء.\nوكذلك لو نوى ونام ثم انتبه قبل الفجر فأكل فلا شيء عليه، وتكفيه تلك النية.","vol":"4","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>جواز النية من النهار في صوم النفل</span>\nيصح صوم النفل بنية من النهار، وقد ذكرنا أن النبي ﷺ فعل ذلك، ففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: (قال لي رسول الله ﷺ ذات يوم: يا عائشة! هل عندكم شيء؟) يعني: من طعام، فهو يريد أن يأكل ﷺ، وقوله هذا يدل على أنه كان مفطرًا، (فقالت: يا رسول الله! ما عندنا شيء، قال: فإني صائم)، فالنية الآن من النهار، فقد كان في البداية ناويًا أن يفطر، فلم يلق طعامًا فصام صلوات الله وسلامه عليه، فدل ذلك على أنه يجوز لك أن تصبح وأنت تريد الإفطار، فإن لم تجد إفطارًا حولت النية إلى الصوم فتصير صائمًا وتؤجر عليه.\nإذًا: ففي صيام التطوع الله ﷿ يرخص لعباده في أشياء حتى يحببهم في التطوع في العبادة، ولذلك في صلاة النافلة يجوز لك أن تصلي وأنت قاعد حتى ولو لم تكن مريضًا، ولكن الأجر على نصف القائم، وأما الفريضة فلا يجوز لك أن تصلي قاعدًا إلا إذا لم تستطع القيام، إذًا لماذا في النافلة يجوز أن تصلي وأنت قاعد؟ يجوز ذلك للتحبيب في النافلة، فالإنسان طبيعته فيها الكسل، فتوسوس له نفسه بأني متعب ولا أستطيع أن أقوم وأصلي، فنقول له: ممكن تصلي وأنت قاعد، فإذا صلى وهو قاعد، تعود على النافلة مع الزمن، فيقوم بعد ذلك يصلي وهو قائم، ويقول: لماذا آخذ نصف الأجر وأنا أقدر أن آخذ الأجر كاملًا؟! إذًا: أصلي وأنا قائم.\nفكذلك في الصيام يخفف الله ﷿ تيسيرًا على العبد، وتحبيبًا له في التطوع، فإذا أصبح وليس عنده طعام، فيجوز له أن ينشئ نية الصيام من النهار، إلا أن يكون في أيام يكره فيها الصيام أو يحرم فيها الصيام، كيوم العيد مثلًا، ويوم الجمعة يكره الصيام فيه منفردًا إلا أن يكون يصوم يومًا ويفطر يومًا، أو أن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده.\nففي الحديث السابق أن النبي ﷺ قال: (فإني صائم، قالت عائشة: فخرج رسول الله ﷺ فأهديت لنا هدية أو جاءنا زور، قالت: فلما رجع رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله! أهديت لنا هدية أو جاءنا زور وقد خبأت لك شيئًا، قال: ما هو؟ قالت: قلت: حيس، قال: هاتيه، قالت: فجئت به فأكل، ثم قال: قد كنت أصبحت صائمًا).\nوهذا الحديث كأنه جمع يومين مع بعض وليس يومًا واحد، ففي أحد الأيام كما في أحاديث أخرى عن عائشة رضي الله ﵎ عنها أنه كان أصبح مفطرًا ولكن لم يأكل، فلما لم يجد طعامًا نوى الصيام وصام، وفي يوم آخر أصبح وقد نوى الصيام ﷺ، وبعد ذلك أتته السيدة عائشة فقالت: أهدي لنا هدية، فقال: ما هي الهدية؟ قالت: حيس، وهو طعام حلو يتخذ من التمر والسمن، فأكل منه وأفطر ﷺ.\nوهذا من رحمته بأمته صلوات الله وسلامه عليه، وذلك أن الصائم أمير نفسه، فإن شاء أكمل صومه، وإن شاء أفطر، ولو أن النبي ﷺ لم يفعل ذلك لكان كل إنسان صائم عليه أن يستمر فيه، ولشق عليه صوم التطوع، لكن كون النبي ﷺ فعل ذلك دل على أنه يجوز أن تصبح وأنت صائم، ثم يبدو لك أن تفطر لعذر من الأعذار أو لغير عذر فلك ذلك؛ لفعل النبي ﷺ، وقد جاءت رواية في هذا المعنى، وهي قوله ﷺ: (إذًا أفطر اليوم وقد فرضت الصوم)، قوله: (فرضت) هنا ليس معناها أنها فريضة، بل معناه: كنت نويت الصوم، ثم أفطر ﷺ.\nوفي حديث آخر قال ﷺ بعد ذلك: (إنما مثل صوم المتطوع كمثل الرجل يخرج من ماله الصدقة، فإن شاء أمضاها، وإن شاء حبسها)، وهذا يعطي لنا حكمًا آخر وهو: أن المتطوع بالصوم كالمتطوع بالصدقة، وليس هو كالمتطوع بالصلاة؛ لأن الصلاة إذا أحرمت بها فليس لك أن تخرج منها، فالصلاة تكون تطوعًا إذا أنت لم تدخل، فإذا أردت أن تصلي فصل وإذا لم ترد أن تصلي فلا تصل، لكن إذا دخلت في الصلاة فأحرمت بها فليس لك أن تخرج منها، فهي إذًا غير الصوم وغير الصدقة، فالصدقة في جيبك، فإذا نويت أن تعطي فلانًا صدقة، ثم بدا لك ألا تفعل فإنك تؤجر على أنك نويت أن تفعل الصدقة، وهذا من كرم الله العظيم سبحانه، والصيام كذلك، فإذا نوى إنسان أن يصوم وأصبح صائمًا، ثم بدا له أن يفطر بعد ذلك أفطر، فهذا الصائم تطوعًا كالذي يريد أن يتصدق بالصدقة، فكلاهما أمير نفسه إن شاء أمضى ذلك وإن شاء لم يفعل.\nوفي أي وقت من النهار نوى صيام التطوع أجزأه، سواء في ذلك ما قبل الزوال وبعده، فمثلًا في صوم التطوع إذا بقي إلى وقت الظهر وما أكل، فجاء عند وقت الظهر فقال: أكمل صومي، فالراجح أن له ذلك.\nومثل إنسان كان نائمًا لم ينو صومًا، ثم استيقظ من النوم قبيل المغرب فالراجح أنه يجوز له ذلك، تحبيبًا للمسلم في الصوم، وهذا في التطوع وليس في رمضان وليس في فريضة.\nوالشرط في ذلك ألا يكون قد طعم قبله، فلا يكون قد أكل وشرب وبعد ذلك يقول: سنصوم لا، بل يشترط ألا يكون قد أكل أو شرب بعد الفجر.\nويؤجر على صيام يوم كامل، وهذا مثل أن يتصدق الإنسان بصدقة ويؤجر عليها عشر حسنات، وآخر يتصدق ويؤجر مائة، فلن يستوي هذا مع إنسان كان ناويًا للصيام من قبل الفجر، غدًا صائم، لكن من حيث الأجر فيكون له أجر صيام يوم كامل، وأما المضاعفة فأمرها إلى الله ﷿، فيضاعف لمن يشاء.","vol":"4","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>تعيين النية في الصيام</span>\nيشترط تعيين النية في صوم القضاء والكفارة، يعني: طالما أنه صيام واجب فلابد من تحديد النية، فمثلًا أنوي أني اليوم صائم صوم رمضان فيكفي، وإذا كان علي صيام من رمضان فأنوي أني صائم غدًا عن اليوم الذي كان في رمضان، ولا ينفع أن أقول: سأصوم وبعد ذلك أنوي كفارة يمين أو كفارة عن كذا، أو ظهار، أو لرمضان.\nإذًا: لا بد من نية في الليل أنه صائم غدًا صيام الفريضة.\nولا يشترط تعيين سبب الكفارة، ولو عين وأخطأ لم تجزئ الكفارة، كتعيين كفارة يمين، أو كفارة ظهار، أو كفارة قتل خطأ، فإذا نوى أنه يصوم غدًا صيام عن هذه الكفارة فأطلق وقال: أنا علي كفارات وسأبدأ الصيام من غدًا وما حدد، جاز له أن يبدأ الصيام ويصرفه لأي نوع من هذه الكفارات، إلا إذا نوى من الليل وقال: غدًا أصوم عن كفارة قتل الصيد مثلًا، فأصبح بالنهار وقال: أنا أحول النية وأجعلها للكفارة أخرى، فهنا لا تتحول النية، ولكن تظل على هذا الشيء، إذًا لو عين النية وأخطأ لم يجزئها في مسألة أخرى.\nولو عين النية وأخطأ مثل أن يقول: علي يوم من رمضان وغدًا سأقضي هذا، فلما صام هذا اليوم تبين له أنه لا يوجد عليه قضاء من رمضان، وإنما كان عليه كفارة يمين، فلا تنفع هذه مكان هذه؛ لأنه صامه قضاء لرمضان، فيكون صومه نافلة، ولا ينقلب إلى شيء آخر من الكفارة.","vol":"4","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>حكم صيام التطوع بنية مطلقة</span>\nيصح صيام التطوع بنية مطلقة كما تصح الصلاة بنية مطلقة، ولكن الأفضل هو تعيين النية في الصوم المرتب، فمثلًا ينوي أن غدًا يوم الإثنين سأصوم؛ لأن يوم الإثنين يوم ترفع فيه الأعمال، ولو أنه صام بنية مطلقة، لأجزأ ورفعت فيه الأعمال أيضًا، ولكن الأفضل أنه ينوي اقتداء بالنبي ﷺ، فقد كان يصوم الإثنين والخميس.\nوكذلك في صوم عاشوراء إذا صام بنية مطلقة، فإنه مأجور عليها، لكن الأفضل أن ينوي أن هذا صوم عاشوراء، وكذلك في يوم عرفة ينبغي أنه ينوي أن هذا صيام عرفة؛ بحيث يؤجر على أنه اختار أن يصوم في اليوم الذي ذكر النبي ﷺ فيه تلك الفضيلة العظيمة، ولو صامه بنية مطلقة فإنه يؤجر عليه أيضًا بما جاء في الكفارة التي ذكر النبي ﷺ.","vol":"4","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>حكم الجزم بالنية في الصيام</span>\nينبغي أن تكون النية جازمة في الصيام فلا يبقى مترددًا في التطوع، أنا صائم أو غير صائم، وإذا أصبح يتردد أصوم أو لا أصوم، ويظل على ذلك إلى أن تغرب الشمس، فلا يعد صيامًا؛ لأنه لابد من الجزم بالنية.\nوفي صوم الفريضة لابد بالجزم بالنية بالليل كما قدمنا.","vol":"4","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>حكم صوم الفرض بنية من النهار</span>\nيصح صوم الفرض بنية من النهار في العذر الشديد جدًا، مثل أن يصبح الناس فجاء إنسان وقال: رأينا الهلال بالأمس، وهذا إذا كانت رؤيا عين.\nففي عهد النبي ﷺ أصبحوا صائمين في يوم الثلاثين من رمضان، فجاء بعض الأعراب وقالوا: رأينا الهلال ونحن في الطريق، وأهل المدينة كانوا صائمين، وأخبروا بذلك بعد الظهر، فالنبي ﷺ أمر أصحابه بالإفطار، وخرجوا إلى العيد في اليوم الثاني مع أن يوم العيد هو هذا اليوم الذي كانوا فيه، ولكن هذا اليوم قد انتهى فسيخرجون إلى العيد من اليوم الثاني.\nوكذلك يكون الأمر إذا لم يروا الهلال وأصبحوا مفطرين، ثم جاءهم من يقول: رأينا الهلال، وأخذ بكلام هذا الإنسان وقبلت شهادته، فيجوز لمن لم يكن قد أكل أن ينوي نية من النهار وأن يصوم، وإن كان الأحوط في هذه الحالة أن يقضي ذلك اليوم، والراجح من حيث الدليل أنه يجزئه، كصيام عاشوراء حين كان فريضة، ثم نسخ، فقد كان صيامه فريضة والنبي ﷺ أمرهم أن يصوموا من النهار، ففي مثل هذه الحالة يجوز.","vol":"4","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>حكم التردد في الصيام في آخر يوم من رمضان</span>\nإذا كان في آخر رمضان فقال في ليلة الثلاثين من رمضان: أصوم غدًا إن كان من رمضان، وفعلًا كان من رمضان، فهنا يجوز صومه ذلك، وإن كان من العيد أفطر.\nولو كان عليه قضاء فقال: أصوم غدًا قضاء أو تطوعًا، فهذا لا ينفع هنا، وهو ينفع في رمضان على الراجح، والفرق أن رمضان لن يقدر أن يستدرك هذا الشيء فيه، فإذا قال بالليل: لو كان غدا رمضان فأنا صائم عن رمضان، وإن كان غير رمضان فأنا صائم تطوع، فأصبح فكان من رمضان، فتنفع هذه النية.\nلكن لو أن إنسانًا تردد في النية، وقال: أنا غدًا صائم قضاء أو تطوعًا، ولم يجزم بأحدهما، فنقول له: لا بد من الجزم؛ لأن هذا الأمر بيدك فتستطيع أن تقضي غدًا أو في أي وقت آخر، فلك الخيار إما أن تنوي قضاء أو تنوي تطوعًا، فالتطوع لك الخيار فيه، فعلى ذلك إذا قال: إني غدًا صائم إما قضاء عن يوم من رمضان، أو تطوعًا، وأصبح الصبح على هذه النية المترددة، فإن الصيام يكون تطوعًا ولا يجزئ أن يكون فريضة في هذه الحالة والله أعلم.\nنكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"4","page":12},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-43> مسائل في النية وبداية ونهاية الصوم</span>\nلا بد من تبييت النية من الليل للصوم، وهناك مسائل تتعلق بالنية في الصوم، فمن نوى الصوم ثم نوى قطعه جازمًا فقد أفطر وإن لم يأكل، ومن نوى قطعه مترددًا فلا شيء عليه وصومه صحيح، ولا صيام لمن لم يبيت النية من الليل إلا أن يكون معذورًا بنوم أو نسيان، والصيام يبدأ من أول الفجر الصادق حتى غروب الشمس يقينًا.","vol":"5","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>مسائل تتعلق بالنية في الصوم</span>","vol":"5","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>حكم من نوى قطع الصوم جازمًا أو مترددًا</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nتكلمنا في الحديث السابق عن النية في الصوم وأن صوم الفريضة لا يصح إلا بنية، ولابد أن يبيت النية من الليل كما قدمنا، ولو دخل إنسان في صوم ثم نوى قطعه جازمًا بنية الخروج فهذه من المسائل التي تتعلق بالنية، فإذا نوى مسلم من الليل أنه غدًا صائم وأصبح بالنهار وهو على هذه النية عازمًا على الصوم ثم بدا له أن يقطع هذه النية فإما أن يكون مترددًا، أو أن يكون جازمًا بقطع النية، يعني: كأن يقول: أنا الآن مفطر إذا وجدت طعامًا سآكل، فإذا عزم على الخروج خرج في الحال ولو لم يأكل، فإذا تردد في الخروج كإنسان مريض تردد وقال: أفطر لأنني معذور بالمرض ولا أكمل الصوم؛ فإنَّ التردد لا شيء فيه، والصوم صحيح، لكن الجزم بأنه خرج من الصوم كأنه نفى النية وألغاها، فعلى ذلك الآن هو مفطر؛ لأننا ذكرنا أن الصيام هو إمساك مع نية، فلا بد من الاثنين، فإذا وجد الإمساك والنية نسيها الإنسان فلا شيء، ولو تردد فيها وقال: أكمل أو أفطر؟ فلا شيء، لكن إذا عزم وجزم بأنه لا نية للصوم وقال: أنا مفطر الآن، فقد بطل صومه.\nولو كان صائمًا عن نذر فنوى قَلْبَهُ إلى كفارة أو عكس ذلك، أي لو أنه صائم عن نذر، كأن يكون نذر أن يصوم يوم الاثنين القادم -في غير رمضان- وجاء يوم الإثنين وأصبح وهو صائم بهذه النية، ثم تذكر أن عليه كفارة يمين الآن وهو بالنهار، فأراد أن يقلب نيته إلى كفارة يمين، فإنه لا يصلح ذلك، والراجح أن صومه صحيح وهو عن النذر وليس عن الكفارة، ولا ينقلب الصوم لشيء آخر بخلاف من نوى من الليل -فقال: أنا غدًا صائم، إما قضاء رمضان وإما عن النذر، ولم يجزم بواحدة حتى طلع عليه الصبح فصام، فصومه الآن صوم نافلة وليس فريضة، لأنه لابد ليكون قضاءً من عزم في نيته على أن هذا صوم قضاء، وإذا كان عن كفارة لا بد من عزم، وإذا كان عن نذر لا بد من عزم كذلك، فإذا أصبح عليه الصبح ولم يجزم، ولكنها مجرد نية أنه يصوم ولم يحدد عن أي شيء، فلا يصلح أن يحدد بعد أول نهار ويكون صومه هذا نافلة.","vol":"5","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>حكم الحائض إذا نوت الصوم قبل انقطاع حيضها ثم انقطع في الليل</span>\nمن المسائل التي تتعلق بنية الصوم: إذا نوت الحائض صوم الغد قبل انقطاع حيضها ثم انقطع في الليل، فهنا لا يشترط في وقت النية أن تكون المرأة طاهرة من الحيض، ولكن العادة قد تكون معروفة عندها، فهي تعرف أنها في يوم كذا في نهار رمضان أنها حائض، وأن هذا آخر يوم لها في دورتها، ومنتظرة خلال الليل أن تنقطع تمامًا، وتعلم أنه قبل الفجر ستكون قد قطعت الدورة، فلو أنها نوت في أثناء حيضها وهي تعلم انقطاعه في الليل فالنية صحيحة وتجزئها، فإذا أصبحت وكانت طاهرة فصيامها صحيح.","vol":"5","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>أي فعل يدل على الصوم في الليل يكفي في نية الصوم</span>\nالإنسان لو تسحر ليتقوى على الصوم أو عزم في أول الليل أن يتسحر في آخره، أو قال: أتسحر للصوم أو أشرب لدفع العطش، هذا كله يصلح نية للصوم؛ لأنه فعل ذلك بقصد الصوم، فعلى ذلك فهذه نية تجزئ في الصوم، ولا يشترط أن يقول: أنا غدًا صائم، بل أي فعل فعله من أجل الصوم كالسحور ونحو ذلك، فهو نية تجزئه.","vol":"5","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>حكم تعقيب الصائم النية بقوله: إن شاء الله</span>\nلو عقب النية بقوله: إن شاء الله أنا غدًا صائم، فهذه الكلمة تقال على وجهين، إما أن يقصد التبرك بهذه الكلمة وتأكيد العزم فيما يقول، فهذا لا يؤثر في صومه وصومه صحيح، أو يقصد بها التعليق، مثال ذلك: إنسان يقول لك: ائتني بالليل، فتقول له: إن شاء الله، فأنت تركت الأمر للقدر، وإذا شاء الله ذهبت إليك، فأنت لست عازمًا أصلًا أنك تأتيه، وتركت الأمر للظروف، إذا شاء الله ﷿ ذهبت إليك، هذا هو التعليق على المشيئة، والتعليق على المشيئة لا يصلح في نية الصوم، بخلاف من يقول: أنا صائم غدًا إن شاء الله ويقصد بهذه الكلمة التبرك بها والعزم.","vol":"5","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>حكم من نسي نية الصوم في رمضان حتى مطلع الفجر</span>\nلو أن إنسانًا جاء عليه الليل ونسي النية حتى الفجر، أو أنه نام قبل المغرب وقام بعد الفجر، ومعلوم أنَّ النية تكون بكل ليلة، لكن هذا لم يبيت النية لأنه نام أو نسي.\nقال النبي ﷺ في أمر الصلاة: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) فالقياس الصحيح هنا أن يقال: نية الصوم تكون إذا استيقظ ولم يأكل، فقد نوى أنه يصوم فتجزئ، وخاصة أن مسألة النية في النهار للعلماء فيها قولان: فمذهب الإمام أبي حنيفة أن النية مجزئة لأي صائم، وفي أي صوم فريضة أو نافلة، فله أن ينوي من النهار، ومذهب الجمهور ومنهم مالك والشافعي وأحمد أنه لابد من تبييت النية إلا مع العذر وهذا هو الصحيح، إذًا: لابد من النية إلا أن يوجد عذر، وسبب الاستثناء في العذر ما جاء في عاشوراء أنه فرض عليهم صومه في عام واحد وأمرهم النبي ﷺ في النهار أن يصوموه، فأجزأت هذه النية، فعلى ذلك لو أن الإنسان نام قبل غروب الشمس فلم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر فهذا معذور بالنوم، وإذا كان يعذر في الصلاة فليعذر هنا، فلينو إذا استيقظ من نومه، ويصوم هذا اليوم، وإذا نسي طول الليل كأن يقرأ القرآن أو كان يصلي، ولم يستحضر في قلبه أن يوم غدٍ من أيام رمضان حتى طلع الفجر، فإننا نقول: يجزئه الآن أن ينوي من النهار، وهذا مذهب أبي حنيفة ومذهب ابن حزم في هذه المسألة واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم، فهذا معذور ولا يقاس على المعذور غيره، إذًا: لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل، إلا أن يكون معذورًا بنوم أو بنسيان.","vol":"5","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>حكم النية في الليل ثم قطع النية قبل الفجر</span>\nلو نوى في الليل ثم قطع النية قبل الفجر، نحن نقول: الصيام لابد فيه من إمساك مع نية ولو حكمًا؛ لأنه ليس من الممكن أبدًا أن نقول للصائم: اذكر طول النهار من الفجر حتى المغرب نية الصوم، هذا بعيد؛ لأن الإنسان ينسى ويأكل ناسيًا ويسهو وهكذا، فصعبٌ أن يتذكر النية طول النهار، إنما نقول: تعتبر له النية حكمًا حتى يقطع هذه النية، فلو أنه نوى في الليل ثم قطع النية قبل الفجر، أي: نوى عند العشاء الصوم وجاء قبل الفجر وقال: لا، إنني مسافر غدًا لن أصوم، فعلى ذلك فهو مفطر؛ لأنه قطع النية قبل الفجر، ولا تجزئه النية التي كانت في الليل، فإن لم يسافر هذا الذي قطع النية فإنه يلزمه الإمساك، ولا يجزئه عن رمضان، بل عليه القضاء بعد ذلك.","vol":"5","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>حكم من علم أن عليه صومًا واجبًا لا يدري هل هو من رمضان أو نذر أو كفارة</span>\nلو علم أن عليه صومًا واجبًا ولا يدري هل هو من رمضان أو نذر أو كفارة؟ نقول: هنا لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، صُم ثلاثة أيام بنية الصوم الذي وجب عليك، أي: بنية الصوم الواجب ولا يلزم التحديد الآن؛ لأنه يشق عليك، والله سبحانه يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨].","vol":"5","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>مسائل تتعلق ببداية ونهاية الصوم</span>\nإنَّ الصيام يبدأ من أول الفجر حتى غروب الشمس، إذًا: ينقضي الصوم ويتم بغروب الشمس، وهذا من رحمة الله سبحانه، إذْ خفف علينا بعدما كان الصوم يبدأ من العشاء حتى غروب شمس اليوم الثاني، فيصام ثلاثًا وعشرين ساعة في اليوم! فالله خفف وجعل الليل للأكل والشرب والجماع، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] إذًا: من طلوع الفجر الصادق حتى غروب الشمس.\nوهذا بإجماع المسلمين؛ لقول النبي ﷺ: (إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم) فقد أشار النبي ﷺ أن الليل آتٍ من هنا، والشمس تتحرك من المشرق إلى المغرب، وكلما تتحرك من مكان تخلف خلفها مكانًا للظلِّ ومكانًا للَّيل، فالظلمة تبدأ يسيرًا شيئًا فشيئًا حتى تعمَّ الظلمة جميع المكان، فيكون هذا الليل بغروب الشمس، إذًا: إذا جاء الليل من هاهنا وغرب النهار من هاهنا، فقال النبي ﷺ: (وأدبر النهار)، وقال: (وغربت الشمس) لأنه ليس ضروريًا إذا أدبر النهار أن تكون قد غربت الشمس، ولكن قد يكون هذا في تخيلك أنت وفي نظرك، فقد يُدبر النهار بسحابات انتشرت في السماء، ولم تغرب الشمس، فعلى ذلك لا بد من غروب الشمس، والذي يقف عند البحر، أو في أفق واسع أمامه في صحراء أو نحوها يرى الشمس وهي تغرب، تنزل رويدًا رويدًا حتى تنزل تحت الأفق.\nقال العلماء: الأحوط أن يمسك جزءًا يسيرًا بعد الغروب؛ لأن الذي يرى الشمس وهي تغرب، يجد أن الشمس حين تنزل تحت الأفق يكون فوقها شعاع يسمى الشفق الأحمر، وكأن هذا الشفق يخبر الإنسان أن الشمس لم تنزل بالكامل تحت الأفق، ولذلك لا بد من الاحتياط.\nوالدخول في الصوم يكون بطلوع الفجر الثاني وهو الفجر الصادق، وذكرنا أن الفجر الذي سماه النبي ﷺ الفجر الكاذب هو ضوء يكون في السماء مستطيلًا، والفجر الصادق يكون ضوءًا أو خيطًا مستعرضًا في الأفق من المشرق إلى المغرب.\nروى البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم ﵁ قال: لما نزلت ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] قلت: يا رسول الله إني أجعل تحت وسادتي عقالين، عقالًا أبيض وعقالًا أسود أعرف الليل من النهار، فقال رسول الله ﷺ: (إن وسادك لعريض، إنما هو سواد الليل وبياض النهار)، فـ عدي بن حاتم أخطأ في هذا الشيء، وأخذ بمقتضى ما يفهم هو من اللغة، أنه خيط أبيض وخيط أسود، فأخذ حبلين، حبلًا أبيض وحبلًا أسود، ووضعهما تحت وسادته ليتبين هذا من ذاك، فبيَّن له النبي ﷺ هذا الخطأ وأن قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ﴾ [البقرة:١٨٧] يقصد به: بياض النهار، وسواد الليل.\nأيضًا جاء في حديث النبي ﷺ الذي رواه مسلم عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يغرنكم من سحوركم) أي: من أكل السحور (أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطيل هكذا) إذا كان الأفق أمامكم بطول السماء، فليس هو الفجر، لكن الفجر الذي يكون خيطه مستعرضًا آتيًا من المشرق إلى المغرب وتراه أمامك.","vol":"5","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>جواز الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر الثاني</span>\nيجوز الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر الثاني أي: الفجر الصادق، لقوله سبحانه: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]، ولو أن إنسانًا يقف وينظر إلى الفجر وينظر إلى الأفق أمامه بين المشرق والمغرب حتى يتبين له الفجر وما زال يشك، هل طلع الفجر أم لم يطلع؟ فطالما أنه يشك فله أن يأكل حتى يتبين له ذلك، وهذا قد يختلف باحتمال النظر، فمن الناس من نظره قوي، وهذا نظره أضعف منه، فإذا تبين طلوع الفجر لك وجب عليك الصوم، لكن الآن لدينا الساعة ونعرف طلوع الوقت الصادق عن طريقها، فإذا تأكدْنا أنَّ هذا وقت الفجر فلا يجوز لنا أن نأكل أو نشرب، بل من كان في فمه طعام فليقذف هذا الطعام على ما قدمنا في بحث قبل ذلك.\nجاء عن ابن عباس ﵄ أنه أرسل رجلين ينظران في الفجر، فقال أحدهما: أصبحت، وقال الآخر: لا، وكان ذلك بعد ما عمي ﵁، ففي آخر حياته صار ضريرًا ﵁، فكان يرسل من ينظر في الفجر، فأرسل رجلين فقال الأول: أصبحت، وقال الثاني: لا، فقال: اختلفتما، أرني طعامي أو أرني شرابي فشرب ﵁؛ لأنه ذكر في الآية التبين، والآن لم يتبين، ولكن يختلف أنظار الناس، فمن تبين له بالنظر أن الفجر طلع لم يجُزْ له أن يأكل ولا أن يشرب، ومن عرف بالساعة أن الآن وقت الفجر الصادق فعلى ذلك لا يجوز له أن يأكل أو يشرب بعد طلوع الفجر.","vol":"5","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>عدم الأكل والشرب إلا بعد التيقن من غروب الشمس</span>\nينبغي ألا يأكل حتى يتيقن الغروب، فتستيقن بساعتك إذا كانت مضبوطة، أو إذا كانت متأخرة فاصبر حتى تسمع الأذان في المسجد أو في المذياع فتعرف أن الوقت قد جاء، أو إذا كنت في صحراء أو عند البحر وترى الشمس وهي تغرب، فانتظر حتى تستيقن أن الشمس قد غربت.","vol":"5","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>حكم من أكل ظانًا غروب الشمس فبانت طالعة أو ظانًا أن الفجر لم يطلع فبان طالعًا</span>\nمن أكل ظانًا غروب الشمس فبانت طالعةً أو ظانًا أن الفجر لم يطلع فبان طالعًا، فأحيانًا الإنسان يضبط المنبه ليتسحر على الساعة كذا، ثمَّ يقوم للسحور ويأكل ويشرب وبعد ذلك يتبين أنَّ المنبه كان واقفًا، وأن الفجر قد طلع قبل فترة، فعلى ذلك أكل بعد طلوع الشمس، والعكس كذلك عند غروب الشمس يكون قبل الغروب يرى الدنيا قد أظلمت، ويظن أن الشمس غربت فيأكل وبعد ذلك يتبين له أنَّ المؤذن ما زال يؤذن، فالأول أكل بعد طلوع الفجر، والآخر أكل قبل غروب الشمس، فالاثنان لو أنهما اقتحما هذا العمل من غير تحرٍّ ومن غير سؤال، واندفعا إليه يلزمهما القضاء يومًا مكان هذا اليوم الذي ضيعاه، لكن إذا كان الأمر مشتبهًا، فالراجح في هذه الصورة: أنه عمل ما عليه، فالأمارات تدله على أن الشمس غربت الآن فهو أفطر بناءً على ذلك، فالراجح: أن هذا لا شيء عليه، لا يلزمه القضاء، وصومه صحيح، وبمجرد أنه عرف أنه أخطأ فعليه أن يمسك.\nإذًا: حكمه حكم الناسي والنبي ﷺ قال في الحديث: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) وإذا كان الناسي في وسط النهار أكل حتى شبع وشرب حتى ارتوى وبعد ذلك تذكر أنه صائم، فقول: أطعمك الله وسقاك، ولا شيء عليك فليكن الحكم كذلك في المخطئ، إذا كان هذا المخطئ قد أخذ بالأسباب.\nلكن إنسان لم يأخذ بالأسباب أصلًا، قام من النوم فرأى الليل مظلمًا ولم يكلف نفسه أن ينظر في ساعة، وأحيانًا الإنسان يختان نفسه في ذلك، فيأكل ويشرب، ثم ينظر في الساعة، فرأى أن الوقت وقت الظهر، فإننا نقول له: أفطرت ويلزمك الإمساك وعليك القضاء، فنفرق بين إنسان تحرى فأخطأ ولا شيء عليه، وإنسان لم يتحرَ في ذلك فيلزمه القضاء.\nوهذا الذي ذكرناه جاء في حديث مرفوع في صحيح البخاري عن أسماء ﵂ قالت: (أفطرنا على عهد النبي ﷺ في يوم غيم ثم طلعت الشمس) ولم يأمرهم النبي ﷺ بالقضاء ولو أمرهم لذكرت: قضينا هذا اليوم، ولكن لم تذكر شيئًا، فدل على أنه لم يأمرهم النبي ﷺ بشيء، لكن راوي هذا الحديث عن أسماء ﵂ هو عروة بن الزبير، وابنه هشام بن عروة يروي الحديث عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء، قيل لـ هشام بن عروة: فأمروا بالقضاء؟ فقال هشام من عند نفسه ﵁: لابد من قضاء، ولم يرفعه للنبي ﷺ، ولا ذكره عن أسماء ﵁، بل أبوه عروة بن الزبير كان يرى أنه لا يلزم القضاء في ذلك، فقول عروة أولى من قول ابنه، فهذا عروة من فقهاء التابعين ﵁ وهو أقرب للصحابة من هشام، وهشام أبعد ﵁.\nوحدث نفس الشيء في عهد عمر رضي الله ﵎ عنه وأنهم أفطروا، يقول زيد بن وهب: كنت جالسًا في مسجد رسول الله ﷺ في رمضان في زمن عمر بن الخطاب فأوتينا بعساس فيها شراب من بيت حفصة، يعني: أخرجت السيدة حفصة ﵂ أقداحًا كبيرة فيها تمر وماء ونحو ذلك للصائمين يفطرون عليها، وهذا من كرمها ﵂، قال: فشربنا ونحن نرى أنه من الليل، ثم انكشف السحاب فإذا الشمس طلعت، إذًا: الذي حصل في عهد النبي ﷺ حصل في عهد عمر ﵁، قال: فجعل الناس يقولون: نقضي يومًا مكانه، فقال عمر: والله لا نقضي ما تجانفنا بإثم، فعلى ذلك الإنسان إذا أخطأ وظنَّ أن الشمس غربت وبان له بأمارات أنها غربت من سماع مؤذن أو من نظر في ساعة فتبين أنه أخطأ فالراجح: أنه يلزمه الإمساك ولا شيء عليه، بخلاف من لم يتبين له بأمارة، إنسان نظر فوجد السماء غائمة وقال: الليل قد جاء، ولم يكلف نفسه أن يتحرى أو ينظر في الساعة ولم يسأل ولم يسمع مؤذنًا فأكل فتبين أن الليل لم يأت؛ فهذا يلزمه القضاء، فنفرق بين الاثنين، والله أعلم.\nنكتفي بهذا القدر.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.\nوصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"5","page":13},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-56> مسائل في النية وما يحرم على الصائم وما يباح له</span>\nجاء الشارع الحكيم ببيان ما يحل للصائم وما يحرم، ابتداءً بنية الصيام وانتهاءً بالإفطار، وبين العلماء حكم استعمال الصائم للبخاخ والحقن الشرجية والعضلية والوريدية وأطقم الأسنان وغير ذلك، فينبغي للمسلم أن يعلم الأحكام المتعلقة بدينه، بحيث يجتنب ما يبطله ويفسده.","vol":"6","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>جواز صوم الحائض والنفساء يدركهما الفجر قبل أن يغتسلا</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nمن مسائل النية في الصوم ما ذكرنا وأشرنا إليه قبل ذلك، لو انقطع دم الحائض والنفساء في الليل فنوتا صوم الغد صح صومهما، سواء اغتسلتا أو لم تغتسلا، فلا تعلق للصيام بالاغتسال، إنما الصلاة هي التي لها تعلق بالاغتسال، فلو أن المرأة طهرت من حيضها أو من نفاسها بالليل ونوت الصيام ونامت وهي على هذا الحال، وأصبحت بعد الفجر فالصوم صحيح، وإن كان التي طهرت من الليل يلزمها أن تغتسل لتصلي ما عليها من صلاة الوقت.\nقال الله ﷿: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]، فذكر الله ﷿ المباشرة وأنها تكون حتى يتبين الفجر، فإذا جازت المباشرة وهي الجماع إلى قبيل الفجر، فمعناه: أن هذا الإنسان سواء كان رجلًا أو امرأة سيطلع عليه الفجر وهو على جنابة من الجماع، ومع ذلك إذا صام فصومه صحيح، طالما أنه نوى من الليل.\nفإذا كان يجوز الجماع إلى قبيل الفجر، فطلع الفجر ولم يغتسل ونوى الصوم صومه صحيح، فيقاس على ذلك الحيض والنفاس.\nوفي الصحيحين من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: (كنت أنا وأبي فذهبت معه حتى دخلنا على عائشة ﵂، فقالت: أشهد على رسول الله ﷺ إن كان ليصبح جنبًا من جماع غير احتلام ثم يصوم) يعني: أنه كان يأتي أهله ﷺ فيؤذن المؤذن الفجر وهو لم يغتسل بعد من الجنابة، فيصبح جنبًا ثم يصوم ﵊، فدل هذا على أن الصوم لا تعلق له بالاغتسال.\nكذلك جاء في صحيح مسلم عن عائشة: (أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ يستفتيه فقال: يا رسول الله! تدركني الصلاة وأنا جنب أفأصوم؟) يعني: يكون نائمًا على جنابة حتى أذان الفجر، فتدركه صلاة الفجر وهو على جنابة، فالنبي ﷺ قال: (وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم)، هنا القياس، إذا كان النبي ﷺ هو أتقى خلق الله صلوات الله وسلامه عليه يفعل ذلك، فدل هذا على أنه جائز، فقال الرجل للنبي ﷺ: (لست مثلنا يا رسول الله! قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال ﷺ: والله إني أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي) يعني: الأمر ليس أن الله غفر له، فإن له أن يفعل ما يشاء، لا، وإنما النبي ﷺ مع أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فقد كان أشد اجتهادًا في العبادة يقول: (أفلا أكون عبدًا شكورًا) صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"6","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>حكم الصائم يشك في طلوع الفجر وعنده طعام وشراب</span>\nمن المسائل التي أشرنا إليها قبل ذلك أنه إذا طلع الفجر وتبين له وفي فمه طعام فليلفظه، أما من لم يتبين له الفجر، بل ما زال شاكًا، فهذا إذا كان أشكل عليه هل طلع الفجر أو لم يطلع ومعه طعام أو ماء فليشرب وليأكل، وعلى هذا يتنزل حديث النبي ﷺ في هذا المعنى، لكن إذا كان قد تبين له فعلم يقينًا بطلوع الفجر فالآية أخبرت أنه لا بد من الصوم الآن، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ [البقرة:١٨٧] يعني: ابدأ صومك من طلوع الفجر الصادق، والأحاديث الكثيرة جاءت عن النبي ﷺ فيها أن الفجر فجران: فجر يحل الطعام والشراب، وفجر يحرمه، فالفجر الصادق يحرم الطعام والشراب، سواء كان الطعام أو الشراب على فيك أو ليس على فيك، أما حديث: (إذا أذن المؤذن والإناء على يد أحدكم فلا يضعه حتى يشرب) فهو حديث صحيح رواه أبو داود وغيره، لكن معناه: إذا كان أحدكم سمع المؤذن ولم يتبين طلوع الفجر وما زال في شك، فهو لا يدري هل المؤذن أذن في الوقت أو قبله؟ فهذا له أن يشرب كما جاء عن ابن عباس ﵄ أنه أرسل رجلين ينظران في الفجر، أحدهما قال: طلع الفجر، والآخر قال: لم يطلع، قال: شككتما، وكان ابن عباس قد أضر في آخر حياته في بصره، فقال: اختلفتما، ناولني شرابي.\nإذًا: طالما أنه شك حتى ولو أذن المؤذن فله أن يشرب هذا إذا كان يرى أن المؤذن أذن قبل الفجر، أما إذا استيقن أن الفجر قد طلع فليس له أن يشرب، بل إذا كان الطعام في فمه لزمه أن يلفظه، وإذا كان مجامعًاَ أهله لزمه أن ينزع وإلا يلزمه القضاء.","vol":"6","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>بيان ما يحرم على الصائم من حيث الإجمال</span>\nيحرم على الصائم ما ورد في الحديث أن الله ﵎ يقول: (يدع طعامه وشرابه من أجلي، ويدع شهوته من أجلي) أي: يحرم عليه الطعام والشراب والشهوة.\nوقال الله ﷿: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة:١٨٧]، هذا بالليل، ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] يعني: يمتنع الصائم عن الطعام والشراب في النهار إلى الليل.\nفإذا أكل أو شرب في النهار وهو ذاكر للصوم عالم بالتحريم، فيلزمه أن يمسك بقية ذلك اليوم ويلزمه القضاء ويأثم بذلك؛ لأنه أبطل صومه متعمدًا.\nويحرم عليه مع الطعام والشراب ما يلحق بهما مثل السجائر، فلو شربها يحرم عليه ويفطر بها؛ لأن الدخان يتجمع في جوفه فيفطر بذلك، كذلك إذا كان يتعاطى المخدرات والعياذ بالله يشمها أو يأكلها أو يجعلها في جسده، يحرم عليه هذا كله، والمسكرات بأشكالها كل هذا إذا وصل إلى جوف الإنسان أو أدخله إلى جسده يحرم عليه؛ لأنه يذهب عقله الذي أمر أن يحافظ عليه، قال النبي ﷺ في الحديث: (من شرب الخمر ولم ينتش لم تقبل له صلاة ما دام في جوفه أو عروقه منها شيء، وإن مات مات كافرًا) والخمر هو ما خامر العقل وخالطه، سواء سميناه خمرًا أو مخدرات أو حشيشًا أو أفيونًا، أو غيرها من الأسماء، كلما خامر العقل وخالطه فهو خمر.\nفالذي يشرب شيئًا من ذلك قليلًا أو كثيرًا فإن النبي ﷺ قال: (لم تقبل له صلاة ما دام في جوفه) يعني: إذا وصل الخمر إلى جوفه، فإنه يحتاج إلى أيام حتى يخرج؛ لأنه قد امتزج بطعامه وشرابه ودمه وعروقه، فخلال هذه المدة لا يقبل الله له صلاة ما دام في جوفه أو عروقه منها شيء، وإن مات مات كافرًا، إن كان مستحلًا لها، مات كافرًا كفرًا أكبر، وإن كان مرتكبًا للمعصية متعمدًا لذلك فهو من أفعال الكفر، كفر العمل.\nالصورة الأولى: أنه لم يذهب عقله، ولم ينتش.\nأما إذا انتشى وذهب عقله بشرب الخمر والمخدرات واختلط فقال: (وإن انتشى لم تقبل له صلاة أربعين ليلة، وإن مات مات كافرًا)، والعياذ بالله.","vol":"6","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>حكم الاكتحال وقطرة العين للصائم</span>\nلا يفطر الصائم بالاكتحال، لو وضع كحلًا في عينيه لا يفطر بها وإن كان الأولى أن يجتنبه؛ لأنه قد يحس بطعمه في فمه، لكن فرضنا أنه وضع وأحس بطعمه في حلقه فيلزمه أن يتفله ويزيل ما في حلقه من أثر الكحل.\nقس على ذلك القطرة التي تجعل في العين، فلو وضع قطرة أثناء الصيام فإن القطرة لا تفطر صاحبها، وإذا نزلت القطرة إلى حلق الإنسان وطعم مرارة القطرة فيلزمه أن يتفل القطرة، بحيث إنه لا يبقى أثرها في فمه، لكن لو تعمد أن يبتلع القطرة فإنه يفطر.","vol":"6","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>حكم الحقن الشرجية والعضلية والوريدية وحقن التغذية للصائم</span>\nلا يفطر الصائم بالحقنة الشرجية التي تدخل إلى معدة الإنسان وإلى جوف الإنسان، والحقنة الشرجية المقصود منها شيء إخراج ما يدخل في شرج الإنسان وأمعائه، أما إذا كانت الحقن الشرجية ستدخل وتمكث بداخل الأمعاء لتمتص منها الأمعاء وتتغدى، ففي هذه الحالة يفطر بها، لكن الحقنة الشرجية العادية المعروفة التي تستخدم لإخراج الفضلات من جوف الإنسان لا تفطر ولا يفطر الصائم من مداوة إحليله أو فرجه، ولا يفطر بمداوة المأمومة والجائفة، وهو قول بعض أهل العلم وهو الراجح أيضًا، والمأمومة هي شجة تكون في دماغ الإنسان تصل إلى الغشاء المحيط بالمخ، وسميت مأمومة؛ لأنها وصلت إلى أم الدماغ، فالمأمومة إذا وضع الصائم لها دواء، ودخل الدواء إليها فالراجح أنه لا يفطر بذلك؛ لأن هذا ليس طعامًا ولا شرابًا، وليس من مجاري الطعام والشراب.\nكذلك الجائفة، يعني: إنسان بطنه مفتوحة ومخيطة، فجعل أدوية فيها فإنه لا يفطر بذلك.\nأيضًا الحقنة في العضل أو في الوريد وكذلك الأقماع المهبلية هذه كلها لا تفطر؛ لأنها ليست طعامًا ولا شرابًا وإنما يتداوى بها وتدخل من غير مجاري الطعام والشراب.\nأما حقن التغذية، إذا كان الشخص يعيش على حقن التغذية بحيث تصير حياته عادية ويحس بشبع فهذا يفطر بذلك.\nإذًا: هناك فرق بين الحقنة للتداوي والعلاج التي ليس فيها تغذية، وبين أن تكون الحقنة فيها مكونات من محلول السكر أو غيره من الأمور المغذية، فإذا كان الإنسان يأخذ الحقن للعلاج وليس للتغذية فالراجح أن هذه الحقن لا تفطر، أما الحقن المغذية فهي تفطر.","vol":"6","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>حكم نقل الدم وتغسيل الكلى والبخاخ أثناء الصوم</span>\nنقل الدم للمريض الراجح أنه ليس فيه مادة للتغذية للإنسان، وإنما هو كعضو من الأعضاء التي تنقل إلى الإنسان، هذا الدم في الإنسان ناقل للأغذية وناقل للأملاح وناقل للأشياء من مكان إلى مكان في الإنسان، ولا يعيش بدونه، فيحتاج إليه، فإذا نقل إليه دم فهذا ليس غذاء وليس يجري مجرى الطعام والشراب، فالراجح أنه أيضًا لا يفطره.\nوقس على ذلك أيضًا إذا كان إنسان يعمل غسيل كلى بالنهار، إذا كان مجرد ما يخرج الدم يتفلتر ويرجع إلى الإنسان، أو يوضع عليه بعض أملاح ونحو ذلك مما يحتاج إليه إلى (اكترونيات) الدم ونحو ذلك، فالراجح أن هذا لا يفطر، لكن إذا وضعت له مواد تغذية معها محلول للتغذية بحيث إنه يعيش على هذا المحلول ويقوم مقام الطعام والشراب، فهنا نرجع إلى مسألة التفرقة بين التغذية وبين غيرها.\nكذلك يباح للمريض الذي عنده أزمة كمريض القلب مثلًا الذي يستعمل البخاخ المحتوى على غاز يستنشقه بحيث إنه ينزل على القصبة الهوائية وعلى الرئة، ولا ينزل على المريء وعلى المعدة، وإنما ينزل على القصبة الهوائية وعلى الرئة، والأفضل أن يجتنب ذلك، لكن لو احتاج إليه استخدمه؛ وذلك بأن يطرأ له المرض في وسط النهار فله أن يستخدم ذلك، ولا يفطره في النهار هذا الغاز، أما إذا كانت بودرة، فأخذها وجعل يستنشقها بحيث تنزل على لسانه ويبتلعها وهذا يفطر بها، لكن إذا كان مجرد غاز يستنشقه وينزل على القصبة الهوائية فالراجح أن هذا لا يفطره.","vol":"6","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>حكم استخدام الأقراص الدوائية في نهار رمضان</span>\nالأقراص الدوائية لا يجوز أن تبتلع في نهار رمضان، ولكن أحيانًا مريض القلب يأخذ قرصًا ويجعله تحت اللسان، فإذا كانت الأقراص تمتصها العروق التي تحت اللسان، ولا يبتلع منها شيئًا، فالراجح أنه لا يفطره، أما إذا كانت تذوب في الريق ويبلعه فإنه يفطر بذلك.\nلذلك هذه المسألة تكون عند الضرورة فقط ولا يبتلع منها شيئًا، وإنما يتركها تذوب تحت اللسان بحيث إنها تمتص من الأغشية المخاطية الموجودة في اللسان، فلا تفطر في هذه الصورة.","vol":"6","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>حكم استعمال الطيب للصائم وابتلاع ما لا يؤكل في العادة</span>\nيجوز للصائم أن يضع طيبًا ويشمه، ولا يوجد دليل على المنع من ذلك.\nويفطر الصائم بأكله الطعام والشراب ذاكرًا ومتعمدًا، وكذلك لو أكل شيئًا غير معتاد أكله، كأن أخذ حبة تراب فأكلها، فإنه يفطر بذلك، كذلك لو ابتلع خمسة ريالات، فهذا شيء لا يؤكل، ولكن لو حدث متعمدًا فإنه يفطر بذلك، أما لو أنه حصل عن غير قصد فلا شيء عليه.","vol":"6","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>حكم ابتلاع الصائم للطعام المتبقي بين أسنانه</span>\nإذا بقي بين الأسنان طعام، فنقول: يستحب للصائم أن يتسوك، كما جاء عن النبي ﷺ: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء -أو عند كل وضوء- وعند كل صلاة) نقول: استخدم السواك، وقال ﷺ: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)، فالنبي ﷺ يأمر به، ويخاف أنه يلزم به فيشق على الأمة، فيستحب بعد السحور أن تستخدم السواك، وتزيل ما بقي من الطعام بين الأسنان، لكن لو فرضنا أنه بقي بعض من الطعام في خلل الأسنان، وفي النهار ابتلعته دون قصد فلا شيء عليك، وصيامك صحيح، لكن لو أن إنسانًا وجد طعامًا بين أسنانه وابتلعه وهو متعمد لذلك وذاكر لصومه، فإنه يبطل صومه بذلك.","vol":"6","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>حكم ابتلاع الريق</span>\nابتلاع الريق لا يفطر، فلو أن الإنسان ابتلع ريقه، سواء كان قليلًا أو كثيرًا لا يفطر الإنسان به، كذلك لو جمع ريقه وبلعه فإن صومه صحيح؛ لأن الريق شيء مخلوق بداخله.\nأما لو اختلط ريقه بما يمكن التحرز منه بتفله فإنه يفطر بابتلاعه، مثل الإنسان الذي يتوضأ ويتمضمض فيبقى الماء في فمه فيبتلعه؛ فإنه يفطر بذلك، لكن إذا تفل مرة واحدة فلا يلزمه أن يستمر في التفل كما يفعل البعض، وتأتي له حالة وسوسة، حتى إن بعضهم يقول: أحاول أن أحافظ على وضوئي من أجل ما أتوضأ وأنا صائم؛ لأني حين آتي إلى المضمضة ما أتمضمض، خشية أن أفطر بسبب ذلك! فهذه وسوسة من الشيطان، ليس هذا الشيء مطلوبًا، وإنما تتمضمض كما تتمضمض وتتفل مرة واحدة وليس أكثر من ذلك، وبعد ذلك الماء الذي كان موجودًا في فمك يبقى له رطوبة، وأثر برودة في ريقك، وتظنه أنه ماء، ولا يلزمك أن تتفله.","vol":"6","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>حكم ابتلاع الدم الخارج بسبب قلع السن أو الضرس</span>\nلو قلع سنًا في نهار رمضان ونزف جرحه فليس له أن يبتلع الدم، ولكن يضع قطنًا عليه ويعض عليه بقوة بحيث إن الدم لا ينزل ويتوقف، فلو أنه تعمد أن يبتلع الدم، فإنه يفطر بذلك؛ لأنه ليس له أن يبتلعه، إلا إذا غلبه أمر الدم، فنزل إلى جوفه غصبًا عنه، فلا شيء عليه في ذلك.\nبعض الصائمين قد يخلع ضرسه في نهار رمضان ويظل يتمضمض من أجل أن يوقف الدم، نقول: لن يقف الدم، بل سيزيد خروج الدم، وتشق على نفسك بذلك، لكن ضع عليه قطنة وعض عليها بقوة حتى يقف الدم بذلك.","vol":"6","page":12},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-68> ما يحرم على الصائم وما يباح له [١]</span>\nالصوم ركن من أركان الإسلام وفريضة فرضها الله على المسلمين، وهو الإمساك عن الطعام والشراب والشهوة وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية التقرب إلى الله تعالى.\nوللصوم أحكام كثيرة ومسائل مهمة ينبغي لكل مسلم أن يعلمها ولا يتجاهلها من أجل أن يؤدي فريضة الصيام على أكمل وجه.","vol":"7","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>الصيام وأحكامه</span>","vol":"7","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>تعريف الصيام</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: الصيام: هو الإمساك عن الطعام والشراب والشهوة من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس بنية التقرب إلى الله سبحانه ﵎.\nويجب على كل مسلم بالغ عاقل، أما المرأة فيزاد عليها أن تكون طاهرة من الحيض والنفاس.\nوالمفطرات هي: الطعام أو الشراب أو الجماع في نهار رمضان.","vol":"7","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>حكم من تقيأ في نهار رمضان</span>\nمن المفطرات تعمد القيء في نهار رمضان كأن يضع أصبعه في حلقه من أجل أن يخرج ما في بطنه، أما لو غلبه القيء فلا يفطر، لحديث: (من ذرعه القيء فلا شيء عليه)، وذرعه القيء معناه: غلبه القيء، لكن إذا تعمد أن يجعل أصبعه في جوفه أو أن يضغط على بطنه من أجل أن يخرج ما فيها فإنه يفطر بذلك.\nوالدليل على ذلك ما رواه أبو داود أو الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدًا فليقض)، ومن ذرعه القيء أيْ: غلبه فليس عليه قضاء، فالذي يخرج من بطنه شيء ثم يرجع إلى جوفه بدون تعمد منه فهو معذور فيه ولا شيء عليه، لكن إن تعمد ابتلاعه فإنه يفطر بذلك.","vol":"7","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>حكم وضع قطرة الأنف للصائم</span>\nلو استنشق شيئًا كالسعوط فوصل إلى حلقه أفطر بذلك، والسعوط شيء يضعه المريض في الأنف ويستنشقه ويصل إلى حلقه، فما وصل إلى الحلق ثم إلى الجوف فإنه مفطر.\nإذًا: وضع القطرة في الأنف تفطر إذا وصلت إلى الحلق، لكن لو أن الإنسان أتى بقطنه مبلولة بشيء من نقط الأنف التي تسمى (روزلين) أو غيرها ومسح بها داخل أنفه ولم ينزل شيء إلى حلقه ولم يستنشق شيء منه فهذا لا يفطر، وهذا حكمه مثل حكم المضمضة ومن ثم يتفل ولم ينزل شيء إلى حلقه لأن مجرى الأنف يتصل بالحلق وينزل فيه.","vol":"7","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>حكم المبالغة في الاستنشاق للصائم</span>\nلو أنه بالغ في الاستنشاق متعمدًا فإنه يفطر؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك وقال ل لقيط بن صبرة (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا)، وهذا من النظافة العظيمة في هذا الدين القيم، فالوضوء فيه مضمضة وهي: تطهير الفم وهذا تطهير ظاهر، وأيضًا تطهير باطن أن ذنوب الفم تنزل في أثناء المضمضمة، وكذلك الاستنشاق فهو تطهير لما في الأنف من أتربة وجراثيم ما زالت على الشعيرات الأنفية ونحو ذلك فتخرج هذه الأشياء مع الاستنشاق.\nفأمرنا النبي ﷺ بمبالغة الاستنشاق، وهو أنْ تجعل الماء في أنفك وتستنشقه بقوة بحيث يصل إلى داخل الأنف ثم تخرجه لكي ينظف مجرى النفس في أنفك، فقال ﷺ: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا)، فنهى النبي ﷺ الصائم عن المبالغة في الاستنشاق؛ لأن الأنف له مجرى إلى الحلق وإلى الجوف، فإذا كنت صائمًا فلا تفعل ذلك، أما من استنشق ولم يبالغ فيه فسبقه الماء إلى جوفه فالراجح أنه لا شيء عليه إذا كان كذلك؛ لأنه معذور أو أنه نسي في ذلك، أمَّا لو تعمد الاستنشاق وعلم أنه صائم وأنه لا يجوز له أن يبالغ في الاستنشاق وعلم أنه لو بالغ فيه فإنه سينزل إلى حلقه فإنه يفطر بذلك، فإذا لم يقصد الفطر أو ظن أنه يحبسها بحيث لا تصل إلى حلقه فالراجح في هذه الصورة الثانية أنه لا يفطر بذلك.","vol":"7","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>حكم من جامع زوجته في نهار رمضان</span>\nالصائم يمسك عن الطعام وعن الشراب وعن الشهوة، وقد أجمعت الأمة على تحريم الجماع على الصائم سواء كان هذا في القبل أو في الدبر أو بأي صورة من صور الإتيان.\nقال الله ﷿: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧]، فيباح للرجل أن يأتي أهله بالليل ويحرم عليه أن يأتيها في النهار، أما غير زوجته وأمته فيحرم عليه أن يأتيها في الليل أو في النهار.\nثم ذكر الله سبحانه ﵎ بعد ذلك فقال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]، يعني: امتنعوا عن الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر الصادق إلى تيقن غروب الشمس.\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (يقول الله ﷿: الصوم لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي)، والمعنى: أمسك عن الطعام والشراب والشهوة من أجل الله سبحانه ﵎.\nوكذلك في الصحيحين (أن رجلًا جاء للنبي ﷺ فقال: يا رسول الله! هلكت قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ: هل تجد رقبة تعتقها؟ فقال: لا، فقال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع إطعام ستين مسكينًا؟ قال: لا، قال: فسكت النبي ﷺ، فبينا نحن على ذلك أتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر).\nأي: زنبيل فيه تمر (فقال: أين السائل؟ قال: أنا، قال: خذها فتصدق بها)، وفي رواية أنه قال: (احترقت! فقال النبي ﷺ: وما أحرقك؟! فذكر أنه أتى امرأته وهو صائم).\nفأعان النبي ﷺ هذا الرجل لفقره فهو لا يجد رقبة يعتقها، ولا يقدر أن يصوم شهرين متتابعين ولا يستطيع إطعام ستين مسكينًا، وهو أفقر رجل في المدينة، فقال للنبي ﷺ: (فوالله ما بين لابتيها أفقر منا يا رسول الله).\nولابتا المدينة هما الحرتان، واللابة أرض ذات حجارة سوداء، وأحجار المدينة بيضاء وكذا أرضها، ولذلك كانت تسمى بيثرب واليثرب الأرض البيضاء، وطرفا المدينة فيها حجارة سوداء، وتسمى اللابة أو اللوبة أو الحرة، فقال الرجل: ما بين طرفي المدينة من أدناها إلى أقصاها لا يوجد أحد أفقر مني وأهلي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ﵊، ثم قال (أطعمه أهلك)، فهذا الرجل وقع في معصية وتاب إلى الله سبحانه ﵎ منها ولم يكن معه الكفارة فأعطاه النبي ﷺ ما يكفر به وهو إطعام ستين مسكينًا، وعذره النبي ﷺ لفقره فقال: (أطعمه أهلك).\nوالوقاع هو أن يجامع الرجل زوجته الحرة أو أمته في أي وقت ليل أو نهار إلا في وقت حيضها ونفاسها، فإذا كان في رمضان فيحرم عليه ذلك بالنهار، ومن صفات المؤمنين المفلحين أنهم يمسكون أنفسهم عن الوقوع في الزنا قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٦]، وملك اليمين هي الأمة التي يشتريها الإنسان بماله ليتسرى بها، ويجوز له أن يأتيها فمثلها مثل الزوجة.\nويحرم على الرجل أن يأتي المرأة في دبرها أو أن يقع في الزنا أو اللواط، فإذا فعل شيئًا من ذلك في نهار رمضان فقد أبطل صيامه ويأثم بذلك وعليه القضاء والكفارة.","vol":"7","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>حكم القبلة والمباشرة للصائم</span>\nالقبلة للرجل هي أن يقبل امرأته في نهار رمضان أو المباشرة بمعنى مس بشرة الجلد بأن يضع يده على خدها أو على يدها، فهل يجوز له ذلك؟ روى الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: (كنا عند النبي ﷺ فجاء شاب فقال: يا رسول الله! أقبل وأنا صائم؟ فقال النبي ﷺ: لا، فجاء شيخ فقال: أأقبل وأنا صائم؟ فقال: نعم)، قال الراوي (فنظر بعضنا إلى بعض فقال رسول الله ﷺ: قد علمت لم نظر بعضكم إلى بعض، إن الشيخ يملك نفسه).\nفهنا النبي ﷺ يجيب الرجلين بإجابتين مختلفتين، فضروري أن يحصل عند الجالسين عنده شيء من اللبس، ولكن استحيوا من النبي ﷺ أن يقولوا له: أنت نسيت أو أنت قلت الذي مضى، فنظر بعضهم إلى بعض فبادرهم ﷺ قبل أن يقولوا ذلك فقال: (إن الشيخ يملك نفسه)، إذًا: العلة هي أن الشاب قد لا يملك نفسه، إذًا: القبلة نفسها ليست محرمة وحكمها حكم المضمضة بالماء، فالمضمضة لا تفطر الصائم إذا لم يبالغ فيها ويسبقه الماء إلى جوفه، فكذلك هذا الشاب إذا كان يملك نفسه يجوز له أن يقبل زوجته، أما الشيخ فالعادة أنه يملك نفسه فيجوز له.\nوجاء في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ يقبل ويباشر وكان أملككم لإربه) أي: كان أملككم لعضوه ولشهوته صلوات الله وسلامه عليه، فهو أملك الناس لشهوته ﵊.\nوأيضًا جاء في مسند الإمام أحمد أن الأسود قال: (قلت يا عائشة! أيباشر الصائم؟ قالت: لا)، والمباشرة مس البشرة كالتقبيل وغيره ثم قال: (قلت: أليس كان رسول الله ﷺ يباشر وهو صائم؟ قالت: إنه كان أملككم لإربه) أيْ: السيدة عائشة تعرف أن النبي ﷺ كان يقبلها ﵂، ولكن كأنها علمت من حال هذا وأمثاله أنهم لا يملكون أنفسهم إذا قبلوا، فقد يقعون في الجماع فيصبح عليهم القضاء والكفارة وقد لا يقدرون على ذلك، فالشاب يجوز له أن يقبل وهو صائم إذا كان يملك نفسه، وإذا كان لا يملك نفسه فلا يجوز له.\nوجاء في الحديث أن عمر ﵁ قال: (هششت فقبلت وأنا صائم) أي: أصابه شيء من السعادة والفرح والحبور فقبل امرأته وهو صائم، ومن ثم تذكر أنه وقع في خطأ فذهب إلى النبي ﷺ فقال: (قلت: يا رسول الله! صنعت اليوم أمرًا عظيمًا قبلت وأنا صائم! فقال النبي ﷺ: أرأيت لو مضمضت وأنت صائم؟!).\nهذا الحديث يدل على استخدام القياس الصحيح (لو مضمضت وأنت صائم؟ فقال: قلت: لا بأس به، فقال: فمه؟) أي: مثلك يفهم هذه المسألة من البداية طالما أنك لم تقع في الجماع فلا شيء عليك لفعلك ذلك.\nوجاء في صحيح مسلم عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي ﷺ وابن السيدة أم سلمة زوجة النبي ﷺ وزوجها الأول أبو سلمة ﵁، فـ عمر كان شابًا وليس شيخًا كبيرًا فسأل النبي ﷺ فقال: (أيقبل الصائم؟) أي: هل ممكن أن أقبل زوجتي وأنا صائم؟ فقال ﷺ: (عن هذا اسأل أمك، فسألها فأخبرته أن رسول الله ﷺ كان يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله! قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال له رسول الله ﷺ: أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له).\nفالحديث الأول فيه أنَّ النبي ﷺ منع الشاب من القبلة، فإن النبي ﷺ علم أنه وأمثاله لا يملكون أنفسهم، وأنهم لو قبلوا قد يقعون في الجماع بعد ذلك فكأنه منعه من باب سد الذريعة.\nإذًا: إذا قبل الرجل امرأته وهو صائم فلا شيء عليه في ذلك إلا إذا كان لا يملك نفسه فيقع في الجماع حتى لا يفسد على نفسه الصوم.","vol":"7","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>من جامع زوجته فنزع مع طلوع الفجر فأنزل</span>\nإذا جامع الرجل زوجته قبل الفجر فسمع الأذان فنزع مع طلوع الفجر وأنزل أي: خرج منه المني فالراجح أن صومه صحيح؛ لأنه عمل بما في الآية قال الله سبحانه تبارك: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧]، فأحل الله الجماع في الليل إلى قبيل الفجر مباشرة فإذا جامع في الليل فقد أخذ بما ذكر الله سبحانه، ثم نزع قبيل الفجر بثوان أو أنه سمع النداء فنزع فخرج منه المني بعدما نزع فالراجح أنه لا شيء عليه ويصوم هذا اليوم.","vol":"7","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>حكم نظر الصائم إلى المرأة</span>\nلو أن الصائم نظر إلى زوجته أو إلى غيرها فلا شيء عليه، وسواء نظر لزوجته أو إلى غيرها مرة واحدة أو مرات ولم يحدث له شيء فلا شيء عليه، وكذلك لو أنه باشر أو قبل.\nلكن لو نظر إلى امرأته أو إلى أجنبية فاستثارت شهوته بهذه النظرة ثم أدام النظر فيها حتى خرج منه المني فقد بطل صومه بهذه الحالة؛ لأنه الذي استدعى هذا الفعل؛ ولأنه يعلم أنه بهذه الحالة يخرج منه المني فكأنه يستدعيه بهذا الشيء فيبطله، لكن لو نظر إلى امرأة نظرة واحدة ثم صرف بصره عنها فاستثارت نفسه لغلبة غلمته وشهوته فلم يتمالك أن خرج منه المني فلا شيء عليه.\nونفرق بين من نظر فاستدام النظر حتى خرج منه المني فبطل صومه وبين من نظر مرة واحدة فلا شيء عليه لقول النبي ﷺ: (إنما لك النظرة الأولى).\nولو أن إنسانًا ذهب فكره إلى بعيد فإذا به يقع في هذا الأمر فخرج منه المني فالراجح أنه لا شيء عليه، ولكن يصرف فكره ويتفكر فيما هو فيه من الصيام والامتناع عن الشهوة وغير ذلك.","vol":"7","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>حكم الاستمناء باليد للصائم وغيره</span>\nالجماع في نهار رمضان حرام، والوقوع في الزنا أو غيره كالاستمناء باليد حرام في رمضان وغير رمضان، فمن استمنى بيده في نهار رمضان فهذا حرام ويبطل صومه لذلك، وعليه أن يتوب إلى الله ﷿ وعليه أن يقضي يومًا مكانه، أما من جامع فعليه القضاء والكفارة.","vol":"7","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>حكم من قبل زوجته فأمذى وهو صائم</span>\nلو أن إنسانًا قبل امرأته فخرج منه المذي أو تفكر في الجماع ومقدماته فأمذى، فالراجح أن خروج المذي لا يبطل الصيام بخلاف خروج المني فإنه يبطله، فمن نظر أو باشر أو قبل فخرج منه المني فعليه القضاء بسبب ذلك.","vol":"7","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>حكم من أفطر ناسيًا</span>\nمن أفطر ناسيًا فالراجح والصواب أنه لا شيء عليه، وكذلك إذا كان جاهلًا في غير بلاد المسلمين، أما في بلاد المسلمين فلا يصدق أنه يجهل أن الطعام والشراب من مبطلات الصيام، فلا يقبل منه ذلك، والذي يقول أنه يجهل ذلك فهو كذاب، أما في بلاد الكفر فقد يعتاد الناس أن يصوموا عما فيه الروح، وما ليس فيه الروح يأكلونه، فمن دخل منهم في الإسلام فقد يتصور الصيام كذلك، فإذا به يصوم عن الأشياء الذي كان يصوم عنها قبل ذلك، فالراجح في ذلك أن هذا جاهل فيعلم ولا يلزم بالقضاء، فمن أخطأ فأفطر ناسيًا أو جاهلًا وتذكر أنه كان صائمًا يكمل صومه سواء كان في صوم فريضة أو في صوم نافلة، فلا فرق بين صوم الإثنين والخميس وصوم رمضان وصوم كفارة وصوم النذر وصوم كفارة الظهار ونحو ذلك.\nفإذا نسي فأكل أو شرب قليلًا أو كثيرًا فلا شيء عليه طالما أنه ناسي، لكن لو أنه أكل وهو ناسي فتذكر أنه صائم ثم استمر في الأكل فقد صار مفطرًا الآن.\nوكثير من الناس يظن أن الفطر ناسيًا في صوم النافلة يبطله وهذا خطأ، ولا فرق بين النسيان في صوم الفريضة وصوم النافلة، فمن نسي في ذلك فلا شيء عليه، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، وكذلك قوله ﷺ: (إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه).\n(ورجل سأل النبي ﷺ أنه أكل وهو ناسي فقال له النبي ﷺ: الله أطعمك وسقاك)، وقال في رواية أخرى: (من أكل أو شرب ناسيًا فلا يفطر)، فمن أكل أو شرب ناسيًا فلا شيء عليه، ولا يتمادى في الفطر وليتم صومه وليس عليه قضاء.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"7","page":13},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-81> ما يحرم على الصائم وما يباح له [٢]</span>\nنهى النبي ﷺ عن الحجامة للصائم في بادئ الأمر ثم رخص فيها، ما لم يكن فيه ضررٌ على الصائم، ويكره مضغ العلك للصائم، ويجوز للصائم مضغ الطعام لولده إذا لم يحصل الاستغناء عن مضغه، والصائم ينزه صومه عن اللغو والرفث وقول الزور والسب والشتم والغيبة والنميمة، وهذه كلها من آداب الصوم وأحكامه، فلا بد للصائم أن يلتزمها.","vol":"8","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>حكم الحجامة للصائم</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nوصلنا في كتاب الصيام إلى مسألة الحجامة للصائم، والحجامة معروفة وصى بها الملائكة النبي صلوات الله وسلامه عليه، وأخبروا أن فيها شفاء، والحجامة سحب الدم بطريقة معينة ومن مواضع معينة في جسم الإنسان، وفيها شفاء من أمراض كثيرة بإذن الله ﷾، ولعل المسلمين كانوا هجروها فترة طويلة، حتى جاء العلم الحديث وأثبت أن الحجامة فيها بفضل الله ﷿ شفاء كما قال النبي ﷺ فرجعوا إليها مرة ثانية.","vol":"8","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>ذكر ما جاء من احتجام النبي ﷺ ونهيه عن الحجامة ثم ترخيصه فيها</span>\nالحجامة: هي تشريط في جلد الإنسان في مواضع معينة يشفط بها الدم من هذا الموضع فيكون فيه شفاء لأمراض يعلمها الله ﷾، وجاء عن النبي ﷺ أنه احتجم وهو صائم، وجاء عنه أنه نهى عن الحجامة، وجاء عنه أنه رخص في الحجامة، وجملة الأحاديث التي جاءت عنه ﷺ في النهي عن الحجامة: (مر برجلين أحدهما يحجم الآخر فقال: أفطر هذان؟)، وجاء عنه أنه رخص في الحجامة ﷺ، الرخصة تكون بعد العزيمة، فكأنه نهى عن الحجامة ﷺ، ثم بعد ذلك رخص صلوات الله وسلامه عليه فيها، وإنما كرهت للصائم لأنه يضعف بسبب ذلك.\nففي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵁ (أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم)، فدليل الجواز: (احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم)، ﷺ، وجاء عنه أنه قال: (أفطر الحاجم والمحجوم)، وجمع العلماء بين هذا وبين كونه احتجم وبين كونه رخص ﷺ: بأنه لعل هذا في وقت، ثم جاءت الرخصة بعد ذلك، أو أنه قال ذلك باعتبار ما يئول إليه، فقد يئول الأمر بالمحجوم أن يضعف، يخرج منه الدم فيضعف بسبب ذلك.\nوالحاجم كان في الماضي يشفط الدم بفمه، وذلك بوضع أنبوبة في فمه ويشفط بها، وكان في أيام النبي ﷺ لا يوجد أنابيب، إنما كان يأتي بقرن مجوف ويجعله على المكان الذي يشرطه، ومن ثم يشفط منه، فلعل الدم ينسحب إلى فمه ويقع في الفطر بسبب ذلك، ولذلك قال النبي ﷺ: (أفطر الحاجم والمحجوم).\nوجاء عن أنس ﵁ قال: (أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به رسول الله ﷺ فقال: أفطر هذان ثم رخص النبي ﷺ في الحجامة للصائم) لاحظ الحديث فيه ترتيب، فالنبي ﷺ قال: (أفطر هذان ثم رخص) إذًا: هنا النهي كان عزيمة في الوقت، ثم جاءت الرخصة للخروج عن هذا النهي الذي هو عزيمة، فيحمل النهي على الكراهة فقط، ولذلك في سنن أبي داود عن رجل من أصحاب النبي ﷺ (أن رسول الله ﷺ نهى عن الحجامة والمواصلة)، وسيأتي الكلام عن المواصلة، قال: (ولم يحرمهما)، صحابي يقول ذلك، ففهم من النبي ﷺ أنه لم يحرم ذلك، قال: (إبقاء على أصحابه)، فلو أنهم احتجموا ونزل منهم كمية من الدم لضعفوا وما استطاعوا الصيام، فإبقاء عليهم حتى يقدروا على الصوم نهاهم عن الحجامة، (فقيل له: يا رسول الله! إنك تواصل إلى السحر، فقال: إني أواصل إلى السحر وربي يطعمني ويسقيني)، وسيأتي الكلام فيه.\nإذًا: هنا الحديث فيه: (أن النبي ﷺ نهى عن الحجامة)، وأنه (احتجم وهو صائم)، ﷺ وأنه رخص في الحجامة، إذًا: جملة الأحاديث أن النهي كان في وقت، حين قال: (أفطر هذان)، إذًا: كان على التحريم، ثم بعد ذلك رخص النبي ﷺ وثبتت الرخصة فتجوز الحجامة في أثناء الصيام.\nوالحجامة: إخراج دم من الإنسان، ويقاس على ذلك التبرع بالدم في نهار رمضان، فلو أن إنسانًا مريضًا يحتاج إلى الدم ويطلب متبرعين بالدم لهذا المريض واحتاجوا لذلك، فالراجح: أن هذا لا يفطر الصائم؛ لأن النبي ﷺ رخص في الحجامة، واحتجم وهو صائم صلوات الله وسلامه عليه، فلو أن إنسانًا تبرع بالدم وهو صائم فصومه صحيح ولا يلزمه الإعادة، ولكن الإنسان إذا كان هذا يضعفه، ويئول أمره إلى أنه يفطر، فلا يتبرع بالدم في أثناء صومه إلا للضرورة.\nإذًا: حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) الراجح: أن هذا إما باعتبار ما يئول إليه أمرهما، أو أن هذا منسوخ بأن النبي ﷺ رخص بعد ذلك.","vol":"8","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>حكم مضغ العلك للصائم</span>\nيكره للصائم مضغ العلك، والعلك: اللبان، وهو نوع من اللبان قوي ليس له طعم ولا يتفتت في فم الإنسان، فهذا لا يحرم عليه وإنما يكره له؛ لأنه يجمع الريق ويورث العطش، وكانوا يحتاجون إلى ذلك أحيانًا ليجروا به الريق، ولكن على قدر ما يجر الريق على قدر ما يورث العطش من بعده، فيكره ذلك.\nوأهل المدينة وأهل مكة وأهل الحجاز بلاد حارة جدًا، والصوم يشق عليهم، لكن الآن يسهل عليهم الصوم؛ لوجود مراوح وتكييفات، وأشياء تيسر ذلك عليهم، ولكن تخيل في عهد النبي ﷺ الحرارة القاسية العالية جدًا تتجاوز الخمسة والخمسين درجة مئوية، والصحابة يشكون إلى النبي ﷺ حر الظهيرة وإنه يسجد ويطيل السجود على الأرض فقالوا: (شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الأرض فلم يشكنا) يعني: لم يرفع ولم يزل عنا شكوانا، صلى كما كان يصلي ﷺ، ولم يرخص في شيء ﵊، فكانوا يصلون ويأتي أحدهم بكمه ويطيله حتى يضع كفه عليه من حرارة الأرض، فلو كنت أنت هناك في عمرة وحج، فجرب هل تستطيع أن تصلي في الشارع، فلو قُدِّرَ لك أنك تصلي في الشارع، وليس على بلاط الحرم، فإنك ستجد الأمر لو صليت على إسفلت الشارع تتسلخ منه، ولو حصل لك مرة وأنت في الحرم ما لقيت حذاءك وخرجت حافيًا لتشتري حذاءً من السوق، فإن المسافة الذي تمشيها حافيًا كافية لسلخ رجليك فيها، والصحابة كان منهم الحفاة رضوان الله ﵎ عليهم، وكانوا يصلون مع النبي ﷺ ويشتكون إليه شدة الحر، ولكن هو الأمر على ما فرضه الله ﷾.\nإذًا يكره للصائم مضع اللبان، لكن لو أخذ لبانًا فيه سكر ومضغه وهو صائم فيفطر بلا شك في ذلك؛ لأنه ابتلع السكر الذي فيه، وإذا مضغ شيئًا يتفتت في فمه وابتلعه يفطر بذلك، ولكن العلك نوع جيد قوي من اللبان لا طعم له.","vol":"8","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>ما يكره للصائم</span>\nيكره للصائم مضغ الخبز وذوق المرق والخل وغيرهما من غير عذر، فلا يبق الإنسان شرهًا يمر على الحلة فيها إدام فيذوق ويتفل، فإن هذا ممنوع منه، فإذا ابتلعه أفطر بذلك، لكن يكره له ذلك، فإن كان الإنسان طباخًا أو يصنع أشربة للناس فإنه يجوز له أن يتذوق ويتفل بعده، إذًا: يذوق هذا الشيء هذا جائز لا يكره له؛ لأنه يطبخ للناس ويعد أشربة لهم، فهذا يجوز له، ولذلك ذكر أنه يكره للصائم مضغ الخبز وذوق المرق والخل وغيرهما من غير عذر، لكن إن كان لعذر من أعذار كالمرأة تطبخ وتريد أن تذوقه لتعرف هل هو حلو أو مر أو غير ذلك فإنه يجوز لها ذلك، لكن تذوق وتتفل ولا تبتلع، فلو ابتلعت أفطرت.","vol":"8","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>حكم الصائم إذا أراد مضغ الطعام لولده ولم يحصل الاستغناء عن مضغه</span>\nإن احتاج الصائم إلى مضغ الطعام لولده أو غيره ولم يحصل الاستغناء عن مضغه، فالشريعة عظيمة كريمة ورحيمة، فإنه يمكن الآن أن تأخذ اللبن الصناعي وتضعه في الرضَّاعة وتعطيه للطفل الرضيع، ولكن في الماضي لا يُعرف هذا الشيء، ولعل المرأة تأتي وترضع ابنها وهي صائمة، ولا يوجد لبن في صدرها فتحتاج إلى أن تمضغ الطعام وتضعه في فم ابنها، فيجوز لها ذلك بشرط أنها لا تبلع أثره.\nقال ابن عباس ﵁ لا بأس أن يتطعم القدر أو الشيء، ابن عباس يقول: لا حرج أن يتطعم القدر حتى يطبخ الطعام جيدًا، أو المرأة تتذوق الطعام، وقال الحسن: لا بأس بالمضمضة والتبرد للصائم، فالصائم يمضمض للوضوء أو يمضمض من شدة العطش؛ لأن الحر شديد جدًا عليه، فاحتاج أن يضع ماء في فمه ليبرد فمه ويتفل بعد ذلك، فإن هذا جائز، هذا قول الحسن البصري، يعني: لا بأس بالمضمضة والتبرد للصائم أو دخول الحمام فيقف تحت الدش عند شدة الحر أو يغطس في البحر عند شدة الحر.","vol":"8","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>ذكر ما يجب على الصائم أن ينزه به صومه</span>\nيجب على الصائم أن ينزه صومه عن الشتم والتشاجر وسوء الخلق والهمز واللمز والفحش، فالصائم ليس صائمًا عن طعام وشراب وشهوة فقط، بل الإنسان يمسك لسانه ويتأدب بآداب الإسلام في الصيام، ولا بد أن يوجد فرق بين يوم الصوم ويوم الإفطار، ففي يوم الصوم يزداد حسن الخلق عند المؤمن، فلا يؤذ أحدًا من خلق الله ﷿، ويتمرن على ذلك في رمضان حتى يستمر على الأخلاق الطيبة دائمًا، فينتهي رمضان ويكون على نفس الأخلاق الطيبة عامًا بعد عام.\nقال الله ﷿: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة:١]، والهمز واللمز: العيب، يهمز بالإشارة ويلمز باللسان، يهمز من أمامه ويلمز من خلفه، فهو هماز ولماز، فالهمزة: الإنسان الكثير الهمز في الخلق، والهمزة على وزن فُعَلة، كما يقال: فلان صُرعَة يعني: إنسان بطل وقوي، فلان هُمَزَة يعني: كثير الهمز في الناس، لُمَزَة يعني: لماز في الناس، يلمز فيهم ويعيب ويقدح فيهم.\nوفي الحديث يقول النبي ﷺ: (ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا الفاحش ولا البذيء)، فالإنسان المؤمن طيب الخلق لا يكذب إلا فيما رخص الله ﷿ فيه، في ثلاثة أشياء يجوز له أن يعرض، فإن لم يقدر على التعريض فله البوح في ذلك، في الحرب يكذب وفي الإصلاح بين الناس، كذلك إذا كان يحدث امرأته، وغير هذه الثلاثة الأشياء لا يجوز للإنسان أن يكذب، فالمؤمن صادق ولا يحتاج إلى أن يحلف، لأن الكاذب دائمًا يؤكد كلامه بالحلف فيحلف كثيرًا.\nولذلك ذم الله ﷿ الحلاف وقال: ﴿حَلَّافٍ﴾ [القلم:١٠]، وذكر الإنسان الذي يهمز والمشاء بالنميم والكثير الحلف والمهين، فالإنسان الذي يحلف بالله ﷿ ويقسم كثيرًا فكأنه يهين هذا اليمين العظيم، فلا تطع مثل هذا الإنسان الحلاف الكثير الحلف؛ لأنه يكذب في النهاية.\nأيضًا يقول ﷺ: (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان)، الطعن في الناس أن يعيب في الناس ولا يعجبه أحد، فهذا الطعان هل يستحق أن يوصف بأنه مؤمن قريب من الله وعلى درجة عالية، وأنه على أخلاق النبي ﷺ؟! هذا الطعان في الخلق لا يستحق ذلك.\nقال: (ولا اللعان) أي: الكثير اللعن، يسب كثيرًا، ويشتم الناس ويلعن في الناس.\nقال: (ولا الفاحش) أي: يتكلم بالفحش من القول، فإذا به يتكلم عن النساء، ويتكلم عن الجماع، ويتكلم بأشياء فيفحش، ويتكلم في غير موضع هذا الكلام، والبذيء: كثير الشتم بلسانه، إذا أغاظه أحد مباشرة يسب ويشتم، فليس المؤمن بهذه الأخلاق، والصائم كذلك؛ لأن الصائم إنسان مؤمن يتقرب إلى الله ﷿ بالصوم، والصوم فيه الصبر، والصبر يكون عن مثل هذه الأخلاق التي نهى النبي ﷺ عنها.\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (الصيام جنة فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم)، مرتين، فقوله: (الصيام جنة) أي: وقاية وحماية للإنسان، فالصوم المقبول: الذي يحميك من نفسك، ويحمي الناس من شرك ويحميك من عذاب ومن غضبه الله ﷾، فاحذر أن ترفث أو أن تتكلم بالكلام الفاحش والبذيء، أو أن تتكلم بالكلام الذي لا يقال إلا في أوقات معينة، ككلام الرجل مع امرأته فيقول مثل هذا الكلام مع الخلق، فإن هذا لا يجوز.\nقال: (فلا يرفث ولا يجهل)، فالإنسان الجاهل الذي لا يعرف معلومة من المعلومات يتعلم، ولكن الجهل هنا جهل الأخلاق، أن يكون جاهلًا في خلقه عصبي كثير الغضب، كثير الشتم والمشادة مع الناس، لا يمسك نفسه وهو صائم.\nفالصائم عبد لله، يتواضع لله ﷾، ويصوم ويري من نفسه أنه عبد، وأنه ممسك عن الطعام والشراب والشهوة، ويري ربه من نفسه حسن الخلق، فهذا المؤمن لا يرفث ولا يجهل، ولو أن أحدًا تعرض له بذلك وأراد أن يتعارك معه، لا يدخل معه في التعارك، ولكن يقول: إني صائم، ويبتعد عن ذلك، فيذكر نفسه ويذكر غيره أن الصيام لا ينبغي فيه ذلك، أي: إني صائم لا تجهل علي فإني لا أرد عليك بالجهل، أيضًا فيه زجر لمن يؤذي الصائم، فإن هذا صائم لله ﷿ لا يصوم لك أنت، صائم لله، فهل تظن أنك حين تؤذيه أن الله ﷿ يتركك؟ هذا ليس ممكنًا أبدًا، أن تؤذي إنسانًا صائمًا ويقول لك: أنا صائم لا أرد عليك، بل ترد عليك الملائكة، ويرد عليك ربك ﷾، ويجازيك ربك على ما تصنع، لذلك احذر من أن تؤذي الصائم.\nرأينا في حديث لـ أبي بكر الصديق ﵁ وهو مع النبي ﷺ، وجاء رجل يشتم أبا بكر ﵁ فحلم أبو بكر ﵁ وسكت، والرجل ما زال يشتم ويشتم ويشتم وأبو بكر ساكت، والنبي ﷺ ساكت، وفي النهاية حين الرجل زاد من الشتم رد عليه أبو بكر ﵁، فقام النبي ﷺ وتعجب أبو بكر وقال: هو يشتمني يا رسول الله! وأنت موجود، فلما رددت عليه وانتصفت منه قمت! فقال النبي ﷺ: (إنه كان هناك ملك يرد عنك)، ما قال شيئًا إلا ورده عليه الملك، الملك يرد عليه الذي يقول، وأنت لست أحق بهذا الوصف، فالله يكذب هذا الكذاب، ويصدق الملك بما يقول، فالملك يشهد على هذا الإنسان بأنه بذيء وأنه طويل اللسان، وأنه كذاب وكفى بهذه الشهادة ليعاقب عليه هذا الإنسان، فلما انتصف وانتصر أبو بكر ﵁ حضر الشيطان ليوسوس لـ أبي بكر قل له كذا، وقل له أيضًا، وقل له أيضًا، فقام النبي ﷺ وقال: (لم أكن لأقعد في مجلس فيه الشيطان).\nلذلك إذا إنسان عابك وأساء إليك فثق أن الله يدافع عنك ﷾، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨].\nويحرم على الصائم الغيبة والنميمة وقول الزور ونحو ذلك، قال النبي ﷺ: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، (من لم يدع قول الزور)، الزور: القول المزور، وأصله انحراف، زور: انحرف، فقول الزور: القول المنحرف عن الصواب والمائل عن الحق، فلا بد أن تدع قول الزور فلا تكذب في كلامك ولا تنافق ولا تراء ولا تشهد على إنسان زورًا، دع عنك كل ما هو انحراف عن دين الله ﷾.\nقال: (والعمل به) أي: العمل بمقتضى هذا الزور، يقول الكلام الكذب فيقنع به من أمامه أنه صادق وهو كذاب، ثم يعمل بمقتضى ذلك فيأخذ حق غيره، قال النبي ﷺ: (لعل أحدكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فهي قطعة من النار فليأخذ أو فليذر).\nإذًا: إذا تحاكم اثنان إلى القاضي، ولعل أحدهما يجيد الكلام ويتكلم بالزور ويكذب ويعمل بمقتضاه، والقاضي يحكم له فيأخذ حق غيره، إذًا: هذا قول الزور، وهذا العمل بمقتضى قول الزور.\nقال: (والجهل) أي: السخط وسوء الخلق (فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، ومعنى ذلك: أن صومه ليس مقبولًا، فهل نأمر هذا الإنسان أن يفطر؟ لا يقال له: افطر، ولكن يقال: إن الله لا يقبل مثل هذا الصوم، كما أنه لا يقبل الصلاة من إنسان يسرق أو يصلي ويزني ويفعل الفاحشة، فإن هذه الصلاة لم تنهك عن الفحشاء والمنكر، وربنا يقول: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، فهي صلاة غير مقبولة، لو كانت صلاة مقبولة لنهتك عن الفحشاء والمنكر، فإن كانت غير مقبولة لا نقول له: لا تصل، ولكن نأمر بالصلاة، والأمر لله ﷿ في القبول أو عدمه.\nأيضًا في الحديث يقول النبي ﷺ: (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر)، رب صائم صام وأفطر على أعراض الناس وأفطر على الكذب وأفطر على إيذاء الناس، ورب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، وليس له أجر ولا ثواب، كذلك: (رب قائم ليس له من قيامه إلا السهر)، قام يصلي حتى تعبت قدماه وأصبح يؤذي خلق الله، فهذا لا تقبل منه هذه الصلاة، ولو كانت صلاة مقبولة لنهته عن الفحشاء والمنكر.\nوقال في الحديث الآخر: (ليس الصيام من الأكل والشرب فقط، إنما الصيام من اللغو والرفث)، أيضًا جاء عنه ﷺ أنه قال: (لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدروهم)، يخمشون أظفارهم، قَلَبَها الله ﷿ نحاسًا يخمش ويمزع بها وجهه ويمزع بها صدره، قال النبي ﷺ (فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟! قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم) أي: يجلسون مع بعضهم يتكلمون في سيرة فلان وسيرة علان، يأكلون في لحوم الناس ويقعون في أعراضهم، وسمى النبي ﷺ ذلك من الربا، بل أربى الربا قال: (إن من أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه بغير حق)، هذه بعض الأشياء التي جاء عن النبي ﷺ النهي عنها.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"8","page":7},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-88> رخص الفطر لأصحاب الأعذار</span>\nفرض الله ﷿ على عباده الصيام كما فرضه على الأمم السابقة، ومن رحمة الله بعباده أنه لم يكلفهم إلا بما يقدرون عليه، فرخص الفطر لأهل الأعذار وهم: الكبير العاجز عن الصيام، والمريض، والمسافر سفرًا مباحًا أو سفر طاعة، وأوجب الفطر على الحائض والنفساء، وكل هذا يدل على رحمة الله بعباده، وأنه لم يكلفهم من العمل إلا ما يقدرون عليه.","vol":"9","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>من أحكام الحائض والنفساء في الصيام</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nذكرنا في الحديث السابق بعض الأعذار التي يعذر فيها الإنسان في جواز الفطر، كمن يغمي عليه من أول النهار إلى آخر النهار، أو من الفجر إلى غروب الشمس، فلا يكون في هذه الحالة صائم، وإنما عليه أن يقضي مكان ذلك اليوم، أما إذا أغمي عليه في جزء من النهار -وكان قد نوى الصيام في الليل- وفاق باقي النهار، فسواء قل وقت الإغماء أو كثر فالراجح أن صومه يكون صحيحًا.\nمن أصحاب الأعذار: الحائض والنفساء، فلهما العذر بسبب الحيض والنفاس، ويجوز لهما الإفطار، بل لا يجوز لهما أن يصوما في وقت الحيض أو النفاس، وهذا بإجماع، فقد أجمع أهل العلم على أن الحائض والنفساء لا يحل لهما الصوم بسبب الحيض أو النفاس، وأنهما يفطران في رمضان أيام الحيض والنفاس، وأنهما إذا صاما لم يجزئهما الصيام.\nوليس معنى لزوم الإفطار أن تأكل وتشرب، ولكن المعنى أنه يحرم عليها أن تنوي الصوم، وإنما تنوي الإفطار.\nإذًا: الحائض أو النفساء إذا لم تأكل شيئًا في النهار فلا شيء عليها إن لم تنو الصيام، لكنها إذا أمسكت بنية التقرب والعبادة والصوم حرم عليها وأثمت على ذلك؛ لأنه وجد فيها المانع الذي يمنع من قبول هذا الصوم، لما روى مسلم عن معاذة ﵂ قالت: سألت عائشة ﵂ فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت عائشة: أحرورية أنت؟ والحرورية: هم الخوارج، ولهم أشياء يتشددون فيها في الدين؛ بسبب جهلهم وشدة التزامهم ببعض العبادات وبصورة معينة، وكثيرًا ما يكونون مخطئين في أقوالهم أو في فتواهم، وفي عدم رجوعهم لأصحاب النبي ﷺ الأفاضل، حتى يتعلموا منهم، فكانوا يسيئون ويخطئون ويقعون في أشياء عظيمة وخطيرة، ومع ذلك يدعون أنهم على الحق والصواب! فكأن عائشة تقول لـ معاذة: أتريدين أن تصومي وأنت حائض أو نفساء تشبهًا بالحرورية الخوارج؟ فقالت معاذة: لست بحرورية ولكني أسأل، وكأنها تسأل عن دليل ذلك، فقالت عائشة ﵂: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة، والمعنى أنه كان يصيبهن ذلك في عهد النبي ﷺ، فتكون المرأة حائضًا أو نفساء والنبي ﷺ يأمرها أن تقضي الصيام، ولا يأمرها بقضاء الصلاة.\nوكونه يأمرها بالقضاء فالأداء لا يجوز لها، وإلا لما أمرها النبي ﷺ بالقضاء.\nفالحائض تقضي الصيام، أما الصلاة فلا يجوز لها أن تؤديها أو تقضيها؛ لصعوبة ذلك عليها، فلذلك خفف الله سبحانه عنها في الصلاة، فلا تقضيها وإنما تقضي الصوم.\nوالحديث رواه البخاري بلفظ: كنا نحيض مع النبي ﷺيعني في وقته وزمانه- فلا يأمرنا به، أو قالت: فلا نفعله، فالذي لا يأمرهن بقضاء الصلاة، ويأمرهن بقضاء الصوم هو النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (أليس إحداكن إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ فذلك من نقصان دينها) وهذا في حديث طويل، وفيه: (أن النبي ﷺ خرج في أضحى أو فطر -أي: في عيد أضحى، أو في عيد فطر- إلى المصلى -وهو مكان صلاة العيد- فمر على النساء فقال: يا معشر النساء! تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار، فسألن النبي ﷺ وقلن: وبم يا رسول الله؟! فقال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير)، ومعنى أن النساء يكثرن اللعن أي: يكثرن الشتم، وكثيرًا ما يكون اللعن على ألسنتهن.\nثم قال: (وما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟! قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان عقلها -فجعل شهادة المرأتين بشهادة رجل واحد- فقال: أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان دينها).\nوالشاهد في الحديث: أن المرأة إذا حاضت ليس لها أن تصوم.\nوالحائض والنفساء سواء، وإن كان الحديث نص على الحائض فإن النفساء مثلها، كدم الحيض، والحكم واحد.","vol":"9","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>متى وجد الحيض في جزء من النهار فسد صوم ذلك اليوم</span>\nإذا وجد الحيض في جزء من النهار -بعد أن نوت المرأة الصوم- فسد الصوم ولزم المرأة أن تفطر وعليها القضاء، سواء وجد الحيض في أول اليوم أو في آخره، حتى ولو قبل الغروب بدقيقة، فإذا وجد الحيض أو النفاس بطل الصوم.","vol":"9","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>حكم صيام الحائض والنفساء</span>\nمتى نوت الحائض الصوم تعبدًا لله وأمسكت مع علمها بتحريم ذلك أثمت ولم يجزئها؛ لأنه لابد وأن تنتفي موانع الصيام، ولو أن إنسانًا أراد أن يصلي وهو على غير وضوء، والماء موجود أمامه فهو آثم؛ لأنه استهان بأمر الصلاة، وأراد أن يقف بين يدي الله ﷿ على غير الحالة التي أمر أن يقف بها، فهو مأمور أن يتطهر، وأن يقف بين يدي الله ﷿ وهو طاهر، فلو أنه فعل ذلك لما قبلت منه هذه الصلاة ويأثم على ذلك؛ لأنه تقرب بما جعله الله ﷿ حرامًا، بل لو دخل في الصلاة وأحدث لزمه أن يخرج منها، ولا يجوز له أن يكملها.