{"ً":{"ٌ":36997,"ٍ":"شرح رياض الصالحين - حطيبة","َ":6,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: شرح رياض الصالحين\nالمؤلف: الشيخ الطبيب أحمد حطيبة\nمصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية\nhttp://www.islamweb.net\n[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ٩٨ درسا]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2333,"ٕ":7,"ٖ":1770155872,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9","10","11","12","13","14","15","16","17","18","19","20","21","22","23","24","25","26","27","28","29","30","31","32","33","34","35","36","37","38","39","40","41","42","43","44","45","46","47","48","49","50","51","52","53","54","55","56","57","58","59","60","61","62","63","64","65","66","67","68","69","70","71","72","73","74","75","76","77","78","79","80","81","82","83","84","85","86","87","88","89","90","91","92","93","94","95","96","97","98"],"ٚ":[{"title":"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":1,"page":1},{"title":"ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":2,"page":2},{"title":"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيه خير الدنيا والآخرة","level":3,"page":3},{"title":"حسن الخلق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":3,"page":4},{"title":"الأمر بالمعروف والإعراض عن الجاهلين","level":3,"page":5},{"title":"لعن بني إسرائيل لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":3,"page":6},{"title":"شرح حديث: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده)","level":2,"page":7},{"title":"تحريم الظلم والأمر برد المظالم [١]","level":1,"page":8},{"title":"جريمة الظلم وتحريمه في الكتاب والسنة","level":2,"page":9},{"title":"ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع","level":3,"page":10},{"title":"الظلم ظلمات يوم القيامة","level":3,"page":11},{"title":"الأمر بأداء الحقوق","level":3,"page":12},{"title":"حرمة مال المسلم ودمه","level":2,"page":13},{"title":"حرمة الاعتداء على أرض الغير","level":2,"page":14},{"title":"تحريم الظلم والأمر برد المظالم [٢]","level":1,"page":15},{"title":"شرح حديث إرسال معاذ إلى أهل اليمن ليدعوهم إلى الإسلام","level":2,"page":16},{"title":"ضرورة الاستعداد وتهيئة النفس عند دعوة قوم من الأقوام","level":3,"page":17},{"title":"دعوة الناس إلى التوحيد أولا","level":3,"page":18},{"title":"من أساليب الدعوة إلى الله التدرج في تعليم الناس","level":3,"page":19},{"title":"تجنب كرائم الأموال في أخذ الزكاة","level":3,"page":20},{"title":"تحريم الإسلام للظلم والأمر برد المظالم","level":3,"page":21},{"title":"موافقة عمر في التحذير من الظلم ودعوة المظلوم","level":3,"page":22},{"title":"تحريم أخذ عامل الزكاة الهدية عند جمع الزكاة","level":2,"page":23},{"title":"تحريم الظلم والأمر برد المظالم [٣]","level":1,"page":24},{"title":"وجوب التحلل من المظالم في الدنيا","level":2,"page":25},{"title":"حقيقة المفلس عند الله ﷿","level":2,"page":26},{"title":"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده","level":2,"page":27},{"title":"حرمة حقوق المسلمين","level":2,"page":28},{"title":"شدة العقاب على أخذ حقوق الناس","level":3,"page":29},{"title":"جرم من أخذ حق الغير كاذبا","level":3,"page":30},{"title":"تعظيم الدم الحرام","level":3,"page":31},{"title":"استحباب ترك الانتصار للنفس","level":2,"page":32},{"title":"تعظيم حرمات المسلمين","level":1,"page":33},{"title":"حق المسلم على المسلم","level":2,"page":34},{"title":"النجش في البيع حرام","level":2,"page":35},{"title":"تناصح الصحابة وتحابهم في الله","level":2,"page":36},{"title":"نصيحة معاذ وأبي عبيدة لعمر بن الخطاب","level":3,"page":37},{"title":"موقف عمر من المسلمين في قسمة المال","level":3,"page":38},{"title":"المسلم أخو المسلم يعينه ولا يخذله","level":2,"page":39},{"title":"ستر عورات المسلمين","level":1,"page":40},{"title":"ستر عورات المسلمين والنهي عن إشاعتها","level":2,"page":41},{"title":"النهي عن إشاعة الفاحشة بين المؤمنين","level":3,"page":42},{"title":"الستر على المسلم الواقع في المعصية","level":3,"page":43},{"title":"أحوال لا يستر فيها على صاحب المعصية","level":3,"page":44},{"title":"لا يجوز الستر على من سرق مال الآخرين","level":2,"page":45},{"title":"شرح حديث: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين)","level":2,"page":46},{"title":"شرح حديث: (إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب","level":2,"page":47},{"title":"شرح حديث: (أتي النبي برجل قد شرب خمرا)","level":2,"page":48},{"title":"التحذير من إيذاء المسلمين وتتبع عوراتهم","level":2,"page":49},{"title":"شرح حديث (إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم)","level":2,"page":50},{"title":"قصة ماعز وما فيها من الترغيب في الستر على المسلم","level":2,"page":51},{"title":"التحذير من تذكير صاحب المعصية بمعصيته","level":2,"page":52},{"title":"الشفاعة","level":1,"page":53},{"title":"الشفاعة أنواعها وفضلها","level":2,"page":54},{"title":"تعريف الشفاعة","level":3,"page":55},{"title":"فضل الشفاعة الحسنة وعقوبة الشفاعة السيئة","level":3,"page":56},{"title":"ما تكون فيه الشفاعة","level":3,"page":57},{"title":"الشفاعة والصلح بين الأزواج","level":3,"page":58},{"title":"ما ينهى عنه من الشفاعات","level":2,"page":59},{"title":"الشفاعة في الحدود","level":3,"page":60},{"title":"الكذب في الشفاعة وأخذ الرشوة عليها","level":3,"page":61},{"title":"الشفاعة للعصاة ومن لا يستحق","level":3,"page":62},{"title":"استحباب الثناء على الكريم وذم من لا يشكر","level":3,"page":63},{"title":"باب الإصلاح بين الناس","level":1,"page":64},{"title":"ما جاء في الإصلاح بين الناس","level":2,"page":65},{"title":"ما جاء في فضل الإصلاح بين الناس في القرآن","level":2,"page":66},{"title":"شرح حديث: (كل سلامى من الناس عليه صدقة)","level":2,"page":67},{"title":"شرح حديث: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس)","level":2,"page":68},{"title":"جواز الكذب لدفع الشر","level":3,"page":69},{"title":"الحالات التي يجوز فيها الكذب","level":3,"page":70},{"title":"شرح حديث: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة)","level":2,"page":71},{"title":"الصلح في المسامحة ببعض الدين","level":2,"page":72},{"title":"فضل ضعفة المسلمين [١]","level":1,"page":73},{"title":"أمر الله لنبيه بالصبر مع ضعفة المسلمين","level":2,"page":74},{"title":"عتاب الله لنبيه عندما أعرض عن ابن أم مكتوم","level":3,"page":75},{"title":"فضل صهيب وخباب وأمثالهما على الكبراء","level":3,"page":76},{"title":"أمر الله لنبيه بإدناء الضعفاء والصبر معهم","level":3,"page":77},{"title":"شرح حديث: (أهل الجنة كل ضعيف متضعف)","level":2,"page":78},{"title":"شرح حديث: (هذا خير من ملك الأرض من مثل هذا)","level":2,"page":79},{"title":"فضل ضعفة المسلمين [٢]","level":1,"page":80},{"title":"أكثر أهل الجنة من الضعفاء","level":2,"page":81},{"title":"وزن المتكبرين والضعفاء يوم القيامة","level":2,"page":82},{"title":"منزلة من يقم المساجد","level":2,"page":83},{"title":"قصة جريج العابد","level":2,"page":84},{"title":"قصة الراضع من ثدي أمه","level":2,"page":85},{"title":"ليس كل ضعيف من أهل الجنة","level":2,"page":86},{"title":"ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفة والمساكين","level":1,"page":87},{"title":"ذكر ما جاء في ملاطفة اليتيم والفقراء والمساكين والضعفاء والبنات","level":2,"page":88},{"title":"معاني الآيات الواردة في ملاطفة الضعيف واليتيم ونحوهما","level":2,"page":89},{"title":"معنى قوله تعالى: (واخفض جناحك للمؤمنين)","level":3,"page":90},{"title":"معنى قوله تعالى: (فأما اليتيم فلا تقهر)","level":3,"page":91},{"title":"معنى قوله تعالى: (فذلك الذي يدع اليتيم)","level":3,"page":92},{"title":"شرح أحاديث ملاطفة الضعفاء والأيتام","level":2,"page":93},{"title":"شرح حديث: (لئن أغضبتهم لقد أغضبت ربك)","level":3,"page":94},{"title":"شرح حديث: (أنا وكافل اليتيم في الجنة)","level":3,"page":95},{"title":"شرح حديث: جابر (مم أضرب يتيمي)","level":3,"page":96},{"title":"شرح حديث: (ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان)","level":3,"page":97},{"title":"شرح حديث: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله)","level":3,"page":98},{"title":"النفقة على العيال","level":1,"page":99},{"title":"وجوب النفقة على العيال","level":2,"page":100},{"title":"النفقة على الأهل والعيال أفضل النفقات وأعظمها أجرا","level":2,"page":101},{"title":"الإخلاص والاحتساب في الإنفاق يقتضي الأجر والثواب","level":2,"page":102},{"title":"أعظم الإثم وأكبره تضييع الإنسان من يعول","level":2,"page":103},{"title":"حث المرء على الإنفاق مما يحب","level":2,"page":104},{"title":"مسارعة الصحابة إلى الإنفاق من المحبوب","level":2,"page":105},{"title":"وجوب أمر الرجل أهله وأولاده بالمعروف ونهيهم عن المنكر","level":2,"page":106},{"title":"أمر الرجل أهله بالصلاة والطاعات","level":3,"page":107},{"title":"تأديب النبي ﷺ للحسن ومنعه من فعل المحرم","level":3,"page":108},{"title":"تعليم النبي ﷺ لربيبه عمر بن أبي سلمة آداب الأكل","level":3,"page":109},{"title":"حث المسلم على القيام بالواجب تجاه من ولاه الله عليهم","level":3,"page":110},{"title":"أمر الأولاد بالصلاة لسبع وضربهم عليها والتفريق بينهم في المضاجع لعشر","level":3,"page":111},{"title":"وجوب تعليم الأولاد الصلاة","level":3,"page":112},{"title":"حق الجار والوصية به","level":1,"page":113},{"title":"الأمر بالإحسان إلى الجيران","level":2,"page":114},{"title":"أنواع الجوار في القرآن","level":3,"page":115},{"title":"الوصية بحق الجار","level":3,"page":116},{"title":"حكم من زنى بزوجة جاره","level":3,"page":117},{"title":"مواساة الجيران بالطعام","level":3,"page":118},{"title":"جزاء الجار السيئ","level":3,"page":119},{"title":"الصبر على أذية الجيران","level":3,"page":120},{"title":"النهي عن احتقار هدية الجيران","level":3,"page":121},{"title":"مساعدة الجيران في أمور مصالحهم الدنيوية","level":3,"page":122},{"title":"عدم أذية الجيران من علامات الإيمان","level":3,"page":123},{"title":"الجار القريب أولى بالمعروف من الجار البعيد","level":3,"page":124},{"title":"خير الجيران عند الله تعالى","level":3,"page":125},{"title":"الأمر بالإحسان إلى الوالدين وصلة الأرحام","level":2,"page":126},{"title":"وصية الله تعالى بالوالدين","level":3,"page":127},{"title":"أحب الأعمال إلى الله تعالى بعد الصلاة","level":3,"page":128},{"title":"جزاء قاطع الرحم","level":3,"page":129},{"title":"أحق الناس بحسن الصحبة","level":3,"page":130},{"title":"رغم أنف من أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخل الجنة","level":3,"page":131},{"title":"بسط الرزق والبركة في العمر","level":3,"page":132},{"title":"الأولى بالصدقة","level":3,"page":133},{"title":"بر الوالدين وصلة الأرحام","level":1,"page":134},{"title":"منزلة بر الوالدين في الإسلام","level":2,"page":135},{"title":"حكم الجهاد بغير إذن الوالدين","level":3,"page":136},{"title":"حقيقة صلة الرحم","level":3,"page":137},{"title":"فضل صلة الرحم وخطر قطعها","level":3,"page":138},{"title":"فضل الصدقة والإحسان إلى ذوي القرابة","level":3,"page":139},{"title":"بر المشرك من الوالدين","level":3,"page":140},{"title":"أجر الصدقة على الزوج وذوي القرابة","level":3,"page":141},{"title":"صلة الأرحام هدف للرسالة المحمدية","level":3,"page":142},{"title":"الوصية النبوية بصلة الرحم","level":3,"page":143},{"title":"إخبار النبي ﷺ قرابته بصلة رحمهم","level":3,"page":144},{"title":"صلة الرحم عمل يدخل الجنة","level":3,"page":145},{"title":"منزلة الوالد وحقه على ولده","level":2,"page":146},{"title":"تحريم العقوق وقطيعة الرحم","level":1,"page":147},{"title":"تحريم العقوق وقطيعة الرحم","level":2,"page":148},{"title":"قطع الأرحام إفساد في الأرض","level":3,"page":149},{"title":"عقوق الوالدين من أكبر الكبائر","level":3,"page":150},{"title":"جريمة شهادة الزور","level":2,"page":151},{"title":"شرح حديث عبد الله بن عمرو في الكبائر","level":2,"page":152},{"title":"سب الرجل والديه من الكبائر","level":3,"page":153},{"title":"عقوق الوالدين","level":3,"page":154},{"title":"أنواع اليمين","level":3,"page":155},{"title":"الشرك بالله","level":3,"page":156},{"title":"فضل بر أصدقاء الوالدين والأقارب وأهل بيت النبي","level":1,"page":157},{"title":"فضل بر أصدقاء الوالدين وسائر من يندب إكرامه","level":2,"page":158},{"title":"خدمة جرير البجلي للأنصار إكراما لرسول الله","level":3,"page":159},{"title":"صلة أصدقاء الوالدين","level":3,"page":160},{"title":"إكرام النبي لصديقات خديجة","level":3,"page":161},{"title":"من بر الوالدين صلة أصدقائهما بعد موتهما","level":3,"page":162},{"title":"شرح حديث: (إن أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه)","level":3,"page":163},{"title":"فضل إكرام أهل بيت رسول الله وبيان فضلهم","level":2,"page":164},{"title":"توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم [١]","level":1,"page":165},{"title":"وجوب معرفة الفضل لأهل العلم وكبار السن","level":2,"page":166},{"title":"مراتب إمامة المصلين","level":2,"page":167},{"title":"الأمر بتسوية الصفوف في الصلاة","level":2,"page":168},{"title":"صفة من يلي الإمام في الصلاة","level":2,"page":169},{"title":"الأمر بغض الأصوات في المساجد","level":2,"page":170},{"title":"تقديم الأكبر في السن في الحديث","level":2,"page":171},{"title":"توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم [٢]","level":1,"page":172},{"title":"ما جاء في توقير العلماء والكبار وأهل الفضل","level":2,"page":173},{"title":"شرح حديث (فناولت السواك الأصغر، فقيل لي كبر)","level":2,"page":174},{"title":"شرح حديث (إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم)","level":2,"page":175},{"title":"شرح حديث: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا)","level":2,"page":176},{"title":"شرح أثر (قدم عيينة بن حصن فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس)","level":2,"page":177},{"title":"شرح حديث سمرة (فما يمنعني من القول إلا أن هاهنا رجالا هم أسن مني)","level":2,"page":178},{"title":"شرح حديث (ما أكرم شاب شيخا لسنه إلا قيض الله له من يكرمه عند كبر سنه)","level":2,"page":179},{"title":"زيارة أهل الخير ومجالستهم","level":1,"page":180},{"title":"زيارة أهل الخير وصحبتهم ومحبتهم","level":2,"page":181},{"title":"التعلم من أهل الخير ولو كانوا مفضولين","level":2,"page":182},{"title":"زيارة أبي بكر وعمر لأم أيمن","level":2,"page":183},{"title":"شرح حديث: (زيارة رجل لأخيه في قرية أخرى)","level":2,"page":184},{"title":"شرح حديث: (من عاد مريضا أو زار أخا له في الله)","level":2,"page":185},{"title":"شرح حديث (مثل الجليس)","level":2,"page":186},{"title":"شرح حديث: (تنكح المرأة لأربع)","level":2,"page":187},{"title":"طلب الزيارة من الصالحين","level":2,"page":188},{"title":"الحث على مصاحبة أهل الخير والتحذير من أهل الشر والسوء","level":2,"page":189},{"title":"الرجل على دين خليله","level":2,"page":190},{"title":"خيار أهل الجاهلية هم خيار أهل الإسلام إذا فقهوا","level":2,"page":191},{"title":"زيارة أهل الخير والأماكن الفاضلة والحب في الله","level":1,"page":192},{"title":"ما جاء في زيارة الصالحين ومواضع الفضل","level":2,"page":193},{"title":"قصة عمر ﵁ مع أويس القرني","level":2,"page":194},{"title":"طلب الدعاء من الصالحين","level":2,"page":195},{"title":"زيارة المواضع الفاضلة","level":2,"page":196},{"title":"فضل الحب في الله","level":2,"page":197},{"title":"الحب في الله عند الأنصار","level":3,"page":198},{"title":"متى يجد المرء حلاوة الإيمان","level":3,"page":199},{"title":"فضل الحب في الله والحث عليه وإعلام الرجل من يحبه أنه يحبه [١]","level":1,"page":200},{"title":"حب النبي ﷺ لربه ﷾","level":2,"page":201},{"title":"صبر إبراهيم على البلاء محبة لله سبحانه","level":2,"page":202},{"title":"شرح حديث: (سبعة يظلهم)","level":2,"page":203},{"title":"شدة هول يوم القيامة وحره","level":3,"page":204},{"title":"معنى قوله: (إمام عادل وشاب نشأ في عباد الله)","level":3,"page":205},{"title":"معنى قوله: (ورجل قلبه معلق بالمساجد)","level":3,"page":206},{"title":"معنى قوله: (ورجلان تحابا في الله)","level":3,"page":207},{"title":"معنى قوله: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال)","level":3,"page":208},{"title":"معنى قوله: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها)","level":3,"page":209},{"title":"فضل الحب في الله والحث عليه وإعلام الرجل من يحبه أنه يحبه [٢]","level":1,"page":210},{"title":"الحب في الله فضله وجزاء أهله","level":2,"page":211},{"title":"نموذج من محبة المهاجرين والأنصار في الله","level":3,"page":212},{"title":"إظلال الله للمتحابين فيه يوم القيامة","level":3,"page":213},{"title":"أثر السلام في التحاب في الله","level":3,"page":214},{"title":"سبب تفرق الأحبة في الدنيا","level":3,"page":215},{"title":"حب الأنصار إيمان","level":3,"page":216},{"title":"شرح حديث: (وجبت محبتي للمتحابين في)","level":2,"page":217},{"title":"ما جاء في الإعلام بالمحبة في الله","level":2,"page":218},{"title":"شرح حديث: (إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه)","level":3,"page":219},{"title":"ما يقول الرجل لمن يحبه وكيف يجيبه على ذلك","level":3,"page":220},{"title":"علامات حب الله تعالى للعبد","level":1,"page":221},{"title":"علامات محبة الله للعبد","level":2,"page":222},{"title":"شرح حديث: (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب)","level":2,"page":223},{"title":"أفضل القربات الفرائض","level":3,"page":224},{"title":"الولي يسمع ويبصر ويتحرك بالله تعالى","level":3,"page":225},{"title":"إجابة الله تعالى دعاء أوليائه","level":3,"page":226},{"title":"محبة أهل السماء والأرض لمن يحبه الله","level":2,"page":227},{"title":"شرح حديث: (أخبروه أن الله يحبه)","level":2,"page":228},{"title":"التحذير من إيذاء الصالحين والضعفة والمساكين","level":1,"page":229},{"title":"بيان حرمة إيذاء المسلمين عموما والصالحين خصوصا","level":2,"page":230},{"title":"بيان فضل الصالحين والضعفاء والمساكين","level":3,"page":231},{"title":"التحذير من إيذاء المساكين والضعفة من المؤمنين","level":3,"page":232},{"title":"غضب الله على من يغضب الضعفاء من المؤمنين","level":3,"page":233},{"title":"التحذير من إيذاء من كان في ذمة الله","level":3,"page":234},{"title":"التعامل مع الناس بالظاهر والباطن إلى الله ﷿","level":2,"page":235},{"title":"من أسلم ظاهرا عصم ماله ودمه إلا بحق الإسلام","level":3,"page":236},{"title":"من أدى الشهادتين حرم ماله ودمه وحسابه على الله","level":3,"page":237},{"title":"من قال لا إله إلا الله حقن دمه وإن قالها تعوذا","level":3,"page":238},{"title":"من أظهر الإسلام فقد حرم قتله","level":3,"page":239},{"title":"التعامل مع الناس بما ظهر منهم","level":3,"page":240},{"title":"الخوف من الله","level":1,"page":241},{"title":"أهمية الخوف من الله","level":2,"page":242},{"title":"ما جاء من التخويف في القرآن","level":2,"page":243},{"title":"أمر الله تعالى عباده بأن يخافوه","level":3,"page":244},{"title":"ذكر قصة نوح لتخويف العباد","level":3,"page":245},{"title":"تخويف الله لعباده بما وقع لعاد قوم هود","level":3,"page":246},{"title":"قد يعمل المرء بعمل أهل الجنة ثم يختم له بسوء","level":2,"page":247},{"title":"التخويف بنار جهنم وعذابها","level":2,"page":248},{"title":"الخوف والرجاء","level":1,"page":249},{"title":"أدلة الخوف من الكتاب والسنة","level":2,"page":250},{"title":"معنى قوله الله: (إن زلزلة الساعة شيء عظيم)","level":3,"page":251},{"title":"شرح حديث: (أطت السماء وحق لها أن تئط)","level":3,"page":252},{"title":"شرح حديث: (لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع)","level":3,"page":253},{"title":"تفسير النبي ﷺ لقوله تعالى: (يومئذ تحدث أخبارها)","level":3,"page":254},{"title":"شرح حديث: (كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن)","level":3,"page":255},{"title":"شرح حديث: (من خاف أدلج)","level":3,"page":256},{"title":"شرح حديث: (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا)","level":3,"page":257},{"title":"أدلة الرجاء من الكتاب والسنة","level":2,"page":258},{"title":"شرح قوله تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم إنه هو الغفور الرحيم)","level":3,"page":259},{"title":"شرح قوله تعالى: (ورحمتي وسعت كل شيء)","level":3,"page":260},{"title":"شرح حديث (من شهد أن لا إله إلا الله أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)","level":3,"page":261},{"title":"معنى شهادة أن محمدا رسول الله","level":3,"page":262},{"title":"من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها","level":3,"page":263},{"title":"الرجاء في رحمة الله [١]","level":1,"page":264},{"title":"ما جاء في فضل الرجاء","level":2,"page":265},{"title":"شرح حديث: (ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله صدقا من قلبه)","level":2,"page":266},{"title":"شرح حديث (لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة)","level":2,"page":267},{"title":"شرح حديث عتبان (ألا تراه قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله)","level":2,"page":268},{"title":"شرح حديث (لله أرحم بعباده من هذه بولدها)","level":2,"page":269},{"title":"شرح حديث (جعل الله الرحمة مائة جزء)","level":2,"page":270},{"title":"شرح حديث (غفرت لعبدي فليفعل ما شاء)","level":2,"page":271},{"title":"شرح حديث (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم)","level":2,"page":272},{"title":"شرح حديث (فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة)","level":2,"page":273},{"title":"شرح حديث (إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك)","level":2,"page":274},{"title":"الرجاء في رحمة الله [٢]","level":1,"page":275},{"title":"شرح حديث: (حق الله على العباد وحق العباد على الله)","level":2,"page":276},{"title":"حق الله على العباد","level":3,"page":277},{"title":"حق العباد على الله","level":3,"page":278},{"title":"شرح حديث: (المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله)","level":2,"page":279},{"title":"شرح حديث: (إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة في الدنيا)","level":2,"page":280},{"title":"شرح حديث: (مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم)","level":2,"page":281},{"title":"شرح حديث: (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا)","level":2,"page":282},{"title":"شرح حديث: (أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟)","level":2,"page":283},{"title":"شرح حديث: (إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهوديا أو نصرانيا)","level":2,"page":284},{"title":"شرح حديث: (يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع كنفه عليه)","level":2,"page":285},{"title":"شرح حديث: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها)","level":2,"page":286},{"title":"الرجاء في رحمة الله [٣]","level":1,"page":287},{"title":"شرح حديث: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار)","level":2,"page":288},{"title":"شرح حديث عمرو بن عبسة في إسلامه","level":2,"page":289},{"title":"مجيء عمرو بن عبسة وإسلامه بمكة قبل الهجرة","level":3,"page":290},{"title":"مجيء عمرو بن عبسة إلى المدينة","level":3,"page":291},{"title":"تعليم النبي لعمرو بن عبسة أوقات الصلاة","level":3,"page":292},{"title":"تعليم النبي لعمرو بن عبسة الوضوء مع ذكر ما فيه من فضل","level":3,"page":293},{"title":"أهمية الخشوع في الصلاة","level":3,"page":294},{"title":"تأكيد عمرو بن عبسة لسماعه فضل الوضوء والصلاة من رسول الله","level":3,"page":295},{"title":"شرح حديث: (إذا أراد الله رحمة أمة قبض نبيها قبلها)","level":2,"page":296},{"title":"شرح حديث: (والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته)","level":2,"page":297},{"title":"شرح حديث: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله)","level":2,"page":298},{"title":"الجمع بين الخوف والرجاء وفضل البكاء من خشية الله تعالى","level":1,"page":299},{"title":"الجمع بين الخوف والرجاء","level":2,"page":300},{"title":"ما جاء من الجمع بين الخوف والرجاء في القرآن","level":2,"page":301},{"title":"شرح حديث: (لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد)","level":2,"page":302},{"title":"شرح حديث: (إذا كانت الجنازة صالحة قالت: قدموني قدموني)","level":2,"page":303},{"title":"شرح حديث: (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله)","level":2,"page":304},{"title":"شرح حديث: (فضل البكاء من خشية الله)","level":2,"page":305},{"title":"من صفات المؤمنين أنهم يخرون لله سجدا وبكيا","level":3,"page":306},{"title":"بكاء النبي عند سماع القرآن","level":3,"page":307},{"title":"من علم حقيقة الأمر بكى كثيرا وضحك قليلا","level":3,"page":308},{"title":"لا يدخل النار من بكى من خشية الله","level":3,"page":309},{"title":"رجل بكى من خشية الله","level":3,"page":310},{"title":"بكاء رسول الله في الصلاة","level":3,"page":311},{"title":"بكاء أبي بن كعب حين علم أن الله ذكره باسمه","level":3,"page":312},{"title":"بكاء أبي بكر وعمر عندما زارا أم أيمن","level":3,"page":313},{"title":"بكاء أبي بكر في الصلاة","level":3,"page":314},{"title":"بكاء عبد الرحمن بن عوف عند تذكره لمن مضى من الصحابة","level":3,"page":315},{"title":"فضل الزهد فى الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر [١]","level":1,"page":316},{"title":"الزهد في الدنيا وما جاء فيه","level":2,"page":317},{"title":"حقيقة الحياة الدنيا في القرآن","level":2,"page":318},{"title":"حقيقتها في قوله تعالى: (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء)","level":3,"page":319},{"title":"حقيقتها في قوله تعالى: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء)","level":3,"page":320},{"title":"حقيقتها في قوله تعالى: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة)","level":3,"page":321},{"title":"حقيقة الدنيا من السنة النبوية","level":2,"page":322},{"title":"حديث عمرو بن عوف في الزهد في الدنيا","level":3,"page":323},{"title":"زهرة الدنيا وخضرتها مدعاة إلى الهلاك","level":3,"page":324},{"title":"الحياة الحقيقية","level":3,"page":325},{"title":"ما يبقى مع المرء بعد الموت","level":3,"page":326},{"title":"غمسة في الجنة أو النار تنسي ما كان في الدنيا","level":3,"page":327},{"title":"هوان الدنيا على الله تعالى","level":3,"page":328},{"title":"فائدة الإقلال من الدنيا ومضرة الإكثار منها","level":3,"page":329},{"title":"فضل الزهد فى الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر [٢]","level":1,"page":330},{"title":"فضل الزهد في الدنيا والتقلل منها","level":2,"page":331},{"title":"حقيقة الزهد","level":3,"page":332},{"title":"بيان الفرق بين ما زينة الله بأصل الخلقة وما زينه الشيطان","level":3,"page":333},{"title":"التحذير من الاغترار بالدنيا","level":3,"page":334},{"title":"الحث على التقلل من الدنيا ومقت المفاخرة بالكثرة والتكثر","level":3,"page":335},{"title":"الحياة الحقيقية هي حياة الآخرة","level":3,"page":336},{"title":"التحذير من غرور الدنيا وبيان فضل الفقر","level":2,"page":337},{"title":"معنى قول النبي ﷺ: (انظروا إلى من هو أسفل)","level":3,"page":338},{"title":"التحذير من عبادة الأموال","level":3,"page":339},{"title":"بيان ما كان عليه النبي وأصحابه من شظف العيش","level":3,"page":340},{"title":"الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر","level":3,"page":341},{"title":"الوصية النبوية لابن عمر ﵁","level":3,"page":342},{"title":"الزهد سبيل حب الله للعبد وحب الناس له","level":3,"page":343},{"title":"تقلل النبي ﷺ من الدنيا","level":3,"page":344},{"title":"زهد النبي ﷺ في الدنيا","level":3,"page":345},{"title":"فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر [٣]","level":1,"page":346},{"title":"حقيقة الدنيا في الكتاب والسنة","level":2,"page":347},{"title":"ذم الدنيا وما فيها من متاع زائل","level":3,"page":348},{"title":"تاج الدنيا رضا الله ومحبته","level":3,"page":349},{"title":"حقارة الدنيا عند الله تعالى","level":3,"page":350},{"title":"انقضاء الدنيا بالموت","level":3,"page":351},{"title":"حب الدنيا مزهد عن الآخرة","level":3,"page":352},{"title":"التحذير من الافتتان بالمال","level":3,"page":353},{"title":"الحرص على الدنيا مفسد للدين","level":3,"page":354},{"title":"الدنيا ظل زائل","level":3,"page":355},{"title":"ما للفقراء من نعيم في الآخرة","level":3,"page":356},{"title":"الفقراء أكثر أهل الجنة","level":3,"page":357},{"title":"دخول الفقراء الجنة قبل الأغنياء","level":3,"page":358},{"title":"فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل [١]","level":1,"page":359},{"title":"ما جاء في فضل الجوع والتقلل من الدنيا في القرآن","level":2,"page":360},{"title":"فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة","level":3,"page":361},{"title":"جزاء قارون","level":3,"page":362},{"title":"سؤال الإنسان يوم القيامة عن النعيم في الدنيا","level":3,"page":363},{"title":"خشونة العيش والاقتصار على القليل في حياة النبي ﷺ","level":2,"page":364},{"title":"ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتابعين","level":3,"page":365},{"title":"ما أكل رسول الله شاة مصلية","level":3,"page":366},{"title":"خروج رسول الله وأبي بكر وعمر من بيوتهم جياعا","level":3,"page":367},{"title":"بيان شدة ما لاقى الصحابة من الجوع والعري في سبيل نصرة هذا الدين","level":2,"page":368},{"title":"فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل [٢]","level":1,"page":369},{"title":"ذكر ما جاء من خشونة عيش النبي ﷺ وأصحابه","level":2,"page":370},{"title":"الحث على العمل الصالح والنفقة وترك المفاخرة والتكاثر","level":3,"page":371},{"title":"وفاة النبي ﷺ في كساء وإزار غليظين","level":3,"page":372},{"title":"أكل الصحابة ﵃ من أوراق الشجر","level":3,"page":373},{"title":"فضيلة سعد بن أبي وقاص وكرامته على الله","level":3,"page":374},{"title":"دعاء النبي ﷺ ربه أن يجعل رزق آل بيته قوتا","level":3,"page":375},{"title":"قصة خروج أبي هريرة جائعا وإطعام النبي له ولأهل الصفة","level":3,"page":376},{"title":"شدة معاناة أبي هريرة من الجوع","level":3,"page":377},{"title":"وفاة النبي ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي في دين","level":3,"page":378},{"title":"أكل النبي ﷺ الشعير والإهالة السنخة","level":3,"page":379},{"title":"رثاثة لباس أهل الصفة في عهد النبي ﷺ","level":3,"page":380},{"title":"صفة فراش النبي ﷺ وتقشفه هو وأصحابه","level":3,"page":381},{"title":"ذم التنعم والانغماس في اللذات","level":2,"page":382},{"title":"ذم السمن","level":3,"page":383},{"title":"ذم إمساك المال وعدم بذله","level":3,"page":384},{"title":"القليل من الدنيا يكفي الإنسان","level":3,"page":385},{"title":"فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل [٣]","level":1,"page":386},{"title":"فضل الهداية والقناعة","level":2,"page":387},{"title":"فضل الفقير الصابر والغني الشاكر والفرق بينهما","level":3,"page":388},{"title":"فضل الجوع وذم الشبع","level":2,"page":389},{"title":"النبي يبيت الليالي المتتابعة طاويا","level":3,"page":390},{"title":"الصحابة يخرون على الأرض من الجوع","level":3,"page":391},{"title":"ذم الشبع وعاقبته","level":3,"page":392},{"title":"فضل التقلل في اللباس وغيره","level":2,"page":393},{"title":"خروج ثلاثمائة صحابي للجهاد وزادهم جراب تمر","level":2,"page":394},{"title":"جوع النبي وأصحابه أثناء حفر الخندق وإكرام جابر لهم","level":2,"page":395},{"title":"شدة جوع النبي وأصحابه في الخندق","level":3,"page":396},{"title":"تكثير الطعام ببركة دعاء النبي ﷺ","level":3,"page":397},{"title":"تكثير الطعام ببركة بصق النبي ﷺ","level":3,"page":398},{"title":"تفقد الصحابة للنبي ﷺ والاعتناء به مع ضيق حالهم","level":2,"page":399},{"title":"الفرق بين الفقر والمسكنة","level":2,"page":400},{"title":"القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة وذم السؤال من غير حاجة","level":1,"page":401},{"title":"تكفل الله بقسمه الأرزاق وأن على الغني الإنفاق","level":2,"page":402},{"title":"موقف المؤمن من المال","level":2,"page":403},{"title":"ثقة المؤمن برزق الله وقناعته بما آتاه","level":3,"page":404},{"title":"تعفف المؤمن الفقير وعدم إلحافه في المسألة","level":3,"page":405},{"title":"إنفاق المؤمن الغني مما آتاه الله","level":3,"page":406},{"title":"فضل القناعة","level":2,"page":407},{"title":"فلاح من رزق كفافا وقنعه الله بما آتاه","level":3,"page":408},{"title":"الذي يأخذ المال بسخاوة نفس يبارك له فيه","level":3,"page":409},{"title":"شقاوة من يجمع الدنيا من الحرام والحلال","level":3,"page":410},{"title":"اقتصاد الصحابة في غزوة ذات الرقاع","level":2,"page":411},{"title":"إعطاء النبي المال لأقوام وغيرهم أحب إليه منهم","level":2,"page":412},{"title":"من يستعفف يعفه الله","level":2,"page":413},{"title":"النهي عن سؤال الناس واستخدامهم","level":2,"page":414},{"title":"بيعة النبي بعض أصحابه على ألا يسألوا الناس شيئا","level":3,"page":415},{"title":"ذم المسألة إلا لحاجة","level":3,"page":416},{"title":"من تحل لهم المسألة","level":3,"page":417},{"title":"من هو المسكين","level":2,"page":418},{"title":"جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلع إليه والأكل من عمل يده","level":1,"page":419},{"title":"جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلع إليه","level":2,"page":420},{"title":"ما جاء في جواز الأخذ من غير مسألة والأكل من عمل اليد","level":3,"page":421},{"title":"شرح حديث: (إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه)","level":3,"page":422},{"title":"الحث على الأكل من عمل اليد","level":2,"page":423},{"title":"الأمر بالانتشار للعمل بعد الصلاة","level":3,"page":424},{"title":"شرح حديث: (لأن يأخذ أحدكم أحبله ثم يأتي الجبل فيحتطب)","level":3,"page":425},{"title":"شرح حديث: (كان داود لا يأكل إلا من عمل يده)","level":3,"page":426},{"title":"شرح حديث: (ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده)","level":3,"page":427},{"title":"الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير","level":2,"page":428},{"title":"إخلاف الله تعالى على المنفقين","level":3,"page":429},{"title":"فضل التنافس في الإنفاق","level":3,"page":430},{"title":"ليس مال للمرء إلا ما أنفقه لله تعالى","level":3,"page":431},{"title":"فضل التصدق ولو بشق تمرة","level":3,"page":432},{"title":"جود النبي ﷺ","level":3,"page":433},{"title":"دعاء الملائكة للمنفقين","level":3,"page":434},{"title":"الكرم والجود والإنفاق في سبيل الله ثقة في الله","level":1,"page":435},{"title":"ثقة المسلم بما عند الله","level":2,"page":436},{"title":"إنفاق رسول الله وجوده ثقة بالله","level":2,"page":437},{"title":"شرح حديث أنس: (ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئا إلا أعطاه)","level":3,"page":438},{"title":"شرح حديث: (إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني ولست بباخل)","level":3,"page":439},{"title":"شرح حديث: (لو كان لي عدد هذه العضاة نعما لقسمته بينكم)","level":3,"page":440},{"title":"بيان أن الصدقة لا تنقص المال","level":2,"page":441},{"title":"شرح حديث: (ما نقصت صدقة من مال)","level":3,"page":442},{"title":"شرح حديث: (ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه)","level":3,"page":443},{"title":"شرح حديث عائشة: (بقي كلها غير كتفها)","level":3,"page":444},{"title":"ذم البخل والحث على الإنفاق","level":2,"page":445},{"title":"شرح حديث: (لا تحصي فيحصي الله عليك)","level":3,"page":446},{"title":"شرح حديث: (مثل البخيل والمنفق)","level":3,"page":447},{"title":"تربية الله لصدقة العبد حتى تكون كالجبل","level":3,"page":448},{"title":"شرح حديث: (اسق حديقة فلان)","level":3,"page":449},{"title":"النهي عن البخل والشح وما جاء في الإيثار والمواساة والتنافس في أمور الآخرة","level":1,"page":450},{"title":"النهي عن البخل والشح","level":2,"page":451},{"title":"ذم الشح","level":3,"page":452},{"title":"تيسير البخيل للعسرى","level":3,"page":453},{"title":"مفسدة الشح وتسببه في القتل والقطيعة","level":3,"page":454},{"title":"مدح الأنصار بالإيثار","level":3,"page":455},{"title":"شرح حديث: (من يضيف هذا الليلة؟)","level":3,"page":456},{"title":"شرح حديث: (طعام الاثنين كافي الثلاثة)","level":3,"page":457},{"title":"شرح حديث: (من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له)","level":3,"page":458},{"title":"شرح حديث: (أعطت امرأة رسول الله بردة فسأله رجل إياها فأعطاه البردة وهو محتاج إليها)","level":3,"page":459},{"title":"شرح حديث: (إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو)","level":3,"page":460},{"title":"التنافس في أمور الآخرة","level":2,"page":461},{"title":"تنافس المؤمنين على الآخرة","level":3,"page":462},{"title":"ابن عباس لم يقبل أن يؤثر بنصيبه من رسول الله","level":3,"page":463},{"title":"نبي الله أيوب يأخذ من بركة الله تعالى","level":3,"page":464},{"title":"فضل الغني الشاكر","level":1,"page":465},{"title":"المفاضلة بين الغني الشاكر والفقير الصابر","level":2,"page":466},{"title":"تيسير الغني الشاكر لليسرى في الدنيا والآخرة","level":2,"page":467},{"title":"فضل الصدقة","level":2,"page":468},{"title":"فضل صدقة السر","level":3,"page":469},{"title":"فضل الإنفاق من المال المحبوب","level":3,"page":470},{"title":"فضل تمني التصدق","level":3,"page":471},{"title":"تنافس الفقراء والأغنياء","level":2,"page":472},{"title":"ذكر الموت وقصر الأمل","level":1,"page":473},{"title":"ما جاء في ذكر الموت وقصر الأمل","level":2,"page":474},{"title":"أهمية ذكر الموت وقصر الأمل","level":2,"page":475},{"title":"ذكر بعض ما جاء من ذكر الموت في القرآن","level":2,"page":476},{"title":"معنى قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة)","level":3,"page":477},{"title":"معنى قوله تعالى: (وما تدري نفس ماذا تكسب غدا)","level":3,"page":478},{"title":"معنى قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم)","level":3,"page":479},{"title":"معنى قوله تعالى: (حتى إذا جاء أحدهم الموت وأنكم إلينا لا ترجعون)","level":3,"page":480},{"title":"ما جاء من قصر الأمل في السنة","level":2,"page":481},{"title":"شرح حديث: (كن في الدنيا كأنك غريب)","level":3,"page":482},{"title":"شرح حديث: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه)","level":3,"page":483},{"title":"ذكر الموت وزيارة القبور وكراهية تمني الموت","level":1,"page":484},{"title":"تابع ما جاء في ذكر الموت وقصر الأمل من الأحاديث","level":2,"page":485},{"title":"شرح حديث أنس وابن مسعود: (خط النبي ﷺ خطوطا)","level":3,"page":486},{"title":"شرح حديث: (بادروا بالأعمال سبعا)","level":3,"page":487},{"title":"شرح حديث: (أكثروا ذكر هاذم اللذات)","level":3,"page":488},{"title":"شرح حديث: (جاءت الراجفة تتبعها الرادفة)","level":3,"page":489},{"title":"استحباب زيارة القبور للرجال وما يقوله الزائر","level":2,"page":490},{"title":"شرح حديث: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها)","level":3,"page":491},{"title":"شرح حديث عائشة في خروج النبي إلى البقيع ودعائه لأهله","level":3,"page":492},{"title":"شرح حديث بريدة في زيارة المقابر والدعاء للموتى","level":3,"page":493},{"title":"شرح حديث: (مر رسول الله بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه)","level":3,"page":494},{"title":"ما جاء في كراهة تمني الموت بسبب ضر نزل به ولا بأس به لخوف الفتنة في الدين","level":2,"page":495},{"title":"شرح حديث: (لا يتمنين أحدكم الموت)","level":3,"page":496},{"title":"شرح حديث خباب: (ولولا أن النبي نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به)","level":3,"page":497},{"title":"الورع وترك الشبهات","level":1,"page":498},{"title":"ذكر ما جاء في الورع وترك الشبهات","level":2,"page":499},{"title":"معنى قوله تعالى: (وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم)","level":3,"page":500},{"title":"شرح حديث: (إن الحلال بين وإن الحرام بين)","level":3,"page":501},{"title":"شرح حديث: (لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة)","level":3,"page":502},{"title":"شرح حديث: (والإثم ما حاك في النفس)","level":3,"page":503},{"title":"شرح حديث: (البر ما اطمأنت إليه النفس)","level":3,"page":504},{"title":"شرح حديث: (كيف وقد قيل؟)","level":3,"page":505},{"title":"شرح حديث: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)","level":3,"page":506},{"title":"من ورع أبي بكر وعمر","level":2,"page":507},{"title":"ذكر قصة أبي بكر عندما أعطاه غلامه شيئا حراما أكله ثم تقيأه","level":3,"page":508},{"title":"ورع عمر في إنقاص ابنه من العطاء","level":3,"page":509},{"title":"الزهد باب من أبواب الورع واجتناب الشبهات","level":3,"page":510},{"title":"اعتزال الناس عند فساد الزمان","level":1,"page":511},{"title":"محافظة المسلم على دينه واعتزال الفتن وأهلها","level":2,"page":512},{"title":"ما جاء في فضل العزلة عند فساد الزمان","level":2,"page":513},{"title":"شرح حديث: (إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي)","level":3,"page":514},{"title":"شرح حديث: (أي الناس أفضل يا رسول الله؟)","level":3,"page":515},{"title":"شرح حديث: (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال)","level":3,"page":516},{"title":"شرح حديث: (من خير معاش الناس بهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله)","level":3,"page":517},{"title":"فضل الاختلاط بالناس وحضور مجامع الخير","level":2,"page":518},{"title":"التواضع وخفض الجناح للمؤمنين","level":1,"page":519},{"title":"ما جاء في التواضع وخفض الجناح للمؤمنين","level":2,"page":520},{"title":"ذكر بعض النصوص الدالة على فضل التواضع","level":3,"page":521},{"title":"أمر الله تعالى لنبيه بخفض الجناح والتواضع للمؤمنين","level":3,"page":522},{"title":"مدح الصالحين بأنهم أذلة على المؤمنين","level":3,"page":523},{"title":"التقوى هي معيار التفاضل","level":3,"page":524},{"title":"رحمة الله تعالى بعباده المؤمنين المتواضعين","level":3,"page":525},{"title":"فضل التواضع وقبح الكبر والفخر","level":2,"page":526},{"title":"شرح حديث: (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا)","level":3,"page":527},{"title":"شرح حديث: (وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا)","level":3,"page":528},{"title":"شرح حديث أنس: (أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: كان النبي يفعله)","level":3,"page":529},{"title":"شرح حديث: (إن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي فتنطلق به حيث شاءت)","level":3,"page":530},{"title":"شرح حديث: (كان النبي يكون في مهنة أهله)","level":3,"page":531},{"title":"شرح حديث تميم بن أسيد الذي فيه: (أنه جاء إلى النبي وهو يخطب فسأله أن يعلمه فنزل من منبره فعلمه ثم أتم خطبته)","level":3,"page":532},{"title":"شرح حديث: (أن رسول الله كان إذا أكل طعاما لعق أصابعه الثلاث)","level":3,"page":533},{"title":"شرح حديث: (ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم)","level":3,"page":534},{"title":"شرح حديث: (لو دعيت إلى كراع لأجبت أو ذراع لقبلت)","level":3,"page":535},{"title":"شرح حديث: (كانت ناقة رسول الله العضباء لا تسبق)","level":3,"page":536},{"title":"تحريم الكبر والإعجاب","level":1,"page":537},{"title":"رفعة الآخرة بتواضع الدنيا","level":2,"page":538},{"title":"الدار الآخرة للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا","level":3,"page":539},{"title":"ذم مشية الخيلاء والمرح","level":3,"page":540},{"title":"عاقبة قارون وأمثاله من المستكبرين","level":3,"page":541},{"title":"المتكبر لا يدخل الجنة","level":3,"page":542},{"title":"المتكبرون أهل النار والضعفاء أهل الجنة","level":3,"page":543},{"title":"لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطرا","level":3,"page":544},{"title":"الفقير المستكبر من أهل النار","level":3,"page":545},{"title":"الكبر رداء الله والعظمة إزاره فمن نازعه فيهما عذبه","level":3,"page":546},{"title":"ذم التشبه بالجبارين","level":3,"page":547},{"title":"حسن الخلق","level":1,"page":548},{"title":"حسن الخلق من خصال النبيين وأتباعهم","level":2,"page":549},{"title":"الله تعالى يحب حسن الخلق","level":3,"page":550},{"title":"حسن خلق النبي ﷺ وتأديب ربه له","level":3,"page":551},{"title":"كظم الغيظ والعفو عن الناس من حسن الخلق","level":3,"page":552},{"title":"ذكر بعض محاسن أخلاقه ﷺ","level":2,"page":553},{"title":"حسن خلقه ﷺ مع خادمه","level":3,"page":554},{"title":"حسن خلقه مع من أهدى له صيدا وهو محرم","level":3,"page":555},{"title":"جماع البر حسن الخلق","level":3,"page":556},{"title":"تنزهه ﷺ عن الفحش والتفحش","level":3,"page":557},{"title":"فضائل حسن الخلق","level":2,"page":558},{"title":"أثقل شيء في ميزان العبد حسن الخلق","level":3,"page":559},{"title":"تقوى الله وحسن الخلق من أسباب دخول الجنة","level":3,"page":560},{"title":"حسن الخلق من كمال الإيمان","level":3,"page":561},{"title":"إدراك المؤمن درجة الصائم القائم بحسن خلقه","level":3,"page":562},{"title":"ضمان النبي ﷺ ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه","level":3,"page":563},{"title":"حسن الخلق يقرب من النبي ﷺ ومن محبته يوم القيامة","level":3,"page":564},{"title":"سوء الخلق يباعد عن النبي ﷺ وعن محبته يوم القيامة","level":3,"page":565},{"title":"الحلم والأناة والرفق [١]","level":1,"page":566},{"title":"فضل الحلم والأناة والرفق","level":2,"page":567},{"title":"معنى قوله: (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس)","level":2,"page":568},{"title":"معنى قوله: (خذ العفو وأمر بالعرف)","level":2,"page":569},{"title":"معنى قوله: (ادفع بالتي هي أحسن)","level":2,"page":570},{"title":"فضل الأناة","level":2,"page":571},{"title":"حب الله لصفة الرفق","level":2,"page":572},{"title":"رفق النبي بالأعرابي الذي بال في المسجد","level":2,"page":573},{"title":"الحلم والأناة والرفق [٢]","level":1,"page":574},{"title":"فضل الرفق والأناة","level":2,"page":575},{"title":"الله تعالى يحب الرفق","level":3,"page":576},{"title":"شرح حديث: (لا تغضب)","level":3,"page":577},{"title":"شرح حديث: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء)","level":3,"page":578},{"title":"شرح حديث: (ما خير رسول الله بين أمرين إلا اختار أيسرهما)","level":3,"page":579},{"title":"شرح حديث: (ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار)","level":3,"page":580},{"title":"فضل العفو والإعراض عن الجاهلين","level":2,"page":581},{"title":"معنى قوله تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف)","level":3,"page":582},{"title":"معنى قوله تعالى: (فاصفح الصفح الجميل)","level":3,"page":583},{"title":"أذى الناس لرسول الله وصفحه عنهم","level":2,"page":584},{"title":"إيذاء المشركين لرسول الله يوم أحد","level":3,"page":585},{"title":"شدة أذى المشركين للنبي ﷺ يوم خرج إلى الطائف","level":3,"page":586},{"title":"النبي ﷺ لم يضرب أحدا","level":3,"page":587},{"title":"عفو النبي عن الأعرابي الذي جبذه بردائه حتى أثر في عاتقه","level":2,"page":588},{"title":"عفوه ﷺ عن قومه واستغفاره لهم","level":3,"page":589},{"title":"ليس الشديد بالصرعة","level":3,"page":590},{"title":"احتمال الأذى والغضب والانتصار لدين الله","level":1,"page":591},{"title":"ما جاء في احتمال الأذى","level":2,"page":592},{"title":"فضل صلة الرحم","level":2,"page":593},{"title":"ما جاء في الغضب إذا نتهكت حرمات الشرع","level":2,"page":594},{"title":"غضب الرسول من إطالة الصلاة بالناس","level":3,"page":595},{"title":"غضب الرسول مما يذهب الخشوع","level":3,"page":596},{"title":"غضب الرسول من الشفاعة في حدود الله","level":3,"page":597},{"title":"غضب الرسول لحرمات المساجد","level":3,"page":598},{"title":"مراعاة آداب المساجد","level":3,"page":599},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":600},{"title":"موقف المرأة في الصلاة مع محرمها","level":3,"page":601},{"title":"الفرق بين الصور الممتهنة وغير الممتهنة","level":3,"page":602},{"title":"موضع الدعاء في صلاتي الاستخارة والتوبة","level":3,"page":603},{"title":"حد العورة بين المحارم","level":3,"page":604},{"title":"وقوع النجاسة في البدن أو الثوب لا تبطل الوضوء","level":3,"page":605},{"title":"حكم لبس ما عليه تماثيل وصور","level":3,"page":606},{"title":"حكم قول المأموم: سمع الله لمن حمده بعد الرفع من الركوع","level":3,"page":607},{"title":"حكم استعمال الفرش التي فيها تصاوير على السرير","level":3,"page":608},{"title":"معنى الفترة وحكم أهلها","level":3,"page":609},{"title":"معنى إحفاء الشوارب وحكمه","level":3,"page":610},{"title":"حكم التسبيح باليد الشمال","level":3,"page":611},{"title":"حكم تأخر المأموم عن إمامه بحجة قراءة الفاتحة","level":3,"page":612},{"title":"حكم مرور الطفل أمام المصلي","level":3,"page":613},{"title":"حكم إظهار المرأة لثديها أمام النساء عند الإرضاع","level":3,"page":614},{"title":"حكم تقصير اللحية","level":3,"page":615},{"title":"أمر ولاة الأمور بالرفق برعاياهم","level":1,"page":616},{"title":"أمر ولاة الأمور بالرفق بالرعية وقضاء حوائجهم","level":2,"page":617},{"title":"مسئولية الراعي عن رعيته","level":3,"page":618},{"title":"الوعيد الشديد لمن مات وهو غاش لرعيته","level":3,"page":619},{"title":"واجب الرعية تجاه الولاة الظلمة","level":3,"page":620},{"title":"الوعيد الشديد للولاة الظلمة","level":3,"page":621},{"title":"الوالي العادل","level":1,"page":622},{"title":"ما جاء في الوالي العادل","level":2,"page":623},{"title":"شرح حديث: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)","level":3,"page":624},{"title":"شرح حديث: (إن المقسطين عند الله على منابر من نور)","level":3,"page":625},{"title":"شرح حديث: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم)","level":3,"page":626},{"title":"شرح حديث: (أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط)","level":3,"page":627},{"title":"وجوب طاعة ولاة الأمر في غير معصية وتحريم طاعتهم في المعصية","level":1,"page":628},{"title":"وجوب طاعة ولاة الأمور في غير معصية","level":2,"page":629},{"title":"السمع والطاعة لولاة الأمور بالمعروف","level":3,"page":630},{"title":"شرح حديث: (من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له)","level":3,"page":631},{"title":"التحذير من مفارقة الجماعة والخروج عن الطاعة","level":3,"page":632},{"title":"شرح حديث: (وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها)","level":3,"page":633},{"title":"النهي عن سؤال الإمارة","level":1,"page":634},{"title":"النهي عن سؤال الإمارة","level":2,"page":635},{"title":"الفائزون بالجنة هم الذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا","level":3,"page":636},{"title":"ذكر ما جاء من إعجاب قارون بماله وغناه وإهلاك الله له","level":3,"page":637},{"title":"شرح حديث: (يا عبد الرحمن بن سمرة! لا تسأل الإمارة)","level":3,"page":638},{"title":"كفارة اليمين","level":3,"page":639},{"title":"نصيحة النبي ﷺ لأبي ذر ألا يتأمر على أحد ولا يتولى على يتيم","level":3,"page":640},{"title":"عدم تولية النبي ﷺ أبا ذر لضعفه","level":3,"page":641},{"title":"شرح حديث: (إنكم ستحرصون على الإمارة)","level":3,"page":642},{"title":"الحياء وفضله والحث على التخلق به","level":1,"page":643},{"title":"الحياء وفضله والحث على التخلق به","level":2,"page":644},{"title":"ضابط الحياء الممدوح ومتى يكون مذموما","level":2,"page":645},{"title":"حقيقة الحياء","level":2,"page":646},{"title":"تعريف الجنيد للحياء","level":3,"page":647},{"title":"تعريف الجنيد للحياء","level":2,"page":648},{"title":"حفظ السر","level":1,"page":649},{"title":"ما جاء في حفظ السر","level":2,"page":650},{"title":"معنى قوله تعالى: (وأفوا بالعهد)","level":3,"page":651},{"title":"شرح حديث: (إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة)","level":3,"page":652},{"title":"شرح حديث حفظ أبي بكر لسر النبي بشأن رغبته في الزواج من حفصة","level":3,"page":653},{"title":"شرح حديث عائشة في مسارة النبي لفاطمة وكتمها لسره حتى مات","level":3,"page":654},{"title":"شرح حديث أنس في وصية أمه له بحفظ سر النبي ﷺ","level":3,"page":655},{"title":"أهمية حفظ السر والتحذير من التفريط بالأمانات","level":2,"page":656},{"title":"الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد والمحافظة على ما اعتاده من الخير","level":1,"page":657},{"title":"وجوب الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد","level":2,"page":658},{"title":"شرح حديث: (آية المنافق ثلاث)","level":3,"page":659},{"title":"شرح حديث: (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا)","level":3,"page":660},{"title":"شرح حديث: (لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا)","level":3,"page":661},{"title":"الأمر بالمحافظة على ما اعتاده من الخير","level":2,"page":662},{"title":"شرح حديث: (لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل)","level":3,"page":663},{"title":"من (استحباب طيب الكلام وطلاقة الوجه عند اللقاء) إلى (إصغاء الجليس لحديث جليسه)","level":1,"page":664},{"title":"أهمية حسن الخلق مع الإخوان","level":2,"page":665},{"title":"التعود على حسن الخلق","level":3,"page":666},{"title":"التبسم وسهولة المعاملة مع الإخوان","level":3,"page":667},{"title":"التوسط في اللين مع الناس","level":3,"page":668},{"title":"أمر الله تعالى لنبيه ﷺ وللمؤمنين بخفض الجناح","level":3,"page":669},{"title":"شرح حديث: (اتقوا النار ولو بشق تمرة)","level":3,"page":670},{"title":"شرح حديث: (الكلمة الطيبة صدقة)","level":3,"page":671},{"title":"شرح حديث: (لا تحقرن من المعروف شيئا)","level":3,"page":672},{"title":"استحباب بيان الكلام وإيضاحه للمخاطب وتكريره ليفهم إذا لم يفهم إلا بذلك","level":2,"page":673},{"title":"الحث على إصغاء الجليس لحديث جليسه","level":2,"page":674},{"title":"من أدب السماع إصغاء الجليس إلى حديث جليسه","level":3,"page":675},{"title":"الحث على الإنصات ليتيسر وصول المسموع","level":2,"page":676},{"title":"الوعظ والاقتصاد فيه","level":1,"page":677},{"title":"ما جاء في الوعظ والاقتصاد فيه","level":2,"page":678},{"title":"الحث على أن تكون الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة","level":3,"page":679},{"title":"شرح حديث ابن مسعود: (وإني أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله يتخولنا بها مخافة السآمة علينا)","level":3,"page":680},{"title":"شرح حديث: (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه)","level":3,"page":681},{"title":"شرح حديث معاوية بن الحكم: (بينا أنا أصلي مع رسول الله إذ عطس رجل من القوم)","level":3,"page":682},{"title":"شرح حديث العرباض: (وعظنا رسول الله موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون)","level":3,"page":683},{"title":"الوقار والسكينة والندب إلى إتيان الصلاة والعلم بهما","level":1,"page":684},{"title":"من صفات عباد الرحمن","level":2,"page":685},{"title":"شرح حديث: (ما رأيت رسول الله مستجمعا قط ضاحكا)","level":2,"page":686},{"title":"الأمر بالسكينة والوقار في الذهاب إلى الصلاة","level":2,"page":687},{"title":"إكرام الضيف واستحباب التبشير والتهنئة بالخير","level":1,"page":688},{"title":"إكرام الضيف","level":2,"page":689},{"title":"إكرام إبراهيم ﵇ للضيوف","level":3,"page":690},{"title":"خبر لوط ﵇ مع ضيوفه","level":3,"page":691},{"title":"شرح حديث: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)","level":3,"page":692},{"title":"بيان جائزة الضيف ومدة إكرامه","level":3,"page":693},{"title":"البشارة بالخير والتهنئة","level":2,"page":694},{"title":"البشارة في القرآن الكريم","level":3,"page":695},{"title":"تبشير خديجة ﵂ بصفة بيتها في الجنة","level":3,"page":696},{"title":"تبشير النبي ﷺ أبا بكر وعمر وعثمان بالجنة","level":3,"page":697},{"title":"تبشير النبي ﷺ بدخول الجنة من استيقن بكلمة التوحيد من أمته","level":3,"page":698},{"title":"استحباب تبشير المحتضر برحمة الله تعالى وتذكيره بصالح عمله","level":3,"page":699},{"title":"وداع المسافر والدعاء له وطلب الدعاء منه","level":1,"page":700},{"title":"وصايا الأنبياء عند وداعهم وسفرهم إلى الآخرة","level":2,"page":701},{"title":"وصية إبراهيم ويعقوب لأبنائهما","level":3,"page":702},{"title":"وصية النبي بكتاب الله وأهل بيته","level":3,"page":703},{"title":"وصية النبي لمالك بن الحويرث وأصحابه","level":3,"page":704},{"title":"مشروعية طلب الدعاء من المسافر","level":2,"page":705},{"title":"دعاء المقيم للمسافر","level":2,"page":706},{"title":"شرح حديث: (أستودع الله دينك)","level":2,"page":707},{"title":"ما يقال في توديع الجيش","level":2,"page":708},{"title":"شرح حديث: (زودك الله بالتقوى)","level":2,"page":709},{"title":"الاستخارة والمشاورة","level":1,"page":710},{"title":"ما جاء في الاستخارة والمشاورة","level":2,"page":711},{"title":"شرح حديث: (كان رسول الله يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها)","level":3,"page":712},{"title":"تغيير الطريق عند الذهاب إلى مواطن العبادات والعودة منها وتقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم","level":1,"page":713},{"title":"ما جاء في تغيير الطريق في الذهاب إلى صلاة العيد","level":2,"page":714},{"title":"ما جاء في استحباب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم","level":2,"page":715},{"title":"تكريم اليمنى في الدنيا والآخرة","level":2,"page":716},{"title":"استحباب التيمن في الطهور والترجل والتنعل","level":2,"page":717},{"title":"استحباب البدء بالميامن عند غسل الميت","level":2,"page":718},{"title":"استحباب التنعل باليمين والنزع بالشمال","level":2,"page":719},{"title":"استحباب اليمين للطعام والشراب والثياب","level":2,"page":720},{"title":"جواز التبرك بآثار النبي ﷺ","level":2,"page":721},{"title":"التسمية في أول الطعام والحمد في آخره","level":1,"page":722},{"title":"الآداب النبوية في أكل الطعام","level":2,"page":723},{"title":"الأدب المتعلق بمن نسي ذكر الله تعالى على طعامه","level":3,"page":724},{"title":"فضل ذكر الله تعالى في طرد الشياطين عن الأكل والمبيت","level":3,"page":725},{"title":"استحلال الشيطان للأكل مما لم يذكر اسم الله عليه","level":3,"page":726},{"title":"تأذي الشيطان من ذكر الله تعالى على الطعام","level":3,"page":727},{"title":"محق بركة الطعام بترك ذكر الله تعالى عليه","level":3,"page":728},{"title":"ما يقال عند الفراغ من الطعام","level":3,"page":729},{"title":"مدح الطعام وعدم عيبه وما يقوله من حضر طعاما وهو صائم","level":1,"page":730},{"title":"ما جاء في استحباب مدح الطعام وكراهة إعابته","level":2,"page":731},{"title":"شرح حديث: (ما عاب رسول الله طعاما قط)","level":3,"page":732},{"title":"شرح حديث جابر: (أن النبي سأل أهله الأدم فقالوا: ما عندنا إلا الخل)","level":3,"page":733},{"title":"ما يقوله من حضر الطعام وهو صائم إذا لم يفطر","level":2,"page":734},{"title":"شرح حديث: (إذا دعي أحدكم فليجب)","level":3,"page":735},{"title":"ما يقوله من دعي إلى طعام فتبعه غيره","level":2,"page":736},{"title":"شرح حديث أبي مسعود البدري: (دعا رجل النبي لطعام صنعه)","level":3,"page":737},{"title":"من (الأكل مما يلي الآكل) إلى (كراهية الأكل متكئا)","level":1,"page":738},{"title":"الآداب النبوية في أكل الطعام","level":2,"page":739},{"title":"الأمر بالأكل مما يلي الآكل","level":3,"page":740},{"title":"الأمر بالأكل باليمين","level":3,"page":741},{"title":"النهي عن القران في الأكل مع الجماعة","level":3,"page":742},{"title":"الحث على الاجتماع على الطعام رجاء حصول بركته","level":3,"page":743},{"title":"الأمر بالأكل من جانب قصعة الطعام دون وسطها","level":3,"page":744},{"title":"الجلسة المستحبة في الأكل","level":3,"page":745},{"title":"من (استحباب الأكل بثلاث أصابع) إلى (استحباب إدارة الإناء عن يمين المبتدئ)","level":1,"page":746},{"title":"أحاديث في آداب الطعام","level":2,"page":747},{"title":"شرح حديث: (إذا أكل أحدكم طعاما فلا يمسح أصابعه حتى يلعقها أو يلعقها)","level":2,"page":748},{"title":"شرح حديث: (أن النبي ﷺ أكل بثلاث أصابع)","level":2,"page":749},{"title":"شرح حديث: (أن الرسول أمر بلعق الأصابع والصحفة)","level":2,"page":750},{"title":"شرح حديث: (إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى)","level":2,"page":751},{"title":"معنى قوله ﷺ: (ولا يدعها للشيطان)","level":3,"page":752},{"title":"معنى المنديل","level":3,"page":753},{"title":"عادة بعض اليابانيين في الطعام","level":3,"page":754},{"title":"سؤال في حكم الوضوء مما مست النار","level":3,"page":755},{"title":"الوضوء مما مست النار","level":2,"page":756},{"title":"البركة في الطعام","level":2,"page":757},{"title":"من آداب الطعام","level":2,"page":758},{"title":"آداب الشرب","level":2,"page":759},{"title":"النهي عن التنفس في الإناء","level":3,"page":760},{"title":"النهي عن شرب الماء دفعة واحدة","level":3,"page":761},{"title":"البدء بالأيمن فالأيمن عند سقي القوم","level":3,"page":762},{"title":"التبرك بآثار النبي ﷺ","level":3,"page":763},{"title":"من (كراهة الشرب من فم القربة ونحوها) إلى (النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة)","level":1,"page":764},{"title":"حكم الشرب من فم القربة ونحوها","level":2,"page":765},{"title":"كراهة الشرب من فم القربة وكراهة الشرب قائما","level":2,"page":766},{"title":"حكم النفخ في الشراب","level":2,"page":767},{"title":"حكم الشرب والأكل قائما","level":2,"page":768},{"title":"ما يستحب لساقي القوم","level":2,"page":769},{"title":"ما يجوز استعماله من الأواني وما يحرم","level":2,"page":770},{"title":"بيان حكم الكرع ومعناه","level":2,"page":771},{"title":"حكم استعمال الحرير والديباج والذهب والفضة","level":2,"page":772},{"title":"استحباب الثوب الأبيض واستحباب القميص وصفة طوله","level":1,"page":773},{"title":"استحباب الثوب الأبيض","level":2,"page":774},{"title":"شرح حديث: (البسوا من ثيابكم البياض)","level":2,"page":775},{"title":"شرح حديث: (كان رسول الله مربوعا)","level":2,"page":776},{"title":"شرح حديث: (رأيت رسول الله وعليه ثوبان أخضران)","level":2,"page":777},{"title":"شرح حديث: (كفن رسول الله في ثلاثة أثواب بيض)","level":2,"page":778},{"title":"شرح حديث: (خرج رسول الله وعليه مرط مرحل من شعر أسود)","level":2,"page":779},{"title":"شرح حديث: (وعليه جبة شامية ضيقة الكمين)","level":2,"page":780},{"title":"استحباب القميص","level":2,"page":781},{"title":"صفة طول القميص الشرعية","level":3,"page":782},{"title":"شرح حديث: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة","level":2,"page":783},{"title":"شرح حديث: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة)","level":2,"page":784},{"title":"تحريم إسبال القميص والكم والإزار وطرف العمامة على سبيل الخيلاء وكراهته من غير خيلاء","level":1,"page":785},{"title":"باب صفة القميص","level":2,"page":786},{"title":"حرمة الإسبال على سبيل الخيلاء وكراهته بدون ذلك","level":3,"page":787},{"title":"نباهته صلى الله وسلم في قرع أبواب القلوب وتقريبها نحو خالقها جل في علاه","level":3,"page":788},{"title":"رضا الله تعالى فيه السعادة والنجاة","level":3,"page":789},{"title":"هل يعيد المسبل صلاته؟","level":3,"page":790},{"title":"من (تحريم الإسبال) إلى (استحباب التوسط في اللباس)","level":1,"page":791},{"title":"شرح حديث سهل بن الحنظلية: (لا بأس أن يؤجر ويحمد)","level":2,"page":792},{"title":"خالط الناس إذا أمنت على دينك وإلا فلا","level":3,"page":793},{"title":"حال الصحابة مع الوقت","level":3,"page":794},{"title":"تعلم العلم ولو ممن هو دونك فيه","level":3,"page":795},{"title":"سرعة استجابة الصحابة لأمر الله ورسوله","level":3,"page":796},{"title":"ليس من الكبر تحسين المظهر","level":3,"page":797},{"title":"شرح حديث: (إزرة المسلم إلى نصف الساق)","level":2,"page":798},{"title":"كيف تكون إزرة النساء","level":3,"page":799},{"title":"استحباب ترك الترفع في اللباس تواضعا","level":2,"page":800},{"title":"باب استحباب التوسط في اللباس","level":2,"page":801},{"title":"من (تحريم لباس الحرير على الرجال) إلى (ما يقول إذا لبس ثوبا أو نعلا أو نحوه)","level":1,"page":802},{"title":"حرمة لبس الحرير على الرجال","level":2,"page":803},{"title":"الحكمة في تحريم الحرير على الرجال","level":3,"page":804},{"title":"النهي عن تشبه الرجال بالنساء في الزينة","level":3,"page":805},{"title":"تحريم الحرير في الآخرة على من لبسه في الدنيا","level":3,"page":806},{"title":"استواء لبس الحرير بالجلوس عليه والاستناد إليه في الحرمة","level":3,"page":807},{"title":"ما جاء من الرخصة في لبس الحرير للرجال","level":2,"page":808},{"title":"النهي عن افتراش جلود السباع","level":2,"page":809},{"title":"ما يقوله من لبس ثوبا جديدا","level":2,"page":810},{"title":"ما يقوله عند النوم","level":1,"page":811},{"title":"فضل أذكار النوم","level":2,"page":812},{"title":"وجوب التمسك بلفظ النبي في الأدعية المتعبد بها","level":2,"page":813},{"title":"سنن النوم","level":2,"page":814},{"title":"من هدي المصطفى قيام الليل","level":2,"page":815},{"title":"من سنن النوم وضع اليد تحت الخد","level":2,"page":816},{"title":"ما يكره من الكيفيات في النوم","level":2,"page":817},{"title":"ذم من ترك أذكار النوم","level":2,"page":818},{"title":"جواز الاستلقاء على القفا وما جاء في أدب المجلس والجليس","level":1,"page":819},{"title":"ما جاء في جواز الاستلقاء على القفا ووضع إحدى الرجلين على الأخرى إذا لم يخف انكشاف العورة","level":2,"page":820},{"title":"شرح حديث عبد الله بن زيد: (أنه رأى رسول الله مستلقيا واضعا إحدى رجليه على الأخرى)","level":3,"page":821},{"title":"شرح حديث: (كان النبي إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسناء)","level":3,"page":822},{"title":"فضل المكث في المسجد بعد الفجر حتى تشرق الشمس وصلاة ركعتين","level":3,"page":823},{"title":"شرح حديث ابن عمر: (رأيت رسول الله بفناء الكعبة محتبيا)","level":3,"page":824},{"title":"شرح حديث قيلة بنت مخرمة: (رأيت النبي وهو قاعد القرفصاء)","level":3,"page":825},{"title":"ذكر قصة قيلة بنت مخرمة في دخولها على النبي وهو جالس القرفصاء برواية أحمد من حديث الحارث البكري","level":3,"page":826},{"title":"شرح حديث الشريد بن سويد: (مر بي رسول الله وأنا جالس هكذا وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري)","level":3,"page":827},{"title":"ما جاء في آداب المجلس والجليس","level":2,"page":828},{"title":"شرح حديث: (لا يقيمن أحدكم رجلا من مجلسه ثم يجلس فيه)","level":3,"page":829},{"title":"ما جاء في أدب المجلس والجليس","level":1,"page":830},{"title":"ما ورد في آداب المجلس","level":2,"page":831},{"title":"صاحب المجلس أحق به","level":3,"page":832},{"title":"الجلوس حيث ينتهي المجلس","level":3,"page":833},{"title":"من آداب المجلس عدم التفريق بين الاثنين","level":3,"page":834},{"title":"من آداب المجلس عدم التفريق بن الاثنين إلا بإذنهما","level":3,"page":835},{"title":"من آداب المجلس عدم الجلوس وسط الحلقة","level":3,"page":836},{"title":"من آداب المجلس توسيع المجلس","level":3,"page":837},{"title":"من آداب المجلس دعاء كفارة المجلس","level":3,"page":838},{"title":"ذكر دعاء (اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك) في آخر المجلس","level":3,"page":839},{"title":"أحاديث في التحذير من الغفلة عن ذكر الله في المجالس","level":2,"page":840},{"title":"فضل ذكر الله تعالى","level":2,"page":841},{"title":"ما جاء في الرؤيا وما يتعلق بها","level":1,"page":842},{"title":"الرؤيا الصالحة من المبشرات وهي جزء من أجزاء النبوة","level":2,"page":843},{"title":"النوم من آيات الله","level":3,"page":844},{"title":"شرح حديث: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات)","level":3,"page":845},{"title":"رؤية النبي ﵊ في المنام","level":3,"page":846},{"title":"شرح حديث: (إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله)","level":3,"page":847},{"title":"شرح حديث: (الرؤيا الصالحة من الله)","level":3,"page":848},{"title":"شرح حديث: (إن من أعظم الفرى أن يدعي الرجل إلى غير أبيه)","level":3,"page":849},{"title":"أنواع الرؤيا","level":3,"page":850},{"title":"علم تأويل الرؤى","level":3,"page":851},{"title":"فضل السلام والأمر بإفشائه وكيفيته","level":1,"page":852},{"title":"فضل السلام والأمر بإفشائه","level":2,"page":853},{"title":"من معاني السلام وآدابه","level":2,"page":854},{"title":"خصال موصلة إلى الجنة","level":2,"page":855},{"title":"بدء السلام","level":2,"page":856},{"title":"حق المسلم على المسلم","level":2,"page":857},{"title":"أفشوا السلام بينكم","level":2,"page":858},{"title":"إفشاء ابن عمر للسلام في الأسواق","level":3,"page":859},{"title":"كيفية السلام","level":2,"page":860},{"title":"من آدابه ﷺ في كيفية السلام","level":3,"page":861},{"title":"الجمع بين نهيه ﷺ عن الإشارة بالسلام وفعله له","level":3,"page":862},{"title":"آداب الاستئذان والتشميت والعطاس والتثاؤب","level":1,"page":864},{"title":"آداب الاستئذان","level":2,"page":865},{"title":"ما يقول المستأذن إذا قيل له: من أنت؟","level":2,"page":866},{"title":"آداب العطاس والتثاؤب","level":2,"page":867},{"title":"قول العاطس: الحمد لله، وقول صاحبه له يرحمك الله، ورده بقوله: يهديكم الله ويصلح بالكم","level":3,"page":868},{"title":"كراهة تشميت العاطس إذا لم يحمد الله تعالى","level":3,"page":869},{"title":"خفض العاطس صوته عند العطاس","level":3,"page":870},{"title":"اعتراف اليهود بنبوة محمد ﷺ وتعاطسهم عنده لنيل دعائه لهم بالرحمة","level":3,"page":871},{"title":"وضع المتثائب يده على فيه عند التثاؤب","level":3,"page":872},{"title":"استحباب المصافحة عند اللقاء وجواز تقبيل يد الرجل الصالح لفضله وتقبيل الأبناء","level":1,"page":873},{"title":"ما جاء في استحباب المصافحة والتقبيل لليد والمعانقة للقادم من سفر","level":2,"page":874},{"title":"شرح حديث قتادة: قلت لأنس: (أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله؟ قال نعم)","level":3,"page":875},{"title":"شرح حديث: (قد جاءكم أهل اليمن وهم أول من جاء بالمصافحة)","level":3,"page":876},{"title":"شرح حديث: (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما)","level":3,"page":877},{"title":"شرح حديث: (قال رجل: يا رسول الله! الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا)","level":3,"page":878},{"title":"شرح حديث: (قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي)","level":3,"page":879},{"title":"شرح حديث: (فدنونا من النبي ﷺ فقبلنا يده)","level":3,"page":880},{"title":"شرح حديث: (قدم زيد بن حارثة المدينة فأتى النبي فقام إليه النبي يجر ثوبه فاعتنقه وقبله)","level":3,"page":881},{"title":"شرح حديث: (لا تحقرن من المعروف شيئا)","level":3,"page":882},{"title":"شرح حديث: (أن الأقرع بن حابس قدم على النبي ورآه وهو يقبل الحسن بن علي)","level":3,"page":883},{"title":"ما جاء في عيادة المريض","level":1,"page":884},{"title":"من حقوق المسلم على أخيه المسلم","level":2,"page":885},{"title":"اتباع الجنازة","level":3,"page":886},{"title":"تشميت العاطس","level":3,"page":887},{"title":"إبرار المقسم","level":3,"page":888},{"title":"نصر المظلوم","level":3,"page":889},{"title":"إجابة الداعي","level":3,"page":890},{"title":"إفشاء السلام","level":3,"page":891},{"title":"عيادة المريض","level":3,"page":892},{"title":"إطعام الجائع","level":3,"page":893},{"title":"فك الأسير","level":3,"page":894},{"title":"ما يدعى به للمريض","level":1,"page":895},{"title":"ما يدعى به للمريض","level":2,"page":896},{"title":"شرح حديث عائشة في رقية المريض","level":3,"page":897},{"title":"شرح حديث أنس في الرقية","level":3,"page":898},{"title":"شرح حديث سعد في الدعاء للمريض بالشفاء","level":3,"page":899},{"title":"شرح حديث عثمان بن أبي العاص في رقية الألم","level":3,"page":900},{"title":"شرح حديث ابن عباس في الدعاء للمريض","level":3,"page":901},{"title":"شرح حديث ابن عباس: (لا بأس طهور إن شاء الله)","level":3,"page":902},{"title":"شرح حديث أبي سعيد في رقية جبريل للنبي ﷺ","level":3,"page":903},{"title":"حكم طلب الرقية","level":3,"page":904},{"title":"شرح حديث أبي سعيد فيما يقوله المريض في مرضه","level":3,"page":905},{"title":"سؤال أهل المريض عن حاله وذكر ما يقوله من أيس من حياته","level":1,"page":906},{"title":"استحباب سؤال أهل المريض عن حاله، وذكر ما يقوله من أيس من حياته","level":2,"page":907},{"title":"ذكر ما يقوله المريض إذا اشتد عليه المرض","level":3,"page":908},{"title":"آداب عيادة المريض","level":2,"page":909},{"title":"من (جواز توجع المريض ما لم يتسخط) إلى (ما يقال عند الميت وما يقوله من مات له ميت)","level":1,"page":910},{"title":"حكم إظهار التوجع والألم للغير","level":2,"page":911},{"title":"صبر النبي ﵌ وتحمله للأذى","level":2,"page":912},{"title":"نماذج من إظهار النبي والصحابة التوجع للغير","level":2,"page":913},{"title":"استحباب تلقين المحتضر: لا إله إلا الله","level":2,"page":914},{"title":"بيان فضل كلمة التوحيد","level":2,"page":915},{"title":"بيان ما يستحب لمن حضر ميتا","level":2,"page":916},{"title":"استحباب الدعاء للميت ولمن مات له ميت","level":2,"page":917},{"title":"ما يقوله من مات له ميت وجواز البكاء على الميت بغير ندبة ولا نياحة","level":1,"page":918},{"title":"شرح حديث (إنا لله وإنا إليه راجعون)","level":2,"page":919},{"title":"شرح حديث (أقبضتم ولد عبدي؟)","level":2,"page":920},{"title":"شرح حديث: (ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه)","level":2,"page":921},{"title":"شرح حديث: (إن لله ما أخذ وله ما أعطى)","level":2,"page":922},{"title":"جواز البكاء على الميت بغير ندب","level":2,"page":923},{"title":"من أمور الجاهلية","level":2,"page":924},{"title":"الفخر بالأحساب","level":3,"page":925},{"title":"الطعن في الأنساب","level":3,"page":926},{"title":"الاستسقاء بالنجوم","level":3,"page":927},{"title":"النياحة","level":3,"page":928},{"title":"عذاب الميت ببكاء أهله عليه","level":2,"page":929},{"title":"ما جاء في النهي عن النياحة وما جاء في حسن الخاتمة","level":1,"page":930},{"title":"عذاب الميت ببعض بكاء أهله عليه","level":2,"page":931},{"title":"حكم لطم الخدود وشق الجيوب جزعا على الميت","level":2,"page":932},{"title":"النهي عن العصبية وبيان قبحها","level":3,"page":933},{"title":"البراءة من الصالقة والحالقة والشاقة","level":2,"page":934},{"title":"النهي عن خمش الوجوه والدعاء بالويل وشق الجيب ونشر الشعر","level":2,"page":935},{"title":"بيان حكم النعي","level":2,"page":936},{"title":"علامات حسن الخاتمة","level":2,"page":937},{"title":"النطق بالشهادتين عند الموت من علامات حسن الخاتمة","level":3,"page":938},{"title":"الموت بعرق الجبين","level":3,"page":939},{"title":"الموت ليلة الجمعة ونهار الجمعة من علامات حسن الخاتمة","level":3,"page":940},{"title":"الشهادة في سبيل الله ﷿","level":3,"page":941},{"title":"أنواع الشهداء","level":3,"page":942},{"title":"ما جاء في حسن الخاتمة وما جاء في تغسيل الميت والستر عليه وتشييع الجنازة","level":1,"page":943},{"title":"علامات حسن الخاتمة","level":2,"page":944},{"title":"قول كلمة التوحيد عند الموت","level":3,"page":945},{"title":"الموت على عمل صالح","level":3,"page":946},{"title":"ثناء الناس على الميت","level":3,"page":947},{"title":"الحد المعتبر للناس الذين يثنون على الميت","level":3,"page":948},{"title":"بيان ما يستحب لمن يغسل ميتا","level":2,"page":949},{"title":"فضل الصلاة على الميت، وتشييعه، وحضور دفنه","level":2,"page":950},{"title":"من (الصلاة على الميت) إلى (ما يقرأ في صلاة الجنازة)","level":1,"page":951},{"title":"فضل الصلاة على الميت وحضور دفنه","level":2,"page":952},{"title":"نهي النساء عن اتباع الجنائز","level":2,"page":953},{"title":"استحباب تكثير المصلين على الجنازة","level":2,"page":954},{"title":"حاجة الميت إلى إخلاص المصلين عليه وشفاعتهم فيه","level":2,"page":955},{"title":"مخالفات في صلاة الجنازة","level":2,"page":956},{"title":"السنة في تقسيم صفوف صلاة الجنازة","level":2,"page":957},{"title":"الأحق بالإمامة في الصلاة على الميت","level":2,"page":958},{"title":"ما يقال ويفعل في صلاة الجنازة","level":2,"page":959},{"title":"دعاء مأثور في الصلاة على الميت","level":3,"page":960},{"title":"ما يقرأ في صلاة الجنازة وما جاء في الإسراع بالجنازة","level":1,"page":961},{"title":"الدعاء في صلاة الجنازة وكيفيته","level":2,"page":962},{"title":"شرح ألفاظ دعاء الميت في حديث عبد الرحمن بن عوف","level":3,"page":963},{"title":"دعاء النبي ﷺ للميت في حديث أبي قتادة","level":2,"page":964},{"title":"الأمر بإخلاص الدعاء للميت","level":2,"page":965},{"title":"السؤال في القبر","level":2,"page":966},{"title":"باب الإسراع بالجنازة","level":2,"page":967},{"title":"من (المبادرة بقضاء دين الميت) إلى (ما جاء في الصدقة عن الميت والدعاء له)","level":1,"page":968},{"title":"ما ورد في التعجيل في قضاء الدين عن الميت والمبادرة في تجهيزه","level":2,"page":969},{"title":"المراد بالإسراع في الجنازة","level":3,"page":970},{"title":"عدم المبادرة إلى تجهيز ودفن من مات فجأة حتى يتيقن موته","level":3,"page":971},{"title":"الغاية من زيارة القبور وتذكر الموت","level":2,"page":972},{"title":"سبب نهي النبي عن زيارة القبور ثم تجويزه زيارتها","level":2,"page":973},{"title":"مشروعية الموعظة عند القبر وبدعية الدعاء الجماعي عنده","level":2,"page":974},{"title":"أطول موعظة ألقاها النبي عند القبر","level":2,"page":975},{"title":"مشروعية الدعاء للميت بعد دفنه وعدم تحديده بوقت محدد","level":2,"page":976},{"title":"حكم قراءة القرآن للميت وإهداؤه ثواب القراءة","level":2,"page":977},{"title":"الصدقة عن الميت والدعاء له","level":2,"page":978},{"title":"فضل الصدقة الجارية","level":2,"page":979},{"title":"فضل طلب العلم وتعليمه وأثر ذلك بعد الموت","level":2,"page":980},{"title":"الانتفاع بالولد الصالح بعد الممات","level":2,"page":981},{"title":"من (ثناء الناس على الميت) إلى (فضل قراءة القرآن)","level":1,"page":982},{"title":"ثناء الناس على الميت","level":2,"page":983},{"title":"فضل من مات له أولاد صغار","level":2,"page":984},{"title":"باب البكاء والخوف عند المرور بقبور الظالمين","level":2,"page":985},{"title":"كتاب الفضائل","level":2,"page":986},{"title":"فضائل القرآن","level":2,"page":987},{"title":"فضل قراءة القرآن","level":3,"page":988},{"title":"فضيلة الماهر بالقرآن","level":3,"page":989},{"title":"الإكثار من قراءة القرآن نعمة يستحق صاحبها أن يحسد عليها","level":3,"page":990},{"title":"من (فضل قراءة القرآن) إلى (ما جاء في الحث على سور وآيات مخصوصة)","level":1,"page":991},{"title":"فضائل تعلم القرآن وتعليمه وتلاوته","level":2,"page":992},{"title":"غبطة حافظ القرآن والعامل به","level":3,"page":993},{"title":"تنزل الملائكة لقراءة القرآن","level":3,"page":994},{"title":"عظم ثواب قراءة القرآن","level":3,"page":995},{"title":"مثل من ليس عنده شيء من القرآن","level":3,"page":996},{"title":"شرف صاحب القرآن في الآخرة","level":3,"page":997},{"title":"الحرص على تعهد القرآن، والحذر من تعريضه للنسيان","level":2,"page":998},{"title":"استحباب تحسين الصوت بالقرآن وطلب القراءة من حسن الصوت والاستماع لها","level":2,"page":999},{"title":"الأمر بالتغني بالقرآن","level":3,"page":1000},{"title":"الأمر بالاستماع للقرآن","level":3,"page":1001},{"title":"الحث على آيات وسور مخصوصة","level":2,"page":1002},{"title":"أعظم سورة في القرآن هي سورة الفاتحة","level":3,"page":1003},{"title":"فضل قراءة سورة (قل هو الله أحد)","level":3,"page":1004},{"title":"فضل سورة (قل هو الله أحد) والمعوذتين","level":3,"page":1005},{"title":"فضل سورة تبارك","level":3,"page":1006},{"title":"فضل الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة","level":3,"page":1007},{"title":"فضل سورة البقرة","level":3,"page":1008},{"title":"ما جاء في الحث على سور وآيات مخصوصة من القرآن العظيم","level":1,"page":1009},{"title":"الحث على سور وآيات مخصوصة","level":2,"page":1010},{"title":"فضل آية الكرسي","level":2,"page":1011},{"title":"تفسير آية الكرسي","level":3,"page":1012},{"title":"معنى الكرسي","level":3,"page":1013},{"title":"معنى قوله تعالى: (ولا يئوده حفظهما)","level":3,"page":1014},{"title":"عظمة آية الكرسي وبعض ما ورد في ذلك","level":3,"page":1015},{"title":"تفسير آية الكرسي","level":2,"page":1016},{"title":"المراد بالكرسي","level":3,"page":1017},{"title":"معنى قوله تعالى: (ولا يئوده حفظهما)","level":3,"page":1018},{"title":"فضل سورة الكهف","level":2,"page":1019},{"title":"فضل خواتيم سورة البقرة","level":2,"page":1020},{"title":"فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وفضل الوضوء","level":1,"page":1021},{"title":"فضل الاجتماع على قراءة القرآن","level":2,"page":1022},{"title":"شرح حديث: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا)","level":2,"page":1023},{"title":"من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة","level":3,"page":1024},{"title":"الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه","level":3,"page":1025},{"title":"فضل طلب العلم","level":3,"page":1026},{"title":"فضل الوضوء","level":2,"page":1027},{"title":"الطهور شطر الإيمان","level":3,"page":1028},{"title":"الغرة والتحجيل من آثار الوضوء يوم القيامة","level":3,"page":1029},{"title":"تنقية الوضوء للخطايا","level":3,"page":1030},{"title":"معرفة النبي ﷺ لأمته يوم القيامة بآثار الوضوء","level":3,"page":1031},{"title":"إسباغ الوضوء على المكاره مما يمحو الله به الخطايا ويرفع الدرجات","level":3,"page":1032},{"title":"فضل كلمة التوحيد بعد الوضوء","level":3,"page":1033},{"title":"فضل الأذان","level":1,"page":1034},{"title":"فضل الأذان والصف الأول","level":2,"page":1035},{"title":"فضل الوضوء وتمييزه للمسلمين في الآخرة","level":3,"page":1036},{"title":"حث الشرع على الأذان","level":3,"page":1037},{"title":"فضل الصف الأول والحرص عليه","level":3,"page":1038},{"title":"الحث على إتمام الصف","level":3,"page":1039},{"title":"فضل التهجير إلى الصلوات","level":3,"page":1040},{"title":"فضل صلاتي العشاء والصبح","level":3,"page":1041},{"title":"المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة","level":3,"page":1042},{"title":"فرار الشيطان عند سماع الأذان","level":3,"page":1043},{"title":"الترديد مع المؤذن والدعاء بعده وفضلهما","level":2,"page":1044},{"title":"فضل الدعاء بعد الأذان","level":2,"page":1045},{"title":"فضل الأذان وأجره العظيم","level":2,"page":1046},{"title":"فضل الصلوات","level":1,"page":1047},{"title":"فضل الصلوات","level":2,"page":1048},{"title":"الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر","level":3,"page":1049},{"title":"الصلاة تمحو الذنوب وتكفر الخطايا","level":3,"page":1050},{"title":"الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن","level":3,"page":1051},{"title":"فضل صلاة الصبح والعصر والحث عليهما","level":2,"page":1052},{"title":"صلاة الصبح والعصر من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار","level":3,"page":1053},{"title":"من صلى الصبح فهو في ذمة الله","level":3,"page":1054},{"title":"شهود الملائكة لصلاة الصبح والعصر","level":3,"page":1055},{"title":"المحافظة على صلاة الصبح والعصر من أسباب رؤية الله في الجنة","level":3,"page":1056},{"title":"التحذير من ترك صلاة العصر","level":3,"page":1057}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"2,1":8,"2,2":9,"2,3":10,"2,4":11,"2,5":12,"2,6":13,"2,7":14,"3,1":15,"3,2":16,"3,3":17,"3,4":18,"3,5":19,"3,6":20,"3,7":21,"3,8":22,"3,9":23,"4,1":24,"4,2":25,"4,3":26,"4,4":27,"4,5":28,"4,6":29,"4,7":30,"4,8":31,"4,9":32,"5,1":33,"5,2":34,"5,3":35,"5,4":36,"5,5":37,"5,6":38,"5,7":39,"6,1":40,"6,2":41,"6,3":42,"6,4":43,"6,5":44,"6,6":45,"6,7":46,"6,8":47,"6,9":48,"6,10":49,"6,11":50,"6,12":51,"6,13":52,"7,1":53,"7,2":54,"7,3":55,"7,4":56,"7,5":57,"7,6":58,"7,7":59,"7,8":60,"7,9":61,"7,10":62,"7,11":63,"8,1":64,"8,2":65,"8,3":66,"8,4":67,"8,5":68,"8,6":69,"8,7":70,"8,8":71,"8,9":72,"9,1":73,"9,2":74,"9,3":75,"9,4":76,"9,5":77,"9,6":78,"9,7":79,"10,1":80,"10,2":81,"10,3":82,"10,4":83,"10,5":84,"10,6":85,"10,7":86,"11,1":87,"11,2":88,"11,3":89,"11,4":90,"11,5":91,"11,6":92,"11,7":93,"11,8":94,"11,9":95,"11,10":96,"11,11":97,"11,12":98,"12,1":99,"12,2":100,"12,3":101,"12,4":102,"12,5":103,"12,6":104,"12,7":105,"12,8":106,"12,9":107,"12,10":108,"12,11":109,"12,12":110,"12,13":111,"12,14":112,"13,1":113,"13,2":114,"13,3":115,"13,4":116,"13,5":117,"13,6":118,"13,7":119,"13,8":120,"13,9":121,"13,10":122,"13,11":123,"13,12":124,"13,13":125,"13,14":126,"13,15":127,"13,16":128,"13,17":129,"13,18":130,"13,19":131,"13,20":132,"13,21":133,"14,1":134,"14,2":135,"14,3":136,"14,4":137,"14,5":138,"14,6":139,"14,7":140,"14,8":141,"14,9":142,"14,10":143,"14,11":144,"14,12":145,"14,13":146,"15,1":147,"15,2":148,"15,3":149,"15,4":150,"15,5":151,"15,6":152,"15,7":153,"15,8":154,"15,9":155,"15,10":156,"16,1":157,"16,2":158,"16,3":159,"16,4":160,"16,5":161,"16,6":162,"16,7":163,"16,8":164,"17,1":165,"17,2":166,"17,3":167,"17,4":168,"17,5":169,"17,6":170,"17,7":171,"18,1":172,"18,2":173,"18,3":174,"18,4":175,"18,5":176,"18,6":177,"18,7":178,"18,8":179,"19,1":180,"19,2":181,"19,3":182,"19,4":183,"19,5":184,"19,6":185,"19,7":186,"19,8":187,"19,9":188,"19,10":189,"19,11":190,"19,12":191,"20,1":192,"20,2":193,"20,3":194,"20,4":195,"20,5":196,"20,6":197,"20,7":198,"20,8":199,"21,1":200,"21,2":201,"21,3":202,"21,4":203,"21,5":204,"21,6":205,"21,7":206,"21,8":207,"21,9":208,"21,10":209,"22,1":210,"22,2":211,"22,3":212,"22,4":213,"22,5":214,"22,6":215,"22,7":216,"22,8":217,"22,9":218,"22,10":219,"22,11":220,"23,1":221,"23,2":222,"23,3":223,"23,4":224,"23,5":225,"23,6":226,"23,7":227,"23,8":228,"24,1":229,"24,2":230,"24,3":231,"24,4":232,"24,5":233,"24,6":234,"24,7":235,"24,8":236,"24,9":237,"24,10":238,"24,11":239,"24,12":240,"25,1":241,"25,2":242,"25,3":243,"25,4":244,"25,5":245,"25,6":246,"25,7":247,"25,8":248,"26,1":249,"26,2":250,"26,3":251,"26,4":252,"26,5":253,"26,6":254,"26,7":255,"26,8":256,"26,9":257,"26,10":258,"26,11":259,"26,12":260,"26,13":261,"26,14":262,"26,15":263,"27,1":264,"27,2":265,"27,3":266,"27,4":267,"27,5":268,"27,6":269,"27,7":270,"27,8":271,"27,9":272,"27,10":273,"27,11":274,"28,1":275,"28,2":276,"28,3":277,"28,4":278,"28,5":279,"28,6":280,"28,7":281,"28,8":282,"28,9":283,"28,10":284,"28,11":285,"28,12":286,"29,1":287,"29,2":288,"29,3":289,"29,4":290,"29,5":291,"29,6":292,"29,7":293,"29,8":294,"29,9":295,"29,10":296,"29,11":297,"29,12":298,"30,1":299,"30,2":300,"30,3":301,"30,4":302,"30,5":303,"30,6":304,"30,7":305,"30,8":306,"30,9":307,"30,10":308,"30,11":309,"30,12":310,"30,13":311,"30,14":312,"30,15":313,"30,16":314,"30,17":315,"31,1":316,"31,2":317,"31,3":318,"31,4":319,"31,5":320,"31,6":321,"31,7":322,"31,8":323,"31,9":324,"31,10":325,"31,11":326,"31,12":327,"31,13":328,"31,14":329,"32,1":330,"32,2":331,"32,3":332,"32,4":333,"32,5":334,"32,6":335,"32,7":336,"32,8":337,"32,9":338,"32,10":339,"32,11":340,"32,12":341,"32,13":342,"32,14":343,"32,15":344,"32,16":345,"33,1":346,"33,2":347,"33,3":348,"33,4":349,"33,5":350,"33,6":351,"33,7":352,"33,8":353,"33,9":354,"33,10":355,"33,11":356,"33,12":357,"33,13":358,"34,1":359,"34,2":360,"34,3":361,"34,4":362,"34,5":363,"34,6":364,"34,7":365,"34,8":366,"34,9":367,"34,10":368,"35,1":369,"35,2":370,"35,3":371,"35,4":372,"35,5":373,"35,6":374,"35,7":375,"35,8":376,"35,9":377,"35,10":378,"35,11":379,"35,12":380,"35,13":381,"35,14":382,"35,15":383,"35,16":384,"35,17":385,"36,1":386,"36,2":387,"36,3":388,"36,4":389,"36,5":390,"36,6":391,"36,7":392,"36,8":393,"36,9":394,"36,10":395,"36,11":396,"36,12":397,"36,13":398,"36,14":399,"36,15":400,"37,1":401,"37,2":402,"37,3":403,"37,4":404,"37,5":405,"37,6":406,"37,7":407,"37,8":408,"37,9":409,"37,10":410,"37,11":411,"37,12":412,"37,13":413,"37,14":414,"37,15":415,"37,16":416,"37,17":417,"37,18":418,"38,1":419,"38,2":420,"38,3":421,"38,4":422,"38,5":423,"38,6":424,"38,7":425,"38,8":426,"38,9":427,"38,10":428,"38,11":429,"38,12":430,"38,13":431,"38,14":432,"38,15":433,"38,16":434,"39,1":435,"39,2":436,"39,3":437,"39,4":438,"39,5":439,"39,6":440,"39,7":441,"39,8":442,"39,9":443,"39,10":444,"39,11":445,"39,12":446,"39,13":447,"39,14":448,"39,15":449,"40,1":450,"40,2":451,"40,3":452,"40,4":453,"40,5":454,"40,6":455,"40,7":456,"40,8":457,"40,9":458,"40,10":459,"40,11":460,"40,12":461,"40,13":462,"40,14":463,"40,15":464,"41,1":465,"41,2":466,"41,3":467,"41,4":468,"41,5":469,"41,6":470,"41,7":471,"41,8":472,"42,1":473,"42,2":474,"42,3":475,"42,4":476,"42,5":477,"42,6":478,"42,7":479,"42,8":480,"42,9":481,"42,10":482,"42,11":483,"43,1":484,"43,2":485,"43,3":486,"43,4":487,"43,5":488,"43,6":489,"43,7":490,"43,8":491,"43,9":492,"43,10":493,"43,11":494,"43,12":495,"43,13":496,"43,14":497,"44,1":498,"44,2":499,"44,3":500,"44,4":501,"44,5":502,"44,6":503,"44,7":504,"44,8":505,"44,9":506,"44,10":507,"44,11":508,"44,12":509,"44,13":510,"45,1":511,"45,2":512,"45,3":513,"45,4":514,"45,5":515,"45,6":516,"45,7":517,"45,8":518,"46,1":519,"46,2":520,"46,3":521,"46,4":522,"46,5":523,"46,6":524,"46,7":525,"46,8":526,"46,9":527,"46,10":528,"46,11":529,"46,12":530,"46,13":531,"46,14":532,"46,15":533,"46,16":534,"46,17":535,"46,18":536,"47,1":537,"47,2":538,"47,3":539,"47,4":540,"47,5":541,"47,6":542,"47,7":543,"47,8":544,"47,9":545,"47,10":546,"47,11":547,"48,1":548,"48,2":549,"48,3":550,"48,4":551,"48,5":552,"48,6":553,"48,7":554,"48,8":555,"48,9":556,"48,10":557,"48,11":558,"48,12":559,"48,13":560,"48,14":561,"48,15":562,"48,16":563,"48,17":564,"48,18":565,"49,1":566,"49,2":567,"49,3":568,"49,4":569,"49,5":570,"49,6":571,"49,7":572,"49,8":573,"50,1":574,"50,2":575,"50,3":576,"50,4":577,"50,5":578,"50,6":579,"50,7":580,"50,8":581,"50,9":582,"50,10":583,"50,11":584,"50,12":585,"50,13":586,"50,14":587,"50,15":588,"50,16":589,"50,17":590,"51,1":591,"51,2":592,"51,3":593,"51,4":594,"51,5":595,"51,6":596,"51,7":597,"51,8":598,"51,9":599,"51,10":600,"51,11":601,"51,12":602,"51,13":603,"51,14":604,"51,15":605,"51,16":606,"51,17":607,"51,18":608,"51,19":609,"51,20":610,"51,21":611,"51,22":612,"51,23":613,"51,24":614,"51,25":615,"52,1":616,"52,2":617,"52,3":618,"52,4":619,"52,5":620,"52,6":621,"53,1":622,"53,2":623,"53,3":624,"53,4":625,"53,5":626,"53,6":627,"54,1":628,"54,2":629,"54,3":630,"54,4":631,"54,5":632,"54,6":633,"55,1":634,"55,2":635,"55,3":636,"55,4":637,"55,5":638,"55,6":639,"55,7":640,"55,8":641,"55,9":642,"56,1":643,"56,2":644,"56,3":645,"56,4":646,"56,5":647,"56,6":648,"57,1":649,"57,2":650,"57,3":651,"57,4":652,"57,5":653,"57,6":654,"57,7":655,"57,8":656,"58,1":657,"58,2":658,"58,3":659,"58,4":660,"58,5":661,"58,6":662,"58,7":663,"59,1":664,"59,2":665,"59,3":666,"59,4":667,"59,5":668,"59,6":669,"59,7":670,"59,8":671,"59,9":672,"59,10":673,"59,11":674,"59,12":675,"59,13":676,"60,1":677,"60,2":678,"60,3":679,"60,4":680,"60,5":681,"60,6":682,"60,7":683,"61,1":684,"61,2":685,"61,3":686,"61,4":687,"62,1":688,"62,2":689,"62,3":690,"62,4":691,"62,5":692,"62,6":693,"62,7":694,"62,8":695,"62,9":696,"62,10":697,"62,11":698,"62,12":699,"63,1":700,"63,2":701,"63,3":702,"63,4":703,"63,5":704,"63,6":705,"63,7":706,"63,8":707,"63,9":708,"63,10":709,"64,1":710,"64,2":711,"64,3":712,"65,1":713,"65,2":714,"65,3":715,"65,4":716,"65,5":717,"65,6":718,"65,7":719,"65,8":720,"65,9":721,"66,1":722,"66,2":723,"66,3":724,"66,4":725,"66,5":726,"66,6":727,"66,7":728,"66,8":729,"67,1":730,"67,2":731,"67,3":732,"67,4":733,"67,5":734,"67,6":735,"67,7":736,"67,8":737,"68,1":738,"68,2":739,"68,3":740,"68,4":741,"68,5":742,"68,6":743,"68,7":744,"68,8":745,"69,1":746,"69,2":747,"69,3":748,"69,4":749,"69,5":750,"69,6":751,"69,7":752,"69,8":753,"69,9":754,"69,10":755,"69,11":756,"69,12":757,"69,13":758,"69,14":759,"69,15":760,"69,16":761,"69,17":762,"69,18":763,"70,1":764,"70,2":765,"70,3":766,"70,4":767,"70,5":768,"70,6":769,"70,7":770,"70,8":771,"70,9":772,"71,1":773,"71,2":774,"71,3":775,"71,4":776,"71,5":777,"71,6":778,"71,7":779,"71,8":780,"71,9":781,"71,10":782,"71,11":783,"71,12":784,"72,1":785,"72,2":786,"72,3":787,"72,4":788,"72,5":789,"72,6":790,"73,1":791,"73,2":792,"73,3":793,"73,4":794,"73,5":795,"73,6":796,"73,7":797,"73,8":798,"73,9":799,"73,10":800,"73,11":801,"74,1":802,"74,2":803,"74,3":804,"74,4":805,"74,5":806,"74,6":807,"74,7":808,"74,8":809,"74,9":810,"75,1":811,"75,2":812,"75,3":813,"75,4":814,"75,5":815,"75,6":816,"75,7":817,"75,8":818,"76,1":819,"76,2":820,"76,3":821,"76,4":822,"76,5":823,"76,6":824,"76,7":825,"76,8":826,"76,9":827,"76,10":828,"76,11":829,"77,1":830,"77,2":831,"77,3":832,"77,4":833,"77,5":834,"77,6":835,"77,7":836,"77,8":837,"77,9":838,"77,10":839,"77,11":840,"77,12":841,"78,1":842,"78,2":843,"78,3":844,"78,4":845,"78,5":846,"78,6":847,"78,7":848,"78,8":849,"78,9":850,"78,10":851,"79,1":852,"79,2":853,"79,3":854,"79,4":855,"79,5":856,"79,6":857,"79,7":858,"79,8":859,"79,9":860,"79,10":861,"79,11":862,"80,1":863,"81,1":864,"81,2":865,"81,3":866,"81,4":867,"81,5":868,"81,6":869,"81,7":870,"81,8":871,"81,9":872,"82,1":873,"82,2":874,"82,3":875,"82,4":876,"82,5":877,"82,6":878,"82,7":879,"82,8":880,"82,9":881,"82,10":882,"82,11":883,"83,1":884,"83,2":885,"83,3":886,"83,4":887,"83,5":888,"83,6":889,"83,7":890,"83,8":891,"83,9":892,"83,10":893,"83,11":894,"84,1":895,"84,2":896,"84,3":897,"84,4":898,"84,5":899,"84,6":900,"84,7":901,"84,8":902,"84,9":903,"84,10":904,"84,11":905,"85,1":906,"85,2":907,"85,3":908,"85,4":909,"86,1":910,"86,2":911,"86,3":912,"86,4":913,"86,5":914,"86,6":915,"86,7":916,"86,8":917,"87,1":918,"87,2":919,"87,3":920,"87,4":921,"87,5":922,"87,6":923,"87,7":924,"87,8":925,"87,9":926,"87,10":927,"87,11":928,"87,12":929,"88,1":930,"88,2":931,"88,3":932,"88,4":933,"88,5":934,"88,6":935,"88,7":936,"88,8":937,"88,9":938,"88,10":939,"88,11":940,"88,12":941,"88,13":942,"89,1":943,"89,2":944,"89,3":945,"89,4":946,"89,5":947,"89,6":948,"89,7":949,"89,8":950,"90,1":951,"90,2":952,"90,3":953,"90,4":954,"90,5":955,"90,6":956,"90,7":957,"90,8":958,"90,9":959,"90,10":960,"91,1":961,"91,2":962,"91,3":963,"91,4":964,"91,5":965,"91,6":966,"91,7":967,"92,1":968,"92,2":969,"92,3":970,"92,4":971,"92,5":972,"92,6":973,"92,7":974,"92,8":975,"92,9":976,"92,10":977,"92,11":978,"92,12":979,"92,13":980,"92,14":981,"93,1":982,"93,2":983,"93,3":984,"93,4":985,"93,5":986,"93,6":987,"93,7":988,"93,8":989,"93,9":990,"94,1":991,"94,2":992,"94,3":993,"94,4":994,"94,5":995,"94,6":996,"94,7":997,"94,8":998,"94,9":999,"94,10":1000,"94,11":1001,"94,12":1002,"94,13":1003,"94,14":1004,"94,15":1005,"94,16":1006,"94,17":1007,"94,18":1008,"95,1":1009,"95,2":1010,"95,3":1011,"95,4":1012,"95,5":1013,"95,6":1014,"95,7":1015,"95,8":1016,"95,9":1017,"95,10":1018,"95,11":1019,"95,12":1020,"96,1":1021,"96,2":1022,"96,3":1023,"96,4":1024,"96,5":1025,"96,6":1026,"96,7":1027,"96,8":1028,"96,9":1029,"96,10":1030,"96,11":1031,"96,12":1032,"96,13":1033,"97,1":1034,"97,2":1035,"97,3":1036,"97,4":1037,"97,5":1038,"97,6":1039,"97,7":1040,"97,8":1041,"97,9":1042,"97,10":1043,"97,11":1044,"97,12":1045,"97,13":1046,"98,1":1047,"98,2":1048,"98,3":1049,"98,4":1050,"98,5":1051,"98,6":1052,"98,7":1053,"98,8":1054,"98,9":1055,"98,10":1056,"98,11":1057},"ٜ":{"1":[1,7],"2":[1,7],"3":[1,9],"4":[1,9],"5":[1,7],"6":[1,13],"7":[1,11],"8":[1,9],"9":[1,7],"10":[1,7],"11":[1,12],"12":[1,14],"13":[1,21],"14":[1,13],"15":[1,10],"16":[1,8],"17":[1,7],"18":[1,8],"19":[1,12],"20":[1,8],"21":[1,10],"22":[1,11],"23":[1,8],"24":[1,12],"25":[1,8],"26":[1,15],"27":[1,11],"28":[1,12],"29":[1,12],"30":[1,17],"31":[1,14],"32":[1,16],"33":[1,13],"34":[1,10],"35":[1,17],"36":[1,15],"37":[1,18],"38":[1,16],"39":[1,15],"40":[1,15],"41":[1,8],"42":[1,11],"43":[1,14],"44":[1,13],"45":[1,8],"46":[1,18],"47":[1,11],"48":[1,18],"49":[1,8],"50":[1,17],"51":[1,25],"52":[1,6],"53":[1,6],"54":[1,6],"55":[1,9],"56":[1,6],"57":[1,8],"58":[1,7],"59":[1,13],"60":[1,7],"61":[1,4],"62":[1,12],"63":[1,10],"64":[1,3],"65":[1,9],"66":[1,8],"67":[1,8],"68":[1,8],"69":[1,18],"70":[1,9],"71":[1,12],"72":[1,6],"73":[1,11],"74":[1,9],"75":[1,8],"76":[1,11],"77":[1,12],"78":[1,10],"79":[1,11],"80":[1,1],"81":[1,9],"82":[1,11],"83":[1,11],"84":[1,11],"85":[1,4],"86":[1,8],"87":[1,12],"88":[1,13],"89":[1,8],"90":[1,10],"91":[1,7],"92":[1,14],"93":[1,9],"94":[1,18],"95":[1,12],"96":[1,13],"97":[1,13],"98":[1,11]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","8,1","8,2","8,3","8,4","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","9,1","9,2","9,3","9,4","9,5","9,6","9,7","10,1","10,2","10,3","10,4","10,5","10,6","10,7","11,1","11,2","11,3","11,4","11,5","11,6","11,7","11,8","11,9","11,10","11,11","11,12","12,1","12,2","12,3","12,4","12,5","12,6","12,7","12,8","12,9","12,10","12,11","12,12","12,13","12,14","13,1","13,2","13,3","13,4","13,5","13,6","13,7","13,8","13,9","13,10","13,11","13,12","13,13","13,14","13,15","13,16","13,17","13,18","13,19","13,20","13,21","14,1","14,2","14,3","14,4","14,5","14,6","14,7","14,8","14,9","14,10","14,11","14,12","14,13","15,1","15,2","15,3","15,4","15,5","15,6","15,7","15,8","15,9","15,10","16,1","16,2","16,3","16,4","16,5","16,6","16,7","16,8","17,1","17,2","17,3","17,4","17,5","17,6","17,7","18,1","18,2","18,3","18,4","18,5","18,6","18,7","18,8","19,1","19,2","19,3","19,4","19,5","19,6","19,7","19,8","19,9","19,10","19,11","19,12","20,1","20,2","20,3","20,4","20,5","20,6","20,7","20,8","21,1","21,2","21,3","21,4","21,5","21,6","21,7","21,8","21,9","21,10","22,1","22,2","22,3","22,4","22,5","22,6","22,7","22,8","22,9","22,10","22,11","23,1","23,2","23,3","23,4","23,5","23,6","23,7","23,8","24,1","24,2","24,3","24,4","24,5","24,6","24,7","24,8","24,9","24,10","24,11","24,12","25,1","25,2","25,3","25,4","25,5","25,6","25,7","25,8","26,1","26,2","26,3","26,4","26,5","26,6","26,7","26,8","26,9","26,10","26,11","26,12","26,13","26,14","26,15","27,1","27,2","27,3","27,4","27,5","27,6","27,7","27,8","27,9","27,10","27,11","28,1","28,2","28,3","28,4","28,5","28,6","28,7","28,8","28,9","28,10","28,11","28,12","29,1","29,2","29,3","29,4","29,5","29,6","29,7","29,8","29,9","29,10","29,11","29,12","30,1","30,2","30,3","30,4","30,5","30,6","30,7","30,8","30,9","30,10","30,11","30,12","30,13","30,14","30,15","30,16","30,17","31,1","31,2","31,3","31,4","31,5","31,6","31,7","31,8","31,9","31,10","31,11","31,12","31,13","31,14","32,1","32,2","32,3","32,4","32,5","32,6","32,7","32,8","32,9","32,10","32,11","32,12","32,13","32,14","32,15","32,16","33,1","33,2","33,3","33,4","33,5","33,6","33,7","33,8","33,9","33,10","33,11","33,12","33,13","34,1","34,2","34,3","34,4","34,5","34,6","34,7","34,8","34,9","34,10","35,1","35,2","35,3","35,4","35,5","35,6","35,7","35,8","35,9","35,10","35,11","35,12","35,13","35,14","35,15","35,16","35,17","36,1","36,2","36,3","36,4","36,5","36,6","36,7","36,8","36,9","36,10","36,11","36,12","36,13","36,14","36,15","37,1","37,2","37,3","37,4","37,5","37,6","37,7","37,8","37,9","37,10","37,11","37,12","37,13","37,14","37,15","37,16","37,17","37,18","38,1","38,2","38,3","38,4","38,5","38,6","38,7","38,8","38,9","38,10","38,11","38,12","38,13","38,14","38,15","38,16","39,1","39,2","39,3","39,4","39,5","39,6","39,7","39,8","39,9","39,10","39,11","39,12","39,13","39,14","39,15","40,1","40,2","40,3","40,4","40,5","40,6","40,7","40,8","40,9","40,10","40,11","40,12","40,13","40,14","40,15","41,1","41,2","41,3","41,4","41,5","41,6","41,7","41,8","42,1","42,2","42,3","42,4","42,5","42,6","42,7","42,8","42,9","42,10","42,11","43,1","43,2","43,3","43,4","43,5","43,6","43,7","43,8","43,9","43,10","43,11","43,12","43,13","43,14","44,1","44,2","44,3","44,4","44,5","44,6","44,7","44,8","44,9","44,10","44,11","44,12","44,13","45,1","45,2","45,3","45,4","45,5","45,6","45,7","45,8","46,1","46,2","46,3","46,4","46,5","46,6","46,7","46,8","46,9","46,10","46,11","46,12","46,13","46,14","46,15","46,16","46,17","46,18","47,1","47,2","47,3","47,4","47,5","47,6","47,7","47,8","47,9","47,10","47,11","48,1","48,2","48,3","48,4","48,5","48,6","48,7","48,8","48,9","48,10","48,11","48,12","48,13","48,14","48,15","48,16","48,17","48,18","49,1","49,2","49,3","49,4","49,5","49,6","49,7","49,8","50,1","50,2","50,3","50,4","50,5","50,6","50,7","50,8","50,9","50,10","50,11","50,12","50,13","50,14","50,15","50,16","50,17","51,1","51,2","51,3","51,4","51,5","51,6","51,7","51,8","51,9","51,10","51,11","51,12","51,13","51,14","51,15","51,16","51,17","51,18","51,19","51,20","51,21","51,22","51,23","51,24","51,25","52,1","52,2","52,3","52,4","52,5","52,6","53,1","53,2","53,3","53,4","53,5","53,6","54,1","54,2","54,3","54,4","54,5","54,6","55,1","55,2","55,3","55,4","55,5","55,6","55,7","55,8","55,9","56,1","56,2","56,3","56,4","56,5","56,6","57,1","57,2","57,3","57,4","57,5","57,6","57,7","57,8","58,1","58,2","58,3","58,4","58,5","58,6","58,7","59,1","59,2","59,3","59,4","59,5","59,6","59,7","59,8","59,9","59,10","59,11","59,12","59,13","60,1","60,2","60,3","60,4","60,5","60,6","60,7","61,1","61,2","61,3","61,4","62,1","62,2","62,3","62,4","62,5","62,6","62,7","62,8","62,9","62,10","62,11","62,12","63,1","63,2","63,3","63,4","63,5","63,6","63,7","63,8","63,9","63,10","64,1","64,2","64,3","65,1","65,2","65,3","65,4","65,5","65,6","65,7","65,8","65,9","66,1","66,2","66,3","66,4","66,5","66,6","66,7","66,8","67,1","67,2","67,3","67,4","67,5","67,6","67,7","67,8","68,1","68,2","68,3","68,4","68,5","68,6","68,7","68,8","69,1","69,2","69,3","69,4","69,5","69,6","69,7","69,8","69,9","69,10","69,11","69,12","69,13","69,14","69,15","69,16","69,17","69,18","70,1","70,2","70,3","70,4","70,5","70,6","70,7","70,8","70,9","71,1","71,2","71,3","71,4","71,5","71,6","71,7","71,8","71,9","71,10","71,11","71,12","72,1","72,2","72,3","72,4","72,5","72,6","73,1","73,2","73,3","73,4","73,5","73,6","73,7","73,8","73,9","73,10","73,11","74,1","74,2","74,3","74,4","74,5","74,6","74,7","74,8","74,9","75,1","75,2","75,3","75,4","75,5","75,6","75,7","75,8","76,1","76,2","76,3","76,4","76,5","76,6","76,7","76,8","76,9","76,10","76,11","77,1","77,2","77,3","77,4","77,5","77,6","77,7","77,8","77,9","77,10","77,11","77,12","78,1","78,2","78,3","78,4","78,5","78,6","78,7","78,8","78,9","78,10","79,1","79,2","79,3","79,4","79,5","79,6","79,7","79,8","79,9","79,10","79,11","80,1","81,1","81,2","81,3","81,4","81,5","81,6","81,7","81,8","81,9","82,1","82,2","82,3","82,4","82,5","82,6","82,7","82,8","82,9","82,10","82,11","83,1","83,2","83,3","83,4","83,5","83,6","83,7","83,8","83,9","83,10","83,11","84,1","84,2","84,3","84,4","84,5","84,6","84,7","84,8","84,9","84,10","84,11","85,1","85,2","85,3","85,4","86,1","86,2","86,3","86,4","86,5","86,6","86,7","86,8","87,1","87,2","87,3","87,4","87,5","87,6","87,7","87,8","87,9","87,10","87,11","87,12","88,1","88,2","88,3","88,4","88,5","88,6","88,7","88,8","88,9","88,10","88,11","88,12","88,13","89,1","89,2","89,3","89,4","89,5","89,6","89,7","89,8","90,1","90,2","90,3","90,4","90,5","90,6","90,7","90,8","90,9","90,10","91,1","91,2","91,3","91,4","91,5","91,6","91,7","92,1","92,2","92,3","92,4","92,5","92,6","92,7","92,8","92,9","92,10","92,11","92,12","92,13","92,14","93,1","93,2","93,3","93,4","93,5","93,6","93,7","93,8","93,9","94,1","94,2","94,3","94,4","94,5","94,6","94,7","94,8","94,9","94,10","94,11","94,12","94,13","94,14","94,15","94,16","94,17","94,18","95,1","95,2","95,3","95,4","95,5","95,6","95,7","95,8","95,9","95,10","95,11","95,12","96,1","96,2","96,3","96,4","96,5","96,6","96,7","96,8","96,9","96,10","96,11","96,12","96,13","97,1","97,2","97,3","97,4","97,5","97,6","97,7","97,8","97,9","97,10","97,11","97,12","97,13","98,1","98,2","98,3","98,4","98,5","98,6","98,7","98,8","98,9","98,10","98,11"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"4":[4],"5":[5],"6":[6],"7":[7],"8":[8],"9":[9],"10":[10],"11":[11],"12":[12],"13":[13],"14":[14],"15":[15],"16":[16],"17":[17],"18":[18],"19":[19],"20":[20],"21":[21],"22":[22],"23":[23],"24":[24],"25":[25],"26":[26],"27":[27],"28":[28],"29":[29],"30":[30],"31":[31],"32":[32],"33":[33],"34":[34],"35":[35],"36":[36],"37":[37],"38":[38],"39":[39],"40":[40],"41":[41],"42":[42],"43":[43],"44":[44],"45":[45],"46":[46],"47":[47],"48":[48],"49":[49],"50":[50],"51":[51],"52":[52],"53":[53],"54":[54],"55":[55],"56":[56],"57":[57],"58":[58],"59":[59],"60":[60],"61":[61],"62":[62],"63":[63],"64":[64],"65":[65],"66":[66],"67":[67],"68":[68],"69":[69],"70":[70],"71":[71],"72":[72],"73":[73],"74":[74],"75":[75],"76":[76],"77":[77],"78":[78],"79":[79],"80":[80],"81":[81],"82":[82],"83":[83],"84":[84],"85":[85],"86":[86],"87":[87],"88":[88],"89":[89],"90":[90],"91":[91],"92":[92],"93":[93],"94":[94],"95":[95],"96":[96],"97":[97],"98":[98],"99":[99],"100":[100],"101":[101],"102":[102],"103":[103],"104":[104],"105":[105],"106":[106],"107":[107],"108":[108],"109":[109],"110":[110],"111":[111],"112":[112],"113":[113],"114":[114],"115":[115],"116":[116],"117":[117],"118":[118],"119":[119],"120":[120],"121":[121],"122":[122],"123":[123],"124":[124],"125":[125],"126":[126],"127":[127],"128":[128],"129":[129],"130":[130],"131":[131],"132":[132],"133":[133],"134":[134],"135":[135],"136":[136],"137":[137],"138":[138],"139":[139],"140":[140],"141":[141],"142":[142],"143":[143],"144":[144],"145":[145],"146":[146],"147":[147],"148":[148],"149":[149],"150":[150],"151":[151],"152":[152],"153":[153],"154":[154],"155":[155],"156":[156],"157":[157],"158":[158],"159":[159],"160":[160],"161":[161],"162":[162],"163":[163],"164":[164],"165":[165],"166":[166],"167":[167],"168":[168],"169":[169],"170":[170],"171":[171],"172":[172],"173":[173],"174":[174],"175":[175],"176":[176],"177":[177],"178":[178],"179":[179],"180":[180],"181":[181],"182":[182],"183":[183],"184":[184],"185":[185],"186":[186],"187":[187],"188":[188],"189":[189],"190":[190],"191":[191],"192":[192],"193":[193],"194":[194],"195":[195],"196":[196],"197":[197],"198":[198],"199":[199],"200":[200],"201":[201],"202":[202],"203":[203],"204":[204],"205":[205],"206":[206],"207":[207],"208":[208],"209":[209],"210":[210],"211":[211],"212":[212],"213":[213],"214":[214],"215":[215],"216":[216],"217":[217],"218":[218],"219":[219],"220":[220],"221":[221],"222":[222],"223":[223],"224":[224],"225":[225],"226":[226],"227":[227],"228":[228],"229":[229],"230":[230],"231":[231],"232":[232],"233":[233],"234":[234],"235":[235],"236":[236],"237":[237],"238":[238],"239":[239],"240":[240],"241":[241],"242":[242],"243":[243],"244":[244],"245":[245],"246":[246],"247":[247],"248":[248],"249":[249],"250":[250],"251":[251],"252":[252],"253":[253],"254":[254],"255":[255],"256":[256],"257":[257],"258":[258],"259":[259],"260":[260],"261":[261],"262":[262],"263":[263],"264":[264],"265":[265],"266":[266],"267":[267],"268":[268],"269":[269],"270":[270],"271":[271],"272":[272],"273":[273],"274":[274],"275":[275],"276":[276],"277":[277],"278":[278],"279":[279],"280":[280],"281":[281],"282":[282],"283":[283],"284":[284],"285":[285],"286":[286],"287":[287],"288":[288],"289":[289],"290":[290],"291":[291],"292":[292],"293":[293],"294":[294],"295":[295],"296":[296],"297":[297],"298":[298],"299":[299],"300":[300],"301":[301],"302":[302],"303":[303],"304":[304],"305":[305],"306":[306],"307":[307],"308":[308],"309":[309],"310":[310],"311":[311],"312":[312],"313":[313],"314":[314],"315":[315],"316":[316],"317":[317],"318":[318],"319":[319],"320":[320],"321":[321],"322":[322],"323":[323],"324":[324],"325":[325],"326":[326],"327":[327],"328":[328],"329":[329],"330":[330],"331":[331],"332":[332],"333":[333],"334":[334],"335":[335],"336":[336],"337":[337],"338":[338],"339":[339],"340":[340],"341":[341],"342":[342],"343":[343],"344":[344],"345":[345],"346":[346],"347":[347],"348":[348],"349":[349],"350":[350],"351":[351],"352":[352],"353":[353],"354":[354],"355":[355],"356":[356],"357":[357],"358":[358],"359":[359],"360":[360],"361":[361],"362":[362],"363":[363],"364":[364],"365":[365],"366":[366],"367":[367],"368":[368],"369":[369],"370":[370],"371":[371],"372":[372],"373":[373],"374":[374],"375":[375],"376":[376],"377":[377],"378":[378],"379":[379],"380":[380],"381":[381],"382":[382],"383":[383],"384":[384],"385":[385],"386":[386],"387":[387],"388":[388],"389":[389],"390":[390],"391":[391],"392":[392],"393":[393],"394":[394],"395":[395],"396":[396],"397":[397],"398":[398],"399":[399],"400":[400],"401":[401],"402":[402],"403":[403],"404":[404],"405":[405],"406":[406],"407":[407],"408":[408],"409":[409],"410":[410],"411":[411],"412":[412],"413":[413],"414":[414],"415":[415],"416":[416],"417":[417],"418":[418],"419":[419],"420":[420],"421":[421],"422":[422],"423":[423],"424":[424],"425":[425],"426":[426],"427":[427],"428":[428],"429":[429],"430":[430],"431":[431],"432":[432],"433":[433],"434":[434],"435":[435],"436":[436],"437":[437],"438":[438],"439":[439],"440":[440],"441":[441],"442":[442],"443":[443],"444":[444],"445":[445],"446":[446],"447":[447],"448":[448],"449":[449],"450":[450],"451":[451],"452":[452],"453":[453],"454":[454],"455":[455],"456":[456],"457":[457],"458":[458],"459":[459],"460":[460],"461":[461],"462":[462],"463":[463],"464":[464],"465":[465],"466":[466],"467":[467],"468":[468],"469":[469],"470":[470],"471":[471],"472":[472],"473":[473],"474":[474],"475":[475],"476":[476],"477":[477],"478":[478],"479":[479],"480":[480],"481":[481],"482":[482],"483":[483],"484":[484],"485":[485],"486":[486],"487":[487],"488":[488],"489":[489],"490":[490],"491":[491],"492":[492],"493":[493],"494":[494],"495":[495],"496":[496],"497":[497],"498":[498],"499":[499],"500":[500],"501":[501],"502":[502],"503":[503],"504":[504],"505":[505],"506":[506],"507":[507],"508":[508],"509":[509],"510":[510],"511":[511],"512":[512],"513":[513],"514":[514],"515":[515],"516":[516],"517":[517],"518":[518],"519":[519],"520":[520],"521":[521],"522":[522],"523":[523],"524":[524],"525":[525],"526":[526],"527":[527],"528":[528],"529":[529],"530":[530],"531":[531],"532":[532],"533":[533],"534":[534],"535":[535],"536":[536],"537":[537],"538":[538],"539":[539],"540":[540],"541":[541],"542":[542],"543":[543],"544":[544],"545":[545],"546":[546],"547":[547],"548":[548],"549":[549],"550":[550],"551":[551],"552":[552],"553":[553],"554":[554],"555":[555],"556":[556],"557":[557],"558":[558],"559":[559],"560":[560],"561":[561],"562":[562],"563":[563],"564":[564],"565":[565],"566":[566],"567":[567],"568":[568],"569":[569],"570":[570],"571":[571],"572":[572],"573":[573],"574":[574],"575":[575],"576":[576],"577":[577],"578":[578],"579":[579],"580":[580],"581":[581],"582":[582],"583":[583],"584":[584],"585":[585],"586":[586],"587":[587],"588":[588],"589":[589],"590":[590],"591":[591],"592":[592],"593":[593],"594":[594],"595":[595],"596":[596],"597":[597],"598":[598],"599":[599],"600":[600],"601":[601],"602":[602],"603":[603],"604":[604],"605":[605],"606":[606],"607":[607],"608":[608],"609":[609],"610":[610],"611":[611],"612":[612],"613":[613],"614":[614],"615":[615],"616":[616],"617":[617],"618":[618],"619":[619],"620":[620],"621":[621],"622":[622],"623":[623],"624":[624],"625":[625],"626":[626],"627":[627],"628":[628],"629":[629],"630":[630],"631":[631],"632":[632],"633":[633],"634":[634],"635":[635],"636":[636],"637":[637],"638":[638],"639":[639],"640":[640],"641":[641],"642":[642],"643":[643],"644":[644],"645":[645],"646":[646],"647":[647],"648":[648],"649":[649],"650":[650],"651":[651],"652":[652],"653":[653],"654":[654],"655":[655],"656":[656],"657":[657],"658":[658],"659":[659],"660":[660],"661":[661],"662":[662],"663":[663],"664":[664],"665":[665],"666":[666],"667":[667],"668":[668],"669":[669],"670":[670],"671":[671],"672":[672],"673":[673],"674":[674],"675":[675],"676":[676],"677":[677],"678":[678],"679":[679],"680":[680],"681":[681],"682":[682],"683":[683],"684":[684],"685":[685],"686":[686],"687":[687],"688":[688],"689":[689],"690":[690],"691":[691],"692":[692],"693":[693],"694":[694],"695":[695],"696":[696],"697":[697],"698":[698],"699":[699],"700":[700],"701":[701],"702":[702],"703":[703],"704":[704],"705":[705],"706":[706],"707":[707],"708":[708],"709":[709],"710":[710],"711":[711],"712":[712],"713":[713],"714":[714],"715":[715],"716":[716],"717":[717],"718":[718],"719":[719],"720":[720],"721":[721],"722":[722],"723":[723],"724":[724],"725":[725],"726":[726],"727":[727],"728":[728],"729":[729],"730":[730],"731":[731],"732":[732],"733":[733],"734":[734],"735":[735],"736":[736],"737":[737],"738":[738],"739":[739],"740":[740],"741":[741],"742":[742],"743":[743],"744":[744],"745":[745],"746":[746],"747":[747],"748":[748],"749":[749],"750":[750],"751":[751],"752":[752],"753":[753],"754":[754],"755":[755],"756":[756],"757":[757],"758":[758],"759":[759],"760":[760],"761":[761],"762":[762],"763":[763],"764":[764],"765":[765],"766":[766],"767":[767],"768":[768],"769":[769],"770":[770],"771":[771],"772":[772],"773":[773],"774":[774],"775":[775],"776":[776],"777":[777],"778":[778],"779":[779],"780":[780],"781":[781],"782":[782],"783":[783],"784":[784],"785":[785],"786":[786],"787":[787],"788":[788],"789":[789],"790":[790],"791":[791],"792":[792],"793":[793],"794":[794],"795":[795],"796":[796],"797":[797],"798":[798],"799":[799],"800":[800],"801":[801],"802":[802],"803":[803],"804":[804],"805":[805],"806":[806],"807":[807],"808":[808],"809":[809],"810":[810],"811":[811],"812":[812],"813":[813],"814":[814],"815":[815],"816":[816],"817":[817],"818":[818],"819":[819],"820":[820],"821":[821],"822":[822],"823":[823],"824":[824],"825":[825],"826":[826],"827":[827],"828":[828],"829":[829],"830":[830],"831":[831],"832":[832],"833":[833],"834":[834],"835":[835],"836":[836],"837":[837],"838":[838],"839":[839],"840":[840],"841":[841],"842":[842],"843":[843],"844":[844],"845":[845],"846":[846],"847":[847],"848":[848],"849":[849],"850":[850],"851":[851],"852":[852],"853":[853],"854":[854],"855":[855],"856":[856],"857":[857],"858":[858],"859":[859],"860":[860],"861":[861],"862":[862],"864":[863],"865":[864],"866":[865],"867":[866],"868":[867],"869":[868],"870":[869],"871":[870],"872":[871],"873":[872],"874":[873],"875":[874],"876":[875],"877":[876],"878":[877],"879":[878],"880":[879],"881":[880],"882":[881],"883":[882],"884":[883],"885":[884],"886":[885],"887":[886],"888":[887],"889":[888],"890":[889],"891":[890],"892":[891],"893":[892],"894":[893],"895":[894],"896":[895],"897":[896],"898":[897],"899":[898],"900":[899],"901":[900],"902":[901],"903":[902],"904":[903],"905":[904],"906":[905],"907":[906],"908":[907],"909":[908],"910":[909],"911":[910],"912":[911],"913":[912],"914":[913],"915":[914],"916":[915],"917":[916],"918":[917],"919":[918],"920":[919],"921":[920],"922":[921],"923":[922],"924":[923],"925":[924],"926":[925],"927":[926],"928":[927],"929":[928],"930":[929],"931":[930],"932":[931],"933":[932],"934":[933],"935":[934],"936":[935],"937":[936],"938":[937],"939":[938],"940":[939],"941":[940],"942":[941],"943":[942],"944":[943],"945":[944],"946":[945],"947":[946],"948":[947],"949":[948],"950":[949],"951":[950],"952":[951],"953":[952],"954":[953],"955":[954],"956":[955],"957":[956],"958":[957],"959":[958],"960":[959],"961":[960],"962":[961],"963":[962],"964":[963],"965":[964],"966":[965],"967":[966],"968":[967],"969":[968],"970":[969],"971":[970],"972":[971],"973":[972],"974":[973],"975":[974],"976":[975],"977":[976],"978":[977],"979":[978],"980":[979],"981":[980],"982":[981],"983":[982],"984":[983],"985":[984],"986":[985],"987":[986],"988":[987],"989":[988],"990":[989],"991":[990],"992":[991],"993":[992],"994":[993],"995":[994],"996":[995],"997":[996],"998":[997],"999":[998],"1000":[999],"1001":[1000],"1002":[1001],"1003":[1002],"1004":[1003],"1005":[1004],"1006":[1005],"1007":[1006],"1008":[1007],"1009":[1008],"1010":[1009],"1011":[1010],"1012":[1011],"1013":[1012],"1014":[1013],"1015":[1014],"1016":[1015],"1017":[1016],"1018":[1017],"1019":[1018],"1020":[1019],"1021":[1020],"1022":[1021],"1023":[1022],"1024":[1023],"1025":[1024],"1026":[1025],"1027":[1026],"1028":[1027],"1029":[1028],"1030":[1029],"1031":[1030],"1032":[1031],"1033":[1032],"1034":[1033],"1035":[1034],"1036":[1035],"1037":[1036],"1038":[1037],"1039":[1038],"1040":[1039],"1041":[1040],"1042":[1041],"1043":[1042],"1044":[1043],"1045":[1044],"1046":[1045],"1047":[1046],"1048":[1047],"1049":[1048],"1050":[1049],"1051":[1050],"1052":[1051],"1053":[1052],"1054":[1053],"1055":[1054],"1056":[1055],"1057":[1056]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-1> الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر</span>\nالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شعائر المسلمين، ومن أسباب خيرية وتفضيل هذه الأمة على سائر الأمم، فبه تحفظ معالم الدين الحنيف، وتظل هيبة الإسلام قائمة في النفوس، وقائمة على الأرض.","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر</span>","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيه خير الدنيا والآخرة</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤].\nوقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].\nوقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]، وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة:٧١].\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)].\nهذا الباب من هذا الكتاب العظيم رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي ﵀ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nوالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصائص هذا الدين العظيم، فقد جاء في القرآن آيات كثيرة في أن ربنا ﷾ أمرنا أن تكون منا أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وهذا فيه خير الدنيا وفيه خير الآخرة، والذي ينظر إلى هذا الدين العظيم ويتأمل في قواعده الكلية وأصوله العظيمة، وفروعه ومسائله، يعرف أن هذا دين الله ﷾، وأنه الدين الذي فيه صلاح معاش الناس، وأن بغيره تضيع الدنيا الآخرة، فالدين فيه قوام حياة كل إنسان والإنسان يشعر بإنسانيته حين يتبع هذا الدين العظيم، ويشعر المؤمن بعزة يستمدها من هذا الدين، وعزة من الله ﷿ يعز به المؤمنين، ويستشعر كيف أن البعيد عن هذا الدين في ذل عظيم ما دام في بعده عن دين الله وعن طاعته، فربنا خلق العباد ليبتليهم أيهم أحسن عملًا، وليبتلي بعضهم ببعض، ويبتلي المؤمن بالكافر والمطيع بالعاصي، والبر بالفاجر، والمستقيم بالمنحرف.\nولو كان الناس كلهم على الاستقامة، والأمر كله عبارة عن أكل وشرب ولعب ولهو وراحة لأصبحت آخرة لا دنيا، فربنا خلق الدنيا لتكون حياة قصيرة وسماها دنيا، والدنيا اسم مأخوذ من الدنو والدنو هو القرب، والبعيد هو الأجمل وهي الدار الحيوان، أي الحياة الدائمة المقيمة فالمؤمن من يبيع الدنيا ليشتري الآخرة، فالدنيا فيها بساتين، والإنسان ينظر ويتنعم ويأكل ويفرح ويشتهي أشياء وينالها، لكن كل هذا جعله ربنا لنا مثالًا صغيرًا لتعرف أن وراء ذلك ما هو أعظم بكثير، فإن أكلت في الدنيا وجدت من الأكل شهوتك وأخذت منه حاجتك وبعد ذلك أخرجته فألقيته في القمامة وهذه نهاية أكل الدنيا.\nوأكل الآخرة بعكس أكل الدنيا تمامًا، فلا بول ولا غائط في الجنة ولكن عرق كريح مسك، ولا تخمة ولا مرض فالدار الآخرة دار استمتاع تستمتع بها فحين يدلنا ربنا ﷾ على ذلك يتفكر الإنسان في سبب وجودنا في هذه الدنيا، والسبب هو الامتحان والبلاء لكي نحصل على الجزاء يوم القيامة، وليتعب الإنسان في الدنيا ليرتاح في الآخرة.\nومن تعب الإنسان أن يتعب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>حسن الخلق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر</span>\nقوله: (الأمر بالمعروف) وكأن اللام هنا لام الجنس، وهو كل ما عرفته الشريعة لك بأنه أمر حسن، ولن تستطيع الأمر بالمعروف إلا إذا تعلمت القرآن والسنة عن طريق سؤال أهل العلم، يقول تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، فإذا تعلمت القرآن تعلمت السنة، وتعلمت الخلق الحسن من الكتاب ومن السنة.\nفإذا أمرت بالمعروف لا يكون الأمر بالمعروف هو عين المنكر، وإذا نهيت عن منكر لا يكون نهيك عن المنكر منكرًا، فتنهى بصورة منكرة وبفعلك تنفر الخلق عن دين الله، فهذا لا ينبغي.\nفالأمر بالمعروف لا بد أن يكون بحكمة وموعظة حسنة، وكذلك النهي عن المنكر، فتحصل على الخير العظيم في الدنيا وفي الآخرة، يقول ﵊: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه)، فيجب أن يكون الإنسان رفيقًا يحبه الناس، ولا ينبغي أن يكون غليظًا شديدًا يبغضه الناس، والمحبوب من الناس يجد استجابة له منهم.\nقال ربنا ﷾ هنا: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ﴾ [آل عمران:١٠٤] واللام لام الأمر، أي لتوجد منكم وكأن الأمر هنا بالإيجاد أي: أوجدوا ذلك، وكونوا على ذلك، وإعراب كلمة (أمة): فاعل مرفوع، وفعل الأمر في بداية الجملة تام وليس ناقصًا.\nوصفاتهم: ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤]، يدعون إلى الخير، أي الخير الموجود في هذا الدين، والدين كله خير، والذي يتأثر بالدين يستشعر حلاوته في لسانه وفي قلبه، وتستشعر حلاوة الدين عندما تقرأ القرآن وكذلك تتذوق حلاوة كلام رب العالمين، وكلام النبي ﷺ في قلبك، وتستشعر زيادة الإيمان، وعليك أن تدعو وليست عليك النتيجة، فالنتيجة لم يكلف بها أحد لا نبي ولا رسول ولا ولي ولا آحاد الناس، والذي عليك فقط أن تدعو الله ﷿ بالحكمة والموعظة الحسنة.\n﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران:١٠٤] أي: بكل ما أمر الله ﷿ به وأمر النبي ﷺ به.\n(وينهون عن المنكر) اللام لام الجنس أي: جنس المنكر فأي منكر ولا بد وأن ينهى عنه ولكن بحسب طريقة النهي، فلا بد أن يكون الناهي حكيمًا حليمًا، يكون مخلصًا يرجو في أمره ونهيه أن يستجيب الناس وبهذا تحققت استجابة الناس، ولعل الإنسان إذا أمر استجاب الإنسان.\n﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤] والفلاح هو النجاح، والنجاح قد يكون مؤقتًا، وقد يكون دائمًا، والمقصود في الآية هو النجاح الأبدي الذي لا خسارة بعده.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>الأمر بالمعروف والإعراض عن الجاهلين</span>\nويمدح الله المؤمنين بالخيرية في الآية السابقة، ولكن سبب الخيرية عائد على الله فهو أهل المنة والفضل، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] بسبب أنكم ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].\nوالله ﵎ قال للنبي ﷺ والمؤمنين بالتبع: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف:١٩٩] أي: ليكن من خلقك العفو عمن يسيء إليك.\n﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف:١٩٩] أي بالمعروف من هذه الشريعة.\n﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]، فبدأها بالعفو وأنهاها بالعفو أيضًا، فدل ذلك على منزلة العفو العظيمة عند الله سبحانه، وكأنه يقول: إنه طالما أنت متوجه لدعوة الخلق لابد وأن تؤذى، وليس شرطًا أنه كلما أوذيت انتصر لك ربنا، ولكن اصبر وخذ بالعفو، فيعفى عنك يوم القيامة.\n﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] لا تنشغل بالجاهل، وليس المقصود بالجاهل هنا الذي ليس متعلمًا، ولكن المقصود: جاهل الأخلاق وصاحب الأخلاق السيئة وقد ذكر الله هذا الصنف من الناس في آية أخرى قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ﴾ [الفرقان:٦٣]، الجاهلون سيئو الخلق، والناس الذين في أنفسهم شر وسوء أدب، فإذا خاطبوا عباد الرحمن قالوا سلامًا، أي: قالوا قولًا كريمًا، وأكرموا أنفسهم عن الوقوع في اللغو مع هؤلاء، وأكرموا أنفسهم أن يهينوها بالوقوع في المخاصمة مع هؤلاء.\nوالإنسان قد يتعرض للمعاملة مع شياطين الإنس وشياطين الجن، فأما شياطين الجن فأنت مأمور بالتعوذ بالله ﷿، وربنا يعلمنا ﷾ أن نتعوذ بالله من همزات الشياطين، قال ﷿: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٧ - ٩٨]، فتقول: أعوذ بالله السميع من الشيطان الرجيم إلى ما ذكر عن النبي ﷺ.\nأما شيطان الإنس فعليك أن تعرض عنه وتأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وتحاول عدم الدخول معه في المصادمة، لعل الله في يوم من الأيام يهدي هذا الإنسان.\nيقول لنا ربنا ﵎: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] والتولي هو المناصرة وكأنه يقول: كن مع أخيك المؤمن في عسره ويسره، والنبي ﷺ يوضح لنا: (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا)، إن كان ظالمًا فانصره على نفسه وخذ منه الحق لصاحب المظلمة، وإذا كان مظلومًا فأعنه أن يأخذ حقه، وكن مع أخيك المؤمن توله بالخير يتولك الله ﷾ بالنصر والتأييد، ومن سياق الآية: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] يتبين أنه لا ولاية بين المؤمن والكفار، وبهذا تنتفي كل معاني مناصرة ومحبة المؤمن للكافر.\nثم يبين الله سب موالاة المؤمنين لبعضهم وهو أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، والمؤمن يحب من أخيه تقواه ويحب منه أنه يعلم الناس الخير، ويحب منه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>لعن بني إسرائيل لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر</span>\nقال الله ﵎: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:٧٨] وسبب لعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم على نبينا وعليهم الصلاة والسلام: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة:٧٨]، فقد كانوا أشد الناس عصيانًا لله ﵎، وخروجًا عن أمره وتحايلًا على معصيته سبحانه، فلعنهم الله ﷿ على لسان داود وعيسى بن مريم.\n﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة:٧٩]، فاستحقوا اللعنة بسبب تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\n﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ﴾ [المائدة:٧٩] أي: لا ينهى بعضهم بعضًا، فكان اليهودي ينظر إلى الآخر ويعمل المنكر فلا يأمره بالمعروف، فتساهلوا إتيان المنكرات.\nوقد أمرهم الله باتخاذ الجمعة لهم عيدًا، فقالوا: نريد السبت؛ لأن الله انتهى من الخلق يوم الجمعة واستراح من عناء الخلق يوم السبت، فافتروا على الله الكذب بقولهم، وقالوا راحتنا تكون يوم السبت، فأمرهم بالامتناع عن العمل يوم السبت، وكانت الأسماك تكثر في البحر يوم السبت غير بقية الأيام، وهذا فيه تمحيص لصدق إيمانهم، فكانوا يتحايلون على الله بحيل سخيفة ومنها: أن الواحد منهم كان يضع شباك الصيد يوم الجمعة فتعلق الأسماك بها يوم السبت فلا يرفعون الشباك إلا في اليوم الآخر وهم يظنون أنهم بذلك قد أفلحوا في التحايل على الله، فكانت تفوح رائحة الأسماك من بيوت الذين كانوا يعملون هذه الحيل، فأمهلهم الله ولم يعاقبهم، فقام اليهود بعمل هذه الحيلة.\nفأنزل الله ﵎ ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٥]، ومنهم الذين اعتدوا في السبت فقد لعنهم الله ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة:٧٨] فاعتدوا في يوم السبت أي: تعدوا حرمات الله سبحانه وبعد ذلك أكلوا هذه الأسماك وفرحوا مؤقتًا حتى أتاهم العذاب فكانوا عبرة لغيرهم.\nقال سبحانه: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٩] أي: لا ينهى بعضهم بعضًا، فقال: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٩] إذا عمل الواحد منهم المعصية لا يجد واحدًا ينهاه، فيسكت الساكت عن رضا بما يعمله الآخر من معصية فسمى الله ﷿ عدم نهيه عن المنكر فعلًا وقال: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٩].\nوقال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] أي: قد جاء الحق من عند الله ﷿ ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] فالله ﷾ هو الغني، والخلق كلهم فقراء إلى الله ﷿، وإذا عمل الإنسان عملًا صالحًا انتفع هو ولم يزد الله ﷿ شيئًا، وإذا عمل الإنسان عملًا غير صالح أضر نفسه وأهلكها، ولم يضر الله ﷾، فلا يضر العاصي إلا نفسه.\nقال تعالى للنبي ﷺ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر:٩٤] فأمره أن يبلغ للناس هذا الدين، والصدع هو رفع الصوت، والمقصود به: أن يجهر بالحق ﷺ.\nقال تعالى: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف:١٦٥] أي: عذاب شديد، وهو من أشد وأفظع ما يكون، ويكفي أن أصبحوا وقد مسخ الذين كانوا يصطادون يوم السبت قردة وخنازير، وظلوا على هذه الحالة ثلاثة أيام ثم أهلكهم الله ﷾.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>شرح حديث: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده)</span>\nمن الأحاديث التي جاءت في هذا الموضوع العظيم حديث لـ أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)، ويكون هذا على حسب القدرة والاستطاعة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتغيير المنكر الذي أمامه.\n(من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده) وكأن المعنى المنكر الذي لا يتغير إلا بيد، لا يصح فيه إلا ذلك، كأن يخطف شخص امرأة ويريد أن يزني بها، ففي هذه الحالة لا بد من استعمال اليد، لأنها من الحالات التي لا بد أن يستعمل الإنسان فيها يده، فإنها لا تنفع النصيحة باللسان في مثل هذه الحالات، ولكن إذا لم تستطع أن تغيره بيدك كأن يكون مع الخاطف مثلًا سلاح، فأمر باللسان وحاول أن تنصحهم بلسانك، أما إذا أراد كل من يريد أن يتكلم فأقل حاله فيها أن يكره الإنسان هذا الشيء القبيح وهذا الفعل السيئ، وأن ينكر هذا الشيء بقلبه.\nجاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه أن يزني، فقال له النبي ﷺ: (ادن! أترضاه لأمك؟! قال: لا، قال: وكذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم، أترضاه لأختك؟! قال: لا.\nجعلني الله فداك، قال: كذلك الناس لا يرضونه لأخواتهم، أترضاه لابنتك؟! قال: لا.\nجعلني الله فداك، قال: كذلك الناس لا يرضونه لبناتهم، ثم دعا له النبي ﷺ، قال: فما كان شيء أبغض إليه من الزنا)، فلو ضربه في هذا الوقت لما أفاده، ولكنه خاطب عقله وقلبه ودعا له فرقّ قلب الإنسان، وإذا به يستشعر قبح ما كاد أن يقع فيه.\nفلذلك ليس شرطًا أن تغيره بيدك أول ما تراه، فالأمر في الحديث ليس هذا مقصوده، وإنما القصد أن تستخدم يدك في الضرورة، وقد يكون تغيير المنكر لا يحتاج حتى إلى كلام، فهناك أشخاص مجرد النظر إليهم وهم في معصية يجعلهم يتركونها حياءً، وقد يكتفي بالإشارة، فادفع بالأسهل إلا إذا اقتضى الأمر، فقد جاء رجل يسأل الرسول ﵊: (أرأيت إن جاء رجل يأخذ مالي؟ قال: لا تعطه قال: فإن أبى فقاتلني؟ قال: فقاتله، قال: فإن قتلني؟ قال: أنت في الجنة وأنت شهيد، قال: فإن قتلته؟ قال: هو في النار)، ففي البداية ابدأ بوعظ هذا الإنسان.\nوالغرض أن الإنسان إذا أمر بالمعروف عليه أن يتقي الله سبحانه ويرجو أن ينقذ أخاه العاصي من النار، لعل الله ﷾ ييسر بكلمة صالحة أن ينتهي هذا عن باطله ويرجع إلى رشده.\nنسأل الله ﷿ أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":7},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-8> تحريم الظلم والأمر برد المظالم [١]</span>\nحرم الله الظلم على نفسه، ثم حرمه على عباده، وذلك لما له من تأثير سيء على حياة الناس؛ فبه تسود شريعة الغاب، وينعدم الأمن والعدل، ويأكل القوي الضعيف، ولذلك حذر منه الإسلام، وتوعد الظلمة وعيدًا تقشعر منه الأبدان، وترجف له القلوب.","vol":"2","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>جريمة الظلم وتحريمه في الكتاب والسنة</span>","vol":"2","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nوبعد: المراد بتحريم الظلم: هو الأمر برد المظالم، قال الله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج:٧١].\nوعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم).\nرواه مسلم.\nوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) رواه مسلم.\nوالآيات في منع الظلم كثيرة، والأحاديث أيضًا كثيرة.\nولكن هذا للتذكرة وهذه مهنة هذا الكتاب العظيم حيث إن الأحاديث التي فيه لا يجهلها أحد، فأكثر الأحاديث يحفظها كثير منا أو قد سمعها قبل ذلك، ولكن النووي جمع بين الأحاديث في باب واحد، ليذكرنا بهذه الأحاديث.\nفهو يجمع بين الأحاديث في باب واحد ويذكرنا بهذه الطريقة الجميلة، فيسرد الآيات في المسألة ويسرد الأحاديث حتى تتفكر أنت في الآيات وفي الأحاديث، وتنظر: هل الإنسان واقع في هذا الذنب الذي هو مذكور في هذا الباب؟ وقد عرفنا من القرآن أن ربنا ﷾ حرم علينا الظلم، وعرفنا من السنة كذلك، فمن الآيات قوله سبحانه: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨].\nوأعظم الظلم الظلم الأكبر: وهو الشرك بالله، أو الكفر بالله ﷾، يلي ذلك ظلم الإنسان لغيره، وظلمه لنفسه، والظلم ظلمات يوم القيامة.\nفالظالم ليس له حميم، والحميم: القريب الذي يحبه ويشفق عليه، فلن يجد له أحدًا يحبه، ولا يشفق عليه يوم القيامة، يوم تجد كل إنسان يقول: نفسي نفسي! حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يقولون: (نفسي نفسي! إن الله قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله).\nيقولها كل الأنبياء بلا استثناء ما عدا نبينا صلوات الله وسلامه عليه، فهو الذي يقول: يا رب! أمتي أمتي، صلوات الله وسلامه عليه، بل إذا كان الإنسان يوم القيامة يفر من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، فكيف بالظالم؟ قال تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج:١١].\nيتمنى أن يفتدي المجرم بابنه ويسلم هو من العذاب يقول: خذوا ابني إلى العذاب وأنا أفلت، فهنا الظالم يوم القيامة لا شيء ينفعه، كما قال سبحانه: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨].\nيعني: ليس لهم شفعاء، ولو فرض أن هناك شفيعًا يشفع لهذا الظالم فلن يطاع في ذلك، ولن يستجاب لهذا الشفيع في هذا الظالم، فمن يرضى لنفسه أن يكون حاله يوم القيامة أنه لا أحد يشفع له، لو شفع له أحد لقال له ربنا ﷾: لا تنفعه شفاعة الشافعين.\nفعلى الإنسان أن ينظر ما الذي صنع هؤلاء الظلمة ويتجنبه في الدنيا قبل حساب يوم القيامة؛ لأنه: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج:٧١]، وكذلك يقول لنا ربنا سبحانه: (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا).\nوقال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف:٧٦].\nوقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة:٥٧].","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>الظلم ظلمات يوم القيامة</span>\nوالأحاديث كثيرة جدًا عن النبي ﷺ، من ذلك ما جاء عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (اتقوا الظلم).\nفلابد أن نتقي الظلم، ولابد أن نعرف هذا الظلم؛ لأن الإنسان قد يقع في الظلم وهو لا يدري، فقد يظلم نفسه فيشرك بالله ﷿، أو يرائي بعمله، وقد يظلم غيره بأن يأخذ ماله أو يغتابه في عرضه، أو يسفك دمه.\nفقوله ﷺ: (اتقوا الظلم)، يعني: اجعلوا وقاية بينكم وبين الظلم، وحاجزًا بينكم وبين الظلم؛ (فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) فيوم القيامة لا يزداد إلا ظلمات.\nفهو يوم فظيع شديد، وكل شيء قائم بين يدي الله ﷾، فهو يوم الحاقة الذي يحق الله به الحق، وهو يوم الصاخة، أي: الفزع الأكبر، وهو يوم العرض على الله ﵎، وهو يوم الصيحة الهائلة التي تصم الآذان في يوم فظيع ورهيب.\nوهو يوم يحاسب فيه الإنسان على كل ما عمل في الدنيا، يعرف طريقه أمامه، ويقال للناس: اعبروا الصراط، وهو مكان مظلم، ويكون العبور بحسب النور الذي يعطاه الإنسان، ومن أجل أن يعبر هذا الصراط لابد من أن يمر في ظلمات يوم القيامة، وهنا يأتي ظلم الإنسان فيطفئ له كل أنواره، فلا يرى شيئًا، ولا أحد ينتفع بنور صاحبه.\nإن الإنسان المؤمن الذي يكون نوره أمامه عظيمًا جليلًا فإنه وحده الذي ينتفع بنوره، وليس غيره من أهل الظلم.\nويقول ﷺ في نهاية الحديث: (واتقوا الشح)، لأن الشح وسيلة لأن يقع المرء في الظلم، وصحيح أن الله ﷿ قال: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء:١٢٨]، فنفس كل مخلوق فيها شح بحسبها، ولكن ربنا ﷾ أمرنا أن نقاوم هذا الشح.\nوالشح: أشد البخل؛ لأن بخل الإنسان وشحه دفع الناس إلى أن سفكوا الدماء، واستحلوا المحارم، وذلك لأن كل أحد يريد الحاجة لنفسه ولا يريد غيره أن يستمتع بها، فمع شحهم سفكوا دماءهم؛ لأن كل واحد يقول: حقي، من غير نظر هل هو حقه فعلًا أو ليس حقه؟ فسفكوا الدماء، واستحلوا الحرمات.","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>الأمر بأداء الحقوق</span>\nيأمرنا النبي ﷺ بأداء الحقوق، ويتوعد على ذلك، فيقول ﷺ: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها)، فالفعل المضارع المسبوق بلام التوكيد وفي آخره نون التوكيد الثقيلة يكون معناه القسم، فيكون المعنى هنا: والله لتؤدن الحقوق.\nفهنا يقول ﷺ: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء).\nفإذا لم نؤد الحقوق في الدنيا فإننا سنؤديها يوم القيامة من حسناتنا، أو بأن نأخذ من سيئات أصحابها حيث توضع علينا، بل إنه سيقاد للشاة الجلحاء -أي: التي من غير قرن- من الشاة القرناء.\nفإذا كان الله يقتص للبهيمة من أختها، فكيف بالإنسان العاقل الذي يتكلم، والذي أنزل الله ﷿ عليه الكتب وأرسل إليه الرسل؟! فإذا كانت الشاة الجلحاء ستأخذ حقها من الشاة القرناء، فإن الإنسان سيأخذ حقه من الآخر من باب أولى.","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>حرمة مال المسلم ودمه</span>\nيقول ابن عمر ﵁: (كنا نتحدث عن حجة الوداع والنبي ﷺ بين أظهرنا، ولا ندري ما حجة الوداع).\nيعني: أن الصحابة كانوا يتكلمون أن حجة النبي ﷺ هذه هي حجة الوداع، ولكن لا يعرفون لماذا سميت حجة الوداع؟ وقد عرف البعض؛ لأن النبي ﷺ كان يكلمهم ويقول: (لعلي لا أحج بعد عامي هذا).\nويقول: (خذوا عني مناسككم لعلي لا أحج بعد عامي هذا)، وقام يودع الناس ﷺ ويقول: (ألا هل بلغت! ألا هل بلغت! اللهم فاشهد) صلوات الله وسلامه عليه.\nففهم كبار الصحابة أن هذه هي آخر حجة للنبي ﷺ، وأما الباقون فبقوا يقولون: حجة الوداع، حجة الوداع، ولا يدرون لماذا سميت حجة الوداع؟ ومنهم ابن عمر رضي الله ﵎ عنه.\nقال: (حتى حمد الله رسول الله ﷺ وأثنى عليه، ثم ذكر المسيح الدجال فأطنب في ذكره، إلى أن قال: ألا إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟)، يعني: بلغتكم أن هذه الأشياء محرمة.\nفالأصل في مال المسلم أنه محرم عليك حتى يسمح لك، أو حتى يعطيك، أما أن تخدعه فليس لك ذلك، كأن تبيع له بأزيد من الثمن لتأخذ ماله، فليس لك ذلك، ولا يحل لك من مال أخيك إلا ما أباحه لك بطيبة من نفسه.\n(إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا هل بلغت؟! قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد.\nثلاثًا.\nويلكم، أو قال: ويحكم!) كلمة للتحذير أو للترحم (لا ترجعوا بعدي كفارًا).\nفكأنه يحذرهم، ويقول: إني ميت فلا ترجعوا بعدي كفارًا.\nفلما قالوا: لن نرجع كفارًا، وكيف نكفر بالله بعدما عرفنا دين الله سبحانه؟! فهنا بين لهم أنه نوع آخر من الكفر، أي: متشبهين بالكفار، فقال: (يضرب بعضكم رقاب بعض)، أي: سفك الدماء، فكأن أفعال أهل الجاهلية أفعال الكفار، سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم.\nوكذلك يفعل المؤمنون في الهرج، فيتناسون دينهم، ويقتل بعضهم بعضًا، قال ذلك الرسول ﷺ.","vol":"2","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>حرمة الاعتداء على أرض الغير</span>\nعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: (من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين).\nوقد كانت من عادة العرب أن الواحد منهم إذا كان عنده أرض وعند الثاني أرض فإنه يجور صاحب الأرض الأول على أرض صاحبه فيأخذ أرضه، وإذا لم يقدر على ذلك فإنه يأتي إلى منار الأرض -أي: العلامة التي تحدد الحد الفاصل بين الأرض والأرض- فيزحزحه من أجل أن تزيد أرضه.\nولذلك حذر النبي ﷺ الذي يصنع ذلك، ويظلم شبرًا من الأرض، بأنه يجعل له طوقًا في عنقه يوم القيامة والله على كل شيء قدير، والإنسان الآن في الدنيا له حجم معين من طول وعرض، ولا يزال يتناقص، فقد كان طول آدم ﵇ ستين ذراعًا في السماء، ثم تناقصت الأطوال، فإذا جاء الناس يوم القيامة فإن الله ﷿ يزيد الأحجام، ويزيد حجم الكافر زيادة كبيرة جدًا من أجل أن يكفيه العذاب يوم القيامة، حتى إن ضرس الكافر ليكون مثل جبل أحد.\nفالذي يظلم قيد شبر من الأرض فإنه يؤخذ له هذا الشبر من الأرض السفلى، فيحمله طوقًا في رقبته، ويقف به يوم القيامة.\nفمعنى قوله ﷺ: (من ظلم قيد)، أي: قدر.\n(شبر من الأرض طوقه)، أي: حمله وجعل قلادة وطوقًا في عنقه ليس شبرًا في المساحة فقط، بل في الحجم من سبع أرضين.\nويقول ﷺ: (لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له ثغاء أو شاة تيعر).\nفالذي أخذ جملًا فإنه يحمله على رأسه.\n﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة:٥].\nوالكل قائمون بين يدي الجبار ﷾.\nيقول ﷺ: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته).\nوهذا شيء يجعل الإنسان يتفكر هل ظلم أحدًا من الخلق؟! ولا ندري متى يأتي غضب الله ﷿ وعقوبته للإنسان، فقد يأخذ الظالم فجأة من غير مرض، يقول النبي ﷺ في الحديث: (موت الفجأة أخذة أسف).\nالأسف بمعنى: الغضب، أي: أخذة غضب من الله ﷿، وهذا أيضًا فيه الشهادة، فالإنسان المؤمن قد يقبضه الله ﷿ فجأة وهو على عمل صالح فله أجر.\nوإنسان آخر من المؤمنين له درجة عالية؛ لأنه ﷾ يزيد له في المرض ويزيد له في البلاء فيرتفع بذلك درجات عند الله ﵎.\nأما الإنسان الفاجر والكافر فيغضب عليه ﷾ فيأخذه مرة واحدة، حيث يموت فجأة فلا يمهله حتى يتوب؛ لأن المرض يجعل الإنسان يتوب، ويرفع يديه إلى ربه تائبًا، وهو سبحانه حيي كريم يستحي من عبده أن يرفع يديه ويقول: يا رب! ثم يرده من غير حاجة.\nلذلك فإن فرعون أظلم الظلمة وأفجر الفجرة الذي قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، والذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، عندما هلك غريقًا في البحر جعل يقول: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠].\nولو دخل الإيمان قلبه لقال: لا إله إلا أنت، ولكنه قال: أنا أقول مثل هؤلاء، فيكون تقليدًا منه وليس إيمانًا من القلب، وخاف جبريل أن يقولها بجد فيرحمه ربه، فقال للنبي ﷺ: لو رأيتني وأنا أدس في فيه من طينة البحر من أجل أن يموت قبل أن تدركه الرحمة.\nفهنا أخذة الجبار ﷾ أخذة أسف فعندما يأخذ إنسانًا ظالمًا لا يترك له فرصةً ليتوب إليه ﷾.\nوقد أخبرنا النبي ﷺ أن التوبة لا تقبل إلا إذا عاين الإنسان الموت في وقت الغرغرة، ففي هذه الحالة لا تنفعه التوبة، أو إذا طلعت الشمس من مغربها فأيضًا لا تنفع الإنسان التوبة في هذه الحالة.\nوقال النبي ﷺ: (إن الله ليملي -أي: يمهل- للظالم، فإذا أخذه لم يفلته، وقرأ قول الله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]).\nفهذه الآية من سورة هود التي قال عنها النبي ﷺ: (شيبتني هود وأخواتها)، فقد شيبت النبي ﷺ هذه السورة، التي فيها ذكر القرون وكيف أهلكهم الله سبحانه، وفيها ذكر نوح، وكيف أنه قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦].\nفقد قال في هذه السورة: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود:١٠٢ - ١٠٤].\n﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود:١٠٥ - ١٠٦].\nفالظلمة في نار جهنم ينهقون كالحمير، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود:١٠٦]، وهو: صوت خروج النفس ودخوله بالآهات كصوت الحمير عندما تنهق: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود:١٠٦].\n﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [هود:١٠٧ - ١٠٨].\nونحن لا ندري من في الجنة ومن في النار، ولكن الله أعطانا أوصافًا لهم، فشاب النبي ﷺ من هذه السورة وما شابهها، لذلك يجب على المسلم أن يتدبر في آيات الله ﵎.\nفإنه كلما تدبر ازداد تعقلًا وتفهمًا لآيات الله، فازداد علمًا وعملًا، نسأل الله ﷿ أن يوفقنا للعلم والعمل وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"2","page":7},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-15> تحريم الظلم والأمر برد المظالم [٢]</span>\nأمر الله سبحانه دعوة الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، فلا بد للداعي أن يمتثل ذلك، وأن يكون مهيئًا بمعرفة ما لابد منه للداعية، كالتدرج في تعليم الناس.\nوينبغي للداعية الحذر من الظلم ورد المظالم، فدعوة المظلوم مستجابة، لا ترد وإن كان المظلوم كافرًا.","vol":"3","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>شرح حديث إرسال معاذ إلى أهل اليمن ليدعوهم إلى الإسلام</span>","vol":"3","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>ضرورة الاستعداد وتهيئة النفس عند دعوة قوم من الأقوام</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم، قال الله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨].\nوعن معاذ بن جبل ﵁ قال: (بعثني رسول الله ﷺ فقال: إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)، متفق عليه.\nهذا الحديث من ضمن مجموعة من الأحاديث التي ذكرها الإمام النووي في هذا الباب، وهو من رياض الصالحين باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم.\nوذكرنا أن الله ﵎ قال في الحديث: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا).\nوهنا في حديث معاذ بن جبل الشاهد منه قول النبي ﷺ: (واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب).\nالحديث فيه أن النبي ﷺ أرسل معاذًا إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الله ﷾.\nوأهل اليمن كانوا من أهل الكتاب، إذ كان أكثرهم يهودًا، فأرسله إليهم يدعوهم إلى الله ﷿ وبين له أنه في البداية لا يدعو هؤلاء إلا إلى شهادة أن لا إله إلا الله، ومعاذ بن جبل رجل أنصاري ومن أعلم الناس بالحلال والحرام رضي الله ﵎ عنه، بشهادة النبي ﷺ.\nوكان صغير السن يصل إلى سن العشرين وفوقها، ولما أرسله النبي ﷺ إلى أهل اليمن يدعوهم، قال له: (إنك تأتي قومًا أهل كتاب)، أي: استعد إنك ستدعو أناسًا ليسوا من أهل المدينة.\nفالمشركون هم أهل جهل وضلال لا يعرفون شيئًا، ولكن أهل الكتاب عندهم آثار من علم وبقية من كتاب، فمن الممكن أن يجادلوك فلابد أن نستعد لذلك، ففي هذا الحديث أن الإنسان حين يدعو إنسانًا ينظر من الذي يدعوه ويهيئ نفسه ويستعد لذلك وأنه لا نأخذ الأمر ببساطة وسهولة فليس الناس مثل بعضهم بعضًا.\nوإذا كان إنسان يناظر إنسانًا فليعرف خصمه أولًا وما مدى قوة علمه، وإلا فلا يعرض نفسه لما لا يعرفه، ولذلك في الحديث يقول النبي ﷺ له: (إنك تأتي)، أي: احذر فأنت ذاهب إلى قوم هم أهل كتاب، واعرف ماذا تقول لهم، واعرف كيف تدعو هؤلاء إلى دين الله ﷾.","vol":"3","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>دعوة الناس إلى التوحيد أولًا</span>\nفعلمه ﷺ كيف يدعوهم قال: (فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)، وفي رواية: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله).\nفالدعوة تكون أولًا إلى التوحيد فهو أهم شيء قبل أن تقول لهم: صلوا، وقبل أن تقول لهم: صوموا، وقبل أن تدعوهم إلى مكارم الأخلاق، فأول شيء توحيد الله، فحق الله على العباد أن يقولوا: لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا الله، وكان من اليهود أناس يعبدون الله سبحانه ويشركون به، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة:٣٠].\nوليس كل اليهود يقولون ذلك، وإنما بعض اليهود يقولون ذلك، ولذلك فإن اليهود يؤلبون النصارى على أن يقولوا: المسيح ابن الله، وليس كل النصارى يقولون ذلك، فمنهم من يقول: المسيح ابن الله ومنهم من يقول: المسيح هو الله، إذًا: فلابد للداعي أن يعرف ماذا يقول لأهل الكتاب، فلو قلت لهم: يا يهود أنتم تقولون: عزير ابن الله وأنتم كذابون، فيقولون لك: نحن لا نقول ذلك، وأكثر اليهود الآن لا يقولون: عزير ابن الله، بل يقولون: عزير عبد من العباد وليس ابن الله.\nإذًا: قبل أن تذهب للمناظرة لابد أن تدرس الموضوع جيدًا قبل أن تتكلم مع هؤلاء، واعرف بماذا سيردون عليك؛ حتى تكون محضرًا نفسك، فلا تعرض نفسك للذي لا تعرفه.\nانظروا إلى ذلك الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ واسمه: عدي بن حاتم وهو نصراني وعرفتم الحديث الذي صارحهم فيه بنفسه أنه نصراني ومعلق للصليب الكبير، ويكلم النبي ﷺ ويقول: أنا على دين النصرانية.\nفقام النبي ﷺ، فقال له: أنا أعلم منك بدينك وبذلك هزه النبي ﷺ وفضحه، فهنا وقف من هو أعلم منه ويقول له: ألست من الراكوسية؟ أي: أنت من فريق اسمه الراكوسية، هذا هو أصلك وفرعك، والنصرانية الراكوسية عندكم تحرم أن تعشر الناس وتأخذ عليهم ضرائب.\nوأنت لا تأخذ العشر، بل من الممكن أن تأخذ الربع من الناس، ألست تأكل الحرام وهذا لا يحل لك في دينك، فصار عدي حنيفًا مسلمًا وأسلم مع النبي ﷺ بعد ذلك، فالذي يكون لديه مناظرة مع إنسان ويريد أن يدعو إلى الله لابد أن ينظر إلى هذا الذي يدعوه وما حدود علمه؟ فإن كان من الذين يتكلمون كثيرًا ويجادلون فلتستعد له بطريقة معينة، وإن كان هذا الإنسان خاليًا لا يحمل فكرة قط فلتستعد له بطريقة أخرى، ولا تغتر بنفسك ولا بعلمك ولا بمعلوماتك، فكونك ملتزمًا ليس معناه أنك تعرف كل شيء في الدين.\nفلا أعرض نفسي إذا سألني أحد سؤالًا فأجيب وكأنني شيخ الإسلام، فانظروا إلى تعليم النبي ﷺ لـ معاذ أن يأخذ استعداده وفي حديث أن النبي ﷺ يخبرنا فيقول: (أقرؤكم أبي، وأرحم أمتي بأمتي أبو بكر الصديق، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، وأفرضكم زيد بن ثابت).\nفـ معاذ أعلمهم بالحلال والحرام فهو أولى الناس أن يذهب لمناظرة هؤلاء.","vol":"3","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>من أساليب الدعوة إلى الله التدرج في تعليم الناس</span>\nوقد علمه النبي ﷺ أن يبدأ دعوتهم بالتوحيد، أي: يدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ، فإن هم أطاعوا لذلك تأتي الخطوة الثانية، قال: (فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة).\nأي: لابد أن تتدرج معهم، فلا تأتي بكل شيء مرة واحدة حتى يمل الذي يسمع منك، ولكن ابدأ مع هؤلاء بالتوحيد، وعلمهم أن معنى الإسلام: الاستسلام لله سبحانه، ثم تنتقل معهم إلى الشرائع فتبدأ بالصلاة التي هي ركن الإسلام العظيم وتعلمهم الصلاة، (فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم).\nفإذا أخذت منهم صدقة فأعلمهم أنك تردها على فقرائهم، فقد كان من عادة العرب إذا أخذوا شيئًا أن يأخذوه لأنفسهم ولا يعطوه لغيرهم.\nفلابد أن تعلمهم أن الإسلام دين الحق والعدل العظيم من الله سبحانه، نأخذ صدقات من الأغنياء ونردها على الفقراء فيما بينكم، نأخذها منكم ونردها إليكم، ولذلك لما كان في عهد عمر ﵁ وبعث معاذًا واليًا، فرجع إليه وليس معه شيء من المال، فقال: أين المال؟ قال: أخذناه من حيث كنا نأخذه في عهد النبي ﷺ ووضعناه حيث كنا نضعه.\nفهناك فقراء، فأخذنا الزكاة من الأغنياء وأعطيناها للفقراء، فهذا هو دين العدل، نأخذ زكاة المال من أغنياء البلد ونردها على فقراء البلد نفسه، فإن زادت عن حاجتهم نأخذها إلى البلد الأخرى.","vol":"3","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>تجنب كرائم الأموال في أخذ الزكاة</span>\nقال رسول الله ﷺ: (فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم) أي: إنهم سينفذون لك الذي تريد ويطيعونك، لكن ليس معنى ذلك أن تطمع في أموالهم فأنت لك حدود معينة؛ ولذلك ستجد أن كرائم الأموال عند العرب هو الإبل، فهو خير المال عندهم، فحين يكون الجمل ابن خمس سنين أو ست سنين أو سبع سنين أو ثمان سنين، فهذه كرائم أموال العرب.\nإن زكاة بهيمة الأنعام لا تكون في هذه الكرائم أبدًا، فليس فيها زكاة أصلًا، بل كل زكاة بهيمة الأنعام في السن الصغيرة وليس في السن الكبيرة، كأن تكون الزكاة بنت مخاض أو بنت لبون، وبنت مخاض أي: لها سنة كاملة وقد دخلت في الثانية، وبنت لبون أكبر منها بسنة.\nأما كرائم الأموال وهي الإبل التي تجاوزت سبعة أعوام وثمانية وتسعة وعشرة؛ كل هذه لا تأخذ منها شيئًا، فإن النبي ﷺ يعلم معاذًا أن يحذر، ولا يطمع.","vol":"3","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>تحريم الإسلام للظلم والأمر برد المظالم</span>\nيقول رسول الله ﷺ: (واتق دعوة المظلوم).\nأي: أن هؤلاء القوم قد يؤمنون وقد لا يؤمنون، وفي كلا الحالتين لا تظلم مسلمًا ولا كتابيًا، فالكتابي ستأخذ منه الجزية بالحق وبالعدل الذي فرضه الله سبحانه، والمسلم ستأخذ منه زكاة المال بالحق والعدل الذي فرضه الله سبحانه.\n(واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)، الدعوة من المظلوم تبلغ السماء كما جاء في الحديث الآخر: (اتقوا دعوة المظلوم ولو كان فاجرًا)، وفي حديث: (ولو كان كافرًا)، (ليس بينها وبين الله حجاب) وفي رواية: (تصعد إلى السماء كالشرر).\nانظر الشرارة حين تطير، فكذلك دعوة المظلوم ليس ثمة حجاب يمنعها ويحجزها، فعلمه النبي ﷺ أن يعدل مع الخلق، وكذلك تعليم القرآن، حين قال سبحانه في سورة المائدة: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨].\nفكونك تكره إنسانًا ليس معناه أن تظلم هذا الإنسان، فرق بين أن تكره فلانًا؛ لأن دمه ثقيل على قلبك ولا تحبه، وبين متخاصم مع فلان يقول لك: احكم بيننا، فتجعلها في الانتقام منه، فلا يحل لك هذا الشيء، اتق دعوة المظلوم.\nإذًا: احكم بما أنزل الله: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ [المائدة:٨] ولا يجري بك في الظلم والتمادي أنك تكره إنسانًا فتحكم عليه لكونك تبغضه، فإن النبي ﷺ يقول: (اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب).\nويحرم ظلم غير المسلمين طالما أنهم تحت حكم الله ﷿ وحكم الإسلام، كما ورد في سنن أبي داود عن النبي ﷺ: (ألا من ظلم معاهدًا)، الذي يظلم معاهدًا كالذمي يهوديًا كان أو نصرانيًا يعيش تحت ظل الإسلام وتحت حكم الله ﷿ ويؤدي ما عليه.\nفلو جاء إنسان ظلمه فإن النبي ﷺ يقول: (من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفسه، فأنا حجيجه يوم القيامة).\nأي: أنا خصمه يوم القيامة؛ لأنه جاء بالعدل ﷺ وجاء بالحق، والله أمره أن يحكم بين الناس بالعدل فإذا حكمتم بين الناس فاحكموا بالعدل الذي أمر الله ﷿ به، فلابد للإنسان أن يحذر من الظلم؛ لأن النبي ﷺ يقول: (الظلم ظلمات يوم القيامة).\nجاء في الحديث أن عمر بن الخطاب سمع من النبي ﷺ: (اتق دعوة المظلوم)، فكان سيدنا عمر يخاف جدًا من دعوة الإنسان المظلوم.","vol":"3","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>موافقة عمر في التحذير من الظلم ودعوة المظلوم</span>\nروى الإمام البخاري عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر ﵁ استعمل مولىً له اسمه هني على الحمى أي: أن عمر كان في عهده حمى لفقراء المسلمين وللخيل الذي يستخدم في الجهاد في سبيل الله ﷿، وكلمة (حمى) تعني: أن تؤخذ أرض كبيرة وتجعل هذه الأرض للكلأ أي: العشب من أجل أن يرعى فيها أغنام وأنعام وخيول جيش المسلمين.\nهذا الحمى يمنع الناس من الرعي فيه، وكانت نصيحة عمر لـ هني الذي هو العامل التابع له أن قال له: يا هني اضمم جناحك عن المسلمين.\nأي: كف يدك عن ظلم المسلمين.\nواتق دعوة المظلوم، أي: أنت حارس لهذا الحمى، فانتبه واحذر أن تظلم أحدًا من المسلمين، فإن دعوة المظلوم مستجابة، وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة، وإياي ونعم ابن عوف ونعم ابن عفان، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعا إلى نخل وزرع.\nفهذا فيه غاية العدل والرحمة على المسلمين ومعرفة الحق لصاحبه، فالحمى: أخذ أرض من أراضي المسلمين التي لا يملكها أحد، من الأرض الواسعة وفيها عشب كثير لعلها تكون مرعى للزكاة التي هي بهيمة الأنعام، فترعى فيها الخيل التابعة للمسلمين، وأيضًا لفقراء المسلمين، فلا مانع للفقير أن يرعى فيه.\nفإذا قال قائل: أليست الأرض أرض الله وهذا مرعى، فلماذا تحجر هذه الأرض عن الغني؟ فهنا يبين كلامه لهذا الرجل فيقول له: أدخل رب الصريمة ورب الغنيمة أي: أن الذي عنده ماشية قليلة لا مانع أن يدخل فيرعى فيها.\nقال: (وإياي ونعم ابن عوف ونعم ابن عفان)، إن عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشرين بالجنة، وكذلك عثمان بن عفان أحد العشرة المبشرين بالجنة، والاثنان كانوا من مياسير الصحابة، وكانوا أغنياء جدًا، ليسا محتاجين للمرعى الذي يرعى فيه المسلمون.\nوليس المعنى أنه بما أنهما غنيان فلا يسمح لهما بالرعي ملطقًا، وإنما المقصود لو كان من الضروري الاختيار بين رعي أغنامهما وبين رعي غنم سائر المسلمين الفقراء فيقدم الفقراء في ذلك؛ لأن عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان إن تهلك ماشيتهما من عدم الرعي فهما يملكان نقودًا كثيرة، لكن الفقير إذا ماتت الغنيمات التابعة له فسيأتي إلى عمر ويقول: يا عمر أعطني.\nوليس في بيت المال أموال ولا ذهب ولا فضة كي نعطي هؤلاء، إذًا: إذا ضاق المرعى فالفقراء يقدمون في المرعى، وليس فيه نظر لحسب ولا لنسب ولا أن هؤلاء من أهل الجنة ولا أن هؤلاء بينهم وبينه قرابة.\nفالنظرة هنا أن نقف بجانب الفقير، أما الغني فسيجد، فلذلك يحذر عمر ويقول: اتق دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مستجابة.\nثم يقول عمر ﵁: وأيم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم وإنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام.\nفلابد من معرفة الحق، فعندما أكون أنا أمير المسلمين ليس معناه أنني آخذ الأرض كلها بأمري ونهيي، فإنني لا أتحكم بالأرض التابعة لهم، فهم الذين قاتلوا على هذه الأرض وهم الذين فتحوها، حيث فتح الله ﷿ على أيديهم.\nفعلى ذلك أنا أعدل فقط، حتى أجعل الغني يعيش والفقير يعيش بجواره، فلذلك أقول لهم معترفًا: الأرض أرضكم وليست أرضي أنا؛ لأني أحمي شيئًا لأجل المصلحة، والمقصود هنا: قول عمر ﵁ بما قاله النبي ﷺ: (اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب).","vol":"3","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>تحريم أخذ عامل الزكاة الهدية عند جمع الزكاة</span>\nومن الأحاديث التي وردت حديث أبي حميد الساعدي ﵁ في استعمال النبي ﷺ رجلًا من الأزد اسمه ابن اللتبية على الصدقة، وهو رجل مسلم استعمله النبي ﷺ ليجمع الصدقات من الناس، فلما قدم الرجل وكان رجلًا صادقًا قال للنبي ﷺ: (هذا لكم وهذا أهدي إلي).\nوهذا الرجل أول مرة يجمع الصدقات كلها، حيث إنه لا يعرف الحكم، ومن الناس من يأخذ منه الصدقة فيقول له: خذ هذا الخروف زكاةً وخذ هذا هدية لك.\nفجاء إلى النبي ﷺ وذكر ذلك، فوجد النبي ﷺ أن الأمر سيتفشى إلى غيره، ومن الممكن أن هذا وغيره يطمع، إذًا: لابد من حكم عام للناس.\nفجمع النبي ﷺ الناس وقام يخطب فقال بعدما حمد الله وأثنى عليه: (أما بعد: فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول: هذا لكم وهذا هدية أهديت إلي).\nإذًا: النبي ﷺ هو الذي استعمله، فكيف يقول: هذا لكم وهذا أهدي إلي؟ فنحن نلاحظ أن العامل على الزكاة فرض الله ﷿ له حقًا في كتابه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة:٦٠] فالعامل عليها له الأجرة من ضمن الزكاة، فطالما ستأخذ أجرة فلا تأخذ فوقها هدية.\nثم قال النبي ﷺ: (أفلا جلس في بيت أبيه أو أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقًا).\nوهذه كلمة شديدة، والمعنى: أنك لو قعدت في بيت أبيك وأمك واشترطوا عليك ذلك فلا أحد من الناس سيعطيك، فنقول: نحن استعملناك في أموال المسلمين، فلولا هذا الاستعمال لما أعطاك هذا الشيء، ولكنه أعطاك؛ لأنه يريد أن لا تظلمه، فيعطيك لتكف عنه شرك.\nفعلى ذلك لا ينبغي للعامل على الشيء أن يأخذ مالًا ولا رشوة تحت أي صورة من الصور، فقد قال النبي ﷺ: (هدايا العمال غلول)، وقال ﷺ: (والله لا يأخذ أحد منكم شيئًا بغير حقه إلا لقي الله تعالى يحمله يوم القيامة).\nوفي حديثه الذي ذكرنا: أن الذي يظلم قيد شبر من الأرض يأتي حاملًا له يوم القيامة في عنقه، وهنا قال ﷺ: (فلا أعرفن أحدًا منكم لقي الله يحمل بعيرًا له رغاء)، يعني: يحذرهم.\nوهذه فضيحة كبيرة جدًا أن النبي ﷺ يرى أحدًا منهم كان في الدنيا عاملًا أمينًا ويجده يوم القيامة خائنًا، فهو يقول: (لا أعرفن)، أي: لا تفضحوا أنفسكم وتفضحوا دينكم وتفضحوا نبيكم صلوات الله وسلامه عليه يوم القيامة.\nلذلك كانوا ﵃ يحاولون أن يستمروا على نفس الأخلاق ونفس الأعمال، فإذا كبر أحد منهم في السن، ويحاول أن يواظب على ما كان عليه يقولون له: أن لا يشق على نفسه، فيقول: لقد كنت من النبي ﷺ على شيء أخاف أن ألقاه بغيره.\nوقوله ﷺ: (فلا أعرفن أحدًا منكم لقي الله يحمل بعيرًا له رغاء)، الرغاء: صوت البعير: (أو بقرة لها خوار)، صوت البقرة: (أو شاة تيعر)، أي: كأن الفضيحة كبيرة يوم القيامة؛ لأن الإنسان لا يحمل جملًا ساكتًا، وإنما هذا الجمل يرفع صوته وله رغاء، فيفضح صاحبه أمام الناس ويعرفون أنه كان خائنًا في الدنيا.\n(أو بقرة لها خوار)، فالبقرة تخور وتصرخ من أجل أن تفضحه يوم القيامة، وأي فضيحة أشد من هذه الفضيحة والعياذ بالله، لذلك فالإنسان قبل أن يقول: فلان يعطيني هدية ويمد يده ليأخذها يذكر هذا الحديث، وأنها إذا كانت هدية أو رشوة سيأتي يوم القيامة وهو يحملها ويفضح بها.\nنسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"3","page":9},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-24> تحريم الظلم والأمر برد المظالم [٣]</span>\nلقد حرم الله ﷿ الظلم على نفسه وجعله محرمًا بين عباده، فالظلم ظلمات يوم القيامة، يؤخذ من حسنات الظالم فتعطى للمظلومين، حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم وطرحت عليه فطرح في النار والعياذ بالله، ولذلك كان من صفات المسلم أن يسلم المسلمون من لسانه ويده، فعلى المسلم أن يتحلل من المظالم في الدنيا كي ينجو في الآخرة.","vol":"4","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>وجوب التحلل من المظالم في الدنيا</span>\nالحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nوبعد: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه) رواه البخاري.\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) متفق عليه.\nهذه أحاديث أخرى من كتاب رياض الصالحين للإمام النووي ﵀ في باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم، وقد ذكرنا آيات من كتاب الله ﷿ في تحريم الظلم، وأحاديث عن النبي ﷺ.\nومن الأحاديث هذا الحديث الذي رواه الإمام البخاري من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء) عند الإنسان لأخيه مظلمة، بأن ظلم أخاه يومًا مظلمة واحدة لا بد أن يتحلل منه، قال ﷺ: (فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم).\nيعني: لا بد أن يتدارك نفسه فالدنيا تمر وتزول، ويوم القيامة يوم العدل والحساب، الذي لا يؤدي الحقوق في الدنيا فسيؤديها يوم القيامة، وفي الدنيا سيؤدي المال مالًا ويمكن أن يعفو غريمه ويسامح، أما يوم القيامة فسيؤدي المال من حسناته.\nوالمفترض أن الإنسان يحتفظ بحسناته؛ لأنه لا يدري هل حسناته ستكفي بأن يدخل الجنة أو لا تكفي، وربنا أنعم على العبد بنعم لابد أن يشكر الله ﷿ عليها، يا ترى هل الأعمال التي عملها العبد تساوي شكر هذه النعم؟ قال ﷺ: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، إنما يدخل بفضل الله وبرحمته سبحانه).\nفنعم ربنا تترى على عباده، ومهما عمل الإنسان من عمل فلن يوفي شكر هذه النعم، فهو غير قادر على أن يوفي شكر هذه النعم، وأيضًا قد يظلم الغير ولا يدري أن هذا الغير قد يسامحه، أو أنه يأتي يوم القيامة ويقول: هذا ظلمني أريد حقي من فلان! قال النبي ﷺ: (من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء)، قدم العرض لأنه أكثر مظالم الناس فيه، والعرض شيء معنوي، وهو محل المدح أو القدح، فعرض الإنسان كأن يقول: فلان كذاب، ففي هذه الحال طعن في عرضه.\nوكذلك إذا قال: فلان مفتر فلان يأكل الرشوة فلان ظالم فهو يطعن في عرض هذا الإنسان، ومن ضمن الطعن في العرض أن يقول: فلان زان فلان يقذف المحصنات الغافلات فلان يفعل كذا.\nمن المظلمة في العرض: الغيبة والنميمة، بأن ينقل كلامًا من شخص لشخص، ويفسد فيما بينهما، فهذا من الطعن في عرض إنسان للإفساد بينهما، فهذا من ضمن المظالم التي سيدفع ثمنها يوم القيامة.\nقال ﷺ: (من كانت عنده مظلمة من عرض أو من شيء) فـ (شيء) هنا نكرة في سياق الشرط فتعم، فمعناه: حتى لو كان شيئًا ليس له قيمة فسيحاسب عليه العبد يوم القيامة.\nأحيانًا بعض الناس قد يتساهل في أمر المظالم في الأشياء التافهة، فقد يقول لك: أعطني القلم أكتب به، فيكتب ثم يضعه في جيبه، ثم يقول: أنا سأبحث عن صاحبه وأعطيه، وانتهى الأمر ولم يعطه؛ لأنه لا يوجد أحد يتابع بعده.\nفهذه الأشياء التافهة هي من ضمن المظالم، فأنت ما يدريك أن صاحبه موافق على أخذه، ولعلك تأخذ الشيء فيقول صاحبه بعد ذلك: لن أعطي أحدًا شيئًا؛ لأنهم يأخذونها ولا يردونها، وتقول للإنسان: أعطني قلمك أكتب، فيقول لك: لا تنسه وتضيعه مثلما عمل الذي قبلك.\nفأنت قد تستهين بالشيء وتمنع خيره غيرك، بغض النظر عن أنك ستؤديه يوم القيامة كما سنرى في بعض الأحاديث، قال لنا ﷺ: (قبل أن لا يكون دينار ولا درهم).\nورأينا في حديث النبي ﷺ كيف أنه خطب الناس وقال: (من كنت ظلمته في عرضه أو ماله فليستقد)، إذا كان النبي ﷺ يقول هذا الشيء وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فغيره أولى أن يتحلل من الناس في شيء من عرض أو مال أو في الجسد أو غير ذلك، قبل أن يؤخذ منه حسنات يوم القيامة.","vol":"4","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>حقيقة المفلس عند الله ﷿</span>\nيقول النبي ﷺ: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، فيأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار).\nالمفلس في الدنيا قد يكون معذورًا، والمفلس يوم القيامة ليس له عذر، والصحابة لما سألهم النبي ﷺ لم يكن سؤال استفهام، وإنما سألهم من أجل أن يشوقهم إلى معرفة\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n (أتدرون من المفلس؟)، فأجابوا بما يعرفون: المفلس الذي لا دينار له ولا متاع، فهذا وإن كان في الحقيقة هو المفلس في الدنيا، ولكن ليس هذا هو جواب سؤال النبي ﷺ الذي يريده، لأن الدنيا تزول والآخرة باقية.\nالمفلس في الدنيا ربما حصلت له ظروف حتى أفلس كمرض أو مصيبة أو صارت عليه ديون، وربنا أعلم بحال هذا الإنسان أنه كان ينوي سداد الديون ولكن ليس لديه حيلة، فهو معذور عند الله ﵎، وقد يوفي الله عنه ما كان عليه في الدنيا.\nلكن هذا الآخر الذي جاء يوم القيامة وهو مصلٍ مزكٍ وصائم قد عمل حسنات كثيرة، لكن لسانه يستطيل في الأعراض، فإذا جاء يوم القيامة وقد اغتر بصلاته وصيامه وأعماله إذا به قد شتم هذا، وضرب هذا، وسفك دم هذا، وقذف هذا.\nفيأتي هؤلاء الذين ظلمهم يوم القيامة كل واحد يريد حقه من هذا الإنسان عند الملك الحق ﷾، وحينئذٍ فلا ينفع الإنسان الاعتذار بأنه كان متهورًا أو نحو ذلك، ففي الدنيا يعرف الإنسان يقول هذا الشيء، ويعرف يغالط الذين حوله.\nالإنسان يقف بين يدي الحكم العدل سبحانه، أو ما قال لنا: ﴿وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [البقرة:٢١٠]؟ فهذا هو القضاء المحكم المبرم العدل المطلق عند الله رب العالمين، ولم يبق إلا أن تدلي بحجة صحيحة، أما مسألة أنك سريع الغضب فلا يقبل هذا العذر، يأتي أهل النار يوم القيامة يقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٦].\nكتب علينا الشقاء يا ربنا: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ [المؤمنون:١٠٦ - ١٠٧] كان\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] يعني: اقعدوا مثل الكلاب في النار! (اخسأ) كلمة تقال للكلب عندما يزجر، وكأن هؤلاء لما أتوا يعتذرون: يا رب! القضاء والقدر، كان الجواب الذي يستحقونه: كونوا مثل الكلاب في نار جهنم، اخسئوا فيها ولا تكلمون! فلا تنفع عند الله إلا الحجة الصحيحة من إنسان مؤمن، يلقى ربه بقلب سليم.\nفهذا المفلس الذي يأتي يوم القيامة تصحبه حسرة شديدة جدًا؛ لأنه جاء بحسنات مثل الجبال وإذا بها تذهب أمام عينه فيقال له: أنت شمت فلانًا! خذ من حسناته، وأنت أخذت من فلان! خذ من حسناته، حتى تنتهي حسناته، ثم يقال لخصمه: هات من سيئاتك واطرحها عليه، وهكذا، حتى إذا ضاعت جبال الحسنات وبقي فوقه من السيئات الكثير ألقي في النار والعياذ بالله! لذلك عندما يحس المؤمن أنه سيفلت بلسانه يتذكر وقوفه يوم القيامة، وأنه سيؤخذ من حسناته لمن ظلمه وسبه، فإنه يمسك لسانه حتى لا يأتي مفلسًا يوم القيامة لأنه أغضبني في الدنيا أمسك لساني ولا آتي مفلسًا يوم القيامة كهؤلاء المفلسين والعياذ بالله!","vol":"4","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده</span>\nثم يقول النبي ﷺ: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده).\nالمسلم هو الذي يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ، ويقيم الصلاة، ويؤدي الزكاة، ويصوم رمضان، ويحج البيت، فهذه هي أركان الإسلام، وهذه أفعال المسلم الذي يعتبر بها مسلمًا، ولكن ما هي صفاته النفيسة وصفاته المعنوية والعملية؟ فأخبر النبي أن من صفاته يسلم المسلمون من لسانه ويده.\nفالمسلم لله ﷿ مسالم للخلق، متواضع لله، ولذلك فالناس في سلامة منه وأمان، لا غدر ولا خيانة، ولا يضرب ولا يشتم، فهذا هو المسلم حقيقة، المسلم من سلم المسلمون من لسان ويده.\nثم ذكر المهاجر ولم يقصد به من هاجر من مكة إلى المدينة، فقد انتهت الهجرة من مكة إلى المدينة، وإنما المهاجر من هجر ما نهى الله عنه، وكأن المهاجر حقيقة: هو الإنسان الذي لا يعصي الله ﵎، فذكر أن المهاجر هو المسافر إلى الله حتى يصل إلى رحمة الله وجنة الله سبحانه.\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص -عند البخاري - ﵁ قال: (كان على ثقل النبي ﷺ رجل يقال له: كركرة، فلما مات قال: هو في النار).\nالرجل يخدم النبي ﷺ والجزاء أنه في النار، فما الذي أودى به في النار وقد كان في خدمة النبي ﷺ؟ فقال لنا هنا: (هو في النار)، فذهبوا يفتشون ما الذي وراء كركرة هذا؟ فوجدوا عباءة قد غلها، يعني: سرق من الغنيمة عباءة، ما هي قيمة هذه العباية؟ لا شيء! لكنه دخل النار لأنه سرق من مغانم المسلمين، وهذه من الكبائر، فضيع أخراه بأنه مد يده في شيء محرم.\nوفي حديث آخر ذكر أن هذا الرجل ما مات فقط بل قتل فقالوا: هنيئًا له الشهادة! فهو شهيد في نظرهم حيث جاء له سهم فقتله، فقالوا: هنيئًا له الشهادة، فقال ﷺ: (لا والذي نفسي بيده إن الشملة التي غلها لتلتهب عليه نارًا).","vol":"4","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>حرمة حقوق المسلمين</span>","vol":"4","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>شدة العقاب على أخذ حقوق الناس</span>\nخطب النبي ﷺ في حجة الوداع، وفيها قوله ﷺ: (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا).\nهذا الكلام لمن يعقل الشهر الحرام والبلد والحرام، في مناسك الحج والإحرام يقول لنا: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام)، كحرمة هذا اليوم العظيم يوم الحج الأكبر، في هذا الشهر ذي الحجة، في هذا البلد الحرام، فمن يعقل يعرف أن هذا اليوم يوم عظيم جدًا، وحرمة هذا اليوم شديدة يقول لك: حرمة المسلم كحرمة هذا اليوم.\nوطالما أنا أعرف أن للمسلم حرمة إذًا كيف أقع في حرمة المسلم؟ كيف أغتابه؟ كيف أفسد بينه وبين غيره؟ كيف أتحمل مظلمة آتي يوم القيامة يسألني الله عنها، ويفضح الله ﷿ الظالم بسببها؟ من الأحاديث حديث عدي بن عميرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطًا فما فوقه كان غلولًا).\nالمخيط: الفتيلة التي تدخل في الإبرة، يا ترى كم قيمتها؟ الإنسان قد يعمل في مكتبة ثم يأخذ دبوسًا من المكتب يدبس به الورق التابعة له، ثم ترمى، فهو مسئول على ذلك عند الله ﷿.\nالنبي ﷺ يقول: الذي نستعمله على عمل يأخذ منه إبرة أو مخيطًا فما فوقه كان غلولًا يأتي به يوم القيامة، والغلول قد جعلها النبي ﷺ أشد من السرقة.\nفقام رجل أسود من الأنصار وقال: يا رسول الله! اقبل عني عملك، نحن تعودنا على المبالغة في الكلام، فكل إنسان يظن في نفسه أنه أمين، وأنه سيؤدي ما أمر الله ﷿ به، لكن هذا الرجل فهم أنه إذا كانت الإبرة سنعاتب عليها فأنا ممكن أنسى شيئًا أو آخذه دون تعمد، فقال: اقبل عني عملك هذا، لا أريد أن أشتغل لك في شيء، قال له النبي ﷺ: ومالك؟ قال: سمعتك تقول: كذا وكذا.\nفقال له: هو ما قلت، أي فإن استطعت أن تعمل دون أن تمد يدك ولا على إبرة فاعمل، وهنا لم يستح النبي ﷺ أن يقول له ذلك.\nوانظر إلى حديث وفد الأشعريين، فقد كانوا أناسًا طيبين جدًا! وكان النبي ﷺ يمدحهم بأشياء تدل على أنهم أهل تكافل وتعاون فيما بينهم، يأتي اثنان منهم مع أبي موسى الأشعري إلى النبي ﷺ فإذا بهم يطلبون من النبي ﷺ أن يستعملهم عنده على الصدقات أو على غيرها، فيقول لهم: (إنا لا نولي هذا العمل من طلبه).\nيقول ﷺ: (إن أخونكم عندنا من طلب العمل)، يعني: أنه يختار شخصًا أمينًا نقيًا على جمع الصدقات من الناس ويوزعها، فهذا أمين لأن النبي ﷺ هو الذي اختاره، أما أن يذهب شخص إلى النبي ﷺ ويقول له: استعملني، فلا.\nفكان هذا الجواب الشديد: (أخونكم عندنا من طلب العمل)، يعني: أكبر خائن عندي الإنسان الذي يأتي إلي يقول: استعملني على هذه الأشياء، وقال: (إنا لا نولي هذا العمل من طلبه)، صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"4","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>جرم من أخذ حق الغير كاذبًا</span>\nوعن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع).\nهذا قضاء القاضي في الدنيا، يقول الفقهاء: إن حكم القاضي لا يغير من باطن الأمر شيئًا، حتى لو كان هذا القاضي النبي ﷺ.\nالنبي ﷺ يحكم بالظاهر، لكن الذي يأتي يشتكي قد يكون كذابًا في الذي يقوله، ولذلك يقول النبي ﷺ: (لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض)، يعني: يأتي إلي اثنان يختصمان أحدهما يعرف كيف يتكلم والثاني لا يعرف؛ فأقضي أنا حسب ما أسمع وحسب الشهود الذين أمامي، ولكن في باطن الأمر قد يكون الذي قضيت له كذابًا، يا ترى فهل تغيرت القضية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nحتى لو قال له النبي ﷺ: خذ هذا المال، فليس من حقه أن يأخذ هذا المال وليس ملكه.\nفيقول لنا النبي ﷺ: (فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار).\nيعني: الذي أعطيه مال أخيه وهو عارف أنه سيأخذ المال ظلمًا، فهذا يأخذ قطعة من النار والعياذ بالله!","vol":"4","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>تعظيم الدم الحرام</span>\nومن الأحاديث حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا).\nإصابة الدم الحرام إما بالقتل وإما بالجراحات، بأن يقتل شخصًا ظلمًا وعدوانًا أو يعتدي على إنسان فيجرحه ظلمًا وعدوانًا.\nفهنا الإنسان لا يزال في فسحة، يعني: أمامه توبة، والله ﷾ يغفر له، إذًا: حتى يقع في هذه المصيبة وهو ما زال في فسحة من دينه.\nتوجد رواية أخرى للحديث فيها: (فإذا أصاب دمًا حرامًا بلح)، يعني: انقطع وأعيا، فيبحث عمن يرفعه بعد ذلك، فهو يقول: اخش على نفسك من أن تظلم أحدًا من الناس في عرضه أو ماله أو بدنه.","vol":"4","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>استحباب ترك الانتصار للنفس</span>\nترفع بنفسك أن تقعد في مكان فيه الشيطان، قم واترك خصمك إن كنت تخشى الله ولا ترد على هذا الإنسان، جاء عن أبي هريرة في حديث حسن رواه أبو داود والإمام أحمد في مسنده: أن رجلًا شتم أبا بكر وهو قاعد مع النبي ﷺ، فبدأ يشتم في أبي بكر ﵁ أمام النبي ﷺ ولا يستحي، وفي الحديث: (إذا لم تستحي فاصنع ما شئت)، فالنبي ﷺ له مهابة عظيمة فكون شخص يقعد أمامه ويشتم الصديق ﵁ هذا معناه أنه إنسان سفيه.\nولكن حصل أن جعل النبي ﷺ يعجب ويتبسم كيف أن هذا يشتم أبا بكر وأبو بكر ساكت؟! والنبي ﷺ يعجب لهذا الإنسان الذي لا يستحي، فلما أكثر كأن أبا بكر فهم من النبي ﷺ أنه ممكن أن يرد عليه وينتصر لنفسه.\nفلما رد أبو بكر غضب النبي ﷺ وقام وترك الجلسة، فقام أبو بكر ولحق بالنبي ﷺ فقال: يا رسول الله كان يشتمني وأنت جالس فلما رددت عليه بعض قوله قمت؟! فقال رسول الله ﷺ: (إنه كان معك ملك يرد عنك)، يعني: أن أبا بكر قاعد ونزل الملك من السماء يرد على الذي يشتم.\nالصفة التي قالها هذا الشخص لـ أبي بكر لا ترجع فيه، لكن الصفة التي قالها الملك في الإنسان الآخر يأتي بها يوم القيامة؛ لأنه ظالم.\nفقد كانت جلسة فيها أبو بكر ﵁ وفيها الملك وفيها النبي ﷺ، فلما بدأ أبو بكر يرد عليه هنا صعد الملك وجاء الشيطان ليحضر من أجل أن يزيد الخصومة؛ فما كان للنبي ﷺ أن يجلس في جلسة فيها الشيطان.\nقال: فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان، ثم قال النبي ﷺ: (يا أبا بكر! ثلاث كلهن حق: ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله ﷿ إلا أعز الله بها نصره)، يعني: عكس ما يتوقع في العادة، فاله سبحانه سينصرك ويعزك بشرط أن تكون قد تركت ذلك لله ﷾، وابتغاءَ مرضاة الله، فسكت عن هذا الإنسان، فقال لنا ﷺ: (ثلاث كلهن حق: ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله ﷿ إلا أعز الله بها نصره).\nيعني: نصره نصرًا عزيزًا، لذلك يخبرنا المصطفى أن نصبر ابتغاء وجه الله ﵎.\nثم يقول: (وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة)، فهذا حق جعله الله ﷿ لهذا الإنسان، أنه يحقق له الوعد الذي في هذه الأحاديث، الأول الشخص المظلوم الذي يغضي عن الظالم ابتغاء وجه الله، فينصره الله نصرًا عزيزًا يومًا من الأيام، ورجل فتح باب عطية ليعطي الفقير أو المسكين الذي له قرابة، يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة.\nيعني: ربنا وعد أنه سيزيد مال هذا الإنسان ويبارك له فيه.\nالثالث: قال ﷺ: (وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة)، هو لا يطلب لأنه محتاج، ولكنه يستكثر لأنه يرى أنه يحصل على مال كثير بمد يده للناس، فهو أفضل من أن يشتغل موظفًا أو عاملًا.\nفهو هنا يريد أن يكثر ماله بذلك، فلا يريد الطعام والشراب، وإنما يريد الاعتماد على سؤال الناس للاستكثار، فهذا سيكون حظه: إلا زاده الله بها قلة، يفقره ويجعل فقره بين عينيه، سيظل فقيرًا حتى ولو كان معه مال، وسيظل لباسه مرقعًا مثلما هو كأن الله جعل الفقر في قلبه.\nفالمقصود من الحديث: أن الإنسان إذا ظلم فأمسك نفسه فلينتظر النصر من الله سبحانه، والنصر يأتي لأصحاب العزيمة العظيمة القوية الذين لهم الثواب الكبير عند الله ﵎، ولذلك فالمسلم دائمًا يطلب الأشياء العالية، فإذا أراد الفردوس الأعلى من الجنة فلا بد من الصبر والتحمل للخلق وطلب مرضاة الخالق ﵎، ليصل العبد إلى رحمة الله ورضوانه.\nنسأل الله ﷿ أن يجعلنا من أهل جنته ورحمته.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"4","page":9},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-33> تعظيم حرمات المسلمين</span>\nقلب المسلم لكل الناس سواء، ملؤه الحب والاحترام والتعظيم، يراهم أرفع منه وأعلى، يسير معهم في الباطن كما هو معهم في الظاهر، ينصح لهم ويقبل نصيحتهم.","vol":"5","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>حق المسلم على المسلم</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب تعظيم حرمات المسلمين.\nوعن أبي عمارة البراء بن عازب ﵄ قال: (أمرنا رسول الله ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام.\nونهانا عن خواتيم -أو تختم- بالذهب، وعن شرب الفضة، وعن المياثر الحمر، وعن القسي، وعن لبس الحرير والإستبرق والديباج)، متفق عليه].\nذكرنا فيما مضى نبذة عن تعظيم حرمات المسلمين، وبيان حقوقهم، والشفقة عليهم ورحمتهم.\nوحرمات المسلمين مأمور كل مسلم بأن يراعيها، وفي الحديث: (كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه)، فالمسلم محرم على المسلم أن يسفك دمه، أو ينتهك عرضه، أو يأخذ ماله.\nومن الأحاديث التي سبقت في الباب: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا).\nيكون الإنسان المسلم عونًا لأخيه، ولا يكون عونًا للشيطان عليه، فالنبي ﷺ يشبه المسلمين بالبنيان يشد بعضه بعضًا، فكل إنسان من المسلمين له وظيفة في المجتمع، وهو مع باقي المسلمين يوقنون بوجود الله ﷾، وفيما بينهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، لذلك أخبر أن المسلم له حقوق على المسلمين كما أن عليه واجبات، فواجبات الإنسان المسلم في العبادات، في المعاملات، في الأحول الشخصية، في الجنايات يفعلها، كذلك للمسلم حقوق يذكرها هنا النبي ﷺ.","vol":"5","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>النجش في البيع حرام</span>\nمنها قوله: (لا تناجشوا)، المسلم له حق عليك، وله حرمة، فمن حقه عليك أن تنصح له، ومن حقه عليك ألا تخونه أو تخدعه، ومن ذلك النجش الذي في حديث أبي هريرة، قال النبي ﷺ: (لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض).\nالمجتمع المسلم مجتمع نظيف، الإنسان عندما يتعامل مع أخيه المسلم يخاف من الله ﷾، يتعامل معاملة نظيفة؛ لأنه يرجو من الله الثواب، ويخاف من الله العقاب.\n(لا تحاسدوا)، من حقه عليك أنك تفرح بما أعطاه الله ﷿ من خير، ولا تتمنى زوال النعمة التي أعطاه الله سبحانه.\nوقوله: (لا تناجشوا).\nالنجش هو المزايدة في سعر السلعة بنية عدم الشراء.\nالإنسان الذي يبيع سلعة بالمزاد، ثم ينصب من يخدع الناس على أنه يزيد في ثمنها وهو لن يشتريها، إنما يريد أن يضحك على الناس ليغلي عليهم سعر السلعة، هذا هو النجش الذي نهى عنه النبي ﷺ.\nوفي البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى قال: (الناجش آكل ربًا خائن)؛ لأنه يضحك على الناس، ويبيع مالًا بمال ويأخذ الفرق.\nهو يدفع مالًا، ولكنه قال: بأحد عشر، فقال الثاني: باثني عشر، فيقول: بثلاثة عشر، وصاحب السلعة يخرج له نصيبًا من هذا البيع فهو لم يدفع شيئًاَ وأخذ ربحًا على خديعة الناس.\nفالناجش آكل ربًا خائن، والربا مؤذن بحرب من الله ورسوله، وقال النبي ﷺ: (درهم يأكله الإنسان من الربا أشد من ست وثلاثين زنية).\nفهنا قال لنا: (لا تناجشوا، ولا تباغضوا)، فالمؤمن من حقه عليك أن تحبه، ولا تعمل أسبابًا تجعل المسلم يكرهك ثم أنت أيضًا تكرهه، ويصبح المجتمع فيه نوع من نفور المسلمين بعضهم عن بعض.\nقال: (ولا تدابروا)، وهو أن يوليك ظهره، والمعنى: ولا تتخاصموا بسبب الحرص على الدنيا، مما يولد بغض الإنسان لأخيه، يلقاه في شارع فيمشي من شارع آخر، فالنبي ﷺ قال لك: لا تكره أخاك المسلم، لا تبغضه، وإن كان يجوز لك أن تبغضه وتهجره بسبب معاص يأتيها، لكن لا ينبغي أن يتباغض المجتمع المسلم على أمر الدنيا، لا تجعل الدنيا تدخل بينك وبين أخيك، تعامل مع أخيك بالحسنى، أعط له ما تحب أن يعطي لك.\nإن دين المسلمين محبة دائمة لا تنتهي إلى يوم القيامة، بل إلى أن تدخلوا الجنة، ويحب بعضكم بعضًا، ففي الدنيا ينتفع المسلم بأخيه وبمحبة أخيه، فإذا مات انتفع بصلاته عليه، فإذا كان في قبره انتفع بدعائه له، فإذا كان يوم القيامة انتفع بشفاعته له.\n(لا تدابروا)، لا تكن محبة ظاهرة فقط، كما هو بين بعض الناس، يظهر المحبة والتأثر بحال الآخر، هو في الحقيقة لا يهمه إلا نفسه وإنما تلك أمور وقتية فقط، ثم يوليه ظهره وكأن شيئًا لم يكن، أو أن يجمع بينهما أكل وشرب، أو مصالح ومنافع مشتركة تنتهي محبتهما بانتهائها.\nالمسلم معاملته مع المسلم معاملة محبة؛ لأنه مجبول على المحبة، خلق الله ﷿ في قلبه الرحمة والحنان والمودة، وحب أخيه المسلم، فهو ينصحه لأجل الخير، وليتحول عن الشر إلى الخير، سيدنا معاوية ﵁ قال: لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، إذا أرخوا شددت، وإذا شدوا أرخيت.\nفي علاقتك بينك وبين أخيك لا تنفره، فقد حذر النبي ﷺ من ذلك، وقال: (إن منكم منفرين)، وقال: (بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا)، فالإنسان المسلم محب لأخيه الخير، وأن يكون رفيقه في الجنة، وأن يكونا في الدنيا على خير.\nلا تكن من النوع الذي يسير مع الإنسان فإذا ذهب أعطيته ظهرك، (لا تدابروا)، بعض الناس يسلم عليك إن كان يعرفك، وإلا فلا، دين الإسلام لم يهذب هؤلاء، فالإنسان يحب الآخر لكونه مسلمًا وليس لأنه في الوظيفة أو أنه عال في الرتبة.","vol":"5","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>تناصح الصحابة وتحابهم في الله</span>","vol":"5","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>نصيحة معاذ وأبي عبيدة لعمر بن الخطاب</span>\nكان الصحابة يحب بعضهم بعضًا في دين الله ﷾، يتناصحون ويقبل بعضهم من البعض النصيحة، بل يقول لأخيه: انصحني! هذا عمر بن الخطاب كان ينتصح ويقبل النصيحة من أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه وهو أمير المؤمنين، فقد جاءه خطاب من أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل، وهما من العشرة المبشرين بالجنة وعمر كذلك رضي الله عن الجميع.\nفـ أبو عبيدة شهد له النبي ﷺ بأنه أمين هذه الأمة، وشهد لـ معاذ بن جبل أنه أعلم أمته بالحلال والحرام، وقال له: (يا معاذ! إني أحبك)، أسلم معاذ وعمره ثماني عشرة سنة، وشهد بيعة العقبة، ومات بعد ذلك في طاعون عمواس سنة سبعة عشر أو ثمانية عشر وعمره ثلاثون سنة رضي الله تعالى عنه.\nهذا الشاب الصغير ﵁ أحبه النبي ﷺ وقال: (يا معاذ! إني أحبك)، ثم نصحه النبي ﷺ فقال: (لا تدعن عقب كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك وحسن عبادتك)، وشهد له النبي ﷺ بالجنة، وأخبر أنه يسبق العلماء يوم القيامة برتوة.\nالغرض: أنهما كتبا لـ عمر: سلام عليكم، أما بعد: فإنا عهدناك وأمر نفسك لك مهم، يعني: نحن كنا أصحابًا لك، ونعلم أنك تهتم بنفسك خائف عليها من النار ومن عقوبة الله سبحانه.\nوقد وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها، يجلس بين يديك الشريف والوضيع والعدو والصديق، ولكل حصته من العدل، فانظر كيف أنت عند ذلك يا عمر! إنا نحذرك يومًا تعنو فيه الوجوه، وتجف فيه القلوب، وتنقطع فيه الحجج لحجة ملك قهرهم بجبروته يوم القيامة، والخلق داخرون صاغرون أذلة يرجون رحمته ويخافون عقابه، وإنا كنا نحدث أن أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها إلى أن يكونوا إخوان العلانية أعداء السريرة -أي: كل واحد مصاحب للآخر في الظاهر، لكن في قلبه يتمنى له الشر- قالا له: وإنا نعوذ بالله أن ينزل كتابنا إليك سوى المنزل الذي نزل من قلوبنا.\nأي: نعوذ ونستجير بالله أن تظن بنا ظن السوء، أو أن الكتاب تأخذه ثم ترميه ولا تعتبر بما فيه، فإنا كتبنا نصيحة لك والسلام عليك.\nهذه النصيحة من معاذ وأبي عبيدة لـ عمر رضي الله عن الجميع، ثم كان الرد من عمر أن كتب إليهما ﵁، فقال: من عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة ومعاذ بن جبل: سلام عليكما، أما بعد: فإنكما كتبتما إلي تذكران أنكما تحباني، وأمر نفسي ليهم، وإني قد أصبحت قد وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها، يجلس بين يدي الشريف والوضيع والعدو والصديق، ولكل حصة من ذلك، وكتبتما: فانظر كيف أنت عند ذلك يا عمر! فهو يبين لهم أنه قرأ كتابهما، واهتم بما فيه، واحتفظ به، وكان فيه: وأنه لا حول ولا قوة عند ذلك لـ عمر إلا بالله.\nيعني: لا حيلة لي إلا أن يعينني الله على ذلك.\nوكتبتما تحذراني مما حذرت به الأمم قبلنا، وقديمًا كان اختلاف الليل والنهار بآجال الناس يقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد، ويأتيان بكل موعود، حتى يصير الناس إلى منازلهم من الجنة والنار.\nكتبتما تذكراني أنكما كنتما تحدثان أن أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها أن يكون إخوان العلانية أعداء السريرة، ولستم بأولئك، يعني: أن كلامكم طيب وجميل، ولن نكون نحن أصدقاء في العلانية وأعداء في السريرة.\nقال: وليس هذا بزمان ذلك، بل زمان تظهر فيه الرغبة والرهبة، وما زال الناس بخير يرغبون فيما عند الله سبحانه، ويخافون من بطش الله سبحانه.\nكتبتم هذه نصيحة تعظاني بالله أن أنزل كتباكما سوى المنزل الذي نزل من قلوبكم، وأنا أنزلها في المنزل الذي أنتم أردتم، وقد صدقتما الأمر، قال: فلا تدعا الكتاب إلي فإنه لا غنى بي عنكما.\nيعني: هذه نصيحة جميلة، وأنا حفظتها، بدليل أني كتبتها إليكم مرة أخرى.\nهذا عمر رضي الله تعالى عنه، الذي كان يهتم لأمر نفسه، ويخاف من الله ﷾.\nيقول حذيفة: دخلت مرة على عمر وهو جالس يحدث نفسه، ويؤنب نفسه، ويعاتب نفسه، فجلس بجواره حذيفة رضي الله تعالى عنه وقال له: ما الذي أهمك يا أمير المؤمنين؟! فقال عمر: بيده وأشار لنفسه، يعني: نفسه هي السبب الذي جعله يصنع هكذا.\nفقال: والله لو رأينا منك أمرًا ننكره لقومناك.\nفنظر إليه عمر وقال: آلله الذي لا إله إلا هو، يعني: تحلف بالله الذي لا إله إلا هو على ما قلت، وأنكم لو رأيتم مني أمرًا تنكرونه لقومتموه؟ فقال حذيفة: فقلت: آلله الذي لا إله إلا هو، يعني: نحلف بالله إنك لو أخطأت لقومناك.\nقال: ففرح بذلك فرحًا شديدًا.\nكأنه كان يكلم نفسه محتارًا ومهمومًا أن يكون هناك من هو خائف منه فلا ينصحه، فـ عمر فرح بذلك، وعلم أنه على صواب رضي الله تعالى عنه، وقال: الحمد لله الذي جعل فيكم أصحاب محمد ﷺ من إذا رأى مني أمرًا ينكره قومني.\nالإنسان يقبل النصيحة ممن ينصحونه فيقبل منهم، لا يقول: أنت تحسدني؛ لأني أمير وأنت أقل مني، لم يقل هذا ﵁، لذلك لما فتح الله له الدنيا ما كان يأخذها ويحوزها ويقول: هي لي أتصرف فيها كما أريد، بل ينظر إليها ويبكي، فيسأله عبد الرحمن بن عوف عن سبب بكائه، ولماذا لا تفرح بنعمة الله؟ لكن عمر ﵁ يقول: ما فتح هذا على قوم إلا سفكوا دماءهم، وقطعوا أرحامهم.\nثم يقول لأحد من الجالسين: أرحني منها.\nأي: وزع هذه الأموال على المسلمين، ويقسم المال بين المسلمين بحسب منازلهم ومراتبهم، ويعطي لابنه كما يعطي لآحاد المسلمين.","vol":"5","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>موقف عمر من المسلمين في قسمة المال</span>\nكان عمر ﵁ يمشي مرة فرأى طفلة صغيرة في الشارع، وكانت تمشي قليلًا وتقع، وكانت ماشية مع عبد الله بن عمر، فغضب ونظر إلى عبد الله بن عمر فقال: ابنة من هذه؟ إنه قد ضيعها أهلها! قال: إنها ابنتك.\nقال: أي بناتي؟ قال: بنت عبد الله بن عمر، يعني: بنتي، أنت لا تعطينا كما تعطي الناس، فهي لا تجد ما تأكل، وعمر شهد بذلك، وقال: البنت هذه أهلها ضيعوها.\nفجعل عمر ينظر نظرة ليست نظرة الأب ولا نظرة الجد، ولا نظرة الشفقة والرحمة، ولكن نظرة الحاكم العادل، فقال له: وما يمنعك أن تكسب لها، والله لا أعطيك إلا كما أعطي آحاد المسلمين.\nيعني: فاذهب واشتغل، لكن نصيبك في بيت المال مثل نصيب آحاد المسلمين، فرضي الله تعالى عن عمر.\nهنا تظهر شدة عمر التي جعلت الناس يجبونه، كان شديدًا في الحق فأحبه الناس رضي الله ﵎ عنه، لذلك لما قتل عمر ما من مسلم من المسلمين إلا بكى كأنه مات له أخوه أو ابنه أو قريبه، كل بيوت المسلمين؛ لأن شدته عليهم كانت لمصلحتهم، لخوفه عليهم رضي الله تعالى عنه، عرف حقوق المسلمين، وعرف الواجب عليه، فأعطى الحقوق وقام بالواجبات رضي الله تعالى عنه.","vol":"5","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>المسلم أخو المسلم يعينه ولا يخذله</span>\n(المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يحقره، ولا يخذله).\nفالمسلم لا يظلم المسلم، ولكن تجد أن بعض الناس يبحث عن أي وسيلة يكسب بها من أخيه، أو يخدعه ليأخذ ما معه من المال، فالطمع الذي في القلوب كثيرين من الناس جعل الواحد ينظر إلى الثاني ويحاول أن يأخذ ما معه من مال، فتجده يقول لأخيه: أعطني مالك أشغله لك، وليس همه أن يكثر هذا المال الذي مع أخيه، وإنما همه أن يكسب لنفسه، وفي النهاية تجده يقول: المال خسر، وليس لي حيلة ونحو ذلك.\nهذه هي أحوال المسلمين الآن، فلذلك المسلم يجب أن يعرف أن عليه واجبات يفعلها، وأن له حقوقًا يأخذها، أما أن تعرف حقوقك لكي تأخذها، ثم لا تؤدي الواجبات التي عليك فتكون بذلك قد تركت شيئًا من دين الله سبحانه، بل شيئًا عظيمًا منه.\nفالمسلم لا يظلم المسلم، ولا يحقر المسلم، لا تدري هذا الذي تحقره ما رتبته عند الله، فلا تنظر إلى الإنسان أنه كبير في المقام، وأنه كبير في الشغل، وأنه رئيس مجلس إدارة، فلا تجعل التعظيم بالرتبة والمقام، بل لابد أن تكون نظرتك للإنسان على أنه مسلم، والمسلم حقه أن توقره، وأنك تكون معه، وأن تحترمه غنيًا كان أو فقيرًا، ولعل الفقير أولى بأن تحترمه من الغني؛ لأنه مقدم على الغني يوم القيامة؛ لأنه أحب إلى الله ﷿ من الغني، فهو يسبق الغني بنصف يوم، ولذلك الصحابة كانوا يحبون الفقراء، وعبد الله بن عمر كان لا يأكل إلا بعد أن يبحث عن فقير يأكل معه.\nولن تكون مثل عبد الله بن عمر، ولكن على الأقل احترم الإنسان لكونه إنسانًا، لكونه مسلمًا، تحترم فيه إسلامه، تحترم فيه رأيه، فبين المسلمين التواضع وبينهم المشورة، ألا يظلمه، ولا يحقره، ولا يخذله، يعني: لا يقول له: أنا معك، ثم يخذله، ولا يقول: أنا سآتي أشهد معك، ويوم المحكمة يتركه ويمشي ويقول: لا أعرفك.\nفهنا المسلم يكون مع المسلم في وقت شدته أكثر من وقت رخائه، أنا أنفعك الآن فننتفع سويًا في قبورنا ويوم القيامة، يقول لنا النبي ﷺ: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)، لا تحتقر أحدًا من المسلمين، فلا تدري فلعل إعجابك بنفسك وتحقيرك لغيرك يحرمك من نعم أنت تحبها، فلا تنظر لإنسان وتزدريه لأن ثيابه مقطعة ومرقعة، فإنك لا تعرف ماذا يعمل فيك ربنا يومًا من الأيام، فتواضع لله ﷿، وانظر إلى المسلمين على أن الكل إخوة لك، الكل تحبهم في الله ﷾، حافظ على نفسك، وحافظ على غيرك، واعلم أنه من لم يكن يرحم الناس في الدنيا لا يرحمه الله ﷿ يوم القيامة.\nنسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"5","page":7},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-40> ستر عورات المسلمين</span>\nلقد جاء في الكتاب والسنة الأمر بستر عورات المسلمين، والتحذير من إشاعة الفاحشة بين المؤمنين، وما ذاك إلا لأن ستر العورات به يسلم المجتمع من شيوع الفواحش وانتشارها بين الناس، وإشاعة الفاحشة تأتي بالشر والفساد وخراب المجتمعات.","vol":"6","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>ستر عورات المسلمين والنهي عن إشاعتها</span>","vol":"6","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>النهي عن إشاعة الفاحشة بين المؤمنين</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب ستر عورات المسلمين والنهي عن إشاعتها لغير ضرورة.\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور:١٩].\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة)، رواه مسلم.\nوقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان! عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عليه).\nوعنه عن النبي ﷺ قال: (إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثانية فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر)، متفق عليه].\nمما دعا إليه الكتاب وسنة النبي ﷺ أمر الإنسان بالستر على نفسه، وعلى غيره، ولا يجاهر بالمعاصي فيفضح نفسه، فإن الذي يفضح نفسه في الدنيا يفضحه الله ﷿ يوم القيامة، والذي يستره الله ﷿ في الدنيا يستره يوم القيامة بفضله وإحسانه ﷾.\nيقول الله ﷿ في سورة النور: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور:١٩].\n(تشيع الفاحشة) عكسها: تستر الفاحشة ولا تتفشى بين الناس، ولا تعرف ولا يطلع عليها أحد، فالله ينهى عن إشاعة الفاحشة بين المؤمنين.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور:١٩]، الذين يحبون هذا الشيء هم الفسقة والكفرة والمجرمون، فهم يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وإذا فعل الذين آمنوا هذه الفاحشة فلن يوجد أحد ينهى عنها، مثلما فعل بنو إسرائيل وارتكبوا الفواحش، ووقع فيها كبارهم وشرفاؤهم، فضيعت حدود الله ﷿، وما بقي أحد ينكر على أحد.\nفهنا الذي يحب أن تشيع الفاحشة هو صاحب فاحشة، يريد أن يفعلها فلا تُنكَر عليه، وحتى لا تنكر عليه يأتي هو وغيره ويشيع الفاحشة بين المؤمنين حتى يفعلوها، وحتى يتحدثوا بها، وحتى يسهل أمرها عليهم، فهم يحبون أن تشيع الفاحشة.\n(إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ) أي: يتمنى أن تشيع الفاحشة بين الناس حتى يفعلها ولا ينكر أحد عليه ذلك، فكيف بمن يشيعها ويمارسها؟ الأول لعله لم يفعل، ولكن أحب أن تنتهك حدود الله ﷿، وأحب أن تشيع الفاحشة من زنا وغيرها بين الناس، فهذا الذي أحب ذلك له عذاب أليم في الدنيا والآخرة، والذي أشاعها قولًا وفعلًا بين الناس هذا أولى بهذه العقوبة والعياذ بالله! إشاعة الفاحشة تكون بالقول، كإنسان يستسهل الكلام عن القبائح، وعن الفضائح والرذائل، وعن أمر الزنا، وعن أمر اللواط، ونحو ذلك، يتكلم ويحكي هذه الأشياء لغاية ما، ومن ثم يبقى سماعها عند الناس أمرًا سهلًا فلا ينكر أحد منكرًا من المنكرات، فهؤلاء ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩]، الله يعلم ما الذي يصلح خلقه، ولذلك أمرنا بالستر ونهانا عن إشاعة الفاحشة بين المؤمنين.\n﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ يعلم أخلاق الكفار، من حبهم لإشاعة الفاحشة، وأخلاق الفسقة وما في قلوبهم، ولذلك حذركم من الفريقين، وأخبركم أنه لن يرضى عنكم هؤلاء الكفار حتى تكونوا مثلهم: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠].\nونهانا عن تولي الكفار والمشركين وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١].\nفهؤلاء الفسقة الذين يحبون المعاصي والفواحش ويفعلونها، ويريدون أن يسكت المسلمون عليها، يحذرنا ربنا ﷾ أن نكون مثلهم، ويحذرهم بأن لهم العذاب الأليم في الدنيا وفي الآخرة، فقد تأتي عقوبة الله ﷿ لهؤلاء في الدنيا، فقد يذيقهم المرض في الدنيا، ويذلهم أمام الناس، انظر للممثلين والممثلات والراقصات وغيرهم الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، الذين يتشدقون بالفسق ويسمونه فنًا، وبعد ذلك تكون آخرتهم آخرة سوداء يعلمها الله تعالى، فتجد الرقاصة ومعها مال كثير وبعد فترة قليلة إذا بها تفلس، ولم تعد تجد ثمن الدواء الذي تتعالج به.","vol":"6","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>الستر على المسلم الواقع في المعصية</span>\nأما المؤمنون فقد أمر الله ﷿ بأن يستر المسلم على أخيه ما دام الذي وقع في المعصية يستر على نفسه.\nأما الذي يجاهر بالمعاصي، يبيت الليل يفعل معصية، ثم يصبح يتحدث عنها ويفتخر بها، فهذا يستحق أن يقام عليه حد الله ﷾، إنما الذي يستر هو الذي يستر على نفسه، وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، فإذا وقع إنسان في زلة من الزلات، وأناب إلى الله واستغفر وتاب، فهذا يستر عليه ولا يبكت بهذا الذنب الذي فعله، ولا يفضح بين الناس طالما أنه سيتوب إلى ربه.\nوقد جاء في الحديث: (لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة).\n(لا يستر عبد عبدًا في الدنيا) هذا تذكير بمقام العبودية، وأنك أنت عبد لله سبحانه، وهو عبد لله ﷾.\nأحيانًا: يرى رجل رجلًا على معصية، فيحدث نفسه أني لابد أن آمره وأنهاه، وبعد قليل يحدث نفسه ويحس بالغرور: أنا أحسن منه وأعلى منه؛ لأنه صاحب معصية وأنا كذا وكذا!! ومن ثم يريد أن يذل هذا الإنسان، ويشدد عليه ويتسلط عليه، فالرسول يقول لك: أنت عبد لله سبحانه، أنت تنفذ أمر الله سبحانه، لا تفرح لأن ربنا سلطك عليه، فقد يسلط عليك غيرك.\nهو الآن فعل معصية، وأنت تفرح أنك تأمر وتنهى، وأنك تريد إذلال هذا الإنسان، فلعل الله يسلط عليك من يصنع بك ذلك، فليس أحد معصومًا من المعاصي، لذلك يجب أن تضع نفسك مكان هذا الإنسان، وعامله كما تريد أن تعامل به.","vol":"6","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>أحوال لا يستر فيها على صاحب المعصية</span>\nأستر على الإنسان الذي ستر على نفسه، قد أؤنبه بيني وبينه، قد أزجره أشد الزجر بيني وبينه، لكن لا أفضحه، فلا يفضح الإنسان إلا إذا كان مجاهرًا بالمعاصي، أو إذا كانت معصيته ستؤثر في الناس، ويحصل فيهم بسببها بلاء، وضررها يتعدى إلى الغير، ففي هذه الحالة لابد من التحذير، كما إذا عرفنا أن فلانًا يدخل بيت فلان وكل يوم يسرق منه شيئًا، فأولًا أحذره وأقول له: لا تسرق، رد المال الذي أخذته من فلان، فإذا رفض ففي هذه الحالة أقول للمسروق منه: فلان سرق منك المال الفلاني، ولم يرض أن يرده إليك.\nإذًا: هنا المفترض أني رجل أمين أؤدي النصيحة، فأنصح لصاحب المال الذي سرق منه، وأنصح للإنسان الظالم الذي أخذ المال أن يرده لصاحبه، وقد جاء في الحديث: (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا)، فنصره مظلومًا بأن آخذ له حقه، وهذا الذي أخذ منه الحق مظلوم، ونصره ظالمًا: بأن آخذ على يده، وهذا إنسان أخذ مال غيره.","vol":"6","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>لا يجوز الستر على من سرق مال الآخرين</span>\nذكر أحد الإخوة أنه يعمل مراجع حسابات في مكان ما، والمحاسب الموجود يسرق المال كل يوم، فيقول: لو أخبرت أصحاب الشركة فسيخرجونه، وعنده عيال وأسرة.\nفنقول: هذا المراجع أمين على المال، وصاحب الشركة أتى بك من أجل أن يطمئن على حساباته، فأنت أمين لصاحب المكان.\nإذًا: في هذه الحالة تأمر هذا المحاسب الذي يمد يده على المال أن يرد المال كله، فإذا رده كله فعليك أن تراقبه بعد ذلك هل ما زال يمد يده ويأخذ المال أم لا، وإذا استمر كما كان فلا فائدة فيه، وفي هذه الحالة قل لصاحب العمل: فلان هذا حرامي أخرجه من هذا المكان؛ لأنك أمين لصاحب العمل، ولولا أنه لا يقدر على إدارة عمله لما أتى بك، فأنت أمين له.\nأما أن تستر على هذا الإنسان الذي يمد يده كل يوم ويسرق من هذا المال فلا يجوز، والدليل على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله ﵎ عنه لما كان خازنًا على زكاة الفطر، فجاء إنسان يسرق من زكاة الفطر، فأمسك به أبو هريرة، وقال: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ، فلم ينكر عليه النبي ﷺ قوله له: لأرفعك إلى النبي ﷺ، ولا قال له: استر عليه، أو لماذا لم تستر عليه؟ لأنه أمين قائم مقام النبي ﷺ في حراسة هذا المال، وقائم مقام المسلمين في حراسته.\nفلما شكا إليه حاجة وعيالًا قام أبو هريرة واجتهد أن هذا المال زكاة الفطر، وسيوزع على الناس المستحقين، ويمكن أن هذا من ضمن المستحقين، فتركه.\nإذًا: أبو هريرة اجتهد في هذه الحالة، وليس هذا تضييعًا لأمانة المسلمين، بل أبو هريرة حافظ لهذه الأمانة، ولكنه رأى أن زكاة الفطر تجمع من أجل أن توزع على الفقراء، وهذا فقير صاحب حاجة وعنده عيال ويبكي من شدة الفقر، فهو مستحق لهذا المال.\nوفي اليوم التالي قال له النبي ﷺ: (ما فعل أسيرك البارحة)، أي: الذي أمسكته البارحة ما الذي حصل منه؟ فقال: (يا رسول الله! شكا إلي حاجة وعيالًا، فقال: كذبك وسيأتيك)، أي: سيأتي إليك مرة ثانية.\nفهنا كأن أبا هريرة قال للنبي ﷺ حصل كذا وكذا وشكا كذا فرحمته، والمال زكاة الفطر فلذلك أعطيته منه، أو أنه سرق ومشى، ثم أتى مرة ثانية وثالثة، وفي النهاية لما أصر أن يرفعه للنبي ﷺ قال: دعني أعلمك شيئًا ينفعك الله به، فقال أبو هريرة: علمني، فقال: اقرأ قبل أن تنام آية الكرسي، فتركه أبو هريرة، وفي الصباح سأله النبي ﷺ: (ما فعل أسيرك البارحة) فالوحي كان يأتي النبي ﷺ ويخبره أنه حصل كذا وكذا، فقال: إنه قال: أعلمك شيئًا ينفعك الله به، وعلمني آية الكرسي أقرؤها قبل أن أنام، فقال: (صدقك وإنه لكذوب)، فهو كذاب ولكن في هذه فقط صدقك.\nثم قال: (أتدري من تقاتل منذ ثلاث؟ قال: قلت: لا، قال: إنه شيطان) فهو شيطان كان يأتي ويسرق كل يوم، فلما أمسكته علمك شيئًا ينفعك الله ﷿ به، فصدقك فيه وكذبك في الباقي حينما كان يقول: إنه محتاج وإنه ذو عيال.\nوالشاهد من هذا: أن أبا هريرة كان أمينًا على هذا المال، وقال: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ، ولم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك، فيؤخذ منه أنك إذا كنت أمينًا على مال، ورأيت من يسرق هذا المال، فلك أن ترفعه لصاحب المال، ولك أن تأخذ منه هذا المال وتطرده وانتهى الأمر، هذا إذا كان من خارج.\nأما إذا كان من ضمن العمال الذين يشتغلون في المحل، وأنت مراجع فوقه، وهو كل يوم يسرق من المال، فلو سكت عليه فأنت مضيع للأمانة، قد تقول: عنده عيال وزوجة ونحو ذلك، فهنا تلزمه برد المال الذي أخذه، ثم بعد ذلك تبعده عن هذا المال، ولا تتركه يشتغل في هذا المال، وعليك أن تنبه صاحب العمل، فإذا عرفت منه أنه تاب من هذا الشيء وأنه لن يرجع ولك عليه سلطان المراقبة، فأقل شيء أن تلزمه بإرجاع المال كله، وتراقب بعد ذلك، فإن رأيت أنه رجع مرة ثانية لمد اليد، فهنا تنصح صاحب العمل أن فلانًا هذا ليس أمينًا، وتأمره أن يشغله في مكان آخر بعيد عن المال، أو يخرجه من العمل.\nإذًا: لا ينبغي أن أرى السارق يسرق من المال وأنا ساكت عليه، وأقول: أستر عليه، وحديث (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا) ينافي ذلك، فأنت لم تأخذ على يد السارق، ولم تمنعه من السرقة، ولم تنبه صاحب العمل أن ماله يسرق، بل تركت الحالتين فخنت الاثنين، لا نصحت هذا ولا نصحت ذاك.\nإذًا: الستر على الإنسان يكون فيما إذا كان الحق بينه وبين الله ﷿؛ لأن الحقوق إما حق لله ﷿، وإما حق للبشر، والله تعالى أكرم الأكرمين، ويسامح سبحانه ويعفو ويتكرم، فإذا وجدنا إنسانًا على زنا -والعياذ بالله- إذًا فهنا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونمنع من المعصية، ولكن في النهاية إذا قدرنا على الستر كان أفضل.\nأما أن أستره وأتركه يفعل ما يريد فلا، فلابد أن أزجر الاثنين، ولكن لا أفضحه بين الناس.\nأما من يفضح نفسه في الدنيا ويتكلم عن نفسه أنه يفعل كذا، وأنه يخلو بواحدة ويفعل معها كذا، وأنا أعرف أنه يدخل بيت فلان، فلابد أن أحذر هؤلاء منه، وأقول لهم: خذوا حذركم، فلان هذا لا تدخلوه بيتكم؛ لأنه يفتخر بين الناس أنه يفعل الفاحشة.\nإذًا: المجاهر بالمعاصي أحذر الناس من مثله، حتى يحذر منه الذين لا يعرفونه، ويتأكد من حاله الذين يعرفونه فيقاطعونه ويمنعونه من هذا الشيء إذا وقع فيه، ولا أسكت على صاحب هذه المعصية.","vol":"6","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>شرح حديث: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين)</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين).\n(كل أمتي معافى) أي: يعافيهم ويسترهم ﷾، إلا الإنسان المجاهر، فقد أصبح إنسانًا مفضوحًا فضح نفسه وفرح بهذه الفضيحة.\nقال النبي ﷺ: (وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان! عملت البارحة كذا وكذا).\nفلم يسكت ويستر على نفسه فيما عمل بالليل، بل أصبح يفضح نفسه ويقول: عملت كذا وعملت كذا، إذًا: هذا لا يستحق أن يستره الله ﷿، بنص حديث النبي ﷺ.\nفكل الأمة يعافيهم الله إلا من يجاهر بالمعصية، يعمل معصية بالليل وقد ستره الله فأصبح يفضح نفسه بها، قال لنا ﷺ: (وقد بات يستره ربه فيكشف ستر الله عنه).","vol":"6","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>شرح حديث: (إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب</span>\nمن الأحاديث التي جاءت في أمر الستر هنا حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها).\nإنسان عنده أمة، والآن لا يوجد إماء، ولكن هذا حكم من الأحكام التي ينبغي فيها الستر الجميل، فالأمة إذا وقعت في الزنا فلسيدها أن يقيم عليها الحد، والحد هنا ليس رجمًا، ولكن الحد هو الجلد، فيجلدها خمسين جلدة، وبعدما يقيم عليها الحد قال: (ولا يثرب)، أي: لا يعيرها ويقول لها: يا زانية! يا من أتيت الفاحشة! لماذا؟ لأن الإنسان لو اعتاد هذه الكلمة على لسانه فإنه سوف يفضحها بذلك، وحينئذ سوف تفضل أن تقع في الفاحشة طالما أنها قد افتضحت، ومعلوم أن الإنسان الذي يقع في الفاحشة أو المعصية يستر على نفسه؛ لأنه يخاف أن يعرف الناس ذلك، فإذا عرف الناس هذا الشيء فحينئذ سوف يكشف برقع الحياء، ولن يستحي من الناس بعد ذلك، بل وسوف يعملها ويجاهر بها، لذلك قال النبي ﷺ لسيد الأمة: (فليجلدها الحد ولا يثرب)، فأقم عليها الحد، واجلدها خمسين جلدة، ولكن لا تفضحها، ولا تشهر بها، ولا تعيرها بهذا الشيء، وإلا كشفت عنها ثوب الحياء، وسوف تقوم هي بعد ذلك فتقع مرة وراء المرة، ولا يهمها شيء.\nقال ﷺ: (فإن زنت الثانية فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر)، ففي المرة الثالثة أمره أن يبيعها، لأنه لا يستطيع أن يعفها، وسيد الأمة إما أن يأتيها هو، وإما أن يزوجها حتى تستعف، ولكن هذا لا يأتيها ولا زوجها، إنما تركها تزني، فعليه إذًا أن يبيعها طالما أنه لم يقدر على أن يكفيها عن الحرام.","vol":"6","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>شرح حديث: (أتي النبي برجل قد شرب خمرًا)</span>\nمن الأحاديث التي جاءت حديث عن أبي هريرة ﵁ قال: (أتي النبي ﷺ برجل قد شرب خمرًا فقال: اضربوه، قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه).\nيعني: قاموا يضربون هذا الذي شرب الخمر، فمنهم الذي يضرب بيده، والذي يضرب بنعله، والذي يضرب بثوبه.\n(فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله) يدعو عليه، كأنه يقول: أخزاك الله، فضحك الله، فقال النبي ﷺ: (لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان)، يعني: طالما أنك تدعو على إنسان بالفضيحة، ستبقى أنت أول واحد يفضحه، فكأنك تعين الشيطان عليه.\nإذًا بدلًا من أن تدعو عليه بأن يفضحه الله، ادع له أن يستره الله، وأن يتوب إلى الله فلا يقع في هذه المعصية مرة أخرى، وإذا فعل معصية فيها حد فأقم عليه الحد، ولكن لا تعن الشيطان عليه، أحب للمسلم ما تحب لنفسك، فأنت تحب لنفسك التوبة، فأحب له أيضًا أن يتوب الله ﷿ عليه.\nإذًا: لا تدع على مسلم بأن يفضحه الله، ولا أن يخزيه الله ﷾.\nمن الأحاديث التي وردت في هذا المعنى حديث رواه الإمام ابن ماجة من حديث ابن عباس وإسناده حسن أو صحيح وفيه: قال النبي ﷺ: (من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة).\nفإذا سترت إنسانًا سترك الله يوم القيامة.\nوالعكس بالعكس قال: (ومن كشف عورة أخيه المسلم).\nوانظر إلى قوله (أخيه المسلم) يعني: هذا بينك وبينه أخوة، وبينك وبينه دين الإسلام، فهو مسلم مثلك وأخ لك في هذا الدين، وفي هذا ترقيق قلبك عليه فلا تفضحه، فالذي يتناسى ذلك ويفضحه قال: (كشف الله عورته حتى يفضحه بها في بيته).\nفإذا فرحت بأنك فضحت إنسانًا وجعل الله فضيحته على لسانك، فخف على نفسك أن يحدث لك مثل هذا الشيء والعياذ بالله.","vol":"6","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>التحذير من إيذاء المسلمين وتتبع عوراتهم</span>\nحديث آخر وإسناده صحيح أيضًا رواه الترمذي من حديث ابن عمر قال: (صعد رسول الله ﷺ المنبر فنادى بصوت رفيع فقال: يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه! لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله).\n(يا معشر من أسلم بلسانه) أي: الذين تقولون: لا إله إلا الله بألسنتكم ولكن خصال الإيمان لم تدخل قلوبكم، فاتقوا الله وارجعوا عن هذا الذي أنتم واقعون فيه، وهو أنهم كانوا يؤذون المسلمين ويعيرونهم ويتتبعون عوراتهم.\nقال: (لا تؤذوا المسلمين) ويؤخذ منه أن صفة الإنسان الذي فيه نفاق أنه يسلم بلسانه وأما قلبه فلم يسلم؛ لأن كل إنسان يقول: أنا مسلم وأنا مؤمن، فهؤلاء إنما يعرفون بأفعالهم، يلقى إنسانًا وقع في معصية فيفرح ويأتي يقول: فلان عمل كذا وعمل كذا وعمل كذا، والعياذ بالله! فلماذا تشمت بإنسان ولعل الله أن يبتليك بمثل تلك المعصية؟! فقوله: (لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم) أي: فالمسلمون الذين وقعوا في شيء من المعاصي فسترها الله ﷿ عليهم، فلا تؤذوهم ولا تعيروهم، ولا تفضحوهم ولا تبكتوهم بما صنعوا.\n(ولا تتبعوا عوراتهم)، كأن يقول إنسان يرى نفسه رجلًا صالحًا: أنا سأراقبه حتى أعلم ماذا يفعل، فيتتبعه يريد منه سقطة من أجل أن يفضحه بها، فإذا تتبعت أخاك فإن الله يتتبعك، ولعلك لا تقدر أن تصل لهذا الإنسان على شيء، ولكن الله يقدر عليك.\nقال: (فإنه من تتبع عورة أخيه)، أي: يتتبع سقطاته لأجل أن يفضحه بها (تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله) يعني: لو اختبأ داخل الغرفة التي عنده في البيت وفعل المعصية، فإن الله يقدر عليه من يفتح ويراه على هذه الصورة، فالله يفضحه ولو في جوف رحله.\nوقد نظر ابن عمر -وهو راوي الحديث- يومًا إلى الكعبة، فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك! والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك.\nفالكعبة لها شرف وقدر عظيم، ولكن المؤمن أعظم حرمة من الكعبة التي هي قبلة المسلمين، فعلى الإنسان المسلم أن يخاف على أخيه المسلم من الوقوع في الذنب، فإذا وقع في الذنب ستر عليه، ونصحه فيما بينه وبينه.","vol":"6","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>شرح حديث (إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم)</span>\nمن الأحاديث التي جاءت في هذا المعنى حديث معاوية ﵁ الذي رواه الإمام أبو داود وهو أيضًا حديث صحيح، وفيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم).\nمعاوية حينما صارت إليه الخلافة وصار أميرًا للمؤمنين رضي الله تعالى عنه، كان يعامل الناس بالحلم وهو الذي قال: لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت.\nهذا معاوية كان يضرب به المثل في الحلم رضي الله ﵎ عنه، فيقول هنا: إنه سمع حديثًا من النبي ﷺ فحدث الناس به، قال أبو الدرداء: لقد انتفع بما سمع من رسول الله ﷺ، لم يكن يسمع كلام الجواسيس -وهو الأمير ﵁- الذين كانوا يتجسسون على الناس، بل كان يمنع أي تجسس على الناس، ويقول: إن الذي سيظهر لنا منه شيء سنحاربه على الذي ظهر منه، أما الذي يكتم فما لنا وله، أتى بهذا من حديث النبي ﷺ: (إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم)، فالذي يتتبع عورة هذا وعورة هذا ويفضحه، فإنه سوف يفتضح الإنسان، وحينها سيقوم ويجاهر بالمعصية؛ لأنه لن يوجد شيء يمنعه من حياء ولا من غيره.\nفلذلك كان معاوية يستر على الناس، وإذا سمع عن أحد شيئًا ستر عليه.\nمن الأحاديث التي فيها هذا المعنى نفسه قوله ﷺ: (إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم).\nإذا ابتغى الريبة فإنه يبقى متشككًا في الناس، وإذا تشكك في كل إنسان فسيفسد الناس، وسيجعل الناس لا يظهرون شيئًا، يقعون في المعاصي ويخفونها، وشيء وراء شيء حتى تعم المعاصي بين الناس.","vol":"6","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>قصة ماعز وما فيها من الترغيب في الستر على المسلم</span>\nمن الأحاديث التي جاءت عنه ﷺ قصة ماعز ﵁ لما وقع في الزنا، وكان قد زنى بأمة كانت لرجل اسمه هزال وقد كان ماعز يتيمًا عند هزال.\nوبعدما كبر وبلغ في يوم من الأيام خرج المسلمون مع النبي ﷺ في نفير، فوجد هذه الأمة في مكان فزنى بها، فـ هزال الذي هو مربيه وسيد هذه الأمة كأنه حصل له شيء من الغيرة والغضب، فقال له: اذهب فأخبر النبي ﷺ، وسبق هزال إلى النبي ﷺ فقال له: إن ماعزًا فعل كذا.\nوهنا لو ستره لكان خيرًا له، ولكنه أصر على أن يشكوه إلى النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ كلمته الجميلة: (يا هزال! هلا سترته بثوبك)، أي: لو سترته وانتهى الأمر لكان خيرًا لك.\nوماعز كان متزوجًا، ولذلك كان حده الرجم، والرجل الذي شهد عليه واحد إذًا: سيقام عليه حد القذف.\nفلما رأى الأمر هكذا وأنه يمكن أن يقام عليه حد القذف قال: أذهب وأقنع ماعزًا أن يذهب للنبي ﷺ ويقول له: لقد زنيت، وفعلًا ظل يلح عليه حتى ذهب إلى النبي ﷺ وقال: لقد زنيت، فما كان من النبي ﷺ إلا أن أعرض عنه، مرة ومرتين وثلاثًا وأربعًا، وفي الأخيرة قال له: (أبك جنون؟ أتدري ما الزنا؟)، وذلك حتى يمشي الرجل ويقول: لا أعرف ما هو الزنا، أنا أمزح بالكلام.\nفهنا نجد أن النبي ﷺ أراد أن يستر على نفسه ويمشي، فأعرض عنه أربع مرات وفي النهاية قال لأصحابه: (استنكهوه استنكلوه)، وقال للرجل: (لعلك قبلت، لعلك لامست، لعلك فاخذت)، يعطي له أعذارًا يقولها وينصرف.\nولكن لما أصر، وكأن هزالًا قال له: قل بالحقيقة ولن يفعل بك شيئًا، فلما أقاموا عليه الحد وبدءوا يرجمونه أذلقته الحجارة، فقال لهم: يا قوم! إن هزالًا غرني من نفسي وقال: إنكم لستم قاتلي، أعيدوني للنبي ﷺ، أرجعوني للنبي ﷺ، فلم يسمعوا كلامه، وقالوا: إن النبي ﷺ أمرنا برجمك، فما زالوا يرجمونه حتى قتلوه، ولما رجعوا للنبي ﷺ وذكروا له ذلك حزن النبي ﷺ وتأسف لذلك، وقال: (هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه).\nورئي النبي ﷺ كئيبًا من ذلك، حتى جاء له الوحي من عند ربه وأخبره أن ماعزًا في الجنة، وإن الله أكرمه وتاب عليه، فسر النبي صلوات الله وسلامه عليه بذلك، وأخبر أنه تاب توبة عظيمة لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم.\nالمقصود أن النبي ﷺ أراد أن يستر على الرجل، وأمر هزال بالستر عليه، فلما أصر الرجل بالاعتراف على نفسه، وليس هو مجنونًا ولا شارب خمر، ولا يريد أن يعرض في الكلام، أمر النبي ﷺ بإقامة الحد، فلما أقاموا عليه الحد ورجعوا إلى النبي ﷺ وأخبروه بما فعل قال: (هلا تركتموه لعله يتوب إلى الله ﷿).","vol":"6","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>التحذير من تذكير صاحب المعصية بمعصيته</span>\nوالغرض بيان أن الإنسان إذا ستر على نفسه ستر الله ﷿ عليه، وإذا فضح الإنسان نفسه فإنه يستحق ما يحدث له، ويلزم على المسلم أن يستر على المسلمين، وأن يحذر من غضب الله ﷿ أن يفضح إنسانًا فيفضحه الله سبحانه، ويحذر المسلم من أن يظل يعير صاحب المعصية: ألست الذي كنت سارقًا في يوم من الأيام، ألست الذي كنت تسرق كذا، فإنه كلما قلت له هكذا يرجع في قلبه ما كان عليه في الماضي، وقد يرجع إليه مرة أخرى، إذًا فلا تذكر صاحب معصية بمعصيته أبدًا، وإلا فكأنك تدفعه مرة ثانية أن يرجع لهذه المعصية.\nأذكر أنه في يوم من الأيام كان هناك رجل صاحب قمار وكان قد تاب إلى الله، فكلمه بعض الإخوة فتاب وجاء يصلي معنا في المسجد وظل فترة يصلي معنا في المسجد، وبعد فترة فوجئت بأن بعض الإخوة قالوا له: أخبرنا كيف كنت تعمل في القمار؟ ومرة بعد مرة حتى ترك الصلاة وترك بيت الله ﷾، والله أعلم على ماذا مات هذا الإنسان.\nفلماذا تعير إنسانًا؟ ولماذا تدفعه للشقاوة مرة ثانية؟ ولماذا تذكره بالماضي؟ فإنه سيرجع إليه مرة ثانية، وصاحب المعصية قد يحن إلى معصيته إذا وجد من يشجعه عليها.\nفاتق الله ﷾ في الناس، وإذا تاب إنسان فلا تذكره بمعصيته أبدًا، واجعل نفسك مكانه، والذي تحب أن تعامل به إذا كنت مثله فعامل الناس بمثله.\nنسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"6","page":13},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-53> الشفاعة</span>\nالتعاون على الخير والنفع سلوك حسن، وعبادة جليلة ممدوح فاعلها من الله ومن الناس، ومن ضروب التعاون الشفاعة، ولنفعها العظيم، وترسيخها لمبدأ التعاون فقد رتب عليها الأجر الجزيل على أن تكون في خير وصدق، لا في إثم وكذب، أو في حد من الحدود، أو لمقابل رخيص كهدية أو غيرها.","vol":"7","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>الشفاعة أنواعها وفضلها</span>","vol":"7","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>تعريف الشفاعة</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم.\nالحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب الشفاعة.\nقال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء:٨٥].\nعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه، فقال: (اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب)، متفق عليه.\nوعن ابن عباس ﵄: (في قصة بريرة وزوجها، قال لها النبي ﷺ: لو راجعته قالت: يا رسول الله؛ تأمرني؟ قال: إنما أشفع، قالت: لا حاجة لي فيه)، رواه البخاري].\nهذا باب من أبواب كتاب رياض الصالحين، للإمام النووي ﵀، وفيه قول الله ﷿: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء:٨٥].\nالشفاعة: مأخوذة من الشفع، والشفع ضد الوتر.\nوالمعنى: أنه يكون واحد منفردًا فيأتي الآخر معه فيشفع، ويعينه على قضاء الحاجة التي يريدها، وإنجاز المصلحة التي هو فيها، وبهذا المعنى جاءت أقوال المفسرين عند قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء:٨٥]، فقالوا: من يزيد عملًا إلى عمل فيحسن، فالله ﷿ يعطيه إحسانًا.\nومنها أن يعين أخاه بكلمة عند غيره في قضاء حاجته، كأن يذهب به إلى القاضي، أو يذهب به إلى من بيده المصلحة لهذا الإنسان، فيعينه على قضاء الحاجة التي هو فيها.\nومن معاني الشفيع: المعين في الجهاد في سبيل الله ﷿، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذلك يذكر الإمام الطبري من معاني الآية: من يكن يا محمد شفيعًا لوتر أصحابك في الجهاد للعدو يكن له نصيب في الآخرة من الأجر، ومن يشفع وترًا من الكفار في جهاده، يكن له كفل في الآخرة من الإثم.","vol":"7","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>فضل الشفاعة الحسنة وعقوبة الشفاعة السيئة</span>\nالشفاعة الحسنة: هي الإعانة على الخير.\nأما الشفاعة السيئة: فهي الإعانة على الشر.\nفإذا أعان الإنسان إنسانًا آخر على خير فقد شفع شفاعة حسنة؛ لأنه كان فردًا فشفعه فكان معه زوجًا، وإذا أعان الإنسان آخر على الشر، فقد شفع شفاعة سيئة.\nوتعلمنا الآية أن الإنسان ينبغي أن يكون متعاونًا مع غيره من الناس على الخير، بالدلالة عليه، ومن دل على خير فله مثل أجر فاعله، والعكس بالعكس، فمن دل على شر فعليه مثل وزر فاعل هذا الشر، قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء:٨٥].\nفالذي يجد إنسانًا وحده، يريد أن يعمل عملًا من الخير، ومصلحة من المصالح، فيفسد بينه وبين صاحب المصلحة، حتى يترك صاحب المصلحة عملها، فقد ارتكب الشفاعة السيئة التي عليه الوزر منها.\nوفي المتفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري: (كان النبي ﷺ إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه، فقال: اشفعوا تؤجروا).\nورواية مسلم: (اشفعوا فلتؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب) وفي رواية: (ما شاء).\nوالمعنى: أن الإنسان قد يأتي والنبي ﷺ لا يعرفه النبي ﷺ، ولا يعرف هل هو محتاج أو ليس محتاجًا، وقد يعرف الجلوس أن هذا الإنسان يحتاج إلى شيء من الأشياء، وأن له حاجة من النبي ﷺ فيستحيي أن يتكلم معه فيها، فيقول لهم النبي ﷺ: (اشفعوا فلتؤجروا) أي: من يعرف عن هذا الإنسان فليتكلم عنه بخير، فلعل هذا يجعل النبي ﷺ يعينه على ما يريد.","vol":"7","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>ما تكون فيه الشفاعة</span>\nيجدر التنبيه هنا أن الشفاعة التي أمر بها النبي ﷺ لا تكون إلا في حق، فيتكلم الإنسان في حق أخيه بالخير الذي يعرفه، أما أن يدلس ويكذب فيجد إنسانًا كذابًا، منافقًا، عاصيًا، جاء يكيد بإنسان ليأخذ منه ماله، أو ليعينه على باطل، فيدلس الشفيع ويقول: لا بأس به، أعطوه، أو يؤكد أنه يعرفه، وأنه يستحق كذا، فهذه من الشفاعة السيئة؛ لأنه يغرك ويمكر بك من أجل أن تعطي مالك، أو تعطي معونتك لإنسان يعصي الله ﷿ بها.\nولذلك ذكر الله نوعي الشفاعة: الحسنة والسيئة، ولذا عندما يشفع الإنسان لآخر ينبغي أن ينصح بما يعرفه عنه فإن كان إنسانًا محتاجًا نصح أن يعطوه، وإن كان عاصيًا لله ﷾ ولا يستحق العطاء، أو مبذرًا أو سفيهًا فينصح بما يعرف عنه بصدق.","vol":"7","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>الشفاعة والصلح بين الأزواج</span>\nومن الأحاديث التي جاءت في هذا المعنى: ما ذكره الإمام النووي عن ابن عباس في قصة بريرة وزوجها، وكانت بريرة أمة وزوجها عبدًا، ثم حرر بريرة سادتها وأعتقوها.\nوالحكم الشرعي: أن الأمة إذا كانت متزوجة بعبد، ثم حررت صار من حقها أن تطلب الفسخ، أو تبقى زوجة له.\nوقد طلبت بريرة حقها في عدم البقاء مع زوجها، وكان الرجل يحبها حبًا جمًا، وذهب يستشفع إليها بكل من يرجو شفاعته، حتى وصل إلى النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ لـ بريرة: (لو راجعته).\nيعني: لو ترجعين إلى زوجك؛ لأن زوجها كان يحبها حبًا شديدًا، وكان يعجب النبي ﷺ من شدة حب هذا الإنسان لامرأته، وأما هي فكانت تبغضه، فقال لها النبي ﷺ: (لو راجعته)، وهذا نوع من الشفاعة منه ﷺ، يريد لو تفعلين ذلك، وكأنه يحثها عليه.\nوتساءلت المرأة: يا ترى أهذا أمر من النبي ﷺ ليس لي إلا أن أنفذ، أو أن هذا تخيير؟ فسألت النبي ﷺ وقالت: (يا رسول الله تأمرني؟)، أي: هذا أمر واجب علي، أو هذا شيء آخر؟ فقال: (إنما أشفع)، يعني: أني لا آمرك أمرًا واجبًا بحيث تعصين لو لم تطيعي، بل أنا أشفع، فمع أن مقامه عظيم إلا أن به من الرأفة والرحمة ما أخبر الله عنه فقال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، إذ كان يمكنه أن يقول لها: نعم.\nارجعي له، فهو زوجك، وقد مكثت معه سنين فارعي العشرة، والألفة، والمودة، والرحمة.\nوفي العادة أننا لا نقول مثل هذا الشيء من دون أن ننظر إلى الطرف الثاني، ومن غير أن ننظر إلى أن المرأة تُبغض زوجها، ولا تريد أن تعيش معه ولا تطيقه، فإنها لما قالت للنبي ﷺ: (تأمرني؟) لو كان الأمر كما نفعل من تغليب العاطفة، لقلنا: ارجعي، وعللنا بما سبق، ولكان أخبرها ﷺ بذلك، ولكن قال: (إنما أشفع)، أي: أنا مجرد شافع أشفع فقط، فإن أردت الرجوع فارجعي، وإن كنت لا تريدين فالأمر عائد إليك.\nفقالت: (لا حاجة لي فيه)، فقد كانت تبغضه بغضًا شديدًا، وهذا من العجب أنه يحبها وهي تبغضه.","vol":"7","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>ما ينهى عنه من الشفاعات</span>","vol":"7","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>الشفاعة في الحدود</span>\nوقد تكون الشفاعة غير جائزة، كأن يشفع الإنسان في حاجة لا يجوز له أن يشفع في مثلها، كالشفاعة في إثم، أو ذنب، أو معصية، أو في غير نصيحة، أو يكون كاذبًا في شفاعته فيدعي شيئًا غير موجود، أو يشفع في إلغاء حدود الله ﵎ وقد وصل الحد للإمام أو القاضي.\nوقد جاء في الصحيحين: من حديث السيدة عائشة ﵂: (أن قريشًا أهمهم أمر المرأة المخزومية التي سرقت)، وكانت امرأة مخزومية تسرق فتأخذ المتاع وتجحده، وتستعير من النساء الحلي والذهب وتضعه في بيتها، ثم تنكر أنها أخذته.\nقالت عائشة: (فلما كثر منها ذلك) وكأنهم أشهدوا النبي ﷺ بما صنعت هذه المرأة، فحذرها النبي ﷺ، وأمرها أن ترجع المتاع إلى أصحابه، فأبت المرأة وظلت على كتمان الحاجة التي أخذتها، فلما تكرر تحذير النبي ﷺ لها والمرأة لا تستجيب قالت عائشة: (أمر النبي ﷺ بقطع يدها).\nلأنه ثبت عند النبي ﷺ أنها جحدت المتاع، أو ثبت عنده أنها في مرة من المرات مدت يدها وسرقت، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها، وكان الأمر عند قومها بني عبد الأسد شديدًا، إذ هم من أشراف الناس، وقطع يد المرأة من بني مخزوم بسبب السرقة سيحط من قدرهم، فذهبوا إلى النبي ﷺ ليشفعوا عنده، فلما لم يجدوا إجابة، قالوا: من الذي يمكن أن يشفع؟ فقيل لهم: أسامة بن زيد، فهو حب رسول الله ﷺ.\nفذهبوا لـ أسامة بن زيد ﵁، وكأنه تعاطف معهم، فذهب إلى النبي ﷺ يكلمه في الأمر، فما كان من النبي ﷺ إلا أن قال له مستنكرًا صنيعه: (أتشفع في حد من حدود الله؟!) يريد أن يقول له: لا يحل لك أن تصنع ذلك، فأنكر عليه إنكارًا شديدًا.\n(ثم قام النبي ﷺ فخطب في الناس، فقال: أيها الناس! إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).\nبين أن هذا الأمر ليس فيه شفاعة، فإنه أمر قد وصل إلى النبي ﷺ فكان لابد من إقامة الحد، ولا يجوز لأحد أنه يشفع فيه، بل الإنسان المسروق منه لا يجوز له التراجع، طالما صدر الحكم من القاضي.\nوقد تقدمت قصة صفوان بن أمية ﵁، لما ذهب إلى النبي ﷺ، ثم انتظره في المسجد فنام ووضع بردة تحت رأسه، فجاءه إنسان وسرق البردة، فأمسكه ورفعه للنبي ﷺ، كأنه يريد أن يريه أن هذا سرق مني فعاقبه.\nفلما رفع الأمر إلى النبي ﷺ أمر بقطع يده، مثلما أمر بقطع يد المخزومية، وما كان يظن صفوان بن أمية أن الأمر سيصل إلى قطع يد السارق، وكان حديث إسلام لم يعرف الأحكام التي في مثل هذه القضية، فقال: يا رسول الله! إني أعطيه له هبة فاعف عنه، فقال النبي ﷺ: (هلا كان قبل أن تأتيني به).\nوالمعنى: كان يمكنك أن تشفع وأنت معه كما تريد، أما بعد أن رفع الأمر للنبي ﷺ فلا.\nوكذلك إذا وصل الأمر للحاكم، فلا تجوز الشفاعة، بل جاء في الأثر: لعن الله الشافع والمشفع في هذه الحالة، وذلك أن الأمر إذا رفع للقاضي وشفع الناس هذه المرة بالكلام، ورق له القاضي وسامحه، ستكون الشفاعة في المرة القادمة بالهدية، فيعطي للحاكم هدية، وللقاضي هدية، ثم تأتي بعدها الرشوة وبذلك تعم الناس الرشوة، ويفسد أمر الحكم وتلغى أحكام الله ﷾.\nوقد جاء عنه ﷺ أنه قال: (تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب)، أي إذا وصل الحد للنبي ﷺ وثبت فيه سرقة الإنسان أو زناه، كان لابد أن يقام الحد على الإنسان المستوجب للحد.","vol":"7","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>الكذب في الشفاعة وأخذ الرشوة عليها</span>\nومن الشفاعة الغير جائزة الشفاعة بالكذب: وهي أن يكذب الإنسان لإنسان من أجل أن يوليه، أو من أجل أن يأخذ له مالًا، أو من أجل أن يعمل عملًا هو غير مؤهل له، وغير ذلك.\nومما ينبه عليه في الشفاعة ما يقع من أن إنسانًا يشفع لآخر عند إنسان، ثم يأخذ عليها هدية، وهذا غير جائز، ولو فعل أحد ذلك لدخل في الحديث الذي رواه الإمام أبو داود عن النبي ﷺ أنه قال: (من شفع لأخيه شفاعة، فأهدى له هدية فقبلها، فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الربا)، أي: ليس لك أن تطلب من أحد تشفعت له مالًا على هذه الشفاعة.\nولذا لو أن الإنسان عرف أن الكلمة التي سيقولها ستنفع فلانًا، غير مؤمل هدية أو أجرًا؛ لأنه لا يجوز له أخذ هدية أو مقابل عليها، وأكد لمن سيستشفع له قائلًا: لن آخذ منك شيئًا بمقابل شفاعتي، كان له أن يقولها ولا شك أنه مأجور بقولها.\nكما ينبغي للشافع أن لا يشفع إلا وهو على معرفة تامة بمن سيشفع له، ولا يثني عليه إلا بما هو فيه؛ لأنه إذا كان لا يعرفه كان ثناؤه عليه كذبًا لا شفاعة.\nوذكر أن ابن مسعود رضي ﵎ عنه، سئل عن السحت فقال: هو أن تشفع لأخيك شفاعة، فيهدي لك هدية فتقبلها.\nقال له السائل: أرأيت إن كانت هدية في باطل؟ أي شفعت له ومكرت بمن شفعنا عنده حتى أعطانا حاجتنا، ثم أعطاني من شفعت له هدية عليها.\nفقال ابن مسعود: ذاك كفر ذاك كفر! وكأنه يقصد هنا الزجر الشديد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، فكأن مقصد ابن مسعود التحذير من أكل الرشوة؛ لأنها قد تصل إلى أن الإنسان يرتشي في الحكم، فإذا ارتشى في الحكم بدل دين الله، فوقع في الكفر بالله، والعياذ بالله.","vol":"7","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>الشفاعة للعصاة ومن لا يستحق</span>\nولابد أن يعلم أن الشفاعة ليست مجاملة؛ لأنه مطلوب من المسلم النصيحة، يقول النبي ﷺ: (الدين النصيحة)، فعلى الشافع أن يكون ناصحًا للطرفين، فيكون ناصحًا للأول الذي يطلب أن يشفع له عند فلان من أجل أن يجعله يعمل في كذا، ويكون ناصحًا للثاني، فلا يشفع عنده للأول وهو يعلم أن الأول فيه ما فيه من العيوب.\nوقد يقع أحيانًا أن بعض الناس يشفع لفلان من الناس بحجة أنه فقير مسكين، وقد يكون هذا الفقير المسكين سكيرًا، أو يأخذ ما أعطي من المال ويشتري به سجائر، فيقال للشافع: أعطه من جيبك أنت، مادمت متألمًا لحاله، ولا تحضره إلى المسجد من أجل أن يعطيه الناس، واعلم أن الأموال التي يؤتى بها إلى المسجد أموال الناس، وأن الإنسان الذي وضعت عنده الأموال مؤتمن عليها، فلا يحل له أن يضعها إلا في محلها، أما أن يأخذها لفلان من أجل أن يذهب ليشرب بها خمرًا أو سجائر فهذا غير جائز له، وهو آثم لأنه وضعها في غير محلها.\nوالشافع لمثل هؤلاء عادة ما يتبرم من فعله قائلًا: ليس لي دخل، لا يجوز لكم أن تعطوه، مع أنه كان أولًا راحمًا له، وكان يشفع بشيء من الشدة، وأنه لا بأس، ويجب الرحمة، ثم ينسى كل هذا الكلام عندما يكتشف حقيقة هذا الذي يشفع له، والأصل أن لا يشفع الإنسان إلا للإنسان الذي يعرف أنه فقير محتاج لما يأكل ويؤكل أولاده، وأنه لا يدخن ولا يشرب خمرًا، وأنه ليس طويل اللسان على الناس، ولا سيئًا معهم، ولا عديم حياء ذا فجور.\nكما يقال لمن يأتي ليشفع لمثل هؤلاء: لو كان هذا مالك هل ستعطيه لهذا الشخص الذي يأخذ المال ويشرب به الدخان طوال النهار، أو يرتكب فيه المحرمات، وهل هذا الإنسان يستحق أن يأخذ المال من أجل أن يصنع به الحرام؟ إن زكاة المال قد جعلها الله للفقراء والمساكين، وبقية الأصناف التي ذكرها الله ﷿، لا لمثل هؤلاء.\nفلنتق الله ﷿ في أنفسنا، ولنتق الله في نصحنا، وفي أموالنا، فإخواننا في فلسطين يقتلون ولا يجدون ما يأكلون، ولا يجدون ما يشربون، والبعض يصرف ماله في المحرمات من دخان أو خمور، أو يضيعها بين الناس.\nونرى هذه الأيام أناسًا يأتي أحدهم إلى المسجد ويصيح: أنا محتاج لمال، وإذا تفقدت حاله وجدته يظل طوال النهار في الشارع يشرب الدخان، أو يأخذ المال ويشرب به الخمر، وتدرك قطعًا أنه لا يستحق ما أخذ من المال.\nإنما يستحق هذا المال المسكين، والأرملة التي لا تجد ما تطعم به أولادها، واليتيم الذي لا يجد من يعوله، والعاجز الذي لا يجد طعامًا ولا يجد مأوى يؤويه.\nأما الإنسان السفيه الذي يضيع مال الله ﷾، ولا يستحيي أن يمد يده للناس فنقول له: استح من نفسك! استح من الله ﷾، واعلم أن هناك حسابًا عسيرًا يوم القيامة.","vol":"7","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>استحباب الثناء على الكريم وذم من لا يشكر</span>\nوجاء عن النبي ﷺ فيما روى عنه عمر ﵁ أنه قال: (يا رسول الله! لقد سمعت فلانًا وفلانًا يحسنان الثناء يذكران أنك أعطيتهما).\nوكانا محتاجين قد قدما على النبي ﷺ فسألاه فأعطاهما النبي ﷺ، فلما ذهبا، أخذا يمدحان النبي ﷺ، فرآهما عمر ﵁ فأخبر النبي ﷺ بما رأى.\nفقال له النبي ﷺ: (لكن فلانًا ليس كذلك، لقد أعطيته من عشرة إلى مائة فما يقول ذلك؟)، يريد أن رجلًا آخر غيرهما قد سأله فأعطاه، ولكنه يأخذ الشيء ويأتي يريد المزيد، أو يسب ويبخل، ولا يشكر لمن أعطاه أو يثني عليه، فقال النبي ﷺ: (أما والله إن أحدكم ليخرج مسألته من عندي يتأبطها نارًا)، يريد أن من يذهب إلى النبي ﷺ يطلب منه حاجة وهو كاذب في دعواه، ويأخذها وهو لا يستحق ذلك، أو ينفقها فيما لا يحل، فكأنها حين يأخذها تحت إبطه ويمشي بها فرحًا نار عليه يوم القيامة.\nولذلك فعلى الإنسان المؤمن أن يتقي الله ﷿ في مطعمه، وسائر نفقاته، فإذا أعطي مالًا فلا يبذر أو ينفقه فيما لا يحل، كأن يكون بيته محتاجًا للمال وهو يشرب الدخان أو الخمر، أو ينفق على من لا يستحق، ويضيع أهله وعياله.\nوستجد أن الله ﷾ لا يترك أحدًا بلا رزق، وعلى كل إنسان يقع في شيء من المعاصي، أن يعلم أن الله يبسط يد الرحمة، ويدعو العبد إلى التوبة، فإذا تاب الإنسان تاب الله ﷿ عليه، وحبب فيه خلقه، وأنه إن لم يتب فسيكون بغيضًا إلى الخلق، سيئ الخلق، وإذا سأل سأل بسوء أدب، وقد يتعارك مع أي شخص من أجل أن يعطيه.","vol":"7","page":11},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-64> باب الإصلاح بين الناس</span>\nحث الإسلام على إصلاح ذات البين، لأنه من أفضل الأعمال الصالحة، ولفضل هذا العمل جعله النبي ﷺ أفضل من نوافل العبادات؛ لما فيه من تقوية المحبة ونشر الألفة بين الناس، وسنة النبي ﷺ توضح ذلك.","vol":"8","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>ما جاء في الإصلاح بين الناس</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب الإصلاح بين الناس: قال الله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤].\nوقال تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء:١٢٨].\nوقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠].\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة) متفق عليه].","vol":"8","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>ما جاء في فضل الإصلاح بين الناس في القرآن</span>\nباب آخر من كتاب رياض الصالحين، وهو الباب الحادي والثلاثون من هذا الكتاب القيم العظيم، وفيه ذكر الإمام النووي ﵀ الإصلاح بين الناس.\nوالإنسان المؤمن مطلوب منه أن يصلح بين الناس قدر استطاعته، وربنا سبحانه ذكر الصلح والإصلاح في الكتاب، فذكر لنا الإمام النووي الآيات التي تفيد هذا المعنى وذكر لنا أحاديث تتعلق به أيضًا.\nمنها: قوله ﷾: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤].\nوالنجوى: حديث السر.\nإنسان يتناجى مع صاحبه، يعني: يكلمه سرًا.\nفأكثر كلام السر بين الناس فيه الشر والبعد عن الخير، وفيه الغيبة، وفيه النميمة، وفيه الكذب، ولكن بعض هذا الكلام يكون فيه الخير؛ ولذلك استثناه ربنا ﵎، قال تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ [النساء:١١٤] أي: نجوى الناس فيما بينهم لا خير فيها إلا في حالات: ﴿مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] بشرط: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤].\nوالإنسان حين يناجي صاحبه يهمس في أذنه ويكلمه في السر، وأحاديث السر غالبًا ما يكون من ورائها الأذى، خاصة إذا كان اثنان يتكلمان والثالث معهما فإذا بالثالث يحزن، ونهى النبي ﷺ عن ذلك قال: (لا يتناج اثنان دون الثالث فإن ذلك يحزنه)، فإذا كانوا ثلاثة فلا يحل لأحدهم أن يقول للآخر: تعال أكلمك، حتى لا يظن الثالث أنهما يتكلمان عليه.\nعلمنا النبي ﷺ أن الحكمة من وراء منع تناجي الاثنين في حضرة الثالث أن ذلك يحزن هذا الإنسان، وقد يدفعه لأن يسيء الظن فيك وفي صاحبك، فلذلك لا تفعل ولا تحاول أن تتكلم في السر إلا في حالات محددة، كما قال الله ﷿: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤]: الحالة الأولى: (أمر بصدقة) يعني: إنسان وجد إنسانًا فقيرًا محتاجًا ونزلت به كارثة فأراد أن يساعده، فيقول لصاحبه سرًا: تعال نساعد فلانًا بكذا، فهذا خير التناجي.\nالحالة الثانية: (أو أمر بمعروف) يعني: يسر له أنه أخطأ في الشرع مثلًا فينصحه من غير فضيحة ومن غير كلام كثير ومن غير إزعاج له أو لغيره، ولكن يكلمه بصورة النصيحة الطيبة التي تدفعه لأن يعمل خيرًا ويتجنب الشر، فيكون هنا قد أمر بمعروف في التناجي على وجه السر حتى لا يؤذيه ولا يفضحه.\nالحالة الثالثة: (أو إصلاح بين الناس) اثنان بينهما شر وكلٌ منهما يعرض عن صاحبه، فيجوز لك أن تقول لأحدهما: إن أخاك يحبك في الله، اتق الله وسلم على أخيك، ويكلم الآخر في السر يقول: إن أخاك يحبك، سلم عليه، خيركم الذي يبدأ بالسلام، فهذا يصلح بين الناس بهذا الكلام الطيب، ويجعل الاثنين يقبل بعضهم على بعض.\nأما غير ذلك فلا خير في النجوى، والتناجي -أي: كلام السر- مزعج ومؤذ، والذي يتعود على هذا الشيء يعتاد على إيذاء الغير.\nقال تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] والقيد قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [النساء:١١٤] أي: يأمر بالمعروف، ويأمر بالصدقة، ويصلح بين الناس ابتغاء وجه الله سبحانه، فهذا له الفوز العظيم والأجر الكبير من الله ﷿، قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤].\nأيضًا قال الله ﷾: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١] يعني: الشيء الموجود فيما بينكم، تقول: خذ ذا إنائك، يعني: ما هو داخل إنائك وهو الشراب.\nوذات البين، يعني: الشيء الذي هو داخل بينك وبين صاحبك، والمعنى: الخصومة التي بينكم، والشيء المنكر الذي بينكم، أصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله ﷺ.\nوقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠].\nوأخوة الإيمان أعظم بكثير من أخوة النسب، فإن اجتمعا كان هذا خيرًا عظيمًا، فالأخ يحب أخاه ويحب له الخير، وينفعه حيًا وميتًا، ينفعه في الحياة بالمعونة وبالنصيحة، وينفعه بعد الموت بالدعاء، ويوم القيامة بالشفاعة إذا كان هذا في الجنة وذاك في النار، فيشفع له فيخرجه ويأخذ بيده من النار ويدخله الجنة.\nفهنا نفع عظيم جدًا في الأخوة بين المؤمنين إذا تآخوا ابتغاء وجه الله ﷾، فلذلك يذكرنا ربنا بذلك: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] أي: ليسوا أعداء، ليسوا متباعدين.","vol":"8","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>شرح حديث: (كل سلامى من الناس عليه صدقة)</span>\nأما الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ فكثيرة، منها: الحديث الذي يذكره الإمام النووي يقول: قال رسول الله ﷺ: (كل سلامى) أي: مفصل، أو العظام التي بين المفصلين، وكأنه عظم في آخره مفصل.\nوجاء في حديث النبي ﷺ أن الإنسان فيه ثلاثمائة وستون مفصلًا، فأنت تتصدق بصدقة عن كل مفصل، يعني: كل يوم ثلاثمائة وستون صدقة تخرجها لله ﷾ شاكرًا له، حامدًا على ما أخذت من النعم، وتعرف النعم حين ترى المريض، أو ترى رجلًا يده مشلولة، لا يعرف كيف يحركها، أو لا يستطيع أن يرفع اللقمة إلى فيه، وبذلك تعرف نعمة الله ﷿ عليك، وأن كل عضو من الأعضاء وكل عظمة من العظام وكل مفصل من المفاصل فيه خير لك وفيه من الله ﷿ فضل ونعمة عليك، فيفترض عليك أن تشكر الله على كل مفصل.\nلكن يصعب على الإنسان أن يتصدق عن كل مفصل على حدة، ولذلك علمنا النبي ﷺ ما هو أسهل من ذلك، وهو أنك تعرف هذه النعمة ثم تؤدي الحق مجملًا، قال ﷺ: (تعدل بين اثنين صدقة) يعني: حين تصلح بين الاثنين بالعدل فهذا من الصدقة، وهذا هو الشاهد من هذا الحديث أنك تصلح بين إخوانك.\nوعلمنا أشياء كثيرة في ذلك، قال: (تعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة) حين تعين الإنسان في حمل متاعه على دابته، لك في ذلك أجر ولك في ذلك صدقة.\n(والكلمة الطيبة صدقة)، وتبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن منكر صدقة، وتدل الرجل على طريقه وتهديه صدقة، وتعين الأعمى وتدله على الطريق صدقة، وتعين الأخرق الذي لا يقدر على صنع الشيء الذي في يده صدقة، وكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وعندما تقول: سبحان الله، الحمد لله، أو تصلي على النبي صلوات الله وسلامه عليه صدقة.\nوإذا كان يصعب هذا كله فإن ركعتين من الضحى تجزئ عن ذلك كله، فكن دائمًا موصولًا بربك سبحانه، بذكرك، وبأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر.\nالشاهد من الحديث: أن النبي ﷺ أخبرنا عن العدل بين الاثنين، أي: تصلح بين اثنين على وجه العدل صدقة.","vol":"8","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>شرح حديث: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس)</span>\nأما الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ فكثيرة، منها: الحديث الذي يذكره الإمام النووي يقول: قال رسول الله ﷺ: (كل سلامى) أي: مفصل، أو العظام التي بين المفصلين، وكأنه عظم في آخره مفصل.\nوجاء في حديث النبي ﷺ أن الإنسان فيه ثلاثمائة وستون مفصلًا، فأنت تتصدق بصدقة عن كل مفصل، يعني: كل يوم ثلاثمائة وستون صدقة تخرجها لله ﷾ شاكرًا له، حامدًا على ما أخذت من النعم، وتعرف النعم حين ترى المريض، أو ترى رجلًا يده مشلولة، لا يعرف كيف يحركها، أو لا يستطيع أن يرفع اللقمة إلى فيه، وبذلك تعرف نعمة الله ﷿ عليك، وأن كل عضو من الأعضاء وكل عظمة من العظام وكل مفصل من المفاصل فيه خير لك وفيه من الله ﷿ فضل ونعمة عليك، فيفترض عليك أن تشكر الله على كل مفصل.\nلكن يصعب على الإنسان أن يتصدق عن كل مفصل على حدة، ولذلك علمنا النبي ﷺ ما هو أسهل من ذلك، وهو أنك تعرف هذه النعمة ثم تؤدي الحق مجملًا، قال ﷺ: (تعدل بين اثنين صدقة) يعني: حين تصلح بين الاثنين بالعدل فهذا من الصدقة، وهذا هو الشاهد من هذا الحديث أنك تصلح بين إخوانك.\nوعلمنا أشياء كثيرة في ذلك، قال: (تعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة) حين تعين الإنسان في حمل متاعه على دابته، لك في ذلك أجر ولك في ذلك صدقة.\n(والكلمة الطيبة صدقة)، وتبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن منكر صدقة، وتدل الرجل على طريقه وتهديه صدقة، وتعين الأعمى وتدله على الطريق صدقة، وتعين الأخرق الذي لا يقدر على صنع الشيء الذي في يده صدقة، وكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وعندما تقول: سبحان الله، الحمد لله، أو تصلي على النبي صلوات الله وسلامه عليه صدقة.\nوإذا كان يصعب هذا كله فإن ركعتين من الضحى تجزئ عن ذلك كله، فكن دائمًا موصولًا بربك سبحانه، بذكرك، وبأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر.\nالشاهد من الحديث: أن النبي ﷺ أخبرنا عن العدل بين الاثنين، أي: تصلح بين اثنين على وجه العدل صدقة.","vol":"8","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>جواز الكذب لدفع الشر</span>\nومن الأحاديث التي جاءت حديث أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا أو يقول خيرًا).\nهذا الحديث من النبي ﷺ حديث عظيم، يعلمنا أنك قد تسمع كلمة شر من إنسان في إنسان آخر فيأتي من ينقل إليه ذلك فإذا به يأتي ويسألك، فهنا يمكنك أن تجيبه بالتعريض في الكلام، فإن استطعت ذلك كان خيرًا، وإن لم تستطع أن تعرض فقل: لم أسمعه أو لم أكن موجودًا، فعندها لا يكون هذا كذبًا؛ لأنك إنما تصلح بين الناس، ولأنك تخبئ الشر وتظهر الخير، فتقول: هذا إنسان فيه خير، هذا فلان يحبك يا أخي، هذا يتكلم عنك كلامًا طيبًا.\nفعلمك النبي ﷺ أن تقول الخير، وتنمي الخير، إذا سمعت كلمة فيها خير تبلغها، أو سمعت كلمة فيها شر تسترها، وبينك وبين الإنسان مُرْ بالمعروف وانه عن المنكر بقدر استطاعتك.\nوذكر لنا ثلاث أحوال يجوز فيها للإنسان أن يعرض في الكلام، فإذا ضاق بك الأمر، أو أردت أن تصلح بين الناس، فلك في هذه الحالة أن تعرض في الكلام.\nسأل مسيلمة رجلًا: تؤمن بالنبي ﷺ؟ قال: نعم.\nقال: تشهد أني رسول الله؟ قال: لا.\nفقتله.\nوجاء بالثاني ثم قال له: تشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم.\nقال: تشهد أني رسول الله؟ قال: لا أسمع.\nفهو حاول أنه يعرض قدر المستطاع وقال هذه الكلمة: لا أسمع، وكأنه يقصد: لا أسمع مثل هذا الكلام، يعني: لا يدخل عقلي مثل هذا الكلام، ولا يدخل قلبي مثل هذا الكلام، ولكن قال هذه الكلمة.\nوروي عن سويد بن حنظلة قال: (خرجنا نريد رسول الله ﷺ ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدو له، فتحرج قوم أن يحلفوا، وحلفت أنه أخي، فخلي عنه).\nفهو صحابي أقسم بالله أنه أخوه، ولم يكن أخاه من النسب، ولكن هذا عدو أخذه فأراد قتله، فلذلك قال هذا الصحابي: هو أخي، وأقسم بالله على ذلك.\nفلما أتوا النبي ﷺ أخبره وقال: إني حلفت بالله إنه أخي، فطمأنه النبي ﷺ وقال: (أنت أبرهم وأصدقهم؛ المسلم أخو المسلم) أي: إنما المؤمنون إخوة، ففعلًا هو أخوك، وأنت حلفت على صدق، وليس على كذب ولا غيره، أنت صادق في كلامك، والمؤمنون إخوة.\nفالصحابي هذا يا ترى وهو يحلف كان يريد التعريض أم لا؟ لو كان يريد أن يعرض لما سأل النبي ﷺ عن ذلك، ولا تحرج أصلًا، ولكن كان قد حضر في هذا الشيء فأقسم بالله إنه أخوه؛ من أجل أن ينجيه من العدو الذي سيقتله، فالنبي ﷺ اعتبره أبرهم.","vol":"8","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>الحالات التي يجوز فيها الكذب</span>\nوقد أخبر النبي ﷺ في الحديث أنه في ثلاثة أحوال يجوز للإنسان أن يعرض أو يكذب في الكلام وأخبر أن هذا ليس من الكذب: الصورة الأولى: في الحرب: فلو أن الكفار جاءوا يسألون عن مسلمين موجودين في هذا المكان من أجل قتلهم، فأنت تقول لهم: لا، بل تقسم أنه لا يوجد أحد من المسلمين، فهذا الكذب خير من أن يخبر الكفار عن مكان المسلمين فيقتلوهم، فأخبر النبي ﷺ أنه في حال القتال والحرب يرخص له مثل هذا التعريض أو الكذب.\nوالصورة الثانية: في الإصلاح بين الناس: والصورة الثالثة: في كلام الرجل مع امرأته: يعني: المرأة تحب من زوجها أن يمدحها ويلاطفها، فإذا قال لها: أنت أجمل النساء، وهي ليست كذلك، فهذا جائز له.\nفهي لا تقول له: لا، أنت تكذب علي، وليس من اللائق أن يقول هو: أنا أكذب عليك فأنت لست أجمل النساء، فالكلمة الطيبة مع الزوجة مطلوبة.\nلكن حين يسأل الرجل زوجته عما فعلت في الماضي، ويسألها أسئلة سخيفة عما ارتكبته من آثام في الماضي، فإنه لا يجوز لها شرعًا أن تصدق معه، ولا يلزمها ذلك أصلًا، تقول له: والله مشيت مع فلان، أو عملت كذا، عملت كذا؛ لأنه من تاب تاب الله ﷿ عليه، ولا يحل أن تصنع مثل هذا مع زوجتك.\nفهنا الغرض: المرأة في كلامها مع زوجها، والزوج في كلامه مع زوجته، لا ينبغي أن يكون فيه شيء من الكلام عن الماضي؛ لأن الماضي انتهى، وأنت الآن متزوج فلا دخل لك في ما كان قبل ذلك، والحياة بين الرجل والمرأة فيها الألفة والعشرة بالمعروف وإن كان الأمر فيه شيء من التعريض، حتى تمشي الحياة الزوجية من غير أن يكون فيها مشاكل أو يكون بينهما نوع من الخصومات.","vol":"8","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>شرح حديث: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة)</span>\nومن الأحاديث العظيمة الجميلة التي جاءت في هذا المعنى حديث رواه الإمام أبو داود من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ فقالوا: بلى يا رسول الله.\nفقال النبي ﷺ: إصلاح ذات البين) يعني: تصلحون ما بينكم من خصومات.\nوفي رواية قال: (وفساد ذات البين الحالقة).\nوفي رواية الترمذي لهذا الحديث قال: (فإن فساد ذات البين هي الحالقة).\nفإصلاح ذات البين درجة أعظم من درجة الصلاة ودرجة الصيام ودرجة الصدقة، كأنه يقصد النافلة، فأفضل من أن تصلي نافلة تصلح بين الناس، وأفضل من أن تصوم نافلة تصلح بين الناس، فهو لا يقصد الفريضة، فالصلاة عظيمة جدًا، ولكن صلاة النافلة عبادة قاصرة، فإذا خيرت بين أن تصلي النافلة أو تصلح بين الناس، فإن الحديث يخبرك أنك إذا أصلحت بين فلان وفلان فهو أعظم من صلاة النافلة التي تصليها.\nإن إصلاح ذات البين ترفع درجاتك، فأنت عندما تصلح بين اثنين كأنك وجهت الاثنين إلى أن يصليا بخشوع، ويصوما بإخلاص، وأخذت منهم شواغل الشيطان.\nهنا الحديث أطلق وقال: (الصلاة)، وما قال نافلة ولا فريضة؟ نقول: قد يكون إصلاح ذات البين أفضل من صلاة الفريضة، لو فرضنا أن إنسانًا أراد أن يصلي الظهر، ورأى اثنين خارج المسجد، كل منهما يحمل سكينًا على صاحبه ليقتله، فهنا لا يصلي بل يخلصهما مع قدرته على ذلك بدلًا من أن يسقط واحد منهما قتيلًا، حتى لو خرج وقت الصلاة وأنت تمنع جريمة قتل تقع بين هؤلاء فتصلح يكون خيرًا لك، والصلاة تدرك، أما الموت فلا يدرك، فلذلك قد يكون في حالة من الأحوال أفضل من صلاة الفريضة، وصلاة الفريضة قد تجمع مع غيرها في السفر، وقد تجمع مع غيرها في علة المطر، وقد تجمع مع غيرها في علة من العلل.","vol":"8","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>الصلح في المسامحة ببعض الدين</span>\nمن الأحاديث التي ذكرها لنا الإمام النووي: عن عائشة ﵂ قالت: (سمع رسول الله ﷺ صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء).\nالحديث ذكره ابن حبان وفيه: أن امرأة وابنها يستوضعان الرجل ويسترفقانه، يعني: ارفق بنا، حط عنا من الثمن قليلًا، فحلف الرجل أنه لن يفعل.\nوجاء في رواية للحديث نفسه: أن المرأة وابنها كانا يستوضعان الرجل، يعني: يطلبان منه أن يضع شيئًا من هذا المال، وقالت المرأة: إن هذا الطعام الذي أخذناه ما نقص إلا قدر ما أكلناه فقط، فحط عنا، كأنها تريد أن ترجع له أشياء اشترتها قد أكلا بعضًا منها، والرجل يقول: أكلتم منها، لن أرجعها، فلا هو الذي رضي أن يرجع السلعة، ولا هو الذي حط عنهما الثمن، وحلف لهم: والله لن أفعل.\nوسمع النبي ﷺ فخرج يسأل، فالمرأة -في رواية ابن حبان - قالت: إني ابتعت أنا وابني من فلان تمرًا، أي: اشترينا تمرًا من هذا فأحصيناه، لا والذي أكرمك بالحق ما أحصينا منه إلا ما نأكله في بطوننا أو نطعمه مسكينًا.\nيعني: التمر الذي أخذناه أكلنا منه وأطعمنا منه المساكين وجئنا نستوضعه.\nيعني: اشتريا منه بدين، فطلبا منه أن يحط عنهما قليلًا أو ينظرهما إلى وقت آخر، فرفض أن يضع عنهما أو ينظرهما، فلما تكرر منه هذا الشيء فإذا بالنبي ﷺ يقول: (أين هذا المتألي على الله ألا يفعل الخير)، والرواية هنا: (أين المتألي على الله لا يفعل المعروف) أي: من هذا الذي يحلف على الله إنه لن يفعل المعروف؟ فالكلمة شديدة، إذ إن الرجل موجود لعله يخجل، وفعلًا خجل من نفسه، فلم يقل له النبي ﷺ: احك لي حكايتك، لأنه هنا ليس حكمًا، وإنما هو إصلاح، فلذلك لم يرد أن يسمع من الرجل، ولكن قال كلمة أوجعت الرجل: (أين المتألي) أي: هذا الذي يحلف أنه لن يفعل الخير؟ والإيلاء: حلف اليمين، قال: (آلى ألا يصنع خيرًا، آلى ألا يصنع خيرا، ثلاث مرات، فقال الرجل صاحب التمر للنبي ﷺ: إن شئت وضعت ما نقصوا، وإن شئت من رأس المال) أي: أفعل ما تريد.\nففي الحديث هنا: أن الرجل سمع النصيحة من النبي ﷺ: (أين المتألي على الله لا يفعل الخير؟ قال: أنا يا رسول الله، فله أي ذلك أحب) والغرض هنا: نوع من الإصلاح، أصلح النبي ﷺ بين الرجل وبين الآخرين.\nويمكن أن نذكر قصة كعب بن مالك مع ابن أبي حدرد: تقاضى كعب بن مالك ابن أبي حدرد مالًا في المسجد فقال له: ما معي.\nوارتفعت الأصوات في المسجد، فالنبي صلوات الله وسلامه عليه خرج على الاثنين، وقد ارتفعت أصواتهما، فعرف أن كعبًا يطلب من الآخر ماله، لكن لا ينبغي أن يكون هذا في المسجد، وعلى كلٍ لصاحب الحق مقال.\nفالنبي ﷺ قال لـ كعب: (يا كعب، ضع الشطر) وقوله ﷺ هنا ليس على سبيل الوجوب ولكنه يشفع بكلمة طيبة، أي: لا تأخذ الدين كاملًا وخذ نصفه فقط، فقال: (أفعل يا رسول الله، وقال للآخر: قم فاقضه.\nقال: نعم يا رسول الله).\nففعله ﷺ هنا ليس حكمًا؛ لأنه عند الحكم لا بد أن يسمع من هذا ويسمع من هذا ثم يقضي بينهما، ثم يكون ملزمًا أن يدفعه كاملًا، أو نظرة إلى ميسرة، ولكن كان هذا إصلاحًا منه ﷺ، فنتعلم من ذلك كيف نصلح بين الناس، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠].\nنسأل الله ﷿ أن يعيننا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى النصح وعلى الانتفاع به، وأن ينصر الإسلام والمسلمين.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"8","page":9},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-73> فضل ضعفة المسلمين [١]</span>\nفضل الله عظيم وجنته واسعة، وقد كتب عنده أن رحمته سبقت غضبه، فهو يغفر للمؤمن ويضاعف له الحسنات ويمحو عنه السيئات بفضله وكرمه، وكلما استضعف المرء أمام ربه ازداد عنده رفعة.","vol":"9","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>أمر الله لنبيه بالصبر مع ضعفة المسلمين</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب فضل ضعفة المسلمين والفقراء والخاملين: قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف:٢٨].\nوعن حارثة بن وهب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره.\nألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر) متفق عليه.\nوعن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: (مر رجل على النبي ﷺ فقال لرجل عنده جالس: ما رأيك في هذا؟ فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع.\nفسكت رسول الله ﷺ، ثم مر رجل آخر، فقال له رسول الله ﷺ: ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله! هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال ألا يسمع لقوله.\nفقال رسول الله ﷺ: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا) متفق عليه.\nباب آخر من كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي ﵀ فضل ضعفة المسلمين والفقراء والخاملين.\nخلق الله ﷿ الإنسان على هيئة معينة وجعل له عقلًا، وقدر له رزقه وأجله، وعمله، ويا ترى في النهاية شقي أو سعيد؟ الله أعلم بذلك.\nالناس في الدنيا يحب أن يرى أحدهم نفسه قويًا غنيًا صاحب منصب، فإذا كان على هذه الهيئة لعله ينسى غيره من الضعفاء والفقراء والخاملين، لكن ربنا ﷾ أعلم بما في نفوس الخلق، وقد يكون هذا الإنسان الضعيف الذي يحتقره إنسان آخر أفضل عند الله ﷿ منه، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، وقال: ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات:١١].\nإذًا: الإنسان لا ينظر لغيره بعين الاحتقار، فلعل هذا الذي تحتقره أفضل منك عند الله ﷿.\nيقول: (فضل ضعفة المسلمين): المسلم الضعيف له فضل عظيم، يكفي أنه صابر على ضعفه ومرضه، وما هو فيه من أمر قدره الله ﷿ عليه، أنت أعطاك الله ﷿ القوة وهو أعطاه الضعف، وقد ينعكس الحال، فقدر نفسك مكانه، ويا ترى هل تحب أن تعاملك الناس بمثل معاملتك له؟ كل إنسان مسلم له حقه، فلا تحتقر أحدًا من الناس، فإنك لا تدري ما في قلب هذا الإنسان.\nالضعفاء والفقراء من المسلمين لهم فضيلة عند الله ﷿، وغير مطلوب من الإنسان أن يعيش فقيرًا ويترك المال الذي عنده، فالغنى والفقر أقدار من الله ﷿ يقدرها على من يشاء.\nكان عبد الرحمن بن عوف ﵁ من أغنياء الصحابة، وما كان يتمنى منزلة الفقراء، وكان ينفق ماله لله ﷿، فيعوض الله أكثر منه، فعلى ذلك من جعله الله غنيًا يحمد ربه ويشكره على ما هو فيه من نعمة وفضل، وله أجر.\nوالفقير إذا خلقه الله ﷿ فقيرًا فليصبر على ما هو فيه، وله أجر.\nوالغرض ألا نحتقر أحدًا لفقره، أو لضعفه، أو لخموله.\nومعنى الخمول: عدم الشهرة، إذ ليس معنى شهرة الإنسان أنه الأفضل، فالله يعلم ما في النفوس، ولعل هذا في قلبه من الإيمان ما يجعله أعلى في الدرجات عند الله ﷿، والإنسان المشهور لعل في قلبه من الرياء ما يجعله من أهل النار، لذلك على المسلم ألا يحتقر أحدًا من المسلمين، ولا يفتخر على أحد أبدًا.","vol":"9","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>عتاب الله لنبيه عندما أعرض عن ابن أم مكتوم</span>\nيذكر المصنف قول الله ﷾ لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٢٨].\nهنا الخطاب للنبي صلوات الله وسلامه عليه، يربيه ربه بالقرآن، فيؤدبه ويهذبه صلوات الله وسلامه عليه، فينفذ ما يقول له ربه ﵊، ولعله يكاد يفعل شيئًا ثم ينزل القرآن لينبهه فيرجع عنه، ولعله يفعل ويرى أن المصلحة في هذا الشيء ثم ينزل القرآن ويلومه ويعاتبه صلوات الله وسلامه عليه، لماذا فعلت هذا الشيء؟ لعلنا نذكر قصة الأعمى عبد الله بن أم مكتوم الذي جاء يتعلم من النبي ﷺ في وقت كان النبي ﷺ فيه مشغولًا بدعوة أناس من كبار الكفار ليدخلوا في دين الله ﷿، فألح على النبي ﷺ في شيء ليعلمه إياه، فكأنه غضب ﷺ منه، وأن هذا ليس وقته، فهؤلاء لو دخلوا في الإسلام سيكون في الإسلام عزة، فعبس النبي ﷺ في وجهه، فنزل القرآن يلومه ﷺ، لماذا تعبس؟ لماذا تقطب جبينك لهذا الإنسان؟ لاحظ أنه عبس لإنسان أعمى لا مبصر، فالمبصر سيراه أنه عبس، ولكن هذا كان أعمى ومع ذلك فإن القرآن يلومه على ذلك، ويقول له: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس:١ - ٤].\nفهنا يعاتب النبي ﷺ في شيء لو عمله غيره لما عوتب عليه، ولكن ربنا قال له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، وصاحب الخلق العظيم لابد أن يتربى ويتأدب على أعلى وأعظم ما يكون، فالذي لغيره مباح هو في حقه ﷺ ممنوع؛ لأنه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فربه يؤدبه بأعلى ما يكون من مكارم الأخلاق صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"9","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>فضل صهيب وخباب وأمثالهما على الكبراء</span>\nفي قوله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام:٥٢] إلى قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٢].\nجاء أن الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري أتيا رسول الله ﷺ فوجداه مع صهيب وبلال وعمار وخباب في ناس من ضعفاء المؤمنين.\nوانظروا لجلسة النبي ﷺ مع هؤلاء الفقراء من المسلمين السابقين، والأقرع بن حابس سيد بني تميم، وعيينة بن حصن سيد بني فزارة قدموا على النبي ﷺ وكل واحد منهم يريد أن يجلس تحت قبة أو في مجلس تتكلم العرب بمثله.\nانظروا إلى الفرق بين ضعفاء المسلمين الأفاضل الذي كرمهم الله ﷿ وشرفهم بحسن صحبة النبي ﷺ، وبالسبق في دين الله ﷿ وهم يتعلمون منه ﷺ، فهذا صهيب الذي هاجر فقيرًا من مكة إلى المدينة، كان له مال كثير فأخذه المشركون فتركه لهم وهاجر للنبي ﷺ، فقال له: (ربح البيع أبا يحيى) فهذا يجلس مع النبي ﷺ.\nوبلال الذي كان عبدًا فأعتقه أبو بكر ﵁ وقد عذب عذابًا شديدًا ومع ذلك هو الآن مع النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nوعمار الذي أوذي هو وأمه وأبوه رضي الله ﵎ عنهم، وقتلت أمه فكانت أول شهيدة في الإسلام.\nوخباب كان ممن عذب عذابًا شديدًا.\nهؤلاء كانوا جالسين مع النبي ﷺ ومع ناس من ضعفاء المؤمنين، فجاء هذان الرجلان وكل منهما سيد في قومه، فكأنه لم يعجبهما أن يجلسا بين هؤلاء، فلما رأوهم حول النبي ﷺ حقروهم، وقالوا له ﷺ: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسًا تعرف لنا به العرب فضلنا.\nيعني: نريد أن نجلس معك جلسة بحيث يعرف الكل فضلنا، فنحن جئنا لنسلم، ونريد أن تشرفنا بمجلس منك، وينتشر خبر هذا المجلس بين الناس، وتكتب لنا كتابًا بهذا الذي تقوله؛ فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد.\nانظروا إلى الاستكبار: (هؤلاء الأعبد) جمع عبد، وهم عبيد لله ﵎، فهم أفضل من هذين.\nلما توفي النبي ﷺ كان الأقرع بن حابس وأشباهه ممن ارتدوا ثم رجعوا إلى الإسلام بعد ذلك، فكان النبي ﷺ يتألف أمثال هؤلاء، لكن الصحابة الأفاضل هم الذين قاوموا أمثال هؤلاء ليثبتوا على الإسلام.","vol":"9","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>أمر الله لنبيه بإدناء الضعفاء والصبر معهم</span>\nالمقصود أنهم طلبوا من النبي ﷺ ذلك، وقالوا له: وفدنا عليك فاجلس معنا في مجلس يعرف لنا العرب به فضلنا وشرفنا، وإذا قمنا فاقعد معهم إن شئت.\nفكأن مصلحة التأليف والدعوة التي رآها النبي ﷺ في هذا الحين هو أن يعمل لهم مجلسًا لعلهم يسلمون ويصلح حالهم.\nهذه وجهة نظره.\nفقال لهم النبي ﵊: نعم، وطلبوا منه أن يكتب لهم كتابًا بهذا الشيء، ليكون ملزمًا بما قاله، فكاد أن يكتب كتابًا ﷺ بينه وبينهم على ذلك، فإذا بجبريل ينزل على النبي صلوات الله وسلامه عليه، يقول راوي الحديث خباب: ونحن جلوس في ناحية المسجد، يعني: لا نعلم ما الذي يقال، فنزل جبرائيل ﵇ بالآية: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٢].\nفالله ﷾ يأخذ بحق هؤلاء الضعفاء الذين احتقرهم هؤلاء، ويقول للنبي ﷺ: احذر، فلا تطرد هؤلاء فتكون من الظالمين.\nثم ذكر له الأقرع وعيينة بن حصن فقال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام:٥٣]، ولعل ذلك كان وهم في مكة قبل الهجرة إلى المدينة؛ لأن هذه من سورة الأنعام، وسورة الأنعام مكية وليست مدنية.\nثم قال تعالى يذكر خبابًا وأمثاله: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤]، قال خباب: فدنونا منه صلوات الله وسلامه عليه، يعني: أظهر الله لنا الفضل.\nقال: فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته صلوات الله وسلامه عليه، وكان رسول الله ﷺ يجلس معنا، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله ﷿ في القرآن: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]، يعني: ولا تجالس الأشراف تريد زينة الحياة الدنيا.