\nوكذلك المرأة الحائض والنفساء إذا أرادت أن تتقرب لله ﷿ بالصيام وهي ممنوعة منه فلا يجوز لها ذلك وتأثم عليه.\nوكذلك الإنسان الذي يأتي في يوم العيد مثلًا ويقول: أتقرب إلى الله في هذا اليوم بالصوم، فهذا يأثم بذلك؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يتقرب إلى الله إلا بما أراده وبما يقبله منه، فلا يتقرب إليه بما يرده عليه، وبما نهاه عنه سبحانه.\nوأما لو أمسكت الحائض أو النفساء لا بنية الصوم لم تأثم بذلك، طالما أنها لم تنو التقرب إلى الله بالصيام، فربما تركت الأكل لأنها لا تريده لا لأنها صائمة، فالصوم إمساك مع نية، أما إذا وجد الإمساك ولم توجد النية فلا يكون ذلك صيامًا.","vol":"9","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>حكم الحائض إذا طهرت أثناء النهار</span>\nإذا طهرت الحائض في أثناء النهار استحب لها إمساك بقيته ولا يلزمها، وهذا هو الصواب، فالصيام يكون يومًا كاملًا لا نصف يوم، فإذا انقطع عنها الحيض عند الفجر أو قبله في الليل ولكنها مازالت تشك في نزوله إلى أن أتى وقت الظهر تأكدت أنه قد ارتفع فليس لها أن تنوي الصوم، ولا يجب عليها أن تصوم، ولكن استحب كثير من العلماء أن تتشبه بالصائم وتمسك بقية يومها، لكن لا يلزمها ذلك، وكأنهم قاسوا ذلك على يوم عاشوراء لما أمر النبي ﷺ من أفطر أن يصوم ويكمل يومه، ففي هذه الحالة إذا طهرت المرأة من الحيض في نصف النهار مثلًا يجوز لها أن تمسك الباقي، ولكن لا يلزمها ذلك؛ لأنه لا يحسب لها صوم.","vol":"9","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>الكبير الذي لا يقدر على الصوم والمريض الذي لا يرجى برؤه</span>\nالشيخ الذي يجهده الصوم والمرأة العجوز والمريض الذي لا يرجى برؤه هؤلاء لا يلزمهم الصوم ابتداء، ولكن يلزمهم البدل من الصوم؛ لأنه إذا لزمهم الصوم لزمهم القضاء بعد ذلك، والعذر الذي أفطروا من أجله غير مرتفع، فلا قدرة لهم على الصوم؛ لأن الشيخوخة مستمرة والمرض مستمر، ولا يلزم القضاء إلا إذا كان المريض يرجى برؤه، فإذا شفاه الله لزمه أن يصوم، فإذا تأكدنا أن هذا المرض مرض مزمن لا يزول، وليس له شفاء، فإن من أفطر في هذه الحالة عليه أن يطعم عن كل يوم مسكينًا.\nإذًا: الشيخ الذي يجهده الصوم ويشق عليه بحيث لا يطيقه إلا بمشقة شديدة فله أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينًا.\nوكذلك المرأة العجوز لها نفس الحكم.\nوالشيخ الكبير يطلق عليه شيخ، والمرأة الكبيرة يطلق عليها عجوز، ولا يطلق العجوز على الرجل إنما على المرأة.\nوالمريض الذي لا يرجى برؤه، والذي أصيب بمرض مزمن، وأمره الأطباء بالإفطار؛ لأن الصيام سيضره ويزيد في مرضه أو يهلكه فلا صوم عليه؛ لقول الله ﷿: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، ونقل ابن المنذر الإجماع على ذلك.\nهؤلاء لا يلزمهم الصوم ابتداء وإنما تلزمهم الفدية؛ لأن أعذارهم لا تزول، فيلزم كلًا منهم أن يفدي بأن يطعم عن كل يوم مسكينًا، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد.\nومذهب مالك: أنه لا يلزمهم لا صوم ولا فدية، وهذا اختيار ابن المنذر وابن حزم؛ لأنهم تركوا الصوم للعجز عنه فلم تجب عليهم الفدية، والفدية انتقال من شيء إلى شيء، والشيخ أو المريض عاجز أن ينتقل، فعلى ذلك لا شيء عليه، كما لو ترك الصوم لمرض اتصل به الموت، فلا يصام ولا يطعم عنه؛ لأنه اتصل مرضه بالموت، فقالوا: هذا أيضًا مريض اتصل مرضه بالموت.\nودليل الجمهور القائلين بأنه لابد من الإطعام كما يقول ابن قدامة هو قول الله ﷾: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] والحديث بين أن هذه الآية كانت للذين يقدرون على الصوم مع المشقة، ثم صارت رخصة للذين يشق عليهم الصوم مشقة شديدة؛ بسبب كبر السن أو المرض الشديد الذي لا يرجى برؤه، فينتقل هؤلاء إلى الإطعام.\nيقول ابن عباس مفسرًا لهذه الآية: نزلت رخصة للشيخ الكبير.\nولأن الأداء صوم واجب، فجاز أن يسقط إلى الكفارة كالقضاء، والمعنى: أن الأداء الذي يسقط إلى القضاء يسقط أيضًا إلى الكفارة.\nوقول الإمام مالك قول وجيه، ولكن طالما أن هناك حديثًا يفسر معنى الآية بأنها رخصة فيلزمنا العمل به.\nإلا أن الإمام مالك ومن أخذ بقوله كـ ابن حزم وغيره قالوا: إن هذا المريض مرضًا مزمنًا لا يرجى برؤه لو أنه اتصل به المرض إلى أن مات، فلا يلزم أحدًا أن يصوم أو يطعم عنه، وذلك عند الجميع، إذًا: إذا كان بعد وفاته لا يلزمه ذلك ففي حياته أيضًا لا يلزمه صيام ولا يلزمه فدية.\nيقول ابن قدامة: المريض إذا مات لا يجب الإطعام عنه؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يجب على الميت ابتداء، والمعنى: أنه لا يجب على غيره الإطعام، بل يلزمه هو ثم ينتقل إلى غيره، كذلك الصيام من مات وعليه صوم صام عنه وليه، هذا إذا وجب عليه أنه يصوم وتمكن من ذلك ولم يفعل، فلو مات يأثم؛ لأنه تمكن ولم يفعل، فهذا يصوم عنه وليه، وهذا الذي اتصل مرضه الشديد بوفاته إذا قلنا: يلزمه الإطعام فكيف نلزم إنسانًا لا أهلية له وهو ميت؟ فنقول: ابتداء يلزمه الإطعام حتى ينتقل إلى غيره، وهذا ميت فلا يلزمه وإنما يلزمه إذا تمكن من الصيام.\nوإذا رجعنا إلى الإمام مالك فالذي لا يلزمه الإطعام بعد وفاته؛ لأنه اتصل مرضه بالموت لا يلزمه كذلك في حياته، هذا بخلاف ما إذا أمكنه الصوم فلم يفعله؛ لأن وجوب الإطعام يستند إلى حال الحياة.\nوكأن ابن قدامة يريد أن يقول: إن هذا يلزمه في حياته أن يصوم، فإذا كان غير قادر فلينتقل إلى بدل هذا الصوم وهو أن يطعم عنه.\nوالشيخ الهرم والعجوز والمريض مرضًا مزمنًا كل هؤلاء لهم ذمة صحيحة، فإن كانوا عاجزين عن الصيام، وليسوا في مرض الموت وجب عليهم الإطعام، فإن عجزوا عن الإطعام فلا شيء عليهم؛ لقوله سبحانه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦].\nإذًا: الحديث الذي جاء عن ابن عباس والذي يفيد الإطعام عن هؤلاء فيه حجة ملزمة.","vol":"9","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>مقدار الفدية</span>\nالفدية إطعام مسكين لكل يوم؛ لما روى البخاري عن عطاء: أنه سمع ابن عباس ﵄ يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] وكأنه يقرؤها ويفسرها: بأنهم لا يطيقونه.\nويطيق: يكلف بالصوم، فيكون فيه مشقة شديدة، فلا يطيقه ولا يقدر عليه.\nقال ابن عباس: ليس بمنسوخ، وإنما الشيخ والكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكين، كأنه يقول: الآية خصصت هؤلاء، وليست منسوخة ولا مرفوعة الحكم بالكلية، فجزء منها رفع حكمه، والجزء الآخر باق، فأول ما نزلت كان من يطيق الصوم يجوز له أن يفطر ويطعم، فـ ابن عباس يقول: ليست منسوخة بالكلية، فالنسخ بمعنى الرفع والإزالة للحكم كله، وهذه الآية خصصت بالبعض، وهم الشيخ الكبير، والمرأة العجوز، وكذلك المريض مرضًا مزمنًا.\nوقال أيضًا البخاري في صحيحه: وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام فقد أطعم أنس -بعدما كبر- عامًا أو عامين، وذلك أنه لما كبر في السن وشق عليه أن يصوم أطعم ﵁، فكأن فعله فسر معنى الآية.\nفـ ابن عباس قال وأنس فعل ﵁، فأطعم عامًا أو عامين عن كل يوم مسكينًا خبزًا ولحمًا، وأفطر رضي الله تعالى عنه، وفي هذا جواز إطعام الخبز في الفدية، وهذا الصواب، ولا يجب عليه أن يطعم الطعام الذي يجزئ في زكاة الفطر كالقمح أو الشعير، كما ذهب إليه بعض من أهل العلم، فالراجح أنه يجوز له أن يطعم خبزًا ولحمًا، أو يطعم ما يأكل منه الناس.\nوروى أبو يعلى في مسنده عن أيوب بن أبي تميمة قال: ضعف أنس عن الصوم، فصنع جفنة من ثريد، فكأنه أتى بشربة ونحوها ووضع فيها الخبز واللحم، فدعا ثلاثين مسكينًا فأطعمهم ﵁.\nويجزئ في ذلك مد من طعام، والمد: ملء الكفين أو ربع الصاع، فصاع التمر قدر بكيلو ونصف تقريبًا، وربعه هو الذي نسميه المد.\nكذلك المد إذا كان من القمح أو من الأرز ونحو ذلك سيكون حوالي نصف كيلو أو أكثر قليلًا، هذا إذا كان الإنسان سيطعم أقل ما عنده، فيجزئ عنه ذلك.\nولكن العادة أن ذلك ليس بطعام أكثر الناس، فما كان طعامًا للإنسان فليعط مثله للفقير، والأفضل أن يطعم مسكينًا من أوسط ما يطعم أهله، والذي يأكل منه قياسًا على كفارة اليمين، وهذا الأنفع للفقير.\nقال ابن قدامة في كتاب الكفارات: أما مقدار ما يعطى كل مسكين وجنسه فقد نص أحمد على أنه يجزئ الدقيق والخبز، فلو أعطينا الفقير دقيقًا أو خبزًا أجزأ ذلك، وروي عنه: لا يجزئ الخبز، وهو قول مالك والشافعي؛ لأنه خرج عن حالة الكمال، ولكن في مثل زماننا عندما نخير الفقير بين القمح والخبز فسوف يأخذ الخبز.\nإذًا: فالأفضل في الكفارات أن تكون مما يأخذه الفقير ويأكله مباشرة، ولذلك فإن الراجح أنه يجزئ الخبز.\nيقول ابن قدامة مرجحًا ذلك: قال الله ﷿: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة:٨٩] وهذا قد أطعمهم من أوسط ما يطعم أهله فثبت أنه يجزئه.\nوروى الإمام أحمد في كتاب التفسير عن ابن عمر: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة:٨٩] قال: الخبز واللبن.\nوفي رواية: الخبز والتمر، والخبز والزيت، والخبز والسمن.\nوعن علي: الخبز والتمر، والخبز والسمن، والخبز واللحم، وسبق أن أنس بن مالك أطعمهم العيش واللحم.\nيقول: وهذا يفارق الزكاة، فزكاة الحبوب والثمار تكون من الحبوب، ولا يصلح أن تكون من ثمن تلك الحبوب أو من أي شيء آخر.\nوالواجب في الحبوب العشر أو نصف العشر منها، والثاني: أن دفع الزكاة يراد بها الاقتيات إذا كانت الزكاة من الحبوب والثمار فلا يجوز أن يصنع للفقير بدلها خبزًا؛ لأن الحبوب أنفع له، فسوف يدخره خلال السنة وينتفع به، أما الخبز فسوف ينتفع به يومًا أو يومين ثم ينتهي، ولذلك فإن الزكاة بأن تعطي للفقير ما يقتات عليه وينتفع به لفترة طويلة، وهذا هو الفرق بينهما وبين الكفارة، فالكفارة تعطى للفقير ليأكلها، والزكاة ليأكلها وليدخرها ويقتات عليها.\nيقول: الخبز أقرب؛ لأنه قد كفاه مؤنة طحنه وخبزه.","vol":"9","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>الفرق بين المريض مرضًا يرجى برؤه ومن لا يرجى برؤه</span>\nهناك فرق بين المريض مرضًا لا يرجى زواله وبين المريض مرضًا يرجى زواله، فالمريض مرضًا يرجى زواله سوف يمرض أسبوعًا أو أسبوعين أو شهرًا وبعد ذلك يشفى، والعادة في هذا المرض أنه يشفى بإذن الله ﷾، وإذا كانت العادة أنه لا يشفى من مثل هذا المرض فهو مما لا يرجى برؤه، وقد ينعكس الأمر، والله على كل شيء قدير، وهذا حسب العادة والظاهر.\nفإذا مرض الإنسان مرضًا يرجى برؤه وزواله ولحقته مشقة ظاهرة في الصوم فلا يجب عليه الصيام، فإن شاء صام وإن شاء أفطر، ثم يقضي مكان هذه الأيام التي أفطرها.\nولا يشترط أن ينتهي إلى حالة لا يمكن فيها الصوم، فإذا أصبح مريضًا غير قادر على أن يصوم، أو يمكن أن يصوم ولكن سيشق عليه مشقة شديدة، وعرف من مقدمات هذا المرض ذلك، فيباح له الفطر؛ لما لحقه بالصوم من مشقة يشق احتمالها.\nأما المرض اليسير الذي لا يلحق المريض به مشقة ظاهرة، وكانت العادة أن مثل ذلك المرض يستطيع معه أن يكمل الصوم فليس له أن يفطر.\nوإذا أصبح الصحيح صائمًا قد نوى الصيام ثم مرض جاز له الفطر، ولا يجب عليه الصيام.","vol":"9","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>حكم الشيخ العاجز والمريض الذي لا يرجى برؤه إذا أفطر ثم قدر على الصوم</span>\nالمريض أو الشيخ الكبير الذي لا يقدر على الصوم إذا أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينًا، ثم جاء رمضان الذي بعده فإذا بالله ﷿ يمن عليه بصحة وعافية بحيث يكون قادرًا على الصوم فلا يلزمه الصيام طالما أنه أطعم عن كل يوم مسكينًا، لكن لو فرضنا أنه في رمضان لم يقدر على الصوم وظن أن هذه الحالة سوف تستمر ولم يكن قد أطعم، وبعد شهرين أو ثلاثة شفي من مرضه وأصبح قادرًا على الصوم فهذا يلزمه أن يقضي الصوم.\nوالفرق بينهما أن الأول أطعم في وقت يجوز له ذلك، والثاني لم يفعل ذلك حتى شفي من مرضه، إذًا: إن شفي المريض قبل أن يفدي لزمه الصوم، وإن شفي بعد الفدية فلا يلزمه.","vol":"9","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>حكم تعجيل الفدية قبل دخول رمضان</span>\nلا يجوز للشيخ العاجز والمريض الذي لا يرجى برؤه تعجيل الفدية قبل دخول رمضان، فإذا وجب الصوم ولم يقدر الإنسان عليه انتقل إلى الفدية، فتكون واجبة عليه بعد الفطر، فإذا علم قبل دخول رمضان أنه غير قادر على الصوم وأنه سيطعم عن كل يوم مسكينًا فلا يجوز له أن يطعم إلا بعد دخول رمضان وبعد أن يلزمه الصيام.\nومثل ذلك من يقول: أنا أقدر الآن أن أطعم عشرة مساكين، وسوف أطعمهم كفارة لليمين الذي سوف أحلفه في المستقبل، فهذا لا ينفع ولا يقبل؛ لأنه واجب لسبب والسبب غير موجود، فإذا حلف اليمين فحنث فعليه الكفارة وإذا حلف ولم يحنث لا يجب عليه شيء.\nفوجوب الكفارة لا يكون إلا بعد أن يحلف ويحنث، أو حلف وأراد الحنث، كمن يحلف أنه لن يذهب إلى المكان الفلاني ثم أحب أن يذهب إلى هذا المكان؛ لأنه وجد أنه من الطاعة أن يذهب، فهذا يكفر عن يمينه، ولذلك في الحديث: يقول النبي ﷺ: (إني والله لا أحلف على يمين فأجد غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني، أو كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير) فدل على جواز الأمرين، سواء حلف وحنث، أو حلف ونوى الحنث.\nوهكذا في هذه المسألة فالذي لم يدخل عليه رمضان كيف علم أنه سيدخل عليه حتى يكفر؟ فلا يكفر إلا إذا دخل عليه رمضان ووجب عليه الصوم ولكنه أفطر لذلك العذر الدائم.\nومن المعلوم أنه في آخر رمضان يجوز له أن يطعم، أو في انتهاء كل يوم، وكذلك إذا أخرج الفدية كل يوم عند الفجر فإنه يجوز له ذلك؛ لأنه في وقت الفجر وجب عليه الصوم وهو لا يقدر عليه، فيجوز له عند فجر كل يوم أن يطعم مسكينًا.\nوأما قبل الفجر فإنه لا يجوز؛ لأنه لزمته النية من الليل، فلم ينو؛ لأنه لا يقدر على الصوم، فلم يجز له في هذا الوقت أنه يطعم.","vol":"9","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>المسافر في نهار رمضان</span>\nيجوز للمسافر في نهار رمضان أن يفطر، فالعذر ثابت للمريض والمسافر؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]؛ وفي هذه الآية محذوف تقديره: من كان مريضًا فأفطر لزمه أن يقضي، وهذا نوع من أنواع الدلالات، وهي دلالة الاقتضاء، فالكلام فيه حذف أو شيء مضمر والمقام يقتضي أن نعبر عنه بذلك.\nإذًا من كان منكم مريضًا فأفطر أو على سفر فأفطر، لكن المريض الذي لم يفطر، أو المسافر الذي لم يفطر ليس عليهما عدة من أيام أخر، وهذه تسمى دلالة الاقتضاء: من كان منكم مريضًا فأفطر لزمه أن يقضي مكان اليوم الذي أفطره.\nروى أصحاب السنن عن أنس بن مالك الكعبي -غير أنس بن مالك الخزرجي الأنصاري ﵁- قال: (أغارت علينا خيل رسول الله ﷺ، فأتيت ﷺ فوجدته يتغدى فقال: ادن فكل -أي: يتناول طعام الإفطار في الصباح، والغداء في الغدو، ونحن نقول: الغداء أي: طعام الظهر، ولكن الغداء أصلًا معناه طعام الصبح وهو الإفطار- قال: فقلت: إني صائم، فقال ﷺ: ادن أحدثك عن الصوم، إن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة) أي: رخص الله ﷿ للمسافر أن يفطر وعليه أن يقضي، وطالما أنه سيصلي فليس عليه قضاء؛ لأنه قد أتى بشطر الصلاة.\nوهذا حديث حسن صحيح.\nفإن كان سفره فوق مسافة القصر على اختلاف بين العلماء في مسافة القصر فنقول: ابتداء إذا كان السفر مسافة قصر وليس سفر معصية فله الفطر في رمضان، والسفر قد يكون واجبًا، وقد يكون مستحبًا، وقد يكون مباحًا، وقد يكون مكروهًا، فللمسافر أن يفطر في ذلك، أما إذا كان سفر معصية فليس له أن يفطر فيه؛ لأن الإفطار في السفر إعانة على مشقة السفر، وهذا الذي يسافر ليعصي المفترض أن يمنع من السفر، كأن يسافر ليشتري خمرًا، أو يزني، فالأصل أن يمنع، ولا يجوز له أن يفطر أو يقصر؛ لأنه بهذه الرخصة أعين على المعصية.\nإذًا: إذا كان سفره فوق مسافة القصر، وليس السفر في معصية فله الفطر في رمضان؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] سواء كان سفر حج أو جهاد أو تجارة، وأنواع السفر: سفر حج، وهذا قد يكون فريضة، وقد يكون مستحبًا، وسفر جهاد وهذا قد يكون فرض عين أو كفاية أو قد يكون مستحبًا، أو سفر تجارة فقد تكون مستحبة أو مباحة أو مكروهة، ونحو ذلك من الأسفار.\nومذهب الأئمة الأربعة: أنه يجوز للمسافر أن يصوم وأن يفطر، فالأيسر عليه يفعله.\nوأما في الصلاة فقد استحب الجمهور قصرها في السفر، وذهب الأحناف إلى أنه يجب القصر.\nوالمسافر تجب عليه الصلاة ولا يصح أن يقال له: إذا رجعت من السفر فاقضها كالصيام، ولكن له أن يصلي الرباعية ركعتين، لكن الصوم لا يقال له: صم نصف الصوم، فإما أن يصوم أو يفطر، وإذا أفطر لزمه القضاء وبقي متعلق بذمته، وإذا صام فليس عليه قضاء.","vol":"9","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>اختلاف العلماء في أيهما أفضل في السفر الصوم أو الفطر</span>\nاختلف العلماء في أيهما أفضل: الصوم في السفر أو الإفطار؟ والراجح في ذلك: هو أن الأيسر عليه يفعله سواء الصوم أو الإفطار.\nروى البخاري ومسلم عن أبي الدرداء ﵁ قال: (خرجنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره في يوم حار، حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما كان من النبي ﷺ وابن رواحة)، والمعنى أن هذا الصوم كان فريضة في رمضان، فالذي كان صائمًا هو النبي ﷺ وابن رواحة وبقية الصحابة كانوا مفطرين.\nوعن جابر كما في الصحيحين: (كان رسول الله ﷺ في سفر فرأى زحامًا ورجلًا قد ظلل عليه فقال: ما هذا؟ قالوا: صائم، فقال: ليس من البر الصوم في السفر)، وهذا الحديث لا يؤخذ الجزء الأخير منه من غير نظر إلى سببه، فلا يقال: إن قوله: ليس من البر الصوم في السفر تعتبر قاعدة عامة؛ لأنه إنما قال ذلك نتيجة سبب من الأسباب، فلا ينبغي أن يلغى السبب ويؤخذ بالنتيجة، فالنبي ﷺ، صام في السفر، ولكنه رأى ﷺ رجلًا صائمًا في السفر وحوله أناس مزدحمين كل يقدم له خدمة، فقال: (ما هذا؟) فقالوا: صائم.\nإذًا: كان القوم مسافرين، والسفر قطعة من العذاب، وكل واحد مشغول بنفسه، وهذا الصائم شغلهم وضيق عليهم بحيث وصل إلى مشقة لا يقدر معها على الصوم، فقال النبي ﷺ: (ليس من البر الصيام في السفر)؛ لأنه ليس من التقرب إلى الله أن تشق على صاحبك وتجعل الناس يخدمونك.\nإذًا هذا الحديث فيما إذا كان الصائم سيشق على نفسه وعلى رفقته.\nوعن أنس -كما في الصحيحين- قال: كنا نسافر مع النبي ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، فلا الصائم يعيب على المفطر، ولا المفطر يعيب على الصائم، فطالما الصائم لا يتعب غيره فلا بأس أن يصوم، قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، فالأفضل هو الأيسر، والله يريد بنا اليسر.\nوأيضًا عن ابن عمر -كما في المسند مرفوعًا-: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته)، فالله يكره من عبده أنه يأتي المعصية، كذلك يحب من عبده أن يأتي الرخصة.\nوروى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂: أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي ﷺ: أأصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام -والمعنى أن الرجل كان كثير الصيام في غير رمضان، فلما جاء عليه شهر رمضان سأل النبي ﷺ ذلك- فخيره النبي ﷺ وقال: (إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر)؛ لأنه إذا أفطر في رمضان لزمه القضاء بعد رمضان، كسائق السيارة من الإسكندرية إلى القاهرة فهو مسافر دائمًا، فله أن يفطر في رمضان، وله أن يصوم، وإذا أفطر لزمه القضاء بعد رمضان، ولعله يكون مسافرًا أيضًا، فالذي يتيسر له من الأمرين يفعله سواء كان الصوم أو الإفطار.\nكذلك في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: (خرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فصام حتى بلغ عسفان، ثم دعا بماء فرفعه إلى يديه ليريه الناس، فأفطر ﷺ)، فظل صائمًا إلى أن وصل إلى عسفان، وبعد ذلك بلغه أن الناس شق عليهم الصوم، فأفطر ﷺ أمام الناس.\nوكان ذلك في فتح مكة في رمضان.\nوفي رواية: (أن ذلك كان بعد العصر).\nإذًا النبي ﷺ الذي يقتدي به الناس أفطر بعد العصر وإن كان الوقت قد قرب من المغرب، ولكنه وجد أن ذلك سيشق على الناس فأفطر صلوات الله وسلامه عليه حتى يفطر الناس، فكان ابن عباس ﵄ يقول: قد صام رسول الله ﷺ وأفطر -يعني في السفر- فمن شاء صام ومن شاء أفطر.\nويذكر الحافظ ابن حجر مذاهب العلماء في الصوم أو الإفطار في السفر، فأكثرهم كـ مالك والشافعي وأبي حنيفة على أن الصوم أفضل لمن لم يشق عليه؛ لأنه إذا صام لا يتعلق بذمته.\nوقال كثير من العلماء: الفطر أفضل؛ عملًا بالرخصة، فإذا كان الإنسان لم يرفض الرخصة أصلًا ولكن خاف ألا يتمكن من القضاء، والأداء سهل عليه كان الصوم أفضل له.\nوقال آخرون: هو مخير بين الأمرين، وقال آخرون: أفضلهما أيسرهما، وهذا الأرجح، فإذا تيسر الصوم صام، وإن شق الصوم أفطر، وإن كان الصيام أيسر كمن يسهل عليه الأداء ويشق عليه القضاء بعد ذلك فالصوم في حقه أفضل، وكثير من الناس يسهل عليهم الصيام، فإذا دخل رمضان اعتاد على الصيام، وصام مع الناس وارتاح من القضاء.\nوآخر يشق عليه وهو مسافر أن يصوم، فقد يمرض أو يعطش عطشًا شديدًا لا يقدر معه على أن يقضي حاجته في سفره، فهذا الأفضل في حقه أن يفطر؛ حتى يتمكن من قضاء حاجاته، ثم يقضي بعد ذلك.\nفالفطر أفضل لمن اشتد عليه الصوم وتضرر به كما ذكرنا، كذلك من ظن أنه رغب عن سنة النبي ﷺ ورفض الرخصة، فالأفضل أن يأخذ بالرخصة التي رخصها الله ﷿ له.\nإذًا: الذي قبل الرخصة وصام له ذلك، والذي قبل الرخصة وأفطر له ذلك، لكن الذي رد الرخصة ورفضها فالأفضل في حقه أنه لا يعرض عن رخصة رخصها الله له ولو بالقول؛ لأن النبي ﷺ يقول: (من رغب عن سنتي فقد رغب عني، أو فليس مني).\nكذلك من خاف على نفسه العجب أو الرياء، فقد يكون مسافرًا مع الناس، والكل مفطر فيخاف أن يصيبه العجب من كلام الناس، فالأفضل في حقه أنه يبتعد عن الرياء وأن يفطر، وغيره يجوز له أن يصوم ويجوز له الإفطار كما قدمنا.\nروى البخاري ومسلم عن أنس ﵁ قال: (كنا مع النبي ﷺ أكثرنا ظلًا الذي يستظل بكسائه، وأما الذين صاموا فلم يعملوا شيئًا، وأما الذين أفطروا فبعثوا الركاب وامتهنوا وعالجوا).\nفالصائمون في تلك الحالة فائدة صيامهم مقتصرة عليهم لا تتعدى إلى غيرهم، لكن الذين أفطروا قاموا وخدموا الجميع وأحضروا الطعام، وبعثوا الركاب، وامتهنوا أي: قاموا بالمهنة وبقضاء حوائج المسافرين، فكان نفعهم متعديًا، فقال النبي ﷺ: (ذهب المفطرون اليوم بالأجر).\nفإذا كان الصائمون لهم أجر على قدر صيامهم، فالأجر العظيم أخذه المفطرون الذين قاموا بأمر السفر، ويسروا على غيرهم، وقاموا بما طلب منهم، فكان لهم الأجر العظيم، فكأنه إذا قورن أجر الصائم بأجر هؤلاء في تعبهم وامتهانهم لكان أجر الصائم قليلًا بالنسبة لأجر ذلك المفطر، وليس معنى ذلك أن الصائم ليس له أجر، بل له أجر عظيم، ولكن أجر أولئك الذين قاموا بالخدمة أعظم.\nأيضًا أخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام -أي: في فتح مكة في رمضان- فنزلنا منزلًا فقال رسول الله ﷺ: إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا -فكانت رخصة- فمنا من صام ومنا من أفطر).\nومعنى (إنكم قد دنوتم) أي قربتم من العدو، فالفطر أقوى لكم؛ حتى تقدروا على قتال أعدائكم، فمنهم من صام ومنهم من أفطر، قال: (فنزلنا منزلًا فقال رسول الله ﷺ: إنكم مصبحوا عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا، فكانت عزيمة) أي: أن الصبح هو موعد القتال، وربما يصعب عليهم القتال وهم صائمون، فأمرهم بالإفطار ﷺ؛ لأن الفطر أقوى لهم.\nففي المرة الأولى كانت رخصة؛ لأن العدو مازال بعيدًا فلم يعزم عليهم، لكنهم لما أصبحوا لقتال العدو قال لهم: أفطروا، قال: (فأفطروا إلا قليلًا منهم، فقال النبي ﷺلما سمع أن فلانًا وفلانًا ما أفطروا-: أولئك العصاة) وهذا دليل على أن أمره لهم كان عزيمة.\nفقد كانوا ذاهبين إلى مكة مكان الكفر ليحولوه إلى بلد للإسلام، وقد لا يقدرون مع الصوم على ذلك، فعليهم أن يفطروا، وإذا أفطر أحدهم وقاتل حتى قتل فإنه في هذه الحالة لم يتمكن من القضاء، فما عليك شيء، ولا يصوم عنه وليه، فكان الأفضل لهؤلاء أن يفطروا؛ لأنه أقوى لهم، ولذلك قال ﷺ عمن لم يفطروا: (أولئك العصاة).\nونسبته ﷺ الصائمين إلى العصيان؛ لأنه عزم عليهم أن يفطروا؛ لأنهم مصبحوا العدو، فأصبحوا صائمين.\nوكذلك الحديث الذي رواه النسائي عن جابر بلفظ: (أن رسول الله ﷺ مر برجل في ظل شجرة يرش عليه الماء فقال: ما بال صاحبكم هذا؟ قالوا: صائم يا رسول الله، فقال: إنه ليس من البر أن تصوموا في السفر، وعليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوه) فقد قال هذا الكلام لسبب معين فما كان مثله كان كذلك.","vol":"9","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>مسافة القصر</span>\nالراجح في مقدار السفر الذي يجوز فيه الفطر والقصر أنه ما يسمى سفرًا، وخرج فيه الإنسان من مكان إلى مكان آخر، أو من بلدة إلى أخرى فله أن يفطر وله أن يقصر من الصلاة فيه، فما سمي سفرًا عرفًا سواء كان قصيرًا أو طويلًا يجوز فيه القصر والفطر، بشرط ألا يقل السفر عن أقل مسافة قصر فيها النبي ﷺ، فأقل المسافات التي قصر فيها النبي ﷺ كما جاءت في الحديث: (أنه كان يقصر ﷺ إذا سافر ثلاث فراسخ أو ثلاثة أميال)، وفي هذه الرواية شك، وفي بعض الروايات: (ثلاثة أميال) بغير شك، فعلى ذلك يحطاط بثلاثة فراسخ، ومقدارها نحو ستة عشر كيلو من آخر عمران البلد، أي: بعد آخر البيوت التي يعيش فيها، فإذا كان بين قرية وأخرى مسافة ستة عشر كيلو فما فوقها فله أن يقصر وأن يفطر.\nقال يحيى بن يزيد الهنائي: (سألت أنسًا عن قصر الصلاة فقال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين).\nلكن العلماء أخذوا بأطول من ذلك، فذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أنه مسيرة يومين على الإبل أو الأقدام، قالوا: وتقديرها بستة عشر فرسخًا أي: بمقدار واحد وثمانين كيلو مترًا تقريبًا.\nواختار البخاري أنها مسيرة يوم وليلة، وكأنه على النصف من ذلك، أي: بمقدار أربعين كيلو مترًا.\nوقال أبو حنيفة: أنها مسيرة ثلاثة أيام، وبعض فقهاء الأحناف يقولوا: أنها تقدر بخمسة عشر فرسخًا، وذلك ست وسبعون كيلو مترًا.\nإذًا من العلماء من يرى أنها ستة عشر فرسخًا، والبعض يرى أنها خمسة عشر فرسخًا، ولكن الحديث على أنها ثلاثة فراسخ أو ثلاثة أميال، فإذا احتطنا في الأخذ بالحديث تكون ثلاثة فراسخ، وتقدر بستة عشر كيلو، ويقيد ذلك بأن يسمى سفرًا عرفًا.\nوقد يكون ما بين آخر العمران الذي بين بلد وآخر حوالي ستة عشر كيلو.\nيقول ابن تيمية ﵀: تنازع العلماء: هل يختص القصر والفطر بسفر دون سفر، أم يجوز في كل سفر؟ قال: وأظهر القولين أنه يجوز في كل سفر، قصيرًا كان أو طويلًا، كما قصر أهل مكة خلف النبي ﷺ بعرفات ومنى، وبين مكة وعرفة نحو بريد، يعني: أربعة فراسخ، بما يقدر بواحد وعشرين كيلو مترًا، والمعنى: أنه قصر أهل مكة وكانوا وراء النبي ﷺ في عرفات، ولم يأمرهم بإتمام الصلاة.\nيقول: ولم يحد النبي ﷺ مسافة القصر بحد لا زمنه ولا مكانه، والأقوال مذكورة في ذلك ومتعارضة، وليس على شيء منها حجة، والواجب أن يطلق ما أطلقه صاحب الشرع -يعني: النبي ﷺ- ويقيد ما قيده، فيقصر المسافر الصلاة في كل سفر، وكذلك في جميع الأحكام المتعلقة بالسفر من القصر، والصلاة على الراحلة، والمسح على الخفين، ومن قسم الأسفار إلى سفر طويل وقصير، وخص بعض الأحكام بهذا وبعضها بهذا فليس معه حجة يجب الرجوع إليها.\nهذا كلام شيخ الإسلام ﵀ وهو كلام قوي متين، فالراجح: أنه إذا سمي السفر سفرًا، أو سميت المسافة التي يقطعها الإنسان من بلد إلى أخرى سفرًا فيجوز له أن يقصر من الصلاة، وأن يفطر، والله أعلم.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"9","page":13},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-101> رخص الفطر لأصحاب الأعذار ومسائل في رؤية الهلال</span>\nتحري هلال شهر رمضان وغيره من الأشهر المرتبطة بعبادات معينة من الأمور التي ندب إليها الشرع لضبط دخول الشهر وخروجه، وسائر هذه الشهور يلزم لإثبات دخولها وخروجها وجود شاهدي عدل إلا ما يكون به إثبات دخول رمضان فيكفي فيه شاهد عدل واحد، كما بين ذلك النبي صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"10","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>جواز الفطر لمن سافر أثناء يوم في رمضان بدأه بالصيام</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nذكرنا في الحديث السابق أعذارًا ذكرها الله سبحانه تبارك تعالى في كتابه وذكرها النبي ﷺ في سنته فيمن يباح له أن يفطر في نهار رمضان، قال الله سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، وذكرنا أن دلالة الاقتضاء هنا تعطي معنى أن من كان منكم مريضًا فأفطر في نهار رمضان فعليه عدة من أيام أخر، ومن كان منكم مسافرًا فأفطر في نهار رمضان فعليه أن يصوم مكانها عدة من أيام أخر.\nوذكرنا أن المرض هو أي مرض يشق على الإنسان معه الصوم، فإذا كان المرض يسيرًا لا يشق معه الصوم ولا يعتبره الكثيرون من الناس شيئًا من المرض كالجرح في اليد، أو خلع الضرس فهذا ليس من المرض الذي من أجله يفطر الإنسان، لكن إذا أصبح يشق عليه، ويحتاج إلى تداوي، أو أنه يرهقه ويتعبه في صيامه، فيكون هذا مرضًا معه يترخص بأن يفطر في نهار رمضان، وعليه عدة من أيام أخر.\nوإذا كان مسافرًا والراجح أن السفر هو ما سمي سفرًا عرفًا، فله أن يفطر فيه، ونقول: إن أقل ما ثبت عن النبي ﷺ في مسافة سافرها وقصر فيها الصلاة أنه سافر ثلاثة فراسخ أو ثلاثة أميال شك الراوي في العدد، والثلاثة الأميال تساوي ستة كيلو تقريبًا، وثلاثة فراسخ تساوي حوالي ستة عشر كيلو تقريبًا، فعلى ذلك الاحتياط فيها أن تكون أقل مسافة هي ثلاثة فراسخ.\nويشترط أن يكون بين آخر العمران في بلده وبين البلدة التي يذهب إليها على الأقل مثل هذا القدر الذي هو ثلاثة فراسخ، فيجوز له أن يقصر من الصلاة، بل يستحب له ذلك، ويجوز له أن يفطر في السفر، وقد ذكرنا أن الراجح أن يعمل الأيسر عليه فالنبي ﷺ صام في السفر وأفطر في السفر ﷺ، وكذلك الصحابة كانوا يسافرون فمنهم الصائم ومنهم المفطر فلا يعيب بعضهم على بعض، فيجوز للإنسان المسافر أن يتم صومه، ويجوز له أنه يفطر فما كان أيسر عليه فعله.\nإذا سافر أثناء يوم من رمضان فله الفطر فيه إذا ركب وخلف بلدته وراءه، وهنا بعض العلم يقول: قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وكثير من العلماء يقولون: إنه إذا أصبح صائمًا فهذا شاهد ولزمه الصوم، فلو أنه سافر يلزمه أن يتم صيام اليوم، لكن الراجح في ذلك أنه حتى ولو أصبح صائمًا فكما يجوز له إذا مرض أن يفطر فيجوز له إذا سافر أن يفطر أيضًا ويجوز أن يمسك، والدليل ما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄: (أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم -اسم مكان- فصام الناس، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شربه فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام فقال: أولئك العصاة، أولئك العصاة)؛ لأنهم كانوا مثبطي عدوهم بعد ذلك، فالنبي ﷺ أفطر بعد العصر وهذا دليل على أن الإنسان قد يكون صائمًا في أول اليوم ثم مع مشقة السفر يفطر في آخر اليوم، وهذا جائز له.\nفإذا سافر الصائم يجوز له بعد أن يدخل في حكم المسافر أن يترخص بالإفطار وله أن يتم صومه.","vol":"10","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>الخلاف في جواز إفطار المسافر قبل سفره</span>\nروى أبو داود وأحمد عن عبيد بن جبر قال: (كنت مع أبي بصرة الغفاري صاحب النبي ﷺ في سفينة من الفسطاط في رمضان)، يذكر أنه كان مع أبي بصرة الغفاري وخرج من الفسطاط في سفينة.\n(فرفع) يعني: شراع السفينة.\n(ثم قرب غداه) أي: قدموا له الأكل ليأكل.\n(فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة) يعني: ركب السفينة ومضت بهم ولكنهم لم يزالوا يروا بيوتًا من ورائهم، فأصبحوا مسافرين فأفطر أبو بصرة ﵁.\nقال: (فقلت: ألست ترى البيوت؟!) أي: ألا ترى البيوت أمامك؟ قال أبو بصرة: (أترغب عن سنة رسول الله ﷺ)، فأكل.\nوفي رواية أخرى: (ركبت مع أبي بصرة من الفسطاط إلى الإسكندرية في سفينة)، من الفسطاط في القاهرة حتى يصل إلى الإسكندرية، فالمسافة مسافة قصر ولكنه أفطر بعد أن ركب السفينة مباشرة، بمجرد أن ركب السفينة بدأ بالإفطار بعدما تحركت السفينة.\nوروى الترمذي عن محمد بن كعب أنه قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرًا، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكله، فقلت له: سنة، قال: سنة؟ ثم ركب.\nوقصة أنس بن مالك ﵁ توضح أن محمد بن كعب ذهب إليه وقد جهز نفسه للسفر، وقد كان في بيته أو قابله خارج المدينة، فكلا الأمرين محتمل، يُحتمل أنه كان في بيته وجهز له ركوبته وقبل أن يركب أفطر ثم انطلق، وهو متأكد أنه مسافر فانطلق، فيستدل به البعض أنه يجوز له أن يفطر في بيته ثم يخرج.\nوالراجح: ليس له أن يفطر حتى وإن فعل أنس رضي الله ﵎ عنه ذلك؛ لأن العلماء قالوا: فعل أنس يحتمل التأويل، فيحتمل أن محمد بن كعب قابله وهو في بيته، ويحتمل أنه قابله وهو خارج المدينة، ولذلك يجوز عند جماهير العلماء أنه إذا ركب وخرج من المدينة وخلفها وراءه حتى لو أنه يرى بيوت المدينة وهو خارجها أن يفطر؛ لأنه عزم على السفر وتأكد أنه في سفر، فعلى ذلك فعل أنس بن مالك ﵁، فيحتمل أنه خرج من المدينة وقابله محمد بن كعب هنالك، ويحتمل أنه كان في المدينة أو كان في بيته، فالحديث محتمل، يقول: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرًا وقد رحلت له راحلته أي: جهزتها، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكله، فقلت له: سنة؟! قال: سنة، ثم ركب.\nوأيضًا الاحتمال وارد في قوله: قلت له: سنة؟! كأنه يقول: سنة إذا كان يوم من رمضان وأنت شاهد الشهر وأردت الخروج فخرجت فلك أن تفطر، هل هذه سنة؟! فقال: سنة، ويحتمل: سنة أنك تأكل قبل أن تخرج؟! فيقول: إنها سنة، فلما كانت دلالة الحال يتطرقها الاحتمال فيبعد بها الاستدلال.\nوقد قلنا: إن كثيرًا من العلماء يستدلون بالآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، أنه إذا كنت مقيمًا في البلد وأصبحت صائمًا ثم خرجت مسافرًا ليس لك أن تفطر، فكأن أنسًا هنا يقول: لا، سنة أن أفطر، وجاء بهذه السنة من فعل النبي ﷺ وهو في سفره لفتح مكة ﵊، فقد أصبح صائمًا وأفطر بعد العصر ﵊.\nإذًا: السنة إذا سافرت وأنت صائم لك أن تفطر وهذا ما يحتمله هذا الحديث.\nيقول الترمذي: ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث وقالوا: للمسافر أن يفطر في بيته قبل أن يخرج وليس له أن يقصر الصلاة حتى يخرج من جدار المدينة أو القرية، وهو قول إسحاق بن راهويه.\nولكن جماهير العلماء لم يقولوا بذلك، وإنما قالوا: طالما أن اسمه مسافر فله أن يقصر وله أن يفطر، وإذا لم يسمَّ مسافرًا ليس له أن يقصر أو أن يفطر، أما التفرقة بين القصر والإفطار أن له أن يقصر إذا خرج وليس له أن يقصر وهو موجود، حتى وإن كان ناويًا للسفر، وله أن يفطر وهو في بيته وليس له أن يقصر الصلاة، فهذه تفرقة بين متشابهين، لكن الأحوط في ذلك أنه ليس له أن يقصر ولا أن يفطر إلا إذا خرج من البلد؛ لأنه إذا خرج من البلد الآن صار مسافرًا، أما وهو في المدينة فلا يطلق عليه مسافر، فلو تخيلنا إنسانًا في بيته وهو في نهار رمضان فأفطر فالعذر للمسافر وأنت لست مسافرًا ما زلت في البلد، فقد تخرج لتركب القطار، وبعد أن تصل إلى محطة القطار تجد القطار قد فاتك، فإذًا أنت ما زلت مقيمًا وأفطرت فكيف تفطر وأنت لم تتيقن من السفر؟! بخلاف من ركب القطار وتحرك به القطار فيكون الآن قد أيقن أنه مسافر فعلى ذلك له أن يفطر بعدما تحرك وخرج، وليس وهو في البلد فيحتمل أن يخرج ويحتمل ألا يخرج.\nفالجميع اتفقوا على أن المسافر إذا كان في البلد ليس له أن يقصر الصلاة، وهذه أسئلة يسألها البعض ويقول: أنا مسافر، والآن وقت صلاة الظهر وأنا على محطة القطار، وسنركب القطار وسنصل هناك بعد المغرب فهل لي أن أصلي الظهر والعصر جمع تقديم وأنا في هذا المكان؟! فليس له ذلك؛ لأنه مقيم وليس مسافرًا، لكن لو خرج في الطريق وخرج به القطار من البلد، وصار يطلق عليه مسافرًا، فلو نزل في محطة من المحطات فصلى الظهر والعصر فيجوز له أن يجمع ويقصر، فيقصر الصلاة ويجمع بين الظهر والعصر؛ لأن وصفه الآن مسافر.\nإذًا: الأحوط والأرجح في الدليل أنه ليس له أن يقصر ولا أن يفطر إلا إذا تيقن أنه صار مسافرًا، فيكون بذلك خارج البلد.\nقال ابن قدامة في المغني: ولا يباح له الفطر حتى يخلف البيوت وراء ظهره، أي: يجازوها.\nوقال الحسن: يفطر في بيته يوم يريد أن يخرج.\nولعله أخذه من قول أنس: سنة.\nيقول ابن قدامة قول الحسن شاذ، وأول فعل أنس بقوله: فأما أنس فيحتمل أنه قد كان برز من البلد خارجًا منه فأتاه محمد بن كعب في منزله، فلما كان فعل أنس يحتمل أنه قد يكون في منزله أو خارج من المنزل خارج البلد وأتاه محمد بن كعب هناك فبعد الاستدلال به، قال: ولنا قول الله ﷿؛ لأن هذه القاعدة والأصل قول الله ﷿: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥].\nإذًا: من كان شاهدًا مقيمًا يلزمه الصيام، والرخصة للمسافر وللمريض وهذا ليس واحدًا من الاثنين فلا يوصف بكونه مسافرًا إلا بعد خروجه من بلده.\nوإن أصبح صائمًا فسافر جاز أن يفطر في اليوم الذي سافر فيه، وهذا هو الراجح من حيث الدليل، لفعل النبي ﷺ فقد كان مسافرًا وصائمًا فأفطر في آخر النهار، ولكن البعض الذي يمنع يقول: إن النبي ﷺ كان مسافرًا أصلًا من أول النهار، وقد نوى الصيام ﷺ ولكنه كان مسافرًا أيامًا وليالي، وهذا اليوم الذي أفطر فيه من هذه الأيام كان بالليل مسافرًا وبالنهار ليس مسافرًا، وكلامنا ليس في هذا المجال، ولكن كلامنا فيمن أصبح وهو مقيم، فإذًا: على ذلك الآية تقول: ﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾ [البقرة:١٨٥] وهذا شهد الشهر، هذا متعارض مع كونه في أول النهار كان شاهدًا مقيمًا وفي آخر النهار كان مسافرًا فيلزمه أن يصومه، وهذا قول البعض.\nيقول ابن قدامة في إباحة فطر اليوم الذي سافر فيه: هذه المسألة تختلف عن المسألة السابقة؛ فالمسألة السابقة كانت على اليوم الذي هو مسافر فيه فهل يفطر من البلد أو بعد أن يخرج من البلد؟ أما هذه المسألة إذا نوى الصيام من الليل وأصبح صائمًا، فجاء وقت الظهر فبدا له أن يسافر فهل له أن يفطر؟ فالبعض يمنع، لأنه كان شاهدًا حاضرًا فلزمه حكم الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وليس مسافرًا في أول النهار.\nالبعض الآخر يقول: له أن يفطر، وهو قول: عمر بن شرحبيل والشاعري وإسحاق بن راهويه وداود بن علي الظاهري وابن المنذر، وهذه رواية عن أحمد ﵀ وهو الراجح من حيث الدليل، لحديث أبي بصرة الغفاري أنه ذكر أنه سنة، وأبو بصرة كان في البلد بعدما ركب المركب وتحرك وهو يرى البيوت فأفطر، فلما سئل قال: سنة، فدل على أنه إذا أصبح صائمًا وركب وتحرك به المركب أو القطار ونحوه له أن يفطر بعد ذلك؛ لأن أبا بصرة فعل ذلك وقال: سنة.\nوأيضًا أنس على أحد التأويلين فعل ذلك وقال: سنة.\nوالدليل العقلي: أنه لو كان مسافرًا بالليل واستمر سفره بالنهار يبيح له الفطر في ذلك، فإذا وجد في أثنائه أباحه، كالمرض فالإنسان إذا كان مريضًا بالليل وتوقع أن يصبح بالنهار والمرض ما زال به، فله أن ينوي الإفطار ويكون مفطرًا بالليل وبالنهار، فكذلك في أمر المسافر، إذا كان مسافرًا بالليل وهو يعلم أنه لن يصل قبل آخر النهار من اليوم التالي فله ألا ينوي الصيام وينوي الإفطار بالليل، ويكون بالنهار أيضًا مفطرًا، فوجد العذر بالليل فله أن ينوي بالليل أنه سيفطر في يومه الثاني، لأنه مسافر فيه فإذا وجد هذا العذر بالنهار بالمرض فله أن يفطر، فليقِس عليه ذلك في الصيام.\nإذًا: المريض بالليل إذا نوى أنه سيفطر غدًا؛ لأن المرض شديد ولن يعافى منه حتى النهار، فله أن يفطر، فإذا أصبح سليمًا ومرض بالنهار فله أيضًا أن يفطر، فالمسافر قياسًا عليه إذا كان بالليل مسافرًا فنوى أنه غدًا سيفطر لأنه في حالة سفر، فله ذلك، فإذا وجد السفر في أثناء النهار الذي صام فيه، فله أن يفطر قياسًا على المرض؛ ولأنه أحد الأمرين المنصوص عليهما في إباحة الفطر بهما، فأباحه أثناء النهار كالآخر.\nالرواية الثانية وهي التي","vol":"10","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>حكم فطر من كانت السفينة مسكنه وأهل البادية في تنقلاتهم</span>\nيقول ابن قدامة: فأما من كانت السفينة مسكنه ومعه في السفينة امرأته وجميع مصالحه، ولا يزال مسافرًا، فهذا لا يقصر ولا يفطر.\nفلو تخيلنا مثل هذا، أن الإنسان عنده سفينة وهذه السفينة بمثابة بيته وهو مقيم بها دائمًا يذهب ويأتي وهو فيها فيقول: هذا حكمه أنه مقيم بداخل هذه السفينة طالما أنه لا يخرج منها ومعه أهله ومعه عياله فيها، وهذا الشيء يتخيل فقط، لكنه حقيقة ليس موجودًا.\nوإذا كان الإنسان يسافر من بلد إلى بلد وفرضنا أن له بيتًا في كل بلد يسافر إليه، فعندما يصل إلى مسكنه في المكان الفلاني فحكمه حكم المقيم، لكن أثناء السفر في الطريق فله أن يفطر وله أن يجمع ويقصر، فهو في حكم المسافر وعلى ذلك سيجتمع حكم القصر في الطريق والإتمام في البيت؛ لوجود مكان يأوي إليه وله أهل فيه، لكن الصوم لا يصح فيه هذا الشيء، لأنه أثناء الطريق بالنهار له أن يصوم أو يفطر، وإذا جلس في البلد يومًا كاملًا فيلزمه أن يصوم.\nأما أهل البادية الذين يشتون في مكان ويصيفون في مكان، وهذا معروف عنهم أنهم يشتون في المكان الذي فيه الكلأ والمرعى، ويصيفون في مكان آخر، فيتوجهون إلى المكان الذي فيه الكلأ والعشب لأغنامهم أو لبهيمة الأنعام، فأثناء طريقهم يكونون في حكم المسافر، وإذا وصلوا إلى مكان المشتى أو مكان المصيف يكونون في حكم المقيم.\nإذًا: في مشتاهم أو مصيفهم يتمون الصلاة ويلزمهم الصيام، وخلال المشي في الطريق لهم أن يقصروا ولهم أن يصوموا أو يفطروا.\nفحتى لو كان متنقلًا فعليه أن يصوم؛ لأنه مكانه، ولكن في الطريق من المشتى والعكس له أن يصوم وله أن يفطر.","vol":"10","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>حكم المسافر إذا قدم من سفره في نهار رمضان</span>\n(إذا أفطر المسافر لزمه القضاء ولا فدية) والمسافر يلزمه القضاء ولا يلزمه الفدية؛ لقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤].\n(أما إذا قدم المسافر في أثناء يوم قد ترخص فيه وأفطر أو برأ المريض وهو مفطر) مثلًا: لو أن إنسانًا كان مسافرًا ورجع من السفر في وقت الضحى، وهو مفطر، أو كان مريضًا وشفاه الله ﷿ في أول النهار وكان مفطرًا، فالأولى والأفضل التشبه بالصائمين، لكن لا يلزمه أن يتم يومه، وليس من الممكن أن يجتمع حكمان أنه يجوز له في أول النهار أن يترخص ويفطر، ثم نلزمه وهو مفطر أنه يجب عليه الصيام، والبعض من أهل العلم أوجبوا عليه ذلك، وهو قول أبي حنيفة وقول الأوزاعي والأظهر عند الحنابلة أنه يجب عليه الإمساك.\nأما عند الشافعي فهو مستحب، والأفضل أن يتشبه بالصائمين ويراعي حرمة اليوم، فيستحب له أن يكمل الصيام وهذه رواية عن أحمد، أنه لا يجب عليه أن يصوم، فكيف يكون في أول اليوم مفطرًا بعذر وله رخصة أن يفطر، ثم نقول: يجب عليك أن تصوم بقية اليوم؟! لا يجتمع في اليوم جواز الإفطار مع وجوب الصوم فيه.\nقال مالك: لا يجب ولا يستحب الإمساك.\nوهو قول قوي في هذه المسألة، وإن كانت المراعاة للصائمين ولحرمة اليوم أن يحتاط فيمسك بقية يومه استحبابًا وليس وجوبًا.\nولا يأكلان - أي: المسافر والمريض - عند من لا يعرف عذرهما لخوف التهمة، فالمسافر بعد أن نزل في مكان وهو نازل قد يعرفه البعض فله أن يأكل وقد لا يعرفه البعض، فيراعي ألا يتهمه الناس، فيقال: فلان مفطر وهم لا يعرفون أنه مسافر أو أنه مريض، فالإنسان يحافظ على نفسه ولا يأكل عند من لا يعرف عذره، فإذا أراد أن يأكل فعليه أن يخبر أنه مسافر أو يخبر أنه مريض، والإخبار هنا لينفي عن نفسه التهمة، ولكي لا يقتدي به إنسان فاسق فيقلده عندما يراه، وهو إنسان لا يصوم وهو يخفي على الناس أنه مفطر، وبمجرد أن يلقى هذا المسافر يأكل، فيقلده ويفطر مثله، فالأفضل: ألا يفطر إلا عند من لا يتهمه.\n(وإذا قدم المسافر أو برئ المريض وهما صائمان) فلو أن إنسانًا أصبح وهو مريض مرضًا شديدًا يشق معه الصوم، فصبر على مرضه وواصل صومه، فجاء وقت الظهر وقد شفاه الله ﷿، فليس له رخصة أن يفطر.\nوكذلك لو كان إنسان مسافرًا، وأصبح صائمًا وهو مسافر فوصل إلى البلد المقيم فيه، فليس له رخصة أن يفطر.\nفمن كان صائمًا في أول النهار سواء كان مريضًا أو مسافرًا الصيام الشرعي الذي تصحبه النية من الليل، فعلى ذلك يلزمه أن يتم صيامه وليس له أن يقول: أنا أترخص؛ لأن حكمه حكم الصحيح وليس المريض، وحكمه الآن مقيم وليس مسافرًا.\nولو قدم المسافر ولم يكن قد نوى من الليل صومًا ولم يأكل في نهاره قبل قدومه، فله أن يفطر؛ لأن صومه غير شرعي، فصيام رمضان لا بد فيه من النية في الليل ومن الأفضل أن يمسك مراعاة لحرمة اليوم.","vol":"10","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>حكم صوم المسافر في رمضان عن غير رمضان</span>\n[ولا يجوز للمسافر ولا للمريض أن يصوم في رمضان عن غيره] فلا يصح في رمضان الصيام لقضاء نذر أو كفارة، فصوم رمضان يلزمك نية لصيام رمضان الذي أنت فيه، وعندما ينتهي رمضان اقض ما عليك، سواء كان عن قضاء أو نذر أو كفارة أو تطوع، فإن صام أحدهما شيئًا من ذلك لا يصح صومه لا عن رمضان ولا عما نوى له.\nفالمعنى: أن الإنسان إذا نوى من الليل أنه سيصوم قضاء للأيام التي أفطرها في السنة الماضية، فهو لم ينو صيام اليوم وإنما نوى صيام شيئًا آخر، فلا يصح أن يصوم في هذا اليوم غيره؛ لأن اليوم لا يستوعب إلا شيئًا واحدًا، بخلاف وقت الصلاة فهو يستوعب صلوات كثيرة، فإذا جاء وقت صلاة الظهر فصلى فيه صلاة الظهر التي فاتته في اليوم السابق، ثم نوى صلاة الظهر لليوم الذي هو فيه أو ضاعت منه صلاة الصبح، فيصليها الآن في وقت صلاة الظهر، ويصح ذلك؛ لأن الوقت يستوعب صلوات كثيرة لكن وقت الصوم لا يستوعب إلا صومًا واحدًا، والصائم يلزمه أمران: النية والإمساك، فهو ممسك ولكن النية ليست نية صحيحة، فقد نوى أن يصوم شيئًا غير صيام رمضان، فلا تصح هذه النية، وعلى ذلك لا يصح هذا الصوم لا عن اليوم ولا عن الصوم الذي نواه.","vol":"10","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>حكم المسافر إذا قدم من سفره فوجد امرأته طهرت من الحيض فجامعها في رمضان</span>\n[إذا قدم المسافر في أثناء نهار رمضان وهو مفطر فوجد امرأته قد طهرت في أثناء النهار من حيض أو نفاس أو برئت من مرض وهي مفطرة فجامعها فليس عليه كفارة؛ لأنه مفطر بعذر] أي: كان مسافرًا وقدم وهو مفطر، وامرأته كانت حائضًا وطهرت من حيضها، فلا يجب عليه الصوم وهي لا يجب عليها الصوم، فإذا اغتسلت فجامعها فلا شيء عليه ولا عليها إلا القضاء بالأصل؛ لأنه كان مفطرًا في أول اليوم وهي كانت مفطرة بعذر.","vol":"10","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>حكم الحامل والمرضع</span>\n[الحامل والمرضع إن خافتا من الصوم على أنفسهما أو على ولدهما أفطرتا وقضتا ولا فدية عليهما كالمريض].\nالمرأة الحامل قد تخاف على نفسها وقد تخاف على جنينها، والمرضع قد تخاف على نفسها وقد تخاف على ولدها، فعلى ذلك يجوز لها أنها إذا خافت على نفسها أو على ولدها الإفطار، ويلزمها القضاء عند الجميع، واختلف العلماء في وجوب الفدية من عدم وجوبها، ففي حديث أنس بن مالك الكعبي أن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحامل أو المرضع الصيام) حديث حسنه الترمذي، وقال الألباني: حديث حسن صحيح، وقال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم، أي: أكثر أهل العلم، وقال بعض أهل العلم: الحامل والمرضع تفطران وتقضيان وتطعمان.\nوراوي الحديث هو أنس بن مالك الكعبي وهذا ليس خادم رسول الله ﷺ؛ لأن خادم النبي ﷺ اسمه أنس بن مالك الأنصاري الخزرجي ﵁، فلو ذكر أنس بن مالك فقط، فسيكون خادم النبي ﷺ الخزرجي الأنصاري ﵁، ولكن لا بد من بيانه لأن الإطلاق ينصرف إلى أنس بن مالك ﵁ الصحابي الأنصاري خادم النبي ﷺ، فحديث أنس الكعبي: (إن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحامل أو المرضع الصيام) الحامل: يطلق على المرأة الحامل الخائفة على نفسها أو الخائفة على ولدها، وهذا إطلاق، والتقييد يحتاج لدليل، والتقييد أن الحامل هي التي خافت على نفسها أو خافت على ولدها فيحتاج لدليل، وإذا وجدنا الدليل عملنا به، والمرضع مطلق فأي امرأة مرضع يجوز لها أن تفطر طالما أنها مرضع وأن هذه الرضاعة قد تؤثر عليها أو تؤثر على ولدها، فهذا الحديث فيه أن الله ﷿ وضع عن الحامل والمرضع الصوم.\nيقول الترمذي: قال بعض أهل العلم: الحامل والمرضع تفطران وتقضيان وتطعمان، وهذا قول سفيان الثوري ومالك والشافعي وأحمد.\nسفيان من أهل الكوفة، ومالك في المدينة، والشافعي في الحجاز مكي، وأحمد ﵀، فهؤلاء الأربعة أجمعوا على ذلك، يقول: [أكثر العلماء يقولون: الحامل والمرضع تفطران وتقضيان وتطعمان.\nوقال بعضهم: الحامل والمرضع تفطران وتطعمان ولا قضاء عليهما، وإن شاءتا قضتا ولا إطعام عليهما وبه يقول إسحاق]، ولم يذكر قول أبي حنيفة فهو أوجب القضاء فقط وهو الراجح في هذه المسألة.\nقال البخاري في صحيحه: باب قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٤].\nوقال الحسن وإبراهيم في المرضع أو الحامل: إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما تفطران ثم تقضيان.\nيذكر البخاري: باب قول الله تعالى:: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٤]، فمعنى ذلك أن الإنسان الذي يكون مريضًا أو على سفر عليه عدة من أيام آخر.\n(وعلى الذين يطيقونه) أي: كبار السن ونحوه ممن لا يقدرون على الصوم إلا بمشقة شديدة تجهدهم، فعليهم فدية طعام مسكين، ولا صيام عليهم، والمسافر والمريض إذا أفطرا فعليهما الصيام.\nوقال الحسن البصري وإبراهيم النخعي في المرضع والحامل: إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما.\nفكأنه يميل لهذا القول، أن المرضع سواء خافت على نفسها أو خافت على الجنين، والحامل سواء خافت على نفسها أو خافت على جنينها فإنهما تفطران ثم تقضيان فألحقهما بالمريض والمسافر.\nوروى البيهقي عن ابن عباس ﵄ قال: (رخص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة في ذلك وهما يطيقان الصوم أن يفطرا إن شاءا ويطعما عن كل يوم مسكين، ولا قضاء عليهما، ثم نسخ ذلك بهذه الآية ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا كل يوم مسكين) الحديث رواه الإمام أبو داود ولكن اخترنا رواية البيهقي؛ لأنها طويلة وصحيحة، ورواية أبي داود صحيحة ولكنها مختصرة اختصارًا موهمًا، ذكر ذلك الشيخ الألباني ﵀ وقال: إنها مختصرة اختصارًا مخلًا، وسنرى الفرق بين الروايتين، فرواية البيهقي عن ابن عباس: (رخص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة في ذلك وهما يطيقان الصوم أن يفطرا إن شاءا ويطعما كل يوم مسكين ولا قضاء عليهما)، وهذا أول ما فرض الصيام، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، فإذا كانا يقدران على الصيام لهما أن يصوما ولهما أن يفطرا، وإذا أفطر فإنه يطعم مسكينًا ولا يقضي بعد ذلك ولا شيء عليه.\n(ثم نسخ ذلك بهذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم عليهما الإطعام)، فالصوم يحتاج لمجهود شديد منهما وهما لا يطيقانه فلهما الإفطار وعليهما الفدية وهي إطعام مسكين كل يوم.\n(والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا كل يوم مسكين) فهو يقول: أن الحبلى والمرضع تلحقان بالشيخ والشيخة إذا خافتا، ولم يقيد الخوف فيكون الخوف على الإطلاق، الخوف على النفس أو الخوف على الصبي أو الجنين.\n(أفطرتا وأطعمتا)، وهذا قول مطلق حتى إذا كانتا قادرتين على الصيام بعد ذلك، وهذا قول ابن عباس ومذهبه ﵁، وهو يرى أنه إذا أفطرت المرضع أو الحامل فعليها أن تطعم كل يوم مسكينًا، وكذلك ابن عمر قال ذلك، وإن كان الراجح في ذلك أن نفرق بين من أفطرت بسبب الرضاعة أو بسبب الحمل وتقدر على الصيام فبعد ذلك يلزمها؛ لأن حكمها حكم المريض، والمريض يلزمه أن يصوم قضاء، أو أنها لا تقدر لا على الصيام ولا تقدر بعد ذلك على القضاء بسبب الحمل والرضاعة المتكرر، فعلى ذلك تفطر وتطعم ولا شيء عليها أكثر من ذلك كما سيأتي.\nولفظ الإمام أبي داود عن ابن عباس: (كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكين، والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما).\nفنلاحظ هنا أنه قال: (كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما)، ولم يذكر أنه بعد ذلك نسخ هذا الشيء، فكأن هذا الأمر باقٍ، بخلاف لفظ البيهقي فقد ذكر وزاد رواية ثم نسخ ذلك في هذه الآية، فمن شهد منكم الشهر فليصمه وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان، لذلك ذكرنا أن لفظ البيهقي أوضح في هذه المسألة، ولفظ الإمام أبي داود أخصر، والاختصار يوهم أن الحكم القديم معمولٌ به.\nوروى الإمام ابن جرير الطبري عن ابن عباس ﵄ قال: (إذا خافت الحامل على نفسها والمرضع على ولدها في رمضان يفطران ويطعمان مكان كل يوم مسكينًا ولا يقضيان صومًا) أي: ومن يحتج بقول ابن عباس من الأئمة رضوان الله عليهم يقول: ابن عباس قال: تطعمان والآية تقول: إنهما تقضيان، فنجمع بين القضاء مع الإطعام.\nلكن ابن عباس هنا نص على أنهما تفطران وتطعمان مكان كل يوم مسكينًا ولا تقضيان صومًا.\nوفي رواية أخرى عن ابن عباس أنه رأى أم ولد له حاملًا، وأم الولد هي أمة كان يملكها ابن عباس واستولدها فصارت أم ولد له، وجدها حاملًا أو مرضعًا، قال: أنت بمنزلة الذي لا يطيق، فعليك أن تطعمي مكان كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليك، وفي رواية أن هذا إذا خافت على نفسها، ورواه الدارقطني بلفظ: أنت من الذين لا يطيقون الصيام، عليك الجزاء وليس عليك القضاء.\nوفي رواية أخرى عن ابن عباس وابن عمر قالا: الحامل والمرضع تفطر ولا تقضي.\nوعن ابن عمر أن امرأته سألته وهي حبلى، فقال: أفطري وأطعمي عن كل يوم مسكينًا ولا تقضي.\nوعن نافع قال: كانت بنت لـ ابن عمر تحت رجل من قريش، وكانت حاملًا فأصابها عطش في رمضان، فأمرها ابن عمر أن تفطر وتطعم عن كل يوم مسكينًا.\nفهذه الآثار عن ابن عباس وعن ابن عمر فيها أنه لم يفرق بين إذا خافت على النفس أو خافت على الولد.\nإذًا: الحامل والمرضع تفطران فإذا قدرتا على القضاء يلزمهما ذلك، فليسا بأولى من الإنسان المريض والمسافر، فالمرأة الحامل بعد أن تضع وهي ترضع تقدر على الصيام فيلزمها قضاء رمضان، وكذلك المرأة المرضع إذا كانت في رمضان والصيام يمنع اللبن أن ينزل وستتعب تعبًا شديدًا بسبب ذلك، ج","vol":"10","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>تلخيص مذاهب العلماء في حكم الحامل والمرضع في الصيام والفطر</span>\nلخص الإمام النووي مذاهب العلماء في الحامل والمرضع في كتابه المجموع على أربع مذاهب: المذهب الأول: يفطران ويطعمان ولا قضاء عليهما، وهذا ذكرناه عن ابن عمر وعن ابن عباس وأيضًا سعيد بن جبير فيه، وهو أن المرأة الحامل والمرضع التي تخاف على نفسها أو تخاف على الجنين إذا خافتا فأفطرتا فعليهما الإفطار والفدية، فتفدي عن كل يوم بإطعام مسكين، وليس عليها القضاء، وهذا هو القول الأول.\nالمذهب الثاني وهو قول الإمام مالك: يفرق بين الحامل والمرضع، فالحامل تفطر وبعد ذلك عليها القضاء، والمرضع تفطر وتقضي وتفدي، فعلى المرضع كلا الأمرين.\nالمذهب الثالث: قول مجاهد والشافعي وأحمد يفرقون بين أن تخاف المرأة الحامل أو المرضع على النفس أو تخاف على الولد، فإذا خافت على نفسها عليها أن تفطر ثم بعد ذلك تقضي ولا فدية، وإذا خافت على الجنين أو على الولد، فتفطر وعليها القضاء مع الفدية.\nالمذهب الرابع: قول عطاء بن أبي رباح والحسن والزهري والأوزاعي وأصحاب الرأي -يعني: الأحناف-: أنهما يفطران ويقضيان ولا فدية وحكمهما كالمريض وبه قال ابن المنذر، وهو أوجه الأقوال وأقواها، لكون المرأة الحامل أو المرضع مشبهة بالمريض، والمريض يلزمه أن يقضي، فهذه يلزمها القضاء، فإذا تعذر عليها القضاء، لها أن تطعم عن كل يوم مسكينًا ولا يلزمها القضاء، فإذا احتاطت المرأة بذلك وأخذت بقول الشافعي وأحمد ومن قبلهما مجاهد أنها إذا خافت على الجنين أو على الطفل أفطرت ثم قضت وأطعمت فهذا طيب؛ ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة:١٨٤]، فيكون من باب التطوع أما أنه واجب، فالراجح أنه لا يجب إلا الصوم، وإذا تعذر ذلك فتطعم مكانه كل يوم مسكينًا.","vol":"10","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>وجوب صيام رمضان برؤية الهلال</span>\nلا يجب صوم رمضان إلا برؤية الهلال، فإن غمي عليهم وجب عليهم أن يستكملوا شعبان ثم يصوموا لما روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) وفي لفظ مسلم: (فإن غمي عليكم فأكملوا العدد).\nإذًا: إذا لم يظهر الهلال نتم شعبان، فإذا كنا في شهر شعبان ولم يظهر رمضان فنكمل شعبان ثلاثين يومًا، ولذلك جاء في رواية أخرى: (لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق ذلك صومًا كان يصومه أحدكم، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا)، فالألفاظ: (غم)، (غبي)، (غمي)، كلها بمعنى واحد وهو عدم ظهور الهلال لسبب من الأسباب.\nوجاء في السنن عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) فلا تصم قبل رمضان احتياطًا.\nوالذي ليس متعودًا على أن يصوم في شعبان ولا في غير شعبان ويأتي ليصوم يوم الشك، ويقول: سوف أصوم هذا اليوم فربما يكون من رمضان فهذا لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ يقول: لا تصم احتياطًا لرمضان ولكن إذا ثبتت الرؤيا فصم، (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)، وهذا الحديث فيه (فإن حالت دونه غياية -يعني: سحابة- فأكملوا ثلاثين يومًا) يعني: ليس مطلوبًا أن نبحث ونفتش وراء السحاب عن الهلال، فإذا ظهر الهلال ثبت الشهر، وإذا لم يظهر الهلال فعلى ذلك (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته).\nوفي رواية للنسائي قال ﷺ: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وانسكوا لها -أي تعبدوا-، فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا) فيكون الأصل في الرؤيا أن يشهد شاهدان، وهذا في رؤية هلال رمضان أو في غيره، وسيأتي أنه في رمضان يجوز الشاهد الواحد؛ لفعل ابن عمر وأخذ النبي ﷺ بشهادته وحده رضي الله ﵎ عنه.\nوقوله: (صوموا لرؤيته) هذا يحتمل أن يكون ليلًا أو نهارًا، فإذا كان بالليل فيكون الصوم باليوم الذي يليه، وإذا كان بالنهار فيكون باليوم الذي يليه أيضًا.\nقال جمهور العلماء في قول النبي ﷺ: (فإن غم عليكم، فاقدروا له) المعنى: احسبوا أول الشهر والرواية الأخرى توضحها (فأتموا عدة شعبان ثلاثين، واحتاطوا لشهر شعبان من أوله)؛ لأنك ستبني صيام رمضان عليه إذا لم تر الهلال، فمعنى (اقدروا له) أي: انظروا في أول الشهر واحسبوا تمام الثلاثين لقوله ﷺ: (فأكملوا العدة ثلاثين).\nوروى أبو داود من حديث عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان)، والمعنى أنه كان يهتم برؤية هلال أول شعبان؛ لأنه سيبني عليه رؤية هلال رمضان أو إكمال شعبان ثلاثين.\n(فإن غم عليه عد ثلاثين) أي: عد ثلاثين من شعبان ثم صام ﷺ.","vol":"10","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>النهي عن صيام يوم الشك</span>\nروى النسائي عن سماك قال: (دخلت على عكرمة في يوم قد أشكل هل هو من رمضان أو من شعبان وهو يأكل خبزًا وبقلًا ولبنًا، فقال لي: هلم).\nسماك يقول: (دخلت على عكرمة) وهو شيخه.\n(في يوم قد أشكل) أي: يوم الشك.\nقال: (وهو يأكل خبزًا وبقلًا ولبنًا، فقال لي: هلم) أي: تعال كل.\n(فقلت: إني صائم) وكأن سماكًا قد احتاط فصام هذا اليوم فلعله يكون رمضان.\n(فقال: وحلف بالله لتفطرن) أي: فأقسم عليه أن أفطر.\nقال: (قلت: سبحان الله! مرتين، فلما رأيته يحلف لا يستثني) لا يستثني أي: لا يقول: إن شاء الله، أي: لم يقل له: والله! إن شاء الله افطر، ولكن قال: والله لتفطرن، أقسم عليه.\nقال: (تقدمت، فقلت: هات الآن ما عندك) أي: بعدما أكلت سألته: لماذا حلفت علي؟! قال: (سمعت ابن عباس ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حاله بينكم وبينه سحابة أو ظلمة فأكملوا عدة شعبان).\nإذًا: إذا لم تروا الهلال فأكملوا عدة شعبان.\n(ولا تستقبلوا الشهر استقبالًا) أي: لا تقدموا قبل الشهر، وتقولوا: سوف نصوم يومًا قبله احتياطًا، وحين يأتي العيد تقولون: نصوم يومًا احتياطيًا فتجعلون رمضان اثنين وثلاثين يومًا أو واحدًا وثلاثين يومًا، ولكن لا تحتاط قبله ولا بعده.\nقال: (ولا تصلوا رمضان بيوم من شعبان).\nإذًا: على ذلك الشهر ينفصل عن غيره من الشهور.\nيقول ابن المنذر في كتاب الإشراف: صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال مع الصحو لا يجوز بإجماع الأمة، وقد صح عن أكثر الصحابة والتابعين كراهته.\nوقال الحافظ ابن حجر: هكذا أطلق ولم يفصل بين حاسب وغيره، أي: الذي يعمل بالحساب أو بغير الحساب يكره عليه صيام هذا اليوم طالما أنه لم ير الهلال.\nفمن فرق بينهم كان محجوجًا بالإجماع قبله.\nوالمقصود أنه ليس هناك فرق بين من يحسب وبين من لا يحسب، والحساب في الماضي كان حسابًا ظنيًا أما إذا كان الحساب مبنيًا على المراصد وعلى تصوير الهلال في ليالي الهلال، وأنه في يوم كذا سوف يكون في مكان كذا، وغدًا سيكون في مكان كذا، وإذا كان الاعتماد على هذه الآلات الدقيقة ففي هذه الحالة لن يصلح الهلال أن يكون أمارة لتصديق الشاهد أو لتكذيب الشاهد، فعلى ذلك لا يصح الاعتماد على الرؤية الفلكية أو الحساب الفلكي ولكن الأصل هي الرؤية البصرية فإذا جاء إنسان وقال: رأيت الهلال، والحساب والمراصد تقول: إنه يستحيل أن يرى، فعلى ذلك يقال: هذا الإنسان لم ير، فعلى هذا يصلح الحساب الفلكي من المراصد ونحوها لنفي قول صحة الشاهد، وربما أنه قد يكون رأى شيئًا آخر ولم ينتبه وكان على عينه شيء، وسوف نبين هذا الكلام.\nوالحساب موجود في الماضي، فقد كان الناس يحسبون الشهور، وعلى عدد الأيام يوقتون لشهر رمضان، يقول الحافظ ابن حجر: لا يعتمد على مثل هذا الحساب.\nفإذا كان الحساب وصل إلى أمر قطعي وأنه معتمد على مراصد وغيرها فعلى ذلك نقول: الأصل الرؤية كما قال النبي ﷺ ولكن هذا الحساب يصلح لتصديق شهادة الشاهد أو ردها.\nقال ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا) يعني: مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين.\nقال ابن حجر: المراد بالحساب المنفي هنا حساب النجوم وتسييرها فلم يكونوا يعرفون من ذلك إلا النزر اليسير، أي أن الصحابة لم يكونوا يعرفون حساب النجوم ولا الحساب الفلكي، فلا يقيد الأمر بشيء لا يعرفونه.\nيقول ابن حجر الهيتمي: وقع تردد فيما لو دل الحساب على كذب الشاهد بالرؤية وأنه مستحيل أن يرى الهلال هذه الليلة، فكيف رآه هذا الإنسان؟! يقول ابن حجر الهيتمي الشافعي: والذي يتجه منه أن الحساب إن اتفق أهله على أن مقدماته قطعية وكان المخبرون منهم بذلك عدد التواتر ردت الشهادة وإلا فلا.","vol":"10","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>وقت بداية رؤية الهلال</span>\nالعلماء يقولون: إن الرؤية تبدأ وقت غروب الشمس وذلك في اليوم التاسع والعشرين من شهر شعبان، حيث يتوجه النظر إلى نقطة غروب الشمس؛ لأن الذي سيبحث عن الهلال لن يبحث عنه في السماء كلها، ولكن عندما تغرب الشمس فإنه سينظر في المكان الذي غربت منه الشمس لكي يرى الهلال هل هو موجود بعد الغروب أو غير موجود.\nوعلماء الفلك يقومون بتحديد مركز وهمي عند نقطة الغروب بمساحة خمس درجات فلكية يمينًا وشمالًا، ويحسب ثمان درجات لأعلى وثمان درجات لأسفل، ولا تزيد فترة الرؤيا على نصف ساعة بعد الغروب، فيكون مع التحرز والرصد أصبح يقينًا عندهم أن الرؤية لهذا الهلال الذي هو لليوم الثاني إلا في خلال نصف ساعة بعد غروب الشمس، فإذا لم يظهر الهلال خلال نصف ساعة بعد الغروب يتم استكمال الشهر ثلاثين.","vol":"10","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>حالات رؤية الهلال</span>\nتنقسم رؤية الهلال إلى حالات منها: غروب القمر يوم التاسع والعشرين قبل غروب الشمس، فالمقصود أن الشمس تغرب والأرض تغرب، وكما نعلم أن الأرض تدور والقمر يدور حول الأرض، ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس:٣٨]، فالأرض تدور في مدار الشمس فعلى ذلك فإن القمر يدور حول الأرض، وعندما يأتي القمر بين الأرض وبين الشمس ستكون أشعة الشمس على جزء من القمر وهو الذي يراه الإنسان بحسب حركة القمر مع الشمس، فإذا تحرك فوقها فإنه يظهر على شكل حرف نون، وإذا تحرك وانزاح بجوارها فإنه يظهر على شكل حرف راء، فهنا يقولون لنا: إذا كان غروب القمر ليلة تسع وعشرين قبل غروب الشمس ففي هذه الحالة لا يمكن رؤية أي جزء من القمر بعد الغروب وذلك يعني استكمال الشهر، وحساب المراصد يقول: إن القمر سيغرب هذه الليلة فسوف يغرب هذا النهار الساعة الرابعة والنصف، قبل غروب الشمس وإذا كان القمر على ذلك وجاء واحد وقال: أنا رأيت الهلال هذا النهار، نقول له: أنت كاذب فليس هذا من الممكن.\nفهذا مبني على أشياء يقينية عندهم، فالأمر ليس له علاقة بالحساب، وإنما من خلال الدراسة لسنين طويلة وصلوا إلى هذا الشيء مستعينين بالرصد والتصوير والكمبيوتر وغير ذلك بحيث يقول لك متى سيغرب الهلال هذه الليلة، فإذا غرب الهلال قبل الشمس، فعلى ذلك مستحيل أن يرى الهلال ويكون غدًا المتمم لشهر شعبان.\nإذًا: الأصل يكون الاعتماد على الرؤية البصرية والمراصد تصدق هذا أو ترد شهادته.\nحالة أخرى: وهي ظهور الهلال بعد غروب شمس يوم التاسع والعشرين بفترة، وهذه مسألة حسابية، فمثلًا يقال: هذه الليلة ستغرب الشمس الساعة السادسة، والقمر من المفروض أن يغرب بعد الشمس بعدة ساعات، فمن المستحيل هنا أن يرى القمر؛ لأنه لا يرى إلا بعد ثمان ساعات من ميلاده.\nفلو جاء إنسان في هذه الليلة وقال: أنا رأيته، فنقول له: يستحيل أن تراه، لأن فترة ولادته كان محجوبًا بالشمس فليس من الممكن أن يرى، وعلى هذا فإن المراصد والحساب الفلكي هي أمارة على نفي ما أثبته الشاهد، لكن إذا جاء الشاهد وقال: أنا رأيته، والحساب يثبت أنه فعلًا يمكن أن يرى في هذه الليلة، فعلى ذلك يكون العمل على رؤية الهلال.\nأما مفهوم ولادة القمر أو الهلال فنقول: إن القمر أثناء دورانه حول الأرض يمر بوضعية ينطبق فيها ظاهريًا على الشمس، فإذا كان ينطبق ظاهريًا على الشمس فهذا يوافق المحاق، والمحاق هي الليالي التي لا يرى فيها القمر، فيكون منطبقًا على الشمس ويقع بينها وبين الأرض، فإذا انطبق في وقت الليل أمام الشمس فالشمس تجعله لا يظهر، وفي هذه الحالة يكون المحاق الذي يكون في آخر الشهر، فإذا علا التمر قليلًا عن الشمس، يكون الجزء الأسفل من القمر هو الذي يرى، وشعاع الشمس يسقط عليه فيظهر على شكل حرف نون، وهذا هو الهلال، لكن هذا لا يحدث إلا نادرًا وذلك عندما تقع الأرض والقمر على استقامة واحدة والتي هي في حالة كسوف الشمس.\nأما في الحالة العامة فيكون القمر منزاحًا إلى أحد جانبي الشمس، فيكون إما يمينًا وإما يسارًا فيظهر على شكل حرف الراء، فإذا صار القمر أثناء دورانه على خط أفقي واحد مع الشمس فيكون في المحاق.\n[بيد أن العين البشرية لا تستطيع رؤية القمر بعد ولادته إذا كان عمره أقل من ثمان ساعات]، فميلاد القمر معناه انزياح القمر عن الشمس في نظر الرائي، وفي هذه الحالة يكون القمر بين الشمس وبين الأرض، أما إذا انزاح عن الشمس يمينًا أو إلى أعلى فهنا يقال: ولد، ووقت ميلاد القمر لا يرى القمر فالشمس تمنعك من رؤيته، وضوء الشمس العادي يمنع من ذلك، فإذا انزاح وبعد عن الشمس فيمكن أن تراه، ففي هذا الوقت يمكنك أن تراه بعد ميلاده بثمان ساعات، والعين البشرية لا تستطيع رؤية القمر بعد ولادته إذا كان عمره أقل من ثمان ساعات؛ وذلك لشدة قربه من الشمس وتأثير ضوئها على وضوحه، ورؤية القمر لا تتم إلا إذا كان عمره قبل الغروب ثمان ساعات أو أكثر.","vol":"10","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>اختلاف العلماء في حكم رؤية الهلال في بلد دون بلد آخر</span>\nظهور الهلال يكون برؤية شاهد أو شاهدين له، فإذا قبل القاضي أو مفتي البلد شهادتهما فعندها يصوم الناس، والآن يعتمدون في رؤية الهلال على المراصد، فعلى ذلك يقول النبي ﷺ: (صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون) فالصوم يكون مع الجماعة.\nفإذا رؤي الهلال في بلد من البلدان وقرر مفتي البلد بأن هذه الرؤية رؤية صحيحة وألزم الناس بها فالراجح أنه يلزم الجميع أن يصوموا، وإذا كان هذا البلد يأخذ بتقرير المرصد فعلى ذلك يكون صيامنا مع أهل بلدنا، فالذي يلزم المفتي شرعًا أنه إذا تأكد من رؤية الهلال في منطقة يجتمع فيها مجموعة من البلدان في ليل واحد يلزمه أن يأخذ بهذه الرؤية، وأن يأمر الناس بالصيام، فعلى ذلك هذا الأمر أو الحكم متعلق بمن يفتي للناس، أما التأكد من أن الشاهد رأى أم لم ير فهذه ليست من اختصاصنا وليست من اختصاص آحاد الناس، وإنما اختصاص القاضي أو المفتي في هذا المكان، فالذي يلزمنا أننا نصوم مع الناس ونفطر مع الناس لحديث النبي ﷺ: (الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون) فيكون صيام كل المسلمين معًا وإفطار كل المسلمين معًا أو على الأقل أهل البلد الواحد، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، والجمهور على أنه إذا ظهر الهلال في بلد يلزم باقي البلدان أن يصوموا طالما أنهم صدقوا رؤية هذا الرائي.\nوذهب الشافعية إلى أنه لا يلزم أهل بلد رؤية بلد أخرى، وإنما يلزمهم رؤية بلدهم فقط، لما جاء عن ابن عباس ﵄ في هذا المعنى، يقول كريب فيما رواه مسلم: (أن أم الفضل بنت الحارث التي هي أم ابن عباس ﵄ بعثت كريبًا إلى معاوية في الشام قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل علي رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة) أي: يوم الخميس المغرب رأوا الهلال وكريب رأى الهلال مع من رآه.\nقال: (ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس ﵄ ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته، فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ) فـ ابن عباس اجتهد في هذه المسألة على ما قاله النبي ﷺ، ولكن لم يذكر ابن عباس ما الذي قاله النبي ﷺ، والواضح أن ابن عباس كان عمره في آخر حياة النبي ﷺ ثلاث عشرة سنة، وليس من الممكن أن يسمع ما لم يسمعه غيره خاصة في هذا، ولعله أخذ بقول النبي ﷺ: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته) فقال: هذا ما قاله النبي ﷺ، فنزله كفتوى منه في هذا الشيء، ولعله قصد أنه قول النبي ﷺ: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأتموا عدة شعبان ثلاثين يومًا) فجعله محمولًا على رؤية أهل البلد، فلذلك قال: نصوم على رؤية المدينة ونفطر على رؤية المدينة ولا يلزمنا ما رآه معاوية، حتى وإن كان كريب الذي يحدث ابن عباس قد رآه رضي لله عنهما، وقد أخذ بذلك الشافعية وقالوا: إنه يلزمنا رؤية البلد التي نحن فيها.\nيقول ابن تيمية في هذه المسألة: تختلف المطالع باتفاق أهل المعرفة بهذا، فإن اتفقت المطالع لزمه الصوم وإلا فلا، يعني: مطلع الهلال على مجموعة من البلدان بامتداد الأفق قد يتفق وقد لا يتفق، فيمكن أن تراه هذه المجموعة كلها وقد يراه بعضها ولا يراه البعض الآخر، فإذا قلنا: إنه خلال نصف ساعة يظهر الهلال في هذا المكان والأرض تدور خلال هذه الفترة فيكون في هذا الوقت يظهر في المكان الفلاني بعده بقليل، ويظهر في المكان الفلاني بعده بقليل، وبهذا يطلع الهلال على مجموعة من البلاد في هذه الليلة.\nوعلى ذلك نقول: إذا طلع الهلال في بلد هنا الساعة الخامسة والربع، وفي الآخر الساعة الخامسة وستة عشر دقيقة، وفي الآخر الساعة الخامسة وثمانية عشر دقيقة، فنقول: اتفقت المطالع هنا.\nقال: فإذا اتفقت المطالع لزمه الصوم وإلا فلا.\nوهذا قول الشافعية وقول في مذهب أحمد.\nوقال في مجموع الفتاوى: (مسألة رؤية بعض البلاد رؤية لجميعها فيها اضطراب) يعني: أنه إذا ظهر في بلد فإنه يلزم الكرة الأرضية كلها الصيام، قال: هذا فيه اضطراب.\nقال: (فإنه قد حكى ابن عبد البر أن الاختلاف فيما يمكن اتفاق المطالع فيه، فأما ما كان مثل الأندلس وخراسان فلا خلاف أنه لا يعتبر) يعني: إذا رؤي في الليل وفي المكان الآخر ما زال الوقت نهارًا، فلا يلزم الآخرين هذه الرؤية ولن يصوموا معهم في هذا اليوم، هذا كلامه.\nثم قال: (فالصواب في هذا ما دل عليه قوله ﷺ: (صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون) فإن شهد شاهد ليلة الثلاثين من شعبان أنه رآه بمكان من الأمكنة قريب أو بعيد وجب الصوم، والاعتبار ببلوغ العلم بالرؤية في وقت يفيد) هذا اختياره، يريد أن يقول: إن كريبًا على مسافة كبيرة عن المدينة لما كان بالشام فهذه الرؤية التي رآها لن تفيدهم الآن، لكن الرؤية التي تكون في مكان بحيث تبلغ للبلدان الأخرى ويتفقون في مطلع واحد، فعلى ذلك يلزم أنهم يأخذون بذلك، فالمسألة مختلف فيها على أقوال للعلماء، فالجمهور على أن الرؤية في بلد تتفق في المطلع مع بلد أخرى أو مع بلدان أخرى إذا وثق فيها يلزم الصيام ويلزم الإفطار.\nفقول الشافعية: إن كل بلد إذا رأت الهلال يلزمها أن تصوم، وإذا لم تر الهلال فلا يلزمها الصيام برؤية غيرها إذا كانت بعيدة عنها، فعلى ذلك الراجح فيها: إذا أقر مفتي البلد بالرؤية فنصوم مع الناس ولا يكون البعض صائمًا، والبعض مفطرًا.\nويقول في آخر بحثه ﵀: فتلخص أنه من بلغه رؤية الهلال في الوقت الذي يؤدى بتلك الرؤية الصوم أو الفطر أو النسك وجب اعتبار ذلك بلا شك، والنصوص وآثار السلف تدل على ذلك، ومن حدد ذلك بمسافة قصر أو إقليم فقوله مخالف للعقل والشرع.\nالآن في البلدان لا يتركون لآحاد الأفراد أن يقول: رأيت الهلال فيلزمنا الصوم، وإنما يقومون بأخذ الإنسان الذي رآه وينظرون هل كلامه صواب أو غير صواب بناء على ما يحسبونه في هذه البلدة، هل يمكن أن يرى الهلال أو غير ممكن.","vol":"10","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>نقصان الشهر لا يلزم منه نقصان الأجر سواء في رمضان أو ذي الحجة</span>\nأجر الصائم تام عند الله سواء كان الشهر ثلاثين يومًا أو تسعة وعشرين لقول النبي ﷺ: (شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة) حديث متفق عليه من حديث أبي بكرة ﵁، فسواء نقص العدد أم لم ينقص العدد يكون الأجر كاملًا.\nقال ﷺ: (من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا) سواء كان رمضان ثلاثين يومًا أو تسعة وعشرين يومًا (غفر له ما تقدم من ذنبه).\nكذلك قال: (من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال، فكأنما صام الدهر) فالسنة ثلاثمائة وستون يومًا، فيكون رمضان ثلاثين ومعها ست من شوال والحسنة بعشر أمثالها، فيكون إجمالي ذلك ثلاثمائة وستين يومًا، ولو كان رمضان تسعًا وعشرين، فلا تحتسب بطريقة الحسنة بعشر أمثالها، بل أجر رمضان كامل والله ﷿ يغفر فيه الذنوب، سواء كان ثلاثين أو تسعًا وعشرين.\nقال: (شهرا عيد لا ينقصان)، فالأول هو شهر رمضان، لكن ما الذي سينقص في الشهر الآخر وهو ذو الحجة؟ أول هذا الشهر أيام العمل الصالح، وسواء كانت رؤية الهلال صحيحة، أو أنهم أخطئوا فيها فكان دخول الهلال قبل أو بعد، فعلى ذلك لا نقول: لو أنهم أخطئوا فينبغي أن نحتاط ونجعل الأيام أحد عشر يومًا، بل هي العشرة الأيام في شهر ذي الحجة سواء كانت الرؤية صوابًا أو خطأً فلك الأجر فيها، وأنه ما من أيام عند الله ﷿ أعظم من هذه الأيام العشر، وهي من أول شهر ذي الحجة، والعبادة فيها أفضل عند الله ﷿ من غيرها من الأشهر كما عرفنا في حديث النبي ﷺ، فعلى ذلك سواء أخطئوا في رؤية الهلال أو أصابوا فيوم عرفة هو اليوم الذي يقف فيه المسلمون على عرفة، ولهم الأجر التام على ذلك، لقول النبي ﷺ: (شهرا عيد لا ينقصان).\nفإن أصبحوا يوم الثلاثين من شعبان وقد أفطروا وهم يظنون أنه من شعبان ثم تبين: أنه من رمضان فإنه يلزمهم قضاء صومه مع الإمساك بقية ذلك.","vol":"10","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>حكم النية المترددة لمن لم يتبين له دخول رمضان من ليلته</span>\nإن بات المرء ليلة الثلاثين من شعبان وهو ينوي الصيام إن كان يوم غد من رمضان نفعته نيته إن تبين أنه من رمضان ولم يكن قد أكل وهذا الراجح.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (تصح النية المترددة) وهذا غاية ما يقدر عليه الإنسان، وهي أيضًا إحدى الروايات عن أحمد ﵀.\nوالمعنى: لو كانت الليلة ليلة الثلاثين من شعبان وأردت أن تنام ولم تظهر الرؤية ويمكن أن تظهر بعد قليل، فلك أن تنوي أنه إذا كان يوم غد من رمضان فإنك صائم، فهذه النية تجزئ الإنسان، إذا ظهر أنه المتمم لشعبان فلا بد له أن يفطر.\nوفي الصحيحين عن الربيع بنت معوذ قالت: (أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: من أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائمًا فليصم) وهذا دليل على أن صوم عاشوراء كان واجبًا في العام الثاني من الهجرة، ثم نسخ وجوبه بعد ذلك لتشريع رمضان في هذا العام، فالنبي ﷺ أمرهم أن الذي أصبح صائمًا على أنه صوم تطوع فليتم، لأنه أخبرهم بالنهار، فقال لهم: الذي أصبح صائمًا فليمسك وينوي الآن من النهار أنه صائم، طالما أنه لم يأكل، (من أصبح مفطرًا فليمسك بقية يومه)، فعلى ذلك من كان بالليل ولم يدر هل يوم غد هو من رمضان أو هو المتمم لشعبان فله أن ينوي: إذا كان يوم غد من رمضان فإني صائم، ويصح منه الصوم على ذلك.\nوإن رأى الناس الهلال بالنهار فهو لليلة المستقبلة، فقد جاء في حديث شقيق بن سلمة قال: (أتانا كتاب عمر ﵁ ونحن بخانقين -اسم مكان في العراق قريب من بغداد - أن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهارًا فلا تفطروا حتى تمسوا إلا أن يشهد رجلان مسلمان أنهما رأياه بالأمس) المعنى: أنه إذا رؤي الهلال بالنهار فهو لليوم المقبل وليس لليوم الذي هو فيه.","vol":"10","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>حكم من سافر إلى بلد واختلف مع أهله في عدة أيام رمضان زيادة أو نقصًا</span>\nلو شرع المرء في الصوم في بلد ثم سافر إلى بلد بعيد لم يروا فيه الهلال حين رآه أهل البلد الأول فاستكمل ثلاثين من حين صام، فالراجح أنه يفطر سرًا) يعني: إنسان صام في هذا البلد وبعد ذلك سافر إلى بلد أخرى لم يروا فيه الهلال حين رآه أهل البلد الأول، فهو صام في البلد الأول بناء على رؤية الهلال، وبعد ذلك سافر إلى بلد أخرى ووصل في صيامه لليوم الثلاثين، وأهل هذه البلد الأخرى صاموا بعده بيوم، وسوف يكملون الصيام لعدم رؤية هلال شوال، فالراجح فيه أن هذا قد أكمل ثلاثين يومًا، فلا نقول له: صم واحدًا وثلاثين يومًا؛ لأنه صام بناءً على رؤية شرعية في أول الشهر حتى أكمل الثلاثين، فله أن يفطر ولكن سرًا ولا يجهر بالإفطار، قال النبي ﷺ: (لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق ذلك صومًا كان يصومه أحدكم، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا) فهذا أكمل ثلاثين فلا يلزمه أكثر من ذلك.\nولو سافر من بلد لم يروا فيه الهلال فأكملوا شعبان حتى رأوا الهلال فيكون صيامه أقل منهم بيوم، فلو كان عندهم رمضان تسعة وعشرين يومًا فسيكون عنده ثمانية وعشرين يومًا فيلزمه أن يفطر طالما أنهم رأوا الهلال ويقضي يومًا مكانه.\nولو رأى الهلال في بلد وأصبح معيدًا معهم ثم ركب طيارة وسافر إلى بلد آخر وكانوا ما زالوا صائمين فلا شيء عليه؛ لأنه أفطر إفطارًا صحيحًا بناءً على رؤية الهلال، فالآن يكمل إفطاره ولا شيء عليه.","vol":"10","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>ثبوت دخول رمضان بشهادة عدل واحد واشتراط الشاهدين فيما سوى ذلك</span>\nتثبت رؤية هلال رمضان بشهادة عدل واحد من المسلمين، فقد جاء في حديث ابن عمر عند أبي داود وهو حديث صحيح: (رأى الناس الهلال فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته، فصامه وأمر الناس بصيامه) فدل ذلك على أن النبي ﷺ قبل شهادة الواحد في دخول رمضان، وقد قال النبي ﷺ: (إن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا) ومن هذين الحديثين نفهم أنه في كل الشهور لا بد من شهادة اثنين إلا في أول رمضان فإنه يكفي شاهد واحد، ولا بد أن يكون عدلًا، أما الكافر أو الفاسق أو المغفل أو كثير الخطأ والذي لا ينتبه للفرق بين شيء وشيء، فهؤلاء لا تقبل شهادتهم، ويشترط العدالة الظاهرة فيمن نقبله في رؤية الهلال ولا نبحث عن باطنه.\nومن رأى هلال رمضان وحده مثل أهل البادية فيلزمه الصوم؛ لأنه رأى وتيقن، وشهادة الواحد تقبل في إثبات أول رمضان.","vol":"10","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>استحباب الدعاء عند رؤية الهلال</span>\nإذا رؤي الهلال فيستحب عند رؤيته الدعاء، فقد كان النبي ﷺ إذا رآه يدعو ويقول: (اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله) وهذا الحديث رواه الترمذي، ورواه أحمد بنفس اللفظ، ورواه الدارمي بلفظ: (اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله)، فهلال رمضان لو أن أحدًا رآه وحده له أن يصوم، لكن هلال شوال لو رآه الواحد وحده فلا يفطر؛ لأن النبي ﷺ قيد الإفطار بشهادة رجلين، ولذلك جاء في حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه خطب الناس في اليوم الذي يشك فيه فقال: ألا إني جالست أصحاب رسول الله ﷺ وساءلتهم وإنهم حدثوني: (أن رسول الله ﷺ قال: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، وانسكوا له، فإن غم عليكم فأكملوا الثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا).\nفقلنا: في أول رمضان أجاز شهادة الواحد لكن في آخر رمضان لا يثبت خروجه إلا بشهادة الاثنين، وعلى ذلك فلو رآه واحد وحده فلا يصح أن يفطر.","vol":"10","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>حكم صيام الأسير الذي لا يتبين له وقت دخول شهر الصوم</span>\nلو أن إنسانًا كان أسيرًا محبوسًا في سجن، فإن اشتبهت الشهور عليه لزمه أن يتحرى ويصوم، لأن المسلم حين يكون في سجون الكفار فالغالب أنهم لا يخبرونه بدخول الليل أو النهار أو الأيام والشهور، فإذا كان الإنسان في هذه الحالة فإنه يتحرى، ويحسب بقدر المستطاع بحيث إنه يصوم رمضان، فإذا تبين له بعد ذلك أنه صام رمضان أو ما بعده أجزأه، وإن تبين أنه صام ما قبله لم يجزئه، والله أعلم.\nوصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.","vol":"10","page":20},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-121> الفطر في رمضان ومن لا يرخص له فيه وأحكام الكفارة</span>\nيجب على المسلم أن يعرف أحكام العبادات التي يتعبد بها ويتقرب بها إلى ربه ﷾، حتى تكون هذه العبادات صحيحة فيقبلها رب العالمين، ومن أهم العبادات فريضة الصيام فهي الركن الرابع من أركان الإسلام، ومع أهمية الصيام ومكانته في دين الله، فإنك تجد كثيرًا من الناس يجهل بعض أحكامه، فيجب علينا أن نتنبه لهذا الأمر.","vol":"11","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>مسائل في الصيام</span>","vol":"11","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>حكم من أفطر ناسيًا أو جاهلًا أو مكرهًا</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: فإن الصائم إذا أفطر ناسيًا أو جاهلًا أو مكرهًا، فإن صومه صحيح، وعليه أن يكمل صومه ذلك، والدليل على ذلك في النسيان قول النبي ﷺ: (إذا نسي الصائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)، وكذلك ما جاء في سنن ابن ماجة أنه ﷺ قال: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، فإذا أخطأ الإنسان فأكل، أو نسي فأكل، أو أكره على ذلك فأكل مكرهًا، فإنه مجرد ما يرجع إلى حالته الأولى يلزمه أن يمسك ويتم صومه.\nفإذا كان جاهلًا بالصيام، وهذا لا يتصور في إنسان يعيش في بلد إسلامي، ولكن في بلاد الكفر قد يتُصور ذلك، فقد يصوم كما يصوم أهل الكتاب، فهذا جاهل، فلا يجب عليه إلا أن يمسك، والأحوط له أن يعيد ما أفطره، لكن إن لم يعد فلا شيء عليه؛ لأنه جاهل.\nكذلك المكره، ففي الحديث قال رسول الله ﷺ: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، فإذا أكره إنسان من قبل قوم بأن جعلوا بداخل فمه ماء أو طعامًا أو أدخلوه في الماء بحيث أنه يضطر أن يشرب من هذا الماء، فهذا كله لا يبطل صومه، بل ويكمله بعد ذلك إن استطاع.\nأيضًا النبي ﷺ ذكر أن من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، وذرعه أي: غلبه القيء، فهذا إكراه من نفسه؛ لأن المعدة هاجت فأفرغت ما فيها، فمن ذرعه القيء فليس عليه قضاء، وإنما القضاء على من استقاء عمدًا، وكذلك الحكم في الطعام والشراب ونحو ذلك، فإن الإنسان إذا أكره عليها ولا يد له في ذلك، أي: أكره إكراهًا ملجئًا بآلة أو سلاح أو نحوها، فلا شيء عليه وليكمل صومه.\nكذلك إذا أكره إنسان على الوطء، بأن قيل له: جامع في نهار رمضان وإلا قتلناك، لو حدث هذا الشيء وفعل المكره ما أكره عليه فالراجح أيضًا أنه لا يفطر ولا قضاء عليه في ذلك.","vol":"11","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>حكم المضمضة والاستنشاق للصيام</span>\nالمضمضة والاستنشاق مشروعان للصائم باتفاق العلماء، وجاء في حديث النبي ﷺ قال: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً ثم لينتثر) ولم يقيد لغير رمضان فهو على إطلاقه، فهذا يعني: أنه إذا كان الإنسان في رمضان أو في غير رمضان وأراد الوضوء، فليجعل في أنفه ماءً أي: يدخل ماء في أنفه، ثم لينتثر، يعني: يخرج بقوة الزفير هذا الماء الذي دخل في أنفه.\nلكن قال النبي ﷺ في حديث لقيط: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا)، فهنا استثناء واحتراز وهو أنك إذا كنت صائمًا فلا تبالغ في المضمضة أو الاستنشاق، فنهى عن المبالغة فيها، ولم ينه عنها بالكلية، وأما حكمها فقد قدمناه فيما مضى.","vol":"11","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>حكم من أفطر بلا عذر في نهار رمضان</span>\nلو أن إنسانًا أفطر في نهار رمضان، بطعام أو بشراب أو بجماع وكان معذورًا مريضًا أو مسافرًا، فعليه أن يقضي هذه الأيام ولا إثم عليه في ذلك؛ لأنها رخصة من الله سبحانه ﵎، ولكن الذي يفطر بغير عذر فهذا إثمه عظيم جدًا، وسمعنا في حديث النبي ﷺ عقوبة هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم، فإنهم يعلقون كالذبيحة من أعقابهم في نار جهنم والعياذ بالله، منكوس، مشققة أشداقه تسيل دمًا، والسبب هو أنه كان يفطر متعمدًا في نهار رمضان بغير عذر، فإذا أفطر وجب عليه أن يتوب من هذا اليوم الذي أفطر فيه، ويجب عليه أن يمسك؛ لأنه ليس من حقه أن يفطر طالما أنه قادر على الصيام ولا رخصة له ولا عذر، ويجب عليه أن يقضي يومًا مكان هذا اليوم، ولكن هل يجب عليه مع القضاء الكفارة؟ أي: هل يجب عليه مع هذا القضاء أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو بإطعام ستين مسكينًا؟ الراجح أن الدليل خص حالة واحدة من حالات الإفطار وهي الإفطار بالجماع في نهار رمضان، ولا يلحق غيره به، فمن جامع في نهار رمضان فهذا الذي جاء فيه نص النبي ﷺ في الأمر بالقضاء مع الكفارة.\nفالذي تعمد الإفطار في نهار رمضان يلزمه أن يمسك بقية يومه، وإن كان إمساكه ليس صومًا، ولكن لمراعاة حرمة اليوم.","vol":"11","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>حكم الجماع في نهار رمضان</span>\nالذي يفطر بجماع، هذه الصورة الوحيدة التي يلزمه فيها القضاء والكفارة، سواء جامع أهله أو جامع غيرها، أي: وقع في الزنا أو في اللواط وإن كانا حرامًا في رمضان وفي غيره لكن كلامنا هنا فيما يجب على من فعل ذلك، فيجب عليه أن يتوب إلى الله ﷿، وأن يمسك بقية هذا اليوم، وعليه القضاء والكفارة أيضًا، والدليل على ذلك ما ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: (بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله! هلكت، قال ﷺ: مالك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ: هل تجد رقبة تعتقها؟ فقال: لا، -بدأ النبي ﷺ بذكر الرقبة فدل على أن الكفارة على هذا الترتيب الذي ذكره ﷺ- فقال للرجل: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ فقال الرجل: لا، - لم يقل له: حاول لعلك تستطيع؛ لأن الشخص أدرى بنفسه إن كان يقدر أو لا يقدر - ثم قال ﷺ: فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ قال: لا، فمكث النبي ﷺ - أي: سكت وانتظر - فبينما نحن على ذلك، أتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر، فقال: أين السائل؟ قال: أنا، قال: خذها فتصدق بها، فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي! فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك).\nهنا أمره النبي ﷺ بالكفارة، ولم يذكر زوجة الرجل وما الحكم بالنسبة لها، ولذلك اختلف العلماء هل الكفارة خاصة بالرجل فقط أم أنها تجب على كل من الرجل والمرأة؟ فالبعض يقول: تجب على الاثنين؛ لأن الرجل سأل عن حكم نفسه، فأمره النبي ﷺ بذلك، والمرأة تقاس على الرجل فيها، والبعض يقول: لا؛ لأن النبي ﷺ أمر الرجل بكفارةٍ واحدة، وقد علم أنه جامع أهله، ومع ذلك لم يذكر الكفارة على الزوجة، والراجح في هذه المسألة أن الشخص إذا أكره امرأته على ذلك فوافقته خوفًا منه، فيكون عليه القضاء والكفارة وهي عليها القضاء فقط، وإذا دعته هي إلى ذلك، فتكون هي مطيعة ومريدة للمعصية، فيلزم الاثنين القضاء والكفارة.\nفالرجل إن استطاع أن يعتق رقبة فليفعل وعليه مع ذلك أن يقضي يومًا مكان اليوم الذي جامع فيه، وإذا لم يقدر على عتق رقبة ينتقل إلى صيام شهرين متتابعين، فإذا لم يكن يقدر على ذلك ينتقل إلى إطعام ستين مسكينًا، فإذا لم يقدر في الوقت الحاضر يصبر وينتظر حتى يقدر، وإذا لم يقدر فإنه مع العجز الدائم يسقط عنه ذلك.\nوالمرأة إذا كانت تقدر على العتق لزمها، وإذا كانت لا تقدر على العتق وتقدر على الصيام لزمها، فلا تعلق لكفارة الرجل بكفارة المرأة، فقد يكون الرجل فقيرًا والمرأة غنية؛ ولذلك جاز إذا كان الزوج فقيرًا والمرأة غنية ولها مال أن تعطي زكاة مالها لزوجها، ولم يجز العكس، فالرجل إذا كان غنيًا لا يجوز أن يعطي زكاة ماله لامرأته؛ لأنه يجب عليه أن ينفق عليها، فالمقصود أن الشخص يكفر عن نفسه، سواء أكان الرجل أم المرأة بما يقدر عليه، على الترتيب الذي ذكر في الحديث.\nوإذا كان الشخص متزوجًا أربع نسوة، ووطئ الأربع في نهار رمضان، فالراجح أن عليه كفارة واحدة مع القضاء، وعليه ذنب عظيم لانتهاك حرمة اليوم بذلك، والنساء فيهن التفصيل الذي ذكرناه آنفًا، وهو أن المطاوعة له في ذلك عليها القضاء والكفارة، أما المغلوبة على أمرها فإن عليها أن تقضي فقط.\nلكن لو أن المرأة قاومت ولم ترد هذا الشيء فأجبرها بالقوة، فنرجع إلى حكم الإكراه، وهو أنها إذا كانت مكرهة لا تقدر على الفكاك ولا المقاومة، فإنها تبقى على صيامها وليس عليها القضاء إلا أن تخاف منه فتمكنه، أي: إذا ألجأها لذلك فليس عليها شيء، ففرق بين أن تكره إكراهًا ملجئًا وبين أن لا تكون كذلك.","vol":"11","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>حكم من طلع عليه الفجر وهو مجامع</span>\nمن طلع عليه الفجر وهو مجامع فاستدام الجماع مع العلم بذلك، فإن عليه القضاء والكفارة؛ لأنه أفطر بجماع في يوم من أيام رمضان وهو يعلم بحرمة ذلك، أما إذا كان مجامعًا وأذن الفجر فنزع، فلا شيء عليه.","vol":"11","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>الجهل عذر في عدم وجوب الكفارة</span>\nمن المهم أن نعلم أن الجهل يكون عذرًا في عدم الكفارة، ومثال ذلك إذا أكل شخص في نهار رمضان ناسيًا، وجهل أن الأكل ناسيًا لا يبطل الصوم، فظن أنه قد أفطر بذلك، فذهب وجامع أهله، فهنا عليه القضاء فقط وليس عليه كفارة في هذه الحالة؛ لأنه يجهل أن النسيان لا يبطل الصوم.","vol":"11","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>حكم من جهل تحريم الجماع في نهار رمضان</span>\nإذا وطئ في نهار رمضان وقال: جهلت تحريمه، ففي هذه الحالة: نفرق بين إنسان في بلاد المسلمين وفي غير بلاد المسلمين، ففي غير بلاد المسلمين قد يسمع عن الصيام بأنه الامتناع عن الأكل والشرب، ولم يسمع عن الجماع وحكمه في نهار رمضان، فأمسك عن الطعام والشراب وجامع في نهار رمضان، فالراجح أن هذا الإنسان ليس عليه شيء لجهله، ولكن الأحوط أن يقضي يومًا مكان هذا اليوم، أما الكفارة فليس عليه شيء، أما في بلاد المسلمين فلا عذر بالجهل بذلك؛ لأنه معلوم واضح.","vol":"11","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>ترتيب الكفارة وكيفيتها</span>\nالكفارة على الترتيب، إما أن يعتق رقبة إذا وجدها وقدر عليها، فإذا لم يقدر على ذلك أو لم يجدها، فيصوم شهرين متتابعين، بحيث لا يفصل بينهما ولو بيوم، فإن فصل بينهما استأنف من جديد إلى أن يكمل الشهرين، فإذا بدأ من نصف الشهر فيكمل ستين يومًا، وإذا بدأ من أول شهر عربي فيكمل شهرين عربيين، سواء كان أحد الشهرين تسعة وعشرين يومًا والثاني ثلاثين يومًا أو كان كلاهما ثلاثين يومًا.\nفإذا لم يقدر على العتق ولا على الصيام، فيطعم ستين مسكينًا، والراجح أن الإطعام يكون وجبة لكل مسكين، فيعطي كل مسكين مدًا، والمد يقدر بربع صاع إذا كان من تمر، ففي التمر يكون الصاع كيلو وربع الكيلو، إذًا فالمد من التمر سيكون أربعمائة جرام تقريبًا، فإذا كان من القمح أو من الأرز ونحو ذلك سيكون أكثر من نصف كيلو بقليل، فإذا أعطى كل مسكين نصف كيلو من الأرز أو من القمح أو نحو ذلك، فالراجح أنه يجزئ عنه ذلك، وإن كان الأفضل أنه يعطي للمساكين من جنس الذي يأكل.","vol":"11","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>حكم من جامع وهو صائم قضاءً عن رمضان</span>\nلو أن إنسانًا كان يصوم عن رمضان في أي شهر من الشهور، فأفطر بجماع، فهذا يأثم؛ لأنه انتهك حرمة صوم الواجب، والواجب عليه في مثل هذه الحالة قضاء الأصل؛ لأن صيام هذا اليوم قد فسد بالجماع، ولا يلزمه الكفارة؛ لأنها لحرمة رمضان.","vol":"11","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>حكم النوم والإغماء والجنون في نهار رمضان</span>\nلو أن إنسانًا نام في نهار رمضان أو أغمي عليه أو جن، نقول: لو نام جميع النهار وكان قد نوى من الليل أنه سيصوم غدًا، فالراجح أن هذا صومه صحيح؛ لأن النائم يستشعر الجوع والعطش ويستشعر من حوله، ولو أيقظته استيقظ، فهو يختلف عن المغمى عليه، ومن باب أولى إذا نام بعض النهار، فإنه لا شيء عليه.\nفقد أجمع العلماء على أنه لو استيقظ لحظة من النهار -مهما كانت قليلة ولو دقيقة واحدة- ونام بقية يومه صح صومه، وأما إذا نام جميع النهار فهنا المسألة فيها خلاف باعتبار أنه لم يستيقظ وأن حكمه حكم المغمى عليه، ولكن الراجح -كما قلنا- إن هناك فرقًا بين المغمى عليه وبين النائم، فالمغمى عليه لا يشعر مهما عملت معه ومهما حاولت أن تصحيه إلا أن يشاء الله سبحانه ﵎؛ لأنه فاقد العقل، أما الإنسان النائم فعقله موجود وإنما ذهبت بعض أحاسيسه فقط.\nفالمغمى عليه لو نوى الصيام من الليل ثم أغمي عليه جميع النهار، لم يصح منه صوم؛ لأنه لم يوجد منه إلا النية فقط، أما الشعور فلا يوجد؛ لأنه ذاهب العقل بسبب هذا الإغماء، فيقضي يومًا مكان هذا اليوم الذي أغمي عليه فيه.\nولو أن إنسانًا تصيبه نوبات من الجنون في النهار كالصرع ونحو ذلك، فالراجح أنه لو كان جزءًا من النهار فلا شيء عليه طالما أنه نوى بالليل الصيام وبعض النهار كان صائمًا ممسكًا، وإنما عرض له الجنون في جزء من النهار، وكذلك الحكم بالنسبة للإغماء في جزء من النهار.\nأما من جن وذهب عقله النهار كله، فهذا ذاهب العقل غير مكلف، فلا يلزمه القضاء ولا يجب عليه، فنفرق بين هؤلاء الثلاثة: النائم اليوم كله، والمغمى عليه اليوم كله، والمجنون اليوم كله.\nفالنائم اليوم كله: صومه صحيح طالما نوى الصيام من الليل.\nوالمغمى عليه اليوم كله: صومه باطل، ويلزمه القضاء؛ لأن حكمه حكم المريض.\nوالمجنون اليوم كله: يعتبر فاقد أهلية التكليف؛ لعدم وجود العقل، فلا يخاطب وهو في حالة جنون، ولا يلزم بالقضاء، بخلاف ما إذا ذهب عقله في بعض اليوم فإن صومه في باقي اليوم صحيح.","vol":"11","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>حكم المرأة إذا حاضت أو نفست في أثناء الصيام</span>\nلو حاضت الصائمة في أثناء النهار أو نفست بطل صومها، ولو ولدت ولم تر دمًا، وهذا نادر جدًا، فصومها صحيح، فعليها أن تبقى صائمة ولا شيء عليها.","vol":"11","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>حكم صيام من ارتد وهو صائم ثم تاب</span>\nلو أن إنسانًا صائمًا ارتد، فقد أبطل عمله، فلذلك يبطل صومه وعليه القضاء إذا تاب وعاد إلى الإسلام، فإذا كان الطعام أو الشراب في نهار رمضان معصية يبطل بها الصوم، فكيف بالكفر بالله ﷿؟! نسأل الله العافية والسلامة.","vol":"11","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>حكم من ذهب عقله بفعل نفسه في نهار رمضان</span>\nلو نوى الصوم من الليل ثم شرب دواءً فزال عقله نهارًا بسبب هذا الدواء، فهذا حكمه حكم المغمى عليه فيلزمه القضاء إذا ذهب عقله جميع النهار، أما إذا زال عقله بعض النهار فإنه يكمل صومه ولا قضاء عليه.\nولو أن إنسانًا شرب مسكرًا بالليل وبقي سكره إلى النهار، فهذا لا يصح منه صيام ويلزمه التوبة إلى الله ﷿ والقضاء.","vol":"11","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>جواز غطس الصائم في الماء</span>\nيجوز للصائم أن ينزل إلى الماء يغطس فيه إذا احتاج إلى ذلك؛ لأن ذلك قد ورد عن النبي ﷺ، كما روى أبو بكر بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: رأيت رسول الله ﷺ أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر وقال: (تقووا لعدوكم)، وصام رسول الله ﷺ، فقال الذي حدثني: لقد رأيت رسول الله ﷺ بالعرج -مكان قرب مكة- يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحر، فهذا يدل على أن الصائم له أن يغسل رأسه للتبرد أو لتقليل شدة العطش، وله كذلك أن ينزل في الماء ويغطس فيه، فلو أنه نزل في ماء ودخل بعض الماء -رغمًا عنه- إلى أنفه أو إلى فمه، فالراجح أنه يلزمه إخراج هذا الماء، فإن لم يقدر فصومه صحيح؛ لأنه أكره على ذلك أو دخل وهو مخطئ غير متعمد، والله أعلم.\nنكتفي بهذا القدر، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"11","page":16},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-137> الوصال في الصيام</span>\nلقد نهى النبي ﷺ أصحابه عن الوصال في الصوم؛ إبقاء عليهم، ورحمة بهم، ورخص لهم في ذلك إلى السحر، وقد كان ﷺ يواصل اليومين والثلاثة، فقد أعطاه الله قوة الطاعم والشارب.\nوقد جاءت الأحاديث الدالة على استحباب تعجيل الفطور وتأخير السحور، وذلك دليل على خيرية هذه الأمة، وظهورها على أعدائها.","vol":"12","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>حكم الوصال في الصوم</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nجاء في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الوصال، فقالوا: إنك تواصل، فقال ﷺ: إني لست مثلكم؟! إني أطعم وأسقى) وفي رواية قال ﷺ: (وأيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني) وهذا عن أبي هريرة ﵁.\nومعنى الوصال: أنه يظل صائمًا يومًا مع الليل لا يفطر ويجمع إليه اليوم التالي، وهذا الفعل فعله النبي ﷺ، ونهى أصحابه أن يفعلوا ذلك؛ إبقاء عليهم وشفقة عليهم، ورحمة بهم، فهو بالمؤمنين رءوف رحيم صلوات الله وسلامه عليه، والصحابة كانوا يحبون النبي ﷺ ويحبون ما يفعله، فيريدون أن يقتدوا به في كل شيء، فبين لهم وقال: (إني لست مثلكم) فالنبي ﷺ مخصوص بهذا الشيء، فإنه عند ربه يطعمه ويسقيه، فالله ﷿ يجعل له طعامًا وشرابًا محسوسًا، وفي رواية ابن عمر قال: (إني أطعم وأسقى) وقال ﷺ في رواية أبي هريرة في الصحيحين أيضًا: (إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني)، فالله ﷿ أعطاه قوة الإنسان الطاعم الساقي، فبعض العلماء قال: إن الله يطعمه ويسقيه حقيقة.\nفقوله ﷺ: (إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني) يعني: أن الله ﷿ يعطيه قوة الطاعم الشارب صلوات الله وسلامه عليه، ويعينه على ذلك ﵊، فهو يصوم ويجمع أيامًا وليالي من غير أن يفطر، فالصحابة أحبوا أنهم يقلدون النبي ﷺ، فجاء في صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال: (فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يومًا ثم يومًا، ثم رأوا الهلال) يعني: كان ذلك في آخر شهر رمضان.\nفأصحاب النبي ﷺ لما وصلوا إلى آخر الشهر، وجدوا النبي ﷺ يواصل الصيام، فإذا بهم يريدون أن يواصلوا في آخر الشهر معه ﷺ، ومن رحمة رب العالمين لهذه الأمة أن النبي ﷺ نهاهم عن الوصال، ولكن الظاهر أن النهي منه ﷺ لم يكن للتحريم؛ لأنه لو كان على التحريم لفهموا ذلك، ولما صام الصحابة مع النبي ﷺ ليله مع نهاره، ولكن كأنهم فهموا أنه نهاهم ﷺ ولم يعزم عليهم، فأرادوا أن يواصلوا، فصام النبي ﷺ يومًا فصاموا معه، فواصل بهم اليوم الذي يليه فرأوا الهلال، فقال لهم النبي ﷺ: (لو تأخر الهلال لزدتكم، كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا)، ولو كان ذلك معصية لقال لهم: إن هذه معصية، فيسلمون لذلك، ولكن لم يفعل ﷺ وإنما واصل بهم يومًا ويومًا ويومًا فظهر الهلال رحمة من رب العالمين، فكان العيد فأفطروا رضوان الله تعالى عليهم.\nفهذا الحديث فيه أن النبي ﷺ لم يحرم ذلك عليهم، وإنما رحمهم وأشفق عليهم ﷺ بذلك، فأمرهم أن يصوموا ويفطروا كما أمر الله، وهذه الزيادة له ﷺ، زيادة قربى إلى الله ﷿.\nوهنا في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة بهم، فقالوا: إنك تواصل؟ قال: إني لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني).\nوفي الصحيحين عن أنس قال: (واصل رسول الله ﷺ في أول شهر رمضان فواصل ناس من المسلمين، فبلغه ذلك فقال لهم: لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالًا يدع المتعمقون تعمقهم) يعني: لو زاد الشهر لكنا واصلنا وصالًا حتى يدع المتعمقون تعمقهم، ثم قال: (إنكم لستم مثلي أو فإني لست مثلكم إني أظل يطعمني ربي ويسقيني)، ففيه الذي ذكرناه.\nإذًا: الوصال المنهي عنه: هو أن تواصل يومًا وليلة وتصبح صائمًا، لكن الوصال الجائز: هو أنك تؤخر الإفطار إلى السحور، فذلك لك، وإن كان الأفضل أنك تفطر وقت الإفطار بعد غروب الشمس، لما سيأتي من حديث عنه ﷺ.\nوفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: (لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر، فقالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؟ قال: إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي طاعم يطعمني وساق يسقيني) يعني: الله ﷿ يجعل له قوة الطاعم الشارب، أو يجعل له من يطعمه، وهذا شيء معنوي له صلوات الله وسلامه عليه، وفي الحديث الآخر: (إني أظل) يعني: لو كان يطعم حقيقة من عند الله، لأفطر في نهار رمضان ﷺ، ولكن جعل الله له قوة الطاعم الشارب ﵊.","vol":"12","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>حكم السحور وبيان وقته وفضله</span>\nالسحور سنة، جاء في الصحيحين عن أنس قال النبي ﷺ: (تسحروا؛ فإن في السحور بركة) والسحور: هو طعام السحور، وفي رواية لـ أحمد عن أبي سعيد: (السحور أكله بركة، فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء؛ فإن الله ﷿ وملائكته يصلون على المتسحرين)، لذلك جاز لك إذا أردت الوصال ألا تفطر، لكن تأكل عند السحر، فلا تضيع هذه الفضيلة، وهي أن الله يصلي ويسلم على المتسحرين.\nوفي سنن أبي داود عن العرباض بن سارية قال: (دعاني رسول الله ﷺ إلى السحور في رمضان، فقال: هلم إلى الغداء المبارك)، وهنا واضح من قوله: (هلم إلى الغداء) أنه قرب الصلاة، فكان سحور النبي ﷺ قرب الفجر، ولذلك كان يتسحر ويخرج إلى صلاة الفجر صلوات الله وسلامه عليه.\nكذلك حث عليه كما في صحيح مسلم عن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر).\nأما وقت السحور فقد ورد في الصحيحين عن أنس (أنهم تسحروا عند النبي ﷺ ثم قاموا إلى الصلاة، قال: انظر كم بينهما؟ قال: قدر قراءة خمسين أو ستين آية) إذًا: يستحب أن يكون السحور في آخر الليل.","vol":"12","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>مشروعية اتخاذ مؤذنين لصلاة الفجر في رمضان</span>\nجاء في الصحيحين: (أن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) يعني: أن بلالًا كان يؤذن الأذان الأول، وكان يقول فيه: الصلاة خير من النوم، وهو الذي كان يقيم الصلاة للنبي ﷺ، فـ بلال كان يؤذن بليل، فلكم أن تأكلوا وتشربوا، أما ابن أم مكتوم فكان إذا أذن امتنعوا عن الأكل والشرب.\nنقول لو أنك سمعت الأذان الأول أو سمعت الأذان الثاني وشككت هل المؤذن أذن قبل الوقت؟ فلك أن تشرب، لكن لو عرفت أن الفجر قد طلع فليس لك أن تأكل ولا أن تشرب.\nثم قال: (ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا) لم يكن الأذان من فوق المسجد، إنما كان من فوق بيت قريب من المسجد، وهذا البيت هو لامرأة من الأنصار، وكان بلال يصعد فوق هذا البيت ويؤذن، فإذا نزل بلال من فوق البيت صعد ابن أم مكتوم وأذن الأذان الثاني، وذهاب ابن أم مكتوم وصعوده على البيت يكون في حوالى ربع ساعة أو ثلث ساعة أو عشر دقائق، ولكن هذا قد يرجع في البلاد إلى حاجة الناس؛ لأن النبي ﷺ لم يحدد الوقت بينهما، وإنما يكون بحسب مصلحة الناس، ففي بعض البلاد مثل: السعودية الفرق بين الأذان الأول والثاني ساعة تقريبًا، حتى يتجهز الناس لذلك لكن في بعض المساجد يكون الفرق بين الأذانين قدر ربع ساعة أو ثلث ساعة، وهذا بحسب حاجة الناس، فلا يقال: إن الساعة هي السنة؛ لأن الذي جاء في هذا الحديث أن الزمن ما بين الأذانين قليل، وهو أن ينزل هذا ويصعد هذا، فالسنة أن الوقت قليل.","vol":"12","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>الحكمة من الأذان الأول والأذان الثاني</span>\nحكمة الأذان الأول أنه كانت عادة أصحاب النبي ﷺ الاقتداء بالنبي ﷺ في الصلاة، فكانوا يقومون فيصلون من الليل، إما في نصف الليل وإما في الثلث الأخير، وإذا صلى في أول الليل نام في آخر الليل، فقال لهم النبي ﷺ: (إن بلالًا يؤذن بليل؛ ليرجع قائمكم ويوتر نائمكم) يعني: حتى يستيقظ النائم ليصلي صلاة الفجر في وقتها، والأذان الثاني هو الأذان لصلاة الفجر، وبعد الأذان الثاني لا يجوز أن تصلي أكثر من ركعتين؛ لأن النبي ﷺ نهى أن تصلي بعد أذان الفجر إلا ركعتي السنة فقط.\nوبعض الناس لعله يأتي إلى المسجد بعد الأذان الثاني فيصلي ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين، ويطيل فيها، مع أن سنة النبي ﷺ صلاة ركعتين فقط بعد أذان الفجر الثاني.\nأما الأذان الأول فله أن يصلي بعده ما شاء أو يجلس يدعو الله ﷿، لكن الأذان الثاني لا يصلي إلا ركعتين، وكان النبي ﷺ لا يطيل فيهما، وإنما كان يقرأ الفاتحة و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، والفاتحة و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١].","vol":"12","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>استحباب تعجيل الفطر</span>\nيستحب تعجيل الإفطار، قال النبي ﷺ في الحديث: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) فدليل خيرية هذه الأمة أنهم يعجلون الفطر، ورمضان شهر أحبه الله ﷾، فله أول وله آخر، فقبله يوم الشك وهو منهي عن صيامه، وبعده يوم العيد وهو منهي عن صيامه، ويوم رمضان بعده الليل فنهى عن مواصلة الصيام، وجاء في الحديث (للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه)، والله يعجبه من عبده أن يفرح وقت فطره، فأنت صمت عما منعك الله ﷿ عليه، وأفطرت على ما أحل الله ﷿ لك عند وقت الإفطار، فقال ﷺ: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر).\nوجاء في صحيح مسلم من حديث أبي عطية قال: (دخلت أنا ومسروق على عائشة فقلنا: يا أم المؤمنين رجلان من أصحاب محمد ﷺ: أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة، والآخر يؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة، قالت: أيهما الذي يعجل الإفطار ويعجل الصلاة؟ قال: قلنا: عبد الله -يعني: ابن مسعود - قالت: كذلك كان يصنع رسول الله ﷺ) يعني: النبي ﷺ كان يعجل الإفطار، وأحيانًا كان يواصل الصيام صلوات الله وسلامه عليه.\nوفي سنن النسائي هذا الحديث وفيه: فقال: (رجلان من أصحاب النبي ﷺ: أحدهما يعجل الإفطار ويؤخر السحور، والآخر يؤخر الإفطار ويعجل السحور، فقالت: أيهما الذي يعجل الإفطار ويؤخر السحور؟ قال: قلت: عبد الله بن مسعود ﵁، قالت: هكذا كان رسول الله ﷺ يصنع) يعني: من سنن النبي ﷺ تعجيل الإفطار وتأخير السحور، يعجل الإفطار حتى يتفرغ بعد ذلك لصلاة العشاء والعشاء وقيام الليل، ويؤخر السحور ﵊ ليكون في النهار على الصيام وعلى العمل وعلى الدعوة إلى الله ﷿.\nأيضًا يحث المؤمنين على تعجيل الإفطار بقوله: (لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر؛ فإن اليهود والنصارى يؤخرون).","vol":"12","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>استحباب الإفطار على رطب أو تمر</span>\nإذا أفطرت فالمستحب أن تفطر على رطبات البلح الرطب، وفي حديث أنس (كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات، فإن لم تكن حسا حسوات من ماء) يعني: أن النبي ﷺ عند غروب الشمس كان يفطر على رطبات، وهو البلح الأسود، فإذا كان البلح أو الرطب موجودًا أفطر عليه، فإذا لم يوجد فعلى تمرات، فإذا لم تكن حسا حسوات من ماء، والتمر أو الرطب فيه سعرات حرارية عالية، والصائم عند غروب الشمس تكون كمية السكر في مخه قليلة، والمخ يحتاج إلى سكر حتى يشتغل، فالنبي ﷺ كان يفطر على رطبات، وفيها أعلى السعرات الحرارية، أو تمرات، فإذا لم يكن هذا أو ذاك أفطر على ماء.","vol":"12","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>استحباب الإكثار من الدعاء للصائم والذكر عند الإفطار</span>\nكان ﷺ إذا أفطر قال: (ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله) فيستحب للصائم بعدما يفطر أن يقول ذلك؛ لأن الله هو الذي أذهب عنه الظمأ، وبل له عروقه، وأعطاه الأجر إن شاء الله سبحانه.\nكذلك يستحب للصائم الإكثار من الدعاء؛ لأن الصائم دعوته مستجابة، فأكثروا من الدعاء، سواء بطلب حاجة، أو أنك تدعو بخيري الدنيا والآخرة، أكثر من الدعاء في وقت الرخاء حتى يستجاب لك في وقت البلاء، قال النبي ﷺ: (ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصائم، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر) فيستحب للصائم أن يكثر من الدعاء، لعل الله ﷿ يستجيب له، ومن أفضل ما يقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].","vol":"12","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>استحباب إطعام الصائم</span>\nيستحب للمسلم أن يدعو أخاه المسلم ليفطر عنده؛ فقد قال النبي ﷺ: (من فطر صائمًا كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء)، فالصائم أجره كامل ومضاعف عند الله ﷿ لمن يشاء، والذي أطعم هذا الصائم يؤجر مثل هذا الذي كان صائمًا، لذلك يستحب للإنسان أنه يعطي الصائمين طعامًا ليفطروا عليه، ويعطي للفقراء والمساكين، وأن يطعم إخوانه وأقرباءه، وأن يطعم من يحتاج إلى الطعام، فيؤجر على ذلك هذا الأجر، قال النبي ﷺ في الحديث الآخر: (اعبدوا الرحمن، وأطعموا الطعام، وأفشوا السلام، تدخلوا الجنة بسلام)، فحض على إطعام الطعام.\nإذًا: على المؤمن في رمضان وفي غير رمضان أن يعود نفسه على أن يعطي المحتاجين، فإذا فطر صائمًا أعطاه طعام الإفطار، أو دعاه ليأكل عنده، فهذا فيه أجر عظيم، فإن لك صومك ولك مثل أجر صوم من أطعمته.\nنسأل الله ﷿ أن يعيننا على الإنفاق في سبيله، وعلى ذكره وشكره وحسن عبادته.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.","vol":"12","page":9},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-146> قضاء رمضان وحكم من مات وعليه صوم</span>\nإن دين الإسلام دين يسر وليس عسرًا، ولذلك إذا كان الرجل معذورًا بسفر أو مرض ونحوه وكذلك المرأة فليس عليه صيام شهر رمضان، ولكن يقضي الأيام التي أفطر فيها قبل دخول رمضان الثاني، ويستحب في رمضان الإكثار من قراءة القرآن وقيام الليل كما كان النبي ﷺ يعبد ربه في هذا الشهر الكريم.","vol":"13","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>أحكام قضاء من أفطر أيامًا من رمضان</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nإذا أفطر المسلم في رمضان بعذر كسفر أو مرض، أو المرأة بعذر الحيض أو النفاس، فالواجب عليهم أن يأخذوا عدة من أيام أخر بعد شهر رمضان، ولا يشترط أن تكون هذه الأيام متواصلة أو متتابعة، وإنما يجوز أن يقضي الأيام متتابعة، ويجوز أن يفرقها بحسب ما يستطيع، فإذا كان هذا الذي أفطر في نهار رمضان بعذر من الأعذار، كالإنسان المريض واستمر مرضه بعد رمضان، فعلى ذلك عليه القضاء حين يشفيه الله ﷾، فإذا شفاه وجب عليه القضاء، فإذا استمر مرضه هذا حتى يموت فلا شيء عليه؛ لأنه لم يتمكن من أداء هذا الصوم، فليس عليه شيء ولا على أوليائه، فأولياؤه لا يطعمون عنه ولا يلزمهم ذلك، وإذا أطعموا فهذا خير لكن لا يجب عليهم، فلا يجب على المريض القضاء لأن العذر استمر به حتى لقي الله ﷾، ولكن إذا كان بعد رمضان قد شفاه الله ﷾ وبعد ما شفاه الله كسل وترك ولم يقض، وبقيت فترة يستطيع فيها القضاء ولم يفعل، فهنا على أوليائه أن يخرجوا عنه عن كل يوم إطعام مسكين، يعني: كل يوم من ماله الذي تركه، أو لهم الخيار بأن يصوموا عنه عن كل يوم يومًا، فإما أنه يلزمه القضاء فلا يقضي وقد ذهب عليه ما كان عليه من مرض ثم بعد ذلك مات فإنه يلزم أولياءه أن يخرجوا عنه من ماله الدين الذي عليه وهو إطعام مسكين عن كل يوم، ولهم أيضًا أن يصوموا عنه كما سيأتي، عن كل يوم يصومون يومًا سواء صام عنه واحد أو مجموعة قسموا على أنفسهم الأيام التي كانت عليه، ولو أن هذا الإنسان المريض في رمضان صحا بعد رمضان ولم يقض حتى دخل عليه رمضان الذي يليه وهو لم يقض رمضان الماضي، فالأيام التي كان مريضًا وأفطرها بعذر يلزمه قضاؤها وهي معلقة بعنقه، ولكن هل يلزمه مع هذا القضاء أنه يطعم مسكينًا باعتبار أنه دخل عليه رمضان آخر، فقصر في خلال العام مع قدرته، ذهب الشافعي وأحمد إلى أنه يلزمه أن يطعم عن كل يوم مسكينًا مع القضاء، أي: يقضي ويطعم مع كل يوم مسكينًا، لكن الراجح: أنه يلزمه أن يتوب إلى الله ﷿ ويقضي عن اليوم يومه، فإذا أطعم كان حسنًا أن جمع بين الإطعام والصيام، لكن لا يلزمه وجوبًا، وهذا هو الراجح لعدم الدليل على ذلك، وقلنا: لا يجب أن يكون فورًا ولا متتابعًا هذا الراجح.","vol":"13","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>اختلاف العلماء في جواز صيام النافلة قبل القضاء</span>\nعن عائشة ﵂ قالت: (كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان) هذا في الصحيحين، تذكر السيدة عائشة ﵂ أنه كان يكون عليها القضاء من أيام من رمضان، فلا تقدر على القضاء حتى شعبان، فيمر عليها إحدى عشر شهرًا حتى تقضي هذه الأيام، لكن خلال الإحدى عشر شهرًا هل صامت تطوعًا، كصيام يوم عرفة وفيه ما فيه من الثواب العظيم، وصيام يوم عاشوراء وفيه ما فيه من الثواب العظيم؟ الراجح: أنها صامت التطوع ولكن هي تتكلم هنا عن قضاء رمضان، وهذه مسألة مختلف فيها بين العلماء.\nهل الذي عليه أيام رمضان يجب عليه أن يبدأ بها بحيث لا يصح منه نافلة حتى يأتي بالفريضة، هذا قاله بعض أهل العلم، وهذا فيه نظر، أي: لو كان الأمر على ذلك لما كانت السيدة عائشة ﵂ تؤخر صوم رمضان إلى شعبان من العام الآتي، فصوم رمضان واجب وهي تذكر أن هذا بسبب انشغالها برسول الله ﷺ، والنبي ﷺ كان يدور على نسائه بالنهار وعلى جميع بيوته، وبالليل يبيت مع واحدة من نسائه صلوات الله وسلامه عليه، فالسيدة عائشة كانت تنتظر لعله يأتيها النبي ﷺ ولعله يطلبها، ولعله يريد حاجة الرجل من المرأة التي يدخل عليها، فلعله يأتيها بالنهار فيريد حاجته منها فهل تقول له: أنا صائمة صوم فريضة فلا يقدر أن يبطل عليها هذا الصوم، لكن صوم النافلة هو أمير نفسه كالذي يتصدق تطوعًا إن شاء أكمل صومه، وإن شاء أفطره، فإذا دخل عليها النبي ﷺ بالنهار ولعله يسألها: هل من طعام؟ فتقول له: نعم، فتقدم له الطعام فيقول لها: تعالي كلي معي، فتقول: لا، أنا صائمة، فلعله يضايقه ذلك ﷺ إذا كان فريضة، أما إذا كان تطوعًا فمن الممكن أنها تفطر وتأكل مع النبي ﷺ؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك.\nوشهر شعبان كان النبي ﷺ يكثر الصيام فيه تطوعًا صلوات الله وسلامه عليه، فلذلك السيدة عائشة ﵂ كانت تستغل هذه الفرصة، فإن الرسول ﷺ في شهر شعبان كان يصوم أكثره أو كله، فتقضي الأيام التي كانت عليها في دورة أيام الحيض الواجب على ذلك، أما القضاء على الفور فهذا غير واجب، ولكن الواجب أن يقضيه في خلال العام قبل رمضان الذي يأتيه، وتتابع الصوم أيضًا لا يجب أن يكون متتابعًا، فله أن يصوم يومًا ويفطر يومًا، ويصوم يومين ويفطر أسبوعًا بحسب ما تيسر له حتى يقضي ما عليه من الصيام.","vol":"13","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>حكم من مات وعليه قضاء من رمضان</span>\nمن مات وعليه قضاء رمضان أو بعض رمضان، ذكرنا أنه إما أن يكون متمكنًا من الصوم فلم يصم، فهذا يلزم أولياؤه أن يخرجوا عنه إطعامًا من ماله إذا ترك مالًا، فإن هذا دين عليه لله ﷿، فإن لم يترك مالًا فالورثة إما أن يخرجوا من عند أنفسهم اختيارًا وليس وجوبًا أو أنهم يصومون عنه أيضًا اختيارًا واستحبابًا وليس وجوبًا، قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] ولا يجني إنسان إلا على نفسه، لا يجني على ولده ولا على والده، بل هو الذي جنى على نفسه حين ترك الصوم وهو قادر عليه بعد رمضان فلم يفعل ذلك، فعلى ذلك الأولياء لهم الخيار إما أن يصوموا عنه هذه الأيام، وإما أن يطعموا عنه عن كل يوم مسكينًا.\nوالدليل على ذلك: ما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) ولم يقل: فليصم عنه بحيث يكون الأمر وجوبًا، ولكن قال: صام، فله الخيار إن شاء صام عنه، وإن شاء لم يصم، فهذه عبادة، ورخص النبي ﷺ في مثل ذلك، ولا يجوز للذي يصوم عن المتوفى أن يصلي عنه أيضًا، بل لا أحد يصلي عنه؛ لأن الأصل في العبادة ألا يفعلها أحد عن أحد إلا لدليل، فثبت في الصدقة وثبت في الصوم وثبت في الحج وفي العمرة، فهذه الأشياء يجوز أن يفعلها إنسان عن الآخر بعد وفاته.\nأيضًا جاء في الحديث: أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ أمه ماتت وعليها صيام شهر، ولعله شهر رمضان ولعلها نذرت، ولكن هنا في الحديث أن الرجل أخبر النبي ﷺ أن عليها صوم شهر، وفي رواية أخرى قال: وعليها صوم نذر، ففي الرواية الأولى: قال: عليها صوم شهر أفأقضيه؟ فقال النبي ﷺ: (لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها) وهذا من أدلة القياس، وهو قياس علمهم النبي ﷺ أن هذا مثله، فهل هي حين ماتت وعليها دين تقضي عنها هذا الدين؟ قال: (نعم، قال: فدين الله أحق)، وبذلك عرفنا أن الصوم دين لله ﷾، فإذا مات الإنسان وعليه دين يحاسبه الله ﷿ ويحبسه عن الجنة بسبب هذا الدين، فأولياء هذا المتوفى طالما أنهم يقضون عنه ديون الآدميين، فدين الله أحق، فقال النبي ﷺ: (فدين الله ﷿ أحق) وقال لامرأة سألته: (نعم، فصومي عن أمك).\nولو فرضنا أن هذا المتوفى عليه صيام شهر رمضان؛ لأنه كان مسافرًا مثلًا، ورجع فأقام ولم يقضه أو كان مريضًا وشفاه الله ﷿ ولم يقضه، وبعد ذلك توفي وفي عنقه هذا الصوم، فلأوليائه الخيار إما أن يصوموا عنه، أو لا يصومون، وأولياؤه هم أقرباؤه سواء القريب الأدنى أو القريب الأبعد، ويستوي فيه الابن والأخ والأب وابن العم وابن الخال وابن الخالة وأيضًا الغريب لو أراد ذلك، لذا من الممكن أنه لو كان عليه صوم شهر ثلاثين يومًا يقسم هذا الشهر عليهم، وكل واحد من أوليائه يصوم يومين أو ثلاثة أيام أو يومًا واحدًا، يقسم عليهم ذلك فيجزئ عنه؛ لأن النبي ﷺ لم يحدد، فهو القريب وهو الحميم وهو الإنسان الذي يتولى أمره والمسئول عنه بعد وفاته أو في حياته، فيصوم عنه أولياؤه لذلك.","vol":"13","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>حكم الشيخ الكبير العاجز عن الصوم والمرأة العجوز</span>\nهذا إنسان آخر في حياته وقلنا: إنه عاجز عن الصوم، ويلزمه الفدية، فالشيخ الكبير والمرأة العجوز لا يطيقان الصوم كما في حديث ابن عباس رواه أبو داود والبيهقي، وكذلك المرأة الحامل ويتكرر منها الحمل والرضاعة وهي ضعيفة لا تقدر على الصوم، قلنا: يلزمها أن تطعم، فهل من الممكن أن يقول إنسان: أنا أصوم عن زوجتي هذه الأيام؟ لا يمكن ذلك؛ لأنه لم يثبت أن إنسانًا يصوم عن إنسان حي، إنما المتوفى الذي عليه الصوم، فهو دين لله ﷿، لأن الحي له البدل، البدل من ذلك أن يطعم عن كل يوم مسكينًا ثم رحمة رب العالمين سبحانه إذا لم يقدر على الصوم ولا على الإطعام، فليس عليه شيء، فلو أن إنسانًا كان عليه صوم رمضان، وكان كبيرًا في السن ولا يطيق الصوم، وهو فقير ليس معه مال، ولا يرجى زوال هذه العلة التي فيه، ولا يرجى أن يكون معه مال، ولا أحد يعطيه شيئًا، فعلى ذلك لا شيء عليه، حتى لو مات فلا دين عليه؛ لأنه معذور، وهذا من رحمة رب العالمين بعباده ﷾.","vol":"13","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>ما يستحب في شهر رمضان</span>","vol":"13","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>ما يستحب في شهر رمضان</span>\nيستحب الجود والاجتهاد والإكثار من فعل الخير في شهر رمضان، فالصائم ينفق في رمضان، ويعتاد على الإنفاق في غير رمضان ويحب ذلك.\nلذلك جاء في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة)، فهذا الشهر الكريم كان ينزل فيه جبريل على النبي ﷺ في كل ليلة من السماء، وكان النبي ﷺ يحب أن يلقى جبريل، ومرة قال لجبريل ﵇: (لم لا تزورنا أكثر مما تزورنا؟) فجبريل ﵇ ملك من أعظم ملائكة الله ﷿ ومن أقربهم لربهم سبحانه، يقول له النبي ﷺ: (لم لا تزورنا أكثر مما تزورنا؟) لكن نزول جبريل هو أمر من رب العالمين قال: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤] ﷾، فنزول جبريل إلى النبي ﷺ هذا بأمر الله ﷿، وليس بهوى النبي ﷺ ولا بطلبه، إنما الله ﷿ بحكمته ينزله في الوقت الذي يريده، فكان جبريل ينزل على النبي ﷺ ويتدارس معه القرآن في رمضان، يقرأ جبريل ويقرأ النبي ﷺ وهو في غاية الفرح بتلاوته كتاب ربه على جبريل، وبتلاوة جبريل عليه صلوات الله وسلامه عليه، فكان ينفق أكثر مما ينفق طوال العام صلوات الله وسلامه عليه، فقد كان رسول الله ﷺ أجود الناس وأكرم خلق الله صلوات الله وسلامه عليه، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلذلك يستحب مدارسة القرآن في ليالي رمضان، والسهر في مدارسته حفظًا وتسميعًا وفهمًا لمعانيه وغير ذلك.\nقال: (وكان رسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة) فالريح حين تهب تهب على الناس جميعًا، فكان النبي ﷺ يعطي كل من سأله ومن لم يسأله صلوات الله وسلامه عليه فجوده عظيم وكرمه واسع صلوات الله وسلامه عليه.\nأيضًا في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله) هذه سنته ﷺ، ففي أول رمضان يقوم ويجتهد ﵊، فإذا جاء العشر الأواخر يوقظ أهل بيته الذين كانوا ينامون، يوقظهم لعبادة الله ﷾، فيتعاون الإنسان مع أهل بيته ومع إخوانه على طاعة الله ﷾ في هذه الأيام وفي هذه الليالي، قالت: (كان النبي ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره)، فالإنسان حين يقوم ليعمل عمله ويكون العمل عملًا مجهدًا تراه يربط على بطنه حزامه ليستعين بذلك على القيام بهذا العمل، فكان النبي ﷺ يشد مئزره، ويبتعد عن النساء؛ لأنه منشغل عنهن في هذه الأيام الأخيرة، شد مئزره فليس له في النساء حاجة الآن، ويجتهد بالعبادة ويقوم الليل أكثره أو كله صلوات الله وسلامه عليه.\nقالت: (وأحيا ليله وأيقظ أهله)، وفي رواية لـ مسلم: (كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره)، ويلاحظ الإنسان أن هذا شهر الإحسان، فالإنسان يثاب على إحسانه عظيم الثواب في هذا الشهر، فيستغل ذلك حتى لا يضيع الشهر، فيندم على ما فرط فيه.\nنسأل الله ﷿ أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"13","page":7},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-153> فضل قيام الليل</span>\nإن أعمال البر التي تدخل الإنسان الجنة وتباعده عن النار كثيرة، من هذه الأعمال قيام الليل، فقد حثَّ النبي ﷺ على قيام الليل، فهو مكفر للذنوب والسيئات ومنهاة للإثم، وقربة إلى الله ﷿، ونور للعبد يوم القيامة، وأكثر ما يستحب قيام الليل في رمضان.\nكذلك من أعمال البر استعمال اللسان في طاعة الله، وشغلها بذكره سبحانه.","vol":"14","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>الحث على قيام الليل وما جاء في فضله</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nتكلمنا عن أحكام الصيام وهذا شق مما يكون في رمضان؛ فرمضان صيام بالنهار وقيام بالليل، وقراءة للقرآن بالليل والنهار.\nروى الترمذي عن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ أنه قال (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم)، قوله: (عليكم بقيام الليل) أي: الزموا قيام الليل.\nوقوله: (فإنه دأب الصالحين قبلكم) أي: عادة وسنة الصالحين قبلكم.\nوقوله: (وهو قربة إلى ربكم) أي: أنكم تتقربون به إلى الله ﷿.\nوالإنسان يحب أن يرضى الله ﷾ عنه.\nفقيام الليل عادة الصالحين دائمًا، وكل الصالحين من عهد آدم -على نبينا وعليه الصلاة والسلام- عادتهم قيام الليل، وأن يصلوا لله ﷿ في الليل.\nقوله: (ومكفرة للسيئات) مكفرة مصدر كفَّر، يعني: يكفر الله ﷿ عنكم السيئات تكفيرًا عظيمًا، وكفر الشيء بمعنى ستره وغطاه، كأن الله ﷿ يمحو عنكم هذه السيئات، وذلك بأن غطاها وألغاها وسترها وجعلها هباءً.\nقوله: (ومنهاة عن الإثم) أي: ينهى نهيًا عن الإثم، ومنهاة: مصدر نهى.\nإذًا من فضل قيام الليل أنه تشبه بالصالحين، ومن تشبه بقوم فهو منهم، وهو تقرب إلى الله ﷿، وهو مكفر للسيئات، وهو سبب في البعد عن الآثام، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، أي: صلاة الفريضة الصحيحة الخالصة لله سبحانه، وزيادة على ذلك: قيام الليل فإنه ينهى عن الآثام.\nومن الأحاديث الصحيحة أيضًا ما رواه الترمذي عن عمرو بن عبسة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: (أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر)، فالله قريب من عباده سبحانه، وهو مستوٍ على عرشه يقرب من العبد كما يشاء ﷾، فالله يقرب عبده إليه، وهو قريب من عبده؛ يسمعه ويبصره ويعطيه ويرحمه ﷾، فأقرب ساعة إجابة يستجيب الله ﷿ فيها الدعاء يكون معه بعونه وبركته ورحمته ومعيته سبحانه، قريب منه وهو يصلي له في جوف الليل الآخر.\nجاء في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن) وذكر الله أعم من أن تقوم للصلاة، فلعلك تقدر على الصلاة، ولعلك تكون مريضًا في هذا الوقت ونائمًا على سريرك، ولك عادة أن تقوم الليل، فإذا بك وأنت على سريرك في هذه اللحظات تقوم من الليل ذاكرًا الله ﷿ بلسانك، فالحديث هنا لم يخصص الصلاة ولا غيرها ولكنه عامٌّ يشمل ذكر الله وغيره، فذكر الله يكون في الصلاة، كذلك يكون بالاستغفار والدعاء، فأنت في هذه اللحظات في الثلث الأخير من الليل أقرب ما تكون من ربك، وأقرب ما يكون الله ﷿ منك في هذا الوقت، فاحرص عليه.","vol":"14","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>الأسباب المعينة على قيام الليل</span>\nهناك أسباب تعين على قيام الليل، منها أن تنام مبكرًا، فلا تسهر في الليل، حتى يذهب نصف الليل، ونظم وقتك ولا تسهر بعد العشاء، ونم في رمضان بعد أن تصلي التراويح، فإن استطعت أنْ تقوم من آخر الليل ولو ساعة، أو نصف ساعة، أو أقل من ذلك أو أكثر فافعلْ.\nومن الأخذ بالأسباب: أنْ تتواصى أنت وأهل بيتك أن من استيقظ في الليل يوقظ صاحبه، فقد دعا النبي ﷺ للرجل والمرأة اللذيْنِ يفعلان ذلك، فقال: (رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى فأيقظ امرأته فصليا جميعًا، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء) فكل منهما يعين الآخر على أنه يقوم ويستيقظ؛ ليصلي لله ﷿ من الليل، فاستحق الاثنان أن يدعو لهما النبي ﷺ برحمة الله ﷾.","vol":"14","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>قيام النبي ﷺ في الليل</span>\nجاء في الصحيحين عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه) أي: حتى تتشقق قدماه ﷺ، وفي حديث آخر (حتى تتورم قدماه) واتفق الحديثان في المعنى، تشققت قدماه من طول القيام، وتورمت قدماه من طول القيام، ومعلوم أن الإنسان إذا وقف فترة طويلة فالدم ينزل من رجليه، وتنتفخان من طول قيامه، فكان النبي ﷺ يفعل ذلك ويستعذبه صلوات الله وسلامه عليه، فهو القائل ﷺ: (جعلت قرة عيني في الصلاة) قالت السيدة عائشة ﵂: (لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟) يعني: أنت لست محتاجًا إلى أن تقوم الليل، فربنا قد غفر لك الذي فات، والذي سيأتي كذلك مغفور، وحاشا له ﷺ أن يقع في الذنوب؛ لأن ربنا سبحانه عصمه صلوات الله وسلامه عليه، ومع ذلك فإنه يقوم لهدف آخر، حتى وإنْ غفر الله له ذنوبه فهو يشكر ربه على الذي أعطاه، فقد قال: (أفلا أكون عبدًا شكورًا) صلوات الله وسلامه عليه، هذا النبي ﷺ يستحي من ربه، إذا كان لم يغفر الله له ذنبه فسيقوم إلى أن يغفر له، وإذا غفر له ذنبه فسيقوم حتى يرضى الله ﷾ عنه، وحتى يوفي الحق بشكر الله على هذا الصنيع العظيم من ربه سبحانه.\nقالت: (فلما كثر لحمه صلى جالسًا) ليس معناه: أنه سمن ﵊، ولكن المعنى: أنَّه كَبُر في السن وصار عظمه لا يقدر على أن يحمل جسمه، فهذا معنى قول السيدة عائشة ﵂: (فلما كثر لحمه) فالنبي ﷺ لم يكن سمينًا، بل كان يذم السمن ﵊، إنما المعنى أنه ثقل جسده ﷺ على عظمه، فلا يستطيع عظمه أن يحمل جسده في هذا القيام الطويل الذي كان يقومه، فقد كان يقوم الليل أحيانًا بالسبع الطوال: البقرة وآل عمران والنساء والأعراف والأنعام والأنفال وبراءة، فقد كان يقوم النبي ﷺ ليلهُ لله ﷿ بهذه السور جميعها، قالت: (فلما كثر لحمه صلى جالسًا ﵊، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع) أي: كان يستمر ليلًا طويلًا قائمًا، ثم يجلس ويصلي صلاة طويلة وهو جالس، فإذا بقي له أربعون أو ثلاثون آية، قام فقرأها وهو قائم، ونحن نقرأ في الصلاة ثلاثين آية أو أربعين آية ثم نتعب، والنبي ﷺ كان يصلي السبع الطوال يعني: كان يقرأ، ألف آية، ونحن إذا أردنا أن نصلي بألف آية نبدأ من (تبارك) إلى آخر المصحف؛ لأنَّ ذلك أسهل، وأما النبي ﷺ فقد كان يأخذ من أول القرآن إلى أن يصل إلى براءة والأنفال صلوات الله وسلامه عليه، فيقرأ قراءة متأنية ومرتَّلة، ويستمتع بها، ويتقرب بها إلى الله ﷿، وإذا مر بآية رحمة وقف وسأل الله من رحمته، وإذا مر بآية عذاب وقف وتعوذ بالله من عذابه.","vol":"14","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>أعمالٌ تدخل الجنة وتباعد عن النار</span>\nجاء عن معاذ ﵁وهو حديث عظيم جميل طويل-: (أنه كان مع النبي ﷺ في سفر، قال معاذ: فأصبحت يومًا قريبًا منه ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار)، فهو لم يطلب شيئًا من الدنيا؛ لأن معاذ بن جبل عالم من العلماء ﵁ وأرضاه، وهو سابق العلماء إلى طريق الجنة ﵁، سيسبقهم برمية حجر، فإذا دخل العلماء الجنة يكون معاذ في المقدمة ﵁، وكان عمره في عهد النبي ﷺ إحدى وعشرين سنة، وجميعُ العلماء الشيوخ ومن دونهم يأتون كلهم وراءه ﵁.\nفقوله: (أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار)، أي: ما هو العمل الذي إذا عملته أدخلني الجنة، ونجاني من النار فقال ﷺ: (لقد سألتني عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، قال: تعبد الله ولا تشرك به شيئًا)، أي: تأتي بكلمة التوحيد وتأتي بحقها، فتقول: لا إله إلا الله بلسانك، ويصدق ذلك قلبك وعملك، إذا قلت: لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا الله، فلا أتوجه بعبادة إلا إلى الله وحده لا شريك له، ولن أتوسل إلى أحد بعمل سوى الله تعالى، ولن يكون دعائي إلا إلى الله ﷿، ولن تكون عبادتي متوجهة إلا إلى الله، ولن أرائي ولن أشرك بالله ولن أوجه عملي لغير الله سبحانه، فتعبد الله بشرعه وبدينه، متابعًا للنبي ﷺ ومقتديًا به، وتعمل صالحًا وتخلص لله سبحانه.\nثمَّ خصص ﷺ أشياء فقال: (وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت)، وهذه هي أركان الإسلام الخمسة، وكأنه قال: اعبد الله بما شرع وخاصة بأركان الإسلام.\nثم قال: (ألا أدلك على أبواب الخير -أي: بعد أن عرفت أركان الإسلام لا بد أن أدلك على أبواب الخير- قال: الصوم جنة -أي: وقاية- والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) فتصدق، فإذا كانت عليك خطيئة، وكأن الخطيئة توقد على صاحبها النار، وليست أي نار وإنما هي نار جهنم والعياذ بالله، فكأنه أطفأ هذه النار بماء الصدقة.\nثم قال: (وصلاة الرجل من جوف الليل، وتلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦ - ١٧]) فلا تعلم نفوس الناس مهما حاولت أن تعرف قدر صلاة الليل وقدر هذا الثواب، فهو أعظم من أن تتخيله، وما يخفيه الله سبحانه أعظم.\nثم قال: (ألا أخبرك برأس الأمر كله -أي: أعظم شيء في هذا الدين- وعموده وذروة سنامه، قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأس الأمر الإسلام)، فكل عبد في هذه الدنيا أعظم ما يتمسك به هو الإسلام، فهو رأس الأمر، (وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله) فكأنه يقول: أعظم ما يكون أنْ تتمسك بالإسلام شريعة وعملًا، وأن تأخذ بأعظم ما فيه وهو الصلاة، والجهاد في سبيل الله ﷿.\nثم قال: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله) أي: الذي يملك عليك هذا كله، فتستطيع أن تصلي صلاة صحيحة، وتجاهد جهادًا صحيحًا، وتفعل الخير بطريقة صحيحة، قال: (أمسك عليك هذا، قال: فأخذ بلسانه) كأن الإنسان إذا أراد أن يعمل طاعة ثم وقع في الإثم بسبب لسانه لا يستطيع أن يعمل تلك الطاعة، فلسان الإنسان قد يكون شؤمًا على صاحبه؛ لأنه يتكلم في الحرام، ويتكلم في الزور والكذب، فكلما وقع في آفة من آفات اللسان فإن شؤمها يكون عليه، فيريد أنْ يقوم الليل فلا يستطيع، وبذلك يكون لسانه قد أخره عن أن يقوم لله ﷿ في الصلاة، ويريد أن يجاهد في سبيل الله ولسانه يؤخره عن ذلك بما جره عليه من ويلات وما جره عليه من معاصٍ.\nإذًا: إذا أردت أن تصلي، وتجاهد جهادًا صحيحًا، وتصوم صيامًا صحيحًا وأنْ يتقبل الله منك أعمالك فلا تفسد ذلك بآفات لسانك.\nقال: (فقلت: يا نبي الله! إنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ -يعني: أي شيء نقوله ربنا سيكتبه علينا؟ - فقال النبي ﷺ: ثكلتك أمك يا معاذ) والأم الثكلى: هي الأم التي فقدت ولدها، فهي تنوح وتبكي عليه، كأنه يقول: فقدتك أمك، وهذه الكلمة لا يقصد معناها، وإنما تقال على سبيل الترحم أو التودع لعدم فهمه، أي: ألم تفهم الذي أقصده والذي أقوله من هذا الكلام؟ ألا تعقل ذلك؟ ثم قال: (وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) حصائد اللسان هي الآفات التي توقع الإنسان في النار والعياذ بالله، والنبي ﷺ ينصح أحد أصحابه ويقول: (أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك) فأمسك عليك لسانك حتى تنتفع بعباداتك لله ﷾.","vol":"14","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>معنى الحسد والغبطة والفرق بينهما وحكمهما</span>\nجاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا حسد إلا في اثنتين) فالحسد كله حرام، والذي ذكره النبي ﷺ مشاكلة لفظية فقط، ولم يقصد المعنى الحقيقي للحسد، إنما المعنى هنا: أن تغبط إنسانًا على ما آتاه الله، وفرق بين أن تغبط أحدًا وبين أن تحسده، فمعنى أن تحسده: أن تتمنى زوال نعمته، وهذا حرام لا يجوز، ولم يقصد النبي ﷺ ذلك أبدًا.\nومعنى الغبطة: أن تتمنى أن يكون لك مثل ما لأخيك من نعمة، فتقول: بارك الله لك في نعمتك وأسأل الله أنْ يرزقني مثل ما رزقك، فقد وصف النبي ﷺ الغبطة بهذا الوصف، فكونك تحسد إنسانًا على شيء لا يجوز لك، ولكن في أمرين اثنين يجوز لك أن تغبطه، وهما كما قال النبي ﷺ (رجل آتاه الله الكتاب فقام به آناء الليل) أي: رجل آتاه الله القرآن بأن حفظه وقام يصلي به في الليل، وليس شرطًا أن يكون حفظ القرآن كله؛ لأن الدرجات يوم القيامة عظيمة وكثيرة، وحسب ما تحفظ يقال لك: (اقرأ وارتق) فتصل إلى مرتبة بحسب ما تحفظ، فإذا وجدت إنسانًا يحفظ القرآن ويعمل به تقول في نفسك: يا ليتني أعمل مثل هذا الإنسان، ويا ليتني أحفظ مثله، فتتمنى أن تكون مثل هذا الإنسان وتأخذ بالأسباب، وقد تصل أو لا تصل، ولكن الله يعلم من نيتك أنك تريد ذلك فيعطيك؛ لأن الله كريم وعظيم ﷾، فالعبد الذي يتمنى الخير لا يحرمه الله الخير؛ لأن الله أكرم من أن يحرم عبدًا من عبيده، فالغبطة هي أن تتمنى منزلة إنسان وتحبُّ أن يبقى على ما هو عليه من المنزلة، هذا الأعرابي الذي قال للنبي ﷺ: (متى الساعة؟ قال له رسول الله ﷺ: ما أعددت لها؟) أي: ما هو الذي أعددته للساعة حتى تسأل عنها، فالرجل رجع على نفسه وشعر بشيء من الأسف على نفسه، فقال (والله ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، فقال النبي ﷺ: المرء مع من أحب، قال أنس راوي الحديث: فما فرحنا بشيء فرحنا بسؤال هذا الأعرابي أن قال له النبي ﷺ: المرء مع من أحب، قال: أنس: فأنا أحب رسول الله ﷺ، وأحب أبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم).\nفينبغي للمسلم أن يحب الصالحين؛ لعل الله أن يجعله معهم.\nففي الحديث السابق: (رجل آتاه الله الكتاب وقام به آناء الليل) فإذا رأيت هذا الإنسان فقد تعمل مثله، أو لعله يقوم بعملٍ أكثر منك فتحاول أنْ تفعل ما يفعله، فيعطيك الله الأجر على ذلك.\nأما الثاني: (ورجل آتاه الله مالًا فهو يتصدق به آناء الليل والنهار) أي: أنه يتصدق في الليل والنهار، فإذا رأيته قلت: ليت الله يعطيني مالًا فأتصدق مثل هذا الإنسان، فلا حرج أن تتمنى على الله ذلك، ثم تحاول وتعمل، وليس مطلوبًا منك أن تحقق هذه الأمنية؛ لأن النتيجة ليست عليك أبدًا وإنما عليك السبب فقط، فقد تحاول أن تبحث عن عملٍ لعل الله يرزقك فتتصدق؛ فتذهب فلا تلقى عملًا فترجع، فنيتك هذه لن يضيعها الله ﷿ أبدًا؛ لأنك نويت أن تعمل ثم تتصدق، فالله يحفظ ذلك لك وكأنك فعلت.\nوقد روى أبو داوود عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: (ما من امرئ تكون له صلاة بليل ويغلبه عليها نوم إلا كتب الله له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة) فانظر إلى كرم الله ﷿، فالمرء إذا كان دائمًا يقوم يصلي في الليل فنام وما قام الليل، فإن الله يكتب له أجر صلاته كأنه قام الليل، ونومه عليه صدقة.\nإن الله كريم سبحانه، فاسألوه من فضله ومن رحمته، وأحسنوا الظن به، ومن أحسن الظن فليحسن العمل.\nنسأل الله من فضله ورحمته فإنه لا يملكهما إلا هو.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"14","page":6},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-159> فضل قيام الليل وصلاة التراويح</span>\nإن فضل قيام الليل وصلاة التراويح عظيم، وأجرها عند الله جسيم، فذلك دأب الصالحين من قبلنا، وهي كفارة لذنوبنا، ومطهرة لقلوبنا، ومنهاة لنا عن الوقوع في معصية ربنا، وهي شرف المؤمن وعزته في الدنيا والآخرة، فهنيئًا لمن قام الليل وصلى التراويح وحافظ على ذلك، فإنه سر السعادة، ومفتاح النصر والريادة.","vol":"15","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>فضل قيام الليل</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nإن من أعمال رمضان العظيمة التي يحرص عليها المؤمن أن يقوم من الليل، وقيام الليل جاءت فيه عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة، ومن أعظمها قول النبي ﷺ: (إنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم).\nوقد كان ﷺ يحثهم عليه، وكان الصحابة يحرصون على ذلك فيصلون في بيوتهم، وإذا كان رمضان صلوا مع النبي ﷺ في المسجد صلاة الفريضة، وانصرف النبي ﷺ وصلى في بيته ما شاء من النافلة، وهم يقومون بعضهم يقوم فيصلي وحده، وبعضهم يقوم ويصلي جماعة، فلم يكونوا يتركون قيام الليل.\nومن الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ في الحث على ذلك قوله لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: (يا عبد الله! لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل ثم ترك).\nوكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقوم الليل كله، ويصوم النهار، فالنبي ﷺ رده إلى ما لا يشق عليه، وهو أن يصوم يومًا ويفطر يومًا، وأن يقوم جزءًا من الليل، فيقسم القرآن على سبعة أيام، ووصل في النهاية إلى ثلاثة أيام، ثم قال له ﷺ: (لا تكن مثل فلان)، ولعل النبي ﷺ ذكر فلانًا باسمه فلم يذكره رواة الحديث سترًا عليه، فيكون ذلك من النبي ﷺ تنبيهًا لفلان هذا ألا يترك قيام الليل، أو أنه ذكره على الإبهام، فقال: لا تكن مثل فلان، فمن الخطأ أن يعتاد المؤمن على قيام الليل ثم بعد ذلك يتركه.\nإن الذي ينبغي على المؤمن كلما تقدم به العمر أن يزداد عبادة وطاعة لله سبحانه، وكلما ذاق طعم المناجاة في الليل ازداد حبًا لها، وأما أنه يصلي من الليل ويقوم ويتهجد ثم بعد ذلك يتركه فهذا ليس بصواب، وإن كان قيام الليل ليس واجبًا وإنما هو سنة، لكن الإنسان المؤمن كلما ازداد تقربًا ازداد استعذابًا لطعم العبادة، وازداد محاولة أن يكثر منها لا أن يتركها، فقول النبي ﷺ: (لا تكن مثل فلان) سينتشر بين الصحابة وسيصل إلى فلان هذا فيرجع ويصلي من الليل، وقال ذلك لـ عبد الله بن عمرو وكأنه يريد: لا تشدد على نفسك ثم لا تستطيع عليه فتترك.\nوقد قال النبي ﷺ في الحديث: (لكل عابد شرة، وإن لكل شرة فترة) فإما إلى سنة وإما إلى بدعة، فأحيانًا تأخذ الإنسان الشدة أن يعمل كل شيء، فيريد أن يقوم من الليل، ولعله يقوم الليل كله، يومًا واثنين وثلاثة، ثم يدب إليه التعب والملل فيترك، فلا هو واظب على ما كان يفعله ولا هو فعل المشروع المسنون عن النبي ﷺ، فهنا النبي ﷺ يحثنا بأن نأخذ من الأعمال ما نستطيع عليه، وما نواظب عليه، والله لا يمل حتى تملوا.\nوأيضًا من الأحاديث ما رواه مسلم عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: (أفضل الصلاة بعد المفروضة الصلاة في جوف الليل)، والليل يبتدئ من المغرب ويستمر إلى أن يطلع الفجر، وقد كان الصحابة يقومون ما بين المغرب والعشاء، وليس هذا هو المقصود بصلاة التراويح ولا بصلاة التهجد ولا بقيام الليل الذي في رمضان، والذي كان يفعله النبي ﷺ والصحابة، وإن كان ما بين المغرب والعشاء يكتب من قيام الليل، فقد كانوا يقومونه وأنزل الله يمدحهم: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦]، فكانوا يقومون هذا في غير رمضان، ولعله في رمضان أيضًا، ولكن الصلاة التي نتكلم عنها الآن هي صلاة التراويح والقيام التي تكون بعد صلاة العشاء، فيتهجدون لله ﷿ بعد ذلك في آخر الليل أو في أول الليل، وأفضله أن يكون في آخر الليل.\nوقال النبي ﷺ في الحديث الذي في الصحيحين عن أبي هريرة: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد)، فانظروا إذا ذهب الإنسان لينام فالشيطان يذهب وراءه، فلا يريده أن يقوم، ولا يريده أن يتعبد لله سبحانه، فيقف له على طريق العبادة؛ ليصده وليمنعه، فإذا نام جاء الشيطان إلى قفا الإنسان فيربط ثلاث عقد، وهذا كفعل السحرة، وقد تعلم السحرة ذلك من الشيطان، وكل عقدة يربطها يقول له فيها: عليك نوم طويل، أي: نم ولا تقم.\nقال ﷺ: (فإذا استيقظ فذكر الله انحلت عقدة) فالسنة أول ما تقوم من النوم أن تذكر الله سبحانه بأي نوع من الذكر، مثل: سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر، الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا، وإليه النشور، الحمد لله الذي رد علي روحي وعافاني في بدني وأذن لي بذكره، فتقول ما تحفظ من أذكار حين تقوم من الليل، وتعود نفسك على ذلك.\nوبعد ذلك إذا قمت فتوضأت قال ﷺ: (فإن توضأ انحلت عقدة -وهذه العقدة الثانية- فإن صلى انحلت عقدة فأصبح نشيطًا طيب النفس)، فإذا توضأت وصليت من الليل فلا يلزمك أول ما تبدأ بقيام الليل أن تصلي صلاة طويلة، ولكن صل ولو ركعتين خفيفتين كما كان يفعل النبي ﷺ، فتحل عقدة الشيطان الثالثة، وبعد هذا تجد استعذابًا لقيام الليل، وحلاوة للمناجاة.\nثم قال ﷺ: (فأصبح نشيطًا طيب النفس)، إذًا: فقيام الليل يجعلك نشيطًا، وهذا عكس ما يفهمه البعض حيث يقولون: إذا نام الإنسان الليل يكون نشيطًا في الصبح!! والنبي ﷺ يقول لك: إذا صليت أصبحت طيب النفس، تتقبل الأعمال، وتجيد أداء أعمالك، ولم يقل: صل الليل كله، ولكن قم من الليل ولو أن تصلي ركعتين من آخره، فتصبح طيب النفس.\nوإن لم يكن ذلك قال: (وإلا أصبح خبيث النفس كسلان)، وإذا لم يصل الليل فلعله أيضًا يضيع عليه الفجر، فيصبح في الصبح وهو مكتئب متضايق مهموم.\nولو أنك صليت من الليل لزالت عنك هذه الهموم، وكان الله ﷿ معك، وكانت ملائكة الله معك، وابتعد عنك الشيطان فأصبحت طيب النفس.\nوهناك حديث آخر يرويه أبو داود -وهو حديث صحيح- عن أبي سعيد أو أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إذا أيقض الرجل أهله من الليل فصليا ركعتين جميعًا كتبا في الذاكرين والذاكرات)، ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥]، وهذه أعلى مرتبة يصل إليها الإنسان، حيث يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥]، فأعلى مرتبة يصل إليها الإنسان هي أن يكون من الذاكرين ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥].\nولا يتخيل أبدًا أن الذي يكثر ذكر الله لا يصلي، ومستحيل أن يكون ذلك، فكأنه وصل إلى هذه المرتبة بأدائه لأركان الإسلام، وبأدائه للفرائض التي عليه، وبأدائه للنوافل، فصار يستعذب ويستحلي ذكر الله سبحانه على لسانه، فوصل إلى هذه الدرجة: وهي درجة الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات.\nفإذا أردت أن تكون من هؤلاء فعليك بقيام الليل، فالنبي ﷺ يحث الرجل أن يوقظ امرأته وتوقظ المرأة زوجها، فيصليا جميعًا، أو يصلي كل واحد منهما ركعتين في جوف الليل، فبالمواظبة على ذلك يكتبا عند الله من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات.","vol":"15","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>قيام الليل يمنع العبد من الفحشاء والمنكر</span>\nوأيضًا من فضل قيام الليل: أن هذه الصلاة تمنع العبد من الفحشاء والمنكر إذا أجادها، فخير ما يستعين به العبد على ترك المعاصي: قيام الليل، فقم الليل فإنك بعد حين تجد نفسك تتدرج في ترك المعاصي، ولذلك كان في عهد النبي ﷺ سارقًا، وكان الناس يعرفونه، لكن لم يشهد عليه أحد عند النبي ﷺ كي تقطع يده، فهذا الرجل قام من الليل، فرآه بعض الناس يقوم الليل فتعجب كيف يسرق في النهار ويقوم في الليل! فقالوا للنبي ﷺ: فلان يقوم الليل ويسرق في النهار، قال: (سينهاه ما يقول) يعني: هذه الصلاة التي يصليها، وفعلًا انتهى الرجل عن السرقة بعد ذلك.\nفقد يكون في الإنسان أحيانًا بعض الخصال السيئة التي يغضب بها ربه، ويحاول أن يبتعد عنها وأن يمتنع منها، كأن يكون فيه شيء من مد اليد إلى مال الغير، أو أنه يقع في بعض الكبائر، فلو أنه عمل صالحًا كقيام الليل، وواظب على الفرائض، فإن صلاته تنهاه عن هذا الذي هو فيه لو أنه كان مخلصًا لله سبحانه، تائبًا إليه، راجيًا من الله أن يغفر له، وأن يعينه على ترك هذا الذي هو فيه.","vol":"15","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>صلاة التراويح تسميتها ووقتها وفضلها</span>\nإن صلاة التراويح صلاة مخصوصة في رمضان، وسميت بصلاة التراويح من الاستراحة يعني: جاءت من الراحة، فقد كانوا يصلون أربع ركعات ثم يستريحون، ثم يصلون أربع ركعات ثم يستريحون، فسميت تراويح؛ لأنها صلاة فيها استراحة بين كل أربع ركعات.\nقال النبي ﷺ في الحديث: (من صام رمضان وقامه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)، هذا في سنن أبي داود، وفي الصحيحين عنه ﷺ: (من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه).\nفقوله: (قام رمضان) أي: كل رمضان، وفضل الله سبحانه عظيم، فمن فاته شيء فليستدرك الباقي، لكن من قام رمضان فإنه يغفر له، ومن قام رمضان فإنه سيوفق إلى ليلة القدر، ولا يمكن أبدًا أن يقوم الإنسان كل ليلة لله ﷿ وتأتي ليلة القدر فيضرب الله عليه بالنوم فيها، فالله أعظم وأكرم من ذلك سبحانه، لذلك من قام رمضان وواظب على ذلك وفق لليلة القدر، فقام فيها فغفر الله له ما تقدم من ذنبه.\nولعل الإنسان ينشغل أحيانًا عن شيء من قيام رمضان فإذا قام ليلة القدر ووفق لها، فالله ﷿ يغفر له أيضًا ما تقدم من ذنبه، ولكن لا يستوي من قام رمضان كله بمن قام ليلة واحدة، فمن أتعب نفسه كان له كل يوم مغفرة من الله، وكان له كل يوم فضيلة، ويعتق من النار، ويرفع درجات بهذه الصلاة العظيمة، ويستجاب له في دعواته.\nإن قيام الليل عظيم جدًا، فعلى المؤمن أن يحرص عليه، وأن يحرص على حضور التراويح مع الإمام في جماعة.\nجاء عن أبي ذر قال: (صمنا مع رسول الله ﷺ رمضان فلم يقم بنا شيئًا من الشهر حتى بقي سبع، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل، فقلت: يا رسول الله! لو نفلْتنا قيام هذه الليلة).\nهذا الحديث رواه الإمام أبو داود في سننه وهو حديث صحيح، وفيه أنهم صاموا مع النبي صلوات الله وسلامه ولم يقم بهم إلى أن بقي سبع، يعني: مرت ثلاثة وعشرون يومًا ولم يقم بهم، وفي ليلة ثلاث وعشرين أو أربع وعشرين قام بهم.\nفلما كانت السادسة لم يقم بهم، فلما كانت الخامسة -كأن هذه الليلة هي ليلة خمس وعشرين أو ليلة ست وعشرين- قام بهم النبي ﷺ حتى ذهب شطر الليل.\n(فقلنا: يا رسول الله! لو نفلتنا قيام هذه الليلة) يعني: لو كنت أكملت بنا إلى فجر هذه الليلة، فقد استعذبوا الصلاة مع النبي ﷺ، وأحبوا أن يقوم بهم إلى آخر الليل، فقال النبي ﷺوهذا هو موضع الشاهد-: (إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام الليل)، فانظر إلى فضل الله العظيم، فإذا صليت مع الإمام إلى أن انتهى من الصلاة سواء كان انتهى من ربع الليل أو من سدس الليل أو من نصف الليل، فإنه يكتب لك قيام الليلة.\nثم إذا انصرف الإمام جاز للمسلم أن يصلي ما شاء.\nقال: (فلما كانت الرابعة -يعني: من آخر الشهر، فإذا كان ثلاثين فستكون ليلة سبع وعشرين- لم يقم بنا -وإذا كان الشهر تسعًا وعشرين فستكون ليلة ست وعشرين- فلما كانت الثالثة -إما ليلة ثمان وعشرين، وإما ليلة سبع وعشرين- جمع أهله ونسائه والناس فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح) إذًا فهذه ليلة سبع وعشرين قامها النبي ﷺ إلى أن خشي الصحابة أن يفوتهم السحور، وسماه الفلاح.\nفالنبي ﷺ قام بهم ثلاث ليالٍ، ولم يقم بهم غيرها؛ لأنه خشي أن تفرض عليهم صلاة التراويح، فهو ﷺ ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، فهو ﵊ يخاف عليكم ألا تطيقوا هذه العبادة، مع أن الصحابة كانوا يريدون أن يقوم بهم، ووصل بهم الأمر إلى أنهم جاءوا يرمون على باب النبي ﷺ بالحصى، حتى ينبهوه إلى أن يصلي بهم، فلم يخرج ولم يصل بهم، فلما قرب الفجر خرج وقال لهم: (إنه ما خفي علي مكانكم بالأمس، ولكن خشيت أن تفرض عليكم).\nفانظروا فهم ينادونه ويريدون منه أن يصلي بهم قيام الليل ﷺ، وهو يخاف أن تفرض عليهم هذه الصلاة، فلم يخرج ولم يصل بهم صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك جاء في حديث أبي هريرة: (كان ﷺ يرغِّب في قيام الليل من غير أن يأمرهم بعزيمة) يعني: من غير أن يأمرهم أمرًا واجبًا، وإنما يرغبهم فقط ﷺ على وجه الاستحباب.","vol":"15","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>مراعاة آداب المسجد عند صلاة الجماعة فيه</span>\nإذا كان الإنسان يصلي الليل مع الجماعة فإنه يراعي آداب المسجد، فلا يؤذي أحدًا من المسلمين، ولا يرفع صوته في القراءة إذا كان يقرأ، ولكن ليستمع للإمام، فإذا ترك له الإمام فرصة للقراءة فليقرأ في سره بفاتحة الكتاب.\nفإذا كان يصلي وحده: فإما أن يصلي وحده في المسجد، وإما أن يصلي وحده في البيت، فإذا كان يصلي وحده في المسجد ولا أحد في المسجد جاز له أن يرفع صوته، فإذا كان هناك أناس في المسجد فلا يزعج أحدًا، فقد نهى النبي ﷺ أن يشوش بعض المصلين على البعض الآخر، وأن يؤذي بعضهم بعضًا في المسجد.\nوإذا كان وحده في البيت فله أن يرفع من صوته او يخفضه.\nوجاء في سنن أبي داود عن أبي قتادة: (أن النبي ﷺ خرج ليلة فإذا هو بـ أبي بكر ﵁ يصلي ويخفض صوته، ومر النبي ﷺ فإذا بـ عمر يصلي ويرفع صوته، ومر بالثالث وهو بلال ﵁، فقد كان يقرأ ويرفع صوته فسمعه النبي ﷺ يقرأ سورة من هنا وسورة من هنا وسورة من هنا، أو آيات من هذه السورة وآيات من هذه السورة بحسب ما يقرأ، فالنبي ﷺ في اليوم الثاني قال لـ أبي بكر: مررت بك وأنت تصلي تخفض صوتك، فقال أبو بكر ﵁: قد أسمعتُ من ناجيتُ).\nفمسجد النبي ﷺ كان مظلمًا بالليل، فإذا كان فيه إضاءة خافته فلن يرى بعضهم بعضًا فيها إلا الشيء اليسير، فإذا أبو بكر في مكان مظلم في المسجد ويصلي ويخفض من صوته، فكأنما خشي النبي ﷺ عليه أن ينام وهو يصلي بهذه الصورة، فلذلك قال له: (ارفع من صوتك شيئًا)، فإذا كان الأمر كذلك وأنت على هذه الهيئة فارفع صوتك شيئًا.\nوعمر بن الخطاب كان يرفع صوته، لكن كأنه رفعه زيادة على الحد المطلوب، فلو كان أحد بجواره فلعله يزعجه، فسأله النبي ﷺ: (لماذا يرفع صوته؟ فكان جواب عمر ﵁: أوقظ الوسنان، وأطرد الشيطان) أي: أرفع صوتي من أجل أن أقيم النائم كي يصلي، وأطرد الشيطان، فقال له: (اخفض من صوتك شيئًا)، أي: ليس مطلوبًا منك أن توقظ النائمين، ولكن من أراد أن يقوم للصلاة فليقم، ومن لا يريد أن يقوم فلا توقظه، لكن ارفع صوتك شيئًا من غير أن تزعج أحدًا من الناس.\nوقال لـ بلال: (رأيتك وأنت تقرأ من هذه السورة ومن هذه السور -يعني لم تقرأ سورة بأكملها، وإنما قرأت آية من سورة، ثم قرأت آية من سورة أخرى- فقال بلال ﵁: كلام طيب يجمع الله تعالى بعضه إلى بعض)، يعني: أنا انتقى منه، فالأشياء التي أعرف أقرأها أستحلي قراءتها، فقال النبي ﷺ: (كلكم قد أصاب) يعني: فيما صنعتم، ولكن افعلوا هذا الذي دللتكم عليه.","vol":"15","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>مشروعية حضور النساء لصلاة التراويح</span>\nوصلاة التراويح يشرع أن تحضرها النساء، وإن كانت الصلوات العادية كان النبي ﷺ يقول فيها: (صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في مسجدها، وصلاتها في قعر بيتها خير من صلاتها في مسجدها).\nإذًا: فصلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها مسجدها، لكن صلاة التراويح لعلها لا تصليها في بيتها كما لو صلتها في المسجد، فإذا كانت وحدها قد تنشغل بأمور البيت فلا تصليها، فيشرع للنساء أن يحضرن إلى المسجد فيصلين مع الجماعة، ولذلك جاء في حديث أبي ذر: (فلما كانت السادسة -ليلة سبع وعشرين أو ثمان وعشرين- قال: جمع أهله ونساءه والناس)، فجمعهم النبي ﷺ بما فيهم نساءه؛ حتى يصلوا معه ﷺ، قال: (فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح).\nوكان عمر ﵁ يجعل للناس، إمامين: إمامًا يصلي بالرجال، وإمامًا آخر يصلي بالنساء، ونلاحظ أنه لم يجعل إمامًا للنساء من النساء مع وجود نساء يحفظن القرآن، بل بعث لهن إمامًا يصلي بهن، قال: وجعل عمر بن الخطاب للناس قارئين في رمضان، فكان أبي يصلي بالناس، وابن أبي حتم يصلي بالنساء.\nوكان علي بن أبي طالب أيضًا يأمر الناس بقيام رمضان، وكان يجعل للرجال إمامًا وللنساء إمامًا، قال: فأمرني علي فقمت إمام النساء.