\nقال سبحانه: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف:٢٨].\nثم ذكر الله ﵎ أن من صفات هؤلاء أنهم يتبعون أهواءهم: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨] أي: كان أمره هلاكًا، لو ظل على مثل هذا الشيء ثم ضرب لهم مثل رجلين ومثل الحياة الدنيا.\nقال خباب: فكنا نقعد مع النبي ﷺ حتى إذا بلغنا الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم صلوات الله وسلامه عليه، وهذا تأدبًا منه ﷺ وطاعة لأمر، الله ﷿.\nفكان يجلس لهم، ولكن الجلوس إلى الناس حتى ينفضوا بأنفسهم صعب، لكن هؤلاء الصحابة ليسوا مثل غيرهم، فقد فطنوا وفهموا أن الله أعطانا هذا كله لا لنؤذي النبي ﷺ، بل نحن نقوم في الوقت الذي يحب أن يقوم فيه، فالصحابة تأدبوا بأدب النبي صلوات الله وسلامه عليه، فكانوا يشفقون على النبي ﷺ الذي علمهم ورباهم، وعلم ما في قلوبهم من إيمان؛ لذلك فضلهم الله وشرفهم وأنزل فيهم من القرآن ما يمدحهم به في آيات كثيرة.","vol":"9","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>شرح حديث: (أهل الجنة كل ضعيف متضعف)</span>\nعن حارثة بن وهب ﵁: قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره).\nضعيف في نفسه، وضعيف عند الناس، يعني: لا يرى نفسه من أهل الأبهة ولا الدنيا ولا الرئاسة، ويرى نفسه لا يستحق مثل هذه الأشياء، فهو في نفسه مستضعف والناس ينظرون إليه أيضًا هذه النظرة، فهو قد تواضع وبلغ من تواضعه أن احتقره الناس، ونظروا إليه على أنه لا شيء.\nفهو لتواضعه كان كبيرًا عند الله سبحانه، وكان له منزلة عند الله، لدرجة أنه لو قال لله ﷿: يا رب أقسمت عليك أن تفعل كذا.\nيفعل الله ﵎، تخيل أنه يصل إلى هذه الدرجة وأنه يقسم على الله ﵎، فيفعل الله ﷿ ما يريد هذا الإنسان الضعيف؛ لمنزلته العظيمة عند الله سبحانه.\nقال: (ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر).\nهؤلاء أهل النار: (كل عتل) والعتل: هو الغليظ الجافي الذي لا يألف ولا يؤلف، فلا يحب الناس ولا يحبونه، وفي حديث النبي ﷺ: (شر الناس من اتقاه الناس مخافة شره)، شر وأوحش الناس من يخاف من شره، لا يجلس جلسة إلا خربها، ولا يتكلم إلا خاف الناس من شره.\nوالجواظ: هو الجموع المنوع، عنده مال لكنه جامع مانع، عنده عشيرة يمنعونه فهو مستكبر بذلك.\nوقيل فيه أيضًا: الضخم المختال في مشيته، الجامع للمال وله عشيرة، وكأنه مستكبر بهذا كله لقوته ولماله ولعشيرته.","vol":"9","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>شرح حديث: (هذا خير من ملك الأرض من مثل هذا)</span>\nوفي إحدى الروايات يقول سهل بن سعد: مر رجل على رسول الله ﷺ فقال لرجل عنده: ما رأيك في هذا؟ وكان مع النبي مجموعة من الناس من ضمنهم أبو ذر رضي الله ﵎ عنه، فسأله النبي ﷺ عن هذا الرجل، وهنا قال: (فقال لرجل عنده).\nفقال: رجل من الأشراف أو من أشراف الناس، وفي رواية أخرى قال له النبي ﷺ: (انظر إلى أرفع رجل في المسجد في عينيك)، وكأنه يقول له: من أحسن رجل في عينيك تنظره في المسجد؟ وفي روايات أخرى: أن النبي ﷺ كان يقسم أموالًا بين الناس، فيقول له: انظر أرفع الناس في عينيك؟ فنظر فرأى عيينة بن حصن أو الأقرع بن حابس، فقال له النبي ﷺ: (ما رأيك في هذا؟) فكان جواب أبي ذر ﵁: (رجل من أشراف الناس: هذا والله حري إن خطب أن ينكح)، لأنه كبير جدًا في قومه، فهو من ملوك العرب، أو من كبراء العرب، ورئيس قبيلة من أعظم قبائل العرب فضروري إن أراد أن يتزوج أن يجد من يتمناه لابنته.\nثم قال أبو ذر: (وإن شفع أن يشفع)، يعني: عندما يشفع عند فلان من الناس تقبل شفاعته لمنزلته في قومه.\nقال: (فسكت رسول الله ﷺ)، وفي رواية أنه قال: (وإذا قال أن يستمع)، فذكر فيه ثلاثة أشياء: أنه ذو شرف، وكبير في قومه، ولو استشفع عند أحد قبلوا منه شفاعته، ولو ذهب يخطب من الناس سيقبل ويزوجونه، وعندما يتكلم يسكت الناس ليسمعوه لأنه كبير في قومه.\nثم قال له رسول الله ﷺ: (ما رأيك في هذا؟) لرجل آخر، وذكروا أن اسم هذا الرجل جعيل وكان من فقراء المسلمين ﵁.\n(قال: ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله! هذا رجل من فقراء المسلمين)، أي: أن هذا لا شيء في جانب من سبقه، فهذا رجل فقير.\n(هذا حري إن خطب ألا ينكح وإن شفع ألا يشفع)، إن طلب الزواج لا يزوج، وإن شفع لا تقبل شفاعته.\n(وإن قال ألا يسمع لقوله)، عندما يتكلم لا يسمع.\nفكان جواب النبي ﷺ: (هذا خير من ملء الأرض من هذا).\nوعندما وزع ﷺ المال على هؤلاء لم يعط هذا الفقير شيئًا، وأعطى لهؤلاء الكبار أموالًا كثيرة، فإذا بـ أبي ذر يتعجب من ذلك، ويسأل النبي ﷺ فقال: (أفلا يعطى هذا كما يعطى الآخر؟) يعني: إن كان مثلما تقول وأنه أفضل من ملء الأرض من هذا فلم لا تعطيه مثل هذا؟ فقال ﷺ: (إذا أعطي خيرًا فهو أهله، وإذا صرف عنه فقد أعطي حسنة)، يعني: له الحسنة عند الله تعالى بذلك.\nوفي رواية أخرى: أن النبي ﷺ ذكر لهم: (جعيل خير من ملء الأرض مثل هذا.\nقال: فقلت: يا رسول الله! ففلان هكذا وتصنع به ما تصنع) يعني: الفقير الذي هو خير من ملء الأرض من هذا الغني لم تعطه وأعطيت للأغنياء الكثير؟ فقال: (إنه رأس قومه) يعني: عيينة بن حصن أو الأقرع بن حابس أتألفهم على الإسلام، والله قال في توزيع الزكوات: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:٦٠]، وهؤلاء من المؤلفة قلوبهم، فكان يتألفهم ليثبتوا على الإسلام، وقومهم سيكونون على الإسلام، فإذا مات هؤلاء بقي القوم على الإسلام، فكانت المصلحة في تألف هؤلاء، فأعطاهم النبي صلوات الله وسلامه عليه الدنيا، ولكن الآخرة لهؤلاء الفقراء، وإن كان هؤلاء أسلموا ثم ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ إلى الكفر، ثم رجعوا إلى الإسلام بعد ذلك.\nالغرض: أن الإنسان لا يقيم الناس على الغنى والفقر، فإن كان فقيرًا فلا قيمة له، وإن كان غنيًا وله المركز والعشيرة فهو أفضل من غيره، فهذه ليست النظرة التي ينظر بها الله ﷿ لعباده، وإنما يفضل أهل الفضل بتقواهم وبسبقهم إلى دين الله ﷿، وبدفاعهم عن دينهم وبصبرهم وثباتهم على دينهم، فلذلك كان جعيل وأمثاله خيرًا من ملء الأرض من ذاك وأمثاله، وفي رواية: (من طلاع الأرض من مثل هؤلاء).\nنكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"9","page":7},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-80> فضل ضعفة المسلمين [٢]</span>\nإنما يعظم في القلوب ما عظم الله ورسوله ﷺ، ومن ذلك الضعفاء، وكفى بابن مسعود ﵁ مثلًا، فمع ضعفه وخفة وزنه لكنه عند الله عظيم ثقيل، وكم من ضعيف مستضعف لو أقسم عى الله لأبره.","vol":"10","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>أكثر أهل الجنة من الضعفاء</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب فضل ضعفة المسلمين والفقراء والخاملين: قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف:٢٨].\nوعن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: (إنه ليأتي الرجل السمين العظيم يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة) متفق عليه.\nوعنه: (أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد، أو شابًا، ففقدها رسول الله ﷺ، فسأل عنها أو عنه فقالوا: مات.\nقال: أفلا كنتم آذنتموني؟ فكأنهم صغروا أمرها أو أمره.\nفقال: دلوني على قبره.\nفدلوه فصلى عليها، ثم قال: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم) متفق عليه].\nذكرنا هذا الباب في حديث سابق وهو: فضل ضعفة المسلمين والفقراء والخاملين، وذكرنا أن المرء في الدنيا يحب أن يصاحب الأقوياء، ويحب أن يصاحب الأغنياء، ويحب أن يصاحب من هو مثله، فجاء القرآن وجاءت السنة لتبين لنا الإيمان الحقيقي لمن تصحبه وتحبه وتحافظ على صداقته وإخوته.\nفذكر لنا هنا فضل الضعفاء من المسلمين، والمقصود بالضعيف هنا من لا يؤبه له، وقد يكون عند الله ﷿ عظيمًا، قد لا يعرفه أهل الأرض وتعرفه ملائكة السماء، فعلى ذلك لا ينظر إليه ضعيفًا أو مريضًا أو فقيرًا أو إنسانًا خاملًا في الناس، والمصنف هنا يذكر فضل هؤلاء الضعفة والفقراء من المسلمين والخاملين، والخامل هو من ليس مشهورًا، ولا يبتغي الشهرة عند الناس.\nوسبق أن ذكرنا أن من الصحابة من كانوا على هذا الحال رضي الله ﵎ عنهم جميعًا، ومنهم صهيب وبلال وعمار وخباب، والبعض من العرب كانوا يريدون أن يدخلوا في هذا الدين ولكنهم استكبروا أن يجلسوا في مجلس واحد مع هؤلاء الفقراء الضعفاء الذين يدنيهم النبي صلوات الله وسلامه عليه، فمن هؤلاء الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وكانا كبراء قومهما، فأنزل الله ﷿ على نبيه ﷺ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٢٨]، يعني: لا تبتعد وتعد عينيك عن هؤلاء الضعفاء والفقراء والزمهم فهم أولى بك؛ لأنهم يريدون الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه.\nأما هؤلاء الجبارون والمتكبرون والكبراء في قومهم إذا كانوا لم يتوبوا إلى الله ﷿، ولم يعرفوا حقيقة الدنيا وأن الغنى ليس شيئًا، فالله فوقهم وهو الغني الحميد ﷾؛ وقوة الإنسان لا تفيد شيئًا، والله القوي فوق كل قوي، والقهار الجبار فوق كل إنسان فيه جبروت وقوة، فلو لم يعرف الإنسان ذلك فلا يستحق أن يصاحب.\nومن يتق الله فله منزلة عظيمة عند الله ﷿، وليس معنى ذلك أن الإنسان يطلب الفقر مثلًا، أو يسأل ربه أنه يجعله فقيرًا، فقد كان النبي ﷺ يتعوذ بالله من الفقر، ويقول: (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر لا إله إلا أنت).\nفإذا كان الله أغنى إنسانًا فليحمد ربه على ذلك ولا يطلب الفقر، وإذا أفقره الله ﷿ فعليه أن يأخذ بأسباب الغنى والرزق، ويحمد ربه على ما هو فيه، قد يفقره ويعطيه صحة، وقد يفقره يمنعه الصحة ويعطيه قوة الإيمان، فالله ﷿ حكيم في جميع أفعاله ﷾.\nانظروا إلى احتجاج الجنة والنار، فكل واحدة تذكر نصيبها من الناس، فالنار تقول: في الجبارون والمتكبرون.\nوهذا مناسب لها، فهي قوية جبارة تقهر من فيها، فناسب أن يجعل الله فيها الجبارين والمتكبرين في الدنيا.\nوالجنة قالت: في ضعفاء الناس ومساكينهم.\nفقال ﵎ للجنة: (إنك رحمتي أرحم بك من أشاء، وقال للنار: إنك عذابي أعذب بك من أشاء).\nإذًا: ربنا خلق هذه ليرحم بها من يشاء، وخلق هذه ليعذب فيها من يشاء.\nإذًا أهل الجنة هم ضعفاء الناس ومساكينهم، هذا في الغالب، وقد يكون فيها الأغنياء مثل عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام رضي الله ﵎ عنهم، هؤلاء من مياسير الصحابة، والله تعالى أنعم عليهم بنعم في الدنيا، وشهد النبي ﷺ لهم بالجنة.","vol":"10","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>وزن المتكبرين والضعفاء يوم القيامة</span>\nجاء عن النبي ﷺ: (إنه ليأتي الرجل السمين العظيم يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة).\nخذ جناح الذبابة وانظر كم سيزن؟ لا شيء، فيأتي هذا الرجل الذي كان متعاظمًا في الدنيا مستكبرًا فيها، وكان لا يلقي للناس بالًا، وإذا جلسوا أمامه يسخر منهم ويستهزئ بهم، ويغمز بعينه عليهم؛ يجيء هذا الإنسان المتطاول يوم القيامة ولا قيمة له، ولا يزن عند الله جناح بعوضة فأمر الدنيا شيء وأمر الآخرة شيء آخر.\nصعد عبد الله بن مسعود مرة على شجرة من شجر الأراك يجني من ثمارها، فضحكوا عليه فقال النبي ﷺ: مم تضحكون؟ فقالوا: نعجب من دقة ساقيه، وكان سيدنا عبد الله بن مسعود ﵁ قصيرًا نحيفًا ولما اعتلى صدر أبي جهل ليقطع رقبته اضطر أن يجلس فوق صدره ليقطعها، وكان من فقهاء الصحابة يحتاجون إلى علمه، فلما ضحكوا منه إذا بالنبي ﷺ يذكر لهم المفهوم الصحيح، وبين لهم أن ساقيه هذه عند الله يوم القيامة أثقل من جبل أحد، أي: فلا تضحكوا على من هذا فضله عند الله وهذا ميزانه يوم القيامة.\nأما الكافر الفاجر المستكبر فيأتي يوم القيامة ولا يزن عند الله شيئًا ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، لا هو ولا ماله ولا أعماله، وجعلنا كل الذي عمله هباء منثورًا.\nإذًا: الوضع يوم القيامة: من كان في الدنيا يساوي عند الناس شيئًا وهو من المؤمنين إذ به له وضع عظيم، وقد يشفع في أمم كثيرة من الخلق يوم القيامة.","vol":"10","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>منزلة من يقم المساجد</span>\nوعن أبي هريرة: (أن امرأة سوداء أو شابًا كانت أو كان يقم المسجد).\nومن سيتزوج المرأة السوداء؟ وكانت هذه المرأة تكنس مسجد النبي ﷺ، والمسجد هذا كان مفروشًا بالحصير، فكانت تأخذ الحصير تنظفه وتتعب في مسجد النبي ﷺ، فما كان أحد يأبه لها، فمرة سأل عنها النبي ﷺ فقالوا: ماتت في ليلة من الليالي، وكرهنا أن نخبرك بخبرها، فلم يكن لها ذلك القدر العظيم.\nفلما قالوا ذلك قال: (أفلا كنتم آذنتموني؟ فكأنهم صغروا أمرها، فقال: دلوني على قبره أو قبرها، فدلوه على قبره أو قبرها؛ فصلى عليه صلاة الجنازة).\nإذا: كانت لهًا منزلة كبيرة عند النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهو لا ينطق عن الهوى، ولا يفعل شيئًا من عند نفسه، لابد أن ذلك كان بوحي من الله ﵎، فصلى عليها عند قبرها، ثم قال لأصحابه: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها)، نسأل الله ﷿ العفو والعافية، وأن يجيرنا من ظلمة القبور وعذابها، بل شكل القبور من الخارج مفزع فما بالك بداخلها، إذًا: ستكون ظلمة على أهلها الذين بداخلها، ولكنه ﷺ يصلي على أهلها وينورها الله ﷿ لهم بصلاته صلوات الله وسلامه عليه، قال: (وإن الله تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم).\nوهذه المرأة أو هذا الشاب ما كانوا يطلبون من الناس شيئًا، بل يقمون مسجد النبي ﷺ ابتغاء مرضاة الله، فهم عند الناس ما كانت لهم قيمة، لكن عند الله ﷿ وعند رسوله ﷺ لهم القدر العظيم، الذي يجعل النبي ﷺ يذهب فيصلي على هذه المرأة في قبرها.","vol":"10","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>قصة جريج العابد</span>\nمن الأحاديث التي جاءت حديث طويل عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة)، الحديث طويل، والغرض منه آخر الحديث، وفيه قصة جميلة، يقول: إن ثلاثة فقط تكلموا وهم في حال الرضاعة، وهم: عيسى بن مريم، وصاحب جريج، وسيأتي ذكره، والظاهر أيضًا أن هناك رابعًا لهؤلاء الثلاثة وهو من أصحاب الأخدود وقال: يا أمة الله! اصبري، فهؤلاء أربعة.\nذكر منهم هنا ثلاثة، أولهم: عيسى بن مريم نطق وقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم:٣٠]، فكان نطقه آية ومعجزة.\nالثاني: صاحب جريج، وجريج هذا كان رجلًا عابدًا اتخذ صومعة، فأتته أمه وهو يصلي، فقالت: يا جريج! فقال: يا رب! أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، وفي رواية: أنه كان تاجرًا يزيد مرة وينقص مرة، يعني: يربح مرة ويخسر مرة، ثم ملَّ من التجارة وقال: إني سأنظر لي تجارة مع الله ﵎ أفضل من ذلك.\nفي هذه الرواية يقول: كان رجل في بني إسرائيل تاجرًا، وكان ينقص مرة ويزيد مرة، فقال: ليس هذه تجارة فيها خير، لألتمسن تجارة هي خير من هذه، فبنى صومعة وترهب فيها، وكان يقال له: جريج.\nيعني: كأنه في البداية كان تاجرًا ثم اعتزل وترهب، والرهبانية كانت في بني إسرائيل، ولم يفرضها الله عليهم ولكنهم ابتدعوها، قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد:٢٧]، (إلا) هنا استثناء منقطع، أي: نحن ما كتبناها عليهم ولكن هم فعلوا ذلك -فإلا بمعنى لكن- وفعلوها ابتغاء مرضاة الله، وعندما أتوا بها ما رعوها حق رعايتها، لكن النبي ﷺ يخبرنا أنه لا رهبانية في الإسلام.\nفي الحديث: أن هذا الرجل بنى صومعة يعبد فيها ربه ﵎، فجاءته أمه فقالت: يا جريج! وفي بعض الروايات: أنها جاءت له ثلاثة أيام، وفي كل مرة تناديه، ثم يتركها ويقبل على صلاته.\nوفي رواية يخبر النبي ﷺ أنه: (لو كان جريج فقيهًا لترك صلاته وأجابها) فهو يصلي صلاة نافلة، ولو كان فقيهًا لترك الصلاة ورد على أمه، ولكنه كان عابدًا.\nفالرجل وهو يصلي تناديه أمه: يا جريج! فلم يرد عليها، وقال: يا رب! أمي وصلاتي، يعني: ماذا أعمل؟ هل أرد على أمي أم أكمل صلاتي؟ فآثر صلاته، وهكذا صنع ثانيًا وثالثًا، لكن أمه تعبت منه فدعت عليه وقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه البغايا.\nوالمرأة أيضًا كانت حنونة عليه في الدعاء، فما قالت: اللهم لا تمته حتى يزني، أو يقع في الفاحشة، ولكن دعت عليه أن ينظر في وجوه المومسات.\nثم تذاكر بنو إسرائيل جريجًا وعبادته، وقد كان مشهورًا عندهم، حتى إن ملك بني إسرائيل يعرف جريجًا ويعرف عبادته، وكان امرأة بغيًا يتمثل بحسنها من ضمن ذلك المجلس، وكانت امرأة فاجرة عاهرة في غاية الجمال، فقالت لبني إسرائيل تتحداهم: إن شئتم لأفتننه، وفي مسند الإمام أحمد قالت: لئن شئتم لأصبين منه، يعني: سألد لكم منه، وهم يعلمون أن جريجًا لا يمكن أن يفعل هذا الشيء.\nذهبت إليه الفاجرة فلم يرد عليها، ثم مرة ثانية وثالثة، ورأت أنها ستخسر المراهنة مع بني إسرائيل، وكان هناك راع يأوي إلى صومعته، فإذا بالمرأة تمكن هذا الراعي من نفسها حتى يزني بها العياذ بالله، فلما زنى بها حملت ثم وضعت غلامًا، وافترت على جريج أنه أبو هذا الغلام، فذهب بنو إسرائيل إلى جريج ليعلموا منه من أبو هذا الغلام، وكيف تفعل هذه المصيبة؟ ذهبوا إليه ومعهم فئوسهم ومساحيهم فنادوه فلم يجبهم، والذي حصل مع أمه حصل مع هؤلاء فلم يكلمهم، لكن أمه كانت حنونة فسكتت، أما هؤلاء فلم يسكتوا، فبدءوا بهدم الصومعة عليه، فلما فعلوا ذلك نزل إليهم فقال: ما أمركم؟ وفي رواية: أنهم أخذوه وأخذوها وربطوهما بحبال في أعناقهما وأخذوا يطوفون بهما في الناس، فيسألهم ما الأمر؟ فيقولون: سل هذه! وفي رواية: أنهم وصلوا به إلى بيت الزواني، فلما وصل إلى هنالك خرجن ينظرن إليه، فضحك، فتعجبوا منه كيف يضحك عندما جاء إلى باب الزواني؟ فأخذوه وذهبوا به إلى الملك فقالوا: هذا جريج الذي يذكر من عباداته ما يذكر.\nفإذا بالملك يقول لـ جريج: أنت الذي يذكر من عبادتك كذا وكذا؟ ويحك يا جريج! كنا نراك خير الناس فأحبلت هذه، اذهبوا به فاصلبوه، فلما ذهبوا به ليصلبوه طلب منهم الإنظار فتركوه.\nوفي رواية: أنه صلى لله ﷿، وكأنه نام فرأى في منامه أن افعل كذا، وفي هذه الرواية أنه قال: أين الغلام؟ فأتوا به فطعن بأصبعه في بطنه، وفي رواية: أنه أخذ غصنًا من شجرة وطعن به في بطنه، وقال: من أبوك؟ فنطق الغلام وقال: أبي فلان الراعي، فبرأ الله ﷿ جريجًا.\nفقاموا يقبلون يديه ورجليه ويتعلقون به ويقولون له: سنبني لك الصومعة من ذهب، فقال: لا إلا كما كانت من طين.\nهذه قصة جريج وصنيع الناس معه، وهي قصة عجيبة جدًا فيها بيان ثقة جريج بالله ﷾، حيث أخذوه ليصلبوه فقال لهم: اتركوني أصلي وأدعو ربي سبحانه، وإذا بالله ﷿ يبرئه وينجيه.\nثم سألوه عن سبب ضحكه لما أتى بيت الزواني، فقال: تذكرت دعوة أمي علي! لولا لطف الله ﷿ به، وأنه من أولياء الله سبحانه لضل، ولكن الله لا يضيع عليه صلاته، صحيح أنه لم يجب أمه، ولكنه أيضًا له عبادة ومنزلة عند الله ﷿، فلم يتركه الله ﷾ في الموقف الذي كان فيه.","vol":"10","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>قصة الراضع من ثدي أمه</span>\nفي آخر الحديث يقول النبي صلوات الله وسلامه عليه: (وبينما صبي يرضع من أمه، فمر رجل راكب على دابة فارهة وشارة حسنة).\nيذكر النبي ﷺ من ضمن المتكلمين في المهد طفلًا كان يرضع من ثدي أمه، فمر رجل على دابة عظيمة كبيرة -جبار من الجبابرة- له شارة حسنة، والأم عادة تريد أن يكون ابنها في أعلى المنازل في نظرها، فلو رأت وزيرًا مثلًا تمنت أن يكون مثله، ولا تعلم أنه إنسان مستكبر نهايته أن يكون من أهل النار، فقالت: (اللهم اجعل ابني مثل هذا، فقال الغلام: اللهم لا تجعلني مثله! قال: فأقبل على ثديها فجعل يرضع، ثم مروا بجارية يضربونها ويقولون: زنيت سرقت، وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فقالت أمه: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه) الدعوة هنا معناها: يا رب لا تجعله يتعذب مثل هذه، أو بائسًا مثلها، وإذا المعجزة الثانية يقول: إنه ترك ثديها وقال: (اللهم اجعلني مثلها).\nفتراجعا الحديث فقال الولد لأمه: إن ذلك الرجل الذي مر كان جبارًا، آخرته إلى النار، وأنا لا أريد أن أكون من أهل النار، فقلت: اللهم لا تجعلني مثله، أي: لا أريد أن أكون جبارًا مثله، وإن هذه يقولون لها: زنيت ولم تزن، وسرقت ولم تسرق، فقلت: اللهم اجعلني مثلها؛ لأنها تقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فهي على التوحيد، وهي مظلومة، وآخرتها إلى الجنة، فأنا أريد أن أكون من أهل الجنة مثل هذه المرأة.\nالغرض: أنه كم من إنسان ينظر إليه الناس على أنه ضعيف بائس سيئ ثم يكون أفضل منهم.","vol":"10","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>ليس كل ضعيف من أهل الجنة</span>\nهل يا ترى كل إنسان ضعيف ستكون له هذه المرتبة العالية، أم أنه يشترط أن يكون إنسانًا تقيًا، يأتي بالفرائض، ويجتنب ما حرم الله سبحانه؟ لا بد أن يكون على هذا، ولذلك جاء في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار قال: قال النبي ﷺ: (أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال).\nثلاثة من أهل الجنة: إنسان ذو سلطان، ولكنه على عدالة، مقسط يعطي الحقوق، ويأمر بما أمر الله ﷿ به، وينهى عما نهى الله ﷿ عنه، ولا يفرق بين الناس.\nوالثاني: (ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم).\nوالثالث: (عفيف متعفف ذو عيال)، أي فقير ولكنه عفيف، عنده عيال ومحتاج ولكنه لا يسأل الناس شيئًا، فهذا من أهل الجنة.\nأما أهل النار فهم خمسة، قال: (الضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبعًا لا يبتغون أهلًا ولا مالًا)، أي: إنسان ضعيف، ولكنه إمعة منافق يسير وراء أصحاب الرياسة ليأخذ منهم، فهو ضعيف لكن ليس عنده عقل يأمره بالصحيح، ولا يحاول أن يفكر مثل الناس، لو أساء الناس قلدهم، أو كانوا مجرمين فهو مثلهم، أو طيبين قلدهم، فهو يقلد الناس فحسب ليعطوا له حسنة، هذا الإنسان من أهل النار مع أنه ضعيف، سبحان الله! بؤس في الدنيا وبؤس في الآخرة، فهو من شر الخلق، لا الدنيا انتفع فيها بشيء، وحتى يوم القيامة يضيع هذا الضعيف الذي لا عقل له، (الذين هم فيكم تبعًا لا يبتغون أهلًا ولا مالًا) يعني: يعيش في الدنيا لا يريد أي شيء، عاش نكرة ومات نكرة، ويوم القيامة يحشر مع هؤلاء الذي كان يتبعهم في الدنيا.\nالثاني: (والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه).\n(يخفى) بمعنى: يظهر، يعني: أي مطمع يظهر له يأخذه من حلال أو من حرام، فهذا من أهل النار، أي: الذي لا يبالي هل يأكل من حلال أو حرام، يأخذ الشيء من حله أو من حرمته، ولا يهمه.\nالثالث: (ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك).\nالذي يقدر عليه يأخذه منك ويضحك عليك به سواء من أهلك أو من مالك.\nالرابع: (البخل والكذب) أي: الإنسان البخيل أو الكذاب.\nالخامس: (الشنظير الفحاش) يعني: بذيء اللسان.\nوهؤلاء كلهم من أهل النار، إذًا ليس أي ضعيف من أهل الجنة، بل الإنسان المؤمن الذي خلقه الله ضعيفًا، يأخذ بالأسباب ولكن لا حيلة له، فهذا ضعفه الله في الدنيا ولكن قواه يوم القيامة، أفقره في الدنيا وأغناه يوم القيامة، جعله في الدنيا لا يؤبه له وجعل الناس ينظرون إلى منزلته يوم القيامة.\nنسأل الله ﷿ أن يجعلنا من أوليائه وعباده الصالحين.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"10","page":7},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-87> ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفة والمساكين</span>\nحث الإسلام على الرحمة بالمساكين والفقراء واليتامى والأرامل، والعطف عليهم وملاطفتهم، وجعل منزلة كافل اليتيم قريبة من منزل رسول الله ﷺ في الجنة.","vol":"11","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>ذكر ما جاء في ملاطفة اليتيم والفقراء والمساكين والضعفاء والبنات</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفاء والمساكين والمنكسرين والإحسان إليهم والشفقة عليهم، والتواضع معهم وخفض الجناح لهم.\nقال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:٨٨].\nوقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٢٨].\nوقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:٩ - ١٠].\nوقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون:١ - ٣].\nعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (كنا مع النبي ﷺ ستة نفر فقال المشركون للنبي ﷺ: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢]) رواه مسلم].\nيذكر لنا الإمام النووي ﵀ أدبًا من الآداب، وخلقًا من الأخلاق الكريمة، وهو خلق ملاطفة اليتيم والبنات والضعفاء والمساكين، والفقراء، والإحسان إلى هؤلاء والشفقة عليهم والتواضع معهم.\nإن الإنسان المؤمن في معاملته يحرص على ما ينفعه، وقد أمر النبي ﷺ بذلك، قال: (احرص على ما ينفعك)، فيحرص المؤمن على النفع الأخروي في معاملاته مع الناس.\nوهنا يحث الإسلام على ملاطفة الأقرباء وغيرهم من أيتام ومن بنات ومن ضعفة ومساكين، وكذلك إذا كانوا غرباء، فعليه أن يحسن إليهم، ويرجو بإحسانه إليهم الدرجة العالية في الجنة.","vol":"11","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>معاني الآيات الواردة في ملاطفة الضعيف واليتيم ونحوهما</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفاء والمساكين والمنكسرين والإحسان إليهم والشفقة عليهم، والتواضع معهم وخفض الجناح لهم.\nقال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:٨٨].\nوقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٢٨].\nوقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:٩ - ١٠].\nوقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون:١ - ٣].\nعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (كنا مع النبي ﷺ ستة نفر فقال المشركون للنبي ﷺ: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢]) رواه مسلم].\nيذكر لنا الإمام النووي ﵀ أدبًا من الآداب، وخلقًا من الأخلاق الكريمة، وهو خلق ملاطفة اليتيم والبنات والضعفاء والمساكين، والفقراء، والإحسان إلى هؤلاء والشفقة عليهم والتواضع معهم.\nإن الإنسان المؤمن في معاملته يحرص على ما ينفعه، وقد أمر النبي ﷺ بذلك، قال: (احرص على ما ينفعك)، فيحرص المؤمن على النفع الأخروي في معاملاته مع الناس.\nوهنا يحث الإسلام على ملاطفة الأقرباء وغيرهم من أيتام ومن بنات ومن ضعفة ومساكين، وكذلك إذا كانوا غرباء، فعليه أن يحسن إليهم، ويرجو بإحسانه إليهم الدرجة العالية في الجنة.","vol":"11","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>معنى قوله تعالى: (واخفض جناحك للمؤمنين)</span>\nوالآيات التي جاءت في ذلك كثيرة، كقوله ﷾: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:٨٨].\nوخفض الجناح: التواضع، وهذا أمر للنبي ﷺ مع كمال خلقه العظيم الذي شهد له به القرآن، قال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، ومع ذلك يقول له: اخفض جناحك، أي: ازدد تواضعًا فوق تواضعك، وفي الآية الأخرى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٢١٥].\nوقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف:٢٨] فبعض الناس لفقره يكون فيه شيء من الثقل، ويثقل على صاحبه، فأمر النبي ﷺ أن يصبر على هؤلاء؛ لأنه بعث معلمًا لهؤلاء، ومربيًا لهم، فليصبر مع هؤلاء الذين يدعون ربهم، وقد كان هؤلاء يطلبون العلم الشرعي فكانوا يجتمعون حول النبي ﷺ فيعلمهم ويتلو عليهم القرآن فأمره الله أن يصبر مع هؤلاء معلمًا ومربيًا، رءوفًا رحيمًا بهم، صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"11","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>معنى قوله تعالى: (فأما اليتيم فلا تقهر)</span>\nوقال سبحانه: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:٩ - ١٠]، ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦ - ٨]، فالله أحسن إلى نبيه صلوات الله وسلامه عليه إحسانًا عظيمًا وجعله يتيمًا، والإنسان ينظر كيف كان ﷺ في أهله، وكيف كان في عشيرته.\nكان يتيمًا فقيرًا، فأبوه مات قبل مولده ﷺ، وأمه ماتت وله ست سنوات صلوات الله وسلامه عليه أو نحوها، فيرعاه جده، ثم يموت جده، ويرعاه عمه، وينتقل من إنسان لإنسان، فالذي يموت عنه أبوه ثم جده ثم عمه الغالب أن يزهد في مثله، ويكون لا مال له، ولكن الله ﷿ كفله وهو ينتقل من إنسان إلى إنسان، قال سبحانه: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى:٦]، هو الذي آواك، وهو الذي رعاك، وهو الذي جعلهم يحنون عليك ويعطفون عليك، فإذا كان الأمر كذلك فكن مع مثل من كان في حالتك، كن كما كنا معك، أحسن يحسن الله ﷿ إليك، أشفق على اليتيم واعطف عليه، فكان كذلك صلوات الله وسلامه عليه.\nقال له سبحانه بعدما من عليه بهذه النعم: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٦ - ٧]، أي: لا تعرف شيئًا عن الشرائع، فالله ﷿ ينزل عليه هذا الكتاب العظيم، المعجزة التي جاءت من السماء، إذ يتحدى به الخلق كلهم صلوات الله وسلامه عليه.\n﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ [الضحى:٧] أي: غافلًا عن الدين، فإذا به سبحانه يجتبيه ويجعله سيد المرسلين.\nوقال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا﴾ [الضحى:٨] أي: فقيرًا عائلًا، فأعطاك الله ﷾ المال بفضله وبرحمته، وبإحسانه إليك، فإذا كان كذلك ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى:٩]، أي: بما أننا ربيناك فلا تقهر يتيمًا، ولكن أحسن إلى الأيتام واعطف عليهم.\n﴿وَأَمَّا السَّائِلَ﴾ [الضحى:١٠] أي: الذي يسألك علمًا شرعيًا أو حاجة يحتاجها لفقره ومسكنته ﴿فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١٠ - ١١]، والنعم كلها من الله ﷾، هو الذي من عليك وأعطاك.\nفالله سبحانه علمه وأدبه ومن عليه وأمره أن يتحدث بنعم الله ﷿ عليه، فكان يتحدث غير مفتخر بهذه النعم وإنما كما أمر، فيقول: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)؛ أي: لأن ربي أخبرني بذلك وأمرني أن أتحدث بنعمته علي.\nويأتي السائلون ويسألون النبي ﷺ فيعطيهم صلوات الله وسلامه عليه، حتى إن أحدهم ليقول: يا قوم أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر! فكان لا يمسك شيئًا ويعطي مما أعطاه الله ﷾.","vol":"11","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>معنى قوله تعالى: (فذلك الذي يدع اليتيم)</span>\nقال سبحانه: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون:١ - ٣].\nإنه من علامات التكذيب بالدين وبالجزاء وبالحساب، دعُّ اليتيم والمسكين؛ لأنه في اعتقاده وظنه أنه لا حساب ولا جزاء، فيظن أنه خلق للدنيا ويموت ولا يرجع، فإذا به يكذب بالجزاء والحساب ويدع اليتيم، ولو آمن بيوم القيامة لما نهر يتيمًا ولا مسكينًا أبدًا.\nوفي حديث سعد بن أبي وقاص: كنا مع النبي ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ: اطرد هؤلاء لا يجترءون علينا.\nذكرنا هذه القصة وكيف أن المشركين يحبون التعالي، فطلبوا من النبي أن يعلمهم لوحدهم، والضعفاء لوحدهم، ومن هؤلاء الذين قدموا على النبي ﷺ عيينة بن حصن الفزاري، والأقرع بن حابس، وكانوا سادة في قومهم، فطلبوا من النبي ﷺ أن يكون لهم يوم لوحدهم، حتى لا تتحدث العرب أنهم قعدوا مع الفقراء والمساكين.\nيقول: (فحدث نفسه ﷺ)، يعني: بأن يجعل لهم يومًا، ولهؤلاء يومًا آخر، فإنهم إن أسلموا سيتعلمون التواضع ويتعلمون العلم الشرعي، فنزلت آية تحذر النبي صلوات الله وسلامه عليه من ذلك، قال تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٢]، أي: تظلم نفسك بطرد هؤلاء، فإذا به يأبى صلوات الله وسلامه عليه إلا أن يطيع ربه في هؤلاء الفقراء والمساكين.","vol":"11","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>شرح أحاديث ملاطفة الضعفاء والأيتام</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفاء والمساكين والمنكسرين والإحسان إليهم والشفقة عليهم، والتواضع معهم وخفض الجناح لهم.\nقال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:٨٨].\nوقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٢٨].\nوقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:٩ - ١٠].\nوقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون:١ - ٣].\nعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (كنا مع النبي ﷺ ستة نفر فقال المشركون للنبي ﷺ: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢]) رواه مسلم].\nيذكر لنا الإمام النووي ﵀ أدبًا من الآداب، وخلقًا من الأخلاق الكريمة، وهو خلق ملاطفة اليتيم والبنات والضعفاء والمساكين، والفقراء، والإحسان إلى هؤلاء والشفقة عليهم والتواضع معهم.\nإن الإنسان المؤمن في معاملته يحرص على ما ينفعه، وقد أمر النبي ﷺ بذلك، قال: (احرص على ما ينفعك)، فيحرص المؤمن على النفع الأخروي في معاملاته مع الناس.\nوهنا يحث الإسلام على ملاطفة الأقرباء وغيرهم من أيتام ومن بنات ومن ضعفة ومساكين، وكذلك إذا كانوا غرباء، فعليه أن يحسن إليهم، ويرجو بإحسانه إليهم الدرجة العالية في الجنة.","vol":"11","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>شرح حديث: (لئن أغضبتهم لقد أغضبت ربك)</span>\nمن الأحاديث: حديث لـ أبي هبيرة واسمه عائد بن عمرو المزني وهو من أهل بيعة الرضوان، بايع النبي ﷺ في الحديبية بيعة الرضوان، فبايع بعضهم على الموت، وبعضهم على الجهاد في سبيل الله سبحانه.\nفهذا يخبر أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال، وغيرهم من فقراء المهاجرين الذين كانوا مع النبي ﷺ، وكان ذلك بعد الحديبية.\nففي أثناء فترة الهدنة التي ما بين سنة ست وسنة ثمان جاء أبو سفيان فقابل هؤلاء من المسلمين، وكان أبو سفيان كافرًا لم يسلم بعد، فجاء ومعه أبو بكر الصديق ﵁، فقابل هؤلاء المسلمين سلمان وصهيبًا وبلالًا، أما صهيب وبلال فكانا يؤذيان في مكة، وصهيب خرج مهاجرًا ولحقوه فأعطاهم كل ماله، وخرج إلى المدينة من غير شيء، وقال له النبي ﷺ: (ربح البيع أبا يحيى).\nوبلال كان عبدًا فأعتقه أبو بكر.\nهؤلاء الفقراء رأوا أبا سفيان وهو آت ولم يسلم بعد فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها.\nفغضب أبو بكر، وكانت نظرة سيدنا أبي بكر ﵁ نظرة مصلحة؛ لأنه يمكن أن يسلم، ولا يريد تنفيره عن الدين، فقال: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي ﷺ غاضبًا، فشكا أبو بكر إلى النبي ﷺ ما قاله سلمان وصهيب وبلال لـ أبي سفيان، فقال النبي ﷺ: (يا أبا بكر لعلك أغضبتهم)، أي: بمجاملته أبا سفيان على حساب هؤلاء، والنتيجة إن أغضبهم قال: (لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك).\nفأتاهم أبو بكر مسرعًا وقال: يا إخوتاه، آغضبتكم؟ فقالوا: لا، يغفر الله لك يا أُخيَّ.\nيا أُخَيَّ تصغير أَخِي، والتصغير يكون أحيانًا للتدليل، فقد يصغر الاسم على وجه المحبة والتلطف.\nهذا أبو بكر الصديق الذي لو وزن إيمان الأمة ليس فيها النبي ﷺ لوزنهم، ولكن مع ذلك أمره النبي أن يحسن إلى هؤلاء وله بذلك القدر العظيم عند الله؛ لذلك ذهب إليهم واسترضاهم فقالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي.\nنتعلم من هذا الحديث أن الإنسان المسلم لا يغضب الفقير لكونه فقيرًا، والإنسان المسلم يحب الفقير ولا يتمنى الفقر، ولكن الفقر قد يكون نعمة لإنسان، وقد يكون نقمة على إنسان آخر، ولذلك يكفي الفقير أنه يسبق إلى الجنة بنصف يوم من أيام القيامة، أي: خمسمائة عام، فلا تعاد الفقير أبدًا، لعله يكون وليًا لله ﷿.\nوفي الحديث أن الله ﷾ يقول: (من آذى لي وليًا فقد آذنته بالحرب)، فإذا أردت أن تبتعد عن محاربة الله ﷾، فابتعد عن مؤذاة الفقراء والمساكين، الذين هم أهل التواضع وأهل حب الله ﷾.\nفهنا أبو بكر الصديق يصالح هؤلاء الأفاضل، ومنهم بلال الذي عذب وأعتقه أبو بكر رضي الله ﵎ عنه، ولكنه ما أعتقه إلا لله، فهو بإغضابه لهؤلاء يغضب ربه سبحانه، فذهب يصالحهم رضي الله ﵎ عنه.","vol":"11","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>شرح حديث: (أنا وكافل اليتيم في الجنة)</span>\nعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما)، رواه البخاري.\nيكفل اليتيم: يقوم بأمر اليتيم، وينفق عليه، ويربيه وفي رواية قال: (أنا وكافل اليتيم له أو لغيره).\nواليتيم: الإنسان الذي مات أبوه، ويتجوز فيها أحيانًا، فيطلق على من مات أحد أبويه، ولذلك يدخل الفقهاء فيها الرجل الذي ينفق على عياله ويقوم بأمرهم إذا أمهم ماتت، والفقهاء يقولون: إن الإنسان الذي يموت أبوه فيقوم جده أو عمه أو أخوه الكبير بالنفقة عليه والإحسان والتربية، أو يكون أبو المولود قد مات، فتقوم أمه مقامه بأن تنفق على عيالها ورفضت أن تتزوج، فإن لها فضلًا كبيرًا عند الله ﷾.\nوالنبي ﷺ يقول: (أنا وكافل اليتيم له أو لغيره كهاتين) بأن يكون جاره يتيمًا، أبوه مات وليس هناك أحد يرعاه، فيقوم برعايته وتأديبه وتربيته والإنفاق عليه والإحسان إليه، فهو داخل تحت هذا الحديث الذي رواه البزار من حديث أبي هريرة: (من كفل يتيمًا ذا قرابة أو لا قرابة له).\nإذًا: كافل اليتيم قد يكون قريبًا أو غريبًا، وقد يكون رجلًا أو امرأة، وقد تكون المرأة أم هذا الإنسان اليتيم، وقد يكون الرجل أبًا لهذا الذي توفيت أمه، فقال لنا النبي ﷺ: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين).\nومعنى (كهاتين): أنه قريب من النبي ﷺ في دخول الجنة سريعًا.\nأيضًا قريب في علو المنزلة، والنبي ﷺ في أعلى المنازل، يليه كافل اليتيم رجلًا كان أو امرأة، ويوضحه ما جاء في مسند أبي يعلى من حديث أبي هريرة يقول ﷺ: (أنا أول من يفتح له باب الجنة إلا أنه تأتي امرأة تبادرني فأقول لها: مالك وما أنت؟ فتقول: أنا امرأة تأيمت على أيتام لي).\nوالأيم: التي لا زوج لها، يعني: صارت أرملة، مات زوجها وهي حفظت نفسها لعيالها، ورفضت أن تتزوج وقامت بأمر عيالها حتى كبروا واستغنوا عنها، فهي ممن يدخل الجنة سريعًا مع النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nوفي حديث آخر عند أبي داود من حديث عوف بن مالك يقول النبي ﷺ: (أنا وامرأة سفعاء الخدين، كهاتين يوم القيامة)، والسفع في الخد بمعنى: سواد في الخد، وكأنه الناشئ عن تعب ومشقة وعدم اهتمام بالنفس.\nوالمرأة قد تكون جميلة أو نسيبة وشريفة؛ ولكن بسبب هموم تربية العيال وموت الزوج والاحتياج تكدح وتتعب حتى ينتفخ خداها، فقوله ﷺ: (أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة)، يعني: كأصبع السبابة والإبهام يوم القيامة.\nوسفعاء الخدين هذه قال عنها النبي ﷺ: (امرأة ذات منصب وجمال)، يعني: ليست سفعاء الخدين، بل هي ذات منصب وجمال، قال: (حبست نفسها على يتاماها حتى ماتوا أو بانوا)، يعني: توفي زوجها، ورفضت أن تتزوج وقامت بأمر هؤلاء الأيتام حتى ماتوا أو كبروا وانصرفوا وتزوج كل واحد منهم واستغنوا عن أمهم بعد ذلك، فيخبر ﷺ أن هذه المرأة بصبرها على تربية هؤلاء اليتامى تكون يوم القيامة قريبة من منزلته صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"11","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>شرح حديث: جابر (مم أضرب يتيمي)</span>\nجاء في حديث لـ جابر بن عبد الله رواه الطبراني يقول: (قلت: يا رسول الله! مم أضرب يتيمي؟).\nوتربية كافل اليتيم لليتيم كتربيته للأولاد، فلا يقسو عليه ولا يغلظ له في الكلام، فمثلما يكون حازمًا مع أطفاله يكون حازمًا مع اليتيم، ومثلما يدلل أطفاله يدلل اليتيم.\nفلما قال جابر بن عبد الله ﵁ لرسول الله ﷺ: (مم أضرب يتيمي قال له: مما كنت ضاربًا منه ولدك).\nأي: فإذا كنت تربي أولادك بحديث: (مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر)، كذلك اليتيم الذي تربيه، تأمره بالصلاة لسبع وتضربه لتركها لعشر، وتربيه مثلما تربي ولدك.\nفمن الناس من قد يتوفى أخوه، فيقوم هو بتربية عيال أخيه، وقد يكون عيال أخيه وارثين من أبيهم مالًا كثيرًا، فيحاول من يقوم برعايتهم وقاية ماله بمالهم، فيأكل معهم ويشرب معهم، فالله يحذر من ذلك: إن كنت تريد الدرجة العظيمة يوم القيامة في الجنة، فلا تق مالك بمال يتيمك.\nيقولون: إن كافل اليتيم شبهت منزلته في الجنة بالقرب من النبي ﷺ؛ لكون النبي ﷺ بعث إلى قوم لا يعقلون الدين، فرباهم وعلمهم ﷺ حتى عقلوا هذا الدين.\nكذلك الإنسان مع اليتيم إذ يربي اليتيم حتى يفهم ويتعلم الدين، فالمسألة ليست صرف المال على اليتيم فقط، ولكن يربي هذا اليتيم، وينشئه إنسانًا صالحًا يعبد الله ﷾، فيكون له الأجر العظيم على ذلك.","vol":"11","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>شرح حديث: (ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان)</span>\nومن الأحاديث التي جاءت عنه ﷺ: (ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف).\nإن النبي ﷺ يحدد لنا المسكين، وقد قال الله ﷾ في القرآن: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة:٢٧٣].\nوالنبي ﷺ يذكر من هو هذا المسكين، فهناك أشخاص يطلبون من النبي ﷺ ويسألونه، وهناك من هو رث الهيئة أمام النبي ﷺ، فيسأله الناس عن حاله فيجيب: الحمد لله أعطاني الله من كل النعم، فيقول النبي ﷺ: (إذا أنعم على أحدكم فلير أثر نعمته عليه).\nفقوله ﷺ: (ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان)، المعنى: المسكين ليس الذي يسأل الناس دائمًا، إنما المسكين ذلك الإنسان الذي يتعفف، ولا يسأل وهو محتاج، يبيت جائعًا ولا يطلب من أحد أن يعطيه شيئًا، فهذا هو المسكين الذي يحسن إليه، ويبحث عن مثله؛ لأنه ينفعك في الدنيا ويدعو لك، ويوم القيامة قد يشفع لك.\nوفي رواية أخرى لهذا الحديث: (لكن المسكين الذي لا يجد غنىً يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس)، هذا المسكين ليس له غنى يغنيه، وعمله لا يكفيه لينفق على أهله وعلى عياله، ولا يفطن له، فهذا هو المسكين الذي تعطيه المال.\nفليس كل إنسان يطلب من الناس هو الذي مدحه النبي ﷺ، وكم من إنسان يسأل الناس ويمد يده للناس وهو أغنى من الذي يطلب منه.\nومن السائلين من يقف أمام باب المسجد أو في المسجد ويشكو أمراضًا وأسقامًا وآلامًا وهمومًا ثم يفضحه الله ﷿ وينكشف أمره بأنه أغنى ممن هم في المسجد، فمثل هؤلاء لا يستحقون الصدقة، ولا يجوز لك أن تنهر المسكين، ولكن لا يجوز لك أن تشجعه كذلك.","vol":"11","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>شرح حديث: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله)</span>\nوعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله).\nيسعى عليها يعني: ينفق عليها، ويقضي لها حوائجها، ابتغاء وجه الله ﷾، هذا كالمجاهد في سبيل الله.\nوفي رواية قال: (كالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر).\nإن فضل السعي على الفقراء والمساكين عظيم جدًا، فالذي يسأل عن فقير أو مسكين أو أرملة، ويقضي لهم حوائجهم، ويحسن إليهم، ويتابعهم سنين طويلة، هذا هو الذي يعنيه النبي ﷺ، فعمله هذا في البحث عن الفقير والمسكين ومتابعة أحوالهم وحوائجهم يجعله كالصائم الذي لا يفطر، والقائم الذي لا يفتر، مع أنه لا يقوم بالليل ولا يصوم نافلة، لكن عمله ألحقه بهؤلاء.\nوالمسلم يعطي من يستحق، لا من لا يستحق.\nنسأل الله ﷿ أن يهدينا سواء السبيل.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"11","page":12},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-99> النفقة على العيال</span>\nلقد أمر الله ﷿ الرجل بالإنفاق على أهله وعياله، وأوجبه عليه، ومع ذلك إذا احتسب الرجل تلك النفقة فإنه يؤجر عليها، كذلك المرأة لو أنفقت على عيالها فإنها تؤجر على ذلك.\nكذلك حث الشرع على الإنفاق مما يحب المرء من الجيد لا الرديء، حتى يبلغ الكمال في خصال الخير، وأمر أيضًا الآباء بأمر أبنائهم بالصلاة عند السابعة وتعليمهم، وضربهم عليها عند العاشرة، والتفريق بينهم في المضاجع.","vol":"12","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>وجوب النفقة على العيال</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب النفقة على العيال.\nقال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣].\nوقال تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧].\nوقال تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩].\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك)، رواه مسلم].\nهذا باب النفقة على العيال، والنفقة من الإنفاق، يعني: الإخراج للمال لأجل أولاده أو زوجته أو من يقوم بالنفقة عليهم، وغير ذلك ممن يتكفل الإنسان بمعونتهم.\nقال الله ﷿: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣].\nيعني: على الأب أن ينفق على أولاده وعلى زوجاته، وهذا الرجل إذا طلق امرأته وهي حامل أو وهي ترضع الصبي فيلزمه أن ينفق عليها خلال فترة الرضاعة أو خلال فترة الحمل، فإذا كانت النفقة للمطلقة فكيف بالزوجة التي هي معك، فهي من باب أولى.\nلم يكلفنا الله ﷾ ما لا نطيق، وإنما أمر بالإنفاق مما يقدر الإنسان عليه، ولذلك يقول لنا في سورة الطلاق: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق:٧]، أي: إذا وسع ربنا على الإنسان فلينفق من السعة، ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق:٧]، أي: من ضيق عليه رزقه ﴿فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق:٧].\nإذًا: هنا لم يكلف الإنسان الفقير أن ينفق نفقة الغني، ولا الإنسان الغني أن يضيق ويقتر، بل الإنسان الغني ينفق من سعته، والإنسان الفقير ينفق مما أعطاه الله سبحانه، ورحمة ربنا عظيمة جدًا، قال سبحانه ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]، وقال لنا: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، أي: على قدر طاقة الإنسان وقدرته، فلا يكلف الله الإنسان أكثر مما يطيق.\nبل من رحمته سبحانه أنه كلف الإنسان الشيء الذي يطيق أكثر منه، فقال لنا: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، ولما فرض علينا الصلاة فرض خمسين صلاة، وبعد هذا نزلت إلى خمس، والإنسان يصلي الفريضة ويصلي النوافل، فهو يقدر أن يصلي أكثر من خمس صلوات في اليوم، فربنا لم ينظر إلى قدرة الإنسان، وإنما نظر إلى طاعة الإنسان وإلى الاستمرارية في ذلك، فكلفه بأقل مما يطيق، خمس صلوات فقط في اليوم والليلة.\nكذلك في النفقة لا يكلفك شططًا، ولا يكلفك ما لا تقدر عليه، ولكن في حدود المعروف تنفق على المرأة من الطعام والشراب والكسوة والسكنى، لا تزيد ولا تنقص.\nقال الله سبحانه: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سبأ:٣٩]، (ما) يعني: أي شيء تنفقه سواء كان قليلًا أو كثيرًا لك أجره عند الله ﷿، باحتسابك النية في ذلك.\nقال: ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩]، أي: يخلف عليك غيره، فأنت كلما أنفقت نفقة جاءت غيرها من الله سبحانه، وكلما بخل الإنسان وبدأ يقصر في النفقة الواجبة عليه عومل بما يفعله، بأن يملأ قلب الإنسان بالفقر، ويجد فقره بين عينيه، ولذلك في حديث النبي ﷺ المتفق عليه من حديث أبي هريرة يقول: إن النبي ﷺ قال: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا) أي: ينبغي الثقة في رزق الله سبحانه، وذلك بأن ينفق الإنسان وهو واثق بأن ربنا سيخلف عليه، ولا يقول: من أين يعطيني.\nانظر أنه عندما يتزوج الإنسان يأتيه الرزق والبركة، لكن كون الإنسان يقول لما يريد أن يتزوج: من أين سأتزوج؟ نقول: اسع في طلب الرزق، ولست مأمورًا أن تتزوج وأنت فقير، ولكن إن كنت تريد أن تعف نفسك فثق أن الله يعينك، لكن اخرج وابحث عن عمل وابحث عن رزق حلال، وثق في أن الله سيعفك وسيعطيك من فضله ومن كرمه سبحانه.\nوتلقى كثيرًا ممن تزوجوا يقول لك: أنا يوم ذهبت لأخطب ما كنت أجد نقودًا، ثم فتح الله عليّ فوجدت رزقًا.\nنقول: كن على ثقة في رزق الله، واترك الحرام، واعلم أن رزقك مكتوب من ساعة ما خلقك الله سبحانه، ولا تقل مثلًا: أنا أشتغل في شركة خمور، وعندي عيال! فإن عليك أن تبحث عن الرزق الحلال، وأن تبتعد عن الحرام ابتغاء مرضاة الله ﷾، أما أن تقول: ليس أمامي غير هذا العمل، كأنك أنت الذي ترزق نفسك، فلا، بل عليك أن تبحث عن أسباب الرزق الحلال، خذ بالأسباب ودع النتيجة على الرزاق الكريم ﷾، وهل تظن أنك تطيع ربنا سبحانه فيضيق عليك ولا يعطيك؟! الطاعة من ورائها الخير العظيم من الله سبحانه، فهو يرضى عنك ويرضيك ويعطيك.\nوقد قال ﷿ للنبي ﷺ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥] ولقد أعطى نبيه ﷺ وأرضاه وكذلك كل من يطيعه ﷾ يعطيه ويرضيه، لكن اصبر وابحث عن الحلال وابحث عن أسباب الرزق وسيأتيك رزقك الذي كفله الله ﷿ لك.\nقال في الحديث: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان) ينزل ملك لا يعصي الله ﷾، هو ملك خلقه الله ﷿ لهذه المهمة، ينزل من أجل أن يدعو لإنسان، وملك آخر يدعو على إنسان، الأول يدعو ويقول: (اللهم أعط منفقًا خلفًا)، أي: الذي ينفق ابتغاء وجهك يا رب! فاخلف عليه، والثاني يقول: (اللهم أعط ممسكًا تلفًا)، أي: الذي يمسك ويمتنع عن النفقة الواجبة مع القدرة فضيق عليه، فهنا الملك يدعو عليه، ولا ينزل الملك من أجل أن يدعو دعوة غير مستجابة، بل هذا الملك خلقه الله ﷿ لذلك، فالله يستجيب هذا الدعاء.\nفاحرص على أن تنفق من سعتك مما قدرك الله سبحانه، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]، وورد في الحديث أن السيدة عائشة ﵂ جاءتها سائلة تسأل فأعطتها تمرة، يعني: لم تجد في البيت سوى تمرة، فأعطتها الفقيرة، فكان لها أجرها.","vol":"12","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>النفقة على الأهل والعيال أفضل النفقات وأعظمها أجرًا</span>\nهنا ذكر الإمام النووي ﵀ حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك).\nانظر عظمة ربنا ﷾، وأنت عند إنفاقك تريد أن تفرح أهلك وتريد أن تطعم زوجتك وعيالك، وهو أحب إليك من إنفاقه على غيرهم، ومع ذلك فهو أكثر أجرًا من إنفاقك الدينار في الجهاد في سبيل الله ﷿، ومن إنفاقه في تحرير رقبة، وكذلك من التصدق به على مسكين.\nفإذًا: أعظمها أجرًا ما تنفقه على أهلك، طالما أنك تنفقه لتعف به نفسك وتعف به أهلك، وتمنعهم عن سؤال الناس، لكن على الإنسان أن ينفق على أهله بسماحة وهو محب للإنفاق، من غير تبذير ولا إسراف، وإنما يضع الأشياء في مواضعها.\nوعن أم سلمة قالت: قلت: (يا رسول الله! هل لي أجر في بني أبي سلمة أن أنفق عليهم؟)، عيال أم سلمة من أبي سلمة ﵄، وأم سلمة كان قد تزوجها أبو سلمة وتوفي عنها، وعوضها الله ﷿ من هو أفضل من أبي سلمة فقد تزوجها رسول الله ﷺ، وكان لها مال ﵂، فتسأل النبي ﷺ: (هل لي أجر أن أنفق على أولاد أبي سلمة)، الذين هم عيالها هي (فقال النبي ﷺ لها: نعم، لك أجر ما أنفقت عليهم).\nأي: كلما أنفقت على عيالك لك الأجر في ذلك.\nإذًا: ليس الرجل فقط له الأجر حين ينفق على عياله، والمرأة أيضًا إذا أنفقت على عيالها لها الأجر من الله ﷾.","vol":"12","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>الإخلاص والاحتساب في الإنفاق يقتضي الأجر والثواب</span>\nورد في حديث سعد بن أبي وقاص يقول النبي ﷺ لـ سعد: (وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله).\nيعني: أن تنفق النفقة وأنت تبتغي وجه الله ﷾، لا رياء ولا سمعة.\nثم قال: (إلا أجرت بها حتى ما تجعل في في امرأتك)، يعني: حتى الشيء الذي تستقله، وترى أنك تمزح وتضحك فيه، كأن تضع في فم امرأتك لقمة تمزح معها وتضحك فلك أجر في هذا الشيء الذي فيه ضحك.\nأيضًا في حديث أبي مسعود البدري عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا أنفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهي له صدقة).\nهذا فيه دليل على أن النية عظيمة جدًا، وتجارة رابحة مع الله ﷾، فكونك تنوي الخير وتعمله تؤجر عليه أضعافًا، وكونك تنوي الخير ولا تعمله تؤجر عليه، وكونك تنوي الشر نية جازمة تحاسب عليها عند الله ﷿؛ لأنك ما تركت فعل الشر إلا لأنك لم تتمكن منه، أما لو نويت الشر ومن ثم خفت من الله ﷿، فإنك تؤجر على ذلك حسنة.\nفإذًا: النية الحسنة مع الله ﷿ تجارة رابحة وعظيمة، بل الإنسان الذي ينوي الخير ومن ثم يرجع فيه، بأن يمد يده في جيبه ليخرج صدقة، ومن ثم بخل ولم يخرجها، فإنه يؤجر عليها، انظر إلى كرم ربنا ﷾، حيث يأجره؛ لأنه أراد فعل خير مع أنه لم يفعله، لكن لو تصدق أجر عليها بعشر أمثالها، إلى ما يشاء رب العالمين ﷾.","vol":"12","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>أعظم الإثم وأكبره تضييع الإنسان من يعول</span>\nورد في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: قال رسول الله ﷺ: (كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت).\nوفي رواية: (أن يضيع من يعول).\nوفي رواية: (كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته).\nيعني: الإنسان الذي يجمع المال ويترك أهله جياعًا ويحرمهم وهو معه المال، فهنا يقول لك: (كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت) فكونك تبخل على أهلك وتضيعهم حتى يموتوا من الجوع، أو يشحذوا من الناس أو يسرقوا وأنت قادر على الإنفاق، فإن هذا إثم عظيم جدًا، يكفي لإدخال صاحبه النار، كفاه هذا الإثم أنه ضيع من يعول ومن يقوت.\nورد في حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول)، (اليد العليا) أي: يد المعطي هي اليد العليا، ويد الآخذ هي اليد السفلى.\n(وابدأ بمن تعول) يعني: وابدأ بالنفقة على نفسك وعلى زوجتك وعلى العيال، فهؤلاء أولى من الغريب، بعد ذلك أخرج للغير بحسب ما يقدرك الله ﷾.\nقال: (وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى) يعني: كأنه يحث الإنسان إن تصدق ألا يتصدق بكل ما عنده، بل يبقي لنفسه وأهله وعياله ما يغنيهم ويعفهم، بحيث لا يحتاج إلى أحد من الناس.\nفقوله: (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى) يعني: إذا كنت غنيًا فأنفق، وإذا كنت فقيرًا وليس عندك إلا ما يكفيك فأبدأ بنفسك وعيالك، ولك الأجر في هذا الشيء، قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦].\nومن كرم ربنا ﷾ أنه لم يجعل في مالك حقًا للغير وأنت محتاج إليه، بل أمرك أن تبدأ بنفسك وأهلك وعيالك، وما زاد فأعط للغريب ولمن يحتاج.\nقال في الحديث: (ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله).\nقوله: (من يستعفف) الجزاء من جنس عمل الإنسان، فالإنسان عليه أن يكون عفيفًا معززًا له كرامته، فهو لا يمد يده إلى أحد.\nقوله: (ومن يستغن يغنه الله) أي: إذا استغنى المرء بالله أغناه، والغنى غنى النفس لا المال، فهو قد يستغني بالشيء اليسير، ولا يمد يده إلى الناس؛ لأن الله ﷿ لم يحوجه إلى أحد من خلقه أبدًا.\nأما الإنسان الذي ينظر إلى ما في يد الناس ويحسدهم ويتمنى أن يصير ما عند الناس عنده، والناس ليس عندهم شيء، فهذا الإنسان يملأ الله ﷿ قلبه فقرًا، ومهما أعطاه من مال فهو يحس أنه فقير وأنه محتاج.\nإذًا: من يتعفف يعفه الله ويجعله عفيفًا، ويعطه ما يعفه عن سؤال الخلق، ومن يستغن بالله ﷾ يغنه الله؛ هذا وعد صادق من رسول الله ﷺ أن الله يغنيك إذا تعففت وإذا استغنيت عن الخلق بالخالق ﷾.","vol":"12","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>حث المرء على الإنفاق مما يحب</span>\nيقول الإمام النووي: [باب الإنفاق مما يحب ومن الجيد].\nيعني: الشيء الذي تحبه تنفق منه ولا تنفق الشيء الرديء الذي لا تحبه، بل إذا تصدقت فتصدق بالشيء الذي مثلك يأكله، أما أنك تتصدق بالحاجة التي لا تأكلها، فتقول: بدل ما أرميها في الزبالة أعطيها للفقير، نقول: هذا لا ينبغي؛ لأن الله تعالى قال في الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] أي: لن تنالوا هذه الدرجة العالية درجة الأبرار وتجمعوا خصال الخير حتى تنفقوا مما تحبون.\nجاء في الحديث عند الطبراني بإسناد صحيح: (أن رجلًا مر على النبي ﷺ وأصحابه فرأوا من جلده ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله! لو كان هذا في سبيل الله؟)، يعني: أن الرجل قوي ويعمل بجد وبهمة وبنشاط، فلو كان يجاهد في سبيل الله لكان أحسن، فقال لهم ﷺ: (إن كان خرج يسعى على أولاد صغار فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان).\nيعني: جعل النبي ﷺ من يعمل بهمة ونشاط وحب للعمل من أجل النفقة الواجبة على نفسه وعلى أولاده جعل كل ذلك في سبيل الله ﷾، لم يضيق علينا في النفقة في سبيل الله بحيث يحصرها في الجهاد، بل تكرم علينا ربنا سبحانه فأخبرنا على لسان نبينا ﷺ أن من خرج يسعى على أولاد صغار فهو في سبيل الله، يعني: أجره كأجر المجاهد في سبيل الله سبحانه، وكذلك من خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، ومن خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، لكن من خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان.\nفكونك تصلي الفريضة فأنت في سبيل الله ﷿ ومأجور على صلاتك، وتصلي النافلة أنت مأجور على ذلك، وتخرج إلى العمل من أجل أن تكسب مالًا لتعف نفسك وأهلك فأنت في سبيل الله، وعندما تنام من أجل أن تستريح حتى تقوم لتصلي الفريضة فإن نومك في سبيل الله وقيامك في سبيل الله وعملك ونشاطك في سبيل الله، حتى في مداعبة الرجل أهله وفي جماعه أهله يؤجر على ذلك، فهذا من كرم ربنا ﷾ على عبيده، فانظر إلى عظمة هذا الحديث.\nالحديث الآخر: يقول ﷺ: (إن المعونة تأتي من الله على قدر المئونة) يعني: الله ﷿ يعينك إن ذهبت للعمل من أجل نفقتك وأهلك، وما عليك إلا أن تسعى، فستأتي المعونة منه سبحانه على قدر المئونة فلا تكسل، بل اعمل وإن كان العمل الآن لا يأتي بالثمن الكبير، ولكن على الأقل عملت وأريت الله من نفسك أنك بذلت الجهد وبحثت وتعبت في هذا العمل الذي لقيته على قدر الحال، فالله ﷿ يعطيك الأجر، وييسر لك ما هو خير لك، لكن كونك تجلس وتنتظر الرزق يأتيك من السماء فلا، إن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، بل اخرج واسع وابحث عن الرزق، ورزقك يأتيك طالما بحثت.\nقال النبي ﷺ في هذا الحديث الصحيح: (إن المعونة تأتي من الله على قدر المئونة، وإن الصبر يأتي من الله على قدر البلاء)، يعني: الله ﷿ لا ينزل بالعبد بلاء لا يقدر أن يصبر عليه، لأن من رحمة الله بعباده وعدله وكرمه أن أنزل البلاء على قدر صبر الإنسان، وكلما ازداد الإنسان قربًا عند الله، وازداد محبة عند الله زاده بشيء من البلاء؛ حتى يرفع درجته.\nيذكر الإمام النووي من الآيات في هذا الباب قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٢٦٧]، يعني: لا تأتى إلى الأشياء الرديئة وتعطيها للفقير، مثلًا: في زكاة الفطر يخرج الإنسان أردأ أنواع التمر ويعطيه للفقير، هذا لا ينبغي، لكن أخرج الشيء الذي تأكله وأعطه للفقير، الطعام الذي تأكله تصدق به، فالإنسان قد لا يكون له نفس أن يأكل هذا الطعام؛ لأنه بائت، ولكنه حلو وجيد ومثله يؤكل، فلا بأس أن يتصدق به، لكن يكون عنده طعام قد تغيرت رائحته ويتصدق به فلا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢٦٧]، يعني: هذا الشيء الذي لا ترضى أن تأخذه ولا أن تشتريه إلا أن تتساهل وتتسامح في أخذه، فهذا لا يجوز لك أن تنفق من مثله، ولكن أنفق من خير ما أعطاك الله ﷾.","vol":"12","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>مسارعة الصحابة إلى الإنفاق من المحبوب</span>\nيقول لنا أنس بن مالك ﵁: (كان أبو طلحة ﵁ أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢]).\nانظروا تطبيق الصحابة رضوان الله ﵎ عليهم، وليس مطلوبًا منك أن تفعل كفعلهم، ولكن المطلوب منك أن تنفق من الشيء الذي تقدر عليه، وربنا أوجب عليك الزكاة (٢.\n٥%)، فاقتد بالصحابة ومهما أنفقت فلن تبلغ مد أحدهم ولا نصيفة، كما قال النبي ﷺ، ولكن نتأمل في سيرتهم وكيف بلغوا المبلغ العظيم في عبادتهم ربهم، وفي إنفاقهم أحب الأموال إليهم.\n(قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢]، قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إن الله تعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] وإن أحب مالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله تعالى أرجو برها وذخرها عند الله تعالى).\nيعني: قال الله ﷿: (مِمَّا تُحِبُّونَ) ولم يقل: حتى تنفقوا أحب الأشياء إليكم، وهذا تكرم من الله سبحانه، فقوله: (مِمَّا تُحِبُّونَ) يعني: أنت تحب أشياء فأنفق من هذه الأشياء التي تحبها لا كلها، و(من) تبعيضية.\nفـ أبو طلحة كان أعظم شيء يحبه حديقة كاملة فتصدق بها، وهذا شيء كبير جدًا ولكن كانت نظرته للدار الآخرة، كأنه يقول: أنا سأعطي هذه الحديقة وربنا سيعطيني أفضل وأحسن من هذه الحديقة بكثير، فقال للنبي ﷺ: (وإنها صدقة لله تعالى أرجو برها وذخرها)، أي: أرجو البر على ذلك، وأن تكون مدخرة لي عند الله ﷾.\nقال: (فضعها يا رسول الله! حيث أراك الله)، يعني: تصرف فيها كما تحب حيث أراك الله سبحانه.\nفقال النبي ﷺ: (بخ بخ! ذلك مال رابح، ذلك مال رابح)، يعني: تعجب النبي ﷺ لإحسان هذا الرجل ولعظيم صدقته، فقال: (بخ) وهي كلمة تقال للتعجب، فهو ﷺ تعجب من فعل هذا الرجل الطيب رضي الله تعالى عنه، ولتفخيم أمر الصدقة التي أخرجها، فقال النبي ﷺ: (ذلك مال رابح) يعني: أن لك الربح من الله والأجر العظيم على صدقتك، لا يضيع عند الله سبحانه، بل يربحك عليها الأجر العظيم.\nفقال ﷺ: (قد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين)، وهنا النصيحة العظيمة الذي يعلمها لنا النبي ﷺ، عندما يأتي إليك إنسان بمال كثير ويقول لك: أنفق هذا المال، قد تقول: آخذ منه المال وأنفقه من أجل أن يكون لي نصف الأجر، لكن اصبر قليلًا وانظر ماذا فعل النبي ﷺ، لم يقل: هات المال وأنا سوف أتصدق به، بل قال له: اجعله في الأقارب الفقراء، ومعلوم أن الدال على الخير له مثل أجر فاعله، فهو ﵊ نصحه وأرشده إلى أنه إذا كان هناك أحد في أقربائك فقير فأنفق هذا المال عليه، حتى تكون له صدقة وصلة ويحصل على أجرين.\nفقال ﷺ: (وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، فقال أبو طلحة ﵁: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه).\nنتعلم من ذلك أننا ننصح لغيرنا كما ننصح لأنفسنا، ونتعلم أن على الإنسان أن يخرج من طيب ماله الذي يرجو بركته، ويرجو الأجر من الله ﷿ عليه، فينفق لله ويحتسبه، وما نقص مال من صدقة، كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه، والصحابة كانوا ينفقون نفقات عجيبة جدًا، وكان ربنا ﷾ يعطيهم أضعافًا مضاعفة.\nوهذا عبد الرحمن بن عوف كان ينفق نفقات عجيبة جدًا، ويقال إن عبد الرحمن بن عوف لم يجب عليه في ماله زكاة؛ لأنه كان ينفقه قبل أن يحول عليه الحول ويتصدق به، وربنا يعطيه مثله وأضعافه، وكان يسمع أن الفقراء يسبقون الأغنياء يوم القيامة بنصف يوم، فهو ينفق من أجل أن يدخل مع الفقراء، فربنا سبحانه يعطيه بنيته، وقد شهد له النبي ﷺ بأنه أحد العشرة الذين بشروا بالجنة، ومع ذلك كان ينفق ويعطي ولم يتكل على ما قاله النبي ﷺ.\nوهذا الزبير بن العوام قيل: كان عنده من العبيد ألف، الذين يعملون ويأتونه بالأجرة، وكان تاجرًا محظوظًا، وكان ابن عمة النبي ﷺ وحواري رسول الله ﷺ، وكان من المتصدقين ومن أهل الكرم رضي الله تعالى عنه، فقد كان الألف عبد يأتونه بالأجرة، فيأخذ الأجرة ولا يأكل منها أبدًا، وإنما يجعلها كلها لله ﷿، ينفقها في سبيل الله ﷾، فكان ربنا ﷾ يبارك له في ماله.\nوهذا أبو بكر الصديق ﵁ كان ينفق ماله كله في سبيل الله ﷾، وعمر بن الخطاب كان ينفق نصف ماله في سبيل الله ﷾، وكانت نفقاتهم عظيمة، فقد كانوا يرجون بها أن يعفو الله تعالى عنهم يوم القيامة ويدخلهم جنته.","vol":"12","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>وجوب أمر الرجل أهله وأولاده بالمعروف ونهيهم عن المنكر</span>","vol":"12","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>أمر الرجل أهله بالصلاة والطاعات</span>\nيقول الإمام النووي: [باب وجوب أمره أهله وأولاده المميزين، وسائر من في رعيته بطاعة الله تعالى، ونهيهم عن المخالفة، وتأديبهم ومنعهم من ارتكاب منهي عنه].\nأي: يجب على الإنسان أن يأمر أهله بالمعروف وينهاهم عن المنكر.\nقال الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢]: أي: قال تعالى للنبي ﷺ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ فهل يا ترى كان يمكن أن يقصر ﷺ؟ لا، لم يقصر في ذلك أبدًا، ولكن من باب (إياك أعني واسمعي يا جارة)، يقول ذلك للنبي ﷺ الذي لم يقصر في ذلك، حتى كأنه يقول: الكلام لكم أنتم، اسمعوا ومروا أهليكم بالصلاة واصطبروا عليها، كما أمر النبي ﷺ أن يأمر أهله بالصلاة.\nوالرجل حين يأمر أهله بالصلاة قد لا يستجيبون لأمره، لعلهم يتوانون ويتأخرون، فقد يكسل في أمرهم، فقيل له: اصبر ولا تطاوعهم؛ لأنك لو طاوعتهم سيضيعون وتضيع معهم بل مرهم بصلاة الفريضة بأن يصلوها في بيت الله سبحانه، يأتي وقت الفجر توقظ أهل البيت ليؤدوا صلاة الفجر، تأمرهم بذلك وتصطبر على ذلك.\nقال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم:٦]، يحب الإنسان أن يقي نفسه بلاء الدنيا، ومصائب الدنيا، وأمراض الدنيا، فعندما يسمع بوجود تطعيم من وباء كذا، تراه يجري ليطعم نفسه، ويطعم عياله من أجل ألا يحصل لهم ذلك الوباء، هذا في الدنيا، فهنا لو نظر الإنسان نظرة إلى الدار الآخرة، هل ممكن الخائف على عياله من مرض في الدنيا ووباء أن يضيعهم يوم القيامة ويدخلون النار؟ ليس ممكنًا، ولكن قد يسهو الإنسان وينسى الآخرة فربنا يذكره، ويأمره بأن يقي نفسه وأهله نارًا وقودها الناس والحجارة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم:٦]، أي: أن تقي نفسك وأهلك.","vol":"12","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>تأديب النبي ﷺ للحسن ومنعه من فعل المحرم</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال: (أخذ الحسن بن علي ﵄ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال رسول الله ﷺ: كخ كخ، ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة).\nكان النبي ﷺ من أشد الناس حنانًا على أهله، فقد كان ﷺ يشم الحسن والحسين ﵄ ويقول: (هما ريحانتاي من الدنيا)، صلوات الله وسلامه عليه، وكان ﷺ يمكن الحسن أو الحسين وهو ساجد أن يصعد على ظهره، كل هذا من حنانه ﷺ معهما، لكنه عندما أخذ شيئًا حرامًا لم يسكت ﵊ على ذلك، مع أن الحسن كان طفلًا صغيرًا، وعندما مد يده وأخذ تمرة واحدة من تمر الصدقة ووضعها في فمه لم يتركه يأكلها، وقال: سأدفع ثمنها، بل أمره برميها من فمه، فإذًا: يؤدب الصغير على مثل ذلك ولو بإخراج اللقمة الحرام من فمه.\nيقول ﷺ: (كخْ) وفي رواية: (كخٍ).\nقوله: (أما علمت أنا لا نأكل الصدقة) يعني: أن النبي ﷺ يعلم الصبي وهو صغير ويقول له: نحن لا نأكل الصدقة ولا يحل لنا ذلك، ومع أنه صبي صغير فقد أمره النبي ﷺ بالمعروف ونهاه عن المنكر، وإن كان الصبي ليس مخاطبًا بالتكليف وليس مكلفًا، ولكن النبي ﷺ يعلمه بأنه لا يجوز لك أن تأخذه حتى ولو كنت لست مكلفًا.","vol":"12","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>تعليم النبي ﷺ لربيبه عمر بن أبي سلمة آداب الأكل</span>\nورد في حديث آخر لـ عمر بن أبي سلمة ابن زوجة النبي ﷺ وربيبه، وكان في حجره وهو صبي صغير، يقول: (كنت غلامًا في حجر رسول الله ﷺ، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله ﷺ: يا غلام! سم الله تعالى -أي: قل باسم الله- وكل بيمينك وكل مما يليك).\nينبغي تعليم الصبي آداب الأكل بحيث لا يأكل بشماله ولا يبطش بيده في الطعام من كل جهة وإنما يأكل من أمامه، حتى إذا كان مع الناس لا يمد يده قبل غيره، وإنما يسمي الله ﷾، ولا ينتقي أحسن المأكولات ويأكلها ويترك غيرها.\nإذًا: لا بد من التعليم، يعلم الطفل كيف يأكل، بحيث يقول قبل أن يمد يده: باسم الله، ولا يأكل إلا من مما يليه، كذلك يعلمون كيف يدخلون المساجد، حتى لا يحدثوا فوضى فيها، فالطفل إذا لم يعلم ويؤدب فقد يقل أدبه على الكبار، وإذا كبر صار قليل أدب.\nعندما تجد طفلًا صغيرًا في الجامع يقل أدبه أو يجري أمام المصلين فخذه وعلمه الأدب ولا تقس عليه، ولكن علمه الأدب، ولا تسكت على المنكر وأنت تراه، وبعض الإخوة إذا أنكرت على عياله يقول: وأنت ما شأنك، لقد كان الحسن والحسين يركبان على ظهر النبي ﷺ! نقول: أولًا: ابنك ليس الحسن ولا الحسين، ثانيًا: النبي ﷺ أمر الحسن أن يرمي تمرة الصدقة من فمه، والنبي ﷺ دخل المسجد ذات مرة وأمامة بنت بنته ﷺ فوقه، من أجل ألا تؤذي الناس بأن تجري بين الصفوف، أو تبكي، فكان ﷺ إذا قام رفعها وإذا نزل وركع أو سجد وضعها، فهو ﷺ أمسكها حتى لا تؤذي أحدًا من الناس.\nفلا آتي أنا بابني من أجل أن يتدلع في المسجد، فإذا قام إنسان وأمره أو نهاه غضبت، لا؛ لأن ابنك الذي يؤذي إنسانًا في المسجد عليك إثمه؛ لأنك لا أمرته بمعروف ولا نهيته عن منكر، بل منعت غيرك من أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.\nفإذًا: من أراد أن يأتي بولده المسجد فلا يأتي به إلا وهو في السن الذي يعقل فيه الصلاة، بأن يكون عمره سبع سنوات، وتعلمه أدب المسجد، ويكون مكانه خلف الصفوف لا أن تجعله يجري أمام الناس، ولا يكون في الصفوف الأولى؛ لأنهم بعد أن يدخل الإمام في الصلاة يخرجون من الصفوف، فتحدث فرجات بين الصفوف، فمن يتحمل هذا الشيء؟ نقول: إن قطع الصفوف لا يجوز وإثم ذلك على والد هذا الطفل الذي ترك فرجة في الصف.\nفاتقوا الله ﷾ في أنفسكم وفي بيت الله! كذلك الذين يأتون بأطفالهم في صلاة التراويح، فتجد الواحد يأتي بابنه ويعطي له (آيسكريم) في يديه، فهو يأكل ويبعثر في المسجد، أنت بهذا الشيء ما الذي يؤمنك أن أحدًا يدعو عليك وعلى ابنك فتصاب بشؤم عمل ابنك في هذا المسجد.\nاتقوا الله! إنما بنيت المساجد لما بنيت له، تعلم ابنك الأدب حين تأتي به إلى بيت الله ﷾، كذلك النساء تجد الواحدة منهن تأتي بمجموعة من عيالها، الناس يصلون وهي لا تصلي، وإنما جاءت لتسمع الدرس؛ لأنها حائض وعيالها حولها يؤذون النساء وقت الصلاة.\nالذي يأتي من أجل أن يسمع الدرس، أو يأتي من أجل صلاة الجماعة عليه أن يحترم المسجد ولا يأتي ليزعج أحدًا بعياله، وإذا كان العيال يزعجون الناس فاتركهم في البيت.","vol":"12","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>حث المسلم على القيام بالواجب تجاه من ولاه الله عليهم</span>\nورد من حديث ابن عمر أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، الرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، فكلكم راع ومسئول عن رعيته).\nلم يكن أحد إلا وهو راع ومسئول، إما أن تكون رجل البيت، وإما أن تكون المرأة هي الزوجة في البيت، وإما أن يكون الخادم، أو العامل في العمل، فكل إنسان مسئول عن عمله، سيسأله الله ﷿ يوم القيامة.\n(كلكم راع)، بدأ بالجمع ثم فصل هذا الجمع فكل إنسان مسئول عن رعيته، أنت في بيتك مسئول عن زوجتك وأولادك، وأنت في عملك مسئول عمن تحت يدك، ومسئول عما استأمنك الله ﷿ عليه، لا تقصر ولا تفرط، فالله ﷾ سيسألك فأعد للسؤال جوابًا، انظر ما تقول لربنا يوم القيامة، فالرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، فهي مسئولة عن أولادها، وعن مال زوجها وعن نفسها.\nوكذلك إذا كان خادمًا أو أجيرًا، فإنه مسئول عن مال الإنسان الذي جعله خادمًا أو أجيرًا، سيسأل يوم القيامة عن هذه الرعية، والعامل في عمله مسئول عن عمله، هل أتقن أو لم يتقن، فما تحت يدك من المال أو غيره فأنت مسئول عن الصغير والكبير يوم القيامة، (فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته).","vol":"12","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>أمر الأولاد بالصلاة لسبع وضربهم عليها والتفريق بينهم في المضاجع لعشر</span>\nأخرج أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين) أي: تعلم الولد الصلاة وهو ابن سبع سنين، وكونك تعلمه وهو ابن سنتين أنت حر، لكن ليس في المسجد ولكن في البيت؛ لأنه ما زال صغيرًا لا يفهم، وقد يؤذي الناس في بيت الله سبحانه.\nيقول النبي ﷺ: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين) أي: إذا كان عمر الطفل سبع سنين فإنه يؤمر بالصلاة ويعلم.\nقوله ﷺ: (واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين)، يعني: يتعلم الطفل الصغير الذي عمره سبع سنين الصلاة بأركانها وشروطها، ويعلم كيف يتوضأ ويتطهر للصلاة، ويؤمر بالصلاة، ويصطحبه والده إلى المسجد ليتعلم مع الناس، ويحترم بيت الله ﷾.\nفقوله: (واضربوهم عليها وهم أبناء عشر)، أي: الطفل إذا بلغ عشر سنين وتكاسل عن الصلاة فاضربه ضربًا غير مبرح، مع أنه غير مكلف، لكن مع ذلك إن تكاسل عن الصلاة فإنه يضرب، من أجل أن يحافظ على الصلاة، بحيث يبلغ هذا الصبي وهو يعرف الصلاة ويعرف أحكام الصلاة، من الوضوء، والطهارة والشروط والأركان، والواجبات والنوافل والهيئات، فيتقن هذه الصلوات، ولا تحتاج بعد ذلك لا لضرب ولا غيره.\nوعندما تأتي إلى المسجد ومررت على أشخاص في الشارع لا يصلون فسلم عليهم وقل لهم: تعالوا نصلي! إذا كنت مأمورًا بأن تأمر الصبي الصغير بالصلاة، فالكبير من باب أولى، لا تقل: نفسي نفسي؛ لأن نفسي نفسي ليوم القيامة فقط، أما في الدنيا فلأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من الدنيا وما فيها، وفي رواية: (لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك مما طلعت عليه الشمس)، أي: تطلع الشمس على الكرة الأرضية كلها فهداية شخص على يديك خير لك مما فيها.\nفاسأل نفسك كل يوم: كم أمرت الناس بالمعروف ونهيتهم عن المنكر، إذا فعلت هذا الشيء فلك أجر عظيم عند الله، وتجارة رابحة، وليس شرطًا أن يستجاب لك، فكم من إنسان نقول له: تعال صل، يقول: نعم سآتي وراءك الآن ولا يأتي، وثاني يوم وثالث يوم، وبعد سنة تلقاه قد أتى ليصلي لوحده، فهذا الذي هداه هو الله ﷾، لكن أنت سبب من الأسباب.\nلا تيئس من أحد أبدًا، دعوت شخصًا اليوم ولم يستجب فلا تيئس، بل واصل دعوته، وفي يوم من الأيام لعل الله ﷿ أن يهديه ويكون لك الأجر، لكن لا تعامل الناس بعنف، ولا تقل: هلك الناس، ففي الحديث: (من قال: هلك الناس فهو أهلكهم)، لا تلح على إنسان بالقوة، فقد يكون عنده عذر، كأن يكون على جنابة وما كان يصلي، فكيف يدخل المسجد وهو على هذه الصورة؟! ليس الصلاة فقط، لعل إنسانًا عنده مال ولا يؤدي زكاة ماله، ولا يعرف أحكام الزكاة، فهذا تعلمه وتقول: زكاة المال حكمها كذا وكذا، والمفروض عليك أنك تؤدي كذا.\nأذكر واحدًا من المصلين معنا في المسجد وهو رجل كبير في السن أتاني مرة وقال لي: أنا عندي مال ولا أعرف الزكاة، ويقول لي: أنا أتصدق كثيرًا لكن لا أعرف الصدقة من الزكاة.\nإذًا: نعلم الناس ما يجهلونه من أحكام، فالإنسان المسلم في كل مكان يدعو الناس إلى الله ﷾؛ لأن حياة المسلم كلها دعوة لله ﷾.\nثم قال ﷺ: (وفرقوا بينهم في المضاجع) أي: تفرق بين الذكور والإناث، لا تنام البنت بجانب الولد الذي عمره عشر سنين، بل يفرق بين الجميع، كل واحد في سريره عند مرحلة البلوغ أو قبيل البلوغ؛ يعتاد الولد أنه لا يطلع على العورات أو لا ينظر إلى ما يحرم.","vol":"12","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>وجوب تعليم الأولاد الصلاة</span>\nمن الأحاديث في هذا الموضوع حديث آخر يقول لنا ﷺ: (علموا الصبي الصلاة لسبع سنين)، قال في الرواية الأولى: (مروا أولادكم)، وهنا قال: (علموا)، يعني: أن أقول له: صل يا ولد، فهو قد يصلي الصلاة أربع ركعات أو خمس ركعات؛ لأنه لا يدري كيف يصلي؛ فلذلك قال: (علموا الصبي) أي: تعلمه الصلاة، تسأله: هل تعرف كيف تصلي أو لا تعرف؟ تعال فأرني كيف تصلي، هل تحفظ الفاتحة أو لا تحفظها؟ اقرأ علي الفاتحة، وقد يوجد أناس كبار في السن لا يحفظون الفاتحة، فهؤلاء يعلمون دون إحراج.\nإذًا: إذا علم الإنسان غيره كيف يقرأ فاتحة الكتاب فإنه يؤجر عليه، لو أن شخصًا قال لنا: أنا لا أحفظ التشهد، نقول له: إذا لم تحفظ التشهد فقل: سبحان الله والحمد لله، حتى تحفظ التشهد، ولكن قبل ما تقول له قل: سبحان الله والحمد لله، قل له: اكتب التشهد في ورقة وضعها أمامك وأنت تصلي واقرأها؛ لأننا نقرأ في أبواب الفقه أن التشهد واجب، وأقله أن يقول: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله! هذا أقل ما يكون في التشهد.\nفكون الإنسان يحتسب ويجلس مع الشخص الذي لا يحفظ التشهد خمس دقائق، سيحفظ التشهد ويصلي ما شاء الله له من صلاة، ويكون لي فيها الأجر العظيم.\nقوله: (علموا) لقد بعث الله النبي ﷺ معلمًا ومؤدبًا ومربيًا، فقد كان صلوات الله وسلامه عليه يعلم الناس برفق، فهذا ابن مسعود يقول: (كان رسول الله ﷺ يعلمني التشهد كفي في كفه أو يدي في يده كما يعلمني السورة من القرآن)، فكذلك أنت أيها الداعية إذا وجدت إنسانًا يقول لك: أنا لا أحفظ الفاتحة، فلا تستسهل الأمر وتقول له: قل: سبحان الله والحمد الله؛ لأنه قد يستمر على ذلك إلى أن يموت، ولكن علمه الفاتحة، وقد تلقى الكثير من هؤلاء يقول لك: أحفظ آيات منها، لكن يحتاج إلى من يرتبها له، فأنت لو حفظته، فإنك تؤجر على هذا الشيء من الله ﷿.","vol":"12","page":14},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-113> حق الجار والوصية به</span>\nأوصانا ديننا الإسلامي بالجار وأوجب علينا الإحسان إليه بالطعام وغيره، وعدم أذيته، وحرم علينا التطلع إلى عوراته.\nكما أوجب علينا طاعة الوالدين والإحسان إليهما، وخفض جناح الذل لهما، وأمرنا بالإحسان إلى الأقارب وحرم علينا قطيعتهم.","vol":"13","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>الأمر بالإحسان إلى الجيران</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم.\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب حق الجار والوصية به.\nقال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣٦].\nوعن ابن عمر وعائشة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)، متفق عليه.\nوعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يا أبا ذر، إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك)، رواه مسلم.\nوفي رواية له عن أبي ذر قال: (إن خليلي ﷺ أوصاني إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف)].\nوالجار هو المجاور في السكن أو المكان، ومنه المجاورة في الاعتكاف بمعنى: المجاور في المسجد في فترة الاعتكاف.\nوالجار له حق على جاره، والإسلام يوصي بالجار وصية عظيمة سواء كان ذلك في القرآن أو في سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nففي القرآن، قال الله ﷿: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦] فبدأ بعبادة الله سبحانه وتوحيده ثم ذكر أصحاب الحقوق فقال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء:٣٦]، أيْ: أحسنوا إلى الوالدين إحسانًا وإلى ذوي القربى وهم أرحام الإنسان وعصباته، ثم قال: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء:٣٦]، فبعد ما وصى الله بالوالدين وبالقرابات، وصى باليتامى والمساكين وهم أهل الحاجة، ثم وصى بالجار.","vol":"13","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>أنواع الجوار في القرآن</span>\nوالجوار على ثلاثة أنواع: النول الأول: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء:٣٦] وهو من تجمعك وإياه قرابة نسب وجوار، فهذا له حق الجوار وحق القرابة.\nالنوع الثاني: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء:٣٦] وهو الجار الغير القريب، الذي لا يوجد بينك وبينه نسب ولا رحم ولا عصوبة، فالوصية فيه لكونه جارًا.\nالنوع الثالث: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء:٣٦] المصاحبة هي المجاورة، كمصاحبة الإنسان للإنسان في الطريق أو في دروس العلم أو في غير ذلك من أنواع المصاحبة على الخير، فأوصى الله ﷿ خيرًا في الجار من القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب.\nوكذلك أوصى بابن السبيل وهو الإنسان المسافر الذي نزل في مكان فيحتاج إلى نفقة، ثم أوصى بما ملكت أيمانكم.","vol":"13","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>الوصية بحق الجار</span>\nوالأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ كثيرة فمنها: حديث ابن عمر وعائشة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه).\nوصية جبريل للنبي ﷺ بأن يحافظ على جاره ويحفظه ويصنع له خيرًا، وهذه الوصية للنبي ﷺ ولأمته، وهذه الوصية ليست من قبل جبريل وإنما هي أمر من الله ﷿.\nولقد أوصى الله تعالى في القرآن بوصايا فقال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، وذكر ميراث البنت والزوج والزوجة والأخ والأخت وغير ذلك، وظن النبي ﷺ أنَّ الله تعالى سينزل آيات فيها الوصية بميراث الجار، فقال: (حتى ظننت أنه سيورثه).\nوالجار إما أن يكون جارًا وقريبًا في الوقت نفسه ويكون مسلمًا، أو يكون جارًا كافرًا، أو يكون جارًا مسلمًا فهؤلاء لهم حقوق.\nفإذا كان الجار مجاورًا وقريبًا ومسلمًا فله ثلاثة حقوق: الحق الأول: حق الجوار، جنبك وبجوارك فأنت ستعرف مدخله ومخرجه، ويحتاج إليك وتحتاج إليه.\nوالحق الثاني: حق الإسلام، وللمسلم على المسلم حقوق.\nوالحق الثالث: حق القرابة، إذا كان بينك وبينه رحم.\nفإذا كان جارًا غريبًا ولكنه مسلم، فله حق الجوار وحق الإسلام عليك.\nوإذا كان جارًا كافرًا فليس له إلا حق الجوار، فلا تؤذ جارك.\nفهذه الحقوق التي أمرنا الله ﷿ بأدائها، فلو أن كل إنسان عرف الحقوق وأدَّى الواجبات لاستراح الناس، وكل إنسان يعرف الحقوق التي أوجبها الله على عباده، فقد شرع لنا منهاجًا للحياة نعيش تحت ظله، فنأتمر بأمره وننتهي بنهيه، فيجب علينا مراعاة حق الجار فنحافظ عليه.\nوالمحافظة عليه كانت معروفة في الجاهلية، وكانوا يعدون ذلك من مكارم الأخلاق، فكانوا يرون أن الجار له حق عظيم جدًا وخاصة إذا كان الجار ليس موجودًا فيراعون حق زوجته أو كريمته، ويغضون الطرف عنها، يقول عنترة بن شداد وهو شاعر جاهلي: وأغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها فلم يؤمروا بغض البصر وإنما كان عندهم احترام للجار.","vol":"13","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>حكم من زنى بزوجة جاره</span>\nولما جاء الإسلام حرم الزنا وجعل من أشد الزنا وأفحشه أن يزني الرجل بحليلة جاره، فهذا من أعظم الكبائر فالمسلم مطلوب منه أن يحافظ على جاره.\nوالجار أقرب إنسان إليك سواء كان قريبًا أو غريبًا، فلو حصلت لك مصيبة فإنك ستستنجد بجارك فحافظ على حقوقه، فلا تنظر إلى نسائه أبدًا نظرة خائنة، فالجار هو الذي يزورك وأنت مريض، وهو الذي يمشي وراءك إلى قبرك فيدعو لك، وهو الذي تقبل شهادته عليك عند الله ﷾، وجارك أعلم بك.\nفلو قال جارك فيك بعد موتك: كنت رجلًا كريمًا مصليًا قارئًا للقرآن، فهذه الشهادة مقبولة عند الله سبحانه ﵎.\nولقد ورد في الحديث: (أن الصحابة مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا فقال النبي ﷺ: وجبت، ثم مروا بجنازة أخرى فأثنوا عليها شرًا، فقال النبي ﷺ: وجبت، قالوا: ما وجبت يا رسول الله؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في أرضه).\nفالمسلم العاقل ينفع جاره في الدنيا وفي القبر فيحرص على أن يثني عليه خيرًا، وإذا لم يثن عليه خيرًا فعلى الأقل لا يؤذيه بالكلام الخبيث، أو بفعل ضار يضره به، بأن يسرقه أو يتسلط عليه بالأذية وغير ذلك، فالمسلم يراعي حق الجار حتى لا يدعو عليه، وحتى تكون الألفة والمحبة بينهما.","vol":"13","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>مواساة الجيران بالطعام</span>\nومن الأحاديث التي جاءت عن رسول الله ﷺ: حديث رواه مسلم عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يا أبا ذر، إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك).\nفإذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، ولم يقل النبي ﷺ: فأكثر لحمها، لأنه ليس كل واحد سيجد اللحم، فأعطه شربة مرق فقد يكون فقيرًا محتاجًا فيدعو لك، ويبيت فرحانًا.\nوتعاهد الجار هو تفقد أحواله والسؤال عنها ابتغاء وجه الله ﷾.\nويقول في الرواية الأخرى: (إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف).\nأي: بشيء من المعروف ولا تحرم جيرانك.","vol":"13","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>جزاء الجار السيئ</span>\nومن الأحاديث التي جاءت عن رسول الله ﷺ: حديث لـ أبي هريرة في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن) أقسم النبي ﷺ ثلاث مرات وهو الصادق ﷺ فيما يقول، ليؤكد للناس الكلام الذي بعد القسم وليستحضروه فلا ينسوه.\n(قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه).\nوالبوائق معناها: الغوائل والشرور، وهذان الأمران لا يثاب عليهما الإنسان وينقصان من إيمانه، فإنَّ الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وهذا الفعل من أقل الأشياء التي يجب أن تؤديها، فترفع قشرة الموز لئلا يتزحلق فيها أحد فيتأذى بها، وذلك ابتغاء وجه الله لتحصل على الأجر.\nفإذا كان الإنسان يؤذي جاره فإنَّ إيمانه ناقص، فإنه مأمور بأن يرحم جاره وأن يتعاهده ويحافظ عليه.\nومن علامات الإيمان أن الإنسان يكرم جاره، ويتعاهده فيما يحتاج إليه ويقدمه إليه.","vol":"13","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>الصبر على أذية الجيران</span>\nوجاء في حديث رواه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁: (جاء رجل إلى النبي ﷺ يشكو جاره فقال له النبي ﷺ: اذهب فاصبر)، فأوصاه بالصبر لكي يستحي منه جاره فلا يؤذيه.\nثم شكاه مرة ثانية فقال له: (اذهب فاصبر)، ثم مرة ثالثة فقال له: (اذهب فاطرح متاعك في الطريق).\nهنا تأديب ذكي من النبي ﷺ لهذا الجار السيئ الذي يؤذي جاره، فهذا منظر غريب أن رجلًا يضع متاع منزله في الشارع، فيسأله الناس عن سبب ذلك، فيخبرهم أن جاره يؤذيه فيدعو الناس عليه، فلما بلغ الخبر إلى الجار المؤذي أن الناس يلعنونه وستستجاب دعوتهم وأن النبي ﷺ أمر جاره بذلك، فذهب إليه وقال له: ارجع ولا ترى مني شيئًا تكرهه.\nفهذا تأديب من النبي ﷺ لمثل هذا الجار، وأيضًا تعليمه للجار الآخر بالصبر فإنَّ جزاءه الحسنى.\nوجاء في حديث أن النبي ﷺ قال: (إن شر الناس من اتقاه الناس مخافة شره).\nالإنسان الشرير فرح بنفسه ويحس أن أحدًا لا يجرؤ أن ينظر إليه فهذا من شر الناس، وخير الناس من أحبه الناس، وكان مؤمنًا لطيفًا يؤلف ويأتلف، حسن المعاشرة مع أهله ومع جيرانه.\nوشر الناس من اتقاه الناس مخافة شره، فلا يريد أحد أن يقابله.","vol":"13","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>النهي عن احتقار هدية الجيران</span>\nومن الأحاديث أيضًا: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة)، متفق عليه.\nيعلمنا النبي ﷺ التهادي ولو بالشيء القليل، ليعمق المحبة فيما بيننا، قال النبي ﷺ: (تهادوا تحابوا).\nإذا كانت الهدية بين المسلم وأخيه - إن لم يكن من ورائها غرض قبيح - قبلها الإنسان، ومن أهدي إليها شيء يسير فلا تحتقره ولو كان فرسن شاة، وهو آخر الساق من الشاة الذي فيه لحم قليل.\nوالمعنى: أن إنسانًا أهدى لك الشيء القليل ويرجو المحبة بينك وبينه، فلا تحرم نفسك من هذا ولا تحتقر المهدي إليك.","vol":"13","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>مساعدة الجيران في أمور مصالحهم الدنيوية</span>\nوحديث آخر لـ أبي هريرة أيضًا أن النبي ﷺ قال: (لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره) متفق عليه.\nقد يكون الجار فقيرًا ويريد أن يبني له غرفة أو عشة ومحتاج أن يضع الخشبة على جدرا دار جاره بحيث لا يتضرر البيت فلا يمنع من ذلك.\nثم قال أبو هريرة ﵁: (ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم) كأن أبا هريرة حدث بهذا الحديث وقد كان أميرًا وذلك لما اشتكى له بعض الناس أن جاره منعه أن يضع الخشبة في جداره، فقال للناس: والله لأرمين بها ولو بين أكتافكم.\nأي: فسوف أجعل الخشبة بين أكتافكم، والمعنى: طالما أنه شيء لا يؤذيك فلا تمنع الجار من ذلك لكي يدعو لك بالخير، ويكون بينك وبينه مودة.\nوكم من إنسان يمنع جاره من أشياء لا تضره كأن يمنعه من وضع حبل الغسيل في الجدار أو على السطوح بدعوى أن الجدار أو السطح سيتهدم أو يتكسر، وطالما أنك لن تتضرر فلا تمنع جارك.","vol":"13","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>عدم أذية الجيران من علامات الإيمان</span>\nوفي حديث آخر له أيضًا أن النبي ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت)، متفق عليه.\nمن علامات الإيمان وصفات المؤمن ما يلي: أولًا: عدم إيذائه لجاره، فلا يحل للمؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤذي جاره.\nثانيًا: إكرام الضيف، فلا يحل للضيف أن يحرج من نزل عنده.\nوأيضًا: لا يحل للمضيف أن يؤذي هذا الضيف، وأن يمتنع من إكرامه على قدر استطاعته.\nوأخبر النبي ﷺ أن حق الضيف ثلاثة أيام، فلا يحرجه ويطول الجلوس عنده.\nفإكرام الضيف مقرر في الشريعة، والمطلوب من الضيف أنه لا يؤذي هذا المضيف فلا يبيت عنده وهو يعلم أن بيته ضيق.\nثالثًا: من علامات الإيمان أن المسلم إذا تكلم نطق بالخير، وإلا فليسكت ليحسن قيامه بعمله، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]، طالما أن الإنسان سيسأل يوم القيامة.\nفإذا تكلم الإنسان بكلام فإنه سيؤاخذ ويحاسب عليه عند الله ﷿، ولا يحل للإنسان أن يكذب ليضحك من حوله، فإما أن يتكلم بخير أو يسكت، فإذا أراد أن يتكلم فليتكلم بالكلام الذي أبيح له شرعًا، فلا يجوز له أن يتكلم بالكذب، ولا بالفحش، ولا يشهد زورًا، فالمسلم يعرف ما الذي يجوز له أن يتكلم به وما يحرم عليه فيمتثل أمر الله سبحانه.\nومن الأحاديث أيضًا: حديث أبي شريح الخزاعي أن النبي ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره) رواه مسلم.\nولا شك أن المسلم عنده أخلاق حسنة، ومنها الإحسان إلى الخلق، فيحسن إلى الوالدين وإلى أقربائه وإلى جيرانه.","vol":"13","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>الجار القريب أولى بالمعروف من الجار البعيد</span>\nوعن السيدة عائشة ﵁ قالت: (قلت: يا رسول الله! إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك بابًا) رواه البخاري وأبو داود.\nأَيْ: من كان باب داره قريبًا من باب دارك فهو شريكك، فإذا دخلت دارك وفي يدك شيء فهو يراك لأنه قريب منك، أما البعيد فلا يرى، وقد تدخل مستخفيًا ولكن بعدما تصعد رائحة الأكل فيشمه الجار القريب فسيحتاج، فالنبي ﷺ يعلمك أن القريب أولى بالمعروف.","vol":"13","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>خير الجيران عند الله تعالى</span>\nوعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره).\nرواه الترمذي وقال: حديث حسن.\nخير الأصحاب خيرهم لصاحبه، وجاء في الحديث الآخر: (ما تحاب الرجلان في الله إلا كان أفضلهما أشدهما حبًا لصاحبه).\nإذا كان الرجلان متحابين في الله ﷿، فأحبهما إلى الله ﷿ الذي يحب صاحبه أكثر.\nفهنا علمنا النبي ﷺ أن خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، فلا يصاحبه لأجل الدنيا أو يريد أن ينتفع منه أكثر نفعًا، ولكن يحبه في الله ﵎، وكلما ازدادت المحبة كان أقرب إلى الله.\nوقوله ﷺ: (وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره).\nفالدين يعلمك إن تعمل العمل ولا تنتظر المكافأة عليه من الناس؛ لأنك إذا انتظرت المكافأة من الناس فإنهم سيتعبون منك، فاعمل لله ﵎، ولا تنتظر أجرًا ولا مدحًا ولا شكرًا من الناس؛ لكن انتظر الأجر من الله ﷿.\nوالمعاملة مع الناس متعبة ومع الله مريحة جدًا، فالمسلم يتعامل مع الله، فيحب في الله لأجل أن يحبه الله ﷿.\nويكرم جاره لكي يكون أفضل عند الله ﵎، فلا يكرمه لأجل أن يبادله بالإكرام.\nوالجار إذا تغاضى عن جاره ونظر للأجر والثواب عند الله ﷿ وأن الأجر على قدر العمل والمشقة فإنه سيستريح من الجار ومن الناس لأنه انتظر من الله ﷿ خيره وبره ورحمته سبحانه.\nوالمؤمنون يتفاوتون في درجات الجنة، فبعضهم أعلى درجة من البعض الآخر، لأنهم كانوا أحسن خلقًا ويكرمون الجيران وكانوا خير الأصحاب.\nوكان الصحابة رضوان الله عليهم يتسابقون في ذلك، فقد جاء الحديث أن رجلًا أراد أن يصلح جدرا حائطه فاعترضته نخلة كانت لجاره، ولا يتم إصلاح الجدار إلا بإزالتها، فذهب إلى جاره يستأذنه بإزالتها فرفض، ثم عرض عليه أن يبيع له هذه النخلة فرفض، فذهب إلى النبي ﷺ وأخبره بالخبر فقال النبي ﷺ للرجل: (أعطها له ولك نخلة في الجنة، فقال: لا أريد، فسمع أبو الدحداح رضي الله ﵎ عنه ذلك، فقال: أنا أشتريها منه يا رسول الله، فذهب إلى الرجل وساومه على أن يعطيه حائطه ثمن هذه النخلة، وكان في هذا الحائط ستمائة نخلة، فوافق الرجل.\nفذهب أبو الدحداح إلى امرأته وأولاده وقد كانوا في الحائط فناداهم بأن يخرجوا من الحائط)، أي: فإنه قد باعه بنخلة في الجنة، فأخذ زوجته وأولاده وترك الحائط لهذا الإنسان وصارت له نخلة في الجنة، والنخلة في الجنة شيء عظيم جدًا، ولكن هذا الجار بخل، ولذلك ساء خلقه ولم يستجب لأمر النبي ﷺ لكن أبا الدحداح ﵁ عرف وعد النبي ﷺ وما في الجنة من أشياء عظيمة، فلما مات أبو الدحداح ومشى النبي ﷺ في جنازته فقال: (كم من عذق رداح لـ أبي الدحداح)، والعذق هو العرجون.\nأي: كم من نخيل كثير لهذا الرجل العظيم أبي الدحداح مقابل ما فعله، وكان هينًا عليه أن يفعل ذلك؛ لأنه رباه النبي ﷺ على حب الله ﷿، وعلى حب رسوله ﷺ وعلى إكرام المسلمين؛ فرضي الله ﵎ عنه.\nإذًا: خير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره، والإنسان يكرم جاره ولا ينتظر منه جزاءً ولا شكورًا، لكي ينال الفضل من الله ﵎.","vol":"13","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>الأمر بالإحسان إلى الوالدين وصلة الأرحام</span>","vol":"13","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>وصية الله تعالى بالوالدين</span>\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [باب بر الوالدين وصلة الأرحام.\nقال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء:٣٦].\nوقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء:١]، والوالدان من الأرحام.\nوقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد:٢١]، والمؤمن يصل رحمه؛ لأن الله أمر بذلك.\nوقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت:٨].\nوقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء:٢٣].\nالوالدان هم الأب والأم، فالأم هي التي حملت ابنها تسعة أشهر وأرضعته حولين كاملين، والأب أحسن إليه حتى نشأ وشب وصار رجلًا.\nفالله ﷿ يوصي الإنسان بالوالدين إحسانًا، أي: أحسنوا إليهما إحسانًا عظيمًا وخاصة إذا بلغ الكبر أحدهما أو كلاهما، قال تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء:٢٣].\nوأف: كلمة تفيد التضجر.\nولا تنهرهما: أي لا ترفع صوتك في الكلام عليهما ولا ترد عليهما أمرهما ولكن أحسن إليهما ليبارك الله ﷿ لك في عمرك، فإذا عققتهما سلط الله عليك من أولادك من يعقك.\nوالأب والأم بركة إذا كانا عند أولادهما إذا تفاوتوا في خدمة الوالدين، أما إذا تركوهما بعيدًا ولم يسألوا عنهما فهذا ليس من الإحسان إليهما، ودعاء الوالدين لك سبب لدخولك الجنة، لذا فإن رجلًا ذهب إلى الصحابة يسألهم عن امرأة تعلمت السحر، ثم تابت وتريد أن تصوم لله ﷿، فقال الصحابة: إن كان لها أب أو أم لرجونا لها الله تعالى أن يعفو عنها.\nوالأب والأم كنزان عند الإنسان إذا أحسن إليهما استفاد من بركتهما، ومن أساء إليهما ضيع على نفسه دنياه وأخراه، وكم من إنسان متضجر من والديه ويتمنى موتهما وقد يضربهما، ثم يسأل بعد موتهما ماذا يفعل لهما؟ وقد أساء إليهما أيما إساءة، ومع ذلك فإن رحمة ربنا عظيمة فيغفر لمن يشاء سبحانه، لكنه ضيع فرصة عظيمة على نفسه كانت ستدخله الجنة، وهي دعوة الأب والأم فإنها باب في الجنة مفتوح.\nوقال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء:٢٤]، أي: اخفض لهما جناحك من شدة رحمتك بهما، وكن غاية في الرأفة والرحمة بهما حتى لكأنك ذليل أمامهما من شدة رحمتك لهما.","vol":"13","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>أحب الأعمال إلى الله تعالى بعد الصلاة</span>\nومن الأحاديث التي جاءت حديث ابن مسعود ﵄ قال: (سألت النبي ﷺ: أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، فجعله بعد الصلاة، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله).\nوأخر الجهاد على البر بالوالدين، لكن إذا تعين الجهاد فإنه يجاهد في سبيل الله ﷿ ولا ينتظر إذن الوالدين في ذلك، أما إذا لم يتعين الجهاد فيجب أن يستأذنهما في الجهاد في سبيل الله ﷿.\nفبر الوالدين جعله النبي ﷺ بعد الصلاة وقبل الجهاد في سبيل الله.\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يجزي ولد والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه)، رواه مسلم.\nأي: الشيء الوحيد الذي يمكن للولد أن يجزي به حق والده سواء كان أباه أو أمه، هو أن يجده مملوكًا فيشتريه ثم يعتقه.","vol":"13","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>جزاء قاطع الرحم</span>\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة)، فالرحم اشتق لها الرحمن ﷾ اسمًا من اسمه، ورحم الإنسان: قراباته، فالرحم تتعوذ بالله من أن تقطع (فقال الله ﷿: أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك.\nقالت: بلى.\nقال: فذلك لك).\nفهذا وعد من الله ﵎ أنه يصل من وصل الرحم، فيجب على الإنسان أن يصل أقربائه كأبيه وعمه وخاله وأخته وعمته وخالته وأبناء أخواته وأبنائه ولا يقطع رحمه.\nوجاء في الحديث الآخر: (حتى إن أهل الديار لا يصبرون على شيء من الذنوب، ولكن يصلون أرحامهم فيعطيهم الله ﷿ الغنى في الدنيا) فالإنسان الذي يرتكب الذنوب والمعاصي ولكنه يصل رحمه فإن الله تعالى قد يغفر له، لأن صلة الرحم عظيمة جدًا، قال الله ﷾: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣].\nفالذين أفسدوا في الأرض وقطعوا أرحامهم أصم الله ﷿ آذانهم وأعمى أبصارهم.","vol":"13","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>أحق الناس بحسن الصحبة</span>\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك) متفق عليه.\nحق الأم أعظم من حق الأب لأنها حملت ابنها تسعة أشهر وتعبت فيه تعبًا شديدًا، ثم ولدته وتعرضت لآلام شديدة، ثم أرضعته حولين كاملين، إلى غير ذلك من المتاعب التي تحملتها في سبيل ابنها.\nوفي رواية أن النبي ﷺ قال: (أمك ثم أمك ثم أباك، ثم أدناك أدناك) أي: راع أباك ثم أدناك أدناك، وهم الأقربون.","vol":"13","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>رغم أنف من أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخل الجنة</span>\nوجاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما فلم يدخل الجنة).\nرغم: من الرغام، وهو التراب، وهنا دعاء على الإنسان أن يوضع أنفه في الأرض، ومعناه: أن يذله الله إذا أباه وأمه وقد بلغا الكبر ومع ذلك لم يدخل الجنة.\nفالوالدان بابان من أبواب الجنة، فإذا أحسن الإنسان إلى الوالدين دعوا له وكان ذلك سببًا في دخوله الجنة.\nوفي الحديث الآخر: (أن رجلًا قال: يا رسول الله! إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال النبي ﷺ: لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك).\nأي: إن كنت كما قلت أنك تصلهم وهم يقطعونك وتحسن إليهم وهم يسيئون إليك، وتحلم عن جهلهم وعن سخطهم وعن شتمهم وهم يجهلون ويسيئون إليك؛ فكأنك تحط في فم هؤلاء الرماد الحار؛ ولا شيء عليك؛ لأنك تحسن إليهم.\nفلا تدع فرصة لهؤلاء إن يقولوا عنك بأنك قاطع للرحم، ولا تضيع على نفسك ثوابًا عند الله ﵎.\nفالمفترض في الإنسان المسلم أن يتعامل مع الله سبحانه ولم ينتظر إلى إحسان الناس.","vol":"13","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>بسط الرزق والبركة في العمر</span>\nوعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه).\nصلة الرحم سبب في زيادة الرزق زيادة حقيقة، وفي زيادة عمر الإنسان أي: البركة في عمره.\nفالإنسان الذي يصل رحمه يفتح الله له أبواب الرزق وإن لم يشعر بذلك، كأن يكون موظفًا وله راتب معلوم، فمن البسط في الرزق أنَّ الله يمنع عنه مرضًا أو فسادًا يضيع عليه ماله، فالله ﷿ أعلم ما يكون بالعبد منه.\nفالإمام النووي هو صاحب كتاب رياض الصالحين وكتاب المجموع وكتاب تهذيب الأسماء واللغات وكتاب روضة الطالبين، وكان الإمام النووي ﵀ له اثنا عشر درسًا، درس في الحديث وفي أصول الفقه وعلم الحديث وعلم الفقه وعلوم كثيرة فهو صاحب المؤلفات الضخمة، وتوفي وله من العمر ست وأربعون سنة هجرية، قال تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف:٢٥]، فعلى الحساب الهجري سيكون زيادة تسع سنين، وعلى الحساب الشمسي ثلاثمائة سنة وتسع سنوات، فإن كل مائة سنة تزيد بثلاث سنين.\nوالإمام الشوكاني ﵀ مات وعمره أربع وخمسون سنة، والإمام الشنقيطي رحمة الله عليه صاحب المؤلفات العظيمة التي أخذ الناس منها فقهه وعلمه وألفوا عليها الكتب الكثيرة جدًا، مات وله من العمر أربع وخمسون سنة وهو إمام الدنيا رضي الله ﵎ عنه.\nفبارك الله ﷿ لهم في أعمارهم، فكانت أعمارهم طاعة لله سبحانه، فما يستطيع أحد أن يحصل على الذي كان يحصله الإمام النووي في اليوم الواحد من الدروس، ولكن تشبه بهؤلاء فصل رحمك وأطع الله سبحانه وعامل جارك المعاملة الحسنة يبارك لك في رزقك ويبارك لك في أثرك بما تستحقه أنت في الجانب الذي أنت فيه.\nفزيادة الله ﷿ للإنسان في عمره معناها: البركة في العمر، فما يعمله في السنة الواحدة أضعاف ما يعمله غيره في سنوات، فالصحابة رضوان الله عيهم بارك الله ﷿ لهم في أرزاقهم وفي ثوابهم عنده ﵎، قال النبي ﷺ: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، أي: لو أنفقت مثل جبل أحد ذهبًا ما بلغت من نفقة أحدهم مدًا واحدًا، أي: مثل قبضة اليد الواحدة، كذلك فضل الله سبحانه يؤتيه من يشاء، فالمسلم يفعل الخيرات ويحرص على أرحامه وعلى أمه وأبيه وعلى جيرانه ويكرم ضيفه، وربنا ﷾ يعطي هذا الإنسان من الرزق في الدنيا وفي الآخرة.","vol":"13","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>الأولى بالصدقة</span>\nوعن أنس بن مالك ﵁ قال: (كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيّب، فلما نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢]، قام أبو طلحة ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إن الله ﵎ يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] وإن أحب مالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله تعالى أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله).\nأبو طلحة الأنصاري زوج أم سليم وهي أم أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم، والبر كلمة تجمع وجوه الإحسان كلها، ومعنى قوله تعالى: ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا﴾ [آل عمران:٩٢] يعني: من بعض ما تحبون، وما قال لنا: حتى تنفقوا ما تحبون أي: جميع ما تحبون.\nفقال النبي ﷺ: (بخ بخ! ذاك مال رابح، ذلك مال رابح! وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين) فهذه نصيحة النبي ﷺ: أن يقسمها في الأقربين، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه.\nمتفق عليه، فهذا يدل على استحباب الصدقة على الأقارب.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"13","page":21},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-134> بر الوالدين وصلة الأرحام</span>\nلقد رعى الإسلام الوشائج والروابط بين الناس الناشئة عن الولادة والقرابة، وأعطى الرابطة القوية منها منزلة عظيمة قرنت في القرآن الكريم بتوحيد الله تعالى، وهي الوالدين وحسن صحبتهما، وجعل لسائر القرابات من ذوي الأرحام حق الصلة بالزيارة والإحسان، كل ذلك ليعلم المرء أن شأن البر والإحسان إلى الرحم عظيم.","vol":"14","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>منزلة بر الوالدين في الإسلام</span>","vol":"14","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>حكم الجهاد بغير إذن الوالدين</span>\nقال الإمام النووي ﵀: [باب بر الوالدين وصلة الأرحام.\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: (أقبل رجلٌ إلى نبي الله ﷺ، فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله تعالى.\nفقال ﷺ: فهل من والديك أحد حي؟ قال: نعم، بل كلاهما.\nقال: فتبتغي الأجر من الله تعالى؟ قال: نعم.\nقال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما).\nوفي رواية: قال النبي ﷺ: (أحيٌّ والداك؟ قال: نعم.\nقال: ففيهما فجاهد).\nوعنه - أيضًا - أن النبي ﷺ قال: (ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها) رواه البخاري.\nوقطعت بفتح القاف والطاء، ورحم مرفوع].\nالمسلم مأمور بأن يبر والديه، قال الله ﷿: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة:٨٣]، وكذلك ذوي القربى.\nومن الأحاديث الواردة في بر الوالدين حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: أقبل رجلَّ إلى النبي ﷺ ليبايع على الهجرة والجهاد يبتغي الأجر من الله سبحانه ﵎، فسأله النبي ﷺ: (أحي والداك فقال: نعم.\nوفي حديث آخر أن الرجل قال للنبي ﷺ: ولقد تركتهما يبكيان).\nيعني أنه أتى ليجاهد في سبيل الله ﷿ وترك أباه وأمه يبكيان بسبب خروجه خائفين عليه من أن يقتل، وكأنَّه أتى يسأل وكان الجهاد غير متعين، أما إذا تعين الجهاد فإن إذن الوالدين مستحب فقط، ولو رفضا لا ينتظر إذنهما، بل يخرج ليجاهد في سبيل الله ﷿.\nوالذي وقع هنا أن الجهاد كان فرضًا كفائيًا، وكان ﷺ يبعث البعوث، فهذا أحب يشترك في بعث ولم يأمره النبي ﷺ، فلذلك سأله: أحيٌّ والداك؟ فقال: نعم.\nوأخبر أنه تركهما يبكيان، فقال: ارجع إليهما ففيهما فجاهد.\nوفي الحديث الآخر قال ﷺ: (ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما) أي: إن أبكيتهما بالخروج فأرجع فاضحك والديك كما أبكيتهما.\nوفيه أنه ينبغي للإنسان أن لا يؤذي والديه فيستأذنهما فيما كان مستحبًا، كأن يخرج لجهاد تطوع، أو لحجة تطوع أو لعمرة تطوع، والأب والأم يحتاجان إلى بقائه، وفي هذا الحديث قال له: (فتبتغي الأجر من الله تعالى؟ قال: نعم.\nقال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما).\nفليس المقصود الرجوع ليقعد معهما، بل المقصود حسن صحبتهما، بحيث يبقى المسلم مع أبيه ومع أمه يحسن الصحبة بالمعروف، ولو كان الوالدان كافرين فإن ربنا تعالى يقول: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥].\nفلو جاهداك وأمراك بالكفر بالله ﷿ والشرك بالله فلا تطعهما في ذلك، ولكن مع ذلك أحسن إليهما وصاحبهما بالمعروف.","vol":"14","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>حقيقة صلة الرحم</span>\nوأورد الإمام النووي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال: (ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها).\nالواصل هو الذي يصل الرحم، يقال: فلان يصل الرحم.\nوقد أمرنا ربنا بصلة الأرحام، وأخبرنا النبي ﷺ أن الواصل ليس هو المكافئ الذي إن زار مرة انتظر أن يزار، بل الواصل الرحم هو الذي لا ينتظر أن تزوره أصلًا، فهو يصلك إن كنت مقبلًا عليه أو معرضًا عنه؛ لأنه يبتغي الأجر من الله.\nوالمعاملة مع الله ﷿ تريح قلب الإنسان، فنحن حينما نصل الأرحام يكفينا رضا ربنا، ويقول المرء منا: لا يهمني أن هذا القريب أقبل علي أو أعرض عني، فلو ذهبت إليه فقال: أنا مشغول، أو ذهبت واستقبلني عنده، وكذلك إذا زارني أو لم يزرني، كل ذلك لا يهمني طالما أن الأمر ابتغاء وجه الله ﵎.\nفهنا النبي ﷺ يقول: (ليس الواصل بالمكافئ) فلكي تبقى واصلًا فاعلم أن الواصل ليس الذي يقابل زيارة بزيارة، بل إذا قطعت رحمه وصلها.","vol":"14","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>فضل صلة الرحم وخطر قطعها</span>\nوفي حديث السيدة عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: (الرحم معلقة بالعرش، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله).\nهذه هي الرحم، وهذا وعد من الله ﷿ للرحم، فلما خلق الله ﷿ الخلق، وخلق الرحم، قامت وتعلقت بعرش الرحمن ﵎، وسألت ربها ﷾ فقال: أما ترضين أن أصل من وصلك، وأن أقطع من قطعك؟ فالذي يصل الرحم يصله الله ﷿، وصلة الله للعبد عطاء من الله، ورحمة من الله، وتفضيل وتكريم من الله ﵎.\nوانظر إلى حال الإنسان في الدنيا، فإذا قيل: إن الملك الفلاني يصل فلانًا، فإن صلة الملك جائزة الملك، فكيف بملك الملوك؟ فالله ﷾ إذا وعد بأن يصل عبده، فإنه يجعل عبده متعلقًا به ﷾، فيعطي عبده ما سأله، ويكون مع عبده، فينصره ويؤيده ويرحمه، ويكون معه في الدار الآخرة فيرحمه سبحانه ويدخله جنته، وهذا جزاء من يصل رحمه.","vol":"14","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>فضل الصدقة والإحسان إلى ذوي القرابة</span>\nفي حديث السيدة ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين ﵂ أنها أعتقت وليدة ولم تستأذن النبي ﷺ، وكأنها عرفت فضل العتق، وهو أن الذي يعتق مملوكًا يكون ذلك فكاكًا له من النار.\nفهنا أم المؤمنين السيدة ميمونة بنت الحارث ﵂ كان عندها أمة فأحبت أن تبادر وتعتقها لتنال الأجر العظيم، فلما كان يومها الذي يدور فيه عليها النبي ﷺ قالت: (أشعرت - يا رسول الله - أني أعتقت وليدتي؟ - أي: أعرفت ذلك؟ - فقال: أوفعلت؟ قالت: نعم).\nوعتق الرقبة فيه فضل عظيم جدًا، ولكن النبي ﷺ يدلها على ما هو أفضل من ذلك، فالسيدة ميمونة كان لها أخوال، وكانوا محتاجين لهذه الوليدة، فقال ﷺ: (أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك).\nفالإنسان أحيانًا ينسى أقاربه فيقول: هذه الصدقة لله ﷿ سأعطيها لفلان.\nفيعطيها لإنسان غريب عنه، ويمكن أن يكون قريبه فقيرًا بجواره، لكن لم يخطر على باله أن يعطيه، وقد يخطر على باله لكنه يقول: سأعطيها للثاني.\nفالسيدة ميمونة ﵂ نسيت أقاربها وأعتقت الوليدة وظنت أن هذا أفضل، فقال لها النبي ﷺ: (لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك) فهم محتاجون إليها، وسيكون ذلك صدقة منك عليهم، ثم إنك لو فعلت ذلك كنت قد وصلت رحمك، فكان لك في ذلك الأجر.\nولذلك إذا أردت أن تتصدق بصدقة أو تخرج زكاة المال، فانظر إلى الأقرب من الأقارب فأعطهم بدل أن تتركهم للجيران أو للغرباء ليعطوهم فيكون لهم منة عليهم، فلماذا لا تكون أنت الذي تعطي أقاربك، فتصل الرحم بذلك، وتعطي زكاة مالك لأخيك الفقير المحتاج، أو لعمك الفقير المحتاج، أو لأختك الفقيرة المحتاجة، أو لأبناء أختك وأبناء أعمامك وأبناء إخوانك وأبناء أخواتك وأخوالك ونحو هؤلاء، إلا الأصول والفروع، فزكاة المال لا تعطى لأصل ولا لفرع، والأصول هم الأب والأم والجد والجدة، والفروع الأولاد والأحفاد، فلا يجوز لك أن تعطي زكاة المال لهؤلاء، ولكن يجوز لك أن تعطي لهؤلاء جميعهم من الصدقة.\nوبعض الناس يسأل: هل يمكن أن أعطي الصدقة لأمي لتحج بها؟\nو\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كانت أمه لم تحج فهذه صدقة عظيمة، فلك أن تعطيها من الصدقة، أما الفريضة فلا، فزكاة المال لا تعطى للأم ولا للأب ولا للأولاد، أما الصدقة المطلقة فيجوز أن تعطى لهؤلاء إن كانوا محتاجين إليها.\nوحين نقول: الزكاة لا تعطى للأصول ولا للفروع فليس معنى ذلك أن تتركهم وهم لا يجدون ما يأكلون، بل إذا كنت قد وجبت عليك الزكاة فمعنى ذلك أنك غني، وحينئذ تجب عليك النفقة لهؤلاء، فقد شرفهم الله ﷿ بأن تنفق عليهم، لا أن تعطيهم أوساخ مالك، فقد سمى النبي ﷺ الزكاة أوساخ الناس، ولذا لا تعطى لآل بيت النبي ﷺ ولا للأب ولا للأم ولا للأولاد، بل تعطى لغيرهم.","vol":"14","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>بر المشرك من الوالدين</span>\nومن الأحاديث في بر الوالدين حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ.\nفأم أسماء كانت مشركة، أما أم السيدة عائشة التي هي أم رومان فقد كانت مؤمنة، فأم أسماء غير أم عائشة رضي الله ﵎ عنهما، والأب واحد هو أبو بكر الصديق ﵁.\nتقول أسماء ﵂: قدمت علي أمي وهي مشركة، وفي رواية قالت: قدمت علي أمي وهي راغبة.\nأي: كأنها راغبة في الصلة، حيث أتت بهدايا لابنتها، والعادة أن القريب يأتي بالهدايا، ومعناه أنك ستضيفه وتكرمه، وأيضًا تحمله بجائزة وبهدايا، فأمها وهي مشركة جاءت في ذلك الوقت، والسيدة أسماء خافت أن تدخلها وهي مشركة، فسألت النبي ﷺ، فقال ﷺ: (نعم، صلي أمك) فالبنت تصل أمها، والابن أولى به أن يصل أمه ويصل أباه.","vol":"14","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>أجر الصدقة على الزوج وذوي القرابة</span>\nومن الأحاديث حديث للسيدة زينب الثقفية زوج عبد الله بن مسعود ﵁، حيث قالت: قال رسول الله ﷺ: (تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن).\nفالمرأة إذا لم يكن لها فلوس يقال لها: تصدقي ولو من الحلي الذي تملكينه.\nوزينب الثقفية زوج ابن مسعود ﵄ كانت غنية، وزوجها عبد الله بن مسعود الصحابي الفقيه الفاضل كان فقيرًا، كان خفيف ذات اليد، أي: فقيرًا ليس عنده مال، فالمرأة رجعت إليه وقد أمر النبي ﷺ بالصدقة، فقالت: إنَّ رسول الله ﷺ قد أمرنا بالصدقة، فاسأله هل ينفع أن أعطيك الصدقة وأنت زوجي أم لا ينفع ذلك؟ فقال: بل ائتيه أنت.\nأي: أنت التي تريدين أن تتصدقي، فاذهبي أنت، فانطلقت، قالت: فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله ﷺ حاجتي حاجتها.\nأي: تريد أن تسأل نفس السؤال.\nقالت: وكان رسول الله ﷺ قد ألقيت عليه المهابة.\nحيث إن المرأة خجلت من أن تسأل النبي ﷺ لهيبته ﷺ، قالت: فخرج علينا بلال فقلنا له: ائت رسول الله ﷺ فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك: أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما؟ كأن المرأة كانت تربي أيتامًا لها أو لغيرها، وأيضًا تريد أن تنفق على زوجها، فهل يمكن أن تعطي الصدقة لزوجها الفقير وتعطي الصدقة لأيتام تربيهم في حجرها، وهم عيال غيرها، وقالتا له: لا تخبره من نحن.\nوكأن ذلك كان خوفًا على العمل من الرياء، وأيضًا هيبة من النبي ﷺ.\nفدخل فقال للنبي ﷺ ذلك فقال: (من المرأتان؟ فقال: امرأة من الأنصار وزينب، فقال: رسول الله ﷺ: أي الزيانب؟ فقال: امرأة عبد الله) فاستفسر النبي ﷺ ليعرف من هؤلاء من أصحابه الذين هم من أهل البر والإحسان، وكان النبي ﷺ له مهابة فاستحيتا أن تسألاه وكذلك خشيتا أن تفضحا زوجيهما.\nولكن النبي ﷺ الذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، والذي هو بالمؤمنين رءوف رحيم، قال: (لهما أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة).\nوعليه فإنه يجوز للمرأة إن كانت غنية أن تعطي زوجها من صدقة مالها، بل أيضًا يجوز لها أن تعطي زوجها من زكاة مالها إن كان فقيرًا، فإذا كانت المرأة غنية - بأن ورثت عن أبيها مالًا - وزوجها فقير جاز لها أن تعطيه من زكاة مالها.","vol":"14","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>صلة الأرحام هدف للرسالة المحمدية</span>\nوفي حديث أبي سفيان في قصة هرقل أن هرقل سأله أشياء تدل على ذكاء هذا الملك الكافر، فمن ضمن أسئلته أنه قال: بماذا يأمركم؟ فقال: قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والصلة.\nفـ أبو سفيان كان في ذلك الوقت كافرًا، وكان عدوًا للنبي ﷺ، بل من أشد أعداء النبي ﷺ، ومع ذلك يشهد للنبي ﷺ بأنه يأمرهم بالتوحيد، وينهاهم عن الشرك بالله، ويأمر بالصلاة، ويأمر بالصدق والعفاف والصلة.\nفلما أخبر هرقل بذلك أخبره هرقل بأن النبي ﷺ سيملك موضع قدميه، وأنه لو استطاع أن يذهب إليه فيغسل عن قدميه لفعل.\nفأحس أبو سفيان بالذل من ذلك اليوم، وبأن النبي ﷺ سينتصر يومًا من الأيام، فكان أن هداه الله ﷿ للإسلام بعد ذلك.","vol":"14","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>الوصية النبوية بصلة الرحم</span>\nومن الأحاديث حديث أبي ذر في صحيح مسلم يقول فيه النبي ﷺ: (إنكم ستفتحون أرضًا يذكر فيها القيراط).\nومصر هي البلدة التي كان يذكر فيها القيراط، فأخبرهم وبشرهم بأنه في يوم من الأيام ستفتحون مصر، وكان ذلك من معجزاته ﷺ وإخباره بالشيء الذي يكون فيكون كما أخبر ﷺ.\nفقال لهم: ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرًا.\nفأوصى النبي ﷺ بأهل مصر، وكان أهل مصر كفارًا، وكان فيها النصارى وغيرهم، فأمر النبي ﷺ أصحابه إذا فتحوا مصر بأن يستوصوا بأهلها خيرًا، لماذا؟ قال: (فإن لهم ذمة ورحمًا) وفي رواية: (فإذا افتتحتموها فأحسنوا إلى أهليها؛ فإن لهم ذمة ورحمًا، أو قال: ذمة وصهرًا).\nوالرحم الذي في مصر هو من قبل هاجر أم إسماعيل، فسيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما جاء بامرأته سارة، إلى أرض مصر كان في مصر ملك جبار، فرأى إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ورأى سارة فأعجبته، فسأل إبراهيم: من هذه؟ فقال أختي.\nلأنه خاف على نفسه، فلو قال: هي زوجتي لقتله وأخذ سارة، فقال: أختي.\nوبعد ذلك ذهب إلى سارة، وقال: إن هذا الكافر سألني عنك فقلت: أختي، وإنه ليس على وجه الأرض مسلم غيري وغيرك.\nأي: لا يوجد مؤمن على وجه الأرض إلا أنا وأنت.\nفكانت هذه إحدى كذبات إبراهيم الثلاث، وهذه ليست كذبة في الحقيقة، إذ إنه عرض في الكلام، وقصد أنها أخته في الإيمان، وفي الإسلام، وهي زوجته.\nثم إن هذا الرجل أرسل إلى سارة وأخذها وأراد أن يأتيها، فصلت لله ودعت ربها سبحانه فإذا بربها يمنعه منها ويخر مغشيًا عليه فيسقط على الأرض لقفاه ثلاث مرات، حتى قال لمن معه: إنما جئتموني بشيطانة.\nوأمرها بأن ترجع إلى إبراهيم، وأخدمها هاجر.\nفـ هاجر كانت من أرض مصر أعطاها الملك خادمة لـ سارة، وبعد ذلك أخذتها سارة ووهبتها لإبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فصارت أمة لإبراهيم، فلما تغشاها إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه جاء منها إسماعيل النبي على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، فلذلك كانت الرحم الذي بين المصريين وبين إبراهيم على نبينا وعليه والصلاة والسلام سببًا في إسماعيل الذي هو جد النبي صلوات الله وسلامه عليه، فالرحم التي لهم هي كون هاجر أم إسماعيل جد النبي ﷺ منهم.\nوالصهر هو المصاهرة بين النبي ﷺ وبين أهل مصر عن طريق مارية القبطية التي كانت أمة وأهداها المقوقس للنبي ﷺ، وجاء منها النبي ﷺ بولده الذي هو إبراهيم، فصار لهم مع النبي ﷺ الرحم والصهر، فأوصى النبي ﷺ بجميع أهل مصر من أجل امرأتين.\nويلحظ هنا أن مارية ليست بزوجة للنبي ﷺ، وإنما هي أم ولد ملكها النبي ﷺ، كما كانت هاجر أمة ملكها إبراهيم وليست زوجة لإبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام.","vol":"14","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>إخبار النبي ﷺ قرابته بصلة رحمهم</span>\nوعن أبي هريرة ﵁، أنه لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤].\nفأمر الله ﷿ نبيه ﷺ بالنذارة، فدعا رسول الله ﷺ قريشًا فاجتمعوا، فعم وخص، عم قريشًا كلها ثم بدأ يخص البعض منهم، وهم العشيرة الأقربون، فقال: (يا بني كعب بن لؤي! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة! أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئا، غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها).\nفذكر القبائل فعم، ثم خص فذكر الأقربين من بني هاشم وبني عبد المطلب، وفاطمة بنت النبي ﷺ، وأخبر الجميع أنه لا يملك لهم من الله شيئا، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وكل إنسان يحمل خطيئته وإثمه يوم القيامة.\nثم قال ﷺ: (غير أن لكم رحمًا) أي: بيني وبينكم رحم، فسأصل هذه الرحم وأبلها ببلالها، والبلال هو الماء، وكأن قطيعة الرحم كالنار تحرق، وكأنه سيصب على هذه النار الماء الذي يجعله يصل هذه الأرحام.\nومن الأحاديث حديث عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ جهارًا غير سر يقول: (إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء) وهو يريد بعض أقرباء النبي ﷺ، ولكنهم ليسوا من المؤمنين، كـ أبي لهب وغيره، فقال ﷺ: (إنما وليي الله وصالح المؤمنين).","vol":"14","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>صلة الرحم عمل يدخل الجنة</span>\nوفي حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ (أن رجلًا قال: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار.\nفقال النبي ﷺ: تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم).\nفذكر له العبادات من توحيد الله سبحانه ﵎ وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم ذكر النفع المتعدي، وهو صلة الرحم، بأن يصل الإنسان رحمه، فإن كان له مال وصل بماله، وإلا وصل الرحم ولو بالكلام، ولو بالزيارة.\nوقد قال النبي ﷺ في حديث سلمان بن عامر: (إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر؛ فإنه بركة، فإن لم يجد تمرًا فالماء؛ فإنه طهور).\nوقال: (الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصله).\nوكم من حديث عنه ﷺ في صلة الأرحام وبيان أنك إذا تصدقت على الأرحام كان لك أجران عند الله سبحانه ﵎.","vol":"14","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>منزلة الوالد وحقه على ولده</span>\nوعن حديث ابن عمر قال: كانت تحتي امرأة، وكنت أحبها، وكان عمر يكرهها.\nوعمر بن الخطاب هو الفاروق الذي فرق الله ﷿ به بين الحق والباطل، فـ ابن عمر كان متزوجًا امرأة، وكان يحب هذه المرأة، وأبوه عمر بن الخطاب كان يبغضها، وعمر بن الخطاب ليس من أهل الهوى، ومن يحبه عمر فهو إنسان مؤمن، فقد كان عمر مع الحق دائمًا، فكان يكره هذه المرأة لشيء فيها، وكان لا يطيقها، فقال لابنه: طلقها.\nفذهب فقال للنبي ﷺ: (إن أبي لا يحب هذه المرأة، وأنا أحبها ولست أكرهها، فقال النبي ﷺ: طلقها) أي: اسمع كلام أبيك وطلقها.\nفما كان منه إلا أن طلق هذه المرأة.\nفهل - يا ترى - لو أن إنسانًا كانت أمه لا تحب امرأته يذهب فيطلقها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا؛ فأمه أوبوه ليسا كـ عمر بن الخطاب فـ عمر يحب لله ﷿، ويحب في الله ﷾، وإذا كره كره لله سبحانه وفي الله سبحانه، فمن كان مثل عمر فإنه يطاع في هذا الشيء.\nوفي حديث أبي الدرداء أن رجلًا أتاه فقال: إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها.\nفهذا رجل يستفتي أبا الدرداء رضي الله ﵎ عنه في أنه متزوج امرأة وأمه تكره هذه المرأة وتأمره بطلاقها، فتوسط أبو الدرداء في الأمر لأن أم الرجل ليست كـ عمر، وأخبره بحديث عن النبي ﷺ ليفكر في أمره، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الوالد أوسط أبواب الجنة) يعني: حبك لأبيك وطاعتك لأبيك تدخلك الجنة من أوسط أبوابها، فالوالد باب واسع لدخول الجنة، قال: (فإن شئت فأضع ذلك الباب أو فاحفظه).\nولاحظ هنا أنه توسط في الفتوى، فما قال: طلق، وما قال: لا تطلق؛ إذ يحتمل أن تكون الأم مصيبة في أنها تكره هذه الفتاة، فطلاقها أفضل، ويمكن أن تكون مخطئة في هذا الشيء، فأعطاه قاعدة، وهي أن حبك لأبيك وأمك وبرك بأبيك وأمك أوسط أبواب الجنة، فإذا استطعت أن توفق بين زوجتك وبين أمك كان ذلك خيرًا، وإلا فعليك أن ترضي والديك بما يرضيان به عنك قدر المستطاع.\nوإذا كنت ساكنًا مع زوجتك في البيت الذي فيه أمك وأبوك وكانت أمك لا تطيقها ولا أبوك فانتقل إلى مكان آخر وإذا كنت عازمًا على أن تبقي على زوجتك وعلى أهلك فلا تؤذ أمك بها ولا تفارقها وتطلقها، فذلك ممكن.\nوالطلاق بغيض، ولكن الإنسان إذا رأى زوجته تؤذي أمه وتتعمد إهانتها فالأفضل أن يطلقها؛ إذ لا تستحق أن تكون معه، وإذا كانت زوجته لا تؤذي أحدًا وكان الشقاق من أمه فليبعد هذه عن هذه ويحاول أن يكون كيسًا في تصرفاته مع الطرفين، ولا نأمره بالطلاق ولا نقول له: أغضب والدتك واتركها تتضجر، ولكن نقول له: كن منتبهًا دائمًا، واعلم أن الإحسان إلى الأم والأب أوسط أبواب الجنة، فلا تضيع هذا الباب، ورغم أنف امرئ أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، كما جاء عن النبي ﷺ.\nنسأل الله ﷿ أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وعلى صلة الأرحام.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمين.","vol":"14","page":13},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-147> تحريم العقوق وقطيعة الرحم</span>\nكما نظم الإسلام علاقة الإنسان بربه فقد نظم أيضًا علاقة الإنسان بمن حوله من البشر، وعرف لكل ذي فضل فضله، فمنح الناس حقوقًا، وجعل في قمة هذه الحقوق حقوق الوالدين والأقربين، فحرم العقوق والقطيعة، وتوعد عليها أشد الوعيد.","vol":"15","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>تحريم العقوق وقطيعة الرحم</span>","vol":"15","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>قطع الأرحام إفساد في الأرض</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم.\nالحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: باب: [تحريم العقوق وقيطعة الرحم.\nقال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣].\nوقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٥].\nوعن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئًا فجلس فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت) متفق عليه].\nيذكر الإمام النووي في هذا الباب الأحاديث الواردة في تحريم العقوق وقطيعة الرحم.\nوإن كان قد ذكر في الأبواب السابقة الأمر بصلة الأرحام فإنه هنا سيذكر النهي عن عكس ذلك، والمسلم مأمور أن يصل الأرحام، ويراعي الأقرباء، ومنهي عن أذى أقربائه وقطع الرحم، وعقوق الوالدين، قال الله ﷿: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد:٢٢].\nقوله: (هل عسيتم) أي: هل عسى أن تفعلوا ذلك إن توليتم؟ وقوله: (توليتم) إما من التولي، وإما من الولاية، كأن يكون للإنسان نوع من الولايات ويصير ذا شأن في قومه، فهل عسى أنه يغتر فيقطع رحمه وينكرهم بعد ذلك، وقد حصل أن كثيرًا من الناس يفعلون ذلك فبمجرد أن يمن عليهم الله ﷾ بمنصب أو مال، فما يفتأ الواحد منهم ينسى نفسه وينسى أقرباءه، ويعرض عن أرحامه، وقد يجافي والديه فلا ينظر أباه ولا أمه ولا خاله ولا خالته، كل ذلك بعد أن أغناه الله ﷾.\nفالله هو العليم، وهو إذ يكلمنا أعلم بما في قلوبنا حيث يقول: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [محمد:٢٢] هل ستفعلون ذلك إن توليتم؟، وعلى المعنى الثاني: يكون الخطاب للصحابة ولمن بعدهم، فإن كان لهم كان المعنى: كنتم أمام النبي ﷺ تسمعون منه وبعد أن تتولوا عنه أي: تنصرفوا عنه، هل تفعلون ذلك، والمعنى: احذروا، فمن يصنع ذلك ويقطع رحمه ويفسد في الأرض فـ ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [محمد:٢٣] أي: طردهم من رحمته سبحانه.\n(فأصمهم) أي: عن سماع الخير والهدى، فهم إن كانوا يسمعون كلام الناس إن قيل لهم الحق لا يسمعونه، وإن قيلت لهم الموعظة بالكتاب والسنة فلا يعرفون شيئًا ولا ينتبهون لها.\nقوله: «وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ» أي: فهم وإن كانوا يرون، ولكن رؤية من لا يعتبر، فمنهم من يرى أمامه الميت وهو غافل عن أنه سيكون يومًا مكانه، فتجده يتكلم في المال، ومتع الدنيا فهو يبصر ولكنه بصر لا يصل إلى قلبه فيعظه بهذا الذي يراه.\nوقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة:٢٧] أي: كل صلة أمر الله ﷿ بوصلها يقطعونها، فأخبر سبحانه أنهم يقطعون ما أمر الله بوصله، وكذلك يفسدون في الأرض فقال: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٥].\nاللعنة: الطرد من رحمة الله، وقوله: «سُوءُ الدَّارِ»، فالناس يوم القيامة يكونون إما في حسن الدار، وإما في سيئ الدار، سوء الدار، هو نار جهنم والعياذ بالله.","vol":"15","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>عقوق الوالدين من أكبر الكبائر</span>\nمن الأحاديث حديث أبي بكرة واسمه نفيع بن الحارث بن كلدة ﵁، وسبب كنيته أنه كان فيمن حاصرهم النبي ﷺ في حصن الطائف سنة ثمان للهجرة، فإنه بعد أن فتح مكة توجه إلى الطائف فرفض أهل الحصن الاستسلام ورشقوا المسلمين بالنبال والرماح وقد أسلم نفيع بن الحارث وأحب أن يهرب إلى النبي ﷺ، ولما كانت الأبواب مؤصدة محروسة لم يجد إلا أن يتدلى ببكرة وينزل من الحصن هاربًا إلى النبي ﷺ، فكني بعد ذلك بـ أبي بكرة ﵁.\nوقد روى عن النبي ﷺ أنه قال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر).\nوقد كان ﷺ حينها متكئًا يقول لهم: هل أخبركم بأكبر الكبائر؟ والكبائر كثيرة لم يُتفق على حصرها، وقد جاء في حديث أن الكبائر الموبقات المهلكات سبع، فقال ابن عباس: هي إلى السبعين أقرب، يعني: أنها ليست سبعًا فقط، وقد أوصلها بعضهم أكثر من ثلاثمائة كبيرة، فجعل كل ما توعد الله ﷿ عليه من ذنب بأنه يعذب صاحبه، أو أن صاحبه ملعون مطرود من الرحمة، أو ذكر بأن له النار، أو جعل له حدًا في الدنيا، أو جعل شيئًا من الوعيد في الدنيا كبيرة من الكبائر.\nقال أبو بكرة: قال رسول الله ﷺ: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله).\nوالإشراك أن الإنسان يعبد غير الله سبحانه أو يعبد مع الله ﷾ غيره، والشرك أقسام: الشرك الأكبر، والشرك الأصغر الشرك الخفي.\nقال: (وعقوق الوالدين) العقوق: من عق، بمعنى: قطع، ومنه العقيقة، وهي: التي تذبح في يوم سابع المولود، والعقوق: من يقطع رحمه.","vol":"15","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>جريمة شهادة الزور</span>\nقال في الحديث: (وكان متكئًا فجلس، فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور) يعني: من أعظم الكبائر قول الزور، وشهادة الزور، قال أبو بكرة: فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت! ولما كان النبي ﷺ أحب إلى الصحابة من أنفسهم، فإنهم لما رأوا غضب النبي ﷺ وتكراره: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، رحموه وأشفقوا عليه فقالوا: ليته سكت! يريدون من أجل أن يكف غضبه.\nوإنما كرر شهادة الزور ولم يكرر بقية الكبائر المذكورة في الحديث؛ لأن الشرك يندر في الصحابة ومن بعدهم بعد ما علمهم النبي ﷺ التوحيد، وتمنع عقوق الوالدين طبيعة الإنسان وفطرته، أما قول الزور وشهادة الزور فإن تقوى الله هي التي تمنع المسلم من إتيانها وليس كل إنسان عنده هذه التقوى.\nأضف إلى ذلك أن قول الزور وشهادة الزور ذات ضرر متعد، فبسببها تجد الإنسان البريء يدان أمام القاضي بأعمال ما فعلها، بل شهد بها عليه أحدهم كاذبًا، فاجرًا، مزورًا في شهادته، بل قد تقطع رقبة إنسان بسب ذلك، وقد يسجن أو يقام عليه الحد بسبب شهادة الزور.\nوكم من إنسان تفتنه الدنيا، ومن أجل أن يأخذ لعاعة مال يتجرأ على أن يشهد زورًا عند القاضي، ومثل هذا الشيء موجود في الخلق منذ القدم، فلم يخل عصر من الطمع في المال.\nوقد يشهد الإنسان زورًا على آخر لأنه مبغض له، وقد حدث مثل ذلك في عهد نبي الله سليمان، وهو من أخبر الله سبحانه عنه وعن أبيه: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٨ - ٧٩].\nأي: أن الله ﷿ فهم سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام وهو صغير مع أبيه، فقد يأتي الناس يسألون أباه عن الشيء، ثم يفتي أو يحكم فيهم بشيء ثم تعرض على سيدنا سليمان فيرى شيئًا آخر غير ما يراه أبوه، وذلك لأن الله ﷿ الذي فهمه، قال سبحانه: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩].\nوكان من ضمن القضايا الذي عرضت عليهما: قضية شهادة الزور، فإن أربعة ذهبوا إلى داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وشهدوا عنده على امرأة أنها زنت بكلبها، وهم في حقيقة أمرهم كاذبون.\nومع أن داود ﵇ نبي من الأنبياء معصوم إلا أنه في الأحكام الدنيوية يحكم بما يراه أمامه، وذلك حتى يُتَعلم منه كيف يحكم بين الناس، ولذلك كان النبي ﷺ يحكم بين الناس بما رآه ﷺ في القضية نفسها، وكان يقول: (إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فهي قطعة من النار فليأخذ أو فليذر).\nفمع أن النبي ﷺ بإمكانه أن يسأل ربه فيطلعه على حقيقة كل قضية ويقول له: فلان كذاب، وفلان صادق، فيحكم بالوحي في هذه القضايا، إلا أن من يأتي بعد النبي صلى الله ﷺ سيختلط عليه الأمر، إذ النبي ﷺ كان يوحى إليه، أما من بعده فلا، فجعل النبي ﷺ البينة على المدعي واليمين على من أنكر.\nوفي مثل هذه القضية حكم داود ﵇، بعد أن شهدوا على المرأة أنها زنت، فقضى بقتلها، فلما سمع ذلك سليمان وهو صغير ﵊ قال: لو كنت أنا ما قضيت بذلك! فلما بلغ داود قوله دعاه أن يقضي بتلك القضية فكان قضاؤه جميلًا ﵊ فقال: أحضروا الشهود، فلما جيء بالشهود فرق بينهم، وسأل الأول منهم: ماذا رأيت؟ قال: رأيتها تزني بكلبها.\nقال: أين رأيتها؟ قال: في المكان الفلاني.\nفي أي موضع منه؟ قال: في كذا.\nفما كان عليهم من الثياب؟ قال: كذا، فما لون كلبها؟ قال: لونه كذا.\nثم صرفه وأتى بالثاني وسأله نفس الأسئلة فأجاب بعكس الأول، ثم طلب الثالث ثم الرابع، فثبت كذب الشهود، فقتل الأربعة الشهود الذين شهدوا على هذه المرأة وقتلت بشهادتهم.\nوبذلك تعلم خطر شهادة الزور وندرك سبب غضب النبي ﷺ وقوله: (ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور).","vol":"15","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>شرح حديث عبد الله بن عمرو في الكبائر</span>","vol":"15","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>سب الرجل والديه من الكبائر</span>\nمن الأحاديث التي جاءت عنه ﷺ في هذا الباب أنه قال: (من الكبائر شتم الرجل والديه، فقالوا: يا رسول الله! وهل يشتم الرجل والديه؟ فقال النبي ﷺ: نعم.\nيسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه).\nوالمعنى: أن الإنسان يحترم أباه وأمه ولا يشتمهم ولكنه يشتم إنسانًا آخر فيرد عليه، وحينها يكون متسببًا في شتم أبيه وأمه، فيكون كأنه هو الشاتم لهما، وهذا تحذير من النبي ﷺ أن يسب الإنسان أبا إنسان آخر فيرد عليه ويسب أباه، أو يسب أم إنسان فيسب أمه، فإذا فعل ذلك إنسان صار كأنه هو الذي سب أبا نفسه وأمه فكان من الكبائر.\nوعن المغيرة بن شعبة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله تعالى حرم عقوق الأمهات، ومنعًا وهات، ووأد البنات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) متفق عليه.\nقوله: (إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات)، لا يعني جواز عقوق الآباء! بل هو حرام أيضًا وإنما لم يذكر لإرادة الجناس بين الكلام والله أعلم.\nقوله: (ومنعًا وهات)، أي: كثرة الكلام والجدال، فالجدل الكثير منعنا منه ربنا ﷾.\nقوله: (ووأد البنات)، وكانوا في الجاهلية يئدون بناتهم، فتجد الرجل عندما تلد زوجته يستقبل الجنين، فإذا كان ولدًا فرح به، وإذا كان بنتًا حزن وتبرم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل:٥٨ - ٥٩].\nوهذا من وسوسة الشيطان لهذا الأب، فهو يحزنه ويهول له ما نزل به، ويظل كذلك حتى يأخذ البنت ويدفنها وهي حية، ثم يزعمون بعد ذلك أن هؤلاء البنات لله، قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمْ الْحُسْنَى﴾ [النحل:٦٢]، يقولون: لنا نحن الأحسن من الولد، والبنات لله ربنا فهو الذي خلقهن وسنرد إليه ما خلق، فيقتلون البنات بهذه الصورة القذرة البشعة، ولعل أحدهم يحمل ابنته وقد بلغت مبلغ التمييز ويذهب ليحفر لها حفرة، والبنت لا تعلم ماذا يعمل أبوها! فتعين أباها، وقد تمسح له التراب عن وجهه وهو يحفر لها القبر الذي سيدفنها فيه! فأي قلوب قاسية متحجرة كان عليها هؤلاء الناس؟ ومن معجزة الإسلام أن غير قلوبهم، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.\nوقد كانت عقول أهل الجاهلية متحجرة متعفنة، فتجدهم يعبدون غير الله ﷾، فيعبد أحدهم الحجر وهو يعلم أنه هو الذي صنعه بيده، ويعلم أنه هو الذي أتى به من الأرض، ومع ذلك يعبده من دون الله، وقد يسافر أحدهم في الطريق ويجد حجرًا فيعجبه شكلها ويأخذ ثلاث أحجار بجوارها، فيضع الثلاث تحت القدر، ويترك الرابعة من أجل أن يعبدها من دون الله! فكيف فرق بينها وهي كلها أحجار؟!! وإذا لم يجد حجرًا أتى بقليل من الرمل، ثم حلب الشاة عليه ثم صنع به تمثالًا يعبده من دون الله، فأي عقول مع هؤلاء الناس ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الفرقان:٤٤].\nفكانوا يستنصرون بهؤلاء، ويدعونهم، ويستفتحون بهم من أجل أن ينتصروا، فإذا بالله ﷿ يُهدي إليهم هذا الدين العظيم -دين الإسلام- فيغير أخلاقهم، وينير الظلمات التي في قلوبهم وعقولهم فيعبدونه سبحانه، وإذا سمع أحدهم القرآن رق قلبه وبكى على ما كان منه، فبعدما كان لقسوة قلبه يئد ابنته صار من أحن الناس بعد نزول كلام رب العالمين سبحانه.\nقوله: (وكره لكم قيل وقال)، أي: الإكثار من الكلام، حقيقة أو ظنًا، قال النبي ﷺ: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)، فتجد أحدهم يقول: أظن كذا، أو يعمد إلى نقل الكلام بين الناس، فما أن يسمع كلامًا في مجلس من المجالس حتى يبادر في نقله إلى مجلس آخر ويزيد عليه.\nوالنميمة من تنمية الكلام والزيادة عليه، فإذا سمع من هنا كلامًا نقله على جهة الإفساد، وهذا شأن المرتابين، أما المؤمن فإنه يحسب كلامه حسابًا عظيمًا، ويعرف أن كل كلمة يقولها فإن الله ﷿ يسأله عنها يوم القيامة.\nقوله: (وكثرة السؤال)، أي: الإلحاح في طلب ما يحتاج إليه وما لا يحتاج إليه، وهو مكروه مع الناس، أما مع الله ﷿ فإن الإلحاح في الدعاء مستحب، فإن الله ﷿ يرضى عنك إذا سألته وألححت في سؤاله، أما العبد فيغضب.\nقوله: (وإضاعة المال)، نهى عن التبذير وإضاعة المال فيما لا ينبغي، كإضاعته فيما حرم الله سبحانه، حتى ولو كان كسب الإنسان كثيرًا فلا بد أن يعلم أنه سيسأل عن المال سؤالين يوم القيامة: من أين اكتسبته؟ وفيم أنفقته؟ ويعتقد البعض أن الدخل الكثير يعفي صاحبه من المساءلة عن القليل، وهذا اعتقاد خاطئ، بل إن الله يسأل العبد عن النقير والقطمير، والقليل والكثير، وهذا إن كان حلالًا مصدرًا حلالًا مخرجًا، أما أن يضاع في الحرام فهذا أشد عقوبة ولا شك.\nومعنى أن الله كره لكم ذلك، أي: كرهه محرمًا ذلك عليكم، ولذلك يأتي الإنسان الذي يسأل الناس تكثرًا يوم القيامة وما في وجهه مزعة لحم؛ لأنه كان يسأل الناس ويمد يده إليهم، ولم يستح في الدنيا، فيأتي يوم القيامة وقد تساقط لحم وجهه، عقوبة له على فعله.","vol":"15","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>عقوق الوالدين</span>\nوقد نهى الله سبحانه عن عقوق الوالدين في أكثر من آية قال تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣]، فلا يقول للوالدين أف ولا ينهرهما، بل هو مأمور بصلة الوالدين، لا بهجرهما أو عدم السؤال عنهما.\nوقد تجد واحدة من النساء تقوم وتشكي من ابنها، فمع أنه حسن الأخلاق مع الناس ويصلي ويعمل أعمالًا طيبة، إلا معها هي فقط، فإنه إذا دخل البيت يشتم أمه ويضربها ويهينها، فهو أمام الناس بر مؤدب ومع أمه قبيح الخلق.\nفلا ينفعه الصدق مع الناس إذا كان مؤذيًا لأمه، قال الله ﷿: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة:٨٣]، كما أن من يعق والديه يسلط الله عليه عياله فيصنعون فيه ما كان يصنع في والديه.\nقوله: (وقتل النفس) وقد قدم عقوق الوالدين على قتل النفس، والقتل لا شك قبيح.","vol":"15","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>أنواع اليمين</span>\nقوله: (واليمين الغموس) وهي أن يحلف المرء على الشيء وهو يعلم أنه كاذب، وقد تقدم أن الأيمان ثلاثة أنواع: الأولى: يمين لغو، وليس فيها كفارة ولا يلزم صاحبها إلا الاستغفار؛ لأنه تلفظ بها وهو لا يقصدها، كأن يستضيف إنسان آخر فيقول: والله لتأكلي معنا، والله لتشربن معنا.\nاليمين الثانية: اليمين المنعقدة، وهي أن يحلف المرء أن يفعل شيئًا أو لا يفعله في المستقبل، كأن يقول: والله سأعمل كذا، أو والله ما أنا بعامل كذا، فيحلف على شيء في المستقبل وهو عازم أن يعمل أو لا يعمل.\nفواجبه إن حنث أن يكفر عنها كفارة يمين.\nوأيضًا فإن النبي ﷺ يقول: (من حلف على يمين فوجد غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه).\nوقال سبحانه: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة:٢٢٤]، أي: لا تجعل يمينك بالله معرضة أمام فعل الخير فتمنعك من فعل الخير.\nاليمين الثالثة: اليمين الغموس؛ مأخوذة من الغمس؛ لأن صاحبها يغمس في نار جهنم والعياذ بالله، ويحلف بهذه اليمين ليقتطع حق امرئ مسلم وهو كاذب ويعلم أنه كاذب، فيقول: والله ما فعلت كذا وقد فعله، ويقسم: والله ما أخذت كذا وقد أخذه.\nوذنبها أعظم من أن يكفره إطعام عشرة مساكين، أو صوم ثلاثة أيام، وقول من قال ذلك إنما هو لقصد التخفيف وأمرها إلى الله ﷿، ويلزم من فعلها أن يتوب إلى الله ﷿ لعله يغفر له سبحانه ﵎، ويستشعر عظم الذنب الذي ارتكبه.","vol":"15","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>الشرك بالله</span>\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس).\nقوله: (الكبائر) يعني: من الكبائر ومن أكبرها.\nقوله: (الإشراك بالله) ومعناه أن تجعل لله ندًا وهو خلقك، فتعبد غير الله سبحانه، أو تدعو غير الله، أو تتوسل إلى غير الله ﵎، أو تحلف بغير الله تعظيمًا له، أو تنذر لغير الله سبحانه، أو أن تتوجه في عبادتك لغير الله، ويعد هذا شركًا أكبر.\nأما الشرك الأصغر فهو أن تنسب الفضل إلى غير الله سبحانه ناسيًا ربك سبحانه، ويقع في الخلق كثير من هذا الشرك، فترى الموظف إذا سئل: كيف حصلت على كذا؟ يقول: كان فلان السبب في هذا الشيء، أو يقول: كان هو عمل لي كذا، أو كان فلان هو الذي رزقني أو فلان الذي زاد لي مرتبي.\nفينسب لغير الله وينسى الله ﷾.\nوتجد إنسانًا آخر يمتلك كلب حراسة، فيأتي اللصوص فينبح عليهم الكلب، ويكون السبب في فرارهم، فإذا سئل عن ذلك تجده يقول: لولا الكلب لصنع اللصوص كذا وكذا، ناسيًا أن الله هو من ألهم الكلب النباح، وهو الذي أيقظه لنباح كلبه، ولكنه ينسب الفضل لغير الله.\nومن أنواع الشرك: الشرك الخفي: وهو الرياء فتجد صاحبه يصلي بالناس ويطيل الصلاة ولو صلى وحده ما صلى تلك الصلاة، أو يصلي من أجل أمر يريده من فلان، فإذا حصل على الأمر ترك الصلاة والصوم، يصدق فيه: صلى وصام لأمر كان يطلبه فلما انقضى الأمر لا صلى ولا صاما فمن كان يصلي من أجل الامتحان، يترك الصلاة بانتهاء الامتحان، وهكذا.\nوالمطلوب من الإنسان المسلم أن يعبد الله سبحانه في السراء والضراء، ويعلم أن كل خير من الله ﷿ وأن الدنيا لا شك زائلة، وأنه عائد إلى ربه يوم القيامة فيتمنى يوم القيامة مما يرى من هول الموقف أنه كان أكثر عملًا.","vol":"15","page":10},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-157> فضل بر أصدقاء الوالدين والأقارب وأهل بيت النبي</span>\nإن من أبرز ما أمر الدين الإسلامي به البر بالوالدين في حياتهما وبعد موتهما، ويكون البر بالوالدين بعد موتهما من خلال بر أصدقائهما والتودد إليهم.\nوإذا كان بر أصدقاء الوالدين من بر الوالدين، فمن حب رسول الله ﵊ حب آل بيته من أزواجه وأقربائه.","vol":"16","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>فضل بر أصدقاء الوالدين وسائر من يندب إكرامه</span>","vol":"16","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>خدمة جرير البجلي للأنصار إكرامًا لرسول الله</span>\nمن الآثار: أثر أنس بن مالك قال: (خرجت مع جرير بن عبد الله البجلي ﵁ ﵎ عنه في سفر فكان يخدمني).\nوجرير أكبر من أنس بكثير في السن، فكان جرير هو الذي يخدم أنسًا، وجرير كان في قومه كالملك، فقد كان في قومه سيدًا، وكان رجلًا مهابًا شريفًا كريمًا رضي الله ﵎ عنه، وكان بهيًا جميل المنظر حتى أن عمر ﵁ كان يقول عنه: (مشرف هذه الأمة) جرير بن عبد الله البجلي.\nفخرج مع أنس بن مالك فكان جرير يخدم أنس بن مالك الذي هو أصغر منه سنًا، فيقول أنس: (فقلت: لا تفعل) استحيا أنس ﵁، فقال له جرير بن عبد الله ﵁: (إني قد رأيت الأنصار تصنع لرسول الله ﷺ شيئًا آليت على نفسي ألا أصحب أحدًا منهم إلا خدمتُه) أي: إكرامًا للنبي صلوات الله وسلامه عليه، وإكرامًا لقومك أن أكرموا النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nوهنا جرير يكرم أنس بن مالك؛ لأن أنسًا كان خادمًا للنبي ﷺ، فقد خدمه عشر سنوات، وأهل وأقارب أنس من الأنصار رضوان الله عليهم فعلوا للنبي ﷺ كل خير، لذلك كان جرير البجلي يقول: إن للأنصار جميلًا على النبي ﷺ وكأنه جميل على جرير نفسه، فيقول: (آليت -يعني: أقسمت- ألا أصحب أحدًا من الأنصار إلا خدمته).","vol":"16","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>صلة أصدقاء الوالدين</span>\nومن الأحاديث حديث لـ أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي قال: (بينا نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله! هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال: نعم، الصلاة عليهما).\nبمعنى: أن تدعو لهما على المعنى اللغوي في الصلاة، فالصلاة في اللغة هي: الدعاء للوالدين، والاستغفار لهما.\nفإذا مات الأب أو ماتت الأم، فعلى الإنسان أن يكثر من الدعاء لهما، ويكثر من الاستغفار لهما.\nقال: (وإنفاذ عهدهما من بعدهما) فإذا كان الأب قطع عهدًا لأحد ما، أو وعد أحدًا ومات قبل أن يفي به، فمن البر أن يفي ابنه بما عاهد أبوه، سواء بصدقة أو بهبة أو غيرهما، فإذا عرفت أنا أباك أو أمك قد وعدا إنسانًا بشيء من الصدقة فمن البر بالمعروف أن تنفذ ذلك، وإذا كان على أبيك أو على أمك نذر ما وتوفيا قبل تنفيذه فإنك تنفذ ذلك عنهما وهذا يكون من باب بر الأبوين.\nقال: (وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما) أي: أن يصل رحم أبيه مثل ابن عم أبيه من بعيد، الذي كان أبوه يصله، فتصل من كان يصله أبوك.\nقال: (وإكرام صديقهما) فمن ضمن بر الوالدين: إكرام صديق الأب، وصديقة الأم.\nوالحديث رواه أبو داود بإسناد فيه ضعف يسير.","vol":"16","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>إكرام النبي لصديقات خديجة</span>\nومن الأحاديث حديث متفق عليه عن عائشة ﵂ قالت: (ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة).\nعلى الرغم من أن خديجة ماتت وعائشة لم ترها، ولكن من بر النبي ﷺ لزوجته التي توفيت رضي الله ﵎ عنها، فقد كان يبر بأقارب السيدة خديجة، وكان يبر صديقات السيدة خديجة اللاتي كن يأتين للنبي ﷺ في حياة خديجة وبعد وفاة خديجة رضي الله ﵎ عنها.\nوكان ذلك يسبب غيرة للسيدة عائشة، والغيرة غالبًا ما تكون من النساء الأحياء، ولكن غيرتها كانت من السيدة خديجة التي توفيت رضي الله ﵎ عنها، ولكن من كثرة ذكر النبي ﷺ لها، فقد كانت للنبي ﷺ نعم الزوجة ونعم الرفيقة في حياته صلوات الله وسلامه عليه ونعم المعينة المشيرة، ولذلك استحقت أن يبشرها ربها سبحانه بقصر من قصب لا صخب فيه ولا نصب، وقد صارت من سيدات نساء العالمين رضي الله ﵎ عنها.\nوفاطمة رضي الله ﵎ عنها هي بنت خديجة.\nوالسيدة عائشة لها فضل عظيم ويكفي أنها حبيبة رسول ﷺ، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، فهي مفضلة على النساء رضي الله ﵎ عنها.\nولكن مع ذلك كانت السيدة عائشة تغار على النبي ﷺ، وكانت أشد غيرة من خديجة التي تقول السيدة عائشة ﵂: (ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة، وما رأيتها قط).\nفقد توفيت السيدة خديجة رضي الله ﵎ عنها والنبي ﷺ بمكة قبل هجرته بسنين، والسيدة عائشة صغيرة السن وتزوجها النبي ﷺ بمكة ودخل بها في المدينة وكان لها تسع سنوات رضي الله ﵎ عنها، وما رأت السيدة خديجة؛ لأنها كانت صغيرة حين توفيت السيدة خديجة ﵂، ولكن كان يكثر ﵊ من ذكرها، فمن كثر ذكره لها كانت تغار منها.\nقالت: (وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة) برًا لـ خديجة ﵂.\nقالت: (فربما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا إلا خديجة) فيقول النبي ﷺ: (إنها كانت وكانت) فيمدح السيدة خديجة التي وقفت بجواره ﷺ وكانت من أجمل النساء رضي الله ﵎ عنها، ونفعت النبي ﷺ بذلك، ونفعته بنصحها وشفقتها وحنوها عليه صلوات الله وسلامه عليه.\nفكان يمدحها ويقول: (إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد) يعني: هي الوحيدة من نسائه التي كان له منها الولد.\nقالت في رواية: (استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله ﷺ، فعرف استئذان خديجة) يعني: عرف طبيعتها وأدبها ونغمة صوتها وهي تكلمه أنها مثل خديجة، فهش لذلك ﷺ، يعني: أنه عندما تذكر خديجة صلوات الله وسلامه عليه وهو لم ينسها ارتاح فقال: (اللهم هالة بنت خويلد) فذكرته هالة بـ خديجة وما كان من أمرها، قالت: فارتاح أو فارتاع لذلك.","vol":"16","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>من بر الوالدين صلة أصدقائهما بعد موتهما</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب فضل بر أصدقاء الأب والأم والأقارب والزوجة وسائر من يندب إكرامه.\nعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إن أبر البر أن يصل الرجل ودَّ أبيه).\nوعن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي ﵁ قال: (بينا نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله! هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما) رواه أبو داود.\nوعن عائشة ﵂ قالت: (ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة ﵂، وما رأيتها قط، ولكن كان يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا إلا خديجة فيقول: إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد) متفق عليه].\nيذكر الإمام النووي ﵀ في هذا الباب الأحاديث الواردة في فضل بر أصدقاء الأب والأم والأقارب وغيرهم، وعلى المسلم أن يبر أبويه ويبر أهل قرابته من الإخوة والأخوات، والعم والعمات، والخال والخالات وهكذا، وأيضًا عليه أن يبر أصدقاءهم إذا كانوا من المؤمنين.\nوهذه الأحاديث تبين لنا فضل بر أصدقاء الأب، فعندما تبر صديق أبيك فإنك تبر أباك وهو في قبره.","vol":"16","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>شرح حديث: (إن أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه)</span>\nهذه المعاني في حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إن أبر البر أن يصل الرجل ود أبيه) وكأنه يقصد من كان أبوه يحبه، فإذا كان أبوك يحب إنسانًا وتوفي أبوك فمن البر أن تبر هذا الإنسان، وتبر أهل ود أبيك.\nوجاءت قصة هنا يرويها عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر ﵄: (أن رجلًا من الأعراب لقيه بطريق مكة، فسلم عليه عبد الله بن عمر وهم يرضون باليسير) فالأعرابي متعود على الجو الحار وعلى أقل الأشياء من الأكل بعكس أهل المدن، فالأعرابي يكفيه القليل من الطعام والشراب.\nوفي رواية ثانية: كان -أي: عبد الله بن عمر - إذا خرج إلى مكة كان له حمار يتروح عليه.\nأي: عندما يسافر إلى مكة كان يركب الجمل، وكان إذا تعب من ركوب الجمل ركب الحمار، فكان الحمار يتروح عليه يعني: يستريح عليه إذا مل ركوب الراحلة، وكان له عمامة يشد بها رأسه.\nولبس العمامة من عادات العرب وهي سنة النبي ﷺ، وتضيف جمالًا للإنسان.\nفبينما هو يومًا على ذلك الحمار، متوجهًا في طريقه لمكة، مر به أعرابي فقال ابن عمر: ألست فلان ابن فلان؟ والأعرابي لا يعرف ابن عمر، فبعد أن سأله ابن عمر أجاب: بلى.\nأي: أنا الذي قلت.\nفأعطاه ابن عمر الحمار الذي كان يركب عليه ليستريح من عناء الركوب على الجمل في أثناء الطريق، فقال: اركب هذا، وأعطاه العمامة وقال: اشدد بها رأسك.\nفأعطاه العمامة والحمار كذلك.\nفقال بعض أصحاب ابن عمر: غفر الله لك! أعطيت هذا الأعرابي حمارًا كنت تروح عليه، وعمامة كنت تشد بها رأسك؟ يعني: أنت محتاج لهذين الشيئين.\nوفي رواية قالوا: أصلحك الله! إنهم الأعراب وهم يرضون باليسير! يعني: الأعرابي لو أعطيته أقل الحاجات سيفرح بها، فلماذا تعطيه حمارًا كاملًا وتعطيه العمامة كاملة.\nفقال ابن عمر ﵁: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي) إن من أبر البر، أي: يؤجر كأنه بر أباه.\nوفي رواية أخرى: قال: إن أبا هذا كان ودًا لـ عمر، يعني: ليس هو الأعرابي الذي كان ودًا لـ عمر وكان صديقًا لـ عمر ﵁، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه).\nنتعلم من هذا الحديث عن النبي ﷺ أنه من البر أن يبر المسلم أصدقاء أبيه في حياته ويبرهم أيضًا بعد وفاة أبيه، وبذلك يحصل الإنسان على أجر بر أبيه.","vol":"16","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>فضل إكرام أهل بيت رسول الله وبيان فضلهم</span>\nمن الأبواب الذي يذكرها لنا ﵁: إكرام أهل بيت رسول الله ﷺ.\nوأهل بيت النبي ﷺ يطلق على بني هاشم والذين ذريتهم من قبيل السيدة فاطمة ﵂، وأولاد علي بن أبي طالب من غير فاطمة، وأولاد جعفر بن أبي طالب، وكذلك أولاد عقيل بن أبي طالب، وكذلك العباس عم النبي ﷺ وأولاده.\nونساء النبي ﷺ، قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣] فكان السياق في ذكر نساء النبي ﷺ وأهل بيته، فهن من أهل بيته صلوات الله وسلامه عليه.\nقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢] والشعيرة هي العبادة ومن العبادة حب الله ﷿، وحب رسول الله ﷺ، وحب آل بيت النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nيقول يزيد بن حيان: (انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمرو بن مسلم إلى زيد بن أرقم).\nوهو صحابي فاضل له مناقب كثيرة وكان كبير في السن لما ذهب إليه هؤلاء.\nقال: (فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيرًا كثيرًا) يعني: نحن من التابعين ما رأينا النبي ﷺ، وأنت رأيت النبي ﷺ، وسمعت حديثه، وغزوت معه وصليت خلفه.\n(لقد لقيت يا زيد! خيرًا كثيرًا، حدثنا يا زيد! ما سمعته من رسول الله ﷺ؟ قال زيد ﵁: يا ابن أخي! والله لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسبت بعض الذي كنت أعي من رسول الله، فما حدثتكم فاقبلوا، وما لا فلا تكلفونيه! ثم قال: قام رسول الله ﷺ يومًا فينا خطيبًا بماء يدعى خمًا ما بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد: ألا أيها الناس! فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب) صلوات الله وسلامه عليه.\nالتذكير بالموت، فيذكرهم صلوات الله وسلامه عليه بذلك حتى لا ينسوا وحتى يعلموا أنه بشر مثلهم صلوات الله وسلامه عليه، يأتي عليه القدر ويأتي عليه الموت كما يأتي عليهم، فيذكرهم ﷺ يقول: (فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين).\nيعني: شيئين عظيمين وقال: (ثقلين) لثقلهما وعظمتهما وكبر شأنهما.\nقال: (وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه صلوات الله وسلامه عليه، ثم قال: وأهل بيتي) وهذا الأمر الثاني الذي تركه النبي ﷺ فيهم.\nقال: (وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ فقال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده) صلوات الله وسلامه عليه.\nونساء النبي ﷺ الكل يعرف قدرهن وسيراعي حقهن، وهن محرم عليهن الزواج بعد رسول الله وبالتالي ستنقطع ذرياتهن، أما باقي أهل بيت النبي فإنهم سيستمرون في التناسل، وينسى الناس أنهم من بيت النبي فلا يعرفون لهم قدرهم.\nقال: (ولكن أهل بيته من حرم عليه الصدقة) فقد شرف الله ﷿ أهل بيت النبي ﷺ وحرم عليهم الصدقة التي سماها النبي ﷺ أوساخ الناس، فالصدقة (الزكاة) تحرم على النبي ﷺ وتحرم على آله بيته صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم القيامة.\nقال أي الحصين: (ومن هم؟ فقال: آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، قال: كل هؤلاء حرموا الصدقة؟ قال: نعم).\nفالغرض: أن المؤمنين من بني هاشم إلى قيام الساعة هم آل النبي ﷺ بنو العباس وبنو عقيل وبنو جعفر وبنو علي ﵃ فهؤلاء هم أهل بيت النبي ﷺ.\nوالغرض: أن النبي ﷺ أوصى بهم أن يراعوا، وأن يحبهم الإنسان، فقد كانوا أتقياء في حياة النبي ﷺ.\nوكان من ضمن أقارب النبي ﷺ الأشقياء: أبو لهب الذي مات على الكفر والذي أخبر الله عنه وقال: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١].\nفالمقصود بآل بيته هم كل من والى الله ورسوله ﷺ، وكان من ذرية الذين ذكرنا، وكان مطيعًا لله ﷿، فإنه يحب بقرابته من النبي ﷺ، فحبه أولًا لطاعته لله ﷿ ولاتباعه لسنة النبي ﷺ، ويزيد عليه أنه من أقرباء النبي ﷺ ومن آل بيته، وقد أوصى النبي ﷺ بذلك.\nفي رواية أخرى قال: (ألا وإني تارك فيكم ثقلين: أحدهما كتاب الله وهو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة)، فكتاب الله ﷿ هو النور من الله، أي: فيه الهدى والنور، فأمر النبي ﷺ أن يأخذ المسلمون بكتاب الله وأن يستمسكوا به، وقال لنا النبي ﷺ في الحديث: (وأهل بيتي)، وقال أبو بكر الصديق ﵁: (ارقبوا محمدًا في أهل بيته) صلوات الله وسلامه عليه.\nوجاء في الأحاديث الأمر بالإحسان وصلة الأرحام، والإحسان للوالدين وللأقرباء وصلة الأرحام، وكذلك المعاملة بالمودة وبالرحمة مع أقربائهم، وإذا كان الإنسان يراعي أهل ود أبيه فليراع قرابة النبي صلوات الله وسلامه عليه بالتوقير والاحترام والإحسان، طالما أنهم على شرع الله ﷿، ومتبعون لهدي النبي ﷺ.\nنسأل الله ﷿ أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وصلة الأرحام.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"16","page":8},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-165> توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم [١]</span>\nجعل الله لكل عبد منزلة ينزل فيها ولابد، فرفع أهل العلم والفضل والسن، ثم جعل بعدهم من يليهم، فلا يليق بصغير القوم أن يتقدم وفيهم من هو أفضل منه وأكبر، كذلك إمامة الصلاة لا يقدم لها إلا أعلم أهل المسجد وأحفظهم، ثم يليه في الصفوف من يليه في الحفظ والفهم.","vol":"17","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>وجوب معرفة الفضل لأهل العلم وكبار السن</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل، وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مرتبتهم.\nقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩].\nوعن أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنًا، ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه) رواه مسلم.\nوعنه قال: (كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم) رواه مسلم.\nوعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ثلاثًا، وإياكم وهيشات الأسواق) رواه مسلم].\nباب آخر من كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي ﵀ توقير العلماء والكبار وأهل الفضل، ويذكر تقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مرتبتهم.\nدين الإسلام دين عظيم يعلم المسلم أن يعرف حق الله سبحانه فيوحده، ويعبده ولا يشرك به شيئًا، وأن يعرف حق رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأنهم الذين بلغوا رسالات الله سبحانه، وأدوا أمانة الله سبحانه، فوجب على المسلم أن يعرف فضلهم، ويحترمهم، ويصلي على أولياء الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ويوقرهم، ويعرف قدرهم، ويذكر فضلهم بما ذكر الله وبما ذكر الرسول صلوات الله وسلامه عليه.\nثم نبينا صلوات الله وسلامه عليه هو خاتمهم، وخيرهم، وسيدهم صلوات الله وسلامه عليه، وهو الذي جاء بهذه الشريعة العظيمة ليعرف قدره، ويتبعه، ويعزره، ويوقره، ويحترم كلامه، ويؤثره على نفسه صلوات الله وسلامه عليه، ويعلم أنه أولى به من نفسه، فيعرف قدر النبي ﷺ، ويعرف قدر أهل العلم الذين بلغوا رسالات رسول الله ﷺ، وبلغوا شرعه وما أمر أن يبلغ صلوات الله وسلامه عليه، وهم ورثة الأنبياء، قال فيهم النبي ﷺ: (وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم؛ فمن أخذه أخذ بحظ وافر).\nيعرف الإنسان المسلم فضل كبار السن، وأنهم سبقوه بالإسلام، وبالصلاة لله وعبادته، وإن كان قد يفضل عليهم بأشياء أخر، ولكن لهم فضل التقدم في أعمارهم، وفضل كثرة عبادة الله سبحانه، فجاء القرآن والسنة بتقديم من يستحق التقديم، فذكر لنا سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩]، هنا استفهام إنكاري لتقرير الحكم، أي: لا يستوي الذين يعلمون مع الذين لا يعلمون، إنما يتذكر بالقرآن وبالموعظة أصحاب القلوب الصحيحة المستقيمة، ويعرض عن التذكرة أصحاب القلوب المريضة السقيمة، فلذلك ربنا ﷾ يذكر أن الذي يستفيد وينتفع بهذا العلم هم أصحاب البصائر والألباب.","vol":"17","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>مراتب إمامة المصلين</span>\nمن الأحاديث حديث أبي مسعود واسمه عقبة بن عمرو البدري الأنصاري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله).\nوغالبًا ما تأتي كلمة القراءة في السنة بمعنى الحفظ، إلا أن تأتي في موضع يفهم منه القراءة بمعنى القراءة، ولكن دائمًا إذا أطلقت كان معناها الحفظ، فقدم هنا الأقرأ وهو الأعلم بكتاب الله ﷿، وإذا كان القوم يحفظون كتاب الله ﷿ فالأقرأ هو الأكثر حفظًا، والأجود قراءة فيتقدم على غيره.\nإذًا: أقرؤهم لكتاب الله، وهو الذي يحفظ القرآن كله، مقدم بالشرع على من يحفظ ثلاثة أرباعه، أو نصفه وهكذا؛ إذ الإمامة ليست مجالًا للتنافس بين من يعلم ومن لا يعلم، وبين من يحفظ ومن لا يحفظ، وبين من صوته حسن وصوته رديء، ولكن الله ﷿ قد علمنا على لسان النبي ﷺ من الذي يقدم، فهذا الذي يقدم كأنه وافد القوم على ربه ﷾.\nولذلك إذا أحسن فله ولمن خلفه، إذا أساء فعليه وليس على من خلفه.\nوهم يقدمونه بين أيديهم لربهم ﷾، لذلك لا يقدمون من يختارونه بل الذي يختاره ربهم سبحانه والذي يقدمه النبي صلوات الله وسلامه عليه، ففي أي مكان يقدم للإمامة أقرأ القوم، فإذا كان الناس يريدون اختيار إمام لهم فعليهم بأقرئهم وأحفظهم لكتاب الله فهو مقدم على غيره.\nفإذا تقدم وصار إمامًا راتبًا، ثم جاء من هو أحفظ منه فالحق للإمام الراتب، وهذا مكانه وسلطانه ولا يؤخر لغيره إلا أن يختار هو أن يقدم غيره على نفسه.\nأما أن يكون الإنسان إمامًا في مكان ثم يذهب إلى مكان آخر وينحي الإمام ويتقدم عليه، فلا يجوز له ذلك؛ قال ﷺ: (لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه).\nقوله: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله).\nأي: أما إذا استووا وكان الكل حفاظًا لكتاب الله فيقدم الأعلم بسنة النبي ﷺ، الذي يحفظ سنة النبي ﷺ ويفقهها، فعلم القرآن سوف يجعله يجيد القراءة، وعلم السنة سيعرف منه فقه هذه القراءة وفقه هذه الصلاة، فلو أحدث في الصلاة سيستخلف من خلفه ويتأخر هو ليتوضأ مثلًا.\nوإذا أساء في الصلاة سوف يعرف كيف يتصرف في صلاته، ولا يحصل هرج ومرج بين الناس؛ لأن الذي يؤمهم يفقه كتاب الله، ويفقه سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nإذا عمل الناس بما قاله رسول الله ﷺ يكون الأمر فيه راحة للجميع، حتى لو كنت أنا أرى في نفسي أنني أفضل منه ولكن الشرع قدمه علي، فأنا أحكم بالظاهر، وأمر الباطن إلى الله ﷿ يحكم فيه يوم القيامة.\nفإذا استووا في العلم بالقرآن والسنة وحفظها، فأقدمهم هجرة، وهذا لما كانت الهجرة موجودة في عهد النبي ﷺ.\nثم إن استويا في الهجرة، فالأكبر سنًا، فليست البداية بالسن، بل بالعلم بكتاب الله ﷿ والحفظ والإتقان.\nقال: (ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه).\nهذا من الأدب الشرعي: أن المسلم لا يؤم الرجل في سلطانه، وسلطان الرجل هو المسجد الذي يصلي فيه، أو المكان الذي يصلي فيه إن كان مصلى في مكان عمل أو غيره واعتاد الناس أن فلانًا وهو أقرؤهم هو الذي يصلي بهم الصلوات، في هذا المكان، فهو أحق به، وإذا جاء غيره فلا ينحيه ولا يتقدم عليه، لأن الشريعة قدمت إنسانًا فهو يحترم ذلك، فإذا أذن له أن يتقدم عليه جاز له أنه يتقدم عليه.\nوالأولى ألا يعود الإنسان نفسه على أنه كلما ذهب إلى مكان يريد أن يكون إمامًا، فلا تكن طبيعة في نفسك أنك كلما ذهبت إلى مكان تنتظر من الناس أن يقدموك، الأفضل ألا تفعل ذلك، واترك الناس يؤمهم إمامهم الراتب في هذا المكان؛ لأن نفس الإنسان أمارة بالسوء، تهيج الإنسان، أنا أحسن من فلان، أنا أؤم أكثر منه، أنا أولى منه بهذه الإمامة، فإن الأنانية تهلك الإنسان! عود نفسك إذا كنت إمامًا في مكان وذهبت إلى مكان آخر وكان الإمام أقل منك في العلم أو الحفظ أو السن أن تصلي وراءه، وكان الصحابة يفعلون ذلك، مثل مولى أبي أسيد ﵁ كان ابن عمر يذهب للمكان الذي هو فيه ومعه بعض الصحابة ويقدمهم فلا يتقدمون عليه، وهم أفضل منه وأقدم في الصحبة للنبي ﷺ وهو ممن بعدهم، ولكن عرفوا قدر صاحب المكان.\nلو أصر الإمام على أن يقدم هذا الآخر جاز له أنه يتقدم ويصلي بالناس، لكن الأمر أن كل إنسان يحتاج لأن يربي نفسه على التواضع.\nوإذا وجدت أنك إمام في مكان والناس يكرهونك فلا داعي لهذه الإمامة ولا تحدث نفسك بأنك أفضلهم، فإن النبي ﷺ ذكر في الحديث: أن من الذين لا ترفع صلاتهم ولا تقبل صلاتهم (من أم قومًا وهم له كارهون).\nفعلى المؤمن أن يصلي لله ﷿ حتى تقبل صلاته، وإذا لم تقبل صلاته إلا وهو مأموم فليكن مأمومًا، فليكن الأمر على الوجه الذي يريده الله ﷾.\nفي الحديث ذكر لنا أدبًا آخر، قال: (لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه) السلطان هو مكان إمامته سواء كانت إمامة كبرى كالحاكم الذي يحكم بشرع الله ﷿، فيؤمهم وإن لم يكن أحفظ الناس، هذا في الولاية الكبرى.\nالإمام في الولاية الصغرى هو الإنسان في مسجده، أو من فاتته الصلاة في الجماعة فصلى في بيته بأضيافه مثلًا، هنا قد يكون الضيوف أحفظ من صاحب البيت، ولكن السنة قدمت صاحب البيت.\nفمثلًا: صاحب البيت يحفظ الفاتحة و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] لا غير، وأنت تحفظ القرآن كله، فصاحب البيت أولى منك، ولا تحدث نفسك بأنه سوف يقدمك؛ فإن النبي ﷺ قدمه عليك لأنه صاحب المكان، لكن لو أنه ألح عليك بأن تتقدم فلا حرج.\nفإن كان صاحب البيت لا يحفظ الفاتحة فلا يجوز أن يكون لك إمامًا، بل يصلي وحده وصل وحدك إذا أصر أن يكون هو الإمام، ولكن إذا قدمك فتقدم لأنه لا يحفظ الفاتحة، وكذلك إذا كان يلحن فيها، واللحن هو أن يقرأ قراءة تغير معنى الكلام، وقد شرحنا ذلك في فقه الصلاة، وأنه القراءة التي تغير المعنى في فاتحة الكتاب خاصة.\nقال: (ولا يقعد في بيته على تكرمته): أدب آخر من الآداب العظيمة: المسلم متواضع في نفسه، والإنسان كلما تواضع رفعه الله ﷿، وكلما استكبر وضعه الله ﷾.\nالتواضع من الضعة، وهو أن يحقر نفسه، وكل إنسان يرى أن نفسه لها منزلة، لكن مطلوب منك شرعًا أن ترى نفسك عبدًا لله ﷿، وأن تتواضع، قال النبي ﷺ: (من تواضع لله رفعه الله).\nمطلوب من الإنسان أن ينظر إلى خلقه، ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق:٥ - ٧].\nانظر مما خلقت حتى لا تستكبر، تعلم من نفسك أنك كنت نطفة تستقذرها أنت، فلذلك يذكرك ربنا حتى لا تنسى نفسك أبدًا، ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق:٥ - ٨].\nفإذا ذهبت لإنسان في بيته فلا تر لنفسك فضلًا عليه، وقد تكون من أهل الفضل، ولكن قد دخلت بيته فصار له فضل عليك، هو الذي دعاك حتى تأكل وتشرب في بيته.\nالإنسان عندما يتذكر في نفسه أن فلانًا دعاه، وفلانًا تفضل عليه بذلك، يعرف فضله عليه، فعندما يدخل بيته يغض البصر، ويستأذن عليه في بيته ولا يزعج أهل البيت، ولا يستعمل جرس البيت حتى يسمع الشارع كله.\nإذا دخلت بيته تغض البصر، وتنتظر أين سيدخلك؟ لا تسبقه، لا تجلس حتى يجلسك، واجلس حيث يجلسك، أقل شيء اجلس واجعل ظهرك للباب، ولا تبقى وجهك للباب تنظر للداخل والخارج.\nفيقول هنا: (لا يقعد في بيته على تكرمته) يعني: في المكان الذي هو يحب أن يجلس فيه لا تقعد أنت فيه إلا إذا أذن لك.","vol":"17","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>الأمر بتسوية الصفوف في الصلاة</span>\nهذا أيضًا أبو مسعود البدري يروي هذا الحديث: (كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة)، يمر عليهم يسويهم صلوات الله وسلامه عليه بحيث إن الكل يستوي مع بعض في الصلاة.\nوقد وفضلنا على الناس بثلاث كما جاء في صحيح مسلم، ومن هذه الثلاث أن جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، فإن الملائكة يستوون عند ربهم ويتراصون في الصفوف فتشبهنا بهم في صلاتنا، فالنبي ﷺ يقول لنا: (فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجدًا وطهورًا، وأحلت لنا المغانم).\nالغرض: أن من ضمن الأشياء التي نتعلمها من هذا الحديث: أن النبي ﷺ كان يمسح مناكب أصحابه فيسويهم في الصلاة، ويقول ﷺ: استووا ولا تختلفوا.\nكأن استواءك في الصلاة مع صاحبك مدعاة لألفة القلوب والمحبة بينك وبين صاحبك، وإذا اختلفت صفوفكم اختلفت قلوبكم، عندما يبرز إنسان ويتقدم على غيره، كأنه رأى في نفسه شرفًا على غيره، وهذا مغرور، وكم من المغرورين في الصلوات -والحمد لله في مسجدنا لا نرى ذلك بفضل الله وبرحمته ﷾- أو ترى آخر فاتحًا ما بين رجليه بحيث إن الشيطان يمر بينه وبين صاحبه، وإذا أمرته بالمعروف أو نهيته عن المنكر رفع صوته عليك.\nفالحمد لله نحن في نعم عظيمة بهذه الصلاة، لذلك ينبغي علينا أن نحافظ عليها، وينبغي علينا أن نتواضع كبارًا وصغارًا، أحيانًا بعض كبار السن عندما ينصح تثور ثائرته ولا يهدأ، لا.\nتعلموا أدب النبي ﷺ، نوقر الكبير، لكن الكبير أيضًا يحترم القرآن ويحترم السنة ويحترم بيت الله ﷾.\nبعض الناس يضع كرسيًا في مكان ما ويقول: أنا لا أصلي إلا هنا! فنقول: المسجد مسجد الله ﷾، صل مثل غيرك من الناس في أي مكان، ولا تظن لنفسك فضلًا على الناس، احذر الغرور وأن تتطاول على المسلمين بأنك صاحب سن، أو صاحب لحية بيضاء، أو أنك أقدم منهم، بل تواضع لله ﷿ صغيرًا كنت أو كبيرًا، ومن تواضع لله رفعه الله ﷾.\nهنا النبي ﷺ كان يمر على المسلمين في الصلاة ويعدل الصفوف، واليوم توجد خطوط تنظر إليها ومن السهل أن تعدل الصف، لكن بعض الناس لا يعجبه الخط فيرجع إلى الخط الأخير ليوسع لنفسه في الصلاة ويضيق على غيره.\nأحيانًا في صلاة الجنازة تجد الصف الأول مكتملًا، والصف الثاني غير مكتمل، والثالث والرابع مكتملين، وصفوفًا أخرى فارغة، والناس خارج المسجد مزدحمة وما هو إلا هؤلاء زحموا المكان إلى باب المسجد.\nوأعظم خطوة تخطوها لتسد فرجة، وقبل أن تصف في مكان انظر هل الصف الأول قد اكتمل أو لا؟ الصف الثاني اكتمل أو لا؟ وهكذا تسد الفرج فتكون متشبهًا بالملائكة في أنهم يكملون الصف الأول فالذي يليه.\nقال: (ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم).\nإذا اختلفتم في الصلاة اختلفت القلوب، وإذا اختلفت القلوب صار المسلمون متنافرين، فلابد أن نتعلم إذا كنا في الصلاة كيف نستوي فيها.","vol":"17","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>صفة من يلي الإمام في الصلاة</span>\nقال ﷺ: (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى).\nهذا حكم آخر من الأحكام التي نتعلمها، أي: لو كان الإمام أقرأ الناس فمن يلي الإمام؟ قال: أولوا الأحلام والنهى.\nوأصحاب الأحلام يعني: البالغين، لا يأتي مجنون يصلي وراء الإمام، وإذا وجد حفاظ للقرآن فهم الذين يكونون وراء الإمام، ولا يتهاون حفاظ القرآن بهذا الشيء، كل منهم يصلي في مكان والإمام يخطئ فلا يجد من يرد عليه، أو تأتي الأصوات من آخر المسجد، فيحصل تشويش وإزعاج، فليكونوا خلف الإمام ليفتحوا على الإمام إذا أخطأ.\nوإذا حصل للإمام عذر خرج من الصلاة وقدم واحدًا من أولي الأحلام والنهى، أي: إنسانًا عاقلًا كبيرًا في السن، عالمًا بسنة النبي ﷺ، وقد كان الصحابة يعرفون ذلك فيقدمون خلف النبي ﷺ من يكون أقرب وأحق بالإمامة بعده صلوات الله وسلامه عليه.\nوبعد النبي ﷺ كانوا يصنعون ذلك، يذكر رجل من التابعين أنه أتى المدينة وكان أحب شخص إليه في المدينة أبي بن كعب ﵁، وما كان يعرفه، وكان شابًا حدثًا في السن، فصلى هذا الشاب خلف الإمام، قال: فجاء رجل وتقدم ونظر فعرف القوم إلا أنا فما عرفني، فأخرني للصف الثاني وصلى في مكاني.\nفالرجل كأنه في الصلاة حصل في نفسه شيء، كيف يردني ويرجعني، فلما انتهت الصلاة قال لي: لا يسؤك الله يا غلام، ولكن هكذا علمنا رسول الله ﷺ، فإنه قال: (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى)، إذًا: يكون الذي وراء الإمام حافظًا للقرآن، أو الذي يصلح أن يكون إمامًا.\nفيتعلم الإنسان أنه إذا وجد من هو أفضل منه في الخلف وهو خلف الإمام أن يترك هذا المكان له.\nالأمر الثاني: أنه قد يكون الإنسان الذي خلف الإمام لا يعرف فقه الصلاة، فيحدث شيء فيخرج من الصلاة وليس من حقه أنه يخرج، ويزعج الإمام وهو خلفه، وأحيانًا بعض الناس يكون في عقولهم شيء من خبل أو غيره، وأحيانًا يتركه الناس يصلي خلف الإمام، وهو أثناء الصلاة يتحرك أو يرفع صوته بالكلام، وهذا ليس مكانه أبدًا، قال ﷺ: (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى).\nأحيانًا يكون الذي خلف الإمام طفلًا صغيرًا، فإذا أحدث الإمام أو نابه شيء، فلا يليق أن يصلي بالناس طفل صغير، فنتعلم أن الذي خلف الإمام لا يكون من الصغار في السن، حتى تحفظ ثم تأتي خلف الإمام عندما تكبر.\nالذي يصلي خلف الإمام هو الأحق بالإمامة، فحفاظ القرآن يكونون خلف الإمام بحيث يفتحون عليه، وينبهونه إذا أخطأ في الصلاة.\n(ليلني منكم أولوا الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم): الإمام يقف في وسط المسجد، وهذا أشرف مكان في المسجد، وهو الذي جعل لسيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه، وبعده اليمين ثم الشمال، بعض الناس لا يعرف ذلك، فتجده يأتي المسجد ويذهب إلى جهة اليمين ولو وصل لآخر المسجد أو خرج للشارع ليصبح في اليمين.\nوأحيانًا تدخل المسجد فتجد أن المصلين في ناحية من الصف والباقي فارغ، هذا لا يجوز، لأنه لابد من وصل الصفوف كما أمر ﷺ، فأفضل شيء أن تبدأ الصفوف من خلف الإمام.","vol":"17","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>الأمر بغض الأصوات في المساجد</span>\nثم يقول: (إياكم وهيشات الأصوات).\nأي: ضجيج الأسواق ورفع الصوت، والأسواق أماكن وجود الشياطين براياتها، فلا يصير المسجد مثل السوق، برفع الصوت، بل نتعلم أدب المسجد في عدم رفع الصوت فيه، وأحيانًا نستحيي من كبار السن عندما تكون أصواتهم عالية.\nوبعض إخواننا أحيانًا يصلون جماعة ثانية، والجماعة الثانية مختلف فيها، والجمهور على جوازها، والإمام الشافعي على عدم جواز الجماعة الثانية، والفضيلة في الجماعة الأولى، والجماعة الثانية لها فضيلة ولكنها ليست كالأولى.\nأحيانًا يصلي في الجماعة الثانية ثلاثة رجال فيرفع الإمام صوته حتى يسمع الدنيا كلها، لماذا تسمع الناس؟ لست إمام المسجد، أنت إمام لإثنين فقط لا أكثر من ذلك، والبعض أحيانًا يعلل رفع صوته لكي يسمعه من أتى متأخرًا فيصلي معه، فنقول له: ليس بفرض عليه أن يصلي معك، ولكن إذا علم صلى معك وإلا فلا، وهو معذور.\nفنحن نصلي السنة والمسجد ممتلئ وصاحبنا يرفع صوته: الله أكبر، كأنه يقول للناس كلهم: اسكتوا فأنا موجود! وهذا خطأ، ولكن إذا كنت تقرأ فأسمع من خلفك فقط، ولا تزعج الناس.\nأو دخلت المسجد وفيه درس علمي في الدور الأول فلا تحدث جماعة في الدور الأول وتشوش على الناس ويشوشون عليك، واصعد الدور الثاني إذا كان فارغًا وصل فيه أو في الثالث إذا كنت تقدر على ذلك.\nوإذا لم تصعد وصليت فإنك تسمع من معك فقط، ولا تلزم الناس أن يسكتوا لك، أنت الذي أسأت بالتأخر عن الجماعة، فصل وأسمع من معك فقط ولا تشوش على غيرك، وأيضًا غيرك لا يشوشون عليك بقدر المستطاع.\nوقوله: (إياكم) تحذير من النبي ﷺ أن تشبه المسجد بالسوق، ويا حبذا أن يذكر بعضنا بعضًا، فعندما تسمع أحدهم يرفع صوته تنبهه، وأنا أفعل ذلك بحسب المستطاع، أحيانًا قبل الصلاة أجد من يشغل غيره بذلك فأقول له: انشغل بالدعاء أفضل، هذا وقت إجابة دعاء إلا لحاجة من الحاجات فصوتك تسمع به من بجوارك فقط.\nبعض الناس تقول له: اخفض صوتك، يقول: صوتي هكذا، كذلك الذي جاء النبي ﷺ فرآه يأكل بشماله، فقال: (كل بيمينك.\nقال الرجل: لا أستطيع، ما منعه إلا الكبر) فما كان من النبي ﷺ إلا أن دعا عليه قال: (لا استطعت).\nإما أنك صادق فلا عليك أو كاذب فتستحق العقوبة، قال: (فما رفعها إلى فيه)، وشلت يده.\nإذًا: اغضض من صوتك، وتذكر قول الله: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩].\nاخفض صوتك ولا ترفعه فتزعج الناس به في المساجد، والطرقات، والبيوت، بل تعود أن يكون صوتك منخفضًا، فإذا كنت تحتاج لرفع الصوت في خطبة أو غيرها فبحسبها، لا تخطب والخطبة كلها من أولها إلى آخرها صياح، ولكن الخطب مواقف، لا تقول: كان النبي ﷺ يرفع صوته في الخطبة كلها، فإن راوي الحديث يقول: (كان إذا ذكر الموت صلوات الله وسلامه عليه علا صوته، واشتد غضبه، واحمر وجهه كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم)، فليست الخطبة من أولها إلى آخرها إزعاج، ولكن يرفع صوته عند الاحتياج إلى ذلك، ويخفض صوته عند عدم الاحتياج للرفع، والخطبة المقصود منها عظة وتعليم الناس لا إزعاج الناس برفع الصوت.","vol":"17","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>تقديم الأكبر في السن في الحديث</span>\nمن الأحاديث التي جاءت عنه صلوات الله وسلامه عليه حديث يرويه سهل بن أبي حثمة يقول: (انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر وهي يومئذ صلح، فتفرقا وذهب كل واحد وحده في خيبر، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلًا)، اليهود لا عهد لهم ولا ذمة ولا أمان أبدًا، اليهودي إذا وجد غيره في مكان يحدث نفسه بقتله؛ لأنه يتعبد بذلك، سواء وجد مسلمًا أو نصرانيًا، ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ [المائدة:٨٢] فبدأ بهم.\n﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢].\nأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل فوجده يتشحط في دمه، يعني: ينزف ويتخبط ويضطرب في دمه قتيلًا فدفنه، ثم قدم المدينة فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي ﷺ، فبدأ أخو القتيل يتكلم، ولكن علمهم النبي ﷺ أن الذي يتكلم الأكبر في السن، فلو كانت هناك مجموعة وقدمت أحدهم للكلام فهو مقدمهم، لكن إذا لم يقدموا أحدًا فإن كبير السن هو الذي يبدأ بالكلام.\nقال النبي ﷺ: (كبر كبر)، يعني: يتكلم الأكبر في السن.\nالموقف هنا موقف صعب، ومع ذلك يعلمهم النبي ﷺ الأدب الشرعي، وأن يتكلم الكبير، وفيها أن النبي ﷺ قال: (أتحلفون وتستحقون قاتلكم؟) وفيها قصة القسامة، لكن الغرض: بيان تقديم الكبير في الكلام.\nأيضًا قال جابر بن عبد الله: (كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في القبر، ثم يقول: أيهما أكثر أخذًا للقرآن؟) لأن قتلى أحد كانوا سبعين، ويصعب الحفر لهم كلهم، والصحابة كانوا مثخنين بالجراح، فلذلك كانوا يحفرون القبر ويدفن في القبر الواحد الاثنان والثلاثة، فكان النبي ﷺ يقدم الأحفظ إلى القبلة، ثم الثاني، فهنا يقول لنا النبي ﷺ يسأل: (أيهما أكثر أخذًا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد).\nفالقرآن سبب للتقدم في الدنيا وسبب للتقديم في القبر، فما بالك بيوم القيامة؟ يقول النبي ﷺ: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه).\nيقول القرآن: أي رب منعته النوم بالليل، والصيام يقول: أي رب منعته الطعام بالنهار، فيشفعان له.\nوعن ابن عمر ﵁: أن النبي ﷺ قال: (أراني في المنام أتسوك بسواك، فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر، فقيل لي: كبر).\nهنا الأدب حتى مع النبي ﷺ، وهو ما عملها في الواقع، فقد كان في الواقع يكبر الكبير، ولكن في المنام علم ﷺ في منامه ذلك، (فقيل له: كبر، فدفعته إلى الأكبر منهما)، نتعلم كيف نفاضل بين الناس بمنازلهم، وجاء في الحديث: (أنزلوا الناس منازلهم).\nنسأل الله ﷿ أن يؤدبنا ويفقهنا في ديننا، ويؤدبنا بشرعه العظيم.\nاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"17","page":7},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-172> توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم [٢]</span>\nلقد فضل الله ﷿ أهل العلم، ورفع مكانتهم، وحض على توقيرهم وتقديمهم واحترامهم، كذلك وردت الأحاديث التي فيها توقير العلماء والكبار وأهل الفضل، وتقديمهم على من سواهم؛ فالذي ينبغي للمسلم أن يتخلق بالأخلاق الفاضلة مع سائر الخلق، من المسلمين وغيرهم، والمسلمون أولى بالمعاملة الحسنة، والعلماء في مقدمتهم، وكذا كبار السن وأهل الفضل، وينبغي إنزال الناس منازلهم.","vol":"18","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>ما جاء في توقير العلماء والكبار وأهل الفضل</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: (باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل، وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم وإظهار مرتبتهم.\nقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩].\nوعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط).\nحديث حسن رواه أبو داود.\nوعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا) حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي.\nوعن ابن عباس ﵄ قال: قدم عيينة بن حصن، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر ﵁، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته، كهولًا كانوا أو شبانًا وذكر القصة قال له الحر: يا أمير المؤمنين! إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] وإن هذا من الجاهلين: والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافًا عند كتاب الله تعالى).\nهذه أحاديث يذكرها الإمام النووي في باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل، وذكرنا في هذا الباب سابقًا أن الله ﷿ فضل أهل العلم على غيرهم فقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩].\nوأهل العلم هم الذين عرفوا كتاب الله ﷿ وعرفوا سنة النبي ﷺ، وعملوا بهذا العلم الذي يدعو أهله إلى خشية الله سبحانه، قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، فالعلماء أهل الخشية من الله سبحانه، فهؤلاء الذين يستحقون أن يرفعوا على غيرهم في الدنيا وفي الآخرة، وأن يوقروا وأن يحترموا بأن يعرف قدر علمهم فيحترموا من أجله.","vol":"18","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>شرح حديث (فناولت السواك الأصغر، فقيل لي كبر)</span>\nعن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: (أراني في المنام أتسوك بسواك فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر، فقيل لي: كبر، فدفعته إلى الأكبر منهما)، رواه مسلم.\nفالنبي ﷺ علمه ربه أن يفضل ويوقر الكبير ويقدمه على الصغير، ورأى النبي ﷺ رؤيا وفيها: أنه تسوك بسواك ﷺ، ورؤى الأنبياء وحي من الله ﷿ وكلها حق، فقد رأى أنه يتسوك بسواك فجاءه رجلان في المنام أحدهما أكبر من الآخر قال: (فناولت السواك الأصغر) أي: النبي ﷺ ناول هذا السواك الذي أمامه وهو الأصغر.\n(فقيل لي: كبر) يعني: أعطِ الكبير وابدأ به.\nأما إذا كان الكبير والصغير مع الشخص أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره فيعطي الذي عن اليمين قبل الذي عن اليسار، فإن كان الاثنان أمامه، فليقدم الكبير على الصغير، ولذلك جاء في الحديث: أن النبي ﷺ شرب لبنًا وكان معه خالد بن الوليد وهو كبير في السن ومعه عبد الله بن عباس وهو صغير في السن فالاثنان كانا مع النبي ﷺ في بيت ميمونة ﵂، وهي خالتهما فشرب ﷺ وبعد ذلك استأذن ابن عباس وهو عن يمينه أنه يعطي اللبن لـ خالد بن الوليد؛ لأنه أكبر منه سنًا، فقال له ابن عباس: ما كنت لأوثر بسؤرك أحدًا على نفسي).\nإذًا: يقدم الكبير في الكلام وغيره، إلا أن يكون في إعطاء طعام أو شراب وكان أحدهما عن اليمين والآخر عن الشمال، فيعطي الذي عن اليمين قبل الذي عن الشمال.","vol":"18","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>شرح حديث (إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم)</span>\nعن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: (إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط).\nقوله: (إن من إجلال الله) يقول تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١]، فينبغي أن تقدر ربك حق قدره سبحانه، بأن تعمل بدين الله ﷾، وتعزز هذا الدين العظيم لإعزاز الله ﷿ له، وتكرم أهل دين الله سبحانه.\nفإذا عرفت قدر ربك سبحانه، فمن هو أقرب إلى الله ﷿ تقدره وتحترمه وتقربه وتدنيه وتفضله على غيره، فالأقرب إلى الله هم أهل العلم الذين يعملون بهذا العلم، فقد جاء في هذا الحديث هنا: (أن من إجلال الله تعالى) يعني: أن من إجلالك لربك وتوقيرك له، واحترامك لدين ربك سبحانه، أن تكرم ذا الشيبة المسلم؛ لقول النبي ﷺ: (إكرام ذي الشيبة المسلم) أي: الكبير السن، لأنه قد شاب رأسه في الإسلام وصلى أكثر منك.\nوقد جاء في حديث النبي ﷺ: أن أخوين كانا في عهد النبي ﷺ، أحدهما استشهد والآخر مات بعده بشهر أو شهرين أو نحو ذلك، فرأى رجل رؤيا في المنام أن هذا الذي مات متأخرًا في مرتبة في الجنة أعلى من الشهيد، فتعجب كيف يكون الميت أعلى من الشهيد؟ فذهب يسأل النبي ﷺ، فأخبره النبي ﷺ بالسبب في ذلك وهو أنه عمر بعد هذا الأول شهرًا أو شهرين فصلى، فارتفع بها عن درجة هذا الأول، بصلاته شهرًا أكثر من الأول.\nإذًا: تعرف قدر من هو أكبر منك سنًا، أنه صلى صلاة أكثر منك، فلو أن رجلًا كان أكبر منك بعشر سنين، فإنه قد صلى عشر سنوات، وكل سنة ثلاثمائة وستون يومًا، وفي كل يوم خمس صلوات فنضرب ثلاثمائة وستين في عشر سنين في خمسة، فتعرف قدر ذي الشيبة المسلم.\nإذًا: من إكرامك لله ﷿ أن تكرم ذا الشيبة المسلم.\nقوله: (وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه) أي: أن تكرم حامل القرآن، وحامل القرآن: هو الإنسان الذي حفظ كتاب الله ﷿ وعمل بما فيه، وليس غاليًا فيه، بحيث يجاوز الحد فيكون مبتدعًا.\nوالغالي فيه هو الذي يبتدع ويحمل القرآن ما لا يحتمله، ويحكم رأيه في القرآن، ويأخذ من القرآن ما يوافق هواه، ويفتي بالهوى فيه، فهذا يغالي فيه، أو أنه يجفو بحيث يكون قد حفظه وتركه وراءه ظهريًا فلم يعمل به، ونسي كتاب الله ﷾.\nوهنا اثنان: الغالي والجافي، فلا هذا ولا ذاك يستحقان التكريم، إنما الذي يستحقه الإنسان الذي يحفظ كتاب الله ويعمل بما فيه، ويحترم كتاب الله ﷾، يحل حلاله ويحرم حرامه، ويقف عند آياته كما كان الصحابة يفعلون، فمن إكرامك وإجلالك لله ﷾ إكرام الإنسان المؤمن الذي يحفظ كتاب الله ﷿، أو يحفظ بعضه.\nقوله: (وإكرام ذي السلطان المقسط) يعني: أن من إجلالك وتوقيرك لله ﷿ أن تحترم الحاكم المسلم الذي يحكم بدين الله ﷾ وبشرعه.\nديننا دين عظيم يعود الإنسان المؤمن على حسن الخلق مع الناس، لا أن يكون حرًا بحيث يتكلم مع أي إنسان بغير ضابط، ويزيل الحواجز بينه وبين الناس، فالدين يقول لك: الزم حدك، واعرف قدرك مع غيرك تواضع مع العالِم، وتواضع مع السلطان المقسط، وتواضع مع كبير السن، فدين الله ﷿ يعلمنا الأدب الراقي، بأن الصغير يعرف أنه صغير في حضرة الكبير.\nأما العلمانية ونحوها فتدعو الناس إلى الحريات بحيث يتعلم الإنسان سوء الأدب، ويجعل نفسه مثل الكبير، فترى الواحد من هؤلاء حين يقعد أمام أبيه يجعل رجلًا على الأخرى، وكذلك أمام مدرسه يجعل رجله وحذاءه أمام وجه أستاذه، وإذا كلمه قال له: أنا حر ليس فيها شيء.\nوكثير من أبناء المسلمين يقلدون هؤلاء، فتراه يقعد أمام مدرسه من غير إجلال ولا تبجيل ولا احترام، ويتكلم معه، ويتهكم عليه، ويدير له ظهره، ويستهزئ به ويسخر منه، كل هذه آثام يحملها الإنسان تضره في الدنيا قبل الآخرة، وهذا الإنسان الذي يستهزئ بكبير السن لن يبقى صغيرًا مدى حياته فلا بد يومًا أن يكبر وسيُصنع فيه مثل ما صنع بهذا الكبير يومًا من الأيام، والجزاء من جنس العمل.\nغير شؤم ذلك الذي يجده في عمله، يجده في بيته، يجده في أولاده؛ لذلك تعلم احترام الكبير، نقول هذا لأبنائنا الصغار الذين في الابتدائية والإعدادية والثانوية، والذين في الجامعة: وقر الأكثر منك علمًا، وقر الأكبر منك سنًا، احترم أباك وأمك، احترم أخاك الأكبر، احترم كبير السن، لا تكن طويل اللسان، بل تراعي في ذلك الله ﷾، وتذكر أنك الآن صغير فستكون كبيرًا يومًا من الأيام، فإياك أن تستهين أو تستهزئ بغيرك، وإلا فستكون هذه الكلمة الذي تقولها سببًا في سخط الله ﷿ عليك، وقد ينطبق عليك حديث النبي ﷺ الذي يقول فيه: (إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالًا تهوي به في النار سبعين خريفًا) أي: يبقى سبعين سنة يهوي في نار جهنم بسبب الكلمة التي لم يلق لها بالًا.\nفبعض الناس تجده يسخر من غيره والناس يضحكون، فهو يضحك الناس ليغضب الله ﷿ عليه، لا تفرح بهذا الشيء؛ لأن الناس الذين يشجعونك سيتبرءون منك يوم القيامة، ولن يدافع عنك إنسان أمام الله ﷾.\nإذًا: الواجب عليكم أن تربوا أولادكم على احترام الكبير في السن، في الزمن الماضي كنا نسمع أن الكبير عندما يرى صغيرًا يعمل خطأً يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، أما الآن فكثير من الناس عندما يرى الطفل يخطئ يقول: لا دخل لي به؛ لأن أباه وأمه سيتشاجران معي! لا حول ولا قوة إلا بالله، ضاع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أصبح الصغار يتسافهون على الكبار، هل تنتظر من أمة هذا حالها: لا يحترمون كبارهم ولا يوقرون علماءهم، ولا يحفظون كتاب ربهم ولا سنة نبيهم، هل ينتظر منهم أن يعزهم الله وقد أذل بعضهم بعضًا؟ إن الله ﷿ سيجعل بأسهم بينهم شديدًا، ويسلط عليهم غيرهم؛ لبعدهم عن الله وعن سنة رسوله صلوات الله وسلامه عليه.\nلذلك على المسلم أن يتعلم ما هو الإسلام؟ وما هي آداب الإسلام التي ينبغي أن تكون بين المسلمين؟ وكيف يتخاطب المرء مع أبيه وأمه؟ تجد بعض الأبناء ينادي أمه باسمها، والأم تضحك وتفرح بأن ابنها يناديها باسمها، أو البنت تناديها باسمها، لكي تحس أنها صغيرة في السن وتصغر نفسها، ولعلها هي تأمر ابنها أو بنتها أن يناديانها أمام الناس باسمها لكي تبدو وكأنها صغيرة السن، وهذه سفاهة وبعد عن دين الله ﷿، ولا ينتظر من وراء ذلك إلا الدمار.\nفعلى الإنسان المؤمن أن يعلم ابنه أن يحترم الكبير، وأن يعلمه كيف يتخاطب مع معلمه؟! لا يعلمه البجاحة، لكن من المؤسف أن تجد من يقول لولده: إن شتمك معلمك فاشتمه، وإن مد يده عليك فمد يدك عليه، فتجد الطفل ينشأ متبجحًا وينشأ سافلًا حتى إن معلمه يقول: إن العلم خسارة فيه، فلن أعلمه ولا يستحق أن يتعلم، فلا هذا يبذل، ولا هذا يحترم ويستحق العلم، ويضيع دين الله ﷿ بينهما.","vol":"18","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>شرح حديث: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا)</span>\nعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا).\nقوله: (ليس منا) فيه زجر للإنسان الذي لا يحترم الكبير ولا يرحم الصغير، والمسلم عليه أن يهذب الصغير ويؤدبه، وذلك بأن تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر؛ لكي ينشأ الصغير رجلًا من صغره، ينشأ وهو يعرف الحلال والحرام، ويعرف الخطأ والصواب، ويسمع ويطيع طالما أنه يؤمر بالحق.\nقوله: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا) أي: أن على المرء أن يعطف على الصغير ويعلمه ويؤدبه ويعطيه ويطعمه ويسقيه رحمة به، وأنه ينبغي عليه أن يعرف شرف الكبير، الكبير في العلم، والكبير في السن، والكبير في القدر والمقام، فيعرف شرفه فيقدره فهذه الأمة مترابطة يحترم الصغير فيها الكبير، ويعطف الكبير فيها على الصغير؛ لقوله ﷺ: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا).\nأمة ليس فيها هذا الشيء أمة متفككة لا يعرف بعضهم بعضًا، مثل دول الكفر، فإن حقيقتها التفكك، يقول الله ﷿: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤] أي: قلوبهم متفرقة، تلقى الصغير منهم لا يحترم أباه، ولو أن أباه علمه أو أدبه أو ضربه لذهب هذا الصغير إلى الشرطة يشتكي أباه، ويحاكم الأب في المحكمة، ولعلهم يضربون الأب أمام الابن؛ لكي لا يجرؤ على ضرب ابنه مرة ثانية.\nوالطفل في المدرسة يعطونه (تلفون) الشرطة و(تلفون) المحكمة؛ حتى إذا ضربه المعلم اتصل بهم، والمسلمون يذهبون إلى تلك البلاد ليتعلم أولادهم هذه الأخلاق من هؤلاء، ويرجعون إلى بلادهم بلا أدب ولا أخلاق ولا تربية ولا دين، بل لعلهم ينظرون إلى دينهم على أنه تخلف، وعلى أن ما تعلموه من بلاد الكفر هو الأدب والحرية، وأن هذه الأخلاق هي إلى لوصول إلى الرقي والحضارة.","vol":"18","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>شرح أثر (قدم عيينة بن حصن فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس)</span>\nعن ابن عباس ﵄ قال: قدم عيينة بن حصن فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس.\nوعيينة بن حصن هو رجل كبير في قومه، وكان ممن يتألفه النبي ﷺ في حياته؛ لأنه كبير في قومه مثل: العباس بن مرداس، والأقرع بن حابس، كان هؤلاء الثلاثة كانوا كبراء في قومهم، وكان النبي ﷺ يتألفهم ليثبتوا على هذا الدين، فقدم عيينة على عمر رضي الله تعالى عنه، وابن أخيه الحر كان صغيرًا في السن، ولكنه كان من النفر الذين يدنيهم عمر رضي الله تعالى عنه لعلمه.\nوكذلك كان ابن عباس صغيرًا في السن وكان عمر ﵁ يدنيه؛ ليس لمكانته من النبي ﷺ، وإنما لعلمه رضي الله تعالى عنه، وأهل شورى عمر هم أهل العلم، يقول ابن عباس: كان القراء حفاظ القرآن أصحابَ مجلس عمر ومشاورته كهولًا كانوا أو شبانًا، والكهل هو الذي جاوز الثلاثين سنة، أما الشاب فهو دون ذلك.\nفالشاهد هنا: أن أهل مجلس شورى عمر ﵁ هم حفاظ القرآن في ذلك الزمان، وليس كهذا الزمان يحفظ الواحد القرآن ولا يفهم منه شيئًا، بل كان الواحد من الصحابة والتابعين يحفظ عشر آيات، ويعرف مضمون هذه الآيات ومعانيها وأحكامها وينفذها ويعمل بها، وهكذا حتى يحفظ القرآن كله على هذه الطريقة، فهؤلاء كان يدنيهم عمر ﵁؛ لأنهم أحق أن يشاورهم في أمور المسلمين.\nفجاء عيينة وطلب من ابن أخيه الذي هو الحر بن قيس أن يستأذن له على عمر، فاستأذن له على عمر رضي الله تعالى عنه، وأكرم عمر هذا الشاب الحافظ للقرآن، وجعل عمه يدخل عليه.\nفلما دخل على عمر ﵁، قال لـ عمر: هيه يا ابن الخطاب!، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل.\nهذا من الكذب على عمر رضي الله تعالى عنه، عمر ذلك الذي عدله الكفار وعرفوا فضله وعدله، وهذا يأتي ويقول عن عمر: أنت لا تحكم بالعدل، ولا تعطينا الجزل!! فلما قال ذلك، غضب عمر غضبًا شديدًا، وهم أن يوقع به؛ لأنه كذاب يكذب على عمر رضي الله تعالى عنه، فلما أراد معاقبته إذا بـ الحر بن قيس يقول لـ عمر ﵁: يا أمير المؤمنين! إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]، وإن هذا من الجاهلين.\nفلما سمع الآية التي خوطب بها النبي ﷺ كأنه صُبَّ عليه ماء بارد، فسكت وسكن غضبه، وكان وقافًا عند كتاب الله ﷾.\nقال ابن عباس: والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافًا عند كتاب الله، فهدأ وسكت ﵁ وأعرض عنه لكونه جاهلًا.\nفإذًا: الغرض من هذا الأثر بيان الذين كان يدنيهم عمر ﵁، وعمر هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وزير النبي ﷺ بعد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم، ولو وزن إيمان عمر بإيمان الأمة ليس فيها النبي ﷺ ولا أبو بكر لوزنهم عمر وثقل إيمانه على إيمان الأمة.","vol":"18","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>شرح حديث سمرة (فما يمنعني من القول إلا أن هاهنا رجالًا هم أسن مني)</span>\nعن سمرة بن جندب ﵁ قال: (لقد كنت على عهد رسول الله ﷺ غلامًا فكنت أحفظ عنه، فما يمنعني من القول إلا أن هاهنا رجالًا هم أسن مني).\nكان سمرة ﵁ صغير السن في عهد النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهو يذكر أنه كان غلامًا، أي: أنه ابن أربع عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة، والظاهر أن هذا كان في غزوة الخندق أو غزوة أحد، لأنه جاء في أيامها أنه كان في مثل هذا السن.\nفقوله: (كنت أحفظ عن النبي ﷺ، فما يمنعني من القول إلا أن هاهنا رجالًا هم أسن مني) يعني: كان ﵁ إذا جلس في مجلس فيه من هو أكبر منه سنًا من الصحابة فإنهم يقولون: قال النبي ﷺ كذا، وكان يسكت احترامًا لهؤلاء مع أنه حافظ لما يحفظونه وربما كان يحفظ أكثر منهم، ولكن كان يمنعه أن يقول أن هناك من هو أكبر منه سنًا في المجلس، فيسكت ليتكلم الكبير ولا يتكلم رضي الله تعالى عنه.\nهل يوجد مثله في زماننا هذا؟ أم أن الإنسان بمجرد أن يحفظ آية أو آيتين يكون فرحًا بهما، ويريد أن يقول في كل مجلس ويقاطع الناس في كلامهم وفي حديثهم؟! ينبغي على الإنسان المؤمن أن يتعلم العلم ابتغاء وجه الله سبحانه، فإذا احتاجوا إليه في علمه قال ما عنده، وإذا لم يحتج إليه سكت حتى يحتاج إليه، وإذا وجد غيره ممن هو أقدر منه على الإبلاغ ترك المجال له، واحتسب عند الله ﷾؛ لأن العلم ليس للظهور ولا للرياء، وإنما العلم ليقول قال الله قال رسول الله ﷺ، وليقيم شرع الله سبحانه على الإخلاص لا على الرياء والسمعة.","vol":"18","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>شرح حديث (ما أكرم شاب شيخًا لسنه إلا قيض الله له من يكرمه عند كبر سنه)</span>\nعن أنس ﵁: (ما أكرم شاب شيخًا لسنه إلا قيض الله له من يكرمه عند كبر سنه) رواه الترمذي وقال: حديث غريب.\nهذا الحديث وإن كان ضعيفًا، لكن تجده مشاهدًا بين الناس، وأن الإنسان الذي تربى من صغره على إكرام الكبار فهو عندما يكبر في السن يجد الصغار يكرمونه، والضريبة التي يدفعها الإنسان فإنه يستردها يومًا من الأيام، والجزاء من جنس العمل، وربنا لن يضيع جزاء من أحسن عملًا.\nقدم الخير في شبابك ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، ولن يضيع عند الله، فإذا كبرت سخر الله من أولادك ومن أولاد المسلمين من يخدمك ويرفع قدرك، ويعطيك الجزاء بما صنعت قبل ذلك.\nفهنا الحديث وإن كان ضعيف الإسناد ولكن معناه مشاهد بين الناس، فكم من إنسان يحترم من هو أكبر منه، فيجعل له ربنا ﷾ هيبة في النفوس، وكم من إنسان تجده يستهزئ بالناس فيسلط عليه ربه سبحانه من يستهين به ويستهزئ، فلذلك الإنسان المؤمن يعمل العمل ابتغاء وجه الله سبحانه، وخوفًا من عقوبة الله سبحانه، ويعلم أن ما بذله الآن سيرد إليه في يوم من الأيام، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.","vol":"18","page":8},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-180> زيارة أهل الخير ومجالستهم</span>\nإن زيارة أهل الخير ومجالستهم ومحبتهم فيها خير عظيم؛ لأن الأخلاق تعدي، والمرء على دين صاحبه وخليله، وإن الحذر من أهل الشر ومن مصاحبتهم أمر مطلوب؛ لأن أخلاقهم تعدي، وليس وراءهم إلا الوقوع في المعاصي والذنوب.","vol":"19","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>زيارة أهل الخير وصحبتهم ومحبتهم</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: قال الإمام النووي ﵀: [باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم والدعاء منهم وزيارة المواضع الفاضلة.\nقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف:٦٠]، إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف:٦٦].\nوقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨].\nوعن أنس ﵁، قال: قال أبو بكر لـ عمر ﵄ بعد وفاة الرسول ﷺ: انطلق بنا إلى أم أيمن ﵂ نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهيا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك، أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ؟ فقالت: إني لا أبكي أني لا أعلم أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها، رواه مسلم.\nوعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ: (أن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى، فأرسل الله تعالى على مدرجته ملكًا، فلما أتى عليه، قال: أين تريد، قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها عليه، قال: لا، غير أني أحببته في الله تعالى، قال: فإني رسول الله إليك، بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه)، رواه مسلم.\nوالأفضل للإنسان المؤمن أن يتزاور مع إخوانه في الله ﷾، زيارة بزيارة، محبة في الله ﷿، ليس لطلب دنيا، أو جاه، وليس للإملال، ولا للمضايقة، ولا للمناقشة وإنما زيارة لله ﷿، تكون دليلًا على المحبة.","vol":"19","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>التعلم من أهل الخير ولو كانوا مفضولين</span>\nقال الله ﷿: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف:٦٠].\nذكرنا في تفسير سورة الكهف هذه القصة، وفيها أن موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام قام خطيبًا في بني إسرائيل فخطبهم ووعظهم موعظة عظيمة جليلة، فإذا بهم يبكون من هذه الموعظة، فسأله أحدهم، قال: أي الناس أعلم؟ فقال موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام: أنا أعلم، فأجابه عن العلم بالشريعة، وهو كذلك.\nولكن عتب الله ﷿ عليه، أنه قال: أنا أعلم، ولم يرد العلم إلى الله سبحانه ﵎، فقال: بلى، عبدنا خضر هو أعلم منك.\nيعني في أشياء أخر أنت لا تعرفها.\nفموسى قال: كيف السبيل إلى لقياه؟ فإنه حين علم أن هناك من هو أعلم منه أراد أن يكون تلميذًا وتابعًا لهذا المعلم الذي هو أعلم منه، فدله الله ﷿ في القصة التي في سورة الكهف.\nوالغرض أن الإنسان يتعرف على من هم أفضل منه وأعلم، وقد صنع ذلك موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ولا شك أن موسى أفضل من الخضر على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، فإن موسى رسول، والخضر غاية ما قيل فيه إنه نبي.\nوموسى على علم من الشريعة اعترف الخضر أنه لا يعرفها، وموسى أحد أولي العزم من الرسل، والخضر ليس من هؤلاء على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، ولكن مع ذلك ذهب الأفضل وهو موسى إلى المفضول وهو الخضر ليتعلم منه.\nفلما أتاه، وهنا ظهر من المعلم أدب التعليم، قال: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف:٦٧] وإذا بموسى يظهر ذل المتعلم، ويقول: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف:٦٩] أي: سأتبعك وأسمع كلامك ولن أعصي لك أمرًا.\nالأفضل هو موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، لكن طالما أن الله قال له: هذا أعلم منك، إذًا: أتعلم منه ما هو أعلم به مني.\nوجاءت القصة على النحو الذي ذكره الله ﷿، وفي النهاية لم يصبر موسى على متابعة الخضر، وكان في أول مرة قد نسي فقال: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف:٧١]، وفي المرة الثانية تعمد وقال: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف:٧٤] وفي المرة الثالثة مل؛ لأنه لم يفهم ما الذي يفعله الخضر وهو يتابعه؛ لأن الله ﷿ أخبر بذلك، وفي النهاية تعمد أن يفارقه قال: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف:٧٧]، ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٨]، وأخبر الله ﷿ بذلك.\nقال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨]، هؤلاء الذين يطلبون الله ﷾، أولى أن تلازمهم وأن تصبر معهم لأنهم لم يطلبوا دنيا، ولم يطلبوا جاهًا، وإنما طلبوا وجه الله ﷿، فاستحقوا أن يكون النبي ﷺ مرافقًا لهم في هذه الدنيا، وأن يلازمهم، وهم الذين يدعون ويوحدون الله، ويطلبون من الله ﷾.","vol":"19","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>زيارة أبي بكر وعمر لأم أيمن</span>\nعن أنس بن مالك ﵁، قال: قال أبو بكر لـ عمر ﵄ بعد وفاة رسول الله ﷺ: انطلق بنا إلى أم أيمن.\nوأم أيمن هي حاضنة النبي ﷺ وخادمة النبي ﷺ في طفولته، ولما كبر النبي ﷺ أعتق أم أيمن رضي الله ﵎ عنها، وزوجها من حبه، زيد بن حارثه، فأنجبت له أسمامة بن زيد رضي الله ﵎ عنه.\nوكان النبي ﷺ يبرها ويقول: أم أيمن أمي، فقد ربت النبي ﷺ، وبعد أن مات النبي ﷺ قال أبو بكر لـ عمر: انطلق بنا نزورها، يعني نبرها، فإنها كانت للنبي ﷺ بمنزلة أمه، فقد كانت خادمته، وحاضنته، وكان يقول عنها أمي.\nفذهبا إليها، فلما انتهيا إليها بكت رضي الله ﵎ عنها، وتذكرت أيام النبي ﷺ وزيارة النبي ﷺ لها، وكيف كان يفضلها ويعطيها، وأحيانًا كانت تتعنت في أشياء فيعطيها النبي ﷺ إلى أن يرضيها صلوات الله وسلامه عليه.\nفلما سألاها: ما يبكيك، أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ؟ وهذا حق، فما عند الله خير للمؤمنين، فكيف بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، لا شك أنه خلص من هذه الدنيا ومن بلائها ومن مصائبها ومما فيها من شرور، ونجا صلوات الله وسلامه عليه، وذهب للقاء ربه ﷿، فيصبرنها بأن ما عند الله خير من هذه الدنيا.\nفقالت: أنا لا أشك في هذا، أنا أعرف أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ، ولكن أبكي على شيء آخر، أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، يعني كان ينزل الوحي بالحق عند رب العالمين.\nوطالما أن الوحي ينزل ففيه رحمة تنزل من السماء، ولما مات النبي ﷺ انقطع هذا الوحي والرحمة التي كانت تنزل من السماء، فأبكي على ذلك، فهيجتهما على البكاء، فبكيا رضي الله ﵎ عنهم جميعًا.\nوالغرض منه بيان زيارة أبي بكر الصديق وعمر رضي الله ﵎ عنهما لهذه المرأة الصالحة الفاضلة التي كانت مربية النبي ﷺ يومًا من الأيام.","vol":"19","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>شرح حديث: (زيارة رجل لأخيه في قرية أخرى)</span>\nوعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ: (أن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى).\nوهنا الزيارة لم تكن لمصلحة، فلم يذهب إليه من أجل أن ينتفع بجاه أو بمال أو من أجل أن يطلب منه شيئًا أو يرد إليه جميلًا فعله، وإنما كانت زيارة في الله سبحانه.\nلذلك الذي يزور أخًا له في الله، عليه أن يبتغي الأجر قبل أن يبتغي أنه سيجد هذا الإنسان وهل سيسمح له أو لا؟ وهل سيقابله أو لا؟ وهل سيضيفه أو لا؟ فلا ينظر لهذا كله، ولكن ينظر لأنه يحبه في الله سواء قابله أم لم يقابله، ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ [النور:٢٨]، فيرجع وهو سليم الصدر من ذلك، ولكنه وفى بأن زاره في الله ﷿.\n(فذهب هذا الرجل فأرسل الله ﵎ على مدرجته)، والمدرجة: الطريق، أرسل الله ﷿ ملكًا في الطريق رصدًا لهذا في صورة إنسان، وقال لهذا الرجل الذي ذهب يزور أخًا له إلى قرية أخرى، (أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية).\nقال: (هل لك عليه من نعمة تربها عليه)، يعني هل جئت من أجل أنه صنع لك جميلًا جئت ترب هذه النعمة وتقوم بها وترد له الجميل؟ (فقال له: لا، غير أني أحببته في الله)، يعني زيارة خالصة لا أريد منه شيئًا إلا إني أحبه في الله.\nفقال له هذا الملك: (فإني رسول الله إليك، بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه).\nوالحب في الله ﷿ شيء عظيم يجعل الإنسان يؤثر أخاه على نفسه، ويحافظ عليه كمحافظته على نفسه وأكثر، وينصحه في الله ﷿، كما ينصح لنفسه ولولده ولأهله، لأنه يحبه في الله.\nوإذا مات هذا الإنسان فإن أخاه في الله يذكره، وينظر في أمره وفي دينه ويستغفر له، ويذكر قديم عمله، فيسأل الله ﷿ له رحمته.\nوالأخ في الله ينفع أخاه في كل وقت إلى أن يدخل معه الجنة، بل ينفعه بعد دخوله الجنة أيضًا، فلعل هذا يكون منزله في الجنة عاليًا، وأخاه في منزلة دونها بكثير، فيشفع له عند الله، فيرفعه درجات في الجنة، وهذا إذا كانت المحبة لله ﷿، وليس لطلب شيء.","vol":"19","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>شرح حديث: (من عاد مريضًا أو زار أخًا له في الله)</span>\nوعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: (من عاد مريضًا أو زار أخًا له في الله، ناداه مناد: بأن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلًا).\nفي الحديث أن الذي يزور أخًا في الله، أو يعوده إن كان مريضًا، من أجل أن يخفف عنه ما هو فيه، لا ليثقل عليه ولا ليضايقه، ولا ليمكث عنده، وإنما ذهب يزور المريض ويخفف عنه ويظهر له محبته وينصرف، يناديه مناد: طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلًا.\nوالحديث وإن كان إسناده فيه شيء، ولكن جاء حديث في مسلم وفيه: (من عاد مريضًا لم يزل في خرفة الجنة أو مخرفة الجنة حتى يرجع)، الذي يعود مريضًا يكون في بستان من بساتين الجنة، وهو يزور هذا المريض.\nوجاء في الحديث الآخر: (أنه يستغفر له سبعون ألف ملك) وهذا للذي يعود مريضًا يبتغي بذلك وجه الله ﷾.","vol":"19","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>شرح حديث (مثل الجليس)</span>\nعن أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: (إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا منتنة).\nوالمسلم العاقل يتفكر فيمن يصاحبه ويحبه ويصادقه، والصديق الصدوق الناصح هو الذي يحب لله ﷿ وليس لدنيا ولا لهدف غير ابتغاء وجه الله ﷾.\nفيحب المسلم لكونه مسلمًا ولكونه محسنًا، ولكونه مطيعًا لله ﷾، إذًا كن في مجالس أصدقاء الخير وأصحاب الخير، وفي مجالس العلم، فلا تزال البركة والرحمة تنزل من السماء، والملائكة تتغشى هؤلاء وتكون حولهم، ويستغفرون لهم، فإذا رجعوا إلى الله عزل وجل ذكروهم بخير، وذكروا أنهم أتوهم وهم يصلون، وتركوهم وهم يصلون.\nوجليس السوء جلسته ليست صالحة، جلسته فيها الفساد، وفيها السوء وفيها الغيبة والنميمة، وفيها العقوبة من الله ﷾، ولذلك (ما اجتمع قوم في مجلس لم يذكروا الله ﷿ فيه، ولم يصلوا على النبي ﷺ؛ إلا قاموا حين يقومون عن جيفة حمار).\nوالحمار لا يحل ذبحه ولا أكله، فكأنهم جلسوا ليس إلى حمار مذبوح، بل إلى حمار منتن.\nهذا في الدنيا، ويوم القيامة يخبر النبي ﷺ أن عليهم ترةً يوم القيامة، أي: حسرة وندامة يوم القيامة.\nفالجليس الصالح وجليس السوء، مثلهما كما قال النبي ﷺ: (كحامل المسك ونافخ الكير)، ومن يتفكر في هذا المثال الذي ضربه النبي صلوات الله وسلامه عليه، يجد أمرًا عجيبًا: فحامل المسك هو إنسان يبيع المسك وعنده الرائحة الطيبة الجميلة، وحامل المسك لك معه أشياء: إما أن يحذيك، يعني: يعطيك من الطيب، فتنتفع بالرائحة الطيبة.\nوإما أن تبتاع منه، أي: تشتري منه هذه الريح الطيبة فتنتفع بها.\nوإما أنه لا يعطيك ولا تشتري منه، لكن الرائحة الطيبة تخرج وتنتشر فتستمتع بهذه الرائحة الطيبة.\nفإذا الجليس الصالح كله خير، إما أن يعظك موعظة تنتفع بها، وإما أن تطلب منه موعظة فيعظك بها، وإن لم يكن هذا ولا هذا، ستسمع منه لغيرك كلامًا طيبًا تستفيد أنت منه وهذا هو الجليس الصالح.\nومثل جليس السوء كنافخ الكير، حداد يحرق بالنار أشياء، والرائحة الكريهة تخرج من عنده، فإما أن تتأذى بهذه الرائحة المنتنة، وإما أن يصيبك من شرر النار ما يحرق عليك ثيابك، فلا تنتفع بشيء من ذلك.\nوجليس السوء تنصحه فلا يقبل منك النصيحة، ومن ثم يبدأ يوجه إليك أنت من سيئاته، فإما أن يؤذيك بكلامه، بأن يوقعك في غيبة وفي نميمة وفي بتهان وفي كلام قبيح تستحق عليه العقوبة عند الله ﷿ يوم القيامة، وإما أن يؤذي غيرك فتسمع منه ألفاظًا نابية وكلامًا قبيحًا، وشيئًا لا تقدر أن ترد عليه فيه، فكله شر!","vol":"19","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>شرح حديث: (تنكح المرأة لأربع)</span>\nوفي المتفق عليه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك).\nكأنه يقول لنا ﷺ: المرأة يخطبها الخطاب ويتزوجها الرجال لواحدة من هذه، أو لجميعها، فإن كان للجميع فحسن وخير، ولكن إذا كنت تخير بين هذه الأشياء فابحث أول ما تبحث عن الدين، لأنه قد يضيع المال وتبقى المرأة على ما هي عليه من خلق وضيع غير طيب، وقد تكون شحيحة وممسكة لهذا المال، ولا تقدر أبدًا أن تنتفع أنت من مالها بشيء.\nولحسبها: بأن يكون أهلها لهم شرف، فتضايق الإنسان وتذله بأهلها، ولا يقدر أن يقيمها ولا يقومها.\nولجمالها: ولعلها تذله بجمالها.\nولدينها: (فاظفر بذات الدين تربت يداك)، يعني إما أن تختار ذلك وإما أن تستحق أن يدعو عليك بأن تترب يداك، أي تلتصق بالتراب، بدل أن يكون في يدك مال دعا عليك بالفقر، وهذا الذي يبحث عن المال ويبحث عن الجمال وينسى دين الله ﷿.\nوالغرض منه بيان أن الإنسان مع زوجته وهي صاحبته، في حياته إلى أن يموت أحدهما أو يتفارقا، فإذا كانت امرأة طيبة، سترجو من ورائها الخير في بيتك ومعك ومع أولادك، وستنال منها كل الخير، والإنسان يعتاد على المرأة التي معه، فإن كانت جميلة فسيعتاد على رؤيتها ويصبح عنده أمرًا عاديًا، وإن كان لها مال فلعلها تعينه بمالها ولعلها لا تعينه، إنما الخلق هو الذي يبقى؛ لأن خلقها يتجدد في كل يوم، إما موعظة جميلة، أو نصيحة حسنة، أو دعوة لهذا الإنسان، أو معاونة على أمر من الأمور، فكلها خير فيظهر منها الخلق الحسن والدين الحسن مع زوجها، فإذا غاب عن البيت اطمأن لبيته، فحياته في استقرار، وفي طمأنينة لكون امرأته حسنة الخلق صالحة ترضي ربها سبحانه، وتحسن إلى زوجها، وهذا لا يتوفر إلا في المرأة ذات الدين، فاظفر بها كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"19","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>طلب الزيارة من الصالحين</span>\nروى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ لجبريل: (ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟)، فأنزل الله ﷾: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم:٦٤]، فلا ينزل بحسب ما يريد، ولكن بأمر الله ﷾، ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [مريم:٦٤]، فالله ﷿ يملك كل شيء.\nويطلب النبي ﷺ الرفقة الطيبة الصالحة جبريل ﵇ فهو لا يعصي الله أبدًا، وكل بني آدم خطاء، فأحب النبي ﷺ مصاحبة جبريل، وقال له زرنا أكثر مما تزورنا، فأنزل الله ﷿ أن الأمر ليس لك ولا لجبريل، ولكن الأمر أمر الله ﷿ وقتما يشاء الله ينزل جبريل، والغرض هو طلب مصاحبة الطيبين ليستفيد من حسن صحبتهم.","vol":"19","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>الحث على مصاحبة أهل الخير والتحذير من أهل الشر والسوء</span>\nعن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: (لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي) وهذا حديث عظيم جميل رواه أبو داود والترمذي، وإذا لم يوجد مؤمن فلا تصاحب أحدًا، والإنسان مع صاحبه كل منهما يقلد الآخر، وكل منهما يأخذ من خلق الآخر، والخلق الطيب يعدي، والخلق الرديء يعدي، واللهجة والكلام والألفاظ تعدي، والإنسان السيء النابي الألفاظ تجد الذي يصاحبه يقلده شيئًا بعد شيء حتى يصبح كلامه مثل كلامه بسبب المصاحبة، والمرافقة، وكثرة الأخذ والرد، ولذلك يأمرك النبي ﷺ، أن تصاحب الإنسان المؤمن الذي يصلي ويصوم، ويعرف الله ﷾، الذي لا ينطق بالقبيح ولا يفعل القبيح.\n(ولا يأكل طعامك إلا تقي): أنت قد تتعب في كسب المال وجمعه، فإذا حصلت على مال واشتريت به طعامًا ثم أعطيته لإنسان شقي فاسد يأكله فإنه لن يشكرك، فهو عند الله ﷿ ليس له منزلة ولا له قدر، فلن يشكرك هذا الإنسان.\nلكن التقي إذا أعطيته القليل شكرك، وحمد الله ﷿ وعرف لك قدرك وفضلك، ولعل الإنسان الصالح يأكل ويدعو لك، فتؤجر بدعاء هذا الإنسان وتؤجر بإطعامك له.\nوالإنسان الفاجر إذا أعطيته الكثير يحسدك، ويقول: أكل هذا عندك؟ إذًا أنت حرامي، وإذا أعطيته القليل، فضحك، وكلا الحالتين لن تنفع مع هذا الإنسان، تجد البعض يصلي وإذا عزمه إنسان ووجد العزومة كبيرة بدأ يحسده، ويقول: من أين أتى بالمال، هذه عزومة ملوك، وبدل أن يشكر هذا الإنسان ويدعو له بالبركة، يقول، من أين يأتي بالمال؟ ويحسده على نعم الله عليه! أما التقي فإنه يتقي الله سبحانه، ولن يتلفظ بلفظة نؤذيك؛ لأن لسانه منضبط بشرع الله ﷾، وأنت مستفيد من الصاحب التقي فإن في دخوله بيتك بركة وبدعائه لك، وبأكله من طعامك فكله خير.","vol":"19","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>الرجل على دين خليله</span>\nوعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (الرجل على دين خليلة، فلينظر أحدكم من يخالل)، رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح، ومعنى الحديث أن الرجل مقلد لصاحبه.\nوالإنسان السوي يمشي مع السوي، والسيئ يمشي مع السيئ، ولذلك لا يصطحب اثنان إلا لصفة جامعة بينهما، وحين تجد الإنسان يميل إلى إنسان آخر فاعرف أن هناك صفة مشتركة بين الاثنين تعجبهما، إما أن هذا مصل وهذا مصل، وإما أن هذا كثير صيام وهذا كثير صيام، وإما أن هذا يمزح والثاني مثله يحب المزح، وإما أن هذا فاسد والثاني مثله يحب الفساد، فلا بد أن تكون هناك صفة جامعة بين الاثنين، ولذلك قالوا: أنهم رأوا حمامة تطير مع غراب ومن غير الممكن أن تطير حمامة مع غراب فجعلوا يراقبون الحمامة والغرب فوجدوا أن الاثنين أقدامهم مكسورة فجمعتهم علة واحدة، وهي الكسر.\nفكذلك الأشقياء يجتمعون مع بعضهم فيستأنس كل منهما بعيب الآخر، ولذلك تجد الإنسان الفاسد حين يجد الإنسان الصالح ينفر منه، ويتضايق منه، ولا يحبه ولا يحب أن يمشي معه، لأنه إذا مشى معه سيقال له: فلان أحسن منك، فيريد الذي يكون مثله في الفساد، لذلك قال النبي ﷺ في الحديث: (الرجل على دين خليله) وإذا كان صاحبه الذي يحبه في دينه رقة، ستجد أن هذا الشيء موجود فيه، وإذا كان يصاحب الإنسان التقي قوي الإيمان ستجد أن في قلبه من الخير ما يدفعه لصحبة هذا الإنسان الخير، فلينظر أحدكم من يخالل، أي: من يصادق ومن يصاحب ومن يكون خليلًا له، حبيبًا له وقريبًا من قلبه.\nوفي الحديث الآخر المتفق عليه: (المرء مع من أحب)، فإذا كان يحب الصالح، فإن يكون معه يوم القيامة، وإذا كان يحب الإنسان المفسد الفاسد، فإنه يكون معه يوم القيامة.\nوتكملة هذا الحديث أن أعرابيًا جاء إلى النبي ﷺ وسأله: (متى الساعة، فقال رسول الله ﷺ: ما أعددت لها؟)، فالرجل كأنه تأثر وقال: (ما أعددت لها من كثير صوم ولا صلاة)، أي: لم أجهز لها كثير صوم ولا صلاة ولكن هناك شيء أعددته للساعة قال: (ولكني أحب الله ورسوله)، يعني في قلبي المحبة لله ﷿ وللرسول ﷺ، فقال النبي ﷺ: (أنت مع من أحببت).\nفبعدما صدمه بالسؤال الذي أوقف الرجل وجعله يراجع نفسه، أعطاه الجواب الجميل منه ﷺ الذي طمأنه: أنت تحب الله فأنت في جنته، وتحب الرسول، فأنت معه صلوات الله وسلامه عليه (المرء مع من أحب)، وفي الرواية الأخرى، قال: (ما أعددت لها؟ قال الرجل: ما أعددت لها من كثير صوم ولا صلاة ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، فقال ﷺ: أنت مع من أحببت).\nهذا من حديث أنس، وجاء من حديث ابن مسعود وفيه: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ يقول: يا رسول الله! كيف تقول في رجل أحب قومًا ولم يلحق بهم)، يعني هو يحب أناسًا صالحين لكن لا يستطيع أن يدركهم، فلا يستطيع أن يصلي مثلهم، ولا يستطيع أن يحفظ مثلهم ولا يستطيع أن يصوم مثلهم، لكنه يحبهم، فقال النبي ﷺ: (المرء مع من أحب)، فكانت كلمة أعجبت الصحابة وطيبت نفوسهم؛ لأن كلًا منهم يحب النبي ﷺ، ولكن من مثل النبي ﷺ ومن سيعمل عمله، وكانوا يخافون أن لا يروه يوم القيامة، لأن درجته في الجنة عالية فطمأنهم النبي ﷺ أن المرء مع من أحب.","vol":"19","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>خيار أهل الجاهلية هم خيار أهل الإسلام إذا فقهوا</span>\nفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا).\nالذهب ذهب مهما مرت عليه السنون، ومهما تغير بالطين والتراب فإنك إذا أخرجته وغسلته ونقيته عاد ذهبًا مرة أخرى، والفضة مثل ذلك وباقي المعادن تصدأ، لكن الذهب والفضة لها ميزة عن غيرها من المعادن، والناس كذلك معادن، منها ما فيها شوائب، ومنها ما هو ذهب وفضة، فخيارهم في الجاهلية، أي: الذي كان في الجاهلية فيه رجولة، وفيه شهامة وفيه حسن خلق، فإنه حين يسلم يزيده الإسلام من ذلك، فخياركم في الجاهلية هم خياركم في الإسلام إذا تعلموا هذا الدين وإذا تفقهوا.\nلذلك الإنسان يشرف بهذا الدين العظيم ويزداد خيرًا بأن يتعلم الفقه في الدين وأن يعمل بما يتعلم.\nوقال ﷺ: (والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف).\nالأرواح جنود، مثلما الأبدان جنود، تجد الإنسان يحب إنسانًا آخر بمجرد أن ينظر إليه، ويشعر أنه يعرفه من قبل، والأرواح من جنود الله ﷿، يعارفها على بعضها بما شاء ﷾، فما عرفه الله ﷿ على غيره في وقت يعلمه الله ﷿ تجده يحبه ويميل إليه.\nوهذا الحديث جاء من حديث عائشة ﵂ في مسند أبي يعلى، وفيه قصة، وهي أن امرأة كانت بمكة تحب المزح، فلما هاجرت إلى المدينة نزلت على امرأة مثلها، تحب الضحك، فبلغ عائشة ﵂ أن فلانة التي تحب المزح نزلت على فلانة التي مثلها، فقالت: صدق حبي رسول الله ﷺ: (الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف)، فكأن الإنسان ينزل على الشبيه له، والتآلف والمحبة التي تكون بين القلوب تكون في الأرواح قبل ذلك، فالمرء مرآة قرينه، والمرء ينزل على شكيله ومن كان مثله.\nلذلك حاول أن تتعرف على الصالحين وتحبهم ولا تنظر إلى الغنى والفقر، ولا تنظر إلى المراكز وإلى العلو، ولا تنظر إلى القوة والضعف، ولكن انظر إلى الصلاح تنتفع وتنفع صاحبك.\nنسأل الله ﷿ أن يجعلنا من عباده الصالحين، وأن يمن علينا برفقة الصالحين.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"19","page":12},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-192> زيارة أهل الخير والأماكن الفاضلة والحب في الله</span>\nلقد ندب الله ﷿ إلى مجالسة أهل الخير، والجلوس معهم، وجاءت الأحاديث عن النبي ﷺ مرغبة في ذلك، ومبينة فضلها وعظيم أجرها، وخاصة الحب في الله سبحانه الذي هو أوثق عرى الإيمان.","vol":"20","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>ما جاء في زيارة الصالحين ومواضع الفضل</span>\nأعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nوبعد: قال الإمام النووي ﵀: [باب زيارة أهل الخير ومجالستهم، وصحبتهم، ومحبتهم، وطلب زيارتهم، والدعاء منهم، وزيارة المواضع الفاضلة].\nروى الإمام مسلم عن أسير بن جابر ﵁، (أن أهل الكوفة وفدوا على عمر ﵁، فقال عمر: هل هاهنا أحد من القرنيين؟ فجاء ذلك الرجل وكان يسخر من أويس فقال عمر: إن رسول الله ﷺ قال: إن رجلًا يأتيكم من اليمن يقال له: أويس لا يدع باليمن غير أم له، قد كان به بياض فدعا الله فأذهبه عنه إلا موضع الدينار أو الدرهم، فمن لقيه منكم فليستغفر لكم).\nوفي رواية: (إن خير التابعين رجل يقال له: أويس، وله والدة، وكان به بياض، فمروه فليستغفر لكم).\nوعن عمر بن الخطاب ﵁، قال: (استأذنت النبي ﷺ في العمرة، فأذن لي، وقال: لا تنسنا يا أخي من دعائك، فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا).\nوفي رواية: (قال: أشركنا يا أخي في دعائك) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\nوعن ابن عمر ﵄ قال: (كان النبي ﷺ يزور قباء راكبًا وماشيا، فيصلي فيه ركعتين) متفق عليه.\nوفي رواية: (كان النبي ﷺ يأتي مسجد قباء كل سبت راكبًا وماشيا، وكان ابن عمر يفعله).\nوالمعنى: أن المؤمن يصاحب من يحبه في الله ﷾، ويزوره في الله، ليس لهدف من الدنيا، ولا لتسامر ولا لتضييع وقت، وإنما زيارة محبة في الله ﵎.\nفيحب أهل الخير وأهل الفضل، ويصحبهم، ويجالسهم، ويزورهم، ويدعو لهم، ويطلب منهم أن يدعو له، إلى غير ذلك مما يكون فيه الفضل.\nوقال النبي ﷺ: (إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا منتنة).\nمتفق عليه.\nوفيه مثال لنوعين من الأصدقاء والأصحاب: النوع الأول: وهم الذين يتآخون في الله ﷾، فيجتمعون عليه، ويتفرقون عليه، فلهم أجر عظيم عند الله سبحانه.\nوهذا الإنسان تستفيد منه كلما لقيته، ولو بالتسليم عليه، ولو بأن يدعو لك، فهو مثل حامل المسك، إما أن تنتفع منه بريح طيبة، وإما أن تشتري منه، وإما أن يهبك ويعطيك من المسك الذي معه.\nوالنوع الآخر: صديق السوء، وهو الذي إذا جالسته لم يزل يتكلم عن فلان، ويغتاب فلان، وهكذا.\nفيؤذيك بذلك.\nفإما أن تنكر عليه وتنجو، وإما أن تسكت فيهلكك وتهلك معه.\nفهو مثل نافخ الكير، أي: الحداد الذي ينفخ الكير، فإذا جلست معه شممت منه رائحة خبيثة، أو أنه قد يحرق ثيابك، أو يلوثها بما معه من نار وما معه من أذى.\nولذلك فالإنسان المؤمن يصاحب المؤمنين، ويرجو الخير من وراء ذلك، ويحذر الإنسان المؤمن من السخرية من أحد من المسلمين، فلعله يسخر من إنسان وهو أفضل منه، وكان الأولى بدلًا من أن يسخر منه، أن يطلب منه أن يدعو له.","vol":"20","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>قصة عمر ﵁ مع أويس القرني</span>\nوهنا قصة اختصرناها، وذكرنا لفظها المختصر الذي في صحيح مسلم.\nوفي لفظ آخر طويل عن أسير بن عمرو قال: كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس رضي الله ﵎ عنه.\nفقد كان عمر مهتمًا لهذا الشيء، فكلما يأتيه أناس من اليمن يسألهم فيكم أويس؟ إلى أن وفد عليه في سنة من السنين قوم وفيهم أويس، فقال له عمر ﵁: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم.\nقال: من مراد ثم من قرن؟ يعني: من هذه القبائل، من قبيلة مراد التي هي من قرن.\nقال: نعم.\nقال: فكان فيك برص فبرأت منه إلا موضع درهم.\nوهذه أوصاف جاء بها عمر، من النبي ﷺ، الذي أخبره بهذا الشيء، ولذلك فإن عمر بن الخطاب كان حريصًا على أن يقابل أويسًا هذا، رضي الله ﵎ عنه.\nقال له أويس: نعم.\nقال: هل لك والدة؟ قال: نعم.\nقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد من أهل اليمن، من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه، إلا موضع درهم).\nوالبرص: البهاق، فإذا كثر في الجسد فهو البرص، فذهب منه البرص، وهو قل أن يذهب من الإنسان، ولكن ببركة دعاء هذا الرجل، وببركة بره لأمه رضي الله ﵎ عنه، أذهب الله ﷿ عنه ذلك، وأبقى له موضعًا مثل الدينار يذكره بنعمة الله ﷿ عليه.\nقال له عمر: إن النبي ﷺ قال: (يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد من أهل اليمن، من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره)، يعني: أنه رجل بلغ من الصلاح درجة أنه لو أقسم على الله، فإن الله ﷿ يستجيب له؛ لأنه يحبه سبحانه فقد أنزله منزلة عظيمة، حتى إنه ليدنو ويقسم على الله فيبره الله ﷾.\nقال النبي ﷺ: (فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل).\nوهذا يقوله لـ عمر، ومن معه، إذا استطعت أن يستغفر لك أويس وهو من التابعين، وليس من الصحابة، والصحابة أفضل من غيرهم على العموم.\nولكن أويسًا قد يكون فيه فضيلة على بعض أصحاب النبي ﷺ، بحيث إنه يقسم على الله فيبره الله، ولذلك قال النبي ﷺ لـ عمر: إن استطعت أن تجعله يستغفر لك فافعل.\nفقال له عمر: فاستغفر لي.\nفاستغفر له أويس.\nفقال له: عمر: أين تريد؟ فقال: الكوفة.\nقال له: عمر: ألا أكتب لك إلى عاملها؟ يعني: يكتب له إلى العامل الذي في الكوفة حتى يستوصى به.\nفقال لـ عمر: أكون في غبراء الناس أحب إلي.\nأي: لا أريد أن أكون معروفًا بين الناس، بل أكون مع فقراء الناس وصعاليكهم ومن لا يعرف، فهذا أفضل لي وأحب إلي.\nفلما كان من العام المقبل، أي: السنة الثانية، حج رجل من أشرافهم، فوافى عمر ﵁، فسأله عن أويس، وكان الرجل يعرفه، وكأنه يعرف لكن لا يعرف فضله ولا شرفه فقال: تركته رث البيت، قليل المتاع.\nولكنه لم يقسم على الله ﷿ ليملأ له بيته متاعًا؛ لأنهم نظروا إلى الدنيا فاحتقروها، ولم يجعلوا لها قيمة، ونظروا إلى الآخرة فجمعوا لها، وادخروا من أجلها، فنئوا عن الدنيا، وأقبلوا على الآخرة، فلم يضرهم أن لم يكن معهم متاع، ولو أن عمرًا كتب له إلى أمير الكوفة، لكان أنزله منزلة الأمراء مثلًا.\nولكنه ﵁ لم يطلب دنيا، فكان رث البيت، قليل المتاع.\nفقال عمر لهذا الرجل: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد من أهل اليمن، من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه، إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك، فافعل).\nفعندما عاد الرجل إلى الكوفة، ذهب مباشرة إلى أويس، وقال له: استغفر لي فرد عليه أويس: أنت أحدث عهدًا بسفر صالح.\nيعني: أنت كنت مسافرًا، وقدمت من حج أو من عمرة، فأنت الذي تستغفر لي، ولست أنا من يستغفر لك، قال: فاستغفر لي.\nثم سأله: لقيت عمر؟ قال: نعم.\nقال: فاستغفر لـ عمر واستغفر للرجل.\nففطن له الناس، فانطلق على وجهه، وغادر من المكان الذي هو فيه، حتى لا يسمع أحد به.\nفخاف على نفسه من الرياء، وخاف على نفسه من فتنة الناس، فإن الذي يقبل على الناس يغره الناس، والعادة أن الإنسان لو ترك نفسه للناس فإنهم يغرونه، يقولون له: أنت سيدنا، وأنت كبيرنا، وأنت أشرفنا، وأنت، وأنت حتى يغتر الإنسان في نفسه.\nولذلك فإن المؤمن يقبل على الناس بالوجه الذي لا يفتن فيه، فإذا وجد من الناس المديح فهو أعلم بنفسه من الناس، فكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، ولو أن الإنسان أعطى أذنه للناس ليمدحوه فإنه يوشك أن يغتر فيهلك ويضيع، ولذلك فإن المؤمن حريص على أن لا يسمع مدحًا من أحد، ولا يسمع من الناس إلا النصح.\nولذلك فإن أويسًا رضي الله لم يصبر ولم يطق أن يسمع من الناس مديحًا وإن كان هذا المديح حقا، وهو قد مدحه النبي ﷺ، وهو الصادق المصدوق، المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، الذي لا ينطق عن الهوى.\nفلولا أن هذا الرجل له فضل عند الله ﷿، لما ذكره النبي ﷺ بهذا الذكر العظيم.\nوفي رواية لهذا الحديث في صحيح مسلم: أن أهل الكوفة وفدوا على عمر ﵁، وفيهم رجل ممن كان يسخر بـ أويس.\nيعني: أن أويسًا كان من الفقراء، ومن صعاليك المسلمين، ومن عادة الناس أنهم عندما يجدون شخصًا فقيرًا، خلق الثياب، رث المتاع والبيت، فإنهم يسخرون منه، ولا يعطونه قدرًا ولا منزلة.\nفكان أويس هكذا فيهم، وكان لا يأبه بذلك، وكان من ضمن هذا الوفد شخص يسخر منه، ولو دعا عليه أويس فلعل الله ﷿ أن يستجيب له، ويصنع به الأشياء الذي يبتليه بها، ولكن أويسًا كان حليمًا وصبورًا فسكت عنه، ولم يقل شيئًا رضي الله ﵎ عنه.\nفهذا الرجل وفد على عمر ﵁، فقال عمر: هل ها هنا أحد من القرنيين، فجاء ذلك الرجل، فقد كان من نفس قبيلته، وليس بعيدًا عنه.\nفجاء إلى عمر، فقال عمر ﵁: إن رسول الله ﷺ قال: (إن رجلًا يأتيكم من اليمن يقال له: أويس لا يدع باليمن غير أم له، قد كان به بياض فدعا الله تعالى فأذهبه، إلا موضع الدينار أو الدرهم، فمن لقيه منكم فليستغفر له).\nوفي رواية: قال النبي ﷺ: (إن خير التابعين رجل يقال له: أويس)، فهو خير التابعين رضي الله ﵎ عنه.\nولم يقل خير الناس، فـ عمر ﵁ كان خيرًا منه، وأبو بكر خير منهما رضي الله ﵎ عنه، والنبي ﷺ خير من الجميع، ولكن الغرض أن هذا خير تابعي في هؤلاء القوم الذين لم يروا النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nوقد يكون فيه فضيلة في إجابة الدعاء بالقسم على الله، أكثر من بعض الصحابة، فهو قد فضل بشيء وليس بكل شيء على أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nفالغرض: أن هذا الرجل الذي كان يسخر من أويس تبين له أن أويسًا هذا مستجاب الدعوة، فعرف قدر نفسه وقدر هذا الذي يسخر منه.\nولذلك فإن الإنسان المؤمن لا يسخر من أحد أبدا، فلا ينظر إلى ثياب الإنسان الذي يكلمه، ولكن ينظر إلى ما يقوله من حكمة وموعظة وكلام جيد.\nوقد وفد بعض الصالحين على أمير من الأمراء، وكان قد لبس جبة رثة خلقة، فجعل الأمير ينظر إلى جبته وهو يتكلم، يعني: مستنكرًا لجبته.\nفكان من كلام الرجل الحكيم للأمير أن قال: لا تنظر إلى الجبة وانظر إلى لابسها.\nيعني: لا تنظر إلى الجبة المقطعة المرقعة، وانظر إلى الذي يكلمك حتى تفهم ما يقوله لك.\nفهذه منزلة أويس عند الله سبحانه ﵎، والذي كان ذلك الرجل يسخر منه.","vol":"20","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>طلب الدعاء من الصالحين</span>\nمن الأحاديث الواردة في طلب الدعاء من الصالحين: ما رواه الإمام الترمذي وأبو داود بإسناد فيه ضعف، وإن كان الترمذي قال: حسن صحيح، وفيه: (أن عمر ﵁ خرج لعمرة، فقال له النبي ﷺ: لا تنسنا يا أخي من صالح دعائك، أو لا تنسني يا أخي من دعائك).\nوالحديث إسناده ضعيف، ولكن أن يطلب الإنسان من أخيه المسلم الذي يظن فيه فضيلة أن يدعو له هذا شيء حسن، ولكن على وجه لا يغتر فيه هذا الذي تطلب منه الدعاء؛ لأن الإنسان أحيانًا عندما يجد إنسانًا يحبه في الله يبدأ يمجده ويعظمه إلى أن يرفعه عن قدره، فيغره في نفسه.\nفلا تغر أخاك، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (احثوا في وجوه المداحين التراب).\nفالمؤمن يخاف على نفسه من الغرور، ويخاف على نفسه من مدح الناس، والنبي ﷺ قد حذرنا من مثل ذلك، فعندما سمع رجلًا يمدح أخاه في وجهه قال: (قصمت ظهر أخيك)، ولذلك لا تعود نفسك على كثرة المدح لإنسان، ولا تغر أحدًا، ولا تفتنه في دينه، والله قال لنا: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢].","vol":"20","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>زيارة المواضع الفاضلة</span>\nالصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة في ما سواه من المساجد.\nومسجد النبي ﷺ الصلاة فيه بألف صلاة في غيره من المساجد.\nالمسجد الأقصى جاءت أحاديث بأن الصلاة فيه بخمسمائة وإن كان فيها ضعف، وأحاديث على النصف من ذلك بمائتين وخمسين صلاة، ولكن له فضيلة عظيمة، ويكفي في ذلك قول النبي ﷺ: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى).\nنسأل الله ﷿ أن يحرره من دنس اليهود وكفرهم وشركهم، لعنة الله عليهم، وعلى من والاهم من أهل الكتاب، ومن الكفرة الملاعين.\nنسأل الله ﷿ أن يحرره، وينصر الإسلام والمسلمين.\nوهذه فضيلة هذه المساجد الثلاثة.\nولمسجد قباء فضيلة أيضًا، فإنك عندما تذهب إليه وتصلي ركعتين فإن لك أجر عمرة؛ ولذلك كان النبي ﷺ يأتيه كل يوم سبت ماشيًا، ويصلي فيه ركعتين كما جاء في الحديث المتفق عليه: عن ابن عمر (كان النبي ﷺ يزور قباء راكبًا وماشيا، فيصلي فيه ركعتين).\nوالغرض أن تذهب إلى الأماكن الفاضلة التي فيها الأجر العظيم، المسجد الحرام والمسجد النبوي وبيت المقدس وتذهب إلى مسجد قباء، كما فعل النبي صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"20","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>فضل الحب في الله</span>","vol":"20","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>الحب في الله عند الأنصار</span>\nقال الإمام النووي ﵀: [باب: الحب في الله والحث عليه، وإعلام الرجل من يحبه أنه يحبه، وماذا يقول له إذا أعلمه].\nقال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]، فالنبي ﷺ والذين معه من المؤمنين فيهم هذه الصفات العظيمة، وهي: الشدة على الكفار، فيجاهدون في سبيل الله ﷿، ولا يخافون لومة لائم، ولا يفرون إذا لقوا العدو، وهم فيما بينهم رحماء، فيرحم المؤمن أخاه المؤمن؛ لأن المؤمن فيه ذل لأخيه المؤمن.\nولذلك فالله ﷾ يخبرنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤]، فصفة المؤمن مع أخيه المؤمن أنه يخفض له جناح الذل من الرحمة، ويعرف قدر أخيه، ويواسيه في مصيبته، ويحبه لطاعته، وينصحه إذا وجد منه شيئًا يخالف أمر الله ﵎، ويستر عليه إذا وجد منه شيئًا من المعاصي أو الذنوب؛ لأن: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا).\nوقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩]، فهذا وصف الله ﷿ لأهل المدينة والأنصار.\nالذين تبوءوا الدار أي: المدينة.\nوالإيمان أي: فكأنهم نزلوا في وسط الإيمان، وفي قلب الإيمان.\nفقد امتلئوا إيمانًا رضوان الله ﵎ عليهم، وفاض منهم هذا الإيمان، حتى كأنهم نزلوا بداخله رضوان الله ﵎ عليهم.\nوهم يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم.\nفالمهاجرون هاجروا وليس معهم مال ولا شيء إلى الله وإلى رسول الله ﷺ، فمدحهم الله بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨]، فصدقوا الله فصدقهم الله ﷿، فنزلوا على المدينة فاستقبلهم الأنصار، وأحبوهم وآخوهم في الله ﷾، وأنفقوا عليهم، وأعطوهم من أموالهم ومن ديارهم، وآثروهم على أنفسهم، فهم يؤثرون على أنفسهم حتى ولو كان بهم جوع.\nفهذه صفات المؤمن أنه يحب أخاه، ويؤثره، ويفضله على نفسه، كما ذكر الله ﷿ هؤلاء.\nوليس كل الناس كالمهاجرين والأنصار، ولكن على الأقل على المؤمن إذا لم يحب أخاه فوق حبه لنفسه، أن يحبه مثل حبه لنفسه أو أقل، فيحبه مثل ما يحب ولده، ويحب أهله، ويحب أصدقاءه المقربين، فيحب المؤمن لكونه مؤمنا، ومطيعًا لله ﷿، فينفعه هذا يوم القيامة، وينفعه في قبره.","vol":"20","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>متى يجد المرء حلاوة الإيمان</span>\nوعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار) متفق عليه.\nوهذا فيه هذا الفضل من الله ﵎ لهؤلاء المؤمنين، الذين أرشدهم وأحبهم، فجعل في قلوبهم الإيمان، وجعل هذه صفاتهم.\nقال النبي ﷺ: (ثلاث من كن فيه)، أي: إذا وجدت هذه الصفات فقد وجدت حلاوة الإيمان، فالإيمان له حلاوة في القلب، وحلاوة في التكلم بألفاظ الإيمان، وبشرع الله ﵎، يجدها الإنسان المؤمن الذي فيه هذه الصفات: (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)، وكل إنسان لو سئل: هل تحب الله ورسوله ﷺ؟ يقول: نعم.\nلا يوجد أحد يقول: لا.\nولكن أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فهنا يتفاوت الناس في ذلك، ويظهر هذا حين يخير الإنسان بين الطاعة والمعصية، فإنسان تدفعه شهوته لاختيار المعصية، فإذا به قد فضلها على حبه لله، ولرسوله صلوات الله وسلامه عليه.\nو(كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، ولكن الإنسان المؤمن إذا عرضت له معصية فإنه يفكر أن هذه المعصية تبعده عن الله ﷿، وبسبب أن حب الله في قلبه أقوى يقول: لا أريد أن أقع في هذه المعصية.\nفهذا الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.\nوقد يجد شيئًا من الأشياء يميل قلبه إليه، كأن يكون أخ من إخوانه يظن أنه مستحق لشيء، فيريد أن يكذب من أجله مثلًا، فيتذكر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء:١٣٥]، فيتذكر أنه سيشهد مع هذا الإنسان وهو لم ير شيئا؛ لأنه يصعب عليه تركه، ولكن الله ﷿ أرحم به مني، وهو الذي أمرني أني أعدل في شهادتي، وكونه أمرني أن أشهد بالحق فيلزمني ذلك، ولو على نفسي، ولو على الوالدين والأقربين، إن يكن فقيرًا أو غنيًا فالله أولى به.\nقال: (وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله): وقد يحب الإنسان إنسانًا للدنيا، أو يحبه لعقله أو لنفعه وجاهه، ولكن الحب الذي يريده الله ﷿ منا هو: الحب في الله ﵎، بأن تحب المرء لا تحبه إلا في الله، فإذا أقبل عليك فلا تفرح، وإذا أعرض عنك فلا تحزن، فلا فرق بين الحالتين؛ لأنك تحبه في الله ﷿.\nأما أن تحب فلانًا ثم تقول: إنه لا يعطيني ولا يزورني فلن أحبه، فهذا لا يصح لأنك أصبحت كأنك لا تحبه إلا من أجل أن يقبل عليك، ويجلس معك، ويكون معك.\nوالمطلوب أن تحب الإنسان المؤمن لطاعته، فإذا وجدت عالمًا قد لا تنتفع أنت بعلمه ولكن غيرك ينتفع بعلمه فأحبه، لكونه يبذل علمه للخلق، وتحب من حفظ القرآن، لكونه يحفظ كتاب الله ﷿، وتحب من يعمل بالطاعة لكونه يعمل بالطاعة، وسواء نفعك أنت أو لم ينفعك، وسواء زارك أو لم يزرك، فأحبه لله ﷿، فلعل الله أن يجمعك معه يوم القيامة.\nأما أن تحب إنسانًا من أجل أنه يجلس معك، ويأتيك ويزورك؛ فإذا لم يفعل فلا تحبه، فراجع هذه المحبة؛ لأن المحبة في الله هي التي ذكر النبي ﷺ أنه ليس من ورائها أي هدف آخر من الأهداف.\n(وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه)، فتحب الإنسان لله ﷿، وتحب الإيمان وأهل الإيمان، وتبغض الكفر والمعاصي، وتكره أن تعود إلى الكفر بعد إذ أنقذك الله منه، كما تكره أن تقذف في النار.\nفهذه هي علامات الإيمان التي تظهر في قلب الإنسان المؤمن، فيجد حلاوته في قلبه.\nنسأل الله ﷿ أن يذيقنا حلاوة الإيمان، وأن يجعلنا إخوة فيه متحابين، وأن يجمعنا في مستقر رحمته.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"20","page":8},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-200> فضل الحب في الله والحث عليه وإعلام الرجل من يحبه أنه يحبه [١]</span>\nإن الإيمان إذا وقر في قلب المؤمن وصدقه العمل ظهرت حلاوته وذاقها صاحبها، وإن مما يجد به العبد حلاوة الإيمان هو كونه يحب المرء لا يحبه إلا من أجل الله سبحانه، ولقد كان النبي ﷺ أكثر الخلق حبًا لله وكذلك الأنبياء.","vol":"21","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>حب النبي ﷺ لربه ﷾</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: أما بعد: قال الإمام النووي ﵀: [باب فضل الحب في الله والحث عليه وإعلام الرجل الذي يحبه أنه يحبه، وماذا يقول له إذا أعلمه.\nعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار)، متفق عليه.\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه)، متفق عليه].\nلقد ذكرنا حديث أنس فيما سبق، وفيه أن النبي ﷺ ذكر ثلاث خصال من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، وكل إنسان مؤمن يحب أن يتذوق طعم الإيمان وحلاوة الإيمان، فأمر الإيمان ليس تمنيًا وليس أمرًا خياليًا.\nولكن الإيمان يقر في قلب الإنسان ويصدقه عمل الإنسان، فإذا وقر الإيمان في قلبك وصدقه عملك، وشعرت بحب الطاعة وبحب الله ﷾، ورسوله صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه ومن يحب الله سبحانه ويحب رسوله صلوات الله وسلامه عليه، إذا شعرت بذلك وجدت حلاوة الإيمان.\nفلأجل أن يجد المرء حلاوة الإيمان فلابد من أمور: الأمر الأول: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما: يحب الله سبحانه ويحب رسوله ﷺ، ويفضلهما على ما سواهما في الحب، فالأصل حب الله وحب الرسول صلوات الله وسلامه عليه.\nوإذا كان الإنسان يفضل غير ذلك فإن حبه سيمنعه من الطاعة طبعًا، وكل إنسان لو سئل: هل تحب الله ﷿ أكثر أم تحب أهلك وعيالك؟ يقول: أحب الله أكثر ولا شك في ذلك، ولكن المحك في ذلك وقت التطبيق، فإذا ابتلاه الله ﷿ بشيء هل يسخط على الله ﷾؟ فإذا كان يسخط على الله إذا ابتلاه فيما يحبه دل على أنه يفضله على حبه لله ﷾.\nوالنبي ﷺ لما توفى الله ﷿ ابنه إبراهيم ﵇، إذا به تدمع عيناه ﷺ، والحزن جبلة في الإنسان على وفاة حبيبه.\nفحزن النبي ﷺ على وفاة ابنه، ودمعت عيناه، ولكن لم يتكلم إلا بما يرضي الله ﷾، فإذا به يقول: (إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون).\nوالنبي ﷺ قد امتلأ حنانًا ورأفة ورحمة، فكيف يموت ولده ثم يظل يضحك، فهذا لا يمكن أبدًا لأنه كان رفيقًا رقيقًا.\nفهو يحزن ﷺ لأنه بشر يحب ابنه صلوات الله وسلامه عليه، فحزن ودمعت عيناه ولكنه لم يتضجر من هذا الأمر لأن ما عند الله خير له مما في الدنيا، فرضي بقضاء الله وقدره ﷾.\nيقول: (وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون)، ومع ذلك لا نقول إلا ما يرضي ربنا، لا ما يسخط الله، فضرب المثل ﷺ والقدوة الحسنة في ذلك كما ضربها في غير ذلك: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١].\nولما مات إبراهيم ابن النبي ﷺ انكسفت الشمس، فإذا بالصحابة يقولون: انكسفت لموت إبراهيم، والإنسان إذا كان في مثل هذه المصيبة لن يخطر على باله ما يقوله الناس لأنه غير منتبه لهذا الأمر بسبب مصيبته.\nإلا النبي ﷺ فإنه وقف للناس ليردهم عن قولهم وقال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا كان ذلك فافزعوا إلى الصلاة)، فأمرهم أن يصلوا صلوات الله وسلامه عليه.\nفقد كان النبي ﷺ رحمة للعالمين، فعلى ذلك لابد أن يصحح لهم مفهومًا خاطئًا يتكلمون به ويفهمونه، حتى ولو كان حزينًا على وفاة ابنه.\nوهناك واقعة أخرى حدثت له ﷺ: ففي يوم بدر، نصر الله ﷿ المؤمنين، وماتت ابنة النبي ﷺ، ففي فرحة الناس في هذا اليوم بنصر الله وابنته تموت صلوات الله وسلامه عليه، ومع ذلك أخفى حزنه عن الناس.\nفلم يظهر حزنه للناس لأنهم كانوا فرحين بنصر الله ﷿ لهم في هذا اليوم الذي كان فيه أول وقعة حقيقية بين عسكر الكفر وعسكر الإيمان، بل تجاوز أحزانه ﷺ، وأظهر فرحه بنصر الله ﷿ للمؤمنين.\nفحب الله ﷿ وحب دين الله ﷾ هو الذي جعل نبيه ﷺ ينطق بالحق في كل موطن، ولذلك لما سألوه: (نكتب عنك يا رسول في حال غضبك فقال: اكتبوا، فوالذي نفسي بيده لا يخرج منه إلا الحق) فهو لا ينطق بالهوى ولكن ينطق بالحق.\nفكلما أراد الإنسان الأسوة الحسنة والقدوة العظيمة، فإن أسوته وقدوته في النبي صلوات الله وسلامه عليه، إذا أصابه هم أو حزن أو مصيبة، ما كان لينسى دين الله ﷾.\nوالإنسان مخلوق في الدنيا ليبتلى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢] مخلوق في الدنيا ليمتحن: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧] فضلان من الله ﷿: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٧] وهداية من الله ﷿ لهؤلاء، فالإنسان المؤمن يبتليه ربه لينظر أيكم أحسن عملًا، فالمؤمن ينظر إلى الدنيا أنها دار بلاء ودار محن ودار اختبار والنتيجة عند الله يوم القيامة فإذا ابتلاه الله فليأتس بالنبي صلوات الله وسلامه عليه وليقتد به فقد ابتلي وصبر صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"21","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>صبر إبراهيم على البلاء محبة لله سبحانه</span>\nإن إبراهيم أبو الأنبياء على نبينا وعليه الصلاة والسلام ابتلاه الله ﷾ فصبر.\nابتلاه في أبيه وابتلاه في ابنه وابتلاه في زوجته، فإذا به يصبر الصبر العظيم: ابتلاه في أبيه فكان أبوه كافرًا وكان صانعًا للأصنام يصنعها لقومه، وإذا بإبراهيم يجادل أباه حتى يمنعه من ذلك فلم يقدر على ذلك ﵊، حتى قال له أبوه: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم:٤٦] أي: ابتعد عني وإلا رجمتك: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم:٤٧ - ٤٨].\nويذهب مع امرأته سارة إلى مصر فإذا به يجد جبارًا من الجبابرة، وإذا بالجبار يسأل: من هذه؟ ويخاف إبراهيم أن يقول: هي زوجتي.\nخشية أن يقتله هذا الجبار ليأخذها منه، فكانت الحيلة أن قال: هي أختي، فعرض بالكلام.\nوهذه بلية ومصيبة نزلت بإبراهيم وانتظر الفرج من الله ﷾، فإذا بالجبار يأخذها ويريدها لنفسه، وإذا بها تدعو ربها سبحانه ويدعو إبراهيم ربه ﷾، فيكشف الكرب العظيم الذي كان فيه إبراهيم وسارة عليهما الصلاة والسلام.\nوصرع الله هذا الجبار حتى وقع ولم يستطع أن يقربها بسوء، مرة ومرتين وثلاثًا حتى قال: إنما أتيتموني بشيطانة، وأرجعها إلى إبراهيم وأخدمها هاجر، فكانت هاجر أمة لـ سارة أهدتها لإبراهيم، فكانت أمة لإبراهيم وأم ولد له بعد ذلك.\nوابتلاه الله ﷿ في ولده ووحيده إسماعيل عليه وعلى أبيه وعلى نبينا الصلاة والسلام، الذي جاءه بعد الكبر وبعد سنين طويلة كان يتمنى فيها الولد فإذا بالله ﷿ يأمره في المنام أن يذبح ولده.\nحتى يعلم سبحانه علم مشاهدة هل يحب إبراهيم ولده أكثر من حبه لله أم يحب الله أكثر من حبه لولده.\n﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢] هل قال: أضغاث أحلام؟ هل قال: هذا أمر من منام ولن أنفذه؟ لا، فقد علم أن أباه لا يرى إلا ما يأمر الله ﷿ به، فقال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢].\nفكان بلاءً عظيمًا أن يذبح ابنه كما يذبح الشاة.\nوتله للجبين، واستسلم لأمر رب العالمين، فإذا بالله ﷿ يقول: ﴿أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٥] أي: قد فعلت ما أمرت به وأظهرت حبك لنا فوق حبك لأي شيء.\nلقد هجر بلده ووطنه وهاجر منهم حين عبدوا غير الله تفضيلًا لحب الله سبحانه فوق حبه للبلد وللوالد وللأهل، لقد كان حبه لله ﷿ فوق كل شيء، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.\nوالإنسان المؤمن يحب الله جل في علاه ويظهر هذه المحبة، وخاصة في وقت البلاء، ويستشعر أن الله ﷿ امتحنه ليرفع درجته وليكفر خطيئته وسيئته، فيرضى بقضاء الله ﷿، ولا مانع من أن يحزن ولكن لا يتضجر على الله ﷿ ولا يتسخط على قضاء الله وقدره سبحانه قال: (وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله).\nيحب أخاه المؤمن لأنه مطيع لله لأنه عابد لله لأنه يحب الله ﷾، (وأن يكره أن يعود في الكفر)، أي: إذا كان كافرًا فأسلم، وإذا لم يكن كذلك بأن شب ونشأ على الإسلام وولد فيه يبغض الكفر وأهله كبغضه أن يلقى في النار فإذا كان كذلك فإنه يستشعر ويتذوق حلاوة الإيمان.","vol":"21","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>شرح حديث: (سبعة يظلهم)</span>","vol":"21","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>شدة هول يوم القيامة وحره</span>\nعن أبي هريرة ﵁ في المتفق عليه قال: قال النبي ﷺ: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله).\nيظلهم الله في يوم عظيم طويل وهو يوم القيامة، يوم يجتمع الخلائق الأولون والآخرون إنسهم وجنهم، وتتنزل الملائكة تحيط بهم فلا مهرب ولا ملجأ من الله إلا إليه، وإذا بالشمس تدنو من رءوس العباد، فإذا بالعرق يسيل، فمنهم من يبلغ عرقه إلى رجليه وإلى قدميه وإلى كعبيه وإلى ركبتيه وإلى حقويه، ومنهم من يغطي منكبيه، ومنهم من يلجم فاه.\nوذلك بحسب ما كان يبذل العرق لله في الدنيا، هل كان يتعب نفسه لله؟ هل كان يصلي فيتعب لله سبحانه؟ هل كان يأمر بمعروف وينهى عن منكر ويقضي حوائج الناس فيتعب نفسه طاعةً لله؟ فمن بذل العرق في الدنيا نجا يوم القيامة! وحين تدنو الشمس من الرءوس إذا بالله ﷿ يظل من يشاء بظله ﷾ يوم لا ظل إلا ما جعله الله ﷿ لهؤلاء من ظل.\nوقوله: (سبعة يظلهم الله) المقصود: سبعة أصناف وليس سبعة رجال، فيكون تحت كل صنف رجال كثيرون ونساء كثيرات.","vol":"21","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>معنى قوله: (إمام عادل وشاب نشأ في عباد الله)</span>\nقال: (إمام عادل)، والإمام هنا بمعنى الحاكم الذي يحكم بشرع الله ﷿ ويعدل بين الرعية.\nقد يحكم الحاكم بشرع الله ولا يعدل بين الناس، يحكم في الظاهر ويظلم الناس في الباطن، فهنا يقول لنا: (إمام عادل) أي: يعدل بين الخلق.\nقال: (وشاب نشأ في عبادة الله): سواء كان ذكرًا أو أنثى، فاحرص على أن تكون عابدًا لله ﷾.\nوإن كان الله عصمك من الوقوع في الكبائر وحبب إليك الصلاح فداوم على ذلك حتى تكون من هؤلاء، ولا تأمن مكر الله ﷾ ولا تغتر بنفسك، فكم من إنسان غرته عبادته فإذا بالله يقلبه عن عادته ويكون على غير ما كان عليه.\nفالله ﷿ يهدي من يشاء ويضل من يشاء: (وإن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها).\nإذا كنت شابًا نشأت في طاعة الله وحفظت كتاب الله فاحذر من الغرور، فإن الغرور يردي صاحبه، وإذا كان عندك أولاد فعلمهم الطاعة وعلمهم حب الله ﷾، وعلمهم أن يكون حب الله ورسوله ﷺ أحب إليهم مما سواهما.","vol":"21","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>معنى قوله: (ورجل قلبه معلق بالمساجد)</span>\nقال: (ورجل قلبه معلق بالمساجد).\nوالمساجد بيوت الله ﷾، والذي تعلق قلبه بالمساجد أحب الصلاة وأحب الله ﷿.\nوالمسجد ليس كالنادي يذهب إليه الإنسان من أجل أن يقابل الإخوة ويتكلم معهم، بل يحب المسجد لأنه بيت الله، ويحافظ عليه ويحترمه ويوقره ولا يؤذي أحدًا فيه، ويقرأ فيه كتاب الله ﷿ ويستمع فيه لدرس العلم، ويصلي الصلاة المفروضة، ويخرج من بيت الله إلى بيته وفي قلبه حنين متى يرجع إلى بيت الله ﷾.\nفالرجل الذي قلبه معلق بالمساجد من حبه لبيوت الله ﷾ قلبه معلق بها إذا خرج منها حتى يعود، وفي رواية: (إذا خرج من بيت الله حتى يرجع إليه)، فيصلى صلاة الظهر ويرجع إلى بيته وإلى عمله وقلبه مشتاق متى يأتي وقت العصر من أجل أن أذهب وأصلي في بيت الله ﷾.\nعلم الأجر والفضل فهو مستحضر لذلك، ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ في الكفارات، قال: (وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء في السبرات، ونقل الأقدام إلى الجماعات).\nفهذه كفارات يكفر الله ﷿ بها خطايا الإنسان: منها: أن تسبغ الوضوء في وقت ما تكره ذلك، كأن يكون الماء شديد البرودة في الشتاء، ومع ذلك تتوضأ فتحسن الوضوء؛ فإن الله يكفر عنك خطاياك.\nوانتظار الصلاة بعد الصلاة في بيت الله سبحانه، ما لم تضيع عملًا واجبًا عليك أن تؤديه لتطعم عيالك وتنفق على قرابتك مثلًا.\nوكذلك: نقل الأقدام إلى الجماعات، وأنت ذاهب إلى بيت الله لصلاة الجماعة، فكل خطوة ترفعك درجة والأخرى تحط عنك سيئة فتحتسب هذا كله عند الله ﷿.\nوقد أخبرنا النبي ﷺ أن الخطايا تتناثر وتتساقط أثناء الوضوء؛ إذًا: الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما، والوضوء يزيل عنك الخطايا، تغسل يديك فتنزل الخطايا مع آخر قطر الماء، وتغسل وجهك فتنزل الخطايا إن وجدت مع آخر قطر الماء، وتغسل رجليك فتتساقط الخطايا.\nفإذا ذهبت إلى الصلاة فكل خطوة تخطوها تمحو عنك خطيئة والأخرى ترفعك درجة، فإذا جئت بيت الله ووقفت تصلي مع الناس في جماعة يجعل الله سبحانه كل الذنوب الباقية عليك فوق رأسك وفوق منكبيك.\nفإذا كبرت تساقطت، وإذا ركعت تساقطت، وإذا سجدت تساقطت، وإذا انتهيت من الصلاة وقرأت آية الكرسي كنت مستحقًا للجنة لقراءتك هذه الآية.\nفمن الذي يسمع مثل هذا الثواب العظيم ثم لا يبقى قلبه معلقًا ببيت الله تعالى؟ وهذا الأجر تناله في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة يظلك الله في ظله يوم لا ظله إلا ظله.\nويوم القيامة بعض الخلق يدعون ربهم ويقولون: يا رب اصرفنا ولو إلى النار، لأنهم وجدوا أن هذا اليوم شديد حتى ظنوا أن النار أهون من الموقف بين يدي الله ﷿.\nقوله: ورجل قلبه معلق بالمساجد أي: يحب بيت الله، والفريضة في المساجد على الرجال، والمرأة صلاتها في بيتها خير لها من صلاتها في بيت الله ﷿.","vol":"21","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>معنى قوله: (ورجلان تحابا في الله)</span>\nقال: (ورجلان تحابا في الله): وكذلك المرأة لو أحبت المرأة في الله.\nوهذا هو المقصود في هذا الباب: (رجلان تحابا في الله)، أي: الذي جمعهما هو الحب في الله فإذا اجتمعا فعلى القرآن والحديث والنصيحة لكل منهما.\nوكان الصحابة إذا تقابلوا يقول أحدهم للآخر: كيف حالك، فيقوله: الحمد لله، فيقول: عن هذا أسأل! أي: أنا أسألك من أجل أن تقول: الحمد لله.\nفقط فلا يريد منه أن يحدثه عن المال والعيال وإنما من أجل أن يذكره بالله ﷾.\nفكانوا يتذاكرون ويتناصحون ولم يكن أحدهم يحب الآخر من أجل أن يضيع عليه وقته، أو يشغله عن الله ﷿ أو يجده في المسجد يقرأ القرآن فيأتي إليه يلهيه ويكلمه عن قصة حصلت له أو غيرها فيمنعه من العبادة، ولكن يعينه على طاعة الله سبحانه، كما قال: (اجتمعا عليه وتفرقا عليه).\nفاجتماعهما على طاعة، وإذا افترقا افترقا على تسليم ومحبة ومودة وطاعة لله ﷾، والمحبة في الله عظيمة جدًا فأنت ترجو بها الدار الآخرة ولا تنتظر بها حظًا في الدنيا، وإذا كان أخوك مشغولًا فلا تزده شغلًا بزيارتك أو بكثرة كلامك أو بإلهائه عن عمله وعن عبادته وعن طاعته، فالحب في الله ﷿ أنك تعين صاحبك على الطاعة ولا تمنعه منها.","vol":"21","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>معنى قوله: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال)</span>\nقال: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله).\nلها جمال ولها مال ولها منصب وتدعوه.\nإذًاَ: عندها كل المغريات والأسباب فإذا به يحب الله ويخاف من الذنوب ويقول: إني أخاف الله، فامتنع من المعصية.\nونحن في زمن فيه بلاء عظيم وفيه مصائب وفتن، فكل إنسان يمتلئ قلبه بحب الله عليه أن يبتعد عن هذه الابتلاءات وعن هذه الفتن، ويخاف على نفسه.\nفلا أحد معصوم ولا تثق بنفسك، وتقول: أنا لا يهمني ولا يوجد ما يفتنني، فإن النظرة بريد الزنا، وقد يفتن الإنسان ويستثار فإذا به ينقلب من عبد يحب الله إلى عبد عابد لشهواته وهواه مضيع لنفسه.\nفالبلاء شديد والفتن شديدة، ولذلك على كل إنسان أن يستحضر في قلبه: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله)، إذا مر الإنسان في الطريق ووجد الفتن أمامه فعليه أن يبتعد عن ذلك، ويغض بصره ويخاف الله ﷾ لعله يكون من هؤلاء.","vol":"21","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>معنى قوله: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها)</span>\nقال: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه): وصدقة السر تطفئ غضب الرب، فلا تمنن ولا تستكثر ما أعطيت ولا تؤذ الإنسان الذي أعطيته الصدقة، بل تصدق في السر وحاول أن تخفيها حتى عن نفسك.\nوقوله: (حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) فيه مبالغة في الإخفاء حتى لا يعلم أحد من هذا الذي أنفق.\nفهذا يستحق أن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.\nوآخرهم: (ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه): وكذلك المرأة.\nقد يكون بين الناس فيسمع الذكر ويتأثر ويبكي ويكون له أجر، ولكن المحك والاعتبار هنا أن يكون في بيته وحيدًا أو في مكان لا يراه فيه أحد، فيذكر الله ويذكر الجزاء والحساب وقلة عمله فإذا به يخاف ويبكي من خشية الله سبحانه، فيكون أحد هؤلاء الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ نسأل الله ﷿ أن يجعلنا منهم.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"21","page":10},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-210> فضل الحب في الله والحث عليه وإعلام الرجل من يحبه أنه يحبه [٢]</span>\nيجمع الحب في الله شتات كل متفرق من القلوب في الدنيا، ويجمعها الله في ظل عرشه يوم القيامة، والحب في الله هو الركن الركين الذي بني عليه مجتمع المدينة بين المهاجرين والأنصار، وبه تجب محبة الله للمتحابين فيه، ويستحب لمن أحب رجلًا في الله أن يعلمه بذلك.","vol":"22","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>الحب في الله فضله وجزاء أهله</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب فضل الحب في الله، والحث عليه، وإعلام الرجل لمن يحبه أنه يحبه، وماذا يقول له إذا أعلمه.\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) رواه مسلم.\nوعنه قال: قال رسول الله ﷺ: (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) رواه مسلم.\nوعنه عن النبي ﷺ (أن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى فأرسل الله له على مدرجته ملكًا، وذكر الحديث إلى قوله: إن الله قد أحبك كما أحببته فيه) رواه مسلم].","vol":"22","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>نموذج من محبة المهاجرين والأنصار في الله</span>\nذكرنا فيما سبق فضل الحب في الله سبحانه ﵎، والحب في الله جاء فيه في القرآن قول الله سبحانه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩].\nفالمؤمنون يحب بعضهم بعضًا، ويرحم بعضهم بعضًا، ويحترم بعضهم بعضًا طاعة لله ﵎ وحبًا في الله، وحبًا في رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فذكر سبحانه المؤمنين الذين تبوءوا الدار والإيمان من أهل المدينة، أهل التقوى وطاعة الله سبحانه، فقد نزلوا بالمدينة، ونزلوا من الإيمان بموضع عظيم.\n﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر:٩]، هؤلاء الأنصار رضوان الله تبارك عليهم، نزل عليهم المهاجرون ضيوفًا من مكة وغيرها ليس لهم مال ولا مهنة يمتهنونها في المدينة، فإذا بأهل المدينة يؤثرونهم على أنفسهم، ويحبونهم في الله سبحانه ﵎ حبًا دائمًا ليس ليوم أو لليلة، فإذا بأحدهم يقاسم أخاه المهاجر بيته، وماله، وطعامه، وما عنده، يبتغي بذلك الفضل والأجر من الله سبحانه ﵎.\nفمدحهم الله وأخبر عن حالهم فقال: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] أفلحوا وقد صدقوا الله وصدقوا رسوله صلوات الله وسلامه عليه، فكانوا أحب الناس إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقال لهم: (لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار).\nتمنى أن يكون أنصاريًا لحبه لهؤلاء الأنصار، وما صنعوا بالنبي ﷺ وبأصحابه المهاجرين رضوان الله ﵎ عليهم جميعًا.\nفالحب في الله ألف بين القلوب، والحب في الله جعلهم يدافعون عن دين الله سبحانه، وكل منهم يفضل أخاه على نفسه، ويؤثره على نفسه، فيخرج للجهاد في سبيل الله سبحانه ويتمنى لو أنه هو الذي يستشهد دون أخيه حبًا في الدار الآخرة وحبًا في الله ﷿ وفي الجهاد في سبيل الله، وإيثارًا لأخيه على نفسه، فيفضله في الدنيا، ويفضل أن يموت هو على أن يموت أخوه قبله.","vol":"22","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>إظلال الله للمتحابين فيه يوم القيامة</span>\nفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله ومن هؤلاء: رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه).\nاجتماعهما كان سببه سبحانه ﵎، لم يجتمعا على الدنيا، لم يجتمعا على المال، وإنما جمعهما الحب في الله سبحانه ﵎، فاجتمعا على الطاعة، على أمر بمعروف ونهي عن منكر، على قراءة القرآن، على ذكر الله سبحانه، فلما افترقا افترقا عن ذلك، فكانت جلستهما كلها محبة في الله ﷿، وفي دين الله سبحانه ﵎.\nوفي صحيح مسلم عند أبي هريرة ﵁: (إن الله ينادي على هؤلاء يوم القيامة وهو أعلم بمكانهم، يقول: أين المتحابون بجلالي؟).\nالمتحابون في جلال الله سبحانه، محبة في الله سبحانه ﵎، فهم إنما اجتمعوا على الطاعة، فيوم القيامة يقول: أين هم؟ وهو أعلم بمكانهم، ولكنه يظهر أمام الخلق هؤلاء الذين يستحقون هذه المنزلة العظيمة، فيرفعهم سبحانه ﵎ بطاعتهم لله، وبحبهم بعضهم بعضًا في الله، فيقول سبحانه: (أين المتحابون بجلالي؟).\nفإذا ظهر هؤلاء يقول: (اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) فيفضلهم على جميع من في الموقف يوم القيامة، فبحبهم بعضهم بعضًا في الله ﷿ يظلهم في ظله سبحانه ﵎ يوم لا ظل إلا ظله.","vol":"22","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>أثر السلام في التحاب في الله</span>\nوعن أبي هريرة أيضًا، عن النبي ﷺ: (والذي نفسي بيده! لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا).\nإذا كنت تريد الجنة فلا بد من الإيمان، هذا الإيمان هو الذي يجعل عملك وطاعتك متقبلة، إذ الإيمان ركن قبول الطاعة، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]، المشرك لا يقبل الله ﷿ له عملًا، الكافر، وقال عن الكفار: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣].\nأما المؤمنون فيقول لهم النبي ﷺ: لن تؤمنوا الإيمان الحقيقي الكامل حتى تحابوا، (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا).\nإذًا: الإيمان في قلب المؤمن لا يكتمل إلا بمحبة المؤمنين، والحب من شروط كلمة التوحيد، أي: أن تحب هذه الكلمة، وأهل هذه الكلمة، أن تحب المسلمين، والمسلمون فيهم المطيعون وفيهم العصاة، لكنك تحب جميع المسلمين لكونهم مسلمين، وتحب منهم أهل الطاعة لكونهم أهل طاعة، وتبغض منهم المعاصي التي يفعلونها.\nفهنا يوم القيامة المؤمنون المتحابون في الله يدخلهم الله ﷿ جنته، يقول النبي ﷺ: (أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟) وقد دلنا على شيء سهل جدًا قال: (أفشوا السلام بينكم).\nالمسلم يمر على المسلم فيسلم عليه، يفرق بينهما طريق ثم يلتقيان فيسلم عليه، تفرق بينهما شجرة فيلتقيان بعدها يسلم عليه، وأعداء دين الله ﷿ قلبوا هذا الحديث، وقالوا كثرة السلام تقلل المعرفة، يقولون ذلك كذبًا وزورًا وقلبًا لحقائق الإسلام، بل كثرة السلام تزيد المحبة في القلوب.\nوكان الصحابة يسلم بعضهم على بعض، فيسأل بعضهم بعضًا عن حاله، فيقول: الحمد لله، قال: لهذا أسألك، يعني: أسألك لتقول هذه الكلمة فتؤجر وأوجر أنا أيضًا على ذلك.\nالشيء الذي يزيد المحبة بين القلوب أن تسلم على أخيك، وأنت تفهم معنى هذه الكلمة العظيمة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ألست تقابل أخاك فتقول له: السلام عليك، يعني: أدعو لك بالحياة السالمة من المعاصي والآثام، أدعو لك بالسلامة في صحتك وحالك ودينك وأقول: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، يعني: أن يرحمك الله في الدنيا والآخرة، وأن يبارك لك في صحتك ومالك وإيمانك، وأن يزيدك من الخير في الدنيا والآخرة.\nثلاث كلمات فيهن فضيلة عظيمة، أنت تقول لأخيك عندما يأتيك: لا تنسنا يا أخي من دعائك، وهذه الكلمة فيها هذا الدعاء، وأنت تسلم عليه حين تلقاه تدعو له بذلك، وحين تفارقه تدعو له بذلك، فهو دعاء فضلًا عن عشر حسنات في كل كلمة، وتمد يدك فتسلم على المسلم فتتساقط الذنوب من أيديكما.\nقال النبي ﷺ: (ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم).\nلو عرفت أن أخاك يدعو لك كثيرًا فافرح بهذا الشيء، فإذا سلم عليك وبدأك بهذه التحية العظيمة فهو يدعو لك، لذا النبي ﷺ أمرنا بها وقال: (أفشوا السلام بينكم).\nبل وحذر من عدم إلقاء السلام، وقال: (من بدأكم بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه) أي: من أتى إنسانًا وطلب منه أمورًا بدون سلام فهذا يعلمه النبي ﷺ الأدب، أنك لا تستحق أن يرد عليك؛ لأنك ما دخلت البيت من بابه، (من بدأكم بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه) حتى يتعلم من مر بالمسلمين أن يسلم عليهم، وإذا طلب طلبًا قدم بين يديه التسليم.","vol":"22","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>سبب تفرق الأحبة في الدنيا</span>\nمن الأحاديث: (أن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى، فأرسل الله على مدرجته ملكًا في صورة رجل وسأله: أين تذهب؟ قال: إلى فلان أخ لي، قال: لحاجة لك عنده؟ قال: لا، قال: لنعمة له عليك تردها؟ قال: لا، قال: فلم؟ قال: إني أحبه في الله، قال: فإني رسول الله إليك أخبرك أن الله يحبك).\nفهذا الرجل أحب أخاه في الله، فأعلمه الله في الدنيا أنه يحبه سبحانه ﵎، لو كنت تحب أخاك فيجمعكما الله ﷿ على الطاعة، وقد تحب أخاك وإذا به يفرق بينك وبينه، ولا تدري لم فرق بينكما؟ لكن النبي ﷺ يقول: (ما تحاب رجلان في الله ففرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما)، تحب أخاك في الله، ثم حصل شيء فرق بينكما، فراجع نفسك ستجد السبب معصية من وراء ذلك، والمؤمن دائمًا يراجع نفسه، إذا وجد جفوة بينه وبين من يحبهم في الله ﷿ فليعلم أن السبب في قلبه، ولا بد أنه عصى الله ﷿ في شيء، فليراجع نفسه وليتب إلى الله ﷿، فالله يرقق القلوب، ويجمع ما تنافر واختلف بسبب المعاصي.","vol":"22","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>حب الأنصار إيمان</span>\nوعن البراء بن عازب ﵄، عن النبي ﷺ قال في الأنصار: (لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله).\nومعنى ذلك أن الإنسان الذي يحب الأنصار يحبه الله ﷾، والذي يكره الأنصار يكرهه الله، فالأنصار أهل الدار والإيمان الذين آووا النبي ﷺ والمؤمنين، فلا يعقل أن إنسانًا في قلبه إيمان يكره هؤلاء الأنصار الذين قدموا وعملوا ذلك للنبي صلوات الله وسلامه عليه؟ إذًا: لا يحب الأنصار إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق محروم.","vol":"22","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>شرح حديث: (وجبت محبتي للمتحابين في)</span>\nوعن معاذ بن جبل ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (قال الله ﷿: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء).\nسبحان الله! هذه درجة الإنسان الذي يحب أخاه في الله سبحانه، المتحابون في جلال الله سبحانه يتحابون بخوفهم من الله، لحبهم لله ﵎، لعملهم أنه يحاسبهم ويجازيهم يوم القيامة، ففي جلال الله سبحانه يحب بعضهم بعضًا.\nهؤلاء يجعل لهم منابر من نور، ولم يقل: من خشب أو من ذهب، بل ما هو أعظم من ذلك بكثير، منابر من نور يوم القيامة.\n(يغبطهم النبيون والشهداء)، يعني: هؤلاء ليسوا بنبيين، وليسوا بشهداء، ولكن كانوا متحابين في الله سبحانه ﵎، فجعل لهم منابر من نور، فإذا بالأنبياء والشهداء يتمنون ما هم فيه، والغبطة هي تمني ما هم فيه من فضل الله سبحانه ﵎.\nمعاذ بن جبل راوي هذا الحديث كان من علماء أصحاب النبي ﷺ، بل أعلمهم بالحلال والحرام ﵁ كما ذكر النبي ﷺ ذلك، وكان شابًا صغيرًا.\nمعاذ بن جبل راوي هذا الحديث يقول عنه أبو إدريس الخولاني ﵁: دخلت مسجد دمشق فإذا بفتى براق الثنايا وإذا الناس معه، يعني: أن أسنانه بيضاء لامعة، وأنه كثير التبسم رضي الله ﵎ عنه.\nقال أبو إدريس الخولاني وهو من الزهاد والعباد ﵁: وإذا الناس مع هذا الفتى، فإذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه وصدروا عن رأيه، قال: فسألت عنه، فقيل: هذا معاذ بن جبل رضي الله ﵎ عنه.\nقال: فلما كان من الغد هجرت فوجدته قد سبقني بالتهجير، أي: بكرت لأكون جنبه وأكلمه، قال: ووجدته يصلي، فانتظرته حتى قضى صلاته، ثم جئته من قبل وجهه فسلمت عليه، ثم قلت له: والله إني لأحبك في الله، فقال معاذ: آلله؟ يعني: أتحلف على ذلك؟ قال: فقلت: آلله، فأخذ بحبوة ردائي فجبذني إليه فقال: أبشر! فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (قال الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيّ، وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتباذلين فيّ)، حديث صحيح رواه الامام مالك في الموطأ.\nوجبت محبة الله سبحانه، أي: لزمت محبة الله سبحانه، أوجب على نفسه ذلك سبحانه ﵎، إذا كان هذا الإنسان يحب إخوانه في الله ﷿.\n(والمتجالسين في) يعني: مجموعة جلسوا يقرءون القرآن، أو جلسوا يتناصحون في الله ﷿، أو يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، أو يتدارسون سنة النبي ﷺ، هؤلاء الذين جلسوا ولو لحظات قليلة، لذلك وجبت لهم محبة الله سبحانه ﵎.\nكذلك المتزاورون في الله ﷿، كمن ذهب يزور أخاه في الله سبحانه لا يبتغي شيئًا إلا أن يزوره في الله.\n(والمتباذلين) من البذل والعطاء، يعطي ابتغاء وجه الله سبحانه ﵎، ويؤثر على نفسه، هذا وجبت له محبة الله سبحانه ﵎.","vol":"22","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>ما جاء في الإعلام بالمحبة في الله</span>","vol":"22","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>شرح حديث: (إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه)</span>\nعن المقدام بن معدي كرب ﵁، عن النبي ﷺ يقول: (إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه).\nالإخبار بالمحبة أن تقول: إني أحبك في الله، وجاء في حديث أن النبي ﷺ قال ذلك لـ معاذ بن جبل ﵁: (يا معاذ والله إني لأحبك، فلا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).\nلو كنت أحبك فلا بد من نصيحة، وهي أن تكثر من ذلك، وهو أعلم الناس بالحلال والحرام، إذًا: اطلب من ربك زيادة الفضل، وأن يعينك على كثرة الذكر والشكر وحسن العبادة.\nوهذه إذا كانت لـ معاذ فنحن أولى بها، وأن كل مؤمن يقول ذلك، ويدعو ربه دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك.","vol":"22","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>ما يقول الرجل لمن يحبه وكيف يجيبه على ذلك</span>\nعن أنس بن مالك ﵁ فيما رواه عنه أبو داود: إن رجلًا كان عند النبي ﷺ، فمر رجل به فقال: يا رسول الله! إني أحب هذا، فقال النبي ﷺ: (أأعلمته؟ فقال: لا، قال: أعلمه، فلحقه فقال: إني أحبك في الله، فقال الرجل: أحبك الله الذي أحببتني له).\nإذًا السنة أن النبي ﷺ قال: أعلمه بذلك، وذلك بأن يقول: إني أحبك في الله، فدعا له أخوه، وقال: أحبك الله الذي أحببتني له.\nوحب الله غاية يريد كل مؤمن أن يصل إليها، وهي غاية تدرك وليست بمستحيلة، بل هي سهلة على من يسرها الله ﷿ له.\nالإنسان المؤمن يحب الله ﷿ فيطيع الله، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، وعلامة المحبة طاعة الله سبحانه ﵎ وعلامة محبة الله ﷿ للعبد أن يوفقه للعمل الصالح فكلما فتح باب عمل صالح وجده ميسرًا، هذا دليل محبة الله ﷿ للمؤمن، ومنها أن يجعل الأتقياء يحبونه، وإذا كان من حوله أهل التقوى لاشك أنه مثلهم في ذلك.\nومن محبة الله ﷿ للعبد أن يلهمه الصواب في أقواله، وأن يبعده عن اللغو والرفث والفحش، وأهل المعاصي، محبة الله للعبد تجعله يثبته بالقول الثابت في الحياة الدنيا، وعند وفاته، ويجعل معه من يؤنسه في قبره من رضا الله سبحانه ﵎، ومن تثبت في قبره ثبته الله يوم القيامة.\nمحبة الله شيء عظيم جدًا، تحب المرء لله ﷿، ولا تنتظر منه شيئًا، بل تكفي المحبة القلبية التي تظهر في فلتات لسان الإنسان ونظراته ومعاونته لك، ولذلك ستكون النتيجة كما قال النبي ﷺ في الحديث: (ما تحاب اثنان في الله إلا كان أحبهما إلى الله أشدهما حبًا لصاحبه)، الأحب إلى الله الأكثر محبة لصاحبه، يا ترى أنا أقرب لله أم هو أقرب لله؟ الأشد حبًا لصاحبه أقرب لله عز جل.\nعندها الإنسان دائمًا يتذكر ذلك، وأنه إذا أحب أحب لله ﷿، إذا أحب آثر على نفسه، إذا أحب انتظر الأجر من الله ﷿، إذا وجد ما يفرق بينه وبين من يحبهم في الله فليراجع نفسه، فالسبب معصية تكون في قلب العبد فعلها أو وقع فيها.\nنسأل الله ﷿ أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يجعلنا من المتحابين فيه، المتزاورين فيه، المتجالسين فيه، المتباذلين فيه، وأن يجعلنا مع النبي صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه الطيبين الطاهرين.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"22","page":11},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-221> علامات حب الله تعالى للعبد</span>\nمحبة الله غاية يسعى إليها المتقون، وفيها سعادة الدنيا والآخرة، فمن أحبه الله غفر له جميع ذنوبه، ووفقه في أعمال جوارحه، وأجاب له دعواته، ولن يصل العبد إلى هذه الغاية إلا إذا كان يحب الله أشد من محبته لنفسه وماله وأهله، وأدى الفرائض واتقى المحارم، وأكثر بعد ذلك من التقرب إلى الله بالنوافل.","vol":"23","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>علامات محبة الله للعبد</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب: علامات حب الله تعالى للعبد والحث على التخلق بها، والسعي في تحصيلها.\nقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١].\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة:٥٤].\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) رواه البخاري].\nهذا باب من كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي ﵀ علامات حب الله العبد والحث على التخلق بها.\nوقد ذكرنا في الباب السابق الحب في الله سبحانه ﵎، وكيف أن المؤمن يحب إخوانه المؤمنين في الله ﷿، لا يبتغي من هذه المحبة إلا وجه الله سبحانه ﵎.\nويحرص المؤمن عليها لأنه علم من حديث النبي ﷺ: (ما تحاب اثنان في الله إلا كان أحبهما إلى الله أشدهما حبًا لصاحبه) فهو يريد أن يكون الأحب والأقرب إلى الله سبحانه، فيحب في الله سبحانه، وعلم أن أوثق عرى الإيمان الحب في الله، والبغض في الله، فهو يحب المؤمنين في الله، ويبغض الكفار في الله سبحانه ﵎.\nهنا ذكر علامات حب الله تعالى للعبد، فالعبد الذي يحب الله يحبه الله، فما هي العلامات التي تفيد أن هذا الإنسان يحب الله سبحانه ﵎؟ قال الله ﵎: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]، فمن العلامات اتباع النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nالمؤمن يحب كتاب الله وسنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، ويحرص على الاقتداء بالنبي صلوات الله وسلامه عليه في كل شيء، هذه المحبة هي التي نفعت أصحاب النبي ﷺ، فحرصوا على الاقتداء بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، حتى إن ابن عمر كان يركب البعير فإذا بلغ موطنًا رأى فيه بعير النبي ﷺ قد التفت فيه إلى مكان فإذا به يأخذ بلجامه حتى يلتفت في المكان نفسه حبًا للنبي ﷺ، وإن كان ليس مأمورًا بذلك، ولكن أحب أن يفعل فعل النبي ﷺ، وإذا علم أن النبي ﷺ كان ينزل في المكان الفلاني نزل وقضى حاجته، فكان يحب أن يصنع كما صنع النبي ﷺ، وإذا علم أنه نزل في مكان فصلى فيه أحب أن يصلي فيه كما فعل النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nاتباع النبي ﷺ دليل على أن الله يحب لهذا العبد الخير، فإذا أحب له الخير فقد أحبه الله تعالى سبحانه ﵎.\nوفي الحديث: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) فعلامات أن هذا الإنسان يحبه الله ويريد به الخير أن يتفقه في دين الله ﷿، وأنه يتبع ولا يبتدع في دين الله سبحانه، قال الله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران:٣١] فإذا تبعوا النبي ﷺ ماذا سيحصل؟ قال: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]، فالنتيجة محبة الله للعبد، إذا أحب الله العبد يستحيل أن يعذبه وهو يحبه سبحانه ﵎.\nكذلك قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] ما هي علاماتهم قال لنا في هذه الآية: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤] أربع صفات ذكرها الله ﷿ لهؤلاء الذين يحبهم الله ويحبون الله سبحانه ﵎.\nفذكر أنهم أذلة على المؤمنين، يعني: متواضعين رحماء مع إخوانهم المؤمنين، لا يستعرض قوته على أخيه المؤمن، ولا يضايق المؤمنين ويفرح بقوته، وأنه يقدر عليهم حتى وإن كان قويًا فإنه يظهر كأنه ضعيف، متواضع مع المؤمنين، يحب لهم الخير، ولا يظهر لهم قوته ولا يظهر لهم أنه أفضل منهم، قال الله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤].\nوهنا العزة على الكافرين تعني الشدة، فيظهر المسلم قوته على الكافرين في الجهاد في سبيل الله سبحانه ﵎، وفي تأديب هؤلاء إذا كانوا ينالون من أحد من المؤمنين، أو من دين الله سبحانه ﵎.\nإذًا: هؤلاء أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، فجهادهم ليس لمصلحة دنيوية، وإنما يبتغون به وجه الله سبحانه، يبتغون بذلك إحدى الحسنيين إما النصر، وإما الشهادة.\nوهم في ذلك لا يخافون لومة لائم، يأمرون بالمعروف ولا يخافون أحدًا من الخلق؛ لأنهم يأمرون بأمر الله سبحانه، وينهون عن المنكر، ولا يخافون في ذلك أن يلومهم أحد، تراهم قوامين على أنفسهم، وقوامين لدين الله سبحانه ﵎، شهداء بالحق ولو على الأنفس، أو على الوالدين، أو على الأقربين، فهم مقيمون لشرع الله سبحانه على أنفسهم، وعلى غيرهم، ولا يخافون لومة لائم، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة:٥٤] ذلك الذي هدى الله ﷿ عباده هؤلاء إليه من فضله العظيم سبحانه ﵎.\nولذلك أهل الجنة عندما يدخلون الجنة يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣] الهدى من الله سبحانه ﵎، ليس لأحد، فضل على أحد وإنما المنة والفضل لله سبحانه ﵎ على جميع الخلق.","vol":"23","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>شرح حديث: (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب)</span>","vol":"23","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>أفضل القربات الفرائض</span>\nروى البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب).\nولي الله عبد لله سبحانه ﵎، يحب الله ويحبه الله، فينصره الله سبحانه لأنه ينصر دين الله، وهو يتولى الله ولا يتولى أحدًا إلا الله، وليس لأحد ولاية على هذا الإنسان إلا الله سبحانه ﵎.\nقال الله في كتابه: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] ما هي صفة هؤلاء الأولياء؟ قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣] الإيمان والتقوى صفة ولي لله، يؤمن بالله ﷿، ويتقي غضب الله، يأمر الناس بما أمر الله ﷿ به، وهو يفعله، وينهى الناس عما نهى الله ﷿ عنه، وهو ينتهي عنه.\nفكل من آمن بالله ﷿ واتقى الله سبحانه، ونفذ ما أمر الله به، وابتعد عما نهى الله ﷿ عنه؛ فهو ولي لله سبحانه ﵎، وهذه ليست صفات مستحيلة، ولكنها صفات سهلة على من يسرها الله ﷿ عليه.\nقال الله تعالى: (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب) أي: أعلمته بالحرب، فالله تعالى يحارب هذا الذي يعادي وليًا من أولياء الله سبحانه! قال: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه).\nأفضل شيء تتقرب به إلى الله الفرائض، مثل الصلوات المكتوبات، وصوم رمضان، والزكاة التي فرضها الله سبحانه ﵎، وتوحيد الله سبحانه في كل أمورك وعباداتك وتقربك، فلا يشوب ذلك الشرك بالله سبحانه ﵎، والمتابعة للنبي صلوات الله وسلامه عليه.\nفما فرضه الله عليك في كتابه أو في سنة النبي ﷺ ففعله أحب ما تتقرب به إلى الله سبحانه.\nفإذا التزم العبد بالفرائض وفقه الله ﷿ للنوافل، قال هنا: (وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه).\nإذا جاء بالفرائض التي يحبها الله تعالى، ولم يزل يزداد من النوافل فإنه يصل إلى أن يحبه الله سبحانه ﵎.\nوالفرائض تكملها النوافل، وهي إما راتبة أو مطلقة، فالمؤمن يصلي لله ﷿ فيحافظ على الفرائض، فيصلي صلاة الفجر، وقبلها يصلي ركعتين وهما سنة الفجر القبلية، ويصلي الظهر ويصلي قبلها ركعتين وبعدها ركعتين، أو قبلها أربعًا وبعدها أربعًا، ويصلي العصر ويصلي قبلها ركعتين أو أربعًا، ويصلي المغرب ويصلي بعدها ركعتين، ويصلي العشاء ويصلي بعدها ركعتين، ويصلي إحدى عشرة ركعة يوتر بها أو ثلاث عشرة ركعة يوتر بها.\nفيتقرب إلى الله بالرواتب ثم يتقرب إلى الله ﷿ بنفل مطلق، فيصلي من الليل ما شاء الله ﷿ له أن يصلي، ويصلي في النهار صلاة الضحى وغيرها، وكلما ازداد من النوافل كان أقرب إلى رب العزة سبحانه ﵎، وأكرمه الله ﷿ بذلك.","vol":"23","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>الولي يسمع ويبصر ويتحرك بالله تعالى</span>\nقال: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها).\nهذا الإنسان الموفق لا يكتسب شيئًا إلا الشيء الذي يحبه الله ﷿، فهو بالله يسمع، يعني: بتقدير الله ﷿ صمت أذناه عن المنكر فلم يسمعه ولم ينتبه له، واستمع الخير ففتح الله سمعه ووعيه وقلبه، حتى: يستفيد من ذلك، ففتح له سمعه ليستمع إلى الخير، وينتفع بالخير الذي سمعه، وكم من إنسان يسمع الخير، ولا يقدر أن يعمل بما سمع، ولكن هذا الولي الذي يحبه الله فتح الله ﷿ سمعه فجعله يسمع، فبالله يسمع، وبالله يبصر، وبالله يبطش، وبالله يمشي، فإذا نظر رأى الخير، وإذا رأى المنكر غض طرفه وبصره عن ذلك، فبالله ﷿ نظر، وبقدرة الله ﷿ أبصر، وبهدى الله غض بصره عما حرم الله ﵎، قال في الحديث: (فبي يسمع وبي يبصر) قال: (ويده التي يبطش بها).\nالبطش هو الإمساك باليد، فيقدره الله ﷿ على ذلك، فيمسك بسيفه ويضرب به أعداء الله، قال سبحانه: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧].\nفهل يعقل أن الإنسان يأخذ حفنة من التراب بيديه ثم يلقيها على الكفار، فتعمى أعين هؤلاء؟ لا يقدر أي إنسان أن يفعل ذلك، ولكن إذا أراد الله شيئًا قال له كن فيكون؛ فإذا بالنبي ﷺ يأخذ قبضة من التراب أو من الحصى ويلقيها على الكفار في خروجه من بيته مهاجرًا، فإذا بالله يعمي هؤلاء بهذا التراب الذي وضع على رءوسهم، ولم يقدر أحد منهم أن يزيله عن رأسه.\nوفي يوم حنين يأخذ النبي ﵊ حفنة من التراب ويلقيها عليهم ويقول: (شاهت الوجوه)، ويقتحم ﷺ عن بغلته، وينزل إلى هؤلاء ويقول: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) صلوات الله وسلامه عليه، وكان هذا في موطن يفر فيه الشجعان، فإن جيش النبي ﷺ انهزموا وهم اثنا عشر ألف رجل، ولم يبق معه إلا سبعون رجلًا من آل بيته ومن كبار أصحابه صلوات الله وسلامه عليه، يواجهون عشرة آلاف من الكفار الذين امتلئوا بالحقد على النبي ﷺ وأصحابه، وأقبلوا بالسيوف وبالرماح، وهو يتقدم ويقول: (أنا النبي لا كذب) صلوات الله وسلامه عليه، ويلقي عليهم كفًا من حصى فيعميهم الله، ويفرون من النبي ﷺ، فهل الحصى تجعل هؤلاء يفرون أو هو قضاء الله وقدرته وفضله سبحانه ﵎؟ قال الله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧].\nصحابي صغير في جسمه من أصحاب النبي ﷺ وهو أبو اليسر رضي الله ﵎ عنه يأسر العباس عم النبي ﷺ في يوم بدر، والعباس رجل طويل جسيم قوي شجاع رضي الله ﵎ عنه، وكان مع المشركين، وقد قال للنبي ﷺ: كنت مسلمًا، فقال له النبي ﷺ: (كان ظاهرك علينا، قد كنت في صف المشركين)، فيأسره هذا الصحابي، ويأتي به إلى النبي ﷺ.\nفيعجب العباس ويقول للنبي ﷺ: ليس هذا أسرني، فيقول النبي ﷺ لـ أبي اليسر: (قد أعانك الله ﷿ عليه بملك كريم) فما رميت إذ رميت ولكن الله رمى، فيقدر الله ﷿ من يشاء من خلقه على من يشاء ﷾.\nوقد نصر الله المؤمنين الذين كانوا ضعفاء أذلة في يوم بدر فقال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران:١٢٣].\nقال: (وكنت يده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) فلا يمشي إلا إلى معروف، يمشي في طاعة، يمشي ليعمل الخير، يمشي لعيادة مريض، يمشي لتشييع جنازة، يمشي لصلاة فريضة أو صلاة نافلة، يمشي لأمر بمعروف أو نهي عن منكر، فهو يمشي بتوفيق الله ﷿، ويقدره الله أن يمشي إلى الخير، ويبتعد عن الشر، فالله هو الذي يقدره على أن يمشي إلى الخير، وأن يمتنع عن الشر.","vol":"23","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>إجابة الله تعالى دعاء أوليائه</span>\nقال: (ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه).\nإذا سأل الولي الله وقال: يا رب أعطني كذا، فالله ﷾ يعطيه.\nوإذا آذاه مخلوق فاستعاذ بالله، أعاذه الله سبحانه؛ لأنه ولي لله ﵎.\nالإنسان المؤمن الذي يسمع هذا الحديث يحب أن يكون من أولياء الله الذين لا خوف عليهم يوم القيامة، ولا هم يحزنون، وكذلك هم في الدنيا لا يحزنون على شيء يفوتهم من الدنيا، فهم واثقون بالله سبحانه، وهم مطمئنون لرحمة الله سبحانه ﵎، فيسألون الله فإذا أعطاهم فرحوا، وإذا منعهم فرحوا.\nعلموا أن في عطائه فضلًا من الله سبحانه، وفي منعه حكمة من الله، ففي كل الأحوال يسألون الله، وهم يعلمون أنه إن لم يعطهم في الدنيا ادخر لهم ثواب الدعاء يوم القيامة، وهم واثقون في الله سبحانه ولا يستعجلون، وهؤلاء لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.","vol":"23","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>محبة أهل السماء والأرض لمن يحبه الله</span>\nفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: (إذا أحب الله تعالى العبد نادى جبريل: إن الله تعالى يحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل فينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض).\nهذه من علامات حب الله ﷿ للعبد المؤمن الصالح: أنه يحبه وأنه يأمر جبريل أن يحبه، فيوضع له القبول في الأرض، فيحبه أهل الأرض الصالحون، فإذا رأوه يحبونه لكونه مؤمنًا، يحبونه لصلاحه، يحبونه لأنهم لا يرون فيه رياءً ولا حبًا للسمعة، ولا حبًا للشهرة، ولا يرون فيه تكلفًا.\nوالمرائي له بغض في قلوب الناس، فإذا أبغض الله العبد جعل البغضاء له في قلوب الناس، ولذلك جاء في صحيح مسلم: (إذا أبغض الله ﷿ عبده دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانًا فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء ثم توضع له البغضاء في الأرض) أينما ذهب فالناس لا يحبونه، ولا يبالون بالكلام الذي يقوله.\nإذًا: من علامات بغض الله ﷿ للعبد أنه لا أحد يستريح إليه حتى ولو كلمهم بخير، ففي قلوبهم منه وحشة، وأسلوبه صعب، وهو فظ في كلامه، وفيه خشونة، وفيه استكبار وتعال على الخلق، فلا يحبه الخلق.\nفمن علامات بغض الله ﷿ للعبد: أن يبغضه المؤمنون ويتقيه الناس، وفي الحديث يقول النبي ﷺ: (شر الناس من اتقاه الناس مخافة شره)، فإذا وصل الإنسان إلى هذه الدرجة فهو من شر خلق الله ﷿.\nلكن قد يوجد إنسان من الصالحين، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فعندما يذهب إلى أصحاب المنكر وينصحهم فهم لا يريدون أن يكلمهم؛ لأنه يقول: صلوا وصوموا، فهذا غير مذموم، المذموم من يتقيه الناس من شره، فيجاملونه مخافة شره، فهذا الإنسان من شر خلق الله ﷿.","vol":"23","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>شرح حديث: (أخبروه أن الله يحبه)</span>\nمن أحاديث الباب حديث عائشة ﵂ (أن رسول الله ﷺ بعث رجلًا على سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟).\nيعني: كان أميرًا عليهم، فكان يصلي بهم فيقرأ بآيات ثم يختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، فأنكروا عليه وقالوا: إما أن تقرأ بها وحدها وإما أن تقرأ بغيرها، لماذا تعمل هذا الشيء؟! فشكوه إلى النبي ﷺ، والنبي ﷺ لم يكن يفعل ذلك، ولكن الرجل من شدة حبه لهذه السورة كان يفعل ذلك! فلما سأله النبي ﷺ قال: (لأنها صفة الرحمن فأنا أحب أن أقرأ بها، فقال رسول الله ﷺ: أخبروه أن الله تعالى يحبه).\nفهذا الصحابي طغى حبه لهذه السورة على غيرها، وغيره يحب القرآن كله، وينتفع بكل ما في القرآن، ولكن هذا أحب صفة الله المذكورة في هذه السورة؛ فالله ﷿ أحبه لحبه لسورة واحدة، فكيف بمن أحب القرآن كله؟ لا شك أنه أعظم وأعظم من هذا.\nهذا تأمل في سورة واحدة منها صفات للرحمن سبحانه ﵎، وربنا ﷾ أمرنا بتدبر القرآن فقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤].\nفإذا كان الإنسان الآن يعمل مثل هذا الصحابي فنقول: اعمل مثل النبي ﷺ واتبعه فهو أولى من اتباعك لهذا الصحابي، فهذا تدبر سورة واحدة فيها صفات الله سبحانه ﵎، ولكن الله ﷿ أمرنا بتدبر القرآن كله، فتدبر القرآن كله، تدبر الفاتحة التي تقرؤها، وكيف أنك تخاطب الله سبحانه ﵎ وأنت تقرؤها كما في الحديث: (إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] قال الرب سبحانه: حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] قال الله سبحانه: أثنى علي عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] قال الله سبحانه: مجدني عبدي، وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل).\nإذًا: الفاتحة فيها صفات لله سبحانه ﵎: الله الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، والذي يتأمل سيجد في كل القرآن مثل ذلك، فالمؤمن عليه أن يتبع النبي ﷺ ويحب كتاب الله، ويحب سنة النبي ﷺ، ويرجو حب الله.\nوحب الله غاية عظيمة يدركها الإنسان بفضل الله سبحانه، ولا يوجد إنسان يقول: يا رب إني أحبك وربنا يحرمه من ذلك، ربنا سبحانه ﵎ أكرم، قال لعباده العاصين: توبوا لأتوب عليكم، فإن كنت تريد حب الله سبحانه ﵎ فاعمل لذلك، والفضل من الله ﷿ يمن به على عباده.\nفلذلك يتقرب المؤمن إلى الله ﷿ ويرجو حب الله ويرجو أن يكون الله سبحانه ﵎ معه في قيامه في قعوده في نومه في سجوده، في كل وقت يرجو أن يكون الله ﷿ معه، فلذلك يعمل لذلك، ومستحيل أن يتقرب العبد إلى الله ويرجو وجه الله فيبعده الله سبحانه ﵎، الله الكريم يعطي على إحسان العبد إحسانًا وزيادة على الحسنى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، فاعمل لله سبحانه وارج فضل الله سبحانه الذي لا يبخل به على أحد أبدًا، وفضل الله عظيم.\nنسأل الله من فضله ورحمته، ونسأله حبه ومحبته.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"23","page":8},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-229> التحذير من إيذاء الصالحين والضعفة والمساكين</span>\nالإيذاء سلوك مشين ينبذه الشرع، ويمقته الطبع السليم، ولذا فقد حرمه الشرع عمومًا، وشنع على من يؤذي الصالحين والضعفاء والمساكين خصوصًا، ولأن نكاية الأذى فيهم أشد كانت العقوبة أشد، كما أن الضعفاء قد يكونون محل ولاية الله، فمن عاداهم فقد استوجب العداء من الله واستوجب غضبه.","vol":"24","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>بيان حرمة إيذاء المسلمين عمومًا والصالحين خصوصًا</span>","vol":"24","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>بيان فضل الصالحين والضعفاء والمساكين</span>\nأعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.\nبسم الله الرحمن الرحيم.\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد: فقال المؤلف ﵀: [باب التحذير من إيذاء الصالحين والضعفة والمساكين.\nقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٥٨].\nوقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:٩ - ١٠].\nوأما الأحاديث فكثيرة منها: حديث أبي هريرة ﵁ في الباب قبل هذا: (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب).\nومنها حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ السابق في باب ملاطفة اليتيم، وقوله ﷺ: (يا أبا بكر! لئن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك).\nوعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يكبه على وجهه في نار جهنم)، رواه مسلم].\nإن هؤلاء الصالحين والضعفاء والمساكين لهم فضيلة عند الله ﷾، فالصالحون أولياء الله سبحانه، والله يذكر أولياءه فيقول: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣].\nفالمؤمن التقي ولي لله سبحانه، ولذلك ينبغي أن يحذر الإنسان أن يؤذي وليًا لله، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله ﷿ يقول: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب).\nوالفضل لا يختص بالصالحين فحسب، بل المسكين له عند الله ﷿ منزلة، يجليها قول النبي ﷺ في الحديث: (اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين)، كما أنهم من أوائل الناس دخولًا الجنة إذا كانوا من أهل التقوى، وذلك لما في أخلاق المساكين من التواضع، والخشوع لرب العالمين سبحانه، ولذلك أحب النبي ﷺ أن يكون على مثل خلق هؤلاء، وأن يحشر معهم يوم القيامة صلوات الله وسلامه عليه.\nكما أن للضعفة منزلة عند الله، فكم من إنسان نراه ضعيفًا، فقيرًا، ذا حاجة، إلا أن له عند الله ﷿ منزلة، بل قد يكون ممن لو أقسم على الله لأبره، كما جاء في حديث النبي ﷺ.","vol":"24","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>التحذير من إيذاء المساكين والضعفة من المؤمنين</span>\nفلذلك ينبغي على الإنسان الذي يؤذي أحدًا من هؤلاء أن يخاف على نفسه، فقد ينتصر الله ﷿ لهم، وينتقم منه يومًا من الأيام، وقد يظن الإنسان أن هذا ضعيف لا ناصر له، فيتجبر عليه، ويتقوى عليه، فإذا بالله يبتليه بشيء لا يقدر على مقاومته، أو النجاة منه، ولذلك قال الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٥٨].\nو(الأذى): اسم جنس يعم جميع أنواع الأذى، كأن يستضعف إنسانًا فيتطاول عليه باللسان، فيسبه ويشتمه، أو يتطاول عليه باليد، كأن يأخذ ما معه وهو غير قادر على أن يدافع عن نفسه.\nففي الآية يحذرنا ربنا سبحانه ممن يؤذي المؤمنين فيقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٥٨]، والمنافقون ديدنهم أن يؤذوا المؤمنين، فتجدهم يرمونهم بالتهم العظام، بل قد تجرأ كبيرهم على أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، ورماها بالفاحشة إفكًا وزورًا وكذبًا، وإذا بالبعض من المسلمين يقلدون هذا المنافق، ويرددون ما افتراه، فحذرهم الله ﷿ أشد التحذير، كما حذر هؤلاء المنافقين، فيحذرهم الله ﷿ بأن لهم الإثم العظيم عند الله، وأنهم بصنيعهم قد احتملوا البهت، والبهت: أشد الكذب والافتراء، وما احتملوه من الإثم والبهتان بين وواضح وسيحاسبهم الله ﷿ عليه.\nلذلك ينبغي على الإنسان المؤمن أن يكون عفيف اللسان، وإذا سمع أناسًا يخوضون في أعراض أناس كفهم وزجرهم وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر، وإن لم يقدر على الإنكار عليهم فليعتزل هؤلاء ولا يجلس معهم؛ لأنه إن جلس معهم فقد يدخل في قول الله ﷿: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:١٤٠]، فليس له إذا جلس في مجلس وسمع كلامًا منكرًا، إلا أن ينهى عن هذا المنكر، أو أن يترك هذا المكان ولا يجلس فيه.","vol":"24","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>غضب الله على من يغضب الضعفاء من المؤمنين</span>\nومن الأحاديث التي جاءت في هذا الباب حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، الذي ذكره النووي في باب ملاطفة اليتيم، أن النبي ﷺ قال لـ أبي بكر: (يا أبا بكر! لئن كنت قد أغضبتهم لقد أغضبت ربك).\nأما الحديث الذي ذكره قبل ذلك فهو حديث عائذ بن عمرو وهو في صحيح مسلم وفي مسند الإمام أحمد، وفيه: أن سلمان وصهيبًا وبلالًا كانوا قعودًا في أناس، وكانوا من فقراء المسلمين المجاهدين في سبيل الله ﷾، وممن يحبهم الله، فمر بهم أبو سفيان، وكأنهم لما رأوه تذكروا ما عمل فيهم أبو سفيان أيام مكة، فقالوا له: ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها بعد! وكان هذا في هدنة صلح الحديبية بين السنة السادسة والثامنة من الهجرة، فلما قالوا ذلك سمعهم أبو بكر ﵁، فقال: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها! وكأن أبا بكر الصديق يتألف أبا سفيان لعله يسلم يومًا من الأيام.\nفأخبر الناس النبي ﷺ بذلك، فقال النبي ﷺ لـ أبي بكر الصديق: (يا أبا بكر! لعلك أغضبتهم؟ لئن كنت أغضبت هؤلاء لقد أغضبت ربك.\nفأسرع أبو بكر إليهم فقال: أي إخوتاه! لعلكم غضبتم، فقالوا: لا، يا أبا بكر! يغفر الله لك).\nوتسامحوا مع أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وقالوا: (يغفر الله لك).\nوالظاهر أن أبا بكر ما قصد أن يؤذيهم، وإنما قصد أن يتألف أبا سفيان لعله يسلم، وقد أسلم بعد ذلك في عام الفتح.","vol":"24","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>التحذير من إيذاء من كان في ذمة الله</span>\nمن الأحاديث التي في الباب: حديث جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله).\nأعظم صلاة في اليوم نصليها هي صلاة الصبح، وأعظم الصلوات هي التي تقام والدنيا مظلمة، وفي شدة البرد، إذ يترك الإنسان فراشه ويخرج إلى بيت الله ﷿ مصليًا، ولذلك كان الذي يصلي صلاة الصبح في ذمة الله ﷾، والمعنى: أن الله ﷾ يضمنه، ولذا عندما يأتي إنسان يستلف من آخر فقد يسأله الدائن ضمنيًا على أن يدفع، وإذا لم يدفع المدين دفع الضامن عنه، ولله المثل الأعلى، إذ الله يضمن من يصلي الصبح فيصبح مضمونًا لله ﷾، فهو يكفله ويدافع عنه.\nقال النبي ﷺ: (فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء)، ومعلوم أن الإنسان لا يستطيع أخذ شيء من ذمة الله ﷿، وإنما المعنى في الحديث هو: التحذير من إيذاء من صلى صلاة الصبح في جماعة مع المسلمين، ولذا قال النبي ﷺ: (فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه)، أي: أنه لا يستطيع أن يفلت من الله ﷾، بل سيدركه، وإذا أدركه كان جزاءه أن: (يكبه على وجهه في نار جهنم)، والعياذ بالله.\nوفي الحديث: بيان أن الإنسان الذي يواظب على صلاة الجماعة وخاصة صلاة الفجر فهو صالح؛ لأنه من داوم عليها يوشك ألا يغفل عن غيرها، وكأن صلاة الفجر تعد المقياس على أن هذا إنسان صالح أو ليس صالحًا، ودهي ليل على أنه لا يرائي، إذ إن المرائي قد يصلي مرة أو مرتين في المواسم ثم يترك، أما الإنسان الصالح فهو مداوم عليها في الشتاء، أو الصيف، في الحال الحسن، أو السيئ، فيرى دائمًا مداومًا على الصلاة لله ﷾ حريصًا على أدائها في بيت الله، فاستحق أن يكون في ذمة الله، فليحذر الذي يؤذي هذا الإنسان، فإن الله لن يتركه.","vol":"24","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>التعامل مع الناس بالظاهر والباطن إلى الله ﷿</span>","vol":"24","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>من أسلم ظاهرًا عصم ماله ودمه إلا بحق الإسلام</span>\nيقول الإمام النووي: [باب في إجراء أحكام الناس على الظاهر وسرائرهم إلى الله تعالى]: الأصل فيمن قال: لا إله إلا الله أنه مسلم، وينبغي أن يتعامل معه على أنه مسلم، إذ إن الأحكام تجري على ما يظهر من الإنسان، فمن عرف عنه أداء الصلاة والصوم في نهار رمضان فهو مسلم، أما السرائر فتوكل إلى الله ﷿، فلم يؤمر العبد أن ينقب عن سريرة أي إنسان.\nقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥]، أي: أن هؤلاء الكفار الذين يحاربون الإسلام إذا تابوا فشهدوا أن لا إله إلا الله، وعرف أنهم يصلون ويدفعون الزكاة إذا طلبت منهم، وجب أن يخلى سبيلهم ويعدوا إخوانًا للمسلمين في الدين قال تعالى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١].\nوعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماؤهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى)، الحديث متفق عليه.\nوفيه: أن النبي ﷺ مأمور بجهاد الكفار إلى أن يسلموا ويدخلوا في دين الله ﷾، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، لقوله ﷾: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩].\nفإذا التقى المسلمون مع المشركين كان لهم أن يدعوهم إلى إحدى ثلاث خصال: إما أن يسلموا فيكف عنهم ويقبل منهم، وإما أن يدفعوا الجزية وهم على دينهم، فيقبل منهم ويكف عنهم، وإما أن يصروا على القتال فيقاتلوا ويحاربوا؛ لأنهم إن أسلموا وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأقاموا الصلاة وأدوا الزكاة فقد عصموا دماهم وأموالهم، وعند ذلك لا يجوز أن يؤخذ مال مسلم بغير طيب نفس منه.\nقوله ﷺ: (إلا بحق الإسلام) أي: إلا أن يأتي شيئًا فيه القصاص، كمن أسلم ثم قتل عمدًا وعدوانًا، فإنه يستحق القصاص، أو قطع يد إنسان عمدًا وعدوانًا، فيستحق أن تقطع يده، وهكذا.\nقوله: (وحسابهم على الله تعالى) أي: أنهم إذا أتوا بالأشياء الظاهرة فليس لنا عليهم شيء، وأمرهم إلى الله، وإن كان من فعل تلك الأشياء الظاهرة يبطن النفاق والكفر، فلا شأن لنا به طالما أظهر لنا الإسلام، فنعامله على ما يظهر منه، أما ما أبطنه فالله ﷿ يتولى أمره فيه.","vol":"24","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>من أدى الشهادتين حرم ماله ودمه وحسابه على الله</span>\nوروى مسلم من حديث طارق بن أشيم ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله تعالى).\nوالمعنى: أن الإنسان إذا أتى بكلمة التوحيد، وكفر بما يعبد من دون الله فذلك هو مقتضى كلمة التوحيد، إذ إن معنى كلمة التوحيد: لا إله يستحق العبادة إلا الله الإله الواحد الرب ﷾.\nوقوله: (أشهد أن محمدًا رسول الله) أي: أنه يتوجه إلى ربه ﷾ بالعبادة، وهذه العبادة التي جاءت على لسان النبي ﷺ، فهو متبع للنبي ﷺ ليس مبتدعًا، وليس مخترعًا من قبل نفسه.\nفالإنسان المؤمن يعرف هذه الكلمة حق المعرفة، فيعلم أن الله ﷾ هو الإله، الذي يستحق العبادة، وأن عبادة الله ليست باختراع ولا ابتداع، وإنما عن طريق هدي محمد الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فما جاء به من كتاب وسنة عبد الله ﷾ عن طريقه.\nقوله: (وكفر بما يعبد من دون الله) وهذا معنى: (لا إله)، إذ إن (لا إله) تعني: لا إله من الآلهة الباطلة يستحق العبادة، بل يكفر بكل الآلهة الباطلة؛ لقول الله ﷿: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة:٢٥٦]، فمن كفر بكل ما يعبد من دون الله ولم يوجه العبادة إلا إلى الله وحده لا شريك له، فقد حرم ماله ودمه، ويظل ذلك التحريم مقيدًا بالقيد الأول: (إلا بحق الإسلام).\nوعلى ذلك فالإنسان المسلم معصوم الدم لكونه مسلمًا، إلا إذا أتى بشيء يستحق عليه أن يقتص منه في النفس، أو في الأعضاء، وكذلك هو معصوم المال، إلا إذا أتى بشيء يستحق عليه أن يدفع ثمن الجناية التي جناها، أو ثمن الإتلاف والإفساد الذي أفسده، فلو أنه أفسد مال غيره وجب عليه أن يدفع ثمن هذا الذي أفسده، وأن يصلح ما أفسده.","vol":"24","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>من قال لا إله إلا الله حقن دمه وإن قالها تعوذًا</span>\nجاء في حديث للمقداد بن الأسود ﵁ أنه قال: قلت لرسول الله ﷺ: (أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار فاقتتلنا، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله، أأقلته يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال: لا تقتله).\nفكلمة التوحيد تعصم الإنسان وتجعل المسلم يتحرج من أن يقاتل مسلمًا إلا بحق من حقوق الله ﷾، والمقداد بن الأسود حين يفترض هذا الفرض يريد أن يأخذ ردًا على ذلك من النبي ﷺ، وتصويره هذا يوحي أنه يرغب أن يقول له النبي: لا حرج.\nوالصورة التي يرسمها للنبي ﷺ تشعر أنه ما قال: لا إله إلا الله إلا تعوذًا من القتل، لا أنه مسلم، فكان الجواب من النبي ﷺ: (لا تقتله)، لا تقتله، وإن قطع يدك، وإن قال هذه الكلمة لما رأى السيف نازلًا على رقبته.\nفقال المقداد: (قلت يا رسول الله! قطع إحدى يدي، ثم قال ذلك بعدما قطعها! فقال: لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال).\nومعنى قوله: (أنت بمنزلته وهو بمنزلتك) أن الرجل كان كافرًا قبل أن يقول كلمة التوحيد، فمنزلته أن دمه هدر، فلما قال: لا إله إلا الله صار بمنزلتك أنت، أي: صار مسلمًا معصوم الدم، فأنت مسلم معصوم الدم، وسفك دمك حرام على هذا الإنسان وإن قاتلك وهو كافر، إلا أنه بعد أن أسلم صار مثلك، والإسلام يجب ما قبله، فلا يجوز لك أن تقتله وقد قال هذه الكلمة، فإن قتلته صرت بمنزلته قبل أن يقولها.\nوليست منزلته أن تكون كافرًا ولكن المنزلة أن دمه مهدر؛ لأنه كان كافرًا غير معصوم الدم، وأنت الآن قتلت نفسًا مؤمنة متعمدًا، فصار دمك هدرًا، وتقتل به؛ لأنك تعمدت قتله بعدما قال: لا إله إلا الله.\nففهم من الحديث أن هذه الكلمة العظيمة: (لا إله إلا الله) تعصم دم الإنسان، وأن الإنسان لا يجوز له أن يستهين بـ (لا إله إلا الله)، ولا بالإنسان الذي يقولها، كأن يضربه بالسيف فيقتله، والله ﵎ يقول: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣].","vol":"24","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>من أظهر الإسلام فقد حرم قتله</span>\nوعن أسامة بن زيد ﵄ قال: (بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة من جهينة- والحرقة اسم مكان في قبيلة جهينة- فصبحنا القوم على مياههم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم، فلما غشيناه، قال: لا إله إلا الله، فكف عنه الأنصاري وطعنته برمحي حتى قتلته) أي: أن أسامة قتل هذا الرجل.\nوتوضح هذه رواية أخرى في صحيح مسلم من حديث جندب بن عبد الله: أن أسامة قال للنبي ﷺ: (كان رجل من المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله)، أي: أنه كان رجلًا جبارًا، ما كان يجد واحدًا من المسلمين إلا قتله، فترصد أسامة ورجل من الأنصار لهذا الرجل، فقصدا غفلة الرجل، فلما وصلا إليه أخذ يقول: لا إله إلا الله، على أنه ما قال ذلك إلا بعدما قتل مجموعة من المسلمين، فقتله أسامة وخاف الأنصاري، ولما جاء البشير إلى النبي ﷺ بالنصر أخبره بما صنع أسامة، فقال له النبي ﷺ: (لم قتلته؟ فقال: يا رسول الله! أوجع في المسلمين، وقتل فلانًا وفلانًا وسمى له نفرًا، وإني حملت عليه، فلما رأى السيف قال: لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ: أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله! فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟).\nوفي رواية أسامة قال: (أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟ فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم).\nوالمعنى: أنه تمنى أن إسلامه كان بعد هذه القصة؛ لأن الإسلام يجب ما قبله، وعدم استغفار النبي ﷺ له نوع من التأنيب له، وتخويف لغيره من المسلمين، وإن كان أسامة هو حبيب رسول الله ﷺ، إلا أنه ﷺ أبى أن يستغفر له، وظل يردد: كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ قال: (فقلت: يا رسول الله! استغفر لي، فجعل لا يزيد على ذلك، يقول: كيف تصنع بلا إله إلا الله، إذا جاءت يوم القيامة؟).\nوجملة هذه الأحاديث وغيرها من الأحاديث تدل على أن الإنسان المؤمن يجب أن يحذر من أن يسفك دم إنسان مسلم يقول: لا إله إلا الله، فتأتي هذه الكلمة يوم القيامة وصاحبها يقول لله ﷿: سل هذا فيم قتلني، فقد كنت مسلمًا أقول: لا إله إلا الله فقتلني هذا؟ وقد يخرج الإنسان بعذر في الدنيا ويقبل منه؛ لكنه عند الله لا يساوي شيئًا، فإن كان ما ارتكبته بسبب الغضب فإن الجبار يغضب عليك يوم القيامة ويدخلك نار جهنم والعياذ بالله، وإنما يحق الله ﷿ الحق يوم القيامة، ويأخذ للمظلوم من ظالمه.","vol":"24","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>التعامل مع الناس بما ظهر منهم</span>\nعن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: (إن ناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ، وإن الوحي قد انقطع).\nوالمعنى: أن ناسًا من المنافقين كانوا معروفين بالنفاق، فكان الله ينزل على النبي ﷺ وحيًا فيخبره بأن فلانًا منافق، فكان النبي ﷺ ينطق بوحي من الله ﷿، أما الآن بعد موت النبي ﷺ فقد سن لنا عمر ﵁ قاعدة عظيمة، يقول لنا سيدنا عمر ﵁: (إنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم): أي: أن العمل دليل على أن هذا الإنسان صالح، أو أن هذا الإنسان مفسد.\nثم يقول: (فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء): أي: أننا لا نحاسب إنسانًا على نيته وسريرته، فالذي يحاسب على النية هو الله ﷿، وإنما يحاسب المسلمون الناس على ما يبدونه وما يظهرونه.\nثم قال عمر ﵁: (وليس لنا من سريرته شيء، فالله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة): فالإنسان يعامل بما أظهر، فإن أظهر قبيحًا سيئًا حوسب على ذلك وإن ادعى إن سريرته حسنة، كأن يكون ظاهر هذا الإنسان أنه تارك للصلاة، تارك للصوم، تارك لأمر الله ﷾، مجالس لأهل النفاق والمعصية، فيحاسب على ظاهره، ويعامل على ظاهره.\nوكذلك إذا كان إنسانًا صالحًا فإنه يعامل على ظاهره، وليس لنا من باطنه شيء، فباطنه وسريرته إلى الله ﷿.","vol":"24","page":12},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-241> الخوف من الله</span>\nالمؤمن يعيش في الدنيا بين الخوف من الله ورجاء رحمته، فيخاف من الله خوفًا يدفعه إلى العمل، ولا يدفعه إلى اليأس والقنوط، فهذا الخوف يجعل الإنسان يستقيم على الصراط المستقيم، وقد وردت آيات وأحاديث تثمر في القلب الخوف من الله والخشية والرهبة منه سبحانه.","vol":"25","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>أهمية الخوف من الله</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب الخوف: قال الله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة:٤٠].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج:١٢].\nوقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود:١٠٢ - ١٠٦].\nوقال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨].\nوقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧].\nهذا باب من كتاب رياض الصالحين للإمام النووي رحمة الله عليه، يذكر فيه الخوف من الله ﷾.\nوالإنسان يعيش في هذه الدنيا ويعلم أنه ميت، والمؤمن مستيقن بأمر الموت وأمر الرجوع إلى الله سبحانه، وأمر الحساب، والكفار يقولون: ﴿مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية:٢٤]، يتخرصون ويكذبون، فعندهم ظنون وأوهام يظنونها حقائق، فإذا جاء الموت تبين لهؤلاء صدق ما قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه، وانزاحت عنهم الأحلام، ورأوا أمامهم هذا العذاب الذي ذكر الله سبحانه، نسأل الله ﷿ العفو والعافية.\nالمؤمن يعيش في الدنيا بين الخوف والرجاء، يخاف من الله ﷾ خوفًا يدفعه إلى العمل لا يدفعه إلى اليأس، ولكن يدفع إلى العمل فيمنعه من الوقوع في الحرام، ويمنعه من مجاوزة حده، ويمنعه من أن يظلم نفسه أو يظلم غيره، يمنع الإنسان من الوقوع فيما حرم الله ﷿ من الخطايا من الشهوات من الشبهات والشكوك وغير ذلك.\nفهذا خوف يجعل الإنسان يستقيم على الصراط المستقيم، والرجاء يجعل العبد يطمع في رحمة رب العالمين، يرجو ربه فلا ييئس من رحمته، فالخوف والرجاء يسير المؤمن بينهما، فيخاف خوفًا لا يدفع إلى اليأس ولكن يمنع من الخطايا ومن الذنوب، ويرجو رجاء لا يدفع إلى أن يعمل المعاصي ويقول: ربنا سيغفر لي، ولكنه يرجو رحمة ربه مع خوفه من الله ﷾.\nفكم من إنسان يعيش على طمع الرجاء والأمل في ذلك فإذا به يترك العمل بالكلية، ويقع في كبائر الذنوب، وقد يموت على الكفر والعياذ بالله، فالمؤمن لا يظل في الرجاء ويقع في المعاصي دائمًا ويقول: أنا أرجو، ولا يكون في الخوف الذي ييئسه من رحمة رب العالمين، ولكن يكون بين الاثنين.","vol":"25","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>ما جاء من التخويف في القرآن</span>","vol":"25","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>أمر الله تعالى عباده بأن يخافوه</span>\nفي هذا الباب يذكر الإمام النووي ﵀ بعض ما جاء في القرآن من تخويف الله سبحانه ﵎ عباده من الذنوب ومن المعاصي، وذكر قدرة الله ﷾ على العباد، فذكر فيه قوله سبحانه: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة:٤٠] يعني: خافوني خوف رهبة من الله.\nوالمؤمنون وصفهم الله بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]، هؤلاء المؤمنون إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وتقشعر جلودهم وتلين قلوبهم لذكر الله سبحانه.\nفيخاف المؤمن من الله ﷿، والعبد عبد للملك سبحانه فلا ينبغي للعبد أن يأمن بطش الله ولا يأمن مكر الله سبحانه، وربنا لم يؤمنك، فقد قال في القرآن: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١]، فلذلك المؤمن يخاف ويرجو رحمة الله ﵎، قال الله ﷿: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة:٤٠].\nوقال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج:١٢]، البطش: الإمساك والمعاقبة لهذا الإنسان، فإذا أمسك الله ﷿ بهذا العبد وعجز عن الحركة وأدخله نار جهنم وحبسه فيها، فقد بطش به ربنا سبحانه وانتقم منه، فهل يملك لنفسه شيئًا؟ هل يقدر أن يفر من الله سبحانه ومن عقوبته سبحانه وعذابه؟ قال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج:١٢ - ١٤]، لم ييئسه من مغفرته ومن رحمته ﷾، فهو الغفور الودود، بطشه شديد وهو الغفور الودود سبحانه.","vol":"25","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>ذكر قصة نوح لتخويف العباد</span>\nقال الله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [هود:١٠٢]، كهذا الذي ذكره لنا في القرآن في سورة هود يذكر لنا ربنا سبحانه كيف أنه أرسل نوحًا إلى قومه ودعاهم إلى الله ﷿، فلما كذبوه أغرقهم، فأمر الله ﷿ السماء أن تفتح أبوابها، وأمر الأرض أن تخرج ماءها، فالتقى ماء السماء بماء الأرض وأغرق الله ﷿ من عليها، ونجى نوحًا ومن معه، وقد دعا نوح قومه إلى عبادة الله فأبوا واستكبروا، وصبر عليهم ربهم وهو القادر عليهم سبحانه، وهو القاهر فوق عباده! ودعاهم نبيهم نوح إلى ربه ﵊، وليس هينًا على ربه، وليس مبعوثًا للناس استقلالًا بأمره، ولكن الله ﷿ كرمه وشرفه وفضله وجعله يصبر على هؤلاء حتى يئس من إيمانهم ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح:٥ - ٧].\nفشهد عليهم نبيهم صلوات الله وسلامه عليه أنهم لا إيمان في قلوبهم ولم تنفع معهم هذه الدعوة إلى الله، وهي ألف سنة إلا خمسين عامًا، فكانوا يصرون على الكفر وعلى التكذيب وعلى البعد عن رب العالمين سبحانه، قال الله ﷿: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣].\nدعاهم نوح وهم لا يستجيبون، وتركهم الله هذه المدة الطويلة حتى أخذهم الله ﷿ أخذ عزيز مقتدر، فأملى لهم وتركهم حتى مات الأجداد والآباء والأحفاد، وكل يوصي من بعده بالبعد عن نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام؛ فلذلك لما جاء العذاب من عند رب العالمين كان عذابًا شديدًا، فأغرق هؤلاء جميعًا ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠]، ونجا نوح والمؤمنون معه ثم انتهى أمر إهلاك هؤلاء الظالمين.\nوقد قال نوح ﵊ لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود:٤٢ - ٤٣]، وكان لا يوجد وقت للمناقشة، فجاء عذاب رب العالمين وحال بينهما الموج فكان من المغرقين، جاءت الموجة فرمته بعيدًا عن أبيه من أجل ألا يترحم عليه ولا يصعب عليه أن يرى ابنه بعيدًا قد أهلكه الله ﷾: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود:٤٣].\nلما تذكر نوح ابنه سأل ربه وقال: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود:٤٥]، أنت وعدتني أن تنجيني وأهلي، قال: إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح، احذر -يا نوح- فلا تسألني ما ليس لك به علم، ويرجع نوح عما قال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود:٤٧]، ونجا نوح وحاق العذاب بالقوم الكافرين.","vol":"25","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>تخويف الله لعباده بما وقع لعاد قوم هود</span>\nوكذلك عاد قوم هود على نبينا وعليه الصلاة والسلام، كان يدعوهم إلى ربهم سبحانه وقال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء:١٢٨ - ١٣٠]، فالله يرينا جرم هؤلاء، وكيف أنهم قساة القلوب، وكانوا يبطشون بالناس، وقد قال الله: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج:١٢]، فالإنسان عندما يبطش يتكبر، فاحذر من غضب الله إذا بطش بهذا الإنسان، فيتركه الله وهو أعلم من الظالم ومن المظلوم، يترك الظالم حتى يظهر ظلمه جليًا أمام الخلق جميعهم، وحتى يضج الناس من ظلم هؤلاء السفهاء.\nقال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء:١٢٨]، أي: تجعلون في كل أرض وفي كل بلد علامة من العلامات وبناء عاليًا لا تحتاجون إليه، بل للعبث واللهو والتفاخر فيما بينكم! ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء:١٢٩]، أي: تتخذون قصورًا أو مشارب للماء تتوهمون أنكم تخلدون في هذه الأشياء.\n﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٣٠ - ١٣١]، فأبوا وقالوا لهذا النبي الكريم ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ * إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٣٦ - ١٣٧]، وجاء عذاب الله ﷿ بهؤلاء فأهلكهم سبحانه ﵎ فجعلهم ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر:٢٠].\n﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج:١٢]، هذا بطش الله سبحانه ﵎، استهواهم الشيطان فجعلهم عبادًا له من دون الله سبحانه، فجاءهم من عند ربهم العذاب والإهلاك، كان الواحد منهم تأتي الريح فتقلعه من الأرض وترفعه إلى السماء ثم تسقطه على رأسه فيقع وينشدخ رأسه ويبين من جسده فصاروا كأعجاز النخل الخاوية، فكيف كان عذاب الله ونذر الله ﷾؟ ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر:١٦].\nهذا انتقام رب العالمين سبحانه أرانا ذلك، وفي آخر الآيات قال ﷾: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ [هود:١٠٢]، كهذا الأخذ العظيم الذي رأيتم نأخذ كل من طغى وبغى، وكل من استكبر عن عبادة الله ﷾ وعصى ربه.\n﴿أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [هود:١٠٢]، أي: في حال ظلمها ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]، أخذ مؤلم موجع شديد الألم.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾ [هود:١٠٣]، إذا رأيتم هذا العذاب في الدنيا فكيف يكون عذاب الآخرة؟ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود:١٠٣]، ولماذا يؤخره ربنا سبحانه ﵎؟ قال: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود:١٠٤]، فلا تستعجلوا، فيوم يأتي هذا الأجل ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود:١٠٥].\nلا ينطق إنسان إلا بإذن رب العالمين سبحانه، فمن الناس شقي وسعيد، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٦ - ١٠٧].\nوأما أهل السعادة ففي جنة الله ﷿، نسأل الله ﷿ أن يجعلنا من أهل السعادة، فذكر الله الأشقياء وذكر السعداء، والغرض بيان كيف أخذ الله ﷾ المجرمين حين أخذهم، وكيف يحشرون ويكون أمرهم يوم القيامة.\nقال سبحانه: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨].\nاحذروا من غضب الله سبحانه، فإن الله يحذركم، وقد أعذر من أنذر، قد أنذر الله ﷿ وخوف من عذابه وعقوبته، فالإنسان الذي يجرم في الدنيا فيوم القيامة لا يلوم إلا نفسه.\nوقال سبحانه عن يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧]، والآيات كثيرة في هذا الوعد.","vol":"25","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>قد يعمل المرء بعمل أهل الجنة ثم يختم له بسوء</span>\nمن الأحاديث التي جاءت في هذا المعنى حديث في الصحيحين عن ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق.\nأي: الصادق الذي لا يكذب، والمصدوق الذي يصدقه ربه ﷾، ويصدقه سبحانه فيما ينزل عليه من آيات ومن وحي لسنته صلوات الله وسلامه عليه، فهو مصدوق من ربه ﷾ لا يكذبه، ولا يخلف وعدًا قاله للنبي ﷺ، وهو صادق فيما يقول صلوات الله وسلامه عليه.\nإذًا هو صادق في نفسه ﷺ لا يكذب، مصدوق من الله ﷾، ومصدق من المؤمنين الذين يصدقون النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nقال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات).\nذكر هنا مراحل تكوين الجنين في بطن الأم حتى تنفخ فيه الروح، قال ﷺ: (يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات)، وهو في بطن أمه يؤمر الملك بكتابة أربعة أشياء، قال: (بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد) يعني: هل هو شقي أو سعيد؟ فيكتب الرزق، ويكتب الأجل، ويكتب العمل، ويكتب هل هو شقي أو سعيد، فقد قضى وعلم الله سبحانه ﵎ بذلك.\nقال ﷺ: (فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها)، المعنى: لا تغتروا.\n(إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة)، فلا يغتر الإنسان بنفسه، ويجد نفسه أفضل من الناس، ويحتقر غيره، وينظر لغيره بعين التعالي، فأنت لا تعرف بم يختم لك؟ فقد يعمل فيما يبدو للناس بعمل أهل الجنة، ولكن الله يعلم أن هذا لا يستحق إلا النار، قال ﷺ: (حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها)، الأمر أمر القضاء والقدر الذي أمرنا الله أن نؤمن به ولا نتفكر في أمره، ولا نسأل لماذا هذا في الجنة وهذا في النار؟ الله ﷿ له الحكمة وله الحجة البالغة، ولم يطلعنا على ذلك، إلا أنه أخبر أن منهم شقيًا ومنهم سعيدًا، لحكمة يعلمها الله ﷾، فخلق الله العبد من ساعة ما خلقه وهو مكتوب عند الله ومعلوم عنده أنه من أهل الجنة، والآخر مكتوب ومعلوم عند الله أنه من أهل النار.\nإذًا الإنسان يمشي في الدنيا، ولا يضيع الوقت في التفكير هل أنا من أهل الجنة أو من أهل النار؟ ليس مطلوبًا منك التفكر في هذا الشيء، المطلوب منك العمل.\nولذلك الصحابة لما سألوا النبي ﷺ عن ذلك قال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) يعني: لا تضيعوا الوقت في الكلام، والتفكير في ذلك، فليس مطلوبًا منك أن تعرف الغيب أو تطلع على أنك في الجنة أو في النار، ولكن مطلوب منك العمل، اعمل فهل هناك أحد منعك من العمل؟! عندما تحب أن تقوم بعمل فيه خير لا أحد يمنعك منه، فاعمل الخير، وعندما تعمل الشر لا أحد يمنعك منه، وكسبك أنت مسئول عنه يوم القيامة، فأنت تكسب باختيارك وبإرادتك، وإن كنت لن تخرج عن قضاء الله سبحانه، ويوم القيامة سيقول الله ﷾: ادخلوا النار جزاء بما كنتم تعملون، ولا يقول: ادخلوا النار بقضائي وقدري، فلابد من الحساب، أنت عملت كذا يوم كذا، وتحاسب عليه بكذا، وعملت كذا يوم كذا وتحاسب عليه بكذا.\nإذًا: الإنسان سيحاسب على عمله يوم القيامة، والمطلوب من العبد أن يؤمن بالقدر، وألا يدخل بعقله في أمور الغيب، ففي الحديث: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له).\nقال ﷺ: (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها): يعلمنا ذلك النبي ﷺ حتى لا نحتقر أحدًا من خلق الله ﷿، فادع صاحب المعصية فلعله يكون من أهل السعادة، فيكون لك الفضل أن دعوته، فيكون ذلك يوم القيامة خيرًا لك من حمر النعم، وخيرًا لك مما طلعت عليه الشمس؛ أن هداه على يديك وليس على يد غيرك.\nفالمؤمن إذا نظر بهذه النظرة الواسعة إلى هذا الإنسان المؤمن أحبه؛ لأنه صالح، وهذا الإنسان العاصي دعاه لعله يكون من السعداء، ولعله ينجو يوم القيامة ويكون هو السبب في ذلك، ولأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك مما طلعت عليه الشمس.\nوالمؤمن إذا هدى الله ﷿ على يده إنسانًا يكون له أجر عمل هذا الإنسان من غير أن ينقص من عمله شيء، فعلى المؤمن أن يكون ذكيًا كيسًا فطنًا، فعندما يجد إنسانًا عاصيًا يدعوه إلى الله بالحكمة، ولا ينفره فيجعله يزداد عتوًا وعنادًا، فندعوه لعل الله يتوب عليه.\nوكم من إنسان هداه الله ﷿ على يد إنسان بكلمة طيبة، فإذا بهذا الذي هداه الله على يديه عمله قليل، وهذا الذي هدي عمله كثير، يحفظ القرآن ويتعلم السنة ويصير عالمًا من العلماء، ويكون الفضل للإنسان الذي دعاه إلى ربه سبحانه بكلمة أو بموعظة حسنة، ففي الحديث: (من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء).","vol":"25","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>التخويف بنار جهنم وعذابها</span>\nعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: (يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها): فالملائكة كثيرون جدًا، سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك، وملائكة رب العالمين قوتهم عظيمة، قال الله ﷾: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم:٥٣].\nوقد علمنا أن ملكًا من ملائكة الله ﷿ أخذ قرى قوم لوط ورفعها إلى السماء وقلبها وأتبعهم بحجارة من نار جهنم، فهذا ملك واحد يفعل ذلك، فهؤلاء سبعون ألف ملك على كل زمام، وفيها سبعون ألف زمام، فيكون عدد الملائكة الذين يجرون جهنم أربعة مليون وتسعمائة ألف، فهم ملايين من ملائكة الله ﷿ يجرون نار جهنم فقط، وداخلها ملائكة وكلوا بأهل النار، فكم عدد أهل النار ولا حول ولا قوة إلا بالله؟! فالله ربنا يخوفنا بذلك، وهذا الخوف يدفع الإنسان لطلب رحمة رب العالمين، ويطلب من الله ألا يجعله مع أهل النار.\nفي الصحيحين من حديث النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة لرجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا).\nهذا عذاب أهون أهل النار، فيا ترى هل في الدنيا أحد يقدر أن يأتي بجمرة يضعها تحت رجله ويدوس عليها بأخمص القدم؟ والأخمص هو وسط القدم، فالعقب آخر القدم، وأطراف الأصابع في البداية، وبين الاثنين البقعة المجوفة المقعرة تسمى أخمص القدم.","vol":"25","page":8},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-249> الخوف والرجاء</span>\nالخوف من الله ﷿ من صفات المؤمنين الصادقين، وهو يدفع المؤمن إلى عمل الطاعات والابتعاد عن المعاصي والسيئات، وقد دلت الآيات الكثيرة والأحاديث النبوية على أهمية الخوف من الله وفضلة.\nأما الرجاء فهو مقابل الخوف، والمؤمن لا ييئس من رحمة الله تعالى، ومهما ارتكب المعاصي والسيئات ثم تاب إلى الله تعالى فإن الله يغفر له ما تقدم من ذنبه، وقد دلت الآيات والأحاديث على ذلك.","vol":"26","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>أدلة الخوف من الكتاب والسنة</span>","vol":"26","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>معنى قوله الله: (إن زلزلة الساعة شيء عظيم)</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب الخوف.\nقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢]، وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] الآيات.\nوقال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٥ - ٢٨].\nوعن أبي برزة نضلة بن عبيد الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تزول قدما عبد حتى يسأل: عن عمره فيم أفناه، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه)، رواه الترمذي وقال حسن صحيح.\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، واستمع الإذن متى يؤمر بالنفخ فينفخ، فكأن ذلك ثقل على أصحاب رسول الله ﷺ، فقال لهم: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل)، رواه الترمذي وقال: حديث حسن.\nفهذا آيات في كتاب الله ﷿، وأحاديث من سنة المصطفى ﷺ تبين الخوف من الله ﷾، والخوف من عمل السوء، ومن عذاب الله ﷿، ومن القبر وما فيه، ومن الموقف ومن الحساب يوم القيامة يوم الحشر إلى الله ﷾.\nإن المؤمن كلما تفكر في هذه الأشياء خاف من الله ﷾ أن يكون غير راض عنه؛ لأن الله ﷿ إذا رضي عن العبد أمنه يوم القيامة، وإذا سخط عليه خوفه، يقول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١].\nوالنفخ في الصور وموت جميع الخلق فيها هول عظيم جدًا.\nقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ [الحج:٢]، والأصل: كل مرضع، وهو وصف تختص به المرأة التي ترضع، ولا يوجد في الرجال من يرضع حتى يقال: مرضع ومرضعة، ولكن العلماء قالوا هنا: إنه وإن كان يقال بأن المرأة مرضع، ولكن قد يؤتى بتاء التأنيث لبيان أنها في الوقت الذي تلقم الصبي ثديها، ففي هذه تسمى: مرضعة، والمرأة وقت الإرضاع تكون أشد حنانًا على الصبي، فتضمه إلى حضنها، وتقبله وتلقمه ثدييها، فمن هول الموقف يوم القيامة لو أن هذه المرضع معها طفلها فإنها تذهل عنه وتلقيه، وتقول: نفسي نفسي، فكيف يكون الأمر عند غيرها؟ قال الله سبحانه: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ [الحج:٢].\nوالمرأة الحامل إذا فزعت أسقطت حملها، ومن الشدة والفزع في يوم القيامة تلقى الحامل حملها وتسقطه.\nقال الله تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ [الحج:٢] أي: يخرجون من القبور كهيئة السكارى، وهولاء هم الفجار، وأما المؤمنون فهم خائفون وجلون في هذا اليوم العظيم، نسأل الله ﷿ العفو والعافية، وأن يثبتنا فيه، وألا يجعلنا كهؤلاء السكارى قال الله سبحانه: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢].","vol":"26","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>شرح حديث: (أطت السماء وحق لها أن تئط)</span>\nوذكر الإمام النووي ﵀ أحاديث في الخوف من الله، منها قول النبي ﷺ: (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله تعالى، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى).\nلو أن الناس يعلمون ما يعلم النبي ﷺ لفعلوا ذلك، ولكن الله سبحانه لم يجعلهم كالنبي ﷺ، فهو يسمع ما لا نسمع، ويرى ما لا نرى، ويعلم بالوحي ما هو غائب عنا.\nفلو أن الإنسان انكشف عنه الغطاء ورأى ما غاب عنه من صور الملائكة، وخشوعهم بين يدي الله ﷾، وما ينتظر في الجحيم من عذاب، كان الإنسان لا يستقر في مكانه.\nوالإنسان الخائف لا يستقر به المكان، ولا يقدر على النوم والقعود فهو يدخل ويخرج من شدة الخوف والفزع، فكذلك لو أن الإنسان انكشف عنه الغطاء ورأى ذلك.\nولو رأى ما في النار من عذاب وما في الجنة من نعيم، لخاف أن يحرم الجنة وأن يدخل النار، قال ﷺ: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون).\nوالصعدات بمعنى الطرقات فهذا الإنسان الذي يخاف من الله ﷿ لا يستقر في مكان لو أنه حقق الخوف.","vol":"26","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>شرح حديث: (لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع)</span>\nوهذا الحديث رواه الترمذي من حديث أبي ذر.\nوحديث أبي برزة قد رواه الترمذي أيضًا، وفيه قال رسول الله ﷺ: (لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيم أفناه)، ففي يوم القيامة تزول الأقدام من الموقف وبعد ذلك إما الجنة وإما النار.\nويسأل العبد يوم القيامة عن عمره ماذا عمل فيه؟ والسؤال ليس عن سنة واحدة، أو شهر واحد أو أسبوع أو ساعة أو دقيقة، إنما هو عن العمر بكامله، فالعمر الذي يعيشه الإنسان يعيشه كأنه نوم أحلام، ولا ينتبه إلا عندما تأتيه الوفاة، وهو ولم يعبد الله ﵎، فيقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩] فلا رجوع مرة أخرى إلى الدنيا.\nفهنا يسأل عن هذا العمر بكامله: كم عبدت الله سبحانه؟ وكم عصيت الله سبحانه؟ وهذا العمر أفنيته في ماذا؟ (وعن علمه ماذا عمل به)، أي: ما هو الذي تعلمته من العلوم النافعة أو العلوم الضارة؟ هل شغلت نفسك بسفاهات وتفاهات الأمور، شغلت نفسك بما ينفعك في الدنيا وفي الآخرة؟ وهل عملت بما علمت؟ أم تركت هذا العلم وراءك؟ وهل تعلمت الكتاب والسنة وأحكام الفقه وعرفت أوامر الله سبحانه؟ وكيف صنعت في هذا الذي تعلمته؟ وتعلمت العلوم الدنيوية النافعة فهل انتفعت بها، ونفعت بها غيرك؟ أم أنك حجرتها على نفسك ولم تنفع بها أحدًا من الخلق؟ فكل علم تعلمه الإنسان مسئول عنه يوم القيامة.\nوالإنسان الذي يتعلم شيئًا تافهًا ليضيع الوقت فيه ويسد به فراغه، حتى يضيع فيه الصلاة، فإنه سيسأل عن هذا الوقت بكماله يوم القيامة؟ وقوله ﷺ: (وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه)، والمال فيه آلام، فيسأل العبد عن ماله، هل هو من حلال أو من حرام؟ هل أنفقه هل في حل أم في حرمة؟ وقوله ﷺ: (وعن جسمه فيم أبلاه)، أي: يسأل عن قوته وشبابه وقدرته فيم أبلاهن؟ هل في طاعة الله ﷿ وعبادته في الصلاة والصوم؟ هل أخرج عرقه في طاعة الله سبحانه؟ أم أنه ضيع ذلك في المعاصي، وأتلف بدنه فيما يسمه ويفسده ويتلفه ويهلكه؟","vol":"26","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>تفسير النبي ﷺ لقوله تعالى: (يومئذ تحدث أخبارها)</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في تفسير الآية: (﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة:٤]، قال: أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول: عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا فهذه أخبارها).\nوهذا الحديث رواه الترمذي وفي إسناده ضعف.\nولا شك أن الأرض ستشهد للإنسان أو تشهد عليه يوم القيامة، وقال قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾ [الدخان:٢٩]، فالسماء موضع صعود العمل وموضع هذا العمل فوق الأرض، فالموضع الذي تصلي عليه يعرفك ويشهد لك عند الله ﷾.\nقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة:٤]، أي: تخبر هذه الأرض بما جرى فوقها.\nو﴿أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة:٤]، مفعول به، فتحدث الأرض عما عمل فوقها من فساد وغيره.","vol":"26","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>شرح حديث: (كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن)</span>\nوعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: (كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، واستمع الإذن متى يؤمر بالنفخ فينفخ).\nهذا الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه يقول: (كيف أنعم)، أي: كيف يتنعم بهذه الدنيا ويفرح ويسر فيها؟ وكيف يطيب العيش فوقها وقد اقتربت الساعة؟ قال الله ﷿: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، وقال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١]، وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١].\nفالنبي ﷺ حينما قرأ سورة هود وأمثالها مما فيه ذكر الآخرة، وذكر سؤال الله له سبحانه، وذكر الأشقياء والسعداء، قال: (شيبتني هود وأخواتها)، أي: يقرأ هذه السور فيشيب من ذكر ما فيها من الوعيد ومن التهديد ومن عذاب يوم القيامة.\nيقول هنا: (كيف أنعم وصاحب القرن)، وهو إسرافيل ﵊.\n(قد أخذ الصور) وهو البوق الذي سينفخ فيه فيموت الخلق، ثم ينفخ فيه مرة أخرى فيحيي الله ﷿ الخلق مرة ثانية.\nوالمعنى: كيف أنعم وهذا الملك قد أخذ البوق ووضعه على فيه ينظر إلى عرش الرحمن متى يأتيه الأمر فينفخ في الصور؟ فخشي النبي ﷺ أن يكون ذلك في حياته ﵊.\nوقوله ﷺ: (واستمع الإذن)، يعني: استمع وأصغى سمعه لإذن الله متى يؤذن له أن ينفخ فينفخ.\nفكأن ذلك ثقل على أصحاب رسول الله ﷺ، فقال لهم: (قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل)، فهذا هو الأمر الذي أمرنا الله ﷿ به، وأمر نبيه ﷺ به، قال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة:١٢٩].\nفهذه كلمة عظيمة فيها التوكل على الله، وفيها الاكتفاء بالله ﷾، والركون إليه وحده لا شريك له، فهو حسبنا ونعم الوكيل، أي: كافينا الله، من هموم الدنيا والآخرة.","vol":"26","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>شرح حديث: (من خاف أدلج)</span>\nومن الأحاديث التي جاءت عنه ﷺ حديث آخر رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وهو حديث صحيح.\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من خاف أدلج، من أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة).\nوالإنسان المسافر الذي يريد أن يصل إلى محل إقامته في أسرع وقت، فإنه يحتاط لنفسه في السفر فيأخذ حذره، ويجهز المال ساعة السفر، ويسافر في الليل والأرض تطوى للركاب بالليل، فقال لنا هنا: (من خاف أدلج).\nوالذي يخاف من الأعداء أن يأتوا إليه، فإنه يهرب من المكان الذي هو فيه، والذي يخاف على أمر من الأمور أن يفوته، يسافر إليه بالليل ولا ينتظر طلوع الصباح.\nوقوله ﷺ: (ومن أدلج بلغ المنزل)، والإنسان الذي يخاف من الأعداء فعليه أن يهرب بالليل، أو إنسان وراءه عمل بالنهار في البلد الفلاني فلا ينتظر ثم يروح إليهم، لكن من الليل يجري ويسرع ليكون عند أول النهار في هذا المكان، فهذا يبلغ المنزل إذا خرج ليلًا.\nقال: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله غالية)، والمعنى: احذر أن تفوتك سلعة الله ﷾.\nوالسلع التي في السوق بكمية قليلة ونافذة، فإن المشتري بمجرد ما يفتح صاحب السوق يشتريها حتى لا تضيع عليه، فكيف بسلعة الله سبحانه ﵎؟! والجنة السلعة العظيمة التي ليست هي قليلة، ولكن الذي ينالها هم القليلون، فمن كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون يدخلون في النار، وواحد هو الذي ينال هذه السلعة فيدخل الجنة.\nفكأن المعنى هنا: من خاف أسرع في طاعة الله ﷿ ولم يسوف في طاعة الله وعبادته، فلا يقول: بكرة سأصلي، وسألتزم بصلاة الجماعة، وسنعمل بسنة النبي ﷺ.\nولكن فليعجل وليسرع إلى ذلك فلا يدري هل الغد سيأتي عليه أم لا؟ فلعله يموت قبله، أو تأتي عليه مشاغل الدنيا.\nوالإنسان قد يكون فارغًا ويقول: أريد أن أتعلم وأن أطيع ربنا ويريد، ويريد، وبعد ذلك يسوف ليومه الثاني، وبعد ذلك ينشغل بأمر الدنيا من الزوجة والعيال فيعمل بالصبح وبالليل ولا يفعل شيئًا من ذلك.\nلكن الإنسان الذي يخاف أن تضيع منه الجنة، يخاف أن تضيع منه فرصته في العمر، والفرصة الوحيدة هو العمر، فهو مرة واحدة يعيشه الإنسان وبعد ذلك إما جنة وإما نار.\nفلذلك هذا العمر سلعة غالية غير قابل للتسويف وللتحويل وللانتظار للغد، فانتهز اليوم قبل الغد فلعل الغد لا يأتيك.","vol":"26","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>شرح حديث: (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا)</span>\nوعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا، قلت: يا رسول الله! الرجال والنساء جميعًا ينظر بعضهم إلى بعض).\nيحشر الناس يوم القيامة على هيئتهم وخلقتهم أي: على نفس الخلقة كما ولدتهم أماتهم، عراة ليس على أجسامهم شيء، غرلًا غير مختونين.\nوالرجال والنساء يختلط بعضهم ببعض، فلا يشتهي الرجال والنساء، ولا النساء الرجال، فالكل في فزع وفي خوف، وكل واحد يقول: نفسي نفسي، قال ﷺ: (يا عائشة! الأمر أهم من أن ينظر بعضهم إلى بعض).\nوالخوف الذي يدفع الإنسان للعمل ويمنعه من المعاصي، هذا خوف نافع للإنسان.\nأما خوف الرعب كمن يخاف من الموت ولم يستعد له، فهذا ليس خوفًا من الله، فالخوف المطلوب منه شرعًا: هو الخوف الذي يدفع الخائف لأن يعمل لما بعد الموت، فيلقى الله ﷾ وقد عمل عملًا صالحًا.\nفالخائف من المعاصي يبتعد عن المعاصي والخائف من أن يُحرم من دخول الجنة، يعمل لهذه الجنة فيصلي ويصوم ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويأتي بما أمر الله ﷿ أن يأتي به.\nوالخوف إذا زاد عن حده ففيه خطر على الإنسان، والكثير من الناس المغلفين والحمقى يائسون من رحمة الله تعالى ومن دخول الجنة، ولا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون الخاسرون.","vol":"26","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>أدلة الرجاء من الكتاب والسنة</span>","vol":"26","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>شرح قوله تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم إنه هو الغفور الرحيم)</span>\nفإذا يئس العبد من رحمة رب العالمين سبحانه، قد يقع في الكفر، فرحمة رب العالمين واسعة، والله يخوفنا من أجل أن نعمل صالحًا، لا من أجل أن نترك العمل.\nولذلك فالمؤمن عندما يذكر الناس الخوف يذكرهم بالرجاء، من أجل أن يجمع الإنسان بين الخوف والرجاء، فيغلب الخوف على الرجاء في الدنيا، فإذا كان عند الموت يغلب جانب الرجاء وينتظر رحمة رب العالمين ﷾.\nوالرجاء جاء في القرآن في آيات كثيرة، ففي قول الله سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].\nالمؤمن لا يخاف من الذنوب فإن باب التوبة مفتوح ولا أحد يمنعه من التوبة، والخائف من العذاب يتوب إلى الله، وربنا عظيم كريم رحيم سبحانه، فمن تاب إلى الله تاب الله ﷿ عليه، بشرط أن تكون التوبة توبة صادقة.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣] فالله يغفر الذنوب لمن تاب حتى الشرك يغفره الله ﷿ إذا تاب العبد منه، أما الذي لا يتوب من الشرك فهذا لا يغفر، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨].\nفالله لا يغفر أن يشرك به ما لم يتب العبد من هذا الشيء، فإذا تاب من الكفر أو الشرك أو الردة، ورجع إلى الإسلام فالله كريم وعفو غفور وحليم سبحانه.\nوقال ﷾: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ:١٧].\nفلا يجزى يوم القيامة إلا من كفر بالله سبحانه، وجحد نعم الله سبحانه، ولم يشكر ربه الذي أنعم عليه، وقال تعالى: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه:٤٨].\nفالذي يستحق العذاب، من كذب وتولى عن ربه ﷾.\nفالمؤمن عندما تثقل عليه الذنوب يتذكر العذاب، ويصبر على طاعة الله سبحانه ويرجو رحمة الله، فالله يقبل توبة العبد إذا تاب إليه.","vol":"26","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>شرح قوله تعالى: (ورحمتي وسعت كل شيء)</span>\nوقال سبحانه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧].\nالرسول ﷺ أمرنا بالمعروف فنأمر كما أمر، ونأتمر بهذا المعروف الذي أمرنا به، ونهانا عن المنكر فننتهي عنه كما نهى.\nأحل لنا الطيبات فلا نذهب إلى الخبائث، فإنها محرمة علينا، ولا يحل لمسلم أن يأتي خبيثة من الخبائث لا في طعام ولا في شراب ولا في أفعال.\nفباب التوبة مفتوح للمؤمن بقيد وشرط وهو العمل، وربنا أمر بالعمل ونهى عن القنوط من رحمة الله.","vol":"26","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>شرح حديث (من شهد أن لا إله إلا الله أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)</span>\nومن الأحاديث التي في هذا الباب، حديث متفق عليه من حديث عبادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله ﷺ، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل).\nوفي هذا الحديث فضل الله ﷿ وسعة رحمته.\nوقوله: أشهد أن لا إله إلا الله، أي: أشهد من المشاهدة، كأني أرى ذلك، وأستيقن بقلبي أنه إله واحد لا شريك له، وأعبد هذا الإله الواحد سبحانه.\nوهنا فرق بين من يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، ولا يعلم معناها، وبين من يقولها ويعلم معناها.\nوهذه الكلمة لها مقتضيات، وهي مفتاح الجنة، فمن قال لا إله إلا الله دخل الجنة، إذا أتى بحقها، وعلم أنه لا إله إلا الله.\nقال ﷾: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد:١٩].\nفقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ﴾ [محمد:١٩]، يعني: استقين بذلك في قلبك، واليقين يتبعه العمل، وليس ممكنًا أن الإنسان مستيقن أن الله هو المعبود وبعد ذلك يعبد غير الله، فاليقين يدفع العبد بأن يعبد الله كل العبادات التي شرعها ﷾.\nومن شروط لا إله إلا اله: العلم واليقين، والقبول للشرع، فالله رضي لك الإسلام دينًا فترضى بهذا الدين الذي أمرك بأن تقول هذه الكلمة.\nوالانقياد لله ﷿ ولرسوله ﷺ فيما أمر الله ﷿ به، وفيما أمر به الرسول ﷺ.\nوالصدق، والإخلاص، والمحبة، والولاء والبراء، فيتولى أهلها ويبرأ ممن خالفها.","vol":"26","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>معنى شهادة أن محمدًا رسول الله</span>\nوشهادة المؤمن أن محمدًا رسول الله معناها: أنه هو الذي اختصه الله ﷿ بالوحي دون غيره من هذه الأمة، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه، ولا يتلقى شرعًا إلا منه وحده ﵊.\nوإذا جاء غيره بشرع كأن يزعم أنه رسول مع رسول الله ﷺ، أو أن من حقه أن يشرع فيدعي أنه إله مع الله ﷾ أو رب معه سبحانه، فالمؤمن لا يقبل إلا الشريعة من رب العالمين عن طريق الرسول صلوات الله وسلامه عليه.\nفمعنى أشهد أن محمدًا رسول الله: أنه وحده الذي جاء بالرسالة من عند رب العالمين سبحانه.\nوقوله ﷺ: (وأن عيسى عبد الله ورسوله) أي: عيسى بشر من البشر ﷺ، وأنه عبد خلق من تراب كما خلق آدم من تراب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فهو عبد ورسول، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف:١١٠].\nفالمؤمن وكذلك من يدخل في هذا الدين من أهل الكتاب لا بد أن يقول: عيسى عبد الله ورسوله ولا يكتفي بأن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فلا بد وأن يعترف ويقر بأن المسيح عبد الله ورسوله؛ لأنه كان قبل ذلك على عقيدة أن الله هو المسيح، أو أن المسيح ابن الله، أو المسيح ثالث ثلاثة، فالمسيح عبد لله وليس ثالث ثلاثة وليس ابنًا لله سبحانه ﵎، وليس هو الله.\nوقوله ﷺ: (وكلمته ألقاها إلى مريم)، والكلمة من عند الله أمر من الله ﷿، وهي كن فكان، وهنا تشريف له ﵊، وكل مخلوقٍ مخلوق بهذه الكلمة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].\nفأمر الله ﷿ للشيء على النحو الذي يريده، وعيسى اختصه الله بأنه كلمته وروح منه، وجبريل روح القدس، فجبريل روح من عند الله سبحانه ﵎، كما أن المسيح روح من عند الله، وكما أن الله نفخ في آدم قال تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر:٢٩] يعني: من روح خلقها الله سبحانه، فأضافها إليه إضافة تشريف وتكريم كما تقول: بيت الله، أرض الله، سماء الله، فهذه مخلوقات خلقها الله فأضافها إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم، فكذلك أضاف عيسى إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم فهو روح الله عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.\nوقوله ﷺ: (والجنة حق والنار حق) يعني: الذي يؤمن بأن الجنة حق فيعمل لها، وأن النار حق فيهرب منها، (أدخله الجنة على ما كان من العمل)، وجاء في حديث آخر: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة أصابه قبل ذلك ما أصابه).\nوالمعنى: أنه إذا عمل الموبقات ووقع في الفواحش والذنوب إلا الشرك بالله ﷾، يرجى أن تشمله رحمة رب العالمين، ولم يصبه إلا ما يصيب عصاة الموحدين من نار جهنم، كقاتل النفس المؤمنة بغير حق فهو في نار جهنم خالدًا فيها، وغضب الله عليه ولعنه، وأعد له عذابًا عظيمًا، فيعذب إلى ما يشاء الله سبحانه ﵎.\nفخلود في جهنم دون خلود الكفار، فالكفار لا يخرجون من النار أبدًا، لكن هذا العاصي من الموحدين وإن مكث فيها آلاف بل ملايين السنين فيرجى له يومًا من الدهر أن يخرجه الله ﷿ من النار.\nوالمؤمن وإن قال: لا إله إلا الله، فليس معنى ذلك أنه لن يدخل النار، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١].\nوالمؤمن يرجو ولا ييأس من رحمة الله، فإذا وقع في المعاصي فعليه أن يتوب إلى الله والله كريم يغفر ويرحم سبحانه ﵎.\nومن رجحت سيئاته على حسناته دخل النار فعذب فيها، ثم بعد ذلك يدخله الله ﷿ الجنة.\nوفي رواية: (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ حرم الله عليه النار) أي: إذا أتى بهذه الكلمة بشروطها وهي: العلم، اليقين، القبول، الانقياد، الصدق، الإخلاص، المحبة، الولاء والبراء، فالله ﷿ يحرم عليه النار؛ لأنه أتى بحقها، ولكن إذا قصر في الحقوق فقد استوجب العذاب إلى ما يشاء الله ﷿ له، ثم يدخله الجنة.","vol":"26","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها</span>\nوروى مسلم من حديث أبي ذر ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (يقول الله ﷿: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها أو أزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة سيئة مثلها أو أغفر).\nفالحسنة تتضاعف إلى سبعمائة ضعف، وإلى أضعاف كثيرة، أما السيئة فلا تضاعف وإنما هي سيئة واحدة.\nوالإنسان الذي يعمل الحسنات فإنها مضاعفة، والذي يعمل السيئات فلا تضاعف، فإذا جاء يوم القيامة ووزنت الحسنات والسيئات فغلبت سيئاته حسناته فمثل هذا لا يستحق رحمة رب العالمين إنما يستحق النار جزاءً بما صنع.\nفالإنسان إذا عرف أن الحسنة بعشر أمثالها أسرع إلى أن يعمل حسنات كثيرة في اليوم، ويدفع السيئة بالحسنة، قال ﷺ: (إذا عملت سيئة فاعمل بجانبها الحسنة تمحها)، فالذي يتناسى ويتغافل عن الحسنات ولا يعمل إلا السيئات فإنه يستحق ما يصير إليه.\nيقول الله ﷿ بكرمه ورحمته سبحانه: (ومن تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئًا لقيته بمثلها مغفرة)، فرحمة الله عظيمة واسعة ﷾، فمن تقرب إلى الله بعمل قليل، فالله ﷿ يعطيه ثوابًا كثيرًا، فإن هذا قرب من الله فقرب الله ﷿ منه.\nوكلما تقرب المؤمن إلى الله تعالى بالعمل الصالح، فالله ﷿ يتقرب منه أكثر من ذلك.\nومن أتى إلى الله تعالى طائعًا وهو بطيء في الطاعة أتاه ثواب الله سريعًا، فكيف يأتي سريعًا لطاعة رب العالمين سبحانه، وكيف يأتيه الثواب من ربنا سبحانه؟ قال: (ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئًا لقيته بمثلها مغفرة)، فالإنسان الذي يأتي بقراب الأرض معاصي ثم أدركته رحمة رب العالمين فتاب إلى الله ﷿، وعلم أنه وحده الذي يغفر الذنوب فقال: لا إله إلا الله مخلصًا لرب العالمين سبحانه تائبًا من هذه الذنوب، فالله يغفر له ويتكرم ويبدل له هذه السيئات بحسنات من فضله ومن كرمه.\nفغفران الله ﷿ لعبيده عظيم كثير ولكن العبد يبدأ فيتوب إلى الله رب العالمين، ويخاف من بطش رب العالمين، ولا يغتر بعمله ولا يدفعه الرجاء والأمل لترك العمل وإلا فيستحق العقوبة، نسأل الله ﷿ أن يعيننا على شكره وذكره وحسن عبادته.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"26","page":15},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-264> الرجاء في رحمة الله [١]</span>\nخلق الله ﷿ الخلق وجعل فيهم الخير والشر، ثم خلق الجنة لمن أطاعه، وخلق النار لمن عصاه، والعبد المؤمن دائمًا يعود ويتوب إلى الله، ويغلب جانب الرجاء على جانب الخوف حتى لا يصيبه اليأس فيهلك، فكما أن الله غفور رحيم فهو شديد العقاب، ولكن رحمته تسبق غضبه.","vol":"27","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>ما جاء في فضل الرجاء</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب الرجاء.\nوعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ ومعاذ رديفه على الرحل، قال: (يا معاذ! قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ! قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ! قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثًا، قال: ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار، قال: يا رسول الله! أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟! قال: إذًا يتكلوا، فأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا) متفق عليه.\nوعن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄، قالا: (لما كان غزوة تبوك، أصاب الناس مجاعة فقالوا: يا رسول الله! لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا، فقال رسول الله ﷺ: افعلوا، فجاء عمر ﵁ فقال: يا رسول الله! إن فعلت قل الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع الله لهم عليها بالبركة، لعل الله أن يجعل في ذلك البركة، فقال رسول الله ﷺ: نعم، فدعا بنطع فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، ويجيء الآخر بكف تمر، ويجيء الآخر بكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير، فدعا رسول الله ﷺ بالبركة، ثم قال: خذوا في أوعيتكم، فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في عسكر وعاءً إلا ملئوه، وأكلوا حتى شبعوا وفضل فضلة، فقال رسول الله ﷺ: أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة) رواه مسلم].\nوهناك أحاديث أخرى يذكرها الإمام النووي ﵀ في كتابه القيم رياض الصالحين في باب الرجاء، وهذا الباب معقود في الإنسان المؤمن الذي يرجو رحمة الله سبحانه، ويتعلم منه أنه لا ييئس من رحمة الله ولا من فضله سبحانه، وأنه إذا وقع في الذنوب فليسرع بالمبادرة إلى التوبة إلى الله ﷿، فإنه يتوب على من تاب سبحانه.\nوإن الإنسان لا يستكثر ذنوبه، فرحمة الله أكثر وأعظم قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦].\nفالعبد يرجو رحمة الله ولا يخاف من عقوبته، ومن أخذه فإنه عزيز ذو انتقام سبحانه ﵎، فالخوف من الله لا يدفعه إلى اليأس، والرجاء في رحمة الله لا يمنعه من العمل، ولكن يعمل بالاثنين، ففي الخوف يخاف من الله ويرجو رحمته، فإذا أذنب بادر إلى التوبة إلى الله سبحانه، فالخوف من الله لا يدفعه إلى اليأس، والرجاء في رحمة الله لا يمنعه من العمل، فإن الله شديد العقاب، وإن الله غفور رحيم قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩ - ٥٠].\nفالإنسان يطمع في رحمة الله، ولا يؤدي به هذا الطمع إلى أن يفرق في طاعة رب العالمين سبحانه، راجيًا الرحمة، وناسيًا العقوبة.","vol":"27","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>شرح حديث: (ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله صدقًا من قلبه)</span>\nمن الأحاديث التي تجعل الإنسان يرجو فضل الله ورحمته ﷾ حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ ومعاذ رديفه على الرحل، يعني: راكب على الجمل ومعاذ خلف النبي ﷺ، فنادى معاذًا قال: يا معاذ! ثلاث مرات، وكل مرة يقول: لبيك يا رسول الله وسعديك، أي: أنا مقيم على طاعتك، أو أنا أرد عليك ماذا تريد مني، فيبادر ويسارع بالتلبية، أنا مطيع لك ماذا تريد؟ وسعديك: من المساعدة والخدمة في الطاعة أي: أنا خادم لك، أنا مطيع لك، أنا باق على خدمتك وطاعتك، ومسارع إلى ذلك.\nبعدما كرر ذلك ثلاث مرات كلها ليشد انتباه معاذ حتى ينتبه ما الذي يريده النبي ﷺ.\nقال: (ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله صدقًا من قلبه) وهنا القلب مستيقن، القلب مصدق بأن الله هو وحده الذي يعبد لا إله إلا هو، وهذا الصدق في القلب يدفعه إلى العلم، وأن يوجه عبادته إلى الله فلا يشرك به أحدًا ﷾، وأن محمدًا عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه، عبد قد أوحى الله ﷿ إليه بهذه الرسالة العظيمة وبدين الإسلام، فيصدق العبد أن هذا الذي جاء به النبي ﷺ هو من عند رب العالمين، وأنه واجب عليه أن ينفذ ذلك فيطيعه في أمر الله وأمر رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.\nفإذا كان على ذلك فيحرمه الله على النار، قال: (إلا حرمه الله على النار، فقال معاذ فرحًا بذلك: يا رسول الله! ألا أخبر بها الناس فيستبشروا؟)، أذهب لأخبر الناس أن الذي يقول لا إله إلا الله يدخل الجنة، قال ﷺ: (إذًا يتكلوا)، لعله يسمع ذلك من يفهم ويعقل معناها، ومن لا يفهم ذلك ولا يعقل معناها، فيظن أنه بمجرد ما يقول بلسانه لا إله إلا الله حتى وإن وقع في الكذب والغيبة والنميمة وشهادة الزور، أو وقع في الكبائر والصغائر والفواحش لا يهمه ذلك شيئًا، ويقول: إنني سأدخل الجنة لأني أقول: لا إله إلا الله، لذلك منع النبي ﷺ معاذًا أن يخبر الناس بذلك.\nلكن لما جاءت وفاة معاذ ﵁ أخبر بها تأثمًا، يعني: خائفًا من الإثم، خاف أنه يموت ولم يبلغ حديثًا عن النبي ﷺ، فأخبر بها، فهو الآن يخبر، والذي يسمع ذلك يفهم المعنى الذي أراده النبي ﷺ منه أنك تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله مستيقنًا بذلك من قلبك، فتأتي بهذه الشهادة بشروطها كما ذكرنا قبل ذلك، وهي: العلم واليقين والقبول والانقياد والصدق والإخلاص والمحبة والولاء والبراء، فتأتي بشروط لا إله إلا الله، فيجعلك الله ﷿ من أهل الإيمان.","vol":"27","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-267>شرح حديث (لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة)</span>\nكذلك من الأحاديث حديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄، فذكرا فيه: لما كانت غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، وذلك سنة تسع من هجرة النبي ﷺ، وتسمى بغزوة العسرة، وخرج الناس مع النبي ﷺ أعدادًا ضخمة وأصابهم مجاعة، فقالوا: (يا رسول الله! لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا) الغزوة كانت في تبوك، وتبوك في أطراف الشام، فإذا نحروا النواضح وأكلوها سيرجعون إلى المدينة على أرجلهم وهي مسافة بعيدة، وقد يهلكون في الطريق.\nفاستأذنوا النبي ﷺ وقالوا: (لو أذنت لنا) وهذا من أدب الصحابة كل واحد منهم يملك ناضحًا له، ولكن قبل أن يذبح الناضح الذي معه يسأل النبي ﷺ متسأذنًا، فأذن لهم ﷺ.\nقالوا: (لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا)، بمعنى: لو أذنت لفعلنا، ولو لم تأذن لم نفعل، فقال رسول الله ﷺ: (افعلوا، فجاء عمر ﵁ فقال: يا رسول الله! إن فعلت قل الظهر)، يعني: هؤلاء راكبون عليها، ولعل هناك اثنين أو ثلاثة يركبون على بعير واحد، وكان البعض منهم يمشي في الطريق جزءًا ويركب في جزء آخر من الطريق، وقد يعتقب الخمسة والستة والسبعة على البعير الواحد، فإذا ذبحوا النواضح يصعب عليهم الرجوع.\nفاقترح عمر رضي الله ﵎ عنه هذا الاقتراح العظيم، فقال: (يا رسول الله! ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع لهم بالبركة، لعل الله أن يجعل في ذلك البركة) وهو مستيقن، أنه سيكون في ذلك البركة بدعاء النبي ﷺ، ففعلًا قال رسول الله ﷺ ذلك.\nالنبي ﷺ كان بالمؤمنين رءوفًا رحيمًا ظهرت رأفته ورحمته وحنانه عندما استأذنوه، فلو قال: لا، لرجع كل واحد يفكر: سنجوع ولن نجد الأكل، فهنا من رحمته ﷺ أنه أذن لهم، فجاء عمر واقترح اقتراحًا آخر: أن دعوة النبي ﷺ مباركة، فما هو المانع بأن تدعو بفضل الأزواد، والله ﵎ يبارك في ذلك؟ ثقة من عمر في ربه سبحانه، وفي بركة دعوة النبي ﷺ، فقال: نعم ودعا بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، وهو طعامه الذي بقي معه، وكانوا يأكلون ذلك في الطريق، فكيف سيأكلون كف الذرة وهم في الطريق؟! هل هذا أكل جيش ذاهب ليجاهد في سبيل الله؟! ويجيء الآخر بكف تمر، ويجيء الآخر بكسرة خبز، حتى اجتمع على ذلك النطع من ذلك الأكل شيء يسير، ومن ثم فرش نطع - وهي قطعة جلد - على الأرض من أجل أن يأتوا بما معهم من أزواد، فاجتمع قليل من الطعام فوق ذلك النطع من الجلد، فدعا رسول الله ﷺ أن الله ينزل البركة والنماء والزيادة والفضل على هذا الطعام، فإذا بالطعام يزيد، فقال: خذوا في أوعيتكم، فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في العسكر وعاءً إلا ملئوه، وأكلوا حتى شبعوا وفضل فضلة، وهذه بركة من بركات رب العالمين بدعاء النبي صلوات الله وسلامه عليه! وهذه ليست أول مرة، فقد رأينا قبل هذا في الحديبية كيف دعا النبي ﷺ حتى كثر الماء، وهنا أكل الجيش من هذه الكسر ما ملئوا به بطونهم وملئوا أيضًا أوعيتهم.\nفقال رسول الله ﷺ عند ذلك: (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله) وهو يعرف ذلك ﷺ يقينًا، ولكنه يعلمهم ما الذي ينبغي أن يقال في هذا الوقت، من الشهادة بأنه رسول حق، وهذه معجزة من الله ﷾.\nقال ﷺ: (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة)، أي: لا يشك بأنه رسول الله ﷺ وأن الله واحد لا شريك له، وهذا التصديق يدفع صاحبه إلى العمل، فإذا قال ذلك مصدقًا بقلبه غير شاك في ذلك استحق أن يدخل الجنة.","vol":"27","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>شرح حديث عتبان (ألا تراه قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله)</span>\nكذلك من الأحاديث: حديث عتبان بن مالك، وهو حديث متفق عليه، وعتبان صحابي شهد مع النبي ﷺ بدرًا، قال عتبان: (كنت أصلي لقومي بني سالم، وكان يحول بيني وبينهم واد إذا جاءت الأمطار فيشق علي اجتيازه قبل مسجدهم، فجئت رسول الله ﷺ فقلت له: إني أنكرت بصري، وإن الوادي الذي بيني وبين قومي يسيل إذا جاءت الأمطار؛ فيشق علي اجتيازه).\nمعنى ذلك أنه إمام لقومه رضي الله ﵎ عنهم، وهم بنو سالم.\nومعنى (فأنكرت بصري) أنه بدأ يضعف مع تقدم السن فإذا جاء المطر سال الوادي فأصبح من الصعب أن يصل إلى المسجد ليصلي بالناس، فذهب يستأذن النبي ﷺ بأن يعمل مسجدًا في داره في المكان الذي هو فيه، بحيث يصلي في هذا المكان ويصلي الناس معه فيه.\nوهنا انظروا إلى أدب الصحابي ﵁، يقول النبي ﷺ: (من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة)، فهذا إذن عام، ولكنه ﵁ خاف من تفرقة المسلمين عندما يبني المسجد، فقال: لا بد أن أستأذن النبي ﷺ أولًا.\nقال للنبي ﷺ: (فوددت أنك تأتي تصلي في بيتي مكانًا أتخذه مصلى)، فهو عندما يبني هكذا من نفسه الناس سينكرون عليه، سيقولون له: كيف تعمل هذا لوحدك؟! أنت تريد أن تفرق بين المسلمين فعندما يأتي النبي ﷺ بنفسه ويصلي في هذا المكان فهو دليل على أنه موافق ومقر بذلك.\nفالنبي ﷺ قال: (سأفعل! قال: فغدا علي رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ بعدما اشتد النهار، واستأذن رسول الله ﷺ فأذنت له).\nجاءه النبي ﷺ بنفسه، ومعه أبو بكر رضي الله ﵎ عنه، واستأذنه فأذن له.\nقال: (فلم يجلس حتى قال: أين تحب أن أصلي من بيتك؟)، وانظروا إلى إكرام النبي ﷺ للصحابي الجليل، يكرمه بأنه لم يجلس أول ما دخل، وإنما قال: أين تريد أن أصلي لك؟ فهذا أدب عظيم منه ﷺ، ورحمة عظيمة، وتلطف مع أصحابه.\nولاحظ أنه لم يختر المكان ﷺ؛ لأنه سأل صاحب البيت، قال: (فأشرت إلى المكان الذي أحب أن يصلي فيه، فقام رسول الله ﷺ فكبر وصففنا وراءه، فصلى ركعتين، ثم سلم وسلمنا حين سلم، فحبسته على خزير تصنع له)، صلوات الله وسلامه عليه، والخزير هي دقيق مطبوخ بدهن أو بشحم.\nقال: (فسمع أهل الدار أن رسول الله ﷺ في بيتي)، كانت بيوتهم متجاورة يجمعهم حوش واحد، وهذا الآن نسميه عمارة، فهذا يسمى الدار، فهو مجموعة بيوت في مكان واحد أو سور واحد.\nفسمع أهل الدار -يعني: مجموعة البيوت التي حوله- بأن النبي ﷺ عنده، قال: (فثاب رجال منهم حتى كثر الرجال في البيت)، جاءوا كلهم لينالوا بركة وجود النبي ﷺ في المكان.\n(فقال رجل: ما فعل مالك لا أراه؟)، شخص يسأل: أين مالك لا أراه معنا؟ فرد عليه رجل فقال: (ذلك منافق، لا يحب الله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ: لا تقل ذلك، ألا تراه قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله تعالى، فقال الرجل: الله ورسوله أعلم، أما نحن فوالله ما نرى وده ولا حديثه إلا إلى المنافقين).\nيعني: الله ورسوله أعلم، ولكن الذي نراه أنه دائمًا يجالس المنافقين، فهم أصحابه وأحباؤه يتكلم معهم، فهو مثلهم، وهنا لعل الرجل يجلس معهم ليدعوهم؛ لأن بينه وبينهم نوعًا من المعاملة، وجلوسه معهم ليس فيه دليل على أنه منافق خارج عن هذا الدين.\nفلذلك رد النبي ﷺ عليهم ما قاله، فقال ﷺ: (فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله).\nهذا حديث عظيم جدًا في معرفة حرمة الإنسان المسلم الذي يقول: لا إله إلا الله، فله حرمة لا ينبغي لأحد أنه يغتابه أو يذمه، فينبغي إحسان الظن، وأنه إذا رئي على شيء يتأول له: يمكن قصده كذا يمكن قصده كذا إلا إن ظهر نفاقه واشتهر به، فهذا أمر آخر.\nأما كونه يتعامل مع فلان أو فلان من المنافقين أو الكفار فهذه معاملة في بيع أو شراء، ولكن حبه لله ولرسوله صلوات الله وسلامه عليه.\nإذًا: لا تسيئوا الظن إلا بأمارة ظاهرة، وبدليل قوي بين، وإلا فأحسنوا الظن في المسلم.","vol":"27","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>شرح حديث (لله أرحم بعباده من هذه بولدها)</span>\nوعن عمر ﵁ قال: (قدم رسول الله ﷺ بسبي، فإذا امرأة من السبي تسعى إذ وجدت صبيًا في السبي أخذته، فألزقته ببطنها، فأرضعته).\nوهنا صورة من صور حنان الأم مع ولدها لن تفوت على النبي ﷺ أن يعطي أصحابه العظة فيها، فهذه مجموعة من السبي وفيهم هذه المرأة تبحث عن صغير لها، فوجدت الطفل فأخذته بمنتهى الحنان، وضمته إلى صدرها فأرضعته.\nيا ترى وهي في هذه الحال هل ممكن أن تأخذ الصبي وترميه على الأرض مثلًا؟ هل ممكن أن تأخذ هذا الصبي وتلقيه في النار مثلًا؟ هذا غير ممكن، فيقول النبي ﷺ لأصحابه: (أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ فقلنا: لا والله، فقال ﷺ: لله أرحم بعباده من هذه بولدها).\nورحمة رب العالمين عظيمة، الله أرحم بعباده من هذه بولدها، فإذًا لن يدخل النار إلا من عق والديه أو ترك أوامر الله ﷾ وأشرك بالله سبحانه، وخالف وعاند واستكبر عن طاعة رب العالمين، هذا الذي يستحق عذاب رب العالمين.\nفالإنسان الذي يتوب إلى الله، فالله رحيم ورءوف بعباده سبحانه، فإذا دعا العبد ربه استجاب له، وإذا استغفر ربه غفر له، وإذا طلب من ربه أعطاه ﵎، فربنا رحيم عظيم الرحمة، وانظروا إلى قدر رحمته في حديث أبي هريرة المتفق عليه أن رسول الله ﷺ قال: (لما خلق الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي)، قد يغضب الله ﷿ على عبد من عبيده، وهذا العبد يبادر فيستغفر ربه ﵎، فهنا غضب الله عليه لمعصيته، فإذا به يتوب، فالرحمة تغلب الغضب وتسبقه، وربنا يرحم هذا العبد الذي تاب إليه.","vol":"27","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>شرح حديث (جعل الله الرحمة مائة جزء)</span>\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءًا).\nقسم الله ﷿ الرحمة أجزاءً، فجعلها مائة جزء، أنزل في الأرض جزءًا واحدًا من الرحمة، يا ترى هذه الرحمة التي نزلت في الأرض هل هي كثيرة أم قليلة؟ هذه لا شك أنها رحمة عظيمة جدًا، والجزء من الرحمة الذي نزل إلى الأرض به يتراحم الخلق، يرحم الأب ابنه، وترحم الأم ولدها، وترحم الدابة صغيرها.\nيقول ﷺ: (وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه) من هذا الجزء من الرحمة الذي وزع على كل الخلق من أولهم إلى آخرهم إلى أن تقوم القيامة يتراحم الخلائق.\nوفي رواية: (إن لله تعالى مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون ويتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، قال: وأخر الله تعالى تسعًا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة).\nكم ستكون رحمة رب العالمين يوم القيامة؟! ويرفع هذا الجزء مع التسعة والتسعين فكمل يوم القيامة مائة جزء، فبها جميعها يرحم الله ﷿ عباده يوم القيامة.\nالذي يسمع بذلك يحسن الظن في رب العالمين ﷾، ويرجو رحمة الله مهما وقع فيه من ذنوب ثم تاب إلى ربه سبحانه؛ لأنه يعلم أن الله علي قادر سبحانه ﵎، وأن عذابه شديد لا طاقة للعبد به، فيتوب إليه ويرجو رحمته، فرحمته تغلب غضبه سبحانه ﵎.\nوفي رواية من هذا الحديث قال: (فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة).","vol":"27","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>شرح حديث (غفرت لعبدي فليفعل ما شاء)</span>\nوانظروا إلى رحمة الله في هذا الحديث الآخر الذي يرويه أبو هريرة عن النبي ﷺ، والحديث في الصحيحين أيضًا، يقول ﷺ حاكيًا عن ربه سبحانه: (أذنب عبد ذنبًا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال الله ﵎: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب! اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب).\nفإذًا: غفر الله ﷿ لهذا العبد، لأنه أذنب فتاب وقال: أذنبت، فاعترف وندم على ذنبه وتاب إلى الله، فتاب الله عليه؟ ثم أذنب مرة أخرى، فعلم أنه أذنب وتاب إلى الله.\nفقال الله: (أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب! اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي فليفعل ما شاء).\nرحمة عظيمة من رب العالمين سبحانه، هنا: (فليفعل ما شاء) ليس المعنى أنه يعصي كما يريد، ويذهب يشرك بالله كما يريد، وإنما المعنى: أنك قد تقع مرة ثانية وثالثة طالما أنت على ذلك، وكلما وقعت في ذنب ندمت واستغفرت، فالله يغفر وإن تكرر ذلك مائة مرة، طالما أنك تجرد التوبة، وترجع إلى ربك سبحانه، وكل بني آدم خطاء، وما من مؤمن إلا وله ذنب يعتريه الفينة بعد الفينة، وكل مرة لعله يقع في شيء فيرجع يلوم نفسه ويتوب إلى الله ﷿، ولعله بعد فترة يقع مرة أخرى، فإذا كان العبد يسرع في التوبة إلى الله، ويندم على الذنب، وينوي ألا يفعله، ومن ثم تأتي الأقدار فيقع فيه مرة ثانية مع كراهته للذنب وحبه للرب سبحانه، وتوبته إلى الله، فالله ﷿ يغفر له وإن وقع مرارًا وتكرارًا في هذا الذنب أو في غيره بهذا الشرط، أن يتوب العبد إلى ربه سبحانه، وأن ينوي ألا يعود إلى ذلك.\nأما الذي يقع في الذنب ولا يهمه ذلك، واستغفر الله وهو مقيم على هذا الذنب، ويفعله وينوي أن يفعله مرة ثانية وثالثة ورابعة، فهذه التوبة ليست المذكورة في هذا الحديث، لكن من تاب إلى الله وهو ينوي ألا يعود إلى ذلك فهو المقصود.\nقال الإمام النووي: [قول الله ﵎: (فليفعل ما شاء)، أي: ما دام يذنب ويتوب غفرت له، فإن التوبة تهدم ما قبلها].","vol":"27","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>شرح حديث (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم)</span>\nكذلك جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله تعالى فيغفر لهم)، الله غفور رحيم، واسم من أسمائه الحسنى: غافر الذنب، والغفار اسمه العظيم سبحانه ﵎، ومن صفاته الحسنى أنه يغفر.\nإذا كان كل الخلق لا يذنبون فسيغفر لمن؟ خلق الله ﷾ الإنسان وهو يعلم أنه يعصي، وأنه يرجع إلى ربه، وأنه ينسى، ثم يتذكر ويتوب إلى الله، فالملائكة ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، لكن الإنسان خطاء: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، فخلق الله ﷿ الخلق وعلم أنهم يذنبون، وخلقهم في الأرض فمنهم من يصلح ومنهم من يفسد، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:٢] فيبتلي العباد بعضهم ببعض ﷾، ويذنب العبد ويتوب إلى الله، ويستغفر ربه؛ فيغفر الله ﷿ للعبد.\nوالمعنى أنك لا تيئس أبدًا من رحمة الله ومغفرته، فمهما وقعت في ذنب سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، حتى الشرك بالله، إذا وقع فيه العبد فتاب ووحد ربه ورجع إلى الإيمان والتوحيد فإن الله يغفر الذنوب جميعًا.\nإذًا: متى لا يغفر الشرك؟ إذا مات العبد مشركًا بالله ﵎، إما إذا كان كافرًا وجاء في آخر حياته فتاب وأسلم، فالإسلام يجب ما قبله، فالله سبحانه ﵎ يغفر الذنوب جميعًا.","vol":"27","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>شرح حديث (فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة)</span>\nومن الأحاديث: حديث أبي هريرة ﵁ قال: (كنا قعودًا مع رسول الله ﷺ معنا أبو بكر وعمر ﵄ في نفر، فقام رسول الله ﷺ من بين أظهرنا فأبطأ علينا، فخشينا أن يقتطع دوننا فتبعناه فقمنا، فكنت أول من تبعه، فخرجت أبتغي رسول الله ﷺ حتى أتيت حائطًا للأنصار).\nفجأة قام وتركهم لحاجة من حوائجه ﷺ، فلما تأخر فزعوا وتهامسوا: أين ذهب النبي ﷺ؟! فبحثوا عنه، وكان أول من خرج للبحث عنه أبو هريرة رضي الله ﵎ عنه.\nقال: (حتى أتيت حائطًا للأنصار)، كأنه ظن أن يكون فيه النبي ﷺ، فبحث عن باب لهذا الحائط فلم يجد، ولعله من شدة فزعه واندهاشه من غياب النبي ﷺ لم ير باب الحائط، فوجد جدولًا صغيرًا فدخل منه حتى وجد النبي ﷺ بالداخل.\n(فلما دخل على النبي ﷺ، قال له النبي ﷺ وأعطاه نعليه: اذهب فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة).\nكأنه دخل إلى هذا المكان فنزل عليه الوحي بذلك صلوات الله وسلامه عليه، فكأن النبي ﷺ علم أن الناس سيقولون: من أين أتيت بهذا الكلام، نحن لم نجد النبي ﷺ؟ فأعطاه النعلين أمارة وعلامة على أن النبي ﷺ هو الذي أمره بذلك وفعلًا خرج فكان أول من لقيه عمر رضي الله ﵎ عنه، فقال له: إلى أين يا أبا هريرة؟ فقال: إن رسول الله ﷺ أمرني أن أبشر من وجدت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله مستيقنًا بها قلبه بالجنة.\nفإذا بـ عمر يخاف من اتكال الناس، فيأمر أبا هريرة بالرجوع، فوكزه حتى أوقعه رضي الله ﵎ عنهما، وقال: ارجع إلى رسول الله ﷺ ولا تفعل! يا ترى! هل عمر لا يريد قول النبي ﷺ أن يبلغ للناس؟! هنا ذهب أبو هريرة إلى لنبي ﷺ يبكي، ووراءه عمر رضي الله تعالى عنه، فسأله النبي ﷺ لم فعلت ذلك؟! فكان جواب عمر قال: (يا رسول الله! إذًا يتكلوا)، فهي نفس الكلمة التي قالها النبي ﷺ لـ معاذ رضي الله تعالى عنه: (إذًا يتكلوا)؛ لأن الناس لو علموا ذلك من غير أن يفهموا المعنى لاتكلوا على اللفظ، فأنا أقول لا إله إلا الله وأعمل الذي أريد، وسأدخل الجنة، فالأمر ليس كذلك.\nلقد ذكر الله عذاب أهل النار من الكفار والموحدين الذين يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ، وأنهم توزن أعمالهم يوم القيامة، فمن رجحت سيئاته على حسناته أدخله الله ﷿ النار.\nإذًا: هناك نار لعصاة الموحدين يدخلونها يوم القيامة، فلو سمعوا أنهم سيدخلون الجنة ولا يوجد نار لقالوا: نحن كلنا سندخل الجنة، فلا يفهمون ذلك، وقد قال النبي ﷺ: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة أصابه قبل ذلك ما أصابه)، يعني: قد يدخل النار فيمكث فيها دهورًا كثيرة، ويعذب فيها على معاصيه وذنوبه، وبعد ذلك تدركه رحمة رب العالمين سبحانه، فيخرجهم من النار إلى الجنة.\nفكأن هذه الكلمة العظيمة تنفع صاحبها يومًا من الدهر، أصابه قبل ذلك ما أصابه، وقد يدخل النار، وقد يتغمده الله برحمته فلا يدخله النار ويدخله الجنة، وقد يصاب قبل ذلك وهو في الموقف فيعذب ما شاء الله ﷿ أن يعذب مثل مانعي الزكاة، حيث يعذبون في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فصاحب الإبل يطرح في قاع قرقر، وتمر عليه الإبل في أسمن ما كانت وأوفر ما كانت، فتطؤه بأخفافها، وتعضه بأسنانها، فهذا عذاب مانعي الزكاة في هذا اليوم، ومانع الزكاة مسلم يقول لا إله إلا الله، قال النبي ﷺ: (حتى يرى سبيله إلى الجنة أو إلى النار).\nإذًا: لا يغتر الإنسان عندما يقول: لا إله إلا الله، فلا بد أن يقول: لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه، تدفعه للعمل، فتنفعه هذه الكلمة.","vol":"27","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>شرح حديث (إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك)</span>\nعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ (أن النبي ﷺ تلا قول الله ﷿ في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٦]، وتلا قوله سبحانه ﵎ في عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨]، فرفع يديه ﷺ وقال: اللهم أمتي أمتي! اللهم أمتي أمتي!).\nيعني: هنا سيدنا إبراهيم يقول: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٦].\nوسيدنا المسيح ﵊ قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨].\nدعاء عظيم ومهذب ومؤدب من سيدنا المسيح وسيدنا إبراهيم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.\nفجاء دعاء النبي ﷺ أعظم من دعائهما، فقال ﷺ وبكى: (اللهم أمتي أمتي!)، يعني: لا تخفرني في أمتي، لا تجعل أمتي في النار، فقال ﷿: (يا جبريل! اذهب إلى محمدٍ ﷺوربك أعلم- فاسأله: ما يبكيه؟)، ليس محتاجًا إلى جبريل؛ لأنه سبحانه ﵎ أعلم، ولكن حتى ينطق ويتكلم ﷺ من نفسه.\nقال: (فأتاه جبريل فأخبره رسول الله ﷺ بما قال، وهو أعلم، فقال الله ﵎ لجبريل: اذهب إلى محمدٍ ﷺ فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك)، فهنا دعاؤه كان أعظم صلوات الله وسلامه عليه، والله ﷿ وعده ألا يسوءه في أمته، يعني: لا يجعل أمته معذبة بين يديه ﷺ إلا من استحق ذلك.\nولذلك جاء في حديثه ﷺ: (ليذادن أقوام عن حوضي يوم القيامة، فأقول: أصحابي أصحابي!)، فهنا يتحسر عليهم ويقول: أصحابي الذين كانوا أتباعي من المؤمنين، فيقال للنبي ﷺ: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، يعني: بدلوا هذا الدين وغيروا وعصوا الله سبحانه ﵎ فيستحقون العذاب، فيقول ﷺ: (ألا سحقًا! ألا بعدًا!)، يعني: أبعدوهم عني، سحقًا لهم! عذابًا لهم! قاتل الله ﷿ هؤلاء الذين ابتعدوا عن سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه، فرحمة الله عظيمة لمن يتوب إلى رب العالمين سبحانه، ولمن يعرف قدر الله سبحانه.\nوقال سبحانه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١]، فإذا عرف العبد قدر ربه سبحانه، وعبد ربه عن يقين، وقال: لا إله إلا الله موقنًا بهذه الكلمة العظيمة ودفعته إلى العمل الصالح، فهذه تنفع صاحبها، ويرجو رحمة رب العالمين، نسأل الله ﷿ من فضله ورحمته سبحانه.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"27","page":11},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-275> الرجاء في رحمة الله [٢]</span>\nإن فضل الله ورحمته واسعة سبحانه، ومن رحمته بعباده أن ضاعف لهم الحسنات والأجر والمثوبة، وجازاهم السيئة بمثلها، ومن رحمته بعباده أنه يستر عبده المؤمن في الدنيا فلا يفضحه بذنوبه، فإذا كان يوم القيامة وضع عليه كنفه فستره عن الخلق، وأبدله السيئات حسنات، وأدخله الجنة وجعل فكاكه من النار يهوديًا أو نصرانيًا.","vol":"28","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>شرح حديث: (حق الله على العباد وحق العباد على الله)</span>","vol":"28","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>حق الله على العباد</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: قال النووي رحمه الله تعالى: [عن معاذ بن جبل ﵁ قال: (كنت ردف النبي ﷺ على حمار فقال: يا معاذ! هل تدري ما حق الله على عباده، وما حق العباد على الله؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئًا، قال: فقلت: يا رسول الله! أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا) متفق عليه.\nوعن البراء بن عازب ﵄، عن النبي ﷺ قال: (المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧]) متفق عليه.\nوعن أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة من الدنيا، وأما المؤمن فإن الله تعالى يدخر له حسناته في الآخرة، ويعقبه رزقا في الدنيا على طاعته)].\nهذه أحاديث أخر يذكرها الإمام النووي ﵀ في رياض الصالحين في باب الرجاء، وما جاء عن النبي ﷺ في ذلك من أحاديث منها ما قدمناه في الدرس السابق، ومنها هنا حديث لـ معاذ بن جبل وقدمنا معناه أيضًا في الحديث السابق بأنه كان رديف النبي ﷺ على ناقته، وهنا ذكر أنه كان رديفه على حماره.\nفقال النبي ﷺ: (يا معاذ! هل تدري ما حق الله على عباده وما حق العباد على الله؟).\nومعاذ يتأدب مع النبي ﷺ، فهو قد يعلم أن الله ﷿ فرض على العباد عبادات يفعلونها، ولكن لعل النبي ﷺ يقصد شيئًا آخر، فلذلك كان الجواب منه للنبي ﷺ: (الله ورسوله أعلم) حتى يتعلم من النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nقال: (فقال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا).\nوهنا الحق واضح في كلمة قالها النبي ﷺ، ولكنها كلمة عظيمة واسعة لابد للمؤمن أن يعرف هذا المعنى الذي تحت هذه العبادة، يعبد الله سبحانه ﵎، ويذلل نفسه لربه سبحانه، ويطوع نفسه وقلبه وبدنه لله سبحانه ﵎، فهو عابد لله.\nوعابد: من العبادة، ويقال: هذا طريق معبد، أي: مذلل مسهل للمشي عليه، فهنا العبد يعبد ربه سبحانه، ويذلل نفسه لربه سبحانه ﵎، ويطوع نفسه لكل ما يريده الله سبحانه، فإذا أمره استجاب، وإذا نهاه امتنع، فهو قد عرف مقامه أنه عبد، وأن الله مولاه، وربه، وخالقه، وعرف مقام ربه سبحانه ﵎ فخاف من الله فأدى ما فرض الله ﷿ عليه من حقوق، وواجبات، وامتنع عما نهاه الله ﷿ عنه من المحرمات.\nفهنا حق العباد على الله أن يطيعوا الله سبحانه فيأتمروا بأمره، وينتهوا عما نهى سبحانه ﵎.\nقال: (فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا)، وهذا قيد لهذه العبادة، فكم من إنسان يعبد الله ويعبد غيره معه، فهو مشرك بالله شركًا أكبر، فيعبد إلهًا مع الله ويدعي لله الولد والصاحبة، فيعبد غير الله مع الله سبحانه ﵎، أو يكون على شرك أصغر فإذا به ينسب ما الفضل فيه لله ﷿ إلى غير الله سبحانه ﵎، أو أنه يكون على شرك خفي، فإذا به يعمل العمل وينتظر من الناس أن يكافئوه أو يمدحوه عليه.\nفالمؤمن يعبد الله ولا يشرك به شركًا أكبر ولا أصغر ولا شركًا خفيًا، فالعبادة لا بد أن يكون فيها إخلاص وتوجه لله ﷿ وحده، ولا بد أن تكون المتابعة فيها للنبي ﷺ وأن يستن بسنته، ويفعل ما جاء به، ولا يخترع، ولا يشرع مع الله سبحانه ﵎ لنفسه ولا لغيره.","vol":"28","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>حق العباد على الله</span>\nفهم إذا فعلوا العبادة لهم حق، وليس العبد هو الذي فرض الحق على ربه سبحانه، وإنما ربنا هو الذي ألزم نفسه بذلك بفضله وكرمه سبحانه ﵎، فهو كتب على نفسه كتابًا وجعله فوق عرشه: (إن رحمتي تسبق غضبي)، لا يلزمه أحد، ومن يقدر أن يلزم الله سبحانه ﵎؟ هو ألزم نفسه سبحانه ﵎، وحرم على نفسه الظلم فقال: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا؛ فلا تظالموا) فنهى عباده عن الظلم، ومن يحرم على الله ﷿ شيئًا؟ الذي يحرم هو الذي يملك أن يشرع، والذي يخلق، والذي يرزق، والذي يعطي ويمنع، والذي ينفع ويضر، والعبد لا يملك لنفسه -فضلًا عن غيره- شيئًا فكيف يملك لربه سبحانه؟! فلذلك ربنا هو الذي ألزم نفسه أن رحمته تسبق غضبه، وألزم نفسه سبحانه أنه يعطي هؤلاء العباد إذا عبدوه حقًا لهم على الله سبحانه أنه لا يعذبهم.\nقال: (وحق العباد على الله ألا يعذب من لم يشرك به شيئًا): كلمات يسيرة قليلة ولكن تحتها المعاني الكبيرة الكثيرة، ولا يغتر العبد بألا يفهم ما قاله النبي ﷺ فإذا به يقول: أنا أقول لا إله إلا الله، أنا أوحد ربنا، أنا لا أشرك بالله سبحانه، وإذا وقع في ضيق أو مصيبة دعا غير الله سبحانه، وتوسل بغير الله سبحانه فقال: يا سيدي فلان! أنقذني، قد ينظر لغير الله فيقول: لله علي أن أذبح عند قبر سيدي فلان إذا حصل كذا، فيطلب من غير الله ما لا يجوز له أن يطلبه إلا من الله سبحانه ﵎.\nكم من إنسان يشرك بالله الشرك الأكبر وهو لا يدري ما هذا الذي يقع فيه؟ ولايدري أن هذا الذي يقول استغاثة بغير الله سبحانه؟ أن يعتقد أن الجن تعلم الغيب وتنفع وتضر، كم من المسلمين من يقول: لا إله إلا الله ويعتقد مثل هذه الاعتقادات! كم من إنسان إذا فعل فعلًا نسب هذا الفعل والعون فيه لغير الله، فلاح يزرع فتمطر السماء فيصبح يقول: أتت السماء بالماء وبالمطر.\nوينسى الله سبحانه ﵎! وهذا من الشرك بالله الذي جاء في حديث النبي ﷺ أنه قال لأصحابه على إثر ليلة ممطرة: (هل تدرون ماذا يقول ربكم؟ يقول الله ﵎: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فمن قال: مطرنا بفضل الله وبرحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب).\nنسب المطر إلى غير الله، ولكن العبد يقول: الله ﷿ هو الذي يأتي بالخير، وهو الذي يأتي بالمطر، وهو الذي يكشف الضر ويأتي بالخير بفضله ورحمته.\nفالعبد لا يشرك بالله شيئًا، وهنا نكر (شيئًا) أي: لا يشرك ولو أدنى الأشياء، فهي نكرة في سياق النفي، والمعنى: أنه في أي شيء من عبادته لا يشرك بالله شيئًا يسيرًا، لا شركًا أكبر ولا شركًا أصغر، ولا شركًا خفيًا.\nفمثال الشرك الأصغر: أن يجيء اللصوص إلى البيت فتقوم البط التي في البيت تصوت، يصبح الصبح ويقول: لولا البط لكان اللص قد سرق الحاجات في الليل.\nونسي من الذي أعطى البط هذا الصوت والذي نبههم على ذلك، نسي الله سبحانه ونسب الفضل لغيره.\nأو يقول: ولولا الكلب في الدار لسرقنا اللصوص في الليل، ينسى ربه سبحانه وينسب الفضل لغير الله سبحانه.\nيقوم يصلي فيجد الناس ينظرون إليه وهو يصلي فيقول في نفسه: أطيل حتى يقولوا: إن صلاتي طيبة.\nالناس يمدحونه في شيء فيقولون: أنت تصلي صلاة طيبة فيقول لهم: بل وأنا صائم كذلك، يبقى هنا كأنه يظهر نفسه أنه عابد مع أنه ما أحد سأله عن أنه صائم أو غير صائم.\nفهذا شرك يكون في قلبه يريد أن يظهره أو يظهر على فلتات اللسان، فيظهر هذا الشيء من الرياء ونحوه، فالله ﷿ يقول: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) يترك كل عمله الذي راءى فيه.\nفهنا الحديث وإن قلت كلماته لكن معانيه عظيمة كبيرة قد يضيق عنها أفق البعض من الناس، فلذلك لما قال معاذ للنبي ﷺ: (يا رسول الله! أفلا أبشر الناس؟) أي: بأن الذي سيموت وهو يقول: لا إله إلا الله سيدخل الجنة؟ (قال: لا تبشرهم فيتكلوا)، أي: يتكلوا على قول: لا إله إلا الله ويتركوا العمل إن أساءوا فهم ذلك، وقد قال الله ﷿ في كتابه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩].\nقد يقول العبد: أنا لا أصلي ولا أصوم ولا أعمل إلا بقول: لا إله إلا الله، ومن قال: لا إله إلا الله دخل الجنة! في حديث آخر: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) وما يدريك أنك تقدر أن تنطق بهذه الكلمة في آخر حياتك أم لا تقدر عليها؟ وكم من إنسان وهو في سياق الموت يقال له: قل لا إله إلا الله فلا يقدر على أن يقول هذه الكلمة! ولعله يتكلم بأي شيء آخر وعند هذه الكلمة لا يقدر أن ينطق بها، فهي كلمة عزيزة وغالية، وكلمة لا يقدر عليها كل إنسان في حال وفاته، في الحياة قد يقولها الإنسان كثيرًا.\nولكن من مات على هذه الكلمة رجونا له هذه البشارة، أنه من أهل لا إله إلا الله، وأنه لا يعذبه الله سبحانه ﵎.","vol":"28","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>شرح حديث: (المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله)</span>\nعن البراء بن عازب ﵄ عن النبي ﷺ قال: (المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧]).\nنسأل الله ﷿ أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة! الإنسان إذا دخل في قبره تعاد إليه الروح ليس كهيئتها في الدنيا ولكن باتصال برزخي الله ﷿ أعلم به.\n(ويأتيه ملكان شديدا الانتهار يجلسانه وينتهرانه ويسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ وما تقول في هذا الرجل الذي أرسل إليكم؟ فإذا كان مؤمنًا قال: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلوات الله وسلامه عليه).\nانظر إلى فضل الله ﷿ في الآية: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧]، الفضل بيد الله سبحانه، فهو الذي ثبت هذا، وهو الذي أزاغ الآخر.\nإذا كان العبد كافرًا فاجرًا يأتي له ملكان ينهرانه ويجلسانه، ويسألانه السؤال نفسه: من ربك؟ وما دينك؟ وما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول مثلما كان في الدنيا، لا يريد أن يقول شيئًا غير ذلك؛ يقول: هاه هاه لا أدري، فلا يقدر أن يقول: لا إله إلا الله، ولا يقدر أن يجيب إلا بذلك، قد كان في الدنيا يتهكم بالمؤمنين وهو الآن في قبره لا إرادة له، تخرج منه: هاه هاه لا أدري، ولكن بغير إرادة منه لأجل أن يزاد عليه العذاب.\nفيضربانه ضربة بمرزبة من نار، هذه الضربة لو ضرب بها جبل لصار ترابًا، ويفرش له لوحان من النار، يوضع له لوح من النار فوقه ولوح تحته ويرى منزله من الجنة لو أطاع الله يقولان له: كنت ستذهب الجنة في هذا المقعد لو أطعت الله، وهنا يتحسر على نفسه.\nويعذب في قبره إلى أن تقوم الساعة فيرى أمره مع ربه ﷾.\nفالذي ثبت المؤمن بقول: لا إله إلا الله في الدنيا وفي قبره هو الله سبحانه ﵎، وهو الذي يثبته على الصراط يوم القيامة، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [إبراهيم:٢٧] قيل: الآن، وقيل: في القبر في الحياة البرزخية، ﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] حين يقومون من القبور.","vol":"28","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>شرح حديث: (إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة في الدنيا)</span>\nعن أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمةً في الدنيا، وأما المؤمن فإن الله تعالى يدخر له حسناته في الآخرة، ويعقبه رزقًا في الدنيا على طاعته).\nفضل الله عظيم على جميع خلقه سبحانه: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، والإنسان الذي يعمل ويجتهد يعطيه الله ﷿ في الدنيا.\nالكافر يعطيه الله سبحانه ﵎ في الدنيا، ويعمل ويجد ويجتهد، وقد يكون له سبق في خير فالله ﷿ يكافئه على هذا كله في الدنيا، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ [هود:١٥]، لا يبخسون في هذه الدنيا ولا يظلمون.\nوالذين يريدون الدار الآخرة فإن الله ﷿ يعطيهم الأجر العظيم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء:١٩].\nوقال ﷿: ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف:٣٠].\nالكافر إذا عمل حسنة في الدنيا فالله ﷿ يطعمه بها طعمة من الدنيا، وقد يمن عليه الله سبحانه ﵎ بالهدى فيهديه للإسلام بهذه الحسنة التي عملها، ولكن إذا لم يشأ الله ﷿ ذلك له فيعطيه أجره في الدنيا من مال وبنين ونحو ذلك.\nالمؤمن إذا عمل العمل الحسن: (فإن الله تعالى يدخر له حسناته في الآخرة)، يجمعها لك في الآخرة حتى لا تضيع، ويعطيك تفضلًا منه في الدنيا، فتكون قد كسبت في الدنيا والآخرة، أعطاك رزقك في الدنيا، ولم يعاملك بأنك عملت الحسنة فيرزقك فقط وما لك حاجة في الآخرة، ولكن انظروا إلى كرم الله سبحانه ﵎ حيث أعطاك في الدنيا المال، والبنين، وأعطاك رزقًا حسنًا، وادخر لك أجر هذه الحسنة أيضًا في الآخرة، وقال: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء:٢٠].\nوفي رواية أخرى: (إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة، فيعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله تعالى في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها) رواه مسلم.","vol":"28","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>شرح حديث: (مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم)</span>\nوعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات).\nالحديث فيه الرجاء العظيم، فهو يضرب لك هذا المثال: نهر أمام بيتك تغتسل كل يوم في هذا النهر ثم تخرج نظيفًا وتدخل البيت، ثم تغتسل مرة ثانية وتخرج نظيفًا إلى البيت، وهكذا خمس مرات كل يوم؛ قال ﷺ: (مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم).\nقوله: (نهر جار) إذا كان الماء واقفًا قد يتعفن؛ لأنه واقف، أما الجاري فيتبدل، والماء مع تغيره وجريانه يكون ماءً نقيًا.\nوالغمر: الكثير، فالماء ليس قليلًا، (غمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات) هل يبقي ذلك من درنه شيئًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أنه لا يبقي ذلك من الدرن شيئًا.\nوفي رواية: (فكذلك الصلوات الخمس)، فالمؤمن يواظب على الصلوات حيث ينادى بهن، يرجو رحمة الله سبحانه، فالصلاة فيها تكفير للسيئات، وفيها رفع للدرجات، وفيها من الله ﷿ ما فيها من ثواب عظيم يوم القيامة، تتوضأ لأجل أن تصلي فإذا بالخطايا تتساقط من أعضاء الوضوء، ومع غسل كل عضو تتساقط الخطايا.\nإذا جئت إلى الصلاة جمعت السيئات التي عملتها ووضعت فوق منكبيك، فإذا قمت تساقطت، وإذا ركعت تساقطت، وإذا سجدت تساقطت، وإذا أنهيت الصلاة فقرأت آية الكرسي لم يمنعك من دخول الجنة إلا أن تموت، فإذا سبحت الله ثلاثًا وثلاثين، وحمدت الله ثلاثًا وثلاثين، وكبرت الله ثلاثًا وثلاثين، وختمت بـ لا إله إلا الله غفرت ذنوبك وإن كانت مثل زبد البحر، ففي الصلوات الخمس تفعل ذلك.\nوقبل أن تنام تسبح الله ﷿ وتحمده وتكبره كما في الصلاة، إلا أن التكبير يكون أربعًا وثلاثين فيكون العدد مائة، فهل تعمل من السيئات مثل هذا العدد؟ فالله ﷿ يجعل السيئة واحدة، ويجعل الحسنات مضاعفة حتى ترجو رحمته سبحانه، وتستعين به على عبادته سبحانه، وتواظب على هذه العبادة.\nأما من اغتر بذلك وقال: أنا صليت في النهار هذا، وسبحت في النهار هذا، فلأعمل ما أريد من الذنوب، فهذا مغرور بعمله محتقر عذاب رب العالمين سبحانه، فالإنسان بمواظبته على الذنوب كأنه يحتقر العقوبة من الله فكان حقيقًا بأن يعذب ويعاقب يوم القيامة.\nأما الإنسان الذي يتواضع في مشيه، والذي يعلم أن الله قادر عليه، وأنه يغفر بفضله ورحمته، وأنه لا يستحق شيئًا إلا أن يتقبل منه الله سبحانه، فهذا يستحق من الله المغفرة والتوبة عليه.","vol":"28","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>شرح حديث: (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا)</span>\nعن ابن عباس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه).\nحديث عظيم عنه صلوات الله وسلامه عليه، فيه عبرة للإنسان ليعرف من يصاحب، فأهل الدنيا يأتون بالميت ويضعونه في المسجد ثم يقفون في الخارج ولا يصلون مع الناس، والذي يصاحب أهل العبادة والطاعة عندما يموت يجري الكل يتوضأ لأجل أن يصلي عليه، ويقفون على قبره يدعون له، ويسألون الله ﷿ له التثبيت، وإذا رجعوا إلى بيوتهم انشغلوا به هل عليه دين أو حاجة فنسدد عنه؟ والأخ ينفع أخاه، ومن النفع العظيم أن المؤمن إذا مات فصلى عليه أربعون لا يشركون بالله شيئًا يقولون: يا رب اغفر له، فيدعون ربهم سبحانه ﵎، فيشفعهم الله ﷿ فيه ويغفر له.","vol":"28","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>شرح حديث: (أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة</span>؟)\nكذلك من الأحاديث حديث ابن مسعود ﵁ قال: (كنا مع رسول الله ﷺ في قبة نحوًا من أربعين، فقال: أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا: نعم، قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قلنا: نعم، قال: والذي نفس محمد بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود) متفق عليه.\nليس معنى الحديث أن هؤلاء الأربعين هم الذين سيدخلون الجنة وغيرهم لا يدخلها، لكنه يقصد أمة الإسلام الذين يدخلون وهم في أهل الشرك كنسبة الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود.\nوالمقصود: أن عدد المؤمنين بجوار عدد أهل الشرك قليل، فإذا كانوا يوم القيامة تفضل الله ﷿ على المؤمنين فأدخلهم بفضله ورحمته الجنة، وجعلهم نصف عدد أهل الجنة كما جاء في هذا الحديث.","vol":"28","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>شرح حديث: (إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهوديًا أو نصرانيًا)</span>\nوعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهوديًا أو نصرانيًا فيقول: هذا فكاكك من النار).\nوفي حديث آخر: (يجيء يوم القيامة أناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال يغفرها الله لهم)؛ لأنهم تابوا إلى الله سبحانه؛ ولأنهم عملوا من الحسنات ما يكون فيه تكفيرًا لذلك، والله يغفر للعبد ويتغمده بفضله ورحمته.\nوهنا في قوله ﷺ: (دفع الله إلى كل مسلم يهوديًا أو نصرانيًا) يوضح المعنى حديث آخر عن أبي هريرة وفيه: (لكل أحد منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالمؤمن إذا دخل الجنة خلفه الكافر في النار؛ لأنه مستحق لذلك بكفره).\nهنا في هذا الحديث وحديث أبي هريرة بيان أن كل إنسان له منزلان: منزل في الجنة ومنزل في النار، والله ﷿ جعل حقًا عليه أن يملأ الجنة والنار.\nالعبد المؤمن وهو في قبره عندما ينجح في الامتحان ويقول: ربي الله يقال له: انظر، فينظر إلى مكان في النار، فيقال له: هذا منزلك لو مت على غير ذلك! أي: لو كنت من أهل النار، ولكن انظر فهذا منزلك، فينظر إلى منزله في الجنة ويقول: يا رب! أقم الساعة كي أرجع إلى أهلي ومالي.\nيريد أن تقوم الساعة حتى يدخل هذا المنزل الذي في الجنة.\nوالإنسان الكافر أيضًا لو كان مؤمنًا كان له منزل في الجنة، فيقال له: انظر فهذا منزلك لو عرفت الله، ثم يرى منزله من النار ويؤمر بالدخول في هذا المنزل في النار والعياذ بالله! فالمقصد: أن المؤمن وعده الله ﷿ بالجنة، والمنزل الذي في النار يدخله يهودي أو نصراني، فالله وعد أن يملأ الجنة والنار، فيملأ النار في كل بيوتها من أصناف المشركين واليهود والنصارى وغيرهم، ويملأ الجنة من الموحدين المؤمنين المسلمين الذين عبدوا الله سبحانه ﵎.\nالنار ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك:٨ - ٩].\nهنا دخلوا النار بأعمالهم وببعدهم عن الله ﷾، والنار تشتعل وتستعر وتضطرم على أصحابها وتقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠] ولا تمتلئ النار حتى يسكتها الله سبحانه ﵎، قال النبي ﷺ: (حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول: قط قط) اكتفيت لا أريد شيئًا، فيسكتها الله ﷿ بذلك.\nأما الجنة فيجعل فيها عباده الصالحين، ولا تمتلئ الجنة حتى يخلق الله ﷿ لها خلقًا لم يذنبوا قط، فيكونون من سكان الجنة، ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، ما خلق خلقًا جديدًا للنار، وإنما أسكت النار، قال ﷺ: (يضع الجبار فيها قدمه فتقول: قط قط).\nلا يعذب بناره إلا من استحق العذاب، فلم يخلق لها يوم القيامة أهلًا يسكنونها ويملئونها.\nأما الجنة فهي فضل الله ورحمته، فيخلق لها أهلًا آخرين حتى يملأ هذه الجنة بهم، نسأل الله ﷿ أن يجعلنا من أهلها.","vol":"28","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>شرح حديث: (يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع كنفه عليه)</span>\nعن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع كنفه عليه).\nالإنسان المؤمن قد يقع في الذنوب في الدنيا، وليس بمعصومٍ إلا من عصم الله من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون).\nفالمؤمن يدنيه الله ﷿ يوم القيامة منه، ويضع عليه كنفه أي: ستره، فيستره الله سبحانه ﵎، فلا يسمعون ما الذي يقال لهذا الإنسان، فيسأله ربه: عملت كذا يوم كذا؟ ويقول هنا في الحديث: (فيقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: رب أعرف) فربنا يسأله عن ذنوبه، (قال الله ﷿: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته).\nستره الله ولم يفضحه في الدنيا، ويوم القيامة سأله بينه وبينه ولم يفضحه سبحانه ﵎ أمام الخلق، ويقول: (سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) متفق عليه.\nوعن ابن مسعود ﵁: (أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي ﷺ، فأخبره).\nوفي رواية أخرى عن أنس: (أن الرجل قال للنبي ﷺ: أصبت حدًا) ظن أنه وقع في حد من الحدود الحقيقية، والله أعلم بالأمر، لكنه ذهب تائبًا إلى النبي ﷺ، والراجح: أن الذنب الذي فعله لم يكن من الكبائر ولم يكن فيه إقامة حد عليه.\nالغرض: أنه لما ذهب إلى النبي ﷺ قال له: (هل حضرت معنا الصلاة؟ قال: نعم)، يعني: أن الرجل جاء تائبًا، وجاء يطلب من النبي ﷺ أن يقيم عليه الحد بزعمه وظنه، فالنبي ﷺ يفضحه: ما الحد الذي وقعت فيه؟ ولكن قال له: (هل حضرت معنا الصلاة؟ فقال: نعم، قال: قد غفر لك).\nوفي الرواية الأولى لـ ابن مسعود قال: (فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤]).\nفتفضل الله ﵎ على العبد المذنب الذي تاب إليه، وذهب للنبي ﷺ يعترف بذنبه، بأن غفر له بصلاته لله، وقال الله ﷿: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤].\n(فرح الرجل بذلك فقال للنبي ﷺ: ألي هذا يا رسول الله؟! فقال: لجميع أمتي كلهم) متفق عليه.\nوقد جاء أن العبد إذا أذنب ذنبًا فتوضأ وصلى لله أن الله يكفر عنه هذا الذنب بصلاته هذه.","vol":"28","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>شرح حديث: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها)</span>\nوعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها).\nهنا الأكلة والشربة بمعنى: اسم المرة، وأيضًا إذا قال: (يأكل الأكلة) بمعنى: ملأ يده فوضعها في فمه، فهذه أكلة.\nكذلك الشربة يشربها الإنسان إذا كانت ملء فمه فقط فهذه هي الشربة، فالعبد يأكل أكلة واحدة، ويشرب شربة واحدة ويحمد الله فيرضى بذلك.\nيا ترى هذه الأكلة والشربة لو فقدها الإنسان كم يدفع فيها؟ لو أنه في مكان صحراوي حار لا ماء فيه وهو يريد شربة ماء كم سيدفع في هذه الشربة لمن يعطيه إياها؟ سئل ملك من ملوك بني أمية عن ذلك: لو منعت شربة الماء كم تدفع فيها؟ قال: نصف ملكي.\nقيل: لو شربت هذه الشربة فلم تخرج منك فحبس عنك البول فكم ستدفع لإخراجها؟ قال: ملكي كله! يدفع في شربة ماء محروم منها نصف ملكه، وفي إخراج هذه الشربة من جسده يدفع ملكه كله، فكم ثمن هذه الشربة؟ إذا: ثمنها عظيم، فهل دفعت هذا الثمن لله ﷿؟ لم ندفع شيئًا، وقد رضي من العبد أن يقول: الحمد لله، رضي منه أن يشكره سبحانه ﵎، (إن الله ليرضى من العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها) يرضى عن عبده، وأيضًا يجعل الله هذا الذي قاله أحب إليه من النعمة التي أنعمها على العبد، فالله ينعم على العبد بنعمة فإذا شكر العبد ربه على هذه النعمة، كان الشكر من العبد أحب إلى الله من النعمة التي أعطاها لهذا العبد.\nانظروا إلى كرم الله سبحانه كيف يتفضل على العبد فيعطي النعم، ويلهمه أن يشكره، ثم يرضى منه على ما هو فضله هو، فسبحان الله العظيم وله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه.\nإذا عرف العبد ربه استراح، وعبد ربه سبحانه حتى يلقاه فيريحه بجنته: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة:٨٩].\nنسأل الله ﷿ أن يجعلنا من عباده المقربين.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"28","page":12},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-287> الرجاء في رحمة الله [٣]</span>\nنبي الأمة ﷺ يرشد العبد ألا يقنط أبدًا من رحمة رب العالمين، فرحمة الله واسعة، وإذا كان خوف العبد من الله يمنعه من المعاصي، فالرجاء فيما عنده يدفع العبد إلى التوبة، وإلى حسن الظن بالله ﷾، فالإنسان المؤمن إذا تاب إلى الله تاب الله عليه، والله تعالى عند ظن عبده به.","vol":"29","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-288>شرح حديث: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار)</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب في الرجاء.\nوعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها) رواه مسلم.\nوعن أبي نجيح عمرو بن عبسة السلمي ﵁ قال: (كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا، فقعدت على راحلتي فقدمت عليه، فإذا رسول الله ﷺ مستخفيًا جرآء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة فقلت له: ما أنت؟ قال: أنا نبي، قال: قلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله، قال: قلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله ولا يشرك به شيئًا، قال: قلت: فمن معك على هذا؟ قال: حر وعبد، ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ﵄، قال: قلت: إني متبعك، قال: إنك لن تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس! ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فائتني) وذكر الحديث.\nفالإنسان المؤمن يرجو رحمة رب العالمين مما يسمع من آيات في كتاب الله سبحانه، ومما يسمع من أحاديث للنبي ﷺ، فلا ييئس من رحمة رب العالمين أبدًا، وهو الذي ذكر عن نفسه سبحانه أن رحمته وسعت كل شيء قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦].\nوأخبر عن نفسه سبحانه أن رحمته سبقت غضبه، فالمؤمن يرجو رحمة الله، وإذا وقع في ذنب من الذنوب سارع وبادر إلى التوبة سبحانه، فإنه يعلم أن ربه غفور رحيم سبحانه، ويعلم أن ربه شديد العقاب، فإذا كانت عليه حقوق لأهلها أرجع الحقوق وأعادها إلى أهلها، واستحلهم من هذه الحقوق ومما وقع في حقهم من مآثم، ويتوب إلى الله ﷿، فالله يتوب على من تاب.\nفهنا في هذه الأحاديث حديث لـ أبي موسى الأشعري ﵁ في صحيح مسلم، وفيه أن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار).\nوالمعنى: أن الله ﷿ يقبل توبة عباده ليل نهار، فالله ﷿ هو الذي يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، والله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء مهما تعاظم ذنب الإنسان، فرحمة الله أعظم، فمهما كثرت خطايا الإنسان فإن رحمة الله أكثر وأكبر وأعظم، فجعل بابًا للتوبة مفتوحًا لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها، فالله ﷿ يتوب على عباده الذين يتوبون إليه.\nوهنا عبر بهذه الكلمة الطيبة الجميلة: أن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، وأنه يدعو عبده، وعادة البشر فيما بينهم إذا بسط يده إلى إنسان كأنه يقول: تعال إلي تعال إلي وربنا ينادي عباده وخاصة في الليل في وقت السحر: (هل من تائب فأتوب عليه؟! هل من مستغفر فأغفر له؟! هل من سائل فأعطيه؟!).\nفالله ﷿ كريم رحيم ودود يقبل من عباده توبتهم ويثيبهم الأجر، بل وقد يحول سيئاتهم إلى حسنات فضلًا منه وكرمًا سبحانه، فيبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، فمن أساء بالنهار لا ينتظر النهار الآخر حتى يتوب إلى الله، ولكن ليتب حالًا إلى الله ﷿، فمن وقع في الذنب بالليل فليتب حالًا إذا طلع عليه الصبح، أو إذا انتهى وراجع نفسه فليتب إلى الله سريعًا، فالمعنى هنا: أن العبد مهما أذنب وتاب إلى الله فإن الله يتوب عليه سبحانه.\nفهذه التوبة مفتوحة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها كان من العلامات الكبرى لقيام الساعة التي إذا تحققت هذه العلامات كلها فإنه يختم على الناس الأحياء: هذا مؤمن وهذا كافر، ولا تقبل توبة بعد ذلك.\nفإذا خرجت الدابة من الأرض ختمت على وجوه الناس: هذا مؤمن وهذا كافر، فيصبحون يتبايعون فيما بينهم، فيشتري الإنسان من الآخر ويقول له: يا كافر أعطني كذا، والكافر يقول: يا مؤمن! أعطني كذا، يكتب عليهم ذلك.\nولا تقبل توبة حين تظهر العلامات الكبرى للساعة، ومن ذلك خروج الدابة من الأرض، ونزول المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وطلوع الشمس من مغربها، وهي عشر علامات ستأتي في آخر الكتاب في المنثورات والملح إن شاء الله.","vol":"29","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>شرح حديث عمرو بن عبسة في إسلامه</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب في الرجاء.\nوعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها) رواه مسلم.\nوعن أبي نجيح عمرو بن عبسة السلمي ﵁ قال: (كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا، فقعدت على راحلتي فقدمت عليه، فإذا رسول الله ﷺ مستخفيًا جرآء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة فقلت له: ما أنت؟ قال: أنا نبي، قال: قلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله، قال: قلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله ولا يشرك به شيئًا، قال: قلت: فمن معك على هذا؟ قال: حر وعبد، ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ﵄، قال: قلت: إني متبعك، قال: إنك لن تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس! ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فائتني) وذكر الحديث.\nفالإنسان المؤمن يرجو رحمة رب العالمين مما يسمع من آيات في كتاب الله سبحانه، ومما يسمع من أحاديث للنبي ﷺ، فلا ييئس من رحمة رب العالمين أبدًا، وهو الذي ذكر عن نفسه سبحانه أن رحمته وسعت كل شيء قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦].\nوأخبر عن نفسه سبحانه أن رحمته سبقت غضبه، فالمؤمن يرجو رحمة الله، وإذا وقع في ذنب من الذنوب سارع وبادر إلى التوبة سبحانه، فإنه يعلم أن ربه غفور رحيم سبحانه، ويعلم أن ربه شديد العقاب، فإذا كانت عليه حقوق لأهلها أرجع الحقوق وأعادها إلى أهلها، واستحلهم من هذه الحقوق ومما وقع في حقهم من مآثم، ويتوب إلى الله ﷿، فالله يتوب على من تاب.\nفهنا في هذه الأحاديث حديث لـ أبي موسى الأشعري ﵁ في صحيح مسلم، وفيه أن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار).\nوالمعنى: أن الله ﷿ يقبل توبة عباده ليل نهار، فالله ﷿ هو الذي يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، والله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء مهما تعاظم ذنب الإنسان، فرحمة الله أعظم، فمهما كثرت خطايا الإنسان فإن رحمة الله أكثر وأكبر وأعظم، فجعل بابًا للتوبة مفتوحًا لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها، فالله ﷿ يتوب على عباده الذين يتوبون إليه.\nوهنا عبر بهذه الكلمة الطيبة الجميلة: أن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، وأنه يدعو عبده، وعادة البشر فيما بينهم إذا بسط يده إلى إنسان كأنه يقول: تعال إلي تعال إلي وربنا ينادي عباده وخاصة في الليل في وقت السحر: (هل من تائب فأتوب عليه؟! هل من مستغفر فأغفر له؟! هل من سائل فأعطيه؟!).\nفالله ﷿ كريم رحيم ودود يقبل من عباده توبتهم ويثيبهم الأجر، بل وقد يحول سيئاتهم إلى حسنات فضلًا منه وكرمًا سبحانه، فيبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، فمن أساء بالنهار لا ينتظر النهار الآخر حتى يتوب إلى الله، ولكن ليتب حالًا إلى الله ﷿، فمن وقع في الذنب بالليل فليتب حالًا إذا طلع عليه الصبح، أو إذا انتهى وراجع نفسه فليتب إلى الله سريعًا، فالمعنى هنا: أن العبد مهما أذنب وتاب إلى الله فإن الله يتوب عليه سبحانه.\nفهذه التوبة مفتوحة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها كان من العلامات الكبرى لقيام الساعة التي إذا تحققت هذه العلامات كلها فإنه يختم على الناس الأحياء: هذا مؤمن وهذا كافر، ولا تقبل توبة بعد ذلك.\nفإذا خرجت الدابة من الأرض ختمت على وجوه الناس: هذا مؤمن وهذا كافر، فيصبحون يتبايعون فيما بينهم، فيشتري الإنسان من الآخر ويقول له: يا كافر أعطني كذا، والكافر يقول: يا مؤمن! أعطني كذا، يكتب عليهم ذلك.\nولا تقبل توبة حين تظهر العلامات الكبرى للساعة، ومن ذلك خروج الدابة من الأرض، ونزول المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وطلوع الشمس من مغربها، وهي عشر علامات ستأتي في آخر الكتاب في المنثورات والملح إن شاء الله.","vol":"29","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>مجيء عمرو بن عبسة وإسلامه بمكة قبل الهجرة</span>\nومن الأحاديث حديث أبي نجيح واسمه: عمرو بن عبسة السلمي ﵁، فيذكر أنه أسلم، ويذكر قصة إسلامه رضي الله ﵎ عنه.\nفكان -وهو في الجاهلية- عنده نور في قلبه يبين له أن هؤلاء الناس على باطل وعلى شرك وضلالة، ولم يكن يعتقد ما يعتقدون من أباطيل في الجاهلية، فقال: (كنت وأنا في الجاهلية -يعني: قبل النبي ﷺ- أظن أن الناس على ضلالة).\nالله هو الذي قذف في قلبه أن هؤلاء المشركين على ضلالة وباطل، وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان.\nقوله: (قال: فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا) سمع أن شخصًا في مكة خرج في هذا الزمن يخبر أخبارًا.\nقال: (فقعدت على راحلتي -رجل يبحث عن الحق وعن الدين ﵁- فقدمت عليه، فإذا رسول الله ﷺ مستخفيًا جرآء عليه قومه).\nوكان هذا في أول الإسلام وأول الدعوة إلى الله ﷿، وقال ﷺ: (بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء)، بدأ غريبًا برجل واحد وهو النبي صلوات الله وسلامه عليه، يدعو قومه إلى الدين، فيدخل معه في الدين -كما ذكر لنا هنا- حر وعبد وامرأة وصبي.\nفقد دخلت معه من النساء خديجة، ومن الصبيان علي بن أبي طالب ﵁، ومن الرجال الأحرار أبو بكر الصديق ﵁، ومن العبيد بلال رضي الله ﵎ عنه.\nفهؤلاء الذين كانوا معه مسلمين، فبدأ الإسلام بهؤلاء غريبًا، قال عمرو بن عبسة: (فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة فقلت: ما أنت؟ قال: أنا نبي، قال: قلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله، قال: قلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله ولا يشرك به شيئًا).\nهنا دعا إلى الله ﷿، وبين محاسن هذا الدين العظيم، فالدين كبير وعظيم، ولكن البدء دائمًا يكون بالأهم، وأهم شيء هو توحيد الله ﷿، ومكارم الأخلاق، فذكر له ﷺ ما يعرفه الناس بعقولهم من أن هذه الأصنام باطلة، ولذلك هذا الرجل قبل أن يدخل في الإسلام كان يعرف أن هذا الذي عليه المشركون من عبادة باطل، ولكن أين الحق؟ فهو يبحث عن الحق رضي الله ﵎ عنه، فلما ذهب إلى النبي ﷺ ذكر له أن الله أرسله بذلك قال: (أرسلني بصلة الأرحام) فهذه مكارم الأخلاق؛ لأن أهل مكة كانوا يشيعون على النبي ﷺ أنه جاء بقطع الأرحام، فكذبهم النبي ﷺ، وأنه إنما جاء بصلة الأرحام لا بقطعها.\nقال: (وكسر الأوثان) كسر ما يعبد من دون الله سبحانه ﵎، والكلمة جميلة وعظيمة، ما قال: إبطال الأوثان، وإنما قال: كسر الأوثان، فالذي يتفكر يقول: والله لو كانت تنفع غيرها لدافعت عن نفسها وهي تجد من يكسرها، فهذه الأوثان باطلة، فأعمل عقلك في هذا الشيء، واعلم أن هذه أوثان تكسر ولا تملك أن تدفع عن نفسها.\nقال ﷺ: (وأن يوحد الله ولا يشرك به شيئًا، قال: قلت: فمن معك على هذا؟) أي: من دخل في هذا الدين معك؟ (قال: حر وعبد)، الحر: أبو بكر ﵁، والعبد: بلال ﵁.\nقال: (قلت: إني متبعك) انظر إلى نور الإيمان عندما يكون في قلب الإنسان! لم ينظر إلى الكثرة ولم يقل: عندما يكثر الذين معك سأسلم، مثلما قال كفار قريش، فقد كانوا يقولون له: عندما يكثر عدد الذين معك ندخل في هذا الدين، فأنت ليس معك أحد، فينظرون إلى الكثرة على أنها دليل الصواب والخطأ، ولكن النبي ﷺ لا ينظر إلى مثل ذلك، فالحق حق وإن قل أتباعه، والباطل باطل وإن كثر أشياعه، فهذا حق وذاك باطل، فهذا النبي صلوات الله وسلامه عليه يخبر أن معه حرًا وعبدًا على هذا الدين.\nيقول الرجل: (إني متبعك، قال: إنك لن تستطيع ذلك يومك هذا) وهنا هل منعه النبي ﷺ؟ لا، فهو لم يمنعه من الإسلام، فلا يجوز للنبي ﷺ ولا لغيره أن يمنع أحدًا من الإسلام، وإنما المعنى: أنه إذا اتبعه وترك قومه ليكون مع النبي ﷺ في مكة فإن النبي ﷺ لا يستطيع أن يدفع عنه هؤلاء الكفار، فقال له: امكث في قومك مسلمًا حتى يظهر هذا الدين فتأتي وتكون معنا، فهذا من رأفته ورحمته وشفقته ﷺ، فإن هذا الرجل ضعيف، ماذا سيملك لنفسه بين هؤلاء الجحافل من المشركين؟! فإذًا: يبقى مسلمًا في قومه إلى أن يظهر الله الإسلام.\nفقال ﷺ للرجل: (إنك لن تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس؟) يعني: الناس كثرة وهم يؤذونني، ولا أقدر عليهم، فكيف أدفع عنك؟! (فقال: ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت فائتني).\nفالمسألة هي أن تكون معي وتكون في مكانك أنت، أما الإسلام فقد قبله منه ﷺ، ودخل الرجل في الإسلام بذلك.","vol":"29","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>مجيء عمرو بن عبسة إلى المدينة</span>\nقال: (فذهبت إلى أهلي وقدم رسول الله ﷺ المدينة وكنت في أهلي، فجعلت أتخبر الأخبار) لأن الإسلام دخل في قلب الرجل، وبدأ يبحث وينظر ماذ عمل النبي ﷺ؟ ويتسمع لأخباره صلوات الله وسلامه عليه.\nيقول: (وأسأل الناس حين قدم المدينة، حتى قدم نفر من أهلي من المدينة، فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟) وكأنه كان يخفي إسلامه، ولم يظهره خوفًا من قومه، (قال: فقالوا: الناس إليه سراعًا، وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك، قال: فقدمت المدينة، فدخلت عليه فقلت: يا رسول الله! أتعرفني؟ قال: نعم أنت الذي لقيتني بمكة) كيف سينساه صلوات الله وسلامه عليه وهو رجل جاءه في وقت الضعف يقول: أتبعك وأنت في هذه الحال؟ والذي أرجعه إلى بلده هو النبي صلوات الله وسلامه عليه رحمة وشفقة عليه.\n(قال: فقلت: يا رسول الله! أخبرني عما علمك الله وأجهله)، لم يقل له: أريد أن أدخل في دين الإسلام فهو من البداية عرف أن هذا الدين حق، وتابع بقلبه النبي ﷺ، ولكن أمره النبي ﷺ بالعودة إلى بلده.","vol":"29","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-292>تعليم النبي لعمرو بن عبسة أوقات الصلاة</span>\nفهو الآن يسأل النبي ﷺ: ما هي أحكام الإسلام التي نزلت عليك؟ علمني مما علمك الله وأجهله، أخبرني عن الصلاة؟ (فقال النبي ﷺ: صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى ترتفع الشمس قيد رمح، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل، فإن الصلاة مشهودة محضورة).\nالنبي ﷺ يبين له مواقيت الصلوات في هذا الحديث، فقال: (صل صلاة الصبح) أي: في وقتها، (ثم أقصر عن الصلاة حتى ترتفع الشمس) والمعنى: صلاة الصبح ليس هناك صلاة بعدها، فأقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس، وهل عندما تطلع الشمس يصلي نافلة؟ يقول له ﷺ: (ثم أقصر عن الصلاة حتى ترتفع الشمس قيد رمح) يعني: في نظر الناظر إليها، (فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان)، وقت طلوع الشمس هذا هو وقت يسجد الكفار فيه للشمس، فلا يجوز للمسلم أن يؤخر الفرض إلى هذا الوقت باختياره، ولا يجوز له أن يصلي النافلة وقت طلوع الشمس، وتجد في التقويم (وقت الشروق) فهذا الوقت لا يجوز لك أن تؤخر صلاة الصبح فتصليها فيه باختيارك -ولا يجوز وأنت قاعد في هذا الوقت- أن تصلي نافلة حتى ترتفع الشمس بمقدار ربع ساعة أو ثلث ساعة، ثم تصلي صلاة الضحى إن شئت.\nقال ﷺ: (فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار) فنهانا أن نتشبه بهم.\nقال: (ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة)، وهي صلاة الضحى، فصل وقت الضحى إلى ما قبل الظهر مباشرة، قال: (حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة) أي: عند الزوال، وذلك عندما تكون الشمس في كبد السماء فوق رأس الإنسان، ويكون الظل كله تحت قدميه فيقول له: لا تصل في هذا الوقت، وهو وقت يسير قبل صلاة الظهر بقدر ركعة على الأقل، فهذا الوقت لا يجوز له أن يصلي فيه؛ لأن النبي ﷺ قال: (فإنه حينئذ تسجر جهنم) فيكون قبل وقت صلاة الظهر بمقدار دقيقة أو دقيقتين بقدر صلاة ركعة فقط، فهذا هو الوقت الذي تحرم فيه الصلاة، فالذي يدخل ينتظر حتى يؤذن لصلاة الظهر.\nقال ﷺ: (فإذا أقبل الفيء فصل) فتخيل أنك واقف والشمس تطلع من المشرق فترتفع وترتفع إلى أن تكون فوق رأس الإنسان، فتبتدئ تميل بعد ذلك إلى المغرب، فإذًا: ظلك يتحول إلى ناحية المشرق، فالوقت الذي يتحول فيه هذا الظل هو وقت منعك منه النبي ﷺ أن تصلي فيه.\nقال: (فإذا أقبل الفيء) أي: الظل، كان الظل يتقلص ويتقلص حين صار تحت قدميك، وابتدأ ينتقل بعد ذلك إلى الناحية الأخرى منك، فيكون الظل عند وقت أذان الظهر قد بدأ يتحول من المغرب إلى المشرق.\nقال: (فإذا أقبل الفيء فصل، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر) أي: فصل الفريضة والنافلة حتى وقت العصر فهو وقت مفتوح، فصل فيه ما شئت من نوافل، وليس هناك كراهة.\nقال ﷺ: (ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس) أي: فإذا صليت العصر فلا تصل نافلة حتى تغرب الشمس.\nوهنا استثنى العلماء فيما بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر صلاة ما له سبب، مثل: إنسان فاتته سنة الفجر القبلية فصلاها بعد الفجر، فيجوز له أن يصلي ويقصر عن الصلاة، ولا يصلي نافلة أخرى، وإذا كان الإنسان في هذا الوقت يدخل المسجد لسماع درس أو غيره فليصل تحية المسجد، إلا أن يكون عند طلوع الشمس فلا يجوز له أن يصلي.\nكذلك قبل الغروب، فبعد صلاة العصر لا صلاة إلا ما له سبب، كإنسان يصلي تحية المسجد أو سنة فائتة فاتته، ولكن لا يصلي غير ذلك، قال لنا هنا: (ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس) فقبيل غروب الشمس يرجع وقت التحريم مرة أخرى مثل وقت طلوع الشمس، والعلة هنا أنها تغرب بين قرني شيطان، فلا يجوز للمسلم أن يؤخر صلاة العصر إلى قبيل الغروب اختيارًا؛ لأنه يتشبه بعباد الشمس من الكفار، والمسلم كأنه بفعله هذا يقلد هؤلاء الكفار فيؤخر صلاة العصر إلى هذا الوقت، وسماها النبي ﷺ صلاة المنافقين؛ لأن المنافق يرقب الشمس حتى إذا اصفرت قام فنقرها أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا، فاحذر أن تتشبه بالكفار أو تتشبه بالمنافقين وتؤخر صلاة العصر اختيارًا إلى وقت اصفرار الشمس.\nوقال ﷺ: (فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار).","vol":"29","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-293>تعليم النبي لعمرو بن عبسة الوضوء مع ذكر ما فيه من فضل</span>\nقال عمرو فقلت: (يا نبي الله! فالوضوء حدثني عنه؟ قال ﷺ: ما منكم رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه).\nهذا هو المقصد من هذا الحديث: أن الإنسان عندما يتوضأ تتساقط الذنوب مع آخر قطر الماء، فعندما يغسل وجهه فإن ذنوب الفم والأنف والوجه والعينين تنزل كلها مع الماء.\n(فقال: ما منكم رجل يقرب وضوءه -ماء الوضوء- فيتمضمض ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه -أنفه-، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإذا هو قام يصلي، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ومجده بالذي هو له أهل، وفرغ قلبه لله تعالى إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه).\nفهذا حديث عظيم جدًا في فضل الله سبحانه ﵎ على العبيد، في صلاتهم، ووضوئهم، فهذا الوضوء يفعل ذلك.\nثم انظر إلى الصلاة التي تنفع الإنسان! قال ﷺ: (فإن قام فصلى، فحمد الله تعالى) يعني: قرأ بفاتحة الكتاب، وعرفنا في الحديث الآخر أن الله سبحانه ﵎ يقول: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، قال الله تعالى حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] قال: أثنى علي عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]، قال: مجدني عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] إلى آخر الفاتحة قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل).\nفهنا يحمد الله سبحانه ﵎، ويثني عليه، ويمجده بالذي هو له أهل، وهذا كله في فاتحة الكتاب إذا قرأها.","vol":"29","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-294>أهمية الخشوع في الصلاة</span>\nوهنا القيد، إذ قال: (وفرغ قلبه لله تعالى) فالذي يصلي يفرغ قلبه لله سبحانه ﵎، فلا يصلي وهو يفكر في عمله، ولا يصلي وتفكيره حول فلان، ولكن ليفرغ قلبه، وهذا عزيز وصعب أن يدخل الإنسان في الصلاة ويتفرغ بكله إلى الصلاة، فهذا صعب على الإنسان إلا من أعطاه الله سبحانه ومن عليه بذلك، لذلك يحاول المسلم جاهدًا في ذلك، ويأتي الشيطان على الإنسان فيختلسه شيئًا من صلاته، فيرجع مرة أخرى لصلاته، ثم يرجع إلى تدبره، فيأتي الشيطان ليلهيه ويذكره بشيء في البيت وبشيء في السوق، وبشيء في كذا، فكلما خرج عن صلاته فهو اختلاس يختلسه الشيطان منه.\nولذلك جاء في الحديث: (إن العبد ليصلي الصلاة ليس له منها إلا عشرها، إلا تسعها، إلا ثمنها، إلا سبعها، إلا سدسها، إلا خمسها، إلا ربعها، إلا ثلثها، إلا نصفها)، وسكت النبي ﷺ، وكأن الغالب من أحوال الناس أنهم لا يخرجون بصلاة كاملة.\nفإذا كان الإنسان قد فرغ قلبه في صلاته لله رب العالمين، وخرج من هذه الصلاة بفضل من الله وكما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧] فيقبل هذه الصلاة ويغفر لهذا العبد، وينصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه.\nفالإنسان المؤمن يعود نفسه على الانتباه في صلاته، وعلى ذكر الله سبحانه، والتدبر الذي قال لنا ربنا فيه: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] فالمؤمن يتدبر آيات الله سبحانه، فإذا جاء الشيطان واختلس منه شيئًا لا يترك نفسه مع الشيطان، ولكن ليرجع بسرعة ويتدبر ويتأمل، حتى يكون في النهاية من المتدبرين الخاشعين في صلاته وله هذا الأجر، فإذا دخل في الصلاة خرج منها كهيئته يوم ولدته أمه.\nوإذا أحسن الوضوء والصلاة وفرغ قلبه لله، فهذه هي الصلاة التي ذكر الله لنا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥] فهذه هي الصلاة المقبولة التي قبلها الله فأعطى الإنسان بها نورًا في الدنيا ونورًا يوم القيامة، وجعلها تنهى هذا الإنسان عن الفحشاء والمنكر.","vol":"29","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-295>تأكيد عمرو بن عبسة لسماعه فضل الوضوء والصلاة من رسول الله</span>\nفـ عمرو بن عبسة ﵁ حدث بهذا الحديث وعنده صحابي آخر، وهو أبو أمامة ﵁ فقال له أبو أمامة: (يا عمرو بن عبسة انظر ما تقول! في مقام واحد يعطى هذا الرجل؟!).\nيعني: كأنه استكثر أن كل هذا يعطاه العبد في مقام واحد، أنه إذا توضأ هذا الوضوء خرت الخطايا كلها منه، ثم يدخل في الصلاة فيخرج منها كيوم ولدته أمه، ليس عليه ذنب، يقول له: تذكر جيدًا أن تكون قد نسيت شيئًا مما ذكره النبي ﷺ.\nفكان جواب عمرو ﵁ أنه قال: (يا أبا أمامة! لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، ومالي حاجة أن أكذب على الله تعالى)، وحاشا لأصحاب النبي ﷺ أن يكذبوا على النبي ﷺ أو على ربهم سبحانه.\nقال: (ولا على رسول الله ﷺ لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلا مرة أو مرتين أو ثلاثًا حتى عد سبع مرات ما حدثت بهذا أبدًاَ).\nيعني: هذا الحديث لم يقله النبي ﷺ مرة واحدة، بل قاله سبع مرات، والعدد (سبعة) يذكره العرب بمعنى: الكثرة، ولعله قالها أكثر من ذلك.\nقال: لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلا مرة أو مرتين أو ثلاثًا -حتى عد سبع مرات- ما حدثت أبدًا به.\nقال: (ولكني سمعته أكثر من ذلك).\nوحق للصحابي الذي سمع ذلك أن يبلغ ذلك للأمة حتى لا ييئسوا من رحمة رب العالمين، وحتى يعرفوا فضل الصلاة، فهي ركن من أركان الإسلام، بل هي من أعظم أركان الإسلام بعد شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ.\nولذلك المؤمن الذي يصلي يعرف أن هذه الصلاة صلة بينه وبين ربه فيحسن هذه الصلاة ويستقيم فيها، ويأتيها ويعلم أن له في الوضوء أجر، وله في المشي إلى المسجد أجر، وفي صلاة الجماعة أجر، وفي انتظار الصلاة أجر، وفي التسبيح بعد الصلاة أجر، وفي القعود في المسجد بين الصلاة والصلاة أجر.\nفكل هذه الأجور العظيمة في هذه الصلاة لها منزلة كبيرة عند الله، فتعرف منزلة الصلاة، وأنها لم تفرض على الأرض وإنما فرضت في السماء، فالصلاة عالية جدًا، ومنزلتها عظيمة جدًا، يرتفع النبي ﷺ إلى السماء، فتفرض عليه وهو فوق السماوات صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"29","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-296>شرح حديث: (إذا أراد الله رحمة أمة قبض نبيها قبلها)</span>\nكذلك من الأحاديث: حديث لـ أبي موسى الأشعري ﵁ كما في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا أراد الله تعالى رحمة أمة قبض نبيها قبلها، فجعله لها فرطًا وسلفًا بين يديها، وإذا أراد هلاك أمة عذبها ونبيها حي، فأهلكها وهو حي ينظر، فأقر عينه بهلاكها حين كذبوه وعصوا أمره).\nوالصحابة عندما يسمعون ذلك ينظرون: يا ترى هل يموت النبي ﷺ أولًا أم أصحابه؟! فهنا النبي ﷺ كأنه يخبرهم عن رحمة رب العالمين بهذه الأمة، وهو رحمة مهداة إلى هذه الأمة صلوات الله وسلامه عليه، فالله ﷿ قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] (وما - إلا) أسلوب حصر، فهو رحمة لهذه الأمة صلوات الله وسلامه عليه، وقد وعد الله هذه الأمة ألا يعذبهم وهو فيهم ﷺ، وزادهم من فضله وكرمه، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣].\nقوله: (وأنت فيهم) أي: وأنت رحمة للأمة، فإذا قبض الله النبي ﷺ فالرحمة باقية منه سبحانه، بأن يستغفر المؤمنون رب العالمين فيغفر لهم ولا يعذبهم، أي: عذابًا عامًا يستأصل الجميع، ولكن لا يمنع أن يكون على بعض الأقوام شيء من غضب الله ﷿ فيأخذهم ببعض ذنوبهم في الدنيا، ولكن العذاب العام الذي يستأصل الأمة لا يكون؛ لأن الله وعد هذه الأمة أنه لا يهلكهم ونبيهم فيهم ﵊، ولا يهلكهم وهم يستغفرون.\nوذكر الإمام النووي ﵀ في فضل الرجاء آية وهي قول الله ﷿ عن العبد الصالح: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٤ - ٤٥] وهذا مؤمن من آل فرعون يدعو قومه للإيمان بالنبي موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فهم يكذبون موسى ﵊ وهذا يقول لهم: إن هذا رجل جاءكم بالبينات من رب العالمين.\nوقال لهم: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر:٤١] فقال عنه سبحانه أنه قال: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤].\nفإذا توكل الإنسان على الله وفوض أمره إلى الله فإن الله يقيه من كل سوء ومكروه، قال تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر:٤٥] لما توكل على الله وفوض الأمر إليه إذا بالله سبحانه ﵎ يقيه مكرهم.","vol":"29","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>شرح حديث: (والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته)</span>\nكذلك من الأحاديث حديث أبي هريرة ﵁ كما في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: (قال الله ﷿: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني، والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة).\nيذكر في هذا الحديث العظيم أن الله ﷿ عند ظن عبده به، فالعبد لا يظن بالله إلا الخير، فإذا به يعمل الخير، والله ﷿ يعطيه الأجر على ذلك، ويكون عند ظن هذا العبد، فإذا أساء العبد وعلم أن الله غفور رحيم فتاب إلى الله ﷿ وأصلح حاله مع الله، وأصلح حاله مع الخلق، وأحسن الظن بالله أنه يتجاوز عن سيئاته، ويغفر له ذنوبه فهو عند ظنه: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني) في أي مكان يذكر الله ﷿ فإن الله ﷿ معه.\nقال النبي ﷺ: (والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة)، يفرح الله ﷿ بتوبة العبد إليه، والعبيد عبيد الله سبحانه، فلو شاء لأهلكهم وهو غير ظالم لهم سبحانه، ولو شاء لأعطاهم سبحانه ﵎ ولا ينفد ما عنده.\nوهنا انظروا إلى العبد الذي خلقه الله، فإن الله به رحيم سبحانه، يفرح بتوبته، فإذا فرح بتوبة العبد هل تتخيل أنه يفرح بتوبته ثم يعذبه سبحانه ﵎.\nولذلك يقول: (والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة)، وفي رواية أخرى أن هذا الإنسان الذي وجد ضالته في الفلاة: (كان عليها طعامه وشرابه، فإذا بهذه الناقة تنفلت) أي: تهرب منه وتضيع منه في الفلاة، (فأيقن بالهلكة)، لأنه لا ناقة له يرحل عليها، ولا طعام يأكله، ولا شراب يشربه، فجاء تحت ظل شجرة ووضع يده تحت رأسه ونام مستسلمًا للموت فاستيقظ من نومه فوجد الناقة أمامه، (فاستيقظ ووجد ضالته أمامه، فإذا به يفرح فرحًا عظيمًا، فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك! أخطأ من شدة الفرح) فهذه فرحة هذا العبد حين وجد ضالته، ولله ﷿ المثل الأعلى.\nوهنا يفرح الله سبحانه بأن العبد يتوب إليه أشد من فرح أحدكم إذا ضل منه شيء في فلاة فوجده، فإذا فرح الله ﷿ بتوبة العبد هل نظن أنه سيحاسبه ويعذبه؟ الله سبحانه ﵎ أرحم بعبده.\nيقول النبي ﷺ عن ربه: (ومن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا).\nوالجزاء من جنس العمل، فإذا تقربت من الله ﷿ فإن الله يتقرب إليك، ولكن كيف ستتقرب إلى الله؛ هل ستصعد بسلم إلى السماء؟ لا، وإنما تتقرب إلى الله بالعمل، والعمل يرفع إلى الله ﷿، فإذا تقربت بالعمل فإن الله ﷿ يتقرب إليك بجزاء هذا العمل، فأنت تتقرب إليه شبرًا والثواب يكون عشرة أمثال، وأضعافًا مضاعفة لا يعلمها إلا الله سبحانه ﵎.\nفالمعنى: كلما تقربت إليه بعمل أعطاك ثوابًا جزيلًا عظيمًا لا يخطر على بالك، (من تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا، ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا).\nوالذراع معروف.\nوالباع: هو فتح اليدين، أي: يعطيك أكثر مما تقربت إليه سبحانه ﵎.\nقال: (وإذا أقبل إلي يمشي أقبلت إليه أهرول)، والهرولة بمعنى: الإسراع للطاعة، فإن الله يسرع إليك بالثواب.\nوفي الحديث الآخر: (إن الله لا يمل حتى تملوا) فيمل العبد، وحاشا لله أن يمل سبحانه، ولكن المعنى هنا أنه يقطع عنك الثواب والأجر حين تمل أنت من العبادة، فأنت تبادر وتسارع إلى الطاعة، والله يسرع إليك بثواب هذه الطاعة، أي: في الدنيا والآخرة، فإذا مل العبد وترك الطاعة انقطع عنه هذا الثواب حتى يراجع الطاعة مرة أخرى.\nوفي رواية للحديث قال: (وأنا معه حين يذكرني).","vol":"29","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-298>شرح حديث: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله)</span>\nوروى مسلم عن جابر ﵄.\nأي: عنه وعن أبيه عبد الله بن حرام الأنصاري، أحد الشهداء الذين خاطبهم الله كفاحًا ﵁؛ ولذلك عندما يحدثون عن جابر بن عبد الله يقولون: ﵄.\nسمع جابر النبي ﷺ قبل موته بثلاثة أيام يقول: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ﷿).\nوالمعنى: ليكن حسن الظن في قلبك، حتى إذا جاءتك الوفاة كنت على حسن الظن بربك سبحانه، أي: حسن الظن الذي يدفعك إلى العمل، وإحسان الظن هذا ينفعك في حال وفاتك، فالله ﷿ يقول: (أنا عند ظن عبدي بي).\nوهنا يقول: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله)، وجاء النبي ﷺ على عبد شاب وهو يموت، فسأله ﷺ وقال: (كيف تجدك؟ قال: أجدني أرجو الله وأخاف ذنوبي) أنا أرجو رحمة رب العالمين، لكنني خائف من ذنوبي، فقال ﷺ: (لا يجتمعان في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما رجاه، وأمنه مما يخاف)، فعند الوفاة إذا كان العبد يرجو رحمة رب العالمين فالله عند حسن ظنه به.\nوهناك حديث آخر عن أنس بن مالك يرويه الترمذي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (قال الله تعالى: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي).\nالعبد يدعو ربه سبحانه ﵎ وقد يكون من العصاة أو من أهل الكبائر، بل من أهل الكفر، فإذا تاب ورجع إلى الله ﵎ ودعا ربه فإن الله يغفر له يقول: (غفرت لك ولا أبالي)، وسيبالي بماذا؟ من الذي سيحاسب الله سبحانه ﵎ حاشا له سبحانه؟ قال: (يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك).\nالعبد يذنب ذنبًا ثم ذنبًا ثم كبيرة ففاحشة إلى أن تصل إلى عنان السماء، ثم يتوب إلى الله ﷿ توبة نصوحًا يعلم الله صدقه في ذلك فيغفر له، ويأتيه بقرابها مغفرة، فلو ملأ ما بين السماء والأرض ذنوبًا ثم تاب إلى الله، فإنه يغيرها ويملؤها له ربه سبحانه بالفضل والرحمة.\nقال هنا سبحانه: (إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة).\nوالمعنى من جميع هذه الأحاديث: أن العبد لا يقنط أبدًا من رحمة رب العالمين، فرحمة الله واسعة، وخوف العبد من الله يمنعه من المعاصي، والرجاء فيما عند الله يدفع العبد إلى التوبة وإلى حسن الظن في الله ﷾.\nفالإنسان المؤمن إذا تاب إلى الله ﷿ علم فضل الله ﷿ عليه في أنه ألهمه التوبة، وعلم فضل الله ﷿ عليه في أنه قبل منه هذه التوبة، وعلم فضل الله ﷿ عليه أن ثبته على الهدى.\nنسأل الله ﷿ أن يتوب علينا، وأن يثبتنا على الهدى حتى نلقاه.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"29","page":12},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-299> الجمع بين الخوف والرجاء وفضل البكاء من خشية الله تعالى</span>\nإن الخوف والبكاء من خشية الله تعالى من أعظم الفضائل الدالة على إيمان المرء، وبهما يعلو الإنسان ويشرف بين الأنام، فهما فعْل الأنبياء والصالحين والأواهين، وهما حلية عباد الله التائبين، والمتصف بهما من الذين يظلهم الله ﷿ في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.","vol":"30","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>الجمع بين الخوف والرجاء</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب الجمع بين الخوف والرجاء.\nاعلم أن المختار للعبد في حال صحته أن يكون خائفًا راجيًا، ويكون خوفه ورجاؤه سواء، وفي حال المرض يمحض الرجاء، وقواعد الشرع من نصوص الكتاب والسنة وغير ذلك متوافرة على ذلك.\nقال الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧].\nوقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف:١٦٧].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣ - ١٤].\nوقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:٦ - ٩].\nوالآيات في هذا المعنى كثيرة، فيجتمع الخوف والرجاء في آيتين مقترنتين أو آيات أو آية.\nوروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد)، رواه مسلم].","vol":"30","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-301>ما جاء من الجمع بين الخوف والرجاء في القرآن</span>\nهذا باب آخر من أبواب كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي ﵀: الجمع بين الخوف والرجاء، وقد ذكر قبل ذلك بابًا في الخوف، وذكر بابًا في الرجاء، وذكر بابًا في فضل الرجاء، وذكر هنا بابًا في الجمع بين الخوف والرجاء، وبين لنا أن المقصد منه أن العبد المؤمن في حال صحته يكون خائفًا راجيًا، فيخاف من الله ﷿، ويكون راجيًا لرحمة رب العالمين سبحانه.\nفالخوف يجعله مطيعًا لله، ويمنعه من الوقوع في المعاصي، والرجاء يجعله إذا وقع في شيء من الذنوب سرعان ما يرجع إلى الله ﷿ تائبًا إليه، فيرجو فضله ورحمته.\nوإذا كان في حال المرض وخاصة المرض المخوف فإنه يغلب جانب الرجاء، فالرجاء يجعله إذا وقع في شيء من الذنوب سرعان ما يرجع إلى الله ﷿ تائبًا إليه، ويرجو فضله ورحمته، وكذلك يجعله يحسن الظن بالله سبحانه، والله عند ظن العبد به، فإذا أحسن العبد ظنه بالله ورجاءه قبله سبحانه وأعطاه ما لا يرجوه.\nقال الله ﷿: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩]، وقال ﵎: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤]، فربنا يملي للإنسان الكافر ويملي للفاجر، قال سبحانه: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣].\nفمن ظن أن الله ﷿ يعطيه وهو يعصي ربه، أو ظن أن الله يعطيه لخيريته، أو لأنه يستحق ذلك، فهذا إنسان قد جهل ربه سبحانه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١]، وجهل ما وقع فيه من معاص، فالإنسان الذي يفجر ويعصي ويتركه ربه فذلك الترك لأمرين: إما أن يراجع العبد نفسه فيتوب إلى الله، وإما أن يكون ذلك إملاءً من الله سبحانه، حيث قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ [الأعراف:١٨٣] أي: يتركهم إلى أن يأخذهم أخذًا يعتبرون به، والسعيد من اتعظ بغيره، والشقي من لم ينتفع بهذه الموعظة.\nفالإنسان الذي يتعظ بغيره يكون له في ذلك عبرة، فيحذر أن يقع في تلك المخالفة التي وقع فيها غيره.\nوأما الإنسان الذي لا يعتبر بشيء فكلما أعطاه الله ازداد كبرًا وغرورًا، فهذا يملي الله له، فإذا أخذه جعله عبرة لغيره، قال سبحانه: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩].\nوالمكر: هو الكيد من الله ﷿ والإملاء والاستدراج للعبد، فالعبد يخادع ربه والله خادعه، فالمنافق مثلًا يخادع وربنا يملي له ويتركه حتى إذا دخل في المكان الذي يظن أنه آمن فيه إذا بحتفه يأتيه، قال تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣]، فربنا يمكر بهم ويأخذهم من حيث يشعرون أنهم آمنون، وأنهم لا يوصل إليهم، وإذا بكيد الله يصل إليهم في مأمنهم.\nفالله ﷿ يمكر بالكافر ويمكر بالفاجر، قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣].\nفالذي يأمن مكر الله لا يستعد لذلك بالإيمان وبالطاعة، وهذا إنسان خاسر يظن أن الله لا يقدر عليه.\nوقال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] وروح الله: رحمته.\nفالذي ييئس من الرحمة لا يستحقها؛ لأنه لم يؤمن بصفة من صفات رب العالمين، فإذا يئس من رحمة الله لم يستحقها وصار كافرًا؛ لأنه أنكر صفة من صفات رب العالمين سبحانه، والذي يأمن مكر الله يستحق أن يكون من الخاسرين؛ لأنه تناسى صفة من صفات الله ﷿ وهي صفة القدرة وصفة الإملاء، فهو يملي وكيده متين.\nوقال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦] وهذا في يوم القيامة، فهناك تظهر أعمال العباد، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران:١٠٦]، وهذا لمن عرفوا الحق ثم تنكبوا عن طريقه، ولمن دخلوا في الإسلام ثم ارتدوا عنه، فيقال لهم: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٦ - ١٠٧].\nفالذين يبيض الله ﷿ وجوههم يفرحون بذلك، فإذا دخلوا الجنة قال الله لأهل الجنة: (هل تريدون شيئًا؟ فيقولون: وأي شيء نطلب، ألم تعطنا؟ ألم تبيض وجوهنا؟)، فمن ضمن ما يذكرونه لله رب العالمين وله المنة سبحانه: أنه بيض وجوههم، وأدخلهم جنته سبحانه.\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف:١٦٧].\nوهذه صفات لله سبحانه، فهو سريع العقاب، وقد يحلم عن عبيده ويتركهم لعلهم يتوبون، ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف:١٦٧]، فالإنسان بين الخوف والرجاء، فهو بين الخوف من سريع العقاب سبحانه، وبين رجاء رحمة أرحم الراحمين الغفور الرحيم.\nوقال سبحانه: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣ - ١٤].\nفربنا يمنّي الإنسان المؤمن بهذه النعم، فيعمل له بطاعته، ويخوفه من الجحيم، فاحذر أن تفجر فتكون من أهلها.\nوقال سبحانه: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة:٦ - ٧].\nوقال في سورة الحاقة: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:٢١ - ٢٣] ويقال لهم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤].\nوقال سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة:٨]: فالموازين توضع في يوم القيامة، فتوزن أعمال العبد، فإن ثقلت الموازين ورجحت كان من أهل الجنة، وكان في عيشة راضية.\n﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:٨ - ٩]: أي: هي مقصده ومصيره ومكانه الذي يستحقه، فيهوي في نار جهنم، فأمه: أي: مقصده وسبيله وطريقه، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة:١٠ - ١١].","vol":"30","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-302>شرح حديث: (لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد)</span>\nومن الأحاديث ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد).\nلو يعلم المؤمن وليس الكافر؛ من أجل ألا يتكل المرء على الرجاء، ويقول: أنا راج رحمة رب العالمين، أنا لأجل هذه الرحمة تارك العمل وتارك للصلاة والصوم! فالإنسان الذي يرجو الرحمة يعمل لها؛ حتى يستحقها.\nففي هذا الحديث: (لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة)، فقد يعاقب المرء وإن قال: لا إله إلا الله بعقوبات شديدة في نار جهنم، فبعض عصاة الموحدين قالوا: لا إله إلا الله ووحدوا الله، فدخلوا نار جهنم بمعصيتهم: بآفات ألسنتهم وأعضائهم وجوارحهم، فبالآفات التي وقعوا فيها استحقوا العقوبة.\nقال: (ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد)، فالكافر لو عرف ما عند الله من رحمة ما قنط من جنته، ولكن الكافر لا جنة له إلا أن يتوب ويدخل في دين الله ﵎.\nوقد قال سبحانه في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فالكافر لو اطلع على الرحمة لظن أن الله سيرحمه ويدخله الجنة مع كفره وشركه بالله سبحانه، وحاشا لله ﷿ أن يخلف موعده، فقد وعد المؤمنين بالجنة، وأوعد العصاة والكفار بالنار، فالمشركون الذين يموتون على الشرك بالله لا يستحقون دخول جنة رب العالمين سبحانه.","vol":"30","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>شرح حديث: (إذا كانت الجنازة صالحة قالت: قدموني قدموني)</span>\nومن الأحاديث في ذلك ما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: (إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم: فإن كانت صالحة قالت: قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين تذهبون بها، ويسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها لصعق).\nفهذا حديث عظيم يخيف الإنسان المؤمن، وكم من جنائز تأتي ويصلى عليها وترفع ويمشي بها الإنسان ولا يتدبر ما صار إليه الميت، فهو الآن محمول على نعشه، وموثق في كفنه، فلا يقدر أن يفر ويفلت، فماذا سيحصل له؟! فالإنسان المؤمن يرجو رحمة رب العالمين سبحانه وأن يساعده عند خروج الروح.\nوالإنسان الكافر الفاجر يرى العذاب من أول خروج روحه، فهنا إن كانت صالحة احتملها الناس على أعناقهم وقالت: (قدموني قدموني)، فالمؤمن الصالح يتشوق للجنة ويتشوق للنعيم الذي عند رب العالمين، فالملائكة تبشره من ساعة خروج روحه وتقول له: (اخرجي أيتها النفس الطيبة إلى روح من الله وريحان، ورب غير غضبان) فيستبشر المؤمن بذلك، وقد تخرج نفسه بعرَق الجبين، أي: بتعب وشدة ومشقة، وهذا يرفع درجته عند الله ﷿، فهو فرحان بذلك وإن شدد عليه حتى يصل إلى جنة رب العالمين.\nوأما الإنسان الفاجر الكافر العاصي فيقول عن نفسه كما قال هنا النبي ﷺ: (قالت: يا ويلها) يعني: هذا الإنسان يتكلم عن نفسه، والنبي ﷺ ما قال عن نفسه: يا ويلي، وإنما حكى قول هذا الفاجر والعاصي أنه يقول عن نفسه: (يا ويلها أين تذهبون بها)، والأصل: يا ويلي أين تذهبون بي، فمن ساعة خروج روحه أتت له الملائكة بكفن من النار، وحنوط من النار، ويخلو هذا الإنسان برائحته العفنة، فيصعدون به إلى السماء فلا تفتح له أبواب السماء كما ذكرنا قبل ذلك.\nفهذا الإنسان يصرخ وهو فوق نعشه ولا أحد يسمعه حتى يصل إلى قبره وهو يصرخ ويقول: أين تذهبون بها؟ ويسمع صوتها كل شيء كالبهائم، ولا يسمعه الإنس والجن، ولو سمعه الإنسان لصعق من صوته البشع؛ من شدة خوفه ورعبه.\nوقد أمرنا بشهود واتباع الجنازة حتى نعتبر، وكان الصحابة رضوان الله عليهم إذا حضروا جنازة لا يعرف أهل الميت من غيرهم فالكل يبكي من هذا اليوم، وخوفًا من هذا المكان وهو القبر وما يكون فيه، لذلك فالجنازة عبرة للإنسان المؤمن، فإذا ذهب إلى القبور وسلم عليهم نظر وعلم أن هذا مآله ومصيره، وتخيل في القبور وما فيها، يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات:٢٥] أي: أنها كفتتهم وضمتهم فوقها وتحتها أحياء وأمواتًا.\nفالمؤمن يتعظ مهما حصّل من الدنيا من نعيم ومن قصور، ويعد نفسه للدار الآخرة ولنعيم رب العالمين بطاعة الله سبحانه، وبالبعد عن معاصي الله سبحانه، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه.","vol":"30","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>شرح حديث: (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله)</span>\nروى البخاري عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله).\nوشراك النعل: هي السيور التي في ظهر الحذاء، فهذه السيور قريبة منك تربطها سريعًا وتحط رجلك فيها، فالجنة أقرب، بمعنى أن عمل الجنة سهل على من أخلص لله ﷿.\n(والنار مثل ذلك)، فالمعاصي سهل على الإنسان أن يفعلها، وربنا قد هدى العباد فقال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠]، فطريق السعادة طريق سهل، وطريق الشقاوة طريق سهل، واختر أنت أي الطريقين، ولا تنظر إلى قضاء الله وقدره فإنه لن يطلعك على الغيب، فكل شيء يجري بمقدار، وكل شيء هو بقضاء الله وقدره، ولكن ما قضاؤه فيّ وما قضاؤه فيك؟ لا ندري، فلم يطلعنا على هذا القضاء.\nإذًا فنؤمن بالغيب ونؤمن بالقضاء والقدر ولا نجعله مانعًا من العمل، فالمؤمن مصدق بالقضاء والقدر، وأن كل شيء خلقه الله بقدر، وأن الله خلق العباد وخلق ما يعملون، والله علم كل شيء وخلق فريقًا للجنة وفريقًا في النار، فهذا كله نؤمن به.\nأما أن تجعله أمرًا يمنعك من العمل فأنت لم تطلع على هذا الغيب حتى تمتنع، فترى الإنسان الذي يجادل في قضاء الله يقول: إذا كان الله ﷿ قدر لي أن أدخل الجنة فسأعمل بعمل أهل الجنة، فيقال له: إن الله جل وعلا لم يمنعك من عمل أهل الجنة، فهل حاولت أن تصلي ومنعك؟ وهل حاولت أن تتصدق بصدقة ومنعك؟ كلا، فتقدم إلى العمل ودع الاحتجاج بالقضاء والقدر، وعليك أن تؤمن بهما فالله ﷿ قدر كل شيء.\nوالصحابة لما سألوا النبي ﷺ عن القضاء والقدر، وعن هذه الأعمال التي نحن نعملها هل هي شيء قد فرغ منه أم أنها شيء لا زلنا نعمله ويعلمه الله ﷿؟ فأخبرهم أنه شيء قد فرغ منه وانتهى أمر القضاء والقدر، فكل شيء مقدر عند الله، وكل إنسان معلوم عند الله منزله في الجنة أو في النار.\nفالمطلوب منك أن تؤمن بالقضاء والقدر، ومطلوب منك أن تعمل، فلا تضيع الوقت في الجدل وفي الكلام، فإذا كنت من أهل الجنة يسر لك الله عمل أهل الجنة، وإذا كنت من أهل النار عسر عليك الله طريق الجنة، فالذي يجادل في هذا لا يستحق الجواب، وانظر الجواب بعد ذلك عندما يدفن في قبره، عندما تجيء الملائكة تأخذ روحه فيسأل عن تضييع الوقت في هذا الجدل.\nفالذي يستهين بأمر النار دعه يستهين بأمر النار حتى يدخلها، فهناك يعرف ماذا كان يعمل في الدنيا، وما هو الشيء الذي حرمه من دخول الجنة.\nوأما الإنسان المؤمن فلا يفكر في أمر القضاء والقدر ولماذا ربنا عمل كذا؟ بل هو مؤمن بالله ﷿، ومؤمن بالغيب، وعلم من كتاب الله سبحانه الآية العظيمة التي قال الله سبحانه فيها: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، فالله لا يسأل لم فعل كذا؟ وإنما أنت الذي تسأل عن ذلك، فأعد لهذا السؤال جوابًا، ولا تضيع وقتك فيما لا ينفعك بل يضرك.\n(الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله) يعني: أن عمل الجنة عمل سهل ولكن دع عنك الشهوات، ودع عنك الشبهات تيسر لطريق الجنة.\n(والنار أقرب إلى أحدكم من شراك نعله)، فالمعصية سهلة أن يقع الإنسان فيها، فالجنة سهلة والنار سهلة، والذي يوفقه الله ﷿ ييسر له طريق الجنة.","vol":"30","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>شرح حديث: (فضل البكاء من خشية الله)</span>","vol":"30","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>من صفات المؤمنين أنهم يخرون لله سجدًا وبكيًا</span>\nذكر الإمام النووي ﵀ بابًا في فضل البكاء من خشية الله تعالى، وشوقًا إليه.\nفهناك من يبكي خوفًا من الله، ومنهم من يعلم أنه مذنب فيبكي تائبًا لله سبحانه، ومنهم من عبد الله ووجد نفسه لا يقدر على إحسان العبادة، فيبكي على كونه لم يوفق لذلك، ومنهم من يبكي حبًا لله ﷿ وشوقًا للقائه سبحانه، فالبكاء أنواع.\nقال الله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٩]: فالمؤمنون الصالحون المقربون يسمعون كلام الله سبحانه فيخرون لله سجدًا: ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٨ - ١٠٩].\nوقال سبحانه: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ [النجم:٥٩] أي: أغاية جهدكم في هذا القرآن العظيم أنكم تتعجبون منه فقط، ﴿وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم:٦٠ - ٦١] أي: في لهو وفي غفلة ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم:٦٢].","vol":"30","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-307>بكاء النبي عند سماع القرآن</span>\nوعن ابن مسعود رضي الله ﵎ عنه قال: قال لي النبي ﷺ: (اقرأ عليّ القرآن).\nفهذا النبي العظيم الكريم صلوات الله وسلامه عليه سيد الخلق يجلس ويقول لـ عبد الله بن مسعود: اقرأ علي القرآن، فـ ابن مسعود يتواضع مع النبي ﷺ ويقول: (يا رسول الله! أقرأ عليك وعليك أنزل؟!) يعني: لقد أنزل القرآن عليك، ومثلي لا يقرأ عليك أنت، فقال ﷺ: (إني أحب أن أسمعه من غيري).\nقال: (فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١])، وهذه الآية العظيمة فيها تشريف للنبي ﷺ، ورفعة لمنزلته، ومعناها: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد يشهد عليهم، وجئنا بك شاهدًا على هؤلاء جميعهم، فالشاهد في الدنيا محل تزكية، فهو مزكى تقبل شهادته، فكيف بالآخرة؟ ويشهد النبي ﷺ على الأمم، فمقامه مقام علي جدًا صلوات الله وسلامه عليه، ومع ذلك فهو ينظر لهذا المقام ولهذا الوقت ولهذا اليوم وللرعب الذي يكون فيه العباد فيبكي صلوات الله وسلامه عليه، فقال: (حسبك الآن، فالتفتُ إليه فإذا عيناه تذرفان)؛ من بكائه من هول الموقف وهو سيد الخلق ﷺ، فآدم فمن دونه تحت لوائه صلوات الله وسلامه عليه يوم القيامة، وهو يبكي من هذا اليوم، وهو الشفيع فيه، فنحن أحق بذلك منه صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"30","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-308>من علم حقيقة الأمر بكى كثيرًا وضحك قليلًا</span>\nوفي الصحيحين من حديث أنس ﵁ قال: خطب رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط، فقال ﷺ: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا).\nفعادة الإنسان في الدنيا أنه يضحك كثيرًا ويبكي قليلًا، ولعل البعض لا يبكي أصلًا، لكن النبي ﷺ يعلم علم اليقين، فقد رأى الجنة والنار صلوات الله وسلامه عليه، ورأى ملائكة الله سبحانه، وسمع عذاب القبر، وكان يقول لأصحابه أحيانًا: (هل تسمعون ما أسمع؟) وهم لا يسمعون ما يسمع، ويمر على قبرين يعذبان فيقول: (إنهما يعذبان ولا يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة بين الناس).\nفهنا رأى ما لا يرون، ولو رأى الناس ما رأى النبي ﷺ، أو علموا يقينًا ما علمه النبي ﷺ لكان الأمر كما قال: (لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، قال: فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم ولهم خنين)، أي: أنهم تأثروا بما قاله النبي ﷺ، واستحضروا خشية الله سبحانه، فإذا بهم يبكون.\nوالخنين هو صوت الأنف عندما يخرج منه النفس ويدخل أثناء البكاء، وهذا من كتمان بكائهم رضوان الله ﵎ عليهم.","vol":"30","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>لا يدخل النار من بكى من خشية الله</span>\nومن الأحاديث ما رواه الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم).\nفالبكاء من خشية الله وخاصة إذا كان الإنسان وحده أمر عظيم، فإذا جلس الإنسان وتذكر عقوبة رب العالمين وعذابه، وتذكر ما هو صائر إليه، وتذكر قول الله سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١] فإذا به يبكي من خوف الله سبحانه، فإذا بكى من خوف الله فإن النبي ﷺ يخبر أن هذا لا يلج النار؛ لكونه خاف من الله سبحانه، والذي يخاف من الله فإن الله يجعل في قلبه الإخلاص، فجزاء الإحسان الإحسان، فأنت أحسنت بخوفك من الله فالله ﷿ يزيد إيمانك، ويوفقك للعمل الصالح، ويهديك ويزيدك هدىً، فلا تكون من أهل النار يوم القيامة.\nإن الذي يبكي من خشية الله يستحق من الله أن يعينه على طريق الطاعة حتى يصل إلى جنة رب العالمين.\nقوله: (لا يلج) أي: لا يدخل.\n(حتى يعود اللبن في الضرع) وهذا مستحيل، فاللبن من البقرة لا يمكن أن ترجعه مرة ثانية إلى ضرعها، والمعنى: أنه طالما وهو يخاف الله سبحانه حتى يلقاه فربنا لا يعذب هذا الإنسان.\n(ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم) أي: لا يمكن أن الإنسان يسير مجاهدًا في سبيل الله فيقطع الطريق، ويصيبه الغبار ويدخل أنفه وصدره ثم في يوم القيامة يدخله الله النار! لا يكون من هذا شيء، وهذا وعد من الله على لسان رسوله الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"30","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>رجل بكى من خشية الله</span>\nومن الأحاديث ما ذكرناه قبل ذلك من قول النبي ﷺ: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وآخرهم: ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه).\nفالذي يذكر الله خاليًا فيبكي هذا دليل أن الله يرحمه، فهذا الإنسان كلما ذكر الله خاليًا بكى من خوف الله سبحانه.\nوفي صلاة الجماعة إذا بكى الإنسان فلعله يهيج من بجواره فيبكي، وهكذا الثاني والثالث، وهذا فيه أجر عظيم من الله سبحانه.\nوأما الذي يبكي خاليًا فهذا الشيء أعظم بكثير، فهو خالٍ يخاف الله ﷿ ولا أحد يراه، فلا يوجد رياء، فهذا يستحق أن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.","vol":"30","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-311>بكاء رسول الله في الصلاة</span>\nومن الأحاديث ما رواه أبو داود وغيره عن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: (أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء).\nوهذا من خشيته صلوات الله وسلامه عليه، فقد اتخذه الله خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، فقربه وفضله واصطفاه ورفع درجته في الجنة، وجعله الشفيع يوم القيامة صلوات الله وسلامه عليه، ومع ذلك كله فهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل.","vol":"30","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>بكاء أبي بن كعب حين علم أن الله ذكره باسمه</span>\nومن الأحاديث ما جاء في الصحيحين عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لـ أبي بن كعب ﵁: (إن الله ﷿ أمرني أن أقرأ عليك)، وأبي بن كعب رضي الله ﵎ عنه من الصحابة الأفاضل، وهو أنصاري خزرجي رضي الله ﵎ عنه.\nوقد كان حافظًا لكتاب الله سبحانه، ولما نسي النبي ﷺ مرة في صلاته قال بعد الصلاة: (أفيكم أبي؟ فقال: نعم، فقال: فما منعك أن ترد علي وأنا في الصلاة؟ فقال: ظننت أنها نسخت).\nفهذه فضيلة لـ أبي بن كعب رضي الله ﵎ عنه، وكان عمر يلقبه بسيد القراء رضي الله ﵎ عنه.\nفـ أبي بن كعب يقول له النبي ﷺ: (إن الله ﷿ أمرني أن أقرأ عليك) يعني: أقرأ عليك القرآن، (فقرأ عليه ﷺ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:١]).\nوقرأها عليه النبي ﷺ حتى تكون سنة لمن بعده: أن الفاضل يقرأ على المفضول، فليس شرطًا أن التلميذ يقرأ على الأستاذ دائمًا، فيصح أن الأستاذ يقرأ على التلميذ ويسمع التلميذ، فيتعلم القراءة من الأستاذ، فهذا النبي ﷺ يقرأ على أبي، فتعجب أبي وقال: (وسماني - يعني: ربنا سماني - قال: نعم.\nفبكى أبي رضي الله ﵎).","vol":"30","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>بكاء أبي بكر وعمر عندما زارا أم أيمن</span>\nوعن أنس أيضًا قال: قال أبو بكر لـ عمر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ: انطلق بنا إلى أم أيمن ﵂، وهي حاضنة النبي ﷺ، وزوجة حبيب النبي ﷺ زيد بن حارثة، وأم حب النبي ﷺ أسامة بن زيد بن حارثة.\nفقال: انطلق بنا إلى أم أيمن ﵄ نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها فلما انتهينا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك، أما تعلمين أن ما عند الله تعالى خير لرسول الله ﷺ؟ فقالت: إني لا أبكي أني لا أعلم أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ، ولكني أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء.\nأي: أنها اشتاقت للوحي ونزول القرآن من عند رب العالمين بالأحكام، وأمور الغيب، والتبشير بالجنة والتخويف من النار، فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها.\nرواه مسلم.","vol":"30","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-314>بكاء أبي بكر في الصلاة</span>\nوفي الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ قال: (لما اشتد برسول الله ﷺ وجعه قيل له: الصلاة، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقالت عائشة ﵂: إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ القرآن غلبه البكاء).\nوصدقت في ذلك وإن كانت لا تقصد هذا الشيء، فصحيح أن أبا بكر ﵁ كان إذا صلى يبكي ويخاف من الله ﷿، وهذا كان سبب إسلام بعض المشركين وخاصة نساء المشركين، فقد حجزه المشركون في بيته حتى لا يقرأ على الناس القرآن، فكان يجلس في بيته ويقرأ ويبكي، فإذا بنساء المشركين يأتينه ينظرن إليه ويستمعن منه لكتاب الله رب العالمين.\nفالسيدة عائشة تقول له: إنه إذا قام يقرأ في الصلاة فلن يسمع الناس؛ لأنه سيبكي في الصلاة، فلا يسمعهم، ولكن لم يكن غرضها ذلك رضي الله ﵎ عنها، وإنما كانت تخاف أن يتشاءم الناس منه أنه سيصلي بدل النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: (إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس، فصلى بالناس في فترة وجع النبي صلوات الله وسلامه عليه).","vol":"30","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-315>بكاء عبد الرحمن بن عوف عند تذكره لمن مضى من الصحابة</span>\nوفي صحيح البخاري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أتي بطعام وكان صائمًا فقال: قتل مصعب بن عمير ﵁ وهو خير مني.\nوانظروا إلى اعتبار الصحابة رضوان الله عليهم، فهم يتذكرون الدار الآخرة، فقد كان عبد الرحمن بن عوف صائمًا ويريد أن يفطر حين جاء وقت الإفطار، فأتوا له بالطعام من أجل أن يفطر فتذكر الفقراء، فقد كان من أغنياء الصحابة، وكانت له أموال كثيرة جدًا، وكان يريد أن يسابق الفقراء إلى الجنة فكان يتصدق بها والله يعطيه أضعافها.\nفهنا لما جيء بالطعام وكان صائمًا تذكر يوم أحد، وقد كان في سنة ثلاث من هجرة النبي ﷺ في شوال، وفي يوم أحد قتل مصعب بن عمير ﵁، وقد كان صاحب لواء النبي صلوات الله وسلامه عليه، وأول من بارز في هذه الغزوة، وقد قتل كبيرًا من كبراء المشركين ﵁، وقتل بعد ذلك ﵁ وقطعت يداه، ومعلوم ما حدث به رضي الله ﵎ عنه.\nقال: (قتل مصعب بن عمير ﵁ وهو خير مني فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة، إن غطي بها رأسه بدت رجلاه، وإن غطي بها رجلاه بدا رأسه).\nهذا هو مصعب بن عمير، وقد كان من المترفين في مكة، وكان شابًا مترفًا غنيًا تهتم به أمه فتنفق عليه وتعطيه مالًا كثيرًا، وبعد ذلك أسلم مصعب ﵁ وأتى إلى المدينة يبشر الناس ويدعوهم، فما ترك من بيت إلا ودخل فيه الإسلام بفضل الله سبحانه ثم بدعوة مصعب رضي الله ﵎ عنه، وهذا قبل هجرة النبي ﷺ.\nفهذا الرجل العظيم الفاضل يقتل في هذا اليوم ولا يجدون له كفنًا إلا بردة، فإذا غطي بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطي بها رجلاه بدا رأسه، فـ عبد الرحمن بن عوف يتذكر ذلك ويعتبر.\nقال: ثم أعطينا من الدنيا ما أعطينا حتى خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام ﵁.\nنسأل الله ﷿ أن يدخلنا مع هؤلاء الأفاضل في رحمته.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"30","page":17},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-316> فضل الزهد فى الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر [١]</span>\nزين الله تعالى الحياة الدنيا في أعين الخلق وحببها إلى نفوسهم؛ ليبتليهم بها فيعلم شكر الغني وصبر الفقير، وقد حذر الله عباده من الاغترار والركون إليها ونسيان الآخرة، وقد تنوعت نصوص الكتاب والسنة في التحذير منها بضرب الأمثلة وبيان العاقبة وذكر الحقيقة الدنيوية؛ ليستقل العباد منها وليستكثروا من زاد الآخرة.","vol":"31","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-317>الزهد في الدنيا وما جاء فيه</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر.\nقال الله تعالى ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس:٢٤].\nعن عمرو بن عوف الأنصاري ﵁: (أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح ﵁ إلى البحرين يأتي بجزيتها، فقدم بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافقوا صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ، فلما صلى رسول الله ﷺ انصرف فتعرضوا له، فتبسم رسول الله ﷺ حين رآهم، ثم قال: أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟ فقالوا: أجل يا رسول الله، قال: أبشروا وأمِّلوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم) متفق عليه].\nهذا باب من كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي ﵀ فضل الزهد في الدنيا، ويذكر الحث على التقلل منها وفضل الفقر.\nوالزهد في الدنيا هو أن يكون الإنسان متقللًا من الدنيا، فيأخذ من الدنيا حاجته، ولا يطمع فيها؛ ولا يكثر من الدنيا، وإن جاءه من الدنيا الكثير عمل فيه برضا الله سبحانه ﵎، ولكنه يقلل الطمع فيها، فلا يكون طماعًا كلما جاءه شيء طلب المزيد من الدنيا مستكثرًا بها.\nجاء في الزهد عن النبي ﷺ أنه أمر بالزهد فيما بأيدي الناس فقال: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس).\nفإذا كنت تريد حب الله وحب الناس فازهد في الدنيا يحبك الله؛ لأن معاصي الإنسان وشهواته وشبهاته تكون نتيجة للطمع في هذه الدنيا، بحيث يشتهيها فيطلب ما فيها من حلال، فإن عدم وسيلة في نظره من الحلال لجأ إلى الحرام، فأخذ الدنيا بطمع فيها، فإذا قطع الأمل عن الدنيا وقطع الطمع فيها وزهد فيها أحبه الله سبحانه، وقد وتأتيه الدنيا وهي كارهة، فالمهم أن يرضي ربه ﷾.\nوالإنسان إذا أراد محبة الناس فعليه أن ينظر في الذي يجلب عداوة الناس، والذي يجلب عداوة الناس أن تطلب ما عندهم، فالإنسان يغضب حين تطلب منه، والله يرضى حين تطلب منه، فاطلب من الله ﷿، ولا تكن طالبًا لما في أيدي الناس، واجعل لك قاعدة في حياتك، وهو أنك لا تسأل أحدًا شيئًا طالما كنت قادرًا على عمله بنفسك، فلا تطلب من أحد شيئًا.\nوهكذا كان أصحاب النبي ﷺ، فقد كان ﷺ يعلمهم أن يزهدوا في الدنيا وأن يزهدوا فيما في أيدي الناس، فهذا حكيم بن حزام طلب من النبي ﷺ مالًا فأعطاه، ثم طلب فأعطاه، ثم نصحه النبي ﷺ فقال: (إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع) فلما سمع النصيحة أقسم للنبي ﷺ على أنه لا يرزأ أحدًا بعد النبي ﷺ من الدنيا شيئًا، أي أنه لا يطلب من أحد من هذه الدنيا شيئًا.\nفكان أبو بكر ﵁ يأتيه المال فيعطي الناس ويعطي حكيمًا فيرفض أن يأخذه، وجاء عمر ﵁ بعد أبي بكر ﵄، فأراد أن يعطيه نصيبه من المال فرفضه، وقال: إنه أقسم ألا يرزأ أحد شيئًا.\nورفض أن يأخذ ماله، فكان عمر يشهد الناس على حكيم بن حزام لكونه لا يأخذ المال الذي هو من حقه.\nفالغرض أن الإنسان إذا زهد في الدنيا أتته الدنيا وهي راغمة، ولكن الإنسان قد يسأل لخوفه أن يفتقر، أو لخوفه أن يضيع منه المال، أو لخوفه أن تضيع منه الفرصة، أما إذا علم أن الله ﷿ هو الرزاق، وأن خزائنه لا تنفد أبدًا فإنه يكتفي بما أعطاه الله، ولا يتشوف إلى ما في أيدي الناس، والذي يسأل الناس تكثرا كالذي يأكل ولا يشبع، فكلما طلب ازداد نهمًا وحرصًا على الدنيا، فازداد بعدًا عن الله سبحانه وعن حب الناس، فازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس.","vol":"31","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-318>حقيقة الحياة الدنيا في القرآن</span>","vol":"31","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>حقيقتها في قوله تعالى: (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء)</span>\nبدأ الإمام النووي هذا الباب بقول الله ﷾ ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ﴾ [يونس:٢٤].\nوهذا تشبيه من ربنا ﷾ لهذه الدنيا بهذا المثال المركب الذي ننظر إليه، فالماء يأتي الناس وهم في قحط، فتنبت الأرض نباتها، وتخرج ما فيها من ثمار وما فيها من جنات وما فيها من زروع وغير ذلك، فإذا أنبتت الأرض فرح الناس بهذا النبات الذي خرج لهم فأخذوه مستكثرين منها، كما قال تعالى: ﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ﴾ [يونس:٢٤].\nثم قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ [يونس:٢٤]، وامتلأت بالثمار وبالزروع، بحيث يكون فيها الجنات والبساتين، وصارت الأموال في أيدي الناس، وتزخرفت الدنيا لهم وازينت، وظنوا أنهم قادرون عليها، أي: يطغى الواحد منهم، ويرى أنه قادر على هذه الدنيا؛ لأنها أتته، ولم يعلم أن الذي آتاه قادر على أن يحرمه ﷾، وقد يعلم ذلك ولكنه يتغافل.\nيقول الله سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ [يونس:٢٤].\nقوله تعالى: (ليلًا) أي: جزءًا من الليل.\n(أو نهارًا): جزءًا من النهار.\n(جعلناها حصيدًا) أي: حصدناها وأهلكناها وتبرنا ما فوقها، فوجد الإنسان الذي كان ينظر إلى الزروع والثمار والأموال والأشجار وكان يرى أنه قادر على ذلك، وجد كل ذلك قد ضاع فجأة، حيث أتاها أمر الله لحظة بالليل أو بالنهار فصارت كالزرع المحصود، بمعنى أن النخيل خلت من الثمار، وأن الأرض خلت من الأزهار، وخلت من الحبوب ومن غيرها، ذهب هذا كله، وأحرقه الله سبحانه وأهلكه، فإذا بصاحبه يندم على ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ [يونس:٢٤] أي: كأن لم تكن ممتلئة ثمارًا بالأمس، وكأن لم تكن فيها كثرة من ذلك.\nثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس:٢٤]، أي: مثل هذا التفصيل الذي فصلنا نفصل الآيات لقوم يتفكرون، فالإنسان العاقل الذي يتفكر في هذه الدنيا يقول: ما الذي فضلني على غيري فأعطيت هذه الدنيا؟\nو\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا فضل لك في هذه الشيء، فالله يعطي إنسانًا ويحرم إنسانًا، أعطى هذا لا لفضله، وحرم هذا لا لبعده عن الله ﷿، ولكن لحكمة من الله سبحانه، فالذي تأتيه الدنيا عليه أن يحمد الله ﷾، والذي لم تأته الدنيا عليه أن يحمد ربه سبحانه، ولينظر في الحكمة، فلعله لو أعطاه منها أهلكه بطغيانه، فيحمد ربه على ما هو فيه من نعمة.","vol":"31","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-320>حقيقتها في قوله تعالى: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء)</span>\nوقال الله سبحانه: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف:٤٥].\nفالمثال هو نفسه؛ ماء نزل من السماء اختلطت به هذه الأرض فأخرجت محصولها وأخرجت ثمارها وأشجارها، وفجأة أصبح ذلك هشيمًا تذروه الرياح، فهذا النبات يبس، وبعد ذلك تغير وأصبح هشيمًا تطيره الرياح، وكذلك الحياة الدنيا سرعان ما تقبل وسرعان ما تدبر.\nوالإنسان لا يستشعر ذلك في وقت بهجة الدنيا، فعند بهجة الدنيا يحس أنه سيعيش كثيرًا، ويحس أن المجد فيه، وأنه لا ينفد، وأنه قادر، ولكن في وقت فوت هذا كله يتذكر الإنسان فيرى أن الدنيا منام لم ير فيه سوى الأحلام، وتمر الدنيا كمرور المنام على الإنسان، ومهما طالت فإنه عند الموت يستقل الإنسان هذه الدنيا، ويقول: يا ليتني عملت أفضل مما فعلت.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف:٤٥] أي: مهشمًا مكسرًا يابسًا تفرقه الرياح ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف:٤٥].\nثم قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٤٦]، فتزين بذلك في الحياة الدنيا، ولير ربك عليك أثر نعمته، ولكن لا تطغ بهذه الدنيا، فالباقيات الصالحات خير ما يبقى لك من عمل، وهي خير مما أخذته وأنفقته في هذه الدنيا، ولذلك قال سبحانه: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف:٤٦] يعني الباقيات الصالحات.","vol":"31","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-321>حقيقتها في قوله تعالى: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة)</span>\nوقال ﷾: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ [الحديد:٢٠].\nفنحن نكد في الدنيا ونتعب ونعمل، وربنا ﷾ يذكر لنا النتيجة، فيقول تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ [الحديد:٢٠] هذه هي الدنيا.\nفأنت تجمع المال وتتعب من أجل أن يبقى معك المال، وبهذا المال تتزوج، فيصير لك أولاد تفتخر بهم لأنهم يشرفونك في الدنيا، وبهذا المال تأكل الطيبات، وتأخذ من المشتهيات، فالنتيجة هي أني أتعب من أجل أن أحصل الدنيا، وأحصل فيها على اللعب واللهو والزينة، ويبقى عندي ما أفتخر به على غيري، فأتكاثر بالمال قائلًا: مالي أكثر من مال فلان.\nوكذلك في الأولاد.\nفمثل هذا كمثل غيث أعجب الكفار نباته، فالذي تعجبه الدنيا ويركن إليها هو الكافر، وكلمة (كافر) تطلق على غير المؤمن، وتطلق على الزارع الذي يضع البذرة في الأرض وبعد ذلك يكفرها ويغطيها، وكأن المقصود هنا الاثنان: الكافر حقيقة أعجبته الدنيا، والكافر الزارع أعجبته الثمرة التي طلعت من الأرض.\nففي هذا الوصف جمع الله تعالى لنا الاثنين فقال: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ [الحديد:٢٠] فهذا النبات إذا استوى فإنه في النهاية لن يبقى فترة أطول من ذلك في الأرض، بل سيأتي عليه اليبس، فيصفر ثم يكون حطامًا، وكذلك هذه الدنيا جمعها الكافر من حلال ومن حرام، وانتفع بها، واستفاد منها، وطمع فيها، ولم تنفعه يوم القيامة، فكانت الدنيا عليه وبالًا يوم القيامة؛ لأنه لم يؤمن بالله، ولم يعرف حق الله فيها.\nقال تعالى: ﴿وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠] أي: في الآخرة العذاب الشديد لمن كفر وجحد نعم الله، ولمن عصى الله وفجر في الدنيا، ولمن طغى واستكبر، والمغفرة والرضوان لمن تاب إلى الله وأناب، ولمن عرف حق الله سبحانه فأعطاه، ولمن عرف حق الناس فأخرج لهم حقهم الذي أمره به الله سبحانه.","vol":"31","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-322>حقيقة الدنيا من السنة النبوية</span>","vol":"31","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>حديث عمرو بن عوف في الزهد في الدنيا</span>\nومن الأحاديث التي جاءت في الزهد في الدنيا حديث في الصحيحين عن عمرو بن عوف الأنصاري أن النبي ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح ﵁ إلى البحرين ليأتي بالجزية، وهي مال يقسم على المسلمين كما ذكره الله ﷿ في كتابه في قوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر:٧] فيقسم أخماسًا.\nفالصحابة الذين كان لهم نصيب في ذلك المال قدموا إلى النبي ﷺ في صلاة الصبح، ووافوا صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ، وكأنه كان قبل ذلك منهم من يصلي معه، ومنهم من يكون في عوالي المدينة فيصلون مع إمامهم هنالك، لكن لما سمعوا أنه جاء مال حضروا، فلما رأى ذلك تبسم ﷺ.\nفتبسم صلوات الله وسلامه عليه فقال لهم حين رآهم: (أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟ فقالوا: أجل يا رسول الله)، فقد كانوا قومًا صادقين رضوان الله وتبارك عليهم، فلم يقولوا: افتقدناك فجئنا نصلي الصبح لنراك.\nفقال ﷺ: (ابشروا وأملوا) أي أن الله تعالى سيفتح عليكم، وستأتيكم أموال كثيرة، وصدق رسول الله ﷺ، وكان ذلك من معجزاته، حيث بشرهم في وقت كان المال فيه قليلًا، فبشرهم بالفتوح، فكانت الفتوحات العظيمة بعد ذلك.\nفقوله: (ابشروا وأملوا) يعني: ارجوا من الله خيرًا، فسيأتيكم خير من عند ربكم سبحانه، وأملوا ما يسركم.\n(فوالله ما الفقر أخشى عليكم) وصدق رسول الله ﷺ؛ فلم يفقرهم الله ﷿ أبدًا، بل أعطاهم مالًا عظيمًا كثيرًا، وكانوا على وصية النبي ﷺ، فكان أحدهم يأتيه الموت وهو يخاف من المال الذي كان عنده، مع أنه يعطي الحقوق فيه كما أمره الله سبحانه.\nقال ﷺ: (فو الله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم).\nإن الفقر قد يكون نعمة على الناس، حيث يكون الإنسان متواضعًا خاشعًا عارفًا أنه عبد محتاج لله، ويكون محافظًا على الصلاة وعلى الصوم وعلى طاعة الله، عارفًا أن للناس حقوقًا، ويمشي وهو يسلم على هذا ويسلم على هذا، ويتواضع للناس، ولكن خشي النبي ﷺ عليهم الغنى، فالغنى مصيبة، إلا أنه قد يصير إلى تقي فيزيده الغنى تواضعًا لله سبحانه وبذلًا وإنفاقًا.\nيقول ﷺ: (ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم) أي: كما فتحت على الذين قبلكم.\n(فتنافسوها كما تنافسوها) فتقعون في التنافس في الدنيا، ولا يكفي المرء حينئذ ما يأتيه، بل يريد أكثر وأكثر من أي وجه من الوجوه، فيكسب الحلال ويكسب الحرام، ويحتال على البنك فيأخذ المال ويهرب، ويأخذ المال من بيع سلع فاسدة للناس.\nوهذا الإنسان الذي يجمع المال الكثير إذا كان معه ألف فإنه يريد ألفين ويريد مليونًا ويريد مليارًا، وإذا فرضنا أن معه مليارًا فماذا سيعمل به وكيف سيصرفه هذا الإنسان؟ هل في طاعة الله أم أنه سيدخره للورثة؟ إن الإنسان إذا سئل: أي المال أحب إليك: مالك أم مال الورثة؟ فإنه سيجيب: مالي أحب إلي.\nوهذا الذي تدخره من المال تسأل عن جميعه من أين اكتسبته وفيم أنفقته؟ وتتركه للورثة وأنت المسئول عن ذلك، ومهما أعطيت من الدنيا فإنك ستنام على سرير واحد، وستأكل من طبق واحد، وإذا فرغت من الأكل فإنك لا تستطيع أن تأكل مرة أخرى مباشرة.\nوأما الإنسان العاقل فإنه يكفيه من الدنيا ما آتاه الله ﷿ منها، ولا يطمع، ولا يطلب الغنى الذي يطغيه.\nفالنبي ﷺ لم يخف عليهم من الفقر؛ لأن الفقر يحفظ على الإنسان دينه، فإذا جاء له المال فإنه قد يتعالى على الناس، فمن كان يسلم عليه صار لا يعرفه، ويمشي في الشارع وهو مكشر لا يطيق أن يرى احدًا، ويذهب إلى العمل فيعامل الآخرين على أنه ذو مال، وقد كان يواظب على صلاة الجماعة فأصبح يرى نفسه مشغولًا بالمال وغير فارغ، وكان يحافظ على صلاة الجمعة فأصبح يذهب إلى البحر للاصطياد استغلالًا لعطلة الجمعة، ويترك جمعة يوم والثانية والثالثة حتى يختم على قلبه ويكون من الغافلين، فالمال يصنع ذلك في صاحبه، فهو يطلب اللهو ويقع في ذنب بعد ذنب حتى يترك عبادة الله، وحتى يأتيه الموت يندم.","vol":"31","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>زهرة الدنيا وخضرتها مدعاة إلى الهلاك</span>\nوفي الصحيحين -أيضًا- من حديث أبي سعيد الخدري قال: جلس رسول الله ﷺ على المنبر وجلسنا حوله فقال: (إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها).\nأي: من بهرج الدنيا وزينة الدنيا، تفتح على الإنسان فتسلبه عقله وقلبه، فيجري وراء الدنيا حتى يأتيه الموت وهو في غفلة.\nوفي الحديث الآخر عن أبي سعيد -أيضًا- في صحيح مسلم قال النبي ﷺ: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء).\nوالخضرة نوع من البقول تكون على الأرض مثل الأعشاب التي تطلع على الأرض كالجرجير والبقدونس، فتأتي عليها الدابة فتأكل منها، وترتاح بالأكل منها، فتأكل حتى تموت من التخمة.\nإن آكلة الخضر تأكل كذلك، فإن أكلت استقبلت الشمس فثلطت وبالت واجترت، فهذه تنتفع بما أكلته، ولكن الذي يأكل حتى يتخم يموت في النهاية، وكذلك الحريص على الدنيا، وليس بشرط أن يتخم من الطعام الذي يأكله، ولكن يتخم بكثرة ما يحصل من لهوه بالدنيا وانشغاله عن الله ﷾، فإذا به في نكد ليل نهار يبحث عن المال، فيحفظ ماله ويترك عبادة الله ﵎.","vol":"31","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-325>الحياة الحقيقية</span>\nوعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة).\nفهذا الحديث قاله النبي ﷺ وكان الصحابة يرددون معه ﷺ وهم يحفرون الخندق، وكان يحفر ﷺ بنفسه، ويرفع معهم الحجر والتراب، وذلك لما جاءت قريش بحدها وحديدها إلى المسلمين وهم في المدينة لا يقدرون على شيء، وكان جيش الكفار عظيمًا لا يقدر عليه المسلمون، فما وجدوا إلا حفر الخندق من أجل أن يكون بين الكفار وبينهم، وإذا بالنبي ﷺ يفعل ذلك معهم، ويلتصق التراب ببطنه الشريفة صلوات الله وسلامه عليه، فكان ﷺ يقول عند ذلك: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة) فيدعو لأصحابه الذين شاركوا في ذلك احتسابًا للأجر عند الله.\nوقوله: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة) معناه: أن الدنيا ليست هي العيش الذي ينعم به أهله، بل عيشها فيه الصفاء وفيه الكدر، وفيه الضيق وفيه السعة، وفيه الطيب وفيه الخبث، ولكن العيش الحقيقي عيش الدار الآخرة، فكان ﷺ يقول ذلك مشجعًا لهم على العمل ومشجعًا لهم على الحرص على الدار الآخرة.","vol":"31","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>ما يبقى مع المرء بعد الموت</span>\nوعن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد: يرجع أهله وماله، ويبقى عمله).\nفالدنيا يكون فيها الإنسان معه أهله عزوة ونصرة، ومعه ماله يفتخر به على غيره، ومعه عمله، فهذه ثلاثة أشياء تكون مع الإنسان في الدنيا، فإذا مات الإنسان وخرج من بيته ترك المال في البيت، ويتبعه الأهل إلى قبره، وكذلك عمله.\nفإذا وصل إلى القبر فإن أحب الناس إليه يتركه، ويدخل الإنسان قبره ومعه عمله فقط، ويرجع عنه ماله ويرجع عنه أهله، فإذا كان عمله من أعمال الخير نفعه في قبره، وإذا كان غير ذلك تحسر على ما فوت في هذه الدنيا وعذب في قبره.","vol":"31","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>غمسة في الجنة أو النار تنسي ما كان في الدنيا</span>\nوفي حديث صحيح عند مسلم عن أنس قال رسول الله ﷺ: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة).\nلقد كان ملكًا من الملوك معه مال كثير، ويحكم أناسًا كثيرين، قال ﷺ: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال له: هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما رأيت نعيمًا قط).\nوصدق في ذلك؛ فالدنيا إذا قيست بالآخرة إنما هي أحلام وأوهام، والإنسان الذي يكون في حلم وبعد ذلك يصحو فيجد الشيء الذي يضايقه يقول: كنت أحلم.\nوكذلك يوم القيامة، فإنه يرى الدنيا كانت حلمًا، وكأنه لم يكن فيها شيء.\nقال ﷺ: (ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة) إنه رجل مؤمن كان أفقر الناس وأكثر الناس ابتلاء بمصائب الدنيا من فقر ومرض وغيره، وهو مؤمن، فيؤتى به يوم القيامة، وبعد ذلك يغمس في الجنة غمسة ثم يُسأل هذا الإنسان: (هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مرَّ بك شدة قط؟ فيقول: لا والله، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط) فغمسة في الجنة تنسي الإنسان الدنيا كلها؛ لأن الجنة عظيمة واسعة، ولا تمتلئ أبدًا حتى يخلق الله ﷿ خلقًا آخر يدخلهم الجنة لم يعصوا ربهم أبدًا قبل ذلك، والنار لا تمتلئ.\nوتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول: قط قط.\nولا يظلم ربك أحدًا، فلا يخلق للنار خلقًا يوم القيامة، ولكن الجنة يخلق لها أهلًا يملؤها بهم، أما النار فيسكتها ربنا بذلك، يضع الجبار فيها قدمه فتقول: قط قط.\nفقياس الدنيا على الآخرة قياس مع الفارق العظيم، ولا وجه للمقارنة بين الدنيا والآخرة.\nوعن مستورد بن شداد ﵁ في صحيح مسلم يقول النبي ﷺ: (ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع).\nفإذا أردت أن تقيس على الآخرة فضع أصابعك في البحر وخذ قطرة منه، ثم قارب بين هذه القطرة وبين هذا البحر، فكذلك الدنيا مع الآخرة؛ إذ لا وجه للمقارنة.","vol":"31","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-328>هوان الدنيا على الله تعالى</span>\nوفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ مر بالسوق، فمر بجدي أسك ميت، ليس له أي قيمة، وأذناه صغيرتان، ومن العيوب أن يكون الجدي أسك.\nفتناوله النبي ﷺ فأخذ بأذن هذا الجدي الأسك فقال لأصحابه: (أيكم يحب أن يكون له هذا بدرهم فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ فقال ﷺ: أتحبون أنه لكم؟ أي: أتأخذونه بغير مال؟ فقالوا: والله لو كان حيًا كان عيبًا أنه أسك، فكيف وهو ميت؟!) أي: لا نأخذه بمال ولا بغير مال.\nفقال ﷺ: (فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم).\nأي: انظروا كيف استهنتم به، فلا أحد يريده لأنه ميت وهو أسك، فالدنيا أهون على الله من هذا عليكم؛ فإذا كانت الدنيا حقيرة عند الله ﷿ فإعطاؤها لهذا الغني ليس رفعة لهذا الغني ولا تشريفًا له؛ إذ الدنيا لا قيمة لها عند رب العزة سبحانه.","vol":"31","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-329>فائدة الإقلال من الدنيا ومضرة الإكثار منها</span>\nومن الأحاديث ما جاء في الصحيحين عن أبي ذر ﵁ قال: (كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرة بالمدينة فاستقبلنا أحدًا فقال: يا أبا ذر.\nقال: قلت: لبيك يا رسول الله.\nفقال: ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبًا تمضي علي ثلاثة أيام وعندي منه دينار، إلا شيئًا أرصده لدين، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله وعن خلفه.\nثم سار ﷺ ثم قال: إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة).\nفانظر إلى الموعظة، فجبل أحد جبل عظيم، ومع ذلك يقول ﷺ لـ أبي ذر: لو كان أحد هذا كله ذهبًا وأنا أملكه فإنه لا يسرني أن يبقى عندي ثلاثة أيام، فانظر إلى كرم النبي ﷺ وإنفاقه لله ﷾، بحيث إنه لو كان جبل أحد جبل ذهب للنبي ﷺ لأنفقه في أقل من ثلاثة أيام في طاعة ربه سبحانه.\nواستدرك ﷺ قائلًا: (إلا شيئًا أرصده لدين) فالدين يمنعك من أن تنفق نفقة التطوع؛ لأن صاحب الدين أولى، فإذا كان عليك دين تصدق بصدقة التطوع.\nقال ﷺ: (إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا) يعني أنه ينفق في جهة اليمين وجهة الشمال ووراءه، فيعطي عباد الله مما يؤتيه الله ﷿.\nثم سار صلوات الله وسلامه عليه، ثم قال: (إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة).\nفالأكثرون من الناس في الدنيا هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا، عن يمينه وشماله.\nفلا تنظر إلى الأكثرين في الدنيا، فالأكثرون الذين خالفوا هدي النبي ﷺ ليسوا هم الذين يدخلون الجنة، إنما يدخلها الذين ساروا على نهجه ﷺ، وهم الأقلون، فالمقل في المال، والمقل في زاده من الدنيا هو الذي يسرع إلى الجنة ويدخلها، والمكثر من الدنيا الذي معه الأموال الكثيرة يحبس عن الجنة حتى يحاسب على هذا الكثير الذي معه.\nثم قال ﷺ له: (وقليل ما هم) بعد قوله: (إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة)، قال أبو ذر: ثم قال لي: (مكانك، لا تبرح حتى آتيك، ثم انطلق في سواد الليل حتى توارى، فسمعت صوتًا قد ارتفع، فتخوفت أن يكون أحد عرض للنبي ﷺ، قال: فلم أبرح حتى أتاني، فقلت: لقد سمعت صوتًا تخوفت منه، فذكرت ذلك له، فقال: وهل سمعته؟ قال: قلت: نعم، قال: ذاك جبريل أتاني فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، قال: قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: وإن زنا وإن سرق).\nوفي رواية أخرى قال له مكررًا: (وإن زنا وإن سرق؟ قال: وإن زنا وإن سرق.\nقال: وإن زنا وإن سرق؟ قال: وإن زنا وإن سرق على رغم أنف أبي ذر).\nفرحمة الله ﷿ عظيمة واسعة، فالإنسان الذي يقع في الحرام عليه أن يسرع بالتوبة إلى الله؛ فالله غفور رحيم، ورءوف كريم، ولكن الذي تأخذه الدنيا فيغرق في أموالها ويغرق في شهواتها ويضيع نفسه في شبهاتها ولا يتدارك نفسه بالعودة إلى الله ﷿ يندم حين الموت، ولا رجوع إلى الدنيا مرة ثانية.\nنسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"31","page":14},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-330> فضل الزهد فى الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر [٢]</span>\nإن أكبر ما يعيق المسلم في طريقه التي يسير بها إلى ربه حب الدنيا، فهي دار ابتلاء وغرور، ولذا فقد حذر الله من الاغترار بها والركون إليها، ففهم النبي ﷺ وصحابته حقيقتها فعزفوا عنها، وسطروا أروع الصور في الزهد عنها، رغبة فيما عند الله ﷾.","vol":"32","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-331>فضل الزهد في الدنيا والتقلل منها</span>","vol":"32","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-332>حقيقة الزهد</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم.\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر:٥]، وقال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر:١ - ٦].\nوقال تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٤].\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض).\nوعنه قال: قال النبي ﷺ: (انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم) متفق عليه.\nوعنه أيضًا ﵁ قال: (لقد رأيت سبعين من أهل الصفة ما منهم رجل عليه رداء إما إزار وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته) رواه النسائي].\nذكر الإمام النووي ﵀ الآيات والأحاديث التي تدل على فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر.\nومعلوم أن النبي ﷺ قد أمرنا بالزهد، فقد جاء عنه أنه قال: (ازهد فيما عند الناس يحبك الناس، وازهد في الدنيا يحبك الله)، فالإنسان المؤمن إذا أعرض عن الدنيا ولم يطلبها، أتته الدنيا وهي راغمة، وليس المعنى أن يزهد فلا يأكل ولا يشرب ولا ينفق على أهله ولا يعمل، بل ينبغي أن يعمل كما أمره الله سبحانه ويأخذ بالأسباب، وإنما المذموم أن يكون همه الطمع في الدنيا وجمعها أو يبلغ به الحرص عليها حتى يستوي عنده الحلال والحرام، بل ينبغي ألا يأخذ من الدنيا إلا بالقدر الذي يكفيه، أما ما هو أكثر من ذلك فشيء يتركه ولا يسعى لحيازته؛ لأنه قد يضيع عبادته بسبب الكثرة والإكثار من الذنوب.\nفلذلك يسعى الإنسان المؤمن لكفايته وكفاية أهله فحسب ولا يضيعهم، وقد قال النبي ﷺ: (وكفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت)، أي: كفى بالمرء إثمًا أن يضيع أهله زوجة وأبناءً وآباء تجب عليه نفقتهم.\nوفي رواية: (كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول)، وبذلك يعلم أن من يعمل لينفق على هؤلاء مأجور غير مأزور، أما إذا كان يعمل الليل والنهار ليجمع المال وأدى ذلك إلى أن يضيع الصلاة أو يضيع الصوم فإن عمله مذموم ينبغي عليه تركه.","vol":"32","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-333>بيان الفرق بين ما زينة الله بأصل الخلقة وما زينه الشيطان</span>\nذكر لنا الإمام النووي في هذا الباب آيات منها قول الله ﷿: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران:١٤]، عد الله سبحانه في الآية أشياء زينها للناس فكان التزيين بأصل الخلقة، فذكر الأرض وما جعل للناس فيها من أموال ومنافع.\nإلا أن الشيطان قد أتى إلى أشياء لا تحل لهم فزينها وأراهم إياها على غير حقيقتها، فإذا بالإنسان يحب الدنيا ويتلهى بما فيها فيلهيه بريق الذهب والفضة وغيرها من المغريات، ومع أن الله ﷿ يأمره أن يأخذ من الحلال، وأن ينفق في الحلال فإذا بالشيطان يزين له تلك الأشياء، فإذا به يسرق الذهب ويسرق الفضة، ومع أن الله ﷿ خلقها لمنافع العباد وحرم على الرجل أن يلبس الذهب والفضة، وأخبره أنه إذا لبسها في الدنيا تحرم عليه في الآخرة، فإذا بالشيطان يزين له لبس الذهب والتحلي به، ويقذف في روعه أن لبس الذهب فعل الملوك.\nكما بين لنا الله ﷿ أنه زين الخلق فجعل في الرجال جمالًا وكمالًا وجعل في النساء من الصفات الجميلة الشيء الكثير، ثم جاء الشيطان ليفتن العباد بعضهم ببعض، فيدعو الرجل إلى أن ينظر إلى من يحل له ومن يحرم عليه من النساء، وجعل النساء كذلك.\nوالتزيين من الشيطان يكون بقلب الأشياء عن حقيقتها وبجعل الإنسان يشتهي ما لا يقدر أن يصل إليه، فإنه يزين للمتزوج وعنده امرأته وقد تكون أجمل الجميلات، أن ينفر عن امرأته وينظر إلى امرأة أخرى قد تكون في غاية القبح، ثم يمشي معها ويترك امرأته، فإنه حين وقع في تزيين الشيطان يرى هذه جميلة ويرى زوجته قبيحة، وقد يكون الإنسان مع امرأته في عيش فاضل فإذا به ينظر إلى غيرها.\nومن تزيين الشيطان ما يجعل الإنسان يستمع لأشياء لا يحل له سماعها، وهكذا ديدن الشيطان يزين الباطل ويظهره على أنه حق.","vol":"32","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-334>التحذير من الاغترار بالدنيا</span>\nقال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ * إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣].\nأي: لا تغرنكم الدنيا بما خلق فيها من فتن وأشياء تشتهى، واحذروا أن يغركم بالله الغرور، والغرور هو الشيطان.\nوالمراد بغرور الدنيا زينة الدنيا وما فيها من ملاذ وما فيها من مشتهيات، أما تغرير الشيطان؛ فهو بأن يدل المرء على ما يغتر به ودفعه إلى معصية الله سبحانه تبارك، وإلهائه وحمله على الطغيان، وكلما ذكر بأمر الله ﷿ فإذا به يغفل.","vol":"32","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-335>الحث على التقلل من الدنيا ومقت المفاخرة بالكثرة والتكثر</span>\nيقول الله ﵎: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر:١ - ٤].\nكان العرب قد ألهاهم التكاثر، والتكاثر هو المفاخرة بالكثرة في عدد الأفراد، وكانت الأسر والقبائل يفتخر بعضها على بعض لكثرة عدد الرجال، سواء منهم الأحياء أو الأموات، وقد دفعهم الغرور إلى أن يذهبوا إلى المقابر مفاخرين بكثرة الموتى منهم التي تدل بزعمهم على أصالتهم، منتقصين لمن كانوا ذوي عدد قليل من القبائل، كما افتخر بعضهم على بعض بالقوة والمال، مما أدى إلى افتخار القبائل بعضها على بعض، ويؤكد ذلك قول شاعرهم: فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبًا بلغت ولا كلابًا أي: غض بصرك وانظر إلى الأرض فلا ترفع رأسك؛ لأنك من قبيلة تعد بالقليل وأنتم أذلة.\nفجاء الإسلام ليمنع الخلق من ذلك الافتخار الكاذب وجعل ميزان الفخر والرفعة هو التقوى قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، والتقوى محلها قلب الإنسان لا مظهره، ولما كانت في قلب الإنسان فإنها تفيض على جوارحه بأفعال ترضي ربه ﷾.\nوفي قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١ - ٢]، معنيان: الأول: هو ما ذكرنا.\nوالمعنى الآخر: هو جعل (حتى) غائية، والمعنى: الافتخار بالدنيا إلى أن غرتكم ومتم وكان ذهابكم إلى القبور من أجل أن تنظروا أن الحياة الدنيا كانت متاع الغرور، فقوله: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:٢]، أي: حملتم إليها أمواتًا.\nوقوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر:٣ - ٤]، أي: تعلمون حين تموتون وحين تذهبون إلى الله ﷿، ولو كنتم الآن تعلمون العلم الحقيقي علم اليقين كأنكم تعاينون ذلك لأيقنتم بتحقق وعد الله ووعيده، قال تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوْنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٥ - ٨].","vol":"32","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-336>الحياة الحقيقية هي حياة الآخرة</span>\nومنه قول الله ﷿ في سورة العنكبوت: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٤].\nقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت:٦٤]، أي: دار الحياة الهادئة، الناعمة، المطمئنة ودار الحياة الحقيقية، الدائمة الأبدية السرمدية.\nثم بين جهلهم بها فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٤]، إذ لو كان الناس يعلمون ذلك، لعلموا أن الآخرة خير وأبقى ولعملوا للآخرة وتركوا التكثر من الدنيا.\nومن الأحاديث التي تؤكد هذا المعنى حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لو كان لي مثل أحد ذهبًا لسرني ألا تمر علي ثلاث ليال وعندي منها شيء إلا شيئًا أرصده لدين).\nأي: لو كان عند النبي ﷺ مثل جبل أحد من الذهب، ما ادخره ولا جمعه للورثة ولا لغيرهم، بل إن الأنبياء لا يورثون؛ لقطع أمل ذرياتهم عن الدنيا، وإن وجد ميراث لأحد منهم فإنه يوزع على الفقراء والمحتاجين، قال النبي ﷺ: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث؛ ما تركناه صدقة).\nولذا لو كان عند النبي ﷺ شيء، ما ادخره أكثر من ثلاثة أيام إلا أن يكون عليه دين فيدخر بعضه لسداده، وذلك لأن قضاء الدين من الأشياء اللازمة، وفي الحديث بيان لخطورة أمر الدين.","vol":"32","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-337>التحذير من غرور الدنيا وبيان فضل الفقر</span>","vol":"32","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-338>معنى قول النبي ﷺ: (انظروا إلى من هو أسفل)</span>\nعن أبي هريرة في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم)، وهذا لفظ مسلم.\nوفي صحيح البخاري (إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه).\nفي الحديث أمر للمسلم أن ينظر لمن هو دونه، إذ النظر إلى الأعلى يتعب الإنسان، فلو كنت تمشي في طريق وأنت تنظر إلى الأعلى غير آبه بالطريق، قد تصطدم بغيرك أو تقع في حفرة، وعلى ذلك قس، فإنك حين تنظر إلى من هو فوقك من الخلق قد تقول في نفسك: عنده مال أكثر مني، بل إذا قيس ما عنده بما عندي لم يساو الذي عندي شيئًا بالنسبة إلى ما عنده.\nوتظل تقارن ما عندك إلى ما عند هذا الإنسان حتى تحتقر ما عندك، وبذلك تحتقر نعمة الله ﷿ عليك.\nولو نظرت إلى من هو دونك لوجدت نفسك تمتلك مالًا وإن كان قليلًا، أما غيرك فليس عنده شيء، وحينها تدرك أنك في نعمة من الله ﵎.\nولذا ينبغي أن ينظر المرء إلى من هو دونه، فإذا كان في صحة فلينظر إلى المرضى وقد حرمهم الله ﷿ هذه النعمة، ولكن ينبغي أن يدرك أن الله ما حرمهم من تلك النعمة إلا لحكمة منه ﷾، فإنه يرفع درجات الخلق بابتلائهم ويمحص ذنوبهم، فإذا تذكر المرء ذلك ثم نظر إليهم فليقل ما قاله النبي ﷺ: (الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيرًا من خلقه وفضلنا على كثير ممن خلق من عباده تفضيلًا)، وبذلك يحمد الله ﵎ على ما وهبه من نعمة في جسمه، وفي عقله وفي صحته وعافيته.\nأما حين ينظر لإنسان آخر فيه شباب وقوة وحيوية يجري في السباق أو يلعب كمال أجسام، فقد يقول: لماذا لسنا مثل هؤلاء؟ أو نحن ماذا بجانب هؤلاء؟ وبذلك يحتقر نعمة الله ﷿ عليه.\nوكذلك إذا مرضت بمرض خفيف من الأمراض التي عادة ما يصاب بها الإنسان فلا تتبرم أو تضجر بل ينبغي أن تنظر إلى مريض السرطان أو غيره من الأمراض الفتاكة، فستجد أنه من شدة مرضه قد يعجز حتى عن الأكل والشرب، فضلًا عن أن يحرم النوم من شدة الألم، حينها ستدرك عظيم رحمة الله بك، وقد يكون هذا المرض سببًا في رفع درجتك عند الله أو تكفير سيئاتك.","vol":"32","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-339>التحذير من عبادة الأموال</span>\nومن الأحاديث التي يرويها أبو هريرة ﵁ قول النبي ﷺ: (تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة؛ إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض).\nقوله: (تعس) إما إخبار وإما إنشاء.\nأما الإخبار فالمعنى: أنه يخبر أن هذا هالك سيعيش في تعاسة وسيهلك وسيضيع.\nوأما الإنشاء فالمعنى: أنه يدعو على من نسي عبوديته لله ﷿ وصار عابدًا للمال، وسعى في تحصيل هذا المال من أي طريق كان، بالتعاسة في دنياه وفي أخراه.\nوليس معنى قوله: (تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة؛ إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض)، أن من عبد هذه الأشياء سيصلي لها ويسجد لها ويعمل لها من الطاعات، ولكن المعنى: أن الذي يعبد شيئًا فإنه يستولي عليه هذا المعبود حتى يكون العابد وراءه تابعًا له، فإذا عبد الإنسان ربه سبحانه اتبع هداه ﷾، فنظر في الحلال فأقبل عليه ونظر في الحرام فامتنع عنه، وإذا عبد الدنيا لهث وراءها، يريد أخذها غير ملتفت إلى غيرها.\nوسمي عابدًا لأنه قد ذلل نفسه وطوع إرادته لهذا الشيء الذي يهواه، فهو عابد للدينار، بتتبع من يعطيه الدينار ويجري وراءه، بل قد يعمل المستحيل لكي يحصل على هذا الدينار، ولا فرق إن أخذه من رشوة أو من سحت أو من سرقة؛ لأنه عابد للدينار، يريد أن يأخذه فحسب.\nوقوله: (تعس عبد الدرهم)، وهذا كسابقه في الحقارة والخسة، حيث نظروا لأعراض الدنيا ثم أخذوا يلهثون وراءها ولو أذل الواحد منهم نفسه للخلق.\nوقوله: (تعس عبد القطيفة والخميصة)، أي: أنه يأخذ أي شيء مهما كان خسيسًا ولو خرقة ملبوسة؛ لأن عينه يملؤها هذا الشيء ويسيره من أعطاه فيما يريد، وهو يجتهد أن يفعل له الذي يريده ولو عصى الله سبحانه ﵎، وهو بذلك قد طوع لمن أعطاه فصار عابدًا له، إذ إن أصل العبادة من التعبيد.\nوالتعبيد: التذليل والتيسير للشيء، ومنه الأرض المعبدة، أي: الأرض المذللة، الممهدة، السهلة، يقال: هذه أرض معبدة أي: سهلة لا يصعب المشي عليها، ويقال: عبد الطريق: أي ذلّله وأزال العقبات التي عليها من أجل أن تصير سهلة ميسرة للمشي، ولذا فالمعنى أنه صار عابدًا لهذه الدنيا حيث طوع نفسه لها، فليس عنده أي اعتراض على أي شيء ما دام سيأخذ الدنيا، فهو يفعل من أجلها أي شيء، ومن وصل به الحال إلى ذلك فإنه تعس في الدنيا وفي الآخرة؛ لأنه باع دينه بدنياه، وبدل الآخرة بهذه الدنيا، وهو مع ذلك لن يحصل من الدنيا إلا ما قسمه الله ﷿ له، وهذا الإنسان يصدق عليه أنه اشترى لا شيء بأعظم الأشياء وهي الآخرة، فأي عقل في إنسان يبيع الآخرة ليشتري الدنيا، وهو يعلم أن الدنيا لن تدوم له، وأي عقل في إنسان يبدل الشيء العظيم الجليل بالشيء الحقير الذي لا قيمة له، يقول الشاعر في مثل هذا: أخذت بالجمة رأسًا أزعرا وبالثنايا الواضحات الدردرا وبالطويل العمرعمرًا أنزرا كما اشترى المسلم إذ تنصرا والمعنى: أنك بدلت جمة وهو: الشعر الحسن الطويل الجميل بصلعاء، وصرت أقرع أصلع، ونزعت ثناياك أي: أسنانك الجميلة البيضاء بالدرادير الموجودة، كما اشترى المسلم إذ تنصرا، أي: كما صنع الذي ارتد على عقبه، فقد اشترى الدنيا وباع من أجلها الآخرة.\nوقوله ﷺ: (تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة)، الخميصة: ثوب من الأثواب.\nقال: (إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض)، إن أعطى الناس له الدنيا رضي وفرح بهذه الدنيا وإذا لم يعطه الناس سخط.","vol":"32","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-340>بيان ما كان عليه النبي وأصحابه من شظف العيش</span>\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: (لقد رأيت سبعين من أهل الصفة ما منهم رجل عليه رداء إما إزار وإما كساء) أهل الصفة هم أصحاب النبي ﷺ من المهاجرين الفقراء الذين تركوا ديارهم وأموالهم في مكة وهاجروا منها إلى المدينة بعد أن كانت أحب البلاد إليهم.\nوهجرتهم تلك إلى المدينة من مكة كانت فتنة عظيمة، فهم لم يذهبوا إلى المدينة للرحلة كما نفعل الآن فنذهب إلى الحج أو العمرة، فنترك مكة ونذهب إلى المدينة للزيارة وفي كلا البلدين خير، بل كان الواحد منهم يخرج من مكة وهي البلد الذي فيها أهله وماله وأبناؤه، إلى المدينة التي كانت أرضًا وبئة -فيها وباء- وحين يصل المسلمون إليها تصيبهم الحمى فيمرض كل من يذهب إليها، حتى دعا النبي ﷺ ربه (فرأى في منامه كأن امرأة سوداء ثائرة الشعر خرجت من المدينة وذهبت إلى مهيعة، وهي رابغ، فقص النبي ﷺ لأصحابه القصة والرؤيا وأولها بأنه هذا الوباء، وأن الله سيزيله من المدينة ويذهب به إلى مكان آخر الذي هو مهيعة).\nوقد كان الصحابة وهم في المدينة يتذكرون أيام مكة وما كانوا عليه فيها، فيتمثل أحدهم الشعر مثل بلال ﵁ حيث يقول: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يومًا مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل وبلال يعاني من الحمى يتساءل هل سنرجع إلى مكة مرة أخرى برغم أنها البلد الذي كان يؤذى فيها ويعذب إلا أنهم بعد أن هاجروا إلى المدينة، جعل الله ﷿ حب المدينة في قلوبهم، وعوضهم عما فقدوا من الديار والأموال خير تعويض، وما حكاه أبو هريرة هنا كان من الصور التي كانوا عليها في المدينة، حيث نقل صورة في فقرهم وفي تركهم ديارهم آتين إلى المدينة التي لم يلقوا فيها أي مكان يأوون إليه، وكان أهل الصفة أكثر من سبعين رجلًا، والصفة سقيفة مظللة كانت موجودة في آخر مسجد النبي ﷺ ينام تحتها هؤلاء الفقراء من المهاجرين.\nأما ثيابهم التي كانوا يرتدونها في الصيف وفي الشتاء فيخبرنا عنها أبو هريرة ﵁ وقد كان أحد أصحاب الصفة فيقول: (ما منهم رجل عليه رداء إما إزار وإما كساء)، إذ إنه من أجل أن يلبس أحدهم رداء لا بد أن يلبس تحته إزارًا فالرداء يقال عنه اليوم البدلة وكانت تسمى أيضًا حلة، وأبو هريرة يذكر أن أحدهم ما كان يلقى هذا الشيء، بل هو ثوب واحد يستر به نفسه من أعلى إلى أسفل يشبه ما يسمى اليوم الملاية القصيرة.\nقال أبو هريرة: (قد ربطوا في أعناقهم) أي: يربطها أحدهم في رقبته كما يربط الصبي ثوبه في رقبته؛ لأنه لا يكفيه الثوب الذي عليه أن يفصله ويلبسه، وإنما طرفه في رقبته ﵁.\nثم قال أبو هريرة: (فمنها ما يبلغ نصف الساقين) أي: أن الطول لهذا الثوب من المنكب إلى نصف الساقين، فلا يصل إلى الكعبين.\nثم قال: (ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته) أي: أنه في أثناء الصلاة يلمه على نفسه حتى لا ترى عورته وهو راكع أو ساجد رضي الله ﵎ عنهم أجمعين.","vol":"32","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-341>الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر</span>\nوعنه - أي أبي هريرة - قال: قال رسول الله ﷺ: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)، السجن هو المكان الذي يسجن فيه الإنسان أو يحبس، ففي الحديث بيان أن الدنيا دار حبس للمسلم والسجن عادة ما يكون فيه زنزانة وأغلال وقيود يوثق بها الإنسان فلا يأخذ حريته فيها، فيه يُقدر على السجين الطعام والشراب والحركة، فالمسجون فيه في ضيق.\nكذلك الدنيا بالنسبة للإنسان المؤمن فإنه في الدنيا لو تتبع الحرام سيأخذ ويأخذ ويأخذ ولكنه يحجم عن كل هذه الأشياء؛ لأنها حرام، أما الإنسان الفاجر فتجده يقول ساخرًا: كل شيء حرام حرام! أنتم بصنيعكم هذا ستحرمون علينا كل شيء! لأنه لا ينظر إلى الآخرة ولا يتمنع عما حرمه الله ورسوله ﷺ، إنما يريد أن يحصل على الدنيا فحسب، فلذلك هي جنة للإنسان الكافر، والفاجر الذي يسافر إلى دول أوروبا فإذا رجع يقول عنها إنها جنة، وكذلك من يسافر ليعمل في أمريكا يقول عنها إنها جنة، هناك تلقى البساتين والأنهار والحدائق وكل ما تتخيله، كما أن العامل في اليوم لو استؤجر بعشرة دولار، فإنه منها يأكل ويشرب ويجمع أيضًا، ولكنها جنة الكافر الذي يعيش فيها، أهلها قد أصبحوا مبرمجين على السعي نحو الأعلى.\nإذا حصل أحدهم على مكان وكان أمامه مكان أحسن منه، فإنه يلزم نفسه بعمل أكثر؛ من أجل أن يصل إلى الأعلى، وإذا وصل إلى الأعلى ثم رأى مكانًا أفضل منه عمل لأن يصل إلى المكان الآخر، فحياته في دوامه تدور به، فتجدهم يأكلون ويشربون وهم يتحركون في أعمالهم، إذ ليس عندهم وقت للأكل والشرب، يطمع أحدهم في الدنيا فكلما أخذ شيئًا طلب ما هو أعلى منه.\nأما المؤمن فإنه مكتف في هذه الدنيا، ينظر إلى ما يكفيه منها فحسب، وشعاره: خذ من حل وأنفق في حل وتصدق لله ﷾ بما قدرك الله ﷿ عليه، فهو دائمًا إذا أقدم على عمل يتساءل هل هذا حلال أم حرام؟ إن كان حلالًا عمل فيه وإن كان حرامًا أو فيه شبهة ابتعد عنه وتركه، كما أنه إن أعطاه الله كثير الإنفاق؛ لأنه يعلم أن الله توعد الكانزين للذهب والفضة يوم القيامة بنار تدخل من أكتافهم فتخرج من صدورهم وهكذا، فالمؤمن دائم الخوف من الله ﷿ كأنه في سجن، والناس حوله يلهون ويلعبون وينال أحدهم ما يشتهيه، أما المؤمن فإنه دائمًا يحاسب نفسه على أعماله وكسبه، فهو يؤمن أن الدنيا ستنتهي بأهلها سواء الغني الذي حصل على الملايين أو الفقير الذي لم يلق ما يأكل ويبيت طاويًا، فكلاهما سيموت، وسيأكل التراب الجميع.\nوبذلك يكون المؤمن قد نال من الدنيا عبادة الله ﷿، ووصل إلى غايته بعد أن صبر على الدنيا، إلا أنه يقينًا سيصل بعد ذلك إلى البساتين والجنات والأنهار، أما الكافر فقد نال الدنيا من أجل أن يحاسب عليها في قبره ويحاسب عليها يوم القيامة ومصيره إلى النار.\nوعلى ذلك فالإنسان المؤمن وإن كانت الدنيا سجنًا له، ففي النهاية مصيره إلى الدار الآخرة وإلى حسن العاقبة.","vol":"32","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-342>الوصية النبوية لابن عمر ﵁</span>\nيقول ابن عمر ﵁ (أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل).\nفالإنسان إذا كان غريبًا في مكان ما، فإنه لا يهتم لهذا المكان؛ لأنه يعرف أنه دار غربة وعما قريب سيعود إلى بيته وإلى بلده مرة أخرى، ولذا لن يهتم بتجميل المكان الذي هو فيه؛ لأنه ليس دار إقامة بالنسبة له.\nوكذلك عابر السبيل فإنه في أثناء طريقه قد يمر على شيء يشتهيه ولا يأخذه ويرجئ أخذه إلى أن يصل مأواه، فكأن النبي ﷺ يعلم ابن عمر وجميع المسلمين: أن الدنيا سبيلك للآخرة وأنك غريب في الدنيا ومكانك الأصلي عند الله ﷿ في جنة الله، وإنما أهبطت إلى الدنيا بقضاء الله وقدره لتعيش فيها فترة ثم ترجع إلى جنة الله سبحانه، فاعمل لهذه الجنة، وإذا كنت في هذه الدنيا كنت كهذا الغريب وكعابر السبيل تحصل منها ما يحل لك، تاركًا الحرام، ولا توطن نفسك على العيش فيها.\nوهنا يقول الراوي: كان ابن عمر ﵄ يقول: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك).\nتعلم ابن عمر الحكمة من النبي ﷺ فقال: (إذا أصبحت فلا تنتظر المساء)، وكأنه يقول: إذا كنت غريبًا في هذه الدنيا لعلي لا يأتي علي المساء إلا وقد فارقتها فلا ينبغي أن أؤجل الأعمال التي أعملها في الصباح إلى المساء، فإذا كان عليّ دين أسارع في قضائه، وإذا كان علي حقوق لله ﷿ أؤديها ولا أسوف، وإذا كان علي حقوق للخلق أؤديها، إذ المؤمن دائم النظر إلى الموت لعله يأتيه فجأه.\nوقوله: (وخذ من صحتك لمرضك)، وصية جميلة لـ ابن عمر ﵁، إذ الصحة عماد القيام بالأعمال والتكاليف، فأنت في صحتك تقدر على القيام كما تقدر على العمل الصالح وتقدر على الإنفاق، ولذا يوجهك ابن عمر أن تأخذ من هذه الصحة فتقوم الليل لله ﷾، وتكثر من الصيام لله ﷾، وتسعى جاهدًا لتفعل الطاعات مستغلًا الصحة قبل أن يأتي المرض، فقد يحذرك الأطباء من القيام بكثير من الأعمال كالصوم والقيام وغيرها من أعمال الطاعات.\nإن وصية ابن عمر بالأخذ من الصحة للمرض كنز عظيم جدًا، فإنه إذا واظب الإنسان على صيام الإثنين والخميس وصيام الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر، ثم جاءه المرض وحذره الأطباء من الصيام، فإنه يكتب لهذا الإنسان ما كان يفعل قبل المرض، فيكتب له أجر صائم وهو مفطر وبذلك يكون قد أخذ من صحته لما ينفعه في مرضه.\nوكذلك إذا كان يواظب على صلاة الجماعة في صحته، ويواظب على قيام الليل ثم جاء المرض فأقعده في بيته وأصبح يصلي على سريره، فإن الله ﷿ يأمر الملائكة أن يكتبوا له ما كان يفعله صحيحًا مقيمًا، فيكتب له وهو في فراش مرضه كأنه يصلي مع الناس في الجماعة ويكتب له أجر الجماعة كما يكتب كأنه قائم الليل، وذلك من فضل الله ورحمته سبحانه.\nقوله: (فخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك).\nقال العلماء: معنى الحديث لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطنًا، ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها، ولا بالاعتناء بها، ولا تتعلق منها إلا بما يتعلق به الغريب في غير وطنه، ولا تشتغل فيها بما لا يشتغل به الغريب الذي يريد الذهاب إلى أهله.","vol":"32","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-343>الزهد سبيل حب الله للعبد وحب الناس له</span>\nومن الأحاديث حديث سهل بن ساعد الساعدي ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس).\nأي: دلني على عمل إذا عملته أحبني الله، فإني أريد الحب من الله سبحانه، وأحبني الناس فإني أريد حب الناس أيضًا.\nفقال ﷺ: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس).\nيجوز في قوله: (يحبك الناس)، أن تقول: يحبك بالنصب أو بالرفع.\nومعنى قوله: (ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس)، أي: أنك إذا تركت الدنيا لله أحبك الله ﷾، وإذا زهدت فيما عند الناس أحبوك، فإن الذي يضايق الناس أن تطلب الذي في أيديهم، وأن تضيع عليهم ما عندهم، ولذا فإذا أردت حب الناس فاجعل نفسك بعيدًا عن الناس ومشتهياتهم، ونزه نفسك عن أن تطلب ما في أيديهم.","vol":"32","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-344>تقلل النبي ﷺ من الدنيا</span>\nعن النعمان بن بشير ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ ذكر ما أصاب الناس من الدنيا يعني: من الغنى الذي صاروا فيه فقال: (لقد رأيت رسول الله ﷺ يظل اليوم يتلوى ما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه).\nيتذكر عمر ﵁ بعد أن فتح الله ﷿ على الناس من المغانم وصاروا يأكلون ما يشتهون ما كان عليه النبي ﷺ، ويقول لكل مسلم: لا تفرح بهذا الذي أعطاك الله، فإنه لو كان مما يفرح به لأعطاه الله لنبيه ﷺ، ولكني رأيته يتلوى ﷺ من شدة الجوع.\nقوله: (لا يجد من الدقل)، الدقل: رديء التمر، أي: لا يجد من رديء التمر ما يملأ به بطنه صلوات الله وسلامه عليه، والحديث رواه مسلم.\nوعن عائشة ﵂ قالت: (توفي رسول الله ﷺ وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي فأكلت منه حتى طال علي فكلته ففني).\nفأم المؤمنين عائشة التي هي أحب نساء النبي ﷺ إليه تخبر أن النبي ﷺ توفي في بيتها وما في بيتها شيء يأكله ذو كبد وقولها: (ذو كبد) تريد أي حيوان والإنسان من ضمن الحيوان.\nوقولها: (إلا شطر شعير)، أي: كيلة أو شيء من الشعير وقد أصبح الشعير اليوم طعام البهائم، وقد كان يأكله أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه ويأكله النبي ﷺ.\nقولها: (فأكلت منه حتى طال علي)، أي: أنها كانت تطحن الشعير، ثم تصنع منه خبزًا تأكله ﵂ فأكلت منه زمنًا.\nقالت: (حتى طال علي فكلته ففني).\nوقد نهى النبي ﷺ عن أن يكون عند الإنسان الطعام فيظل يكيله في كل وقت ليعرف كم بقي منه، ولذا ينبغي أن يترك ببركته ويؤخذ منه لعل الله ﷿ يبارك فيه، كما حدث مع أم المؤمنين عائشة ﵂ فقد كان عندها شيء من شعير وضعته داخل الجراب وكانت تأخذ وتأكل إلى أن بقي معها فترة طويلة، ثم كالته ففني.\nوهذا من فضل الله ﷿ على عباده، حيث يرزقهم ويبارك لهم في رزقهم ولو كان قليلًا، فشطر الشعير شيء يسير، إلا أن السيدة عائشة ﵂ ظلت تأكل منه زمنًا حتى تعجبت، فكان من بركة الله ﷿ على آل بيت النبي ﷺ أن جعل لهم البركة في طعامهم وإن كان شيئًا قليلًا، لكن لما كالته فني.","vol":"32","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-345>زهد النبي ﷺ في الدنيا</span>\nجاء عن عمرو بن الحارث، وهو أخو جويرية بنت الحارث أم المؤمنين ﵂ أنه قال: (ما ترك رسول الله ﷺ عند موته دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمة، ولا شيئًا إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها، وسلاحه للجهاد في سبيل الله وأرضًا جعلها لابن السبيل صدقة).\nفكانت هذه الأشياء هي تركة النبي صلوات الله وسلامه عليه، فكل ما تركه شيء يسير كان يعده للجهاد في سبيل الله، وترك أرضًا فكانت صدقة، فليأتس المؤمن برسول الله ﷺ، وإذا حصل من الدنيا شيئًا فليؤد حق الله ﷿ فيما أخذه منها، ولا يطمع في الدنيا وليكن في الدنيا، كأنه غريب أو عابر سبيل.","vol":"32","page":16},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-346> فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر [٣]</span>\nلقد ذكر الله ﷿ الدنيا في كتابه وحقر من شأنها، وبين أنها غرور وتفاخر وتكاثر، وبعدها حساب وعقاب لا مفر منه، وقد أخبر الحبيب المصطفى أن أكثر أهل الجنة الفقراء، وأن الأغنياء محبوسون على باب الجنة ليسألوا عن أموالهم فيم أنفقوها؟ فلا بد أن نتزود من الأعمال الصالحة، ونزهد في هذه الدنيا الفانية.","vol":"33","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-347>حقيقة الدنيا في الكتاب والسنة</span>","vol":"33","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>ذم الدنيا وما فيها من متاع زائل</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب: فضل الزهد في الدنيا، والحث على التقلل منها، وفضل الفقر.\nعن عمرو بن الحارث أخي جويرية بنت الحارث أم المؤمنين ﵄ قال: (ما ترك رسول الله ﷺ عند موته دينارًا، ولا درهمًا، ولا عبدًا ولا أمة، ولا شيئًا إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه، وأرضًا جعلها لابن السبيل صدقة) رواه البخاري.\nوعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ألا إن الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله تعالى وما والاه وعالمًا ومتعلمًا) رواه الترمذي وقال: حديث حسن.\nوعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تتخذوا الضيعة وترغبوا في الدنيا) رواه الترمذي وقال: حديث حسن].\nهذه أحاديث ذكرها الإمام النووي في كتابه العظيم رياض الصالحين في باب: فضل الزهد في الدنيا، والحث على التقلل منها، وفضل الفقر.\nفليزهد الإنسان في الدنيا، وقد جاء في القرآن قال الله ﷿: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥].\nوضرب لنا مثلًا لهذه الحياة الدنيا حيث قال: ﴿كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف:٤٥].\nفالدنيا لا تدوم، وصاحبها مهما ظن أنه قادر عليها يأتي أمر الله ﷿ ليلًا أو نهارًا فيجعلها «حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ»، وكأن لم تكن هذه الدنيا شيئًا مذكورًا، فالإنسان مهما عاش فيها، وطال عمره، وكثر ماله، وكثر أتباعه لابد وأن يفارقهم أو يفارقوه، وفي النهاية يعرف أن هذه الدنيا لم تكن سوى أحلام وأوهام، وأن الذي كسبه من الدنيا ليس هو كثرة الكلام، وإنما العمل الصالح الذي ينقله دار السلام.\nفهنا الإنسان الذي يزهد في الدنيا لا يقبل عليها بشراهة وبنهم يطلبها، والإنسان الشره المنهوم لا يشبع أبدًا، قال النبي ﷺ في الحديث: (اثنان لا يشعبان: طالب علم، وطالب دنيا).\nالإنسان الذي يطلب العلم كلما ازداد علمًا ازداد علمًا بجهله، وازداد نهمًا في تحصيل العلم النافع الذي يتقرب به إلى الله ﷿.\nالإنسان الذي يزداد من الدنيا يطلب الدنيا، وكلما أوتي منها شيئًا طلب أكثر منها، ولا يشبع طالب العلم ولا طالب المال، لكن طالب العلم إن كان علمًا شرعيًا تقرب بذلك إلى الله، ولا يزال يتعلم حتى يموت، وتكون له الدرجة العظيمة العالية عند الله ﷿.\nأما طالب الدنيا فهو في هم دائم، يطلب المال ويزداد ماله، ويزداد عناؤه في حراسة هذا المال، ويزداد طلبه لمال آخر، ولا يزال هكذا مشغولًا على الدنيا، مقبلًا عليها حتى يأتيه اليقين؛ فيترك الدنيا وما عليها، ويذهب ليجازى على هذا الذي جمعه فيها.","vol":"33","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-349>تاج الدنيا رضا الله ومحبته</span>\nالإنسان المؤمن يحرص أن يقبل على الآخرة، وأن تكون الدنيا في يده لا في قلبه، ولا ينشغل بها، يطلب منه ربه سبحانه أنه يمشي في الأرض، (سيروا في الأرض) ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك:١٥] خذ بأسباب طلب الرزق، وحصل من الرزق ما تعول به نفسك وتعول به من يجب عليك عولهم، وتنفق به على نفسك وعلى عيالك، ولكن لا يكن الهم الأكبر للإنسان هو طلب الدنيا، وليكن همه في رضا الله ﵎.\nجاء في الحديث: (من أرضى الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس).\nفالإنسان المؤمن يطلب من الدنيا ما ينتفع به، ويطلب الدار الآخرة، فيرجو ثواب ربه في كل أحواله، في عمله في قيامه في قعوده في منامه في توجهه للعمل في توجهه لبيت الله ﵎ في دخوله بيته في خروجه منه يرجو ربه في كل شيء، ويحرص على أن ينتفع في دينه هذا، يريد محبة الله سبحانه، ويريد محبة الناس أيضًا.\nمحبة الناس عظيمة، إذا مات يدعون له، ويصلون عليه، ويذكرونه بخير، إذا علمهم شيئًا لا يزال يتناقل هذا الذي علمهم فيكون له أجر ولو بعد وفاته.\nإذًا: أحبب ربك ﷾ وافعل ما يحبه الله، وأحبب المؤمنين، والمسلمين، وأحبب نفع الناس كما تحب نفع نفسك، فينتفع الناس بك ويكون لك الأجر عند الله، وفي الحديث: (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس).\nالغرض: أن المؤمن يقضي حياته ويعلم أنها ماضية، وأن اليوم الذي يمر لا يرجع أبدًا، لذلك يحاول أن يحصل ما ينتفع به في الدار الآخرة، وكثير من الناس عندما يتكلم يقول لك: أهم حاجة الصحة، والثاني يقول لك: أهم حاجة الغنى! أهم حاجة المال! وأهم شيء في هذه الدنيا أن ترضي ربك ﷾، إذا أرضيت الله سبحانه رضي عنك وأرضى عنك خلقه، وأتتك الدنيا وهي راضية، وإذا تركت رضا الله سبحانه وسخط عليك لم تنتفع بشيء مما تأخذه من الدنيا؛ لأن الذي يسخط الله يغضب الله عليه، ويغضب عليه الخلق، ويظل منشغلًا بها حتى يتوجه من غضب الله في الدنيا إلى غضب الله في الآخرة.\nفلابد للإنسان المؤمن أن يعرف كيف يرضي الله ﵎، ترضي ربك بعبادتك، وترضي ربك سبحانه بأن يكون عمرك كله عبادة لله سبحانه، فهذا هو المفهوم الواسع للعبادة، فعبادة الله سبحانه أن تطوع نفسك لأن ترضي الله سبحانه، فتدخل في صلاتك وترضي ربك بهذه الصلاة، وتصوم لله ﷿ فريضة أو نافلة فترضي ربك بذلك، وتحافظ على نفسك ولسانك من الآفات ومن الوقوع في المحارم، ترضي ربك سبحانه وتعبده وأنت في عملك، كيف ينتفع الناس من ورائك؟ وتنفعهم بالحلال، تنفعهم بأن ترضي الله سبحانه ﵎، فتدفع عنهم الشرور، وتكون أنت في عملك وسيلة لنفع الناس ولدعوة الناس إلى الله سبحانه ﵎، فإذا رأيت الناس أحبوك وأحبوا دين الله لأنك تمثل هذا الدين العظيم، وأنت قدوة في ذلك، فهنا ترضي ربك بعملك بعبادتك في كل أوقاتك.\nإذا رأيت الناس ذكروا الله ﷾ فارض ربك ولا تتكلم فيما لا يعنيك، الشيء الذي لا يعنيك من الأمور قد ترغب فيه كثيرًا وتتكلم فيه كثيرًا وتقوم فتسمع ما لا يرضيك في النهاية، لعلك تتكلم بالشيء تظنه من الدين، ولكن في النهاية يكون سفسطة وجدلًا عقيمًا، وفي النهاية تجد من كان يرضيك بالكلام يسخط عليك بعد ذلك.\nلا تتكلم إلا بما يرضي الله سبحانه، إذا سألت فاسأل فيما ينفعك، واسأل فيما يرفعك عند الله ﷿، ولا تسأل في شيء يدل على جهلك وحماقتك، ويدل على أنك مستخف بدين الله سبحانه، ويدل على أنك مستخف بأوقات الناس الذين تسألهم.\nاعلم أن العمر يسير قليل، إذا كان وقتك كثيرًا وفراغك كثيرًا فغيرك قد شغل نفسه بطاعة الله ﷿ فلا وقت عنده لك، ولا لجدلك ولا لسفسطتك، نجد بعض الشباب يحب أن يسأل كثيرًا، يجلس معك يريد أن يسألك سؤالًا، فلعلك تتنزل معه في\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  فتدعوه لأجل أن يواظب على المسجد ويواظب على الصلاة، لكنه استحلى نفسه وأسئلته فيسأل عن شيء وراء شيء بحيث إنه يضيع لك وقتك، وتجد في أسئلته أنه يضرب الدين بعضه ببعض، ويستفسر عن أشياء يستحي أن يتكلم فيها عن إنسان فيتكلم فيها عن النبي ﷺ ولا يستحي من نفسه، فهذا لا يستحق أن يجاب عن أسئلته.\nإذا كنت تجعل النبي ﷺ كأحد من البشر وتتكلم عنه بمنتهى البساطة وتريد أن تسأل وتريد أن تتعلم بقلة أدب فلا، لا بد أن تعرف كيف توقر النبي ﷺ، وكيف تتكلم عن النبي ﷺ، وكيف أنه ليس كل ما يحصل في قلبك عن النبي ﷺ من وسوسة تذهب تتكلم عن النبي ﷺ، فهذا سوء أدب، فتعلم الأدب، وتعلم أن تنشغل بطاعة الله، وتبجيل رسول الله ﷺ.\nلذلك أقول لإخواننا الشباب: أنا أحب أن أسلم عليكم كلكم كل يوم فالسلام فيه ثواب، لكن ليس كوني أسلم عليك معناه أن أفتح لك باب السؤال، وليس معنى أني أسمع لك مرة أنك كلما تنظرني تريد أن تسألني سؤالًا، وليس معنى ذلك أن كل وسوسة في صدرك أو في عقلك تتكلم بها حتى تصل للنبي ﷺ تتكلم عنه في ذلك.\nفإذا كنت موسوسًا فعلاجك عند الطبيب النفسي وليس في المسجد، لا بد أن يكون سؤالك سؤالًا يستحق الجواب، وسؤالًا تتعلم منه، أما مجرد أنك فكرت في النبي ﷺ كيف كان يأكل؟! كيف كان يعيش؟! كيف كان يعاشر نساءه؟! وكيف كان يستحم؟! أسئلة من وساوس الشيطان تلقيها حتى تنزل من قدر النبي ﷺ فلا تستحق أن يجيبك أحد، ولذلك البعض قد يغضب حين يسأل سؤالًا فيقال له: امش! امش! فلذلك نرجو من إخواننا إذا كنا في المسجد أن نتعلم الكتاب والسنة، ونتعلم من دين الله ﵎ قال الله قال الرسول قال علماء الصحابة قال السلف كذا، وإذا كنت تريد أن تتعلم فاحضر وتعلم، أما التعلم عن طريق السؤال فقط فلسنا فارغين للسؤال والجواب طوال النهار.\nنقول للإخوة: نحن نشرح في كتب السنة، شرحنا الكتب السبعة خلال خمسة وعشرين سنة ونحن موجودون في المسجد، فاحضر وتعلم مع الناس، تتعلم آية آية وحديثًا حديثًا في النهاية تعرف ما هو العلم الشرعي، أما أنه كل ما يخطر على بالك من سؤال تجيء به لتضيع أوقات الناس فلا.\nثم الأسئلة هي عندكم درستموها معنا دراسة طويلة جدًا خلال سنين طويلة فدرستم وتعلمتم، فاقعدوا وأجيبوا عن أسئلة الإخوة، فالذي عنده سؤال يريد أن يستفيد منه ويعرف موضعه فليذهب إلى الإخوة ويسأل، أما أن تضيع وقتي فلا، ولذا كان أحد الإخوة معي في العيادة وهي مزحومة من الناس حتى أنهم يحجزون قبل أسبوع أمام العيادة، وصاحبنا واقف على باب العيادة يسألني ويريد أن أجيب والناس حوله متضايقون والوقت ضيق وأريد أن أستعجل لأجل أن أعطيكم درس العشاء، وعندما أقول: كفاية حرام عليك الناس يتضايقون يعض على أسنانه حرجًا وكذا كأنه يريد أن يظهر لي الأدب! يعني: أنت تريد أن تتعلم فاذهب وافتح الكتب واعرف منها الأجوبة، فليس عندنا وقت للأسئلة، وإذا أردت أن تعرف مكان السؤال والجواب ففي المكتبة موجود هذا الشيء.\nأما الأسئلة من نوعية أن النبي ﷺ كيف كان يغتسل؟ ولما كان يغتسل كان يقعد هو وزوجته عرايا أمام بعض كل ينظر إلى الآخر؟ فالذي يسأل مثل هذا السؤال إنسان سافل! نقول: النبي ﷺ كان يغتسل، واغتسل هو وعائشة وكانت تقول له: (دع لي ويقول لها: دعي لي)، فأين الحديث من هذا الأسلوب؟ أما أن تتجرأ بالتفاهة وقلة الأدب بالسؤال هذا وتريد التوضيح الشديد الذي فيه، فهذه تفاهة! خرجت عن الدرس ولكن أحيانًا الإنسان يتضايق، نقوم نصلي الفجر أجد صاحبنا واقفًا ينتظرني، وإذا صليت الظهر أجد غيره واقفًا ينتظرني، وهكذا في كل صلاة، وأنت عندما تسأل أسئلة لا يحتاج إليها، فأنت تضيع الوقت على الناس فهم سيذهبون طالما أنك ستفتح باب النقاش والجدل، فهو قد يضيع على غيره سؤالًا قد يحتاج إلى أن يسأل عنه.\nهذا شخص يسأل عن أضحية حقه اشتراها سليمة ولم يبق إلا يومان إلى وقت الأضحية فجاءت سيارة صدمتها فكسرت يدها، وهو قد نواها وعينها أضحية، فما الحكم الذي فيها؟ أظن هذا لا يتأخر في الإجابة عنه، نقول لهذا الإنسان: أنت نويت الأضحية، وعينت هذه الأضحية فاذبحها أضحية ولا تكلف أن تأتي بغيرها، ويفرق بين هذا وبين إنسان ذهب يشتري أضحية فانتقى المريضة أو العوراء فهذا لا يصح، وأما هذه المسألة فحصل فيها الحادث بعدما اشترى الأضحية.","vol":"33","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-350>حقارة الدنيا عند الله تعالى</span>\nنرجع للأحاديث التي بدأنا فيها، ومنها حديث عمرو بن الحارث أخي جويرية بنت الحارث أم المؤمنين ﵂: (ما ترك رسول الله ﷺ عند موته دينارًا، ولا درهمًا، ولا عبدًا ولا أمة، ولا شيئًا إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها) صلوات الله وسلامه عليه.\nتوفي ولم يترك من الدنيا شيئًا من هذه الأشياء التي يملكها فتكون ورثًا بعده، لم يترك لأهله شيئًا صلوات الله وسلامه عليه، وكانت له أرض ﷺ فجعلها لابن السبيل صدقة.\nمن الأحاديث قول النبي ﷺ: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء).\nهذه الدنيا لا قيمة لها عند الله ﷿، والدليل على ذلك أنه أعطاها للكافر، وصار الكفار من ملوك الأرض وأغنيائها، ولو كانت لها قيمة عند الله ووزن ما كان أعطاها للكفار.\nفالمعنى: أنك لا تنظر للغني على أنه صالح وأن ربنا قد فتح عليه وكرمه لأنه يستحق هذا الشيء، فليس المال دليلًا على رضا الله ﷿ عن صاحبه، حتى تنظر في عمل هذا الإنسان، فإذا كان مؤمنًا صادقًا يفعل في ماله ما أمر الله ﷿ به فهو في درجة كبيرة عند ربه سبحانه، وفعلًا هذا ممن رضي الله ﷿ عنه فهو يرضي ربه فيما أعطاه، أما إذا كان يعمل بسخط الله ﷿ في هذه الأشياء إذًا: هنا أعطاه الله الدنيا وليس فيه دليل على رضاه، وإنما أعطاه استدراجًا.\nكذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ألا إن الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله تعالى، وما والاه، وعالمًا ومتعلمًا).\nهذه الدنيا مبغوضة عند الله ﷾ وساقطة لا قيمة لها.\n(ملعون ما فيها) إلا أشياء لا تشغل عن الله ولا عن دين الله ﵎.\nإذًا: كل ما في هذه الدنيا ليس له قيمة عند الله ولا يساوي عنده جناح بعوضة إلا ذكر الله، والذاكر لله ﷾ هو الذاكر لله في صلاته، والذاكر لله ﷿ في قراءته للقرآن في تسبيحه، في أذكاره في الصباح والمساء في نومه في الأذكار التي يقولها عند ذهابه إلى عمله وسوقه وعند دخول بيته وخروجه منه وغير ذلك مما فيه ذكر الله، وإذا حضر جلسة علم يتعلم فيها، فهذا ذكر الله ﵎.\nقوله: (وما والاه)، من ذكر الله ﷿ ومن انشغل بما شابه ذلك من العلم.\nقوله: (وعالمًا ومتعلمًا).\nجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في البحر).\nوقال: (إن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر).\nمن أخذ في العلم أخذ من ميراث الأنبياء بحظ وافر، فقال لنا هنا: (وعالمًا ومتعلمًا)، العالم الذي يعلم الناس الخير، والإنسان المؤمن حتى يكون عالمًا لا بد وأن يتعلم العلم الشرعي، يتعلم كتاب الله ﷿ وتفسيره وأحكامه، ويتعلم سنة النبي ﷺ وفقهها، ويتعلم دين الله ﷿، فإذا تعلم ما ينفعه من دين الله كان عليه أن يبلغ ذلك، وكان ممن يستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان والأسماك في البحر.\nقال: (وعالمًا) وما اقتصر على ذلك بل قال: (ومتعلمًا)، فكأن الإنسان لن يكون عالمًا حتى يكون متعلمًا.\nفالمتعلم كذلك له عند الله درجة عظيمة، يتعلم الخير ليعلم الخير يومًا من الأيام.","vol":"33","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-351>انقضاء الدنيا بالموت</span>\nمن الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: (مر علينا رسول الله ﷺ ونحن نعالج خصًا لنا فقال: ما هذا؟ فقلنا: قد وهى فنحن نصلحه، قال: ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك).\nهنا يعلمهم النبي ﷺ عن طريق الواقع الذي هم موجودون فيه، مازالوا يصلحون خصًا ساكنين فيه، فيمر عليهم النبي ﷺ لما رآهم يصلحونه فيقول: (ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك).\nالمعنى: أنه لعله يأتيكم الموت بعد قليل، ومثلما تستعدون بالإصلاح لأجل أن تناموا في هذا الخص وتعيشوا فيه فاستعدوا للمعيشة في الدار الآخرة، وليس المعنى أنه ينهاهم عن إصلاح شيء فسد، فقد كان النبي ﷺ يصلح شسع نعله بنفسه، فلا ينهى عن الإصلاح، والإصلاح مندوب إليه، ولكن أنت تتذكر هذا الخص وهذه العشة التي ستعيش فيها وأنك تصلحها لأنك ستقعد فيها، يا ترى هل أصلحت الدار الآخرة؟ أصلح آخرتك بإصلاح دنياك وعملك، فهو يذكره، وكما قال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)، هل المعنى أنني أجلس في الدنيا لا آكل ولا أشرب، وإنما آكل (سندوتشات) خفيفة مثل المسافر؟ ليس المعنى هذا، وإنما يقول لك: اتخذ هذه الدنيا معبرًا للآخرة، وهل الذي يعبر طريقًا إلى مكان يريد أن يصل إليه يؤجل السير في الطريق الذي هو ماش فيه أم أنه يعجل لأجل أن يسرع ويستعد للأهم الذي وراءه؟! فكأن الأمر: استعد للدار الآخرة، لا تجعل كل نفقاتك للدنيا، ولا كل تعليمك للدنيا، ولكن ليكن للدار الآخرة، فستأتي دار هي أعظم من هذه الدار التي أنت فيها فاستعد لها.","vol":"33","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-352>حب الدنيا مزهد عن الآخرة</span>\nعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا).\nالضيعة: الأراضي، وهنا كأن صحابة النبي ﷺ كان أمرهم الجهاد في سبيل الله ﷿، فقد كانوا مجاهدين مع النبي ﷺ وفجأة قالوا: نريد أن نصلح أرضنا ونجلس فيها ويكفي ما قد قدمنا! فربنا ﷾ حذرهم من ذلك، فكأنه يقول: أنتم المجاهدون! أنتم الذين اخترناكم لصحبة النبي صلوات الله وسلامه عليه! لستم أنتم الذين ترغبون في الضيعة وتتركون الدار الآخرة، بل أنتم الذين ستجاهدون لكي تبلغوا هذا الدين؛ ليقتدي بكم من بعدكم، فربنا ﷾ قال لهم: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥].\nفكان التحذير من الإلقاء باليد في التهلكة أن يتركوا الجهاد فيقولون: نحن جاهدنا ما فيه الكفاية، وربنا قد فتح لنا مكة فنجلس للزراعة فحذرهم النبي ﷺ أن كما حذرهم من قبل ربنا سبحانه، فتحذير النبي ﷺ قال لهم في هذا الحديث: (لا تتخذوا الضيعة) والسبب: سترغبون في الدنيا، إذًا: كل واحد سينظر إلى الحقل والبستان الذي فيه الزروع والثمار ويركن إلى هذه الدنيا.\nفهنا كأنه حث لهم على الدار الآخرة، وتنفير لهم عن الدنيا، ولكن هل يحرم على الإنسان أن يتخذ ضيعة؟ هل يحرم عليه أن يتخذ أرضًا يزرعها؟ لا يحرم ذلك، ولكنه إرشاد من النبي ﷺ: أن جاهدوا واستعدوا للجهاد والبذل حتى تبلغوا هذا الدين العظيم.\nفالإنسان المؤمن وإن جاز له أن يشتري البيت ويقتني المزرعة طالما يؤدي حق الله سبحانه، ولكن يحذر أن تشغله هذه الأشياء عن دينه وآخرته، وعن تبليغ دين الله والجهاد في سبيله سبحانه.","vol":"33","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-353>التحذير من الافتتان بالمال</span>\nكذلك من الأحاديث ما جاء من حديث أبي بن كعب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال).\nخاف النبي ﷺ على هذه الأمة من المال، وخاف عليها أيضًا من النساء، فقال لهم الحديث الذي ذكرناه قبل ذلك: (ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا كما فتحت على الذين من قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم).\nفخشي عليهم من فتنة الدنيا والمال، وكذلك من فتنة النساء وقال: (إن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء).\nوعن عثمان ﵁ قال: إن النبي ﷺ قال: (ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال، بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز والماء).\nرواه الترمذي وقال: صحيح، ولكن في إسناده ضعف.\nالغرض: أن الإنسان إذا عاش في هذه الدنيا ما الذي سيعيشه من هذه الدنيا؟ فقال لنا هنا: (بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز والماء) فإذا أخذ ذلك من الدنيا فهو إنسان غني.\nوجاء في حديث آخر له صلوات الله وسلامه عليه يخبرنا فيه عن هذه الدنيا حيث قال: (بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه).\nإذًا: مهما انهمك في الدنيا فسيكفيه من الدنيا الشيء القليل، فلا يكن في الدنيا نهمًا ولا شرهًا في طلبها، وليحذر أن تفتنه ويضله الله ﷿ فيها، وانظروا الحديث الذي يليه.\nعن عبد الله بن الشخير -وهذا الحديث في صحيح مسلم - قال (أتيت النبي ﷺ وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١] يقول: يقول ابن آدم: مالي مالي! وهل لك يابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت!).\nانظروا التعليم منه ﷺ، أنت تقول: (مالي مالي) يعني: أترى أن كل الذي تجمعه من الدنيا ستنتفع به كله؟ إن ما ينتفع به العبد حقيقة هو ما ذكره النبي ﷺ في هذا الحديث، حيث قال: (وهل لك يابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت)، إذًا: الانتفاع الحقيقي لمالك طعام أكلته وأفنيته، (أو لبست فأبليت) قد يكون عندك مائة ثوب كلها موضوعة في الدولاب، لكن عندما تلبس ثوبًا واحدًا منها هو الذي انتفعت به من بين هذه الثياب، وقد تكون الثلاجة مليئة بالطعام، ولكن إذا أخذت الوجبة التي تكفيك فهي التي انتفعت بها، والباقي كله ليس لك.\n(أو تصدقت فأمضيت)، إذا دفعت الصدقة للفقراء قدمتها لك في الدار الآخرة، فانظر إلى المال الذي أكلته فني ولم يبق منه شيء، والذي لبست بلي وما استفدت منه شيئًا بعد ذلك، لكن عندما تصدقت هذا هو الذي قدمته للدار الآخرة وظل باقيًا.","vol":"33","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-354>الحرص على الدنيا مفسد للدين</span>\nعن كعب بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه).\nوهنا شبه جملة بجملة، وليس مفردًا بمفرد، والناتج من هذه الجملة ما هو؟ قوله: (ذئبان جائعان) أي: يتضوران جوعًا، فإذا دخل هذان الذئبان الجائعان على قطيع من الغنم فماذا تكون النتيجة؟ لا شك أنه فساد عظيم جدًا، فهو ذئب جائع وليس شبعان، وليس ذئبًا واحدًا، بل هما اثنان، ولو كان ذئبًا واحدًا فقد تهرب الغنم شمالًا ويمينًا، أما الذئبان فإن الغنم ستحتار بين الاثنين، والغنم لا طاقة لها بالذئبين، فتكون النتيجة فسادًا شديدًا في الغنم.\nفالإنسان عندما يحرص على المال، وعلى المنصب والرئاسة فإن النتيجة من وراء ذلك الفساد الشديد، يريد المرء أن يكون عنده مال كثير، ويريد أن يكون أشرف الناس وأعلى الناس، ليظفر بهذا الحرص على المال والشرف، وسيعمل أي شيء على أنه يرضي الناس لأجل المنصب الذي يريده، فيصل إلى المنصب بالخيانة والغش والغدر والخداع، وحتى يصل إلى المال ويتعامل مع الناس بالحرام، وأكل السحت والرشوة، وفي النهاية يقع في الربا صراحة، فهو في فساد من ناحية طلب المال، وفي فساد من ناحية طلب الشرف.\nفالفساد الذي في المال وفي حرص الإنسان على تحصيله، وحرصه على تحصيل الشرف، أعظم بكثير من إفساد الذئبين في الغنم، فكأنه يريك نتيجة هذا الفساد العظيم، ولكن الفساد في هذه الثانية أعظم بكثير من الأولى: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لهما من حرص المرء على المال والشرف لدينه) يعني: أفسد لدينه من إفساد الذئبين الجائعين لهذه الغنم.","vol":"33","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-355>الدنيا ظل زائل</span>\nوعن ابن مسعود ﵁ قال: (نام رسول الله ﷺ على حصير، فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله! لو اتخذنا لك وطاءً؟ فقال: ما لي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها).\nلا بد أن نقتدي بالنبي ﷺ في أقواله وأفعاله صلوات الله وسلامه عليه حيث يقول: (ما لي وللدنيا؟ إنما أنا كراكب استظل تحت شجرة) إنسان مسافر طوال اليوم تعب فنزل تحت شجرة واستظل، فهل يستظل طوال عمره تحت الشجرة؟ لا، وإنما يستريح قليلًا ثم يركب ويكمل طريقه، كذلك النبي ﷺ هنا لما نام على حصير أثر في جنبه، فلما نظروا شيئًا لينًا بدلًا عن الحصير يفرش تحته ﷺ قال: (ما لي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها).","vol":"33","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-356>ما للفقراء من نعيم في الآخرة</span>\nكذلك من الأحاديث ما رواه الترمذي وقال صحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام).\nذكر هنا فضل الفقير الذي يصبر على الفقر، وليس الغني الذي يحمد ربه على الغنى ويؤدي الحق له، فهذا له منزلة عظيمة عند الله ﷿، وإنما الفقير الذي يصبر على الفقر ولا يتسخط على ربه سبحانه، بل هو راض كل الرضا عن ربه سبحانه، وأن الله ما اختار له إلا الخير، فهذا الفقير يدخل الجنة قبل الغني بنصف يوم، ونصف اليوم من أيام الآخرة بخمسمائة عام، فالإنسان إذا نظر إلى نصف اليوم يظنه قليلًا لكن لو نظر بالقياس الحقيقي إلى نصف يوم من أيام الآخرة فإنه سيكون مثل أعمار خمسة رجال عمروا في الدنيا كل منهم مائة سنة فهذه المرة تسبق فيها هذا الغني في دخولك الجنة حيث قال ﷺ: (الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام).","vol":"33","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-357>الفقراء أكثر أهل الجنة</span>\nوعن ابن عباس وعمران بن حصين ﵄ عن النبي ﷺ قال: (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء).\nفالمرأة تقع في كفران العشير، وتقع في التفريط في حق الله وفي حق زوجها، فكن أكثر أهل النار.\nأما الجنة فأكثر أهلها الفقراء، أعطاهم الله ﷿ وعوضهم تعويضًا عظيمًا جدًا؛ لأن الدنيا لا قيمة لها، فيوم القيامة وهم في جنة الله ﷿ يعطيهم حتى إن أبأس إنسان منهم في الدنيا ليغمس غمسة في الجنة ويسأل: هل رأيت بؤسًا قط؟ فيقول: ما رأيت بؤسًا قط وهذه غمسة فقط، كيف وهو ينعم فيها إلى أبد الآبدين!","vol":"33","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-358>دخول الفقراء الجنة قبل الأغنياء</span>\nوعن أسامة بن زيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: (قمت على باب الجنة، فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار) متفق عليه.\nقام ﷺ على باب الجنة ينظر فيها الذين دخلوها فكان عامة من دخلها المساكين والفقراء، يأتي ربنا ﵎ لفصل القضاء بين الناس فيسأل الفقراء: كيف خرجتم من الدنيا؟ فيقولون: دخلنا الدنيا ولا شيء لنا، وخرجنا منها ولا شيء لنا، فيدخلهم الجنة.\nأما أهل النار فيساقون إلى النار والعياذ بالله، ويبقى الأغنياء من هذه الأمة محبوسون عن الجنة حتى يسألوا عن القليل والكثير، وعن الصغير والكبير، وعن النقير والقطمير، وعن كل شيء فانظروا هنا في الحديث: (غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار، قال: وأصحاب الجد محبوسون) والجد: الغناء.\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد قال: ألا كل شيء ما خلا الله باطل).\nوهذا لبيد بن ربيعة وقال ذلك في كفره فقال: ألا كل شيء ما خلا الله باطل، فرجل من أصحاب النبي ﷺ قال: صدقت، قال: وكل نعيم لا محالة زائل، فقال: كذبت! نعيم الجنة لا يزول، والرجل ما قصد ذلك، لكن الغرض هنا: كل شيء سوى الله ﷿ باطل.\nفالدنيا ما فيها باطل وما فيها لهو ولعب، فليحرص المؤمن على تحصيل ما يعينه في دخول جنة الخلد، وعلى رضا الله سبحانه.\nنسأل الله ﷿ أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.","vol":"33","page":13},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-359> فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل [١]</span>\nلقد امتدح الله ورسوله المقلين من هذه الدنيا، والراغبين عنها، والعالمين بحقيقتها، وقد ضرب لنا رسول الله ﷺ وأصحابه أروع الأمثلة في الصبر على ضيق العيش، والرضا بالقليل من هذه الدنيا، فهم يدخرون صالح متاعهم للدار الآخرة، ويجعلون الدنيا دار تزود من الطاعات للعبور عن طريقها إلى الآخرة.","vol":"34","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-360>ما جاء في فضل الجوع والتقلل من الدنيا في القرآن</span>","vol":"34","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-361>فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة</span>\nأعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.\nبسم الله الرحمن الرحيم.\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب فضل الجوع وخشونة العيش، والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس، وترك الشهوات.\nقال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم:٥٩ - ٦٠].\nوقال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [القصص:٧٩ - ٨٠].\nوقال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:١٨].\nوعن عائشة ﵂ قالت: (ما شبع آل محمد ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض ﷺ) متفق عليه.\nباب آخر من كتاب (رياض الصالحين) للإمام النووي ﵀ يذكر فيه فضل الجوع وخشونة العيش.\nفالإنسان الذي يأكل إما أن يشبع وإما أن يكتفي بالقليل، فالذي يجوع في الدنيا يحاسبه الله ﷿ يوم القيامة حسابًا يسيرًا، والذي يشبعه ويتخمه ويعطيه الكثير يطول حسابه، حتى وإن كان من المتقين، فإنها لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به.\nإذًا: فالمقلون في الدنيا حسابهم يسير يوم القيامة إذا كانوا من الأتقياء.\nوليست الرفاهية في العيش محرمة، لكن على الإنسان أن يعود نفسه على التقلل من الدنيا؛ لأن نفس الإنسان طماعة، فكلما أخذ شيئًا تمنى غيره وما هو أكثر، فإذا عود نفسه على العطش وعلى الصيام، خاصة إذا كان يصوم شهر رمضان ويصوم أيامًا من أيام العام تطوعًا لله ﷾، فسيستعين بذلك على مشقة الحساب يوم القيامة.\nوقد ذكر المؤلف آيات في هذا الباب منها قول الله ﷿: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩].\nوكلمة (خلف)، إذا كانت ساكنة اللام فهي: خلف سوء، يعني: أقوامًا ليسوا بطيبين، وإذا كانت محركة اللام فهم خير، أو فيهم خير.\nقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [مريم:٥٩]، حالهم ﴿أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩].\nوالدين جاء ليأمر العباد بعبادة الله ﷾، وبتوحيده وحده لا شريك له؛ لأنهم يستعينون بهذه الدنيا على الآخرة، فالله ﷿ خلق لكم ما في الأرض جميعًا، وأباح لكم ما شاء، وحرم عليكم ما شاء، فالإنسان في الدنيا يعيش بشرع الله ﷿ مستريحًا، استراح قلبه واستراح بدنه، واستراح في حاله ومآله بطاعته لله رب العالمين سبحانه، وإذا راجع الإنسان نفسه وحاسبها وراقب الله ﷿ فسيمشي على الصراط المستقيم؛ لأنه يخاف من الله ﷿.\nفهؤلاء الخلف خلف السوء: ﴿أَضَاعُوا الصَّلاةَ﴾ [مريم:٥٩]، فلم يخافوا من الله ﷿، ولم يستحضروا وعيده، ولم يستحضروا يوم القيامة والجزاء فضيعوا الصلاة، كعادة الكثيرين من الناس، يصلي أحيانًا ويترك كثيرًا، ويجمع الصلوات بعضها على بعض، قال: ﴿أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم:٥٩]، وكأن تضييعهم للصلاة بسبب اتباعهم شهواتهم، شهوة المال، وشهوة الجنس، وشهوة البنين، فهو يجري وراء شهوته على حساب الصلاة.\nقال تعالى مبينًا جزاء هؤلاء: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩]، والغي: شر الجزاء، وقيل: واد في قعر جهنم والعياذ بالله.\n﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩]، جزاء غيهم، وجزاء ضلالهم يوم القيامة.\nثم قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [مريم:٦٠]، ففضل الله واسع عظيم، فقد هدد هؤلاء ثم بسط يد التوبة فقال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [مريم:٦٠]، فإذا فرضنا أن الإنسان وقع في شهواته، وابتعد عن ربه وطاعته ثم راجع نفسه فالله كريم وحليم يحلم عنه، ويتوب عليه.\nقال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم:٦٠]، لأنهم تابوا لله ﷿ فلا يظلمهم؛ ولأنه يقبل التوبة عن عباده، فلما تابوا إليه قبل منهم التوبة وأدخلهم جنته.","vol":"34","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-362>جزاء قارون</span>\nوقال الله ﷿ عن قارون: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص:٧٩].\nفالمال يطغي الإنسان ويغره، فهذا قارون لم يكن من آل فرعون، ولم يكن من كبار وزراء فرعون، ولكنه كان من أغنياء بني إسرائيل، فمن المفترض أن يكون من أتباع موسى النبي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ويتأدب بأدبه، ولكنه اغتر وطغى وبغى وتكبر على قومه فاحتقر قومه، وأراد أن يلحق نفسه بالكبار، فحذره الناصحون من الدنيا وأمروه أن يطيع الله ﷾، وأن يبتغي فيما آتاه الله الدار الآخرة، قال تعالى عنهم: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧].\nوقارون لم يكن من قوم فرعون، قال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ [القصص:٧٦]، ومن المفترض أيضًا أن قوم موسى كانوا في ذل هنا في هذا البلد؛ لأن فرعون أذلهم، واستحيا نساءهم، وقتل أبناءهم، وهذا رجل منهم، فمن المفترض أن يستشعر ما بقومه من ذل، ومن احتقار فرعون وجنوده لهم، فيكون معهم لا عليهم، ولكنه طغى واستكبر، فحذروه من معصية الله ﷾ فأبى، قالوا له: خذ من هذه الدنيا نصيبك ولا تضيع حظك من الآخرة، وأحسن للخلق كما أحسن الله إليك.\nفكان الجواب أن قال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]، يعني: أن الله أعطاني هذا المال لأني أستحقه، ولم يعطكم أنتم لأنكم لا تستحقونه، قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]، ولم يعتبر بما حصل للقرون السابقة، والأمم الماضية ممن ادعوا هذه الدعوى، ولكنه خرج متكبرًا متجبرًا على قومه: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص:٧٩]، وقد كان لديه من الكنوز والخزائن ما إن مفاتيح هذه الخزائن، ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص:٧٦]، كما قال ﷾، وكان معه جماعة من الرجال الأشداء الأقوياء الذين يحملون مفاتيح هذه الخزائن، ومع ذلك لا يقدرون على حمل هذه المفاتيح.\nقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص:٧٦]، فلما نصحه قومه خرج يتبختر في ثيابه ويريهم أمواله، وأنه يستحق ذلك، قال تعالى: «فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ» [القصص:٧٩].\nالناس بطبعهم منهم من يحب الدنيا، ومنهم من يحب الآخرة، فالذين يريدون الدنيا سرعان ما يشتهون مثل هذا الذي معه، فهؤلاء نظروا إليه وهو في زينته، راكب على دوابه في حشمه وخدمه، فقالوا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩].\nفهؤلاء الجهلاء قالوا كما قال هو، فإذا كان الله قد أعطاه هذا الشيء فلأنه يستحق ذلك، قال تعالى عنهم: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ [القصص:٧٩].\nوكما أنه يوجد الحمقى في كل زمان ومكان، فكذلك يوجد أهل العلم وأهل الطاعة وأهل الخوف من الله سبحانه، فقد قال الذين يخافون من الله ويريدون الدار الآخرة لهؤلاء: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص:٨٠]، فاصبروا على هذه الدنيا حتى يسكنكم ربكم سبحانه جنته! وهم لن يعتبروا حتى يروا نهاية هذا الإنسان، وخاتمته، قال تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص:٨١]، ثم إذا بالذين كانوا يتمنون مكانه بالأمس يقولون: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص:٨٢]، أخيرًا عرف هؤلاء أن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر، أي: ويضيق على من يشاء، ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص:٨٢].\nثم ختم سبحانه هذه الآيات بقوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣].\nفبعد أن ذكر الله لنا قصة قارون ساق لنا الحكمة في آية جميلة عظيمة يقول فيها: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ﴾ [القصص:٨٣]، فإننا نجعل الآخرة للذين يتقون الله سبحانه، وللذين لا يريدون العلو والاستكبار في الدنيا، قال: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا﴾ [القصص:٨٣].","vol":"34","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-363>سؤال الإنسان يوم القيامة عن النعيم في الدنيا</span>\nومن الآيات التي يسوقها لنا النووي هنا قول الله ﷿: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨].\nيعني: أنه سبحانه سيسألكم عما نعمكم به في الدنيا، من مال، أو طعام أو شراب ونحو ذلك.\nوقال سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:١٨]، هذه الآية من سورة الإسراء آية عظيمة وعجيبة فاسمع لهذه الآية: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ [الإسراء:١٨]، أي: الدنيا: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨]، أي: الذي نريده؛ لنفتن الخلق بذلك، فالإنسان الذي يطلب الدنيا لن ينال ما يطلب، ولكن ينال منها ما قسمه الله ﷿ له لحكمة عنده، ومع ذلك تجد الإنسان ينكب على الدنيا.\nومن أبأس خلق الله الذي يطلب الدنيا، فهو يجري فيها بكل طاقته ثم يشاء الله تعالى أن يظل فقيرًا تعيسًا في حياته ثم يموت بهذه التعاسة، فلا هو نال الغنى في الدنيا، ولا نال رضا الله ﷿ في الآخرة، وهذا من أشد الناس بؤسًا وضررًا على نفسه في الدنيا وفي الآخرة.\nقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨]، ثم جعلنا لهذا الإنسان الذي يريد العاجلة، سواء أعطيناه العاجلة أم لم نعطه؛ لأنه ابتعد عن الله ﷾، قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:١٨]، فضاعت منه الدنيا كذلك، وحتى إن حصل على الدنيا فإنه لا بد تاركها، ثم له نار جهنم والعياذ بالله.\nقال: ﴿يَصْلاهَا﴾ [الإسراء:١٨]، أي: يدخلها ويقاسي حرها ولهيبها واشتعالها، ﴿مَذْمُومًا﴾ [الإسراء:١٨]، على ما صنع، ﴿مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:١٨] ذليلًا مطرودًا من رحمة رب العالمين سبحانه.\nلذلك فإن الإنسان المؤمن العاقل يحمد ربه سبحانه على أن وفقه لطاعته، وعلى أنه أتى به إلى بيت الله ليصلي، وعلى أن جعله يصوم، فكم من إنسان بعيد عن رب العالمين يتمنى لو فعل ذلك مجرد أمان، فهو لا يريد أن يصلي أو يصوم؛ لأن الكسل يمنعه عن أداء هذه الواجبات، وكذلك نسيانه ربه سبحانه، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، فلو كانوا يقدرون الله حق قدره، ويعلمون قوة الله وقدرته، ويستحضرون رحمة رب العالمين، وكيف أنعم عليهم بنعم عظيمة ليل نهار لعبدوا الله حق عبادته.","vol":"34","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-364>خشونة العيش والاقتصار على القليل في حياة النبي ﷺ</span>","vol":"34","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-365>ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتابعين</span>\nومن الأحاديث التي ذكرها المؤلف في الباب حديث للسيدة عائشة ﵂ في الصحيحين قالت: (ما شبع آل محمد ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض صلوات الله وسلامه عليه).\nقولها: (خبز الشعير)، يعني: أنه ليس خبز قمح أو ذرة، بل خبز الشعير الذي لا يأكله اليوم أحد، ومع ذلك فما شبع منه النبي ﷺ ولا آله يومين متتابعين، ونحن لا يأتي علينا يوم واحد إلا ونحن نأكل أطيب الخبز، ومع ذلك قد تأكل لقمة وترمي الباقي في الأرض دون أن يأكلها أحد، بينما لم يشبع النبي ﷺ ولا آله من خبز الشعير يومين متتاليين صلوات الله وسلامه عليه.\nحديث آخر للسيدة عائشة ﵂ في الصحيحين أيضًا تقول: لـ عروة بن الزبير ابن أختها أسماء ﵂: (والله يابن أختي! إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقد في أبيات رسول الله ﷺ نار، أي: لا يوجد طبخ مطلقًا، قال عروة: قلت يا خالة! فما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان، التمر والماء)، ومن الذي يرضى أن يأكل التمر والماء مدة أسبوع أو شهر أو شهرين؟ ومع هذا فهم متعودون على ذلك، أنت في رمضان تأكل ثلاث تمرات اتباعًا للسنة، ولولا ذلك لما أكلتها أصلًا، ولو أكثر الإنسان من التمر لأحرقته معدته، ومع ذلك كان النبي ﷺ يستمر على هذا الحال مدة طويلة.\nتقول: (إلا أنه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار وكانت لهم منائح، وكانوا يرسلون إلى رسول الله ﷺ من ألبانها فيسقينا) والمنائخ: هي المعزة تكون للإنسان، ويكون فيها لبن، فيهدي لجاره من لبنها، أو بقرة يهدي لجاره من لبنها، فكانوا يهدون للنبي ﷺ من ذلك اللبن.","vol":"34","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-366>ما أكل رسول الله شاة مصلية</span>\nوعن أبي هريرة ﵁ أنه مر بقوم بين أيديهم شاة مصلية.\nأبو هريرة كان من فقراء الناس في عهد النبي ﷺ، لكنه كان من حفاظ حديث النبي ﷺ، وقد من الله ﷿ عليه ببركة ملازمته للنبي ﷺ فصار أحفظ أصحاب النبي ﷺ رضي الله ﵎ عنه.\nفـ أبو هريرة هنا مر بقوم بين أيديهم شاة مصلية أي: مشوية، وهنا يذكر: أنهم دعوه فأبى أن يأكل، وكأنه استحضر حال النبي ﷺ، قال ﵁: (خرج رسول الله ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير)، رواه البخاري في صحيحه.\nوعن أنس ﵁ بهذا المعنى في البخاري أيضًا قال: (لم يأكل النبي ﷺ على خوان حتى مات).\nوالخوان: المائدة التي عليها أصناف الطعام، وكان ﷺ يأكل على الأرض؛ يقول: (إنما أنا عبد، أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل).\nقال: (وما أكل خبزًا مرققًا حتى مات).\nرواه البخاري.\nوالخبز المرقق: هو الملين المنخول، وفي رواية: (ولا رأى شاة سميطًا بعينه قط).\nوقد جاء عنه ﷺ أنه أكل من شاة مشوية، لكن هذا النوع من الشواية غير مسموط، والشاة المسموطة بمعنى: التي توضع في الماء المغلي بحيث يزول فروها ويبقى الجلد فقط ثم تشوى، فهذا فعل أهل الرفاهية، وكان هذا الفعل بعد النبي ﷺ.\nيقول النعمان بن بشير ﵁: (لقد رأيت نبيكم ﷺ وما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه)، والدقل: رديء التمر، فالله ﷿ منع عن نبيه هذه الدنيا لحقارتها، فلو كانت ذات قيمة لأعطاها لنبيه ﷺ، فهو هو أحب الخلق إليه، وهو سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه.\nيقول سهل بن سعد فيما رواه البخاري: (ما رأى رسول الله ﷺ النقي من حين ابتعثه الله تعالى حتى قبضه).\nوالنقي من الخبز: هو الخبز الذي نخل طحينه؛ بأن يطحن الشعير أو القمح ثم ينخل.\nيقول سهل بن سعد ﵁: (ما رأى رسول الله ﷺ النقي من حين ابتعثه الله تعالى حتى قبضه، فقيل: هل كان لكم في عهد رسول الله ﷺ مناخل؟ قال: ما رأى رسول الله ﷺ منخلًا من حين ابتعثه الله تعالى حتى قبضه الله تعالى، فقيل له: كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ - وهذا دليل على أن المنخول ما وجد إلا بعده ﷺ - قال: كنا نطحنه وننفخه فيطير ما طار، وما بقي ثريناه فأكلناه) وثريناه: أي بللناه وعجناه.","vol":"34","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-367>خروج رسول الله وأبي بكر وعمر من بيوتهم جياعًا</span>\nومن الأحاديث حديث أبي هريرة ﵁ رواه مسلم، قال: (خرج رسول الله ﷺ ذات يوم أو ليلة فإذا هو بـ أبي بكر وعمر ﵄، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ قالا: الجوع يا رسول الله! ﷺ، فهما يتمشيان من أجل أن يتناسيا الجوع، قال ﷺ: وأنا والذي نفسي بيده، لأخرجني الذي أخرجكما، قوما فقاما معه، فأتى رجلًا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحبًا وأهلًا، فقال لها رسول الله ﷺ: أين فلان؟ قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء، إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله ﷺ وصاحبيه، ثم قال: الحمد لله، ما أحد اليوم أكرم أضيافًا مني- أي: من مثلي، وعندي مثل هؤلاء الأضياف؟ يقصد النبي ﷺ وأبا بكر وعمر رضي الله ﵎ عنهما- فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا)، فهنا أحس الرجل بأن النبي ﷺ وصاحبيه جياع فأعطاهم العذق وفيه البسر والتمر والرطب، وهذا من أدب الضيافة، فهو يقدم لهم شيئًا يزيل به جوعهم في البداية، ثم يذهب لإعداد الطعام، وهذا الأدب غائب عن حياة الناس اليوم، فقد يضيف أخاه ثم ينصرف عنه جائعًا ولا يعطيه شيئًا يسد به جوعه ابتداءً.\nقال: (وأخذ المدية -السكين- فقال له رسول الله ﷺ: إياك والحلوب)؛ لأنه قد ينتفع بلبنها هو وأهله، فيستحب ألا تذبح الشاة الحلوب في الضيافة.\nقال: (فذبح لهم، فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله ﷺ لـ أبي بكر وعمر ﵄: والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم).\nإذًا ففضل الله عظيم يستحق منا أن نشكر ربنا سبحانه، ونحمده على فضله وعلى كرمه وعلى جوده إذا ما حصل لنا مثل هذا الشيء، ونرجو من ربنا الخير في الدنيا وفي الآخرة.\nولنتذكر دائمًا أن الإنسان الجائع والصابر على الجوع له أجر، هؤلاء وجدوا فأكلوا رضوان الله ﵎ عليهم، فلما أكلوا ذكرهم نبي الله ﷺ أن الله سيسألهم عن هذه الأكلة التي أكلوها، فهل نشكر النعم لربنا ﷾ التي أعطاها لنا؟ فنحن نملك العقول والألسن والشفاه والأيدي والأرجل، ونملك الصوت، فيجب أن نتذكر سؤال ربنا لنا عن هذه النعم العظيمة التي أعطانا إياها.","vol":"34","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-368>بيان شدة ما لاقى الصحابة من الجوع والعري في سبيل نصرة هذا الدين</span>\nمن الأحاديث: حديث خالد بن عمر العدوي (قال: خطبنا عتبة بن غزوان) وكان أميرًا على البصرة- وعتبة بن غزوان هذا صحابي فاضل من أكابر أصحاب النبي ﷺ، وقد كان سابع سبعة في الإسلام، فإسلامه كان قديمًا ﵁، وقد هاجر الهجرتين: هاجر إلى الحبشة، ثم جاء إلى النبي ﷺ في المدينة.\nقال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد: فإن الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاء) -يعني: أن الدنيا أعلمت بقطيعة وفناء، وولت سريعة.\nقال: (ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها)، أي: أن ما بقي من أعمارنا في هذه الدنيا شيء يسير، ثم يأتي الحساب بعد ذلك، وقوله: (يتصابها صاحبها)، أي يجمعها.\nقال: (وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها- فإما الجنة وإما النار- فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم)، يعني: استفيدوا من الدنيا وأنتم حاضرون فيها.\nقال: (فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عامًا لا يدرك لها قعرًا، والله لتملأن، أفعجبتم؟! يعني: أنها ستمتلىء يومًا ما بالكفرة وعصاة الموحدين، قال: ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عامًا، قال: وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام، ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا، فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك فاتزرت بنصفها، واتزر سعد بنصفها، فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميرًا على مصر من الأمصار).\nوهذا من تواضعه ﵀، فهو يذكر الدنيا ويذكر حاله مع النبي ﷺ، فهو يقول: إن حالنا مع النبي ﷺ أفضل من حالنا الآن، على الأقل كان بيننا من يستغفر لنا، ويدعو لنا، ويرحمنا، فوجودنا معه مع قلة الطعام أحب إلينا من الدنيا بأسرها.\nثم قال: (وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيمًا وعند الله صغيرًا).\nبل هو عظيم عند الله ﷾.\nجمع سيدنا عمر ﵁ الناس ذات مرة فقام يخطبهم فقال لهم: لقد كنت أرعى الغنم لآل الخطاب على قراريط بمكة.\nثم نزل ﵁.\nفقيل له: ما زدت على أن حقرت نفسك، فقال: وهذا الذي أريد.\nوكأن نفسه أعجبت بمكانها فأحب أن يذلها أمام الناس؛ لأنه يعرف نفسه حق المعرفة، فقد خلقه الله ﷿ من نطفة، خلقه من تراب أصله من الأرض، فلماذا يستكبر على الخلق؟ فيجب على الإنسان أن يذكر نفسه دائمًا بأصلها إذا رأى منها العجب أو الفخر، كما ذكر عمر ذلك رضي الله تعالى عنه وأرضاه.\nللحديث بقية إن شاء الله، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"34","page":10},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-369> فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل [٢]</span>\nعاش النبي ﷺ وأصحابه في خشونة عيش، وتقلل من الدنيا وهو خير الخلق ﷺ، فالإنسان المؤمن حين يذكر سيرة النبي ﷺ وسيرة أصحابه يذكر نعمة الله عليه وفضله، وكيف أن الله وسع عليه، فيشكره على نعمه قولًا وعملًا.","vol":"35","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-370>ذكر ما جاء من خشونة عيش النبي ﷺ وأصحابه</span>","vol":"35","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-371>الحث على العمل الصالح والنفقة وترك المفاخرة والتكاثر</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات.\nعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: (أخرجت لنا عائشة ﵂ كساء وإزارًا غليظًا قالت: قبض رسول الله ﷺ في هذين) متفق عليه.\nوعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله، ولقد كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إلا ورق الحبلة، وهذا السمر، حتى إن كان أحدنا ليضع كما تضع الشاة ماله خلط) متفق عليه.\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا) متفق عليه].\nوأحاديث أخرى من كتاب (رياض الصالحين) للإمام النووي ﵀ تُذكر في باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها.\nفي هذا الباب ذكر قول الله ﷿: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم:٥٩]، أي: الإنسان الذي يضيع الصلاة يضيع أعظم أركان الإسلام، ويضيع صلته بربه سبحانه، فينشغل عنها بشيء آخر من ملاذ الدنيا، وينشغل عنها بشهواته وبشبهاته، وينشغل عنها بماله وبنيه، وينشغل عن إرضاء الله ﷿ بما يرضي الشيطان.\nفهنا هؤلاء الذين خلفهم الله ﷿ من بعد المؤمنين، ومن بعد الرسل عليهم الصلاة والسلام أقوام أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فالعقوبة أنهم يلقون غيًا، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان:٧٠].\nوقال سبحانه: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨]، وقال: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١].\nفالإنسان تلهيه الدنيا وتلهيه المكاثرة والمفاخرة فيها، فإذا به ينشغل وينسى الله ﷾، ولذلك كلما راعى الإنسان أمر الله ﷿، وراقب نفسه، وعلم أنه مسئول عن كل ما يأتيه وكل ما يتركه، بدأ يتقلل من هذه الدنيا، وحتى ولو كان الله ﷾ قد وسع عليه منها، فهو لا ينشغل بها انشغال الحارس عليها، يحرس الدنيا ويخاف ألا تضيع من يده، ولكنه ينشغل بطاعة الله ﷾ فيما أولاه، فقد أعطاه مالًا وبنين، وكل ذلك من فضله ورحمته ﷾، فهو ينظر في هذه الأشياء ويؤدي الحقوق، عنده أولاد فلا يتكاثر ويقول: أنا عندي مال وعندي أولاد أكثر مما عندك، ولكن يفرغ نفسه لتربية هؤلاء الأولاد تربية ترضي ربه عنه وعنهم، وتجعل هذا الإنسان يوم القيامة في الجنة وأولاده أيضًا معه، قال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١].\nفالله ﷿ يمن على الإنسان أن أعطاه الأولاد، وأن جعلهم مؤمنين فينشغل في تربيتهم على دين الله سبحانه، حتى يرضى الله ﷿ عنه وعنهم، وحتى يتبعهم به يوم القيامة، فيدخله الجنة ويدخل أولاده معه يوم القيامة.\nوفرق بين إنسان أعطاه الله ﷿ نعمة المال ونعمة الولد ونعمة الزوجة، والنعم العظيمة التي ينعم الله بها على الإنسان في الدنيا، فينشغل في الاستعانة بهذه النعم على الطاعة؛ لأنه يريد أن يدخل الجنة، وبين أن ينشغل بالاستعانة بهذه النعم على المعاصي وعلى المفاخرة، وعلى الزهو والغرور، وفرق بين إنسان مؤمن وبين إنسان لا يعرف حق الله ﷿ في ذلك.\nكذلك الإنسان ينفق من المال على نفسه، وينفقه على عياله، وعلى أقاربه، وينفق على المسكين واليتيم والأرملة، فيعطي حق الله ﷾ وهو واثق أن المال لا ينقص أبدًا، وهناك فرق بين هذا وبين من يكنز المال وكلما آتاه الله ﷿ شيئًا يدخر ويكنز ويخبئ وينكر نعمة الله، وينسى ربه ﷾، وينشغل بهذا المال كيف يخبئه حتى لا يراه أحد من الناس، فلا يعطي حق الله ﷿ في ذلك، ولا ينفق منه النفقة الواجبة ولا النفقة المستحبة.\nوفرق بين من عرف الله ومن لم يعرف الله، من قدر الله حق قدره، ومن لم يقدر الله حق قدره، فالله ﷾ يعلمنا أن نعطي الحقوق التي فرضها سبحانه كما أمر، وأن نعطيها بنية صالحة محتسبين الأجر عند الله، فلا ينقص المال من مثل هذه الصدقة.","vol":"35","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-372>وفاة النبي ﷺ في كساءٍ وإزار غليظين</span>\nهذا أبو موسى الأشعري يذكر أن السيدة عائشة ﵂ أخرجت لهم كساءً وإزارًا غليظًا، أي: كساء كان النبي ﷺ يلبسه، وإزارًا غليظًا ليس من القماش الناعم الرقيق اللين، لبسه النبي ﷺ ومات فيه.\nفالله سبحانه أنعم على نبيه ﷺ وفتح عليه الفتوح، ومع ذلك آثر الآخرة على الدنيا، فمات ﷺ وهو في ثياب أهل الفقر وليس في ثياب أهل الغنى، وتوفي ﷺ في إزار غليظ وكساء غليظ صلوات الله وسلامه عليه.\nقالت عائشة ﵂: (قبض رسول الله ﷺ في هذين) والحديث في الصحيحين.","vol":"35","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-373>أكل الصحابة ﵃ من أوراق الشجر</span>\nوفي الصحيحين أيضًا عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله) هذا سعد بن أبي وقاص هو سعد بن مالك ﵁ من أصحاب النبي ﷺ، ومن أوائل من دخل في هذا الدين رضي الله ﵎ عنه.\nيقول: (إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله، وكنا نغزو مع النبي ﷺ) فأول سرية أرسلها النبي ﷺ بعد هجرته كانت السرية التي فيها سعد ﵁، وكان القائد عليها عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ﵁ في ستين راكبًا، أرسلهم النبي ﷺ في مهمة.\nيقول في رواية (بعث ناسًا من المسلمين إلى رابغ ليلقوا عيرًا لقريش فتراموا بالسهام) هذا قبل غزوة بدر، فتراموا بالسهام، فأول سهم رمي كان من سعد رضي الله ﵎ عنه، ولم يكن بينهم مسايفة، كان بينهم تراشق بالرماح من بعيد، ولم يكن بينهم اقتتال ومسايفة، فـ سعد ﵁ ذكر أنه أول من رمى بسهم في سبيل الله وقال شعرًا في يومها، قال: ألا هل أتى رسول الله أني حميت صحابتي بصدور نبلي فكان أول من رمى بالنبل في سبيل الله رضي الله ﵎ عنه.\nيقول سعد (وكنا نغزو مع النبي ﷺ ما لنا طعام إلا ورق الشجر، حتى إن أحدنا ليضع كما يضع البعير أو الشاة ماله خلط) هذا لفظ رواية البخاري، يعني: طعامهم في هذه الغزوات ورق الشجر، ومن يطيق أن يأكل أوراق الشجر؟ فهؤلاء ﵃ أكلوا ذلك، واستمروا على ذلك فترة، حتى إن أحدهم ليضع كما يضع البعير أو الشاة ماله خلط.\nوانظر إلى بعر البعير وزبل الشاة، فهؤلاء من أكلهم ورق الشجر لم يكن لهم غائط كغائط غيرهم من الناس المنعمين المرفهين، بل ينزل منهم مثل بعر الغنم، ما له خلط، أي: ليس فيه ماء، بل شيء جاف ينزل منهم.","vol":"35","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-374>فضيلة سعد بن أبي وقاص وكرامته على الله</span>\nولفظ الإمام البخاري يقول: ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام، لقد خبتُ إذًا وضل عملي، وكان بنو أسد قد وشوا به إلى عمر رضي الله ﵎ عنه.\nذكرنا في الحديث السابق أن صحابيًا فاضلًا وهو عتبة بن غزوان ﵁ كان أميرًا على البصرة، ويذكر كيف كانوا في فقر، يقول: (رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ)، وكان زميله سعد بن أبي وقاص ﵁ يقول: والآن ما أحد منا إلا وهو أمير، فهذا كان أميرًا على البصرة، وسعد بن أبي وقاص كان أميرًا على الكوفة، ما الذي جعله يقول هذا الحديث أو هذه الحكاية الذي يحكيها ﵁؟ كانت بنو أسد قد شكته إلى عمر بن الخطاب ﵁، إذْ كان عمر قد عينه أميرًا على الكوفة، فكان يسير فيهم بالمعروف، ولا يألو جهده أن يفعل كما فعل النبي ﷺ مع الناس، فتضايق منه بنو أسد وتكلموا في شأنه وشكوه إلى عمر رضي الله ﵎ عنه يريدون أن يعزله، ولم يكن يصلح معهم أحد، فكلما تولى عليهم أميرٌ إذا بهم يشكونه لـ عمر ﵁.\nوسعد كان قد دعا له النبي ﷺ بدعوة مباركة أن يسدد الله ﷿ رميته وأن يستجيب دعوته، فالله ﷿ استجاب للنبي ﷺ في دعوته، فكان يرمي ولا يخطئ في الرمي رضي الله ﵎ عنه، وكانت دعوته مستجابة، فكان الناس يخافون من دعوة سعد رضي الله ﵎ عنه.\nلكنَّ بني أسد شكوا سعدًا لـ عمر ﵁ حتى يعزله، وكانت عادة عمر رضي الله ﵎ عنه أنه يراقب الأمراء، ويسمع شكاوى الرعية، فإذا شكوا أحدًا عزله، سواء أنه تحقق من الشكوى ومن صحتها أو لم يتحقق، فقد كان همه أن يريح الرعية ويولي عليهم من يرضون عنه، فكان ﵁ له منطق ووجهة في ذلك، لعله كان يرى أنه طالما اشتكت الرعية الراعي، فإنه لو تركه عليهم لعله ينتقم منهم بعد ذلك فيؤذيهم.\nهذه وجهة نظر عمر رضي الله ﵎ عنه، فلما أتى بـ سعد وسأله عن ذلك قال سعد: (إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله، وكنا نغزو مع النبي ﷺ ومالنا طعام إلا ورق الشجر حتى إن أحدنا ليضع كما يضع البعير أو الشاة ماله خلط، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام).\nمعنى (تعزرني): توقفني، عندما تقول عن إنسان: أنا أعزره على كذا، يعني: أوقفه على الأحكام الشرعية في كذا، وكأنه يقول: هذه بنو أسد تأتي تعلمني الإسلام، وقد عرفت هذا الدين من قبلهم.\nقال: خبت إذًا وخسرت، أو قال: لقد خبت إذًا وضل عملي، يعني: لو كان بنو أسد هم الذين سيعلمونني الإسلام لخبت وخسرت، وصدق رضي الله ﵎ عنه، فقد كان بنو أسد من أوائل المرتدين بعد النبي ﷺ، يعني: ليس لهم فضل أنهم يشكونَ سعدًا ﵁ ويقبحون فعاله، وهو من أصحاب الفعال الجميلة، يتكلمون عنه ويقولون: إنه لا يعرف أن يصلي، والإنسان إذا أحب إنسانًا رفعه في السماء، وإذا أبغض إنسانًا أنزله على الأرض، مثلما قالوا: وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا فالإنسان حين يكون ساخطًا على إنسان لا يرى منه إلا العيوب، فيقولون عن سعد ﵁: إنه لا يحسن أن يصلي، فعزله عمر رضي الله ﵎ عنه، وبعث يسأل هؤلاء عن سيرة سعد فيهم، وكان قد ولى عليهم عَمَّارًا بعد سعد رضي الله ﵎ عنهما.\nفلما بعث عمر من يسألهم عن سيرة سعد قالوا: إنه لا يحسن أن يصلي، فسأل عمر سعدًا وقال: يا أبا إسحاق: إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن أن تصلي، فقال له: (أما أنا والله فقد كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ ما أخرم عنها، فأرقد في الأوليين وأخف في الأخريين).\nفأرقد: من الرقود، يعني الدوام أو الإطالة، أي: إذا صليت بهم الصلاة الرباعية أطيل في الركعتين الأوليين وأقصر في الركعتين الأخريين كسنة النبي ﷺ في ذلك! فقال: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق! فأرسل معه سيدنا عمر رجالًا إلى الكوفة، فسألوا أهل الكوفة عن سيرة سعد، فلم يدعوا مسجدًا إلا سألوا فيه عنه وهم يثنون عليه معروفًا، حتى دخل مسجدًا لبني عبس هناك، فقام رجل منهم يقال له: أسامة بن قتادة وكنيته أبو سعدة، فهذا الرجل قال لرسول عمر إليهم: أما إذ نشدتنا، يعني: أنت تحلفنا أن نقول الحق فأنا سأقول الحق، فقال هذا الكذاب: فإن سعدًا كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية.\nفانظروا ماذا يقول عن سعد الذي كان من المجاهدين في عهد النبي ﷺ، ولم يزل كذلك حتى مات رضي الله ﵎ عنه، قال: كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية - أي: يقسم المغانم بيننا ولا يعدل فيها فافترى الكذب على سعد رضي الله ﵎ عنه.\nوالغرض: أن سعدًا عاقب هذا الرجل عقوبة شديدة بأن دعا عليه رضي الله ﵎ عنه دعوة عجيبة جدًا، فقال: أما والله لأدعون بثلاث والصحابة كانوا يخافون من دعوة سعد ﵁، وقد حصل مرة شيء بين عمر وبين سعد فقال: لأدعون عليك، فقال: ادع ولا تدعُ إلا بخير، فالصحابة رضوان الله ﵎ عنهم كانوا يعرفون منزلة سعد أنه دعا له النبي ﷺ أن يكون مستجاب الدعوة، فالرجل هذا الذي كذب على سعد استحق أن يدعو عليه سعد ﵁ فقال: لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا قام رياء وسمعة فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتنة.\nوفعلًا استجاب الله ﷿ دعوة سعد، فقد عاش الرجل وشاخ وكبر سنه، وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد، وكان يسقط حاجباه على عينيه من شدة الكبر، ومع ذلك يمشي هذا الشيخ العجوز ويضايق البنات في الطرقات ويغازلهن، ويقول: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد.\nقال راوي الحديث: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهن.\nوهذه العقوبة غير عقوبته يوم القيامة عند الله ﷿، وهذا جزاء كذب الإنسان حين يفتري على غيره، فاستحق أن يستجيب الله ﷿ الدعوة عليه في الدنيا قبل الآخرة.\nالغرض من هذا الحديث: بيان أن النبي ﷺ وأصحابه مكثوا فترة طويلة على هذا الحال من الفقر حتى في مغازيهم رضوان الله ﵎ عليهم.\nقال هنا في رواية: (ومالنا طعام إلا ورق الحبلة) والحبلة: ثمار شجر السمر، وحولها الأوراق، كانوا يأكلون هذه الأوراق.","vol":"35","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-375>دعاء النبي ﷺ ربه أن يجعل رزق آل بيته قوتًا</span>\nحديث آخر في الصحيحين أيضًا: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا).\nالإنسان يأكل القوت ويتفكه بالفاكهة، يأكل القوت الضروري الذي يعيش عليه من قمح وشعير وأي طعام أساسي له، وبعد ذلك يتفكه بشيء زائد عن ذلك، فهنا النبي ﷺ دعا ربه سبحانه أن يرزقه القوت، أي: حاجته الضرورية التي يحتاج لها ﷺ على قدره، قال: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا) هذا طلبه من ربه صلوات الله وسلامه عليه، وقالوا: القوت هو ما يسد الرمق.","vol":"35","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-376>قصة خروج أبي هريرة جائعًا وإطعام النبي له ولأهل الصفة</span>\nحديث آخر في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: (والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع.\nوإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع)، أبو هريرة ﵁ أسلم سنة سبع للهجرة، فقد وقعت غزوة خيبر في سنة سبع وبعدها أسلم أبو هريرة، ومكث مع النبي ﷺ باقي سنة سبع وسنة ثمان وتسع وعشر، ومات النبي ﷺ في أول سنة إحدى عشرة، إذًا: مكث مع النبي ﷺ أربع سنوات، وخلال أربع سنوات حفظ ما لم يحفظه أحد من أصحاب النبي رضوان الله ﵎ عليهم.\nولا شك في حفظه الكثير للأحاديث التي حدث بها رضي الله ﵎ عنه، حتى إن كان ليجلس على باب حجرة عائشة ويتحدث بالأحاديث الكثيرة ويرويها سردًا حديثًا بعد حديث من شدة حفظه رضي الله ﵎ عنه، ويقول للسيدة عائشة: اسمعي يا ربة هذه الحجرة! يعني: لو كنت أنا كاذبًا فكذبيني فيما أقول، فلا ترد شيئًا رضي الله ﵎ عنها، غير أنها كانت تذكر أنه ما كان النبي ﷺ يحدث هكذا.\nوالغرض: أن أبا هريرة كان يعلم الناس ويحفظهم، فمجلس أبي هريرة كان يقول فيه ما حفظه من النبي ﷺ، والسيدة عائشة تشهد أنه لا يكذب على النبي ﷺ.\nوسبب حفظ أبي هريرة أنه لازم النبي ﷺ فلم يكن أبو هريرة مشغولًا بشيء، وليس له أولاد، وإنما كان همه أن يحفظ حديث النبي ﷺ، فكان يكفيه أن يأكل حتى يشبع وباقي يومه يحفظ من النبي ﷺ ما يقول، حتى إنَّ النبي ﷺ قال يومًا: (من أحب أن يحفظ حديثي فليبسط رداءه) فبسط أبو هريرة رداءه، فدعا له النبي ﷺ ثم أمره أن يجمعه، فكانت البركة العظمى أن حفظ كل ما سمعه من النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nقال أبو هريرة: إن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع.\nيعني: في سبيل طلب العلم والحفظ من النبي ﷺ، وكان غير مهم أن يأكل، فقد كان يربط حجرًا على بطنه، ويجلس ليسمع من النبي ﷺ ما يقول من حديث حتى يحفظ.\nقال: (ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه) يعني: يحكي ذكريات الجوع، ففي يوم من الأيام كان جائعًا جدًا، وخاف أن تضيع منه أحاديث للنبي ﷺ، فأحب لو أن أحدًا فطن إليه وأعطاه غذاءً بحيث يتفرغ ليحفظ عن النبي ﷺ.\nقال: (فمر بي النبي ﷺ فتبسم حين، وعرف ما في وجهي وما في نفسي، ثم قال: أبا هر) يعني: أبا هريرة يرخم اسمه تدليلًا له.\nقال: (أبا هر! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: الحق، ومضى فاتبعته، قال: فدخل، فاستأذنت فأذن لي، فدخلت فوجد لبنًا في قدح فقال: من أين هذا اللبن؟ قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة) يعني: النبي ﷺ دخل بيته ووجد كوزًا فيه لبن، فسأل: من أين هذا اللبن؟ قالوا: أهداه إليك فلان أو فلانة، وأبو هريرة جائع، والنبي ﷺ أتى به لكي يطعمه.\nفقال ﷺ: (أبا هر! قال: قلت لبيك يا رسول الله، قال: الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي) أهل الصفة من فقراء المهاجرين يصل عددهم إلى سبعين رجلًا من أصحاب النبي ﷺ، وكانوا في مسجد النبي ﷺ، والذي يشغلهم أنهم يتعلمون من النبي ﷺ ويقومون في أمره من جهاد ونحوه، وهم في المسجد ماكثون، ومن فقراء المسلمين.\nقال هنا: (الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي) يدعوهم على قدح فيه لبن، قال: (وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهل ولا مال ولا إلى أحد) يعني: ليس منهم أحد متزوجًا، ولا عنده أولاد، فمأواهم في مسجد النبي ﷺ.\nقال: (وكان النبي ﷺ إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئًا) لأنه ﷺ تحرم عليه الصدقة، قال: (وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها) يأكل من الهدية ويهدي لهؤلاء منها ﵊، فلما قال لـ أبي هريرة: اذهب وادع لي أهل الصفة، قال: (فساءني ذلك فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟!) أي: هذا لا يكفي، قال: (كنت أحق أن أصيب في هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاءوا وأمرني فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ بُدٌّ) ليس هناك بد، أي: لازم عليَّ أن أطيع الله وأطيع الرسول ﷺ.\nقال: (فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا واستأذنوا، فأذن لهم ﷺ وأخذوا مجالسهم من البيت، قال: يا أبا هر! قلت: لبيك يا رسول الله، قال: خذ فأعطهم، قال: فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يردُّ علي القدح)، الرجل يأخذ القدح ويشرب حتى يشبع من الشرب منه، ولعل أبا هريرة كان خائفًا أن ينتهي القدح، قال: (فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، حتى انتهيت إلى النبي ﷺ وقد روي القوم كلهم)، أي: شرب أهل الصفة رضوان الله ﵎ عليهم، قال: (أخذ القدح فوضعه على يده فنظر إلي فتبسم)، صلوات الله وسلامه عليه إذْ كان يعرف ما هو الذي في نفس أبي هريرة، هل القدح نقص أو لم ينقص؟ قال: (فقال: أبا هر! قلت: لبيك يا رسول الله، قال: بقيت أنا وأنت، قلت: صدقت يا رسول الله، قال: اقعد فاشرب، فقعدت فشربت، فقال: اشرب - مرة أخرى - فشربت، فما زال يقول: اشرب حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكًا، قال: فأرني! فأعطيته القدح، فحمد الله تعالى وسمى وشرب الفضلة) صلوات الله وسلامه عليه، هذه بركة من بركات النبي صلوات الله وسلامه عليه، إذ شرب هؤلاء الفقراء وبقي اللبن فشرب منه أبو هريرة الذي كان يظن أن اللبن يكفيه وحده فقط، فكفى هؤلاء جميعهم، وهذا مستحيل عقلًا أن يكون قدح من لبن يكفي سبعين رجلًا حتى يشبعوا منه، ولكن هذه بركة الله سبحانه، وآية من آياته ومعجزة لرسوله صلوات الله وسلامه عليه في ذلك.\nوالغرض: بيان الجوع الذي كانوا عليه، حتى إن أحدهم يستمر على هذا اللبن اليوم كله، وكذلك أبو هريرة، وكذلك النبي ﷺ.","vol":"35","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-377>شدة معاناة أبي هريرة من الجوع</span>\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله ﷺ إلى حجرة عائشة ﵂ مغشيًا علي، فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى أني مجنون وما بي جنون وما بي إلا الجوع، رضي الله ﵎ عنه.\nهذه مفخرة لـ أبي هريرة رضي الله ﵎ عنه أنه لم يشغل نفسه بشيء إلا أن يسمع من النبي ﷺ، وليبلغ عن النبي ﷺ هذه الأحكام التي جاء بها من عند ربه صلوات الله وسلامه عليه.\nهنا كان يقول: (لقد رأيتني وإني لأخر) يعني: من شدة جوعه رضي الله ﵎ عنه، فبين منبر النبي ﷺ وحجرة عائشة يمشي فيقع على الأرض من شدة الجوع، فلا يقدر على الوقوف، وأحيانًا الإنسان من شدة جوعه وعطشه يكون كالمجنون، فترى لسانه يخرج إلى الخارج وينزل زبد من شدقيه، فيصبح من شدة جوعه على هيئة مجنون، والذين من حوله يظنون أنه جن، ويظنون أن به صرعة.\nفيأتي الرجل فيجده مرميًا على الأرض، ويضع رجله على رقبته، ظنًا منه أن به صرعًا فيفعل به ذلك.\nيقول: فيجيء الجائي، أي: الإنسان الذي يأتي يظنني مصروعًا وليس بي ذلك، قال: فيضع رجله على عنقي ويرى أني مجنون وما بي جنون وما بي إلا الجوع.\nهذا من الأحاديث التي فيها بيان كيف كان أبو هريرة يعاني من الجوع والفقر، ولو شاء لخرج يتاجر في المدينة مثل غيره، أو يعمل عند أحد من أهل المدينة فيطعمه ويسقيه ويعطيه، ولكن كان هم أبي هريرة ﵁ أن يحفظ من النبي ﷺ ويتعلم منه، ويدعو له النبي ﷺ ويدعو لأمه أيضًا، فـ أبو هريرة شهد له النبي ﷺ بالإيمان، وأخبره أنه لا يحبه إلا مؤمن، ولذلك فإن أبا هريرة لا يسمع به إنسان مؤمن إلا أحبه، والإنسان الذي يكره أبا هريرة ﵁ إنسان لا حظ له في شيء من طاعة الرسول ﷺ، ولا من قول النبي ﷺ: (لا يحبك إلا مؤمن).\nولقد ظهر أناسٌ يزعمون أنهم قرآنيون، يقولون: نأخذ بالقرآن فقط ولا نأخذ بالحديث؛ لأن أبا هريرة كان مشغولًا بالطعام والشراب، وكان يريد أن يشبع بطنه، قالوا: هذا الإنسان الذي يريد أن يشبع بطنه ماله ومال حديث النبي ﷺ؟ وما فهموا في أي شيء كان أبو هريرة ﵁، فهم في واد وهو في واد آخر! أبو هريرة أجاع نفسه وأتعب بدنه في سبيل حفظ حديث النبي ﷺ، ولو أن واحدًا من طلبة العلم حكى في سيرته أنه كان يجوع وكان يعطش وكان يشقى ويكد ويكدح في طلب العلم لمدحه الناس على ذلك، ولكن يقولون ذلك عن أبي هريرة؛ لأنه راوية الإسلام، فقد روى آلاف الأحاديث عن النبي ﷺ، وانفرد بأحاديث كثيرة عن النبي ﷺ، فإذا هدموا أبا هريرة هدموا ركنًا عظيمًا من أركان هذا الدين؛ لذلك فـ أبو هريرة لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق، مهما زعم أنه قرآني أو غير ذلك.","vol":"35","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-378>وفاة النبي ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي في دين</span>\nمن الأحاديث: حديث في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعًا من شعير).\nهذا النبي ﷺ أفضل الخلق وسيد ولد آدم وحبيب رب العالمين صلوات الله وسلامه عليه يموت مديونًا، ولكنه جعل وفاء هذا الدين رهنًا، أي أنه إذا لم يدفع أخذ الرهن الذي وضعه النبي ﷺ، ورهنه كان درعًا، فالنبي ﷺ مات ودرعه مرهونة عند رجل يهودي.\nقالت: (مات النبي ﷺ ودرعه مرهونة على ثلاثين صاعًا من شعير) والصاع: كيلوان ونصف من الشعير تقريبًا، يعني: مات النبي ﷺ وهذه الدرع مرهونة في ثلاثين صاعًا، أي: حوالي خمسة وسبعين كيلو من الشعير.\nفهذا القدر من الشعير كان يأتي به النبي ﷺ لأهله ويرهن درعه ﷺ مقابل هذا القدر من الشعير، ليس من الفواكه مثلًا، وليس من الأشياء الغالية من الثياب ونحوها، وإنما في قوت، يا ترى هل كان النبي ﷺ هينًا على الله ﷾ حتى يموت وهو آخذٌ طعامًا يأكله هو وأهله بالدين ﵊؟ لا، ولكن أراد الله ﷿ أن يرينا حقارة هذه الدنيا، وأنه لا قيمة لها، فلو كان لها قيمة لأعطاها لنبيه ﷺ، ولكن لا قيمة لهذه الدنيا عند رب العالمين.","vol":"35","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-379>أكل النبي ﷺ الشعير والإهالة السنخة</span>\nعن أنس ﵁ قال: (رهن النبي ﷺ درعه بشعير قال: ومشيت إلى النبي ﷺ بخبز شعير وإهالة سنخة، ولقد سمعته يقول ﷺ: ما أصبح لآل محمد صاع ولا أمسى وإنهم لتسعة أبيات).\nالحديث في صحيح البخاري، وأنس بن مالك كان خادمًا للنبي ﷺ فيقول: إن النبي ﷺ رهن درعه بشعير قال: ومشيت إلى النبي ﷺ أحمل له خبزًا من شعير يغمسه في إهالة سنخة.\nوالإهالة: الدهن أو الزيت أو نحوه.\nوسنخة يعني: متغيرة لمكثها فترة، فهنا أتى النبي ﷺ بها، فيا ترى من منا يأكل ذلك؟ فنحن نفضل أن نأكل العيش يابسًا متكسرًا ولا نأكل هذه الإهالة السنخة، ولكن أكلها النبي ﷺ، وغمس الخبز من الشعير في الإهالة السنخة.\nوقال ﷺ: (ما أصبح لآل محمد صاع ولا أمسى) أي: أزواج النبي ﷺ تسعة أبيات، وما أصبح اليوم عندهم ولا أمسى صاع من شعير، فاحتاج النبي ﷺ أن يرهن درعه ليطعم أهله صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"35","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-380>رثاثة لباس أهل الصفة في عهد النبي ﷺ</span>\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: (لقد رأيت سبعين من أهل الصفة ما منهم رجل عليه رداء إما إزار وإما كساء).\nيعني: كل واحد عليه ثوب واحد فقط، إما أنه ثوب قصير يكاد يجعله إزارًا ويستر من سرته إلى أسفل ركبتيه، أو أنه طويل قليلًا لا يصلح أن يكون قميصًا، فيبقى كساء يكتسي به من رقبته إلى ركبته.\nفيقول هنا: (إما إزار وإما كساء قد ربطوا في أعناقهم، منها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته).\nيعني: أن الذي يلبس مثل هذا الثوب كان يلبسه مثل الأطفال حين يلبسون (المرايل)، فإنهم يجمعونها على صدورهم ويربطونها في أعناقهم، فإذا أراد الركوع يخاف أن يرتفع ثوبه إلى الأعلى، فيمسك بثوبه حوله، حتى لا ينكشف فخذه أو ينكشف شيء من عورته، قال: فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته.","vol":"35","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-381>صفة فراش النبي ﷺ وتقشفه هو وأصحابه</span>\nوعن عائشة ﵂ في صحيح البخاري قالت: (كان فراش رسول الله ﷺ من أُدَمٍ حشوه ليف).\nأي: كان فراشه من جلد بعير، والحشو الذي بداخله ليس قطنًا، بل هو ليف.\nوفي صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ قال: (كنا جلوسًا مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل من الأنصار فسلم عليه ثم أدبر الأنصاري، فقال رسول الله ﷺ: يا أخا الأنصار كيف أخي سعد بن عبادة؟ فقال: صالح، فقال النبي ﷺ: من يعوده منكم) لأن سعد بن عبادة كان مريضًا وهو سيد الخزرج ﵁.\nقال: (فقام النبي ﷺ وقمنا معه، ونحن بضع عشرة ما علينا نعال ولا خفاف ولا قلانس ولا قمص، نمشي في تلك السباخ حتى جئناه).\nفقوله: (ولا قلانس) أي: لا يلبسون غطاء الرأس، ولا قمصًا ولا نعالًا يعني: كان الذي معهم إزار وكساء، قال: (نمشي في تلك السباخ) والسباخ: الأرض التي لا تنبت زرعا، وأرض سبخة أي: طينة مالحة لا تنبت شيئًا فهي رملية، يمشون على أرجلهم فيها.\nقال: (حتى جئنا، فاستأخر قومه مِنْ حَولِه، حتى دنا رسول الله ﷺ وأصحابه الذين معه).","vol":"35","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-382>ذم التنعم والانغماس في اللذات</span>","vol":"35","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-383>ذم السمن</span>\nوعن عمران بن حصين ﵄ عن النبي ﷺ قال: (خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم).\nفخير القرون قرن النبي ﷺ، والقرن: الجيل الذي تعاشر في زمن واحد، فكل من رأى النبي ﷺ أو سمع منه قرنه.\nوالقرن الذين يلونهم: الذين لم يروا النبي ﷺ وقد رأوا أصحابه، وهو قرن التابعين.\nوالذين يلونهم: قوم لم يروا الصحابة أو رأوا الأفراد القليلين من الصحابة ورأوا التابعين.\nفخير القرون من رأى النبي ﷺ، يليهم من رأوا أصحابه، يليهم الذين من بعد هؤلاء.\nقال عمران: (فما أدري قال النبي ﷺ مرتين أو ثلاثًا، ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن) متفق عليه.\nيكون من بعد قرون الخيرية الثلاثة الأول قوم يشهدون ولا يستشهدون، يعني: يشهد أحدهم من غير أن يطلبه أحد للشهادة؛ لأنه ليس أهلًا لها، فهو معروف عند الناس أنه كذاب وخائن، فيذهب ويشهد من غير أن تطلب منه شهادة؛ لأنه ليس من أهل هذه الشهادة وإنما هو شاهد زور.\nقال: (ويخونون ولا يؤتمنون) فمن صفاتهم أنهم قوم يخونون ولا أحد يأتمنهم على أمانة؛ لأنهم إذا أخذوا الأمانة أو أخذوا الوديعة أو أخذوا العارية جحدوها وأكلوها ولم يعطوها أصحابها.\nويقول: (وينذرون ولا يوفون) يعني: ينذر لله يقول: علي أن أعمل كذا ولا يعمل، ويقول: لله علي إذا شفاني الله أن أعمل كذا ولا ينفذ.\nقال: (ويظهر فيهم السمن)، والمعنى: أن شهواتهم في بطونهم، فهم مشغولون بالطعام والشراب، لا يأبهون لعبادة ولا طاعة ولا جهاد، وليس على بالهم شيء من أعمال الإسلام إلا الأكل والشرب وأن يتنعم في رغد العيش.","vol":"35","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-384>ذم إمساك المال وعدم بذله</span>\nجاء عند الترمذي من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: (يا ابن آدم! إنك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول).\nفي هذا الحديث: (يا ابن آدم إنك أن تبذل) أن: مصدرية، معناه: بَذْلُكَ الفضل، أي: ما زاد، وهذا الذي أمر به الله حيث قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة:٢١٩] يعني: ما فضل وزاد، لا يطلب منك الضروري ولا الشيء الذي تحتاجه، بل يطلب منك الزائد عن حاجتك أن تنفق منه.\nفهنا إنك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شر لك، فعندما يكون عندك فضل من مال أو طعام وأنت تمسكه وحولك المحتاجون، فإنه شر لك، إذْ تسأل عن ذلك يوم القيامة.\nقال: (ولا تلام على كفاف)، أي: لا لوم عليك إن كنت فقيرًا وليس لديك ما تنفق منه.\nقال: (وابدأ بمن تعول) فهنا تبدأ بنفسك وتبدأ بزوجك وأولادك، فهم أولى من غيرهم، فإن فاض شيء فأعطِ للآخرين، فإن لم يفض شيء فابدأ بمن تعول، كما أمرك النبي صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"35","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-385>القليل من الدنيا يكفي الإنسان</span>\nوعن عبيد الله بن محصن الأنصاري الخطمي رضي الله ﵎ عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها).\nفيا ترى من منا يصبح على هذه الصفة؟ قال: (من أصبح منكم آمنًا في سربه)، أي: الأمان في النفس وفي القوم وفي البيت، فلا أحد يخيفه، ولا أحد يهدده.\nقال: (معافى في جسده) أي: أصبح سليم الجسد معافى، يحرك يديه وأطرافه ويأكل ويشرب.\nقال: (عنده قوت يومه) ليس قوت شهره ولا قوت سنته، وإنما قوت يومه الذي هو فيه؛ لأنه لا يدري هل سيعيش بعد ذلك أو لا يعيش؟ فإذًا هنا ثلاثة أشياء: الأمان في يومه الذي أصبح فيه فهو آمن في سربه.\nوالمعافاة في الجسد، أي: صحته سليمة.\nوعنده قوت يومه.\n(فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) يعني: كأنما جمعت وأعطيت له الدنيا بحذافيرها، وذلك أنه لو كانت الدنيا بحذافيرها فهو في النهاية سيملأ بطنه من طعام ويملأ بطنه من شراب، وينام على سريره الذي هو فيه ولن يشغل أكثر من سرير في النومة الواحدة، فعلى ذلك فإن الإنسان الذي يصبح وهو آمن معافى وعنده قوت يومه، كأنه أخذ الدنيا بما فيها، فصار ملكًا من الملوك، فاحمدوا ربكم على ما أعطاكم من نعم، وعلى ما أنعم عليكم بفضله وبكرمه، وسلوا الله من فضله ومن رحمته، فإنه لا يملكها إلا هو.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"35","page":17},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-386> فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل [٣]</span>\nإن الاقتصار على القليل من الدنيا، والقناعة بالمقسوم يجعل المؤمن مستريح البال، سعيدًا في عيشه، خصوصًا إذا علم أن أكرم مخلوق لله عاش في الدنيا على اليسير منها، وكذلك عاش أصحابه الكرام.","vol":"36","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-387>فضل الهداية والقناعة</span>\nأعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.\nبسم الله الرحمن الرحيم.\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات.\nوعن أبي محمد فضالة بن عبيد الأنصاري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (طوبى لمن هدي للإسلام وكان عيشه كفافًا، وقنع) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح وعن ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يبيت الليالي المتتابعة طاويًا وأهله لا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير)، رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\nوعن فضالة بن عبيد ﵁: (أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى بالناس يخر رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة -وهم أصحاب الصفة- حتى يقول الأعراب: هؤلاء مجانين، فإذا صلى رسول الله ﷺ انصرف إليهم، فقال: لو تعلمون ما لكم عند الله تعالى لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة) رواه الترمذي وقال: حديث صحيح وعن أبي كريمة المقداد بن معد يكرب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما ملأ آدمي وعاءً شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح].\nهذه الأحاديث ذكرها الإمام النووي ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) في باب: فضل الجوع وخشونة العيش، وقد قدمنا أحاديث في هذا الباب قبل ذلك.\nوذكر هنا حديث فضالة بن عبيد الأنصاري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (طوبى لمن هدي إلى الإسلام)، وطوبى هي: شجرة في الجنة يخرج منها حلل أهل الجنة، وثيابهم.\nفقوله ﷺ: (طوبى لمن هدي إلى الإسلام)، أي: من هداه الله ﷿ لهذا الدين العظيم.\n(وكان عيشه كفافًا)،أي: بقدر ما يكفيه، لا زيادة في رزقه ولا نقصان، يعني: بقدر حاجته.\nقوله: (وقنع)، وهذا الحديث هو مثل الحديث الذي جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي ﷺ قال: (قد أفلح من أسلم وكان رزقه كفافًا، وقنعه الله بما آتاه)، يعني: أن الفضل من الله ﷾، وهذا الإنسان أفلح بفضل الله سبحانه؛ لأن الله هو الذي هداه للإسلام، وهو الذي رزقه سبحانه، وهو الذي سخر له هذا الرزق، بحيث جعله على قدر حاجته، لا زيادة فيه ولا نقصان؛ حتى لا يُفتن هذا الإنسان، والله هو الذي من عليه بأن رزقه القناعة، والله هو الذي من عليه بالفلاح ﷾.\nإن الإنسان المؤمن إذا أعطاه الله سبحانه شكر الله على ما أعطاه، وإذا منعه الله سبحانه صبر على ما منعه، فهو في كل أحواله راض عن الله سبحانه، قانع بما آتاه الله ﷾.\nوليس معنى ذلك أن يقعد الإنسان في بيته ولا يطلب الرزق، ويقول: إنني راض بهذا الشيء، بل يمشي في الأرض، كما قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك:١٥]، فأنت تتعب نفسك حتى تحصَّل قوتك وقوت أهلك خوفًا من الإثم، كما قال رسول الله ﷺ: (كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت).\nفالإنسان المؤمن يبحث عن رزقه ويقنع بما أعطاه الله سبحانه، فإذا لم يقنع يستقل هذه النعم، ويظل يراقب غيره الذي أنعم الله ﷿ عليه وأعطاه أكثر مما أعطاه، أما المؤمن فيرضى بما آتاه الله، ويعلم أن الله يدخر له في الجنة خيرًا من ذلك بكثير، فهو راضٍ برزق الله ﷿ حتى وإن كان كفافًا؛ لأنه يرجو رحمة ربه، فيكون قد أفلح، وهنا جاء في الحديث: (طوبى لمن هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافًا وقنع).\nوقد يهدي الله الإنسان إلى الإسلام ويكون عيشه كفافًا ولكنه لا يقنع، بل يتسخط، فلا يزال يشكو ربه ليل نهار، ويقول: ربنا يعطي الناس ولا يعطيني، فيسخط الله ﷿ عليه.\nوقد يهدي الله ﷿ الإنسان إلى الإسلام، ويعطيه رزقًا واسعًا، ويشكر هذه النعم العظيمة ويؤدي الحقوق فيها فهذا أيضًا له الجنة.\nإن الفقير الصابر له أجر عظيم، والغني الشاكر أيضًا له أجر عظيم، ولكن أيهما أفضل؟ ذكر النبي ﷺ أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء، فلو كان الغنى وإعطاء الكثير من الدنيا شيئًا أحسن للإنسان وأفضل له، فإن الله كان سيعطيه للنبي ﷺ، ولم يجعله يجوع ﷺ ويبيت طاويًا، وليس المعنى أن لا يتمنى الإنسان الشر والفقر، بل يسأل الله ﷿ من رزقه ومن فضله، فما آتاه الله ﷿ حمده وشكره عليه سواء أعطاه كفافًا أو أعطاه زائدًا عن حاجته، بل مهما أعطاه شكر ربه على نعمه وعلى عطيته.","vol":"36","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-388>فضل الفقير الصابر والغني الشاكر والفرق بينهما</span>\nإن الفقير الصابر له أجر عظيم، والغني الشاكر أيضًا له أجر عظيم، ولكن أيهما أفضل، ذكر النبي ﷺ: أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء، فلو كان الغنى وإعطاء الكثير من الدنيا شيئًا أحسن للإنسان وأفضل له، فإن الله كان سيعطيه للنبي ﷺ، ولم يجعله يجوع ﷺ ويبيت طاويًا، ولي المعنى أن لا يتمنى الإنسان الشر والفقر، يسأل الله ﷿ من رزقه ومن فضله، فما آتاه الله ﷿ حمده، وشكره على ما أعطاه، سواء أعطاه كفافًا أو أعطاه زائدًا عن حاجته، بل مهما أعطاه شكر ربه على نعمه وعلى عطيته.","vol":"36","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-389>فضل الجوع وذم الشبع</span>","vol":"36","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-390>النبي يبيت الليالي المتتابعة طاويًا</span>\nعن ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يبيت الليالي المتتابعة طاويًا)، يبيت طاويًا، أي: يطوي ليلةً وراء ليلة وبطنه خاوية صلوات الله وسلامه عليه.\nقوله: (وأهله لا يجدون عشاءً)، يعني: أنه ليس وحده في ذلك، بل كذلك أهله ﵊ لا يجدون عشاءً.\nقوله: (وكان أكثر خبزهم خبز الشعير)، يعني: أنه قد يُهْدى إليهم ذلك الشعير، وقد يخبز في بيتهم، وقد لا يجدون شيئًا فيبيتون طاوين بطونهم، ولعلهم يربطون على بطونهم بالحبال، أو يربطون على بطونهم الحجر حتى يشعروا بأنهم ليسوا جائعين، وكان رسول الله يربط الحجر على بطنه ليتقوى على الجوع.","vol":"36","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-391>الصحابة يخرون على الأرض من الجوع</span>\nعن فضالة بن عبيد ﵁ (أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى بالناس يخر رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة)، والخصاصة: هي الجوع.\nيعني: أن فقراء المهاجرين الذين يصلون مع النبي ﷺ كانوا يقعون على الأرض وهم في الصلاة من الجوع، والأعراب لا يدرون لماذا وقع هؤلاء؟ فيقولون: إن هؤلاء مجانين، مع أنهم ليس بهم شيء من الجنون، ولكن من شدة الجوع ومن التعب يخر أحدهم ويغشى عليه، فيطمئنهم ﷺ ويقول: (لو تعلمون ما لكم عند الله تعالى)، يعني: لو تعلمون ما أعد الله لكم بسبب الفقر الذي أنتم فيه، والصبر الذي تكابدونه (لفرحتم بذلك وتمنيتم أن تزدادوا فاقة وحاجة).\nوالرسول صلوات الله وسلامه عليه لو كان عنده شيء لأعطاهم، فهو ﵊ ما كان يبخل بشيء أبدًا، وإنما كان يعطي ما عنده، ولعله يستدين ليعطي الناس، ولكن هنا لم يجد ما يعطيهم ﷺ، فكان يطمئنهم ﷺ يخبرهم أن لهم الأجر العظيم عند الله ﷾، ويقول لهم: (ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تفتح عليكم كما فتحت على الذين من قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم).\nفما كان يخشى عليهم الفقر؛ لأن الإنسان إذا كان فقيرًا فسيعبد ربه سبحانه، ويصبر على هذا الشيء بتوفيق الله ﷿، لكن لو فتحت عليه الدنيا، فإنه سينسى نفسه، وينسى فقره، ولا يعطي الحقوق لأصحابها، ولا يعطي حق الله ﷿ في هذا المال، وقد تغره الدنيا فينسى الواجب عليه حتى يموت على ذلك والعياذ بالله.","vol":"36","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-392>ذم الشبع وعاقبته</span>\nإن من الأحاديث التي تذم الشبع حديث المقداد بن معد يكرب، وهو عند الترمذي أيضًا، وفيه أن النبي ﷺ قال: (ما ملأ آدمي وعاءً شرًا من بطنه).\nيعني: أن الآدمي يحب أن تكون عنده آنية وفيها طعام أو شراب، وهذا يحب أن يملأ الأواني التي عنده؛ لأنه سيحتاج الماء والطعام لنفسه أو لغيره، وهذا خير، ولكن شر الآنية التي يملؤها الإنسان هي البطن؛ لأن الإنسان إذا ملأ بطنه أتخم نفسه ومرض، بل لعله يموت متخمًا بهذا الطعام، فيموت وقد أهلك نفسه وألقى بها إلى التهلكة.\nوالنبي ﷺ رأى رجلًا ممتلئًا سمينًا بطينًا، فكان يشير النبي ﷺ إلى بطنه، ويقول: (لو كان هذا في غير هذا كان خيرًا له).\nيعني: لو أن المال الذي جمعه جعله في غير هذا كان خيرًا له، كأنه يقول له: كل واشرب ولكن لا تسرف، فكأنه عندما يأكل يملأ بطنه دائمًا، فكان الإنفاق على غير هذا خيرًا له عند الله ﷿.\nيقول ﷺ في تمام الحديث: (بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه)، أي: يكفيه أن يأكل أكلات، فدل ذلك على التقليل من الأكل، ولكن ليس كل إنسان قادرًا على أن يأكل أكلات ولقيمات، وإنما يأكل أكثر من ذلك، ولكن إن كان لا محالة آكلًا أكثر فينظم أكله، كما قال رسول الله ﷺ: (فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه).\nأي: ثلث المعدة لطعامه؛ لأن المعدة عندما تمتلئ تنتفخ وتضغط على الرئة، فلا يستطيع أن يتنفس، وتضغط على القلب، وعندما تنام وأنت متخم فستؤذي نفسك بذلك، فأرشد الرسول ﷺ المؤمن إلى أن يجعل ثلثًا لطعامه وثلثًا لشرابه وثلثًا لنفسه.\nإن بعض الناس أعطاه ربنا الغنى، ولكنه يأكل ويسرف، وفي النهاية يتأدب بمرضٍ يصيبه وقد كان عنده المال والصحة، فلماذا يأكل ويسرف؟ ولذلك يقول تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١].\nفي الآخر هو يسرف على نفسه، فتراه كل يوم يأكل اللحم فيصاب بمرض، فيذهب إلى الأطباء فيقولون له: يحرم اللحم عليك، فيقوم يأكل الحلويات ويكثر، فيصاب بالسكر، فيقول له الأطباء، لا تأكل الحلويات، وهكذا فيصل إلى حالة يشتهي فيها أن يأكل هذا وهذا، ولكنه يجد أن كل شيء ممنوع عليه، مع أن معه المال، فأية متعة في هذا المال؟! ولو أنه من البداية عمل بما قاله النبي ﷺ فلن يمرض، بل سيلاقي نفسه معافى عندما يعمل بسنة النبي ﷺ وبتعاليم القرآن.","vol":"36","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-393>فضل التقلل في اللباس وغيره</span>\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: عن أبي أمامة الأنصاري الحارثي ﵁ قال: (ذكر أصحاب رسول الله ﷺ يومًا عنده الدنيا فقال رسول الله: ألا تسمعون؟ ألا تسمعون؟ إن البذاذة من الإيمان، إن البذاذة من الإيمان) يعني: التقحل.\nرواه أبو داود.\nإن الصحابة بشر، والإنسان أحيانًا يتمنى ويتكلم أن في الدنيا كذا وكذا، وفي نفسي أن آكل كذا، فالصحابة جلسوا فذكروا الدنيا يومًا من الأيام فسمعهم النبي ﷺ فقال: (ألا تسمعون؟ ألا تسمعون؟).\nوالمعنى، أن النبي ﷺ ناداهم بأن يستمعوا إليه، وفي هذا لفت لانتباههم ليتنبهوا لما يقوله ﷺ حيث قال: (إن البذاذة من الإيمان، إن البذاذة من الإيمان)، قالها مرتين.\nوالبذاذة هي التقحل، والرجل المتقحل: هو الرجل الذي يبس جلده من خشونة العيش؛ لأنه لا يأكل أكل المسرفين المترفين، وإنما يأكل أحيانًا، يعني: أنه ترك الترفه وترك الكثير من ملاذ الدنيا، وهذا من علامات الإيمان.\nإذًا: ينبغي لك أيها المسلم ألا تسرف، بل تأخذ ما تقدر عليه بحيث ولا تؤذي نفسك ولا تخالف شرع الله ﷾.\nوقيل: إن البذاذة: هي ترك فاخر الثياب في حالة الإمكان، وترك الفاخر من الطعام والشراب، والإنسان لو عود نفسه على التنعم دائمًا بأغلى الأشياء، ثم قل به الحال، فإنه سيبدي التسخط على قدر الله سبحانه، ولو أنه ربى نفسه على البذاذة لما وقع في ذلك.\nلذلك كان الصيام تربية للإنسان، وهو شهر في العام يصومه الإنسان، ويستشعر فيه الجوع، وبذلك يستشعر جوع الفقراء المحرومين والمحتاجين، وهو إذا جاع في النهار فسيأكل في الليل، ولكن هؤلاء لعلهم يجوعون بالليل والنهار ولا يجدون ما يشبعهم.\nفربنا ﵎ يربي الإنسان المؤمن على الشعور بحال الفقراء المساكين الذين لا يجدون، فلذلك أمرنا بالصيام، لتصح أبداننا، ونتألم للفقير ونعطيه، ونعرف قدر النعم، فنحمد الله تعالى عليها، ونؤدي حق هذه النعم كما أمرنا الله ﷿ به.\nإذًا: البذاذة ترك السرف في الأشياء من الهيئة والثياب الفاخر، والطعام الفاخر، ولا مانع من أن يلبس الإنسان الثياب الفاخرة، ولكن لا يكون هذا دأبه دائمًا، لكي لا يصاب بالغرور والكبر، والنبي ﷺ كان يلبس ما وجد، وإذا لم يجد لبس الثياب التي عنده.\nوقد لبس رسول الله ذات مرة ثوبًا مرقعًا، وخرج به، فرأته امرأة من الأنصار لابسًا إزارًا مرقعًا، فذهبت وخاطت للنبي ﷺ إزارًا، وأهدته له، فأخذه ولبسه ﷺ وهو محتاج إليه لأن الإزار القديم كان مرقعًا، (فلما لبسه رآه رجل يلبسه، فقال: يا رسول الله! أعطني هذا، فقال له رسول الله ﷺ: نعم، ودخل بيته ولبس الإزار القديم وأعطاه الإزار الجديد، فقال الصحابة لهذا الرجل: تطلب النبي ﷺ هذا الشيء وهو محتاج إليه؟ فأعطى الرجل عذرًا من الأعذار وقال، أنا آخذه لأتكفن به)، وكأنهم يقولون: إذا كنت تريد ذلك ستأخذ الثوب القديم لتتكفن به، وليس الثوب الجديد.\nعلى كل فقد رأى الرجل من النبي ﷺ كرم الأخلاق وكرم السجية، وأن الأمر عنده سيان، لبس الثوب القديم، أو لبس الثوب الجديد، ولا أنكر على الرجل شيئًا صلوات الله وسلامه عليه.\nفالإنسان المؤمن لا بد أن يعاني ما يعانيه الفقراء ولو بالمشابهة، وذلك بأن يترك الشيء العالي أحيانًا في الطعام والشراب؛ ليعرف كيف يعيش الناس الفقراء، وأنهم يأكلون الدون من الطعام الحلال الذي يجدونه، فالمسلم يربي نفسه أحيانًا على الدون من الطعام والشراب حتى لا يبطر نعم الله ﷾.\nوقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أن ترك العالي من الثياب ليس بخلًا، لكن المؤمن يترك العالي من الثياب ابتغاء مرضاة الله وتواضعًا لله، والله ﷿ سيلبسه من حلل الإيمان كما جاء ذلك عن النبي ﷺ.","vol":"36","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-394>خروج ثلاثمائة صحابي للجهاد وزادهم جراب تمر</span>\nمن الأحاديث الجميلة حديث طويل يرويه جابر بن عبد الله ﵄، كما في صحيح مسلم، يقول جابر ﵁: (بعثنا رسول الله ﷺ وأمر علينا أبا عبيدة ﵁، نتلقى عيرًا لقريش).\nأي: أرسلهم النبي ﷺ يتلقون قافلة لقريش، وهذه السرية اسمها: سرية سيف البحر، وكان عليهم أبو عبيدة أمين هذه الأمة رضي الله ﵎ عنه أميرًا، وهؤلاء كانوا حوالي ثلاثمائة رجل.\nقال جابر ﵁: (وزودنا جرابًا من تمر لم يجد لنا غيره)، فهنا جيش تعداده ثلاثمائة رجل خرجوا لقتال، والزاد المعد للجيش جراب فيه تمر، زودهم به النبي ﷺ، والجراب: هو الزنبيل، أو القفة، فيا ترى كم يكفي هذا الجراب؟! ثم يقول (فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة)، أي: في هذا الجيش يعطي العساكر تمرة تمرة؛ ليجاهدوا في سبيل الله بتمرة يأكلونها في اليوم، فقال الراوي عن جابر ﵁ لـ جابر: (كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها من الماء، فتكفينا يومنا إلى الليل).\nسبحان الله! فهذا الجيش المجاهد في سبيل الله سبحانه، يأكل الواحد منهم تمرة في اليوم، ومع ذلك لم يتسخطوا ولم يقولوا: نحن نجاهد في سبيل الله، فلا يكفي لنا طعام كهذا، بل صبروا على ذلك، فيأخذون التمرة يمصونها مصًا ولا يأكلونها؛ لئلا تنتهي.\nقال: (وكنا نضرب بعصينا الخبط، ثم نبله بالماء فنأكله).\nيعملون هذا حتى يطيقوا المشي، فإذا رأوا شجرًا في الطريق فيه ورق يضربونه بالعصي، فتنزل الأوراق ناشفةً في الصحراء، ثم يأخذها الرجل منهم، ويبلها بالماء ويأكلها.\nقال: (وانطلقنا على ساحل البحر، فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم)، فهم ما وصلوا إلى ساحل البحر إلا بعد فترة من المعاناة والتعب والجوع؛ فرأوا شيئًا مثل الجبل أمامهم.\nقال: (فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر، فقال: أبو عبيدة: ميتة؟!)، والعنبر: حوت من حيتان البحر، وهذا الحوت من أعظم الحيتان، كأنه بيت يتكون من عشرة طوابق، وهذا الحوت لا يوجد في البحر، بل في أعماق المحيط، وإذا أراد الناس أخذه، فلا بد من سفن مجهزة بقنابل وبمدافع فيها أجهزة، ليعرفوا مكان هذا الحوت، ثم ينتظروا حتى يفتح فمه فيرموا فيه سهامًا أو نحوها، أو يرموا داخل فمه قنبلة ليموت هذا الحوت، فصيده صعب وليس بالسهل، فلو ضرب المركب بذيله لقلب السفينة العظيمة، ولو صاده أصحاب السفينة مرة واحدة فسيكون سببًا في غنائهم عمرهم كله.\nفهؤلاء جاء إليهم هذا الحوت من المحيط، ما ذهبوا ليصطادوه، بل الله ﷾ رفعه مكافأة لهم؛ لأنهم صبروا على تمرة تمرة في اليوم وأكلوا ورق الشجر، فالله هو الرزاق الكريم، ولا يضيع أجر من أحسن عملًا، فهم لما صبروا شكر الله ﷿ صبرهم، وأعطاهم الأجر في الدنيا، غير ما ادخره لهم في الآخرة سبحانه.\nفـ أبو عبيدة رأى هذا الحوت، ولم يبلغه حديث النبي ﷺ عن البحر الذي فيه: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، فاجتهد ﵁، وقال: (ميتة؟) أي: كيف سنأكل ميتة؟ ثم قال ﵁: (لا، بل نحن رسل رسول الله ﷺ وفي سبيل الله، وقد اضطررتم فكلوا).\nواجتهاده رضي الله ﵎ عنه وافق الصواب، وإن كان الحوت بهذه الصورة حلالًا للمضطر ولغيره، ولكنه هو اجتهد فقال: إننا مضطرون فنأكل من هذا الحوت.\nقال: (فأقمنا عليه شهرًا)، يعني قعد ثلاثمائة من الصحابة الكرام الأفاضل ﵁ يأكلون منه شهرًا كاملًا.\nقال: (ونحن ثلاثمائة، حتى سمنا، ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه الدهن بالقلال)، الوقب: هو ثقب العين، أو محجر العين أو مكانها، فكانوا يغرفون الدهن بالقدور من عين هذا الحوت.\nثم قال: (ونقطع منه الفدر كالثور أو كقدر الثور)، أي: نقطع منه كل قطعة بقدر العجل الضخم، أو كالثور.\nثم قال: (ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلًا فأقعدهم في وقب عينه)، أي: أنه أقعدهم في وقب نقرة عين الحوت، أو ثقب عينه، فيا ترى كم كان حجم العين؟ أما الجسم فسيكون جثة ضخمة جدًا.\nيقول ﵁: (وأخذ ضلعًا من أضلاعه فأقامها، ثم رحل أعظم بعير معنا فمر من تحتها)، يعني: جاء بأعظم جمل عنده ليمر من تحت الضلع، فمر من تحته، وهذا شيء عظيم جدًا.\nقال ﵁: (وتزودنا من لحمه وشائق) أي: قطعًا أخذوها زادًا للطريق وهم راجعون إلى المدينة.\nقال جابر: (فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له، فقال: هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله).\nفهنا ﷺ قال: أعطونا منه، أي: هو حلال، فأنتم قلتم: كنا مضطرين، لكنه ﷺ لو قال: هو حلال، فربما يقولون في أنفسهم: عظم حالنا على النبي ﷺ فرخص لنا في هذا الشيء لأجل الضرورة التي كنا فيها، ولكن كونه ﷺ يأكل منه فهذا دليل على أنه حلال، سواء للإنسان المضطر أو لغيره وقد جاء في الحديث: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته).","vol":"36","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-395>جوع النبي وأصحابه أثناء حفر الخندق وإكرام جابر لهم</span>","vol":"36","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-396>شدة جوع النبي وأصحابه في الخندق</span>\nمن الأحاديث في هذا الباب حديث جابر بن عبد الله ﵁، وأنا تركت حديثًا قبل هذا الحديث، وسنده ضعيف، وهو: (كان كم قميص رسول الله ﷺ إلى الرسغ)، فإسناده ضعيف.\nوأما حديثنا فهو حديث جابر ﵁ قال: (إنا كنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة، فجاءوا إلى النبي ﷺ فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق).\nوهذا يوم الخندق في غزوة الأحزاب سنة خمس من الهجرة، وذلك عندما جاء الأحزاب من قريش ومن أتى معهم؛ ليحاربوا المسلمين في المدينة، والمسلمون قد تعلموا من يوم أحد أنه لا بد من الطاعة، وأنه يكفي ما حصل يوم أحد، فلا بد أن نسمع كلام النبي ﷺ، وقد كانوا في يوم أحد أصروا على الخروج، وقالوا: نخرج كما خرجنا في بدر، فخرجوا فهزموا لما عصوا النبي ﷺ، فكانت الهزيمة درسًا في الأدب والطاعة له ﵊.\nفهنا في يوم الخندق استشارهم النبي ﷺ؛ فكان من مشورة بعض الصحابة أن يحفروا خندقًا حول المدينة، فالنبي ﷺ خرج بنفسه معهم لحفر هذا الخندق، فعرض حجر ضخم صلب، أو قطعة غليظة صلبة من الأرض، والفأس لا يعمل فيها شيئًا، فما قدروا على الحفر، فسيبقى هذا المكان الذي يمكن دخول خيول المشركين وعبورها منه إلى داخل المدينة.\nفهنا لجئوا إلى النبي ﷺ فقالوا: (هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: أنا نازل، ثم قام وبطنه معصوب بحجر)، قام وهو جائع ﷺ، والمسلمون جياع، ونزل وما تعلل ولا قال: أنا جائع، بل نزل.\nقال جابر: (ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا، فأخذ النبي ﷺ المعول فضرب فعاد كثيبًا أهيل أو أهيم)، يعني: ضرب الحجر ضربةً، فتكسر، وبعد أن كان صلبًا صار رمالًا، أو كثيبًا أهيل.\nقال: (فقلت: يا رسول الله! ائذن لي إلى البيت)، أي: أن راوي الحديث جابر بن عبد الله ﵄ صَعُب عليه حال النبي ﷺ، عندما قام يحفر ويكسِّر هذه الصخرة الضخمة، وهو وعاصب بطنه من شدة الجوع، فاستأذن ليبحث في بيته عن شيء يطعم به النبي ﷺ.\n(قال: فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي ﷺ شيئًا ما في ذلك صبر، فعندك شيء؟)، يعني: لا أقدر أن أصبر وأنا أرى النبي ﷺ على هذه الحالة، فعل عندك أي شيء للنبي ﷺ؟ (قالت: عندي شعير وعناق)، عناق أي: معزة، وكانت المعزة التي يشربون لبنها ولا يوجد غيرها، وكان عندها شعير، فقال لها: اصنعي طعامًا للنبي ﷺ.\nقال (فذبحت العناق، وطحنت الشعير، حتى جعلنا اللحم في البرمة، ثم جئت النبي ﷺ، والعجين قد انكسر)، أي: أن العجين قد أصبح جاهزًا لأن يدخل في الفرن، قال: (والبرمة بين الأثافي قد كادت تنضج).\nوالبرمة: هي القدر الذي فيه اللحم.\nوالأثافي: جمع أثفية، وهي حجارة توضع تحت القدر عندما يوقد عليه النار، وكانوا متعودين إذا أرادوا أن يطبخوا أن يأتوا بثلاث أحجار، يقال لها: أثافي كانوا يضعونها تحت القدر، فإذا لم يجدوا إلا حجرين وضعوهما إلى جنب الجبل، حتى يصير الجبل مكان الحجر الثالثة، وهذه هي التي يسمونها ثالثة الأثافي، كما هي معروفة في اللغة، وقولهم: رماه بثالثة الأثافي، أي: القطعة من الجبل كأنه يقول: رماني بداهية كالجبل.\nقال جابر: (قلت: طعيم لي)، يعني: أعددت أكلة يسيرة فتعال وكل، وكان يخاف أن يسمع الناس، فيظنوه طعامًا كثيرًا، ولم يكونوا بخلاءً رضوان الله ﵎ عليهم، ولكن الطعام قليل في نظره، فلو جاء عدد كبير فقد لا يبقى للنبي ﷺ شيء.","vol":"36","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-397>تكثير الطعام ببركة دعاء النبي ﷺ</span>\nقال جابر: (قلت: طعيم لي، فقم أنت يا رسول الله! ورجل أو رجلان قال: كم هو؟ فذكرت له).\nأي: أخبره أنه ذبح هذه العناق أو المعزة الصغيرة، فقال: (كثير طيب! قل لها: لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي)، يعني: لا تنزع البرمة أو الطعام الموجود الذي هو في نظرك إنما يكفي النبي ﷺ مع رجل أو رجلين، حتى آتي فتحصل البركة، وذلك بوجود النبي ﷺ.\n(فقال: قوموا، فقام المهاجرون والأنصار)، كل هؤلاء سيذهبون ليأكلوا مع رسول الله.\nقال: (فدخلت عليها فقلت: ويحك، جاء النبي ﷺ والمهاجرون والأنصار ومن معهم؛ قالت: هل سألك؟) وهذه المرأة العاقلة ﵂؛ قالت: لماذا أنت خائف، هل الرسول قد عرف قدر الطعام الذي عندنا، قال: (قلت: نعم، فقالت: أمر النبي ﷺ، هو أعلم بهذا الشيء، قال النبي ﷺ: ادخلوا ولا تضاغطوا)، أي: أدخلوا ولا تزدحموا.\n(فجعل ﷺ يكسر الخبز)، وفي رواية أخرى للحديث نفسه ذكر فيها: (أن زوجته أخرجت له جرابًا فيه صاع من شعير، قال: ولنا بهيمة داجن فذبحتها وطحنت من الشعير)، والصاع الشعير بقدر اثنين كيلو ونصف من الشعير، وهذا هو الذي سيكفي جيش النبي ﷺ، وهذه الرواية الثانية فيها أنه قال (فذبحتها وطحنت الشعير)، أي: وطحنت المرأة الشعير، قال: (ففرغت إلى فراغي) أي: أنه لم يترك المرأة وحدها تقوم بالأمر كله، بل قام بذبح الشاة وجهزها، وهي جهزت العجين والخبز.\nقال: (ثم وليت إلى رسول الله ﷺ فقالت: لا تفضحني برسول الله ﷺ ومن معه)، يعني: لا تدعوه إلا وحده؛ فإنهم إذا جاء ومن معه فمن أين سيلاقون طعامًا يأكلونه؟ (قال: فجئته فساررته فقلت: يا رسول الله! ذبحنا بهيمة لنا، وطحنت صاعًا من شعير، فتعال أنت ونفر معك، فصاح رسول الله ﷺ: يا أهل الخندق! إن جابرًا قد صنع سؤرًا، فحيهلا بكم)، أي: وقد صنع لكم سؤر شراب أو شيئًا تأكلونه فحيهلا بكم.\nقال: (فقال النبي ﷺ: لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينتكم حتى أجيء قال: فجئت، وجاء النبي ﷺ يقدم الناس، حتى جئت امرأتي فقالت: بك وبك)، أي: ماذا حصل لك، هؤلاء من سيكفيهم؟ فلما سألتهم بما في الرواية الأولى: هل أنت أعلمت النبي ﷺ بقدر الطعام؟ فلما قال: نعم، قالت: طالما أنك أعلمت النبي ﷺ فهو أدرى بهذا الشيء.\nفجاء النبي ﷺ ومن معه، قال: (ادخلوا ولا تضاغطوا، فجعل يكسر الخبر ويجعل عليه اللحم ويخمر البرمة والتنور)، هنا نزلت بركات من الله ﷿ للنبي صلوات الله وسلامه عليه، فإذا به يخدمهم ﷺ، وهو بنفسه يضع الطعام.\nقوله: (ويخمر البرم والتنور إذا أخذ منه)، يخمر: أي يغطي البرمة إذا أخذ منها؛ بحيث تنزل البركة ولا أحد يرى، ولأنهم لو أبصروا سيتساءلون: هل بقي شيء؟ لذلك غطاها رسول الله حتى تنزل البركة من عند الله ﷿.\nثم قال: (ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع، فلم يزل يكسر ويغرف حتى شبعوا وبقي منه)، أي: أنه بقي منه بعد أن أكل النبي ﷺ وجيش أهل المدينة وكفاهم هذا الطعام، وهو صاع من شعير وعناق.\nفقال: (كلي هذا وأهدي)، أي: كلي ما يشبعك أنت وزوجك، ثم أهدي للناس، قال: (فإن الناس أصابتهم مجاعة).\nلا شك أن هذا الطعام لا يكفي هذا العدد؛ ولكن البركة من الله ﷾ الذي أنزل من فضله ما أطعم به هذا الجيش وبقي لأهل البيت، وأمرهم النبي ﷺ أيضًا بالإهداء للناس.","vol":"36","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-398>تكثير الطعام ببركة بصق النبي ﷺ</span>\nجاء في الرواية الثانية أن جابر قال: (فأخرجت عجينًا فبصق فيه وبارك صلوات الله وسلامه عليه).\nأي: جعل فيه من ريقه الطاهر الكريم ولذلك جاءت البركة.\nقال: (ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك) أي: دعا بالبركة، وجعل فيها من ريقه الكريم، وريق النبي ﷺ هو الذي كان الصحابة يقتتلون عليه؛ وكان إذا أراد أن يبصق لا ينزل ريقه على الأرض، بل يقرب أحدهم يده؛ ليأخذه ويدلك به وجهه ويده.\nهذا هو مقام النبي ﷺ بين أصحابه، وهذا هو حب النبي ﷺ في قلوب أصحابه ﵊.\nقال جابر: (ثم قال: ادعي خابزة فلتخبز معك)، وهنا يأمرها أن تدعو من تعينها على خبز ما في هذا القدر من الشعير، فكانت البركة، وكان الطعام كثيرًا كفى هذا الجيش العظيم.\nقال: (واقدحي من برمتكم، ولا تنزلوها، وهم ألف، فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي)، أكل ألف رجل من هذه البرمة حتى شبعوا وانحرفوا عن الطعام، والبرمة كما هي تفور على النار ممتلئة بالطعام، قال: (وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو).\nهذا هو النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهذه بركة ريقه الطاهر ودعوته المباركة ﵊، والنبي ﷺ بصق مرة في بئر ماء وهم في الحديبية فإذا الماء يفور ببركة ريقه الطاهر.\nوحاول مسيلمة الكذاب أن يقلد النبي ﷺ، فبصق في بئر ماء وكان ماؤها عذبًا فإذا بالبئر تصير مرةً ملحةً، وهذه إهانة من الله ﷿ لهذا المجرم الكافر.\nأما ريق النبي ﷺ فهو ريق طاهر، بارك الله ﷿ به هذا الطعام وهذا الشراب وكثره، وهذا الشعير فكثره، فأكل ألف من أصحاب النبي ﷺ من هذا الطعام والطعام كما هو.","vol":"36","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-399>تفقد الصحابة للنبي ﷺ والاعتناء به مع ضيق حالهم</span>\nنذكر حديثًا لـ أنس رضي الله ﵎ عنه، قال: (قال أبو طلحة لـ أم سليم: قد سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفًا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم.\nفأخرجت أقراصًا من شعير، ثم أخذت خمارًا لها فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت ثوبي، وردتني ببعضه)، المعنى: أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا جائعين ولكن إذا بعثت إليه بالخبز أمام الناس، فسيعطيه للناس ولن يأكل شيئًا.\nفـ أنس بن مالك ﵁ هو ابن أم سليم، وأبو طلحة هو زوج أمه، رضي الله ﵎ عنهم، فـ أم سليم ﵂ جهزت هذا الخبز من الشعير، وأعطته لـ أنس ﵁ ولفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت ثوبه وردته ببعضه لتخفيه عن الأعين.\nقال أنس: (ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ، فذهبت به فوجدت رسول الله ﷺ جالسًا في المسجد ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال لي رسول الله ﷺ: أرسلك أبو طلحة؟ فقلت: نعم، فقال: ألطعام؟ فقلت: نعم، فقال رسول الله ﷺ: قوموا، فانطلقوا وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم! قد جاء رسول الله ﷺ بالناس وليس عندنا ما يطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم! فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ، فأقبل رسول الله ﷺ معه حتى دخلًا، فقال رسول الله ﷺ: هلمي ما عندك يا أم سليم، فأتت بذلك الخبز -أقراص من شعير- فأمر به رسول الله ﷺ ففت)، ولو أبقاه أقراصًا فسيوزع ولا يكفي الجميع، ولذا أمر الرسول أن يفت الخبز بحيث يأكلون من الخبز جميعًا.\nقال: (وعصرت عليه أم سليم عكة فآدمته)، كان عندها قربة فيها سمن قليل أو عسل قليل فوضعته فوق الخبز الذي فُت، (ثم قال فيه رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقول)، فحصلت البركة من دعائه صلوات الله وسلامه عليه، (ثم قال: ائذن لعشرة، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: ائذن لعشرة، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: ائذن لعشرة، فأذن لهم، حتى أكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم سبعون رجلًا أو ثمانون)، متفق عليه.\nفسبعون رجلًا أو ثمانون أكلوا من أقراص كانت للنبي ﷺ وحده.\nفهذه الجملة من الأحاديث فيها بركة دعاء النبي ﷺ، وبركة ريقه الطاهر صلوات الله وسلامه عليه، وحضوره مع أصحابه، وفيها ما كانوا عليه من فقر إلى درجة أنهم ليحتاجون إلى الشيء القليل.","vol":"36","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-400>الفرق بين الفقر والمسكنة</span>\nكان النبي ﷺ يتعوذ بالله من الكفر والفقر ومن عذاب القبر، ومع ذلك كان يسأل ربه سبحانه ويقول: (اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين)، والفقير هو من كان معدمًا لا يجد شيئًا، فالرسول ﷺ تعوذ بالله من الفقر، لكن المسكين يجد أحيانًا ولا يجد أحيانًا أخرى، فكأن المسكين يجد فيشكر الله سبحانه، أو لا يجد فيدعو الله سبحانه، ففي أخلاقه التواضع دائمًا، وهو موصول بالله في دعائه، فكأن النبي ﷺ طلب أن يكون عنده من التواضع ما عند هؤلاء المساكين الذين يسألون الله ويطلبون منه ﷿، فالرسول ﷺ لم يطلب من الله أن يكون فقيرًا ولا يجد شيئًا، بل تعوذ بالله من الفقر، فلما منعه الله ﷾ الطعام أيامًا صبر ﷺ، وكان الأسوة الحسنة في صبره، وكان يربط على بطنه الحجر ويعمل مع سائر أصحابه في الخندق، وينزل بنفسه ﷺ ليكسر صخرة ضخمة لم يقدروا عليها، وعندما كان يضرب الصخرة في الضربة الأولى خرج منها نور عظيم، فرأى فيه بشرى من الله سبحانه بأنه يؤتى ملك فارس، وفي الضربة الثانية بأنه سيؤتى ملك الروم، فيفتح الله ﷿ على يد النبي ﷺ من الفتح ما شاء.\nفالغرض من ذلك أن الإنسان يصبر كما صبر النبي ﷺ ويقتدي به كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١].\nنسأل الله ﷿ أن يرزقنا حسن الاقتداء بالنبي صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه الكرام وأن يحشرنا معهم.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"36","page":15},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-401> القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة وذم السؤال من غير حاجة</span>\nإن القناعة أصل الغنى، فمهما أوتي الإنسان من مال ولم يؤت القناعة فهو فقير.\nوإن العفاف زينة المسلم، وكثرة السؤال من الخصال التي يذم عليها، وقد يعاقب عليها إذا فعلها بدون حاجة مشروعة.","vol":"37","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-402>تكفل الله بقسمه الأرزاق وأن على الغني الإنفاق</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم.\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: قال الإمام النووي ﵀: [باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة.\nقال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦].\nوقال تعالى: ﴿لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة:٢٧٣].\nوقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان:٦٧].\nوقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٧].\nوأما الأحاديث فمنها: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس)، متفق عليه.\nوعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (قد أفلح من أسلم ورزق الكفاف وقنعه الله بما آتاه)، رواه مسلم].","vol":"37","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-403>موقف المؤمن من المال</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم.\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: قال الإمام النووي ﵀: [باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة.\nقال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦].\nوقال تعالى: ﴿لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة:٢٧٣].\nوقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان:٦٧].\nوقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٧].\nوأما الأحاديث فمنها: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس)، متفق عليه.\nوعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (قد أفلح من أسلم ورزق الكفاف وقنعه الله بما آتاه)، رواه مسلم].","vol":"37","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-404>ثقة المؤمن برزق الله وقناعته بما آتاه</span>\nيتحدث الإمام النووي ﵀ في هذا الباب عن القناعة، والقناعة من قنع يقنع بالشيء إذا اكتفى بما آتاه الله ﷾، ورضي في نفسه بما أعطاه الله سبحانه.\nفينبغي على الإنسان أن يتحلى بالقناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة.\nمن ذلك ما جاء في القرآن من قول الله سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦].\nوهو الذي خلق الخلق فقال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤].\nفخلق وأمر ﷾، وتفرد بخلق العباد وجعل لكل إنسان رزقًا قسمه الله ﷿ له، فعلى الإنسان أن يقنع بما قسم الله ﷿ له، ويسعى في طلب هذا الرزق الذي قسم له من بابه ومن وجهه، فيعمل ويتعب نفسه حتى يصل إليه رزقه وقوته؛ لينفق على نفسه وعلى من يعول.\nوعليه أن يثق في رزق الله سبحانه؛ لأن الله قد كتب عنده في الكتاب خلق الإنسان ورزقه، وعمله وهل هو شقي أو سعيد، وطالما أن هذا مكتوب فليسع الإنسان في تحصيل ما قد قسمه الله ﷿ له.\nقال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦].\nوهذا من ألفاظ العموم (ما من دابة) يعني: كل دابة خلقها الله ﷿، وهي كل ما يدب على الأرض.\nوقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور:٤٥] كل ذلك يخلقه الله سبحانه، فالذي خلق هذه الأشياء قسم لها أرزاقها.\nفعلى الإنسان أن يثق في أن الله سيرزقه، ويبحث عن هذا الرزق، وليعلم أن الرزق لن يزيده حرص حريص ولن ينقص من إنسان لا يحرص عليه ولا يطلبه، ولن يمنعه منه أحد؛ لأنه ليس لإنسان على إنسان قدرة على أن يحرمه من رزقه، إنما الرزاق هو الله سبحانه، والرزق بيده وحده.","vol":"37","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-405>تعفف المؤمن الفقير وعدم إلحافه في المسألة</span>\nقال سبحانه: ﴿لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة:٢٧٣].\nفأموال الفيء تعطى للفقراء، وهم ضمن الذين يأخذون هذه الأموال، ويلزم الإنسان أن يبحث عنهم ويعطيهم زكاة ماله أو نفقة تطوعه.\nفصفاتهم أنهم متعففون فقراء، ولكنهم أحصروا في سبيل الله، فأهل الصفة الذين في مسجد النبي ﷺ كانوا من فقراء المهاجرين، وكان عملهم هو الجهاد في سبيل الله، فهم محبوسون على ما يريده النبي ﷺ منهم، فيرسلهم في غزو، أو في سرية، أو في بعث من البعوث، فأحصروا للجهاد في سبيل الله ولم يكن لهم طعام، فكان النبي ﷺ يعطيهم إذا كان عنده، وكان أحدهم يخرج ويعمل عملًا ثم يرجع إلى موضعه في المسجد بطعام يسير فيكتفي بذلك ولا يسأل أحدًا.\nفالناظر إليهم من جهله بحالهم يظن أنهم أغنياء: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة:٢٧٣] من تعففهم، فهم لا يسألون أحدًا شيئًا.\n(تعرفهم بسيماهم) والسيما: المنظر، فصفرة وجوههم دليل على فقرهم واحتياجهم وجوعهم، وفي ثيابهم ووجوههم آثار تدل على احتياجهم وجوعهم وتعبهم.\nثم يقول سبحانه عنهم: ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة:٢٧٣] أي: لا يسألون أحدًا شيئًا، وإن احتاجوا طلبوا من النبي ﷺ ولا يلحون في المسألة.","vol":"37","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-406>إنفاق المؤمن الغني مما آتاه الله</span>\nقال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ [الفرقان:٦٧] وهذا شيء ثالث يذكره: فالأول: أن يثق الإنسان في رزق الله سبحانه فيقنع بما آتاه.\nوالثاني: أن يتعفف إذا لم يجد، وإذا سأل واضطر إلى السؤال فلا يلحف في المسألة.\nوفي الثالث: أن الله إذا أعطاه مالًا وأنفق هذا المال فلا يسرف ولا يقتر.\nفمن صفات عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ [الفرقان:٦٧] في إنفاقهم: ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان:٦٧] أي: لم يبخلوا ولم يشحوا، ولكن بين ذلك، فالحال الذي هم عليه: قوام وسط بين ذلك وذلك.\nقال الله ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨].\nفإذا رزق الله الكافر فلن يترك المؤمن بغير رزق ﷾، وذلك لعدله وكرمه، فهو يرزق كل دابة، فالإنسان المؤمن يتفكر في صلاح حاله ويتفكر في أن الذي خلقه هو الذي تكفل برزقه، ثم ليسع في طلب هذا الرزق من وجوه الحلال، وليترك وجوه الحرام.\nمن الأحاديث التي جاءت في هذا الباب ما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس).\nوالعرض هو المال، والإنسان الذي لديه مال كثير ليس ذلك دليلًا على غناه.\nوهذا دليل على أن كثرة المال ليس ضروريًا، فالمال ليس دليلًا على غنى نفس هذا الإنسان، فقد يكون عنده مليون ويستشعر أنه فقير، وأنه قد يضيع منه هذا المال فيصبح فقيرًا لا مال له.\nفمهما أعطاه الله فإنه يستشعر أنه فقير وأنه محتاج، وهذا ليس الغنى، ولكن الغنى الحقيقي هو الشعور بالرضى من داخل القلب.\nفهو راض في نفسه عن ربه ﷾، واثق في أن الله ﷿ خزائنه ملأى لا تغيضها نفقة، وأن رزقه قد تكفل الله ﷿ به، فهو موجود في خزائن الله، وسوف يأتي هذا الرزق وقتًا من الأوقات.\nلكن المطلوب منه أن يسعى لطلب هذا الرزق، وأن يمشي في مناكب الأرض فيأكل من رزق الله الذي ساقه وقسمه له.\nإذًا: الغنى الحقيقي أن يستشعر الإنسان أن الله ﷿ يرزق، وأن الله ادخر له الخير في الدنيا وفي الآخرة، وأن الله ﷿ لا يضيع شيئًا أبدًا.\nفما من شيء إلا والله سبحانه يعلمه ويرزقه، وما من دابة إلا على الله رزقها، فإذا كان الإنسان يشعر بالفقر فإنه لو أوتي مثلما أوتي قارون سيستشعر أنه فقير ومحتاج وخائف من ضياع هذا المال.\nوإذا كان الإنسان قد أعطي الرضا والقناعة في قلبه استشعر الغنى وإن كان جيبه خاويًا لا شيء فيه، فهو واثق أن الله معه كل شيء ﷾، فيسعى في طلب الرزق من الله وهو يعطيه سبحانه.","vol":"37","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-407>فضل القناعة</span>","vol":"37","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-408>فلاح من رزق كفافًا وقنعه الله بما آتاه</span>\nروى مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (قد أفلح من أسلم ورزق الكفاف وقنعه الله بما آتاه).\nفهذا إنسان مفلح بسبب أنه رضي عن الله ﷾، وصدقت الحكمة القائلة: القناعة كنز لا يفنى.\nفالإنسان بقناعته يستشعر أنه غني عنده كل شيء، والله ﷿ إذا أعطى الإنسان القلب المطمئن والنفس القانعة ورزقه رزقًا كفافًا على قدره بلا زيادة ولا نقصان كان مفلحًا إذا كان مسلمًا مؤمنًا قانعًا.\nوفي الصحيحين عن حكيم بن حزام ﵁ قال: (سألت رسول الله ﷺ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني)، وكأن حكيمًا لما أسلم وذهب إلى النبي ﷺوهو ممن أسلم متأخرًا- طلب من النبي ﷺ أن يعطيه، والنبي ﷺ كريم فأعطاه، وسأله مرة ثانية، مع أنه كان كبيرًا في قومه رضي الله ﵎ عنه، ولكن مهما كان كبيرًا فلا غنى له عن مال الله سبحانه وفضله، فلما أعطاه المرة الثالثة قال له -ينصحه-: (يا حكيم إن هذا المال خضر حلو)، والخضر هو نبات يخرج من الأرض كخضر البقلات تخرج من الأرض فتأكلها الدواب.\nفكأنه يضرب له المثل بما يكون أمام البقر والإبل، فتأكله وتستحلي طعمه إلى أن تهلك من كثرة الأكل.\nفالمال كذلك، فإن الإنسان يفضل أن يأخذ المال إلى أن يهلك، وذلك بأن لا يؤدي الحقوق التي عليه، ثم يستشعر أنه يريد أكثر، وفي الحديث: (منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب مال).","vol":"37","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-409>الذي يأخذ المال بسخاوة نفس يبارك له فيه</span>\nفالذي همه طلب المال يظل على ذلك حتى يموت، همه تحصيل المال وادخاره ولا يؤدي الحقوق لأصحابها.\nفالنبي ﷺ يقول لـ حكيم بن حزام: (إن هذا المال خضر حلو فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه).\nيأخذ المال بنفس سخية، لينفق لله ﷾، ويأخذ المال وهو محتاج إليه ومتعفف فيه، فإذا أعطاه النبي ﷺ شيئًا قبله، وإذا لم يعطه فنفسه تأبى أن تطلب المال من أحد، فالذي يأخذ بسخاوة نفس لا بشح ولا بطمع بورك له فيه.\n(ومن أخذه بإشراف نفس)، أي: بطمع في هذا المال لم يبارك له فيه، (وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى)، فالذي يأكل ولا يشبع في النهاية يتخم ويموت.\nولكن الإنسان المؤمن يأكل ويستشعر الشبع، فأقل الأشياء أن تكفيه ولا يطمع في الكثير، فالنبي ﷺ يقول لـ حكيم: (اليد العليا خير من اليد السفلى)، هنا المعطي النبي ﷺ والآخذ حكيم فاليد المعطية خير من اليد الآخذة.\nوكل من أعطى فيده العليا، وكل من مد يده وتكفف الناس فيده السفلى، فالذي يعطي يده أفضل من يد الإنسان الذي يأخذ.\nقال حكيم: (فقلت يا رسول الله! والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا)، فأقسم بالله سبحانه الذي بعث النبي ﷺ بالحق أن لا يرزأ أحدًا شيئًا.\nوالرزء هو الأخذ والإنقاص، والمعنى: لا أنقص مال إنسان بطلبي، ولن أطلب من أحد شيئًا فأنقص ماله حتى أفارق هذه الدنيا.\nوصدق رضي الله تعالى عنه وبر يمينه التي حلفها، فلما فتح الله ﷿ الفتوح على المسلمين كان أبو بكر يقسم الغنائم بينهم، فمن ضمن هؤلاء حكيم، فيطلبه أبو بكر ليعطيه من هذه الغنائم فيرفض حكيم رضي الله تعالى عنه، ويأبى أن يقبل منه شيئًا؛ لأنه عاهد النبي ﷺ على ذلك.\nثم إن عمر ﵁ دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله، فقال عمر ﵁يشهد المسلمين عليه-: يا معشر المسلمين أشهدكم على حكيم إني أعرض عليه حقه الذي قسمه الله له في هذا الفيء فيأبى أن يأخذه.\nفلم يرزأ حكيم أحدًا من الناس بعد النبي ﷺ حتى توفي رضي الله تعالى عنه.\nفهنا حكيم بن حزام انتفع بنصيحة النبي ﷺ، فالواجب علينا أن ننتفع بها كما انتفع هو ﵁.\nفـ حكيم بن حزام مات وترك المال، ولكن فرق بين الذي أخذ المال واستكثر منه وكان كالذي يأكل ولا يشبع، وله مثل السوء حيث لم يقنع، وبين حكيم الذي رزقه الله القناعة والعفاف، فكل من طلب المال في النهاية سيتركه للوارث يأخذه.\nفلو تفكر الإنسان في نفسه لوجد أنه لو طمع وأوتي الدنيا جميعها وأخذ من الدنيا ما شاء، ففي النهاية سيترك الباقي ويذهب إلى ربه سبحانه ليسأله عن الجميع.","vol":"37","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-410>شقاوة من يجمع الدنيا من الحرام والحلال</span>\nوأبأس إنسانًا يطلب الدنيا ويحصلها من حلال وحرام، ويجمع ويدخر ثم يموت وهو كانز لهذا المال، ويأتي الورثة ليأخذوا هذا المال، وعندما يتذكرونه لعلهم لا يدعون له، ولعلهم يقولون: هذا كان يسرق المال، وكان يعمل كذا وكذا بهذا المال.\nالإنسان الطمع الذي يأخذ المال في الدنيا سيسأله الله ﷿ عن هذا المال كله، ومن العجيب أن هذا الإنسان البائس عندما يأتي يوم القيامة وقد جمع في الدنيا أموالًا من حلال ومن حرام يحاسبه الله ﷿ على كل شيء أخذه: لم أخذته؟ إن هذا حرام تستحق عليه النار.\nفلا هو انتفع بهذا المال في الدنيا، ولا غيره دعوا له لما أخذوا هذا المال، وإنما حوسب هو على المال كله عند الله ﷾.\nلذلك فإن الإنسان المؤمن يحذر من أن يأخذ الحرام، وأن يمد يده إلى الحرام؛ لأنه يعلم أنه سيلقى الله سبحانه ويسأله.\nفربما عمل في شركة من الشركات وأخذ رشاوى من هذه الشركة، إلى أن جمع من هذه الرشاوى مالًا كثيرًا، ثم لما مات جاء الورثة بعد ذلك يسأل بعضهم بعضًا: ماذا نصنع بهذا المال؟ أنأخذه أم نتصدق به؟ فهذا الذي جمع هذا المال يا ترى هل جرى بخاطره أنه سيموت ويترك المال كله؟ ها هو الآن ذهب إلى ربه ليسأله عما جمع من مال، وما أخذ من رشوة، لقد ذهب ولم يستمتع بما جمع وأصبح يقال عنه: هذا كان يسرق المال، ويأخذ الرشوة، مع أن الحديث يقول: (اذكروا محاسن موتاكم)، وهذا الإنسان كان يأخذ الرشوة وذلك ليس من محاسنه بل من سيئاته.\nفإن قيل يتصدق به فلا يجوز لإنسان أنه يأخذ مثل هذا المال الحرام.\nفاحذر أن تجمع الدنيا وفي النهاية يحرمك الله ﷿ منها، فلعل إنسانًا يجمع مثل هذا المال ويبتليه الله ﷾ بضعف في الكلى مثلًا، فيريد أن يزرع كلى فيحتاج إلى مائة ألف أو مائتين ألف، حتى يسأل الناس؛ لأنه محتاج إلى أن يغسل الكلى في كل يوم.\nإن المال الحلال يأخذه الإنسان ويكون له فيه بركة، ويأكل منه فيكون له شفاء، يقول النبي ﷺ: (إن الله ﷿ أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة:١٧٢]).","vol":"37","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-411>اقتصاد الصحابة في غزوة ذات الرقاع</span>\nعن أبي موسى الأشعري ﵁كما في الصحيحين- قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزاة -أي: في غزوة- ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه).\nأي: أنهم ذهبوا يجاهدون في سبيل الله سبحانه، وكل ستة معهم بعير، أو هؤلاء الستة معهم بعير.\nفلن يركبوا هذا البعير كلهم مرة واحدة، ولكن كل واحد سيركب قليلًا ثم ينزل ويترك غيره يركب، فهذا يعقب هذا، فمسافة السفر الذي كانوا فيها إذا كانت الغزوة تجاه الشام فلكل واحد منهم سدس المسافة يركبها على البعير، وخمس أسداس المسافة يمشيها على رجليه.\nقال: (فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع).\nكانوا يعصبون على أرجلهم الخرق، فالأحذية لم تنفع فقد تقطعت في الطريق فبقوا يربطون الخرق على أرجلهم لكي يمشوا هذه المسافة الطويلة.\nقال أبو بردة: فحدث أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذلك، وقال: ما كنت أصنع بأن أذكره، قال: كأنه كره أن يكون شيئًا من عمله أفشاه، ولكنه إنما تحدث ليتعظ الناس ويعملوا.\nهذا واحد من أهل الصلاح من صحابة النبي ﷺ يخاف أن يحدث عن عمله لكي لا ينقص ذلك من الثواب، فقد كانت نيتهم صافية وخالصة لرب العالمين سبحانه، ولكنهم يحدثون حتى يقتدي بهم من بعدهم.\nوبعد أن يحدث أحدهم يخاف من أنه أفشى عمله.","vol":"37","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-412>إعطاء النبي المال لأقوام وغيرهم أحب إليه منهم</span>\nجاء في صحيح البخاري عن عمرو بن تغلب ﵁: (أن رسول الله ﷺ أتي بمال أو سبي فقسمه، فأعطى رجالًا وترك رجالًا، فبلغه أن الذين ترك عتبوا، فحمد الله ثم أثنى عليه).\nوالمعنى: أنه جاء النبي ﷺ مال فقسمه، ولم يستوعب كل الموجودين، ولكن أعطى أناسًا هم أهل حاجة وفقر، وترك آخرين، وأحيانًا يعطي أناسًا وغيرهم أولى منهم بهذا المال، لكن هؤلاء يمكن أن يفتنوا ويقعوا في الكفر إذا لم يعطهم مالًا.\nفيخاف النبي ﷺ عليهم؛ لأنه بالمؤمنين رءوف رحيم، فيعطي إنسانًا من أجل ألا يقعوا في الكفر ويدخلوا النار بعد ذلك.\nفلما عتبوا قام النبي ﷺ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد: فو الله إني لأعطي الرجل وأدع الرجل والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي)، أي: ليس معنى أني أعطيت فلانًا أني أحبه أكثر من الآخر، فهذا الذي أعطيته أقل في المحبة من ذاك الذي لم أعطه.\nقال: (ولكني إنما أعطي أقوامًا لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع)، أي: أراهم خائفين من الفقر، فلو لم أعطهم قد ينقص إيمانهم.\nثم قال: (وأكل أقوامًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير)، أي: أن الذين لم أعطهم قلوبهم مليئة بالخير، فإعطائي إياهم هذا المال لن يزيد فيهم شيئًا؛ فلذلك أكلهم إلى ما في قلوبهم من الغنى والخير، منهم عمرو بن تغلب راوي هذا الحديث.\nقال عمرو بن تغلب ﵁: (فو الله ما أحب أن لي بكلمة رسول الله ﷺ حمر النعم)، يعني: يكفيه أنه شهد له بالإيمان، فهذه الشهادة أغلى من أموال العرب، وهي بهيمة الأنعام من الجمال والنوق الحمراء.\nوصدق رضي الله ﵎ عنه، فإن الدنيا كلها لا تسوى عند الله جناح بعوضة.","vol":"37","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-413>من يستعفف يعفه الله</span>\nجاء في حديث آخر عن حكيم بن حزام في معنى الحديث الأول إلا أن فيه زيادة- قال النبي ﷺ: (اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول).\nأي: إن كان عندك زيادة مال فابدأ بأهلك الذين تعولهم.\nثم قال: (وخير الصدقة عن ظهر غنى)، أي: خير الصدقة ما تركت غنى، لأن الإنسان قد يتصدق وبعد أن يتصدق بالمال كله يمكن أن يبتليه الله فلا يجد مالًا يسد حوائجه فيندم ويقول: يا ليتني ما تصدقت بالمال كله، فيكون بهذا قد أضاع أجره عند الله، وأضاع ماله في الدنيا.\nفالأفضل للإنسان إذا تصدق أن يترك لنفسه ما يغنيه؛ لأنه عندما يعطي ولا يزال غنيًا يكون ذلك مدعاة له أن يعطي ويتصدق مرة أخرى، ولا يتضجر من الصدقة، أما الذي يعطي ماله كله ثم يجد نفسه فقيرًا، فقد لا يتصدق مرة أخرى، ولذلك كان خير الصدقة ما أبقت لصاحبها غنى.\nثم قال ﷺ: (ومن يستعفف يعفه الله).\nويستعفف من العفاف، والعفيف هو الإنسان الذي لا ينظر إلى ما في أيدي الناس، فالناظر إلى ما في أيدي الناس إما أن يتمنى ما في أيدي الناس، أو يتحسر على أنه ليس عنده مثلهم.\nوإذا تمنى فلعله يعطى ولعله لا يعطى، فإذا كان لا يعطى فقد أتعب نفسه بالنظر إلى ما في أيدي الناس، وإذا أعطاه الله ﷿ فلعله يفتن فيه فلا يعطي الحقوق لأصحابها، إذًا: الأفضل أن لا ينظر إلى ما في أيدي الناس، وإنما ينظر إلى من هو دونه وأقل منه ولا ينظر إلى من هو أعلى منه.\nإذا نظر إلى من هو دونه حمد الله سبحانه على ما أعطاه من النعم، وإذا نظر إلى من هو أعلى منه ربما جعل ذلك في قلبه حسرة، ولعله يقول: إن الله لم يعطني شيئًا، فينكر نعم الله ﷿ عليه فيستحق العقوبة من الله.\nثم قال ﷺ: (ومن يستغن يغنه الله)، فاستغنى بالله سبحانه ﵎ وعمل وكد وأتعب نفسه ليطلب الرزق، فأعطاه الله سبحانه، أما النظر إلى الناس فليس من ورائه إلا أن يحسدهم على ما آتاهم الله من فضله، أو يتحسر على حاله الذي هو فيه، وفي كل شر.\nجاء في صحيح مسلم عن أبي سفيان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تلحفوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحد منكم شيئًا فتخرج له مسألته مني شيئًا وأنا له كاره فيبارك له فيما أعطيته).\nفالنبي ﷺ لا يسأله أحد إلا ويعطيه، ولكن هل كل من أعطاه النبي ﷺ كان راضيًا أن يعطيه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n (فوالله لا يسألني أحد منكم شيئًا فتخرج له مسألته مني شيئًا وأنا كاره)، لأنه يستحي ألا يعطي ﷺ، فقد يعطي ويكون راضيًا، وقد يعطي وهو كاره، فهذا الذي كره النبي ﷺ إعطاءه لما أخذ المال لا تكون بركة في هذا المال الذي أخرجه.\nفالنبي ﷺ هو الذي يعطي ومع ذلك لا بركة في هذا المال؛ لأنه أخذه بغير رضا النبي ﷺ، وهكذا فكل إنسان يأخذ مالًا بغير رضا صاحبه لا بركة له فيه.","vol":"37","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-414>النهي عن سؤال الناس واستخدامهم</span>","vol":"37","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-415>بيعة النبي بعض أصحابه على ألا يسألوا الناس شيئًا</span>\nعن أبي عبد الرحمن عوف بن مالك الأشجعي قال: (كنا عند رسول الله ﷺ تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: ألا تبايعون رسول الله ﷺ).\nوكان النبي ﷺ له تعاليم دقيقة ولطيفة مع أصحابه، وإلا فقد كانوا بايعوه من قبل على الإسلام، لكنه أراد أن يذكرهم بشيء بهذه الطريقة الجميلة.\nقال: (ألا تبايعون رسول الله ﷺ؟ قالوا: قد بايعناك يا رسول الله ثم قال: ألا تبايعون رسول الله ﷺ؟ قال: فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك؟ فقال ﷺ: على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، والصلوات الخمس وتطيعوا -يعني: أولي الأمر منكم- وأسر كلمة خفيفة -أسمعهم إياها بصوت خفيف-: ولا تسألوا الناس شيئًا).\nبايعوني على الإسلام أي: على عبادة الله وعدم الشرك، وعلى الصلوات الخمس، وعلى الطاعة لله وللرسول ﷺ ولأولي الأمر منكم، وتبايعوني أيضًا على (أن لا تسألوا الناس شيئًا).\nهذه من ضمن البيعات التي أخذها النبي ﷺ على أصحابه أو على بعضهم، وهؤلاء بايعوا.\nفكان يسقط سوط أحدهم أو عصاه وهو راكب على الجمل فينيخ جمله وينزل فيأخذ عصاه، فهذا أحب إليه من أن يطلب من أحد أن يناوله ذلك، قال: (فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدًا يناوله إياه).\nأي: لا يطلب من أحد شيئًا، وهذه تربية عظيمة رباهم عليها النبي ﷺ، فإذا كان هذا الذي تسقط عصاه لا يطلب من أحد أن يناوله إياها، فمن باب أولى ألا يسأل أحدًا مالًا أو غيره، فعلمهم النبي ﷺ عزة النفس والتعفف عن أن يبسطوا ويمدوا أيديهم للناس يطلبون شيئًا، وبايعهم على ذلك صلوات الله وسلامه عليه.\nوحذر هؤلاء وغيرهم بأن الذي يسأل ويلح في الطلب، فإنه يأتي يوم القيامة حاله كما في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله تعالى وليس في وجهه مزعة لحم).\nومزعة اللحم: القطعة من اللحم، فالإنسان لعله يستحيي من إنسان كبير إذا فعل أمامه شيئًا يستحيا من فعله فيتصبب عرقه حياءً، والله ﷾ له المثل الأعلى، فهؤلاء الذين يسألون الناس إلحافًا عندما يأتون ربهم يوم القيامة سيستحيون من الله ﷿، حتى يتساقط من وجوههم اللحم بسبب أنهم لم يستحيوا في الدنيا من الله.","vol":"37","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-416>ذم المسألة إلا لحاجة</span>\nعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال وهو على المنبر، وذكر الصدقة والتعفف عن المسألة: (اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا هي المنفقة، والسفلى هي السائلة).\nوالذي يسأل الناس ويستكثر من مالهم قال عنه ﷺ: (من سأل الناس تكثرًا فإنما يسأل جمرًا؛ فليستقل أو ليستكثر).\nوقوله: (فليستقل أو ليستكثر)، يعني الذي يطلب قليلًا فهو من النار جمر، أو يطلب كثيرًا فهو جمر من النار.\nوعند الترمذي عن سمرة ﵁ قال النبي ﷺ: (إن المسألة كد يكد بها الرجل وجهه، إلا أن يسأل الرجل سلطانًا أو في أمر لابد منه) والكد: المكدة وهي الحديدة التي يحفر بها الإنسان في خشب ونحوه، فكأنه يوم القيامة يسقط لحم وجهه من سؤاله في الدنيا، فتأتي المسألة عليه يوم القيامة كخدوش وشقوق في وجهه بسبب عدم حيائه من الله ﷿ في الدنيا وسؤاله الناس إلحافًا.\nلكن يستثنى (أن يسأل الرجل سلطانًا) يعني يسأل الحاكم، كأن يريد الحق الذي له في بيت المال ونحو ذلك إن كان محتاجًا.\n(أو في أمر لابد منه)، كأن نزلت به كارثة أو مصيبة فيسأل الناس بسبب المصيبة التي نزلت به، فهذا معذور، ولكن الذي يسأل أموال الناس يستكثر منها فهو داخل في هذا الحديث.\nوعند أبي داود والترمذي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: (من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل).\nأي: أن الذي نزلت به مصيبة أو فاقة فأنزلها بالناس، وطلب الناس على وجه الطمع، فيأخذ من هذا ومن هذا، ولا يكتفي، ويجمع أكثر مما يأكل فالله ﷿ لا يسد فاقته، لأنه اتجه إلى الناس فوكله الله إليهم.\nثم قال: (ومن أنزلها بالله)، يعني: تضرع إلى الله وسأل الله وأخذ بأسباب الرزق: (يوشك الله له برزق عاجل أو آجل)، أي: أن الله يعطيه رزقًا عاجلًا.\nوجاء في حديث آخر: (أو موت عاجل)، فإما أن يرزقه ما يكفيه أو يأخذه ﷾ فيعطيه جنته، ويكون من أهل المصائب الذي يكرمهم الله ﵎ عنده.\nوعن ثوبان عند أبي داود أيضًا قال النبي ﷺ: (من يتكفل لي أن لا يسأل الناس شيئًا وأتكفل له بالجنة، فقلت: أنا، فكان لا يسأل أحدًا شيئًا).\nفالجنة مقابل عدم سؤال الناس، وفي هذا تعليم النبي ﷺ للمسلمين التعفف وألا يطلبوا الناس شيئًا، فكل ما يقدر الإنسان أن يفعله بنفسه فليفعله؛ حتى لا يتعود الخدمة من الناس.","vol":"37","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-417>من تحل لهم المسألة</span>\nعن أبي بشر قبيصة بن المخارق ﵁ قال: (تحملت حمالة فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها).\nكأن قبيصة أصلح بين ناس، وكان من ضمن الإصلاح أموال تحملها وأداها من أجل أن يصلح بين الناس، فذهب إلى أهل الفضل ليساعدوه فيما تحمل، فذهب إلى النبي ﷺ.\nثم قال له النبي ﷺ: (يا قبيصة إن المسألة لا تحل لأحد إلا لثلاثة)، فعمله النبي ﷺ أن الحالة الذي هو فيها من الحالات التي تحل فيها المسألة، فمن هذه الحالات: (رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك).\nكأن يصلح بين الناس فصار هو الغارم بعدما كانوا هم الغارمين، فجاز له أن يسأل أهل الفضل أن يعينوه في ذلك؛ وبعد أن يأخذ منهم ما يسد غرامته لا يجوز له أن يسأل.\nقال: (ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش أو سدادًا من عيش).\nوهذا هو الثاني، وهو من أصابته جائحة بعد أن كان غنيًا واجتاحت ماله مصيبة، فأصبح لا شيء عنده، فاحتاج إلى من يعينه، فسأل الناس أن يعينوه فأعانوه إلى أن صلح حاله، فلا يسأل بعد ذلك.\nقال: (ورجل أصابته فاقة -أي: فقر- حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة فحلت له المسألة).\nوهذا الثالث، وهو من أصابته فاقة، وكأنه كان غنيًا؛ لأن الفقير لا يحتاج أن يشهد له أحد، فهو معروف أنه فقير، ولكن هذا كان غنيًا وبين يوم وليلة افتقر وسأل الناس، فشك الناس فيه، فأتى بثلاثة من ذوي الحجا يقولون: لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش أو سدادًا من عيش.\nقال: (فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتًا)، فسؤال الناس أموالهم تكثرًا من السحت الذي يأكله الإنسان سحتًا.","vol":"37","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-418>من هو المسكين</span>\nآخر حديث في هذا الباب حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ: (ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان)، وإن كان هذا مسكينًا لكن ليس هو المسكين المطلوب؛ لأنه لا يستحي أن يمد يديه إلى الناس، فيسأل هذا وهذا.\nقال: (ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس).\nفمن لا يقدر أن يعمل، ولا يعرف أحد أنه فقير مسكين محتاج فهو الذي يبحث عن مثله حتى يعطى من الصدقة، وهذا له فضل عند الله لتعففه، فعلى الإنسان أن يبحث عن مثله ويعطيه.\nنسأل الله ﷿ أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"37","page":18},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-419> جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلع إليه والأكل من عمل يده</span>\nالإسلام يدعو المسلم إلى العمل والحركة، ويزجره عن الكسل والخمول، ولذا جاءت النصوص الكثيرة في الزجر عن سؤال الناس، والحث على الكسب الحلال والتصدق منه والجود، فاليد العليا خير من اليد السفلى.","vol":"38","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-420>جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلع إليه</span>","vol":"38","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-421>ما جاء في جواز الأخذ من غير مسألة والأكل من عمل اليد</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلع إليه.\nعن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عبد الله بن عمر عن عمر ﵃ قال: (كان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني، فقال: خذ، إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه فتموله، فإن شئت كله وإن شئت تصدق به، وما لا فلا تتبعه نفسك.\nقال سالم: فكان عبد الله لا يسأل أحدًا شيئًا ولا يرد شيئًا أعطيه) متفق عليه.\nباب الحث على الأكل من عمل يده والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء.\nقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:١٠].\nوعن الزبير بن العوام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لأن يأخذ أحدكم أحبله ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه) رواه البخاري].\nيذكر الإمام النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلع إليه، وباب الحث على الأكل من عمل يده.","vol":"38","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-422>شرح حديث: (إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه)</span>\nعن عمر يرويه عنه عبد الله بن عمر ابنه، ويرويه عن عبد الله ابنه سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله ﵎ عن الجميع.\nيقول عمر: (كان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني)، يعطيه من الأموال التي تأتي النبي ﷺ من مغانم الفيء ونحو ذلك، فكان يقسمها على ما أمر الله ﵎ به في الغنائم، قال الله سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ [الأنفال:٤١] الآية.\nفذكر أن الخمس يصرف في هذه المصارف، والأربعة الأخماس تكون للغانمين المجاهدين في سبيل الله ﵎، وإذا كان المال فيئًا فقال الله سبحانه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر:٧].\nفكان النبي ﷺ يقسم هذا المال بحسب ما أمر الله سبحانه ﵎ به، فكان يقسم على المؤمنين بحسب ما أعطاه الله سبحانه، قد يعطي الجميع، وقد يعطي الأكثر، وقد يعطي البعض بحسب المال.\nقال عمر ﵁: (كان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء)، كأنه تكرر هذا الشيء من النبي ﷺ أن يعطيه، (فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني) يعني يوجد من هو أفقر مني، وأحوج مني لهذا المال.\nفلما تكرر هذا من عمر ﵁ علمه النبي ﷺ فقال: (خذه، إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه).\nالمشرف: أن يتطلع إليه يريده، والسائل: الطالب، فالمشرف أن يكون في نفسه يريد أن يأخذ هذا المال ولكن لا يسأل، وقد يريد الإنسان ويطلب ويسأل، وعمر لا هذا ولا هذا، لا سأل النبي ﷺ ولا استشرفت نفسه هذا المال.\nفقال له النبي ﷺ: (إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه فتموله)، العطاء هو الذي يعطاه الإنسان، وقد كان النبي ﷺ يعطي، ومن بعده الخلفاء الراشدون كانوا يعطون الأموال من المغانم والفيء وغير ذلك أعطيات.\nوكان عمر رضي الله ﵎ عنه في عهده يعطي الناس على حسب تقدمهم في الإسلام وتقدمهم في الهجرة وقربهم من النبي ﷺ وغير ذلك، فجعل كل سنة مرتبًا لكل إنسان منهم حتى عم الخير بفضل الله ﷾ على الجميع.\nفتعلم عمر من النبي ﷺ أنه إذا جاءك من هذا المال شيء فاقبله طالما أنك لم تسأله ولم تستشرف له، فخذ ما آتاك الله ﷾ من بيت المال، وقد أعطى النبي ﷺ لـ عمر من مال الغنائم ومن مال الفيء ونحو ذلك.\nقال: (فخذه فتموله) أي: اتخذه مالًا وانتفع به.\n(فإن شئت كله وإن شئت تصدق به) فالنبي ﷺ أعطى عمر ولا يرد عطاء النبي ﷺ، وكذلك ما أعطاك الخلفاء من بيت المال فخذه وتموله إن احتجت إليه، وإن لم تحتج إليه فاقبله وأعطه للفقراء، فيجري الله ﷿ على يدك الخير، ولا تمتنع من هذا المال طالما أنك لم تسأله، ولكن إما أن تنتفع به إذا كنت محتاجًا أو تعطيه لغيرك.\nوهذا أدب عظيم علمه النبي ﷺ لـ عمر ولغيره، المال الذي من بيت المال حق المسلمين، ما أتى من أجل أن يدخر في بيت المال، ويمكث عند النبي ﷺ أو عند الخلفاء من بعده، بل يوزع هذا المال بحسب ما يريه الله ﵎.\nولو أنه أعطى هذا المال لـ عمر وقال عمر: لا أريد، فغيره من الناس أيضًا سيقولون: لا نريد، وعمر ما هو مستشرف ولا متطلع ولا سائل، ولكن غيره قد يكون مستشرفًا لهذا المال.\nوعمر أخلص في رفضه لله سبحانه، ولعل غيره لا يخلص في رفضه لهذا الشيء، وسيفتح على الناس باب شر، فيقول أحدهم: لا أريد؛ حياءً من الناس، وهو يريده ومحتاج إليه، فيأتي من الباب الخلفي، وإذا لم يكن عنده دين يسرق من أموال الناس، فأغلق النبي ﷺ هذا الباب، فإذا رأيت أنك محتاج فأعطيتك فخذ، فإن كنت غير محتاج فأعطه لمن ترى أنت، ولكن اقبل المال بحيث أن غيرك لا يستحي أن يأخذ حقه من بيت المال.\nفتعلم عمر ﵁ هذا، فأخذ هذا المال، وكان يعطي من هذا المال بعد ذلك لأصحاب النبي ﷺ لما تولى الخلافة، وقسم الناس حسب مراتبهم في الإسلام ومراتبهم في الهجرة ومراتبهم من النبي ﷺ.\nوكان حكيم بن حزام يرفض أن يأخذ المال منه، فكان يشهد عليه الناس ويذكر ما حدث بينه وبين النبي ﷺ في هذا الأثر، ويقول: اشهدوا أن حكيمًا لا يريد أن يأخذ المال الذي هو حقه من بيت مال المسلمين.\nوفي رواية لهذا الحديث أن النبي ﷺ قال: (فإن شئت كله وإن شئت تصدق به، وما لا فلا تتبعه نفسك)، أي: إذا لم تأخذ لحاجة فلا تطمع في شيء، فإذا آتاك الله ﷿ المال فخذ ما آتاك الله سبحانه.\nقال سالم بن عبد الله: فكان عبد الله لا يسأل أحدًا شيئًا.\nانتفع عبد الله بن عمر بما سمع من أبيه رضي الله عن الجميع، قال: (فكان لا يسأل أحدًا شيئًا، ولا يرد شيئًا أعطيه) يعني: ما كان يطلب من الخلفاء شيئًا ولو طلب لأعطوه، فقد كان عبد الله بن عمر محبوبًا رضي الله ﵎ عنه.\nولكنه ما كان يطلب من أحد شيئًا، فإذا أعطاه الخلفاء أو أعطاه أحد على وجه الهدية قبل ذلك، لكن هو لا يطلب، والسبب ما سمعه من حديث النبي ﷺ ذلك، فهو يأخذ المال فينتفع به إما لنفسه وإما أن يتصدق به أو يعطي الناس على وجه الهدية ونحوها.","vol":"38","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-423>الحث على الأكل من عمل اليد</span>","vol":"38","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-424>الأمر بالانتشار للعمل بعد الصلاة</span>\nذكر المؤلف باب الحث على الأكل من عمل يده، والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء.\nوالمسلم يعمل ويتكسب ويعلم أن أشرف المكاسب ما تعب فيه وكد وكدح، وجاءه المكسب ولو كان قليلًا، ولكنه يفرح بهذا الشيء، فله أجره عند الله؛ لأنه يتعفف ولا يسأل أحدًا من الناس، ولأنه يقوت أهله وعياله، ولو ترك ذلك لأثم، وكفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول، فإذا كان الإنسان يكتسب حتى لا يقع في هذا الإثم فهو مأجور عند الله ﷾.\nجاء في القرآن في سورة الجمعة قول الله ﷿: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:١٠].\nيوم الجمعة يوم عيد، فإذا صليت الجمعة وأديت ما عليك، فاذهب وابتغ من فضل الله بالعمل، أو بالصناعة أو بالتجارة، ما طلب منك ربنا أنك تقعد يوم الجمعة في البيت، وأن تستريح في الجمعة أو في غيرها، ولكن الله ﷿ أمرك أن تكتسب، فابتغ من فضل الله سبحانه، وإذا أديت الفرض فأنت حر في أن تستريح أو تعمل، ولكن لا تمد يدك للناس وأنت قادر على أن تعمل وتتكسب.","vol":"38","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-425>شرح حديث: (لأن يأخذ أحدكم أحبله ثم يأتي الجبل فيحتطب)</span>\nقال النبي ﷺ: (لأن يأخذ أحدكم أحبله ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها؛ فيكف بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه).\nالصحابة ما كانوا حطابين، ومهنة جمع الحطب من أقل المهن، ولكن مهما كانت فهي أفضل من أن يسأل الإنسان غيره، فالصحابة منهم التجار ومنهم الزراع، وأهل المدينة كانوا متعودين على الزراعة، والمهاجرون كانوا متعودين على التجارة، ولكن لا يقعد الإنسان من غير عمل.\nالنبي ﷺ يعلم المسلم ألا يسأل أحدًا شيئًا، فيقول: خذ حبلًا على كتفك واذهب إلى الجبل فاحتطب من هناك، ثم بع هذا الحطب للناس، فتنتفع بهذا الشيء فتتكسب وتؤجر على ذلك.\nقال ﷺ: (فيبيعها فيكف بها وجهه)، سيبيع ويكسب ويكف الله ﷿ وجهه بذلك ويكتفي ولا يسأل أحدًا شيئًا، فهذا خير له وأفضل له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه.\nسؤال الناس فيه ذل، حتى لو أعطوك فتوجد منة من الذي أعطاك، فالأفضل أن لا يسأل أحدًا.\nقال هنا: (خير له)، السؤال لا خير فيه إلا للمحتاج أو المضطر، أما غير ذلك فسؤال الناس لا خير فيه.\nفالخير للإنسان أن يكتسب بنفسه ويتعب نفسه، فعلينا أن نكسب المال الحلال من وجهه، ما ننتظر المال الحرام، وما ننتظر أن ينزل الله علينا رزقًا من السماء، ولكن نبحث عن ذلك ونمشي في الأرض وننتشر فيها ونأكل من رزق الله ونبحث عن فضل الله سبحانه.\nوالإنسان لا يستكبر عن عمل مهما كان هذا العمل، وكثير من الشباب يبحثون عن أعمال وإذا وجد عملًا قال: هذا العمل لا يناسبني! جلوسك في البيت أذل لك من عمل لا يناسبك، ابحث عن العمل الحلال ولو كان من أقل الأعمال، طالما أنك تكف به نفسك عن سؤال الناس، فهذا خير لك وأفضل لك، حتى ولو كانت الأجرة فيه قليلة، ولو علم الله ﷿ في قلبك الخير لأعطاك الكثير بعد ذلك لصبرك وتعففك عن سؤال الناس، فيجب على الإنسان المسلم أن يبحث عن الرزق الحلال من وجهه، ولا يقعد في البيت ينتظر من يصرف عليه، ولا يقعد في البيت وينتظر إنسانًا يعطيه مالًا يقرضه، وليس عنده ما يسدد به هذا القرض! جاء شابان إلى النبي ﷺ يسألانه فنظر إليهما، فوجدهما شابين جلدين، فقال: (إن شئتما أعطيتكما، واعلما أنه لا حظ في هذا المال لغني ولا لذي مرة سوي).\nيعني: سأعطيكما من هذا المال إذا كنتما محتاجين أو مضطرين، لكن: (لا حظ في هذا المال لغني).\nوقد يقولان: نحن فقراء ما عندنا فقال: (ولا لذي مرة سوي)، فالشاب القوي الذي فيه جلد وفيه قوة لا حظ له في مال الصدقة ولا حظ له في مال الزكاة.\nفلا تأخذ مالًا لا تستحقه، واسع في طلب الرزق واعمل، وبفضل الله يرزقك سبحانه: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ﴾ [الأنفال:٧٠].\nوعن أبي هريرة ﵁ هنا قال: قال رسول الله ﷺ: (لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره)، لن يأخذ معه حمارًا ولا حصانًا يحمله عليه، بل سيحمله على ظهره (خير له من أن يسأل أحدًا فيعطيه أو يمنعه).\nفالأفضل للإنسان أن يتعب في طلب الرزق، وهذا أفضل من أن تمد يدك لإنسان فيقول لك: ما عندي، فاذهب واعمل فأنت قوي تقدر على أن تعمل، ولا تمد يدك إلى أحد من الخلق، ومد يدك إلى الله الذي يرزق سبحانه.","vol":"38","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-426>شرح حديث: (كان داود لا يأكل إلا من عمل يده)</span>\nفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال النبي ﷺ: (كان داود ﵇ لا يأكل إلا من عمل يده)، داود كان ملكًا، ومع هذا كان يأكل من عمل يده! وغيره من الأنبياء كانوا يعملون، ولكن ذكر النبي ﷺ لنا هنا داود لأن العادة أن الملوك لا يشتغلون بالكسب، وعندما يذكرون عنه أنه يصنع الدروع قد يظن أن المقصود أن الأتباع هم الذين كانوا يصنعون السوابغ، يعني الزرود والدروع؛ فلأنه ملك فقد كان الذين حوله هم الذين يصنعون، لكن النبي ﷺ يذكر الشيء على حقيقته، فأخبر أن داود كان لا يأكل إلا من عمل يده، فيعمل ﵊ وهو ملك من الملوك، ملكه الله ﷿ على بني إسرائيل ومع ذلك كان يصنع الزرود، أي: يصنع القمصان من الحديد ليلبسها المجاهدون ويبيعها ويأكل من هذه الصنعة.\nوعن أبي هريرة عن النبي ﷺ كما في صحيح مسلم قال: (كان زكريا ﵇ نجارًا).\nوجاء في المستدرك بإسناد واه كما ذكر الحافظ ابن حجر قال: (كان داود زرادًا) يعني يصنع الزرود، وربنا قال له: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [سبأ:١١]، علمه الله ﷿ صنع القميص الذي من حلق حديدية، حلقة وحلقة وبينهما مسمار يربط الحلقيتن، فيقدر المسمار على قدر الحلقة، ويصنع حلقة يضمها إلى الأخرى حتى يكون قميصًا يقدر الإنسان أن يتحرك فيه ويحميه من السهام.\nقال: (وكان آدم حراثًا) كان آدم يزرع ويأكل مما زرعه ﵊.\nقال: (وكان نوح نجارًا) فعلم النجارة وكان لا يعلم شيئًا عن صناعة السفن، فأوحى إليه ربه سبحانه أن يصنع السفينة.\nقال: (وكان إدريس ﵊ خياطًا، وكان موسى راعيًا) وكون موسى راعيًا هذا مذكور في القرآن، حيث استؤجر ثمان سنوات أو عشر سنوات ليعمل بالرعي مقابل أن يتزوج ﵊.\nوالغرض أن الأنبياء كانوا يعملون، ونبينا عليه ﷺ عمل قبل ما يوحى إليه، فقد رعى الغنم ﷺ، وما من نبي إلا ورعى الغنم، وكذلك تاجر مع السيدة خديجة رضي الله ﵎ عنها، فتاجر وكسب وربح مالًا كثيرًا صلوات الله وسلامه عليه.\nوبعدما أوحي إليه صلوات الله وسلامه عليه وهاجر وفرض الجهاد جعل الله للنبي ﷺ أعظم المكسب، فقال: (وجعل رزقي تحت ظل رمحي)، يعني الجهاد في سبيل الله ﷾، فرزقه كان من المغانم، وما كان يأخذها ويستأثر بها على المسلمين وإنما كان له الخمس من المغانم، فالمغنم يقسم أخماسًا كما في الآية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال:٤١]، لله وللرسول قسم واحد من خمسة أقسام: ﴿لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال:٤١] فعددهم ستة لكن الحقيقة أنهم يقسمون خمسة أقسام، فقسم للنبي ﷺ وهو خمس الخمس، وكان هذا رزقه ﵊، وكان له خمس الفيء كاملًا، فجعل الله رزقه تحت ظل رمحه كما قال ﷺ.","vol":"38","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-427>شرح حديث: (ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده)</span>\nعن المقدام بن معد يكرب رضي الله ﵎ عنه عن النبي ﷺ قال: (ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده).\nخير الطعام وأفضل الطعام الذي تأكله مما كسبته بعرق جبينك، أحل المال الذي تأكله وأشهى الطعام وأفضل وأطهر الطعام وأطيب الطعام الذي تعبت أنت فاكتسبته بتعبك وعرق جبينك.\nقد يأكل الإنسان من هدية، قد يأكل الإنسان من صدقة، قد يأكل الإنسان من طعام فلان، ولكن طعامك الذي اكتسبته بمالك وتعبت فيه واجتهدت فيه هذا أحل الطعام لك وأفضل الطعام لك.\nقال: (وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده).","vol":"38","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-428>الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير</span>","vol":"38","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-429>إخلاف الله تعالى على المنفقين</span>\nذكر المصنف باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى.\nالثقة بالله عظيمة، المؤمن واثق في الله، ووعد الله حق، لا يخلف الله الميعاد، فإذا قال: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩] فيقينًا أنه يخلفه ﷾، والمسلم يعتقد ذلك يقينًا ويقسم على ذلك، فإن الله ﷿ هو الذي وعد بذلك، والله لا يخلف الموعد أبدًا.\nفهنا في هذه الآية قال سبحانه: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩] فأنفق ولا تخف فربنا سيخلف غيره، على شرط ألا يكون في الإنفاق سرف أو يكون الإنفاق في غير محله، فما كان واجبًا عليك فأخرجه، ولا تنظر للنافلة وتترك الفرض الذي عليك! لا يجوز للإنسان الذي عليه زكاة مال أن يقول: أخرج صدقة بدل زكاة المال، فزكاة المال فرض عليك، فأخرج أولًا زكاة المال، ثم بعد ذلك أنت حر فتصدق أو لا تتصدق، ولكن الزكاة فرض عليك، والإنسان يجب عليه أن ينفق على عياله ولا يترك عياله جائعين وليس عندهم كسوة، ويصرف على إنسان غريب وعياله يحتاجون إلى ذلك، فأهل البيت أولى.\nالنبي ﷺ قال: (ابدأ بنفسك، وابدأ بمن تعول)، فتبدأ بنفسك وتبدأ بأقاربك الذين تعولهم ثم بعد ذلك أعط الغريب، ولذلك النفقة على القريب فيها أجران، صلة وصدقة، والنفقة على الغريب صدقة فقط، فالنفقة على القريب أعظم أجرًا منها على الغريب.\nقال سبحانه: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٢].\n(وما تنفقوا) يعني: مهما أنفقتم من النفقات في خير: (فلأنفسكم) يعني: نفعها لأنفسكم.\nوقال الله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧].\nالإنسان الذي ينحر الذبائح في الهدي وفي الضحية وغيرها هل ربنا سيستفيد منها شيئًا؟ ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا﴾ [الحج:٣٧] لن ينال الله ﷾ هذه اللحوم، ولن يأكلها، ولن ينتفع بذلك حاشا لله سبحانه، ولكن ما هو الذي يصل إلى الله؟ الذي يصل إلى الله التقوى، يرفع إليه العمل الصالح، التقوى ترفع إليه لتؤجروا أنتم على هذه التقوى من فضل الله سبحانه.\nوهنا قال: ﴿وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٧٢].\nيعني الأصل أنك لا تنفق نفقة إلا وأنت مستحضر أن هذه لله ليست رياءً ولا سمعة، ليس لأن يقول الناس فلان أنفق أو يلقبوه بالجواد والمنفق، ولكن ينفق ليبتغي وجه الله سبحانه: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٢٧٢].\nسيعطيك الله على الشيء الذي أنفقته عشرة أضعافه، بل لو لم تنفق أخذت مثله، أنت نويت النفقة ثم بدا لك أنك محتاج لهذا المال، أو بعدما جئت لتتصدق تذكرت أن عليك دينًا وقضاء الدين أفضل، فلم تنفقه وأرجعت المال إلى جيبك، فالله ﷿ يؤجرك وكأنك أنفقت هذا المال! انظر إلى كرم ربك ﷾، أنت لم تفعل وأعطاك الأجر كأنك فعلت، فالله يوفي لك المكيال، يعطيك ليس مثل الذي أنت عملته فقط، بل أوفى وأوفى وأفضل.\n(وأنتم لا تظلمون) يعني: والحال أنكم لا تظلمون من الله ﷿.\nوقال تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٧٣] فإذا علم ذلك فهو يخلف عليك ويؤجرك عليه.","vol":"38","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-430>فضل التنافس في الإنفاق</span>\nفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها).\nالحسد هنا الغبطة، والمعنى: أنك تراه ينفق فتتمنى في نفسك وتقول: يا ليتني مثله، فما الفرق بين الغبطة والحسد؟ الحسد الذي ذكره النبي ﷺ هنا المقصود به الغبطة، أن تغبطه وتود أن لك مثله، لكن الحسد الحقيقي هو تمني زوال النعمة، مثل إنسان يرى في يد الإنسان مالًا فيتمنى أن يسرق هذا المال منه، ويتمنى أن هذا المال يضيع منه من أجل أن يبقى مثله.\nوشر الحاسد على نفسه وعلى غيره أيضًا، ولعله يكون سببًا في زوال نعمة الغير بسبب عينه، فالإنسان الحاسد يستشعر أنه مظلوم، ولذلك يقولون: ما رأينا ظالمًا أشبه بالمظلوم من الحاسد، هو ظالم ويتشبه بالمظلوم؛ لأنه لا يعجبه أن الله أعطى فلانًا وما أعطاه، فالحاسد متسخط على ربه سبحانه، متسخط على أقدار الله سبحانه، يقول: لماذا أعطى فلانًا وما أعطاني أنا؟ فيتمنى زوال نعمة الغير.\nوهنا يقصد النبي ﷺ بالحسد الغبطة، فلا مانع من أن المسلم يجد من هو أفضل منه ويقول: يا ليتني أكون مثل هذا الإنسان.\nفالحسد بمعنى الغبطة يكون في أمرين، قال: (لا حسد إلا في اثنتين)، فإذا كنت فعلًا تحسد أحد بمعنى تغتبط فيه وتتمنى مثله فليكن في هذين الأمرين وهما: (رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق)، كان غنيًا فسلط ماله بالتصرف في الحق، يخرجه للفقراء وللمساكين، ولا يضيع حق نفسه وحق بيته، فينفق بالقدر الذي يرضي به ربه ﷾، فالله ﷿ آتاك المال لتخرجه وليس من أجل أن تكنزه حتى تموت وتتركه لغيرك! جعل الله المال لتنفق منه في سبيل الله ﷿ وفي وجوه الخير، فهذا الإنسان ينفق بالعدل، ينفق بالإحسان، يعطي ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والفقراء وغيرهم، فهذا لك أن تقول: يا ليتني مثل فلان، يا ليت ربنا أعطاني حتى أكون مثله، وهذا الإنسان لا يحرمه ربه أبدًا من فضله ومن كرمه، هذا الغني الذي يعرف حق الله ويعطي من غير رياء ولا سمعة، فهذا لا يضيعه الله ﷿، بل يزيد له من فضله ومن كرمه سبحانه.\nوالآخر: (رجل آتاه الله حكمة)، تعلم العلم الشرعي، فالحكمة تطلق على معان منها أن يضع الشيء في موضعه، فالحكيم يفكر بالعقل وعنده قلب وفيه لب.\nوتطلق الحكمة بمعنى سنة النبي ﷺ، والحكمة بمعنى الإصابة في الدين.\nفهذا رجل أعطاه الله ﷿ علمًا في الكتاب وعلمًا في سنة النبي ﷺ، وأعطاه الحكم الصواب في الأشياء فهذا حكيم، فهو يقضي بها ويعلمها.\nقال: (رجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها) يعني أفعاله مبنية على الحكمة، لا يخالف قوله عمله، ولا يخالف عمله علمه، ولكن يعمل بما علم، آتاه الله حكمة فهو يقضي بها في أفعاله وفي قضائه ويعلمها للناس، هذا الذي يستحق أن يقول الإنسان: يا ليتني مثله.","vol":"38","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-431>ليس مال للمرء إلا ما أنفقه لله تعالى</span>\nعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: يا رسول الله! ما منا أحد إلا ماله أحب إليه، قال: فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر) رواه البخاري.\nالصحابة أهل صدق وأهل عدل، وجوابهم جواب صدق، وربما لو سئل غيرهم: هل مالك أحب إليك أو مال الورثة؟ سيقول: مال الورثة، أترك لهم فلوسًا حتى لا يضيعوا، لكن الصحابة عرفوا أن المال اختبار وامتحان من الله ﷿.\nالمال في يدك وأنت تتصرف في هذا المال: فالإنسان إما أن ينفقه في الحق ويبقى له الأجر والثواب عند الله ﷿، وإما أن ينفقه في الباطل فعليه الإثم، وإما أن يدخره وهذا المدخر إما أن يؤدي زكاة ماله أو لا يؤديها، فإذا أدى زكاة ماله انتفع بقدر هذه الزكاة الواجبة عليه، والباقي لم ينتفع به شيئًا، وإذا أخرج من هذا الباقي فأعطى في الحقوق فالله ينمي هذا بإعطائه.\nفالإنفاق خير للإنسان من أن يترك المال للوارث، فلما سألهم النبي ﷺ من مال الوارث أحب إليه من ماله؟ يعني: أن ربنا يرزقه مالًا فيجمعه لورثته ويحرم نفسه منه حتى يموت ولم ينتفع بهذا المال ويتركه للوارث! فقالوا: مالنا أحب إلينا من مال الوارث، فنحن نتحكم به ونحكم به ونعطي ونمنع؛ فقالوا هذا لأنهم أهل صدق وأهل إنفاق رضوان الله ﵎ عليهم، والمآثر التي تكون عند الله ﷿ لن تكون إلا بالبذل: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١].\nفقال ﷺ: (فإن ماله ما قدم)، حقيقة مالك ما قدمته لله سبحانه فادخرته عنده بالإنفاق في وجوه الخير.\nقال: (ومال الوارث ما أخرت)، الذي ادخره في الدنيا لن ينتفع به يوم القيامة، وهذا يكون للوارث وليس لك أنت.","vol":"38","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-432>فضل التصدق ولو بشق تمرة</span>\nوفي الصحيحين عن عدي بن حاتم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اتقوا النار ولو بشق تمرة).\nيعني لا تستقل الصدقة، وإذا عودت نفسك على الإنفاق ولو بأقل الأشياء يكون لك عند الله ﷿ أجر عظيم يوم القيامة، فإذا أعطيت هذا الإنسان تمرة، وأعطيت الآخر شق تمرة، وأعطيت للثالث مثلها، وأنت لم تحتقر هذا الشيء ولكن جدت بالموجود، فهذا خير من المنع.\nوقد كان الصحابة رضوان الله عليهم منهم من ينفق الكثير جدًا، ومنهم من ينفق القليل بحسب ما أعطاه الله سبحانه ﵎، فهنا قال النبي ﷺ: (اتقوا النار) يعني تتقيها بالقليل وبالكثير، ولو بأقل القليل، ولو بشق تمرة!","vol":"38","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-433>جود النبي ﷺ</span>\nوفي الصحيحين عن جابر ﵁ قال: (ما سئل رسول الله ﷺ شيئًا قط فقال: لا).\nانظروا إلى كرم النبي ﷺ: فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح قال الله عن النبي ﷺ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] لا يمكن أن تكون مثله ﷺ، فالنبي ﷺ معصوم قد كمله الله فكان أكمل خلق الله، خلقًا وخلقًا، ولكن يتشبه الإنسان به.\n(فما سئل شيئًا قط فقال: لا)، عادته الكرم ﷺ، فالذي يطلب منه شيئًا يعطيه ﷺ، حتى ولو كان الشيء الذي يرتديه، كما في قصة المرأة التي نسجت للنبي ﷺ إزارًا وكان محتاجًا إليه، فإزاره كان قد تمزق، ومع ذلك يقول له رجل: (اكسنيه يا رسول الله! فقال: نعم، ورجع إلى بيته وخلعه ولبس القديم وأعطى الرجل هذا الجديد).\nما كان يمنع أحدًا شيئًا صلوات الله وسلامه عليه، فعلينا ألا نبخل، كثير منا يقول: أهلي أولى بمالي، وأنا محتاج لهذا الشيء، وليس مطلوبًا منك مالك كله، ولكن تشبه بالنبي ﷺ بأن تعطي لله سبحانه ﵎ الواجب، وتعطي أيضًا من المستحب حتى يكون لك عند الله ﷿ الأجر، ولا تكن صعبًا فالإنسان إذا أعطى فهذا خير.\nوإذا لم يعط فقال الله: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء:٢٨]، فترد السائل بالكلمة الطيبة، تقول مثلًا: إن شاء الله ربنا يعطيك، وإذا ربنا أعطاني أعطيك، ربنا يرزقنا ويرزقك، كلمة طيبة أفضل من أن تطرده منتهرًا له، أو تقول: ما معي، ففرق بين إنسان يقول قولًا كريمًا ميسورًا وبين من لا يعطي وينهر السائل.","vol":"38","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-434>دعاء الملائكة للمنفقين</span>\nفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا).\nكل يوم في الصبح ينزل ملكان من عند الله ﷿، عملهم هذا الدعاء، ودعاء الملائكة مستجاب عند رب العالمين سبحانه.\nيقول أحدهما: (اللهم أعط منفقًا خلفًا) يعني: الذين ينفق أعطه، خلفًا مكان الذي أنفقه، والله يعطي ويزيد سبحانه بكرمه وبفضله.\nوالآخر يدعو على البخيل الشحيح: (اللهم أعط ممسكًا تلفًا) إذا استحضر المؤمن ذلك ووجد عنده فضل، فمن كان ذا فضل فليعد بفضل زاده على من لا زاد له، فالذي عنده من فضل الله سبحانه فليعط ولو الشيء اليسير.\nنسأل الله ﷿ أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"38","page":16},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-435> الكرم والجود والإنفاق في سبيل الله ثقة في الله</span>\nحث الإسلام على الكرم والجود والإنفاق في سبيل الله، والعبد حين ينفق ماله ابتغاء مرضاة الله يثق أن الله لن يضيع ما أنفقه بل يضاعفه له أضعافًا كثيرة، والإنفاق من مال الله سبب في نجاة صاحبه من النار","vol":"39","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-436>ثقة المسلم بما عند الله</span>\nالحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد: قال الإمام النووي ﵀: [باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى].\nقال الله تعالى: «وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ» [سبأ:٣٩].\nوقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٢].\nوروى مسلم عن أبي إمامة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: (يا ابن آدم! إنك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى).\nرواه مسلم.\nوعن أنس ﵁ قال: (ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، ولقد جاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم! أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يلبث إلا يسيرًا حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها) رواه مسلم].\nالمؤمن واثق في أن الرزق بيد الله سبحانه، ولا يزيد الرزق حرص حريص عليه، ولا يقلل من الرزق أن الإنسان يتركه ويتهاون في شيء، فكله مكتوب عند الله، يأتي الإنسان رزقه المقسوم من حيث سعى إليه، أو من حيث لم يسع إليه، والله يقتر على الإنسان كسبه بصورة معينة فيضيق عليه، ويفتح ويبسط لإنسان آخر، والله يفعل ما يشاء.\nفالمسلم يثق في الله سبحانه، وأنه بيده الخير سبحانه ﵎، وأنه يعطي بقوله: كن فيكون، قال الله ﷾: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].\nوإذا أنفق المؤمن فإنه واثق في أن الله يخلفه خيرًا مما أنفقه، قال تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٢].\nوقال: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٧٣].\nوقال: ﴿وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٧٢] والإنسان المسلم إذا أنفق ابتغاء وجه الله سبحانه، فإن الله يعطيه أفضل مما أعطى لله ﵎.\nومن الأحاديث التي جاءت في هذا المعنى قول النبي ﷺ: (يا ابن آدم! إنك إن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شر لك) فـ (أن والفعل بعدها) مصدر، ومعناه: بذلك الخير خير لك، وإمساكك الفضل والخير شر لك.\nفإذا كان عندك فضل من طعام فعد به على من لا طعام عنده، ولا ترم به إلى القمامة، ولم يأمرك النبي ﷺ أن تنفق قوتك وقوت عيالك، وإنما تبذل الفضل.\nوجاء في القرآن قول الله ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة:٢١٩] أي: الزائد عن حاجتك، فإذا أنفقت من هذا الزائد، فلك الأجر عند الله، ولك الوعد من الله أنه يزيد هذا المال، ويعطيك خيرًا من هذا المال في الدنيا والآخرة، فينمي لك المال ببركة إنفاقك، ويثيبك الجنة في الآخرة.\nوقوله ﷺ: (ولا تلام على كفاف) أي: إذا كان دخلك على قدر الواجبات من نفقتك، فلن يلومك الله ﷿ على أنك لم تتصدق، فهو لم يعطك ما تتصدق به.\nوقوله ﷺ: (وابدأ بمن تعول) هنا يعلمنا أدب الإنفاق وهو أن المسلم لا يترك الواجب عليه وينتقل إلى النافلة، ولكن يبدأ بالفرض الذي عليه، وهو أن يطعم نفسه ثم أولاده ثم زوجته ثم أباه ثم أمه، ثم يخرج الفضل بعد ذلك لمن أمره الله ﷿ أن يخرج إليهم.\nوقوله ﷺ: (واليد العليا) وهي يد المعطي كما جاء في الحديث الآخر، فهي خير من اليد السفلى، وهنا تشجيع للمسلمين على الإنفاق، سواء كان عندهم مال كثير أو قليل، فالجميع ينفقون؛ فهنا الإشارة جميلة في آخر الحديث: (اليد العليا خير من اليد السفلى) فمن من الناس يقول: لا، أنا يدي تصبح شرًا، يدي تكون أقل من غيري، وغيري أحسن مني عند الله ﷿، فأنا أنفق.\nفتنفق، فتكون يدك اليد العليا خيرًا من يد الإنسان الذي يتكفف ويسأل الناس.","vol":"39","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-437>إنفاق رسول الله وجوده ثقة بالله</span>","vol":"39","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-438>شرح حديث أنس: (ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئًا إلا أعطاه)</span>\nمن الأحاديث ما رواه مسلم عن أنس رضي الله ﵎ عنه، قال: (ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئًا إلا أعطاه).\nوهذا من أجل أن يتألف الناس على الإسلام، فيأتي الإنسان يقول: إما أن تعطيني وأسلم، وإذا لم تعطني لن أسلم، فالنبي ﷺ كان يعطيه.\nوقد علم الناس أن الإنسان الذي يهديه الله ﷿ على يده خير له عند الله من الدنيا وما فيها، قال النبي ﷺ: (لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا، خير لك مما طلعت عليه الشمس) فهذا الإنسان لولم يعطه شيئًا وطلب منه أن يسلم إخلاصًا لله ﷿ فإنه قد لا يسلم، ولعله يسلم في يوم من الأيام، ولكن يكون قد خسر أيامًا كثيرة كان فيها على الكفر، ولا ندري ما الذي يصنعه في هذه الأيام.\nوهذا الإنسان لو تؤلف على الإسلام، ودخل في دين الله ﷿ وصلى رياءً؛ لأنه أخذ مالًا على ذلك، ولكن كلما دخل الإنسان في الدين فإن الإيمان إذا دخل القلب انفسح وانشرح، فينشرح قلبه لهذا الدين، ويصبح إسلامه حبًا في الله وفي رسول الله ﷺ وفي دين الله.\nوهذا الذي حصل مع كل الذين أسلموا، وتألفهم النبي ﷺ في البداية.\nفالرجل الذي أعطاه النبي ﷺ غنمًا بين جبلين من أجل أن يسلم، وفرح الرجل ودخل في الإسلام، وأخذ الأغنام، وذهب إلى قومه، وأخبرهم بأن يدخلوا في الإسلام، فإن محمدًا ﷺ يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، أي: لا يخاف الفقر.\nفالرجل الذي لا يريد من إسلامه إلا الدنيا، فيعطيه النبي ﷺ، فما يلبث إلا يسيرًا حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها.\nفينتظم مع النبي ﷺ في صلاته، ويسمع منه المواعظ، ويحتك بالمسلمين، فيعرف المحبة في الله سبحانه، وينسى أنه دخل من أجل أن يأخذ المال، ويكون الإسلام بعد ذلك أحب إليه من أي شيء.","vol":"39","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-439>شرح حديث: (إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني ولست بباخل)</span>\nوروى مسلم عن عمر ﵁، قال: (قسم رسول الله ﷺ قسمًا -أي: وزع غنيمة أو نحوها- فقلت: يا رسول الله! لغير هؤلاء كانوا أحق به منهم).\nأي: أن عمر ﵁ كانت له نظرة أخرى، فقد رأى أن الذين أعطاهم النبي ﷺ لا يستحقون وغيرهم أولى منهم، فإنهم فقراء ومؤمنون، والذين أعطاهم إيمانهم ضعيف.\nقال: (إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش، أو يبخلوني، ولست بباخل).\nأي: أن إيمان هؤلاء ضعيف، والله ﷿ أبى للنبي ﷺ البخل، وأوحى إليه أن ينفق، فإما أن يعطيهم، وإما أن يقولوا له بأنه بخيل، ولو قالوا له إنه بخيل، فقد فسقوا بذلك، وقد يكفرون لأنهم يشنعون على النبي ﷺ.\nفلو أن مسلمًا سب النبي ﷺ كفر، فهو أرحم بهم من أنفسهم صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"39","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-440>شرح حديث: (لو كان لي عدد هذه العضاة نعمًا لقسمته بينكم)</span>\nوأيضًا ما رواه البخاري عن جبير بن مطعم ﵁ قال: بينما هو يسير مع النبي ﷺ مقفله من حنين، أي: مرجعه من غزوة حنين سنة ثمان من هجرة النبي ﷺ بعد فتح مكة، وقد غنم جيش المسلمين مغانم كثيرة، ولكن مع ذلك كان يود النبي ﷺ إسلام القوم فيرد عليهم المغانم، لكنهم لم يسلموا إلا بعد تقسيم الغنائم، ومع ذلك رد نصيبه من القسمة.\nقال: فعلقه الأعراب يسألونه، أي: أن الصحابة كانوا يستحيون منه، وإن كانوا يريدون من هذه الغنائم، أما الأعراب فإن فيهم بجاحة، فتعلقوا بالنبي ﷺ يريدون منه عطاءً؛ (حتى اضطروه إلى سمرة) والسمر: شجر له شوك ويكون في الصحراء، (فخطفت رداءه) فتعلق بأشواك هذه الشجرة، فوقف النبي ﷺ فقال: (أعطوني ردائي، فلو كان لي عدد هذه العضاه نعمًا لقسمته بينكم).\nأي: لو كنت أملك مثل أشواك هذه الشجرة من بهيمة الأنعام كنت قسمته بينكم.\nقال: (ثم لا تجدوني بخيلًا ولا كذابًا ولا جبانًا) وحاشاه صلوات الله وسلامه عليه وهو أكرم الخلق وأصدقهم وأشجعهم أن يكون بخيلًا أو كذابًا أو جبانًا.\nفالنبي ﷺ كان يعطي، ولا يمسك لنفسه شيئًا، فإذا أخذ المغانم التي تخصه أنفق منها على أهل بيته، وعلى أضيافه، وعلى المسلمين أيضًا، وهو القائل ﵊: (ليس لي فيها إلا الخمس، والخمس مردود عليكم)، يعني: لن آخذه وأدخره، بل سأرده عليكم، وهذا كرم منه صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"39","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-441>بيان أن الصدقة لا تنقص المال</span>","vol":"39","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-442>شرح حديث: (ما نقصت صدقة من مال)</span>\nوروى مسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ﷿).\nفهذا وعد من الله سبحانه على لسان النبي ﷺ، أن المال ينمو بالإنفاق، مع أن الأصل أنه ينقص بالإنفاق، فإن الله ﷿ لا يخلف الميعاد أبدا، وإنما العيب منك فقط، فالإنفاق من المال بالزكاة وغيره يزيد المال وينميه.\nبل ذكر في حديث آخر أنه قال: (ثلاث أحلف عليهن) وذكر منها أنه لا ينقص المال من النفقة.\nوقوله ﷺ: (ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزا) فالجزاء من جنس عمل الإنسان، فمن عفا وكان عزيزًا، فالله ﷿ زاده عزًا بهذا الشيء، وقد يعفو الإنسان في أمر ما، فينظر إليه الناس أنه وضع نفسه، لكن الله ﷿ يزيده عزًا بهذا الأمر.\nوقوله ﷺ: (وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ﷿) التواضع يكون لله سبحانه لا للناس، فلا يظهر لهم أنه مستكين ومتواضع، وأنه فيه محبة للمسلمين، وأنه يذل نفسه من أجلهم، لكي يقال عنه إنه متواضع، فلا يكون التواضع إلا في ابتغاء مرضاة الله ﷾، فمن فعل ذلك رفعه الله.\nوالنبي ﷺ علمنا أن نكون من المتواضعين، والتواضع يكون في عدة أمور منها: التواضع في السلام.\nوالتواضع في المناقشة.\nوالتواضع في الأخذ والعطاء.\nوالتواضع في العفو عن الناس.\nوالتواضع في النظر إلى النفس وإلى الغير.\nوالإنسان يكون متواضعًا إذا تكلم مع الغير، فإذا كان من حقه أن يتكلم فإن من حق المستمع إليه أن يستمع لكلامه، وينظر إلى رأي نفسه ورأي غيره، فإن رأيه يحتمل أن يكون صوابًا ويحتمل أن يكون خطأً، وإذا كان اجتهادًا، فإن كان راجعًا إلى نصوص الكتاب والسنة فلا وجه لأن يقال ذلك، لكن إذا كان في ظن من الظنون، فإن عليه أن يتواضع مع غيره، والله ﷿ يقول: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨] أي: بين المؤمنين، والتشاور لن يكون بين مجموعة متنافرين، ولن يكون بين أشخاص وكل منهم معتز برأيه، ومعتد به، إنما تكون الشورى بين أناس وكل شخص منهم يريد أن يسمع إلى رأي الثاني ويضيفه إلى رأيه، فيزداد تنقيحًا لرأيه.\nفالإنسان الذي يتواضع وينظر إلى نفسه أنها مخطئة، وأنه من أصحاب المعاصي، يقوم يعذره في نفسه فيقول: أنا أيضًا أقع في المعاصي، لعل الله يتوب عليه ويصبح أحسن مني، فيذهب إليه لينصحه بمحبة، يحبه أنه مسلم، يكره منه هذه المعصية، يرجو من نصحه أنه يراجع نفسه، ويبتعد عن هذه المعصية، لكن لو نظر للإنسان على أنه عاص، وأنه يذهب إلى النار، وقال: فلان هذا هالك، فلان هذا كذا، قال النبي ﷺ: (من قال هلك الناس فهو أهلكهم) المعنى: أن أهلكه غروره، مغرور، فالذي يرى أن الناس كلهم سيدخلون النار وهو فقط الذي سيدخل الجنة، إذًاَ هذا أهلكهم؛ لأنه إنسان مغرور! اعمل كما فعل النبي ﷺ قال: (إنكم تلجون النار وأنا آخذ بحجزكم) أي: أنا أمسككم من أجل ألا تدخلوا النار، إذًا كن كالنبي ﷺ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في الخوف على أخيك المسلم أن يقع في النار، لا تغتر وتظن في نفسك أنك أهل للصواب، وأنك أهل للجنة، وغيرك أهل للعذاب.\nالإنسان يتواضع لله سبحانه فيجد نفسه من أقل الناس، ومن أضعف الناس، وينظر إلى رأيه على أنه يحتمل الخطأ ويحتمل الصواب، ينظر إلى غيره على أنه لعل هذا الإنسان الضعيف يوفقه ربنا بدعوة هذا الإنسان لي، فلا تستقل أحدًا من الناس.","vol":"39","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-443>شرح حديث: (ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثًا فاحفظوه)</span>\nومن الأحاديث التي في الباب: حديث عمر بن سعد الأنماري ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ثلاثة أقسم عليهن، وأحدثكم حديثًا فاحفظوه: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله عزًا، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر) أو كلمة نحوها.\nفالأمر الأول وهو قوله ﷺ: (ما نقص مال عبد من صدقة) يقسم النبي ﷺ على ذلك وهو الصادق المصدوق من غير أن يحلف، فنحن نصدق كلامه صلوات الله وسلامه عليه، ولكنه أقسم ليؤكد أن إنفاق المال لا يضيع ولا ينقص المال.\nوالأمر الثاني: وهو قوله ﷺ: (ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله عزًا) فهذا العبد يظلم ويصبر على هذا الظلم، وقد يكون قادرًا على الدفع، فله عند الله ﷿ الأجر، لكن الإنسان المؤمن لا يذل نفسه ولا يهينها، فلا يعرض نفسه للبلاء، فإذا جاءه البلاء من الله صبر عليه، بحيث لا يكون هناك تفريط في دين الله سبحانه.\nفالله ﷿ أمر المسلمين بالجهاد في سبيله لإعزاز دينه، فإذا كان الإنسان يتهاون في مصلحة نفسه، ولا يتهاون في أمر دين رب العالمين سبحانه، فهذا هو التواضع.\nوالأمر الثالث وهو قوله ﷺ: (ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر) أي: أنه يمد يديه للناس فيسألهم ويطلب منهم أن يعطوه ويسلفوه ولا يرد لهم السلف، فهذا فتح على نفسه باب الفقر.\nوأعظم الفقر الذي يبتلى به الإنسان وأشنعه فقر النفس، حيث يشعر أنه فقير وأنه لا يجد شيئًا، وقد يكون عنده نقود كثيرة جدًا، ومع ذلك يستشعر أنه محتاج لكل الناس، وإن كان المال الذي عنده كمال قارون، فشعر أنه فقير وأن ماله سيضيع يومًا من الأيام، فيريد مالًا فوقه، وكلما حصل مالًا فتح الله ﷿ عليه أبواب الفقر.\nثم قال ﷺ: (وأحدثكم حديثًا فاحفظوه، إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالًا وعلمًا فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقًا، فهذا بأفضل المنازل) أي: من رزقه الله مالًا وعلمًا فعمل بعلمه في ماله، فهو بأفضل منزلة في الدنيا وفي الآخرة.\nولذلك جاء في الحديث الآخر: (فسلطه على هلكته في الحق) يعني: أنفق هذا المال في صلة الرحم وفي إعطاء الفقراء والمساكين والمحتاجين، أي: أنفق المال في حقوقه.\nثم قال: (وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالًا فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء) أي: هذا الرجل ليس فقيرًا ولكنه عالم، ويتمنى لو أن الله أعطاه مالًا لعمل به كعمل الأول، فهما في الأجر سواء، ويدخلان الجنة وإن كان الفقير يدخل قبل الغني، فهو مثل الغني في أفضل المنازل بنيته الحسنة، وبفقره كان أسرع لدخول الجنة من الغني.\nثم قال: (وعبد رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقا، فهذا بأخبث المنازل) وهذا إنسان جاهل معه مال، وكلما تأتيه مناسبة من المناسبات فإنه ينفق ماله في وجوه الشر والحرام.\nثم قال النبي ﷺ: (وعبد لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.\nأي: أن هذا رجل فقير ونوى لو أن معه مالًا لعمل به المعاصي والفواحش، فإن وزره يكون كوزر من ملك مالًا وعمل به المعاصي.","vol":"39","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-444>شرح حديث عائشة: (بقي كلها غير كتفها)</span>\nومن الأحاديث أيضًا: ما رواه الترمذي عن عائشة ﵂ (أنهم ذبحوا شاةً، فقال النبي ﷺ: ما بقي منها؟ قالت عائشة ﵂: ما بقي منها إلا كتفها -أي: أنهم ذبحوا الشاة ووزعوها للمحتاجين ولم يبق منها إلا الكتف- قال: بقي كلها غير كتفها) أي: الذي تصدق به للفقراء مدخر عند الله ﷾، فهذا الذي بقي عند الله تعالى.","vol":"39","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-445>ذم البخل والحث على الإنفاق</span>","vol":"39","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-446>شرح حديث: (لا تحصي فيحصي الله عليك)</span>\nعن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄، قالت: (قال لي رسول الله ﷺ: لا توكي فيوكى عليك).\nوفي رواية: (أنفقي أو انفحي أو انضحي، ولا تحصي فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك) متفق عليه.\nوأسماء زوجة الزبير رضي الله ﵎ عنهما، وقد كان يعطيها مالًا كثيرًا، فهي تقول: ليس من مال إلا أعطاني إياه الزبير، وكانت تدخر بعضه من أجل البيت، فعلمها النبي ﷺ أن تنفق مما أعطاها الله ﷾.\nوبين لها أن الذي ينفق فإن الله ﷿ ينفق عليه، والذي لا ينفق فيدخر أو يكنز فإنه يعامل بمثل ما يصنع مع الفقراء، فجزاؤه من جنس عمله.\nوالإيكاء: هو ربط فم السقاء أو القربة، وهنا تشبيه للبخيل، فالله تعالى سوف يعامله بهذا الشيء، فلا يعطيه، أو مثلما هو يخرج الشيء القليل فالقليل، فالله يعامله بهذه الصورة أيضًا.\nوقوله ﷺ: (أنفقي أو انفحي، أو انضحي، ولا تحصي فيحصي الله عليك).\nوالإحصاء: هو التقصي في العد والحساب والإنسان الذي يخرج المال للمحتاجين ولا ينظر كم أعطى، فالمعاملة من الرب سبحانه ﵎ معه كذلك، فالله أحق بالجود، فمن كان كريمًا مع الناس كان الله أحق بذلك منه.\nلذلك رأينا الإنسان التاجر إذا ذكره النبي ﷺ وقد جاء يوم القيامة وحاسبه الله سبحانه، فلما سأله: هل عملت خيرًا قط؟ اندهش وتحير فلم يعد يدري ما يقول! فهو لا يذكر شيئًا من الخير، قال: ما عملت خيرًا قط! ثم ذكره الله بشيء يسير بسيط عمله، قال: بلى، أنا تذكرت شيئًا، ما هو هذا الشيء؟ قال: قلت: كنت أعامل الناس في التجارة، أي: في البيع والشراء، فكنت أنظر الموسر، وأتجاوز عن المعسر.\nيعني: عندما يأتي شخص غني يشتري، وأخر الثمن يومين أو ثلاثة، كنت أصبر عليه.\nوكنت أتجاوز عن المعسر، أي: الفقير الذي اشترى ولم يقدر أن يدفع، هنا الجزاء من جنس العمل.\nفكان جواب رب العالمين أن قال: نحن أحق بهذا منك، أي: أنت تجاوزت، فالله ﷿ أحق بالتجاوز منك، فتجاوز عنه وعفا عنه سبحانه ﵎، فهنا جزاؤك حين تنفق لله، أن ينفق الله عليك، تعطي أكثر، فالله يعطيك أكثر.\nيقول هنا في الحديث: (ولا توعي فيوعي الله عليك) من الوعاء، أي: تأخذ الوعاء وتغطيه، حتى لا يأخذ أحد منه، فسيقفل عليك باب من أبواب الرزق، ولو أنك فتحت فتح لك هذا الباب من أبواب الرزق.","vol":"39","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-447>شرح حديث: (مثل البخيل والمنفق)</span>\nحديث آخر: وفيه مثال جميل يذكره النبي ﷺ، وهو حديث في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (مثل البخيل والمنفق) وبالمثل تتضح للإنسان الصورة ويستحضرها ويعرف حسنها أو قبحها.\nفقال: (مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد من ثديهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت أو وفرت على جلده حتى تخفي بنانه).\nفهذا إنسان يريد أن يقاتل الأعداء، واشترى قميصًا حلقاته من حديد، من أجل أن يتقي به سيف الخصم، ثم وضع هذا القميص من رقبته إلى أصابع قدميه، فالإنسان المنفق يده مبسوطة، فهو ينفق في وجوه الخير ويده سهلة الحركة في الإنفاق.\nوالآخر خائف ضام يديه على صدره وعلى رقبته لا يريد أن يخرج شيئًا، كمثل القميص يحتبس في هذا المكان ولا ينزل.\nفعندما يقاتل هذا عدوه وهذا عدوه، أيهما ينجو؟ قال ﷺ: (فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت) أي: يمد يده كالقميص ينزل ويغطي سائر جسده.\nقال: (أو وفرت على جلده حتى تخفي بنانه) حتى يلقى ثواب الله ﷾، ووقايته لهذا العبد من النار، تسبغ فوق هذا الإنسان فيقيه الله ﷿ النار، معناه: أنه كلما أنفق استرخت المفاصل، ويسرت يده، وإذا بالقميص يوارى هذا الإنسان، فقال ﷺ: (حتى تخفي بنانه وتعفو أثره)، انظروا هنا القميص الذي لبسه، غطاه كله وغطى أصابعه وآثار مشيه.\nوقوله: (تعفو أثره) المعنى: أنه يريد أن يتوارى من عدوه بلبسه هذا القميص، فحين يهرب من عدوه يطمس قميصه آثار الأقدام فيتواري عن عدوه، كذلك هذا الإنسان الذي أنفق كأنه ستر نفسه من النار، فلا تلفحه ولا تطوله هذه النار.\nقال: (وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا، إلا لزقت كل حلقة مكانها) البخيل تحدثه نفسه هل ينفق أو لا؟ فيكون أكثر تثبتًا على المال، كمثل القميص الذي لبسه يقف في مكانه ولا ينزل، وكل حلقة لزقت مكانها، فهو يوسعها فلا تتسع، ويريد أن ينجو من غضب الله ومن عذابه يوم القيامة وهو لا ينفق.\nإذًا هنا الإنسان المؤمن ينفق لله ﷿ فينفق الله ﷿ عليه في الدنيا، ويعطيه الأجر العظيم في الآخرة، ويقيه النار، والعياذ بالله.","vol":"39","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-448>تربية الله لصدقة العبد حتى تكون كالجبل</span>\nوعن أبي هريرة أيضًا في الصحيحين: قال: قال رسول الله ﷺ: (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب).\nهذا قيد، أن تنفق ولكن من مال طيب، وليس من مال خبيث (بعدل تمرة) أي: بقدر تمرة، من كسب طيب، (ولا يقبل الله إلا الطيب؛ لأن الله يقبلها بيمينه) أي كرم مثل هذا الكرم العظيم من رب العالمين؟ النفقة التي تعطيها للفقير تكون في يد الله قبل أن يأخذها هذا الفقير، ولذلك كان البعض من الصحابة يطيب المال؛ لأنه يعلم أنها تكون في يد الله قبل أن يأخذها هذا الفقير.\nقال: (فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها) أي: قبلها رب العالمين ورباها، وزادها لصاحبها، إذًا: الأجر المضاعف عشر حسنات، ثم مائة حسنة، ثم ألف حسنة، ثم أضعاف مضاعفة لا يعلمها إلا الله على شيء قليل فعلته.\nقال: (ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه) أي: كالمهر الصغير تربيه وتطعمه حتى يكبر، وفجأة أصبح مثل الجبل شيئًا عظيمًا، قال: (كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل).","vol":"39","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-449>شرح حديث: (اسق حديقة فلان)</span>\nوعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (بينما رجل بفلاة من الأرض، فسمع صوتًا في سحابة: اسق حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حرة، فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء).\nهذا الحديث فيه فضل رب العالمين سبحانه حين يعامل عبده الجواد الكريم الذي ينفق لله ﷾، أي: جعل حظًا في ماله لله لا بد أن يخرجه في كل وقت، فهذا شخص يمشي في صحراء، لقي سحابة، وسمع صوتًا من السحابة: اسق حديقة فلان، هنا أراد الله ﷿ أن يسمعه ذلك، وأن يريه حتى يحدث غيره بذلك.\nفأخذ يتتبع السحابة، ويمشي وراءها ينظر إلى أين ستصل؟ فأمطرت السحابة في مكان، وإذا بالماء يأخذ مسلكًا واحدًا من المسالك، ويمشي في طريق هذا المسلك حتى يصل إلى حديقة، وهذا الشخص يتتبع ذلك، فرأى صاحب الحديقة فسأله: ما اسمك يا عبد الله؟ قال: فلان! بنفس الاسم الذي سمعه من السحابة.\nفقال له: لماذا تسألني عن اسمي؟ فقال: (سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه، يقول: اسق حديقة فلان لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلت هذا)، والمعنى: أني لم أكن لأخبرك لولا أنك بشرتني بهذه البشارة.\nقال: (أما إن قلت هذا فإني أنظر ما يخرج منها)، أي: من الحديقة (فأتصدق بثلثه)، لم يتصدق بالنصف، ولم يتصدق بثلاثة أرباع، ولكن بأقل، إذًا: هنا تصدق بالثلث والثلث كثير، كما قال النبي ﷺ: (الثلث، والثلث كثير).\nفأنفق الرجل لله ﷿ الثلث، قال: (فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثه، وأرد فيها ثلثه)، أي: الثلث الثالث أرده فيها وأزرعها مرة أخرى، فكان هذا الذي أنفق الثلث، أعطاه الله ﷿ سحابة خاصة تسقي زرعه.\nهذا كرم عظيم من رب العالمين سبحانه، نتعلم منه أن ننفق لله، وأن نخلص النية، وألا نستكثر شيئًا أخرجناه لله سبحانه، فإن الله يخلف خيرًا، ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:٧٣].\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"39","page":15},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-450> النهي عن البخل والشح وما جاء في الإيثار والمواساة والتنافس في أمور الآخرة</span>\nأمر الله المؤمنين بالإنفاق مما رزقهم، ونهاهم عن البخل، وقد جاءت نصوص كثيرة في الزجر عن البخل وبيان ضرره، وجاءت نصوص كثيرة في الحث على الصدقات والإيثار والمواساة، وبيان منافع ذلك وخيره على الفرد والمجتمع.","vol":"40","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-451>النهي عن البخل والشح</span>","vol":"40","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-452>ذم الشح</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب النهي عن البخل والشح.\nقال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل:٨ - ١١].\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩].\nوعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم) رواه مسلم.\nباب الإيثار والمواساة.\nقال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩].\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني مجهود، فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى، فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك، لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء فقال النبي ﷺ: من يضيف هذا الليلة؟)، وذكر القصة].\nهذا باب من أبواب كتاب رياض الصالحين، يذكر النووي ﵀ باب النهي عن البخل والشح، فمن الناس من يكون بخيلًا لا ينفق الواجب عليه، ومنهم من يكون شحيحًا ممسكًا مقترًا يبخل على الغير بل يبخل على نفسه أيضًا.\nكل إنسان في نفسه شح، قال الله سبحانه: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء:١٢٨] يعني: في نفس كل إنسان قدر من الشح، وكل إنسان مأمور أن يقاوم هذا الشح، ولو لم يوجد في قلب الإنسان الشح لم يؤمر بأن يقاومه، والله ﷿ له الحكمة البالغة، وهو حكيم سبحانه، وإذا أمر العبد بشيء لم يأمره إلا بما فيه مصلحة للعبد ومنفعة له دنيوية وأخروية.\nوإذا نهاه عن الشيء لم ينهه إلا عن شيء فيه مضرة عليه في الدنيا وفي الآخرة، ليأمر عباده وينهى عباده: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤].\nفخلق الإنسان وهو أعلم بما في نفسه، خلقه فسواه فعدله ﷾، وجعل في قلب الإنسان أشياء تدفع الإنسان إلى الضرر إلا أن يهذبها له ربه ﵎، فلم يخلقه ملكًا من الملائكة وإنما خلقه بشرًا، والبشر يخطئ ويصيب، ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء:١٢٨]، فالنفس خلقت وفيها قدر من الشح، لذلك أمر بمقاومة هذا الشح، ولو لم يكن موجودًا لما احتاج إلى أن يقاومه.\nكذلك ركبت الشهوة في الإنسان، وأمر أن يقاوم الخطأ الذي فيها، ويهذب شهوته، فيأخذ الحلال ويمتنع عن الوقوع في الحرام، فلو أن الإنسان لم تخلق فيه الشهوة أصلًا لما أمر الإنسان أن يتزوج، ولما أمر أن يجتنب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولم ينزل الله ﷿ الحدود في الزنا؛ لأن طبيعة الإنسان تأنف ذلك وتبتعد عنه.\nولكن لما أوجد في الإنسان الشهوة لحكمة الله ﷿ أمره أن يقاوم نفسه فيري الله ﷿ ملائكته كيف أن هذا الإنسان الذي خلقه ﷿ وفيه شهوة، ولكن حبه لله ﷿ يجعله يهذب شهوته فيأتي ما أحل الله، ويمتنع عما حرم الله سبحانه ﵎.\nالشح بخل مع حرص، فهو حريص على أن هذا المال لا يضيع منه، فإذا هو يبخل به عن الغير ويبخل به عن نفسه أيضًا لشدة حرصه.\nثم تأتي الشريعة تهذب هذا الشيء، فهذا المال انتفع به ولينتفع به غيرك، وأنت خليفة على ذلك ومسئول عنه يوم القيامة، فأنفق على نفسك، وابدأ بمن تعول، وأمره بالإنفاق في وجوه الخير، أمره بزكاة ماله، وأمره بالصدقة والإحسان: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠].","vol":"40","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-453>تيسير البخيل للعسرى</span>\nويؤدب الله سبحانه الإنسان ويهذبه بهذه الشريعة العظيمة الكاملة، ينهاه عن البخل وعن الشح في القرآن يقول سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٨ - ١٠].\nوقبلها: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ٧].\nفالله ﷿ ييسر العبد على حسب ما يفعله الإنسان، فالإنسان السخي ينفق ويعطيه الله ﷿، يعامله بناءً على ذلك، فهو يستحق أن ينفق عليه، والله يعطيه، ولا ينقص مال أبدًا من صدقة كما ذكر لنا النبي ﷺ، لكن الإنسان البخيل الذي يمتنع من إعطاء الواجب يشح على نفسه وعلى غيره، فيعامل بذلك، فيستشعر في قلبه الفقر، فمهما آتاه الله ﷿ مالًا يشعر أنه فقير وأنه محتاج.\nوإذا أنفق ينفق القليل ولعله لا ينفق أصلًا إلا لنفسه فقط، فربنا ﵎ يذكر هذا الذي يبخل ويستغني، فيقول: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل:٨ - ٩]، فبخل بإنفاق المال واستغنى بالدنيا عن الآخرة، فكأنه اكتفى بها، واستغنى بها، ﴿بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل:٨ - ٩].\nبالنهاية الحسنة للمؤمنين، وهي جنة رب العالمين سبحانه، ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:١٠]، هذا لا يستحق طريق التيسير، ولكن يستحق طريق العسر، فسنيسره للآخرة العسرة الضيقة في نار جهنم والعياذ بالله.\n﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل:١١] إذا هلك هذا الإنسان لم ينفعه ما ادخره من ماله.\nوقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] إذا وقاه الله ﷿ شح نفسه، فهو توفيق من الله سبحانه، مثلما قال سيدنا شعيب على نبينا وعليه الصلاة والسلام: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨]، فالله يعطيك هذا المال، وهذا توفيق من الله ﷿.\nالله يوفقك أن تنفق هذا المال فيما يحبه الله، والله يجنبك أن تنفق هذا المال في المعاصي وهذا توفيق من الله سبحانه، ما توفيقك إلا بربك ﷾، قال: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩].\nالموفق يجتنب شح النفس فيبذل ويعطي لله ﷿، وهذا من المفلحين.","vol":"40","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-454>مفسدة الشح وتسببه في القتل والقطيعة</span>\nذكر المؤلف حديثًا في هذا الباب، واستغنى بما ذكر قبل ذلك في الأبواب السابقة عن إيراد أحاديث كثيرة، قال: عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة).\nالإنسان يظلم غيره في الدنيا، ويظلم نفسه ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، فالإنسان الذي يشرك بالله ﷿ ظلم نفسه بأن أشرك بالله سبحانه، فوقع في ظلمات الكفر والشرك بالله.\nكذلك ظلم الغير، فقد يرى الإنسان ظلمه لغيره انتصارًا ولا يستشعر أنه في نفسه دمار له في الدنيا وفي الآخرة، يفرح بأنه ظلم الغير وأخذ حقه، فإذا جاء يوم القيامة تعسر في مروره على الصراط، أظلمت الطريق الذي أمامه فإذا به يقع في نار جهنم والعياذ بالله، فظلمه أوبقه يوم القيامة، انظروا إلى الإنسان المؤمن يوم القيامة يؤتيه الله ﷿ نورًا ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم:٨]، هؤلاء المؤمنون أهل التقوى، أما الإنسان الفاجر والإنسان المنافق فقد يؤتى شيء من النور ووقت ما يحتاجه يظلم أمامه فلا يرى شيئًا، فينادون المؤمنين ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [الحديد:١٤]؟ كنا معكم في الدنيا ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد:١٤].\nويقولون للذين آمنوا: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣]، (انظرونا) اصبروا من أجل أن نأخذ قليلًا من نوركم ونسير في ضوء نوركم، قال لهم ربهم سبحانه: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد:١٣]، فلما رجعوا إلى الخلف يبتغون نورًا، ضرب بسور بينهم وبين المؤمنين أصحاب النور، ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣].\nفالإنسان في الدنيا يظلم غيره ولا يدري أن هذا الظلم سيكون عليه يوم القيامة ظلمات حقيقية، وإذا به يتوه يوم القيامة ولا يدري أين يذهب، فلا يجد طريقًا إلا إلى النار، يمر المؤمن فوق الصراط بحسب ما أعطاه الله سبحانه ﵎، فإذا به يوم القيامة يمر كالبرق، يمر كالريح، يمر كأجاويد الخيل.\nوهذا الإنسان الذي ظلم عندما يمر يوم القيامة يأتيه ظلمه فيظلم عليه الموقف أمامه، فإذا به يكبو وإذا به يتعسر، وإذا به تلفحه النار حتى يسقط فيها والعياذ بالله.\nقال النبي ﷺ: (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم).\nاستحلوا الحرام حتى يكتسبوا شيئًا من المال، يغتصب المال ويفعل الفواحش من أجل أن يحصل على المال، فسفكوا دماءهم، واقتتلوا حتى يحوزوا هذا المال، واستحلوا محارمهم وابتغاء هذا المال، فكانت النتيجة النار والعياذ بالله.","vol":"40","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-455>مدح الأنصار بالإيثار</span>\nيذكر لنا المصنف بابًا في الإيثار والمواساة.\nوالشح أن يؤثر الإنسان نفسه على غيره، فيشح بهذا المال ويبخل به، ولكن الإيثار أن يبسط يده ويعطي غيره، ويرى لغيره فضلًا عليه.\nوالمواساة أن يواسي غيره ويرحم غيره، ففي قلبه العطف على الإنسان المحتاج، الذي نزلت به نوع من المآسي، فهو يواسيه بماله، ويواسيه بنفسه، ففيه الرحمة وفيه العطف، والنبي ﷺ يقول: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء).\nقال سبحانه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر:٩] يؤثر المؤمن غيره على نفسه، هؤلاء أصحاب النبي ﷺ الأنصار آثروا المهاجرين على أنفسهم فأعطوهم أموالهم وأشركوهم في تجارتهم، وفي أرضهم، وفي بيوتهم رضوان الله ﵎ عليهم، قال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩].\nالخصاصة الحاجة، أي: ولو كان بهم جوع وهم محتاجون لهذا الذي بين أيديهم، فيعطي غيره من هذا المال، قال سبحانه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان:٨].\n(ويطعمون الطعام على حبه)، يعني ابتغاء حب الله سبحانه، وعلى اشتهائهم لهذا الطعام، فيأتيه مسكين يقول له: أعطني لله، فيعطيه لهذا السائل وهو يحب أن يأكل منه، ولكن فضل غيره وآثره على نفسه؛ لأنه ينتظر الأجر من الله سبحانه، ويعلم أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.","vol":"40","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-456>شرح حديث: (من يضيف هذا الليلة</span>؟)\nعن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني مجهود)، يعني أصابتني الحاجة الشديدة، فأنا في جهد ومشقة وتعب، وأنا في حال سيئ من العيش ومن الجوع.\n(فأرسل النبي ﷺ إلى بعض نسائه)، ما كان عند النبي ﷺ ولا أكلة لهذا الإنسان المجهود! (فقالت امرأة النبي ﷺ: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا الماء)، كل بيوت النبي ﷺ أرسل إليهن، والجواب من جميع نساء النبي ﷺ: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا الماء.\nوهي لا تحتاج أن تقسم فهي صادقة رضوان الله ﵎ عليها، ولكن لتؤكد للنبي ﷺ أنه لا يوجد أي شيء، ولو كان عندها تمرة لأخرجتها، ولكن ما عندها إلا الماء، فقال النبي ﷺ: (من يضيف هذا الليلة؟ فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله! فانطلق به إلى رحله).\nوهذا الأنصاري ماذا في بيته؟ هل عنده طعام كثير سيطعم منه نفسه وامرأته؟ قال: (فقال الرجل لامرأته: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ)، ما هو ضيفي أنا، وإنما هو ضيف النبي ﷺ فنعطيه أفضل ما عندنا.\n(فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ فقالت: لا، إلا قوت صبياني)، الذي عندي هو طعام الصبيان، أنا وأنت ما عندنا طعام، لكن عندنا طعام العيال الذي سيأكلونه بالليل.\n(فقال: علليهم بشيء وإذا أرادوا العشاء فنوميهم، وإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل)، وكان هذا قبل نزول آيات الحجاب، فأكل الضيف وباتا طاويين، والضيف كان في غاية التعب والمشقة والجوع، والطعام قليل، فأكل الطعام كله وهما لم يأكلا شيئًا رضوان الله ﵎ عليهم.\n(فلما أصبح غدا على النبي ﷺ)، وكان الوحي قد سبق إلى النبي ﷺ وأخبره بما صنع هذا الرجل ﵁.\nفقال له ﷺ: (لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة).\nيعني: قد صنعتما شيئًا عجيبًا ما أحد يعمل هذا الذي فعلتما، فالله ﷾ عجب أن هذا الأمر الذي فعلتموه أمرًا عجيبًا بين الناس، ولكن الله ﷿ ليس كالخلق حاشا لله ﷾، فأعجبه هذا الصنيع الذي فعلتم فأثابكم عليه الثواب العظيم، فيعجبه هذا الذي صنعتم.\nأو كأنه عجب ملائكته مما صنعتم، وعجب ﷾ من ذلك، وأعجبه ذلك سبحانه فأثابكما عليه، قال: (لقد عجب الله من صنيعكما)، وهذا الرجل شاركته فيه المرأة، فكان الأجر للرجل وامرأته.","vol":"40","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-457>شرح حديث: (طعام الاثنين كافي الثلاثة)</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة) متفق عليه.\nوروى مسلم من حديث جابر: (طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية)، وهذا حق من كلامه صلوات الله وسلامه عليه.\nوالمعنى: إذا نزل بالناس الجوع، ونزل بالناس شدة، فالإنسان إذا أكل طعامًا كاملًا سيعيش وتمر عليه الليلة، وإذا أكل في نصف بطنه فقط فأيضًا ستمر عليه الليلة وينتهي الأمر الذي هو فيه، فيعلمهم النبي ﷺ أن طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة ويكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الخمسة ويكفي الثمانية.\nفإذا وجد الإنسان من يحتاج فليطعمه من طعامه، وليعطه وينتظر من الله ﷿ الأجر على ذلك، ولا ينتظر الحمد من الناس، ولو انتظر الحمد من الناس تعب، وقد يطعم من يستحق ومن لا يستحق، فالمعاملة ليست مع الناس، وإنما المعاملة مع الله، والذي يتعامل مع الله سبحانه يستريح أعظم الراحة، فلا ينتظر من الناس جزاء ولا شكورًا، ولا ينظر إلى ما أخذه هذا الإنسان منه، فهو في شأن حاله يقول كما قال السلف الصالح رضوان الله عليهم: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان:٩].","vol":"40","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-458>شرح حديث: (من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له)</span>\nروى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (بينما نحن في سفر مع النبي ﷺ إذ جاء رجل على راحلة له فجعل يصرف يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله ﷺ: من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له، فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل).\nسمي السفر سفرًا من الإسفار كأنه يسفر عن الشيء ويكشف عنه، ولأن الإنسان يستكشف به أرضًا جديدة لم يكن يعرفها، ويستكشف أخلاقًا في الرفقة التي معه لم يكن يعرفها، فيرى أخلاقًا عظيمة عالية ما كان يعلمها قبل ذلك، وقد يكون خلاف ذلك.\nفهنا النبي ﷺ كانوا في سفر، وجاء رجل على راحلة، فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا، فهو محتاج، ولم يدر من يسأل، وهو راكب على جمل وقد يحتاج لطعام، ولا نقول له: انحر الجمل وكله في السفر، فكيف سيكمل سفره، فرآه النبي ﷺ محتاجًا، فقال النبي ﷺ هذا الكلام العظيم الجميل: (من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له)، يعني: لو أن إنسانًا معه راحلتان فليعط راحلة لمن يحتاج إلى راحلة، فكيف يمشي ومعه ما يجعله يركب عليه.\n(فليعد به على من لا ظهر له)، وهم في سفر، والمسافر قد يكون غنيًا في بلده، عنده رواحل وعنده جمال في بلده، لكن الآن ليس عنده راحلة.\nويقول النبي ﷺ: (ومن كان له فضل من زاد، من طعام وشراب ونحوه فليعد به على من لا زاد له)، وذكر أصنافًا من المال.\nقال الراوي وهو أبو سعيد الخدري: حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضلة، يعني لا حق لأحد منا في زيادة، فالذي معه زيادة وأخوه محتاج في السفر فليعط هذا المحتاج، ولا يبخل عليه، فإن الله يعطي الأجر العظيم، وكلما ضاق الشيء فأعطيت صديقًا كان الأجر أوسع وأعظم من الله سبحانه.","vol":"40","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-459>شرح حديث: (أعطت امرأة رسول الله بردة فسأله رجل إياها فأعطاه البردة وهو محتاج إليها)</span>\nروى البخاري عن سهل بن سعد ﵁ (أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ ببردة منسوجة، فقالت: نسجتها بيدي لأكسوكها، فأخذها النبي ﷺ محتاجًا إليها).\nبردة أتت بها المرأة للنبي ﷺ، وكانت قد نسجتها له ليلبسها وهو محتاج إليها، لأن الإزار الذي كان يلبسه ﷺ مرقعًا، فاحتاج النبي ﷺ للباس وليس عنده ما يشتري به، فأتته المرأة بهذه الهدية، فلبسها وخرج إليهم.\nقال سهل: (فخرج إلينا وإنها لإزاره، فقال فلان: اكسنيها ما أحسنها! فقال: نعم)، خلق عظيم رفيع من النبي صلوات الله وسلامه عليه، فانظر إلى طيب قلبه ﷺ، يكسي المحتاج وهو محتاج إليها، وعنده البردة الأخرى المرقعة فيلبسها مرة ثانية، والنبي ﷺ طيب القلب رحيم، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو لا يشتهي شيئًا من الدنيا، فقام من مجلسه ﷺ بعدما انتهى المجلس ثم رجع فطواها ثم أرسل بها إليه.\nفالقوم غضبوا فقالوا: (ما أحسنت! لبسها النبي ﷺ محتاجًا إليها ثم سألته وعلمت أنه لا يرد سائلًا! فقال الرجل: والله إني ما سألته لألبسها، إنما سألته لتكون كفني، فقال سهل: فكانت كفنه رضي الله ﵎ عنه).\nوقد كانوا يحبون أن يتبركوا بأثر النبي ﷺ ولباسه الذي كان على جسده، فلو أحسن لطلب الأخرى المرقعة التي كان يلبسها النبي ﷺ ويجعلها كفنه، ولكن على كل فهذا صنيعه وهذا كرم النبي ﷺ مع هذا الصحابي.","vol":"40","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-460>شرح حديث: (إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو)</span>\nعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم).\nهؤلاء هم قبيلة أبي موسى الأشعري رضي الله ﵎ عنه، مدحهم النبي ﷺ بل إنه جعلهم منه ﷺ.\nفما هي هذه الخصلة الجميلة التي جعلتهم ينسبون للنبي ﷺ؟ هذه الصفة العظيمة الجميلة أنهم كانوا إذا أرملوا أي: احتاجوا وقل طعامهم أو كاد ينفد زادهم، يجمعون طعام الجميع في إناء واحد، ثم يقسمونه بين الجميع بالسوية، ولعل بعضهم عنده الكثير، وبعضهم عنده اليسير، فيقولون: كلنا محتاجون، ولا أحد أولى من الآخر بالمال! فالنبي ﷺ يمدحهم على صفتهم هذه، فقال: (هم مني وأنا منهم).\nيعني: هم من أهل الإيثار ومن أهل الكرم، وقد جبل على ذلك صلوات الله وسلامه عليه، فهم من النبي ﷺ وهو منهم، وهذا الشيء يسميه الفقهاء شركة التناهد، وهو من شركات الطعام، وهو اجتماع المجموعة على الطعام، أنا آتي بطعام وأنت تأتي بطعام، ثم نقسمه بيننا ونأكل كلنا منه، ولا أحد أولى بالطعام من الآخر.\nوإذا صفت النفوس فهذا طعام فيه بركة، لكن إذا لم تصف النفوس فلا داعي أن تأكل من هذا الطعام، وبعضهم نفسه لا ترضى أن تأكل من طعامه، فكل من طعامك أنت، ولكن هؤلاء ما كان في نفوسهم هذا الشيء أبدًا، بل نفوسهم فيها الإيثار، وليس فيها الشح، فيجمعون طعام الجميع ويقسمونه فيما بينهم، سواء كانوا في المدينة أو كانوا مسافرين.\nففي الحضر يمكن للإنسان أن يفعل ذلك، لكنه صعب في السفر، فالأخلاق الحسنة تظهر في سفر الإنسان، ويظهر هل هو إنسان شحيح فيظهر منه الوجه القبيح أم هو إنسان منفق فيظهر منه الوجه الحسن، فالسفر يظهر ويكشف أخلاق الناس.","vol":"40","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-461>التنافس في أمور الآخرة</span>","vol":"40","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-462>تنافس المؤمنين على الآخرة</span>\nقال المصنف ﵀: [باب التنافس في أمور الآخرة، والاستكثار مما يتبرك به قال الله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]].\nوالآن يتنافس الناس في الدنيا، وإن حصل الدنيا كلها فسيموت ويتركها، أو أنها تسلب منه يومًا من الأيام، لكن التنافس في الآخرة لا يضيع أجره أبدًا، فالآخرة هي الباقية عند رب العالمين ﷾، فيتنافس المؤمن مع إخوانه في أمر الآخرة، وكل يجتهد أن يحصل الثواب الأكثر.\nيقول سبحانه: ﴿وَفِي ذَلِكَ﴾ [المطففين:٢٦].\nأي في عمل الآخرة ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦].","vol":"40","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-463>ابن عباس لم يقبل أن يؤثر بنصيبه من رسول الله</span>\nوفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ أتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ.\nالغلام هو ابن عباس رضي الله ﵎ عنه، وكان عن يمين النبي ﷺ، وجيء للنبي ﷺ بشراب، وعن شماله الأشياخ كـ أبي بكر وعمر وغيرهما.\nفلما شرب كانت عادته أن يشرب ويعطي اليمين، ولكن الكبار كانوا عن شماله ﷺ، والسنة أن يستأذن الصغير ليعطي الشراب للكبير، فلأن الصغير أحق فيستأذن في ذلك، فالنبي ﷺ الذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم استأذن ابن عباس في أن يعطي الأشياخ قبله.\nفرفض ابن عباس وكان فقيهًا، فهو يريد أن يشرب مما شرب منه النبي ﷺ ولا يؤثر به أحدًا، فالنبي ﷺ قال له: (أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: لا والله يا رسول الله! لا أوثر بنصيبي منك أحدًا، فدله رسول الله ﷺ في يده) يعني: وضعه في يده رضي الله ﵎ عنه.\nوهذا ابن عباس هو الذي دعا له النبي ﷺ أن يعلمه الله سبحانه ﵎ التأويل، وأن يفقهه في الدين، فاستجاب الله ﵎ دعوة النبي صلوات الله وسلامه عليه له.","vol":"40","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-464>نبي الله أيوب يأخذ من بركة الله تعالى</span>\nروى البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (بينا أيوب ﵇ يغتسل عريانًا فخر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثي في ثوبه فناداه ربه ﷿: يا أيوب! ألم أكن أغنيتك عما ترى؟!).\nأيوب ﵊ أعطاه الله ﷿ مالًا كثيرًا، وقد كان من أنبياء الله ذوي الغناء واليسار، ثم ابتلاه الله ﷿ فأخذ منه ماله وعياله، وإذا به يصبر الصبر العظيم الذي يضرب به المثل: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤]، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ثم إذا بالله يعطيه مالًا عظيمًا وفيرًا، وكان عنده بيدران أحدهما للقمح والآخر للشعير، فإذا بالله يمطر عليه في أحدهما ذهبًا وفي الآخر فضة، فامتلأ البيدران بالذهب وبالفضة، ورد الله عليه من ماله وعياله ما شاء الله ﷾.\nوبينما هو يغتسل خر عليه جراد من ذهب، فإذا به يحثو منه في ثوبه، وكان عنده بيدران من ذهب ومن فضة، فلماذا يأخذ هذا الذهب؟ فإذا بالله ﷿ يختبره ويسأله فقال له: يا أيوب! ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ فقال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى لي عن بركتك! أي فشيء نزل من عندك فيه بركة، فلا أرده أبدًا، فكان الرد جميلًا منه ﷺ، وقد كان رسول الله ﷺ إذا نزل المطر من السماء يخرج تحت المطر ويحسر عن رأسه حتى يصيبه ماء المطر، مع أن الماء موجود في البيت، ويستطيع أن يغتسل منه، لكن المطر قريب العهد بالرب سبحانه، فيرجو بركته صلوات الله وسلامه عليه.\nكذلك أيوب، فهذا ذهب نازل من عند الله سبحانه، فهو يرجو البركة من ذلك، وليس لكونه ذهبًا، ولكن لأنه شيء ينزل من عند رب العالمين، وهي هدية من السماء لعباده، فيستقبلها أيوب ويطلب البركة من ذلك، وهذا هو الذي بوب عليه الإمام النووي بقوله: التنافس في أمور الآخرة والاستكثار مما يتبرك به.\nنسأل الله سبحانه العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"40","page":15},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-465> فضل الغني الشاكر</span>\nربما يخلق الله الإنسان فقيرًا فيصبر على فقره وما أصيب به، وفي المقابل يوجد الغني فيشكر ربه بلسانه وبأفعاله، فيشكر الله له فعله وييسره لليسرى في كل شيء، ويزيده غنى على غناه.","vol":"41","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-466>المفاضلة بين الغني الشاكر والفقير الصابر</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب فضل الغني الشاكر، وهو من أخذ المال من وجهه وصرفه في وجوهه المأمور بها: قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ٧].\nوقال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٧ - ٢١].\nوقال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة:٢٧١].\nوقال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٩٢].\nوفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها)].\nباب آخر من كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي ﵀ فضل الغني الشاكر، ويفسر الغني الشاكر بمن أخذ المال من وجهه وصرفه في وجوهه المأمور بها؛ فمن يرزقه الله ﷿ مالًا فيشكر نعمة الله ﷿ عليه، ويؤدي الحقوق كما أمر الله ﷿ بها، فهذا له أجر عظيم عند الله سبحانه.\nوالعلماء ينظرون في الترجيح بين اثنين: الفقير الصابر والغني الشاكر، فقير لم يعطه ربنا ﵎ شيئًا من المال وإن كانت نعم الله ﷿ على خلقه عظيمة، فالمال ليس النعمة الوحيدة، ولكن هذا منعه الله ﷿ من المال فصبر وحمد الله تعالى على نعمه، فأيهما أفضل: أن يكون فقيرًا صابرًا، أم أن يكون غنيًا شاكرًا لرب العالمين؟ لا شك أن الأنفع للناس هو الغني الشاكر، والأنفع لنفسه يوم القيامة الفقير الصابر، ولكن الإنسان لا يملك أن يقول: يا رب اجعلني فقيرًا، بل الإنسان يسأل الله ﷿ أنه يرزقه من فضله، ويتعوذ بالله من الفقر كما كان النبي ﷺ يتعوذ.\nوما فعل الله ﷿ بعبده فكله خير، إذا أغناه شكر، وإذا أفقره صبر، فالفقير يقدم يوم القيامة على الغني، فعندما يؤتى بالفقراء المهاجرين للسؤال يقولون: وعماذا تسألنا؟ لم تعطنا مالًا فتسألنا عليه، فيؤمر بهم إلى الجنة ويسبقون الأغنياء بنصف يوم، أي: بخمسمائة عام، والأغنياء وإن كانوا شاكرين حامدين لكن\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من أين اكتسبت؟ وفيم أنفقت؟ ثم النجاة بعد ذلك.\nفالفقير يوم القيامة لا سؤال له ولا شيء عليه ويسبق إلى جنة رب العالمين سبحانه، وجاء في حديث النبي ﷺ: (ما أنعم الله ﷿ على عبد نعمة فحمد الله ﷿ عليها إلا كان حمده عليها أحب إلى الله منها).\nنعمة طعام أو شراب أو مال يعطيها الله ﷿ للعبد، فإذًا: العبد يأكل ويحمد الله سبحانه، ولاحظ أن نعمة المال والطعام من الله، ونعمة الحمد والشكر من الله فهو الذي وفقك لها، ولكن أي النعمتين أحب إلى الله سبحانه؟ أن ألهم العبد أن يحمده كان هذا أحب إلى الله ﷿ من إعطاء العبد مالًا.","vol":"41","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-467>تيسير الغني الشاكر لليسرى في الدنيا والآخرة</span>\nيذكر المصنف هنا قول الله ﵎: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ٧].\nاليسرى: هو التيسير من الله سبحانه في الدنيا بأعمال الخير، وفي الآخرة على الصراط المستقيم إلى جنة رب العالمين سبحانه، والشرط الذي فيه هو: التصديق رجاء الثواب، والإعطاء، والتقوى لله ﷾، وقد جمعها الله ﷿ في قوله: «فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى» هذه واحدة، «وَاتَّقَى» هذه الثانية، «وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى» هذه الثالثة.\nشرط قبول العمل والأجر العظيم: الإيمان، فالإنسان المؤمن يجد هذه الأعمال يوم القيامة وافية عند الله سبحانه، أما الكافر فيجازى في الدنيا ويمنع ذلك يوم القيامة.\nالمؤمن أعطى لله سبحانه مع التقوى، فهو ليس فاجرًا يعطي المال رياء وسمعة، ولكنه يعطيه ليتقي النار يوم القيامة، فهو أعطى ابتغاء مرضاة الله، خائفًا من عذاب الله سبحانه، وكما أنه أعطى واتقى فهو مصدق مؤمن بالجزاء يوم القيامة وليس مكذبًا، أو كافرًا، أو مشركًا، إنما هو مصدق بجنة رب العالمين، وأن الذي يعطي فإن الله يكافئه ويعطيه، هذا الذي يستحق التيسير.\nقال سبحانه: «وَسَيُجَنَّبُهَا»، أي: يجنب العقوبة ويجنب النار الكبرى «الأَتْقَى» والأتقى من التقي، وسبب تجنيب هذا الإنسان التقي أنه ﴿يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل:١٨]، فهو ينظر في المال ويخرج منه الزكاة.\nإذا أخرج زكاة المال طيبة بها نفسه طهر الله المال والنفس مما فيها من معاص وذنوب.\n﴿يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل:١٨]، أي: يعطي ماله يتزكى بذلك.\n﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل:١٩]، الذي يعطي المال ربما يعطيه هدية في مقابل شيء ما وينتظر مقابل هديته شيئًا آخر، أما هذا فقد تعلم ما علمه الله ﷿ لنبيه ﷺ: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر:٦]، يعني: لا تعط مالًا فتمن على من أعطيت مستكثرًا لهذا الذي آتيته، أعط ولا تستكثر المال، فليس المال مالك إنما المال مال الله ﵎.\nومن معانيها أيضًا: لا تعط مستكثرًا من عطاء الناس، عادة الإنسان أن تعطيه هدية فيردها لك بهدية مثلها، وقد يعطي الفقير للغني مالًا ابتغاء أن يعطيه الغني أكثر.\n﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر:٦] أي: لا تعط هدية تطلب عليها المثوبة، أو تطلب من الناس أن يعطوك أكثر منها، وحاش للنبي ﷺ أن يكون هذا خلقه، فما كان يعطي هدية إلا ابتغاء وجه الله ﵎، فقال له ربه مؤدبًا: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر:٦].\nوهنا قال سبحانه في هذا الإنسان الأتقى الذي يعطي ماله يتزكى، ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل:١٩].\nوفي الحديث: (أن رجلًا خرج مسافرًا لزيارة أخ له في الله، فأرصد الله ﷿ له على مدرجته في طريق السفر ملكًا في صورة إنسان فسأله: إلى أين تذهب؟ قال: لأخي فلان أزوره في الله، قال: لحاجة لك عنده؟ قال: لا.\nقال: لنعمة تردها عليه؟ قال: لا، ولكني أحبه في الله، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله يحبك كما أحببته).\nوجاء في الحديث: (ليس الواصل بالمكافئ)، الذي نصفه ونقول: هذا يصل رحمه ليس هو المكافئ، ولكن الذي إذا انقطعت رحمه وصلها.\nإذًا: المكافئ هو من يرد على الزيارة بأخرى، هذا ليس بالواصل، إنما الواصل الحقيقي الذي يزور من لم يزره، فهنا يقول الله: ﴿يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل:١٨ - ١٩]، فليس يعطي لأنهم أعطوه قبل ذلك، ولكنه يعطي ابتغاء وجه ربه سبحانه، قال: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٩ - ٢١].\nوهذا الذي يعطي قال عنه النبي ﷺ: (اليد العليا خير من اليد السفلى) فجعله الله ﷿ عاليًا؛ لأنه ابتغى وجه الله الأعلى ﷾.\nقال: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:٢١] أي: سوف يثيبه الله ﷾ ويعطيه حتى يرضى.","vol":"41","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-468>فضل الصدقة</span>\nقال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة:٢٧١].","vol":"41","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-469>فضل صدقة السر</span>\n(إن تبدوا الصدقات) أي: أن تعط الصدقة أمام الناس طالما أنها حسنة فلك الأجر على ذلك، ويجوز إعطاء الصدقة أمام الناس مع حسن النية، ولكن حسن النية هذه ستضبطه، كيف؟ لعل الإنسان في مرة يكون حسن النية ومرة يكون سيئ النية، مرة يبتغي وجه الله ومرة يبتغي رضا الناس، فهنا الإعطاء أمام الناس الأفضل منه الإعطاء في السر، فقال هنا: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة:٢٧١] نعمت الصدقة هذه، ولكن ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١].\nإذا أخفيتها وذهبت لهذا الفقير في السر فأعطيته هذا المال يكون لك ما في الحديث: (صدقة السر تطفئ غضب الرب)، الله ﷿ قد يغضب على العبد، لكن إذا تصدق هذا العبد في السر فالله ﷿ يكف عنه غضبه، ومقتضى غضب الله ﷿ عقابه، فقال هنا سبحانه: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١]، وخير هنا أفعل تفضيل، يعني: هو أخير لكم وأفضل.\n﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١] ليس خيرًا فقط بل أيضًا تكفير للسيئات، فكأنه عطف على شيء محذوف، يعني: هذا خير لكم، وسيعطيكم الله ﷿ من فضله، وأيضًا يكفر عنكم من سيئاتكم، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة:٢٧١].","vol":"41","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-470>فضل الإنفاق من المال المحبوب</span>\nقال سبحانه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢].\nالبر يشمل كافة وجوه الخير، ولكي تكون من أصحاب البر ووجوه الخير أنفق مما تحب، قد ينفق العبد الشيء الذي لا يحب، وقد يؤجر عليه، ولكن أن ينفق من أنفس وأفضل ماله وأحب ماله إليه فهذا هو البر، ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢]، عندما يريد الإنسان أن ينفق لله ﷿ فإنه يخرج أفضل وأجود ما عنده ويعطيه للفقير، وعندما يعطي طعامًا لفقير يعطيه أفضل وأطيب الطعام، وعندما يريد أن يشتري أضحية يذهب إلى السوق وينظر إلى السمينة الجميلة التي فيها الشروط التي تعتبر في الأضحية ويأتي بأفضل ما يكون.\nإذًا: عندما يعطي ما يحبه ينال درجة البر، ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢].\nثم قال: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ﴾ [آل عمران:٩٢] يعني: وإن قل هذا الشيء، قد ينفق الإنسان مما يحب وقد ينفق الشيء الأقل فالله يقول لك: لن يضيع أجر هذا ولا هذا، وسيعطيكم من الجميع إلا أن تتعمد الشيء الرديء الذي لا تقبله فتنفقه فهذا لا ينفع، ولكن تنفق مما تحب وتنفق الشيء الذي ينتفع به الفقير.","vol":"41","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-471>فضل تمني التصدق</span>\nمن الأحاديث ما جاء في الصحيحين عن ابن مسعود -ومثله عن ابن عمر - قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق).\nوالحسد هنا بمعنى الغبطة، وهي: أن تحب أن تكون مثله، وأن يكون عندك مثل ما عند هذا الإنسان.\nيجوز لك أن تتمنى المثل عندما ترى ما أعطى الله لفلان من مال ينفق منه في الخير، وتقول: ليت الله يعطني مالًا فأنفق منه كما ينفق فلان، (رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته -على إنفاقه- في الحق، ورجل آتاه الله حكمة) علمه القرآن، علمه السنة، آتاه حكمة الفصل في القضايا (فهو يقضي بها ويعلمها)، تغبط مثل هذا الإنسان وتتمنى أن تكون مثله.\nعن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن -بين لنا الحكمة التي في الحديث السابق- فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار) وفي الحديث السابق: (يقضي به ويعلم الناس).\nثم قال: (ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار)، فينفق من ماله لله سبحانه ﵎، أنفق في الليل وأنفق في النهار، عندما تغبط مثل هذا فإن لك مثله من الأجر العظيم عند الله سبحانه.","vol":"41","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-472>تنافس الفقراء والأغنياء</span>\nفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: (أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ، فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى، والنعيم المقيم).\nانظروا هنا كيف كان الصحابة يتنافسون في أفعال الخير، وعندما يرى غيره يفعل خيرًا أكثر منه وهو لا يستطيع أن يدركه يحزن لأنه سيسبقه إلى الجنة ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦].\nفذهب فقراء المهاجرين للنبي ﷺ، وقالوا: ذهب أهل الدثور، وهي: الأموال الكثيرة، والدثور جمع دثر، والدثار الثياب الخارجية، والشعار الثياب التي تلي البدن، والثياب الخارجية دائمًا نظيفة وغالية وشكلها فخم، فكأن هؤلاء أصحاب الدثور الذين لهم أموال كثيرة يظهرون بها ويظهر غناهم بهذه الأموال.\n(فذهب أهل الدثور بالدرجات العلى)، كأن النظرة إلى أن الدرجات وزعت عليهم وضاعت منا.\n(فذهبوا للنبي ﷺ، وقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم والمقيم، قال: وما ذاك؟ فقالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق)، لأنهم أصحاب أموال.\nفلما قالوا ذلك، قال لهم رسول الله ﷺ: (أفلا أعلمكم شيئًا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم)، يعني: أعلمكم شيئًا ينفعكم، وهو بالمؤمنين رءوف رحيم، فعلمهم شيئًا يسبقون به من لا يفعل مثله، (ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: تسبحون، وتحمدون، وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة، فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ).\nالمرة الأولى جاءوا يشتكون فأعطاهم الشيء الذي ينفع، ثم رجعوا إليه بشكوى جديدة، فقالوا: (سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله).\nهم كانوا يطمعون فيما عند الله، لكن لا تمنع رحمة الله على غيرك، فقال رسول الله ﷺ: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)، هم سمعوا وعملوا مثل ذلك ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٥٤]، وأنت لكي تبلغ درجة هذا الإنسان تحب هذا الإنسان، وإذا أحببته فقد ورد: (المتحابون على منابر من نور).\nإذًا: أي إنسان فقير، أو غير قادر أن يعمل كعمل هؤلاء يحب هؤلاء، فيحشر معهم يوم القيامة، ولذلك كانت التجارة العظيمة هي الحب في الله، أن تحب رسول الله ﷺ، وتحب المهاجرين والأنصار والسابقين فتحشر معهم يوم القيامة، أما أن تريد من النبي ﷺ أن يخصك بشي فهذا ليس بيده ﷺ، ولم يؤمر أن يبلغ البعض دون البعض فتسبح أنت دون غيرك فلا، ولكن علم الجميع صلوات الله وسلامه عليه، فمن فعل ذلك كان له الأجر العظيم.\nإذًا: لا تهمل وتضيع هذا الأمر العظيم عقب كل الصلاة، فتقرأ آية الكرسي، ويقول النبي ﷺ في الحديث: (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت).\nوإن ذكر لنا في الحديث أن هذه الخصال العظيمة قليل من يعمل بها، فسألوا النبي ﷺ: كيف تكون هذه الخصال خصالًا عظيمة؟ وكيف يكون فيها الأجر العظيم وقليل من يعمل بها؟ فقال: (يأتي الشيطان أحدكم فيلهيه عن ذلك فلا يقول بهذا الذكر).\nفالشيطان يلهي الإنسان ويشغله بسؤال أو بكلمة حتى ينسيك الأذكار، ويضيع عليك هذا الأجر العظيم عليك بالذكر عقب الصلاة، وتقرأ آية الكرسي، وتقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١]، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١]، وتسبح الله ﷿ ثلاثًا وثلاثين، وتحمده ثلاثًا وثلاثين، وتكبره ثلاثًا وثلاثين، وتختم بـ: لا إله إلا الله، فيكون لك أجر عظيم عند الله ﷿، لا تدع الحديث الذي فيه لهو يشغلك عن ذلك فيضيع عليك هذا الأجر العظيم.\nفأهل الدثور لما تعلموا من النبي ﷺ ذلك عملوا به، وأخبر النبي ﷺ: (أنه فضل الله يؤتيه من يشاء، ويوفق له من يشاء).\nنسأل الله ﷿ أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"41","page":8},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-473> ذكر الموت وقصر الأمل</span>\nلقد جاءت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية مذكرة بالموت، وما يحصل بعده من نعيم لأهل الطاعة، وعذاب لأهل المعصية، وكذلك مذكرة بقصر الأمل، وعدم الغفلة عن الموت وما يتبعه، فالذي ينبغي للمرء أن يتذكر الموت الذي يدفعه إلى الطاعات واجتناب السيئات، وعدم الركون إلى الدنيا.","vol":"42","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-474>ما جاء في ذكر الموت وقصر الأمل</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب ذكر الموت وقصر الأمل].\nقال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥].\nوقال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤].\nوقال ﷾: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤].\nوعن ابن عمر ﵄ قال: (أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك) رواه البخاري.\nوعنه أن رسول الله ﷺ قال: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) متفق عليه، وهذا لفظ البخاري.\nوفي رواية لـ مسلم: (يبيت ثلاث ليال، قال ابن عمر ﵄: ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك إلا وعندي وصيتي)].","vol":"42","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-475>أهمية ذكر الموت وقصر الأمل</span>\nلا بد أن يكون الموت على بال الإنسان، والموت أمر حقيقي يقيني، وكل إنسان يعلم أن كل نفسٍ ذائقة الموت، ولكن هذا العلم وحده لا يكفي ليحرك في الإنسان الخوف من الله ﷿، حتى يستيقن أنه إذا مات يبعث يوم القيامة، وأن الله يسأله عما فعله في هذه الدنيا، وعما آتاه الله ﷿ وأنزل على رسوله صلوات الله وسلامه عليه من كتاب، وأمرَ بمعروف ونهى عن المنكر، وما الذي صنع الإنسان في هذه الدنيا، وعمر الإنسان قصير جدًا، وقد يشعر الإنسان أنه عاش وقتًا طويلًا.\nيقول الشاعر: ومن يعش ثمانين حولًا لا أبا لك يسأم فـ زهير يقول: إنه تعمر ثمانين سنة، فيرى هذه الثمانين سنة التي عاشها طويلة، ولكن هذه الفترة التي يستكثرها الإنسان يحس أنها طويلة يوم القيامة؛ لأن اليوم عند الله ﷿ كما قال: ﴿َإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] يعني: أن عمر الإنسان في الدنيا كان قصيرًا جدًا، لا يبلغ عشر يوم من أيام يوم القيامة أو أقل من ذلك، ولذلك في يوم القيامة عندما يسأل الناس: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف:١٩].\nوهذا العمر الذي قضاه الإنسان نصفه في النوم والباقي بين عمل وبين طعام وشراب، وجزء منه يعبد الله ﷾، يستشعر أنه عمر يجري يومًا وراء يوم، وفي النهاية عند الموت يفيق الإنسان على حقيقة وهي أنه ضيع عمره وأنه غبن نفسه، وأنه فرط في هذا العمر، والعمر قيمته عظيمة جدًا، أعطاه الله ﷿ للإنسان يستغله في عبادته وفي طاعته، وفجأة أخذ منه هذه الروح وترك الدنيا بما فيها، ولن يرجع إليها مرة ثانية، مثل الحرب، فالحرب خدعة يا قاتل يا مقتول، كذلك تعيش الدنيا سعيدًا أو شقيًا، ولن ترجع إليك هذه الدنيا مرة ثانية.\nفالإنسان المؤمن لما يتذكر هذا الموت، ويتذكر الدنيا وكيف أنه يرجع إلى الله ليسأله عما فعل في هذه الدنيا، يجهز ويحضر الجواب، ماذا سيقول لله ﷾؟ لو لم يكن إلا الوقوف بين يدي الله ﷾ لاستحق أن يعمل الإنسان لهذا اليوم، أما ربنا سيسأله، وليس سؤالًا فقط، بل بعد السؤال يكون المصير إما إلى الجنة أو إلى النار، إذا كانت المكافأة من الله ﷾ بأنه سيعطيه قصرًا في الجنة، فهذا شيء عظيم يستحق أن يعمل له الإنسان، فكيف إذا كان سيعطيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فهذا يجعل الإنسان يفكر في الجنة، وفي السعادة العظيمة التي ينالها حين يدخل هذه الجنة العظيمة.\nوالعكس لو تفكر الإنسان في النار وما الذي يلقاه فيها، لو قيل له: سنحرقك بنار الدنيا، لكان شيئًا فظيعًا وأليمًا، فكيف بنار جهنم؟! ونار الدنيا قد أطفئت مرتين حتى استطاع الإنسان أن ينضج عليها طعامه في الدنيا وأن ينتفع بها، ولكنها تكون يوم القيامة على هيئتها والعياذ بالله، يعذب فيها أهل النار ويخلدون في نار جهنم، والكافر يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠]، فالكافر يتمنى أن يصير ترابًا ولن يصير ترابًا.\nفهنا يتضح أن الإنسان المؤمن فُضِّلَ على غيره، بأن جعل الله ﷿ له قلبًا عاقلًا يعقل ويفهم ويتدبر ويتذكر، فيعبد ربه سبحانه حتى يأتيه اليقين، ويعبد ربه بالصورة الصحيحة للعبادة والصورة العظيمة للعبادة، ليست بالصورة الضيقة التي أكثر الناس يفكر ويقول: أنا صليت أنا صمت وانتهى الأمر، وإنما العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، أي: كل ما يحبه الله ﷿ منك أن تقوله وأن تنويه وأن تفعله، هذه عبادة لله ﷾.\nجاء في الحديث أن الصحابة قالوا للنبي ﷺ: (أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ كذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر).\nفعبادة الله ﷿ أن يجعل الإنسان عمره كله فيما يرضي الله ﷾، بالنية الصالحة، ينام العبد ليتقوى على عبادة الله سبحانه، يصلي لله، ويصوم لله، ويذهب ليكسب عيشه من حلال لينفق على أهله.\nكذلك الإنسان المؤمن يتفكر في الدنيا وأنها ستنقضي ويستغلها قدر ما يستطيع.","vol":"42","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-476>ذكر بعض ما جاء من ذكر الموت في القرآن</span>\nلا بد أن يكون الموت على بال الإنسان، والموت أمر حقيقي يقيني، وكل إنسان يعلم أن كل نفسٍ ذائقة الموت، ولكن هذا العلم وحده لا يكفي ليحرك في الإنسان الخوف من الله ﷿، حتى يستيقن أنه إذا مات يبعث يوم القيامة، وأن الله يسأله عما فعله في هذه الدنيا، وعما آتاه الله ﷿ وأنزل على رسوله صلوات الله وسلامه عليه من كتاب، وأمرَ بمعروف ونهى عن المنكر، وما الذي صنع الإنسان في هذه الدنيا، وعمر الإنسان قصير جدًا، وقد يشعر الإنسان أنه عاش وقتًا طويلًا.\nيقول الشاعر: ومن يعش ثمانين حولًا لا أبا لك يسأم فـ زهير يقول: إنه تعمر ثمانين سنة، فيرى هذه الثمانين سنة التي عاشها طويلة، ولكن هذه الفترة التي يستكثرها الإنسان يحس أنها طويلة يوم القيامة؛ لأن اليوم عند الله ﷿ كما قال: ﴿َإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] يعني: أن عمر الإنسان في الدنيا كان قصيرًا جدًا، لا يبلغ عشر يوم من أيام يوم القيامة أو أقل من ذلك، ولذلك في يوم القيامة عندما يسأل الناس: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف:١٩].\nوهذا العمر الذي قضاه الإنسان نصفه في النوم والباقي بين عمل وبين طعام وشراب، وجزء منه يعبد الله ﷾، يستشعر أنه عمر يجري يومًا وراء يوم، وفي النهاية عند الموت يفيق الإنسان على حقيقة وهي أنه ضيع عمره وأنه غبن نفسه، وأنه فرط في هذا العمر، والعمر قيمته عظيمة جدًا، أعطاه الله ﷿ للإنسان يستغله في عبادته وفي طاعته، وفجأة أخذ منه هذه الروح وترك الدنيا بما فيها، ولن يرجع إليها مرة ثانية، مثل الحرب، فالحرب خدعة يا قاتل يا مقتول، كذلك تعيش الدنيا سعيدًا أو شقيًا، ولن ترجع إليك هذه الدنيا مرة ثانية.\nفالإنسان المؤمن لما يتذكر هذا الموت، ويتذكر الدنيا وكيف أنه يرجع إلى الله ليسأله عما فعل في هذه الدنيا، يجهز ويحضر الجواب، ماذا سيقول لله ﷾؟ لو لم يكن إلا الوقوف بين يدي الله ﷾ لاستحق أن يعمل الإنسان لهذا اليوم، أما ربنا سيسأله، وليس سؤالًا فقط، بل بعد السؤال يكون المصير إما إلى الجنة أو إلى النار، إذا كانت المكافأة من الله ﷾ بأنه سيعطيه قصرًا في الجنة، فهذا شيء عظيم يستحق أن يعمل له الإنسان، فكيف إذا كان سيعطيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فهذا يجعل الإنسان يفكر في الجنة، وفي السعادة العظيمة التي ينالها حين يدخل هذه الجنة العظيمة.\nوالعكس لو تفكر الإنسان في النار وما الذي يلقاه فيها، لو قيل له: سنحرقك بنار الدنيا، لكان شيئًا فظيعًا وأليمًا، فكيف بنار جهنم؟! ونار الدنيا قد أطفئت مرتين حتى استطاع الإنسان أن ينضج عليها طعامه في الدنيا وأن ينتفع بها، ولكنها تكون يوم القيامة على هيئتها والعياذ بالله، يعذب فيها أهل النار ويخلدون في نار جهنم، والكافر يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠]، فالكافر يتمنى أن يصير ترابًا ولن يصير ترابًا.\nفهنا يتضح أن الإنسان المؤمن فُضِّلَ على غيره، بأن جعل الله ﷿ له قلبًا عاقلًا يعقل ويفهم ويتدبر ويتذكر، فيعبد ربه سبحانه حتى يأتيه اليقين، ويعبد ربه بالصورة الصحيحة للعبادة والصورة العظيمة للعبادة، ليست بالصورة الضيقة التي أكثر الناس يفكر ويقول: أنا صليت أنا صمت وانتهى الأمر، وإنما العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، أي: كل ما يحبه الله ﷿ منك أن تقوله وأن تنويه وأن تفعله، هذه عبادة لله ﷾.\nجاء في الحديث أن الصحابة قالوا للنبي ﷺ: (أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ كذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر).\nفعبادة الله ﷿ أن يجعل الإنسان عمره كله فيما يرضي الله ﷾، بالنية الصالحة، ينام العبد ليتقوى على عبادة الله سبحانه، يصلي لله، ويصوم لله، ويذهب ليكسب عيشه من حلال لينفق على أهله.\nكذلك الإنسان المؤمن يتفكر في الدنيا وأنها ستنقضي ويستغلها قدر ما يستطيع.","vol":"42","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-477>معنى قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة)</span>\nقال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٨٥].\nفقوله: (كل نفس) لم يخص نفسًا دون نفس، أي: كل نفس منفوسة وكل حي مولود لابد وأن يموت.\nقوله: (وإنما توفون أجوركم) أي: الجزاء الأوفى، فما تقدم أيها الإنسان من خير تجده عند الله ﷿ خيرًا وأعظم أجرًا مما كنت تتخيل وتتوقع، حتى إن الإنسان ليأتي يوم القيامة فيجد له جبالًا من حسنات، ويسأل ربه الكريم ﷾: لم أعمل هذه الحسنة؟ فيكون\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أن هذا دعاء ادخرناه لك لهذا اليوم، أي: لم يستجب لك في الدنيا وإنما أخرناه ليوم القيامة، فالله يوفي عباده الأجر الوافي يوم القيامة، ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، قوله: (زحزح) يعني: كأن الأصل الولوج على النار والعياذ بالله.\nقال سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾ [مريم:٧١] ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١]، أي: وما منكم إلا واردها ووالج فيها، ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١].\nفقوله: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥]، هذا الذي يزحزح عن النار حين تشتد فهو يزحزح عنها حتى ينجو منها، فهو فائز، فما بالك بمن سبق غلى جنة الخلد كيف يكون فوزه!! وجاء في الحديث، حين يمر الإنسان على الصراط والنبي ﷺ واقف فيقول: (يا رب سلم سلم، يا رب سلم سلم)، وكل إنسان يقول: نفسي نفسي، ويمر الإنسان فوق الصراط، وهو مضروب على ظهر جهنم وهو أحد من السيف، وأدق من الشعرة، وهو دحض مزلة، وحوله كلاليب تخطف الذي يسير عليه، والمؤمن يجعل الله ﷿ مروره بفضله وبكرمه سبحانه كمرور البرق، كلمح طرف الإنسان عندما ينظر، وأقل منه من يكون في سرعة الريح حين يمر على الصراط، وأقل منه من يمر كأجاويد الخيل، أي: كالخيل السريع، فهو يجري على الصراط المضروب على متن جهنم، وهذا الذي كأجاويد الخيل يا ترى هل سيضعف أم يجري هذا الجري السريع؟! يا ترى هل يكون الجري في وقت طويل جدًا على ظهر جهنم، أم في وقت قصير؟! ومنهم من يمشي على الصراط، ومنهم من يحبو على الصراط، ومنهم من يمشي مرة ويكبو مرة وتلفحه النار أخرى، وتخطفه الكلابيب التي عن يمينه وعن شماله مرة حتى ينجو، فإذا نجا من فوق الصراط قال: الحمد لله الذي نجاني، لقد أعطاني الله ما لم يعط أحدًا من العالمين، ما رأى غيره، ما رأى إلا نفسه وهو على الصراط، ويظن أن ربنا أعطاه ما لم يعط أحدًا من العالمين.\nفهذا الذي يمر على الصراط، كيف إذا سقط وهوى في نار جهنم والعياذ بالله؟! نسأل الله العفو والعافية.\nقوله: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥] أي: الفوز العظيم ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] أي: هذه الدنيا التي نعيش فيها ما هي إلا متعة يسيرة يستمتع بها الإنسان كما يستمتع المغرور بغروره، مثل: إنسان يلعب كمال أجسام حتى يبقى الجسم ضخمًا جدًا ويفرح به، وتراه يمشي منفوخًا في الناس، وفجأة جاء الله بمرض أضعفه أو جاءته شيخوخة وقعد في فراشه، فهذا كم استمتع بقوته؟ شيئًا يسيرًا جدًا.\nوالأخرى استمتعت بجمالها، كانت جميلة ومتبرجة وتمشي في الناس تفتنهم، وفجأة دب على شعرها الشيب وجاء على وجهها الخطوط، وهذه كم استمتعت بجمالها؟ عصت الله ﷾ فترات وفي النهاية قالت: يا ليتني ما عملت هذا الشيء، ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] أي: متعة يسيرة قليلة زائلة بعد ذلك.","vol":"42","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-478>معنى قوله تعالى: (وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا)</span>\nقال الله سبحانه: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤]، هذا كلام عظيم لمن يتأمل ويتدبر فيه، فهو عظة، أنت لا تدري ماذا ستكسب في غدك، من حسنات؟ وماذا تكتسب من سيئات؟ لا تدري ولكن الله يدري، ويعلم ﷾.\nيصبح الإنسان يفكر ويقول: سأعمل وأعمل وأعمل، ولا يقدر أن يعمل شيئًا مما نوى أن يفعله إلا أن يعينه الله، وقد لا يوفقه.\nقوله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤] أي: هذا الإنسان لا يدري متى يموت وفي أي مكان يموت؛ لأن المرء قد يبني له مقبرة وفي النهاية يسافر فيموت ويدفن في مكان آخر، وتذكرون المليونير اللبناني الذي عمل لنفسه مقبرة، وكان يريد أن يستهزئ من الموت، فهو لما عمل مقبرة قال لأهله: إذا أنا مت فاعملوا لي حفلة كل سنة في يوم موتي، وذلك بأن تأتوا وتغنوا وترقصوا عند المقبرة، ويشاء الله ﷾ أن هذا الإنسان يركب طائرة، وهذه الطائرة تسقط في البحر فيغرق كل من فيها ويخرجون من البحر إلا هو لم يخرج من البحر، وإنما ضاع في البحر، ﴿ومَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤]، يعني: لست أنت الذي تحدد أين تموت، ولكن الله ﷿ هو الذي يحدد مكان الموت، وأين يموت الإنسان.\nوهذه قصة عجيبة جدًا، تحت عنوان: (لعنة الله على هذه المومياء)، يقول صاحب القصة يحكي عن نفسه: إنه كان رجلًا فقيرًا وكانت هناك امرأة غنية عجوزة، فأحب أن يتزوج هذه المرأة من أجل أن يرثها، بعد أن تموت، فاستمر مع هذه المرأة فترة طويلة ولم تمت، وكانت بخيلة شحيحة، وهو منتظر على هذه المرأة أن تموت فيرثها، لكنه لم يصبر فطلقها ثلاث تطليقات، فبعدما طلقها الثلاث تطليقات بدأ الشيطان يوسوس له أن يرجع لها مرة ثانية؛ لأنها كانت مريضة، فأحب أن يرجع إليها وهي مريضة من أجل أن تموت فيرثها، فإذا به يبحث عن حل للرجوع؛ لأنه لا يمكن الرجوع إليها إلا بعد أن تتزوج من غيره، فأتى بمحلل فتزوجها عند المأذون وبات معها ليلة حتى الصباح فماتت، فمشى الناس في الجنازة وصاحبنا قام يصوت ويلطم خده على المال الذي ضاع منه وورثه هذا الذي تزوجها.\nانظروا الإنسان يريد أن يكسب في هذه الدنيا أشياء، فتراه يدبر ويخطط وفجأة ذهب الشيء منه لغيره، لو أنه رضي بما قسم الله ﷿ له لكان خيرًا له، ما الذي جعله يبحث عن الحرام ليأخذ الحرام مع أنه لن يستمتع بهذا الحرام أبدًا؟ قال الله سبحانه: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] يعني: إذا جاء الأجل لا يستأخرون ساعة، ولا دقيقة ولا ثانية ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] يعني: لن يخطئ الملك ويأتيه قبل الموت بساعة ويقول له: سأقبض روحك الآن، ولكن على وقته يقبض الإنسان.","vol":"42","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-479>معنى قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم)</span>\nقال الله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون:٩].\nتجد المرء إذا قيل له: صل، يقول: عندي شغل، وعندي أولاد، فيترك الصلاة والصوم والعبادة من أجل أولاده ومن أجل زوجته، فالله ﷿ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن:١٤] أي: احذر، فأنت لا تدري ماذا يخبئ لك القدر.\nعليك أن ترضي ربك سبحانه حتى يرضي عنك الجميع؛ لأنك إذا أسخطت الله سخط عليك وأسخط عليك الجميع.\nقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون:٩ - ١٠].\nفقوله: ﴿رَبِّ لَوْلا﴾ [المنافقون:١٠] أي: هلا أخرتني قليلًا حتى أعبدك وأتصدق وأكن من الصالحين.\nقال تعالى: ﴿َلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون:١١] أي: جاء الأجل انتهى كل شيء، ثم قال: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:١١].","vol":"42","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-480>معنى قوله تعالى: (حتى إذا جاء أحدهم الموت وأنكم إلينا لا ترجعون)</span>\nقال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩].\nأي: أن كل إنسان عندما يأتيه الموت يتمنى أن يرجع، يقول الكفرة والفجرة: «رَبِّ ارْجِعُونِ» أي: أرجعنا إلى الدنيا، يقولون ذلك بعدما ذاقوا النار والعياذ بالله، وبعدما نظروا هول الموت وهول المطلع، وبعدما رأوا ما في القبور من سؤال وغير ذلك، وأن القبر إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار.\nفأصحاب النيران يقولون: «رَبِّ ارْجِعُونِ» فيقول الله لهم: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ﴾ [المؤمنون:١٠٠] أي: وعد من الله قد قاله الله، ولا رجوع مرة ثانية.\nوقال سبحانه: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١] أي: إذا نفخ في الصور يوم القيامة النفخة الأولى فالكل يموتون، فينتهي أمر الدنيا، ثم تكون النفخة الثانية فيبعثون من القبور للحساب، ويخرجون مدهوشين، ويجمعون إلى المحشر بين يدي الله سبحانه في يوم عظيم مهيب مخيف، كل إنسان يقول: نفسي نفسي.\nيسألهم الله ﷾: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٢ - ١١٣] أي: اسأل الذين كانوا يعدون، وهم يظنون يومًا أو جزءًا من اليوم، لكن في الحقيقة يوم القيامة قدره خمسون ألف سنة.\nقال سبحانه: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٣].\nأي: المؤمنون الناجون ثقلت موازينهم فربنا سبحانه جعلهم من المفلحين، أما الذين كانوا في الدنيا في بعد عن الله وفي غفلة عن دينه فخفت موازينهم، يأتي الرجل السمين الضخم من هؤلاء فلا يزن عند الله جناح بعوضه، ليس له قيمة يوم القيامة، فأولئك الذين خسروا أعظم الخسران، فأعظم خسران أن الإنسان يخسر نفسه التي يدافع عنها في الدنيا بماله وبكل شيء، هذه النفس خسرها وشهدت عليه يوم القيامة، قال سبحانه في حال هؤلاء: ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٣ - ١٠٤] أي: يدخلون النار، فتأتي على وجوههم، وأشرف ما في الإنسان وجهه.\nقوله: «تَلْفَحُ» أي: تحرق، «وُجُوهَهُمُ النَّارُ».\n«وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ» أي: مشوهون والعياذ بالله، مناظرهم كمنظر الإنسان المحترق في الدنيا، قد احترق جلده وانكمش من جانب وطال من جانب آخر، تغيرت هيئة وجوههم التي كانت أشرف ما فيهم في الدنيا.\nقال تعالى مبكتًا لهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٥] أي: أتتكم الآيات وقرأها عليكم رسولكم صلوات الله وسلامه عليه فكذبتم بها.\nويقول في الآية الأخرى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون:١١٥]، أي: أحسبتم أننا نلعب، ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [طه:١١٤ - ١١٥].\nقال سبحانه ﵎: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحديد:١٦] أي: ألم يحن ولم يجيء الوقت، ﴿أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ﴾ [الحديد:١٦] أي: أهل الكتاب طالت عليهم الدنيا، فإذا بالأمد لما طال زاد الأمل في رءوسهم، وزاد حب الدنيا في قلوبهم فنسوا الآخرة، ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦].","vol":"42","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-481>ما جاء من قصر الأمل في السنة</span>\nلا بد أن يكون الموت على بال الإنسان، والموت أمر حقيقي يقيني، وكل إنسان يعلم أن كل نفسٍ ذائقة الموت، ولكن هذا العلم وحده لا يكفي ليحرك في الإنسان الخوف من الله ﷿، حتى يستيقن أنه إذا مات يبعث يوم القيامة، وأن الله يسأله عما فعله في هذه الدنيا، وعما آتاه الله ﷿ وأنزل على رسوله صلوات الله وسلامه عليه من كتاب، وأمرَ بمعروف ونهى عن المنكر، وما الذي صنع الإنسان في هذه الدنيا، وعمر الإنسان قصير جدًا، وقد يشعر الإنسان أنه عاش وقتًا طويلًا.\nيقول الشاعر: ومن يعش ثمانين حولًا لا أبا لك يسأم فـ زهير يقول: إنه تعمر ثمانين سنة، فيرى هذه الثمانين سنة التي عاشها طويلة، ولكن هذه الفترة التي يستكثرها الإنسان يحس أنها طويلة يوم القيامة؛ لأن اليوم عند الله ﷿ كما قال: ﴿َإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] يعني: أن عمر الإنسان في الدنيا كان قصيرًا جدًا، لا يبلغ عشر يوم من أيام يوم القيامة أو أقل من ذلك، ولذلك في يوم القيامة عندما يسأل الناس: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف:١٩].\nوهذا العمر الذي قضاه الإنسان نصفه في النوم والباقي بين عمل وبين طعام وشراب، وجزء منه يعبد الله ﷾، يستشعر أنه عمر يجري يومًا وراء يوم، وفي النهاية عند الموت يفيق الإنسان على حقيقة وهي أنه ضيع عمره وأنه غبن نفسه، وأنه فرط في هذا العمر، والعمر قيمته عظيمة جدًا، أعطاه الله ﷿ للإنسان يستغله في عبادته وفي طاعته، وفجأة أخذ منه هذه الروح وترك الدنيا بما فيها، ولن يرجع إليها مرة ثانية، مثل الحرب، فالحرب خدعة يا قاتل يا مقتول، كذلك تعيش الدنيا سعيدًا أو شقيًا، ولن ترجع إليك هذه الدنيا مرة ثانية.\nفالإنسان المؤمن لما يتذكر هذا الموت، ويتذكر الدنيا وكيف أنه يرجع إلى الله ليسأله عما فعل في هذه الدنيا، يجهز ويحضر الجواب، ماذا سيقول لله ﷾؟ لو لم يكن إلا الوقوف بين يدي الله ﷾ لاستحق أن يعمل الإنسان لهذا اليوم، أما ربنا سيسأله، وليس سؤالًا فقط، بل بعد السؤال يكون المصير إما إلى الجنة أو إلى النار، إذا كانت المكافأة من الله ﷾ بأنه سيعطيه قصرًا في الجنة، فهذا شيء عظيم يستحق أن يعمل له الإنسان، فكيف إذا كان سيعطيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فهذا يجعل الإنسان يفكر في الجنة، وفي السعادة العظيمة التي ينالها حين يدخل هذه الجنة العظيمة.\nوالعكس لو تفكر الإنسان في النار وما الذي يلقاه فيها، لو قيل له: سنحرقك بنار الدنيا، لكان شيئًا فظيعًا وأليمًا، فكيف بنار جهنم؟! ونار الدنيا قد أطفئت مرتين حتى استطاع الإنسان أن ينضج عليها طعامه في الدنيا وأن ينتفع بها، ولكنها تكون يوم القيامة على هيئتها والعياذ بالله، يعذب فيها أهل النار ويخلدون في نار جهنم، والكافر يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠]، فالكافر يتمنى أن يصير ترابًا ولن يصير ترابًا.\nفهنا يتضح أن الإنسان المؤمن فُضِّلَ على غيره، بأن جعل الله ﷿ له قلبًا عاقلًا يعقل ويفهم ويتدبر ويتذكر، فيعبد ربه سبحانه حتى يأتيه اليقين، ويعبد ربه بالصورة الصحيحة للعبادة والصورة العظيمة للعبادة، ليست بالصورة الضيقة التي أكثر الناس يفكر ويقول: أنا صليت أنا صمت وانتهى الأمر، وإنما العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، أي: كل ما يحبه الله ﷿ منك أن تقوله وأن تنويه وأن تفعله، هذه عبادة لله ﷾.\nجاء في الحديث أن الصحابة قالوا للنبي ﷺ: (أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ كذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر).\nفعبادة الله ﷿ أن يجعل الإنسان عمره كله فيما يرضي الله ﷾، بالنية الصالحة، ينام العبد ليتقوى على عبادة الله سبحانه، يصلي لله، ويصوم لله، ويذهب ليكسب عيشه من حلال لينفق على أهله.\nكذلك الإنسان المؤمن يتفكر في الدنيا وأنها ستنقضي ويستغلها قدر ما يستطيع.","vol":"42","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-482>شرح حديث: (كن في الدنيا كأنك غريب)</span>\nمن الأحاديث التي جاءت في الباب حديث رواه الإمام البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: (أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل).\nهذه نصيحة النبي ﷺ لـ عبد الله بن عمر يوصيه ويقول له: (كن في الدنيا كأنك غريب).\nالغريب لا يفكر في المكان الذي هو فيه غريب وأنه دار إقامة؛ لأنه مسافر من بلد إلى آخر، ويريد أن يؤدي الذي عليه ويرجع لداره، فدارك الجنة، فكن في الدنيا كأنك غريب سترجع إلى دارك، فجهز الهدايا لهذه الدار التي ستبقى فيها بلا نهاية، فأنت مثل الغريب الذي يقيم في بلد أخرى غير بلده لا على وجه الاستيطان والإقامة، وإنما يمكث فترة ويرجع، فتراه يحاول أن يدخر المال من أجل أبنائه وزوجته، فأنت تدخر عملك الصالح في دار الدنيا لهذه الدار الآخرة.\nيقول ﷺ: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) أي: عابر طريق يمر بالطريق ولا يبني في الطريق بيتًا.\nفالإنسان لا يؤمل في الدنيا كأنه سيخلد فيها، وإنما يكتفي برزق الله الحلال الذي آتاه، ويحمد الله ﷿ عليه، ولا يكون شرهًا في الدنيا طماعًا فيها؛ فإن الطماع والشره يموت بما يأكله.\nقال: (وكان ابن عمر ينصح بعد ذلك فيقول: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك).\nانتفع ابن عمر رضي الله تعالى عنهما بهذه النصيحة، فكان من أفاضل أصحاب النبي ﷺ، وكان محبوبًا إلى الناس، وكان كثير الصدقة، وكان عظيم التواضع، وكان إذا قام يتعشى أو يتغدى يقول لمن حوله: اذهبوا لجارنا فلان المفلوج فائتوا به، فيجلس فيأكل مع ابن عمر ولعابه يسيل على صدره، ما قال له: أنا أتقزز منك، ولكن جلس يأكل معه تواضعًا لله ﷾؛ لأنه تعلم من النبي ﷺ التواضع، فكان يقول: (أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)، فكان يقول: (إذا أصبحت فلا تنتظر المساء).\nيعني: أن المؤمن ينبغي أن يعلم أنه في كل لحظة قد يأتيه الموت، فليكن في هذه اللحظة في خير عمل يلقى به الله ﷾.\nولذلك جاء عن النبي ﷺ في الحديث: (إن الله إذا أراد بعبد خيرًا استعمله، قالوا: وكيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه، وإذا أراد الله بعبد شرًا استعمله في الشر) أي: إذا أراد به شرًا إذا به يسخر من الناس، وإذا به يصنع أفعالًا، بأن يمد يده ويسرق أو يرتشي أو غير ذلك، ويموت على ذلك، فهنا استعمل في الشر فكان من أهله.\nأما المؤمن فالله ﷿ يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه، بأن يصلي فيموت وهو يصلي، أو يكون صائمًا فيموت وهو على صيامه، أو يتصدق بصدقة ويموت بعدها، فيوفقه الله أن يكون آخر عمله الذي عمله من الأعمال الصالحة فيقبله سبحانه ﵎.\nيقول ابن عمر: (وخذ من صحتك لمرضك) يعني: استغل الوضع الذي أنت فيه، فأنت الآن شاب قوي وتقدر على أن تحفظ كتاب الله، فاحفظ القرآن، وإذا كنت تقدر أن تتعلم العلم الشرعي فافعل قبل أن تأتي عليك المشاغل فلا تقدر، وقبل أن يأتي عليك الكبر والشيخوخة فتنسى، لكن وأنت صغير تدرك ما لا تدركه وأنت كبير، فخذ من وقت صحتك لوقت مرضك، فالله كريم ﷾، يعامل العبد معاملة الكرم، فانظر حين تواظب على صلاة الجماعة إذا مرضت تسأل عنك الملائكة: أين فلان الذي كان يصلي هنا؟ وتذهب تعودك في بيتك، ويأمر الله ﷿ الملائكة أن تكتب للعبد ما كان يصنعه وهو صحيح، كذلك إذا سافر يكتب له ما كان يفعله مقيمًا، فإذا كان مواظبًا على الصيام في الحضر ثم سافر فلم يصم يكتب له كأنه صائم، هذا كله من فضله ومن رحمته سبحانه وعلى ذلك فقس.\nثم قال: (وخذ من حياتك لموتك) أي: خذ من حياتك ما تدخره بعد موتك.","vol":"42","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-483>شرح حديث: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه)</span>\nجاء عن النبي ﷺ في الصحيحين أيضًا عن ابن عمر: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده؟).\nقوله: (ما حق امرئ مسلم) أي: حق للمرء المسلم وحق عليه حين يكون له شيء يوصي فيه، من حقوق للناس من ودائع وديون وعرايا موجودة عنده، فإنه يلزمه أن يعيدها لأصحابها، فإذا فرضنا أنها ديون ولم يأت وقت تسديدها فإن عليك أن تكتب في البيت عندك في صحيفة: فلان له عندي كذا وكذا، وتبقى معروفة وتشهد على ذلك؛ حتى إذا مت عرف أهل البيت أن عليك الدين الفلاني فيؤدونه لصاحبه، فيا ترى من من الناس يصنع ذلك؟ أكثر الناس يكتبون ما لهم: لي عند فلان كذا ولي عند فلان كذا، أما ما عليه فالأكثر من الناس ينسون ذلك، وقد يكون المبلغ حاضرًا عنده، فيقول: أرده غدًا أو في الشهر الآتي، ينسى هذا المسكين أنه لو مات لعل الورثة يأخذون هذا المال ولا يردونه لصاحبه، فيحبس في النار ويعذب بذلك.\nإذا كان الرجل قد حبس بدينارين كما جاء في الحديث: (أنه أتي للنبي ﷺ بجنازة ليصلي عليها، فكان يسأل: هل عليه دين؟ فلما جاءوا بهذه الجنازة وسأل، قالوا: عليه ديناران، فقال: صلوا على صاحبكم، فـ أبو قتادة صعب عليه أن النبي ﷺ لم يصل عليه وصلاته بركة ورحمة ونور لهذا الإنسان في قبره، فقال: يا رسول الله! صل عليه وعلي الدينارين، فقال: هما عليك وفي مالك والميت منهما براء، فقال: نعم، فصلى عليه النبي صلوات الله وسلامه عليه، في اليوم التالي سأل النبي ﷺ أبا قتادة: ما صنع الديناران؟ فقال: يا رسول الله! العهد قريب، فسكت النبي ﷺ، بعد ذلك سأله: ما صنع الديناران؟ فقال ذلك، فسكت، وبعد ذلك سأله فقال: أديتهما يا رسول الله! قال: الآن بردت عليه جلدته)، هذان ديناران، فكيف بمن يأخذ مائة ألف ومائتي ألف، ويسرق الفلوس ويهرب بها؟! مصيبة من المصائب، والناس في غفلة، يأكل أموال الناس وينسى.\nومن عذاب الله للإنسان في الدنيا الغفلة، مثل المريض بالسكر عندما يأتيه المرض فيأكل أعصابه ومع ذلك لا يحس برجله حين يقوم، أقول: هذا من البلاء، فلا بد للإنسان أن يراجع نفسه عندما ينزل به المرض، فهاهو المرء ينتبه ويبعد رجله عن النار، وكذلك إذا مر على مسمار يبتعد عنه، لكن المصاب بمرض السكر أعصابه لا تحس بشيء، فهو يدوس مسمارًا ولا يحس به؛ لأنه قد حصل في رجله (غرغرينا) وقد تنقطع رجله في يوم من الأيام، كذلك الإنسان الذي يكون في غفلة، فتراه يأكل المال الحرام ولا يبالي، فهذا شبهه النبي ﷺ بإنسان جاءت على أنفه ذبابة فقال بيده هكذا، هشها فطارت الذبابة، ونسي ما كان من أمر الذبابة، فذنب الفاجر على رأسه كذبابة، قال بيده هكذا فطارت.\nأما المؤمن فالذنب الذي يقع فيه يكون على رأسه كالجبل، يستشعر عظم هذا الذنب، ويقول: يا ترى ربنا سيتوب علي فيه؟ يا ترى ربنا سيعذبني؟ ويظل يستغفر ويستغفر ويصلي لله ويسأل الله ﷿ أن يتجاوز عنه في ذنب واحد فعله، فهناك فرق بين من قلبه حي ومن قلبه ميت.\nلذلك الإنسان المؤمن دائمًا متذكر ما يقوله الله ﷿، وعلى باله أن الموت سيأتيه ليلًا أو نهارًا.\nنسأل الله ﷿ أن يعيننا على التذكر وعلى العمل، وأن يجعلنا من عباده المخلصين.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"42","page":11},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-484> ذكر الموت وزيارة القبور وكراهية تمني الموت</span>\nإن تذكر الموت ما كان في واسع إلا ضيقه ولا في كثير إلا قلله، فالموت هادم اللذات ومفرق الجماعات وقاطع الأمنيات، وهو البوابة التي يعبر من خلالها المرء إلى الحياة الآخرة، وتذكر الموت أقض مضاجع الأنام، وأذهل عقول الصادقين من العباد فحملهم على الزهادة في الدنيا واطراحها والإقبال على ما ينفعهم في دار المعاد.","vol":"43","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-485>تابع ما جاء في ذكر الموت وقصر الأمل من الأحاديث</span>","vol":"43","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-486>شرح حديث أنس وابن مسعود: (خط النبي ﷺ خطوطًا)</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب ذكر الموت وقصر الأمل.\nعن أنس بن مالك ﵁ قال: (خط النبي ﷺ خطوطًا فقال: هذا الإنسان وهذا أجله فبينما هو كذلك إذ جاء الخط الأقرب)، رواه البخاري.\nوعن ابن مسعود ﵁ قال: (خط النبي ﷺ خطًا مربعًا، وخط خطًا في الوسط خارجًا منه، وخط خططًا صغارًا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، فقال: هذا الإنسان وهذا أجله محيطًا به، وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا)، رواه البخاري.\nوعن أبي هريرة ﵁: (أن رسول الله ﷺ قال: بادروا بالأعمال سبعًا؛ هل تنتظرون إلا فقرًا منسيًا أو غنى مطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مفندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر)، رواه الترمذي وقال: حديث حسن.\nوعنه قال: قال رسول الله ﷺ: (أكثروا ذكر هاذم اللذات، يعني: الموت)، رواه الترمذي، وقال: حديث حسن].\nهذا باب ذكرنا بعضًا من الأحاديث التي فيه، والمقصد من الباب بيان أن الموت قريب جدًا من الإنسان وأنه يأتيه من حيث لا يحتسب، وأنه ينبغي عليه أن يتفكر في هذا الموت، وأنه إذا قابل ربه سبحانه فسيندم على ما فرط في هذه الدنيا من أعمال كان يقدر أن يعملها فتركها وسوّف حتى لقي الله فلم يجد إلى الرجوع إلى الدنيا سبيلًا.\nكلما يتذكر الإنسان الموت يحفزه على العمل الصالح وعلى تقوى الله ﵎، وهذه الأحاديث تفهمنا هذا المعنى، ومنها حديث أنس ﵁ ومثله حديث ابن مسعود رضي الله ﵎ عنه.\nوفي حديث أنس: (خط النبي ﷺ خطوطًا)، وفي حديث ابن مسعود: (خط النبي خطًا مربعًا، وخط خطًا في الوسط خارجًا منه)، وكأنه رسم مستطيلًا ورسم خطًا طويلًا في وسط هذا المستطيل خارجًا منه.\nوكأن الإنسان في أول هذا الخط يحيط به هذا المستطيل أو المربع، والخط الطويل الخارج من المستطيل هو خط أمل الإنسان، فالإنسان أمله بعيد جدًا، فهو ينال منه أشياء وهي التي في حدود هذا المستطيل، وهذا المستطيل هو أجل الإنسان، فأمل الإنسان أمل بعيد، فهو يتمنى أن يكون كل شيء عنده، فقال هنا في الحديث: (وخط خططًا صغارًا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي هو في الوسط)، فالخط الطويل الذي ذكره هو أمل الإنسان ومن حوله على الشمال واليمين خط خططًا صغارًا، صلوات الله وسلامه عليه، وهذه الخطوط الصغيرة هي الأعراض التي تعتري الإنسان من مرض أو من أطماع يطمعها، أو أشياء يأخذها وينالها وأشياء لا ينالها، ولكن ما زال أمل الإنسان بعيدًا يمثله الخط الطويل، حتى إذا جاء الموت انقطع هذا الخط وانقطع الأمل، قال ﷺ بعد أن خط هذه الخطوط: (هذا الإنسان وهذا أجله محيطًا به).\nفحال هذا الأجل أنه محيط بالإنسان، فلا يمكن للإنسان أن يفر من أجله أبدًا ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤].\nقال: (وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا)، فأعراض الدنيا التي تعتري الإنسان كثيرة من أمراض وأطماع وهموم وكروب وسعادة وشقاء.\nوفي الحديث الأول قال: (هذا الإنسان وهذا أجله، فبينما هو كذلك - أي: ينظر إلى الخط الأبعد - إذ جاء الخط الأقرب)، يعني قطع عليه الموت أمله فالموت هو قاطع آمال الإنسان.\nلذلك فإن المؤمن يكون أمله في حدود ما يقدر عليه، وأمله العظيم يكون في رب العالمين سبحانه وفي جنة الخلود، ويكون أمله في السعادة الأبدية عند الله ﷿، أما الآمال التي في الدنيا فلا يمكن للإنسان أن يحصل على جميع ما يؤمله وخاصة إذا كانت خيالات، حيث يجلس الإنسان فيتخيل أن يكون عنده قصر وأن يكون عنده سيارة ويريد أن يكون عنده كذا من الآمال وهو لا يعمل لهذه الأشياء، وقد يعمل الإنسان وينسى ربه سبحانه.\nوهناك فرق بين المؤمن والكافر، فالكافر أدخل نفسه باختياره في دوامة الآمال فيظل يدور مع الدنيا وتدور به، أما المؤمن فإنه قد حدد هدفه وعرف ما الذي يريده من هذه الحياة الدنيا القصيرة، وهو أن يستغلها في عبادة الله وفي طاعة الله سبحانه، لا شك أنه يحتاج في هذه الدنيا إلى طعام وشراب وكسوة وسكن وزوجة، ويحتاج إلى أن يكون عنده أولاد، وأن يكون عنده عمل يعمل به، ولا أحد يمنعه من هذا الشيء، لكن الأمل في أن يحصل الدنيا كلها فهذا لا يحصل لأحد، فلا يؤمل الإنسان أن يكون أفضل الناس في الدنيا، وإنما يتمنى أن يكون أفضل الناس عند الله ﷿ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، فبتقوى الله يحصل المرء الخير العظيم ويحصل أعظم الغنى وهو غنى القلب.","vol":"43","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-487>شرح حديث: (بادروا بالأعمال سبعًا)</span>\nومن الأحاديث التي ذكرها الإمام النووي حديث ضعيف رواه الترمذي وقال: حديث حسن، هو حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (بادروا بالأعمال سبعًا).\nورغم أن الحديث ضعيف من ناحية الإسناد، لكن المعنى الذي في هذا الحديث معنى حكيم وجميل، فالإنسان ماذا ينتظر في هذه الدنيا؟ قال: (هل تنتظرون إلا فقرًا منسيًا أو غنى مطغيًا أو مرضًا مفسدًا أو هرمًا مفندًا أو موتًا مجهزًا أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر).\nيعني: الإنسان الذي ينكب على الدنيا ويريد أن يحصل عليها يقال له هنا: بادر قبل أن يأتي عليك واحد من سبعة لأشياء، (هل تنتظرون إلا فقرًا منسيًا)، لعلك الآن في غنى فبادر بالعمل الصالح، فالإنسان عند فقره ينسى الله سبحانه ﵎ ويبقى يفكر بما عليه من دين ويريد أن يعمل لقضاء هذا الدين، فالفقر ينسي الإنسان ربه سبحانه ﵎، (هل تنتظرون إلا فقرًا منسيًا)، يعني: ينسيكم الطاعة وينسيكم العبادة.\n(أو غنى مطغيًا)، يعني: غنى يطغي الإنسان ويجعله يحتقر غيره، أو فقرًا ينسيه ربه ﵎، فما دمت الآن في حالة سوية فأحسن عبادة ربك ﷾.\n(أو مرضًا مفسدًا) أي: مرضًا يفسد على الإنسان صحته، أو يفسد على الإنسان عقله، أو يفسد على الإنسان تفكيره، فالمرض حين يأتي على الإنسان يبقى تفكيره في الوجع الذي يلم به وفي الشكوى وينسى عبادته وطاعته.\n(أو هرمًا مفندًا)، أي: يفند الإنسان ويذهب عقله فيرد إلى أرذل العمر، فإذا بتفكيره غير سوي وإذا بتطلعاته وطلباته تضايق من حوله.\n(أو موتًا مجهزًا)، يأتي فجأة فيقضي عليه فلا يتمكن من أن يتوب أو يعمل عملًا صالحًا، وإن فرضنا أن العمر طال به فماذا ينتظر؟ قال: (أو الدجال فشر غائب ينتظر)؛ لأن فتنته فتنة عظيمة، (أو الساعة فالساعة أدهى وأمر)، يعني: أن أمر شيء أن تقوم الساعة على الناس، فقد قال النبي ﷺ: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق)، فكأن الحديث يحث المسلم على أن يبادر بالعمل الصالح الذي يريد أن يعمله قبل أن يدركه واحد من هذه السبعة.","vol":"43","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-488>شرح حديث: (أكثروا ذكر هاذم اللذات)</span>\nوجاء عن أبي هريرة ﵁ - وهو عند الترمذي وقال: حديث حسن - أن النبي ﷺ قال: (أكثروا ذكر هاذم اللذات).\nوهاذم اللذات بمعنى: قاطع اللذات، وهو الموت، فالموت يهذم لذة الإنسان يقطعها فإذا مات غيره فإذا به يتكدر، أما إذا مات هو فسيقدم على أهوال في قبره من سؤال منكر ونكير، وهل سيقدر على أن يجيب أم لا؟ فهنا يقول لنا ﷺ: (أكثروا ذكر هاذم اللذات).\nوجاء في بعض الروايات: (أنه ما ذكر في ضيق إلا وسعه، ولا ذكر في سعة إلا ضيقها)، فالإنسان إذا ضاقت عليه الدنيا بمرض أو بأي شيء من المكدرات فإنه حين يذكر الموت يقول: لا والله أنا في رحمة، فالموت أشد من ذلك؛ لأن الموت حين يأتي يأتي بكل ما فيه من سكرات وقبر وسؤال؛ فأنا مازلت في نعمة.\nفهو عندما يتذكر الموت يرضى بحاله الذي هو عليه الآن.\nوالإنسان عند السعة وفي وقت الرخاء سيطغى عندما يرى كثرة أمواله، فإذا تذكر الموت فإنه يضيق عليه هذه السعة التي كادت أن تطغيه وأن تذهب بعقله.","vol":"43","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-489>شرح حديث: (جاءت الراجفة تتبعها الرادفة)</span>\nوعن أبي بن كعب ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ثلث الليل قام فقال: يا أيها الناس اذكروا الله، جاءت الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه).\nفالحديث فيه أن النبي ﷺ كان يقوم إذا ذهب ثلث الليل ويقول: (يا أيها الناس اذكروا الله جاءت: الراجفة) يعني: كأنها جاءت، فالله ﷿ حين يقول: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١]، معناه: أنه سيأتي يقينًا، ولذلك عبر عنه بالماضي فقال: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل:١]، ولا أحد يقدر على دفع أمر الله سبحانه، وكذا قوله ﷺ: (جاءت الراجفة تتبعها الرادفة)، يعني: ستقوم وكأن ذلك قد حدث.\nوالراجفة: النفخة الأولى التي ترجف بالخلق وتميتهم.\n(تتبعها الرادفة) أي: النفخة الأخرى ترجف بهم فيبعثون من قبورهم لحسابهم.\nقال: (جاء الموت بما فيه)، يعني: بما فيه من سؤال ومن حساب.\nقال أبي بن كعب: (قلت يا رسول الله! إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟).\nيعني: كم أجعل لك من دعائي، وليس معناه: أنني سأصلي ركعتين وأجعلها للنبي ﷺ، بل المعنى: أنا أكثر من الدعاء فكم مرة أقول: اللهم صل على محمد ﵊؟ قال: (فقال ﷺ: ما شئت.\nقلت: الربع؟)، يعني: ربع دعائي أجعله صلاة عليك؟ قال: (قال ﵊: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قلت: فالنصف) أي: أجعل نصف دعائي لك والنصف الآخر دعاء لنفسي؟ قال: (قال ﷺ: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قالت: فالثلثين؟ قال: ما شئت فإن زدت فهو خير لك قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟) يعني: أجعل دعائي كله صلاة عليك؟ قال: (إذًا تكفى همك ويغفر لك ذنبك).\nيعني: لو كان دعاؤك كله صلاة على النبي فإنك في ذكر لله سبحانه بأن تطلب من الله ﷿ الثناء والصلاة عليه، فإذا كان الأمر كذلك قال ﷺ: (إذًا: تكفى همك)، فأفضل من دعائك لنفسك أن تكثر من الصلاة عليه صلوات الله وسلامه عليه قال: (ويغفر لك ذنبك).","vol":"43","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-490>استحباب زيارة القبور للرجال وما يقوله الزائر</span>","vol":"43","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-491>شرح حديث: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها)</span>\nمن الأبواب التي ذكرها النووي: باب استحباب زيارة القبور للرجال وما يقوله الزائر.\nتشرع زيارة القبور للرجال، وكان جاء عن النبي ﷺ النهي عن زيارة القبور فترة وكأنه لسد ذريعة الشرك بالله سبحانه، حيث كان الناس قريبي عهد بعبادة الأوثان، فكان قد منعهم ﷺ من زيارة القبور ثم قال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكر الآخرة).\nفهو أولًا نهاهم، ولكن عندما استقر التوحيد في قلوبهم أمرهم أن يزوروا القبور؛ لأنها تذكر الآخرة، وأهل الجاهلية كانوا يفتخرون بكل شيء فكانوا يفتخرون بقبورهم، لذلك كان من الحكمة في أول الإسلام أن نهى النبي ﷺ المسلمين عن زيارة القبور، والله ﷿ ذكر الكفار فقال: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١ - ٢].\nومن المعاني لهذه الآيات: أن هؤلاء ألهاهم تفاخرهم عن عبادة الله سبحانه حتى ماتوا، أو حتى ذهبوا ليفتخروا بعدد أمواتهم والذي يدل على أن القبيلة الفلانية أعظم من القبيلة الأخرى.\nولما جاء الإسلام نهاهم النبي ﷺ عن ذلك، فلما استقر في قلوبهم الطاعة والخشوع لرب العالمين سبحانه والبعد عن هذا الفخر والعجب والخيلاء رأى النبي ﷺ أن يأمرهم بزيارة القبور ليتعظوا فقال هنا في حديث بريدة: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)، فأمر بزيارة القبور بعد ذلك ﷺ.\nوفي الباب يقول الإمام النووي: استحباب زيارة القبور للرجال: فهذا الاستحباب للرجال وليس للنساء، بل جاء الوعيد في حق زوارات القبور من النساء، أي: المكثرات من زيارة القبور، قال النبي ﷺ: (لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد)، لعن الله الزورات للقبور من النساء، ولن تكون زوارة إلا بأن تزور مرات ومرات، وكلما مات شخص ذهبت المرأة إلى القبر، فإذا ذهبت إلى المقابر فإنها ترجع بلعنة الله ﷾ عليها، فلا ينبغي للنساء أن يذهبن إلى المقابر، ويمكن أن تقول بعض النساء: سأذهب للعبرة والذكرى.\nفنقول: حتى وإن حصل هذا في الأول إلا أنه بعد ذلك سيرافقه النياحة والندب ورفع الأصوات بالبكاء وغير ذلك، وهذا لا يجوز، فسدًا للذريعة منعت المرأة من زيارة المقابر لا للاتعاظ ولا لغيره، ولكن إذا أرادت أن تتعظ فتبقى في بيتها وتدعو للميت، ولا فرق بين دعائك للميت وأنت في بيتك ودعائك وأنت في المقابر.\nمع ما في الدعاء عند المقبرة من الخصوصية حيث تنظر إلى المقابر وكيف أن أصحابها كانوا في الدنيا يومًا من الأيام، وكل إنسان منهم له بيته، والآن صار في قبر مع سائر الأموات ولا يتميز عنهم بشيء، فنفس الإنسان عندما تحدثه أنه أعلى من غيره وأفضل من غيره، فيتطاول بذلك على الغير فعليه أن يتذكر هذا اليوم حين يكون بداخل القبر محتاجًا إلى الغير، أن يدعو له، وأن يسأل الله ﷿ له الرحمة.","vol":"43","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-492>شرح حديث عائشة في خروج النبي إلى البقيع ودعائه لأهله</span>\nوعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد).\nيعني: عندما يكون النبي عندها في ليلتها التي تكون كل تسع ليال مرة، كان النبي ﷺ يخرج، ولأنه تكرر منه ذلك قالت: (كلما كان ليلتها) فكان ﷺ يخرج ليزور قبور شهداء أحد ويدعو لأهل المقابر هنالك.\nقالت: (فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون)، يعني: الموت الذي وعدتم به قد جاءكم.\n(غدًا مؤجلون)، يعني: القيامة ستكون في الغد، والكل سيبعث للحساب يوم القيامة.\n(وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)، يعني: أنتم سبقتم ونحن وراءكم.\nثم يدعو ويقول: (اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد).\nفهنا في هذا الحديث ذكر بقيع الغرقد، وفي حديث آخر عن عائشة ﵂: (ذهب يدعو لشهداء أحد)، صلوات الله وسلامه عليه، وهذا كان في آخر حياته ﷺ كالمودع للأحياء وللأموات.","vol":"43","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-493>شرح حديث بريدة في زيارة المقابر والدعاء للموتى</span>\nوعن بريدة ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية)، فيشرع للمسلم أن يسلم عليهم قائلًا: (السلام عليكم أهل الديار)، أي: الذين سكنتم هذه الديار، (من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون).\nفالإنسان يتذكر وهو في المقابر أنه أتى لهذا المكان اليوم سائرًا وغدًا أو بعد غد سيذهب إليه محمولًا ويوضع في قبر، فيسأل الله ﷿ العافية للأحياء والأموات، فالحي يحتاج إلى العافية، والميت أحوج إليها.\nوالعافية بمعنى: المعافاة من الذنوب، والمعافاة من العقوبة، والمعافاة من الحساب، فيسأل الله ﷿ له وللأموات أن يعافيه الله ﷿ من عقوبته.","vol":"43","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-494>شرح حديث: (مر رسول الله بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه)</span>\nوعن ابن عباس ﵄ قال: (مر رسول الله ﷺ بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: السلام عليكم يا أهل القبور! يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر).\nأنتم سلفنا ونحن بالأثر، أي: أنتم تقدمتم وسبقتم ونحن وراءكم في نفس طريقكم، فنرد الموت كما وردتم عليه.\nففي زيارة القبور عظة عظيمة للإنسان، ويضيع هذه الموعظة على الإنسان ما يكون فيه عند زيارة القبور من اشتغال بذكر الدنيا والغفلة عن تذكر الآخرة، فعلى الإنسان عندما يصل إلى المقبرة أن يكون في خشوع وصمت إلا من دعاء وذكر لله سبحانه ﵎، ويتذكر ما فيه هؤلاء الأقوام ويعتبر بهم، وكم من إنسان تحمل جنازته ويكون له عند الله ﷿ منزلة عظيمة، وكم من إنسان آخر لا يكون له عند الله منزلة.\nوكم من إنسان تشهد جنازته أعداد غفيرة من الناس يكون مذكورًا عند الناس منسيًا عند الله ﵎، وكم من إنسان يذهب به قلة من الناس إلى القبور وله عند الله ﷿ درجة عظيمة، فكثرة العدد وقلة العدد ليس دليلًا على حب الله ﷿ للعبد أو بغض الله ﷾ للعبد، ولكن كلما كثر العدد فلعله أن يكون أدعى لإجابة الدعاء من مخلصين وموحدين لله ﷾ عندما يدعون للميت.","vol":"43","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-495>ما جاء في كراهة تمني الموت بسبب ضر نزل به ولا بأس به لخوف الفتنة في الدين</span>","vol":"43","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-496>شرح حديث: (لا يتمنين أحدكم الموت)</span>\nومن الأبواب التي ذكرها النووي ﵀: [باب كراهة تمني الموت بسبب ضر نزل به، ولا بأس به لخوف الفتنة في الدين، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يتمن أحدكم الموت؛ إما محسنًا فلعله يزداد، وإما مسيئًا فلعله يستعتب).\nوفي الحديث الآخر: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي)].\nفهنا ينهى النبي ﷺ عن تمني الموت مهما جاء على الإنسان من أشياء تضايقه، فلعله يدعو على نفسه بالموت فيستجيب الله ﷿ له فيموت، وهذا المتمني إما هو محسن وإما مسيء، فإن كان محسنًا فطول العمر أفضل في الإحسان، ولذلك جاء في الحديث الآخر: (خيركم من طال عمره وحسن عمله)، فإذا كان الإنسان مصليًا صائمًا عابدًا لله سبحانه آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، فطول العمر له فيه ثواب عظيم ودرجات عالية.\nفعلى ذلك لا يتمنى المرء الموت؛ لأن ربه أعلم بما يصلح له، قال: (إما محسنًا فلعله يزداد، وإما مسيئًا فلعله يستعتب) يعني: يطلب من الله ﷾ أن يقبل منه عذره وأن يتوب عليه، ولعل الله يعتبه.\nوفي الحديث الآخر: (لا يتمن أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه، إنه إذا مات انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا).\nكلما ازداد عمر المؤمن ازداد خيرًا بالأعمال الصالحة، يكفي أنه يصلي، ويقرأ القرآن، ويواظب على حضور الجمعة والجماعات، ويصوم رمضان، فيكتب له بذلك حسنات عظيمة، فلا معنى لأن يتمنى لنفسه الموت.\nوعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه).\nكأن الغالب أن الذي يدعو على نفسه بالموت حصل له مصيبة، كأن يكون ذهب إلى الامتحان وكانت نتيجته سيئة فقام يدعو على نفسه بالموت، أو كان يطلب شيئًا معينًا فضاع منه هذا الشيء فضاق صدره فقام يطلب الموت، فإذا كان على هذه الحال ضيق الصدر فإنه لا يدري فلعله ساخط على ربه فيموت على ذلك فيلقى ربه وهو ساخط عليه.\n(لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه فإن كان لا بد فاعلًا)، يعني: إذا ضاق به الحال ويريد أن يدعو فليدع بهذا الدعاء: (اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي).\nفتكون بذلك قد أرجعت الأمر إلى ما يشاؤه ربك سبحانه وما يراه الأنفع لك إما الموت العاجل، وإما أن يؤخر لك في العمر.","vol":"43","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-497>شرح حديث خباب: (ولولا أن النبي نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به)</span>\nوعن قيس بن أبي حازم قال: (دخلنا على خباب بن الأرت ﵁ نعوده وقد اكتوى سبع كيات فقال: إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا).\nوخباب بن الأرت رضي الله ﵎ عنه رجل من أصحاب النبي ﷺ الذين ابتلوا ابتلاء شديدًا، فلما أسلم ﵁ أخذه المشركون وعذبوه عذابًا شديدًا، ومرة في خلافة عمر ﵁ كان الناس يتكلمون عما كان يفعله المشركون بالمسلمين، فهنا كشف خباب عن ظهره ﵁ فقال عمر ﵁: ما رأيت أبشع من ذلك، حيث رأى لحم ظهره قد ذاب وكشف عن عظام ظهره، فقد كان المشركون يوقدون النار حتى تصير جمرًا ثم يطرحونه عليها حتى تنطفئ بشحم ظهره رضي الله ﵎ عنه.\nفهذا الرجل الفاضل ﵁ أصابه بلاء ومرض في آخر عمره وبسبب هذا المرض اكتوى سبع كيات، وقال: إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا، وإنا أصبنا ما لا نجد له موضعًا إلا التراب.\nيعني: بعد الفتوحات أصبنا من الغنائم وجاء لنا من الرزق، وهو لم يذكر أنه كان مجاهدًا، وكأنه يقلل من شأن نفسه رضي الله ﵎ عنه، فيقول خباب ﵁: إنه من كثرة المال لم يجد إلا أن يحفر مكانًا في الأرض ويجعل فيه هذا المال.\nوذكروا عنه في رواية عند الترمذي أنه قال: (لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ وما أملك درهمًا وإن في جانب بيتي الآن أربعين ألف درهم)، ولا بد أن يكون مال خباب رضي الله ﵎ عنه هذا حلالًا، ولكن مع ذلك خاف أن يموت وقد ترك أربعين ألف درهم فيسأله الله ﷾ عنها.\nثم يقول ﵁: (ولولا أن النبي ﷺ نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به، ثم أتيناه مرة أخرى وهو يبني حائطًا له، فقال: إن المسلم ليؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب).\nمن تواضعه رضي الله ﵎ عنه يذكر الشيء الذي يحقر به نفسه، فالإنسان عادة إذا صار غنيًا فإنه يحب أن يظهر أمام الناس بما رزقه الله من المال ويقول: أنا سأبني وأنا سأعمل وأنا عندي، لكن هذا يقول: إن الإنسان يؤجر في كل شيء ينفقه إلا ما يجعله الإنسان في التراب.\nيعني: كما يفعل هو في تلك الساعة! قال: (إن المسلم ليؤجر في كل شيء)، يعني: كل عمل حسن يعمله يؤجر عليه إلا في شيء يجعله في هذا التراب، وهذا محمول على الكثرة، يعني: يكون عنده ما يستغني به ثم يبني بيتًا ثانيًا وثالثًا فهذا لا يؤجر عليه عند الله، إنما يكون الأجر على عمل ينفعه، فلعله بنى لابنه أو لابنته، أو أراد بذلك أن يعين إنسانًا فيؤجر على هذا كله، أما أن يكثر لنفسه هذه الأشياء فقال خباب: إن النبي ﷺ ذكر أنه لا يؤجر على ذلك، لكن لا نقول إنه يأثم، وإنما المعنى: أن الذي يكثر من البنيان كأنه يؤمل في الدنيا، وهذا لا يحرم عليه، ولكن غير ذلك أولى، وهو أن يعتبر الإنسان من هؤلاء الأفاضل الذين كان الواحد منهم يبني البيت ومع ذلك لا يمدح نفسه بذلك، وإنما يقول: إن النبي ﷺ قال: إن المرء لا يؤجر على هذا الشيء، ولكن لاحتياجه يصنع ذلك، والله أعلم.\nفالمقصود: أن الإنسان المؤمن يذكر الموت فيستعين بذلك على العمل، ويخاف من الموت الخوف الذي يعينه على طاعة الله ﷾، فالمؤمن خوفه من الموت يحمله على أن يتذكر الحساب ومن ثم يطيع الله سبحانه بأن يبتعد عن الحرام ويرد المظالم إلى أصحابها.\nفالخوف المندوب هو الخوف الذي يدفع للعمل، وليس الخوف الذي يجعل الإنسان يجلس في بيته ولا يصنع شيئًا.\nنسأل الله ﷿ أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يرحمنا في الدنيا وفي قبورنا وفي الآخرة.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"43","page":14},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-498> الورع وترك الشبهات</span>\nإنَّ الله ﷾ قد بيَّن الحلال والحرام، ولكن بينهما أمورٌ مشتبهات، والوقوع فيها يؤدي إلى الوقوع في الحرام؛ ولذلك سدَّ أبواب الوقوع فيها بأن أمر عباده أن يجتنبوها، وقد حثَّ الإسلام علي الورع والزهد عما في أيدي الناس وقاية من الوقوع في الأشياء المحرمة.","vol":"44","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-499>ذكر ما جاء في الورع وترك الشبهات</span>","vol":"44","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-500>معنى قوله تعالى: (وتحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم)</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الورع وترك الشبهات.\nقال الله تعالى: ﴿وَتحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥].\nوقال تعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر:١٤].\nوعن النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) متفق عليه.\nوعن أنس ﵁ (أن النبي ﷺ وجد تمرة في الطريق، فقال: لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها) متفق عليه].\nيكون الإنسان المسلم ورعًا إذا اتقى ما حرم الله سبحانه.\nوالإنسان يطلب من الله ﷾ أن يؤجره على تركه المحرمات أو المشتبهات، فإذا به يتضرع ويحتاط لنفسه، ويحتاط لدينه بزهده في الدنيا، وبزهده في الحرام.\nقال الله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥].\nهذه الآية سيقت في حديث الإفك، وذكر الله ﷾ في سورة النور براءة السيدة عائشة ﵂، وأنب الذين خاضوا في عرضها ﵂، فقال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ﴾ [النور:١٥] يعني: هذا الحديث تحسبون نقله فيما بينكم شيئًا هينًا لا قيمة له، بل هو عند الله عظيم.\nوكذلك كل حديث فيه كذب، وفيه إفك، وفيه إلقاء تهم على مسلم أو مسلمة، وكل حديث فيه قول زور، أو فيه شهادة زور، أو فيه بهتان للإنسان المسلم فهذا قد يحسبه قائله هينًا، يحسبه شيئًا يسيرًا لا قيمة له وهو عند الله عظيم جدًا.\nوقد كان الصحابة يقولون لمن بعدهم: إنكم لتفعلون أشياء هي في أعينكم أدق من الشعرة، كنا نعدها في عهد رسول الله ﷺ من الكبائر.\nفالصحابة ينصحون التابعين فيقولون: تفعلون أشياء هي في أعينكم هينة، ولكن كنا نعدها في عهد النبي ﷺ من الكبائر.\nيعني: لا نفعها أبدًا؛ لأننا نعتبر ذلك كبيرة من الكبائر، ولكنكم تهاونتم بها ونسيتم إثمها فظننتموها شيئًا يسيرًا لا قيمة له.\nقال الله ﵎: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤] وهنا المقصود: التخويف، أي: أن الله يرصدك ويراقبك، فإذا وقعت في الإثم فاحذر من أن يعاجلك بالعقوبة؛ لأن الله بالمرصاد، والله قد يملي للإنسان لعله يتوب، وقد يملي له ليأخذه أخذ عزيز مقتدر، قال رسول الله ﷺ: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته).","vol":"44","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-501>شرح حديث: (إن الحلال بين وإن الحرام بين)</span>\nوورد حديثٌ للنعمان بن بشير في الصحيحين، وله روايات كثيرة مضمونها ما في هذه الرواية، قال ﷺ: (إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس).\nفقوله ﷺ: (الحلال بين والحرم بين) أي: في كتاب الله ﷿ بيان ما أباحه الله ﷾ وما أحله لعباده، وفي سنة النبي ﷺ بيان ذلك، فمن تتبع الكتاب والسنة عرف الحلال وعرف الحرام.\nوقوله ﷺ: (وبينهما -بين الحلال والحرام- مشتبهات)، أي: أمورٌ تشتبه على الكثير من الناس، فلو ردوا الأمر لأهل العلم وأهل التقوى عرفوا أن هذه المشتبهة من باب الحلال أو من باب الحرام.\nفإذا اشتبه على الإنسان شيء من الأحكام رجع لسؤال أهل العلم في ذلك، فإذا اشتبه على أهل العلم في ذلك وقالوا: شبهة، فيجب اجتناب هذا الشيء الذي فيه شبهة، وقوله: (لا يعلمهن كثير من الناس) يعني: الذي يعلم ذلك القليل وليس الكثير.\nوقوله ﷺ: (فمن اتقى الشبهات) يعني: الحكم الشرعي فيما إذا وجدنا شيئًا يشكل علينا ويشتبه علينا فلم نعرف له حكمًا أن نبتعد عنه، فلو تهاون الإنسان في هذا الشيء الذي يحتمل أن يكون حرامًا قد يجره لأن يقع في الحرام المحض.\nفقال: (فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه)، (استبرأ): السين للطلب والاستدعاء بمعنى: أنه استدعى البراءة وطلبها للدين وللعرض، فلا يقدح في دينه، ولا يقدح في عرضه، فلا يقال: فلان هذا يفعل الحرام، أو يأكل الحرام، فيبرئ دينه بينه وبين ربه سبحانه وعرضه أمام الناس.\nوقوله ﷺ: (ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام) المعنى: أنه شيء يجر إلى الحرام، مثلما ذكر لنا النبي ﷺ في الحديث: (لعن الله السارق يسرق الحبل فتقطع يده، ويسرق البيضة فتقطع يده)، مع أن البيضة ليس إقامة الحد ولكن تجر إلى غيرها، فإذا مد يده وأخذ بيضة فإنه في المرة الثانية يمد يده ويأخذ شيئًا له قيمة، ثمَّ المرة التي بعدها يأخذ ربع دينار فتقطع يده بسبب ذلك.\nفالمشتبه يجر إلى الحرام، والحرام يجر بعضه إلى بعض حتى يعيش الإنسان من الحرام ويستمرئه، وينسى أمر الحلال، فقال ﷺ لنا: (من وقع في الشبهات وقع في الحرام) وضرب لنا مثلًا جميلًا صلوات الله وسلامه عليه فقال: (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه).\nالحمى: المكان الذي يحميه الحاكم، فهذا خاص بخيول الدولة، وهذا خاص بخيول المسلمين، وهذا خاص بإبل الصدقة، وهذا خاص بأغنام الزكاة، فهذه المحمية مكان محرم ممنوع، فإذا استخف الراعي بالأمر وأخذ الغنم وقال: هذا الحمى حمى السلطان، سأذهب أرعى بجواره، فتدخل غنمة حمى السلطان، ويأمر السلطان بمصادرتها، ويأمر بمعاقبة هذا الإنسان، ولا يقدر أن يدفع الضر عن نفسه.\nفالراعي حين يرعى حول الحمى فإنه قد يدخل فيه؛ ولذلك قال النبي ﷺ: (يوشك أن يَرتع فيه)، فإذا دخل حمى السلطان فإنه قد يؤخذ ويعاقب، كذلك إذا وقع في حمى الله ﷾.\nفكلمة: (حمى) معناها الشيء الممنوع، والمكان المحمي مصان من وجود أي إنسان فيه، والإنسان الذي يحوم حول الشبهات، ظنًا منه أنها ليست حرامًا، يقع فيها ويستهين بها، حتى تجره إلى الحرام فيقع فيه وهو يعلم أنه حرام.\nوقال النبي ﷺ: (ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه)، فإذا كانت ملوك الأرض يجعل الواحد منهم له محمية فالله ﷾ ملك الملوك له حمىً، وحمى الله محارمه، فهو سبحانه حرم عليكم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فالذي يحوم حول الفواحش، ويستهين بها، تجره إلى الحرام فيقع فيه، كأن يذهب إنسان إلى مكان فيه فتنة معللًا ذلك أنه محصن بالإيمان، فيستهين بهذه الفتنة وتجره إلى الحرام، ففي البداية يكون مشتبهًا عليه، وبعد ذلك يكون حرامًا ولا يهمه إن وقع فيه أو لا.\nوقال ﷺ: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب).\nذكر الله القلوب في قوله سبحانه: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].\nفعمى البصر يؤجر عليه الإنسان طالما أنه صابر محتسب، (إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه -أي: بعينيه- فصبر، عوضته عنهما الجنة).\nفالله يقول: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ﴾ [الحج:٤٦] إذًا: العمى عمى القلب ليس عمى البصر، والقلب في الصدر، وقلب الإنسان يعمى عن معرفة الحق.\nفهذا الذي قاله النبي ﷺ: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله)، وهذا القلب محل تفكير الإنسان ومحل ما يعقل به، ويؤكد ذلك أنه لم يقل (القلوب) فقط، ولكنه قال: ﴿الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].\nفمحل فكر الإنسان وتعقله وعواطفه هو قلَبْه الذي في صدره، وهذه النكتة ذكرها القرآن في الماضي واكتشفها العلماء حديثًا، وذلك لما بدءوا في زراعة القلوب بدأ ينكشف لهم أن القلب هو محل تعقل الإنسان ومحل عواطفه وبصيرته، فعندما ينقلون قلب إنسان لإنسان آخر يجدونه حيًا أشبه بالميت، ليس عنده عاطفة ولا حواس، ولا يعرف أقاربه، ولا يعرف أن بينه وبينهم رحمًا؛ لأن قلبه حَلَّ مكانه قلب آخر، فسبحان الله الذي يقول: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].\nويخبرنا النبي ﷺ: أنَّ هذا القلب قطعة من اللحم موجودة في صدره، إذا صلحت هذه القطعة من اللحم صلح عمل الإنسان كله، فالقلب ملك والجوارح جنود، إذا صلح الملك صلحت رعيته.\nقال: (إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت -إذا فسد قلب الإنسان- فسد الجسد كله)، والقلب يدفع الإنسان بتهوره إلى أن يقع في الحرام، وذلك عن طريق وقوعه في الشبهات، واستهانته بمحارم الله سبحانه.\nفالإنسان يصلح قلبه بموافقة شرع الله سبحانه، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا» [الشمس:٩ - ١٠]، إذًا: يزكي نفسه، ويطهر قلبه من الآفات، ويطهر نفسه من البلايا والمعاصي، ويئوب إلى الله سبحانه ويتوب، ويصلح حاله مع الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].","vol":"44","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-502>شرح حديث: (لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة)</span>\nوفي الصحيحين من حديث أنس ﵁: (أن النبي ﷺ وجد تمرة في الطريق، فقال: لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها).\nتمرة وجدها في الطريق، وما قيمة التمرة؟ فلو وجدها أي إنسان جاز له أن يأخذها ويأكلها، لكن النبي ﷺ أورع الخلق لم يأكل هذه التمرة التي وجدها خوفًا أن تكون هذه التمرة من الصدقة، وقد حرم الله ﷿ على النبي ﷺ وعلى آل بيته أن يأكلوا من الصدقة أو الزكاة.\nفلما وجد النبي ﷺ هذه التمرة خشي أن تكون من الصدقة فلم يأكلها ﷺ، وقال: (لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها)، يبين لهم أن هذا يجوز لكم ولا يجوز لي، فهذا ورعه ﷺ في تمرة.\nوفي إحدى المرات وجد النبي ﷺ تمرة في فم الحسين، فإذا به يخرجها من فمه ﷺ ويقول له: (كخ كخ إنا لا نأكل الصدقة).\nوالنبي ﷺ يعلمه من صغره فيقول: (يحرم علينا الصدقة فلا يجوز لنا أن نأكل منها).","vol":"44","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-503>شرح حديث: (والإثم ما حاك في النفس)</span>\nوفي حديث النواس بن سمعان ﵁ عن النبي ﷺ قال: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس) حديث في صحيح مسلم.\nيبين لنا صلوات الله وسلامه عليه قاعدة ذهبية عظيمة، والبر: كلمة تجمع جميع وجوه الخير، وحصرها النبي ﷺ في قوله: (البر حسن الخلق).\nفإذا حسنت خلقك كنت من أهل البر، والإنسان يتعجب ما علاقة حسن الخلق بالبر؟! إن من حسن الخلق أن يحسن الإنسان خلقه في معاملته مع ربه، وفي معاملته مع الناس، وفي معاملته مع أهل العلم، وفي معاملته مع الشيخ الكبير والطفل الصغير، ومع أهل بيته.\nوحسن الخلق يجعل الإنسان متواضعًا، فإذا تواضع لن يستكبر على طلب العلم، فيطلب العلم من الصغير ومن الكبير ومن أهله، فهو يريد وجه الله، فإذا به بحسن خلقه يكون قريبًا من الناس، فإن أخطأ في شيء وقالوا: هذا خطأ؛ يجتنب هذا الخطأ، وإذا وجدوه على شيء من الأمور الذي قد ينحرف بها سرعان ما يرشدونه؛ لأنهم يحبونه، فهو محبوب من الله محبوب عند الخلق.\nفبحسن خلقه يرشده الله ﷿، ويدله على الخير، ويتقرب الناس إليه، ويدعون له وينصحونه ويفيدونه ويستفيدون منه، فحسن الخلق جمع كل الخير، فصار كريمًا مع الناس؛ لأن الكرم من حسن الخلق، وصار رحيمًا شفوقًا عطوفًا على الناس، فيكون أنفع الناس للناس، وأحب الناس إلى الله أنفعهم للناس.\nوحسن الخلق يدفع الإنسان إلى أن يبحث عن وجوه الخير ليفعلها؛ لأنه يريد أن يكون رحيمًا، وأن يكون جوادًا، وكريمًا وشجاعًا، وأن يكون متقدمًا على غيره في طلب العلم رضًا لله سبحانه، وأن يتنافس في فعل الخير، فحسن الخلق مفتاح البر.\nقال ﷺ: (والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس).\nالإثم ليس عصيانًا ظاهرًا يعرفه الإنسان، وكل إنسان يعرف المعصية الظاهرة، فالإثم فيه كبائر الذنوب، وفيه الموبقات، وفيه صغائر الذنوب، وفيه الشرك الخفي والشرك الجلي، ولكن هذه الأشياء يعرفها الإنسان المسلم، واللص يأتي كبيرة من الكبائر ويتوارى عن الناس ويسرق، ولكن بينه وبين الله يستحل المحارم ولا يخاف؛ لأنه لا يستحضر مراقبة الله ﷿ له، فقال النبي ﷺ: (الإثم ما حاك في نفسك)، فأي إثم تريد أن تعمله وحاك في نفسك وتردد، أو كرهت أن يراك الناس على ذلك، فهو إثمٌ ينبغي لك أن تجتنبه.\nإذًا: الشيء الذي تفعله أمام الناس وأنت في غير حرج فهذا ليس من الإثم، طالما أن الفطرة نقية والقلب سليم، ولكن عندما تنعكس الفطر والقلوب وتنتكس فإذا بالمرء يتبجح ويقول: ليس في ذلك حرج أن أعْمله أمام الناس، فيسرق أمام الناس، ويزني أمام الناس، ويضايق البنات أمام الناس، ويتبجح بهذه المعصية، فهو يعرف أنها معصية، فهذا الإنسان قد صار المعروف عنده منكرًا، والمنكر عنده معروفًا، فأصبح قلبه مظلمًا لا يتبين له الخير من الشر، وإذا مات على ذلك صار من أهل الجحيم، والعياذ بالله؛ لأنه إنسان ظالم لنفسه ظالم لغيره.\nلكن الإنسان المؤمن في قلبه ما يدله على أن هذا خير فيفعله، وأن هذا شر فيجتنبه.","vol":"44","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-504>شرح حديث: (البر ما اطمأنت إليه النفس)</span>\nروى الإمام أحمد والدارمي بإسناد فيه ضعف: عن وابصة بن معبد ﵁ قال: (أتيت رسول الله ﷺ فقال: جئت تسأل عن البر؟ قلت: نعم.\nفقال: استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك).\nهذا الحديث له شاهد آخر من حديث أبي ثعلبة بالمعنى نفسه، فالمعنى صحيح، ويدل عليه حديث النواس الذي ذكرناه قبله، وهذا الحديث فيه حكاية ذكرها الإمام أحمد في مسنده، فيها: أن الرجل ذهب إلى النبي ﷺ والناس مزدحمون حوله، فأراد الإقبال على النبي ﷺ، فنهاه الناس أن يفعل هذا أمام النبي ﷺ، فالرجل علل بأنه يحب النبي ﷺ حبًا شديدًا يدفعه لذلك، فقال النبي ﷺ لهم: (أفسحوا لـ وابصة).\nفجاء وابصة يريد أن يسأل النبي ﷺ، وقبل أن يسأل قال له النبي ﷺ: (تسأل أم أخبرك؟) قال: بل أخبرني يا رسول الله! فقال له النبي ﷺ: (جئت تسأل عن البر؟ قال: نعم، فقال ﷺ: استفت قلبك)، يعني: الأمر الذي يشكل عليك لعلك تسأل عالمًا من العلماء وبحسب صيغة السؤال يعطي الجواب، فالمرء قد يسأل بطريقة معينة ويفتي العالم بأن ذلك حلال ليس فيه شيء، فإذا بالعالم الآخر يعطي تفاصيل أكثر وينقلب الجواب؛ لأنه حرام ليس حلالًا، فعلى هذا المرء أن يستفتي قلبه ويأخذ بأحد الأمرين، فالنبي ﷺ قال: (استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب).\nوإذا اطمأن قلبك لشيء فافعل هذا الشيء، وإذا شككت فيه وحاك في قلبك وفي صدرك فاترك هذا الشيء، والإنسان أدرى بما في قلبه وبما يريد؛ ولذلك قال النبي ﷺ: (والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك).\nيعني: الفتوى وحكم الحاكم لا تغير من حقيقة الأمر شيئًا فالحرام حرام وإن أجاب المفتون على سؤالك بأنه حلال، كأن يجد الإنسان قطعة من الأرض في مكان، وصاحبها غائب منذ زمن، فيأخذ الأرض ويضع يده عليها، ويأتي إلى المحكمة والقاضي يحكم له، أنه بوضع اليد تكون قطعة الأرض له.\nفهي ليست أرضه وليست ملكه، حتى وإن حكم القاضي أنها له؛ لأنه يعرف بنفسه أنها ليست له، فلا يخدع نفسه بذلك، فإن النبي ﷺ يقول: (من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين)، يعني: يجعل الطوق في عنقه من سبع أراضٍ يوم القيامة ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤]، فلا يخدع نفسه، ولا يخدع غيره.","vol":"44","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-505>شرح حديث: (كيف وقد قيل</span>؟)\nوعن أبي سروعة واسمه عقبة بن الحارث: (أنه تزوج ابنة لـ أبي إهاب بن عزيز فأتت امرأة فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي قد تزوج بها).\nوفي رواية: أن هذه المرأة التي جاءت كانت أمة سوداء، فكأنه استقل أمر هذه الأمة، (فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني، فركب إلى رسول الله ﷺ) يعني: الرجل كان في مكة فركب وسافر المدينة، (فسأله، فقال رسول الله ﷺ: كيف وقد قيل؟!).\nيعني: الرجل يقول: هذه المرأة تزعم أنها أرضعتني أنا وزوجتي وأننا إخوة من الرضاعة، فقال له النبي ﷺ: (كيف وقد قيل؟!) وأمره أن يفارقها (ففارقها عقبة ونكحت زوجًا غيره).","vol":"44","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-506>شرح حديث: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)</span>\nمن الأحاديث: حديث رواه الترمذي عن الحسن بن علي ﵁ قال: (حفظت من رسول الله ﷺ: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك).\nفإذا شككت في شيء وحاك في صدرك فاتركه ولا تنشغل به؛ لأنه يلهيك عن صلاتك وعبادتك وعملك، والنبي ﷺ يقول: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك).\nإذًا: إذا كثرت الاستفهامات في هذا الأمر فاتركه ولا تعمل به، فإن كان في السوق أشياء قديمة وشككت أنها فاسدة فابتعد عنها وامتنع عن شرائها، أو رجل ليس ما له حلالًا ويريد أن يشغل ماله عندك، وأنت تعلم أن معاملته غير طيبة، فابتعد عن هذا الإنسان الذي تشك في أن ماله ليس حلالًا.\nكان رجلٌ موظفًا في شركة، واعتاد أن يأخذ رشوة من الناس فجمع في البنك مائة ألف ومات وتركه، فأخذ الورثة يسألون عما خلف لهم من مالٍ مقداره مائة ألف عن طريق الرشوة، فهي فلوس من حق الشركة وليست من حقه، إذ كان يأخذها ولا يسلمها للشركة، فهذا المال ليس حقًا له؛ لأنه مال حرام لم يستمتع به في الدنيا، ومات ليحاسب عليه يوم القيامة.\nرجل آخر جمع مالًا عن طريق الحرام وكان له أملاك طائلة، فاستيقظ قلبه وحاك الإثم في نفسه فأفاق فإذا كل المال الذي معه حرام، فعليه أن يخرج من هذا الحرام، قبل أن يسأله الله ﷿ عليه يوم القيامة، ولا بد أن يرجع الأموال لأصحابها إذا كانت مسروقة، أو مغصوبة، أو حقوقًا للشركة، أو غير ذلك، فعليه أن يبدأ طريقه من جديد ولا يأكل إلا حلالًا، ولا يجوز أن تتصدق بالمال وصاحبه موجود، فالحق يرجع إلى نصابه.\nورجل أخذ شيئًا لقطة، ثم بعد عشر سنين أخذ يسأل ماذا يعمل بها؟ فعليه إثمها؛ لأنه يلزمه أن يعلن عنها عندما وجدها، والإعلان يكون سنة، ويعلن عنها إعلانًا يراه الناس، ويعرفون أن هناك شيئًا قد ضاع فيجيء الناس إليه.\nإذًا: من البداية إذا حاك في نفسك شيء فابتعد عنه؛ لأنه شبهة كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) هذا فيما يحيك في صدرك، فكيف بما تعلم يقينًا أنه حرام؟","vol":"44","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-507>من ورع أبي بكر وعمر</span>","vol":"44","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-508>ذكر قصة أبي بكر عندما أعطاه غلامه شيئًا حرامًا أكله ثم تقيأه</span>\nوعن عائشة ﵂ قالت: (كان لـ أبي بكر الصديق ﵁ غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يومًا بشيء، فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: تدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته، فلقيني فأعطاني بذلك هذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه) رواه البخاري.\nغلام أبي بكر أي: عبد عند أبي بكر ﵁ كان يأتي بالخراج فيدفعه لـ أبي بكر الصديق رضي الله ﵎ عنه، فهذا العبد كان كلما أتى إلى أبي بكر بشيء من طعام حلال يأخذه أبو بكر ﵁.\nوفي مرة من المرات أخذ أبو بكر ما أتاه الرجل به وأكله رضي الله ﵎ عنه، ولم يأخذ في باله أنه حرام؛ لأنه دائمًا كان يأتيه بحلال، لكن هذه المرة قال الغلام لـ أبي بكر الصديق ﵁: تدري ما هذا الذي أكلته؟ وكأنه قد أفلح أنه استطاع أن يجعل هذا الرجل الذي تكهن له أن يعطيه حلوى.\nفقال الغلام: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وفي رواية: (لإنسانة) امرأة كانت حامل، فعلمها كلمات تقولها حتى يكون المولود ذكرًا حسب زعمه، فلمَّا خلفت المرأة ولدًا قابله زوجها وأعطاه حلوى، فأخذها وذهب إلى أبي بكر يخبره عما فعل، وكأنه يشير إلى أنه كان ذكيًا في ذلك.\n(فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه)، فقد حاول أبو بكر أن يستفرغ كل الذي في بطنه حتى أجهد نفسه، فدلوه على شرب الماء ثمَّ يتقيأ ففعل رضي الله ﵎ عنه وهو يقول لهم: لو لم تخرج إلا بروحي لأخرجتها، وأخبر أن النبي ﷺ قال: (ما نبت من حرام فالنار أولى به)، أي: الجسد الذي ينبت من الحرام أولى أن يدخل نار جهنم، فلذلك خشي أبو بكر رضي الله ﵎ عنه على نفسه من النار ففعل هذا الشيء.","vol":"44","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-509>ورع عمر في إنقاص ابنه من العطاء</span>\nوعن نافع: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف، وفرض لابنه ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقيل له: هو من المهاجرين فلم نقصه؟ فقال: إنما هاجر به أبوه.\nيقول: ليس هو كمن هاجر بنفسه.\nالحديث رواه البخاري.\nإنَّ عمر بن الخطاب ﵁ كانت ولايته رحمة للناس، ورحمة بالمؤمنين، وكان على عدالة عظيمة جدًا، إذ كان يحكم فيعدل بين الناس، ولا يخاف من أحد، إنما يخاف من الله ﷾، ولما جاءت المغانم وفتح الله عليه الفتوحات إذا به يقسم للناس هذه الغنائم.\nفكان يقسم للناس على حسب مراتبهم، ففرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف، يأخذ المهاجر أربعة آلاف درهم من الدولة كل عام، وذلك من المغانم ومن الفيء ونحو ذلك، وفرض لابنه عبد الله بن عمر ﵁ ثلاثة آلاف وهو من المهاجرين وقد كان عبد الله بن عمر في غزوة أحد عمرة حوالي أربع عشرة سنة، ولم يجزه النبي ﷺ، فلما بلغ عمره خمس عشرة سنة أجازه النبي ﷺ.\nفـ عبد الله بن عمر ﵁ هاجر مع أبيه إلى النبي ﷺ وعمره إحدى عشرة سنة مثلًا، فأبوه يراعي أنه لمَّا هاجر كان صغيرًا، وأن الذي هاجر به أبوه، فأعطاه أقل مما أعطى للمهاجرين.","vol":"44","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-510>الزهد باب من أبواب الورع واجتناب الشبهات</span>\nعن عطية بن عروة السعدي الصحابي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس).\nالحديث رواه الترمذي وحسنه ولكن إسناده ضعيف.\nوالمعنى: أن العبد حتى يكون تقيًا، وحتى يكون ورعًا لابد أن يزهد فيما في أيدي الناس، ويبتعد عن ذلك، (ويدع ما لا بأس به) يعني: من الأمور، فإنه إذا وجد مباحًا فإن المباح يليه المشتبه فيه، ويليه المحرم، فعليه أن يأخذ من المباح بقدر ما يحتاج إليه، فلو توسع في المباح فإنه سيقع في الشبهة، فإذا به يقع في الحرام.\nفلذلك الإنسان يفطم نفسه، ولا ينبغي له أن يأخذ كل شيء مباح، فهناك مستحبات وهناك واجبات، فيأخذ بعضًا من المباحات، ويترك بعضها أحيانًا، حتى يربي الإنسان نفسه؛ لأنه لو فتح على نفسه كل المباح لَفتح المكروه، وفتح المشتبه وفتح الحرام بعد ذلك.\nوقد جاء عن النبي ﷺ أحاديث في الورع، وفي أن الإنسان إذا اجتنب الحرام كان ورعًا، فقال لـ أبي هريرة: (اتق المحارم تكن أعبد الناس)، وإذا بعدت عن الحرام يجعل الله ﷿ في قلبك نورًا، وبهذا النور تسير إلى الحلال، وتسير فيما يرضي الله ﷾ فتكون أورع الناس.\nنسأل الله ﷿ أن يعيننا على ذكره وشكره وعلى حسن عبادته، وعلى أن نكون من أهل الزهد والورع.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"44","page":13},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-511> اعتزال الناس عند فساد الزمان</span>\nإن الاختلاط بالناس والصبر عليهم، ودعوتهم إلى الله تعالى من أحسن الأعمال والطاعات، ومن أجل القربات، لكن إذا كان الاختلاط بهم قد يضر المرء في دينه كأن يكونوا عصاة ولم يستجيبوا لدعوته، فرأى أنهم سيؤثروا عليه سلبًا فهنا يعتزلهم ويجالس أهل الصلاح، فإن السلامة لا يعادلها شيء.","vol":"45","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-512>محافظة المسلم على دينه واعتزال الفتن وأهلها</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب استحباب العزلة عند فساد الزمان، أو الخوف من فتنة في الدين، أو وقوع في حرام وشبهات ونحوها.\nقال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠].\nوعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي)، رواه مسلم.\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (قال رجل: أي الناس أفضل يا رسول الله؟! قال: مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله، قال: ثم من؟ قال: ثم رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه - وفي رواية - يتقي الله ويدع الناس من شره)، متفق عليه.\nوعنه قال: قال رسول الله ﷺ: (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمًا يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر؛ يفر بدينه من الفتن)، رواه البخاري].\nهذا باب آخر من كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي ﵀ استحباب العزلة عند فساد الزمان، والعزلة أن يعتزل الإنسان الناس عند كثرة الشرور، فإذا كان الإنسان لو اختلط بالناس سيصل به ذلك إلى أن يهوي معهم، وإلى أن يضيع ويفتن في دينه، ويفتن عن هذا الأمر العظيم الذي في قلبه وهو الإيمان، فعليه أن يبتعد عما يكون سببًا في ذلك.\nفالمؤمن يختلط بالناس اختلاطًا ينتفع به وينتفعون به، وأما اختلاط يضيع على الإنسان دينه، فالمسلم يضن بدينه أن يضيع، فلذلك إذا لم تكن هناك وسيلة إلا أنه يعتزل الناس فهذا آخر ما يلجأ إليه المؤمن.\nفليس الأصل هو الاعتزال، وإنما الأصل الاختلاط بالناس، ولذلك جاء فيها أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ، بل هو فعله ﷺ وفعل أصحابه والتابعين من بعدهم أنهم يختلطون بالناس، ويدعون الناس إلى الله ﷿، ويجاهدون في سبيل الله، ولكن حين يضيق الأمر بالمؤمن ولا يجد مكانًا يذهب إليه إلا وفيه الفتن، فإنه يعتزل إما اعتزالًا مخصوصًا لأناس معينين ويختلط بغيرهم، أو أنه يعتزل الجميع إذا كان يخشى أن يضيع باختلاطه بالناس.\nإذًا فتستحب العزلة عند فساد الزمان، فتفسد أحوال الناس، ويصير الحرام هو الذي يشيع بين الناس في كل شيء: في أخلاق الناس، وفي معاملاتهم؛ في أخذهم وعطائهم، فيعتزل هؤلاء الذين يخاف منهم على دينه.\nإذًا فعند فساد الزمان أو الخوف من فتنة الدين، أو يخاف على نفسه الردة، ويخاف على نفسه أن يصير فاسقًا بعدما كان مؤمنًا، ويخاف أن يقل إيمانه فله ذلك.\nوأما إذا كان يختلط بالناس فيزداد إيمانًا فليختلط.\nقال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠].\nفالنبي صلوات الله وسلامه عليه نذير من عند الله ﷿ مبين، أي: نذير واضح جلي مبين لشرع الله ﷿ بيانًا واضحًا عظيمًا جليًا، فلم يستسر بالدعوة وإنما أعلنها، وهو نذير مبين للناس الأحكام الشرعية، فلم يخفِ شيئًا عنهم من دين رب العالمين، بل بينه، فهو نذير يخوفهم عذاب الله ﷿، وما أعده للقادمين، فقال: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠] فهو يدعوهم إلى أن يفروا من الناس وأن يلجئوا إلى الله ﵎، فهو الملجأ سبحانه، وهو الذي يغيث عباده ويعصمهم، ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠].","vol":"45","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-513>ما جاء في فضل العزلة عند فساد الزمان</span>","vol":"45","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-514>شرح حديث: (إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي)</span>\nوجاء في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي) أي: الإنسان الذي يتقي الحرام.\nوقد جاء في حديث أبي هريرة قبل ذلك أن النبي ﷺ قال له: (اتق الحرام تكن أعبد الناس) أي: إذا أردت أن تكون أفضل العبّاد لله فلا تقرب الحرام، فصفة العبودية لله صفة تشريف، فالله سبحانه وحده هو الخالق، وما سواه مخلوقون، فهم عبيد لله، فهو سبحانه يحب من عباده من كان متصفًا بهذه الصفات: أن يكون تقيًا غنيًا خفيًا.\nفالتقي هو الذي يتقي الحرام، ويتقي غضب الله، ويتقي المعاصي والذنوب، فهو تقي وهو غني.\nقال لنا النبي ﷺ في تعريف الغنى: (ليس الغنى عن كثرة العرض) أي: ليس الغنى أن يكون لديك مال كثير، (ولكن الغنى غنى القلب)، أي: امتلأ قلبه إيمانًا فاستغنى بهذا الإيمان، وامتلأت نفسه شبعًا بتقوى الله سبحانه، فلا ينظر إلى الدنيا ولا يأبه لها مهما أوتي الناس من كنوز، فكنزه في قلبه وهو إيمانه العظيم، فقد علم أنه مهما أوتي من مال فسيتركه يومًا من الأيام، فاستغنى بما عنده من إيمان وبعمله الصالح، فغناه في قلبه وليس محتاجًا إلى أحد، وإنما هو محتاج إلى الله ﷿، فقد ركن إلى الله ولم يركن إلى الذين ظلموا، فقد امتلأ قلبه غنى.\nقال: (إن الله يحب العبد التقي الغني) يعني: أن قلبه غني غير محتاج إلى أحد، فلا يستشرف إلى شيء من الدنيا.\nقوله: (الخفي) يعني: الذي يداوم على العمل ويخفي هذا العمل، فلا يعلن العمل أمام الناس وهو في السر لا يعمل شيئًا، فهذا عمله صالح، وأكثر ما يكون من عمله في الخفاء، فالله ﷿ يحب هذا.\nفإذا أحبه الله كان الأمر كما قال الله تعالى في الحديث الآخر: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها؛ ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه).\nفالعبد الذي يحبه الله ﷿ عبد قريب من الله، وهو عبد إذا طلب من الله أعطاه، ومع ذلك فهو لا يطلب من الله دنيا؛ لأن الدنيا أحقر من أن يطلبها، وإنما يطلب الآخرة، ويطلب أن يكون مع النبي ﷺ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩]، فتجده يطمع الطمع الحقيقي، وهو الطمع فيما عند الله ﷿.\nوأما الطمع في الدنيا فهو شيء حقير؛ لأنك مهما أوتيت من الدنيا فستتركها يومًا من الأيام، ولو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء، لذلك فهذا العبد يطمع فيما عند الله سبحانه، يطمع في جنة الله سبحانه، فهذا هو الطمع الحقيقي، وهذه هي المنافسة الحقيقية، ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، فالله ﷿ يحب من عبده أن يكون تقيًا غنيًا خفيًا.","vol":"45","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-515>شرح حديث: (أي الناس أفضل يا رسول الله</span>؟)\nومن الأحاديث في ذلك: حديث في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري وفيه: (أن رجلًا سأل النبي ﷺ: أي الناس أفضل يا رسول الله؟! قال: مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله).\nإذًا: فالاختلاط بالناس أمر حسن وجميل إذا كان على هذه الهيئة، فهو مجاهد بنفسه وماله، فيبذل نفسه في سبيل الله ﷿، ويجاهد الكفار، ويجاهد المنافقين بيده وبلسانه وبقلبه، ويختلط بالناس فيأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويعلمهم الخير وينهاهم عن الشر، فهو مؤمن مختلط بالناس مجاهد في سبيل الله ﷿، فهذا أفضل ما يكون، ونفعه متعدٍ فكان أفضل.\nوالذي يليه قال ﷺ: (ثم رجل معتزل في شعب من الشعاب)، فليس كل الناس يستطيعون أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، فالرجل يسأل النبي ﷺ: ثم من؟ أي: فالذي لا يقدر على هذا الشيء، فمن الذي يلي هذا؟ قال: (ثم رجل معتزل في شعب من الشعاب).\nوالشعب هو الطريق بين الجبلين، وكأن الدنيا قد ضاقت عليه، فالدنيا كلها فتن وبلاء ومصائب، فكلما ذهب إلى ناحية وجد الفتنة، وكلما ذهب إلى معاملة وجد الحرام، فإذا به يذهب إلى الشعب بين جبلين؛ من أجل ألا يرى أحدًا من الناس.\nويكون معه غنم في ذلك الشعب؛ من أجل ألا يحتاج إلى أحد من الناس، فهو يلبس من صوفها، ويأكل مما يستخرجه منها، ويشرب من ألبانها، فزهد هذا في الدنيا لأنه يخاف على نفسه من الفتن، فإذا به يعتزلها إلى أن يصل به الحال إلى هذه الصفة.\nوليس ذلك مطلوبًا من الناس كلهم، ولكن إذا ضاقت على المؤمن الدنيا فوجد الملجأ في البعد عن الناس فله ذلك، وكل إنسان يبتعد بحسب ما يقدر عليه، فهذا يجد مثلًا في الحي الفلاني فتنًا فيبعد عنهم، وهذا يجد في القبيلة الفلانية الفتن فيبعد عنها، أو في البلدة الفلانية فتنًا بعد عنها، فيعتزل الإنسان أهل الفتن وأهل المعاصي، ويكون أصحابه ورفقاؤه هم أهل الله ﷿، وهم عباد الله سبحانه، هم أصحابه في بيت الله، فيصلي مع المسلمين، ويكون مع الناس في طاعتهم لله سبحانه، ويقلل من رفقاء السوء قدر المستطاع، وهذا طالما أنه لا يقدر على أن يدعوهم إلى الله، بل يخاف أن يفتنوه.\nوقال النبي ﷺ للرجل الذي سأله عن المخرج: (ابك على خطيئتك، وليسعك بيتك)، إذًا فابق في بيتك وقلل من الخروج إلى الناس طالما أن المخالطة مع الناس تؤذيك وتفتح لك طريق النار.\nإذًا: فهذا الإنسان يلزم بيته ويبتعد عن شرور الناس، وأفضل شيء أن يدعو إلى الله ﷿، وأن يختلط بالناس ليدعوهم إلى الهدى، ولكن إذا وصل أمر الاختلاط إلى أنه سيضيع فليتدارك نفسه وليبتعد عن شرار الخلق، قال لنا ﷺ: (ثم الرجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه)، وفي رواية: (يتقي الله ويدع الناس من شره).","vol":"45","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-516>شرح حديث: (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمًا يتبع بها شعف الجبال)</span>\nوفي حديث آخر عن أبي سعيد أيضًا ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمًا يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر؛ يفر بدينه من الفتن).\nفهذا أفضل أموال المسلم، وقوله: (يوشك) يدل على أنه سيكون قريبًا، وما هو آت فهو قريب، كما قال الله سبحانه: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب:٦٣]، بل يقول: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١]، فالساعة قريبة وآتية لا ريب في ذلك، فما هو آت فهو قريب.\nوانظر إلى أحاديث النبي ﷺ العجيبة، فهو لا ينطق عن الهوى، وإنما ذلك وحي من الله سبحانه يوحيه إليه، فهو يخبر بأشياء فتكون كما قال، فقد قال: (لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه)، وهذا ما نراه ونلمسه.\nوقال: (صنفان من الناس لم أرههما: رجال معهم سياط كأذناب البقر، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات)، فأحد هذين الصنفين هم الشرط، والنبي ﷺ لم يرهم، ومع ذلك أخبر أنهم سيكونون، فكانوا كما قال ﷺ.\nقوله: (ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات)، مثل أن تلبس المرأة ثيابًا خفيفة تشف عما تحتها، أو أن تلبس ثيابًا ضيقة تفصل الجسد تحتها، أو أن تلبس ثيابًا قصيرة لا تستر إلا بعض الجسم.\nوهذا كله قد وجد في عصرنا هذا، فصدق رسول الله ﷺ! فإذا صارت الفتن تحيط بك ولا تقدر على مدافتعها، فاعتزل هذه الفتن، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك.\nيقول ﷺ: (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال)، شعف الجبال هي رءوس وقمم الجبال، يعني: يأخذ معه غنمات فيها كل ما يحتاج إليه الإنسان، فهي طعامه وفيها شرابه وكسوته، فاكتفى بهذا الشيء اتقاء لغضب الله سبحانه، فابتعد عن الفتن بذلك.\nقال: (يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر)، يعني: يبحث عن المكان الذي وقع فيه المطر؛ من أجل أن تشرب الغنم، ومن أجل أن يكون هناك كلأ تأكل منه الغنم.\nوبعض الناس يجد أمامه الفتن فيقول: ماذا أعمل، فالدنيا كلها فتن ومثلي مثل الناس! فهو إمعة إذا أحسن الناس أحسن، وإذا أساءوا أساء، نسأل الله العفو والعافية.\nوفي حديث آخر يرويه البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم، فقال: أصحابه: وأنت؟ قال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)، فكان يرعى الغنم صلوات الله وسلامه عليه.\nوهنا عندما يقول: (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمًا) لعل بعض الناس يأنف أن يرعى الغنم فنقول له: إن النبي ﷺ قد رعى الغنم يومًا من الأيام، فلا يأنف الإنسان المسلم من مثل ذلك.\nوفي هذا حكمة من الله في كون الأنبياء يرعون الغنم، فالغنم فيها الكبير وفيها الصغير وفيها الضعيف، وصاحب الغنم يكون فيه حنان على غنمه، فتحتاج أن يحوطها، وأن يرعاها، وأن يذهب بها إلى مكان الرعي.\nوأما صاحب الإبل فإنه عندما يرى نفسه فوق الناس يأتيه الغرور، وأما صاحب الغنم فيستشعر التواضع، فإذا وجد غنمه مريضة حملها على ظهره، أو أكلها بنفسه، فيستشعر التواضع، ففي تربية الغنم تعويد للإنسان على سياسة الناس، فما من نبي إلا وقد جعله الله ﷿ يرعى الغنم.\nفراعي الغنم يكون فيه حنان على الغنم، فيجمعها ولا يفرقها، وانظر لو دخل صاحب الغنم بالعصا في وسط الغنم فإنها تتفرق وتهرب كلها، وحين يسقيها فإنه يضع لها الماء ويبعد عنها عصاته؛ من أجل أن تأتي وتشرب، وإذا رفع العصا نفرت كلها، فهنا يعود الله ﷿ أنبياءه ويربيهم على ذلك، فرعي الغنم تحتاج إلى نوع من السياسة في التأليف والوفاق بينها، فإذا كان يسوس الناس كان متعودا ًعلى هذا الأمر: أنه يجمع ولا يفرق الناس.\nفالنبي ﷺ رعى الغنم، وهنا يقول لنا: (يوشك) أي: سيأتي يوم من الأيام يكون فيه خير مال المسلم غنمات يتبع به شعف الجبال، ومواقع القطر، والقطر هو المطر، ويفعل ذلك فرارًا من الفتن.","vol":"45","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-517>شرح حديث: (من خير معاش الناس بهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله)</span>\nوفي حديث آخر عن أبي هريرة ﵁ يقول: قال النبي ﷺ: (من خير معاش الناس لهم، رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه، كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه يبتغي القتل).\nفهذا من خير المؤمنين، وهو من أفضل الناس وأحب الناس إلى الله ﷿، فهو أنفع الناس للناس، وأنفع المسلمين للمسلمين، فهذا المجاهد في سبيل الله ﷿ بمجرد أن يأتي العدو إلى المكان فهو يطير إلى هذا المكان؛ من أجل يكف الشر عن الناس، فهذا يضحي بنفسه من أجل غيره من المسلمين، ويطلب القتل في مظانه.\nقال: (ممسك عنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه -أي: على ظهر الفرس- كلما سمع هيعة -صيحة الفزعة- أو فزعة طار عليه يبتغي القتل مظانه) يعني: هو حريص على الشهادة في سبيل الله سبحانه.\nقال: (أو رجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعف).\nوانظروا إلى هذا التعبير: (أو رجل في غنيمة)، فلو كان لديه قطيع من الغنم فمعناه أنه يريد الدنيا، لكن هذا في غنيمة قليلة، والنبي ﷺ لما فتح الله ﷿ عليه الفتوح وأصبح يملك مائة غنمة قال: (لا أحب أن تزيد) أي: لا أريد أكثر من ذلك.\nوقد كان نصيبه ﷺ في المغانم خمس الخمس، وكان له من الفيء الخمس، ومع ذلك ما كان عنده أكثر من مائة غنمة، فكان إذا ولدت واحده منها ذبح واحدة مكان هذه المولودة حتى لا تزيد.\nوكأنه يعلم المؤمنين ألا يطمعوا، بل يأخذون من الدنيا على قدر حاجتهم، فإذا كان عندك مائة غنمة فلا تتمن أن تكون ألفًا وإنما تطلب الحاجة التي تحتاجها فقط.\nفهنا النبي ﷺ يقول: (أو رجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعف -أي: في رأس جبل من الجبال- أو بطن واد من هذه الأودية، يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين).\nفهو يعطي الحقوق لأصحابها، فيقيم الصلاة، أي: لا يصلي فقط، بل يصلي ويقيم الصلاة، فيحسن صلاته، ويستقيم فيها، ويواظب عليها ولا يضيعها، ويحسنها كما يريد الله سبحانه.\n(ويؤتي الزكاة)، وقد يقال: لمن سيعطي الزكاة إذا كان معتزلًا للناس؟!\nو\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أنه لا يعتزل كل الناس، بل سيكون في وسط أناس يحتاجون، فيؤتي زكاة ماله لهؤلاء، إذًا: فليس المراد بالاعتزال أن يعتزل كل الناس، ولكن يعتزل أهل الشر من الناس ولو أن ينفرد وحده، أو ينفرد في مجموعات من الناس من أهل التقوى وأهل الإحسان.\n(ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين) يعني: حتى يموت.\nفالمؤمن يحب للناس الخير ولا يضن عنهم بخير، وهو لا يحسد أحدًا على ما آتاه الله ﷿ من خير، بل يتمنى زيادة الخير، فيخالطهم كي ينفعهم، فإذا وجد المضرة في المخالطة اعتزل الناس إلا من خير.","vol":"45","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-518>فضل الاختلاط بالناس وحضور مجامع الخير</span>\nيقول الإمام النووي ﵀: [باب فضل الاختلاط بالناس وحضور جمعهم، وجماعاتهم، ومشاهد الخير، ومجالس الذكر إلى آخر ما ذكره] ولم يذكر في هذا الباب حديثًا.\nوترجمة الباب تدل عليها أحاديث كثيرة جدًا، من عادة النبي ﷺ، ومن أفعاله ﷺ: كجهاده في سبيل الله، ودعوة الناس في خطب الجمعة، ودروسه وتذكيره للناس ﷺ، ففي هذا كله مخالطة لهم، فلا نحتاج أن يقول: كان يختلط بهم في كذا وكذا، فقد كانت كل حياته ﷺ اختلاطًا بالناس من المؤمنين وغيرهم يعلمهم ويهديهم إلى ربه سبحانه.\nفكأنه يريد أن يقول: إن الاختلاط بالناس بأن تعلمهم فيهديهم الله ﷿ على يديك، فهذا أفضل من أن تعتزل الناس، فتحضر الجمع وتحضر صلاة الجماعة مع الناس، وتحضر دروس العلم ومشاهد الخير مع الناس، وتحضر مجالس الذكر وتعود المرضى، وتحضر جنائز المسلمين، وتواسي المحتاجين، وترشد الجاهلين، وغير ذلك من المصالح لمن يقدر على ذلك، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويقمع نفسه عن الأذى.\nإذًا: فهو لا يؤذي الناس، وإذا حضر مع الناس كان حضوره خيرًا، فخير الناس وأحب الناس إلى الناس وإلى الله ﷿ الذي ينتفع به الناس، فيعلمهم الخير ولا يتعالى عليهم، ويرشدهم إلى الخير ابتغاء وجه الله سبحانه، فيقمع نفسه عن الإيذاء فلا يؤذي أحدًا من الناس، بل هو خير حيثما كان، فإذا احتاج إليه الناس فإنه يعلمهم ويهديهم إلى ربهم سبحانه، وتراه ينفق عليهم ويتصدق ويفعل الخير الذي أمر الله ﷿ به، ويصبر على هذا.\nيقول النووي: (قمع نفسه عن الإيذاء، وصبر على أذى الناس)، فالمؤمن لا يؤذي أحدًا، ولا يدفع الضرر بالضرر، فإذا أوذي صبر على ذلك ونصح، ولعل الإنسان بحسن خلقه وصبره على غيره أن يقتدي به الناس في ذلك ويفعلون كما يفعل، فيكون قد سن للناس سنة طيبة.