\nفيجوز للمسلم -طالما قلنا إن صلاة التراويح سنة وليست فريضة- يجوز أن يصليها في جماعة، ويجوز أن يصليها وحده إن كان في البيت أو في مكان آخر، ولكن الأفضل أن يصليها في جماعة.\nوجاء عن عمر ﵁ أنه جمع الناس على إمام، يقول عبد الرحمن بن عبد القاري: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون: يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل.\nوجمعهم على سيد القراء أبي بن كعب رضي الله ﵎ عنه، الذي قرأ عليه النبي ﷺ وأمره أن يقرأ القرآن بأمر جبريل، قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمة البدعة هذه.\nوهذه ليست البدعة المذمومة، فنحن نقول: البدعة هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، قصد بالسلوك عليها المبالغة في العبادة، وأما هذه فشرعية؛ فقد فعلها النبي ﷺ، إذًا فـ عمر لا يقصد بالبدعة هنا البدعة الشرعية، وإنما يقصد المعنى اللغوي في ذلك، أي: نعم الأمر البديع هذا، فهذا أمر جميل أننا أرجعناهم إلى ما كان يفعله النبي ﷺ في الثلاث الليالي التي صلاها بهم.\nقال عمر: والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، وهذا عائد إلى الصلاة يعني: أن الصلاة التي يناموا عنها أفضل من التي يقومون، ولكن لا يستطيع عمر أن يجمعهم في آخر الليل؛ ففي أول الليل الكل موجود وذلك في صلاة العشاء، بخلاف آخر الليل.\nفيكون مراده: لو كانت هذه الصلاة على هذا الوضع في آخر الليل لكانت أفضل من هذه؛ لأنهم إذا صلوا في أول الليل فإنهم سينامون في آخر الليل، فإذا صلى الإنسان مع الإمام كتب له قيام الليل كله، فإذا رجع إلى بيته فيستحب أن يقوم من آخر الليل قبل الفجر ما يقدر عليه، فيصلي ركعتين أو ما قدر الله ﷿ له.\nوكان النبي ﷺ يقول: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة توتر لك ما قد صليت)، فأفضل ما يكون من صلاة الليل والنهار ركعتان ركعتان، وإن جازت هيئات أخرى غير ذلك، فيجوز للمرء أن يصلي أربع ركعات متصلات في سنن النهار كصلاة الضحى، فيصلي أربع ركعات متصلات، لكن الأفضل أن يصلي ركعتين ويسلم ثم يصلي ركعتين.\nوكذلك في السنة القبلية والسنة البعدية للظهر، والسنة القبلية للعصر، فيجوز أن يصلي أربع ركعات متصلات، ولكن الأفضل هو ما فعله النبي ﷺ وحث عليه فقال: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)، فصلاة الليل ركعتين ركعتين وتوتر بركعة واحدة، وإن كان هناك أحاديث جاءت في غير ذلك نذكرها فيما يأتي إن شاء الله.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"15","page":6},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-165> صفة صلاة التراويح</span>\nصلاة التراويح من النوافل التي جاء الحث عليها والندب إليها، وهي من قيام الليل، فعلى المسلم المحافظة عليها؛ لما فيها من الأجر العظيم، والثواب الجزيل.\nوصلاة التراويح اختلف العلماء في عدد ركعاتها، والراجح أنه لا حد فيها، فلا ينبغي أن ينكر أحد على أحد في هذا، وإن كان الأفضل هو العدد الذي واظب عليه النبي ﷺ.","vol":"16","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>أسماء صلاة التراويح</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: فقد تكلمنا عن صلاة التراويح في رمضان، وذكرنا أن النبي ﷺ قال: (من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه).\nوكان النبي ﷺ يحث على قيام رمضان، وكان يحثهم من غير عزيمة، يعني: لم يوجبه، بل كان يخاف ﷺ أن يواظب عليها مع الناس فيكتب ويفرض عليهم، فلذلك كان يصليها في بيته صلوات الله وسلامه عليه، وخرج فصلى بالصحابة ثلاث ليال، كما ذكرنا في الحديث السابق.\nوهذه الصلاة تسمى بصلاة القيام، وتسمى بصلاة التراويح، وتسمى التهجد، وتسمى قيام الليل، وتسمى الوتر، وهي واحدة.","vol":"16","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>عدد ركعات صلاة التراويح وذكر الخلاف في ذلك</span>\nوكان يصليها النبي ﷺ في رمضان وفي غير رمضان، وكان يواظب عليها سواء في رمضان أو في غير رمضان، ولكن في رمضان كان يحث عليها الناس.\nفالنبي ﷺ كان يصلي صلاته المعهودة في رمضان وفي غير رمضان، وما زاد في رمضان ولا في غير رمضان على إحدى عشرة ركعة، صلوات الله وسلامه عليه.\nوثبت عنه ﷺ أنه صلى ثلاث عشرة ركعة، ولكن أكثر الأحاديث على أنه كان يواظب على إحدى عشرة ركعة في رمضان وفي غير رمضان، بل كان إذا فاتته صلاة الليل صلاها في وقت الضحى شفعًا، يعني: يصليها اثنتي عشرة ركعة في النهار في وقت الضحى، وأخبر أن من فاته قيام الليل فصلاه في وقت الضحى كتب له قيام الليل، وهذا من فضل الله العظيم ﷾.\nفالمستحب في ذلك ما كان أسهل على الناس فيها، سواء صلى ثلاث عشرة ركعة أو صلى إحدى عشرة، أيضًا يجوز أن يصلي أكثر من ذلك، لكن أفضل الفعل هو فعل النبي ﷺ، فقد كان يصلي إحدى عشرة ركعة ويواظب عليها.\nولكن لا إنكار على من يزيد على ذلك؛ لأنه لم يثبت عنه ﷺ أنه نهى عن أكثر من ذلك، وهذه مسألة هامة جدًا، فبسببها يقع إشكال بين المسلمين كثيرًا، بين الذين يرى عدم الزيادة على ما فعله النبي ﷺ وبين الذي يقول: الأمر واسع في الأمر، وهذا الصواب، فالصواب في هذا الشيء: أن الأمر واسع، فإذا صليت مع الناس إحدى عشرة ركعة، ورجعت إلى البيت وأحببت أن تصلي ما شئت، فلا يوجد إنكار في ذلك، فصل ما شئت؛ لأنه لم يأمر النبي ﷺ بعدد معين لا يجوز تجاوزه.\nولذلك فجماهير العلماء على أنه يجوز أن تصلي ما شئت في قيام الليل، سواء إحدى عشرة ركعة أو أكثر من ذلك أو أقل من ذلك؛ بحسب ما يتيسر لك.\nوقد ذكر الإمام النووي في المجموع مذاهب العلماء في عدد ركعات التراويح، والغرض منها بيان أن الأمر واسع، فلا يحتاج أننا نبقى في عراك مع بعضنا، فواحد يقول: صل إحدى عشرة، وآخر يقول: صل عشرين، وآخر يقول: إحدى وعشرين، وآخر يقول: ستًا وثلاثين، فلا يحتاج الأمر لهذا الشيء، وإنما أفضل ما يكون أن تصلي إحدى عشرة ركعة كما صلى النبي ﷺ ذلك، وإذا كان يشق على الناس التطويل في الركعات جاز أن يقلل في القراءة ويزيد من عدد الركعات، وإذا صلى الإنسان في المسجد ورجع إلى بيته ورأى أن هناك وقتًا إلى الفجر، وفيه قوة أنه يقوم من الليل، فيجوز أن يصلي أكثر من ذلك، ولم يثبت المنع في ذلك.\nوأما قول السيدة عائشة ﵂: (ما زاد رسول ﷺ في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة) فهذا فعل، والفعل لا يفيد التحديد، ولا يفيد أنه لايجوز إلا إحدى عشرة، وأن أكثر من ذلك يكون بدعة، أو أن أكثر من هذا يكون ضلالة، أو يكون حرامًا، فإن هذا كله لم يقله النبي ﷺ، وجماهير أهل العلم على أن الأمر واسع، ومن أجمل الكلام في ذلك كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.\nيقول النووي ﵀: مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد وداود أنها عشرون ركعة، يعني: أن هؤلاء أخذوا بأن عمر بن الخطاب جمع الناس على عشرين ركعة، فعلى ذلك قالوا: نفعل كما فعل عمر ﵁.\nوالبعض يقول: الوارد عن عمر إسناده ضعيف، ولكن هناك روايات أخرى تعضد هذا الأثر، وهذا كان مشهورًا في عهد عمر ﵁ أنه فعل ذلك.\nوالراجح: أن الأمر واسع، فمن صلى عشرين أو صلى إحدى عشرة فكل ذلك جائز.\nلكن يا ترى هل الذي سيصلي عشرين الركعة سيقرأ فيها آية ويركع؟ إن هدي النبي ﷺ هو أفضل الهدي، فعليك أن تقرأ كما كان يقرأ النبي ﷺ؛ فإن قراءته كانت قراءة معتدلة بصلاة طويلة جميلة، وهذا أفضل من أن تصلي وتقرأ في كل ركعة آية وتركع، فهذه الصلاة تجعل الناس يلهثون وراء الإمام وهو يجري في هذه العشرين ركعة.\nلكن إذا صلى المرء ثمانِ ركعات يحسن فيها القيام، ويفهم الناس القرآن، ويختم فيهن كلام رب العالمين ﷾، فهذا أفضل من أنه يصلي ركعات كثيرة، وتكون في النهاية المحصلة أنه قرأ ربعًا أو ربعين في خلال العشرين الركعة.\nيقول النووي: مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد وداود -يعني: الظاهري - أنها عشرون ركعة بعشر تسليمات: ركعتين ركعتين ركعتين ركعتين وذلك خمس ترويحات.\nوسميت تراويح لأنهم كانوا يتروحون بين كل أربع ركعات، فيصلون أربع ركعات ومن ثم يأخذون راحة، ثم يصلون أربع ركعات ومن ثم يتروحون، يعني: يستريحون بعد الأربع ركعات.\nوجاء عن الأسود بن يزيد أنه كان يقوم بأربعين ركعة، ويوتر بسبع ركعات.\nوقال مالك: التراويح تسع ترويحات، وهي ست وثلاثون ركعة غير الوتر، واحتج مالك على ذلك بأن أهل المدينة يفعلون ذلك.\nوقال نافع وهو مولى عبد الله بن عمر وشيخ مالك في الحديث أدرك التابعين وبقايا أصحاب النبي ﷺ، يقول: أدركت الناس في المدينة وهم يقومون رمضان بتسع وثلاثين ركعة، يوترون منها بثلاث.\nوهذا عدد كبير جدًا، ولعلهم كانوا يصلون الليل كله، فهل يطيق المسلم ذلك؟ ولو قيل: إنهم كانوا يصلون ركعات كثيرة لكنهم يقرءون في كل ركعة آية أو آيتين، ف\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أنهم لم يكونوا يفعلون هذا الشيء، بل كانوا يصلون صلاة طويلة.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الفتاوى الكبرى: لم يوقت النبي ﷺ في قيام رمضان عددًا معينًا، يعني: لم يحدد أنه لازم أن يكون كذا، فلم يقل: صل إحدى عشرة ركعة ولا تزد على ذلك، فتكون الزيادة على ذلك ممنوعة، كما قال: (لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتين)، فيمنع أن تصلي بعد الفجر، فبعد أن يؤذن المؤذن للفجر الصادق لا يجوز لك أن تصلي أكثر من ركعتين، وهما سنة الفجر، فهذا توقيت وقته النبي ﷺ.\nلكن في قيام الليل الأمر مفتوح، فلم يقل: لا تصل أكثر من كذا، فيجوز للإنسان أن يصلي ما شاء.\nيقول ابن تيمية ﵀: لم يوقت النبي ﷺ في قيام رمضان عددًا معينًا، بل كان ﷺ لا يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة، لكن كان يطيل الركعات، وكان يستمتع بهذه الصلاة ﷺ، فكان يقوم من النوم فيصلي ركعتين يطيل فيهما ما شاء الله ﷾، ثم ينام إلى أن يأخذ قسطًا من النوم، ثم يقوم مرة أخرى فيصلي ركعتين ويطيل ما شاء الله له أن يطيل.\nإذًا: فهو يقوم يصلي صلاة رغبة ورهبة، صلاة إقبال على الله وليست صلاة مستعجلة وكأنه يقول: متى ننتهي منها؟ ليس كذلك، بل كان يقول: (أرحنا بها يا بلال!)، وقال: (وجعلت قرة عيني في الصلاة)، فهذه صلاة النبي ﷺ.\nيقول ابن تيمية ﵀: فلما جمعهم عمر على أبي بن كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة ويوتر بثلاث، وكان يخفف القراءة.\nيعني: فكأنه يعوض، فإذا كانت الإحدى عشرة ركعة ستأخذ ساعتين أو ثلاث ساعات، فيصلي العشرين في نفس المقدار، إذًا: فيقلل في عدد الآيات التي في كل ركعة، لكن في النهاية هو نفس الوقت الذي كان سيصلي فيه الإحدى عشرة ركعة.\nيقول ابن تيمية: وكان يخفف القراءة بقدر ما زاد من ركعات؛ لأن ذلك أخف على المأمومين من تطويل الركعة الواحدة، ثم كانت طائفة من السلف يقومون بأربعين ركعة ويوترون بثلاث، وآخرون قاموا بست وثلاثين وأوتروا بثلاث، وهذا كله سائغ.\nهذا كلام فقيه عظيم عالم، وقد جمع بين علم العقيدة وعلم الأصول وعلم الفقه وعلم الحديث، فتكلم كلام العلماء الراسخين، فقال: الأمر واسع في ذلك، ولكن أحب ما يكون هو فعل النبي صلوات الله وسلامه عليه، من غير تبديع لمن زاد على ذلك.\nقال: والأفضل في ذلك يختلف باختلاف أحوال المصلين، فإن كان فيهم احتمال لطول القيام -أي: يستطيعون أن يصلوا صلاة طويلة- فالقيام بعشر ركعات وثلاث بعدها، كما كان النبي ﷺ يصلي بنفسه في رمضان وغيره، وهو الأفضل على رواية؛ لأن الروايات المشهورة إحدى عشرة ركعة.\nوإن كانوا لا يحتملون فالقيام بعشرين هو الأفضل، وهو الذي يعمل به أكثر المسلمين، فإنه وسط بين العشر وبين الأربعين.\nقال في آخر كلامه: ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد موقت عن النبي ﷺ لا يزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ.\nهذا كلام جميل جدًا، وكلام طيب يجمع المسلمين ولا يجعل بينهم خلافًا، ولا يجعلهم يشتم بعضهم بعضًا، ويبدع بعضهم بعضًا، فالأمر واسع في ذلك، لكن أفضل ما يكون هو أن يصلي كما صلى النبي ﷺ إحدى عشرة ركعة، ويطيل فيها بما لا يشق على الناس، كما يفعل الكثيرون من أئمة المساجد الذين يقتدون بهدي النبي ﷺ في ذلك.\nهذا مختصر لكلام ابن تيمية ﵀.","vol":"16","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>ذكر بعض الأحاديث الواردة في صفة قيام النبي ﷺ في الليل</span>\nومما جاء في ذلك ما في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (إن رسول الله ﷺ كان يصلي إحدى عشرة ركعة، كانت تلك صلاته -تعني: بالليل- فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية)، والخمسون آية ممكن أن تكون ربعين في القرآن، هذا الغالب، ويمكن أن يكون أكثر من ذلك.\nقالت: (قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر).\nهنا ذكرت أنه صلى إحدى عشرة ركعة بالليل، وركعتين، فاحتمل أن تكون الركعتان هم اللتان قبل الفجر، سنة الفجر القبلية، واحتمل أن تكونا من ضمن قيامه، وأنه بعدما انتهى وأوتر ﷺ كأنه قام بعد ذلك فركع ركعتين بعدها، وسيأتي الكلام على ذلك.\nلكن تقول هنا في الحديث توضح أنها سنة الفجر: (يركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للصلاة).\nفقام الليل بهذه الصفة التي السجدة فيها بقدر خمسين آية، وهذا يدل على أنها طويلة، فإذا كان سيسجد السجدات قدر خمسمائة آية فكم سيكون قدر الركوع؟ والقراءة نفسها كم ساعة ستكون؟ إذًا: فهذه الصلاة الطويلة تحتاج إلى راحة، فكان ﷺ يرتاح بعد هذه الصلاة، فلما أذن المؤذن للفجر صلى ركعتين سنة الفجر.\nثم يضطجع إلى أن يجتمع الناس إلى بيت الله ﷿، وهذا الاضطجاع سنة في مثل هذه الحال.\nفعائشة ﵂ تحكي أن النبي ﷺ قام الليل قيامًا طويلًا، وعند الفجر صلى ﷺ سنة الفجر، ثم اضطجع قليلًا ﷺ.\nوأحيانًا كان يجد زوجته السيدة عائشة أو أم سلمة أو غيرهما من زوجاته قاعدة فكان يحدثهن، وأحيانًا تكون هي أيضًا تنتظر صلاة الفجر، فكان النبي ﷺ يضطجع ولا ينام، ولكن يضطجع ليستريح، وهذا معروف طبيًا، فإن الإنسان إذا قام قيامًا طويلًا ينسحب الدم من رأسه إلى أطرافه، فلا يصل إلى المخ، فيمكن أن يدوخ، فإذا نام على الأرض يصل الدم إلى المخ؛ لذلك إذا أغمي على إنسان فإنك تضعه على الأرض، فترفع رجليه من أجل أن الدم يصل إلى دماغه، وأما إذا وضعته على كرسي وجعلت تضرب فيه من أجل أن يصحو فلن يصحو؛ لأن الدم لن يصل إلى دماغه، فأول شيء أن تجعله ينام على الأرض، وترفع رجليه إلى الأعلى، فتجعل رجليه أعلى من دماغه؛ من أجل أن الدم يصل إلى الدماغ.\nفالإنسان إذا قام الليل وتعب فإنه ينام ويضطجع.\nإذًا: فهذه سنة النبي ﷺ، لكن إذا كان الواحد حاله مثل حالتنا قد نام الليل كله، وقبل الفجر قام وصلى ركعتين فلا يضطجع؛ لأنه قد نام الليل كله، فلا ينم؛ فإن هذا وقت إجابة دعاء، ولذلك البعض يتشدد ويقول: هي سنة، وأما ابن حزم رحمة الله عليه فيقول: تجب هذه الضجعة.\nوالصحيح أن هذه ضجعة استراحة، وليست عبادة، لكن ابن حزم يقول: هي واجبة، حتى إنك لو ذهبت للمسجد وكان الإمام في الصلاة فاضطجع، ثم قم وادخل في الصلاة، وهذا الكلام بعيد جدًا عن الحقيقة وبعيد عن الواقع، ومن يقبل مثل هذا الشيء؟! إذ كيف أدخل وأجد الإمام في الصلاة فأذهب اضطجع وأقوم؟! فسيقول: فعلها بعض الصحابة، فنقول: وإن فعلها بعض الصحابة رضوان الله ﵎ عليهم؛ فإنهم فعلوها بسبب الأعياء والتعب؛ لأنهم قاموا الليل كله، ولما وصلوا إلى المسجد وكان الواحد منهم مجهودًا اضطجع، أما إذا جئت والإمام في الصلاة وقد أمرك النبي ﷺ: (إذا أتيتيم والإمام ساجد فاسجدوا)، ولم يقل: نم واضطجع قليلًا وقم وادخل معه، وإنما قال: (فاسجدوا)، مع أن السجدة ليست محسوبة، ولذا قال: (إذا أتيتيم والإمام ساجد فاسجدوا ولا تعدوها شيئًا، ومن أدرك الركوع فقد أدرك الصلاة).\nوهذا الحديث معناه: أنك أول ما تدخل المسجد افعل كما يفعل الإمام؛ بنص كلام النبي ﷺ، فإن خالف بعض الصحابة فنقول: هو فهم هذا الشيء ﵁ لكن النبي ﷺ لم يقل هذا الشيء، هو فهم أن النبي ﷺ أمر بهذا الاضطجاع، وهو ﷺ أمر من قام الليل أن يضطجع، كما قام النبي ﷺ وتعب.\nوأما أن يأتي المسجد وهو قد بات نائمًا في وقت أخبر النبي ﷺ أن الدعاء فيه مستجاب ويترك الدعاء من أجل أن يضطجع فلا، ولماذا يفعل هذا الشيء وهو غير تعبان؟ فهنا الضجعة نحملها على ما فعله النبي، كما أخبرت السيدة عائشة رضي الله ﵎ عنها.\nونحن نحكي هذا لأن في الاعتكاف تجد بعض الإخوة يعملون حاجات غريبة، ومن ثم يقولون: هي سنة، فنريد أن نقيم السنة، وتجد آخرين يردون عليهم، ويحصل خلاف بينهم، فنقول: ابعدوا عن الخلاف، فالخلاف كله شر.\nوأيام الاعتكاف أيام عبادة لله ﷾، وتقرب إلى الله ﷾، فلا تشذ عن الناس بفعل تفعله، ولا تلفت إليك الناس بحيث تقول: الناس ينظرون إلي، والناس يعملون مثل ما أنا أعمل، فيخشى عليك من الرياء بفعلك الذي تفعل.\nوفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة)، ونلاحظ الفرق بين: (كان يفعل كذا)، فهذا دليل على الاستحباب، وبين: (لا تفعلوا كذا)، فهذا دليل على الأمر والنهي، فهنا كان يفعل، والتي تقول هذا هي السيدة عائشة وليس النبي ﷺ.\nفالسيدة عائشة ﵂ تقول: (ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن) تعني: لا تسأل عن جمال هذه الصلاة التي يصليها، وعن حسن الصلاة التي يصليها النبي ﷺ، والله ﷾ يقول: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:١١٠]، فلا تجهر بصلاتك فتوقظ النائمين، ولا تخافت بها، فلعل أحدًا يريد أن يسمعك وأنت تقرأ، فكان يقرأ قراءة لا يوقظ بها النائمين، فكانت تسمع له، ويعجبها قراءة النبي ﷺ، ويعجبها جمال صلاة النبي ﷺ، فتقول: (لا تسأل) أي: لا يوجد بعد ذلك حسن؛ فصلاة النبي ﷺ التي يصليها بالليل وهو في بيته ﵊ أحسن وأجمل صلاة.\nقالت: (ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا) تعني: يوتر بعد ذلك بركعتين ثم بواحدة، قالت: (فقلت: يا رسول الله! أتنام قبل أن توتر؟) كأنه كان يصلي أربع ركعات وينام، ثم يقوم، فيصلي أربع ركعات أخرى وينام، ثم يوتر، فهي تسأله وتقول: أنت تقوم من النوم فتصلي الوتر من غير أن تتوضأ؟ فقال: (يا عائشة! إن عيني تنامان ولا ينام قلبي) فقلبه صلوات الله وسلامه عليه لا ينام، بل قلبه معلق بالله سبحانه، فيستشعر بكل ما حوله، والعين تنام وتستريح، وأما القلب فلا، فهو يقظ ليلًا ونهارًا، فصلوات الله وسلامه عليه لا يغيب عن ربه ﷾، وكان النبي ﷺ إذا نام يستشعر نفسه أنه أحدث أو لم يحدث، والعادة أنه لم يحدث في النوم فيصلي ﷺ، فإن أحدث توضأ وصلى صلوات الله وسلامه عليه.\nوفي حديث آخر في صحيح مسلم أن عائشة ﵂ سئلت عن صلاة رسول الله ﷺ فقالت: (كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثمان ركعات ثم يوتر)، وكأنها هنا أجملت الحديث، وفي الحديث الأول ذكرت أنه كان يصلي أربعًا ثم أربعًا، تعني: يصلي ركعتين، ثم يصلي ركعتين، ثم يستريح، ثم يقوم يصلي ركعتين، ثم يصلي ركعتين، ثم يستريح، ثم يقوم فيصلي ركعتين ويوتر ﵊، فهذا تفصيل: أربعًا وأربعًا وثلاثًا.\nوهنا قالت: (ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس) أي: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، فيصلي ثمان ركعات ثم يوتر، وكأنها تقصد أنه يوتر بثلاث، فيكون المجموع إحدى عشرة ركعة، ثم يصلي ركعتين.\nقالت: (ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع، ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح).\nوهذا الحديث محتمل أنه على هذا الظاهر، أي: أنه ﷺ صلى ثمان ركعات، لكن يحتمل أنه أوتر بواحدة، ويحتمل أنه أوتر بثلاث.\nفإن كان أوتر بواحدة فيكون صلى تسع ركعات، وبعدما صلى التسع ركعات صلى ركعتين وهو جالس ﵊.\nإذًا: نأخذ من هذا أنك إذا أوترت مع الإمام وأحببت أن تصلي في البيت فيجوز لك أن ترجع فتصلي شفعًا شفعًا، فليس لازمًا أنك إذا كنت مع الإمام وأوتر وسلم أن تقوم وتأتي بركعة، بل من الممكن أنك أيضًا تسلم مع الإمام في الوتر، وإذا رجعت إلى بيتك وأحببت أن تصلي فصل، لكن صل شفعًا ولا توتر مرة ثانية بعد ذلك.\nوفعل النبي ﷺ ذلك لبيان الجواز، وصلى ثمان ركعات وأوتر بواحدة ﷺ، فأصحبت تسعًا، ثم صلى ركعتين وهو جالس ﵊؛ وكأنه تعب، فأصبحت إحدى عشرة ركعة.\nقالت: (فإذا أراد أن يركع قام فركع، ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس) تعني: صلى الركعتين وهو جالس وقرأ فيها ما شاء الله ﷿ أن يقرأ، فإذا أراد أن يركع قام وكمل القراءة وهو قائم، وركع ﵊ من قيام، وهذا في الركعتين اللتين بعد الوتر وليس في الركعتين اللتين بعد أذان الفجر.\nقالت: (ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة)، فإذًا: الثلاث عشرة ركعة فيها ركعتا سنة الفجر القبلية.\nفعلى الحديث الأول يحتمل أنه صلى ركعتين من ضمن ركعات قيام الليل، وعلى هذا فيكون قيام الليل ثلاث عشرة ركعة، وإن كان الغالب من كلامها الاحتمال الثاني، وهو أنها","vol":"16","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>جمع عمر ﵁ الناس على إمام واحد في صلاة التراويح</span>\nروى الإمام مالك في الموطأ عن السائب بن يزيد قال: أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال: وكان القارئ يقرأ بالمئين.\nوالمئين: السور التي تعدت المائة آية، وسور القرآن كانوا يقسمونها إلى: السبع الطوال، وهي أول سبع سور في القرآن، تليها المئون، وهي السور التي تجاوزت المائة آية كسورة يونس، وسورة هود، وسورة الكهف، وسورة الإسراء، وغيرها من السور التي تجاوزت المائة آية.\nيليها ما هي أقصر منها وهي: المثاني، وهي أقصر من ذلك، يليها المفصل التي في آخر القرآن، ويقسم المفصل إلى ثلاثة أقسام: طوال المفصل، وأوساط المفصل، وقصار المفصل.\nفكان القارئ يقرأ بالمئين، يعني: بالسور التي عدت مائة آية، ونحن ربما صلينا بسورة الكهف في أربع ركعات، بينما كان القارئ في زمانهم يقرأها في ركعة، فيقرأ في ركعة بالمئين، يقرأ بسورة يونس، أو سورة هود، أو سورة الكهف، أو سورة الإسراء، يقرأها في ركعة واحدة.\nقال: حتى كنا نعتمد على العصي من التعب.\nيعني: يعتمد الواحد على العصا أو العكاز من التعب من طول القيام.\nقال: وما كنا ننصرف إلا في طلوع الفجر.\nهذا في عهد عمر ﵁، فإذا جاء عن عمر أنه جعل التخفيف بأنه يصلي بهم عشرين ركعة فالمعنى أنهم كانوا يصلون الليل كله، ومعنى هذا أن هذه الصلاة طويلة جدًا، فكان يأمر القارئ بأن يقرأ بالعشرين الآية والثلاثين آية كما سيأتي بعد ذلك في قول عمر ﵁، وأمر أنه يقرأ القارئ بالعشرين آية أو الثلاثين بحسب سرعة القارئ، وهذا هو الذي جعل عدد ركعات الصلاة أطول من أجل أن يعوض القيام الطويل، والله أعلم.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"16","page":5},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-170> صلاة الوتر وما يقرأ فيها وأحكام القنوت</span>\nإن صلاة الوتر من النوافل الرواتب، وفضلها عظيم، والأحاديث والآثار فيها كثيرة، فيجوز أن يصليها ركعة ويجوز أن يوتر بثلاث وخمس وسبع وتسع.\nفإذا أوتر بثلاث فإنه يقرأ فيها في الأولى بسورة الأعلى، وفي الثانية بسورة الكافرون، وفي الثالثة بسورة الإخلاص.","vol":"17","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>استحباب صلاة الوتر</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nتكلمنا عن صلاة التراويح سابقًا وذكرنا أنها تسمى بصلاة التراويح، وتسمى بصلاة القيام، وهي نفسها صلاة الوتر، وإن إذا ذكرنا أنه كان النبي ﷺ يصلي ركعتين ركعتين ويوتر بواحدة فنقصد هنا بالواحدة الوتر، وهي آخر ما يصليها ﷺ، أو الثلاث الوتر آخر ما يصليها ﷺ، والوتر عكس الشفع.\nفصلاة التروايح وإن كانت إحدى عشرة ركعة أو ثنتي عشرة ركعة إلا أنها تسمى بصلاة الوتر لأنها تختم بالوتر، فكان النبي ﷺ يصلي ثمان ركعات ويختم بثلاث وهي الوتر، وكان الغالب من حاله ﷺ أن يصلي ركعتين ركعتين في صلاة القيام، ويوتر بركعة واحدة صلوات الله وسلامه عليه.\nروى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء، وهي التي يدع الناس العتمة)، وهذا التفسير لأن البعض كان يسمي المغرب العشاء، ويسمي العشاء العتمة، وهؤلاء الأعراب، فكأنها أرادت أن تبين من أجل ألا يخطئ أحد فيظن أن العشاء هي المغرب، قالت: (كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ الناس من صلاة العشاء وهي التي يدع الناس العتمة إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة).\nوقال: ابن عمر ﵁: (كان رسول الله ﷺ يفصل بين الوتر والشفع بتسليمة، ويسمعناها).\nيجوز أن تقول: الوِتر والوَتر، ففيها لغتان، فله في صلاة أن يوتر بثلاث وخمس ولا يجلس ولا يسلم إلا في الأخيرة، وهذا جاء عنه ﷺ فيما رواه أبو داود عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ: (الوتر حق)، وكأنه يقول: لا تتركها، ولكن لم يقل ذلك على وجه الإلزام فإن النبي ﷺ سأله الأعرابي وسأله غيره عن الصلوات المفروضات، فأخبر أنها خمس صلوات في اليوم والليلة.\nوذهب معاذ إلى اليمن في آخر حياة النبي ﷺ ولم يرجع إلا بعدما مات النبي ﷺ، فكان آخر ما بعثه النبي ﷺ به أن يقول للناس: إن الواجب والفرض الذي عليكم هو الصلوات الخمس، فليس هناك فرض آخر إلا أن يكون بسبب كصلاة الجنازة مثلًا أو نحو ذلك، وأما صلاة النوافل كلها من رواتب وغير رواتب فهي نافلة، والوتر أيضًا من ضمن السنن، ولكن لا ينبغي أن تترك، وقد واظب النبي ﷺ عليها حضرًا وسفرًا، فكان وهو حاضر يصلي سنة الفجر والوتر، وكذلك وهو مسافر أيضًا، مع أن الرواتب الأخرى كان يسقطها ولا يصليها في السفر ﷺ، لكن صلاة الليل، وسنة الفجر، وصلاة الوتر ما كان يتركها ﷺ لا في السفر ولا في الحضر.\nقال ﷺ: (الوتر حق على كل مسلم)، لو جاء هذا الحديث فقط لكان الوتر لازمًا على كل مسلم، ولكن يمنعنا من القول بالوجوب هنا -وإن كان الأحناف قد قالوا بالوجوب- أنه قد جاءت صوارف لهذا الوجوب كقول النبي ﷺ للأعرابي: (خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال الرجل: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع)، فدل على أن غيرها تطوع، وهذا الوتر من التطوع الذي لا يلزم، وإنما يتأكد استحبابه.\nوأيضًا من الأدلة على عدم الوجوب قضاء الله سبحانه المبرم المحكم في ليلة المعراج، حيث قال: (هن خمس، أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي)، إذًا فليس هناك زيادة على الخمس الصلوات التي فرضها الله ﷿ على النبي ﷺ.\nفقوله هنا: (الوتر حق) مصروف عن الوجوب والإلزام إلى الاستحباب، وفيه تأكيد الاستحباب.\nومما يدل على الاستحباب أيضًا قوله: (فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل)، فدل على الاستحباب لأنه راجع إلى مشيئة العبد.","vol":"17","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>عدد الركعات في صلاة الوتر</span>\nيجوز أن يصلي المسلم الوتر ثلاث ركعات متصلات، أو خمس ركعات متصلات، أو ركعة واحدة فقط، فهذا كله جائز.\nروى النسائي عن ابن عباس عن أم سلمة ﵂: (كان رسول الله ﷺ يوتر بسبع أو خمس لا يفصل بينهن بتسليم).\nإذًا: كان ﷺ إذا زاد على ثلاث كأن يصلي خمس أو سبع ركعات كان لا يفصل بينهن بتسليم، فكان يصلي النافلة بعد العشاء ثمان ركعات: ركعتين وركعتين وركعتين، ثم يوتر بخمس متصلات يجلس في الرابعة والخامسة، وكذلك إذا صلى سبع ركعات متصلات فإنه يجلس للتشهد في السادسة والسابعة، وإذا صلى تسع ركعات فإنه يجلس في الثامنة والتاسعة، وكان إذا صلى سبعًا متصلات أو تسعًا متصلات فإنه يصلي بعدهن ركعتين، لبيان جواز ذلك.\nويجوز إذا أوتر بخمس ركعات متصلات ألا يجلس إلا في الخامسة فقط كما في حديث عائشة ﵂، ويجوز أن يجلس في الأخيرة وقبل الأخيرة، فقد جاء أنه ﷺ كان يفعل ذلك.\nروى النسائي عن أبي بن كعب ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يقرأ في الوتر ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، وفي الركعة الثانية بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، وفي الثالثة: بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، ولا يسلم إلا في آخرهن، ويقول - يعني: بعد التسليم -: سبحان الملك القدوس ثلاثًا)، فهذه سنة من سننه.\nوفي حديث آخر: كان يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١]، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١]، والأمر واسع.\nوأيضًا روى الدارقطني عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا توتروا بثلاث، أوتروا بخمس، أو بسبع، ولا تشبهوا بصلاة المغرب).\nهذا الحديث يؤخذ منه أن الأفضل ألا يوتر بثلاث ركعات متصلات، وهذا جائز، فقد جاء من فعله ﷺ، فهنا يقول: لا تجعل الوتر مثل صلاة المغرب، فصلاة المغرب تجلس فيها بعد الركعة الثانية، ثم تقوم للثالثة، ثم تجلس في الثالثة، فهنا يقول: لا تشبه الوتر بصلاة المغرب، أي: لا تصلي ثلاث ركعات، ولكنه ﷺ قد فعل هذا.\nفالمعنى الآخر: أنك لا تجلس في الركعة الوسطى منها، ويجوز أن تجلس في الأخيرة والتي قبل الأخيرة في الخمس ركعات والسبع الركعات.\nوله أن يوتر بسبع وبتسع متصلات لا يجلس إلا في الأخيرتين، فقد جاء عن السيدة عائشة ﵂ أنها أخبرت بذلك، فقالت: (كان يوتر بثمان ركعات لا يجلس إلا في الثامنة، ثم يقوم فيصلي ركعة أخرى لا يجلس إلا في الثامنة والتاسعة)، وهذه الصلاة كان يصليها وحده ﷺ، ولم يكن يصليها بالناس.\nفإذا كنت إمامًا للناس فلا يستحب لك ذلك، بل المستحب أن تصلي ركعتين ركعتين، ولو كان فعل هذا مستحبًا بالناس لفعله النبي ﷺ بالناس، وإنما فعل هذا وحده، ولذلك أخبرت السيدة عائشة عن ذلك، فكان ﷺ يصلي صلاة طويلة، وأما مع الناس فيصلي تسع ركعات، فلعل الإنسان يحدث في الصلاة فإذا صلى الإمام ركعتين ركعتين يذهب المحدث ليتوضأ، ولو صلى الإمام أكثر فإن المأموم سيتحسر على ما فاته فيها، فلذلك قال النبي ﷺ: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)، إذًا: فالمستحب أن تصلي هذه الصلاة في البيت، فيجلس الإنسان في الثامنة والتاسعة إذا كانت تسع ركعات، وإذا كانت سبع ركعات جلس في السادسة والسابعة، وسلم في الأخيرة.\nقالت: (ثم يصلي ركعتين وهو جالس) تعني: إذا صلى تسع ركعات متصلات وقد تعب من التسع الركعات المتصلات، فإنه يقوم يصلي بعدها ركعتين وهو جالس صلوات الله وسلامه عليه، وكذلك إذا صلى سبع ركعات، قالت: (ولم يقرأ القرآن في ليلة قط) تعني: لم يقرأ القرآن كله في ليلة، لكن أقصاه أنه كان يقرأ بالسبع السور الطوال من القرآن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، وبراءة، يقرأ هذا كله في قيام الليل، أي: أنه يقرأ بأكثر من ألف آية ﵊، لكنه لم يكن يقرأ القرآن من أوله إلى آخره في ركعة كما جاء عن بعض أصحابه أنه فعل ذلك، كـ عثمان وعبد الله بن عمرو، فهو نفسه ﷺ لم يفعل ذلك؛ حتى لا يشق على أمته صلوات الله وسلامه عليه.\nتقول عائشة ﵂: (ولم يصم شهرًا يتمه غير رمضان)، فالشهر الوحيد الذي صامه تامًا هو رمضان، وهذا يشكل عليه ما جاء عنها هي: (أنه كان يصوم أكثر شعبان أو كان يصومه كله) فلم يكن يداوم كل سنة على صيام شعبان كله، فأحيانًا كان يصوم شعبان كله وأحيانًا كان يكثر من الصوم في شعبان، (وكان إذا صلى صلاة داوم عليها)، (كان أحب العمل إليه أدومه وإن قل) ﷺ، (وكان إذا غلبته عيناه من الليل بنوم صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة).","vol":"17","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>من نام عن صلاة الوتر أن نسيها</span>\nكان ﷺ إذا غلبته عيناه يعني: إذا تعب بالنهار في الإصلاح بين الناس، أو في الجهاد في سبيل الله، أو في أمر من الأمور فتعب ﷺ فجاء آخر الليل ولم يستطع أن يقوم فنام وغلبته عيناه، فهنا كان يصلي في النهار ثنتي عشرة ركعة مكان صلاة الليل وهي إحدى عشرة، فالنهار ليس فيه وتر إلا المغرب، فكان يصلي في وقت الضحى ثنتي عشرة ركعة صلوات الله وسلامه عليه.\nوقد حث النبي ﷺ على صلاة الوتر قبل طلوع الصبح وقال: (أوتروا قبل أن تصبحوا)، رواه مسلم.\nوقال: (من نام عن الوتر أو نسيه فليوتر إذا ذكر أو استيقظ)، فإذا كان الإنسان متعودًا أن يصلي صلاة الوتر، ثم نسيه في مرة من المرات أو نام ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر فإنه يستحب له إذا قام من الليل أن يصلي ركعة الوتر، سواء قام قبل الفجر أو بعد أن يؤذن الفجر، ثم يصلي سنة الصبح، ثم صلاة الصبح بعد ذلك.\nوروى ابن أبي شيبة عن معاوية بن قرة ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني أصبحت ولم أوتر، فقال: إنما الوتر بالليل)، هذا ليبين له أن الأمر ليس بالتشهي، وكأن الرجل اعتاد أن يوتر كل يوم، وهذه المرة غلبته عيناه، فذهب إلى النبي ﷺ يخبره بذلك، وقد صعب عليه هذا الذي وقع فيه فبعدما ألح الرجل في السؤال مرة واثنتين وثلاثًا وأربعًا قال له النبي: (فأوتر).\nوفي حديث آخر رواه ابن خزيمة عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: (من أدرك الصبح ولم يوتر فلا وتر له)، فهذا الحديث مع الحديث الذي قبله فيهما تضييق في أمر الوتر، فإذا تركته عمدًا إلى أن طلع الصبح، فقد انتهى وقته، ولا وتر بعد ذلك، لكن من كانت عادته أن يصلي الوتر فغلبته عيناه يومًا فهذا يأخذ بالحديث الذي فات على شيء من التضييق؛ لأن النبي ﷺ لم يأذن له إلا بعدما ألح الرجل ثلاث مرات أو أربع مرات، إذًا فالأصل هو عدم تضييع الوتر، فإذا أخرت الوتر متعمدًا إلى أن طلع الفجر فقد انتهى وقته.","vol":"17","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>القراءة في صلاة الوتر</span>\nوقد ذكرنا سابقًا ما هو الذي يقرأه في الوتر، وأيضًا روى الترمذي عن عبد العزيز بن جريج قال: سألنا عائشة: (بأي شيء كان يوتر رسول الله ﷺ؟ قالت: كان يقرأ في الأولى بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، وفي الثالثة: بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] والمعوذتين).\nوكان أحيانًا يوتر بغير ذلك، فروى النسائي عن أبي مجلز: (أن أبا موسى الأشعري ﵁ كان بين مكة والمدينة فصلى العشاء ركعتين، ثم قام فصلى ركعة أوتر بها، فقرأ فيها بمائة آية من النساء، ثم قال: ما ألوت أن أضع قدمي حيث وضع رسول الله ﷺ قدميه وأنا أقرأ بما قرأ به رسول الله ﷺ).\nوأيضًا يجوز أن يقرأ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٦٤]، في الثانية، ويقرأ في الركعة الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ﴾ [البقرة:١٣٦].\nإذًا: فأمر الوتر واسع فسواء قرأ بآية في الأولى بعد الفاتحة وآية في الثانية بعد الفاتحة، وختم في الأخيرة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، أو قرأ بآية واحدة من ذلك، أو قرأ بمائة آية من سورة النساء، وأفضل شيء أنه يقرأ بما واظب عليه النبي ﷺ، فقد كان يقرأ ﵊ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١].\nوجاء أن القراءة بـ ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ [آل عمران:٦٤]، وقوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة:١٣٦]، كان يقرأ بها في ركعتي الفجر، وكذلك: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] لأن هذه الآيات بالليل لها فضيلة، فقرها النبي ﷺ في سنة الفجر، وقرأ في الوتر بمائة من النساء، وقرأ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] وبالمعوذتين.\nويستحب لمن فاته قيام الليل أن يصلي بدله من النهار كما ذكرنا عن النبي ﷺ، فقد جاء عنه: (من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل).\nوملخص ما مضى في الوتر وفي سنة الفجر: أما الوتر فهو إحدى عشرة ركعة، وما جاء أنه صلى ثلاث عشرة فهو محمول على أنها سنة الفجر، أو أنهما ركعتان زائدتان كان يصليهما النبي ﷺ، ويجوز أن يصلي أكثر من ثلاث عشرة.\nوالوتر يقرأ فيها بما شاء من القرآن، ولكن أفضل شيء فعله النبي ﷺ، أنه كان يقرأ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١]، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١]، وهذا في الركعة الوحيدة للوتر، وإذا كان في الثلاث الركعات فيقرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] في الأولى، والثانية: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، والثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، أو ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] والمعوذتين يقرأهما.\nفإذا أطال في ركعة الوتر جاز أن يقرأ من سورة طويلة كأن يقرأ سورة النساء، وجاز أن يقرأ أقل من ذلك بما يتيسر له، لكن هذه سنته ﷺ.\nوإذا كان في رغيبة الفجر، وهما الركعتان بعد الوتر، فقرأ النبي ﷺ بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، في الشفع وأيضًا في الوتر، وفي سنة الفجر كذلك: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٦٤]، ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة:١٣٦] وسنة الفجر تعتبر من صلاة الليل لأنها في الغلس.\nوالقراءة في التراويح يقرأ بما شاء من القرآن، ولكن استحب جماهير العلماء أن يختم القرآن في صلاة التراويح ولو مرة في رمضان.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أما قراءة القرآن في التراويح فمستحب باتفاق أئمة الإسلام، بل إن من أجل مقصود التراويح قراءة القرآن كله فيها كي يسمع المسلمون كلام الله إذا وهذا له نظير في السنة أن المسلم يسمع القرآن كله ولو مرة، كما كان النبي ﷺ يذاكره جبريل القرآن كله فيه، وبعض الناس يقول: لماذا تقرأ القرآن كله ولم يفعله النبي ﷺ؟\nو\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أن النبي ﷺ لم يصل بالمسلمين رمضان كله، ولو صلى بهم لعرف ذلك، فنقول: إن هذا ليس واجبًا، لكن يستحب له أن يسمع الناس القرآن كله.\nيقول ابن تيمية ﵀: إن شهر رمضان فيه نزل القرآن، وفيه كان جبريل يدارس النبي ﷺ القرآن، وكان النبي ﷺ من أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن.\nيقول: وقد ذهب الحنابلة وأكثر الحنفية إلى أن السنة أن يختم القرآن الكريم في صلاة التراويح يسمع الناس جميع القرآن، قال الحنفية: السنة الختم مرة، فلا يترك الإمام الختم لكسل القوم.\nفإذا كان هذا الختم يشق على الناس فيقرأ بحسب ما يتيسر ولا يشق على الناس.\nروى ابن أبي شيبة عن أبي عثمان قال: دعا عمر القراء في رمضان فأمر أسرعهم قراءة أن يقرأ ثلاثين أية، والوسط خمسًا وعشرين، والبطيء عشرين آية.\nوروى مالك في الموطأ عن الأعرج قال: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان، وكان القارئ يقرأ سورة البقرة في ثمان ركعات، فإذا قام بها في اثنتي عشرة ركعة رأى الناس أنه قد خفف.\nوكأنه زاد الركعات من أجل ألا يشق على الناس بالقراءة الطويلة، فيقرأ سورة البقرة في ثنتي عشرة ركعة فلا يشق عليهم.\nوروى مالك عن السائب بن يزيد ﵁ قال: أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين.\nوسور المئين هي السورة التي تتعدى آياتها المئة آية، مثل: سورة الكهف، وسورة هود، وسورة يونس، وسورة الإسراء، وغيرها.\nيقول: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر.\nأي: قرب طلوع الفجر.","vol":"17","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>حكم الصلاة في وقت الترويح</span>\nإذا صلى الإمام ركعتين وجلس للاستراحة هل يقوم الناس ليصلوا ركعتين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أن الإمام أحمد كره التطوع بين التراويح، فهذا الوقت وقت راحة من أجل أن تستعد وتنتبه لصلاتك بعد ذلك، فلا معنى أن تصلي بين الركعتين ركعتين أخريين، فإذا انتهى الإمام ورجعت إلى بيتك فصلي ما شئت، فإذا كنت في المسجد فأنت في صلاة سواء كنت تصلي الآن مع الإمام أو كنت جالسًا.\nإذًا: فاجلس بين الركعتين واسترح حتى تهيئ نفسك للقيام بعد ذلك.\nفقد كره الإمام أحمد التطوع بين التراويح وقال: فيه عن ثلاثة من أصحاب رسول الله ﷺ.\nيعني: ثلاثة من الصحابة منعوا من ذلك، وهم: عبادة وأبو الدرداء وعقبة بن عامر ﵃، فقد منعوا من أن يقوم الإنسان بين التروايح ليصلي ركعتين، فإنما سميت التراويح لأنهم بين الركعات يجلسون ويستريحون حتى يقوموا بعد ذلك.","vol":"17","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>استحباب قراءة القرآن في التراويح من الحفظ ويجوز من المصحف</span>\nالمستحب في قراءة القرآن في التراويح أن يقرأ القارئ من حفظه، فهذا فعل النبي ﷺ، وفعل أصحابه، ولكن مع وجود - أحيانًا - الزحمة في المسجد والإمام قد يخطئ فيرد عليه عشرون أو ثلاثون ممن خلفه ويفتحون عليه، فربما لا يفهم مرادهم ولا يستطيع أن يكمل القراءة فبعض القراء يجعل أمامه مصحفًا؛ من أجل أن يراجع بدلًا من أن يفتح عليه شخص من خلفه فيضطرب.\nوهذا فعله ذكوان مولى عائشة ﵂، ولم ينكر عليه أحد في ذلك، فيجوز للإمام أن يفتح المصحف لكن الأفضل ترك ذلك.\nوأما المأموم فلا معنى أن يفتح المصحف وهو يصلي، فبعض المأمومين يفعلون ذلك ويفتحون المصاحف أثناء الصلاة، فنقول لهم: لا تفعل ذلك، ولكن عود نفسك أن تسمع القرآن وتنتبه له، فالبعض يقول: عندما أسمع القرآن أسهو ويذهب فكري بعيدًا، فالصلاة صلة بينك وبين ربك، فعليك أن تحضر قلبك في الصلاة ولا تنشغل بشيء، لا بمصحف ولا بغيره، فهذا غير مطلوب من المأموم.\nوأما كون الإمام يخطئ في القراءة فو أمر عادي لا ضير فيه، فليفتح عليه من وراءه من الحفاظ فلنعود أنفسنا أنه إذا صلى الإمام وكان يقرأ من حفظه وأخطأ الإمام فليترك من خلفه هم الذين يردون عليه، والنبي ﷺ يقول: (ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى)، فيبقى الحفاظ للقرآن خلف الإمام، ويكفي أن يفتح عليه واحد ولا يكثر الفاتحون حتى لا يشوشوا عليه، فالصلاة صلة بين العبد وبين ربه، وهي تقرب إلى الله، فيكون فيها خشوع وإخبات.\nوننبه هنا أن مسألة فتح المصحف والقراءة منه يكون صلاة النافلة فقط، وأما الفريضة فلا يجوز أن تفتح المصحف وتقرأ منه، وليس هناك أحد من العلماء جوز ذلك، إنما جوزوا ذلك في صلاة التراويح أو صلاة الوتر، وهو قول بعض العلماء أخذًا بفعل ذكوان مولى عائشة حين كان يؤم بـ عائشة رضي الله ﵎ عنها.","vol":"17","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>حكم القنوت في الوتر</span>\nيستحب دعاء القنوت بعد الرفع من الركوع في الوتر، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قنت قبل الركوع، والأمر واسع، لكن الأفضل حتى لا يضطرب الناس أن يكون بعد الركوع، فالناس قد تعودوا على ذلك.\nوقد ثبت ذلك عن النبي ﷺ.\nودعاء القنوت ليس في رمضان فقط، بل في السنة كلها، يقول الحسن بن علي ﵁: (علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت).\nفيجوز الدعاء في رمضان وفي غير رمضان بهذا الدعاء وأن تزيد عليه، وإنما هذا والذي علمه النبي ﷺ للحسن بن علي أن يدعو به.\nوكان في عهد عمر ﵁ يدعون فيلعنون الكفرة في النصف.\nيعني: كانوا يدعون، فإذا جاء نصف رمضان لعنوا الكفرة ودعوا على الكفرة، فيقولون: اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ولا يؤمنون بوعدك.\nفهذا من دعاء الأئمة في عهد عمر، وجاء عن النبي ﷺ قريبًا من ذلك، وليس بنفس النص، ولم يكن في الوتر، وإنما دعا النبي ﷺ في يوم أحد بعدما حصلت الهزيمة للمسلمين، فوقف يثني على الله ويمدح الله وذكر قريبًا من هذا الدعاء صلوات الله وسلامه عليه، فيجوز أن تدعو بذلك.\nفهم كانوا يدعون في النصف، والآن المصائب عندنا كثيرة في بلاد المسلمين، ففي كل بلاد المسلمين مصائب، ففي كل يوم اليهود يعملون مصيبة في فلسطين، إذًا فليس هناك وجه لتخصيص النصف من رمضان بذلك، فيجوز أن تدعو وتلعن الكفار في جميع رمضان وفي غير رمضان، والصحابة لعلهم كان إخوانهم يخرجون للجهاد في هذه الأيام وهم يصلون، فكانوا يفعلون ذلك، وأما الآن فالمسلمون مبتلون في كل مكان، ومستضعفون، ومقتلون في الشرق وفي الغرب، فهنا تدعو للمسلمين أن ينصرهم الله ﷿، وأن يكون معهم، في رمضان وفي غير رمضان.","vol":"17","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>الدعاء بعد الوتر</span>\nتقول بعدما تنتهي من صلاة الوتر وأنت جالس: سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس، ثلاث مرات، وتدعوا الله ﷿: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك)، فيجوز أن تقوله وأنت ساجد في الصلاة، ويجوز أن تقوله بعدما تنتهي من صلاة الوتر، لكن الذي كان يفعله النبي ﷺ أن يقول: (سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس).\nأسأل الله ﷿ أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"17","page":9},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-179> ليلة القدر وفضل قيامها</span>\nليلة القدر هي أفضل ليالي السنة، ففيها يقدر الله ﷿ على العباد ما يكون في السنة المقبلة.\nوتكون ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، ولها علامات ذكرها النبي ﷺ في أحاديثه.\nويستحب للمسلم في هذه الليلة أن يدعو الله ﷿ ويسأله العفو والعافية.","vol":"18","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>حكم من نذر أن يعتكف فمات قبل ذلك</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nمسألة: ما حكم من نذر أن يعتكف فمات قبل ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  من نذر اعتكافًا ومات قبل أن يوفيه فيستحب لأوليائه أن يعتكفوا عنه، لقول سعد بن عبادة ﵁ قال: إن أمي ماتت وعليها نذر، وكان نذرها صومًا، فقال له النبي ﷺ: (اقضه عنها) فيستحب لأولياء المتوفى أن يصوموا عنه ما وجب عليه ولم يفعله من نذر أو من فريضة فرضها الله ﷾ عليه من صيام أو حج مثلًا، فإذا نذر شيئًا من ذلك أو كان فرضًا عليه وكان قادرًا عليه ولم يفعل ذلك في حياته فعله عنه أولياؤه وهذا استحبابًا وليس فرضًا واجبًا.","vol":"18","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>فضل ليلة القدر</span>\nليلة القدر هي أفضل ليالي السنة، والعبد المؤمن يستحب له أن يتحرى هذه الليلة قدر المستطاع، فهي ليلة واحدة في العام، فإذا أحياها كان له فضل قيام ألف شهر، وكأن الله سبحانه عوض هذه الأمة لقصر أعمارها بعبادات لها أجور كثيرة، وكانت الأمم التي قبلنا أعمارها طويلة، فقد عاش نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام ألف سنة، فهذه الأمة فيها قال النبي ﷺ: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين) فربنا عوض هذه الأمة بهذه الليلة، فمن أراد عبادة سنين طويلة لم يعشها فقد جعل الله له هذه الليلة العظيمة وحدها بعبادة ثلاث وثمانين سنة، تخيل لو أنك تعيش ثلاث وثمانين سنة هل تقدر أن تعبد الله ﷿ في الثلاث والثمانين سنة؟ هذا بعيد وصعب جدًا، فالإنسان لا يقدر أن يعبد ربنا يومًا كاملًا ليل نهار، فكيف بألف شهر؟! والله جعل لك عبادة ثلاث وثمانين سنة أي: أجر ألف شهر كاملة، إذا قمت ليلة واحدة وهي ليلة القدر ولم يقل يومًا وليلة.\nلذلك على المؤمن أن يتحرى هذه الليلة بالعبادة لينال فيها عبادة ألف شهر خالصة، كما ذكر ربنا سبحانه ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٣].\nقال ابن عباس: (العبادة فيها خير من العبادة في ألف شهر بصيام نهارها وقيام ليلها) أي: خير من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.","vol":"18","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>سبب تسمية ليلة القدر بليلة القدر</span>\nسميت ليلة القدر بليلة الحكم، لأن الله يحكم فيها بما يشاء، فهي ليلة قدر، قال الله فيها: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الدخان:٤ - ٦] فالله ﷿ يقدر في هذه الليلة بما في أيدي الملائكة من صحف ما قدره قبل أن يخلق الخلق، فينسخ من اللوح المحفوظ ما يكون من أعمال السنة، فتكتب الملائكة ما قدره الله ﷿ على العباد في خلال هذه السنة في ليلة القدر، قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤] قال العلماء: معناه أن الله تعالى يأمر الملائكة فيها أن تكتب في تلك السنة، وما يكون فيها من الأرزاق والآجال وغير ذلك، ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم، وكل ذلك قد سبق في علم الله سبحانه وتقديره، فسميت ليلة القدر بليلة الأقدار.\nوليلة القدر هي الليلة العظيمة القدر التي لها شأن عظيم عند الله وعند خلق الله ﷾، قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١ - ٢] أي: ما أعظم هذه الليلة، فهي ليلة عظيمة ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر:٣ - ٤] الملائكة تنزل من السماء، والروح هو جبريل فهو روح القدس، فينزلون جميعًا من السماء إلى الأرض، ويسلمون على المؤمنين كما ذكر في أثر عن ابن عباس أنه قال: (يسلمون على كل مؤمن ومؤمنة -أو على كل مؤمن- إلا مدمن خمر أو مصرًا على معصية أو كاهنًا أو مشاحنًا) فمن أصابه السلام غفر له ما تقدم من ذنبه.\nفالملائكة تنزل ونحن لا نراها، لكن نؤمن بما قاله ربنا سبحانه ﵎.\nوفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه) أي: من قام ليلة القدر مؤمنًا بأنها الليلة التي ذكرها الله ﷿ في كتابه، -والله ذكر كلامًا صدقًا يعلمنا ويحثنا على العبادة- فهو مؤمن بذلك ومصدق أن هناك ليلة قدر في رمضان، وهي ليلة من ليالي هذا الشهر العظيم كما أخبر النبي ﷺ، فإذا قامها مؤمنًا بها، وأنها خير من ألف شهر محتسبًا أجرها، أي: طالبًا الأجر من الله، لم يقم رياء وسمعة، وإنما قام يطلب من الله أن يؤجره على ذلك، غفر الله له ذنوب السنين الماضية كلها.\nفرحمة الله عظيمة واسعة، فالصيام يكفر الله ﷿ به الذنوب، كصيام يوم عرفة يكفر ذنوب سنتين.\nوصيام يوم عاشوراء يكفر ذنوب سنة، وقيام ليلة القدر يكفر الذنوب من ساعة ما يولد الإنسان حتى هذه الليلة، أي: ما تقدم من الذنوب، فمن قامها راجيًا فضل الله سبحانه، تائبًا إليه مؤمنًا مصدقًا غفر له ما تقدم من ذنبه.","vol":"18","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>متى تكون ليلة القدر</span>\nوليلة القدر منحصرة في العشر الأواخر، وجبريل أخبر النبي ﷺ بذلك، لأن النبي ﷺ كان يعتكف من رمضان في أوله وفي وسطه فجاءه جبريل، وقال: أنت تطلب ليلة القدر وليست في الأول ولا في الوسط، إنما هي في آخر الشهر، فاعتكف النبي ﷺ في آخر الشهر، فعرف الصحابة أنها في ليلة من ليالي العشر الأخيرة من الشهر.","vol":"18","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>علامات ليلة القدر</span>\nهنالك علامات لهذه الليلة، فقد جاء ذلك من أحاديث النبي ﷺ، هذه العلامات لا تعرف قبلها ولكن تعرف بعدها، فمنها: أنها ليلة طلقة لا حارة ولا باردة، أي: أنها ليلة سهلة طيبة لا حارة شديدة الحرارة، ولا باردة عظيمة البرودة، ولكنها وسط بين الاثنين، والملائكة في تلك الليلة يكونون في الأرض مع العباد أكثر من عدد الحصى على الأرض، وتطلع الشمس صبيحة هذه الليلة بيضاء ليس لها كثير شعاع، أي: في وقت الشروق، فإنها تشرق قرصًا أبيضًا طالعًا أو قرصًا أحمرًا طالعًا لا شعاع لها.\nففي صحيح مسلم عن زر بن حبيش قال سمعت أبي بن كعب ﵁ وقيل له: (إن عبد الله بن مسعود يقول: من قام السنة أصاب ليلة القدر -كأنه يحث الناس على قيام السنة كلها- فقالوا ذلك لـ أبي بن كعب ﵁، فقال: والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي رمضان فهو يحلف ولم يستثن، وابن مسعود شدد قليلًا من أنها في العام كله، ثم قال: ووالله إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا بها رسول الله ﷺ بقيامها).\nكأنه لم يسمع أن النبي ﷺ قال: (هي ليلة سبع وعشرين) فهو أخذ بما أمرهم به النبي ﷺ من قيام تلك الليلة إلى طلوع الفجر، فكانت ليلة سبع وعشرين، فظن أبي بن كعب أنها الليلة هذه فقط.\nوالراجح في ذلك أنها ليلة متنقلة في العشر الأواخر من شهر رمضان؛ لأن النبي ﷺ قال: (أنزل القرآن لأربع وعشرين ليلة خلت من شهر رمضان) ففي ليلة أربع وعشرين أنزل القرآن إلى السماء الدنيا، والكتب السماوية كصحف إبراهيم نزلت في أول رمضان، وتوراة موسى في ستة من رمضان، وإنجيل عيسى في ثلاثة عشر من رمضان، والقرآن العظيم نزل في أربع وعشرين من رمضان، وقول النبي ﷺ أنها في ليلة أربع وعشرين، وفي ليلة سبع وعشرين فقط.\nوالراجح في ذلك أنها تتنقل في هذه الليالي الأخيرة من شهر رمضان، أما حديث أبي فواضح من كلامه أنه ليس نصًا عن النبي ﷺ، وإنما هو ما فهمه من النبي ﷺ لما حثهم على أن يقوموا هذه الليلة فقاموها كلهم، وفي الصبح عرفوا أنها كانت ليلة القدر، فكانت ليلة سبع وعشرين وهذا لا ينافي أن تكون غير هذه الليلة.\nقال أبي بن كعب ﵁: هي ليلة صبيحة سبع وعشرين، وأمارتها: أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها، ولعل البعض من الناس يقوم في صبيحة سبع عشرين ويرى الشمس وهي طالعة وهو ليس متعود أن يرى الشمس قبل ذلك في وقت الشروق، فإذا به يرى الشمس طالعة شعاعها خفيف أو أن لونها أحمر، فيقول: كانت الليلة ليلة القدر، فلا يعرف هذا إلا بمقارنة صبيحة كل ليلة، أي: صبيحة ليلة واحد وعشرين واثنين وعشرين إلى آخر الشهر، فإذا أصبحت والشمس بيضاء وشعاعها أخف ما يكون، فاعلم أن هذه الليلة كانت ليلة القدر، فلعلك ترى الشمس طالعة بيضاء وهي ومحجوبة وراء سحابة خاصة في فصل الشتاء، فتقول: ليلة البارحة هي ليلة القدر، وتترك القيام بعد ذلك.\nفإذا فعلت ذلك فقد ضيعت على نفسك وفرطت في أمرك، وحتى لو عرفت أن ليلة القدر كانت هذه الليلة التي أنت فيها، هل يكفي أن تقومها وتترك قيام ما بعدها؟ لا، فالنبي ﷺ الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال: (أفلا أكون عبدًا شكورًا) فالمؤمن يتعلم من هدي النبي ﷺ، فلو أن الله أرانا ليلة القدر فقمنا فيها لكان ينبغي علينا أن نقوم بعد ذلك شاكرين الله على ما وفقنا له، لا أن نسهو ونترك ونغفل ونرجع إلى اللعب مرة أخرى.\nومن الأحاديث التي جاءت في ذلك، حديث ابن عباس ﵁ وهو في الطيالسي قال: (ليلة القدر ليلة سمحة طلقة، لا حارة ولا باردة، تصبح الشمس صبيحتها ضعيفة حمراء) وفي رواية لـ أبي داود: (تصبح الشمس صبيحة تلك الليلة مثل الطست ليس لها شعاع حتى ترتفع)، وفي حديث آخر قال: (إنها ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين) أي: توقعوها ما بين ليلة سبع وعشرين أو ليلة تسع وعشرين من شهر رمضان.\nوالملائكة في تلك الليلة أكثر من عدد الحصى، والنبي ﷺ ذكر أن القرآن نزل ليلة أربع وعشرين، وكأنه لما خاف أن الناس يتحروا هذه الليلة فقط، قام النبي ﷺ الليالي الأخرى وحثهم على الاجتهاد فقد تكون ليلة سبع وعشرين أو ليلة تسع وعشرين، وقد تكون آخر الشهر.","vol":"18","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>ما يستحب في هذه الليلة</span>\nالذي يقوم هذه الليلة يستحب له أن يدعو الله سبحانه كما علم النبي ﷺ عائشة بأن تقول: (اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني)، ويستحب للإنسان أن يكون هذا الدعاء على لسانه لأن النبي ﷺ حثنا على سؤال الله سبحانه العفو والعافية فقال: (سلوا الله العفو والعافية).","vol":"18","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>الأحاديث التي فيها تحري ليلة القدر</span>\nوفي الصحيحين عن ابن عمر أن رجالًا من أصحاب النبي ﷺ أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فذهبوا إلى النبي ﷺ ليخبروه بذلك، فقال النبي ﷺ: (أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر) ولو كان يعرف أي ليلة هي لأخبرهم ﷺ، ولكنه مرة رأى رؤيا منامية فلما أصبح ذهب ليخبرهم بها فنسيها.\nوفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري: (أن النبي ﷺ كان يجاور في رمضان العشر التي في وسط الشهر، فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة تمضي ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه) ومعنى يجاور: يعتكف، أي: كأنه كان يبقى معتكفًا، من يوم عشرة من الشهر إلى يوم عشرين، وليلة واحد وعشرين يكون في بيته ﵊، فكان يعتكف العشر الوسطى من الشهر، قال أبو سعيد الخدري: (وأنه أقام في شهر جاور الليلة التي كان يرجع فيها فخطب الناس) أي: في ليلة واحد وعشرين كان يرجع إلى بيته إلا في هذه السنة فإنه اعتكف، فخطب بالناس فقال: (كنت أجاور هذه العشر ثم قد بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر -أي: العشر الأخيرة من رمضان- فمن كان اعتكف معي فليثبت في معتكفه، وقد أريت هذه الليلة) فالعلة في الاعتكاف من أجل ألا تضيع عليه ليلة القدر.\nوقال لأصحابه: (قد أريت هذه الليلة ثم نسيتها) أي: أنه ﷺ رأى في المنام أن ليلة كذا هي ليلة القدر، فلما أصبح الصبح وهو ذاهب إلى أصحابه يحدثهم بها، فرأى اثنان يتعاركان فرفع عنه علم هذه الليلة في هذه السنة، ثم قال النبي ﷺ: (فابتغوها في العشر الأواخر -أي: العشر الأواخر شفعًا ووترًا- وابتغوها في كل وتر -أي: أكثروا من العبادة خاصة في الليالي الوترية- وقد رأيتني أسجد في ماء وطين) أي: أنه رأى في المنام أنه ساجد في هذه الليلة في ماء وطين ﷺ، وكان قد أخبر عن هذه الليلة في هذا العام فلما خرج نسيها ﵊ لأنه قال في رواية: (فجاء رجلان يحتقان معهما الشيطان) أي: يتعارك كل واحد مع الآخر، فيقول الأول: هذا حقي، ويقول الثاني: هذا حقي، فاختصما أمام النبي ﷺ، وجاء معهما الشيطان فنسي النبي ﷺ هذه الليلة في ذلك العام، ولكن ذكر في الرؤيا أن هذه الليلة سيقوم فيها من سجوده وعلى جبهته أثر ماء وطين، فاستهلت السماء ليلة من ليالي العشر الأواخر من رمضان أي: أمطرت، (فبصرت عيني رسول الله ﷺ ونظرت إليه -أي: بعدما انتهى من صلاة الصبح- ووجهه ممتلئ طينًا وماء) يعني أن النبي ﷺ سجد على أرض المسجد، وكان فيه حصى ولم يكن فيه سجاد ولا موكيت، فحولت السماء أرض المسجد من تراب إلى طين، فسجد النبي ﷺ على الأرض، فانصرف من صلاته وعلى وجهه أثر الماء والطين فعرفوا أن البارحة كانت ليلة القدر، لأن النبي ﷺ أخبر أنه رأى في المنام أنه على جبهته في صبيحتها الماء والطين.\nوكانت هذه الليلة كما قال ﵁: (ليلة إحدى وعشرين)، والصواب من قول أهل العلم أنها ليلة متنقلة وليست ثابتة، فهي ليست ليلة سبع وعشرين فقط، بل هي ليلة متنقلة من ليلة إحدى وعشرين إلى آخر الشهر شفعًا ووترًا كما جاء عن النبي ﷺ في أحاديثه.\nوقال ﷺ: (هي في تسع يمضين أو في سبع يبقين -يعني: ليلة القدر-).\nوفي حديث آخر قال: (التمسوها في العشر من رمضان، في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى) هذه الليالي يكون عدها من آخر الشهر إلى أول الشهر، فتاسعة تبقى إذا كان الشهر ثلاثين يومًا وستكون ليلة إحدى وعشرين، وإذا كان تسعة وعشرين يومًا ستكون ليلة عشرين، أو إذا كان الشهر ثلاثين يومًا ستكون ليلة اثنين وعشرين، والتاسعة الباقية منها، فكأنه جعلها بين الشفع والوتر، فمن تحري ليلة إحدى وعشرين، فليتحر معها ليلة اثنين وعشرين، وسابعة تبقى أي: يتحرى ليلة ثلاث وعشرين وأربع وعشرين، فكأن النبي ﷺ أراد أن تقام جميع الليالي الأخيرة ولا يفرط فيها لكي تدرك هذه الليلة.\nوقوله ﷺ في التاسعة تبقى والسابعة والخامسة يكون العد فيها من أول العشر، أي: من واحد وعشرين، فتلتمس ليلة خمسة وعشرين وسبعة وعشرين وتسعة وعشرين، أو ليلة واحد وعشرين وثلاث وعشرين وخمسة وعشرين.\nوجاء عنه ﷺ في حديث آخر في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن أنيس ﵁ قال: (فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين، فصلى بنا رسول الله ﷺ فانصرف وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه) هذه ليلة القدر للمرة الثانية وكانت في سنة أخرى، وفي الحديث الذي مضى كانت في ليلة إحدى وعشرين، وفي هذا الحديث الذي في صحيح مسلم كانت في ليلة ثلاث وعشرين، وجاء عنه ﷺ أن نزول القرآن كان ليلة أربع وعشرين.\nنذكر هذا حتى لا يتحرى المتحري ليلة سبع وعشرين فقط فيضيع على نفسه خيرًا كثيرًا، ولكن الحرص يكون على الليالي الأخيرة كلها بالصلاة لله ﷿، سواء كان ذلك في المسجد أو في البيت.\nوروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: (تذاكرنا ليلة القدر عند رسول الله ﷺ فقال: أيكم يذكر حين طلع القمر وهو مثل شق جفنة) أي: أنهم كانوا يتذاكرون ليلة القدر بعد أن انتهى رمضان فقال لهم: إنها في الليلة التي طلع القمر فيها مثل شق الجفنة.\nوفي حديث آخر قال: (التمسوها في العشر الأواخر لتسع يبقين أو لسبع يبقين أو لخمس يبقين أو لثلاث أو آخر ليلة) أي: أنها تلتمس في ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين وخمس وعشرين وسبع وعشرين وتسع وعشرين وليلة ثلاثين؛ فيمكن أن تكون هي ليلة القدر، ولأن المسلم قد يقول: رمضان انتهى فلماذا أقوم؟ فأخبر النبي ﷺ أنها قد تكون في آخر ليلة، فالمؤمن يحرص على أن يصلي هذه الليلة من أجل أن يصيبها، وليواظب على قيام العشر الأواخر من رمضان.\nوجاء عن بعض الصحابة وهو عبد الله بن أنيس أنه سأل النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله إن لي بادية أكون فيها -له إبل في البادية ولا يستطيع أن يتركها كل يوم ويقعد مع النبي ﷺ- فأخبرني عن ليلة آتي أصلي معكم في المسجد، فقال له النبي ﷺ انزل ليلة ثلاث وعشرين) فكانت هذه الليلة في ذلك العام هي ليلة القدر، وواظب الرجل على هذه الليلة في كل عام.\nوقال غيره من الصحابة: إنه كان يجتهد في العشرين من رمضان، فإذا دخل العشر اجتهد، قال أبو بكرة ﵁: ما أنا ملتمسها لشيء سمعته من النبي ﵌ إلا في العشر الأواخر، أي: لن يلتمسها في أول رمضان بل في آخر رمضان، قال: فإني سمعته يقول: (التمسوها في تسع يبقين أو في سبع يبقين أو في خمس يبقين أو في ثلاث أو آخر ليلة) أي: سيكون حساب الشهر من ليلة واحد وعشرين إلى آخر ليلة، وكان أبو بكرة راوي هذا الحديث يصلي في العشرين من رمضان كصلاته في سائر السنة، أي: أنهم كانوا متعودين على قيام الليل في السنة كلها، فإذا كان في العشر أو دخل العشر اجتهد فيها، وهذا هو ما علمهم النبي ﷺ، (فقد كان ﷺ إذا دخل العشر شد المئزر) وهذا كناية عن اعتزاله النساء في هذه العشر الأواخر من رمضان.","vol":"18","page":8},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-187> صيام التطوع</span>\nصيام التطوع من أفضل الطاعات التي يتقرب بها إلى الله ﷿، ويكون سببًا لتحصيل محبة الله للعبد.\nوهنا لك أيام يستحب صيامها، فهي تزيد من الطاعات، وتكفر من المعاصي والسيئات، فمن هذه الأيام: الست من شوال، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء، وأيام البيض من كل شهر، ويوم الإثنين ويوم الخميس وثلاثة أيام من كل شهر سواءً في أوله أو في وسطه أو في آخره.","vol":"19","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>فضيلة صيام التطوع</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nصوم الفريضة وهو الصوم الذي فرضه الله ﷿ على عباده كصوم رمضان، ويكون الصوم في غير رمضان نافلة إلا ما افترضه الإنسان على نفسه، كأن يكون عليه نذر أو كفارة أو قتل صيدًا في الحرم، أو عليه هدي التمتع فإذا لم يجده فعليه أن يصوم وهكذا.\nوقد أخبرنا النبي ﷺ في الحديث عن رب العزة سبحانه ﵎ أنه قال: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه).\nفهذا الحديث العظيم فيه أن أحب الأعمال التي يتقرب بها إلى الله ﷿ هي الفرائض التي فرضها الله سبحانه، فمن ذلك صلاة الفريضة، فمن تقرب إلى الله بصلاة الفريضة على النحو الذي يحبه الله، فإن صلاته تكون مقبولة عند الله فتنهاه عن الفحشاء والمنكر، وتعينه على البر والتقوى، وعلى طريق الجنة، ويجعل الله ﷿ في قلبه نورًا بهذه الصلاة، ويجعل صلاته ذخرًا له في الدنيا والآخرة، ثم الإكثار من صلاة النوافل فإن ذلك يقرب العبد إلى الله ﷿، حتى يكون سببًا في حبه الله تعالى.\nكذلك مما فرض الله ﷿ صيام رمضان على النحو الذي يحبه الله ﷾، بأن يمتنع الصائم عن الطعام، والشراب، والشهوة، ولا يؤذ أحدًا من المسلمين بلسانه ولا بفعله، ولا يغضب ولا يسب إنسانًا قد سبه، ولا يشتم، ولا يقع في إثم من الآثام، ليكون صومه صومًا مقبولًا، فلا يزال يتقرب إلى الله بالنوافل في الصوم حتى يحبه ﷾.\nوصوم التطوع له فضيلة عظيمة، ويكفي أن صيام ثلاثة أيام في كل شهر يذهب وحر الصدر وما فيه من غش وغل وحقد وحسد، فالصوم ينقي القلب ويجعله يحب الله يحب طاعته، ويذهب منه آفات القلوب وآثامها، فعلى المؤمن أن يتحرى ذلك ما استطاع.\nوصوم النبي ﷺ للنافلة كثير، فما من يوم من أيام الأسبوع إلا وصامه صلوات الله وسلامه عليه، فكان يصوم يوم الإثنين ويوم الخميس، ويصوم السبت والأحد والإثنين، ويصوم الثلاثاء والأربعاء والخميس، وكان يكثر من صوم الجمعة، فكان على مدار عمره يصوم أيام الأسبوع كلها صلوات الله وسلامه عليه.\nوالذي يطيق أن يفعل ما فعله النبي ﷺ أو بعضه فليأخذ بما لا يشق على نفسه وبما لا يجهد نفسه، وهذا الصوم الذي هو صوم التطوع ليس مطلوبًا منا أن نصومه كله، فمن لم يصمه فلا شيء عليه، وأفضل صوم التطوع صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء.","vol":"19","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>فضلة صوم الست من شوال</span>\nومن صيام التطوع صيام ستة أيام من شوال، وكثير من الناس يسمونها أيام البيض وهذا خطأ، فليست أيام البيض إنما اسمها الست من شوال، ويستحسن أن يكون صيامها بعد رمضان مباشرة حتى لا تنسى ولا تضيع، ولكن سواء كانت بعده مباشرة أو بعده بفترة فهي الستة التي ذكرها النبي ﷺ.\nففي صحيح مسلم عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال، أو ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر)، أي: كأنه صام العمر، وهذا للمواظب عليها وعلى صيام رمضان، فإن الحسنة أقل ما يكون فيها بعشر أمثالها، فصيام رمضان يكون بعشرة شهور، وصيام ستة أيام من شوال بشهرين، وهذا كصيام العام كله، فمن واظب على ذلك كأنه صام الدهر كله أي: عمره كله، وهذه الست من شوال يجوز للمسلم أن يصومها بعد رمضان مباشرة حتى ولو كان عليه صوم من رمضان بأن كان مسافرًا أو مريضًا فأفطر أو أفطرت المرأة بسبب حيضها أو نفاسها أو إرضاعها أو حملها ونحو ذلك، فإذا أرادت أنها تصوم الست من شوال ابتداء يجوز ذلك، ولا دليل على المنع، وإن كان بعض أهل العلم يقولون: إنه لا يقع صوم شوال حتى يقع صوم الفريضة، ولكن لا دليل عليه أصلًا، بل الدليل على خلافه، فالسيدة عائشة ﵂ تقول: (كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان، ويستحيل أن السيدة عائشة تعرف فضيلة يوم عاشوراء وفضيلة يوم عرفة وتضيع صيامها، ولا تصوم إلا في شعبان، فهي هنا تقصد بصيامها: الفريضة على ما فسرناه في الحديث السابق.\nوصيام ستة أيام من شوال يجوز أن تكون متتابعة ويجوز أن تكون متفرقة.","vol":"19","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>فضلة صوم يوم عرفة</span>\nومن التطوع صوم يوم عرفة، فقد روى مسلم عن أبي قتادة: (سئل رسول الله ﷺ عن صوم يوم عرفة فقال: يكفر السنة الماضية والباقية)، أي: السنة التي فاتت، وهي التي فيها يوم عرفة.\nوالسنة الباقية التي ستأتي بعد السنة الماضية.\nإذًا: هي كفارة لذنوب قد وقعت ومغفرة لذنوب قد تقع، والمقصود بها صغائر الذنوب، وفي الصحيحين أيضًا عن أم الفضل بنت الحارث ﵂ (أن ناسًا اختلفوا عندها يوم عرفة في صوم النبي ﷺهذا في حجة الوداع- فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم قالت: فأرسلت إليه بقدح فيه لبن وهو واقف على بعيره فشربه)، أرادت أن تعرف هل النبي ﷺ الذي كان يصوم يوم عرفة سيصومه وهو في حجة الوداع؟ إذًا آخر عام من عمر النبي ﷺ شهر فيه يوم عرفة ولم يصمه؛ لأنه كان حاجًا صلوات الله وسلامه عليه، فلا يستحب للحاج أن يصومه، والعمل الذي يقوم به في هذا اليوم أعظم من أجر صيام يوم عرفة، فإن صيامه يكفر ذنوب سنتين، ويوم عرفة يكفر ذنوب العمر كله، لأن الحج عرفة، فالحاج سيرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ليس عليه ذنوب.\nفإذا صام الحاج يوم عرفة من أجل تكفير ذنوب سنتين فإنه سيتعب فلعله لا يقدر أن يصلي وأن يدعو، فليس مطلوبًا منه صيام هذا اليوم، فهذا اليوم يوم الدعاء بالمغفرة التي هي أعظم بكثير من صيام هذا اليوم، لذلك أفطر فيه النبي ﷺ.\nإذًا الحجاج في عرفة لا يستحب لهم الصوم، ولغيرهم يجوز إلا أن يكون هذا الحاج متمتعًا وعليه هدي التمتع وهو غير واجد للهدي أو لثمنه، فيصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، فهذه الثلاثة الأيام قد تكون يوم السابع أو الثامن أو التاسع من ذي الحجة، فإذا لم يقدر على ذلك فسيكون الثاني من أيام العيد والثالث والرابع هي الثلاثة الأيام التي في الحج، والسبعة الأيام إذا رجع.","vol":"19","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>فضلة صيام يوم عاشوراء</span>\nصيام يوم عاشوراء يستحب صيامه مع صيام يوم تاسوعاء، والنبي ﷺ كان يصوم يوم عاشوراء في مكة قبل الهجرة، فلما هاجر إلى المدينة صامه، ووجد اليهود يصومونه لأجل أن الله نجى فيه موسى، فقال: (نحن أولى بموسى منكم)، فصوم النبي ﷺ له في المدينة لم يكن لأول مرة وإنما كان يصومه من قبل، وكانت قريش تصوم هذا اليوم أيضًا، فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة صامه أيضًا، وهذا فيه نوع من التأليف لليهود، قال النبي ﷺ: (نحن أولى بموسى منهم)، وأمر النبي ﷺ المؤمنين بصوم يوم عاشوراء في العام الثاني من الهجرة، ويوم عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر محرم، وفي هذا العام فرض فيه صيام رمضان، وفي يوم عاشوراء أصبح النبي ﷺ صائمًا، وأمر الناس بصيامه على أنه فريضة، فأمر من لم يكن قد طعم طعامًا أن يصوم، ومن طعم أيضًا أن يمسك، ثم نسخ بعد ذلك بشهر رمضان وثبت إلى أن توفي النبي ﷺ.\nوفي صحيح مسلم: (وسئل عن صيام يوم عاشوراء، فقال: يكفر السنة الماضية)، فصوم عاشوراء يكفر سنة كاملة، والله عظيم وكريم ﷾، فقد جعل المكفرات كثيرة، ولذلك من غلبت سيئاته حسناته فإنه يستحق دخول النار لأن الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها ويعفو ﷾، والله جعل مكفرات للسيئات منها الصلاة إلى الصلاة والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان والعمرة إلى العمرة، والحج يكفر ذنوب العمر كله، وجعل الله أيامًا تكفر السيئات مثل: صوم يوم عرفة، فإنه يكفر ذنوب سنتين، وصوم يوم عاشوراء، فإنه يكفر ذنوب سنة، وهذا بالإجماع عند العلماء، وهو من فضل الله ﷿، فإذا كان العبد يستكبر على ربه أن يعبده -وربنا بهذه الرحمة العظيمة الواسعة يكفر عنه ذنوبه- ثم تغلب سيئاته حسناته فإنه يستحق النار، فلا يهلك على الله إلا هالك، فالذي يهلك يوم القيامة ويدخل النار فإنه يستحقها.\nقال النبي ﷺ: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع)، فهذا الكلام في آخر سنة من حياته صلوات الله وسلامه عليه، فإنه شهد حجة الوداع في ذي الحجة ثم بقي محرم وصفر وربيع وهو الشهر الذي مات فيه، أي أنه بقي من عمره أربعة أشهر بعد حجة الوداع، ثم توفي ﵊.\nوصام آخر محرم وقال: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن تاسوعاء)، أي: يصوم تسعة وعشرة من محرم مخالفة لليهود الذين كانوا يصومون يوم عاشوراء، فأراد أن يخالفهم بأنه يصوم تاسوعاء وعاشوراء، وتاسوعاء فيه فضيلة الصيام، وفضيلة مخالفة اليهود، لكن ليس معنى ذلك أنه يكفر ذنوب السنة، إنما يكفرها يوم عاشوراء كما جاء عنه ﷺ، والأحاديث كثيرة في هذا المعنى، فمنها: ما رواه البخاري عن ابن عمر: (كان عاشوراء يصومه أهل الجاهلية فلما نزل رمضان قال النبي ﷺ: من شاء صامه ومن شاء لم يصمه).\nإذًا: كان أهل الجاهلية يصومونه والنبي ﷺ في مكة كان يصومه كما قالت عائشة ﵁ الله عنها كما في الصحيحين: (كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية -والنبي ﷺ من قريش- ثم قالت: وكان النبي ﷺ يصومه فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه).\nإذًا: صامه في مكة، فلما هاجر إلى المدينة صامه أيضًا، وفي رواية كما قالت عائشة: (كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يفرض رمضان، وكان يومًا تستر فيه الكعبة) إذًا كان أهل مكة يصومونه وكان عندهم يوم عيد ويوم عبادة، فكانوا يجملون فيه الكعبة ويسترونها فيضعون الكسوة عليها، فلما فرض الله رمضان كما قالت السيدة عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ: (من شاء أن يصومه فليصمه، ومن شاء أن يتركه فليترك).\nأيضًا جاء في الصحيحين عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ لما قدم المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء، فسئلوا عن ذلك -وكأن المسلمين سألوا اليهود: لماذا تصومون يوم عاشوراء؟ - فقالوا: هذا اليوم الذي أظفر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون)، فهو يوم النجاة لبني إسرائيل مع موسى ﵊ وهم خارجين من مصر هاربين من فرعون أنجاهم الله ﷿ وأهلك فرعون في يوم عاشوراء.\nفصامه النبي ﷺ تعظيمًا له، وقال: (نحن أولى بموسى منكم)، ثم أمر بصومه ﷺ على وجه الاستحباب، ثم أمر به على وجه الوجوب في العام الثاني، ثم نسخ الوجوب بقوله: (فمن شاء صامه ومن شاء تركه).\nولذلك جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه صام يوم عاشوراء وكذلك المسلمون، ثم أخبر كما في صحيح مسلم عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ لما فرض رمضان: (من شاء صام) ففي هذا أنه كان واجبًا في السنة الثانية ثم بعد ذلك رجع الأمر إلى ما كان عليه من الاستحباب في صومه.","vol":"19","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>فضلة صيام أيام البيض</span>\nويستحب صيام أيام البيض، وهي أيام الليالي البيض أو الأيام ذوات الليالي البيض، وهي الأيام التي تكون لياليها بيضاء وهي الليالي القمرية، والليالي القمرية هي ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر من كل شهر، فهذه الليالي البيض وأيامها أيام البيض، وهنا حذف تقديره: الأيام ذوات الليالي البيض.\nفيوم ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر يستحب صومها، وكان النبي ﷺ يصومها وأخبر عن صيام ثلاثة أيام من كل شهر فقال: (صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر، وأيام البيض صبيحة ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر)، وفضل صوم ثلاثة أيام كصوم سنة كلها، فثلاثة أيام من كل شهر في إحدى عشر شهرًا، والثلاثة الأيام بشهر، أي: بأجر صيامه كله، ثم يأتي شهر رمضان فيصير أعظم ما يكون من الأجر والثواب.","vol":"19","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>فضل صيام يوم الإثنين والخميس</span>\nويستحب صوم يوم الإثنين والخميس، وقد أخبر النبي ﷺ عندما سئل عن ذلك فقال: (إن أعمال العباد تعرض يوم الإثنين ويوم الخميس)، أي: تعرضها الملائكة على الله ﷾، وإن كان الله أدرى وأعلم بأعمال العباد وما تكتبه الملائكة قبل أن يخلق العباد، ولكن الله سجل على العباد بعد فعلهم حتى تكون شاهدًا عليهم يوم القيامة، قال تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤].\nوالكتاب هو ما كتبته الملائكة على بني آدم.\nوأيضًا في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين)، أي: في كل أسبوع مرتين، فإن الملائكة تعرض الأعمال وترفع بها إلى الله ﷿ في يوم الإثنين ويوم الخميس (فيغفر لكل عبد مؤمن إلا عبدًا بينه وبين أخيه شحناء)، والنبي ﷺ جعل للمسلم في غضبه ومخاصمته لأخيه المسلم ثلاثة أيام فقط، فلا يزيد عليها، فإن بين الاثنين والخميس ثلاثة أيام أو أربعة أيام، فلا تطول الخصومة بينهما، ويرتفع في يوم الاثنين والخميس العمل ولا يغفر للمتشاحنين؛ لقوله ﷺ: (فيغفر لكل عبد مؤمن -يعني: في يوم الإثنين والخميس- إلا عبدًا بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: اتركوا هذين حتى يفيئا).\nهذا إذا كان الغضب على الدنيا أو مخاصمة بين إنسان وآخر على الدنيا، فإذا كان هذا يستحق الهجر في الله ﷾ فإنه يهجر؛ كأن يكون ظالمًا أكل حقك ولا يريد أن يعطيك حقك فيهجر على ذلك، أما إذا كان لأمر من أمور الدنيا فلا يهجر أكثر من ثلاثة أيام كما قال النبي ﷺ: (فيلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام).\nوأيضًا جاء عنه ﷺ قال: (تعرض الأعمال يوم الإثنين ويوم الخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم)، هذا النبي ﷺ وعمله كله خير صلوات الله وسلامه عليه ويريد أن تعرض أعماله في يوم الإثنين والخميس وهو صائم ويرفع عمله إلى الله ﷾.\nكذلك جاء عنه في يوم الإثنين قال: (ذلك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت وأنزل علي فيه)، فقد ولد النبي ﷺ يوم الإثنين ولم يعمل ضجة بين الصحابة، وكذلك الصحابة لم يعملوا هذه الضجة فاحتفال النبي ﷺ بهذا اليوم شكرًا لله سبحانه ﵎ أن جعله عبدًا له وجعله رسولًا ومن عليه وأكرمه سبحانه، ورباه وأدبه ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦ - ٨]، فكان يحتفل بصيام اليوم الذي ولد فيه صلوات الله وسلامه عليه، لكن الناس تناسوا هذا الشيء وإذا بهم يحتفلون بيوم الميلاد ويعملون ضجة ليكسبوا ذنوبًا، وليقلدوا الكفار في ذلك، نسأل الله العفو والعافية.\nوأيضًا يستحب صيام ثلاثة أيام مطلقة من كل شهر، سواء كان في أول الشهر أو في وسطه أو في آخره؛ لقوله ﷺ: (صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن وحر الصدر)، وأيضًا (سئل النبي ﷺ عن رجل يصوم الدهر قال: وددت أنه لم يطعم الدهر)، فنهى النبي ﷺ عن صوم الدهر؛ لأن الدهر فيه خمسة أيام وهي: يوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى وثلاث أيام التشريق، وهذه الأيام يحرم الصوم فيها، فإذا صام الإنسان الدهر كله فإنه يأثم بذلك، (قالوا: فثلثيه -أي: ثلثي الدهر- فقال: أكثر -أي: هذا كثير قد يضعف العبد فيه نفسه ويتعبها- قالوا: فنصفه؟ قال: أكثر -يعني: إن شاء فعل وإن شاء ترك، ولكن هذا كثير- ثم قال: ألا أخبركم بما يذهب وحر الصدر؟ صوم ثلاثة أيام من كل شهر)، وهذا من رأفته بالأمة ﷺ.\nوأيضًا جاء في الصحيحين عن أبي هريرة قال: (أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى ونوم على وتر)، فأوصى أبا هريرة بصوم ثلاثة أيام مطلقة من كل شهر.\nوجاء عن ابن مسعود ﵁كما رواه الترمذي - (كان رسول الله ﷺ يصوم من غرة، -غرة الشهر أوله- كل شهر ثلاثة أيام)، فصيام الثلاثة الأول من كل شهر حسن، وقل ما كان يفطر يوم الجمعة، فهذا بعض من صيام النبي ﷺ.","vol":"19","page":7},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-194> صيام التطوع وما لا يجوز صيامه من الأيام</span>\nالصيام فريضة مقدسة شرعت على كل أمة من الأمم السابقة على اختلاف كيفياته، وبجانب ذلك الفرض رغب الشارع في صيام أيام بعينها فتحًا لباب التنافس بين العباد في التقرب إلى الله، كصيام الإثنين والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، ويوم عرفة أو تسع ذي الحجة جميعها وخيرها صيام يوم وإفطار يوم، كما حرم الشارع صيام أيام كالعيدين وأيام التشريق وصوم الدهر، وكره صيام أيام كإفراد يوم الجمعة.","vol":"20","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>الأيام التي يستحب صيامها</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nذكرنا في الحديث السابق أن الله ﷾ يحب من عبده أن يتقرب إليه بالنوافل، بعد أن يتقرب بأحب شيء إليه وهي الفرائض، فإذا تقرب إليه بالنوافل بعد الفرائض أحبه الله ﵎.\nفالصلاة مثلًا فيها الفريضة وفيها النافلة، وكذلك الصوم فيه الفريضة، وهو صوم رمضان الذي أوجبه الله سبحانه، وفيه صوم النافلة، فما استطعت منه بغير أن تشق على نفسك أو أن تضيق عليها تضييقًا لا يطاق فإذا استطعت أن تصوم يومًا في كل شهر فحسن، أو يومين أو ثلاثة فحسن أيضًا، وإذا صمت ثلاثة أيام من كل شهر فهذا صوم الدهر، ولكن واظب إن استطعت على ذلك، فذلك من أفضل ما تصوم، أي: أيام البيض وهي ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر.\nوهناك صيام آخر، وهو صوم عرفة وصوم عاشوراء وتاسوعاء، وصيام ست من شوال، وقد كان النبي ﷺ يصوم الإثنين والخميس، ويذكر أن الله ﷿ يرفع فيها الأعمال إليه، فهذا من الصوم المستحب.\nكذلك يستحب الإكثار من الصيام في شهر الله المحرم، وفيه يوم عاشوراء يكفر الله ﷿ به ذنوب سنة، ودليل استحباب الإكثار من الصوم في محرم ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل).\nوكذا شهر ذي الحجة أي: في أوله عشرة أيام يستحب فيها العمل الصالح، ومن ذلك الصيام.\nإذًا: فكل شهر من الشهور يستحب ألا يغفل المسلم عن صيام فيه، ولو يومًا واحدًا، والنبي ﷺ عندما يحث على صوم شهر محرم، كان كذلك يكثر من صوم شعبان، وشعبان بين رجب وهو شهر من الأشهر الحرم -وكانت العرب تعظمه كثيرًا- وبين شهر رمضان، والمسلمون يعرفون فضله، بإنزال الله ﷿ فيه القرآن وغير ذلك، فبين هذين الشهرين شهر يغفل عنه الناس وهو شعبان، وهو شهر عجيب، ترفع فيه الأعمال إلى لله ﷿، كما أن يوم الإثنين والخميس ترفع فيهما الأعمال، فكذلك هذا الشهر كأن أعمال العام ترفع فيه، فكان النبي ﷺ يكثر من الصوم فيه.\nوفي الصحيحين عن عائشة ﵂، قالت: (لم يكن النبي ﷺ يصوم شهرًا أكثر من شعبان) فأحيانًا كان يصوم شعبان كله.\nوعرفنا الحكمة والعلة من تأخير السيدة عائشة قضاء صوم رمضان إلى شبعان؛ وهي أن النبي ﷺ كان يصوم شعبان كله، فإذا أرادت أن تصوم الأيام الواجبة عليها، وهي مطمئنة أن النبي ﷺ لن يحتاج إليها في النهار، صامت في هذا الشهر، قالت: وكان يقول ﵊: (خذوا من العمل ما تطيقون)، وإذا ذكرنا صيام النافلة هنا، فليس المعنى أن كل صيام النافلة ينبغي أن تفعله، بل خذ من العمل ما تطيقه: (وأحب العمل إلى الله أدومه وإن قل) كما قال النبي ﷺ، فطالما أنك مواظب على شيء من صوم النافلة، كأن تواظب على صيام ستة من شوال في كل عام، أو على صيام يوم عاشوراء ويوم عرفة، أو صيام ثلاثة أيام من كل شهر مطلقة أو مقيدة، فكل ذلك حسن، فما استطعت من الصوم من غير أن تشق على نفسك، فافعل اقتداء بما كان النبي ﷺ يفعله أو يحث عليه على جهة الندب، وهو القائل ﷺ: (خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا)، قوله: فإن الله لا يمل حتى تملوا، أي: أن الإنسان إذا مل من العمل انقطع عنه الثواب، فقد يقول الإنسان: أنا تعبت، ولا ينبغي أن يقول: أنا مللت؛ لأن العبادات لا تورث الملل، وقد عبر النبي ﷺ عمن عجز أو كسل، بالملل، فجعله كأنه مل، مع أن الإنسان لم يحصل له ملل، لأنه يحب العبادة، لكن لم يستطع أن يفعلها لمرض، أو شغل، أو غيره، فلذا يكون معنى قوله: تملوا في الحديث: انقطاع العمل بسبب أو بغير سبب، فيكون معنى الحديث: إذا انقطعت عن العمل، منع عنك الثواب، إذ الجزاء من جنس العمل، وقوله: (الله لا يمل حتى تملوا)، ليس معناها أن يثبت صفة الملل لله ﷿، حاشاه ﷾، ولكن هذا من المشاكلة اللفظية، فالأسلوب أسلوب نفي، والمعنى: إذا انقطعت عن العمل انقطع عنك الثواب، أو إذا انقطعت عن العمل، فقد حرمت نفسك من الثواب.\nوقد كانت أحب الصلاة إلى النبي ﷺ ما دوم عليها، وإنما كانت الصلاة المداوم عليها حبيبة إليه ﷺ؛ لأنها أحب العمل إلى الله، فقد جاء في حديث آخر: (أحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل)، فما واظب عليه العبد أحبه الله، وفي الحديث دليل على أن الإنسان يحب العمل، ولذلك جاء في الحديث: (من أنفق زوجين نودي من أبواب الجنة، يا عبد الله هذا خير).\nوقوله: (أنفق زوجين)، كأنه من باب قول الإنسان: دخلوا مثنى مثنى، وليس المعنى اثنين واثنين فقط، فقوله: (زوجين) أي: كأنك تري من نفسك أنك تحب هذا العمل، أنفقته وكررته، فلما داومت عليه كان ذلك دليل على أنك تحب هذا العمل، حينها تناديك أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير، ادخل من هذا الباب من أبواب الجنة، فإذا كنت من أصحاب الصدقة دخلت من باب الصدقة، وإذا كنت من أصحاب الصوم دخلت من باب الريان، وإذا كنت من أصحاب القرآن دخلت بفضل الله ﷿ ورحمته من باب القرآن.\nوجاء في الحديث: أن عائشة ﵂ قالت: (وكان إذا صلى صلاة داوم عليها ﷺ)، وفي حديثها عن صومه ﷺ ذكرت منه أنه كان يصوم شعبان، وفي رواية: (كان يصوم شعبان إلا قليلًا).","vol":"20","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>صوم النبي ﷺ</span>\nروى الإمام أحمد عن أسامة بن زيد ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يصوم الأيام يسردها حتى يقال لا يفطر، ويفطر الأيام حتى لا يكاد أن يصوم إلا يومين من الجمعة)، وفيه أنه كان من عادة النبي ﷺ أن يصوم أيامًا كثيرة حتى يظن من رآه أنه لا يفطر ويفطر بعد ذلك ﷺ أيامًا كثيرة إلا يومين في الأسبوع، فقد كان يواظب عليهما، وهما يومين الإثنين ويوم الخميس، قال أسامة ﵁ فقلت: (يا رسول الله! إنك تصوم لا تكاد أن تفطر، وتفطر حتى لا تكاد أن تصوم، إلا يومين إن دخلا في صيامك وإلا صمتهما، وذكر الإثنين والخميس، فقال النبي ﷺ: ذلك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين)، فكان ﵊ يصوم الإثنين والخميس؛ لأن الأعمال تعرض على الله سبحانه في هذه الأيام، فيغفر للمؤمنين من عباده إلا المتشاحنين أو المتهاجرين، قال أسامة: (ولم أرك تصوم شهرًا من الشهور ما تصوم من شعبان -أي: تصوم من شعبان كثير- فقال: ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم).","vol":"20","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>صوم عشر ذي الحجة</span>\nيستحب أيضًا صيام أيام العشر، وحقيقة الصيام فيها تسعة أيام وليس عشرة؛ لأن أيام العشر تبدأ من أول يوم في ذي الحجة حتى العاشر منه، ويكون العاشر هو يوم العيد، والصيام في هذه الأيام ليس متأكدًا كما هو متأكد في يوم عرفة، فإن شئت صمت يوم عرفة فقط، وإن شئت صمت التسعة الأيام كلها أو بعضها، وهذا كله من العمل الصالح.\nروى البخاري عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (ما العمل في أيام أفضل منها في هذه الأيام -يريد أيام العشر الأوائل من شهر ذي الحجة- قالوا: ولا الجهاد؟ قال: ولا الجهاد، إلا رجل خاطر أو خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء)، أي أن العبادة من صلاة، وصوم، وإنفاق وغيرها، في هذه الأيام أفضل حتى من الجهاد، إلا من وصفه النبي ﷺ في الحديث أنه خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء، كأن الذي يساوي الأعمال المتعبد بها في هذه الأيام هو المجاهد الذي خرج يجاهد بماله، فأخذ منه ماله وقتل شهيدًا، فدل ذلك على أنها أيام عظيمة جدًا، وقد اختلف أيهما أفضل هذه الأيام أم العشر الأواخر من رمضان، والصحيح أن ليالي العشر الأخيرة من رمضان أفضل الليالي وأن أيام العشر من ذي الحجة أفضل الأيام.\nروى أبو داود عن هنيدة بن خالد عن امرأته، عن بعض أزواج النبي ﷺ قالت: (كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر أول إثنين من الشهر والخميس).\nقولها: (كان النبي ﷺ يصوم تسعة ذي الحجة) أي: التسعة الأيام التي في ذي الحجة، وقد تقصد بقولها: تسعة ذي الحجة يوم عرفة، فهو اليوم التاسع، ولكن ليست العادة أن يوم عرفة يسمى اليوم التاسع، أو يوم تسعة ذي الحجة؛ لأنه يوم مشهور بأنه يوم عرفة، وهو دائمًا يذكر بما اشتهر به لا بما يخفى، فالظاهر أن زوجة النبي ﷺ أرادت أنه كان يصوم الأيام التسعة من شهر ذي الحجة.","vol":"20","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>استحباب مخالفة أيام الصيام من شهر إلى شهر</span>\nيستحب أن يصوم المسلم السبت والأحد والإثنين من شهر، ويصوم الثلاثاء والأربعاء والخميس من شهر، فمعلوم أنه ما من يوم من أيام الأسبوع، إلا وقد صامه النبي ﷺ، لكنه لم يكن يصوم السنة كلها، إنما كان يحب أنه ما من يوم إلا ويأتي يوم القيامة يشهد له، فيأتي يوم السبت ويشهد له أنه صامه، وكذا يوم الأحد، ويوم الإثنين، وكل أيام الأسبوع، ولكنها تشهد له بنظام معين، وبطريقة شرعية، شرعها النبي ﷺ، فكان يصوم مثلًا من شهر: السبت، والأحد، والإثنين، ويصوم من شهر آخر الثلاثاء، والأربعاء، والخميس، وبذلك علم أنه كان يواظب ما استطاع أن يصوم الإثنين والخميس ﵊، كما كان ﷺ قلما أن يفطر يوم الجمعة، وإذ كان يصوم الخميس ثم يتبعه الجمعة؛ وكان يكره أن يصوم يوم الجمعة وحده، وإنما استحب يوم الجمعة منفردًا لمن كان يصوم فوافق يوم الجمعة يوم صيامه.","vol":"20","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>أفضل صيام التطوع</span>\nإن أفضل صيام التطوع لمن استطاع هو صوم داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهو أن يصوم يومًا ويفطر يومًا، وجاء عن النبي ﷺ أنه ذكر: (أن أفضل الصلاة، صلاة داود)، وهي صلاة التهجد أي: صلاة الليل.\nووردت قصة في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن أباه زوجه من امرأة من الفضليات من النساء، وذهب يسأل عن ابنه، فسأل امرأته، فذكرت فيه مدحًا هو في حقيقته ذم، فقالت: (إنه يقوم الليل ويصوم النهار)، ففهم عمرو بن العاص وكان ذكيًا ﵁ أنها تقدح ولا تمدح، فذهب إليه وأنبه وعنفه، ثم ذهب يشكوه إلى النبي ﷺ، فأتى به النبي ﷺ فقال: (ألم أخبر أنك تصوم ولا تفطر وتصلي؟ ثم قال النبي ﷺ: صم وأفطر وقم ونم، فإن لعينك عليك حقًا، وإن لنفسك وأهلك عليك حقًا، فقال عبد الله بن عمرو إني أطيق أكثر من ذلك، فقال النبي ﷺ في النهاية: فصم صوم داود)، وفي رواية أخرى، قال: (وتقرأ القرآن كل ليلة)، وكأن عبد الله بن عمرو يقرأ القرآن كل ليلة، وهذا صعب جدًا، فقال له النبي ﷺ: (ألم أخبر أنك تصوم الدهر، وتقرأ القرآن كل ليلة)، وكأن النبي ﷺ كره ذلك، ومع ذلك فهو لا يحرم؛ لأن عبد الله بن عمرو فعله، ولم يأثمه النبي ﷺ، ولكن وجهه لما هو أرفق به، فقال: (بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام، قال: فقلت: يا نبي الله! إني أطيق أكثر من ذلك، فقال له النبي ﷺ: إن لزوجك عليك حقًا، ولزورك عليك حقًا، ولجسدك عليك حقًا، فصم صوم داود).\nوالإنسان ليس مخلوقًا للصوم فقط، ولا للصلاة فقط، بل هو مخلوق لإقامة شرع الله ﷿ كله، عاملًا على أداء كل الحقوق، كحقوق الله ﷿، وحقوق خلقه من أهلٍ وأولاد وغيرهم.\nوقوله: (إن لزورك عليك حقًا)، أي: لضيفك عليك حقًا، من هنا عُلمَ أن الحقوق ينبغي أن تعطى لأصحابها، إذ لو أنك تصوم على الدوام، وتقوم على الدوام، فإنك لا شك ستتعب، وقد لا تستطيع أن تعمل، فتعجز عن أن تنفق على عيالك، أو من لزمتك نفقتهم، فتكون قد فرطت وقصرت، وهذا هو سر توجيه النبي ﷺ لـ عبد الله حيث وجهه بصيام ثلاثة أيام من الشهر، ولما أبى، وظل يراود النبي ﷺ قال له: (أفضل الصوم صيام داود، فقد كان يصوم يومًا ويفطر يومًا وكان لا يفر)، وكأنه يشير إلى أن هناك شيء مطلوب منكم أيضًا، وهو أن تجاهدوا في سبيل الله ﷿، فإنك حين تكثر من الصيام ستكون ضعيفًا، وإذا قابلت أعداءك لعلك تفر من الزحف، ومعلوم أن (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)، كما أنك لو داومت على الصوم فإن نفعه مقتصر على نفسك، لكن الجهاد نفعه متعد إلى الأمة، فكيف تظل هزيلًا ضعيفًا وأنت ستقابل عدوك بالسيف لتقاتله؟ فنبه النبي ﷺ أن داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولكن كان لا يفر، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.\nوبذلك علم أن من كان صيام النافلة يضعفه عن واجب من الواجبات، فلا داعي له، ولهذا السبب قال النبي ﷺ في الصحابة الذين صاموا وهم مصبحين العدو، في يوم فتح مكة: (أولئك العصاة، أولئك العصاة)، وكأنه يقول لهم: الوقت الآن وقت جهاد في سبيل الله ﷿، فلو أنك أفطرت الآن، فلك عذرك في الإفطار، وليس عليك قضاء، ولا يلزم أحد من أهلك القضاء، أو الإطعام عنك، فلماذا تشق على نفسك؟ فجاهد في سبيل الله، وقاتل أعداء الله، فذلك أولى من الصيام، إذ أن نفع الصوم لنفسك، ولكن نفع الجهاد للمؤمنين جميعهم ولدين الله ﷿.\nثم قال النبي ﷺ لـ عبد الله بن عمرو بن العاص: (اقرأ القرآن -في رواية- في أربعين يومًا، فقال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: في شهر، قال: أكثر من ذلك، قال: فاقرأه في كل عشرين، قال: يا نبي الله: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: فاقرأه في كل سبع، ولا تزد على ذلك)، فندبه أن يختم في أسبوع؛ لأن ذلك أفضل ما يكون عليه المرء من قراءة القرآن ثم قال: عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁: (فشد فشددت، فشدد عليّ)، وكان النبي ﷺ قد قال له: (إنك لا تدري لعلك يطول بك عُمر)، يريد: إنك سوف تكبر وتصير شيخًا، فلا تستطيع على الذي تقوله، فيقول عبد الله بن عمرو: فصرت إلى الذي قال لي النبي ﷺ، فلما كبرت وددت أني قبلت رخصة النبي ﷺ، وقد يتساءل القارئ لماذا لم يقبل عبد الله الرخصة بعدما ضعف؟ والجواب أن الصحابة رضوان الله عليهم يحبون أن يلقوا النبي ﷺ يوم القيامة غير مبدلين، فكأنه عاهد النبي ﷺ على شيءٍ، فلا يستجيز لنفسه تركه حتى ولو كبر سنه، ولذلك ظل عبد الله بن عمرو يفعل ما حدث به النبي ﷺ إلى أن توفاه الله ﷿.\nوقد روي عنه أنه كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، وكان ذلك يشق عليه جدًا وهو شيخ كبير، فكان يجمع أيامًا يفطرها، ثم يعوض مكانها أيامًا يصومها، فكان يتقوى بهذه على تلك ويقول: يا ليتني أخذت برخصة النبي ﷺ.\nوقد جاء في رواية أخرى أنه قال: إني أطيق أكثر من ذلك، عند مراجعته النبي له على قراءة القرآن -يريد أن يختم القرآن في أقل من سبعة أيام- فقال له النبي ﷺ: (لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث)، وليس في هذا دلالة على تحريم قراءة القرآن في أقل من ثلاث، ولكن أخبر أن العادة: أن الإنسان الذي يقرأ القرآن في أقل من ثلاث، لن يفهم ما يقرأ، وإن كان له ثواب القراءة.\nوبذلك علم أن ثمة فرق بين من يقرأ ويفقه ما يقرؤه، وبين من يقرأ قراءة سريعة لا يفقه فيها ما يقرؤه، وإن كان هذا يثاب وهذا يثاب.\nفعلى ذلك تكون قراءة القرآن في سبعة أيام أفضل من قراءته في ثلاثة أيام، وإذا كان يطيق في ثلاثة أيام فذلك خير، ولكن لا يقل عن ذلك، فلو فعل فهو مثاب؛ لأنه إن ينشغل بقراءة القرآن، أفضل من أن ينشغل باللهو وغير ذلك، ولكن القراءة بتركيز وفهم، أفضل من القراءة السريعة التي لا فهم معها، وفي كل خير.","vol":"20","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>الأيام التي حرم الشارع صومها</span>\nيحرم صوم يومي العيدين وأيام التشريق؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا صوم في يومين: الفطر والأضحى)، وفي رواية: (نهى عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى وقال: أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله).\nولذلك لا يجوز صيام يوم الفطر، ولا يوم الأضحى، ولا أيام التشريق، فهذه خمسة أيام في السنة يحرم صومها، أما بقية الأيام، فإنه إذا جاء فيها نهي فهو محمول على الكراهة، فالنهي عن صوم الدهر معناه حرمة الصيام في هذه الأيام، فإذا لم يصم هذه الأيام يبقى جاز له أن يصوم غيرها، وإن كان أفضل الصوم صيام يوم وإفطار يوم.\nأما المتمتع وهو الحاج الذي يعتمر في أشهر الحج، ثم ينتهي من عمرته ويتحلل، ثم يبدأ في أعمال الحج بعد ذلك في أيام المناسك، فإنه يلزمه هدي، فإذا لم يجد الهدي كان عليه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، والأفضل أن يصومها إذا بدأ إحرامه، ولو أنه قدم الإحرام شيئًا خرج من خلاف أهل العلم في ذلك، فيصوم يوم السابع والثامن والتاسع، وهذه ثلاثة أيام في الحج وهو متلبس بالمناسك، فإذا لم يقدر على ذلك جاز له أن يصوم في أيام التشريق، وكانت هذه بمثابة رخصة، وإن كان الأصل أن أيام التشريق يحرم صومها إلا في هذه الحالة فقط، يدل على ذلك حديث ابن عمر في الصحيح، وحديث عائشة أيضًا: (لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي).","vol":"20","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>النهي عن صوم الدهر</span>\nنهى النبي ﷺ عن صوم الدهر، وقال: (لا صام من صام الأبد)، وقال: (من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا)، صيام الدهر معناه: أن يصوم طوال العمر، وهو حين يفعل ذلك لا شك أنه سيدخل فيها أيامًا حرم الله صومها.\nفإذا كان الله قد أمرك أن تفرح في يوم العيد، ثم صمته، فإنك تعصي الله سبحانه؛ لأنك تخترع وتدعي أن العبادة التي تعملها أفضل مما أمر الله ﷿ بها، فاستحق من يفعل ذلك العقوبة، ولذا ينبغي على الإنسان أن يحافظ على نفسه في الدنيا وفي الآخرة، ويتعبد الله بما شرع ولا يخترع ولا يبتدع، ولا يفعل شيئًا نهي عنه.\nأما إذا لم يصم أيام الأعياد فجاز له أن يصوم السنة، وإن كان أفضل الصوم أن يصوم يومًا ويفطر يومًا، كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nوفي الحديث: قال النبي ﷺ: (إن في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى والناس نيام).\nفالإنسان المؤمن يحرص على أن يكون له صوم نافلة في العام، ولو كان حتى صيام الست من شوال، أو زاد معها يوم عرفة ويوم عاشوراء، فإذا كان له في كل شهر يوم أو يومان أو ثلاثة يصومها كان شيئًا حسنًا، وكان مواظبًا على الصوم، واستحق فضل الله ﷿.","vol":"20","page":8},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-202> ما جاء في صيام النذر والصيام الممنوع</span>\nإن الدنيا بكل ما فيها من نعم لا تساوي شيئًا أمام الجنة التي أعدها الله لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام.\nإن من الصيام ما لم يوجبه الله، لكن الإنسان قد يوجبه على نفسه بنذر أو نحوه، فيجب عليه أن يفي به، وإذا لم يطقه أو كان في معصية فليكفر كفارة يمين، وإذا كانت المرأة مع زوجها فلا تصم تطوعًا إلا بإذنه، وإن الله لما شرع هذه العبادة العظيمة وهي الصيام، جعل لها ضوابط، فمنه كإفراد الجمعة بالصيام، وجعل فيها محرمات كصيام يوم الشك، ليتعبد العبد لله بفعل الحلال واجتناب الحرام.","vol":"21","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>من فضائل الصيام</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nتكلمنا أن في صيام النافلة ثواب عظيم جدًا، وجاء في حديث النبي ﷺ الذي رواه الإمام أحمد عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام وألان الكلام وتابع الصيام، وصلى والناس نيام)، هذا الحديث الصحيح العظيم عن النبي ﷺ يجعلنا نتذكر ونعتبر أن الإنسان مخلوق في هذه الدنيا لهدف عظيم وهو عبادة الله ﷿، ولغاية عظيمة وهي أن يصل إلى جنة الله ﷿، والحديث المذكور فيه تبشير للمؤمنين وتذكير لهم، ويجعل الإنسان كأنه بعقله وقلبه في جنة الله سبحانه ﵎، يريد أن يصل إليها بأي عمل من الأعمال يرضي به ربه سبحانه، ويغتنم الأيام والليالي العظيمة التي في شهر رمضان وغيرها من الليالي والأيام التي يستحب فيها الإكثار من الخير.","vol":"21","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>عظمة بناء الجنة وغرفها</span>\nقال ﷺ: (إن في الجنة غرفة -وفي حديث آخر-: غرفًا) أي: ليست غرفة واحدة، فكلمة (غرفًا) اسم جنس، وهذه الغرف أعدها الله ﷿ للمؤمنين، ومعنى الغرفة: المنزلة العالية في الجنة، وهذه المنزلة العالية فيها القصور، وفيها البساتين، وفيها مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأعد الله ﷿ للمؤمن هذا النوع من أنواع الثواب: وهو الغرف العالية التي يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، ولعلك وأنت تبني بيتًا تتمنى أن يكون هذا البيت بيتًا عظيمًا، وتتمنى وأنت خارج هذا البيت أن ترى ما بداخله أنت وحدك فقط، فالجنة قصورها لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وإذا نظرنا إلى الذهب والفضة في الدنيا فإنه شيء ثقيل كثيف يحجب ما وراءه، لكن في الجنة يكون البيت من لؤلؤة، بل يكون من ذهب أو فضة، ويجعل الله العبد المؤمن يرى ما بداخله وهو في خارجه، فيستمتع وهو في الخارج بالثمار والبساتين وبما يشاء، وإذا أراد أن ينظر إلى زوجته من الحور العين بداخل القصر ينظر إليها ويراها، وهذا نعيم مقيم عظيم وهو لمن كان من المؤمنين من الرجال أو من النساء الذين يفعلون ما ذكر النبي ﷺ، حيث قال: (أعدها الله لمن أطعم الطعام)، أي: لمن يطعم الفقراء والمساكين، ويهدي لأصدقائه وأحبائه، ويصل أرحامه، ويطعم الصائمين فيفطرهم ويفعل الخير، وقوله: (وألان الكلام)، أي: وكان كلامه لينًا طيبًا لا تنفير فيه، بل كلامه يحبب الخلق فيه، تراه منشغلًا بطاعة الله ﷾، وبذكر الله ﷾، فهو يكثر من الصيام، ويكثر من الصلاة.\nوقوله: (وتابع الصيام) بمعنى: صام نوافل كثيرة، وقوله: (وصلى والناس نيام)، أي: قام لله ﷿ مصليًا، وفي شهر رمضان قد تصلي مع الناس وترجع إلى بيتك، فانتهز الليل وصل فيه ركعات ولو خفيفات تصليها وحدك وأنت في جوف الليل لا يراك أحد، حتى تحصل على هذا الثواب وهذا الأجر، ولا تقل: أنا لست حافظًا للقرآن، بل اقرأ ولو بـ (قل هو الله أحد)، فهذه سورة عظيمة وهي ثلث القرآن، فاقرأها مع الفاتحة، فهي سبع آيات، وهي المثاني وهي القرآن العظيم الذي أوتيه النبي ﷺ، وهي أعظم سورة في كتاب الله ﷿، أو اقرأ الفاتحة مع (قل يا أيها الكافرون)، أو افتح المصحف واقرأ فيه إن شئت وأنت في صلاة الليل، فإذا فعلت ذلك فقد قمت بالليل والناس نيام، وحصلت على مثل هذا الأجر العظيم.\nفصلاة الليل صلاة عظيمة سواء صليت في أول الليل، أو في آخره، مع الناس أو والإنسان وحده، فهذا كله خير وحسن.","vol":"21","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>تعظيم أماكن العبادة</span>\nاحرص على أن تستعين بالله على الطاعة وأن تعين غيرك، وإذا وقفت في الصلاة فلا تضايق الناس ولا تزاحمهم، ولا تجعل الناس يقفون في الصف وهم متضايقون منشغلون لا يستطيعون الصلاة، صل صلاة طيبة واجعل غيرك كذلك، ولا تأت بأولادك إلى بيت الله إلا إذا كانوا يفهمون الصلاة كأن يكونوا في سن ست أو سبع سنوات، ويعرفون كيف يصلون، وأدبهم بآداب الصلاة، وعلمهم أن إذا وقفوا أن يصلوا مع الناس، وإذا تعبوا قعدوا، ولا تحضر بهم من أجل أن يلعبوا، وعلى النساء إذا جئن للصلاة فليصلين، وإذا لم يأتين للصلاة فلا يأتين المسجد، فإن المسجد والمصلى لم يعد للكلام الذي لا فائدة منه، بل أعد لذكر الله، فاقعدي لذكر الله أو لقراءة القرآن، واقرئي مثلًا (قل هو الله أحد) عشر مرات يبنى لك بيت في الجنة، أو قولي سبحان الله وبحمده مائة مرة تغفر لك ذنوبك ولو كانت مثل زبد البحر، وقولي سبحان الله وبحمده تغرس لك نخلة في الجنة، فإنما هي ساعة ونصف أو ساعتين تقعد بها في بيت الله ﷿ من أجل أن تأخذي أجرًا لا أن ترجعي بوزر وآثام، فاتقي الله ﷾ في نفسك وفي أولادك وفي أخواتك، واحذري من غضب الله سبحانه ﵎.\nوقد جاء في الحديث أن هناك منزلة عظيمة في الجنة لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام، وستأتي فيما بعد إن شاء الله الأحاديث التي تتحدث عن صلاة التراويح وصلاة التهجد.","vol":"21","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>صيام النذر</span>","vol":"21","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>أنواع النذر</span>\nإن من أنواع الصيام المفروض ما يكون الإنسان هو الذي فرضه على نفسه بنذر أو نحوه، وصوم النذر: هو أن المسلم أو المسلمة قد ينذران لله سواء كان النذر لشيء يحدث، أو بدون تعليقه على شيء، وهو ما يسمى بنذر التبرر، وهو جائز، كأن يقول المرء: لله علي أن أصوم ثلاثة أيام، هذا هو النوع الأول من أنواع النذر.\nوهناك نذر آخر يكون على وجه كأن فيه معاوضة، فيقول الإنسان: يا رب لو شفيت لي مريضي صمت لك ثلاثة أيام، وهذا النذر من النذر المكروه الذي يستخرج به من البخيل، لكن على كل لو أن الإنسان نذر لزمه أن يصوم النذر الذي نذره، وإذا نذرت المرأة صومًا فإما أن تكون قد نذرت بإذن زوجها وإما أن تكون قد نذرت بغير إذن زوجها، فإذا نذرت بإذن زوجها فيلزمها الوفاء في الوقت الذي نذرت فيه، وإذا كان النذر بغير إذن زوجها فيلزمها الوفاء أيضًا، وتستأذنه في الوقت، فإذا أبى في هذا اليوم تأخرت إلى يوم آخر تؤدي فيه هذا النذر الذي نذرته.","vol":"21","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>نذر ما لا يطيق</span>\nإن نذر صوم الدهر شيء مكروه، ففيه مشقة على المسلم، فلو أن إنسانًا نذر صوم الدهر، واستحال عليه هذا الشيء لمرضه وضعفه، فهو هنا قد نذر ما لا يطيق، فليكفر كفارة يمين، وإذا أطاقه فيلزمه ذلك، وله أن يصوم يومًا ويفطر يومًا؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن صوم يوم وإفطار يوم أفضل الصوم، فهو أفضل من صوم الدهر كله.\nولو أن المرأة نذرت هذا الشيء، فللزوج أن يمنعها؛ لأنه لم يتزوجها من أجل أن تصوم كل يوم، فإذا منعها فلا شيء عليها، فلو أن الزوج توفي لزمها الوفاء بهذا النذر، ولو كان الزوج حيًا لكنه غير موجود بسبب سفر فيلزمها نذرها، وإذا طلقها الزوج رجع النذر مرة ثانية عليها، لكن إذا كان الإنسان لا يطيق النذر الذي نذره ولا يقدر عليه؛ لأنه مصاب بمرض في الكلى، أو مصاب بمرض السكر بحيث لا يقدر معه على الصوم، أو مريض بمرض في الكبد لا يقدر معه على الصوم، والأطباء منعوه من الصوم، فيلزمه كفارة يمين.\nوفي سنن أبي داود عن ابن عباس ﵁ قال: (من نذر نذرًا في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا أطاقه فليف به).\nوهذا الصيام الذي تكلمنا عنه هو صيام النذر الواجب الذي يلزم الوفاء به، ولابد فيه من إذن الزوج قبل النذر، فلو نذرت وأذن لها الزوج أن تصوم لزمها الوفاء، ولو أنها نذرت نذرًا طويلًا كنذر صوم الدهر فللزوج أن يمنعها من الوفاء به.","vol":"21","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>صيام التطوع للمرأة</span>\nصوم التطوع لابد فيه من إذن الزوج، وله أن يأمر زجته بالإفطار، ولها أجر نيتها، فلو أذن لها الزوج فقال: صومي تطوعًا، ثم بعد ذلك قال لها: إني أريدك اليوم فأفطري فأفطرت فلها أجر نيتها، وإن كان الأفضل ألا يفعل ذلك.\nففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه -وزوجها شاهد: أي: حاضر موجود- ولا تأذن في بيته إلا بإذنه، وما أنفقت من نفقة من غير أمره فإنه يؤدى إليه شطره)، أي: أن المرأة إذا أرادت أن تنفق من مال زوجها فلابد من إذنه ولو إذنًا عامًا، والإذن العام مثل أن يقول: لو فاض عندك أكل فتصدقي به، فإذا أنفقت وتصدقت فهي تؤجر وزوجها أيضًا يؤجر، مع أن الزوج قد لا يذكر هذا الذي قاله، ولكن الله يأجره على ما نواه قبل ذلك.","vol":"21","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>المتطوع إذا بدا له أن يفطر</span>\nومن دخل في صوم تطوع من رجل أو امرأة فيستحب له إتمامه، ويجوز له أن يأكل في هذا اليوم كما قدمنا أن النبي ﷺ (أصبح صائمًا ثم قدمت له عائشة حيسًا وقالت: هذا أهدي إلينا -والحيس: التمر المختلط بالسمن- فأكل النبي ﷺ)، فيجوز للإنسان إذا كان صائمًا صوم تطوع كصوم الإثنين والخميس، أو أي يوم من الأيام المستحبة، ثم بدا له أن يفطره أو كان مدعوًا للذهاب عند إنسان ضيفًا فيجوز أن يفطر وله الأجر في ذلك، لأنه أكرم أخاه وأكل معه، وأجر على الصيام، ولكن يستحب ابتداء أن يقول: إني صائم، فإن رضي فليكمل صومه، وإذا كان قد تكلف من أجل حضور الضيف فليجبه إلى الطعام، كما قال النبي ﷺ للصحابي الذي تكلف له الناس وقال إني صائم: (تكلف لك أخوك وتقول إني صائم)، فإذا تكلف لك فالأفضل أن تأكل عنده حتى لا يحزن، وهذا في صوم التطوع.","vol":"21","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>أثر النية الصالحة على الأعمال المباحة</span>\nوفي الحديث الذي رواه البخاري عن أبي جحيفة يقول: (آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء).\nكان أبو الدرداء ﵁ فقيهًا، ولكن سلمان كان أفقه منه، وإن سلمان نزل ضيفًا عند أبي الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة أي: في ثياب مهنتها وغير متزينة لزوجها، وكان هذا قبل أن يؤمر بالحجاب، فقال لها: ما شأنك، فقالت: أخوك أبو الدرداء ليست له حاجة في الدنيا، ولما جاء أبو الدرداء وصنع لـ سلمان طعامًا، فقال له سلمان: كل، فقال: إني صائم، فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فلما أصر سلمان وهو ضيف إذا بـ أبي الدرداء يفطر ويأكل مع سلمان، ثم جاء الليل فذهب أبو الدرداء من أول الليل يصلي، وكان من عباد الصحابة ﵁، فقال له سلمان: نم ليس هذا وقته، ثم ذهب ليصلي، فقال: نم ليس الآن، فلما كان من آخر الليل قال له سلمان: قم الآن فصل -وكان سلمان يقصد بهذا الشيء أن يقول له: إذا كنت صمت اليوم كله وقمت من أول الليل إلى آخره فمتى ستتفرغ لزوجتك؟ ثم قال: إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه، فأنت مخلوق لعبادة الله، وعبادة الله تكون بالصلاة وبالصوم، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبإعطاء الحقوق لأصحابها، ومن ضمن الحقوق حقك أنت، فجسدك له عليك حق، وزوارك لهم عليك حق، وزوجتك وعيالك لهم عليك حق، فأعط كل ذي حق حقه، وكأن هذا الأمر ضاق منه أبو الدرداء فذهب يشكو إلى النبي ﷺ فذكر له ذلك، فقال له النبي ﷺ (صدق سلمان، صدق سلمان)، أي: إن الذي قاله سلمان هو الصحيح، فالإنسان إذا أراد أن يتعبد فلا ينسى أن حياته كلها عبادة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢]، فحياتك كلها لله، فأنت وأنت في بيتك تعبد الله، وفي مسجدك تعبد الله، وفي عملك تعبد الله، وفي الشارع وفي الطريق تعبد الله، فالحياة كلها تصبح عبادةً لله سبحانه بنية الإنسان، فإذا كنت تمشي في الطريق وغيرك يمشي فيها كذلك، وأنت ناوٍ أنك كلما قابلت إنسانًا مسلمًا، ألقيت ﵇، تعرفه أو لا تعرفه، فهذه عبادة لله سبحانه وتؤجر على ذلك، أو في نيتك أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتغض بصرك فهذه أيضًا عبادة لله ﷾، وأنت تمشي في الطريق وتراجع ما تحفظه من القرءان أو تسبح الله وتحمده ﷾ لتأنس بالله سبحانه ﵎ فهذه عبادة لله، وإذا ذهبت إلى عملك لتقضي بين الناس وتنظر في مصالح الناس وتعينهم وتتقن عملك فهذه عبادة، وقد قال رسول الله ﷺ: (إن الله يحب أحدكم إذا عمل عملًا أن يتقنه) وإذا رجعت إلى بيتك تحمل الخضروات والخبز وأنت ناوٍ أن تطعم أهلك بها فتلك عبادة، (حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك لك فيها أجر) وأنت تضحك مع أهلك ومع عيالك وتدخل السرور على قلوبهم، وتتبسم في وجه أخيك المسلم عبادة لله أيضًا، قال النبي ﷺ: (تبسمك في وجه أخيك صدقة).\nكذلك وأنت تأتي أهلك فأنت في عبادة، (قالوا: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ قال: أرأيتم إن وضعها في حرام أيكون عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك إن جعلها في حلال كان له أجر) فأنت في الليل أو في النهار لك أجر من الله سبحانه لأنك تعبد الله، تنام حين تنام وأنت على وضوء، وتنام على جنبك الأيمن تذكر الله سبحانه والملك بجوارك، فإذا فزعت من النوم ذكرت الله سبحانه ﵎ ودعوت الله وأمن الملك على ما تدعو، فأنت في عبادة لله في الليل والنهار، وأنت قائم أو نائم أو في الطريق أو في عملك، حياتك كلها عبادة بفضل الله وبرحمته وبالنية الحسنة منك، لذلك اعبد ربك في كل مكان كما أمرك، وأعط الحقوق لأصحابها فهي عبادة تتعبد بها لله ﷾.","vol":"21","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>الصيام الممنوع</span>","vol":"21","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>صيام يوم الشك</span>\nإن من الصيام الممنوع: صيام يوم الشك، فقد نهى النبي ﷺ عن صومه، فيحرم صيامه، فقد روى أبو داود عن عمار ﵁ قال: (من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ)، وقال النبي ﷺ: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا رجلًا كان يصوم صومًا فليصمه).\nويوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان، لأنه يُشك فيه هل هو من شعبان أو من رمضان، فنهى النبي ﷺ عن صومه، والعلة في ذلك: أن رمضان لابد أن يتميز فقبله لا يوجد صيام وبعده يوم العيد لا يوجد صيام، فيوم العيد حاجز بينه وبين ما بعده، ويوم الشك حاجز بينه وبين ما قبله، ولكن من كانت له عادة في صيام يوم الإثنين والخميس، أو يوم السبت والأحد والإثنين، أو الثلاثاء والأربعاء والخميس، أو يصوم يومًا ويفطر يومًا فجاء يوم الشك في هذا اليوم فله أن يصوم هذا اليوم، أو كان عليه يوم من رمضان السابق ونسيه فلم يذكره إلا هذا اليوم فله أن يصومه، أما من غير سبب فليس له أن يصوم هذا اليوم.","vol":"21","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>صوم يوم الجمعة</span>\nويكره أن يصوم الإنسان يوم الجمعة، أما يوم الشك فيحرم إلا أن تكون هناك عادة للإنسان في صيامه؛ لقول النبي ﷺ: (لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يومًا قبله أو بعده)، فيكره صوم يوم الجمعة وحده، لكن لو أنك تصوم يومًا وتفطر يومًا فوافق يوم صومك يوم الجمعة فيجوز أن تصومه، وكذلك لو أنك تصوم الخميس مع الجمعة أو الجمعة مع السبت فيجوز لك ذلك، وجاء في صحيح مسلم عن النبي ﷺ قال: (لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم)، فيوم الجمعة لا يخصص بصيام، وإن شئت صومه فصم معه يومًا قبله أو يومًا بعده، ولا مانع من ذلك، وقد جاء عن النبي ﷺ (أنه دخل على جويرية بنت الحارث يوم جمعة فوجدها صائمة فقال: أصمت أمس، قالت: لا، فقال: تريدين أن تصومي غدًا، فقالت: لا، فقال: فأفطري)، فأمرها أن تفطر؛ لأنها لم تصم يوم الخميس ولن تصوم يوم السبت، وجاز صيام يوم الجمعة بسبب من الأسباب كأن يكون قضاء، أو نذرًا.\nوأما الحكمة في كراهية صيام يوم الجمعة فهي أن يوم الجمعة يوم عيد للمسلمين وفيه أعمال قد يشغلك الصوم عنها إذا لم تكن معتادًا على الصوم، فيوم الجمعة تريد أن تذهب للمسجد مبكرًا، ولعلك إن كنت صائمًا ترغب أن تنام قليلًا فيضيع عليك التبكير إلى المسجد، والتبكير إلى المسجد فيه أجر عظيم جدًا، وحضور صلاة الجمعة، وسماع الخطبة من الإمام تؤجر عليها، فيغفر لك ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة عشرة أيام، وفي ذهابك إلى صلاة الجمعة سواء كان المسجد قريبًا أو بعيدًا أجر عظيم كما في الحديث عن يوم الجمعة: (من بكر وابتكر، وغسل واغتسل، ومشي فلم يركب، وصلى ما كتب الله له إلا كتب له بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها)، وهذا أجر عظيم جدًا، فإذا خطوت ألف خطوة كتب لك أجر ألف سنة.\nوبعد أن تصلي صلاة الجمعة وترجع إلى بيتك وتقرأ سورة الكهف سواء قبلها أو بعدها، وتكثر من الصلاة على النبي ﷺ ليلة الجمعة ويومها، ثم تأتي الساعة التي بعد صلاة العصر قبل المغرب وهي آخر ساعة من الجمعة، فهي ساعة إجابة للدعاء.\nإذًا: فيوم الجمعة فيه انشغال بطاعات أخرى فلعلك إن انشغلت بالصوم أن تضيع الكثير من هذه الطاعات، ولذلك كره النبي ﷺ أن تصوم يوم الجمعة وحده، فإن شئت فصم يومًا قبله معه أو يومًا بعده معه، وكان النبي ﷺ يفعل ذلك، ويكثر من صوم يوم الجمعة، وقلما يفطر فيها؛ لأنه كان يكثر من صوم يوم الخميس، والله أعلم.\nنكتفي بهذا القدر، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.","vol":"21","page":13},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-215> الحث على قراءة القرآن وتعاهده</span>\nلقد حض النبي ﷺ على تعاهد القرآن وحفظه وتدبره، فقام الصحابة الكرام بذلك خير قيام، فقد كانوا قرآنًا يمشي على الأرض؛ لأنهم كانوا لا يتجاوزون العشر الآيات حتى يحفظوها ويتدبروها ويعملوا بها، ومن اهتمامهم بالقرآن أن قام أبو بكر الصديق بمشورة عمر ﵄ بجمع القرآن وكتابته في مصحف واحد، ثم جمعه بعد ذلك عثمان ﵁.","vol":"22","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>نماذج من تعاهد الصحابة للقرآن وحفظهم له</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nورد في الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود فبدأ به، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل)، ﵄.\nوفي الصحيحين أيضًا عن أنس ﵁ قال: (جمع القرآن على عهد النبي ﷺ أربعة كلهم من الأنصار، أبي ومعاذ بن جبل، وأبو زيد، وزيد بن ثابت، قال الراوي: قلت لـ أنس: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي).\nهذه أحاديث من ضمن أحاديث كثيرة جاءت عن أصحاب النبي ﷺ الذين كانوا يحفظون القرآن في عهده ﷺ، وأمر النبي ﷺ باستقراء القرآن من هؤلاء، قال: (استقرئوا القرآن من أربعة)، من هؤلاء الذين كانوا يحفظون القرآن حفظًا متقنًا: عبد الله بن مسعود ﵁، وسالم مولى أبي حذيفة، وكان سالم ذا صوت حسن غاية في الجمال رضي الله تعالى عنه، سمعته السيدة عائشة مرة وهو يقرأ ودخل عليها النبي ﷺ فقالت: إني سمعت رجلًا من أصحابك يقرأ القرآن فذكرت من قراءته، فخرج النبي ﷺ واستمع إليه ثم رجع وهو يذكر من جمال صوته، وأن قراءته قراءة حسنه، وكان هذا الرجل سالم مولى أبي حذيفة، وكان يتقن حفظ القرآن، وأمر النبي ﷺ باستقراء القرآن منه ومن عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل ﵃.\nفهؤلاء كانوا يحفظون القرآن في عهد النبي ﷺ، وغيرهم كانوا يحفظون القرآن، ففي حديث أنس بن مالك قال: (جمع القرآن على عهد النبي ﷺ أربعة كلهم من الأنصار)، فهذه معرفة أنس ﵁، وهؤلاء الأربعة من الأنصار هم: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد واحد من أعمام أنس بن مالك، وزيد بن ثابت، فهؤلاء أيضًا حفظوا القرآن كله في عهد النبي ﷺ.\nوالصحابة كلهم حافظوا على القرآن، فهذا يحفظ مجموعة من السور، وهذا يحفظ مجموعة أخرى من السور، وهذا يحفظ آيات، وهذا يحفظ، وهذا يكتب، فكان كل منهم يأخذ من النبي ﷺ فيحفظ، ومنهم من كتب في صحيفة عنده حتى يحفظه، ولذلك لما طُلِبَ من زيد بن ثابت ﵁ أن يجمع القرآن، جمع القرآن من صدور الرجال وهو يحفظه، والنبي ﷺ ذكر لنا في الحديث أربعة يحفظون القرآن، وهم: ابن مسعود وسالم وأبي ومعاذ، وأخبر أنس بن مالك أن ممن جمع القرآن في عهد النبي ﷺ زيد بن ثابت ﵁، وكانت له فضيلة أنه كان يكتب الوحي رضي الله تعالى عنه.","vol":"22","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>عمل الصحابة بالقرآن وتناصحهم فيما بينهم على ذلك</span>\nهؤلاء الذين حفظوا القرآن في عهد النبي ﷺ، وجمعوه في صدورهم، وكتبوا القرآن في ألواح وفي صحائف عندهم، كانوا يأخذون هذا القرآن ويقومون به بالليل ويقرءونه بالنهار، ويعملون به رضوان الله ﵎ عليهم.\nفانظر مثلًا من هؤلاء معاذ بن جبل، ومنهم أبو موسى الأشعري فقد كان ممن يحفظ القرآن، ففي الصحيحين عن أبي بردة قال: (بعث رسول الله ﷺ أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن) أرسلهما باعتبارهما يحفظان القرآن ليعلما أهل اليمن، وكان حفظ الصحابة للقرآن غير حفظنا نحن، نحن نهتم بحفظ القرآن وبعد أن نتم حفظ القرآن ثم نتعلم المعاني التي فيه والفقه، أما الصحابة فكان حفظهم عجيبًا جدًا، كانوا يأخذون عشر آيات، ويتقنون هذه العشر الآيات حفظًا وتلاوة وعلمًا وعملًا وفهمًا، فحافظ القرآن منهم له شأن عظيم جدًا؛ لأنه يحفظ القرآن بما فيه من معان، وبما فيه من فقه، وبما فيه من أحكام، ويعمل بهذا الذي حفظ، ولذلك كانت لهم منزلة وقدر عظيم.\nفكان النبي ﷺ يبعث بهؤلاء القراء الذين يحفظون القرآن ليعلموا الناس، فأرسل معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن حتى يعلما أهل اليمن، كل منهما كان على مخلاف، كأن تقول: هذه محافظة وهذه محافظة ثانية، أو هذه بلدة وهذه بلدة ثانية، فـ معاذ على مخلاف وأبو موسى الأشعري على مخلاف آخر، فقال معاذ: يا عبد الله بن قيس! كيف تقرأ القرآن؟ أبو موسى من قراء القرآن ومن أجمل الناس قراءة للقرآن، فقد قال عنه النبي ﷺ: (لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود).\nفقد كان صوته غاية في الجمال ﵁، وكان عمر بن الخطاب عندما يحب أن يسمع القرآن يقول: يا أبا موسى! ذكرنا، فيجلس أبو موسى ويذكرهم ويقرأ القرآن، فيبكي عمر ويبكي الحضور من قراءته ومن جمال قراءته ومن إتقانه وجمال صوته ونغمته رضي الله تعالى عنه، وهذا واحد ممن سمع أبا موسى يقول: فما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا شيئًا أجمل من صوته، أي: كأنك تسمع صوت العود والآلات الموسيقية، وهم كانوا يصنعون منها ويعرفونها في الجاهلية، فلما جاء الإسلام منعهم من ذلك، فهذا يقول: ما سمعت صوتًا أجمل من صوت أبي موسى الأشعري ﵁، لكن نقول: كان أجمل منه صوتًا وأخشع منه سيدنا رسول الله ﷺ، فقد كان أجمل الناس صوتًا وتلاوة، وهو الذي نزل عليه القرآن، وقال في الحديث: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به) أي: ما استمع الله لشيء كاستماعه للنبي صلوات الله وسلامه عليه.\nيقول رجل: (سمعت رسول الله ﷺ في آخر حياته وهو يقرأ سورة الطور، فما سمعت شيئًا أجمل من قراءة النبي ﷺ ولا أخشع، حتى إني لأضطرب من الخوف) أي: حين سمع النبي ﷺ وهو يقرأ بسورة الطور.\nوهذا الرجل كان كافرًا في ذلك الوقت، وبعد أن سمع قراءة النبي ﷺ خشع قلبه وأسلم بعد ذلك رضي الله تعالى عنه.\nالغرض: أن أبا موسى الأشعري التقى مع معاذ، فسأله معاذ كيف تقرأ القرآن؟ كان أهم شيء عندهم هو الدين، فيقول أبو موسى: أتفوقه تفوقًا، أي: ألازم قراءته ليلًا ونهارًا شيئًا بعد شيء، والتفوق يقال: فواق الحلبة، أي: ما بين الحلبتين، فهو يقرأ القرآن باستمرار، فقال أبو موسى رضي الله تعالى عنه: وأنت كيف تقرأ يا معاذ؟ قال معاذ: أما أنا فأنام أول الليل، ثم أقوم جزءًا من النوم فأقرأ ما كتب الله لي، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي.\nف معاذ رضي الله تعالى عنه كان يقرأ قراءة عظيمة، كان يتدبر القرآن ليتفقه في هذا القرآن العظيم، وكلاهما على خير، فقد كانا يقرأان القرآن كما أنزل على النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nفالصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتواصون فيما بينهم، ويسأل كل منهم الآخر عن دينه.\nهذه قراءة الصحابة وهذا حفظ الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، كانوا يحفظون القرآن حفظًا عظيمًا، ويقرءونه ويكتبونه.","vol":"22","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>قصة جمع أبي بكر للقرآن</span>\nورد في البخاري من حديث زيد بن ثابت ﵁، وكان ممن يكتب الوحي للنبي ﷺ، وبعد ذلك كتب هذا القرآن العظيم في عهد أبي بكر، قال: (أرسل إلي أبو بكر عام مقتل أهل اليمامة وعنده عمر، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن).\nفهؤلاء القراء الذين كانوا يحفظون القرآن قاموا بهذا القرآن كما أمر الله سبحانه، فلما جاء وقت الجهاد ذهبوا كلهم ليجاهدوا؛ لأنهم يريدون الجنة، فذهبوا في قتال أهل اليمامة، فكان الكثير من حفاظ القرآن يقاتلون مسيلمة الكذاب لعنة الله عليه، وكان مع مسيلمة كثير من الناس، وكان أشد قتال أتعب المسلمين قتال مسيلمة ومن معه، ومن كان معه يعرفون أنه كذاب، لكن كانوا يفتخرون أنه منهم من بني حنيفة من اليمامة، ولذلك كانوا يدافعون عنه، فقاتلوا قتالًا شديدًا، وقتل الكثير من حفاظ القرآن الذي هم القراء، فلما حدث ذلك ذهب عمر إلى أبي بكر فقال: أدرك هذه الأمة قبل أن يضيع حفاظ القرآن، وقبل أن يضيع القرآن، فكانت مشورة عظيمة وجميلة من سيدنا عمر ﵁ لـ أبي بكر، فـ أبو بكر تردد في البداية وقال: كيف أفعل شيئًا لم يفعله النبي ﷺ؟ يعني: النبي ﷺ لم يكتب القرآن كله في كتاب واحد، ولم يجمعه في كتاب واحد، وكان أبو بكر شديد الاتباع للنبي ﷺ، فما زال عمر به حتى أدرك ما أدركه عمر، واستجاب لما قاله عمر ﵁.\nوأرسلوا إلى زيد بن ثابت فقال زيد: كيف أفعل شيئًا لم يفعله النبي ﷺ؟! وكتابة القرآن يحتج بها العلماء في مسألة أصولية يسمونها: المصالح المرسلة، والمصالح المرسلة مما دعا إليه الدين، ولم يأت بخصوصه عن النبي ﷺ شيء، لكنه مما دعا الدين إليه، قال ربنا سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، فالقرآن حفظه الله وأمر بحفظه ﷾، وأمرنا بقراءة القرآن وتدبر القرآن، فقال ﷿: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء:٨٢].\nفكيف يتدبره الناس وليس مكتوبًا في أيديهم، وإنما كان في صحف متفرقة مع أصحاب النبي ﷺ، هذا معه قليل، وهذا معه قليل، فلو مات هؤلاء الناس فكيف سيحفظون القرآن؟! فكانت هذه مصلحة من المصالح المرسلة، يتعبدون لله ﷿ بأن جمعوا القرآن، فكم سيأخذ من الثواب عمر ﵁، وأبو بكر ﵁، وعثمان ﵁، وزيد بن ثابت ومن معه ممن كتبوا هذا القرآن العظيم في كتاب واحد في صحيفة واحدة! لقد كان القرآن مكتوبًا في عهد النبي ﷺ، فكان إذا نزلت عليه الآيات يدعو الكاتب فيكتب، وكان من الكتاب زيد بن ثابت، وكان منهم معاوية بن أبي سفيان وغيرهما.\nفكان يقول: ألحق هذه الآية بسورة كذا، فيلحقها في موضعها في السورة التي كتبها قبل ذلك.\nولم يكن عندهم ورق مثل الذي عندنا الآن، يقول زيد: فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال، كان يجمع القرآن من ذلك.\nفهو أخذ من عنده رقعة مكتوب فيها، ومن عنده كتف، فقد كان الواحد يأخذ كتف البعير أو غيره وبعدما ينظفه ويطهره يكتب عليه ليحفظه عنده في البيت، وكذلك كان يأخذ العسب المكتوب عليها القرآن، والعسب هي الجريدة العريضة من جريد النخل؛ ليكتب فيها القرآن، قال: ومن صدور الرجال وحفظ الرجال، فـ زيد بن ثابت كان يكتب الوحي في عهد النبي ﷺ، وها هو الآن يجمع القرآن من هذه الأمور، فهو لم يعتمد على حفظه؛ لأن حفظ الإنسان قد يخونه، فلذلك جعلوا معه مجموعة من الرجال ليجمعوا القرآن، فكان معه ثلاثة من الرجال وهو رابعهم ﵃ أجمعين، قال: فقمت فتتبعت القرآن حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة بن ثابت الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره.\nفهذا يبين أنه كان يعتمد في الجمع على المكتوب؛ لأنه وجد آيتين من سورة التوبة مع خزيمة فقط، ليست مع غيره، وهذا لا يعني أنه لم يكن يحفظ هاتين الآيتين غير خزيمة، وإلا فلن يكون القرآن متواترًا، ولكن المقصود أنه وجدها مكتوبة معه فقط، وإلا فـ زيد يحفظهما، وحفاظ القرآن يحفظونهما، لكن أراد زيد أن يجدهما مكتوبتين، فوجدهما مكتوبتين مع خزيمة بن ثابت ﵁، والآيتان هما قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة:١٢٨ - ١٢٩].\nفقد تعب زيد ومن معه في تجميع القرآن العظيم، وهو ستة آلاف ومائتا آية! كل آية يبحث من الذي كتبها، ومع من؟ فجمعوا القرآن في مصحف واحد، وكان هذا المصحف غاية في الإعجاز والعجب، إعجاز؛ لأنه كلام الله سبحانه، وعجب في توفيق من كتبوا في القراءات كلها كيف كتبوها؟! وقد كان القرآن لا مشكولًا ولا منقوطًا، فمثلًا: كيف قرءوا قوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] فبدون تشكيل ولا تنقيط تكون (مسوا)، فهل هي تبينوا أو تتبعوا أو تثبتوا؟! فقراءة حمزة والكسائي (فتثبتوا) وقراءة الجمهور (فَتَبَيَّنُوا)، وقرأها النبي ﷺ بكذا وبكذا، فهم كتبوها حروفًا غير منقوطة، فلو كانت منقوطة لكانت قراءة واحدة فقط، ولكن كتبت غير منقوطة حتى تحتمل هذه القراءة وهذه القراءة، وقس على ذلك ما جاء في القرآن كله من قراءات، فقد جاءت في الآية الواحدة عدة قراءات، مثل: (غشاوة) و(غشوة) و(غدوة) و(غداة)، فهم كتبوها بغير نقاط ومن غير تشكيل ليجوز قراءتها على وجوه فيها، فالقراءات أخذوها من النبي ﷺ مشافهه، ومن بعدهم أخذ منهم وهكذا.","vol":"22","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>قصة جمع عثمان للقرآن وسبب ذلك</span>\nلما كان عهد عثمان بن عفان ﵁ اختلف الناس في القراءات، فإذا بـ عثمان يأمر بإحضار المصحف الذي كان موجودًا عند أبي بكر، فلما توفي أبو بكر كان موجودًا عند عمر، فلما توفي عمر كان موجودًا عند حفصة، ففي عهد عثمان حصلت فتوحات كثيرة للمسلمين، وذهب أئمة الصحابة إلى البلدان، وكل منهم يقرأ بقراءة، فهذا يقرأ بقراءة، وهذا يقرأ بقراءة، وهذا يقرأ بقراءة، فأهل هذا البلد أخذوا بقراءة هذا الذي ذهب إليهم يقرئهم، وأهل البلد الآخر أخذوا بقراءة غيره من القراء، فلما اجتمع بعض الناس الذين يحفظون القرآن وهم جنود في الجيوش، فهذا يقرأ، ويقوم الثاني فيقول له: أنت تقرأ خطأ، فيقول له: كيف وقد علمني فلان؟ فقد كفرت؛ لأنك تنكر شيئًا من القرآن، فهنا سيكفر بعضهم بعضًا، فإذا بهم يرسلون إلى عثمان: أدرك الناس قبل أن يكفر بعضهم بعضًا، فالناس مع عدم اطلاعهم على جميع ما في القرآن إذا بكل واحد منهم يتمسك بالذي حفظه فقط.\nفهنا يأتي عثمان ﵁ بعمله الجليل فيأخذ المصحف من حفصة، حيث أرسل إليها رسولًا فقال: أرسلي إلينا بالمصحف وسنرده إليك، فأخذ منها المصحف، وأمر الكتاب فكتبوا ستة مصاحف من هذا المصحف الإمام، ووزعه على البلدان، وسمي: المصحف الإمام، أي: المصحف الذي أمر عثمان بنسخه، وعثمان ليس هو الذي كتبه، وإنما الذي كتبه في عهد أبي بكر زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، فكانت الفضيلة لـ أبي بكر وعمر ﵄، ثم الفضيلة لـ زيد، ثم الفضيلة لـ عثمان، ثم الفضيلة لمن حافظ على كتاب الله ﷿ بعد ذلك.\nفهذا القرآن العظيم الذي وصل إلينا سهلًا، الآن تجد المصحف مكتوبًا: هذا مصحف بقراءة حفص عن عاصم، وهذا مصحف بقراءة قالون عن نافع، وهذا مصحف بقراءة أبي عمرو، والآن بدأ القراء أكرمهم الله يقرءون في الإذاعة وغيرها بالقراءات، هذا يقرأ بقراءة السوسي، وهذا يقرأ بقراءة الدوري، وهذا يقرأ بقراءة فلان، وهذا يقرأ بقراءة فلان.\nفهذا كله يدل على فضل هذا القرآن العظيم الذي نزل من السماء على النبي ﷺ، وكيف يسره الله ﷿ للذكر، فهو الكتاب الوحيد الذي تقرؤه سهلًا؛ لأن الذي يسره هو رب العالمين سبحانه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧].\nنسأل الله ﷿ أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يعلمنا القرآن وسنة النبي ﷺ، وأن يهدينا صراطه المستقيم.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"22","page":5},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-220> فضائل القرآن الكريم [١]</span>\nالقرآن كتاب الله العظيم مخرج للأمة من الأزمات، وعلاج ناجع لكل الأمراض التي تعتور الأمة وتثقلها، ولما ضيعت الأمة هذا الكتاب وتركته وراء ظهرها حل بها ما قد رأيناه وعلمناه، ولن يعود للأمة مجدها وعزها إلا به، وأجره ونفعه وبركته وخيره في الدنيا معروف ظاهر، وفي الآخرة يكفي القارئ شرفًا أن تكون منزلته في الجنة عند آخر آية يقرؤها.","vol":"23","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>فضل القرآن الكريم وتلاوته في رمضان وغيره</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.","vol":"23","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>نزول القرآن ومدارسة النبي ﷺ له مع جبريل في رمضان</span>\nيستحب تلاوة القرآن في أيام وليالي رمضان التي كان النبي ﷺ يدرس مع جبريل فيها القرآن، فكان جبريل ينزل على النبي ﷺ في هذه الليالي يدارسه القرآن، ويقرأ مع النبي ﷺ القرآن -الذي نزل عليه صلوات الله وسلامه عليه- من أوله إلى آخره، وكان في كل سنة يقرأ مع النبي ﷺ مرة، حتى جاء العام الذي توفي فيه ﷺ فقرأ مع النبي ﷺ وعرض القرآن مرتين، حتى تكون هذه آخر ختمة مع النبي ﷺ، ويتعلم الناس من النبي ﷺ آخر ما نزل عليه صلوات الله وسلامه عليه على الترتيب الذي بين أيدينا من هذا الكتاب العظيم.\nروى الإمام أحمد عن واثلة بن الأسقع ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (أنزلت صحف إبراهيم ﵇ في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الفرقان لأربع وعشرين خلت من رمضان)، هذا القرآن العظيم كما نزلت الكتب من قبله كصحف إبراهيم الذي نزلت صحفه في رمضان، ونزلت كلها مرة واحدة عليه، وكذلك موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام الذي أمر نبينا صلوات الله وسلامه عليه أن يقتدي بمن قبله من الأنبياء، وهؤلاء من أولي العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام، نزلت عليه التوراة لست مضين من رمضان.\nوالإنجيل نزل على عيسى ﵊ لثلاث عشرة خلت من رمضان، والقرآن نزل لأربع وعشرين، وهذه الكتب السابقة كلها نزلت مرة واحدة من السماء على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لكن القرآن نزل إلى السماء الدنيا ثم نزل على النبي ﷺ بعد ذلك منجمًا.\nجاء عنه ﷺ أحاديث يحث فيها على تلاوة القرآن، ففي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن) أي: يعرض جبريل على النبي ﷺ ويعرض النبي ﷺ على جبريل هذا القرآن العظيم، قال (فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة) فهذه فضيلة عظيمة أن ينزل جبريل على النبي ﷺ في رمضان يراجع معه ما حفظ من هذا الكتاب العظيم، وكان النبي ﷺ يشتاق لذلك، وكان يفرح لذلك جدًا، فيتصدق بكل ما عنده صلوات الله وسلامه عليه، فهو أجود من الريح المرسلة صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"23","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>شفاعة القرآن لصاحبه يوم القيامة</span>\nأيضًا جاء في صحيح مسلم عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه)، هذا حث من النبي ﷺ، و(اقرءوا) غالبًا ما تكون بمعنى: احفظوا القرآن، ويخبر هنا أنه سيأتي يوم القيامة شفيعًا لصاحبه الذي كان يحفظه، والذي يقرأ القرآن بغير حفظ لا يعدم خيره، ولكن الأعظم أجرًا الذي يحفظ كتاب الله سبحانه، قال ﷺ: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه) وكانت عادة العرب أن كلمة اقرأ كذا بمعنى: احفظ كذا، فكان النبي ﷺ يقول لهم: (يؤمكم أقرؤكم لكتاب الله) أي: أحفظكم لكتاب الله، فالذي يؤم القوم الأحفظ لكتاب الله سبحانه ﵎.\nوعندما نقرأ ونسمع أنه استحر القتل بالقراء يوم اليمامة، فالمقصود بقراء القرآن: حفاظه الذين حفظوه من عهد النبي ﷺ، وكانوا من أشجع الناس، فكانوا يقاتلون مسيلمة الكذاب لعنة الله عليه وعلى أمثاله، فاستحر القتل بهم رضوان الله ﵎ عليهم.\nفكلمة (اقرأ القرآن) معناها: احفظ القرآن، فقال النبي ﷺ: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه)، وقال: (اقرءوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران)، الزهراء أي: المنيرة المضيئة، فقوله: (اقرءوا الزهراوين) يشعر بفضيلة قراءة وحفظ سورة البقرة وآل عمران، وإذا قلنا: الفضيلة في الحفظ فالذي يقرأ من غير حفظ له فضيلة أيضًا، ولا يعدم الإنسان خيرًا من مجالسة القرآن، ولكن كلما كان الإنسان يتقرب إلى الله أكثر كلما حفظ من كتاب الله ما استطاع؛ لأنها مراتب يوم القيامة، فعلى حسب ما تحفظ من الآيات على قدر ما يرفعك الله ﷿ في الدرجات.","vol":"23","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>فضل قراءة سورتي البقرة وآل عمران</span>\nوقوله ﷺ: (اقرءوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما)، كلنا يعرف الفضيلة في هذه السور، وقد سمعنا قبل ذلك مرارًا هذه الأحاديث، إنما المسلم يتذكر حين يسمع ذلك، ويقول: لماذا لا أحفظ القرآن؟ لماذا لا أحفظ ولو آيات؟ والله ﷿ إذا علم مني المحاولة والحرص على ذلك لعله يعطيني الأجر ولو لم أحفظه، والله كريم وعظيم، وكم من إنسان يؤجر على نيته من غير أن يعمل، يحاول أن يعمل ويحاول ويحاول فلا يصل، فالله ﷿ يعطيه على نيته هذه، كما ذكر النبي ﷺ فيمن يرى عالمًا من العلماء يتصدق فيقول: يا ليتني مثله، وهو لا مال عنده، ولا علم، ولكن تمنى وعلم الله صدق نيته فجعله مثله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.\nوهاتان السورتان تشفعان لأصحابهما يوم القيامة، ويجعل الله للعبد ما كان يقرؤه من هاتين السورتين على رأسه كغمامتين، فالبقرة وآل عمران تكونان غمامتان وسحابتان تظلان صاحبهما.\nوقد كان من معجزات النبي ﷺ في حياته التي يراها الناس أنه كان يمشي في الشمس المحرقة وإذا بالله يرسل فوقه سحابة تظله، فكان الرهبان ينظرون ويقولون: هذا نبي، وعرفوا النبي ﷺ أنه نبي حين رأوا سحابة تظله وهو يسير صلوات الله وسلامه عليه.\nوالإنسان في الدنيا يمكن أن يجد شيئًا يظله كجدار مثلًا، أما يوم القيامة فأين يذهب من الشمس؟ وقد دنت الشمس من الرءوس فلا يقدر على الهرب منها، وقد حشر الناس في مكان لا يقدرون على الفكاك، ولا على الهرب من هذا المكان، فتأتي سورة البقرة وسورة آل عمران على هذه الهيئة كأنهما سحابتان أو غيايتان أو غمامتان في السماء، أو فرقان: أي مجموعتان عظيمتان من طير صواف.\nنقرأ في التاريخ أن سيدنا سليمان ﵊ كانت الطيور تقف فوق رأسه تظله بأجنحتها، وهذا في الدنيا، لكن يوم القيامة سورة البقرة وسورة آل عمران تكون على هذه الهيئة فوق رأس صاحبها يوم القيامة تظله، بل تمشي معه إلى ربها سبحانه ﵎ وتدافع وتحامي عنه، يقول النبي ﷺ: (تحاجان عن صاحبهما)، وكل من يحفظ البقرة وآل عمران له هذه الفضيلة.\nقال النبي ﷺ: (اقرءوا) يحث على قراءة سورة البقرة، وهي مليئة بالأحكام، والمواعظ، وقصص السابقين، والإخبار عما يكون في يوم القيامة، وفيها كثير من مسائل العقيدة، والفقه، وغير ذلك، فهي سورة عظيمة فيها أعظم آية في كتاب الله ﷿ وهي آية الكرسي.\nفالمؤمن حين يعلم ذلك يحرص على أن يحفظ هذه السورة لتشفع له يوم القيامة عند الله سبحانه ﵎.\nيقول ﷺ: (اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة) فإذا حفظت هذه السورة صارت بركة بداخلك، وبركة في قلبك، وبركة في بيتك، وبركة في رزقك، وبركة في معاملاتك، وبركة في كل شيء، فهي كما قال النبي ﷺ: (فإن أخذها بركة وتركها حسرة).\nوالإنسان يتحسر يوم القيامة حين يرى أصحاب سورة البقرة وآل عمران تظلانهم، وهو ليس عنده ظل، وكان بإمكانه أن يحفظ فلم يفعل ذلك، وكان عنده وقت فضيع الوقت في اللعب واللهو، في التسالي، والسير في الطرقات ونحو ذلك وتناسى أن يحفظ كتاب الله ﷿، أو شيئًا من كتاب الله ينتفع به يوم القيامة.\nقال النبي ﷺ: (ولا تستطيعها البطلة)، أي: أن السحرة لا تستطيع أن تفعل شيئًا بصاحب سورة البقرة الذي يقرؤها ويحفظها، ويوقن بها، والذي يؤمن بربه ﷾، فما يقدرون على شيء من صاحب سورة البقرة، فاحفظ سورة البقرة تنجيك في الدنيا، وتنجيك في الآخرة، وعليك أن تحفظ هذه السورة مؤمنًا بالله ﷾ مصدقًا بالثواب العظيم المترتب على ذلك.","vol":"23","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>وجوب الإخلاص في قراءة القرآن وحفظه وتعلمه</span>\nومن الأحاديث التي جاءت عنه صلوات الله وسلامه عليه مما لم نذكره قبل ذلك: ما رواه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (تعلموا القرآن وسلوا به الجنة قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا)، أي: تعلموا القرآن واطلبوا من الله ﷿ بهذا القرآن الجنة، فإذا قرأت القرآن فادع الله وسله سبحانه، والقرآن وسيلة تتوسل به إلى الله سبحانه ﵎، بحفظك له، وقراءتك له، وحبك له، وإيمانك به، وعملك به، فتتقرب إلى الله وتتوسل إلى الله ﷿، وتسأل الله ﷿ بحبك وإيمانك بالقرآن أن يدخلك الجنة، نسأل الله ﷿ أن يدخلنا الجنة.\nوقوله ﷺ: (قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا)، أي: أن القرآن غنى لصاحبه، يغني قلب الإنسان المؤمن، وأنه قد يطلب به الدنيا، فيقول لنا: لا تكونوا طالبين للدنيا بالقرآن، إنما اطلبوا الآخرة بالقرآن قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا، قال ﷺ: (فإن القرآن يتعلمه ثلاثة: رجل يباهي به)، فالأول: يباهي به، أي: يحفظ القرآن ليرى أنه حافظ له وغيره لا يحفظ، وليرى أنه المتفرد وحده ولا أحد مثله، فهذا حفظ ليباهي به الناس، ولم يأخذ من حفظه القرآن إلا المباهاة، ولن ينتفع بذلك يوم القيامة، فاحذر أن تكون من هؤلاء، واحذر أن تتعلم القرآن لتكون نقادًا للآخرين، وتقول لغيرك: أنت لا تعرف تقرأ، وأنت قرأت كذا، والشيخ الفلاني يخطئ في كذا، وعنده: أن كل الناس يخطئ، ولا يسلم إلا هو المتفاخر المباهي، الذي ستكون مصيبته مصيبة يوم القيامة.\nوالثاني: الذي يحفظ القرآن ليستأكل به، رضي من حفظه للقرآن أن يذهب يقرأ للناس ويأخذ منهم مالًا، فهذا حظه منه، والثالث: رجل يقرأ لله ﷿، يطلب الأجر من الله ﷾ في حفظه لكتاب الله، وفي تعليمه لكتاب الله، وفي تلاوته لكتاب الله، يطلب وجه الله ﷾، وهذا أعظم الناس فيه.","vol":"23","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>أجر قراءة القرآن</span>\nقال ﷺ كما في الصحيحين: (مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة)، السفرة الكرام البررة الذين جعلهم الله ملائكة من نور سفراء لله ﷿ بينه وبين أهل الأرض، وجبريل حفظ القرآن ونزل به من السماء سفيرًا على النبي ﷺ ليعلمه، فحفظه منه النبي ﷺ، فهذا الإنسان الذي يحفظ منزلته مع هؤلاء، مع الملائكة السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ ويتعاهده ولكن حفظه ضعيف، يحفظ وينسى، يحفظ ويتعتع وهو عليه شديد فله أجران، فالإنسان الذي يحاول ويتعب نفسه لا يعدم خيرًا من الله ﷿، فهو يقول له: لك أجران، أجر على أنك قرأت القرآن، والأجر الثاني على أنك تتعتع فيه، وأنت لا تقدر على القراءة الصحيحة، فلك أجر على ذلك أيضًا، ولن يعدم الإنسان خيرًا من هذا الكتاب العظيم.\nومما جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه قوله: (من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها)، انظر إلى هذا الفضل في قراءة القرآن العظيم، وفي كل حرف منه؛ فحرف واحد قال فيه ﷺ: (لا أقول الم حرف)؛ لأنه عند العرب أحيانًا يطلق الحرف على كلمة، فالنبي ﷺ حتى لا يتوهم الناس أن الحرف بمعنى كلمة قال: (ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)، والحرف بعشرة حسنات، فكم تنال من حسنات حين تقرأ آية أو آيتين، أو عشرين آية، أو مائة آية! فاقرأ تؤجر الأجر العظيم من الله، واحذر أن تمل من القرآن العظيم.\nومما جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه -وقد ذكرناه قبل ذلك- قوله في الحديث: (من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة)، فالإنسان الذي يسلك طريقًا يطلب فيه علم كتاب الله، وعلم سنة رسول الله ﷺ، يسهل الله له طريقه يوم القيامة، ويزيل الحواجز والعقبات عنه وهو ذاهب إلى الجنة، فيمر فوق الصراط فإذا بالله يسهل له، فيا من كنت تسلك طريقًا تلتمس فيه علمًا ستجد الناس يمرون فوق الصراط منهم من يمشي، ومنهم من يحبو، ومنهم من يقوم ويسقط، ومنهم من تلفحه النار، ومنهم من تأخذه خطاطيف جهنم، وتجد نفسك أنت يا حافظ القرآن تسرع فوق الصراط المستقيم كالبرق، وكالريح المرسلة، وكأجاويد الخيل، وكطرف العين، وهذا أسرع ما يكون، نسأل الله ﷿ أن يجعلنا جميعًا كذلك، فهذا فضل الله، والسبب في ذلك أنك تذهب لدروس العلم، وتذهب لتتعلم كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، وتتعلم دين الله، وتسلك الطريق تبتغي طلب العلم، فالله ﷿ يعطيك هذا الفضل يوم القيامة.","vol":"23","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>مزايا مدارسة القرآن</span>\nقال ﷺ: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة)، انظر إلى فضل الله ﷿! فالمؤمن مطمئن بالله سبحانه، والكافر متحير، حتى وإن أظهر الطمأنينة، وإن أظهر راحة البال، فقلبه متحير، ولذلك تجد أعلى نسبة من الانتحار عند هؤلاء الكفار، والمسلمون أقل نسبة منهم، ومستحيل أن يوجد من المسلمين من هو متدين بدين الله ﷿ يعرف الكتاب ويعرف السنة ويفعل ذلك، قال الله تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، أما البعيد الغافل عن ذكر الله فهذا قلبه مضطرب ومتحير، فمعنى قوله ﷺ: أن هؤلاء الذين يجتمعون في بيت الله، ويدرسون كتاب الله سبحانه، فتنزل عليهم السكينة والطمأنينة، ويجعل الله ﷿ قلوبهم مستريحة مطمئنة، قال ﷺ: (وغشيتهم الرحمة) أي: يغشيهم الله ﷾ بالرحمة، فرحمة الله تنزل عليهم وتغطيهم، قال: (وحفتهم الملائكة) أي: أحاطت بهم الملائكة، قال ﷺ: (وذكرهم الله فيمن عنده)، وهذا فضل عظيم أن يذكرك الله سبحانه لكونك تحضر درس علم لكتاب الله، أو لسنة رسول الله ﷺ.\nوانظر إلى هذا الحديث الذي يرويه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا)، فلابد أن نتعلم ترتيل القرآن، وتجويده، وتعلم التجويد والترتيل لا يكون من كتاب، ولكن اجلس إلى شيخ يعلمك كيف تتلو القرآن وتجوده، وكيف تقرأ الحروف وتخرجها من مخارجها، ولا تتكبر أن تتعلم، ولا تأنف أن تطلب العلم ولو ممن هو أصغر منك، وكم من إنسان صغير يجيد التلاوة بقراءة جميلة، وتلاوة صحيحة، وتجويد متقن، فاذهب وتعلم عنده، ولك الأجر عند الله ﷿، وقوله ﷺ: (كما كنت ترتل في الدنيا) أي: مثلما كان صوتك في الدنيا، وكيفما كانت قراءتك في الدنيا كذلك تكون يوم القيامة، فأنت لا ترتل على الناس، بل على رب الناس سبحانه ﵎، وتقرأ بين يدي الله ﷿، فيقول لك: اقرأ وارتق، وكل آية تصعد بها منزلة، وكل آية تطير بها لمنزلة أعلى، حتى تصل لآخر منزلة بما معك من القرآن، وبآخر آية أنت تحفظها وتقرؤها تكون منزلتك إليها، قال ﷺ: (فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها)، ولذلك ينبغي على المسلم أن يحاول حفظ كتاب الله سبحانه ﵎ ما استطاع.","vol":"23","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>التحذير من نسيان القرآن</span>\nوالذي يحفظ القرآن عليه أن يحذر أن ينساه، فإنه من أشد الناس جرمًا من نسي ما تعلمه من كتاب الله، أو هجر القرآن وراء ظهره، وهنا عندما نقول: أشد الناس جرمًا، فالإنسان مع كبر السن يمكن أن ينسى، فليس هو المقصود، وكذلك من نسي بسبب شيء من المرض، أو حصل له بعض المصائب أذهبت شيئًا من تفكيره وقدرته، فليس هذا هو المقصود، ولكنه الذي يحفظ القرآن ثم يتركه وراءه ويذهب ليلعب، أو يذهب ويسمع الموسيقى ويترك القرآن ولا يراجع كتاب الله ﷿، فهذا هو الذي هجر القرآن بعدما تعلمه، وهو الذي يشكوه النبي ﷺ إلى ربه ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠] أي: تركوه وراء ظهورهم ولم يتعلموه، ومن حفظه منهم نسيه وتركه، ولم يعملوا به، ولم يحكموه فيما بينهم، واتخذوا هذا القرآن مهجورًا.\nوكل الأحاديث التي سنذكرها صحيحة أو حسنة، وهذا حديث آخر رواه الترمذي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (يجيء القرآن يوم القيامة) أي: حفظك للقرآن، وعملك يكون ثوابًا يوم القيامة، وكل إنسان يأتي يوم القيامة حفظه لكتاب الله بين يدي الله ﷿، قال ﷺ: (فيدافع عن صاحبه ويقول: يا رب حله)، يقول القرآن لله ﷿: يا رب! حلّ صاحبي هذا فإنه كان يحفظني، قال: (فيلبس تاج الكرامة)، فالله ﷿ يحلي هذا الإنسان ويجعل فوق رأسه تاج الكرامة، ثم يقول القرآن: (يا رب! زده، فيلبس حلة الكرامة)، أي: لباس الكرامة، إكرام من الله ﷿، ويكون بذلك فوق خلق الله سبحانه ﵎، ملك من الملوك، له تاج وحلة يوم القيامة ليدخل الجنة هكذا، قال ﷺ: (ثم يقول: يا رب! ارض عنه) الناس يوم القيامة حفاة عراة غرل، والقرآن يقول لله ﷿: يا رب! حله، فيحلي الله ﷿ هذا من دون الخلق، ويلبس تاج الكرامة، وحلة الكرامة، ويقول القرآن: (يا رب! ارض عنه فيرضى عنه، فيقال له: اقرأ وارق وتزاد بكل آية حسنة)، اقرأ وارق، وكلما قرأت كلما ارتقيت، وكل درجة لك عليها حسنة من الله ﷿، وهذا شيء عظيم من فضل الله ﷾.\nفالمؤمن يقوم من الليل بما تيسر له من قراءة القرآن، فإن قرأ سورة الفاتحة -وهي سبع آيات- قرأ معها شيئًا من السور، ولو أقل سورة في القرآن، وثلاث آيات أو عشر آيات يقوم بها، ولا يقوم الإنسان الليل بركعة واحدة بل سيقوم بركعتين، فإذا قرأ بها كانت عشرين آية قام بها.","vol":"23","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>فضل القيام بالقرآن</span>\nروى أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين) فإذا كانت لك عادة أنك كل ليلة تقوم وتصلي ركعتين بعشر آيات فأنت لست غافلًا، قال ﷺ (ومن قام بمائة آية) أي: الذي يقوم الليل بقدر ما يقرأ مائة آية، قال ﷺ: (كتب من القانتين)، الإنسان الداعي ربه، الخاشع لله ﷿، المخبت بين يدي الله سبحانه، الذاكر لله سبحانه ﵎، وهو مع مرتبة القانتين، قال ﷺ: (ومن قام بألف آية) فمن قام بألف آية من كتاب الله وقرأها في صلاة الليل قال ﷺ: (كتب من المقنطرين) لم يقل ألف آية في ركعة واحدة، ولكن من قام بألف آية في ثمان ركعات، أو في عشرين ركعة، بحسب ما يتيسر له، فإن قمت بألف آية كتبت من المقنطرين.\nوقد ذكرنا قبل ذلك أنه إذا كان من أول القرآن فالسبع الطول من أول المصحف تزيد على ألف آية، ومن أول القرآن حتى تصل لسورة براءة تزيد على ألف آية، فإذا أردت أقل من ذلك ففي آخر القرآن جزء تبارك إلى آخر المصحف ألف آية، فإذا قمت بألف آية كتبت من المقنطرين، أي: الآخذين من الثواب قناطير مقنطرة من عند الله ﷿، ولم يقل لنا: إذا قمت من حفظك، بل إذا كنت لا تحفظ فافتح المصحف واقرأ، وقم بالليل وصل وافتح المصحف واقرأ فيه ألف آية، أو اقرأ مائة آية، أو ما تيسر لك، وهذا ثواب عظيم، وهذا الثواب للقارئ الذي يقرأ، وللسامع الذي يستمع، فإذا قمتم بالليل مع قارئكم يقرأ بكم وصلى بكم بألف آية كتب للجميع هذا الثواب العظيم.\nنسأل الله ﷿ أن يجعلنا من المقنطرين يوم القيامة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"23","page":10},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-230> فضائل القرآن الكريم [٢]</span>\nللقرآن فضائل عظيمة لا يدركها إلا من عمل بها، واجتهد في قراءة القرآن والعمل به، والتحاكم إليه، فأهل القرآن فضائلهم معلومة، ودرجاتهم عالية، ومقاصدهم سامية، فهم للأجر يطلبون، وعن الجنة يبحثون، وإلى العمل بالقرآن مسارعون.","vol":"24","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>ما جاء في فضل قراءة القرآن</span>","vol":"24","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>شرح حديث: (من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين)</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nمما جاء عن النبي ﷺ من أحاديث في فضائل القرآن: ما رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين).\nوروى أبو داود في شعب الإيمان عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا قام أحدكم يصلي من الليل فليستك، فإن أحدكم إذا قرأ في صلاته وضع ملك فاه على فيه، ولا يخرج من فيه شيء إلا دخل فم الملك).\nهذا القرآن العظيم تقوم من الليل لتصلي لله ﷾ ولو بأقل ما تقدر عليه، فإذا قمت وقرأت عشر آيات لم تكتب من الغافلين، وإذا قمت من الليل وقرأت مائة آية كتبت عند الله من القانتين، وإذا قرأت ألف آية كتبت من المقنطرين.","vol":"24","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>شرح حديث: (إذا قام أحدكم يصلي من الليل فليستك)</span>\nكذلك جاء عنه ﷺ في فضل هذه القراءة -وخاصة بالليل- أنه قال: (إذا قام أحدكم يصلي من الليل فليستك) فإذا قمت لصلاة الليل فتهيأ لها واستعد لهذه الصلاة العظيمة بأن تدعك أسنانك بالسواك أو الفرشاة والمعجون، حتى تكون رائحة فمك طيبة، وما الذي يكون وراء ذلك؟ قال ﷺ: (فإن أحدكم إذا قرأ في صلاته وضع ملك فاه على فيه)، انظر إلى هذا الجمال والجلال وإلى هذه الرحمة من الله ﷿! هل تتخيل أن ملكًا يكون أمامك يكلمك مثلًا؟ فإنه يقف الملك من ورائك ثم يقرب منك حتى يضع فاه على فيك، فهذا الملك الذي خلق من نور وأنت الذي خلقت من تراب يشرفك الله ﷿ بأن يجعل الملك يتلقى كلام الله من فمك، وهذا شيء عظيم جدًا من فضل الله ﷾، قال: (ولا يخرج من فيه شيء إلا دخل فم الملك).\nالقرآن عزيز وعظيم، ولذلك جعله الله ﷿ يخرج من فمك، وفمك طاهر، فيخرج من فمك إلى فم ملك من ملائكته ﷾.\nوفي رواية ثانية عن علي ﵁ أنه قال: (إذا قام أحدكم من الليل فليستك)، هذا من قول علي ولكن له حكم المرفوع؛ لأنه يوافق الحديث الذي قبله، فإن الرجل إذا قام من الليل فتسوك ثم توضأ ثم قام إلى الصلاة، جاءه الملك حتى يقوم خلفه يستمع إلى القرآن، ثم لا يزال يدنو منه حتى يضع فاه على فيه، فلا يقرأ آية إلا دخلت جوفه.\nوجاء عن النبي ﷺ أنه حث على قيام الليل، وعلى القراءة في قيام الليل ما شاء الله ﷿ ولو كان شيئًا أنت تظنه قليلًا.","vol":"24","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>شرح حديث: (أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة</span>؟)\nوروى مسلم عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟) فالصحابة استكثروا أن يختم أحدهم القرآن في ثلاث ليال، فهذا صعب جدًا، وقد كان منهم من يحفظ القرآن، ومنهم من لا يحفظ القرآن، فإذا كان ثلث القرآن كيف سيقوم وهو لا يحفظ ولا يجيد الكتابة والقراءة حتى يقوم بذلك؟! قال ﷺ: (قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن) هذه السورة القصيرة في عدد آياتها، العظيمة الكبيرة في فضلها وثوابها تعدل ثلث القرآن.\nفالقرآن جاء بالعقيدة والتوحيد، وجاء بصفات الله ﷾، وهذه عقيدة، وجاء بالتشريع والقصص والمواعظ والأخبار، فإذا نظرنا إلى هذه الثلاثة الأنواع وجدنا التوحيد ثلث القرآن، و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فيها التوحيد، وفيها صفات الله العظيمة ﷾: الله، الواحد، الأحد سبحانه، الصمد، وهو السيد الذي عظم في سؤدده سبحانه، والذي تصمد إليه الخلائق، جميعهم يطلبون من فضله ورحمته، ويسألونه، وهو السيد الذي لا سيد سواه ﷾، الكامل الذي كمل في كل فضل، وفي جلاله وإكرامه وعلوه، فهو السيد الصمد ﷾، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣ - ٤] ففي هذه السورة العظيمة صفات الله ﷿ فاستحقت أن تعدل ثلث القرآن، وأن يؤجر العبد عليها، فمن قرأها كأنه قرأ ثلث القرآن، فإذا قمت من الليل فقرأت (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) كأنك قمت بثلث القرآن.\nوكان ﷺ يقوم بثلث القرآن حقيقة، فيقرأ من أول القرآن حتى سورة براءة صلوات الله وسلامه عليه، ولم يكتف بأن يقوم بـ (قل هو الله أحد) وحدها، ولكن النبي ﷺ يهون على المؤمنين وييسر عليهم، فقد بعث بالحنيفية السمحة صلوات الله وسلامه عليه.\nوهذه السورة عددها أربع آيات، وفيها هذا الفضل كله، فلو أنك قرأتها وأنت جالس كأنك قرأت ثلث القرآن.\nوروى أحمد عن معاذ بن أنس الجهني صاحب النبي ﷺ أنه قال: (من قرأ (قل هو الله أحد) حتى يختمها عشر مرات بنى الله له قصرًا في الجنة)، فابن لنفسك قصورًا في الجنة، واقرأ (قل هو الله أحد) وكرر واقرأها عشر مرات، فكلما قرأت (قل هو الله) أحد عشر مرات بني لك قصر في الجنة، فهذا ثمن تدفعه بفعل قليل ولكنه عند الله عظيم، فيكتب لك هذا الأجر والثواب عند الله سبحانه.","vol":"24","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>شرح حديث: (من قرأ بمائة آية في ليلة)</span>\nروى الإمام أحمد عن تميم الداري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من قرأ بمائة آية في ليلة كتب له قنوت ليلة)، القنوت: حسن القيام وطوله، والقنوت: الخشوع في الصلاة، والقنوت له صفات عظيمة جدًا، فكلمة (قنت لله سبحانه) أي: خشع لله وأخبت وذل بين يدي الله سبحانه، وقام لله سبحانه، وصمت وأنصت لكلام الله ﷾، فيكتب لك قنوت ليلة إذا صليت هذه الليلة وقرأت قدر مائة آية، والمئون من القرآن كسورة الكهف فهي مائة آية وزيادة، وسورة الإسراء تزيد على المائة، وكذا سورة النحل ويونس وهود فإنها تتعدى المائة، فإذا قرأت هذه السور فلك هذا الأجر العظيم.\nوتقرأ سورة الصافات وعددها مائة وثلاثة وثمانون آية، وسورة الشعراء وعددها مائتان وسبعة وعشرون آية، فهذه آيات كثيرة وإن كانت قصيرة الألفاظ، وإذا قارنا سورة البقرة مع سورة الشعراء فإن عدد آيات سورة البقرة مائتان وستة وثمانون آية، فهي طويلة وتأخذ وقتًا طويلًا، وعدد آيات سورة الشعراء مائتان وسبعة وعشرون آية، فإذا قرأت هذا في قيام الليل فإنه يكون لك أجر عظيم كأنك قمت الليل كله.\nفهذا أجر الذي لم يقم الليل كله فكيف بمن يقوم بأكثر من ذلك؟ وكيف بمن يقوم الليل كله؟! فالأجر عظيم من الله، وهذه أيام المسابقة والمسارعة، فسابقوا وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض، فهذه الليالي الباقية من هذا الشهر -عشر ليال أو تسع ليال- احذر أن تفرط فيها، واحذر أن تقول: أنام الليلة وغدًا سأقوم، وبعده سأقوم ليلة سبع وعشرين، فالقيام بين يدي الله ﷿ له حلاوة بالتعود، والذي يقوم مرة ثم يترك ويجد الكسل، هذا لأنه ليس متعودًا على القيام، ولذلك ينبغي -حتى تقدر على حسن العبادة ليلة القدر- أن تكون قد اعتدت على ذلك، فعود نفسك، وهنا النبي ﷺ يخبرنا أن الذي يقرأ بمائة آية يكتب له قنوت ليلة.\nوانظر إلى أبي بكر ﵁ كيف كان يقرأ القرآن؛ فقد روى البخاري عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: (لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين)، أول من عرض عليهم الإسلام من الرجال هو أبو بكر ﵁، فكان أول من أسلم، وأم عائشة هي أم رومان وكانت من أول من أسلم، بخلاف أم أسماء أخت عائشة ﵂، فقد كانت كافرة، وجاءتها متأخرة جدًا راغبة وراهبة، لكن أم عائشة أسلمت مع أبي بكر رضي الله ﵎ عنها أو أسلمت بعد ذلك حين تزوجها ﵁.