\nوللحديث بقية إن شاء الله، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"45","page":8},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-519> التواضع وخفض الجناح للمؤمنين</span>\nلقد أمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين، وأوحى إليه أن يخبر أمته بأن يتواضعوا، وألا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد، وأخبر ﷺ أنه ما تواضع أحد لله إلا رفعه، فالتواضع خلق حميد يحبه الله ورسوله.","vol":"46","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-520>ما جاء في التواضع وخفض الجناح للمؤمنين</span>","vol":"46","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-521>ذكر بعض النصوص الدالة على فضل التواضع</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين: قال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٢١٥].\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤].\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].\nوقال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢].\nوروى مسلم عن عياض بن حمار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد) رواه مسلم.\nوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) رواه مسلم)].\nهذا باب آخر من كتاب (رياض الصالحين) يذكر فيه الإمام النووي ﵀ التواضع وخفض الجناح للمؤمنين.\nالتواضع: هو وضع الشيء وإنزاله بخلاف رفع الشيء.\nفالإنسان المؤمن يتواضع، ويتكلف خلق التواضع، حتى يكون له سجية، ويضع نفسه أمام المؤمنين ويذل نفسه لهم، ولا يفتخر عليهم ولا يستكبر ولا يبغي على أحد من الناس.\nفالتواضع أن يرى الإنسان نفسه أنه ليس أعلى من غيره وليس أفضل من غيره، وأنه مخلوق من طين، ومخلوق من ماء مهين، فيرجع إلى أصل وضعه وإلى أصل خلقته، قال تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس:١٨ - ٢١].\nفهو مخلوق من الأرض وفيها يقبر وإليها يعود مرة ثانية، ومنها يخرج، فيستشعر في نفسه العبودية لله ﷾، فيتحلى بالتواضع؛ لأنه عبد لله سبحانه، فيتواضع ولا يفتخر على غيره.\nفيتواضع ويخفض جناحه للمؤمنين، يعني: يميل ويلين ويذل نفسه لإخوانه المؤمنين.","vol":"46","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-522>أمر الله تعالى لنبيه بخفض الجناح والتواضع للمؤمنين</span>\nقال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٢١٥].\nوالجناح هو جانب الإنسان، كأنه يقول: لا تصعر خدك، ولا تتعال على الخلق، لا تمل بجانبك ولا تعرض به عن الناس، ولكن كن متواضعًا معهم، فهذا النبي سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه وهو من هو على ما فيه من تواضع يأمره ربه وينصحه بالتواضع وخفض الجناح للمؤمنين فيكون أمرًا له ولغيره من المؤمنين: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٢١٥] فالنبي ﷺ كان للمؤمنين كالوالد مع ولده، ولذلك كان يقول للمؤمنين: (إنما أنا بمنزلة الوالد أعلمكم) فيعلمهم فلا يستحيون منه ويسألونه عن كل شيء دق أو جل مما يحتاجون إليه، حتى إن اليهود ليحسدون المؤمنين على نبيهم ﷺ فقالوا: (هذا الرجل يعلمكم كل شيء حتى الخراءة) يعني: أنه يعلمكم حتى أدب دخول الخلاء.\nويقول: (هلا سألوا إذ جهلوا، إنما شفاء العي السؤال) فيأمرهم أن يسألوا إذا جهلوا حكمًا من الأحكام، حتى لا تقع عبادتهم ولا تقع أفعالهم على الوجه الذي يكرهه الله سبحانه ويحرمه.\nلقد جعل الله ﷿ في قلب النبي ﷺ لين الجانب والرفق بالمؤمنين، ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].\nويحذره سبحانه ويقول له: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] أي: والحال أنهم مجتمعون حوله ﷺ بفضل الله وبرحمته، فهو الذي جعل في قلبه الشفقة والحنان والرحمة على المؤمنين؛ ليقتدي به المؤمنون، فكل إنسان مؤمن قدوته النبي ﷺ، فهو مهما أنفق على الناس من مال فلن يجمع قلوبهم، وقد يجمع أبدانهم، لكن القلوب يجمعها الله ﷾ بما يجعله في خلق الإنسان من تواضع ومن لين جانب ومن حب للغير، فمن يحب الخلق يحبه الخلق، أما من يكره الناس تكرهه الناس، ولذلك كان الرجل الجاهلي يقول: لا أسأل الناس عما في ضمائرهم ما في ضميري لهم من ذاك يكفيني أي: لا أسأل أحدًا هل تحبني أو لا تحبني، ولكن أبحث في قلبي إذا كنت أحب إنسانًا فإن الله ﷿ يجعل في قلب هذا الإنسان المحبة لي.\nأما إذا كنت أكرهه فكيف أرجوا المحبة منه؟! فعلى ذلك لا تطلب محبة من تكرهه.\nفجعل الله ﷿ في قلب النبي ﷺ المحبة للمؤمنين، فكان يدعو لهم ويشفق عليهم ويرحمهم ويرأف بهم، فيحبونه ويجتمعون حوله صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"46","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-523>مدح الصالحين بأنهم أذلة على المؤمنين</span>\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨].\nإن دين الله دين عزيز، وكتاب الله كتاب عزيز، وربنا ﷾ هو القوي العزيز، وأنت أيها العبد تحتاج إلى الدين، والدين لا يحتاج إليك، وتحتاج إلى رحمة رب العالمين، والله ليس محتاجًا إليك، وتحتاج إلى كتاب الله ﷿ ليكون نورًا في قلبك، وكتاب الله في غنى عنك.\nفالإنسان المؤمن يتقرب إلى ربه سبحانه يبتغي فضله ورحمته، ويدعو ربه أن يملأ قلبه بنور الإيمان، فهنا يقول لنا: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] يعني: إذا توليتم فلن تضروا الله شيئًا، لا يضر أحدكم إلا نفسه، فإذا توليت عن الطاعة استبدل الله غيرك، واستخلف غيرك ممن يستحق أن يدخل الجنة، وهذا الذي أعرض لا يستحقها، وقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] أي: يكونوا أفضل منكم.\nفلو أن إنسانًا يرتد عن دينه فهل الدين سيخسر بارتداده؟ لن يخسر شيئًا؛ لأن دين الله ﷿ دين عزيز عظيم، ولكن الذي يخسر هو المرتد، ويأتي الله ﷿ بغيره ممن يحب هذا الدين ويحب المؤمنين، قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] أي: الله يحبهم الله وهم يحبون الله ﷾.\nقوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٥٤] هذه صفة الإنسان المؤمن أن يخفض جناحه ويذل لإخوانه المؤمنين، فالمؤمنون يذلون أنفسهم لإخوانهم، ولا يستكبرون، بل يتواضعون بين إخوانهم، قد يكون أحدهم صاحب مال وصاحب غنى وصاحب منصب، ولكن في وسط المؤمنين هو واحد منهم، يتواضع لهم فيحبهم ويحبونه، يتألفهم ويتألفونه، فالمؤمن إلف مألوف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف.\nفهؤلاء المؤمنون الذين هم أذلة على المؤمنين كيف حالهم مع الكافرين؟ ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤]؛ لأنهم تمسكوا بدين الله ﷿، فهو دين عزيز، وكتاب عزيز من رب عزيز ﷾، فأعطاهم العزة، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨].\nفالعزة لله ﷿ يعز من يشاء ويذل من يشاء، فلما أذل المؤمنون أنفسهم لربهم سبحانه، وتواضعوا بين المؤمنين إذا بالله يكسبهم العزة، فإذا به في موطن الجهاد والقتال مع أعداء الله يعزهم ويرفعهم سبحانه، ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة:٥٤].\nأي: هذا الفضل العظيم فضل الله سبحانه، ولا يحصل هذا الفضل بكسب يكتسبه الإنسان بمال أو منصب، وإنما بتقواه لله سبحانه، وبحبه لدين الله، وبتواضعه، فيرفعه الله سبحانه ويعزه.","vol":"46","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-524>التقوى هي معيار التفاضل</span>\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] قوله: (يا أيها الناس) أي: أن الخلق جميعهم يناديهم ربهم سبحانه، (إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) أي: أصل خلقة الإنسان من آدم وحواء، ثم بعد ذلك يتناسل الناس من ذكر وأنثى، فلا أحد أفضل من أحد، هذا ابن أبوين وذاك ابن أبوين، هذا من ذكر وأنثى وذاك من ذكر وأنثى، كلما ارتفعوا نظروا في النهاية فوجدوا أن أباهم آدم وآدم من تراب، فعلام يفتخر بعضهم على بعض؟ فالإنسان المؤمن يعرف أصل خلقته فيتواضع؛ لأنه يريد أن يتقرب إلى الله، فلا يتعزز على الخلق.\nقوله: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣] أي: ليتعارف بعضكم مع بعض، ويحب بعضكم بعضًا، ويهدي بعضكم بعضًا، ويدعو بعضكم بعضًا إلى الخير، قال: «لِتَعَارَفُوا» لم يقل لتتنافروا، والتعارف يجلب المحبة بين الخلق.\nقال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.\nالأكرم عند الله سبحانه ليس هو الأغنى، ولا صاحب المنصب، وإنما الأتقى، كلما ازداد الإنسان تقوى ازداد قربًا من الله سبحانه، وإكرامًا من الله له.\nوقال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢] أي: لا تظل تقول: أنا أنا، فتزكي نفسك وتمدح نفسك، الله أعلم من هو من أهل التقوى، فلا تصف نفسك بصفات الكمال، فإن صفات الكمال والجمال المطلق لا تكون إلا لله ﷿.\n﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨] ﷾.\nقال تعالى: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» [الحجرات:١٣] وقال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢]، فكيف نجمع بينهما وبين قوله سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٩]؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الإنسان مطلوب منه أن يزكي نفسه بالفعل، ومنهي أن يزكي نفسه بالقول وبالمدح.\nتزكي نفسك وتطهر نفسك وقلبك بالأفعال التي ترضي بها ربك، فهذه التزكية هي التي أمرك الله ﷿ بها، أما التزكية التي نهاك عنها بقوله: «فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ» فالمعنى: لا تزك نفسك ولا تتعال على غيرك، ولا تنظر لنفسك أنك أفضل من غيرك.","vol":"46","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-525>رحمة الله تعالى بعباده المؤمنين المتواضعين</span>\nقال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف:٤٨ - ٤٩].\nالناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: فريق دخل الجنة فكانوا السابقين.\nوفريق دخلوا النار فكانوا من البؤساء.\nوفريق على الأعراف ينتظرون فضل الله ﷿ عليهم، وهم لم يدخلوا الجنة.\nوهم يطمعون في فضل الله ﷾، فينظرون إلى أهل النار ويبكتونهم ويقولون: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف:٤٨]، أي: أنتم الذين كنتم تجعلون من أنفسكم كبارًا، فاستكبرتم وجمعتم الدنيا، فهل نفعتكم؟ لا، لم تنفعكم بل دخلتم النار والعياذ بالله.\nثم قالوا لهم: ﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ [الأعراف:٤٩] أي: هؤلاء كانوا كذابين غدارين، كانوا يفتخرون بأنفسهم، حتى إنهم ليتألون على ربهم سبحانه ويقولون للمؤمنين: أنتم والله لن تدخلوا الجنة أبدًا، فأصحاب الأعراف يقولون لهؤلاء الكفار يبكتونهم: ﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ [الأعراف:٤٩] أي: كنتم تحلفون أنهم لن يدخلوا الجنة، فهم الآن دخلوا الجنة، أما أنتم فـ ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف:٤٨] فهؤلاء دخلوا الجنة وقيل لهم: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف:٤٩].\nإذًا: أهل النار كانوا مستكبرين، وأهل الجنة كانوا ضعفاء وكانوا متواضعين، فدخلوا الجنة برحمة رب العالمين ﷾.","vol":"46","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-526>فضل التواضع وقبح الكبر والفخر</span>","vol":"46","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-527>شرح حديث: (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا)</span>\nمن الأحاديث التي جاءت في الباب حديث رواه مسلم عن عياض بن حمار ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا؛ حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد) أي: أنزل نفسك وحط من قدرها يرفعك الله ﷾؛ لأن الإنسان الذي يتواضع يرفعه الله ويعزه ويعطيه من فضله سبحانه في الدنيا وفي الآخرة، أما الإنسان المستكبر فمهما استكبر فقد أبى الله أن يرتفع شيء إلا وضعه، فهذا يترفع ويرفع نفسه على الخلق فيضعه الله ﷾.\nقوله: (إن الله أوحى إلي) أي: هذا من الوحي إليه ﷺ، فقد أوحى إليه بـ (أن تواضعوا) حتى لا يفخر أحد على أحد، يعني: تخلق بدرجة التواضع حتى لا تفخر على أحد، وحتى لا تقول: أنا كذا وأنت كذا، وحتى لا ترى لنفسك فضلًا على أحد من الناس، ولكن انظر للجميع على أنهم إخوة لك في دين الله ﷾، والله سبحانه جعل بعضكم لبعض سخريًا.\nفمن كرمه سبحانه جعل بعضكم قويًا وبعضكم ضعيفًا، فيحتاج الضعيف إلى القوي، فجعل بعضكم عاملًا وبعضكم موظفًا وبعضكم طبيبًا، فيحتاج بعضكم إلى بعض، فلو جعل الجميع شيئًا واحدًا ولم يحتج أحد إلى أحد لتعطلت كثير من مصالحهم ومنافعهم شيئًا، ولكن الله بكرمه أحوج الناس بعضهم إلى بعض؛ لتكون الألفة، وليكون التعارف، ولتكون المحبة بينهم، والاحتياج يولد ذلك، فأنا إذا احتجت لفلان من الناس، فإني أتلطف معه لكي يعمل الشيء الذي لا أستطيع أن أعمله، والعكس كذلك.\nفهنا جعل الله ﷿ الناس أصنافًا شتى حتى يتخذ بعضهم بعضًا سخريًا، يعني: أنا أستخدمك وأنت تستخدمني، فيحتاج بعضنا إلى بعض، فيرفق بعضنا ببعض، فنتعارف ونتحاب فيما بيننا.\nقوله: (ولا يبغي أحد على أحد) أي: أن الذي يبغي تكون نهايته النار، وهذا الإنسان ظالم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى:٤٢] فهؤلاء هم الذين عليهم حرج وعليهم السبيل، وأذن الله للمؤمنين أن يأخذوا حقهم من هؤلاء المعتدين.\nوهذا المعنى جاء في حديث آخر عن النبي ﷺ رواه الترمذي، ورواه أبو داود أيضًا بالمعنى، ورواه أحمد، ولفظ الترمذي: قال النبي ﷺ: (لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا إنما هم فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخرأ بأنفه) هذا تحذير شديد من النبي ﷺ، فإياك أن تفتخر؛ فالنبي ﷺ قال: (لينتهين أقوام) والفعل المضارع إذا دخلت عليه اللام التي للتوكيد وانتهى بالنون المثقلة التي هي أيضًا للتوكيد دل على جملة القسم، فكأنه هنا يوجد قسم محذوف تقديره: والله لينتهين أقوام عن ذلك أو ليفعلن الله بهم كذا وكذا.\nفهؤلاء الذين يفتخرون بهم إنما هم فحم جهنم، فهم يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا في الجاهلية وكانوا كفارًا، أو يفتخرون بعد ذلك بآبائهم الفجار والفسقة الذين كانوا أصحاب مناصب في يوم من الأيام، كأن يقول: كأن أبي كذا، مع أن أباه كان فاسقًا، ولم يكن يدخل المسجد، إلا عندما مات أدخلوه المسجد وصلوا عليه، وبعد ذلك يقول: كان أبي وكان أبي.\nفالنبي ﷺ يحذر من الافتخار بالآباء الذين ماتوا على هذا الشيء، فهؤلاء قال عنهم أيضًا: (أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخرأ بأنفه)، والجعل كالخنفساء، وهو الذي يحرك بأنفه القذر والنجس، وهذا لو أبصرته أمامك لدسته برجلك ليموت؛ لحقارته عندك.\nفهؤلاء إما أن ينتهوا عن افتخارهم بالآباء، أو ليجعلنهم الله ﷿ كهذا الشيء الحقير، ثم يأخذهم ويلقي بهم في نار جهنم ولا يأبه لهم.\nثم قال ﷺ: (إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء) العبية: الكبر والافتخار.\nثم قال (إنما هو مؤمن تقي، أو فاجر شقي) يعني: الناس إما مؤمنون أتقياء أو فجرة أشقياء، والناس كلهم لآدم وآدم من تراب، فكل إنسان عندما يقول: أبي كذا وأبوك كذا، فليعلم أن الأب واحد وهو آدم، والجميع ينتهون إلى آدم، وآدم أتى من تراب، فلا داعي أن يفتخر الإنسان بخلقته، والكل سواء في أن أباهم آدم وآدم من تراب.","vol":"46","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-528>شرح حديث: (وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا)</span>\nيذكر الإمام النووي حديثًا رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله).\nجاء في حديث آخر قال ﷺ: (ثلاثة أقسم عليهن) يعني: أنه يقسم على ذلك.\nولا نحتاج لقسمه ﷺ فهو الصادق المصدوق، ولكن يريد التأكيد الشديد: أن ثق في هذا الذي أقوله لك، ثق في أنك إذا أنفقت من مالك فلن ينقص هذا المال، طالما أن النية نية حسنة والعمل لله ﷾، فقال: (ما نقصت صدقة من مال) يعني: المال لا تنقصه الصدقة.\nثم قال: (وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا) يعني: إن ظلمك إنسان عفوت عنه، حتى وإن قال الناس: إنما عفا لأنه خائف منه، ولأنه لا يقدر على أن يأخذ الحق منه، حتى وإن استشعرت من كلامهم الإذلال والتحقير، ولكن نقول: إن ربنا يأمرك بالعفو، فقال: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢]، والنبي ﷺ يأمرك بالعفو أيضًا كما في هذا الحديث وغيره، فلا تنظر للناس الذين ينظرون إليك أنك ذليل لأنك عفوت عن هذا الإنسان، لكن الله ﷿ وعدك بالعز، فالله يعزك ويذل من يحقر شأنك وشأن العفو عن الناس.\nقوله: (وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) أي: إذا كنت تريد أن يرفعك الله في الدنيا والآخرة فتواضع؛ لأنك كلما تواضعت للخلق رفعك الخلق فوق رءوسهم، وأحبوك لتواضعك، وبتواضعك تجمع حولك قلوب الناس، وتنتفع بهم في الدنيا وفي قبرك ويوم القيامة.\nوالإنسان المتواضع خلقه عظيم، وهذا الخلق يقربه من النبي ﷺ إذا دخل الجنة؛ لأن أقرب الناس من النبي ﷺ ما جاء لنا في الحديث: (أحسنكم خلقًا أو أحاسنكم أخلاقًا)، فهذا الإنسان المتواضع عندما يأخذ الناس جنازته يزدحمون عليه، وعندما ينزل في قبره يقفون عند قبره ويدعون له: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، فهذا انتفع بالناس وهو في قبره، وفي الدنيا أحبوه وكانوا حوله، فهو يصلي معهم ويكون معهم في العبادة، ويأمرهم بالمعروف فيستمعون، وينهاهم عن المنكر فينتهون، فإذا به في كل أحواله على خير.","vol":"46","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-529>شرح حديث أنس: (أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: كان النبي يفعله)</span>\nوعن أنس ﵁ أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: (كان النبي ﷺ يفعله).\nأي: كان ﷺ يسلم على الكبار، وعلى الصغار، وكان إذا مر بأحد سلم عليه، وكان يأمرنا بذلك ويقول: (ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم).","vol":"46","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-530>شرح حديث: (إن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي فتنطلق به حيث شاءت)</span>\nوعن أنس قال: (إن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي ﷺ، فتنطلق به حيث شاءت).\nصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].\nوتقول السيدة عائشة ﵂: (كان خلقه القرآن) أي: كان ﵊ قرآنًا يمشي على الأرض، وقد بلغ درجة عظيمة في حسن الخلق صلوات الله وسلامه عليه؛ رباه ربه ﷾ فعلمه مكارم الأخلاق، ففي سورة المدثر يقول له: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:١ - ٧].\nيعلمه هنا آدابًا منها: «وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ» أي: عندما تعطي أحدًا شيئًا فلا تستكثر أنك أعطيته، فأنت لا تعطي من جيبك، وإنما تنفق من مال الله ﷿، وقد كان يقول لـ بلال ﵁: (أنفق بلال، ولا تخف من ذي العرش إقلالًا) أي: أنفق ولا تخف؛ لأن ربنا سيخلف ويعطينا ﷾.\nوهنا يذكر في الحديث أن الأمة من إماء المدينة -أي: الجارية وليست المرأة الحرة- فكانت تذهب للنبي ﷺ وتطلب حاجتها منه؛ لأنه أرفق وأحن وأرحم صلوات الله وسلامه عليه، فكانت تذهب إليه وتأخذ بيده ﷺ، وتقول: اعمل لي كذا، فيذهب متواضعًا معها ويقضي لها حاجتها، فكان يذهب هو بنفسه صلوات الله وسلامه عليه.\nانظروا إلى خلقه وتواضعه ﷺ، فهو ﷺ كان يفعل ذلك ليقتدي به الناس.","vol":"46","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-531>شرح حديث: (كان النبي يكون في مهنة أهله)</span>\nأيضًا من تواضعه ﷺ ما ورد في الحديث الآخر يقول الأسود بن يزيد رحمه الله تعالى: (سئلت عائشة ﵂: ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله).\nأي: كان في بيته ﷺ في خدمة أهله، فقد كان يساعد أهله في البيت ﷺ.\nثم قالت: (فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة) رواه البخاري.\nإذًا: وهو في بيته ﷺ كان يشغله ما يشغل غيره من مهنة البيت، فقد كان يعين زوجته في أعمال البيت، وكان يخصف نعله بنفسه ﷺ، أي: يصلح نعله بيده الكريمة صلوات الله وسلامه عليه.\nفتواضعه ﷺ عظيم جدًا، يدخل المسجد مرة فيجد بصاقًا أو نخامة في قبلة المسجد فيتأذى النبي ﷺ بذلك، ويقول: (من صنع هذا؟ الذي صنع هذا يأتي يوم القيامة وبصاقه بين عينيه) يعني: مثلما استهان بقبلة المسجد وتفل في قبلة المسجد يأتي يوم القيامة وبصاقه بين عينيه، فيأتي النبي ﷺ بنفسه ويأخذ عودًا ويحك هذا البصاق بيده الكريمة، وهذا من تواضعه العظيم ﵊.","vol":"46","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-532>شرح حديث تميم بن أسيد الذي فيه: (أنه جاء إلى النبي وهو يخطب فسأله أن يعلمه فنزل من منبره فعلمه ثم أتم خطبته)</span>\nروى مسلم عن تميم بن أسيد ﵁ قال: (انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يخطب، فقلت: يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه؟ قال: فأقبل علي رسول الله ﷺ وترك خطبته حتى انتهى إلي، فأتي بكرسي فقعد عليه، وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته فأتم آخرها)، فالرسول صلوات الله وسلامه عليه، لما قال الرجل: أريد أن أتعلم أمور الدين -لأنه حديث عهد بإسلام- لم يقل له النبي ﷺ: انتظر حتى أنتهي من الخطبة والصلاة، بل علمه ﷺ أمور دينه، وقد وجب عليه الآن صلاة الجمعة، فعلمه ﷺ كيف يتوضأ وكيف يصلي، وغير ذلك من أمور دينه.","vol":"46","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-533>شرح حديث: (أن رسول الله كان إذا أكل طعامًا لعق أصابعه الثلاث)</span>\nعن أنس ﵁ قال: (إن رسول ﷺ كان إذا أكل طعامًا لعق أصابعه الثلاث، قال: وقال: إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى، وليأكلها ولا يدعها للشيطان، وأمر أن تسلت القصعة، قال: فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة)، هذا من التأديب والتربية للمؤمنين، فمن السهل أن يتكلم الإنسان عن التواضع؛ لكن التنفيذ والتطبيق صعب، فكان يعلمهم النبي ﷺ بفعله ليفعلوا كما كان يفعل ﷺ.\nواللقمة قد تسقط من الذي يأكل فيتركها، لكن لو تعلم هذا الشخص التواضع لأخذ اللقمة التي وقعت منه ما لم يصبها أذى فأكلها، فينبغي أن يتعلم المرء ألا يستكبر؛ فالله الذي أعطى النعمة قادر على أن يمنعها ويسلبها من صاحبها، فإذا حمد العبد ربه سبحانه فإنه يستحق المزيد، قال ﷿ ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧].\nإذًا: فمن التواضع أن الإنسان إذا وقع منه شيء على الأرض مما يؤكل أن يزيل ما علق به من أذى ويأكله، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر:٦] فلا يحضر الشيطان معك طعامك، وإنما إذا وقعت منك اللقمة فخذها ولا تدعها للشيطان، كذلك ينبغي أن تتواضع في أكلك، فلا تأت برغيف وتأكل منه جزءًا ثم تأكل جزءًا من الرغيف الثاني وترمي البقية؛ لأن الذي أعطاك النعمة قادر على أن يسلبها منك ولا يعيدها إليك ثانية، فاحذر من أن تستكبر وتفتخر وتبطر بنعم الله سبحانه فتستحق أن تسلبها.\nثم قال: (وأمر أن تسلت القصعة) يعني: إذا أكلت وبقي قليل من الطعام في القصعة فلا تتركه وترميه في القمامة، وإنما تلعقه بأصابعك وتسلته، ولا تترك شيئًا للشيطان، وإذا تركت شيئًا فحافظ عليه، فإما أن تتصدق به وإما أن تحفظه لتأكله مرة ثانية إن كان مثله يبقى معك ولا يفسد، ولكن لا تتعود أنك تطبخ أكثر من اللازم، والباقي ترميه في القمامة؛ لأن هذا مؤذن بأن يمنعك ويحرمك الله ﷾.\nثم قال: (فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة) أي: الذي يأكل لا يعرف موضع البركة من الطعام، ولعل هذا الموضع بعينه الذي تركته أنت وألقيته في القمامة كان فيه البركة وأنت ضيعتها، ولا تدري بذلك إلا يوم القيامة، فيغبن الإنسان نفسه، ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن:٩].\nفهذا الإنسان يكون قد قصر في حق نفسه بتفريطه في الطاعات.","vol":"46","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-534>شرح حديث: (ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم)</span>\nهذا حديث لـ أبي هريرة ﵁ رواه البخاري قال النبي ﷺ: (ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم، قال أصحابه: وأنت؟ قال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة).\nهذا النبي صلوات الله وسلامه عليه رعى الغنم يومًا من الأيام، ليعلمه الله ﷿ التواضع، فما من نبي إلا وقد رعى الغنم، فالله ﷿ علم أنبياءه السياسة مع الخلق والحب للخلق والتواضع والرأفة والرحمة بهم؛ لأنهم يرعون الغنم.\nيقول الحافظ ابن حجر: لأن في مخالطتها التمرن، ويحصل للأنبياء العون من الله ﷿ على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم؛ ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم به الحلم والشفقة؛ كذلك لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق ونحوه، وعلموا اختلاف طبعها وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة، كل ذلك من الفوائد.\nيعني: الغنم محتاجة إلى من يرعاها، فالذئب ينتظرها إذا تركها صاحبها واللص منتظر لها إذا تركها يسرقها، فالغنم محتاجة إلى من يرعاها، وإلى من يطعمها ويسقيها، فيصبر على هذا الشيء، ويتمرن على الصبر على الخلق، فيقول الحافظ: الأنبياء يألفون من ذلك الصبر على الأمة، ويعرفون اختلاف طباعها، وتفاوت عقولها، فجبروا كسرها، ورفقوا بضعيفها، وأحسنوا التعامل لها، فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك من أول الأمر.\nإذًا: من رحمة رب العالمين سبحانه ببني آدم أن علم الأنبياء الصبر والرفق والحلم في الغنم، ولم تكن التجربة في بني آدم، فلما تمرنوا على ذلك، واعتادوا عليه أتوا إلى الخلق ليدعوهم إلى الله ﷾.\nوخصت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها، ولأن أصحابها فيهم الرأفة وفيهم الرحمة، بخلاف أصحاب الإبل الذين قال النبي ﷺ فيهم: (الفخر والخيلاء في الفدادين -يعني: أصحاب الإبل- أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم).","vol":"46","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-535>شرح حديث: (لو دعيت إلى كراع لأجبت أو ذراع لقبلت)</span>\nمن الأحاديث الواردة في هذا الباب حديث آخر لـ أبي هريرة ﵁ وفيه قال النبي ﷺ: (لو دعيت إلى كراع لأجبت، أو ذراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت).\nانظروا إلى تواضعه ﷺ يجيب الدعوة إلى كراع، والكراع هو أسفل الساق ما بين الركبة إلى آخر الساق، وهذا الكراع الذي ما بين الركبة إلى نهاية الساق ليس فيه لحم، ولكن لتواضعه ﵊ يقول: لو أهدى إلي شخص ذلك سأقبله.","vol":"46","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-536>شرح حديث: (كانت ناقة رسول الله العضباء لا تسبق)</span>\nجاء في حديث أنس بن مالك في صحيح البخاري أنه قال: (كانت ناقة رسول الله ﷺ العضباء لا تسبق، أو لا تكاد تسبق، فجاء أعرابي على قعود له - أي: على جمل- فسبقها، فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه النبي ﷺ، فقال: حق على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه)، أي: لا تغضبوا فما من شيء في الدنيا يرتفع إلا ولابد أن يضعه الله ﷾، فإذا كانت الناقة تسبق غيرها، فلابد أن تُسْبَقَ في يوم من الأيام.\nإذًا: هذا في الناقة وفي البشر كذلك، فإذا رأيت شخصًا عاليًا دائمًا، فاعلم أنه في النهاية لابد وأن يضعه الله ﷿، وهذا الإنسان الذي يرتفع لن يظل على هذا أبدًا، فالإنسان يرتفع في شبابه وكمال قوته، ثم بعد ذلك ينزل ينزل حتى يصل إلى أرذل العمر.\nوالمستكبر ينسى ولا ينظر إلا تحت قدميه، ويتعزز ويفتخر بنفسه، قال الله ﷿: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ [البقرة:٢٠٤ - ٢٠٦] هذا يوم القيامة، أما في الدنيا فأبى الله أن يرفع شيئًا إلا وضعه.\nإذًا: احذر من المستقبل واحذر من الغد، فأنت اليوم في علو فقد أبى الله أن يرفع شيئًا إلا وضعه، فتواضع لله وأنت في علوك، حتى تظل على هذا الشيء إلى أن تلقى الله.\nنسأل الله ﷿ أن يجعلنا من المتواضعين، ومن أهل ذكره وشكره وحسن عبادته.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل وصلي اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"46","page":18},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-537> تحريم الكبر والإعجاب</span>\nاختص الله نفسه بخصائص من نازعه فيها عذبه، منها أنه الكبير المتعال ذو العزة والجبروت، فحرم على عباده أن يتصفوا بشيء منها، فمن تعالى على الخلق واستكبر في الأرض فقد أنزل بنفسه عقاب الله في الدنيا والآخرة.","vol":"47","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-538>رفعة الآخرة بتواضع الدنيا</span>","vol":"47","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-539>الدار الآخرة للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب تحريم الكبر والإعجاب.\nقال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣].\nوقال تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء:٣٧].\nوقال تعالى: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان:١٨].\nوعن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة.\nقال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس) رواه مسلم.\nوعن سلمة بن الأكوع ﵁: (أن رجلًا أكل عند رسول الله ﷺ بشماله فقال: كل بيمينك، قال: لا أستطيع.\nقال: لا استطعت، ما منعه إلا الكبر، قال: فما رفعها إلى فِيه) رواه مسلم].\nهذا باب آخر من كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي ﵀ تحريم الكبر والإعجاب.\nفالكِبْر أو الاستكبار: أن الإنسان يرى نفسه كبيرة، والكُبْر يكون في السن، وأيضًا في الحجم، فإذا كان في بدنه، فالاستكبار هو أن يرى نفسه كبيرًا فوق غيره، ويتعالى على غيره، ويظن نفسه أفضل من الخلق.\nالكبر صفة من الصفات التي لا تكون إلا لله وحده لا شريك له، فهو المتكبر ﷾، وهو الكبير سبحانه المتعالي، ويأبى أن تكون هذه الصفة لأحد من خلقه؛ لأنها صفة لا تليق إلا بعظمته سبحانه، فهي له صفة كمال وجلال، ولذلك يقول: (الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني فيهما أدخلته النار).\nمن نازع الله في عظمته وكبريائه سبحانه فقد أتى ما لا يجوز له، إذ لا ليس لأحد أن ينازعه في ذلك، فإذا أبى الإنسان إلا أن يستكبر وأن يعطي لنفسه صفةً لا تكون إلا للخالق سبحانه، فيأبى الله أن يترك هذا على ما هو فيه حتى يذله ويذيقه الذل في الدنيا والآخرة، وأبى الله أن يرفع شيئًا إلا وضعه كما ذكرنا قبل ذلك.\nفاحذر من الكبر، ويكفيك أن تعلم أنه صفة لا تليق إلا بالله، فلا يجوز لك أن تنتحل هذه الصفة، فتستكبر على خلق الله ﷾ وأنت مثلهم.\nجاء في القرآن تحريم الاستكبار، وتحريم إعجاب الإنسان بنفسه والفخر على غيره، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣] العاقبة الحسنة في الدار الآخرة للأتقياء الأنقياء الذين قلوبهم نقية تقية، يخافون من الله ﷾ ويحقرون أنفسهم، وينظرون إلى غيرهم على أنهم أفضل منهم، فهذا الإنسان التقي يستحق أن تكون له العاقبة العظيمة المحمودة وهي الجنة العالية.\n﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ﴾ [القصص:٨٣] (تلك) أشار باسم الإشارة الذي يشير إلى البعيد لتعظيم الجنة، وتعظيم الآخرة، يعني: هذه الآخرة العظيمة.\nوفرق بين أن يقول: هذه الدار الآخرة، فهو إشارة للقريب وللشيء اليسير، ولكن إذا أشار للشيء المعروف بإشارة البعيد فهو يحمل معنى التعظيم له.\n﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ﴾ [القصص:٨٣] هذه الدار العظيمة الآخرة الباقية ﴿نَجْعَلُهَا﴾ [القصص:٨٣] النون نون العظمة، يخبر عن نفسه سبحانه: أننا نجعلها للذين لا يستكبرون ﴿لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا﴾ [القصص:٨٣] فهم تواضعوا فاستحقوا أن يرفعهم الله ﷾، قنعوا باليسير وبالقليل من الدنيا ولم يطلبوا شهرة ولا شيئًا يعلون به على غيرهم، فإذا بالله يعطيهم أعلى الأشياء.\n﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا﴾ [القصص:٨٣] للمؤمنين المتقين الذين يبتغون في هذه الدنيا أن يحسنوا عبادة ربهم سبحانه، ويتخلقوا بالأخلاق الحسنة فيها، لا يطلبون علوًا ولا يبغون في الأرض بغير الحق، لا يفسدون في الأرض، لا يريدون علوًا ولا فسادًا في الأرض، قال الله سبحانه: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣].","vol":"47","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-540>ذم مشية الخيلاء والمرح</span>\nقال الله: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء:٣٧].\nنهى عباده أن يمشوا على الأرض بالمرح، وهو أشد البطر، ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء:٣٧].\nالإنسان الذي يمشي على الأرض يتمطط عليها فرحان بنفسه، يرى أنه لا أحد على الأرض غيره، فهو يمشي وربنا يقول له: لا تمش على الأرض مشية الخيلاء والاستكبار، لأنه يتكبر على الناس وكأنه أعلى وأعظم من غيره، متقدم بصدره أمام الناس، مصعر خده للناس.\n﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء:٣٧]، مهما بلغت من قوة، لو ضربت الأرض بقدمك انكسرت قدمك أنت ولم تكسر الأرض، لو تعاليت وانتفخت في نفسك فأنت قصير لن تبلغ الجبل في طولك.\nتتعالى على ماذا؟ الأرض تحتك أعظم منك، فهذه التي تمشي عليها أنت مخلوق منها، علام تضرب الأرض برجلك وهي أقوى منك؟! لو نطحت الجبل برأسك انكسر رأسك أنت، فلماذا تتطاول؟ لا تتعالَ على الخلق: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء:٣٧] قال تعالى: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان:١٨]، هذا لقمان يوصي ابنه وينصحه، والصعر: داء يأخذ الجمل في رقبته فتشد العضلة فلا يستطيع أن يلتفت.\nوهكذا المتكبر ينظر للناس بتعالى، معوج على الناس وهو كغيره من الناس، ويوم القيامة سيجعل الله هؤلاء المتكبرين من أذل الخلق، ومن أحقر الخلق بين الناس، ومهما تعالى على الناس زمانًا بل أزمنة لا بد وأن يقصمه الله سبحانه، ويري الناس فيه آيات وعبرًا.\n﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان:١٨]، لا يحب المختالين الفخورين، والاختيال يوصف به كل من فيه صفة الفخر، فهذا لا يحبه الله ﷾.","vol":"47","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-541>عاقبة قارون وأمثاله من المستكبرين</span>\nيذكر لنا الله قصة قارون في سورة القصص فيقول: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص:٧٦].\nكان قارون إسرائيليًا من قوم موسى، فتعالى على قومه، وذهب إلى فرعون ومن معه، وقد كان من أغنى خلق الله ﷿، ولكنه قلد إبليس وافتخر على قومه، فقال عنه ربنا سبحانه: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى﴾ [القصص:٧٦].\nالبغي هو الظلم والتعالي والإفساد ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾ [القصص:٧٦] آتيناه نحن، ليس بقوته أو بجده واجتهاده، ولكن من فضل الله ﷾.\n﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص:٧٦] كنوز عظيمة جدًا، ولك أن تتخيل عظمها عندما تعلم أن مفاتيحها يحملها من الرجال عشرة.\n﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص:٧٦]، كل إنسان يفرح، ولكن هذا فرح مخصوص، فالفرح الذي هو سرور في قلب الإنسان ليس ممنوعًا منه، كمن يفرح لشيء آتاه الله ﷿ إياه، أو لنعمة أحدثها الله له، لكن لا تتجاوز بهذا الفرح حده إلى أن يكون فرح المستكبرين، يعني: كأن يمشي متعاليًا على الناس يقول: أنا أحسن منكم، أنا عندي وعندي، قالوا له: لا تفرح هذا الفرح الذي يدل على بطرك واستكبارك وعلوك وبغيك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص:٧٦].\n﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [القصص:٧٨] هذا أعطيته لأني أستحقه، وقد آتاني الله على علم أني أستحق ذلك.\n﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ [القصص:٧٨] ولكن أبى إلا أن يستكبر على قومه، فجمع كنوزه وأشياعه وخرج على الناس في زينته يريهم أن عنده ما ليس عند أحد، دفعه إلى ذلك الاستكبار.\nوالعادة أن كثيرًا من الناس يشتهون مثل ذلك، فنظروا إليه وقالوا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩] صدقوا هذا الكذب، وهذه المظاهر البراقة، صدقوا أنه أوتي هذا على علم، وأنه يستحق هذا الشيء.\nلكن أهل العلم والتقوى لما نظروا إلى ذلك لم تأخذهم هذه المناظر ولم يبهتهم الإعجاب، وعلموا أن هذا كله سوف يزول، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص:٨٠]، اصبروا ولكم الجنة بعد ذلك، وهي أعظم من هذا الذي فيه هذا الإنسان.\nفإذا بهذا الإنسان في تعاليه: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص:٨١] يأتي الخسف من عند رب العالمين، يا أرض خذيه وخذي هذا الذي هو فيه.\n﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾ [القصص:٨٢]، كنا نتمنى مثله، ولو أن الله حاسبنا عليه واستجاب وأعطانا مثلما أعطى قارون لكان حالنا الآن مثله.\n﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص:٨٢] لا يفلح الإنسان الذي يكفر نعمة ربه سبحانه ويجحدها، أو ينسبها إلى نفسه أو إلى غير ربه سبحانه، فالذي يرى لنفسه حظًا وعظمة فيقيس الآخرة على الدنيا مثل هذا الإنسان، فإذا بالله يجعله آية.\nفيذكر النبي ﷺ فيه وفي غيره: (بينما رجل يمشي على الأرض قد أعجبه ثوباه فهو يتبختر على الأرض، فإذا به تخسف به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة).\nقال الله ﷿: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص:٨١] من ينصره من دون الله؟ معه مال يجند به من يشاء من جنود، ولكن ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص:٨١].","vol":"47","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-542>المتكبر لا يدخل الجنة</span>\nمن الأحاديث في هذا الباب: ما رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر).\nالذرة: النملة، يعني: من كان في قلبه قدر النملة من الاستكبار، فهذا لا يستحق أن يدخل الجنة؛ لأنه متطاول على الناس، يرى أنه أعظم منهم، لا يكلمهم إلا بترفع وتطاول، فحال من في قلبه مثقال ذرة أنه لا يدخل الجنة، فكيف بمن كان في قلبه الكبر كله؟! سأل رجل النبي ﷺ: (إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنة)، يحب أن حذاءه يكون حلوًا وأن ثوبه يكون حسنًا، فهل هذا كبر؟! فقال النبي ﷺ: (إن الله جميل يحب الجمال) أي: لا مانع من أن تلبس الثوب الحسن والنعل الحسن، بل الله ﷿ إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثر هذه النعمة عليه.\nإذا أنعم عليك بمال فلا تلبس لبس امرأة، بل البس لبسة الرجل، لكن أن تلبس حذاءً حسنًا من أجل أن تمشي فتضرب برجلك على الأرض فهذا هو الكبر؛ لأنك تريد أن تتعالى ويظهر فضلك على الناس، وهذا ما لا يحبه الله ﷿.\nثم قال ﷺ: (الكبر بطر الحق، وغمط الناس) غمطهم وغمصهم بمعنى واحد، أي: أن الإنسان يرى أن الناس تحته مغموصين، كل الناس ليس لهم قيمة عنده ولا وزن.\nبطر الحق، يعني: عدم قبول الحق، إذا عرف أن الحق في هذا الشيء لا يفعله، يقول: قال الله كذا قال الرسول ﵊ كذا ولا يقبل أن يصنع، مستكبر، إذا دعوا إلى الله وإلى رسوله إذا هم معرضون عن ذلك، وغمط الناس: احتقار الناس، فيراهم أسفل منه.\nروى مسلم عن سلمة بن الأكوع ﵁: (أن رجلًا أكل عند رسول الله ﷺ بشماله)، هذا نوع من أنواع الكبر، ويقد يكون الفاعل جاهلًا (فقال له: كل بيمينك) كعادته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح لكل مسلم، فنصحه النبي ﷺ، فأنف هذا الرجل واستكبر على النبي ﷺ، وقال: (لا أستطيع) كثير من الناس تقول له: اعمل كذا وهو يعرفه ويجيده، ولكن يستكبر، قال: (ما منعه إلا الكبر) علم النبي ﷺ أنه يده سليمة، لكنه يأكل بشماله استكبارًا، فدعا عليه النبي ﷺ، فما كان إلا أن شلت يد الرجل فما رفعها إلى فيه.\nومثله ذلك الرجل الذي زاره النبي ﷺ وكان مريضًا وعنده حمى فقال له: (لا بأس طهور إن شاء الله) كلامه جميل ودعوته مباركة صلوات الله وسلامه عليه، ولكن الرجل بسبب الجهالة والحماقة يقول: (بل حمى تفور على شيخ كبير تزيره القبور)، انظر إلى الرد السخيف على كلام النبي ﷺ!","vol":"47","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-543>المتكبرون أهل النار والضعفاء أهل الجنة</span>\nعن حارثة بن وهب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر) هذا من أهل النار، أما أهل الجنة فهم الضعفاء والمساكين.\nهذا الإنسان العتل الجواظ المستكبر ألفاظه تناسب شكله، من أجل صعوبة ما هو فيه من جحود، ونكران للنعمة، واستكبار على الخلق، فهو إنسان غليظ بطبيعته، صعب أن تتعامل معه أو تكلمه كلمة.\nالمؤمن إلف مألوف، المؤمن طيب، المؤمن تأخذ منه لسانًا حلوًا، تعتاد عليه، ويعتاد عليك، المؤمن يحفظ نفسه ويحفظ لسانه، ولكنه قريب من الناس، سهل أن يتكلم مع الناس وتكلمه، ليس عنده تعالٍ على أحد، يعلم أن أصله من طين فهو متواضع.\nأما هذا فهو عتل غليظ جافٍ جواظ جموع منوع، له عشيرة وله أهل، وعنده رجال، عنده من يدفع عنه.\nوأيضًا (جموع منوع) يطلق على الإنسان المنتفخ البطن من كثرة الأكل وكثرة حرصه على الدنيا، فهذا الإنسان أيضًا من صفاته أنه جواظ يختال في مشيته، كأن غناه ظاهر على جسمه وحجمه، فهو منوع عنده عتاد ورجال، ويختال بذلك على الناس، فهذا الجواظ المستكبر قال عنه: (ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر).\nعن أبي سعيد ﵁، عن النبي ﷺ قال: (احتجت الجنة والنار، فقالت النار: في الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: في ضعفاء الناس ومساكينهم، فقضى الله بينهما، قال للجنة: إنك رحمتي أرحم بك من أشاء) من صفات رب العالمين: الرحمة العظيمة فهو الرحيم الحنان سبحانه، فهذه الجنة دار كرامته، يكرم بها من يشاء.\nكما أن من صفات الله ﷿ أنه القوي العزيز: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج:١٢] فهذه النار انتقام الله وعذاب الله ﷿، وهنا صفة أخرى من صفات رب العالمين ﷾.\n(وقال للنار: إنك عذابي أعذب بك من أشاء ولكليكما عليَّ ملؤها).\nوعد من الله أن يملأ هذه وهذه، والنار كلما ألقي فيها فوج تقول: هل من مزيد؟ ثم يلقى فيها فوج يعذبون فتقول: هل من مزيد؟ ولا تكتفي، فالله ﷿ يضع فيها قدمه فتقول: قط، قط.\nووعد الجنة أن يملأها ﷾، فدخل فيها الخلق المؤمنون ولم يملئوها، ولا تمتلئ الجنة حتى يخلق الله لها خلقًا جديدًا، لأنها كبيرة واسعة جدًا، مهما أعطى للناس في هذه الجنة فهي واسعة تسع أكثر وأكثر من ذلك، حتى إن آخر أهل الجنة دخولًا الجنة رجل يعطيه الله ﷿ مثل ملك من ملوك الدنيا، وعشرة أضعاف ملكه، هذا أقل أهل الجنة منزلة فكيف بأعلاها منزلة؟ ومع ذلك لا تمتلئ الجنة حتى يخلق الله لها خلقًا آخر يسكنون هذه الجنة.\nنسأل الله ﷿ أن يجعلنا من أهلها.","vol":"47","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-544>لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطرًا</span>\nوعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرًا) متفق عليه.\nهناك فرق بين أني أنظر إلى إنسان ولا آراه، ولكن الله ﷿ لا ينظر إليهم ﷾، ولكنه يرى كل شيء، ويبصر كل شيء، فكأنه يعامل هؤلاء معاملة المنسيين، فلا ينظر إليهم نظر رحمة وهم في نار جهنم، ولكنه يعلم كل شيء عنهم ويراهم ﷾، فهم لا يستحقون أن يرحمهم سبحانه.\nفالنظر هنا نظر مخصوص، فيستشعرون بهذا النظر أنه يكرمهم.\nوكذلك لا يجيبهم مع أنه يرد عليهم، ويقول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، فهو لا يجيبهم جوابًا ينتفعون به، ويستشعرون أنه يعطيهم شيئًا من رحمته، فلا ينظر إلى مستكبر جَرَّ إزاره على الأرض، أي: غني عنده أموال يضيعها في الأرض، ويمشي ليجرجر ثيابه على الأرض، فنهى النبي ﷺ عن ذلك، فلا تلبس الثياب مجرجرة على الأرض، ولكن اقطعها بحيث تكون عند الكعبين، هذا للرجال، أما المرأة فلها أن تستر قدمها.","vol":"47","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-545>الفقير المستكبر من أهل النار</span>\nوعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم).\nقوله: (لا يكلمهم الله)، أي: يسألون فلا يكلمهم في أي حال من الأحوال، فإذا أجابهم لا يأخذون جوابًا يفرحون به، بل جواب يحزنهم الدهر كله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨].\n(ولا يزكيهم) لا يطهرهم إلا بنار جهنم والعياذ بالله.\n(ولا ينظر إليهم) وهو يراهم ﷾، وهو هنا نظر مخصوص، فلا ينظر إليهم نظر رحمة، أو لا ينظر إليهم على وجه من الوجوه الذي يستشعرون به أنه يعطيهم شيئًا من رحمته.\nوهم: (شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر)، أناس قد منع الله ﷿ عنهم أسباب الاستكبار، وأسباب المعاصي، أولهم: الشيخ الزاني: شيخ كبر سنه، وذهبت نهمته ولذته، فالمفترض أن الذي وصل إلى سن أربعين سنة قد وصل إلى سن كمال، كما ذكر الله ﷿ في القرآن: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف:١٥].\nفهذا الذي بلغ إلى الأربعين سنة ينبغي أن يقول ذلك، فكيف بالذي وصل إلى الستين والسبعين ثم يزني، هذا لا يستحق إلا نار جهنم -والعياذ بالله- هذا الشيخ الذي منع الله ﷿ عنه هذه الشهوة، قد وصل إلى اكتمال عقله بالابتعاد عن هذا الشيء الفاحش ومع ذلك يقع فيه، هذا لا يستحق إلا النار.\n(وملك كذاب) ملك يملك الناس، ويحكم الناس، فيكذب عليهم لماذا؟ وصل إلى درجة عالية، والناس قد ملكوه وجعلوه فوقهم، ومع ذلك يكذب عليهم، فهو يكذب على الناس ويضر الناس بكذبه.\n(وعائل مستكبر) العائلُ: الإنسان الفقير الذي عنده عيال ومحتاج لمال، ومع ذلك يستكبر على الخلق، ويكلم الناس من أطراف أنفه، لماذا يفعل هذا الشيء وقد منع الله ﷿ عنه ذلك بأن جعله فقيرًا، كأن الله يريد بك خيرًا لذا جعلك فقيرًا من أجل أن تدخل الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام، وجعلك فقيرًا حتى لا يكون حسابك طويلًا يوم القيامة، وتأبى إلا أن يطول حسابك، فما وجدت المال فلجأت إلى شيء آخر تستكبر به على الناس من أجل تدخل به النار، لذا كان الفقير المستكبر على الناس من المستحقين للنار.\nوهل معنى ذلك أن الغني له أن يستكبر؟ لا، ولو كان أغنى الناس، ولكن المعنى: أن الغني إن استكبر فهو معذب، وقد كان معه أسباب الاستكبار في الدنيا، فهل هذا الفقير الذي ﵀ ﷿ ومنع عنه أسباب النار يجلبها لنفسه؟ إذًا: ادخل النار بهذا الشيء الذي جلبته لنفسك.","vol":"47","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-546>الكبر رداء الله والعظمة إزاره فمن نازعه فيهما عذبه</span>\nوعن أبي هريرة أيضًا: قال: قال رسول الله ﷺ: (قال الله ﷿: العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن ينازعني عذبته).\nالله عزيز قاهر ﷾، غالب لا يغالب ولا يمانع، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].\nفالله يقول: (العز إزاري) يعني: هذه أشياء خاصة بي، كما يقول الإنسان: أنا لابس إزارًا ورداءً، ولله ﷿ المثل الأعلى فيضرب لنا المثل: إذا كان ما تختص به من أشياء تأبى أن تعطيه لغيرك، فهل ربنا سبحانه الذي اختص هذا الشيء لنفسه، يحق لأحد أن ينازعه فيه؟ عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: (بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل رأسه يختال في مشيته؛ إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة).\nالإنسان المؤمن عندما يلبس ثوبًا جديدًا يحمد الله ﷾ عليه فيقول: (الحمد لله الذي كساني هذا من غير حول مني ولا قوة، اللهم إني أسألك خيره، وخير ما لبس له، وأعوذ بك من شره، وشر ما لبس له).\nأما الإنسان المستكبر فيلبس الثوب من أجل أن ينظر الناس إليه، وأن معه ثوبًا حسنًا سواء كان امرأة أو رجلًا، يفعل ذلك مستكبرًا، فهذا رجل فعل ذلك في حلة تعجبه نفسه مرجل رأسه، يختال في مشيته يمينًا وشمالًا، يستكبر على الخلق، إذ خسف الله به الأرض، فهو يتجلجل في الأرض ويغوص إلى ما يشاء الله ﷿ إلى يوم القيامة.","vol":"47","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-547>ذم التشبه بالجبارين</span>\nوعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما أصابهم) رواه الترمذي وقال: حسن.\nولكن إسناده فيه ضعيف، والمعنى صحيح: (من تشبه بقوم فهو منهم)، فهو يرى نفسه مثل هذا الجبار، فمن يقلد فرعون فنهايته نهاية فرعون، أو يقلد قارون فنهايته نهاية قارون، فهذا الإنسان الذي يستكبر فوق الخلق ويرى نفسه أعظم الناس، أبى الله أن يرفع شيئًا إلا وضعه.\nولذلك يتفكر الإنسان من أين أتى؟ وإلى أين هو ذاهب؟ هو أتى من الأرض، وذاهب إليها مرة ثانية، فمهما علا فوق الناس فسوف ينزل في التراب مرة ثانية كما جاء منه، فليتواضع من البداية.\nجاء عن رجل من الصالحين: أنه رأى أميرًا من الأمراء يتعالى على الناس فقال له بيتين من الشعر: وهب أن قد ملكت الأرض ودان لك العباد فكان ماذا أليس غدًا مصيرك جوف قبر ويحثو الترب فوقك هذا ثم هذا لماذا ترى نفسك أعظم من الناس؟ لو فرضنا يا سيدي أنك ملكت الدنيا كلها، ودان لك العباد فماذا سيحصل؟ لو فرضنا أن الناس يدينون ويخضعون لك، أليس مصيرك غدًا جوف قبر، ويحثو الترب فوقك هؤلاء الناس الذين تتعالى عليهم! إذًا: لا تستكبر فوق الخلق، فإنك سوف ترجع إلى هذه الأرض، ثم إلى الله ﷿ ليحاسبك.\nنسأل الله ﷿ أن يجعلنا من عباده المتواضعين.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"47","page":11},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-548> حسن الخلق</span>\nحث الإسلام على حسن الخلق، ولنا في النبي ﷺ أسوة حسنة في ذلك، فقد أدبه ربه وأحسن تأديبه، فكان أعلى الناس خلقًا.\nوحسن الخلق يجمع خصال الخير، وهو أثقل شيء في ميزان العبد يوم القيامة.","vol":"48","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-549>حسن الخلق من خصال النبيين وأتباعهم</span>","vol":"48","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-550>الله تعالى يحب حسن الخلق</span>\nالحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب: حسن الخلق] قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].\nوقال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤].\nعن أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقا) متفق عليه.\nوعنه قال: (ما مسست ديباجًا ولا حريرًا ألين من كف رسول الله ﷺ، ولا شممت رائحة قط أطيب من رائحة رسول الله ﷺ، ولقد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي قط: أف، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا؟) متفق عليه].\nهذا الباب من كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي حسن الخلق.\nإن أعظم ما يتخلق به الإنسان، وأعظم ما يرتجي عليه الأجر من الله سبحانه حسن الخلق.\nوإن حسن الخلق يستطيع به الإنسان أن يسع الناس، لا أن يسع الناس بماله، لا أن يسع الناس بخدماته، ولكن يسعهم بحسن خلقه، فحسن الخلق عظيم، وهو منة من الله ﷾، إذا وهبها لأحد فهي بشارة لهذا الذي وهبه أنه محبوب عند الله ﷾.","vol":"48","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-551>حسن خلق النبي ﷺ وتأديب ربه له</span>\nإن حسن الخلق كنز لصاحبه، وهو أعظم كنز يحصله الإنسان، فقد جاء في القرآن قول الله ﷿ لنبيه ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] وقد كان خلقه ﷺ القرآن كما تقول السيدة عائشة ﵂، فكل ما في القرآن من محاسن أخلاق، وما فيه من الآداب كان في النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nأدبه ربه ورباه ﷾، ورزقه حسن الخلق، وقال مادحًا له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].\nوقال مبينًا أن هذا الخلق فضل من الله سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] فبرحمة من الله سبحانه أعطاك حسن الخلق موهبة منه ﷿.\nفقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٩] أي: فبحسن خلق الإنسان يلين للخلق، وبسوء خلقه يتعالى ويستكبر على الخلق.\n﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ [آل عمران:١٥٩] أي: لو كان فيك جفاء، وكنت غليظًا قاسي القلب، لانفض الناس وابتعدوا من حولك، ولكن الله جمعهم حول النبي ﷺ حبًا له لما فيه من حسن الخلق، ولين الجانب، وحسن الطباع والأخلاق، صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"48","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-552>كظم الغيظ والعفو عن الناس من حسن الخلق</span>\nوقال سبحانه: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤].\nهؤلاء من أحسن الناس أخلاقا، فالكاظم الغيظ: هو الإنسان يكظم غيظه، فيؤجر عليه أجرًا عظيمًا من الله ﷾، وإن أعظم شيء يكظمه الإنسان، وأعظم جرعة يتجرعها، هو غيظ يكظمه ابتغاء وجه الله ﷾، ولذلك هؤلاء الذين يكظمون غيظهم، ينادي عليهم ربهم يوم القيامة، ويخيرون من أي الحور العين شاءوا؛ لأنهم كظموا غيظهم في الدنيا، وعفوا عن الناس، فلذلك يخيرون يوم القيامة أمام الخلق جميعًا بيانًا لفضيلتهم.\nقال تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤] فالعفو عن الناس خلق عظيم، وكثير من الناس ينظر إلى العفو أنه خصلة الإنسان الضعيف الذي لا يقدر أن يأخذ حقه، ويأخذ بثأره، فيعفو ويكظم غيظه، لكن لو كان قادرًا لفعل، فالله يبين لنا أن الإنسان الذي يكظم غيظه أهل لمحبة الله، وأهل لأن يكون من المحسنين، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤] فهذا محسن وليس مسيئًا، وهو ممن يحبه الله سبحانه؛ لأنه كظم غيظه وعفا عن الناس.","vol":"48","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-553>ذكر بعض محاسن أخلاقه ﷺ</span>","vol":"48","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-554>حسن خلقه ﷺ مع خادمه</span>\nومن الأحاديث الواردة في حسن الخلق: حديث أنس ﵁، قال: (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقًا) وحق له صلوات الله وسلامه عليه، فهو رسول الله الذي رباه ربه ﵎، فلا أبوه حي يربيه، ولا أمه تربيه، إنما الذي رباه هو ربه ﷾، ووهبه الخلق الحسن، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] فقد كان أحسن الناس خلقًا صلوات الله وسلامه عليه.\nوقد كان أهل الجاهلية بعد الإسلام وقبل الإسلام يلقبونه بالصادق الأمين، الذي لا يخون، ولا يغدر، بل يفي بالعهود والمواثيق، فإذا اختلفوا حكموه بينهم وهو شاب صغير ﵊.\nفلما نزل عليه الوحي زاده من فضل الله ﷾ أخلاقًا عظيمة، علمه ربه، ورباه، وأدبه ﷾، فمن عليه بذلك، وعرفنا أن الفضل بيد الله يعطيه من يشاء، فكان أحسن الناس خلقا.\nفهذا أنس الذي خدم النبي ﷺ وهو صبي له عشر سنوات، حتى توفي النبي ﷺ، وعمره عشرون سنة، قال: (ما مسست ديباجًا ولا حريرا ألين من كف رسول الله ﷺ) يذكر أنه يمس يده ﷺ عندما يسلم وليست يده قاسية ولا غليظة، فليس هو الشديد الذي يقسو ويجمد على من يسلم عليه، ولكن يده كريمة ﵊ وناعمة، وإن كان هو أقوى الناس ﵊.\nيقول الصحابة: كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله ﷺ، وكنا نتحدث أنه أعطي قوة أربعين رجلًا ﵊، هذا أمية بن خلف أقسم أن يقتل النبي ﷺ، فجهَّز فرسه، وجهز رمحه، وركب الفرس وانطلق، فقام الصحابة يريدون أن يدافعوا عن النبي ﷺ، فقال: (دعوه، فأنا قاتله إن شاء الله).\nوالنبي ﷺ ليس راكبًا وليس لديه سلاح، فأخذ رمحًا ﵊ لا نصل له، وهذا الرجل قد تجهز على فرسه، وجاء برمحه، يريد قتل النبي ﷺ، فما أن جاء الرجل وهو يعدو على فرسه، حتى استقبله النبي ﷺ برمح لا نصل فيه، فوجأه في عنقه، فأسقطه عن دابته، فرجع إلى قومه وهو يصرخ، فقالوا له: لا بأس عليك، إذا ضربك برمح ليس فيه نصل، لن يحصل لك شيء، فقال: إنه أخبر أنه قاتلي، وهو لا يكذب! فقتل الرجل بذلك.\nهذا النبي الصادق الأمين عندما يسلم على أصحابه، يربت على صدورهم، ويسلم عليهم بيد ليِّنة، يقول أنس وكان صغيرًا رضي الله تعالى عنه: (ما مسست ديباجًا ولا حريرًا) والديباج من الحرير، أي: حريرًا غليظًا ولا حريرًا ناعمًا لينًا (ألين من كف رسول الله ﷺ، ولا شممت رائحة قط أطيب من رائحة رسول الله ﷺ) فرائحته ﷺ أطيب من الطيب، وكانوا إذا أرادوا تطييب طيبهم ينتظرون نوم النبي ﷺ فيعرق، وكانوا قد فرشوا له جلدًا ﵊، وكان غزير العرق ﵊، فيأخذون من عرقه يطيبون به طيبهم صلوات الله وسلامه عليه.\nقال: (ولقد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي قط: أف) عشر سنوات وهو يخدم النبي ﷺ، وهو صبي صغير لابد أن يخطئ، ولابد أن يفعل أشياء تضايق النبي ﷺ، فقد كان أحيانًا يرسله ليأتيه بشيء، فيذهب ويلعب وينسى الشيء الذي أمره النبي ﷺ، ويأتي إليه النبي ﷺ ويقول: يا غلام! فيستحيي أنس من النبي ﷺ، فيقول له النبي ﷺ: اذهب لما أمرتك، ولا يقول له أكثر من ذلك صلوات الله وسلامه عليه.\nيقول أنس ﵁: (ولقد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي قط: أف، ولا قال لشيء فعلته لمَ فعلته) أي: لم يقل له: ما الذي جعلك تفعل كذا، (ولا لشيء لم أفعله) أي: تلكأ فيه، ولم يفعله، (ألا فعلت كذا!) فكان ﷺ لا يزجره وإن أخطأ رضي الله تعالى عنه، هذا فعله مع خادم عنده ﷺ، فكيف بفعله مع باقي الناس!","vol":"48","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-555>حسن خلقه مع من أهدى له صيدًا وهو محرم</span>\nعن الصعب بن جثامة ﵁، قال: (أهديت رسول الله ﷺ حمارًا وحشيًا فرده علي، فلما رأى ما في وجهي، قال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم) متفق عليه.\nفقد أهدى الصعب بن جثامة النبي ﷺ وهو محرم بالحج هدية، وذلك أن الصعب اصطاد حمارًا وحشيًا ولم يكن الصعب محرما، فلذلك يجوز له أن يصطاد ما ليس في الحرم، فاصطاد وأهدى ما اصطاده للنبي ﷺ، فرده النبي ﷺ، فكأن الرجل كره أنه أهدى هدية للنبي ﷺ فردها عليه، وشرف للصعب أن يهدي للنبي ﷺ هدية ويقبلها.\nفلما لم يقبلها اعتذر النبي ﷺ عن عدم قبولها، فقال ﷺ: (إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم).\nفإذا سأل سائل: هل يحرم عليه أن يقبل مثل هذه الهدية ﷺ؟ ف\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  جاء حديث آخر عنه ﷺ أن ما يصطاده الحلال إذا لم يكن صاده من أجل المحرم، فيجوز أن يأكله، إذًا: صيد البر حلال، إذا لم يصده المحرم، ولم يصد له.\nفهذا الرجل صاد صيدا وخشي النبي ﷺ أن يكون صاده من أجله، فقد صاد هذا الحمار الوحشي من أجل أن يهديه النبي ﷺ، فلا يجوز له أن يأكله ﷺ، فبين العذر في عدم القبول، وقال: امتنعنا من ذلك لأنا حرم.\nوهذا القول فيه التلطف في الاعتذار، وعدم إيقاع الغير في الاعتذار بالكذب، لعله يقول له ﷺ: أنا خائف أنك تكون اصطدته من أجلي، فيقول: لا، لم أصطده من أجلك، ويكون قد صاده فعلًا من أجله، ولكن الحياء منعه أن يقول ذلك، لذلك قال الكلمة اللطيفة منه ﷺ: (إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم).\nففيه أن الإنسان إذا أهدي له هدية، ولم يكن عليه شيء في قبولها، فليقبل الهدية، فإذا تأذى منها أو ظن من ورائها شيئًا، تلطف في الاعتذار.","vol":"48","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-556>جماع البر حسن الخلق</span>\nعن النواس بن سمعان ﵁، قال: (سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم فقال ﷺ: البر حسن الخلق).\nفهذا الرجل يسأل النبي ﷺ، لأنه يريد أن يعمل برًا، والبر: كلمة تجمع مجامع الخير كله، من صلاة وصيام وزكاة إلخ.\nفلم يقل له النبي ﷺ ذلك؛ لأنه صعب، ولكن قال له النبي ﷺ شيئًا آخر، فقد علم النبي ﷺ أن هذا يعلم أشياء من الدين، ولكن مجامع الدين في حسن الخلق، فإذا كان خلقه حسنًا، فإنه سيكون مع حسن الخلق، قبول النصيحة، والتعلم، وسيعرف دين الله ﷾؛ لأنه اشتمل على حسن الخلق، ويبتغي وجه الله سبحانه، فيصل إلى مجامع البر والإحسان، بحسن الخلق، الذي يجعله لا يستكبر وهو متعلم، ولا يستكبر وهو عالم، فيعلم من يحتاج إلى ذلك.\nفالإنسان إذا حسن خلقه كان على خير، وكان جديرًا بأن يعلمه الله، وأن يرزقه العمل بما يعلمه، ويرزقه حب الخلق له.\nقال: (والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس).\nفكل إنسان في قلبه ما يدله على الشيء إن احتار فيه، فالحلال بين والحرام بين، وبعض الأشياء تكون فيها شبهات، هذه الأمور تشتبه على الإنسان، فيقال لك: استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك، ومن الممكن أن تسأل إنسانًا، ويجيبك بما تريده أنت، بناء على فهمه لسؤالك، ومن الممكن أن يسأل الإنسان نفسه سؤالًا وهو جالس، ويضع له قيودًا بحيث يأخذ الجواب على مزاجه في هذا السؤال.\nفلما قال النبي ﷺ: (الإثم ما حاك في نفسك) فمعناه أنك ستعمل شيئًا ثم أنت شاك فيه.\nفإذا كنت تستحي أن تصنع هذا الشيء أمام الناس، فاعلم أنه من الإثم، فالإثم ما حاك في نفسك، وتخاف أن تفعل ذلك أمام الناس، ولهذا قال ﷺ: (وكرهت أن يطلع عليه الناس).\nوهذا الحديث في صحيح مسلم.","vol":"48","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-557>تنزهه ﷺ عن الفحش والتفحش</span>\nعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: (لم يكن رسول الله ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا، وكان يقول: إن من خياركم أحسنكم أخلاقا) متفق عليه.\nيقال: فلان فاحش، أي: بطبعه، فطبعه فيه الفحش.\n(ولا متفحشًا) أي: متكلفًا لذلك، فمن الممكن أن يكون الإنسان مهذبًا، ولكن وجد نفسه في وسط مجموعة من أصدقاء السوء، فأخذ يقلدهم، ويفعل مثلهم، ويتكلم بلسانهم، فإن رسول الله ﷺ أبر الخلق، لا هو فاحش بطبيعته، ولا يتكلف ذلك ﵊، فهو أنقى الناس لسانًا وقلبًا.\nوفي الحديث بقية وهو قوله ﷺ: (إن من خياركم أحسنكم أخلاقا) أي: إن من خيار الناس في الناس أحاسنهم أخلاقًا.","vol":"48","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-558>فضائل حسن الخلق</span>","vol":"48","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-559>أثقل شيء في ميزان العبد حسن الخلق</span>\nوقد روى الترمذي عن أبي الدرداء ﵁، أن النبي ﷺ قال: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، والله يبغض الفاحش البذيء).\nوالميزان غيبي نؤمن به، إذْ يحضر الإنسان ميزانه يوم القيامة، فإما أن يخف وإما أن يثقل، فإذا خف هوى في النار والعياذ بالله، وإذا ثقل بأعمال صاحبه، يكون من أهل الرجحان، ومن أهل الجنة، نسأل الله ﷿ أن يجعلنا من أهلها.\nفأثقل الأشياء التي تثقل الميزان يوم القيامة، كلمة: لا إله إلا الله، فالأفعال التي يفعلها العباد من طاعات، ومن بر ومن إحسان تثقل الميزان، فأثقل ما يثقل الميزان يوم القيامة للإنسان المؤمن، هو تحصيل كلمة: لا إله إلا الله، ولكن من أعظم ما يثقل ميزانهم: حسن الخلق.\nقال رسول الله ﷺ: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، والله يبغض الفاحش البذيء).\nفالإنسان إذا كان لسانه بذيئًا فاحشًا يبغضه الله ﷾، وإن أحبه البعض ممن هم على شاكلته، فإن الطيور على أشكالها تقع، فالإنسان البذيء محبوب إلى أهل البذاءة والسفاهة، ولكنه بغيض إلى أهل الإيمان.\nلذلك فإن الإنسان المؤمن، عفيف اللسان، إذا تكلم فصوته منخفض، لا يتكلم بالفحش من القول، ولا يشتم أحدا، ولا يسب أحدا، ولا يلعن شيئا، فالمؤمن حسن الخلق، والإنسان قد يكون يتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالًا -كما قال النبي ﷺ- تهوي به في النار سبعين خريفًا، أي: سبعين سنة، كأن يشتم إنسانًا، أو يلعن إنسانا، أو يشتم أبا إنسان، أو أم إنسان، ويتكلم بغيبة ونميمة، أو بكلام بذيء يقوله، ولم يكن على باله أنها تودي به في مصيبة، فتهوي به في النار سبعين خريفًا.\nهذا الإنسان حين يكون على الصراط، وهو يحاول أن ينجو من النار، فهو يمشي تارة ويكبو تارة، وتارة تلفحه النار، فتأتي هذه الكلمة الخبيثة التي قالها، فتجعله يسقط في نار جهنم سبعين خريفًا.","vol":"48","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-560>تقوى الله وحسن الخلق من أسباب دخول الجنة</span>\nوروى الترمذي أيضًا عن أبي هريرة ﵁، (أن النبي ﷺ سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: تقوى الله وحسن الخلق).\nتقوى الله، أي: يتقي العبد ربه ﷾، ولا يقع في المعاصي، ولا يتكلم إلا بما يرضي الله ﷾، فإن تقوى الله تدخل الإنسان الجنة.\nوكذلك حسن الخلق من أكثر ما يدخل العبد الجنة.\nو(سئل النبي ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: الفم والفرج).\nلأن فم الإنسان يأكل حراما، وينطق بحرام وفحش، فيدخله النار والعياذ بالله، وأكثر أهل النار دخولًا النار بذلك، والفرج يقع في الزنا، ويقع في الحرام والعياذ بالله، وهذا أكثر ما يدخل الناس النار.","vol":"48","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-561>حسن الخلق من كمال الإيمان</span>\nعن أبي هريرة ﵁ أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ: (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم).\nفقوله: (أكمل المؤمنين إيمانًا) أي: أن المؤمن يتقي الله سبحانه، ويعمل الأعمال الصالحة، فهو يبتغي الكمال في الإيمان، فهو يحلي إيمانه وعمله بحسن الخلق، فيصير إيمانه كاملًا، بل أكمل المؤمنين إيمانًا هذا الذي هو على حسن الخلق، وأكمل الخلق إيمانًا هو نبينا صلوات الله وسلامه عليه الذي مدحه ربه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].\nوقال ﷺ: (وخياركم خياركم لنسائهم) وهذا فيه حث للرجال على أن يحسنوا إلى زوجاتهم، فقد يتخلق الإنسان بحسن الخلق مع الإنسان الغريب، ولكن مع أهله يكون فظيعًا، يكون ذا لسان يقع في المرأة ويشتمها، ويشتم أباها.\nفالإنسان يكون على حسن الخلق في كل أحواله، كذلك مع أهل بيته، وهم أحق أن يتحلى الإنسان بحسن الخلق معهم، ومع غيرهم، فالذي يكون حسن الخلق له سجية وطبيعة يتعامل مع زوجته، ومع أولاده، ومع جاره، ومع الغريب ومع كل الناس بحسن الخلق، فأحسن الناس خلقًا من اتقى الله ﷾، وحسن خلقه مع الناس، ومع أهله خاصة، قال رسول الله ﷺ: (خياركم خياركم لنسائكم).\nوكذلك المرأة تكون مع زوجها حسنة الأخلاق، لا ترفع صوتها على زوجها، ولا تخونه، ولا تخبئ عنه مالها، ولا تغدر به، وتفعل في غيابه خلاف ما تقوله أمامه.\nفلابد أن تكون المرأة مع زوجها أمينة، فهي مؤتمنة على مال زوجها، مؤتمنة على عيالها، لا تأخذ من ورائه مالًا وتنكر أنها أخذت مالًا.\nفالرجل يتعامل مع امرأته بحسن الخلق، وتكون المرأة مع زوجها كذلك؛ لأنهما يتعاملان مع الله ﷾.\nوالتعامل مع الله سبحانه أن يخاف من العقوبة يوم القيامة، وأنه سيسأله لماذا فعلت هذا الشيء، فيخاف أن يقع فيما يحرمه الله سبحانه.","vol":"48","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-562>إدراك المؤمن درجة الصائم القائم بحسن خلقه</span>\nعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم).\nأي: أن هناك أبوابًا في الجنة: بابًا للصائمين، وبابًا للمصلين، وهكذا، فيأتي الإنسان يوم القيامة، فإن كان من أهل الصيام دخل من باب الصيام واسمه: باب الريان، وإن كان من أهل الصلاة دخل من باب الصلاة، وإن كان من أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دخل من بابها.\nفالإنسان المؤمن الحسن خلقه قد لا يكون مكثرًا من صيام النافلة، ولا من صلاة النافلة، ولكنه حسن الخلق، فهذا قد يدرك أن يدخل الجنة مع هؤلاء الذي أكثروا من صيام النافلة، ومن صلاة النافلة، ولم يكونوا على هذه الدرجة من حسن الخلق.","vol":"48","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-563>ضمان النبي ﷺ ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه</span>\nومن الأحاديث الواردة في حسن الخلق: حديث رواه أبو داود عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه).\nوالزعيم: الضمين، أو الضامن، أو الكفيل، أو الكافل، أي: وضامن لكم، وهو الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، يضمن لكم ذلك، لكن افعلوا ما شرطه عليكم.\nوقوله ﷺ (ببيت في ربض الجنة) الربض: الحوش الذي خارج البيت، والجنة لا يوجد أحد يكون خارجها، بل كلهم داخل الجنة، وكأنه يقصد هنا أسفل الجنة، والجنة درجات بعضها فوق بعض، والنار دركات بعضها تحت بعض.\nفربض الجنة هنا أدنى منزلة في الجنة، ويعلوها أوسط الجنة، وأعلاها أعلى الجنة، فالنبي ﷺ وعد أنه زعيم، وأنه ضمين وكفيل ببيت في أدنى الجنة.\nقال: (لمن ترك المراء) أي: الجدل، فالإنسان الذي يجادل بحق أو بباطل، ينهاه النبي ﷺ عن ذلك؛ لأن المراء لا يأتي بخير، والإنسان حين يجادل في مسألة علمية إما أن يجادل أهل العلم، أو يجادل الناس ليظهر أنه أفضل منهم، فمن كان يجادل الناس، ويماري السفهاء بالعلم، مصيره النار والعياذ بالله، والإنسان الذي يماري العلماء ليظهر قدر نفسه، وليرى الناس أنه أعلى منهم، وأفضل منهم، مصيره النار والعياذ بالله.\nوأما الذي يجادل ليحق الحق، ويجادل أهل الباطل ليعلمهم الحق، ويرد عليهم ما يقولون، فهذا يستحق الثواب.\nفالأصل أن الإنسان لا يجادل المؤمن؛ لأنه لا يتعلم العلم بالجدل، وإنما يتعلم العلم بالتحصيل، ويتعلم العلم بالحفظ، وبالإتقان والممارسة؛ لأن الجدل يضيع الوقت، فيظل الإنسان يجادل حتى يضيع عليه وقت طويل، ولعله لا يعرف غير هذا الذي جادل فيه ولعله لا يتقنه، فالنبي ﷺ يأمره أن يوفر على نفسه وقته، وأن يترك الجدل، فهو زعيم له ببيت في أسفل الجنة إن ترك الجدل.\nوالنبي ﷺ قال: (لمن ترك المراء وإن كان محقًا)، فكيف إن كان على باطل؟! (وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب) أي: لا يكذب ولو مازحًا، فهذا الذي يمزح فيقول كلامًا كذبا، يقول له النبي ﷺ: أنا كفيل لك إن تركت الكذب جادًا أو مازحًا ببيت في وسط الجنة لا تكذب إلا فيما يجوز: في إصلاح بين الناس، وفي كلام الرجل مع امرأته، وفي كذب إنسان في الحرب، فالحرب خدعة، لكن غير ذلك لا يجوز الكذب فيه، فيترك الكذب مازحًا أو جادًا.\nقال: (وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه).\nفبحسن الخلق ينال أعلى الدرجات.\nفالإنسان الذي حسن خلقه حين يمر على الصراط فإن حسن خلقه يدفعه سريعًا حتى يتجاوزه، ويدخل الجنة، ويأتي على أبواب الجنة، ويسابق أهل الصيام، وأهل الصلاة وأهل الطاعات بحسن خلقه.\nهذا الإنسان الذي حسن خلقه، إذا دخل الجنة، صعد إلى أعلى الجنة بحسن خلقه، وإذا كان في أعلى الجنة كان قريبًا من النبي ﷺ بحسن خلقه، وأقرب الناس من النبي ﷺ أحاسنهم أخلاقًا، فانظر إلى حسن الخلق كيف جمع الخير كله في الدنيا والآخرة، نسأل الله ﷿ أن يحسن أخلاقنا.","vol":"48","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-564>حسن الخلق يقرب من النبي ﷺ ومن محبته يوم القيامة</span>\nومن الأحاديث الواردة في حسن الخلق: حديث رواه الترمذي عن جابر بن عبد الله ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة: الثرثارون والمتشدقون، والمتفيهقون، قالوا: يا رسول الله! قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون).\nالحديث فيه أن النبي ﷺ يخبر عمن هو أحب الناس إليه يوم القيامة، وأقربهم منه صلوات الله وسلامه عليه في المجلس.\nإذًا: هناك درجة عالية جدًا في الجنة، وقريبة من النبي صلوات الله وسلامه عليه: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا).","vol":"48","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-565>سوء الخلق يباعد عن النبي ﷺ وعن محبته يوم القيامة</span>\nوالعكس تمامًا: أن أبغض الناس للنبي ﷺ حتى وإن دخلوا الجنة بعد ذلك، لكن أبغضهم إليه في الدنيا، فالجنة ليس فيها بغضاء، ولكن في الدنيا، يبغضه النبي ﷺ، فإذا كانوا في الجنة نقاهم الله من ذنوبهم، وكانوا بعيدين عن النبي ﷺ.\nقال: إن أبغضكم إلي، وأبعدكم مني يوم القيامة: الثرثارون: وهو الذي يتكلم كثيرًا، رجلًا كان أو امرأة.\n(والمتشدقون) المتشدق: الإنسان الذي يتطاول على الناس بكلامه، يزعم أنه فصيح وأنه بليغ، وأنه يعرف ما لا يعرفه غيره، ويتكلم بما لا يتكلم به غيره، فهو يريد أن يتفاصح على الناس، ويريهم أنه أحسن منهم، هذا المتفاصح هو المتشدق، أي: الذي يملأ شدقيه بالكلام.\n(والمتفيهقون): أصله من الفهق، وهو الامتلاء وكأن هذا الإنسان يملأ فمه بالكلام وليس في عقله شيء من الفهم، ليس لديه إلا كلام يقوله فقط.\nوفرق بين متفيهق ومتفقه، فالمتفقه: هو العالم الذي صار الفقه له سجية، فالإنسان المتفقه يطلب العلم الشرعي، فهو متفقه، في دينه، والمتفيقه: صغير في طلب العلم، وقد يكبر يومًا من الأيام ويصل إلى درجة فقيه.\nوالمتفيهق: الذي يقول الكلمة دون أن يفهم معناها وقلبه فارغ، وعقله فارغ، وليس فيه إلا لسان يتكلم به، فيفتي في دين الله وهو لا يفهم فيه شيئا، وما أكثر من يتعاطى الفتوى في كتاب الله، وفي سنة رسول الله ﷺ، وهو لا يفهم شيئًا من ذلك.\nفقال: إن هؤلاء أبعد الناس مجلسًا عن النبي ﷺ يوم القيامة، وهم: الثرثارون، والمتشدقون، والمتفيهقون.\n(قالوا: فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون) أي: يستكبر بشيء ليس عنده، وهو ليس من أهل العلم، فيجعل نفسه من أهل العلم، فهو المتفيهق، الذي يملأ فمه بالكلام، قال الله، وقال الرسول ﵊، وهو لا يفهم ما يقول، ولا يصح الذي يقوله.\nفالمتفيهق المستكبر في العلم بما لم يحصله، هذا من أبعد الناس عن النبي ﷺ يوم القيامة.\nانظروا إلى حسن الخلق كيف كسب به الإنسان في الدنيا رضا الله سبحانه، ورضا الناس عنه، فلما كان يوم القيامة أدخله الله جنته، وجعله من أقرب الناس من النبي ﷺ.\nنسأل الله ﷿ أن يجعلنا كذلك، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"48","page":18},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-566> الحلم والأناة والرفق [١]</span>\nأمرت الشريعة بالرفق والحلم والأناة ورغبت فيها، وحثت على التخلق بها، وقد حث الله ﷿ ورسوله ﷺ على التخلق بهذه الأخلاق العظيمة، وبين ﷺ محبة الله للمتصفين بها.","vol":"49","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-567>فضل الحلم والأناة والرفق</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: قال الإمام النووي ﵀: [باب: الحلم والأناة والرفق.\nقال الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤].\nوقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩].\nوقال تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٤ - ٣٥].\nوقال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣].\nوروى مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لـ أشج عبد القيس: (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة).\nوفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله).\nهذا باب من كتاب رياض الصالحين، يذكر فيه الإمام النووي ﵀: الحلم والأناة والرفق.","vol":"49","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-568>معنى قوله: (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس)</span>\nوالحلم خلق من الأخلاق التي يجعلها الله ﷿ في قلب من يشاء من خلقه، وهو خلق عظيم من الأخلاق الكريمة التي يحبها الله سبحانه، وهو صفة من صفات رب العالمين، فهو الحليم سبحانه، وقد اجتمع له الكمال والجلال والجمال فيه.\nوقد أمر عباده أن يتصفوا بهذه الصفة ويتخلقوا بها، فجاء في القرآن قول الله ﷾ مادحًا المؤمنين الذين هم على هذه الصفات بأنه يحبهم، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣ - ١٣٤].\nأي: سارعوا إلى الجنة، التي يدخلها من اتصف بهذه الصفات العظيمة، فهذه الجنات أعدت للمتقين، وهم الذين ينفقون.\nفأهل التقوى يتقون غضب الله، ويتقون عذابه بالإنفاق، فهم مخلصون مؤمنون، فيتصدقون وينفقون، وقد قال النبي ﷺ: (إن صدقة السر تطفئ غضب الرب).\nفمن صفات هؤلاء المتقين: أنهم يدرءون عن أنفسهم ويتقون غضب الله بأخلاقهم الحسنة، وبإنفاقهم في سبيل الله سبحانه.\nوقد بدأ سبحانه بصفة البذل، فقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ [آل عمران:١٣٤]، وليس في وقت الرخاء فقط، ولكن في السراء والضراء، فيجازيهم ربنا سبحانه ويعطيهم، فيسرهم بذلك، فيفرحون.\nقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤]، وكظم الغيظ هي: صفة الحلم، فهم أهل حلم، والحلم يأتي من علم الإنسان بربه سبحانه، ومن علمه بنفسه وبمن يحلم عنه.\nفهم كاظمون للغيظ، وكظم غيظه: كتم غيظه على غيظ، أي: وهو مغتاظ، فهو إنسان عنده إحساس وشعور، فيحدث في قلبه غيظ وشيء من الاندفاع، ولكنه سرعان ما يطفئه ويكظمه، ويداري ذلك بحلمه وأدبه.\nفهم كاظمون لغيظهم، وهم عافون عن الناس.\nقال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤].\nوأما معنى الحلم فقالوا: حد الحلم: ضبط النفس عن هيجان الغضب.\nفالإنسان بداخله شهوة الغضب وشهوة الانتقام، وكل إنسان بداخله ذلك، والذي لا يغضب ليس إنسانًا، فلا يوجد إنسان لا يغضب.\nوقد جاء في حديث النبي ﷺ أنه قال: (لا تغضب).\nوكيف لا يغضب الإنسان؟ وقد كان هو نفسه ﷺ يغضب؟ فمعنى الحديث: لا تتعاط أسباب الغضب، ولا تضع لنفسك في المواطن التي بسببها تغضب لنفسك، وتتهور على خصمك، وليكن غضبك لله ﷾.\nوقد كان النبي ﷺ يغضب لله سبحانه، وكان ينتقم ويقيم الحد غضبًا لله سبحانه وليس لنفسه.\nوأما في نفسه فكان يعفو ويصفح، صلوات الله وسلامه عليه.\nقال سبحانه: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤].\nوقد يكظم الإنسان غيظه في داخله، ولكنه ينتظر أن ينتقم من خصمه، وقد لا ينتقم ويسكت، ولكنه ينتظر الشماتة فيه، فربنا أعقب ذلك بصفة أخرى، وهي العفو، فإذا كظمت غيظك فأكمل ذلك بالعفو عمن ظلمك.\nقال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤].\nفإذا فعلت ذلك فأنت من المحسنين، فقد أحسنت إلى غيرك، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤].\nإذًا: فهم المتقون، وهم المحسنون، وهم المحبوبون لرب العالمين سبحانه.\nفليتذكر الإنسان ذلك، وكل إنسان يحب أن يكون محبوبًا لرب العالمين سبحانه، والله يحب المحسنين، فلنحسن، ولننفق في السراء والضراء، ولنكتم غيظنا وغضبنا، ولنعف عن الناس، فالله عفو يحب العفو.","vol":"49","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-569>معنى قوله: (خذ العفو وأمر بالعرف)</span>\nقال ﷾: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩].\nوقد أدب الله النبي ﷺ بهذه الآية العظيمة، وأمره أن يأخذ بالعفو، فكأنه يقول له: ليكن خلقك العفو عن الناس، وليكن هذا دأبك وخلقك، بأن تعفو عمن ظلمك.\nفقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف:١٩٩]، يعني: خذ بأسباب العفو، وليكن ذلك خلقًا لك مع الناس.\nوإذا أمرت فأمر بالمعروف، وبشرع الله سبحانه، ولا تأمر بالهوى، وحاشا له ﷺ أن يفعل ذلك، ولكن هذا من باب: إياك أعني واسمعي يا جارة.\nفقد كان قلبه ممتلئًا حلمًا وإيمانًا، ولكنه هنا يأمره بما يتخلق المؤمنون بمثله، فقال له ذلك، والمقصود: اسمعوا أيها المؤمنون فقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١].\nقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف:١٩٩]، أي: بالمعروف وبشرع الله سبحانه.\nقال تعالى: ﴿َأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩].\nوالناس أصناف، والله ﷿ يأمر النبي ﷺ بالتعامل مع كل صنف بما يصلح له، فقال له: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف:١٩٩]، أي: فليكن من خلقك العفو، وكم سيبدر من الناس معك من أخلاق تضايقك، حتى تكتمل الرسالة، وتؤدي للناس ما أمرك الله ﷿ بتبليغه، ولذلك فأمر الناس بالعرف، وإذا عفوت عن الناس فليس المقصود مجرد كظم الغيظ فقط، ولكن اعف عنهم.\nقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ أي: وأمر الناس كلهم بشرع الله ﷾.\nأما أهل الجهل والسخط والبعد عن شرع الله سبحانه فلا تقابلهم بصنيعهم، وإذا تعرض لك إنسان من هؤلاء الجهلة الذين يتعرضون لك فأعرض عنه، قال تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩].\nفلا يستحق الجاهل أن تضيع وقتك معه، وأن تنفق جهدك من أجله، ولكن لعله يتعلم من أخلاقك إن صفحت وأعرضت عنه.","vol":"49","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-570>معنى قوله: (ادفع بالتي هي أحسن)</span>\nقال الله ﷾: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت:٣٤].\nأي: لا تستوي الفعلة الحسنة مع الفعلة السيئة.\nولا يستوي الإحسان مع الإساءة.\nولا يستوي أن يعطيك الله حسنات مع أن يكتب عليك سيئات.\nفإذا كنت تريد أن تكون من أهل الجنة فاعمل بالحسنى، وخذ الحسنات؛ لأنه لا تستوي الحسنة مع السيئة.\nقال تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت:٣٤] ولم يقل: ادفع بالحسنة، وإنما قال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت:٣٤]؛ لأن الأفعال منها حسن، ومنها ما هو أحسن من الحسن، فإذا أساء إليك إنسان فأحسن إليه، وليس أي إحسان، وإنما أحسن بأفضل الإحسان إليه؛ لعل الله ﷿ أن يبدل أعماله من سيئات إلى حسنات.\nوكم يستحيي الإنسان من غيره في مثل هذا الصنيع إذا أحسن إليه، ولذلك قال ربنا بعد ذلك: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]، فإذا كان إنسانًا طيبًا وفيه عقل فإنه يؤثر عليه أو يأسره بحسن خلقه الذي يتعامل معه به.\nوكل إنسان قد يبدر منه شيء، والتهور ليس دليلًا على أن هذا الإنسان سيئ، فقد يكون الإنسان جيدًا، ولكن يبدر منه شيء من الإساءة ومن التهور، ولو أن كل إنسان قابلت تهوره بتهور مثله فأين الفضل الذي لك عليه؟ وأنت قد تعرف هذا الإنسان، ولعله يرجع، فربنا ﵎ يقول لك: تعامل مع هذا الإنسان بالحسنى، وأحسن إليه تأسره بإحسانك له.\nفعلمنا كيف نتعامل مع الإنس ومع الجن: أما مع الجن فقال تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]، لأنك ليس لك حيلة مع الشيطان إلا أن تتعوذ بالله منه، والله ﷿ هو الذي يحميك ويعصمك منه فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.\nأو: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه.\nوأما شياطين الإنسان فقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت:٣٤] وذلك مرة بعد الأخرى، فلعل هذا الإنسان يستحيي ويصبح مؤدبًا يومًا من الأيام.\nقال تعالى: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]، وهذا فضل الإحسان.\nأحسن إلى الناس تستجلب مودتهم فطالما استعبد الإحسان إنسانًا فإنك تستعبد الإنسان بإحسانك إليه.\nوبإحسانك إليه مرة بعد مرة يصبح في النهاية كأنه ولي، أي: موال ومناصر لك بعدما كان معاديًا لك، كما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤].\nقال سبحانه: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت:٣٥]، أي: وما يلقى الدرجة العالية، وهي درجة الإحسان، أو ما يلقى هذا الخلق العظيم من الله ويصبر عليه إلا أهل الصبر على الأذى، أو إنسان على خلق عظيم، قال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥].\nوقال سبحانه: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣]، أي: من عزائم الأمور وشدائدها الدالة على حسن خلق صاحبها، وقوة إيمانه، فيصبر ويعفو ويتجاوز، ويفوت الشيء بعد الشيء، حتى يستحيي خصمه، ويصير إنسانًا محسنًا كالذي أحسن إليه.","vol":"49","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-571>فضل الأناة</span>\nعن ابن عباس ﵄ كما في صحيح مسلم قال: قال رسول الله ﷺ لـ أشج عبد القيس: (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة).\nوقد جاء وفد عبد القيس من ضمن الوفود الذين قدموا على النبي ﷺ يتعلمون الإسلام، فقدموا عليه وكان أحدهم أشج، يعني: كان به جرح مفتوح في يوم من الأيام ثم التأم بعد ذلك، وكان قد شج في مشاجرة مع قريب له، فضربه بشيء شج رأسه، فكان مشهورًا بهذا الوصف، أشج عبد القيس، يعني: المشجوج من بني عبد القيس.\nفلما قدموا ابتدروا إلى النبي ﷺ، وكل يريد أن يسلم عليه، صلوات الله وسلامه عليه؛ لينال من بركة النبي ﷺ، فتأخر هذا الرجل قليلًا؛ فقد كانوا أتوا من سفر، وقد اتسخت ثيابهم، فأراد أن يتنظف، فنظف نفسه ولبس ثوبين طيبين، ودخل إلى النبي ﷺ في هيئة جميلة، ففرح به النبي ﷺ أكثر من فرحه بالآخرين، وقال لهذا الرجل معظمًا فعله: (إن فيك لخصلتين يحبهما الله الحلم)، أنك حليم، أي: تحلم وتعفو عمن يسيء إليك.\n(والأناة)، أي: أن غير متعجل.\nوالإنسان الذي جاء من سفر قد يكون ممتلئًا عرقًا، وممتلئًا بغبار السفر، فإذا جاء ليقابل أحدًا ويسلم عليه فربما يغضب، فقد يلوث له ثيابه، فهذا الرجل انتظر حتى تنظف ولبس ثوبين وتطيب، ثم ذهب إلى النبي ﷺ طيبًا، ففرح به النبي ﷺ وقال: (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة)، فسأله الرجل: هاتان الخصلتان اكتسبتهما أنا أم هما هبة من الله ﷿ فطرني الله عليهما؟ فقال ﷺ: (من الله)، يعني: الله هو الذي فطرك عليهما.\nفحمد الرجل ربه سبحانه أن فطره على ذلك.\nفالإنسان الحليم محبوب من الله ﷿، ومحبوب من الخلق، فهو إنسان متأن غير مستعجل، فلا يريد أن يعمل كل شيء بسرعة، ولكنه يفكر قبل أن يعمل الشيء.","vol":"49","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-572>حب الله لصفة الرفق</span>\nوعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله).\nفالله عظيم ﷾، ومن صفات كماله وجلاله سبحانه الحلم والرفق والرحمة، فهو حليم ورفيق يرفق بعباده، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس:١١].\nأي: لو أن الإنسان عند استعجاله للشر وسؤاله له مثل قوله: يا رب خذني، لو أجابه الله لعجل له الشر وأخذه، ولعله يأخذه وهو على معصية، فلا يتوب إلى الله ﷿.\nوكذلك عندما يغضب الإنسان من ابنه ويدعو ربه أن يأخذه فلو أن الله عجل إليه لأخذه حالًا، فيعود الإنسان يلوم نفسه ويسألها: ما الذي جعلني أدعو عليه؟ وهكذا الإنسان يتغيظ ويدعو على نفسه، أو يدعو على زوجه، أو يدعو على أهله أو ولده، والله ﷿ يؤدبنا ويقول لنا: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس:١١]، ولكن الله ﷿ حليم رفيق بعباده ولطيف بهم، فيحب من عباده أن يتخلقوا بهذه الصفة، صفة الرفق.\nولله ﷿ صفات يأبى أن يشاركه فيها أحد من خلقه، وله صفات أمر عباده أن يتخلقوا بنحوها.\nفمن صفاته سبحانه التي أبى لعباده أن يتخلقوا بمثلها: صفة الكبر، ومن نازع الله ﷿ في ذلك أدخله النار سبحانه ﵎.\nومن صفاته الكريمة سبحانه: صفة الكرم، وقد أمر عباده أن يكونوا كرماء.\nوالله صفاته عظيمة، فله الكمال في كل وصف من الأوصاف، والعباد لهم من ذلك على قدر ما يفعلون، وصفات العباد فيها نقص، وأما الله فله الكمال سبحانه، وذلك مثل: أنه جعل في عباده الحياة، وهو حي ﷾، وحياة الله دائمة أبدية سرمدية، فهو الأول وهو الآخر، فلا بداية له ولا نهاية؛ لأن البداية والنهاية زمن مخلوق، والله ﷿ هو الحي حياة أبدية لا نهاية لها.\nفالمخلوق حي حياة على قدره، والله ﷿ له الكمال في ذلك سبحانه.\nوالله هو السميع البصير، فهو يسمع ويبصر، فهو يسمع كل شيء، ويرى كل شيء، وقد جعل في عبده سمعًا وبصرًا، قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:٢]، ولكن هذا المخلوق سمعه وبصره يليقان بنقصه وضعفه، وسمع الله ﷿ وبصره يليقان بكماله سبحانه.\nفأمر عباده أن يتصفوا بصفات من صفات رحمته سبحانه.\nوأن يكونوا رحماء وحلماء وكرماء، وأن يكونوا طيبين ورفقاء بغيرهم، فالله طيب يحب الطيبين، وهو جميل يحب الجمال، ورفيق يحب الرفق، وهو الرحيم وقد جعل المؤمنين فيما بينهم رحماء.\nإذًا: فمن صفاته الكاملة سبحانه: صفة الرفق، وصفة الحلم، وقد أمر عباده بأن يحلموا.\nفالعبد عندما يقول: إن فلانًا أغاظني، نقول له: هذا العبد كم أغضب ربه سبحانه؟ وكم حلم عليه ﷾؟ فعندها يرفق العبد، ويعامل الناس بالشيء الذي يحب أن يعاملوه به؛ ابتغاء وجه الله سبحانه.\nقال ﷺ: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله)، ففي الحديث أن الرفق ليس مرة أو مرتين، وإنما في كل أمرك كن رفيقًا، ومع كل شيء.\nوأيضًا في صحيح مسلم قال ﷺ: (إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف)، يعني: لو كان هناك منكر موجود مثلًا فقام إنسان ينكر هذا المنكر فتكلم برفق فانتهى صاحب المنكر عن منكره، وقام آخر وتشدد وعنف هذا الإنسان وضربه ومنعه من المنكر، فكل منهما نهى عن منكر، لكن الأول أكثرهما ثوابًا، قال ﷺ: (إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف).\nفالذي تعامل بالرفق يأخذ أجرًا أعظم ممن تعامل بالعنف، مع أن النتيجة واحدة، ولكن الرفق وراءه الرفق؛ فلما رفقت بهذا الإنسان استحيا منك واستحيا من الله، وراجع نفسه وتفكر فيما عمل، وعزم على عدم فعله مرة ثانية.\nولو عاملته بعنف لسألك: لماذا تعاملني بالعنف هكذا؟ وهل أنت أحسن مني أو أقوى مني؟ ولعله يقول: سأعملها مرة أخرى، فأنت قد نهيته عن المنكر، ولكن لعله يعود معاندًا إليه مرة ثانية، فانظر الرفق: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه)، فيحبك على ذلك، وكلما تذكر رفقك به وأدبك معه يقول: لقد تركت ذلك العمل من ذلك الوقت، ولم أعمله مرة أخرى.\nوإذا تذكر الآخر قال: لقد أغاظني، ألم يكن عنده طريقة غير تلك الطريقة؟ وهذا فرق كبير بينهما، وأنت تسمع هذا كثيرًا، فتسمع إنسانًا يذكر من علمه الإحسان بطريقة حسنة، ويذكره دائمًا ويدعو له.\nويقول عن غيره: فلان لا أحب التعامل معه وإن كان يصلي، لكنه عنيف ومتهور وكذا.\nقال ﷺ: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ويعطي الله ﷿ على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على سواه).\nفالرفق إذا كان في الشيء كان زينة له، قال النبي ﷺ: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه).\nفما كان الرفق في قلب إنسان إلا كان زينة لهذا الإنسان.\nوما كان في عمل من الأعمال إلا وكان هذا العمل جميلًا، وما نزع هذا الرفق من شيء إلا كان شينًا على صاحبه، وعلى العمل الذي عمل فيه، فكن رفيقًا، فالرفق نتيجة حلم الإنسان، والإنسان الحليم محبوب إلى الخالق سبحانه، ومحبوب إلى الناس.","vol":"49","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-573>رفق النبي بالأعرابي الذي بال في المسجد</span>\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: (بال أعرابي في المسجد).\nوكلنا يحفظ هذا الحديث.\nفالأعرابي الذي دخل المسجد كان فيه شيء من الجهل، دخل مسجد النبي ﷺ ثم أراد أن يقضي حاجته، ولم يكن يوجد دورة مياه كما هو موجود الآن في مساجدنا، ولا مكان للوضوء في المسجد، ورأى أن المسجد لا يوجد فيه حصير ولا بساط، وإنما هو حصى وتراب، فذهب إلى أحد أركان المسجد وجلس يبول فيه، فقام إليه الصحابة ينتهرونه: ماذا تعمل؟ فقال النبي ﷺ: (ذروه، لا تزرموه بوله).\nيعني: اتركوه يكمل، ولو قطعتم عليه بوله فقد يحصل له احتقان أو نحوه له حاجة ما، فاتركوه.\nثم قال النبي ﷺ لأصحابه: (أريقوا على بوله سجلًا من ماء، أو: ذنوبًا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين).\nوهذا الكلام الجميل من النبي ﷺ في هذا الإنسان الذي تبول في المسجد ليس معناه: أنك لم تفعل شيئًا قبيحًا، وإنما معناه: لقد فعلت شيئًا قبيحًا، ولو رأيتك قبل ذلك لنهيتك.\nوقد كان النبي ﷺ نهى عن ذلك، ولكنه طالما قد بدأ قال: (دعوه، ولا تزرموه بولته، إنما بعثتم ميسرين) فالأعرابي لما نظر إلى الصحابة وهم يقولون له: ماذا تعمل؟ ونظر إلى النبي ﷺ يكلمه برفق قام يصلي، ودعا قائلًا: (اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا).\nفنظر إليه النبي ﷺ متعجبًا من جهله وحماقته، فقال النبي ﷺ: (لقد حجرت واسعًا).\nيعني: أنك تحجر رحمة ربنا فإذا رحمك أنت ومحمدًا فقط فبقية الناس أين يذهبون.\nفلما مشى الرجل تعجب النبي ﷺ وقال لأصحابه: (أهو أضل أم بعير أهله؟!) فهو ليس فيه فهم، لأنه بال في المسجد، ودعا بالرحمة لنفسه وللنبي ﷺ فقط، وأما غيرهما من الناس فلا.\nفهو ﷺ يحذر من مثل هذا الخلق، وأن يخص الإنسان نفسه بالدعاء ولا يدعو لغيره، فإن الدعاء العظيم أن تدعو للمؤمنين، وأبخل الناس من بخل بالدعاء، ولو علم ما في الدعاء من خير لدعا لأخيه المسلم؛ حتى تؤمن الملائكة وتقول: ولك بمثله، فعندما تدعو للمسلم فإن الملائكة تقول: ولك بمثل، أي: مثلما دعوت له.\nبل جاء في حديث النبي ﷺ أن من قال: (اللهم اغفر لي وللمؤمنين أعطي بكل واحد منهم حسنة).\nأي: أحياء وأمواتًا؟ فإذا دعوت بهذا الدعاء فلك بكل واحد منهم حسنة، فلا تبخل بالدعاء، وتدعو لنفسك فقط، بل ادع لغيرك، ففيه الفضل الواسع.\nفهذا الإنسان لما قال: (اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا) دل ذلك على جهله بالله سبحانه، وعلى جهله بآداب بيت الله بما صنع، وما منع ذلك النبي ﷺ أن يعلمه: (لقد حجرت واسعًا) وأن يقول لأصحابه: (دعوه)، ثم أمر بصب الماء على هذا البول، فعلمهم كيف يطهر أثر هذا الشيء، وعلم الرجل ألا يفعل مثل ذلك.\nوالله أعلم.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"49","page":8},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-574> الحلم والأناة والرفق [٢]</span>\nإن الحلم والرفق بالناس لهما أجر عظيم، وفضلهما عند الله كبير، فهما سببان لمحبة الله ﷿ ومغفرته ﷾، إذ إن فيهما التيسير على الخلق والرحمة والشفقة بهم.\nوهما يعبران عن بساطة الإنسان وسماحته، وحسن خلقه بين الناس، ودليلان على صفاء قلب صاحبهما ونقائه.","vol":"50","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-575>فضل الرفق والأناة</span>","vol":"50","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-576>الله تعالى يحب الرفق</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: قال الإمام النووي ﵀: [باب الحلم والأناة والرفق.\nعن أبي يعلى شداد بن أوس ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الله ﷿ كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته) رواه مسلم.\nوعن عائشة ﵂ قالت: (ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله تعالى) متفق عليه.\nوعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ألا أخبركم بمن يحرم على النار أو بمن تحرم عليه النار؟ تحرم على كل قريب هين لين سهل) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن].\nهذا الباب في الحلم والأناة والرفق.\nوالحلم صفة من الصفات التي ينبغي أن يتخلق بها الإنسان المؤمن، فيكون حليمًا في معاملته للخلق، ولا يكون عذولًا، وإنما يكون متأنيًا حليمًا رفيقًا بالخلق.\nقال الله ﷿: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩].\nوجاء في حديثه ﷺ الذي رواه البخاري ومسلم عن عائشة: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله).\nوالإنسان الرفيق حري بأن يعامله الله ﷿ هذه المعاملة، فالله كريم وحليم ﵎، فإذا كان الإنسان كريمًا فإن الله يعامله بكرمه، وإذا كان رحيمًا وحليمًا فإن الله يعامله برحمته وحلمه سبحانه، ولذلك قال ﷺ: (إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف) فإذا كان الأمر يأتي بالرفق ويأتي بالعنف والنتيجة واحدة فما كان بالرفق فهو أصوب وأفضل عند الله ﷿ فتعامل مع الناس برفق، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر برفق، حتى يكون لك في الحالين الأجر عند الله سبحانه، فإن أمرك بالمعروف معروف، ونهيك عن المنكر أيضًا معروف.\nوقد قال ﷺ: (من يحرم الرفق يحرم الخير كله) فمن يحرم الرفق يحرمه الله ﷿ الخير كله، ومن أعظم الخصال التي تكون في قلب المؤمن أن يكون رفيقًا وحليمًا، فيأخذ بالرفق، فإذا حرمه الله ﷿ ذلك كان متهورًا ومندفعًا ومؤذيًا، فيؤذي نفسه ويؤذي غيره، فيحرم الخير كله.","vol":"50","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-577>شرح حديث: (لا تغضب)</span>\nعن أبي هريرة كما عند البخاري: (قال رجل للنبي ﷺ: أوصني.\nقال: لا تغضب.\nفردد مرارًا أوصني.\nقال: لا تغضب).\nولا أحد يستطيع أن يمنع نفسه من الغضب، وكل فرد منا قد يغضب في اليوم مرات كثيرة فكأن معنى الحديث: لا تنفعل في غضبك انفعالًا بحيث تؤذي غيرك وتؤذي نفسك وتندم بعد ذلك عليه، ولا تستدع أسباب الغضب بأن تضع نفسك في المكان الذي تعرف أنك ستغضب فيه وتتهور، فلا تتعاط أسباب الغضب، فإن الغضب من أسباب الشر للإنسان.\nفابتعد عن أسباب الشر إلا إذا كان الغضب لله ﵎ ولشرعه، ولذلك كان الجهاد في سبيل الله ﷿ غضبة من المؤمنين لشرع رب العالمين سبحانه، فيغضبون من الكفار ويجاهدون في سبيل الله، وأما الغضب من أمر الدنيا فلا تستدع أسبابه، ولا تغضب.\nوالإنسان الذي يغضب يصير طبعًا فيه، فإذا غضب اليوم من شيء فغدًا يغضب من شيئين، وبعده من ثلاثة أشياء، وفي كل فترة يبتلى بأحد يغضبه، فيغضب ويتهور، فيقع في سب الخلق، ثم يقع في مد اليد على الغير، فيأتي يوم القيامة وقد شتم هذا، وقذف هذا، وسفك دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه فطرح في النار.\nفلذلك لا تعود نفسك على التهور والاندفاع والغضب.","vol":"50","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-578>شرح حديث: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء)</span>\nعن أبي يعلى ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) أي: إن الله يحب المحسنين، فأحسن في كل شيء، فأحسن إلى نفسك، وأحسن إلى غيرك، وأحسن حتى في قتالك لأعدائك.\nقال ﷺ: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة) ولذلك نهى النبي ﷺ عن قتل الصبر، وذلك بأن يكتف الإنسان ثم يقتل.\nفإذا قتلت فأحسن القتلة، حتى مع الأعداء، فلا تشوه ولا تعذب، ودع أمرهم إلى الله ﷿، فإذا قتلت فاقتل قتلًا يريح المقتول، ولا داعي للتشويه ولا للتعذيب، وقد نهى النبي ﷺ عن التعذيب بالنار، وأخبر أنه لا يعذب بها إلا الله ﷾.\nقال ﷺ: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة)، يعني: في الجهاد في سبيل الله ﷿ أو في غير ذلك، فإذا أردت أن تقتل شيئًا عاديًا يعدو عليك فأحسن قتلته، وقد أمرنا النبي ﷺ بقتل خمس في الحل والحرم، فإذا قتلت ثعبانًا أو كلبًا عقورًا أو حدأة أو غرابًا أو أي شيء من الأشياء المؤذية فاقتله وأرحه وأرح نفسك بقتله ولا تعذبه.\nقال ﷺ: (وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة) وقد أباح الله لنا بهيمة الأنعام لنأكلها، فإذا ذبحت فسم الله ﷿ ثم أحسن في ذبحك لها.\nفمعنى: (أحسنوا القتلة)، أي: أحسنوا هيئة القتل، وهيئة الذبح وطريقته، فالذبحة والقتلة اسم هيئة.\nقال ﷺ: (وليحد أحدكم شفرته) والشفرة سن السكين فلا تحدها أمام الحيوان، وقد جاء في حديث النبي ﷺ: أنه مر على رجل واضع رجله على جانب بهيمة يريد أن يذبحها وهو يحد شفرته، فغضب النبي ﷺ وقال: (أتريد أن تميتها موتتين؟) يعني: تعذبها بأن تحد السكين أمامها، ثم بعد ذلك تذبحها، فحد السكين بعيدًا عنها، ثم اذبحها سريعًا بحيث لا تؤذيها ولا تعذبها.\nقال: (وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته).","vol":"50","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-579>شرح حديث: (ما خير رسول الله بين أمرين إلا اختار أيسرهما)</span>\nوفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلا بأخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا) ﵊ فكان إذا خير بين أمرين أحدهما فيه عنف والثاني فيه رفق اختار ما فيه رفق ﵊، فكان دائمًا سهلًا ويحب السهل، صلوات الله وسلامه عليه، قالت: (فإن كان إثمًا) أي: إن كان هذا الأيسر فيه إثم فلا يختاره؛ لأنه كان أبعد الناس عنه، صلوات الله وسلامه عليه.\nقالت: (وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط).\nوقد قال رجل للنبي ﷺ: (يا محمد! اعدل.\nفقال له النبي ﷺ: ومن لم يعدل إن لم أعدل، خبت وشقيت إن لم أكن أعدل) أي: إذا كنت لا أعدل فأنت خائب وشقي، ولن تنتفع بهذا الأمر الذي أنت فيه إن كنت تتبع رجلًا ظالمًا، ومع ذلك ما انتقم منه ﷺ، وقال له رجل من الصحابة: (ألا أقتله يا رسول الله؟ قال لا.\nلعله أن يكون يصلي) ولم يأمر بقتله، ولم ينتقم منه ﵊.\nوكذلك الرجل الأعرابي الأحمق الغبي الذي جاء إلى النبي ﷺ وأمسك بثوبه وخنقه النبي ﷺ حتى أثرت حاشية الثوب في رقبته صلوات الله وسلامه عليه ثم قال له: (يا محمد! أعطني من مال الله لا من مال أبيك، فضحك النبي ﷺ وقال: أعطوه) فحلم النبي ﷺ عليه؛ ليعلم الناس الحلم ﵊.\nوفي إحدى المرات أتاه وفد من الأشعريين، وقد كان يحب الأشعريين رضي الله ﵎ عنهم، ويقول: (هم مني وأنا منهم).\nفجاءه الأشعريون في وقت كان مشغولًا فيه فقالوا له: احملنا.\nولم يكن عند النبي ﷺ ما يحملهم عليه فقال: (والله لا أحملكم على شيء) فحلف على ألا يحملهم على شيء، فذهب الأشعريون وعندما كانوا في الطريق كلم بعضهم بعضًا: لقد أغضبنا رسول الله ﷺ، فماذا نعمل؟ فلم يلبثوا إلا قليلًا حتى جاء النبي ﷺ صدقات من الإبل، فأرسل إلى الأشعريين فأعطاهم من هذه الإبل، فجاءوا إلى النبي ﷺ وقد قالوا: لعلنا أحلفنا النبي ﷺ، فقالوا: (قد حلفت يا رسول الله ألا تحملنا) وهذا من أدب الأشعريين رضي الله ﵎ عنهم، وقد قال ﷺ: (الإيمان يمان والحكمة يمانية) وهم أهل اليمن رضي الله ﵎ عنهم، فهم أرق الناس قلوبًا وأفئدة.\nفقال النبي ﷺ: (ما أنا حملتكم) يعني: لست أنا الذي حملتكم، ولم أحملكم من مالي، فكأنه لما حلف قصد ألا يحملهم من ماله؛ لأنه ليس له مال يحملهم عليه، وهذا مال الله، وصدقة من الصدقات التي جاءت فحملتكم على مال الله وليس على مالي، فلم يمنعه غضبه من أن يعطيهم هذا الشيء الذي طلبوه، طالما أنه ينفعهم ولا يضره ﷺ ذلك شيئًا.\nتقول السيدة عائشة ﵂: (وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله).\nفإذا انتهكت حرمات الله، كأن يقع إنسان في الزنا، أو في الكفر، أو يفعل شيئًا نهى الله ﷿ عنه، فينتقم منه النبي ﷺ لله ويأمر بإقامة الحد عليه، فهو ليس انتقامًا بالمعنى الذي نفهمه، وليس فيه تشف، وإنما هذا الانتقام إقامة لحد الله ﷿ على هذا الإنسان الذي وقع في الخطيئة، قالت: (فينتقم لله) وليس لنفسه ﵊.","vol":"50","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-580>شرح حديث: (ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار)</span>\nروى الترمذي وقال: حديث حسن.\nوفي إسناده رجل لم يوثقه سوى ابن حبان، فإسناده فيه ضعف.\nعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: (ألا خبركم بمن يحرم على النار، أو بمن تحرم عليه النار؟ تحرم على كل قريب هين لين سهل).\nفالنار تحرم على هؤلاء من المؤمنين، فالمؤمن إلف مألوف، كما قال النبي ﷺ: (ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف) والإنسان المؤمن هين لين سهل، والله ﷿ ذكر عباد الرحمن فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣] وهونًا أي: بلين وبتواضع وبخشوع وبأدب.\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣] والجاهلون: أهل الجهل والسخط والباطل، فإذا خاطبوهم ردوا عليهم بكلام لين، وقد لا يردون عليهم ولا يجاوبونهم، وإذا ردوا عليهم فلا تخرج منهم لفظة قبيحة أبدًا وإنما يقولون لهم: سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين.\nفليس لنا دخل بكم، ولن نرد عليكم فيما تقولونه، ولا يقولون إلا الكلام الطيب، فقلوبهم أوعية للشيء الطيب، وكل إناء ينضح بما فيه، فقلوبهم ممتلئة بالخير، فإذا تكلمت ألسنتهم تكلمت بهذا الخير الذي أشربته قلوبهم، فالنار تحرم على هؤلاء، وعلى كل قريب من الناس.\nوالمؤمن ليس بعيدًا عن الناس، وإنما هو قريب منهم، وشر الناس من اتقاه الناس مخافة شره، أي: أن شر الخلق هو الإنسان الذي يتركه الناس لأن لسانه طويل، ولأنه مؤذ، فهذا من شر الناس.\nوعكسه المؤمن فهو خير الناس، وهو إلف يؤلف بسهولة، فإذا تكلمت معه أحسست أنك تعرفه منذ زمان، وأن بينك وبينه مودة، فالمؤمن إلف مألوف، ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف.","vol":"50","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-581>فضل العفو والإعراض عن الجاهلين</span>","vol":"50","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-582>معنى قوله تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف)</span>\nيقول الإمام النووي ﵀: [باب العفو والإعراض عن الجاهلين].\nويجوز أن تقول في أي باب من الأبواب إما على الإضافة أو على الابتداء والخبر، فتقول: باب العفو والإعراض عن الجاهلين، ويجوز أن تقول: باب العفو والإعراض عن الجاهلين.\nقال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] هذا أدب عظيم، ومثل هذه الآداب كان يسمعها المشركون فيعرفون أن هذا الدين عظيم، وعندما كان يسأل أحدهم النبي ﷺ: ما هو هذا الدين الذي أنت عليه؟ وماذا أنزل عليك من القرآن؟ كان يقرأ عليه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل:٩٠] فيشعر أن هذا الدين دين عظيم، فيدفعه ذلك إلى أن يدخل في هذا الدين، أو على الأقل أن يسمع من النبي ﷺ ما الذي يقول.\nقال سبحانه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف:١٩٩]، يعني: ليكن خلقك الأخذ بالعفو دائمًا، فمثلًا إذا خيرت بين شيئين إما أن تعفو أو تنتقم فخذ العفو واختر الأسهل، وكن على هذا الخلق العلي، قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف:١٩٩]، يعني: بما جاء في شريعة رب العالمين.\nقال تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]، أي: عن أهل الجهل والصخب والجدل والباطل، فهم لا يستحقون أن تجيبهم مجادلًا لهم، ولا ينفعهم ذلك.\nوعندما كانت وفود العرب تقدم على النبي ﷺ كان فيهم شعراء وخطباء، وكانوا يأتون للمفاخرة، ويقولون: أتينا نفاخرك، فمن يتكلم أولًا نحن أو أنت، ويريدون أن يخطب هو، ويريدون أن يقولوا شعرًا ويقول مثله.\nفلم يكن يجيبهم إلى ذلك ﷺ أبدًا، وإنما كان ينتدب رجالًا من أصحابه ليردوا عليهم، فكان حسان يجيبهم في الشعر، ويرد عليهم به رضي الله ﵎ عنه، ثم يقوم خطيب النبي ﷺ ثابت بن قيس يخطب أمامهم، أما هو فكان منزه عن ذلك ﷺ، فأمره الله ﷿ بالإعراض عمن فيه جهل من الناس، وعمن لا يعرف قدره ﷺ.","vol":"50","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-583>معنى قوله تعالى: (فاصفح الصفح الجميل)</span>\nقال تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر:٨٥].\nفأمره بالصفح الجميل، وأمره أيضًا بالصبر الجميل فأما الصبر الجميل فهو الصبر الذي لا شكوى فيه إلا إلى الله ﷿، وليس فيه شكوى للخلق، وأما الصفح الجميل فهو صفح لا إنتقام فيه ولا معاتبة.\nأي: إذا صفحت فلا تعاتب.\nفعلمه ربه أكمل الخلق وأعلاه، قال تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر:٨٥] فلا تعاقب ولا تعاتب، فلا معاقبة ولا معاتبة.\nوقال الله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢] والإنسان المؤمن يتفكر في هذه الآية من سورة النور، وفيمن نزلت؟ قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور:٢٢].\nوقد كان هذا الخطاب لسيدنا أبي بكر رضي الله ﵎ عنه، فقد أوذي أذىً شديدًا جدًا، وقد كان في نبي الله ﷺ، وفي ابنته عائشة ﵂، وكانت صدمته في ابن خالته الذي تكلم على ابنته، مع أنه أحسن إلى ابن خالته هذا مسطح، ومع ذلك فإن مسطحًا هو الذي رمى ابنة أبي بكر السيدة عائشة أم المؤمنين بحديث الإفك، وردد ما قاله المنافقون، فأقسم أبو بكر الصديق ألا ينفق عليه، فكأنه قال له: إنني طول عمرك أصرف عليك ثم أنت الآن تتكلم على ابنتي، فلن أصرف عليك مرة ثانية، وأقسم على ذلك.\nفنرلت هذه الآية تعاتب أهل الفضل، وتعاتب أبا بكر فإن أبا بكر منزلتة عظيمة جدًا عند الله ﷿، والله لا يريد لـ أبي بكر أن ينزل عن هذه المنزلة، فإن إيمانه لو وزن بإيمان الأمة وليس فيها النبي ﷺ لرجح عليها ولوزنها، فقال له ربه: أنت الذي تفعل هذا ألا تريد الله يغفر لك؟ فقال أبو بكر: بلى، أريد أن يغفر لي ربي، ورجع مرة ثانية ينفق على مسطح من دون عتاب ولا غيره، وقال: لا أقطع عنه النفقة أبدًا.\nفقالت الآية لـ أبي بكر: ﴿وَلا يَأْتَلِ﴾ [النور:٢٢] أي: لا تحلف مرة أخرى على قطع الخير، أي: لا يتألى ولا يقسم ولا يحلف.\nقال تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ﴾ [النور:٢٢] فعاتبه ومدحه، فقال له: أنت يا أبا بكر من أصحاب الفضل، فما الذي جعلك تحلف على هذا الشيء؟ فبدأ بالمعاتبة فقال له: لا تفعل هذا الشيء، ثم مدحه بأنه من أهل الفضل.\nقال تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النور:٢٢] فلا بد أن ينفقوا مرة أخرى، ويرجعوا إلى النفقة عليهم.\nقال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢] وليجعل المسلم هذه الآية أمامه، وكلما غضب يتذكرها ويتفكر فيها، وإذا أراد الانتقام تذكرها.\nقال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢] أي: فلا تنظر لهذا الذي فعل فيك هذا الشيء، ولكن انظر إلى نفسك مع الله ﷿، فإذا أردت أن يغفر الله لك فاغفر وسامح، واترك الناس على ما أساءوا إليك، وأحسن أنت إليهم حتى تأخذ الأجر من الله، ويعاملك الله ﷿ بالإحسان يوم القيامة.\nقال سبحانه: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤].\nوقال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣].\nوالصبر يكون على مضض وعلى غيظ، ولكن على الإنسان أن يصبر ويتجاوز ويسامح، حتى يصل إلى هذه المرتبة العظيمة، وهذا من عزم الأمور، ولا يقوى عليها إلا أصحاب العزيمة، فإذا كان عندك عزيمة وصبر وقوة إيمان فأنت داخل في هذه الآية: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣].","vol":"50","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-584>أذى الناس لرسول الله وصفحه عنهم</span>","vol":"50","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-585>إيذاء المشركين لرسول الله يوم أحد</span>\nوفي الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت للنبي صلوات الله وسلامه عليه: (هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟).\nفقد كانت موجودة مع النبي ﷺ في المدينة في يوم أحد، وقد تزوجها النبي ﷺ ولها سبع سنوات، ودخل بها في المدينة ولها تسع سنوات، فسألت النبي ﷺ عن الأيام والسنوات الماضية التي مكثها في مكة فقد مكث ﷺ في مكة ثلاث عشرة سنة، ففي الخمس السنوات الأولى من بعثة النبي ﷺ لم تكن قد ولدت السيدة عائشة، ثم ولدت بعد ذلك، فهي هنا تسأله عن تلك الأيام وتقول: هل جاء عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ ويوم أحد كان يومًا عظيمًا فظيعًا وقد كان المسلمون أشاروا على النبي ﷺ بالخروج، ولم يكن يريد أن يخرج ﵊، وكان يقول: (المدينة حصن حصين) أي: اتركونا ندافع عن أنفسنا في المدينة، فأبى المسلمون إلا الخروج، فقد كانوا يريدون الشهادة مثل أهل بدر، حتى تكون لهم فضيلة عند ربهم.\nفخرجوا مع النبي ﷺ، وفي الطريق رجع عبد الله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين بثلث الجيش، وكان رأيه عدم الخروج مثل رأي النبي ﷺ، فلما خرج النبي ﷺ قال: أطاعهم وعصاني؟ فرجع بثلث الجيش.\nوكانت صدمة للنبي ﷺ أن هذا يرجع ثلث الجيش الذين معه، ومع ذلك صبر لأمر الله سبحانه، وعندما وصل إلى أحد قام النبي ﷺ يحدد للمؤمنين المكان، واختار سبعين من الرماة وأمرهم أن يكونوا فوق الجبل ولا ينزلوا، وقال لهم: (لا تنزلوا ولو رأيتمونا تخطفنا الطير) أي: لو رأيتمونا جثثًا على الأرض والطير تأكلنا فلا ينزل أحد ويترك المكان الذي هو فيه.\nوتبتدئ الحرب ويأتي نصر الله ﷿ وينتصر المؤمنون.\nفطمع الرماة في الغنيمة أن يأخذها المقاتلون وحدهم، فنادى بعضهم بعضًا: ألم يأمركم النبي ﷺ ألا تنزلوا؟ فلم يسمعوا وتركوا أماكنهم ونزلوا ليأخذوا الغنيمة، فالتف المشركون من ورائهم، وقتلوا المؤمنين، فانقلب النصر إلى هزيمة؛ لأسباب هي كما قال تعالى: ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢].\nفالمؤمنون الصادقون ما كانوا يظنون أبدًا أن منهم من يريد هذه الدنيا، وكلهم يجاهدون في سبيل الله، ولم يتركوا النبي ﷺ؟ وقالوا: ما كنا نظن أن يكون فينا أحد همه الدنيا حتى أنزل الله ﷿ هذه الآية.\nفهزم المسلمون وانفرد النبي ﷺ في تسعة من المؤمنين، وكان قد جرح ﷺ، وقد كان هو المطلوب أصلًا، وكان أبو عامر الفاسق قد حفر حفرًا للمسلمين فوقع النبي ﷺ في حفرة منها وجرح وانكسرت رباعيته، وهشمت البيضة فوق رأسه ﵊، ودخلت حلقتا المغفر الذي يقي وجه النبي ﷺ في خده.\nففر المسلمون وانفرد النبي ﷺ في سبعة أو تسعة من المؤمنين، وأتى الكفار على هؤلاء، فقال ﷺ: (من للقوم؟ فيقول طلحة بن عبيد الله ﵁: أنا يا رسول الله.\nفيقول: مكانك) يعني: دعك إلى الآخر.\nفقام إليهم رجل من الأنصار فقاتلهم حتى قتل ﵁ أمام النبي ﷺ، وهو جريح ﵊ على هذه الحال، فقال: (من للقوم؟) فقام آخر حتى قتل السبعة كلهم أمام النبي ﷺ مدافعين عنه، ولم يبق إلا طلحة رضي الله ﵎ عنه، فقال النبي ﷺ: (من للقوم؟ لم يبق إلا أنت، فقام فقاتل قتال السبعة وحده) ﵁، فضرب فقطعت أصابعه، فقال: حس، وهو صوت يقوله الشخص عندما يصاب بشيء.\nقال النبي ﷺ: (لو قلت باسم الله لرفعتك الملائكة).","vol":"50","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-586>شدة أذى المشركين للنبي ﷺ يوم خرج إلى الطائف</span>\nفيوم أحد كان يومًا شديدًا على المؤمنين وعلى النبي ﷺ، فالسيدة عائشة تذكر هذا اليوم وتقول للنبي ﷺ: (هل أتى عليك يوم كان أشد من هذا اليوم؟ فقال ﷺ: لقد لقيت من قومكِ، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة)، يعني: كان هناك يوم آخر أكثر من ذلك بكثير.\nفقال: (كان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إني عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال) فقد ذهب النبي ﷺ إلى هؤلاء القوم وهذا سيدهم، قال النبي ﷺ: (فلم يجبني إلى ما أردت).\nيعني: أنه ضاقت على النبي ﷺ مكة فخرج إلى الطائف لعله يجد أحدًا يستجيب له، فخرج يدعوهم، وعرض نفسه على هذا الرجل، فأبى ولم يجب النبي ﷺ.\nقال: (فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب) فقد سلطوا عليه غلمانهم وصبيانهم يقذفونه بالحجارة، فأدموا قدميه صلوات الله وسلامه عليه، قال: (فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب)، فقد مشى إلى مكان بعيد، ولم يشعر بشيء ﷺ من شدة الهم والغم الذي هو فيه، إلا وهو في قرن الثعالب.\nقال: (فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني) ولم يكن يشعر من الهم أن هناك سحابة فوقه ﷺ تظله من الشمس.\nقال: (فنظرت فإذا فيها جبريل ﵇ فناداني فقال: إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك، وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك فإن شئت أطبقت عليهم الأخشبين) والأخشبان: جبلان حول مكة، فقال النبي ﷺ كلامًا جميلًا فيه الرحمة بهم، فقال: (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا) ومن يقول مثل هذه المقالة غيره ﷺ؟! فهو الذي رباه ربه فأحسن تربيته قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] فلم يقل له: انتقم، واعمل فيهم ما تريد، وأطبق عليهم الأخشبين فهم يستحقون العذاب، وسأذهب إلى بلاد أخرى أدعو إلى الله ﷿، ولكنه صبر لأمر الله، ورجا أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا.\nفكان الأمر على ما تمناه النبي ﷺ، ونال في النهاية ما تمنى، بعد أن فتحت مكة فقد مكث في مكة ثلاث عشرة سنة، ثم هاجر إلى المدينة، وبعد ثمان سنوات من هجرته إلى المدينة، فتحت مكة، ولكنه لم يهنأ بالدنيا أو الفتوح ﷺ، فبعدها بسنتين مات صلوات الله وسلامه عليه قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] وقرت عينك بذلك.\n﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر:٢ - ٣] أي: عندما يدخل الناس في دين فلا تستمع بالدنيا، وإنما سبح واستغفر، فإن أجلك قد حان، فاستعد للآخرة، فالمكافأة ليست في الدنيا فاستعد لها.","vol":"50","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-587>النبي ﷺ لم يضرب أحدًا</span>\nوروى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: (ما ضرب رسول الله ﷺ شيئًا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله).\nالمعنى: أنه لم يضربها كنوع من التعذيب أو التأديب، وإلا فقد جاء عنه ﷺ أنه لكز عائشة مرة حين خرج يستغفر لأهل البقيع بأمر الله ﷿ في نصف الليل، فلما خرج النبي ﷺ غارت وظنته سيذهب إلى بيت بعض نسائه، فخرجت وراءه، فلما وصل إلى البقيع استغفر لأهل البقيع ثم رجع، فرجعت، وكان يراها أمامه مثل الخيال، فلما دخل بيته كانت قد سبقته، فدخل فوجدها تنهد ويرتفع صدرها، فقال: (مالكِ؟) فاعترفت بالأمر.\nقال: (فأنتِ الخيال الذي رأيت؟ فوكزها في صدرها) فهذا ليس ضربًا ولكنه معاتبة منه صلوات الله وسلامه عليه، وهي التي تقول: (ما ضرب رسول الله ﷺ شيئًا قط)، فهذه الوكزة ليست من الضرب في شيء، وإنما هي معاتبة منه ﷺ.\nقالت: (ولا امرأة) أي: من نسائه (ولا خادمًا) يخدمه ﷺ، (إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه).\nيعني: أن الذي كان يعمل فيه شيئًا لم يكن ينتقم منه لنفسه أبدًا.\n(إلا أن ينتهك شيء من محارم الله تعالى فينتقم لله تعالى).","vol":"50","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-588>عفو النبي عن الأعرابي الذي جبذه بردائه حتى أثر في عاتقه</span>\nوفي حديث الأعرابي عن أنس ﵁ قال: (كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه الأعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة) وهذا من حماقته وغباء قلبه.\nقال أنس: (فنظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك) وهذه الرواية في الصحيحين.\nوفي رواية أخرى: (لا من مال أبيك.\nقال: فالتفت إليه، فضحك ﷺ، ثم أمر له بعطاء).\nومن رحمته ﷺ أنه ضحك ولم يكن الموقف موقف ضحك، ولكنه لو غضب وتغيظ فقد يقوم أحد من المسلمين ويضرب هذا الإنسان أو يقتله، فلذلك ضحك ليهدأ المسلمون الموجودون كلهم فيسكتون، ويظنون أن النبي ﷺ يعرفه، وأنه كان بينه وبينه شيء، فسكتوا لهذا الشيء.","vol":"50","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-589>عفوه ﷺ عن قومه واستغفاره لهم</span>\nوعن ابن مسعود ﵁ قال: (كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبيًا من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم) وقد كان يحكي عن نفسه هو، ويقول: إن نبيًا من الأنبياء فعلوا به وفعلوا، وهو يقصد نفسه ﷺ قال: (ضربه قومه فأدموه) أي: أسالوا دماءه.\nقال: (وهو يمسح الدم عن وجهه وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) فهذه هي مسامحته ومعاملته فقد ضربوه وآذوه وأخرجوه وهو يقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) أي: أنهم لا يعرفون.\nوهذا الحديث متفق عليه.","vol":"50","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-590>ليس الشديد بالصرعة</span>\nوعن أبي هريرة كما في الصحيحين أيضًا أن رسول الله ﷺ قال: (ليس الشديد بالصرعة).\nالصرعة فعلة وتطلق على فاعل الشيء.\nفالصرعة: أي المصارع الذي يصرع الناس، ومثله أن يقال: فلان ضحكة، أي: إنسان يستهزأ به، فهو ضحكة يسخر به بين الناس.\nومثله قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة:١] فالهمزة الإنسان الذي يهمن في الغير ويطعن فيه، ليضحك عليه الناس.\nواللمزة: الإنسان الذي يتكلم على غيره.\nفالهمزة يتكلم أمامه، واللمزة يتكلم من ورائه ويلمز فيه، فاللمزة كأنه فاعل اللمز، والهمزة كأنه فاعل الهمز، والضحكة كأنه فاعل الضحك، والصرعة كأنه فاعل المصارعة وكل هؤلاء يطلق عليهم هذه الصيغة (فعلة).\nفهنا قال: (ليس الشديد بالصرعة) يعني: ليس الشديد الذي يصرع الأبطال، (إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) فالذي يصرع غيره شديد وقوي، ولكنه ليس هو الذي له الشدة وله الأجر عند الله ﷿، وليس هو الموصوف عنده أنه شديد في دينه، وإنما الشديد في دينه هو الذي يملك نفسه عند الغضب.\nنسأل الله ﷿ أن يرزقنا العلم والحلم وحسن الخلق، وأن يرزقنا الفردوس الأعلى من الجنة.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"50","page":17},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-591> احتمال الأذى والغضب والانتصار لدين الله</span>\nلقد حض الشرع على الحلم والعفو والإعراض عن الجاهلين، واحتمال أذاهم، وقد كان قدوتنا في ذلك نبينا محمد ﷺ، فقد كان ﵊ لا يغضب لنفسه، وإنما كان يغضب إذا انتهكت حرمات الله ﷾، فينبغي للمسلم ألا يغضب لنفسه، وأن يكون غضبه لله تعالى، اقتداء بالرسول ﷺ.","vol":"51","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-592>ما جاء في احتمال الأذى</span>\nأعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب احتمال الأذى.\nقال الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣].\nوعن أبي هريرة ﵁ أن رجلًا قال: (يا رسول الله! إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال: لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله تعالى ظهير عليهم ما دمت على ذلك)، رواه مسلم].\nهذا الباب يذكره الإمام النووي ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) وهو عن احتمال الأذى وهو من جنس الأبواب السابقة التي فيها العفو والإعراض عن الجاهلين والتي فيها الحلم أيضًا.\nوقد ذكر قوله سبحانه: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤]، وقد قدمنا شرحها قبل ذلك.\nوذكر حديثًا واحدًا في هذا الباب وهو حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلًا قال: (يا رسول الله! إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني)، فالرجل يسأل النبي ﷺ عن المعاملة مع القرابة الذين يصلهم ويزورهم وهم يقطعونه.\nقوله: (وأحسن إليهم ويسيئون إلي)، أي: أن هذا الرجل يتعامل بالإحسان مع أقربائه وهم يعاملونه بالإساءة.\nقوله: (وأحلم عنهم ويجهلون علي)، أي: أنا أكتم غيظي عنهم وأصبر على أفعالهم القبيحة معي، ومع ذلك هم أهل جهل وأهل سخط معي، وكأنه ينتظر من النبي ﷺ أن يقول له: عاملهم بالمثل، ولكن جواب النبي ﷺ لم يكن كذلك بل قال: (لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل)، أي: كأنك تجعلهم يسفون الرماد الحار، فكأنهم يأكلون نارًا بهذا الذي يصنعون، وكأنك تضع في فمهم من النار أو من الرماد الحار.\nإذًا: أمرنا بالإحسان إلى القرابة، فلا يدفعك كون هذا يجهل عليك إلى أن تجهل عليه أيضًا، ولكن أحسن إليه، وربنا سبحانه ﵎ يقول: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]، فإذا أساءوا إليك فأحسن إليهم لعلهم يهتدون يومًا من الأيام.\nوكثير من الناس أصبحوا في هذا الزمان يقولون: مثلما يعمل معي سأعمل معه؛ فهو ليس أحسن مني، إذا شتمني فإني سأشتمه، وينسى أمر الصبر، وينسى أمر العفو، وينسى أن الصلة بالمعروف تنافي هذا الشيء، وكذلك في أمر الزيارات يقول: كم مرة ستزورني سأزورك، نقول: ليست هذه هي الصلة المطلوبة وإن كانت نوعًا من الصلة، إنما الصلة الحقيقية أنك تصل أخاك ابتغاء مرضاة الله سبحانه، سواء أتى إليك في البيت أو لم يأت إليك، وتلتمس له الأعذار إذا لم يأت إليك.","vol":"51","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-593>فضل صلة الرحم</span>\nلقد جعل الله ﷿ صلة الرحم زيادة لك في رزقك، وزيادة لك في عمرك، كما جاء عن النبي ﷺ: (أن صلة الرحم تنسئ في الأجل، وتزيد في الرزق).\nفعندما تصل رحمك تنال الأجر في الدنيا وفي الآخرة، في الدنيا زيادة في الرزق، ويبارك لك في عمرك، وإن كان العمر عند الله ﷿ معلوم مقسوم، ولكن الزيادة هنا هي البركة في العمر، أن تعمل أعمالًا صالحة ينميها الله ﷿ لك، بأن يجعل ما تعمله في عمرك كالذي يعمله آخرون في أعمارهم مجتمعين، فهنا المراد بالزيادة البركة في عمر الإنسان.\nقوله: (ولا يزال معك من الله تعالى ظهير عليهم)، أي: لا يزال معك عون من الله سبحانه، ومنه قولهم: مظاهرة بين الدروع، وظاهر النبي ﷺ بين درعين، بمعنى: أنه لبس درعين ﷺ يتقي بهما في القتال.\nفقوله: (ولا يزال معك من الله ظهير) أي: يعينك الله سبحانه ويكون معك ولا يجعلك وحدك.\nإذًا: مكسب عظيم أن يكون الله معك، فالذي ينبغي ألا تجعل أقل مشكلة مدعاة إلى أن تقطع الرحم ولا تزور أقرباءك، وإذا كان الأقرباء لا يأتون إليك فاذهب أنت إليهم، ولا تعاملهم بالمثل، ولذلك جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها)، أي: أن الواصل حقيقة هو الذي إذا قطعت رحمه ذهب ليصلها؛ فيكون له الأجر العظيم من الله سبحانه.","vol":"51","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-594>ما جاء في الغضب إذا نتهكت حرمات الشرع</span>\nيقول الإمام النووي: [باب الغضب إذا انتهكت حرمات الشرع والانتصار لدين الله تعالى].\nيعني: الذي ينبغي للمؤمن ألا يغضب، إلا إذا كان الأمر يتعلق بدينه فيغضب انتصارًا لدينه، يغضب لله سبحانه ﵎، أما إذا كان الغضب للنفس فإنه يعفو ويحلم ويصفح، وكان من عادة النبي ﷺ الصفح والحلم والتجاوز صلوات الله وسلامه عليه، أما إذا كان الأمر يتعلق بشرع الله وبحدود الله فإنه كان يغضب صلوات الله ﷿ عليه وسلامه، وغضبه لله سبحانه.\nيقول الله ﷿: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠]، وخير هنا أفعل تفضيل، أي: أخير له، وأفضل الخير أن تعظم حرمات الله وحدود الله، وشرائع الله ﷿.\nوقال تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، أي: أن المؤمن يدافع عن دين الله فينتظر من الله أن يدافع عنه، ومن يكون مع الله فإن الله يكون معه.","vol":"51","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-595>غضب الرسول من إطالة الصلاة بالناس</span>\nوعن أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا)، هذا الحديث فيه أن النبي ﷺ غضب، وجاء في حديث أن معاذًا أطال بالناس في صلاة العشاء، لكن هذا الحديث كان في صلاة الصبح، وهو أن الإمام كان يصلي بهم ويطيل جدًا في صلاة الصبح؛ لأن الرجل قال: (إني لأتأخر عن صلاة الصبح) أي: أتعمد أن أتأخر حتى تذهب ركعة، ومن ثم ألحق الركعة الثانية؛ لأنه يطول بنا جدًا، فأتعب في الوقوف في الصلاة، قال أبو مسعود: (فما رأيت النبي ﷺ غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ، فقال: يا أيها الناس! إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليوجز؛ فإن من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة).\nهذه النصيحة العظيمة من النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن صلاة الجماعة المقصد منها أن يجتمع أهل الحي في مسجد، ويحدث التعارف فيما بينهم، وتحدث المحبة فيما بينهم، ويواظبون على جميع الصلوات الخمس مع بعض، ويحضرون الجنائز، ويعود بعضهم بعضًا إذا مرض.\nإذًا: في صلاة الجماعة ألفة تجمع الناس، فإذا كان الإمام يطول بالناس فإنه ينفرهم فلا أحد يصلي معه فبدل أن يكون المسجد فيه عدد كبير يصبح فيه قلة من المصلين، فتزول الحكمة من صلاة الجماعة، وهي أن يجتمع الجميع يدعون الله ﷿، وكلما زاد العدد كانت الصلاة أزكى عند الله ﷿، وأكثر ثوابًا.\nوفي حديث معاذ ﵁: (أنه صلى بالناس صلاة العشاء بسورة البقرة، فتركه الرجل وصلى منفردًا، فقال النبي ﷺ لـ معاذ: أفتان أنت يا معاذ! هلا قرأت بـ (سبح اسم ربك الأعلى)، (والشمس وضحاها)، و(هل أتاك حديث الغاشية»، أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه، فذكر سورًا من قصار المفصل يقرأ بها حتى لا يمل الناس.\nإذًا: إذا صليت بالناس فصل صلاةً وسطًا مائلًا إلى القصر وليس إلى الطول؛ لقول النبي ﷺ: (يا أيها الناس! إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليوجز)، وما سمعنا أحدًا اشتكى من صلاة النبي ﷺ، وكان يصلي بهم ﷺ في صلاة الفجر فيقرأ بقدر سورة (ق)، وهي من طوال المفصل، وكان يقرأ بقدر سورة الرحمن، وسورة الواقعة، وكان يقرأ بقدر خمسين آية في صلاة الفجر أو بنحو هذا، وكان إذا صلى بهم في سفر صلى بقصار السور، بسورة الزلزلة، أو (قل أعوذ برب الفلق)، أو (قل أعوذ برب الناس).\nفالإمام يراعي أحوال الناس الذين وراءه؛ لأن النبي ﷺ قال: (فإن من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة)، أي: فيهم الطاعن في السن الكبير، وفيهم الصغير الذي لا يتحمل الصلاة الطويلة، لكن إذا صلى الإنسان لنفسه فليطول ما شاء، أما إذا كان يصلي بالناس فليراع المأمومين الذين خلفه، ولتكن صلاته كما كان يصلي النبي ﷺ في الصلوات، ومنها صلاة الظهر فقد كان يقرأ فيها بنحو: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، مثلًا أو بأكثر منها، ويطيل في الركعة الأولى حتى يدرك الناس، لكن الإطالة الزائدة لم يفعلها إلا على الندرة ﷺ؛ لبيان الجواز، فمرة صلى بهم المغرب بسورة الأعراف.","vol":"51","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-596>غضب الرسول مما يذهب الخشوع</span>\nعن عائشة ﵂ قالت: (قدم رسول الله ﷺ من سفر وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل)، السهوة: كأنها شباك في الحائط، أو شيء بداخل الجدار تضع داخلها حاجاتها، فهي وضعت على هذه السهوة قرامًا، أي: ستارًا، وهذا الستار عليه تصاوير ورسوم.\nقالت: (فلما رآه النبي ﷺ هتكه وتلون وجهه ﷺ، وقال: يا عائشة! أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله)، أي: الذي يرسم بيده صورًا فيها الروح، وفاعل هذا من أشد الناس عذابًا يوم القيامة، فغضب لما رأى الستارة مرسومًا فيها تماثيل، أو صور حيوان.\nوفي حديث آخر: (أن عائشة ﵂ مزقتها، وقطعتها وجعلت منها وسادتين يتكئ عليهما النبي ﷺ)، فإذا جعلت هذه الصور في فراش على سرير، أو في فراش على الأرض يوطأ بالقدم فلا مانع، أما إذا كانت معلقة على وجه فيه شيء من الاحترام لها فهذا ممنوع؛ لأن النبي ﷺ غضب من ذلك.\nقوله: (إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله)، أي: يقلدون ما خلقه الله ﷿، فيصورونه ويرسمونه على هيئة تماثيل.","vol":"51","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-597>غضب الرسول من الشفاعة في حدود الله</span>\nوفي الصحيحين عن عائشة ﵂: (أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ؟)، هذه امرأة مخزومية من بني مخزوم، وبنو مخزوم قبيلة عظيمة كبيرة من أهل الشرف من العرب من قريش، وكان العرب فيهم أهل شرف وفيهم أهل ضعة، فمثلًا: قبيلة طيء كانت مشهورة باللصوص، لكن قبيلة بني مخزوم كانوا من أعالي الناس، فهذه المرأة التي سرقت هي من بني مخزوم، فلما سرقت عرفوا أن الحد سيقام عليها وتقطع يدها وهي من هذه القبيلة الشريفة، فقالوا: نوسط أحدًا يقوم بالشفاعة عند النبي ﷺ، ثم قالوا: (من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ)، وكان زيد بن حارثة والد أسامة حب رسول الله ﷺ أيضًا، ورسول الله ﷺ هو الذي ربى الاثنين، فـ زيد كان عبدًا وأخذه النبي ﷺ وأعتقه وتبناه، فكان ينسب إليه ويقال: زيد بن محمد حتى نهى الله ﷿ عن ذلك فرجع اسمه زيد بن حارثة رضي الله ﵎ عنه، وزوج النبي ﷺ زيدًا بـ أم أيمن وأنجبت له أسامة بن زيد بن حارثة ﵃.\nفلما سرقت المخزومية رأوا أن أسامة له مع النبي ﷺ علاقة قوية، والنبي ﷺ يحبه، فإذا جاءه وشفع فإنه سيقبل منه الشفاعة، فذهبوا إلى أسامة، وفعلًا ذهب أسامة إلى النبي ﷺ وشفع للمرأة، فغضب النبي ﷺ وقال: (أتشفع في حد من حدود الله تعالى؟! ثم قام فاختطب صلوات الله وسلامه عليه، ثم قال: إنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد).\nأي: إنما أهلك الله السابقين بظلمهم، والظلم ظلمات في الدنيا وفي الآخرة، فيستحق الإنسان العقوبة على ظلمه، وهؤلاء ظلموا وغيروا وبدلوا شرع الله سبحانه، فمن كان فيهم شريفًا وسرق تركوه، ومن كان فيهم ضعيفًا وسرق أقاموا عليه حد الله ﷿، فأهلكهم الله سبحانه بذلك.\nثم قال ﷺ: (وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).\nفيقسم النبي ﷺ بقوله: (وايم الله)، وأصلها: وايمن الله، ايمن جمع يمين وهي أيمان الله، يعني: أن النبي ﷺ أقسم ورخم فقال: (وايم الله)، بحذف النون في نهايتها فتبقى الميم وهي مضمومة فتظل على ذلك؛ لأن الألف تتبعها والهمزة منقولة.\nقوله: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت)، وحاشاها ﵂.\nوالمخزومية التي سرقت كان اسمها فاطمة، وهذه فاطمة بنت النبي صلوات الله وسلامه عليه ورضي الله عنها، فيقول: لو أن فاطمة ابنتي أنا -وحاشاها- فعلت ذلك لقطعت يدها، فالنبي ﷺ لا يجامل ولا يحابي أحدًا، وإنما الشرع يقام على الجميع على الشريف وعلى الضعيف، على الإنسان الكبير في قومه، وعلى الحقير في قومه، فهنا غضب رسول الله لما شفع أسامة في حد من حدود الله سبحانه ﵎.","vol":"51","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-598>غضب الرسول لحرمات المساجد</span>\nوعن أنس ﵁: (أن النبي ﷺ رأى نخامة في القبلة، فشق ذلك عليه حتى رئي في وجهه) أي: أنه دخل المسجد، فوجد نخامة في قبلة المسجد أمام الناس، فشق ذلك عليه حتى رئي الغضب والغيظ في وجهه.\nقال: (فقام فحكه بيده ﷺ)، وفي رواية أخرى: (أنه أخذ عودًا وحك به النخامة صلوات الله وسلامه عليه، ثم قال: إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه، وإن ربه بينه وبين القبلة) فأنت قائم تناجي ربك سبحانه ﵎، وربنا يقول: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]، فالله أقرب إليك من حبل وريدك سبحانه ﵎، فهو معك سبحانه ﵎، ويعلم الكلمة قبل أن تنطق بها، فقد لا يسمعها الذي أمامك، لكن الله يسمعها ويعلمها سبحانه ﵎.\nقوله: اعلم أن الله ﷿ فوق سماواته سبحانه، كما جاء في القرآن: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، فهو في السماء، وترفع يديك إليه تدعوه، وينزل الملائكة من السماء، وينزل الكتب من السماء وقد سأل النبي ﷺ الجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء قال: أعتقها فإنها مؤمنة).\nفالله بينك وبين قبلتك أي: أقرب إليك من أقرب شيء إليك، فهو بسمعه وبعلمه وببصره أقرب إليك من كل شيء.\nقال ﷺ: (فلا يبزقن أحدكم قبل القبلة، ولكن عن يساره أو تحت قدمه)، أي: لا يتفل أحدكم جهة القبلة، لكن الآن لا نتخيل أن أحدًا يعمل هذا؛ أما في عهد النبي ﷺ فقد كان المسجد نفسه مفروشًا بالتراب وبالحصى، ولم يكن في المسجد سجاد ولا حصير؛ ولذلك كان النبي ﷺ إذا احتاج شيئًا يقول لـ عائشة: (ناوليني الخمرة)، وهي حصيرة على قدر ما يصلي فيفرشها ويصلي عليها.\nأما المسجد في ذلك الزمان فلم يكن مفروشًا، ولعل أحدهم يعجله البصاق، فهذا الذي جعل أحدهم أعجله البصاق فبصق، ولم يكن معهم مناديل مثلنا، فالواحد منهم إما أن يخرج خارج المسجد، فتراه في كل وقت يخرج ويدخل، أو أن يبصق في أرض المسجد ويدفنها، فإذا احتاج فعل ذلك، لكن الأصل أنه لا يفعل؛ ولذلك جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها)، فهذا الحديث فيه إشارة إلى أنه إذا احتاج إلى هذا الشيء فله ذلك؛ لأن النبي ﷺ بين أن من بصق على أرض المسجد فعليه أن يدفنها ويغطيها بالتراب، ولا يتركها هكذا، وكأن هذا الرجل احتاج فتفل في القبلة ولم يعلم بحديث النبي ﷺ، أو كان هذا قبل النهي عن ذلك.\nقال ﷺ: (ولكن عن يساره أو تحت قدمه، ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم رد بعضه على بعض فقال: أو يفعل هكذا)، الرداء هو الذي يوضع فوق الكتف، فأخذ طرفه وتفل فيه، والآن لك أن تخرج منديلك وتتفل فيه، وترجعه إلى جيبك.\nيقول الإمام النووي ﵀: والأمر بالبصاق عن يساره أو تحت قدمه هو فيما إذا كان في غير المسجد، أما في المسجد فلا يبصق إلا في ثوبه.\nوهذا في زمن النووي؛ لأن المساجد كانت في زمن النووي مفروشة بحصير وسجاد، فلذلك لا يجوز أن يبصق إنسان في أرض المسجد، ولا يجوز أن يقذر أرض المسجد لا بنعله ولا بخفه ولا ببصاقه ولا بثوبه ولا بشيء من شحم أو غيره.\nإذًا: فأرض المسجد طالما أنها ليست ترابًا بل فيها حصير أو غيره، فالواجب عليك أن تحافظ على نظافتها لا أن تقذرها.","vol":"51","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-599>مراعاة آداب المساجد</span>\nفي هذه الأحاديث أن النبي ﷺ لم يكن غضبه لنفسه ﵊، وإنما كان غضبه لدين رب العالمين، أو غضبه لبيت رب العالمين، ولذلك نقول لإخواننا: إنه يجب عليهم أن يراعوا بيت الله سبحانه، فبيت الله ليس سوقًا، فلا ترفعوا أصواتكم فيه، أيضًا الباعة الذين يقفون خارج المسجد ويرفعون أصواتهم ويجعلون المسجد مثل السوق عليهم أن يتقوا الله سبحانه ﵎.\nكذلك الإخوة الباعة الذين يشغلون التسجيلات ويزعجون الناس، عليهم أن يتقوا الله، كذلك الذين يتعاركون خارج المسجد عليهم أن يتقوا الله سبحانه ﵎، فإن الناس جاءوا لدراسة العلم الشرعي في المسجد، ولم يأتوا من أجل أن يسمعوا تسجيلات يعلو فيها الصوت، والعاقل يعجب لهذه التسجيلات! تلقى أحدهم يشغل قرآنًا بصوت قارئ، ثم يشغل بصوت قارئ آخر، فهو لم يمش على سورة واحدة، كأن الغرض بيان أن عندي هذا وعندي هذا، تعالوا لشراء هذا وهذا، نقول لمن يعمل هذا: اتق الله، يكفي أن تعرض بطاقة البيع، فالذي يريد أن يشتري سوف يشتري والذي لا يريد أن يشتري فلن يشتري، فلا تجعلوا المساجد مثل السوق، واتقوا الله سبحانه ﵎ في أنفسكم.","vol":"51","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-600>الأسئلة</span>","vol":"51","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-601>موقف المرأة في الصلاة مع محرمها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا صلى رجل بامرأة من محارمه فقط فهل تقف بجواره أم خلفه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا صليت ومعك زوجتك أو أختك فإنها تقف خلفك لا بجانبك.","vol":"51","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-602>الفرق بين الصور الممتهنة وغير الممتهنة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الدليل على التفريق بين الصور هذه ممتهنة، وهذه غير ممتهنة، مع أن عليًا ﵁ قال: (لا تدع صورة إلا طمستها)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ذكرنا عن النبي ﷺ حديث الصورة التي كانت في الستارة التي كانت معلقة، فـ عائشة ﵂ مزقتها وجعلتها وسادتين اتكأ عليهما النبي ﷺ، فلما صارت وسادة تركها النبي ﷺ ولم يغضب، وإنما غضب لما كانت معلقة.","vol":"51","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-603>موضع الدعاء في صلاتي الاستخارة والتوبة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  متى يقال الدعاء في صلاة الاستخارة وفي صلاة التوبة هل في آخر التشهد أم خارج الصلاة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الدعاء في صلاة الاستخارة الذي جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم)، الحديث المعروف، وقد عبر فيه بـ (ثم)، وهو دليل على أن الدعاء يكون بعد الانتهاء من الصلاة، لكن إن أتى بالدعاء في آخر صلاته قبل الانتهاء من الصلاة فهو جائز، ولكن الأولى أن يكون بعد التسليم من الصلاة.","vol":"51","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-604>حد العورة بين المحارم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هي العورات بين المحارم الأم، الابن، الأخت، الأخ؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  عورة الرجل من السرة إلى الركبة، والمرأة إذا كانت في بيتها مع زوجها فليس فيه شيء، أما إذا كانت المرأة مع أولادها فلها أن تبقى في ثياب المهنة التي يبدو منها ذراعها وصدرها وقدمها وساقها وشعرها.","vol":"51","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-605>وقوع النجاسة في البدن أو الثوب لا تبطل الوضوء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  لماذا الكلب ينقض الوضوء علمًا بأن القط وما شابهها لا ينقض الوضوء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  من أين أتيت بهذا؟ فالكلب لا ينقض الوضوء، إنما ريق الكلب نجس، فإذا مس ثوبك فيجب عليك أن تغسله؛ للحديث: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا أولاهن بالتراب)، وفي رواية: (عفروه الثامنة بالتراب)، إذًا: فريق الكلب إذا وقع على الثوب، وتعمدت أن تصلي بهذا الثوب النجس، فصلاتك باطلة، لكن لا ينقض الوضوء.\nأيضًا: من الأمور التي تثار ويجهلها بعض الناس أن يده لو وقعت عليها نجاسة من دم أو بول فإنه يعيد الوضوء، وهذا ليس بصحيح وإنما عليه أن يزيل النجاسة فقط.","vol":"51","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-606>حكم لبس ما عليه تماثيل وصور</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم لبس الملابس التي عليها تماثيل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الملابس التي عليها تماثيل وصور مرسومة عليها، إذا كان يلبس قميصًا عليه صورة إنسان يعظمه فهذا حرام، وإذا كان عليه صورة امرأة ممثلة أو غيرها فهذا أشد حرمة، وأشد منها حرمة أن يلبس هذه الثياب وعليها صورة امرأة عريانة ويدخل بها المسجد، وقد يدخل المسجد أحيانًا ولا يصلي.","vol":"51","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-607>حكم قول المأموم: سمع الله لمن حمده بعد الرفع من الركوع</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هناك مأموم يصر على أن يقول بعد الرفع من الركوع: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، فما حكم ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يجوز أن يقول ذلك، ولكن الذي جاء في حديث النبي ﷺ: (وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد)، يعني: إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، قال المأموم: ربنا ولك الحمد، لكن إن قال: سمع الله لمن حمده باعتبار قول النبي ﷺ: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، فإنه يجوز أن يقول هذا ذلك.","vol":"51","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-608>حكم استعمال الفرش التي فيها تصاوير على السرير</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أحيانًا تكون التصاوير التي على ملاية السرير ليست في المكان الذي يوطأ، فما الحكم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس شرطًا أن تضعها عند رجليك، فأنت إذا جعلتها عند رأسك فقد تدوسها برجليك في وقت ما، فهي ممتهنة مداسة، وكذلك أنت تقعد عليها.","vol":"51","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-609>معنى الفترة وحكم أهلها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى أن أم النبي ﷺ ماتت في الفترة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الفترة ستدرسونها في أصول الفقه في الكلام عن أصحاب الفترة، والمراد بالفترة الزمن الذي بين النبي ﷺ وبين النبي الذي قبله، وما بين النبيين حين تندرس الشريعة اسمها: الفترة، والفترة عهد ليس فيه أنبياء، فهذا معنى أن أم النبي ﷺ كانت من أهل الفترة، أي: من أهل الزمن الذي لم يأت لهم فيه نبي؛ لأنها ماتت قبل بعثة النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nوكل من مات قبل النبي ﷺ هم من أهل الفترة، ولكن قد يخبر الله ﷿ نبيه ﷺ عن بعضهم أنه في النار، والذي نعتقده أن أهل الفترة يمتحنون يوم القيامة، فالله ﷿ يأتي بالإنسان الذي كان به صمم فلم يسمع دين رب العالمين، والإنسان الذي كان به كبر في السن فلم يفهم دين رب العالمين، فيأتي بهم يوم القيامة ويختبرهم؛ لأنهم يقولون: ما جاءنا من نبي، فيختبرهم الله ﷿، فيأمرهم أن يردوا النار، فإذا وردوا النار كانوا من أهل الجنة، وإذا لم يردوا النار قال لهم: قد عصيتموني، فكيف برسلي! فيجعلهم في النار والعياذ بالله.\nإذًا: أهل الفترة في يوم القيامة لهم اختبار، وقد أخبر النبي ﷺ عن بعضهم أنه رأى أباه في النار، وقال للرجل: (إن أبي وأباك في النار)، فهذا إخبار بما يئول إليه الحال، وأنه قد أخبره الله ﷿ عن ذلك، وهل يكون في النار دائمًا، أو أنه الآن في النار بسبب شيء، ثم يوم القيامة يمتحن؟ الله أعلم بهذا الأمر، ولكن نقول ما قاله النبي ﷺ.","vol":"51","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-610>معنى إحفاء الشوارب وحكمه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هي أدلة قص الشارب بهذه الكيفية وهي الجز الفاحش؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  جاء أن النبي ﷺ قال: (أحفوا الشوارب)، والإحفاء بمعنى القص الشديد، فبعض أهل العلم قالوا: إنه يقصه بحيث لا ينزل الشارب على شفته، ولكن أهل اللغة يقولون: الإحفاء بمعنى إزالة الشيء من الأصل، ولذلك ذهب بعض أهل العلم إلى ذلك، وذهب الإمام مالك إلى أن حلق الشارب مثلة، وأن الذي ينهك شاربه من المثلة فلا يفعل ذلك، لكن جاء عنه ﷺ أنه قال: (أحفوا الشوارب)، فالإحفاء معناه: القص الشديد الزائد، لكن إن لم يفعل فعلى الأقل لا يترك الشارب ينزل على فمه.","vol":"51","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-611>حكم التسبيح باليد الشمال</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل التسبيح باليد الشمال حرام؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، ليس حرامًا، إنما سنة النبي ﷺ أن تسبح باليد اليمنى، هذه هي سنته.","vol":"51","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-612>حكم تأخر المأموم عن إمامه بحجة قراءة الفاتحة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم المأموم الذي لا يركع إلا بعد أن يرفع الإمام رأسه من الركوع ويقول: إنه لا يزال يقرأ الفاتحة مع أن الإمام لا يخل بأي شيء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يجوز ذلك؛ لأن فيه مخالفة للإمام، وقد قال النبي ﷺ: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد)، ففيه الترتيب بالفاء، والفاء تفيد الترتيب مع التعقيب، أي: أنك تفعل ذلك بعده مباشرة، فإذا ركع سواء انتهيت من قراءة فاتحة أو لم تنته فاركع، وفي الحديث: (من كان له إمام فقراءته له قراءة).\nفإذا كبر الإمام ودخلت متأخرًا عن الركعة، فبدأت في قراءة الفاتحة فركع الإمام، فلا تخالف الإمام؛ لأنه الآن في ركن وهو الركوع ويجب عليك أن تتابع الإمام فيه، بل يجب إذا دخلت في الصلاة على هيئة كان الإمام عليها أن تتابعه فيها؛ لقول النبي ﷺ: (إذا أتيتم الصلاة والإمام ساجد فاسجدوا ولا تعدوها شيئًا، ومن أدرك الركوع فقد أدرك الصلاة)، فإذا جئت للصلاة والإمام ساجد، فإنه يجب عليك أن تفعل ما أمرك به النبي ﷺ، أو على الأقل يقال: يستحب ذلك ويتأكد الاستحباب.\nإذًا: عليك أن تفعل كما يفعل الإمام، أما أن يكون الإمام قد ركع وأنت واقف، أو سجد ورفع من السجود وأنت ما زلت ساجدًا بدعوى أنك تدعو، فهذا غير جائز.","vol":"51","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-613>حكم مرور الطفل أمام المصلي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل مرور الطفل أمام المصلي يقطع الصلاة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، ولكن جاء عن النبي ﷺ: (أنه مرت بين يديه ﷺ شاة فتقدم حتى مرت خلف ظهره)، فالذي عليك أنت ألا تدع شيئًا يمر من أمامك، فلو مر الطفل من أمامك فإنه لا يبطل الصلاة، إنما الذي يقطع الصلاة ثلاثة أشياء، كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (يقطع الصلاة المرأة الحائض -أي: المرأة البالغة- والكلب الأسود، والحمار)، وجاء في الحديث: (الكلب الأسود شيطان)، فهؤلاء الثلاثة يقطعون الصلاة على خلاف بين أهل العلم: هل قطع الصلاة بمعنى بطلان الصلاة، أو بمعنى نقصان الثواب؟ والذي نميل إليه أنه ينقص الثواب؛ لقول النبي ﷺ: (إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها حتى لا يقطع الشيطان عليه صلاته).\nفالذي يصلي إلى غير سترة يمر الشيطان من أمامه فيقطع صلاته، وهنا لم يقل النبي ﷺ: إنه يبطل الصلاة، فقطع الشيطان لها هو أن يختلس من صلاتك ويلهيك عن صلاتك، فينقص من أجرها ومن ثوابها.\nإذًا: إذا مر طفل صغير فليس هناك إعادة للصلاة.","vol":"51","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-614>حكم إظهار المرأة لثديها أمام النساء عند الإرضاع</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجب على المرأة المرضع أن تغطي ثدييها عند النساء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يجب عليها أن تغطي ثدييها عند النساء.","vol":"51","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-615>حكم تقصير اللحية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هو دليل الكراهية في تقصير اللحية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يحرم حلق اللحية، وتقصير اللحية مخالف لقول النبي ﷺ: (أعفوا اللحى)، أو (اتركوا اللحى)، أو (أرخوا اللحى)، أو (وفروا اللحى)، ألفاظ الحديث كلها فيها الأمر بتركها طويلة، هذا هو معنى الإعفاء، والأمر هنا يدل على الوجوب، أي: وجوب ترك اللحية، فما زاد على القبضة إذا أخذها لفعل ابن عمر جاز له ذلك، وإذا تركها أيضًا فإنه يجوز، لكن الذي يحرم هو حلق اللحية.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"51","page":25},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-616> أمر ولاة الأمور بالرفق برعاياهم</span>\nلقد أمر الإسلام ولاة الأمور بالرفق بالناس، والسهر على مصالحهم، وقضاء حوائجهم، لأنهم قد تولوا أمور المسلمين، فهم رعاة ومسئولون عن رعيتهم يوم القيامة، وكل من يتولى أمرًا يجب عليه أن يؤديه كما أمر الله ﷿.","vol":"52","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-617>أمر ولاة الأمور بالرفق بالرعية وقضاء حوائجهم</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب أمر ولاة الأمور بالرفق برعاياهم ونصيحتهم، والشفقة عليهم، والنهي عن غشهم والتشديد عليهم، وإهمال مصالحهم والغفلة عنهم وعن حوائجهم.\nقال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٢١٥].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠].\nوعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته؛ الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، وكلكم راع ومسئول عن رعيته) متفق عليه].\nيقول الإمام النووي ﵀: (باب أمر ولاة الأمور بالرفق) أي: من يتولى أمور المسلمين من حكام ونحوهم يؤمرون بالرفق بالرعية، وبالنصح والشفقة عليهم، والنهي عن غشهم، والتشديد عليهم، أي: أن ينهوا عن أن يشددوا على الناس، وعن أن يغشوا الناس ويهملوا مصالحهم، أي: ينهون عن أن يهملوا مصالح الناس، وأن يغفلوا عنهم وعن حوائجهم.\nذكر قول الله سبحانه: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٢١٥].\nهذا خطاب للنبي ﷺ وهو من هو! فهو بالمؤمنين رءوف رحيم، وهو رسول الله ﷺ الذي أرسله ربه رحمة للعالمين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] ومع ذلك يأمره سبحانه حتى يقتدي به من يأتون من بعده، فهو يحكم المسلمين بشرع رب العالمين فيأمره سبحانه: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٢١٥].\nوخفض الجناح يعني: اللين والتواضع، وأن يكون فيك حنان على المؤمنين ومودة ورحمة بهم، تضمهم إليك كما يضم الطائر أفراخه إليه.\nفأمر النبي ﷺ أن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين.\nكذلك كل إنسان يتولى أمرًا من أمور المؤمنين كأن يكون عليهم حاكمًا أو عريفًا، أو يكون على بعضهم أميرًا فعليه أن يرفق بهم، وأن يكون رحيمًا بهم، وأن يعلمهم وينصحهم ولا يهمل مصالحهم.\nقال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠].\nفالله يأمر عباده بالعدل بين أهليهم وبين أقاربهم وبين الناس، وما ولوا من ذلك شيئًا يأمرهم ربهم ﷾ بالعدل، والعدل: أن تعطي كل إنسان حقه الذي شرعه الله ﷾.\nوالإحسان: أن تزيد رحمة وحنانًا من عندك وأن تعطي من فضل ما عندك فتحسن إلى الناس، كما أن الله يأمر بإعطاء ذي القربى، والأقربون أولى بالمعروف، كما جاء في حديث النبي ﷺ قال: (ابدأ بنفسك وابدأ بمن يليك).\nقال تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل:٩٠] أي: الفحش في القول، والفحش في الفعل، فالله ينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وهذه موعظة من الله ﷾، (يعظكم) أي: ينصحكم ربكم سبحانه، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠] أي: لعلكم تتذكرون مواعظ الله سبحانه فتعملون بمقتضاها.\nمن الأحاديث التي جاءت في هذا الباب: ما جاء في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) يعني: كل مؤمن هو راع فيما ولاه الله ﷿ عليهم سواء كان رجلًا أو امرأة، فإذا كنت ترعى شيئًا فقد جعلك الله ﷿ قائمًا عليه، فأنت مسئول عنه أمام الله سبحانه، ثم فصل بعدما عمم، فقوله: (كلكم) من صيغ العموم، ثم خصص ونص ﷺ على بعض أفراد هذا العام، قال: (الإمام راع ومسئول عن رعيته) الإمام هنا بمعنى: الحاكم، و(مسئول): بحيث يأتي يوم القيامة ويسأل: ما الذي فعلت مع الرعية؟ فبدأ بالقائد بالإمام.","vol":"52","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-618>مسئولية الراعي عن رعيته</span>\nقال: (والرجل راع في أهله) أي: أنت راع في أهل بيتك وسوف تسأل يوم القيامة عن أهل بيتك ما الذي صنعته معهم؟ هل عدلت فيهم؟ هل أعطيتهم حقوقهم؟ هل علمتهم دين رب العالمين؟ هل أمرتهم بالمعروف ونهيتهم عن المنكر؟ هل قمت فيهم بحقوق الله ﷾؟ هل صبرت عليهم وعلى أذاهم؟ هل وعظتهم؟ فالرجل راع في أهله أي: راع لأمر أهله كالراعي مع غنمه، كذلك هذا مع أهل بيته يراعيهم ويتألفهم وينصحهم ويخاف عليهم من النار، قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] فالله ﷿ يأمر كل إنسان مؤمن أن يراعي ذلك، وأن يقي نفسه ويقي أهله وولده نارًا وقودها الناس والحجارة.\nفالإنسان في الدنيا إذا علم أن ابنه سيذهب لمكان ما ولن تحبس له حاجته وسيمر آمنًا اطمأن لذلك، فإن خاف عليه أخذه في يده حتى لا يؤذى في هذا المكان، فكيف بنار جهنم؟ قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١]، فتقي نفسك وتقي أهلك، وتقي ولدك، تقيهم نار جهنم يوم القيامة بالموعظة، وبالمراعاة لأحوالهم: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته) فأنت مسئول عن أهل بيتك، ويوم القيامة سوف يسألك الله ﷿ ما الذي صنعت معهم، هل أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر؟ هل وعظتهم؟ هل علمتهم؟ هل نصحتهم بدين رب العالمين سبحانه؟ هل أخذت بأيديهم إلى الخير؟ هل أخذت على أيديهم فمنعتهم من الشر؟ ما الذي صنعته؟ فأنت مسئول يوم القيامة، والسؤال طويل بعدد سنين عمرك، بعدد أيامك، وبعدد ساعاتك وثوانيك.\nيقول هنا النبي ﷺ: (والمرأة راعية في بيت زوجها) فليس الرجل وحده مسئولًا، بل المرأة في بيتها راعية ومسئولة عن رعيتها، ترعى أهل بيتها وتراعي أحوالهم، ومسئولة عن نفسها، هل حفظت نفسها؟ هل حصنت نفسها؟ هل منعت نفسها عن الخلق إلا عن زوجها؟ هل قامت بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ فهنا طاعة الله ﷾ في نفسها وفي زوجها هل حافظت على مال زوجها أم أنها ضيعت مال زوجها؟ تأتي بعض الأسئلة من بعض النساء أنها تأخذ المال من وراء الزوج فهل هو حلال أو حرام؟ إذا كان الزوج ينفق بالمعروف مما أعطاه الله ﷿ فلا يحل للمرأة أن تأخذ من وراء زوجها شيئًا إلا بعلمه، فهذا لا يجوز لها طالما أن الزوج يعطيها طعامها وشرابها، وكسوتها ونفقتها هي وأهل البيت، وعلى ذلك ليس من حقها أن تأخذ، والبعض يحتج بقصة امرأة أبي سفيان عندما جاءت تسأل النبي ﷺ فأباح لها أن تأخذ من مال أبي سفيان، وينسون أنها قالت: (إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني وولدي ما يكفيني)، فشكت له شح أبي سفيان وقالت: (إني آخذ من ماله بغير علمه، فقال النبي ﷺ خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) يعني: من طعام وشراب فقط، ليس من أجل أنها تدخر وتجمع وتنفق على الناس فليس لها ذلك.\nفعلى ذلك المرأة راعية تصون مال الزوج، وتنصح الزوج بعدم الإسراف والتبذير، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بحيث إنها تحافظ على بيتها، فالله سوف يسألها عن ذلك، عن القليل الذي أخذته، وعن الكثير الذي أنفقته، عما فعلت بهذا المال وعما فعلت مع أولادها، فلعلها أمام الزوج تظهر الرحمة والحنان بالأولاد، ومن ورائه على عكس ذلك، ولعلها أمامه تظهر التقوى، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ولعلها من ورائه تعينهم على المنكر، وتتساهل في أشياء تغضب الله ﷿ بها، فالمرأة راعية في بيتها لا بد أن تتقي الله ﷾ في نفسها وفي ولدها، وكم من امرأة تظهر التحشم أمام زوجها، فإذا خرج زوجها وقفت أمام النافذة تبدي شعرها وتبدي زينتها للأجانب، وهذا لا يحل لها، فالمرأة مسئولة يوم القيامة عما تصنع في بيت زوجها وعما تصنعه في مالها وفي نفسها، فهي مسئولة عن ذلك كله.\nقال ﷺ: (والخادم) أي: إنسان يأتي إليك لخدمتك، أو عبد كان عندهم في بيتهم يطعمونه ويسقونه ويملكونه، فالخادم راع في مال سيده، ومسئول عن رعيته، والخادم سواء كان أجيرًا خاصًا أو أجيرًا مشتركًا مسئول عن مال سيده وراع في مال سيده، ويوم القيامة يسأله الله عن ذلك، فلا بد من النصح، وكم من إنسان يعمل عند إنسان ويجده مسرفًا في أشياء، مبذرًا فيها أو مضيعًا، فيقول: أنا سآخذ أجرتي ولا شأن لي، فإنه مسئول يوم القيامة عن ذلك، سيسأله الله: لماذا لم تعظ؟ لماذا لم تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ وإذا وجدت من يسرق فانهه عن المنكر الذي هو فيه، وأخبر صاحب المكان أن فلانًا يسرق، وإذا لم ينته عن هذا الشيء الذي هو فيه فأنت مسئول يوم القيامة عن المكان الذي توليته، سواء كان هذا العمل عملًا قليلًا أو كثيرًا وقد بدأ ﵊ من الإمام والحاكم وانتهى إلى الخادم إذا كان عبدًا أو كان أجيرًا، ثم عمم بعد ما نص وخصص فقال: (وكلكم راع ومسئول عن رعيته) أي: الجميع راعون؛ فهذا راع في مال فلان، وهذا راع في مال فلان، والكل مسئول يوم القيامة، فأعدوا للسؤال جوابًا.","vol":"52","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-619>الوعيد الشديد لمن مات وهو غاش لرعيته</span>\nفي الصحيحين من حديث معقل بن يسار ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة) هذه مصيبة من المصائب! يذكر الرسول ﷺ أننا كلنا عبيد لله ﷾.\nفكل إنسان عبد لله سبحانه، سواء كان كبيرًا أو صغيرًا أو غنيًا أو فقيرًا، أو عاليًا أو حقيرًا، الكل عبيد لله ﷾، فكل إنسان يتذكر ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فكل يقوم بحق العبادة في المكان الذي هو فيه.\nفيقول: (ما من عبد يسترعيه الله رعية) أي: يعطيه رعية يرعاهم، ويقوم على أمرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح والوعظ، ويتملك أمرهم، هذا الإنسان الذي كان راعيًا قد يكون من أعلى الرعاة، أو يكون حاكمًا، أو عريفًا على قوم، أو على مجموعة صغيرة، أو أميرًا على اثنين أو على ثلاثة، هذا الإنسان الذي تولى هذه الأشياء إذا غش فيها يأتي يوم القيامة قد حرم الله عليه الجنة، فاحذر من الغش، وكن مع الناس ناصحًا دائمًا، وإذا كان عملك لله سبحانه أدام الله ﷿ هذا العمل، قال رسول الله ﷺ: (من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس)، فالإنسان الذي يريد أن يحبه الناس وهو متول أمرهم فلا يجامل في الخطأ، ولا يظلم إنسانًا من أجل أن يرضي إنسانًا آخر، فالله يسخط عليه، ولن يحبك الذين أنت تجاملهم، بل لأنك تظلم الغير، فلن يحبوك أبدًا، لأنهم يعلمون في أنفسهم أنك ظالم.\nفالإنسان الذي يأخذ المال الحرام لينفع إنسانًا به لن يحبه هذا الإنسان، فالذي يدفع الرشوة من أجل وظيفة هو في الظاهر يقول لك: جزاك الله خيرًا، وأما في الباطن فهو يشعر أنك أخذت ماله، ويعرف أنك لا تستحق هذا المال حتى وإن قال: لقد أبحت لك ذلك، ويوم القيامة سوف تسأل عن هذا الذي أخذته، فإذا استرعاك الله أناسًا فلا تظلم أحدًا، يقول ﷺ: (يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته) يغش الناس ويستدرجهم حتى يأخذ أموالهم، ويغش الإنسان في هذا الذي يفعله، فيأكل حرامًا ويدخل إلى بيته حرامًا، ويظلم أناسًا، وقس على ذلك أعمالًا يقوم بها أناس فيغشون الناس ليأخذوا أموالهم، فهؤلاء يحرم عليهم هذا العمل ويحرم عليهم الغش في الرعية.\nقال: (إلا حرم الله عليه الجنة)، وقال في رواية: (فلم يحطها بنصحه) أي: ما أحاط الرعية بنصحه، ففي المكان الذي تعمل فيه لابد أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر قدر استطاعتك، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ولا تخن أحدًا ولا تغدر ولا تغش، ولا تقبل سحتًا أو رشوة، لا تمنع من الناس ما ينفعهم ولا تخدعهم.\nويقول في الرواية الأخرى: (ما من أمير يلي أمور المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح لهم إلا لم يدخل معهم الجنة)، وروى مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في بيتي هذا: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به)، هذه دعوة مستجابة من النبي ﷺ، دعوة للإنسان الذي يتولى أمور الناس سواء كان موظفًا صغيرًا أو كبيرًا أو حاكمًا، هذا الإنسان إذا كان رفيقًا بالرعية يحوطهم بنصحه ويعاملهم معاملة الأب لأولاده، فقد دعا له النبي ﷺ أن يرفق الله به، يرفق به في الدنيا وفي قبره، ويوم القيامة؛ لأنه كان رفيقًا برعيته.\nوالعكس من ذلك: الإنسان الظلوم الغشوم الجائر الذي يظلم الناس ويقسو عليهم دعا عليه النبي ﷺ بألا يرفق به ربه ﷾، وأن يشق عليه في الدنيا وفي الآخرة.\nانظر: الإنسان الموظف إذا جاء إليه إنسان للمعاملة فيقول له الموظف: افعل كذا، واصنع كذا، واذهب إلى مكان كذا وأت بكذا، ونحن سوف نحقق لك ما تريده، ولا يحقق له ذلك إلا إذا أخذ عليه نقودًا، هذا الإنسان دعا عليه النبي ﷺ بأن يشق الله عليه، ولن يذهب بعيدًا، فالمال الذي يأخذه سيتلفه الله عليه، وكم قد رأينا من أمثال هؤلاء من يجمع المال ثم يموت ويترك ماله للورثة فيدعون عليه ويلعنونه بعد موته؛ لأنه جمع هذا المال من حرام، ونذكر قصة الرجل الذي كان يعمل في شركة حكومية، فكان يجمع الرشوات حتى بلغت مائة ألف جنيه، وجعلها في البنك من أجل أن يستنفع بها، فمات ولم يصرف منها شيئًا، فجاء الورثة يسألون: هل يجوز أخذ هذا المال أم لا؟ فقد كان المال كله حرامًا وهم يعرفون، ولم يسلموه للشركة، وأخذوا أموالًا محرمة، فهذا المسكين ظلم نفسه في الدنيا وفي الآخرة وجمع مالًا ولم يستنفع به، وتركه في البنك وجاء الورثة بعد كذا فأخذوه من أجل أن يدعوا عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nلذلك الإنسان المؤمن دائم التفكر في الغد هل سيكون في الدنيا أم سيكون في القبر، فعليك أن تعمل الخير حتى لا يضيق عليك قبرك، وحتى لا تندهش في قبرك وتتحير، ولا تقدر على الجواب، إياك والظلم فلا تظلم أحدًا.","vol":"52","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-620>واجب الرعية تجاه الولاة الظلمة</span>\nجاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي) يخبر النبي ﷺ أن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، أي: تقوم بسياستهم وأمرهم، وهؤلاء القوم بنو إسرائيل كانوا أهل معصية وأهل نفور ولا يجتمعون أبدًا على أحد إلا إذا كان هناك نبي من أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام.\nفإذا كان النبي موجودًا يطيعونه فإذا ابتعد عنهم يعصونه، فإن موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما كان معهم وأنجاهم الله من فرعون كانوا على الإسلام، ولما خرجوا من البحر ومروا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا: ﴿يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨] أي: نحن نريد أن نعبد إلهًا: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨]، فذهب موسى للقاء ربه سبحانه وصنع لهم السامري عجلًا فعبدوه من دون الله ﷾، فما احتاجوا إلى أن يكون الأنبياء موجودين معهم وفيهم، فلما جاء النبي ﷺ أخبر أنه لا نبي بعده فضلًا عن أن يكون هناك رسول بعده صلوات الله وسلامه عليه.\nقال (وسيكون بعدي خلفاء فيكثرون) أي: سيكون خليفة وراء خليفة وراء خليفة (قالوا: يا رسول الله! فما تأمرنا؟ قال: أوفوا ببيعة الأول فالأول ثم أعطوهم حقهم) يعني: الخلفاء والملوك إذا طلبوا حقوقهم أعطوهم حقوقهم، (واسألوا الله الذي لكم) كأنه إشارة إلى أنه سيكون فيهم الظلم، فلم يقل: قاتلوهم، بل قال: (ما أقاموا فيكم الصلاة) أي: لا تقتلوهم ولا تقاتلوهم طالما أنهم يقيمون فيكم الصلاة، قال: (واسألوا الله الذي لكم) أن تؤدي الحق الذي عليك وتسأل الله الحق الذي لك، قال: (فإن الله سائلهم عما استرعاهم) أي: اتركوهم لهم يوم عند الله ﷿ يجمعهم فيه ويسألهم عما استرعاهم عليه يوم القيامة.","vol":"52","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-621>الوعيد الشديد للولاة الظلمة</span>\nوفي الصحيحين أيضًا من حديث عائذ بن عمرو ﵁ أنه دخل على عبيد الله بن زياد فقال له: أي بني! إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن شر الرعاء الحطمة، فإياك أن تكون منهم)، وعبيد الله بن زياد كان أميرًا من الأمراء، وكأنهم عرفوا فيه ظلمًا، فذهب إليه هذا الصحابي عائذ بن عمرو ﵁ ينصحه ويعظه، فقال له: (أي بني) وهذا يعني أنه كان صغيرًا في السن وهذا الصحابي كان كبيرًا ﵁، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن شر الرعاء الحطمة) (الحطمة) على وزن: فعلة، وهي صيغة مبالغة، مثل قولك: هذا صُرعة هذا ضُحكة، هذا حُطمة، هذا هُمزة، هذا لُمزة، كلها من هذا الباب، والمعنى: أنه مبالغ في هذا الذي يفعله.\nفالحطمة: هو الإنسان الذي يحطم ما تحته، كالراعي يرعى غنمًا أو إبلًا ومعه عصا يضرب بها أغنامه أو إبله وينفرها ويقسو عليها، فهذا شر الرعاء، وكذلك الراعي الحاكم الذي يكون على الناس ويتولى أمرهم فتراه عنيفًا عليهم ويفرقهم من حوله، فقال: (إن شر الرعاء الحطمة) فقام ينصح هذا الأمير ويقول: (فإياك أن تكون منهم) أي: احذر أن تكون من هؤلاء الذين يفرقون الناس ولا يجمعونهم.\nوفي الحديث عند أبي داود عن أبي مريم الأزدي أنه قال لـ معاوية ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول (من ولاه الله شيئًا من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة)، فجعل معاوية ﵁ رجلًا على حوائج الناس، الحديث رواه أبو داود والترمذي بإسناد فيه ضعف، ولكن له شاهد كما في التحقيق، وفيه أن من ولاه الله شيئًا من أمور المسلمين فلابد أن يكون غير محتجب عنهم، طالما هو مسئول فلابد أن يكون أمام الناس حتى يجدوه ولا يحتجب عنهم، فإذا احتجب جعل من يسمع منهم ويبلغه هذا الشيء، فكأن معاوية ﵁ احتجب في قصره فجاءه أبو مريم الأزدي يخبره عن النبي ﷺ أن من ولاه الله شيئًا من أمور المسلمين، والوالي سواء كان حاكمًا كبيرًا أو صغيرًا هو مسئول أمام الله ﷿، وقد لا يكون مسئولًا عن بلد من البلدان، بل يحكم الناس كلهم، فولاه الله أمورهم، فإذا احتجبوا عن الناس بحيث لا أحد يعرف أن يصل إليهم أبدًا، وهم مسئولون عن مصالح الناس، قال: (فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم) أي: احتجب فلم يعط أحدًا، ولم يقض لأحد حاجته، فهذا يحتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة.\nيأتي الإنسان عاريًا ليس معه مال، وليس معه ثياب مثل المحتاج، فإذا بالله يمنعه ولا يجيبه ولا يرد عليه، والمعنى: أنه يصير إلى النار والعياذ بالله.\nفاتعظ معاوية بذلك فجعل رجلًا على حوائج الناس، أي: جعل من يقوم بحوائج الناس، يصل إليهم ويصلون إليه ويبلغ معاوية رضي الله ﵎ عنه.\nففيه أن الإنسان المسلم إذا كان في مكان وتولى أمور رعية سواء كانوا قليلين أو كثيرين فلابد أن يرأف بهم ويرحمهم، ويعظهم، وينصحهم ويحوطهم بشفقته، وينظر في حوائجهم، فالله ﷿ يكون في عونه طالما أنه في عون إخوانه.\nقال رسول الله ﷺ: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه).\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"52","page":6},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-622> الوالي العادل</span>\nلقد أمر الله تعالى عباده بالعدل، ووضع الميزان بين عباده ليعدلوا فيما بينهم، وقد جاءت نصوص كثيرة في ترغيب الولاة في العدل في حكمهم، وتحذيرهم من الظلم والتعسف مع الرعية، فإنهم مسئولون عما استرعاهم الله تعالى أحفظوا أم ضيعوا.","vol":"53","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-623>ما جاء في الوالي العادل</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب الوالي العادل.\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل:٩٠]، وقال تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩].\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله تعالى، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه)] متفق عليه.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب الوالي العادل].\nالوالي: هو من يتولى أمور الناس سواء كان حاكمًا أو أميرًا أو قائمًا على مجموعة من الناس يتولى أمرهم، فالإنسان الذي يتولى أمر الناس ويعدل فيهم فقد صدق ما أمر الله ﷿ به في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠].\nفأمر الله بالعدل، فكل إنسان يوليه الله ﷿ شيئًا صغر أو كبر فلا بد من العدل في ولايته، وهو يأتي يوم القيامة مغلولًا، فالعدل يفك هذا الإنسان أو يوبقه، سواء كان حاكمًا أو قاضيًا أو مسئولًا عن أناس، فيلزمه أن يعدل في حكمهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل:٩٠]، فتتعامل مع الناس بمنطلق العدالة فبدأ بها، أو بالإحسان؛ فلعله يصعب أن يحسن الإنسان مع كل الناس فعلى الأقل اعدل مع الجميع.\nفبدأ بما يقدر عليه كل إنسان وهو العدل ثم ثنى بالإحسان وهي الدرجة الأعلى والأعظم، فعليك أن تحسن مع الناس وتكسب أجر الله سبحانه، فبالإحسان إلى الناس تستجلب المحبة بينك وبينهم، ورضا الله سبحانه ﵎ فوق ذلك.\nفأمرك الله بالإحسان، وبدأ بالعدل، فتعدل في أهلك، وتعدل في مالك، وتعدل فيما ولاك الله سبحانه ﵎.\nوقال: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩] (أقسطوا) أي: اعدلوا ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، المقسط: اسم فاعل من الفعل الرباعي (أقسط)، فإذا حذفت منه همزته عُكس ما فيه من معنى، فقسط بمعنى: جار وظلم، قال الله سبحانه: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ [الجن:١٤]، أي منهم العادلون الصالحون ومنهم القاسطون، ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ﴾ [الجن:١٤ - ١٥]، فيكون جزاءهم ﴿فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن:١٥].\nفالله ﷿ أمر بالقسط أي: بالعدل، فيقسط المسلم في حكمه وفي أهله وفيما ولاه الله سبحانه ﵎، فإذا صار مقسطًا كان قريبًا من الله سبحانه، وإذا انعكس وصار قاسطًا ظالمًا كان بعيدًا عن الله يستحق العقوبة يوم القيامة.","vol":"53","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-624>شرح حديث: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)</span>\nعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)، نسأل الله ﷿ أن يجعلنا منهم، سبعة أصناف من الناس سواء من الرجال أو من النساء، لكن الإمام العادل لا بد أن يكون رجلًان فشرط في الخليفة أن يكون ذكرًا.\nقوله: (إمام عادل) هذا منصب الرجال، إمام عادل يحكم الناس بشرع رب العالمين سبحانه، ويقسط في حكمه، فهذا من أوائل من يظلهم الله في ظله.\nويوم القيامة موقف عظيم بين يدي الله سبحانه، قال الله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨].\nيقوم الناس كلهم بين يدي الله سبحانه، وتدنو الشمس من الرءوس، فإذا بالعرق يسيل من الناس في هذا اليوم الفظيع وينزل في الأرض، فمنهم من يبلغ إلى قدميه ويغطي قدميه، وهو واقف منقوع في عرقه، وإنسان آخر أفظع من ذلك عرقه يبلغ إلى ركبتيه، وإنسان ثالث عرقه يبلغ إلى حقويه، وإنسان رابع يصل إلى منكبيه، وإنسان خامس يغطي عرقه أذنيه، لم يتعب نفسه لله سبحانه ﵎ في الدنيا، ولم يخدم دين الله سبحانه، كل تعبه كان في الدنيا، يجري ويذهب ويأتي لها، كان يسيل عرقه في أمور اللهو وفي الباطل، ولم يعرق ولم يتعب في الدنيا لله سبحانه، بخلاف المؤمن الذي يفني عمره كله في طاعة الله سبحانه ﵎، كان يصلي ويذهب إلى بيت الله سبحانه في الحر أو في البرد، ويفعل الطاعات من أمر بمعروف ونهي عن منكر، ومن حضور الجنازات وعيادة المرضى، ومعاونة من يحتاجون إلى معاونة وهكذا.\nفالمؤمن ذو خلق ونفع لمن حوله، فهو يتعب نفسه ليستريح يوم القيامة، يتعب نفسه ليؤمنه الله يوم القيامة، يعرق في الدنيا حتى لا يعرق يوم القيامة ويغرق في عرقه.\nيوم القيامة تدنو الشمس من الرءوس، والشمس الآن على بعد شاسع جدًا عن الناس وضوءها يصل بعد ثمان دقائق، ويوم القيامة تكون الشمس قريبة من رءوس الناس على بعد ميل واحد، وهو ميل المسافة أو هو ميل المكحلة الذي يكتحل به، فالشمس تكون فوق رأس الإنسان يوم القيامة، فكم سيسيل من العرق من هذا الإنسان؟! والإنسان يخرج من قبره حافي القدمين لا ثياب عليه في هذا الموقف العظيم بين يدي الله سبحانه.\nوالمؤمنون ينفعهم إيمانهم وتقواهم لله سبحانه، ينفعهم أنهم بذلوا في الدنيا من العرق والدم والمال، وبذلوا من أوقاتهم لله سبحانه ﵎، فيظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، يوم لا ظل إلا ظل الله سبحانه ﵎، ظل عرشه، وظل يخلقه الله سبحانه ويجعله للعباد، وظل الله أعلم به، نقول: هذه أرض الله، هذه سماء الله، هذا ظل الله، فهو شيء يختص به الله ﷿.\nقوله: (إمام عادل) بدأ بالإمام العادل لأنه أنفع الناس للناس، فالحاكم المسلم الذي يحكم الناس بشرع الله، الذي ينفع الناس، والذي يعدل بينهم، هذا الإنسان ينتفع به الكثير من الخلق، فاستحق أن يقدم على الجميع يوم القيامة فيبدأ به.\nالثاني: (شاب نشأ في عبادة الله)، يفرح المؤمن أن الله ﷿ هداه لدينه فأقبل على طاعة الله وهو شاب صغير، وكم من الشباب يقترفون معاصي الله وقد يتوبون غدًا ولكن بعدما يتوب أحدهم وقد جاءه المشيب يندم على ما فرط، وفرق بين من نشأ في العبادة وهو صغير يعبد الله سبحانه ويحفظ كتابه ويتعلم سنة النبي ﷺ، وبين الآخر، فهو نشأ على دين الله من صغره، فاستحق هذه المكافأة يوم القيامة.\nفيجب عليك أن تنشئ ابنك على طاعة الله سبحانه ﵎ وهو صغير حتى ينفعك يوم القيامة، وأيضًا وأنت شاب تتعلم طاعة الله سبحانه ﵎، وتجتنب الهوى، وتبتعد عما يبعدك عن ربك سبحانه، وعما يبعدك عن ظل الله يوم القيامة.\nوكذلك الفتاة التي نشأت في عبادة الله سبحانه ﵎، فلها هذا الظل يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظل الله تعالى.\nقال: (ورجل قلبه معلق في المساجد)، إذا خرج منه فقلبه معلق به حتى يرجع إليه، يحب بيت الله سبحانه ﵎؛ لأنه يتقرب إلى الله بالصلاة في بيته وبالاعتكاف في بيته وبذكر الله ودعائه وقراءة القرآن وبحضور مجالس العلم، فقلبه معلق ببيت الله سبحانه ﵎، وليس متعلقًا بالمسجد لأنه سيقابل فلانًا وفلانًا، وسيحضر النادي الذي في المسجد، ويتعرف على فلان وعلى فلان؛ بل هو معلق ببيت الله لطاعة الله سبحانه، ويضن بوقته أن يضيعه في غير طاعة ربه سبحانه.\nولذلك فالمعتكف الذي يلزم المسجد داخل تحت هذا الحديث، فهو يحب بيت الله سبحانه ﵎، يعتكف ليصلي الصلوات الخمس في بيت الله سبحانه، وليطيع ربه وليقرأ القرآن ويتعلم العلم الشرعي.\nقال: (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه)، وكذلك امرأتان تحابتا في الله اجتمعتا عليه وتفرقتا عليه.\nوالحب في الله شيء عظيم، يجتمعان على طاعة الله سبحانه ﵎ ويفترقان على ذكر الله سبحانه، فالمؤمن مع أخيه المؤمن، والمرأة المؤمنة مع أختها المؤمنة يجتمعان فيذكران الله سبحانه ﵎، تسلم على أخيك وتقول له: كيف حالك؟ فيقول: الحمد لله، كان بعض الصحابة يسأل أحدهم أخاه فيقول له: كيف أنت؟ فيقول: الحمد لله، قال: لهذا أسألك، أنا أراك بخير، لكن أسألك لكي تقول: الحمد لله، فتذكر الله ﷿ فنؤجر على ذلك.\nفالمؤمن يذكر الله سبحانه مستمتعًا بذكر الله، محبًا لله سبحانه ﵎، يذكر أخاه بالله سبحانه، وأخوه يدعوه للطاعة، ويأمره بالمعروف، وينصحه في الله سبحانه، فهو محب لأخيه لذلك، وفرق بين من يحبه لذلك وبين من يحبه لدنيا، ليذهب معه في حاجة، أو ليتمشى معه، أو ييذهب معه إلى محرم، فهذا يحب لأجل الدنيا، وسرعان ما يفترقان، فالدنيا لا تجمع شمل أحد أبدًا.\nفلتكن محبتكم على دين الله ﷿، فاجتمعوا على دين الله وعلى طاعته، وتفرقوا على طاعة الله سبحانه ﵎ وإذا حدث بينك وبين أخيك شيء فراجع نفسك وليراجع نفسه، قال النبي ﷺ: (ما تحاب اثنان في الله ففرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما)، اثنان تحابا في الله وفجأة إذا بهما يختصمان! فلا بد أن هذا أذنب ذنبًا أو ذاك أذنب ذنبًا.\nأيضًا: الإنسان يحب إنسانًا في الله سبحانه ﵎، فأنت تحبه ليس لذاته وإنما في الله سبحانه، تحب الله الحب الأعظم في قلبك، وإذا مات هذا الإنسان فإن الله حي لا يموت سبحانه ﵎، فحبه في قلبك لا يفارق قلبك، ولذلك المؤمن يحب ربه ويستغني بربه سبحانه ويستأنس بذكره سبحانه ﵎، ويحب أخاه في الله ولله سبحانه ﵎.\nأيضًا: الحب له غاية وله كيفية، يقول النبي ﷺ: (أحبب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما)، فالحب في الله ﷿ له حدود، فيحب أخاه ولا يشغله فيقعد معه يومًا كاملًا لأنه يحبه! لا يعطله عما يحتاج إليه من أمر معاشه وأمر حياته وأمر دينه، ولكن يحبه لأنه يعينه على طاعة الله سبحانه ﵎، وإذا أبغضت إنسانًا فلا تبالغ في الكراهية، أبغض عمله الذي هو عليه، فقد يكون سارقًا، وقد يكون زانيًا، وقد يكون عاصيًا لله سبحانه بأي صورة من صور المعاصي، فتبغض هذا العمل، ولكن لا تجعل البغضاء حاجزًا بينك وبينه فلا تستطيع أن تدعوه إلى الله سبحانه، ولعله يتوب ويبقى في نفسه شيء منك لأجل البغضاء التي كانت بينك وبينه يومًا ما.\nفالحديث يقول لك: إذا أحببت فلا تفرط، وإذا أبغضت فلا تفرط (أحبب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما).\nقال ﷺ في هذا الحديث: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله)، رجل دعته امرأة إلى المعصية، إلى فراشها، إلى الوقوع في الفاحشة؛ فإذا به يخاف الله سبحانه، وأي امرأة هذه المرأة؟ ليست امرأة قبيحة، ولا امرأة عجوزًا شمطاء، بل هي امرأة ذات منصب، فهي تستطيع أن تضره أو تنفعه بحسب ما ينظر الناس، وهي شديدة الجمال، ففي يدها الترغيب والترهيب، التخويف والتحبب إليه، فهذا الإنسان لم يخف منها؛ لأنه يخاف الله سبحانه ﵎، ولم يرغب فيها لأن قلبه معلق بما عند الله، فعند الله الحور العين وجنات عدن، فقلبه معلق بالآخرة، وبالخوف من الله، وبالرجاء في الله، (ولذلك قال: إني أخاف الله)، لا أخاف منك، ولا أرجو منك شيئًا، إنما أخاف الله؛ فاستحق أن يكون يوم القيامة ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.\n(ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)، هذا رجل آخر تصدق بصدقة فأخرج المال وانتظر حتى جاء الليل وقل الناس وذهب للفقير فأعطاه، حتى إن الفقير لعله لا يعرف من الذي أعطاه هذه الصدقة فأخفى الصدقة، ومن شدة إخفائه لها يكاد يخفيها عن نفسه، فهو من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.\nوالمؤمن ينفق ولا يستكثر ما ينفقه، فالنبي ﷺ أدبه ربه وقال له سبحانه: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر:٦] لا تعطي المال مستكثرًا هذا المال، فنهاه ربه سبحانه عن استكثار المال، فلا تنظر إلى أنك أعطيت الكثير، حتى وإن أعطيت مالًا كثيرًا فالمال مال الله سبحانه، ومهما أعطيت فهو قليل من مال الله سبحانه.\nوالمعنى الآخر: لا تستكثر من أموال الناس بالعطية، لا تمنح مالًا وتنتظر ثوابًا على هذا المال، وتريد أن يعطوك من أموالهم، فأنفق لله سبحانه ولا تنتظر مردودًا من أحد عليك فيما أنفقت.\nقال: (ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه)، ورجل -وكذلك امرأة- كان في مكان وحده لا أحد معه، لعل الإنسان أمام الناس قد يبدو خشوعًا من الله سبحانه ومتأثرًا بالموقف الذي هو فيه، وهذا حسن، ولكن الأحسن منه أن يبكي الإنسان فيما بينه وبين الله سبحانه ﵎، يقوم الليل","vol":"53","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-625>شرح حديث: (إن المقسطين عند الله على منابر من نور)</span>\nروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن المقسطين عند الله على منابر من نور، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا) (إن المقسطين) أي: أهل العدالة الذين يعدلون، والمسلم يعدل مع من يحب ومع من يبغض، يعدل مع صديقه، ويعدل مع عدوه، يقول الله سبحانه ﵎ للمؤمنين: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة:٢]، أي: لا يدفعنكم بغضكم لهؤلاء الكفار إلى عدم العدل، فاعدل مع كل الناس، كن عدلًا مع أقربائك ومع الغرباء عنك، مع أصدقائك ومع أعدائك، اعدل كما أمر الله سبحانه ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء:١٣٥] لم يقل: كونوا قائمين، بل قال: (كونوا قوامين) أشد القيام وأعظم القيام أن تقوم في دين الله سبحانه، وتقوم لأمر الله، وتكون قائمًا بالقسط تعدل بين الناس، ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ﴾ [النساء:١٣٥]، إذا طلبت منكم الشهادة فاشهدوا بالحق حتى ولو كانت هذه الشهادة تضركم أنتم، ﴿وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾، فتشهد بالعدل ليأخذ كل ذي حق حقه، ولا تقل: لو شهدت بالحق سيضيع هذا المال الذي عند أبي أو عند أمي وهو مال غصب أو مال سرقة، فاشهد بالحق ليرجع المال إلى صاحبه، ويكون لك الأجر عند الله.\nولا تقل: فلان هذا مسكين فقير، لو شهدت عليه فستضرر، الله ﷿ يقول لك: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ فالإنسان قد يحجم عن الشهادة ويقول: فلان غني، ويمكن بماله أن يضرني بعد هذا! أو يقول: فلان هذا فقير سيضيع بشهادتي عليه، ويصعب علي أن أشهد عليه، فمن أولى بهذه الرحمة أنت أم الله سبحانه ﵎؟ الله يقول: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾، فأنت مأمور بطاعة الله سبحانه، فتشهد بالقسط وبالعدل والله أولى بهؤلاء وسيعاملهم سبحانه بما يريد.\nقال تعالى: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء:١٣٥]، فاحذر أن تتبع هواك فتترك العدل، ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ [النساء:١٣٥]، ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾، أن يلوي الإنسان جانبه، ويبتعد عن دين الله سبحانه فالله خبير بما تصنع وتفعله، ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾، إن تلووا هذه الشهادة أو تعرضوا عنها فالله أولى بذلك سبحانه وهو خبير ويعلم ذلك سبحانه.\nقال ﵊: (المقسطون عند الله على منابر) المنابر هي الكراسي العالية، فيجعل الله ﷿ له منبرًا يوم القيامة يجلس عليه، وهذا الكرسي من نور، فما صفاتهم؟ قال: (الذين يعدلون في حكمهم)، الولاة والأمراء والحكام الذين يحكمون فيعدلون بين الناس في حكمهم، لكن هل كل الناس حكام؟ لا، ولذلك قال: (الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم) رجل يعدل مع أولاده وبناته، فيعطي هذا ويعطي هذا، لا يميز البعض على الآخر، يعدل مع أولاده ومع أهله، يتزوج أكثر من واحدة فيعدل مع هذه وهذه، هذه لها ليلتها، وهذه لها ليلتها، يعدل مع أبيه ومع أمه، فيظهر المحبة لهذا ولهذا، ولا يميز بينهما فيغضبهما فيكون ذلك من العقوق، فهو يعدل مع أهله، ويعدل في حكمه، يعدل في ولايته، وفي كل ما تولى عليه فهو يعدل فيه.","vol":"53","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-626>شرح حديث: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم)</span>\nعن عوف بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنوهم ويلعنوكم) أي: خيار حكامكم، فأفضل الحكام الذين يحبهم الشعب ويدعو لهم، (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم)، فهنا المحبة متبادلة، فهم يحبون الناس، والله ﷿ يجعل الناس يحبونهم، وإذا كانوا يبغضونهم فالله يجعل البغضاء في قلوب الناس فيبغضونهم.\nقال: (وتصلون عليهم ويصلون عليكم) أي: تدعون لهم ويدعون لكم، وهذا سواء كان حاكمًا كبيرًا أو حاكمًا صغيرًا، الحاكم الذي يحكم الناس فيعدل يحبه الناس، والذي يحكم ولا يعدل يبغضه الناس، فالخيار في الدنيا هم الذين يعدلون فيحبهم الناس ويحبون الناس.\n(وتصلون عليهم) أي: تدعون لهم بالرحمة، (ويصلون عليكم أي: يدعون لكم، فهؤلاء خيار أئمتكم).\nوشرار الحكام هم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، فالناس يكرهونهم يكرهون الناس (وتلعنونهم ويلعنونكم) أي: تدعون عليهم ويدعون عليكم.\nقال: (قلنا: يا رسول الله! أفلا ننابذهم؟)، إذا كان الحكام بهذه الصورة يبغضوننا ونبغضهم ويلعنوننا ونلعنهم، فلماذا نتركهم؟ قال: (لا، ما أقاموا فيكم الصلاة) أي: إذا كانوا يقيمون الصلاة فلا تنابذوهم بالسيف، وكأن مصلحة وجودهم فوق المفسدة التي ينبني عليها ظلمهم، فيحصل اختلاف بين المسلمين، وقد يكون المسلمون أقوى وقد يكونون ضعفاء، فعندما يتحاربون معهم يسقط القتلى من المسلمين ويضيق على باقي المسلمين، ولم يكسبوا شيئًا، فإذا صبروا على أمر الله سبحانه كان لهم الأجر من الله، وخمدت الفتنة قال، ولهذا: (لا، ما أقاموا فيكم الصلاة)، وفي حديث آخر قال: (ما صلوا).","vol":"53","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-627>شرح حديث: (أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط)</span>\nعن عياض بن حمار ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط موفق)، ليس المعنى أن هؤلاء فقط أهل الجنة، ولكن من أهل الجنة هؤلاء الثلاثة، أو أن هؤلاء من السابقين إلى الجنة الذين يستحقونها (ذو سلطان مقسط موفق) أي: حاكم مقسط يحكم بين الناس بالعدل، وهذا توفيق من الله سبحانه ﵎، فالإنسان لا ينسى فضل الله ﷿ عليه أنه هو الذي يلهمه الصواب ويوفقه للحكم بالعدل بين الناس، قال: (ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم)، قد يكون الإنسان رحيمًا ورقيق القلب على أولاده فقط، وعلى بقية الناس يكون قاسي القلب متحجرًا، لكن هذا قلبه رحيم بالناس جميعًا إلا أن يكون مع الكفار، فالله ﷿ ذكر من صفات المؤمنين: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤]، ففيهم الرحمة للمؤمنين، وفيهم القوة على الكافرين، فمن أهل الجنة من فيه رحمة وهو رقيق القلب يعني: قلبه يتأثر بسرعة، يرى إنسانًا مسكينًا ضعيفًا محتاجًا فيتأثر سريعًا ويقوم لخدمته أو لإعطائه، فقلبه رقيق عكس صحاب القلب الصلب الجامد.\nقال: (لكل ذي قربى ومسلم) فبدأ بالأقربين؛ لأنه يبعد جدًا أن تكون رقيق القلب بالأبعدين وأنت قاسي القلب على الأقربين، فلا يوجد إنسان يشتم أباه وأمه ويكون رحيمًا رقيقًا مع الجيران ومع الغرباء، هذا بعيد، والمؤمن رقيق ورحيم مع الجميع، فإنه (رجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم).\nقال: (وعفيف متعفف ذو عيال)، إنسان عفيف لا يأخذ أموال الناس، ولا يمد يده إلى الناس، متعفف، ويستشعر في نفسه الغنى وإن كان فقيرًا، وإن كانت حاجته كبيرة ولكن في قلبه الغنى، ربى نفسه على العفة، وعدم التطلع إلى الغير، فهو ليس محتاجًا إلى أحد، فإن الغنى غنى القلب، أغنى الله قلبه فهو متعفف، أي: مظهر لهذا الوصف من نفسه، فهو متعفف لا ينظر إلى مال أحد أبدًا، ولا يطلب مال أحد.\nنسأل الله ﷿ أن يجعلنا من أهل الجنة، وأن يظلنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"53","page":6},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-628> وجوب طاعة ولاة الأمر في غير معصية وتحريم طاعتهم في المعصية</span>\nلقد أمر الله تعالى بطاعة ولاة الأمر في غير معصية، وفي ذلك صلاح للمجتمع عظيم، وخير للمسلمين كبير، وفي معصية ولاة الأمور أو طاعتهم في المعصية، فساد كبير، وشر مستطير.","vol":"54","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-629>وجوب طاعة ولاة الأمور في غير معصية</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب وجوب طاعة ولاة الأمور في غير معصية وتحريم طاعتهم في المعصية.\nقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩].\nوعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) متفق عليه.\nوعن ابن عمر ﵄ قال: (كنا إذا بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة يقول لنا: فيما استطعتم) متفق عليه.\nوعنه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) رواه مسلم.\nوعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة) رواه البخاري].\nهذا باب من كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي وجوب طاعة ولاة الأمور في غير معصية وتحريم طاعتهم في المعصية.\nالمسلم يطيع الله سبحانه ﵎، ويطيع الرسول صلوات الله وسلامه عليه، ويطيع من ولاه الله ﷿ عليه، وهذا من حكمة شرع رب العالمين سبحانه، فيسمع ويطيع كما أمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩].\nفولاة أمور المسلمين لهم السمع والطاعة ما حكموا بكتاب الله ﷿ وبسنة النبي ﷺ حتى ولو وقعوا في المعاصي، فالدين ينظر إلى مصلحة جماعة، ولا ينظر إلى مصلحة الأفراد واحدًا واحدًا بغض النظر عن مصلحة الجميع، بل النظرة لجميع المسلمين، ولو أن المسلمين مع ولاة أمورهم كلما حدثت معصية من ولاة الأمر قاموا بالإنكار والخروج عليهم بالسيف فلن تستقر بلاد المسلمين أبدًا، وستكون دائمًا في حروب؛ ولذلك الصحابة سألوا النبي ﷺ عن ذلك فقالوا: (أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة)، وفي رواية قال: (ما صلوا) أي: طالما أنهم يصلون ويقيمون الصلاة ويأمرون بها، ويؤذن للصلاة في البلاد، ولم تروا منهم كفرًا بواحًا يخرجهم عن دين الله ﷿؛ فلا تنابذوهم بالسيف، والمنابذة بالسيف فيها مصلحة، وتركها فيها مصلحة، والنبي ﷺ يقول: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، وهذا إذا وجد المنكر مع آحاد الناس، أما مع ولي الأمر فالنبي ﷺ يحذر أن يخرج عليهم بالسيف.\nفولاة الأمور في كل زمان لهم من يتابعهم، فمعهم جيشهم، ومعهم قوتهم وسلاحهم، والذي يخرج عليهم وينابذهم بالسيف على شيء قد يكون يسيرًا سوف يقتل الكثيرون من المسلمين على شيء قد يكون صغيرة وليس كبيرة.\nفنظر الإسلام إلى أن مصلحة حقن الدماء أولى من أن تأمر بالمعروف فيقتتل الناس ويترتب على ذلك مفسدة عظيمة، ولذلك لما قالوا: (أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة)، ولما أخبرهم عن ولاة الأمور الظلمة، وقال: (ويضربون أبشاركم، ويأخذون أموكم، قالوا: أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: لا).\nفالنبي ﷺ نظر إلى مصلحة حقن دماء المسلمين، حتى ولو ظلم البعض وضرب البعض، ولكن إذا خرج الجميع عليهم فسيحدث بين المسلمين اقتتال، وسيقتل الكثيرون، وفي خلال ذلك يدخل أعداء الإسلام إلى دار الإسلام فيتحكمون فيهم، فيكون المسلمون هم الذين ضيعوا أنفسهم بذلك، وقد جاء في صفة الإنكار على ولاة الأمور أنك تنكر بالمعروف، ولا تهن سلطان الله في الأرض، كما سيأتي في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي وغيره أن النبي ﷺ قال: (من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله).\nإذًا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع آحاد الناس يكون على ما ذكر النبي ﷺ، فإذا كان مع ولاة الأمور فتنصح وتسمع وتطيع إلا أن ترى كفرًا بواحًا عندك فيه من الله سلطان، ففي هذه الحالة تأمر وتنهى وتغير كما أمر الله سبحانه ﵎.","vol":"54","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-630>السمع والطاعة لولاة الأمور بالمعروف</span>\nقال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩].\n(أولي الأمر منكم) أي: من المسلمين، حكام المسلمين الذين يحكمونهم بشرع الله سبحانه حتى وإن كانوا عصاة.\nعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (على المرء المسلم السمع والطاعة) أي: تلزمه طاعته طالما أنه في دار إسلام، وأنه تولى عليه من يقيم الصلاة ومن يحكمه بشرع الله ﷿ سواء كان برًا أو فاجرًا؛ فعليه أن يسمع وأن يطيع في المعروف، كما قال النبي ﵊: (إنما الطاعة في المعروف)، وقال: (على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية).\nإذًا: إذا أمر ولي أمر المسلمين بمعصية فلا سمع له ولا طاعة، فالمسلم يسمع لكتاب الله، ولسنة رسول الله ﷺ، وإذا أمر بالخير أطاع ونفذ، وإذا أمر بالكفر وبالخروج عن دينه، وبالمعاصي فلا سمع ولا طاعة لأحد.\nوعن ابن عمر ﵄ قال: (كنا إذا بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة يقول لنا: فيما استطعتم).\nانظر إلى رحمة النبي ﷺ بالمؤمنين، هم يبايعونه وهو يأمرهم بطاعة الله ﷿، يقولون: بايعناك على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، فيقول لهم: قولوا: فيما استطعنا، يعني: بقيد الاستطاعة، فقد يقدر الإنسان على أشياء فتلزمه، وقد تستحيل عليه، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فكان يعلمهم أن يقولوا: فيما استطعنا.","vol":"54","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-631>شرح حديث: (من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له)</span>\nعن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية).\nقوله: (من خلع يدًا من طاعة) هذا في ديار الإسلام، إذا كان الحكام مسلمين يحكمون المسلمين بشرع رب العالمين سبحانه، وسواء كان هؤلاء الحكام مطيعين أو عصاة وتولوا الأمر على المسلمين، فإذا حكموهم بكتاب الله ﷿ وبسنة النبي ﷺ فالواجب على المسلم السمع والطاعة، فإذا خلع اليد من الطاعة، وخرج على الحاكم الذي يحكم الناس بالمعروف، ويقول: أنا أولى بالخلافة من هذا، أنا أولى بالإمارة، ويخرج ومعه جيش، ثم كل إنسان يرى أنه أفضل من غيره، وأنه يستحق أن يملك الحكم دون غيره، ويقتتل المسلمون بعضهم مع بعض، ويتحكم أعداء المسلمين في المسلمين، فكلما تنازع المسلمون وجاءت الفتن من داخلهم قوي أمر أعدائهم، وزادت شوكتهم على المسلمين؛ فلذلك يحذر النبي ﷺ المسلمين من المناوشات فيما بينهم بسبب الطمع على الدنيا حتى وإن غلفوا ذلك بثوب الدين، وقالوا: نحن أفضل من هذا، ونحن لو نشكل حكومة سنعمل كذا، ونعمل كذا، ونكون أفضل من هذا، وما يدريك أن الله ﷿ يفتنك إذا كنت على هذا الأمر؟! فطالما أن الحاكم الموجود يحكمك بالمعروف بشرع الله ﷿ بدين رب العالمين، فليس لك أن تخرج عليه حتى وإن ظلمك، فإذا خرج الإنسان عليه وقال: لا طاعة، وكل إنسان قال: لا أسمع ولا أطيع، ويأتي الكفار إلى بلاد المسلمين فيقول للناس: اخرجوا جاهدوا! فيقول هذا: لا أجاهد معه، والآخر يقول: لا أجاهد معه، والثالث يقول: لا أجاهد معه، فلا يكون هناك جيش للمسلمين، فيدخل الكفار ديار المسلمين، وينتهكون حرمات المسلمين، ويأخذونهم عبيدًا وأسرى عندهم، وينتهكون نساء المسلمين، وتضيع ديار المسلمين، وهذا بسبب هذا التفكير القاصر، وقوله: أنا الذي أصلح للخلافة، ولن أسمع ولن أطيع لهذا، فتضيع البلاد.\nفالنبي ﷺ يأمر المسلمين أن يكونوا جماعة، والإنسان الذي يخرج عن ذلك فكأنه خلع ربقة الإسلام من عنقه، خلع حبل الإسلام الذي يأمره أن يكون مع المسلمين، قال ﵊: (من مات وليس في عنقه بيعة)، أي: في دار الإسلام، ووجود من يحكم المسلمين بكتاب الله وسنة النبي ﷺ، برًا كان أو عاصيًا، فبره ينفع نفسه وينفع الناس، وعصيانه على نفسه، وإذا أمر بالمعصية فلا سمع ولا طاعة في المعصية، وإذا أمر بالمعروف فله السمع والطاعة، لكن لا يفترق المسلمون، ولا يطلب كل منهم لنفسه رياسة أو حكمًا، فإن من يطلب ذلك لا يعينه الله ﷿ عليه، يقول: (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) أي: كميتة أهل الجاهلية.","vol":"54","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-632>التحذير من مفارقة الجماعة والخروج عن الطاعة</span>\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عميّة يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلة جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفِي لذي عهد في عهده؛ فليس مني ولست منه).\nيقول الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث وما في معناه: أي كموت أهل الجاهلية، وليس معناه أنه كافر، ولكن مات كما يموت أهل الجاهلية، كل منهم يكون وحده لا إمام له، ولا له جماعة ينتمي إليها؛ لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك فيموتون على الضلال، وليس المراد أنه يموت كافرًا، بل يموت عاصيًا، ويحتمل أن يكون التشبيه على ظاهره، ومعناه: أنه يموت مثل موت الجاهلي، وإن لم يكن هو جاهليًا.\nوفي الحديث قال ﷺ: (من فارق الجماعة شبرًا فكأنما خلع ربقة الإسلام من عنقه)، ذكر الحافظ ابن حجر عن ابن بطال قال: في الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء، وحجة جمهور العلماء هذا الخبر، بل أجمع الفقهاء على ذلك، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح، الكفر الذي لا تأويل له، بحيث يحكم عليه أنه كفر وخرج من الملة، فلا تجوز له الطاعة، ويخلعه أهل الحل والعقد، ويقاتلونه إن أصر على ذلك.\nففي هذا الحديث أن على المسلمين أن يجتمعوا وألا يفترقوا، وألا يكونوا شيعًا كل حزب بما لديهم فرحون، بل يجتمع الجميع، ويكون للدولة جيش يحمي هذه البلدة، ويجب على المسلمين أن يتعاونوا على البر والتقوى ما استطاعوا، ويتناهوا عن المعاصي ما استطاعوا، طالما أنهم يحكمون بشرع الله ﷿، فإذا قال لهم حكامهم: لا نحكم بشرع الله، ولا نريد شرع الله، وسنحكم بغير ما أنزل الله، ففي هذه الحالة لا سمع ولا طاعة في مثل هذا، إنما السمع والطاعة في المعروف، فيما إذا أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، فيما إذا تمسكوا بكتاب الله ﷿، والتمسك بكتاب الله ﷿ فيه العصمة للجميع حكامًا ومحكومين، فإذا خرجوا عن ذلك فلا سمع ولا طاعة.\nجاء عن ابن عباس ﵁ في تفسير قول الله سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥]، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧] قال: نزلت في اليهود، يقصد أنها فيهم، وأيضًا فيمن كانوا مثلهم، فمن ألغى حكم الله ﷿، وقال: أنا أحكم بغير شرع الله لأنه أفضل من حكم الله سبحانه، فهو كافر، لكن لو أن إنسانًا عرف حكم الله ﷿ في شيء فلم يحكم به، مع إقراره أن هذا حكم الله سبحانه، ثم قال: لا أقدر أن أحكم به، وأخاف إن حكمت به أن يحدث كذا وكذا، وأنا مقر ومؤمن به، فهذا ليس كفرًا أكبر مخرجًا لصاحبه من الملة، إنما الكفر المخرج لصاحبه من الملة أن يستبدل دين الإسلام بغيره، وأن يقول: شرع غير الله أفضل من شرع الله، أو يقول: يسعني أن أحكم بغير شرع الله سبحانه ﵎، أما من يقر بذلك كله ثم يعصي، فهذا عاص، لقول ابن عباس: كفر، وهي دون كفر، وهي في مثل حالة المقر بشرع الله ﷿ الذي يقيمه أحيانًا، ويترك أحيانًا، ولكن لا يتركه بالكلية، فإن رماه وراء ظهره محتقرًا له مستهينًا به، مفضلًا غير شرع الله ﷿ عليه، فهذا هو الكفر الصريح.","vol":"54","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-633>شرح حديث: (وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها)</span>\nعن عبد الله بن عمرو قال: (كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فنزلنا منزلًا، فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جشره)، يعني: كان الصحابة مع النبي ﷺ فنزلوا في مكان، فبعضهم كان ينتضل أي: يرمي بالنبل، وبعضهم في جشره، أي: يرعى دوابه، قال: (إذ نادى منادي رسول الله ﷺ: الصلاة جامعة، فقال ﷺ: إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم)، ففيه نصيحة الأنبياء لمن أرسلوا إليهم، فيدلونهم على خير ما يعملونه، وينذرونهم من شر ما يعلمونه.\nقال: (وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها) أي: في عهد الصحابة رضوان الله ﵎ عليهم.\nقال ﷺ: (وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتن يرقق بعضها بعضًا) أي: يأتي على الناس فتن، (يرقق بعضها بعضًا) فيأتي بلاء على الناس فيقولون: هذه مصيبة ما حصل مثلها أبدًا، ثم تذهب وتأتي بعدها مصيبة أشد منها فيقال: المصيبة الأولى يسيرة بجانب هذه، وهذه التي جاءت أشد وأشد وهكذا، فيقول ﷺ: (يرقق بعضها بعضًا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي ثم تنكشف، وتجئ الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)، يدلنا صلوات الله وسلامه عليه على الخير، فالذي يحب أن يموت على الخير، ويحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فليأته الموت وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ويحصل أصول الإيمان، (وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)، فما تحبه من الناس فافعله بهم، فأنت تحب من الناس أن يكونوا مخلصين معك فكن مخلصًا معهم، وتحب منهم أن يحبوك فأحبهم، وتحب منهم ألا يغدروا بك وألا يضايقوك فابدأ أنت بذلك فلا تغدر بهم ولا تضايق أحدًا ولا تؤذ أحدًا، فإذا أتتك منيتك وأنت كذلك فأنت من أهل الجنة.\nيقول ﷺ: (ومن بايع إمامًا -أي: حاكمًا من حكام المسلمين- فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع)، طالما أنه يستطيع الطاعة في المعروف فليطعه، حتى إذا كان حاكم هذه الدولة المسلمة يظلم ويفجر ويقع في المعاصي، ولكنه مسلم، يحكم المسلمين بكتاب الله سبحانه ﵎ وسنة النبي ﷺ، فإذا جاء إنسان وقال: أنا خير منه، وأنا أفضل، وأنا أحكم بكل كتاب الله وبكل سنة النبي ﷺ، وأنا أفعل وأفعل ونحو هذا الكلام، وكل إنسان لا يعجز عن الكلام أن يقوله، لكن إذا صار هو السلطان فلعله ينسى هذا كله، وكم من إنسان كان من العباد ومن العلماء، فلما عرضت عليه الوزارة وعرضت عليه الرياسة إذا به يطلق هذا ويتركه! ذكر الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء أن رجلًا اسمه ابن الزيات كان عالمًا من العلماء، وكان يستفتيه الناس، وكان وكان، ثم عرضت عليه الوزارة في الدولة التي هو فيها، فلما جاءته الوزارة أخذ كتاب الله فطواه، وقال: هذا فراق بيني وبينك! فأي إنسان يقول: أنا أحسن، أنا أفضل، أنا أعمل، لا تصدقه حتى تراه في هذا المكان، وترى ما الذي سيصنعه، فعندما تراه في هذا المكان فبعد ذلك ثق أو لا تثق؛ لذلك لا تخرج على حاكم موجود بزعم أنك أفضل منه، يقول النبي ﷺ في هذا الحديث: (من بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر)، اضربوا عنق الآخر حتى لو كان أحسن من الأول؛ لأنه لن يصل إلى الحكم إلا بقتال بين المسلمين، ولذلك كان سيدنا الحسن بن علي ﵁ غاية في الذكاء وغاية في التقوى رضي الله ﵎ عنه، فلما تولى الخلافة ومعه جيش عظيم جدًا، وخرج أهل الشام مع معاوية ومعه جيش عظيم جدًا، قال الحسن بن علي: إذا تقاتلنا سيسقط قتلى كثيرون، وإذا انتصرنا وقد خسرنا هؤلاء القتلى جميعهم فما الذي نكسبه من هذا النصر؟! فكان رأيه أن مال إلى الصلح، فوصفه النبي ﷺ بالسيادة وقال: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين)، فتنازل عن الملك رضي الله ﵎ عنه لـ معاوية بن أبي سفيان رضي الله ﵎ عن الجميع، وفضل الدار الآخرة على هذه الدنيا، فانظر إلى حكمته ورحمته بالمسلمين تطبيقًا لما قاله النبي ﷺ.\nفهنا النبي ﷺ يقول: (فاضربوا عنق الآخر)، فلأن يقتل واحد أفضل من قتل جموع من المسلمين، وكأنه يحذر من تسول له نفسه بطلب الإمارة ومنازعة الأمر أهله إلا إذا رأى كفرًا يعلم كل ذي عينين أن هذا كفر لا تأويل فيه، فإذا كان كذلك فمن حق أهل الحل والعقد أن يبايعوا إنسانًا آخر، ويلغوا بيعة الأول الذي هجر كتاب الله وسنة النبي ﷺ، والله أعلم.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصلّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"54","page":6},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-634> النهي عن سؤال الإمارة</span>\nالإمارة أمانة، وهي أيضًا خزي وندامة، ولذلك فلا يتولاها إلا من كان قادرًا عليها قائمًا بشئونها قويًا فيها، ومن طلبها فلا يعطاها، وإن أعطيها لم يعنه الله عليها، ومن جاءته من غير طلب أعانه الله عليها، ولذلك نهى النبي ﷺ أصحابه عن سؤال الإمارة.","vol":"55","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-635>النهي عن سؤال الإمارة</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب النهي عن سؤال الإمارة، واختيار ترك الولايات إذا لم يتعين عليه أو تدع حاجة إليه.\nقال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]، وعن أبي سعيد عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: (يا عبد الرحمن بن سمرة! لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك)، متفق عليه.\nوعن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: (يا أبا ذر! إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمَّرنَّ على اثنين ولا تولَّين مال يتيم) رواه مسلم.\nوعنه قال: قلت: (يا رسول الله! ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكبي، ثم قال: يا أبا ذر! إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها)]، رواه مسلم.\nهذا باب آخر من كتاب رياض الصالحين، يذكر فيه الإمام النووي ﵀ النهي عن سؤال الإمارة، أي: أن المسلم لا يطلب أن يكون أميرًا.\nويذكر لنا النبي ﷺ العلة من ذلك فيقول: لا تطلب الرياسة، ولا تطلب الإمارة، فإذا أتتك فخير تعان عليها، وإذا لم تأتك لم تكن قد طمعت في شيء لم تصبه، ولعلك تطمع فيه وتصيبه ولا تعان عليه.","vol":"55","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-636>الفائزون بالجنة هم الذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا</span>\nقال الله ﷿: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣].\nفالجنة في الدار الآخرة يجعلها الله ﷾ للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا، لا يريدون أن يعلوا، لا يريدون أن يفسدوا، بل يريدون أن يتواضعوا، ومن تواضع لله رفعه الله، وأبى الله أن يرفع شيئًا إلا وضعه، والتواضع من الضعف، فإن كان يجعل نفسه قليلًا شأنه، فيتواضع ويحقر من شأن نفسه، فقد عرف قدر نفسه، فهو عند الله ﷿ له منزلة عظيمة، ويرفعه الله سبحانه.\nفالإنسان الذي يرى نفسه عظيمًا ويرى أنه يستحق أن يعظم، يأبى الله إلا أن يضعه، فمهما ترفع على الخلق احتقره الخلق، حتى وإن أظهروا له المحبة، وإن أظهروا أنهم يشرفونه ويرفعونه، ولكن يأبى الله إلا أن يحقره، ويجعله حقيرًا عند الخلق، فأبى الله أن يرفع شيئًا إلا وضعه.\nوحديث النبي ﷺ في هذا المعنى معلوم، وذلك لما كانت العضباء وهي ناقة النبي ﷺ سريعة جدًا، ففي يوم من الأيام جاء أعرابي على قعود، أي: راكب على جمل فسابق العضباء فسبقها، فحزن أصحاب النبي ﷺ على ذلك، فقال النبي ﷺ لهم: (أبى الله أن يرفع شيئًا إلا وضعه).\nفالنبي ﷺ يطمئنهم بذلك، ويطيب خاطرهم، ويخبرهم أن الله أن يرفع شيئًا من الأشياء إلا وضعه الله ﷾، والإنسان في الدنيا لا يزال يرتفع ويرتفع ويرتفع إلى حد معين، فينخفض بعد ذلك في هذا الحد إلى أن يرجع إلى أصله مرة ثانية، فيأبى الله أن يرفع شيئًا ويدوم له الارتفاع، فالله وحده له الكمال سبحانه، والله هو الخافض الرافع ﷾، يخفض ما يشاء، ويرفع ما يشاء.\nفقوله ﷺ: (أبى الله أن يرفع شيئًا إلا وضعه)، يعلم المسلمين أن يتواضعوا، وأنك مهما ارتفعت فلا تفرح بارتفاعك، ولا تفرح بغرور الدنيا، فالإنسان يفرح بشبابه، ويفرح بقوته، ويفرح بماله، فيأتي عليه زمان يفقد فيه المال، ويفقد فيه شبابه، وينتقل إلى الهرم والشيخوخة، ويأتي عليه زمان يفقد فيه قوته وهكذا.\nفلا تفرح بشيء تبخترًا، فلابد أن تستمع إلى النصح وإلى الحق من غيرك، ولا تظن أنك في غنى عن الناس؛ فإن الله يأبى أن يرفع شيئًا إلا ويضعه.","vol":"55","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-637>ذكر ما جاء من إعجاب قارون بماله وغناه وإهلاك الله له</span>\nقال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا﴾ [القصص:٨٣]، هذا بعدما ذكر لنا كيف صنع بقارون، وكيف تعالى قارون على قومه.\nفقد كان قارون من بني إسرائيل، وكان الأحرى بهذا الإنسان أن يأتسي بموسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهو يعرف أنه نبي الله ﵊؛ ولكن لاختلاط قارون بفرعون، ولكثرة أموال قارون أعجب بنفسه، فوافق فرعون في شغله بملكه، وهامان شغلته وزارته، وقارون شغله ماله، وكل منهم أرانا الله ﷾ فيهم الآيات.\nفهذا فرعون أهلكه الله وأغرقه وهو يظن أنه يدرك موسى ومن معه ويأتي به، فإذا بالله ﷿ يملي له، ثم يهلكه.\nوهذا موسى الذي كان مستضعفًا، وكان قومه مستضعفين، فآمنوا بالله سبحانه، فإذا بالله يمكن لهم في الأرض، ويجعلهم الوارثين ويفعل الله ما يشاء.\nفقد كان قارون من قوم موسى فبغى عليهم، وآتاه الله من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، فنصحه قومه، وقالوا له: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص:٧٦]، فأبى إلا أن يكون مثل فرعون، ففرعون له ملكه وماله، فأراد أن يقلد فرعون فيما هو فيه، ولا يستمع لموسى ولا لنصحه، ولا ينظر إلى بني جلدته من بني إسرائيل، أنهم قوم مستضعفون فآمنوا مع رسول الله ﵊، وحاول أن يعلو ظنًا منه أنه أحسن منهم.\nخرج قارون على قومه في زينته مفتخرًا يريهم أمواله، ويريهم حلله، ويريهم قوته وشبابه وجماله، فإذا بالله يأمر الأرض فأخذته هو ومن معه، فضاع الرجل وضاع ماله، قال تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص:٨١]، وعقب ذلك ربنا سبحانه بقوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ﴾ [القصص:٨٣]، أي: هذه الجنة العظيمة ﴿نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]، فالذي يتقي الله له العاقبة الحسنة، والذي يكفر بالله سبحانه له ما رأينا من آيات الله ﷾ فيه في الدنيا، ثم النار في الآخرة.","vol":"55","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-638>شرح حديث: (يا عبد الرحمن بن سمرة! لا تسأل الإمارة)</span>\nعن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: (يا عبد الرحمن بن سمرة! لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها)، أي: لا تطلب أن تكون أميرًا على مجموعة صغيرة، أو أميرًا على بلد صغير أو كبير، لا تطلب أن تكون أميرًا، فإذا أُمَّرت فإن الله سبحانه سيعينك، فلا تطلب شيئًا لعلك لا تكون أهلًا له، أو لعله يكون فتنة لك، قال: (لا تطلب الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن غير مسألة، أعنت عليها)، يعلمنا النبي ﷺ أن طالب الشيء قد لا يعان عليه، وهنا يقول الإمام النووي يقول في أول الباب: إذا لم يتعين عليك، إذًا: هناك فرق بين إن تعين عليك، وإن لم يتعين عليك ذلك، وتعين هنا بمعنى: صار فرض عين عليه، أي: لا يصلح لها إلا هو، إذًا: في هذه الحالة هو معذور أن يقول: أنا أصلح لها، ولكن إذا وجد غيره يقوم بهذا الأمر، فلا يطلبه وليتركه لله ﷾.\nقال: أو تدع حاجة إليه، أي: إذا دعت الحاجة إلى ذلك، والناس لم يجدوا إلا هذا، فهو معذور في هذا الشيء، وهنا قال ﷺ: (إنك إن أعطيتها -أي: الإمارة فكنت أميرًا على الناس- عن غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها)، وطالب الإمارة العادة أنه لا يعان عليها، ولهذا قال: (وكلت إليها) أي: تركت ونفسك إليها، أي: لن يعينك عليها.","vol":"55","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-639>كفارة اليمين</span>\nقال ﷺ له: (وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها، فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك)، هذا الجزء من الحديث فيه بيان أنك إذا حلفت على شيء، ومن ثم ووجدت الخير في عمل هذا الشيء فاعمله وكفر عن هذا يمينك.\nكفارة اليمين إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون به أهليكم، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة.\nإذًا: تطعم عشرة مساكين، والسائل دائمًا يقول: أو أصوم ثلاثة أيام، ونحن نقول لك: ليس لك أن تصوم ثلاثة أيام، إلا إذا لم تقدر على إطعام عشرة مساكين، فأنت معذور أن تصوم ثلاثة أيام.\nفإذا كنت تستطيع أن تصوم ثلاثة أيام، وتقدر أن تطعم عشرة مساكين، فكفر بالإطعام، فإذا صمت لم يجزئ عنك، فإذا كنت تستطيع إطعام عشرة مساكين فيلزمك إطعام عشرة مساكين، ولا يجزئ عنك الصوم؛ لأن الله ﷿ لم يبدأ بصيام ثلاثة أيام، بل قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يجد فصيام ثلاثة أيام﴾ [المائدة:٨٩]، أي: أن الذي لا يستطيع إطعام عشرة مساكين هو الذي يلزمه أن يصوم ثلاثة أيام.\nوالآية فيها\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة:٨٩]، أي: الطعام الوسط الذي تطعمه أهلك، (من أوسط ما تطعمون أهليكم)، فمن أكلك الوسط الذي لك ولأسرتك تطعم عشرة مساكين، ولعلك قد تأكل وجبةً تكلفك عشرين جنيهًا، لكن لا يتكرر هذا الشيء، وقد تأكل وجبةً تكلفك نصف جنيه، لكن لا يتكرر ذلك، فالغالب أنك تأكل وجبةً تكلفك ثلاثة جنيهات، إذًا: تطعم المسكين من مثل هذه الوجبة.\nولا يجوز دفع المال كفارة؛ لأنك قد تدفع المال للمسكين فيأخذه فيشتري به شيئًا آخر غير الطعام الذي أمرت أن تطعمه، فقد يأخذ المال ويشرب به الدخان، فعلى ذلك أنت لم تطعم هذا المسكين.\nوقد يأخذ المسكين المال منك ومن الثاني ومن الثالث ويذهب ويشتري به حذاء، أو يشتري بها ثوبًا، والله أمر: كسوة عشرة مساكين، وليست بكسوة مسكين واحد، فعلى ذلك تطعم عشرة مساكين وليس واحدًا.\nفإذا قيل: هل من الممكن أن نطعم مسكينًا واحدًا عشرة أيام؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان هناك ضرورة، ولم يوجد مساكين، ولكن لو فرضنا أن قيمة الوجبة خمسة جنيهات، فتكون خمسين جنيهًا للمسكين، فتعطيه خمسين جنيهًا فيشتري بها أحذية فهنا لم تأت بالكسوة المطلوبة منك، ولم تطعم الطعام الذي أمرت به.\nولذلك الشريعة أمرتك بإطعام عشرة مساكين، فإن قلت: قد أطعم عشرة مساكين فيأخذ المساكين الوجبات ويبيعونها، فهنا فعلت ما عليك، ولا تلزمك الشريعة بأكثر من ذلك.\nإذًا: إذا أردت أن تطعم في كفارة اليمين عشرة مساكين فلا بد من عشرة، فإذا تعذر وجود عشرة مساكين أطعمت خمسة مساكين، كل مسكين يومين، والإطعام يكون من طعامك الوسط، وجبة لكل مسكين، فتطعم عشر وجبات، فإذا تعذر وجود العشرة جاز أن تطعم مسكينًا عشرة أيام.","vol":"55","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-640>نصيحة النبي ﷺ لأبي ذر ألا يتأمر على أحد ولا يتولى على يتيم</span>\nعن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: (يا أبا ذر! إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي)، هنا أبو ذر ﵁، قال له النبي ﷺ: (إني أراك ضعيفًا) وأبو ذر كان إسلامه قديمًا جدًا، أسلم وذهب إلى مكة وجهر بإسلامه، وخاف منهم فاختبأ في الكعبة ﵁ تحت ستارها حتى انصرفوا عنه، وذهب للنبي ﷺ وأسلم معه، فخاف عليه ﷺ وأمره أن يرجع، وقال له: (فإذا رأيتني ظهرت فأتني).\nوجاء للنبي ﷺ في المدينة، وكان يصدع بالحق رضي الله ﵎ عنه، إذ كان أبو ذر صدوعًا بالحق، وكان ذلك سببًا في أن الناس يبتعدون عنه، وفي آخر حياته أمره عثمان رضي الله ﵎ عنه أن يكون في الربذة، وقال: أنت شديد على الناس، فـ أبو ذر كان شديدًا على الناس، فكان يأمرهم، وكان مذهب أبي ذر أن من كان معه فائض من المال فيجب عليه أن يخرجه، وأن يتصدق به، أي: أن الفائض من المال ليس من حقك أن يبقى معك، ولم يعلم أن هذا يجوز، فإن النبي ﷺ نزل عليه الوحي في تحريم ذلك، ثم نزل الوحي بعد ذلك بالترخيص في ذلك، فـ أبو ذر اطلع على الأمر الأول فعلم أنه لا بد من المواساة بالمال، فلما نزلت الزكاة وتقدير الأنصبة في الزكاة، فكان للناس أن يدخروا، وقال النبي ﷺ لـ سعد بن أبي وقاص: (إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)، فدل هذا على أنه يجوز للإنسان أن يدخر من ماله حتى يترك للورثة بعده.\nلكن أبا ذر ﵁ لم يطلع على ذلك، فكان يخرج على الناس في مجالسهم وفي حلقاتهم، ويأمرهم بذلك، ويحدثهم بحديث النبي ﷺ، فكان هذا الأمر يضايقهم، أنه كلما رآهم يأمرهم بأن يتصدقوا بجميع أموالهم، فتضايق الناس منه، فشكوه لـ عثمان ﵁، فلما رفض أن يسكت، وقال: طالما أنا بين الناس فسوف آمرهم بهذا، فلما أخبروه بأن الأمر فيه سعة، وهذا كان في وقت الضيق، أبى إلا أن يحدث بما سمع رضي الله ﵎ عنه.\nفأمره عثمان ﵁ أن يعتزل الناس، طالما أنه يرفض أن يحدث إلا بذلك فليعتزل الناس.\nإذًا: أبو ذر كان شديدًا، وهنا قال له النبي ﷺ: (إني أراك ضعيفًا)، فالشدة شيء، والقوة على العمل شيء آخر، فالقوة على أداء الأمانة هذا هو شيء آخر تمامًا، أن يكون الإنسان أميرًا على الناس ويقيم فيهم شرع الله ﷾، ويؤلف الناس حوله ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ولا ينفرهم، هذا هو الذي لا يقدر عليه أبو ذر رضي الله ﵎ عنه، ولذلك قال له النبي ﷺ: (إني أراك ضعيفًا).\nفليست مهنتك الإمارة ولست أهلًا للإمارة، فإن الإمارة لها أهلها، وأنت لست أهلًا لها، وقال له ﷺ: (وإني أحب لك ما أحب لنفسي)، يحب لنفسه ﷺ الخير ويحب لـ أبي ذر ذلك، فأنت يا أبا ذر لا تطيق ما أطيقه أنا، فالنبي ﷺ كان هو القائم على أمر المسلمين ﵊، وهو الذي يأمرهم ويقيم فيهم شرع الله سبحانه، لكن أبا ذر كان ضعيفًا، لا يقدر على ذلك، فقوله: (أحب لك ما أحب لنفسي) أي: أحب لك الخير كما أحب لنفسي الخير، ولكن فرق بينه وبينه، فالنبي ﷺ قادر على أداء هذه الأمانة؛ ولذلك اختاره رب العالمين رسولًا للعالمين وللخلق كافة، إنسهم وجنهم ﵊.\nوأبو ذر لا يقدر على ذلك، فقال له: (إني أحب لك ما أحب لنفسي)، أي: أحب لك من الخير ما أحب لنفسي، فأنصحك في ذلك.\nقال: (لا تأمرن على اثنين)، أي: لا تكن أميرًا ولو حتى على اثنين، فإذا كنتم مسافرين معًا فلابد من الإمارة وأنت لا تصلح لذلك.\nقال: (ولا تولين مال يتيم)، أي: لا تتول مال يتيم خوفًا عليه من نفسه، وخوفًا عليه من مال اليتيم، ووقد رأينا أبا ذر ﵁ حتى آخر حياته يصدع بالخير، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فليس هذا خوفًا عليه أن يفتن ﵁، ولكن لا يقدر أن يقوم بحق هذا المال.\nوكم ترى من إنسان يموت وهو يعول اليتيم ويقول: لا تحط المال في مكان كذا، لكيلا يكون فيه ربا فيأخذه ويشغله، ولكنه يأكله، ويضيع على اليتيم ماله.\nولذلك نقول: إذا كان هناك أيتام فالأولى أن توضع أموالهم مع الدولة، حتى لا يضيع المال على الأيتام بدعاوى كثير من المدعين، وكم سمعنا وكم رأينا من ذلك، إذ يأخذ مال اليتيم ويشغله له، فإما أن يهرب، وإما أن يخسر فيضيع مال اليتيم، فلذلك النبي ﷺ حذر أبا ذر، فأنت من باب أولى أن تبعد عن مال اليتيم، ولا تتدخل بمال اليتيم، ولا تقل: أشغله له، وإذا أردت أن تتصدق على اليتيم فأعطه صدقةً مما معك.\nأما أن تأخذ مال اليتيم فاحذر من مال اليتيم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، وهنا قال النبي ﷺ لـ أبي ذر: (ولا تولين مال يتيم).","vol":"55","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-641>عدم تولية النبي ﷺ أبا ذر لضعفه</span>\nوعنه أيضًا قال: قلت: (يا رسول الله! ألا تستعملني)، كأن أبا ذر سأل النبي ﷺ أن يجعله عاملًا عنده، ويعطيه ولايات على أشياء يفعلها، إما عرافة على قوم، وإما ولاية على أموال الزكاة، أو جمع الصدقات، أو توزيعها، أو ولاية على بلدة ونحو ذلك.\nفالنبي ﷺ ضرب بيده على منكبه رضي الله ﵎ عنه ثم قال: (يا أبا ذر إنك ضعيف)، إذًا: ليس أي أحد يطلب الإمارة، ومن طلب الإمارة لا يعان عليها، حتى وإن كان قويًا لا يعان عليها، فكيف بالضعيف؟ قال: (إنك ضعيف وإنها أمانة - الإمارة أمانة - وإنها يوم القيامة خزي وندامة)؛ لأن الأصل فيها أن كل أمير في الدنيا يأتي بخزي وندامة يوم القيامة، ويقول: يا ليتني ما توليت شيئًا، قال: (إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها)، وكل الناس يزعم أنه لو كان الأمير أو الرئيس لفعل من الخير ما فعل، فهنا الإمارة ليست في التمني، إنما الإمارة في الحقيقة، فكم من إنسان تمنى ونال وضيع دينه وضيع أمانته وغرته الرياسة وغرته الأمانة، هل رأيتم الرئيس الذي كان مسلمًا، ومن أجل أن يكون رئيسًا على النصارى تنصر؟! وهو كارلوس منعم، كان مسلمًا وتنصر حتى يكون رئيسًا على الأرجنتين، الإنسان في الدنيا تراه في دين ربه ﷾، ولا يدري متى تأتيه الفتن، فتراه يجاري ويجاري مع الناس إلى أن يضيع هذا الإنسان في النهاية، ويتسمى بأسماء غير المسلمين طلبًا للدنيا فخسر الدنيا والآخرة.\nفتكون الأماني لكل من كان هذا مثاله، يقول: اليوم سأعمل وغدًا سأتوب، ولا يأتي هذا الغد، ويفرح بما هو فيه.\nوهذا هرقل عرف أن النبي ﷺ رسول حق، وكاد يسلم ويدخل في دين النبي ﷺ، وفي النهاية لما قال لقومه: اتبعوا هذا النبي ﷺ، وجدهم هاجوا، وكان قد أقفل عليهم الأبواب، فقال لهم: إنما أنا أمزح معكم، وأختبركم هل أنتم متمسكون بالدين أم لا؟ مع كونه سأل أبا سفيان عشرة أسئلة أو أكثر، والأسئلة كلها تدل على ذكاء خارق لهذا الإنسان، وعلى أنه فعلًا فاهم وواع ويعرف تمامًا أن هذا نبي صلوات الله وسلامه عليه.\nففي أسئلته لـ أبي سفيان قال: قلت لك: هل كان من آبائه ملك؟ فقلت: لا، فقلت: لو كان في آبائه ملك لقلت: هذا رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك: هل يتبعه ضعفاء الناس أم أقوياء الناس؟ فذكرت أنهم ضعفاؤهم، وكذلك أتباع الرسل، وسألتك هل يكذب؟ فذكرت: أن لا، وقد أعلم أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يكذب على الله، وسألتك: هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه؟ فذكرت: أن لا، وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب، فقد كان رجلًا واعيًا حينما سأل أبا سفيان وأجابه بما أجابه، وفي النهاية كاد يسلم، وإذا به يطبع على قلبه فلا يسلم، ويظل على ما هو فيه من كفره.\nفلذلك الإنسان لا يغتر بإمارته، فإن النبي ﷺ يخبرك أنك إذا كنت ضعيفًا فابتعد عن هذه الأشياء ولا تطلبها، فإذا أتتك من غير طلبك فسوف يعينك الله ﷿ عليها، قال ﵊: (إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها).\nفقوله: (أخذها بحقها) أي: عمل بالحق وأدى الواجبات التي عليه، فيكون له ذلك نجاة يوم القيامة.\nوقد عرفنا في حديث النبي ﷺ أن الذي يطلب القضاء لا يعان عليه، قال: فكأنما ذبح بغير سكين، هذا الذي يطلب القضاء ويناله كأنما ذبح بغير سكين.","vol":"55","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-642>شرح حديث: (إنكم ستحرصون على الإمارة)</span>\nوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إنكم ستحرصون على الإمارة) فهو ينهاهم ومع ذلك يقول: ستحرصون عليها، وكان بعده مباشرة صلوات الله وسلامه عليه، ومات ﷺ فإذا بالبعض من الأنصار يريدون أن يكون فيهم الأمير، حتى بين لهم أبو بكر وعمر ﵄ أن النبي ﷺ ذكر أن الخلافة في قريش ليست في غيرهم، ثم بعد ذلك صارت الخلافة على المنهاج الشرعي حتى حدث الطمع فيها والاقتتال، ففئة تتبع النبي ﷺ فيما يقول، وفئة تخالف في ذلك، فكانت على الناس أزمة، وجرت سنون إلى أن أصبح طلب الرئاسة وطلب الإمارة للإمارة وللرياسة، وليس لإقامة شرع الله سبحانه، فصارت ملكًا عضوضًا، فحذر النبي ﷺ وقال: (إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة).\nويتخلى عن الإنسان يوم القيامة أتباعه وأشياعه وجنوده، ويأتي وحده ليسأل عن كل ما كان تحت يديه، ولذلك فالإنسان يتفكر أنه سوف يسأل عن نفسه، وعن أولاده، والذي يتولى زمام الأمور والذي يكون رئيسًا على الناس سوف يسأل عن كل الناس الذين تحته، فيا ترى متى سينهي الله حسابه؟ ولذلك على المسلم ألا يطمع نفسه في ذلك، ولا يحرص عليها، فلا خير فيها.\nنسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"55","page":9},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-643> الحياء وفضله والحث على التخلق به</span>\nلقد جمع خلق الحياء وصاحبه الخير كله، فالحياء خير كله ولا يأتي إلا بخير، وهو خلق ممدوح في السابقين واللاحقين، وليس من الحياء الامتناع عن إنكار المنكر وقول الحق، والحياء سمة الصالحين، ومورد المتقين، وبحر العاملين، ومن تخلق به فقد حاز الخير بحذافيره.","vol":"56","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-644>الحياء وفضله والحث على التخلق به</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [كتاب الأدب: باب الحياء، وفضله، والحث على التخلق به.\nعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال النبي ﷺ: (دعه فإن الحياء من الإيمان) متفق عليه.\nوعن عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (الحياء لا يأتي إلا بخير)، متفق عليه.\nوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) متفق عليه].\nيذكر الإمام النووي ﵀ في هذا الكتاب كتاب: الأدب، يعني: الأخلاق التي ينبغي للمسلم أن يتخلق بها، وتدعوه الشريعة إلى التجمل بها، فبدأ بالحياء وهو من أعظم أخلاق المسلم، فالإنسان الذي لا يستحيي يقع فيما شاء من المعاصي (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) بمعنى: أن الإنسان عديم الحياء لا يرتدع عن شيء يصنعه.\nوقد أثر عن أحد الصحابة أنه قال في الحياء: (وكان النبي ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها) صلوات الله وسلامه عليه، وأما فضل الحياء: فقد جاء فيه عن النبي ﷺ قوله: (إن الحياء كله خير).\nومن الأحاديث أيضًا: ما جاء في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ مرّ على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء، كأنه ينهاه عن الحياء ويؤنبه، فمر عليه النبي ﷺ وهو يؤنبه في ذلك، فقال رسول الله ﷺ: (دعه، فإن الحياء من الإيمان)، فالإنسان الذي عنده حياء، قد يمنعه حياؤه من أشياء يريدها، لكن لا يضيع هذا الحياء عند الله ﷿، فالحياء كله خير، والحياء من خصال الإيمان التي يرتفع بها العبد المؤمن عند الله ﷾.\nوفي حديث متفق عليه عن عمران بن حصين يقول ﵁: قال رسول الله ﷺ: (الحياء لا يأتي إلا بخير)، حتى ولو فاتك شيء من الدنيا، ولكن الثواب الذي في الحياء عظيم عند الله ﷾، فمن أعظم أخلاق المؤمن اتصافه بالحياء، وكان حياء النبي ﷺ أحيانًا يمنعه أن يقول للإنسان: أنت شرير، فكان يدخل عليه الإنسان فيقول النبي ﷺ قبل دخوله: (بئس أخو العشيرة)، فإذا دخل وجلس مع النبي ﷺ إذا به يتبسم ويتكلم صلوات الله وسلامه عليه، فيقولون: تبسمت له وقد قلت عنه كذا وكذا؟! فيقول النبي ﷺ: (متى عهدتني فحاشًا؟) أي: إنني لا أفحش في الكلام، ولا أقع في خطأ في الكلام، فالنبي ﷺ تبسط وتبسم مع الرجل ولم يزجره لكون الحياء يمنعه من أن يقول له ذلك.\nوقوله: (الحياء لا يأتي إلا بخير) وفي رواية: (الحياء كله خير)، يفهم من هاتين الروايتين: أن من فقد الحياء فقد فقد من الإيمان الواجب شيئًا كبيرًا، فالإيمان هو الذي يمنعه من التبجح ويدفعه إلى الحياء.\nوفي حديث لـ أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ يقول: (الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة) يعني: خصال الإيمان، أو أعمال من أعمال الإسلام والإيمان، فأفضل خصال الإسلام وأفضل خصال الإيمان: كلمة التوحيد: (لا إله إلا الله)، وأما أقل خصال الإيمان التي تدل على إيمان صاحبها فهي كما قال النبي ﷺ: (إماطة الأذى عن الطريق)، وهذه من خصال الإيمان التي يدعو إليها هذا الدين العظيم، وهي إماطتك الأذى عن الطريق، فإذا وجدت أذى فأمطه وإن لم تكن أنت الذي وضعته حتى لا يتأذى به الناس، ويفهم من هذا كذلك: أن الإنسان الذي يترك الأذى في الطريق فقد قدرًا لا بأس به من الإيمان الواجب، فكيف بمن يحط الأذى في الطريق بنفسه، فيقوم بصب القمامة أمام الناس، أو يضع أمام بيوت الناس القمامة وقت صلاة الفجر أو أمام المسجد؟! فهذا ليس عنده من الإيمان الواجب ما يمنعه من ذلك.\nومن خصال الإيمان المفقودة عند الناس: أذى الجار وأذى الناس بوضع الأذى في الطريق، فقد قال النبي ﷺ في هذا الحديث: (والحياء شعبة من الإيمان) يعني: أن الحياء جزء من أجزاء الإيمان، أو خصلة من خصال الإيمان.\nومن الأحاديث كذلك حديث لـ أبي سعيد الخدري ﵁، وهو متفق عليه أيضًا، يقول: (كان رسول الله ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها)، الخدر: الستر، وهو المكان الذي تستر فيه العذراء، يعني: الفتاة البكر التي لم تتزوج، فكان النبي ﷺ أشد حياءً من هذه العذراء المستورة في بيت أبيها وأمها.","vol":"56","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-645>ضابط الحياء الممدوح ومتى يكون مذمومًا</span>\nهناك فرق بين الحياء والخجل، فالخجل من الحياء، لكن الحياء لا يمنع من الحق، فلا يمنع الإنسان أن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر، أما الخجل فقد يفعل به الإنسان ذلك، فلا يفعل ما يلزمه دينه به من أمر بمعروف ونهي عن منكر، فيخجل الإنسان أن يراه الناس وهو يصلي، فهذا ليس بحياء، بل هو عيب موجود في ذات الإنسان لا يجب أن يمدح عليه، فالحياء هو: الحياء الذي يأمرك بالخير ويمنعك من التبجح، كأن يقول أحدهم للأعور: أنت أعور في عينك، فهذا إنسان قليل الأدب، ليس هو بإنسان حقاني كما يظن نفسه، ولكن الإنسان الحقاني هو الذي يقول الحق حيثما كان، فمالك وللأعور والأعمى؟ ولكن قل للمخطئ: أنت مخطئ، وقل للمصيب: أنت مصيب، ولا يمنعنك أن هذا غني وهذا فقير عن ترك قول الحق والعمل به، فالله ﷿ قد أمرك بذلك فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء:١٣٥] ولو على نفسك، ولو على أبيك وأمك، ولو على أقربائك، وقد يكون هؤلاء فقراء فترحمهم، أو أغنياء فتخشى من سطوتهم وغناهم، قال الله: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء:١٣٥]، فهو الذي أمرك أن تتكلم بالحق أينما كنت، ولكن مع الإتيان بخصال الإيمان، فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ولا يكون في كلامك منكر، فالحياء: هو قول الحق ثم بعد ذلك يأتي الحياء.","vol":"56","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-646>حقيقة الحياء</span>\nيقول العلماء: إن حقيقة الحياء: خلق يبعث على ترك القبيح، فالإنسان صاحب الحياء لا يعمل القبيح، أو ما يستهجن به أمام الناس، ولا يفعل ما يجعل الناس ينظرون إليه مستقبحين وهو لا يهمه أن يمشي أمام الناس على هذه الصورة، فيقولون: هو خلق يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، والقلب الممتلئ بالإيمان يدفع المؤمن إلى هذا الخلق، فقلبه وإيمانه يدفعانه للحياء، أما القلب الفارغ فإنه يجعل الإنسان يفعل ما يشاء، والحياء فارق رئيسي بين المؤمن والكافر، فليس يتخلق الكافر بهذه الخصلة؛ لأن الكافر لا يهمه ذلك، فهو يقول: أريد أن أعيش في هذه الدنيا للدنيا، وأريد أن أتحرر، والتحرر عنده أن يقص شعره بطريقة تجعل الناس يضحكون عليه، ويمشي في الشارع وهو خالع ملابسه فلا يهمه، وتجد الناس في بلاد الكفر عديمي الحياء، تمشي المرأة متغطية في الطريق للبرد، فإذا ظهرت الشمس وشعرت بالحر خلعت ملابسها في الشارع أمام الناس! فليس لهم خلق أو دين يردعهم، والعجب أنك ترى في بلاد المسلمين من يقلد هؤلاء ويريد أن يصل إلى ما وصل إليه هؤلاء من السفالة والقذارة والحقارة في أمر دنياهم؛ لأنهم تركوا الحياء وراء ظهورهم، فتراهم يصرخون ويرقصون ويعاشر الرجال منهم النساء في الطرقات؛ لأن الحياء قد انعدم فيهم.\nأما دين الإسلام: فهو إيمان في قلب الإنسان يظهر على جوارحه، فيستحيي من أن يعصي الله ﷾، وكأنه يرى الله أمامه، وهذه مرتبة الإحسان وهو: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فإذا تشبه المسلم بهؤلاء وقال: أنا أعمل الذي أريده، أو أنا أريد أن أتحرر، فإننا نقول له: إن هؤلاء كفرة يريدون أن يتحرروا من الله ومن دينه ﷾، أما المؤمن فهو يعلم أنه مهما علا فهو عبد لله ﷾، فهو يقول: لا إله إلا الله، أي: أنا عبد لله ﷾، وانظروا إلى مقامات النبي ﷺ التي علا فيها، فإنه كلما علا ازداد عبودية لله، يقول ﷺ: (إنما أنا عبد أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل العبد)، وقد شرفه ربه سبحانه بهذا الوصف العظيم فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١]، فرفعه إلى السماء صلوات الله وسلامه عليه، ومن ثم إلى سدرة المنتهى، فجاوز الملائكة، وجاوز جبريل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، ومع ذلك يقول الله: هذا عبد لله، وقد عرف قدر جبريل وهو أعظم ملائكة الله ﷾ وقدر خشوعه لما رآه كالحلس البالي يوم أن وصل إلى أعلى الدرجات فوقف عند قبره وجاوزه النبي ﷺ، فقال: (فنظرت إليه فإذا هو كالحلس البالي)، والحلس: هي الفرشة التي يجعلها الإنسان فوق الرحل ليجلس عليها، فهذا حال جبريل بين يدي ربه سبحانه، قال: (فعرفت فضل عبادته) أي: عرف فضل عبادة جبريل ﵇ في ذلك الموقف العظيم، وكيف أنه يعبد ربه ويتواضع ويخشع بين يديه سبحانه.\nومن المواضع التي شرفه الله ﷿ بلفظ العبودية دعوته إلى الله ﷾، يقول سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩]، فالنبي ﷺ في مقام الدعوة يعد عبدًا لله سبحانه، وكذلك في مقام إنزال الكتاب عليه من السماء، قال سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة:٢٣] صلوات الله وسلامه عليه.\nفمقام العبودية هو مقام تشريف للعبد أن يكون فيه، فكلما ارتقى في مقام العبودية استيقن وعلم أنه عبد لله ﷾، إذًا فأنت عبد الله سبحانه ولست حرًا، والإنسان إذا تحرر من عبودية الله وقع في أسر الشيطان وكان عبدًا له، فيلعب به الشيطان كيفما شاء، فتجده يحلق شعره مثل الشيطان، ويمشي في الشارع والناس يضحكون عليه، ومع هذا يقول لك: إنها موضة! وما درى هذا أن الناس يصفونه بالحمق! وتجد هذا الغبي يقلد الغرب في كل ما يفعلون، فإذا لبسوا الشرت لبسه، وإذا لبسوا الفانيلات لبسها، فهو يقلد أسياده الذين عبدهم من دون الله ﷾.\nليس التحرر بأن تخرج من دينك، بل الحرية أن تعبد الله سبحانه، فيكون هو وحده الذي يحكمك ﷾، وهو وحده الذي يتحكم فيك، وهو وحده الذي يأمرك وينهاك، أما عباد غير الله سبحانه فهم يعبدون ملوك الموضة، فتراه يجري وراء المجلة في النهار بحثًا عن الموضة في الشعر والجزمة والشراب ونحو ذلك، فصاروا هم الذين يحكمونه، افعل كذا ولا تفعل كذا، وهو متبع لطريقهم، والناس يضحكون عليه! إذًا: التحرر الحقيقي هو أن تتحرر من أغلال الشيطان ومن الطواغيت، وأن تعبد الله وحده لا شريك له، وما الحياء إلا دليل على إيمان الإنسان، وأنه يعبد الله في تحرر من كيد الشيطان ومن هواه إلى عبودية الرب ﷾، وقد سبق أن العلماء يقولون: إن حقيقة الحياء: هي خلق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، وبعضهم يستحي أن يؤدي الحقوق إلى أصحابها، وبعضهم يستحي من العمل مع أنه شاب قادر على العمل، ومع أن البيت خال من الطعام أو الشراب فهذا حياء مذموم، وإنما النافع للإنسان أن يعمل ليؤدي حق الله سبحانه، فإذا وجد المسكين وهو قادر على أن يعينه استحيى من الله فأعان هذا الإنسان، وإذا وجد ذا الحاجة وهو قادر على أن يوصلها إليه أعانه على ذلك، فهذا خلق الحياء.","vol":"56","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-647>تعريف الجنيد للحياء</span>\nقال: وقال الجنيد ﵀: الحياء رؤية الآلاء، أي: النعم، قال: ورؤية التقصير، فتتولد بينهما حالة تسمى الحياء.\nومعنى كلام الجنيد ﵀: أن حياء الإنسان: أن يرى نعم الله العظيمة عليه، ويرى تقصيره فيستحيي من الله أن يجده مقصرًا، وعلى المؤمن أن يتقي الله ﷾ حيثما كان، كما أمره النبي ﷺ بقوله: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن).\nنسأل الله ﷿ أن يرزقنا حسن الخوف منه، وحسن الحياء، وحسن الإيمان.","vol":"56","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-648>تعريف الجنيد للحياء</span>\nقال: وقال الجنيد ﵀: الحياء رؤية الآلاء، أي: النعم، قال: ورؤية التقصير، فتتولد بينهما حالة تسمى الحياء.\nومعنى كلام الجنيد ﵀: أن حياء الإنسان: أن يرى نعم الله العظيمة عليه، ويرى تقصيره فيستحيي من الله أن يجده مقصرًا، وعلى المؤمن أن يتقي الله ﷾ حيثما كان، كما أمره النبي ﷺ بقوله: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن).\nنسأل الله ﷿ أن يرزقنا حسن الخوف منه، وحسن الحياء، وحسن الإيمان.","vol":"56","page":6},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-649> حفظ السر</span>\nإن من الخصال الحميدة التي حث عليها الإسلام حفظ السر، فالسر أمانة، وقد أمر الله ﷿ بحفظ الأمانات، وإفشاء الأسرار فيه الدلالة على سوء خلق فاعله، فإنه مدعاة إلى إفساد ذات البين وتخريب البيوت، وهذا ما لا يرضاه الله ﷿ لعباده ولا رسوله ﷺ.","vol":"57","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-650>ما جاء في حفظ السر</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب حفظ السر.\nقال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٤].\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها) رواه مسلم.\nوعن عبد الله بن عمر ﵄: (أن عمر ﵁ حين تأيمت بنته حفصة قال: لقيت عثمان بن عفان ﵁ فعرضت عليه حفصة، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، قال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي ثم لقيني فقال: قد بدى لي ألا أتزوج يومي هذا، فلقيت أبا بكر ﵁ فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر فصمت أبو بكر ﵁ فلم يرجع إلي شيئًا، فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبثت ليالي ثم خطبها النبي ﷺ فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئًا؟ فقلت: نعم، قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن النبي ﷺ ذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ، ولو تركها النبي ﷺ لقبلتها) رواه البخاري.\nهذا باب من كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي ﵀ حفظ السر، فالإنسان المؤمن مطالب شرعًا بأن يحافظ على الأسرار، سواء كانت أسرار بيته، أو أسرار الناس، وأنه إن اطلع على سر أو أسر إليه إنسان بسر فلا يجوز له أن يفشي هذا السر وأن يفضح صاحبه.","vol":"57","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-651>معنى قوله تعالى: (وأفوا بالعهد)</span>\nقال الله ﷿: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٤]، يدخل تحت العهد العقود والعهود وأسرار الناس التي يأتمنونك عليها، فكأنه عقد معك عقدًا على أن يحدثك فتكتم عليه، فلا يجوز لك أن تفشي هذا السر، ولذلك لو أن الإنسان تكلم معك في شيء وهو يلتفت يمينًا وشمالًا فهذا أيضًا من السر، ولذلك جاء في الحديث عنه ﷺ: (من حدث حديثًا ثم التفت فهو سر) فنهى النبي ﷺ أن تفشي هذا السر، فهو هنا لم يقل لك: هذا سر، ولكن حاله يدل على ذلك، فهذا أمانة من الأمانات التي يأمرك الشرع أن تحافظ عليها وألا تفشيها على صاحبها.","vol":"57","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-652>شرح حديث: (إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة)</span>\nيقول أبو سعيد فيما رواه مسلم: قال رسول الله ﷺ: (إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها)، فهذا إنسان منزلته من شر المنازل في النار والعياذ بالله، والسبب أنه يتكلم الكلام في السر ثم يفشيه، فهنا الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها، فلا يجوز للرجل أن يأتي أهله ثم يصبح يخبر الناس بذلك، وقد شبهه النبي ﷺ بالحمار، قال: (مثل ذلك كحمار لقي حمارة في الطريق فقضى حاجته منها) فالإنسان الذي يأتي امرأته ثم يصبح يحدث الناس بذلك إنسان ليس له أمان، وكذلك المرأة التي تفعل هذا الشيء، فتصبح تكلم صديقاتها بأن زوجها جامعها بالأمس، فهذا حرام، فليس لها أن تخبر صديقاتها، ولا تخبر أهلًا بهذا الشيء؛ لأن هذا من الأسرار التي بين الزوجين.","vol":"57","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-653>شرح حديث حفظ أبي بكر لسر النبي بشأن رغبته في الزواج من حفصة</span>\nمن الأحاديث في هذا المعنى حديث ابن عمر أن حفصة ﵂ تأيمت، فالسيدة حفصة أم المؤمنين كانت تحت رجل ثم مات هذا الرجل عنها فتأيمت، والمرأة الأيم هي التي صارت بلا زوج، فـ عمر بن الخطاب محافظة على ابنته أراد أن ينتقي لها أفضل الأزواج، فأتى عثمان وأخبره أن حفصة تأيمت وقال له: إن شئت أنكحتك حفصة.\nفهو لم يقل له: تعال تزوج حفصة، ولكن قال: إن شئت، يعني: يخيره، وكأنه يقول: الأمر إليك أنت، وابنتي موجودة ولن أجد أفضل منك، فقال له: سأنظر في أمري، فكأنه أراد أن يستشير ثم يرد عليه.\nقال عمر: فلبثت ليالي ثم لقيني فقال: قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا، فـ عثمان لم يكن راغبًا في الزواج ذلك الوقت، فلم يجد عمر في نفسه شيء على عثمان لهذا الأمر.\nقال: فلقيت أبا بكر الصديق ﵁ فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، قال: فصمت أبو بكر ﵁ فلم يرجع إلي شيئًا.\nفالأول عثمان ﵁ لما عرض عليه هذا الشيء أخبره أنه سيرد عليه ورد عليه بعد ذلك بأنه غير راغب في الزواج، لكن أبا بكر ﵁ لم يرد عليه لا الآن ولا بعد ذلك.\nقال عمر: فكنت عليه أوجد مني على عثمان، يعني: إن كنت وجدت في نفسي شيئًا على عثمان فما وجدته على أبي بكر الصديق ﵁ أكثر منه.\nقال: فلبثت ليالي ثم خطبها النبي ﷺ فأنكحتها إياه، وعمر لم يعرضها على النبي ﷺ؛ لأنه لم يكن يطمع أن تتزوج ابنته من النبي ﷺ، فعرضها على عثمان، ثم عرضها على أبي بكر، فلما خطبها النبي ﷺ خطبها من عمر، تكلم أبو بكر الصديق ﵁ فقال لـ عمر ﵄: لعلك وجدت علي - يعني: لعلك حزنت وغضبت مني - حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئًا؟ قال: فقلت: نعم، قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن النبي ﷺ ذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ، ولو تركها النبي ﷺ لقبلتها.\nفهذا سر من النبي ﷺ حيث تكلم أنه يريد أن يتزوج حفصة، والنبي ﷺ كان متزوجًا بـ عائشة بنت أبي بكر الصديق، ولم يغضب أبو بكر الصديق لذلك، ولكنه سكت؛ لأنه لا يستطيع أن يذكر أن النبي ﷺ يريدها؛ لأنه يمكن أن يرجع في كلامه ولا يتزوجها.\nوهذا فيه تأديب للمسلمين وتوجيه ليتخلقوا بهذا الخلق الفاضل، فإذا سمعت إنسانًا يتكلم عن فلانة وأنه يريد أن يخطبها، فلا تذهب لصاحب الشأن وتقول: أنا سمعت فلانًا يتكلم أنه يريد أن يخطب من عندك فجئت أبشرك؛ لأنه يمكن أن يرجع في كلامه فتكون كاذبًا أمام هؤلاء الناس، ويمكن أن ذاك الرجل غير جاد في كلامه وبسبب كلامك يضطر ويذهب ليخطبها.\nفعلى ذلك إذا سمعت سرًا من إنسان فلا تفش هذا السر.\nوقول أبي بكر الصديق لـ عمر ﵁: لعلك وجدت علي، يدل على أنه أحس أن عمر من حقه أن يجد في نفسه من هذا الشيء، وأبو بكر يعلم أن هذا أهون من أن يفشي سر النبي ﷺ، بخلاف حال بعض الناس الذي يتساهل في أن يفشي سرًا من الأسرار حتى لا يغضب فلانًا من الناس! إن السر أمانة والله ﷿ سيحاسبك على هذه الأمانة ويسألك: لم فرطت فيها؟ ثم إن أبا بكر قال لـ عمر: ولو تركها لتزوجتها، يعني: لو أن النبي ﷺ ترك ابنتك ولم يتزوجها لكنت أنا تزوجتها؛ لأن ابنتك ليست المرأة التي يفرط في مثلها.","vol":"57","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-654>شرح حديث عائشة في مسارة النبي لفاطمة وكتمها لسره حتى مات</span>\nعن عائشة ﵂ قالت: (كن أزواج النبي ﷺ عنده فأقبلت فاطمة ﵂ تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله ﷺ شيئًا، فلما رآها رحب بها وقال: مرحبًا بابنتي) يعني: كانت شديدة الشبه بالنبي ﷺ حتى في مشيتها، فالسيدة عائشة وصفتها بأنها ما تخطئ مشيتها مشية النبي ﷺ.\nقالت: (فلما رآها رحب بها) فيه وصف حال النبي ﷺ في بيته مع ابنته وكيف قابلها حين جاءت تزوره ﷺ.\nقالت: (ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله)، كان النبي ﷺ من عادته إذا جاءت ابنته أنه يقوم لها ويقبلها ﷺ ويجلسها بجواره، وإذا ذهب هو إليها قامت إليه وقبلته وأجلسته صلوات الله وسلامه عليه.\nقالت: (ثم سارها فبكت بكاء شديدًا) يعني: بعد أن قال لها السر بكت بكاءً شديدًا، قالت: (فلما رأى جزعها سارها الثانية فضحكت - رضي الله ﵎ عنها - فقلت لها: خصك رسول الله ﷺ من بين نسائه بالسرار ثم أنت تبكين؟!) يعني: النبي ﷺ فضلك علينا كلنا وقال لك السر ثم أنت تبكين! وتعجبت من أنها ما رأت ضحكًا أسرع لبكاء من هذا اليوم، فلما قام رسول الله وسألتها عائشة عما قاله لها رسول الله ﷺ قالت ﵂: (ما كنت لأفشي على رسول الله ﷺ سرًا) يعني: كون النبي ﷺ يحدثني بيني وبينه فمعناه أنه لا يريد أن تسمعوا، ولو كان يريد أن تسمعوا لكان حدثني بصوت مرتفع، ولما كان سرًا.\nقالت عائشة: (فلما توفي رسول الله ﷺ قلت لـ فاطمة - ﵂ -: عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول الله ﷺ؟ فقالت فاطمة - رضي الله ﵎ عنها -: أما الآن فنعم) يعني: الآن وبعد أن مات النبي ﷺ فيمكن أن أخبرك بهذا السر، أما في حياته فلا، قالت: (أما حين سارني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل ﵇ كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة وأنه عارضه الآن مرتين، وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري) يعني: اعتاد النبي ﷺ أن جبريل يعارضه القرآن كل سنة مرة، ومعنى المعارضة: أن يقرأ النبي ﷺ ويسمع جبريل، أو يقرأ جبريل ويسمع النبي ﷺ، فكل سنة كان يختم معه ختمة، أما هذه السنة فإنه ختم مرتين مع النبي ﷺ، فلذلك النبي ﷺ استشعر أنه قد دنى أجله، قالت فاطمة ﵂: (وأنه عارضه الآن مرتين، وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب فاتقي الله واصبري، فإنه نعم السلف أنا لك، قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت)، ففي المرة الأولى أخبرها بأن الأجل قد اقترب منه ﷺ، قالت: (فبكيت بكائي الذي رأيت)، ثم قالت فاطمة: (فلما رأى جزعي - صلوات الله وسلامه عليه - قال: يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة، فضحكت ضحكي الذي رأيت).\nإذًا: السر الأول: أنه ﷺ سيموت، أما السر الثاني فهو: أن السيدة فاطمة تكون سيدة نساء العالمين، وأيضًا أخبرها أنها تلحق به ﷺ ولن تعيش بعده كثيرًا، ففرحت بأنها تدرك النبي ﷺ، وأن منزلتها في الجنة أنها ستكون نساء العالمين أو سيدة نساء هذه الأمة رضي الله ﵎ عنها.\nوفي هذا الحديث دلالة على أن الإنسان إذا استودعه إنسان سرًا فلا يجوز له أن يفشيه.","vol":"57","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-655>شرح حديث أنس في وصية أمه له بحفظ سر النبي ﷺ</span>\nعن ثابت عن أنس ﵁ قال: (أتى عليّ رسول الله ﷺ وأنا ألعب مع الغلمان) وأنس بن مالك ﵁ هو خادم النبي ﷺ، فقد خدم النبي ﷺ عشر سنين، حيث قدم النبي ﷺ المدينة ولـ أنس عشر سنوات، فخدمه حتى كان عمره عشرين سنة حين توفي النبي ﷺ، فـ أنس بن مالك صحب النبي صبيًا وشابًا، وفي أثناء خدمته له يقول أنس: (أتى علي رسول الله ﷺ وأنا ألعب مع الغلمان فسلم علينا فبعثني في حاجة فأبطأت على أمي، فلما جئت قالت: ما حبسك؟ - أمه هي أم سليم رضي الله ﵎ عنها - فقلت: بعثني رسول الله ﷺ لحاجة، قالت: ما حاجته؟) يعني: تريد أن تعرف هل يستحق ذاك المشوار كل هذا التأخير؟ لكن ماذا كان جواب أنس الغلام الصغير؟ قال: (قلت: إنها سر).\nيعني: لن أكشف عن حاجة النبي ﷺ، فقالت ﵂: (لا تخبرن بسر رسول الله ﷺ أحدًا)، انظر إلى الأم المطيعة لله سبحانه ولرسول الله ﷺ، الأم الطيبة القانتة المؤمنة تعلم ابنها حفظ السر حتى عنها.\nفكل أم يلزمها أن تعلم ابنها كيف يحافظ على السر، فإذا جاء الأب وقال للابن: خذ هذا المبلغ واذهب به إلى فلان ولا تقل لأحد، فلا يرجع ويقول لأمه: أبي بعثني لأفعل كذا في كذا، وإذا فعل فالواجب على الأم أن تقول له: لا يجوز لك ذلك، فهذا سر من الأسرار فلا تفش سر أبيك، وعلى الأم أن تعلم الابن ألا يكون كثير الكلام، وألا يفشي أسرار البيت، فإذا تربى الطفل على ذلك كانت هذه عادته عند الكبر، ويستحيل أن يستفيد منه الأعداء أو يحصلوا منه على أسرار بلده.\nفـ أنس هنا لما قال لأمه ذلك قالت أمه ﵂: (لا تخبرن بسر رسول الله ﷺ أحدًا، قال أنس - ﵁ -: والله لو حدثت به أحدًا لحدثتك به يا ثابت)، وثابت هذا هو تلميذ أنس، وهو من التابعين وليس صحابيًا، فهو جاء بعد النبي ﷺ بزمان، ومع ذلك يقول أنس: إن سر النبي ﷺ هذا ما أخبرت به أحدًا إلى الآن، ولو كنت أحدث به أحدًا لكنت حدثتك أنت، ومعنى هذا: أنه كتم السر حتى بعد وفاة النبي ﷺ مع أنه لا يلزمه ذلك، وهذا ظاهر في حديث السيدة فاطمة ﵂، ولكن مع ذلك حافظ على سر النبي ﷺ.","vol":"57","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-656>أهمية حفظ السر والتحذير من التفريط بالأمانات</span>\nالأسرار أمانة، فإذا جاء إنسان يكلمك بصوت منخفض فلا ترفع صوتك بالكلام حتى لا تفضح هذا الإنسان الذي يخفض صوته، وإذا ائتمنك على سر فلا تخبر به أحدًا، وإذا حدثك وهو يلتفت حتى لا يراه أحد، فمعنى هذا أن كلامه هذا سر فلا يجوز لك أن تضيع هذا السر أو أن تفشيه لأحد من الناس، ويجب عليك أن تعلم أبناءك أهمية حفظ السر، ولا تظهر الفرح إذا رجع ابنك يومًا من المدرسة وقال لك: إن رفيقي قال لي سرًا وهو كذا وكذا، ولكن علم ابنك أن يتقي الله وأن يراقبه سبحانه ولا يحدث بسر استودعه إياه أحد من الناس.\nوقد كان أهل الجاهلية يعرفون أن الأسرار لا ينبغي أن تنشر لأحد، وكانوا يعيبون على من يفعل ذلك، وقد روي أن شاعرًا من الشعراء لما وجد أمه كثيرة الكلام وإذا ما تحدث أحد عندها بحديث تقوم وتفضحه بين الناس، فقال لها هذا الشاعر: تنحي فاقعدي مني بعيدًا أراح الله منك العالمينا أغربالًا إذا استودعت سرًا وكانونًا على المتحدثينا فالإنسان المؤمن من خلقه أن يحافظ على السر، ودافعه إلى ذلك خوفه من الله، لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]، فهذه أمانة يجب أن تؤديها لأهلها، وذكر عن بعض الصالحين أنه ذهب إليه إنسان وقال له: أخبرك سرًا فلا تحدث به أحدًا، أخبرك بكذا وكذا وكذا، هل سمعت ماذا قلت لك؟ قال: لم أسمع شيئًا.\nيعني: من مبالغته في حفظ السر كأنه لم يسمع شيئًا! فالمسلم إذا سمع سرًا كان السر في باطنه لا يخرجه لأحد أبدًا إلا أن يأذن له صاحب هذا السر.\nنسأل الله ﷿ أن يعيننا على أداء الأمانات.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"57","page":8},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-657> الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد والمحافظة على ما اعتاده من الخير</span>\nالدين الإسلامي دين الأخلاق، وقد بعث الرسول ﷺ متممًا ومرسخًا لمكارم الأخلاق، ومن المبادئ العظيمة التي حث عليها الله ﷿ ورسوله ﵊: الوفاء بالعهد، وقد حذر النبي تاركها من أن يقع في النفاق والعياذ بالله.","vol":"58","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-658>وجوب الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد.\nقال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل:٩١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣].\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)، وفي رواية لـ مسلم: (وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم)].\nإذا عاهد المسلم إنسانًا على شيء نفذ الذي عاهد عليه.\nوإنجاز الوعد أي: ينجز ويعجل ويفي بما وعد ولا يماطل، ولا يؤجل، والتنجيز عكس التأجيل، يقول: أنجز عمله سريعًا، فإذا وعد وعدًا فقدر على أن ينجزه فلينفذ ما وعد به.\nيقول الله سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٤]، على المسلم أن يستحضر هذه المعاني العظيمة: الوفاء بالعهد، الوفاء بالبيعة، الوفاء بالعقود، ومعنى يفي: يعطي الشيء وافيًا، فإذا وعد وعاهد أو عاقد على شيء، فليوف بهذا الشيء على النحو الذي عاهد عليه؛ لأن الله سيسأله سبحانه، قال سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٤] أي: مسئولًا عن عهده الذي عاهد عليه، والسؤال يكون عند الله ﷿.\nوالغرور في هذه الدنيا يجعل الإنسان لا يوفي، فيغره المال الذي أخذه، ولا يعطي للناس الحقوق الواجب عليه أن يعطيهم إياها، فينسى أن هذا المال الذي في يده قد يكون شؤمًا ووبالًا عليه؛ لأنه أخذه من صاحب حق، ولم يعط صاحب الحق حقه.\nفأصبح الناس لا أحد يأتمن أحدًا، فالإنسان يريد أن يتزوج فيأتي أهل العروسة فيكتبون له قائمة؛ لأنهم لا يأتمنونك.\nوكذلك في عقود بيع الشقق، تجد الشقة بيعت لأكثر من واحد! وكل إنسان تزين له نفسه الخيانة والتفريط والتضييع ويظن مع ذلك أنه محق.\nأوفوا بالعهود وأوفوا بالعقود ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تخونوا فإنكم مبعوثون يوم القيامة والله سائلكم عن ذلك.\nفإذا تعاهدت مع إنسان وقطعت يمين الله فيلزمك أن تفي بذلك، فالله سائلك عن ذلك.\nقال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]، وهذه أول آية في سورة المائدة، وسورة الإسراء وسورة النحل مكيتان، وسورة المائدة سورة مدنية، وكأن الله يؤكد عليك في القرآن المكي والقرآن المدني أن تحافظ على وعدك، وألا تضيع على أحد شيئًا قد أخذ عليك العهد به.\nيقول الله ﷿ في سورة الصف: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣]، لم تقول شيئًا لست تفعله؟ وتعطي الوعد بذلك وأنت تنوي ألا تفعل، أليس هذا من النفاق؟! ألست تستحق العقوبة في الدنيا وفي الآخرة، وأنت تخلف وعدك مع من أخذ عليك الوعد بذلك؟ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣] أي: كبر ذنبًا يغضب الله سبحانه، وكبيرة يمقتها الله سبحانه، والمقت هو أشد الكراهة، فالله يمقت أن الإنسان يقول شيئًا ولا ينفذ هذا الشيء الذي أعطى العهود عليه.\nولو علم الإنسان أن كلامه من عمله وأن الله سائله عن كلامه وعن أعماله لخاف واستحيى من الله حق الحياء، فلا يخلف في العهد.","vol":"58","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-659>شرح حديث: (آية المنافق ثلاث)</span>\nفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال النبي ﷺ: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)، وفي صحيح مسلم: (وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم) فيحدثك بالشيء وهو كذاب فيما يقوله، وإذا وعد أخلف، فكم من الناس يعدون ويخلفون، وكثير منهم يقول: هات المال وغدًا ستجد الحاجة عندك، فتأتي اليوم الثاني ولا تجد الحاجة ولا غيرها، وانتهى الأمر على ذلك.\nومنهم من يقول: أعطني مالك أشغله لك، فيأخذ المال يشغله ولا تراه بعد ذلك فذهب المال على الرجل، وبعد أن كان عزيزًا والمال في يده صار ذليلًا يجري شمالًا ويمينًا يبحث عن ماله.\nفعلينا أن نتقي الله ﵎ في كلامنا، وفي أموالنا، وأن نحرص على أن تكون من حلال من أجل أن تستجاب دعواتنا.\nوالمقصود بالنفاق في هذا الحديث نفاق العمل لا نفاق الاعتقاد، فإذا كان منافقًا نفاقًا عقديًا فهذا أشنع من ذلك، ولكن هذه الأعمال من نفاق العمل.\nقوله: (وإذا اؤتمن خان) فيصرفها ويضيعها وصاحبها لا يلاقيها بعد ذلك، وكأن يؤتمن على الأسرار، فيفضح صاحب السر عند كل الناس، ويؤتمن على الفروج ويؤتمن على الأبضاع وعلى الأموال وعلى البيوت فلا أمانة عنده.\nوفي رواية مسلم: (وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم)، فلو كان يستحل ذلك، وظن أنه حلال له أن يصنع ذلك فقد كفر ونافق نفاقًا أكبر يخرج صاحبه من الملة، وإذا كان يعتقد أن هذا حرام ولكنه يفعله كنوع من الشهوة والهوى، فهذا آثم واقع في مصيبة من المصائب، نسأل الله العفو والعافية، حتى وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم.","vol":"58","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-660>شرح حديث: (أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا)</span>\nعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁كما في الصحيحين- عن النبي ﷺ قال: (أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا) أي: أربع من كن فيه امتلأ قلبه بالنفاق والعياذ بالله: (كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها) أي: كان منافقًا نفاقًا مؤقتًا إلى أن يترك هذه الخصلة.\nقال: (إذا اؤتمن خان) كأن يؤتمن على الأعراض والأموال وعلى الدماء ويؤتمن على الأسرار فيخون ذلك كله.\nو(إذا حدث كذب)، صارت له طبيعة فأصبح لا يحلي كلامه إلا بالكذب، وقد جاء في حديث النبي ﷺ في أمر الكذاب: (لا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا)، فلا تقع الخصومات في أي معاملة إلا وتجد الكاذب حاضرًا، وكان أشد ما يعاقب عليه النبي ﷺ أهله إذا رأى منهم الكذب.\nقال ﵊: (وإذا عاهد غدر)، فإذا عاهد وأعطى العهد والميثاق غدر بمن أعطاهم ميثاقه.\n(وإذا خاصم فجر)، الفجور في الخصومة.\nوقد جاء في الحديث (وإن الكذب يهدي إلى الفجور) فالإنسان يكذب في شيء، ومن ثم في شيء ثان، ومن ثم في شيء ثالث، ومن ثم يفجر، فيظهر الفجور عند الخصومة، فتجد الإنسان الأمين في كل أوقاته على السواء، في وقت الخصومة مع الناس يطلب الحق، لا يريد أكثر من الحق، ولا يغلف كلامه بكلام منمق معسل.\nوالإنسان الفاجر يبدأ بالاحتيال والمغالطة، وتجده إذا خاصم فجر ولا حول ولا قوة إلا بالله، فأهل الفجور وأهل الكذب هم أهل النفاق.\nفاحذر من ذلك، وإذا وجدت نفسك تريد الفجور في الخصومة فتذكر أنك ستقف أمام الله، ولن ينطق عنك لسانك، ستنطق عليك يدك وفخذك، وأول ما ينطق على الإنسان فخذه يوم القيامة، والإنسان يقول: بعدًا لكن فعنكن كنت أدافع.\nإذا كان للناس عليك حقوق فأد الحقوق من غير جدل، لا تجادل؛ لأنك ستدفع الحق إن عاجلًا أو آجلًا، وإن لم يكن في الدنيا فيوم القيامة، ولا ترم الخصم بذنب من أجل أن تحسن منظرك أمام الناس وتقدح فيه وهو مظلوم فتظلمه بذلك ظلمين، ظلمًا بأن شوهت سمعته، وظلمًا بأن أكلت ماله، فعلينا أن نتقي الله سبحانه ﵎، ونحذر من خصال النفاق التي ذكرها النبي ﷺ.","vol":"58","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-661>شرح حديث: (لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا)</span>\nعن جابر ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ: (لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا)، فهذا النبي ﷺ يعد جابر بن عبد الله ﵁ أنه إذا جاء مال البحرين سيعطيه هكذا وهكذا وهكذا أي: ملء الكفين، قال: (فلم يجئ مال البحرين حتى قبض النبي ﷺ، فلما جاء مال البحرين أمر أبو بكر ﵁ المنادي ينادي: من كان له عند رسول الله ﷺ عدة أو دين فليأتني، قال جابر: فأتيته، وقلت له: إن النبي ﷺ قال لي كذا وكذا، قال: فحثى لي حثية فعددتها، فإذا هي خمسمائة، فقال لي: خذ مثليها) متفق عليه.\nفنفذ أبو بكر الصديق ما أراد النبي ﷺ أن يفعله.\nففيه أن أبا بكر راعى أن النبي ﷺ لم يخلف في موعدة وعدها أحد قط صلوات الله وسلامه عليه، فلما توفي النبي ﷺ قام أبو بكر بذلك مقامه صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"58","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-662>الأمر بالمحافظة على ما اعتاده من الخير</span>\nيقول الإمام النووي: الأمر بالمحافظة على ما اعتاده من الخير، إذا كان لك عمل من أعمال الخير فحافظ على هذا الخير دائمًا ولا تنقضه ولا تبطله ولا تنقطع عنه، فقد قال النبي ﷺ: (إن الله لا يمل حتى تملوا) أي: لا يقطع عنكم ثوابه حتى تنقطعوا أنتم عن العبادة، فيمل الإنسان أي: لهى وتعب من العبادة فيكون بذلك قد قطع عن نفسه الأجر والثواب من الله سبحانه، فطالما أنك تتقرب إلى الله بالعبادة فإن الله يعطيك، فكلما تقربت إليه شبرًا يتقرب منك ذراعًا، وتتقرب منه ذراعًا يتقرب منك باعًا، وتأتيه تمشي يأتيك هرولة بفضله وثوابه ورحمته سبحانه.\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، لا يغير ما في الناس من نعمة حتى يتغير الناس من شكر النعمة وتنقلب أحوالهم، فإذا بهم يكفرون بالله سبحانه، ويشركون به، ولا يحمدونه على شيء، فالله يقلب عليهم الحال، تسخطوا فاستحقوا من الله أن يسخط عليهم وأن يحرمهم، وإذا كانوا من أهل الطاعة وهم مستمرون على الطاعة؛ فالرحمة تأتيهم من عند رب العالمين سبحانه، وإذا كانوا من أهل المعصية وهم يدعون الله: يا رب يا رب وهم على معصيتهم، فإن الله لا يغير ما بهم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فإذا تابوا إلى الله تاب الله ﷿ عليهم، وأعطاهم من فضله، فتغيير الحال بحسب ما يكون عليه قلب الإنسان أنه مستمر على باطله أم أنه أعرض عن الباطل ورجع إلى الحق.\nوقال سبحانه: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ [النحل:٩٢] يحذر الله المؤمنين أن يكونوا بهذه الصفة، والذي يوعد الوعد ومن ثم يخلف ولا ينفذ، أو يعقد العقد ومن ثم يتحلل منه ولا يعطيه شبهه الله بامرأة خرقاء حمقاء كانت في الجاهلية تغزل غزلها إلى أن تعمل منه ثوبًا، ومن ثم تنقض هذا الثوب، ومن ثم ترجع تغزله مرة أخرى، ومن ثم تنقضه! أتكون مثلها كلما عقدت عقدًا نقضته، وكلما عاهدت عهدًا غدرت به؟! فيقول لنا: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ [النحل:٩٢] من بعد ما كنتم أقوياء بالإيمان فارقتم ذلك بالمعاصي ورجعتم القهقري! وأنكاثًا جمع نكث وهو الغزل المنقوض.\nوقال الله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد:١٦]، ألم يأت الوقت بعد؟ ألم تأت الساعة التي تتوبون فيها إلى الله ﷿ وتعرفون حق الله سبحانه وتعتذرون إليه تائبين إليه؟ ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد:١٦]، فأهل الكتاب طال عليهم الأمد من قبل، رفع المسيح ﵊، وطال عليهم الزمن، فتركوا ما أتى وبدلوا وغيروا.\nواليهود بعد أن قبض موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام وطال عليهم الأمد فغيروا، بل في حياته غيروا، فعندما غاب عنهم أربعين ليلة واعده الله ﷿ فيها عبدوا إلهًا آخر! فقال: ﴿وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد:١٦] كلما بعد الإنسان عن الإيمان شيئًا فشيئًا يقسو قلبه، فإذا بالذي كان يعرفه معروفًا صار منكرًا، وإذا بالذي كان يعرفه منكرًا صار معروفًا، وما أكثر هذا في الناس! فتجد الشيء الخاطئ الذي كان يشمئز منه الإنسان أصبح من كثر ما اعتاد عليه سهلًا لا يعبأ به! فعلى المسلم أن يعود نفسه على الخير، وعلى الصدق وإن كان الناس كذابين، ويعود نفسه على الوفاء حتى وإن كان الناس خائنين، وإن وقع الناس في الشرك والكفر بالله سبحانه ﵎ لزم الحق، ورحم الله الفضيل بن عياض حين يقول: الزم طريق الهدى، ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين.\nالزم طريق الهدى، حتى وإن كان معك القليل من المؤمنين على هذا الطريق، واحذر طرق الضلالة والتي على رأس كل منها شيطان يأخذك إليها، ولا تغتر بكثرة الهالكين.","vol":"58","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-663>شرح حديث: (لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل)</span>\nعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ: (يا عبد الله! لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل) أي: نافلة كان يفعلها، ومع ذلك نبه النبي ﷺ عليها، وعبد الله كان مجتهدًا شديد الاجتهاد، قائم ليله، صائم نهاره رضي الله ﵎ عنه، فصار يصوم يومًا ويفطر يومًا، ويقوم من الليل بعضه وينام بعضه، حين علّمه وأخبره أن خير الصيام صيام داود، وخير القيام قيام داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، واستمر عبد الله بن عمرو بن العاص على ذلك، وخشي عليه النبي ﷺ أن يمل فقال: (لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فتركه، فما ترك عبد الله بن عمرو بن العاص قيام الليل)، وقد تعب بعد النبي ﷺ، وأرهقه القيام وأتعبه الصيام، وكانوا يقولون: أنت شيخ كبير، لماذا تفعل هذا الأشياء كلها؟! فكان يقول: فارقني رسول الله ﷺ على شيء، وأكره أن ألقاه غدًا على غيره، انظروا! الحياء من رسول الله ﷺ منعه من ترك المحافظة على ما اعتاده.\nنسأل الله ﷿ أن يغفر لنا وأن يرحمنا وأن يجعلنا نلاقي النبي ﷺ بما يحبه منا.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"58","page":7},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-664> من (استحباب طيب الكلام وطلاقة الوجه عند اللقاء) إلى (إصغاء الجليس لحديث جليسه)</span>\nحث النبي ﷺ على طيب الكلام وطلاقة الوجه عند اللقاء، وجعل طيب الكلام سببًا من أسباب اتقاء النار، وهو دليل حسن الخلق، وقد أمر الله نبيه بخفض الجناح للمؤمنين، ومن ذلك الإصغاء لحديث الجليس.","vol":"59","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-665>أهمية حسن الخلق مع الإخوان</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: باب استحباب طيب الكلام وطلاقة الوجه عند اللقاء.\nقال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:٨٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].\nوعن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة) متفق عليه.\nوعن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (والكلمة الطيبة صدقة) متفق عليه.\nوعن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: (لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق) رواه مسلم.\nذكر الإمام النووي ﵀: كتاب الأدب، وذكر تحته أبوابًا منها: ما قدمنا قبل ذلك في الحياء وفضله والحث على التخلق به، ومنها: ما جاء في حفظ السر، ومنها: ما جاء في الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد، ومنها: الأمر بالمحافظة على ما اعتاده من الخير، وهذا باب في استحباب طيب الكلام وطلاقة الوجه، واستحباب بيان الكلام وإيضاحه للمخاطب، وفي إصغاء الجليس لحديث جليسه الذي ليس بحرام وغير ذلك.","vol":"59","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-666>التعود على حسن الخلق</span>\nإن الإنسان المؤمن يتعلم الحياء من هذا الدين العظيم، ويتعلم الأدب وحسن الخلق، ويقيم ذلك في نفسه وفي أهله وبين الناس ويطبقه، وينتظر على ذلك الأجر من الله سبحانه ﵎، فالمؤمن يتعلم الحلم وحسن الخلق ليس ليقول عنه الناس: إنه إنسان طيب وإنه كذا! وإنه كان جيدًا؛ لأن الأصل في ذلك أنه طاعة لله سبحانه، وأنه يريد بذلك الجنة، ولأنه يعلم أن أفضل الأعمال التي تدخل صاحبها الجنة بعد إقامة الفرائض حسن الخلق، فعلى الإنسان أن يحسن خلقه شيئًا فشيئًا، فكما أن العلم بالتعلم فكذلك الحلم بالتحلم، فالمرء يتعاطى أسباب العلم شيئًا فشيئًا حتى يصير عالمًا، كذلك يحلم شيئًا فشيئًا حتى يصير حليمًا، فالنبي ﷺ يقول لنا في الحديث: (إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحرَّ الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه) يعني: يحسِّن الإنسان خلقه بالتعود ويعتاد على العلم بالتعلم، والحلم يكون بالتعود على الحلم، وجاء بصيغة التفعل التي تقتضي التكرار والمواظبة والمداومة على الشيء.\nوكذلك تحري الخير، فمن يتحرَّ الخير لم يزل يطلبه في مظانه حتى يصل في النهاية إليه، والذي يخاف من الشر ويتوقاه يكلفه ذلك أنه كلما رأى شرًا يبعد عنه شيئًا فشيئًا حتى يقيه الله ﷿ الشر.\nإذًا: جماع الأمر أن الإنسان يعود نفسه على العلم، وعلى الحلم، فيصبر على ذلك حتى يكون عالمًا ويكون حليمًا، ويكون حسن الخلق.\nومن الأخلاق الطيبة: طيب الكلام وطلاقة الوجه عند اللقاء، فلابد للإنسان أن يكون كلامه طيبًا، فالإنسان الفاحش في الكلام يقول كلامًا غير مفهوم، وإذا جلس في مجلس تراه يهمز هذا ويلمز هذا ويطعن في عرض هذا ويعيب في الناس، فإن الناس تستقبح منه ذلك فلا يحبون مجالسته، حتى وإن أظهروا له أنهم يضحكون من كلامه أو يضحكون معه، لكن الحقيقة أن الله يلقي البغضاء في قلوبهم، فيبغض بعضهم بعضًا؛ لأنهم يعصون الله سبحانه ﵎.\nلابد للإنسان المؤمن أن يعود نفسه على قول الخير ومجالسة أهل الخير، فيجالس الأبرار وأهل الطاعة فيتعود منهم حسن الخلق، لكنه إذا جالس سيئي الخلق يصير لسانه مثل لسانهم، فإذا قال أحدهم له نكتة رد عليه بنكتة، وإذا طعن أحدهم في عرضه رد عليه بمثلها، حتى يصير في النهاية إنسانًا بذيء اللسان، والنبي ﷺ نهانا عن الفحش والتفحش، لا تكن فحاشًا في كلامك ولا تتكلف ذلك، ولكن ابق على طبيعتك الطيبة، وإذا رأيت إنسانًا فيه أخلاق غير طيبة فلا تقلده من أجل أن يخاف منك؛ لأن الله ﷿ هو الذي يلقي الهيبة في قلوب الناس، فأطع الله سبحانه ﵎ يعنك سبحانه ﵎، فهذا رجل من أصحاب النبي ﷺ سمع رجلًا يشتمه فقال له: يا هذا! دع للصلح موضعًا، فإنك إن عصيت الله فينا لا نفعل أكثر من أن نطيع الله فيك.\nيعني: أنت تعصي الله فينا يشتمك لنا، لكن نحن نطيع الله فيك بالصبر عليك، فدع للصلح موضعًا.\nوالإنسان المؤمن لا يكون إمعة، فإذا جلس في مجلس يتكلم بلسان أهله، أو يعتاد أن يكون بذيئًا، أو يكون فحاشًا أو شتامًا، بل يحافظ على لهجته وعلى حلاوة منطقه ولسانه مع كل الناس.","vol":"59","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-667>التبسم وسهولة المعاملة مع الإخوان</span>\nيستحب أن يكون الإنسان متبسمًا، ولا يكون عابسًا دائمًا مكفهرًا متضايقًا، ويظهر للناس الغضب والملل من كلامهم، وليكن المسلم متواضعًا سهلًا، فقد كان النبي ﷺ يخبر عن المؤمن أنه إلف مألوف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، المؤمن إلف سهل مألوف يعتاد الناس عليه ويقبلون عليه من غير أن يهين نفسه، فمن الناس من يظن أن السهولة أن يكون مع الناس مثل ما هم عليه، يتكلم معهم ويمزح معهم ويضحك حتى يغلبوه على أمره فيسخروا منه، لا، ليس بهذه الطريقة؛ بل كن في نفسك وقورًا، واعرف قدر نفسك، واعرف الناس الذين معك، وعامل من هو فوقك بالاحترام والمودة، ومن هو دونك بالرفق والمحبة والمودة، ومن هو مثلك بالعطف والمودة، فالمؤمن يتعامل مع كل الناس، وإن كان بينك وبين الناس خيط فلا تقطعه، فلاتسخر من أحد فتلقاه يسخر منك يومًا من الأيام، ولا تتطاول على أحد، فقد يكون الذي تتطاول عليه أقل منك أو يخاف منك فيسكت، ولكن قد يسلط الله ﷿ عليك إنسانًا سفيهًا يومًا من الأيام فتقول له شيئًا، فيرد عليك أكثر مما قلت، ولذلك كان العلماء يحرصون على هذه الأخلاق التي كان عليها النبي ﷺ، فإذا أساء إليهم إنسان يسكتون ويتركونه؛ لأنه في يوم من الأيام قد يلاقي من هو سفيه فيسفه عليه.\nكان الأحنف بن قيس يضرب به المثل في الحلم، جاءه إنسان يومًا من الأيام وصفعه على وجهه فقال: لعلهم جعلوا لك جعلًا على ذلك، قال: نعم، قال الأحنف للرجل: لست بسيد القوم، ولن تكسب شيئًا، وإنما سيد القوم فلان فاذهب فاصفعه؛ حتى تحصل على الجعل، فذهب إلى فلان هذا فصفعه على وجهه، فقطع المصفوع يد الصافع، وهذا ما كان يريده الأحنف، فلا تدري إذا تطاولت على إنسان فقد يسخر الله إنسانًا يتطاول عليك.\nإذًا: عود نفسك على البشاشة مع الناس وعلى الحلم واللين والرفق معهم.","vol":"59","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-668>التوسط في اللين مع الناس</span>\nليس معنى أن تكون حليمًا ولينًا للناس أن تجعلهم يضيعون عليك وقتك وجهدك؛ لأن الناس من تفرغ لهم تفرغوا له وأخذوا ما يريدون وأنهكوه وأتعبوه، فمن الشيء المعروف أن الناس إذا تعودوا على فراغك معهم لن تتخلص منهم، لكن احرص على عبادتك، وعلى وقتك، واترك الذين لا يهتمون بدخولك الجنة أو النار أو تحل عليك مصيبة، هم لا يهتمون بك، إنما همهم أن يأخذوا الذي يريدون، فتراهم إذا جاء إمام المسجد وقعد ليقرأ القرآن تجد هذا يسأله: يا شيخ عندي مسألة، والثاني: عندي سؤال، والثالث عنده سؤال، فلا يتركونه يقرأ القرآن أو يسبح الله ﷾، لكن إذا حسم الأمر وحافظ على نفسه فالجميع سيخاف وسيسكت، لكنه إذا فتح للناس المجال لن يكمل الإجابة حتى يقف على باب الجامع، وقد يستمر على ذلك ساعتين لو أصغى للجميع! إذًا: ليس من اللين أن تتنازل فتضيع العبادة أو العلم الشرعي، ولكن أوسط الأمر أن تبسُط وجهك للناس، وتكون رقيقًا معهم، ولكن أيضًا اعتذر لهم حسب طاقتك، فرب العزة سبحانه يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فالإنسان لا يكلف نفسه إلا ما يطيق؛ لذلك عود نفسك على المحافظة على وقتك وعلى وقت غيرك، وكن لطيفًا رقيقًا، وسلم على من عرفت ومن لم تعرف، ولا تكن مثل من لا يحب أن يسلم عليه أحد، فإذا أراد أن يرد السلام ردَّ بطريقة ساذجة، فيقول لك: أنت لا تستحق! قال النبي ﷺ: (شر الناس من اتقاه الناس مخافة شره)، شر الناس من كان الناس يخافونه، وهو سعيد أن الناس تخافه! فيفسحون له الطريق، ولكن النبي ﷺ وصفه بأنه شر الخلق، وإذا كنت شر الناس في الدنيا، فمحلك يوم القيامة مع الأشرار في النار والعياذ بالله.\nلذلك الإنسان المسلم إذا مر في الطريق سلم على إخوانه سواء سلم باليد أو سلم باللسان، ويلقي التحية عليهم ويكون بشوشًا في وجوه الناس، وإذا سلم عليك أخوك فلا توقفه نصف ساعة حتى لا تعطله وتضيعه عن عمله، أحيانًا أخاف أن أسلم على الإخوة باليد مع أنني أحب أن أسلم عليهم باليد، لأنه يتساقط بسببها السيئات، ولكن إذا سلمت باليد على أحد الناس يقول: تعال يا شيخ أريدك، ويوقفني نصف ساعة، وكذلك الثاني وأما الثالث فيقول: سبحان الله! تمشي ولا تضحك لأحد ولا تسلم على أحد؟! فلابد أن تعلم أن الذي يحبك في الله سبحانه ﵎ يجب أن تكون محبته لك بأن يحافظ على وقتك وأن يعينك على طاعة الله ﷾، فالسؤال قد يتأخر أما عبادة الله فلا تتأخر؛ لأنها مؤقتة بأوقات.\nومن الناس من يأتي الساعة الثانية عشرة في الليل ويدق الجرس فيقول: طلقت امرأتي، فابحث لي عن حل، ولا ينتظر الصباح، فنقول له: صلِّ معنا الفجر في جماعة، فيأتي على باب المسجد يريد أن يسأل سؤالًا فيقال له: الصلاة أولًا، فيقول: لا، أنا في عجلة من أمري، فلا يريد أن يصلي، ولكنه يريد أن يعرف جواب سؤاله! إذًا: نقول: إن الإنسان لابد أن يحافظ على وقته، وليس معناه أنه لا يراعي هذه الأحاديث لا، بل لابد أن يتبسم في وجوه الناس، وهذا يلزمنا شرعًا، لكن بالقدر الذي لا يضيقون به علينا عبادة ربنا ﷾.\nفالإنسان المؤمن يكون إلفًا مألوفًا، لكن لا يعني ذلك التغاضي عن الواجبات العينية والمفروضة عليه، بل عليه أن يعرف القدر الذي أوجبه الله ﷿ عليه، فيؤدي العبادة كما أمره الله ﷾.","vol":"59","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-669>أمر الله تعالى لنبيه ﷺ وللمؤمنين بخفض الجناح</span>\nيقول الله ﷿ للنبي ﷺ: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:٨٨]، جناح الإنسان جانبه، والإنسان فيه جناح اللين وجناح الاعتزاز والشدة، والله يقول لنبيه: «وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ»، أي: كن ذليلًا مع المؤمنين، كالطير يطير فيأتي على أفراخه ويظلهم بجناحه ويأخذهم بجواره، فكن مع المسلمين كذلك، لا تتعال عليهم، ولكن تواضع معهم، وهذا خطاب للنبي ﷺ الذي ليس في قلبه غل لأحد، وقد عصمه الله ﵎، ويقول له ذلك من باب (إياك أعني واسمعي يا جارة)، وهذا فيه تعليم لكل المؤمنين أن يخفضوا أجنحتهم لبعضهم البعض.\nوقال لنبيه ﷺ: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ [آل عمران:١٥٩] الفظ هو الشديد السيئ الخلق، ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ [آل عمران:١٥٩] أي: لا تلين لأحد، لو كنت كذلك، ﴿لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]، ولكن الحال أنهم مجتمعون حوله ﷺ، فليس فيه ذلك، فعبر بلو، ولو حرف امتناع وقوع الجواب لامتناع وجود الشرط، ومستحيل أن يكون النبي ﷺ غليظ القلب، ومستحيل أن ينفضوا من حوله صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"59","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-670>شرح حديث: (اتقوا النار ولو بشق تمرة)</span>\nعن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) أي: لابد للإنسان المؤمن أن يتقي النار وأن يستحضر دائمًا ذكر النار وذكر الجنة، فيرجو أن يكون من أهل الجنة ويتعوذ بالله من النار، وليكن على لسانه دائمًا: اللهم إني أسألك الجنة، اللهم أجرني من النار.\nإذا سألت الله ﷿ الجنة فإن الجنة تخاطب ربها: يارب، إن عبدك يسألك الجنة، يا رب أدخله الجنة، والنار تقول: يا رب أجره من النار، فقد جاء في حديث للنبي ﷺ: (أنه من سأل الله الجنة ثلاثًا وتعوذ بالله من النار أيضًا ثلاثًا، تقول الجنة لربها سبحانه: اللهم أدخله الجنة، والنار تدعو ربها أن يعيذه من النار).\nوفي حديث آخر: (من قال في يومه سبع مرات ذلك) يعني: أنه يتكرر منه ذلك، كلما ذكر الجنة يقول: اللهم إني أسألك الجنة، سبع مرات، وكلما ذكر النار تعوذ بالله منها سبع مرات، فإذا كان الأمر كذلك كان الله ﷿ لك على حسب ظنك فيه ﷾.\nوالغرض من ذلك أنك إذا أكثرت من قولك: اللهم أجرني من النار، اللهم إني أسألك الجنة، مستحضرًا لذكر الجنة ولذكر النار، فذكرك للنار يجعلك تخاف أن تدخلها فتقوم بالصدقة وبالبشاشة في وجه أخيك وبإعانة الناس على الخير.\nقال النبي ﷺ: (فمن لم يجد فبكلمة طيبة) أي: فمن لم يجد تمرة فبكلمة طيبة، وذلك بأن تقول لأخيك كلمة طيبة، كذلك المسكين الذي يأتي إليك أو الفقير أو المحتاج وليس معك شيء تعطيه فتقول له: أسأل الله أن يسهل لك ويعطيك، وإن أعطانا الله سنعطيك.\nفبالكلمة الطيبة تصرف هذا الإنسان طالما أنه فقير أو مسكين، وليس إنسانًا محتالًا أو مخادعًا أو سارقًا، فالتعامل مع هذا الفقير أو المسكين إما أن تعطيه شق تمرة فما فوقها وإما أن تعتذر إليه، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء:٢٨] أي: تقول قولًا سهلًا كريمًا لهذا الإنسان السائل.","vol":"59","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-671>شرح حديث: (الكلمة الطيبة صدقة)</span>\nعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (والكلمة الطيبة صدقة).\nذُكر هذا في الحديث الطويل الذي فيه: (كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس: يعدل بين الاثنين صدقة)، أي: أن ابن آدم فيه ثلاثمائة وستون سلامى، والسلامى هي العظمة التي بين المفصلين، فالإنسان فيه مفاصل تتحرك، فإذا قام من النوم تحرك مفصل من المفاصل، فحينها يحمد الله ﷿ على ذلك، ولعل الصحيح لا يعرف قيمة هذه المفاصل، لكنه إذا وقع وتأذت ركبته ولم يستطع أن يحركها عرف فضل الله ﷿ عليه، وإذا جرحت إحدى أصابعه وأراد أن يمسك القلم ولم يستطع أن يمسكه عرف فضل الله ﷿ عليه.\nفكل نعمة من هذه النعم تحتاج إلى أن تشكرها وتتصدق عنها كل يوم، فإذا أردت أن يعطيك الله صحة كل يوم عليك بالصدقة بثلاثمائة وستين صدقة تتصدق بها على كل مفصل في جسدك.\nوالنبي ﷺ يعلمنا فيقول: (كل تسبيحة صدقة)، كأن تسبح الله في كل يوم بعد الصلاة أو غيرها، فكل تسبيحة من هذه التسبيحات صدقة، (وكل تحميدة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة)، وقوله ﷺ: (وتعين الرجل على دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة).\nكذلك من الصدقة تبسمك في وجه أخيك، قال ﷺ: (والكلمة الطيبة صدقة)، إذًا: على الإنسان أن يقول كلمة طيبة لأخيه المسلم؛ لقول النبي ﷺ: (فمن لم يجد فبكلمة طيبة).","vol":"59","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-672>شرح حديث: (لا تحقرن من المعروف شيئًا)</span>\nعن أبي ذر ﵁ قال: (قال لي رسول الله ﷺ: لا تحقرن من المعروف شيئًا)، لا تحقرن المعروف؛ لأن فيه أجرًا وثوابًا، فأي معروف تستطيع أن تعمله ولو كان هذا المعروف يسيرًا أو أقل الأشياء فاعمله، فالله ﷾ يضاعف هذا المعروف ولو كان مثقال ذرة أو وزن نملة أو أقل من ذلك.