\nوالمقصود أنها قالت: (لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشيًا).\nفقد كان يذهب رسول الله إلى أبي بكر الصديق، وهذا فيه فضيلة لـ أبي بكر الصديق أن يزوره النبي ﷺ في اليوم مرتين بالصبح والليل، أو في البكور والعشي أي: بعد الظهر.\nقالت: ثم بدا لـ أبي بكر فابتنى مسجدًا بفناء داره، وأبو بكر الصديق من حبه للقرآن يريد مكانًا يعتكف فيه ليقرأ القرآن، فبنى وهو في مكة في فناء داره مسجدًا، وقد كان له فناء -أي: كان له حوش كبير فيه عدد من البيوت- وكان يسكن معه أناس من المشركين في هذه الدار، فـ أبو بكر بنى مسجدًا في فناء داره، وكان يجلس ويقرأ القرآن.\nقالت عائشة ﵂: فكان يصلي فيه ويقرأ فيه، فيقف عليه نساء من المشركين وأبناؤهم فيعجبون منه وينظرون إليه، أي: لجمال قراءته بالقرآن، ولشدة خشوعه وبكائه وهو يقرأ القرآن.\nقالت عائشة: وكان أبو بكر رجلًا بكاءً لا يملك عينيه، أي: إذا قرأ القرآن أو سمعه ﵁، قالت: فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، وحالهم: أبو بكر قد تتبعه نساؤنا وأبناؤنا ولا نعرف كيف نمنعهم، لأن خشوعه وصدقه في قراءة القرآن جلب هؤلاء ليسمعوا إليه، فشكوا أبا بكر ﵁ في ذلك.","vol":"24","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>شرح حديث: (من رأى منكم الليلة رؤيا</span>؟)\nكذلك من الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ حديث سمرة بن جندب ﵁ وفيه: (أن النبي ﷺ كان إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه وقال: من رأى منكم الليلة رؤيا)، فكان يسألهم ﷺ ويستبشر بالرؤيا الصالحة، وكان يخبر أنه إذا انقطع الوحي من السماء بقيت المبشرات، قالوا: (وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له)، فكان يسأل أصحابه: هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا؟ فكان أصحابه من رأى منهم رؤيا يخبر النبي ﷺ.\nوفي يوم من الأيام أصبح ﷺ فسألهم كما كان يسألهم ولم يرد عليه أحد، فقال: (لكني رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي فأخرجاني إلى الأرض المقدسة)، أخذا بيدي النبي ﷺ وخرجا به إلى بيت المقدس أو الأرض المقدسة، قال: (فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده كلوب من حديد) رأى النبي ﷺ ذلك، وسنعلم في آخر الحديث أنه عذاب البرزخ، يعذب الله ﷿ أناسًا في قبورهم بهذا الذي رآه النبي ﷺ، فهم معذبون في قبورهم، لم يعذبوا؟! وما الذي عملوه؟! لننظر في هذا الحديث، قال: (فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده كلوب من حديد، فيدخل ذلك الكلوب في شدقه حتى يبلغ قفاه ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك، ويلتئم شدقه هذا فيعود فيصنع مثله، قلت: ما هذا؟ قالا: انطلق).\nوهنا في هذه الصورة رأى النبي ﷺ رجلًا جالسًا على الأرض وآخر واقف عليه يعذبه، فهو ماسك بيده كلوبًا من حديد، والكلوب: سيخ معقوف، شكله مثل الخطاف، فيجعل السيخ بداخل فمه فيشرشر شدقه حتى يبلغ إلى قفاه، ويفعل بالشدق الآخر مثل ذلك، فلا ينتهي من الثاني حتى يكون الأول قد التأم فيرجع ويفعل به كذلك، وهذا عذاب شديد جدًا حيث يستمر يفعل به هذا إلى يوم القيامة، فيا ترى ماذا عمل هذا الإنسان؟! لا بد أنه كان يعمل شيئًا.\nقال ﷺ: (فأتينا على رجل مضطجع على قفاه، ورجل قائم على رأسه بفهر أو صخرة، فيشدخ به رأسه، فإذا ضربه يتدهده الحجر فينطلق إليه ليأخذه فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه، ويعود كما هو، فعاد إليه فضربه، قلت: من هذا؟، قالا: انطلق)، وهذا رجل آخر نائم مضطجع على قفاه في الأرض، ورجل قائم يعذبه، ومعه حجارة، فيمسك بالحجارة ويضرب هذا الإنسان في رأسه حتى يشقه، ويذهب ليحضر الحجر فلا يرجع حتى يلتئم مرة ثانية، ولا يزال هكذا في عذاب شديد، فلو أن إنسانًا في الدنيا ضرب ضربة بالحجر في رأسه لجاء له ارتجاج في المخ وذهب شعوره فلا يحس مهما ضرب بعد ذلك، أما أن يضرب ويرجع حيًا ليضرب مرة ثانية فهذا عذاب شديد، نسأل الله العفو والعافية، عذاب شديد جدًا لا يزال يفعل بهذا الإنسان ذلك إلى يوم القيامة.\nثم قال ﷺ: (فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يتوقد نارًا) فرن مثل الهرم، أعلاه ضيق وأسفله واسع يتوقد نارًا، قال: (فإذا اقترب ارتفعوا) يعني: هذا الفرن فيه أناس تقرب منهم النار وترفعهم مثل القدر الذي فيه لحم عياذًا بالله! قال: (حتى يكادوا أن يخرجوا، فإذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة) أي: بداخل هذا الفرن التنور رجال ونساء عراة، (فقلت: من هذا؟ قالا: انطلق) لم يخبروه وسنعرف بعد ذلك.\nقال ﷺ: (فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه الحجر، فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق)، وهذه صورة أخرى من صور العذاب، أي: عذاب البرزخ، فهذا إنسان يسبح في نهر من دم، حتى إذا وصل إلى شط النهر وأراد أن يخرج فيجد الذي ينتظره على شط النهر ومعه حجر، فيقذفه بالحجر في فمه، فيرجع مرة أخرى إلى مكانه، ولا يزال يسبح في هذا النهر هكذا، حتى إذا وصل بدلًا من أن يساعده يرميه بحجر فيرده كما كان والعياذ بالله! قال ﷺ: (فانطلقنا حتى انتهينا إلى روضة خضراء) هذا كله في الرؤيا المنامية، ورؤيا الأنبياء حق، فأخبر النبي ﷺ أنهم وصلوا إلى روضة، وهي بستان عظيم، فهي روضة عظيمة خضراء، قال: (فيها شجرة عظيمة، وفي أصلها شيخ وصبيان)، أي: تحت الشجرة شيخ كبير ومعه كثير من الصبيان، (وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها، فصعدا بي في الشجرة وأدخلاني دارًا لم أر قط أحسن منها، فيها رجال شيوخ وشباب ونساء وصبيان، ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارًا هي أحسن وأفضل، فيها شيوخ وشباب، فقلت: طوفتما بي الليلة فأخبراني عما رأيت)، أي: أخبروني ما هذا الذي رأيته؟ (قالا: نعم، نخبرك بالذي رأيت، أما الذي رأيته يشرشر شدقه فهو الرجل كان يحدث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق) يحدث الناس أنه حصل الشيء الفلاني، والناس يحدثون إشاعة بين الناس، وبعد ذلك يظهر أنه كذاب، فهذا الكذاب هذه حاله في البرزخ في عذاب القبر، حتى تقوم القيامة فيرى سبيله بين يدي الله ﷿، قالوا للنبي ﷺ: (فيصنع به إلى يوم القيامة) أي: هذا العذاب لا يرفع عنه حتى يوم القيامة.\nقالا: (والذي رأيته يشدخ رأسه رجل علمه الله القرآن) يقرأ القرآن ويحفظه لكنه ينام عنه بالليل، لا يقوم الليل أبدًا، ويضيع صلاة الفجر، ويضيع صلاة العشاء، فليس على باله هذا الأمر، وقد حفظ القرآن ليقال: حافظ وعالم.\nقالا: (ولم يعمل فيه بالنهار)، فيكون ليله نائمًا ونهاره لا يعمل بهذا القرآن، فهو ترك هذا القرآن وراءه ظهريًا، وليس معنى الحديث: أن الذي ينام الليل ولا يقومه آثم، ولكن هذا جمع الاثنين: فلا هو استفاد من القرآن ليرتفع به الدرجات يوم القيامة فقام من الليل، ولا هو واظب على صلاة الليل والعشاء وصلاة الفجر، فلم يفعل ذلك، فترك صلاة الجماعة، وترك المواظبة على الصلاة، وهو تارك للقرآن ليس له في أمر القرآن شيء، لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، بل هو موافق لأصحاب المنكر في منكراتهم، فيفعل به ذلك إلى يوم القيامة، فاحرص على أن تتعلم القرآن لله ﷿، وتعمل به، وقم لله سبحانه ولو بـ (قل هو الله أحد).\nثم قالا: (والذين رأيتهم في الثقب فهم الزناة) الذين رأيتهم في مثل التنور الذي أعلاه ضيق وأسفله واسع، وتأتي عليهم النار من تحت فترفعهم إلى فوق، وإذا خمدت نزلوا، فهؤلاء هم الذين يقعون في الزنا والعياذ بالله، والزنا من أخبث الخبائث، وأفحش الفواحش، فهذا عذاب أصحابه في قبورهم حتى تقوم الساعة فيكون مصيرهم إلى النار والعياذ بالله! ثم قالا له: (والذي رأيته في النهر فهو آكل الربا) الإنسان الذي يأكل الربا ويتعامل بالربا، فهذا حاله في قبره والعياذ بالله! فهو يعذب هذا العذاب، حيث يسبح في نهر من دم، ويقطع النهر كله حتى يتعب ويكاد أن يهلك، فهو ميت أصلًا، ولكن الله ﷿ يجعل له حياة يتذوق فيها العذاب، فإذا به يعذب عذابًا في البرزخ، وإذا أراد أن يخرج وجد هذا القائم على النهر فيلقمه في فمه حجرًا فيرده مرة أخرى إلى النهر.\nثم قالا: (والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- والصبيان حوله فأولاد الناس) وكلمة (الصبيان) هنا ليس معناها أنهم ذكور فقط، ولكن هذا من باب التغليب ومعناه: كل أولاد الناس، فكل من مات وهو لم يبلغ الحلم من أولاد الناس، ولم يقل: (المسلمين) بل كل أولاد الناس الذين لم يبلغوا الحلم وماتوا وهم أطفال صغار يكونون مع إبراهيم في هذا المكان.\nورأى النبي ﷺ رجلًا قريبًا من الشجرة بين يديه نار يوقدها، وهذه نار جهنم يشعلها لأصحابها نسأل الله العفو والعافية، فقالا: (والذي يوقد النار مالك خازن النار).\nوالدار الأولى يقول ﷺ (فصعدا بي الشجرة وأدخلاني دارًا لم أر قط أحسن منها) صعدا بالنبي ﷺ إلى الشجرة، فرأى دارًا لم ير أبدًا دارًا مثلها، وفيها رجال وشيوخ وشباب ونساء وصبيان، قال: (فقلت: من هؤلاء؟ فقالا: إنها الجنة)، دار عامة للمؤمنين، ففيها هؤلاء جميعهم من رجال وشيوخ وشباب ونساء وصبيان.\nثم علا به الملك دارًا هي أعلى من الأولى، قال: (فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارًا هي أحسن وأفضل فيها شيوخ وشباب) ولم يذكر الصبيان، وهذه الدار الأولى كانت عامة للجميع، لكن هذه الأخرى هي لمن عمل أكثر واجتهد في عبادة الله سبحانه، لمن وصل إلى درجة عالية، ففيها شباب وفيها شيوخ، قال: (فقالا: وأما هذه الدار فدار الشهداء) الذي قتل شهيدًا يكون فيها، فكأن هذه الدار الأغلب فيها الذين هم من الشيوخ والشباب المجاهدين في سبيل الله ﷿.\nقال: (وقال الملكان: وأنا جبريل وهذا ميكائيل، وقالا لي: ارفع رأسك، قال: فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحابة) فقد رأى دار عامة المؤمنين، ودار الشهداء، وبعد ذلك رأى شيئًا مثل السحابة فوق الشجرة، فهي سحابة عالية جدًا، فقالا للنبي ﷺ (ذاك منزلك) فالنبي ﷺ في أعلى ما يكون من المنازل، نسأل الله ﷿ أن يرزقنا رفقته في الجنة صلوات الله وسلامه عليه.\nقال: (قلت: فدعاني أدخل منزلي) يقول هذا في الرؤيا، قال: (فقالا: إنه بقي لك عمر لم تستكمله) أي: أنت لم تستكمل عمرك، فلو استكملت عمرك أتيت منزلك.\nفهذا الذي رآه النبي ﷺ هو ما يكون في البرزخ من عذاب لأهل العذاب، ومن نعيم لأهل النعيم، فالنبي ﷺ يخبرنا بذلك.\nوالشاهد من هذا","vol":"24","page":7},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-237> فضائل القرآن وآداب قراءته</span>\nالقرآن كتاب الله العظيم، وفضائله كثيرة لقارئه وحافظه، فهو شفاء لما في الصدور، وشفيع لأصحابه يوم القيامة، وظلال يستظل به القارئ يوم القيامة، وغير ذلك من الفضائل، وللقرآن آداب معروفة في الشرع لابد لقارئه أن يلتزم بها لينال الأجر العظيم من الله سبحانه.","vol":"25","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>فضائل القرآن الكريم</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nذكرنا شيئًا من الأحاديث التي جاءت في فضائل القرآن، وهذه أحاديث أخرى عن النبي ﷺ في فضائل هذا القرآن العظيم، نقرأ هذه الأحاديث في هذه الليالي المباركة من شهر رمضان لنتذكر ما قاله النبي ﷺ، ونهتم بحفظ القرآن، وقراءته ومراجعته وفهمه وتدبر معانيه.\nفمما جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه ما رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثلما أوتي فلان فعملت مثلما يعمل، ورجل آتاه الله مالًا فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثلما أوتي فلان فعملت مثلما يعمل).\nهذا الحديث العظيم فيه أنك إذا وجدت إنسانًا خيرًا منك فتغبطه على ما هو فيه، وتتمنى أن تكون مثله لعل الله ﷿ أن يجعلك مثله، فإن لم تكن مثله فيعطيك من الأجر ما يعطي بحبك له، وبتمنيك أن تصل إلى ما هو فيه، فهذا الحسد المقصود منه أن تغبط هذا الإنسان وأن تتمنى له هذه النعمة وأن يكون لك مثلها أيضًا، فاثنان يتنافس المؤمنون فيهما أعظم التنافس: القرآن العظيم، أي: تحفظ القرآن، فإذا حفظت القرآن وتعلمت معانيه وقمت به بالليل وبالنهار وعملت بما فيه صرت إنسانًا قرآنيًا تستحق فضل الله سبحانه، وتستحق أن يشفع لك القرآن عند الله سبحانه، وتستحق أن يعطيك الله الأجر العظيم الذي علمت منه والذي لم تعلم منه، وبكل حرف من القرآن تؤجر حسنة، فإذا كنت تقوم بالليل وبالنهار بهذا القرآن العظيم فلك عند الله الأجر العظيم.\nوإذا كان الأمر كذلك فلنغبط أصحاب النبي ﷺ؛ معاذًا وأبا موسى وزيدًا وعبد الله بن مسعود وغيرهم من أصحاب النبي ﷺ الذين كانوا يحفظون هذا القرآن العظيم، ويقرءونه آناء الليل وأطراف النهار ويعملون بما فيه، ويعلمون الخلق، فلنغبط عبد الله بن عباس ﵁ الذي دعا له النبي ﷺ أن يعلمه الله الكتاب والحكمة وأن يعلمه التأويل، حبر هذه الأمة وبحرها رضي الله ﵎ عنه.\n(فلا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن)، والفضل ينسب لصاحبه الذي علمك ما لم تكن تعلم وهو الله ﷾، وإن كان عن طريق أسباب فلا تنسى الأصل أن الله هو الذي علمك فتحمد الله سبحانه، وتعمل بهذا الذي تعلمته متواضعًا لله سبحانه، وتعلم أن الذي أعطاك قادر على أن يسلبك ما أعطاك، والذي أعطاك ذلك قادر على أن يعينك على أن تعمل بما فيه، إذًا: تتواضع لله ﷾، وتشكر ربك سبحانه، وتشكر من علمك كما أمرك النبي ﷺ، فقد قال: (من لم يشكر الناس لم يشكر الله)، وتتمنى الخير لمن يعلمك كتاب الله وسنة النبي ﷺ، ولا تتمنى أن يزول ما عنده حتى تتفرد أنت بهذا الشيء، وقد كان الكثيرون من شيوخ العلماء يشتكون ذلك من تلاميذهم، يقولون: نعلمهم ثم يتمنون وفاتنا حتى ينفردوا بالرواية، وحتى ينفردوا بالتلاوة عمن تعلموا، ولكن المؤمن لا يكون كذلك أبدًا، فإذا وجد إنسانًا قد علمه ومنَّ الله ﷿ عليه بأن جعله يلقنه القرآن ويعلمه التجويد، فيصير معه إجازة بهذا القرآن أو بحديث النبي ﷺ ويصير بارعًا في ذلك، إذًا: يشكر من علمه ولا يتمنى أن يموت ليتفرد بين الناس بهذا الأمر، فهذا الحسد أنت ممنوع منه شرعًا، إنما الحسد الذي قاله النبي ﷺ وقصد به: أن تغبط هذا الذي عنده علم وتتمنى أن تكون مثله.\nوالثاني: الرجل الذي آتاه الله ﷿ المال فهو ينفقه فيما يرضي ربه سبحانه، قال: (فهو يهلكه في الحق)، وإهلاك المال بمعنى: صرف المال، فهو يعطي ليدخر عند الله ﷾، ولما رآه آخر قال: (ليتني أوتيت مثلما أوتي فلان)، فيتمنى أن الله يعطيه مثلما أعطى فلانًا هذا، والله ﷿ يعطي من يشاء سبحانه.","vol":"25","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>خير الناس من يتعلم القرآن ويعلمه</span>\nمن الأحاديث العظيمة ما رواه البخاري عن عثمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، فأعظم العلوم وأشرف العلوم وأجل العلوم التي تملأ القلب بتقوى الله هو علم القرآن العظيم، وأي علم من علوم القرآن كلها فيها الخير، تتعلم وتحفظ القرآن، وتتعلم تجويد القرآن وتفسيره ولغته وأحكامه ومعجزاته، وعلوم القرآن كثيرة جدًا، ومستحيل أن يحيط إنسان بها علمًا، ولكن الله ﷿ هو الذي أحاط بكل شيء علمًا، فمهما تعلمت من علم يتعلق بالقرآن فقد دخلت تحت هذا الحديث، إذا تعلمت وبذلت العلم وعلمت غيرك ابتغاء وجه الله ﷾.\nقال أبو عبد الرحمن السلمي الذي روى هذا الحديث عن عثمان ﵁: (أنه أقرأ في إمرة عثمان حتى كان الحجاج)، أي: من عهد عثمان ﵁ إلى زمن الحجاج وأبو عبد الرحمن السلمي يقرئ القرآن وهو من العلماء وحفاظ القرآن، وقد جلس في المسجد للقرآن، قال: (وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا)، أي: الذي أقعده ليعلم الناس القرآن ويحفظ الناس القرآن هو هذا الحديث، وهو قوله ﷺ: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، فالذي يتعلم القرآن من خير الناس، والذي يعلم القرآن من خير الناس، فاشترك في الخيرية المعلم والمتعلم.","vol":"25","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>نجاة الناس وهدايتهم بتمسكهم بكتاب الله</span>\nومن الأحاديث العظيمة التي جاءت في فضل القرآن ما رواه البزار عن جبير بن مطعم ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أبشروا فإن هذا القرآن طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به فإنكم لن تهلكوا ولن تضلوا بعده أبدًا)، ما هذا الجمال الذي في هذا الحديث! ما هذه البشارة التي في هذا الحديث! تخيل عندما تكون سفينة في البحر، وهناك حبل، وهم يريدون أن ينجوا بالسفينة، ويوضع الحبل على المرسى في الخارج على الشاطئ، والذي في السفينة يشد الحبل حتى يصل إلى هذا المرسى فيرسو عليه وينجو الإنسان الغريق؛ إذ يرمى له بحبل يتعلق به ويشد الغريق ويأخذه، وإذا كان هذا الحبل بيد الله ﷾ فهل يمكن أن يفلت هذا الحبل من يد الله ﷾؟ لا.\nوحبل الله المتين هو هذا القرآن العظيم.\nفأبشروا يا من تحفظون كتاب الله، وتحفظون من كتاب الله سبحانه، فإنه حبل متين لا ينقطع أبدًا، طرفه بيد الله سبحانه، والطرف الآخر بيد من يحفظ القرآن ويعمل به، فلن يفلت من يد الله أبدًا إنما يفلت من يد هذا الإنسان، فعليه أن يمسك به حتى يأخذه ربه إلى جنته سبحانه، وإذا ترك ذلك وأفلت هو وترك القرآن وراء ظهره، فيشكوه النبي ﷺ إلى ربه سبحانه أنه تعلم القرآن ونسيه وهجره ولم يعمل به.\nإذًا: إذا أردت أن تنجو فعليك بكتاب الله سبحانه، وعليك بسنة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، قال ﵊: (فإنكم لن تهلكوا ولن تضلوا بعده أبدًا).","vol":"25","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>ذكر ما يعطى صاحب القرآن ووالداه يوم القيامة</span>\nمن الأحاديث العظيمة التي جاءت عن النبي ﷺ حديث رواه الإمام أحمد وقد ذكرنا جزءًا من هذا الحديث في الصحيحين، ولكن رواية الإمام أحمد فيها زيادة عظيمة وجميلة، فالحديث رواه أحمد عن بريدة قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ فسمعته يقول: (تعلموا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة، قال: ثم مكث ساعة ثم قال: تعلموا سورة البقرة وآل عمران، فإنهما الزهراوان، يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف، وإن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة)، الذي يحفظ القرآن ويعمل بالقرآن ويحب القرآن يلقاه القرآن حين ينشق قبره، ويخرج من قبره والقرآن ينتظره، قال: (يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب، فيقول له: هل تعرفني؟)، القرآن يسأل صاحبه الذي كان يحفظه ويعمل به، ويقوم به بالليل وبالنهار فيقول: (هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك)، هو خارج من قبره للموقف العظيم والقرآن يستقبله أول ما يخرج فيقول له: (هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك، فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر وأسهرت ليلك) أي بشارة أعظم من ذلك؟ وأي طمأنينة وأي رجاء يكون في قلب الإنسان الذي ينتظره القرآن وهو قائم من قبره ليأخذه على هيئة رجل شاحب؟ كما أنه في الدنيا أتعب نفسه يقابله على هذه الهيئة، فأنت قد تعبت في الدنيا فأنا الآن مثلك، فيأخذ صاحبه.\nقال: (أنا صاحبك الذي أظمأتك في الهواجر)، أي: أخذت مني الصيام فصمت لله ﷿ فظمئت بالهواجر، وتلوتني حتى جف لسانك من كثرة التلاوة والقراءة، قال: (وأسهرت ليلك)، قمت بالليل تستذكرني وقمت بالليل تقرؤني وتصلي لله ﷿ بي، قال: (وإن كل تاجر من وراء تجارته -أي: كل تاجر يحرس تجارته- وإنك اليوم من وراء كل تجارة)، أنت أعظم تاجر، فقد كنت تجارتك، وتجارتك كانت مع الله سبحانه، وكل تاجر من وراء تجارته يجمع تجارته من أجل ألا تضيع التجارة، فأنت أعظم التجار، فتعال إذًا وخذ رأس مالك، وخذ ربحك معك وهو القرآن؛ لتقدم على الله ﷾ به.\nقال: (فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان: بم كسينا هذه؟)، انظر للفضل العظيم! فاحفظ القرآن تنتفع وينتفع والداك أبوك وأمك، وينتفعان بحفظك أنت للقرآن، فحافظ القرآن يعطيه الله ﷿ الملك بيمينه فيصير من ملوك الجنة، والجنة فيها ملوك، قال: (والخلد بشماله)، والخلد أي: أنك مخلد في الجنة وأنت ملك من ملوك الجنة، قال: (ويوضع على رأسه تاج الوقار ويكسى والداه حلتين)، إذًا: ينعم الله ﷿ على أبيه وعلى أمه بأن يكسوهما حلتين من حلل الجنة (لا يقوم لهما أهل الدنيا)، أي: لو أنفق أهل الدنيا كل ما معهم من أجل أن يشتروا هاتين الحلتين ما استطاعوا.\nقال: (فيقولان: بم كسينا هذه؟)، أي: لم نعمل عملًا من أجل أن نأخذ عليه هذا الشيء (فيقال: بأخذ ولدكما القرآن)، فإذا أردت أن تكرم أباك وأمك فاحفظ القرآن وراجعه واسترجعه، وإياك أن تنسى القرآن، فإن من أعظم ما تبر به والديك أن تحفظ كتاب الله ﷾.\nوجاء في رواية عند الطبراني لهذا الحديث قال: (فيقولان: يا رب! أنى لنا هذا؟)، كيف وصلنا لهذه الدرجة وهذه الحلل العظيمة؟ (فيقال: بتعليم ولدكم القرآن)، لقد علمتما ولدكما القرآن، أدخلتماه مدرسة ليحفظ القرآن، وأرسلتماه إلى المسجد ليحفظ القرآن، وساهمتما في تحفيظه وشجعتماه على ذلك.\nيقول في الحديث: (ثم يقال لصاحب القرآن: اقرأ واصعد)، وفي رواية: (اقرأ وارق في الدرجات)، وفي رواية: (في درجة الجنة وغرفها)، فهو في صعود ما دام يقرأ هذًا كان أو ترتيلًا، يقرأ بسرعة أو يقرأ ببطء، أو يقرأ مركزًا أو يقرأ مراجعة مع القراءة السريعة، فيقال (اقرأ وارق في الدرجات ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلك عند آخر آية معك)، قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، فتنافسوا في ذلك، تنافسوا في حب الله سبحانه وفي حب القرآن وقراءته والتمسك به، فاحفظ القرآن ولا تتركه ولا تهجره، اقرأ القرآن ليل نهار يحفظك القرآن العظيم بحفظك له.","vol":"25","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>من أحسن الناس صوتًا من يقرأ القرآن وهو يخشى الله</span>\nمما جاء في الأحاديث ما رواه ابن ماجة عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن من أحسن الناس صوتًا بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله)، فهو يخشى الله سبحانه، ليس شيئًا ظاهرًا، ليس هو أمر تمثيل، وليس شخصًا يمثل أنه يحزن فيحزن الناس، فالأمر ليس تمثيلًا في قراءة القرآن، بل الأمر ما خرج من القلب ظهر على صاحبه، وما كان تمثيلًا يعجب الناس بالنغمة ولا يخشعون لما يقول.\nفمن أحسن الناس صوتًا بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله، إذا سمعته تحسبه يقرأ خشية، وهناك إنسان تسمعه وهو يغني، فهو يغني بالقراءة ويريد أن يقلد فلانًا، لكن الذي يقرأ القرآن بخشية تستشعر أنه خائف من الله ﷿، وهذا الذي يريده الله ﷿، وهذا أحسن الناس عند الله ﷾، نسأل الله ﷿ أن يعافينا من الرياء.","vol":"25","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>استحباب قراءة القرآن آية آية</span>\nمن الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ في قراءته الجميلة ما رواه الترمذي وأحمد أن أم سلمة سئلت عن قراءة رسول الله ﷺ فقالت: (كان يقطع قراءته آية آية: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾)، فكان يقطع آية آية، فالأمر ليس أنه يقرأ الفاتحة كلها في نفس واحد، أو يقرأ في نفسين، بل يقف عند رأس كل آية، إلا إذا كانت الآية متصلة بما بعدها فله أن يصل حتى لا ينقطع المعنى، ولكن الأصل أن يقف في قراءته عند رأس كل آية.","vol":"25","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>فضل قراءة القرآن على سائر الأذكار إلا في المواضع المخصصة للأذكار</span>\nيقول الإمام النووي ﵀: قراءة القرآن أفضل من التسبيح والتهليل وسائر الأذكار إلا في المواضع التي ورد الشرع بهذه الأذكار فيها، ففي وقت الصباح أذكار الصباح تقولها بعد صلاة الفجر حتى وقت الشروق أو حسب ما يتيسر، وبعد صلاة العصر تقول أذكار المساء، إذًا: في هذه الأوقات الذكر الوارد عن النبي ﷺ فيه، ثم في باقي الأوقات قراءة القرآن أعظم، فإذا كان عند نومك قلت ذكر النوم، واقرأ ما شئت من القرآن في كل وقت، في قيامك أو قعودك، وفي اضطجاعك، وأنت تسير، وأنت تركب، في أي وقت اقرأ القرآن فكله عظيم.\nفالأذكار أفضل في وقت الذكر، وقد كان النبي ﷺ يواظب على الأذكار بعد الفجر فيذكر الله سبحانه وبعد العصر، وإن كان الذكر لن يستوعب الوقت كله فاذكر الله ﷿، واقرأ القرآن ما شئت في الوقت نفسه.","vol":"25","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>آداب ينبغي لقارئ القرآن أن يتأدب بها أثناء القراءة</span>\nقال النووي ﵀: ويستحب أن ينظف فمه قبل الشروع في القراءة، فالذي يقرأ القرآن ويحب القرآن يستعد للقرآن، مثل الذي يقابل ضيفًا عزيزًا، أو إنسانًا كبيرًا من كبار القوم يأتي إليه، فإنه ينتظر ويستقبله في البيت ويحضر له المكان الذي يجلس فيه، ويلبس ويتزين له ويتنظف حتى يستقبل الضيف، وأعظم ضيوفك الذي تجلس معه هو القرآن العظيم، فتطهر لتجلس لقراءة القرآن واستقبل القبلة ونظف أسنانك حتى تكون رائحة فمك طيبة بالسواك أو فرشاة ومعجون ونحوها، وإذا جلست فاجلس وتوجه للقبلة إن كان ذلك يسيرًا عليك، وتخشع في جلوسك وفي قراءتك، وإذا أردت القراءة فتعوذ واجهر بالقراءة، فتقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أو تقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه، فإذا كنت في أول السورة فاقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، والتعوذ سنة وليس بواجب، وعلى المسلم أن يحافظ على قراءة بسم الله الرحمن الرحيم سواء كان إمامًا يقرأ في الصلاة أو كان يقرأ في غير الصلاة، فإذا كان إمامًا فالسنة أن يخفيها وألا يجهر بها، وإن كان ورد في حديث أم سلمة: (أن النبي ﷺ كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم)، فلعل ذلك أحيانًا حتى يعلم من خلفه أن النبي ﷺ كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ولا يتركها صلوات الله وسلامه عليه.\nفإذا شرع في القراءة فليكن شأنه الخشوع والتدبر والخضوع، فهو المقصود والمطلوب، وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب، قال الله ﷿: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩]، فلنتدبر القرآن حين نتلوه وحين نسمعه لعل الله ﷾ يعطينا الأجر العظيم من فضله، نسأل الله تعالى أن يعيننا على حفظ كتابه وسنة نبيه ﷺ، وعلى العلم والعمل وعلى الإخلاص.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"25","page":9},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-246> آداب قراءة القرآن [١]</span>\nالقرآن الكريم كتاب الله ﷿ الذي أنزله للأمة جمعاء، ولقراءته آداب ينبغي للمسلم أن يتأدب بها، ذلك أن القرآن ليس كأي كتاب آخر، وإنما هو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو أفضل الذكر، فما تعبد العباد لله بأحسن مما تكلم به ﷾، وعلى المسلم أن يستشعر عند قراءته له أنه خطاب الله له، فليخشع وليخضع عند قراءته، ويتأدب بجميع آدابه.","vol":"26","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>آداب قراءة القرآن الكريم</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: من آداب القرآن التي ذكرها الإمام النووي ﵀ في كتابه المجموع أنه قال: قراءة القرآن أفضل من التسبيح والتهليل وسائر الأذكار إلا في المواضع التي ورد الشرع بهذه الأذكار فيها، فيستحب للمسلم أن يكثر من قراءة القرآن آناء الله وأطراف النهار؛ لعله يرضي ربه سبحانه ﵎ بذلك.","vol":"26","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>استعمال السواك عند القراءة</span>\nيستحب أن ينظف فمه قبل الشروع في القراءة، فيتسوك سواء بالسواك أو بالفرشاة والمعجون؛ حتى يطهر فمه، وتصبح رائحته طيبة؛ لأن الملائكة تستمع وتدنو من الإنسان القارئ حتى يجعل الملك فمه على فم القارئ.","vol":"26","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>الاستعاذة عند القراءة</span>\nوإذا أراد القراءة فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، كما قال الله سبحانه: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]، فيتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا كان يقرأ من أول السورة قال بعد التعوذ: بسم الله الرحمن الرحيم.","vol":"26","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>الخشوع والتدبر عند القراءة</span>\nوإذا كان يقرأ جهرًا فليجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وإذا كان يقرأ سرًا فليسر بها.\nوإذا شرع في القراءة فليكن شأنه الخشوع والتدبر والخضوع، وهذا أمر مطلوب من المؤمن، فلا بد أن يكون خاشعًا لله ﷿، وليقرأ القرآن ويتدبره، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩]، ولا يكون همه أن يتغنى بالقرآن، ولكن ليكن همه أن يخشع ويتدبر، قال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، فيخشع عند قراءة القرآن، ويتدبر ما جاءه من رب العالمين سبحانه ﵎.\nقال الإمام النووي ﵀: إن جماعة من السلف كان يردد أحدهم الآية جميع ليلته أو معظمها، وصعق جماعة من السلف عند القراءة، ومات جماعة منهم بسبب القراءة.\nفقد كانوا يقرءون القرآن ويقفون عند آيات الله سبحانه ﵎ يتدبرونها، وقد كان بعضهم يقرأ الآية ويرددها مرة ومرتين وثلاث مرات وأكثر؛ مما يجعل في قلبه من الخوف من الله سبحانه، وبعضهم مات من شدة خوفه من الله سبحانه ﵎، وبعضهم غشي وأغمي عليه، ولكن أكثرهم لم تكن هذه عادتهم، وإنما كان بكاؤهم في صدورهم، وكانوا يخافون من الله ﷿ خوفًا عظيمًا.","vol":"26","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>التغني بالقرآن</span>\nقال الإمام النووي ﵀: ويسن تحسين الصوت بالقرآن؛ للأحاديث المشهورة فيه -يعني: عن النبي ﷺ- كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة عنه ﷺ قال: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن) أي: يقرأ القرآن بنغمة جميلة وبصوت حسن، وفي سنن أبي داود: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن، يجهر به).\nوهناك آداب للتغني بالقرآن، فليس معنى التغني بالقرآن أن تجعل القرآن كالموسيقى، كما نسمع أحيانًا أصواتًا تشغلنا عن الصلاة، فتجد أحدهم يقرأ القرآن ويصوت به، أو يقرأ القرآن ويقلد مغنية، أو يقرؤه على نغمة موسيقية ويوزنها، فهذا لا يجوز في القرآن أبدًا فالقرآن فيه الأدب والخشوع والتواضع، وصدق رسول الله ﷺ حين أخبر أن من علامات الساعة: (أن الناس يقدمون قارئهم ليغنيهم)، أي: من أجل أن يغني لهم بقراءته للقرآن، فلا يتقدم للقراءة إلا الأفقه والأعلم بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ، وأما قارئ يضبط صوته على نغمة موسيقية، وعلى وتر معين، ويقرأ عليها، فلا حول ولا قوة إلا بالله! فهذه الأصوات أغان وليست قرآنًا.\nفمعنى التغني بالقرآن: أن تترنم بقراءته على ما كان يقرأ به النبي ﷺ وأصحابه، لا أن يوصل آية بآية من أجل النغمة، وحتى يكون على صوت الموسيقى الفلانية، أو على صوت المغني الفلاني ولا حول ولا قوة إلا بالله! وهذا جرم عظيم جدًا، وقد حرم العلماء أن يتخذ القرآن أغاني، وأن يكون على وزن أغنية.\nقال الإمام النووي: وإن لم يكن حسن الصوت حسنه ما استطاع، ولا يخرج بتحسين صوته عن حد القراءة إلى التمطيط المخرج له عن حدوده.\nأي: أن القراءة يكون فيها شيء من التغني، لكن لا يصل إلى أن تصبح مثل الأغاني، ويرددها مثل ترديد الألحان؛ فإن هذا قد حرمه أهل العلم، وقد اتفقوا على تحريم القراءة بالألحان.\nوما أكثر الذي يتقدمون اليوم للإمامة ممن لا يحفظون القرآن، وإنما يقرءون من المصحف، وتجد الآن في بعض البلاد كل مساجدها فيها مصاحف موضوعة للأئمة، والنادر هو الذي يخرج ليصلي بالناس من حفظه، وإذا صلى بهم من حفظه قرأ ربع الجزء في الصلاة كلها، أو نصفه، وسبب تقديم الناس لغير الحفاظ مع وجود من يحفظ القرآن سببان: السبب الأول: أن من يحفظ القرآن صوته ليس جميلًا، فيتهمونه بأنه لا يعرف يقرأ، ولعل البعض يكون سفيهًا فيقول: نحن لن نصلي إلا وراء الشيخ الفلاني، فهو لا يغلط، ولا يعرف أن هذا يضع المصحف أمامه ويقرأ منه.\nوالسبب الثاني: أن الناس يقولون: نريد إمامًا صوته حلو، وله نغمة، ولن نصلي وراء فلان، فإذا بالحفاظ يتراجعون، فإذا كان أحد حافظًا وصوته ليس حلوًا فإنه يتراجع، ويتقدم الذي يغني بالناس، كما نسمع كثيرًا، وصدق رسول الله ﷺ لما قال: (ونشوءًا يتخذون القرآن مزامير، يقدمون أحدهم ليغنيهم وليس بأفقههم)، فاحذر أن تكون من هؤلاء، وقد رأينا هذه البدع، وسمعنا الكثير منها، فتجد أحدهم يغني بالقرآن، ويغني بالتكبير، ويغني بالتسليم، وحتى الدعاء، وبعضهم يغني على المنبر وهو يخطب خطبة الجمعة، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فقد استهانوا بدينهم، وضيعوا دين الله ﷿، وصار كل من هب ودب يأتي قبل رمضان مباشرة إلى الإمام ويسأله: هل تريد أحدًا يساعدك في القراءة؟ وقد يكون هناك حفاظ كثيرون في المسجد، ولا يريد أحد يساعده في القراءة، فالأمر اليوم بقي سهلًا، وكل أحد يقول: أنا أريد أن أصلي بالناس؛ لأنه مطمن أنه سيوضع له مصحف ويقرأ منه، فلا تجد أحدًا يحفظ القرآن ويجيد تلاوته ويقف بين يدي الله ﷿ ويقرؤه على الوجه الذي يرضي به ربه سبحانه ﵎ لا ليرضي به الناس.\nفمن أراد إرضاء الناس بغضب الله غضب الله عليه وأغضب عليه الناس، ولن يرضى عنه الناس أبدًا، فليكن همه إرضاء الله سبحانه ﵎، فمن أرضى الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس.\nفاحذروا من النغمات، ومن الإعجاب بالنغمات التي تجعل القرآن في النهاية كالأغاني، وقد أرادوا تحويل القرآن إلى غناء في مصر منذ زمن، فأتوا بـ أم كلثوم لتغني بالقرآن في الإذاعة، ثم أتوا بعبد الوهاب ليلحن القرآن، وكادوا يمررون هذا الشيء لولا أن تصدى العلماء الأمناء لمثل ذلك وأوقفوه، وقد كادوا يصلون إلى ما أرادوا، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فاحذروا من أمثال هؤلاء الذين يتخذون القرآن أغاني ومعازف، ومن الذين يلحنونه هكذا ولا حول ولا قوة إلا بالله.","vol":"26","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>استحباب البكاء عند قراءة القرآن</span>\nيقول الإمام النووي ﵀: ويستحب البكاء عند القراءة، وهي صفة العارفين، وشعار عباد الله الصالحين.\nولا يكون بكاؤه تمثيلًا، وإنما يكون بكاءً من قلبه، وقد كان سفيان بن عيينة ﵀ يقرأ القرآن ويبكي، وكان من الزهاد رضي الله ﵎ عنه، فكانوا يقولون له: لا نرى عينيك تدمع.\nفقال: ليست النائحة كالثكلى.\nيعني: أن النائحة لا تصوت إلا إذا رآها الناس، فهي لا تبكي حقيقة، وإنما تمثل، والإنسان المكلوم حزنه في قلبه، وبكاؤه في قلبه، فإذا فاضت عيناه بالدموع فهذا حسن، وإلا فليجعل خشوعه بينه وبين الله سبحانه ﵎.\nوقد كان سيدنا رسول الله ﷺ يبكي وهو يقرأ القرآن، وكان يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل، أي: كأزيز القدر الموضوع على النار، من بكائه صلوات الله وسلامه عليه، وكتمه للبكاء.\nفقد كان يكتم البكاء صلوات الله وسلامه عليه ولا يظهره، وإنما يسر به ﵊، وكان أجمل الناس صوتًا صلوات الله وسلامه عليه، وأفضل الخلق تلاوة للقرآن، وما أذن الله لشيء ما أذن لنبيه ﵊ وهو يقرأ القرآن أن يتغنى به.\nيقول الإمام النووي: وقد قال الله تعالى: ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء:١٠٧ - ١٠٨].\nأي: يخرون لله سباحانه ساجدين، كما قال تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٩]، وهذه صفة العارفين، أنهم يخرون لله سجدًا، ويقبلون على الله سبحانه، ويسجدون له سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ [الإسراء:١٠٨].\nفهم لما تدبروا القرآن وتأملوه أعجبهم وأحزنهم ما هم فيه، فقالوا: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء:١٠٨]، أي: إن ربنا صادق سبحانه ﵎، ووعده حق، والجنة حق، والنار حق فخافوا من ذلك فخروا لله ساجدين، قال تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٧ - ١٠٩].\nفإذا سجدوا لله ﷿ أظهروا البكاء بينهم وبين الله، وهم مستترون في السجود يبكون، ويزيدهم القرآن خشوعًا.\nوفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (اقرأ علي، قال: قلت: يا رسول الله! أقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟ قال: فإني أحب أن أسمعه من غيري)، فلا بد للإنسان أن يحب سماع القرآن وقراءته، فيستمتع بالقرآن تلاوةً وتدبرًا وتفهمًا وسماعًا أيضًا، قال: (فقرأت عليه سورة النساء، حتى بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] فقال: حسبك الآن، فالتفت فإذا عيناه تذرفان)، فقد كان ابن مسعود يقرأ ولا يدري أن النبي ﷺ يبكي، فقال له: (حسبك)، أي: يكفي، ووقف هنا يتدبر في هذه الآية، ويستحضر هذا الموقف العظيم بين يدي الله ﷿، وكيف يكون حاله وحال هؤلاء القوم.\nوالاستفهام هنا معناه تعظيم هذا اليوم بمثل هذا الاستفهام، أي: كيف يكون حالكم يوم القيامة؟! قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء:٤١]، أي: إذا اجتمعت الأمم جميعها، واجتمعت رسل هذه الأمم يشهدون على أممهم، قال تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] أي: جاء ﵊ شهيدًا ليشهد، والشهيد عند الناس: من يزكيه القاضي فيقبل كلامه.\nفيكون معنى الآية: جئنا بك شهيدًا، أي: زكيناك وأتينا بك يوم القيامة لتشهد على هؤلاء، فبكى خوفًا من هذا اليوم.\nفكيف بالخلق الذين سيشهد عليهم رسلهم، ويشهد عليهم الخلق يوم القيامة؟! نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.\nلقد بكى ﵊ خوفًا من هذا الموقف، وخشية من يوم القيامة، صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"26","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>من أسباب البكاء عند قراءة القرآن: تدبر ما يقرأ</span>\nيقول الإمام النووي ﵀: وطريقه في تحصيل البكاء: أن يتأمل ما يقرؤه من التهديد والوعيد الشديد والمواثيق والعهود، ثم يفكر في تقصيره.\nفإذا سمع الآيات في عهد الله ﷿ الذي أخذه على العباد فيراجع نفسه هل هو من هؤلاء العباد الذين تمسكوا بدين الله ﷿ وبعهده أم أنه قصر وفرط؟ وإذا سمع الآيات عن يوم القيامة والعرض على الله ﷿ والمرور على الصراط وجهنم وما فيها والجنة وما فيها أحدث له ذلك خشوعًا في قلبه، فيبكي خوفًا من الله، وليس تمثيلًا ولا رياءً ولا إظهارًا للحزن، ولا ليقال: فلان قارئ، وفلان يبكي من خوف الله، وإنما يبكي حقيقة خوفًا من ربه سبحانه ﵎.","vol":"26","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>استحباب ترتيل القرآن عند القراءة</span>\nويسن ترتيل القرآن، قال الله ﷿: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:٤]، ومعنى الترتيل: أن يقرأ القرآن على مهل، ويتعلم تجويد القرآن، والتجويد: هو: كيفية إخراج الحروف من مخارجها، فيفرق بين السين والصاد، وبين الدال والضاد، ويفرق بين الحرف الممدود والحرف غير الممدود، ويفرق بين الحركة وبين الحرف، ويتعلم كيف يخرج الحروف من مخارجها.\nوقد روى الإمام مسلم عن حفصة ﵂ أنها قالت: (ما رأيت رسول الله ﷺ صلى في صبحته -أي: في نافلته- قاعدًا حتى كان قبل وفاته بعام)، تعني: من التعب وكبر السن كان يصلي قاعدًا ﷺ، قالت: (وكان يقرأ بالسورة فيرتلها)، أي: يهتم بترتيلها، ويتدبرها ويتفكر فيها، قالت: (حتى تكون أطول من أطول منها)، أي: حتى تكون السورة أطول من سورة أخرى هي أطول منها، فقد كان يقرأ، ولعله كان يرجع الآية ويعيدها، ويتدبرها ﷺ، وقام مرة إلى الصبح وهو يقرأ آية واحدة: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨]، ويعيدها ﷺ.","vol":"26","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>كراهة الهذ في قراءة القرآن</span>\nقال العلماء: وقد اتفقوا على كراهة الإفراط في الإسراع بحيث أنه لا يفهم الذي يقرؤه، فيكره أن يقرأ قراءة سريعة من غير ترتيل أو تدبر أو تأمل لما يقرؤه.\nوهذه القراءة تسمى: الهذ، أي: القراءة السريعة.\nقال الإمام النووي: وقراءة جزء بترتيل أفضل من قراءة جزئين في قدر ذلك الزمن بلا ترتيل.\nيعني: إذا خيرت بين قراءة جزء من القرآن بترتيل وعرفت أنك ستقرؤه في ثلث ساعة أو نصف ساعة مثلًا، وإذا قرأته سريعًا ستقرؤه في عشر دقائق؛ فإن قراءتك لهذا الجزء مرتلًا له أفضل من قراءتك جزئين في الوقت نفسه بغير ترتيل.\nقال العلماء: والترتيل مستحب؛ للتدبر، ولأنه أقرب إلى الإجلال والتوقير، وأشد تأثيرًا في القلب؛ ولهذا يستحب الترتيل للأعجمي حتى ولو كان لا يفهم القرآن.\nوكثير من الأعاجم لا يفهمون القرآن، مع أنك تجد الكثيرين منهم في باكستان وأندونيسيا وغيرهما من البلدان يقرءون القرآن قراءة جميلة جدًا، وهم لا يفهمون معناه، وتجدهم يحفظون القرآن، وهذا من فضل الله العظيم سبحانه حيث قال: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]، فقد يسر الله القرآن لذكره سبحانه، ويسره لأن يحفظ، فحفظه العرب وحفظه العجم الذين لا يفهمون معناه، فتجد أحدهم يقرؤه ويرتله ويحدث له في قلبه خشوع، ولعله يبكي وهو لا يفهمه، ويحاول أن يفهم منه شيئًا، فنحن الذين نتكلم اللغة العربية ونجيدها قراءة وكتابة أولى بذلك، فعندما نقرأ القرآن ونفهم معانيه ينبغي أن يحدث ذلك لنا الخشوع الحقيقي والخوف من الله ﷾.\nقال العلماء: ويستحب إذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ من العذاب أو من الشر، وإذا مر بآية تنزيه لله تعالى نزه فقال: تبارك الله، أو: جلت عظمة ربنا، ونحو ذلك.\nروى الإمام مسلم عن حذيفة ﵁ قال: (صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، قال: فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة، قال: فمضى، فقلت: يركع عند المائتين، قال: فمضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، ثم افتتح آل عمران فقرأها)، وهذه السورة أطول ثلاث سور في القرآن، وقد قرأها ﷺ قراءة فيها ترتيل وخشوع، كما قال حذيفة: (يقرأ مترسلًا -أي: على مهله- قال: إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ)، وانظر إلى هذه القراءة كم ستأخذ من الوقت! قال: (ثم ركع فجعل يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه).\nوعدد آيات سورة البقرة مئتان وست وثمانون آية، وسورة النساء مائة وست وسبعون آية، وسورة آل عمران مائتا آية.\nفكان في ركوعه يقول: سبحان ربي العظيم بقدر هذا، وهذا شيء طويل جدًا، قال ﵁: (ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم قام طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه)، وعلى هذا فإن ركعة واحدة تأخذ الليل كله منه صلوات الله وسلامه عليه.\nفقد كانت قراءته صلوات الله وسلامه عليه قراءة فيها خشوع وفيها خوف من الله.\nنسأل الله ﷿ أن يرزقنا ما كان عليه النبي ﷺ، وأن نأتسي به ونقتدي به حتى نلقاه صلوات الله وسلامه عليه على حوضه، غير مبدلين ولا مرتدين على أدبارنا.\nونسأل الله ﷿ أن يرزقنا الإخلاص والعمل الصالح والقبول.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"26","page":10},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-256> آداب قراءة القرآن [٢]</span>\nالقرآن الكريم كتاب الله ﷿، أنزله لهداية البشرية جمعاء؛ ولذلك أمر الله ﷿ بتلاوته وتدبره آناء الليل وأطراف النهار، وحث رسول الله ﷺ على ذلك، ورتب على قراءته والعمل به الأجر العظيم من الله تعالى.\nولقراءة القرآن آداب ينبغي لقارئه وحافظه العمل بها، إذ إنه يقرأ كتاب رب العالمين المنزل من عنده ﷾.","vol":"27","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>استحباب الترتيل عند قراءة القرآن</span>\nأعوذ بالله من السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: يقول العلماء: الترتيل مستحب؛ للتدبر، ولأنه أقرب إلى الإجلال والتوقير، وأشد تأثيرًا في القلب.\nولهذا يستحب الترتيل للأعجمي الذي لا يفهم معناه.\nوترتيل القرآن أي: القراءة على مهل، فيقرأ القرآن مرتلًا، ويقرؤه كما كان النبي ﷺ يقرؤه، فيجود قراءته، ويخرج الحروف من مخارجها الصحيحة، ويلتزم بأحكام التلاوة في قراءته.\nوقال العلماء: إن الترتيل يساعد الإنسان على أن يتدبر القرآن.\nوهو أقرب إلى الإجلال وإلى التوقير في القراءة، وأشد تأثيرًا في القلب، وقد كانت قراءة النبي ﷺ ترتيلًا.","vol":"27","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>حكم قراءة القرآن بغير اللغة العربية</span>\nولا تجوز القراءة بالأعجمي، سواء أحسن العربية أم لا؛ لأن قراءة الأعجمي ليست قراءة، ولكنها ترجمة لمعاني القرآن، وتجوز القراءة بأن يقرأ القارئ ما اعتاد الناس أن يسمعوا من قراءة متعارف عليها في البلد.","vol":"27","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>جواز القراءة في الصلاة بإحدى القراءات السبع أو العشر</span>\nوتجوز القراءة بأية قراءة من القراءات السبع أو القراءات العشر، وليقرأ بما يفهم الناس، وبما لا ينكره الناس عليه، فإنه وإن جاز أن يقرأ بأي قراءة من القراءات التي يحفظها القراء، إلا أنه لا يقرأ للناس إلا ما يستوعبونه ويفهمونه، وخاصة إذا كان وراءه أناس لا يعرفون هذه القراءات، فيظنون أن القارئ أخطأ في قراءته.\nفالأولى أن يلتزم القراءة التي يعرفها الناس، وإذا قرأ بإحدى القراءات فالصلاة صحيحة، وإنما يخشى فيها أمور، فيخشى من أن الناس لا يفهمون فينكرونها، ويخشى من أن تحدث بلبلة بين الناس، ويخشى على القارئ نفسه من الرياء، وأن يظن في نفسه أنه أعلم من غيره، فتضيع بركة هذه القراءة التي يقرؤها.","vol":"27","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>قراءة القرآن على ترتيب المصحف</span>\nوالأولى في القراءة أن يقرأ على ترتيب المصحف، سواء قرأ في الصلاة أو في غير الصلاة، وهذا الترتيب الذي في المصحف هو الذي كان في آخر عرضة عرضها جبريل مع النبي ﷺ، فكان على هذا الترتيب.\nوهذا الترتيب لهذه السور له حكمة من الله ﷿، سواء عرفنا أو لم نعرف، وهو شيء توقيفي، وقد كان النبي ﷺ يقرأ السبع الطول على ترتيبها، وإن كان قد جاء عنه أنه قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران، وهذا لبيان الجواز، وفي قيام الليل يجوز أن تقرأ بسورة من أول القرآن، ومن آخره، وإن كان الأفضل أن تقرأ مرتبًا.\nوالنبي ﷺ لما قرأ السبع الطوال من أول القرآن في قيامه بالليل لم ينقل عنه أنه قرأها على غير ترتيبها المعهود، وإنما قرأ مرة واحدة بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران، فقالوا: لقد كان الترتيب على ذلك، وهو الذي ورد في مصحف ابن مسعود، ولعله كان قبل العرضة الأخيرة التي عرضها جبريل مع النبي ﷺ.\nوقد كان ابن مسعود من حفاظ القرآن، ولكنه لم يكن من الكتاب الذين كتبوا القرآن بعد النبي ﷺ؛ لأنه كان متمسكًا بالقراءة القديمة، وقد نسخت أشياء لم يطلع عليها رضي الله ﵎ عنه، فالذي بين أيدينا من ترتيب المصحف هو ما كان عليه النبي ﷺ في آخر عرضة عرضها مع جبريل، فالأولى أن يقرأ القرآن على ذلك.\nولو قرأ على غير ذلك، كأن بدأ بسور قبل سور فهذا جائز، ولكن الأولى الترتيب، يقول النووي ﵀: لأن ترتيب المصحف لحكمة فلا يتركها، وترتيب المصحف حكمة من الله ﷿، سواء عرفناها أو لم نعرفها، فلا يترك هذا الترتيب الذي عليه المصحف الكريم إلا فيما ورد الشرع بالتفريق فيه.\nأي: أن الأصل أن المصحف مرتب على هذه الصورة، فيكون الأصل قراءته بهذه الصورة، ولكن جاء عن النبي ﷺ ما يبين أنه يجوز أن يقرأ على غير هذا الترتيب، وذلك من فعل النبي ﷺ، فقد قرأ في صلاة العيد بـ (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ)، ولم يقرأ السورة التي بعدها، وإنما قرأ: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ).\nوكذلك في الفجر يوم الجمعة قرأ النبي ﷺ بـ (الم) السجدة، وقرأ بعدها سورة الإنسان، وكان يواظب على قراءته لهاتين السورتين في صلاة الفجر يوم الجمعة، فهذا الذي فعله النبي ﷺ، فنفعل كما فعل صلوات الله وسلامه عليه، وأما غير ذلك فالأولى أن يكون على ترتيب المصحف.\nيقول النووي ﵀: فلو فرق أو عكس جاز، ولكنه ترك الأفضل، أي: إذا قرأ سورة قبل سورة، أو سورة بعد سورة، فقرأ هذه أولًا وهذه ثانيًا، على عكس ترتيب المصحف، أو غير مرتبتين، فهذا لا شيء فيه.","vol":"27","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>عدم جواز قراءة السورة منكسة آياتها</span>\nوأما التنكيس الذي نهينا عنه فهو في السورة الواحدة، وهو: أن تقرأ من آخر السورة إلى أولها، وليس من التنكيس أن تقرأ: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)، وبعدها: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)، فليس هذا تنكيسًا، إنما التنكيس أن تبدأ بالسورة الواحدة من آخرها، مثل أن تقرأ: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس:٦]، ثم الآية التي قبلها، والتي قبلها، حتى تصل إلى أولها، وقد كان الشعراء يفعلون ذلك؛ لبيان جودة حفظهم، وقوة قريحتهم وذاكرتهم، فكان الشاعر يقرأ القصيدة من أولها إلى آخرها، ثم يعيدها من آخرها إلى أولها، ولذلك كانت قصائد أهل الجاهلية غير متصلة ببعضها، وإنما كان كل بيت وحده، ويصلح أن تضع قبله أو بعده غير ما ذكر، إلا إذا قصد الشاعر أن يصل البيت بغيره.\nوالمقصود من ذلك: أنه لابد من مراعاة ترتيب السورة من أولها إلى آخرها عند قراءة القرآن، ولا يجوز التنكيس في السورة الواحدة، أما قراءة سورة قبل سورة، وسورة بعد سورة فهذا لا شيء فيه، وذلك مثل أن تقرأ في الصلاة في الركعة الأولى بسورة الفاتحة و: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ).\nوفي الركعة الثانية تقرأ الفاتحة وبعدها بسورة أخرى، فليس هذا تنكيسًا.\nيقول الإمام النووي: وأما قراءة السورة من آخرها إلى أولها فمتفق على منعه وذمه؛ لأنه يذهب بعض أنواع الإعجاز، ويزيل حكمة الترتيب، وأما تعليم الصبيان من آخر الختمة إلى أولها فلا بأس، وليس هذا خاصًا بالصبيان فقط، بل كل من يحفظ القرآن إذا بدأ من آخر المصحف إلى أوله فلا شيء في ذلك.","vol":"27","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>القراءة في المصحف أفضل من غيرها</span>\nيقول النووي: والقراءة في المصحف أفضل من القراءة عن ظهر قلب.\nالقراءة في المصحف أي: أن تجلس وتقرأ في المصحف، فهذا أفضل من القراءة من الحفظ؛ لأنك في القراءة في المصحف تقرؤه بلسانك، وأيضًا توافق بنظرك ما تقرؤه.\nوهو لا يقصد هذا في الصلاة؛ لأن القراءة من المصحف في الصلاة لم تكن معروفة عندهم؛ لأنهم كانوا حفاظًا متقنين، ولم تكن هذه عادة عندهم، وإنما جوزها من جوزها لفعل ذكوان لذلك، وقد كانت عادتهم أنهم يقرءون من غير المصحف في صلاة النافلة في التهجد وغيرها.\nفكلام الإمام النووي هو في القراءة في غير الصلاة، فيقول: القراءة من المصحف أفضل من القراءة عن ظهر قلب؛ لأنها تجمع القراءة والنظر في المصحف، وهو عبادة أخرى، وقد نص على ذلك جماعة من السلف، أي: على أنه يستحب أن يقرأ من المصحف، ولكن إذا كان الإنسان إذا قرأ عن ظهر قلب كان أخشع له فليفعل الأقرب له في الخشوع، وكل الأمر جائز، سواء قرأ من المصحف أو قرأ من حفظه، أو سمع على إنسان، أو عرض على إنسان فهذا يقرأ وهذا يكمل، كل هذا جائز.","vol":"27","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>جواز القراءة الجماعية</span>\nيقول ﵀: ولا كراهة في قراءة جماعة مجتمعين بل هي مستحبة.\nمثل أن يجلس مجموعة في حلقة ويقرءون واحدًا بعد الآخر، يقول: هذا مستحب، وهذا جائز، سواء كانوا سيقرءون بهذه الطريقة، أو بحسب ما يرى الشيخ الذي يحفظهم ويعلمهم، فيقرءون بأي طريقة من الطرق، مثل: أن يقرأ هو وهم يقرءون خلفه، أو مجموعة تقرأ ومجموعة تكمل، فهذا كله جائز إذا كان على سبيل التعليم.","vol":"27","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-264>آداب القراء في القراءة الجماعية</span>\nوإذا اجتمع القراء لقراءة القرآن فإن لهم آدابًا كثيرة، ومنها آداب يقول النووي: أنه يتساهل في العادة فيها، ويتساهل القراء فيها:","vol":"27","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>اجتناب الضحك واللغط والعبث</span>\nفمن ذلك: أنهم مأمورون باجتناب الضحك واللغط والحديث في حال القراءة، إلا كلامًا يسيرًا للضرورة، واجتناب العبث باليد وغيرها، واجتناب النظر إلى ما يلهي أو يبدد الذهن، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤]، وهذا أمر، والمفهوم منه: أنك لا تتلهى عن القرآن الذي جلست تستمع له.\nوقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦].\nفهذا صنيع الكفار، فهم يأمرون بعضهم بعضًا ألا يسمعوا لهذا القرآن وأن يلغوا فيه أثناء قراءته، حتى لا يفهم أحد منه شيئًا، ولا يستوي المؤمنون مع الكافرين، فالمؤمن عندما يسمع القرآن فإنه يحترم كلام رب العالمين سبحانه، وينصت له ويستمع، ولا يلغو ولا يعبث ولا يضحك وهو يسمع كلام رب العالمين ﷾.","vol":"27","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>اجتناب النظر إلى المحرم</span>\nيقول الإمام النووي: وأقبح من ذلك النظر إلى ما يحرم، مثل: النظر إلى النساء، وإلى المردان.\nويجب على الحاضر في ذلك المجلس أن ينكر ما يراه من هذه المنكرات، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، إلا أن تكون لطيفة من اللطائف تمر في أثناء القراءة أو شيئًا من ذلك، فيذكرها الشيخ المعلم حتى لا تبقى جلسة جافة، فلا مانع من ذلك في أثناء التعليم، أما أن تكون الجلسة جلسة مزاح فهذا لا يجوز أبدًا في جلسة القرآن؛ لأنه مناف للاحترام والتوقير لكلام رب العالمين ﷾.","vol":"27","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-267>الجهر والإسرار بالقراءة يختلف باختلاف الأحوال</span>\nيقول: وجاءت في الصحيح أحاديث تقتضي استحباب رفع الصوت بالقراءة، وأحاديث تقتضي الإسرار والإخفاء.\nجاء عن رسول الله ﷺ: (أن الذي يجهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة)، وعلمنا أن الأفضل في الصدقة هو ما قال الله فيها: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١]، أي: إن الأخير لكم والأفضل أن تخفوها.\nوجاء عنه ﷺ أنه قال لـ أبي بكر: (ارفع من صوتك شيئًا)، وقال ﷾: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:١١٠].\nإذًا: القراءة تختلف باختلاف الأحوال، فإذا خشي الرياء على نفسه، أو أن يزعج غيره فليخفض صوته بالقراءة، ويسمع نفسه فقط، وإذا كان في مجلس يسمعون لقراءته فليرفع صوته ويسمعهم، سواء كان في بيته أو في مسجده بحسب الحال، وقد نهى النبي ﷺ عن أن يشوش البعض على البعض الآخر.\nويسن تحسين الصوت بالقراءة، وقد قال النبي ﷺ: (ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن)، والقرآن لا يلحق به غيره، فلا يقال باستحباب تجويد الحديث، ولا يقال باستحباب تجويد الخطبة.\nوالمقصود بالتجويد هنا: التغني، فيتغنى أثناء القراءة، وأما في تكبيرة الإحرام والتسليم والدعاء فكل هذا غير مستحب، وإنما القرآن فقط هو الذي له هذه المزية، ولا يلحق به غيره.","vol":"27","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>استحباب الاستعاذة والبسملة والبدء من أول السورة وأول الكلام</span>\nيقول الإمام النووي: ينبغي للقارئ أن يبتدئ من أول السورة أو من أول الكلام المرتبط.\nفإذا كان القارئ سيقرأ القرآن فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا كان في أول السورة فيقول: (بسم الله الرحمن الرحيم)، ويجوز إذا كان في نصف السورة أن يقول: (بسم الله الرحمن الرحيم)، ويجوز أن يدخل في القراءة مباشرة، فإن كان يريد أن يقرأ من أول السورة فليقرأ، وإذا كان يريد أن يقرأ من نصف السورة فليهتم بأن يكون الكلام متصلًا لا منقطعًا عما قبله.\nوكذلك إذا كان يصلي بالناس ووقف يريد الركوع والمعنى لم يكتمل، فليكمل بأن يقرأ آية أو آيتين أو ثلاث آيات، حتى يكمل ما كان يقول، وحتى يكون القرآن مفهومًا، وكذلك إذا بدأ في الركعة التي تليها فليبتدئ من أول الكلام المترابط، ويضرب لنا ﵀ أمثلة من ذلك، ومنها: قول الله ﷿: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٤]، فهذا بداية ربع حزب، فهنا حين يبدأ يقرأ القارئ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٤]، فإن المستمع لن يفهم ما الذي يقصده هنا، وقد تقدم قبلها قول الله ﷾: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء:٢٢].\nإذًا: فهنا تحريم أنواع معينة من النساء: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٢٤]، فهذا راجع لحكم كان قبل ذلك متقدمًا وهو قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، فلا يجوز للقارئ أن يبتدئ بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٢٤]؛ لأنه لم يعط الحكم الذي أراده الله سبحانه.\nوتقسيم في المصحف إلى أعشار وإلى أرباع وإلى أحزاب لم يكن معروفًا في عهد النبي ﷺ، إنما فُعل بعد ذلك في خلافة بني مروان، فعله الحجاج عندما أراد أن يسهل على الناس الحفظ، وصحيح أن هذا يسهل على الناس الحفظ، ويسهل عليهم المراجعة، وهذا جميل، ولكن الالتزام به والوقوف عليه وإن لم يكتمل المعنى من الخطأ، بل لابد من مراعاة اتصال المعنى، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف:٥٣]، فإنه إذا بدأ بقوله: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف:٥٣] فإنه لا يفهم المعنى المقصود من أن امرأة العزيز هي التي قالت ذلك، فلابد أن يقرأ ما قبلها من الآيات حتى يظهر معنى كلام الله ﷿ في قوله: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف:٥٣].\nومن الأمثلة على ذلك أيضًا: قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [الأحزاب:٣١]، وهذا بداية ربع حزب، فلا يبدأ بذلك، وإنما يبدأ بقوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:٣٠] حتى يتضح المعنى في ذلك، ومثل هذا كثير.","vol":"27","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>الحالات التي تكره فيها قراءة القرآن</span>\nيقول النووي ﵀: تكره القراءة في أحوال، احترامًا للقرآن لا يقرأ فيها القرآن، أو أن الهيئة ليست هيئة قراءة القرآن، ومنها: حال الركوع والسجود والتشهد، فنحن في التشهد مأمورون بقراءة التشهد، وهو التحيات لله، والصلاة على النبي ﷺ فليس هذا مكان قراءة القرآن.\nوكذلك الركوع والسجود المناسب لهما التسبيح وتعظيم الرب سبحانه؛ فلذلك نهى النبي ﷺ عن قراءة القرآن في الركوع والسجود.\nإذًا: هيئة القيام هي الهيئة التي تليق بقراءة القرآن، فتقرأ وأنت قائم، وأما في الركوع والسجود فقد نهى النبي ﷺ عن قراءة القرآن فيهما، إلا أن تتأول الآية في الدعاء، فتدعو بآية من الآيات، ولا تقصد التلاوة، وإنما تقصد الدعاء فيها.\nكذلك يقول: لو كان فمه نجسًا فيكره له أن يقرأ، كأن يسيل الدم من فمه، فإنه ينتظر حتى يقف الدم، ثم يقرأ القرآن وهو في حالة أحسن.","vol":"27","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>حكم قراءة القرآن ومس المصحف للمحدث حدثًا أصغر</span>\nيقول: أجمع المسلمون على جواز قراءة القرآن للمحدث الحدث الأصغر.\nسواء تبول أو تغوط وأراد أن يقرأ من حفظه، وهنا فرق بين القراءة من حفظه وبين القراءة من المصحف.\nفإذا أراد أن يمس المصحف فلابد أن يكون طاهرًا، قال الله ﷿: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩]، وهذا في اللوح المحفوظ، فاللوح الذي عنده في السماء ﷾ ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩]، فالقياس ألا يمسه في الدنيا إلا المطهرون، وإن كان هذا لا يصلح دليلًا وحده، إنما الدليل في قول النبي ﷺ: (لا يمس القرآن إلا طاهر).\nيقول: ولا يكره للمحدث قراءة القرآن في الحمام.\nوالحمام هنا: مكان الاستحمام، أي: المكان الذي يستحم فيه، وليس مكان النجاسة، فيقول: إذا كان يقرأ القرآن وهو يغتسل في مكان منفصل ليست فيه نجاسة، فلا يكره ذلك.\nوإذا عرضت له ريح أثناء القراءة فإنه يقطع القراءة ثم يكمل بعد خروج ذلك.","vol":"27","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>تسليم القارئ على من مر به ورده للسلام</span>\nوإذا مر القارئ على قوم سلم عليهم، وكذلك لو مر به إنسان وألقى ﵇ فليقطع القراءة ويرد ﵇، ولا يوجد دليل على المنع من التسليم على القارئ، إلا أن يكون يصلي، فإن أكثر أهل العلم يكرهون أن تسلم على المصلي، والبعض منهم يجوز ذلك، ويقول: لأن النبي ﷺ: (كان يصلي فمر عليه بعض من أصحابه فألقى ﵇ فأشار بيده ﷺ).\nوهذا صحيح أنه أشار بيده يرد السلام، ولكن لم يثبت عنه ﷺ أنه مر على أحد يصلي فسلم عليه.\nوقد حدث أنه وقف يستمع لـ سالم مولى أبي حذيفة، ولم يلق ﵇، صلوات الله وسلامه عليه، واستمع لقراءة أبي بكر وهو يقرأ بالليل ولم يلق ﵇، واستمع لقراءة عمر ولم يلق ﵇، واستمع لقراءة بلال ولم يلق ﵇.\nوفي اليوم الثاني قال للثلاثة: أنت كنت تقرأ كذا، وأنت كذا، وعلمهم ﷺ ما الذي يصنعونه.\nونادى على أبي سعيد بن المعلا وهو يصلي وقال: يا أبا سعيد! حتى يأتي إليه ليعلمه أعظم سورة في القرآن، وهي الفاتحة، فلم يخرج أبو سعيد من الصلاة إلى أن انتهى من الصلاة، فعلمه بعد ذلك، ولم يثبت أنه قال: السلام عليك يا أبا سعيد! ولذلك قال جابر بن عبد الله: لا أحب أن أسلم على أحد يصلي؛ لأن المصلي مشغول في صلاته، فلا تسلم عليه، ولكن لو ألقى عليّ أحد السلام لرددت عليه بيدي.\nإذًا: لا تسلم على أحد يصلي حتى لا تشغله، إلا في مواطن: إذا كان الإنسان يصلي في غرفة وتريد أن تدخل عليه فتستأذن وتسلم حتى يعرف أنك موجود، فيأذن لك بالدخول، أو بعدم الدخول وهو يصلي.\nولو عطس إنسان وهو يقرأ القرآن فشمته آخر فيرد عليه بقوله: يهديكم الله ويصلح بالكم، وكذلك إذا عطس إنسان فيستحب لهذا القارئ أن يقطع ويرد، وهذا في غير الصلاة.","vol":"27","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>ما ورد من الإجابة عند قراءة بعض الآيات</span>\nيقول: إذا قرأ قول الله ﷿: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:٨]، يستحب أن يرد بقول: (بلى)، وليحذر أن يقول: (نعم)؛ لأن (نعم) كأنك تثبت النفي، ولكن (بلى) تنفي هذا النفي، وتثبت لله ﷿ أنه أحكم الحاكمين سبحانه.\nفالجواب: إذا كان يريد الإثبات أن يقول: (بلى) إذا كان الاستفهام منفيًا، مثل قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٤٠]، تقول: (بلى).\nوإذا قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] قال: سبحان ربي الأعلى، وإذا قرأ: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسراء:١١١] قال: الحمد لله، ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:١١١] قال: الله أكبر كبيرًا، وكذلك إذا قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] صلوات الله وسلامه عليه، فيستحب أن يقول: ﷺ تسليمًا، كما أمر الله ﷾.\nوهذا إذا كان في غير الصلاة، فإن الكل متفقون على ذلك، وإذا كان في الصلاة: فقد فرق البعض بين صلاة النافلة وصلاة الفريضة، فقال: في صلاة الفريضة لا تقل شيئًا وقل بعد الصلاة، وفي صلاة النافلة قل ذلك، واختار الإمام النووي: أنه لا فرق بين النافلة والفريضة، وهذا أقرب إذا لم يكن سيشغل المصلي عن الخشوع في الصلاة والتدبر فيها، فيقول ذلك مختصرًا.","vol":"27","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>أوقات قراءة القرآن المختارة</span>\nأفضل أوقات قراءة القرآن ما كان في الصلاة، فإذا كان الإنسان يقوم من الليل ويجلس يفتح المصحف ويقرأ فأفضل منه أن يصلي، فيفتح المصحف ويصلي إذا كان لا يحفظ، ويقرأ من كتاب الله ﷿، فيجمع بين الفضيلتين: الصلاة، وقراءة القرآن.\nوقد كانت صلاة النبي ﷺ متقاربة: فقيامه كركوعه وكسجوده، ولكن إذا كان الاختيار لك أيهما تطيل فيه؟ فطول القراءة فإنها أعظم وأفضل؛ لأن الله ﷿ قال: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، أي: خاشعين تقرءون من كتاب الله ﷿ فتطيلون كذلك.\nوقد سئل النبي ﷺ: (أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت)، بمعنى: طول القراءة.\nيقول الإمام النووي ﵀: وأفضل الأوقات الليل، والنصف الأخير أفضل، والقراءة بين المغرب والعشاء، وقد كانوا يعتبرون بين المغرب والعشاء من قيام الليل، والصحابة كانوا يعتبرون ذلك، ويختار من الأيام يوم عرفة، وكذلك يوم الجمعة، ويوم الإثنين والخميس، فإن فيها ترفع الأعمال إلى الله ﷿، وكذلك العشر الأواخر من رمضان، والعشر الأول من ذي الحجة.","vol":"27","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>آداب ختم القرآن</span>\nمن آداب ختم القرآن: أنه يستحب إذا ختمت أن تبدأ من جديد، ويقول النووي: أن يكون في أول الليل أو في أول النهار، وهذا بحسب ما تيسر له إن قرأ وحده، قال: والختم في الصلاة أفضل.\nأي: إذا كان لك ورد تقرؤه من القرآن وقد وصلت إلى أن تختم القرآن، فاختمه وأنت تصلي، فإن هذا أفضل.\nواستحب السلف صيام يوم الختم، وحضور مجلسه، يعني: إذا كان إنسان سيختم في يوم استحبوا له أن يصوم في هذا اليوم؛ ليكون أقرب في إجابة الدعاء إذا ختم.\nوقالوا: يستجاب الدعاء عند الختم، وتنزل الرحمة عند ختم القرآن، وكان أنس بن مالك ﵁ إذا أراد الختم جمع أهله وختم ودعا، وهذا من فعل الصحابي، وليس واردًا عن النبي ﷺ، وإنما كانوا يقولون: هذا من فعل السلف رضوان الله عليهم، ومنهم أنس بن مالك، وهذا رواه عنه الدارمي وسعيد بن منصور بإسناد صحيح: أنه كان إذا أراد الختم يجمع أهله وأولاده ويختم؛ حتى تنزل الرحمة والبركة على الجميع، وحتى إذا دعا كان الدعاء لهم جميعًا.\nوقد استحبوا الدعاء بعد الختم استحبابًا متأكدًا، فقد قال النبي ﷺ: (اقرءوا القرآن وسلوا الله به قبل أن يأتي أقوام يقرءون القرآن يسألون به الناس)، فقراءة القرآن عمل صالح، فتسأل الله ﷿ بأعمالك الصالحة أن يستجيب لك، وادع بما شئت في ذلك.\nقال: ويدعو بالمهمات، ويكثر من ذلك، وفي صلاح المسلمين، وادع بأعظم الأشياء، وهو صلاح حال المسلمين، وصلاح حال بلاد المسلمين، وادع بالرحمة للأحياء والأموات، والدعاء العام من أجمل ما يكون.\nقال: وصلاح ولاة أمورهم، ويختار الدعوات الجامعات، واستحبوا إذا ختم أن يشرع في ختمة أخرى، والله أعلم.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"27","page":19},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-275> آداب قراءة القرآن [٣]</span>\nلقراءة القرآن آداب لابد لقارئ القرآن أن يتحلى بها؛ إذ إنه وحي الله ﷿ المنزل من السماء، وكذلك على حافظ كتاب الله ﷿ أن يتحلى بآدابه، ويأتمر بأوامره، وينزجر عن نواهيه، تعظيمًا وتوقيرًا له، ومما ينبغي على المسلم أن يحافظ على تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، متقربًا بذلك إلى ربه جل وعلا.","vol":"28","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>حث قارئ القرآن على الترفع عن سؤال الناس</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: روى الإمام الترمذي من حديث عمران بن حصين ﵁ أنه قال: قال النبي ﷺ: (من قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنه سيجيء أقوام يقرءون القرآن يسألون به الناس).\nهذا الحديث عن النبي ﷺ يدفع المؤمن إلى أن يقرأ القرآن يبتغي به الفضل من الله سبحانه، ويبتغي الثواب في قراءته وحفظه للقرآن، ويخلص لله سبحانه، ويتفهم ويتدبر ما جاء في القرآن من آيات بينات.\nوقد ذكر الإمام الترمذي أن عمران بن حصين مرّ على قارئ يقرأ القرآن، فاجتمع الناس حوله يستمعون للقرآن، فلما انتهى سألهم؛ فقد جمع الناس ثم مد يده يسألهم، فقال عمران: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من قرأ القرآن فليسأل الله به)، فالقرآن أعظم من أن يقرأه الإنسان ليمد به يده إلى الناس، ولكن إذا سألت فاسأل الله ﷾، وإذا استعنت فاستعن بالله، قال: (فإنه سيجيء أقوام يقرءون القرآن يسألون به الناس)، أي: يحفظ أحدهم القرآن ثم يقرأ على الناس ليعطيه الناس، ولا يسأل به الله ﷾.","vol":"28","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>آداب حامل القرآن</span>\nفالقرآن عظيم، ولذلك ينبغي على المؤمن الذي يحفظ القرآن أن يكون متأدبًا بآداب القرآن، فعندما نقول: يحفظ القرآن، لا يشترط أن يحفظ جميع القرآن، ولكن حتى ولو كان يحفظ بعض سور القرآن فليظهر أثر القرآن على المؤمن الذي يحفظه، ولذلك قال العلماء في آداب حامل القرآن: ليكن حامل القرآن على أكمل الأحوال، وأكمل الشمائل وأكرمها، ويرفع نفسه عن كل ما نهى القرآن عنه، ويرتفع عن الصغائر، وعن أن يقع في مطامع الدنيا، وكل ما نهى عنه الله ﷿ فليتجنبه؛ لأنه يحفظ القرآن، ويعمل بما فيه، ويتصون عن دنيء الكسب، ولا تكن حياته بالكسب الدنيء، طامعًا فيما في أيدي الناس، ولا يمد يده ليأخذ أموال الناس موهمًا أنه يعمل وهو لا يعمل شيئًا، وإنما يأكل أموال الناس بالباطل، فيرفع نفسه عن دنيء المكاسب، وليكن شريف النفس عفيفها.\nفالقرآن عزيز، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت:٤١]، وقارئ القرآن يجعل الله ﷿ له العزة لو أنه تعزز بربه وبكتاب ربه، وتعزز باتباع نبيه صلوات الله وسلامه عليه، ورفع نفسه عن أن ينظر إلى ما في أيدي الناس، فقد يكون فقيرًا، ولكن مع فقره يستشعر الغنى في قلبه، فلا يمد يده إلى أحد من الناس، ولا يطلب من أحد أو يسأل أحدًا بلسانه شيئًا لنفسه، وإنما هو متصون ومتعفف؛ لأنه يحفظ القرآن.\nقال الإمام النووي: وليكن متواضعًا للصالحين، وضعفة المسلمين، متخشعًا، ذا سكينة ووقار.\nوإذا أردت أن تعرف نفسك هل أنت متواضع أم لا؟ فانظر لنفسك حين تخاطب الإنسان الفقير والمسكين، والذي هو أقل منك وصاحب الحاجة، وصاحب العاهة المريض، فحين تخاطب هذا الإنسان وترى فضل الله ﷿ عليك في أنه شفاك مما ابتلى به هذا، وتحنّ عليه، وترحمه وتشفق عليه، وتستمع لحاجته، فهذا هو التواضع، فالتواضع للخلق هو: أن يظهر تواضعك مع من هو دونك من الخلق، وليس مع من هو أعلى منك؛ لأن الذي هو أعلى منك إما أن تتواضع له اختيارًا، وإما أن يجبرك على ذلك؛ لأنك لا تقدر أن تترفع عليه، ولن يقبل منك، ولكن التواضع الحقيقي: هو أن تتواضع لمن هو أقل منك، وتحمد ربك سبحانه على ما أعطاك من فضله.\nقال الحسن البصري ﵀: إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها بالنهار، فالقرآن كتاب رب العالمين، والرسول اسمه رسول لأنه جاء برسالة صلوات الله وسلامه عليه، وهذه الرسالة ليست له وحده، وإنما للأمة جميعها، فينبغي على الأمة أن يقرءوا هذه الرسالة، ويتمعنوا فيها، ويتدبروا معانيها، وينفذوها، فيسهرون الليل يقرءونها، وبالنهار يعملون بما فيها.\nكما قال الحسن البصري ﵀: إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها بالنهار، رضوان الله ﵎ عليهم.\nويقول الفضيل بن عياض ﵀: حامل القرآن حامل راية الإسلام، ينبغي ألا يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يغلو؛ تعظيمًا لحق القرآن.\nأي: أن الحافظ للقرآن والذي يحبه ويتعلمه ويحفظ منه شيئًا فليظهر أثره عليه.\nوالقرآن تعلمه الصحابة بالصورة التي ذكرناها، فحفظوا القرآن خلال سنوات، وأخذوا القرآن بالعمل والحفظ والمذاكرة والإتقان، والتعليم لهذا القرآن العظيم، فينبغي لحافظ القرآن ألا يلهو مع من يلهو، فلا تكن حياته كلها لهوًا، ولا يسهو مع من يسهو، والناس يغفلون عن كتاب الله وعن هدي النبي ﷺ، ويغفلون عن الأحكام، ويتغافلون عن صلواتهم، أما حافظ القرآن فلا يغفل، وإنما يعرف: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣]، ويعرف حق الله ﷿ في كل وقت، ويؤدي حق الله.\nوليس معنى ذلك: أنه لا يضحك ولا يتبسم، ولكن ليكن كل شيء باعتدال وحدود، فيضحك وقت الضحك على ما يكون، ولا يستفيض في ذلك، فقد كان النبي ﷺ لا يرى ضاحكًا حتى تبدو لهواته، صلوات الله وسلامه عليه، وإنما كان يتبسم ﵊.\nولا يلغو مع من يلغو، فحافظ القرآن قد شرفه الله بأن جعل في جوفه القرآن العظيم، كلام رب العالمين، فلا يجلس في مجلس نكت أو مزاح أو غيبة أو نميمة أو وقيعة في أعراض الناس ويسمع لهذا الكلام، وإنما يقرأ القرآن، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا يضيع ما يحفظ بمثل ذلك.\nوكذلك لا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو؛ تعظيمًا لحق القرآن، بل يحافظ على ما يحفظ من القرآن بالمراجعة، وبكثرة المذاكرة، وخاصة بالليل، فوقت الليل وقت سكون وخشوع وتدبر، فينبغي على قارئ القرآن أن يهتم به في كل وقت، وخاصة بالليل.\nوقد قال النبي ﷺ في الحديث: (إن في الليل ساعة يستجاب فيها الدعاء، وذلك كل ليلة)، فإذا كان يقرأ القرآن فيها فلعل الله ﷿ يعطيه ما يسأله ويطلبه.\nوليحذر من نسيان القرآن، فإذا كنت تحفظ القرآن وتفلت منك شيء فراجعه قبل أن تحفظ شيئًا جديدًا، فإنه مصيبة أن يتفلت منك ما تحفظه من القرآن، قال النبي ﷺ: (تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفصيًا -أي: تفلتًا- من الإبل في عقلها)، أي: من الجمل إذا كان مربوطًا في عقاله فإنه يحاول أن يفلت من العقال، فإذا كان مربوطًا ربطًا محكمًا فإنه لا يقدر على أن يفلت، وإذا كان مربوطًا ربطًا خفيفًا فإنه يشد نفسه ويفلت، وكذلك القرآن، فلا تغتر بحفظك، بل راجع القرآن دائمًا، حتى لا تنسى كتاب الله ﷾؛ لأن القرآن عظيم، فهو كتاب رب العالمين، إن صنته صانك، وإن تركته تركك، والقرآن عزيز لا يحتاج إليك، بل أنت الذي تحتاج إليه، فكلما أقبلت عليه أقبل عليك، وكلما تهاونت به وتركته تركك، فهو كتاب عزيز: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢].\nوللناس أدب مع القرآن كما يقول العلماء، وقد قال الله ﷾: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، فالإنسان الذي يعظم دين الله سبحانه وحدوده، وكتاب الله سبحانه، فيعمل بذلك، ويحترم هذا القرآن العظيم، ويوقره وينزله المنزلة التي يستحقها، فهذا دليل على وجود التقوى في قلب هذا الإنسان المؤمن.","vol":"28","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>الأمر بالنصيحة لكتاب الله تعالى</span>\nجاء في صحيح مسلم عن تميم الداري قال: قال النبي ﷺ: (الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم).\nوالنصيحة: أن تنصح لله، ابتغاء وجه الله سبحانه، وأن تخلص دينك من شوائب الشرك والرياء والنفاق والمعاصي، فيكون الدين لله خالصًا، كما يقال: نصحت العسل، أي: نقيته من الشوائب وصفيته، فالنصيحة لله، أي: أن تخلص لله ﷿.\nوكذلك تنصح لكتاب الله سبحانه، بأن تؤمن إيمانًا صادقًا بكتاب الله سبحانه، وتؤمن أنه نزل من عند الله رب العالمين، وأنه نزل بالحق، وأنه ينبغي عليك أن تتعلمه وتحفظ منه وتعمل به، وتؤمن بأنه نزل شريعة ومنهاجًا للخلق، وبأنه كتاب حق، نزل حقًا من السماء، ونزل مشتملًا على الحق شريعة ومنهاجًا للحياة، وتؤمن بأن الخلائق لا يقدرون على أن يأتوا بشيء من مثله، كما ذكر الله سبحانه، وأنه كتاب معجز، وأنه ينبغي عليك أن تتلوه وتتدبره حق التلاوة وحق التدبر، وأن تعتبر بما فيه، وأن تتعظ بالحكم التي فيه، وكذلك تعلم الناس أحكامه، وتدعو إليه، وتنشر علومه، فهذا من النصح لكتاب الله ﷾.\nويحرم الجدال في القرآن، فليس القرآن محلًا للجدال، وإنما إذا اختلف شخصان في شيء منه فالواجب عليهم أن يردوا العلم إلى الله وإلى رسول الله ﷺ، وإلى أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ، فما قالوه يوقف عنده.","vol":"28","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>كراهة قول: نَسيتُ آية كذا</span>\nيكره للمسلم أن يقول: نَسِيتُ آية كذا، فهذا لا ينبغي، ولكن إذا قال فليقل: نُسِّيت، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف:٦٣]، وأما أن قول: نسيت، فإن هذا تقليد لأهل النار، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦].\nفلا ينبغي لمؤمن أن يقول: نَسِيتُ؛ ولذلك جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (بئسما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت)؛ لأنه يقلد أهل النار حين يقال لهم: ﴿أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٦]، وإنما يقول المؤمن: (نُسّيت كذا)، أي: غلبت على ذلك، وليس ذلك باختياري، ولكن رغمًا عني، وألهاني عنه الشيطان فوقعت في ذلك.","vol":"28","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>الرقية بالقرآن</span>\nيجوز أن يقرأ المؤمن القرآن ليرقي به نفسه، ويرقي به غيره، ولكن لا تكون له عادة، فإن هذا يخشى على صاحبه من أن يظن أن فلانًا هو الذي شفاه، وأنه فيه البركة، وينسى الله ﷾؛ فإن القرآن كتاب عظيم، والذي يقرؤه فلان هو الذي تقرؤه أنت، فارق نفسك بنفسك، وقد جاء عن النبي ﷺ في صفة السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب قال: (هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون).\nفقوله: (لا يسترقون) أي: لا يطلبون من غيرهم رقية، والرقية جائزة، ولكن هؤلاء أحسنوا وأخلصوا التوكل على الله ﷾، فلم يطلبوا من أحد شيئًا، وإنما طلبوا من الله وحده لا شريك له، وكذا المؤمن لابد أن تكون ثقته في الله، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي﴾ [الشعراء:٧٨]، وهو الله سبحانه، ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٨٢].\nإذًا: الله سبحانه الذي ابتلى هو القادر على أن يشفي، فإذا رقيت فارق نفسك بكتاب الله وبأحاديث النبي ﷺ، وبما فيها من الدعاء، فإنه يجوز لك ذلك، كما هو معلوم من سنة النبي ﷺ، بآيات وسور مخصوصة أو مستحبة، يقرؤها المسلم، ويواظب عليها، أو يحفظها، ومن ذلك: سورة البقرة، وسورة آل عمران، فهاتان السورتان من أعظم ما في كتاب الله ﷿، فإنهما يأتيان يوم القيامة يظلان أصحابهما.\nفلذلك ينبغي على المؤمن أن يحاول ما استطاع أن يحفظ هاتين السورتين العظيمتين: سورة البقرة وسورة آل عمران، فإنهما لو لم يكن فيهما إلا هذا الفضل فقط -وهو أنهما يظلان صاحبهما في يوم كان مقدراه خمسين ألف سنة- لكفاهما فضلًا، وليس فيهما هذا فحسب، بل إنهما أيضًا يشفعان لك عند الله ﷾، فيشفعان لصاحبهما، وقد جاء في الحديث: (القرآن شافع مشفع، وماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله وراءه ساقه إلى النار)، والعياذ بالله! فهذا القرآن شافع مشفع، أي: يأتي يشفع يوم القيامة، وتقبل شفاعته عند الله ﷾.\n(ماحل مصدق)، أي: يتمحل لصاحبه، ويجادل عنه أعظم الجدل يوم القيامة حتى ينجو.