\nثم قال ﷺ: (ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق) يعني: حتى ولو كان أقل المعروف، فلابد أن تقابل أخاك بوجه ليس متجهمًا ولا مكفهرًا ولا عابسًا، ولكن كن متبسمًا له في طريقك وفي بيتك وفي مسجدك، فالتبسم للأخ المسلم صدقة.","vol":"59","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-673>استحباب بيان الكلام وإيضاحه للمخاطب وتكريره ليفهم إذا لم يفهم إلا بذلك</span>\nيقول الإمام النووي: باب استحباب بيان الكلام وإيضاحه للمخاطب وتكريره ليفهم إذا لم يفهم إلا بذلك.\nتكلم مع الناس بكلام يفهمونه، فلا تكن سريع الكلام؛ لأن الذي يسمعك قد لا يفهم ما تقول، وقد يقول لك: أعده ثانية، فتظهره في مظهر الغبي الذي لا يفهم، فلا تسرع في الكلام، وإذا طلبت حاجة فاطلب على مهلك واجعل الذي يسمعك يفهم منك ما تقول، هذا في كلامك مع الناس، أما إذا كنت في الدرس أو في الخطبة فمن باب أولى ألا تقول للناس كلامًا لا يفهمونه، فقد يظن الناس أنك فاهم وهم ليسوا بفاهمين، فيقولون: هذا كلام كبير نحن لا نعرفه، ولكن أفهم الناس وخاطبهم على قدر عقولهم، فالنبي ﷺ وهو الذي أوتي جوامع الكلم كان أفصح خلق الله صلوات الله وسلامه عليه، وأبينهم ﵊، يقول أنس: (كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا، حتى تفهم عنه صلوات الله وسلامه عليه)، هذا إذا أراد أن يفهمهم وظن أنهم لم يفهموا أو أراد أن يحفظهم ذلك، وليس معناه أنه كلما تكلم أعاد ثلاث مرات، وإلا لكان ذلك عيبًا به ﷺ، وحاشاه من ذلك.\nفالمقصد أنه إذا كان الكلام لا يفهم إلا بتكرار كرره، كأن يلقي ذكرًا من الأذكار ليحفظ، أو أمرًا من الأمور أو يريد أن يعلمهم نصيحة يحفظونها فإنه يكرر ذلك مرة ومرتين وثلاث مرات صلوات الله وسلامه عليه، وأحيانًا إذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثًا، وهذا إذا كانوا قومًا كثيرين، فلابد أن يكرر: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته حتى لا يحرم البقية من بركة التسليم عليهم؛ لأن النبي ﷺ يدعو لهم حين يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فكان من شفقته ﷺ ألا يحرمهم من ذلك، فكان يكرر التسليم عليهم مرة ومرتين وثلاث مرات، فيردون ﵇ صلوات الله وسلامه عليه، ورضوان الله ﵎ عليهم.\nتقول السيدة عائشة ﵂: (كان كلام رسول الله ﷺ كلامًا فصلًا يفهمه كل من يسمعه)، والكلام الفصل له مقطع يقف عليه المتكلم ويسمعه السامع، ليس هو كلامًا له ذيول طويلة بحيث آخره ينسي أوله، ولكن كان كلامه كلامًا فصلًا.\nوأنت حين تسمع أحاديث النبي ﷺ أو تقرؤها تجدها واضحة بينة، سواءً كانت أحاديث طويلة أو أحاديث قصيرة، فحديثه ﷺ كله جمل مفيدة، فـ عائشة ﵂ تذكر أن كلامه كان كلامًا فصلًا يفهمه كل من يسمعه، بل قالت في حديث آخر: (لو أراد العاد أن يعده لعده)، فالكلمات التي يخرجها ﷺ تنبثق من هدوئه، فهو عندما يتكلم ﷺ يتبين ما يقوله صلوات الله وسلامه عليه.\nإذًا: من الأدب في الكلام أن الإنسان يفهم جليسه ما يقول، ولا يتسرع في الكلام بحيث إن الذي يسمع لا يفهم، وقد تطلب منه أشياء وهو ليس بفاهم، فيقول لك: حسنًا، ولا يستطيع أن ينفذ شيئًا من الذي تقوله.","vol":"59","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-674>الحث على إصغاء الجليس لحديث جليسه</span>\nيقول الإمام النووي: باب إصغاء الجليس لحديث جليسه الذي ليس بحرام يعني: إذا تكلمت مع إنسان أفهمته ما تقول، والسامع لابد أن يسمع ويصغي إلى الذي تقول، إلا أن يكون كلامًا حرامًا فلا ينبغي له أن يجلس في مجلس فيه كلام حرام، بل يأمر بمعروف وينهى عن منكر أو يترك المجلس وينصرف، ولا يجلس مع أناس يتكلمون في دين الله ﷿ باستهزاء وسخرية، أو يتكلمون في عرض فلان وفلان، أو يدبرون لسفك دم فلان أو لانتهاك عرض فلان أو لأخذ مال فلان، والأشياء المحرمة يجب عليه أن يوقف أصحابها، فإذا يئس فليترك المكان ولا يجلس معهم.\nولذلك يحذر ربنا سبحانه ﵎ النبي ﷺ أن يقعد مع أقوام يخوضون في آيات الله، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨].\nيعني: إذا نسيت وقعدت، ثم تذكرت، فاترك هؤلاء ولا تجلس مع القوم الظالمين، وانتق الجليس الذي تجلس معه بأن يكون إنسانًا تقيًا ينصحك وتنصحه، ويقبل منك النصيحة، ويدعو لك وتدعو له.","vol":"59","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-675>من أدب السماع إصغاء الجليس إلى حديث جليسه</span>\nإن إصغاء الجليس إلى حديث جليسه من أدب السماع، فالإنسان له لسان واحد وله أذنان؛ حتى تسمع ضعف ما تتكلم، فلا تقعد في الجلسة لكي تتكلم كثيرًا وإلا ستأخذ الجلسة كلها، ولكن الإنسان الذي يحبه الناس من يسمع أكثر مما يتكلم؛ لأن الإنسان الذي يكثر الكلام يجعل الناس يضجرون منه، فعود نفسك أن تسمع أكثر مما تتكلم إذا كنت مع الناس، فلا تتكلم حتى يشتهي الناس كلامك، فإذا أحب الناس أن يسمعوك تكلمت، فقد كانت نصيحة ابن عباس لـ عكرمة وكان عالمًا بالتفسير ﵁ أن قال له: إنك تعلمت هذا العلم فلا تمل الناس، ولا ألفينك تأتي الناس في حديثهم فتقطع عليهم الحديث، ولكن انتظر حتى يشتهوا كلامك، فإن اشتهوا كلامك فتكلم.\nفالمسلم يعود نفسه على أن يستمع خاصة الكلام المفيد، ولا يكثر من الكلام.","vol":"59","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-676>الحث على الإنصات ليتيسر وصول المسموع</span>\nيقول الإمام النووي: باب إصغاء الجليس لحديث جليسه الذي ليس بحرام، واستنصات العالم والواعظ حاضري مجلسه.\nيعني: إذا كان المجلس يكثر فيه اللغط والكلام فلابد من الاستنصات؛ حتى يعظ الواعظ أو يخطب أو يعطي درسًا، فليس للناس أن يتكلموا وهو يتكلم، وليس من الأدب أن يتكلم الناس في الدرس، وإذا اقتضى الأمر أن يسكت الناس سكتوا.\nيقول جرير بن عبد الله البجلي ﵁: (قال لي رسول الله ﷺ في حجة الوداع: استنصت الناس) يعني: كان هناك ناس كثير مع النبي ﷺ في حجة الوداع، وكان عددهم مائة وثلاثين ألف رجل، فأراد النبي ﷺ أن يعظهم ويخطب فيهم فقال لـ جرير: (استنصت الناس) يعني: مرهم بالسكوت، لكي يخطب فيهم النبي ﷺ ويعظهم، ثم قال للناس موعظة عظيمة: (لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض)، الكفر العملي بأن يقاتل بعضكم بعضًا ويقتل بعضكم بعضًا، أما الكفر الحقيقي فهو بأن يستحل الإنسان دم المسلم فيقتله لكونه مسلمًا، فهذا كفر حقيقي، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"59","page":13},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-677> الوعظ والاقتصاد فيه</span>\nإن الموعظة سلاح يستخدمه الداعون إلى الله لاصطياد قلوب الغافلين من عباد الله؛ ليرجعوهم إلى المسار الصحيح والصراط القويم، ولكن لابد لمستخدم هذا السلاح لينتفع به من مراعاة حال الناس وأن تكون موعظته مشتملة على جوامع الألفاظ من كلام الله وكلام رسوله، وألا يطيل فيها حتى لا يسأم الناس وأن يتخير من الأوقات ما يكون فيه الناس مقبلون على قبول كلامه متعطشون إلى سماع نصحه وبيانه.","vol":"60","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-678>ما جاء في الوعظ والاقتصاد فيه</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب الوعظ والاقتصاد فيه.\nقال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥].\nوعن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: (كان ابن مسعود ﵁ يذكرنا في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن! لوددت أنك ذكرتنا كل يوم.\nفقال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله ﷺ يتخولنا بها مخافة السآمة علينا) متفق عليه.\nوعن عمار بن ياسر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة) رواه مسلم].\nيذكر الإمام النووي ﵀ في هذا الباب الوعظ والاقتصاد فيه وهذا من الأبواب التي ذكرها الإمام النووي في كتاب الآداب.\nومما ذكر قبل ذلك: الكلام عن الحياء والحث عليه والتخلق به، وحفظ السر، والوفاء بالعهد وإنجاز الوعد، والمحافظة على ما اعتاده الإنسان من الخير، وطيب الكلام وطلاقة الوجه، واستحباب بيان الكلام وإيضاح الكلام للمخاطب، وإصغاء الجليس لحديث جليسه.","vol":"60","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-679>الحث على أن تكون الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة</span>\nالاقتصاد في الموعظة أمر مطلوب، والكلام إذا كان كثيرًا في مادة واحدة، كأن يكثر الإنسان من الوعظ والتذكير بالجنة والنار، فإن هذا يجعل الناس يملون، فلذلك جاء عن النبي ﷺ تعليم الناس أن يقتصدوا في مثل ذلك.\nيقول الله ﷿: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥].\nفقوله: ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل:١٢٥] أي: أن تكون حكيمًا، كذلك أن تكون الدعوة بالموعظة، وهنا قال: ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] أي: كأن المواعظ منها موعظة سيئة ومنها موعظة حسنة، فالله ﷿ يأمرك أن تعظ موعظة حسنة، والوعظ هو: التذكير والتخويف بالله ﵎، ولكن أحيانًا يأتي الإنسان لتذكير الناس وتخويفهم فيملهم، بسبب أنه يكثر من الترهيب حتى ييئس الناس، أو يكثر من ترغيب الناس حتى يجعلهم يرجئون الأعمال ويتراخون عن العمل الصالح، فعلى الإنسان أن يقتصد.\nومن أجمل ما يؤتى به في الموعظة القرآن الكريم وحديث النبي ﷺ، فالقرآن الكريم تجد في آياته التذكير بالله ﵎، وذكر أسمائه وصفاته سبحانه، ففي السورة الواحدة تجد التذكير بأمور الآخرة من جنة ونار وغيرها، وتجد التذكير بالأحكام الشرعية التي يريدها الله ﷿ من عباده، والتذكير بمخلوقات الله سبحانه، والقصص عن الأمم السابقة، وتذكير الإنسان بالمواعظ والرقاق، فتجد القرآن يتحول من شيء إلى شيء، فلا يمل قارئ القرآن، كذلك حديث النبي ﷺ لا يمل منه، فقد أوتي جوامع الكلم ﷺ، فما كان يخوف الناس حتى ييئسهم ﷺ، ولا كان يفتح لهم أبواب الرجاء حتى يجعلهم يتركون العمل، ولكن يأمرهم بالعمل بقوله: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له، فأما أهل السعادة فبعمل أهل السعادة يعملون، وأما أهل الشقاوة فبعمل أهل الشقاوة يعملون).\nيقول الله ﷾: ﴿ادْعُ﴾ [النحل:١٢٥]، فيأمر النبي ﷺ بذلك وهو سيد الخلق ﵊، وهو الإمام في كل شيء، والقدوة الحسنة، فيقول له معلمًا له: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل:١٢٥]، إلى طريق ربك ﵎، ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل:١٢٥] بالآيات التي نزلت من عند ربك سبحانه بالكتاب الحكيم بالحكمة والموعظة الحسنة.","vol":"60","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-680>شرح حديث ابن مسعود: (وإني أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله يتخولنا بها مخافة السآمة علينا)</span>\nيوضح ابن مسعود ﵁ ما كان يصنعه النبي ﷺ في موعظته، فيقول أبو وائل واسمه شقيق بن سلمة وكان من التابعين ومن تلامذة ابن مسعود ﵁ قال: كان ابن مسعود يذكرنا في كل خميس، يعني: كل خميس يخرج عليهم ويكلمهم ويعظهم، ويذكرهم بالله سبحانه، وابن مسعود كان من كبار فقهاء أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه، فكان معلمًا للناس، يعلمهم الفقه.\nفكان ﵁ يتخولهم بالموعظة، يعني: لا يأتي كل يوم يذكرهم بالجنة والنار؛ لأن الناس يملون من تذكيرهم بالجنة والنار كل يوم، ولكن ليكن ذلك مرة كل فترة، وليس كل يوم.\nيقول هنا: كان يذكرنا في خميس، كل يوم خميس كان يذكرهم، فقال له رجل وقد أعجبته مواعظ ابن مسعود: يا أبا عبد الرحمن! لوددت أنك ذكرتنا كل يوم، يعني: ليتك تقول لنا كلامك الطيب وحديثك الجميل هذا كل يوم، فقال ابن مسعود ﵁: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم.\nإذًا: ابن مسعود خائف عليهم إن هو ذكرهم ووعظهم وخوفهم من النار ورغبهم بالجنة كل يوم أن يملوا، فإذا مل الإنسان فإن الكلام لا يؤثر فيه ولا يعينه على العمل، ولا يتشجع للعمل بسماعه، فيقول هنا: إني أكره أن أملكم، وإني أتخولكم بالموعظة، يعني: أحيانًا يأتيهم بالموعظة وليس كل يوم.\nفيقول: (وإني أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله ﷺ يتخولنا بها مخافة السآمة علينا).\nإذًا: النبي ﷺ كان يتخول أصحابه عندما يذكرهم ويقص لهم القصص ويخوفهم من النار، ويذكرهم بالجنة، فكان يسكت مدة ثم يتكلم ﷺ، وهذا أدعى أن يجمع الإنسان همته فيستوعب ما يقوله له من يذكره، فقال هنا: (كان يتخولنا بها مخافة السآمة علينا) يعني: يخاف أن نسأم وأن نمل من ذلك، فإن الإنسان إذا مل فلعله يستهين بالحديث الذي يلقى أمامه.\nفعلى الإنسان أن يتكلم أحيانًا ويسكت أحيانًا، وأيضًا ينوع في كلامه وأسلوبه؛ لأن الكلام إذا كان مكررًا فإن الإنسان يمل منه ويزهد فيه، فلو جئت إلى رجل تارك للصلاة ودعوته إلى الصلاة فربما يستجيب لك، وربما لا يستجيب، فيمكن أن تذكره بالجنة وتخوفه من النار، لكن لا تأتي إليه في كل وقت وتخوفه من النار؛ لأنه لو تعود على سماع ذكر النار فإنه لن يتأثر حتى إننا نجد أن بعض الجهال إذا خوفته من النار قال لك: كلنا سندخل النار، ولا أحد سيدخل الجنة! وهذا من باب الاستهانة بالنار، فمثل هذا الفعل يوقع المستهين في الكفر، فبعدما كان في معصية أو كبيرة من كبائر الذنوب، أصبح واقعًا في الكفر بسبب الاستهانة بعذاب رب العالمين سبحانه.\nفعلى الإنسان الذي يعظ ويذكر، وإذا أراد أن يدعو إنسانًا إلى أن يحافظ على الصلاة فيبين له ما في الصلاة من فوائد للإنسان، وما في الصلاة من صلة بين العبد وبين ربه، وما في الصلاة من أجر نتيجة المشي إلى المسجد، وأن له بكل خطوة يخطوها رفع درجة ووضع سيئة، ويحرك في نفسه الغيرة من إخوانه الذين يصلون لينافسهم في هذا الخير، ويكون مثلهم، فعلى الداعية أن ينوع في الخطاب لعل الله ﷿ أن يهدي به من يشاء من عباده.\nفالمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير ممن لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، فلو أن الواعظ أخذ يكرر كلامه، فإنه سيمل منه ويعرض عنه، لكن لو أنه غير من أسلوبه وغير من طريقته في الدعوة لهذا الإنسان فلعل الله ﵎ أن يفتح على يديه فيستجيب هذا الإنسان إلى الدعوة ويستجيب إلى المسجد فيصلي، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه ذكر رجلين ممن كانوا قبلنا، كان أحدهما عابدًا وكان الآخر عاصيًا، فكلما مر العابد بذاك العاصي وجده على معصية، فيذكره بالله، ثم يمر عليه مرة ثانية ويجده على المعصية نفسها، فيذكره بالله، فلا ينتهي، وإذا بهذا العاصي لما مل من تكرار صاحبه لدعوته يتطاول على ربه ﵎ ويقول: دعني وربي، دعني وربي، فإذا بالعابد يقول له: والله لا يغفر الله لك! فهذا العابد مل من كثرة دعوة صاحبه وهو لا يستجيب، وفي النهاية نسي أنه عبد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وليس له أن يحاسب العباد، وإنما هو يدعو إلى الله ﷿، فإذا به يقسم على الله سبحانه، ومعنى كلامه: والله ما أنت بداخل الجنة، وكأنه يقرر عن الله ﷾ أن فلانًا لن يدخل الجنة! فإذا بالله يقول: (من هذا الذي يتألى علي ألا أدخله الجنة؟ فقد غفرت له وأحبطت عملك) يعني: ما الذي يجعلك تحلف على الله ﵎ ألا يغفر لعبد من عباده؟! فالإنسان حين يكثر من الشيء فإنه في النهاية قد يمل هو مما يقوله للناس، فيدفعه ذلك لأن يتطاول على أمر الله ﵎؛ لذلك الإنسان يتخول الناس بالموعظة، وخاصة في أمر الترغيب والترهيب، ولا يكون الكلام كلامًا مكررًا فيمل الناس من سماعه.","vol":"60","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-681>شرح حديث: (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه)</span>\nمن الأحاديث الواردة في هذا الباب حديث عمار بن ياسر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنَّة من فقهه) فالصلاة تكون طويلة، وهذا مقيد بما جاء عن النبي ﷺ حيث قال: (أفتان أنت يا معاذ؟ من صلى بالناس فليخفف، فإن من ورائه الضعيف والمريض وذا الحاجة)، فهنا يشرع له أن يخفف كما كان النبي ﷺ يفعل، فيقرأ بما كان يقرأ به النبي ﷺ ونحو ما كان يقرأ، فكان مثلًا يقرأ في فجر الجمعة بسورة السجدة وسورة الإنسان، فهذا من تخفيفه ﷺ حيث لم يقرأ بهم بالبقرة، ومع ذلك يقول الفقهاء: على الإمام أن يراعي حال من وراءه، فإذا كان فيهم الضعفاء ومن لا يطيقون ذلك لم ينفرهم.\nإذًا: يقرأ الإنسان بما لا يشق على الناس، ولكن يتبع سنة النبي ﷺ في ذلك، فيقرأ في صلاة الظهر بما جاء عن النبي ﷺ نحو: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١]، وهذا من التخفيف، لكن لا يأتي في كل صلاة ويقرأ بالفاتحة و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، ويقول: أنا أخفف؛ لأن النبي ﷺ أمر بالتخفيف، فهذا -وإن صحت الصلاة- ليس من فعله ﷺ، فلم يثبت عنه أنه كان يقرأ باستمرار الفاتحة و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، أو الفاتحة و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١]، أو الفاتحة و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١]، فالذي قال للأئمة: (من أم بالناس فليخفف) فعله يبين ذلك.\nفالإنسان عندما يصلي بالناس عليه أن يخفف عليهم، ويراعي أحوالهم فيقرأ بنحو ما قرأ به النبي ﷺ في صلواته، وذكر الفقهاء في هذا الباب أحاديث فيها بيان ما كان يقرأ به النبي ﷺ فلتراجع في مظانها.\nوالمقصود هنا أنه قال: (فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة)، فإطالة الصلاة هنا إطالة في تخفيف، فلا يقرأ بسورة البقرة بحيث يشق على الناس، ولا يقرأ قراءة خفيفة ويسيرة كصلاة سنة الفجر مثلًا، ولكن يتوسط ويفعل نحو ما فعل النبي صلوات الله وسلامه عليه في الصلاة.\nقال: (واقصروا الخطبة) يأمر الخطباء هنا ألا يطيلوا الخطبة، فلا تقعد تخطب ساعتين وثلاث ساعات متعللًا بأن الناس لا يفهمون إلا بذلك، وهذا فيه تحقير لعقول الناس، والنبي ﷺ كانت خطبه قصيرة ﷺ، ويفهم بها الناس.\nإذًا: على الخطيب أن يراعي في خطبته عدم الإطالة التي تشق على الناس وتملهم.\nوأيضًا لا يتعمد أن تكون الخطبة كلها موزونة ومسجوعة ومليئة بشواهد الشعر؛ لأن الناس سيملون، إذ ليس كل الناس يفهمون ذلك، وليس كل الناس يريدون ذلك، ولكن لا مانع أن يكون في الخطبة من المحسنات البديعية الشيء الذي لا يدخله التكلف، بحيث لا يكون تحضير الخطبة كلها على نسق من السجع والشعر وينسى المضمون نفسه للخطبة.\nإذًا: الخطبة هي تذكير وموعظة، وكل يوم جمعة يجتمع الناس ليسمعوا الخطبة، فلابد أن يكون فيها من القرآن ومن أحاديث النبي ﷺ، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن تذكرة الناس بأخطاء قد يقعون فيها، ويراعي في هذا كله ألا يشق عليهم بالإطالة، فإطالة الخطبة ليس من سنة النبي ﷺ، وليس علامة على فقه الخطيب، فالفقيه يعرف ما الذي يقال، ومتى يقال، ويتخول الناس بالمواعظ، كما كان يفعل النبي ﷺ، والأصل في الخطبة تذكير الناس وموعظة الناس، والنبي ﷺ الذي قال: (وأطيلوا الصلاة) كان يوم الجمعة يقرأ في الركعة الاولى بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، وفي الركعة الثانية كان يقرأ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١]، وقد يقرأ في الركعة الأولى بسورة الجمعة، وفي الركعة الثانية بسورة المنافقون، وهذا ضابط الإطالة التي ذكرها النبي ﷺ.\nإذًا: ليس معنى قوله: (أطيلوا الصلاة) أن يقرأ الإمام بسورة من طوال القرآن، ولكن بالقدر الذي كان يقرؤه النبي ﷺ.\nقال هنا: (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه)، (مئنة من فقهه) بمعنى: علامة على فقه هذا الخطيب، فمن فقه الخطيب ألا يطيل في الخطبة إطالة تمل الناس، وكذلك من فقهه أن يطيل في الصلاة شيئًا بحيث يستمع الناس للتذكرة في صلاة الجمعة وفي غيرها.","vol":"60","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-682>شرح حديث معاوية بن الحكم: (بينا أنا أصلي مع رسول الله إذ عطس رجل من القوم)</span>\nومن الأحاديث الواردة في الباب حديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: (بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم)، وكأن معاوية كان جديدًا في إسلامه، وجاء إلى النبي ﷺ وأثناء ما كان يصلي عطس رجل فشمته معاوية، قال: (فقلت: يرحمك الله)، وهذا غير جائز، ولكن الرجل إسلامه جديد، وما كان يعرف الحكم الشرعي في ذلك وعذره النبي ﷺ لجهله في ذلك، قال: (فرماني القوم بأبصارهم) يعني: أصبح الناس ينظرون إلي ويشيرون لي أن أسكت، قال: (فقلت: واثكل أمياه، واثكل أمياه، ما شأنكم تنظرون إلي) الثكل: الفاجعة، والمرأة الثكلى التي فقدت ابنها، فهذه الكلمة تقال عند التوجع للنفس، فهو هنا تكلم بكلام لا ينبغي في الصلاة قال: (واثكل أمياه، ما شأنكم تنظرون إلي فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم)، فلاحظ أنه ما أحد منهم رد عليه بالكلام، فهم أولًا نظروا إليه من أجل أن يسكت فلم يسكت، فضربوا على أفخاذهم حتى يسكت، قال: (فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت) يعني: كأنه يقول: فلما رأيتهم يصمتونني، كنت سأرد عليهم، لكنني سكت، قال: (فلما صلى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني ﵊)، فهو كان ينتظر من النبي ﷺ أن يضربه أو يشتمه، قال: (ما كهرني) يعني: لم ينهرني ولم يكلمني كلامًا غليظًا، (ولا ضربني، ولا شتمني)، وكأنه يرى في نفسه أنه يستحق ذلك، ولكن النبي ﷺ لم يفعل، فقال النبي ﷺ: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس)، هذه حكمة النبي ﷺ والموعظة الحسنة التي أمر بها، (قال: إنما هي التسبيح، والتكبير وقراءة القرآن).\nإذًا: لا ينبغي للإنسان أن يكلم من بجواره بأي كلام في الصلاة، ولا حتى بأن يقول له: يرحمك الله، فإذا خاطب أحدًا بطلت صلاته بذلك، لكن معاوية هنا لم تبطل صلاته لكونه جاهلًا بالحكم، والنبي ﷺ علم جهله، فعذره ولم يأمره بإعادة الصلاة، ولو أمره بذلك لذكره الراوي، يقول: (قلت: يا رسول الله! إني حديث عهد بجاهلية)، يعني: إسلامي لا يزال جديدًا، فهو هنا بعد الذي فعله في صلاته، وبعد موقف النبي ﷺ منه وكونه لم ينهره ولم يشتمه، جعله ذلك يتشجع ويكلم النبي ﷺ ويسأله، فقدم عذره أولًا وهو أنه قريب عهد بجاهلية، ثم قال: (وقد جاء الله بالإسلام وإن منا رجالًا يأتون الكهان)، فهو قريب عهد بجاهلية، ومن قومه من لا يزال كافرًا ويأتي الكهان ويسألهم قال: (فلا تأتهم) أي: أنت رجل مسلم فلا يجوز لك ذلك، قال: (قلت: ومنا رجال يتطيرون)، يعني: من قومه، سواء من المسلمين أو من غيرهم، فقال النبي ﷺ: (ذاك شيء يجدونه في صدورهم)، فالإنسان حين يكون قريب عهد بجاهلية فإن نزغات الشيطان لا تزال تراوده، فيتطير ويتشاءم بسبب جهله بدين رب العالمين، وكثير من الناس يقعون في التشاؤم من باب التقليد، فبعضهم يسمع أن الغرب يتشاءمون عند رؤية قطة سوداء تمشي من أمامهم، فيتشاءم هو منها كنوع من التقليد، فصار التقليد حتى في الكفر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nومنهم من يرى البعض يتخذون التمائم فيقلدهم في ذلك، مع أن هذا الفعل حرام وهو من الشرك بالله ﷾، وبعض الناس يضعون في أيديهم حظاظة -وهي ما يلبس في اليد لجلب الحظ- وهذا من الشرك بالله ﷾، فمن اعتقد أن شيئًا ينفعه أو يضره مع الله فقد وقع في الشرك بالله ﷾، وفي الحديث قال: (ومنا رجالًا يتطيرون، قال: ذاك شيء يجدونه في صدورهم) يعني: لقرب عهدهم بجاهلية، (فلا يصدنهم).\nإذًا: الإنسان الذي اعتاد على هذا الشيء في جاهليته فإنه يكون من الصعوبة أن يتغير عنه بعدما يعرف الإسلام الصحيح، قال النبي ﷺ: (ذاك شيء يجدونه في صدورهم)، فإذا حصل هذا قال: (فلا يصدنهم).\nوأهل الجاهلية كان الواحد منهم إذا أراد أن يسافر ذهب ينظر إلى الطير، فإذا طار الطير يمينًا تيامن بذلك وتبرك بذلك، وقال: اليوم بركة سنسافر فيه، وإذا طار الطير شمالًا تشاءم من ذلك، فلما دخل الناس في الإسلام بقي أثر هذا الشيء في الصدور.\nومثل ذلك الحلف بغير الله سبحانه، فقد كانوا يحلفون باللات والعزى، فلما دخلوا في الإسلام كان فيهم بقية من ذلك، فلما يأتي الواحد منهم يتكلم يقول: واللات والعزى، فعلم النبي ﷺ من وقع منه مثل هذا أن يقول: لا إله إلا الله، فيتذكر أنه وقع في الشرك بهذا الشيء وإن كان هذا سهوًا فيقول: لا إله إلا الله كلما صدر منه ذلك حتى يبطل عنده الحلف باللات والعزى والحلف بغير الله سبحانه.\nوكذلك الذي اعتاد على أن يحلف بقوله: وحياة أبي أو وحياة أمي أو والنعمة، فهذا هنا حلف بغير الله وهذا من الشرك، فإذا وقع في ذلك فليقل وراءها: لا إله إلا الله، فإذا قال ذلك فإنه سيعتاد على أن يوحد ربه سبحانه وسيخرج من رأسه الحلف بغير الله.\nوقول النبي ﷺ في الحديث: (فلا يصدنهم) يعني: لا يصدنك رؤية الطير عن أن تذهب إلى المكان الذي كنت تريد أن تذهب إليه.","vol":"60","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-683>شرح حديث العرباض: (وعظنا رسول الله موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون)</span>\nمن أحاديث الباب حديث العرباض بن سارية ﵁ قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون)، وذكر الحديث، وهو حديث طويل وتقدم قبل ذلك، لكن الغرض من هذا الحديث أن موعظة النبي ﷺ موعظة عظيمة، رقت لها قلوب أصحابه رضوان الله تعالى عليهم فبكوا من ذلك.\nقال: (وجلت منها القلوب) أي: خشعت واقشعرت قلوب الناس وجلودهم.\n(وذرفت منها العيون) يعني: بكى أصحاب النبي ﷺ.\nقال: (فقلنا كأنها موعظة مودع فأوصنا يا رسول الله! قال: أوصيكم بتقوى الله)، فبدأ النبي ﷺ بتقوى الله ﵎، قال: (والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم حبشي كأن رأسه زبيبة، فإنكم سترون بعدي خلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي)، فأمرهم بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، ووعظهم ﷺ فأمرهم بالمحافظة على أهل بيته صلوات الله وسلامه عليه.\nوالغرض: أن هذه الموعظة وصفها هذا الصحابي الجليل بأنها موعظة بليغة، فعلى هذا فينبغي للإنسان حين يعظ الناس أن تكون موعظته بما قاله النبي ﷺ، فإنها أعظم المواعظ بعد كتاب الله ﷿.\nنسأل الله ﷿ أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"60","page":7},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-684> الوقار والسكينة والندب إلى إتيان الصلاة والعلم بهما</span>\nالتواضع والسكينة والهدوء من الخصال التي ينبغي أن يتصف بها المؤمن، وخاصة في أماكن الصلوات وعند المشي إليها، وفي حلقات العلم، وغيرها من الأماكن التي تعظم فيها شعائر الله.","vol":"61","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-685>من صفات عباد الرحمن</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب الوقار والسكينة.\nقال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣].\nعن عائشة ﵂ قالت: (ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعًا قط ضاحكًا حتى ترى منه لهواته، إنما كان يتبسم) متفق عليه.\nباب الندب إلى إتيان الصلاة والعلم ونحوهما من العبادات بالسكينة والوقار.\nقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢].\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) متفق عليه].\nيذكر الإمام النووي ﵀ في رياض الصالحين باب الوقار والسكينة، ضمن الآداب والأخلاق التي ينبغي على المسلم أن يتخلق بها.\nوالوقار أصلها من القر، ويقر الشيء بمعنى: يثبت مكانه، وكأن المقصد أن المؤمن يكون حاله فيه الوقار والسكينة وعدم الرعونة والتهور والاندفاع، فيكون وقورًا في جلوسه وقيامه ومشيه، من غير تكلف أو تصنع أو رياء.\nقال الله ﷿: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣].\nفذكر الله ﷿ من صفات عباد الرحمن صفات جميلة وجليلة بدأها بأنهم: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣] أي: بوقار وسكينة، فهم هينون في مشيهم، يتصفون بالوقار والتؤدة والطمأنينة، فليسوا مندفعين، والمقصد أن التواضع من صفاتهم سواء مشوا على الأرض وهم مبطئون، أو مشوا مسرعين، فالإنسان لا يستطيع أن يمشي دائمًا بطيئًا في مشيته أو سريعًا، ولكن بحسب حاجته وحاله، فقد يحتاج إلى الشيء فيسرع، وقد يجري من أجله وقد يمشي، ولكن في كل الأحوال لا يوجد فيه أي نوع من الكبر، فعباد الرحمن هينون لينون متواضعون لا يستكبرون على الخلق، ولا يتعالون عليهم، ولا يظهرون قوتهم على الغير، إذا مشى أحدهم في الشارع يمشي بتواضع، فلا يظهر للناس أنه قوي، وأنه ليس أحد مثله.\nوأيضًا: ليس المعنى أنه يستذل نفسه حين يمشي فالذي ينظر إليه يقول: إنه مريض لا يستطيع أن يمشي، أو ضعيف في مشيه، فلم يقصد ذلك ربنا سبحانه، إنما يمشي هونًا على الأرض بمعنى: متواضعًا، حتى ولو كان يسرع في مشيته، ولذلك جاء: (أن النبي ﷺ كان يمشي مع أصحابه صلوات الله وسلامه عليه لا يحب أن يكون أحد منهم وراءه ﵊ ويقول: دعوا ظهري للملائكة)، لا يمشي أحد وراءه ﷺ، ولكن يمشون بين يديه أو بجواره ﵊، وكان إذا مشى يسرع في مشيه، والناظر إليه لا يرى هيئة الإسراع عليه ﷺ.\nالإنسان إذا أسرع يبدو من حركة يديه وأكتافه أنه مسرع، ولكن النبي ﷺ ليس كذلك، وإنما يمشي هونًا ﵊، وعليه الوقار والسكينة حتى ولو كان مسرعًا، ولعل البعض من أصحابه يجري ويسرع بجواره وهيأته صلوات الله وسلامه عليه لم تتغير في مشيه.\nإذًا: المقصد: أنهم في مشيتهم يمشون بالتؤدة والطمأنينة، وليس فيها ما يدل على غرور أو تكبر، أو رفع الجناح على الخلق.\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ﴾ [الفرقان:٦٣]، فلو أن إنسان جاهلًا أحمق فيه تهور اندفع عليهم فوبخهم بشيء ليسوا أهلًا له، ولم يجيبوه إلا بما هم أهل له.\nفردهم عليه: (سلامًا) أي: قولًا سليمًا خاليًا من العيوب، ليس فيه اندفاع وطيش وتهور، خال من المعاملة بالمثل، وإنما يقولون قولًا يسلمون فيه من هذا الإنسان، أو فيه تسليم منهم عليه، يعني: قول فيه متاركة، فكأنهم يقولون: نحن لسنا سفهاء مثلكم، فيقول: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥].","vol":"61","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-686>شرح حديث: (ما رأيت رسول الله مستجمعًا قط ضاحكًا)</span>\nروى الإمام مسلم عن عائشة ﵂ قالت: (ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعًا قط ضاحكًا حتى ترى منه لهواته إنما كان يتبسم).\nاللهوات: جمع لهاة، وهي اللحمة الواقعة آخر سقف الحنك، والنازلة من آخر الحلق المدلاة على القصبة الهوائية.\nفهناك أناس طبيعتهم الضحك بصوت عال وقهقهة، يفتح أحدهم فمه إلى آخره! وهذا لم يكن يفعله النبي ﷺ، وغاية ما كان أنه لو ضحك قد يبدو نابه ﷺ، فلم تكن عادة النبي ﷺ أن يقهقه، (ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعًا قط)، وكلمة مستجمعًا معناه: المبالغة، وكأن الإنسان عندما يقهقهه يجمع نفسه فيضحك ضحكة يزلزل بها الدنيا أمامه! فالقهقهة لم تكن عادته ﷺ، إنما كان يتبسم ﵊، وكان لا يرى عبوسًا أمام الناس ﵊، وإنما كان يتبسم لأصحابه وهم يضحكون، فكانوا يجلسون إلى شروق الشمس يذكرون الله ﷿ فيما بين طلوعها وبين أن يصلوا الضحى، ولعل بعضهم يتكلم مع الآخر، ويتحدثون عن الجاهلية وما كانوا يفعلونه، فيحكون أنهم كانوا يصنعون التماثيل من العجوة ويعبدونها، فإذا جاع أحدهم أكلها، فيحكون أمثال ذلك ويضحكون على أنفسهم، أما هو ﷺ فكان يتبسم ولم يكن يضحك ويقهقه.\nفمن الأدب أن المؤمن يتبسم عندما تدعو الحاجة إلى ذلك، ولا يكثر من العبوس، وأيضًا: لا يكثر من الضحك، كما قال النبي ﷺ في الحديث: (وإياك وكثرة الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب)، فكثرة الضحك تبعد خشية الله ﷿ من قلب الإنسان، فيموت قلبه من كثرة الضحك.\nفيجب على المؤمن ألا يُفْرط ولا يُفَرِّط، والإفراط أن يمسك الإنسان نفسه عن الابتسامة، فيكون ثقيل الظل عند الناس، فالناس يحبون من يتبسم ويضحك لهم، فعلى الإنسان أن يكون قريبًا من الناس، والمؤمن كما قال النبي ﷺ: (إلف مألوف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف).\nولو كان الإنسان عبوسًا أمام جميع الناس لنفروا منه ولن يبقى له أصدقاء ولا أصحاب بين الناس، وأما لو كان الإنسان ضحاكًا ثرثارًا فيمكن للناس أن يحبوه من أجل أنه يضحكهم فقط، فعندما يريدون أن يضحكوا قالوا: ادعوا لنا فلانًا، فهو يذكرهم بالدنيا لا بالآخرة، فقد يحبه الناس ولكنه بغيض إلى الله ﷿، فالمؤمن إذا سمع ما يضحك تبسم، وقد يضحك ولكن لا تكون له عادة فيتكلف الضحك ويقهقه حتى ولو سمع شيئًا لا يضحك، فيضحك مجاملة بدون وجود ما يضحك! والمجاملة لا تكون على حساب دين الله ﷾، ولا على حساب قسوة القلب، فالمطلوب من المسلم أن يضحك إذا رأى ما يضحك، أما من غير شيء فلا.\nقال النبي ﷺ: (ولا تكثر الضحك)، ولم يقل النبي ﷺ: لا تضحك؛ لأن هذا شيء عسير على الإنسان الالتزام به، فالدين عظيم وجميل وفيه ما يطيقه الإنسان ويتحمله، والإكثار من التبسم لا مانع منه لكن لا ينبغي للإنسان أن يكثر من الضحك.\nفالإنسان حتى يقبل على الله ﷿ يحتاج إلى أن يتذكر ويتفكر، والضاحك لا يتفكر في شيء إلا في النكت التي يسمعها، أما أن يتفكر في خلق السماوات وخلق الأرض، وفي خلق الإنسان، ويتفكر في نعم الله عليه فلا؛ لأن هذه الأشياء التي يتفكر فيها تمنعه أن يضحك، ولو أن الإنسان يتفكر في نعم الله في مطعمه ومشربه وملبسه، وأعظم من ذلك كله أن يتفكر في نعمة الهداية، فكثير من الناس حرموا هذه النعمة، فلو تفكر في ذلك لما وجد مكانًا ولا وقتًا يضحك ويقهقه فيه، إن ضحك الإنسان يبعده عن أن يتفكر في آلاء الله وفي نعم الله وفي خلق الله سبحانه ﵎، ولذلك قال النبي ﷺ: (لا تكثر الضحك)، لأن كثرة الضحك تميت القلب.","vol":"61","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-687>الأمر بالسكينة والوقار في الذهاب إلى الصلاة</span>\nيقول الإمام النووي ﵀: باب: الندب إلى إتيان الصلاة والعلم ونحوهما من العبادات بالسكينة والوقار.\nفالكلام هنا عن صفة تكون فيمن يأتي الصلاة، وفيمن يذهب لطلب العلم، وإلا فالصلاة فريضة لابد وأن يصليها المسلم، لكن المندوب أن يأتيها وعليه السكينة والوقار؛ لأنه مقبل على الله سبحانه، فقد أخرجه الله من بيته وأنعم عليه بأن هداه إلى أداء الصلاة دون باقي الناس الذين يجلسون في الطرقات، فليتفكر في هذه النعمة التي أنعم الله بها عليه دون غيره، وكيف أن الله كتب له وهو ذاهب إلى المسجد بكل خطوة حسنة والأخرى تكفر سيئة، وهذه نعمة من نعم الله ﷿.\nأيضًا: إذا دخل في الصلاة تتساقط بعض الذنوب، فإذا ركع تساقطت بعض الذنوب، فإذا سجد تساقطت بعض الذنوب كذلك حتى يخرج من الصلاة ولا ذنب عليه.\nأما إذا خرج من بيته ضاحكًا لاهيًا فلن يتفكر في هذه النعم، وإذا دخل في الصلاة فمشغول في الدنيا وهكذا دخل في الصلاة وخرج منها من غير ما تفكر.\nوفرق بين من يدخل في الصلاة وهو يخاف من الله ﷾، وهو يؤمل أن يخرج منها نظيفًا من الذنوب طاهرًا من العيوب ليس عليه دنس من بقايا الذنوب، فهذا إنسان له فضل عند الله سبحانه، فالله يتفضل عليه ويعطيه، وبين إنسان آخر يأتي وعقله مشغول فإذا دخل في الصلاة سرح عنها.\nفعلى المسلم أن يستعد للصلاة من البيت فيتوضأ فيحسن الوضوء؛ لأنه إذا أسبغ الوضوء تمحى عنه الذنوب، فإذا غسل وجهه ويديه ورجليه تساقطت الذنوب مع الماء الذي ينزل من أعضائه.\nوفي الحديث: (الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر)، فإذا دخل الإنسان في هذه الصلاة بهذه الصورة ثم خرج منها فلينو ألا يعود إلى الذنوب، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥].\nفهذه الصلاة بهذه الكيفية تنهاه عن التفكير في الذنوب والمعاصي، وتدفعه إلى طاعة الله، وإلى أن يحب بيت الله، فيكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، نسأل الله ﷿ أن يجعلنا منهم.\nفإذا أتى الإنسان إلى الصلاة أو ذهب ليطلب العلم في المسجد فليمش وعليه السكينة والوقار، حياء من الملائكة التي تحفه بأجنحتها وتتواضع وتستغفر له، وسوف تحفه إذا جلس في حلقة العلم، قال تعالى عن الملائكة: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى:٥]، قائلين: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر:٧]، يا ربنا هؤلاء جاءوا إلى بيتك فاغفر لهم.\nفالذي يخرج لطلب العلم الشرعي ينبغي عليه أن يكون متواضعًا مقبلًا على الله ﷾، وليتذكر حديث النبي ﷺ: (من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة)، فلعله في هذا الطريق يجد فيها من يزاحمه ويتعرض له، لكنه لا يأبه لذلك؛ لأن الله سيسهل له به طريقًا إلى الجنة.\nفطريق الدنيا ممتلئ بالصعوبات والعقبات، والذي يطلب العلم لا بد أن يصبر ويستسهل طريقه فيه؛ لأنه دين رب العالمين، وإذا لم يتعلمه فمن سيتعلمه؟ لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى فما انقادت الآمال إلا لصابر وسوف يكون الجزاء من جنس العمل، فالله سيقبل عليه ويذلل له العقبات التي في طريق الجنة، ففي يوم القيامة سيسهل له المرور على الصراط فيمر إلى الجنة، وكما أنه سهل له في الدنيا طريق العلم فسوف يسهل له في الآخرة طريق الجنة، والمحروم من حرمه الله سبحانه ﵎.\nفعلى من يخرج إلى المسجد للصلاة أو طلب العلم أن يتفكر في هذه الأمور كلها، حتى يمشي بسكينة ووقار، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، والشعائر جمع شعيرة، وشعائر الله: دين الله سبحانه، والمعنى: يعظم الشريعة ويعظم الكتاب والسنة، ويعظم العلم الشرعي الذي به يعرف كيف يتقرب إلى الله ﷾، فإذا عظم هذه الشعائر كان ذلك دليلًا على تقوى قلبه، «فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ».\nجاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)، فهذا الحديث يعلمنا كيف نصلي، وكيف نأتي إلى بيت الله سبحانه، فلا تنشغل حتى تفوتك الصلاة ثم تذهب وتجري إلى المسجد، وإنما استعد قبل ذلك، ولا تأت الصلاة جريًا.\nقال ﷺ: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون)، عندما تخرج من بيتك إلى الصلاة فلتكن هيئتك هيئة الإنسان المصلي عليك الوقار والسكينة.\nولا تجري إلى الصلاة إذا سمعت الإقامة، سواء كنت في الطريق أو في المسجد، ولكن امش إليها؛ لأنك في صلاة، والصلاة ينافيها الجري.\nوقوله ﷺ: (وعليكم بالسكينة) أي: الوقار والهدوء، والطمأنينة.\nوقوله: (فما أدركتم من الصلاة مع الإمام فصلوا) أي: ما تدركونه مع الإمام صلوه، وقوله: (وما فاتكم فأتموا) أي: وما فاتكم من الصلاة فافعلوها ولكم أجر نيتكم في المجيء إلى بيت الله سبحانه.\nوزاد مسلم في رواية: (فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة)، وهذا فضل عظيم من الله علينا، فمن حين يخرج الإنسان من البيت فهو في صلاة، هذا إذا اجتنب الحدث وكان على وضوء.\nوعن ابن عباس ﵄: (أنه دفع مع النبي ﷺ يوم عرفة) فيوم عرفة خرج النبي ﷺ عند غروب الشمس من عرفة متوجهًا إلى المزدلفة، وهذا هو الدفع، قال: (فسمع النبي ﷺ وراءه زجرًا شديدًا وضربًا للإبل) أي: رأى الناس يضربون ويشدون ويحثون الإبل على الجري؛ من أجل أن يذهبوا إلى المزدلفة، (فأشار إليهم بسوطه -وهي عصاه التي يوجه بها الناقة- وقال: أيها الناس! عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بالإيضاع) يعني: اسكنوا واهدءوا؛ لأنه كانت عادت الأعراب في الجاهلية عندما يمشون يضجون ضجة كبيرة لكي تجري الإبل، فيعلق فيها أجراس، أو شيئًا له صوت عال، فالنبي ﷺ منعهم من ذلك وقال: (أيها الناس عليكم بالسكينة) يعني: الزموا السكينة، (فإن البر ليس بالإيضاع)، والبر أن تبر في عملك، والحج المبرور ليس بالإيضاع، أي: الجري فالبر ليس بالجري، كأن تجري للصلاة أو تجري متوجهًا من عرفة إلى مزدلفة، إنما البر أن تتق الله ﷾، ولا تزاحم الناس.\nوعن أسامة ﵁ حجة النبي ﷺ كما في الحديث الذي رواه مسلم وغيره قال: (إن النبي ﷺ خرج من المزدلفة متوجهًا إلى منى، فسألوه كيف كان يسير؟ قال: كان يسير العنق) أي: معنقًا، يعني: على مهله ﷺ، (فإذا وجد فجوة نص) أي: فإذا لقي مكانًا خاليًا نص أي أسرع صلوات الله وسلامه عليه فيه، فكان يسير العنق مع الزحمة، وإذا لم تكن هناك زحمة أسرع صلوات الله وسلامه عليه.\nفالغرض أن الإنسان إذا مشى في طريقه متوجهًا إلى بيت الله، أو متوجهًا إلى طلب العلم، أو متوجهًا إلى حاجة من حوائجه يسير كما يسير عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا، حتى لو أسرعوا في مشيهم بسبب حاجة من حوائجهم فإسراعهم فيه الهدوء والسكينة، إلا أن يكون الإسراع إلى الصلاة فلا يجوز لا خارج المسجد ولا داخله، فيكره ذلك ويمنع منه، وليلزم الهدوء والسكينة، ويتفكر في نعم الله ﷾ عليه.\nنسأل الله ﷿ أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"61","page":4},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-688> إكرام الضيف واستحباب التبشير والتهنئة بالخير</span>\nإن الإنسان بطبعه ميال إلى من يدخل الأنس والسرور إلى قلبه، ويتجه بالمحبة إلى من يصنع معه ذلك، ولذا راعى الإسلام في تشريعه هذا الجانب النفسي في الآدميين فشرع لأتباعه فعل ما يحببهم إلى الآخرين وما يدخلون به البهجة والسرور إلى قلوب الناس، ومن ذلك تشريعه إكرام الضيف عند نزوله على إخوانه، واستحبابه البشارة بالخير في أمور الدنيا والآخرة.","vol":"62","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-689>إكرام الضيف</span>","vol":"62","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-690>إكرام إبراهيم ﵇ للضيوف</span>\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: باب: إكرام الضيف.\nقال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:٢٤ - ٢٧].\nوقال تعالى: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود:٧٨].\nوعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم والآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم فليقل خيرًا أو ليصمت) متفق عليه.\nهذا باب آخر من كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي ﵀ إكرام الضيف.\nيقول: باب: إكرام الضيف.\nوقد علمنا الله ﷾ كيف يكون إكرام الضيف بما ذكر من آيات، وما جاء في سنة النبي ﷺ من أحاديث ومن أفعال.\nفمن الآيات قول الله ﷿: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات:٢٤].\nو(ضيف): اسم جنس، ولذلك يطلق على المفرد وعلى الجمع، ويجوز أن تقول: ضيوف، ويجوز أن تقول: أضياف.\nفإذا أردت الجنس قلت: (ضيف) كما قال الله ﷾ هنا.\nوهنا المراد الجمع؛ لأنه وصفهم بأنهم مكرمون، حيث قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ [الذاريات:-٢٤ - ٢٥]، فهم ضيوف كرام كرمهم الله ﷿، وهم من الملائكة على الحقيقة.\nدخلوا على إبراهيم ﵇: ﴿فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ﴾ [الذاريات:٢٥] فسلموا عليه ﵊، فرد السلام وقال: (قَوْمٌ مُنكَرُونَ) يعني: أنتم قوم غرباء، منكرون لا نعرفكم، وإذا كنتم غرباء فإنكم تستحقون علينا أن نضيفكم.\nقال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [الذاريات:٢٦] أي: فأسرع إلى أهله ﵊، ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٦]، وفي الآية الأخرى قال: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود:٦٩].\nوهنا قال تعالى: (فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) أي: كبير وسمين، ليس هزيلًا صغيرًا ضعيفًا، والعجل: ولد البقرة، يعني: لم يحضر بقرة كبيرة لحمها يتقطع ولا يؤكل، بل جاء بعجل، والعجل: الصغير في السن، وهو كبير في الحجم، ولذلك وصفه بأنه سمين، فانتقى للضيوف أطيب ما عنده ﵊.\nوفي الآية الأخرى: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود:٦٩] أي: ذبح العجل وشواه على النار، وجاء به لهؤلاء الأضياف، وقد كانوا ثلاثة.\nلقد ذبح عجلًا سمينًا لثلاثة من الضيوف، وشوى لهم العجل وقربه إليهم، ولما قربه إليهم إذا بهم لا يأكلون، أي: كانوا جالسين معه، لكن لا يمدون أيديهم، ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [الذاريات:٢٨] أي: خاف منهم، قال لهم: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:٢٧] وعندما يأتي إنسان غريب ويدخل بيتك فتقدم له طعامه ويرفض أن يأكل فإنك تتوجس منه الشر، فما دام أنه لا يريد أن يأكل الطعام فهذا معناه أنه ينوي الشر.\nقال تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [الذاريات:٢٨] فطمأنوه فقالوا: ﴿لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود:٧٠] وبذلك عرف إبراهيم ﵇ أن هؤلاء ملائكة من عند الله سبحانه، ولكن قام بما وجب عليه ﵊، ولذلك فإن كرمه العظيم في الضيافة أضفى عليه لقب أبي الضيفان، أو أبي الضيوف؛ لأنه لا ينزل عليه ضيف إلا ويذبح له ويكرمه أعظم الكرم صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"62","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-691>خبر لوط ﵇ مع ضيوفه</span>\nثم إن هؤلاء الضيفان بأعينهم خرجوا من عند إبراهيم وتوجهوا إلى قرى قوم لوط، ولما أخبر بنات لوط أباهن أنهن رأين رجالًا غاية في الجمال، ويُخشى عليهم من قومه، خرج إليهم وأخذهم وخبأهم في بيته، لأنه يخاف عليهم من قومه أهل النجاسة، وأهل الوقوع فيما حرم الله سبحانه.\nفلما عرف قومه من امرأته أن عنده ضيوفًا أتوا إليه وقالوا: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ * قَالَ هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الحجر:٧٠ - ٧١] يعني: عندكم البنات، والنبي أب لبنات قومه وأب لرجالهم، كما قال النبي ﷺ لأصحابه: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم)، فكل نبي أب لقومه ووالد لهم، فقوله: (هَؤُلاءِ بَنَاتِي) يعني أن بنات قومه نساء كثيرات، فتزوجوا، وما الذي يجعلكم تفعلون هذه الفاحشة وهذه المصيبة العظيمة؟! قال الله ﷿: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ [هود:٧٨].\nفالمقصود هنا من إكرام الضيف الدفاع عنه، لأن المضيف لا يسلم الضيف، ولا يؤذي الضيف، ويمنع عنه من يؤذيه، فهؤلاء لم يكونوا قادمين نازلين عليه، وما قالوا له: نحن ضيوف عندك، بل خاف عليهم لكونهم مروا بالقرية؛ لئلا يؤذيهم أهل هذه القرية، لذلك أخذهم واستضافهم في بيته، مع أنه يرى نفسه وحيدًا، ويرى نفسه لا جيش معه يحميه، وسيدنا إبراهيم ﵊ كان يقدر على أن يجمع من يقوم معه ويدافع، وأما لوط ﵊ فإنه استشعر أنه ضعيف وأنه في بلده وحيد، ولم يكن له أولاد ذكور، بل كان أولاده بناتًا، فلذلك قال الكلمة التي تعجب لها النبي ﷺ، قال تعالى عنه: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠] كل هذا من أجل حماية الضيوف، حتى لا يتمكن منهم هؤلاء المجرمون.\nفالغرض هنا بيان ذكر الله ﷿ إكرام الضيف من فعل إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ومن فعل لوط عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.","vol":"62","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-692>شرح حديث: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)</span>\nعن أبي هريرة في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) فعلامة الإيمان أن المؤمن يكرم الضيف، والإيمان يزيد وينقص، يزيد بطاعة الله ﷿، وينقص بمعصية الله سبحانه.\nفمن خصال الإيمان التي يقوى بها إيمان الإنسان: إكرام الضيف، فعندما ينزل عليه ضيوف لا يتأذى بضيوفه، ولكن يفرح بمجيء الضيوف، ويكرم الضيوف بحسب ما يسر الله ﷿ لهذا الإنسان.\nوالإنسان الكريم لا يتركه الله ﷿ أبدًا، وكلما كان كريمًا مع الخلق فإن الله تعالى يكرمه ويعطيه، والبيت الذي يأكل فيه الضيوف ويكثر أصحابه من الصدقة إذا كان أصحابه فقراء يكرمهم الله تعالى ويشعرهم بالغنى، وإنك قد تجد الإنسان فقيرًا ينزل عليه الضيف فيفرح بذلك الضيف الذي عنده، ويتكلف للضيف ويطعمه ويسقيه ويكرمه حتى يخرج من عنده، فهذا الإنسان الكريم إيمانه قوي، وهذا الإكرام للضيف دليل على قوة الإيمان؛ لقوله ﷺ: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه).\nثم قال ﷺ: (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه) وصلة الرحم هي أن يزور الإنسان أرحامه ولا يقطعهم، فيزور أباه، ويزور أمه، ويزور أخاه، ويزور أخته، وعمه، وخالته، وأبناء أعمامه، وأبناء أخواله وهكذا.\nوقد جعل الله ﷿ عباده شعوبًا وقبائل للتعارف، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣]، فالإنسان المؤمن يحب أن يعرف المؤمنين، وأن يصاحبهم، فيرى الخير في ذلك، فإنهم ينفعونه في دينه، وينفعونه في دنياه، وينفعونه في أخراه.\nولذلك جاء في حديث النبي ﷺ: (لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي)، فيمشي الإنسان المؤمن مصاحبًا إنسانًا مؤمنًا آخر، فينتفع به في الدين والدنيا.\nوقال: (لا يأكل طعامك إلا تقي)، فالضيف الذي أنزله في بيتي لا بد أن يكون إنسانًا تقيًا، لا إنسانًا شرسًا غبيًا، ولا إنسانًا فاجرًا شقيًا، فالمؤمن يصاحب التقي الذي ينتفع به.\nفالتقي إذا نزل عندك في بيتك فقدمت له ما وجدت، فأكل وحمد الله ﷾، ولم يستقل ما قدمته، بل يستكثره، ويخرج من عندك وهو يمدحك ويشكرك، ويكن لك الجميل، ويقول لك: أكلنا مع بعضنا العيش والملح، ولا يقول: أكلنا كذا وكذا، وأقل شيء تقدمه له يرتاح له، ويشكرك على ذلك.\nوأما الإنسان السيئ الشرير الشرس في أخلاقه الفاجر فإنه يدخل بيت الإنسان فيطلع على عوراته، ويأكل فلا يعجبه طعامه، فإذا خرج من عنده ذمه وقدح فيه، ويقول: رأيت كذا ورأيت كذا، وبيته فيه كذا، وبيته ينقصه كذا.\nفمثل هذا لا تصحبه، ولا تدعه إلى بيتك.\nقال ﷺ: (ومن كان يؤمن بالله واليوم فليقل خيرًا أو ليصمت)، قوله: (أو ليصمت) معناه: يسكت، فإما أن تتكلم بخير، وإما أن تسكت، فراقب كلامك دائمًا، فإن كان في خير فقل الخير ولا تمل الناس، وإذا كان الكلام في شر فكف لسانك وروض نفسك على ألا تتكلم في كل ما تشتهي، واللحظات تمضي والعمر يمضي ويفوت، فمن قال: أنا لا أستطيع أن أمسك لساني، نقول له: جرب ذلك، فأمسك لسانك عندما تجد أنك تتكلم وأنك تذم وتشتم وتغتاب، وقل للسانك: اسكت قليلًا.\nولتمض هذه الساعة، وبعد ذلك فكر، فإذا مرت ساعة وراء ساعة فإنك في الأخير سوف تنسى؛ لأن الزمن يمضي والإنسان نسّاء، فإذا اعتدت على ذلك تعود لسانك على أن لا يتكلم كل وقت في كل شيء، فما كان من خير فقله، وما كان من شر فاسكت عنه، واعلم أن الشر يؤذيك في الدنيا وفي الدين، ويوم القيامة ينطق عليك لسانك شاهدًا عليك بما قلته وبما آذيت به غيرك، ولذلك فإن المؤمن يخطم نفسه ويكتم لسانه، ويسكت إلا في الخير، فينطق بغير أن يمل من الخير.","vol":"62","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-693>بيان جائزة الضيف ومدة إكرامه</span>\nمن الأحاديث حديث لـ خويلد بن عمرو الخزاعي وكنيته أبو شريح ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته) وكأن كلمة: (فليكرم) هنا ضمنت معنى: (يعطي) ولذلك نصبت مفعولين، فكأن الأصل: فليعط ضيفه جائزته، والأصل أن (يكرم) تنصب مفعولًا، فلما ضمنها هذا المعنى نصبت مفعولًا آخر، كأنه يقول لك: أعط الضيف على وجه الإكرام جائزته، وكأن كلمة (الجائزة) معناها ما يجازى به الإنسان.\nقال: (قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يومه وليلته، والضيافة ثلاثة أيام)، فكأن الجائزة للضيف أن تتكلف له يومًا واحدًا وليلة، خاصة إذا كان غريبًا آتيًا من مكان بعيد ونزل عندك ضيفًا، وإذا كان في مكان ليس فيه فنادق، وليس فيه محلات للأطعمة، فإما أن تطعمه وإما أن يبيت في الشارع، فدليل إيمانك بالله واليوم الآخر أن تكرم هذا الضيف الذي نزل بك.\nوالواجب الذي عليك في هذه الحالة هو إكرامه يومًا وليلة، والمستحب ثلاثة أيام ولياليهن، فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه، وكأن ذلك إشارة للضيف ألا تثقل، فهل تريد أن تكون مثل السائل الذي يسأل فيُتصدق عليك في هذه الأيام؟ فإذا نزلت على إنسان فإنه يكفيك يوم وليلة، وإذا زاد ذلك فثلاثة أيام ولياليهن، وما زاد على ذلك فمعناه أنك تستجدي منه، فتطلب منه أن يعطيك صدقة فوق الثلاثة الأيام، فلا تحرج الذي نزلت عنده.\nوجاء في رواية في صحيح مسلم: (لا يحل لمسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه)، فهذا مسلم أتى إليه ضيف، فأطعمه وسقاه، وأحضر له الأشياء الغالية، فأعجبه ذلك فمكث في البيت، وفي اليوم الثاني لم يرحل، وفي الثالث لم يرحل، فالنبي ﷺ يقول: لا يحل لك أن تؤثمه.\nقيل: وكيف يؤثمه؟ قال: (يقيم عنده ولا شيء له يقريه به)، إذًا: فهو ينزل على إنسان ضيفًا، ويعلم أنه مسكين وذو عيال، وقد يكون طعامه على مقدار عياله، ثم يظل عنده قاعدًا لا يرحل، فيحرج أهل البيت ولا شيء عندهم يقدمونه لهذا الضيف.\nوقد ذكر لنا بعض إخواننا أنه نزل عليه أناس من أقاربه قادمون من الصعيد، ولم يكن لديه شيء، وكان يقدم لهم العدس الذي يملكه ولا يعجبهم، فقالوا: كل يوم تقدمون لنا عدسًا، قدموا لنا شيئًا آخر! فهؤلاء ضيوف لئام؛ إذ من لؤم الطبع أن ينزل إنسان ضيفًا ويعترض على صاحب البيت في نحو ذلك.\nفالإنسان يجود بالشيء الموجود عنده ولا يتكلف، وقد يتكلف في اليوم الأول، وهذا يمدح عليه، أما أكثر من ذلك فلا، وعلى الضيف أن يأكل من طعام البيت، ولا يحل للضيف أن يثوي عند إنسان حتى يؤثمه.\nوقد ينزل ضيف على شخص وهو يعرف أن بيته مكون من غرفتين، أو من ثلاث غرف تسعه وأولاده، فأين سيذهب بأولاده، وأين سيذهب بزوجته إذا كنت ستنزل عنده؟ وإذا كان المرء في مدينة وفيها فنادق، والضيف غني له مال، فإنه لا يجب عليك مع هذا الحال أن تضيفه، فلا يلزمك أن تقول له: تعال فبت عندي وبيتك على قدرك، وطعامك وشرابك قليل.\nبل أطعم الضيف بما جاد الله ﷿ عليك به، ولينصرف هو فليبت في أي مكان، أما الوجوب - كما قال كثير من الفقهاء - فإنه يكون فيما إذا نزل الضيف على أهل قرية ليس فيها فنادق، وليس فيها طعام يباع، وهو فقير ليس له شيء، وإذا كان هذا حاله فإنه سيقضي الليل في الشارع فهذا الإنسان يلزمك أن تضيفه، وكان في عهد النبي ﷺ الأمر على ذلك، حيث لا فنادق، ولا مطاعم ونحوها، فالذي ينزل على الناس إما أن يضيف، وإما أنه لا يجد مكانًا ينزل فيه، والذين كانوا ينزلون على النبي ﷺ كان ينزلهم في المسجد، وأما بيته ﷺ فهو غرفة لكل امرأة من نسائه ﵊، فكان ينزل أضيافه في المسجد، أو ينظر في مَن يضيف النازلين به من أصحابه، ويعده بالأجر عند الله، فيضيفه من يشاء الله ﷿ من أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nفالغرض أن الإنسان إذا نزل ضيفًا على إنسان فلينظر في حاله، فلا يحل له أن يقيم عنده حتى يؤثم صاحب المكان، وقد فسر النبي ﷺ سبب التأثيم بقوله: (يقيم عنده ولا شيء له يقريه به) والقرى هو طعام الضيف.","vol":"62","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-694>البشارة بالخير والتهنئة</span>\nأورد الإمام النووي رحمه الله تعالى: باب استحباب التبشير والتهنئة بالخير، واستحباب التبشير يعني: أن يحب المسلم لأخيه الخير، فإذا وجد شيئًا يسر به أخوه المسلم يسبق إليه ويقول له: حصل كذا.\nفلو أن شخصًا دخل الامتحان وظهرت النتائج وعرفنا أنه نجح فإنه يستحب للواحد منا أن يسبق إليه قائلًا: أبشرك بأنك نجحت اليوم.\nفإنه بذلك يفرح ويستبشر بوجودك وبكلامك.\nفالمراد هنا البشارة بالخير، والإنسان يفرح عندما يقول له شخص: جزاك الله خيرًا؛ حيث فعلت الشيء الفلاني.\nأو: أهنئك بكذا.\nفإذا جاء العيد فهنأته به، أو جاءته مناسبة من المناسبات السعيدة - كأن ولد له مولود - فإنه يفرح عندما يحس أن الناس بجواره يهنئونه على ذلك، فالدين جاء ليحثنا على ذلك، فهنئ أخاك إذا حصل له ما يسره.","vol":"62","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-695>البشارة في القرآن الكريم</span>\nيقول الله ﷿ لنبيه ﷺ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥]، فالنبي ﷺ شاهد على الأمة، ومبشر يبشر بالخير الذي عند الله سبحانه ﵎، فالبشارة: الإخبار بالخير، وقد تكون البشارة بغير ذلك، أي: قد تكون البشارة الإخبار بغير الخير، ولكن إذا جاءت البشارة مع النذارة فتكون البشارة خاصة بالخير والنذارة بغير ذلك.\nوقد قال تعالى هنا: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر:١٧ - ١٨]، فالمؤمن الصالح الصادق يستمع وينفذ، ويسارع إلى الخيرات، والله تعالى يبشر عباده بجزائهم عند الله ﷿، فيقول: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة:٢١ - ٢٢]، فالله ﷾ يبشر الصالحين.\nوقال سبحانه: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠].\nوقال سبحانه: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات:١٠١].\nوقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ [هود:٦٩]، وهؤلاء الرسل هم الرسل الثلاثة الذين أكرمهم إبراهيم، فردوا له ذلك الكرم بكرم آخر، وهو البشارة له على نبينا وعليه الصلاة والسلام.\nقال تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:٧١] فهو - ﵇ - جاء لهم بالطعام، وامرأته كانت تخدمهم وهي قائمة، فهم أهل بيت كرماء، فبشر امرأة إبراهيم بأنه سيأتي لك إسحاق، وإسحاق سيأتيه من ولده يعقوب أيضًا، فهذه بشارة من الله ﷾ ذكرها لنا في القرآن.\nوقال سبحانه: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران:٣٩]، فسيدنا زكريا على نبينا وعليه الصلاة والسلام لما دعا ربه فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران:٣٨] قال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران:٣٩] فجاءت البشارة من عند رب العالمين ﷾.\nوكذلك جاءت البشارة لمريم ﵍، كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران:٤٥] هذه بشارة.","vol":"62","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-696>تبشير خديجة ﵂ بصفة بيتها في الجنة</span>\nعن عبد الله بن أبي أوفى ﵁: (أن رسول الله ﷺ بشر خديجة ﵂ ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب)، فقد جاء جبريل إلى النبي ﷺ يطلب منه أن يبشر خديجة لأجل ما صنعت في الإسلام رضي الله ﵎ عنها وأرضاها، فقد فعلت مع النبي ﷺ الأفعال العظيمة الجليلة الكريمة التي تليق بها رضي الله ﵎ عنها.\nفقد كانت له زوجًا، وكانت له صلوات الله وسلامه عليه كالأم في برها وحنانها وإنفاقها عليه وإكرامها له ﷺ، وكان يستشيرها فتشير عليه بأفضل الآراء رضي الله ﵎ عنها.\nفهنا جاء جبريل يقول للنبي ﷺ: بشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.\nوهذا البيت هو قصر في الجنة من قصب، وليس المراد القصب الذي في الدنيا، بل القصب هو اللؤلؤ، أي: قصر من لؤلؤ في الجنة، لا صخب فيه ولا نصب؛ إذ الإنسان في الدنيا يزعجه الصخب والنصب، فقد تكون جالسًا في بيتك فتسمع أحدًا يطرق الباب فتنزعج ولا تستطيع النوم، وقد تسمع صخبًا وصراخًا وأصواتًا فلا تستطيع أن تنام ولا أن تستريح، أما الجنة فإنها راحة على الدوام، ولا تحتاج فيها إلى النوم أصلًا، فليس في الجنة نوم، بل فيها الراحة والنعيم المقيم.\nفبشرها جبريل ﵇ ببيت من لؤلؤ في الجنة لا صخب فيه، أي: لا أحد يصرخ ويؤذيها فيه، ولا نصب، وكأنها عانت الكثير من كفار قريش، فالسيدة خديجة لم تهاجر مع النبي ﷺ، بل ماتت في مكة في سنوات الإيذاء، واشتد أذى الكفار على النبي ﷺ بعد موتها وموت أبي طالب؛ فالاثنان ماتا في عام واحد، ولذلك سمي ذلك العام عام الحزن.\nفـ خديجة ﵂ وأرضاها سمعت كثيرًا مما صنعه الكفار بالنبي ﷺ من إيذاء ومن تكذيب، وسمعت صراخهم على النبي ﷺ، وأقوالهم الكاذبة عليه، فربنا ﵎ بشرها بأنها ستستريح من هذا كله، حيث ستدخل الجنة في قصر من لؤلؤ لا صخب فيه، أي: لا أذى من أصوات الناس، ولا نصب، أي: لا تعب في الجنة.","vol":"62","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-697>تبشير النبي ﷺ أبا بكر وعمر وعثمان بالجنة</span>\nمن الأحاديث في البشارة حديث لـ أبي موسى الأشعري رضي الله ﵎ عنه (أنه توضأ في بيته، ثم خرج فقال: لألزمن رسول الله ﷺ ولأكونن معه يومي هذا) يريد أن يتقرب إلى الله ﷿ بخدمة النبي ﷺ، (فجاء المسجد فسأل عن النبي ﷺ فقالوا: وجه هاهنا - أي: توجه إلى ذلك المكان - قال: فخرجت على أثره أسأل عنه ﵊، حتى دخل بئر أريس - بئر في المدينة - فجلست عند الباب حتى قضى رسول الله ﷺ حاجته وتوضأ، فقمت إليه فإذا هو قد جلس على بئر أريس) وكأنه كان في يوم حار، فأراد ﷺ أن يتبرد بجلوسه على البئر، قال: (وتوسط قفها وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر، فسلمت عليه ثم انصرفت)، وذلك لأنه لم يأت ليجلس مع النبي ﷺ، بل جاء ليخدمه، فاشتغل ذلك اليوم بباب المكان، حيث جلس فيه يتشرف بخدمة النبي صلوات الله وسلامه عليه، يقول: (فجلست عند الباب فقلت: لأكونن بواب النبي ﷺ اليوم)، وهذه المهنة يراها الإنسان حقيرة إذا كانت لأحد غيره ﷺ، أما للنبي ﷺ فإنها شيء عظيم جدًا، حيث يكون خادمًا للنبي صلوات الله وسلامه عليه.\nقال: (فجاء أبو بكر ﵁ فدفع الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر.\nفقلت: على رسلك) أي: أنا اليوم بواب، فلا تدخل حتى أستأذن لك أولًا، قال: (فقلت: يا رسول الله! هذا أبو بكر يستأذن.\nفقال: ائذن له وبشره بالجنة) فالله ﷿ بشر النبي ﷺ بذلك، لأن أبا بكر هو الرجل العظيم ﵁، وأعماله في الإسلام مشهورة ومعلومة، وفضائله جمة كثيرة رضي الله ﵎ عنه، قال: (ائذن له وبشره بالجنة، قال: فأقبلت حتى قلت لـ أبي بكر: ادخل ورسول الله ﷺ يبشرك بالجنة.\nفدخل أبو بكر حتى جلس عن يمين النبي ﷺ معه في القف) يعني: أنه جلس على طرف البئر، ودلىَّ رجليه في البئر كما صنع رسول الله ﷺ.\nقال: (ثم رجعت وجلست، وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني) أي: أن أبا موسى الأشعري ترك أخاه يتوضأ وكان يتمنى أن يأتي لعل النبي ﷺ يبشره أيضًا بالجنة، قال: (فقلت: إن يرد الله بفلان - يريد أخاه - خيرًا يأت به.\nفإذا إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب، فقلت: على رسلك.\nثم جئت إلى رسول الله ﷺ فسلمت عليه وقلت: هذا عمر يستأذنك.\nفقال: ائذن له وبشره بالجنة.\nقال: فجئت عمر فقلت: ادخل ويبشرك رسول الله ﷺ بالجنة.\nفدخل فجلس مع رسول الله ﷺ في القف عن يساره، ودلىَّ رجليه في البئر، قال: ثم رجعت، فجلست، فقلت: إن يرد الله بفلان خيرًا - يعني: أخاه - يأت به، فجاء إنسان فحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان، قال: فقلت: على رسلك.\nوجئت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: ائذن له وبشره بالجنة مع بلوى تصيبه.\nفجئته فقلت: ادخل، ويبشرك رسول الله ﷺ بالجنة مع بلوى تصيبك.\nفدخل فوجد القف قد ملئ، فجلس وجاههم من الشق الآخر) يعني: أن المكان الذي جلس فيه النبي ﷺ لم يتسع لغير النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما دخل عثمان جلس في الناحية الثانية من البئر كما جلس النبي ﷺ.\nيقول: سعيد بن المسيب راوي الحديث: فأولتها قبورهم وذلك لأن النبي ﷺ جلس وبجانبه أبو بكر وعمر، بينما قعد عثمان في الناحية الأخرى، فلذلك دفن عثمان في غير المكان الذي دفن فيه النبي ﷺ، وأبو بكر وعمر.\nوالغرض من الحديث بيان أن الله ﷿ أمر النبي ﷺ أن يبشر من شاء سبحانه، فبشرهم النبي ﷺ بما قاله له ربه ﷾.","vol":"62","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-698>تبشير النبي ﷺ بدخول الجنة من استيقن بكلمة التوحيد من أمته</span>\nمن الأحاديث في البشارة حديث لـ أبي هريرة ﵁ قال: (كنا قعودًا حول رسول الله ﷺ، ومعنا أبو بكر وعمر ﵄ في نفر، فقام رسول الله ﷺ من بين أظهرنا، فأبطأ علينا وخشينا أن يقتطع دوننا وفزعنا فقمنا).\nفانظر إلى مدى حب الصحابة للنبي ﷺ، فقد كان جالسًا معهم، فقام ليقضي حاجته، فلما تأخر عنهم فزعوا.\nقال: (فكنت أول من فزع) أي: أول من قام يبحث عن النبي ﷺ، قال: (فخرجت أبتغي رسول الله ﷺ حتى أتيت حائطًا للأنصار لبني النجار، فدرت هل أجد له بابًا فلم أجد).\nوذلك لأن الإنسان عندما يكون في وقت أزمة وفي وقت ضيق يذهب تفكيره، ويمكن ألاَّ يرى الشيء وهو موجود، فـ أبو هريرة رضي الله تعالى عنه دار على الحائط، والحائط هو الحديقة، والحديقة لها سور حولها وليس من المتصور أن يكون هناك سور ليس له باب، ولكن أبا هريرة مع شدة فزعه وبحثه عن النبي ﷺ دار حول الحديقة، فلم ير لهذه الحديقة بابًا.\nقال: (فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجة).\nوالربيع: الجدول، أي أن البئر كان يخرج منها جدول ماء يدخل إلى الحائط.\nقال: (فاحتفزت فدخلت على رسول الله ﷺ).\nومن الضرورة أن يكون الحائط له باب دخل منه النبي ﷺ ويدخل منه أصحاب الحائط، ولكن مع شدة فزع أبي هريرة لم يجد هذا الباب، ولم ير هذا الباب، فدخل من المدخل الذي يدخل منه الجدول.\nقال: (فقال رسول الله ﷺ: أبو هريرة؟ فقلت: نعم يا رسول الله.\nقال: ما شأنك؟ قال: قلت: كنت بين أظهرنا فقمت فأبطأت علينا فخشينا أن تقتطع دوننا، ففزعنا فكنت أول من فزع، فأتيت هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثعلب) يعني: لم أر له بابًا، فدخلت من ثقب يدخل منه الجدول، قال: (وهؤلاء الناس ورائي) أي: أن الناس قادمون كلهم فزعين يبحثون عنك قال: (فقال النبي ﷺ: يا أبا هريرة! اذهب بنعلي هاتين، فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة).\nفأمره النبي ﷺ بأن يأخذ النعلين لتكونا علامة على أن الذي بعثه إليهم هو النبي ﷺ.\nفلما خرج أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وجد أمامه عمر رضي الله ﵎ عنه، فقال: إلى أين يا أبا هريرة؟ قال: قال لي رسول الله ﷺ كذا وكذا.\nفقال: ارجع إلى النبي ﷺ.\nقال: ودفعني دفعة وقعت منها، فرجع إلى النبي ﷺ يبكي، فقال له النبي ﷺ: ما شأنك؟ فذكر ما فعله عمر، وكان عمر على أثره ﵁، فقال ﷺ: (يا عمر! ما حملك على ما فعلت؟ قال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلا اله مستيقنًا بها قلبه يبشره بالجنة؟ قال: نعم.\nقال: فلا تفعل؛ فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فخلهم يعملون، قال رسول الله ﷺ: فخلهم).\nأي: صحيح أنك تحبهم وهم يحبونك، ولكن إذا بشرتهم بهذا فسوف يتكلون على ما قلت، وسيتركون الصلاة والصوم والعبادة، فقال رسول الله ﷺ: (فلا إذًا).\nفحبه ﷺ لهم جعله يأمر أبا هريرة بأن يبشرهم، ولكن حرصه عليهم جعله يستمع لمشورة عمر رضي الله ﵎ عنه في ذلك.\nوهنا بيان الشورى، فـ عمر أشار على النبي ﷺ بشيء فيه رأي، وكان هذا الرأي من عمر رضي الله ﵎ عنه خوفًا وحرصًا على الصحابة، ولكن مع حرص عمر، ومع أن النبي ﷺ قال: (فلا إذًا) وصل إلينا هذا الخبر، وعرفنا ما قاله، ولكن عرفناه مقرونًا بقوله: (يتكلوا)، فالإنسان قد يغتر فيقول: أنا أقول: (لا إله إلا الله)، فأنا داخل الجنة، فيتكل فيكون من أهل النار في النهاية والعياذ بالله، فليحذر الإنسان من أن يغتر بكونه على الإسلام وأنه يقول: (لا إله إلا الله) فيترك العمل فيقع في معصية الله، فيكون من أهل النار.","vol":"62","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-699>استحباب تبشير المحتضر برحمة الله تعالى وتذكيره بصالح عمله</span>\nومن الأحاديث في البشارة ما ذكره ابن شماسة قال: حضرنا عمرو بن العاص ﵁ وهو في سياقة الموت، وعمرو بن العاص رضي الله ﵎ عنه كان من الأذكياء ومن الفطناء في الجاهلية وفي الإسلام.\nولولا ذكاؤه ما أرسله الكفار إلى النجاشي ليأتي بالمسلمين المهاجرين هنالك، وقد كاد للمسلمين كيدًا حتى إن عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة الذي كان معه خشي عليهم، وقال: إن بيننا وبينهم أرحامًا، فالشر الذي غلب عليه في الجاهلية جعله يريد أن يوقع بين النجاشي وبين المسلمين، وكاد يفعل، لولا أن الله سبحانه ﵎ منع حصول ذلك بإيمان النجاشي أما البطارقة فرفضوا ما يقوله المسلمون، وذلك أن عمروًا قال: هؤلاء يقولون: إن عيسى ليس الإله.\nفابعث إليهم واسألهم.\nفلما أتى بهم وسألهم خاف المسلمون، ومع خوفهم لم يقولوا إلا الحق، فقالوا: المسيح عيسى بن مريم عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم البتول.\nفقالوا كما قال الله ﷿ وقال النبي ﷺ، فصدقهم النجاشي، ونخرت البطارقة، ولم يعجبهم ذلك، فقال: وإن نخرتم، هو عيسى بن مريم كما قال هؤلاء، وإن هؤلاء على الحق.\nثم رجع عمرو بن العاص، وبعد سنين مَنَّ الله ﷿ عليه فأسلم، وبعدما أسلم شهد له النبي ﷺ ولأخيه بالإيمان فقال: (عمرو بن العاص وأخوه مؤمنان)، وبعد موت النبي ﷺ تولى إمارات، وكان أميرًا رضي الله ﵎ عنه، ثم بعد ذلك جاءته الوفاة، فلما حضرته الوفاة بكى طويلًا، وحول وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول: يا أبتاه! أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا، أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا.\nفهنا يستحب إذا كان الإنسان في سياقة الموت أن يبشره من حوله، حتى يقدم على ربه وهو يحسن الظن به ﷾.\nفـ عبد الله بن عمرو بن العاص كان يبشر أباه بقوله: أليس النبي ﷺ بشرك بكذا، وبشرك بكذا.\nقال: فأقبل بوجهه، فقال: إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.\nأي: أفضل شيء أعددناه لهذا اليوم كلمة التوحيد، والشهادة لله ﷿ بأنه الإله وحده.\nثم قال: إني قد كنت على أطباق ثلاث يذكر عن نفسه أن أحواله كانت ثلاثة أحوال: قال: لقد رأيتني وما أحد أشد بغضًا لرسول الله ﷺ مني - يعني: في الجاهلية -، ولا شيء أحب إلي من أن أكون قد استمكنت منه فقتلته، فانظر إليه في الجاهلية! كان يتمنى أن يقتل النبي ﷺ، قال: فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار، فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي ﷺ فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك.\nفبسط يمينه، فقبضت يدي، فقال: ما لك يا عمرو؟ قال: قلت: أردت أن أشترط قال: تشترط ماذا؟ قال: قلت: أن يغفر لي أي: إني عملت مصائب من قبل، فشرطي لأبايعك على الإسلام أن يغفر الله تعالى لي، فقال النبي ﷺ: (أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله)، وهنا فرح بذلك وبايع النبي ﷺ.\nقال: وما كان أحد أحب إلي من رسول الله ﷺ، ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني من إجلاله.\nفانظر إلى حب النبي ﷺ في قلوبهم، وإجلال النبي ﷺ! فكان لا يستطيع النظر في وجه النبي ﷺ، ولم يكن يطيق هذا الشيء، وهو من هو رضي الله ﵎ عنه في جاهليته وإسلامه؟ قال: فلو سئلت أن أصفه ما أطقت.\nأي: لو أن أحدًا قال: صف لي النبي ﷺ فإني لا أطيق أن أصفه ﷺ؛ وذلك من شدة حيائه وإجلاله له، فما كان يطيل النظر في وجهه ﵊.\nقال: لأني لم أكن أملأ عيني منه، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة.\nإذًا: ما الذي حصل؟ قال: ثم ولينا أشياء - يعني الإمارة ومفاسدها - ما أدري ما حالي فيها! أي: عملنا أشياء ونحن أمراء اجتهادًا، وظننا ذلك الصواب، فقد يكون هو الصواب وقد لا يكون هو الصواب، والآن جاء وقت الندم، فما أدري ما حالي فيها.\nقال: فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنًا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور يعني: لا تتركوني وتذهبوا بسرعة، ولكن اصبروا، وقفوا عند القبر وادعوا لي قدر ما تنحر جزور، ويقسم لحمها، أي: بمقدار ذبحكم جملًا وتقسيمكم لحمه، قال: حتى أستأنس بكم، وأنظر ما أراجع به رسل ربي.\nومن السنة أن الإنسان يقف على قبر المتوفى زمنًا قل أو كثر يدعو فيه لهذا المتوفى، ويكون الدعاء في السر، لا كما يصنع اليوم عند المقابر، حيث تجد أحدهم يدعو والناس يؤمنون حوله؛ إذ لم يكن النبي ﷺ يفعل ذلك، وإنما كان يقوم النبي ﷺ على القبر ويقول: (سلوا لأخيكم التثبيت؛ فإنه الآن يُسأل)، ولو كان يدعو والصحابة يؤمنون لورد عنه أنه كان يقول: اللهم ثبته وهم يقولون: آمين.\nولكن هذا لم يرد.\nوالغرض من الحديث بيان أن المؤمن يحب البشارة وتعجبه، ولو عند الوفاة، فهي تثبته وتطمئنه.\nنسأل الله ﷿ أن يجعلنا من عباده المحسنين.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل - اللهم - وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"62","page":12},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-700> وداع المسافر والدعاء له وطلب الدعاء منه</span>\nإن من السنة توديع المسافر، والدعاء له، وطلب الدعاء منه؛ لأن السفر من مواطن قبول الدعاء، كما أن المسافر محتاج للوصية والدعاء من غيره، والسفر قد يكون من بلد إلى بلد، وقد يكون من دار الدنيا إلى دار الآخرة.","vol":"63","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-701>وصايا الأنبياء عند وداعهم وسفرهم إلى الآخرة</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: قال الإمام النووي ﵀: باب وداع الصاحب ووصيته عند فراقه لسفر وغيره والدعاء له وطلب الدعاء منه.\nقال الله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢ - ١٣٣].\nوعن زيد بن أرقم ﵁ قال: (قام رسول الله ﷺ فينا خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: أما بعد ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: وأهل بيتي أذكركم، الله في أهل بيتي) رواه مسلم.\nإن الإنسان إذا كان مسافرًا أو مفارقًا الفرقة الكبرى فرقة الموت فإنه يودع ويوصي، فيدعو للمسافر ويطلب من المسافر أنه يدعو له.\nوالوصية من الدين وكذلك النصيحة، فالإنسان يوصي أهله بتقوى الله ﷾، ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣].\nلقد شرع لنا ربنا ﷾ هذا الدين الذي وصى به نوحًا على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وأولي العزم من الرسل، وصاهم بهذا الدين، ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ [الشورى:١٣] أي: أقيموا دين الله ﷾ في أنفسكم وبين الناس وفي مجتمعكم، وكونوا مجتمعين على أمر الله ولا تختلفوا ولا تتفرقوا.","vol":"63","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-702>وصية إبراهيم ويعقوب لأبنائهما</span>\nقول الله ﷾ ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة:١٣٢]، وصى بها أي: بكلمة التوحيد فإنه وصاهم بأن يديموا إقامة دين رب العالمين وشرعته ومنهاجه ﷾، قال: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ [البقرة:١٣٢] أي: اختار لكم دين الإسلام، فهو نعمة عظيمة وهدية من الله ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢].\nودين الإسلام هو دين الرسل جميعهم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فقد اختار الله ﷿ للخلق هذا الدين العظيم (الإسلام)، اختار لهم أن يسلموا وجوههم وأن يسلموا قلوبهم وأبدانهم لله ﷾ ليحكم فيهم بما يشاء فقال: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، وأخبر أنه دين الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنهم كانوا يوصون أبناءهم به: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢].\nووصى بها إبراهيم بنيه، ووصى بها يعقوب الذي هو: أبو يوسف على نبينا ﵊ وصاهم أن يموتوا على هذا الدين العظيم، ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ [البقرة:١٣٢ - ١٣٣]، غيعقوب أبو يوسف الذي لقبه إسرائيل، لما حضرته الوفاة: ﴿قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ [البقرة:١٣٣]، وأبناؤه فيهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فجمع أبناءه وأحفاده وأوصاهم بتقوى الله سبحانه، وسألهم: من الذي ستعبدونه من بعدي؟ إنكم كنتم تعبدون الله وحده لا شريك له، فهل ستتمسكون بهذا الدين أم تتركون هذا الدين؟ وهو يعلم\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ [البقرة:١٣٣]، الإله الواحد سبحانه، ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ [البقرة:١٣٣]، الذين هم: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهًا واحد لا نشرك به شيئًا سبحانه، ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٣].\nفهذه الوصية ينبغي لكل مسلم أن يوصي بها نفسه وأن يوصي بها أهله وبنيه وغيرهم بأن يديموا عبادتهم لله سبحانه وأن تأتيهم الوفاة وهم متمسكون بهذا الدين.\nوإذا أردت أن تأتيك الوفاة وأنت على هذا الدين فتمسك به من الآن؛ لأنك لا تدري متى تأتيك الوفاة، فالمسلم مستحضر أنه ربما يموت الآن أو بعد قليل، فيكون متمسكًا بالدين لا يتركه أبدًا إلى الموت.","vol":"63","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-703>وصية النبي بكتاب الله وأهل بيته</span>\nومن الأحاديث ما رواه زيد بن أرقم قال: (قام فينا رسول الله ﷺ خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر)، وكانت خطب النبي ﷺ كلها مواعظ، فقد كان يعظ المؤمنين ويذكرهم بالله ﷾ ويعلمهم.\nثم قال: (أما بعد ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب)، وهذا فيه التذكير بالموت، وقد قال له ربه سبحانه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]، وقال له ﷾ وللمؤمنين: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤].\nفأخبر عن نبيه ﷺ أنه ميت كما أنهم ميتون، وأخبرهم النبي ﷺ أنكم تزعمون أني آخركم موتًا بل سأموت قبلكم ﵊، ومات قبلهم صلوات الله وسلامه عليه، وهذه من معجزاته ﵊ أن يخبر بأمر غيبي أخبره به الله ﷿ فكان على ما أخبر به ﵊.\nوطالما أنه ميت ﵊ فكان يوصيهم بذلك، وكان من المواعظ ما يذكره أصحابه رضوان الله عليهم فقد قالوا: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، (قلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا).\nفالصحابة كانوا يفهمون من مواعظ النبي ﷺ أنه قد اقترب أجله ﵊ فكان يعظهم ويذكرهم ﵊، إني مفارق لكم فاحذروا أن تفرطوا واحذروا أن تضيعوا قد تركت فيكم الثقلين، قال: (إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، كتاب الله وأوصيكم بأهل بيتي)، وكتاب الله يأمر بطاعة النبي ﷺ والعمل بسنته ﵊، فهو وصى بالشريعة التي هي: كتاب وسنة، وأيضًا: وصى بأهل بيته، أي: لا تظلموهم ولا تبخسوهم حقوقهم، فلعل الناس يجاملونه في حياته ﷺ، فإذا توفي نسي الناس أهل بيته وأزواجه ﷺ، فيذكرهم أن يتقوا الله فيهم.\nفعرف الصحابة قدرهم وعرفوا قدر نساء النبي ﷺ، فكانوا يذهبون إلى نساء النبي ﷺ ويتعلمون منهن ما كان من سنة النبي ﷺ في بيته وغير ذلك من أحكام هذه الشريعة.\nفالنبي ﷺ وصى بالقرآن يعني: بشرع الله الذي هو: كتاب وسنة، ووصى الناس بأهل بيته ألا يظلموهم، قال ﷺ: (كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به)، فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: (وأهل بيتي) يعني: أذكركم بأهل بيتي فلا تظلموا أهل بيتي، والغرض من الحديث أنه وصى صلوات الله وسلامه عليه الناس بكتاب الله وبأهل بيته ﵊.","vol":"63","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-704>وصية النبي لمالك بن الحويرث وأصحابه</span>\nعن مالك بن الحويرث ﵁ قال: (أتينا رسول الله ﷺ ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين ليلة قال: وكان رسول ﷺ رحيمًا رفيقًا فظن أنا قد اشتقنا إلى أهلنا!)، والنبي ﷺ كما ذكره الله ﷿ ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وكل إنسان يحافظ على نفسه، والنبي ﷺ أكثر محافظة عليكم منكم على أنفسكم فهو: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، ﵊.\nونجد هذا في وصاياه وتأديبه لأصحابه رضوان الله ﵎ عليهم، فقد كانوا يبايعون النبي ﷺ على السمع والطاعة وعلى أثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله، فيقول لهم: (قولوا: ما استطعنا)، فيأخذ عليهم البيعة وهو أرحم بهم من أنفسهم فيقول: (قولوا: ما استطعنا) أي: لعلكم لا تقدرون على بعض هذه الأشياء فيكون لكم عذر عند الله ﷾.\nوهنا كذلك فإن مالك بن الحويرث ومعه أقارب له قدموا على النبي ﷺ وهم شببة متقاربون، أي: شباب قد تركوا أهلهم وتركوا بلادهم وقدموا على النبي ﷺ ليتعلموا منه، ومكثوا عنده عشرين ليلة، فلما أقاموا عنده كان رسول الله ﷺ رحيمًا رفيقًا خلقه الرحمة والرفق، قال: فظن أنا قد اشتقنا إلى أهلنا أي: فظن ﷺ أنهم يريدون الرجوع؛ لذلك لم يتركهم حتى يقولوا: نريد أن نرجع، ولكن رحمة النبي ﷺ جعلته هو الذي بدأ فسألهم عمن تركوا وراءهم، فكأنه يذكرهم ارجعوا إلى أهليكم يكفيكم ما قد تعلمتم، وهذا من رحمته ﷺ بهؤلاء وبغيرهم.\nقال: فأخبرناه فقال: (ارجعوا إلى أهليكم)، أي: الذي تعلمتموه هنا اذهبوا وعلموه أهليكم؛ ليكون لكم الثواب في ذلك، قال ﷺ: (ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم وأمروهم، وصلوا صلاة كذا!) في حين كذا! وربما أنه ظن أنهم غير متقنين لمواقيت الصلاة فعلمهم صلاة كذا! في حين كذا! وصلاة كذا في حين كذا، قال: (وصلوا كذا في حين كذا فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم).\nيجوز (وليؤُّمكم أكبركم) ويجوز (وليؤَّمكم أكبركم) والأولى أوجه في اللغة لأن أصلها من أممه ففيها ميمان يأمم والجازم وقع على الثانية والأولى ما زالت مرفوعة فلذلك حركتها أولى بالبقاء هنا، فإن قيل: لماذا يؤمهم أكبرهم والمعروف أنه يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله؟ لماذا لم يقل: يؤمكم أعلمكم بكتاب الله وبسنة النبي ﷺ؟ الجواب لا يصح هذا في هذه الحالة؛ لأنهم مكثوا عشرين يومًا مع النبي ﷺ ولو حفظوا سيحفظ جميعهم مثل بعض، ولم يحاول أن يحفظ أحدهم أكثر من الثاني، فلم يبق تفاضل بينهم إلا بالسن، فطالما أنهم كلهم ذهبوا إلى النبي ﷺ في وقت واحد وأخذوا العلم وحفظوا من القرآن خلال عشرين ليلة مثل بعض فلم يبق إلا (وليؤمكم أكبرهم)، وهذا لا يعارض ما جاء في أحاديث أخرى عنه ﷺ قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإذا كانوا فيها سواء فأقدمهم هجرة).\nفيقدم الأحفظ لكتاب الله ثم الأعلم والأفقه بدين رب العالمين ثم الأقدم هجرة والأكبر سنًا، لكن إذا لم يوجد إلا خيار واحد بأن يكونوا متساويين في القرآن والسنة والهجرة لم يبق إلا بالسن، قال: (وصلوا مثلما رأيتموني أصلي)، والغرض هنا بيان وصية النبي ﷺ.\nومن سنة النبي ﷺ التوديع للمسافر وقد وصاهم حين ودعهم وأمرهم أن يرجعوا إلى أهليهم بالصلاة وهي آخر ما وصى به النبي ﷺ في حياته وقبل وفاته ﷺ فإن آخر ما سمعوا منه: (الصلاة وما ملكت أيمانكم) أي: الزموا الصلاة، واحرصوا على الصلاة، لا تتركوا الصلاة، (الصلاة وما ملكت أيمانكم)، وملك اليمين هم: العبيد أي: احذروا أن تفرطوا في حق العبيد فإن الله ﷿ يقتص لهم يوم القيامة.","vol":"63","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-705>مشروعية طلب الدعاء من المسافر</span>\nروى الإمام الترمذي من حديث عمر بن الخطاب ﵁ بإسناد فيه ضعف قال: (استأذنت النبي ﷺ في العمرة فأذن وقال: لا تنسنا يا أُخيّ من دعائك، قال عمر: فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا)، في رواية قال: (أشركنا يا أخي في دعائك) يا أُخيَّ تصغير يا أخي، قال الترمذي: حسن صحيح، وفي إسناده عاصم بن عبد الله العمري، قال الحافظ ابن حجر: ضعيف، فإسناد هذا الحديث ضعيف، لكن يجوز للإنسان إذا كان يودع إنسانًا مسافرًا أن يطلب منه الدعاء لقول النبي ﷺ: (ثلاث دعوات مستجابات: دعوة المسافر، ودعوة الصائم، ودعوة الوالد على ولده أو لولده)، ومن هذا الباب نقول للمسافر: لا تنسنا من دعائك.","vol":"63","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-706>دعاء المقيم للمسافر</span>\nروى سالم بن عبد الله بن عمر أن عبد الله بن عمر ﵃ جميعًا كان يقول للرجل إذا أراد سفرًا، وكان من أشد أصحاب النبي ﷺ متابعة للنبي ﷺ، فقد كان يحاول أن يقتدي به في كل شيء لآية: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١].\nحتى إنه إذا علم بالمكان الذي نزل فيه النبي ﷺ وتبول فيه ينزل في هذا المكان أيضًا ويتبول فيه، يريد أن يقتدي بالنبي ﷺ، وكان النبي ﷺ راكبًا على ناقته فجذب زمامها في مكان في الطريق لتقف أو لوى رقبتها لتقف فـ ابن عمر كان يفعل هذا الشيء ولو كان غير محتاج إليه، فقد كان يفعله اقتداء بالنبي ﷺ، فكان من أكثر أصحاب النبي ﷺ اتباعًا للنبي ﷺ واقتداءً به.\nفـ عبد الله بن عمر كان يقول للرجل الذي يريد أن يسافر: ادنو مني حتى أودعك كما كان رسول الله ﷺ يودعنا.\nفكان ابن عمر ﵁ يأتسي بالنبي ﷺ في توديع الإنسان المسافر ويعلمه السنة في ذلك، ويقول: (استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك).","vol":"63","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-707>شرح حديث: (أستودع الله دينك)</span>\nكان النبي ﷺ يقول للمسافر: (استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك)، وهذا الحديث العظيم معناه جميل جدًا لمن يتدبره يقول ﷺ: (أستودع الله) يعني: أجعل هذه الأشياء التي تخصك وديعة عند الله أي: أسأل الله وأدعوه أن يحافظ لك على هذه الأشياء كما يحافظ المودع الأمين على الوديعة التي عنده، ولله ﷿ المثل الأعلى.\n(أستودع الله دينك) يعني: ما أنت عليه من دين الإسلام والمعنى: أدعو الله ألا يضلك وأن تظل ثابتًا على هذا الدين.\n(وأمانتك) سواء كانت الأمانة مع الله أو مع الخلق، فأسأل الله ﷿ أن يحافظ لك على أمانتك جميعها فتؤدي التكاليف الشرعية ولا تضيعها، فتحافظ على الصلوات في وقتها، وتحافظ على صومك، وتحافظ على ما تؤديه من أمانة الله وكذلك أمانات الخل.\n، (وخواتيم عملك)، وفي الحديث: (الأعمال بالخواتيم)، فقد يكون الإنسان على عمل صالح وفي آخر حياته كما قال النبي ﷺ: (فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها)، والعياذ بالله.\nوقد يكون على عمل غير صالح وفي آخر حياته يسبق عليه كتاب الله فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها، فكأنه يودع هذا الإنسان ويسأل من الله ﷿ أن يحافظ له على هذا العمل حتى يختم له به.\nفتدعو للإنسان المسافر وتوصيه بتقوى الله لأنه سيكون غريبًا في بلاد أخرى لست فيها، وليس هناك من يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر؛ لذلك توصي الإنسان حين يسافر إلى مكان بقولك: اتق الله ﷾، واحذر الفتن، واحذر النساء، واحذر أهل الفسق وأهل الضلال، واحذر الكفار؛ فلعله يرجع ولعله لا يرجع فتدعو له بقولك: (استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك).","vol":"63","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-708>ما يقال في توديع الجيش</span>\nعن عبد الله بن يزيد الخطمي قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يودع الجيش قال: استودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم)، حتى الجيش الذي يسافر مجاهدًا في سبيل الله يحتاج لهذه النصيحة ويحتاج لهذه الوصية ولهذا الدعاء، وهذا أولى من أن يذهب الإنسان إلى المسافر فيقول له: أعطني كذا وكذا! انتبه لنفسك من كذا! فأنت تجعل الله ﷾ هو الذي يرعاه حين تدعو لهذا الإنسان المسافر، ولا مانع من أن تقول للإنسان المسافر: أعطني كذا وكذا! ولا مانع إن كان متهورًا أن تقول له: انتبه من نفسك، ولكن لا تنسى أن تدعو له بهذا الدعاء العظيم (أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك).","vol":"63","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-709>شرح حديث: (زودك الله بالتقوى)</span>\nروى الإمام الترمذي من حديث أنس ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني أريد سفرًا فزودني) أي: أعطني زادًا في هذا السفر، والله يقول: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧]، يعني: أعطني ما أستعين به في هذا السفر من نصيحة، فقال ﷺ: (زودك الله بالتقوى)، زودك يعني: أسأل الله ﷿ أن يعطيك التقوى ويجعل التقوى زادك، ففرح بذلك وقال: زدني أيضًا، قال ﷺ: (وغفر ذنبك).\nقال الرجل: زدني قال: (ويسر لك الخير حيثما كنت)، وهذا دعاء جامع لخير الدين والدنيا والآخرة، ماذا تريد بعد التقوى؟ وإذا كان زادك التقوى فاعمل أي عمل لله ﷿، فإن الله يتقبله منك؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧].\nوإذا كنت قد زودك الله التقوى فكل الأعمال الصالحة لن يدخلها رياء، فكلها ستكون لله وكلها يقبلها الله ﷿، وإذا زودك الله التقوى سييسر لك الخير في كل مكان؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣].\nوالتقوى رأس مال المؤمن، وهي عظيمة جدًا وهي تفتح لك أبواب السعادة في الدنيا وفي الآخرة، وإذا زودك الله التقوى تقبل منك عملك ورزقك من حيث لا تحتسب وجعل لك مخرجًا، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق:٤]، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق:٥]، وتقوى الله جمعت كل خير في الدنيا وفي الآخرة.\nقال: (وغفر ذنبك)، فدعا له بالمغفرة، فإذا غفر الله ﷿ له انتظر الجنة من رب العالمين.\nقال: (ويسر لك الخير حيثما كنت) يعني: في أي مكان تكون أسأل الله أن ييسر لك الخير.\nوهنا ما قال له: الله يعطيك الذي تتمناه مع أن الإنسان يتمنى لنفسه خيرًا كثيرًا لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه، وقد يتمنى الشيء ويأتي بغير حينه، فلا يكون له عند الإنسان منزلة، والإنسان قد يتمنى المال فحين يأتيه المال يفرح به، وقد يأتيه المال فتكون تعاسته هي أن يأتي له المال! والإنسان الذي كان مسافرًا في الصحراء ثم ضلت ناقته فظل في الصحراء تائهًا لا يعرف أين يذهب وعطش عطشًا شديدًا وأخذ يبحث عن ماء وحفر بئرًا وحصل على كنز في الداخل فهل ينفعه هذا الكنز الآن؟ لا ينفعه بشيء، فهل هذا الكنز خير في مكان لا ينتفع به؟! يقول هذا الإنسان: أريد من زمني ماءً فيمنحني مالًا فما ذلك التنغيص يا زمن أينفع المال والإنسان في غصص تأتي عليه فلا قبر ولا كفن لا ينفع المال عند الموت صاحبه تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن فجاءت له الريح بالذي لا يشتهيها ربان السفينة.\nفهذا الإنسان في مكان لعله في غيره قد يطلب المال ويكون خيرًا عظيمًا له، فكان دعاء النبي ﷺ يسر لك الخير حيثما كنت، أي: الخير الذي يناسبك في هذا المكان ييسره الله ﷿ لك، ولذلك ينبغي على المسلم أن يسأل الله ﷿ الخير في سفره، وأن يدعو للمسافر: (زودك الله التقوى، وغفر ذنبك، ويسر لك الخير حيثما كنت).\nنسأل الله ﷿ أن يزودنا التقوى في سفرنا للآخرة، وأن ييسر لنا الخير حيثما كنا، وأن يغفر لنا ذنوبنا.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"63","page":10},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-710> الاستخارة والمشاورة</span>\nلقد قرر الإسلام في عدد من الآيات والأحاديث مبدأ: ما خاب من استخار ولا خسر من استشار، فبهذين الأمرين يكون الإنسان مطمئن النفس سالي الخاطر قرير العين، والخيرة فيما اختاره الله.","vol":"64","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-711>ما جاء في الاستخارة والمشاورة</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب الاستخارة والمشاورة.\nقال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] وقال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨] أي: يتشاورون بينهم فيه.\nوعن جابر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: عاجل أمري وآجله، فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به، قال: ويسمي حاجته) رواه البخاري].\nباب آخر من كتاب رياض الصالحين للإمام النووي رحمة الله عليه يذكر فيه الاستخارة والمشاورة، والاستخارة على وزن استفعال أي: طلب شيء، فهنا استخار أي: طلب الخير واستدعاه، والمشاورة على صيغة مفاعلة وتكون في مجموعة بين اثنين فما فوقهما، وهي بمعنى طلب الشورى ممن حوله من أهل الخبرة ومن أهل العلم والصلاح، فيطلب رأيه في الأمر الذي يريد أن يفعله، وكذا ينبغي أن يكون المؤمن، فعليه أن يستخير ويستشير، فيستخير ربه سبحانه بأن يطلب منه تقدير الخير له وإرشاده إليه، ويستشير بأن يطلب من الناس آراءهم.\nفالله ﷿ أمرك بالاثنين فقال في المؤمنين مادحًا لهم: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨]، فأمر المؤمنين فيه مشاورة، ولا يوجد أحد يستبد برأيه عن الباقين ولكن يستشير الإنسان في قراره أو فيما يريد تدبيره من أمره، ويستشير أهل العلم والصلاح والتقوى وأهل الخبرة في المسألة التي يريد عملها.\nفالمؤمنون أمرهم شورى بينهم، وقال تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، أمره الله بذلك مع أنه المؤيد بالوحي من السماء ﵊، ولا شك أن رأيه فوق آرائهم صلوات الله وسلامه عليه، ولكن الله يقرر مبدأً من المبادئ العظيمة وهو مبدأ الشورى، فلو كان كل أمر منه ﷺ يعطي رأيه فيه دون استشارة، لكان الأمر على من بعده صعبًا.\nفلو جاء بعده خليفة أو أمير لقالوا: كان النبي ﷺ يتكلم في الأمر ويعطي رأيه وينفذ دون استشارة، فأنا أيضًا الملك أفعل هذا الشيء، فبدأ الله ﷿ بنبيه ﵊ وأمره بالمشاورة بقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، فكان يستشيرهم وينزل على رأيهم حتى وإن خالف رأيهم رأيه ﷺ، فطالما اجتمعوا على شيء وكانت الأكثرية في رأيهم فالنبي ﷺ يأخذ بآرائهم ويعمل بقولهم، وقد يكون الرأي الذي يراه الأكثرون ليس هو الذي يراه النبي ﷺ، ومع ذلك يترك رأيه ويأخذ آراءهم ليعلِّم من بعده ﵊.\nوينبغي على المؤمنين أن يكون أمرهم شورى، فالشورى تجعل في الرأي أكثر من عقل واحد، فالإنسان المؤمن يتعلم من القرآن أن استشر من حولك من أهل الخبرة وإذا بلغت برأيك الصواب مرة، فلن تصيب كل مرة.\nوفي المشاورة تنقيح الآراء، انظر إلى إنسان يؤلف كتابًا مثلًا ويظن أنه أبدع في الكتاب، وعندما يراجع كتابه بنفسه يجد أشياء أخرى غفل عنها، وبالآراء يجد أمورًا غفل عنها ونسيها؛ لذلك لا تحتقر آراء الرجال ولا تحتقر آراء الآخرين، بل خذ بآرائهم وانظر فيها حتى ولو لم تعمل بها، لكن قد تنفعك بعض آرائهم في يوم من الأيام، وهذا مبدأ الشورى الذي علمه لعبادة المؤمنين، فيتواضع الإنسان ويتجنب التهور.\nوعلى الإنسان أنه كما يحسن الظن بنفسه أن يحسن الظن في غيره؛ لذلك تجد العلماء حين يؤلفون كتبهم كالإمام الشافعي يؤلفه ثم يعطيه للبعض ويقول: خذ هذا الكتاب وأنا أعلم أن فيه أخطاء فأصلحها وأنا لا أعرف مكانها! كيف لا تعرف مكانها وأنت تقول: أعرف أن فيه أخطاء؟ قال: مستدلًا بكتاب الله وما أجمل ما يستدل به الإمام الشافعي من الكتاب والسنة، فقد كان عالمًا عظيمًا فقيهًا إمامًا رضي الله ﵎ عنه، توفي وعمره أربع وخمسون سنة، ووصل إلى العلم الذي لم يصل إليه إلا الندرة من العلماء أمثاله من الأئمة رضوان الله ﵎ عليهم، يقول ﵀: قال الله ﷿ في كتابه: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، فأي كتاب من عند غير الله لابد أن يكون فيه خلاف، ولابد أن يكون فيه خطأ، فالذي يؤلف شيئًا لا يمكن أن يكون كله صوابًا، وهذه من طبيعة البشر، فلابد من الخطأ فهو مقتضى البشرية، ولذلك قال الشافعي ﵀ ذلك.\nفعندما يستشير الإنسان غيره فهم يدلونه على أخطاء نفسه، وهو بذلك يمحص كتابه ورأيه ويستفيد من آراء غيره من الناس، لذلك قالوا: ما خاب من استشار، لا يخيب الإنسان الذي يشاور غيره، إن وصل للصواب في مسألة وعمل بما قالوه، فوجد النتيجة حسنة فرح بهذا الشيء، وإذا وجد النتيجة على غير ما توقعه فلا يلوم إلا نفسه.\nوهذا الحافظ ابن حجر العسقلاني وهو من هو رحمة الله عليه يذكر في آخر حياته أنه لو استقبل من أمره ما استدبر ما كان ألف هذه الكتب، وأنه وجد في كتبه أخطاء كثيرة، فقد ألف وصنف كثيرًا ولكن في نهاية الأمر راجع نفسه، وعلم أن هناك أشياء تحتاج لتنقيح، ولعله تسرع في بعض المسائل، هذا وهو أمير من أمراء المؤمنين في علم حديث رسول الله ﷺ، وعالم من علماء المسلمين! فالغرض أن كل إنسان في نفسه أشياء صحيحة وأشياء قد تكون خلاف الصحيح، فحين يقدم على الشيء وحده لعله يندم في يوم من الأيام، ومهما ادعى الإنسان أنه لا يندم فهذا خطأ، وسيأتي زمن يصف نفسه بالجنون وأن كلامه كان خطأ، وسيعرف أنه كان مغرورًا عندما قال ذلك.\nولذلك المؤمن يجب أن يأخذ بكتاب الله مسلمًا، قال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨] حتى لو اعتقدت أنهم أقل منك رأيًا، ولعل الأقل منك رأيًا قد يوفقه الله للشيء الذي لا يوفقك إليه وقد تكون نتيجة رأيه حسنة.\nفالمؤمنون أمرهم شورى بينهم، وكذلك يذكر الله سبحانه ﵎: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] وهذا الأمر للنبي ﷺ وغيره بالتبع.","vol":"64","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-712>شرح حديث: (كان رسول الله يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها)</span>\nعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن) أي: حديث الاستخارة لابد أن تحفظه كما تحفظ السورة من القرآن، وكان يحفظهم النبي ﷺ هذا الحديث كما يحفظهم السورة من القرآن، يقول لهم ﵊: (إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة)، إذا أراد أحدكم أمرًا من الأمور التي ينتفع بها في الدنيا أو في الآخرة وهو محتار في أن يعمله أو يتركه فعليه أن يستخير ربه سبحانه.\nفالاستشارة تكون من الخلق بأن يشيروا عليك بآرائهم، والاستخارة: طلب الخير وهو ما لا يملكه إلا الله سبحانه ﵎، فتطلب الخير منه أن يهديك ويوفقك للصواب، والأفضل أن تجمع الأمرين.\nقال هنا: (فليركع ركعتين من غير الفريضة)، فلابد أن تكون ركعتي نافلة، ولا يصح أن يكونا من الفريضة، فيصح أن أصلي سنة الفجر وأنوي أن أستخير ربنا بعد هاتين الركعتين، لكن لا ينفع أن أصلي صلاة الصبح وبعدها أستخير، فقد قال: (ركعتين من غير الفريضة)، ويستحسن أن تكون الركعتان قائمتين بذاتهما، وأن تكونا ركعتين مخصوصتين للاستخارة، ويجوز أن تدخلها مع أي نافلة من النوافل، كأن تصليها مع سنة الظهر أو سنة العشاء أو سنة المغرب وتدخل معها نية الاستخارة.\nقال ﷺ: (فليركع ركعتين من غير الفريضة)، بأي ركعتين: (ثم ليقل)، الدعاء الذي ينبغي أن تحفظه كما قاله النبي ﷺ: (اللهم إني أستخيرك بعلمك) يعني: أطلب منك الخير الذي تعلمه بعلمك وأطلب منك أن تعلمني وأن تدلني على ما لا أعلم، وفي هذا اعتراف الإنسان بجهله.\n(وأستقدرك)، السين للاستدعاء على صيغة استفعال، فالمقصد أني أطلب منك أن تقدرني، فأستقدرك بمعنى أطلب منك بقدرتك أن تقدرني على الصواب في هذا الشيء.\n(وأسألك من فضلك العظيم)، فأنا أطلب من فضلك، ولا أطلب فرضًا عليك أنك تعطيني، ولكني أعترف بعجزي وبجهلي، وأني عبد لك وأنت المتكرم المتفضل، وهذا من التواضع بين يدي الله ﷿، وهذا يجعل سؤالك محل جواب من الله سبحانه ﵎، والمستكبر لا ينظر الله ﷿ إليه، ولكن المتواضع هو الذي يعترف بالعجز وبالتقصير والجهل، ويقر لله ﷿ بالقدرة بالعلم والفضل، فهذا جدير أن يستجيب الله ﷿ له.\nقال: (أستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم)، أطلب من فضلك فإنك كريم وفضلك كثير عظيم.\n(فإنك تقدر وأنا لا أقدر)، أنت تقدر على كل شيء وأنا لا أقدر إلا على ما تقدرني عليه.\n(فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم)، وهنا يكون الاعتراف بالجهل، (تعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب)، تعلم ما ظهر وما خفي.\n(اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر ويسمي الأمر)، أي: الأمر الذي سيقدم عليه فيقول مثلًا: أن هذا الزواج الذي أقدم عليه، أو سيقدم على شراء شيء فيقول: هذه البضاعة التي أشتريها، فيذكر الشيء الذي يستخير الله به.\nثم يقول: (إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري)، وبهذا لا يضيع ديني، وخير في معاشي وفي حياتي ونفقتي ومعيشتي في هذه الدنيا، ثم العاقبة يوم القيامة، وهذا صالح ونافع لي في الدين، ونافع لي في معاشي وحاجتي في الدنيا، ونافع لي في قبري ويوم القيامة، وبهذا الدعاء يكون قد جمع الخير كله.\nقال: (أو قال: عاجل أمري وآجله)، وهو نفس المعنى: عاجل الأمر ما كان فيه منفعة دينية أو دنيوية، وآجل الأمر ما كان يوم القيامة، فيجوز لك أن تقول أي من الصيغتين: (إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري)، أو تقول: (خير لي في عاجل أمري وآجله)، قال: (فاقدره لي ويسره لي)، أي: اجعلني قادرًا عليه واكتب لي أن أفعله واجعلني أفعل هذا الشيء بتيسيرك لي.\nويمكن أن يقدرك على شيء هو في الأصل خير ولكن الإنسان بسفاهته يستخدمه في غير الخير.\nقال: (ثم بارك لي فيه) أي: تقدرني عليه فإذا قدرتني عليه اجعل لي من وراء ذلك: البركة في العمل، والبركة في النماء، والبركة في الأجر والثواب، فجمعت خيرًا عظيمًا باستخارتك ربك، ويكفي هذا الدعاء العظيم الذي دعوته.\nقال: (وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري) أي: الأمر الذي أستخيرك به وأطلبه سيكون فيه شر، وكم من أمر ينظر الإنسان إليه على أنه خير فيحرص على أخذه، وبعد ذلك يجد فيه الشر فيتركه ويزهد فيه، فبدلًا من أن تجرب اطلب من ربك سبحانه أن يرشدك إلى الصواب.\nقال ﷺ: (أو قال: عاجل أمري وآجله)، إذا كان شرًا قال: (فاصرفه عني واصرفني عنه)، فأريد عملًا في المكان الفلاني وأنا أسعى لهذا الشيء، وصليت صلاة استخارة ثم أقدمت عليه ولكنه ضاع، فلذلك كان الدعاء الكامل أن تقول: اصرف هذا الشيء عني واصرفني أنا أيضًا عنه، فلا أندم عليه ولا أحزن إذا لم أحصل عليه.\nقال: (واقدر لي الخير حيث كان) أي: قدر لي الخير في أي مكان يكون، واجعلني أتوجه إليه وأحصله.\n(ثم أرضني به)، قد يقدر لك الخير الذي يراه وقد لا ترضى عنه، والرضا شيء عظيم جدًا، إن ترضى فلك الرضا من الله ﷿ ولك الرضا من الخلق، مهما سخطوا عليك فهم يرضون عنك برضا الله ﷿ عنك.\nوشيء عظيم أن يعيش الإنسان راضيًا مستريح النفس قرير العين، يحس أنه ملك، يقول: الله وقد أعطاني الله أعظم شيء، فقد يتزوج امرأة فقيرة ولا تكون جميلة وقد تكون مريضة ولكن أرضاه الله ﷿ بها، فرضي بها ويفرح بها ويستريح إليها، ويستشعر أنه ملك من الملوك.\nوقد يتزوج امرأة غنية وامرأة جميلة وامرأة ذات منصب وجمال، وإذا به يكون في ذل عظيم، يراها شيطانة أمامه لا يطيقها، فهنا يطلب الخير ويطلب من الله أن يرضيه به، فيجعل نفسه راضية بهذا الذي هو فيه، لا ينظر إلى غير ما أعطاه الله سبحانه ﵎.\nقال النبي ﷺ: (من رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط) أي: الذي يرضى عن الله سبحانه ﵎ فالله يرضيه، ويرضى عنه ويعطيه ما يرضى به، حتى ولو كان قليلًا من متاع الدنيا القليل، ولكن تجده فقيرًا وتجده راضيًا عن الله سبحانه، وكم من إنسان تراه فقيرًا ولكنه فرحان؛ لأن الله ملأ قلبه بالإيمان الذي يجعله راضيًا عن الله.\nويقول: يمكن لو أخذت المنصب ضللت وضعت وتركت دين الله ﷿ ورائي، وهكذا المؤمن يحمد الله ﷿ وهو راض عن قضائه وقدره سبحانه ﵎، ورضاه يمنعه من التطلع، فلا ينظر إلى ما أغنى الله جاره أو فلانًا من الناس، فيبدأ يتسخط على أمر الله سبحانه، لكن المؤمن الذي يرضى عن الله سبحانه ﵎، يرضيه الله ﷿.\nلعل هذا الفقير يمرض مرضًا فيضع يده على مكان المرض ويدعو الله سبحانه فيذهب الله هذا المرض عنه دون تعاطي دواء، ولعل الغني يصاب بمثلما أصيب به الفقير فيصرف أمواله كلها عليه! وكم من طالب شيء لا يناله، فكم رأينا من أناس يطلبون مناصب في الدنيا ويسعون إليها، ولكن الله لا يقدرها لهم! وكل هذا حكمة من الله ﷿، فقد تحصل على منصب ويضيع به دينك، وتفسد فيه أخلاقك، لهذا الله يصرفه عنك.\nفالمؤمن يستخير الله ﷿ في كل أمر هو مقدم عليه، ولا يطلب المؤمن إلا رضا الله سبحانه ﵎، ويطلب من الله أن يرضيه ويصبر على أمر الله سبحانه، فيرضى بما قسمه الله ﷿ له كما جاء في حديث أبي هريرة الذي قاله النبي ﷺ: (أرض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس)، فالغنى غنى القلب، والله يجعل قلبك غنيًا، والفقر فقر النفس وفقر القلب، وقد تجد إنسانًا لديه من الأموال الكثيرة ولكنك تجده يتكفف الناس ويطلبهم، وهذا هو فقر القلب بعينه، وتجده يخاف بشكل كبير على أمواله، وقد تجد إنسانًا لا يوجد في جيبه ما يكفي قوت يوم أو أقل من ذلك، ومع ذلك يكون مسرورًا لا يحتاج لأحد، فهذا هو الرضا بالله ﷿.\nفخذ بالأسباب، وتستشير وتستخير فالله يقدر لك الخير، فما خاب من استخار ولا استشار.\nنسأل الله ﷿ أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"64","page":3},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-713> تغيير الطريق عند الذهاب إلى مواطن العبادات والعودة منها وتقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم</span>\nمن الأمور المستحبة في الشرع: إذا خرج المسلم إلى صلاة العيد أن يذهب من طريق ويعود من آخر، اقتداء بالنبي ﷺ، وتكثيرًا لمواضع العبادة، وحتى تشهد له الملائكة في الطريقين، ويلتقي بعدد كبير من المسلمين.\nكذلك من الأمور المستحبة في الشرع: تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم، كالوضوء، والغسل، والمصافحة، والطعام، والشراب، والأخذ، والعطاء، وغير ذلك مما هو في معناه، ويستحب تقديم اليسار في ضد ذلك، كدخول الخلاء، وخلع الخف، والاستنجاء، وأشباه ذلك.","vol":"65","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-714>ما جاء في تغيير الطريق في الذهاب إلى صلاة العيد</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب استحباب الذهاب إلى العيد وعيادة المريض والحج والغزو والجنازة ونحوها من طريق والرجوع من طريق آخر لتكثير مواضع العبادة.\nعن جابر ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق) رواه البخاري.\nوعن ابن عمر ﵄ (أن رسول الله ﷺ كان يخرج من طريق الشجرة، ويدخل من طريق المعرس، وإذا دخل مكة دخل من الثنية العليا، ويخرج من الثنية السفلى) متفق عليه].\nغرض الإمام النووي رحمه الله تعالى من ذكر هذا الباب أن العبد وهو يسير على هذه الأرض في عبادة لله سبحانه، فإنه تكتب له خطواته ومشيه إلى الطاعة.\nفمثلًا: الذهاب إلى الصلاة، فكلما كثرت خطوات العبد إلى بيت الله ﷿ كان له أجر عظيم بسبب هذه الخطوات.\nوكان النبي ﷺ إذا خرج إلى صلاة العيد ورجع منها، يذهب من طريق ويرجع من طريق آخر.\nويسن التكبير عند ذهابه وإيابه، وفي أيام التشريق الثلاث، وهذا في عيد الأضحى، وهكذا كان النبي ﷺ يكثر من تكبير الله ﷿، ويعلم المسلمين أن يكثروا من ذلك، لأنه كلما أكثروا من ذكر الله تشهد لهم الأرض التي يمشون عليها، وتشهد لهم الملائكة في الطرقات، ويمر المسلم على أكثر عدد من المسلمين، فيسلم على أخيه المسلم ويسلم عليه، ويدعو لأخيه المسلم ويدعو له، فإن تيسر للمسلم أن يذهب من طريق ويرجع من طريق أخر فحسن، وإذا لم يتيسر فعلى الأقل ذكر الله ﷿ في كل مكان يمشي فيه.\nوأما حديث ابن عمر المتفق عليه: فهو في حج النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقد كان يدخل من طريق ويخرج من طريق آخر، فإذا خرج من المدينة خرج من طريق الشجرة، ويدخل من طريق المعرس، وإذا دخل مكة يدخل من الثنية العليا، أي: من الحجون، ويخرج من الثنية السفلى صلوات الله وسلامه عليه.\nوالغرض: أن الحج عبادة لله تعالى، فيدخل عابدًا لله تعالى، ويخرج ذاكرًا لله سبحانه، فيخالف في الطريق، يعني: في الخروج وفي الدخول.","vol":"65","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-715>ما جاء في استحباب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم</span>\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [استحباب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم، كالوضوء والغسل والتيمم] يستحب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم، يعني: اليد اليمنى للأشياء التي يكرمها، وأما اليد اليسرى فتكون للأشياء الأخرى التي فيها إزالة قذارة ونحو ذلك كالوضوء، فيبدأ فيه باليمين ثم بالشمال، والغسل، والتيمم، فيبدأ كذلك بالجانب الأيمن ثم الجانب الأيسر، وقد ذكرنا في أبواب الوضوء والغسل والتيمم أن البدء باليمين سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه، فلو أنه خالف في الوضوء، فبدأ بالشمال قبل اليمين فهل يصح وضوءه أم لا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يصح وضوءه، لكن خالف السنة.\nقال النووي: [ولبس الثوب] فيدخل يده اليمنى ثم يده اليسرى.\nقال النووي: [والنعل] أي: كذلك يبدأ باليمين ثم بعد ذلك باليسار.\nقال النووي: [والخف، والسراويل، ودخول المسجد] أي: يستحب عند لبسك للخف أو للسراويل أو عند دخولك إلى المسجد أن تبدأ باليمين.\nقال النووي: [والسواك] أي: إذا تسوك أخذ السواك بيمينه، وبدأ بالجانب الأيمن ثم الجانب الأيسر.\nوقال: [والاكتحال] أي: إن احتاج للاكتحال، ووضع الكحل في عينيه، بدأ باليمنى، وكذلك ما كان مثلها من قطرات للعين فيبدأ بالعين اليمنى قبل اليسرى، والأنف اليمنى قبل اليسرى وهكذا.\nقال: [وقص الشارب، ونتف الإبط، وحلق الرأس] فهذا كله يبدأ فيه باليمين قبل اليسار، وهو من باب النظافة التي أمر بها الإسلام، وقد كان النبي ﷺ في حلقه وهو في الحج يبدأ بالجانب الأيمن قبل الجانب الأيسر، فيقاس عليه ما كان من إزالة شعر الإنسان.\nقال: [والسلام من الصلاة] أي: عند التسليم من الصلاة يبدأ باليمنى قبل اليسرى.\nقال: [والأكل، والشرب، والمصافحة] أي: يأكل بيمناه، ويشرب بيمناه، ويصافح بيمناه.\nقال: [واستلام الحجر الأسود، والخروج من الخلاء] أي: يستلم الحجر الأسود بيمينه، ويخرج من الخلاء بيمينه، لكن الخلاء موضع قذارة يستقذر منه الإنسان، فإذا دخله بدأ باليسرى وليس باليمنى؛ لأنه مكان للشياطين، وإذا خرج فليكن باليمنى.\nقال: [والأخذ، والعطاء] أي: يأخذ ويعطي بيمينه.\nقال: [وغير ذلك مما هو في معناه، ويستحب تقديم اليسار في ضد ذلك، كالامتخاط] أي: إنسان سيمتخط في أثناء الوضوء مثلًا، فيدخل الماء إلى فمه وإلى أنفه ثم يستنثر بيده اليسرى وليس باليمنى.\nقال: [والبصاق عن اليسار] أي: إذا كان يتفل فليتفل في منديل أو نحوه إن احتاج، وإن تفل على الأرض في مكان يغطى بتراب ونحوه تفل عن يساره.\nقال: [ودخول الخلاء، والخروج من المسجد، وخلع الخف، والنعل، والسراويل، والثوب، والاستنجاء، وفعل المستقذرات، وأشباه ذلك].","vol":"65","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-716>تكريم اليمنى في الدنيا والآخرة</span>\nيقول الإمام النووي: [قال الله ﷿: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة:١٩] فشرف الله ﷿ اليمنى بأخذها الكتاب يوم القيامة، ليكون من الناجين، نسأل الله ﷿ أن يجعلنا منهم، فيقبض ويأخذ كتابه بيمينه فيقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢١].\nهذا الذي أخذ كتابه بيمينه هو في عيشة راضية، وانظروا إلى الإنسان الذي ينجح في دراسته، كيف أنه يفرح فرحًا شديدًا، لكن أعظم نجاح للإنسان عندما يأخذ كتابه بيمينه، فهذا هو النجاح الأبدي والحقيقي.\nولذلك المؤمن يقول فرحًا مسرورًا: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩] أي: تعالوا اقرءوا كتابي، فرح عظيم يوم القيامة لا يساويه فرح أبدًا: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠] أي: كنت خائفًا من أن عملي لا يدخلني الجنة، ولكن الله تكرم عليَّ ومنّ عليَّ.\nثم قال الله ﷿: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢١ - ٢٤].\nقال الله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٦] أي: لم أكن متوقعًا هذا الحساب، ولم أدر ما هو الحساب: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٧] أي: يا ليت هذه الموتة التي متها كانت آخر موتة لي، وما حييت بعدها أبدًا: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٧ - ٢٩].\nكلام فيه الحسرات والعياذ بالله، فيتحسر على نفسه، حيث لا ينفعه شيء يوم القيامة.\nوالمقصود: أن اليمين كرمت في الدنيا وفي الآخرة، بأن يأخذ بها الإنسان كتابه من الله سبحانه ﵎ يوم القيامة.\nقال الإمام النووي: [وقال الله تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة:٨] فكرمها ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [الواقعة:٨ - ٩] ففرق بين هؤلاء وهؤلاء!","vol":"65","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-717>استحباب التيمن في الطهور والترجل والتنعل</span>\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [وعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يعجبه التيمن في شأنه كله: في طهوره، وترجله، وتنعله) متفق عليه].\nكان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله، أي: يلبس النعل اليمنى قبل اليسرى، وفي طهوره، أي: في وضوئه وغسله، وترجله، أي: تسريح شعره، فيبدأ بالجهة اليمنى قبل اليسرى ﵊.\nقال الإمام النووي: [وعنها قالت: (كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه) أي: كان النبي ﷺ يستعمل يده اليمنى في طهوره وفي تناول طعامه.\n(وكانت اليسرى لخلائه) أي: للاستنجاء وتناول الأحجار لإزالة الأقذار.\n(وما كان من أذاه) أي: وكذلك لما كان من أذى، نحو بصاق ومخاط وغيرهما.","vol":"65","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-718>استحباب البدء بالميامن عند غسل الميت</span>\nقال النووي: [وعن أم عطية ﵂: (أن النبي ﷺ قال لهن في غسل ابنته زينب ﵂: ابدأن بميامنها وبمواضع الوضوء منها) متفق عليه.\nأمر النبي ﷺ أم عطية ومن معها أن يغسلن ابنته زينب ﵂ فقال: (ابدأن)، أي: يعلمهن النبي ﷺ: (بميامنها).\nفهذه هي السنة في الغسل، فيبدأ الإنسان الذي يغسل الميت بإزالة النجاسة من المخرجين، ثم يبدأ بمواضع الوضوء، فيبدأ بالأيمن قبل الأيسر، ثم الغسل لجميع أجزاء الجسم.","vol":"65","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-719>استحباب التنعل باليمين والنزع بالشمال</span>\nفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى، وإذا نزع فليبدأ بالشمال، لتكن اليمنى أولهما تنعل، وآخرهما تنزع).\nفهذا أمر إرشاد منه ﵊ يدل على الاستحباب، فإذا لبس الإنسان نعله بدأ باليمنى لشرفها، والإنسان مادام أنه منتعل كأنه راكب، قال النبي ﷺ: (ما زال الرجل راكبًا ما انتعل) أي: مادام هو منتعل كأنه راكب.\nإذًا: إذا لبس فليبدأ باليمنى، وإذا نزع فليبدأ باليسرى، وكأنه يؤخر اليمنى فتبقى أطول وقت وهي لابسة قبل غيرها، قال ﷺ: (لتكن اليمنى أولهما تنعل) أي: إدخال الرجل اليمنى أولًا في النعل وبقاؤها فيه كرامة: (وآخرهما تنزع) أي: آخر الرجلين تنزع منها النعل.","vol":"65","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-720>استحباب اليمين للطعام والشراب والثياب</span>\nقال النووي ﵀: [وعن حفصة ﵂: (أن رسول الله ﷺ كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه) أي: يجعل يمينه ليوصل بها الطعام والشراب إلى فيه، ويدخل اليد اليمنى في القميص عند ارتدائه.\n(ويجعل يساره لما سوى ذلك)، أي: ويجعل اليسرى لما سوى ذلك، كإزالة مخاط وغائط وبول ونحوه.\nقال: [وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا لبستم، وإذا توضأتم فابدءوا بأيمانكم)] أي: إذا لبست ثيابك فابدأ باليمين، وإذا أردت الوضوء فابدأ باليمين.","vol":"65","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-721>جواز التبرك بآثار النبي ﷺ</span>\nقال ﵀: [وعن أنس ﵁ (أن رسول الله ﷺ أتى منى فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر).\nأي: لما حج النبي ﷺ رمى جمرة العقبة الكبرى، ثم أتى منزله بمنى فنحر، ولم ينحر عن جمرة العقبة الكبرى، ثم أتى الحلاق فأمره أن يحلق جانبه الأيمن ثم جانبه الأيسر: (ثم قال للحلاق: (خذ) وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس) متفقه عليه].\nوفيه دليل على جواز التبرك بآثار النبي صلوات الله وسلامه عليه، فإنه لما حلق له الحلاق الجانب الأيمن ثم الجانب الأيسر، وزع شعره على الناس صلوات الله وسلامه عليه.\nوفي رواية: (لما رمى الجمرة، ونحر نسكه وحلق: ناول الحلاق شقه الأيمن فحلقه، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري ﵁ فأعطاه إياه) أي: أن أبا طلحة أخذ شعر الجانب الأيمن كله له، وهذا يدل على أن له منزلة كبيرة عند رسول الله ﷺ.\n(ثم ناوله الشق الأيسر، فقال: (احلق) فحلقه، فأعطاه أبا طلحة فقال: اقسمه بين الناس) فأخذوا شعر النبي صلوات الله وسلامه عليه يتبركون به، ويستشفون به، ولعلهم يضعون شعرات للنبي ﷺ في ماء، ثم بهذا الماء يغتسل إنسان مريض أو يشربه إنسان مريض فيشفيه الله سبحانه ﵎.\nوهنا\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يلحق بالنبي ﷺ غيره؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، سدًا للذريعة.\nوالغرض من هذا الحديث\" بيان أن النبي ﷺ حتى في حلقه بدأ بالجانب الأيمن ثم الجانب الأيسر، وفيه رد على الأحناف الذين يقولون: يستحب في الحلق أن يبدأ بالأيسر؛ لأنه من باب الإزالة، يعني: الترفه وإزالة الشيء الذي يؤذيه، والصواب: أنه يبدأ بالجانب الأيمن للحديث المتفق عليه الذي جاء عن النبي ﷺ.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"65","page":9},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-722> التسمية في أول الطعام والحمد في آخره</span>\nحاجة الإنسان إلى الطعام ناشئة عن جبلته الآدمية التي فطره الله تعالى عليها، وداعية الشهوة في نفس الآدمي ترد به موارد الطمع في تحصيل حاجته من الطعام، وقد جاء الإسلام ليهذب النفوس بآدابه الحكيمة، ومن ذلك الآداب العظيمة المتعلقة بأكل الطعام، فشرع للآكل ذكر الله تعالى على طعامه، وحمد الله تعالى عند الفراغ منه، إلى جانب بعض الآداب الأخرى؛ ليهذب نفسه، ويطرد الشيطان عن طعامه، ويحصل رضا الله تعالى عنه ومغفرته له.","vol":"66","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-723>الآداب النبوية في أكل الطعام</span>\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [كتاب آداب الطعام.\nباب التسمية في أوله والحمد في آخره.\nعن عمر بن أبي سلمة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: (سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) متفق عليه.\nوعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: (إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى، فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوله فليقل: باسم الله أوله وآخره) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\nوعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم ولا عشاء.\nوإذا دخل فلم يذكر الله تعالى عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت.\nوإذا لم يذكر الله تعالى عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء) رواه مسلم.\nهذا باب آخر من كتاب رياض الصالحين للإمام النووي ﵀، فبعدما ذكر كتاب الآداب ذكر أدب الطعام.\nويعني بذلك: ما ينبغي على المؤمن إذا أكل أن يصنعه من ذكر الله ﷿، ومن طريقة معينة في الأكل يقتدي فيها بالنبي ﷺ، ومن ترك أذية من يأكل معه، ومن ترك الجشع والنهم في طعامه وغير ذلك.\nذكر الإمام النووي هنا باب التسمية في أوله والحمد في آخره، يعني بذلك أن السنة أنك تسمي الله ﷿ عند أول طعامك، وكلنا يعرف ذلك، وفي آخر الطعام يحمد المؤمن ربه سبحانه على ما أعطاه من فضله سبحانه.\nوأورد من الأحاديث حديث عمر بن أبي سلمة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: (سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) متفق عليه، وراوي هذا الحديث هو عمر بن أبي سلمة، وأبوه هو أبو سلمة، وأمه أم سلمة زوج النبي ﷺ، فـ عمر بن أبي سلمة كان حينها صبيًا صغيرًا، ولذلك جاء في رواية أن النبي ﷺ قال له: (يا غلام! سم الله، وكل بيمينك وكل مما يليك)، وكان يأكل مع النبي ﷺ فتطيش يده في الصحفة أو القصعة التي فيها الطعام، أي: يأكل مرة من أمامه ومرة من وسط الصحفة ومرة من آخرها، فعلمه النبي ﷺ الأدب في الطعام، فهذا ابن زوجة النبي ﷺ، وهو صبي صغير، ومع ذلك لا بد من التعليم والتعويد على الآداب في الطعام والشراب وغير ذلك؛ لأن الإنسان إذا شب على شيء شاب عليه، فإذا شب على أنه يأكل بيده الشمال، أو على أن يده تطيش في الصحفة، أو على أنه لا يحترم الذي أمامه في الأكل، أو على أنه يمد يده إلى الذي أمام غيره فيأخذه ويأكله، فإنه يصير هذا دأبه وطبعه بعد ذلك، فلذلك كان النبي ﷺ يعود أصحابه من صغرهم على أن يتأدبوا بالآداب الشرعية، فقال له النبي ﷺ: (سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك)، وهذا أدب عظيم في الطعام، وهو تسمية الله ﷾، أي: تذكر اسم الله بقولك: (باسم الله) أو: (بسم الله الرحمن الرحيم)، فتسمي ربك في أول الطعام.\nقال: (وكل بيمينك) أي: لا تأكل بشمالك، وإنما كل بيمينك.\n(وكل مما يليك) هذا أدب ثالث، وهو أنك تأكل من أمامك، ولا تمد يدك إلى جهة غيرك، ولكن كل من أمامك ليبارك لكم في الطعام، ولا يكون في نفس بعضكم شيء على الآخرين.","vol":"66","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-724>الأدب المتعلق بمن نسي ذكر الله تعالى على طعامه</span>\nعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: (إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى) أي: يبدأ بتسمية الله سبحانه، ولعل الإنسان ينسى حين يأكل فيمد يده ويطعم، فيذكره النبي ﷺ بقوله: (فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوله فليقل: باسم الله أوله وآخره).\nيعني: إذا نسي وبدأ في طعامه فحين يذكر يستدرك فيقول: (باسم الله أوله وآخره) يعني: في أول الطعام على اسم الله سبحانه نأكل، وفي آخر الطعام على اسم الله أيضًا نأكل.","vol":"66","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-725>فضل ذكر الله تعالى في طرد الشياطين عن الأكل والمبيت</span>\nعن جابر كما في صحيح مسلم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم ولا عشاء).\nهذا الحديث يفسر ما قبله، ويبين الحكمة من تسمية الله ﷾ في أول طعامه، فتسمي الله تبركًا باسمه ﷾، وتسمي الله ﷾ فيحدث الخير والزيادة والبركة في طعامك، وتسمي الله ﷿ فيطرد عنك الشياطين التي تريد أن تأكل معك وتذهب بالبركة من الطعام الذي تأكله.\nفالنبي ﷺ يقول: (إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم ولا عشاء)، فحين تدخل البيت تقول: باسم الله.\nوتعلم أطفالك ذلك، وتعلم الزوجة ذلك عند دخول البيت، وكذلك أنت حين تدخل بيت غيرك، فحين تدخل تقول: (باسم الله)، ولا تكن مصاحبًا للشيطان في الدخول إلى بيتك أو بيت غيرك، فالداخل بغير ذكر الله ﷿ يدخل معه الشيطان تابعًا له، فتعود على أنك لا تدخل الشياطين بيتك بأن تدخل فتقول: (باسم الله)، وعود أولادك حين يدخلون البيت أن يقولوا: (باسم الله) فلا يأتي الشيطان ولا يدخل بيتك طالما أن الداخلين إلى البيت يقولون: (باسم الله).\nقال ﷺ: (إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم ولا عشاء) فلا ينال منك شيئًا، لن ينقص لك طعامك، ولن يذهب بالبركة الموجودة في هذا الطعام، ويقول لأصحابه: لا مبيت لك، فستنامون في الشارع، ولن تناموا داخل البيت، ولن تدخلوا مع هذا الإنسان بيته، ولا طعام لكم، فستبيتون جوعى ليس لكم طعام عند هذا الإنسان؛ لأنه ذكر الله ﷿ على طعامه.\nقال ﷺ: (وإذا دخل فلم يذكر الله تعالى عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت)، فحين يدخل المرء البيت يكون الشيطان واقفًا له بالمرصاد، ليرى هل سيدخل ويسمي أم لا، فإذا لم يسم الله ﷾ يفرح الشيطان ويقول لأتباعه: أدركتم المبيت، أي: ستبيتون الليلة في هذا البيت، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nقال: (وإذا لم يذكر الله تعالى عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء)، فالشيطان يهنئ نفسه بالإنسان الذي لا يذكر الله ﷾، فيدخل معه بيته، ويأكل معه طعامه، فيصبح وليس هناك بركة في هذا البيت.\nولذلك فإن الإنسان الذي يعتاد على ألا يذكر الله ﷾ تجده مبتلى بالوساوس، ومبتلى بعدم البركة، ومبتلى بأنه ينام فيرى الكوابيس؛ لأنه يدخل ويدخل الشيطان معه إلى بيته، والحل للتخلص من ذلك يسير، وهو أنه حين يدخل بيته يسمي فيقول: أبدأ مستعينًا بذكر اسم الله سبحانه ﵎.","vol":"66","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-726>استحلال الشيطان للأكل مما لم يذكر اسم الله عليه</span>\nأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن حذيفة ﵁ قال: (كنا إذا حضرنا مع رسول الله ﷺ طعامه لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله ﷺ فيضع يده) فهنا بيان أدب الصحابة مع النبي ﷺ، حيث اعتادوا على أن الذي يبدأ هو النبي ﷺ، فيبدأ ويسمي ثم يأكلون هم معه ﷺ، وفي مرة من المرات حضروا مع النبي ﷺ طعامًا، قال حذيفة: (فجاءت جارية كأنها تدفع) أي: جاءت طفلة صغيرة كأن أحدًا دفعها، جاءت تجري إلى الطعام ومدت يدها إلى الطعام، قال (فذهبت لتضع يدها في الطعام) فيا ترى ماذا عمل النبي ﷺ؟ إنها طفلة صغيرة، فهل قال: دعوها لتأخذ من الطعام ما في نفسها؟! إنه لم يقل هذا، بل أمسك يدها ﷺ، ومنعها من أن تأكل؛ إذ لم يأكل النبي ﷺ بعد، ثم جاء أعرابي كأنما يدفع، والأعراب فيهم غلظة في أخلاقهم وصعوبة وشدة، فهم أجلاف، فجاء هذا الأعرابي، وما استأذن، ومد يده إلى الطعام ليأكله، فأمسك النبي ﷺ بيده هو الآخر، ثم قال رسول الله ﷺ: (إن الشيطان يستحل الطعام ألا يذكر اسم الله تعالى عليه)، فالشيطان يريد أن يأكل من هذا الطعام، ويريد أن يمنع البركة في هذا المكان، فلأجل أن يأكل وسوس لهذه الجارية بأن: اذهبي وضعي يدك في الأكل.\nفحين تمد يدها يمد هو يده مع يد هذه الجارية، ووسوس لهذا الأعرابي بأن: مد يدك بغير إذن ومن غير ذكر الله ﷿.\nويده مع يد هذا الأعرابي، أمسك النبي ﷺ بيدي الاثنين، ثم قال ﷺ: (وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها) أي: لأجل أن يستحل هذا الطعام: (فأخذت بيدها، فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به فأخذت بيده، والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يديهما ثم ذكر اسم الله تعالى وأكل).\nفالذي يمنع الشيطان ويدفعه عن ذلك الطعام هو ذكر اسم الله تعالى عليه.\nفالشيطان لا يزال وراء الإنسان يوسوس له، فإذا لم يقدر عليه يسلط عليه غيره، فالإنسان في حاله قد يذكر الله ﷿، فيأتي الشيطان إلى هذا الإنسان ويحاول أن يوسوس له ليبعده عن ذكر الله سبحانه ﵎، فإذا لم يستطع الوسوسة والخداع لهذا الإنسان فإنه يسلط عليه من بجواره، فيأتي ويلهيه بقوله: أتذكر الشيء الفلاني؟ أتذكر القصة الفلانية؟ أتذكر العمل الفلاني؟ فيخرجه عن ذكره لله ﷾.\nولذلك فإن المؤمن يعتصم بالله ﷿، ويلجأ إلى الله سبحانه ﵎، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويسمي الله ﷿ عند دخوله بيته، وأكله طعامه وغير ذلك.","vol":"66","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-727>تأذي الشيطان من ذكر الله تعالى على الطعام</span>\nروى أبو داود والنسائي عن أمية بن مخشي الصحابي ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ جالسًا ورجل يأكل) أي: في مرة من المرات كان النبي ﷺ جالسًا وأمامه رجل يأكل، فهذا الرجل لم يقل: (باسم الله) قال: (حتى لم يبق من طعامه إلا لقمة) يعني: مضى يأكل، ولم يبق إلا لقمة واحدة في الطعام، قال: (فلما رفع اللقمة إلى فيه قال: باسم الله أوله وآخره.\nفضحك النبي ﷺ) فهو يرى ما لا نرى صلوات الله وسلامه عليه، حيث أطلعه الله ﷿ على أشياء من الغيب، فهنا رأى الرجل يأكل والشيطان يأكل معه من هذا الطعام، فلما تذكر الرجل في آخر لقمة وقال: (باسم الله أوله وآخره) استقاء الشيطان ما في بطنه، فلم يهنأ بهذا الطعام، ولم يستقر في جوفه، وإنما استقاء بسبب ذكر الله ﷾.","vol":"66","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-728>محق بركة الطعام بترك ذكر الله تعالى عليه</span>\nأخرج الترمذي عن السيدة عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يأكل طعامًا في ستة من أصحابه) أي: كان في مرة من المرات جالسًا ومعه ستة من أصحابه يأكلون من قصعة فيها طعام يكفي هؤلاء الستة، فأكل النبي ﷺ وأكل أصحابه معه، وكانوا في بداية الطعام، قالت (فجاء أعرابي وجلس فأكل الطعام كله بلقمتين، فقال النبي ﷺ: أما إنه لو سمى لكفاكم) أي: لو أن هذا الأعرابي الجاهل قال: (باسم الله) لكفاكم هذا الطعام.\nفذكر الله ﷿ يجعل البركة تحصل في الطعام، ويجعل الإنسان يخاف من الله ﷿، فالأكل موضوع، والذي يمنع الإنسان من أن يمد يده فيأكل ما أمامه إلا أن يتذكر ربه سبحانه، فيخاف من الله أن يحاسبه على ذلك، فلو أن هذا الأعرابي قال: (باسم الله) فذكر الله لاستحيى من كونه يقصر الأكل كله على نفسه ويأخذه كله من أمام النبي ﷺ ومن أمام أصحابه، ولأكل على تؤدة، ولكفى الطعام الجميع.\nولكن الإنسان الذي لا يذكر الله يزين له الشيطان شهواته، ويقول له: كل لكي تشبع، فلن تجد أكلًا مثل هذا بعده.\nفيمد يده ويأكل الطعام كله، ويترك من أمامه لا يجدون شيئًا! فالتسمية تحدث البركة في الطعام، وبها يجعل الله ﷿ في قلب الإنسان التقوى التي بها يحافظ على نفسه وعلى غيره، بل يؤثر غيره على نفسه، فحين يأكل ويرى غيره لا يأكل يقول: هو أولى مني بهذا الشيء.\nفيعطي الطعام لغيره وحينئذٍ يكفي الجميع.\nولذلك جاء في حديث النبي ﷺ: (طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة أو الأربعة)، فإذا أكل الإنسان بمعدة كاملة أكل الطعام كله، وإذا أكل وترك شيئًا لنفسه وشيئًا لشرابه أمكن أن يأكل آخر معه فالطعام الهنيء الطيب يكفي عددًا من الناس.\nفإذا قال الإنسان: (باسم الله) حدثت التقوى في قلبه، فآثر غيره على نفسه، وأشبعه الله ﷿ بالذي أكله وجعل في الطعام بركة، وأبعد الشيطان عنه.","vol":"66","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-729>ما يقال عند الفراغ من الطعام</span>\nروى البخاري عن أبي أمامة ﵁: (أن النبي ﷺ كان إذا رفع مائدته قال: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مكفي ولا مودع ولا مستغنىً عنه ربنا)، فهذا الحديث العظيم فيه أن الإنسان يقول كما قال النبي ﷺ، فيعرف حق المنعم ﷾ الذي أنعم على العبد بالطعام، وأنعم عليه بالشراب، وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَمْ ﷾، فالله ﷿ يكفيك وهو غير مكفي ﷾، فهل أحد يكفي الله ﷿؟ أما نحن فكل منا يقول: أنا أحتاج إلى من يكفيني، وأحتاج إلى من يؤويني، وأحتاج إلى من يطعمني ويسقيني.\nفكلنا نحتاج إلى ذلك، أما ربنا ﷾ فلا أحد يكفيه، فهو مستغنٍ عن العالمين ﷾، ولا يحتاج إلى أحد.\nفيقول النبي ﷺ: (الحمد لله) يعني: أثني على الله سبحانه بالثناء الجميل الذي يستحقه سبحانه على أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وعلى ما أنعم به علينا من فضل ونعم.\nوقوله: (حمدًا كثيرًا طيبًا) أي: يطيب هذا الحمد على لسان المؤمن، فيكون المقصود به الحمد الكثير، الحمد الذي يقوله الإنسان مع تنزيهه ربه سبحانه عن أي نقص.\nوقوله: (مباركًا فيه) يعني حمدًا يزداد كلما زادت نعم الله ﷾.\nقوله: (غير مكفي) يعني: لا أحد يطعمه سبحانه، ولا أحد يسقيه حاشاه ﷾، فلا يحتاج إلى أحد، بل هو الذي يُطْعِمُ ولا يُطْعَمْ ﷾.\n(ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا) يعني: لا نودع ولا نستغني عن ربنا ﷾، ولا نودع هذا الطعام بحيث يكون آخر طعام، فربنا سبحانه يعطي ويعطي، كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧]، فنحن غير مستغنين عن طعام يطعمناه ربنا سبحانه، ولا عن شراب يسقيناه ربنا ﷾، فقوله: (ولا مودع) يعني: غير متروك الطلب.\nوكأن المعنى أن ربنا ﷾ غير محتاج إلى أحد سبحانه، ولا نودعه ﷾، بل نحتاج إليه أبدًا ﷾، ولا نستغني عنه، وهذا الذكر يقال بعد الطعام.\nوفي حديث آخر رواه أبو داود والترمذي من حديث معاذ بن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من أكل طعامًا فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه).\nفانظر إلى كرم ربنا ﷾، فهو كريم عظيم ﷾، أعطى، وأطعم، وسقى، ثم يقول: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧]، فإذا أكل المرء وحمد الله تعالى أو شرب وحمد الله تعالى غفر له ربه ﷾ بالشيء القليل الذي يقوله، وهو قوله: (الحمد لله).\nفقول المرء: (الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة) معناه أن ربنا هو الذي أطعمني، وهو الذي رزقني هذا من غير حول مني، أي: من غير حيلة مني، ولكن الرزق بيد الله سبحانه، فهو الذي وجهني، وهو الذي جعلني أكسب هذا الشيء بفضله ورحمته، فهو الذي يوفق العبد للكسب الهنيء الطيب، فلا حول للعبد ولا قوة له إلا بالله ﷾، فإذا قال ذلك غفر الله ﷿ له ما تقدم من ذنبه.\nنسأل الله ﷿ أن يغفر لنا ذنوبنا، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل -اللهم- وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"66","page":8},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-730> مدح الطعام وعدم عيبه وما يقوله من حضر طعامًا وهو صائم</span>\nإن النبي الكريم ﵊ هو حامل لواء الآداب والأخلاق العظيمة وقد جاء متممًا لها، ومن ذلك أنه ﵊ ما عاب طعامًا قط قدم إليه لعلمه أنه إن عابه فستتأثر نفسية صاحب الطعام، وهذا كله من كرم أخلاقه ﵊.","vol":"67","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-731>ما جاء في استحباب مدح الطعام وكراهة إعابته</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب لا يعيب الطعام واستحباب مدحه.\nعن أبي هريرة ﵁ قال: (ما عاب رسول الله ﷺ طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه) متفق عليه.\nوعن جابر ﵁: (أن النبي ﷺ سأل أهله الأدم، فقالوا: ما عندنا إلا خل، فدعا به رسول الله ﷺ، فجعل يأكل ويقول: نعم الأدم الخل، نعم الأدم الخل) رواه مسلم.\nباب: ما يقوله من حضر الطعام وهو قائم إذا لم يفطر.\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائمًا فليصل، وإن كان مفطرًا فليطعم)، قال العلماء: معنى (فليصل) أي: فليدع، ومعنى (فليطعم) أي: فليأكل].\nباب من أبواب الآداب في الطعام يذكرها الإمام النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين منها: لا يعيب الطعام واستحباب مدحه.\nفالسنة أن المسلم إذا قدم له طعام سواء كان طعامًا غاليًا عاليًا، أو كان طعامًا رقيقًا على قدر ضعيف يسير ألا يعيب الطعام ويأكل منه، ويستحب أن يمدحه فهو نعمة من الله سبحانه ﵎، وله أن يعيب الطعام لكونه معيبًا أي: إذا كان ناقص الملح أو زائد السكر فلا بأس أن يقول: هذا ناقص كذا، هذا محتاج لكذا، ويعلم الطابخ الأدب في الطبخ، فهذا ليس عيبًا للطعام.\nفالطعام خلقه الله سبحانه ﵎، فمهما قدم له من طعام قبله وأكله، ولكن من الممكن أن يتكلم عن الطبخ نفسه كأن يقول: هذا طبخ رديء، أو طعام محروق، وهذا ليس عيبًا للطعام كطعام ولكنه عيب في الصناعة والطبخ، فالصانع نفسه رديء في صناعته، لذلك البعض يخلط، المرأة تطبخ طعامًا سيئًا ومحروقًا وتقدمه لزوجها فيقول لها: هذا طعام غير جيد، طعام محروق، فتقول له: (ما عاب رسول الله ﷺ طعامًا قط!) وهذا غير المقصود من الحديث.\nإذًا: هناك فرق بين المرأة التي تجيد الطبخ وتقدم الطعام بحسب المستوى الموجود، الإنسان يحمد الله ﵎ عليه، سواءً كان أكلًا غاليًا أو رخيصًا.\nإذًا: هذا شيء، وأمر أن الطعام رديء في الصناعة نفسها، فعلى الرجل أن يقوم بتقويم الطباخ أو الطباخة التي تقوم بطباخته هذا شيء آخر، كأن يذهب إلى المطعم فيقدموا له طعامًا فاسدًا منتهي الصلاحية، وهذا ينبغي له أن يكلم صاحب المطعم أو الطابخ بهذا الشيء، ولكن النبي ﷺ كان يعلم أصحابه التواضع وأنهم مهما وجدوا من شيء كان غاليًا أو رخيصًا أكلوا منه وحمدوا الله سبحانه ﵎.","vol":"67","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-732>شرح حديث: (ما عاب رسول الله طعامًا قط)</span>\nيقول أبو هريرة ﵁: (ما عاب رسول الله ﷺ طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه).\nهذا من حسن خلقه ﵊، فقد كانوا فقراء وكان الطعام قليلًا، وكسرة الخبز كانت شيئًا كبيرًا جدًا بالنسبة لهم، وما أكل النبي ﷺ حتى مات طعامًا مرققًا من عيش قط ﷺ، إنما كان يخبز للنبي ﷺ الخبز والدقيق بنخالته، فقد كانوا يأخذنه وينفخون في الدقيق، حتى يذهب منه بعض نخالته، ويخبز بباقيها، أما أنه يعمل له منخل وينتخل فيه الدقيق مثلما يحصل الآن، فلم تكن مثل هذه الأشياء موجودة في عهد النبي ﷺ.\nوكان ﵊ يدعى إلى طعام فمع فقر الداعي يعطي للنبي ﷺ شيئًا بسيطًا من طعام، فمرة دعاه خياط إلى خبز وإهالة سنخة، والإهالة شيء مثل الزيت أو الدهن وكان قد تغير، فدعا النبي ﷺ، فأكل النبي ﷺ من هذا الذي دعي إليه ولم يعب الطعام.\nإذًا: الطعام قد يكون خلقة طعامًا جميلًا، وقد يكون له فترة طويلة وبدأ يتغير شيئًا، فلا مانع لمن استساغ ذلك أكله، فالنبي ﷺ لم يكن يجد في كل حين الطعام، بل كان يبيت الليالي ذات العدد من غير طعام ﵊، وكان يضع على بطنه الحجر من شدة الجوع لكي يقيم صلبه ﷺ ويستطيع المشي في الطريق، فإن وجدوا أكلوا، وإن لم يجدوا حمدوا الله سبحانه وصبروا على هذا الأمر.\nفيقول أبو هريرة: (ما عاب رسول الله ﷺ طعامًا قط، إن اشتهاه أكله)، عندما كان يوضع الضب على مائدة النبي ﷺ لم يكن يشتهيه، والضب نوع من الحيوانات الصحراوية وشكله مثل التمساح ولكنه بري، فالتمساح حيوان برمائي، وهذا يوجد في الصحاري ونحوها، وأراضي الحجاز ونجد مليئة بالضباب، وفي غيرها من المناطق الصحراوية، وهو صغير في الحجم، فكانوا يشوونه ويقدمونه لحمًا يأكل، فكان العرب يشتهون ذلك، والضباب لم تكن موجودة في مكة أو المدينة، فلذلك كان يعافه، وأيضًا كان يخاف أن يكون مسخًا مسخه ﷿ من البشر على هذه الهيئة، فخشي ﷺ وأخبر أن أمة من الأمم فقدت فهو يخشى أن تكون مسخت على هذه الهيئة.\nوعلمنا من حديث آخر للنبي ﷺ أن الممسوخ لا يعيش فوق ثلاثة أيام، فبني إسرائيل عندما مسخهم الله إلى قردة وخنازير، لم يعيشوا أكثر من ثلاثة أيام، ولا يكون للمسوخ نسل، فهو ﷺ علمنا ذلك وعرف ذلك، ولكنه لم يحرمه ﷺ ولكن قد يكون من الناس من مسخ على هذه الهيئة فعافه النبي ﷺ، قال: (إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه) أي: أجدني لا أشتهيه، وأكل على مائدة خالد بن الوليد وقد كان جالسًا فقال للنبي ﷺ: (أحرام هو؟! قال: لا، ليس حرامًا) فأكله خالد، وخالد ﵁ كانت زوجة النبي ﷺ السيدة ميمونة خالة خالد بن الوليد، فدخل عند النبي ﷺ واجتره من على المائدة، وأكله خالد ولم يأكله النبي صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"67","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-733>شرح حديث جابر: (أن النبي سأل أهله الأدم فقالوا: ما عندنا إلا الخل)</span>\nمن الأحاديث حديث لـ جابر ﵁: (أن النبي ﷺ سأل أهله الأدم، فقالوا: ما عندنا إلا خل).\nالأدم جمع إدام، ويقال: إدام، ويقال: أدمة أيضًا في المفرد.\nوهذا حديث رواه مسلم من حديث جابر ورواه أيضًا من حديث السيدة عائشة ﵂، ففي رواية أن النبي ﷺ مر بالطريق فوجد جابرًا ﵁ تحت ظل بيت وكأنه استشعر أن جابر جائعًا، فأمره النبي ﷺ أن يتبعه، فتبع النبي ﷺ فلما دخل النبي ﷺ عند أهله، فسألهم عن الإدام، فقالوا: ما عندنا إلا خل، فدعا النبي ﷺ به ليأكل، وقال: (نعم الأدم الخل، نعم الأدم الخل) والإدام: هو الشيء الذي تغمس الخبز فيه، والإدام شيء يساعدك على ابتلاع الطعام واستساغته من زيت أو دهن أو غيره، فأكل النبي ﷺ الخل وقال: (نعم الأدم الخل).\nوأخبر جابر بن عبد الله ﵁ أنه لم يزل يحبه منذ رأى النبي ﷺ يأكله، وقد غمس الخبز بالخل فأكله ﷺ ومدحه أيضًا، فيستحب مدح الطعام فقد خلقه الله ﷾، وهو من فضله ومن رحمته على خلقه.\nوالمدح للخل يبين أن هناك فائدة كبيرة في الخل، والنبي ﷺ لم يمدحه إلا وهو يعلم فوائده، فقال: (نعم الأدم الخل) فأكله النبي ﷺ وأكله جابر ﵁ وبحث العلماء في ذلك.\nيقول الخطابي والقاضي عياض: معنى مدح النبي ﷺ: الاقتصاد في المأكل، ومنع النفس من ملاذ الأطعمة، فالإنسان يربي نفسه ويعود نفسه على القليل، وليس ضروريًا دائمًا أن يكون ما يغمس فيه الإنسان خبزه شيئًا فاخرًا عاليًا، ولكن فليكن من الخل أحيانًا كما فعل النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقال تقديره: ائتدموا بالخل وما في معناه مما تخف مؤنته ولا يعز وجوده، أي: عود نفسك على أن تأكل من الطعام الموجود عند الناس فلو عودت نفسك على الغالي وعلى الفاخر فلعله يعز في زمن من الأزمان فلا تجد هذا الطعام، فعود نفسك على الشيء القليل حتى لا تظل متعلقًا بالشيء الغالي وقد لا تجده فيحدث في نفسك شيء، لا تتأنقوا في الشهوات فإنها مفسدة للدين، مسقمة للبدن.\nويقول العلماء أيضًا أن في هذا الحديث مدح للخل سواء عرفنا السبب في مدحه أم لم نعرف، لكن العلماء الذين بحثوا في أمر الخل الذي مدحه النبي ﷺ وقال أنه نعم الأدم، قالوا: إنه لا بد أن يكون هناك فائدة للخل فقد ذكر في موسوعة من موسوعات الصيدلة وهي موسوعة مارتن بل الصيدلانية، ذكر فيها فوائد عديدة للخل، فقد قالوا: إن الخل له فوائد يدفعنا أن نأكل منه كما أكل النبي ﷺ، فهو يستعمل كعلاج في معالجات حالات التسمم من المواد القلوية، وهو يفيد في علاج الحمى، فالإنسان الذي أصيب بحمى عاليه يساعد على أن ينزل درجة حرارته، وإذا استخدمت كمادات من ماء الخل على رأس الإنسان أو على جسده، وقالوا: إن الإنسان يستخدم أحيانًا مضادات حيوية كثيرة فتتسبب في ظهور طبقة سوداء على اللسان لا تذهب، فقالوا: إن الخل يفيد في إزالة هذه الطبقة فإذا أخذ الخل ووضع على ماء وشرب ومسح به اللسان مرة أو مرتين في اليوم لمدة أسبوع يزيل ذلك.\nوقالوا: إنه مفيد في التهاب المفاصل إذا وضع على هيئة كمادات فيضاف الخل إلى الماء ويسخن ويوضع على المفاصل فيريحها.\nوقالوا: إن لدغات النحل ولدغات السمك الهلامية في البحر إذا عولجت بوضع الخل عليه مخلوطًا بملح فإن الألم يخف ولا يبقى شيء.\nوقالوا: في الخل وخاصة الخل المصنوع من التفاح شفاء العديد من الأمراض: التهابات المفاصل، والتهاب الأنف، وحساسية الأنف، والربو، واضطرابات الأمعاء، وأنواع من الرشوحات موجودة في الجسم، وهو الآن يستخدم للتخسيس، (نعم الأدم الخل).\nوذكر الدكتور سيرلس كود وموريس هانس في كتاب عن فوائد الخل يقول: يمنع الإسهال لاحتوائه على مواد قابضة، وينشط عملية الهضم لأي إنسان؛ لأنه حامضي فيزيد من حموضة المعدة فينشط الهضم والاستقلاب في الجسم وتحويل المواد الغذائية.\nقالوا أيضًا: يستخدم كمضمضات ليمنع التنخر في الأسنان، كما أنه يقتل الطفيليات الموجودة في الأمعاء، ويمكن استعماله لتحسين الهضم عند مرضى عسر الهضم، إذا كانت المعدة لا تفرز الحامض المعوي بكمية كافية، وهو مطهر للأمعاء، ويذكر صاحب الكتاب أن الخل له فوائد كثيرة فيقول: لا أقول: إنه شفاء من كل داء، ولكن فيه شفاء لأدواء كثيرة تكون في البدن.\nفصدق النبي ﷺ حين يقول: (نعم الأدم الخل).\nهذا ما وصل إليه العلماء من الأبحاث ومن الممكن أن تأتي أبحاث جديدة تثبت أشياء أكثر من هذا الذي ذكر ولكن على كل نرجع لحديث النبي ﷺ أنه مدح الطعام وإن كان شيئًا يسيرًا قليلًا بحسب الموجود، فيمدح الإنسان الموجود من الطعام، ويحمد ربه سبحانه ﵎ عليه وعلى نعمه، قال سبحانه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧]، فالمؤمن إذا أكل وحمد الله سبحانه شكر الله سبحانه فإن الله سيعطيه المزيد من فضله سبحانه.","vol":"67","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-734>ما يقوله من حضر الطعام وهو صائم إذا لم يفطر</span>","vol":"67","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-735>شرح حديث: (إذا دعي أحدكم فليجب)</span>\nروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائمًا فليصل، وإن كان مفطرًا فليطعم).\nوهذا أدب من الآداب في الدعوة، فقد يدعوك إنسان إلى طعام وليمة أو غيرها من الطعام فتجيب دعوته مجاملة له، وأداء لما أمرت به شرعًا، فإذا كنت صائمًا فهل يلزمك أن تفطر طالما أنك أجبت الدعوة وذهبت إليه؟ فالحديث هنا لا يلزمنا بذلك يقول ﷺ: (إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائمًا فليصل) يعني: يحضر الوليمة ويدعو لصاحب الوليمة بما يفتح الله ﷿ عليه ثم ينصرف، (وإن كان مفطرًا فليطعم)، لعل الإنسان يحضر الوليمة ويكون مفطرًا، فيتأنف ويقول: لا أريد أن آكل، أنا شبعان، فيؤذي صاحب الوليمة، والذي جاء في حديث النبي ﷺ أنه قال لأصحابه: (يتكلف لك أخوك ثم تقول: إني صائم!)، إذًا: هنا لعل الامتناع عن طعام هذا الإنسان يتسبب له في شيء من الحرج، ويقول في نفسه: لماذا لا يريد أن يأكل طعامي، هل يظن أن مالي حرام، هل يظن كذا ويتحرج من ذلك، فالنبي ﷺ أمرنا أن نأكل مع هذا الإنسان من طعامه طالما أنك مفطر، سواءً أكلت كثيرًا أو يسيرًا لكن المهم أن تجامله، فإن كان صائمًا ولا يريد أن يفطر فليصل، وليبين عذره؛ لأن الإنسان أحيانًا قد يتكلف في إحضار الطعام فيحضره لإنسان فيرد عليه ويقول: ليس لي رغبه في الطعام وهو صائم ويخشى أن يقول: أنا صائم؛ لكي لا يحبط عمله، ولكن هذا خطأ، فكونه يخاف على نفسه الرياء شيء جيد، ولكن ليس في كل وقت، إذا حضرت عند إنسان وبدأت تتهرب في الكلام وهو أعد لك أكلًا فسيسيء بك الظن، أو يظن أنك تعاف طعامه، أو أنك مستكبر عليه ولا تريد أن تأكل عنده، فأهون من هذا كله أن تقول من البداية: أنا صائم، وأجمل من ذلك أن تقول: أنا صائم وإن شئت أفطرت، ولكن أحب أن أصوم، فإذا صمت تم صومك، وإذا وجدت أن الرجل يتأذى بهذا الشيء وقد تكلف وعمل لك أكلًا وبعد ذلك تقول له: أنا صائم، وهذا كله في غير رمضان ففي رمضان شيء آخر، لكن هذا الصوم إن لم يكن في رمضان وإن لم يكن صوم فريضة واجبة كالنذر، فإذا أصر عليك فكل ولك أجر صومك ولك أجر على أنك أدخلت الفرح والسرور على قلب هذا الإنسان، إذا كان الأمر لا يؤثر معه ولكنك لا بد أن تبدي عذرك وتقول: أنا صائم، ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ في الصائم (إذا سابه أحد أو شاتمه فليقل: إني صائم)، والحكمة من قول ذلك أنه تذكرة لنفسه، أي: يا نفس! لا تردي على هذا الإنسان بنفس ما يقول، وتذكرة للآخر، فلا تؤذ إنسانًا صائمًا، فالله ﷿ يدافع عن الذين آمنوا.\nإذًا: يجوز للإنسان أحيانًا أن يقول: إني صائم، حتى لا يسيء الإنسان فيه الظن.","vol":"67","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-736>ما يقوله من دعي إلى طعام فتبعه غيره</span>","vol":"67","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-737>شرح حديث أبي مسعود البدري: (دعا رجل النبي لطعام صنعه)</span>\nفي الصحيحين عن أبي مسعود البدري ﵁ قال: دعا رجل النبي ﷺ لطعام صنعه له خامس خمسة، أي: أن رجلًا قال للنبي ﷺ: أنت معزوم وأربعة معك، فتكونون خمسة على الطعام، فتبعهم رجل فأصبحوا ستة، وعرفنا من حديث النبي ﷺ الآخر أن طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة والأربعة، فجاء معهم سادس والرجل أعد طعامًا لخمسة، وفي هذا الموقف لم يقل النبي ﷺ: طعام الخمسة يكفي الستة، ففي هذا تأديب لأصحابه وهم القدوة الذين يأتسى بهم وتأديب لمن يأتي بعدهم، أن يستنوا بسنة النبي ﷺ، فبيوت الناس حرمات، فإذا جاءك ودعاك لوحدك أو دعاك أنت والثاني فلا تدخل عليه شخصًا آخر، فلعله لا يحب هذا الإنسان، ولعله يفسد عليه طعامه، ولعلك عندما تأخذ هذا الإنسان معك وتدخل معه البيت تحصل بينك وبينه مشكلة عند صاحب الطعام الذي لم يدعه أصلًا، فلا تؤذ صاحب الطعام بإنسان حضر معك لم يدعه، ولكن إن اضطررت لذلك فعند دخولك عليك أن تفعل كما فعل النبي ﷺ، فقد تبعهم رجل فلما بلغ الباب، قال النبي ﷺ: (إن هذا تبعنا) أي لم ندعه نحن، هو الذي أتى لوحده، (فإن شئت أن تأذن له، وإن شئت رجع) فهنا لا يوجد مزاح في هذا الشيء، فهذا البيت لصاحبه، وصاحبه يدخل من يريد إلى بيته، ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ: (لا تصحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي).\nإذًا: فعند اختيار الأصحاب يجب اختيار المؤمن وعندما أدخل بيتي إنسانًا فأنا أدخل من أريد، فالإنسان الذي في ظني أنه تقي له أن يدخل البيت، فلذلك قال النبي ﷺ: (إن هذا تبعنا) أي: نحن لم ندعه هو الذي أتى بنفسه، (إن شئت أذنت له، وإن شئت رجع) أي: لن نتوسط له ولن نشفع له ولكن حسب ما تريد، فالرجل قال: بل آذن له يا رسول الله! فأذن له.\nإذًا: الأدب في ذلك أن الإنسان لا يتبع إنسانًا خاصة إذا كان في طعام، فلا يفعل هذا الشيء، فإذا فعل فإنه يستحق هذا الجواب الذي قاله النبي ﷺ، وأحيانًا يستهين بعض الناس بهذا الشيء، يعرف أن فلانًا داعي إنسان للطعام، فيقول له: خذني معك نأكل عنده، فيذهب معه ظانًا أن له محبة عند صاحب الطعام، وأنه يحب حضوره، فليس كل إنسان يحب هذا الشيء، فلعل إنسانًا يتأذى من إنسان ويكتفي بأنه صاحبه في المسجد فقط، أو في الطريق فقط، أو في الكلية فقط، أو في المدرسة، لكن لا يريد أن يدخل بيته، لذلك لا يفرض المسلم نفسه على أحد أبدًا، فإذا لم يدعه أحد لا يذهب، إلا أن تكون دعوة عامة في مسجد، أو وليمة زواج، وإذا كانت الدعوة مفتوحة للجميع، فعلى ذلك لم يحجر على أحد، أما البيوت فالبيوت حرمات لأصحابها، فقد يحب الإنسان إنسانًا يدخل عليه بيته، وقد يتأذى من إنسان آخر، لذلك لا يدخل إنسان بيت أحدٍ إلا بإذنه.\nوعلّم الله سبحانه أصحاب النبي ﷺ في إجابة الدعوة عند النبي ﷺ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب:٥٣]، فإذا كان النبي ﷺ يتأذى أن يأتي إليه البعض من أصحابه من غير أن يدعوهم أو يأتوا إليه ويجلسون لفترة طويلة، فغيرهم كذلك يتأذى من هذا، فعلّم الله ﷿ الجميع هذا الأدب القرآني.\nنسأل الله ﷿ أن يعيننا على التأدب بآداب القرآن، والتخلق بأخلاق النبي ﷺ.","vol":"67","page":8},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-738> من (الأكل مما يلي الآكل) إلى (كراهية الأكل متكئًا)</span>\nتكمن عظمة الإسلام في تشريعه العام الشامل الذي يهذب النفوس في صغائر الأمور وكبارها، ومن ذلك تشريع جملة من الآداب العظيمة في تناول الطعام، من حيث جلسة الأكل وما يتناول به، والجهة التي يؤكل فيها، وغير ذلك من الآداب التي ينبغي أن يراعيها الكبار ويربى عليها الصغار.","vol":"68","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-739>الآداب النبوية في أكل الطعام</span>","vol":"68","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-740>الأمر بالأكل مما يلي الآكل</span>\nعن عمرو بن أبي سلمة ﵁ قال: (كنت غلامًا في حجر رسول الله ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله ﷺ: يا غلام! سم الله تعالى، وكل بيمينك، وكل مما يليك) متفق عليه.\nوعن سلمة بن الأكوع ﵁: (أن رجلًا أكل عند رسول الله ﷺ بشماله، فقال النبي ﷺ: كل بيمينك.\nقال: لا أستطيع.\nقال: لا استطعت، ما منعه إلا الكبر.\nفما رفعها إلى فيه) رواه مسلم.\nباب النهي عن القران بين تمرتين ونحوهما إذا أكل جماعة إلا بإذن رفقته.\nعن جبلة بن سحيم قال: (أصابنا عام سنة مع ابن الزبير فرزقنا تمرًا، وكان عبد الله بن عمر ﵄ يمر بنا ونحن نأكل، فيقول: لا تقارنوا؛ فإن النبي ﷺ نهى عن الإقران، ثم يقول: إلا أن يستأذن الرجل أخاه) متفق عليه.\nأورد الإمام النووي - ﵀ - في كتاب رياض الصالحين في كتاب آداب الطعام، في باب الأكل مما يليه ووعظه وتأديبه من يسيء أكله حديث عمرو بن أبي سلمة، والمعنى واضح، وهو أن المسلم إذا أكل من طعام فإنه يأكل من الطعام الذي يليه، دون أن تطيش يده في الصحفة فيأكل مرة مما يليه ومرة من آخر الصحفة! فيأكل كما أمر النبي ﷺ أصحابه وعلمهم.\nومما ورد من تعليمه ﷺ أصحابه حديث عمر بن أبي سلمة قال: (كنت غلامًا في حجر رسول الله ﷺ).\nوذلك لأنه كان ابن زوجة النبي ﷺ؛ إذ إنَّ أمه أم سلمة زوجة النبي ﷺ، وعمر ولد في السنة الثانية من الهجرة إلى الحبشة، وكان مع أبيه ومع أمه في الحبشة رضي الله ﵎ عنهم.\nثم قدم مع أبيه وأمه إلى المدينة عند النبي ﷺ، ومات أبوه أبو سلمة رضي الله ﵎ عنه، ودعا له النبي ﷺ، وطلب من أم سلمة ﵂ أن تسأل الله ﷿ أن يخلفها خيرًا من أبي سلمة، وعلمها أن تقول: (اللهم اؤجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها).\nولم تكن تدري ما هو الخير من أبي سلمة، فقالت: ومن خير من أبي سلمة؟! ولم يخطر على بالها أن النبي ﷺ سيتزوجها، وإنما نظرت في الصحابة لترى من هو خير من أبي سلمة، فإذا بالنبي ﷺ يخطبها بعد انقضاء عدتها! وتصير أم سلمة أمًا للمؤمنين وزوجة للنبي صلوات الله وسلامه عليه، ويصير ابنها هذا في حجر النبي ﷺ، أي: أنه يتيم في حجر النبي ﷺ يرعاه ويحوطه وينظر في أمره، وهو في بيته ﵊، فكان ربيب النبي ﷺ.\nوكان وهو صبي صغير يأكل مع النبي ﷺ، ولم يكن قد تعود آداب الطعام بعد، فكانت يده - كما يقول -: تطيش في الصحفة، يعني: إذا أكل يضع يده في أي مكان، ويغمسها في الصحن الذي يلي النبي ﷺ.\nفعلمه النبي ﷺ بقوله: (يا غلام! سم الله تعالى)، يعني: قل: (باسم الله) حين تأكل، (وكل بيمينك، وكل مما يليك).\nوهذه آداب من آداب الطعام عظيمة جدًا، فعلى الإنسان أن يعود أولاده على آداب الطعام وهم صغار لتبقى تلك الآداب عادة للصبي سواءٌ أكان وحده، أم مع أقربائه، أم مع الغرباء عنه، فلا ينتقد أمام الناس حين يأكل.\nوكم من إنسان يكون كبيرًا وإذا جلس ليأكل يقوم الناظرون فينظرون إليه بنظرة انتقاد لأنه لا يعرف كيف يأكل، فيده تطيش في الطعام، ويأكل بشماله، ويشرب بشماله، ويقذر المائدة؛ إذ ليس عنده من آداب الطعام شيء.\nوقد علم النبي ﷺ أصحابه أن لا يفعلوا ذلك، فقال: (يا غلام! سم الله تعالى، وكل بيمينك، وكل مما يليك)، وهذا تأديب، فقد كان النبي ﷺ يربي الكبار والصغار ويؤدب الجميع ﵊.\nثم إن عمر بن أبي سلمة صار بعد ذلك رجلًا كبيرًا، وشهد مع علي ﵁ يوم الجمل، واستعمله علي ﵁ على فارس، واستعمله على البحرين، فاستحق أن يتولى أمر الناس ويكون أميرًا على بلاد فارس وعلى بلاد البحرين، رضي الله ﵎ عنه.\nوعاش زمنًا طويلًا، حيث مات في حدود سنة ثلاث وثمانين رضي الله ﵎ عنه، أي أنه عمر أكثر من خمسة وثمانين عامًا رضي الله ﵎ عنه.\nوالغرض هنا: بيان تعليم الأطفال كيف يأكلون، حتى لا يمد الصبي يده إلى طعام ليس له.\nولعلنا نذكر أن النبي ﷺ رأى تمرة من تمر الصدقة مد الحسن أو الحسين يده إليها فأخذها ووضعها في فمه، وكان النبي ﷺ قد شرفه الله ﷿ عن ذلك، وكذلك آل بيته ﵊ إلى يوم القيامة؛ إذ تحرم عليهم الصدقة، فلا يجوز لآل بيت النبي ﷺ أن يأكلوا من الصدقة.\nبل شرف بذلك موالي رسول الله ﷺ، وهم العبيد الذين أعتقهم النبي ﷺ فانتسبوا إليه بالولاء.\nفلما أخذ الحسن أو الحسين تمرة من الصدقة ووضعها في فمه رآه النبي ﷺ، فأخرجها ﷺ من فمه، وقال: (كخ كخ.\nأما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟).\nوالنبي ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو أرحم خلق الله بالخلق ﵊، ومع ذلك يعود هذا الصغير على أن لا يأكل هذه التمرة ولو كان قد وضعها في فمه.\nولو أن أحدنا رأى ابنه يفعل ذلك، فهل - يا ترى - سيفعل مثلما فعل النبي ﷺ أم أنه كحال الكثير سيقول: ليس في ذلك شيء، فهذا ولد صغير لا يعرف، وسأدفع ثمنها؟! ولم يقل ذلك النبي ﷺ، وإنما أخرج التمرة من فمه، لأنه لا يحل له أن يأكلها، ولم يقل ﷺ: (كخ) لطفل عمره سبع سنين، بل قال ذلك لولد عمره سنتان أو نحوهما، فالنبي ﷺ يقول ذلك ويردفه بقوله ﷺ: (أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟)، وقد يفهم الصبي وقد لا يفهم هذه الكلمة.\nولكن ليفهمها الكبار الذين كانوا حول النبي ﷺ، فيتعلمون كيف يربون أبناءهم على ذلك، وهو أنه ما يحرم عليك لا يجوز لك أن تمد يدك إليه.\nوقد نجد اليوم العكس، فالأب يأخذ ابنه ويذهب به إلى السوق، ويمد الولد يده إلى تمرة فيأكلها وأبوه ساكت كأنه لا يعنيه هذا الأمر، ويمد يده إلى خيار أو نحوها ويأكل، والأب والأم لا يتكلمان بشيء.\nبل قد يقول: ليس في ذلك شيء! وهذا ليس من الأدب، وإنما هو أكل حرام بغير إذن من صاحب الطعام، فليس لك أن تمد يدك إلى طعام إنسان إلا بعد أن يأذن لك في ذلك، فإذا قال لك: ذوق فلتذق وحدك دون أن تدع أحدًا معك يمد يده إلى هذا الطعام.","vol":"68","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-741>الأمر بالأكل باليمين</span>\nعن سلمة بن الأكوع ﵁: (أن رجلًا أكل عند رسول الله ﷺ بشماله، فقال: كل بيمينك)، فهذا رجل أكل مستكبرًا بيده الشمال، فالنبي ﷺ يعلمه، والفرض على كل مسلم إذا أمره النبي ﷺ بشيء أن يقول: سمعنا وأطعنا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١].\nوكذلك قال الله ﷿ مقسمًا: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، فعلى كل مؤمن أن يسلم بما يقوله النبي ﷺ.\nفلو إن إنسانًا كان أعسر يأكل بيده الشمال، وهو متعود على ذلك، فقال له النبي ﷺ: (كل بيمينك)، فالخير أن يأكل بيمينه، لكن بعض الناس فيهم استكبار، فهذا الرجل يستكبر على النبي ﷺ، ويقول: (لا أستطيع) مع أنه يحرك يديه، فلما قال ذلك وعلم النبي ﷺ قدرته وعلم استكباره قال: (لا استطعت).\nيعني: إذا كان الأمر كذلك فلا استطعت أن تأكل بها.\nقال: (فما رفعها إلى فيه) يعني أنه كان قد رفع اللقمة بشماله من أجل أن يضعها في فمه، فلما قال: لا أستطيع أن آكل باليمين، قال له النبي ﷺ: (لا استطعت)، فلم يرفعها إلى فمه.\nوقد كان في قدرته أن يأكل بيمينه مع سلامة شماله، فدعا عليه النبي ﷺ فشلت يده التي رفعها فما استطاع أن يرفعها.","vol":"68","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-742>النهي عن القران في الأكل مع الجماعة</span>\nفي الحديث الآخر النهي عن القران بين تمرتين ونحوهما إذا أكل المرء في جماعة إلا بإذن رفقته، فهنا تعليم الصغار والكبار آداب الطعام، فإذا كان الطعام فيه تمر أو نحوه مما يؤكل واحدة واحدة، وكان معك أحد يأكل فالأدب أن تأكل واحدة واحدة، كما يأكل هو، إلا أن يكون الأمر الجاري هو الاتفاق على تأكلا اثنتين اثنتين أو ثلاثًا ثلاثًا، أو استأذن أحدكما صاحبه، لكن لا تعود نفسك على هذا الشيء.\nفهنا يقول جبلة بن سحيم: (أصابنا عام سنة مع ابن الزبير).\nفقوله: (عام سنة) يعني: عام جدب وقحط وشدة، قال: (فرزقنا تمرًا) يعني: قسم علينا تمرًا، قال: وكان عبد الله بن عمر ﵄ يمر بنا ونحن نأكل.\nوذلك في عام مجاعة لم يصيبوا فيه إلا التمر فكانوا يأكلون التمر، فقال عبد الله بن عمر ﵁: (لا تقارنوا؛ فإن النبي ﷺ نهى عن الإقران) يعني: لا تأكلوا اثنتين اثنتين، ولا يمد أحدكم يده ليأخذ تمرتين تمرتين، بل ليأخذ كل منكم واحدة واحدة من الطعام الذي أمامكم.\nوذلك ليعلم المرء أنه كما أن له حقًا في الطعام فللذي يأكل معه - أيضًا - حق في الطعام، فإذا كان سيأكل أكثر من واحدة فإنه سيقول: اسمحوا لي بأن آكل اثنتين اثنتين.\nوهذا صعب على نفس الإنسان، وحينئذ سيستأذن مرة وسيستحي بعد ذلك فلن يستأذن، وحينئذ سيأكل واحدة واحدة.\nفهذا أدب يؤدبنا به النبي ﷺ، فلا تأكل طعام غيرك، وإلا فإن الجميع سيقومون وفي نفوس بعضهم شيء على الآخرين، فتسمع بعضهم يقول: فلان هذا لا أحب أن آكل معه؛ لأنه يقعد ليأكل معنا فيمد يده ليأكل الطعام كله، كما جاء الأعرابي وأكل الطعام الذي أمام النبي ﷺ وكان يكفي ستة أفراد، فأكله هو كله، ولم ير أن غيره محتاج إلى أن يأكل، بل نظر إلى نفسه فقط! فهذا الذي يكون بهذا المنظر يكون بغيضًا عند الناس، فالناس لا تحبه ولا تحب أن تأكل معه، وفي النهاية سيحصل أن الطعام سيُخفى عن هذا الإنسان، ومما يذكر في ذلك أنه في الاعتكاف كان الطعام يوضع في الدور الأرضي من المسجد، وكان الأكل مباحًا لمن شاء، وكان الناس يراعي بعضهم بعضًا، ثم إذا بناس من الشارع يدخلون ليأكلوا فكان أحدهم يمد يده أول الأمر إلى اللحم فيأكله ويترك المعتكف في المسجد ليل نهار من غير أن يصيب حاجته، فكان الحاصل في النهاية أن منع هذا الأمر، وصار الأكل في الدور الثاني أو الدور الثالث بعيدًا عن الناس، وصار ممنوعًا أن يأكل أحد إلا المعتكفين، فانظر إلى هذا الجاني كيف مُنع من الطعام ومنع غيره؛ لأنه أكل شيئًا ليس له، أكل طعام غيره ولم يعرف أن هذا معتكف وأن هذا طعامه، وهذا الداخل ممن يأكل ويخرج ويذهب إلى بيته ليأكل، فلما مد يده إلى أشرف الطعام الموجود عوقب بعد ذلك بأن يحرم منه.\nوكذلك كل إنسان طماع، لو أنه اتقى الله سبحانه ﵎ وراعى غيره في طعامه وعرف آداب الطعام؛ فإن الناس سيحبون أن يأكلوا معه؛ لأنه طيب؛ ولأن قعدته فيها بركة للناس.\nوأما الإنسان الطماع فإنه لا أحد يحب أن يأكل معه، ولسان حال الآكل معه: سأترك لك طعامي، لكن ليس في كل يوم أترك لك الطعام؛ لأني محتاج إلى أن آكل لأقوم للصلاة وللعمل، فلن تأكل طعامي كل يوم.\nفهنا تعلمنا الشريعة آداب الطعام.\nوالتسمية عظيمة جدًا؛ فإنها تمنع الشيطان من أن يجلس معك على الطعام، وتمنعك شر نفسك، فالإنسان إذا كان في نفسه شيء من الشر فنوى أن يأكل الطعام طمعًا فإنه يذرك الله سبحانه ﵎ فيستحيي ويتأدب بآداب الطعام حين يأكل.","vol":"68","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-743>الحث على الاجتماع على الطعام رجاء حصول بركته</span>\nمن الأبواب المتعلقة بآداب الطعام هنا: [باب ما يقوله ويفعله من يأكل ولا يشبع] فإذا كان الإنسان يأكل ولا يشبع، ويريد أن يأكل كثيرًا فإنه يعمل بما رواه الإمام أبو داود بإسناد فيه ضعف وله شواهد بمعناه عن وحشي بن حرب ﵁ أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: (يا رسول الله! إنا نأكل ولا نشبع)، وطعامهم كان قليلًا، ومع قلة الطعام كان كل واحد يأخذ نصيبه ويقعد ليأكل، فلا يكيفهم الطعام.\nلما قالوا ذلك قال النبي ﷺ: (فلعلكم تفترقون)، فقالوا: نعم.\nقال: (فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه)، فالجواب من النبي ﷺ كان متعلقًا بأمر ليس على بالهم فلماذا كانوا يأكلون متفرقين؟ إن العادة أن كل واحد يقول: أريد نصيبي؛ إذ الطعام قليل، فلو قعدت آكل مع الناس سيأكلون نصيبي، فكان واحد يأخذ نصيبه من أجل أن لا يأخذ أحد حق الآخر، وكان الطعام لا يكفيهم، وكان أحدهم يأكل ولا يشبع من قلة الطعام، فكان جواب النبي ﷺ على عكس ما توهموه، ومع الإيمان وتقوى الله ﷾ يحدث ما ليس في حسبانك، فالبركة تنزل من عند رب العالمين سبحانه.\nفأمرهم النبي ﷺ بأن يأكلوا جميعًا فقال: (فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله)، فإذا حصل ذلك جاءت البركة من عند رب العالمين، ويبارك في هذا الطعام، فكان الأمر على ما قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nوالبركة شيء لا يراه الإنسان، بل شيء يستشعره بقلبه ويستشعره بما يكفيه من هذا الطعام الذي دخل في فيه.\nفالطعام هو هو، وقد كان كل واحد يأخذ نصيبه لوحده ويأكل ولا يكفيه الطعام، ولما وضعوا الطعام كله وجلسوا جميعًا، جاءت البركة من عند ربنا سبحانه، فأكلوا وشبعوا، فما هو الذي حصل هنا؟ لقد زاد الطعام وإن لم يزد أمامهم في النظر، ولكن جاءت البركة من عند الله سبحانه.\nفعلم النبي ﷺ الصحابة وعلم من بعدهم الاجتماع على الطعام؛ حتى تأتي البركة من عند الله سبحانه.\nوقد كانوا أحيانًا يرون هذه البركة أمامهم شيئًا حقيقيًا، وأحيانًا تكون شيئًا مدركًا في النفس.\nومن ذلك ما روي عن أبي بكر الصديق ﵁، فقد جاءه ضيوف في يوم من الأيام، وقد كانوا ضيوف النبي ﷺ، ولم يكن عند النبي ﷺ طعام يطعمه هؤلاء الضيوف، فأخذهم أبو بكر رضي الله ﵎ عنه، ونادى ابنه عبد الرحمن ليطعم هؤلاء الضيوف، ثم تركهم وانصرف إلى النبي ﷺ، فسهر مع النبي ﷺ، ثم رجع فوجد الضيوف لم يأكلوا، فلما سألهم عن سبب ذلك قالوا: انتظرناك! فقال: والله لا آكل من هذا الطعام.\nفقالوا: والله لا نأكل.\nأي: ونحن - أيضًا - لن نأكل.\nوهذا تعنت من الضيوف، حيث وضع الطعام، وإذا وضع فما هو المعنى لانتظارهم إلى أن يأتي أبو بكر ليأكل معكم؟ فلذلك غضب أبو بكر وأقسم أنه لا يأكل هذا الطعام، ولما وجد أن الضيوف لن يأكلوا رجع في يمينه؛ فاليمين يسهل أن أكفرها، ولا داعي لأن أحرج الضيوف، ولا داعي لانصرافهم من غير أن يأكلوا.\nفلما قالوا ذلك قال: إنما كانت هذه من الشيطان.\nوجلس وأكل، وأكل الضيوف، وإذا بالطعام يزيد، فقد كان ما في الصحفة يربوا من أسفله، وحين قاموا عنها كانت أكثر مما وضعت أمامهم! فهنا شيء ملحوظ محسوس كانوا يرونه أمامهم.\nفإذا به يأخذ الصحفة ويذهب إلى امرأته فيقول: ما هذا يا أخت بني فراس؟! أي: ما هو الذي حصل في الطعام؟ فقالت: والله لهي الآن أكثر مما وضعناها.\nفأخذها وذهب بها إلى النبي ﷺ، ففرح النبي ﷺ بذلك، وأخبره أنها بركة من عند الله سبحانه ﵎.\nوليست هذه هي المرة الوحيدة، بل حدث ذلك مرات ومرات، فقد خرجت البركة من أصابع النبي ﷺ في ماء قليل يسقي به جيشًا كاملًا صلوات الله وسلامه عليه في يوم الحديبية وفي غيره.\nووضع ﷺ سهمًا في عين ماء بالحديبية كان الماء فيها قليلًا وإذا بالعين تجيش بالماء، ويشرب منها الجيش، ويسقون إبلهم وما معهم من هذه العين.\nفالبركة هنا شيء حقيقي يراه الإنسان زائدًا أمامه، وقد لا يرى زيادة، ولكن يعلم أنهم كانوا عشرة أنفار يقعدون على مثل هذا الطعام فلا يكفيهم، فصار يكفيهم، فهذه بركة لم ترها، ولكن الله ﷾ جعلها في الطعام.","vol":"68","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-744>الأمر بالأكل من جانب قصعة الطعام دون وسطها</span>\nيقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: [باب الأمر بالأكل من جانب القصعة والنهي عن الأكل من وسطها].\nوأورد الحديث الذي يرويه أبو داود والترمذي عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (البركة تنزل وسط الطعام، فكلوا من حافتيه ولا تأكلوا من وسطه).\nوقد جرت عادة الناس بأن الأكل من وسط الطعام يقذره في أنفسهم ويجعل شكله غير لائق.\nوهذا صحيح، إلا أن هناك أمرًا أهم، وهو أن ربنا ﷾ - إذا تعلمنا آداب الطعام - ينزل بركة من السماء في وسط الصحفة، فإذا بالطعام يزيده الله ﷾ ويبارك فيه.","vol":"68","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-745>الجلسة المستحبة في الأكل</span>\nروى أبو داود عن عبد الله بن بسر ﵁ قال: (كان للنبي ﷺ قصعة يقال لها: الغراء)، والنبي ﷺ كان يسمي ما يملكه، فيسمي الفرس الذي يركبه، ويسمي الحمار الذي يركبه، والناقة التي يركبها، ويسمي القصعة التي يأكل فيها ﵊.\nفهذه القصعة كان يقال لها: الغراء، وكأنها كانت بيضاء، أو لما يوضع فيها من لحوم وغيرها، قال: (يحملها أربعة رجال) فهذه القصعة كان لا يقدر على حملها إلا أربعة رجال، وهذا من كرمه صلوات الله وسلامه عليه، فكان يملأ هذه القصعة ويضعها لأصحابه ليأكلوا قال: (فلما أضحوا وسجدوا الضحى أتي بتلك القصعة) أي: كان من عادة النبي ﷺ أن يصلي الفجر ويجلس في مصلاه يذكر الله سبحانه إلى وقت الضحى، فلما صلوا الضحى أتي النبي ﷺ بتلك القصعة، قال: (وقد ثرد فيها) يعني أنه موضوع فيها خبز عليه اللحم، قال: (فالتفوا حولها، فلما كثروا جثا رسول الله ﷺ).\nفالقصعة كان يحملها أربعة رجال، فحجمها قد يكون مثل الطست، فإذا جلسوا حولها وهم مجموعة لن يسعهم المكان، فكان لابد أن كل إنسان يأخذ ويبتعد عنها قليلًا لتتسع الدائرة ويكفي المكان للجميع، فلما وجدهم قد كثروا جثا ﵊ أي: اعتمد على ركبتيه، أي: جلس على ركبتيه على هيئة القاعد للتشهد في الصلاة، فرآه أعرابي فقال: (يا رسول الله! ما هذه الجلسة؟) ولم يكن الأعرابي متعودًا على ذلك؛ إذ تلك الجلسة جلسة إنسان خاشع في صلاة.\nفقال النبي ﷺ: (إن الله جعلني عبدًا كريمًا ولم يجعلني جبارًا عنيدًا)، فهو عبد لله سبحانه، كرمه الله بهذه الرسالة العظيمة.\nوأما الجبابرة والملوك وأشباههم، فإن أحدهم يجلس ليأكل لوحده، وحوله الحراس قائمين يحرسونه، أما النبي ﷺ فقد كان يجلس مع غيره ويأكل كما يأكل غيره، ويقول ﷺ: (إنما أنا عبد أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل العبد)، فعليه الصلاة والسلام.\nوكان يمنعهم أن يمدحوه بما ليس فيه ﵊، وقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله فقولوا: عبد الله ورسوله)، ﵊.\nثم قال رسول الله ﷺ لمن كان يأكل: (كلوا من حواليها ودعوا ذروتها يبارك فيها)، فالقصعة كانت كبيرة يحملها أربعة رجال، ولكن مع ذلك كان عددهم كبيرًا، ويمكن أن تنفذ بسرعة، فأمرهم بأن يتأدبوا بأدب الطعام، فكل واحد يأكل مما يليه ولا أحد يمد يده إلى وسط الصحفة.\nوالعادة أنه في وسط الصحفة يوضع لحم أو نحوه فيصبر الإنسان حتى يبلغ هذا المكان فيأخذه منه، فعلمهم النبي ﷺ هذا الأدب، وعلمهم تلك الجلسة، فلم يجلس متكئًا، وهذا الأدب يجيء في الباب الآتي، حيث يقول الإمام النووي: [باب كراهية الأكل متكئًا].\nوالمراد بذلك التمكن من الأرض، وقد جاء في ذلك حديث رواه البخاري عن أبي جحيفة قال: قال رسول الله ﷺ: (لا آكل متكئًا) والمتكئ إذا كان قاعدًا متربعًا على الطبلية أو على الأرض فمعنى ذلك أنه سيأكل كثيرًا.\nأما النبي ﷺ فما كانت هذه عادته، وليس بحرام أنك تجلس متربعًا من أجل أن تأكل، إنما قال ﷺ: أنا لا أعمل هذا ففيه بيان أن ذلك خلاف الأولى، ولم يحرم ربنا علينا ذلك، بل قال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١].\nولكن النبي ﷺ علمنا أدبًا من الآداب، وهو أنك إذا أكلت أن تأكل شيئًا وتدع شيئًا، فاجعل في معدتك الثلث لطعامك والثلث لشرابك والثلث لنَفَسِك، فإذا جلست متكئًا فمعنى ذلك أنك ستأكل كثيرًا، ولعلك تتخم بهذا الطعام.\nيقول الخطابي: المتكئ هو الجالس المعتمد على وطاء تحته قال: أراد أنه لا يقعد على الوطاء والوسائد كفعل من يريد الإكثار من الطعام.\nوهذا ليس بحرام، ولكنَّه ﷺ قال: لا أعمل هذا الشيء.\nفلا يجلس جلسة تدعو للإطالة، وكذلك النوم، فالنبي ﷺ كان ينام على سرير من حبال، فيوضع له عليه شيء ﵊، كثوب مثني ثنيتين، فينام عليه وتؤثر حبال السرير في جنبه ﷺ.\nوفي مرة ثني ما يوضع على السرير أكثر مما كان يثنى، فوجد النبي ﷺ تلك النومة مريحة زيادة على ما يلزم، ومعنى ذلك أن الإنسان لن يقوم ليصلي صلاة الليل، فأمر النبي ﷺ بأن يثنى كما كان.\nونحن اليوم ننام على قطن لم يره النبي ﷺ، ولا نام عليه ﵊، ولم يحرم ذلك، ولكن يعلمنا أن مثل هذا الشيء يعود الإنسان على الراحة، فإذا تعود على الراحة يبقى دائمًا يريد أن ينام على السرير الوثير من أجل أن يستريح، فإذا أراد أن يصلي بالليل وجد السرير ممتعًا فيقول: لا أريد أن أقوم، ويضيع الفجر، ثم يقوم في الضحى وقد فاته الصبح.\nفكان النبي ﷺ أزهد خلق الله ﵊ في نومه، وكذلك إذا قعد كان يقعد على الأرض ﷺ، ولا يجعل تحته وسادة، ولا يجعل تحته شيئًا، خاصة عند الأكل، وإن كان في غير الأكل قد يجلس على وسادة ﵊.\nيقول الخطابي هنا: بل يقعد مستوفزًا لا مستوطئًا، ويأكل بلغة، وأشار غيره إلى أن المتكئ هو المائل على جنبه، وهذا أشد فالمتكئ يقعد متربعًا، وهذا ليس حرامًا، ولكن لم يفعله النبي ﷺ؛ خوفًا من كون هذه الجلسة تدعو للإكثار، بحيث يقعد فيأكل فترة طويلة فيمتلئ، فما كان يفعل ذلك، إنما كان يجلس ﷺ مستوفزًا، وهي جلسة الجاثي يجثو على ركبتيه، أو أنه يقعد على رجل وينصب الأخرى ويضع عليها يده ﷺ، وهي جلسة الذي لا ينوي أن يقعد طويلًا؛ لأنها جلسة متعبة، فكان في طعامه يجلس كذلك ﵊.\nوقال البعض ممن فسر الحديث: المتكئ الذي كره النبي ﷺ جلسته أن يجلس متكئًا على أحد جنبيه، كما يحصل أحيانًا أن يكون الإنسان متكئًا على الأرض على مرفقه ويأكل بيده الثانية وهو على هذه الحال، فهو قاعد مستريح همه في الطعام، فالنبي ﷺ ما كان يفعل هذا، بل قال: (لا آكل متكئًا)، وفي حديث لـ أنس رواه مسلم قال: (رأيت رسول الله ﷺ جالسًا مقعيًا يأكل تمرًا) أي أنه جالس على مقعدته.","vol":"68","page":8},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-746> من (استحباب الأكل بثلاث أصابع) إلى (استحباب إدارة الإناء عن يمين المبتدئ)</span>\nالطعام والشراب نعمتان من نعم الله تعالى، ويجب أن نشكر الله على ذلك، ومن الشكر أن نتأدب بآداب المصطفى ﷺ عند الأكل والشرب فمن ذلك: التسمية، والأكل مما يلي، والأكل بثلاث أصابع، ولعقها بعد الأكل، ولعق الصحفة، وعدم التنفس في الإناء، والشرب ثلاثًا، والتيامن عند سقي الآخرين.","vol":"69","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-747>أحاديث في آداب الطعام</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: قال الإمام النووي ﵀: [باب استحباب الأكل بثلاث أصابع، واستحباب لعق الأصابع وكراهة مسحها قبل لعقها، واستحباب لعق القصعة وأخذ اللقمة التي تسقط منه وأكلها، ومسحها بعد اللعق بالساعد والقدم وغيرهما.\nعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يمسح أصابعه حتى يلعقها أو يلعقها) متفق عليه.\nوعن كعب بن مالك ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ يأكل بثلاث أصابع فإذا فرغ لعقها) رواه مسلم.\nوعن جابر ﵁: (أن رسول الله ﷺ أمر بلعق الأصابع والصحفة، وقال: إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة) رواه مسلم.\nوعنه أن رسول الله ﷺ قال: (إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها، ولا يدعها للشيطان، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه البركة) رواه مسلم].\nهذا باب آخر من أبواب آداب الطعام ذكر فيه الإمام النووي جملة من الآداب، منها: استحباب الأكل بثلاث أصابع، واستحباب لعق الأصابع، فالإنسان بعد الانتهاء من أكله لو بقي شيء من الإدام في أصابعه فإنه يلحسها بلسانه.\nوكراهة مسحها قبل لعقها وهذا فعل الإنسان المترف المستغني فإنه بعد ما أكل يمسح يده في فوطة أو في شيء وما زال عليها بقايا من الأكل.\nواستحباب لعق القصعة فإذا أكلت طعامًا فليكن الطعام في الطبق أو الصحن الذي تأكل فيه، فإذا انتهيت فالعق ما تبقى في الصحن من الإدام الباقي لعلة ذكرها النبي ﷺ.\nوأخذ اللقمة التي تسقط منه وأكلها، وجواز مسحها بعد اللعق بالساعد والقدم وغيرهما، فإذا سقطت على الإنسان اللقمة على الأرض فالمستحب أنه يأخذها ولا يتركها، وكذلك إذا انتهى من طعامه وبقي شيء بعد ما لعق يده جاز أن يمس يده في يده الأخرى إذا لم يجد ماء ومناديل يمسح بها، فعلى ذلك جاز مسح يده في يده الأخرى أو في ساعده أو في رجله.\nوالدين الإسلام دين عظيم، ودين فيه يسر، والإنسان الناظر إلى هذا الدين يجد فيه الذوقيات والأخلاق العظيمة الراقية، ومراعاة الجميع الغني والفقير، ومراعاة الأحوال، فقد تكون غنيًا اليوم وفقيرًا غدًا فراع النعمة التي منحك الله سبحانه ﵎، وحافظ عليها، وتأدب بآداب تنفعك في وقت غناك وفي وقت فقرك.\nفهنا يعلمنا النبي ﷺ المحافظة على نعمة الله سبحانه، فالمحافظ على النعمة جدير أن يحفظه الله ﷿ وأن يحفظ له النعمة التي في يده.\nولو زالت عنك هذه النعمة لا تلوم نفسك بأنه كانت عندي النعمة، وكنت أستكبر وأقعد آكل وأنا مضايق وآكل وأنا شبعان، وأرمي الأكل وإذا وقع مني ما يهمني، والآن أنا محتاج لهذا الشيء! ما تضيع النعم حتى لا تندم يومًا من الأيام على ما فاتك من نعم الله سبحانه أو على تقصيره في شأن هذه النعم.\nوالإنسان إما غني واجد، أو فقير فاقد، فعد نفسك أنك اليوم واجد، وغدًا فاقد، فاعمل لهذا اليوم الذي سيأتي، تأدب بالأدب مع الله ﷿ ومع الخلق، فاليوم أنت موظف وغدًا قد تفقد الوظيفة.\nوعامل الخلق المعاملة التي سيدوم لك أثرها بعد ذلك من أنك في حياتك محبوب عند الناس وبعد وفاتك يدعون لك، كذلك مع نعم الله سبحانه، فحافظ على النعمة، فالنعمة موجودة فكل واشرب ولا تسرف، وتعود الآداب التي علمتك الشريعة كيف تصنع معها.\nفنحن تركنا الآداب الشرعية وبدأنا ننظر للذوقيات الذي اخترعها الأجانب وإن كانوا قد يأخذون هذه الذوقيات من ديننا ومن أفعال النبي صلوات الله وسلامه عليه، فنحبها بعد ذلك؛ لأن النبي ﷺ فعلها؛ ولأن الغرب أخذوا بها وعملوا بها فنعمل بها! فالأولى أن نعمل بسنة النبي ﷺ اتساءً واقتداء به ﷺ، لنؤجر على هذا الشيء في اقتدائنا بالنبي ﷺ، وليحفظ الله لنا هذه النعم التي معنا.","vol":"69","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-748>شرح حديث: (إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يمسح أصابعه حتى يلعقها أو يلعقها)</span>\nمن الأحاديث التي جاءت حديث لـ ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يمسح أصابعه حتى يلعقها أو يلعقها).\nحياة النبي ﷺ كانت فيها ضيق وشدة، فكان يجد أحيانًا وكثيرًا لا يجد ﵊، وليس وحده بل وأصحابه كذلك قد يجدون أيامًا وقد لا يجدون.\nويخرج النبي ﷺ في يوم من شدة الجوع وقد عصب الحجر على بطنه ﵊، فيمشي في الطريق حتى لا يشعر بالجوع، بل كان من دعائه ﷺ: (اللهم إني أعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة، وأعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع).\nوالإنسان الجائع لا يستطيع أن ينام من شدة الجوع، وحين يأتي علينا شهر رمضان ونجوع في النهار فإننا نهرب من الجوع بالنوم، أما النبي ﷺ فكان يتخلص من الجوع بالمشي؛ لأنه غير قادر أن ينام من شدة الجوع، فيمشي في الطريق ﵊، وقد يجد من كبار أصحابه من حالهم كحاله صلوات الله وسلامه عليه كـ أبي بكر، وعمر ﵁.\nفهو ﵊ يعلم المؤمنين أن يتذكروا أنهم في يوم من الأيام قد جاعوا فلا يبطروا بالطعام بأن يأكلوا ويتركوا أكلًا قليلًا في آخر الطعام، فإن البركة تنزل في الطعام، ولا يدرون في أي طعامهم البركة.\nوقد تكون هذه البركة في آخر جزء من طعامك الذي رميته في كل ذرة من ذرات طعامك قد تكون فيما تركت.\nفحين تغرف لنفسك الطعام اغرف على قدر ما أنت آكله بحيث تأكل جميع ما في الصحن ولا تترك شيئًا بعد ذلك لئلا تضيع منك بركة هذا الطعام.\nوقد تكون البركة في كمية قليلة جدًا في الشيء الذي بقي على يدك، فالعق أصابع يدك بعد الطعام ولا تمسحها بالمنديل فيتوسخ، وبعد لعقها امسح بالمنديل أو اغسل يديك.\nفتعلم أدب الطعام من النبي ﷺ في كل أحوالك، فهذه عادة المسلم في كل وقت، فهي ملزمة للمسلم، فيعود نفسه ويربيها بأدب وسنة النبي ﷺ فيفعل ما فعله النبي ﷺ ولا يفعل أفعال المستكبرين.","vol":"69","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-749>شرح حديث: (أن النبي ﷺ أكل بثلاث أصابع)</span>\nيقول كعب: (رأيت رسول الله ﷺ يأكل بثلاث أصابع)، الآداب عند الغرب أن الإنسان لا يأكل بيده كلها وإنما يأكل بثلاث أصابع ولا يملأ يده بالطعام، ولا يقعد أبدًا على الطاولة أو يحط مرفقه عليها بأن يتكأ والطعام موضوع عليها.\nفهذه آداب إسلامية من عندنا وليست من عندهم، فالنبي ﷺ كان يأكل بثلاث أصابع صلوات الله وسلامه عليه، فإذا فرغ من طعامه لحسها أو لعقها صلوات الله وسلامه عليه، وكان لا يأكل متكئًا، وكان الصحابة يتأسون به فيفعلون مثل فعله، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١].","vol":"69","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-750>شرح حديث: (أن الرسول أمر بلعق الأصابع والصحفة)</span>\nفي حديث جابر أن رسول الله ﷺ أمر بلعق الأصابع والصحفة، وعلل الحكمة في ذلك فقال: (إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة)، فأنت تقول: يا رب بارك لي فيما رزقتنا وأعطيت وقنا عذاب النار، فينزل الله البركة على الطعام ثم في آخر الأكل نرمي الباقي في القمامة وكان فيه البركة! فيعلمك النبي ﷺ أن تلعق أصابعك بعد الأكل؛ لأن البركة قد تكون في هذا الشيء الباقي الذي أنت ستغسله أو ستمسحه أو سترميه، كذلك الصحن الذي أمامك العق آخر لقمة فيه وكلها فلعل أن يكون فيها البركة فتنال من بركة رب العالمين سبحانه ﵎.","vol":"69","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-751>شرح حديث: (إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى)</span>\nوحديث آخر أيضًا لـ جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: (إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها).\nاللقمة التي وقعت من الإنسان إما أن تقع في مكان نظيف أو في مكان فيه تراب أو شيء آخر، فإذا وقعت في مكان نظيف فخذها وكلها مرة ثانية، وإن وقعت في مكان فيه أذى فأمطه وإذا لم يمكن إماطة الأذى منها فاتركها.\nقال ﷺ: (ولا يدعها للشيطان)، فالذي يترك الطعام الواقع منه فكأنما يترك تلك اللقمة للشيطان، وكأنه يدعو الشيطان ليأكل معه، فتضيع البركة لإنه ترك الشيطان يأكل معه.\nوقال ﷺ: (ولا يمسح يده بالمنديل)، المنديل من المندلة والتمندل بمعنى: إزالة الوسخ، فالمنديل يعني: الشيء الذي تزيل به الوسخ عن يدك أو جسدك، فالمنديل كلمة عربية.\nقال ﷺ: (ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه البركة).\nفيأكل الطعام الذي أمامه ولا يترك منه شيئًا للشيطان إذا وقع منه، فإذا كان لم يصبه أذى أخذه فأكله، وإذا أصابه أذى أماط عنه الأذى وأكل الباقي ولا يترك منه شيئًا للشيطان فإنه لا يدري في أي طعامه البركة.\nوفي حديث آخر أيضًا عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت لقمة أحدكم فليمط ما كان بها من أذى)، كأن حربًا بينك وبين الشيطان مباشرة في بيتك، وفي مسجدك، وفي صلاتك، وعند وضع طعامك، وعند أخذ شرابك، وعند نومك، فالشيطان يحاربك لكي يمنعك من طاعة الله سبحانه ﵎، وأنت لا ترى ذلك والذي يرى ذلك هو الله سبحانه ﵎، ويعلمك على لسان النبي ﷺ أن تحذر من الشيطان فإنه واقف لك بالمرصاد فلا تضيع بركة الطعام، فإن الشيطان منتظر للقمة التي ستقع لكي يأخذها، فلا تتعود أن ترمي ما تبقى من الطعام فإن هذا فعل المتكبرين وفعل الأغنياء المترفين.\nفأنت لا تدري كيف يأتي عليك الزمان فأنت الآن واجد للطعام، لكن قد يأتي عليك زمان لا تجد هذا الشيء، وجرب هذا الأمر الذين دخلوا السجون ووضعوا لهم الأكل ليأكلوا غصبًا عنهم، وقد يؤتى لهم في اليوم برغيفين أو بثلاثة أرغفة محروقة! وقد يوضع الطعام في صحن ثم يسكب على الأرض ثم يأكلونه وهو على الأرض! فرب نفسك على الأدب الشرعي الذي علمك النبي ﷺ فلا تضيع نعمة ربنا، فأنت اليوم واجد وغدًا لا تجد، واشكر نعمة الله ﷿ عليك، فقد تكون غنيًا ثم يحال بينك وبين مالك فلا تقدر أنْ تتصرف في هذا المال.\nوبعض الصحفيين المصريين تكلموا عن اليابانيين بأنهم بخلاء جدًا، وذلك لما رأوا مجموعة من اليابانيين الذين هم من أغنى الناس في العالم، ولكن تربوا على آداب معينة، فوضع أمامهم الدجاج فأكلوها مع عظامها! فاستهزءوا بهم، فلماذا لم تتكلموا على الذي يرمي نصف الطعام في القمامة؟! فارجع لحديث النبي ﷺ فما قال لك: كل العظم، ولكن قال لك: كل الشيء الطيب وخذ على قدر ما تأكله ثلث لطعامك، وثلث لشرابك، وثلث لنفسك.\nوهذا الذي تأكله من الطعام لا ترميه ولا تضيعه ولا تبطر فيه، فكل منه ما اشتهيت، ودع منه ما لا تشتهيه، وإذا أكلت فكل بهذه الآداب التي يذكرها ﷺ.\nويقول أنس: (كان رسول الله ﷺ إذا أكل طعامًا لعق أصابعه الثلاث).\nوقال: (إذا سقطت لقمة أحدكم فليأخذها وليمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان)، ومعنى يمط أي: يزيل.\nوأمرنا أن نسلت ما تبقى في الصحن من الإدام ولا نرمه، فإما أن نأكله وإما أن نطعم غيرنا كجار محتاج أو حيوان يأكله، فلا نرم طعامًا طالما أنه صالح لأن يؤكل.","vol":"69","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-752>معنى قوله ﷺ: (ولا يدعها للشيطان)</span>\nقال ﷺ: (ولا يدعها للشيطان)، فالذي يترك الطعام الواقع منه فكأنما يترك تلك اللقمة للشيطان، وكأنه يدعو الشيطان ليأكل معه، فتضيع البركة لإنه ترك الشيطان يأكل معه.","vol":"69","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-753>معنى المنديل</span>\nوقال ﷺ: (ولا يمسح يده بالمنديل)، المنديل من المندلة والتمندل بمعنى: إزالة الوسخ، فالمنديل يعني: الشيء الذي تزيل به الوسخ عن يدك أو جسدك، فالمنديل كلمة عربية.\nقال ﷺ: (ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه البركة).\nفيأكل الطعام الذي أمامه ولا يترك منه شيئًا للشيطان إذا وقع منه، فإذا كان لم يصبه أذى أخذه فأكله، وإذا أصابه أذى أماط عنه الأذى وأكل الباقي ولا يترك منه شيئًا للشيطان فإنه لا يدري في أي طعامه البركة.\nوحديث آخر أيضًا لـ جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضره عند طعامه فإذا سقطت لقمة أحدكم فليمط ما كان بها من أذى)، كأن حربًا بينك وبين الشيطان مباشرة في بيتك، وفي مسجدك، وفي صلاتك، وعند وضع طعامك، وعند أخذ شرابك، وعند نومك فالشيطان يحاربك لكي يمنعك من طاعة الله سبحانه ﵎، وأنت لا ترى ذلك والذي يرى ذلك هو الله سبحانه ﵎، ويعلمك على لسان النبي ﷺ أن تحذر من الشيطان فإنه واقف لك بالمرصاد فلا تضيع بركة الطعام، فإن الشيطان منتظر للقمة التي ستقع لكي يأخذها.\nفلا تتعود أن ترمي ما تبقى من الطعام فإن هذا فعل المتكبرين وفعل الأغنياء المترفين.\nفأنت لا تدري كيف يأتي عليك الزمان فأنت الآن واجد للطعام، لكن قد يأتي عليك زمان فلا تجد هذا الشيء، جرب هذا الأمر في الذين دخلوا السجون ووضعوا لهم الأكل ليأكلو غصبًا عنهم، وقد يؤتى لهم في اليوم برغيفين أو بثلاث أرغفة محروقة.\nوقد يوضع الطعام في صحن ثم يسكب على الأرض ثم يأكلونه وهو على الأرض.\nفرب نفسك على الأدب الشرعي الذي علمك النبي ﷺ فلا تضيع نعمة ربنا، فأنت اليوم واجد وغدًا لا تجد، واشكر نعمة الله ﷿ عليك، فقد تكون غنيًا ثم يحال بينك وبين مالك فلا تقدر أنْ تتصرف في هذا المال.","vol":"69","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-754>عادة بعض اليابانيين في الطعام</span>\nوبعض الصحفيين المصريين الذين تكلموا عن اليابانيين بأنهم بخلاء جدًا، وذلك لما رأوا مجموعة من اليابانيين الأغنياء الذين هم من أغنى الناس في العالم، ولكن تربوا على آداب معينة فوضع أمامهم الدجاج فأكلوها مع عظامها فاستهزءوا بهم، فلماذا لم تتكلموا على الذي يرمي نصف الطعام في القمامة؟ فارجع لحديث النبي ﷺ فما قال لك كل العظم، ولكن قال لك كل الشيء الطيب وخذ على قدر ما تأكله ثلث لطعامك، وثلث لشرابك، وثلث لنفسك.\nوهذا الذي تأكله من الطعام لا ترميه ولا تضيعه ولا تبطر فيه، فكل منه ما اشتهيت، ودع منه ما لا تشتهيه، وإذا أكلت فكل بهذه الآداب التي يذكرها ﷺ.\nويقول أنس: (كان رسول الله ﷺ إذا أكل طعامًا لعق أصابعه الثلاثة).\nوقال: (إذا سقطت لقمة أحدكم فليأخذها وليمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان)، ومعنى يمط أي: يزيل.\nوأمرنا أن نسلت ما تبقى في الصحن من الإدام ولا نومه، فإما نأكله وإما نطعم غيرنا كجار محتاج أو حيوان يأكله، فلا نوم طعامًا طالما أنه صالح لأن يؤكل.","vol":"69","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-755>سؤال في حكم الوضوء مما مست النار</span>\nوقد كان الحكم الشرعي أن ما مسته النار يجب فيه الوضوء ونسخ هذا الحكم، وكان الأمر في آخر حياة النبي ﷺ عدم الوضوء مما مسته النار.\nوسأل سعيد بن الحارث جابر بن عبد الله ﵁ عن الوضوء مما مست النار فقال: قد كنا زمن النبي ﷺ لا نجد مثل ذلك الطعام إلا قليلًا، الطبيخ الذي يوضع تضعوه على النار والخبز فإذا وجدناه لم يكن لنا مناديل إلا أكفنا وسواعدنا وأقدامنا، يعني: ما كان كلهم كان معهم مناديل إلا القليل منهم، ولم يكن عندهم.\nالماء الكثير، وكانوا يستعذبون للنبي ﷺ ماء من بعض الآبار البعيده عن المدينة والتي فيها مياه عذبة طيبة، وكان يدخل إلى بستان لـ أبي طلحة ﵁ به ماء عذب يشرب منه النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nفالمياه التي يغسلوا فيها أيديهم كانت قليلة، فلم يجدوا ماء يغسلوا فيها أيديهم، فمن انتهى من الأكل لحس يده ثم مسح اليدين بعضها مع بعض أو مسح يده في المنديل، ثم يصلي ولا يتوضأ.\nفالدين يكون لجميع الناس لمن يجد ولمن لا يجد، ويعلم الجميع الاقتصاد وأداء العبادة.","vol":"69","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-756>الوضوء مما مست النار</span>\nقد كان الحكم الشرعي أن ما مسته النار يجب فيه الوضوء ونسخ هذا الحكم، وكان الأمر في آخر حياة النبي ﷺ عدم الوضوء مما مسته النار.\nوسأل سعيد بن الحارث جابر بن عبد الله ﵁ عن الوضوء مما مست النار فقال: قد كنا زمن النبي ﷺ لا نجد مثل ذلك الطعام إلا قليلًا، الطبيخ الذي يوضع تضعوه على النار والخبز فإذا وجدناه لم يكن لنا مناديل إلا أكفنا وسواعدنا وأقدامنا، يعني: ما كان كلهم كان معهم مناديل إلا القليل منهم، ولم يكن عندهم، الماء الكثير، وكانوا يستعذبون للنبي ﷺ ماء من بعض الآبار البعيدة عن المدينة والتي فيها مياه عذبة طيبة، وكان يدخل إلى بستان لـ أبي طلحة ﵁ به ماء عذب يشرب منه النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nفالمياه التي يغسلوا فيها أيديهم كانت قليلة، فلم يجدوا ماء يغسلوا فيها أيديهم، فمن انتهى من الأكل لحس يده ثم مسح اليدين بعضها مع بعض أو مسح يده في المنديل، ثم يصلي ولا يتوضأ.\nفالدين يكون لجميع الناس لمن يجد ولمن لا يجد، ويعلم الجميع الاقتصاد وأداء العبادة.","vol":"69","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-757>البركة في الطعام</span>\nمن سنة النبي ﷺ التي علمها للناس أن يأكلوا جميعًا حتى يبارك في الطعام، وقد شكا الصحابة للنبي ﷺ قلة الطعام وأنه لا يكفيهم، فقال: (لعلكم تأكلون متفرقين؟ قالوا: نعم، قال: فاجتمعوا على طعامكم يبارك لكم فيه)، فأمرهم أن يجتمعوا على الطعام حتى تنزل البركة على هذا الطعام.\nوقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [باب تكثير الأيدي على الطعام.\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة) متفق عليه.\nوعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية).\nرواه مسلم.\nفالحديثان يدلان على أن طعام الواحد يكفي الاثنين، فإذا كنت ستأكل ببطن كاملة فكل بنصف بطن واترك النصف الآخر لزميلك، وسيكفي لكما وستبيتان وأنتما لستما جائعين.\nوالثلاثة سيأكلون من طعام اثنين وما يشعروا بفرق كبير، وطعام الثلاثة كافي الأربعة.\nوفرق بين من يأكل نصف طعامه، أو ثلاثة أرباع طعامه أو ثلثي طعامه بحسب الحاجة الموجودة، فالطعام لو كان قليلًا فإن فيه بركة، فلو قل ثلثه أو نصفه فإنه سيكفيك، فعود نفسك على أن تأكل ما تجد، وإذا وجدت محتاجًا ادعه ليأكل معك فتنتفع وينتفع وما تتأثر وستأخذ ثوابًا من الله سبحانه ﵎، فالدين ما ترك شيئًا إلا وتكلم فيه ودلنا على الخير من ورائه.","vol":"69","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-758>من آداب الطعام</span>\nمن آداب الطعام أن تأكل مما يليك، فلا تأكل من أمام الذين أمامك مثلًا.\nوتسمي الله سبحانه ﵎ عند الطعام.\nومن أدب الطعام أن الإنسان لا يجمع بين فاكهتين في آن واحد، ولكن يأخذ واحدة واحدة.\nكذلك يحمد ربه في آخر الطعام، وألا يأكل حتى يمتلئ جوفه فإن هذا تعب على الإنسان.\nولعله في البداية لا يستشعر بهذا التعب وهذه أشياء تراكمية عليه، فتتراكم حتى يستشعر الإنسان بالآلام وبالتعب في المعدة أو في الاثني عشر أو في القولون أو في قلبه بسبب كثرة ما يأكل من طعام.\nفالنبي ﷺ يقول: (بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا بد فاعلًا فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه)، فثلث المعدة اجعلها لأكلك، والثلث الثاني للشراب، والثلث الثالث للنفس.\nفلو أن الإنسان ملأ معدته، فإنها تضغط على الحجاب الحاجز فيضغط على الرئة فيصعب عليه التنفس؛ فصدق رسول الله ﷺ.","vol":"69","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-759>آداب الشرب</span>","vol":"69","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-760>النهي عن التنفس في الإناء</span>\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [أدب الشرب واستحباب التنفس ثلاثًا خارج الإناء.\nعن أنس ﵁: (أن رسول الله ﷺ كان يتنفس في الشراب ثلاثًا) متفق عليه].\nيعني: في أثناء شرابه كان يتنفس خارج الإناء ثلاثًا أي: يشرب قليلًا من الماء ثم يبعد الإناء عن فمه ويتنفس، ثم يرجع الإناء مرة ثانية ويكمل شرابه ثم يتنفس خارج الإناء ثم يشرب للمرة الثالثة، فلو أنه مسك الإناء ووضعه على فمه وشربه دفعة واحدة؛ لأنه قد يكون عطشان عطشًا شديدًا، فتنفس فيه فالذي يشرب من بعده قد يتقذر منه فيمتنع من الشرب وقد يكون الماء قليلًا، وقد يكون الإنسان في سفر مع أناس ومعه ماء قليل فيجب عليه أن يسقيهم إذا كانوا عطشى لئلا يموتوا من العطش.\nفعلمك النبي ﷺ أن لا تقذر الناس في الشرب، فلا تتنفس في الإناء حتى لا تؤذي غيرك بهذا الذي فعلته.\nوهذا أدب طبي عظيم جدًا أنك لا تتنفس في الإناء، فإن نفس الإنسان قد يكون فيه جراثيم عظيمة تؤذي غيره، وقد لا تكون تؤذيه، وقد يكون حاملًا لمرض من الأمراض غير متأثر به، فإذا نزل في الإناء شرب غيره فتأثر غيره بهذا الشيء لضعف مناعته.","vol":"69","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-761>النهي عن شرب الماء دفعة واحدة</span>\nعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تشربوا واحدًا كشرب البعير ولكن اشربوا مثنى وثلاث، وسموا إذا أنتم شربتم، واحمدوا إذا أنتم رفعتم) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن أي: لا تتشبه بالجمل فإنه يشرب مرة واحدة، ولكن اشرب مثنى وثلاث، يعني: على مرتين أو على ثلاث مرات.\nوسم الله سبحانه ﵎ عند الشرب فقل: باسم الله.\nوالحديث إسناده ضعيف ولكن معناه صحيح كما في الأحاديث الأخرى عنه ﷺ الذي فيها الأمر بتسمية الله ﷿ عند البدء في الطعام وغيره، كذلك الحمد عند الانتهاء منه.\nوعن أبي قتادة ﵁: (أن النبي ﷺ نهى أن يتنفس في الإناء) متفق عليه.\nفالنبي ﷺ نهى أن يتنفس في الإناء حتى لا يقذر الماء، وأحيانًا بعض الناس تكون رائحة فمه غير طيبة خلقة، أو بمرض موجود في فمه أو في رئتيه ونحو ذلك، فإذا تنفس في الإناء فغيره يشرب فيشم رائحة قذرة فيفضل أنه يبقى عطشان ولا يشرب أبدًا.","vol":"69","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-762>البدء بالأيمن فالأيمن عند سقي القوم</span>\nعن أنس ﵁: (أن رسول الله ﷺ أتي بلبن قد شيب بماء، وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر ﵁، فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال: الأيمن فالأيمن) متفق عليه.\nاللبن كان قليلًا فزيد عليه ماء، إما لقلة اللبن أو لتبريده وخلط اللبن بالماء جائز للشرب والتهادي وليس للبيع.\nوجلس عن يمين النبي ﷺ أعرابي وعن شماله أبو بكر الصديق، ولا شك أن أبا بكر الصديق أفضل من الأعرابي ومن كل الخلق إلا النبي ﷺ، ومع ذلك لم يعط النبي ﷺ هذا اللبن لـ أبي بكر لأنه عن شماله، فالأدب إذا كان معك شيء وتريد أن تهديه لشخصين فابدأ بمن عن يمينك ثم بمن عن شمالك.","vol":"69","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-763>التبرك بآثار النبي ﷺ</span>\nعن سهل بن سعد ﵁: (أن رسول الله ﷺ أتي بشراب، فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ، فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟)، هذا الغلام هو ابن عباس رضي الله ﵎ عنه، كان عن يمين النبي ﷺ، وعن شماله الأشياخ كـ أبي بكر وغيره من كبار الصحابة.\nفيعلمنا أدبًا آخر وهو: أنه إذا كان على اليمين طفل صغير فليعط الذي عن الشمال بعد ما يستأذن هذا الصغير، والأفضل للطفل الصغير أن يقدم الكبار على نفسه ليعتاد احترام الكبار.\nولكن ابن عباس لم يفعل ذلك لعلة أخرى وهو أنه يريد أن يتبرك بأثر النبي ﷺ.\nفرفضه لذلك ليس من عدم إجلاله لـ أبي بكر وغيره، ولكن ليتبرك بأثر فم النبي ﷺ في هذا الإناء.\nوهذا بركة دعوة النبي ﷺ لـ عبد الله بن عباس: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)، فكان فقيهًا ﵁ وعنده فهم وعلم وحكمة ﵁، وهذا من أثر النبي ﷺ ولهذا قال رضي الله ﵎ عنه: (لا والله! لا أوثر بنصيبي منك أحدًا).\nوالمفهوم من هذا الأثر عن ابن عباس: أنه لو كان هذا من غيرك فلا بأس بالإيثار، قال: (فتله رسول الله ﷺ في يده) أي: وضعه في يده.\nفإذا أردت أن تشرب فافعل ما فعله النبي ﷺ، فسم الله تعالى في بداية الشرب وإذا انتهيت من طعامك أو من شرابك فاحمد الله سبحانه ﵎، والله يرضى عن عبده إذا حمده على الطعام وعلى الشراب.\nبل إنه إذا أنعم عليك نعمة فحمدت الله سبحانه وشكرته على هذه النعمة كان حمدك له وشكرك له أحب إليه من هذه النعمة التي أعطاك، فيدعك على ذلك الفضل ويحب منك ذلك ويجعل لك ذلك ذخرًا.\nنسأل الله ﷿ أن يعلمنا ديننا، وأن يفقهنا فيه، وأن يجعلنا نقتدي بالنبي صلوات الله وسلامه عليه.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"69","page":18},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-764> من (كراهة الشرب من فم القربة ونحوها) إلى (النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة)</span>\nوضح شرعنا الحنيف جملة من الآداب التي تواجه الفرد المسلم في حياته اليومية، ومنها: آداب الأكل والشرب، والنهي عن الشرب من فم القربة ونحوها، والنهي عن النفخ في الشرب؛ حتى لا يؤذي الإنسان غيره بنفسه، ومنها: الجلوس أثناء الشرب والأكل، وعدم استخدام أواني الذهب والفضة فيهما.","vol":"70","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-765>حكم الشرب من فم القربة ونحوها</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب كراهة الشرب من فم القربة ونحوها، وبيان أنه كراهة تنزيه لا تحريم.\nعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن اختناث الأسقية يعني: أن تكسر أفواهها، ويشرب منها) متفق عليه.\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يشرب من فيّ السقاء أو القربة) متفق عليه.\nوعن أم ثابت كبشة بنت ثابت أخت حسان بن ثابت ﵁ وعنها قالت: (دخل علي رسول الله ﷺ فشرب من في قربة معلقة قائمة، فقمت إلى فيها فقطعته) رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح].\nهذا باب يذكره الإمام النووي من أبواب الآداب في الطعام والشراب، وذكر هنا كراهة الشرب من فم القربة ونحوها، والقربة سقاء يكون من جلد، يملؤه صاحبه بماء كثير، وقد تكفي القربة أيامًا يشرب منها.\nفلو أن الناس تعودوا على الشرب من فم القربة وهي ستمكث معهم أيامًا فإن رائحة النفس ستكون بداخلها مما يؤذي بعضهم بعضًا بذلك.\nفنهانا النبي ﷺ من هذا الأمر، وأرشد إلى إفراغ الماء المطلوب من القربة على شيء آخر ثم الشرب من هذا الشيء الآخر.\nويمكن أن تكون هناك حكمة أخرى وهي أن الشارب من في السقاء يمكن أن يؤذي نفسه بأن يرفع السقاء وهو كبير إلى فيه فينزل الماء متدفقًا على وجهه وفيه وأنفه مما يؤدي به إلى أن يغص نفسه بالماء، فينهاك الشارع لهذه العلة أيضًا.\nأمر آخر وهو أن أحد أصحاب النبي ﷺ شرب من فم القربة فنزلت حية إلى فمه، وكأن القربة ما كانت مربوطة بإحكام مما أدى إلى دخول الحية فيها، فنهاهم النبي ﷺ عن الشرب من فم القربة.\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن اختناث الأسقية)، الأسقية: جمع سقاء، وهي القرب والأوعية التي يوضع فيها الماء، وتكون متخذة من الجلد غالبًا.\nومعنى: (اختناث الأسقية) أي: أن تكسر أفواهها ويشرب منها.\nوهذا الحكم يجري كذلك في كل إناء كبير يوضع فيه الماء.\nواكتشف حديثًا في الأبحاث الطبية أن على فم الإنسان آلاف بل ملايين من أنواع الجراثيم، فلو أن إنسانًا فيه مرض معين في فمه، أو معدته، أو أمعائه، ثم صعد ميكروب إلى فمه، فلعله إن شرب من في السقاء ينزل الميكروب في هذا فيؤذي غيره، ولعله يكون حاملًا للمرض فقط، وما يكون هذا الإنسان مريضًا به، فعندما يشرب من فم القربة ينتقل هذا المرض لغيره، مما يؤدي إلى إيذاء أناس كثيرين بهذا الشيء؛ فلذلك النبي ﷺ نهى عن ذلك.\nولكن قد يحتاج الإنسان إلى الشرب من فم السقاء، أو قد يكون الماء في القربة قليلًا فيشربه كاملًا من فم القربة، فعند ذلك لا بأس بهذا الأمر، ولذلك فعلها النبي ﷺ مرة.\nوقول أبي هريرة: (نهى رسول الله ﷺ أن يشرب من في السقاء) أي: من فم السقاء، فكلمة في بمعنى: فم.\nوقوله: (من في السقاء أو القربة) القربة هي السقاء.","vol":"70","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-766>كراهة الشرب من فم القربة وكراهة الشرب قائمًا</span>\nعن أم ثابت واسمها كبشة بنت ثابت أخت حسان بن ثابت، شاعر النبي ﷺ قالت: (دخل علي رسول الله ﷺ فشرب من في قربة معلقة قائمًا)، وهذه الصحابية بينت أن النبي ﷺ شرب من فم القربة وكأن القربة، كان فيها ماء قليل فشرب النبي ﷺ منها، أو ليبين أن النهي عن ذلك مع عدم الحاجة إليه، ومع الحاجة إليه إنما هو للتنزيه لا للتحريم.\nولذلك الإمام النووي قال تفقهًا: بيان أنه كراهة تنزيه لا تحريم، يعني: المنع بقولنا: نهى النبي ﷺ، الأصل فيه أنه على التحريم، لكن كونه نهى عنه وفعله ﷺ دل على صرف هذا النهي من التحريم إلى الكراهة فقط.\nوهنا شرب النبي ﷺ من فم القربة وهو قائم ﵊.\nفدل على أن الأحاديث التي جاءت في النهي عن الشرب من فم السقاء إنما هي للكراهة فقط، ومثله النهي عن الشرب قائمًا فهو للكراهة أيضًا.\nقالت: (فقمت إلى فيها فقطعته) وهي إنما فعلت ذلك لأن أثر فم النبي ﷺ كان على تلك القربة، فهي تريد أن تحتفظ بهذا الشيء لنفسها فقط، فقطعت فم القربة حتى يبقى أثر النبي ﷺ معها فتشرب منه كلما أرادت الشرب، ولتحظى من ذلك ببركة من أثر النبي ﷺ، وذكرنا قبل ذلك أنه يجوز التبرك بآثار النبي صلوات الله وسلامه عليه، والراجح في ذلك أنه لا يلحق به غيره، فلا يقاس على النبي ﷺ غيره في ذلك.\nيقول النووي ﵀: [إنما قطعتها لتحفظ موضع فم رسول الله ﷺ، وتتبرك بها، وتصونه عن الابتذال] يعني: أن تصون هذا الموضع من احتمال وقوعه على الأرض ووطئه بالأقدام، وهذا نوع من أنواع إكرامها للنبي ﷺ.\nيقول النووي ﵀: [هذا الحديث محمول على بيان الجواز] أي: محمول على بيان جواز الشرب من فم القربة إن احتاج إلى ذلك، أو الشرب قائمًا إن احتاج إلى ذلك.","vol":"70","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-767>حكم النفخ في الشراب</span>\nذكر المصنف باب كراهة النفخ في الشراب، سواء كان الإنسان وحده أم مع جماعة؛ وذلك حتى لا يعتاد الشخص على النفخ، فإن كان الشراب ساخنًا فإنه ينتظر برده ثم يشربه.\nعن أبي سعيد الخدري ﵁ (أن النبي ﷺ نهى عن النفخ في الشراب، فقال رجل: القذاة أراها في الإناء) أي: يريد الشخص أن يستفسر عن حكم النفخ عند وجود علة أو ضرورة على الإناء، كأن تكون عليه عشبة أو قذى معين، فهنا يرشده النبي ﵌ إلى عدم النفخ حتى لو أدى الأمر إلى صب الشراب كاملًا، ولذلك قال له النبي ﷺ: (أهرقها) أي: أرقها وصبها.\nوالقصد من ذلك الخوف على الإنسان من أن يعتاد على النفخ في الإناء، فينفخ فيه وهو بحضرة جماعة فيؤدي إلى تأذيهم من هذا العمل واستقذارهم له، فيتركون الأكل والشرب لذلك، فيكون بهذا قد أدى إلى الإضرار بالناس؛ ولهذا نهي عن هذا العمل.\nيسأل الرجل النبي ﷺ مرة أخرى فيقول: (إني لا أروى من نفس واحد)، يريد بذلك أن يتعلل للتنفس في الإناء، وكأنه يقول: إني إذا شربت من الإناء لا أستطيع أن أشرب بنفس واحد، بل أحتاج إلى التنفس في الإناء، فقال له النبي ﷺ: (فأبن القدح إذًا عن فيك) أي: إذا أردت أن تتنفس فأبعد القدح عن فمك، وهذا محمول على الشرب الكثير، وإلا فمن الممكن أن يشرب الإنسان ماءً قليلًا ولا يحتاج معه إلى التنفس.\nوعن ابن عباس ﵄ (أن النبي ﷺ نهى أن يتنفس في الإناء أو أن ينفخ فيه)، وهذا الحديث راجع إلى نفس المعاني السابقة، من النهي عن التنفس في الإناء أو النفخ فيه في كل حالة من الأحوال.","vol":"70","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-768>حكم الشرب والأكل قائمًا</span>\nذكر المؤلف باب جواز الشرب قائمًا، وبيان أن الأكمل والأفضل الشرب قاعدًا.\nقد مر حديث سابق معنا في جواز الشرب قائمًا وهو حديث أم ثابت حيث ذكرت (أن النبي ﷺ شرب عندها وهو قائم ﵊).\nوهنا حديث لـ ابن عباس ﵄ قال: (سقيت النبي ﷺ من زمزم فشرب وهو قائم) ﵊.\nوفيه أن النبي ﷺ جاء عند بئر زمزم وشرب وهو قائم ﵊ مما يدل على الجواز؛ لأنه لن يفعل الشيء المحرم ﵊.\nوحديث آخر للنزال بن سبرة ﵁ قال: (أتى علي ﵁ باب الرحبة فشرب قائمًا)، والرحبة: موضع في الكوفة.\nفـ علي بن أبي طالب لما وجد أن النبي ﷺ فعل ذلك ليدل على الجواز، شرب هو أيضًا في الكوفة ﵁، وقال: (إني رأيت رسول الله ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت)، الحديث في البخاري والذي قبله في الصحيحين.\nوعن ابن عمر ﵄ قال: (كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام)، الحديث رواه الترمذي، وإسناده حسن أو قريب من ذلك، وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوهذا محمول على الحاجة لا على السبيل العادة لهم؛ إذ لا يعقل أنهم كانوا لا يأكلون إلا وهم ماشون في الطريق، وإنما الأمر محمول على سبيل الحاجة كما قلنا، كأن يكونوا في جهاد، أو استعجال من أمرهم، فيضطرون إلى الأكل وهم يمشون.\nوقوله: (ونشرب ونحن قيام) يعني: إذا احتجنا إلى ذلك.\nعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائمًا وقاعدًا)، لكن كان أكثر أحواله ﷺ الشرب قاعدًا ﵊، والحديث رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.\nوقد ذكر المصنف ﵀ في هذا الباب جملة أحاديث، بعضها في إسناده شيء، لكن يشهد بعضها لبعض أنه شرب وهو قائم.\nوفي حديث لـ أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه (نهى أن يشرب الرجل قائمًا)، وهذا نهي منه ﷺ، وبدأ الإمام النووي بتقديم أحاديث شربه قائمًا ﷺ؛ حتى لا يظن أن النهي على التحريم.\nفقال هنا: (نهى النبي ﷺ أن يشرب الرجل قائمًا.\nقال قتادة: فقلنا لأنس: فالأكل؟ قال: ذلك أشر أو أخبث)، هذا في صحيح مسلم.\nوالذي قال ذلك هو أنس بن مالك ﵁، وأنس هو خادم النبي ﷺ، وله اختصاص بخدمة النبي ﷺ ورؤيته ﷺ كثيرًا؛ لأنه خادمه منذ أن قدم النبي المدينة إلى أن توفي ﷺ، فخدمه وعمره عشر سنوات إلى أن بلغ عمره عشرين سنة وهو يخدم النبي ﷺ في المدينة، فهو رأى النبي ﷺ يجلس عندما يشرب أو يأكل ﵊، وهو روى أن النبي ﷺ نهى عن الشرب قائمًا، فقيل له: والأكل قائمًا؟ فقال تفقهًا: (ذاك شر وأخبث)، فهذا من قول أنس وليس من قول النبي ﷺ.\nوفي رواية: (زجر -بمعنى نهى- النبي ﷺ عن الشرب قائمًا).\nحديث آخر في صحيح مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يشربن أحد منكم قائمًا، فمن نسي فليستقئ) رواه مسلم.\nوهذا الحديث فيه النهي عن الشرب قائمًا، وفيه أيضًا شيء من التعزير وهو أنك إذا نسيت وفعلت هذا الشيء فاستقئ، وليس محمولًا على الوجوب، ولكنه كنوع من التأديب حتى يعود الإنسان نفسه على أدب الشرب قاعدًا، وكذلك علماء الطب يقولون: إن الشرب قاعدًا أفضل من الشرب قائمًا، قالوا: لأن الإنسان إذا شرب قاعدًا نزل الشراب من فمه نزولًا خفيفًا هينًا، أما إذا كان قائمًا فإنه ينزل متدفقًا ومندفعًا نحو المعدة.\nأضف إلى ذلك أنه إن كان التخيير للإنسان في الشرب قائمًا أو قاعدًا إلا أنه يقال لك: لا تشرب وأنت واقف.\nوإن كان الأطباء في الماضي يقولون: يستوي فعل هذا وهذا.\nوذلك نظير ما كانوا يجهلونه من الطب.\nولقد كان يقال سنة ألف وتسعمائة ونيف وخمسين: ليس على الإنسان حرج في جماع المرأة وهي حائض، وإنما النهي عنه موجود في الشرائع السماوية فقط، أما طبيًا فليس فيه شيء! وهذا دليل على جهلهم، حيث قد نهانا الله ﷿ عن ذلك فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢].\nوتمر خمسون سنة على هذا الأمر ثم يغير الأطباء قولهم، حيث يكتشفون أن دم الحيض دم متعفن، وأنه مليء بالميكروبات، فلو جامع الرجل امرأته في هذا الحال لتأذى الرجل يقينًا بهذه الميكروبات الموجودة في هذا الدم، حيث تدخل إليه عبر القضيب فضلًا عن أن المرأة تتأذى بهذا الشيء أيضًا؛ لأنها إذا جومعت وقت حيضها وكان منها اندفاع أدى ذلك إلى زيادة في ضغط الدم؛ لأجل أن يخرج هذا منها، فيؤدي إلى طروء التهابات في أعضائها، فتتأذى من الرجل إذا جامعها وهي على هذه الحال.\nوأحيانًا تكون هناك بعض الميكروبات موجودة في المرأة وهي ساكنة، وبسبب جماع المرأة تنشط هذه الميكروبات فتؤذي المرأة وتظهر أثرها عليها.\nفهذه أبحاث جديدة اكتشفوا بعد فترة من جهلهم، فكانوا لا يعرفون شيئًا عنها! فالنبي ﷺ لا يأمرنا بشيء إلا وفيه الخير لنا، ولا ينهانا عن شيء إلا وفيه الشر لنا.\nولذلك نهانا النبي ﷺ عن الشرب قائمين في حالة الاختيار، وأرشدنا إلى جواز ذلك حالة الحاجة والضرورة، كما فعل النبي ﷺ ذلك عند زمزم، وعند أم ثابت حيث شرب وهو قائم ﷺ.\nولذلك كان النبي ﷺ يؤدب المسلم ويربيه على ذلك، حتى يعود نفسه عليه.\nولقد كان يؤدب أصحابه أحيانًا ببعض العقوبات عليهم، ومن ذلك الأمر بإهراق الشراب إذا حل فيه قذى، فهو ليس محمولًا على الوجوب، وإنما هو أمر إرشاد منه وتأديب للرجل.\nومن ذلك أيضًا وجد أصحابه مرة قد طبخوا القدور وفيها لحم الحمير، فقال لهم النبي ﷺ: (أهرقوها واكسروا آنيتكم) أي: صبوا اللحم ومرقه، واكسروا الأواني التي طبختم بها، (قالوا: أو نغسلها؟ قال: اغسلوها).\nفنلاحظ هنا أن الأمر الأول بكسر هذه الآنية محمول على الإرشاد والتأديب لهم، وإلا فلو كان أمرًا واجبًا لأصر على ذلك، ولكنه أراد تأديب أصحابه فعمد إلى هذه العقوبة التعزيرية.","vol":"70","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-769>ما يستحب لساقي القوم</span>\nيقول أبو قتادة ﵁ عن النبي ﷺ: (ساقي القوم آخرهم شربًا) وكان يفعل ذلك النبي ﷺ، إذ كانوا يأتونه بلبن ﷺ فيعطي أصحابه إلى أن يشرب الجميع، ثم يبقى الفضل فيشرب هو صلوات الله وسلامه عليه منها.\nفعلى الإنسان أن يعود نفسه على الشرب آخر الناس إن كان هو ساقيهم؛ وذلك حتى لا يساء فيه الظن ويتهم بالطمع، وحتى لا يؤدي ذلك إلى جشعه أيضًا، بأن يشرب في أول أمره مرة فإذا اعتاد شرب مرات ومرات، فتتكون لديه صفة الجشع والطمع، وهذا هو الأدب الذي يسميه غير المسلمين (الإتيكيت)، وهو أدب قد سبقهم الإسلام إليه قبل مئات السنين.","vol":"70","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-770>ما يجوز استعماله من الأواني وما يحرم</span>\nذكر المصنف باب جواز الشرب من جميع الأواني الطاهرة غير الذهب والفضة، وجواز الكرع: وهو الشرب بالفم من النهر وغيره، بغير إناء ولا يد، وتحريم استعمال إناء الذهب والفضة في الشرب والأكل والطهارة وسائر وجوه الاستعمال.\nجاء في الصحيحين من حديث أنس ﵁ قال: (حضرت الصلاة فقام من كان قريب الدار إلى أهله، وبقي قوم، فأتي رسول الله ﷺ بمخضب من حجارة)، فالناس كانوا موجودين مع النبي ﷺ، ولما حضرت الصلاة قام من كان قريب الدار إلى أهله ليتوضأ، إذ لم تكن لديهم في ذاك الزمان دورات للمياه، بل كان الصحابة يجلسون مع النبي ﷺ ليعلمهم ويؤدبهم ﵊، فلما قرب وقت الصلاة، قاموا من عنده ﵌ ليتوضئوا، ثم يرجعون للصلاة مع النبي ﷺ.\nوبقي قوم معه ﷺ (فأتي رسول الله ﷺ بمخضب من حجارة)، والمخضب يطلق على الإناء المصنوع من الحجر، فأوانيهم كانت تصنع إما من الحجر أو النحاس ونحو ذلك.\nقال: (فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه) ﵊، والمعنى: أنهم أتوا له بإناء من حجر صغير الحجم، عجزت كف النبي ﷺ أن تدخل فيه.\nقال: (صغر المخضب أن يبسط فيه كفه، فتوضأ القوم كلهم)، وهذا بركة من بركات النبي صلوات الله وسلامه عليه، حيث كان القاعدون معه ﷺ يريدون أن يتوضئوا من ذلك الإناء، والإناء صغير لا يكفي لأكثر من واحد، ومع ذلك توضئوا منه جميعهم.\nقال: (قالوا: كم كنتم؟) يسألون أنس: (كم كنتم؟ قال: ثمانين وزيادة) أي: كانوا ثمانين رجل توضئوا من إناء لا يكفي إلا أن يتوضأ منه واحد، وهذه بركة من بركات ربنا سبحانه جعلها في وضوء النبي ﷺ وإنائه.\nوالشاهد من الحديث: أنه يجوز الوضوء في أي إناء من الأواني: كما يجوز استعماله في الأكل أو الشرب إلا أن يكون من ذهب أو فضة فذلك ممنوع.\nوفي رواية له ولـ مسلم (أن النبي ﷺ دعا بإناء من ماء، فأتي بقدح رحراح فيه شيء من ماء)، أي: قدح متوسط، ليس بالكبير ولا بالصغير، ولكن فيه ماء قليل.\nوذكر في الحديث السابق أنه لا يكفي النبي ﷺ أن يضع فيه كفه ويبسطها فيه ﵊.\nقال في رواية مسلم هنا: (فيه شيء من ماء، فوضع أصابعه فيه.\nقال أنس: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه) ﵊، وليست بأول بركاته، بل بركاته عظيمة ﵊، وآيات معجزاته التي جعلها الله ﷿ له ومعه آيات عظيمة جدًا ﵊.\nقال: (فحزرت من توضأ؟) أي: خمنت عدد المتوضئين منه (ما بين السبعين إلى الثمانين).\nحديث آخر في صحيح البخاري عن عبد الله بن زيد ﵁، قال: (أتانا النبي ﷺ فأخرجنا له ماءً في تور من صفر فتوضأ)، أي: أخرجوا له إناء من صفر أي: من نحاس، فتوضأ منه ﷺ، وهذا يدل على جواز الوضوء من الأواني الطاهرة، والأكل والشرب فيها، إلا أواني الذهب والفضة.","vol":"70","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-771>بيان حكم الكرع ومعناه</span>\nروى البخاري عن جابر ﵁ (أن رسول الله ﷺ دخل على رجل من الأنصار ومعه صاحب له، فقال رسول الله ﷺ: إن كان عندك ماء بات هذه الليلة في شنة وإلا كرعنا) رواه البخاري.\nوالشنة: هي القربة، والمعنى: أن النبي ﵌ يحب أن يكون الماء بايتًا في القربة، ومعلوم أنك إن ملأت قربة من الماء وتركتها إلى أن تبيت، فإن كان الماء متعكرًا بالتراب فسيصفى وينقى، حيث ينزل التراب إلى أسفل القربة، أما إذا ملئت القربة قريبًا ولم يبت الماء فيها فسيبقى فيها أثر التعكر بالتراب، وهذا هو مقصد النبي ﵌.\nوقوله: (وإلا كرعنا)، وهذه وإن كان ليست عادة النبي ﷺ إلا كأن ذلك كان مراعاة للحال، حيث لم يجد عند الرجل شيئًا أمامه، وكأنه وجد ماء في إناء كبير ومرتفع، ولم يجد كيزانًا ليشرب، ولعل يده كانت متسخة أو فيها قذى معين، فيلجأ إلى الكرع: وهو أخذ الماء بفمه من ذلك الإناء.\nويحتمل أن يكون قال ذلك تواضعًا منه ﵌، وكأنه يقول لصاحب الدار: إنا لن نثقل عليك، ولن نكلفك بأن تشتري لنا كيزانًا، أو تأتي بها من جيرانك، بل إذا لزم الأمر سنكرع من هذا الإناء كرعًا، وفيه دلالة على أدب النبي ﷺ وتواضعه الجم.","vol":"70","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-772>حكم استعمال الحرير والديباج والذهب والفضة</span>\nعن حذيفة ﵁ قال: إن النبي ﷺ نهانا عن الحرير والديباج، والشرب في آنية الذهب والفضة وقال: (هي لهم في الدنيا، وهي لكم في الآخرة) متفق عليه.\nوالحرير: هو ما كان ثوبًا خالصًا من حرير، فإن كان الحرير رقيقًا سمي بالسندس، وإن كان غليظًا سمي بالإستبرق، وقد يكون مخلوطًا بغيره فيسمى بالديباج، وذلك كأن يكون الثوب الحرير فيه بعض الصوف، إلا أن الغالب عليه أنه حرير.\nفالنبي ﷺ نهى الرجل أن يلبس ثوبًا خالصًا من حرير، أو ثوبًا أكثره حرير.\nويجوز أن تكون بعض الخيوط في الثوب الذي تلبسه حريرًا، لكن بمقدار أصبع أو أصبعين، أو ثلاث أو أربع كأقصى حد، فقد رخص فيه النبي ﷺ.\nفقال: (نهانا النبي ﷺ عن الحرير والديباج، والشرب في آنية الذهب والفضة) أي: لا يجوز لك أن تشرب أو تأكل في آنية الذهب والفضة؛ لأنه لا يفعل ذلك إلا المستكبرون، وأنت عبد مؤمن متواضع لله ﷿، ومن فعل ذلك فقد حرمه الله ﷿ من الجنة، وكان مصيره إلى النار، فلا تفعل هذا الشيء، فيكون مصيرك النار.\nقال: (هي لهم في الدنيا) أي: الكفار في الدنيا يستخدمونها ويستكبرون بها، أما أنتم فهي لكم في الجنة، ومن ذا الذي يضيع الجنة بأن يأخذ حظه في الدنيا، فيبدل الشيء العظيم بالشيء التافه الحقير الذي لا قيمة له؟ قال ﷺ: (هي لهم في الدنيا، وهي لكم في الآخرة).\nفإذًا: لا يجوز للإنسان أن يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة، فإن كانت أواني الذهب والفضة محرمة في العبادة حيث لا يجوز للإنسان أن يتوضأ من إناء ذهب أو فضة، فهذا من باب أولى في النهي عنه.\nعن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) متفق عليه.\nوفي رواية لـ مسلم: (إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب إنما يجرجر في بطنه نار جهنم)، والمعنى: كأن من يشرب في إناء الذهب والفضة يعجل على نفسه نار جهنم والعياذ بالله.\nومن هذا الحديث نعرف لم قذف حذيفة دهقان الفرس بإناء الذهب أو الفضة، وذلك أن حذيفة ﵁ عطش ذات مرة وكان أميرًا في المدائن ﵁، فطلب ماءً فإذا بالدهقان يأتي له بإناء من ذهب أو فضة فيه ماء، فأخذه وقذفه به؛ وذلك لأن هذا الرجل عرف نهي النبي ﷺ، ولكنه كان يستهين بهذا النهي، ولذلك التفت لمن معه وقال: أما إني لو لم أنهه مرة ولا مرتين ولا ثلاثة، يعني: أنا نهيته كذا مرة، إلا أنه متعمد لمخالفة ما قاله النبي ﷺ، فاستحق أن يقذفه بهذا الإناء ليؤدبه، والله أعلم.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"70","page":9},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-773> استحباب الثوب الأبيض واستحباب القميص وصفة طوله</span>\nما ترك النبي ﵊ شيئًا ينفعنا إلا وعلمنا إياه، ولا شيئًا يضرنا إلا حذرنا منه، حتى في أمور اللباس، فقد رغب في لبس الثوب الأبيض، وبين جواز لبس جميع أنواع الثياب من القطن والكتان والصوف، وحرم لبس الحرير للرجال دون النساء.","vol":"71","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-774>استحباب الثوب الأبيض</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [كتاب اللباس.\nباب: استحباب الثوب الأبيض وجواز الأحمر والأخضر والأصفر والأسود، وجوازه من قطن وكتان وشعر وصوف وغيرها إلا الحرير.\nقال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦].\nوقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل:٨١].\nوعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\nوعن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (البسوا البياض فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم) رواه النسائي والحاكم وقال: صحيح.\nوعن البراء ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ مربوعًا، ولقد رأيته في حلة حمراء ما رأيت شيئًا قط أحسن منه) متفق عليه].\nهذا كتاب آخر من كتب رياض الصالحين للإمام النووي ﵀، ويتكلم فيه عن اللباس، بعدما تكلم عن آداب الطعام والشراب يتكلم هنا عن الثياب التي يلبسها الإنسان، والأدب في ذلك.\nقال في الباب الأول: استحباب الثوب الأبيض وجواز الأحمر، والأخضر، والأصفر، والأسود.\nالمعنى: أن أي لون من ألوان الثياب جائز، سواء للرجال أو للنساء، والمستحب الثوب الأبيض، وغيره جائز.\nقال: وجوازه من قطن وكتان وشعر وصوف، يعني: أي نوع من الأنواع إلا أن يكون محرمًا مثل الحرير يحرم على الرجال، فلا يجوز للرجل أن يلبس ثوب حرير.\nوالأدلة على ذلك: قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف:٢٦]، الله ﷿ أنزل على العباد ما يلبسونه، والله سبحانه ﵎ خلق لهم ذلك، فجعل لهم ثمانية أزواج من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، وذكر أننا نستفيد من هذه الأشياء فنأخذ من أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثًا ومتاعًا إلى حين، فالله ﷿ أنزل ذلك وخلقه في الأرض للناس لينتفعوا به.\nفالإنزال من عند الله سبحانه ﵎، ومجيء الخير من عنده، وهو الذي خلق الإنسان، وهو الذي رزقه سبحانه ﵎، ينزل المطر من السماء على الأرض، فيخرج منها الزرع للإنسان من كتان، ومن قطن ونحوهما، أنزل الله من السماء مطرًا فأخرج الله ﷿ به النبات للعباد، فكان منه ثياب العباد: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف:٢٦]، الريش والرياش الثياب التي يتجمل بها الإنسان، فقد يواري سوأته بثوب يكون قبيحًا، ولكن الثوب الجميل الذي يتزين به الإنسان هو الريش.\nقال: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦] يعني: من وراء ذلك ما هو خير لكم وأفضل لكم مع كونكم تنتفعون بذلك، فلا تنسوا أن الله ﷿ قد أعطاكم ما هو خير وأفضل لكم من ذلك، وهو أن تتجملوا بلباس التقوى فهو زادكم كما قال: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧]، وهو لباسكم الذي تتجملون به، فالإنسان زاده طعامه وشرابه وتقوى الله سبحانه ﵎، وإذا عمر ظاهره وباطنه بتقوى لله ﷿ حصل خير مقصود له، وهو جنة الله سبحانه، وإنما ينالها من اتقى الله سبحانه ﵎ كما قال الله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ [النبأ:٣١ - ٣٢]، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر:٥٤]، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الحجر:٤٥]، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ [الطور:١٧]؛ فنالوا بتقواهم جنات رب العالمين نسأل الله ﷿ أن يجعلنا من أهلها.\nوقال سبحانه: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ﴾ [النحل:٨١] سرابيل: قمص تلبسونها، يلبس الإنسان هذا السربال ويتسربل به الإنسان، ويلبس العباية ويتسربل بها الإنسان.\nقال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل:٨١] في الصيف تلبسون ثيابًا تقيكم الحر، وفي الشتاء تلبسون ثيابًا تقيكم البرد، وتلبسون ثيابًا تقيكم بأسكم يعني: تقيكم من أعدائكم، وهو لبس الزرود ولبس الدروع، ولبس الخوذات.","vol":"71","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-775>شرح حديث: (البسوا من ثيابكم البياض)</span>\nعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم).\nهذا الحديث جاء عن ابن عباس وجاء عن سمرة ﵄، وفيه أن النبي ﷺ ذكر اللون الأبيض من الثياب قال: (البسوا البياض) واللون الأبيض فيه جمال، وفيه طهارة، حيث إن الثوب الأبيض إذا كان عليه شيء من تراب أو من وسخ أو من نجاسة تظهر فيه، ولذلك عندما تدعو تقول: (اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس) يعني: لا تترك علي خطيئة لا ظاهرة ولا باطنة، حتى لا يكون علي شيء منها يوم القيامة، والثوب الأسود قد يغسله الإنسان وعليه بعض الكدرات فلا تظهر عليه، فيغسل أدنى غسل ويتنظف الثوب، أما الثوب الأبيض فلا بد أن تغسله جدًا من أجل ما يبقى عليه أي أثر من الدرن أو الوسخ.\nقال: (البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم) من السنة تكفين الميت بالكفن الأبيض، ولبس الحي للثوب الأبيض، وعلل الأمر بلبس البياض فقال: (فإنها أطهر وأطيب)، فالثوب الأبيض أطهر للإنسان، فإذا وقع فيه شيء من الوسخ يبدو له فيغسله بسرعة، فهو أطهر وأطيب للإنسان، كما أنه لون جميل.\nقال: (وكفنوا فيها موتاكم) الأمر هنا: للرجال والنساء.","vol":"71","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-776>شرح حديث: (كان رسول الله مربوعًا)</span>\nعن البراء ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ مربوعًا) المربوع الوسط، لا هو طويل طولًا بائنًا، ولا قصيرًا قصرًا بائنًا، لكنه كان وسطًا وإلى الطول أقرب ﵊.\nوكان النبي ﷺ إذا مشى مع أصحابه ومنهم الطويل ومنهم القصير، فالناظر إليهم لا يجد أحدًا يصل إلى النبي ﷺ، فقد كان ربعة من الرجال ومع ذلك كان إذا مشى مع إنسان طويل فكأن النبي ﷺ أطول من هذا الذي يمشي معه ﵊! قال: (ولقد رأيته في حلة حمراء ما رأيت شيئًا قط أحسن منه) كان أجمل الخلق عليه الصلاة السلام، فنظر إليه البراء بن عازب وهو لابس حلة حمراء، قال بعض العلماء: يعني: كلها حمراء، وقال الإمام ابن القيم ﵀: فيها لون غير الأحمر؛ لأنه يرى أن لبس الرجل للون الأحمر ممنوع منه، ويحرم على الرجل أن يلبس الثوب الأحمر القاني الذي ليس معه لون آخر.\nودليل ابن القيم ﵀ على ذلك: أن النبي ﷺ: (نهى عن المعصفر من الثياب) المعصفر: هو الذي لونه أحمر، والصواب: أن اللون الأحمر ليس محرمًا؛ لأنه ثبت في حديث البراء وفي حديث أبي جحيفة أيضًا: أنه لبسه النبي ﷺ، ومسألة أن فيه لونًا آخر غير الأحمر هذا يحتاج إلى دليل ونقل من اللغة العربية أن البرد لا يكون إلا لونين، ونهي النبي ﷺ عن المعصفر يخص الذي صبغ بنبات العصفر، وهو يصبغ لونًا أحمر، فهذا هو الأحمر المحرم دون غيره؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ لبس الأحمر غير المعصفر، فعن أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي قال: (رأيت النبي ﷺ بمكة وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم) والأبطح مكان في مكة مأخوذ من البطحاء، والبطحاء الحصباء وهي الحجارة الصغيرة، فالنبي ﷺ لما انتهى من مناسك حجه ﷺ انتقل إلى البطحاء، فهو رأى النبي ﷺ وهو في قبة حمراء من أدم، والقبة هي الخيمة التي كان النبي ﷺ فيها، وكانت من جلد ولونها أحمر.\nقال: (فخرج بلال بوضوئه) يعني: بالماء الذي توضأ به ﷺ، قال: (فمن ناضح ونائل) يعني: كل يأخذ منه ليتبرك بأثر النبي ﷺ، فيأخذ منه شيئًا فينضح على ثوبه من الماء الذي توضأ منه النبي ﷺ.\nقال: (فخرج النبي ﷺ وعليه حلة حمراء كأني أنظر إلى بياض ساقيه) يعني: كان لابسًا ﵊ لحلة حمراء، وما كانت مجرجرة على الأرض؛ لأنه رأى بياض ساقي النبي ﷺ، ولو كانت تخفي الكعبين لما قال: (رأيت ساقيه، فقد كانت حلته ﷺ مرفوعة عن الكعبين قليلًا بحيث يبدو الساق.\nقال: فتوضأ وأذن بلال، فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا يقول يمينًا وشمالًا: حي على الصلاة حي على الفلاح ثم ركزت له عنزة) كان بلال يؤذن ويقول يمينًا وشمالًا: حي على الصلاة حي على الفلاح؛ ليسمع الجميع.\nقال: (ثم ركزت له عنزة) يعني: ركزت للنبي ﷺ، والعنزة عكازة صغيرة، وكان يحمل العنزة أحد أصحابه ﵊، فإذا أراد أن يصلي في صحراء ونحوها ولا توجد له سترة، فكان يركز له العنزة في الأرض.\nإذًا: من السنة أن المصلي لا يصلي إلى الفراغ، ولكن يصلي إلى شيء قدامه مثل عمود، أو إنسان جالس أمامه، أو أي شيء يجعله سترة من نحو عكاز ونحوه، فالنبي ﷺ ركزت له هذه العنزة فتقدم فصلى ﵊ إليها.\nقال: (يمر بين يديه الكلب والحمار ولا يمنعه) يعني: من وراء السترة، فإذا صليت وأمامك سترة ثم مر شيء من أمام السترة فلا شيء في ذلك.\nولماذا قال: (يمر بين يديه الكلب والحمار)؟ لأن النبي ﷺ أخبر أن مما يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة الحائض، ومعنى يقطع أي: ينقص من صلاة المصلي، فكان يمر بين يدي النبي ﷺ ذلك من وراء العنزة، فطالما السترة موجودة فلا يضر ما مر من ورائها.\nوهذا الحديث متفق عليه.","vol":"71","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-777>شرح حديث: (رأيت رسول الله وعليه ثوبان أخضران)</span>\nعن أبي رمثة رفاعة التيمي ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ وعليه ثوبان أخضران) فيه: بيان أنه يجوز أن تلبس الثوب الأبيض والثوب الأحمر والثوب الأخضر، وفي حديث جابر أن رسول الله ﷺ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء، فيجوز أن تكون العمامة حمراء أو بيضاء أو خضراء، ويجوز أن تكون سوداء، وكان لبسها النبي ﷺ يوم فتح مكة كما في صحيح مسلم.\nوعن أبي سعيد عمرو بن حريث ﵁ قال: (كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ عليه عمامة سوداء قد أرخى طرفيها بين كتفيه).\nوفي رواية: (أن رسول الله ﷺ خطب الناس وعليه عمامة سوداء).\nالراوي هنا أبو سعيد عمرو بن حريث يقول: (كأني أنظر) والمعنى: أنا ما نسيت هذا، وأنا متخيل كأني أرى النبي ﷺ أمامي، ومعناه: أنه مستحضر الحال، وهذا دليل على عدم النسيان، فالنبي ﷺ لبس عمامة سوداء وهو يخطب صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"71","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-778>شرح حديث: (كفن رسول الله في ثلاثة أثواب بيض)</span>\nعن عائشة ﵂ قالت: (كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة) (ثلاثة أثواب بيض سحولية) مأخوذة من سحول وهي قرية في اليمن اسمها سحول تنسب إليها هذه الثياب، كانوا يصنعون فيها الثياب من القطن، والنبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب بيضاء.","vol":"71","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-779>شرح حديث: (خرج رسول الله وعليه مرط مرحل من شعر أسود)</span>\nعن عائشة ﵂ قالت: (خرج رسول الله ﷺ ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود) يعني: خرج في الصباح (وعليه مرط) المرط هو الكساء.\n(مرحل) مأخوذ من الرحل، والرحل هو الذي يوضع على ظهر البعير مثل الكرسي، ويجلس عليه الجالس، فكان هذا الثوب فيه أعلام، يعني على الثوب رسوم، وهذه الرسوم على هيئة الرحل الذي يوضع فوق ظهر الجمل، وليس هو الذي صنعها، فإما أنه اشترى الثوب، أو أهدي له ﷺ فلبسه، وفيه دليل على جواز لبس مثل هذه الثياب.\nقولها: (من شعر أسود) يعني: هذا الثوب مغزول من شعر أسود.","vol":"71","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-780>شرح حديث: (وعليه جبة شامية ضيقة الكمين)</span>\nعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة في مسير فقال لي: (أمعك ماء؟ قلت: نعم.\nفنزل عن راحلته فمشى حتى توارى) يعني: كان النبي ﷺ في سفر وفي ليلة من الليالي قال للمغيرة بن شعبة: أمعك ماء؟ كأنه يريد ﷺ أن يقضي حاجته ثم يتوضأ ﵊، فـ المغيرة قال: نعم، قال: (فنزل عن راحلته فمشى حتى توارى في سواد الليل ثم جاء) يعني: ذهب فقضى حاجته ﷺ ثم رجع، قال: (فأفرغت عليه من الإدواة) أي: من الكوز الذي فيه ماء، (فغسل وجهه وعليه جبة من صوف) كان النبي ﷺ لابسًا جبة من صوف.\n(فلم يستطع أن يخرج ذراعيه منها حتى أخرجهما من أسفل الجبة) كأن ذراع الجبة كان ضيقًا فما استطاع أن يخرج يديه منها حتى يتوضأ ويغسل يديه، وفي رواية أخرى: (وعليه جبة شامية ضيقة الكمين) وذكر في رواية: (أنها كانت في غزوة تبوك) يعني: في سنة تسع.\nقال: (فغسل ذراعيه ومسح برأسه)، فهذا دليل على وجوب غسل اليدين إلى المرفقين حتى ولو كان الثوب ضيقًا، فلا يكسل الإنسان ويقول: أنا ما سأرفعه، ولكن يخلع الثوب حتى يستطيع أن يتوضأ أو يرفع الكم حتى يخرج يده فيغسل يديه إلى المرفقين.\nقال: (فغسل ذراعيه ومسح برأسه ثم أهويت لأنزع خفيه) وهذا أدب من هذا الصحابي مع النبي ﷺ، فالنبي ﵊ كان لابس خفين، وفرق بين خلع النعل والخف، فالنعل سهل الخلع، لكن الخف فحتى يزيله لا بد أن يفك الخف، والمغيرة ظن أنه يجب أن ينزع الخف من أجل أن يغسل رجليه ﷺ، ولكنه كان مسافرًا، والمسافر له أن يمسح على الخفين طالما أدخل رجليه وهما طاهرتان في الخفين إلى ثلاثة أيام ولياليهن.\nقال: (ثم أهويت لأنزع خفيه) يعني: انحنى بسرعة من أجل ألا يمنعه النبي ﷺ من ذلك، فقال: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين) وفيه أنه يجوز لك أن تمسح على الخفين بشرط أن تكون قد لبستهما على طهارة كاملة، يعني: توضأت ولبست الخفين.\nوفرق بين الخف والنعل، فالخف رقبته عالية تغطي الكعبين وهما العظمان اللذان في جانب الساق.\nوكذلك الجورب له نفس حكم الخف، فإذا لبس الجوربين وأحب أن يتوضأ فطالما لبسهما على وضوء فله أن يمسح على الجوربين كما يمسح على الخفين.\nقال: (ومسح عليهما) يعني: مسح على الخفين ﷺ.","vol":"71","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-781>استحباب القميص</span>\nقال المؤلف ﵀: باب استحباب القميص.\nيعني: يستحب للمسلم لبس القميص، وقد كان من أحب الثياب التي يلبسها رسول الله، فهو يستر الإنسان، قالت أم سلمة فيما رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن: (كان أحب الثياب إلى رسول الله ﷺ القميص) وكان عادة العرب أنهم يلبسون الحلة وهي ثوبان: إزار ورداء، والإزار هو الذي يستر ما بين السرة إلى الكعبين، كذلك يلبس الرداء، والرداء فوق المنكبين يستتر بها.\nفلبس النبي ﷺ الإزار والرداء، وكذلك كان يلبس القميص، وكان أحب اللباس إليه؛ لأنه أستر فكان يحبه ﷺ.\nومن لبس القميص لا يجره على الأرض، وكثير من الناس يفعل ذلك حتى بعض المشايخ، ويتقدم يصلي إمامًا بالناس وثوبه إلى الأرض! فهذا غير جائز، وقد نهى عنه النبي ﷺ، فلا بد أن يكون القميص فوق الكعبين ولا يكون دون ذلك.","vol":"71","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-782>صفة طول القميص الشرعية</span>\nقال المؤلف ﵀: صفة طول القميص والكم والإزار وطرف العمامة وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء وكراهته من غير خيلاء.\nيعني: إذا كان الإنسان يسبل الثوب فهذا حرام، وإذا كان لا يقصد الإسبال، لبس الثوب وتعاهد ثوبه، ولكنه ارتخى منه فلا شيء عليه.\nعن أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت: (كان قميص رسول الله ﷺ إلى الرسغ) رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن.\nكان كم قميص رسول الله ﷺ إلى الرسغ، ولم يكن طويلًا يغطي أصابعه، وهذا لا يليق، فيكون كم الإنسان إلى الرسغين فقط.","vol":"71","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-783>شرح حديث: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة</span>\nروى مسلم أن النبي ﷺ قال: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) الذي يجر ثوبه خيلاء مثل من يقول للخياط: فصل لي ثوبًا طويلًا يجرجر على الأرض، كأنه يريد أن يتعاظم بهذا الثوب، فالنبي ﷺ يذكر أن من يفعل ذلك يدخل النار، قال: (لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقال أبو بكر: يا رسول الله! إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده) أبو بكر الصديق كان إزاره يسترخي إلا أن يتعاهده، وقد كان نحيفًا رضي الله ﵎ عنه، فلذلك كان يسترخي إزاره منه، فقال النبي ﷺ: (إنك لست ممن يفعله خيلاء).\nإذًا: الإنسان الذي يفعل ذلك عجبًا واستكبارًا، ومن أجل أن يري الناس أنه غني ويمشي وثوبه على الأرض هذا داخل في ذلك، أما إنسان لم يقصد ذلك، مثل أن تشتري ثوبًا فعندما لبسته إذا هو يصل إلى الأرض، فأنت معذور حتى تقصر هذا القميص الذي لبسته.\nإذًا: هنا فرق بين من تعمد ذلك، واختار أن يجرجر ثوبه على الأرض، وبين من لم يتعمد ذلك، فالأول ذكر النبي ﷺ أنه لا ينظر الله إليه يوم القيامة.\nوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرًا) البطر فسره النبي ﷺ بأنه غمط الحق واحتقار الناس، فيضيع حقوق الناس، ويكون مستكبرًا على الخلق.\nوفي حديث آخر: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) وليس الإزار هو الذي سيدخل النار، ولكن الذي سيدخل النار صاحب الإزار الذي تعمد ذلك، يلبس قميصًا أو بنطلونًا مجرجرًا على الأرض، ويغضب إذا قيل له: ارفع البنطلون إلى فوق الكعب، ويمشي متابعًا الموضة، وإذا انعكس الأمر وكانت الموضة أن يمشي لابسًا بنطلونًا قصيرًا؛ يمشي به في الشارع! ولا يغضب إلا إذا ألقيت عليه سنة النبي ﷺ وأنه يأمرك بكذا أو ينهاك عن كذا!","vol":"71","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-784>شرح حديث: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة)</span>\nعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) هؤلاء الثلاثة لا يكلمهم الله بكلام طيب يوم القيامة، وهؤلاء إذا دخلوا النار يقول الله لأهلها: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، فلا ينالهم شيء من الكلام الطيب يوم القيامة، ولا يرد عليهم ربنا سبحانه، ولا ينظر إليهم سبحانه، ولا يزكيهم، هؤلاء مستحقون هذا العذاب الأليم، ولما قالها ﷺ ثلاث مرات قال أبو ذر: خابوا وخسروا يا رسول الله! فمنهم؟ فذكر منهم الذي يجرجر ثوبه على الأرض ومثله من يلبس عمامة يطيلها من وراء ظهره أو يطول الأكمام من أجل الموضة.\nإذًا: أحد الثلاثة الذين ذكرهم النبي ﷺ المسبل.\nوالثاني المنان وهو: الذي يمن على الناس، يعطي ثم يمن، يهب ثم يمن، يزجي معروفًا ثم يمن بهذا الشيء.\nإذًا: المنان الذي يمن على الخلق بذلك، وكأنه صار خلقًا له، كلما يعمل معروفًا يمن به، فهو يستحق هذه العقوبة من الله ﷿، فاحذر أن تعمل معروفًا لإنسان ثم تمن عليه بهذا المعروف الذي أسديته له.\nوالثالث المنفق سلعته بالحلف الكاذب، إذا كانت السلعة لم يشترها أحد يروج لهذه السلعة بالحلف، فيحلف ويقول: والله إني اشتريها بكذا وأبيع بأرخص، وفيها كذا من أشياء غير موجودة فيها، فيمدح السلعة بالكذب، ويقسم على ذلك، وهو كذاب يريد أن يروج السلعة بالحلف الكاذب، فهو من هؤلاء الثلاثة الذين لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم.\nنسأل الله ﷿ العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"71","page":12},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-785> تحريم إسبال القميص والكم والإزار وطرف العمامة على سبيل الخيلاء وكراهته من غير خيلاء</span>\nلقد تهاون الناس في قضية قد تكون هينة عندهم لكنها عند الله عظيمة: وهي قضية الإسبال في الإزار، فإن النبي ﷺ شدد في النهي عن ذلك، وقد عده بعض أهل العلم من الكبائر؛ لأنه تضمن الوعيد الشديد لفاعله، فيجب على المسلم ألا يتساهل في هذه القضية، فإنها جد خطيرة.","vol":"72","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-786>باب صفة القميص</span>","vol":"72","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-787>حرمة الإسبال على سبيل الخيلاء وكراهته بدون ذلك</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب صفة طول القميص والكم والإزار وطرف العمامة وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء، وكراهته من غير خيلاء.\nعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (الإسبال في الإزار، والقميص، والعمامة، من جر شيئًا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح.\nوعن أبي جري جابر بن سليم ﵁ قال: (رأيت رجلًا يصدر الناس عن رأيه لا يقول شيئًا إلا صدروا عنه.\nقلت: من هذا؟ قالوا: رسول الله ﷺ، قلت: عليك السلام يا رسول الله -مرتين- قال: لا تقل: عليك السلام، عليك السلام تحية الموتى، قل: السلام عليك، قال: قلت: أنت رسول الله؟ قال: أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك، وإذا أصابك عام سنة فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفر أو فلاة فضلت راحلتك فدعوته ردها عليك، قال: قلت: اعهد إلي، قال: لا تسبن أحدًا، قال: فما سببت بعده حرًا ولا عبدًا ولا بعيرًا ولا شاة، قال: ولا تحقرن من المعروف شيئًا، وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك إن ذلك من المعروف، وارفع إزارك إلى نصف الساق فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار؛ فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة، وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك فلا تعيره بما تعلم فيه، فإنما وبال ذلك عليه) رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح].\nهذه الأحاديث يذكرها الإمام النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب صفة طول القميص والكم والإزار وطرف العمامة، وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء، وكراهته من غير خيلاء.\nوالمقصد من الباب: أن المسلم إذا لبس ثيابه فعليه أن يقتدي بالنبي ﷺ وأن يطبق شرع الله ﷿ في ذلك، وألا يجري وراء الموضة والهوى، ووراء تقليد المشركين والكفار في أفعال يضلون بها الناس، ولكنه ينظر إلى ما كان يصنعه النبي ﷺ، وإلى ما جرت عليه العادة في الأقوام في لباسهم فيلبس كما يلبسون مقتديًا بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، فإن كان شيئًا من أفعال أهل الباطل من موضات ونحوها يوافق زي المشركين بحيث تظهر المرأة مفاتنها أو يظهر الرجل عورته وغير ذلك، أو تكون الثياب مما يستعمله المشركون في شعائر دينهم، فلا يجوز له أن يفعل ذلك.\nويجب أن تكون الثياب طويلة للمرأة حتى تسترها أثناء سيرها، أما الرجل فلا بد أن يكون الإزار أو القميص أو البنطلون الذي يلبسه إلى فوق الكعبين (عظمتي الساقين) ولا يجوز أن يزيد عن ذلك، فإن فعل ذلك فإما أن يفعله خيلاء وإما أنه يسترخي منه بغير قصد، فإذا استرخى بغير قصد فقد يتركه وقد يرفعه، فإذا رفعه فقد أحسن وإذا تركه كره منه ذلك، أما إذا تعمد أن يصنعه طويلًا بأن طلب من الخياط أن يجعله مجرجرًا في الأرض باعتبار أن هذه هي الموضة، أو ليمشي بين الناس على أنه إنسان غني فهذا هو المحرم.\nإذًا فعلى قول النووي أنه إذا فعل ذلك على سبيل الخيلاء فقط فهو حرام، فإن قيل: كيف يكون هذا التحديد بين الخيلاء وغير الخيلاء؟ الآن لو جئت إلى أكبر المغرورين على الأرض وقلت له: أنت مغرور وتلبس الثياب خيلاء، لقال لك: لست مغرورًا ولا ألبسها خيلاء، فلا يوجد إنسان يذم نفسه.\nإذًا فكونه يذكر ذلك الحديث عن النبي ﷺ (من جر ثوبه خيلاء) فكأنه تعمد أن يصنع الثوب على هذه الصورة، كما أن الذي لا يصنعه خيلاء تعمد أن يصنع الثوب على ما جاء في شرع النبي ﷺ بأن يكون أقصاه إلى الكعبين، وهذا الذي صنع ثوبه أو بنطلونه على طول الكعبين قد يسترخى منه، فهل جر ثوبه خيلاء؟ ف\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أنه لم يتعمد ذلك لا في صنعه ولا في لبسه، فهذا ليس خيلاء، لكن يكره له أن يمشي على هذه الحال.\nوهذا سيدنا عمر وهو في مرض الموت يأتيه شاب من الأنصار إزاره مجرجر على الأرض، فقال: يا ابن أخي! ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك.\nفلو أنا مشينا على ما يعتقده كل إنسان في نفسه، فسنلغي كلام النبي ﷺ، فكل إنسان يلبس القمصان طويلة أو البنطلونات طويلة مجرجرة على الأرض ويزعم أنه لا يلبسها خيلاء.\nفهنا يقول النبي ﷺ: (إن الله لا ينظر إلى صلاة المسبل) وقال: (ما أسفل من الكعبين فهو في النار) فيعذب عليه صاحبه في النار لأنه تعمد ذلك.\nومن الأحاديث التي أتت عنه ﷺ قوله: (الإسبال في الإزار، والقميص، والعمامة، من جر شيئًا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) قال: (من جر شيئًا خيلاء) يعني: من الإزار أو القميص أو العمامة.\nوذكرنا قبل ذلك قول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي ذر ﵁: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، فقال أبو ذر بعد أن قالها النبي ﷺ ثلاث مرات: خابوا وخسروا! من هم يا رسول الله؟ قال ﷺ: المسبل) الذي يطول هذه الأشياء؛ لكي يتحدث الناس عنه بأنه أشهرهم وأعتاهم.\nقال النبي ﷺ: (والمنان) يعني: الذي يعطي الهدية والصدقة ويهب الهبة ثم يمن على من أعطاه ذلك.\nقال (والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) أي: الذي يبيع السلعة فيكذب على المشتري فيقول: إنها أفضل ما يكون، وهو يبيعها برخص لحاجته إلى ثمنها وهو كاذب فيما يقول.","vol":"72","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-788>نباهته صلى الله وسلم في قرع أبواب القلوب وتقريبها نحو خالقها جل في علاه</span>\nثم ذكر حديثًا يرويه أبو داود والترمذي عن أبي جري واسمه جابر بن سليم ﵁ قال: (رأيت رجلًا يصدر الناس عن رأيه) وكأنه كان في أول إسلامه، فقد جاء إلى النبي ﷺ وهو لا يعرفه، فوجد أنه ﷺ الناس يسألونه ويعملون بما يقول ﵊، (فسأل الناس: من هذا؟ قالوا: رسول الله ﷺ، فجاء للنبي ﷺ وقال: عليك السلام يا رسول الله -﵊- فلما قال ذلك قال النبي ﷺ: لا تقل: عليك السلام، عليك السلام تحية الموتى) وكانت عادة أهل الجاهلية حينما يذكرون فلانًا الذي مات يقولون: عليك السلام يا فلان، ومنه قول من قال: عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما فقال له ذلك لأنه قد مات.\nويقول الشماخ: عليك سلام من أديم وباركت يد الله في ذاك الأديم الممزق فيقول له: عليك سلام الله، لكن الحي لا يقال له: عليك سلام الله، إنما يقال للحي: السلام عليك.\nبل علمنا النبي ﷺ إذا جئنا عند القبور أن نسلم على الأموات بذلك: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون).\nفإذا سلمنا على الأحياء أو أصحاب القبور فإننا نقول: السلام عليكم.\nثم يقول هنا: (قلت: أنت رسول الله -﵊-؟ فقال ﷺ: أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك).\nوهذا الكلام العظيم جميل من النبي ﷺ، فالرجل عربي وقد جاء يأخذ جمله وإبله واردًا إلى عين الماء ليشرب الجمل من البئر ثم يصدر، كما يصدر الصحابة عن كلام النبي ﷺ، فالنبي ﷺ يرويهم بكلامه العظيم وبأحكامه العظيمة ﵊ فيصدرون عنه وقد شبعوا مما قال ﷺ منفذين ما يقوله ﵊.\nفعظم قدر النبي ﷺ في قلبه فقال: (أنت رسول الله؟!) معجبًا ومتعجبًا ومنبهرًا بالنبي ﷺ وبطاعة أصحابه له، فإذا به يتواضع ﵊ ويقول: (أنا رسول الله -﵊- الذي).\nولم يقل هنا: أنا صفتي كذا وكذا، فطالما أنت منبهر ومندهش بذلك فاذكر نعم الله سبحانه عليك.\nقال: (أنا رسول الله سبحانه ﵎ الذي إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك).\nقال: (وإذا أصابك عام سنة فدعوته أنبتها لك) فالله الذي ينبت لك الأرض حين يصيبك عام سنة، يعني: عام جدب، أو عام ليس فيه ماء، فلا سحاب نازل ولا مطر موجود ولا عيون ماء تروي بها الأرض، فإذا به يدعو الله ﷿، فيفرج الله هذا الكرب عن العباد وينبت لهم سبحانه.\nقال: (وإذا كنت بأرض قفر أو فلاة فضلت راحلتك فدعوته ردها عليك) وانظروا إلى جمال كلامه صلوات الله وسلامه عليه! فهذا الرجل يتكلم في تعظيم النبي ﷺ (أنت رسول الله؟) ﵊، فإذا به يتواضع مبينًا أن الذي يفعل هذه الخيرات كلها، ويسديها إليك هو الرب القادر الذي يفعل ويفعل سبحانه ﵎.\nقال: (أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك وإذا أصابك عام سنة فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفر أو فلاة فضلت راحلتك فدعوته ردها عليك، قال الرجل: قلت: اعهد إلي)؛ لأنه أعجب بكلام النبي ﷺ.\nفبدأ الرجل يدخل في هذا الدين ويقول للنبي ﷺ: أوصني وقل لي مثلما قلت لهؤلاء فصدروا عن رأيك وقولك، فقال النبي ﷺ: (لا تسبن أحدًا) أي: إياك أن تسب أو تشتم أحدًا، فإذا بالرجل يطيع ﵁، ويقول: (فما سببت بعده حرًا ولا عبدًا ولا بعيرًا ولا شاة).\nثم قال ﷺ: (ولا تحقرن من المعروف شيئًا) واحتقار المعروف يمنع الإنسان من فعله، فإذا وجد مسمارًا على الأرض لنجار مثلًا لم يعطه بحجة أن عنده كثيرًا من المسامير فلا يحتاج إليه، فقد تستهين بشيء يكون فيه نفع لصاحبه الذي تعطيه إياه، وكذلك إذا وجد ثمرة تردد في إعطائها للمسكين وتعلل بقلتها مدعيًا بأنه سيحرجه، ولو أعطاه لكان خيرًا له حتى لو كان قليلًا فستجد له طالبًا يطلبه، فافعل المعروف وأعن عليه ولا تحتقر منه شيئًا، قال: (وارفع إزارك إلى نصف الساق) أي: بين الركبة والكعبين.\nقال: (فإن أبيت)؛ لأن الإنسان يمكنه أن يقول: أريد لإزاري أن يكون طويلًا.\nقال: (فإن أبيت فإلى الكعبين) إذًا فآخر حدك عند الكعبين: وهي العظمتان اللتان في آخر الساقين.\nقال: (وإياك وإسبال الإزار) أي: أحذرك أن تطول الإزار عن الكعبين؛ ثم قال: (فإنها من المخيلة) إذًا فكون الإنسان يفعل ذلك ويطلبه فهذا هو الخيلاء، الذي منع منه النبي ﷺ.\nقال: (فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة).\nثم نصحه ﷺ أيضًا فقال: (وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك فلا تعيره بما تعلم فيه) وهذا أدب عظيم من آداب الإسلام، فإنك مأمور بالستر على عيوب الخلق وعيبوك.\nقال: (لو أن إنسانًا عيرك) قال هنا: (بما يعلم فيك)، وقال في حديث آخر: (بما لا يعلم فيك) يعني: قد يعيرك بشيء موجود فيك أو بشيء ليس عندك لكنه يفتري عليك، فأنت إذا كنت تعرف فيه عيوبًا فلا ترد عليه؛ ليكون وباله عليه.\nقال ﷺ: (فلا تعيره بما تعلم فيه فإنما وبال ذلك عليه).\nإذًا فاتركه يأخذ جزاءه يوم القيامة، ولا تعتد على سب الناس أو فضحهم، بل عليك أن تكون كاتمًا لأسرار الناس ساترًا على عيوبهم، حتى وإن أرادوا فضيحتك، فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]، فالله يدافع عنك ويجعل الناس يحتقرون هذا الذي يتكلم عنك ويريد أن يفضحك بشيء فيك أو ليس فيك ويتكفل بالستر عليك، فلا تأبه لهذا الإنسان ولا تجاوبه بمثل ما قال.\nوالمقصد من الحديث هو: قول النبي ﷺ: (إياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة) فهو يعلم المسلمين التواضع وعدم تقليد أحد من الخلق، فإذا أردت أن تقتدي فإمامك وقدوتك والأسوة الحسنة لك هو النبي صلوات الله وسلامه عليه، يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١]، وليكن حياؤك من الله ﷿ أعظم في قلبك من حيائك من الناس.","vol":"72","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-789>رضا الله تعالى فيه السعادة والنجاة</span>\nالمؤمن ينظر في شرع الله بتمعن فينفذ ما أمره به الله ولا يستحيي من أحد، فإذا كان أهل المعاصي لا يستحيون من معاصيهم التي يفعلون، فتجده يعمل شعره بصورة معينة كالشيطان، ثم يمشي في الشارع ويقول: هذه موضة، ولا يستحيي من ذلك.\nوتجد المسلم يستحي أن يقصر القميص؛ لأن الناس سيقولون علي كذا وسيفعلون، فهنا أنت تقتدي بالنبي ﷺ فمالك وللناس؟ فلو نظرت لكلام الناس فلن تذهب ولن تأتي، فمن الصعب أن ترضي الناس؛ لأن رضا الناس غاية لا تدرك، ورضا الله غاية تدرك فلا تترك هذه الغاية، ثم ما الذي يجعلك تعرض عن رضا الله إلى رضا الناس؟! وقد طمأنك النبي ﷺ بقوله: (إذا أرضيت الله بسخط الناس رضي الله عنك وأرضى عنك الناس)، فرضا الله ﵎ هو أعظم الغايات وأجلها، قال: (ومن أرضى الناس بسخط الله سخط عليه الله وأسخط عليه الناس)، أرضى الناس بالنفاق والكذب والمعصية ثم بعد قليل يقول الناس: أليس هذا الذي كان يعمل المعصية وكان يعمل كذا وكذا لكي يجامل من حوله؟ إذًا فغضب الله على هذا الإنسان جعل الناس يغضبون عليه ولم يرضهم بذلك.\nفليكن لك طريق واضح هو طاعة الله سبحانه ﵎، فالذي ترضيه بالمعصية قد يتوب يومًا من الأيام، ثم بعد ذلك يسخط عليك ويقول: كنت تغويني وتضلني، وكنت تنافقني وأنت تعمل هذا الشيء، فتسقط من عينه في يوم من الأيام، فما الذي يجعلك ترضي الناس بمعصية الله سبحانه؟! وهنا قال: (إياك وإسبال الإزار فإنه من المخيلة، والمخيلة لا يحبها الله سبحانه ﵎).\nفلا تتعاظم على الناس، ولا تفعل شيئًا تحس فيه أنك أعلى من الناس، حتى إنك تجد بعض الناس يلبس نظارة معينة، ويضع على رأسه شيئًا معينًا كطرح النساء ثم يربطها ويمشي بها تقليدًا للغرب في هذه الأشياء، ويظن أنه أصبح أعلى من الناس، وفي الغرب يعملون هذه الأشياء بداعي الحرية؛ لأنهم يشعرون في أعماق قلوبهم بشيء من الذلة والحقارة، فيريدون طرد هذا الشعور بهذه الأشياء العجيبة! حتى إنهم يعملون اجتماعات لأنفسهم في أماكن معينة؛ ليعمل كل واحد منهم ما يشاء، فهذا يغني بصوت مرتفع أوحش من صوت الحمار والآخرون يسمعون وهذا يرقص ويتمطط بزعم الحرية، وفي الحقيقة هم يريدون أن يهربوا من شيء لا يعلمون ما هو؛ لأن الشيطان سكن قلوبهم، ثم يحلو لهم الانتحار في النهاية، وهم بعكس المؤمن تمامًا، فالمؤمن قد يبيت جائعًا تارة ومريضًا تارة أخرى إلا أنه راض بالله ﷾، والكفار يحسدون المؤمنين على هذا الرضا والطمأنينة بالله سبحانه كما يقول: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، فلا يستطيعون أن يصلوا إلى هذا الشيء، وفي الآخر ينتحرون ليتخلصوا بزعمهم من هذه الدنيا، كفر في الدنيا ونار في الآخرة والعياذ بالله، ومع هذا كله تجد المسلم في النهاية يقلد هؤلاء ويجعلهم أئمة يتبعهم في دينه ودنياه، ويظل ماشيًا وراءهم في شذوذهم وغرورهم في لباسهم وأفعالهم وكفرهم بالله سبحانه ﵎، فأين عقل الإنسان المسلم؟! فالمسلم دينه الإسلام، وغايته واحدة وهي رضا الله سبحانه ﵎، فإذا أرضى الله ﵁ وأرضاه، وليس شرطًا أن يعطيك في الدنيا ليكون راضيًا عنك، بل يرضيك الله بأن يجعل الطمأنينة في قلبك كما جعلها في قلب النبي ﷺ، فكان يبيت الليلة والثانية والثالثة لا يجد في بيته طعامًا، ولا يوقد في بيته الشهر والشهرين نار ﵊، وقد كان يعصب الحجر على بطنه من شدة الجوع، ففي رضا الله ﷿ يهون كل شيء.\nفالإنسان المؤمن ينتظر رضا الله ﷿ عنه بأن يرضيه، وأن يجعل قلبه ممتلئًا بالإيمان، وأن يجعل في قلبه حب الله سبحانه ﵎، فيستشعر أنه غريب في هذه الدنيا، وأنه كالإنسان المسافر المرتحل عن دار الغربة إلى دار الإقامة الأبدية، فلا يتوقف ولا يستريح إلا بعد أن يبلغ منيته وهدفه وهو الفوز بالجنة والنجاة من النار.\nفعلى المسلم أن يستشعر قصر وقت الدنيا، فيعمر دنياه بالطاعة والعبادة، ويجعل الموت نصب عينيه، فلو جاء ملك الموت لقبض روح الإنسان لتمنى أن يصلي ركعتين فقط لله ﷿، وما هو بفاعل ذلك، ولو تركه يصلي ركعتين بمقابل ثمن معين يدفعه لدفع كل شيء في سبيل ذلك، والآن يستطيع أن يصلي ألف ركعة بل مليون ركعة فلم لا يفعل ذلك؟ ولم يغتر بهذه الدنيا ويترك طاعة الله ورضاه سبحانه ﵎؟","vol":"72","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-790>هل يعيد المسبل صلاته</span>؟\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن أبي هريرة ﵁ قال: (بينما رجل يصلي مسبل إزاره، فقال له رسول الله ﷺ: اذهب فتوضأ فذهب فتوضأ ثم جاء، فقال: اذهب فتوضأ، فقال له رجل: يا رسول الله! مالك أمرته أن يتوضأ ثم سكت عنه؟ فقال: إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره، وإن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل) رواه أبو داود، قال النووي بإسناد صحيح على شرط مسلم، لكن الإسناد نفسه فيه ضعف.\nوجاء في حديث آخر قوله: (من أسبل إزاره في صلاته خيلاء فليس من الله في حل ولا حرام).\nفالمعنى قريب، لكن الأمر بالوضوء من ذلك لم يصح عن النبي ﷺ.\nفالغرض: أن هذا الذي يصلي وهو مسبل إزاره -إن صح الحديث- فيكون أمر من النبي ﷺ له بإعادة الصلاة من باب التأنيب له فحسب، وليس المعنى أننا نحكم عليه ببطلان صلاته، ولكن الحديث في إعادة الصلاة من إسبال الإزار لم يصح عنه صلوات الله وسلامه عليه، وإنما يكفي في ذلك قول النبي ﷺ: (لا يقبل الله صلاة مسبل) فقد صح عنه ﷺ هذا الحكم.\nفلذلك احذر أن تصلي وأنت مسبل إزارك أو قميصك أو عمامتك أو بنطلونك، فلعل الله ﷿ لا يقبل منك هذه الصلاة.\nنسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"72","page":6},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-791> من (تحريم الإسبال) إلى (استحباب التوسط في اللباس)</span>\nلقد حث الإسلام على المحافظة على الوقت؛ لأن ابن آدم فيه لحظات، إذا ذهبت لحظة ذهب بعضه، وليس من المحافظة على الوقت ألا تخالط الناس أو تسمع منهم، إلا إذا كانت مخالطتك إياهم ستؤدي بك إلى بحر من المفاسد لا ساحل له، فالذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير ممن لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم.","vol":"73","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-792>شرح حديث سهل بن الحنظلية: (لا بأس أن يؤجر ويحمد)</span>\nقال الإمام النووي ﵀: [وعن قيس بن بشر التغلبي قال: أخبرني أبي -وكان جليسًا لـ أبي الدرداء - قال: كان بدمشق رجل من أصحاب النبي ﷺ يقال له سهل بن الحنظلية، وكان رجلًا متوحدًا قلما يجالس الناس، إنما هو صلاة فإذا فرغ فإنما هو تسبيح وتكبير حتى يأتي أهله، فمر بنا ونحن عند أبي الدرداء، فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك.\nقال: (بعث رسول الله ﷺ سرية فقدمت، فجاء رجل منهم فجلس في المجلس الذي يجلس فيه رسول الله ﷺ، فقال لرجل إلى جنبه: لو رأيتنا حين التقينا نحن والعدو، فحمل فلان وطعن، فقال: خذها مني وأنا الغلام الغفاري، كيف ترى في قوله؟ قال: ما أراه إلا قد بطل أجره.\nفسمع بذلك آخر فقال: ما أرى بذلك بأسًا، قال فتنازعا حتى سمع رسول الله ﷺ فقال: سبحان الله! لا بأس أن يؤجر ويحمد وذكر الحديث) رواه أبو داود.\nقال النووي: بإسناد حسن إلا قيس بن بشر فاختلفوا في توثيقه وتضعيفه، وقد روى له مسلم.\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إزرة المسلم إلى نصف الساق، ولا حرج -أو لا جناح- فيما بينه وبين الكعبين، فما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، ومن جر إزاره بطرًا لم ينظر الله إليه).\nرواه أبو داود بإسناد صحيح.\nوحديث قيس بن بشر التغلبي قال فيه الإمام النووي: رواه أبو داود بإسناد حسن، لكن العلماء اختلفوا في تحسينه وتضعيفه، فضعف هذا الحديث الشيخ الألباني ﵀، وحسنه النووي كما سبق، وقد اختلفوا في توثيق رجل من رواة هذا الحديث وهو قيس بن بشر، فمن حسنه قال: إنه من رجال مسلم، ومن ضعفه أخذ بتضعيف من ضعفه من العلماء، والحديث رواه الإمام أحمد وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nإذًا: فإسناد الحديث محتمل للتحسين، وقيس بن بشر التغلبي هنا يروي عن أبيه وهو بشر التغلبي، وكان رجلًا من التابعين وجليسًا لـ أبي الدرداء ﵁.\nوكان أبو الدرداء في الشام بدمشق، وكان بدمشق رجل من أصحاب النبي ﷺ يقال له: سهل بن الحنظلية، وقد ذكر الحديث أنه كان رجلًا متوحدًا، يعني: منفرد عن الناس لا يخالطهم كثيرًا، فكان رجلًا متوحدًا مشغولًا بالصلاة والقيام وأعماله الصالحة.","vol":"73","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-793>خالط الناس إذا أمنت على دينك وإلا فلا</span>\nوهنا اختلف العلماء في أيهما أفضل: مخالطة الناس أم عدم مخالطة الناس؟ فهذا الصحابي أخد بعدم المخالطة والبعد عن الناس، فطالما غيره موجود فسيكفيه مئونة الناس، وأبو الدرداء كان يجالس الناس عملًا بحديث النبي ﷺ: (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم) وقد جاء عنه أيضًا (أمر المؤمن باعتزال الناس إذا وجد شحًا مطاعًا، وهوى متبعًا، وأعجاب كل ذي رأي برأيه).\nوالراجح أن الاختلاط بالناس إذا كان مصحوبًا بالفتن والأذى فالبعد عنهم واعتزالهم أفضل من الاختلاط بهم، أما إذا كان بمخالطته لهم سيدعوهم إلى الله ﷿ ويسمعون ويطيعون لما يأمر به من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، فالأفضل أن يخالطهم، والله أعلم.\nفالقصد: أن هذا الصحابي الفاضل كان رجلًا متوحدًا يعني: قليل الاختلاط بالناس.\nقال: إنما هو صلاة يعني: أن حاله دائمًا في صلاة أو تسبيح وتكبير حتى يأتي أهله، قال: فإذا فرغ فإنما هو تسبيح وتكبير.\nوالإنسان الذي يعلم أنه ملاق ربه سبحانه لا يشغله الناس عن طاعة الله سبحانه، فمن المستحيل على الإنسان أن يرضي كل الناس؛ لأن رضا الله غاية لا تدرك؛ ورضا الناس غاية لا تترك، فلأجل رضا الله سبحانه ينشغل الإنسان بما يرضي ربه سبحانه، فينشغل الإنسان بطاعة الله ولا يشغله أحد أبدًا عن طاعة الله سبحانه، ولو أنك أعطيت للناس وقتك كله فلن يكفيهم، ولن يهمهم أن يضيعوا وقتك واستفادتك أبدًا، فمن احتاج إلى شيء معين أراد تحصيله ولو كان في ذلك ضرر على الآخر، وهذا هو حال الناس في الغالب، لكن المؤمن الفطن الذكي يعرف أن وقته أغلى وأثمن شيء عنده فيعطي للناس ما فاض عن ذلك، أما أصل وقته فإنه لا يفرط فيه، فهو يعلم أن من المفروض عليه أن يمضي هذا الوقت في الصلاة والصوم وطلب العلم الشرعي وغيره، فهو لا يفرط في ذلك ولا يتلهى عنه بشيء مهما كانت الأعذار التي أمامه، وحتى لو غضب الناس عليه، فلا يهمه ذلك طالما أنه يرضي الله سبحانه ﵎.\nوإذا كان الإنسان على ذلك فإن الله يرضى عنه ويرضي الناس عنه يومًا من الأيام، لكن الإنسان الذي يظل يعطي الناس وقته لكي لا يحزنوا منه، فلا يحفظ شيئًا في النهار، ولا يقرأ شيئًا، ولا يذاكر ولا يلقي درسًا فسيضيع في النهاية، فعلى المؤمن ألا يستحي من رده إذا كان في شغل يشغله عنهم فهو أولى باستغلال وقته من غيره، وقد علمنا الله ذلك في كتابه فقال: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ [النور:٢٨].\nوللأسف فنحن في زمن يحزن فيه الناس إذا قيل لهم: ارجعوا، ويظن من هذا القول أنك تترفع عليه، ولم يدر هو نفسه أنه يقطع عليك عبادتك ووقتك الثمين، فهو لا يهتم بذلك بل يريدك أن تكون حلاّلًا لمشاكله فقط، وإن لم يعبر عن ذلك بقوله فحاله يدل على ذلك، بل قد تجد إنسانًا يأتيك بعد صلاة العشاء ليسهر معك ويضحكك وأنت تنتظر رحيله عنك بفارغ الصبر، ولم يعرف أن النبي ﷺ نهى عن المسامرة بعد العشاء.\nوهذا لا يعارض أن بعض أصحابه كانوا يسهرون معه مثل أبي بكر وعمر؛ لأنهم كانوا يسهرون معه في مصالح المسلمين، فلا يسهروا لأجل أن يعطلوا النبي ﷺ، وليس كل إنسان يصلح للكلام في مصالح المسلمين.\nأنت عندما تجلس مثلًا تختم الصلاة بعد الصلاة ثم تقرأ آية الكرسي، وأنت تعلم أنك إذا قرأتها ليس بينك وبين الجنة إلا أن تموت، فيأتي فلان ليعطلك عن هذا الذكر، فيريد منك كذا ويسألك في كذا، وهل هذا الإنسان يستحق أنك تضيع الجنة لأجل خاطر كلامه؟ ثم ألا يصبر هو على هذا الشيء؟ وغالبًا تكون الأسئلة بعد الصلاة فارغة لا معنى لها، وغالبًا ما يلقيها الشيطان ليضيع الذكر عليهما جميعًا، إذًا فالجلوس للناس مضيعة للوقت، إلا أن يكون لأمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو لأشياء يحتاج إليها الناس.\nوفي رمضان مثلًا تجد البعض يدخل ليصلي، ثم يخرج في نصف التراويح إلى الشارع واقفًا لا يعمل شيئًا، فمن الصعب عليه أن يكمل صلاة التراويح، وهو واقف في الحالين لكن سبحان الله! ما الذي جعل هذه الوقفة أحلى من تلك التي في المسجد؟ إنه الشيطان، يضحك على الإنسان ليخدعه فيضيع وقته.","vol":"73","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-794>حال الصحابة مع الوقت</span>\nكان الصحابة أحرص ما يكونون على أوقاتهم، حتى إنهم ليحتسبوا لعبهم في النهار لأجل التمرن على الجهاد، فكانوا يجرون بين الأغراض، والجري هو: العدو بين الأغراض، فإذا جاء الليل كانوا رهبانًا، فلم يضيعوا صلاة النافلة مع أنها نافلة؛ لأنه ثمين لن يعوض أبدًا.\nفلذلك احرصوا على عدم تضييع أوقاتكم، فعمرك الذي يضيع لن يرجع إليك مرة ثانية، فالله يتوفى الأنفس ويقبضها وافية، فكأن عمرك دين يتقاضاه الله ﷿ شيئًا فشيئًا، فلا تضيع عمرك فيما لا ينفع.\nفهذا الصحابي (كان متوحدًا قلما يجالس الناس، إنما هو صلاة) يعني: شغلته الصلاة.\n(فإذا فرغ فإنما هو تسبيح وتكبير حتى يأتي أهله) يعني: حتى وهو في الشارع يقول: سبحان الله، والحمد لله؛ لأنه يعلم أنها غراس الجنة: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ويقول: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، ويقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] عشر مرات فيبني له بيت في الجنة، فشغله الشاغل في تحصيل هذه المعاني والدرجات.","vol":"73","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-795>تعلم العلم ولو ممن هو دونك فيه</span>\nكان هذا الصحابي ﵁ منشغلًا بهذه الأذكار، قال: (فمر بنا -ونحن عند أبي الدرداء -فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك) وأبو الدرداء رجل فاضل، وصحابي عظيم ﵁، وعالم من علماء المسلمين فيقول له: كلمة، يعني: اجلس وقل لنا كلمة أو حدثنا حديثًا ينفعنا ولا يضرك.\nولم يقل له: تعال اجلس معنا لنضيع الوقت مع بعضنا، فجلس لهم هذا الرجل الفاضل ﵁ وقال: (بعث رسول الله ﷺ سرية فقدمت فجاء رجل منهم فجلس في المجلس الذي يجلس فيه رسول الله ﷺ فقال لرجل إلى جنبه: لو رأيتنا حين التقينا نحن والعدو فحمل فلان وطعن وقال: خذها مني وأنا الغلام الغفاري).\nيعني: أنه ضرب كافرًا برمحه وقال له: خذها وأنا الغلام الغفاري، فانتسب لقومه، فهل جهاده صحيح أم لا؟ فقال أحد الجالسين: (ما أراه إلا قد بطل أجره)؛ لأنه افتخر بنسبه فبطل أجره.\nقال: (فسمع بذلك آخر فقال: ما أرى بذلك بأسًا) فتنازع الاثنان إلى أن سمع النبي ﷺ ذلك فقال: (سبحان الله! لا بأس أن يؤجر ويحمد).\nففي موضع القتال لا مانع من التنافس؛ لأنه في النهاية نصر للإسلام ونصر لدين الله ﷿، فجاز للمجاهد أن يظهر القوة أمام الكافر ولو بالخيلاء، حتى يرهب عدو الله سبحانه ﵎.\nفقال الراوي: (فرأيت أبا الدرداء سر بذلك وجعل يرفع رأسه إليه ويقول: أنت سمعت ذلك من رسول الله ﷺ؟ فيقول: نعم، فيكرر عليه: أنت سمعت ذلك من رسول الله ﷺ؟ فيقول: نعم، قال: فما زال يعيد عليه حتى إني لأقول ليبركن على ركبتيه).\nيعني: من شدة فرح أبي الدرداء بهذا الحديث وأن الرجل لم يبطل عمله، وكأنه شاهد الكثيرين يفعلون ذلك، فلما سمع ذلك فرح أن هؤلاء لم تحبط أعمالهم ﵃ فقال ذلك.\nقال: (فمر بنا يومًا آخر) أي: في يوم آخر.\n(فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك) أي: مثل الكلمة السابقة، وهل أبو الدرداء لم يكن يحفظ أحاديث يحدث بها؟ فهذا دليل على أن العلم مطلوب للعالم والمتعلم، فقد روى أبو الدرداء أحاديث كثيرة جدًا أكثر مما روى ابن الحنظلية ﵄، لكنه مع ذلك أحب أن يستفيد علمًا إلى علمه من علم النبي ﷺ، فقال له: قل لنا كلمة تنفعنا ولا تضرك.","vol":"73","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-796>سرعة استجابة الصحابة لأمر الله ورسوله</span>\n(فقال الرجل: قال رسول الله ﷺ: نعم الرجل خريم الأسدي) وخريم هذا صحابي فاضل ويكفي في فضله أن يمدحه النبي ﷺ بقوله: (نعم الرجل) إلا أنه قال: (نعم الرجل خريم الأسدي لولا طول جمته وإسبال إزاره).\nفلولا طول شعره -وهو جمته- وإسبال إزاره إلى تحت الكعبين لكان من أفضل الرجال.\nقال: (فبلغ خريمًا) وكان الصحابة يحبون الخير، فبسرعة قالوا لـ خريم: إن النبي ﷺ مدحك، لكن النبي ﷺ ينصحك بكذا، فبمجرد أن سمع الرجل ذلك: (أخذ شفرة فقطع بها جمته إلى أذنيه).\nفلم يقل سأذهب إلى الحلاق، بل أخذ ينفذ وصية النبي ﷺ حالًا بيده، قال: (ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه).\nوهذا هو التنفيذ لأمر الله ﷿ وأمر رسول الله ﷺ، كما قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحديد:٢١].\nفالمؤمن يسارع بالتنفيذ، فهذا الرجل الفاضل لم ينتظر الذهاب إلى لحلاق، ولم يبحث عن مقص يقص به شعره، بل أخذ السكين وقطع بها شعره حتى يرضي الله سبحانه ﵎ بطاعة نبيه ﵊.","vol":"73","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-797>ليس من الكبر تحسين المظهر</span>\nقال: (ثم مر بنا يومًا آخر - يعني: ابن الحنظلية - فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك.\nقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنكم قادمون على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم، وأصلحوا لباسكم حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس، فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش).\nوهذا تعليم من النبي ﷺ لأصحابه: (إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش) وقد صح هذا في حديث آخر عنه ﷺ، فالفحش يقع في كل شيء، في خلق الإنسان، في كلام الإنسان، في أفعال الإنسان، في هيئة الإنسان، فلا يحب الله ﷿ ذلك منه، فقال النبي ﷺ هنا في الحديث: (إنكم قادمون) وكأنهم كانوا في سفر فقاربوا من المدينة التي سيدخلونها، فقال لهم: (إنكم قادمون على إخوانكم).\nإذًا: فعندما تدخلوا عليهم ادخلوا ومناظركم جميلة، سرح شعرك، والبس ثيابًا حسنة، بحيث إن الناس لا يرونك في هيئة المسافر الأشعث الأغبر الذي لا يسر منظره، بل أصلح شأنك عندما تدخل المدينة.\nقال: (فأصلحوا رحالكم، وأصلحوا لباسكم حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس) والشامة الحسنة: هي التي تكون في جسد الإنسان، فهو يقول لهم: كونوا في الناس كمثل الشامة في الجسد، شيئًا طيبًا معروفًا في وسطهم ليس شيئًا منكرًا.\nقال: (فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش) فكأن من الفحش والتفحش أن الإنسان يلبس الملابس القذرة، فيترك شعره في حالة رثة، ويمشي في الطريق وهو على هيئة منكرة، فلا ينبغي له ذلك بل لا بد أن يصلح من نفسه.\nولذلك (لما رأى النبي ﷺ يومًا رجلًا قد هاش شعره، - أي انتفش وارتفع- فقال: أما يجد هذا ما يرجل به شعره؟) يعني: ألا يجد مشطًا يسرح به شعره؟ فيجب على المؤمن ألا يبالغ في الشيء ولا يفرط في تركه، فالمبالغة كأن يجلس الإنسان مع مشطه طول النهار يسرح شعره، فهذا ليس بمطلوب شرعًا، لكن الواجب عليه أيضًا ألا يترك هذا الأمر لئلا يبقى منظره مزريًا وهيئته رثة.","vol":"73","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-798>شرح حديث: (إزرة المسلم إلى نصف الساق)</span>\nروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إزرة المسلم إلى نصف الساق) ومثله القميص ونحوه.\nقال: (ولا حرج فيما بينه وبين الكعبين) يعني: إلى الكعبين (العظمتين اللتين في آخر الساق)، فلا بأس أن يكون إزاره إلى هنا.\nقال: (فما كان أسفل من الكعبين فهو في النار) أي: أن صاحبه في النار.\nقال: (ومن جر إزاره بطرًا لم ينظر الله إليه) أي: جر الإزار، والإنسان إما أن يجر إزاره معذورًا، كأن يكون نحيفًا فاسترخى عليه الثوب من تحت حزامه فهذا معذور، أما الإنسان الذي يذهب إلى الخياط فيفصل له ثوبًا مجرجرًا طويلًا في الأرض بطلبه فهذا هو الخيلاء والبطر الذي نهى عنه النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nوروى مسلم عن ابن عمر ﵄ قال: (مررت على رسول الله ﷺ وفي إزاري استرخاء فقال: يا عبد الله، ارفع إزارك).\nوعبد الله بن عمر هنا لم يكن متعمدًا في ذلك، ولكن الإزار استرخى منه وهو يمشي فتركه، فقال له النبي ﷺ: (ارفع إزارك، قال: فرفعته).\nقال: (ثم قال: زد، فزدت، فما زلت أتحراها بعد).\nوعبد الله بن عمر إذ ينصحه النبي ﷺ فإنما ينصح رجلًا مشهورًا بالعبادة، فهو يعطيه ما يليق به، فلذلك (قال بعض القوم: إلى أين؟ فقال: إلى أنصاف الساقين).\nفهنا دله النبي ﷺ على المستحب وليس على الواجب، وإلا فالواجب أن يكون إلى العظمة التي في الساق وهي الكعبين، لكن المستحب أن يكون الإزار أو القميص ما بين الركبة والساق، أي: في نصف الساق، وهو المكان الذي كان عبد الله بن عمر ﵄ يلبس إزاره إليه.\nوروى أبو داود والترمذي وقال الترمذي: حسن صحيح، وإسناد الحديث صحيح، وهو من حديث ابن عمر أيضًا مرفوعًا (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) ومعنى أن الله لا ينظر إليه: أي أنه غضبان منه، فإذا لم ينظر الله ﷿ إليه، فهل سينتظر منه رحمة يوم القيامة؟","vol":"73","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-799>كيف تكون إزرة النساء</span>\nقال: (فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن، قال: يرخين شبرًا.\nقالت: إذًا تنكشف أقدامهن.\nقال: فيرخينه ذراعًا لا يزدن).\nفكأن المرأة لابد لها أن تستر قدميها أثناء سيرها؛ لأنها قد تلبس خفًا أحيانًا أو نعلًا يظهر قدميها غالبًا.\nفالسيدة أم سلمة ﵂ تسأل النبي ﷺ وتقول: (كيف تصنع النساء بذيولهن؟ فقال: يرخين شبرًا) أي: هل النساء مثل الرجال؟ فالرجل مستحب له إلى نصف الساق، قال: تنزل عن ذلك شبرًا، فترخي شبرًا من موضع الاستحباب من الرجل، أي: من نصف ساقها، فقالت: (إذًا تنكشف أقدامهن) يعني: أنه لو كان شبرًا من نصف الساق المستحب للرجال فستنكشف القدم أثناء سيرها، قال: (فيرخينه ذراعًا) يعني: فمن نصف الساق يكون بمقدار ذراع فقط.\nوالمقصود منه: جعل الثوب يغطي القدمين، وخصوصًا إذا كانت القدم حافية أو كانت تلبس شيئًا يكشف القدمين، أما إذا كانت تلبس حذاء أو خفًا أو نعلًا يستر قدميها فلا يلزمها حينئذ أن تدني إزارها بقدر الذراع، ولكن بالشيء الذي تمشي به بحيث لا تنكشف قدمها ولا ينكشف ساقها.\nوإذا كانت المرأة تمشي وعليها ثوب طويل يستر قدميها، فأصاب هذا الثوب شيئًا نجسًا في الأرض فكيف يتم تطهيره؟ ف\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قد أخبر ﷺ بأن الأرض كفيلة بتطهيره، فإذا أصاب ثوبها شيء من النجاسة في مكان ثم تابعت مشيها فإن الأرض تطهر ما تنجس في المرة الأولى، ولا يجب عليها أن تغسله بل تصلي فيه، والله أعلم.","vol":"73","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-800>استحباب ترك الترفع في اللباس تواضعًا</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب استحباب ترك الترفع في اللباس تواضعًا].\nينبغي للإنسان إذا لبس ثوبًا أن يتواضع لله سبحانه ﵎، فلا يبحث عن أرفع الأشياء ليكلف نفسه ووالديه، فإنه يكون في النهاية مدعاة للخيلاء وكسرًا لقلوب الفقراء، فلا داعي لهذا الشيء، فقد تقدر أنت على هذا الشيء ولكن غيرك لا يقدر عليه، ويكون أبناؤك ذاهبين إلى المدرسة أو مكان آخر وملبسهم أفخر الأشياء وأضخمها وبجوارهم تلامذة فقراء لا يجدون هذا الشيء، وقد تعطيه أجود أنواع الطعام والذي بجواره ينظر إليه، فإما أن يحقد عليه، وإما أن ينكسر قلبه بذلك، فيحس بأن أباه لا يأتي له بشيء، فأظهر التواضع حتى ولو كان معك ما كان.\nذكر هنا حديثًا رواه الترمذي من حديث معاذ بن أنس أن رسول الله ﷺ قال: (من ترك اللباس تواضعًا لله).\nيعني: من ترك اللباس الفاخر والثياب الغالية، وإن كانت حلالًا، ولكنه تركها تواضعًا لله ليس بخلًا على نفسه، فلا يريد أن يأتي بالحذاء الذي ثمنه مائة جنيه أو مائتين بل يأخذ حذاء ثمنه عشرة جنيهات أو خمسة فيلبسه تواضعًا لله سبحانه ﵎.\nفإذا لبس الثوب الرخيص متواضعًا وهو قادر على الغالي فإن النبي ﷺ يقول: (من ترك اللباس تواضعًا لله، وهو يقدر عليه، دعاه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها).\nفالجزاء من جنس العمل، فأنت تركت الثياب الفاخرة، فتعال يوم القيامة واختر إذًا أعلى وأغلى وأعظم الثياب ونقي الذي تريده، والآن تجد الإنسان يريد أن يظهر أنه غني، فيذهب مع مجموعة إلى أفخم دكان فيدخل فيه وينقي أغلى الأشياء أمام من حوله ليقال عنه كذا، فلعله يحرم من هذا المال في الدنيا بسبب فخره وخيلائه، أما يوم القيامة فهو يوم النتيجة والفلاح الأعظم نسأل الله ﷿ أن يجعلنا من المفلحين، فيأتي ربنا بهذا الإنسان ويقول له: تعال واختر أفضل شيء تريده من أي أنواع ثياب الإيمان التي يلبسها أهل الإيمان، واختر أفخر حلة تريد أن تلبسها في هذا اليوم.\nقال: (من ترك اللباس تواضعًا لله وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها).","vol":"73","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-801>باب استحباب التوسط في اللباس</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب استحباب التوسط في اللباس ولا يقتصر على ما يزري به لغير حاجة ولا مقصود شرعي].\nيعني: أنك إذا تواضعت ولبست الثياب العادية، فلا يشترط فيها أن تكون مرقعة أو قذرة، ليس هذا بمطلوب شرعًا، بل تلبس ثيابًا نظيفة مثل غيرك من الناس.\nففي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -أيضًا رواه الترمذي - قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله يحب أن يُرى أثر نعمته على عبده).\nوفي رواية: (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده).\nوسببه: (أن رجلًا أتى للنبي ﷺ وكان لابسًا ثيابًا رثة، تدل على أنه فقير محتاج، فسأله النبي ﷺ: ماذا أنعم الله ﷿ عليك من أنواع المال؟ فقال: من كل أنواع المال قد أنعم الله علي) يعني: أن الله أعطاني من كل شيء، من الإبل والبقر والغنم.\nقال: (إن الله إذا أنعم على عبد أحب أن يرى أثر نعمته عليه) فالله ﷿ إذا أعطاك من النعم، فلماذا تمشي في ثياب الفقراء؟ فمن المحبب أن تظهر آثار نعم الله ﷿ عليك.\nفلا يجوز أن يكون الإنسان متواضعًا بحيث يصل إلى درجة البخل، فيلبس الثوب المرقع، أو الثوب غير النظيف، ولا أنه يختال ويفتخر على الناس، بل لا بد من التوسط، فيلبس الثياب الطيبة النظيفة التي يلبسها سائر الناس، ولا يترفع على الناس ولا يتعالى بل يلبس الثوب الذي إذا رآه الفقير أحب أن يأتي إليه ويكلمه ويستشعر فيه أنه متواضع؛ لأنك إذا لبست بدلة غالية الثمن خاف الفقير أن يقرب منك معتقدًا أنك ذو منصب عالٍ فلا يكلمك، وأنعم بذلك أن يستشعر الفقير أنك مثله، ولو بتواضعك وحسن خلقك، فلعلك تحشر مع المساكين يوم القيامة، الذين تمنى النبي ﷺ أن يحشر معهم فقال (اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين).\nنسأل الله ﷿ أن يجعلنا مع النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"73","page":11},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-802> من (تحريم لباس الحرير على الرجال) إلى (ما يقول إذا لبس ثوبًا أو نعلًا أو نحوه)</span>\nلكل جنس من المخلوقات خصائص اختصه الله بها، وقد ميز الله الرجال بخشونة القول والفعل، لذا كان تحريم لبس الحرير والذهب واستعمالها أنسب في حقهم، ورخص في ذلك بقدر الحاجة، وجاء النهي عن لبس جلود السباع وافتراشها.","vol":"74","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-803>حرمة لبس الحرير على الرجال</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب تحريم لباس الحرير على الرجال، وتحريم جلوسهم عليه، واستنادهم إليه، وجواز لبسه للنساء.\nعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تلبسوا الحرير؛ فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة) متفق عليه.\nوعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنما يلبس الحرير من لا خلاق له) متفق عليه.\nوعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة) متفق عليه.\nوعن علي ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ أخذ حريرًا فجعله في يمينه، وذهبًا فجعله في شماله، ثم قال: إن هذين حرام على ذكور أمتي)].\nهذه أحاديث يذكرها الإمام النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب تحريم لباس الحرير على الرجال، وتحريم جلوسهم عليه، واستنادهم إليه، وجواز لبسه للنساء.","vol":"74","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-804>الحكمة في تحريم الحرير على الرجال</span>\nخلق الله سبحانه ﵎ ما يباح للخلق كلهم، وخلق الله ﷿ ما يشرع للبعض من عباده وما لا يجوز للبعض الآخر، فالذي يملك أن يشرع ويأمر وينهى هو الله سبحانه، وله الحكمة العظيمة في كل شيء، الله عليم حكيم، فالله خلق للناس اللباس، وأنزل للناس ريشًا يستمتعون به، وكسوة يستدفئون بها، ويلبسونها ويتزينون بها، وقد أباح لهم على العموم أن يلبسوا، وقال لهم: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣١ - ٣٢].\nإذًا: ما أباحه الله ﷿ واستمتع به المؤمن في الدنيا من نعم فهي خالصة له، وهي حلال له، ويوم القيامة لا يحاسب عليها، ولن يقال له: لم لبست كذا وقد أباحها الله ﷿؟ ولكن حرم أشياء على العباد إما لكونها لا تليق بهم أن يلبسوها، أو لخبثها ونجاستها فهي لا تلبس.\nأما الذي حرم وليس مستقذرًا أو نجسًا كالحرير فقد حرمه الله سبحانه على الرجال، وحرم مثله الذهب لحكمة منه سبحانه، وجعله ابتلاء يبتلي به العباد، وإن هذه محرمة عليكم في الدنيا وسوف تلبسوها في الجنة، فإذا لبستموها الآن في الدنيا فيحرم عليكم أن تلبسوها في الجنة، والجنة لا يحرم الله ﷿ على أهلها شيئًا فيها، إذًا: فسوف يحرم من دخول الجنة من لبسه في الدنيا؛ لكونهم فعلوا ما حرم الله سبحانه ﵎ عليهم.\nفأباح الذهب والحرير للنساء، وحرم الذهب والحرير على الرجال لحكمة منه سبحانه ﵎.","vol":"74","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-805>النهي عن تشبه الرجال بالنساء في الزينة</span>\nجعل الله الرجل ليس محل الزينة ولا يهتم بمظهره، وإن كان قد أمره بأخذ شيء من الزينة فقال: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف:٣١] ولكن في حدود ما أباح الله سبحانه، وليس بالمبالغة بحيث يصير الرجال كالنساء في التزين مثلًا، ولكن قال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١]، فمن احترامك لبيت الله وللصلاة التي تصليها أن تتزين لها، ومستحيل أن هذا الذي يتزين ليعبد الله سيلبس شيئًا حرمه الله ويعبد الله فيه، أو أن يتزين كما تتزين المرأة لبعلها، ولكن زينة الرجال زينة تليق بهم وبرجولتهم وفحولتهم وعبادتهم لربهم سبحانه ﵎.\nوأما إذا انسلخ الإنسان من جلده فصار يلبس لبسة المرأة فلا، وما الذي يجعل الرجل يلبس لبسة المرأة؟ ما هو إلا شيء باطن في داخله من اعتراض على الله سبحانه، أو فاحشة موجودة بداخل هذا الإنسان يريد أن يواقعها، فربنا جعل للرجال لباسًا، وللنساء لباسًا، جعل للرجال زينة وللنساء زينة، وحرم خلط الأمرين معًا، فلعن المرأة تلبس لبسة الرجل، ولعن الرجل يلبس لبسة المرأة، لعن المرأة المترجلة التي تلبس مثل الرجل، وتمشي مشية الرجل، ولعن الرجل المخنث الذي يلبس لبسة المرأة، ويمشي مشية المرأة.\nالفواحش إنما دخلت على أهل الفواحش؛ لأن النساء تتزين بزينة الرجال، فإذا بالمرأة تستغني بالمرأة عن الرجل، والرجال يتخنثون، فإذا بالشرور والفواحش توجد بين الرجل والرجل والعياذ بالله.\nأما المجتمع المسلم فمن المفروض أنه مجتمع طاهر نقي تقي، يعرف العبد فيه حدود الله ﷿، فلا يقع فيما حرم الله، ولا يتجاوز ما أحل الله سبحانه ﵎.\nوهذه البدايات: أن ينتهكوا المحارم فيواقعوها شيئًا فشيئًا حتى يواقعوا كل ما حرم الله سبحانه ﵎.","vol":"74","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-806>تحريم الحرير في الآخرة على من لبسه في الدنيا</span>\nفي الحديث عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تلبسوا الحرير؛ فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة)، فمن يلبس الحرير من الرجال ليتزين به في الدنيا فلن يحل له يوم القيامة، ولن يدخل الجنة التي فيها الحلي والحرير.\nكذلك الذهب مثل الحرير قال: (إنما يلبس الحرير من لا خلاق له) الخلاق: بمعنى: النصيب والحظ، والمعنى: أن هذا لا حظ له في الجنة، ومحروم من دخولها الذي يلبس الحرير في الدنيا، أو يجلس على الحرير، أو يتكئ على الحرير، كله واحد ممنوع منه.","vol":"74","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-807>استواء لبس الحرير بالجلوس عليه والاستناد إليه في الحرمة</span>\nقال الإمام النووي ﵀: [تحريم لباس الحرير على الرجال، وتحريم جلوسهم عليه، واستنادهم إليه]، مثل: كرسي أو مكتب مكسو من حرير، الشنطة يكسوها من حرير، وسادته التي يتكئ عليها تكون من حرير.\nهذا حرام كله، فنهانا النبي ﷺ عن لبس الحرير، وقال: (هذان حرام -الذهب والحرير- على ذكور أمتي)، هذا حرام بأي منفعة من المنافع، فمن لبس الحرير ونام به، أو افترشه أو تغطى به، أو اتكأ عليه، فهو ممنوع عليه أن يصنع ذلك إلا بالقدر الذي أباحه النبي ﷺ، وهو شيء لا يكون مثله لباسًا، وإنما قد يكون زينة بشيء، كما جاء أنه أباح قدر الأصبعين أو ثلاثة أو أربعة، قد يكون في الثوب الذي يلبسه الرجل شيء من الحرير في الخيوط، ولكن ليس كله، ولا نصفه بل الشيء القليل الذي هو كنسبة الأصبع والاثنتين والثلاث والأربع إلى باقي الثوب، فإذا كان شيئًا يسيرًا لا يذكر ولا يقال: إن فلانًا يلبس حريرًا، جاز هذا الشيء بمثل هذا القدر، أما ما زاد على ذلك فقد منع منه النبي ﷺ.\nإذًا: يلبس الحرير في الدنيا من الرجال من لا خلاق له في الآخرة، يعني: من لا نصيب له في الآخرة، وليس له حظ في الجنة، وإنما حظه في النار والعياذ بالله.\nكذلك في حديث علي بن أبي طالب قال: (رأيت رسول الله ﷺ أخذ حريرًا فجعله في يمينه، وذهبًا فجعله في شماله، ثم قال: إن هذين حرام على ذكور أمتي) وهذا الحديث صحيح، ذكر الإمام النووي أنه رواه أبو داود بإسناد حسن، وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود.\nالحديث فيه: أن النبي ﷺ قال: (إن هذين -الذهب والحرير- حرام على ذكور أمتي)، فدل الحديث على أنهما حل للإناث.\nوفي حديث لـ أبي موسى الأشعري رواه الترمذي وقال: حسن صحيح قال: (حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم) هذا الحديث الصحيح نص أن الحرير والذهب حل للإناث حرام على الذكور.\nإذًا: المرأة لها أن تلبس الحرير والذهب، والرجل يحرم عليه لبس الحرير والذهب.\nوعن حذيفة ﵁ قال: (نهانا النبي ﷺ أن نشرب في آنية والذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه).\nالجلوس أو الاتكاء على الحرير أو الديباج -وهو نوع من أنواع الحرير- لا يجوز، سواء تبطن به أو تجعله ظاهرًا على الفرش مثلًا ونحو ذلك، فلا يجوز لك أن تلبس أو تجلس على الحرير، ولا أن تلبس الذهب، ولا أن تستعمله في أكل أو شرب ونحو ذلك.","vol":"74","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-808>ما جاء من الرخصة في لبس الحرير للرجال</span>\nقد يرخص ما حرمه الله ﷾ لسبب ما، ولكن الرخصة لا تأخذ حكم الإنسان في حالته العادية، ولكن الرخصة تقدر بقدرها، والعزيمة أنه يحرم عليك أن تلبس الذهب أو الحرير.\nقال النووي: [باب جواز لبس الحرير لمن به حكة]، والحكة: المرض الجلدي، مأخوذ من الاحتكاك، وغالبًا ما يطلق على مرض الجرب.\nهذا الشيء الوحيد الذي ممكن أن يلبسه ويكون خفيفًا على الجلد، ولا يسخن جلد الإنسان، وكانوا في عهد النبي ﷺ الدواء صعب لمن عنده جرب، فرخص النبي ﷺ مع هذه الضرورة في لبس الحرير.\nفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: (رخص رسول الله ﷺ للزبير وعبد الرحمن بن عوف ﵄ في لبس الحرير لحكة بهما) يعني: الله ابتلاه بهذا المرض الجلدي، والصوف والقطن لا يناسبهما، فالنبي ﷺ رخص لهما في لبس الحرير.\nهذا ما جاء في باب الرخصة، ولا يؤخذ به في عموم الأحوال، ولكن يؤخذ به في وقت الاحتياج فقط.\nكذلك الذهب يرخص فيه لاستبدال عضو من الأعضاء كعظم من العظام كالمفاصل ونحوها، ولذلك جاء في حديث عرفجة أنه قطعت أنفه في يوم كلاب -حرب من الحروب الجاهلية- فاتخذ أنفًا من فضة فأنتنت عليه، يعني: كأن عظام أنفه اقتطعت أو أنفه كلها قطعت، فوضعوا له فضة بدلًا عنها فأنتنت عليه وما نفعته، فاستبدلها بذهب وأقره النبي ﷺ على ذلك.\nففيه أنه قد يستخدم الذهب في عظم الإنسان يستبدل به إذا كان يصلح في ذلك كمفصل ونحوه، أو كالأسنان، وكان الصحابة يشدون أسنانهم بالذهب رضي الله ﵎ عنهم، ويرون أن هذا من باب التطبب، وأنهم يحتاجون إلى ذلك طبًا، فهذا جائز ولا شيء فيه، أما من يلبسه على وجه الزينة فهو غير جائز.\nإذًا: منعنا النبي ﷺ من الذهب والحرير للرجال، كما أنه نهى ﷺ عن جلود السباع، وقد اختلف الفقهاء فيما يطهر منها، فذهبوا إلى أن المأكول من بهيمة الأنعام يجوز أنك إذا ذبحتها أن تأخذ جلدها وتدبغه وتلبسه وتفترشه.\nوإذا ماتت بهيمة الأنعام فأيضًا الجمهور على الجواز، لما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (هلا أخذتم إيهابها فدبغتموه.\nفقالوا: إنما هي ميتة، قال: إنما حرم لحمها).\nإذًا: جلود الأنعام التي ماتت كالبعير والبقرة والغنمة يجوز أن تؤخذ وتسلخ وتدبغ وينتفع بها، لكن إذا كانت سباعًا فهذا غير جائز، لعله إذا ذبحه يأتي أناس يأكلوه، فيستحلون ما حرم الله ﷿، فمنعنا ابتداءً من ذلك، لا جلد السبع وهو مذبوح ولا وهو غير مذبوح.\nوهل جلد السبع نجس أم لا؟ لا شك أنه إذا كان ميتة أو مأخوذ منه سواء ذبح أم لم يذبح فهو نجس، ولكن قد يدخل في عموم حديث النبي ﷺ: (أيما إيهاب دبغ فقد طهر)، ففرق بين أنه دبغ وطهر، وبين أن يأخذه الإنسان فيستعمله، هذا الذي منع منه النبي صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"74","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-809>النهي عن افتراش جلود السباع</span>\nالنمار: هي جلود النمر، وقس عليه غيره كجلد السبع الأسد والكلب وغيره من الجلود، فإذا دبغت فلا يجوز للمسلم أن يجلس عليها، أو أن يركب عليها.\nففي حديث معاوية الذي رواه الإمام أبو داود بإسناد حسن، قال النبي ﷺ: (لا تركبوا الخز ولا النمار) الخز: الصوف أو الوبر المختلط بالحرير، يعني: مثل شعر البعير أو الأرانب ونحوه فلا شيء فيه وهو جائز، ولكن كأنه غالب في حالهم أنهم كانوا يخلطونه بالحرير، فنهى النبي ﷺ عن ذلك إذا كان الخز مخلوطًا بالحرير، بحيث يظهر أنه كله حرير، أو أنه واضح الحرير الذي فيه، فهذا ممنوع منه.\nوفي حديث أبي المليح: (أن رسول الله ﷺ نهى عن جلود السباع)، ليس النمر فقط بل كل السباع، ويطلق السبع على كل من عدا بنابه وقتل به وعقر، مثل الكلب والأسد والنمر وكل شيء من السباع الذي يأكل الحيوان ويعقر بنابه، هذا سبع فنهانا النبي ﷺ عن افتراش جلودها.\nوفي النهي عن علة أكلها يقول العلماء: إن أكل هذه الأشياء تجعل الإنسان يتطبع بطبيعته ويصبح مثل الوحش يأكل لحوم الأسد أو النمر، أو الكلاب، وتصير أخلاق الإنسان مثله، ولذلك ترى الأسد في حديقة الحيوان عندما توضع له قطعة اللحم يأكلها وكأنه يفترس فريسة! فهذه طبيعة فيه، كذلك الذي يأكل من لحومها يصير كهيئتها في الطبيعة الوحشية، فيأكل اللحوم ولا يهتم، في النهاية ممكن يأكل الإنسان لحم البشر ولا يهتم لذلك.\nفلذلك قال من يتكلم عن هذه الأشياء من العلماء: إن أكل لحوم هذه الوحوش تعطي الإنسان طبيعة الوحش نفسه، فلا يمنع أن يكون استخدام جلود هذه الأشياء يطبع الإنسان بهذه الطبيعة التي عليها، فنهانا النبي ﷺ أن نفترش جلود النمار، أو جلود السباع.","vol":"74","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-810>ما يقوله من لبس ثوبًا جديدًا</span>\nيقول الإمام النووي ﵀: [باب ما يقول إذا لبس ثوبًا جديدًا أو نعلًا أو نحوه].\nعندما ينعم الله على العبد بنعمة من نعمه سبحانه ويكسوه ثوبًا أو حذاءه ماذا يقول العبد؟ روى أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن، وصححه الشيخ الألباني، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا استجد ثوبًا) إذا لبس ثوبًا جديدًا ﷺ (سماه باسمه) هذا قميص هذه عمامة هذا نعل (سماه باسمه -عمامة أو قميصًا أو رداء- يقول: اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه)، ولعله سماه باسمه هنا في قوله: كسوتنيه يعني: يقول: اللهم لك الحمد أنت كسوتني هذا القميص، أنت كسوتني هذا الرداء، أنت كسوتني هذا الإزار، فيسميه باسمه: (أسألك خيره وخير ما صنع له)، هذا الدعاء الطيب الجميل من النبي ﷺ يعلم المؤمن أن يشكر نعمة الله سبحانه ﵎، ولا يحتقر نعمة الله عليه، فيشكر الله بخصوص هذه النعمة التي أنعمت عليه، أعطيتني هذا القميص، هذا البنطلون، فتذكر الشيء باسمه وأن الله أنعم به عليك سبحانه ﵎.\nقال: (أسألك خيره) يعني: خير هذا الثوب، الثوب فيه خير وفيه شر، خير الثوب: أن تلبسه ويكون واسعًا عليك فضفاضًا يكسوك ويستر عورتك ويقيك الحر ويقيك البرد.\nهذا من خير الثوب.\nوشر الثوب: أن يكون على الإنسان ضيقًا، يدعو الإنسان للخيلاء فيستكبر على الخلق ويرى أنه أفضل منهم، وأنه أحسن منهم بهذا الثوب، أو بهذا النعل الذي لبسه.\n(أسألك خيره وخير ما صنع له) مصنوع لماذا؟ لأني ألبسه أتدفأ به أم أفتخر به على الناس؟ (وأعوذ بك من شره) شر الثوب ما فيه إذا كان ضيقًا أو يؤذيه أو لباس شهرة أو لباسًا محرمًا (وشر ما صنع له) أي: صنع من أجله للخيلاء والغرور أو للكيد للناس، أو لإظهار المفاتن والعورات، فيتعوذ بالله من شر ما صنع له هذا الثوب.\nفينبغي على المسلم إذا وهبه الله ورزقه رزقًا أن يحمد الله سبحانه ﵎ ويشكره، قال سبحانه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧]، ووعد من الله سبحانه ﵎ أنك كلما شكرت زادك الله سبحانه ولم يحرمك: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]، فإذا كفر العبد بالله سبحانه أو جحد النعمة نزعها منه، كمن يقال له: احمد الله وتذكر نعمه عليك، فيقول: لماذا فلان يلبس كذا؟ كأنه يستكثر نعمة الله سبحانه عليه؟ ولا يعرف الحق لصاحبه سبحانه ﵎، فهذا يجحد نعمة الله، ويستحق عذاب الله، لذلك مهما أنعم الله ﷿ عليك من نعمة، قد رأيتها في الماضي كبيرة أو صغيرة كل نعم الله ﷿ على عبده كبيرة، والعبد قد يعرف الفضل في هذا الشيء وقد لا يعرفه، ولكن الله يعلم سبحانه ﵎، فاشكر الله سبحانه واحمده على ما آتاك من نعمة، فبذلك تدوم عليك النعمة بحمدك وشكرك لله سبحانه، ويعطيك خيرًا منها.\nنسأل الله من فضله ورحمته؛ فإنه لا يملك ذلك إلا هو.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم على محمد.","vol":"74","page":9},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-811> ما يقوله عند النوم</span>\nشرع الله تعالى ورسوله للمؤمن أذكارًا معينة في حياته؛ ليكون دائم الذكر له سبحانه، وذلك كأذكار الصباح والمساء، وأذكار دخول المنزل والخروج منه، وغيرها، ومن جملة هذه الأذكار: أذكار النوم، فهي حصن حصين من الشيطان، وتجعل صاحبها في قرب من الله، وتواصل دائم معه، وللنوم آداب شرعية أخرى ينبغي الحرص عليها.","vol":"75","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-812>فضل أذكار النوم</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: قال الإمام النووي ﵀: [كتاب آداب النوم والاضطجاع.\nعن البراء بن عازب ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه نام على شقه الأيمن، ثم قال: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت) رواه البخاري.\nوعنه قال: (قال لي رسول الله ﷺ: إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل)، وذكر الحديث، وفيه: (واجعلهن آخر ما تقول) متفق عليه.\nوعن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة فإذا طلع الفجر صلى ركعتين خفيفتين ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يجيء المؤذن فيؤذنه) متفق عليه].\nكتاب آخر من كتب رياض الصالحين للإمام النووي ﵀ وفيه آداب النوم والاضطجاع، أي: ما ينبغي على المسلم إذا أراد أن ينام أن يصنع عند نومه.\nوالنوم كما هو معروف هو الموتة الصغرى، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢] فالمسلم حين يضع جانبه على فراشه يتخيل أن تكون هذه آخر نومة ينامها، فيمكن أن يقبضه الله ﷿ خلال هذا النوم، فيختم حياته ويختم يومه بذكر الله ﷾، ويكون هذا آخر شيء كان عليه، فإذا توفي على ذلك مات على شيء عظيم من ذكر الله سبحانه، وخاصة إذا كان ختم بقراءة قل يا أيها الكافرون، فيموت على براءة من الكفر، فتبرأ من الكفر، وتبرأ من الشرك وأهله، فيموت على خير حال إذا كان يختم له بذلك.","vol":"75","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-813>وجوب التمسك بلفظ النبي في الأدعية المتعبد بها</span>\nهناك الأحاديث الكثيرة التي جاءت عن النبي ﷺ في كيفية نومه ﵊ والأذكار التي كان يقولها وقت منامه.\nفهنا يقول: عن البراء بن عازب ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه نام على شقه الأيمن ثم قال: اللهم أسلمت نفسي إليك)، وهذه رواية، وفي رواية أخرى أنه قال: (اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذين أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت).\nفأخذها البراء بن عازب من النبي ﷺ وحفظها وكان حفظهم عجيبًا، فحفظهم كان حفظًا متقنًا، فإنه سمع النبي ﷺ مرة فرددها بعد النبي ﷺ فحفظها، ويصعب علينا أن نسمع هذا الحديث مرة بل كذا مرة ونحفظه منها.\nفلما قالها النبي ﷺ أعادها أمام النبي ﷺ فقال الحديث: (اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت).\nقال هكذا البراء ﵁، فإذا بالنبي ﷺ يوقفه ويقول: (وبنبيك الذي أرسلت)، فهو بدل كلمة واحدة، ولعل في ظنه أن تبديل هذه الكلمة بما هو أحسن منها أمر حسن، فإن الرسول أعلى من النبي، فكل رسول لابد أن يكون نبيًا ﵊، وليس كل نبي رسولًا، فالنبي نبئ من عند الله ﷿، وأوحي إليه من الله والرسول كذلك، والرسول أطلعه الله على شيء مغيب لا يعرفه غيره، وكان معه للناس ما يتحداهم به من عند ربه ليثبت أنه نبي من عند الله سبحانه، فالنبي يدعو الناس إلى التوحيد، ويحكم بشرع من قبله، لكن إذا أوحي إليه برسالة وأمر أن يبلغها فهذا رسول.\nفكان البراء بدل لفظة بما هو أعلى منها في ظنه، فقال: (آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبرسولك الذي أرسلت)، فقال له النبي ﷺ: (وبنبيك الذي أرسلت)، يبين له أنه ما كان من أذكار يتعبد بها فليس لك أن تبدل مبانيها ولا معانيها ولا ألفاظها، وليس لك الترجيح فيها، فأي لفظ قاله النبي ﷺ على وجه التعبد عليك أن تقوله أنت أيضًا بلفظه.\nوهناك فرق بين قولك: (آمنت بنبيك الذي أرسلت)، وقولك: (برسولك الذي أرسلت).\nفإن قولك: برسولك الذي أرسلت تحصيل حاصل، لكن إذا قلت: بنبيك أعطيت وصفًا معينًا وهو وصف النبوة، فإذا قلت: الذي أرسلت زدت على الوصف وصفًا آخرًا فكانت أجمل.","vol":"75","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-814>سنن النوم</span>\nالحديث فيه أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه نام على شقه الأيمن، وهذه سنة من السنن وهي أنك في بدء نومك تنام على شقك الأيمن، فإن كبد الإنسان في الشق الأيمن منه، والمعدة في الوسط ومائلة إلى الشق الأيسر.\nفإذا نام على جانبه الأيسر وخاصة إذا كان شابعًا يقوم الكبد والثقل يضغط على معدة الإنسان فلعله في أثناء النوم يتعبه ذلك، ويساعد على صعود العصارة المعدية إلى فمه وهو نائم؛ فلذلك تبدأ النوم على الشق الأيمن فهو أيسر عليك من أن تنام على شقك الأيسر.\nفهذا من السنن وليس من الفرائض.\nقال: ثم قال: (اللهم أسلمت نفسي إليك)، وفي الحديث الآخر أن النبي ﷺ قال للبراء: (إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة)، فعلمه سنة أخرى من السنن وهي أن تتوضأ كوضوئك للصلاة، ومعلوم أنه ليس هناك وضوء ثان غير وضوء الصلاة، ولكن كأن المعنى اللغوي عندهم من معاني الوضوء التنظف، أو غسل اليدين، فهنا حتى لا يشكل عليه ذلك ويظن أن المقصود التنظف أو غسل اليدين قال: (توضأ وضوءك للصلاة) يعني: كما تتوضأ للصلاة توضأ أيضًا حين تذهب للنوم.\nقال: (ثم اضطجع على شقك الأيمن) أي: عندما تنام ابدأ النوم على جانبك الأيمن، وقل هذا الذكر العظيم واجعله آخر ما تقول، حيث قال: (واجعلهن) أي: هذه الكلمات (آخر ما تقول).\nقال: ثم قل وذكر الحديث: (اللهم أسلمت)، أو تقول: (إني أسلمت)، فكله جائز.\nوقوله: (أسلمت نفسي إليك) أي: مسلمًا نفسي لله سبحانه يحكم فيها بما يشاء، ويتحكم فيها بما يريد ﷾، فأنا أسير مستسلم لك يا رب.\nوقوله: (ووجهت وجهي إليك).\nأي: أنا على دينك حيثما توجهت كما قال تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] فإن كنت نائمًا على شقك الأيمن سواء كان السرير في هذه الناحية إلى القبلة أو لم يكن، وإن كان الأفضل أن يكون إلى القبلة، فيكون وهو نائم متوجهًا إلى القبلة ولكن لم يلزم النبي ﷺ البراء بذلك.\nوقوله: (قل ذلك: وجهت وجهي إليك) أي: أتوجه إليك بعبادتي، في صلاتي ونسكي، ومحياي ومماتي، وقيامي ونومي، فأنا متوجه إلى الله ﷿، عابد لله في كل أحوالي.\nوقوله: (وجهت وجهي إليك) أي: أن وجه الإنسان إلى الله سبحانه، والوجه أشرف ما في الإنسان، فإذا توجه الوجه صار البدن أيضًا متوجهًا إلى الله سبحانه، فمعنى: وجه الوجه، أي: انقاد بكليته إلى طريق الله ﷾.\nوقوله: (وفوضت أمري إليك) أي: أني أفوض الأمور إلى الله، فلا حول لي ولا قوة، ففيها التبرؤ من الحول والقوة، والاعتراف بالعجز والتقصير، وأن الذي يدبر أمري هو ربي ﷾، فأفوض أمري إليه، وأتوكل عليه سبحانه، وأكل إليه جميع أموري، فهو الذي يدبرها وليس أنا، وإنما أنا آخذ بالأسباب والذي يدبر الأمر هو الله سبحانه، والذي يصرف الأمور هو الله سبحانه، والذي يقلب القلوب هو الله سبحانه.\nقوله: (وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك)، الإنسان يلجأ إلى الشيء؛ لأنه يجد من يهاجمه ويؤذيه فيحتاج إلى من يكون ظهيرًا له.\nفكأنه يوجه ظهره إلى الله ﷾، فهو ناصره، وهو يحميه ﷾، فالإنسان في الحرب يقول لزميله: أنا سأتقدم وأنت احم ظهري، فأنت هنا وأنت نائم تقول: (ألجأت ظهري إلى الله)، ملجأي وملاذي ومعادي إلى الله ﷾.\nوقوله: (ألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك) أي: أن هذا الذي أفعله كله تحت هذين الصنفين: الرغبة والرهبة، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يدعون ربهم رغبًا ورهبًا، رغبة فيما عند الله، ورهبة مما عند الله سبحانه، وكذا العبادة لا تقوم إلا على أن ترغب فيما عند الله فتطمع في جنته، وقد أمرت أن تسأل الله ﷾ من فضله ورحمته فإنه لا يملكها إلا هو، وتستعيذ بالله من ناره وعذابه.\nفهنا رغبة طالب راغب فيما عند الله سبحانه من فضل، ورهبة راهب خائف مما عند الله من عذاب ومن نار، فقوله: (رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك) أي: أنا هنا توجهت إليك، وألجأت ظهري إليك، واستعذت بك، فأنت الذي تعصمني وتنصرني وتحميني، وأنا لا ملجأ لي إلا عندك.\nفملجأ الإنسان هو المكان الذي يلجأ إليه ليتعوذ به، وأنت ملجأك إلى الله ﷾، ومنجاك أي: مهربك الذي تهرب وتفر إليه هو الله ﷾، فهو الذي يحميك وينصرك سبحانه، فإذا أخطأ الإنسان أو أساء لم يذهب إلى ربه سبحانه، وكأنك تقول: إني وإن أخطأت أو أسأت أو قصرت ووقعت في المعاصي: (لا ملجأ لي ولا منجا منك إلا إليك)، وهذا مثل الحديث الآخر الذي جاء فيه: (أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك).\nفإذا تعوذت طلبت المعاذ والملاذ والملجأ والمهرب الذي تهرب إليه، ومن هذا الذي يعيذك من الله، وتلوذ به من الله ﷾؟! لا أحد، ولكن معاذك الله سبحانه، فهو الذي يعيذك وينجيك، فتقول لله ﷾: (لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك) أي: أهرب من عذابك إلى رحمتك، وأهرب من نارك إلى جنتك، فالكل بيد الله سبحانه وهو الذي يدبر أمر الكون سبحانه.\nوقوله: (آمنت بكتابك الذي أنزلت).\nيعني: أنا مؤمن يا رب، وأنت كريم تعفو وتغفر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨] فكأنك تقول: أنا لست مشركًا، بل أنا مؤمن بك يا رب فاغفر لي، وكن ملجئي ومعاذي.\nوفيه الثقة بالله ﷿، والعقيدة القوية في قلب المؤمن التي يعبر عنها بلسانه بقوله: آمنت بكتابك الذي أنزلته على نبيك من السماء، ونبيك الذي أرسلته إلينا، فقد صدقت وأيقنت وعلمت وتوجهت فتقبل مني ذلك، فإذا قال العبد ذلك، وجعل ذلك آخر ما يقول فمات فلا يرجو إلا الخير من رحمة رب العالمين سبحانه.","vol":"75","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-815>من هدي المصطفى قيام الليل</span>\nمن الأحاديث حديث متفق عليه من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: (كان النبي ﷺ يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، فإذا طلع الفجر صلى ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يجيء المؤذن فيؤذنه) متفق عليه.\nفكان من هدي النبي ﷺ قيام الليل ﵊ دائمًا، فمن أول ما أنزل الله ﷿ عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٢] قام ﷺ قيامًا طويلًا لله سبحانه؛ لأنه قال: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:٢] فكان يقوم أكثر الليل، بل قد يقوم كل الليل، وكان المؤمنون على هذه الحالة أيضًا إلى أن نزل التيسير على النبي ﷺ، فعلم الله بضعف هؤلاء، وعلم أنهم سيلهيهم قيام الليل عن أشياء من جهاد في سبيل الله، وطلب للرزق، فإذا بالله ﷾ يخفف ذلك ويقول: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل:٢٠].\nفبدلًا من قيام الليل كله كما أمرهم الله بقوله: ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:٣ - ٤] خفف الله ﷾ على نبيه وعلى المؤمنين، ولكن مع ذلك كان يقوم ليلًا طويلًا ﵊، فيصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، فإذا طلع الفجر صلى ركعتين، ولم تكن هذه الإحدى عشرة ركعة يصليها متتابعة، بل كان يصلي ثم يستريح حتى يقوم لمثلها ﵊، فيصلي أربعًا تقول السيدة عائشة عنهن: (فلا تسأل عن حسنهن وطولهن).\nفينام ﷺ ثم يقوم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم ينام ويقوم فيوتر بثلاث صلوات الله وسلامه عليه.\nتقول: (فإذا طلع الفجر صلى ركعتين خفيفتين)، فهنا ليل طويل يصليه ﷺ، ولكن إذا طلع الفجر وأذن المؤذن لصلاة الفجر صلى سنة الفجر ركعتين خفيفتين، وما كان يطول في سنة الفجر، بل كان يقرأ قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد بعد الفاتحة، بل إنه مع سرعته في الركعتين تقول السيدة عائشة ﵂: (لا أدري أقرأ فيهن بفاتحة الكتاب أم لا) يعني: سنة النبي ﷺ الإطالة في قيام الليل والتقصير في سنة الفجر.\nولا يستحب أن يزاد على ركعتين، ولو استحب ذلك لفعله النبي ﷺ، ولكن كان يصلي سنة الفجر في بيته ﵊، ثم يضطجع ويستريح من عناء الليل والقيام الطويل لكن بدون نوم، فكان إذا وجد امرأته مستيقظة في هذا الوقت كلمها ﷺ، فإذا كانت نائمة اضطجع ﷺ، ثم يقوم ليصلي صلوات الله وسلامه عليه، بل كان ينهى عن صلاة فوق الركعتين بعد الأذان، فيقول: (لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتين).\nفإذا كنت في المسجد وأذن المؤذن للفجر الصادق، فصل ركعتين فقط، وليس من السنة أن تصلي ركعتين في ركعتين، بل ذهب بعض أهل العلم كالحنابلة إلى أنه يحرم الزيادة على الركعتين.\nلكن لعل إنسانًا دخل المسجد فصلى تحية المسجد ولم ينو سنة الفجر فله أن يقوم ويصلي سنة الفجر بعد ذلك، ولك إذا دخلت أن تنوي الاثنتين صلاة تحية المسجد وسنة الفجر، وتسرع فيها وتجلس تنتظر إقامة الصلاة.\nقالت: (ثم اضطجع على شقه الأيمن)، وهذا الشاهد من الحديث وهو أنه نام على شقه الأيمن وإن كان لم ينم حقيقة، وقولها: (حتى يجيء المؤذن فيؤذنه)؛ لأنه كان في غرفته ﷺ، ولم يكن في المسجد سرج ولا أشياء يضيئون بها المسجد، فكان بلال ينتظر حتى يكتمل عدد المصلين مع النبي ﷺ على وقته المعتاد فيذهب عند بيت النبي ﷺ فيؤذنه بأنه سيقيم الصلاة، ومعنى يؤذنه أي: يعلم النبي ﷺ أنه سيقيم الصلاة.","vol":"75","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-816>من سنن النوم وضع اليد تحت الخد</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن حذيفة ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده، ثم يقول: اللهم باسمك أموت وأحيا، وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور) رواه البخاري.\nوخلاصة السنن أن تتوضأ لتنام وأنت على وضوء، وتضع يدك تحت خدك الأيمن، وتنام على شقك الأيمن، وهذا في أول نومك، ثم تقول: (اللهم باسمك أموت وأحيا) هذه رواية، وفي رواية أخرى: (باسمك اللهم أموت وأحيا).\nفالنوم أخو الموت، والمعنى: أضع جنبي فلعلي أموت، والنوم نفسه جزء من الموت أو شيء من الموت كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢].\nوالتوفي القبض، وهذا شيء أنت لا تشعر به، بل أمر من أمر الله سبحانه ﵎، وقد حاول العلماء أن يبحثوا في ذلك، وأتوا برسام المخ الكهربي، لكي يرسم مخ الإنسان وهو نائم، فلاحظوا عليه أشياء نذكرها في موضعها إن شاء الله في التفسير؛ لكن الغرض أن أحد العلماء من الإنجليز وصل في نهاية بحثه إلى أن هناك شيئًا يقبض من هذا الإنسان، وهو لا يعرف ما هذا الشيء الذي يقبض من هذا الإنسان، لكن الله قد ذكر ذلك سبحانه حيث يقول: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢].\nأي: أن روح الإنسان يقبضه الله قبضًا معينًا، لا نعلم كيفيته، فهو يقبض روح الإنسان بشيء الله أعلم به ثم يرده مرة ثانية، ولذلك كان النبي ﷺ إذا استيقظ من منامه يقول: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور).\nيعني: قبضنا في هذا النوم ثم رد علينا الروح، بل عبر عنه في حديث آخر بقوله: (ورد علي روحي، وأذن لي بذكره)، فالذي اكتشفه العالم الإنجليزي كان قد قاله النبي ﷺ من الماضي.\nوكان عند منامه يقول: (إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ بها عبادك الصالحين)، ويقول: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور) أي: أمر البعث موكول إلى الله، يتصرف ويحكم فيه بما يشاء سبحانه.","vol":"75","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-817>ما يكره من الكيفيات في النوم</span>\nروى أبو داود بإسناد صحيح عن يعيش بن طخفة الغفاري ﵁ قال: قال أبي: (بينما أنا مضطجع في المسجد على بطني إذا رجل يحركني برجله) فهنا يعيش بن طخفة يروي عن أبيه طخفة الغفاري، أنه كان نائمًا في المسجد على بطنه أي: على وجهه.\nفالنبي ﷺ رآه هكذا فحركه برجله ﷺ، فقال له ﷺ: (إن هذه الضجعة يبغضها الله) أي: أن الذي ينام على بطنه قد ارتكب أمرًا يكرهه الله ويبغضه سبحانه.\nفالرجل انتبه فقال: (فنظرت فإذا رسول الله ﷺ) أي: نظر من الذي يوقظه ويقول له هذا الشيء، فإذا هو النبي ﷺ.","vol":"75","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-818>ذم من ترك أذكار النوم</span>\nوحديث آخر يذكره الإمام النووي رواه أبو داود وقال: بإسناد حسن، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من قعد مقعدًا لم يذكر الله تعالى فيه كانت عليه من الله ترة)، والترة: الحسرة، وأصلها الوتر، والوتر: الانفراد، فكأن الإنسان يصير موتورًا أي: حزينًا مفردًا، وهذا يطلق فيمن قتل قريبه كأبيه أو ابنه أو أخيه، فوتر أي: صار موتورًا بمعنى وحيدًا بعد أن كان معه هذا الآخر.\nفكذلك حزن الإنسان الذي يجلس في مجلس لا يذكر الله ﷿ فيه، يصاب يوم القيامة بحزن كحزن الذي قتل له قتيل، يقول: (من قعد مقعدًا لم يذكر الله تعالى فيه، كانت عليه من الله تعالى ترة، ومن اضطجع مضجعًا لا يذكر الله تعالى فيه كانت عليه من الله ترة).\nأي: كان عليه حسرة، وكان عليه نقص، وكان عليه تبعة يوم القيامة بذلك، فإذا نمت لابد أن تذكر الله ﷾ بما ثبت عن النبي ﷺ من أذكار كثيرة كان يقولها النبي ﷺ عند نومه.\nمنها أنه كان يرقي نفسه بقل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثلاث مرات ويمسح بدنه صلوات الله وسلامه عليه، وكان يقرأ آية الكرسي، ويقرأ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٢٨٥].\nوكان يقرأ سورة تبارك عند منامه مع سورة السجدة، وكان أحيانًا يقرأ سورة سبحان وسورة الإسراء وغيرها من السور قبل نومه ﵊، وينصح بأن يكون آخر ما تقرؤه سورة قل يا أيها الكافرون؛ لتكون على براءة من الشرك والكفر.\nنسأل الله ﷿ أن يجعلنا من أهل جنته ومن الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"75","page":8},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-819> جواز الاستلقاء على القفا وما جاء في أدب المجلس والجليس</span>\nإن الإسلام جاء ليؤدب المسلمين ويهذب أفعالهم، ويرتقي بهم في سلم المثالية، حتى يكونوا مثلًا يحتذى به، ومما جاء به الإسلام من الآداب ما يتعلق بالجلوس والاضطجاع خاصة في المسجد، فبين ضوابط الاضطجاع وحذر من انكشاف العورة أثناء ذلك، كما بين ضوابط الجلوس، وبين الجلسات المنهي عنها.","vol":"76","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-820>ما جاء في جواز الاستلقاء على القفا ووضع إحدى الرجلين على الأخرى إذا لم يخف انكشاف العورة</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين: [باب جواز الاستلقاء على القفا ووضع إحدى الرجلين على الأخرى إذا لم يخف انكشاف العورة وجواز القعود متربعًا ومحتبيًا.\nعن عبد الله بن زيد ﵄: (أنه رأى رسول الله ﷺ مستلقيًا في المسجد واضعًا إحدى رجليه على الأخرى) متفق عليه.\nوعن جابر بن سمرة ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسناء) حديث صحيح رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة.\nوعن ابن عمر ﵄ قال: (رأيت رسول الله ﷺ بفناء الكعبة محتبيًا بيديه هكذا ووصف بيديه الاحتباء: وهو القرفصاء) رواه البخاري.\nوعن قيلة بنت مخرمة ﵂ قالت: (رأيت النبي ﷺ وهو قاعد القرفصاء، فلما رأيت رسول الله ﷺ المتخشع في الجلسة أرعدت من الفرق) رواه أبو داود والترمذي].\nهذه الأحاديث يذكرها الإمام النووي ﵀ في كتابه القيم رياض الصالحين في باب: جواز الاستلقاء على القفا، يعني: النوم على الظهر.\nفللإنسان أن ينام على ظهره ويضع إحدى الرجلين على الأخرى إذا لم يخف انكشاف العورة؛ لأن النبي ﷺ نهى عن هذه الهيئة، فكأن نهي النبي ﷺ إذا كان الإنسان ينكشف وهو نائم، كأن تكون ثيابه عبارة عن قميص ليس تحته شيء، فإذا وضع رجلًا فوق الأخرى انكشفت عورته، فإذا كان الإنسان قد استطرأ وضع إحدى الرجلين على الأخرى من تعب أو من مرض ونحو ذلك، ولن ينكشف منه شيء جاز له أن يفعل ذلك، فهنا يذكر الإمام النووي ﵀ القيد وهو إذا لم يخف انكشاف العورة.\nكما ذكر في الباب جواز القعود متربعًا أو محتبيًا، والمرء له أن يجلس أي جلسة كجلسة التشهد أو أي جلسة أخرى طالما أنه ليس منهيًا عنها، فإذا جاء النهي نقف عند حدود النهي، فلا يجوز للإنسان أن يضع إحدى رجليه فوق الأخرى بحيث تنكشف عورته وهو على هذه الهيئة.","vol":"76","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-821>شرح حديث عبد الله بن زيد: (أنه رأى رسول الله مستلقيًا واضعًا إحدى رجليه على الأخرى)</span>\nالأدلة على ما ذكر في هذا الباب منها ما في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد ﵁: (أنه رأى رسول الله ﷺ مستلقيًا واضعًا إحدى رجليه على الأخرى) صلوات الله وسلامه عليه.\nفهو رأى النبي ﷺ مرة من المرات، فكأنه ﷺ تعب فنام على ظهره في المسجد ووضع إحدى الرجلين على الأخرى صلوات الله وسلامه عليه.\nففعله ﷺ لذلك مع نهيه عنه يدل على أن النهي ينزل على حال، والفعل على حال أخرى، فنهيه عن ذلك إذا كان الإنسان تنكشف عورته عند فعله ذلك، أما إذا كان الإنسان متعبًا ووضع إحدى الرجلين على الأخرى ولا يخاف التكشف فله أن يفعل ذلك.","vol":"76","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-822>شرح حديث: (كان النبي إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسناء)</span>\nمن الأحاديث حديث جابر بن سمرة ﵁: (كان النبي ﷺ إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسناء) وهذا الحديث يقول عنه النووي: صحيح، وقد رواه الإمام أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة.\nوالحديث فيه أن النبي ﷺ كان إذا صلى الفجر تربع في مجلسه، فكانت عادة عنده ﷺ أو كثيرًا ما يصنع ذلك، إلا إذا انشغل بشيء ﵊، فكان يجلس متربعًا، وجلسة التربع جلسة معروفة، فكان يجلس على هذه الهيئة ﷺ حتى تطلع الشمس حسناء، وهذه الهيئة فيها أدب، فمن يجلس متربعًا غير الجالس وقد مدد رجليه، وغير النائم على ظهره واضعًا إحدى رجليه على الأخرى، فحال النبي ﷺ كان إذا صلى الفجر جلس متربعًا ﷺ، فهل يا ترى نقدر الآن أن نجلس هذه الجلسة من بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس؟ هذه المدة تقدر بحوالى ساعة وربع إلى ساعة ونصف، فيقول الراوي هنا وهو جابر بن سمرة: (كان النبي ﷺ إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسناء)، والمعنى: أنه لا يصلي بمجرد أن تطلع الشمس؛ لأن هذا وقت يحرم فيه الصلاة؛ لكن بعد أن يبدو قرص الشمس ثم ترتفع شيئًا فوق الأرض، وهذا يكون بعد حوالى ثلث الساعة من طلوع قرصها كاملًا فعندها يجوز لك أن تصلي صلاة الضحى، فكان ﷺ يفعل ذلك، وقد جاء فضل ذلك في حديث رواه الترمذي وغيره من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من صلى الغداة في جماعة - يعني: صلاة الفجر في جماعة - ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة قال: تامة، تامة، تامة).\nفيمكن للإنسان أن يحصل كل يوم أجر حجة وعمرة، وإن كان هذا لا يغني عن حجة الإسلام، ولا عن عمرة الإسلام، ولكن الأجر يساوي أجر حجة، وأجر عمرة، وكم نفرط في مثل ذلك من غير سبب! وعلى المؤمن أن يحاول أن يكسب الثواب قدر المستطاع، وكما ذكرنا قبل ذلك فإن الإنسان لا ينظر في العبادة إلى من هو دونه، ولكن الأسوة الحسنة والقدوة العظيمة هو النبي صلوات الله وسلامه عليه، فافعل ما فعله ﷺ، إذا رأيت غيرك يفرط في مثل هذا الأجر فالتمس له العذر، فلعل لديه ما يشغله أو أنه لم ينم بالليل ويحتاج لأن ينام الآن، فأنت عليك بنفسك، فإذا كان عندك الوقت لتفعل هذا الشيء فلا تفرط في هذا الثواب، ففي الحديث: (من صلى) و(من) من ألفاظ العموم أي: أي أحد سواء كان رجلًا أو امرأة (الغداة في جماعة ثم قعد) فهذا يصلي صلاة الفجر في جماعة في المسجد في بيت الله سبحانه، وحتى لو كان في مكان لا يوجد فيه مسجد والناس اجتمعوا في بيت من البيوت وصلوا الجماعة فله نفس الحكم؛ لأنه لم يقل: لا بد أن يكون في مسجد بحيث لو لم يكن في مسجد فإنه سيضيع هذا الأجر، فإذا صلوا في جماعة وجلسوا حتى تطلع الشمس ثم صلى الواحد منهم ركعتين كان له أجر حجة وعمرة تامة، تامة، تامة، ومن فضل الله ﷾ على المؤمن أنه يعطيه الأجور العظيمة على أعمال يسيرة، فحين يتذكر الإنسان ما في الحج من مشاق ويعلم أنه يمكن أن يدرك هذا الأجر عندما يصلي صلاة الفجر في جماعة، ثم يجلس يذكر الله حتى تشرق الشمس، فإنه عند ذلك لن يفرط في مثل هذا الثواب، لذلك كان النبي ﷺ في غالب أحواله يجلس في مجلسه حتى تطلع الشمس ثم يصلي ركعتين.\nقال: (من صلى الغداة في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين) يعني: انتظر في مكانه الذي هو فيه حتى يصلي الركعتين كان له من الأجر العظيم كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة.\nوالحديث مختص بمن صلى في جماعة، فلو أن المرأة صلت ببناتها في بيتها جماعة وجلسن يذكرن الله سبحانه حتى ذلك الوقت وصلين ركعتين لكان لهن مثل هذا الأجر؛ لأن النبي ﷺ لم يشترط على النساء الصلاة في المسجد: (صلاة المرأة في بيتها خير لها من صلاتها في مسجدها) فعلى ذلك يكون لهن نفس هذا الأجر إن فعلن ذلك.\nلكن صلاة الرجل لا بد أن تكون في المسجد حيث ينادى بالصلاة، ويجلس في المسجد يذكر الله سبحانه، أما إذا كان البلد لا يوجد فيه مسجد فله العذر في أن يصلي مع الجماعة في أي مكان ثم يجلسون حتى تطلع الشمس فينالون ذلك الأجر.\nوالغرض من الحديث: بيان أن النبي ﷺ كان يجلس هذه الفترة متربعًا ﷺ، وهذه من الجلسات الفاضلة في الجلوس، فالإنسان عندما يجلس جلسة التشهد فهذه جلسة عظيمة وجلسة التربع تليها.","vol":"76","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-823>فضل المكث في المسجد بعد الفجر حتى تشرق الشمس وصلاة ركعتين</span>\nإن الإنسان المؤمن يحاول أن يكسب الثواب قدر المستطاع وكما ذكرنا قبل ذلك فإن الإنسان لا ينظر في العبادة إلى من هو دونه، ولكن الأسوة الحسنة والقدوة العظيمة هو النبي صلوات الله وسلامه عليه، فافعل ما فعله ﷺ، إذا رأيت غيرك يفرط في مثل هذا الأجر فالتمس له العذر فلعل لديه ما يشغله أو أنه لم ينم بالليل ويحتاج لأن ينام الآن، فأنت عليك بنفسك فإذا كان عندك الوقت لتفعل هذا الشيء فلا تفرط في هذا الثواب، ففي الحديث: (من صلى) و(من) من ألفاظ العموم أي: أي أحد سواء كان رجلًا أو امرأة (الغداة في جماعة ثم قعد) فهذا يصلي صلاة الفجر في جماعة في المسجد في بيت الله سبحانه، وحتى لو كان في مكان لا يوجد فيه مسجد والناس اجتمعوا في بيت من البيوت وصلوا الجماعة فله نفس الحكم؛ لأنه لم يقل أنه لا بد أن يكون في مسجد بحيث لو لم يكن في مسجد فإنه سيضيع هذا الأجر، فإذا صلوا في جماعة وجلسوا حتى تطلع الشمس ثم صلى الواحد منهم ركعتين كان له أجر حجة وعمرة تامة، تامة، تامة، ومن فضل الله ﷾ على الإنسان المؤمن أنه يعطيه الأجور العظيمة على أعمال يسيرة، فحين يتذرك الإنسان ما في الحج من مشاق ويعلم أنه يمكن أن يدرك هذا الأجر عندما يصلي صلاة الفجر في جماعة، ثم يجلس يذكر الله حتى تشرق الشمس، فإنه عند ذلك لن يفرط في مثل هذا الثواب، لذلك كان النبي ﷺ في غالب أحواله يجلس في مجلسه حتى تطلع الشمس ثم يصلي ركعتين.\nقال: (من صلى الغداة في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين) يعني: انتظر مكانه الذي هو فيه حتى يصلي الركعتين كان له من الأجر العظيم كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة.\nوالحديث مختص بمن صلى في جماعة، فلو أن المرأة صلت ببناتها في بيتها جماعة وجلسن يذكرن الله سبحانه حتى ذلك الوقت وصلين ركعتين لكان لهن مثل هذا الأجر؛ لأن النبي ﷺ لم يشترط على النساء الصلاة في المسجد: (صلاة المرأة في بيتها خير لها من صلاتها في مسجدها) فعلى ذلك يكون لهن نفس هذا الأجر إن فعلن ذلك.\nلكن صلاة الرجل لا بد أن تكون في المسجد حيث ينادى بالصلاة، ويجلس في المسجد يذكر الله سبحانه، أما إذا كان البلد لا يوجد فيها مسجد فله العذر في أن يصلي مع الجماعة في أي مكان ثم يجلسون حتى تطلع الشمس فينالون ذلك الأجر.\nوالغرض من الحديث: بيان أن النبي ﷺ كان يجلس هذه الفترة متربعًا ﷺ، وهذه من الجلسات الفاضلة في الجلوس، فالإنسان عندما يجلس جلسة التشهد فهذه جلسة عظيمة وجلسة التربع تليها.","vol":"76","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-824>شرح حديث ابن عمر: (رأيت رسول الله بفناء الكعبة محتبيًا)</span>\nومن الجلسات أيضًا: الاحتباء أو القرفصاء، وسواء كان الاحتباء بأن يحيط ركبتيه بيديه أو يلف عليها ثوبًا من وراء ظهره، فكان النبي يجلس على هذه الهيئة وكأنه يستريح ما بين التربع وبين هذه الجلسة، فجاء في حديث ابن عمر ﵄: (رأيت رسول الله ﷺ بفناء الكعبة محتبيًا بيديه هكذا) ووصف بيديه الاحتباء فأمسك إحدى يديه بالأخرى وأحاط بهما ركبتيه ﵊، وفسرها البخاري على أنها القرفصاء، وهو أحد التفاسير التي جاءت في معنى جلسة الاحتباء، وقالوا: بل هي جلسة الإنسان الذي يتهيأ للقيام فكأنها تدخل تحتها في اللغة، ولكن الإمام البخاري اختار هذه الجلسة لأنها قد تكون طويلة، فيستريح على هذه الهيئة.","vol":"76","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-825>شرح حديث قيلة بنت مخرمة: (رأيت النبي وهو قاعد القرفصاء)</span>\nعن قيلة بنت مخرمة ﵂ قالت: (رأيت النبي ﷺ وهو قاعد القرفصاء) يعني: جلسة الاحتباء، فهذه المرأة لما نظرت للنبي ﷺ أخذها المنظر، وكأنها تقول: هذا رسول الله الذي نسمع عنه الرسول العظيم يجلس هذه الجلسة على الأرض بينما كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم من الملوك يجلسون على العروش فقالت هنا: (فلما رأيت رسول الله ﷺ المتخشع في الجلسة أرعدت من الفرق) أرعدت لهيئة النبي ﷺ، أي: من الخوف من الله سبحانه، ومن إجلال النبي ﷺ وهو على هذه الهيئة ﵊.\nوجاءت رواية لهذا الحديث عند الطبراني بإسناد لا بأس به وذكرها الحافظ ابن حجر في الفتح قالت: (فجاء رجل فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال ﷺ: وعليك السلام ورحمة الله، وعليه أسمال مليتين) يعني: هذه كانت هيئة النبي ﷺ والأسمال جمع سمل: وهو الثوب البالي، فكأن النبي ﷺ كان يلبس إزارًا ورداء باليين.\nقالت: (وعليه أسمال مليتين كانتا بزعفران فنفضتا) يعني: كأن الملايتين اللتين كان النبي ﷺ يلبسهما كانتا في الماضي عليهما لون الزعفران، ولكن مع القدم والبلى ما عاد عليها شيء من هذا اللون، قالت المرأة: (وبيده عسيب نخلة مقشرة قاعدًا القرفصاء، فلما رأيت رسول الله ﷺ المتخشع في الجلسة أرعدت من الفرق، فقال له جليسه: يا رسول الله! أرعدت المسكينة) يعني: المرأة صارت ترتعش لما رأت النبي ﷺ على هذه الهيئة وهو لم ينظر إليها صلوات الله وسلامه عليه، فالرجل الذي معها يقول: المرأة أرعدت من هيئتك يا رسول الله، ﵊ فقال: (أرعدت المسكينة فقال ولم ينظر إلي: يا مسكينة عليك السكينة) فدعا لها النبي ﷺ وقال: (يا مسكينة عليك السكينة قالت: فذهب عني ما أجد من الرعب)، وإنما كان رعب المرأة حين رأت النبي ﷺ يجلس جلسة إنسان متواضع لله سبحانه في غاية الخشوع وغاية السكينة ﵊، فهيئته ﷺ جعلت المرأة تخشع لله سبحانه، وتخاف وتهاب النبي ﷺ وتجله.","vol":"76","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-826>ذكر قصة قيلة بنت مخرمة في دخولها على النبي وهو جالس القرفصاء برواية أحمد من حديث الحارث البكري</span>\nوهذا الحديث رواه الإمام أحمد من حديث الحارث بن حسان البكري في قصة طويلة فيقول الحارث: (خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله ﷺ فمررت بالربذة فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها) هذا الرجل خرج يشكو عاملًا للنبي ﷺ عنده، وهذا العامل الذي بعثه النبي ﷺ كأنه حدث بينه وبينهم شيء، فهذا الرجل ذهب يشكو للنبي ﷺ قال: (فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها فقالت: يا عبد الله إن لي إلى رسول الله حاجة فهل أنت مبلغي إليه؟) فالعجوز كانت من بني تميم وهو من قوم أعداء لبني تميم، ولكنه أشفق على المرأة، وأنها كانت تريد أن تذهب إلى النبي ﷺ وما من أحد من قومها يذهب بها إلى النبي ﷺ، قال: (فحملتها فأتيت المدينة فإذا المسجد غاص بأهله) يعني: لما وصل الحارث وجد المسجد قد غص بأهله فلما سأل عن ذلك علم أن النبي ﷺ سيبعث بعثًا مع عمرو بن العاص رضي الله ﵎ عنه.\nقال: (فدخل النبي ﷺ منزله فاستأذنت عليه فأذن لي) دخل الرجل على النبي ﷺ فسأل النبي ﷺ إن كان حصل بينك وبين بني تميم شيء فقال: (نعم.\nوكانت لنا الدبرة عليهم) يعني: حصل بيننا وبينهم حرب ونحن الذين غلبنا قال: (ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها فسألتني أن أحملها إليك وها هي بالباب، فأذن لها النبي ﷺ) فهو عمل خيرًا في العجوز التي من بني تميم لما أرادت أن تذهب للنبي ﷺ قال: (فقلت: يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزًا فاجعل الدهناء)، والدهناء أرض معشبة فيها مرعى للإبل ويحتاج إليها الجميع، فهو يقول: اجعل بيننا وبين بني تميم حاجزًا يمنعهم من أن يعتدوا علينا أو نعتدي عليهم، فلما قال ذلك للنبي ﷺ فكأنه لم يعرف أرض الدهناء وظنها أرضًا فيها رمال ولذلك وافق النبي ﷺ على ذلك، وكانت العجوز قد دخلت وسمعت هذا الكلام، قال: (فحميت العجوز واستوفزت) يعني: هاجت وحميت على هذا الذي قاله فقالت: (يا رسول الله! فإلى أين تضطر مضرك؟) يعني: كيف يفعل الناس إذا استفرد هذا وقومه بالأرض المعشبة.\nفقال: (يا رسول الله! إنما مثلي ما قال الأول: معزاء حملت حتفها)، وهذه قصة معروفة عند العرب، وهي أن رجلًا كان معه معزاء وكان يمشي في الطريق ويفكر ماذا يعمل بتلك المعزاء فإذا بها تحفر في الأرض وأخرجت سكينًا فأخذها وذبحها بها، فالرجل يقول: مثلي كمثل هذه المعزاء، فقال: (حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصمًا! أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد)، وهنا يظهر أدب النبي ﷺ وتواضعه حيث كان يعرف قصة وافد عاد لكنه سأله عن قصة وافد عاد، ومن أدب المجلس أن الإنسان إذا سمع من آخر حديثًا وهو يعرفه فلا يقاطعه ويخبره أنه يعرفه، قال: (هيه، وما وافد عاد؟ وهو أعلم بالحديث منه ولكن يستطعمه، قلت: إن عادًا قحطوا فبعثوا وافدًا لهم يقال له: قيلة فمر بـ معاوية بن بكر فأقام عنده شهرًا) وعاد هؤلاء عصوا الله سبحانه، وكذبوا رسول الله عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فإذا بالله سبحانه يتوعدهم بالعذاب، ويأتي هذا العذاب من حيث لا يشعرون، وكان عذابهم بأن منع الله ﷿ عنهم المطر فاشتد الحر عليهم واحتاجوا للماء، وكانت العادة عندهم أن يرسلوا إلى أرض مكة من يدعو الله هناك فأرسلوا وافدًا لهم يقال له: قيل فمر بملك من الملوك واسمه معاوية بن بكر فأقام عنده شهرًا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان وبعد ذلك تذكر مهمته وخرج إلى جبال تهامة بالحجاز فنادى: اللهم إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عادًا ما كنت تسقيه.\nوهذا المكان كان له حرمة عند عاد وغيرهم، وهذا قبل إبراهيم بكثير، فموضع البيت كان له حرمة، ولكن الذي رفع قواعد البيت هو إبراهيم بعد ذلك الحادث بزمان طويل، فالرجل يقول: أنا ما جئت لمريض، ولا جئت من أجل أسير، لكن أنا جئت أستسقي فاسق عادًا ما كنت تسقيه، فمرت به سحابات سود فنودي منها اختر سحابة، فأومأ إلى سحابة منها سوداء، وظن أن هذه السحابة السوداء أكثر ماء، فنودي من هذه السحابة: خذها رمادًا رمددًا، لا تبقي من عاد أحدًا، أي: خذها رمادًا ونارًا تنزل على عاد تحرق الجميع، قال: فما بلغني أنه بعث عليهم من الريح إلا قدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات:٤١ - ٤٢] فهو اختار السحابة التي تليق بهم فاختار أسود سحابة فكانت أسود الأيام عليهم.\nالغرض من الحديث: أن الرجل قص هذه القصة على النبي ﷺ ولم ينكرها النبي ﷺ وهو أعلم بها، ففيها الإقرار لمثل هذا، وفيه أدب النبي ﷺ في جلوسه الخاشع المتخشع المتواضع صلوات الله وسلامه عليه.\nوفيه أيضًا: أن الإنسان بسمته قد يكون دعوة لغيره، فلما ينظر إليه الغير يعجبه سمته فيكون له قبول عنده، فالسمت الحسن جزء من أجزاء النبوة كما جاء الحديث عن النبي ﷺ في ذلك.","vol":"76","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-827>شرح حديث الشريد بن سويد: (مر بي رسول الله وأنا جالس هكذا وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري)</span>\nمن الأحاديث التي فيها النهي عن جلسة معينة، حديث الشريد بن سويد ﵁ قال: (مر بي رسول الله ﷺ وأنا جالس هكذا وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري واتكأت على ألية يدي)، هذا الرجل كان قاعدًا على الأرض وقد وضع يده اليسرى وراء ظهره، وألية اليد هي راحة اليد من ناحية الكوع.\nفقال النبي ﷺ: (أتقعد قعدة المغضوب عليهم) يعني: نهى ﷺ عن هذه القعدة، وعلل ذلك أن هذه جلسة من غضب الله ﵎ عليهم.\nوالمغضوب عليهم هم اليهود وغيرهم من الكفار، فكأنها هنا على العموم، وإن كان في سورة الفاتحة المقصود بالمغضوب عليهم اليهود ومن شاكلهم، ولكن هنا كأنها جلسة المتكبرين الذين يغضب الله ﷿ عليهم من يهود ونصارى وغيرهم من أعداء الله سبحانه، فلا ينبغي للمسلم أن يجلس هذه الجلسة التي نهى عنها النبي ﷺ، وكثيرًا ما نرى إخواننا في المجلس يجلسون هذه الجلسة عند انتظارهم للصلاة!","vol":"76","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-828>ما جاء في آداب المجلس والجليس</span>","vol":"76","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-829>شرح حديث: (لا يقيمن أحدكم رجلًا من مجلسه ثم يجلس فيه)</span>\nمن الأحاديث الواردة في آداب المجلس والجليس، حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يقيمن أحدكم رجلًا من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن توسعوا وتفسحوا، وكان ابن عمر إذا قام له رجل من مجلسه لم يجلس فيه) متفق عليه.\nهذا الحديث صحيح عن النبي ﷺ وفيه أدب من آداب المجلس، فليس لأحد أن يقيم رجلًا من مجلس ليجلس مكانه، بل نهى النبي ﷺ أن تجلس بين اثنين إلا بإذنهما.\nإذًا: على المسلم أن يتأدب حين يجلس فلا ينازع أحدًا في مجلسه ولا يضايق أحدًا في مجلسه وإنما يستأذن فإن أذن له جلس بجواره، وإن لم يأذن له فليجلس حيث يوسع له ولا يضايق أحدًا في مجلسه.\nفقال هنا ﷺ: (لا يقيمن أحدكم رجلًا من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن توسعوا وتفسحوا) فأحيانًا تكون المجالس واسعة، وفيها من يجلس مادًا رجليه بحيث لا يبقي مكانًا لأحد، فإذا جاءه من يقول: تفسحوا وتوسعوا ويستأذن للجلوس فيقول له: هذا المكان لي ابحث لك عن مكان آخر، كثير من الناس يفعلون هذا الشيء! وللأسف نرى مثل هذا حتى في الحرم، فإذا جاء من يطلب منه أن يفسح له قال: أنا أعتكف هنا، اذهب وابحث عن مكان آخر! فيفعل هذا في بيت الله الذي يفترض أن يكون الإنسان فيه أخشع ما يكون، لعظم هذا المكان.\nفالإنسان المؤمن يتعلم الأدب الشرعي من النبي ﷺ في كيفية جلوسه وفي أمره لنا بالتفسح، بل ربنا سبحانه قالها في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة:١١] فإذا كنت جالسًا في مجلس وكان بجانبك مكان يسع إنسانًا فأجلس هذا الإنسان، وتصور أنك في مكانه وجئت تقول للناس: تفسحوا، فهل ترضى أن يمنعك أحد من الجلوس؟ فما لا ترضاه لنفسك لا ترضه لغيرك.\nفقال النبي ﷺ: (ولكن توسعوا وتفسحوا، وكان ابن عمر إذا قام له رجل من مجلس لم يجلس فيه) فـ عبد الله بن عمر ﵁ إذا جاء ليجلس وقام رجل من أجل أن يجلس مكانه فإنه لا يرضى أن يجلس فيه ليعلم الناس ويؤدب نفسه، فيعلم الناس أن النبي ﷺ نهى الآتي أن يقيم غيره لذلك هو لم يقم أحدًا، وهم مع احترامهم لـ عبد الله بن عمر يفعلون ذلك، ولكن هو يخاف على نفسه من الغرور.\nفلا تفرح أيها المسلم إذا قام الناس لك ولا تطلب مثل ذلك، بل جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من سره أن يتمثل له الناس قيامًا فليتبوأ مقعده من النار)، فالذي يفرح بقيام الناس له يحضر نفسه للنار والعياذ بالله.\nفالإنسان المؤمن إذا قام له الناس فلا يفرح بذلك، ولكن إذا قاموا له من مجلس فلا يجلس فيه كما فعل ابن عمر ﵁، ولو فرضنا أنه جلس فهل عليه إثم؟ لا، ليس عليه إثم، فصاحب المجلس أذن له فيه فلا مانع من أن يجلس، وكان النبي ﷺ إذا دخل على السيدة فاطمة في بيتها قامت له وقبلته ﷺ وأجلسته مكانها، وكان هو يفعل ذلك مع ابنته صلوات الله وسلامه عليه، فهذا من باب المحبة لكن إذا كان من باب الترفع على الناس وأنه أولى من غيره بأن يكون خلف الإمام أو حتى مكان الإمام فهذا الذي جاء فيه الوعيد.\nوالنبي ﷺ حدد مواصفات الإمام فقال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإذا كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإذا كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة) إذًا: لا يأتي إنسان يتعدى على الإمام ويتقدم عليه في مكانه.\nكذلك قال النبي ﷺ فيمن يكون خلف الإمام: (ليليني منكم أولو الأحلام والنهى) فإذا كان الإمام في الصلاة وجاء إنسان وراءه فلا بد أن يكون حافظًا للقرآن فلعل الإمام يحدث في الصلاة فيكون وراءه من يتقدم فيصلي بالناس مكان الإمام، ولعل الإمام يخطئ في الصلاة فيكون من هؤلاء من يرد الإمام عن ذلك الخطأ الذي وقع فيه.\nإذًا: على الإنسان إذا وقف في هذا المكان وجاء من هو أولى منه فالأولى له أن يفسح له، وإذا كان الإنسان يعرف أن هذا المكان ليس مكانه فلا يقف فيه حتى لا يحرجه أحد في ذلك، فهنا النبي ﷺ يعلم المؤمن أن يتواضع وألا يطلب من أحد أن يقوم له إلا أن يكون لأمر شرعي، والله أعلم.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"76","page":11},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-830> ما جاء في أدب المجلس والجليس</span>\nإن ذكر الله ﷿ من أفضل العبادات عنده سبحانه، وهو من أيسرها، وقد أرشدنا النبي ﷺ إلى سنن مستحبة يؤجر الإنسان عليها إذا فعلها، ومن هذه السنن آداب المجالس سواء الآداب الفعلية أو القولية، فينبغي للإنسان أن يتحلى بها، ويعمر وقته بطاعة الله ورسوله وبذكره ﷾.","vol":"77","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-831>ما ورد في آداب المجلس</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب في آداب المجلس والجليس.\nعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا قام أحدكم من مجلس ثم رجع إليه فهو أحق به) رواه مسلم.\nوعن جابر بن سمرة ﵁ قال: (كنا إذا أتينا النبي ﷺ جلس أحدنا حيث ينتهي) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.\nوعن أبي عبد الله سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى) رواه البخاري].\nهذا باب من أبواب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي بعض آداب المجلس والجليس، وآداب المجلس كثيرة، والإنسان إذا جلس في مجلس فتأدب بالأدب الشرعي في هذا المجلس كان خارجًا منه وقد غفر الله ﷿ له ما كان من ذنوبه، فيكفر الله عنه من سيئاته ويغفر له ذنوبه.\nجاء في حديث النبي ﷺ: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده).\nفهذا مجلس من المجالس فيه ذكر لله سبحانه ﵎، يجتمع فيه العباد، فتنزل السكينة من عند الله سبحانه، وتحف الملائكة هذا المجلس، وتتغشاهم الرحمة أي: تغطيهم رحمة الله سبحانه ﵎، ويذكرهم الله سبحانه فيمن عنده.\nفكلما التزم المؤمن بالأدب في المجلس كان أحب إلى الجالسين، وكان قريبًا من ربه سبحانه، وغفر الله له ذنبه، فمن هذه الآداب أن الإنسان إذا جلس في مجلس لا يفرق بين اثنين، وهذا قدمناه قبل ذلك، أي: أن يوسع الثاني ليجلس هو بين الاثنين، وإنما يستأذن ويقول: تفسحوا وتوسعوا، فيفسح له الناس في المكان الذي يفسحون له فيه فيجلس في هذا المكان، قال الله: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة:١١] إذا أردت أن تجلس فتأتي حيث ينتهي المجلس وتقول: تفسحوا، يفسح لك الناس من الجانب هذا فتجلس حيث وسعوا لك.\nأيضًا ذكرنا قبل ذلك حديث ابن عمر: (لا يقيمن أحدكم رجلًا من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن توسعوا وتفسحوا) يعني: لا يليق بإنسان أن يقيم أحدًا من أجل أن يجلس مكانه، وأيضًا لا يجلس مكان أحدهم، وإنما يتوسعون ويتراحمون فيما بينهم، ويفسح بعضهم لبعض.","vol":"77","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-832>صاحب المجلس أحق به</span>\nمن الأحاديث حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (إذا قام أحدكم من المجلس ثم رجع إليه فهو أحق به)، صاحب المكان أحق به سواء كان هذا المكان مجلسًا يجلس فيه في المسجد على الأرض أو في مجلس من مجالس العلم كأن يجلس على كرسي مثلًا أو على تختة فهو أحق بمكانه.\nفإذا قام ليقضي حاجة ثم يرجع فهو أحق بهذا المكان، لكن إذا قام منصرفًا انتهى حقه في المجلس؛ لأنه انصرف عن المجلس فيجلس فيه غيره، فهنا النبي ﷺ يعلمهم: (إذا قام أحدكم من المجلس ثم رجع إليه فهو أحق به).","vol":"77","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-833>الجلوس حيث ينتهي المجلس</span>\nروى أبو داود والترمذي وحسنه عن جابر بن سمرة ﵁: (كنا إذا أتينا النبي ﷺ جلس أحدنا حيث ينتهي به المجلس)، جلس حيث ينتهي به المجلس، وآخر المجلس في المكان الأخير حيث ينتهي بآخر إنسان.\nأما أن يخترق الصفوف، ويتخطى الرقاب، ويضايق الناس لأجل أن يأتي قدام ويجلس؛ فهذا ليس من أدب المجالس، إنما يجلس حيث ينتهي به المجلس، وإذا وجد فرجة في مكان جلس فيها من غير أن يؤذي أحدًا.\nوكون الإنسان يؤذي أحدًا في المجلس فهذا أذية، والنبي ﷺ مر على المنبر ووجد إنسانًا يخترق الصفوف يتخطى الرقاب، فقطع خطبته ﷺ وقال لهذا الرجل: (اجلس فقد آذيت وآنيت).\nالخطبة عظيمة جدًا، والناس منشغلون بالخطبة، ولكن عندما يدخل شخص يتخطى الرقاب فيؤذي كل الناس استحق أن يقطع النبي ﷺ خطبته ويزجر الذي آذى الناس، فقال: (اجلس) أي: اقعد مكانك (فقد آذيت)، آذيت الناس بتخطيك الرقاب، (وآنيت) أي: تأخرت.\nفهذا تأديب من النبي ﷺ لهذا الإنسان أمام الناس، يؤدبه حتى لا يفعل غيره مثل فعله، فاستحق هذا أن يؤدب ويقال له: اجلس مكانك ولا تتخط رءوس الناس ولا تؤذيهم.\nفقال لنا جابر بن سمرة: (كنا إذا أتينا النبي ﷺ جلس أحدنا حيث ينتهي به المجلس)، فهم تأدبوا بأدب النبي ﷺ، وتعلموا أن الواحد إذا جاء إلى المجلس يجلس حيث ينتهي في آخر المجلس.","vol":"77","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-834>من آداب المجلس عدم التفريق بين الاثنين</span>\nروى البخاري من حديث سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى).\nصلاة الجمعة هي عيد المسلمين في كل أسبوع، فهذا يوم عظيم جدًا، يستجيب الله ﷿ فيه الدعوات، فيه ساعة إجابة يستجيب الله ﷿ فيها لعبده، والمؤمن يهيئ نفسه ليستجيب الله ﷿ له، وكان النبي ﷺ يحرص أن يصلي الفجر في هذا اليوم فيقرأ بسورة السجدة وسورة الإنسان؛ لما فيهما من ذكر بدء الخلق، ومن ذكر القيامة، ومن ذكر الجنة والنار.\nويوم الجمعة هو اليوم الذي خلق فيه آدم، وأنزل فيه آدم من الجنة، واليوم الذي تقوم فيه الساعة، ما من مخلوق إلا وهو يشفق من يوم الجمعة إلا الإنس والجن، فيوم الجمعة يذكرهم النبي ﷺ من أول صلاة الفجر بهذا اليوم، وما في هذا اليوم من ذكر الساعة وغير ذلك.\nيوم الجمعة فيه الذهاب إلى بيت الله سبحانه، فتذهب مبكرًا إلى صلاة الجمعة ولا تتأخر عنها، وكلما أتيت مبكرًا قبل أن يأتي الإمام كتب اسمك في صحف الملائكة، فالملائكة يجلسون على أبواب المساجد يكتبون الداخلين الأول فالأول، فإذا حضر الإمام وبدأ بالخطبة جلست الملائكة يستمعون الذكر، فلا تحرم نفسك من أن تكتب في الصحف التي بأيدي الملائكة بأن تتواجد في صلاة الجمعة قبل حضور الإمام.\nكذلك هنا أدب من الآداب، يقول لنا ﷺ: (لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر)، فيه تأكيد على الاغتسال يوم الجمعة، وهي سنة مؤكدة ليوم الجمعة ولصلاة الجمعة، فتحرص على ذلك، ثم تتطهر ما استطعت من طهر، وتدهن من دهن، بمعنى: يضع الطيب وهو في بيته إذا وجد أو يمس من طيب بيته.\nقال: (ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين)، إذا جاء يوم الجمعة ودخل المسجد لا يفرق بين الناس، فإذا أراد أن يجلس انتظر حتى يوسع له الناس، فإذا لم يوسع له أحد يجلس وراء الناس حيث ينتهي إليه المجلس.\nقال: (فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي)، وهذه سنة أخرى من السنن، أنك إذا أتيت إلى بيت الله سبحانه لا تنشغل بأمر من أمور الدنيا، ولكن انشغل بالصلاة وبالذكر والتسبيح في هذا اليوم قبل حضور الإمام، فيقول لنا هنا: (صلى ما كتب له) يعني: ما يعلم الله ﷿ من صلاة، وليس معناه أنه صلى فريضة، ولكن ما كتب له عند الله أن يصلي، يعني: ما شاء الله له أن يصلي من صلاة، فيصلي الضحى ركعتين أو أربع أو ثمان أو ما كتب له ثم بعد ذلك يجلس.\nقال: (ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام)، إذا حضر الإمام وبدأ يخطب ينصت ويصغي بسمعه ليستمع إلى الإمام بتفهم وتعقل، ولا يلتفت عما يقوله الإمام أو الخطيب، لا ينشغل بشيء من الأشياء ولا حتى بمس الحصى، فلا يقعد يلعب بيديه في الأرض في حصى أو في غيرها، فالذي يمس الحصى هذا من اللغو الذي نهينا عنه، كما قال النبي ﷺ: (من مس الحصى فقد لغى).\nقال هنا: (ثم ينصت إذا تكلم الإمام)، فكل هذه الأشياء من يفعلها يكون له ما قال ﷺ: (إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى) يعني: الله ﷿ يغفر له ما حصل منه خلال الأسبوع! الله كريم وغفور رحيم سبحانه! جعل المكفرات للذنوب كثيرة من فضل الله ورحمته، فالصلاة إلى الصلاة والجمعة إلى الجمعة والعمرة إلى العمرة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينها من صغائر الذنوب بشرط أن تجتنب الكبائر، بأن لا يسرق المؤمن ولا يزني ولا يأكل الرشوة لا يتعامل بالربا ولا يأخذ السحت ولا يختلس ولا ينتهب ولا يسفك دمًا حرامًا ولا يعق والديه ولا يقع فيما حرم الله ﷿ من كبائر الذنوب؛ فيستحق أن يغفر الله ﷿ له ما تقدم من صغائر الذنوب.\nوترك الصلاة من الكبائر، فلو أن الإنسان ترك الصلاة طوال الأسبوع وصلى الجمعة إلى الجمعة فلا يظن أنه بذلك سيكفر عنه ما حصل منه خلال الأسبوع! بل لابد أن يتوب إلى الله سبحانه ﵎، ويأتي بما أمره الله ﷿ أن يأتيه، فيتوب توبة نصوحًا، ويصلي لله كل الأسبوع فتكون الجمعة كفارة له، أما كما يعمل كثير من الناس اليوم يترك الصلاة فلا تراه في المسجد إلا يوم الجمعة وباقي الصلوات يصلي أحيانًا ويترك كثيرًا، ويظن أنه بصلاة الجمعة يمحو الله ﷿ هذا الماضي؛ فهذا لم يقل به أحد.\nقيد النبي ﷺ هذا في الحديث الآخر فقال: (ما اجتنبت الكبائر)، ومن الكبائر: أن يترك الإنسان الصلاة، ويكفي في ذلك قول النبي ﷺ: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر).","vol":"77","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-835>من آداب المجلس عدم التفريق بن الاثنين إلا بإذنهما</span>\nروى الترمذي وأبو داود -وهو حديث حسن صحيح- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما).\nوفي رواية أبي داود: (لا يجلس بين رجلين إلا بإذنهما)، فهذا أدب مفقود عند كثير من الناس، تجد الإنسان يأتي ثم يجلس في المكان الذي يعجبه وإن فرق فيه بين الاثنين ولا يبالي، فهذا من سوء الأدب والجهل بالعلم الشرعي، وقد علم النبي ﷺ الصحابة بقوله: (لا يحل) لا يحل لك هذا الشيء، لكن قف وراء الاثنين وقل: تفسحوا، فهما إما سيوسعان لك أو أن أحدهما يريد أن يجلس إلى جنب أخيه فلا تفرق أنت بينهما.\nلا يحل للرجل أن يفرق بين اثنين، وليس لأحد أن يقيم أحدًا من مكانه فيقول: قم من أجل أن أقعد أنا، ولا أريد أن أقعد هنا! ليس لك أن تفعل ذلك، ولكن طالما أنت الذي تأخرت فاجلس حيث يفسحا ويوسعا لك.","vol":"77","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-836>من آداب المجلس عدم الجلوس وسط الحلقة</span>\nروى أبو داود عن حذيفة وإسناده رجاله ثقات ولكنه من رواية أبي مجلز عن حذيفة، وأبو مجلز لم يلق حذيفة، ففيه انقطاع بين أبي مجلز وحذيفة ولكن رجاله كلهم ثقات إلا الانقطاع الذي في هذا الحديث.\nعن حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ: (لعن من جلس وسط الحلقة)، إذا كان المسلمون متحلقين حلقة في طلب العلم فليس لواحد منهم أن يجلس في وسط الحلقة، وكان النبي ﷺ يشير إليهم بأصابعه: أن تحلقوا، يعني: اجلسوا حلقة.\nفليس لأحد أن يجلس في وسط الحلقة، وإنما يجلس الناس حول هذه الحلقة، وإذا كان الناس في مجلس علم جالسين لا يسع المكان أن يتحلقوا حلقة فلا بأس أن يقتربوا من الشيخ.\nفالمؤمن قدر المستطاع يفعل ما أمر النبي ﷺ به، فمن آداب المجلس ألا يجلس أحد في وسط الحلقة.","vol":"77","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-837>من آداب المجلس توسيع المجلس</span>\nعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خير المجالس أوسعها) هذا حديث صحيح عنه ﷺ، فإذا كان المجلس ضيقًا يكون مملًا في آخر المجلس، ويضيق الناس من الجلوس فيها، فلا ينتبهوا لما يكون في هذا المجلس من درس علم ونحوه.\nلكن إذا كان المجلس واسعًا ويجمع الناس كانت الرحمة أقرب من هؤلاء، لكن (خير المجالس أوسعها) معناه: الذي يسع أصحابه، بحيث يكون الكل مستريحًا في المكان، فهذا خير المجالس؛ فيؤدب الذي يأتي إلى المجالس فيضيقها على الناس.\nكذلك أن يدخل الشخص في الصف أثناء الصلاة فيضيق على الناس في الصف فيزاحمهم حتى ربما يسقطون وهم واقفين! فنقول لهذا: من أجل الرحمة لا يجوز لك مضايقة المصلين في الصف، وضابط الصف حسب ما يسع من العدد من الناس دون أن يؤذي بعضهم بعضًا، ولا يكون في الصف بين الإنسان والإنسان فرجة كبيرة فيسمح للشيطان بالدخول فيها، ولا ينبغي للشخص أن يضيق على أخيه حتى يزهقه حال وقوفه، وإذا وجد فرجة في الصف وقف فيها، فإن لم يجد فليصل في الصف الذي يليه.\nهذا الحديث الذي جاء عن أبي سعيد الخدري في رواية له عند البخاري في الأدب المفرد وعند ابن أبي شيبة أيضًا أنه أوذن أبو سعيد بجنازة في قومه، فكأنه تخلف حتى أخذ الناس مجالسهم، يعني: قالوا له: توجد جنازة فتعال من أجل أن تصلي عليها، فـ أبو سعيد رجل من أصحاب النبي ﷺ له فضل ﵁، والناس يعرفون فضله، ولذلك عندما سيذهب للجنازة سيوسعون له، فهو خشي من ذلك، فتأخر أبو سعيد ﵁ حتى جلس الناس في أماكنهم ثم جاء فلما رآه القوم تشذبوا، يعني: لما رآه القوم الذين هم قاعدون أخذوا يوسعون لـ أبي سعيد فهم سيضيقون على أنفسهم من أجل أن يجلس معهم أبو سعيد، وقام بعضهم ليجلس في مجلسه، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خير المجالس أوسعها)، ثم تنحى فجلس في مكان واسع، كأنه ابتعد ونظر مكان آخر واسعًا فجلس فيه.\nفهذا أدب الصحابة رضوان الله ﵎ عليهم، يجلسون في مكان ويأتي إنسان يضيق عليهم حتى ولو كان هو أفضل هؤلاء الموجودين ليس له أن يضيق على الناس، ولكن يجلس حيث ينتهي به المجلس في مكان واسع حتى لا يضيق عليهم ولا يؤذيهم.","vol":"77","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-838>من آداب المجلس دعاء كفارة المجلس</span>\nمن الأحاديث التي جاءت حديث لـ أبي هريرة ﵁ رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وفيه قال النبي ﷺ: (من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه) يعني: كان فيه لغو كثير وكلام كثير، وليس معناه: أنهم قاعدون يشتمون الناس أو يعصون الله، قال: (من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك).\nفالله ﷿ يغفر له ما كان في مجلسه ذلك من اللغط أي: من كثرة الكلام فيما يعني وفيما لا يعني، والإنسان يحاسب نفسه على ما يتكلم به، فإذا جلس في مجلس مع الناس فالأصل أن المؤمن يعلم أنه ما خلق إلا لعبادة الله سبحانه، والأصل أن يذكر الله سبحانه، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإذا جلس في المجلس فضحك كثيرًا وكثر كلامه ناسيًا، ثم تذكر في آخر مجلسه فليقل: (سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك) إذا جلس العبد في مجلس ولم يذكر الله سبحانه فليقل: سبحانك! أسأنا في حقك! نقدسك يا ربنا! نجلك أن نجلس في مكان ولا نذكرك فيه، أخطأنا بذلك، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك.\nأي: أسبحك وأقدسك وأحمدك يا رب، أشهد أن لا إله إلا أنت -كلمة التوحيد- أستغفرك وأتوب إليك، قال: (إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك).\nحديث آخر عن أبي برزة في المعنى نفسه، يقول ﵁: (كان رسول الله ﷺ يقول بأخرة إذا أراد أن يقوم من المجلس)، (يقول بأخرة) في النهاية، وكأنه في الأول بعدما هاجر إلى المدينة صلوات الله وسلامه عليه مكث فترة فيها لم يكن يقول ذلك، وفي النهاية قرب آخر حياته ﷺ كان يقول هذا الذكر، فهذا معنى (بأخرة) يعني: في آخر عمره ﷺ، فكان يقول: (سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)، وهل يعقل أن النبي ﷺ سيجلس في مكان يكون فيه ذنوب؟! مستحيل أن يجلس في مجلس كهذ، ولكنه كان يجلس مع أصحابه ﷺ، وكان يحب أن يذكرهم بذلك، فهو إذا جلس في مجلس إما أن يذكر الله سبحانه ﵎ في سره أو يذكر الله ﷿ مع أصحابه، ويعودهم أن يقولوا ذلك في ختام المجلس.\nفقالوا: (يا رسول الله! إنك لتقول قولًا ما كنت تقوله فيما مضى؟)، ما هو الذي حصل؟ فقال ﷺ: (ذلك كفارة لما يكون في المجلس).\nقد تكون أنت في المجلس ولم تسئ، ولكن أحد الجالسين أساء فيلزمك أن تنهى عن المنكر، فإذا تجاوزت وسكت يكون ذلك الذكر كفارة لسكوتك، وكفارة لهذا المجلس الذي شهدته.","vol":"77","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-839>ذكر دعاء (اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك) في آخر المجلس</span>\nحديث آخر رواه الترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: (قلما كان رسول الله ﷺ يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات)، يعني: قل أن يقوم من مجلس إلا وهو يقول -يعني: كثيرًا- في مجالسه التي كان يجلسها: (اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك)، هذا لفظ الترمذي، والذي ذكره الإمام النووي هنا: (اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك)، ولعلها في نسخة أخرى عند الإمام النووي ﵀، ثم قال: (ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك).\nفهذا الدعاء: (اللهم اقسم لنا من خشيتك)، إذا جعل الله ﷿ في قلبك الخشية حال بينك وبين معاصيه ﷾ فقوله: (اللهم اقسم لنا من خشيتك)، يعني: أعطنا من الخشية، وقد يعطيك خشية لا تقدر معها على الصبر على شيء قد يكون؛ ولذلك المعنى: أعطنا خشية نقدر عليها، وقد يجعل الله ﷿ في قلب العبد خشية حتى يكون مرعوبًا من الله، ويشتد خوفه من الله حتى ييئس من رحمة الله ﷾، فهنا يقول: أعطنا من الخشية ما يحول بيننا وبين المعاصي، أي: الخشية التي تمنعنا من المعاصي، وليس الخشية التي تيئسنا من روح الله ورحمته ﵎.\nقوله: (ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك) أعطنا الطاعة التي تبلغنا جنتك، فيفتح لك أبواب الطاعة فتطيع الله ﷾ في كل أمر من الأمور الطاعة التي تبلغك جنته.\nثم قال: (ومن اليقين ما تهون به علينا مصيبات الدنيا)، ذكر الإمام النووي في اللفظ هنا: (ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا)، وهو نفس المعنى، اليقين: قوة الإيمان الذي هو التصديق والثقة بالله ﷾، فيمتلئ قلب العبد باليقين والثقة بالله سبحانه، وبالإيمان فإذا به تهون عليه الدنيا وتهون عليه مصيبته فيها.\nوالنبي ﷺ أصيب بمصيبات في هذه الدنيا! وابتلي صلوات الله وسلامه عليه بمصائب من هذه الدنيا وصبر عليها صلوات الله وسلامه عليه! انظر كيف مات عمه الذي كان يدافع عنه، وماتت زوجته في العام نفسه الذي مات فيه عمه! فهذا بلاء شديد جدًا على النبي ﷺ وهو يدعو إلى الله والناس يكذبونه.\nوالله لو كان الناس مصدقين للنبي ﷺ ويواسونه لكان سهل عليه الأمر، أما أن يكذبه كل الناس فهذا لا يحتمله إنسان ثم إن عمه الذي كان يدافع عنه مات كافرًا فهذه مصيبة شديدة جدًا على قلبه صلوات الله وسلامه عليه، وفي العام نفسه ماتت زوجته خديجة رضي الله ﵎ عنها فأي مصيبة أفظع من هذه المصيبة؟! وإذا به صلوات الله وسلامه عليه يخرج من مكة إلى الطائف وهو مهموم يبحث عن أحد هناك يستقبله ﷺ ويقبل دعوته ويأمن معه صلوات الله وسلامه عليه؛ فيستقبله أوباش القوم وسفلتهم يقذفونه بالحجارة حتى جرحوه صلوات الله وسلامه عليه، ومع ذلك صبر صبرًا عظيمًا يدعو ربه سبحانه ﵎، ويأتي إليه ملك الجبال ويقول له وهو في كرب عظيم صلوات الله وسلامه عليه: (إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين)، إذا أردت أن أطبق عليهم جبال مكة فعلت، فيقول النبي ﷺ: (لا، ولكن أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئًا).\nفكافأه الله سبحانه ﵎ على هذا الصبر بالإسراء والمعراج، فعرج به صلوات الله وسلامه عليه إلى السماء ليزداد طمأنينة وإيمانًا مع إيمانه صلوات الله وسلامه عليه، ويرجع إلى هذه الأرض حيث يصبر على ابتلاء الله سبحانه.\nويهاجر إلى المدينة صلوات الله وسلامه عليه ويموت أولاده الواحد وراء الآخر، ويأتي الأعداء إلى النبي ﷺ فيقاتلهم ويجاهد في سبيل الله، ويجرح صلوات الله وسلامه عليه ويصبر، فهذه مصائب من مصائب الدنيا.\nوكان ﷺ قل أن يقوم من مجلس إلا وهو يدعو بهذا الدعاء: (اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا).\nفيدعو النبي ﷺ ربه سبحانه أن يمتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا، فالإنسان عندما يكون له سمعه وبصره وقوته فهو في عافية عظيمة من الله ﷾، فلو فقد الإنسان سمعه فسيقول: أصرف مالي كله على العلاج من أجل أن يرجع لي السمع مرة ثانية.\nوالبصر كذلك والقوة والعافية، فهو يقول: متعنا بهذه الأشياء، حتى نعبدك سبحانك فيكون المعنى: أعطني السمع لأسمع أوامرك وأستمع إلى كتابك وأستمع إلى ما تريد مني أن أسمعه، كذلك البصر! فأنظر في كتابك وأنظر في أحوال المسلمين وأنظر فيما ينفعني في ديني ودنياي.\nثم قال: (واجعله الوارث منا)، وكأن هذه الأشياء بمقام الورثة من الإنسان، كأنه يقول: اجعل ما تأخذه منا عند موتنا وتسلبنا هذه الأشياء عند موتنا بمقام الوارث أنها تظل معنا حتى تتوفانا يا ربنا، واجعله الوارث منا.\nقوله: (واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا)، لا تجعل الثأر على المظلومين ولا على المطيعين ولكن اجعل الثأر والبأس على الظلمة لنأخذ بحق الدين منهم.\nقوله: (وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا) كل مصيبة تهون إلا أن تكون في الدين فالمصيبة في الدين فظيعة وعظيمة، والإنسان الذي يبتلى في دينه ويضيع دينه لا يدري لعله يموت على ذلك فيصير إلى النار أبدًا والعياذ بالله.\nفهنا يقول ﷺ: (ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا)، فالله هو الذي يجعل حب الدنيا في القلب، وهو الذي ينزع ذلك من قلبه، فهو يدعو ربه سبحانه ألا يجعل حب الدنيا في قلبه: (لا تجعل الدنيا أكبر همنا)، ولكن أكبر الهم هو هم الدين، فالذي يهمك ويشغلك ويجعلك تفكر ليل نهار في كيفية إقامة هذا الدين، وفي كيفية طاعة الله سبحانه، فحين يكون هذا هو أكبر الهم عندك، فإن الله يهون عليك كل هم سواه.\nقوله: (ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا)، يوجد أناس علمهم لا يتجاوز الدنيا، يعرف الحساب يعرف العربي يعرف كذا يعرف كذا ولا يتجاوز علمه ذلك، فلا يذكر الموت وليس على باله، وليس على باله الآخرة، وليس على باله الحساب والجزاء والجنة والنار، فالنبي ﷺ يقول: لا تجعل الهم الذي نحن فيه هو هم الدنيا: (لا تجعل الدنيا أكبر همنا)، ولا تكون هذه الدنيا مبلغ علمنا، تجد بعض الناس يعبد غير الله سبحانه ﵎ ولا يفهم ما الذي يعبده، يعبد صنمًا! يعبد وثنًا! وهو ربما في الدنيا معه شهادة دكتوراه ولكنه لا يفهم شيئًا من أمور دينه! فهذا دكتور سافر ليأخذ الدكتوراه من اليابان، ولما وصل هناك وجد الناس يذهبون إلى المعابد ليتعبدوا، أناس كبار وأساتذة ودكاترة في الجامعة يأخذون معهم أجراسًا وهم ذاهبون إلى المعبد، فسأل أحدهم: ماذا تعمل بهذا الجرس؟ فقال: أذهب لأوقض الإله في المعبد! أي إله هذا الذي ستوقظه؟! يعني: الإله نائم لا يدري ماذا تعمل فأنت توقظه في المعبد؟! ومع هذا هو لا يريد أن يفكر في هذا الشيء.\nفهو انشغل في أمر الدنيا ووصل إلى مراحل عظيمة جدًا في علوم الدنيا كعلوم الطب وعلوم التكنولوجيا والصناعات وغيرها، لذلك فهو لا يفكر في أمر الدين.\nفالنبي ﷺ يدعو بهذا الدعاء: (لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا)، ولكن يكون هم الإنسان الآخرة، وليس معناه أنه لا يطلب الدنيا، بل الله يقول: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] ويقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]، فالمؤمنون يلزمهم أن يأخذوا بأسباب التقدم والنهضة في الدنيا، وأسباب إقامة هذا الدين العظيم، ولكن لا يغفل العبد عن دين الله سبحانه.\nثم قال ﷺ: (ولا تسلط علينا من لا يرحمنا)، لا تجعل علينا واليًا ممن يعادينا، أو ممن يداهن الأعداء؛ لأنه إذا تسلط على المؤمنين وتولى عليهم من يرحمهم فهذا حسن، أما إذا تولى أمورهم من لا يرحمهم فهذه عقوبة من الله ﷾ بما جنت أيدي الناس.\nوعلى هذا فيستحب للمؤمن إذا قام من مجلسه أن يقول هذه الأذكار: الذكر الأول: (سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك).\nالذكر الثاني: (اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا مصيبات الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا).","vol":"77","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-840>أحاديث في التحذير من الغفلة عن ذكر الله في المجالس</span>\nكذلك من الأحاديث ما رواه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله تعالى فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان لهم حسرة)، هذا لفظ أبي داود، ولفظ الإمام أحمد (وكان ذلك المجلس عليهم حسرة يوم القيامة).\nوالحديث الذي رواه الترمذي ولفظه: (ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله تعالى فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم).\nوالحديث الثالث كذلك بمثل هذا المعنى عند أبي داود وفي مسند الإمام أحمد ذكر فيه: (من قعد مقعدًا لم يذكر الله تعالى فيه كانت عليه من الله ترة، ومن اضطجع مضجعًا لا يذكر الله تعالى فيه كانت عليه من الله ترة).","vol":"77","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-841>فضل ذكر الله تعالى</span>\nلقد أمرنا الله ﷿ بذكره فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٢]، فالمؤمن دائمًا يجعل اللذة والمتعة في أنسه بالله سبحانه، وفي طاعته لله وذكره له، ويتذوق حلاوة طعم الذكر فيذكر الله سبحانه عند طعامه وشرابه، وعند خروجه من بيته ودخوله، وعند خروجه من المسجد ودخوله فيه، وعند دخوله الخلاء، وعند نومه وقيامه في الليل ونحو ذلك، فيذكر الله سبحانه ﵎ ذكرًا كثيرًا، وقد أمر الله بذلك فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٢]، فإذا كان الإنسان ماشيًا في طريق ولم يذكر الله سبحانه، وإنما يذكر الدنيا فهو مشغول بأمر الدنيا، والكثير منا للأسف على هذه الحال حتى ولو ذكروا لا يتذكرون.\nفالإنسان قد يسمع الأذان فيردد الأذان، ولكن تجد الكثير منا يسمع الأذان ولا يبالي بترديده وراء المؤذن، وقد يكون جائيًا إلى بيت الله سبحانه، ولكن أخذه الحديث في الدنيا، وكثير من الإخوة نمشي معهم على هذه الصورة، المؤذن يؤذن وهو يتكلم مشغول بأمر الدنيا! فهنا يخبرنا النبي ﷺ أنك إذا قمت من المجلس ولم تذكر الله سبحانه، كان عليك حسرة وإذا أخذت مضجعك ولم تذكر الله، كان عليك ترةً يوم القيامة، وترة بمعنى: حسرة يتحسر الإنسان يوم القيامة، فيقول: يا ليتني ذكرت الله، لو كنت ذكرت الله سبحانه ﵎ لكان رفعني أعلى من الدرجة التي أنا فيها الآن؛ ولذا يوم القيامة يسمى بيوم التغابن، اليوم الذي يرى كل إنسان فيه نفسه مغبونًا منقوصًا من حقه، من الذي نقصه؟ ليس هو الله ﷾، وإنما نفسه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت:٤٦].\nفالإنسان خدع نفسه في الدنيا، يسوف في الطاعة، ويسوف في التوبة، فإذا به يغبن في هذه الدنيا، فيوم القيامة يتذكر ويقول: يا ليتني! عن أبي هريرة مرفوعًا: (ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله تعالى فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان لهم حسرة).\nورواه أحمد بلفظ: (وكان ذلك المجلس عليهم حسرة يوم القيامة)، فإذا جاء يوم القيامة تذكر هذا المجلس وكان حسرة عليه، وفي الدنيا يقومون عن مثل جيفة حمار! كأنه وليمة، والوليمة هذه الذي يدعي إليها الناس يكون فيها طعام طيب، فهذه الوليمة التي كان فيها هذا الكلام الخبيث كأنهم جلسوا ليأكلوا حمارًا منتنًا، فقاموا عن مثل هذا المجلس، كيف يكون عليهم يوم القيامة؟! فيكون عليهم حسرة يوم القيامة.\nوفي الحديث الآخر قال: (ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله تعالى ولم يصلوا على نبيهم ﷺ فيه إلا كان عليهم ترة)، فاحرص على أن تذكر الله سبحانه ﵎ فيه، وأن تصلي على النبي ﷺ حتى لا يكون عليك حسرة يوم القيامة.\nثم قال: (إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم) إذا أخذتم المجلس كله في اللهو وفي ذكر الناس بالغيبة والنميمة وأتيتم على ذكر الله فامتنعتم يكون ترة على أصحابه، إن شاء الله غفر لهم، وإن شاء عذبهم بذلك.\nالحديث الأخير فيه: (من اضطجع مضجعًا لا يذكر الله تعالى فيه)، فهنا ذكر الاضطجاع والجلوس، وجاء في مسند الإمام أحمد أيضًا أن من مشى في طريق لم يذكر الله سبحانه ﵎ فيه إلا كان عليه ترة.\nوالمؤمن عندما يتذكر الثواب المترتب على ذكر الله ويقارن عندما نقعد نتكلم في سيرة فلان أوعلان، ونتكلم عن عملنا في هذا اليوم، وماذا سنعمل غدًا وكذا أين الثواب الموجود في هذه الأشياء؟ قد يكون كلامًا نحتاج إليه ولكن لو خلط هذا الكلام بذكر الله ﷿ لكان لنا عند الله ﷿ منزلة.\nفلو أنك ذكرت الله ولو بقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، اللهم صل على محمد صلوات الله وسلامه عليه، وتذكر الله سبحانه، وتصلي على النبي ﷺ؛ كان لك الأجر العظيم عند الله، وكنت يوم القيامة في منازل الصالحين.\nنسأل الله ﷿ أن يجعلنا من عباده الصالحين.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"77","page":12},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-842> ما جاء في الرؤيا وما يتعلق بها</span>\nالرؤيا الصالحة من مبشرات النبوة، يعطيها الله للمؤمن تثبيتًا له وتبشيرًا له بالخير، ومن رأى رسول الله ﷺ حقًا فسيراه حقيقة يوم القيامة، فالشيطان لا يتمثل به، وليس شرطًا أن كل مؤمن يرى رؤيا صالحة، وقد علمنا النبي ﷺ أن نقص الرؤيا الصالحة على من نحب، وإن كانت رؤيا تكرهها فلا تقصها على أحد، بل انفث ثلاثًا عن يسارك واستعذ بالله من شرها.","vol":"78","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-843>الرؤيا الصالحة من المبشرات وهي جزء من أجزاء النبوة</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب الرؤيا وما يتعلق بها.\nقال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [الروم:٢٣].\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة) رواه البخاري.\nوعنه أن النبي ﷺ قال: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) متفق عليه.\nوفي رواية: (أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا).\nوعنه قال: قال رسول الله ﷺ (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة -أو كأنما رآني في اليقظة- لا يتمثل الشيطان بي) متفق عليه.\nهذه أحاديث يذكرها الإمام النووي ﵀ في باب الرؤيا وما يتعلق بها، والرؤيا: ما يراه الإنسان في منامه فإما أن يرى الإنسان في منامه خيرًا، أو يرى شرًا، فالذي يريده يجده وهو في منامه، أو أنه يرى شيئًا من تفكير ويحدث نفسه بها، أو تكون هذه الرؤيا من الله ﷾ نوعًا من البشارة لهذا المؤمن، ولذلك في الحديث: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات) فذكر أن المبشرات هي الرؤيا الصالحة.","vol":"78","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-844>النوم من آيات الله</span>\nيقول الله سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الروم:٢٣].\nويقوله سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم:٢٢].\nفالعالم يرى هذه الآيات العظيمة العجيبة من آيات الله سبحانه، فمن الآيات اختلاف ألسنتكم وألوانكم، هذا أبيض، هذا أحمر، هذا أسود، هذا كذا، تختلف الألوان والخالق واحد ﷾، واختلاف ألسنتكم، هذا يتكلم بالعربية، وهذا الإنجليزية، وهذا فرنسية، هذا لسان عربي مبين، وهذا أعجم، والذي خلقهم هو الله الواحد الذي يسمع جميع الكلمات بجميع اللغات، ويستجيب لجميع الدعوات ﷾، فهذه آية من آياته سبحانه.\nومن آياته المنام بالليل والنهار، والكل ينام ولا يوجد أحد لا ينام، إلا أن يكتب الله ﷿ عليه الأرق والمرض ليريكم آية من آياته ﷾، وأنكم محتاجون إلى هذا النوم، ولو مرت عليه أيام وليالٍ لا ينام يحدث فيه شيء فيجن في النهاية، ومنهم من يتعب ويموت إذا حرم من هذا النوم الذي يحتاجه، وهذا ينام بطريقة معينة، وهذا نومه بطريقة معينة، وهذا يرى رؤيا، وهذا لا يرى، والذي يجعل هذا كله هو الله ﷾، فهو يدبر كونه سبحانه ويريكم اختلاف الأشياء، فهو الله الواحد ﷾، وهو الذي خلق هذا كله، فآية من آيات الله سبحانه، هذا ينام ويرى رؤيا، وهذا ينام ويرى حلمًا من أحلام الشيطان، وهذا ينام ويرى كذا، وهذا ينام ولا يرى شيئًا، والكل يجمعهم النوم، وهذا يقوم مفزوعًا من النوم، وهذا يقوم مسرورًا من النوم، وهذا يقوم وكأنه لم ينم، وهكذا.\nفالله ﷿ يريكم آيات من آياته ﷾، والإنسان يحتاج إلى هذا النوم، فإذا استيقظت من نومك حمدت الله سبحانه على أن جعلك تنام وتستريح، ثم أحياك بعدما أماتك وإليه المصير سبحانه، وإليه النشور ﷾، فمن آياته منامكم بالليل والنهار، وتحتاجون إلى هذا النوم، وتعرفون قدرة الله وقوته وغناه ﷾، وهو سبحانه لا يحتاج إلى شيء، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].\nوهو سبحانه لا يحتاج إلى النوم وفي الحديث: (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام) ﷾، ويذكر النبي ﷺ أن النوم أخو الموت، ولذلك أهل الجنة لا ينامون، ولا يحتاجون إلى النوم؛ لأنه لا تعب في الجنة ولا مشقة، فلا ينام أهل الجنة، بل يستمتعون في كل الأحيان وفي كل الأوقات، وبكل شيء يستمتعون، نسأل الله ﷿ أن يجعلنا من أهل جنته.\nيقول لنا ربنا سبحانه: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥].\nالسِنَة: الخفيف من النعاس، والنوم: الثقيل من النعاس، فلا تأخذ الله ﷾ سنة ولا نوم، ولا يعتريه ذلك ﷾، فالله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، بيده القسط والميزان يخفض ويرفع ﷾.","vol":"78","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-845>شرح حديث: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات)</span>\nيقول أبو هريرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات، قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة) هذا الحديث جاء في رواية عن النبي ﷺ أنه ذكر (لم يبق من النبوة إلا المبشرات قالوا: ما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له) إذًا: ترى أنت في منامك رؤيا صالحة، أو إنسان من المؤمنين يرى لك رؤيا طيبة صالحة، فتفرح أنت وتسر بهذا الشيء.\nوفي الحديث الآخر: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) متفق عليه، يعني: اقتربت مدة انتهاء هذه الدنيا، وهذا من رحمة الله ﷿ بعباده، فكلما يقترب زمان الآخرة يبتعد الناس عن زمان النبوة، ويكثر الكفر ويكثر الفسوق، ويكثر التكذيب بآيات الله سبحانه، وبأحاديث الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فيجد المؤمن نفسه غريبًا في الدنيا فيحتاج إلى ما يثبته، فالله ﷿ يجعل هذه الرؤيا بشارة له، وتثبيتًا له فيطمئنه بذلك، ويثبت قلبه بهذه الرؤيا الصالحة الصادقة التي يراها، وكلما كان الإنسان صادقًا كانت رؤياه صادقة حقيقية، وكلما كثر كذبه كان بعيدًا عن الرؤيا الصالحة الصادقة.\nيقول في الحديث: (إذا اقترب الزمان، لم تكد رؤيا المؤمن تكذب) أي: لم يكد يرى الرؤيا إلا وتتحقق كما رأى، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، أو جزءًا من ستين جزءًا منه، أو من سبعين أو من تسعين جزءًا أو من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة، والمعنى: أن النبوة أجزاء، والرؤيا من صفات النبوة، يكون فيهم كذا ويكون فيهم كذا، فمن ضمن صفات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، الرؤيا الصادقة الصحيحة، لا يعتريهم الوساوس؛ لأنهم معصومون قد عصمهم الله، فالمؤمن كلما ازداد صدقًا اقترب من هذه الصفة، وليس معناه: أنه يصير نبيًا، وليس كل من يرى الرؤيا الصادقة يصير إنسانًا مؤمنًا، ليس شرطًا هذا الشيء، ولكن الغالب ذلك، وقد يرى الكافر رؤيا صادقة صحيحة، ولكن المقصد هنا: أن الله يطمئن المؤمنين بمثل ذلك، ويكثر فيهم ذلك كلما اقترب الزمان؛ تثبيتًا من الله ﷿ لهم، وتبشيرًا لهم، فيرى المؤمن رؤيا صالحة ويسر بها في هذا الزمن الذي يرى الإنسان نفسه أنه يعيش وحيدًا، وأنه يعيش غريبًا في وسط الناس، فالله ﷾ يؤنسه بهذه الرؤيا، فقال: (رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) أي: جزء من أجزاء النبوة أو صفة من الصفات التي فيها الرؤيا الصالحة، فهذا الإنسان كلما ازداد صلاحه اقترب من هذه الصفة التي عند الأنبياء، وهي صفة الصدق في الرؤيا.\nقال النبي ﷺ: (أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا) الإنسان الذي يريد أن يرى رؤيا صادقة، لا بد أن يصدق في الحديث، فقد يكون صادقًا في كلامه، فالله ﷿ يمن عليه بذلك، والإنسان الكذاب نادرًا ما يرى الرؤيا الصحيحة، وليس معناه: يستحيل أن يرى، بل الكافر يرى الرؤيا الصادقة أحيانًا فكيف بالإنسان المسلم؟! ولكن المعنى في الحديث: أن الإنسان الصادق كثيرًا ما يرى الرؤيا الصادقة من الله ﷾ ويحدث فيها ما رآه، أو تكون فيها بشارة لهذا المؤمن على ما رآه.","vol":"78","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-846>رؤية النبي ﵊ في المنام</span>\nمن أعظم الرؤى التي يراها المؤمن أن يرى النبي ﷺ في المنام، ففي حديث لـ أبي هريرة متفق عليه: (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة أو كأنما رآني في اليقظة) من رأى النبي ﷺ في المنام فهذا دليل على الإيمان في قلبه، فالإنسان المؤمن يرى النبي ﷺ بصفاته صلوات الله وسلامه عليه التي كان عليها في الدنيا، سواءً رآه صغيرًا في السن أو كبيرًا في السن، شابًا أو شيخًا، فهي مراحل مر بها النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولها تأويلات عند علماء الرؤى.\nفالغرض: أن الذي يرى النبي ﷺ في المنام، يبشره النبي ﷺ أنه سيراه يوم القيامة، يعني: لن يكون بعيدًا عن النبي ﷺ، بل يكون قريبًا منه ﷺ يوم القيامة.\nوالأمر الثاني: أنها رؤيا حق، رأى النبي ﷺ صدقًا في هذا المنام، قال: (فسيراني في اليقظة)، وليس معناه: في الدنيا؛ لأن النبي ﷺ توفي، وانتهى أمر الدنيا بالنسبة للنبي ﷺ وهو الآن في البرزخ في حياة برزخية، ليست لها صلة بالدنيا في شيء، لكن الذي رآه في المنام فسيراه، يعني: يوم القيامة يكون مع النبي ﷺ، ويكون إمامه النبي صلوات الله وسلامه عليه، (من رآني في المنام كأنما رآني في اليقظة، لا يتمثل الشيطان بي) فجعل الله ﷿ لنبيه ﷺ خصيصة ومزية من المزايا أن الشيطان لا يتمثل به، فالشيطان لا يتشكل بشكل النبي ﷺ، ومعلوم أن الشيطان يقدر على التشكل بصور بني آدم، يتشكل في صورة امرأة، ويتشكل في صورة رجل، ويتشكل في صورة فلان أو فلان، ويتشكل في صورة ثعبان، فالشيطان أعطاه الله ﷿ القدرة على ذلك ليفتن العباد، وخاصة في المنام يفعل ذلك، ولكنه لا يستطيع أن يتشكل في هيئة النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولا يقول للإنسان في منامه: أنا محمد صلوات الله وسلامه عليه، فعلى ذلك الذي يرى النبي ﷺ في المنام فقد رأى الحق، وأنه سيرى النبي ﷺ أيضًا يوم القيامة.","vol":"78","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-847>شرح حديث: (إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله)</span>\nعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: (إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها، فإنما هي من الله تعالى، فليحمد الله عليها، وليحدث بها، وفي رواية: فلا يحدث بها إلا من يحب، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان، فليستعذ من شرها، ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره) في هذا الحديث يخبر النبي ﷺ أن المؤمن إذا رأى الرؤيا الطيبة التي يفرح بها، فهي من الله ﷾، فليحمد الله ﷾ عليها، وليحدث بها، ولكن يحدث من يحب، فالناس إما محب لك الخير، وإما مبغض لك يكره لك الخير، ويحسدك على ما أنت فيه من نعمة، فهذا لا تقص عليه مثل ذلك، إذا قصصت عليه ذلك ازداد حسدًا وازدادت غيرته، فلعله يؤولها بشر ويكون ما يؤوله لك حقيقة، فلذلك لا تقص الرؤيا إلا على إنسان يحبك، والذي يحبك إذا عرف بهذه الرؤيا شيئًا من الشر قال: خيرًا، خيرًا لنا وشرًا لعدونا، وإذا وجد فيها خيرًا بشرك بهذا الخير الذي فيها، هذا إذا كان يفهم تأويل الرؤيا، وإذا كان لا يفهم تأويلها سيقول: خيرًا من الله سبحانه، ويقول: من ورائها الخير، فيخبرك النبي ﷺ أن تقص الرؤيا على الإنسان الذي يحبك، وليس على الإنسان الذي لا يحبك، هذا في الرؤيا الصالحة الطيبة.\nلكن الرؤيا السيئة التي تسوء المؤمن وهي الحُلْم فلا يحدث بها؛ لأنه إذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان، فليستعذ بالله من شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره، وأحيانًا يرى الإنسان كابوسًا وهو نائم، فيقوم من النوم مفزوعًا، فيرى أشياء قد يكون من ورائها شر لهذا الإنسان، والرؤيا التي يراها في المنام غيب، ونحن لا نفهم في أمر الغيب، فالغيب لا يعلمه إلا الله ﷾، والنبي ﷺ يدلنا على أشياء فلنتمسك بما قال، فأخبر صلوات الله وسلامه عليه أننا لن نطلع على الغيب، ولا نعرف ما الذي يكون في الغد، ولكن النبي ﷺ إذا حذرك من شيء فلتحذر ولتلتزم الذي قاله النبي ﷺ فإن الخير من ورائه.\nوجاء في الحديث: (الرؤيا على رجل طائر، فإذا عبرت وقعت) وليس هناك شيءٌ يستقر على قدم الطائر، فالطير إذا كان واقفًا على الأرض وجعلت فوق رجله شيئًا، فإذا طار الطائر سقط هذا الشيء، فكأن الرؤيا معلقة في مكانها تنتظر من يؤولها، فإذا قصصتها على إنسان يحبك حدثك بخير فكان خيرًا من ورائها إذا شاء الله سبحانه، ولعلك تقصها على جاهل لا يفهم، أو إنسان يبغضك فيؤولها على شر ما يراه، فيقلب لك الشيء، وقد يكون هذا الذي قاله، فقد تعلَّق حوادثُ على كلمة يتلفظ بها إنسان، والله يفعل ويقضي في ملكه ما يشاء ﷾، لذلك يعلمك النبي ﷺ أنك إذا رأيت الرؤيا الصالحة أن تقصها على من تحب ومن يحبك، وإذا رأيت غير ذلك فلا تكلم بها أحدًا، فإنها لا تضرك، وكان من الصحابة من يرى الحُلمُ في منامه فيرى الكوابيس التي تفزعه، فلا يستطيع أن ينام أيامًا وليالي ويحزن ويبقى متشائمًا من هذا الذي يراه، حتى حدث النبي ﷺ بذلك، فطمأنه النبي ﷺ أن هذه من تهاويل الشيطان ومن أضغاث الأحلام، ولا يلتفت إليها، وعلمهم ما يقولون إذا استيقظ أحدهم من منامه، فذهب عن الرجل ما كان يجده من جراء هذه الكوابيس.\nإذًا: النبي ﷺ يعلمنا أنه إذا رأيت الرؤيا الصالحة فلتقصها على من تحب أو يحبك، وإذا رأيت غير ذلك فلا تحدث بها أحدًا لا الذي يحبك ولا الذي يكرهك، ولعلها تكون من تلاعب الشيطان بك.\nجاء رجل إلى النبي ﷺ يقص عليه رؤيا في زعمه، وظن أنها رؤيا يراها فقال: رأيت رأسي تجري أمامي وأنا أجري وألحق بها! فقال النبي ﷺ: (لم يتحدث أحدكم بتلاعب الشيطان به؟) وهل هناك أحد يحكي مثل هذا الشيء؟ فلا يتحدث أحدكم بتلاعب الشيطان به، فلا تجعل نفسك سخرية أمام الناس، بأن تحكي شيئًا من التهاويل والأضغاث، فلا تقصها على أحد، ولكن تقص الرؤيا الصالحة، وليس معنى هذا: أنك كلما ترى رؤيا تصبح الصبح فتبحث عن أناس لتخبرهم بها، مثل كثير من إخواننا كل يوم يخبروننا برؤى! نحن نشرح أحاديث النبي ﷺ فإذا أنت رأيت رؤيا صالحة، فقصها على من تحب ممن يفهم تأويل الرؤى، فلا داعي أن نجد في الصباح الكثير من الإخوة يقص علينا الرؤى!","vol":"78","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-848>شرح حديث: (الرؤيا الصالحة من الله)</span>\nعن أبي قتادة: أن النبي ﷺ قال: (الرؤيا الصالحة -أو الرؤيا الحسنة- من الله) إذًا: الله ﷾ يجعل ملكًا من الملائكة يلقيها عليك وأنت في منامك فترى شيئًا منه ﷾.\nقال: (والحلم من الشيطان) وفرق بين الحُلُم والحِلم، الحِلم بمعنى: الصبر، وهي صفة من صفات الصبر في الإنسان، لكن هنا قال: (والحُلُم من الشيطان، فمن رأى شيئًا يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثًا، وليتعوذ من الشيطان فإنها لا تضره) فالإنسان الذي يرى حُلُمًا من الأحلام إذا استيقظ من منامه يتفل عن يساره ثلاث مرات، وينفث يعني: يتفل من دون ريق، أو بِرِيق خفيف جدًا عن يساره ثلاثًا كما ذكر هنا، وليقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإنها لا تضرك، وصدق النبي صلوات الله وسلامه عليه، فلتفعل ما قاله ﷺ إذا رأيت ما يضايقك في المنام.\nوفي حديث لـ جابر قال النبي ﷺ: (إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثًا) يعني: يتفل بريق خفيف، وليستعذ بالله من الشيطان، وزاد شيئًا قال: (وليتحول عن جنبه الذي كان عليه)، فإن كنت نائمًا على الجنب اليمين فلتتحول عنه إلى الجنب اليسار، وإن كنت نائمًا على الجنب اليسار فلتتحول عنه إلى الجنب اليمين وهكذا؛ لأن الشيطان يقعد لك فيه، فحين تغير مكانك يذهب عنك الشيطان.","vol":"78","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-849>شرح حديث: (إن من أعظم الفرى أن يدعي الرجل إلى غير أبيه)</span>\nقال النبي ﷺ في حديث آخر: (إن من أعظم الفِرى أن يدعي الرجل إلى غير أبيه) أن يدعي أو يدعى فيقبل بهذا الشيء (أو يُرَيَ عينه ما لم ترَ)، والفرية: أشد أنواع الكذب، إنسان يفتري أي: يختلق كذبًا وزورًا، فمن أعظم الفرى ومن أعظم الكذبات العظيمة الشنيعة أن يدعي الرجل إلى غير أبيه، يعني: يقول الإنسان: أنا فلان بن فلان، ويتسمى باسم رجل غير أبيه، مثل كثير من الممثلين وغيرهم، تجد أحدهم له اسمان: اسم في البطاقة، واسم أمام الناس! فمن أعظم الكذب أن الإنسان يتسمى لغير أبيه، قال ﷺ: (أن يدعي الرجل إلى غير أبيه، أو يري عينه ما لم ترَ) هذا من أعظم الكذب.\nوجاء في حديث آخر أن هذا الإنسان يعذب في النار، الذي يكذب فيؤلف أنه رآى بالبارحة وهو لم يرَ شيئًا يكلف أن يعقد بين شعيرتين في النار من أجل أن يخرج منها، والمعنى: أنه لن يخرج من النار والعياذ بالله؛ لأنه يكذب على الله سبحانه.\nوالرؤيا وحي من الله، والذي يختلق شيئًا في منامه فإنه يكذب على مقام النبوة، وعلى مقام الوحي من الله ﷾، فلذلك أخبر أنه من أرى عينيه ما لم ترياه يكلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين وما هو بعاقد، يعني: يقال له: أنت داخل النار، وإذا أردت أن تخرج منها فاربط بين شعيرتين، ومن يربط شعيرة في شعيره أخرى؟! يستحيل هذا الشيء، إذًا: يعذب دائمًا والعياذ بالله بسبب كذبه، فاحذر أن تكذب في الرؤيا، أو أن ابنك يكذب عليك ويقول: أنا رأيت في البارحة كذا وكذا، فعليك أن تحذره من أن يكذب في المنام.\nفالمنام من الله ﷾، له ملك مخصوص يجعل هذا الإنسان يرى أشياء، والنوم هو الموتة الصغرى، والموت هو روح الإنسان تتجول في أنحاء الكون بحسب ما يشاء الله ﷾ في وقت نوم الإنسان.\nلذلك من يحدث فيكذب فيها فإنه يستحق العذاب يوم القيامة على كذبه، وحتى تكون الرؤيا رؤيا صالحة وصادقة وبشارة للإنسان المؤمن فإن شرطه أن يكون صادقًا، أتريد أن تكون لك رؤيا صالحة تراها ومبشرات؟ كن صادقًا في حديثك ولا تكذب على أحدٍ من الناس، فإذا كنت كذلك أراك الله ﷾ الرؤيا الصالحة، ومن أعظم ما ترى أن ترى النبي صلوات الله وسلامه عليه في المنام.\nوقد كان النبي ﷺ قبل أن يوحى إليه أول ما بدأ به الرؤيا الصادقة، وكان ذلك قبل أن تنزل عليه الرسالة، كان يرى الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وكان الكفار يلقبونه الصادق الأمين ﵊، فكان يرى هذه الرؤى الصالحة فإذا أصبح تحقق الذي رآه، ففي الحديث المتفق عليه من حديث عائشة ﵂ قالت: (كان أول ما بدأ به رسول الله ﷺ الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، ثم بعد ذلك نزل عليه الوحي من السماء).","vol":"78","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-850>أنواع الرؤيا</span>\nعن محمد بن سيرين أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ (إذا اقترب الزمان لم تكد تكذب رؤيا المؤمن، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وما كان من النبوة فإنه لا يكذب) يعني: الشيء الذي هو من خصال ومن صفات الأنبياء لا يكون فيه شيء من الكذب.\nيقول ابن سيرين: وكان يقال: الرؤيا ثلاث، يعني: السابقون قبلنا من الصحابة كانوا يقولون ذلك، الرؤيا ثلاث: حديث النفس، وتخويف الشيطان، وبشرى من الله.\nفالنوع الأول حديث نفس، كأن يكون الإنسان مهمومًا بشيء يفكر فيه فنام في الليل فرأى ذلك الشيء الذي كان يفكر فيه في النهار، وهذه ليست رؤيا، ولكن حديث نفسي كان مشغولًا به، أو عادة من العوائد يراها الإنسان في النهار فتتحقق في الليل.\nوالنوع الثاني: أن تكون تخويفًا من الشيطان وتهويلًا منه، وهي أضغاث أحلام تحدث لإنسان نائم والشيطان يبدأ يريه أشياء ويخوفه من أشياء، فيفزع الإنسان خائفًا من النوم والشيطان يفرح بهذا الشيء، لكن هذا من تهويل ومن كذب الشيطان.\nوالنوع الثالث: بشرى من الله، أي: رؤيا تكون بشارة من الله، فإن رأى شيئًا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم فليصل، وهذه زيادة كانوا يفعلونها، نقلها ابن سيرين عن الذين قبله، وهو تابعي ﵁، كأنه يذكر أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك، إذا رأى أحدهم الرؤيا التي يكرهها يقوم ويصلي لله ﷾، حتى يذهب الله ﷾ ذلك.","vol":"78","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-851>علم تأويل الرؤى</span>\nقال ابن سيرين: كانوا يكرهون الغل في النوم، وكان يعجبهم القيد، هذا في تأويل الرؤى، وتأويل الرؤى علم من العلوم، وليس كل واحد يؤول الرؤى، وليس كل إنسان عنده كتاب تفسير الأحلام للنابلسي أو لـ ابن سيرين معناه أنه قد فهم تعبير الرؤى ويعبر الرؤى، ويجلس حوله الناس فيحكون له وهو يفسر لهم! هذه موهبة من الله ﷾، وهي علم من العلوم يجعله الله في قلب الإنسان، وهي فطنة وذكاء معين يتعلق بذلك، فإذا به يقارن الأشباه بأشباهها، وينزل الأشياء على مواضعها فيفهم الشيء، وكثير ممن يفسر الرؤى اليوم لا يفهم الفرق بين إنسان رأى القيد، وإنسان رأى الغل! يقال: القيد: ما يربط في قدم الإنسان، يقال: فلان مقيد، وقيدت الدابة، إذا ربطت رجلها بسلسلة في عمود في الأرض، قيدتها لأمنعها من الحركة، والغل يُفْعل بالأسير، بحيث تجمع يداه إلى عنقه وتربط في رقبته بسلسلة، هذا هو الغل، فكانوا يحبون القيد؛ فيؤول القيد على أنه ثبات في الدين، وكانوا يكرهون الغل؛ لأن فيه الذل وفيه الصغار للإنسان، وفيه أنه شكل أهل النار يوم القيامة والعياذ بالله، فعلى ذلك يقول لنا ابن سيرين: كانوا يكرهون الغل في النوم، وكان يعجبهم القيد، ويقال: القيد ثبات في الدين.\nوأحيانًا بعض الرؤى يمكن للإنسان أن يراها على شيء معين ويكون لها تفسير معين، ويرى آخر نفس الذي رآه الأول، ويكون لها تفسير آخر! فليس شرطًا أن آتي بكتاب تفسير الأحلام وأرى فيه وأطبقه على شيء؛ وأقول: أنا أفهم في هذا العلم، العلم هذا له أهله، فالذي يعرف فيه هذا الذي يجوز له أنه يفسر، فالبقرة إذا رآها الإنسان في المنام يمكن أن يقول: بقرة فيها لبن وفيها خير، وفيها كذا، ورأى النبي ﷺ البقرة في يوم أحد، ولم يعجبه أنه رأى هذه البقرة في المنام، فالنبي ﷺ قال: (بقر في أصحابي) يعني: تبقر بطونهم، وبقرت بطن حمزة رضي الله ﵎ عنه، فرآها النبي ﷺ ولم تعجبه أنه يرى في المنام ذلك.\nفقد يرى الإنسان شيئًا ولكنه لا يعرف المعنى الذي فيها، وإنسان آخر يؤولها له على خلاف الواقع، والذي يعبِّر الأحلام ينظر إلى الإنسان الذي يحدثه، فيأتي إنسان لـ ابن سيرين ويقول له: أنا رأيت رؤيا معينة فيها كذا وكذا، فنظر ابن سيرين وقال له: كذبت، أنت لم تر هذه الرؤيا، وهي ليست لك، يقول: صدقت حدثني بها فلان، فلان هذا من أولاد الأمراء، والرؤيا تعبيرها أنه سيكون أميرًا، والذي يحكي لـ ابن سيرين هو شيخ ليس من أهل الإمارة، ولا يصلح أن يكون أميرًا، فالذي يعبر الرؤى لديه فطنة.\nوهذا إنسان يأتي لـ ابن سيرين ويقول له: أنا رأيت شيئًا سيئًا في المنام، رأى هذا الإنسان أنه يطأ بقدمه على رسول الله ﷺ! فالرجل فزع، ومعروف عنه أنه من المؤمنين الصالحين، فـ ابن سيرين نظر إليه وعرف أنه من أهل الصلاح فقال: نمت في خفك؟ قال: نعم قال: اخلعه، فخلع الحذاء ووجد فيه ورقة مكتوبًا فيها اسم النبي ﷺ؛ لأنها لصقت في رجله، وكان ما قاله ابن سيرين حقيقة! فلو أن إنسانًا يجهل تفسير الأحلام وتعبير الرؤى لقال له: أنت ستموت كافرًا، لذلك لا تحكي الرؤيا لإنسان جاهل لا يفهم في تعبيرها، لا تقص رؤياك على أي إنسان، ولكن إذا كانت رؤيا صالحة فقص على من تحب، أو من يفهم في ذلك، وإذا كانت رؤيا تكرهها فلا تقصها على أحد.\nنسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"78","page":10},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-852> فضل السلام والأمر بإفشائه وكيفيته</span>\nمن خصال الإسلام التي حث عليها الشارع الحكيم: إفشاء السلام بين المسلمين، وذلك لما له من أثر عظيم على تماسك هذه الأمة المجيدة، فهو سبيل إلى تقوية أواصر المحبة والألفة والأخوة بين المسلمين، وللسلام آثار نفسية وإيجابية عظيمة، فهو يبعث الأمان في نفس المسلم عليه، وينشر المحبة والمودة بين الناس، ويعمق الروابط الاجتماعية بين الفرد وأخيه بصورة خاصة، وبين المجتمع بصورة عامة.","vol":"79","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-853>فضل السلام والأمر بإفشائه</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صلي وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [كتاب السلام: باب فضل السلام والأمر بإفشائه.\nقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور:٦١]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦]، وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ﴾ [الذاريات:٢٤ - ٢٥].\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ: (أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) متفق عليه].\nيذكر الإمام النووي ﵀ في كتابه القيم: (رياض الصالحين) كتابًا عن السلام، ذكر فيه بابًا في فضل السلام والأمر بإفشائه، وذكر ما يتعلق بذلك من آيات من كتاب الله ﷿ وأحاديث للنبي ﷺ.","vol":"79","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-854>من معاني السلام وآدابه</span>\nالسلام مما ميزت به هذه الأمة، فقد أمروا بأن يسلم بعضهم على بعض، وأمروا بإفشاء السلام بينهم حتى تكثر المحبة بين المؤمنين بسبب هذا السلام العظيم.\nوقد علم الله سبحانه السلام آدم وهو في الجنة، فتعلمه من الملائكة وتعلم رده، وأخبره أن هذا السلام هو تحيتك وتحية أمتك من بعدك عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.\nوالسلام: من أسماء الله الحسنى ﷾، فالله هو السلام ﷾.\nوللسلام معان كثيرة منها: أولًا: السلامة من العيوب.\nثانيًا: ما جاء فيه من الطمأنينة والأمن والسلامة والخير من وراء ذلك.\nثالثًا: أنه اسم من أسماء الله الحسنى، فالله هو السلام ومنه السلام، فهو يحيي أهل الجنة بالسلام، وتحييهم الملائكة بالسلام، بل وسمى الجنة دار السلام فقال: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [إبراهيم:٢٣].\nوقد حسدت اليهود المؤمنين على هذا السلام، وأنهم يحيون بعضهم بعضًا بالسلام، قال ﷺ: (ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين)، والتأمين: أن تقول: آمين، وذلك عندما يدعو أحدكم ويؤمن الآخرون، أو عندما يقرأ الفاتحة فتقول: آمين، ويقول الإمام: آمين، ويوافق تأمينكم وتأمين الإمام تأمين الملائكة فيغفر الله ﷿ لكم ما تقدم من ذنوبكم.\nقال الله ﷿ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧]، فقوله: (حتى تستأنسوا) من الأنس: ضد الوحشة، فإذا أردت أن تدخل بيتًا غير بيتك فعليك أن تستأنسه؛ لكي يستشعر أهل البيت منك الطمأنينة والأمان فيأنسون بك، هذا قبل الدخول، فلا تهجم على باب البيت لتفتحه وتدخل حتى وإن قلت السلام عليكم قبل ذلك، قال تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور:٢٧]، أي: يستأنس بك أهل البيت، وتستأنس أنت من هؤلاء.\nولذلك جاءت عن المفسرين بذلك أقاويل مضمونها: أن تطمئن أهل البيت بنحنحة عند الدخول، أو بذكر الله ﷿ بصوت مرتفع، حتى يستشعر من بالداخل أن هناك إنسانًا بالخارج يريد أن يستأذن ويدخل، ثم تقول: السلام عليكم أأدخل؟ فتطمئن أهل البيت أنك ما جئت إلا لخير بهذا الإيناس، ثم تطمئن أهل البيت ثانية بأن تقول: السلام عليكم، فتستأنس وتسلم على أهل البيت.\nوقد كان العرب في الجاهلية يتركون التحية إذا قويت العلاقات فيما بينهم، فلعل الرجل يأتي إلى أقربائه فيفتح الباب ويدخل ويجلس، ثم بعد ذلك يقول: قد دخلت! وقد أرادوا أن يفعلوها مع النبي ﷺ، فأمر الرجل أن يخرج وأن يسلم ويستأذن من عند الباب ثم قال لمن معه: (هلا علمتم هذا السلام؟ فخرج الرجل وسلم على النبي ﷺ واستأذن قبل أن يدخل).\nإذًا: لا يوجد شيء اسمه: أنا متعود عليك وأنت متعود، بل لا بد من الاستئذان مهما كانت العلاقة بيني وبينك، يقول الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦]، ومع هذه العلاقة القوية أمروا أن يستأذنوا قبل دخولهم على النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهو أيضًا صلوات الله وسلامه عليه الذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، كان إذا ذهب إلى بيت سعد بن عبادة وقف خارج البيت وقال: (السلام عليكم أأدخل؟) فيرد أهل البيت على النبي ﷺ سرًا؛ لأنهم يريدون أن يستكثروا من سلامه ودعائه وتحيته صلوات الله وسلامه عليه، فيسلم المرة الثانية وهم يردون عليه في سرهم، ثم سلم عليهم المرة الثالثة ﷺ ولم يدخل البيت، فخرج أهل البيت ونادوا على النبي ﷺ وقالوا: إنما أردنا الاستكثار من سلامك والبركة من وراء ذلك، فأخبرهم بأن الاستئذان ثلاث مرات فقط، وأن الإنسان ينصرف بعد ذلك.\nوهنا يقول الله تعالى عن التسليم: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧]، وليس التسليم راجعًا لهوانا، أو أن كل واحد منا يختار السلام الذي يعجبه، وإنما علم آدم هذا التسليم وجعله تحيته وتحية ذريته من بعده، قال الله ﷿ ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ [النور:٦١]، وبيوتًا هنا: نكرة، فإذا دخلتم بيوتًا فليسلم بعضكم على بعض، وهذا معنى قوله سبحانه: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النور:٦١]، إذًا: فالسلام ليس تحية من عندك أنت، بل الله علم آدم وعلم بني آدم هذه التحية، تحية من عند الله من ورائها البركة والشيء الطيب العظيم، قال: ﴿مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور:٦١]، فالسلام دعاء بالحياة الطيبة والحياة المباركة.\nوقال سبحانه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦]، فالله يعلمك أنه إذا حياك إنسان بتحية أن تحييه بأحسن منها أو أن ترد هذه التحية، فإذا قال: السلام عليكم، فرد عليه بأفضل منها: وعليك السلام ورحمة الله، أو مثلها: وعليك السلام، فإما أن تزيد وإما أن تردها كما هي بلا زيادة.\nوالسلام على المؤمن سنة، وهو شيء مستحب عظيم، أما رد السلام ففرض عليك طالما لا يوجد غيرك يرد السلام، فإذا كنتم مجموعة وحياكم شخص معين فإن رد السلام حينئذ يكون فرضًا كفائيًا، أي: أنه إذا رد البعض سقط الإثم عن الجميع، ويؤجر هذا الذي رد، وإذا رد الجميع كلهم أخذوا الأجر على ردهم.","vol":"79","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-855>خصال موصلة إلى الجنة</span>\nقوله سبحانه: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات:٢٤]، فقد وصف الله أضياف إبراهيم بأنهم مكرمون كرمهم الله، وكانوا ثلاثة من الملائكة، قال: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا﴾ [الذاريات:٢٥]، فسلموا على إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ﴿قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ﴾ [الذاريات:٢٥] فكأنه رد ﵈ ثم قال في نفسه: هؤلاء قوم منكرون، فأول مرة أرى مثل هؤلاء الشبان، وكانوا حسان الوجوه، فعجب من أمرهم وأنهم ليسوا من أهل هذه البلدة، فقال في نفسه ذلك، قال سبحانه: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ﴾ [الذاريات:٢٤ - ٢٥].\nثم قال المؤلف ﵀: [ومن الأحاديث: ما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ: (أي الإسلام خير؟) - يعني: أي خصال الإسلام خير؟ وكأنه يقول للنبي ﷺ: خصال الإسلام كثيرة وأنا أحاول أن أعمل بها، فما هي الخصال التي أتمسك بها؟ وما هي أفضل هذه الخصال؟ فقال النبي ﷺ: (تطعم الطعام)، ففيه دلالة على الكرم، وكأنه يقول: كن كريمًا، لكن كل إنسان يرى الكرم من منظوره الخاص فيقول: أكون كريمًا بأن أعامل الناس معاملة حسنة، أكون كريمًا بأن أفعل كذا وكذا، فهو يقول هنا: (تطعم الطعام)، فإذا كان الإنسان يبذل ماله وطعامه فمن باب أولى أن يبذل الندى للناس وحسن الخلق.\nقال ﷺ: (تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)، وهذه من الخصال العظيمة المفقودة في كثير من المسلمين، وهي: أن تقرأ السلام بمعنى: أن تسلم على من عرفت ومن لم تعرف، فقد صار الحال الآن أن الإنسان يسلم على من يعرفه فقط، أما الذي لا يعرفه فإنه لا يقول له أي شيء! مع أنه قد يكون صلى معه في المسجد، ولكن الحديث يعلمنا أن تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف من المسلمين راجيًا الأجر من الله ﷿، وليس شرطًا أنك إذا سلمت عليه فسيكون صاحبك أو سينتفع بك وتنتفع به، لكنك تبتغي الأجر من الله سبحانه، فكل كلمة في السلام فيها عشر حسنات، بل إن خيرهم الذي يبدأ بالسلام.","vol":"79","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-856>بدء السلام</span>\nفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال النبي ﷺ: (لما خلق الله تعالى آدم - صلى الله عليه وعلى نبينا - قال: اذهب فسلم على أولئك - نفر من الملائكة جلوس -)، فالله ﷿ يعلم آدم كيف يسلم وكيف يرد السلام، فقال: اذهب إلى هؤلاء الملائكة فسلم عليهم وانظر بماذا يردون عليك، قال: (فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله)، فتعلمنا من الملائكة الزيادة في سلامنا.","vol":"79","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-857>حق المسلم على المسلم</span>\nعن البراء بن عازب ﵁وهو حديث متفق عليه- قال: (أمرنا رسول الله ﷺ بسبع: بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ونصر الضعيف، وعون المظلوم، وإفشاء السلام، وإبرار المقسم) هذا لفظ إحدى روايات الإمام البخاري.\nفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ أمر الأمة بسبع خصال من خصال هذا الدين العظيم، فقد أمر ﷺ: (بعيادة المريض)، ولعيادة المريض آداب كما قدمنا قبل ذلك.\nقال: (واتباع الجنائز)، لكي تؤجر على اتباعك الجنائز بقيراطين من الأجر كل قيراط مثل جبل أحد، فإذا اتبعت الجنازة حتى تصلي عليها كان لك قيراط من الأجر، فإذا اتبعتها حتى تدفن الجنازة ويوارى صاحبها في التراب كان لك قيراط آخر، فيصير لك قيراطان من الأجر والثواب، كل قيراط مثل جبل أحد.\nقال: (وتشميت العاطس) يعني: إذا عطس المؤمن فحمد الله فقل له: يرحمك الله.\nقال: (ونصر الضعيف)، فمن خصال الإسلام: أن تكون مع الضعيف على من استقوى عليه كمن ظلم وأخذ منه حقه ولم يعطه حقه.\nقال: (وإفشاء السلام) هذا هو الشاهد من الحديث، فإنه لا يكفي أن تلقي السلام فحسب، بل لا بد أن تفشيه، والإفشاء أكثر وأبلغ من إلقاء السلام فقط، فالإلقاء قد يكون مرة أو مرتين ثم تتركه، لكن إفشاء السلام يدل على الكثرة حتى يصير سمة من سمات المسلمين، ويكون علامة على أن هذا المجتمع مجتمع إسلامي، وليحصل الأجر الكثير بذلك، ثم تكون من وراء ذلك البركة العظيمة من الله ﷿، تدخل على إنسان فتقول: السلام عليكم، فيحصل الثواب بهذه الكلمة، ثم إذا سلمت على إنسان بيدك تساقطت الخطايا من بين يدك ويده، وتحصل البركة بعد ذلك في الشيء الذي تريده منه، ويأمنك بتسليمك عليه، لكن لو جئت إلى إنسان فبدأت حديثك معه دون سلام لما حصلت البركة، بل ربما لا يرد عليك، وقد قال ﷺ: (من بدأكم بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه)، فالنبي ﷺ يعلم المؤمنين الأدب فقبل أن تبدأ وتطلب من إنسان شيئًا عليك أن تسلم عليه، وأن تدعو له وتحييه بهذه التحية المباركة الطيبة، لتحصل من وراء ذلك على البركة في كلامك وكلامه، ومعاملتك له ومعاملته لك.\nقال: (وإفشاء السلام، وإبرار المقسم) فإذا أقسم عليك أي مؤمن بشيء فبر قسمه، طالما أنك تستطيع أن تفعل ما أقسم به عليك.","vol":"79","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-858>أفشوا السلام بينكم</span>\nروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم)، فهذا الحديث العظيم يدل على أنك لن تدخل الجنة إلا وأنت تحب إخوانك المؤمنين، والحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان، والعروة: المكان الذي تربط فيه الزرار، أو: المكان الذي ستربط فيه الحبل من أجل أن تشده، كالشيء الذي ستدقه في الأرض لتربط فيه الخيط أو الحبال التي ستقيد بها الجمل، فأوثق هذه العرى الحب في الله والبغض في الله، فتحب المرء لا تحبه إلا لله، ليس لعرض بسيط من هذه الدنيا، وتبغض المرء كذلك في الله؛ لأنه يعصي الله؛ ولأنه يكفر بالله سبحانه.\nقال: (ولا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا)، فلن تدخل الجنة حتى يدخل الإيمان في قلبك.\n(ولا تؤمنوا حتى تحابوا) يعني: لن يكتمل هذا الإيمان في قلبك حتى تحب المؤمنين جميعهم لإيمانهم وإسلامهم.\nقال: (ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم)، فالنبي ﷺ يدل المؤمنين على العلاج الناجح والدواء الناجع الذي إذا فعله المؤمنون واستخدموه تحابوا.\nقال: (أفشوا السلام بينكم)، فليكن السلام والتحية الإسلامية بينكم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته هي السمة الغالبة على المجتمع، فيسلم المؤمن على أخيه ويسلم أخوه عليه.\nثم إن كثرة هذا السلام تزيد المحبة بين المؤمنين، وترفعهم عند الله ﷾، ويتعارفوا فيما بينهم، فإن المرء إذا أكثر من السلام على الناس عرفوه، وربنا ﷾ يقول: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣]، فإذا كان الإنسان لوحده لا يعرف الناس ولا يعرفونه - كما تدعو لذلك الصحافة اليوم - فمن سيصلي عليك إذا مت؟ ومن سيشيع جنازتك؟ فإذا لم تكن بينك وبين الناس محبة أو معرفة أو سلام فلن تجد من يقف على قبرك يدعو لك ويسأل الله ﷿ أن يرحمك وأنت في قبرك، فلتفشوا السلام بينكم كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nحديث آخر: رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يا أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام)، فهذه خصال سمعها عبد الله بن سلام من النبي ﷺ، وكان هذا في أول مقدم النبي ﷺ المدينة، وكان عبد الله بن سلام يهوديًا في ذلك الوقت ولم يكن قد أسلم، وكان من أحبار اليهود وقتها، وقد كان يعرف أن هذا الوقت وقت خروج النبي ﷺ، فلما ذهب لينظر إليه وجد نور النبي صلوات الله وسلامه عليه، ووجد وجهه وجهًا لا يأتي بالكذب أبدًا، فوقف يستمع إليه، فكان أول ما سمعه حين دخل الإيمان في قلبه ﵁ هذا الحديث، وهو قول النبي ﷺ: (يا أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام)، فأمرهم النبي ﷺ بذلك ورباهم وأدبهم، فكان من أوائل ما أمرهم النبي ﷺ به في المدينة قوله: (يا أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام)، فإذا أردتم الجنة بغير تعب أو نصب أو مشقة أو حساب أو عقاب، فافعلوا ما أمر الله ﷿ به على لسان النبي ﷺ، ومن أول هذه الأشياء: إفشاء السلام، قال: (أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام).","vol":"79","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-859>إفشاء ابن عمر للسلام في الأسواق</span>\nحديث أخير في هذا الباب للطفيل بن أبي بن كعب: (أنه كان يأتي عبد الله بن عمر ﵄ فيغدو معه إلى السوق، قال: فإذا غدونا إلى السوق لم يمر عبد الله على سقاط، ولا صاحب بيعة، ولا مسكين، ولا أحد إلا سلم عليه)، هذا عبد الله بن عمر ﵄ يخرج مع تلميذه الطفيل بن أبي بن كعب إلى السوق، فيسلم ابن عمر على الناس في السوق، فلا يمر على سقاط - وهو: بائع السقط الذي هو الرديء من المتاع - إلا سلم عليه، فهو لا ينظر إليه على أنه يبيع أشياء حقيرة، بل يسلم على بياع الأشياء الحقيرة والأشياء الغالية.\nقال: (ولا صاحب بيعة) أي: يبيع أشياء غالية وعظيمة، قال: (ولا مسكين، ولا أحد إلا سلم عليه)، فهو يسلم على الجميع، على المساكين والفقراء والبائعين.\nقال الطفيل: (فجئت عبد الله بن عمر يومًا فاستتبعني إلى السوق -يعني: أخذني معه- فقلت له: ما تصنع بالسوق -أي: ولا حاجة لك فيه من بيع أو شراء أو مساومة ونحوها- قال: (ما تصنع بالسوق وأنت لا تقف على البيع، ولا تسأل عن السلع، ولا تسوم بها، ولا تجلس في مجالس السوق؟)، ثم قال: (وأقول: اجلس ها هنا نتحدث، فقال عبد الله بن عمر له: يا أبا بطن! - وكان الطفيل ذا بطن - إنما نغدو من أجل السلام فنسلم على من لقيناه)، هذا فعل ابن عمر ﵄، فهو يريد أن يفشي السلام ويطبق ما قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهو يخرج إلى السوق ليسلم على المساكين والفقراء والبائعين، فهو يسلم على الجميع ثم يرجع وقد كسب من السوق وربح منه الحسنات الكثيرة، هذا فعل ابن عمر ﵄ ليطبق ما أمر به النبي صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"79","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-860>كيفية السلام</span>\nفقد قال الإمام النووي ﵀: [باب كيفية السلام، يستحب أن يقول المبتدئ بالسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فيأتي بضمير الجمع حتى وإن كان المسلم عليه واحدًا، ويقول المجيب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فيأتي بواو العطف في قوله: وعليكم].\nوالسبب في إلقاء السلام ورده بصيغة الجمع: أن هناك عالمًا آخر ممن لا تراهم، من الجن والملائكة الكرام، فأنت تلقي السلام بصيغة الجمع فتعم هؤلاء كلهم، أما فائدة الواو في رد السلام عندما تقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته فهي: التوكيد، فكأن الرادّ يدعو لنفسه ولك فيقول: علينا وعليكم، فيكون بذلك قد كسب مرتين: فهو دعا لنفسه، ورد على الآخر السلام فقال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.\nحديث آخر: رواه أبو داود والترمذي، وقال الترمذي: حديث حسن عن عمران بن حصين ﵄ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليكم، فرد عليه ثم جلس، فقال النبي ﷺ: عشر -يعني عشر حسنات للذي سلم- ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه فجلس، فقال: عشرون - عشرون حسنة في كلمتي السلام والرحمة - ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه - ﷺ - فجلس فقال: ثلاثون)، إذًا: هذا الذي ألقى السلام كاملًا أصاب ثلاثين حسنة بهذا الذي قال، واقتصر الذي قبله على كلمتين فكان له عشرون حسنة، واقتصر الذي قبله على كلمة السلام فكان له عشر حسنات.\nوفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (قال لي رسول الله ﷺ: هذا جبريل يقرأ عليك السلام - أي: يسلم عليك - قالت: قلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، وقالت: ترى ما لا نراه) أي: أنك ترى الذي لا أراه وهو جبريل ﵇.\nوروى البخاري عن أنس بن مالك ﵁: (أن النبي ﷺ كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثًا)، صلوات الله وسلامه عليه، وهذا محمول على ما إذا كان الجمع كثيرًا، أو أنه أراد ﷺ منهم أن يحفظوا ما يقول، فإذا تكلم بكلمة وأراد أن يحفظوها كررها مرة واثنتين وثلاث حتى يحفظوا منه ذلك.\nإذًا: إذا أتى شخص على مجموعة من الناس فليقل: السلام عليكم، فإذا لم يسمع البعض كرر سلامه عليهم لكي يسمعوه، يفعل ذلك ثلاثًا كما فعل صلوات الله وسلامه عليه، وليس معناه: أن الإنسان يأتي على اثنين وثلاثة فيسلم ثلاث مرات، ولكن المعنى: أن يكرر إذا ظن أن البعض لم يسمعوه، وذلك حتى يسمع الجميع فيجيبون، ويشترك الجميع في البركة.","vol":"79","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-861>من آدابه ﷺ في كيفية السلام</span>\nعن المقداد ﵁ في حديثه الطويل قال: (كنا نرفع للنبي ﷺ نصيبه من اللبن، فيجيء من الليل، فيسلم تسليمًا لا يوقظ نائمًا ويسمع اليقظان) وهذا أدب النبي صلوات الله وسلامه عليه، فمن الأدب: أن الإنسان إذا جاء إلى مكان فيه من هو نائم ومن هو مستيقظ، وأراد أن يسلم فليسمع اليقظان فقط، من غير أن يزعج الإنسان النائم.","vol":"79","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-862>الجمع بين نهيه ﷺ عن الإشارة بالسلام وفعله له</span>\nعن أسماء بنت يزيد ﵄ (أن رسول الله ﷺ مر في المسجد يومًا، وعصبة من النساء قعود، فألوى بيده بالتسليم)، صلوات الله وسلامه عليه، وقد جاء عنه: النهي عن التسليم بالإشارة، وكل محمول على معنى، فالنهي محمول على أن الإشارة تكون عادة في المسلم مثل اليهود والنصارى، لكن يجوز له إذا سلم على إنسان بعيد منه أن يقرن بين السلام والإشارة، وألا يكتفي بالإشارة فقط، كذلك إذا رد البعيد على من يسلم عليه فإنه يقول: وعليك السلام ويشير بيده؛ ليبين أنه سمعه وأنه أجاب بذلك، فالجمع بين حديث النبي ﷺ في النهي عن الإشارة بالسلام وفعله ﷺ في الإشارة: أنه جمع بين القول وبين التسليم بالإشارة.\nوعن أبي جدي الهجيمي ﵁ قال: (أتيت رسول الله ﷺ فقلت: عليك السلام يا رسول الله! فقال ﷺ: لا تقل: عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الموتى) يعني: لا يليق بالأحياء أن يسلم بعضهم على بعض بقوله: عليكم السلام، فإن قولك: عليك السلام رد وليس بدءًا في السلام، وقد كانت هذه تحية الموتى عند العرب في أشعارهم.\nقال أحدهم: عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما لكن تحية الأحياء والأموات في الإسلام أن تقول: السلام عليكم، فإذا ذهبت إلى المقابر فلتقل كما قال النبي ﷺ: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية)، فتحيي الأحياء وتحيي الأموات بما قال النبي ﷺ: السلام عليكم، فإذا زدت: ورحمة الله وبركاته كان خيرًا كثيرًا.\nوللحديث بقية إن شاء الله.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"79","page":11},{"text":"(شرح رياض الصالحين - من (آداب السلام) إلى (استحباب السلام إذا قام من المجلس» للشيخ: (أحمد حطيبة)\n(عدد القراء ٥٦)\n\nعناصر الموضوع\n\n١","vol":"80","page":1},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-863> آداب الاستئذان والتشميت والعطاس والتثاؤب</span>\nحثنا الإسلام على التزام الآداب التي تقوي رابطة الأخوة وتراعي مشاعر الناس، فللاستئذان آداب ينبغي أن يتحلى بها المسلم عند طلبه الإذن من صاحبه بالدخول، كما أن العطاس يحبه الله ويكره التثاؤب، وللعطاس والتثاؤب آدابٌ لا بد للمسلم أن يتحلى بها.","vol":"81","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-864>آداب الاستئذان</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب الاستئذان وآدابه.\nقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٩].\nوعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (الاستئذان ثلاث، فإن أُذِنَ لك وإلا فارجع) متفق عليه.\nوعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) متفق عليه].\nهذا باب آخر من كتاب رياض الصالحين، ويذكر فيه الإمام النووي ﵀ الاستئذان وآدابه.\nقد عرفنا قبل ذلك أن الله ﷾ نهانا أن ندخل بيوتًا حتى نستأنس ونسلم على أهلها، تستأنس فيأنسون منك، وتستأذن وتسلم على أهل هذه البيوت، فقال هنا سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧].\nوالاستئناس فيه الاستئذان، إذ تستأذن فيستشعرون منك بالأنس ضد الوحشة، وتشعرهم بوجودك وتستأذن ثم تدخل وتسلم عليهم، قال تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:٢٧]، أيضًا قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٩]، يعلمنا هذا الأدب في بيوتنا، وأننا نعلم صغارنا ونعلم من يدخل علينا في بيوتنا أن يستأذنوا وأن يسلموا، فالله سبحانه يأمرنا أننا لا ندخل بيوتًا غير بيوتنا حتى نستأنس ونسلم على أهلها، قال تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧].\nوقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النور:٥٨].\nوالإنسان في بيته يدخل أي غرفة من الغرف ويطوف عليها، وطالما أن الغرفة مفتوحة فيستحب له أن يستأذن، لكن إذا كانت مغلقة لا بد أن يستأذن في الدخول، حتى لا يطلع على عورة، والمسلم يعلم أولاده في بيته، قال تعالى: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ [النور:٥٨] أي: الأطفال الصغار الذين لم يبلغوا الحلم، وإن كان مرفوعًا عنهم القلم والتكليف، فهم لا يأثمون، ولكن مع ذلك يعودون ذلك، فتعود ابنك أنه لا يفتح غرفة في البيت ويدخل مباشرة، ولكن يدق الباب ويستأذن قبل أن يدخل، فإن أذن له فتح ودخل، وإن لم يؤذن له رجع ولم يدخل، فإذا كان صغيرًا اعتاد على ذلك، وإذا بلغ الحلم صارت له عادة أنه لا يدخل أبدًا غرفة مغلقة حتى يستأذن من فيها.\nفرجل سأل النبي ﷺ أن أمه معه في البيت هل يستأذن حتى يدخل على أمه؟ فقال رسول الله ﷺ: (أتحب أن تراها عريانة؟)،\nو\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، ليس هناك من يحب هذا الشيء، ولعلها قد خلعت ثيابها، لعلها تغير ثيابها، لعلها في حاجة من حوائجها داخل غرفتها، وأنت لا تحب أن تطلع على ذلك، ولا يحل لك ذلك، فلا تحب ذلك؛ لأنك ممنوع منه شرعًا وممنوع منه عادة أيضًا.\nفهنا النبي ﷺ علمهم هذا الأدب، أنه لا بد أن تستأذن قبل أن تدخل على الغرفة، ولا تقل: هذه الغرفة فيها ابنتي، هذه فيها أمي، هذه فيها أختي، بل لا بد أن تستأذن؛ لأنك إن رأيتها على غير الحالة التي اعتدت أن تراها عليها حدث في نفسك شيء ووقعت في الإثم بسبب ذلك.\nيقول الله ﷿: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور:٥٩]، إذا صاروا بالغين فيستأذنون وجوبًا كما استأذن الذين من قبلهم.\nقال الله ﷾ يأمر العباد بهذا الاستئذان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور:٥٨]، ففي هذه الآية إثارة الإيمان في قلب الإنسان وتهذيب روح الإيمان، يا من تقول: أنا مؤمن! نفذ أمر الله ﷾.\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور:٥٨]، فاصغِ السمع لما يقوله الله سبحانه، وقل: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥].\nمن علامة هذا الإيمان: أن تسمع وتطيع، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١].\nفالمؤمن والمفلح والفائز هو الذي يسمع كلام الله ﷿، وكلام الرسول ﷺ، ويطيع لله والرسول ﵊.\nمن الأحاديث في هذا الباب: حديث لـ أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلا فارجع).\nأبو موسى الأشعري ذهب إلى عمر بن الخطاب ﵁ وكان أرسل إليه عمر فاستأذن ثلاث مرات، وعمر انشغل في أمر من الأمور وكأنه عرف أن أبا موسى موجود، ولكن انشغل في شيء فلم يرد، مرة واثنين وثلاثة، فـ أبو موسى رجع، فلما رجع إذا بـ عمر يسأل: ألم يكن هنا أبو موسى؟ فقالوا: انصرف، قال: ائتوني به، فجاءوا له بـ أبي موسى رضي الله ﵎ عنه، فسأله: ما الذي جعلك تنصرف وأنا أريدك في حاجة؟ فقال له: سمعت النبي ﷺ يقول: (الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلا فارجع).\nفـ عمر بن الخطاب قال: لتأتيني على ذلك ببينه وإلا أوجعتك؟ ويكفي أبو موسى أنه يحدث بهذا الحديث عن النبي ﷺ، ولا حاجة لمحدث آخر وهل لـ عمر ألا يقبل الحديث إلا من أكثر من واحد؟ لا، بل عمر يقبل الحديث من أبي موسى ومن غيره، ولكن خشي أن يكون في الناس من يحدث فيكذب على النبي ﷺ، فشدد على أبي موسى تخويفًا لغيره ألا يحدث عن النبي ﷺ إلا بثبات ويقين.\nوأبو موسى له مقام وله منزلة عند الناس، كما كان ربنا ﷾ يعلم المؤمنين بالبدء من النبي ﷺ، يأمره بشيء ﵊، يقول: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥].\nوحاشا له أن يشرك ﵊، ولكن من باب إياكِ أعني واسمعي يا جارة يعني: اسمع هذا الشيء، وهذا النبي ﷺ معصوم، ومستحيل أن يشرك بالله، فاسمعوا أنتم أيها المؤمنون! إن قيل هذا للنبي ﷺ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥].\nوهو من هو ﵊، فغيره أولى، فكل إنسان يخاف على نفسه من الشرك، فكأن عمر ﵁ خشي أن يتساهل الناس بالتحديث عن النبي ﷺ، فخوف أبا موسى ليخاف غيره في تحديثهم عن النبي ﷺ.\nوذهب أبو موسى إلى الأنصار فوجد أبا سعيد الخدري ومجموعة من الأنصار فاستغاث بهم، وطلب أن يذهب معه واحدٌ منهم إلى عمر حتى يحدث عمر به، فقال له أبي ﵁: لا نبعث معك إلا أصغرنا.\nفقام أبو سعيد الخدري ﵁ وحدن عمر بذلك، وجاء أبي بعد ذلك ينتهر عمر ﵁ فقال: هذا أصغر من علم ذلك، وأنت لم تعرفه يا عمر! فلا تكن حربًا على أصحاب رسول الله ﷺ، يعني: لا تشدد عليهم حتى لا يستهين الناس بأصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكلهم ثقات وكلهم عدول، فقد كان أصحاب النبي ﷺ يتناصحون فيما بينهم، وكان يشدد بعضهم على بعض في النصيحة في إطار المحبة في الله ﷾.\nهذا عمر أمير المؤمنين! وهذا أبي بن كعب سيد القراء، وعمر سماه بذلك، ويجيء أبو موسى الأشعري ليحدث عن النبي ﷺ، وعمر يطلب منه أن يأتي ببينة، ويشهد له أبو سعيد بذلك، ويأتي أبي بن كعب فيقول لـ عمر: لا تكنْ حربًاَ على أصحاب النبي ﷺ، ولم يكن عمر حربًا على أصحاب النبي ﷺ، إنما كان مقصد عمر ﵁ ألا يتساهل الناس في التحديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nالغرض من الحديث: بيان أن الإنسان إذا استأذن عل","vol":"81","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-865>ما يقول المستأذن إذا قيل له: من أنت</span>؟\nيقول الإمام النووي: [باب بيان أن السنة إذا قيل للمستأذن: من أنت؟ أن يقول: فلان، فيسمي نفسه بما يعرف به من اسم أو كنية، وكراهة قوله: أنا ونحوها].\nالعادة أن الإنسان حين يطرق الباب فأهل البيت يسألونه من؟ فهنا تخبر عن نفسك فتقول: فلان، أو تقول: أنا فلان، بالشيء الذي تشتهر به عندهم، سواء كان اسمًا لك أو كنية أو لقبًا، كي يعرفوك ويستأنسوا فيفتحوا لك، ويكره أن يقول المستأذن: أنا أنا؛ لأنه مجهول لا يعرف من هو؛ فلذلك في حديث لـ أنس ﵁ في قصة الإسراء قال: قال رسول الله ﷺ: (ثم صعد بي جبريل إلى السماء الدنيا، فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل)، هذا جبريل رسول رب العالمين ﵇ إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nيصعد بالنبي ﷺ ويستفتح السماء فأهل السماء يسألونه: من؟ فيقول: جبريل، فيقولون: من معك؟ يقول: محمد ﷺ، يقولون: وقد أذن له؟ يقول: نعم، قال: ثم صعد إلى السماء الثانية والثالثة والرابعة كل سماء يصعد إليها جبريل بالنبي ﷺ لتكريمه في السماء ﵊، ومع ذلك في كل سماء يستأذن جبريل فيسأل: من؟ فيقول: جبريل، يقولون: ومن معك؟ يقول: محمد ﷺ، يقولون: وقد أذن له؟ يقول: نعم، فيفتح له ويرحب به أهل السماء والأنبياء الذين في هذه السماء.\nحديث آخر لـ أبي ذر ﵁ قال: (خرجت ليلة من الليالي فإذا رسول الله ﷺ يمشي وحده، فجعلت أمشي في ظل القمر فالتفت إلي فرآني)، النبي ﷺ خرج بالليل لحاجة من حاجاته ﷺ، فـ أبو ذر وجده، وقد كان حبهم للنبي ﷺ يدفعهم إلى أن يكونوا معه، ولكن أيضًا لعله في حاجة من الحوائج لا يريد أن يزعجه أبو ذر، فمشى وراء النبي ﷺ، فالتفت النبي ﷺ وكان قليل الالتفات، ما كان يلتفت وهو ماشٍ بالطريق، فلما شعر أن هناك أحدًا يتتبعه التفت وقال: (من هذا؟ فقال: فقلت: أبو ذر) يعني: أنا أبو ذر فذكر اسمه، ففي هذا الحديث والذي قبله أن الإنسان إذا سُئل: من؟ يقول: فلان أو أنا فلان.\nوعن أم هانئ ﵂ قالت: أتيت النبي ﷺ وهو يغتسل وفاطمة تستره، فقال: (من هذه؟).\nهذا في مكة لما فتح الله ﷿ على النبي ﷺ مكة، فدخل في بيت وكانت فاطمة معه تستره في هذا البيت وهو يغتسل ﷺ، فجاءت أم هانئ وهي بنت عم النبي ﷺ، واسمها: أم هانئ بنت أبي طالب أخت علي بن أبي طالب، وجعفر بن أبي طالب، وعقيل بن أبي طالب، فقال: (من هذه؟ فقالت: فقلت: أنا أم هانئ).\nفيجوز للإنسان أن يقول: أنا فلان أو فلان مباشرة ويذكر اسمه، ويكره أن يقول: أنا فقط من غير أن يذكر اسمه.\nوهذه الأحاديث كلها متفق عليها، وفي حديث آخر في الصحيحين عن جابر ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ فدققت الباب، فقال: من ذا؟ فقلت: أنا)، هذا جابر بن عبد الله ﵁ يأتي للنبي ﷺ ويدق الباب فقال: (من ذا؟ فقلت: أنا فقال: أنا أنا) يعني: كأنه ينكر عليه ذلك، يعني: ما عرفنا أنت من؟ وكأنه يقول له: أخبر أنا فلان! قال: (كأنه كرهه).\nفيكره للإنسان إذا سئل من؟ أن يقول: أنا، أو أنه يحيل (من)، مثل البعض يدق الباب، فعندما يقال له: من؟ يقول: ليس عليك افتح، كذلك في جهاز التلفون، بعض الناس يتصلون بالتلفون فعندما تقول: من؟ يقول لك: أنا، أنت من؟ فالإنسان يتواضع، ويُعَرَّف باسمه.\nوهذا مخالف لهذه الأحاديث التي ذكرناها عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، بل هو نفسه ﵊ لما ذهب إلى سعد بن عبادة ﵁، وهو سيد الخزرج من الأنصار، فسلم النبي ﵊ عليه والرجل يجيب من الداخل: وعليكم السلام؛ كي يكثر النبي ﷺ من السلام، فسلَّم النبي ﷺ ثلاث مرات وانصرف، فلما انصرف كأنهم تحرجوا من ذلك فجرى سعد وراء النبي ﷺ يقول: والله يا رسول الله! كنت أسمعك ولكن أردت أن تزيدنا من السلام، فنلنا البركة بهذا الشيء، فيخبر النبي ﷺ أن الاستئذان ثلاثًا.","vol":"81","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-866>آداب العطاس والتثاؤب</span>\nيقول الإمام النووي: [باب استحباب تشميت العاطس إذا حمد الله تعالى، وكراهة تشميته إذا لم يحمد الله تعالى، وبيان آداب التشميت والعطاس والتثاؤب].\nهذه أحوال تحصل للإنسان فتراه يعطس، أو يتثاءب مع قلة النوم، فالإمام النووي يقول: استحباب تشميت العاطس، يعني: تقول له: يرحمك الله، بقيد أنه إذا حمد الله ﷾.\nفإذا عطس الإنسان وحمد الله استحق التشميت، وكلمة تشمته معناها: أن تقول له: يرحمك الله.\nواختلفوا في نطقها بالسين أو بالشين، ولكليهما معنى، فتقول بالسين: سمت الإنسان يعني: دعوت له أن يكون على سمت حسن، وتقول: شمت الإنسان؛ من الشماتة هذا من معانيها، كأنك تشمته في الشيطان، فالشيطان لا يريد لابن آدم أن يعطس، فأنت عندما تقول له: يرحمك الله، تدعو له بالرحمة، فتشمته هو في الشيطان، ولا تشمت الشيطان فيه.\nإذًا: هنا من الشماتة بمعنى: الفرح بما يسوء الغير، فكأنك تفرحه بما يسوء الشيطان، ويسوء الشيطان أن تدعو له وتقول: يرحمك الله، فأنت تشمت أخاك كأنك تشمته في الشيطان، أو تسيء للشيطان بذلك أن تقول لأخيك: يرحمك الله، أو من الشوامت، والشوامت تطلق على القوائم، كأنك تشمته يعني: تدعو له بالبقاء قائمًا، والنبي ﷺ كان يعطس، والعطسة تخرج من هواء يدخل بضغط عالٍ جدًا، ولعل الإنسان في خلالها ينحل بدنه مع العطسة ومع شدة هذا العطاس، أو تنفجر بعض العروق الموجودة بداخله.\nفإذا عطس الإنسان تقول له: يرحمك الله، أي: تدعو له بالرحمة، ويجعله باقيًاَ على سمت حسن، وقائمًا على شوامته، أي: قوائمه، وعلى ذلك فإن العطسة لا تضره، هذا من معاني التشميت.\nمن الأحاديث التي في هذا الباب: حديث لـ أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله يحب العطاس).\nالعطاس: مصدر، ومعنى الله يحب العطاس ليس العطاس نفسه، ولكن يحب صاحبه؛ لأن العاطس يحمد الله ﷾، فيحب منه أن يعطس ويحمد الله سبحانه.\nقال: (ويكره التثاؤب)، وهنا الكراهة لصاحبه الذي يتثاءب، وإما أن يكون الإنسان مضطرًا بذلك فهو معذور لا شيء عليه، ومثل الإنسان مع سهره الليل ويحرص على صلاة الفريضة فيتثاءب فيها من السهر.\nفهنا الكراهة للتثاؤب إذا كان دليلًا على كسل صاحبه، والتثاؤب دليل على كسل الإنسان في الغالب، وإن كان في بعض الأحوال دليل على أنه سهر في قيام الليل أو في غيره، ولكن إذا كان دليلًا على الكسل فهو في هذه الحالة مكروه.\nويكره التثاؤب؛ لأن الشيطان يحب هذه الهيئة، يحب من المسلم أن يكون كسلان أو أن يكون نائمًا أو بعيدًا عن العبادة، ويحب أن يضحك عليه، فإذا تثاءب الإنسان وقال: هاه، يضحك الشيطان ويتفل في فمه وهو على هذه الحالة ويسخر منه؛ لذلك يكره الله ما يحبه الشيطان.\nفقال لنا النبي ﷺ في هذا الحديث: (إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم وحمد الله تعالى كان حقًا على كل مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك الله).\nإذا عطس المؤمن بقيد أن يقول: الحمد لله، فحق عليك أن تشمته، هذا حق ضد الهزل وضد الباطل، حق على كل مسلم، فهو سنة مؤكدة وفرض فرض كفائي، فإذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، لكن يستحب للجميع أن يشمتوا هذا الإنسان الذي يعطس ويقول: الحمد لله.\nفقال: (إذا عطس أحدكم وحمد الله تعالى كان حقًا على كل مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك الله، وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان).\nلذلك يكره الله ﷿ التثاؤب؛ لأن الشيطان يفرح بهيئة المسلم وهو يتثاءب دليلًا على الكسل ودليلًا على قبح هيئته في هذه الحال.","vol":"81","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-867>قول العاطس: الحمد لله، وقول صاحبه له يرحمك الله، ورده بقوله: يهديكم الله ويصلح بالكم</span>\nقال النبي ﷺ: (إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله! فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم).\nفالعاطس يقول: الحمد لله، والمستمع يرد عليه يقول: يرحمك الله، فهو يجيبه على ذلك ويقول: يهديكم الله ويصلح بالكم.\nوالدين يعلمنا الدعاء بالرحمة، ويدعو بعضنا لبعض، وبالدعاء يحب بعضنا بعضًا، فإذا قلت: يرحمك الله، دعوت له برحمة الله ﷿، وهو يدعو لك بالهداية، ويدعو لك بأن يصلح الله بالك، أي: حالك.","vol":"81","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-868>كراهة تشميت العاطس إذا لم يحمد الله تعالى</span>\nفي حديث آخر لـ أبي موسى الأشعري وهو في صحيح مسلم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه)، يعني: قولوا له: يرحمك الله (فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه).\nمن الأدب أن الإنسان إذا عطس يقول: الحمد لله، فإذا قال ذلك استحق أن يقول له المؤمن: يرحمك الله، فيدعو له بذلك.\nأيضًا ذكروا من الأدب في العطاس: أنك لا تعجل عليه، لا تعجل على العاطس إذا عطس، لعله يعطس مرة، ويعطس مرة ثانية، ويعطس مرة ثالثة، فبعض الناس عنده حساسية، إذا عطس يعطس مرتين أو ثلاثًا أو أربعًا، فأنت إذا بادرت بسرعة وقلت: يرحمك الله، فيه تعجيز، لكن اصبر حتى إذا سكت تقول له: يرحمك الله، فيجيبك: يهديكم الله ويصلح بالكم.\nأيضًا من أدب العطاس: عدم رفع الصوت به.\nكذلك من أدب العطاس: أنك تغطي فمك إما بثوبك أو بمنديل، حتى لا تؤذي الناس بعطاسك، وقد ذكروا أنه عند العطس يخرج الرذاذ من فم الإنسان وقد يصل إلى سبعة أمتار.\nفالإنسان الذي يعطس قد يكون مريضًا فيقدر الله ﷿ أن يعدي غيره بذلك، فلا بد من الأخذ بالأسباب حتى لا تؤذي أحدًا بالعطاس، وحتى لا ينتقل المرض منك إليه، ومثل ذلك نهانا النبي ﷺ أن ننفخ في الإناء، حتى وإن كان ساخنًا؛ لأن فيه إيذاء للناس الذين يشربون بعدك أو يأكلون.\nيقول أنس: (عطس رجلان عند النبي ﷺ فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر)، واحد عطس فقال له: يرحمك الله، والثاني: لم يقل له: يرحمك الله، فهذا الثاني سأل النبي ﷺ فقال: (عطس فلان فشَّمتَّه، وعطست فلم تشمتني؟ فقال النبي ﷺ: هذا حمد الله، وإنك لم تحمد الله).\nفالتأديب للإنسان بالقول وبالفعل، فهنا الرجل عطس فقال: الحمد لله، فشمته النبي ﷺ وقال: (يرحمك الله).\nوالآخر عطس ولم يقل: الحمد لله، فلم يقل له شيئًا صلوات الله وسلامه عليه، فهذا تأديب له، وبيَّن له النبي ﷺ لماذا لم يشمته وقال: (هذا حمد الله، وإنك لم تحمد الله)، هذا حديث متفق عليه.","vol":"81","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-869>خفض العاطس صوته عند العطاس</span>\nحديث آخر لـ أبي هريرة ﵁ رواه أبو داود والترمذي وفيه: (كان رسول الله ﷺ إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فيه وخفض -أو غض- بها صوته)، فمن أدبه ﵊ أنه لا يعطس بصوت عالٍ يزعج من أمامه، حاشا له ﵊ وإنما يغض صوته بها، وطبعًا بحسب ما يقدر الإنسان، فليس معناه: أنه يكتمها، لكن يخرجها ولا يزعج غيره، خاصة إذا كان بجواره إنسان نائم، أو إنسان مشغول بشيء، فلا يزعج الناس برفع الصوت بذلك، لذا كان النبي ﷺ إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فيه وخفض أو غض بها صوته، وهذا من الآداب في ذلك.","vol":"81","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-870>اعتراف اليهود بنبوة محمد ﷺ وتعاطسهم عنده لنيل دعائه لهم بالرحمة</span>\nحديث آخر لـ أبي داود والترمذي عن أبي موسى ﵁ قال: (كان اليهود يتعاطسون عند رسول الله ﷺ) واليهود قوم فيهم العجب العجاب، فهم كفرة مجرمون يخونون ويخدعون، حتى إنهم ليخادعون الله ﷾، فيعملون المكر والحيل حتى على ربهم ﷾، وهم يعرفون أن النبي ﷺ رسول رب العالمين، واستيقنوا بذلك، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦].\nويقسم عليهم رسول الله ﷺ بالله سبحانه الذي أرسل موسى وأنزل عليه التوراة فيقول: تعلمون أني نبي الله؟ يقولون: نعرف أنك نبي، فيقول النبي ﷺ: لم لا تؤمنون بي؟ فكونهم قالوا: أنت نبي ليس لهم شأنٌ في دينه ﵊، فبعضهم يقول: نخاف أن تقتلنا يهود، فيضنون بأرواحهم على هذا الدين العظيم، والكثيرون منهم يتغابون في ذلك، ويقولون: لا نعرف أنك نبي، أنت نبي للأميين فقط، لست نبيًا للمؤمنين، وهذا الكلام كلام متناقض، إذ من يقول: إنه نبي، معناه: هو معصوم وأنه لا يكذب، والنبي يقول: أنا نبي أرسلت إليكم وإلى الناس كافة، فكونهم يقولون له: لا، أنت نبي الأميين فقط! فيه تناقض، إذ كيف يقول: أنت نبي، يعني: أنت معصوم وأنت لا تكذب ثم يقول: لا، أنت نبي للأميين، هذا من تناقضهم وكذبهم وخداعهم.\nفاليهود عرفوا أنه نبي، وكان يتحداهم صلوات الله وسلامه عليه ويقول لهم: تمنوا الموت إن كنتم صادقين، ولو تمنوا الموت لماتوا حالًا وعرفوا ذلك، فلما تحداهم قالوا: انصرف يا أبا القاسم! لا نريد أن نتمنى الموت، والله ﷿ يقول ذلك في كتابه سبحانه: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجمعة:٦]، ويسألهم النبي ﷺ من أهل النار؟ يقولون: ندخل فيها سبعة أيام ثم تخلفونا فيها أنتم بعدنا، فيقول ﷺ: (اخسئوا! والله لا نخلفكم فيها أبدًا) أي: يدخل اليهود النار ويخلدون فيها ولا يخرجون منها.\nفالنبي ﷺ كان يسألهم وهم يكذبون، فهم يقولون: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨] إذًا: تمنوا الموت إن كنتم صادقين، فالذي يقول: أنا ابن الله وأنا حبيب الله، والله سيدخلني الجنة، إن كان صادقًا فليتمن الموت كي يدخل الجنة التي يزعمها، قال تعالى: ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الجمعة:٧].\nفهم عرفوا أن القرآن حق، وعادة الإنسان الذي يتحدى يأبى التحدي، فاليهودي لا يقدر أن يقول: يا رب خذني! يا رب خذني! لكن الكفار من قريش قالوا ذلك، فأماتهم الله ﷿ في يوم بدر، وقتلوا شر قتلة، وكانوا من أهل النار، أما اليهود قالوا: لن نتمنى الموت، وربنا أخبر بذلك، قال تعالى: ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾ [الجمعة:٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة:٩٥].\nفهم يعلمون أن الله سبحانه لن يمهلهم إذا تحداهم النبي ﷺ فطلبوا الموت، فإن الله سيميتهم فلم يفعلوا هذا الشيء.\nوتعجبت حين قرأت قبل أشهر قليلة في جريدة أخبار اليوم أن رجلًا من كندا كان كافرًا لا يؤمن بوجود الله فقال له شخص هناك: يا أخي! آمن واعرف دين ربك، فقال: ليس هناك إله أصلًا، وتبجح عليه وقال له: لو كان هناك إله فاجعله ينزل علي صاعقة تأخذني من السماء، يقولون: وحالًا تلبدت السماء بالغيوم وإذا بصاعقة تأتيه فتصعقه! فهذه قصة عجيبة جدًا للإنسان الذي يتحدى ربه سبحانه، يظن أنه لا يفعل به ذلك، فاليهود لم يقبلوا وتحدوا وقالوا: لا، لن نتمنى الموت، فكانوا يذهبون رجاء أن يرحمهم الله على كفرهم، فيقولون: هذا نبي، ودعوة النبي مستجابة، فلنذهب إليه ونطلب منه أن يدعو لنا بالرحمة، فكان لا يدعو لهم بالرحمة ﷺ، إنما يدعو لهم بالهداية، كيف يرحمهم وهم لم يدخلوا في الدين، فإذا لم تدخلوا في الدين لا تستحقون إلا أن ندعو لكم بالهدى، فكانوا يتعاطسون، والكبر يمنعهم أن يقولوا: يا رسول الله! ادع لنا، فكان الرجل يأتي النبي ﷺ ويعطس ويقول: الحمد لله، وينتظر أن يقول له النبي ﷺ يرحمكم الله، ولكن النبي ﷺ يقول لهم: (يهديكم الله ويصلح بالكم).\nفكان يدعو لهم بالهدى ولا يدعو لهم بالرحمة صلوات الله وسلامه عليه، قال: يرجون أن يقول لهم: يرحمكم الله فيقول: (يهديكم الله ويصلح بالكم)، يدعو لهم بالهدى وصلاح الحال.","vol":"81","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-871>وضع المتثائب يده على فيه عند التثاؤب</span>\nحديث آخر لـ أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه، فإن الشيطان يدخل).\nقلنا: إن الشيطان يحب التثاؤب، والله ﷿ يكره التثاؤب، والتثاؤب دليل على كسل الإنسان، وخاصة إذا رفع صوته بالتثاؤب، وإذا فتح فمه وهو يصلي ويقول: هاه، فالشيطان يضحك عليه ويدخل في فمه، فيقول لك النبي ﷺ: إذا تثاءبت أمسك بيدك على فيك، وخاصة إذا كنت في الصلاة، قال: (إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه) أي: على فمه (فإن الشيطان يدخل) يعني: يفعل ذلك حتى يمنع الشيطان أن يدخل فمه.\nوالله أعلم.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"81","page":9},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-872> استحباب المصافحة عند اللقاء وجواز تقبيل يد الرجل الصالح لفضله وتقبيل الأبناء</span>\nوردت الأحاديث عن النبي ﷺ بجواز التقبيل والمعانقة، لكن لا على وجه العادة، وإنما تكون على وجه الندرة، وقد ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم فعل ذلك، وجاء في الأحاديث مشروعية المصافحة وفضلها، ففيها مغفرة الذنوب وتساقطها عن المتصافحين، وأول من جاء بها أهل اليمن، وذلك حين قدم وفد الأشعريين على النبي ﷺ.","vol":"82","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-873>ما جاء في استحباب المصافحة والتقبيل لليد والمعانقة للقادم من سفر</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: (باب استحباب المصافحة عند اللقاء وبشاشة الوجه، وتقبيل يد الرجل الصالح، وتقبيل ولده شفقة، ومعانقة القادم من سفر، وكراهية الانحناء.\nوعن أبي الخطاب قتادة قال: قلت لـ أنس: (أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله ﷺ؟ قال: نعم) رواه البخاري.\nوعن أنس ﵁ قال: (لما جاء أهل اليمن قال رسول الله ﷺ: قد جاءكم أهل اليمن، وهم أول من جاء بالمصافحة) رواه أبو داود.\nوعن البراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا) رواه أبو داود.\nهذا آخر باب من كتاب السلام يذكره الإمام النووي في كتابه العظيم (رياض الصالحين).\nوفيه استحباب المصافحة عند اللقاء، والمصافحة مأخوذة من الصفحة، أي: صفحة اليد وراحة اليد ووجه اليد، بمعنى أنه تلتقي صفحة يدك مع صفحة يد صاحبك حين تسلم عليه.\nفيستحب المصافحة، وجاء في القرآن: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦] والتحية: هي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فتحيي بأحسن منها وتردها، سواء تسلم دون أن تمد يدك أو تسلم وتمد يدك، والأفضل أن تمد يدك وتصافح؛ لأن هذا فيه ثواب كما جاء في هذه الأحاديث.","vol":"82","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-874>شرح حديث قتادة: قلت لأنس: (أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله؟ قال نعم)</span>\nسئل أنس ﵁ كما في صحيح البخاري: (أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله ﷺ؟ قال: نعم) أي: أن من عادة العرب عدم المصافحة والتسليم باليد، وإنما كان الواحد منهم يسلم فيقول: أنعم صباحًا أنعم مساءً، فيأتي على القوم فيسلم بعضهم على بعض من غير مصافحة باليد.\nوكان العرب يظنون أن مد اليد والمصافحة من أخلاق العجم، ولذلك جاء عن البراء (أنه سلم عليه النبي ﷺ فمد يده مصافحًا) فـ البراء ﵁ يقول: كنت أظنها من أخلاق العجم، يعني: أنا كنت أظن هذا من أدب العجم؛ لأنه لم يكن عند العرب هذا الشيء أو لم يكن مشهورًا عند العرب أنه كلما قابل الرجل أخاه مد يده وصافحه، فالنبي ﷺ كان يصافح أصحابه ويسلم عليهم صلوات الله وسلامه عليه، فهنا يقول أنس وقد سئل: (أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله ﷺ؟ فقال: نعم).","vol":"82","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-875>شرح حديث: (قد جاءكم أهل اليمن وهم أول من جاء بالمصافحة)</span>\nهذا حديث آخر لـ أنس رواه أبو داود ورواه أيضًا الإمام أحمد في مسنده قال أنس ﵁: (لما جاء أهل اليمن قال رسول الله ﷺ: قد جاءكم أهل اليمن، وهم أول من جاء بالمصافحة) هذه الكلمة (وهم أول من جاء بالمصافحة) ذكرها الإمام أبو داود في الحديث كأنها مرفوعة للنبي ﷺ، ولكن في مسند الإمام أحمد بين أن أنسًا هو الذي قال ذلك، فهذا يوضح ويبين أن الحديث المرفوع للنبي ﷺ قوله: (جاءكم أهل اليمن) كأن هذا كان قبل مقدمهم وقبل مجيء أهل اليمن، كأنه قال لهم: غدًا سيزوركم أهل اليمن أو وفد من أهل اليمن وذكر أنس ﵁ هذا الحديث وقال: (وهم أول من جاء بالمصافحة) يعني: أنهم عندما جاءوا جعلوا يسلمون ويصافحون، فكانوا أول من فعل ذلك، والأمر ليس كذلك، بل كان هذا موجودًا عند العرب، وقد فعله النبي ﷺ مع أصحابه، ولكن كان قليلًا ولم يكن كثيرًا، فهؤلاء جاءوا وفعلوا ذلك، فسلموا على من لقيهم، فكانت هذه سنة من سننهم التي هي انتشار هذا السلام.\nففي مسند الإمام أحمد عن أنس أيضًا: قال: (لما أقبل أهل اليمن قال رسول الله ﷺ: قد جاءكم أهل اليمن، وهم أرق قلوبًا منكم) يعني: يذكر لهم أن الوفد الذين جاءوا من أهل اليمن هم أرق قلوبًا منكم.\nوفي حديث آخر: قال: (الإيمان يمان والحكمة يمانية) فمدح النبي ﷺ أهل اليمن الذين قدموا، وكانوا وفد الأشعريين، ومنهم: أبو موسى الأشعري ﵁، فهؤلاء الذين مدحهم النبي صلوات الله وسلامه عليه وقومهم الذين من ورائهم هم أرق قلوبًا وأرق أفئدة رضي الله تعالى عنهم، وأكثر قبولًا لهذا الدين من غيرهم.\nوفي مسند الإمام أحمد أيضًا عن أنس قال: قال النبي ﷺ: (سيقدم قوم هم أرق قلوبًا للإسلام منكم) كأنه يقول لهم: أنتم لما دعوتكم في مكة إلى الإسلام بقيت فيكم ثلاث عشرة سنة، ومع ذلك لم يسلم إلا عدد قليل جدًا، لكن أهل اليمن مجرد ما سمعوا بهذا الدين دخلوا في دين الله، وجاءوا بشوق للنبي صلوات الله وسلامه عليه، ففي مسند الإمام أحمد يذكر لنا ذلك فيقول أنس ﵁: إن النبي ﷺ قال: (سيقدم عليكم قوم هم أرق قلوبًا للإسلام منكم) يعني: أسرع استجابة لدين الله ﷿ من أهل مكة وأهل المدينة، قال أنس: (فقدم الأشعريون منهم أبو موسى الأشعري) فلما قدم وفد الأشعريين على النبي ﷺ وكان فيهم أبو موسى الأشعري ﵁ وقربوا من المدينة، فهم مع تلهفهم وشوقهم للقاء النبي ﷺ كانوا يقولون الرجز، وهو نوع من الشعر، فكانوا يرتجزون ويقولون: غدًا نلقى الأحبة محمدًا وحزبه من شدة شوقهم للنبي ﷺ وللقائه ولقاء أصحابه.\nفلما قدموا على النبي ﷺ أحدثوا المصافحة، فهم عندما جاءوا يسلمون على النبي ﷺ ويسلمون على أصحاب النبي ﷺ كانوا يصافحون، فكأنهم نشروا هذا الشيء الذي كان قبل ذلك قليلًا، كان موجودًا ولكنه قليل، فهم نشروا المصافحة، فيقول أنس ﵁: (وكانوا هم أول من جاء بالمصافحة)","vol":"82","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-876>شرح حديث: (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما)</span>\nروى أبو داود عن البراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما) هذا الحديث في المصافحة، يعني: تمد يدك وتسلم على أخيك وتصافحه، فيقول: إن في ذلك غفرانًا للذنوب، أي: أن الله ﷿ يغفر بهذه المصافحة، فكونك تمد يدك لأخيك فهذا دليل التواضع ودليل المحبة، فبالمصافحة تنتشر المحبة بين المؤمنين، بالتسليم وبالمصافحة فيقول: (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا) يعني: عند أن يضع المرء يده في يد الثاني ويسلم عليه ويقول: السلام عليكم ورحمة الله، فهو يدعو له، فالله ﷿ يستجيب لدعاء أحدهما لصاحبه ويغفر للاثنين، قال: (إلا غفر لهما قبل أن يفترقا).\nوفي رواية لهذا الحديث من حديث أنس بن مالك ﵁ في مسند الإمام أحمد يقول النبي ﷺ: (ما من مسلمين التقيا فأخذ أحدهما بيد صاحبه إلا كان حقًا على الله أن يحضر دعاءهما، ولا يفرق بين أيديهما حتى يغفر لهما) هنا حق على الله ﷿ أن يحضر الدعاء، والله ﷾ لا يغيب عنه شيء، فكل إنسان سواء كان مسلمًا أو كافرًا يقول شيئًا أو يفعل شيئًا فالله ﷿ يشهد ذلك، ولكن هنا كأن الحضور له معنى آخر، يعني: إما حضور لرحمة هؤلاء، وإما حضور لتعذيب هؤلاء، أو شهادة على هؤلاء، فهنا أن حضور الله ﷾ يكون على المعنى الخصوصي لهؤلاء بمغفرته وبرحمته، فهو شاهد يشاهد كل شيء، ويحضر مع كل واحد، والله سبحانه أقرب إلينا من حبل الوريد، وأقرب إلينا بفعله سبحانه وبقوته وقدرته، فحضوره ﷾ هنا برحمته، فهو ﷾ يرحم ويغفر، ويستجيب لدعاء أحدهما لصاحبه، ولا يفرقا بين أيديهما حتى يغفر لهما.","vol":"82","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-877>شرح حديث: (قال رجل: يا رسول الله! الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا)</span>\nهذا حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: (قال رجل: يا رسول الله! الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه، أينحني له؟ قال: لا) كأن العجم إذا لقي أحدهم صاحبه يسلم عليه وينحني له، فهذا يسأل ويقول: هل نفعل كما يفعلون حين نسلم ويصافح بعضنا بعضًا؟ فقال النبي ﷺ له: لا، أي: يكره هذا الشيء، فقال له الرجل: (أفيلتزمه ويقبله؟ قال: لا، قال: فيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: نعم).\nيعني: أن من السنة أنك إذا لقيت أخاك أن تسلم عليه، إما أن تقول: السلام عليكم وأنت مار، وإما أن تقف وتسلم عليه: السلام عليكم وتصافحه بيدك، فهذا أفضل.\nففي الحديث أن النبي ﷺ كره أن ينحني الرجل لصاحبه، فلا ينحني أحد لأحد إذا قابله.\nكذلك الالتزام والتقبيل هذا ليس من السنة، وهذا كثير بين المسلمين، فتجد الآن كلما يقابل صاحبه يقبله، هذا ليس من سنة النبي ﷺ، الالتزام والمعانقة هذا يكون إذا كان الإنسان مسافرًا وقدم من سفره، فهذا تلتزمه وتقبله، لكن الذي تقابله بين فترة وأخرى كلما قابلته قبلته وعانقته، ليس ذلك من سنة النبي ﷺ، ولا نقول: يحرم ذلك ولكن يكره؛ لأن النبي ﷺ لما سئل عن ذلك قال له: لا تفعل هذا الشيء، فهو قال: يلتزمه ويقبله؟ قال: لا، أينحني له؟ قال: لا، فماذا يعمل؟ أيصافحه؟ قال: نعم.\nإذًا: السنة إذا قابلت أخاك المصافحة، ولا نزيد شيئًا ليس له أصل من سنة النبي ﷺ في مثل ذلك، حتى لا تصير بين الناس عادة من العادات التي يمكن أن يعملها الإنسان، فقد يلقى أخاه ويسلم عليه ويقبل شماله ويمينه وقد لا يكون في القلب محبة؛ ولكن لأنه قد تعود على هذا الشيء، ولأنه إذا ما عمل كذا فسيقول: هذا يكرهني.\nإذًا: السنة أن تسلم وتصافح، والإسلام ليس فيه تمثيل، ولا داعي للمبالغة في الشيء، فإذا قابلت أخي أسلم عليه وأصافحه باليد أو ألقي ﵇، وهذا هو الذي جاء عن النبي ﷺ.\nوالمبالغة في الشيء تؤدي إلى البدع في دين الله ﷾، فترى الناس يفعلون الشيء من سنة النبي ﷺ ثم بعد ذلك يخترعون شيئًا جديدًا غير ما كان عليه النبي ﷺ، مثل ما ورد في الحديث: (ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) فيفشي المسلمون السلام؛ لأن إفشاء السلام يغيظ أعداء الإسلام، ويحسدون المسلمين على ذلك، لكن اليوم لا يسلم المسلم على أخيه إلا إذا كان يعرفه، وتراه يزهد في السلام على أخيه كلما لقيه! والتسليم باليد فيه ثواب عظيم وفيه مغفرة وحب، فأنا حين أسلم عليك وأقول: السلام عليكم، فهذا فيه مغفرة من الله ﷿.\nكذلك بعض الناس يخترعون شيئًا في أمر السلام، فبدل أن يسلم بعضنا على بعض عند الافتراق، يقول الأول: لا إله إلا الله، ويردد الثاني ويقول: محمد رسول الله، نقول: الشهادتان هما أعظم كلمة في دين الله ﷿، لكن ليس هذا وقتها، هذا من البدع؛ لأن النبي ﷺ يقول: (ليست الأولى بأحق من الأخرى) أي: إذا لقيت أخاك فسلم عليه، فإذا افترقتما فسلم عليه؛ فليست الأولى بأحق من الآخرة.\nفالنبي ﷺ أمرنا أن نسلم حين الافتراق، أن أدعو لك وتدعو لي بالسلامة وبالحياة الكريمة الطيبة وبالبركة من الله، فلا داعي للبدع التي كثرت بين الناس.","vol":"82","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-878>شرح حديث: (قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي)</span>\nمن الأحاديث حديث لـ صفوان بن عسال ﵁ قال: (قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي، فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن تسع آيات بينات، فذكر الحديث إلى قوله: فقبلا يده ورجله، وقالا: نشهد أنك نبي) رواه الترمذي وغيره بأسانيد صحيحة.\nورواه الإمام أحمد في مسنده، وإسناد الحديث رجاله ثقات، غير التابعي الذي روى هذا الحديث فالحافظ ابن حجر ذكر أنه صدوق، ولكنه تغير حفظه أو ساء حفظه، فعلى ذلك يكون فيه ضعف يسير.\nوالقصة التي ساقها الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن سلمة، وعبد الله بن سلمة هو الذي قال عنه الحافظ: صدوق، ولكن كبر فتغير حفظه، وحدث عن صفوان بن عسال وهو من أصحاب النبي ﷺ، قال: (قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي حتى نسأله عن هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء:١٠١]).\nوفي رواية أخرى يذكر أنه قال: (اذهب بنا إلى هذا الذي يزعم أنه نبي، فنسأله عن هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء:١٠١] فقال الآخر للأول: لا تقل: إنه نبي؛ فإنه إن سمعك صارت له أربعة أعين) هذه الآية نزلت على النبي ﷺ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء:١٠١]، وهنا الظاهر أن راوي الحديث حصل له شيء من الخلط في تفسير الآية مع ما قاله النبي ﷺ؛ لأن الله ﷿ آتى موسى تسع آيات بينات منها: اليد والعصا، لكن الحديث ذكر أشياء أخرى، فكأن راوي الحديث ظن أنهما أرادا أن يذهبا ويسألا النبي ﷺ عن الآيات، مع أنهما سألاه عما حرم الله ﷿ على بني إسرائيل، فاختلطت عليه الآية مع الحديث فذكر ذلك.\nولكن القصة أنهما ذهبا للنبي ﷺ ليبين لهما ما آتى الله ﷿ لموسى من أوامر ونواه لبني إسرائيل، فاليهوديان لما ذهبا للنبي ﷺ فسألاه، قال لهما النبي ﷺ: (لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله).\nكأن هذه الأمور من الشريعة التي جاءت لموسى نزلت ليأمر بني إسرائيل بها، وليس في الحديث تفسير التسع الآيات التي جاء بها موسى على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، فقد آتاه الله ﷿ تسع آيات قال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف:١٣٣] هذه خمس آيات، وآتاه الله ﷿ اليد والعصا، اليد تخرج بيضا، والعصا تصير كالحية تسعى، هذه من الآيات التي آتاها الله ﷿ لموسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام.\nولما نجى الله بني إسرائيل من فرعون، أنزل الله ﷿ على موسى آيات بينات واضحات مثل هذه الآيات التي ذكرها الله ﷾ في كتابه، ذكر بعضها في آية وبعضها في آية أخرى، وبعضها مما جاء أو فهم من القرآن، لكن هنا كأن السؤال عما أَمر موسى بني إسرائيل به من الشريعة التي هم تركوا منها أشياء، فذكر النبي ﷺ أن موسى أمرهم وقال: (لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله) كأنه كان فيهم هذا الشيء، من أنهم يذهبون بالبريء ويشهدون عليه زورًا فيقتله السلطان وغير ذلك مما ذكر في الحديث.\nثم قال لهم ﷺ: (وأنتم يا يهود، عليكم خاصة ألا تعملوا في السبت) أي: أن مما أمر الله ﷿ موسى أن يبلغ بني إسرائيل عقوبة لهم ألا يعملوا في السبت يعني: لا تعتدوا في السبت، ولا تعملوا عملًا في يوم السبت، كان عقوبة من الله ﷿ لهم؛ لأن الله سبحانه جعل لهم يوم الجمعة فقالوا: لا نريد الجمعة بل نريد يوم السبت، فقال لهم: يوم السبت هو عيدكم وممنوع عليكم أن تعملوا فيه، بخلافنا نحن أهل الإسلام فإن الله ﷿ جعل يومنا الجمعة ورضينا وقبلنا ذلك، وأباح لنا في هذا اليوم كل شيء، إلا ما هو حرام علينا في غيره من أيام الأسبوع، لكن اليهود رفضوا الجمعة فجعل عيدهم السبت وحرم عليهم أشياء.\nكذلك النصارى رفضوا الجمعة وطلبوا الأحد، أما المسلمون فرضوا بعيد الله ﷾ يوم الجمعة الذي خلق فيه آدم، وأنزل فيه آدم إلى الأرض، وتقوم الساعة في هذا اليوم، فكان عيدًا لأهل الإسلام.\nفنحن الآخرون ولكن يوم القيامة نحن السابقون؛ لأننا قبلنا دين الله ﷾ كما أمر، ولم يبدل المسلمون ولم يغيروا، بل أخذوا دين الله على ما أراد الله ﷾.\nالغرض في هذا الحديث لما قال اليهودي لصاحبه: (اذهب بنا إلى هذا الذي يزعم أنه نبي، فقال الآخر للأول: لا تقل: نبي؛ لأنه إن سمعك صارت له أربعة أعين) يعني: كأنه يقول: إنه تقر عينه ويفرح بهذا القول، وحين تقول: فلان هذا حار العين، فهذا يعني: أن عينه حارة من الحزن ومن الغيظ، أما لو قلت: فلان بارد العين، فهذا يعني: أن عينه قارة باردة راضية، كأنه تقر عينه وتفرح.\nفاليهود يحسدون النبي ﷺ على ما آتاه الله ﷿ من فضله، فلما سألا النبي ﷺ عن ذلك وأجابهما قبلا يديه ورجليه ﷺ وقالا: (نشهد أنك نبي قال: فما يمنعكما أن تتبعاني؟) هناك فرق بين من يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وبين أن يقول: أشهد أنك نبي، كأنهما قالا له: نحن صدقنا أنك نبي، لكن لا نسلم ولا ندخل في دينك، ففهم النبي ﷺ ما قالا، فقال لهما: (فما يمنعكما أن تتبعاني؟) يعني: ما دام أنكما عرفتما أني نبي فلم تتركان اتباعي؟ فقالا يتمحلان لعدم الدخول في هذا الدين، مع أنهما يعرفان أنه الخاتم صلوات الله وسلامه عليه ولا نبي بعده، وعلى فرض أنهما لا يعرفان أنه الخاتم، مهما قالا: نشهد أنك نبي فالنبي معصوم وصادق، فإذا شهدا له بالنبوة فقد شهدا له بالعصمة وأنه لا يكذب، فهو يقول لهما ولغيرهما: أنا رسول إليكم فالواجب عليهما أن يؤمنا بالنبي صلوات الله وسلامه عليه وأنه رسول رب العالمين، وأن يدخلا في دينه، ولكن اليهود عرفوا أنه نبي وقال له بعضهم: نشهد أنك نبي ومع ذلك لم يدخلوا في دينه، فتمحلا بهذا القول وقالا: (إن داود ﵇ دعا ألا يزال من ذريته نبي) لكن بعد ذلك أظهرا حقيقة الأمر وقالا: (إنا نخشى إن أسلمنا أن تقتلنا اليهود) يعني: الذي منعهما من الدخول في دين الله سبحانه ﵎ الخوف من أن تقتلهما اليهود.\nالشاهد في هذا الحديث أنهما قبلا يد النبي ﷺ ورجله، ولم ينكر عليهما صلوات الله وسلامه عليه ما فعلا، فلذلك ذكر الإمام النووي جواز مثل ذلك.","vol":"82","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-879>شرح حديث: (فدنونا من النبي ﷺ فقبلنا يده)</span>\nعن ابن عمر ﵄ في قصة قال فيها: (فدنونا من النبي ﷺ فقبلنا يده) ﵊ هذه قصة ساقها الإمام أبو داود في سننه، والقصة إسنادها فيه ضعف، ولكن جملة الروايات تعطي المعنى المقصود أنه يجوز تقبيل يد النبي ﷺ وغيره من أهل الصلاح ومن أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، ولكن لا يكون عادة؛ لأنه لم تكن عادة أصحاب النبي ﷺ كلما لقوا النبي ﷺ يقبلون يده ورجله ﵊، ولكن هذا حدث على وجه الندرة، فإذا كان فليكن مثل ذلك.\nهنا الحديث رواه أبو داود والترمذي من حديث يزيد بن أبي زياد، ويزيد بن أبي زياد ضعيف، وهو أن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدثه أن عبد الله بن عمر حدثه (أنه كان في سرية من سرايا رسول الله ﷺ قال: فحاص الناس حيصة فكنت فيمن حاص) يعني: يذكر عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ أرسله في غزوة من الغزوات في سرية من السرايا فحاص الناس حيصة كأن الأعداء كانوا كثيرين والصحابة كانوا قلة، فحاص الناس أي: رجعوا وهربوا، قال: وكنت فيمن هربت مع الذي هربوا، فـ ابن عمر ﵁ هذا الرجل الصحابي الفاضل لم يقل: الناس هربوا وأنا ثبت، لا، حاشا له ﵁ أن يكذب، ولكن يخبر ويقول: حاص الناس فكلنا هربنا ورجعنا للنبي ﷺ، لكن وهم في الطريق راجعين قال: (فلما برزنا قلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف، والله ﷾ يقول: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال:١٦] فقالوا: ندخل المدينة ونختبئ فيها، ننظر في أمرنا، قال: فدخلنا فقلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ﷺ، فإن كانت لنا توبة أقمنا، وإن كان غير ذلك ذهبنا، قال: فجئنا رسول الله ﷺ قبل صلاة الفجر فلما خرج قمنا إليه فقلنا: نحن الفرارون) قالوا ذلك للنبي ﷺ: نحن هربنا وجئنا تائبين لله ﷿، نحن الفرارون، فماذا كان الجواب من النبي ﷺ وهو بالمؤمنين رءوف رحيم؟ قال: (فأقبل إلينا فقال: لا، بل أنتم العكارون) يعني: أنتم لستم فرارين بل أنتم العكارون، ما هو الفرق بين الفرار والكرار والعكار، الفرار هو الذي فر وهرب من المعركة، والكرار هو الذي يقدم على العدو وهو شجاع، أما العكار فهو الذي يقدم ثم يخاف ويرجع ثم يكر مرة ثانية، فالنبي ﷺ أعطاهم الأمل بأنهم سيرجعون ويقاتلون مرة ثانية، فقال: (بل أنتم العكارون) فإذًا: العكار هو الذي قد يولي دبره في المعركة ثم يرجع فيكر مرة أخرى، هذا العكار فقال: (لا، بل أنتم العكارون، ففرحوا بذلك بعد ما كادوا ييئسون، قال: فدنونا فقبلنا يده فقال: أنا فئة كل مسلم) فهذا الحديث فيه بيان أنهم قبلوا يد النبي ﷺ، وقد جاءت أحاديث أخرى في هذا المعنى لا يخلو بعضها من مقال، ولكن بمجموعها تفيد جواز تقبيل اليد، ومنها: ما جاء عن أبي لبابة وكعب بن مالك أنهما لما تابا وتاب الله ﷿ عليهما، ذهب أبو لبابة فقبل يد النبي ﷺ، وكذلك كعب بن مالك وصاحباه ذهبا للنبي ﷺ وقبلا يده.\nوأيضًا جاء عن أصحاب النبي ﷺ أن بعضهم فعل مع بعض مثل ذلك، منهم: أبو عبيدة فإنه لما قدم على عمر قبل يد عمر رضي الله تعالى عنه، وكلاهما من العشرة المبشرين بالجنة.\nكذلك زيد بن ثابت ﵁ قبل يد عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، فـ زيد بن ثابت الذي كان يكتب القرآن العظيم رضي الله تعالى عنه، وهذا عبد الله بن عباس الذي كان يفسر القرآن العظيم كلاهما عالم من علماء أصحاب النبي ﷺ، فقبل زيد وهو أكبر من ابن عباس يد ابن عباس ﵄، والسبب في ذلك أن زيدًا أراد أن يركب الفرس فـ عبد الله بن عباس نظر إلى زيد فقال في نفسه: هذا كاتب وحي النبي ﷺ وأكبر مني سنًا، فتقدم إليه ابن عباس وأمسك بركابه من أجل أن يضع زيد رجله في الركاب، هذا ابن عباس حبر هذه الأمة وترجمان القرآن ﵄، فلما فعل ذلك إذا بـ زيد يأخذ يده ويقبلها رضي الله تعالى عنهما، فهذا تواضع أصحاب النبي ﷺ بعضهم لبعض.\nوجاءت آثار كثيرة ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري بهذا المعنى: أن أصحاب النبي ﷺ فعلوا ذلك معه ﷺ، فقبلوا يد النبي ﷺ، وكذلك من بعدهم، فقد جاء عن علي أنه قبل يد العباس عمه رضي الله تعالى عنهما، وجاء عن ثابت أنه قبل يد أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وجاء عن أبي مالك الأشجعي قال: قلت لـ ابن أبي أوفى: ناولني يدك التي بايعت بها رسول الله ﷺ قال: فناولنيها فقبلتها.\nيقول الإمام النووي ﵀: تقبيل الرجل لزهده وصلاحه أو علمه أو شرفه أو صيانته أو نحو ذلك لا يكره، بل يستحب إذا كان لأمر من الأمور الدينية، فإن كان لغناه أو لشوكته أو لجاهه عند أهل الدنيا فمكروه كراهةً شديدة.\nوقال أبو سعيد المتولي: لا يجوز إلا إذا كان على وجه التقرب إلى الله ﷿.\nلكن لا يكون على وجه العادة، كلما قابل واحدًا من أهل العلم أو من كبار السن قبله، لا، يجب ألا يكون مثل النصارى، ولأنه قد يقوم الخسيس ويقابلهم ويمد لهم يده ويقول: قبلوا يدي.\nإذًا: يجب ألا يكون هذا منتشرًا بين المسلمين، ولكن الذي كان لو عددنا هذه القصص بأنها قليلة بجنب عمر النبي ﷺ، فقد ظل مع الصحابة ثلاث وعشرين سنة في الدعوة إلى الله ﷿، فلو كان هذا يحدث كل يوم لجاءت أحاديث كثيرة في ذلك، ولكن الأحاديث منها ما هو ضعيف ومنها ما هو صحيح، فعلى ذلك يقول أهل العلم: إن ذلك يجوز، ولكن لا يكون عادة.\nإذًا: الإنسان يقبل يد أمه وأبيه هذا جائز، ويقبل يد من يعلمه، لكن على وجه الندرة، ولا تزكوا أنفسكم، فالله ﷿ أعلم بمن اتقى.","vol":"82","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-880>شرح حديث: (قدم زيد بن حارثة المدينة فأتى النبي فقام إليه النبي يجر ثوبه فاعتنقه وقبله)</span>\nمن الأحاديث حديث لـ عائشة ﵂ قالت: (قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله ﷺ في بيته، فأتاه فقرع الباب، فقام إليه النبي ﷺ يجر ثوبه، فاعتنقه وقبله) هذا زيد بن حارثة حب رسول الله ﷺ، وابنه أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ كذلك، فـ زيد بن حارثة كان مسافرًا وقدم فلما قرع زيد الباب خرج النبي ﷺ إليه يجر رداءه ويلبس إزارًا يستر من السرة إلى أسفل الركبتين، والرداء الذي يوضع على المنكب فالنبي ﷺ من شوقه لـ زيد ﵁ ومن حبه له خرج واستقبله واعتنقه وقبله صلوات الله وسلامه عليه، والرداء في يده، فذكر هنا في الحديث أنه اعتنقه وقبله.","vol":"82","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-881>شرح حديث: (لا تحقرن من المعروف شيئًا)</span>\nجاء عن أبي ذر ﵁ أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ: (لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق) من المعروف أن تعطي أخاك، وأن تعين أخاك، وأن تفعل معه الخير، حتى في أقل الأشياء، كأن تتبسم في وجهه، وهذا الحديث رواه مسلم.","vol":"82","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-882>شرح حديث: (أن الأقرع بن حابس قدم على النبي ورآه وهو يقبل الحسن بن علي)</span>\nحديث آخر لـ أبي هريرة ﵁ وهو متفق عليه، وفيه: (أن الأقرع بن حابس قدم على النبي ﷺ، ورأى النبي ﷺ وهو يقبل الحسن بن علي ﵄، فقال الأقرع بن حابس: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا) الأقرع بن حابس كبير ورجل زعيم في قومه، فكأنه يقول للنبي ﷺ: أنت كبير في القوم ولست مثلك، ومع ذلك ما قبلت واحدًا، أنت رسول الله تفعل هذا الشيء؟! فهو ينكر على النبي ﷺ ذلك، فاستحق أن يجاوبه النبي ﷺ بهذا الجواب، ويقول: (من لا يرحم لا يرحم) يعني: كون الإنسان يقبل ابنه هذا من الرحمة التي يجعلها الله ﷿ في قلوب عباده.\nوفي رواية أخرى قال: (أو أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك) يعني: أنت تفرح بأنه لا توجد رحمة في قلبك.\nهذا الحديث فيه أنه يجوز أن يقبل الإنسان أولاده، وأن هذا مستحب؛ لأن النبي ﷺ كان يفعله مع ابنته فاطمة، كان يذهب إليها فتقوم له ﷺ وتقبله وتجلسه في مكانها، وهي حين تأتي إليه صلوات الله وسلامه عليه كان يقوم لها ويقبلها ويجلسها بجواره ﵊.\nففيه تقبيل الأب لأولاده ولبناته، وتقبيل الإنسان للقادم من السفر بأن يعتنقه وأن يقبله، لكن لا يكون هذا مع من يلتقي معه في كل صلاة أو في كل يوم، يعني: ينبغي ألا تكون هذه عادة لا بين الرجال بعضهم مع بعض، ولا بين النساء بعضهن مع بعض، إلا على ما جاء في سنة النبي ﷺ، والله أعلم.\nنكتفي بهذا القدر.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"82","page":11},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-883> ما جاء في عيادة المريض</span>\nإن للمسلم على أخيه المسلم حقوقًا وضعها الشرع الحنيف؛ لتتم الألفة والرابطة الوشيجة بين المؤمنين، فينتج من ذلك مجتمع قوي متحاب متماسك، ومن هذه الحقوق: اتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ورد السلام، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وفك العاني، وعيادة المريض، وإبرار المقسم، وغيرها.","vol":"83","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-884>من حقوق المسلم على أخيه المسلم</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [كتاب: عيادة المريض، وتشييع الميت، والصلاة عليه، وحضور دفنه، والمكث عند قبره بعد دفنه.\nعن البراء بن عازب ﵄ قال: (أمرنا رسول الله ﷺ بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام) متفق عليه.\nوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس) متفق عليه].\nهذا باب من كتاب (رياض الصالحين) يذكر فيه الإمام النووي عيادة المريض، وتشييع الميت، والصلاة عليه، وحضور الدفن، والمكث عند القبر بعد دفنه، وهذه من حقوق المؤمن على أخيه المؤمن، وقد جاء حديث النبي ﷺ يبين ذلك بأمره ﷺ بهذه الآداب، وأيضًا بذكره أنها من حق المسلم على أخيه المسلم.\nفمن الأحاديث في ذلك حديث البراء ﵁ قال: (أمرنا رسول الله ﷺ بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس) إلى آخر ذلك.\nوما يأمر به النبي ﷺ فيه الخير كله في الدنيا وفي الآخرة، فهو يأمرنا بما يؤلف قلوبنا، وبما يجعل المؤمن يحب أخاه المؤمن، فقد قال لنا ﷺ: (ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)، وهذه من خصائص المجتمع المؤمن المسلم، فالمؤمنون يحب بعضهم بعضًا، والمؤمنون يجمعهم الحب في الله سبحانه ﵎، والتعاون على البر والتقوى، وتجمعهم الألفة التي في القلوب، ويجمعهم العمل لدار الآخرة، فالمؤمن يحب أخاه المؤمن ولا ينتظر منه أن يعطيه على هذه المحبة أجرًا في الدنيا، بل إن المؤمن إذا بذل المال والعون قال: ﴿لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان:٩]، وقال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٩].\nإن المؤمن يبذل ما عنده من نفع لغيره ابتغاء وجه الله سبحانه، والمؤمن مستريح في الدنيا، ولو أنه يبذل نفعه وماله وطعامه وينتظر عليه أجرًا من الآخرين لتعب جدًا، ولو جلس يتذكر: أعطيت لفلان كذا ولم يعمل لي شيئًا، وزرت فلانًا وما زارني، وأعطيته من مالي ولم ينفعني بشيء، لو تذكر ذلك لتعب الإنسان بذلك، ولكن المؤمن يستريح؛ لأنه ينتظر الأجر من الله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان:٩]، ولا حتى الشكر، فلا ننتظر منكم الشكر على ذلك، وإنما ننتظر الأجر من الله سبحانه، فالمؤمن قلبه معلق بالجنة يريد أن يدخلها بأي عمل من الأعمال، ولو أنه علق قلبه بالدنيا لأخذته الدنيا، فالدنيا تفتن الإنسان وتغره، وكلما طلب الدنيا ابتعدت عنه هذه الدنيا، ولن ينال منها إلا ما قسمه الله ﷿ له فيها، لذلك فالمؤمن يستريح لأنه يطلب الآخرة، ولا ينسى نصيبه من الدنيا، ولكن لا يجعل قلبه متعلقًا بها، وإذا تعلق بها فلعله ينالها ولعله لا ينالها، لكنه يتعلق بالدار الآخرة، ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ﴾ [القصص:٨٣] والآخرة، والعاقبة الحسنة، والجزاء الحسن للمؤمن عند الله ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣].\nإن المؤمن حين يطيع ربه سبحانه، وحين يطيع رسوله صلوات الله وسلامه عليه لا يبتغي بذلك إلا الدار الآخرة، فإذا أمر النبي ﷺ بعيادة المريض فإنك تعود المريض ابتغاء وجه الله سبحانه، وانتظار الأجر من الله سبحانه.","vol":"83","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-885>اتباع الجنازة</span>\nتتّبع الجنازة ابتغاء الأجر من الله سبحانه، ولا تنظر إلى غيرك وتقول: الناس لم يزوروا المرضى فأنا أيضًا ما سأزورهم، والناس لم يمشوا في الجنازة فأنا أيضًا لا أمشي، فلا تنظر إلى غيرك، بل عد المريض، وامش وراء الجنازة، وشمت العاطس ابتغاء الأجر من الله سبحانه، فإذا زرت المريض فإنه يحبك إذا زرته الزيارة الشرعية التي أمرت بها شرعًا.\nوكذلك إذا اتبعت الجنازة فإنك تؤجر من الله سبحانه، وتدخل على قلب أهل الميت السلوى، وتسليهم بذلك، تعزيهم، وينظرون إليك بأنك وقفت بجانبهم في يوم الجنازة، فيفرحون بذلك أنك بجوارهم ويحبونك، فيحب المؤمن أخاه المؤمن لما يبذله له من نفع في الدنيا؛ فيؤجر على ذلك في الآخرة.","vol":"83","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-886>تشميت العاطس</span>\nقوله: (تشميت العاطس)، فإذا عطس الإنسان وقال: الحمد لله فإنك تشمته، وذكرنا معنى التشميت قبل ذلك وقلنا: هو إما من الشماتة، وإما من الشوامت، والشوامت: القوائم، فكأنك ترفعه وتقيمه، فهذا دليل على أنه تعب في هذه العطسة، فالإنسان حين يعطس فبحسب قوة العطسة، فقد يؤذي هذا الإنسان، ولكنه إذا عطس فإنه يحمد الله أنه أبقى عليه بعدما عطس، فأنت تقول له: يرحمك الله، فتشمته، أي: لا زلت قائمًا على قوائمك ما وقعت، فتدعو له بأنه يظل قائمًا ولا يقع في مرض ولا في غيره، فتدعو له بذلك، فهذا إذا كان مأخوذًا من الشوامت.\nأو من الشماتة كأن تقول له: لا شمت الشيطان فيك، فالشيطان يريد منك أن تقع، وأنا أدعو لك أن يرحمك الله سبحانه ﵎ ولا يشمت فيك الشيطان، وتشميت العاطس هنا مقيد بأن يحمد الله سبحانه.","vol":"83","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-887>إبرار المقسم</span>\nقوله: (وإبرار المقسم) أي: من البر، فتسدي له خيرًا ولا تجعله يحنث في يمينه، فإذا قال: والله إني أريد منك كذا، فتعطيه هذا الشيء طالما أنت قادر عليه، وطالما أنه غير متكلف، فبعض الناس يتكلف ذلك ويستحليه، ففي كل حين يطلب حاجة ويقول: والله أعطني كذا، فمثل هذا لا يستحق الجواب طالما أنه متكلف لذلك وكلما أراد شيئًا حلف عليه، ولذلك كان النبي ﷺ يجيب أصحابه إذا أقسموا وأحيانًا لا يجيبهم، فـ أبو بكر الصديق ﵁ قال للنبي ﷺ وقد سمع إنسانًا رأى رؤيا من الرؤى فقال: (والله يا رسول الله! اجعلني أعبرها -أعبر لك هذه الرؤيا التي قالها فلان- فقال: عبرها، فذكر أبو بكر ﵁ التفسير لهذه الرؤيا، وكان من أعبر الناس رضي الله ﵎ عنه، ثم سأل النبي ﷺ وأقسم عليه: هل أصبت أم أخطأت؟ فقال: أصبت في أشياء وأخطأت في أشياء، ثم أقسم عليه مرة ثالثة وقال: ما الذي أخطأت فيه؟ فقال: لا تقسم، ولم يخبره).\nوبهذا الحديث يظهر لنا أن الإنسان المقسم من السنة أن تبره، إلا إذا كان يستحلي ذلك ويستمر عليه، ففي كل وقت يحلف الشيء ويأخذه، فهنا لا يقسم كما قال النبي ﷺ لـ أبو بكر ﵁، وكما قالها لغيره ﵊، ونهى النبي ﷺ عن كثرة الكلام، ونهى عن الإلحاح في السؤال وهو من هذا الباب، فالإلحاح في المسألة ليس من صفات المؤمنين الطيبين كما قال الله تعالى: ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة:٢٧٣]، فهؤلاء هم المتعففون، وعكسهم الذين يلحفون في السؤال ويبقى أحدهم يسأل: أريد وأريد وأريد، وبالله عليك أريد كذا، فإذا كان الإنسان ملحًا فلك أن تعطيه ولك أن تمنعه؛ تأديبًا له.","vol":"83","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-888>نصر المظلوم</span>\nقال: (ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام) متفق عليه.\nقوله: (ونصر المظلوم)، فمن حق المسلم على المسلم أن ينصره، وجاء في حديث النبي ﷺ أنه قال: (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا)، فنصر المظلوم بأن تأخذ له حقه وتعينه على ذلك، ونصر الظالم أن تنصره على نفسه وعلى هواه وعلى شيطانه، وتمنعه من ظلم الغير.","vol":"83","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-889>إجابة الداعي</span>\nقوله: (وإجابة الداعي) هذا من حقوق المؤمن أيضًا، فإذا دعاك إنسان لحفل عرسه، أو إذا دعاك لوليمة، أو إذا دعاك لغير ذلك وأنت تقدر على ذلك وليس عندك عذر فافعل ما طلب منك، فهذا من حق الداعي عليك.","vol":"83","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-890>إفشاء السلام</span>\nقوله: (وإفشاء السلام)، هذا من حقوق المسلمين، وقال ﷺ: (أفشوا السلام بينكم)، ولم يقل: سلم وكفى، ولكن يفشي السلام، فعادة المسلمين أنه إذا التقى المسلم مع أخيه فإنه يسلم عليه، فنعلم بذلك أن هؤلاء تحابوا في الله، فإذا سلمت عليه وردّ عليك فأنت تؤجر وهو يؤجر، وتنزل المحبة على قلبك وقلبه، فلذلك يحسد اليهود المؤمنين على التأمين في الدعاء وفي الصلاة، وعلى التسليم، فلا يحبون أن يسلم المسلمون بعضهم على بعض؛ ولذلك يطلق الناس النكت على كثرة السلام بينهم، ومصادر هذه النكت هم أعداء دين الله سبحانه من اليهود والنصارى والكفار والمنافقين والمقلدين الإمعات من المسلمين، فيقول بعضهم: ما لك تسلم مرة واثنتين وثلاثًا؟ فالإكثار من السلام يقل المعرفة! وهذا عكس ما يقوله النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقد قال: (أفشوا السلام بينكم) صلوات الله وسلامه عليه، والمصيبة أن يجهل المسلمون دين الله ويعرفون ويرددون النكت التي يقولها أعداء دين الله سبحانه! إذًا فهذه من أوامر النبي ﷺ في حديث البراء، وفي حديث أبي هريرة جعلها حقوقًا للمسلم على المسلم فقال: (حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس).","vol":"83","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-891>عيادة المريض</span>\nمن الأحاديث في الباب: عن أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ: (إن الله ﷿ يقول يوم القيامة: يابن آدم مرضت فلم تعدني!)، وهل يعقل أن الله يمرض سبحانه؟ لا، ولكن المعنى الذي يريده هنا هو ما فسره سبحانه لعبده يوم القيامة فقال: (مرض عبدي فلان فلم تعده)، لذلك قبل التفسير يعجب العبد فيقول: (يا رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟!) فقال: (أما علمت أن عبدي فلان مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟)، فالمقصود: أن الإنسان إذا مرض فالله سبحانه عنده، مع أن الله فوق سماواته، بائن من خلقه سبحانه، وهو عند هذا الإنسان بسمعه وبصره وقدرته ورحمته وإجابة الدعوة، فإذا ذهبت وجدت رحمة الله سبحانه، ووجدت ملائكة الله سبحانه، ووجدت الأجر العظيم من الله سبحانه.\nفيعاتب العبد يوم القيامة: أنت قادر أن تعود فلانًا فلماذا لم تعده وقد كان مريضًا؟ والمريض كما هو معروف قد يحتاج للعواد وهذا الغالب، وقد يكون ممنوعًا من العيادة وهذا في بعض الحالات، وذلك إذا كان الإنسان في حالة حرجة، فهنا يكفي أن تسأل عنه، فيعلم أنك قد سألت عن هذا الإنسان.\nوإذا عدت المريض فلا تثقل عليه ولا تمله، فالمريض قد يحتاج إلى أهل بيته أن يكونوا حوله، فإذا جاءه الضيف فلعله يمله، إذًا فالعيادة تكون بقدر، وإن كانت لا تصح مرفوعة للنبي ﷺ ولكنها حكم ومعاني، فقد جاء أن العيادة بقدر فواق الناقة، يعني: بقدر أن يسلم الإنسان وينصرف، فلا يمكث عند المريض فيمله.\nإذًا فزيارة المريض تكون بقدر ما تسلم عليه وتنصرف، فلا تمكث عند المريض إلا إن احتاج إليك، فإن احتاج إليك في شيء فإنك تجلس عنده بقدر حاجته إليك، ولا تمل المريض حتى لا يمل من العيادة.\nقوله: (يقول الله ﷿: يا بن آدم! استطعمتك فلم تطعمني) أي: طلبت منك طعامًا فلم تفعل ذلك، (قال: يا رب! كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! فيقول الله ﷿: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟).\nإذًا طلب منك إنسان محتاج الطعام وهو جائع فأطعمه، فإذا جئت يوم القيامة ولم تفعل عاتبك الله، ويعاتبك إذا كنت قادرًا على ذلك.\nيقول: (يا بن آدم! استسقيتك فلم تسقني! فيقول: يا رب! كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! يقول: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه! أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي؟) رواه مسلم.\nومعنى ذلك: أنك تبذل ذلك ابتغاء وجه الله، والله يحاسب العبد يوم القيامة فيعاتبه على تقصيره في أداء الواجبات، وأيضًا على حرمان نفسه من الثواب.\nوعيادة المريض قد تجب على الإنسان وقد تستحب للإنسان، فهذا يعاتب وهذا يعاتب، فالإنسان الذي وجبت عليه يقال له: لم لم تفعل هذا وهو واجب عليك أن تصل الرحم؟ فهذا أبوك مريض وأنت لم تذهب إليه، وتشاغلت بالعمل، وتشاغلت بالسفر، فيجب عليك أن تبر أباك، وأن تبر أمك، وأن تبر رحمك، فإن لم تفعل هذا الشيء فإنك ستجازى عليه يوم القيامة.\nوالإنسان الغريب ليس واجبًا عليه أن يعود إنسانًا غريبًا لا يعرفه، ولكن لا يقصر في طلب الثواب، فكيف تفرط في هذا الثواب: أن يستغفر لك سبعون ألف ملك؟ ولو استغفروا لك فإن ذلك ينفعك يوم القيامة، ويثقل ميزانك، وتدخل الجنة بذلك، فتعاتب على التقصير في الواجب والفرض، وتعاتب على التقصير في حرمان نفسك من الثواب بالمعاتبة.\nوفي حديث رواه البخاري عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفكوا العاني).\nفقوله: (عودوا المريض) أي: اذهبوا للمريض فعودوه طالما أنه يحتاج إليكم، وطالما أن العيادة ترفع من روحه المعنوية، وعيادة المريض تذكره بالآخرة، فأنت تتذكر أن هذا كان سليمًا مثلك ثم صار الآن مريضًا، وهذا الأمر -أمر المرض- ليس لإنسان واحد ولكن يدور على الناس، وهو مريض اليوم وأنت مريض غدًا، ولا تدري لعل مرضه أخف مما سيأتيك أنت بعد ذلك، فاعمل للمستقبل، واعمل لما يكون أمامك، وإذا ذهبت إليه فإنك تنفس له في الأمل وفي الحياة وتقول له: ربنا يشفيك وترجع أفضل مما كنت، كما قال النبي ﷺ للمريض: (لا بأس طهور إن شاء الله)، فتنفس له في العمر وفي الأمل، ولعلك تعرف من حال هذا المريض أنه سيموت قريبًا، فالأطباء قد عجزوا فلا تقل له: أنت لن تعيش؛ فالأطباء قالوا: إنك في آخر حياتك، كما سمعنا من بعض إخواننا عندما ذهب يزور مريضًا قال له: أنت في آخر حياتك فتب إلى الله ﷿!! لا تقل له هذا الشيء بل نفس له في العمر، ولا مانع أن تأمره بالتوبة، ولكن لا تقل: ستموت في النهار، وانظروا إلى الشيخ المريض الذي يعلم أنه سيموت في هذا المرض فقال له النبي ﷺ: (لا بأس طهور إن شاء الله)، فلما قال الرجل: لا، وما أعجبه كلام النبي ﷺ وقال: (بل حمى تفور، على شيخ كبير، تورده القبور، فقال: فنعم إذًا)، فلم يقل له ذلك إلا لما قال هذا المريض هذا القول، لكن العادة في زيارة المريض أن تدعو له: أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يشفيك، فلا تجعل المريض يائسًا، فيأس المريض يجعله ينسى أمر دنياه وأمر أخراه، ولكن نفّس له، ولا مانع أن تدعوه إلى التوبة إلا إذا دخلت عليه وهو يغرغر ففي هذه الحالة تلقنه الشهادة: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.\nفالأصل في عيادة المريض أنك تسلي عليه، وتواسيه، وتدخل السرور عليه، حتى لو كنت عارفًا أنه سيموت الآن فدع أمره إلى الله سبحانه ﵎، وإذا دعوته إلى التوبة أو لقنته الشهادة فعليك بالأسلوب الطيب الذي يقبله المريض، لذلك ينبغي أن الذي يزور الإنسان الذي في مرض الوفاة أن يكون حكيمًا حليمًا رحيمًا عاقلًا، فالإنسان العاقل ينفع، وأما الإنسان الأحمق فإنه يؤذي، فبعضهم يجلس عند المحتضر يقول له: قل: لا إله إلا الله، قل: لا إله إلا الله، قل: لا إله إلا الله حتى يجعله يضجر من ذلك، ولكن تقول أمامه: قل: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإذا سمع ذلك ردد وراءك فانتفعت وانتفع هو، وإذا قالها وتكلم بعدها بشيء من كلام الدنيا فاعرضها عليه مرة ثانية، حتى يقولها فيختم له بهذه الكلمة: لا إله إلا الله.","vol":"83","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-892>إطعام الجائع</span>\nقوله: (وأطعموا الجائع) أمر من النبي ﷺ، وقد جاء في حديث النبي ﷺ في أهل الغرفات العالية في الجنة: (يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، قال: لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى لله في الليل والناس نيام، ويقال له يوم القيامة: ادخل الجنة بسلام).\nإذًا إطعام الجائع من أسباب دخول الجنة.","vol":"83","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-893>فك الأسير</span>\nقوله: (وفكوا العاني)، العاني: هو الأسير، والمعنى: أن المؤمن إذا أسره الأعداء وأنت تقدر على فكه فإنك تسعى إلى ذلك، ويلزمكم ذلك، ولا يجوز للمسلمين أن يتركوا أسراهم بأيدي الكفار فضلًا عن أن يعينوا الكفار على أن يأخذوا المسلمين من عندهم فيأسرونهم، فالواجب على المسلمين أن يحرروا الأسارى من المؤمنين الذين أسرهم الكفار، قال النبي ﷺ: (وفكوا العاني) أي: ادفعوا أموالكم حتى تخرجوه وتحرروه.\nومن الأحاديث في ذلك حديث لـ ثوبان ﵁والحديث رواه مسلم - عن النبي ﷺ قال: (إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع، فقيل: يا رسول الله! وما خرفة الجنة؟ قال: جناها)، والجنى: هو الثمار الناضجة، فالثمرة إذا نضجت فهي الخرفة، وهذا الإنسان في مخرفة، يعني: في بستان فيه ثمار، فأنت إذا عدت المريض فأنت في بستان مثمر من بساتين الجنة.\nوعن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من مسلم يعود مسلمًا غدوة -أول النهار- إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عادة عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة) أي: كان له بستان في الجنة، فهذا شيء عظيم جدًا.\nالحديث رواه الترمذي، وهو حديث حسن.\nوعن أنس ﵁، قال: (كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده).\nأي: أن اليهود يعرفون أنه رسول الله ﷺ؛ ولذلك أرسله أبوه كي يخدم النبي ﷺ فأبوه يعرف أنه رسول ومع ذلك لم يسلم! قال: (فقعد عند رأسه)، وهذا يدل على ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]، فهو يخدم النبي ﷺ لذلك عندما مرض زاره النبي ﷺ، (فقعد عند رأسه فقال له: أسلم، فنظر الغلام إلى أبيه وهو عنده فقال: أطع أبا القاسم، فأسلم الغلام، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار).\nفلم يسلم اليهودي الأب، وأمر ابنه بطاعة النبي ﷺ فأسلم فحمد النبي ﷺ ربه أن مَنَّ على هذا بالإسلام، فأنقذه الله ﷿ من النار، ففي هذا عيادة الإنسان المريض سواء كان مسلمًا أو كافرًا، فإذا كان كافرًا عُرض عليه الإسلام كما فعل النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nنسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وعلى اتباع سنة النبي ﷺ.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"83","page":11},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-894> ما يدعى به للمريض</span>\nيبتلي الله ﷾ عباده بالأمراض والأدواء، وفي ذلك تطهير لذنوبهم وتكفير لسيئاتهم، وقد شرع الإسلام لمن زار المريض أن يدعو له بجملة من الأدعية النبوية رقية وطلبًا للشفاء، كما شرع للمريض نفسه أن يدعو بأدعية يطمع بها في رحمة الله تعالى، وشرع له أن يذكر ربه ببعض الأذكار النافعة التي يحرم بها على النار إن مات في مرضه، وذلك دليل الخير للمسلمين.","vol":"84","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-895>ما يدعى به للمريض</span>\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [باب ما يدعى به للمريض.\nعن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه، أو كان به قرحة أو جرح قال النبي ﷺ بأصبعه هكذا - ووضع سفيان بن عيينة الراوي سبابته بالأرض، ثم رفعها - وقال: باسم الله تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى به سقيمنا، بإذن ربنا)، متفق عليه.\nوعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ: (كان يعوذ بعض أهله: يمسح بيده اليمنى ويقول: اللهم رب الناس! أذهب الباس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقمًا)، متفق عليه.\nوعن أنس ﵁ أنه قال لـ ثابت ﵀: ألا أرقيك برقية رسول الله ﷺ؟ قال: بلى، قال: (اللهم رب الناس! مذهب البأس، اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، شفاءً لا يغادر سقمًا)، رواه البخاري.\nوعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (عادني رسول الله ﷺ فقال: اللهم اشف سعدًا، اللهم اشف سعدًا، اللهم اشف سعدًا)، رواه مسلم].\nهذا باب من كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي ﵀ ما يدعى به للمريض، وقد ذكرنا قبل ذلك أن النبي ﷺ أمرنا بعيادة المريض، وهي سنة عظيمة متأكدة خاصة إذا كان قريبًا لك، والله سبحانه يسأل العبد يوم القيامة عن تركه لزيارة المريض، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (أن الله سبحانه يقول للعبد يوم القيامة: مرضت فلم تعدني.\nفيقول: وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟! فيقول: مرض عبدي فلان فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده)، فالله ﷾ عند المريض باستجابته لدعاء المريض، فملائكة الله ﷿ عند الإنسان المريض تصلي على الزائر العائد للمريض، وتدعوا له، فيدعو له سبعون ألف ملك، فإذا كان في أول النهار دعوا له حتى آخر النهار، وإذا كان في آخر النهار دعوا له حتى الفجر، وهذا من فضل الله ﷾ في عيادة المريض.\nولذا يستحب أن تزور المريض، ويستحب أن تدعو للمريض، وأيضًا: أن تطلب من المريض أن يدعو لك، فالله ﷿ يستجيب لدعائه، وخاصة إذا كان من إنسان مضطر، كما قال سبحانه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢].\nفهذا مريض محتاج إلى ربه سبحانه وإلى رحمته، ويستشعر الضعف، فلتطلب من المريض أن يدعو لك، وأنت أيضًا تدعو له.","vol":"84","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-896>شرح حديث عائشة في رقية المريض</span>\nأورد الإمام النووي رحمه الله تعالى أحاديث عن عائشة وعن أنس وعن سعد بن أبي وقاص ﵃ فيها دعاء النبي ﷺ للمريض، ورقيته أيضًا للمريض ﵊، فحديث عائشة فيه أن النبي ﷺ كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه، أو كان به قرحة أو جرح، أي: إذا اشتكى الإنسان الشيء - سواءٌ كان به جراحة، أو قرحة بجسده - فيعوده النبي ﷺ، ويضع إصبعه ﷺ على التراب على الإرض، وكان سفيان راوي الحديث يضع سبابته على الأرض، ثم يضعها على المريض فيقول: (باسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى به سقيمنا، بإذن ربنا)، فيرقي النبي ﷺ المريض بهذا الدعاء الجميل، فالإنسان مخلوق من تراب، وطعامه في هذا التراب، وشفاؤه أيضًا في هذا التراب، فالنبي ﷺ ينفث بريقه الكريم، ويضع يده على هذا التراب الذي خلق منه الإنسان، ويدعو ربه أن يشفي هذا المريض، ويقول: (باسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى به سقيمنا، بإذن ربنا).\nوجاء في دعائه أنه كان يقول: (اللهم رب الناس! أذهب الباس)، فقوله: (اللهم رب الناس) يعني: يا رب الناس.\n(أذهب الباس، واشف، أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك) أي: أن الشفاء بيد الله ﷾، ويخطئ من يتوهم أن الشفاء بيد الطبيب، وأنه إذا ذهب إلى الطبيب شفاه الطبيب، فالذي يشفي هو الله، والطبيب سبب من الأسباب، وقد أمرنا بالتداوي، حيث قال النبي ﷺ: (أي عباد الله! تداووا؛ فإن الله ما أنزل داء إلا وأنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله) فالشفاء بيد الله سبحانه، فهو الذي ينزل الداء، وهو الذي ينزل الشفاء ﷾، والطبيب سبب من الأسباب، والعلاج سبب من الأسباب، والرقية بكتاب الله وبأحاديث النبي ﷺ سبب من الأسباب، ثم إذا شاء الله ﷿ شفى المريض بسبب ما أخذ من أسباب، وقد يُعلق الشفاء على دعوة، أو على تداوٍ، أو على غير ذلك، فالله يفعل ما يشاء ﵎.\nفمن الدعاء: (اللهم رب الناس! أذهب الباس) والبأس: المرض، (واشف، أنت الشافي) أي: أنت وحدك ليس غيرك، (لا شفاء إلا شفاؤك)، فالشفاء بيد الله ﷾، ولا شفاء بيد أحد من خلقه سبحانه، وإذا شفى إنسانًا شفاه شفاءً لا يغادر سقمًا، ولا يترك أثرًا، وهذا شفاؤه ﷾ في خلقه.","vol":"84","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-897>شرح حديث أنس في الرقية</span>\nوجاء عن أنس أنه علم ثابتًا تلميذه دعاءً يدعي به للمريض، وأنس كان صحابيًا فاضلًا، وهو خادم رسول الله ﷺ، وقد خدمه عشر سنوات، إذ لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة كان أنس صبيًا صغيرًا، فأتت به أمه إلى النبي ﷺ ليخدمه، فخدم النبي ﷺ عشر سنوات، ودعا له النبي صلوات الله وسلامه عليه، فـ أنس يعلم تلميذه ثابتًا دعاء النبي ﷺ، فقال: إلا أرقيك برقية رسول الله ﷺ؟ فقال: بلى.\nفقال: (اللهم رب الناس مذهب الباس) وفي حديث السيدة عائشة (أذهب الباس) فهو رجاء وطلب من الله ﷿، وأما (مُذهِب) فهو اسم فاعل، فهنا يقول: يا مذهب البأس! (اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، شفاءً لا يغادر سقمًا).","vol":"84","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-898>شرح حديث سعد في الدعاء للمريض بالشفاء</span>\nوجاء في حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ عاده، وقد كان سعد مرض مرضًا شديدًا، وظن أنه سيموت من هذا المرض، فذهب إليه النبي ﷺ يعوده، فدعا له النبي ﷺ فقال (اللهم اشف سعدًا، اللهم اشف سعدًا)، فشفاه الله ﷾، وهذا من أقصر ما يكون من الدعاء، أن تقول: اللهم اشف فلانًا، اللهم اشف فلانًا.","vol":"84","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-899>شرح حديث عثمان بن أبي العاص في رقية الألم</span>\nومن الأحاديث أيضًا حديث عثمان بن أبي العاص ﵁ أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعًا يجده في رأسه، فقال له رسول الله ﷺ: (ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل: باسم الله ثلاثًا) وهنا الإنسان يرقي نفسه، ويدعو ربه ﵎، فيضع يده على ما يؤلمه من جسده ويقول: باسم الله، باسم الله، باسم الله.\nثم قال ﷺ: (وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذ) فيكرر ذلك سبع مرات حتى يأتي الشفاء من عند الله ﷾.\nفأنت تأخذ بالأسباب، والله يعلق النتيجة على سبب من الأسباب، وقد لا يكون الأمر كذلك، فإن شفاك الله فالحمد لله، وإن لم يفعل ذلك فلحكمة منه ﷾، فالذي علينا هو أن نأخذ بالأسباب كما أمرنا النبي صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"84","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-900>شرح حديث ابن عباس في الدعاء للمريض</span>\nومن الأحاديث حديث رواه الترمذي ورواه أبو داود أيضًا عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (من عاد مريضًا لم يحضره أجله فقال عنده سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، إلا عافاه الله من ذلك المرض) وصدق رسول الله ﷺ.\nوهل - يا ترى - كل مريض يكون كذلك؟\nو\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا مقيد بمشيئة الله ﷾، فإذا شاء الله أن يموت هذا الإنسان من هذا المرض مات، ولذلك قال ﷺ: (لم يحضره أجله) حتى لا يقول قائل: أنا حضرت ودعوت ولكن الله تعالى ما عافاه فقيد النبي ﷺ ذلك بمن عاد مريضًا لم يحضره أجله، وبعض المرضى قد يكون مرضه آخر مرض ويموت بعده، فادع لهذا الإنسان، وادع لكل مريض، فإن لم يستجب الله ﷿ كان الدعاء عبادة لله سبحانه، وتؤجر أنت على هذه العبادة، فإذا قدر الله ﷿ أن هذا لا يموت في هذا المرض فإنه يشفيه الله ببركة هذا الدعاء، فنقول: (أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك) سبع مرات.","vol":"84","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-901>شرح حديث ابن عباس: (لا بأس طهور إن شاء الله)</span>\nومن الأحاديث حديث عن ابن عباس في صحيح البخاري (أن النبي ﷺ دخل على أعرابي يعوده، وكان إذا دخل على من يعوده قال: لا بأس، طهور إن شاء الله) وهذا - أيضًا - من الدعاء الذي يدعى به للمريض، أن تقول: طهور إن شاء الله.\nأي: يطهرك الله ﷿ بهذا المرض من الذنوب، ويطهرك من خطاياك، ومعنى: (لا بأس): لا شدة عليك ولا ضياع ولا هلاك عليك من هذا المرض.","vol":"84","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-902>شرح حديث أبي سعيد في رقية جبريل للنبي ﷺ</span>\nوفي حديث آخر عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: (يا محمد! اشتكيت؟ فقال: نعم.\nقال: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك).\nففي هذا الحديث أن النبي صلوات الله وسلامه عليه اشتكى وطال مرضه من سحر يهودي وهو لبيد بن الأعصم لعنة الله عليه وعلى أمثاله، فاشتكى النبي ﷺ فترة، والله ﷿ له حكمة في أن يمرض النبي ﷺ وأن يطول مرضه، فنقتدي به، فإذا مرض الإنسان منا فإنه يقتدي بالنبي ﷺ، فيصبر كما صبر صلوات الله وسلامه عليه.\nفلما اشتكى ﷺ دعا له جبريل ليرقيه بهذا الدعاء، فقال: (باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك) وهذا دعاء جامع، فقوله: (من كل شيء) معناه: من أي شيء صغير أو كبير، قريب أو بعيد، خطير أو غير خطير، من كل شيء يؤذيك أرقيك باسم الله، أي: باسمه ﷾ الذي لا يذكر على شيء إلا وكان من وراء ذلك الخير.\n(باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك،) فدعا له بأن يشفيه الله من شر كل إنسان حاسد أو عين حاسدة أو نفس شريرة.\nفهذه سنة من النبي ﷺ، فقد رقاه بها جبريل ﵇ فصارت لنا سنة.","vol":"84","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-903>حكم طلب الرقية</span>\nوهل للمريض أن يقول لإنسان: تعال ارقني؟\nو\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يجوز ذلك، والأفضل ألا يفعل؛ لأنه جاء عن النبي ﷺ في الحديث في شأن السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب: (أنهم لا يسترقون)، أي: ليست لهم عادة بأن يقول المرء منهم لواحد: تعال ارقني.\nبل إذا مرض صبر على ذلك، وإذا أراد الرقية رقى هو نفسه؛ لأنه إذا قال: يا فلان تعال ارقني لا يؤمن عليه أن يظن بفلان أن بيده شيئًا، فيشرك بالله سبحانه تعالى، ويعتقد أن فلانًا هذا لو رقاه فسيشفيه الله تعالى، وكأنه ينسى فضل الله ﷾، والله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦]، ويقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠].\nفلماذا تذهب إلى فلان؟ ولماذا لا تسأل الله تعالى مباشرة؟ فهنا الخوف على الإنسان من أنه يعتقد أن الشفاء من وراء فلان، وينسى فضل الله ﷾، فالسبعون ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب من صفاتهم أنهم يتوكلون على الله سبحانه، ومن توكلهم على الله أنهم لا يطلبون من أحد أن يرقيهم، وإنما يرقي الإنسان منهم نفسه، فإذا مرضت فارق نفسك بفاتحة الكتاب وبـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] والمعوذتين، وبهذه الأدعية الجميلة التي جاءت عن النبي ﷺ، ولا داعي لأن تقول: يا فلان! تعال ارقني.","vol":"84","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-904>شرح حديث أبي سعيد فيما يقوله المريض في مرضه</span>\nومن الأحاديث التي جاءت في الباب حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه قال: (من قال: لا إله إلا الله والله أكبر صدقه ربه، فقال لا إله إلا أنا وأنا أكبر)، وهذا حديث عظيم جدًا، وتظهر فائدته في آخره، حيث يقول ﷺ: (من قال: لا إله إلا الله والله أكبر صدقه ربه فقال: لا إله إلا أنا وأنا أكبر، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده قال: يقول الله: لا إله إلا أنا وحدي وإذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له قال الله ﷿: لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، وإذا قال: لا إله إلا الله له الملك وله الحمد، قال الله: لا إله إلا أنا لي الملك ولي الحمد، وإذا قال: لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال الله: لا إله إلا إنا ولا حول ولا قوة إلا بي)، فهذه أربع جمل إذا قالها العبد أجابه الله تعالى مصدقًا له، ثم قال ﷺ: (من قالها في مرضه ثم مات لم تطعمه النار)، فمن كان لا يريد أن تأكله النار فليقل هذا الحديث، فلتحفظ - أيها المسلم - هذا الحديث، وتشبث به وأنت مريض، ولتقله ليلًا ونهارًا.\nو(لا إله إلا الله) كلمة التوحيد، فإذا مت مت على هذه الكلمة، وفي حديث النبي ﷺ: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) فإذا وفق الله العبد وهو يموت لأن يقول كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) استحق الجنة، فتقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فتفرده وحده بالعبادة، ولا تشرك به شيئًا، ولا تشرك معه أحدًا ﷾، وتقول: (لا إله إلا الله له الملك وله الحمد)، فتثبت لله الغنى سبحانه، وتثبت لله ملك كل شيء ﷾، وتثبت لله أنه وحده الذي يستحق الحمد ويستحق الثناء الحسن بأفعاله الجملية، وصفاته الجليلة ﷾، وتقول: (لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله)، فتبرأ من الحول ومن القوة، وتثبت كل شيء من القوة لله ﷿، قائلًا: الملك لله سبحانه، والحمد لله، وأما أنا فلا أملك شيئًا، ولا حول ولا حيلة ولا قوة لي على شيء، إلا أن يعينني الله ﷾، فأثبت لله الوحدانية، وأثبت له العبادة، وأثبت له الربوبية بمقتضياتها، وأثني على الله ﷾، وأتبرأ من الحول ومن القوة، وبذلك تستحق من الله أن يكرمك، ولا تطعمك النار، ولا تدخل النار.\nنسأل الله ﷿ أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"84","page":11},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-905> سؤال أهل المريض عن حاله وذكر ما يقوله من أيس من حياته</span>\nللمريض آدابٌ لا بد أن يلتزم بها، وكذلك لمن يزور المريض آداب، فلا بد للمريض أن يحفظ الذكر الخاص به الذي ثبت عن النبي ﷺ، وكذلك آية الكرسي.\nولزيارة المريض فضل عند الله سبحانه، ولا بد أن يكون الزائر خفيفًا رقيقًا غير مثقل على المريض في جلوسه، ويدعو له بالشفاء، ويبعث في قلبه الأمل بشفاء الله، وللمستأذن آداب لا بد أن يلتزم بها مبسوطة في مظانها، فينبغي أن تعلم.","vol":"85","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-906>استحباب سؤال أهل المريض عن حاله، وذكر ما يقوله من أيس من حياته</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب استحباب سؤال أهل المريض عن حاله: عن ابن عباس ﵄: (أن علي بن أبي طالب ﵁ خرج من عند رسول الله ﷺ في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا الحسن! كيف أصبح رسول الله ﷺ؟ قال: أصبح بحمد الله بارئًا)، رواه البخاري.\nباب ما يقول من أيس من حياته: عن عائشة ﵁ قالت: سمعت النبي ﷺ وهو مستند إلي يقول: (اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى).\nوعند أحمد زيادة: (مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين) الحديث متفق عليه.\nوعنها قالت: (رأيت رسول الله ﷺ وهو بالموت عنده قدح فيه ماء وهو يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء، ثم يقول: اللهم أعني على غمرات الموت وسكرات الموت)، رواه الترمذي].\nإن كل إنسان يعتريه المرض، وقد يصح من مرضه وقد يموت فيه، فالإنسان يتمسك بهذا الذكر العظيم الذي ثبت عن النبي ﷺ في المرض في حديث لـ أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ أنهما شهدا على النبي ﷺ أنه قال: (من قال: لا إله إلا الله والله أكبر صدقه ربه فقال: لا إله إلا أنا وأنا أكبر، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له يقول الله ﷿: لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، وإذا قال: لا إله إلا الله له الملك وله الحمد قال: لا إله إلا أنا لي الملك ولي الحمد، وإذا قال: لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله قال الله: لا إله إلا أنا ولا حول ولا قوة إلا بي، وكان يقول: من قالها في مرضه ثم مات لم تطعمه النار) رواه الترمذي وحسنه، وصححه الشيخ الألباني ﵀.\nفلا بد من حفظ هذا الذكر العظيم، وليقله الإنسان المؤمن في مرضه لعله يتوفى في هذا المرض ويكون له أجر عظيم جدًا، ويقول النبي ﷺ: (من يقولها في مرضه ثم مات لم تطعمه النار).\nوجاء عن النبي ﷺ في أحاديث ذكر معين إذا كان آخر شيء قلته وختم لك به دخلت الجنة، كقول: لا إله إلا الله، فهذا ذكر، وقراءة آية الكرسي بعد الصلوات، قال النبي ﷺ: (من قرأ آية الكرسي دبر الصلوات المكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت).\nفأنت إذا انتهيت من الصلاة وقرأت آية الكرسي، لو أنك مت في نفس اللحظة لدخلت الجنة، والمؤمن لما يجد مثل هذه الأحاديث فإنه يحرص عليها، ويحرص على أنه يقولها، ويذكِّر بعضنا بعضًا بذلك، فلما تجد إنسانًا متعجلًا بعد الصلاة لحاجة ذكِّره وقل له: اقرأ آية الكرسي واختم الصلاة بها، فليس هناك شيءٌ يمنعك عن ذكر الله ﷿، وإن كان وراءك قضاء حاجة فاقضها، لكن لا تنس أن تقول هذا الذكر العظيم آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥].\nوكذلك هذا الذكر العظيم تقوله في مرضك: (لا إله إلا الله، والله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا إله إلا الله له الملك وله الحمد، لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله) فقد قال النبي ﷺ: (من قالها في مرضه ثم مات من هذا المرض لم تطعمه النار)، فاحرصوا على هذا الذكر.\nومن الآداب أيضًا: استحباب سؤال أهل المريض عن حاله، واستحباب عيادة المريض، وجاءت أحاديث عن النبي ﷺ في عيادة المريض كقول النبي ﷺ فيما رواه مسلم عن ثوبان ﵁: (إن المسلم إذا عاد أخاه لم يزل في خرفة الجنة -أي في بستان من بساتين الجنة وفي جنى الجنة- حتى يرجع).\nوأيضًا في حديث علي ﵁ ذكر: (ما من مسلم يعود مسلمًا غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عاده عشيًا إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة) أي: كانت لك بزيارتك له بستان في الجنة.\nفعيادة المريض لها آداب، من ذلك: استحباب سؤال أهل المريض عن حاله، فقد يكون المريض لا يقدر أن يقابل العائد؛ لأن الأطباء منعوا من زيارته، أو منع الأهل من زيارته، فأنت أخذت الأجر بذهابك، وتسأل أهل المريض عن حال المريض، وكان الصحابة يفعلون ذلك مع أهل النبي ﷺ، ففي مرض النبي ﷺ يصعب عليه ﷺ زيارة المسلمين جميعًا له ويشق عليه ذلك؛ لذلك كان أدب المسلمين أنهم يسألون الأقارب، فهذا علي بن أبي طالب كانوا يدخلون عليه فيسألونه رضي الله ﵎ عنه عن النبي ﷺ.\nوهنا في حديث ابن عباس الذي رواه البخاري: (أن عليًا ﵁ خرج من عند رسول الله ﷺ في وجعه الذي توفي فيه -في مرض وفاته ﵊- فقال الناس: يا أبا الحسن -يسألون عليًا ﵁- كيف أصبح رسول الله ﷺ؟ قال: أصبح بحمد الله بارئًا) يعني: نرجو له أن يبرأ وأن يشفيه الله ﷾، وقال ذلك بحسب ظنه أنه أصبح في النهار وصحته جيدة فنرجو له أن يبرئه الله ﷿ من هذا المرض، ولكن لم يحدث، وكان هذا المرض الذي فيه وفاة النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nوعن عائشة ﵂ قالت: (سمعت النبي ﷺ وهو مستند إليَّ يقول: اللهم اغفر لي وارحمني)، والمريض يدعو إذا كان النبي ﷺ يقول: (اللهم اغفر لي) وقد قال له ربه سبحانه: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢]، ومع ذلك يدعو بالمغفرة، فالمؤمن إذا كان مريضًا يدعو من باب أولى، فقال: (اللهم اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى).\nإذًا: فدعاء الإنسان وهو مريض لعل هذا المرض مما يرجى برؤه، فعلى ذلك قد يصح هذا الإنسان من هذا المرض، وقد يموت، فليحرص على ذكر الله ﷿، والدعاء بالمغفرة والرحمة، ويدعو بالشفاء، ويرقي نفسه، ويحسن الظن بالله ﷾.","vol":"85","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-907>ذكر ما يقوله المريض إذا اشتد عليه المرض</span>\nوإذا كان المرض قد اشتد على الإنسان المريض حتى أتعبه فإن النبي ﷺ نهاه أن ييأس، أو يدعو على نفسه بالموت، فإن كان لابد فاعلًا فليدعُ بخير ويقول: (اللهم أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي)، إذًا: فهنا أرجعت الأمر والعلم إلى الله ﷾، ولعل الإنسان يعيش وهو مبتلى وتكون الحياة شرًا له، مع أن المرض يكفر الله ﷿ به من سيئاته، ويرفع به في درجاته، فلعله لا يصبر، ولعله يتضجر من هذا المرض، أو ينعي حظه أنه كيف هو الذي مرض وغيره من الناس صحتهم سليمة، وبذلك ينتقد قضاء الله ﷿ وقدره، فإذا وصل الإنسان إلى القنوط واليأس ضيع ثوابه في هذا المرض الذي قدره الله ﷿ له ليرحمه به.\nإذًا: فيدعو بقوله: (اللهم أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي)، إذا كانت الحياة زيادة في الذكر، وزيادة في العمل الصالح، وزيادة في الخير، وزيادة في الصبر فأحيني طالما أن الحياة خير لي.\n(وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي)، فإذا كانت حياتي شرًا لي بحيث إني لا أقدر على هذا المرض ولا أصبر عليه وأتضجر منه، وأموت على غير ما أحب فتوفني، (إذا علمت الوفاة خيرًا لي).\nوإذا كان الإنسان في السياق في آخر حياته وعرف أنه يموت فيقول الدعاء الذي قاله النبي ﷺ: (اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى)، والرفيق: جنس، والرفيق من الرفقاء، والرفقاء في أعلى عليين عند الله ﷿، وهذا الحديث في صحيح البخاري ومسلم بهذا الوصف.\nفي زيادة عند الإمام أحمد تبين من هم الرفقاء قال: (مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا)، إذًا: فهؤلاء هم الرفيق الأعلى عند الله ﷿ الذين طلب النبي ﷺ أن يلحقه ربه سبحانه بهم.\nومن الأحاديث الذي جاءت هنا في رياض الصالحين: ما رواه الترمذي بإسناد ضعيف عن عائشة ﵂ قالت: (رأيت رسول الله ﷺ وهو بالموت عنده قدح فيه ماء، وهو يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء، ثم يقول: اللهم أعني على غمرات الموت وسكرات الموت).\nإذًا: فهذا دعاء من الأدعية التي يقولها الإنسان: يا رب أعني على غمرات الموت وسكرات الموت، وكأن الغمرات: المقدمات وشدائد الموت، وسكرات الموت مقدماته التي تقوى على الروح حتى تغيبها عن إدراكها، فيدعو ربه سبحانه أن يعينه على ذلك.\nفالإنسان في مرضه يستشعر لا حول ولا قوة إلا بالله، وأنَّ الله هو الذي يعينه ويقويه، وأن الله هو الذي يمكنه من أن ينطق بكلمة التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فيدعو ربه سبحانه أن يعينه على ذلك.","vol":"85","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-908>آداب عيادة المريض</span>\nجاء حديث عن ابن عباس ﵄ رواه البخاري ومسلم قال: (لما اشتد بالنبي ﷺ وجعه قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده، فقال عمر: إن النبي ﷺ غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا) يعني: كفانا كتاب الله ﷿ فيه شرع ربنا سبحانه، لماذا نتعب النبي ﷺ أكثر من ذلك؟ قال: (فاختلفوا)، وهنا لا ينبغي أن يختلف عند النبي ﷺ، بل لا ينبغي أن يحصل عند المريض خلاف أبدًا؛ لأن في ذلك مضايقة للمريض وإزعاج له، قال: (فاختلفوا فيما بينهم، فلما اختلفوا وكثر اللغط -يعني: الكلام الكثير- قال: قوموا عني، فقاموا من عند النبي ﷺ، ثم قال: ولا ينبغي عندي التنازع) وعلى ذلك رضي النبي ﷺ أن يكون فيهم كتاب الله وسنتُه ﷺ.\nوابن عباس ﵁ يقول: (إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين كتابه) يعني: يا ليتنا كنا صبرنا وسكتنا حتى يكتب لنا ذلك الكتاب، والله أعلم ماذا يكون في هذا الكتاب، وهي وصية من النبي ﷺ، والله ﷾ قد اختار لنا كل خير في كتابه وفي سنة النبي ﷺ، ولم يحجب عنا خيرًا أبدًا، فكأن النبي ﷺ في هذه الوصية يلخص لنا أشياء مما جاء في الشريعة، ولعله كان ينص بكلام واضح على أن الذي يأتي بعده هو أبو بكر الصديق ﵁، فقد أشار إلى ذلك في أحاديث.\nلكن الغرض: أنه يستحيل أن يكون شيء من شرع الله ﷿ قد كتم في هذه اللحظة، قال النبي ﷺ: (هاتوا أكتب لكم كتابًا) يعني: بمضمون هذه الشريعة وبما أتيتكم به، وأذكركم بأشياء، ولذلك عمر ﵁ قال: (حسبنا كتاب الله) عندنا كتاب الله وعندنا سنة النبي ﷺ، فليس هناك زيادة أصلًا في آخر حياة النبي ﷺ، وإنما سينبه على أشياء ﵊ مما هو في هذه الشريعة، ومستحيل أن يموت النبي ﷺ وقد نقص شيئًا من الشرع لم يقله للناس ﵊.\nقال الحافظ ابن حجر في الفتح: يؤخذ من هذا الحديث أن الأدب في العيادة ألا يطيل العائد عند المريض حتى يضجره.\nفالإنسان الذي يعود المريض لا يجلس عنده فترة طويلة حتى لا يتعبه ويضايقه، وخاصة إذا كان الكلام والخلاف كثيرًا بين الناس.\nقال: وألا يتكلم بما يزعجه.\nإذًا ينبغي في الزيارة ألا ينشغل الزائر بأحاديث جانبية مع أحد الجالسين؛ لأن في ذلك مضايقة للمريض، وهذا لا يليق أبدًا، وهذه من الآداب التي تجدها مفقودة كثيرًا بيننا، ولذلك تجد أحيانًا زيارة المريض تكون ثقيلة على نفس المريض.\nومن الناس من يزو المريض فيشكو له همومه من اختلافٍ أو مرض ونحوه، فيزيد المريض همَّا إلى همِّه؛ ولذلك قال ابن حجر: وألا يتكلم عند المريض بما يزعجه.\nوذكر جملة آداب العيادة منها: ألا يقابل الباب عند الاستئذان، وإنما يكون على يمين الباب أو شماله، وهذا من الأدب سواء في عيادة مريض أو في زيارة أي إنسان.\nوأن يدق الباب برفق، وأن يدق الباب ثلاث مرات فقط، وكذلك الجرس ونحوه.\nفأنت تذهبُ لتزور إنسانًا في الله ﷾، إذًا: فترجو الثواب من وراء ذلك، وليس الإثم والعقوبة على ذلك، إذًا: فطرق الباب أو قرع الجرس يكون ثلاث مرات، ولا تزد على ذلك إلا إذا كان الذي تريده ينتظرك وهو الذي استدعاك لتأتي إليه.\nوينبغي لمن يطرق الباب ألا يبهم نفسه، وذلك حين تدق الباب فيقال له: من؟ فتقول: أنا، فأنت أبهمت نفسك بقولك: أنا، ولكن قل: فلان أو أنا فلان، وإن لم يسمح لك بالدخول أو قيل لك: ارجع فارجع ولا ضير في ذلك؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ [النور:٢٨].\nوالصحابة كانوا يحبون تطبيق القرآن كله، وكان أحدهم يمر من عمره سنين يتمنى شخصًا أن يقول له: ارجع حتى يطبق هذه الآية: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ [النور:٢٨].\nوالغالب أن قوله لك: ارجع صعب على نفسك، وقد تقول: هذا متكبر وهذا مغرور، وهذا لا يجوز، لكن أحسن الظن في الإنسان المسلم، فلعل له عذرًا منعه من استقبالك، فلا بد أن تقتدي بالنبي ﷺ لما ذهب إلى سعد بن عبادة إلى بيته وقال: السلام عليكم، فردوا ﵇ سرًا، ولم يفتحوا للنبي ﷺ، فقال النبي ﷺ مرة أخرى: السلام عليكم فردوا ﵇ سرًا ولم يفتحوا له، ثم قالها مرة ثالثة فلم يفتحوا له الباب، ورجع النبي ﷺ، فأدركوا النبي ﷺ وقالوا له: يا رسول الله! أردنا أن نستكثر من سلامك ومن بركاتك، فعلمنا النبي ﷺ أنَّ الاستئذان ثلاث مرات فقط ثم ينصرف، ولم يغضب النبي ﷺ ولم يأخذ في نفسه شيئًا منهم، بل طلبوا منه أن يدخل فدخل وأكل عندهم صلوات الله وسلامه عليه، ودعا لأهل البيت ﵊.\nيقول لنا الحافظ ابن حجر: أيضًا من الآداب: ألا يحضر في وقت يكون غير لائق بالعيادة، لعلك تزور إنسانًا مريضًا والطبيب يداويه وينظف له جرحه، أوتزوره وقت المتابعة، فليس من اللائق أن تزوره في مثل هذا الوقت، فاطْلب من أهل بيته أن يبلغوه السلام وانصرف.\nومن آداب زيارة المريض: أن يخفف الجلوس إذا دخل عند المريض ولا يطيل، وأن يغض البصر، ويقلل السؤال، وأن يظهر الرقة، يعني: الرحمة للإنسان المريض، ولعل العائد يكون به مرض أشد مما في هذا المريض من مرض، لكن جاء ليعود مريضًا لا ليشكو همومه، إلا إذا سألك المريض عن حالك وهو يستأنس بذلك.\nومن الآداب أيضًا: أن يخلص له في الدعاء، وأن يوسع له في الأمل، ويشير عليه بالصبر.\nومن الآداب أيضًا أن يجتنب البدع في زيارته للمريض، فلا يقول شيئًا ليس من السنة، ولا يخترع دعاء مخالفًا للسنة، أو يعتبر أوقاتًا للزيارة ويقول: هذه من السنة، إلا إذا ثبت بها أحاديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nيقول لنا ابن الحاج في المدخل: ينبغي له أن يحترز من هذه البدعة، فقد كان في زمانهم بدعة، وهي: المنع من العيادة يوم السبت، وشاعت هذه البدعة على كثير من المسلمين، حتى ذكر أن بعضًا من أهل العلم قالوا: ليس من السنة العيادة في يوم السبت، وحاولوا أن يجد لها أصلًا من الأحاديث، ولما رجعوا لأصلها وجدوا أنها ليهودي قالها وانتشرت بين المسلمين.\nقال ابن الحاج: أصلها أن يهوديًا كان طبيبًا لملك من الملوك، فمرض الملك مرضًا شديدًا، وكان اليهودي لا يفارق عيده، وكان عيده يوم السبت، وكان هذا اليهودي يطبب الملك، فجاء يوم الجمعة فأراد اليهودي أن يمضي إلى سبته، فمنعه الملك فمكث بجوار الملك، فأخذ يؤلف أحدوثة تجعله يهرب يوم السبت من هذا الملك، فقال للملك: إن المريض لا يُدخَل عليه يوم السبت ولا ينبغي أن يدخل عليه، فقد يحصل للمريض شيء، فتركه الملك، فنشر اليهودي هذه البدعة حتى قالها بعض المسلمين، ثم شاعت بعد ذلك هذه البدعة وصار كثير من الناس يعتمدونها، حتى إني رأيت بعض الفضلاء ممن ينسب إليه العلم والصلاح ينسبها إلى السنة.\nومن الآداب ما ذكره الإمام القاسمي في جوامع الآداب في أدب عيادة المريض يقول: خفة الجلسة، وقلة السؤال، وإظهار الرقة، والدعاء بالعافية، والأحسن في العيادة أن يستخبر من أهله، وأن يجتمع بهم وحدهم أو يهدي إليه السلام.\nأيضًا من الآداب: أنه لا يثقل على الإنسان المريض في الجلوس، حتى ولو كان المريض يقول له: اجلس، فقد يقولها أدبًا، والزيارة تكون قصيرة وينصرف.\nيقول الشعبي: عيادة حمقاء القراء أشد على المريض من مرضه.\nأي: أن الإنسان الأحمق عيادته للمريض أشد على المريض من مرضه، قال: يعودونه في غير وقت عيادة، ويطيلون الجلوس عنده.\nويقول ابن سيرين: إذا أتيت منزل قوم فلم ترض بما يأكلون، وسألتهم ما لا يجدون، وكلفتهم ما لا يطيقون، وأسمعتهم ما يكرهون فإن لم يخرجوك فهم لذلك مستأهلون.\nفالغرض: أن الإنسان الذي يزور المريض لا يكون ثقيلًا عليه، ولا يضايقه بكثرة السؤال، لكن يسأل عن حاله وينصرف، وإذا قيل له: ارجع، فليرجع، والله أعلم.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"85","page":4},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-909> من (جواز توجع المريض ما لم يتسخط) إلى (ما يقال عند الميت وما يقوله من مات له ميت)</span>\nلقد أحل الله لعباده أمورًا إحسانًا وتكرمًا منه لهم، وحرم عليهم أمورًا أخرى رأفة وشفقة بهم، ومما أحل الله لعباده وأجازه لهم إظهار التوجع والألم للآخرين، ليعطف بعضهم على بعض، ويرحم بعضهم بعضًا، لا على وجه التسخط.\nفإذا مات منهم أحد استحب لمن يحضره أن يلقنه الشهادة عند احتضاره، وأن يغمض عينيه عند موته، وأن يدعو له بالرحمة والمغفرة، ثم يتبع دعائه للحاضرين من الأحياء، وأن يخلف الميت في أهله وأولاده خلفًا حسنًا.","vol":"86","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-910>حكم إظهار التوجع والألم للغير</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب جواز قول المريض أنا وجع، أو شديد الوجع، أو موعوك، أو وارأساه ونحو ذلك، وبيان أنه لا كراهة في ذلك إذا لم يكن على التسخط وإظهار الجزع.\nعن ابن مسعود ﵁ قال: (دخلت على النبي ﷺ وهو يوعك فمسسته فقلت: إنك لتوعك وعكًا شديدًا.\nفقال: أجل.\nإني أوعك كما يوعك رجلان منكم) متفق عليه.\nوعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: جاءني رسول الله ﵌ يعودني من وجع اشتد بي، فقلت: بلغ بي ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، وذكر الحديث.\nمتفق عليه.\nوعن القاسم بن محمد قال: قالت عائشة ﵂: (وارأساه! فقال النبي ﷺ: بل أنا وارأساه!) وذكر الحديث.\nرواه البخاري].\nهذا باب آخر من كتاب رياض الصالحين للإمام النووي ﵀، وفيه جواز قول المريض: أنا وجع، أو شديد الوجع.\nيعني: أن الإنسان في مرضه يتألم ويتوجع.\nوكان بعض الصالحين من السلف لا يحب أن يظهر التوجع ولا يرفع صوته لإظهاره، وكان البعض يرى ذلك مباحًا جائزًا.\nفهنا الإمام النووي يقول: هذا لا كراهة فيه، فلا بأس بقول الإنسان: آه، أو أنا وجع، أو أنا أتألم لكن بشرط ألا يكون ذلك من باب التسخط على الله ﷾.\nفالإنسان الذي يتسخط على قضاء الله وقدره يضيع أجره في ذلك، ولا يملك لنفسه شيئًا إذ قد نزل المرض، ووقع البلاء، ولا يرفعه إلا الله ﷾.\nفمن صبر ورضي فله الرضا والأجر، ومن تسخط على ذلك فاته الأجر على ذلك، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى.","vol":"86","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-911>صبر النبي ﵌ وتحمله للأذى</span>\nورد في هذا الأمر حديث ابن مسعود وهو حديث متفق عليه قال: دخلت على النبي ﷺ وهو يوعك يعني: في مرض موته ﷺ، وكان النبي ﷺ قد مرض مرضًا شديدًا، وارتفعت حرارته ﷺ، فكانت الحمى شديدة عليه عليه الصلاة السلام، يقول ابن مسعود: (فمسسته) أي: مس جلد النبي ﷺ؛ ينظر حرارته، فوجد حرارته عالية جدًا ﵊، قال: فقلت: إنك لتوعك وعكًا شديدًا، أي: الحمى بلغت بك أمرًا شديدًا، فقال النبي ﷺ: (أجل) يعني: نعم.\n(إني أوعك كما يوعك رجلان منكم) وسبحان الله! كم عانى النبي صلوات الله وسلامه عليه في هذه الدنيا فلقد ابتلي مدة حياته صلوات الله وسلامه عليه بلاءً صعبًا منذ دعا إلى ربه سبحانه، فكان يتعرض للأذى من القوم الذين كانوا يؤذونه ﷺ، ويؤذون أصحابه ﵊، فيؤذونه ويحاربونه صلوات الله وسلامه عليه، ويحاربون دعوته وهو يصبر على ذلك كله صلوات الله وسلامه عليه.\nولقد تعرض للأذى ﷺ في كل يوم ومع ذلك يصبر على الأذى صلوات الله وسلامه عليه، ويكفي ما يتعرض له النبي ﷺ وهو في مكة من إيذاء له من أقربائه، فقد كان عمه أبو لهب يسير وراءه ﷺ ليكذبه وهو يدعو القوم لدين الله، فيقول: نحن أعلم به، إنه يكذب عليكم.\nوينفر الناس ويصدهم عن النبي ﷺ.\nومن أبناء عمه صلوات الله وسلامه عليه من آذاه، فمنهم من تزوج بابنة النبي ﷺ وأرغمه أبوه أن يفارقها ويطلقها حتى يكيد للنبي صلوات الله وسلامه عليه، وآذاه أهل مكة حتى خرج إلى الطائف يرجو أن يفتح الله ﷿ له هناك، فاستقبلوه استقبالًا قبيحًا حيث خرج أوباش القوم واصتفوا له صفين يرمونه بالحجارة صلوات الله وسلامه عليه حتى أدموا قدميه ﵊، فرجع النبي ﷺ إلى مكة والقوم في غيض منه ﵊، وظل يدعوهم إلى الله وهم يأبون ذلك، ويؤذونه ويؤذون أصحابه، فيمر النبي ﷺ على أصحابه وهم يعذبون في مكة كآل ياسر مثلًا فلا يملك لهم شيئًا ﵊، ويرى أتباعه وهم يعلقون ويضربون ويجلدون ويقتلون فلا يملك أن يفعل لهم شيئًا صلوات الله وسلامه عليه، ولقد اجتمع عليه الكفار ذات يوم، وقاموا له قومة رجل واحد يريدون ضربه وقتله ﷺ، فلم يجرؤ أحد أن يخرج إلى هؤلاء إلا أبا بكر رضي الله تعالى عنه حيث خرج قائلًا: أتقتلون رجلًا أن يقول: ربي الله؟! فيدافع عن النبي ﷺ فيضربونه ضربًا شديدًا حتى يقع مغشيًا عليه رضي الله تعالى عنه، فانظروا! فعلوا ذلك في أبي بكر، فما كانوا ليصنعوا بالنبي ﷺ؟! فحمل أبو بكر إلى بيته وغدائر شعره تسقط في يده من شدة الضرب، فحمل إلى البيت وهو يسبح ربه ﷾، ويتعجب لصنيع الكفار بالنبي ﷺ وبه رضي الله تعالى عنه.\nفلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة من شدة الأذى والبلاء وبعد التكذيب العظيم الذي وجده في مكة ابتلي في المدينة صلوات الله وسلامه عليه بالكفار اليهود، والمنافقين، وبضعاف الإيمان ممن كانوا معه ﵊، وخاصة بالمفتونين منهم، ومات أولاد النبي ﷺ وماتت بناته صلوات الله وسلامه عليه واحدة تلو الأخرى وهو يصبر، وقبل ذلك مات عمه الذي كان يدافع عنه، وماتت زوجته خديجة، وهذا كله كان في مكة والمدينة، وأما بناته ﷺ فمتن كلهن قبله عدا فاطمة ﵂، إذ ماتت بعده بستة أشهر صلوات الله وسلامه عليه، وصبر صبرًا عظيمًا، وفي يوم بدر في هذا اليوم الصعب الشديد الذي كان عدد المؤمنين فيه عددًا قليلًا وأسلحتهم قليلة جدًا، وكان الكفار عددهم ثلاث أضعاف المسلمين، وكانوا مجهزين بالأسلحة وقاصدين قتال النبي ﷺ، ومع ذلك يتصبر بربه سبحانه، ويقاتل ويجاهد فينصره الله سبحانه، وهو في هذا النصر يأتي إليه خبر وفاة ابنته صلوات الله وسلامه عليه.\nإذًا: فهذا النصر الذي يفرح به المسلمون لم يفرح به النبي ﷺ فرحًا كاملًا، فقد ماتت ابنته صلوات الله وسلامه عليه.\nفكتم أحزانه ودارى شعوره صلوات الله وسلامه عليه، وأظهر الفرح مع المسلمين؛ حتى لا يغمهم في هذا اليوم الذي فرحوا فيه بنصر الله ﷾، فأذى بعد أذى للنبي ﷺ حتى فتح الله ﷿ له، فلما فتح له صلوات الله وسلامه عليه إذ به ينزل عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر:١ - ٢] أي: فاستعد للآخرة فإنا سنقبض روحك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:٣]، فكم عانى وكم ابتلي صلوات الله وسلامه عليه، فمن ابتلاه الله ﷿ وأراد أن يتصبر فليقرأ في سيرة النبي ﷺ؛ فهو الأسوة الحسنة، والقدوة العظيمة الطيبة صلوات الله وسلامه عليه.\nولقد ظل به البلاء حتى في مرض وفاته ﵊، وهذا من درجاته العظيمة عند الله سبحانه، حيث أراد له أعلى الدرجات، ولن ينالها إلا بالمشقة والتعب صلوات الله وسلامه عليه، فلما كان في مرض وفاته شدد عليه في المرض ﵊، فوعك وابتلى بمرض يبتلى به رجلان صلوات الله وسلامه عليه، فكان يقول: (إني أوعك كما يوعك رجلان منكم)، فكان يتألم من المرض ويصبر عليه صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"86","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-912>نماذج من إظهار النبي والصحابة التوجع للغير</span>\nجاء في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص قال: جاءني رسول الله ﷺ يعودني من وجع اشتد بي، فقلت: (بلغ بي ما ترى وأنا ذو مال) فهو يشكي للنبي ﷺ ما بلغ به من المرض، وقد ظن سعد بن أبي وقاص أنه سيموت في هذا المرض، والنبي ﷺ أخبره بأنه لن يموت في ذلك المرض، بل سيعمر فوق ذلك، وحدث ما قاله صلوات الله وسلامه عليه.\nفـ سعد بن أبي وقاص شكى للنبي ﷺ وجعه فلم ينكر عليه النبي صلوات الله وسلامه عليه تلك الشكوى، فلما اشتكى وجعه قال للنبي ﷺ: (بلغ بي ما ترى وأنا ذو مال) أي: عندي مال، (ولا يرثني إلا ابنتي) وكان في ذلك الحين يظن أنه سيموت، فأراد أن يتصدق بماله كله، فمنعه النبي ﷺ، فقال: النصف، فقال: (لا، قال: الثلث، قال: الثلث والثلث كثير) أي: لك أن توصي بالثلث والثلث أيضًا كثير، وقال له: (لعل الله ﷾ أن يمد لك في عمرك)، وكان ما قال، حيث عاش بعد النبي ﷺ زمنًا طويلًا.\nومن الأحاديث حديث جاء فيه أن عائشة قالت في يوم من الأيام: وارأساه! حيث اشتكت صداعًا أصابها رضي الله تعالى عنها، وكان النبي ﷺ راجعًا من جنازة ﵊ وهو أيضًا يشتكي من رأسه ﵊، حيث أصابه صداع في رأسه، وكان ذلك هو بدء مرض وفاته ﵊.\nفالسيدة عائشة تشكو من الصداع وتقول: وارأساه! فقال النبي ﵌: (بل أنا وارأساه) أي: أنا أتألم أكثر منك، ثم قال: (ما ضرك لو أنك مت قبلي فغسلتك وكفنتك وصليت عليك) وهذا من النبي ﷺ إخبار بأحكام شرعية وهي أن السيدة عائشة ﵂ لو ماتت قبل النبي ﷺ لقام هو عليها فغسلها وكفنها وصلى عليها.\nوكونه يقول ذلك فيه جواز أن يغسل الرجل امرأته بعد وفاتها، فالنبي ﷺ لن يتكلم إلا بوحي من الله ﷿، ولن يفعل إلا ما يجوز، فيقول: (ما ضرك أن لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك وصليت عليك) فهذا قاله ﷺ وبدأ به الوجع من ذاك الحين.\nفالشاهد من الحديث: أن السيدة عائشة ﵂ قالت: (وارأساه!) متوجعه من الصداع ولم ينكر عليها النبي ﷺ، بل قال هو أيضًا: (بل أنا وارأساه) ﵊، ففيه جواز قول المريض: إني أتوجع، أو رأسي يؤلمني، أو بي مرض، أو الألم شديد بي، بشرط ألا يكون على وجه التسخط، بل الإخبار عما به مع عدم المبالغة في ذلك.","vol":"86","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-913>استحباب تلقين المحتضر: لا إله إلا الله</span>\nباب آخر: يقول الإمام النووي: [باب تلقين المحتضر لا إله إلا الله].\nوالمحتضر: هو الذي تحضره الملائكة، أو هو الذي يحضره أجله.\nالمقصد منه: أنه في سكرات الموت.\nعن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) حديث صحيح، رواه الإمام أبو داود والحاكم.\nوالحديث فيه: أن من كانت آخر كلمة قالها قبل وفاته هي قول: لا إله إلا الله، دخل الجنة.\nوهذه بشارة عظيمة للإنسان المؤمن، وهي من علامات حسن الخاتمة.\nوقول: لا إله إلا الله هي علامة على شهادة التوحيد كلها، فتقول عند الاحتضار: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أو تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله، وهذا كقولنا سورة الحمد، فالمقصود بها سورة الفاتحة وليست آية الحمد فقط، فكذلك قوله: (من قال: لا إله إلا الله) يعني: من قال كلمة التوحيد التي يدخل بها الإنسان الإسلام فيقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.\nيقول النبي ﷺ في حديث آخر رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله ﷺ: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) أي: أن يقول: لا إله إلا الله، ذكرنا قبل ذلك: أن الإنسان المريض يستحب له أن يقول هذه الكلمة ويكثر منها مع كلمات غيرها حيث إن الله ﷿ يرد عليه في ذلك الذي يقول، فإنها مناجاة بين العبد وبين ربه، فإذا قال: لا إله إلا الله والله أكبر، رد عليه ربه إن هذا الذي تقوله صحيح، لا إله إلا أنا وأنا أكبر، فإن قال: لا إله إلا الله وحده، يرد عليه ربه: لا إله إلا أنا وحدي، وإن قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يرد عليه ربه سبحانه: لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، فإن قال المريض: لا إله إلا الله له الملك وله الحمد أجابه ربه بذلك، وإن قال: لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أجابه ربه بذلك.\nإذًا: فيستحب للمريض في مرضه أن يكثر من ذلك، فإنه إذا قال ذلك ومات عليه كان له الجنة عند ربه.\nفالمقصود أن النبي ﵌ حث من يَحْضر محتضرًا أن يلقنه: لا إله إلا الله، وأن يحرص على أن يكون آخر ما يقول هذه الكلمة، فإذا قال بعدها شيئًا آخر غير لا إله إلا الله يستحب أن يلقن مرة أخرى بحيث يكون آخر ما يقوله لا إله إلا الله، وذلك من غير إزعاج للمريض في هذه الحالة.\nوقد جاء أناس إلى عبد الله بن المبارك ﵁ وهو في مرض وفاته فقالوا له: قل لا إله إلا الله، فقال: لا إله إلا الله، وهو إمام عظيم من أئمة المسلمين، وله السبق على غيره في الحديث، والفقه والجهاد في سبيل الله سبحانه، والكرم والتقوى، والورع فرضي الله تعالى عنه.\nفقالوا: قل لا إله إلا الله، ثم قالوا له ثانية: قل لا إله إلا الله، ولم يزالوا به على ذلك حتى أضجروه، فقال يعلمهم ﵁: إذا قال الإنسان لا إله إلا الله فلا تعد عليه حتى يقول غيرها.\nفعلمهم وهو الفقيه ﵁ وهو في حالة الاحتضار.\nومن هذا تعلم أن المحتضر إذا قال: لا إله إلا الله فلا يعاد عليه إلا إن غير وأنشأ كلامًا آخر غيرها فيستحب أن يكرر عليه ثانية إلى أن يقول هذه الكلمة.\nأما أن يكرر عليه وإن لم ينشئ كلامًا آخر حتى يمل وينزعج فهذا لا ينبغي؛ إذ لعلك تقول له ذلك فيقول: شيئًا آخر، أو يسكتك مغضبًا، أو يتلفظ بغيرها، فيموت على ذلك، ولذلك نقول: لا ينبغي التكرار عليه، بل يمكن أن يعرض له بذلك تعريضًا.","vol":"86","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-914>بيان فضل كلمة التوحيد</span>\nقال رسول الله ﷺ: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) وهذه الكلمة كلمة سهلة جدًا على المؤمنين، وهي أصعب ما تكون على المنافقين والفجار في وقت الوفاة، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] أي: يثبتهم الله وهم في سياق الموت فيقولوا: لا إله الله، فيفرحوا وتنشرح صدورهم بها، ويثبتهم وهم في القبر حين يأتيهم الملائكة فيسألون أحدهم من بربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيثبته الله ﷿ ويجيب الملائكة بأن ربه الله، وأن دينه الإسلام، وأن نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه.\nوهذه الكلمة كلمة عظيمة جدًا، ولذلك يقول النبي ﵌: (أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله)، وكان أعظم الذكر في أعظم المواقف وهو يوم عرفة قول: لا إله إلا الله، بل اعتبرها النبي ﷺ دعاء؛ ولذلك يقول النبي ﵌: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) وأخبر أن: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) وذكر في حديث آخر: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه).\nفمفتاح الجنة هو: لا إله إلا الله، بشرط أن تأتي بهذه الكلمة العظيمة وبشروط هذه الكلمة، فما من مفتاح إلا وله أسنان، فباب الجنة يفتح بلا إله إلا الله، وأسنان هذه المفتاح هي شروطها، بأن تقولها وأنت موقن بذلك، وأن تعلم معناها؛ إذ لا يكفي أن يقولوها الإنسان ولا يدري ما معناها ولا يأبه لها، أو يقولها ويشرك بالله ﷾، أو يقولها نفاقًا ورياء بل لا بد من العلم، واليقين، والقبول، والانقياد، والصدق، والإخلاص، والمحبة، والولاء والبراء، فإذا أتى الإنسان بلا إله إلا الله وشروطها تامة استحق أن يكون من أهل الجنة.\nوأما إذا قصر في شيء فأخر عن دخول الجنة فهو بسبب تقصيره، والله أعلم.","vol":"86","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-915>بيان ما يستحب لمن حضر ميتًا</span>\nباب ما يقوله بعد تغميض الميت.\nإذا مات الإنسان وعنده أحد فيستحب له أن يغمض عينيه، وقد ذكر النبي ﷺ أن الروح إذا خرجت تبعها البصر؛ إذ الميت ينظر إلى روحه وهي تخرج وتصعد إلى السماء، فالسنة في هذا تغميض عين الميت؛ حتى لا يبقى منظره مفجعًا وغير حسن.\nفإذا أغمضت عينيه فادع له بخير، ففي حديث أم سلمة ﵂ قالت: (دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه ﵊، ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فضج ناس من أهله) وكأنهم كانوا غير عالمين بموته، فلما قال ذلك النبي ﷺ ضج ناس من أهله ورفعوا أصواتهم بالبكاء، فقال: (لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير) أي: احذروا ولا تدعو على أنفسكم إلا بخير عند قبض روح الميت؛ لأن الملائكة موجودة، فإذا دعا الإنسان على نفسه بالويل والثبور، أو دعا على نفسه بالمصيبة فإن الملائكة تؤمن على ما يقول.\nوإذا دعا بخير له وللميت فإن الملائكة تؤمن على ما يقول أيضًا، فاختر لنفسك، فالإنسان العاقل يعلم منذ أول الوقت أن الملائكة حاضرة، وأنها ستؤمن على ما يُدعى به، فيستغل الفرصة ليدعو بالخير والرحمة للميت، ثم يدعو بالرحمة للأحياء، ويدعو أيضًا بالخير لنفسه ولغيره في هذا الوقت.\nفهنا لما ضج الناس من أهل أبي سلمة ﵁ قال لهم النبي ﷺ: (لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون) ثم علمهم ﷺ ودعى فقال: (اللهم اغفر لـ أبي سلمة وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين! وأفسح له في قبره، ونور له فيه) فيستحب في الدعاء للميت هذا الدعاء الجميل العظيم الذي قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nفتدعو للميت بقولك: اللهم اغفر لفلان، أو للميتة بقولك: اللهم اغفر لفلانة، وارفع درجته في المهديين، أي: فيمن هداهم الله وجعلهم أصحاب الدرجات العلى، واجعله معهم في الدرجات العلى، أي: مع هؤلاء الذين هديتهم ورفعت درجاتهم، فهديتهم يا ربنا بالإسلام، وبالهجرة إلى رسولك ﵊.\nوقول النبي ﵌: (واخلفه في عقبه في الغابرين) هذا دعاء لله ﷿ بأن يخلف أولاد هذا الميت.\nوإنك مهما تختار من رجل ليخلفك على أولادك فلن يكون رجلًا كاملًا؛ إذ كل إنسان فيه نقص، أو لعله يقوم بالأمر الذي تريده ولعله لا يقوم، وأما أن يكون الله هو من يخلفك على أولادك فإنه يكفيك سبحانه، وكفى بربك سبحانه حافظًا ووكيلًا وخليفة على أهلك ﷾.\nقال: (واخلفه في عقبه من الغابرين) يعني: كن أنت الخلف في عقبه ولا تحوج عقبه إلى أحد، فأنت يا رب وكلناك بأن تقوم بأمر أولاده وأهله، وتلبي أمورهم.\nوقوله: (في الغابرين) من غبر بمعنى: من بقي في عقبه، أي: فكن أنت يا ربنا الوكيل والمتكفل بأمرهم، والمدبر لشئونهم، والحافظ والراعي لهم.\nثم تقول: واغفر لنا وله يا رب العالمين! فالإنسان لا ينسى نفسه من الدعاء أن يغفر الله له في وقت الموت؛ لأن الملائكة تؤمن على الدعاء فادع لنفسك بالخير.\nقال: (واغفر لنا وله يا رب العالمين؛ وأفسح له في قبره) يعني: وسع له في قبره.\nولقد أخبرنا النبي ﷺ أن القبر إما أن يوسع لصاحبه، وإما أن يضيق على صاحبه.\nإذًا: فالقبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار، فالإنسان يدعو للمتوفى أن يفسح الله له في قبره، فهذا القبر الذي تراه ضيقًا يوسعه الله على عبده المؤمن مد بصره، فإذا حط المؤمن في هذا القبر، وذهب من عنده المشيعون إذا بالله ﷿ يضم عليه قبره، ثم يوسع له بفضله ورحمته سبحانه، فيصير القبر واسعًا جدًا، حيث: يمد له مد بصره، ويصير له روضة من رياض الجنة، أو أنه يكون عذابًا على الكافر والفاجر فيكون حفرةً من حفر النار، والعياذ بالله.\nفدعا النبي ﷺ لـ أبي سلمة أن يفسح الله له في قبره.\nوقال: (ونور له فيه) أي: اجعل فيه النور، ولا تجعله مظلمًا عليه.\nفهذا مما يقال في الدعاء للميت وقت خروج روحه أو بعد طلوعها.","vol":"86","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-916>استحباب الدعاء للميت ولمن مات له ميت</span>\nباب ما يقال عند الميت وما يقوله من مات له ميت.\nهذا باب آخر وفيه حديث عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: (إذا حضرتم الميت أو المريض فقولوا خيرًا؛ فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون) ومعنى يؤمنون: يقولون آمين، وآمين معناه: اللهم استجب، (فلما مات أبو سلمة قالت أم سلمة: أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله! إن أبا سلمة قد مات، فقال النبي ﷺ: قولي: اللهم اغفر لي وله، وأعقبني منه عقبى حسنة) أي: أخلف علي من ورائه الخلف الحسن أو العقبى الحسنة، وهو بمعنى: عوضني عنه عوضًا حسنًا.\nقالت: فأعقبني الله من هو خير لي منه، وقد كانت متعجبة: مَن خير من أبي سلمة؟ وما كان يخطر ببالها أن يتزوجها النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك لما نظرت في الصحابة رأت زوجها أفضل شخص فيهم، ولم يخطر ببالها النبي ﷺ، فلما قالت ذلك كان الزوج الذي بعد أبي سلمة هو سيدنا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، قالت: (فأعقبني الله من هو خير لي منه: محمدًا ﷺ) رواه مسلم.\nوفي رواية: (إذا حضرتم المريض أو الميت) وفي رواية: (الميت بلا شك)، ففيها أنه يستحب ذلك.\nوفي رواية أخرى عنها: (أنها قالت عن النبي ﷺ: ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إن لله وإنا إليه راجعون) أي: أن هذه الكلمة أيضًا تقال وقت المصيبة، فـ أم سلمة هي رواية هذا الحديث والحديث السابق، فهي تقول عن النبي ﷺ: (ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أؤجرني في مصيبتي) أي: أعطني الأجر في هذه المصيبة (واخلف لي خيرًا منها، إلا أجاره الله) أي: أعطاه الأجر في مصيبته (وأخلف له خيرًا منها.\nقالت: فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله ﷺ فأخلف الله لي خيرًا منه: رسول الله ﷺ) هذا الحديث رواه مسلم، وفيه زيادة قول: (إنا لله وإنا إليه راجعون)، وهي كلمة تطمئن العبد وتجعل نفسه هادئة غير مثارة، وهي تعني: أننا لله سبحانه، فهو يملكنا سبحانه، وهو الذي أخذ هذا وسيأخذني كما أخذه، فكلنا راجعون إليه سبحانه.\nفإذا تذكر الإنسان هذا اطمأنت نفسه بالرجوع إلى الله ﷿ وبذكر الله كما قال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].\nنسأل الله العفو العافية في الدين والدنيا والآخرة.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"86","page":8},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-917> ما يقوله من مات له ميت وجواز البكاء على الميت بغير ندبة ولا نياحة</span>\nبالصبر ينال العبد عند الله المنازل العالية في الآخرة، والعوض في الدنيا بما هو خير مما فاته، وبالجزع يفوته كل ذلك، ويزداد عقوبة وندامة.\nنعم تحزن النفس وتدمع العين ولكن اللسان لا يلفظ إلا بالشكر، ولا ينطق إلا بالفضل ورجاء العوض والخلف من الله تعالى.","vol":"87","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-918>شرح حديث (إنا لله وإنا إليه راجعون)</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب ما يقال عند الميت وما يقوله من مات له ميت: عن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اؤجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، إلا أجره الله تعالى في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها).\nقالت أم سلمة ﵂: (فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله ﷺ، فأخلف الله لي خيرًا منه: رسول الله ﷺ) رواه مسلم.\nوعن أبي موسى الأشعري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (إذا مات ولد العبد، قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد)، رواه الترمذي وقال: حديث حسن.\nذكرنا في الحديث السابق: أن الإنسان إذا حضر من يحتضر أنه يستحب له أن يلقنه لا إله إلا الله، ولا يمله بذلك، ولا يكثر عليه، فإن وجده تكلم بغير ذلك أعاد عليه مرة ثانية ليذكره أن يقول: لا إله إلا الله، والحاضرون عند الميت إذا قبضت روحه استحب لهم أن يدعوا له ولأنفسهم بالخير، ويحذروا من أن يدعوا على أنفسهم، فإن الملائكة تؤمن على ما يقول الإنسان في هذه الحال، فإذا دعوا على أنفسهم أمنت الملائكة.\nويستحب أيضًا لمن يبتلى بمصيبة من مصائب الدنيا كموت أو غيره أن يقول كما قالت أم سلمة عن النبي ﷺ: (اللهم اؤجرني في مصيبتي) تعني: أعطني الأجر في هذه المصيبة، (واخلف لي خيرًا منها)، وهذا الدعاء علمه ﷺ لـ أم سلمة فدعت به، فكان الذي هو خير من أبي سلمة وهو رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، قالت: (فأخلف الله لي خيرًا منه: رسول الله ﷺ).\nفمن المستحب عند المصيبة أن تقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اؤجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، تسلية للنفس بذلك قوله: إنا لله وإنا إليه راجعون، هذه الكلمة ذكرها الله ﷿ في كتابه، فقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦]، ورتب على ذلك الأجر والثواب فقال: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٧].\nوقد تلاها عمر ﵁ فقال: (نعم العدلان ونعمت العلاوة).\nالعدلان هما ما يحملان فوق البعير من أمتعة ويعادل وزنهما بين الجانبين حتى لا يكون شق الجمل مائلًا، والعلاوة ما فوق الاثنين، فقال عمر ﵁ في ثواب الله سبحانه: نعم العدلان ونعمت العلاوة، فأنعم به من شيء ما تفضل الله وتكرم على عبده فأعطاه من هداية ومن فضل منه سبحانه ومن صلاة عليه ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة:١٥٧]، فيصلي عليهم ويثني عليهم ويرحمهم ويهديهم ﷾.\nقوله: (إنا لله وإنا إليه راجعون)، تأمل هذه الكلمة: فهذا الإنسان قد توفي، وهذه النعمة سلبت وأخذت، وهذا المال قد ضاع، ونحن أيضًا سنلقى نفس المصير (إنا لله)، فنحن ملك لله سبحانه، والله خلقنا وهو يملكنا، ونحن عبيده سبحانه ﵎، ثم المرجع إلى الله سبحانه، ولا بد وأن نذوق جميعًا الموت فنرجع إلى الله سبحانه ﵎.\nثم يدعو المصاب والمبتلى بما جاء في حديث النبي ﷺ: (اللهم اؤجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها)، ولينتظر الخير من وراء ذلك.","vol":"87","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-919>شرح حديث (أقبضتم ولد عبدي</span>؟)\nعن أبي موسى الأشعري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟)، فلله سبحانه أن يبتلي من يشاء من عباده بما يشاء سبحانه، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، ولا غالب لأمره ﵎، والأصل أن الإنسان لا يتمنى المصيبة، كما قال النبي ﷺ: (لا تتمنوا لقاء العدو ولكن إذا لقيتموه فاثبتوا)، لكن إذا نزلت المصيبة فعلى الإنسان أن يتصبر ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠].\nففي الحديث: أن العبد إذا ابتلاه الله فمات له ولد -ابنه أو ابنته- فالله ﷿ يسأل الملائكة وهو أعلم سبحانه ﵎، ويريد أن يباهي بعبده هذا أمام الملائكة، وأن هذا العبد يستحق الرحمة، ويستحق المدح، فأنتم قلتم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ؟﴾ [البقرة:٣٠]، لكن انظروا ما ردة فعله؟ فالله يسأل الملائكة وهو أعلم سبحانه، يقول: (قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم.\nفيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟)، فأغلى شيء عند الإنسان هو ثمرة قلبه وفؤاده، أقبضتموه؟ فتقول الملائكة: نعم.\nفيقول الله وهو أعلم سبحانه: (فماذا قال عبدي؟) وهو أعلم سبحانه، ولكن أراد سبحانه أن يباهي بعبده هؤلاء الملائكة، فتقول الملائكة لله ﵎: (حمدك واسترجع) يعني: قال: الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون، فيقول الله سبحانه ﵎: (ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد)، وهذا علامة على حمد هذا العبد وعلى صبره، فيجعل الله ﷿ له بيتًا يليق بصبره على هذه المصيبة العصيبة، وليس أي بيت ولكن بيت في الجنة ومن قصور الجنة العظيمة، بل ميزوا هذا البيت بهذه التسمية: بيت الحمد، فمن يحمد الله سبحانه ﵎ والله يعطيه الأجر العظيم.\nفإذا أنعم الله ﷿ على عبد بنعمة فحمده العبد كان هذا الحمد من العبد أحب إلى الله من النعمة التي أعطاها لعبده، وهذا كله من فضل الله سبحانه ﵎، وهذه نعمة وهذه نعمة، وكله من الله، فالله هو الذي رزق العبد المال والطعام والشراب والولد والإيمان، وهو الذي وفق العبد لهذه الكلمة، ودله عليها، وهداه إليها، فإذًا نعمتان من الله: نعمة الرزق، ونعمة الحمد.\nفالعبد يقول: الحمد لله، فينسب الله ﷿ ذلك للعبد، وإن كان هو صاحب هذا التوفيق سبحانه ﵎، ويقول: هذا الذي من العبد أحب إلي من هذه النعمة التي أعطيتها له، فإذا كان الحمد لله سبحانه ﵎ له هذه المزية العظيمة، فكيف يكون ثواب الحمد ببيت يسمى بيت الحمد عند الله؟! إن (الحمد إذا قورن بثواب الذكر كان الحمد أعلى في الثواب، فالعبد يقول: سبحان الله، فيؤجر عشرين حسنة، ويقول: الله أكبر، فيؤجر عشرين حسنة، ويقول: الحمد الله، فيؤجر ثلاثين حسنة.\nفإذا مات للإنسان ولد أو حبيب وقال: الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون؛ فإن الله ﷿ يجعل لهذا الذي توفي ابنه بيتًا في الجنة ويسميه بيت الحمد، ويباهي الملائكة بهذا العبد الذي حمد الله واسترجع.","vol":"87","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-920>شرح حديث: (ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه)</span>\nعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة).\nفالصفي المقصود به: الذي تحبه وتصطفيه من الناس، سواء كان ابنك، أو أباك، أو أخاك، أو صديقك، أو امرأتك، الصفي هو الذي يقربه الإنسان إلى قلبه، فيحبه ويحزن ويجزع عليه، فإذا قبضه الله ﵎ وصبر العبد على ذلك.\nواحتسب وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فهذا العبد له عند الله الثواب العظيم، فله الجنة، فلا يعطيه مالًا أو رزقًا في الدنيا، فهو يستحق أعظم من ذلك، (ليس له عندي إلا الجنة)، فإذا قورنت جميع أنواع الإثابة من الله ﷿ كان أعظم ما يكون ما جعله الله في الدار الآخرة، الجنة والنظر إلى وجهه سبحانه ﵎ ورضاه.\nإذا ابتلي الإنسان المؤمن بمصيبة من مصائب الدنيا فليصبر وليتصبر وليتسلى في ذكر الله سبحانه، وذكر صبر رسول الله ﷺ.","vol":"87","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-921>شرح حديث: (إن لله ما أخذ وله ما أعطى)</span>\nفي الصحيحين من حديث أسامة ﵁ قال: (أرسلت إحدى بنات النبي ﷺ إليه تدعوه وتخبره أن صبيًا لها أو ابنًا في الموت)، وهذا ابن بنت النبي ﷺ، والإنسان ابنه غال عليه، وابن ابنه وابن ابنته كذلك، ولا شك أن الإنسان إذا علم أن ابن ابنته يموت فإنه يذهب إليها سريعًا، فيواسيها فيما هي فيه من المصيبة، لكي تصبر وتتصبر، فهي ترسل للنبي ﷺ ﵂ لكي يأتي يصبرها فيما هي فيه من موت ابنها على يديها.\nفقال النبي ﷺ لمن جاء إليه: (ارجع إليها فأخبرها أن لله تعالى ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب)، أرسل إليها ليعودها على الصبر، فاصبري ولا تنتظري من أحد أن يقف بجوارك، ثم أرسلت إليه تحلف عليه ﷺ أن يأتي إليها، فذهب إليها وصبرها بقوله ﷺ: (لله ما أخذ وله ما أعطى)، فالعطاء من الله، وإذا أخذ الله فقد أخذ ما يملكه سبحانه ﵎، فلله كل شيء، فما أخذه فهو له، وما أبقاه أيضًا فهو له سبحانه، وكل شيء عنده بأجل مسمى، والمعنى: كوني موجودًا لن يزيد في عمر هذا الغلام ولن ينقصه، فكل شيء بكتاب وأجل مكتوب عند الله سبحانه ﵎، (وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب).\nثم ذهب النبي ﷺ وحمل الغلام ونفس الغلام تخرج، فبكى النبي ﷺ وذرفت عيناه، وتعجب له الصحابة، قالوا: ما هذا يا رسول الله! أنت تنهانا عن النواح على الميت وأنت تبكي عليه، فالنبي ﷺ قال: (إنها رحمة يجعلها الله في قلب من يشاء من عباده)، إذًا: كونه يبكي وتسيل دموعه ﷺ هذا لا ينافي أنه يصبّر ﷺ، ويصبر ابنته على ما ابتلاها الله ﷿ به، فالبكاء وحزن القلب لا ينافي الصبر، وإنما الذي ينافيه هو الصراخ والنواح والعويل.","vol":"87","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-922>جواز البكاء على الميت بغير ندب</span>\nيقول الإمام النووي ﵀: [باب جواز البكاء على الميت بغير ندب ولا نياحة].\nأي: يبكي من غير أن يندب الميت، ويذكر محاسنه، وينوح عليه، ويرفع صوته بالبكاء عليه، فهذا لا يجوز لا من رجال ولا من نساء.\nوالنياحة محرمة، وقد أتت فيها أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ، وأيضًا البكاء على الميت بعضه يدخل في الحرام، وهو البكاء بطريقة النياحة، أو بشيء فيه اعتراض على قضاء الله ﷿ وقدره، وأما البكاء الذي لا يتجاوز دموع العين فلا شيء في ذلك.\nعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ عاد سعد بن عبادة ومعه عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود ﵃، فبكى رسول الله ﷺ، فلما رأى القوم بكاء رسول الله ﷺ بكوا، فقال ﷺ: (ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا أو يرحم، وأشار إلى لسانه)، صلوات الله وسلامه عليه.\nعاد النبي صلوات الله وسلامه عليه سعد بن عبادة، وكأنه أخبر بشيء فبكى ﷺ، فقالوا له في ذلك، وجاء في حديث أسامة السابق أن النبي ﷺ قال عن الدموع التي سالت على ابن ابنته صلوات الله وسلامه عليه، قال: (هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء).\nأيضًا: (دخل النبي ﷺ على ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفنان)، فهذا ابن النبي ﷺ مات والنبي ﷺ قد جاوز الستين من عمره ﷺ، وابنه صغير له ثمانية عشر شهرًا أو دون السنتين، فالنبي ﷺ بكى، وذرفت عيناه، فقال له عبد الرحمن بن عوف: (وأنت يا رسول الله! فقال له النبي ﷺ: يا ابن عوف! إنها رحمة، ثم أتبعها بأخرى)، يعني: نزلت دموع النبي ﷺ، فقال: (إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون).\nهذا منه صلوات الله وسلامه عليه بيان أنه رحيم القلب، وأنه يتجلد ويصبر ولكنه لا يمثل ﵊، فالإنسان الذي يبكي ليس مطلوبًا منه أن نقول له: لا تبك واضحك، فهذا ليس مطلوبًا منه في هذا الموقف، وإنما المطلوب أنه لا يجزع، وأن يكون رحيمًا، ولكن لا يصل إلى درجة أنه يرفع صوته ويتضجر أو يصرخ على الإنسان المتوفي، إذًا: فتحرم النياحة على الميت من رجال أو نساء.","vol":"87","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-923>من أمور الجاهلية</span>\nفي الباب أحاديث عن النبي ﷺ، منها: ما رواه الإمام مسلم من حديث أبي مالك الأشعري قال النبي ﷺ: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة).\nيعني: أربع خصال مما كان عليها أهل الجاهلية لا تتركها الأمة، والمقصود بعض الأمة أو كثير منهم لن يتركوا ذلك، وهذه من أمور الجاهلية المحرمة.","vol":"87","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-924>الفخر بالأحساب</span>\n(الفخر بالأحساب) أي: أن الإنسان يفخر بحسبه، وحسب الناس إما أنسابهم أبي فلان وجدي فلان، أو أموالهم أنا أغنى منك، وأنت أصلك فقير، فالإنسان يفخر بحسبه وبنفسه على الخلق، وربنا يذكر لنا: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، فالإنسان المؤمن يرى أنه واحدًا من الناس، ولا فرق بينه وبينهم، وكرمه إنما يظهر يوم القيامة إن قبل الله ﷿ عمله، وأما في الدنيا فلا تفتخر بشيء؛ فلا تدري من الذي يقبله الله ﷿ أنت أم هو؟ وإنما تعلم ذلك يوم القيامة، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].","vol":"87","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-925>الطعن في الأنساب</span>\n(والطعن في الأنساب) أي: أن الإنسان يشتم الآخر ويطعن في نسبه: أنت لست ابن فلان، أنت أبوك كان كذا وكان كذا، فيطعن في نسب الإنسان، وكان أهل الجاهلية يعير بعضهم بعضًا بذلك، وأهل الجاهلية كان الزنا عندهم مباحًا، والزنا قسمان: قسم علانية: فهناك فاجرات معروفات في أماكن عليها أعلام ويذهب إليها الرجال، وهذا أمر عادي جدًا عندهم، وقسم في السر، وكأنهم كانوا يرون أن زنا العلانية شيء قبيح، وزنا السر يسمونه نكاح السر، ويستبيحونه ويعتبرونه أفضل من العلانية، ثم جاء الإسلام فحرم هذا كله.\nوكان أهل الجاهلية يذهب الرجل منهم إلى المرأة يواقعها، ويذهب إليها غيره وغيره وغيره، وبعد أن تلد تنسبه إلى من تريد منهم، ولا يستطيع أن ينكر نسبته، ثم لما يكبر الأولاد يشتم بعضهم بعضًا، ويرمي بعضهم بعضًا بما كان معلومًا في الجاهلية.\nفيشتم الإنسان الآخر بمثل ذلك، فيكون قد رجع لما كان في الجاهلية، وربما أهل الجاهلية كانوا يعلمون أن فلانًا ليس أبًا لفلان فيشتمونه بهذا الشيء، لكن أنت في الإسلام قد حرم الله عليك ذلك، والأصل في المسلم أنه طاهر عفيف، فكيف تستبيح أن تشتم آخر وتطعن في نسبه؟ لا يحل لمسلم أن يصنع ذلك، فهذا من أمر الجاهلية.","vol":"87","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-926>الاستسقاء بالنجوم</span>\n(والاستسقاء بالنجوم)، يقول: في اليوم الفلاني ستأتي نجمة كذا وسيأتينا المطر، وكأنه ينسب المطر إلى الأنواء، وهناك فرق بين أن يقال: مطرنا في نوء كذا، وأن يقال: مطرنا بنوء كذا، مثلما تقول: مطرنا في شهر أكتوبر أو يناير، فهذا زمن، ومعروف عند الناس أن في الزمن الفلاني ستمطر، وهذا لا شيء فيه، أما أن يقول: إن الإبراج والنجوم أتت لنا بالمطر فهذا لا يجوز لمؤمن أن يقوله.\nوالاستسقاء بالنجوم هو: طلب السقيا من النجوم، فلما ينزل النجم الفلاني في المكان الفلاني سيأتي المطر.","vol":"87","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-927>النياحة</span>\n(والنياحة)، النياحة من النوح، وهي: رفع الصوت بالبكاء على الميت، فتصيح المرأة ويصيح الرجل وينوح ويترنم بالصوت؛ بكاءً على الميت.\nوقال النبي ﷺ: (النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب)، فالمرأة النائحة ضعيفة، ومع ذلك لو ناحت تأتي يوم القيامة على هذا الحال، وكذلك الرجل لو ناح فهذه أشد مصيبة، فلما يعبر بالمرأة في الحديث فإن الرجل أشد في ذلك، فالمرأة النائحة تأتي يوم القيامة وعليها سربال، والسربال هو الجلابية التي تلبسها المرأة وتتسربل بها، وهذا السربال يكون من قطران تحترق به يوم القيامة، وهذه المرأة وهي في نار جهنم -والعياذ بالله- يكون سربالها من قطران، وترتدي فوقه رداء من جرب، والجربان لا يطيق نفسه، فيحك جسده في الجدران وفي الأرض وبأظافره، وبأي شيء أمامه، فهذه المرأة النائحة تأتي يوم القيامة على هذه الصورة القذرة تعذب في النار.\nروى الإمام مسلم من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (اثنتان من الناس هما بهم كفر -هذان خصلتان في الناس كفر-: الطعن في النسب، والنياحة على الميت).\nوعن أبي هريرة فيما رواه ابن حبان وقال الألباني: إسناده حسن: لما مات إبراهيم بن رسول الله ﷺ صاح أسامة بن زيد ﵁، أسامة حب رسول الله ﷺ، فالنبي ﷺ يحبه ويحب آل بيته ﵊، وقد كان أبوه ابنًا للنبي ﷺ، وهو وأبوه من أحب الناس إلى النبي ﷺ، فـ أسامة يظهر المحبة للنبي ﷺ فناح على ابنه ورفع صوته بالبكاء، فقال النبي ﷺ: (ليس هذا مني) بكى النبي ﷺ بالدمع، وأما أن ترفع صوتك بالصياح فلا (ليس هذا مني)، وليس بصائح حق، بل هذا الصياح باطل، وقال: (إن القلب ليحزن، والعين تدمع، ولا نغضب الرب) يعني: كون العين تدمع والقلب يحزن فلا تغضب ربك بكلام أو بشيء لا يليق ولا يجوزه الرب سبحانه.","vol":"87","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-928>عذاب الميت ببكاء أهله عليه</span>\nجاء عنه ﷺ فيما رواه عمر ﵁، قال: (إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله).\nوهذا فيه قصةً وهي: أن عمر بن الخطاب ﵁ لما طعنه الملعون أبو لؤلؤة المجوسي ما كان من السيدة حفصة ﵂ مع عظيم المصيبة إلا أن رفعت صوتها بالبكاء، فقال عمر ﵁: يا حفصة! أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: (المعوَّل عليه يعذب)، وعول صهيب ﵁ ورفع صوته بالبكاء على عمر ﵁ يقول: وأخاه واصاحباه! فقال عمر: يا صهيب! أما علمت أن المعول عليه يعذب؟ وفي رواية: (إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه)، وفي رواية: (يعذب في قبره)، وفي رواية: (يوم القيامة بما نيح عليه).\nففيه: أن الإنسان الذي يرفع صوته بالبكاء والصياح والعويل على الميت يتسبب في عذاب الميت في قبره، وفي عذابه يوم القيامة.\nوالجمهور على أن ذلك في الإنسان الذي يوصي بذلك، أو يعلم من حال أهله أنهم يفعلون ذلك فلا ينهاهم عنه، فهو يعذب؛ لأنه لم ينههم في حياته، وهو يعلم أن ذلك من خصالهم.\nفيجب على المسلم أن يوصي أهله بألا ينوحوا عليه ولا على غيره، ويحذرهم من ذلك.\nوالمحمل الثاني: أن الميت يعذب ويتألم بسبب ذلك، فإذا مات إنسان مؤمن وناحت عليه امرأته، وقد نهاهم عن ذلك فلا عذاب عليه في قبره، ولا في يوم القيامة، ولكن الميت يتألم ببكاء أهله، وبصياح الحي عليه، فيكون هذا عذابًا معنويًا ونفسيًا للميت.\nنسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"87","page":12},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-929> ما جاء في النهي عن النياحة وما جاء في حسن الخاتمة</span>\nجاءت الشريعة الإسلامية كاملة شاملة لكل نواحي حياة الإنسان، من بداية حياته إلى أن يغيب في قبره، وحتى بعد دفنه، فرتبت الشريعة أحكامًا على ما يتبع ذلك، فنهى النبي ﷺ عن النعي المذموم للميت وبين حرمته، وأوضح الجائز منه، كما أخبر ﷺ عن علامات يستدل بها على أن الميت من أهل الخير، وأيضًا علامات تدل على حسن الخاتمة لهذا الميت، من غير قطع بالغيب، فليدع المسلم ربه بحسن الخاتمة.","vol":"88","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-930>عذاب الميت ببعض بكاء أهله عليه</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: فقد ورد أنه يجوز البكاء على الميت إذا كان بدمع العين، ولا يجوز النواح والصراخ وندب الحظ ورفع الصوت في ذلك.\nوقد جاءت في ذلك أحاديث عن النبي ﷺ يذكر فيها أن الميت قد يعذب ببعض بكاء أهله عليه.\nفالميت إذا توفي وبكي عليه فإن بعض هذا البكاء لا يتأذى به الإنسان المتوفى، وقد يتأذى به إذا كان من باب الصراخ والعويل.\nوالأذى إما أن يكون عقوبة من الله يعاقب به هذا المتوفى، وإما أن يكون بإيلام نفس هذا الإنسان بما يسمعه من بكاء أهله عليه.\nفإذا كان هذا الميت وسط بيئة تفعل ذلك كما كان يفعله أهل الجاهلية، أو كان يعلم من حال أهله أنهم يندبون ويصوتون -أي: يرفعون أصواتهم بالصراخ على الميت- فلم ينههم عن ذلك قبل وفاته فإنه يعاقب على ذلك؛ لأنه لم يأمرهم بالمعروف ولم ينههم عن المنكر في حال حياته.\nوأما إن كان هذا المتوفى لا يعلم من حال أهله ذلك فإنه يعذب ببكاء أهله عليه بما يجد من الألم بسبب هذا البكاء.\nوالميت قد يشعر بأشياء كما ذكر النبي ﷺ، فمنها: انصراف أهل الميت عن القبر، وإنه ليسمع قرع نعالهم.\nفكما أن ربنا ﷾ يسمعه هذا الشيء، فقد يسمعه صراخهم عليه سماعًا يليق بمثل هذه الحالة، فيسمع ويتأذى ببكائهم.\nولذلك فإنه مما ينبغي على المسلم أن لا يؤذي الميت أبدًا بصراخ أو بعويل أو بندب، أو نحو ذلك.","vol":"88","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-931>حكم لطم الخدود وشق الجيوب جزعًا على الميت</span>\nمما حرمت الشريعة لطم الخدود وشق الجيوب، وقد بينت أنها من أفعال أهل الجاهلية، فإنهم كانوا إذا مات لهم ميت صرخوا عليه وندبوه ورفعوا أصواتهم، ثم تلطم النساء وجوههن، وقد يلطم الرجال كذلك، وقد يضع بعضهم التراب على رأسه وهذا كله حرام، ويعذبون عليه يوم القيامة.\nوقد ورد أن النبي ﷺ قال -كما في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن ابن مسعود ﵁-: (ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية).\nفهؤلاء ليسوا من أهل الإسلام الذين هم على طريقة النبي ﷺ وعلى دينه وسنته، فكأنه ﵊ يبرأ من هؤلاء، وأنهم لا يستحقون أن ينسبوا إليه.\nفيقول: (ليس منا من لطم الخدود)، وهذا عام في الرجال والنساء، وأيضًا شق الجيوب عام في الرجال وفي النساء.\nومعنى شق الجيوب: تمزيق الثياب، وجيب القميص هو: المكان الذي فيه أزرار، أو الذي تدخل منه رأسك في القميص، فأن يشق هذا الجيب أو يمزق الثوب، مما لا يحل لأحد أن يفعله في مصيبة تنزل به.","vol":"88","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-932>النهي عن العصبية وبيان قبحها</span>\nجاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)، ودعوى الجاهلية: هي التمييز بين الناس بعناصرهم، فهؤلاء من قبيلة كذا، وهؤلاء من قبيلة كذا، ودعوى الجاهلية هذه هي التي قال فيها النبي ﷺ: (دعوها فإنها منتنة).\nوقد حصل شجار بين رجل أنصاري وآخر مهاجري، فقال المهاجري: يا للمهاجرين، وقال الأنصاري: يا للأنصار، أي: أن هذا يستنصر بمن هم معه من المهاجرين، وذاك يستنصر بمن هم معه من الأنصار.\nفقال النبي ﷺ: (دعوها فإنها منتنة).\nفالإنسان المؤمن لا ينتصر لصاحبه لكونه من أهله أو من قبيلته أو من بلده، فإن هذه من دعوى الجاهلية.\nوإنما ينصر أخاه ظالمًا أو مظلومًا، فإذا كان له الحق أخذ له، وإذا كان عليه الحق أخذه منه؛ فيكون مع الحق دائمًا، ولا يكون مع فلان لأنه من بلده، أو قبيلته أو حيه، أو شارعه، فإن هذه من دعوى الجاهلية؛ لأنه ينصر صاحبه ولو كان على الباطل؛ دائمًا المهم كونه من قبيلته أو بلده.","vol":"88","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-933>البراءة من الصالقة والحالقة والشاقة</span>\nومن الأحاديث التي جاءت في هذه المسألة حديث أبي بردة بن أبي موسى في الصحيحين قال: (وجع أبو موسى - يعني: مرض- قال: وجع وجعًا فغشي عليه -يعني: أغمي عليه- ورأسه في حجر امرأة من أهله، فصاحت امرأة من أهله فلم يستطع أن يردها أو أن يرد عليها شيئًا، فلما أفاق قال: أنا بريء ممن برئ منه رسول الله ﷺ، فإنه ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة).\nفـ أبو موسى لما غشي عليه ظنوا أنه مات، فصوتت واحدة من نسائه، فلما أفاق قال: أنا بريء ممن فعلت هذا الشيء، وممن برئ منه النبي ﷺ، فإن النبي ﷺ قال: (أنا بريء من الصالقة والحالقة والشاقة).\nوالصالقة أو السالقة بالصاد أو بالسين بمعنى: رافعة الصوت، أي: التي تصوت وترفع صوتها بالبكاء والنحيب والصراخ.\nوالحالقة: هي التي تحلق شعرها عند المصيبة، فتمزق شعرها، أو تحلقه عند نزول المصيبة.\nوالشاقة: هي التي تمزق ثيابها عند نزول الموت، أو نزول المصيبة بها.","vol":"88","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-934>النهي عن خمش الوجوه والدعاء بالويل وشق الجيب ونشر الشعر</span>\nوفي بيعة النبي ﷺ للنساء المهاجرات والأنصار قالت امرأة من المبايعات: (كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا نعصيه فيه، وألا نخمش وجهًا، ولا ندعو ويلًا، ولا نشق جيبًا، وألا ننشر شعرًا) فهذا مما أخذ عليهن في البيعة.\nوهذه أشياء خطيرة جدًا تقع بسببها المرأة في رد قضاء الله سبحانه، وتقع في الكفر بسبب ذلك، والعياذ بالله! فتقع في كفر العمل، وربما كفر الاعتقاد إن اعتقدت أن هذا يحل، وأنه يلزمها أن تصنع ذلك لميتها ولغيره مع نهي النبي ﷺ عن ذلك، فكأنها ترد القضاء والقدر ولا ترضى به فتقع في ردة والعياذ بالله؛ لأنها تسخط على ربها بذلك.\nوقولها: (ألا نخمش وجهًا)، يعني: ألا تمزق وتدمي وجهها بأظفارها.\nوقولها: (ولا ندعو ويلًا)، أي: كأن تقول: يا ويلي! فكأنها تنادي المصيبة وتقول: يا مصيبة احضري، ويا عذاب احضر، فهي تنادي العذاب، والملائكة تقول: آمين، فقد يحضر لك عذابك، وتستحقين أن تعذبي عند الله ﷿؛ لأن الملائكة تؤمن على ما يدعو الإنسان به على نفسه أو لنفسه في مثل هذه الحالة.\nوقولها: (ولا نشق جيبًا)، يعني: ألا تشق المرأة ثيابها، ولا تنشر شعرها، وتظهره أمام الناس بدعوى أنها حزينة على المتوفى عندها.","vol":"88","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-935>بيان حكم النعي</span>\nكذلك مما منع النبي ﷺ منه: النعي الجاهلي، فقد كان أهل الجاهلية إذا مات منهم الميت قام إنسان فينادي في وسط الناس، ويمر على القبائل وينادي ويقول: نعائي فلان، نعائي فلان.\nأي: أنعي فلانًا الذي توفي، وأظهر خبر وفاته، وقد يزيد على ذلك بأن فلانًا من صفاته كذا وكذا، فيمدح فلانًا هذا.\nفهذا هو نعي الجاهلية، وقد نهى عنه النبي ﷺ.\nوالنعي لغة: هو الإخبار عن موت إنسان؛ وقد فعله النبي ﷺ عندما أخبر عن موت بعض أصحابه، فقد أخبر عن موت النجاشي، وأخبر عن موت الثلاثة الأمراء الذين كانوا في غزوة مؤتة، فنعى النبي ﷺ إلى أصحابه جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة، وقال: أخذ الراية فلان فقتل، ثم أخذ الراية فلان فقتل، ثم أخذ الراية فلان فقتل، ثم ذرفت عيناه ﵊، فهو كان يدعو لهم ويخبر أصحابه حتى يستغفروا ويدعوا لهم، ويعلمهم بما آل إليه خبرهم.\nفنعي النبي ﷺ هنا بمعنى الإخبار، ومثل هذا جائز، فإنه إذا توفي إنسان فذكرنا في المسجد أنه توفي فلان من أجل أن يجتمع الناس في صلاة الظهر، أو في صلاة العصر فيصلون عليه، فلا مانع من ذلك.\nأما النعي بأن يخرج المنادي وينادي في الناس: بأن فلانًا الذي توفي هو الذي قريبه فلان، والذي صفته كذا، والذي فيه كذا، والذي كان كذا، ويذكر له من المدائح أشياء، لعل أكثرها يكون كذبًا، وقد يكون صادقًا، ويظهر أن له منصبًا وله أهمية ما، وماذا سينفعه المنصب والأهمية عند الله ﷿؟ وإنما الذي سينفعه أن يدعو له المسلمون، ويصلي عليه الموحدون الذين يعرفون الله سبحانه فيشفعهم الله ﷿ فيه.\nأما الذين يذكرون فلانًا الذي كان كذا والذي كان كذا، فإن المنصب لا ينفعه عند الله، بل يكون أدعى لشدة الحساب على هذا الإنسان عند الله ﷾.\nإذًا: فنعي الجاهلية هو: الإظهار في كل مكان -في الأسواق وفي غيرها- موت فلان من الناس؛ من أجل تكثير الناس، كمظهر من المظاهر.\nوقد نهى النبي صلى الله عليه وسل عن ذلك، فأما إخبار المسلمين بذلك بغرض أن يترحموا عليه، ويدعوا له، ويستغفروا له، وأن يحضروا لصلاة الجنازة عليه، فهذا هو النعي الجائز الذي فعله النبي ﷺ.","vol":"88","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-936>علامات حسن الخاتمة</span>\nهناك علامات لحسن خاتمة الإنسان ذكر شيئًا منها الشيخ العلامة الألباني ﵀ في كتابه: أحكام الجنائز، فقد ذكر عددًا من العلامات التي إذا حدثت للإنسان فلعل ذلك يكون من حسن خاتمته، من ذلك:","vol":"88","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-937>النطق بالشهادتين عند الموت من علامات حسن الخاتمة</span>\nالنطق بالشهادتين في حال السياق أو في حال خروج الروح، وهذا جاء عن النبي ﷺ في أحاديث، منها: قوله ﷺ: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة).\nفالإنسان المؤمن الذي يقول هذه الكلمة في حياته ويكثر من قولها تكون سهلة على لسانه في حال وفاته، أما الإنسان الذي يكون بعيدًا عن ذلك فلا يقدر أن يقولها إلا أن يشاء الله ﷾.\nولذلك جاء في حديث عن النبي ﷺ عن موت الفجأة أنه قال فيه: (موت الفجأة أخذة أسف) وفي رواية: (للفاجر)؛ لأن الإنسان الفاجر يقبضه الله ﷿ فجأة فيموت على فجوره، وقد لا يقول: لا إله إلا الله، فموت الفجأة قد يكون راحة للإنسان المؤمن، وأما الفاجر فإنه لا يمهل حتى يتوب إلى الله سبحانه، وحتى ينطق بهذه الكلمة.\nومن الأحاديث التي جاءت في ذلك: حديث طلحة بين عبيد الله ﵁ وذلك أنه رأى عمر طلحة بن عبيد الله ثقيلًا، فقال: ما لك يا أبا فلان؟! لعلك ساءتك امرأة عمك! قال: لا، وأثنى على أبي بكر، إلا أني سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا ما منعني أن أسأله عنه إلا القدرة عليه حتى مات.\nطلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله ﵎ عنه سمع من النبي ﷺ شيئًا، فأشكل عليه، فكان يريد أن يسأل عنه النبي ﷺ، فمات النبي ﷺ ولم يسأله طلحة رضي الله ﵎ عنه.\nفلما توفي النبي ﷺ ثقل ذلك على طلحة، فسأله عمر: ما هو هذا الأمر؟ فقال: سمعته يقول: (إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند موته إلا أشرق لها لونه، ونفس الله عنه كربته) فالنبي ﷺ يقول: (إني أعرف كلمة) والمعنى: اسألوني عنها، ففي هذا نوع من التشويق للناس، فـ طلحة قال: يا ليتني سألت النبي ﷺ عنها، فقال عمر: إني لأعلم ما هي، هي: لا إله إلا الله، فقال طلحة: صدقت؛ هي والله! الكلمة التي أنا ما سألت عنها النبي ﷺ ووفقك الله ﷿ لمعرفتها.","vol":"88","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-938>الموت بعرق الجبين</span>\nمن علامات حسن الخاتمة أيضًا ما جاء في حديث عن النبي ﷺ أنه قال: (موت المؤمن بعرق الجبين) رواه الإمام أحمد في مسنده، فكأنه يشدد على الإنسان المؤمن في حال وفاته، وهذه من رحمة رب العالمين ﷾.\nفيتصبب المؤمن عرقًا من شدة كرب الموت، وهذا ليس عذابًا من الله ﷿ له، وإنما تكفير لخطايا قد تكون على الإنسان لم يبلغ عمله أن يكفرها، أو رفع لدرجات لم يبلغ عمله أن يصل إليها.\nولذلك شدد على النبي ﷺ في مرض وفاته، فكان أمر الموت عليه ثقيلًا، وكان ﵊ يكرب كربًا شديدًا ويقول لابنته: (لا كرب على أبيك بعد اليوم) -يعني: هذا هو آخر كرب في هذه الدنيا، ولا كرب على أبيك -صلوات الله وسلامه عليه- بعده.\nوجاء عن بريدة بن الحصيب ﵁ أنه كان بخراسان فعاد أخًا له وهو مريض، فوجده في حال الموت وإذا هو يعرق جبينه عرقًا شديدًا، فقال: الله أكبر! سمعت رسول الله ﷺ يقول: (موت المؤمن بعرق الجبين).\nوهذه الأشياء عندما نقول: إنها من علامات حسن الخاتمة فليس المعنى: أنا نشهد لصاحبها بأنه في الجنة؛ لأنه لا يجوز أن نشهد لإنسان بعينه بأنه في الجنة أو في النار، فهذا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ﷾، ولكن غاية ما نقول: نحسبه على خير، ونحسب أنه من حسن خاتمته أن فعل الله به كذا وكذا.\nفيبقى رجاء الخير وحسن الظن في صنع الله ﷿ بعبده.","vol":"88","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-939>الموت ليلة الجمعة ونهار الجمعة من علامات حسن الخاتمة</span>\nأيضًا من علامات حسن الخاتمة: الموت ليلة الجمعة أو نهارها، فالموت ليلة الجمعة يجعل الله ﷿ فيها مزية لصاحبه إذا كان مؤمنًا، أما الفاجر والكافر فلا ينفعه شيء سواء مات في يوم الجمعة أو يوم الأحد أو في أي يوم، ولكن هذا للمؤمن زيادة فضل من الله ﷿.\nوقد جاء في الحديث: (ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر) فالذي يموت في هذا الوقت فإن الله ﷿ يقيه فتنة القبر.\nوليس معنى هذا أن الذي لا يموت في هذا الوقت فقد ساءت خاتمته؛ فإن النبي ﷺ مات في يوم الإثنين، وإنما معنى هذا: أنه من زيادة فضل الله ﷿ على من يشاء من عباده؛ ليقيه من فتنة القبر عذابه.","vol":"88","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-940>الشهادة في سبيل الله ﷿</span>\nأيضًا من علامات حسن الخاتمة: أن يموت الإنسان شهيدًا في سبيل الله ﷿؛ فإن من علامات حسن خاتمة الإنسان أن يتوفاه الله ﷿ شهيدًا على أي صورة من صور الشهادة التي ذكرها النبي ﷺ في عدة أحاديث، وأعظم الشهادة: الشهادة في ساحة القتال، فإذا قاتل الإنسان في سبيل الله مقبلًا غير مدبر، يكر ولا يفر، محتسبًا يطلب الأجر من الله لا يبتغي بذلك المنظر عند الناس أو الثناء منهم ثم قتل فإن هذا من علامات حسن الخاتمة.\nقال الله ﷿: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧١].