\nومن أعظم ما تحفظه سورة الفاتحة، وسورة: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، وسورة البقرة وآل عمران.","vol":"28","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>ما ورد من قراءته ﷺ بسور وآيات مخصوصة في صلوات وأوقات مخصوصة</span>\nيستحب القراءة بسورة الجمعة وسورة المنافقين في صلاة الجمعة، فقد كان النبي ﷺ يقرأ بهما، وكان أحيانًا يقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، وسورة الغاشية، وكذلك في صلاة العيد كان يقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، وسورة الغاشية، وكان يقرأ أحيانًا بـ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، و﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١].\nوكان يقرأ في صلاة الفجر من يوم الجمعة بسورة السجدة وسورة الإنسان، وكان له ﷺ سور يقرؤها في أوقات مخصوصة، فنلتزم بما كان يفعله ﷺ على وجه الاستحباب، وإن جاز أن يقرأ بغير ذلك بحسب ما يطيق الناس، وبما لا يشق على الناس.\nوكذلك يحفظ سورة يس، والواقعة، و﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١]، وسورة الرحمن، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١]، وآية الكرسي، وسورة الكهف، ويقرؤها في يوم الجمعة وليلة الجمعة، ويقرأ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١] كل ليلة، فهي المنجية من عذاب القبر، كما جاء عن النبي صلوات الله وسلامه عليه أن رجلًا كان يقرؤها فدافعت عنه في قبره حتى نجا من عذاب القبر.\nفعلى المؤمن أن يحرص على أن يقرأ سورة: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١] في كل ليلة، وكذلك يقرأ الآيتين من آخر البقرة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٢٨٥]، إلى آخرها.\nويقرأ آية الكرسي دبر كل صلاة، فقد جاء عن النبي ﷺ: (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت)، فاحرص على قراءة آية الكرسي بعد كل صلاة، ولا تنشغل عنها، ولا يشغلك أحد عن قراءتها عقب الصلاة، ولا عن التسبيح عقب الصلاة؛ لأنهن معقبات لا يخيب قائلهن، وإذا صلى الإنسان صلاة الجماعة وقرأ آية الكرسي ثم مات بعدها فهذا من المبشرات، ويجعله الله ﷿ من أهل الجنة.\nوكذلك يقرأ عند المريض بفاتحة الكتاب، ويرقي بها المريض كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري.\nويقرأ عند المحتضر سورة (يس)، فقد روى الإمام أحمد ﵀ بإسناد رجاله ثقات عن المشيخة: (أنهم حضروا غضيف بن الحارث الثمالي ﵁ حين اشتد سوقه، فقال: هل منكم أحد يقرأ (يس)؟ فقرأها أحد منهم وهو صالح بن شريح السكوني فلما بلغ أربعين منها قبض).\nفكان المشايخ يقولون: إذا قرئت عند الميت خفف عنه بها، وهؤلاء المشايخ وإن كانوا مجهولين ولكنهم كانوا من التابعين، والتابعون كان يقل فيهم الكذب والبعد عن الصحيح من حديث النبي ﷺ، وقد قال الألباني عن هذا الحديث: إسناده صحيح، وإن كان هؤلاء المشايخ لم يسموا، ولكن جهالتهم تنجبر بكثرتهم، ولاسيما أنهم من التابعين، فصح الحديث بذلك عن غضيف بن الحارث.\nفهذه السورة الجميلة العظيمة سورة يس تقرأ عند المحتضر، ولم يرد أنها تقرأ عند المقابر، وإنما تقرأ عند الذي يموت، قالوا: لأنها تسهل عليه خروج روحه.\nنسأل الله ﷿ العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"28","page":7},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-282> الاعتكاف وأحكامه [١]</span>\nإن من أعظم السنن المؤكدة والتي كان النبي الكريم ﵊ يحرص عليها: الاعتكاف، ويحرص المسلم فيه خصوصًا على عكوف القلب والجوارح على طاعة الله جل في علاه، وللاعتكاف أحكام وآداب ينبغي على كل من أراد فعل هذه السنة العظيمة أن يتعلمها ليعمل بها.","vol":"29","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>تعريف الاعتكاف وحكمه</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nالاعتكاف: هو اللبث والحبس والملازمة لبيت الله ﷾، يقول الإمام الشافعي الاعتكاف معناه: لزوم المرء شيئًا وحبس نفسه عليه برًا كان أو إثمًا.\nفهذا معناه اللغوي، فالإنسان إذا حبس نفسه على عمل معين والتزمه فهذا اسمه اعتكاف، عكف على كذا، أي التزمه.\nومنه قول إبراهيم ﵊ لقومه: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢] أي: ملازمون لعبادتها، وحابسون أنفسكم عن غيرها.\nقال تعالى: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف:١٣٨] أي: ملازمون على عباده الأصنام من دون الله ﷾.\nوقال تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧]، إذا انعكف على الشيء، بمعنى: التزم الشيء وحبس نفسه عليه.\nوسمي الاعتكاف اعتكافًا؛ لأنك تحبس نفسك في بيت الله ﷿، وتلازم بيت الله سبحانه للعبادة في وقت معين من السنة، أو في وقت معين من شهر رمضان.\nويسمى الاعتكاف: اعتكافًا وجوارًا، فيصح أن يقال: معتكف أو مجاور لبيت الله.\nوجاء عن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ يدني إلي رأسه وهو مجاور في المسجد وأنا حائض فأرجله) أي: تغسل وتسرح شعره ﵊ وهي حائض، وهذا فيه: بيان جواز أن تمس المرأة الحائض زوجها حتى وإن كان معتكفًا، فيجوز لها أن ترجل شعره، وقد كانت غرفة النبي ﷺ بابها إلى مسجده ﷺ، فكان يقف على باب غرفته ﷺ ويدني رأسه فتغسل له رأسه، وترجل شعره صلوات الله وسلامه عليه.\nولعل في تسمية الاعتكاف مجاورة أنه: مجاورة لبيت الله سبحانه، وفيه معنى الجوار وهو الحماية، فأنت في بيت الله ﷾ تنتظر فضل الله عليك سبحانه، وفي حمايته ملازم لبيته ﷾، فالذي يجاور يرجو من الله الحماية والرعاية والعناية والنصر والتأييد والفضل والكرم.\nالمعنى الشرعي للاعتكاف: هو اللبث في المسجد من شخص مخصوص، بنية مخصوصة، واللبث: هو المكث في المسجد، من شخص مخصوص: وهو المسلم البالغ العاقل أو المميز، وإذا كانت مسلمة فتكون طاهرة من الحيض ومن النفاس.\nفهو الإنسان الطاهر الذي يلازم المسجد، وأما الجنب فلا يجوز أن يمكث في المسجد، وعليه أن يغتسل ثم يأتي إلى بيت الله سبحانه.\nوالاعتكاف سنة، ولا يجب إلا بالنذر، فإذا نذر المسلم أن يعتكف وجب عليه، وأما إذا لم يوجد نذر فهو سنة.\nقال النبي ﷺ فيما رواه البخاري: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)، فالذي ينذر نذرًا فيه طاعة لله فليفعل.\nويستحب الإكثار من الاعتكاف، وليس في رمضان فقط بل يستحب في أي وقت من السنة، ويتأكد استحبابه في العشر الأواخر من رمضان، فقد كان يواظب عليه النبي ﷺ بحسب ما يتيسر له، فكان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، والغرض من الاعتكاف الحرص على ألا تفوته ليلة القدر.\nجاء في الحديث الذي أخرجه أبو نعيم في الحلية، والقضاعي في مسند الشهاب عن أبي عثمان قال: كتب سلمان إلى أبي الدرداء: يا أخي! عليك بالمسجد فالزمه فإني سمعت النبي ﷺ يقول: (المسجد بيت كل تقي) أي: أن لزوم المسجد دليل على تقوى العبد، فالذي يلازم بيت الله سبحانه سواء في اعتكاف أو في غير اعتكاف، ويكثر من تواجده في بيت الله سبحانه، فيجلس ما بين الصلاة إلى الصلاة، ويحرص على حضور حلقات العلم، ويحضر مع الناس صلوات الجماعة والنافلة من تراويح ونحوها، فهذا من ضمن الأشياء التي يلتزم بها المسلم ليكون ملازمًا لبيت الله.","vol":"29","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>تأكد سنة الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان</span>\nجاء في لفظ لحديث عائشة في البخاري قالت: (إن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده)، فيجوز الاعتكاف للرجال وللنساء.\nوقال في حديث عند أحمد: (التمسوها في العشر الأواخر) يعني: ليلة القدر.\nوروى البخاري عن أبي هريرة ﵁: (كان يعرض على النبي ﷺ القرآن كل عام) أي: يراجع القرآن كله من ساعة ما بعث إلى موته، فكل سنة في رمضان يراجع القرآن، ولهذا قلنا: إنه يستحب أن يختم القرآن مرة في صلاة التراويح في رمضان، ويستحب للمسلم أن يختم القرآن أكثر من مرة في رمضان بحسب قدرته، فقد كان النبي ﷺ يعتكف في رمضان، وكان جبريل يأتي النبي ﷺ في رمضان كل ليلة فيعارضه القرآن، والعرض: هو قراءة التلميذ على الشيخ، فيقرأ التلميذ والشيخ يسمع، فيصحح للتلميذ، والعكس فالشيخ يقرأ ليصحح للتلميذ فكان جبريل يعارض مع النبي ﷺ، في كل سنة في رمضان إلى آخر حياة النبي ﷺ، فعرض عليه القرآن مرتين في العام الذي قبض فيه.\nوقرأ جبريل مع النبي ﷺ القرآن كله على هذا الترتيب الحالي الذي بين أيدينا، فأتم الله ﷿ نوره، ولا يمنع ذلك أنه نزل بعد ذلك آيات كقوله تعالى:: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣]، فكان يقول له: ضعها في المكان الفلاني.\nوفي العام الأخير من حياته ﷺ اعتكف عشرين يومًا، وكان كل سنة يعتكف عشرة أيام.","vol":"29","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>استحباب قضاء الاعتكاف لمن فاته</span>\nيستحب لمن فاته الاعتكاف أن يقضيه، فإذا فاته في رمضان يستحب أن يقضيه في شوال كما فعل النبي ﷺ ذلك مرة، ففي الصحيحين عن عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة ﵂ فأذن لها)، فالنبي ﷺ ذكر لنسائه أنه سيعتكف في الأيام الآتية من رمضان وهي العشر الأواخر، فاستأذنت عائشة ﵂ أن تعتكف هي أيضًا فأذن لها، (وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها النبي ﷺ فأذن لها ففعلت، فلما رأت ذلك زينب بنت جحش أمرت ببناء فبني لها من غير إذن) والبناء: هي خيمة ينصبها المعتكف ليختلي بنفسه.\nوكأن نساء النبي ﷺ يتسابقن إلى الطاعة والخير، وإلى حب النبي ﷺ والقرب من النبي ﷺ.\nوكان رسول الله ﷺ إذا صلى انصرف إلى بنائه، فكان إذا صلى بالناس صلاة ذهب إلى خيمته في المسجد، وكان يحجز له مكانًا ليصلي فيها في الليل ﷺ، فكان يصلي الليل كله، ثم يصلي بالناس الفجر، ثم ينصرف إلى مكانه، فلما انصرف ﷺ إلى خبائه وجد عددًا من الأخبيه، فسأل عن أصحابها فقالوا: هذا بناء عائشة، وحفصة، وزينب، فقال رسول الله ﷺ: (آلبر أردن؟ ما أنا بمعتكف).\nفلم يعتكف في هذا فرجع صلوات الله وسلامه عليه فأمر في بخبائه فقوض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان، ثم اعتكف في العشر الأول من شوال، فعوض وقضى ذلك، وقد فعل ذلك لأنه خشي أن تتغير النية من اعتكاف زوجاته، وعلم بذلك أزواجه أمهات المؤمنين أن الأصل في الأمر العبادة.\nوأمر النبي ﷺ بالأخبية كلها فقوضت ولم يعتكف في رمضان، وعوض ذلك في العشر الأول من شوال، وهذا يعني أن النبي ﷺ اعتكف العيد ولم يصمه، وهذا فيه دلالة أن الاعتكاف في المسجد في غير رمضان لا يشترط فيه الصيام.\nفإذا كان الإنسان مريضًا في رمضان وهو معتكف وأراد أن يكمل اعتكافه، وأفطر في رمضان بسبب مرضه وهو معتكف، فيجوز له أن يواصل الاعتكاف، فلا تعلق للاعتكاف بكونه صائمًا أو مفطرًا.","vol":"29","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>وقت الاعتكاف</span>\nومن أراد تمام الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان فعليه أن يدخل المسجد قبل غروب الشمس ليلة أحدى وعشرين، ويبدأ الاعتكاف من أول العشر الآخرة، سواء كان رمضان تسعة وعشرين يومًا أو ثلاثين يومًا، فهي تسمى العشر الأواخر.\nولو فرضنا أنه تيسر للمعتكف الدخول ليلة أحدى وعشرين فدخل ليلة اثنين وعشرين أو ثلاثة وعشرين، فلا يلزمه شيء وليس عليه شيء؛ فالاعتكاف كله سنة.\nوالراجح من أقوال أهل العلم وهو قول الجمهور: أنه يجوز أن يعتكف الإنسان ساعة فإذا أتيت إلى المسجد بين الظهر والعصر بنية الاعتكاف فلك أجر الاعتكاف، وهذا الصحيح لعدم وجود الدليل على المنع، أو إبطال الاعتكاف في أقل من يوم أو ليلة.\nوقال بعض أهل العلم: إنه لا يصح ذلك، ودليلهم وإن كان ليس نصًا في المسألة وليس ظاهرًا فيها، لكن لعل فيه إشارة إلى ذلك، وهو أن النبي ﷺ لما استأذنه عمر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام وكان ذلك نذرًا عليه، له: (أوفِ بنذرك)، فاعتكف ليلة وما جاء أقل من ذلك، ولم يرد عن النبي ﷺ أنه منع من اعتكف أقل من ذلك.\nفالاعتكاف يرجع للمعنى اللغوي وهو: اللبث والمكث في المسجد، فمن مكث في المسجد ولو وقتًا يسيرًا بنية الاعتكاف فله الاعتكاف.\nوأما كمال الاعتكاف فهو أن تعتكف العشر الأواخر من رمضان كما فعل النبي ﷺ عندما يتيسر ذلك، وأما إذا لم يتيسر لك ذلك بسبب ظروف خارجة عن إرادتك، وكانت نيتك أن تعتكف، فلك أجر النية ولا شيء عليك.\nوقد يكون بسبب أن المسجد لا يكفي الجميع إذا أراد عدد كبير من الناس الاعتكاف، فقد لا يسمح القائمون على المسجد لك بالاعتكاف؛ لأنهم لا يقدرون على خدمة عدد كبير من الناس مثلًا، فليس عليك شيء وأنت مأجور على نيتك.\nوفي هذه الأيام تحصل ضجة كبيرة جدًا من إخواننا بسبب رغبة الكثير منهم في الاعتكاف في المسجد، رغم أن المسجد لا يمكن أن يستوعب، أعدادهم كبيرة ويمكن لمن أراد الاعتكاف أن يعتكف اعتكافًا مشروطًا، فيشترط أن يكون الأكل والشرب والنوم في بيته، ويأتي بقية يومه ليقضيه في المسجد، فهذا جائز، ويجدد نية الاعتكاف كلما أراد العودة إلى المسجد.\nويقول العلماء: يخرج المعتكف من الاعتكاف بعد غروب الشمس ليلة العيد، وإن كان الكثير من العلماء يستحبون أن يبيت ليلة الفطر في المسجد، لكنه لو خرج ليلة العيد فلا شيء عليه.","vol":"29","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>شروط الاعتكاف</span>\nلكي يصح الاعتكاف لا بد أن يكون المعتكف مسلمًا، فلا يصح أن يعتكف كافر.\nوأن يكون عاقلًا، وهذا شرط لوجود أي إنسان في المسجد أن يكون عاقلًا، فلا نأتي بالمجانين من الطرق يصلوا في المسجد، وكذلك السكارى والذين يتعاطون المخدرات، قال تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء:٤٣]، فالذي يأتي المسجد لا بد أن يكون عاقلًا يعي ما يقول وما يفعل، لكي يصلي صلاة صحيحة تقبل منه.\nفلا يعقل أن آتي بإنسان ذاهب العقل بسكر أو جنون ثم أقول له ادخل المسجد لتصلي.\nومن شروط الاعتكاف النقاء من الحدث الأكبر سواء كان الجنابة أو الحيض أو النفاس، فلا يصح اعتكاف الحائض ولا النفساء ولا الجنب.","vol":"29","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-288>بعض أحكام الاعتكاف</span>\nيصح اعتكاف الصغير المميز والمرأة، فلو أن صبيًا مميزًا أراد الاعتكاف جاز أن يعتكف وإن كانت بعض المساجد تمنع ذلك؛ بسبب الأعداد الكبيرة التي تريد الاعتكاف من الكبار، وخوفًا عليهم من الفتن في المساجد، فالذي يعتكف في المسجد ويبيت في المسجد هم الرجال الكبار.\nويحرم على المرأة المتزوجة الاعتكاف بغير إذن الزوج، فلو أن مسجدًا فيه مكان للنساء يعتكفن فيه وأرادت امرأة أن تعتكف فمنعها زوجها، فلا يجوز لها أن تعتكف، فلا بد من إذن الزوج.\nولو أنها نذرت أن تعتكف فينظر هل هذا النذر كان بإذن الزوج أم بغير إذن الزوج؟ فإذا لم تكن استأذنت منه فله أن يمنعها؛ لأن حقه عليها أن تكون في البيت.\nلكن إذا نذرت بإذن الزوج فيلزمه أن يسمح لها إذا كان اعتكافًا في وقت معين، أو مكان معين.\nالاعتكاف يكون في المساجد قال تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧]، واللام في كلمة (المساجد) للجنس، أي: كل المساجد، أو للعهد، أي: المساجد المعهودة لصلاة الجماعة، أو مساجد الجمعة، فهي لمساجد التي تصح فيه صلاة الجماعة وليس مسجد البيت، فلو أن إنسانًا عمل غرفة داخل بيته وقال: هذا هو المسجد الذي أصلي فيه، فيسمى مسجدًا ولكن ليس هو الذي يصح فيه الاعتكاف، بل لا بد أن يكون المسجد المعروف أو المعهود شرعًا.\nفالاعتكاف يكون في أي مسجد من المساجد طالما أنها تصلى فيه جماعة، فيصح الاعتكاف في كل مسجد جماعة، وهذا الصواب من أقوال أهل العلم، وإن ذهب البعض وهم ندرة قليلة جدًا إلى أنه لا بد أن يكون الاعتكاف في المساجد الثلاثة فقط.\nفهذا رأى بعض أهل العلم من الصحابة مثل حذيفة بن اليمان ﵁، ولكن جماهير العلماء من الصحابة ومن بعدهم على خلاف ذلك.\nفقد جاء عن حذيفة أنه أنكر على الناس في العراق أن يعتكفوا ما بين دار ابن مسعود وبين داره، فقال لـ ابن مسعود: ألا تعجب لأناس عاكفون ما بين دارك وبين كذا، وقد علمت أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة؟ فقال في رواية: لقد علمت، أو أنه قال: وعلمي ذلك، أو أنه رفع ذلك للنبي ﷺ في رواية أخرى، وكل هذا بنفس الإسناد، فكأن الراوي شكك في هذا.\nوإذا جاء بعض أهل العلم وصحح هذه الرواية فلا يلزمنا التصحيح في ذلك؛ لأن القرآن يخبر ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧].\nفالتخصيص يحتاج إلى دليل قوي، وليس دليلًا ظاهره الاحتمال، بل لا بد أن يكون دليلًا قويًا في ذلك، ولذلك لما قال حذيفة ذلك لـ ابن مسعود، قال ابن مسعود يرد عليه: لعلهم أصابوا وأخطأت.\nيعني: لعلك أنت الذي نسيت أن الاعتكاف في المساجد الثلاثة له فضيلة على بقية المساجد، وعلى فرض تصحيح الحديث، فيؤول الحديث على أنه يرجى فيها الفضل العظيم فتشد لها الرحال؛ لقول النبي ﷺ: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد).\nفإذا نظرنا إلى من قال ذلك سنجد حذيفة من الصحابة، فقد حكى أنه لا يصح الاعتكاف إلا في المساجد الثلاثة فقط: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، وبيت المقدس.\nوقال الزهري، والحكم، وحماد: إن الاعتكاف لا يصح إلا في الجامع، وكأنهم يفرقون بين المسجد الذي تصلي فيه الجمعة والذي لا تصلي فيه، فقالوا: لا يصح إلا في المسجد الذي يصلى فيه جمعة وجماعة.\nوقال أبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور يصح في كل مسجد تصلى فيه الصلوات كلها، وهذا قول جمهور العلماء.\nوقال عطاء: لا يصح إلا في مسجد مكة والمدينة فقط، المسجد الحرام ومسجد المدينة.\nوسعيد بن المسيب يقول: لا يصح إلا في مسجد المدينة فقط، وستجد أقوالًا قالها الواحد أو الاثنان، وأما جماهير الأمة فقالوا: الآية تفيد أن الاعتكاف يصح في كل المساجد، ولا يوجد دليل على التخصيص، والدليل الذي توهمه بعض أهل العلم فليس نصًا في المسألة، بل إن الحديث جاء في روايتين مختلفتين، وقد أنكر عليه ابن مسعود ﵁.\nوقال العلماء وبفرض صحته فيكون معناه: لا اعتكاف أجمل ولا أكمل ولا أتم من أن يكون في المساجد الثلاثة، أما في غيرها من المساجد فالاعتكاف فيها جائز في أي مسجد من المساجد.\nوأفضل الاعتكاف أن يكون في المسجد الحرام، وبعده المسجد النبوي، وبعده بيت المقدس، وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)، فالمسجد الحرام الصلاة فيه بمائة ألف صلاة، ولذلك كان الاعتكاف فيه أفضل؛ لأن الاعتكاف تكثر فيه الصلاة، والصلاة في المسجد الحرام فضلها وأجرها كبير كما سبق، وأنت على صلاة ما دمت على وضوء ولو لم تصلِ.\nوالأفضل هو الاعتكاف في مسجد تصلى فيه الجمعة؛ لكي لا يضطر للخروج يوم الجمعة والصلاة في مسجد آخر، فالأفضل ألا يخرج من المعتكف، فيصلي في المسجد الذي تصلى فيه الجمعة، وقد جاء عن النبي ﷺ قال: (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى).\nوأما قوله: لا اعتكاف إلا مسجد جامع، فهذا ليس مرفوعًا للنبي ﷺ، بل هو من قول عائشة رضي الله ﵎ عنها في ذلك.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"29","page":7},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-289> الاعتكاف وأحكامه [٢]</span>\nالاعتكاف سنة مستحبة فعلها النبي ﷺ، ولا يكون الاعتكاف إلا في المسجد، ويصح الاعتكاف ولو ساعة واحدة.\nوالخروج من الاعتكاف بغير عذر يبطله.\nويجوز الاشتراط في الاعتكاف بالخروج لقضاء حاجة أو لعمل أو غير ذلك، وللاعتكاف أحكام مبسوطة في الشريعة في حال النذر أو التنفل.","vol":"30","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>أحكام الاعتكاف</span>","vol":"30","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>تعريف الاعتكاف</span>\nالاعتكاف: هو المكث في المسجد من شخص مخصوص، في وقت مخصوص، بنية مخصوصة، وشرط هذا الذي يمكث في المسجد أن يكون مسلمًا، وأن يكون عاقلًا، وأن يكون طاهرًا من الحدث الأكبر، فإذا كان رجلًا فيكون طاهرًا من الجنابة، أو امرأة فتكون طاهرة من الجنابة والحيض والنفاس.","vol":"30","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-292>حكم الاعتكاف</span>\nالاعتكاف سنة من سنن النبي ﷺ، ولا يكون واجبًا إلا بالنذر، أي: إذا نذر المسلم أو المسلمة الاعتكاف فإنه يلزمه الوفاء بنذره كما ذكرنا في الحديث السابق.","vol":"30","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-293>مكان الاعتكاف</span>\nإن المساجد التي يعتكف فيها هي كل المساجد التي يجوز الصلاة فيها، فإذا كان مسجدًا يصلى فيه صلاة الجماعة، فإنه يجوز أن يعتكف في هذا المسجد، وجميع المساجد يجوز الاعتكاف فيها، وأما مسجد البيت كأن يجعل إنسان في بيته حجرة ويقول: هذا مسجد أصلي فيه في البيت، فهذا مسجد بيت وليس مسجدًا جامعًا، فهو لا يصلح للاعتكاف.","vol":"30","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-294>استواء المساجد في الفضيلة إلا ثلاثة مساجد</span>\nإن المساجد تستوي في الفضيلة إلا الثلاثة المساجد فهي أعظمها فضيلة، وهي: المسجد الحرام، فالصلاة فيه بمائة ألف صلاة، والمسجد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام، والصلاة فيه بألف صلاة، والمسجد الأقصى والصلاة فيه بعدد كثير، قيل بخمسمائة، وقيل بمائتين وخمسين صلاة، ثم تستوي كل المساجد بعد ذلك.","vol":"30","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-295>حكم الاعتكاف في المساجد الثلاثة أو في أحدها</span>\nفلو أن مسلمًا نذر أن يعتكف في أحد المساجد الثلاثة لزمه نذره، فإذا اختار الأفضل وفى بنذره بذلك، ولذلك جاء أن رجلًا قال للنبي ﷺ يوم فتح مكة: (يا رسول الله! إني نذرت لله إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين، فقال: صل ههنا)، فبين له أن النذر لا يصح أن تفي به، هنا أفضل، أي: أنت في مكة ومكة أفضل، (صل ههنا)، (فالرجل أعاد عليه، فقال: صل هاهنا، ثم أعاد عليه، فقال: شأنك إذًا)، يعني: الأمر أنت تريد هناك، وهنا الفضيلة أعظم، وتريد أن تذهب إلى هنالك فيه فضيلة وشأنك إذًا، فيجوز أنك إذا نذرت أن تصلي في مسجد معين من المساجد الثلاثة فتفي بنذرك فيه، ويجوز أن تفي بما هو أعظم منه، فإذا نذرت في الأقصى جاز في المسجد النبوي وكذلك في المسجد الحرام، وإذا نذرت في المسجد النبوي جاز في المسجد الحرام أو في المسجد النبوي، وإذا نذرت في المسجد الحرام فلا تفي بنذرك إلا هناك في المسجد الحرام، سواء هذا النذر كان يومًا أو ليلة أو صلاة أو أي شيء، طالما أنه عبادة.","vol":"30","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-296>مدة الاعتكاف وحكمه بصوم أو بغير صوم</span>\nوفي الصحيحين: عن ابن عمر ﵄ أن عمر سأل النبي ﷺ قال: (كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام)، أي: أنه نذر في الجاهلية قبل أن يسلم، فملزم بهذا النذر بعدما أسلم؛ لأن النذر طاعة.\nفقال له النبي ﷺ: (فأوف بنذرك) يعني: اذهب واعتكف في المسجد الحرام، وهذا دليل على أن الاعتكاف لا يلزم معه الصوم، ولو كان الاعتكاف لا يصح إلا بصوم لقال له: اعتكف يومًا وليلة، وليس ليلة فقط، فلابد من يوم مع هذه الليلة حتى تصوم هذا اليوم.\nفلما لم يقل له ذلك دل على أنه يجوز أن يعتكف في الليل، وهذا الحديث أخذ منه بعض أهل العلم: أنه لا يجوز الاعتكاف أقل من ليلة، قالوا: لأن هذا أقل شيء فعل في عهد النبي ﷺ، وعمر قال ذلك، لكن لم يأت عن غير عمر أنه سأل النبي ﷺ عن أقل من ذلك حتى نقول أن رسو الله ﷺ رفض ذلاك أو وافقه، فالأصل في الاعتكاف أنه المكث في المسجد بنية اللبث فيه، وبنية العبادة، فطالما أن هذا مجرد فعل فالفعل لا يفيد للتخصيص.\nإذًا: يجوز أنه يعتكف في المسجد ولو ساعة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧].\nولو عينوا مسجدًا من المساجد غير هذه المساجد الثلاثة لم يتعين، يعني: لو قال: لله علي نذر أن أعتكف في مسجد نور الإسلام، فيجوز أن يفي بنذره ويجوز أنه يعتكف في مسجد آخر، لأن المساجد كلها تستوي فضيلتها، وقد قال النبي ﷺ: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)، وقدمنا أن معنى هذا الحديث: أنه لا يسافر الإنسان مرتحلًا إلى مسجد من المساجد زاعمًا فضيلة لهذا المسجد، وإلا فالسفر جائز لطلب العلم، فيسافر من بلد لبلد، والمسجد الفلاني فيه درس علم، فلم يمنع ذلك النبي ﷺ، إنما المنع أن يعتقد الإنسان أن لمسجد من المساجد فضيلة، مثلما يزعم بعض الناس أنه إذا سافر للسيد البدوي فإن هذا له فضل، فهذا كذب، فالمساجد كلها تستوي إلا الثلاثة المساجد التي ذكرها النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nإذًا: يجوز الاعتكاف في كل المساجد، والأفضل أن يعتكف صائمًا، حتى يخرج من خلاف أهل العلم الذين قالوا: إنه لابد من أن يكون صائمًا.\nوقلنا: إن الراجح أنه يجوز أن يعتكف بغير صوم، وهذا مذهب الشافعية ومذهب إسحاق بن راهويه وهذا المشهور في مذهب الإمام أحمد.\nوبقية العلماء قالوا: إنه لابد من صوم، فيراعى ذلك، فمن أراد أن يعتكف فليصم مراعاة للخلاف بين أهل العلم، لكن الراجح: أنه لا يلزم الصوم.\nوإذا نذر أن يعتكف صائمًا فلابد أن يفي بنذره، فإذا نذر أن يعتكف يومين ويصوم في اليومين، فعليه أن يصوم اليومين ويعتكف في هذين اليومين.\nولو نذر أن يعتكف مصليًا لزمه الاعتكاف ولزمه الصلاة التي نذرها، فإذا أطلقها صلى ركعتين طالما أنه أطلقها طالما ولم ينو الاستيعاب، فإذا قال الإنسان: لله علي نذر أن أعتكف الليلة الفلانية وأقوم من أول الليل حتى الفجر، فإنه يلزمه الوفاء بنذره، لكن إذا نذر مطلقًا: أن أعتكف ليلة مصليًا، فإنه يجزيه لو صلى ركعتين؛ لأنه لم يرد ولم يحدد بنذره استيعاب الليل كله.\nولو نذر أن يعتكف شهر رمضان ففاته فعليه أن يعتكف شهرًا آخر، فيقضي كما كان النبي ﷺ يقضي العشر الأواخر من رمضان في شوال، وهي نافلة، والنذر يقاس على ذلك، فمن نذر أن يعتكف في رمضان لا نقول له: انتظر رمضان السنة القادمة؛ فلعله لا يعيش إليها، فيوف بنذره، فعلى ذلك غيره يغني، ولا يلزمه حين يقضي الاعتكاف الصوم وعلى الراجح والراجح: أنه لا تعلق للصوم بالاعتكاف.","vol":"30","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>حكم نذر الاعتكاف مطلقًا من غير تحديد للوقت</span>\nذكرنا أنه يجوز أن يعتكف في أي وقت من الليل أو من النهار، وأفضل الاعتكاف في العشر الأواخر من شهر رمضان، والأفضل أن يراعي خلاف من ذهب من أهل العلم أنه لا يقل عن يوم وليلة، وإن كنا نرى أن الراجح فيه: أنه يجوز أن تعتكف ولو ساعة على قول أكثر أهل العلم.\nولو نذر اعتكافًا مطلقًا وقال: لله علي أن أعتكف في المسجد، فهو راجع لنية هذا الإنسان، ما هو الاعتكاف الذي يتخيله، فيلزمه ما تخيله، فإن كان مذهبه أن أقل اعتكاف يوم أو ليلة فيلزمه ذلك بنذره، فالنية والعلم الذي يعلمه يلزمه أن يعمل بهذا الشيء، وإذا كان يرى أنه يجوز ولو ساعة فليعتكف الساعة التي نواها بنذره.\nولو نذر اعتكاف العشر الأخر من رمضان فإنه سيدخل في يوم عشرين المغرب حتى يستوعب الأيام العشرة الأخيرة من الشهر، سواء كان الشهر تامًا ثلاثين أو تسعة وعشرين؛ لأن هذه هي التي تطلق عليها العشر الأواخر من الشهر.\nوفرق بين أن يقول: سأعتكف العشر الأخر من الشهر، وبين أن يقول: لله علي نذر أن أعتكف عشرة أيام من رمضان، فإذا جاءت الأيام الأخيرة فكانت تسعة أيام بقي عليه يوم؛ لأنه قصد عشرة أيام.","vol":"30","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-298>النية في الاعتكاف</span>\nالنية في الاعتكاف لابد منها؛ لقول النبي ﷺ في كل العبادات: (إنما الأعمال بالنيات)، وكل العمل الذي يتقرب به العبد إلى الله فلابد من النية فيه، ثم إذا نوى الاعتكاف وأطلقه كفاه ذلك وإن طال مكثه شهورًا أو سنين، يعني: إذا دخل المسجد وهو ينوي الاعتكاف فليس من اللازم أن يجدد النية كل وقت، فالنية الأولى تقضي على كل ما يأتي بعد ذلك، إلا أن يخرج فيرجع إلى المعتكف فعليه أن يجدد النية بذلك.\nوإذا عزم عند خروجه أن يقضي حاجته ثم يعود كانت هذه العزيمة تقوم مقام النية، كإنسان في المسجد وأراد قضاء الحاجة، وهو متعود على أن يقضي حاجته في بيته، حيث إن دورات الماء التي في المسجد لا توافقه، فيذهب إلى بيته ليقضي حاجته، وبهذا لا ينقطع الاعتكاف؛ لأن خروجه لقضاء الحاجة مع عزمه على العود دليل على نيته أنه ما زال معتكفًا.\nوإذا شرط في اعتكافه خروجه لعمل أو وظيفة فخرج لذلك ثم عاد لم يجب عليه تجديد النية، وهذه مسألة الاشتراط في الاعتكاف، وستأتي بعد قليل.\nولا يجوز للمعتكف أن يخرج من المسجد لغير عذر، فطالما أنك جئت للمسجد تريد الاعتكاف فليس لك أن تخرج من المسجد إلا لعذر من الأعذار، وإذا نويت أو اشترطت أنه إذا جاءت جنازة تتبعها فلك ذلك، أو إذا مرض مريض ستخرج تعوده فلك ذلك، وإذا نويت فيها أنك تخرج لدروة الماء في بيتك أو تغتسل في بيتك فيجوز أيضًا ذلك، أو تنوي أنك تخرج من الاعتكاف من أجل أن تشتري طعامك أو شرابك فيجوز لك ذلك، وإذا كنت لا تقدر أن تأخذ إجازة من العمل فنويت أنك تخرج من الصبح حتى الظهر للعمل، وتعتكف الباقي أيضًا فيجوز ذلك.\nلكن نقول: إن النبي ﷺ كان يمكث العشر الأواخر كلها، فمن استطاع ذلك فهذا الأفضل، ومن لم يستطع ذلك، فبحسب ما يتيسر له، والاعتكاف كله سنة وليس فريضة.","vol":"30","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-299>حكم من أراد الاعتكاف وأبواه يمنعانه</span>\nومن أحب أن يعتكف ورفض أبواه فطاعة الوالدين فرض، والاعتكاف سنة، فعليه أن يسمع كلام الوالدين ولا يعتكف، وليس له أن يقول: سأعصي الوالدين، إلا إذا كانا يعصيان الله ويأمرانه بمعصية الله سبحانه، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.\nلكن إذا تعارضت نافلة مع فريضة، فهنا الفريضة أولى، ولو أن الوالدين قالا للابن: لا تصل في جماعة، فلا طاعة لمخلوق في ذلك؛ لأن صلاة الجماعة فريضة، فلابد من صلاة الجماعة.\nفإن قال أبواك: لا تعتكف، فعليك أن تطيع في ذلك، فلا تعتكف طاعة للوالدين في ذلك.","vol":"30","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>حكم خروج المعتكف من المسجد لعذر أو لغير عذر</span>\nلا يجوز للمعتكف أن يخرج من المسجد لغير عذر، ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت: (إن كان ليدخل علي رأسه وهو في المسجد فأرجله، وكان -وهذا الشاهد- لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفًا)، وبيت النبي ﷺ كان بابه في المسجد، والغرفة النبوية هي الغرفة المدفون فيها الآن، وصارت بداخل مسجده صلوات الله وسلامه عليه الآن، لكن في الماضي كانت هذه الغرفة بابها إلى المسجد، فكان يقف على عتبة المسجد ويدني رأسه لتغسله، فالمدينة شديدة الحر، والإنسان يحتاج إلى أن يغسل رأسه غالبًا أو كل يوم، فإذا أحب ذلك وقف على باب المسجد وغسلت عائشة ﵂ رأسه، ولم يكن هناك دورات مياه في الماضي بداخل المسجد، وإذا أراد النبي ﷺ قضاء الحاجة يدخل بيته ليقضي حاجته.\nوالمسلمون المعتكفون إذا أرادوا قضاء الحاجة خرجوا إلى بيوتهم فقضوا حاجتهم ثم رجعوا إلى المسجد، تقول عائشة: (وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة) يعني: يأكل أو يشرب أو يقضي حاجته ﷺ، فالحاجة هي التي يريدها إذا كان معتكفًا صلوات الله وسلامه عليه.\nوإن خرج من غير عذر بطل اعتكافه، والاعتكاف سنة وليس فرضًا، وإذا قلنا: بطل هذا الاعتكاف ليس معناه يأثم، فلا نقول: يأثم إلا إذا فرط في الواجب كالنذر، والغالب أن كل المعتكفين تقريبًا لا أحد ينذر منهم، فلو أنه اعتكف ثم خرج من المعتكف لغير عذر، فهنا بطل اعتكافه لكن لا نقول له: أنت أثمت بذلك، ليس هناك ذنب في ذلك ولا إثم؛ لأن هذا تطوع، فإن شاء أكمل وإن شاء خرج.\nويجوز أن يخرج رأسه أو رجله ولا يبطل اعتكافه، يعني: لو أنه أخرج رأسه من المسجد ليلكم شخصًا، فلا شيء عليه طالما أن رجليه داخل المسجد.\nوله الخروج لقضاء الحاجة: لبول أو لغائط، ولا يبطل اعتكافه بذلك، وكذلك يخرج ليغتسل في بيته، سواء كان يغتسل غسل جمعة أو يغتسل من الجنابة، فإذا وجد في المسجد مكان لذلك وهو لا يتحرج من ذلك، فيفعل ذلك في المسجد.\nوإذا كانت المرأة معتكفة في المسجد وجاء الحيض خرجت إلى بيتها، فإذا انتهت الدورة وكانت تعتكف اعتكافًا مسنونًا رجعت بعد ذلك إلى المسجد لتكمل اعتكافها، فإذا كان اعتكافًا منذورًا، فإنه بعد انتهاء وقت دورتها ترجع مرة ثانية لتكمل، ولا ينقطع الاعتكاف المتتابع بالخروج بسبب الحيض.\nوكل ما لابد له منه ولا يمكن فعله في المسجد فله الخروج إليه، كأن تشتري بضاعة من السوق، أو تشتري أشياء للمعتكفين في المسجد جاز لك.\nكذلك له الخروج لإنقاذ غريق، أو إطفاء حريق، فالاعتكاف سنة، فلو فرضنا أن المعتكفين في المسجد سمعوا حادثة خارج المسجد والناس يحتاجون إليهم، فعلى المعتكف أن يخرج ليفعل هذا الشيء وله أجر عظيم عند الله ﷾، ويتعين عليه الخروج لإطفاء حريق، ولإنقاذ مصاب، والذهاب به إلى المستشفى، وله أجر عظيم على ذلك.\nفكل الأشياء التي يحتاج إليها المسلم جاز الله أن يخرج من أجلها، ولا ينقطع اعتكافه بذلك، كذلك إن حدث شيء والناس يحتاجون إليه فخرج لإنقاذ من يمكن إنقاذه فلن ينقطع اعتكافه بذلك، وكذلك إذا تعينت عليه الشهادة في قضية حق لفلان وهو الشاهد في هذه القضية، ولم لم يذهب فإنه سيحكم على المظلوم، فعلى ذلك يجب عليه أن يخرج لأداء الشهادة، ولا ينقطع اعتكافه بذلك، وبعد أن يشهد يرجع إلى المسجد.\nوكذلك لو أن المسجد فيه دورة مياه والإنسان يتحرج منها أو أنها لا تناسبه، وهو متعود على قاعدة معينة في بيته، كأن يكون عنده مرض أو مصاب بقولون عصبي محتد، فيذهب إلى الخلاء في بيته، ويستحيي من وجوده في المسجد، فيجوز له أيضًا، حتى ولو كان هناك دورة مياه في المسجد طالما أنها لا توافقه.\nوإذا خرج المعتكف لقضاء حاجة لا يلزمه أن يجري، بل يمشي على عادته، ويرجع على عادته، لكن إذا خرج لشيء ما فليس له أن يتحول عن حاجته إلى فعل آخر، فإذا خرج من المسجد لقضاء حاجته في بيته ليس له أن يذهب ليسلم على الجيران، ويدخل بيوتهم ويقعد، أو يذهب إلى السوق، لا ليس له ذلك، ولكن على قدر حاجته ثم يرجع إلى بيت الله ﷾.\nوالاعتكاف سيكون في المسجد كله طالما أن المسجد كله لله ﷾، فيكون في الطابق الأول، أو في الطابق الثاني، أو فوق سطح المسجد، طالما أن ذلك جزء من المسجد، فلو كان هناك حوش للمسجد تابع له والناس يصلون فيه، وهو من ملك المسجد، جاز الاعتكاف فيه، وأما إذا كان من الشارع ولا يصلى فيه فلا يصح الاعتكاف فيه.","vol":"30","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-301>الاشتراط في الاعتكاف</span>\nذكر أن الاعتكاف يكون في العشرة الأيام كلها، لكن لو أنك اشترطت جاز الاشتراط، فإذا جاز الاشتراط في الحج وهو الفرض الواجب، فمن باب أولى أنه يجوز الاشتراط في المستحب كالاعتكاف، وفي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: (دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير فقال لها: لعلك أردت الحج؟ قالت: والله لا أجدني إلا وجعة)، أي: ترى نفسها مريضة، وتريد أن تحج مع النبي ﷺ، فقال لها: (حجي واشترطي وقولي: اللهم محلي حيث حبستني)، فإذا خرجت للحج وهي تنوي ذلك فاشترطت أنه في المكان الذي حبسها فيه المرض أو الخوف فتحل فيه، جاز لها ذلك، مع أن المحصر تلزمه الفدية، قال الله ﷾: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]، لكن لو أن الحاج اشترط مثل هذا الشرط وأحصر في مكان بمرض أو عدوى أو نحو ذلك، فله أنه يتحلل ويرجع إلى بلده ولا شيء عليه، فإذا كان هذا في الحج، فالاعتكاف من باب أولى أنه يجوز فيه الاشتراط، فإذا اشترط المعتكف أن يخرج لعمله، أو اشترط أن يعتكف الليالي فقط، أو الأيام فقط، ونوى أنه إذا مرض يرجع إلى بيته، أو إذا مرض إنسان يذهب ليعوده، أو يشهد جنازة، أو يخرج لصلاة الجمعة في مسجد آخر، أو يخرج ليخطب في مسجد آخر، أو يخرج ليصلي التراويح بالناس في مكان آخر، طالما اشترط فله شرطه على أنه إذا قضى ذلك رجع إلى بيت الله ﷿ بعد ذلك.","vol":"30","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-302>مبطلات الاعتكاف</span>\nيبطل الاعتكاف بالخروج لغير حاجة، فلو أنه نوى الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان وأنه لا يخرج، ثم جاءت جنازة لإنسان يحبه وعزيز عليه، فقال: سنخرج في هذه الجنازة، فخرج وهو لم يشترط في اعتكافه الخروج بطل اعتكافه، ويجوز له أن يرجع للاعتكاف مرة أخرى بنية جديدة، فيرجع مرة أخرى للمسجد وينوي من جديد، وله الأجر أيضًا على ذلك.\nإذًا: إذا خرج من الاعتكاف لغير حاجة إلا ما لابد منه بطل اعتكافه.\nويبطل الاعتكاف بالجماع وبالإنزال، وليس معناه أن الإنسان يجامع في المسجد، لكن المقصود: لو فرضنا أنه في ليلة من ليالي رمضان خرج هذا في الليل إلى بيته ليقضي حاجته في هذا الوقت، فحكمه أنه معتكف، وما زال حكم الاعتكاف جاريًا عليه، فوجد امرأته فجامعها في هذا الوقت؛ فهذا هو المقصد من قوله تعالى: ﴿َلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧]، فإن فعل ذلك بطل اعتكافه بذلك، إذًا: ويبطل الاعتكاف بالوطء، أي وطء كان.\nوكذلك بالسُّكْر إذا سكر المعتكف، وإذا ارتد والعياذ بالله، وهذا أفحش من الخروج، فالذي يخرج من المسجد لجنازة هذه طاعة، ولكنه بطل اعتكافه، فهل يعقل أن إنسانًا يرتد ويكفر ثم نقول: اعتكافه صحيح؟! بل يبطل اعتكافه بذلك.\nويبطل الاعتكاف بخروج المعتكف لعيادة المريض وشهود الجنازة إذا لم يشترط، فمن الممكن أن الذي يمرض يكون عزيزًا عليه، فإن المعتكف إذا خرج لزيارة المريض وهو لم يشترط ذلك يبطل اعتكافه، وإذا خرجت لزيارة فلان، أو لعيادة إنسان، فإذا كان هذا الاعتكاف اعتكافًا مستحبًا فعلت ذلك، وإذا كان واجبًا وقصدت ذلك في حال النذر قلت: لله علي نذر أن أعتكف عشرة أيام في المسجد ولا أخرج إلا لما لابد لي منه، جاز لك ذلك حتى ولو كان الاعتكاف في النذر.\nلكن أحيانًا لا ينوي المعتكف ذلك في الاعتكاف المنذور، ويتعين عليه أن يخرج، كأن يقول: لله علي نذر أن أعتكف العشر الأواخر من رمضان، واعتكف ثم مات أبوه أو ماتت أمه، فعلى ذلك تعين عليه أن يخرج إلى جنازة أبيه أو أمه، حتى وإن الاعتكاف نذرًا، فعليه أن يخرج ثم يكمل اعتكافه؛ لأن خروجه متعين عليه الآن.\nوإذا تعين عليه الخروج لذلك وجب عليه الخروج ثم يرجع للاعتكاف، فإذا رجع للاعتكاف قضى ما فاته من أيام الاعتكاف، فلو فرضنا أنها عشرة أيام، وحصل فيها وفاة لفلان أو أنه احتاج إلى الذهاب إلى المستشفى، وليس هناك أحد يذهب معه إلى المستشفى إلا هو، فخرج معه لأنه تعين عليه ذلك، فقعد معه في المستشفى يومين، وهو قد نذر أن يعتكف عشرة أيام متتابعة، فنقول له: اقض اليومين فقط، أي: أكمل اعتكافك وعوض يومين بعد ذلك مكان هذين اليومين.\nوإذا خرج لقضاء الحاجة فصلى في طريقه على جنازة، فإن وقف ينتظرها أو عدل عن طريقه إليها بطل اعتكافه.\nفلو أن مسلمًا معتكفًا خرج إلى بيته لقضاء حاجته، فعرف أن فلانًا قد مات وهو لم يشترط أن يحضر جنازة أو غير ذلك، فقالوا: الجنازة ستأتي الآن، فإن وقف فصلى عليها في الطريق، فلا شيء عليه، فإن قال: سأذهب إلى بيت الجنازة، وأخرج معهم إلى القبر، ثم أرجع للاعتكاف يبطل اعتكافه بذلك، فإن بطل اعتكافه فليرجع ولينو أن يدخل في الاعتكاف من جديد؛ لأن الاعتكاف نافلة كما ذكرنا.\nإذا مرض الإنسان المعتكف: فإما أن يكون المرض يسيرًا لا يشق عليه الإقامة في المسجد، فليكن في المسجد ولا يخرج، فإن خرج من المعتكف بطل اعتكافه، وهو أيضًا أمير نفسه، والاعتكاف تطوع، وإذا وجد أنه لا يستطيع أن يكمل وأنه سيتعِب من حوله فليخرج إلى بيته.\nوإذا كان المرض يشق معه الإقامة في المسجد فيباح له الخروج، فإذا خرج فلا ينقطع تتابعه، هذا إذا كان الاعتكاف منذورًا، وكان المرض مرضًا شديدًا وهو معتكف، فيلزمه أن يخرج للعلاج، أو يذهب إلى بيته ليمرَّض هنالك، فليخرج وبعد الشفاء يرجع ويكمل الاعتكاف.\nولو كان الإنسان يعتكف في المسجد وهو مريض مرضًا يخاف مع هذا المرض من تلويث المسجد، كأن ينذر أن يعتكف في المسجد، فجاءه إسهال شديد جدًا لا يستطيع بسببه أن يمكث في مكانه؛ لأنه سيؤذي المصلين، وسيلوث المسجد، أو في كل لحظة يتقيأ، فهذا لا يجوز له أن يبقى في المسجد؛ لأنه يؤذي بيت الله سبحانه، ويؤذي المصلين بذلك، بل يلزمه أن يخرج إلى بيته، حتى وإن كان الاعتكاف نذرًا؛ لأن اعتكافه ينافي مصلحة المسجد.\nإذًا: إذا كان الإنسان مريضًا فمرضه على نفسه ولا يتعدى إلى غيره، فليس هناك مانع من مجيئه إلى المسجد، وإذا كان مرضه سيتعدى ويؤذي غيره فلا يجوز له ذلك، بل يمكث في بيته أو في المستشفى حتى يصح، ثم يعتكف إذا أحب ذلك.\nوإذا أغمي على المعتكف في الاعتكاف، فإن لم يخرج من المسجد فيبقى اعتكافه باقيًا على ما هو، وزمان الاعتكاف محسوب من الاعتكاف.\nوإذا أخرجه أهل المسجد حين أغمي عليه، وساروا به إلى المستشفى، فأخذ دواءً، ثم رجع ثانية إلى المعتكف، فأيضًا اعتكافه صحيح ولا شيء عليه؛ لأنه معذور في ذلك.\nوكذا لو أن إنسانًا تأتيه حالات صرع وهو معتكف في المسجد، فالأفضل ألا يعتكف؛ لأنه سيزعج من حوله، وسيشغل الناس عن عبادتهم به.\nإذًا: فأصحاب الأعذار لا يجب عليهم أن يكونوا موجودين في المعتكف في المسجد، فإذا كان صاحب عذر من ذلك، فليصل ولينصرف حتى لا يزعج الناس به.\nوهنا نتذكر أن النبي ﷺ لما كان في سفر ومعه مجموعة من أصحابه، ثم وجد إنسانًا قد ظلل عليه، فكانوا منشغلين به، قال: (من هذا؟ قالوا: صائم، قال: ليس من البر الصوم في السفر).\nومرة أخرى كان معه مجموعة صائمون، ومعه مجموعة مفطرون، فقام المفطرون وحضروا الطعام وحضروا والشراب، وقاموا بالعمل، والصائمون قاعدون متعبون في السفر، فقال النبي ﷺ: (ذهب المفطرون اليوم بالأجر)، فانظروا إلى جمال الشريعة، فالنفع المتعدي أجمل، وصومك النافلة لنفسك، لكن ستتعب من حولك في أثناء الصيام، فإذا كنت مفطرًا أعنت نفسك ولم تشغل غيرك، وكذلك الإنسان الذي يحب أن يحضر لصلاة الجماعة ولكن يعلم من عادته أنه في كل وقت تأتيه نوبة صرع، فإنه سيؤذي المصلين، أو قد يكون الإنسان مريضًا مرضًا شديدًا يزعج الناس ويؤذيهم، كترجيع أو إسهال أو خروج دم من أنفه ورعاف وأذى للمسجد، فهنا لا داعي لحضوره، بل له عذر ألا يعتكف، وأنه يمكث في بيته حتى يشفيه الله سبحانه، أو يأخذ بالاحتياط، ولو فرضنا أنه سيخرج لصلاة الجماعة، ويأتيه رعاف بحيث يلوث المسجد بالدماء، فلابد أن يأخذا الدواء قبل وقت الصلاة؛ بحيث يمنع الرعاف في المسجد.\nوأحيانًا بعض الناس يستهين بمثل ذلك، فيؤذي ويؤذي أذىً شديدًا جدًا، فتجده في المسجد الحرام وهو يطوف فيتبرز ابنه ويدوسه الطائفون، فيؤذيهم ويؤذي الملائكة، فلماذا لا يحتاط لابنه ويجعل ما يحفظه ويمنع خروج البراز؟! فلا تؤدِ الملائكة، ولا تلوث بيت الله ﷾، وخذ بالأسباب في ذلك حتى لا تطلب أجرًا فيكون عليك إثمًا بهذا الذي تصنعه، والله أعلم.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل الله اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"30","page":14},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-303> الاعتكاف وأحكامه [٣]</span>\nإن الاعتكاف عبادة شرعها الله على لسان حبيبه ونبيه محمد ﷺ في المسجد، ولهذا الاعتكاف آداب ومستحبات ومكروهات ينبغي للمعتكف أن يعيها، ويتحلى بفعل المستحبات، وترك المكروهات؛ حتى تكون العبادة خالصة صافية نقية لله ﷾.","vol":"31","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>مسائل في الاعتكاف</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.","vol":"31","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>الفرق بين اعتكاف النذر والنافلة</span>\nإذا اعتكف المسلم فوقع في مبطل من مبطلات الاعتكاف: إما أن يتعمد ذلك، وإما أن يكره عليه، وإما أن يكون ناسيًا، فإذا كان ناسيًا فلا شيء عليه؛ لأن الله عز جل تجاوز لهذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، روى ابن ماجة عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه)، وكذلك عن ابن عباس عند ابن ماجة مرفوعًا (إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه)، فهذا من فضله ﷾: أن المؤمن إذا أكره على شيء أو نسي الشيء أو أراد الصواب فوقع في الخطأ فلا شيء عليه في ذلك، فالإنسان المعتكف إذا كان صائمًا فأكل أو شرب نسيانًا، أو أخطأ خطأً يعذر بمثله فلا شيء عليه، فكذلك في الاعتكاف لو أنه نسي فخرج من المعتكف فلا شيء عليه، ويرجع إلى المعتكف ويكمل الاعتكاف، وكذلك لو أكره على الخروج سواء حمل فأخرج، أو قبض عليه وأخرج ظلمًا فلا شيء عليه، واعتكافه صحيح، فإذا رجع فليكمل اعتكافه الذي بدأ فيه.\nوذكرنا أن الاعتكاف إما أن يكون اعتكافًا منذورًا وهذا قليل، وإما أن يكون اعتكافًا نافلة، فالإنسان الذي انقطع عليه اعتكاف النافلة يرجع ويبدأ من جديد، أو يكمل هذا الاعتكاف الذي بدأه؛ لأنه لا حرج عليه ولا إثم في ذلك.\nوإذا خرج من اعتكاف النافلة متعمدًا بطل التتابع، فلو رجع يكمل أيامًا أخر، وهي من سنة النبي ﷺ، ولكن فاتك التتابع الذي كان النبي ﷺ يصنعه.\nوإذا كان اعتكافًا منذورًا فينظر في هذا الذي وأخرج من الاعتكاف، إما أنه أخرج بحق أو بباطل، فإذا أخرج بباطل ظلمًا وعدوانًا فلا شيء عليه، وليرجع وليكمل اعتكافه وهو معذور في ذلك، وإذا أخرج بحق كأن يكون إنسانًا ظالمًا وعليه ديون لأناس فاختفى في المسجد حتى لا يقبض عليه، ثم أمسك من الاعتكاف وأخرج منه، فهذا يبطل اعتكافه؛ لأنه أخذ أموال الناس فأخرج وهو ظالم، فيفرق بين هذا وذاك.\nولو خرج المعتكف لعذر من الأعذار كأن يخرج يشتري طعامًا للمعتكفين، أو خرجت مجموعة فطبخوا الطعام في مكان آخر، فلا شيء في ذلك، سواء نوى في أول الاعتكاف أو لم ينو؛ لأن هذه من احتياجات المسلم لأن يأكل ويشرب أو يغتسل، فهذه الأشياء لا ينقطع الاعتكاف بها.\nولو أن المعتكِف خرج من المعتكَف ثم ذهب إلى بيته فباشر أهله بالمس، كأن سلم على زوجته فقبلها فلا شيء في ذلك، لكن لو وقع في الجماع فهنا قال الله ﷿: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧]، فلو أنه جامع أو أنه مس زوجته فنزل منه المني بطل اعتكافه، فإذا كان منذورًا متتابعًا انقطع التتابع، فيعيد من جديد، أو إذا كان الاعتكاف نافلة انقطع، فلينو وليدخل المعتكف من جديد بعد ذلك، ففرق بين النذر وبين النافلة.\nوالمرأة المعتكفة إذا حاضت أو كانت حاملًا فجاءها المخاض فإنها تخرج من المعتكف إلى بيتها، وهي إما أن يكون اعتكافها نافلة وإما أن يكون نذرًا، فإذا كان نافلة بطل الاعتكاف بخروجها؛ لأنها في حالة النفاس أو الحيض، وإذا كانت نذرت الاعتكاف متتابعًا لم ينقطع حتى تنتهي أيام الدورة، ثم ترجع إلى المعتكف وتكمل ما بقي عليها من النذر، وإذا لم يكن نذرًا فالأمر واسع.","vol":"31","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>ما يجوز للمعتكف فعله في المسجد وما لا يجوز</span>\nالاعتكاف: هو ملازمة بيت الله سبحانه من شخص مخصوص، وهذا الشخص المخصوص قلنا: هو المسلم العاقل سواء كان مميزًا أو بالغًا، في مكان مخصوص- وهو بيت الله سبحانه-، في وقت مخصوص، وهو يحدد هذا الوقت وهو العشر الأواخر من رمضان، سواء اعتكف يومًا أو ليلة أو ساعة، فهذا هو الزمن المخصوص، فهذا المعتكف يلتزم بأمر العبادة بالصلاة، وبذكر الله ﷿، وبقراءة القرآن.","vol":"31","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-307>جواز الأكل ولبس أجمل الثياب في المسجد</span>\nفمما يجوز للمعتكف فعله أن يأكل ويلبس رفيع الثياب وغير ذلك، وأن يتطيب في المعتكف، وبعض الناس يظن أنه لو تطيب أثناء الصيام بطل صيامه، وهذا خطأ، ولم يأت دليل يدل على الكراهة أو الحرمة، بل هو جائز، والمسلم يتطيب لبيت الله سبحانه، يقول الله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١] فالمعتكف يلبس الثياب الطيبة في بيت الله ﷿، وخير ما يتزين له هو بيت الله، فإذا قمت إلى الصلاة فخذ زينتك في الصلاة، والبعض يقوم من النوم فيبقى لابس ملابس النوم وهو معتكف ويدخل على الصلاة بها، الصلاة صحيحة ولكن ليس هذا هو الأنسب، فالله يقول: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف:٣١]، فتلبس الثياب الطيبة كما تفعل في بيتك عندما تقابل الضيوف، وخاصة كلما ارتفع قدر الضيف كنت متجملًا في استقباله أكثر، فبيت الله أولى، وملائكة الله أولى، وأنك تقف بين يدي الله ﷿ في صلاتك متزينًا فهذا أولى، فتتطيب وتتزين في صلاتك.\nقال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١].","vol":"31","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-308>اجتناب أكل ما له رائحة في المسجد</span>\nكذلك يجتنب المعتكف ما يؤذي الناس والملائكة في بيت الله، ففي الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا أو فليعتزل مسجدنا)، وفي رواية أخرى في صحيح مسلم قال النبي ﷺ: (من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس) فالملائكة مثل الإنسان عندما يشم رائحة شخص أكل ثومًا فإنه يتأذى منها، أو أكل بصلًا أو أكل كراثًا، فالملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم.\nوفي رواية أخرى: (من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم)، وهذه الأشياء كانت موجودة في عهد النبي ﷺ، فإذا كان ما هو أشد من ذلك فليحذر المسلم أن يدخل المسجد ورائحة فمه نتنة يؤذي بها الملائكة، فيأكل طعامًا له رائحة خبيثة منتنة، ويأكل الثوم والبصل والكراث والأشياء التي لها رائحة يتأذى منها الخلق، أو يشرب السجائر ثم يدخل بيت الله ﷿، فإذا كان على باب المسجد يرمي السيجارة ثم يدخل بيت الله ﷿، ورائحة فمه يفر منها الإنسان فكيف بالملائكة؟! فجاء في الحديث: (أن النبي ﷺ كان إذا وجد من إنسان هذه الرائحة أمر بإخراجه من المسجد)، والآن لن نأخذ أحدًا ونخرجه من المسجد، ولكن على الإنسان أن يستحي أن يكون في بيت الله ورائحة فمه تؤذي الملائكة، فلا داعي أن يأكل قبل الصلاة ثومًا أو بصلًا أو كراثًا طالما أنه سيأتي إلى بيت الله ﷾.\nوجاء عن عمر ﵁ أنه قال للناس: (ثم إنكم أيها الناس تأكلون من شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين)، والخبث هنا ليس خلقة ولكن الرائحة هي الخبيثة، وإلا فيجوز أكل الثوم والبصل، قال: (لقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع) والبقيع خارج المسجد، فيأمر بإخراجه ليغسل فمه، ويبقى خارج المسجد ولا يقعد في المسجد ورائحة فمه فيها الثوم والكراث، قال عمر: فمن أكلهما فليمتهما طبخًا، فالبصل المطبوخ ليس فيه رائحة، وكذلك الثوم المطبوخ.","vol":"31","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>الحفاظ على نظافة المسجد</span>\nكذلك يستحب للمعتكف في المسجد أن يضع شيئًا بين طعامه وبين الأرض، فمن الممكن أن يكون الطعام الذي معه طبيخًا، فليضع سفرة بينه وبين الأرض، والسفرة: هي المفرشة التي توضع على الأرض، فيستحب للآكل أن يضع سفرة من ورق أو قماش؛ لأن الناس سيأتون للصلاة فيجدون رائحة الأرض فيها أثر من الطبيخ أو أي شيء يؤذيهم، فالملائكة تتأذى والمصلون يتأذون بذلك.\nوكذلك يحرم عليه توسيخ أرض المسجد وسجاده، فالبعض أحيانًا يتهاون في ذلك، فيصيب اللبن أو غيره على فراش المسجد، واللبن ريحته قبيحة جدًا عندما يمكث ساعتين أو ثلاث على الأرض، فإنه ينتن ويبعث رائحة مؤذية للمصلين، فليحذر الإنسان من أذية المصلين.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الفتاوى الكبرى: يصان المسجد عما يؤذيه ويؤذي المصلي فيه، حتى رفع الصبيان أصواتهم فيه، وكذلك توسيخهم لحصيره.\nوالحصيرة مفروشة ويدخل عليها برجله لابسًا الحذاء فيدوس عليه الكبير والصغير، فيؤذي في بيت الله ﷿، لاسيما إن كان وقت الصلاة فإن ذلك من عظيم المنكرات.\nهذا نقوله لإخواننا الذين يأتون بالصبيان الصغار إلى المسجد بدعوى أنه يعودهم على الصلاة، فيدخل ابنه لابسًا الحذاء فيدوس بها على فراش المسجد، والأخوات اللائي يأتين بأولادهن كذلك، وإذا أنكر على إحداهن اشتاطت غضبًا، فهذا يحرم، يقول شيخ الإسلام ﵀: هذا من عظيم المنكرات.\nفتأملوا فيما يقوله الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى.","vol":"31","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>حكم النوم والاضطجاع والاستلقاء للمعتكف</span>\nيباح للمعتكف النوم والاضطجاع والاستلقاء ومد رجليه ونحو ذلك؛ لأن المعتكف قاعد في المسجد طوال النهار، وينام فيه بالليل، فيفعل ما جرت عليه العادة أن يفعله مع الاحتشام والاحترام، فلا يضع رجلًا على رجل فوق الكرسي قدام الناس، فلا ينبغي هذا، يقول العلماء: للمعتكف النوم والاضطجاع، وله أن يمد رجليه وهو نائم، إذا احتاج إلى هذا الشيء.\nوفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: كان الرجل في حياة النبي ﷺ إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله ﷺ، وذكر حديثًا وفيه قال النبي ﷺ: (نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل)، عبد الله بن عمر كان يتمنى أن يرى رؤيا ليحكيها للنبي ﷺ، وفعلًا رأى رؤيا في المنام أنه جاءه ملكان أخذاه وذهبا به إلى النار، قال: فإذا هي كهيئة البئر المطوية وبداخلها أناس يعرفهم عبد الله بن عمر ﵁، قال: وإذا فيها أناس قد عرفتهم فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، قال: فلقينا مَلك آخر فقال: لم ترع، يعني: لا تخاف أنت لست من أهلها، فقصها على حفصة، فقصتها على النبي ﷺ فقال: (نعم الرجل عبد الله)، ونعم الرجل مدح، لكن يوجد تقصير عنده، قال: (لو كان يصلي من الليل)، وابن عمر لم يكن يقوم كثيرًا من الليل، فمن حين قال له النبي ﷺ ذلك كان لا ينام من الليل إلا قليلًا.\nوالمقصود: بيان أن ابن عمر كان يقول: كنت غلامًا شابًا، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله ﷺ، أي: أنه يجوز للإنسان المعتكف أن ينام في المسجد ولا شيء عليه، والمهم أنه يكون في وضع لا يؤذي فيه أحدًا من الناس، وأيضًا لا يتكشف وهو على هذه الحالة.","vol":"31","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-311>يجوز للمعتكف أن يزوج ويتزوج</span>\nكذلك مما يجوز في المسجد: عقد الزواج، لو أن إنسانًا خطب من إنسان ابنته أو أخته في المسجد جاز ذلك، فيجوز العقد في أثناء الاعتكاف، وأن تسوي الحفلة في المسجد، فهذا جائز، وهذا يذكره العلماء: أنه يجوز أن يتزوج الشخص وأن يزوج، وأما في الإحرام فلا يجوز ذلك، فقد يظن البعض أن حكم الاعتكاف كحكم الإحرام، فالإحرام فقط هو الذي لا يجوز له فيه ذلك، وأما في الاعتكاف فيجوز.\nفيستحب للمعتكف أن يشتغل بالطاعات من صلاة، وتسبيح وذكر، وقراءة قرآن، ومدارسة علم، فالإنسان يتعلم ويعلم غيره، ويطالع ويكتب ونحو ذلك، وينشغل بكل ما ينشغل به الإنسان في طلب العلم، فيجوز له ذلك، وله أن يقرأ القرآن ويقرئ القرآن غيره.","vol":"31","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>جواز التجارة الخفيفة للمعتكف</span>\nوكذلك التجارة، فيجوز أن يأمر بالشيء الخفيف، أما أنه يحول المعتكف إلى مكان للحسابات في الليل والنهار، ويتكلم بالهاتف المحمول: اعملوا كذا ولا تعملوا كذا، فالاعتكاف ليس لذلك، وأحيانًا يكون في الهاتف المحمول نغمات موسيقية لا يحل للمسلم أن يضعها في بيت الله فيؤذي الملائكة بذلك، وإذا كانت الملائكة تتأذى بصوت الجرس مثل ناقوس النصارى فكيف بموسيقى فيها رقص وأغاني؟ وأحيانًا يكون الناس في جنازة وشخص يدخل بمثل هذا الهاتف الذي فيه موسيقى، الناس يبكون على الميت وصاحبنا مشغول بالهاتف الذي عليه موسيقى راقصة داخل بيت الله ﵎ ولا يستحي! (فاستحيوا من الله حق الحياء) كما قال النبي ﷺ.\nوأحيانًا نجد بعض الناس ينشغل بهاتفه في المسجد، فيشغل الناس والمصلين، فإنما بنيت المساجد لذكر الله، وللصلاة، وللعلم، وغير ذلك لا يصلح في المسجد، وأما أنك تدخل المسجد فتؤذي المصلين بالكلام في الهاتف فهذا لا ينبغي، بل اخرج من المسجد وتحدث براحتك في الشارع، وأما بيت الله ﷿ فليس لك أن ترفع صوتك فيه، إذا كان ليس لك الحق أن ترفع صوتك بالقرآن فمن باب أولى الكلام في الهاتف، والذين يفعلون هذا الشيء قليل جدًا، ولكن بفعلهم هذا يؤذون الناس في بيت الله ﷿ بذلك.\nإذًا: فالمعتكف يجوز له أن يأمر بالشيء الخفيف في ماله إن احتاج إليه الناس، أو احتاج عياله أن يسألوه عن شيء.","vol":"31","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>جواز الحديث مع الأهل للمعتكف</span>\nكذلك له أن يتحدث بالحديث المباح مع أهله، كأن يأتي عياله ليزوروه في المسجد، فإذا كان في مكان لمثل ذلك جاز أن يتكلم معهم، وفعل ذلك النبي ﷺ، حيث جاءت السيدة صفية زوجة النبي ﷺ إليه وهو معتكف، فمكثت ساعة تتحدث مع النبي ﷺ ثم قامت تنقلب، فقام يقلبها -يوصلها- إلى بيتها صلوات الله وسلامه عليه، فمثل هذا جائز أن يوصل امرأته إلى بيتها وخاصة أن بيوت النبي ﷺ كانت حول مسجده ﵊.\nوكذلك إن كان محتاجًا إلى شراء قوته وما لابد منه لم يكره البيع والشراء في المسجد، كأن يكون المعتكفون محتاجين إلى القوت في المسجد، فلا بأس أن يدفعوا الثمن إلى شخص ليشتروا منه وهم في المسجد، فمثل هذا يجوز في مثل هذا الوقت، وأما في غير الاعتكاف فلا يجوز البيع ولا الشراء بداخل المسجد؛ لأن رسول الله ﷺ نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه الضالة، وأن ينشد فيه الشعر، ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة.\nفلا بد أن نراعي آداب المسجد، والمحافظة على المسجد، وعلى أهل المسجد، وعلى الذاكرين الله ﷿ فيه، فلو تعود الناس على أن يساوموا التاجر في المسجد لأصبح المسجد سوقًا، وأقبح مكان يبغضه الله ﷿ هي الأسواق، فأبغض البقاع إلى الله الأسواق، وأحب البقاع إلى الله مساجده.","vol":"31","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-314>النهي عن إنشاد الضالة في المسجد وإنشاد الأشعار والتحلق قبل صلاة الجمعة</span>\nكذلك نهى النبي ﷺ أن تنشد الضالة في المسجد وقال: (إذا رأيتم من ينشد ضالة فقولوا: لا ردها الله عليك؛ فإن المساجد لم تبن لهذا)، فلو أنه ضاع منك شيء أو أنت لقيت شيئًا فقف على باب المسجد واسأل: من الذي ضاع منه هذا الشيء؟ أو اذهب إلى إدارة المسجد وضعها هناك.\nوالذي ضاعت منه كذلك يتوجه إلى الغرفة فليسأل، فإذا كانت موجودة أخذها ولا يعلن في المسجد.\nونهى أن ينشد في المسجد شعر من شعر الدنيا لغير هدف تعليم الشريعة والدين، وإلا فكان حسان بن ثابت ينشد في المسجد ويدافع عن دين الله ﷿، ويؤيده جبريل في ذلك.\nونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة، فلو فرضنا أننا قلنا قبل صلاة الجمعة: يا جماعة عندنا درس علم وقعدنا، والتف الناس في حلقة قرآن أو حلقة حديث أو أي حلقة من الحلقات، فبهذه الحلقة ضيقنا على الناس المسجد، وكذلك الموعظة هي موعظة واحدة وهي خطبة الجمعة، فلا يصلح أن نعظ قبل الخطبة لا، فخطبة الجمعة تنفرد وحدها بالموعظة، وهذا فعل النبي صلوات الله وسلامه عليه، فلذلك نهى عن التحلق قبل صلاة الجمعة؛ حتى لا يضيق المسجد على أهله، فهناك من يريد أن يصلي ركعتين تحية المسجد، وهناك من يريد أن يصلي الضحى، وهناك من يريد أن يذكر الله فيقرأ سورة الكهف وغيرها.","vol":"31","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-315>جواز اشتغال المعتكف بالأمور اليسيرة</span>\nوكذلك الجالس في المسجد له أن ينشغل بالشيء الخفيف، فيخيط ثوبه إذا كان الثوب له، كأن يكون انقطع فقعد يخيطه، فله ذلك، فيخيط الثوب الذي يحتاج إلى لبسه؛ لا أن يحترف ذلك فيجلس يخيط أثواب الناس في المسجد، فهذا لا يجوز، وهذا من الأشياء التي تفسد الاعتكاف.\nكذلك يكره فضول القول والعمل، كأن تكون قاعدًا فارغًا فتقول لأحد المعتكفين: تعال نتكلم مع بعض، لا، فهذا اعتكاف لا بد أن تكون مشغولًا فيه بالله سبحانه، فعود نفسك أن تقعد ذاكرًا لله، ومن لم يعتد ذلك يصعب عليه أن يقعد ساكتًا، فعود نفسك أنك تقعد ساكتًا إلا من ذكر الله وما تحتاج إليه، ولا نقول: اسكت عن الكلام، ولكن تكلم فيما تحتاج إليه، وتكلم فيما ينفعنا واترك الفضول والجدل، واترك الأسئلة الكثيرة التي ليس لها معنى ولا قيمة، وانشغل بذكر الله ﷾، وخفف عن نفسك كثرة الكلام، وانشغل بما فيه طاعة لله ﷾، قال النبي ﷺ: (إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعًا وهات، وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال، وإضاعة المال).\nفكثرة الكلام يكرهها الله ﷿ من الإنسان، فعود نفسك على أن تحترم أوقات غيرك، وأن تحترم صمت غيرك وانشغاله بذكر الله ﷿، فلا تكن أنت مضيعًا على الناس أوقاتهم، فالذي في نفسك تحب تعمله وغيرك ليس بمهم ينام أو ما ينام، فاحرص على أن توفر على الناس أوقاتهم، وعلى أن تريح غيرك، وعلى أن تكون خادمًا لغيرك، وليس غيرك الذي هو يخدمك ويقضي لك حاجاتك.\nويكره رفع الصوت في المسجد ولو بالقراءة والذكر، فاقرأ بعينك وبلسانك ولا تسمع إلا أذنك فقط، ولا تتجاوز إلى صاحبك، ولذلك جاء في حديث أبي سعيد عند أبي داود: (اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف السترة، وقال: ألا إن كلكم مناج ربه) فكل واحد يناجي ربه، والمناجاة حديث السر، (ألا إن كلكم مناج ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضًا)، فرفْع الصوت بالقرآن يؤذي غيرك فلا يعرف كيف يقرأ، فأسمع نفسك فقط ولا تجهر فتسمع غيرك، (ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضًا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة).\nفخل قراءتك بينك وبين الله ﷿، وخف على نفسك من الرياء إن كنت تجيد القراءة، وإذا كنت لا تجيد القراءة فلا ترفع صوتك فتؤذي غيرك، فيضطر أن يقعد ليصلح لك أخطاءك ثم تنشغلون بالكلام.\nوكذلك في أثناء الاعتكاف يحرم على المعتكف أن يؤذي أحدًا بشتم أو سباب، ويستحب إذا سبه إنسان ألا يجيبه، وإذا كان الإنسان صائمًا فليقل: إني صائم.\nنسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"31","page":13},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-316> زكاة الفطر</span>\nشرعت للمسلم بعض العبادات شكرًا لله سبحانه بنوع من الشكر مغاير لما تعود عليه، ومن ذلك شرعية زكاة الفطر بعد صيام رمضان، ففيها شكر لله على نعمة الصيام، والتطهير من اللغو والرفث، والمواساة للفقراء، ولقد نظمها الإسلام فحدد من تجب عليه، ومتى تجب، وما مقدارها، ولمن تعطى، وهل تجوز الاستعاضة عنها بالقيمة، وغير ذلك مما يتعلق بها من أحكام.","vol":"32","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-317>الأدلة على وجوب زكاة الفطر</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nزكاة الفطر تسمى: زكاة، ويسمونها: صدقة الفطر، ويسمونها: الفطرة، وهذا كله في كتب الفقهاء، والمقصد منها زكاة خلقة الإنسان، وكأن الفطرة: الخلقة، فهي زكاة على بدن هذا الإنسان في يوم العيد؛ حتى يطهر المسلم نفسه مما قد أصابه في خلال شهر رمضان من لغو ونحو ذلك.\nوزكاة الفطر فريضة، والعلماء كلهم على ذلك، فالجمهور على أن الفريضة هي الواجبة، وعند أبي الحنيفة أن هناك فرقًا بين الفرض والواجب، بناءً على أصله أن الفرض ما ثبت بالدليل المتواتر، والواجب ما ثبت بسنة الآحاد، وزكاة الفطر ثبتت بسنة النبي ﷺ، ولذلك فهو يسميها واجبة، وإن كان عنده أنه إذا لم يخرجها الإنسان أثم، فاتفق الجميع على أنه إذا أخرجها فقد أخذ ثوابها، وإذا لم يخرجها مع علمه بوجوبها وقدرته عليها أثم على ذلك.\nودليل وجوب زكاة الفطر ما في الصحيحين عن ابن عمر قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر -فسماها فريضة- صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين).\nففرضها النبي ﷺ عليهم طعامًا حتى يجد الفقير في يوم العيد ما يطعمه، وأعياد المسلمين أعياد عظيمة، فيها يفرح المسلم، وقد جعل الله ﷿ لنا عيدين في السنة، وفيهما ما فيهما من اللهو المباح.\nوأهم شيء أن الأعياد تبدأ بذكر الله ﷾، ويكون فيها الصدقات، ففي الفطر تكون زكاة الفطر، وفي الأضحى تكون الأضحية.\nفزكاة الفطر قبلها شهر رمضان فيكون العبد قد صام وتقرب إلى الله ﷿ بما استطاع من أعمال الخير في أعظم شهر في السنة، وفي الأضحى قبله العشر الأول من ذي الحجة، وهي أعظم أيام السنة، فقبل العيد عبادة، وإذا أكمل المسلم هذه العبادة أخذ الأجر من الله ﷿ ففرح في يوم عيد الفطر، وفي يوم عيد الأضحى وثلاثة أيام التشريق، فهذا فضل من الله يفرح به المسلمون وبالعبادة التي أدوها له ﷾.\nولما قدم النبي ﷺ المدينة كان لأهل المدينة يومان يلعبون فيهما، فقال: (قد أبدلكم الله خيرًا منهما)، فهذه أعياد جاهلية أبدلهم الله بما هو خير منها: عيد الفطر وعيد الأضحى، وهما عيدان لأهل الإسلام.\nفصار العيد عند المسلمين: عيد الفطر وعيد الأضحى، فقبل عيد الأضحى عبادة، ثم يوم العيد يبدأ فيها بصلاة العيد، ثم يتقرب إلى الله بالهدي والأضحية ونحو ذلك.\nفهنا فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تمر، وهذا كان قوتًا لأهل المدينة، ففي المدينة حدائق كثيرة فيها النخيل وأنواع التمور التي تزيد على الثلاثمائة نوع.\nفالنبي ﷺ فرض من الشيء الذي يجدونه والقوت الذي عندهم، وهو صاع من تمر أو شعير، والشعير لم يكونوا يزرعونه، وإنما كان يأتيهم من الشام، ويسمونه: درمك، فكان الرجل يعزله لنفسه، لأنه كان قليلًا ولم يكن كثيرًا، وكان عيشهم غالبًا هو عيش الشعير.\nفلم يكلفهم النبي ﷺ ما لا يجدونه، ولكن أمرهم بإخراج ما هو موجود في أغلب البيوت، وهو التمر والشعير.\nقال: (على العبد والحر، والذكر والأنثى)، والعبد لا يخرج عن نفسه ولكن يخرج عنه سيده، وأما الحر فيخرج عن نفسه، إلا إذا كان غيره يلي أمره فيخرج عنه، وكذلك الأنثى والصغير والكبير من المسلمين.\nوأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة.","vol":"32","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-318>متى فرضت زكاة الفطر</span>\nفرضت الزكاة بعد هجرة النبي ﷺ، وكان ذلك في السنة الثانية قبل فرض رمضان، ثم فرضت زكاة الفطر في رمضان، وفرض الزكاة بعد فرض الصلاة، والزكاة كزكاة أموال فرضت في مكة، قال الله ﷿: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام:١٤١].\nأي: حق المال، ولكن تحديد هذا الحق كمقدار ونصاب فإنه لم يحدد في مكة، وإنما كان ذلك في المدينة، فهذا فيه ربع العشر، وهذا فيه نصف العشر، وهذا فيه العشر، فحدد الله ﷿ الأنصبة في المدينة.\nوالعلة في زكاة الفطر أنها تطهر المسلم من الرفث واللغو.","vol":"32","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>شروط وجوب زكاة الفطر</span>\nحتى تجب زكاة الفطر على العبد لا بد من ثلاثة شروط: الأول: الإسلام، الثاني: الحرية، الثالث: اليسار، فتؤدى عن الصغير والكبير، والذكر والأنثى من المسلمين، ولا تؤدى عن غير المسلمين، فلو كان للمسلم أبوان كافران فلا يجب عليه أن يخرج عليهما، ولا على أبنائه وزوجته إذا كانوا غير مسلمين، ولو كان عنده عبيد غير مسلمين فلا يخرج عنهم كذلك، وإنما تخرج الزكاة عن المسلم.\nالحر فالذي يملك مالًا يلزمه أن يخرجها بشرط اليسار.\nواليسار: هو أن يجد المسلم ما يزيد عن قوت يومه وليلته، وأما زكاة المال فإنها لا تجب إلا إذا بلغ هذا المال نصابًا، ومر عليه الحول، فعندما يكون المسلم غنيًا، والأنصبة حددتها الشريعة الحكيمة.\nفشرط زكاة الفطر ليس ملك النصاب، ففي يوم العيد لا بد أن تعم الفرحة جميع المسلمين، فلا يأكل أحد والثاني إلى جانبه جائع، فمن كان عنده في يوم العيد ما يزيد على قوت يومه وليلته فليخرج هذه الزيادة، وهذا من الرحمة والتكافل الاجتماعي في الإسلام، ففي يوم العيد لا يبقى أحد فقيرًا، فالكل يأكل، ولذلك كانت هذه الزكاة طعامًا، وهذه حكمة عظيمة، فقد لا يكون في البلد دكاكين يباع فيها الطعام يوم العيد، فيعطى الفقير طعامًا، ولا يعطى نقودًا؛ لأنه قد لا يجد من أين يشتري الطعام فيبقى جائعًا.\nفالاعتبار باليسار والإعسار حال الوجوب، فمن فضل عنه قوته وقوت من تلزمه نفقته ليلة العيد ويومه ولو صاع فهو موسر.\nوالصاع مكيال يتسع حوالي كيلو ونصف تمرًا، فلا هو قليل ولا كثير يشق على الناس.\nوفي ذلك رفق ومواساة، فهو رفق بالإنسان الذي يخرج المال فلا يخرج ماله كله، والمواساة للفقير، فيأكل كما تأكل الناس.\nفلو أن المسلم يملك صاعًا زائدًا فيخرج عن نفسه ولا يلزمه أكثر من ذلك؛ لأن هذا هو الذي توفر عنده، فإذا كان لا يملك زيادة على قوت يومه وليلته لا يلزمه شيء، كما لا يجب عليه أن يستدين ليخرج زكاة الفطر، ولا تستقر في ذمته بعد ذلك؛ لأن وقت الوجوب قد انتهى، بخلاف من كان قادرًا ولم يفعل فإنها تلزمه وتصير دينًا في عنقه.\nفاشترط العلماء أن يكون هذا المال الزائد زائدًا على طعام يوم العيد وليلته، فائضًا عن حاجته، فقد يكون عنده مال ولكنه يحتاجه للعلاج مثلًا أو لإيجار المسكن أو غيره من حوائجه الأصلية، ففي هذه الحالة لا تجب عليه زكاة الفطر، فبعد أن يقضي هذه الحاجات يخرج الزكاة، ولو لم يبق معه فاضلًا عن حاجته إلا الشيء القليل أخرجه لقول النبي ﷺ: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).","vol":"32","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-320>عمن يخرج المسلم زكاة الفطر</span>","vol":"32","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-321>حكم إعطاء الزكاة للمطلقة</span>\nلو أن رجلًا طلق امرأته طلقة رجعية وهي مقيمة معه في البيت، فالمعلوم أن علاقتها لم تنفك بعدُ، فيلزمه النفقة عليها في فترة عدتها، ويلزمه كذلك الزكاة عنها، وأما إذا طلقها طلقة ثالثة وبانت منه فلا يلزمه الزكاة عنها، وفيما لو كانت المرأة حاملًا لا يلزمه أن يخرج عنها، وإنما يلزمه أن ينفق من أجل الجنين، والجنين ليس عليه زكاة فطر، وعلى ذلك لا يلزم أن يخرج عنه، ولا يلزمه أن يدفع عنها الزكاة في هذه الحالة.\nولا تجب زكاة الفطر حتى تفضل عن نفقته ونفقة من تلزمه نفقته، قال النبي ﷺ (أبدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء، فهكذا وهكذا يقول: فبين يديه وعن يمينه وعن شماله) والمعنى: أخرج بحسب قدرتك، فأخرج عن نفسك وبعد ذلك عمن يلزمك: الأدنى فالأدنى.\nوفي الصحيحين من حديث حكيم بن حزام ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول) أي: أن الإنسان المؤمن ينبغي أن يعود نفسه على أن تكون يده هي اليد العليا، وصاحب اليد العليا هو المعطي، وصاحب اليد السفلى هو الآخذ، فليخرج ولينتظر من الله ﷿ السعة والبركة والرزق من وراء ذلك.\nوقال ﷺ: (خير الصدقة عن ظهر غنى) أي: ما أبقى غنىً لصاحبه، فلا ينبغي أن يتصدق بماله كله ثم يظل مفلسًا لا طعام له، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغني يغنه الله.","vol":"32","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-322>وقت وجوب زكاة الفطر</span>\nأما متى تجب على الإنسان هذه الزكاة، أو ما هو الوقت الواجب بحيث إن من كان موجودًا في هذا الوقت: فعليه زكاة الفطر؟ ف\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أنه قد صح عن ابن عمر أنه قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان على الناس)، فيكون وقت الوجوب هو بعد فطر الصائم في آخر يوم من رمضان، فإذا غربت الشمس على الصائم وقد جمع بين اليوم وبين غروب الشمس لزمته هذه الزكاة، فلو أن إنسانًا توفي قبل غروب شمس أخر يوم من رمضان فليس عليه زكاة، وأما إذا غربت عليه الشمس ثم مات بعد ذلك فيلزم إخراج هذه الزكاة عنه؛ لأنه كان حيًا في وقت الوجوب.\nوهذه الزكاة كما قال ابن عباس ﵄: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث)، وقوله: طهرة للصائم، متعلقة بالصوم، فكأن الصائم إذا أفطر من رمضان ثم أخرج زكاة الفطر طهر صومه مما عسى أن يكون قد حدث فيه من لغو، أو رفث.\nقوله: (وطعمة للمساكين) إطعام للمساكين، (من أدها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات).\nسبق أن ذكرنا أن غروب شمس أخر يوم من رمضان هو بدء وقت الوجوب، فلو ولد لرجل ولد، أو تزوج امرأة، أو ملك عبدًا، أو أسلم الكافر بعد غروب الشمس، ولم يدرك شيئًا من رمضان فلا تلزمه زكاة الفطر، فلكي نقول عن فلان: إنه يلزمه إخراج زكاة الفطر لا بد أن يكون الذي يُخرَج عنه موجودًا في رمضان، وغربت عليه شمس أخر يوم من رمضان، فلو ولد له ولد قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان لزم من ينفق عليه أن يخرج عنه زكاة الفطر.","vol":"32","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>حكم تعجيل زكاة الفطر</span>\nعندما يتكلم العلماء على زكاة المال فإنهم يقولون: إن زكاة المال يجوز تعجيلها؛ لأن النبي ﷺ استلف من العباس زكاة سنتين، فكأن فقرًا شديدًا ألم بالمسلمين فاحتاجوا للمال، فما وجد النبي ﷺ إلا أن يبحث عمن عليه زكاة مال لم تجب بعد، فأخذ من العباس زكاة سنتين لا زكاة سنة واحدة، والسؤال هنا هل زكاة الفطر تلحق بزكاة المال؟ اختلف العلماء في ذلك، فذهب الإمام أبو حنيفة إلى قياس زكاة الفطر على زكاة المال، فقال: طالما أن زكاة المال يجوز إخراجها من أول الحول، فلتكن زكاة الفطر كذلك، وهذا القول وإن كان قياسًا لشيء على مثيله فإنه قياس مع الفارق، فصحيح أن كليهما زكاة، لكن العلة في زكاة الفطر أن تغني الفقراء عن السؤال في يوم العيد، فهي طعمة للمساكين في هذا اليوم كما جاء في الحديث: (طهرًا من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين)، فكيف تؤدى قبل العيد أو قبل رمضان، كما أنها إن تقدمت قد تتعرض للتلف.\nوأما الإمام الشافعي ﵀ فيقول: يجوز أن تخرج هذه الزكاة في رمضان كله، وما قيل في الرد على القول السابق يقال هنا أيضًا، فإذا أعطيت الزكاة في أول رمضان لمستحقها فقد يأكلها في أول رمضان، فإذا جاء يوم العيد لم يجد ما يغنيه، فنكون قد حرمناه من المال في يوم العيد، ولذلك فالراجح أن هذا لا يصلح أيضًا.\nوللحنابلة قولان في ذلك: الأول: يجوز أن نخرج من بعد نصف رمضان، وسيقال فيه ما قيل في الأقوال السابقة.\nوالقول الثاني للحنابلة وهو قول الإمام مالك: أنها تخرج في ليلة العيد، أو عند الغدو إلى صلاة العيد، فاستحب الإمام مالك أنها تخرج عندما تغدو إلى صلاة العيد، وهذا ما اختاره ابن حزم أيضًا، وهو أن تخرجها وأنت خارج للصلاة، ولكن ثبت أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يخرجونها قبل العيد بيوم أو يومين كما جاء عن ابن عمر ﵄ أنه أخرجها قبل العيد بيوم أو بيومين، وكان ابن عمر ﵄ يعطيها للذين يقبلونها وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين، والحديث في صحيح البخاري وفيه أنه يجوز أن تخرج قبل العيد بيوم أو يومين، وابن عمر رضي الله ﵎ عنه هو من روى عن النبي ﷺ (أنه فرض صدقة الفطر على الذكر والأنثى، والحر، والمملوك، صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير)، وعلى هذا فيجوز أن تخرج وتعطى لمستحقها قبل يوم العيد بيوم أو يومين، وهذا أقصى ما يمكن أن يقال في تقديمها، وكلما تأخرت كان ذلك أفضل؛ لأجل أن ينتفع بها الفقير في العيد.\nوفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ (أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة)، وقد أخذ من ذلك ابن حزم وغيره أن وقت الوجوب هو عند صلاة العيد أو بعد الفجر، فمن طلع عليه الفجر فهذا وقت الوجوب، وبنوا عليه كل المسائل التي ذكرناها قبل ذلك، لكن الراجح هو ما جاء في حديث: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان)، وهذا أوجه؛ إذ يقال إذا أفطرت من رمضان فإفطارك بغروب شمس أخر يوم من رمضان.","vol":"32","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>حكم تأخير زكاة الفطر عن صلاة العيد</span>\nلا يجوز تأخير زكاة الفطر عن صلاة العيد، ففي حديث ابن عباس الذي رواه أبو دواد قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات)، فلذلك لا يجوز تأخير الزكاة عن صلاة العيد إلا للضرورة، كما لو أن إنسانًا كان قد أحضر الزكاة ليعطيها الفقراء قبل صلاة العيد فعاجله وقت صلاة العيد كأن لقى الناس قد شرعوا في الصلاة فالأولى في حقه أن يصلي أولًا، ثم يعطيها لمن يعطيها له بعد الصلاة؛ لأنه معذور.\nوكذا لو أن إنسانًا أراد أن يعطيها لجاره فذهب إليه ليعطيه قبل العيد فلم يجده، فاحتفظ بها حتى حضر الظهر فلما رجع أعطاها له، فمثل هذين يجوز لهما أن يؤخرا إلى بعد الصلاة، وأما التأخير اختيارًا إلى بعد صلاة العيد فإن صاحبها قد ضيع من فضيلتها من كونها زكاة فطر، بل صارت صدقة عادية من الصدقات.\nلذلك لا بد على الإخوة الذين يتلقون الزكاة لكي يخرجونها للفقراء أن يهتموا بأن يخرجوها قبل صلاة العيد، حتى لا تتأخر عن الفقراء.\nوقد يرد سؤالٌ هنا وهو: لو أن المرء وكل غيره بإخراج هذه الزكاة، فمتى يجوز له أن يعطيه أياها؟\nو\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يجوز له أن يعطيه إياها في أي وقت شاء سواءً قبل رمضان، أو في رمضان على ألا يؤخرها عن صلاة العيد، فكونك توكل الوكالة شيء والإخراج للفقير شيء آخر، فلو أن رجلًا أراد السفر ثم أتى إلى المسجد وأراد أن يعطي زكاة فطره لمن يأخذها ليعطيها الفقراء، فإنه بذلك قد وكل إنسانًا يخرجها عنه، وصار من أخذها مؤتمنًا عليها، فعليه أن يحفظها إلى أن يأتي وقتها، ثم يخرجها وينوي عن صاحبها.","vol":"32","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-325>مقدار زكاة الفطر</span>\nجاء في الحديث أنها صاع بصاع رسول الله ﷺ، ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: (كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعير).\nقوله: (صاعًا من طعام)، لعله قصد عموم الطعام، ثم فصل بعد ذلك، أو يقصد من طعام القمح إذ كان موجودًا عندهم القمح وكانوا يخرجون القمح أو الدقيق.\nقال: (أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من أقط أو صاعًا من زبيب)، والملاحظ أن هذه الأشياء كلها مما يكال بالصاع، ولما لم يكن الصاع موجودًا في عصرنا، فقد حول هذا الصاع إلى وزن ومقداره حوالي: اثنين كيلو وربع من القمح، ويكون التمر حوالي: كيلو ونصف الكيلو، وإذا كان من الرز سيكون حوالي: اثنين كيلو ونصف الكيلو تقريبًا، وإن كان الرز ليس مذكورًا في حديث أبي سعيد الخدري.\nوالأقط: هو لبن الغنم أو الماعز يأتوا به الأعراب ويجففونه ثم يصنعون منه أقراصًا صغيرة، تحسبًا أن تحصل مجاعة.\nأو انعدام زرع.\nوقد راعت الشريعة أن يخرج المسلم مما يتوفر عنده ويقدر عليه، فمن كان عنده زبيب فيخرج زبيبًا، ومن كان عنده تمر فيخرج تمرًا، وهكذا الذي عنده شعير والذي عنده قمح والذي عنده أقط، بحيث إن الفقير يجد أنك طالما تأكل شيئًا فعليك أن تعطيه مما تأكله، فإذا أعطيت للفقير ذلك فقد فعلت الذي قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nقال أبو سعيد: (وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر)، كأنه يقول: فرض علينا النبي ﷺ أن نخرج من الموجود عندنا، فهذا طعامنا الذي كنا نأكله، فقد كنا نخرج منه في عهد النبي ﷺ، ومن ذلك نعلم أن على الناس أن يخرجوا ما يناسب الناس وما هو أنفع لهم، وما يقتاتونه في زمنهم، إذ أن ما كان يقتات عليه في زمن أبي سعيد بعضه لا يناسب الناس اليوم كالإقط مثلًا، كذا لو خير أحد الناس اليوم بين أن يعطى أرزًا أو قمحًا لاختار الأرز، وهكذا ينبغي أن يقاس على هذه الأشياء ما كان قوتًا للناس، فيعطي للفقير من قوت أهل البلد؛ لأنه الأنفع للفقير، فتبرأ ذمة المعطى إذا أعطى أرزًا، أو فولًا، أو عدسًا، أو تمرًا، أو زبيبًا، وبحمد الله قد رسمت جداول معلقة في المسجد بهذه الأشياء وقيمة هذه الأشياء، ولذا فإنه يجوز إخراج الحبوب والثمار التي نص عليها النبي ﷺ، وما ألحق بها أيضًا والنظر في ذلك إلى العلة؛ إذ المراد أن يُغني الفقير في يوم العيد، فيجد الطعام الذي يأكله.\nويجوز دفع الزكاة إلى فقير واحد، فلو كانت العائلة خمسة أفراد أو ستة أفراد فأخرج كل واحد صاعًا ثم أعطيت لفقير واحد جاز، كما يجوز أن يقسم الفرد الواحد زكاته على أكثر من فقير، ويشترط أن يكون من يعطاها مستحقًا، ولا ينبغي أن يعطى الزكاة من لا يستعين بها على طاعة الله، ولا من يعصي الله ﷾! كأن يكون إنسانًا لا يصلي أو لا يصوم أو لا يحترم شعائر دين الله ﷾، وإنما تعطى الزكاة لمن يطيع الله ﷾، فتعطى لمن يصلي، وتعطى لمن يصوم، وأما الإنسان الذي يستهين بدين الله ﷿ فلا يستحق أن يأخذ هذه الزكاة.\nولو انعدمت الأشياء التي نص عليها النبي ﷺ في بلد ثم أخرجوا طعامًا آخر ليس هو الأنفع والأفضل من ذلك؛ فنص بعض الحنابلة منهم أبو عبد الله بن حامد على أنه إذا أخرج جبنًا، أو لبنًا، أو لحمة مع عدم وجود هذه الأشياء، أو مع وجودها، وكانت هذه أصلح وأنفع للفقير، فأعطى بمثل هذا القدر أجزأ ذلك عنه.\nوقد يتسائل البعض هل يجوز أن يخرج المرء قيمة هذه الأشياء المنصوص عليها؟ وهذه مسألة أختلف فيها الفقهاء على قولين، قول الجمهور منهم مالك والشافعي وأحمد وابن حزم وداود بن علي وغيرهم على أن ذلك لا يجوز فلا يجوز، وإذا أخرجت لم يجزئ.\nوقول أخر وهو قول عمر بن عبد العزيز ﵁، وقول أبي حنيفة، وقول الإمام البخاري، وهو قول معاذ: أنه يجوز إخراج القيمة، وقد نظرو هنا إلى الأنفع للفقير، فما كان أنفع للفقير يجوز أن يعطيه إياه، والراجح في هذه المسألة أن الأمر واسع فيها، فيجوز أن تخرج الأشياء التي نص عليها النبي ﷺ، وإذا أخرجت مكانها قيمتها للفقير وكانت أنفع له أو احتاج إليها، أو هو طلبها مكان هذا الشيء، جاز أن تخرجها في ذلك، ولا يحتاج الأمر لكثير كلام فيها ولا كثير جدلٍ، فمن أخرج الأشياء المنصوصة فهذا حسن، وإذا وجد أن الفقير يحتاج إلى المال وهو أفيد له، كأن يكون لا يريد أن يأكل التمر أو القمح، بل يحتاج إلى أكل أخر غير هذا الشيء جاز أن يأخذ غيره، ولكن لا بد أن يكون بقيمة الأشياء المنصوصة، فمن وجد قيمة التمر أخرج قيمته، ومن وجد قيمة الزبيب وكان يريد أن يخرج قيمته جاز أن يخرج قيمته، وهكذا، وفي ذلك كلام جيد لـ شيخ الإسلام بن تيمية ﵀ يقول: إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة أو العدل لا بأس بذلك، وضرب لها مثال فقال: كأن يكون المستحقون بالزكاة طلبوا منه أعطاء القيمة؛ لكونها أنفع، فيعطيهم أيها، فيقول: لو أن الفقراء قالوا: أنفع لنا أن تعطينا القيمة لا أن تعطينا ذلك، وكان هذا هو الأنفع لهم، أو أن الفقير سيعطى من القمح أو من غيره من الأشياء فيأخذها ثم يبعها فالأنسب أن الفقير يعطى المال، وله أن يشتري لنفسه ما يريد، وعلى ذلك فالأمر واسع في ذلك، فإذا أخرجت المنصوص عليها أجزأ عنك وكان أفضل لك، وإذا كان الأنفع للفقير بطلبه الآخر أعطيته الأخر، ولا نقول أنه لا يجزئ، والله أعلم.","vol":"32","page":10},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-326> أحكام المساجد وآدابها [١]</span>\nلقد عظم الشرع المساجد وجعل لها أحكامًا وقوانين، كي تحفظ هيبتها وناموسها، فهي مكان عبادة رب الأرباب؛ لذا فهي بيوت مقدسة ومحترمة ولها أحكام خاصة، فمن هذه الأحكام: أنها ليست مكانًا للعب، ولا للقيل والقال، ولا للعبث، وإنما هي للذكر والتسبيح والطاعات.\nومن هذه الأحكام: أن تنزه عن النجاسات والقاذورات، فتطيب وتبخر، وتحفظ عن كل قذر.","vol":"33","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>فضل المساجد وأحكامها</span>","vol":"33","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-328>أخذ الزينة في بيوت الله</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nلقد ذكر النبي ﷺ في حديثه المساجد، وقال: (المسجد بيت كل تقي)، وذكرها الله سبحانه ﵎ في كتابه فقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]، وقال سبحانه: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١].\nفالله ﷿ يأمر بالتوجه إلى المساجد وخاصة إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة:٩]، وقال: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧]، وقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة:١٨].\nفقد شرف الله المساجد بهذه الإضافة إليه، إذًا فعلى الإنسان أن يلبس أفضل الثياب الطاهرة النظيفة التي يتجمل بها لبيت الله، والتي تليق به وتكون هذه الثياب ثيابًا شرعية يتجمل بها للصلاة، فيلبس القميص، ويلبس الثياب التي تستره وتستر عورته إذا ركع وإذا سجد، كما قال الله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١]، وأحيانًا بعض الشباب تجده يلبس لبسًا ضيقًا جدًا فإذا ركع أو سجد يظهر ظهره وتنكشف عورته وهو راكع أو ساجد، فهذه ليست زينة للصلاة، بل عليهم أن يلبسوا ثيابًا تليق بالصلاة.\nفإذا كان الإنسان يتعمد هذه الثياب الضيقة التي تكشف عورته فهذا لا صلاة له، وتبطل صلاته إذا تعمد هذا الشيء، وقد قال الله ﷾ للنبي ﷺ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٤]، وقال لنا: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١]، وأمر النبي ﷺ بستر العورة فقال لـ جرهد: (لا تكشف فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت، استر عورتك، فأمره بذلك ﷺ).\nإذًا فنأخذ الزينة التي تليق ببيت الله سبحانه، فتركع وتسجد وأنت مستتر لا ينكشف منك شيء.\nوهنا بعض الآداب الخاصة بالمسجد نتعلمها، الإنسان المسلم يحب بيت الله، ويريد أن يحشر يوم القيامة عند الله سبحانه وقد غطاه وظلله بحبه وملازمته لبيت الله سبحانه، وأن يجعله مع السبعة الذين يظلهم الله بظله، يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم رجل قلبه معلق بالمسجد، خرج منه حتى يرجع إليه.\nفإذا جاء إلى بيت الله لم يأت للسمر، ولا للضحك، ولا ليسمع القصص، ولكن أتى لبيت الله ﷿ لذكر الله: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].\nنسأل الله ﷿ أن يظلنا بظله يوم لا ظل إلا ظله.","vol":"33","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-329>حكم المكث في المسجد للحائض والجنب</span>\nومن أحكام المساجد: أنه يحرم على الجنب المكث فيها، فقد طهر الله ﷿ بيته، وأمر الموجودين فيه أن يكونوا طاهرين من الحدث الأكبر، فإذا جاء وقت الصلاة وجب على المرء أن يتوضأ، فإذًا يجوز المكث في المسجد مع الحدث الأصغر حتى يدخل في الصلاة.\nوأما الجنب أو المرأة الحائض أو النفساء: فليس لهم أن يمكثوا في المسجد، بل يحرم عليهم ذلك.\nولقد ذكر الله ﵎ لنا أحكام المساجد فقال: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا﴾ [النساء:٤٣] إذًا فلا تقرب الصلاة وأنت جنب، وأما المساجد فيجوز لك أن تقربها وتدخلها وأنت على جنابة إذا كنت عابر سبيل، فلا عبور سبيل في الصلاة، وإنما عبور السبيل يكون في المساجد بيوت الله ﷿.\nفالإنسان الذي على جنابة يجوز له أن يعبر السبيل من المسجد إذا كان في طريقه إلى مكان الماء ليغتسل، فهنا يعبر منه، لكن إذا كان المسجد ليس طريقًا إلى مكان الإغتسال، فليس له أن يقرب المسجد وهو على جنابة.\nإن الجنب طاهر، والمني الذي يخرج من الجنب طاهر، فلو أنه أصاب شيئًا لم يجب عليك أن تغسله، ولكنك محدث حدثًا أكبر، ويلزمك أن ترفع هذا الحدث.\nوالمرأة الحائض محدثة حدثًا أكبر، فيجب عليها الغسل، ولو أصاب دمها الأرض فلا بد من غسل الأرض أو الشيء الذي نزل عليه.\nفإذا: قال الله ﷿: ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣] فمن باب أولى الحائض والنفساء، فليس لهما أن يدخلا المسجد في مثل هذه الحال.\nلكن يجوز لهن حضور صلاة العيد في المصلى، والمصلى ليس بمسجد، وإنما هو مكان ملحق به، وهو مكان خارج المسجد تصلي فيه النساء إذا كان الرجال يصلون في المسجد، أو إذا كان الجميع يصلون العيد في الصحراء، فالمرأة تحضر حتى تستمع للذكر، وحتى تشهد الخير ودعوة المسلمين.\nإذًا: فإذا كانت المرأة حائضًا أو نفساء، أو كان الرجل على جنابة فليس لهم أن يمكثوا في المسجد حتى يتطهروا.\nولو احتلم إنسان في المسجد وجب عليه أن يخرج، وذلك كان يكون معتكفًا في المسجد وحدث له ذلك، ولا يوجد في المسجد دورة مياه، فوجب عليه أن يخرج ليغتسل، ثم يرجع إلى بيت الله سبحانه، إلا إذا عجز عن الخروج كأن تكون أبواب المسجد مغلقة ولا يستطيع أن يخرج، فهو معذور في هذه الحالة، أما إذا لم يكن له عذر فيجب أن يخرج من المسجد حتى يغتسل.\nوكذلك إذا خاف على نفسه أو ماله إن خرج من قطاع الطريق، أو أن يسرق منه ماله، فهو معذور أن يمكث في المسجد إلى أن يزول الخوف، وهذا إذا كانت المساجد ليست فيها دورات مياه، وأما الآن فكل المساجد تقريبًا فيها دورات مياه، إذًا فيلزمه أن يغتسل إلا إذا خاف على نفسه من البرودة أو المرض.\nإذًا فيجوز للمحدث حدثًا أصغر أن يمكث في المسجد، كأن يجلس بعد صلاة الظهر ينتظر صلاة العصر في المسجد، والأفضل له أن يكون على وضوء؛ لأنه إذا كان على وضوء فإنه يكتب له أجر الصلاة مع أنه لا يصلي، وإنما جالس فقط ينتظر الصلاة، وأما المحدث حدثًا أكبر فهو الذي لا يجوز له ذلك، سواء قعد لغرض شرعي منتظر للصلاة، أو في اعتكاف مثلًا، أو ليسمع القرآن، أو يسمع درس علم، أو موعظة أو غير ذلك.\nويجوز النوم في المسجد مع الحاجة، فإذا كان الإنسان معتكفًا في بيت الله ﷿ فيجوز له أنه ينام فيه إذا كان له عذره في ذلك.","vol":"33","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-330>حكم الأكل والشرب في المسجد</span>\nولا بأس بالأكل والشرب في المسجد أيضًا للحاجة، ولا يصلح أن يجعل المسجد مكانًا للولائم والضيافات، لكن إذا كان الأكل والشرب تبعًا لشيء آخر فلا بأس به، كأن يكون الإنسان مقيمًا في المسجد ومعتكفًا فيه عشرة أيام مثلًا، أو يكون الإنسان حارسًا لبيت الله سبحانه وهو جالس بداخله للحراسة فله أن يأكل، وأما هكذا من غير داع إلى ذلك فإن المساجد لم تبن لهذا، وإنما بنيت لذكر الله وما والاه.\nفهناك أشياء تجوز بالتبع ولا تجوز بالأصل، مثل أن يذهب إلى بيت الله من أجل أن ينام؛ حتى لا تضيع عليه صلاة الفجر، فهذا النوم تابع لشيء، وأما أن يذهب المرء لينام قليلًا في بيت الله، فإذا جاء وقت الصلاة ذهب ولم يصل، كأن يكون جالسًا في السوق يكد طول النهار، ثم يدخل المسجد لينام، وقبل صلاة الفجر يمشي ولا يصلي، فالمساجد لم تبن لهذا.\nوإذا أكل في بيت الله ﷿ فعليه أن يجعل على الأرض مفرشًا أو شيئًا؛ حتى لا يقع ما يأكله على الأرض فيلوث المسجد.","vol":"33","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-331>حكم دخول المسجد لمن أكل ثومًا أو بصلًا أو ما له رائحة كريهة</span>\nوليس لمن أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا أو غيرها مما له رائحة كريهة أن يأتي إلى بيت الله سبحانه، طالما والرائحة موجودة فيه؛ لأن الناس ينفرون منه، والملائكة أشد نفورًا منه.\nإذًا: فهذا يؤذي الملائكة فليس له أن يحضر المسجد وهو على هذه الحال، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من أكل ثومًا أو بصلًا فلا يقرب مسجدنا)، وفي رواية ذكر الكراث.\nوإذا خرج من الإنسان ريح وهو جالس في المسجد مع طول الوقت فلا يحرم عليه هذا، يقول العلماء: إنه لا يحرم إخراج الريح، لكن الأولى أن يجتنب ذلك، إذا كان يستطيع ذلك، فيذهب إلى دورة مياه ويقضي حاجته هناك فهذا الأفضل، فالملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم كما ذكرنا.","vol":"33","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-332>حكم البزاق في المسجد</span>\nوكذلك لا يجوز أن يبزق في المسجد، ولا نظن إنسانًا يفعل ذلك في مساجد مفروشة بالموكيت، وأما في الماضي فالمساجد ليست مفروشة، بل فيها حصى أو تراب، فكانوا يبصقون على الأرض، فالنبي ﷺ أخبر (أن البزاق في المسجد خطيئة)، وهناك فرق بين الخطأ والخطيئة، فالإنسان الذي أخطأ، أي: لم يصب، أما إذا فعل خطيئة فمعناه أنه وقع في ذنب كبير، فلذلك لما قال: (البصاق في المسجد خطيئة) أعطاك الكفارة التي تكفر ما فعلت، فقال: (وكفارتها دفنها).","vol":"33","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-333>تحريم البول والفصد والقيء والحجامة على أرض المسجد</span>\nويحرم البول والفصد والقيء والحجامة على أرض المسجد، والكلام هنا ليس في دورات المياه، فدورة المياه معمولة لذلك، لكن أن يفعل ذلك في أرض المسجد نفسها، فهذا يؤذي أرض المسجد الذي أمرنا بتطهيره.\nفيحرم إدخال النجاسة إلى المسجد، فأما من كان في بدنه نجاسة، أو به جرح، فإن خاف تلويث المسجد حرم عليه الدخول؛ لأنه سينجس أرض المسجد بهذا الدم أو غيره، فليذهب إلى بيته إلى أن يقف جرحه ثم يأتي إلى بيت الله سبحانه.\nوقد جاء في الحديث: (أن أعرابيًا تبول في المسجد في قصة طويلة، فقام إليه الصحابة ينهرونه، فقال النبي ﷺ: لا تزرموه بولته) يعني: اتركوه يقضي حاجته فقد فعل هذا الشيء، (فتركوه حتى بال، ثم قال له النبي ﷺ: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر).\nفالمساجد ليست مكانًا للتبول، ولا مكانًا لحط القاذورات، و(إنما هي لذكر الله ﷿)، ولاحظ إلى أسلوب القصر، فـ (إنما) أداة قصر، يعني: أن المساجد وضعت لهذا الشيء فقط، وما زاد على ذلك فلا، فالمساجد (إنما هي لذكر الله ﷿، والصلاة، وقراءة القرآن) أو كما قال ﷺ.\n(فأمر رجل من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه)؛ وهذا حتى تطهر أرض المسجد.","vol":"33","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-334>حكم غرس الشجر في المسجد</span>\nيكره غرس الشجر في المسجد؛ لأن المسجد ليس معمولًا للزينة، وهذه الشجر قد تضيق على الناس فلا يستطيعون الصلاة، فيحرم على الإنسان أن يضيق بيت الله ﷿ على المصلين، لذلك (منع النبي ﷺ من التحلق يوم الجمعة قبل خطبة الجمعة)، فالناس إذا جلسوا حلقة في المسجد للقرآن أو للعلم فإن ذلك يضيق على الناس المسجد، فهذا قبل الصلاة، وأما في غير ذلك من الأوقات فلهم أن يتحلقوا لدراسة العلم.","vol":"33","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-335>حكم حفر الآبار في المساجد</span>\nقال العلماء: يكره حفر البئر بداخل المسجد؛ كي لا يقع الناس في هذا البئر، ووجود هذا البئر يضيق على الناس مكان الصلاة، إذا احتاجوا إلى ذلك فيكون في خارج المسجد وليس في داخله، والآن لا نحتاج لمثل ذلك لوجود دورات مياه في المساجد.","vol":"33","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-336>حكم الخصومات في المسجد</span>\nويمنع أهل المسجد من الخصومة فيه، فليس المسجد مكان أخذ للخصومات، فبعض الناس يقول لخصمه: تعال إلى شيخ المسجد يقضي بيننا، فيجلسون فيه، وهذا يقول كذا وهذا يقول كذا، وترتفع الأصوات، فالمسجد ليس مكانًا للقضاء بين الناس، وإنما المسجد للصلاة.\nإن أبغض البلاد إلى الله أسواقها؛ لأن الأسواق هي محل الهيشات التي منعنا النبي ﷺ أن نحدثها في المسجد، فقال: (إياكم وهيشات الأسواق)، لذلك ننبه إخواننا البائعين الذين يبيعون في خارج المسجد فيرفعون أصواتهم بعد كل صلاة، ببيع الكتب والكاسيتات أن يتقوا الله، فقد قلبوا المسجد إلى سوق، ولا داعي لرفع الأصوات، فإذا كنت تبيع فأعرض سلعتك، فالذي يريد يشتري سيشتري، ورزقك سيأتيك، وأما التهليل والصياح فهذا لا يصلح.\nفلذلك نحذر البائعين خارج المسجد من ذلك، فهذا بيت الله سبحانه، فلا ينبغي أن ترفع صوتك، ولا أن تؤذي المصلين، وتؤذي النائمين المعتكفين، وتؤذي من يقرأ القرآن، فاتقوا الله سبحانه، واحذروا من هيشات الأسواق التي نهى النبي ﷺ عنها، فالأسواق هي شر بلاد الله، فلا تأت لنا بالسوق إلى باب المسجد.","vol":"33","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-337>حكم نشد الضوال في المساجد</span>\nويمنع نشد الضالة في المسجد، فالمسجد ليس مكانًا لنشد الضوال، فأحيانًا بعض الناس يجد شيئًا، ومن ثم يدخل إلى المسجد فيصيح: من ضاع له كذا؟ فهذا حرام؛ فقد نهى النبي ﷺ عن ذلك.\nوإذا أحببت أن تعرف الضالة فاجلس خارج المسجد، فإذا خرج الناس من المسجد فأخبرهم بما وجدت، أو تعطيها لإدارة المسجد، والذي ضاع عليه شيء فإنه يذهب إلى هناك ويسأل عنها، فهذا أفضل لك ولهم.","vol":"33","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-338>وجوب احترام بيوت الله وحفظها واحترام أهلها</span>\nإن المساجد بيوت الله سبحانه فعلينا أن نعمل على رقيها، وعلى احترامها، وعلى أن نوقر أهلها الذين يتعبون أنفسهم من أجل الناس، فانظروا إخوانكم في لجنة الزكاة كيف يحضرون في هذه الأيام ويجلسون ليل نهار من أجل توزيع الزكوات على الفقراء، فهم يتعبون تعبًا شديدًا، فندعوا لهم أن يعينهم الله سبحانه، وأن يعطيهم الثواب على قدر ما يبذلون لبيت الله سبحانه، ولا نبقى ننقد الناس، فهؤلاء يتعبون ويقولون لنا: لا نريد منكم جزاء ولا شكورًا، فنحن لا ندفع لهم شيئًا، لكنهم يدفعون لبيت الله ﷿، ويبذلون الوقت الجهد، ويدفعون المال، ويتعبون أنفسهم من أجل بيت الله سبحانه، فهؤلاء يستحقون أن ندعوا لهم أن يتقبل الله ﷿ منا ومنهم، وأن يرزقنا وإياهم جنته ورحمته.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"33","page":13},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-339> أحكام المساجد وآدابها [٢]</span>\nإن المساجد لها أهميتها ومكانتها في هذا الدين، فهي شعار هذه الأمة، ورمز عبوديتها لله رب العالمين، ويكفي دليلًا على مكانتها أن كان أول عمل للنبي ﷺ هو بناء المسجد ففيها تبنى الرجال، ويتعلم دين الله تعالى، ولذلك رغب الإسلام في بنائها، سواء أكان البناء حسيًا أم معنويًا.\nولباني المسجد المعنوي آداب يلتزم بها، وأخلاق يتخلق بها في هذه الأماكن، فهي بيوت الله وتستحق كل العناية والاحترام والتقدير.","vol":"34","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-340>آداب المساجد</span>","vol":"34","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-341>المنع من الخصومة في المساجد</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: آداب المساجد آداب عظيمة ينبغي للمسلم أن يحافظ عليها ويعرفها، وأن يتعلمها ويعلمها غيره، فهي من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحسن الخلق.\nفمن هذه الآداب: أن يمنع أهل المسجد من الخصومة فيه، والخصومة بمعنى: الاختصام، أي: أن يخاصم بعضهم بعضًا، ويشكو بعضهم بعضًا، ويرفعون أصواتهم فإنه ليس المسجد مكانًا لذلك.","vol":"34","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-342>عدم جواز إنشاد الضالة والبيع في المساجد</span>\nومن آداب المساجد المنع من نشد الضالة فيها، فإذا أضاع شخص شيئًا فلا يرفع صوته، فالنبي ﷺ دعا على من فعل ذلك وأمر بالدعاء عليه، فلا تعرض نفسك لأن يدعو عليك أحد من المسلمين، أو أن يستجاب لدعوة رسول الله ﷺ في ذلك، قال ﷺ كما في صحيح مسلم: (من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد: فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا)، فالذي لقي ضالة أو ضاع منه شيء فلا يقف في نصف المسجد ويقول: ضاع مني كذا، وإنما يخرج خارج المسجد فيقول هذا الكلام، وليس داخله، أو يأتي إلى إدارة المسجد فيضع الحاجة التي وجدها عندها، والذي ضاعت منه يذهب إلى المكان المخصص لذلك فيسأل عنها بعد ذلك.\nوكذلك جاء في الحديث عنه ﷺ: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالة فقولوا: لا رد الله عليك ضالتك).\nفإذًا: لا يجوز البيع في المسجد، ولكن إذا كان الإنسان عليه دين لآخر فلا بأس أن يقول له: خذ دينك فيعطيه؛ لأنه ليس هناك كلام كثير في هذا، وإذا كان هذا سيجلب الكلام الكثير فلا داعي له في المسجد، وكذلك إن كان سيرد لإنسان شيئًا ضاع منه من غير كلام في المسجد جاز، وإلا فليس المسجد محلًا لذلك.\nوفي صحيح مسلم من حديث بريدة: (أن رجلًا نشد في المسجد)، ومعنى نشد: أي رفع صوته، (فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر؟)، الجمل شيء كبير، ومع ذلك لم يعذره النبي ﷺ، (فلما قال ذلك، قال: لا وجدت! لا وجدت! إنما بنيت المساجد لما بنيت له).\nفإذا كان هذا جمل ضاع فكيف الذي تضيع منه حاجة تافهة ويقف في نصف المسجد ينادي: ضاع مني؟! هذا لا ينبغي له أن يقول ذلك.","vol":"34","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-343>عدم رفع الصوت في المساجد</span>\nروى البخاري عن السائب بن يزيد ﵁ قال: (كنت قائمًا في المسجد فحصبني رجل، قال: فنظرت فإذا عمر بن الخطاب ورجلان في آخر المسجد يرفعان أصواتهما حتى سمع عمر ﵁)، فينبغي خفض الأصوات في المساجد، ولا يقل أحد: أنا رجل كبير في السن فسامحوني، فليس هناك فرق بين الكبير والصغير، فالمسجد له آداب ومن آدابه أن لا ترفع صوتك في بيت الله ﷿، وأحيانًا تقول لبعض الناس: اخفضوا أصواتكم، فيقول أحدهم: أنا الآن سأخرج، ويغضب عندما تنهره وتنهاه عن ذلك.\nوهذا عمر بن الخطاب صوته عال وممكن ينادي السائب بن يزيد: تعال يا سائب، اذهب إلى هذين الاثنين، ولكن عمر أدبه داخل المسجد أنه لا يرفع صوته فيه، فمن أجل أن ينادي ال سائب الذي بجواره أخذ حصى صغيرة من الأرض فحذفه بها، وعمل هذا عمر من أجل أن لا يرفع صوته في مسجد النبي ﷺ، فقال: اذهب فائتني بهما، فذهب ال سائب فجاء بهما إلى عمر، فقال: من أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ.\nفهذا أدب عمر ﵁، لم يناد ولم يقل: تعال يا سائب، وإنما أخذ حصى من الأرض فحذفه بها من أجل أن ينتبه، فكيف بنا نحن الذين نأتي إلى بيت ربنا فيقف الواحد وينادي على فلان من هنا، وعلى فلان من هنا، وإذا أراد أحد أن يدخل عمل إزعاجًا في المسجد، فهذا لا ينبغي، وقد نجد أحيانًا بعض الشباب يجتمعون مع بعضهم جماعات قاعدين، جماعة هنا وجماعة هنا، وأصواتهم مرتفعة، وهذا لا يجوز في بيت الله ﷿، فبيت الله تمكث فيه الملائكة فلابد من الآداب الشرعية، كذلك النساء عندما يخرجن من المسجد في الدور الثاني يزعجن الناس المصلين بالكلام، وكذا قبل صلاة الجمعة، فهذا لا ينبغي في بيت الله ﷿، وإنما الذي ينبغي في بيت الله: الهدوء والسكينة والطمأنينة، كما قال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] وإنما بنيت المساجد لما بنيت له، وهو: ذكر الله وما والاه، وعالم أو متعلم.","vol":"34","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-344>صيانة المساجد مما يؤذيها والمصلين</span>\nكذلك يصان المسجد عما يؤذيه ويؤذي المصلين، حتى من رفع الصبيان أصواتهم فيه، فالذي يأتي بابنه المسجد وهو يعلم أنه يلعب فلا يجوز له ذلك، والطفل الذي يفهم الصلاة كأن يكون ابن ثمان سنين أو تسع يؤتى به إلى المسجد ويؤدب بأن لا يرفع صوته، ولا يجري في المسجد ولا يوسخ فراشه، حتى يتربى الطفل مؤدبًا في بيت الله، والمصلون عندما يرون الطفل مؤدبًا يثنون على أبيه حيث أدبه وعلمه، وإذا كان الطفل يلعب في المسجد تكلموا على أبيه أنه ما أدبه ولا علمه، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن هذا من عظيم المنكرات، أي: رفع الصبيان أصواتهم في المسجد، وتوسيخهم حصيره، فهذا بيت الله ﷿ فيجب علينا أن نلتزم بالآداب الشرعية فيه حتى نؤجر ويبارك لنا في أنفسنا وأولادنا، ويبارك لنا في الأدب.\nفإن الإنسان الذي يكون على خلق عظيم يكون مع النبي ﷺ يوم القيامة.","vol":"34","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-345>عدم اتخاذ المساجد مكانًا لمزاولة الحرف</span>\nكذلك يكره أن يتخذ المسجد مكانًا لحرفة من الحرف حتى لو كانت بسيطة، ففي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله ﷿ والصلاة وقراءة القرآن).","vol":"34","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-346>حكم استلقاء الرجل في المسجد إحدى رجليه على الأخرى أمام غيره</span>\nكذلك لا يجوز استلقاء النائم في المسجد على ظهره واضعًا إحدى رجليه على الأخرى بحيث تبدو عورته، ولا يتخذ المسجد مكانًا للنوم إلا المعذور والمضطر، أما غيرهما فالمسجد للصلاة، فلو أن إنسانًا نام على ظهره رافعًا إحدى رجليه على الأخرى فلعل عورته تنكشف بسبب ذلك فلا ينبغي له ذلك، ولا يجوز أن يفعلها الإنسان في داخل المسجد، ولكن إن كان مستترًا ووضع إحدى رجليه على الأخرى من تعب فلا مانع من أن يفعل ذلك.\nوقد جاء عن النبي ﷺ: (أنه نهى عن اشتمال الصماء، والاحتباء بثوب واحد، وأن يرفع الرجل إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلق على ظهره)، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه فعل ذلك، وأنه استلقى على ظهره ووضع إحدى رجليه على الأخرى، ولعله من تعب كان به.\nولذلك يقول الحافظ في الفتح: والظاهر أن فعله ﷺ كان لبيان الجواز، وكان ذلك في وقت الاستراحة لا عند مجتمع الناس؛ لما عرف من عادته من الجلوس بينهم بالوقار التام صلوات الله وسلامه عليه، فقد كان يجلس جلسة المتخشع المخبت المتواضع ويقول: (إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد) صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"34","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-347>حكم تشبيك الأصابع في المسجد</span>\nيكره تشبيك الأصابع في المسجد إلا للحاجة كأن يكون الإنسان يشرح درسًا علميًا، ويحتاج للتمثيل، كما قال النبي ﷺ: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وشبك بين أصابعه).\nففعل الرسول ﷺ هنا على وجه التمثيل للبيان، أما غير ذلك فقد نهى عنه النبي ﷺ وقال: (إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامدًا إلى المسجد فلا يشبكن يديه فإنه في صلاة)، فإذًا: نُهينا عن التشبيك بين الأصابع لأننا في صلاة.\nوهل يجوز التمطط الجري مزعجًا الناس في الشارع؟ لا، كذلك عندما نأتي الصلاة، فلنكن في وقار، فقد نهينا أن نسرع إلى الصلاة؛ لأننا في صلاة ونحن في الطريق.","vol":"34","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>استحباب عقد حلق العلم والمواعظ في المسجد</span>\nيستحب عقد حلق العلم في المساجد وذكر الرقائق والمواعظ؛ لأن النبي ﷺ ذكر من وظائف المسجد: ذكر الله وما والاه، يعني: وما يتبع ذلك من صلوات وغيرها، وعالم ومتعلم، فالذي يجوز له رفع صوته في المسجد: العالم المدرس الذي يعلم الناس، وكذلك المتعلم الذي لعله يستفهم عن شيء لم يتضح له مما يقوله المعلم له، فهذا معلم وذاك عالم، وليس لغيرهم أن يرفعوا أصواتهم في بيت الله ﷿.","vol":"34","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-349>جواز التحدث في المسجد بالحديث المباح</span>\nيجوز التحدث بالحديث المباح في المسجد وبأمور الدنيا، ولكل مقام مقال، فإذا كان الإنسان جالسًا ينتظر الصلاة فلينشغل بذكر الله ﷿، أما إذا كان في وقت ليس فيه صلاة وانتهى من ذكر الله ﷿ فلا بأس، كما كان الصحابة يجلسون بعد صلاة الفجر، فقد كانوا يصلون الصبح مع النبي ﵌، ثم بعد الصلاة يجلسون يذكرون الله ﷿ إلى أن تطلع الشمس، ثم ينتظرون إلى أن ترتفع، وفي خلال وقت الانتظار يجلسون يكلم بعضهم بعضًا، ولكن لا يرفعون أصواتهم ويزعج بعضهم بعضًا، فكانوا يفعلون ذلك، وقد يذكر أحدهم شيئًا مما كان عليه في الجاهلية مما يعجب منه ويضحك منه؛ فيضحكون ويتبسم النبي ﷺ، فهذا جائز في مثل ذلك.","vol":"34","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-350>حكم إنشاد الشعر في المسجد إذا كان فيه دفاع عن الدين</span>\nيجوز إنشاد الشعر في المسجد إذا كان دفاعًا عن دين الله ﷿، ومدحًا لرب العالمين ولسيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، وتفهيمًا للدين فهذا جائز، وقد فعل ذلك حسان ﵁ في المسجد في حياة رسول الله ﷺ وهو يسمع ذلك.\nوقد نهى النبي ﷺ عن تناشد الأشعار في المسجد إذا كان لا علاقة لها بالدين ولا بالعلم؛ لأن المساجد لم تبن لذلك، وإنما هي لذكر الله وما والاه، أو لعالم أو متعلم.","vol":"34","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-351>تنظيف المساجد وإزالة ما فيها من أذى</span>\nيسن كنس المسجد وتنظيفه وإزالة ما يُرى فيه، والمسلم عليه أن ينظف بيت الله ﷾ فلا يلقي الحصا ولا الشعر ولا التراب، وإذا دخل ينظر إلى حذائه إذا كان فيها تراب وخصوصًا في الصيف، فإذا كان في الحذاء تراب نظفها بإزالته ولا يؤذي أحدًا عند تنظيفها، فإذا دخلت المسجد فضع الحذاء في المكان المخصص له، كذلك نظافة المسجد فلا تعتمد على من يكنسه فهذا الذي يعمل في المسجد ربما يكون واحدًا أو اثنان وهذا قليل، فلا يقدر على أن يكنس ثلاثة أدوار في المسجد وينظفه إلا أن نساعده كلنا، وأن لا يرمي أحد شيئًا في المسجد حتى لا يؤذ غيره، وإذا وجد من ذلك شيئًا أزاله.\nولا ينبغي للإنسان أن يرمي نوى التمر من طاقة المسجد إلى الشارع ويتعذر أن الناس كلهم يفعلون ذلك، بل لا بد أن يكون هناك فرق بينك وبين الناس، فضع النوى في مكانه المخصص له وأزله من الشارع، فإن في إزالة الأذى من الطريق أجر، وقد أخبر النبي صلوات الله وسلامه عليه في الحديث أن: (الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق).\nفكأن الذي لا يميط الأذى عن الطريق قد فقد شعبة من شعب الإيمان، فهذا الذي يتركها في الطريق، فما بالك بالذي يضعها فيه؟! جاء عن النبي ﷺ أنه دخل المسجد فرأى نخامة في القبلة، فاحمر وجهه صلوات الله وسلامه عليه، وأخذ عودًا فحكها، وجاءت امرأة من الأنصار فمسحتها، وجاءت بطيب وطيبت مكانها، فمدحها النبي ﷺ وقال: (ما أحسن هذا!).\nفالإنسان الذي يكنس بيت الله ﷾ وينظفه له أجر عظيم عند الله، ويكفي في فضيلته أن امرأة كانت تقم المسجد في عهد النبي ﷺ، أي: ترفع القمامة أو أي شيء يؤذي المصلين من المسجد، فلما ماتت هذه المرأة كأن الناس احتقروها، فدفنوها من غير أن يؤذنوا بها النبي ﷺ، فلما افتقدها سأل: أين فلانة؟ قالوا: ماتت ودفناها، فحزن النبي ﷺ وقال: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أصحابها، وإن الله ينيرها لهم بصلاتي عليهم، دلوني على قبرها، فدلوه على قبرها، فذهب يصلي عليها عند قبرها)، فصلى على هذه المرأة، مع أن هناك كثيرًا ماتوا بالليل ودفنوا ولم يسأل عنهم، أو لما أخبروه سكت ﷺ، لكن هذه المرأة لها فضيلة، فهي كانت تكنس مسجد النبي ﷺ، وكأن الذي يكنس بيت الله ﷿ له فضيلة يستحق أن يحمد عليها، ويستحق أن يصلى عليه إذا مات ويدعى له، فالذي ينظف بيت الله ﵎ يعتبر من عمار بيوت الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة:١٨].\nكذلك جاء عن جابر (أن رجلًا مر في المسجد بأسهم قد أبدى نصالها فأمره أن يأخذ بنصالها، لا يخدش المسلمين)، لأنه من الممكن أن يؤذي بها الناس في المسجد أو في الطريق، فأمره أن يمسك بالنصال حتى لا يؤذي أحدًا من الناس وهو يسير داخل المسجد.","vol":"34","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-352>البداءة بالمسجد والصلاة فيه عند القدوم من سفر</span>\nكذلك من الآداب: أنك لو كنت مسافرًا فأول ما تقدم تأتي المسجد وتصلي فيه ركعتين إن استطعت ذلك، فهذا خير، وهذا ما كان يفعله النبي ﷺ إذا قدم من سفر، فإنه كان يبدأ بالمسجد فيصلي فيه ركعتين.","vol":"34","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-353>استحباب استحضار نية الاعتكاف عند دخول المسجد والمكث فيه</span>\nينبغي للجالس في المسجد لانتظار صلاة أو الاشتغال بعلم أو غير ذلك أن ينوي الاعتكاف، فإن جمهور أهل العلم على أن الاعتكاف لا حد لأقله، فيجوز أن تعتكف ساعة أو أكثر من ذلك، وذهب بعض أهل العلم مثل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره إلى أن أقل الاعتكاف يوم أو ليلة.\nوالراجح: أنه لا دليل ينص على ذلك، والدليل الذي استدل به شيخ الإسلام ﵀، هو: أن عمر نذر أن يعتكف ليلة في الجاهلية، فقال النبي ﷺ: (أوف بنذرك)، وهذا لا يكفي للتحديد، حتى نقول: إن أقل من ليلة ليس اعتكافًا.\nفإذا جئت إلى المسجد فيستحب لك أن تنوي الاعتكاف؛ لتحصل على أجر الاعتكاف وأجر انتظار الصلاة.\nولا بأس بإغلاق المسجد في غير وقت الصلاة لصيانته، وهذا الذي يتعين الآن في زماننا حتى لا تمتهن، وتجد بعض المساجد اليوم إذا فتحت يدخل فيها الكثير من الناس ينامون ويستريحون فيها، فإذا أذن المؤذن للصلاة يذهب ولا يصلي، فلا يفتح المسجد لمثل هؤلاء، فتارك الصلاة لا يدخل المسجد يمتهن بيت الله، وبعضهم يدخن السيجارة في دورة المياه ينتهك حرمة بيت الله ويؤذي الملائكة، وإذا نصحته قال: هذا بيت الله أيش دخلك؟ فمثل هذا يمنع من دخول المسجد، ولا بأس بإغلاق المساجد من هؤلاء في غير أوقات الصلاة.","vol":"34","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-354>صلاة ركعتين تحية للمسجد</span>\nيكره لداخل المسجد أن يجلس حتى يصلي التحية، قال النبي ﷺ: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، فهذا الحديث لو كان وحده لكان دليلًا على وجوب تحية المسجد، وقد ذهب إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.\nولكن الراجح: أن هذا الحديث ليس وحده، وإنما جاء معه ما جاء عن النبي ﷺ في ليلة المعراج: أن الله ﷿ قال في الخمس الصلوات المفروضات: (هن خمس في العمل وخمسون في الأجر -إلى أن قال:- أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي).\nفعلى ذلك لا يزاد على هذه الفريضة.\nفالراجح: أن هذه الصلاة سنة، وليست فرضًا.\nكذلك لما أرسل ﷺ معاذًا في آخر حياته إلى اليمن -وتوفي النبي ﷺ ورجع معاذ بعد وفاته- أرسله بخمس صلوات في اليوم والليلة، وأنه لا أكثر من ذلك، فقال ﷺ: (فأخبرهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة).\nيتضح من ذلك: أنه إذا جاء عن النبي ﷺ أحاديث تفيد لزوم صلاتي الوتر وتحية المسجد فإنها تحمل على الندب أو على شدة الاستحباب، وليس على الوجوب.\nكذلك كما ذكرنا قبل ذلك أنه ينبغي للقاضي أن لا يتخذ المسجد مجلسًا للقضاء، فلا يُتحاكم فيه، ولا تقام فيه الحدود؛ حتى لا ترتفع الأصوات والله أعلم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.","vol":"34","page":16},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-355> أحكام المساجد وآدابها وأحكام صلاة العيد</span>\nللمساجد آداب لا بد للمسلم أن يتحلى بها، فهي بيوت الله العامرة بالذكر والصلاة والعلم وغير ذلك، ويكره عند بنائها زخرفتها.\nويحرم اتخاذ القبور مساجد، وحائط المسجد من داخله وخارجه له حكم المسجد.\nويحرم الخروج من بعد الأذان حتى يصلى إلا لعذر، وبناء المساجد فضله عظيم عند الله سبحانه.\nوصلاة العيدين مشروعة، ولها آداب ومستحبات، والأحرى بالمسلم أن يلتزم بها","vol":"35","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-356>تابع آداب المساجد</span>","vol":"35","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-357>صلاة تحية المسجد</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nمما ذكرنا في آداب المساجد: أن النبي ﷺ قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين).\nففيه أن المسجد له تحية، فإذا دخلنا المسجد صلينا تحية المسجد، وهذه التحية سنة على ما قال جماهير أهل العلم.\nوإذا دخلت في أي وقت من الأوقات المسجد صليت تحية المسجد حتى ولو كان الخطيب على المنبر يخطب، فلك أن تصلي ركعتين وتتجوز فيهما، ولا تتخطى الرقاب في دخولك المسجد، إلا في ثلاثة أوقات قليلة ضيقة، وهي أوقات حرم علينا النبي ﷺ فيها صلاة النافلة وأن نؤخر الفريضة إليها اختيارًا.","vol":"35","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-358>الأوقات التي يحرم فيها صلاة النافلة وسجود التلاوة</span>\nالأوقات التي تحرم النافلة فيها هي: وقت شروق الشمس إلى أن تطلع، وقبيل الغروب أيضًا، وقبيل صلاة الظهر.\nأي: عند طلوع الشمس حوالي ربع ساعة، وبعد طلوعها بمقدار ثلث ساعة، ويحرم عليك فيها أن تسجد للتلاوة، أو تتنفل كتحية مسجد أو غيرها.\nكذلك قبيل صلاة الظهر بوقت قليل جدًا بمقدار ركعة واحدة، هذا الوقت القليل الذي قبل صلاة الظهر اسمه وقت استقلال الظل بالرمح، وهو وقت تسجر فيه جهنم، ونهانا النبي ﷺ عن الصلاة فيها.\nكذلك قبل غروب الشمس، أي: في الوقت الذي بدأت فيه الشمس تنزل وتلامس الأفق، وستنزل تحت الأفق، وهذا الوقت يأخذ حوالي ثلث ساعة أو ربع ساعة، أيضًا تحرم فيه الصلاة.\nإذًا: فهذه ثلاثة أوقات تحرم فيها صلاة النافلة، فإذا دخلت المسجد فإما أن تجلس وإما أن تقف وتنتظر أذان الصلاة للفريضة.","vol":"35","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-359>تحريم اتخاذ القبور مساجد</span>\nأيضًا مما يحرم في المساجد أن يقبر فيها، أو يُتخذ على القبر مسجد، فقد نهى النبي ﷺ في أحاديث كثيرة متواترة عنه أن تبنى المساجد على القبور، أو أن تتخذ القبور مساجدًا.\nمن هذه الأحاديث: حديث السيدة عائشة في الصحيحين: أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأتاها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبي ﷺ ذلك، وكانت السيدة أم سلمة وأم حبيبة ﵄ ممن هاجرن إلى الحبشة، فيذكران للنبي ﷺ أنهما رأتا في الحبشة كنيسة، وفيها صور كعادة النصارى في وضع صور بداخل الكنائس.\nفقال: (إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة).\nلاحظ أنه لم يقل: يسجدون للرجل الصالح، ولم يقل: يعبدون الرجل الصالح، قال: إن الرجل الصالح إذا كاد أن يموت يضعونه في قبر، ويبنون مسجدًا فوق القبر، فنهانا عن ذلك صلوات الله وسلامه عليه.\nوفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال: (سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل) وهذا قبل أن يموت بخمسة أيام صلوات الله وسلامه عليه.\nيقول: (فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد)، وما سمعنا أنهم عبدوا أنبياءهم على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، إلا ما فعل النصارى مع المسيح، قال: (يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ إني أنهاكم عن ذلك).\nفيحرم على المسلمين أن يبنوا المساجد على القبور أو أن يدخلوا قبور الصالحين بداخل المساجد.","vol":"35","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-360>استثناء المسجد النبوي من سائر المساجد في دخول قبر النبي ﷺ</span>\nأما المسجد النبوي فلا يقاس ولا يلحق به غيره؛ لأنه أخبر أنه يدفن حيث يموت ﷺ، ومات في غرفته صلوات الله وسلامه عليه، وغسل فيها ودفن فيها حيث مات ﷺ، فلما وسعوا المسجد صار القبر بداخل مسجده ﵊.\nوكان الصحابة رضوان الله عليهم يتحرون أن يكون القبر بعيدًا عن مسجده ﷺ، أو على الأقل لا أحد يسجد إلى القبر، فبنوا سورًا بحيث يحرف عن القبر، فلا يسجد أحد إلى قبره ﷺ، ثم بعد ذلك وسع المسجد على ما هو معروف عليه الآن، ومكان النبي ﷺ لا يلحق به غيره، ويحرم أن يحول من مكانه ﷺ؛ لأنه أخبر أنه يدفن حيث يموت.\nوهذا خاص به ﷺ، وليست سنة كما يزعم بعض من يكذبون ويقولون: إن اتخاذ القبور على المساجد سنة النبي ﷺ، ويدعون على من يحرمون ذلك، ويقولون: أماتوا السنة أماتهم الله، ألا لعنة الله على الكذابين، ولعنة الله على من يكذب على النبي ﷺ، ويفتري عليه أن هذه من سنته، والله ما هي من سنته، وإنما حرم النبي ﷺ ذلك، وقال: (إني أنهاكم عن ذلك) صلوات الله وسلامه عليه.\nفلا يحل لأحد أن يبني مسجدًا على قبر لنهي النبي ﷺ عن ذلك.\nوروى الإمام أحمد عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁ أنه قال: (كان آخر ما تكلم به النبي ﷺ: أن أخرجوا يهود الحجاز من جزيرة العرب، واعلموا أن شرار الناس الذين يتخذون القبور على المساجد) والذين يفعلون ذلك، والذين يفتون للناس بذلك، والذين يوحون بذلك، والذين يكذبون وينسبون ذلك إلى سنة النبي ﷺ ويقولون: إنها السنة، ألا لعنة الله على الكذابين، فإن النبي ﷺ حرم ذلك ومنعه ﵊.","vol":"35","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-361>الرد على من يحتج بما رواه موسى بن عقبة في جواز اتخاذ المساجد على القبور</span>\nأما ما يتشدق به بعضهم ويقول: أين أنتم من الحديث الذي رواه موسى بن عقبة بإسناد صحيح أن أبا بصير لما مات بنى أبو جندل على قبره مسجدًا.\nفقد كذبوا في ذلك، فلعنة الله على الكذابين، قالوا: بإسناد صحيح، ولا يوجد إسناد لهذا الحديث، بل هو أبعد من أن يرويه موسى بن عقبة عن الزهري ويذكر ذلك، ولم يشهد الزهري ذلك، ولم يشهد هذه القصة التي حدثت لـ أبي جندل وأبي بصير، هذه كانت في صلح الحديبية، وصلح الحديبية كان في ذي القعدة من سنة ست، ثم هاجر أبو جندل وجاء للنبي ﷺ وأبو بصير، فلما حدثت القصة المعروفة راح أبو جندل وأبو بصير عند مكان اسمه سيف البحر بين مكة وبين المدينة يقطعون الطريق على أهل مكة، فيذكر الإمام موسى بن عقبة عن الزهري: أن أبا بصير لما مات في هذا المكان دفنه أبو جندل وأقام عنده مسجدًا، فـ الزهري ذكر ذلك، لكن من أين أتى به؟ والزهري حين يروي عن النبي ﷺ هناك اثنان بينه وبين النبي ﷺ.\nفهذا الحديث معضل، والمعضل من أنواع الحديث الضعيف، وهذا الحديث الذي يقولون عنه: بإسناد صحيح، ليس له إسناد إلا هذا، فـ موسى بن عقبة يقول: قال الزهري كذا، فذكر عن الزهري وأطلقه هكذا مرسلًا.\nثم لو فرضنا صحة ذلك، فهل فعل ذلك أبو جندل بإذن النبي ﷺ؟ كان بعيدًا عن النبي ﷺ هو عند سيف البحر خائفًا أن يأتي المدينة، وقد أمر النبي ﷺ أن يرجع لأهل مكة، فلذلك كان بعيدًا عند سيف البحر، وفعل ذلك بغير مشورة من النبي ﷺ.\nهذا لو صح هذا الشيء.\nولو فرضنا أنه كان مشروعًا في ذلك الحين فهو منسوخ؛ لأن النبي ﷺ في آخر حياته وقبل وفاته بخمسة أيام حرم ذلك ومنعه.\nوإذا رأيتم مثل هذا الحديث مع الأحاديث الصحيحة المتواترة عن النبي ﷺ التي يحرم فيها بناء المساجد على القبور ثم يخرج من يزعم للناس أن هؤلاء كذابون، وهؤلاء أماتوا سنة النبي ﷺ، وأنه لا مانع من اتخاذ الأضرحة في القبور، من أولى بهذه الدعوة؟ من قال خلاف ما قاله النبي ﷺ وأفتى للناس بذلك، أم الذي يتابع هدي النبي ﷺ ويحرم ما حرمه النبي صلوات الله وسلامه عليه، ففي الحديث: (نهى النبي ﷺ عن بناء المساجد فوق القبور).\nأما ما يتشدقون به ويقولون: أليس القرآن يقول: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١]؟ فنقول: إنه لم يقل: قال الأنبياء، ولم يقل: قال الصالحون، بل قال: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ [الكهف:٢١] وهم الحكام، ومنذ متى كان الحكام لهم رأي في فقه أو في غير فقه، فهم لا يرجعون بعقولهم، فقد أحب الحاكم أن يبني عليه مسجدًا ففعل هذا الشيء.\nولو فرضنا أن هذا كان جائزًا في عصورهم فقد نسخ بشرعنا وبتحريم النبي ﷺ ذلك، فلا حجة لأحد أبدًا أن يقول: يجوز اتخاذ الأضرحة واذهبوا إلى القبور وزوروها، ويذهب الناس لزيارة الأضرحة ويلفون حولها ويطوفون كما يطوفون بالكعبة ويسألونها من دون الله ﷿، فهذا شرك وقد نهانا ربنا ﷾ عن الشرك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].\nففي الدعاء لا تدع ربك فقط، وليس لك أن تدعو غيره ﷾، وإذا أردت التوسل فتوسل إلى الله ﷿ بما هو مشروع في الدين، فتوسل إليه تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وتوسل إليه بالعمل الصالح، ومن العمل الصالح حبك للأنبياء وللصالحين.\nوتوسل إلى الله ﷿ بدعوة الصالحين لك، أما أن تتوسل بأموات، أو بقبور، أو بمشاهد، فهذا ما أنزل الله به من سلطان، بل قد حرمه النبي ﷺ كما في الأحاديث الصحيحة، ويقال لهذا الذي يقول: أين أخفيتم هذا الحديث: بل أنت أظهر لنا إسناده الذي تفتريه وتزعم أنه إسناد صحيح ولا حول ولا قوة إلا بالله.","vol":"35","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-362>حائط المسجد من داخله وخارجه له حكم المسجد</span>\nومن الأحكام التي يذكرها العلماء في المساجد: أن حائط المسجد من داخله وخارجه له حكم المسجد، فكما أنه لا يجوز تقذير المسجد من الداخل فكذلك لا يجوز تقذيره من الخارج، فلا يجوز لأحد أن يوسخ المسجد من الخارج، فداخل الحائط وخارجه سواء، فينبغي أن يصان خارج المسجد كما يصان داخله عما يقذره.\nكذلك ينبغي إذا دخل أحد المسجد أن يتفقد نعليه، وهذا ذكرناه قبل ذلك، وقال النبي ﷺ: (إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما).\nهذا حين كان المسجد مفروشًا بالحصباء وبالحصى والتراب، أما الآن وهو مفروش بالحصير والسجاجيد والموكيت فلا يجوز أن تدخل عليه بالحذاء؛ لأنك تقذره، وقد ذكرنا فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في تحريم تقذير حصر المسجد.","vol":"35","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-363>تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلى إلا لعذر</span>\nأيضًا من أحكام المساجد: أنه يحرم الخروج منها بعد الأذان حتى يصلى إلا لعذر.\nفإذا كنت داخل المسجد وسمعت الأذان فلا يجوز لك أن تخرج منها إلا لعذر، فمثلًا: إنسان أحدث ويريد أن يذهب للبيت ليتوضأ، أو تذكر أنه على جنابة ويريد أن يذهب إلى البيت ليغتسل، أو أنه اضطر لأنه إذا دخل المسجد فإن صاحبه يفوته وهو مسافر، فله عذر في ذلك كله، فخروج الإنسان لعذر من الأعذار جائز، وخروجه لغير عذر يحرم؛ لقول النبي ﷺ: (من أدركه الأذان وهو في المسجد ثم خرج لم يخرج لحاجة وهو لا يريد الرجعة فهو منافق) فالذي يدركه الأذان داخل المسجد ثم خرج لا ينوي الرجوع إلى المسجد وصفه النبي ﷺ بأنه منافق.","vol":"35","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-364>ما يقال عند دخول المسجد والخروج منه</span>\nإن النبي ﷺ كان خارجًا لصلاة الفجر في المسجد فدعا ربه سبحانه وقال: (اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل من خلفي نورًا، ومن أمامي نورًا، واجعل من فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، اللهم أعطني نورًا)، فينبغي لنا أن نسأل الله ﷿ ما سأله نبيه ﷺ، ويستحب لك إذا أتيت المسجد أن تدعو بهذا الدعاء.\nكذلك كان إذا دخل المسجد يدخل برجله اليمنى ويقول: (أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم).\nفإذا دخل المسلم المسجد فالمستحب عند الدخول تقديم الرجل اليمنى، وعند الخروج تقديم اليسرى وليس اليمنى.\nوفي دخولك تقول: (رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك)، وفي خروجك تقول: (رب اغفر لي أو تصلي على النبي ﷺ فتقول: اللهم صل على محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك)، وكلنا نحفظ هذه الأحاديث التي في دخول المسجد وفي الخروج من المسجد.","vol":"35","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-365>استحباب بناء المساجد</span>\nيسن بناء المساجد، وفيها فضل عظيم، وكذا المشاركة في بناء المسجد وتعهدها وإصلاحها، وإصلاح دورات المياه فيها وإصلاح صنابيرها وأبوابها ونوافذها وأرضها وغير ذلك، فإصلاح المسجد من عمارة بيت الله ﷿، وفيه أجر عظيم، وقال النبي ﷺ: (من بنى مسجدًا يبتغي فيه وجه الله بنى الله له مثله في الجنة)، وفي حديث آخر: (من بنى مسجدًا لله كمفحص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتًا في الجنة) ومعنى: مفحص قطاة أي: بيت حمامة، فمسجد مثل عش الحمامة من سيصلي فيه؟ وكأن المعنى: أنه شارك في بناء المسجد، فإذا كان المسجد فرضًا يكلف ألف جنيه مثلًا واشترك فيه ألف واحد وكل واحد دفع جنيهًا، أصبح لكل واحد نصيب من هذا البناء العظيم.\nفهذا الجزء القليل لا يضيعه الله ﷿، ومهما صغر الجزء الذي أنت تبرعت به للمسجد فإن الله ﷿ قد يجعل لك خيرًا منه في الجنة.","vol":"35","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-366>جواز بناء المسجد في موضع كان فيه كنيسة أو بيعة أو مقبرة</span>\nأيضًا من الأحكام: أنه يجوز بناء المسجد في موضع كان فيه كنيسة أو بيعة أو مقبرة درست إذا أصلح ترابها، يعني: كأن يبني الناس المسجد على مكان كان فيه مزبلة، أو كنيسة وهدمت وخربت وهجرها أهلها، فأخذوا المكان أو اشتروه، ونظفوا الأرض وبنوا مسجدًا فهذا جائز ولا شيء فيه، ولا يضر أنه كان غير ذلك، المهم أنه الآن أصبح مسجدًا.\nلذلك فإن مسجد النبي ﷺ كان خربة، كان قبل هجرته ﷺ خربة لغلامين من الأنصار، فلما جاء النبي ﷺ قال: (يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا).\nومعنى: (ثامنوني) أي: أعطونا كي نشتري منكم هذا، وكان يحب أن يدفع ثمنه ﷺ، فالأنصار قالوا: نحن نرضي الغلامين ولا نطلب أجرًا إلا من الله.\nيعني: نحن سنشتريه من الغلامين ونطلب الأجر من الله، وليس من النبي ﷺ، فالنبي ﷺ بنى معهم المسجد في القصة المعروفة.","vol":"35","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-367>ما يكره في بناء المساجد</span>\nتكره زخرفة المسجد، والأصل أن يهتم المسلمون بتلاوة القرآن فيه لا بزخرفته وعدم الصلاة فيه، فإذا كان الناس يهتمون بزخرفة المساجد فإن هذه ستكون غايتهم، فيزخرفون ثم لا يصلون، فهذا شيء مكروه، وقد يصل إلى التحريم إذا كانت الزخرفة بما يحرم، كالذين يجعلون فيها الصور مثلًا، وهذا لا يجوز مهما كانت العلة، كأن توضع في جدران المسجد صور جهاد في فلسطين أو في أفغانستان أو نحو ذلك، فهذا لا ينبغي أن يكون في بيت الله ﷿، والبعض يرسم صورًا للجهاد بيده كاركاتير أو غيره، ويقول: لأجل أن نحمس الناس، فإن هذا غير مطلوب في المسجد بل هو ممنوع، والملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب أو صورة، فليس لك أن تجعل في بيت الله ما يجعل الملائكة لا تدخل فيه.\nقال النبي ﷺ في الحديث: (لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد).\nوكثيرًا من المساجد فيها من الزخرفة والافتخار ما فيها، ولا تجد فيها من يصلي، ففي صلاة الفجر تجد المسجد فارغًا فيه ثلاثة أو أربعة فقط، فالتباهي بالمسجد كالزخرفة ليس هذا هو المطلوب، وإنما المطلوب عمارة بيت الله سبحانه.\nبالذكر والصلاة والاعتكاف ودروس العلم، هذا الذي يكون إعمار المسجد به.\nقال ﷺ: (إذا زخرفتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدمار عليكم) أي: إذا كان هذا هو همكم، أي: تجميل المصاحف وتجميل المساجد ولا أحد يصلي فيها، وكأنه يقول: إذا نظرتم للقشور وتركتم الأصول، ونظرتم للزخارف وتركتم دين الله ﷿ وراءكم ظهريًا، فهنا في هذه الحالة الدمار عليكم، أي: فانتظروا الدمار من الله ﷿.\nأيضًا مما ذكرناه قبل ذلك قوله ﷺ: (أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها).\nفينبغي أن يصان المسجد عما يصنع في السوق من صخب وإزعاج ورفع صوت وبيع وشراء وغير ذلك، على ما ذكرناه قبل ذلك.","vol":"35","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-368>جواز تسمية المسجد باسم شخص</span>\nلا بأس أن يقال: مسجد فلان، ومسجد بني فلان، تقول: هذا مسجد الإمام البخاري، وهذا مسجد الإمام مسلم، ومسجد شيخ الإسلام، ومسجد كذا، فلا مانع من ذلك، قال: في مساجد الأنصار، مسجد بني فلان ومسجد بني فلان، لا مانع؛ لأنهم كانوا يقولون ذلك، ففي الحديث: (أن النبي ﷺ سابق بين الخيل التي أضمرت من الحفياء وكان أمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق)، فسمي مسجد في حياته ﷺ بمسجد بني زريق، وهذا هو الشاهد من هذا الحديث.","vol":"35","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-369>جواز مكث الحائض والجنب في المصلى الذي ليس بمسجد</span>\nالمصلى المتخذ للعيد وغيره -الذي ليس بمسجد- لا يحرم المكث فيه على الجنب والحائض، فنقول: نصلي العيد في المسجد والجمع في المسجد، والصلاة في مصلى في الشارع ليس له حكم المسجد إلا في أن لهم ثواب الجماعة، ولهم ثواب الجمعة وثواب العيد.\nفلا يحرم على المرأة الجنب أو الحائض أو الرجل الجنب المكث في مصلى في الشارع؛ لأن هذا مهما كان حكمه فهو شارع وليس مسجدًا فيفرق بين الاثنين، ففي الحديث الذي في الصحيحين قالت أم عطية: (إن النبي ﷺ أمر الحيض أن يحضرن يوم العيد ويعتزلن المصلى).\nفأمر النبي ﷺ النساء الحيض أن يحضرن صلاة العيد مع الناس، ولا يصلين العيد لكن سيشهدن ويعتزلن المصلى، ولا تكون المرأة الحائض واقفة في وسط اللاتي يصلين فتقطع الصفوف عليهن، ولكن يعتزلن المصليات ويحضرن خطبة العيد ويشهدن الدعاء للمسلمين في ذلك.","vol":"35","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-370>أحكام العيد</span>","vol":"35","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-371>معنى كلمة العيد</span>\nمعنى كلمة العيد: مشتقة من العود، أي: شيء يعود، فإما أنه يعود في كل سنة، أو لأنه يعود على المسلمين بالفرح، يعني: يفرحون كلما يأتيهم العيد، فيفرحون بطاعة الله ﷾ وبعيد الفطر، ويفرحون أنهم صاموا رمضان، وجاء وقت إفطارهم، ويفرحون في عيد الأضحى بالحج وبالأضاحي وبغير ذلك.","vol":"35","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-372>حكم صلاة العيد وأقوال العلماء في مشروعيتها</span>\nصلاة العيد سنة عند جمهور أهل العلم.\nوعند الحنابلة هي فرض كفائي، ومعنى فرض كفائي أي: أنها ليست فرضًا عينيًا، ولكن إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، فهذا قول قريب.\nوالأحناف لهم قولان في حكمها: فـ أبو حنيفة قال: إنها واجبة، وباقي الأحناف قالوا: هي سنة، واختاروا ذلك مع قولهم: إنها من شعائر الدين، يعني: لو اجتمع المسلمون في مكان على أن يتركوها فيمنعون من ذلك، ويؤمرون بالصلاة حتى ولو قوتلوا على ذلك.\nوأجمع المسلمون على أن صلاة العيد مشروعة، وعلى أنها ليست فرضًا عينيًا.\nوهذا نقله الإمام النووي في المجموع أي: أنها ليست فرضًا عينيًا، فإذا جاء من يقول: إنها فرض عين، فيرد عليه بالإجماع، فالإجماع على أنها ليست فرضًا عينيًا، وإنما الخلاف في هل هي سنة مؤكدة أم فرض كفائي؟ ففي الحالتين لم تكن واجبة على جميع الناس.\nوالدليل على أنها ليست فرضًا عينيًا: الحديث الذي في الصحيحين: (أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله ﷺ ثائر الرأس فقال: يا رسول الله! أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ فقال: الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئًا)، وربنا فرض الصلوات الخمس، وسمى غيرها تطوعًا، فمن هذا الباب صلاة العيد، وفي نهاية الحديث قال: (أفلح إن صدق) يعني: لما قال: لا أزيد على ذلك.\nأما من قال: إن النبي ﷺ قال: (أمرنا) تقول أم عطية: (أمرنا أن نخرج فنخرج الحيض والعواتق وذوات الخدور، فأما الحيض فيشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم ويعتزلن مصلاهم) فهذا لا حجة فيه، فقد ذهب البعض إلى أن هذا حجة قوية؛ لأن صلاة العيد فرض عين، وهذا ليس فيه حجة؛ لأن المرأة الحائض لا صلاة عليها أصلًا، فإذا أمرها النبي ﷺ بالخروج فإنه لم يأمرها بصلاة العيد أصلًا، فهذه إذا أمرت فهو محمول على الندب، وليس على الوجوب؛ لأنها لم تصل أصلًا.","vol":"35","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-373>وقت صلاة العيدين وما يستحب فيها</span>\nلا يستحب تأخير صلاة العيد عن وقتها، وقتها: بارتفاع الشمس بعد طلوعها، يعني: إذا كان وقت الشروق على الساعة مثلًا ستة وثلث، إذًا: تكون صلاة العيد سبعة إلا ثلث.\nإذًا: فنترك قرابة ثلث ساعة بعد شروق الشمس، فوقت صلاة العيد ممدود، ويخرج وقتها بزوال الشمس.\nإذًا: عند وقت الزوال يخرج وقت صلاة العيد، والمستحب في صلاة عيد الفطر أن تؤخر شيئًا، خمس دقائق، أو عشر، بحيث يدرك الناس إخراج زكاة الفطر.\nوالمستحب في عيد الأضحى أن تصلى في أول وقتها؛ ليدرك الناس فيها ذبح الأضاحي وتوزيعها على الناس.\nجاء في حديث رواه أبو داود عن يزيد بن خمير الرحبي قال: (خرج عبد الله بن بسر صاحب رسول الله ﷺ مع الناس يوم عيد فطر أو أضحى، فأنكر إبطاء الإمام)، وكان إمام الصلاة متأخرًا كثيرًا فـ عبد الله بن بسر وهو صحابي أنكر، وقال: (إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه، وذلك حين التسبيح) لأن الإمام تأخر جدًا، فهو يخبر أننا كنا في هذا الوقت قد انتهينا من صلاة العيد وانصرفنا، يعني: في أيام النبي ﷺ، ففيه أنه لا يستحب التأخير جدًا بل (كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي)، وهذا فيه أنه قبل أن تخرج لصلاة عيد الفطر، فيستحب أن تأكل حتى تميز بين يوم الصيام ويوم العيد الذي فيه الفطر، فيستحب أن تأكل تمرًا أو شيئًا وتخرج لصلاة العيد.\nوكلما بكرت كان أفضل، لكن الإمام يحضر في وقت الصلاة، فبمجرد حضوره يصلي بالناس صلاة العيد.\nوالسنة: أن تصلى صلاة العيد في المصلى، وكلمة مصلى معناها: الفراغ الواسع الذي يسع العدد الكبير من الناس، إذا وجد مثل ذلك فتلك السنة، أي: أن يخرج الناس إلى الصحراء، كما كان في عهد النبي ﷺ، وكما في الحديث: (كنا نخرج إلى الجبان) فالجبان معناها: الصحراء، فلكونهم يدفنون الناس في الصحراء أطلق الجبان على المقابر، لكن الأصل أن الجبان معناها: الصحراء، فكانوا يخرجون لصلاة العيد في الصحراء التي تسع كل الناس ويترك مسجده صلوات الله وسلامه عليه.\nوالآن صعب أننا نأتي بصحراء في هذه الأماكن أو نخرج إليها، فعلى ذلك إذا وجد مسجد يتسع للناس فهذا أحسن، ويكون المسجد في الشارع، وهذا خير بحسب ما يتيسر للناس.\nويستحب خروج النساء؛ لقول أم عطية: (أمرنا أن نخرج فنخرج الحيض) والحيض قلنا: يعتزلن المصلى.\nوالأولى: أن يخص استحباب خروج النساء بمن يؤمن عليها وبها الفتنة، يعني: المفترض أن المرأة لما تخرج لصلاة العيد أو لأي صلاة في الجماعة أن لا تكون ذات فتنة، فلا تتبرج، ولا تتزين، ولا تضع رائحة؛ لنهي النبي ﷺ عن ذلك، وقالت السيدة عائشة ﵂: (لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل).\nلكن الغرض: أنه إذا خرجت المرأة غير متطيبة، وغير متزينة، وخرجت للصلاة فلا مانع من ذلك، بل هو مستحب، وقد أمر النبي ﷺ بذلك.\nويستحب الغسل للعيدين، ولا يوجد حديث صحيح بالغسل للعيدين وإنما قياسًا على الجمعة، فالجمعة يجتمع فيها عدد كبير من الناس، والعيد أكبر عددًا، إذًا: فالغسل في العيد أولى، ولكن لا يوجد نص عن النبي ﷺ أنه أمر بذلك، وليس إلا القياس على الجمعة، وفعل الصحابي عبد الله بن عمر ﵁.\nومن السنة: أن يلبس أحسن الثياب لصلاة العيد، وفي ذلك حديث طويل وفيه: (أن عمر وجد حلة تباع فاشتراها للنبي ﷺ حتى يلبسها في الوفد وفي العيدين) يعني: يتجمل للوفود ويتجمل في العيدين، فلم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك، إنما أنكر عليه لأنه اشترى حريرًا، فالنبي ﷺ قال لـ عمر: (إنما هذه لباس من لا خلاق له) يعني: التزين هذا لا بأس به، أما أن تأتيني بحرير ألبسه فهذا لباس من لا نصيب له في الآخرة.\nوأفضل ألوان الثياب التي تلبس للتجمل وللمسجد وللعيد وللجمعة البياض؛ لقوله ﷺ: (البسوا من ثيابكم البياض؛ فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم).\nفإذا كان الثوب الأبيض غير نظيف، فيلبس أي ثوب، المهم أن يكون نظيفًا وحسنًا ومشروعًا للصلاة.\nأما النساء: فإذا أردن الحضور فيتنظفن بالماء ولا يتطيبن؛ لقول النبي ﷺ: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) إذًا: فتخرج للمسجد وللصلاة، (ولكن ليخرجن وهن تفلات) يعني: غير متطيبات، والإنسان التفل: الذي لم يضع طيبًا، ولم يستعد بطيب أو بتجمل للخروج.\nوذكرنا أن المشروع للمسلم أن يبكر لصلاة العيد؛ لأن النبي ﷺ حثهم على ذلك فكانوا يخرجون لصلاة العيد.\nويقول أبو سعيد الخدري ﵁: (كان رسول الله ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول شيء يبدأ به الصلاة).\nإذًا: فالنبي ﷺ إمامهم أول ما يخرج للصلاة في الحال ﵊: (فيقوم مقابل الناس وهم جلوس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثًا قطعه، أو يأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف صلوات الله وسلامه عليه).\nومن السنة: أنك إذا ذهبت للمسجد من طريق أن ترجع من طريق آخر، هذا إذا تيسر لك في طريقك إلى بيتك، أما إذا كان بيتك قريبًا من صلاة العيد فلا شيء عليك، لكن النبي ﷺ كان يخرج لصلاة العيد من طريق ويرجع من طريق، ليسلم على أكبر عدد من المسلمين في طريقه ﵊، لذلك السنة: التسليم، فيسلم المسلمون بعضهم على بعض ويدعو بعضهم لبعض.\nفإن قيل: هل من سنة العيد أن يقبل بعضنا بعضًا بعد صلاة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الراجح: لا، ولم يثبت فيها شيء عن النبي ﷺ، إنما الالتزام والتقبيل هذا كانوا يفعلونه في القدوم من السفر، فإذا قدم إنسان من سفر، كان يفعل ذلك، فيعتنق النبي ﷺ ويعتنقه، كما فعل بـ جعفر بن أبي طالب أو بـ أسامة أو بـ زيد بن حارثة، لكن إذا كان يلقى بعضنا بعضًا كل يوم فليس التقبيل أو العناق من سنة النبي ﷺ في ذلك، وإنما التسليم باليد فقط والدعاء.\nوفي الحديث: (كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق) يعني: ذهب من طريق ورجع من آخر، وكأنه للتكثير من التسليم على المسلمين، والدعاء لهم، وشهادة الأرض له، وحين يكون ذاهبًا يكبر، وحين يرجع أيضًا يكبر.\nوصلاة العيد لا أذان فيها ولا إقامة ولا نداء بالصلاة جامعة، فكل هذا لم يرد، وإنما عند مجرد حضور الإمام يقوم الناس ويصلون معه؛ لقول جابر: (لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى) لم يكن هناك أذان على ذلك، وإنما كان النبي ﷺ بمجرد حضوره يصلي بالناس صلوات الله وسلامه عليه.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"35","page":19},{"text":"شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان -<span data-type=\"title\" id=toc-374> أحكام صلاة العيد</span>\nصلاة العيد شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، تتميز عن غيرها بما يصاحبها من سنن غير معهودة في الفرائض العادية، فشأنها أن تؤدى خارج المصر إن أمكن؛ ليجتمع كثير من الناس فيها، ولا صلاة قبلها ولا بعدها، ويسن فيها تكبيرات بعد تكبيرة الإحرام على اختلاف في عددها، وخطبة بعدها، تذكر الناس بنعم ربهم وتنبه غافلهم، وتمتلئ بالشكر للكريم المتعال.","vol":"36","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-375>المشروع في صفة صلاة العيد</span>\nإن أيام عيد الفطر وعيد الأضحى أيام جعلها الله ﷿ أفراحًا للمسلمين، فهم يلعبون ويبتهجون فيهما، وإنما يفرحون فيهما بالعبادة التي سبقتهما، فيفرحون بالصوم في عيد الفطر وبالحج في عيد الأضحى.\nوقد جعل الله ﷿ عيدين للمسلمين: عيد الفطر وعيد الأضحى، ويبدأ فيها بالصلاة، وصفتها: ركعتان، وروى النسائي عن عمر ﵁ أنه قال: (صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد ﷺ)، فصلاة العيد ركعتان، يكبر في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمس تكبيرات، وهذا هو الذي ثبت عن النبي ﷺ، وإن حدث خلاف بين الصحابة في العدد، أي: هل هو سبع تكبيرات في الأولى بتكبيرة الإحرام أم بغير تكبيرة الإحرام؟ فالجمهور على أنها سبع بتكبيرة الإحرام، واختار الشافعي أنها من غير تكبيرة الإحرام، والأمر سهل في ذلك، وذهب بعض الصحابة إلى أن التكبيرات في الأولى أربع بعد تكبيرة الإحرام؛ ليكون مجموعها خمسًا، منهم ابن مسعود وحذيفة وأبو موسى رضي الله ﵎ عنهم.\nوقد روى أبو داود عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمسًا سوى تكبيرتي الركوع، تريد أنه كان يكبر في قيامه سبع تكبيرات فإذا أرد أن يركع كبر تكبيرة الركوع.\nوإنما ذهب الشافعي إلى ما ذهب إليه لحديث آخر عن عائشة وهو قولها: كان رسول الله ﷺ يكبر في العيدين اثنتي عشرة تكبيرة سوى تكبيرة الافتتاح، وهذا لو صح كان حجة للشافعي في أن يكبر ثمان تكبيرات مع تكبيرة الإحرام، ولكن الحديث ضعفه الحافظ ابن حجر، فالحديث ضعيف.\nوعلى ذلك فالأرجح فيها أنها سبع تكبيرات في الركعة الأولى بتكبيرة الإحرام، وخمس في الركعة الثانية من غير تكبيرة القيام، وقد جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: قال نبي الله ﷺ: (التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الآخرة والقراءة بعدهما كلتيهما).\nفهذا يقطع النزاع في ذلك وإن كان الأمر ميسورًا؛ لأن هذه التكبيرات كلها سنة إلا تكبيرة الإحرام، فهي ركن من أركان الصلاة.","vol":"36","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-376>حكم الصلاة قبل صلاة العيد أو بعدها</span>\nومما جاء عنه ﷺ في صلاة العيد: (أنه كبر ثنتي عشرة تكبيرة: سبعًا في الأولى وخمسًا في الآخرة، ولم يصل قبلها ولا بعدها)، فدل على أنه لا صلاة قبل صلاة العيد ولا بعدها في مكان الصلاة، أي: في المصلى، لكن إذا رجع إلى البيت فالسنة أن يصلي ركعتين هما صلاة الضحى، فقد كان إذا رجع إلى بيته ﷺ صلى ركعتين.","vol":"36","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-377>هيئة التكبيرات والذكر بينها</span>\nويلتزم المأموم في هيئة التكبير بما يفعله الإمام، فإن كبر الإمام وسكت كان للمأموم أن يذكر الله ﷿ بذكر مشروع، فإذا لم يسكت وتابع الإمام التكبيرات تابعه المأموم فيما يقول.\nوقد جاء عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن الوليد بن عقبة سأله عن الذكر بين التكبيرتين كيف هو؟ فذكر له أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، وهذا الذي ذكره ابن مسعود قد ورد عنه في حديث فقال: تكبر وتحمد ربك، وتصلي على النبي ﷺ، ثم تدعو وتكبر، وفيه مشروعية السكتة بين كل تكبيرتين.\nقال العلماء: جاء عن الصحابة أشياء مختلفة فيها فإذا شئت قلت: سبحان الله والحمد لله والله أكبر وصليت على النبي ﷺ، أو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وصليت على النبي ﷺ بحسب ما يسكت الإمام.\nوالسؤال هل قال النبي ﷺ ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لم يقل ذلك، ولكنه جاء من قول الصحابة ولعل مرجعهم يكون إلى النبي ﷺ.\nوعلى ذلك إذا سكت الإمام بين التكبيرتين سكتة تكفي استحب للمأموم أن يقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر، وصل على النبي ﷺ، وإذا لم يسكت كان عليه أن يلتزم بما يقوله الإمام.\nأما هيئة التكبيرات: فإن شاء رفع يديه مع كل تكبيرة كصلاة الجنازة، وإن شاء لم يرفع إلا في الأولى فقط، ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه رفع اليدين، إلا في تكبيرة الإحرام ولذلك حصل الخلاف بين العلماء في ذلك.\nفالجمهور على أنه يرفع في كل تكبيرة وذهب البعض منهم مالك وأبو حنيفة أو بعض الأحناف وغيرهم أنه لا يرفع إلا في تكبيرة الإحرام فقط؛ لأنه لا ينتقل من هيئة إلى هيئة أخرى، والأمر واسع في ذلك.\nولا يقال: إن من يرفع في كل تكبيرة قد ابتدع، فإن شئت رفعت سواء رفع الإمام أم لم يرفع، وإن شئت لم ترفع، سواء في صلاة العيد، أو في صلاة الجنازة.\nومن السنة أن يضع اليمنى على اليسرى بعد تكبيرة الإحرام وبين كل تكبيرتين.","vol":"36","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-378>إذا شك الإمام في عدد التكبيرات</span>\nيشرع للمسلم بعد التكبيرة السابعة أن يتعوذ ويقرأ الفاتحة، ثم يقرأ ما تيسر بعد ذلك، ولو شك الإمام في عدد التكبيرات بنى على الأقل، فلو شك هل كبر ستًا أم سبعًا اعتبرها ستًا وأتم باقي التكبيرات، على أنه لو زاد أو نقص فلا شيء عليه، والأولى أن يستيقن فيبني على اليقين، ولو أنه كبر تكبيرة الإحرام ثم قرأ الفاتحة ونسي بقية التكبيرات فلا شيء عليه، كما أنه بعد أن انتقل إلى ركن وهو قراءة الفاتحة فلا يرجع إليها مرة أخرى؛ لأن وقتها قد انتهى ولا يلزمه سجود السهو؛ لأنها سنة من السنن وليست فريضة من الفرائض.\nوعلى ذلك فإذا كبر التكبيرات كلها فقد أتى بالسنة، وإذا نسي التكبيرات وكبر تكبيرة الإحرام فقط فلا شيء عليه.","vol":"36","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-379>الجهر بالتكبيرات والقراءة في صلاة العيد</span>\nأجمعت الأمة على أن الإمام يجهر بالقراءة والتكبيرات، أما المأموم فلم يثبت أن الصحابة كانوا يجهرون كما يفعل بعض الناس، إلا إذا كان الصوت لن يصل إلا بهذه الطريقة جاز أن يجهر حينها من يوصل الصوت إلى من لا يصله.\nولو أن الإنسان أدرك الإمام في الصلاة وهو يقرأ، كان عليه أن يكبر تكبيرة واحدة فقط، ثم يستمع لقراءة الإمام.","vol":"36","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-380>القراءة في صلاة العيد</span>\nكان النبي ﷺ يقرأ في صلاة العيد بسورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] في الأولى ويقرأ بسورة الغاشية بعد الفاتحة في الركعة الثانية، يقول النعمان بن بشير فيما رواه مسلم عنه: كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١].\nوكان النبي ﷺ إذا وافق يوم الجمعة يوم العيد صلى العيد وقرأ بهاتين السورتين -أي: الأعلى والغاشية- وصلى الجمعة وقرأ بهما أيضًا.\nومن سنته أنه كان يقرأ في صلاة العيد بسورة ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١] في الركعة الأولى ويقرأ في الثانية بسورة القمر، وهذا إذا قدر الناس على ذلك، أما إذا كان الأمر يشق عليهم فيقرأ بما لا يشق في صلاة العيد.","vol":"36","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-381>خطبة العيد</span>\nالسنة أن تكون بعد الصلاة وليس لهم أن يخطبوا قبلها، فقد جاء عن ابن عباس في الصحيحين أنه قال: (شهدت الصلاة صلاة يوم الفطر مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطبوا بعد، فنزل نبي الله ﷺ فكأني أنظر إليه حين يُجلس الرجالَ بيده، ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء مع بلال فقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة:١٢])، وبعد أن تلاها على النساء ﷺ قال لهن: (أنتن على ذلك؟)، أي: أنا سآخذ عليكن البيعة على هذه الأشياء التي ذكرها الله ﷿، فقالت امرأة واحدة لم يجبه غيرها وكأنها المندوبة على النساء وليس كل النساء قلن: نعم نحن على ذلك، بل هن أأدب من ذلك، فواحدة فقط من النساء قالت للنبي ﷺ: (نعم يا رسول الله! قال: فتصدقن)، فأمرهن بالصدقة وبسط بلال ثوبه فجعلن يلقين بالفتخ -وهي نوع من الحلق- والخواتيم في ثوب بلال.","vol":"36","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-382>موقف الخطيب</span>\nيجوز للخطيب أن يقف على الأرض حين يخطب العيد، ويجوز أن يقف على منبر مرتفع، فقد جاء عن جابر أنه قال: (قام النبي ﷺ يوم الفطر فصلى فبدأ بالصلاة ثم خطب، فلما فرغ نزل)، فدل ذلك على أنه كان على شيء مرتفع ونزل صلوات الله وسلامه عليه.\nقال ﵁: (فأتى النساء فذكرهن)، وذكرنا أن النبي ﷺ كان يصلي العيد في المصلى، فكان يخرج إلى الصحراء وتسمى المصلى كما تسمى الجبانة، وإنما يفعل ذلك ليصلي بكل المسلمين فإذا وجد مثل ذلك فهو الأفضل، وإلا فيصلون فيما يتيسر من ساحات أو مساجد واسعة كبيرة، وإن امتلأت المساجد صلى الناس في الطرقات حولها.","vol":"36","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-383>خطبة العيد</span>\nإن شاء الإمام خطب خطبة واحدة، وإن شاء خطب خطبتين، لكن الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ كلها تذكر أن النبي ﷺ قام وخطب خطبة للرجال، ثم خطبة أخرى للنساء، فكأن الرجال ما سمعوا إلا واحدة والنساء ما سمعن إلا واحدة.\nوليس فيها أنه خطب خطبتين للرجال، ولذا فيجوز للخطيب أن يخطب خطبة واحدة، وهذا أولى ويجوز أن يخطب خطبتين، فالذين قالوا: خطبتين قاسوها على الجمعة، ولكن النبي ﷺ لم يثبت عنه في حديث أنه خطب خطبتين، ولذلك يقول صاحب عون المعبود: وكل من روى عن النبي ﷺ لم يذكر سوى خطبة واحدة للرجال وأخرى للنساء.\nومن السنة أن يفتتح الخطيب الخطبة بالحمد فيحمد الله سبحانه، وإن كان البعض يفضل أن يبتدئ الخطيب الخطبة بالتكبير، إلا أن هذا لم يثبت عن النبي ﷺ، فلم يروى عنه أنه بدأ أي خطبة من خطبه ﷺ بالتكبير، وإنما يجوز أن يكبر في أثناء الخطبة.","vol":"36","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-384>استماع الخطبة</span>\nويستحب للناس استماع الخطبة ولا يجب عليهم، فمن شاء أن يجلس جلس فسمع ومن شاء أن ينصرف فله ذلك، ولكن ليس لهم أن يقطعوا الخطبة بالكلام أو بالضحك أو برفع الأصوات، فهذا غير جائز لا في الجمعة ولا في العيد ولا في أي مجلس من مجالس ذكر الله سبحانه، وذلك كما لا يجوز أن يرفع الناس أصواتهم على صوت الذي يقرأ القرآن والذي يذكر حديث النبي ﷺ.\nويحدث أن بعض الناس في أثناء خطبة العيد يهتم أن يسلم على فلان ويصافح فلانًا، وقد لا يدرك أنه بذلك يعرض عن ذكر الله سبحانه، إذ الخطيب في خطبته يقول: قال الله، قال رسول الله ﵊، وهو متشاغل عن هذا الذكر بالمصافحة وغيرها، وهذا لا ينبغي، بل إن أردت أن تجلس لتسمع فاجلس، وإن أردت أن تنصرف فانصرف، ولك إذا انصرفت إلى بيتك أو في الطريق أن تسلم على من أحببت، أما إذا جلست فليس لك أن تتشاغل بغير الخطبة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤]، وقال النبي ﷺ: (إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ومن أحب أن يذهب فليذهب)، ولا يجوز للحاضرين أن يشوشوا على الخطيب بكلام، أو ضحك، أو نحو ذلك، أو يشوشوا على المستمعين، ولكن إن شاءوا سمعوا وإلا انصرفوا.","vol":"36","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-385>حكم من فاتته صلاة العيد</span>\nلو أن إنسانًا فاتته صلاة العيد -كأن يأتي والخطيب يخطب- فإن المشروع في حقه إن كان خارج المسجد أن يجلس ليسمع الخطبة، وإن كان في المسجد فليصلي تحية المسجد، وله إذا صلى تحية المسجد أن يقرن بينها وبين صلاة العيد فيجمع النيتين، فينوي صلاة العيد مع تحية المسجد ويصلي.\nأما إذا فاتته صلاة العيد مع الإمام فلم يدرك الخطبة، أو أدركها في المصلى فعليه أن يصليها في بيته إذا رجع؛ لأن وقتها موسع إلى قبل صلاة الظهر، أما لو فاتت الناس صلاة العيد؛ لأنهم لم يروا الهلال أو لعارض آخر حتى حضرت صلاة الظهر فجاء أناس وأخبروا أنهم رأوا الهلال البارحة، فقد حدث مثل هذا في عهد النبي ﷺ، إذ غم عليهم الهلال فأصبحوا يوم ثلاثين من رمضان صائمين واستمروا في الصيام إلى بعد صلاة الظهر، فجاء أناس من الأعراب فقالوا: نحن رأينا الهلال بالأمس، فصدقهم النبي ﷺ، وأمر الناس بالإفطار وبالخروج في اليوم الثاني لصلاة العيد؛ لأن وقت صلاة العيد كان قد انتهى، فصلوا العيد في اليوم الثاني.","vol":"36","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-386>التكبير في العيدين</span>\nيشرع ويسن ويستحب التكبير في العيدين، فيكبر المسلم في عيد الفطر من بعد صلاة الفجر إلى أن يخرج الإمام ليصلي بالناس، وعلى ذلك جمهور أهل العلم، وإن ذهب بعض العلماء كالإمام الشافعي إلى أن التكبير يكون من غروب شمس آخر يوم في رمضان، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة:١٨٥]، والمعنى كأنه يقول: إذا كملت العدة لرمضان فابدأ بالتكبير، إلا أن الإمام النووي وهو شافعي ﵀ يقول: هذا الاستدلال لا يصح إلا على مذهب من يقول الواو تقتضي الترتيب، يريد المذهب اللغوي القائل: إن الواو تقتضي الترتيب والتعقيب، والصواب: أن الواو تقتضي مطلق التعاطف فقط، ولا تقتضي ترتيبًا ولا تعقيبًا.\nوعلى ذلك فالراجح فيها: أن التكبير في عيد الفطر يكون من بعد صلاة الفجر إلى أن يخرج الإمام على الناس، أما التكبير في عيد الأضحى فيكون من فجر عرفة إلى عصر ثالث أيام التشريق أو قبل غروب الشمس في آخر أيام التشريق.","vol":"36","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-387>صيغة التكبير</span>\nالذي صح من الصيغ في التكبير قول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، فقد جاء عن ابن مسعود فيما روى عنه ابن أبي شيبة أنه كان يكبر أيام التشريق: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر والله أكبر ولله الحمد، وهذا الذي قاله ابن مسعود روي بإسنادين في أحدهما شفع التكبير كما تقدم وهذا الأشهر، وفي الآخر بتثليث التكبير فيقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، ولكن الأول أقوى من الثاني وكله جائز والأولى الأول.\nوقد جاءت صيغة أخرى للتكبير فذكر الحافظ ابن حجر عن سلمان أنه كان يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيرًا، وهذا الذي ذكره الحافظ بهذه الصيغة لم نجده عن سلمان وإنما وجدناه بصيغة أخرى أطول من ذلك، وهي خلاف هذه.\nوذكر الحافظ ابن حجر أيضًا: أن الناس قد جاءوا بصيغة أخرى زادوا فيها أشياء لم يقلها النبي ﷺ ولم يذكرها الصحابة، فقال: وقد أحدث الناس في هذا الزمان زيادة لا أصل لها، فالصيغة الطويلة التي يقولها الناس في ذلك، لم تثبت عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، وإن ثبت بعضها عن النبي ﷺ في غير العيدين، فقد ورد عنه ﷺ أنه كان إذا وقف على الصفا أو على المروة في الحج أو العمرة يكبر ثلاثًا: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، وصدق عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم يدعو ﷺ.\nفهذه الصيغة قالها النبي ﷺ في غير العيد، فقالها وهو على الصفا وعلى المروة صلوات الله وسلامه عليه، وعلى ذلك يقال الذكر في موضعه وفي مكانه كما قال النبي ﷺ.","vol":"36","page":14}]}