\nوجاء في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه من حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه) أي: مجرد ما يُصاب في مقتل تخرج أول دفعه من الدم فيرى أن ربه سبحانه قد غفر له.\nقال: (ويرى مقعده من الجنة) أي: يريه الله سبحانه منزله في الجنة.\nقال: (ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر) أي: يجيره الله ﷿ من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر يوم القيامة، فيفزع الخلق والشهيد لا يفزع.\nقال: (ويحلى حلية الإيمان) أي: يحليه الله ﷿ بحلية الإيمان.\nقال: (ويزوج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانًا من أقاربه) فهذا هو فضل الشهيد عند الله ﷾، نسأل الله ﷿ أن يبلغنا منزلته.\nأيضًا مما جاء في فضل الشهادة في سبيل الله ما رواه النسائي عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أنه قال: (يا رسول الله! ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ فقال ﷺ: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) أي: تكفيه الفتن التي كان فيها وهو في القتال، فإن الشيطان كان يحدثه: أن الأعداء سيقتلونك، أو سيضيع مالك، ولن ترجع إلى أهلك، أو سيحصل لك كذا.\nوهو مع ذلك يقاوم هذا كله، ويقبل غير مدبر، وغير راجع عن أمر الله ﵎، هذا فيما لو قتل في المعركة، أما لو أن إنسانًا قاتل في سبيل الله ولم يصبه ذلك ورجع فمات على فراشه فقد جاء في ذلك حديث جميل عن النبي ﷺ وهو في صحيح مسلم عن سهل بن حنيف قال: قال النبي ﷺ: (من سأل الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه).\nأي: أن الإنسان الذي يسأل الله ﷿ الشهادة وهو صادق فيها، وليس مجرد مظهر أمام الناس، ويسأل الله دائمًا بأن يجعله شهيدًا وأن يرزقه إياها، ويصدق ذلك في قلبه، ويرجو هذه المنزلة العظيمة، فهذا يبلغه الله ﷿ منازل الشهداء حتى ولو مات على فراشه.\nفإن فضل الله ﷿ عظيم، فالإنسان الذي يتمنى الشهادة ويحاول أن يصل إليها ولا يصلها فإن الله بفضله يوصله وإذا أراد الإنسان أن يتصدق بصدقة ثم وجد أنه محتاج لهذا المال فإنه يؤجر عليها صدقة كاملة، فإذا أمضاها ودفعها فإنها تضاعف له إلى عشر حسنات، وإلى ما يشاء الله من فضله.\nولو حدث نفسه بمعصية ثم استغفر الله منها، فإنه تكتب له حسنة إذا امتنع عنها من خوف الله ﵎.\nفهذا هو فضل الله يوصل الإنسان بنيته وبخوفه منه إلى مرتبة عظيمة، وإلى أجر كريم منه سبحانه.\nولذلك من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه.","vol":"88","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-941>أنواع الشهداء</span>\nومن الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ في الشهيد، فيمن هو؟ الحديث الذي رواه الحاكم والبيهقي عن عمر وغيره قال: قال النبي ﷺ: (ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله! من قتل في سبيل الله فهو شهيد.\nفقال: إن شهداء أمتي إذًا لقليل -يعني: أن الشهداء في الأمة قليلون إذا كان الشهيد هو شهيد المعركة فقط- قالوا: فمنهم يا رسول الله؟ فقال ﷺ: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد).\nأي: أن القتيل الذي يقتل في سبيل الله هذا شهيد، والإنسان الذي أراد الجهاد ولكن لم يتمكن من الجهاد فمات وهو مع الجنود فلم يقتله الأعداء وإنما مات موتًا فهو شهيد.\nأيضًا قال: (ومن مات في الطاعون فهو شهيد) يعني: إذا وقع وباء على بلد فمات فيها الناس بالطاعون -مثلًا: بالكوليرا- أو بغير ذلك من الأوبئة التي تأتي على الناس فيموتون فهم أيضًا شهداء.\nقال: (ومن مات في البطن فهو شهيد)، فمن مات بداء البطن -أي: بداء استسقاء- كأن يمرض ويتضخم بطنه ويظل على ذلك إلى أن يموت فهو شهيد.\nقال: (والغريق شهيد)، أي: أن الذي يموت في البحر غريقًا فهذا أيضًا شهيد.\nوكذلك جاءت أحاديث أخرى عنه ﷺ في هذا المعنى، فعن عائشة ﵂ أنها سألت النبي ﷺ عن الطاعون؟ فأخبرها ﷺ: (أنه كان عذابًا يبعثه الله ﷿ على من يشاء فجعله رحمة للمؤمنين).\nفكان الطاعون عذابًا على الأمم السابقة، أما على المؤمنين فجعله الله ﷿ رحمة لهم، قال: (فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرًا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتبه الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد).\nوكل ما كان من مرض فيه وباء فكذلك، فإذا صبر الإنسان في مكانه إلى أن يقضي الله ﷿ أمره فهذا إن مات فيه فهو شهيد.\nوقال ﷺكما في الحديث الذي في مسند الإمام أحمد -: (يأتي الشهداء والمتوفون بالطاعون يوم القيامة، فيقول أصحاب الطاعون: نحن شهداء، نحن شهداء، فيقال: انظروا! فإذا كانت جراحهم كجراح الشهداء تسيل دمًا وريحهم ريح المسك فهم شهداء، فيجدونهم كذلك).\nفهذا الإنسان المطعون -أي: الميت بالطاعون- يأتي يوم القيامة كالشهيد ينزف دمًا، اللون لون الدم والريح ريح المسك، يأتي على هذه الهيئة، فيكون مع الشهيد.\nوكذلك ما رواه النسائي عن عبد الله بن يسار قال: كنت جالسًا وسليمان بن صرد وخالد بن عرفطة فذكروا أن رجلا ً توفي ببطنه، -يعني: بداء الاستسقاء أو داء الكبد أو داء البطن- فإذا هما يشتهيان أن يكونا شهداء جنازته؛ لأن الإنسان الصالح الذي وفاته فيها كرامة من الله ﷿ يستحب حضور جنازته، فهؤلاء أحبوا أن يحضروا جنازة هذا.\nفقال أحدهم للآخر: ألم يقل رسول الله ﷺ: (من يقتله بطنه فلن يعذب في قبره)؟ وهذا فيه بشارة للإنسان الذي يمرض بمرض من الأمراض الباطنة، -أي: التي تأتي له في بطنه فينتفخ بطنه ويتألم حتى يموت على ذلك، فهذا لا يعذب في قبره كما جاء في هذا الحديث.\nفقال الآخر: بلى.\nوفي رواية: صدقت.\nفهذا من علامات حسن الخاتمة أيضًا، أي: أن الإنسان يموت بداء البطن.\nأيضًا الموت بالغرق والموت بالهدم جاءت فيه أحاديث، فقد قال النبي ﷺ: (الشهداء خمسة: المطعون -يعني: الميت في الطاعون- والمبطون، -الميت بداء البطن- والغرق، -الميت غريقًا- وصاحب الهدم -يعني: الإنسان إذا انهدم عليه البيت فهذا أيضًا شهيد- والشهيد في سبيل الله) فهؤلاء من الشهداء.\nوكذلك ذكر النبي ﷺ أن المرأة التي تقتل في الولادة شهيدة فقال: (والمرأة يقتلها ولدها جمعا شهيدة) أي: المرأة إذا ماتت في أثناء الولادة فهي شهيدة، وفي رواية: (يجرها ولدها بسررها -يعني: إلى الجنة) أي: أن ابنها هذا المولود يجي فيأخذها بسررها إذا مات معها إلى الجنة.\nفهذه من الشهادة أيضًا.\nكذلك الإنسان الذي يحرق في النار فهو ممن يأخذ أجر الشهادة عند الله.\nكذلك الموت بذات الجنب، وقد ذكروا أنه مرض يكون في أضلاع الإنسان كأنه خراريج داخلية في أضلاعه، فهو كالورم يعرض في الغشاء المبطن لأضلاع صدر الإنسان فيموت بسببه.\nكذلك الموت بالسل، فقد جاء في الحديث: (القتل في سبيل الله شهادة، والنفساء شهادة، والحرق شهادة، والغرق شهادة، والسل شهادة، والبطن شهادة).\nكذلك الإنسان الذي يدافع عن ماله وعن عرضه فيقتل في ذلك فقد نص النبي ﷺ أنه شهيد.\nنسأل الله ﷿ أن يرزقنا أجر الشهداء وأن يجعلنا معهم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"88","page":13},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-942> ما جاء في حسن الخاتمة وما جاء في تغسيل الميت والستر عليه وتشييع الجنازة</span>\nلقد كتب الله على الناس أن يبعثوا على ما ماتوا عليه، فمن مات على عمل سيئ بعث عليه، وكان علامة على سوء خاتمته، ومن مات على عمل صالح بعث عليه، وكان علامة على حسن خاتمته، ومثله من يثني عليه الناس عند موته بالخير أو الشر، فكل هذه علامات وأمارات على سوء الخاتمة وحسنها.\nوإذا مات الميت وجب على الأحياء غسله، واستحب لغاسله الستر عليه، وله وللناس اتباع جنازته والصلاة عليه ودفنه؛ لينالوا من الله الأجر العظيم.","vol":"89","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-943>علامات حسن الخاتمة</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: فإن الإنسان في حالة وفاته يرى عليه أحيانًا أشياء تدل على حسن خاتمته.","vol":"89","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-944>قول كلمة التوحيد عند الموت</span>\nمن أفضل ما يدل على ذلك قول: لا إله إلا الله عند وفاته؛ لقول النبي ﵌: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) فهذه من علامات حسن الخاتمة.","vol":"89","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-945>الموت على عمل صالح</span>\nومما ذكره العلماء أيضًا من علامات حسن الخاتمة أن يموت الإنسان على عمل صالح، وفي ذلك حديث رواه الإمام أحمد ﵀ من حديث حذيفة أن النبي ﷺ قال: (من قال: لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله، ختم له بها، دخل الجنة)، أي: ختم الله له بهذه الكلمة فيدخل الجنة بسببها.\nقال: (ومن صام يومًا ابتغاء وجه الله، ختم له بها، دخل الجنة) والمقصد أن يختم له بعمل صالح، كأن يكون صائمًا في رمضان أو تطوعًا أو غير ذلك فيموت وهو كذلك فهذا عمل صالح، فإذا توفي عليه وختم له به فيدخل الجنة بذلك.\nقال: (ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله، ختم له بها، دخل الجنة) وقس على ذلك سائر الأعمال الصالحة.\nإذًا: النبي ﷺ نص هنا على بعض أفراد العام، أي: أفراد العمل الصالح، ولم يذكر جميع الأعمال الصالحة، ولكن عندما يذكر البعض فإنه يدل على الباقي.\nإذًا: أي عمل من الأعمال الصالحة التي يقوم بها الإنسان ويتوفى عليها فسيدخله الله ﷿ الجنة بسبب ذلك العمل، وسواء كان العمل صيامًا، أو صدقة زكاة أو حجًا أو عمرة، أو إصلاحًا بين الناس، أو أمرًا بمعروف، أو نهيًا عن منكر، فكل عمل صالح يكون الإنسان فيه ويختم له به فهو من علامات حسن الخاتمة.\nومن علامات حسن الخاتمة أيضًا: أن يموت الإنسان مجاهدًا في سبيل الله، أو مرابطًا في سبيله، وجاء في حديث عن النبي ﷺ رواه الإمام مسلم عن سلمان مرفوعًا: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه) والرباط: حراسة الثغور، وحراسة حدود بلاد المسلمين ابتغاء وجه الله ﷿.\nقال رسول الله ﵌: (وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان) أي: هذا الذي يحرس بلاد المسلمين وثغورهم من الكفار إذا مات على هذا العمل وختم له به كان أيضًا من أهل الجنة.\nوقوله ﷺ: (وأمن الفتان) يعني: في قبره.\nوفي حديث آخر رواه أبو داود وصححه الشيخ الألباني قال النبي ﷺ فيه: (كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطًا) أي: من كان يحرس ثغور بلاد المسلمين من الكفار، فقال ﷺ في ذلك: (إلا الذي مات مرابطًا في سبيل الله فإنه ينمى له عمله) أي: لا يبقى عمله على حاله، ولكن لا يزال ينمى له هذا العمل إلى يوم القيامة ويأمن الفتنة في قبره.","vol":"89","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-946>ثناء الناس على الميت</span>\nومن علامات حسن خاتمة الإنسان أيضًا أن يثني عليه الناس -من أهل الخير والإحسان- بالعمل الصالح والخير، والثناء هنا هو المدح بالصفات الصالحة التي كانت فيه، وليس معنى الثناء أن يمدحوه بأشياء هي بين الناس لطيفة وظريفة، ولكنها ليست عند الله ﷿ كذلك، ومثال ذلك: أن إنسانًا توفي وكان الناس يحبون كلامه حيث كان يمزح كثيرًا، ويضحك كثيرًا، وكثير الشغب، وكثير المعاكسة للناس، فيضحكهم، فعندما يموت يفتقدون فيه ذلك، فهذا إذا أثنى عليه الناس فليس هذا الثناء هو المقصود من الحديث، ولكن الثناء المقصود: هو أن يثنى على الإنسان بعمل صالح كان يعمله، كأن يقال: فلان كان خيرًا كان طيبًا كان لا يؤذي جيرانه فلان كان يميط الأذى عن الطريق وكان يعود المرضى ولا يتكبر على أحد، فيثني عليه الناس والجيران والأقربون بصفات الخير التي كانت.\nوفي ذلك حديث رواه أنس عن النبي ﷺ حيث قال: (مر على النبي ﷺ بجنازة، فأثني عليها خيرًا)، أي: مدحه الناس بخير.\n(وتتابعت الألسن بالخير)، أي: تمر الجنازة فيمكن أن رجلًا أو اثنين من الجالسين يعرفونه، ويمكن أن مجموعة كبيرة تعرفه، فهنا (تتابعت الألسن)، أي: كل شخص قال شيئًا، وأثنوا عليه بخير، فهذا يدعو له، وهذا يشكر له صنيعه في كذا، وهذا يحمد له صفات جميلة فيه.\nفقالوا: (كان ما علمنا يحب الله ورسوله)، أي: على ما نعلم منه، وربنا يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢].\nومن هذا يؤخذ أنك إن أردت أن تمدح شخصًا وتثني عليه فقل: أحسبه كذا، أو أظنه كذا، ويكون ذلك على وجه الظن لا على وجه الجزم.\nقال: (فقالوا: كان ما علمنا يحب الله ورسوله)، صلوات الله وسلامه عليه.\nقال: (ومر بجنازة فأثني عليها شرا) أثني: أي ذكر بشر، فتكلم الناس عنه أن هذا لم يكن إنسانًا صالحًا، بل كان سيئًا، منافقًا، مرائيًا.\nقال: (وتتابعت عليه الألسن بالشر) أي: يذكرونه بشر.\n(فقالوا: بئس المرء كان في دين الله، فقال النبي ﷺ: وجبت، وجبت، وجبت) كررها ثلاثًا، وذكرها كذلك في الأولى، فقال عمر ﵁: (فداك أبي وأمي! مر بجنازة فأثني عليها خيرًا، فقلت: وجبت، وجبت، وجبت، ومر بجنازة، فأثني عليها شرًا، فقلت: وجبت، وجبت، وجبت، فقال رسول الله ﷺ: من أثنيتم عليه خيرًا، وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًا، وجبت له النار) ولكن ليس بكلامهم تجب له الجنة، وبكلامهم تجب له النار، وإنما بفعله هو، ففعل الإنسان هو الذي يدفع الناس؛ لأن يثنوا عليه خيرًا أو شرًا، فقال ﷺ: (الملائكة شهداء الله في السماء، وأنتم شهداء الله في الأرض).\nقال: (من أثنيتم عليه خيرًا، وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًا، وجبت له النار، الملائكة شهداء الله في السماء، وأنتم شهداء الله في الأرض، وأنتم شهداء الله في الأرض، وأنتم شهداء الله في الأرض).\nوفي رواية: (إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر)، فنلاحظ من هذا الحديث: أن الذين كانوا يجلسون مع النبي ﷺ لم يكن على بالهم أن فلانًا مات هذا اليوم أو لم يمت، ولم يكن على بالهم شيء، بل فجأة مُر بجنازة، فعرفوا صاحبها فقالوا: هذا كان سيئًا، هذا كان شريرًا، هذا كان كذا وكذا، فكل واحد قال عنه شيئًا، فقال النبي ﷺ: (وجبت) أي: وجبت له النار؛ لأنه بلغ من شره أن ذاع وشاع وانتشر بين الناس، فعلم الأقصى والأدنى أن فلانًا هذا كان سيئًا، فأثنوا عليه شرًا.\nوالآخر انتشر منه الخير وذاع، وعرفه الناس بالخير، فلذلك أثنى عليه كل منهم بما عرف منه من خير، وهؤلاء قالوا في المؤمن: (كان ما علمنا يحب الله ورسوله)، وقالوا في الفاجر: (كان ما علمنا منافقًا) أي: كان يبغض دين الله ﷿، فالذي أثنوا عليه خيرًا وجبت له الجنة بعمله الخير وبثناء المسلمين عليه؛ لأن خيره ذاع بينهم وانتشر، فكان كأنه سن للناس سننًا حسنة يعملون بمثل هذا الخير الذي كان عليه، والآخر العكس من ذلك.\nويبين النبي ﷺ أن الأمر ليس تأليفًا، أو أنه طلب من الناس أن يثنوا على صاحبهم خيرًا لكي يدخل الجنة، بل الأمر هو أن الله ﷾ ينطق الشخص بما يتكلم به ملك على لسانه، فالإنسان وهو غير منتبه يتكلم أن هذا الرجل كان إنسانًا جيد، يرحمه الله كنا نراه يصلي معنا، وكان يدفع الزكاة، وكان يعمل كذا فينطق الله على لسان بني آدم ملائكة، ولذلك قال النبي ﷺ: (إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر) فيجب لهذا الجنة بعمله وبثناء المؤمنين خيرًا عليه، وللآخر النار بعمله وإساءته ووصم المؤمنين الشر به.","vol":"89","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-947>الحد المعتبر للناس الذين يثنون على الميت</span>\nروى البخاري من حديث أبي الأسود الديلي قال: أتيت المدينة وقد وقع بها مرض وهم يموتون موتًا ذريعًا، -وكان هذا في عهد عمر رضي الله تعالى عنه- قال: فجلست إلى عمر بن الخطاب ﵁ فمرت جنازة فأثني خيرًا فقال عمر: وجبت.\nفقلت: ما وجبت يا أمير المؤمنين؟! قال: قلت كما قال النبي ﷺ: (أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة) فهذا يستحق الجنة بما شهدوا له من خير، (قلنا: وثلاثة، قال: وثلاثة.\nقلنا: واثنان، قال: واثنان، قال: ولم نسأله عن الواحد).\nإذًا: ليس شرطًا أن يشهد للميت كل الناس، بل يصح من بعض الناس أيضًا، فقد يكون حال هذا الإنسان غائبًا عن الكثير، ولكن بينه وبين الله خير كثير، والأقربون يرون منه هذا الخير، فيرون أنه كثير التقوى كثير الصلاة كثير الصدقة لكن لا يشتهر عنه ذلك، وإنما عرف الأقربون ذلك فأثنوا عليه خيرًا، فينطق الله على ألسنتهم ملائكة حتى يستوجب جنة الله ﷿.\nحديث آخر رواه الإمام أحمد وصححه الشيخ الألباني بشواهده، قال فيه النبي ﷺ: (ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من أهل أبيات جيرانه الأدنين أنهم لا يعلمون منه إلا خيرًا، إلا قال الله ﵎: قد قبلت قولكم -أو قال: شهادتكم- وغفرت له ما لا تعلمون) فالله عظيم وكريم ﷾.\nوقال النبي ﵌: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) فكل إنسان فيه أخطاء يفعلها من صغائر وكبائر، ومن ستر على نفسه وتاب إلى الله، فالله يتوب عليه، ومن فضح نفسه واستهان بعمله استحق العقوبة من الله سبحانه.\nفهنا الإنسان الذي يموت فيثني عليه الأقربون من جيرانه، وذلك لخلقه الحسن معهم، ولذا تجد الأقربين يحبونه، ويثنوا عليه بالطيب، وأنه لا يتعرض لأحد، ولا يؤذي أحدًا، فيثني عليه جيرانه الأقربون بخير، فإذا وجد أربعة من أهل جيرانه يثنون عليه بذلك استحق من الله ﷿ الجنة والثواب، والله سبحانه يقول: (قد قبلت قولكم) أي: قبلت منكم هذه الشهادة.\nقال: (وغفرت له ما لا تعلمون) أي: أنتم لا تعلمون أخطاءه، والله يعرفها فيغفر له ذلك؛ لأنه كتم على نفسه، وستر نفسه، ولم يجاهر بالمعصية بين الناس، فكانت سيئته بينه وبين ربه، فهذا جدير بأن يغفر الله له؛ لأنه ستر، يقول النبي ﵌: (من ستر نفسه ستره الله)، وبالمقابل: من فضح نفسه استحق العقوبة من الله.","vol":"89","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-948>بيان ما يستحب لمن يغسل ميتًا</span>\nقال الإمام النووي ﵀: [باب الكف عما يرى في الميت من مكروه].\nأي: إذا توفي إنسان واطلعت منه على شيء مكروه فلا تفضحه بهذا الذي اطلعت عليه، وفي ذلك أحاديث عن النبي ﷺ منها حديث أبي رافع واسمه أسلم وهو مولى رسول الله ﷺأي: كان عبدًا عند النبي ﷺ، فأعتقه النبي ﷺ- فيقول ﷺ في حديثه: (من غسل ميتًا فكتم عليه غفر الله له أربعين مرة).\nفهذا الحديث العظيم فيه أن الذي يغسل الأموات له أجر عظيم، ولكن بشرط أن يكتم عنه، أما أن يحكي ويقول مثلًا: كنا نغسل الميت وكانت ريحته سيئة جدًا، أو الميت له أكثر من يوم وريحته صارت كريهة، أو الميت ينزل دمًا، أو الميت كان فيه غائط، أو بول، أو كان فيه كذا ويفضح هذا الإنسان فلا يستحق ذلك الأجر.\nولذا فعليك أن لا تفضحه، بل استر عليه، فكما أنك تحب أن يستر عليك الناس في حياتك ومماتك فكذلك استر عن أخيك ولك هذا الأجر العظيم عند الله، بأن يغفر الله لك أربعين مرة، وهذا من كرم الله وفضله ﷾.\nولكن من أثني عليه شرًا، أليست فضيحة لهذا الإنسان؟! الفرق هنا بين أن تغسل ميتًا فترى شيئًا من الأشياء العادية التي ترى من أي إنسان كأن يخرج منه ريح، أو بول، أو غائط، أو دم كثير، أو أنه يتعب الناس في تغسيله، بأن كان ثقيل الجثة، فثقل أن يقلبوه ويعدلوه، أو يحدث أشياء في أثناء التغسيل لعلها تضايق من يقف ويغسل فيها، فتكتم هذه الأشياء وتسترها ولا تحكيها بين الناس، أما الإنسان الذي يكون شريرًا، كأن سب دين الله ﷿، ثم جاءت سيارة وصدمته فمات، فهذا إنسان يستحق أن يفضح بذلك؛ حتى يكون عبرة للخلق، أو يكون قد استهان بالمصحف فقصمه الله وفعل به كذا، فهذا يستحق أيضًا أن يفضح حتى يكون على ألسنة الناس، فيثنوا عليه شرًا.\nإذًا: التحديث بما يحدث للظلمة من انتقام الله ﷿ وكسره إياهم جائز، ولم ينكر النبي ﷺ على الصحابة ذلك.\nولكن عندما يرد الأمر بذكر محاسن الموتى، فهذا يراد به الإنسان المؤمن، أو الإنسان الذي ستر نفسه ولم يفضحها، أما الفاسق صاحب المعاصي الذي يموت على ذلك، فيحذر الناس من عمله، كأن نجد رجلًا يرقص ويشرب الخمر والحشيش بالليل ثم يصبح ميتًا، فهذا يخبر الناس عنه؛ حتى يتعظوا من هذه النهاية الأليمة الذي حصلت لهذا الإنسان فلا يفعلون فعله.\nإذًا: هنا فرق بين أن تستر على ميت بأشياء عادية تحدث منه ومن غيره ولكنها قد تكون شيئًا من الأذى، بحيث أنه يتأذى بها الحي أن يذكر عن ميته، فهذا شيء، وأن يكون الميت إنسانًا مجرمًا ظالمًا فاسقًا كافرًا يعصي الله ﷿، ويحارب دين الله سبحانه، فيجعله الله عبرة حتى يتحدث الناس بآية من آيات الله ﷿ نزلت به فهذا شيء آخر وهو جائز.\nوليس الأجر العظيم مقصورًا على تغسيل الميت فقط، ولكن الحديث طويل رواه الإمام الحاكم والبيهقي من حديث أبي رافع وصححه الحاكم والذهبي، وكذلك الشيخ الألباني رحمة الله على الجميع.\nوفيه: (من غسل مسلمًا فكتم عليه غفر الله أربعين مرة، ومن حفر له فأجنه) أجنه أي: أخفاه وواراه بمعنى: دفنه، قال: (جرى عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة)، فالمقبرة التي تجعلها للناس كلما دفن فيها شخص كان لك أجر ذلك، وكأنك أجرت له منزلًا إلى يوم القيامة، والأجر عند الله ﷿ ولا يتحول إليك إلا يوم القيامة.\nقال ﷺ: (ومن حفر له فأجنه) أي: دفنه في القبر وستره بالتراب، (جرى عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة).\nقال: (ومن كفنه كساه الله يوم القيامة من سندس وإستبرق الجنة) أي: من كفن ميتًا كساه الله ﷾ من سندس وإستبرق الجنة، وهذا من فضل الله ﷾.\nوانظر عندما يكون الناس يوم القيامة عرايا حيث يقومون من قبورهم حفاة عراة غرلًا، فإذا بالله يكسو هذا الإنسان في يوم تعرى فيه الخلق؛ لكونه كفن إنسانًا مؤمنًا توفي.","vol":"89","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-949>فضل الصلاة على الميت، وتشييعه، وحضور دفنه</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الصلاة على الميت، وتشييعه وحضور دفنه، وكراهة اتباع النساء للجنائز].\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط) أي: من حضر الجنازة وذهب إلى بيت الله ﷿ ليصلي عليها، أو في أي مكان يصلى فيه على الميت، وشهد الميت حتى صلى عليه فله قيراط من الأجر.\nقال ﷺ (ومن شهدها حتى تدفن) أي: من شهد الجنازة من أول ما يصلى عليها حتى تدفن، قال: (فله قيراطان.\nقيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين).\nأي: جبلين من الأجر والثواب عند الله ﷿.\nولذلك يحرص العبد المؤمن على حضور الجنائز، خاصة جنائز المؤمنين الصالحين، فيصلي عليهم، ويدعو لهم، ويشهد الجنازة حتى يدفنها؛ وذلك ليرجع بهذا الأجر العظيم، فإذا تعذر عليه ذلك صلى على الميت؛ ليكون له نصف هذا الأجر.\nعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا) وهذا شرط وقيد.\nفقوله: (إيمانًا) أي: مصدقًا مؤمنًا بأن هذا الاتباع فيه أجر من عند الله ﷾ ومصدقًا لما قاله النبي ﷺ.\n(واحتسابًا) أي: يرجو الأجر من الله.\nفمن حضر الجنازة حرجًا من الناس الذين يأتون ويشهدون الجنازة، فلا أجر له.\nولذا فعليك أن تصلح نيتك حال حضور الجنازة، وأن لا تهتم بالناس من حولك، فتحسن صلاتك لأنهم يرونك، فهنا الشيطان قد دخل عليك، وسوف يضيع عليك أجر الصلاة، فغير نيتك، واستغفر ربك، وأخلص لله سبحانه، وتعوذ بالله أن تعمل عملًا لغيره سبحانه.\nيقول النبي ﷺ: (اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا أعلمه، وأستغفرك لما لا أعلمه).\nفإذًا: لابد أن تغير النية في الحال، واحضر الجنازة ولا تتركها، ولا تكن نيتك الحضور لأن الناس حضروا، ولكن اجعل نيتك أن تحضر اتقاء غضب الله ﷾، وابتغاء مرضاته.\nولو كان نيتك حضور الجنازة لكي يراك فلان ويفرح لحضورك هذه الجنازة، فهذه نية طيبة حيث تطيب قلب أصحاب الميت وأهله، وهذا من باب ما فعله النبي ﷺ لما قام على القبر وقال للحافر: (وسع من هاهنا، وسع من هاهنا) يقول له: حسن القبر والتفت لمن حوله وقال: (أما إنه لا يفعل بالميت شيئًا) يعني: من توسيع القبر أو تضييقه، لن يفعل بالميت شيئًا ولكن يطيب بذلك قلوب الأحياء، حيث يرون النبي ﷺ مهتم بميتهم، ويقول: أوسع القبر واحفر جيدًا، اعمل كذا مع أن هذا لا يعمل للميت شيئًا، فالميت ينضم عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ثم يفرج الله ﷿ عنه بعد ذلك، نعوذ بالله من ضيق القبر، ومن حفر النيران في القبور.\nفالقبر إما روضة من رياض الجنة واسعة فسيحة، وإما حفرة من حفر النيران على صاحبه.\nفإذا حضرت الجنازة واستحضرت نواياك، وآمنت بالثواب، واحتسبت الأجر عند الله، ونويت بحضورك إلى جانب تلك النية إفراح أهل الميت بوجودك معهم، فلا مانع من مثل هذا الشيء، طالما أنك لا تبتغي الرياء والسمعة بذلك وإنما تبتغي تطييب قلوب الناس بمثل هذا الشيء.\nنسأل الله ﷿ أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.","vol":"89","page":8},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-950> من (الصلاة على الميت) إلى (ما يقرأ في صلاة الجنازة)</span>\nينقضي أجل الإنسان في الحياة الدنيا بالموت، وتنطوي بذلك صفحة عمله، وبذلك ينتقل إلى الدار الآخرة، فيعرض على الله تعالى بعمله حسنًا كان أو سيئًا، ويجد من الأهوال ما الله تعالى به عليم، وعندها يكون المرء بحاجة شديدة إلى ما يرحمه الله تعالى به، وقد شرع لنا أن نصلي على الميت صلاة مقصودها الدعاء له والاستغفار بجملة من الأدعية المأثورة عن النبي ﷺ، وبالكيفية المعلومة في صلاة الجنازة، عل الله تعالى أن يرحم الميت ويقبل فيه شفاعة المصلين عليه.","vol":"90","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-951>فضل الصلاة على الميت وحضور دفنه</span>\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [باب الصلاة على الميت وتشييعه وحضور دفنه وكراهة اتباع النساء الجنائز.\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان.\nقيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين).\nوعن أم عطية ﵂ قالت: (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا)، متفق عليه.\nباب استحباب تكثر المصلين على الجنازة، وجعل صفوفهم ثلاثة فأكثر.\nعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: (ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه)، رواه مسلم].\nهذه أحاديث يذكرها الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه: رياض الصالحين، فيما جاء في الصلاة على الميت وتشييعه وحضور دفنه وكراهة اتباع النساء الجنائز.\nوقد ورد عند البخاري: (من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا)، والجنازة بالفتح، ويقال: جنازة بالكسر، وقد يفرق بينهما بأن الجنازة إذا كان الميت فوق النعش، وفي غير ذلك يسمى جنازة.\nوالغرض هنا: أن في الحديث من يتبع جنازة الإنسان المؤمن فإنه ينال ذلك الأجر إذا كان فعله ذلك إيمانًا واحتسابًا، أي: مؤمنًا بأن هذا مما افترضه الله ﷿ فرض كفاية على المسلمين، وأن في ذلك الأجر من الله، ويحتسب هذا الأجر عند الله تعالى.\nفإذا حضر فصلى عليها وبقي معها حتى يفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، والقيراط مثل أحد، أي: مثل جبل أحد.\nقال ﷺ: (ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن)، يعني: جاء للصلاة على الميت ثم رجع (فإنه يرجع بقيراط)، وهذا الحديث رواه البخاري، وأصله متفق عليه.","vol":"90","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-952>نهي النساء عن اتباع الجنائز</span>\nوفي حديث آخر لـ أم عطية ﵂ قالت: (نهينا عن اتباع الجنائز)، أي: نهى النبي ﷺ النساء عن اتباع الجنائز، قالت: (ولم يعزم علينا)، ففهمت أن النبي ﷺ نهى وما عزم عليهن في ذلك.\nوقد جاء في حديث آخر: (لعن الله زوارات القبور)، و(زوارات) صيغة مبالغة، ومعناه: أنها تبدأ بزيارة ثم تثني بزيارة، وفي كل وقت تذهب إلى المقابر، فإذا لعن النبي ﷺ فاعلة ذلك فإن منع النساء من الذهاب إلى المقابر إنما هو من باب سد الذرائع، وخاصة في مثل زماننا الذي كثر الفساد فيه، حيث ترى المرأة إذا توفي زوجها تخرج إلى القبر وراء الناس وقد كشفت شعرها، وتمشي وهي تصرخ وتندب وتنوح، وهذه ملعونة في هذا كله، أولًا: في كونها تخرج متبرجة، وثانيًا: كونها تنوح على الميت، وثالثًا: كونها يراها الناس في الطريق.\nحيث شغلت الناس عن ذكر الله ﷾ وتذكر الآخرة، وكذلك من يساعدها على مثل ذلك، فإذا فتح الباب لواحدة خرجت النساء جميعهن، فالأصل أن تمنع المرأة من ذلك؛ لما في زماننا من الفساد الموجود في النساء من تبرج وغير ذلك.\nوإننا لنرى حيث تأتي جنازة إلى المسجد لنصلي عليها أن في الشارع الكثيرين الذين لا يصلون من الرجال، ونجد فيهم النساء المتبرجات يودعن المرأة الميتة أو الإنسان المتوفى وهن في الطريق.\nفلو رأى ذلك النبي ﷺ لمنع النساء من ذلك، فقد منع ﷺ نساء الصحابة رضوان الله ﵎ عليهن وعليهم، وكن غاية في التزام أحكام الله ﷾.\nفكيف بمثل هؤلاء الذين في زماننا، والأصل هنا في مثل هذا الزمان المنع من ذلك؛ للفساد الحاصل، ويكفينا قوله ﷺ في الحديث: (لعن الله زوارات القبور).\nوإذا كانت المرأة التي تتردد على القبور ملعونة فإنها لن تكون مكثرة للتردد إلا بأصل الذهاب، فتذهب مرة، وتذهب ثانية وثالثة، ثم تعتاد ذلك كما تفعله الكثيرات من النساء.","vol":"90","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-953>استحباب تكثير المصلين على الجنازة</span>\nومن الأبواب التي أوردها الإمام النووي رحمه الله تعالى استحباب تكثير المصلين على الجنازة، بحيث يكون فيها عدد كبير يصلون على الجنازة، وتجعل صفوفهم ثلاثة فأكثر، فالصلاة على الجنازة ليست كغير من الصلوات، فهي صلاة لا ركوع فيها ولا سجود ولا تحيات، وإنما هي قراءة الفاتحة والدعاء للميت بعد الصلاة على النبي ﷺ، والدعاء للمسلمين، والتسليم.\nفالمستحب في هذه الصلاة أن يكون فيها عدد كبير من الناس يصلون على الميت، لكن إذا لم يتيسر إلا العدد القليل فإنه يقسم هذا العدد حتى يكونوا ثلاثة صفوف.\nحتى لو وصل الأمر إلى أن يكون الإمام صفًا وخلفه إنسان في صف وخلفه إنسان في صف ثالث.","vol":"90","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-954>حاجة الميت إلى إخلاص المصلين عليه وشفاعتهم فيه</span>\nوقد أورد الإمام النووي رحمه الله تعالى حديث عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: (ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه).\nالشفاعة مصدر (شفع) ومعنى (شفع): أنه جاء مع غيره، كما يقال: صليت شفعًا، أي: أن تضم ركعة إلى ركعة، فتصير ركعتين شفعًا، وعكس الشفع الوتر.\nفكأن الميت يجيء وحده إلى ربه ﷾، فأنت تأتي شفيعًا مع هذا الميت فتدعو لهذا الميت، فتكون الثاني معه في التقرب إلى الله ﷾، وهو محتاج إليك، فأنت تشفع في هذا الإنسان وترجو من الله ﷿ أن يغفر له.\nولذلك فإن الصلاة على الميت تحتاج إلى الإخلاص، فمن يصلي على الميت عليه أن يخلص في دعائه، فيدعو الله ﷾ للميت ويتخيل نفسه في مثل هذا الموقف، فحين تدعو للميت تخيل نفسك أنك أنت هذا الميت، وحينئذ ادع للميت بالشيء الذي تريد أن يدعى لك به، ولا تقل: هذا قريب، أو: هذا غريب، أو: هذا صغير، أو: هذا كبير، بل هذا ميت، وغدًا ستكون أنت مكان هذا الإنسان.\nوالمقام ليس مقام رياء، ليس مقام من يتقدم ليصلي على الميت المجرد التقدم والإمامة، بل هو مقام إخلاص، فنخلص في الدعاء للميت جميعنا، سواء أكنا أئمة أم مأمومين، فنحن نصلي على الميت وندعو له، وهذا المسكين في هذه الحالة محتاج للدعاء، ومحتاج للتثبيت، ومحتاج لأن تدعو ربك بأن ينور له قبره، فالقبور مظلمة على أصحابها، والله ينورها سبحانه عليهم بالصلاة على نبيه صلى الله عليه، وكذلك ينورها بأعمالهم، وبشافعة من يقبل شفاعتهم في هذا المتوفى.\nيقول النبي ﷺ: (ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة)، فالمقصود هنا أمة من المؤمنين، لا أن يأتي نصارى فيصلوا عليه، فقوله: (أمة من المسلمين) كأن المقصود به الإسلام الحق الخالص، أن تسلم وجهك وقلبك لله ﷾، وأن تسلم نفسك لله سبحانه، ولذلك جاء في بعض الروايات: (لا يشركون بالله شيئًا).\nفالمقصود: إنسان مسلم على الحق يلتزم بدين الله ﷾، ويرضى بالله سبحانه، ويصبر على قضائه وقدره، فهذا المسلم الذي يسلم نفسه لله ويسلم أمره له ويفوض أمره إليه سبحانه يصلي على هذا الإنسان المتوفى، وكله يقين بأن الله رحمن رحيم، وأن الذي شرع هذه الصلاة ما شرعها إلا ليخفف عن هذا الميت، وليقبل شفاعة الشافعين في هذا الإنسان، وتراه وقت الصلاة على الجنازة لا يسلك سبيل الجدل، كما يحصل في الجنائز من كثير من الناس، همهم الجدل، حيث يكون الميت قد مات قبل فترة، فيتركونه، حتى إذا أتوا المسجد قالوا: أسرعوا بالجنائز، ويأتون بالأحاديث في هذا الباب، والميت في بيته منذ البارحة، فما قالوا في الليل: أسرعوا بالجنائز.\nولكن حين يأتون إلى المسجد يقوم الشيطان فيركب عقولهم.\nإن الصلاة صلة بينك وبين الله ﷿، والإنسان المؤمن يحب المسجد ويحب الصلاة، فيقبل على صلاته، ويحرص على حضور تكبيرة الإحرام في المسجد.\nوكم من أناس تفوتهم تكبيرة الإحرام بسبب هؤلاء المتعجلين، فإذا أردت أن تصلي ركعتين يقول لك أحدهم: أقم الصلاة.\nوإذا لم يكن الإمام قد دخل بعد قالوا: لا يهم حضوره؛ فأي واحد يمكن أن يتقدم ويصلي، وبعضهم قد يتبرع بنفسه فيقيم الصلاة لوحده من أجل أن يصلي الناس معه.\nفهؤلاء حمقى ومغفلون وأغبياء بعيدون عن دين الله ﷾، فإذا مات الميت كان همهم رميه في المقبرة، وليس همهم أن يحضر الكثيرون من المصلين حتى يصلوا على هذا المسكين المحتاج لصلاتهم، بل هم الواحد منهم أن يفرغ من هذا الميت وكأنه يجامل أهل الميت بالكلام الذي يقوله، وكم من إنسان يشكو من ذلك ويقول: إني مواظب على تكبيرة الإحرام ثلاثين يومًا، وأرغب في إكمال أربعين يومًا، ثم جاءت جنازة في المسجد، فضاعت علي تكبيرة الإحرام، وكل ذلك بسبب هؤلاء المتعجلين.\nوالأصل في الإنسان المؤمن أن يخلص لله تعالى في الصلاة على الميت، وأن يتصور نفسه مكان الآخرين، فحين تجد مظلومًا ضع نفسك مكانه، فالمظلوم محتاج إلى من يدافع عنه، فأنا سأدافع عن هذا الإنسان المظلوم ما دام في قدرتي أن أفعل ذلك، وإذا وجدت إنسانًا ميتًا والناس منتظرون ليصلوا عليه فلا تقل: هؤلاء أناس كثيرون سيصلون عليه، فأنا سأذهب، ولكن قل: لو كنت الميت فسأتمنى أن الكثيرين يصلون علي، إذ يمكن أن واحدًا منهم مستجاب الدعوة، فيستجيب الله ﷿ دعوته لي.\nففي وقت الصلاة على الميت نحتاج إلى الإخلاص ﵎، ولا يهم من يتقدم ليصلي على الميت.","vol":"90","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-955>مخالفات في صلاة الجنازة</span>\nإذا أحب الناس تقديم واحد منهم ليصلي فليصل، ولكن لا يبتدع في الصلاة، كما يحدث من كثيرين، حيث يقول الواحد منهم للناس: اعملوا كذا وقولوا كذا، وقال النبي ﷺ كذا.\nوهو ما قال.\nوبعض الناس يرى نفسه أحق بالإمامة من غيره، وليس بقريب للميت، فإذا به يتقدم ليؤم الناس، والأصل في المساجد أن يصلي الإمام على المتوفى، إلا أن يستأذنه من هو أولى ومن يستحق ذلك.\nفإذا إذا كان للميت أب أو أخ أو زوج للميتة يريد أن يصلي عليها فإنه يستأذن ويصلي، ولا مانع من مثل ذلك، لكن الممنوع هو في حق ذلك الذي يرى نفسه أنه أحق، وأنه مشهور في الشارع، فيأتي المسجد ويتقدم الصف قائلًا: استووا.\nوبعض الناس يتقدم للصلاة على الجنازة، وكأن هذا الميت هو الوحيد في الدنيا، فيقف يصلي عليه ويدع الناس تتكسر أقدامهم، وتجده يكرر الدعاء الذي يقوله، أو أنه يحفظ ما لم يقله النبي ﷺ.\nفهنا لا بد من الرحمة بالناس وبالمصلين، وإذا كان الميت قريبك فليس معنى ذلك أن تقف فتدعو له ساعة وتنسى الناس خلفك، لأنهم سيدعون قليلًا ثم سيسكتون، أو قد يدعو الواحد منهم لنفسه، فأنت تدعو لقريبك الميت وهو يدعو لنفسه، ولن يدعو لميتك، فلا تشق على الناس، ولا تؤذهم، وإذا كنت تصلي إمامًا فاحفظ أحاديث النبي ﷺوهي أحاديث قليلة- في الدعاء للميت، وإذا حفظتها فإنك ستقف لتدعو للميت في نحو دقيقتين أو ثلاث أو أربع فلا داعي للإطالة بالناس.\nوورد حديث لـ ابن عباس ﵁ يقول النبي ﷺ فيه: (ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه).\nفإذا كان مائة يصلون على الميت ويشفعون فيه فإن ذلك فيه الترغيب في تكثير العدد، والمهم أن يصلي على الميت أكبر عدد موجود، فإذا كان بعض الناس قد فرغوا من صلاة الفريضة وما زال أناس يصلون فينتضر حتى يفرغ المسبوقون ليصلي على الميت أكبر عدد يشفع فيه.","vol":"90","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-956>السنة في تقسيم صفوف صلاة الجنازة</span>\nورد في حديث لـ مرثد بن عبد الله اليزني قال: كان مالك بن هبيرة ﵁ إذا صلى على الجنازة فتقال الناس عليها جزأهم عليها ثلاثة أجزاء، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: (من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب).\nالحديث رواه الإمام أبو داود، ورواه الترمذي، ورجاله ثقات، إلا أن فيه محمد بن إسحاق وقد عنعن فيه، ومحمد بن إسحاق صدوق، ولكن إذا عنعن يخشى من تدليسه، فلذلك الحديث المرفوع فيه ضعف، لكن الموقوف على مرثد بن عبد الله من فعله صحيح.\nويشهد للمعنى المرفوع أحاديث جاءت عن النبي ﷺ في هذا المعنى، وهو تقسيم المصلين ثلاثة صفوف على الميت إذا كان العدد قليلًا، فـ مالك بن هبيرة كان إذا صلى على الجنازة فتقال الناس، أي: وجد العدد قليلًا، قسمهم ثلاثة صفوف خلف الجنازة.\nوفي حديث آخر: (أن النبي ﷺ صلى على جنازة ومعه سبعة نفر، فجعل ثلاثة صفًا واثنين صفًا وواحدًا صفًا).\nفهذا فعل النبي ﷺ في تقسيم الصفوف خلف المتوفى، فإذا كان الصف في المسجد يسع ستين أو سبعين أو واحدًا وكان العدد قليلًا، فإنا نقسم العدد القليل على ثلاثة صفوف، حتى لو وصل الأمر إلى أن يكون وراء الإمام ثلاثة وخلفهم اثنين وخلفهما واحد.\nوبذلك تحيا سنة النبي ﷺ، ولا يصر المرء على أن يكون في الصف الأول، بحيث يقوم الناس ويحصل بينهم مشاحة مشاكل والميت بين أيديهم.\nوفي حديث مالك بن هبيرة: (ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب)، وفي رواية: (إلا غفر له)، فكان مالك إذا استقل أهل الجنازة جزأهم ثلاثة صفوف.\nوإذا لم يوجد مع الإمام غير رجل واحد فإن الإمام يقف وخلفه هذا الواحد فيصليان على الجنازة.\nوذلك بخلاف الصلاة العادية، فإذا كان المصليان اثنين فإنه يقف الإمام وعن يساره الآخر.","vol":"90","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-957>الأحق بالإمامة في الصلاة على الميت</span>\nوالذي يصلي على المتوفى -في قول أهل العلم- هو الوالي أو نائبه، فإذا كان هناك إمام للمسلمين أو أمير لهم في بلد من بلاد الإسلام فهو الأولى بالإمامة؛ لحديث أبي حازم قال: إني لشاهد يوم مات الحسن بن علي ﵁ فرأيت الحسين بن علي قال لـ سعيد بن العاص: تقدم، فلولا أنها سنة ما قدمتك.\nفالـ الحسين هو وأخوه سيدا شباب أهل الجنة، ومات الحسن ﵁ والحسين موجود، ومع ذلك قدم الحسين الوالي، وقال له: تقدم، فلولا أنها سنة النبي ﷺ ما قدمتك، فالوالي أحق من غيره.\nقال أبو هريرة ﵁ وذكر مثله: (أتنفثون على ابن نبيكم بتربة تدفنونه فيها؟ وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني؟).\nوهذا إذا كان يوجد أحد من أهل الإمارة في بلدة إسلامية فيها إمام أو أمير وهو يصلي بالناس، فهو أحق.\nفإذا لم يكن كذلك فإمام المكان هو الأولى بذلك، فإذا كان في المسجد إمام فهو أولى بذلك، ولكن لا مانع من أن يقدم من يريد، دون أن تحصل الفوضى على مثل هذا الشيء، ومن أراد أن يتقدم من أهل الميت فليقدمه، وليس هذا هو الأصل، وإنما الأصل أن لا يتقدم أحد على ذي سلطان في سلطانه، ولا على صاحب مكان في مكانه إلا بإذنه، ولكن في مثل هذه الأمور قد يحب أهل الميت أن يتقدم أحدهم، فلا مانع من مثل ذلك، طالما أن الإخلاص موجود، فليصل الإنسان إمامًا أو مأمومًا.","vol":"90","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-958>ما يقال ويفعل في صلاة الجنازة</span>\nوأما ما يقال في صلاة الجنازة فإنه يكبر المصلي أربع تكبيرات، يتعوذ بعد الأولى، ثم يقرأ فاتحة الكتاب، وأما في الصلاة العادية فإنك تبدأ بعد تكبيرة الإحرام بالاستفتاح في الصلاة بنحو قولك: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك).\nأو: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس) إلخ.\nلكن صلاة الجنازة ليس فيها ذلك، فصلاة الجنازة صلاة سريعة، تبدأ فيها بعد التكبير بقولك: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم) ثم تقرأ الفاتحة، ولم يثبت عن النبي ﷺ في الجنازة استفتاح.\nثم يكبر الثانية، ثم يصلي على النبي ﷺ بعدها، سواء أرفع اليدين في كل تكبيرة أم اكتفى برفع اليدين في التكبيرة الأولى فقط، فهذا كله واسع، والأمر جائز في ذلك وواسع.\nلكن الذي ثبت عن النبي ﷺ في الأحاديث أنه كبر ورفع في التكبيرة الأولى، ولم ينقل الرواة أنه رفع بعد ذلك، بل سكتوا عن التكبير الذي بعد ذلك، فمن قال: الأصل أن كل فعل في الصلاة يحتاج إلى دليل فإنه يقول: أتوقف في ذلك فلا أرفع في غير التكبيرة الأولى.\nومن قال: إن بعض الصحابة ثبت عنه أنه رفع اليدين في كل تكبيرة مثل عبد الله بن عمر فإنه يقول: إن الصحابي فعل ذلك، فنأخذ بفعله.\nولذلك قلنا: الأمر واسع، فإن شئت رفعت اليدين وإن لم تشأ لا ترفعهما؛ إذا لم يأت عن النبي ﷺ نص في أنه رفع في غير تكبيرة الإحرام.\nوالحاصل: أنه يتعوذ بعد الأولى ويقرأ الفاتحة، ثم يكبر الثانية ويصلي على النبي ﷺ بما هو مذكور في آخر التشهد، فيقول: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد)، ثم بعد ذلك يكبر ويدعو للإنسان المتوفى.\nيقول لنا النووي ﵀: ولا يفعل ما يفعله كثير من العوام من قراءتهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:٥٦]؛ لأنه كان الاختراع والابتداع في زمن الإمام النووي كثيرًا، وفي كل زمان تجد أشياء من ذلك.\nفكانوا يفعلون ذلك في عهد الإمام النووي، فنبه على أن هذه آية في القرآن، لكن لا تفعل ما يفعله هؤلاء؛ فإن هذا ليس من هدي النبي ﷺ.\nيقول النووي رحمه الله تعالى: فإنه لا تصح صلاته إذا اقتصر عليه.\nأي: أن بعض الناس بدلًا من أن يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦].\nفهنا لم يأت بالأمر: (صلوا) ولم ينفذه، مع أن المطلوب هنا التنفيذ، بأن تصلي على النبي ﷺ فتقول: (اللهم صل على محمد).\nثم يكبر الثالثة ويدعو للميت وللمسلمين بما سنذكره من الأحاديث إن شاء الله، ثم يكبر الرابعة ويدعو، ومن أحسنه: (اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله)، فهذا دعاء قصير جدًا، والمقصود: أن تخلص في الدعاء، فإذا أخلصت في الدعاء فادع بما شئت.\nيقول ﵀: والمختار أن يطول الدعاء في الرابعة، خلاف ما يعتاده أكثر الناس.\nيعني: أن بعض الناس يرى أنه بعد التكبيرة الرابعة يسلم، وهذا يختاره بعض أهل العلم، فيكبر التكبيرة الرابعة ويسلم، فالإمام النووي يقول: المختار أنه يدعو ويطيل الدعاء بمثل هذا الذي ذكره، وهو: (اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله).","vol":"90","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-959>دعاء مأثور في الصلاة على الميت</span>\nفأما الأدعية المأثورة بعد التكبيرة الثالثة فمنها: ما جاء عن أبي عبد الرحمن عوف بن مالك ﵁ قال: (صلى رسول الله ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار).\nهذا دعاء النبي ﷺ، وهو كلمات يسيرة يعتبرها النووي رحمه الله تعالى طويلة، يقول: يدعو بمثل ما دعا النبي ﷺ ويطيل في الدعاء.\nيعني: بمثل هذا الذي جاء في هذا الحديث، وأجمل ما يكون وأوعى ما تقوله وأجمعه هو ما قاله النبي ﷺ؛ فهو أرحم الخلق بأمته ﵊، وقد أمرنا بالإخلاص في الدعاء وأن ندعو للمتوفى، وهو كان يدعو بذلك، فلنحفظ أحاديثه ﷺ في الدعاء للميت، ولندع للميت بما قاله النبي ﷺ ودعا به.\nففي هذا الحديث قوله: (اللهم اغفر له وارحمه)، فجمع له بين المغفرة والرحمة، فقوله: (اغفر له) أي: امح عنه الخطايا، أو استر الخطايا؛ لأن الغفر هو الستر، ومعنى التكفير المحو، فهنا كأننا نقول: اغفر لهذا المتوفى واستر خطاياه، وإذا سترت خطاياه فارحمه.\nوقوله: (وعافه واعف عنه)، الدعاء بالعافية في الآخرة بمعنى رحمة الله ﷾، أي: أن ينقذك من عذاب النار.\nفالمعافاة هنا من العقوبة في القبر ومن العذاب في النار.\nوقوله: (واعف عنه) يعني: فلينله عفوك يا رب العالمين، وتجاوز عن هذا الإنسان وسامحه.\nوقوله: (وأكرم نزله)، النزل هو الضيافة، أي: يا رب! قد نزل هذا ضيفًا عندك، فأكرم نزله وأنت أكرم الأكرمين، أكرم هذا الإنسان الذي نزل ضيفًا ضعيفًا عندك يا رب العالمين.\nقوله: (ووسع مدخله)، القبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار، والقبر يوسع على صاحبه أو يضيق عليه، فتدعو للمتوفى بأن يوسع الله ﷿ له في قبره.\nقوله: (واغسله بالماء والثلج والبرد)، هذا من التوكيد، فإذا غسل الإنسان بالثلج وغسل بالماء وغسل بكل شيء طاهر ينزل من السماء فإنه ينقى، والمعنى: نقه من الذنوب ليلقاك ولا شيء عليه.\nوتكون التنقية في الدنيا من الذنوب بالابتلاءات.\nوأما القبر فليس فيه إلا العذاب أو الرحمة، فكأنه يقول: يا رب! ارحمه واغسله بفضلك وبرحمتك، وطهره من هذه الذنوب؛ ليلقاك يوم القيامة ولا شيء عليه.\nقوله: (ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس)، أي: اجعله كالثوب الأبيض الذي لا دنس فيه ولا نجاسة عليه، والله على كل شيء قدير ﷾، فكما أن هذا الثوب يصير أبيض بفضل الله سبحانه ﵎، كذلك نقول: اجعل هذا الميت في بياض هذا الثوب، وأنت الذي تفعل به ذلك يا رب العالمين.\nقوله: (وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه)، أي: ندعوا بأن يبدله الله ﷿ دارًا خيرًا من داره، فهذه الدار الدنيا التي لا قيمة لها ضيقة على أصحابها، منغصة على أهلها، لكن الدار الآخرة هي رياض الجنة، نسأل الله ﷿ أن يجعلنا من أهلها.\nقوله: (وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه)، هذا توكيد، فندعو للميت بأن يبدله الله تعالى زوجًا خيرًا من زوجه، وهذا إذا كان رجلًا، أما إذا كان الميت امرأة فلا يستحب ذلك، فالرجل يتزوج بالحور العين، وتكون زوجته معه في الجنة أيضًا، وهي من أجمل نساء أهل الجنة.\nلكن المرأة تكون لآخر أزواجها، فلا ينبغي أن يدعى بمثل ذلك للمرأة فيقال: أبدلها زوجًا خيرًا من زوجها، لا يقال ذلك، ولكن يقال هذا للرجل فقط، وإن كان بعض أهل العلم حمله على معنى له وجه، وهو أن قوله: (أبدلها زوجًا خيرًا من زوجها)، المراد به نفس الزوج، وحين يكون من أهل الجنة يكون خيرًا لها مما كان لها في هذه الدنيا، فإذا قال الإنسان ذلك فلينو هذا المعنى، وإلا فلا يقله.\nقوله: (وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر)، هذا دعاء له بكل الخير من تكفير للخطايا ومن غفران للسيئات، ومن نيل للرحمات، وأن ينقيه الله ﷾، وأن يغسله من ذنوبه، وأن يدخله الجنة، وأن يجيره من عذاب القبر، ومن عذاب النار.\nومن جمال هذا الدعاء الجامع الشامل أن الصحابي راوي الحديث -وهو عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵁- يقول: حتى تمنيت أن أكون أنا هذا الميت.\nأي: كان يتمنى أنه ذلك الميت الذي دعا له النبي ﷺ بهذا الدعاء الجميل كله.\nوهناك أدعية أخرى نرجئها للحديث القادم إن شاء الله، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"90","page":10},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-960> ما يقرأ في صلاة الجنازة وما جاء في الإسراع بالجنازة</span>\nلقد جاء الإسلام شاملًا كاملًا مستوعبًا لجميع نواحي حياة الإنسان، مشرعًا له في كل شأن من شئون حياته، وفي كل مرحلة من مراحل عمره من يوم ولادته إلى يوم وفاته، وحتى بعد وفاته فلم يترك شيئًا عبثًا.\nوإن مما شرعه الإسلام بعد وفاة هذا الإنسان الصلاة عليه وغسله ودفنه وقضاء ديونه، وغير ذلك.","vol":"91","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-961>الدعاء في صلاة الجنازة وكيفيته</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم.\nالحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: قال الإمام النووي ﵀: [باب: ما يقرأ في صلاة الجنازة عن أبي عبد الرحمن عوف بن مالك ﵁، قال: (صلى رسول الله ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرا ًمن داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار قال عوف: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت) رواه مسلم].\nوأما كيفية صلاة الجنازة: فإنه يقرأ في صلاة الجنازة بعد التكبيرة الأولى: بفاتحة الكتاب.\nوبعد التكبيرة الثانية: يصلي على النبي ﷺ، قائلًا: اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آله إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.\nوبعد التكبيرة الثالثة: يدعو للميت.\nثم بعد التكبيرة الرابعة: يدعو لنفسه، ويدعو للميت، ويدعو للمؤمنين.\nفالدعاء يكون بعد التكبيريتين الثالثة والرابعة.\nوقد جاءت أحاديث جامعة عن النبي ﷺ في كيفية الدعاء في صلاة الجنازة، فمن حفظها ودعا بها للميت فقد قال شيئًا عظيمًا، وأتى بخير كثير في الدعاء لهذا المتوفى.\nومن ذلك: حديث عوف بن مالك الذي ذكر فيه النبي ﷺ دعاء الميت: (اللهم! اغفر له، وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرا ًمن داره، وأهلا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار).\nيقول عوف بن مالك ﵁ راوي الحديث: حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت؛ وذلك من جمال هذا الدعاء، فبسبب أنه دعاء كامل وجامع فقد تمنى ﵁ أن لو كان هو هذا الميت، فقد دعا له النبي ﷺ بالمغفرة، وبالرحمة، والعفو والمعافاة في الدنيا فاسأل الله العفو والعافية، بأن يعافيك في بدنك، وفي دينك، وفي أهلك ومالك.\nوأما في القبر فقد انتهى التكليف الذي كان في الدنيا، إذًا المعافاة في القبر هي: النجاة من أثر الذنوب وعقوبتها، والنجاة من العذاب في القبر، والنجاة من العذاب يوم القيامة، فهذه هي المعافاة للميت، ومن عافاه الله سبحانه فقد فاز فوزًا عظيما.","vol":"91","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-962>شرح ألفاظ دعاء الميت في حديث عبد الرحمن بن عوف</span>\nفقول النبي ﷺ: (اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه، وأكرم نزله)، أي: المكان الذي نزل فيه، وكأن المقصود الضيافة؛ لأن النزل هو: الضيافة، فكأن هذا الميت ضيفًا على الله ﷿، فكأنك تقول لله ﷿: هذا ضيف نزل عندك، فأكرم هذا الضيف، كما أمرتنا أن نكرم الضيوف في الدنيا، فتفضل عليه بأن تكرمه، وقد نزل عندك.\nوأما قوله ﷺ: (وأكرم نزله ووسع مدخله)، فلأن القبر إما أن يضيق على صاحبه، فيكون ضيقًا جدًا، وإما أن يوسع لصاحبه فيكون كمد البصر، وذلك بحسب عمل صاحب القبر، الذي عمله في الدنيا.\nوكذلك إما يكون القبر روضة من رياض الجنة، أي: جنة عظيمة، ورياض واسعة، وإما أن يكون حفرة -والعياذ بالله- من حفر النار.\nوأما قوله ﷺ: (ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس) أي: نقه من الخطايا، واغفرها له، واغسلها وامحها عنه، بحيث يصير نقيًا كالثوب الأبيض ناصع البياض الذي ليس فيه شيء من آثار الدنس.\nوقوله ﷺ: (وأبدله دارًا خيرًا من داره)؛ لأن داره كانت في الدنيا بكدرها وضيقها، فدعا له ﷺ بأن يبدله دارًا هي أفضل منها، وهي: الجنة.\nوقوله ﷺ: (وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه) يعني: من الحور العين في الجنة، إذا أدخله الله ﷿ جنته.\nوقوله ﷺ: (وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار)، فيه عظم هذا الدعاء من النبي ﷺ في معافاة هذا الإنسان في كل أحواله، من وقت ما يقدم على ربه وهو في قبره إلى أن يبعث، ويدخل الجنة.\nولذلك فإن الصحابي راوي الحديث تمنى أن يكون هو هذا الإنسان المتوفي، ولا يوجد أحد يتمنى الموت، ولكن مع هذا الدعاء العظيم من النبي ﷺودعاءه مستجاب ﵊- فقد تمنى أن يكون هو هذا الميت.","vol":"91","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-963>دعاء النبي ﷺ للميت في حديث أبي قتادة</span>\nومن الأدعية الواردة في صلاة الجنازة: ما دعا به النبي ﷺ كما ورد عند الترمذي من حديث أبي هريرة ومن حديث أبي قتادة، وفيه: قال النبي ﷺ: (اللهم! اغفر لحينا وميتنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا).\nفهذا هو الذي تدعو به للميت ثم تدعو لنفسك وللمسلمين أيضًا، فبعد التكبيرة الثالثة تخص الميت بالدعاء، وإن شئت جعلت الدعاء له في التكبيرتين الثالثة والرابعة ولا تحرم نفسك والمسلمين من الدعاء، فلعل الله ﷿ أن يستجيب، ولعلك أن تستحضر في هذا الوقت الإخلاص والخشوع والخوف من الله ﷿، فيستجيب الله دعاءك، فلا تحرم نفسك من أن تدعو لنفسك وتدعو للمؤمنين.\nولكن بجوامع الدعاء التي دعا بها النبي ﷺ، فقد دعا بقوله: (اللهم! اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وذكرنا وأنثانا، وصغيرًا وكبيرنا، وشاهدنا وغائبنا اللهم! من أحييته منا، فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان) فهذا دعاء شامل كامل من النبي ﷺ الذي أوتي جوامع الكلم، صلوات الله وسلامه عليه.\nفيدعو ربه سبحانه بقوله: اللهم! اغفر للجميع، ويخصه، وإن كان حقيقة التخصيص فيه التعميم، فإن قوله ﷺ: (لحينا) يخص كل الأحياء والإنسان إما حي وإما ميت، وقد قال في الدعاء: اغفر لحينا وميتنا، فحقيقته هي: التعميم فقد عم النبي ﷺ الجميع بقوله: (اغفر لحينا وميتنا).\nوكذلك قوله ﷺ: (وشاهدنا وغائبنا) فإن الناس إما شاهد، وإما غائب، فالشاهد هو الموجود، والغائب إما أن يكون غائبًا الآن، وإما أن يكون تحت التراب، فكأنه جمع الجميع بقوله.\nوكذلك قوله ﷺ: (وذكرنا وأنثانا)؛ لأن الناس إما ذكور وإما إناث، فدعا النبي ﷺ للجميع.\nوكذلك قوله: (وصغيرنا وكبيرنا) نفس الأمر أي: أن الناس إما صغار وإما كبار، فكأن هذا الدعاء هو الأولى؛ لأنه دعاء النبي ﷺ، وفيه من التأكيد الشيء الكثير، وقد تفنن في الانتقاء صلوات الله وسلامه عليه.\nفكأنه يقول: اللهم! اغفر للجميع.\nولكن بتفنن جميل في الدعاء.\nفشمل دعاؤه ﷺ الجميع.\nوقوله ﷺ: (اللهم! من أحييته منا فأحييه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان) أي: أن الله إما أن يقدر لنا الحياة، وإما أن يقدر لنا الموت، فيقول: إذا قدرت لنا الحياة فأحيينا على الإسلام، وثبتنا عليه، وإن قدرت لنا الموت فتوفنا على الإيمان.\nثم قال: (اللهم! لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده) أي: هذا الإنسان الذي توفي وفارقنا، اللهم! لا تحرمنا أجر أن صلينا عليه وشيعناه ودعونا له.\nوكذلك لا تفتنا بعده؛ فقد مات هذا الإنسان، ومددت لنا في أعمارنا، فلا تجعلنا فتنة للناس بعد موته، ولا تفتنا بغيرنا في هذه الحياة الدنيا.","vol":"91","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-964>الأمر بإخلاص الدعاء للميت</span>\nمما جاء عنه ﷺ في أمر الجنائز ما رواه أبو داود، وحسنه الشيخ الألباني: عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) وهذا الأمر مهم جدًا وليس الأمر من الذي يصلي عليه، ولكن من الذي يؤم، والمهم أن يخلص الجميع في الدعاء للميت.\nوإذا كانت الصلاة على الميت في المسجد فأولى الناس بالصلاة عليه هو إمام المسجد، وهذا بنص حديث النبي ﷺ، وهو قوله: (لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه)، وأما إذا كانت الصلاة خارج المسجد كأن يصلون عند المقبرة، أو في المصلى، أو في غيرهما، فليتقدم وصي الميت إن كان أوصى أن فلانًا يصلي عليه، وإن كان الأفضل في الإمامة على كل الأحوال في أي صلاة جماعة سواء كانت صلاة على الميت أو غيرها أن يؤم القوم أحفظهم لكتاب الله، وذلك لما جاء عن النبي ﷺ: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) فهذا هو المقدم في الإمامة، إذ قدمته الشريعة، ولا يؤخر من قدمته الشريعة.\nوقد تجد أحيانًا بعض الناس يظن أن المسألة من باب التزين والتجمل، فتجد أن أولياء الميت وأهله يتخاصمون فيما بينهم فيمن سيصلي على هذا المتوفى، والأهم من ذلك هو الإخلاص في الدعاء، سواء كنت إمامًا أو كنت مأمومًا، فإذا أخلصت في الدعاء استجاب الله ﷾، ولن يكون هناك فرق سواء كنت إمامًا أو مأمومًا، ولذلك قال ﷺ: (أخلصوا له الدعاء).\nفالمطلوب إذًا: أن تستحضر النية الصالحة، وتستحضر أنك ستكون مكانه في يوم من الأيام، ولا تدري هل سيصلي عليك مجموعة كبيرة أو عدد قليل، وهل سيخلصون لك في الدعاء أم لا؟ فلذلك عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، فإنك إذا كنت في هذا الموقف فإنك تحب من الناس أن يدعوا لك بإخلاص، فادع لهذا المتوفى، كما تحب أن يدعى لك، ولا تبخل بالدعاء فإنك لن تخسر شيئًا، ولن تدفع من جيبك، وإنما الله ﷿ هو الذي يعطي، فادع له بالجنة، وادع له بالفردوس الأعلى فيها، وادع له بالرحمة، فلعل الملائكة أن تدعوا لك، وتقول: ولك مثله، ولك مثله، فادع لأخيك، كما قال النبي ﷺ، واسأل له التثبيت، وادع له بما تحب أن يدعى لك.\nذكر الإمام النووي ﵀ هنا حديثًا آخر رواه أبو داود بإسناد ضعيف، ورجاله ثقات إلا: علي بن شماخ، لم يوثقه سوى ابن حبان، فالحديث في إسناده ضعف يسير.\nقال ﷺ: (اللهم! أنت ربها وأنت خلقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت توفيتها، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئنا شفعاء له، فاغفر له) فأنت أيها المسلم جئت لتصلي على المتوفى وتشفع له.\nالشفاعة معناها: أن لا تجعله وحده، فأنت شفعته، أي: صرت معه تدفع عنه بدعائك وبإخلاصك، فلذلك قال: (جئنا شفعاء له، فاغفر له) لعل الله ﷾ أن يتجاوز عنه، ويعفو عن سيئاته.\nومن الأحاديث الصحيحة: ما رواه أبو داود عن واثلة بن الأسقع ﵁، قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ على رجل من المسلمين، فسمعته يقول: اللهم! إن فلان ابن فلان في ذمتك وحبل جوارك، فقه من فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحمد، اللهم! فاغفر له وارحمه، إنك أنت الغفور الرحيم).\nفيستحب أن تدعو بأي دعاء شئت؛ لأنه ﷺ لم يقل كل الأدعية في صلاة واحدة، ولكن مرة قال بكذا.\nومرة قال بكذا، ومن هنا فإننا نعرف أن طول صلاة الجنازة غير مستحب، فلا تكون صلاة طويلة جدًا بحيث يمل الناس، يقفون حتى لا يجدوا شيئًا يقولونه، ولكن تكون الصلاة بقدر ما دعا النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nوإن شئت جمعت حديثين أو ثلاثة أحاديث فيما جاء من ذلك، ودعوت بهما للميت، ولكن البعض أحيانًا قد يقف ويدعو للميت دعاءً طويلًا، حتى يمل من خلفه، ويظلوا سكوتًا، لا يعرفون ماذا يقولون، فيذهب عنهم الإخلاص، ويشق عليهم بذلك.\nولذلك عندما قال الإمام النووي ﵀: يستحب الإطالة بعد التكبيرة الرابعة، فإنه يقصد: الإطالة بقدر ما قاله النبي ﷺ، لأن بعض العلماء يقولون: لا يوجد بعد التكبيرة الثالثة دعاء، وإنما تكبر، وتقف شيئًا يسيرًا، وتسلم من غير دعاء، فالإمام النووي يقول: قف، وادع بعد الثالثة بمثل هذا الدعاء الذي جاء عن النبي ﷺ.","vol":"91","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-965>السؤال في القبر</span>\nويسأل الإنسان في قبره: من ربك؟ وما دينك؟ وما تقول في الرجل الذي جاء فيكم؟ والسؤال صعب جدًا؛ لأن الإنسان وهو في قبره وقد انصرف الناس من حوله، يأتيه ملكان، فينهرانه بشدة، فمثلًا: لو كنت واقفًا في الطريق وصاح أحد عليك بصوت عال فإنك تفزع وتخاف وأنت قوي قادر، فما بالك وأنت داخل القبر، مربوط في كفنك، لا تعرف ماذا ستفعل؟! نسأل الله العفو والعافية.\nفيأتيه ملكان شديدا الانتهار، أصواتهما وصراخهما عال وشديد جدًا، لا يسمعهما أحد إلا هذا المتوفى، فينهرانه ويجلسانه، ويسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ وما تقول في الرجل الذي بعث فيكم؟ فلا ينفع الإنسان إلا ما كان عليه في الدنيا من عبادة الله والخوف منه سبحانه، وهنا يثبت الله الذي يريد أن يثبته، فلا أحد معك في قبرك وإن أقصى شيء يسمعه الإنسان المتوفى هو قرع النعال، وهي حالة من حالات الفزع التي تكون على الإنسان، فقد أصبح لوحده الآن، وهذا فيه إفزاع للإنسان، فإنه وهو في قبره لا أحد معه، فكل الناس رجعوا وتركوه، فإذا كان عبدًا مؤمنًا فإن الله يثبته في هذه الحالة.\nفيجيب قائلًا: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلوات الله وسلامه عليه، فيسألانه: ما معرفتك به؟ فيجيب بقوله: جاءنا بالبينات فصدقت وآمنت، أي: أعطاني كتابًا من عند الله سبحانه، أعطانا سنته صلوات الله وسلامه عليه، فقد أتى بآيات معجزات، فعرفنا أنه رسول الله، فهو ثابت يجيب لا يتزعزع ولا يتزلزل فينجح في الامتحان، وتلا النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم:٢٧]، فإذًا يضل الإنسان إذا كان ظالمًا وفاجرًا وشقيًا كافرًا في هذه الدنيا، فإذا سأله الملكان في القبر: من ربك؟ وما دينك؟ وما كنت تقول في الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: لا أدري، لا أدري، فيزيغ، ولعله في الدنيا كان يقول: لا إله إلا الله، ولكنه لم يثبت عليها في قبره، فقد ضاعت منه هذه الكلمة؛ لأن الذنوب ثقلت لسانه في وقت وفاته، فلم يقدر على هذه الكلمة، ثم لما كان في قبره فإن ذنوبه واستهزاؤه بالمؤمنين، أضاع عن خاطره ذلك، في موقف فيه الفزع، فيقال له: لا دريت ولا تليت، ولا دريت، دعاء عليه، أي: إن شاء الله ما دريت، ولا تليت، أي: ما قرأت القرآن قبل ذلك، ولا تعلمت آداب هذه الشريعة، فقد كنت غافلًا، ولاعبًا، وماشيًا في الدنيا كأهل الباطل شمالًا ويمينًا، ناسيًا ربك ﵎، والآن ننساك ونتركك وحيدًا في قبرك.\nفينادي مناد: أن كذب عبدي.\nويقال له: إنه محمد ﷺ، ألا تعرف النبي ﷺ؟!! فيقول: سمعت الناس يقولون شيئًا فقلت، أي: قلدت الناس، أي: أن الناس كانوا يقولون شيئًا، فقلته، فقلدت الناس، عملت مثل ما عمل الناس.\nوكثير من الناس لا يعرف أنه قال: لا إله إلا الله، أو لا يذكر الله إلا عندما يتعارك مع الناس، فيرفع صوته، ويقول: لا إله إلا الله، وهو يتعارك، أما وهو طبيعي فلا يذكر الله، بل ينساه ﷾، وعندما يحب أن يتعجب يقول: سبحان الله، لا أعرف ماذا كذا وكذا، فيقولها على وجه التعجب والإنكار أما أن يجلس يذكر الله ﷾ خاشعًا له، متأدبًا معه فلا يفعل ذلك.\nفإذا كان هذا الإنسان الذي في قبره قد نسي الله ﷾ في الدنيا، وكان فاجرًا شقيًا، فإنه يقول: سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته يعني: كان مع الناس يقول كما يقولون: لا إله إلا الله فقال: كما قال الناس، فلم ينفعه ذلك في قبره، وإذا به يسمع قائلًا يقول: افتحوا له بابًا إلى النار، وأروه منزله من النار، وافرشوا له لوحين من النار والعياذ بالله، فيصير القبر عليه حفرة من حفر النيران نسأل الله العفو والعافية.\nولذلك فعندما تدعو لميت فاستحضر هذا كله، وأنه مسكين، قد ذهب إلى ربه، فيحتاج إلى الدعاء، فادع له بالتثبيت، وادع له بالمغفرة.\nفي نهاية هذا الحديث يقول النبي ﷺ: (فقه فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحمد، اللهم! فاغفر له وارحمه، إنك أنت الغفور الرحيم).\nمن الأحاديث التي جاءت في ذلك: ما روى الحاكم وقال: صحيح، وإن كان في إسناده ضعف، عن عبد الله بن أبي أوفى: أنه كبر على جنازة ابنة له أربع تكبيرات.\nوروى البيهقي بإسناد صحيح فيه فقام بعد الرابعة كقدر ما بين التكبيرتين، وساقه الإمام النووي من رواية الحاكم ولكنها بإسناد ضعيف، ولكن ورد مثلها، ورواها البيهقي بإسناد صحيح، وفيه: أن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ كبر على جنازة ابنة له أربع تكبيرات، فقام بعد الرابعة، كقدر ما بين التكبيرتين، يعني: كأن كثيرًا منهم كانوا يصلون فإذا أتوا بالتكبيرة الرابعة لا يدعون، وإنما يسلمون فورًا فهو قام مثلما قام قبلها في الدعاء الذي في التكبيرة الثالثة، يستغفر ويدعو لها.\nثم قال: بعدما جلس فترة، أي: إن راوي الحديث يقول: كبر أربعًا، فمكث ساعة حتى ظننت أنه سيكبر خمسًا، ثم سلم عن يمين وعن شمال، وكلمة: ساعة بمعنى: لحظة، أي: شيئًا من الزمن، وليس معنى الساعة ستين دقيقة، ولكن المقصد منه لحظة، فهو وقف قليلًا، أي: فترة، يدعو للميتة فلما انصرف قلنا له: ما هذا؟ أي: إنك بعد التكبيرة الرابعة وقفت تدعو أيضًا، كأنهم نسوا هذه السنة عن النبي ﷺ، فكان كثيرون لا يفعلونه فقد كانوا يدعون بعد التكبيرة الثالثة، وأما بعد الرابعة فيسلمون فورًا، فلما قالوا له ذلك قال: إني لا أزيدكم على ما رأيت رسول الله ﷺ يصنع، أو هكذا صنع رسول الله ﷺ.","vol":"91","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-966>باب الإسراع بالجنازة</span>\nالإسراع بالجنازة سنة، والإسراع أنواع: إسراع من لحظة ما يتوفى الميت، فهو إسراع في التجهيز، وإسراع في استخرج تصريح بدفنه، وإسراع في حفر القبر، وإسراع في إحضار المغسل، وإسراع في إحضار الكفن، فلا يطول هذا الشيء وإنما بقدر ما يجتمع الناس الذين يصلون عليه، والنبي ﷺ ذكر لنا في الحديث أنه: (إذا صلى عليه أربعون يشهدون أن لا إله إلا الله) أي: أربعون من الموحدين، وفي الحديث الآخر: (مائة يوحدون الله سبحانه إلا شفعوا فيه) فإذًا نحرص على أن يصلي على هذا المتوفى على الأقل أربعون شخصًا يصلون عليه، أو مائة، والناس الذين يحضرون في الجنائز كثيرون، فإذًا لا داعي للإسراع الذي يجعل الكثيرين لا يشهدون الجنازة، وأيضًا لا داعي للإبطاء الممل الذي يجعل الناس يقولون: لن نحضر جنازة مرة ثانية؛ لأنهم يؤخرونا ويعطلونا، فالأمر على الوسط، فالإسراع يكون بالتجهيز، وتبلغ من سيحضر الجنازة، بحيث إنه يصلى على الميت إذا توفي، ويدفن في اليوم الذي توفى فيه.\nإلا أن يتعذر ذلك، كما في عادة بعض البلدان أن المقبرة تقفل بعد العشاء، فمن الصعب أن نذهب بعد العشاء ونفتح له قبرًا، ولكن في مكة والمدينة المقبرة مفتوحة في أي وقت، ففي أي وقت يدفن الإنسان المتوفى، فعلى ذلك إذا كانت عادة أهل البلاد الإسراع لمثل ذلك، فيدفن ولا يؤخر إلى الصباح حتى يحضر الناس.\nوينظر أيضًا هل يتغير الميت أو لا يتغير، وأي إنسان يتوفى إذا مر عليه وقت فإنه يتغير، فالإنسان بداخله معدة وأمعاء فتتحلل، ويخرج منه رائحة كريهة، وليس هذا دليل على أن ذلك الرجل سيء، والميت يتحلل في قبره، وتأكله الدود، إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإلا ما يكون من أمر الشهداء في من شاء الله ﷾.\nإذًا: إذا كان الميت رائحته قد تغيرت فلا أحد يسيء فيه الظن، وإذا كان مستورًا داخل صندوق، وقد تغير الميت، فاتركه على وضعه، وصل عليه وهو على هذه الحالة، وقبل إنزاله القبر افتح الصندوق وأنزل الميت في قبره، واستره، واجعل له أعذارًا مثل أن تقول: تأخر أهله في الدفن، وأحسن الظن في أخيك المسلم، ولا تدري إذا كان حدث له هذا الشيء، فأنت ماذا سيحصل لك في مثل موقفه؟ فلا تسيء الظن في أحد.\nوأحيانًا تأتي الجنائز خارج المسجد، وأهل الميت يقولون: سنصلي عليه داخل السيارة، فافهم أنه بدأ يتغير، فلا تحرج الناس، بأنه يجب أن ننزله وندخله داخل المسجد، فتتأذى وتؤذي الناس، بل اتركه في مكانه، وصلوا عليه في مكانه والغالب والعادة هو هذا الشيء، فهم يرفضون أن ينزلوه من داخل السيارة؛ لأن رائحته قد تغيرت، حتى لا يتأذى منه أهل المسجد، فدعه على مكانه، وصل عليه في المكان الذي هو فيه.\nوفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم)، يعني: في كل الأحوال الإسراع أفضل، فإن كان إنسانًا صالحًا فاذهب به لما ينتظره في قبره من نعيم الله سبحانه، ومن رضاه.\nوإذا كان إنسانًا غير صالح، كأن يكون شريرًا وغير جيد، فاذهب به أيضًا إلى المقبرة، ففي الحالتين يقول النبي ﷺ: (إن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم).\nويستحب أن يكون الإسراع الذي لا يشق على الناس ولا يرهقهم، فلا تضع الميت داخل النعش، ثم تحمله وتجري به وما زال أهل المسجد في المسجد، وما زال الذين يلبسون أحذيتهم في المسجد.\nفإذًا: لا بد من الإسراع في تجهيز الميت، والإسراع في دفنه، والمشي الذي لا يشق على الناس، وخاصة عندما يكون هناك كبار سن يمشون وراءها، ويريدون الوصول إلى المقابر، فإنه يصعب عليهم الجري مع من يجري، فإذًا يكون الإسراع بالجنازة، من غير أن نشق على الناس، ومن غير أن يختلف كلام الناس، كما يحدث في جنائز كثيرة، وأحيانًا بعض الناس، يخرجون وراء الجنازة، وبعد أن يمشوا عشرة أو اثنتي عشرة خطوة يرجعون؛ لأن الجنازة فاتت، ولن يستطيعوا إدراكها، فيكون نصف المشيعون قد تخلفوا؛ بسبب الجري والإسراع، وقد كانوا يريدون أن يصلوا عليها.\nومن الأحاديث في ذلك: ما رواه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: كان النبي ﷺ يقول: (إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة، قالت لأهلها: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمع الإنسان لصعق).\nوقوله: (فاحتملها الرجال على أعناقهم)، احتج بهذه الجزئية بعض العلماء الأفاضل في أنه لا بد من حمل الجنازة على الأكتاف، وأنه لا يجوز حملها في سيارة إسعاف ولا غيرها وهذا احتجاج خاطئ ولا وجه له، وإنما حديث النبي ﷺ وصف لحال موجود عندهم.\nولم ينكر على الصحابة حين توفي شهداء أحد وجاء أهل المدينة يحملون الشهداء على الجمال، والجمل مثل السيارة، إذًا: فهذا الأمر راجع للأيسر على الناس، فإن كان الأيسر أن تحمله في النعش فاحمله، وإن كان الأيسر أن تحمله في سيارة فاحمله فيها ولا وجه للقول بأن هذا الأفضل، وإنما الأفضل ما لا يشق على الناس في ذلك، فالأمر بحسب الأيسر على الناس.\nقال ﵊: (إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني)، فإذا كان الميت صالحًا فإن الملائكة تبشره بقولها: اخرجي أيتها النفس الطيبة إلى روح وريحان، ورب غير غضبان.\nفالإنسان يبشر عندما تخرج روحه، فتبشره الملائكة بأن ربك غير غضبان عليك، فلا تخف، فإذا دخل قبره كان التثبيت من الرب سبحانه، كما قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧]، فروح الإنسان وهو على نعشه، ذاهبين به إلى القبر، تقول: أسرعوا؛ لأنه يرى النعيم الذي ينتظره هنالك، فيريد أن يسرعوا به إلى مكانه، فتقول روحه: قدموني.\nوإذا كانت غير صالحة وكان الميت إنسانًا فاجرًا أو شقيًا، فتقول لأهله: يا ويلها! ولاحظ حسن التعبير والالتفات فلم يقل: يا ويلي! حتى لا يرجع الضمير إلى المخبر، وإنما الذي يقول ذلك هو الميت، فتقول هذه الجثة وهذه الروح: يا ويلها! أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها، والكون كله وأهله لا يسمعون شيئًا، وأهله يزيدون عليه المصيبة التي هو فيها، فيصيحون عليه، ويزيدونه عذابًا فوق ما هو فيه، وهو يقول: يا ويله! أين تذهبون به؟ فأنتم لا ترون الذي أراه، قال ﵊: (يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان) فالإنسان لا يسمع هذا الصوت، ولو أن صوت الميت سمعه الناس لصعقوا يقول النبي ﷺ: (ولو سمع الإنسان لصعق)، من فزعه، وهول ما يراه، فإذًا: لو رأى الناس الذي يراه الميت، ولو كشف لهم عن الغيب فرأوا ما يكون في قبره لكان كما قال النبي ﷺ: (لو تسمعون ما أسمع لما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون) أي: لو كانوا يسمعون ما يسمع النبي ﷺ، ويرون ما يراه من الغيب، ومن عذاب أهل النار، وما يكون من السؤال في القبر، وسؤال يوم القيامة، ولو يعرفون ما عرفه النبي ﷺ، لما استمتعوا بشيء من الدنيا، ولكن الله الكريم ﷾ حجب عنا ذلك، وأخبرنا به النبي ﷺ؛ لأن الإيمان الذي يطلبه الله ﷿ من عباده هو الإيمان بالغيب كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣]، ولذلك حذرنا النبي ﷺ من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومما أعده الله ﷿ للأشرار والفجار.\nنسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.\nاللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"91","page":7},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-967> من (المبادرة بقضاء دين الميت) إلى (ما جاء في الصدقة عن الميت والدعاء له)</span>\nإن الواجب على أهل الميت المبادرة إلى تجهيزه بالغسل والتكفين، وتعجيل قضاء الدين عنه؛ لأن نفس المؤمن معلقة بدينه، فلا يحكم لها بنجاة ولا هلاك حتى يقضى ما عليها من الدين.\nويستحب المكث عند قبر الميت بعد الدفن للدعاء له، بأن يثبته الله عند سؤال الملكين له في القبر عن ربه ونبيه ودينه.\nكذلك يستحب الصدقة عن الميت؛ فإن ثوابها يصل إليه بعد موته؛ لما ورد في الأحاديث.","vol":"92","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-968>ما ورد في التعجيل في قضاء الدين عن الميت والمبادرة في تجهيزه</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب تعجيل قضاء الدين عن الميت والمبادرة إلى تجهيزه إلا أن يموت فجأة، فيترك حتى يتيقن موته.\nعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه)، رواه الترمذي وقال: حديث حسن.\nوعن حصين بن وحوح ﵁: (أن طلحة بن البراء ﵁ مرض فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقال: إني لا أُرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت، فآذنوني به، وعجلوا به؛ فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله)، رواه أبو داود].\nهذا الباب أورده الإمام النووي في رياض الصالحين في كتاب عيادة المريض وتشييع الميت، وقد ترجمه بقوله: باب تعجيل قضاء الدين عن الميت، والمبادرة إلى تجهيزه إلا أن يموت فجأة، ومعنى الترجمة: أن الإنسان المؤمن إذا مات فعلى أهله أن يبادروا بتجهيزه، ومن ضمن هذه المبادرة وأهمها: أن يقضوا الدين الذي عليه إن كان عليه دين؛ لأنه من أخطر ما يكون على الميت، فإنه قد يحبسه عن رحمة الله ﷿، وقد يعذب في قبره بسببه، فلذلك إذا ترك الميت وفاءً فيؤدوا عنه ما كان عليه من دين، وإذا لم يترك مالًا تصدقوا عليه وأدوا عنه الدين الذي عليه، بما يقدرون عليه، كما صنع أبو قتادة ﵁ بالمتوفى الذي مات ولم يترك مالًا يقضى منه دينه.\nفي بداية هذا الباب ذكر المصنف رحمه الله تعالى حديثًا لـ أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (نفس المؤمن معلقة بدينه)، فالخطاب هنا والحديث عن المؤمن وليس عن الكافر.\nومعنى: نفسه معلقة أي: محبوسة، وجاء في قصة أبي قتادة أن النبي ﷺ قال: (الآن حين بردت عليه جلده)، أي: كأنه سخن جلده وأحمي عليه؛ بسبب هذا الدين الذي كان عليه، فلما قُضي الدين -وكان الدين دينارين فدفعها أبو قتادة - عندها خفف عنه من هذا العذاب وبرد جلده.\nقوله: (حتى يقضى عنه دينه) يعني: سواء كان هذا القضاء من ماله إن كان له مال، أو أن الورثة جمعوا من مالهم ودفعوا ما عليه، أو أن إنسانًا صديقًا تصدق عنه بهذا المال فقضى عنه الدين، وإلا فإن هذا المتوفى سيظل محبوسًا بالدين، وفي الحديث الآخر: (عندما سئل ﷺ عن الشهيد، هل يغفر له؟ فأخبر أنه يغفر له، ثم قال ﷺ للسائل: إلا الدين، فإن جبريل أخبرني آنفًا بذلك).\nإذًا: من مات وعليه دين فإنه يسأل عن هذا الدين، ويحبس عن رحمة الله ﷾؛ بسبب هذا الدين، وحديث: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) قال عنه الترمذي: حديث حسن، وصححه الشيخ الألباني.\nوأورد المصنف في هذا الباب كذلك حديثًا رواه أبو داود بإسناد ضعيف، عن حصين بن وحوح ﵁: (أن طلحة بن البراء ﵁ مرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده فقال: إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت فآذنوني به)، ومعنى: فآذنوني أي: أعلموني عندما تكونون جاهزين للدفن.\nثم قال ﷺ: (وعجلوا به؛ فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله).\nهذا الحديث إسناده ضعيف، ولكن معناه صحيح، يشهد له ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أسرعوا بالجنازة)، فالإسراع يكون بتجهيز الميت: من تغسيل وتكفين وحفر قبر وحمل ومن الصلاة عليه، وعلل النبي ﷺ ذلك؛ بأن هذا الميت إما أن يكون من أهل الخير أو غير ذلك، فإذا كان من أهل الخير فأنتم تسرعون به إلى الخير، وإذا كان غير ذلك فهو شر تضعونه عن أعناقكم، فالخير في كل الأحوال أنكم تسرعون بالجنازة ولا تبقونها بينكم.\nوهنا في الحديث قال: (فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم)، سبحان الله، الإنسان في حياته ينادى باسمه فلان بن فلان، لكن بعدما يموت، لم يعد يسمى باسمه، بل أصبح يقال له: جثة، فتسمعهم يقولون: هات الجثة، احمل الجثة ادفن الميت فقد صار الآن يعامل معاملة الجماد، بل إنه في الحديث سماه جيفة؛ لأن هذه الجثة إذا بقيت بين أهلها فإنهم لن يطيقوا ريحتها بعد تحللها وتحولها إلى شيء آخر، هذا كله يحدث للبدن، أما الروح التي هي داخل هذا البدن فلا يعلم سرها إلا الله ﷾، كما قال في محكم كتابه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]، فهذه الروح مغلفة ولابسة هذه الثياب التي هي البدن، فإذا خرجت الروح أصبح الشخص كالثياب بلا إنسان، فإذا خرجت هذه الروح وذهبت إلى ربها ﷾ صار الجسد كالثياب القديمة البالية، ولذلك وجب حمله ومواراته في التراب.\nفإذا دفن في قبره فالله ﷾ يرد عليه الروح بصورة معينة، ليست كصورتها في الدنيا، وإنما بصورة خاصة بالحياة البرزخية، حيث يشعر الجسد وتشعر الروح بكل ما يحدث لهما من السؤال والانتهار والجواب، وبعد ذلك يذهب بالروح إما إلى عليين وإما إلى سجين، وهذا البدن يشعر في القبر بالعذاب، كذلك الروح والجسد يأتيهما من فضل الله ورحمته، أو من عذاب الله ونقمته ما يشاءه الله ﷾ لهما.\nفقال هنا ﷺ: (لا ينبغي لجيفة) ووصفها بأنها جيفة مع أنها للإنسان المسلم.","vol":"92","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-969>المراد بالإسراع في الجنازة</span>\nقوله ﷺ: (أسرعوا بالجنازة)، يجوز أن تقول: بالجَنازة وبالجِنازة، بفتح الجيم وكسرها، ويقول العلماء: إن من ضمن الإسراع أن تجهز الجنازة ويسرع في ذلك لتدفن، لكن قيدوا هذا الإسراع فقالوا: الإسراع يكون في المشي وليس في الجري، أي: لا يجرى بالإنسان الميت؛ حتى لا يتغير من شدة الجري، خاصةً إذا كان منتفخًا أو كان قد مكث فترة وهو على هذا الوضع، وكذلك حتى لا تحصل مشقة على تابعي الجنازة.\nيقول الشافعي والجمهور: المراد بالإسراع ما فوق المشي المعتاد، ولكن يكره الإسراع الشديد، ويقول الحافظ ابن حجر: يستحب الإسراع لكن بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت، أو مشقة على الحامل أو المشيع؛ لئلا ينافي المقصود من النظافة وإدخال المشقة على المسلم.\nفهذه قيود وشروط يذكرها الحافظ عند الإسراع بالميت.\nفإذًا: الإسراع يكون بالمشي الذي فيه شيء من السرعة بحيث لا يحدث للميت بسبب هذا الإسراع مفسدة، ولا تحدث لحامل الميت مشقة من تعب وغيره أو أن المشيع يصير منفردًا، فتكون الجنازة في مكان وهو في مكان آخر.","vol":"92","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-970>عدم المبادرة إلى تجهيز ودفن من مات فجأة حتى يتيقن موته</span>\nيقول الإمام النووي ﵀ في باقي تبويبه لهذا الباب: المبادرة إلى تجهيزه إلا أن يموت فجأة فيترك حتى يتيقن موته.\nومعنى هذا الكلام: أنه لابد أن يتيقن من موت هذا الإنسان، فلا يدفن حتى يحصل اليقين بموته، والتيقن الآن يحصل بواسطة الطبيب الشرعي الذي يقوم بالكشف عن هذا المتوفى ويتأكد من وفاته، وإذا كان لا يوجد طبيب شرعي، أو يوجد ولكن لا يحضر غالبًا، فهنا يقول أهل الميت وأقاربه أو من عنده خبرة ويتأكد من وفاته، لكن عليهم أن لا يتسرعوا في دفنه؛ لأنهم إن فعلوا ذلك ودفنوه وهو حي فكأنهم هم الذين قتلوه في هذه الحالة.","vol":"92","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-971>الغاية من زيارة القبور وتذكر الموت</span>\nباب الموعظة عند القبر: القبر مكان أمرنا النبي ﷺ بالذهاب إليه لنتذكر الموت، وحثنا ﷺ على الإكثار من ذكر الموت فقال ﷺ: (أكثروا ذكر هادم اللذات)، فالموت هدم للذات الإنسان، أي: أنه هو الذي يزيل متعة اللذات لهذا الإنسان، ويخرجه عن لذته وعن متعته، ويفسد عليه متعة الدنيا.\nفقوله ﷺ: (أكثروا ذكر هادم اللذات؛ فإنه ما ذكر في ضيق إلا وسعه، ولا ذكر في سعة إلا ضيقها) يعني: أن الإنسان إذا جاءته أموال كثيرة وعنده ما يشاء من النعم، فإنه يحس أنه في نعمة وفي سعة كبيرة؛ فإن هذا المال يطغي الإنسان ويجعله يشعر أنه أعلى وأفضل من غيره، لكنه إذا تذكر الموت، وما بعده من الأهوال والشدائد، وتذكر السؤال بين يدي الله سبحانه ﵎، فإن ذلك يجعله ينسى الكبر والاستعلاء فيتواضع ويخاف من هذا الموت.\nإذًا: إذا ذكر الموت في السعة فإنه يضيق على الإنسان، كأنه يقول له: احذر، لا تغتر بهذه السعة التي أنت فيها.\nكذلك إذا ذكر الموت في ضيق فإنه يفرج على الإنسان ما هو فيه من الضيق، أي: أنه إذا ضاقت نفس الإنسان فعليه بتذكر الموت؛ لأننا مهما عمرنا فإننا سوف نموت، فالموت يأتي على الكبير والصغير، والذكر والأنثى، والمسلم والكافر، فيأتي على الجميع، وطالما أن الموت سيأتي لا محالة، فلماذا نحزن فكل مصيبة دون الموت هينة.\nفإذًا نستعد لأعظم المصائب وهو الموت، وما فيه من سؤال وحساب وعذاب، نستعد لذلك بالتوبة إلى الله ﷿، والإكثار من ذكره ﷾.","vol":"92","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-972>سبب نهي النبي عن زيارة القبور ثم تجويزه زيارتها</span>\nفلذلك لقد نهى النبي ﷺ الصحابة ﵃ في فترة من الفترات عن زيارة القبور؛ لأنه خشي من أن يصنعوا ما كانوا يصنعونه في الجاهلية من التفاخر بالقبور، كما قال الله ﷾: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١ - ٢] أي: ألهاكم التفاخر فيما بينكم، حتى إذا انتهى عدد الأحياء فذهبتم تعدون الأموات، تقولون: هذه قبور أصحابنا فلان وفلان، كل هؤلاء من أهلينا، فهذا التكاثر والتفاخر بالأحياء والأموات ألهاهم عن ذكر الموت، فنهاهم النبي ﷺ عن الذهاب إلى القبور، حتى استقر التوحيد في القلوب، وذهب عنهم أمر الجاهلية والعصبية والافتخار بالآباء والأجداد، فقد كان النبي ﷺ يعلمهم ويؤدبهم صلوات الله وسلامه عليه، ويحذرهم ويقول: (لينتهين أقوام عن فخرهم بالآباء، أو ليجعلنهم الله أحقر من الجعل الذي يدهده الخراء بأنفه)، أي: يجعلهم مثل الخنفساء التي تدهده الغائط بأنفها، يقول للإنسان: إما أن نترك الافتخار بالآباء، أو يجعلك الله ﷿ أحقر من هذه الخنفساء، فعلى الإنسان أن لا يفتخر بالآباء، بل يفتخر بتقواه لله ﷾، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، فإن الإنسان إنما يرتفع بتقواه لله سبحانه ﵎، وبطيبة قلبه وبحبه لله ﷿ وبعمله الصالح، أما أن يقول: أبي كان كذا وجدي كان كذا، فهذا من أفعال وأقوال أهل الجاهلية، الذين كانوا يفتخرون بالآباء والأجداد، فكان النبي ﷺ يعلم أصحابه ويؤدبهم، ومن ضمن هذا التعليم منعهم ﷺ من الذهاب إلى المقابر، فلما استقر أمر التواضع في القلوب، وابتعدوا عن الافتخار بالآباء والأجداد، فإذا بالنبي ﷺ يقول لهم: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها تذكر الآخرة)، أي: اذهبوا لزيارة القبور ليس للافتخار بالآباء والأجداد والتكاثر بهم، وإنما زوروها لتتعظوا بهؤلاء الأموات الذين كانوا مثلكم يسيرون فوق الأرض وقد صاروا الآن تحتها، وكانوا يفتخرون على الخلق وقد صاروا الآن تحت التراب، فلعلكم تعتبرون حين ترون هذه القبور، وحين ترون ما صار إليه هؤلاء، فريق في الجنة وفريق في السعير.","vol":"92","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-973>مشروعية الموعظة عند القبر وبدعية الدعاء الجماعي عنده</span>\nلقد كان ﷺ أحيانًا ينتهز الفرصة فيعظ الصحابة عند المقابر، كما جاء في حديث عن علي ﵁ قال: (كنا في جنازة فيها رسول الله ﷺ ببقيع الغرقد، -الغرقد نوع من الأشجار فيه شوك- فجاء رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس وجعل ينكت بمخصرته، ثم قال ﷺ: ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة).\nانظر لقد كانت موعظة النبي ﷺ موعظة يسيرة قليلة لا يوجد فيها كلام كثير؛ لأن المجال ليس مجال خطبة طويلة ليقف الواحد ويظهر للناس أنه يعرف الكلام عند المقابر، لا بل المقام مقام تذكرة يكفي فيها الكلام القليل، وفي حديث البراء بن عازب أطال ﷺ في ذكر شيء من أمر الآخرة، ومع ذلك كل الحديث لا يأخذ خمس أو سبع دقائق عند روايته عنه ﷺ، وفي هذا درس لبعض إخواننا الذين يطيلون الموعظة عند القبر حتى يضجر الناس وينفروا من موعظته، بل إن بعضهم تراهم كل مرة يأتون لنا ببدعة ما أنزل الله بها من سلطان، فتجد بعضهم يدعو والناس يؤمنون على دعائه، وهكذا يفعل الثاني، وهذا ليس من سنة النبي ﷺ، إنما الموعظة عند القبور تكون موعظة يسيرة بكلمات مختصرة مؤثرة، حتى يحصل المقصود وهو الاتعاظ والتذكر.\nفيجب عليك أن تتعظ من هذه القبور، وتبكي على نفسك حين ترى هؤلاء الموتى وأنت صائر إلى مثل حالهم، فإذا كان عملك عمل أهل التقوى فافرح به، وإذا كان عملك عمل أهل الشقاء فابك على حالك وعلى نفسك.\nإذًا: فالموقف عند القبر موقف موعظة وتذكر فقط وليس موقفًا لكثرة الكلام الذي قد يكون مملًا أحيانًا، ولذلك ورد عنه ﷺ أنه قال في مثل هذا الموقف: (ادعوا لأخيكم وسلوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل)، بل إن كثيرًا من هؤلاء الذين يكثرون الكلام عند القبور لا يحسنون اللغة العربية، ولا يحفظون شيئًا من الأحاديث، بل يصعد ليقلد شيخًا من المشايخ، والثاني يقلد شيخًا آخر، وكل ذلك يفعله افتخارًا وسمعة نسأل الله العافية، وهذا يؤدي إلى تضجر الحاضرين.\nوالحمد لله أننا لا نرى هذه الأفعال في كثير من الأماكن التي اتبعت هدي رسول الله ﷺ، فإنه ﷺ لم يكن يطيل الكلام عند المقابر كما أسلفنا، وإنما يكتفي بموعظة يسيرة يذكر الناس بها، أو يقول: ادعوا لأخيكم، فلم يكن يقف يدعو بنفسه ﷺ والناس يؤمنون على دعائه، وهذا كثيرًا ما يقع، بل تجد بعضهم عند المقابر يقول: يا شيخ ادع من أجل أن الناس يؤمنون على دعائك، فإذا قلت: لا لن أدعو، يقال لك: إنك تركت الميت ولم تهتم بأمره، وإذا دعوت فقد ابتدعت بدعة من البدع، فحيروا الناس معهم في موقف لا يحتمل الجدل ولا الكلام الكثير، فتجد أحدهم يقوم ويدعو والناس يؤمنون على ما يقول، ومن ثم صارت هذه سنة، فتجد كل جنازة فيها أحد الإخوة يدعو للميت، وهناك أناس مخصصون للدعاء عند المقابر، وهذه ليست سنة، إنما السنة أن تقف وتدعو وحدك، فقد أمرك النبي ﷺ بالإخلاص في الدعاء للميت، فليس المقصود أن تسمع الناس بهذا الدعاء، وإنما المقصود الأسمى هو أن يسمعك رب الناس، وهذا يحصل ولو كنت وحدك، بل إنه الأحرى بالقبول، فالأمر هنا أمر دعاء من القلب يصعد إلى الرب سبحانه ﵎، لينتفع به هذا الميت، فتكون السنة عند المقابر هي الصمت وعدم الكلام.\nإذًا: من السنة عند الدفن السؤال للميت أن يثبته الله سبحانه، وأن يرحمه، وأن يصبر أهله، وليس من السنة أن يدعو الشخص والحاضرون يؤمنون، فإذا كان الدعاء للميت والناس يؤمون لم يشرع في صلاة الجنازة، فالإمام الذي يصلي على الميت لا يشرع له أن يرفع صوته بالدعاء والناس يؤمنون وراءه في الصلاة، ويكونون عند المقابر، فهذا غير مشروع؛ لأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك.\nوهنا في هذا الحديث قعد النبي ﷺ على الأرض، وليس على المقابر؛ لأنه قد ثبت عنه ﷺ النهي عن الجلوس على المقابر، والمقابر لم تكن مرتفعة، وإنما كانت على الأرض.\nقوله: (وقعدنا حوله ﷺ، ومعه مخصرة) أي: عكاز صغير، ثم أخذ ينكت بها في الأرض، أي: أنه غرزها في الأرض عدة مرات، وهذه هي هيئة المتفكر، فالإنسان حين يجلس يفكر وفي يده شيء فإنه يعمل به في الأرض، فالنبي ﷺ نكت بمخصرته ثم قال: (ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة)، يعني: هذه موعظة للجميع، أي: أن الله ﷿ يعلم بكل واحد منكم هل هو من أهل الجنة أو من أهل النار، فقالوا: (يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا؟) أي: طالما أن ربنا قد كتب علينا هذا الشيء، فهل نتكل ونترك العمل، فإن الشقي سيكون شقيًا، والسعيد سيكون سعيدًا، فقال النبي ﷺ: (اعملوا، فكل ميسر لما خلق له)، فهو ﵊ أخرجهم عن الكلام وعن الجدل وعن المناقشات الفارغة التي لا قيمة لها إلى ما ينتفعون به.\nفأنت أخي المسلم عليك أن تؤمن بعلم الله ﷾، وبقضائه وقدره وقدرته وحكمته سبحانه بدون مناقشات في هذه الأشياء، فالله ﷿ كتب أن فلانًا في الجنة وأن فلانًا في النار، لكن هل عرفت من هو فلان الذي في الجنة ومن هو فلان الذي في النار؟ بل هل عرفت أين مكانك أنت أو مكان أبيك وأمك؟ لم يذكر لك من ذلك شيء، ومع هذا تؤمن أن الله علم وكتب عنده من في الجنة ومن في النار، فما دام الأمر كذلك فيجب عليك أن تعمل الواجب عليك وأن تترك المناقشة بقولك: لماذا فلان هذا في الجنة، وفلان الآخر في النار؟ فهو لم يخبرك بعين فلان هذا، وإنما أمرك بالعمل، كما قال ﷺ في آخر الحديث: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له).\nومن علامات سعادة الإنسان أنه عندما يريد أن يعمل العمل الصالح، يجد أبوابه مفتحة له، فيعمل ولا يتلهى عنها.\nومن علامات شقاء الإنسان أنه كلما أراد أن يعمل عملًا صالحًا يجد من يصده عنه، من صديق سوء يصده عن الصلاة إن أراد أن يصلي، ويصده عن الصوم إن أراد أن يصوم، وهكذا تراه يبعده عن طاعة الله سبحانه ﵎، فهذا من علامات شقاء الإنسان والعياذ بالله، فإذا مات على ذلك فهو الإنسان الشقي ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ لأن الأعمال بالخواتيم، فإذا ختم للإنسان بالسعادة فهو من أهل السعادة، وإذا ختم له بالشقاء فهو من أهل الشقاء، نسأل الله ﷿ العفو والعافية، ولا نحكم على إنسان أنه من أهل السعادة أو من أهل الشقاء ولكن نرجو من الله ﷿ الخير للمسلم.","vol":"92","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-974>أطول موعظة ألقاها النبي عند القبر</span>\nأما حديث البراء بن عازب ﵁ الذي هو في سنن أبي داود وهو حديث صحيح، فقد ذكر لهم النبي ﷺ فيه موعظة قال فيها: (إن العبد إذا كان في إقبال على الآخرة وفي إدبار من أمر الدنيا يأتيه ملك الموت، فيقول مخاطبًا روح هذا الإنسان: اخرجي أيتها الروح الطيبة إلى روح وريحان، ورب غير غضبان، فتخرج نفس الإنسان المؤمن تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، ثم يأتي إليها ملائكة من الجنة يجلسون من ملك الموت على مد البصر، فإذا قبضها لم يتركوها في يده طرفة عين، فتأتي ملائكة الرحمة معهم أكفان من الجنة وحنوط من الجنة، يحنطون هذه الروح الطيبة ويطيبونها ثم يأخذونها في أكفان الجنة ويصعدون بها إلى السماء ولها أعظم وأجمل وأطيب ريح وجدت، فلا تمر على أحد بين السماء والأرض إلا قال: ما هذه الريح الطيبة؟! فيقولون: ريح فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا.\nفهذه نفس سعيدة طيبة يفرح بها في الملأ الأعلى، يصعدون بها إلى السماء فإذا بالله ﷿ يقول: أعيدوها إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، فتعاد الروح إلى القبر للسؤال -وكما قلنا على هيئة غير ما كانت عليه في الدنيا، هيئة الله أعلم بها- فيأتيه ملكان شديدا الانتهار فينهرانه ويجلسانه ويسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ وما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فألبسوه من الجنة وأفرشوه منها، وأروه منزله من الجنة، فيفرح العبد حين يرى منزله في الجنة، فيريد أن يذهب إليه، فيقال له: نم نومة العروس، فيقول: يا رب! أقم الساعة، كي أرجع إلى أهلي ومالي، ويمثل لهذا الرجل في قبره رجل يخرج عليه، جميل الوجه طيب الريح حسن الثياب، فيقول له: أبشر بخير يوم أتى عليك منذ ولدتك أمك، يقول: من أنت، فوجهك الوجه الذي يأتي بالخير؟ فيقول: أنا عملك الطيب، أنا عملك الصالح، والله ما كنت أعلمك إلا سريعًا إلى طاعة الله، بطيئًا عن معصية الله، فجزاك الله خيرًا فالعمل مثله الله ﷾ على هذه الصورة، فهو ﷾ على كل شيء قدير، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.\nوعلى العكس من ذلك الإنسان الخبيث الفاجر والكافر إذا كان في انقطاع عن الآخرة وإقبال على الدنيا، يأتيه ملك الموت يقبض روحه، ويقول: يا أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب -وذلك لأنها كانت نفسًا بعيدة عن الله سبحانه- فيفزع هذا الكافر وتتفرق روحه في الجسد، فينتزعها ملك الموت كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، وتنزل ملائكة من النار معهم مسوح من النار، فلا يدعونها في يده طرفة عين، بل يأخذونها ويصعدون بها ولها ريح منتنة، فلا تمر على أحد بين السماء والأرض إلا قال: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقال: فلان بن فلان، بأخبث أسمائه التي كان ينادى بها في الدنيا، فيصعدون إلى السماء، فيقول الله ﷾: أعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، فتلقى من السماء، وقرأ النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١]، تهوي أرواحهم من السماء، فالملائكة لن ينزلوا بها ويكرموها، بل يرمونها من السماء إلى مكانها في قبرها، ويأتيه في قبره ملكان شديدا الانتهار فينهرانه ويجلسانه ويسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ وما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقال له: لا دريت ولا تليت، ويمثل له رجل أسود الوجه منتن الريح قبيح الثياب، فيقول له: أبشر بشر يوم أتى عليك منذ ولدتك أمك، فيقول: من أنت، بشرك الله بالشر، فوجهك وجه يأتي بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث والله ما علمتك إلا بطيئًا عن طاعة الله سريعًا إلى معصية الله فجزاك الله شرًا، فيقول الله ﷿عندما لا يجيد هذا العبد الجواب-: أن كذب عبدي، فافرشوه من النار، وأروه منزله في النار، ويضرب في قبره ضربة بمرزبة يصرخ منها صرخة يسمعها كل شيء -إلا الثقلين الإنس والجن- ولو سمعها الإنس والجن لصعقوا، حتى وهو في جنازته محمول يصرخ ويقول: يا ويله إلى أين تذهبون به، فلما رأى منزله من النار وجد أن القبر أرحم له من النار، ولذلك يقول: رب لا تقم الساعة، رب لا تقم الساعة)، فأصبح له القبر حفرة من حفر النيران والعياذ بالله.\nهذا الحديث الذي ذكره النبي ﷺ، والذي أخذ حوالي خمس دقائق هو أقصى ما قاله ﷺ عند القبر.\nولم يكن النبي ﷺ يتعهدهم بالموعظة في كل جنازة يتخولهم بها، بل كان أحيانًا يفعل ذلك ﷺ، فلذلك تستحب الموعظة عند القبر أحيانًا، وتكون موعظة يسيرة قليلة فيها الأمر بتقوى الله، والتذكير بالرجوع إلى الله سبحانه، كأن يكون فيها ما قاله النبي ﷺ في الحديث، ويقال للحاضرين: اسألوا لأخيكم التثبيت؛ فإنه الآن يسأل، فيسألون الله ﷿ أن يثبت الميت ويثبتهم بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة.\nإذًا: فالموعظة عند القبور لا تكون في كل مرة، وإنما يكون ذلك أحيانًا بحيث لا يمل الناس، ولا يبتدع في ذلك بدعًا وأشياء تبعد عن سنة النبي ﷺ.","vol":"92","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-975>مشروعية الدعاء للميت بعد دفنه وعدم تحديده بوقت محدد</span>\nلقد وردت أحاديث في الدعاء للميت بعد دفنه، والقعود عند قبره ساعة، يعني: فترة من الزمن يدعون خلالها للمتوفي عشر دقائق أو ربع ساعة أو أقل أو أكثر، بحسب ما يتيسر، من ذلك ما جاء عن عثمان بن عفان ﵁، قال: (كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل)، هذا يقال بعد الانتهاء من الدفن عند القبر، فيقال للناس: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت، فالنبي ﷺ لم يقف ويقول: اللهم ثبته، والناس يؤمنون على دعائه، لم يحصل هذا أبدًا، ولو حصل لورد ورواه الرواة، ولكن كان ﷺ يأمر الناس بأن يدعوا؛ لأن الدعاء على الانفراد يكون فيه الإخلاص أكثر، فكل واحد من الحاضرين يدعو له بما يستحضر من الدعاء، فهذا يدعو له بالمغفرة، وهذا يدعو له بالرحمة، وهذا بالعفو.\nوقوله ﷺ: (واسألوا له التثبيت)، يعني: حين يأتيه الملكان للسؤال، وهذه أعظم الفتن التي يتعرض لها الإنسان في قبره، حين يسأل ويقال له: من ربك؟ وما دينك؟ وما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ ﵊.\nأيضًا جاء عن عمرو بن العاص ﵁، موقوفًا عليه وليس مرفوعًا للنبي ﷺ، أنه وصى من حوله فقال: (إذا دفنتموني فأقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور، ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم، وأعلم ماذا أراجع به رسل ربي)، رواه مسلم، والأثر بطوله ورد فيه أن عمرو بن العاص قال لهم ذلك وهو في سياق الموت، فطلب ممن حوله أنهم إذا دفنوه أن يقفوا عند قبره، فترة من الزمن، ولم يكن معهم ساعات حتى يقدر الفترة، كأن يقول: عشر دقائق أو خمس دقائق أو نصف ساعة، فقدرها بقوله: (قدر ما تنحر جزور، ويقسم لحمها) أي: مدة ذبح الجمل، وتوزيع لحمه على الفقراء، وهذا سيأخذ ربع ساعة أو نصف ساعة، أو أكثر أو أقل.\nوهذا التقدير لم يرد عن النبي ﷺ، ولم يقل ذلك، ولكن قال: (اسألوا الله له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل).\nإذًا: فالسنة أن تدعو للميت بما تيسر.","vol":"92","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-976>حكم قراءة القرآن للميت وإهداؤه ثواب القراءة</span>\nذكر عن الشافعي ﵀ أنه قال: يستحب أن يقرأ عنده شيء من القرآن، وإن ختموا القرآن عنده كان حسنًا، لكن هذا الكلام المذكور عن الشافعي لا يثبت عنه، وإنما الصحيح أنه قول أصحاب الشافعي وليس قول الشافعي ﵀، والراجح في مذهب الشافعي: أن قراءة القرآن لا تصل إلى الميت، أما جمهور العلماء فعندهم أن قراءة القرآن تصل إلى الميت، وكون الإنسان يقف عند القبر ويقرأ القرآن، فإنه لم يثبت أن النبي ﷺ فعل ذلك أو أمر به، لكن لو فرضنا أن إنسانًا أراد أن يتقرب لله ﷾ بقراءة القرآن ثم يدعو للميت، فلا مانع من ذلك؛ لأنه جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (اقرءوا القرآن واسألوا الله به قبل أن يأتي أقوام يقرءون القرآن ويسألون به الناس)، فيجوز أن تقرأ القرآن ثم تسأل ربك ﷾ أن يغفر لك، وأن يرحم هذا الإنسان المتوفى، ولا يشترط أن تكون هذه القراءة عند المقابر، وإنما تقرأ في أي مكان.\nكذلك إذا قرأت القرآن ووهبت هذا الثواب لهذا الإنسان المتوفى، فالراجح: أنه إذا كان الحج والصوم عن الميت ينفعه، فكذلك إذا قرئ القرآن ووهب ثواب القراءة للميت فإنه ينفعه ويصل ثواب ذلك إليه، وهذا من أبواب الرحمات التي ترحم بها الإنسان المتوفى بعمل شيء له، لكن الذي يمنع منه هو الصلاة عن الميت، فأنه لا يصلي أحد عن أحد، وإن كانت عليه صلاة، فلا ينفع أن تصلي عنه ولم يثبت فيه شيء، إنما غاية ما يكون أنك تحج عن الميت، أو تدفع عنه الزكاة التي مات وهي عليه ولم يدفعها، وأنك تصوم عنه إذا مات وعليه صيام فرض، وكذلك يلحق بها أن تقرأ القرآن وأن تهب ثواب القراءة لهذا المتوفى، أو تقرأ القرآن تقربًا إلى الله، ثم تسأل الله ﷿ لنفسك وللمتوفى.\nوليس معنى ذلك أننا نأتي بشيخ أو قارئ فيجلس يقرأ القرآن ويكون الثواب للميت؛ لأنه لا يوجد أحد قال بهذا الشيء، بل إن جلوس الناس واستماعهم للقراءة يعد من البدع، ومن الإعانة على النياحة على المتوفى، فليس هذا من سنة النبي ﷺ، وإنما كان عادة السلف الصالح إذا مات لهم أحد أن يعزوا أهل الميت في أي مكان، في المسجد أو في الطريق أو في الشارع، ولا يستحب الجلوس للتعزية، وإنما يعزي المعزي وينصرف ولا يجلس لذلك.\nوالآن في زماننا إذا توفي إنسان يقوم أهله بعمل الأكل للزوار الذين يأتونهم، فتصبح المصيبة مصيبتين: مصيبة في المتوفى الذي عندهم، ومصيبة الطبخ من أجل أن يأكل الناس الذين سيأتون.\nوالسنة: أنه يعمل لأهل الميت الطعام، وخصوصًا إذا عرف أنهم سينشغلون في مصيبتهم عن تحضير الطعام، وليس أنهم يكلفون بعمل الطعام لمن جاء إليهم، وهذا وللأسف موجود في كثير من الأماكن في زماننا هذا.\nفلذلك إذا عزيت أهل المتوفى، تعزي وتنصرف ولا تجلس للعزاء لا أنت ولا غيرك ولا تفتح أبواب البدع لمثل هذا الشيء.\nأيضًا من المنكرات في مثل هذه الأعمال: إنفاق الأموال الكثيرة على هؤلاء المتخصصين بالقراءة، وهذه الأموال الطائلة لو تصدق بها على الميت لكان أولى، ولعل أولاد هذا الميت أحوج ما يكونون لهذا المال الذي ينفق على أصحاب البدع هؤلاء، فإذًا هذا إنفاق على بدعة ومعصية، وليس على طاعة لله ﵎، وهذا تفريط في حق أهل الميت وورثته الذين لعلهم يحتاجون إلى هذه الأموال.\nلذلك لا بد أن نتعاون على البر والتقوى، وأن نتناهى عن الإثم والعدوان وعن معصية الله سبحانه ﵎، فلا يأت أي إنسان فيقول: الناس أجبروني على أن آتي بمقرئ واضطررت إلى ذلك، نقول: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ﷾، وأنت يوم القيامة ستسأل عن نفسك، والناس لن يسألوا عنك، والذين أجبروك ليسوا هم الذين دفعوا الأموال، فلو أجبروك، فقل لهم: تعالوا أنتم اعملوا، أنا لن أعمل شيئًا، فإنه لن يحمل عني أحد شيئًا يوم القيامة، ولكن انظر إلى رضا ربك سبحانه ﵎، وأنفق في المعروف والطاعة وليس في البدعة والمعصية.\nفإذًا: المشروع أن تدعو للميت بأن يثبته الله، وأن ينزل الله رحمته على هذا المتوفى، وأن يجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأن يغفر له ﷾.","vol":"92","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-977>الصدقة عن الميت والدعاء له</span>\nيجوز أن تتصدق على الميت كما ذكرنا، يقول الإمام النووي هنا في باب الصدقة عن الميت والدعاء له: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠]، فالمؤمن التقي يحب المؤمنين، ويحب السلف الصالح ويدعو لهم، فقد ذكر في الآية أن المؤمنين يدعون لأصحاب النبي ﷺ ويدعون للتابعين لهم بإحسان فيقولون كما أخبر الله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].\nوالصدقة عن المتوفى عظيمة، ففي حديث عائشة ﵂ المتفق عليه، أن رجلًا قال للنبي ﷺ: (إن أمي افتلتت نفسها، وأراها لو تكلمت تصدقت، فهل لها من أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم) يعني: ماتت فجأة، وهذا الرجل قيل: إنه سعد بن عبادة ﵁، توفيت أمه فجأة، فقال للنبي ﷺ: إنها لو مرضت قليلًا قبل الوفاة وعقلت ذلك، لكانت قالت لي: تصدق بمال كذا، ولكن ماتت فجأة، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ لاحظ أن المرأة لم تقل: تصدق عني، لكنه ظن أنها لو عاشت قليلًا لقالت له ذلك، فقال النبي ﷺ: (نعم).\nفإذًا: لو تصدقت عن الإنسان المتوفى جاز ذلك ويقبل منك، ويكون الثواب للميت، ويكون ذلك برًا بهذا الإنسان المتوفى.","vol":"92","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-978>فضل الصدقة الجارية</span>\nروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية) يعني: إذا توفي المسلم ختم على عمله، وأغلق كتابه، لكن هناك أشياء تظل مفتوحة إلى أن تقوم الساعة، فطالما هي موجودة يصل هذا الأجر إليه بسببها، منها: الصدقة الجارية، فإذا بنيت مسجدًا لله ﷿، فطالما أن المسجد موجود والناس يصلون فيه، فلك الأجر إلى أن تقوم الساعة، ما دام هذا المسجد موجودًا، كذلك إذا حفرت بئرًا وأصبح الناس ينتفعون بتلك البئر بعد وفاتك، فكتاب حسناتك مفتوح، وتؤجر ما دام الناس يشربون منها، وهكذا كل صدقة جارية تصنعها يكون لك أجرها طالما هذه الصدقة ينتفع بها.","vol":"92","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-979>فضل طلب العلم وتعليمه وأثر ذلك بعد الموت</span>\nقال ﷺ: (أو علم ينتفع به)، وانظر مثلًا إلى هذا الكتاب الذي نشرحه، كتاب (رياض الصالحين) للإمام النووي ﵀، فقد عاش سنة ستمائة هجرية ﵁، ومرت ثمانمائة سنة على وفاة الإمام النووي ﵀، وكتابه لا يزال يدرس ويقرأ ويحفظ، وهذا يشرحه وهذا يهذبه وهذا يزيد عليه، وهذا يصحح أحاديث ويضعف غيرها، فيا ترى كم أخذ مؤلفه من الحسنات رحمة الله عليه، وهذا واحد من بعض كتبه ﵀ فقد كتب في الآداب والأخلاق والسلوك وغيرها، وله كتاب (المجموع) ﵀، وهو كتاب عظيم في الفقه الشافعي، بل يعتبر من أمهات الكتب في الفقه المقارن أيضًا، فهو كتاب عظيم يبلغ عشرين مجلدًا بعدما أكمله الشيخ المطيعي وغيره، وهذه كتب عظيمة انتفع بها المسلمون وما زال ينتفع بها حتى الآن وإلى ما يشاء الله سبحانه ﵎.\nوكذلك كتابه (روضة الطالبين) فهو كتاب كامل في الفقه الشافعي، ذكر فيه الأقوال للإمام الشافعي والوجوه للأصحاب، وكتابه (تهذيب الأسماء واللغات) فهو كتاب عظيم في اللغة، وكتابه (شرح صحيح الإمام مسلم) وغير ذلك من كتبه العظيمة النافعة.\nفهذا إمام من الأئمة وما أكثرهم رضوان الله ﵎ عليهم، فقد تركوا لنا ذخيرة عظيمة لا يزال ينتفع بها إلى ما يشاء الله، وعلى قدر إخلاص أصحابها على قدر ما ينتفع بها، فهذا الإمام مالك ﵀، ألف موطأه، فقالوا له: يوجد موطآت أخرى غير موطئك، فقال: ما كان لله دام واتصل، فدام موطأ الإمام مالك، ولا يزال يحفظ ويدرس وتؤخذ منه الأحكام رحمة الله ﵎ على مؤلفه، فانظروا إلى هؤلاء السلف الصالح كيف انتفع بعلمهم، وكذلك كل من يبلغ عن النبي ﷺ؟! فأصحابه ﷺ لم يؤلفوا كتبًا، وإنما بلغوا ما قاله النبي ﷺ فانتفع به من بعدهم، وهؤلاء الذين رووا لنا أحاديث النبي ﷺ بل الذين نقلوا لنا هذا القرآن العظيم كم يؤجرون! كلما تلي القرآن أجر هؤلاء الصحابة الأفاضل الذين سمعوا النبي ﷺ، ونقلوا لنا هذا العلم الذي ينتفع به.\nولاحظ أنه قال ﷺ: (أو علم ينتفع به)، فإذًا فرق بين علم ينتفع به وعلم لا ينتفع به، فإذا كان هذا العلم كلامًا فارغًا أو كلامًا من أهواء الناس، أو مناقشات ومجادلات سفسطائية وتضييعًا للوقت وإشغالًا لأذهان الناس، فهذا كله لا ينتفع به، فلا يؤجر عليه، بل إنه ضيع عمره هدرًا، وفي الآخرة لا شيء له، فالنبي ﷺ قيد العلم هنا بأن يكون علمًا ينتفع به.","vol":"92","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-980>الانتفاع بالولد الصالح بعد الممات</span>\nقال ﷺ: (أو ولد صالح يدعو له)، يعني: عندما يكون لك ولد صالح ويعيش بعدك فإنه سيدعو لك، فقيد الولد بالصلاح؛ لأن الولد غير الصالح لا يدعو لك، وإن دعا فلن تنتفع بدعائه، ولكن انتفاعك يكون بالولد الصالح، الذي تربيه على كتاب الله وعلى سنة النبي ﷺ، فهو الذي يدعو لك بعد وفاتك، والولد هنا جنس، سواء كان ابنك أو ابن ابنك، وهكذا الأبناء طالما فيهم من يذكر الله سبحانه ﵎ ويصلي لله ﷿ ويعبده، فإنك تؤجر وأنت في قبرك، ولا يزال كتابك مفتوحًا تؤجر عند الله ﷿ على ما يعمله هذا الولد؛ لقول النبي ﷺ: (الولد من كسب أبيه)، نسأل الله ﷿ أن يجعل لنا صدقة جارية تنفعنا بعد وفاتنا إلى يوم القيامة.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"92","page":14},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-981> من (ثناء الناس على الميت) إلى (فضل قراءة القرآن)</span>\nإن الناس شهداء الله في الأرض، يقبل الله ﷿ شهادتهم، فإذا شهدوا لإنسان بالخير أوجب الله له الجنة، وإذا شهدوا له بالشر أوجب له النار، فأهل القرآن والعاكفين على تعلمه العاملين به من أول من يثني عليهم الناس، وكذا من عرف بخير ما بين الناس، ومن رضي عنه الله أرضى عنه الناس.","vol":"93","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-982>ثناء الناس على الميت</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: وصلنا في أبواب الجنائز إلى قول الإمام النووي ﵀: باب ثناء الناس على الميت.\nوهذا من آخر أبواب الجنائز في كتاب رياض الصالحين، وقد ذكر فيها حديثًا عن أنس ﵁ قال: (مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي ﷺ: وجبت، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرًا، فقال النبي ﷺ: وجبت، فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ قال ﷺ: هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض) والحديث متفق عليه.\nوجاء عن عمر أنه ذكر مثلما ذكر النبي ﷺ، وسأله أبو الأسود فقال: هذا الحديث عن النبي ﷺ.\nوالمقصد من ذلك أن الإنسان المؤمن يتعامل مع الخلق جميعهم بحسن خلق، ويطيع الله ﷿ فيهم، فإذا فعل ذلك كانوا شهداء له عند وفاته، فإنه لن يعدم من يشكره، ويثني عليه، ويدعو له بخير، فيكون شهيدًا له عند الله ﷿، ويقبل الله شهادته له.\nفلذلك قال النبي ﷺ في الرجل الأول الذي أثنوا عليه خيرًا، (قال وجبت)، وفي روايه: (قال وجبت وجبت وجبت ثلاث مرات، والثاني أثنوا عليه شرًا فقال: وجبت وجبت وجبت ثلاث مرات، قالوا: ما وجبت؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًا فوجبت له النار).\nفهنا ثناء الناس يكون من غير تعمد لذلك، والإنسان يمكن أن يقول للناس: لما يموت فلان أثنوا عليه خيرًا، وقولوا: فلان كان صالحًا وكان كذا؛ حتى توجب له الجنة، فليس هذه هو المقصود.\nوجاء في حديث آخر بيَّن النبي ﷺ فيه أن الملائكة تنطق على لسان هذا الإنسان، وكأن الله يبعث ملائكة تجعلك تنطق بذلك فتقول: فلان كان رجلًا صالحًا، وكان فيه كذا، ويذكرك الله ﷿ بإحسان هذا الإنسان إليك وإلى الناس يومًا من الأيام، فتثني عليه خيرًا، ويمكن يكون هذا المتوفى قد نسيته وفجأة تذكر أنه في يوم من الأيام أسلفني مالًا، وفعل بي كذا، والذي ذكرك بذلك هو الله ﷾؛ لتثني عليه، فيقبل الله ﷿ منك ثناءك عليه وشهادتك له، فيكون لهذا الإنسان الجنة، والله ﷿ يقبل هذه الشهادة، ويستر على العبد ما وقع فيه من آثام، ويغفر له، ويقبل شهادة الناس فيه، ويجعل لهذا الإنسان الجنة.\nوالعكس كذلك: فقد أثنيتم عليه شرًا فوجبت له النار، والذي تثني عليه شرًا ويذكره الناس بسوء يمكن أنه حين توفي لم يكن يخطر بقلبك، فلما أتيت تصلي على هذا الإنسان إذا بك تذكر أن هذا كان رجلًا سيئًا، وكان مؤذيًا للناس، فتذكر أنت هذا الإنسان بشيء سيء كان فيه، فالثناء الأصل فيه أنه الذكر بالقلب، ولكنه هنا أن تذكر غيرك سواء بخير أو بشر، وإن كانت العادة أنه يطلق في الخير.\nوهذا إذا كان المتكلم صادقًا، وإذا كان الله ﷿ هو الذي فعل ذلك فجعله ينطق بهذا الذي كان عليه هذا الإنسان، فيستحق أن يكون من أهل النار.\nوفي رواية أخرى للحديث نفسه عن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أيما مسلم شهد له أربعة بخير).\nقوله: (شهد له أربعة) إذًا ليس شرطًا أن يثني عليه بالخير كل الناس، فربما لا يعرفه إلا القليل، ولكن القليلين الذين يعرفونه يعرفون خيرية هذا الإنسان، وأنه بعيد عن المعاصي، وربما أنه كان يخفي عمله فلا يطلع عليه كثير من الناس، فكان من كرم الله سبحانه أن جعل الشهادة التي يدخل بسببها الإنسان الجنة من أربعة أو ثلاثة أو اثنين.\nفلما قال: (أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة -طمع الصحابة فقالوا-: وثلاثة، فالنبي ﷺ قال: وثلاثة.\nقالوا: واثنان؟ قال: واثنان) صلوات الله وسلامه عليه، وأقل الجمع وأقل ما يمكن أن يتعامل معه الإنسان: اثنان، وهذا نادر.\nوالإنسان ذو الخلق الحسن والإيمان القوي في معاملته مع جميع خلق الله ﷿ أخلاقه حسنة، فإذا تعامل مع التاجر في السوق عامله بحسن خلق، فيحبه التاجر، وإذا تعامل مع الصانع في مكانه عامله بحسن خلق، فيحبه الصانع، وإذا تعامل مع زوجه وأولاده وجيرانه وأصدقائه وإخوانه تعامل بحسن خلق، فهو حسن الخلق مع الجميع، وحَسَنْ الخلق مستحيل ألا يتعامل مع أحد أبدًا.\nوفي الحديث أن الاثنين إذا شهدوا له بخير -طالما أنهما صادقان في ذلك- فإن الله ﷿ يقبل هذه الشهادة، ويغفر لهذا العبد، ويجعله من أهل الجنة.\nلذلك فعلى الإنسان المؤمن أن يكثر من إخوانه أهل الخير، وأن يخدم وينفع الناس، فإن أحب الناس إلى الله ﷿ أنفعهم للناس، والإنسان الذي يبذل المعونة والنفع لكل المسلمين يُحتاج إليه، فهو الذي ينفع الناس، وهو الذي يصلي عليه الناس حين يتوفى، ويدعون له بخير، فيكون له عند الله ﷿ أن يستر ذنوبه، وأن يغفر له، وأن يجعله من أهل الجنة.","vol":"93","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-983>فضل من مات له أولاد صغار</span>\nعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ما من مسلم يموت له ثلاثة لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم).\nقوله: (لم يبلغ الحنث) يعني: لم يبلغ أن تكتب عليه الذنوب، ويكتب للإنسان الحسنات من ساعة ولادته، ولو أن الأب أخذ ابنه وحج به وهو رضيع صغير يكتب له حجة وأجر، فإذا مات على ذلك فله أجر وليس عليه أي وزر ولا أي ذنب.\nوالولد أحب ما يكون إلى أبيه وإلى أمه وهو صغير لم يبلغ أن يؤذيهما أو يعصيهما ويعقهما، فإذا توفي يكون الألم شديدًا في قلب الأب وقلب الأم، فالله ﷿ يعوضهما بفضله ﷾ الصبر، وينزل المعونة على قدر المئونة، وينزل الصبر على قدر البلاء.\nوالإنسان لا يدري لو نزلت عليه هذه المصيبة هل سيصبر أو لا؟ فقد يقول: سأصبر وأعمل، ولا يقدر على ذلك، ولعله يقول: لا أستطيع أن أصبر على هذا الشيء؛ فهو شاق جدًا، نسأل الله العفو والعافية، فإذا به ينزل البلاء وينزل معه الصبر من الله ﷾، فتعجب للإنسان المؤمن حيث يثبته الله ﷿ ويقوي قلبه، ويربط عليه، ويجعله ثابتًا حامدًا شاكرًا، ويعوضه بالإيمان في الدنيا، ويعوضه بالجنة وبيت الحمد في الآخرة كما ذكرنا في حديث سابق.\nفيرحم الله ﷿ هؤلاء ويرحم الآباء الذين صبروا على ذلك، يقول النبي ﷺ: (إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم) أي: برحمة هؤلاء الذين توفوا، فيدخل الله آباءهم الجنة.\nوفي المتفق عليه أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم) والقسم هو قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١]، فهذا قضاء لابد وأن يكون، وكل إنسان لابد أن يرد على النار.\nوالورود هو المرور فوق الجسر المضروب على جهنم، فكل إنسان لابد وأن يمر عليه، فمن الناس من يمر سريعًا، ومنهم من يبطئ به عمله، ومنهم من يهوي في النار والعياذ بالله.\nوالإنسان الذي توفي له ثلاثة من الولد يرحمه الله ﷿ فلا يعاني ولا يقاسي في المرور على الصراط إلا تحلة القسم.\nوتحلة القسم هنا أن يمر على الصراط ولا يدخل النار، بفضل الله ﷾، وهذا إذا صبر على أمر الله ﷾.\nوالصابر له الفضل وله الأجر العظيم عند الله ﷾، والذي لا يرضى بقضاء الله وقدره ليس له حيلة، فلن يدفع قضاء الله ﷿ وقدره، ولذلك فالمؤمن يتصبر، وقالوا: إما أن تصبر صبر الكرام وإما أن تسلو سلو البهائم.\nأي: إما أن يكون الإنسان كريم النفس عفيفها، صابرًا لمقادير الله ﷾ متجلدًا، فسيأتي عليه يوم من الأيام يسليه فيه ربه ويذهب عنه الغم الذي هو فيه.\nوأما أن يتسخط فيرفع صوته، ويلطم ويشق ثيابه، ويشد شعره، ويكون كافرًا لربه سبحانه، ولن يحصل له بذلك عودة ميته، ويظل على ذلك إلى أن يذهب صوته، وتتمزق ثيابه، ويمرض ويتعب ويستحق العذاب يوم القيامة، إذًا فهي مصيبة في الدنيا ومصيبة في الآخرة؛ لأنه لم يصبر على قضاء الله وقدره.\nوكان العرب في الجاهلية يضربون المثل برجل كان يسمى حمارًا، فيقولون: أكفر من حمار.\nفهذا الرجل مات له أولاد، فتسخط على الله ﷿، وأظهر الاعتراض على الله ﷿، بل أظهر أشد ما يكون من الاعتراضات، ولم يزل على ذلك حتى أخذه الله بصاعقة صعقته فقتله ﷾.\nفلما لم يصبر ولم يكسب من الدنيا شيئًا إلا الخزي والعار، وهذا جزاء الإنسان الذي يكفر بربه سبحانه، ويعترض على قضاء الله ﷾ فيما حدث لأولاده.\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! ذهب الرجال بحديثك فاجعل لنا من نفسك يومًا نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله، فقال: اجتمعن يوم كذا وكذا، فاجتمعن فأتاهن النبي ﷺ فعلمهن مما علمه الله، ثم قال ﷺ: ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من الولد إلا كانوا حجابًا لها من النار) وهذا كما قال للرجال: (ما من مسلم يقدم)، (فقالت امرأة: واثنين؟) فقال النبي ﷺ: (واثنين) وكأنهن استحيين أن يسألن عن الواحد فلم يسألن، ولكن يغني عن ذلك ما ذكرناه من حديث النبي ﷺ الذي عند الترمذي وغيره، وذكر فيه: أن الله ﷿ إذا قبض ابن عبده أرسل ملائكة، فإذا عادوا إليه سألهم وقال: (قبضتم ولد عبدي؟ قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون نعم، قال: فماذا قال؟ قالوا: استرجع وحمد الله، قال: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسموه بيت الحمد).\nفبنى لعبده بيتًا في الجنة؛ لأنه صبر على واحد، فعرفنا أن الصبر على جميع المكاره فيه الأجر العظيم من الله سبحانه، والمؤمن يسأل الله ﷿ العفو والعافية، فإذا نزل البلاء صبر وتصبر كما أمر الله سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠].","vol":"93","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-984>باب البكاء والخوف عند المرور بقبور الظالمين</span>\nيقول الإمام النووي: باب البكاء والخوف عند المرور بقبور الظالمين ومصارعهم، وإظهار الافتقار إلى الله.\nوالمعنى: أن الإنسان المؤمن إذا مر بقبور الظلمة والكفار وبالمشاهد التي يذكرون أنها آثارًا لهم، كآثار الفراعنة، فلا يمر ويفتخر بهؤلاء ويقول: هؤلاء هم آباؤنا وأجدادنا! إن هذا الذي يفتخر بهؤلاء ويقول: نحن الفراعنة، ونحن أصلنا كذا.\nنقول له: إن هؤلاء كفار آذوا رسول الله موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأرادوا قتله، وأنكروا بعثته ورسالته صلوات الله وسلامه عليه، فلا يفتخر بالكافر إلا من كان مثله، أو من ذهب عقله.\nروي عن النبي ﷺ: (أنه افتخر رجلان على عهد موسى صلوات الله وسلامه عليه، فأما أحدهما فقال للآخر: أنا فلان ابن فلان ابن فلان فعد تسعة آباء، ثم قال لهذا الآخر من أنت لا أم لك؟ قال: أنا فلان ابن فلان ابن الإسلام، فانتسب للإسلام وليس لهؤلاء الآباء من الكفار، فأوحى الله إلى موسى صلوات الله وسلامه عليه أن قل لهذين المفتخرين: أنت افتخرت بتسعة آباء من الكفار أنت عاشرهم في النار) حتى ولو لم يكن على دينهم، وهذا الرجل لم يكن كافرًا، ولو كان كافرًا فلن يسمع كلام موسى ﵊، ولكنه كان ممن تبع موسى ﵊ وفي قلبه جاهلية وعصبية، قال: (وأنت افتخرت بالإسلام فأنت في الجنة) فقضى الله ﷿ أن الذي يفتخر بالأشرار مثلهم وسيحشر معهم.\nوالفراعنة الكفار الذين ملكوا البلاد في يوم من الأيام أين هم الآن؟ ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، والعياذ بالله.\nفالذي يفتخر بهؤلاء فإنه يفتخر بأهل النار، وسيكون معهم في النار، فلذلك لا يحل لمسلم أن يقول مفتخرًا بالفراعنة الذين بنوا الأهرام حتى يخلدوا ويعيشوا، فليس له أن يفتخر بهؤلاء، فإذا مر بقبورهم نظر واتعظ، فيكون المرور للاتعاظ فقد بنوا هذه الآثار العظيمة فهل نفعتهم من الله ﷾ شيئًا؟ وهل منعتهم من الموت؟ لقد زعموا أنهم سيخلدون، وزعموا أنهم الآلهة والأرباب لخلق الله، واستخفوا أقوامهم فأطاعهم أقوامهم، فإذا مر الإنسان بقبورهم وآثارهم اتعظ واعتبر كما قال النبي ﷺ، وهنا في حديث ابن عمر المتفق عليه أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه لما مرو بالحجر -والحجر ديار ثمود، وهي على أطراف الحجاز مع الشام- فقال: (لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين).\nفالإنسان إذا دخل على أماكن من أصابهم العذاب تذكر نقمة الله ﷿، وأن الله ﷿ على كل شيء قدير، وأن هؤلاء لما كفروا بالله أهلكهم الله وأتلفهم، وهذا حالهم الآن، فيأمرهم النبي بقوله: (لا تدخلوا عليهم إلا أن تكونوا باكين)، أي: فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، فلا تدخلوا عليهم وأنتم تضحكون وتلعبون، ولا تتخذوا أماكنهم التي أهلكهم الله فيها للهو واللعب؛ بحيث يأتي إليها الناس وهم يغنون ويرقصون وكأن هذا المكان مكان لهو ولعب، فإذا فعلوا ذلك فكأنهم يسخرون بانتقام الله ﷿ من هؤلاء، ويسخرون من الموت، وإذا كان الأمر كذلك استحقوا أن يصيبهم مثل ما أصاب هؤلاء، فإن الذي لا يتعظ ولا يعتبر يستحق أن يبتلى.\nقال النبي ﷺ: (لا تدخلوا عليهم؛ لا يصيبكم ما أصابهم) أي: إذا دخلتم فادخلوا وأنتم تعرفون نعمة الله عليكم، وتخافون من بطش الله سبحانه، وإذا لم يكن هذا حالكم فلا تدخلوا حتى لا يصيبكم مثل ما أصاب هؤلاء.\nوفي رواية قال ﷺ: (لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم؛ أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين، ثم قنع رسول الله ﷺ رأسه، وأسرع السير ﵊ حتى أجاز الوادي).\nومن الحكمة وأنت في الحج حين تخرج من المزدلفة متوجهًا إلى منى أن تمر ببطن محسر مسرعًا؛ لأنه المكان الذي أهلك الله ﷿ فيه أصحاب الفيل، ولما وصله النبي ﷺ أوضع راحلته، أي: أسرع براحلته حتى جاوز هذا المكان، وصارت سنة النبي ﷺ المرور في هذا المكان بسرعة؛ لهذا الغرض ولهذه العلة، فإذا مررت تذكرت ذلك، واستحضرت أن هذا المكان مكان نزل فيه العذاب، وليس هناك ما يدعو إلى المكوث في هذا المكان بل نسرع في هذا المكان، فقد كان شؤمًا على أصحابه حيث نزل عليهم العذاب في هذا المكان.\nوكتاب الجنائز الذي ذكره الإمام النووي بعده كتاب السفر، وقد شرحناه في الأيام الماضية، وكل الأحاديث التي ذكرها الإمام النووي ذكرناها في مقدمتنا لكتاب الحج، فلا نعيد تكرار هذا مرة ثانية.","vol":"93","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-985>كتاب الفضائل</span>\nيذكر لنا الإمام النووي في هذا الكتاب ما جاء في فضائل الأعمال، وفضائل القرآن، وفضائل الإيمان، وما جاء في الصلاة والزكاة، وفضائل أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه وغير ذلك.","vol":"93","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-986>فضائل القرآن</span>","vol":"93","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-987>فضل قراءة القرآن</span>\nعن أبي أمامة ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: اقرءوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه) القراءة هنا معناها: احفظوا القرآن، وهذا حث من النبي ﷺ لنا على أن نحفظ كتاب الله، فإن لم تقدر على الحفظ فاقرأ القرآن قراءة، فتقرأ القرآن وترتل القرآن، ولكن الأصل أن تهتم بالحفظ، والله ﷿ قد يسر القرآن للذكر كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر:١٧]، وفي البداية الحفظ يكون ضعيفًا، والإنسان الذي ظل سنين لا يحفظ شيئًا لن يستطيع أن يحفظ، ولكن بالتمرس شيئًا فشيئًا يستطيع أن يحفظ، ولابد من التنافس في ذلك مع المتنافسين في طاعة الله ﷾، ولن تعدم أن تجد وقتًا للحفظ ولو في اليوم ساعة أو نصف ساعة، أو أقل أو أكثر.\nوحفظ القرآن يحتاج منك مجهودًا، وإذا عرفت الثواب فإنه يعطيك حافزًا لحفظ كتاب الله ﷾، وكم رأينا من أناس حفظوا كتاب الله سبحانه مع كبر السن، فإنسان ذهب يبحث عن الرزق وقال: لا أستطيع أن أحفظ القرآن، وفجأة خلال ثلاث أو أربع سنوات حفظ القرآن كله، وامرأة عجوز لا تقدر على الحفظ، ولا على القراءة، فتعلمت القراءة والكتابة، ولا تستطيع أن تقرأ غير القرآن، فحفظت القرآن كله، ألا يدفعك هذا إلى أن تحاول أن تحفظ القرآن وعندك الوقت وعندك الجهد وأنت ما زلت شابًا صغيرًا تقدر على ذلك؟! فتحتاج إلى أن تبذل جهدًا.\nفحاول أن تحفظ كتاب الله ﷿ وأحسن نيتك، وأخلص لله تجد الأمر سهلًا؛ لأن الذي وعد بذلك هو الله ﷿ الذي أخبر: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر:١٧]، وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].\nوإذا حاولت ولم تقدر فإن محاولتك تكفيك ويكون لك الأجر عند الله ﷿، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.\nيقول: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه) يعني: يأتي يحامي عن أصحابه حفاظ القرآن، وقد ذكرهم أنهم أهل الله، فقال: (إن لله أهلين من أهل الأرض) فهؤلاء الأهل هم حفاظ القرآن فهم أهل الله سبحانه، فكرمهم الله ﷿ بهذه الإضافة وبهذا التشريف.\nعن النواس بن سمعان ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به).\nفأهل القرآن هم حفاظ القرآن، ولكنه أتى هنا بشرط فذكر الحافظ لكتاب الله ﷿ الذي كان يعمل به، فلم يحفظه رياء وسمعه، ولم يحفظه نفاقًا، ولم يحفظ القرآن ليجادل به بالباطل، ولا ليقال عنه: حافظ، ولا ليقال عنه: عالم، ولا ليقال عنه: قارئ، وإنما حفظ القرآن طاعة لله وحبًا لله ﷾، وحبًا في كتاب الله ﷿، وخدمة لدين الله، فهذا الذي يؤتى به يوم القيامة كما جاء في الحديث: (تقدمه سورة البقرة وآل عمران) فتقدمه هاتان السورتان، وهما أعظم سور القرآن بعد الفاتحة، (تحاجان عن صاحبهما) وهذا الذي تتقدم أمامه سورة البقرة وسورة آل عمران لتدافع عنه يحسده أهل الموقف؛ لأنه يأتي ومعه من يدافع عنه، وغيره يأتي وحده، ألا يدفع هذا المسلمَ إلى أن يحاول أن يحفظ سورة البقرة وسورة آل عمران؛ لأجل هذا الموقف العظيم بين يدي الله ﷿، فيجد من يحامي ويدافع عنه ومن يظله يوم القيامة.\nيقول عثمان ﵁ فيما رواه عنه البخاري: (قال رسول الله ﷺ: خيركم من تعلم القرآن وعلمه) (خيركم) أي: خير المؤمنين الذي يتعلم القرآن، ويحفظ القرآن، ويتفهم معانيه، ويتدارس القرآن، واشترك في الفضيلة العالم والمتعلم، المدرس والدارس، فكلاهما اشتركا في الفضيلة.","vol":"93","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-988>فضيلة الماهر بالقرآن</span>\nعن عائشة ﵂وهذا في الصحيحين- قالت: قال رسول الله ﷺ: (الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة).\nوالماهر بالقرآن قالوا هو الذي يجيد لفظه على ما ينبغي، يعني: أنه ينطق به نطقًا صحيحًا فصيحًا بما تعلم من أحكام تلاوة كتاب الله ﷾، بحيث لا يشتبه عليه ولا يلتبس في قراءته، فهذا الإنسان مع السفرة الكرام البررة.\nوالسفرة هم رسل الله الذين بين السماء والأرض، وقد نزلوا إلى رسل الله بما أعطاهم الله ﷿ من هذا القرآن؛ ليحفظه النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهذا مع ملائكة الله الذين وصفهم بأنهم سفرة، وكرام وبررة.\nقال ﷺ: (والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران) فلن تعدم خيرًا في حفظ كتاب الله ﷿، فإن حفظت بسهولة فلك أجر عظيم، وإن حفظت وتعبت في الحفظ وكان شاقًا عليك وتتعتعت فيه فلك أجران وليس أجر واحد، وهذا فضل عظيم من الله ﷾.\nوعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة: ريحها طيب وطعمها حلو ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة: لا ريح لها وطعمها حلو) هذا الحديث يقسم الناس مع القرآن إلى أربعة أصناف: إما مؤمن وإما منافق، والمؤمن إما أنه يحفظ من القرآن وإما أنه لا يحفظ، والمنافق إما أنه يحفظ وإما أنه لا يحفظ، فصاروا أربعة: وصفين في وصفين.\nقال ﷺ: (مثل المؤمن) وضرب لنا مثالًا من الأشياء الموجودة بين أيدينا، فالذي يقرأ القرآن مثل الأترجة، وهي ثمرة من الثمار أقرب ما يمكن أن نشبهها بالبرتقالة أو الأترنجة، وهذا نوع من أنواع الثمار الموالح.\nيقول النبي ﷺ: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة: ريحها طيب وطعمها طيب) فإذا أخذتها وشممتها لن تجد لها ريحًا خبيثة، ولكن ستجد لها رائحة حلوة طيبة، وتأكلها فإذا هي طيبة، فالمؤمن الذي يقرأ القرآن كله طيب ظاهره وباطنه، فعبر عن ذلك بثمرة رائحتها جميلة، ولونها أصفر، وقد ذكر الله ﷿ اللون الأصفر، فقال: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة:٦٩]، فيسرك لونها ويسرك طعمها، فتنتفع بها.\nقالوا: وفيها فوائد في بذرها، وفي لحمها، وفي شحمها، وفي قشرتها، قالوا: وكذلك الإنسان المؤمن إذا كان حافظًا لكتاب الله ﷿ فإن فيه فوائد لا تعد.\nقالوا: والأترجة اشتركت فيها حواس الإنسان الأربع، البصر: فإذا نظرت إليها سرك منظرها، والذوق: فتتذوق طعمها فتفرح به؛ لأنه جميل، والشم: فتشمها طيبة فلا تؤذيك، واللمس: فملمسها ناعم وطيب وجميل.\nوهو هنا يقرب مثل المؤمن الذي يحفظ كتاب الله ﷿ وليس شرطًا أن يحفظ الكتاب كله، فلو حفظ بعضه فإن ذلك يشمله، فالمؤمن الذي يقرأ القرآن جميل باطنه وظاهره.\nقال: (ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة: لا ريح لها وطعمها حلو) فصفة الإيمان فيه صفة طعم، وصفة الرائحة قد توجد وقد لا توجد، وأما الطعم فباقٍ، لذلك فالإيمان باقٍ فيه، ولو ترك الإيمان لحظة كفر، فهو مؤمن، وإيمانه مستمر كطعم التمرة، وقد يقرأ القرآن أحيانًا وقد يتركه أحيانًا، وقد يحفظه أحيانًا وقد ينساه أحيانًا، لكنه إذا قرأ القرآن فهذا مثَله.\nفإذا كان لا يحفظ القرآن فمثله مثله مثل التمرة لا تعدم فيه خير، وإذا بلوته واختبرته وجدت فيه الخير؛ لأنه مؤمن، فإيمانه كهذه التمرة التي لا ريح لها ولكن طعمها حلو.\nيقول ﷺ: (ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن) وهنا ينعكس الأمر، فالإنسان المنافق مسمِّع ومرائي بحفظه لكتاب الله، فلم يحفظ لله ﷿، وإنما حفظ القرآن لكي يجادل به بالباطل، ولكي يظهر نفسه أمام الناس، والمنافق هو الذي طلب بالقرآن الدنيا ولم يطلب به وجه الله ﷾، فمثله كمثل الريحانة: رائحتها جميلة، وأنت قد تستهويك الرائحة الطيبة فإذا طعمت هذا الذي رائحته طيبة وجدته مرًا، وهذا إذا سمعت صوته وجدته جميلًا جدًا، فإذا تعاملت معه خدعك ونصب عليك، وعمل بخلاف ما يقوله، فهذا الرائحة الطيبة التي فيه هي رائحة القرآن العظيم، وأما هو فطعمه مر، قال ﷺ: (ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن) أي: المنافق الذي لا يحفظ شيئًا من القرآن، وقلبه فيه الكفر، وأفعاله الظاهرة تدل على ما في باطنه، وإن كان ينتمي إلى المسلمين ويجلس مع المسلمين لكن حقيقته أنه كافر، مثل عبد الله بن أبي بن سلول، فابنه كان مؤمنًا وكان هو كافرًا يظهر الإسلام فقط؛ ليحصن نفسه ودمه بدخوله في الإسلام مع النبي ﷺ.\nوهذا الرجل الذي كان كافرًا وكان يعادي النبي صلوات الله وسلامه عليه، فلما توفي طلب ابنه من النبي ﷺ أن يكفنه في ثوبه، فكفنه بثوبه، ولم يزل يلح على النبي ﷺ أن يصلي عليه حتى صلى عليه، فلم تنفعه صلاة النبي ﷺ، قال الله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠] أي: حتى أنت يا رسول الله -﵊- مهما استغفرت لهذا المنافق فلن يغفر الله له، وكلمة (سبعين) ليس المقصود منها نفس العدد سبعين، ولكن المقصود تكثير العدد، كما تقول: مليون مرة، وكان العرب إذا قالوا سبعين يقصدون به العدد الكبير، فجاء القرآن بلغتهم، فسواء استغفرت له أم لم تستغفر فلن يقبل؛ لأنه عاش كافرًا ومات كافرًا وإن أظهر للناس أنه مسلم، ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة:٨٤] فكانت آخر مرة يصلي فيها رسول الله على رجل منافق ﴿وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤] لماذا؟ ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨٤]، فهنا يخبر الله ﷿ النبي ﷺ عن هذا المنافق وأمثاله من الذين أظهروا الإسلام وكانوا بين المسلمين، أنهم كانوا أشد بغضًا لدين الله ﷿ وللمسلمين، وإذا أتى وقت الجد تكلموا بكلام قبيح لا تتوقعه، فقد تسمع عن الإنسان أنه مسلم فإذا تكلم شعرت أنه أشد من أعداء الإسلام على الإسلام، بل إن أعداء الإسلام يستحيون أن يقولوا ما يقوله هذا الإنسان، ومثل هذا يقول: أنتم تريدون أن ترجعونا مرة أخرى للتخلف وللماضي، وتريدون أن تعيدونا إلى الكتب الصفراء يقصدون القرآن وسنة النبي صلوات الله وسلامه عليه، فتعجب من هؤلاء فكلامهم مر، وحين تخبر هذا الإنسان تجد النتن في كلامه، وتجد القذارة والكفر على لسانه، يقول النبي ﷺ في هؤلاء المنافقين، (لا ريح لها) يعني: مثله مثل الحنظلة (لا ريح لها وطعمها مر) فليس فيه أي خير ولا أي فائدة، وإذا تكلم تكلم بكلام الكفار وليس بكلام المسلمين، فلا ينطق إلا بشر، وإذا تعاملت معه تجده أبعد الناس عن دين الله سبحانه، وأحقد الناس على دين الله ﷾، فيتكلم عن الإسلام بكلام هو الكفر والعياذ بالله، وهو أمرّ من الحنظل كما وصفه النبي ﷺ بهذا الوصف، فهو مثل الحنظلة، فالمؤمن مثله كشجر الفاكهة كالأترجة التي شجرتها عالية، والمنافق مثله كمثل الحنظلة، وهو نبات ينبت على الأرض يسمونه بطيخ، فالمنافق في الحظيظ على الأرض، والمؤمن عالٍ مرتفع.\nعن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين) فهناك أناس حفظوا القرآن وارتفعوا به فكانوا أحب الخلق إلى الله ﷿، وكانوا أهل الله وخاصة الله، فارتفعوا بالقرآن وسموا به، وأناس آخرون طلبوا القرآن للدنيا فإذا بالله يضعهم، فيأبى الله أن يرفع إلا من أعز دينه، وإلا من والى الله ﷾، وقد تجد إنسانًا حافظًا لكتاب الله محبوبًا بين الناس، وتجد آخر يحفظه لكن الناس يبغضونه ولا يحبونه، فهذا وضعه الله وذاك رفعه الله ﷾.","vol":"93","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-989>الإكثار من قراءة القرآن نعمة يستحق صاحبها أن يحسد عليها</span>\nعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الله وآناء النهار)، وهذا الحديث تقدم قبل ذلك.\nقوله: (لا حسد) بمعنى لا غبطة، فأنت تنظر إلى هذا الإنسان وتتمنى أن تحفظ مثله، وليس الحسد هنا بمعنى أنك تتمنى زوال نعمته، فلا يجوز ذلك، وهذا الحسد قد أمرنا الله ﷿ أن نتعوذ به ﷿ من أصحابه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:١ - ٢]، إلى قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٥].\nوالمقصود بالحسد في الحديث أن تغبط هذا الإنسان وتحب النعمة التي هو فيها، وتتمنى بقاءها، وتتمنى أن يكون لك مثل هذا الإنسان، ولا تتمنى فقط بل تتمنى وتحاول، وقد تجد إنسانًا يقول: ليتني أكون مثل هذا الرجل الذي يحفظ القرآن، لكنه لم يعمل شيئًا، ولم يحاول أن يحفظ القرآن، وقد تجد إنسانًا يريد أن يحج، فتسمع آخر يقول: ياليتني أحج، فتسأله يا فلان هل ذهبت للحج من قبل؟ فيقول: لا.\nفتقول له: هل لديك مال للحج؟ فيقول: نعم.\nإذًا ما معنى قولك يا ليت؟ فاذهب وحج، وإذا منعت رجوت من الله أن يكتب لك الأجر على ذلك، وأما أن تتمنى الحج مع وجود المال ومع وجود الاستطاعة، ولم تصنع شيئًا فهذا من العجز، بل إن الذي يتمنى الخير عليه أن يعمل حتى يصل إلى أمنيته الصالحة، ولا يتمنى ثم يقعد.\nفإذا قلت: يا ليتني أحفظ القرآن، فحاول أن تفتح المصحف ثم احفظ آية أو آيتين، واحذر من الشره، فإنها إذا أتت الإنسان تجده يقول: أريد أن أحفظ القرآن، فيأخذ المصحف ويريد أن يحفظ ربعين في اليوم، فلا يستطيع ويصعب عليه وينسى، ثم يمل ويترك، ولكن احفظ كما كان يحفظ الصحابة، فقد كانوا يحفظون بعض الآيات، ثم أتقن هذه الآيات، وافهم معانيها، ثم انتقل إلى غيرها، ولو تحفظ القرآن في عشر سنين أو في عشرين سنة، ولو قسمت القرآن على عشرين سنة أو ثلاثين سنة وعلم الله من حالك أنك تريد أن تحفظ القرآن فلعله يحشرك مع من يحفظ القرآن، حتى وإن مت قبل أن تحفظ فالله يعاملك بنيتك، فإذا أحسنت النية أعطاك الله ﷿ أحسن الجزاء، يقول النبي ﷺ عن أحد الاثنين: (رجل آتاه الله القرآن فحفظه وعلمه، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار).\nفاحرص على حفظ القرآن، واحرص على أن تحفظ أولادك كتاب الله ﷾، وإذا حفظت شيئًا فشيئًا فستحفظ في يوم من الأيام بفضل الله ﷾ القرآن كاملًا.\nوليكن عملك لله ﷿، فلا تطلب بعملك الدنيا، وكذلك في أبنائك، فلا يكن الأمر أنك تريد من أبنائك أن يحفظوا القرآن لكي تفتخر بذلك فقط، فلعلك بشؤم هذا الكلام والافتخار تنسف كل ما حفظوه، فتعلم القرآن لله ﷿ وليس للتفاخر على الناس، وليس لأجل أنا ولدي أفضل من ولدك، فإن هذا لا يعرف إلا يوم القيامة، ومن أخلص لله كان له الفضل عند الله ﷾، وكم من إنسان حفظ القرآن وهو صغير فلما كبر وصار رجلًا وشابًا إذا به ينسي ما حفظه بسبب الغرور.\nوكم رأينا من أطفال صغار من سنين طويلة يكون عمره ست سنين وقد حفظ القرآن كاملًا، ويكون عمره ثمان سنين وقد صنع حفلة لأجل أنه أكمل القرآن، والآن لما ننظر أين هذا الإنسان تجده قد نسي القرآن وانشغل بالدنيا، ولها ولعب مع اللاعبين، وذهب ما حفظ من القرآن.\nفأنت عندما تحفِّظ ولدك كتاب الله ابتغ الأجر من الله، وحافظ له على ما حفظ من القرآن، وراجع معه، ومره ليل نهار بمراجعة كتاب الله ﷾، واحذر من الفخر حتى لا يضيع ثواب عملك، وحتى لا تجد شؤم هذا الافتخار في النسيان وعدم الاستذكار، فتضيع منك الدنيا والآخرة.\nوالولد الذي يحفظ القرآن يأتي يوم القيامة فيكسو الله ﷿ والديه بحلة من عنده ﷾، فيسألان الله ﷿: بأي شيء هذا؟ فيقول: بحفظ ولدكما للقرآن.\nإذًا فاطلب بعملك دائمًا وجه الله سبحانه، واحذر من الدنيا، فإن الدنيا لن تدوم لك ولن تدوم أنت فيها، فلا معنى لأن تتكالب عليها وتطلبها، أو تطلب أن يشير الناس إليك.\nلقد كان أصحاب النبي ﷺ يخافون من ذلك، فقد كان أحدهم إذا سار في الطريق يسير معه الواحد والاثنان والثلاثة، فإذا زادوا عن أربعة تركهم وانصرف، فلا يحب أن يكون حوله مجموعة من الناس فينظر إليه بعين أن هذا معه مجموعة من الناس، فما كانوا يحبون إلا الاختفاء بالأعمال، والتقرب إلى الله؛ لأنهم تعلموا ذلك من النبي ﷺ.\nمر النبي ﷺ على رجل في المسجد قائم يصلي يطول في صلاته ومعه رجل بجواره - والحديث في مسند الإمام أحمد، فيقول النبي ﷺ لمن معه: (أتراه يرائي؟) يعني: لماذا يطول في الصلاة في المسجد في غير صلاة الفريضة؟ فقال الرجل: كعادة أصحاب النبي ﷺ في طيب القلوب وحسن الظن قال: (يا رسول الله! هو من أعبد أهل المدينة، فسكت النبي ﷺ وانطلق إلى بيته، فلما وصل قال فنفض يده من يده وقال: إن أحب دينكم إلى الله أيسره) فالله لم يطلب من الناس أن يصلوا في المسجد بهذه الصورة، ولكن من أراد أن يطول في صلاته ففي بيته لكن أمام الناس لا؛ فإن الناس سيتنافسون في ذلك، فإذا صلى أحدهم نصف ساعة فإن الآخر يقول: سأصلي ساعة كاملة، والثالث يقول: سأصلي ساعتين، فتصبح الصلاة للتظاهر والتفاخر.\nوالفريضة قد علمنا النبي ﷺ كيف نصليها ونقرأ فيها، فنصلي كما صلى صلوات الله وسلامه عليه، والمطلوب في الفريضة الإظهار، والمطلوب في النافلة الاستتار، وتطلب الأجر من الله ﷾ بالفريضة والنافلة.\nنرجع للحديث قال: (ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار) (رجل آتاه الله مالًا) من نعم الله ﷿ على العبد أن يعطيه المال ويعطيه البنين، والإنسان طالما أنه يحافظ على النعمة وينفق لله ﷿ فإن الله يبقيها في يده، كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله ﷿ جعل منافع العباد عند أقوام، فأعطاهم نعمًا -هذا معنى حديثه ﷺ- يبقيها فيهم ما كان العباد ينتفعون بهم، فإذا تركوا أخذها الله ﷿ منهم).\nوإذا آتاك الله مالًا فاعلم أن المال مال الله ﷿، وأن فيه حقوقًا عليك، فإذا أعطاك ألفًا فعليك زكاة في هذه الألف إذا مر عليها سنة مقدارها خمس وعشرون، فتعطيها للفقراء، فإذا أعطيتها للفقراء أبقى الله النعمة في يدك؛ لأنك عرفت حق الله.\nفإذا كانت أكثر من ذلك أعطيت زكاتها، وتصدقت على من يحتاج بشيء من مالك، وأعطيت بالليل وبالنهار، قليلًا وكثيرًا، ومستحيل أن تنفق ولا يعطيك الله وطالما أنك تنفق ونيتك حسنة، فإن الله يعطيك ويبقي النعمة في يدك، إلى أن يضن الإنسان ويشح بماله ويرفض أن يعطي الحق للفقراء، فيأخذ الله ﷿ منه هذه النعمة ويحولها إلى غيره.\nوالفقراء والضعفاء يسألون الله ﷿ فيأت الله ﷿ بهذه الأرزاق التي تصل إلينا، والأرزاق لها أسباب، فإما أن تكون سببًا من هذه الأسباب فيعطيك النعمة ويفيض عليك من نهر نعمه سبحانه.\nفإذا أعطاك الله فأعط الفقراء والضعفاء مما أعطاك الله ﷿، وإذا منعت عنهم منع الله عنك العطاء وأعطاه لغيرك، ولن يحرم الله ﷿ الفقراء من رزقه وفضله وكرمه، ولكن يسبب الأسباب، فإذا أعطاك الله النعمة فأعط لخلق الله ﷿ ما وجب عليك، وأعط أكثر من ذلك مما تقتدي فيه بالنبي صلوات الله وسلامه عليه وبعباد الله الصالحين، قال النبي ﷺ: (ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار).\nأي: في أحايين الليل وساعاته، وبالنهار وأوقاته، وفي رواية أخرى قال: (سلطه على هلكته في الحق) فهو يعطي وينفق المال لله، والله عظيم كريم، نسأل الله من فضله ورحمته فإنه لا يملكها إلا هو.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"93","page":9},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-990> من (فضل قراءة القرآن) إلى (ما جاء في الحث على سور وآيات مخصوصة)</span>\nالقرآن الكريم كتاب الله ﷿ الذي أنزله لهداية الناس، وأخرجهم به من الظلمات إلى النور، ولذلك فقد حث الله ﷿ على تعلمه وتعليمه، وبين عظيم أجر وجزيل ثواب ذلك في الدنيا والآخرة، ورغب في الاهتمام به، وملازمته، وبين فضل صاحبه ومنزلته في الآخرة، وقربه منه تعالى، وأن قراءته وحفظه والعمل به سبب لدخول الجنة.","vol":"94","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-991>فضائل تعلم القرآن وتعليمه وتلاوته</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم.\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nاللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nأما بعد: فقد حث النبي ﷺ المؤمنين على حفظ كتاب الله ﷿ بقوله ﷺ: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه)، وقوله ﷺ: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).\nكذلك جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه فيما رواه مسلم عن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين).\nوهذا الحديث الذي رواه مسلم موافق لما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: قال النبي ﷺ: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة)، فشبه النبي ﷺ المؤمن قارئ القرآن بالأترجة، والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن، ولا يحفظه بالتمرة، والمنافق الذي يقرأ القرآن ويحفظه شبهه بالريحانة، والمنافق الذي لا يقرأ القرآن ولا يحفظه بالحنظلة.\nفهذه أربعة أمثلة لمؤمن يحفظ، ومؤمن لا يحفظ، ومنافق يحفظ، ومنافق لا يحفظ.\nفالقرآن إذا حفظه المؤمن فإن النتيجة من ذلك تكون عملًا صالحًا، وحسن الخلق، والتقرب إلى الله ﷿ بالعبادة، وتحببًا إلى الخلق بما يؤديه إليهم من منافع؛ (فخير الناس أنفعهم للناس).\nوقوله ﷺ: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين)، أي: بالقرآن العظيم، فإذا حفظه أحد وعمل به فإن الله ﷿ يرفعه درجات عالية، وإذا حفظه يريد به الدنيا فإن الله ﷿ يضعه، وهو يظن أنه وصل، ولم يصل إلى شيء؛ لأنه جعل أعظم الأشياء وأجملها وأحسنها وأفضلها طريقًا يطلب بها أشياء حقيرة لا قيمة لها.\nولذلك فينبغي على الإنسان الذي يحفظ القرآن العظيم أن يطلب به الآخرة، ولا يطلب به العلو في الدنيا، وإذا علا في الدنيا بسبب ذلك نفاقًا ورياءً وسمعة فإن الله ﷿ يزيل منه ذلك يومًا من الأيام، فيضعه بذلك.\nوإذا أراد أن يرتفع على الناس بسبب أنه يحفظ القرآن، طلب الدنيا والرفعة به وليس لطاعة الله، وإذا اغتر على الخلق وجادل العلماء ومارى السفهاء، وأظهر حسن الصوت، وأظهر أنه أفضل من غيره يريد الدنيا بذلك، فإنه يكون أحد أول من تسعر به النار يوم القيامة، قال النبي ﷺ: (إن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة، -وذكر منهم- رجل حفظ القرآن فأتى به ربه يوم القيامة، وعرفه نعمه وقال: ما عملت فيها؟ قال: قرأت فيك القرآن وأقرأته، -أي: تعلمت القرآن وعلمته- فيقول له: كذبت كذبت كذبت، إنما قرأت القرآن ليقال: قارئ)، فهذا الذي حفظ القرآن من أجل الشهرة والسمعة بين الناس، فهو لم يطلب الدرجة عند الله ﷿، وإنما طلب حقارة الدنيا، وقد قيل، فيؤمر به إلى النار.\nفإن الله يرفع بهذا القرآن أقوامًا في الدنيا بزهدهم وبصلاحهم وبحبهم لله وبإخلاصهم له، وفي الآخرة يرفعهم درجات بما يحفظونه من آياته سبحانه.\n(ويضع به آخرين) أي: الذين قرءوا القرآن ولم يتجاوز شفاههم وحناجرهم، ولم يدخل إلى قلوبهم، فهم لم ينتفعوا به في الدنيا ولا في الآخرة.\nوأيضًا للحديث معنىً آخر وهو: أن الله جعل هذا القرآن شريعة ومنهاجًا، فمن آمن وأطاع الله وأقبل على القرآن من الناس رفعه الله ﷾، ومن حاد الله وشاق دينه ﷾، وأصر على الكفر وضعه الله ﷾ وأذله، والنبي ﷺ قد وعده ربه سبحانه أن ينتشر هذا الدين، ولا يترك بيت مدر ولا حجر إلا ودخله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام وأهله، وذلًا يذل الله به الكفر وأهله.\nوهذا معنىً آخر لهذا الحديث، فإن الله يرفع المؤمنين المتمسكين بهذا القرآن، المطبقين لأحكامه، الآخذين به بقوة في الدنيا والآخرة، بجهادهم في سبيل الله سبحانه، وبنشرهم دين ربهم سبحانه.\n(ويضع به آخرين) أي: الذين ينافقون، ويجرمون في حق الدين وحق الإسلام، والذين يعادون دين الله ﷿ فأبى الله إلا أن يذل من عصاه.","vol":"94","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-992>غبطة حافظ القرآن والعامل به</span>\nروى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار)، وهذه صورة لحافظ القرآن الذي يحفظ القرآن ويلازمه، فهو في النهار قائم به يصلي ما فرضه الله ﵎ عليه، فيقوم به علمًا وعملًا، وتعلمًا وتعليمًا، نصيحة لنفسه ولغيره، فهو ينصح لله ولرسوله ولكتابه، وينصح للمؤمنين، فهذا قيامه بالنهار، وأما قيامه بالليل فهو أنك تجده باكيًا بين يدي الله ﷿، مصليًا لله ﷾، فهذا هو الذي يستحق أن نتمنى أن نكون مثله، ويا ليتنا مثل هذا الإنسان الذي يقوم بالقرآن بالنهار فيعمل به، ويقوم به بالليل فيصلي به، فهذا هو الذي يستحق أن نغبطه على ما آتاه الله من فضله.\nوأما الآخر فهو: (رجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار)، وهذا أيضًا يستحق أن نغبطه، وأن نتمنى أن نكون مثله، وأن يبارك الله ﷿ له في هذا الذي معه.","vol":"94","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-993>تنزل الملائكة لقراءة القرآن</span>\nجاء عن البراء بن عازب ﵁ في الحديث المتفق عليه قال: (كان رجل يقرأ سورة الكهف، وعنده فرس مربوط بشطنين)، وهذا الرجل هو أسيد بن حضير ﵁، وقد كان رجلًا فيه إخلاص وعبادة، وحب لله، رضي الله ﵎ عنه، وقد كان هذا الرجل يذهب أحيانًا إلى النبي ﷺ ومعه شخص آخر، فإذا رجع من عنده والليلة مظلمة وفي يده عصا، يجعل الله سبحانه العصا أمامهما نورًا، وكأنها مصباح وكشاف تضيء له الطريق، وعندما يفترقان في الطريق ويذهب هذا إلى بيته وهذا إلى بيته، يجعل الله ﷿ لكل منهما نورًا أمامه، وقد كان أسيد بن حضير ﵁ يظل ليله مصليًا لله ﷿.\nوفي إحدى المرات قام يصلي من الليل ﵁، قال: (وعنده فرس مربوط بشطنين) أي: فرس قد ربطه بحبلين فتغشته سحابة، فجعلت تدنو منه وهو يقرأ القرآن بالليل)، وفي رواية: (كان يقرأ سورة الكهف، فإذا بسحابة فيها مثل المصابيح -أي: ممتلئة بالنور- نازلة من السماء وابنه بجواره، والفرس بجواره، وهو يقرأ القرآن، فنفر الفرس، وجعل يهتز في مكانه، وخشي أسيد بن حضير ﵁، فانتبه وجعل ينظر، فإذا بهذه السحابة تدنو من رأسه رضي الله ﵎ عنه.\nفخاف على ابنه بجوار الفرس من أن يرفسه، فتوقف عن القراءة، فارتفعت السحابة، فعاد يقرأ فنزلت عليه مرة ثانية، فترك القراءة خوفًا على ابنه، فلما أصبح ذهب إلى النبي ﷺ فذكر له ذلك، فقال النبي ﷺ: (تلك السكينة تنزلت للقرآن)، أي: نزلت السكينة من السماء، وهي سحابة فيها ملائكة الله ﷿، ولو ظل يقرأ لنزلت الملائكة تسلم عليه، ولأصبح الناس يسلمون عليهم وتسلم عليهم، ولكنه خاف على ابنه.\nوقد جاء في الحديث الآخر أن النبي ﷺ قال له: (اقرأ يا ابن حضير! اقرأ يا ابن حضير!) أي: ليتك قرأت يا ابن حضير.\nفقارئ القرآن يقرأ القرآن ويستمتع به، ولا يدري بالغيب الذي حوله، أن ملائكة الله ﷿ ينصتون له ويستمعون له، وأن السكينة تنزل على قارئ القرآن، ولذلك عندما تحضر مجالس العلم كن مستيقنًا بما قاله النبي ﷺ: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)، وهذه غيوب نحن لا نراها، ولكن نصدق بما قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"94","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-994>عظم ثواب قراءة القرآن</span>\nجاء في حديث ابن مسعود ﵁ الذي رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، قال: قال رسول الله ﷺ: (من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (الم) حرف)، وقد كانت عادة العرب: أنهم يطلقون على الكلمة: (حرفًا)، ويطلقون على الجملة والخطبة: (كلمة)، فحتى لا يظن السامع أن النبي ﷺ يقصد أن الكلمة حرف، وضح ذلك وقال: (لا أقول: (الم) حرف)، أي: إنما هذه ثلاثة أحرف، وليست حرفًا واحدًا: (ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف).\nوفي هذا الحديث بيان أن لك بكل حرف تقرؤه من القرآن عشر حسنات، فقد قال ﷺ فيه: (فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها)، فإذا قرأت بفاتحة الكتاب مثلًا، وقرأت: (بسم الله الرحمن الرحيم)، فإنك تأخذ حسنات كثيرة، بعدد حروف الكلمة التي تقرؤها فضلًا من الله سبحانه.","vol":"94","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-995>مثل من ليس عنده شيء من القرآن</span>\nجاء عن ابن عباس ﵄ في الحديث الذي رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وإن كان في إسناده راوٍ فيه لين، عن النبي ﷺ قال: (إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب).\nفالإنسان المؤمن الذي يقرأ القرآن له درجات، وأما الذي ليس في جوفه شيء من القرآن، ولا نتخيل أن إنسانًا مسلمًا أو مؤمنًا ليس في جوفه شيء من القرآن؛ لأنه لابد أن يقرأ ولو فاتحة الكتاب حتى يصلي بها، فإذا كان ليس في قلبه شيء من القرآن فهو كالبيت الخرب، ظاهره حلو وباطنه خراب، بخلاف الذي يقرأ القرآن فإن باطنه نظيف طاهر؛ لأنه يقرأ القرآن، ويحفظه، بشرط أن يعمل به.","vol":"94","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-996>شرف صاحب القرآن في الآخرة</span>\nروى أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وهو حديث صحيح، قال: قال رسول الله ﷺ: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا)، وهذه مكافأة للإنسان المؤمن عند الله ﷿، فإن المؤمن حين يدخل الجنة يفرح فرحًا عظيمًا، ثم تأتيه هذه المكافأة من الله ﷿، فيقال له: كما كنت تقرأ في الدنيا أي: كما كنت تقرأ في الدنيا تعبدًا لله فالآن اقرأ بين يدي الله ﷿ حتى ترتفع في الدرجات، وليس كما كنت تقرؤه في الدنيا تكليفًا، ولكن اقرأه الآن تشريفًا لك، وذلك حين تقرأ القرآن وترتله بصوت جميل بين يدي الله ﷾: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق -أي: ارتفع- ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها).\nوالقرآن ستة آلاف ومئتان آية، وكل آية تقرؤها فإنك ترتقي بها درجة، فإذا كنت تحفظ القرآن كله فإنك تعلو إلى أعلى الدرجات، وإذا كنت تحفظ بعضه فإنك تعلو بحسب ما تحفظ منه، وهذا يدفع المؤمنين للتنافس في ذلك، فيتنافسون في حب الله ﷿، وفي حفظ كتابه، ولا تيئس ولا تعجز، وحاول أن تحفظ من القرآن حتى آية في كل يوم، وراجع ما حفظته قبل ذلك، وإن الإنسان قد يجلس وهو يريد أن يحفظ فيحاول أن يحفظ ربعًا كاملًا فلا يستطيع أن يحفظ منه شيئًا، فيقوم وقد نسيه كله، وليس ذلك هو المطلوب؛ لأن النبي ﷺ يقول: (إن لكل عمل شرة، وإن لكل شرة فترة، فإما إلى سنة وإما إلى بدعة).\nإذًا: فالإنسان لا تأخذه الحماسة فيريد أن يحفظ كل شيء مرة واحدة؛ لأن ذلك ليس ممكنًا، بل هو صعب جدًا، وخاصة إذا لم يكن متعودًا على الحفظ، فيحتاج إلى أن يتعود شيئًا فشيئًا، فيحفظ أولًا آية واحدة، ويرددها في نهاره وغده إلى أن يحفظها، ثم يضم إليها غيرها، ولا يزال يحفظ كذلك إلى أن يحفظ القرآن كله، أو ما استطاع حفظه منه، وليبدأ بما يحبه، وبما يستمتع به، فقد يكون يحب أن يحفظ سورة يس، وغيره يحب أن يحفظ سورة الرحمن، وهكذا، فليبدأ بما يحب، وليس شرطًا أن يبدأ من أول البقرة، أو من أول جزء عم، ولكن السورة التي تستهويه ويحبها يبدأ بها؛ لأنها ستكون سهلة عليه، وليضم إليها غيرها وغيرها، وسيجد نفسه في النهاية قد حفظ الكثير من كتاب الله ﷿، بل حفظه كله.","vol":"94","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-997>الحرص على تعهد القرآن، والحذر من تعريضه للنسيان</span>\nمن الأبواب التي يذكرها الإمام النووي ﵀ في التبيان: باب الأمر بتعهد القرآن والتحذير من تعريضه للنسيان.\nوتعاهد القرآن بمعنى: أن تحفظ وتراجع، ولا يكفي أن تحفظ.\nوإن الذي يحفظ القرآن يتفلت منه بسرعة، والنبي ﷺ قد أنسي آية وهو يصلي بالناس، وذكره بها أبي بن كعب ﵁ بعد الصلاة، فكيف بغيره صلوات الله وسلامه عليه؟! فالقرآن يتفلت من الإنسان.\nوإذا كان الإنسان يراجع فهو معذور، وأما الذي ترك القرآن فلا يراجع ولا يقرأ ومع هذا يقول: أنا حافظ، فهذا هو المقصر، قال النبي ﷺ: (تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتًا من الإبل في عقلها).\n(تعاهدوا) أي: راجعوا، وحافظوا على ما تحفظون من القرآن، وراجعوا كل يوم، واجعلوا لكم وقتًا للمراجعة، وداوموا على ذلك، كما قال النبي ﷺ: (تعاهدوا القرآن) أي: اجعل للقرآن وقتًا تتعاهده فيه، حتى تراجع ما تحفظ، ولا يتفلت منك، وتأس بالنبي ﷺ، فقد كان جبريل ينزل عليه كل سنة في رمضان فيراجع مع النبي ﷺ ما يحفظه من القرآن، ويتدارسه معه.\nوفي هذا الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال النبي ﷺ: (تعاهدوا)، أي: حافظوا على قراءة القرآن، وواظبوا على تلاوته، (فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتًا) أي: يتفلت من الإنسان، ويخلص منه ويذهب ويتركه (من الإبل في عقلها)، أي: مثل الجمل حين يبقى مربوطًا في عقاله ويحاول أن يفلت منه ليمشي، وكذلك القرآن إن لم تحافظ عليه فإنه يضيع منك ولن تستطيع أن تتذكره.\nوفي الحديث المتفق عليه عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت)، وهو هنا يضرب المثل بما في البيئة عندهم، فإن الرجل منهم إذا كان عنده جمال فربطها وواظب على أن ينظر إلى الحبل الذي ربطها به أهو سليم أو غير سليم فقد حافظ عليها، وأما إذا غفل عنها فإنها تذهب عنه فلا يجدها.\nوكذلك القرآن، فإننا إذا لم نتعاهد كتاب الله ﷿ بالمذاكرة والحفظ والمراجعة فإننا سوف ننساه.","vol":"94","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-998>استحباب تحسين الصوت بالقرآن وطلب القراءة من حسن الصوت والاستماع لها</span>\nمن الأبواب يذكرها الإمام النووي ﵀: باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن وطلب القراءة من حسن الصوت والاستماع لها.\nفقارئ القرآن ينبغي أن يحسن صوته بالقرآن، وأن يتغنى به، تعظيمًا وتوقيرًا لكتاب الله ﷾، والنبي ﷺ لم يذكر ذلك في غير القرآن، فلم يذكر شيئًا ثانيًا، لا التغني بحديث النبي ﷺ، ولا التغني بالشعر، ولا التغني بالكلام، ولا التغني في الخطبة، ولا التغني في الدعاء، وإنما ذكر التغني بالقرآن فقط.\nوقد كان العرب ينشدون الأشعار ويتبارون فيها، فلما نزل القرآن أخبر الله تعالى أن القرآن ليس بقول كاهن، ولا بقول شاعر قليلًا ما تذكرون، أي: قليلًا ما يفهم هؤلاء الناس، فلو أن القرآن مثل الشعر الذي يقرءونه على أوزانهم لقالوا: هذا شاعر، أي: النبي ﷺ، ولكن القرآن أتى بفواصل جميلة وعجيبة، يسمعها من يسمعها فيقول: لا يمكن أن يكون هذا شعرًا، ولكن له حلاوة ونغمة، فالقرآن كلماته متآلفة ليست متنافرة، وعندما يقرؤه الإنسان يجد متعة على لسانه، ويجد نغمة، ولذلك فإن النبي ﷺ أمرنا أن نتغنى بالقرآن، ولم يأمرنا أن نتغنى بشيء غير القرآن.\nوفي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به)، (ما أذن) أي: ما استمع الله ﷿ لشيء، والله يسمع كل شيء، ولكن فرق بين سماع وسماع، فـ (ما سمع) هنا أي: يحب أن يستمع لهذا القرآن من نبينا صلوات الله وسلامه عليه، وهو أجمل الناس صوتًا، وأحسنهم تلاوة صلوات الله وسلامه عليه: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن)، وهو النبي صلوات الله وسلامه عليه، فليس هناك غيره حسن الصوت يتغنى بهذا القرآن العظيم، ولكن من تواضعه ﷺ أخبر بذلك على وجه الالتفات، فلم يقل: ما أذن الله لشيء ما أذن لي أن أتغنى بالقرآن، صلوات الله وسلامه عليه، ولكن من تواضعه قال: (ما أذن لنبي)، ومن كان موجودًا معه من الأنبياء ﷺ وهو يقرأ القرآن مع أصحابه؟ لا أحد.\nوقوله: (يتغنى به) أي: يترنم بآيات كتاب الله ﷿ بنغمة جميلة، ويجهر بذلك، ويسمع الخلق، فيقرأ كتاب الله ﷿ لينتفع الخلق به.\nوفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: (لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود)، فقد استمع لـ أبي موسى الأشعري ليلة وهو يقرأ القرآن وحده في المسجد في الظلام، ووقف وقفة طويلة يستمع له، وأعجبه صوت أبي موسى رضي الله ﵎ عنه، وفي الصباح قال له: (لو رأيتني وأنا أستمع إليك البارحة)، وقوله: (لو رأيتني) أي: لأعجبك ذلك، فالنبي ﷺ استمع لـ أبي موسى الأشعري لجمال صوته، ولحسن تلاوته وأدائه رضي الله ﵎ عنه، فقال له النبي ﷺ: (لو رأيتني وأنا أستمع إليك البارحة)، أي: لأعجبك ذلك، فقال أبو موسى الأشعري: (لو علمت يا رسول الله لحبرته لك تحبيرًا)، أي: لو علمت أنك تستمع لقراءتي لأنها أعجبتك لحبرتها لك تحبيرًا، وحاشا أبا موسى أن يرائي أو يسمع، ولكن أعجبه أن الرسول العظيم الكريم يستمع له، وإذا كان يستمع له وصوته يعجب النبي ﷺ لزاد أبو موسى ولحلى صوته أكثر ليسمع النبي ﷺ ما يحب أن يسمع من أبي موسى رضي الله ﵎ عنه.\nوفي الحديث المتفق عليه من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: (سمعت النبي ﷺ قرأ في العشاء بالتين والزيتون، فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا منه صلوات الله وسلامه عليه).\nوقد كان الصحابة يسمعون لـ أبي موسى الأشعري بعد وفاة ﷺ، فقد كان عمر بن الخطاب ﵁ يأتي أبا موسى ويقول: ذكرنا بالله.\nفيقرأ أبو موسى والكل يسمعون في ذلك المجلس.\nوهنا البراء بن عازب يحدث بعد النبي ﷺ، وبعد ما سمع غير النبي ﷺ، فيقول: (ما سمعت صوتًا أحسن من صوت النبي صلوات الله وسلامه عليه)، فهو صوت جميل يستمع إليه ربه ﷾ وهو يقرأ القرآن، ويتغنى بكتاب الله سبحانه في خشوع، وقد كان إذا قرأ يسمع في صدره أزيز كأزيز المرجل، من خوفه من الله ﷿، وبكائه منه، صلوات الله وسلامه عليه، ومع ذلك كان هذا لا يؤثر على جمال صوته، وحسن تلاوته، صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"94","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-999>الأمر بالتغني بالقرآن</span>\nروى أبو داود بإسناد جيد عن أبي لبابة بشير بن عبد المنذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من لم يتغن بالقرآن فليس منا).\nفالقرآن ليس كغيره من الكلام، وإنما هو شيء خاص جاء من عند رب العالمين، نزل به جبريل الروح الأمين على النبي سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، نزل عليه فعلمه كيف يتلوه، قال له ربه: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٦ - ١٩].\nفقوله تعالى: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) أي: لا تحرك لسانك لتعجل؛ بل اصبر واسمع جيدًا لهذا القرآن، ونحن نحفظك إياه، ونعلمك أحكامه، ونعلمك كيف تقرؤه.\nوالنبي صلوات الله وسلامه عليه يعلم المؤمنين، ويأمرهم أن يتغنوا بالقرآن، فيقول ﷺ: (من لم يتغن بالقرآن فليس منا)، أي: إن قارئ القرآن لا يقرؤه كما يقرأ أي كتاب آخر، وكما يقرأ أي كلام آخر، ولكن يقرأ القرآن مستشعرًا أنه يؤجر على كل حرف منه، فيحسن التلاوة، ويتعلم كيف يجود القرآن، ويتعلم أحكام القرآن، وأحكام التجويد، وأحكام القراءة، ويتقن القراءة، ويتغنى بها، ولا يقيس على القرآن غيره، ولا يجعل شيئًا آخر كالقرآن.\nوفي زماننا الآن ما أكثر ما ابتدع الناس من بدع! فقد تغنوا بالقرآن، وبدءوا يتغنون بغير القرآن، والنبي ﷺ لم يذكر سوى القرآن فقط، فقال: (ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن)، حتى حديث النبي ﷺ لا يتغنى به.\nأما أن يقف على المنبر ويخطب ويتغنى، فما جاء عن النبي ﷺ ذلك، إلا أنه كان يقرأ القرآن ويتغنى به، صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"94","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1000>الأمر بالاستماع للقرآن</span>\nروى الشيخان عن ابن مسعود ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ: (اقرأ عليّ القرآن)، وابن مسعود رضي الله ﵎ عنه كان رجلًا عالمًا من أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقد كانوا لفترة طويلة يظنونه من آل بيت النبي ﷺ؛ لكثرة دخوله وخروجه على النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nفيقول له النبي ﷺ: (اقرأ عليّ القرآن.\nقال: فقلت: يا رسول الله! أقرأ عليك وعليك أنزل؟)، أي: القرآن نزل عليك وتأمرني أن أقرأه عليك؟ وهذا من باب هضم النفس والتواضع، وأيضًا هذا تواضع من النبي ﷺ لتعليم الخلق أن الإنسان يقرأ ويستمع للقرآن، ففي قراءته للقرآن يتدبر ويحسن القراءة، وفي سماعه يتأمل ويتدبر، فقال ﷺ: (إني أحب أن أسمعه من غيري، قال: فقرأت عليه سورة النساء حتى وصلت إلى قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] قال: حسبك الآن.\nقال: فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان)، صلوات الله وسلامه عليه.\nفقد كان يبكي صلوات الله وسلامه عليه حين يستحضر الآخرة ويوم القيامة، وحال وجوده يوم القيامة، وهي حال تشريف له ﷺ، وحال علو وارتفاع له، يقول له ربه: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك أنت شاهدًا على الكل، فإذا كان هذا النبي الشاهد ﵊ يبكي خوفًا من هذا اليوم، فكيف بالمشهود عليهم؟ وكيف يكون حالهم؟ وهذا النبي ﷺ يملًا الخوف من الله قلبه، وهو سيد الخلق ﵊، وهو صاحب لواء الحمد يوم القيامة، وصاحب الشفاعة العظمى والمقام المحمود، وصاحب الشفاعات يوم القيامة، ومع ذلك يبكي ﵊ من ذلك! فالمؤمن أولى أن يحدث في قلبه الخوف والرعب والرهبة من هذا اليوم، ويسأل الله ﷿ العفو والعافية.\nوالمقصود من هذا الحديث: بيان أن المؤمن إذا استمع للقرآن فليستمع إليه بحب لله ولكلامه، وبتدبر وتأمل، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤] وهذا توكيد من رب العالمين سبحانه، فإذا قرئ القرآن استمع، وفرق بين أن يقول: (اسمع) و(استمع)، فاسمع أي: شيء يمر على سمعك فاسمعه، وأما (استمع) أي: انتبه، وأصغ سمعك، وانتبه لما يقال، وأنصت ولا تتكلم أو تتحرك أو تلتفت عن القرآن، وإنما استمع وأصغ له، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤]، أي: فلعل الله ﷿ يرحمنا بذلك.","vol":"94","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1001>الحث على آيات وسور مخصوصة</span>\nالقرآن كله عظيم، ولكن لا مانع من أن تكون آية أفضل من غيرها، وليس المعنى حين نقول: هذه أفضل من هذه، أن هذه أقل، ولكن القرآن كله فاضل وعظيم، والله ﷿ جعل البعض منه أفضل من البعض الآخر.","vol":"94","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1002>أعظم سورة في القرآن هي سورة الفاتحة</span>\nجاء عن أبي سعيد بن المعلى ﵁ أنه كان يصلي في المسجد، فناداه النبي ﷺ فلم يرد، فأسرع في صلاته وذهب إلى النبي ﷺ؛ لأنه يعلم أن معنى قول الله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] أنه لا يقطع صلاته حتى ينتهي منها، فقال له النبي ﷺ: (ما منعك أن تجيبني؟ قال: كنت في صلاة)، وظن أن النبي ﷺ كغيره، ولم يعلم أن النبي ﷺ له حكم آخر في صلاة النافلة، وهو وجوب إجابة النبي ﷺ وقطع صلاة النافلة؛ لأن الصلاة نافلة، وإجابة النبي ﷺ واجبة، فإذا تعارضا فيجب عليه إجابة النبي ﷺ، والخروج من النافلة، فقال له النبي ﷺ: (ألم يقل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]).\nأي: أليس الله قال هكذا؟ ثم علمه النبي ﷺ، فقد أراد أن يعلمه ما يحيا به، وما يملأ قلبه نورًا، فقال له ﷺ: (ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟ قال: فأخذ بيدي فلما أردنا أن نخرج قلت: يا رسول الله! إنك قلت: لأعلمنك أعظم سورة في القرآن، فقال النبي ﷺ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته).\nإذًا: فأعظم سورة في كتاب الله -وكل القرآن عظيم- هي سورة الفاتحة، وقد قال النبي ﷺ هنا: (هي السبع المثاني)، أي: تثنى وتكرر الفاتحة في كل صلاة، وفي كل ركعة تُقرأ، وهذا معنى تثنيتها، أي: تكررها، ففي كل صلاة فريضة أو نافلة تقرأ فاتحة الكتاب، فقال: (هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته) صلوات الله وسلامه عليه.\nوفي هذا الحديث: أن المؤمن يحرص على هذه السورة العظيمة، فيقرؤها في الصلاة وفي غير الصلاة.","vol":"94","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1003>فضل قراءة سورة (قل هو الله أحد)</span>\nعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن)، وفي رواية أنه قال لأصحابه: (أيعجز أحدكم أن يقرأ بثلث القرآن في ليلة؟)، وكل الناس يعجزون عن ذلك، ولا يستطيع أحد أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة إلا من أعانه الله ﷿ على ذلك، وهم فهموا من قول الرسول ﷺ: أنهم يبتدءون من أول سورة الفاتحة إلى أن يتعدوا سورة براءة، حتى يصلوا إلى ثلث القرآن.\nأي: يقرءون عشرة أجزاء، فلما قال النبي ﷺ ذلك شق ذلك على الصحابة، وقالوا: (أينا يطيق ذلك؟) أي: أن الأمر صعب عليهم أن يقرءوا ثلثه، ويمكن أن يقول البعض اليوم: أنا أستطيع أن أقرأ القرآن كله في يوم واحد أو في ليلة واحدة، ولكن قراءة الصحابة كانت على غير ما نقرأ نحن، فقد كانت قراءتهم قراءة تدبر وتفكر، وقراءة أدب مع الله ﷾، فكان من الصعب عليهم أن يقرءوا ثلث القرآن في ليلة، أي: عشرة أجزاء، فبين النبي ﷺ أن الأمر أسهل، فقال: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تعدل ثلث القرآن).\nوإذا كانت الفاتحة أعظم سورة في القرآن، و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تعدل ثلث القرآن، فستكون الفاتحة أعظم من ذلك، والغرض من ذلك بيان أن تحرص على ذلك، فاقرأ فاتحة الكتاب، واقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ).\nوفي البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ويرددها، فلما أصبح جاء إلى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالها، كما نعمل نحن اليوم نصلي بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) في الركعتين، وهذا الرجل كان يفعل ذلك، أي: أنه كان يصلي بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، فيقرؤها ويكررها في كل ركعة، ثم في النهار ذهب إلى النبي ﷺ وكأنه يستقل ذلك، لأنه لا يحفظ كثيرًا من القرآن، وإنما يحفظ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، وهذا الذي عرف أن يقوم به، وإذا بالنبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه يبين له أنها ليست قليلة كما ظن، وإنما هي عظيمة جدًا، فقال النبي ﷺ: (والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن)، فيقسم له، وهو لا يحتاج إلى أن يقسم ﵊، ولكنه أراد أن يطيب نفس هذا الرجل؛ لأنه رآها شيئًا قليلًا، فقال له النبي ﷺ: (والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن).\nفكأنك تقرأ في كل ركعة بثلث القرآن عندما تقرأ بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ).\nوجاء عن أبي هريرة ﵁ نحوه، قال: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) إنها لتعدل ثلث القرآن).\nوجاء في الترمذي ورواه البخاري تعليقًا عن أنس ﵁ أن رجلًا قال: (يا رسول الله! إني أحب هذه السورة، -يعني: سورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) - قال: إن حبها أدخلك الجنة).\nولذلك نقول: إنك عندما تحب أن تحفظ فانظر السورة التي تحبها فاحفظها؛ لأن حبك لها يدخلك الجنة، وحفظك لها يرفعك درجات عند الله ﷾، فابدأ بما تحبه، وألف السور، وضم بعضها إلى بعض إلى أن تحفظ القرآن كله.\nوقد جاء في رواية: أن هذا الرجل كان يصلي بأصحابه، وكان إذا قرأ في الركعة ختم بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، فقالوا له: إما أن تقرأ بالسورة، أو تقرأ بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، أي: لا تجمع بين الاثنتين، وكان الرجل يحب هذه السورة، فقال: إن أحببتم أن أصلي بكم بذلك وإلا فقدموا غيري، وكان هو أفضلهم، فتركوه يصلي بهم.\nوالنبي ﷺ لم يفعل ذلك، ولم يكن يقرأ في كل ركعة بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) مع سورة أخرى؛ لأن النبي ﷺ يحب القرآن كله صلوات الله وسلامه عليه، وليس عنده سورة أفضل من سورة، فكان يقرأ بالجميع صلوات الله وسلامه عليه.\nوأما هذا فحدث في قلبه حب لهذه السورة أكثر من غيرها، فكان يقرؤها في كل ركعة، وليس المعنى: أن السنة أن نفعل مثل هذا، وإنما السنة أن نفعل كما فعل النبي ﷺ، فهو لم يفعل ذلك ولا مرة واحدة صلوات الله وسلامه عليه، فلم يقرأ في أي ركعة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) مع السورة التي قرأها في الركعة، ولكن الغرض بيان أن هذا الرجل حدث في قلبه حب لهذه السورة، فلما قال للنبي ﷺ: إني أحبها، قال له النبي ﷺ: (حبك إياها أدخلك الجنة)، أي: بحبك لها، وليست هي فقط، وإنما القرآن كله، فما أحببت منه وتعلقت به كان سببًا لدخولك الجنة، أي: أن الإنسان المؤمن يحفظ ما يحبه، ويقرأ ما يحبه، فإذا كان في الصلاة فخير الهدي هدي النبي ﷺ، فيفعل كما فعل صلوات الله وسلامه عليه.\nفالغرض بيان أن (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) لها فضيلة عظيمة، ولذلك جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه في حديث آخر أنه قال: (من قرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) عشر مرات بني له بيت في الجنة)، أي: قصر في الجنة، فاحرص على تكثير القصور في جنة الله ﷾.","vol":"94","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1004>فضل سورة (قل هو الله أحد) والمعوذتين</span>\nروى الإمام مسلم عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ألم تر آيات أنزلت الليلة لم يُرَ مثلهن قط: (قل أعوذ برب الفلق) و(قل أعوذ برب الناس»، أي: آيات عظيمة جدًا تنفعك في الدنيا والآخرة، فتحرسك هذه الآيات في الدنيا، ويكون لك أجرها عند الله ﷿ يوم القيامة.\nويطلق على هذه السور مع (قل هو الله أحد) المعوذات، وقد أخبر النبي ﷺ معجبًا من هذه الآيات أنه لم ينزل مثلهن.\nروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: (كان رسول الله ﷺ يتعوذ من الجان وعين الإنسان حتى نزلت المعوذتان، فلما نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما) صلوات الله وسلامه عليه.\nأي: أن النبي ﷺ كان يتعوذ بالله من عين الإنسان، ومن الجان، وكأنه كان يكثر من ذلك صلوات الله وسلامه عليه، وفي أذكار الصباح والمساء يتعوذ الإنسان بكلمات الله التامات من شر ما خلق، ولما نزلت عليه هاتان السورتان أخذ بهما النبي ﷺ، لأنهما تكفيان عن غيرهما في التعوذ.\nوعن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه كان مع النبي ﷺ في سفر وكأنه كان بعيدًا من النبي ﷺ، فلما قرب من النبي ﷺ سأله أنه يعلمه شيئًا يصلي به، فأمره النبي ﷺ بـ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)، و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)، فكأنه استقل ذلك، وأراد أن يعلمه سورة طويلة مثل سورة البقرة، أو سورة النساء، وأما هاتان فكل الناس يحفظونهما، فسكت النبي ﷺ، إلى أن صلى بهم الفجر بـ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)، و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)، والتفت إلى المغيرة وقال: كيف رأيت؟ أي: أني أنا قرأت بهما في صلاة الفجر، والله سبحانه ﵎ يقول: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]، أي: تشهده ملائكة الليل والنهار، ويشهده المؤمنون المصلون، فقرأ بـ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)، و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)؛ ليبين عظيم فضل هاتين السورتين.","vol":"94","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1005>فضل سورة تبارك</span>\nروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن من القرآن سورة ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له، وهي: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ»، وهذه السورة تشفع للإنسان في قبره، وشفعت لهذا الإنسان إلى أن غفر الله له، وتلقب بالمانعة من عذاب القبر، فينبغي على المؤمن أن يحفظها، وأن يرددها كل يوم وكل ليلة، لتدافع عنه في قبره.","vol":"94","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1006>فضل الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة</span>\nعن أبي مسعود البدري ﵁ في الحديث المتفق عليه عن النبي ﷺ قال: (من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه)، والآيتان هما: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، إلى آخر السورة.\nفهاتان الآيتان يقول النبي ﷺ عنهما: (من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه)، وأطلق قوله: (كفتاه) ولم يقيدها؛ لتبقى محمولة على العموم، فتكفيانه من الشرور، ومن قيام هذه الليلة، فكأنه إذا قرأ بهما فهما من أعظم ما يقرأ به في قيام الليل، فتكفيانه، فليحرص المؤمن على أن يقرأ ذلك قبل أن ينام، سواء في الصلاة، أو وهو على فراشه، ففيهما الإيمان، وأصول الاعتقاد، والدعاء: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٨٦]، فقد جمعتا خيري الدنيا والآخرة من العقيدة الإسلامية، ومن الدعاء بخير الدنيا والآخرة، فينبغي على المسلم أن يقرأها في كل ليلة.","vol":"94","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1007>فضل سورة البقرة</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر؛ إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة).\nفقال: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر)؛ لأن المقابر لا يصلى فيها، وأهلها موتى، فلا توجد عبادة فيها، وإنما هي إما نعيم وإما جحيم، إما عذاب وإما فضل من الله ﷿ ورحمة في القبور، فلا يوجد فيها صلاة، ولا قراءة للقرآن، فلا تجعلوا بيوتكم مثل المقابر، فصلوا في بيوتكم النافلة، واقرءوا في بيوتكم سورة البقرة، لتحيا بيوتكم بذلك؛ ولذلك قال ﷺ: (إن الشيطان ينفر -أي: يهرب- من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة)، فينبغي على المؤمن أن يقرأ هذه السورة في بيته ليطرد منه الشياطين.\nنسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"94","page":18},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-1008> ما جاء في الحث على سور وآيات مخصوصة من القرآن العظيم</span>\nكتاب الله تعالى هو أفضل وأشرف وأصدق كتاب، فقد جعله الله هدى للمتقين، ورحمة للمؤمنين، وهو مبارك، وقد رغب النبي ﷺ في قراءته وتدبره، وخص بعض سوره وآياته بفضائل زائدة، وشرع قراءتها في أوقات وأحوال معلومة.","vol":"95","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1009>الحث على سور وآيات مخصوصة</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب في الحث على سور وآيات مخصوصة.\nوعن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قلت: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] قال: فضرب في صدري، وقال: ليهنك العلم أبا المنذر) رواه مسلم.\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام وذكر قصة وفيها: (قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال لي: لا يزال عليك من الله حافظ ولن يقربك شيطان حتى تصبح، فقال النبي ﷺ: أما إنه قد صدقك وهو كذوب) رواه البخاري].\nهذه أحاديث من كتاب رياض الصالحين للإمام النووي ﵀ ذكرها في أبواب الفضائل في باب الحث على سور وآيات مخصوصة.\nوالمؤمن يحب أن يقرأ كتاب الله ﷿ كله، ويحب أن يحفظه كله، فمهما استطاع أن يحفظ منه وأن يقرأ منه فعل، وتوجد سور وآيات مخصوصة نبه النبي ﷺ على فضلها، فيستحب أن يبدأ الإنسان بهذه السور فيحفظها؛ فإنه لا يدري متى يهجم عليه الموت، وهذه السور والآيات جاء عن النبي ﷺ في فضيلتها أحاديث منها: حديث أبي سعيد بن المعلى ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته).\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن).\nوقال ﷺ: (أيعجز أحدكم أن يقرأ بثلث القرآن في ليلة؟!)، وظاهره أنه يقوم الليل بقراءة ثلث القرآن، فالصحابة ذكروا أن هذا الأمر صعب لا يقدرون عليه، فقال النبي ﷺ قال: قل هو الله أحد الله الصمد ثلث القرآن).\nكذلك جاء عن النبي صلوات الله وسلامه عليه في سورتي: (قل أعوذ برب الفلق)، و(قل أعوذ برب الناس) (المعوذتين) أن فيهما فضلًا عظيمًا، وكان النبي ﷺ يتعوذ بأدعية من الجان وعين الإنسان ثم بعد ذلك اكتفى بسورتي: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، وكان أحيانًا يقرؤهما صلوات الله وسلامه عليه وهو مسافر في صلاة الفجر.\nفيستحب للمسلم أن يقرأ المعوذات: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، وإذا قرأتها ثلاث مرات تكفيك من كل شيء، فالمؤمن يستن بسنة النبي ﷺ ويقرأ ذلك في أذكار الصباح وفي أذكار المساء.\nومما جاء أيضًا عن النبي ﷺ أن سورة: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ تعدل ربع القرآن، وفيها البراءة من الكفار، ومن أعمال الكفار، فيستحب للمؤمن أن يقرأها سواء في الصلاة أو في غير الصلاة.\nكذلك سورة: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وهي ثلاثون آية، وتسمى: المانعة من عذاب القبر، يستحب للمؤمن أن يحفظها وأن يقرأها في كل ليلة، فإنها دفعت عن رجل عذاب القبر بسبب أنه كان يقرؤها في كل ليلة، قال النبي ﷺ: (من القرآن سورة ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ).\nوفي حديث آخر قال النبي ﷺ: (إن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة)، وقال عن سورة البقرة وسورة آل عمران: (اقرءوا الزهراوين البقرة وآل عمران فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما).","vol":"95","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1010>فضل آية الكرسي</span>\nروى مسلم عن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟) وقد عرفنا أن أعظم سورة هي سورة الفاتحة، فأي آية من القرآن أعظم؟ سئل عن هذا أبي بن كعب، وهو سيد القراء رضي الله ﵎ عنه، فقد كان عمر يلقبه بسيد القراء، وقد حفظ القرآن من النبي ﷺ، والنبي ﷺ في ذات مرة نسي آية وهو يصلي، وبعد الصلاة قال: (أفيكم أبي؟ قال: نعم.\nقال: ما منعك أن تفتح علي؟ قال: ظننتها نسخت يا رسول الله)، فالنبي ﷺ بين فضله رضي الله ﵎ عنه حين قال له: (ما منعك أن تفتح علي؟! وقال له هنا: (يا أبا المنذر) وهذا فيه تكريم لـ أبي بن كعب حيث يكنيه النبي ﷺ، ولو قال: يا أبي! لكان شرفًا له أن يناديه النبي ﷺ باسمه، ولكنه قال: (يا أبا المنذر!).\nقال ﷺ: (يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟) يعني: أي آية من الآيات التي تحفظها أعظم، والنبي ﷺ ينطق بالوحي، ولا ينطق عن الهوى صلوات الله وسلامه عليه، فقال أبي بن كعب: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) قال: فضرب في صدري) أي مؤكدًا له أنه أصاب في الجواب وقال: (ليهنك العلم أبا المنذر!) أصلها: يهنيك العلم، واللام هنا لام الأمر أي: تتهنأ بهذا العلم الذي عندك بفضل الله ﷿ عليك.\nإذًا: آية الكرسي آية عظيمة جدًا، ولولا أن لها قدرًا عظيمًا في القرآن الكريم لما أمرنا النبي ﷺ أن نقرأها بعد كل صلاة فريضة، فتقرؤها كل يوم خمس مرات على الأقل استحبابًا بعد كل صلاة فريضة.","vol":"95","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1011>تفسير آية الكرسي</span>\nآية الكرسي هي آية التوحيد، فقد ذكر الله سبحانه فيها صفاته العظيمة، وفيها من الأسماء الحسنى: الحي، والقيوم الذي يقوم كل شيء به، وهو قائم على كل شيء سبحانه، وهو الذي يدبر أمر الكون كله سبحانه، يراقب ويحفظ كل شيء، ويشهد على كل شيء، فهو القيوم لا شيء يقوم إلا بالله الحي القيوم سبحانه، وهو القيوم القائم والقاهر فوق عباده ﷾.\nقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فهو الحي الحياة الدائمة التي لا ابتداء لها ولا انتهاء لها ﷾، فقد خلق الله ﷿ الزمان للخلق، جعل لهم الزمان يحد أولهم وآخرهم، وجعل المكان للإنسان يتحيز فيه، والله ﷿ لا يحده زمان ولا مكان ﷾، وهو فوق كل شيء، قهر كل شيء، وقام على كل شيء.\n﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] النوم قد عرفناه، والسنة: هي الشيء اليسير من النوم كالخفقة التي تعتري الإنسان، فالإنسان قد تغلبه عينه وهو يحرس أو وهو واقف في الصلاة إذا طالت الصلاة في قيام الليل.\nفهذه السنة شيء يسير من النوم، والله ﷾ لا يعتريه نوم ولا سنة من النوم ﷾.\n﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٥٥] يملك كل شيء، يملك ما في السموات وما في الأرض.\n﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ما أعظم هذه العظمة! أي مخلوق لا يجرؤ أبدًا أن يتقدم بين يدي الله ﷿، ولا يشفع بغير إذنه، قال الله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] ﷾، ولا يشفع عنده إلا الأنبياء والملائكة والصالحون، وقد أخبرنا النبي ﷺ في حديث الشفاعة الطويل: (أنه يأتي يوم القيامة ويخر ساجدًا لله ﷾، فيتركه ربه ما شاء أن يتركه ساجدًا، ثم يأذن الرب الكريم ﷾ للنبي ﷺ بقوله: يا محمد! ارفع رأسك، واشفع تشفع)، فيقوم النبي ﷺ حامدًا ربه سبحانه، شاكرًا ربه، ويشفع لمن يشاء الله من خلقه، فهذا النبي الكريم أكرم خلق الله صلوات الله وسلامه عليه لا يشفع ابتداءً إلى أن يأذن الله له حين يقول: (يا محمد! ارفع رأسك)، ويأتي إلى عرش الرحمن فيخر ساجدًا حتى يؤذن له.\nفمن يجرؤ أن يأتي إلى الله بغير إذن من الله سبحانه ويقول: أنا أشفع وأنا أدافع عن فلان؟ لا أحد يجرؤ على ذلك.\n﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] هذه عظمة الله سبحانه، وجبروت الله وملكوته، يعلم كل شيء سبحانه ﵎، أحاط بكل شيء علمًا صغر وقل أو كبر وجل، كل شيء يعلمه الله سبحانه علم إحاطة، يعلم أوله وآخره وكيف كان، وكل شيء يصير يعلمه الله، فمن عظمة الله أنه لا يجرؤ أحد أن يشفع إلا أن يأذن الله سبحانه، وعلم الله العظيم يدل على عظمته، فهو يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ما أمامك وما خلفك، في أي زمان ومكان، ما أضمرته في نفسك وما أظهرته، يعلم كل شيء ﷾، فالله ﷿ يعلم ما بين أيدي كل خلقه، كل شيء يعلم الله ﷿ ما بداخله وخارجه، ما أمامه وخلفه في الزمان وفي المكان، كل شيء يعلمه الله ﷾.\n﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فانظر إلى سعة علمه سبحانه، وإلى حقارة علم المخلوقين، إذا اجتمع الخلق كلهم لا يقدرون أن يحيطوا بشيء من علم الله، فهو سبحانه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، كل شيء يعلمه الله ﷿، وهذه المخلوقات كلها لا تحيط بشيء من علم الله ﷾.\n﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] فما شاء أن يعلمهم به أعلمهم به، وقد يظن إنسان أنه أحاط علمًا بالشيء، فإذا بالرب سبحانه يظهر جهل هذا القائل، وكلما ازداد الإنسان علمًا ازداد علمًا بجهل نفسه، فإذا استكبر وقال: قد علمنا ووصلنا، فسيصل إلى أن يكون أجهل خلق الله ﷾.\nقبل مائة سنة كان بعض كبار الأطباء يقولون: قد اكتشفنا ولم نترك شيئًا لمن يأتي بعدنا في الطب، فالذي قال هذا كان أحمق، فانظر إلى العلوم الموجودة الآن في علم الطب الحديث، فالعلم الآن فيه أشياء حديثة جدًا جدًا لم يكونوا يعرفونها، فقد اكتشفوا الميكروبات والفيروسات والأشياء الصغيرة التي لا ترى، والأشياء التي ترى آثارها دون أن ترى، فأين علم الطبيب القديم الذي كان يقول: اكتشفنا كل شيء؟! هذا جاهل يضحكون عليه الآن بسبب قوله الذي قاله.\nفالإنسان حين يقول: أحطت بشيء علمًا جاهل، فالله ﷿ لا يطلع أحدًا على كل شيء، وقد قال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦]، فوق كل إنسان عالم علّامة، وفوقه العليم الخبير ﷾، كما يقول ابن عباس ﵁: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦] أي: الله فوق كل عالم ﷾.\nفالإنسان إذا وصل في العلم إلى شيء فيرد العلم إلى عالمه، ويقول: هذا ما أعلمه وأجهل الكثير.","vol":"95","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1012>معنى الكرسي</span>\nقال الله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] كرسي الله سبحانه نؤمن به، وعرش الله ﷿ نؤمن به، ونحن نرى ما نراه من الأرض، ونرى ما نراه من السماء، والعلماء يقولون: السماء واسعة جدًا، والأفلاك والكواكب والأقمار هي أشياء عظيمة جدًا وبعيدة المسافات؛ ولذلك يقيسون ما بينها بالسنة الضوئية، أي: المسافة التي يقطعها الضوء خلال سنة، والضوء يقطع في الثانية الواحدة مائة ألف كيلو متر، فإذا حسبتها بالسنة الضوئية تكون مثلًا تسعة ترليون كيلو متر، وهم يقولون: المسافة بين الشيء الفلاني والشيء الفلاني أربع سنوات ضوئية، أي: أن نجمًا لا يصل إليه ضوء النجم الآخر إلا بعد أربع سنوات، وكل هذه النجوم من ضمن المجرة التي نحن فيها، ويقولون: يوجد مائتا مليار نجم في المجرة التي نحن فيها، ويقولون: نحن نعلم بوجود حوالى مائتي مليار مجرة.\nويقولون: هذا الموضع الذي نظرنا فيه الآن النجم هو يبتعد من موضعه، قال الله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧].\nفإذا كانت السماء الدنيا لسنا عارفين أين آخرها، وأين آخر هذه النجوم والكواكب، فكيف بالسماء الثانية، والثالثة، والرابعة؟! يقول النبي ﷺ: (ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة في فلاة).\nوجاء عن ابن عباس قال: (الكرسي موضع القدمين)، والله أعلم، وإذا قوم الكرسي بعرش الله ﷾ فهو بالنسبة إليه كحلقة في فلاة، فكم يكون قدر هذا العرش؟! والله مستغن عن العرش وما دونه ﷾، وهو مستو على العرش، فالله ﷾ فوقه هو العلي الكبير سبحانه، وإذا أردت أن تعرف أن الله هو الكبير فانظر إلى الشيء الكبير في هذا الكون، فأنت لا تقدر أن تحيط به علمًا، فكيف بمن خلقه وهو الله ﷾؟! فالله هو العلي الكبير سبحانه، وهو العلي العظيم أحاط بكل شيء علمًا.","vol":"95","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1013>معنى قوله تعالى: (ولا يئوده حفظهما)</span>\nقال الله ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة:٢٥٥] أي: لا يتعبه حفظهما، فيحفظ كل نجم من المليارات التي لا تعد، يحفظها في مكانها، تجري وتدور، ويأتي مولدها وتأتي نهايتها فيما يعلمه الله سبحانه، أحصى كل شيء عددًا، أحصى أنفاس العباد فيعلم كم عددها، أحصى عدد قطر المطر الذي ينزل من السماء، وعدد أشجار أوراق الشجر، ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن:٢٨] ﷾ العليم العظيم.\nقال الله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] العظيم صاحب العظمة صاحب الملك والملكوت ذو الجلال والإكرام ﷾.","vol":"95","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1014>عظمة آية الكرسي وبعض ما ورد في ذلك</span>\nعندما تقرأ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] استحضر هذه المعاني لتعرف شيئًا من عظمة الله الخالق ﷾، ولذلك كانت هذه الآية -آية الكرسي- أعظم آية في كتاب الله ﷾.\nقال النبي ﷺ: (ليهنك العلم أبا المنذر) يعني: حين علم أن هذه الآية أعظم آية في كتاب الله سبحانه.\nوهي آية من سورة البقرة، وبعض الناس يقول: سورة الكرسي! وهذا خطأ؛ فإنه لا توجد سورة الكرسي ولكن آية الكرسي، وهي آية من سورة البقرة، وسورة البقرة من أعظم سور كتاب الله سبحانه، ونص النبي ﷺ على أن أعظم منها سورة الفاتحة.\nوهذه من رحمة رب العالمين، فلو كانت أعظم سورة في القرآن سورة البقرة لكان كل إنسان يحاول أن يحفظ هذه السورة التي هي أعظم سورة، ولكن الله ﷿ يسر القرآن للذكر، ومن رحمته سبحانه أن جعل أعظم سورة في متناول الجميع، فالكل يقدر أن يحفظ سورة الفاتحة، فهي سبع آيات من كتاب الله ﷿، فجعل الفاتحة أعظم آية في كتابه ﷾.\nمن الأحاديث التي جاءت في فضل آية الكرسي قول النبي ﷺ: (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت).\nفإذا قرأت عقب كل صلاة فريضة آية الكرسي فأبشر فنهايتك ستكون نهاية خير، فليحرص المؤمن على أن يقرأها، وكثير من الناس يضيعونها، فينشغل بعد الصلاة بأي شيء، مثل السلام مع من بجانبه، وينسى أن يقرأ آية الكرسي، فاحرص على أن تقرأها دبر كل صلاة كما ذكر النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nروى الإمام البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ، قال: إني محتاج ولي عيال وبي حاجة شديدة، فخليت عنه، فأصبحت، فقال رسول الله ﷺ: يا أبا هريرة! ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله! شكا حاجةً وعيالًا فرحمته فخليت سبيله).\nأبو هريرة أن يمسكه ليسلمه للنبي ﷺ؛ لأنه يسرق من مال الزكاة، وعرف أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: (تعافوا الحدود فيما بينكم، فأيما حد بلغني أقمته)، فمن حال بينه وبين إقامة الحد فلعن الله الشافع والمشفع، فيجوز أن يتنازل يتنازل قبل أن يصل أمره إلى النبي ﷺ، فإذا وصل اللص إلى النبي ﷺ فيلزم أن يقيم عليه الحد، ولا يجوز الشفاعة في ذلك، فكأن أبا هريرة وجد أن هذا جاء ليسرق فما تمكن من السرقة، وشكا حاجة وعيالًا، فتركه أبو هريرة رضي الله ﵎ عنه، لكن الوحي جاء إلى النبي ﷺ وأخبره بذلك، فقال النبي ﷺ لـ أبي هريرة: (أما إنه قد كذبك وسيعود)، أي: خدعك وسيرجع مرةً ثانية، قال: (فعرفت أنه سيرجع) وذلك لخبر رسول الله ﷺ، قال: (فرصدته فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ، قال: دعني فإني محتاج ولي عيال لا أعود، قال: فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ: يا أبا هريرة! ما فعل أسيرك البارحة؟ فقلت: شكا حاجةً وعيالًا فرحمته فخليت سبيله.\nفقال: إنه قد كذبك وسيعود، قال: فرصدته في الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ، إنك تزعم أنك لا تعود ثم تعود! فقال: دعني فإني أعلمك كلمات ينفعك الله بها.\nقلت: ما هن؟) وكانوا أحرص شيء على الخير ﵃؛ ولذلك لم يلم النبي ﷺ أبا هريرة ﵁ عندما تركه في المرة الأولى وفي المرة الثانية، والنبي ﷺ عرف أن الله ﷿ كما يظهر الحق على لسان النبي ﷺ قد يظهر الحق على لسان شيطان، حتى يزداد الصحابة إيمانًا بما قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nفهنا قال: (إني أعلمك كلمات ينفعك الله بها.\nقال: قلت: ما هن؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح)، تقرأ هذه الآية وأنت تتأملها، وأنت تفهم معناها، وأنت تثق في الله ﷾ أنه سيحفظك بها.\nفلما قال ذلك فـ أبو هريرة ﵁ انتفع فتركه وخلى سبيله، قال: (فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ: ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله! زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: ما هي؟ -وهو أعلم صلوات الله وسلامه عليه- فقال: قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] وقال لي: لا يزال عليك من الله حافظ، ولن يقربك شيطان حتى تصبح، قال النبي ﷺ: أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث يا أبا هريرة؟ قال: قلت: لا، قال: ذاك شيطان).\nنأخذ من ذلك أن المؤمن لا يفرط أبدًا في أن يحفظ آية الكرسي، وأن يحفظها عياله الصغار والكبار، ولذلك كان الصحابة يحفظونها، وكانوا يحفظونها لأولادهم، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يحفظها ويحفظها لأولاده ممن يقدر أن يحفظ، ومن لا يحفظ يكتبها له، ويعلقها على رقبته، ولعله يفعل ذلك ليحفظها أو ليكتبها حتى تكون في رقبة هذا الذي يكتبها له، فأصحاب النبي ﷺ عرفوا فضلها فحفظوا هذه الآية العظيمة، وحفظوها لأولادهم.","vol":"95","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1015>تفسير آية الكرسي</span>\nآية الكرسي هي آية التوحيد، فقد ذكر الله سبحانه فيها صفاته العظيمة، وفيها من الأسماء الحسنى: الحي، والقيوم الذي يقوم كل شيء به، وهو قائم على كل شيء سبحانه، وهو الذي يدبر أمر الكون كله سبحانه، يراقب ويحفظ كل شيء، ويشهد على كل شيء، فهو القيوم لا شيء يقوم إلا بالله الحي القيوم سبحانه، وهو القيوم القائم والقاهر فوق عباده ﷾.\nقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فهو الحي الحياة الدائمة التي لا ابتداء لها ولا انتهاء لها ﷾، فقد خلق الله ﷿ الزمان للخلق، جعل لهم الزمان يحد أولهم وآخرهم، وجعل المكان للإنسان يتحيز فيه، والله ﷿ لا يحده زمان ولا مكان ﷾، وهو فوق كل شيء، قهر كل شيء، وقام على كل شيء.\n﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] النوم قد عرفناه، والسنة: هي الشيء اليسير من النوم كالخفقة التي تعتري الإنسان، فالإنسان قد تغلبه عينه وهو يحرس أو وهو واقف في الصلاة إذا طالت الصلاة في قيام الليل.\nفهذه السنة شيء يسير من النوم، والله ﷾ لا يعتريه نوم ولا سنة من النوم ﷾.\n﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٥٥] يملك كل شيء، يملك ما في السموات وما في الأرض.\n﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ما أعظم هذه العظمة! أي مخلوق لا يجرؤ أبدًا أن يتقدم بين يدي الله ﷿، ولا يشفع بغير إذنه، قال الله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] ﷾، ولا يشفع عنده إلا الأنبياء والملائكة والصالحون، وقد أخبرنا النبي ﷺ في حديث الشفاعة الطويل: (أنه يأتي يوم القيامة ويخر ساجدًا لله ﷾، فيتركه ربه ما شاء أن يتركه ساجدًا، ثم يأذن الرب الكريم ﷾ للنبي ﷺ بقوله: يا محمد! ارفع رأسك، واشفع تشفع)، فيقوم النبي ﷺ حامدًا ربه سبحانه، شاكرًا ربه، ويشفع لمن يشاء الله من خلقه، فهذا النبي الكريم أكرم خلق الله صلوات الله وسلامه عليه لا يشفع ابتداءً إلى أن يأذن الله له حين يقول: (يا محمد! ارفع رأسك)، ويأتي إلى عرش الرحمن فيخر ساجدًا حتى يؤذن له.\nفمن يجرؤ أن يأتي إلى الله بغير إذن من الله سبحانه ويقول: أنا أشفع وأنا أدافع عن فلان؟ لا أحد يجرؤ على ذلك.\n﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] هذه عظمة الله سبحانه، وجبروت الله وملكوته، يعلم كل شيء سبحانه ﵎، أحاط بكل شيء علمًا صغر وقل أو كبر وجل، كل شيء يعلمه الله سبحانه علم إحاطة، يعلم أوله وآخره وكيف كان، وكل شيء يصير يعلمه الله، فمن عظمة الله أنه لا يجرؤ أحد أن يشفع إلا أن يأذن الله سبحانه، وعلم الله العظيم يدل على عظمته، فهو يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ما أمامك وما خلفك، في أي زمان ومكان، ما أضمرته في نفسك وما أظهرته، يعلم كل شيء ﷾، فالله ﷿ يعلم ما بين أيدي كل خلقه، كل شيء يعلم الله ﷿ ما بداخله وخارجه، ما أمامه وخلفه في الزمان وفي المكان، كل شيء يعلمه الله ﷾.\n﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فانظر إلى سعة علمه سبحانه، وإلى حقارة علم المخلوقين، إذا اجتمع الخلق كلهم لا يقدرون أن يحيطوا بشيء من علم الله، فهو سبحانه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، كل شيء يعلمه الله ﷿، وهذه المخلوقات كلها لا تحيط بشيء من علم الله ﷾.\n﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] فما شاء أن يعلمهم به أعلمهم به، وقد يظن إنسان أنه أحاط علمًا بالشيء، فإذا بالرب سبحانه يظهر جهل هذا القائل، وكلما ازداد الإنسان علمًا ازداد علمًا بجهل نفسه، فإذا استكبر وقال: قد علمنا ووصلنا، فسيصل إلى أن يكون أجهل خلق الله ﷾.\nقبل مائة سنة كان بعض كبار الأطباء يقولون: قد اكتشفنا ولم نترك شيئًا لمن يأتي بعدنا في الطب، فالذي قال هذا كان أحمق، فانظر إلى العلوم الموجودة الآن في علم الطب الحديث، فالعلم الآن فيه أشياء حديثة جدًا جدًا لم يكونوا يعرفونها، فقد اكتشفوا الميكروبات والفيروسات والأشياء الصغيرة التي لا ترى، والأشياء التي ترى آثارها دون أن ترى، فأين علم الطبيب القديم الذي كان يقول: اكتشفنا كل شيء؟! هذا جاهل يضحكون عليه الآن بسبب قوله الذي قاله.\nفالإنسان حين يقول: أحطت بشيء علمًا جاهل، فالله ﷿ لا يطلع أحدًا على كل شيء، وقد قال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦]، فوق كل إنسان عالم علّامة، وفوقه العليم الخبير ﷾، كما يقول ابن عباس ﵁: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦] أي: الله فوق كل عالم ﷾.\nفالإنسان إذا وصل في العلم إلى شيء فيرد العلم إلى عالمه، ويقول: هذا ما أعلمه وأجهل الكثير.","vol":"95","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1016>المراد بالكرسي</span>\nقال الله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] كرسي الله سبحانه نؤمن به، وعرش الله ﷿ نؤمن به، ونحن نرى ما نراه من الأرض، ونرى ما نراه من السماء، والعلماء يقولون: السماء واسعة جدًا، والأفلاك والكواكب والأقمار هي أشياء عظيمة جدًا وبعيدة المسافات؛ ولذلك يقيسون ما بينها بالسنة الضوئية، أي: المسافة التي يقطعها الضوء خلال سنة، والضوء يقطع في الثانية الواحدة مائة ألف كيلو متر، فإذا حسبتها بالسنة الضوئية تكون مثلًا تسعة ترليون كيلو متر، وهم يقولون: المسافة بين الشيء الفلاني والشيء الفلاني أربع سنوات ضوئية، أي: أن نجمًا لا يصل إليه ضوء النجم الآخر إلا بعد أربع سنوات، وكل هذه النجوم من ضمن المجرة التي نحن فيها، ويقولون: يوجد مائتا مليار نجم في المجرة التي نحن فيها، ويقولون: نحن نعلم بوجود حوالى مائتي مليار مجرة.\nويقولون: هذا الموضع الذي نظرنا فيه الآن النجم هو يبتعد من موضعه، قال الله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧].\nفإذا كانت السماء الدنيا لسنا عارفين أين آخرها، وأين آخر هذه النجوم والكواكب، فكيف بالسماء الثانية، والثالثة، والرابعة؟! يقول النبي ﷺ: (ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة في فلاة).\nوجاء عن ابن عباس قال: (الكرسي موضع القدمين)، والله أعلم، وإذا قوم الكرسي بعرش الله ﷾ فهو بالنسبة إليه كحلقة في فلاة، فكم يكون قدر هذا العرش؟! والله مستغن عن العرش وما دونه ﷾، وهو مستو على العرش، فالله ﷾ فوقه هو العلي الكبير سبحانه، وإذا أردت أن تعرف أن الله هو الكبير فانظر إلى الشيء الكبير في هذا الكون، فأنت لا تقدر أن تحيط به علمًا، فكيف بمن خلقه وهو الله ﷾؟! فالله هو العلي الكبير سبحانه، وهو العلي العظيم أحاط بكل شيء علمًا.","vol":"95","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1017>معنى قوله تعالى: (ولا يئوده حفظهما)</span>\nقال الله ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة:٢٥٥] أي: لا يتعبه حفظهما، فيحفظ كل نجم من المليارات التي لا تعد، يحفظها في مكانها، تجري وتدور، ويأتي مولدها وتأتي نهايتها فيما يعلمه الله سبحانه، أحصى كل شيء عددًا، أحصى أنفاس العباد فيعلم كم عددها، أحصى عدد قطر المطر الذي ينزل من السماء، وعدد أشجار أوراق الشجر، ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن:٢٨] ﷾ العليم العظيم.\nقال الله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] العظيم صاحب العظمة صاحب الملك والملكوت ذو الجلال والإكرام ﷾.","vol":"95","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1018>فضل سورة الكهف</span>\nروى الإمام مسلم عن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال: (من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال)، هذه السورة العظيمة يستحب أن تواظب عليها في كل ليلة جمعة، أو كل يوم جمعة، وإذا استطعت أن تقرأها ليلة الجمعة يوم الخميس بعد المغرب فافعل، وإذا استطعت أن تقرأها بعد فجر يوم الجمعة قبل غروب الشمس فافعل ذلك، فقد جاء عن النبي ﷺ أن الذي يقرؤها يجعل الله ﷿ له نورًا عظيمًا جدًا من مكانه إلى بيت الله الحرام، نور عظيم جدًا يجعله لك الله سبحانه، وأنت أقل نور ينفعك، فكيف بمثل هذا النور إذا جئت به في ظلمات يوم القيامة، وأنت أمامك نور من مكانك إلى بيت الله الحرام؟! كيف تسير يوم القيامة وأمامك هذا النور! تكون آمنًا يوم القيامة، ولا تحتاج أن تقول لأحد: أعطني نورًا، فقد أعطاك الله ﷿ بفضل هذه السورة النور العظيم، هذا فضل قراءتها في يوم الجمعة أو ليلة الجمعة.\nولها فضل آخر وراء ذلك لو ظهر الدجال، وفتنته فتنة عظيمة جدًا، يفتن الناس بما يظهره من خوارق تحير العقول، وتجعل الناس يتبعونه فيما يقول ويدعوهم إليه.\nفالنبي ﷺ يأمرك أن تحفظ أول عشر آيات من سورة الكهف، وأولها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف:١] تحفظ أول عشر آيات أو آخر عشر آيات من سورة الكهف، ففي رواية قال: (من حفظ آخر سورة الكهف عصم من الدجال) والأفضل أن تحفظها كلها، فاحفظ هذه السورة العظيمة.","vol":"95","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1019>فضل خواتيم سورة البقرة</span>\nعن ابن عباس ﵄ قال: (بينما جبريل ﵇ قاعد عند النبي ﷺ إذ سمع نقيضًا من فوقه، فرفع رأسه وقال: هذا باب من السماء فتح اليوم)، أي: جبريل كان قاعدًا مع النبي ﷺ، فنزل ملك آخر فقال جبريل: هذا باب من السماء فتح ولم يفتح قط إلا اليوم، فجبريل ما نظر إلى فتح هذا الباب قبل ذلك اليوم، قال: (فنزل منه ملك فقال جبريل: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، قال: فسلم وقال للنبي ﷺ: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة).\nإذًا: هذا الملك ما نزل بالقرآن، فالذي ينزل بالقرآن على النبي ﷺ هو جبريل، وقد نزلت الفاتحة، ونزلت سورة البقرة، ولكن هذا نزل بالبشارة، نزل يبشر النبي ﷺ بأن معك أشياء عظيمة فاعرف فضل هذه الأشياء، قال: (أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ بحرف منها إلا أعطيته)، لم تقرأ بحرف منها إلا وتعطى الفضل وتعطى ما سألته ربك سبحانه.\nولذلك جاء حديث عن النبي ﷺ في فاتحة الكتاب: (إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] قال الله ﷿: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] قال: أثنى علي عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] قال: مجدني عبدي، وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، وإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل).\nإذًا: أنت تقرأ فاتحة الكتاب والله يجيبك، ويعطيك ﷾.\nكذلك آخر سورة البقرة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٨٥ - ٢٨٦].\nإذا قرأت هاتين الآيتين يؤتيك الله ﷿ أجرًا على كل حرف، ويجيبك؛ ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ أن الله ﷿ قال: (قد فعلت)، ولما قرأ هذه الآية على أصحابه: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٨٤] قالوا: يا رسول الله! لا نطيق ذلك، فقال النبي ﷺ: (قولوا: سمعنا وأطعنا، فقال الصحابة: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فأنزل الله سبحانه ﵎ على النبي ﷺ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]) فهؤلاء آمنوا حين قالوا: سمعنا وأطعنا، أي: رضينا يا ربنا بأن الذي نبديه والذي نخفيه ستحاسبنا عليه، فإذا بالله ﷿ يثبت لهؤلاء الإيمان ويقول: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، ثم في آخر الآية يدعون الله ﷿: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] قال الله ﷿: (قد فعلت)، فيعلمهم الدعاء فيدعون فيجيبهم بفضله وكرمه! فإذا بالله ﷿ يرفع عنهم إثم ما أخفوه في أنفسهم فلا يحاسبهم عليه إذا لم يعزموا على ذلك، ولم يصروا عليه، وتابوا إلى الله ﷿، وإذا كان ذلك عن خطأ أو عن نسيان عفونا عنكم.\nنسأل الله ﷿ عفوه وعافيته ومغفرته في الدين والدنيا والآخرة.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.\nوصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"95","page":12},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-1020> فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وفضل الوضوء</span>\nللاجتماع على تلاوة كتاب الله العزيز فضل عظيم، وثواب جزيل، وقد رتب الله عليه من الأجر ما يجعل النفوس المؤمنة الصادقة تشتاق إليه، وتبذل من أجل الحصول عليه الغالي والنفيس، كيف لا وملائكة الرحمن ﷻ تخالطهم وتحفهم بأجنحتها.\nوإن فضل الوضوء لا يقل عن فضل العبادة الأولى، ولو كان للوضوء فضيلة أو فضيلتان لكانتا كافيتين للترغيب فيه، كيف وقد رتب الله ورسوله عليه من الفضائل الشيء الكثير، فهو العلامة البارزة الظاهرة التي يعرف بها رسول الله ﷺ أمته من بين الأمم يوم القيامة.","vol":"96","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1021>فضل الاجتماع على قراءة القرآن</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب استحباب الاجتماع على القراءة.\nعن أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)، رواه مسلم.\nباب فضل الوضوء.\nقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦]، إلى قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة:٦]].\nيذكر الإمام النووي ﵀ في هذا الكتاب القيم رياض الصالحين بابًا في استحباب الاجتماع على قراءة القرآن، وقراءة القرآن خير، سواء قرأته وحدك، أو استمعت لآخر يقرؤه، أو قرأت مع جماعة كل يقرأ ما يسر الله ﷿ له والباقون ينصتون ويستمعون، فهذا كله خير، وقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده).\nوالحديث طويل، وهو حديث جميل لذا سنذكره بطوله لما فيه من الفوائد.","vol":"96","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1022>شرح حديث: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا)</span>\nقال رسول الله ﷺ: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)، فالجزاء من جنس العمل، إن تعمل خيرًا فإن الله ﷿ سيجزيك الخير على الخير، ومن الخير الذي يفعله المؤمن: أن يفرج عن أخيه كربة من كرب الدنيا، والكربات في الدنيا كثيرة، لكن الكربات يوم القيامة أعظم وأكبر، فالإنسان يعمل لغد يعمل ليوم القيامة يعمل لـ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩].\nفالدنيا دار العمل ودار التكليف والعبادة والطاعة لله ﷾، فالمؤمن حين ينفس عن أخيه كربة من كربات الدنيا يعلم أن أمامه كربات كثيرة في الدنيا والآخرة، والدنيا دار الآفات والابتلاء، وإن كنا اليوم في نعمة فلا يمنع أن نكون غدًا في مرض وتعب، فالله ﷿ بيده مقاليد الأمور، فاعمل لغدك، واعمل حتى إذا دعوت الله كان لك عمل صالح تسأل الله ﷿ به؛ فيفرج عنك في الدنيا والآخرة.\nيقول: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا).\nفالمؤمن ينفع الناس وخاصة المؤمنين، فيفرج عن أخيه المؤمن بما يستطيع، فيشفع له عند إنسان له عنده حاجة كأن يقضي عنه دينه وكأن يطرد عنه جوعه، وكأن يعينه على حاجة من حوائجه، وكأن يفرج عنه كربة من الكربات ابتغاء وجه الله ﷾، والجزاء قال ﷺ: (نفس الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة).\nومثله من يسر على معسر، قال ﷺ: (ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة)، التنفيس هو: التفريج، والتيسير: كأن تسهل على إنسان كان مكروبًا ومتضايقًا من أمرٍ من الأمور.\nوالحقيقة أن ما ذكره النبي ﷺ في الأول وما ذكره في الثاني كل واحد منهم قريب من الآخر وإن كان قد يفرق بينهم بأشياء، لكن وإن لم يذكر النبي ﷺ في الأول: فرج الله عنه بها كربة من كربات الدنيا، فهي منصوصة في الثاني، قال: (ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا وفي الآخرة).\nمن نفس عن مؤمن كربة، ولو بالكلام الطيب، ولو بالتسلية والمواساة والتعزية تنفس عنه بأن تعينه بمالك أو بعملك أو بالشفاعة له عند إنسان فتزيل عنه الكربة، وتيسر عليه أمرًا كان عسيرًا عليه، فأجرك يوم القيامة أن يكشف الله ﷿ عنك كربة من كربات يوم القيامة، وفي الدنيا ييسر عليك ﷾.\nومن التيسير على المعسر أن تفعل كما قال الله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠]، إنسان في عسر وضيق وشدة ومحتاج لمال يسرت عليه بأن أقرضته، أو أعنته، أو شفعت له عند صاحب الدين حتى يؤخر عنه المطالبة، فهذا تيسير على معسر، ولو أن إنسانًا استدان منك وعرفت أنه في عسرة ففرجت عنه، وتنازلت له عن الدين، أو تصدقت به عليه، أو جعلته يرد عليك هذا الدين بالتقسيط فإن الله ﷿ سوف ييسر عليك.\nومستحيل أن تعامل الناس باليسر ويعاملك الله ﷿ بالعسر، فهذا لا يكون أبدًا، فالله سبحانه الذي أمر بالإحسان وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل:٩٠]، هو الذي يقول: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]، فالذي يفعل الإحسان له الحسنى وزيادة من الرب الكريم سبحانه، فإذا يسرت على إنسان معسر في الدنيا فإن الله ييسر عليك في الدنيا والآخرة.","vol":"96","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1023>من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة</span>\nقال: (ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة)، والستر: أن تستر إنسانًا وقع في ذنب من الذنوب وستر نفسه، واطلعت عليه فسترته وكأنك لا تعلم، وكذلك إذا وجدت إنسانًا عاريًا يحتاج إلى ثياب، أو أهله يحتاجون إلى ثياب فكسوتهم من أجل أن يستتروا وأن يتجملوا أمام الناس فهذا خير صنعته، والله ﷿ يجزيك عليه.\nفإذا سترت مسلمًا بأي نوع من أنواع الستر وهو يستحق ذلك، فإن الله يسترك في الدنيا وفي الآخرة، وقد قال النبي ﷺ: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، فكل إنسان يخطئ فإذا أخطأ إنسان وسترته فلعلك أنت أن تخطئ ويسترك الله ﷾، وهذا الذي اطلعت عليه قد علم الله ﷿ ما فعله، ولكنه أراد أن يختبرك، ولو شاء لستره عنك فلم تره، فحين ترى مثل هذا فلا ينبغي أن تفقد الثقة فيه وفي الناس كلهم وتقول: انظروا إلى هذا الذي كنا نقول عنه كذا وكذا! لماذا تفضحه؟ لا تفضح إلا من يستحق ذلك ممن يجهر بالمعصية، أو لا يبالي ولا يستحي من الخلق، فهذا يستحق أن يفضح، حتى لا يأتسي به الناس، وحتى يكون ذلك تعزيرًا له من أجل أن يخاف ويسكت، أما من وجدته يستر على نفسه، ويستحي مما صنعه، فما الذي تكسبه إذا فضحته؟ ولماذا تقول: فلان الذي ترونه صالحًا يعمل كذا وكذا، لماذا تفعل هذا الشيء؟ إن الله ﷿ أطلعك على ما صنع ليكون اختبارًا لك هل تستر أم لا؟ ولعلك غدًا أن تقع في شيء آخر، ومن يدري فمصائب الدنيا كثيرة، فإذا فضحت هذا عند واحد أو اثنين، فضحك الله عند مائة وعند ألف، فاحذر فإن الجزاء من جنس العمل، ومصائب الدنيا دوارة فقد يأتي الدور عليك في يوم من الأيام، وكما فضحت هذا سوف تفضح بأشنع مما فضحته به، فلا تتبع سقطات الناس، ولا عثراتهم، ولا تشمت بإنسان وقع في ذنب من الذنوب واستر لعل الله ﷿ أن يتجاوز عنك، وأن يسترنا وإياك.","vol":"96","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1024>الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه</span>\nقال النبي صلوات الله وسلامه عليه: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، إذا أعنت إنسانًا أعانك الله، وإذا يسرت عليه يسر الله عليك في الدنيا والآخرة، وإذا فرجت عنه فرج الله عنك في الدنيا والآخرة، وإذا سترته سترك الله في الدنيا والآخرة، وهذا الأخير أعظم ما يكون في الدنيا التي تعيش فيها، فلو أن إنسانًا فضحته عند أصدقائك ومعارفك ولم تستر عليه ثم جاء يوم القيامة والخلق مجتمعون ففضحت أمام الخلائق كلها، فلا شك أنه سيكون عليك أمر عظيم وصعب جدًا.\nفلذلك المؤمن يستريح بالتفكر في الآخرة، وبزيارة القبور، إذا زرت القبور ضاقت عليك الدنيا بما فيها من سعة وأمانٍ وأحلام، ولذلك أمرنا النبي ﷺ بالإكثار من زيارة القبور، ومن ذكر هادم اللذات.\nفي الحديث يقول ﷺ: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، فإذا أعنت إنسانًا على شيء فلا تطلب الأجر منه، ولا تطلب منه أن يعينك ولكن انتظر من الله الإعانة فإعانة الله تكفيك.\nإذا أردت أن يكون الله معك فكن مع الناس، وساعد من يحتاج المساعدة وأعط العطاء لمن يحتاج إليه، وكن مع الإنسان على الضائقة التي هو فيها، أعنه ولا تطلب منه أبدًا رد ذلك، فإن الذي يطلب من الناس الرد مهموم أبدًا، ودائمًا يقول: انظر ساعدته ولم يساعدني عملت له ولم يعمل لي وقعت في حادث فما لقيت أحدًا، أما المؤمن فلا ينظر إلى الناس أبدًا، ولن يقول ما وقف أحد بجانبي؛ لأنه لم يكن يطلب وقوف الناس بجواره إنما يطلب وقوف الله ﷾ بجواره، وكفى بالله وكيلًا كفى بالله حفيظًا كفى بالله شهيدًا كفى بالله معينًا ﷾.\nفإذا أعنت غيرك فانس أنك أعنته واستقله؛ فإن الإنسان إذا استعظم الشيء الذي يفعله صار ينتظر الجزاء عليه في الدنيا، أما من يستقل ذلك ويقول: هذا موطن من المواطن التي يحبها الله ﷾، فهذا عسى ألا ينظر إلى جزاء الدنيا.\nوالإنسان حين يختال وحين يستكبر على الناس يكون قد تخلق بخلق ذميم، ولكن الخيلاء في الحرب جميل وممدوح، فيظهر المؤمن الشجاعة، ويخرج إلى الكفار ليقاتلهم، وحتى إن كان ضعيفًا فهو يظهر القوة ليفزع أعداء الله، وقد كان أبو دجانة إذا حضر القتال تعمم بعمامة حمراء، وأخذ سيفه، وخرج يختال بين الصفوف يخيف الكفار، فقال له النبي ﷺ: (إن هذه لمشية يبغضها الله ﷿ ورسوله إلا في مثل هذا الموطن)، لقد كان المؤمنون يفعلون ذلك وقلوبهم تمتلئ بالخوف من الله ﷿ وبالشجاعة على الأعداء.\nولا شك أن الكفار تمتلئ قلوبهم بالرعب حين يرون المؤمن مختالًا في المعركة وكأنه يقول: أنا لست خائفًا منكم، وكذلك حين يتصدق الإنسان تقول له نفسه: أنت دفعت مائة وهي كثير؛ فعليه أن يقول لها: ما هي المائة التي دفعتها؟ إنها لا تساوي شيئًا، فهذا أعطى ونسي ما أعطاه، أما الذي يعطي ويظل يتفكر: أنا تصدقت بمائة أنا أعطيت لفلان كذا إذًا: يا رب أعطني كذا وكذا، فلا ينبغي أن تكون المعاملة مع الله بهذه الطريقة، ولكن تغلب على نفسك وقل لها من المفروض أن أعمل أكثر من ذلك، وحين تفعل ابتغاء وجه الله تكون مسرورًا سعيدًا، وحين تضيق عليك الأمور فاصبر وقل: هذا ما كسبته يدي، ولعل الله يكفر به ذنوبي، وإذا جاءتك الدنيا قلت: الحمد لله رب العالمين، وأرجو ما عند الله ﷾.\nفالمؤمن يشكر ربه سبحانه في السراء والضراء، ولا ينتظر الأجر والثواب من الناس، وإنما ينتظره من الله ﷾.","vol":"96","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1025>فضل طلب العلم</span>\nقال النبي ﷺ: (ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة)، فالطريق الذي تلتمس فيه علم الدين؛ كأن تذهب إلى بيت الله سبحانه من أجل أن تطلب العلم الشرعي، أو تتعلم آية من كتاب الله أو حديثًا عن رسول الله ﷺ، أو حكمًا من الأحكام الفقهية، فأنت حين تخرج من بيتك إلى بيت الله ﷿ تسير في الطريق، وتزدحم مع الناس، ويمكن أن تجلس في الطرقات طويلًا من شدة الزحام، فهذا الأمر الصعب الذي عرضت له نفسك يسهل الله لك طريقًا إلى الجنة، فطريق الجنة مملوء بالصعوبات، ولكن الله يذللها ويفتحها لك بسبب ما صنعت.\nفأنت حين تطلب العلم تفرح بك الملائكة، والعالم الذي يعلم الناس الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر، فطالب العلم تتواضع له الملائكة، وتضع له أجنحتها رضًا بما صنع، طالب العلم الذي يسير إلى بيت الله يطلب علم القرآن والتجويد والتفسير ويتعلم أحكام الدين تفرح به الملائكة وتتواضع له، وتفرش له طريقه بأجنحتها؛ لأنه ذاهب إلى بيت الله ليتعلم العلم، والنبي ﷺ يقول: (وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما صنع)، أي: ترضى بما يصنع هذا الإنسان حيث إنه يطلب علم الدين والعلم الشرعي.\nثم قال: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده).\nقوله: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله)، هذا القيد ليس قيدًا حقيقيًا، وإنما هو قيد أغلبي؛ لأنه جاء عن النبي ﷺ في أحاديث أخرى بدون ذكر المسجد.\nفالإنسان إذا سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا بأن جاء إلى بيت الله، وهو أعظم مكان يتعلم فيه العلم الشرعي، أو ذهب إلى المدارس ليتعلم العلوم الشرعية فيها فهو في رباط، ومجالس العلم في المساجد وغيرها تحيط بها الملائكة، كما قال النبي ﷺ: (إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة)، وأعظم ما يكون الفضل في بيوت الله ﷿.\nوالسكينة: هي الطمأنينة، فإذا جلسوا في بيوت الله ﷿ يستمعون كلام الله وحديث رسول الله ﷺ غشتهم رحمة رب العالمين، وتنزلت عليهم من السماء الطمأنينة ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، وكذلك تحيط الملائكة بهؤلاء الجلوس حتى تصعد إلى السماء وتخبر ربها سبحانه: (أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون).\nقال: (وذكرهم الله فيمن عنده)، فإذا ذكرت الله ﷿ ذكرك الله ﷾ في الملأ الأعلى فيمن عنده من الملائكة.\nثم ختمه ﷺ بقوله: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)، أي: من كان عمله بطيئًا في طاعة الله سريعًا إلى معصية الله، لم ينفعه أن يقول: أبي كان كذا، وأبي كان كذا، إنما تنتفع إذا انتفعت بعلم أبيك وعملت مثله أو خيرًا منه.\nولذلك النبي صلوات الله وسلامه عليه ذكر بعضًا من أقربائه وقال عنهم - وكانوا كفارًا -: (ألا إن بني فلان ليسوا لي بأولياء)، وإن كانوا في النسب أقارب ولكنهم مع الكفار، فهؤلاء ليسوا لي بأولياء، (إنما وليي الله وصالح المؤمنين) فهؤلاء هم أولياؤه صلوات الله وسلامه عليه، هؤلاء هم الذين يحبهم ويحبونه ﷺ، وهم الذين انتفعوا بما جاء به، أما أولئك كـ أبي جهل وغيره ممن ماتوا على الكفر ولم ينتفعوا بما جاء به فقد قال عنهم: (ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين).","vol":"96","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1026>فضل الوضوء</span>\nمن الأبواب التي يذكرها الإمام النووي ﵀: باب فضل الوضوء.\nوهذه الأبواب معقودة في الفضائل، وقد جعلها الإمام النووي في فضائل الأعمال، أي: ما تعمله من عمل ويكون عليه أجر.\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦]، ذكر الله ﷿ فرائض الوضوء في القرآن العظيم لأهميته.\nوفي الصلاة قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:٧٧]، وقال: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، فذكر هيئة القيام، وأمر بالقنوت فيها بمعنى أن تكون خاشعًا، وأن تسكت إلا من ذكر الله ﷾، وأمر بالركوع وبالسجود، وقال أيضًا: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، فلأهمية الصلاة فسر الله ﷿ شيئًا من أركانها في الكتاب وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]، فذكر النية والإخلاص، فكأنه مطلوب في الصلاة وفي العبادة كلها النية والإخلاص لله ﷾.\nوذكر القيام (وَقُومُوا لِلَّهِ)، وذكر القنوت وهو الخشوع والخضوع والسكون والطمأنينة في الصلاة، والسكوت عن غير ذكر الله ﷾، وذكر الركوع وهو ركن آخر وهيئة أخرى، وذكر السجود، فذكر هيئات من هيئات الصلاة وهي من أركانها لأهميتها وكذلك لأهمية الوضوء فذكره ونص عليه.","vol":"96","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1027>الطهور شطر الإيمان</span>\nقال تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة:٦]، في هذه الآية ذكر الله الوضوء والغسل والبدل من الاثنين وهو التيمم، ولذلك قال النبي صلوات الله وسلامه عليه في الطهور ككل: (الطهور نصف الإيمان).\nإذًا: كأن الإنسان الذي يتطهر جاء بشطر الإيمان كما سيأتي في الحديث، وذكر الله ﷿ في آخر الآية: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة:٦]، من نعم الله ﷿ عليكم أن وفقكم لتتطهروا وعلمكم ذلك، فالمؤمن طاهر الظاهر والباطن، فالدين أتانا بالطهارة وأمرنا بها، وقد قال الله للنبي ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:١ - ٧]، فأمره أن يجتنب الرجز وكل ما هو نجس خلقة أو عبادة، وقال له: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ)، أي: اغسل ثيابك من الأقذار، وهذه طهارة ظاهرة، وطهر قلبك من أدران الشرك والكفر والإلحاد، وهذه طهارة باطنة، فالدين أمر بالطهارة الظاهرة والطهارة الباطنة.\nوقال ربنا سبحانه: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة:٦]، أي: يطهر ظواهركم وبواطنكم ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:٦]، حتى يكمل عليكم النعمة العظيمة وهي نعمة الدين ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة:٦]، أي: تشكرون الله على ما هداكم وأنعم عليكم.\nولاحظ الآية التي ذكرها الله قبل هذه الآية بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، فذكر أنه أتم عليكم النعمة، وذكر أنه يريد بذلك أن تشكروه ﷾ على ما أنعم به عليكم.","vol":"96","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1028>الغرة والتحجيل من آثار الوضوء يوم القيامة</span>\nمن الأحاديث التي ذكرها الإمام النووي ﵀ حديث أبي هريرة - وهو متفق عليه - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل)، وكون الوضوء يذكر في القرآن وفي أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ فهذا يدل على فضله وأهميته والترغيب فيه، كما أنه يحث المؤمن أن يكون على وضوء ما استطاع.\nقوله: (إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًا محجلين)، الغرة: هي البياض الذي يكون في جبهة الفرس، والتحجيل: هو بياض في قوائم الفرس.\nفلو أن عندك خيلًا كثيرة وفيها هذا الحصان هل يمكن أن تخطئ فيه مع فرس آخر يكون أشهب أو أحمر أو أبيض؟ لا يمكن.\nفالنبي صلوات الله وسلامه عليه لما سألوه: (كيف تعرف أمتك يوم القيامة)، أي: من بين الأمم الكثيرة، فقال: (إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًا محجلين)، أي: تظهر آثار الوضوء يوم القيامة على الجباه وعلى الأيدي والأرجل، فأنت حين تتوضأ تغسل وجهك فيأتي فيه نور، وتغسل يديك إلى مرفقيك فيأتي فيهما نور، وتغسل الرجلين فيأتي فيهما نور، وتمسح برأسك فيأتي فيه نور يوم القيامة، فهذا الإنسان حتى لو دخل النار - والعياذ بالله - بسبب معصية، وكان مواظبًا على الصلاة في الدنيا، تأكل منه النار كل شيء إلا آثار الوضوء، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.\nوفي آخر الحديث يقول أبو هريرة ﵁: (فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل)، فكأنه يدعو الناس إلى ذلك، وكان النبي ﷺ يدير الماء على مرفقيه صلوات الله وسلامه عليه، وكان أبو هريرة أحيانًا يبالغ فيرفع الماء أكثر من ذلك، ولم يأت هذا عن النبي ﷺ، وإنما فهمه من هذا الحديث.\nوحديث آخر يقول فيه أبو هريرة ﵁: (سمعت خليلي) والخليل: أرفع من الحبيب، والخلة: هي أرفع درجات المحبة، يقول: سمعت خليلي ﷺ يقول: (تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء)، إذًا: يحلى المؤمن يوم القيامة بأعظم ما يكون من الحلي، فالمرأة في الدنيا تضع الحلي من الذهب في يديها حتى تنور من كثرة الذهب الذي عليها، لكن النور الحقيقي يوم القيامة حين تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء، فإذا كنت تتوضأ وتتقن الوضوء كان لك من آثار الوضوء نور وحلية يوم القيامة.","vol":"96","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1029>تنقية الوضوء للخطايا</span>\nمن الأحاديث التي وردت في فضل الوضوء: ما رواه مسلم عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره)، كلما جاء حديث كلما تشوق المؤمن للمحافظة على الوضوء، ولا أحد يستغني عن الوضوء، فإذا استطعت أن تكون دائمًا على وضوء فهذا أفضل؛ لأن النبي ﷺ كان يحب أن يذكر الله وهو على طهارة، وليس هذا فرضًا واجبًا إلا عند الصلوات أو عند قراءة القرآن من المصحف، ولكن مع ذلك كان النبي ﷺ يحب أن يكون على وضوء عند ذكره لله، ومرة لقيه إنسان في الطريق فسلم عليه فلم يرد ﵇ حتى تيمم، وقال (كرهت أن أذكر الله على غير وضوء)، صلوات الله وسلامه عليه.\nيقول ﷺ: (من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده)، إذًا: صغائر الذنوب تتساقط من الإنسان أثناء الوضوء، فتتساقط من يديه ووجهه ورجليه وفمه وأنفه، كل آثار الذنوب تتساقط من الإنسان إذا توضأ، فالوضوء شيء عظيم، ومتى توضأت فإنك تكون مستعدًا للعبادة، بل الوضوء نفسه عبادة يكفر الله ﷿ بها عنك كثيرًا من الآثام.\nوعنه أيضًا في صحيح مسلم قال: (رأيت رسول الله ﷺ توضأ مثل وضوئي هذا)، كأن أبا هريرة توضأ أمام الناس ليعلمهم كيف يتوضئون، ثم قال: قال النبي ﷺ: (من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه)، أي: يتوضأ فيحسن الوضوء، وإحسان الوضوء بأن يوصل الماء إلى جميع مواضع الوضوء، وليس بالإسراف، ولكن يستهلك من الماء بالقدر الذي يتقن به وضوءه، قال: (من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه)، أي: غفر له صغائر ذنوبه السابقة (وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة).\nفكأنه يقول: الإنسان بين ذنوب يريد محوها ودرجات يريد الوصول إليها، فإذا توضأ فإن الله يكفر عنه ذنوبه ويرفعه درجات عنده والنافلة الزيادة، قال: (وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة)، أي: زيادة فضل من الله ﷿، وهو يتفضل على عباده بما يشاء.\nوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء)، فالإنسان ربما نظر إلى شيء حرمه الله سبحانه، فإذا توضأ وغسل وجهه نزلت آثار هذه الخطايا والذنوب من وجهه مع قطر الماء أو مع آخر قطر الماء، قال: (فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كانت بطشتها يداه مع الماء)، كلمة (بطش) بمعنى: أمسك، فهنا خرجت من يديه كل خطيئة كانت أمسكتها يداه، أو أي شيء من الحرام وقع فيه، أما أن يضرب مسلمًا أو يلطمه على وجهه ومن ثم يتوضأ ويقول: ذهبت، فلم تذهب؛ لأنه حق الواجب فيه القصاص، فلا يذهب حتى يقتص منك أو يعفو عنك، إذًا: ليس حق الإنسان من الذنوب التي يكفرها الوضوء بل لا بد من ردها أو التحلل منها.\nفلا يفهم أحد بطشة اليد فهمًا خطأً، فبطش بمعنى: أمسك، وهذا هو أصل كلمة بطش، ومنها قول النبي ﷺ في الحديث: (يصعق الناس يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا بموسى باطش بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبلي أو أخذ بصعقته الأولى؟!)، أي: يوم الطور؛ ولأنه صعق في الدنيا لم يصعق يوم القيامة، فالنبي ﷺ يقول: (لا أدري)، أي: أي الأمرين، لكن المهم أن الناس يصعقون يوم القيامة ويكون أول من يفيق النبي ﷺ، (فإذا بموسى باطش)، بمعنى: ممسك بقائمة العرش، فالمقصود أن كلمة بطش تفيد معنى أمسك بالشيء.\nيقول ﷺ: (فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء)، إذا مشى إلى ذنب أو معصية فإذا تاب إلى الله فقام فتوضأ فإن الله يكفر عنه ذنوبه حتى يخرج نقيًا من الذنوب، والمراد هنا صغائر الذنوب التي ليس فيها حق لمسلم، وإنما هي ذنوب بينك وبين الله ﷿، أما ما فيه حقوق للناس فلا بد من إعطاء الناس حقوقهم، فإذا شتمت إنسانًا أو أخذت ماله أو سفكت دمه أو ضربته، فإما أن تدفعها له في الدنيا بأن يقتص منك، أو تدفع له الجناية على ما فعلت أو تستحلها منه، وإما أن يأخذها منك يوم القيامة حتى ولو كنت من أهل الجنة، فإنه إذا مر الناس على الصراط حبسوا على جسر بينه وبين الجنة حتى يقاص ربنا سبحانه بينهم من مظالم كانت للعباد مع أنهم من أهل الجنة، فقد خرجوا من الصراط ولم يبق إلا أن يدخلوا الجنة، فلا يدخلوها حتى يتحللوا من المظالم التي بينهم، فالإنسان قبل أن يدخل الجنة إذا كانت عليه مظلمة لفلان فإنه يأخذ من حسناته ما ينتفع به ويدخل به الجنة، ولعل هذا كان قد استحق منزلة ثم نزل عنها بسبب أن فلانًا أخذ من حسناته كذا وكذا، فاحذر من ظلم العباد.","vol":"96","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1030>معرفة النبي ﷺ لأمته يوم القيامة بآثار الوضوء</span>\nروى مسلم عن أبي هريرة ﵁: (أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة) ويجوز أن تقول مقبرة بالفتح وبالكسر وبالضم فهي مثلثة الباء، فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين)، هذه سنة في زيارة القبور، فإذا جئت إلى القبور فسلم على أهل القبور بهذه التحية (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)، أي: كلنا ميتون، وقد قال الله ﷿ للنبي ﷺ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]، فلا أحد سيخلد في هذه الدنيا، فالكل سيموت، فقال النبي ﷺ وهو عند المقابر وقد سلم على الأموات: (وددت أنا قد رأينا إخواننا، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟!)، فالصحابة المؤمنون الأتقياء الأبرياء الأنقياء الذين قلوبهم مصابيح الدجى رضي الله ﵎ عنهم يقولون للنبي ﷺ أولسنا إخوانك؟ فيقول النبي ﷺ: (أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد)، فكأنه يريد أن يبين لهم من يعني بذلك، وإلا فإن هؤلاء الأصحاب إخوانه، والله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، فهم إخوة، ولكن الذين يعنيهم النبي ﷺ في هذا الحديث هم من لم يأتوا بعد، بل من لم يولدوا بعد من القرون التي تأتي بعد ذلك، (قالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟!)، أي: أنت تعرفنا لكونك رأيتنا، لكن كيف ستعرف من يأتون بعدنا إلى يوم القيامة؟ فقال النبي ﷺ: (أرأيتم لو أن رجلًا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟)، أي: لو أن رجلًا خيوله كلها سوداء، وله خيل غر محجلة ضمن هذه الخيول السوداء، والغر المحجلة: هي التي في رأسها ويديها بياض، ألا يستطيع أن يميز بين هؤلاء وهؤلاء؟ (فقالوا: بلى يا رسول الله! قال: فإنهم يأتون غرًا محجلين من الوضوء)، فالنور الذي يكون للمؤمن يوم القيامة هو بسبب الوضوء.\nقال: (وأنا فرطهم على الحوض)، أي: أنا سابقهم على الحوض واسمه: الكوثر، قال الله سبحانه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر:١ - ٣]، والكوثر: هو حوض عظيم ماؤه أحلى من العسل، وأشد بياضًا من اللبن، وآنيته كعدد نجوم السماء، أي: لا أحد يستطيع أن يعدها لا علماء الفلك ولا غيرهم، فيشرب منه المؤمنون، ومن شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا، نسأل الله ﷿ أن يسقينا من حوضه صلوات الله وسلامه عليه في أول من يسقيهم النبي صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"96","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1031>إسباغ الوضوء على المكاره مما يمحو الله به الخطايا ويرفع الدرجات</span>\nروى الإمام مسلم، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله!)، أي: كلنا نريد أن نعرف ما هو الشيء الذي يكفر عنا الخطايا ويرفع الدرجات.\nفقال النبي ﷺ: (إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة؛ فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط)، وأصل الرباط: هو التزام الثغر، وثغور المسلمين غالبًا تكون في الأماكن البعيدة النائية التي بينهم وبين أعدائهم، وحراسة الحدود فيها ثواب عظيم عند الله ﷾، حتى لو مات فلا يزال عمله يكتب له أنه مرابط على حماية بلاد المسلمين.\nإذًا: فهل نقول لكل الناس: اذهبوا لحراسة حدود المسلمين؟ لا.\nولكن نقول لمن أراد أجر الرباط في سبيل الله: الرباط الذي نأمرك به إسباغ الوضوء على المكاره، فالذي يسبغ الوضوء على المكاره هل تظن أنه يضيع الوضوء في غير المكاره؟ هذا لا يكون، فإذا كان في الشتاء في شدة البرد والصقيع يتوضأ بالماء البارد ويصلي لله ﷿، ويخرج في شدة البرد من أجل أن يصلي صلاة الفجر في المسجد، فمن باب أولى أنه إذا أتى عليه فصل الصيف أن يسبغ الوضوء.\nقال النبي ﷺ: (إسباغ الوضوء) أي: يتوضأ ويحسن وضوءه في المكاره، (وكثرة الخطى إلى المساجد)، أي: كثرة الصلوات في المساجد، فلا يضيع ولا يفرط بل هو مواظب على صلاة الجماعة كلما سمع (حي على الصلاة) هرع إلى بيت الله ﷿ ليصلي (كثرة الخطى إلى المساجد)، فإذا أتيت إلى المسجد فإنه يكتب لك مائة خطوة أو ألف خطوة أو أكثر أو أقل بحسب قربك من المسجد أو بعدك، وبكل خطوة تخطوها إما أن ترفع درجة أو تحط عنك خطيئة.\nقال: (وانتظار الصلاة بعد الصلاة)، أي: تصلي ثم تمكث حتى تأتي الصلاة الأخرى، وقد تمكث ما بين الظهر إلى العصر، أو ما بين المغرب إلى العشاء تنتظر الصلاة الآتية في بيت الله ﷿، فهذا مما يكفر الله ﷿ به الخطايا، ويرفع به الدرجات.\nوروى مسلم عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض)، (الطهور) أي: الوضوء، (شطر الإيمان)، والمؤمن يجب عليه الوضوء لكل صلاة، فلا تقبل الصلاة بغير وضوء.\nوقد عبر الله ﷿ في كتابه عن الصلاة باسم الإيمان فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]، وسبب نزول هذه الآية: أن الله سبحانه لما حرم شرب الخمر وقد كانوا يشربون الخمر حتى بعدما أنزل الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء:٤٣]، فكانوا ينتهون عن الشرب وقت الصلاة، ثم أنزل الله ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩]، وفي هذه يقول النبي ﷺ: (إن الله يعرض بكم)، أي: يعرض بتحريم الخمر، فأنزل: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠]، وهنا قال: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة:٩٠]، فقال الصحابة: إخواننا الذين شربوا الخمر وماتوا وهي في بطونهم قبل أن تنزل هذه الآيات هل ضاعت عليهم الشهادة أو إلى ماذا صار أمرهم؟ فأنزل الله ﷿ يطمئن هؤلاء على إخوانهم: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٤٣] أي: لم تحرم الخمر يومئذ فكان لهم العذر، أما أنتم فلا عذر لكم، وقد أنزل الله ﷿ تحريمها، وما كان الله ليضيع صلاة الذين صلوا وماتوا قبل ذلك، فسمى الصلاة إيمانًا، والنبي ﷺ قال: (الطهور شطر الإيمان)، فكأن الصلاة والوضوء جزء من أجزاء الإيمان، والوضوء شطر الصلاة.","vol":"96","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1032>فضل كلمة التوحيد بعد الوضوء</span>\nروى مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء)، وزاد الترمذي (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين).\nهذا الحديث أعجب عمر ﵁ (ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله)، وهذه كلمة التوحيد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله بعد الوضوء، فالوضوء من الإيمان، والشهادة أعظم أركان الإسلام، فأنت تتوضأ وتذكر الله ﷿ بهذا القول، ثم تقول: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين)، كما في الرواية الأخرى، فتسأل الله وتدعوه أن يرزقك التوبة ويجعلك من المتطهرين.\nوقوله: (اللهم اجعلني من التوابين)، مناسب للوضوء، فهو يكفر الخطايا، فكأنه يقول يا رب! كما أسقطت عني الخطايا فاجعلني دائمًا أتوب إليك من المعاصي إذا وقعت فيها، وتب علي واجعلني من عبادك المتطهرين، والذي يقول هذا الدعاء ثوابه كما قال النبي ﷺ: (إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء)، أي: لم يبق بينك وبين أن تدخل الجنة إلا أن تموت.\nفالوضوء عظيم، والصلاة عظيمة، والعمل لله ﷿ أعظم الأشياء قيمةً في حياة الإنسان المؤمن، فليحرص المؤمن على أن يرضي الله سبحانه بطاعته وحسن عبادته، نسأل الله ﷿ أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"96","page":13},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-1033> فضل الأذان</span>\nمن الشعائر العظيمة لديننا الحنيف شعيرة الأذان، وهي اعتراف للعظيم بعظمته وتوحيده، وإعلان هذه العظمة ليسمعها كل موجود، ويرددها المسلمون لتتأكد في أذهانهم معانيها العميقة، ويشاركوا المؤذن فضلها حين يسمعون هذا النداء الذي تهفو لإجابته القلوب السليمة، وتنفر منه القلوب السقيمة وعلى رأسها الشيطان، ثم يذكرون علم الهدى -بعد الفراغ منه- بالدعاء له وفق ما بينه لأمته ﷺ.","vol":"97","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1034>فضل الأذان والصف الأول</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nذكر الإمام النووي ﵀ بابًا في فضل الأذان، قال ﵀: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا)، متفق عليه.\nوعن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة)، رواه مسلم.\nوعن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أن أبا سعيد الخدري ﵁ قال له: (إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة)، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ.\nرواه البخاري.","vol":"97","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1035>فضل الوضوء وتمييزه للمسلمين في الآخرة</span>\nهذه الأحاديث ذكرها الإمام النووي ﵀ في كتاب الصلاة، وهي العبادة العظيمة التي فرضها الله ﷿ على عباده، فذكر أحاديث في فضل الصلاة، ثم أحاديث في فضل الوضوء، وكيف أن الوضوء يجعل المؤمن في نور يوم القيامة، ويمحو الله ﷿ عنه به الخطايا، فكلما توضأ وغسل عضوًا من أعضاء الوضوء كلما نزلت الخطايا مع آخر قطر الماء، والوضوء يجعل المؤمن يوم القيامة معروفًا للنبي ﷺ؛ لأثره على صاحبه، ولذلك قال لأصحابه: (إن أمتي يأتون غرًا محجلين من آثار الوضوء)، هؤلاء أصحاب النبي ﷺ وأتباعه، وقال أيضًا يومًا لأصحابه: (أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، فقالوا للنبي ﷺ: كيف تعرفهم -هؤلاء الذين ليسوا معنا وسيأتوا بعد ذلك-؟ قال ﷺ: إنهم يأتون غرًا محجلين من أثر الوضوء).\nكما ذكر النبي ﷺ في فضل الوضوء: أنه شطر الإيمان، وكأن الطهور مفتاح إيمان الإنسان أنه يعبد الله ﷿ بهذه الصلاة، والصلاة لا تصح إلا بهذا الوضوء، وسميت الصلاة إيمانًا، والصلاة لا يصححها إلا الوضوء فهو شرط في صحتها، فالشطر بذلك جزء للصلاة، وجزء للوضوء، فصار الوضوء شطرًا للصلاة.\nكما جاء عنه ﷺ في الذكر الذي يقال بعد الوضوء أنه قال: (ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء)، فهذه فضيلة عظيمة، وهذا كله في الوضوء ولم تأت الصلاة بعد، فكيف تصنع الصلاة إذا كان الوضوء يصنع هذا كله؟ يكفر من خطايا العبد، وينور له وجهه ويديه ورجليه وآثار وضوئه، كذلك يخبر النبي ﷺ أنك إذا توضأت فقلت هذا الذكر العظيم تفتح لك أبواب الجنة الثمانية.","vol":"97","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1036>حث الشرع على الأذان</span>\nالأذان هو المدخل للصلاة، فالوضوء شرط لصحة الصلاة، والأذان للنداء على هذه الصلاة فيه فضيلة عظيمة جدًا، ومن الأحاديث الواردة في الأذان ما جاء عن أبي هريرة ﵁ في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه)، فلو يعلم المؤمنون فضل الأذان وفضل الصف الأول، وكلهم يريد أن يؤذن ويريد أن يقف في الصف الأول، ولا يوجد وسيلة لأن يرجع البعض ويقف البعض إلا باستهام وقرعة لفعلوا ذلك.\nوالمعنى: احرصوا على الصف الأول، احرصوا على أن تؤذنوا إذا كانت أصواتكم تصلح لذلك ولا يوجد من يؤذن، ولا ينبغي أن تستحي أن تؤذن، فالكثير من الناس يحب أن يؤذن، وقد يجد مكانًا لنفسه أن يؤذن في جماعة ليس فيهم مؤذن، أو في مسجد غاب مؤذنه، وتجد من يستحي ويتراجع عن ذلك، فالنبي ﷺ قال لك: لا تستحيي أن تؤذن في جماعة أو في مسجد؛ بل اصدح بالأذان ولو في صحراء، فلك أجر عظيم عند الله سبحانه ﵎ بهذا الأذان، لكن إذا وجد المؤذن الراتب للمسجد فلا يشرع أن ينازعه أو أن يؤذن بدون إذنه، فمؤذن النبي ﷺ كان بلال ﵁، ولم ينازعه أحد من الصحابة، أو يقول له: اتركني أؤذن.\nوابن أم مكتوم أيضًا كان يؤذن للنبي ﷺ، ولم يعرف أن أحدًا نازعه الأذان ولا استأذنه أن يؤذن مكانه، وطالما أن المسجد قد استتب أمره بمؤذن المسجد فقد انتهى الأمر، لكن هذا إذا وجد مكان ليس فيه مؤذن والناس يتراجعون عن الأذان فالنبي ﷺ يقول: لو عرفتم فضله لتسابقتم إليه.","vol":"97","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1037>فضل الصف الأول والحرص عليه</span>\nقال ﵊: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول)، فليحرص المؤمن دائمًا على أن يقف في الصف الأول، وإذا لم يكن الأول فالثاني.\nكما أن الحرص ليس بالمزاحمة ولا بالجري ولا بأذى الناس كمن يدفع الإنسان ويقف مكانه، بل الحرص أن تأتي مبكرًا قبل أن يأتي أحد فتكون في الصف الأول، فإن امتلأ الصف الأول فلا يشرع أن تزاحم أحدًا، قال النبي ﷺ: (لا ضرر ولا ضرار)، فنهانا أن يؤذي بعضنا بعضًا، فلا تزحم الصف وتشغل الناس عن صلاتهم، وقد يأتي البعض من أجل حرصه على الصف الأول فيدفع المصلين، أو يطلب من المصلين أن يوسعوا له، وقد يقف غير متجه للقبلة، فلا ينبغي أن تؤذي الناس طالما فاتك الصف الأول قف في الصف الثاني، ولك فضل في ذلك، فالنبي ﷺ دعا للمصلين في الصف الأول والصف الثاني فاحرص على ذلك، وأحيانًا قد نجد البعض من إخواننا في الصلوات التي تليها دروس يستمع واقفًا، وقد يجتمعون كلهم في نصف المسجد حرصًا منهم على طلب العلم -وجزاهم الله خيرًا- لكن ينبغي ألا تضيع على نفسك الصف الأول.","vol":"97","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1038>الحث على إتمام الصف</span>\nكما ننبه على إتمام الصفوف، فالنبي ﷺ أمرنا أن نصف كما تصف الملائكة، فقال: (ألا تصفون كما تصف الملائكة؟ قالوا: وكيف تصف الملائكة؟ قال: يتمون الصف الأول)، وفيه إخبار بأن الملائكة يصفون عند ربهم سبحانه، فيتممون الصفوف الأول فالأول، وعليكم كذلك أن تحرصوا على أن تتموا الصف الأول، ثم الثاني وهكذا.\nومعلوم أن الصف الأول يبدأ من وراء الإمام، فيبدأ الجميع من خلف إمامهم، ولا يتفرقوا، فهذا يقول نبتدئ شمالًا، والآخر يقول: نبتدئ يمينًا، فيتفرق الناس نصفهم هنا ونصفهم هناك، بل كن خلف الإمام لينضبط الصف، فيبدأ الأول من وراء الإمام لا من اليمين ولا من الشمال، وهو أفضل مكان، وقد قال النبي ﷺ: (ليليني منكم أولو الأحلام والنهى)، فالذين خلف الإمام هم أهل الأحلام والنهى والعقول، وهم أفضل الناس، والصف الثاني يبدأ من نفس المكان الذي خلف الإمام، فلا بد أن ينتظم الجميع وراء الإمام من اليمين والشمال، ولا يختلف بعضهم مع بعض.","vol":"97","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1039>فضل التهجير إلى الصلوات</span>\nذكر النبي ﷺ النداء، ثم ذكر الصف الأول، ثم قال: (ولو يعلمون ما في التهجير)، والمعنى: الذهاب إلى المسجد لصلاة الظهر، وهنا ستجد أن كل صلاة لها فضيلة، فالشريعة تحثك على المواظبة والحضور في جميع الصلوات في بيت الله ﷿، فلو تعرف ما في التهجير، وهو أن تأتي مبكرًا لصلاة الظهر، وإدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام؛ لتسابقت مع غيرك عليه، فلك فضيلة عظيمة، وثواب عظيم جزيل أن تأتي إلى بيت الله ﷿ في وقت الهجير في صلاة الظهر.","vol":"97","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1040>فضل صلاتي العشاء والصبح</span>\nقال ﷺ: (ولو يعلمون ما في العتمة -أي: صلاة العشاء- والصبح لأتوهما ولو حبوًا)، مر فضل صلاة الظهر، وهذا الفضل لصلاة العشاء وصلاة الصبح، فقال: لو يعلمون فضلهما لأتوهما ولو حبوًا، فلو أن الإنسان لا يقدر أن يذهب ماشيًا على رجليه مشى حبوًا على الأرض، مع أن هذا الذي يحبو لا تجب عليه الصلاة جماعة، ولكن النبي ﷺ يخبره أن فيهما فضيلة عظيمة لو يعلمها لتناسى الإنسان مرضه معها، وإن كان ليس على المريض حرج، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ﴾ [النور:٦١]، ولكنه الحث على أن تدرك الجماعة ولا تفوتها إلا إذا كان العذر يمنعك من ذلك.\nوقوله: (لو يعلمون ما في العتمة)، أي: صلاة العشاء، والمعنى: كم يكون فيها من الثواب والفضل! ومثلها الصبح، وخاصة إذا جاء يوم القيامة وجد أن أكثر ما ينير له ظلمات يوم القيامة صلاة الصبح والعشاء في جماعة، قال النبي ﷺ مخبرًا عن النور الذي تمنحه صلاة الفجر وصلاة العشاء (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)، ما ذهب مرة لصلاة الفجر فحسب بل هو مشاء أي: كثير المشي والذهاب إلى بيت الله ﷿ في صلاة الفجر، لا يمنعه حر في الصيف، ولا برد في الشتاء، ولا مطر ولا شدة رياح، فلا يمنعه شيء عن أن يصلي جماعة في بيت الله ﷿، فلهذا يقول: أبشر فلك نور تام يوم القيامة، ومن الناس من يكون له نور على قدره، فبعضهم له نور يخفت مرة ويزيد أخرى وينطفئ ثالثة، لكن هذا المواظب على صلاة الفجر والعشاء في الجماعة له النور التام يوم القيامة، نسأل الله ﷿ أن ينير لنا الطريق في الدنيا والآخرة.\nوقد تفسر كلمة الهجير والتهجير بمعنى التبكير، فتشمل كل الصلوات، والمعنى: لو تعلمون ما فضيلة التبكير إلى جميع الصلوات لأتيتم الصلاة مبكرين، وخاصة ما ذكرنا قبل ذلك في الحديث عن النبي ﷺ فيمن صلى لله ﷿ في جماعة أربعين يومًا يدرك تكبيرة الإحرام، أنه تكتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق.","vol":"97","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1041>المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة</span>\nمن الأحاديث التي جاءت في فضل الأذان ما رواه مسلم عن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة)، يقال: فلان هذا طويل العنق بمعنى: أنه شريف، فكأنه يقول: أشرف الناس يوم القيامة، إذ إن الله ﷿ يميزهم على غيرهم بطول عنق، وهيئة جميلة تكون لهم، والإنسان في الدنيا عندما ينظر إنسانًا ذا رقبة طويلة هل يراها جميلة؟ لا، بل ذلك قبح وليس بجمال، ولكن الله يجمل هؤلاء بتشريفهم يوم القيامة، فيجعلها لهم علامة على الشرف والجمال الذي يكون لهم ذلك اليوم.\nكذلك مما جاء في ذلك: ما رواه البخاري عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أن أبا سعيد الخدري ﵁ قال له: [إني أراك تحب الغنم والبادية]، فـ أبو سعيد ينصح واحدًا من التابعين وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة يقول له: أرى لديك غنمًا تخرج بها إلى البادية، فلا تضيع صلاة الجماعة إذا كنت بالبادية بل أذن، فقد يأتي معك من كان هناك فيصلون معك صلاة الجماعة؛ لأنه يستحيل أن يكون لدى الإنسان غنم في البادية ترعى ومن ثم يأتي وقت الصلاة فيذهب إلى المسجد ليصلي، إذ إن الغنم ستضيع، فهو يقول له (فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء)، كما لو كنت في صحراء، فلا تقل: من سيأتي ليصلي معي، فإن الله يبعث من يشاء ويوصل من يشاء، فيستحب أن تؤذن للصلاة، وقد يصلي خلفك أحد من الإنس أو من الجن وأنت لا تدري.\nقال: (فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهدوا له يوم القيامة)، والمعنى: أنه يشهد لمن يؤذن الإنس والجن وأي شيء سمعه حتى الجماد يشهد للإنسان الذي يؤذن يوم القيامة، قال: (جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة) قال أبو سعيد: (سمعته من رسول الله ﷺ).","vol":"97","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1042>فرار الشيطان عند سماع الأذان</span>\nفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي النداء أقبل، حتى إذا ثوب للصلاة أدبر، حتى إذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول اذكر كذا وكذا اذكر كذا لما لم يذكر من قبل حتى يظل الرجل ما يدري كم صلى).\nهذا الحديث العظيم عن النبي ﷺ يبين حيل الشيطان، كما يبين أن الأذان يطرد الشيطان فإذا سمعه يهرب فزعًا، ولشدة فزعه يهرب وهو يضرط، ومعلوم أن الإنسان حين يرى شيئًا يفزعه قد يبول على نفسه أو يتغوط أو يخرج منه ريح؛ لأنه لا يستطيع أن يتحكم في نفسه، كذلك الشيطان يفزع حين يسمع الأذان، فيحدث منه ذلك لأمرين: الأول: من شدة فزعه ورعبه من الأذان.\nوالثاني: لأنه لا يريد أن يسمع الأذان، فيضرط بهذه الصورة القبيحة ليسمع ضراطه ولا يسمع الأذان؛ ولذلك كان الأذان شفاء للإنسان المؤمن حين يسمعه؛ لما فيه من إذهاب للشيطان والنجاسات عن الإنسان المؤمن من الجان الذين لا يؤمنون بالله.\nيقول: (إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي النداء أقبل)، أي: إذا أكمل المؤذن يرجع الشيطان للناس فيوسوس لهم، (حتى إذا ثوب للصلاة أدبر)، فسواء سمع الأذان أو الإقامة يهرب، (حتى إذا قضي التثويب)، أي: إقامة الصلاة (أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه)، فالشيطان له تمكن من الإنسان بصورة لا نعرفها، ولكن يخبرنا عنها النبي ﷺ، فنحن لم نر الشيطان، فيقول: يأتي الشيطان ويوسوس لك ما كنت في الصلاة: (حتى يقول: اذكر كذا واذكر كذا)، فأهم شيءٍ عند الشيطان أن تخرج من الصلاة ليس لك منها شيء.\nوفي الحديث: (سئل النبي ﷺ عن الالتفات في الصلاة فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة أحدكم)، الالتفات في الصلاة كما لو كنت تصلي فتنظر عن شمالك أو يمينك متلهيًا عن صلاتك، وقد تنظر شيئًا أمامك كألوان الحائط، أو صورة عليه، فالشيطان يسرق بذلك من صلاتك، ويترصدك كلما تلهيت وتعمدت ذلك، ولو كنت تفكر في شيء غير الصلاة لضاع منك بعض الثواب، والشيطان يفرح بذلك، ولذلك يحرص على أن يشغلك في الصلاة ويقول لك: اذكر كذا، فلو نسيت موعدًا ذكرك به في الصلاة، أو شيئًا نسيت موضعه ذكرك به في الصلاة.\nعلى أن هذه الأشياء وإن كانت مهمة بالنسبة لك لكنها بالنسبة للشيطان لا تعني شيئًا، والأهم عنده أن يضيع عليك الصلاة، إذ الصلاة هي التي تدخلك الجنة، وهو لا يريدك أن تدخل الجنة، ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢]، فقد توعد الشيطان آدم وبنيه أن يدخلوا النار، وأقسم على ذلك بعزة الله وقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢].\nيقول النبي ﷺ: (لما لم يذكر من قبل؟)، فالذي ما كان يتذكره قبل هذا يتذكره وهو في الصلاة، كلما انتبه للصلاة أو دخل فيها بجد إذا بالشيطان وراءه حتى يلهيه عن الصلاة (حتى يظل الرجل ما يدري كم صلى)، فالشيطان يريد أن يجعلك لا تدري كم صليت، فإذا بالإنسان يضجر من الصلاة، وكلما صلى ثلاث ركعات أو أربعًا لا يدري كم ركعة صلى، فإذا به من شدة ما ألم به من الشك يخرج من الصلاة، والشيطان يريد ذلك، ولذا إذا ابتليت بالسهو في الصلاة فاسجد للسهو؛ فإنك تؤذي الشيطان بذلك وتغيظه، إذ كلما سجد العبد فر الشيطان وهو يبكي ويقول: (يا ويله -يدعو على نفسه بالويل والثبور- أمرت بالسجود فلم أسجد، وأمر بالسجود فسجد)، فقد جاء يوسوس له من أجل ألا يدري هل صلى ركعتين أو ثلاثًا، فإذا جعلهن ثلاثًا وسجد سجدتين زاد على ما كان يريد ألا يفعله، فهنا تغيظ الشيطان بطاعتك لله ﷿، وبإقبالك على الله سبحانه ﵎.","vol":"97","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1043>الترديد مع المؤذن والدعاء بعده وفضلهما</span>\nعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة).\nوهنا يأمرنا النبي ﷺ ويرشدنا إلى أن نقول كما يقول المؤذن: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول)، وقد كان الصحابة يتمنون الأذان حتى قال قائلهم: تركتنا نتشاح في الأذان، فأمرهم النبي ﷺ ألا يتعاركوا على الأذان، ودلهم إلى شيء آخر يصلون به إلى ما يصل إليه المؤذن، وذلك بأن يقولوا مثلما يقول، إذ ليس من الممكن أن كل الناس يؤذنون، ولكن البعض يؤذن والباقون يرددون فيؤجرون كما يؤجر هذا المؤذن.\nقال ﵊: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول)، ففي كل ألفاظ الأذان تقول كما يقول إلا في الحيعلتين، فقد جاء عن النبي ﷺ في الحديث: (وإذا قال: حي على الصلاة فقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا قال: حي على الفلاح فقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله)، أما باقي الألفاظ فيقول كما يقول المؤذن.\nقال: (ثم صلوا علي)، فنصلي على النبي ﷺ بعد الأذان، فليس المؤذن هو الذي يصلي عليه فقط، بل الجميع يفعلون هذا، ولا معنى أن يمسك المؤذن الميكرفون ثم يقول: اللهم صل على محمد! بل قل هذا في سرك؛ لأن الناس كلهم مشغولون بأن يقولوا هذا الذكر الذي قاله النبي ﷺ، قال: (ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا)، فالمؤذن يصلي على النبي ﷺ وكذا المستمعون، واعلم أنك إذا صليت صلاة واحدة فالله يصلي عليك عشرًا، ومعنى الصلاة على النبي ﷺ أن تسأل الله ﷿ أن يثني عليه صلوات الله وسلامه عليه، وعندما تصلي على النبي ﷺ يثني عليك ربك ويرحمك، فتستحق من الله ﷿ بكل صلاة تصليها على النبي ﷺ عشر صلوات.\nقال ﷺ: (ثم سلوا الله لي الوسيلة)، الوسيلة: هي منزلة في الجنة أخبر النبي ﷺ أنها لا تنبغي أن تكون إلا لعبد واحد، قال: (وأرجو أن أكون أنا هو)، والنبي ﷺ هنا يقولها تواضعًا، وإلا فقد أخبره ربه سبحانه ﵎ بذلك في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، فسأل ربه المقام المحمود، وأخبر بأنه أهله صلوات الله وسلامه عليه، لكن النبي ﷺ يتواضع ويقول: (أرجو أن أكون أنا هو).\nقال: (فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة) وفي رواية: (حلت عليه)، أي: صارت حلالًا له، فكأنها محظورة إلا بذلك، فإذا صليت على النبي ﷺ وسألت الله له الوسيلة ﵊ استحققت ما كان محظورًا قبل ذلك.\nومن الأحاديث حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا سمعتم النداء فقولوا كما يقول المؤذن)، قوله: (فقولوا) فيه استحباب أن تقول وتردد مع المؤذن ما يقوله.\nوحديث آخر رواه البخاري عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته؛ حلت له شفاعتي يوم القيامة)، ومعلوم أن خير الهدي هدي النبي ﷺ، وخير الذكر ما لفظ به النبي ﷺ، فليس من الممكن أن يأتي إنسان بما قاله النبي ﷺ أو بنحو ما قاله؛ فقد أوتي جوامع الكلم، ولذلك إذا أردنا أن نصلي عليه فأفضل صلاة نصليها عليه هي ما علمنا إياها النبي ﷺ، وقد تجد بعض الصوفية يرددون أورادًا في الصلاة على النبي ﷺ حتى يقول قائلهم: سيدي فلان قال: الصلاة الفلانية، وقد يؤلف صفحة كاملة في الصلاة على النبي ﷺ، والثاني يصنع كذا، ولذا نقول: خير صلاة على النبي ﷺ هي ما قالها هو وما علمها أصحابه صلوات الله وسلامه عليه، ولكن قد يجهل الكثيرون المعاني التي في أحاديث النبي ﷺ، فيظنون أنهم يأتون بأفضل مما قال صلوات الله وسلامه عليه، فقد نرى بعض الناس يقول: يا رب لك ألف حمد، ويظن أنه أتى بعدد كبير جدًا! وهو عدد كبير فعلًا، ولكن الإنسان المؤمن يقول: الحمد لله، وهو يفهم أن اللام لام الجنس، والمعنى: كل الحمد الذي أعرفه والذي لا أعرفه هو لك.\nفالحمد لله جنس لا يوجد لها تثنية ولا جمع ككلمة الإنس، فهي كلمة مفردة فيها لام الجنس، وقد أعطت العدد كله، فانظر إلى هذا الذي يقول: لك ألف حمد، والآخر الذي يقول: الحمد لله، فالأخير يفهم المعنى فأتى بخير مما أتى به الأول الذي قال: لك ألف حمد، فجمعها على عدد قليل.\nكذلك الذي يصلي على النبي ﷺ: اللهم صل على محمد ألف مرة اللهم صل عليه مليون مرة، وقد أجاب النبي ﷺ حين سألوه: (قد علمتنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد)، هذا ما علمهم النبي ﷺ، ولو وجدت صيغة أخرى أحسن من تلك لعلمهم إياها ﷺ.\nفأنت تطلب من الله ﷿ أن يصلي على محمد كما صلى على إبراهيم، وقد علمت مقام إبراهيم، فهو الذي أحبه الله واختاره لأن يكون خليلًا له، وأعلى درجة عنده ﷿ هي الخلة، ولذلك قال النبي ﷺ: (إني أبرأ إلى الله أن أتخذ منكم خليلًا؛ فإن الله قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا)، أما ما يقوله البعض: أن إبراهيم كان خليلًا، ومحمد كان حبيبًا، فهذا يقلل من شأن النبي ﷺ؛ لأن الخليل أعظم من الحبيب، فالخليل في الناس الذي أحبه صاحبه حتى تخلل هذا الحب شغاف قلبه، هذا في الناس، أما الله ﷿ فلا نقول مثل ذلك، وإنما نقول: هذه أعظم درجة عند الله ﷿ في المحبة أن يكون خليلًا.\nفإذا كان إبراهيم خليل الله ومدحه الله في كتابه فقال عنه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود:٧٥]، ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠]، وقال: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء:١٢٥]، فكم سيصلي الله ﷿ على إبراهيم إذا كان حبيب رب العالمين وخليل رب العالمين؟ لا شك أنها صلوات عظيمة كثيرة، فأمر النبي ﷺ أن يقتدي بإبراهيم وأمر أن يعلم الناس أن يقولوا ذلك: يا رب صل على محمد كما صليت على إبراهيم، وليس إبراهيم فحسب، بل إبراهيم وآل إبراهيم، أي: الأنبياء كلهم من بعد إبراهيم من ذريته ﵊.\nفإذا كانت الصلاة على إبراهيم وعلى كل الأنبياء من ذرية إبراهيم ﵊ فكم سيكون عددها؟ لا شك أن هذا عدد كثير جدًا لا نستطيع أن نعرف له نهاية، فلذلك نقول: يا رب! صلِ على محمد كما صليت على إبراهيم، وليس هذا فقط، بل وآل إبراهيم، وآل إبراهيم فيهم الأنبياء، وفيهم محمد ﷺ، فالصلاة على إبراهيم والأنبياء بما فيهم محمد لها جمع، والصلاة على محمد لها جمع آخر، فصلِ على هذا وحده كما تصلي على الجميع بما فيهم محمد ﷺ، فهذا عدد لا يتخيل أصلًا، ولذلك علمنا النبي ﷺ أن نقول ذلك، بل إني إذا قلت: ألف مرة كأنني هضمت حقه ﷺ، وكذا إذا قلت: مليون مرة كأني هضمت حقه ﷺ، ولذلك قل: كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، عندها تأتي بالعدد العظيم.\nومرة أخرى نعلم أن ما قاله النبي ﷺ هو أجمل وأعظم مما يؤلفه الناس في ذلك من أذكار، ولذا لا بد من أن نتمسك بما قاله النبي ﷺ، ونصلي عليه كما أمرنا أن نصلي عليه في صلاتنا وفي غير صلاتنا بالصيغة نفسها.\nيقول ﷺ: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة)، فهذا النداء دعوة تامة (والصلاة القائمة)، أي: التي ستقام (آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة)، آت هذه الدرجة التي جعلتها لعبد من عبادك لمحمد صلوات الله وسلامه عليه، واجعل له الفضيلة على خلقك أجمعين، (وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته)، ولم يأت في الحديث: (والدرجة الرفيعة) والأصل أن نتوقف على ما قاله ﷺ، كما لم يأت فيها زيادة: (إنك لا تخلف الميعاد)، فنتوقف على ما قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nفالذي يقول ذلك: (حلت له شفاعتي يوم القيامة)، ومعنى حلت أي: صارت الشفاعة حلالًا له وحلالًا عليه أن أشفع له يوم القيامة.\nومن الأحاديث ما رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ أنه قال: (من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا؛ غفر له ذنبه)، فإذا رددت الأذان إلى أن انتهى المؤذن مما قال فعليك تقول هذا الذكر: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ رسولًا)، فإذا قلت ذلك غفر لك ما تقد","vol":"97","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1044>فضل الدعاء بعد الأذان</span>\nمن الأحاديث أيضًا في هذا الباب: ما رواه الترمذي وقال: حسن، وصححه الشيخ الألباني عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة)، والمؤمن عندما يأتي إلى بيت الله ﷿ يرجو أن يتقبله، فقد جاء يطلب فضل الله ﷿ ورحمته ويذكر الله ﵎، فلم يأت كي يضيع وقته في بيت الله، ولا ليسأل الناس، بل جاء يسأل الله ﷾، فإذا جاء إلى بيت الله فلا يضيع الوقت بالحديث مع فلان ولا ليمزح مع فلان، وتجد بين الأذان والإقامة كل اثنين يتحدثون مع بعضهم، ونسوا أن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة، والأصل أن ننشغل بالدعاء والأذكار، فينبغي أن تذكر ربك سبحانه وترفع يديك بالدعاء بين الأذان والإقامة؛ فإن الدعاء لا يرد بينهما كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.\nوقد نرى أحيانًا بعض المصلين إذا أقيمت الصلاة وقف ورفع يديه يدعو، وهذا لم يأت عن النبي ﷺ، فالوارد بعد الإقامة أن يتوجه إلى القبلة ويدخل في الصلاة كما كان يفعل صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"97","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1045>فضل الأذان وأجره العظيم</span>\nومن الأحاديث التي لم يذكرها الإمام النووي وفيها وهو حديث صحيح رواه ابن ماجة عن ابن عمر مرفوعًا وصححه الشيخ الألباني قال النبي ﷺ: (من أذن ثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة)، ولم يقل: كل الصلوات، ولكن كأنها صارت له عادة حتى لو كان يؤذن في اليوم أذانًا، أو حتى كل أسبوع، لكنه مواظب على ذلك، فإذا مرت عليه اثنتا عشرة سنة استحق هذا الفضل من الله ﷾، وهذا العدد من السنين عدد كبير، فإذا كان الإنسان يؤذن أحبه وصار له الأذان طبيعة، فإذا ظل يؤذن اثنتي عشرة سنة قال: (وجبت له الجنة، وكتب له بتأذينه في كل يوم ستون حسنة، وبكل إقامة ثلاثون حسنة)، بالتأذين ستون حسنة وبالإقامة ثلاثون حسنة، فلو ترك النبي ﷺ الناس سيتشاحون في الأذان، فقال لهم: قولوا كما يقول المؤذن يكن لكم نفس الفضل، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.\nنسأل الله من فضله ورحمته فإنه لا يملكها إلا هو.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"97","page":13},{"text":"شرح رياض الصالحين -<span data-type=\"title\" id=toc-1046> فضل الصلوات</span>\nالصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، بل هي عمود الدين وأساسه الذي يبنى عليه، ولا حظ في الإسلام لمن ضيع الصلاة، والصلاة لها فضائل عديدة، وفوائد كثيرة، فهي نور في الدنيا والآخرة، وهي منهاة عن الإثم، وهي صلة بين العبد وربه، وهي مكفرة للسيئات، رافعة للدرجات.","vol":"98","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1047>فضل الصلوات</span>\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.\nقال الإمام النووي ﵀: [باب فضل الصلوات.\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا) متفق عليه.\nوعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات)، رواه مسلم.\nوعن ابن مسعود ﵁ (أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، فقال الرجل: إلي هذا؟ قال: لجميع أمتي كلهم)، متفق عليه].","vol":"98","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1048>الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر</span>\nبدأ الإمام النووي ﵀ الباب بقول الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، وهذا فضل عظيم للصلاة.\nقال الله ﷿: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥]، فلو لم يكن في فضل الصلاة إلا أنها تهذب العبد وتؤدبه، وتنهاه عن الفحشاء والمنكر لكفى ذلك فضيلة، كيف والله ﷿ يمحو بها الذنوب، ويكفر عن العبد بها الخطايا، ويرفع الدرجات، ويجعل صلاة العبد نورًا في الدنيا والآخرة! إن الصلاة ركن عظيم من أركان هذا الدين، وهي عموده العظيم، وصلة بين العبد وبين ربه لا بد من المحافظة عليها.\nولذلك يقول ربنا سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، فالذي يصلي صلاة صحيحة مستوفاة بالأركان والشروط والهيئات والسنن، ومستوفاة بالأقوال والأفعال كما يريد الله ﷿، تكون هذه الصلاة مانعًا له عن الوقوع في الفواحش، وعصمة له من الوقوع في المنكرات.\nقال تعالى: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ)، أي: أن ذكر الله من اعتاده في الصلاة وفي غير الصلاة يكون أكبر في النهي عن المنكر من اعتياده في الصلاة فقط.\nوالإنسان الذي يذكر الله ﷿ إذا خرج من المسجد يقول أذكار الخروج من المسجد، وإذا ذهب إلى السوق يقول أذكار الذهاب للسوق، وإذا دخل البيت قرأ ذكر دخول البيت، وإذا نام قرأ أذكار النوم، وإذا أكل أتى بأذكار الطعام، وإذا شرب كذلك، فالذكر على لسانه لا يفارقه، ومثل هذا يمنعه من الوقوع في الفحشاء والمنكر، وهذا أكبر من أن يذكر الله في صلاته فقط، ويستحيل أن يكون الإنسان مواظبًا على الذكر ومقصرًا في الصلاة، فقد يحافظ على الصلاة ويقصر في الذكر، وذلك أنه ينشغل فيأتي وقت الصلاة فيذهب ليصلي، ثم ينشغل بأمر دنياه، لكن المحافظ على الذكر في الليل والنهار يستحيل أن ينسى أو يضيع الصلاة.","vol":"98","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1049>الصلاة تمحو الذنوب وتكفر الخطايا</span>\nمن الأحاديث في هذا الباب حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات)، (نهر) ساكنة ومحركة، وجاء القرآن بتحريكها فقط، وليس فيها قراءة بسكونها، وفي اللغة يجوز هذا ويجوز هذا، والتحريك أفصح، فهو الذي جاء به القرآن، والحديث يجوز فيه أن تقول: لو أن نهْرًا ونهَرًا.\nوقوله: (بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟) درن الإنسان هو القاذورات التي تكون عليه والأوساخ التي تلطخ بدنه وثوبه، فلو أن الإنسان كل يوم يغتسل في نهر خمس مرات، فلن يبقى شيء من القاذورات على بدنه أو على ثوبه، وكذلك الصلوات الخمس، كما قال النبي ﷺ: (فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا)، كأن الخطايا والذنوب تلوث بدن العبد، بل تلوث قلبه، ولا تزال الذنوب نكتًا سوداء على قلب العبد، نكتة وراء أخرى إلى أن يسود القلب بالكلية، فهذه الصلوات الخمس تزيل وتمحو عنه هذه الذنوب واللطخ التي سودت قلبه وبدنه وعمله.\nوحديث جابر بن عبد الله عند مسلم كحديث أبي هريرة ﵁ المتفق عليه، ففي حديث جابر قال ﷺ: (مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات)، والنهر هنا على باب البيت؛ لأنه لو كان بعيدًا سيتسخ في طريقه إلى البيت، وهذا النهر جارٍ؛ لأن النهر الراكد يمتلئ بالأتربة والغبار والنباتات والأعشاب التي تلوث الإنسان ولا تنظفه، والنهر الجاري يكون عميقًا ويكون سطحيًا، وإذا كان هذا النهر الجاري عميقًا وغمرًا وماؤه كثير وفي باب أحدكم فلا يمكن أن يكون ملوثًا.\nفالنبي ﷺ يقول لنا: إن هذا النهر الجاري لو أنك تغتسل فيه كل يوم خمس مرات فلن يبقى شيء من القاذروات على بدنك أو ثوبك، قال: (فكذلك مثل الصلوات الخمس).\nوفي الحديث عن ابن مسعود ﵁: (أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة)، وهذا في عهد النبي ﷺ، والصحابة أفضل خلق الله ﷿، ولكنهم ليسوا معصومين من الخطأ، فقد وقع بعضهم في الذنوب، وكانت رحمة من الله بنا أن وقع هؤلاء في الذنوب حتى لا نيأس من التوبة إذا وجدنا أن صحابيًا أذنب ثم تاب إلى الله، ونزلت بسبب ذنبه وتوبته آية، وهذا فيه خير للمسلمين.\nوهذا الحديث رواه البخاري ومسلم ولفظ البخاري: (أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي ﷺ فأخبره)، ولفظ مسلم: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسها)، أي: أنه وهو في أقصى المدينة وجد امرأة تمشي وحدها فكأنه عالجها، ومعنى المعالجة: المحاولة إما بالكلام أو أنها التفتت إليه فقبلها أو أنه أخذ بيدها، قال: ما دون أن أمسها، أي: لم أطأها، وهذا يؤيد تفسير ابن عباس ﵄ لقول الله ﷿: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣]، أن ملامسة النساء بمعنى الوطء، ففيه: أن الذي يوجب الغسل هو وطء المرأة وليس مجرد اللمس، وقال ابن عباس: [إن الله حيي كريم]، فهو يكني ويتكلم بالشيء الذي يدل على الشيء الآخر، فيعبر بالمس عن الوطء والجماع.\nوهذا الحديث يفيد هذا المعنى وهو: أن الرجل قال للنبي ﷺ: أنا لم أمسها، فلو لم يكن المس بمعنى الجماع لما كان صادقًا في قوله؛ لأنه قد قبلها، ولكنه يقصد أنه لم يجامعها ولم يقع معها في الزنا ولكنه قبلها، فجاء هذا الرجل من أقصى المدينة يقول للنبي ﷺ: أنه قد تاب بعدما وقع في المعصية، وهكذا فإن الشيطان يدل الإنسان على المعصية ويدفعه إليها، وبعد أن يقع يتركه، فإما أن يستحلي المعصية ويقع فيها مرة ثانية وثالثة، وإما أن يراجع نفسه ويندم على ما صنع، وتوبة هذا الرجل كانت توبة صادقة، فقد ذهب إلى النبي ﷺ باكيًا تائبًا لله ﷿ مما صنع، وقال له: هأنذا اقض في ما شئت، أي: اعمل في ما تريد، إما أن ترجمني وإما أن تجلدني، فسكت النبي ﷺ ولم يجبه، فقال عمر ﵁ لهذا الرجل: لقد سترك الله لو سترت على نفسك، أي: لو تبت بينك وبين الله ولم تفضح نفسك بهذا الذي فعلت، وهذا هو الأصل، فالإنسان لا ينبغي له أن يفضح نفسه إذا وقع في معصية وستر الله ﷿ عليه، وليتب إلى الله ﷾.\nفانتظر الرجل جالسًا أمام النبي ﷺ، والنبي ﷺ ينظر إليه وكأنه يعاتبه على هذا الذي صنع، إلى أن قام الرجل وانصرف، فلما انصرف أنزل الله ﷿ على النبي صلوات الله وسلامه عليه هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤]، وهذه الآية إما أنها نزلت قبل ذلك وهي في سورة مكية، وأنزل الله ﷿ على نبيه ﷺ جبريل ليعلمه بالحكم في هذه الحادثة، وفي هذه الحالة تكون هذه الآيات قد نزلت في مكة ثم نزلت على النبي ﷺ مرة أخرى في المدينة، أو جاء جبريل ليذكر النبي ﷺ أن هذا الحكم يتعلق بهذه الواقعة، فأرسل النبي ﷺ إلى هذا الرجل وقال: (ردوه علي، فرجع الرجل للنبي ﷺ فقال له -وكانوا قد أكملوا الصلاة-: هل صليت معنا؟ قال: نعم.\nفتلا عليه النبي ﷺ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] ففرح الرجل، وقال: ألي خاصة -أي: هل هذه الآية نزلت في أنا- فقال النبي ﷺ: لجميع أمتي كلهم).\nإذًا: هذه الآية لكل من تاب إلى الله ﷿، ورجع إلى ربه بالتوبة نادمًا على ما فعل وصلى لله ﷿ فإنه يغفر له ويتوب عليه، ولكن على العبد ألا يغتر، ولا يقول: سوف أعمل المعصية ومن ثم أستغفر الله وأتوب إليه وأصلي ركعتين ويكفيني ذلك، ثم يفعل المعصية مرة أخرى، فالله ﷿ ذكر أنه غفور رحيم وأنه شديد العقاب، فعلى العبد أن يحسن الظن بالله ﷿ ويتوب إلى الله سبحانه، فإذا وقع في معصية وقصر رجع إلى الله وعاد على نفسه باللوم، والله ﷿ قد مدح الإنسان الذي يلوم نفسه في الله ﷿.","vol":"98","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1050>الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن</span>\nروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر)، فهذه الأشياء مكفرات للصغائر، أما الكبائر كالقتل وأخذ المال الحرام سرقة أو غصبًا أو نهبًا أو اختلاسًا أو أي نوع من أنواع أكل المال الحرام كالرشوة وغيرها، وكذلك القذف أو الزنا أو غيره من كبائر الذنوب فليست من هذا الباب، وقد ذكر النبي ﷺ أن من وقع في شيء مما ذكر أنه ملعون، ومغضوب عليه، ومعذب عند الله سبحانه، فالذي يغفر هنا بالصلوات هو صغائر الذنوب فقط، أما الكبائر فلا بد لها من توبة خاصة، وهو أن يتوب بإعادة المظالم إلى أهلها إن كان أخذ شيئًا من العباد ويتحلل من أصحابها، ويندم على ما فعل، ويعزم على ألا يرجع إلى ذلك.\nوروى مسلم عن عثمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة؛ فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت الكبيرة، وذلك الدهر كله).\nوهذا من الأحاديث العظيمة التي تريح المؤمن إذا وقع في المعصية، واحتاج لمن يأخذ بيده حتى يرجع عن هذه المعصية ويتوب إلى الله سبحانه ﵎.\nفعلى الإنسان أن يتوب إلى الله فإنه حيي كريم يستر عبده ويتوب عليه، ويلهمه ويرزقه التوبة فيتوب إلى الله ﷿ فيقبل توبته.\nفالصلوات الخمس كل صلاة تكفر ما بينها وبين الصلاة الأخرى، والإنسان بين الصلوات قد تحدثه نفسه بشيء أو قد يتلبس بمعصية، وقد ينظر إلى شيء أو يمد يده إليه، وغير ذلك من صغائر الذنوب التي قد يقع فيها، ولعله يتذكر ويتوب، ولعله ينسى، فإذا جاء إلى الصلاة تاب إلى الله مما يعرف ومما لا يعرف من ذنوبه، فيركع ويسجد ويدعو ربه سبحانه في السجود، وما بين السجدتين يقول: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني واجبرني وارفعني، ويدعو بالمغفرة وهو ساجد أو راكع: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، فيغفر الله له، ولذلك كانت الصلوات من الصلاة إلى الأخرى كفارة لما بينهما بشرط ألا يكون الإنسان قد وقع في الكبائر.\nإذًا: الوضوء والصلاة والنوافل كفارة لذنوب العبد، وكذلك الجمعة إلى الجمعة كفارة للذنوب، ففي حديث عثمان: (ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها)، هذه هي الصلاة المقصودة بقول الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، وهي الصلاة التي يريدها الله ﷿، والتي علمنا إياها النبي صلوات الله وسلامه عليه، فإذا قام العبد فأتقن الوضوء ولم يسرف في الماء بل توضأ بالقدر الذي يكفيه، وأسبغ الوضوء في البرد والحر والشتاء والصيف والليل والنهار، ثم دخل في الصلاة فأحسن خشوعها وركوعها، وكأنه ﷺ ينبه على هيئات الصلاة من الركوع والسجود وغيرها من أفعال البدن، ثم الخشوع الذي هو من أفعال القلب، فإذا أحسن العبد فقد أتى بالصلاة التي يكفر الله ﷿ بها عنه من الذنوب والخطايا.\nقال: (إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت الكبيرة)، أي: هذه كفارة لما قبلها من صغائر الذنوب، ولكن لا يتساهل الإنسان في صغائر الذنوب، فإنه لا يدري هل هذه الصلاة هي التي أراد الله ﷿ أم لا؟ فيخرج من صلاته وهو لا يعرف هل أحسن أو أساء فيها؟ فينبغي على الإنسان ألا يغتر بصلاته، ولا بسعة رحمة رب العالمين، ولكن يعمل ويرجو، ومع ذلك يخاف من الله سبحانه ﵎.\nثم قال في الحديث: (وذلك الدهر كله)، أي: في عمرك كله ما دمت تصلي وتحسن الصلاة كما يريد الله ﷿ منك، فلك من الله أن يغفر لك.","vol":"98","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1051>فضل صلاة الصبح والعصر والحث عليهما</span>\nيقول الإمام النووي ﵀: [باب صلاة الصبح والعصر].\nحث النبي ﷺ على جميع الصلوات، كما أن الله ﷿ أمرنا بجميع الصلوات ولم يفرق بين صلاة وصلاة، قال سبحانه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤]، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، والغدو: الصبح، والعشي: الظهر والعصر، «وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ»، أي: المغرب والعشاء، وهذه هي الصلوات كلها في اليوم، إذًا فقول الله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم:١٧ - ١٨]، فيه جمع كل الصلوات، وسبحان الله: مصدر بمعنى: سبحوا الله في هذه الأوقات بالصلوات وذلك بالركوع والسجود.\n«فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ»، والمساء هو العشاء، «وَحِينَ تُصْبِحُونَ» أي: الصبح، «وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ» عشيًا أي: العصر والمغرب، «وَحِينَ تُظْهِرُونَ» أي: وقت الظهر.\nإذًا: التسبيح يكون في كل الأوقات، وكأن القرآن يدعونا ألا نضيع وقت صلاة أبدًا، أو أن نحرص على إتمامها والخشوع فيها، وقد ذكرنا سابقًا المحافظة على الهجير، وهو وقت اشتداد الحر في صلاة الظهر حتى لا تضيع هذه الصلاة، وفسر الهجير أيضًا بالتبكير إلى جميع الصلوات حين ينادى بها.","vol":"98","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1052>صلاة الصبح والعصر من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار</span>\nوهذا الحديث ينص على صلاتين، كما في الصحيحين من حديث أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من صلى البردين دخل الجنة) والبردان مأخوذ من البرد في وقت صلاة الفجر، وهو وقت النسيم العليل في الصيف ووقت شدة البرودة في الشتاء، وفي وقت العصر كذلك حين يذهب حر الشمس وقيظها فيرطب الجو، فمن صلى وواظب على صلاة الصبح والعصر -وهما البردان- دخل الجنة، وإذا حافظ العبد على صلاة الصبح والعصر فلن يترك غيرهما من الصلوات، وذلك لأنه يترك النوم ويصلي الفجر، وإذا عاد من عمله في شدة التعب يذهب ويصلي العصر، وهذا مما يجعله يحافظ على صلاة الظهر والمغرب والعشاء؛ لأنه يكون مستيقظًا في وقتها، فتحفيز النبي ﷺ على بعض الصلوات يدل على باقيها.\nوعن عمارة بن رؤيبة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها)، أي: صلاة الصبح والعصر، فمن يحافظ على هاتين الصلاتين: صلاة الصبح وصلاة العصر، ولا يترك صلاة الصبح إلى أن تشرق الشمس؛ فقد بشره النبي ﷺ بأنه لن يدخل النار، فلا بد من الحفاظ على هاتين الصلاتين في كل وقت إلا أن يكون قضاء الله ﷾، كما فعل بالنبي ﷺ لما نام يومًا إلى أن طلعت الشمس، لكن على الإنسان أن يضبط المنبه ويأمر من في البيت أن يوقظوه للصلاة، وحتى لو كان مريضًا عليلًا فله أن يصلي في بيته إذا كان لا يقدر على الذهاب إلى الصلاة.\nوهذا وعد من النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى: بأن من حافظ على صلاة الفجر قبل أن تطلع الشمس وصلاة العصر قبل غروبها أنه: (لن يلج النار)، أي: لن يدخلها، وهذا لا يمنع المرور فوق الصراط، إنما يمنع دخول النار، فمن حافظ على تلك الصلاة وأحسن وضوءها وخشوعها وركوعها لن يلج النار.\nوقوله: (لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس)، أي: لم يؤخر الصبح إلى أن تطلع الشمس، ولا العصر إلى أن تغرب، فإذا سمع الأذان ذهب إلى الصلاة، وإن كان معذورًا صلى في بيته، ولكن لا يجعل الوقت يمر عليه إلى أن تطلع الشمس أو تغرب فيصليها كالمنافقين.","vol":"98","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1053>من صلى الصبح فهو في ذمة الله</span>\nوهذا حديث آخر عظيم يبين فضل الله ﷿ على عباده المؤمنين المواظبين على الصلوات، وأن الذي يصلي له من الله ﷿ المعونة والخير والبركة، فقد روى مسلم عن جندب بن سفيان البجلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فانظر يا ابن آدم لا يطلبنك الله من ذمته بشيء).\nقوله ﷺ: (من صلى الصبح)، (من) من ألفاظ العموم، أي: رجلًا كان أو امرأة صلى في المسجد إن استطاع ذلك أو تعذر عليه فصلاها في بيته، أما مع عدم العذر فلا بد أن يصلي مع الجماعة، وأما المرأة فلا يلزمها صلاة الجماعة فتصليها في بيتها، يقول النبي ﷺ: (فهو في ذمة الله)، أي: له الضمان والعهد عند الله سبحانه أن يدافع عنه، وأن ينتصر له، وينتقم له ممن ظلمه، فاحذر أن تظلم أحدًا يحافظ على صلاة الفجر، وإذا ظلمته فإن الله كيده متين يملي للظالم، ولا تغتر بأنك تصلي الفجر؛ فإن الله ﷿ ينتصر للمظلوم من ظالمه وإن كان يصلي الفجر.\nيقول ﷺ في رواية أخرى في صحيح مسلم: (فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء؛ فإنه من يطلبه الله من ذمته بشيء يدركه، ثم يكبه على وجهه في النار)، إن الظالم -وخاصة الذي يظلم من يصلي الفجر- يملي الله له إلى أن يأخذه، فإذا أخذه لم يفلته، بل يجعله عبرة للخلق، هذا في الدنيا، أما في الآخرة فيكبه الله في النار، أي: يدخله نار جهنم.\nفعلى الإنسان أن يكون من المصلين الذين تنهاهم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر، وتدفعهم إلى عمل الخير، أما أن يصلي ثم يذهب إلى عمله فيمد يده للناس ويأخذ الرشوة ويأكل الحرام ويظلم الخلق فهذا ليس المصلي الذي ذكر النبي ﷺ أنه في ذمة الله، وصلاته ليست التي ذكرها الله في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]؛ لأنه لا بد أن يظهر أثر هذه الصلاة على فعل العبد وذلك بأن يتقن عمله ويحسن إلى الخلق، ويفعل الخير، ويمتنع من الشر، ويجتنب الفواحش والمعاصي.","vol":"98","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1054>شهود الملائكة لصلاة الصبح والعصر</span>\nيقول ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار)، يتعاقبون: من التعاقب وهو التداول، وذلك بأن تنزل ملائكة من السماء على العباد يبيتون إلى الفجر وبعد صلاة الفجر يصعدون، وينزل ملائكة آخرون يمكثون طوال النهار، وهكذا دواليك، فإذا صعدوا إلى السماء -والله أعلم بعباده ولا يحتاج إلى إخبار الملائكة- يخبرونه سبحانه عن أعمال العباد، فيباهي الله ﷿ بهم الملائكة، أهؤلاء الذي قلتم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة:٣٠]؟! فانظروا ماذا يعملون، يقول النبي ﷺ: (ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم الله وهو أعلم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون)، أي: أتيناهم في صلاة الفجر وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون العصر، ويستلم منهم الملائكة الآخرون.\nإذًا: الملائكة تنظر إليك وأنت تصلي صلاة الصبح والظهر والعصر، وملائكة آخرون يرونك وأنت تصلي صلاة العصر والمغرب والعشاء والصبح، فيصعد هؤلاء وينزل هؤلاء، ويشهدون لك عند الله ﷿ بأنك تصلي.","vol":"98","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1055>المحافظة على صلاة الصبح والعصر من أسباب رؤية الله في الجنة</span>\nروى البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: (كنا عند النبي ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته).\nقوله: (سترون ربكم)، أي: في الجنة، وهنا التشبيه للتقريب، أي: تشبيه الرؤية بالرؤية، وهي أنك ترى كما ترى، لكن ليس المرئي كالمرئي، فالله ﷿ له المثل الأعلى سبحانه، ولكن النبي ﷺ أراد أن يضرب لك مثلًا بشيء تراه وهو القمر، ولو كل الناس يريدون أن ينظروا إلى القمر فلن يزدحموا في الشارع من أجل ذلك، بل إن كل إنسان سينظر إليه من مكانه، وهذه الرؤية التي أرادها النبي ﷺ كما في الحديث.\nفكما أن الناس سينظرون إلى القمر من غير أن يضيم بعضهم بعضًا، كذلك في الجنة سيرون ربهم من منازلهم، فإذا كان يوم الجمعة حضروا بحسب ترتيبهم في صلاة الجمعة عندما كانوا في الدنيا، فمن كان يأتي مبكرًا قبل الباقين سيكون حضوره في يوم المزيد في يوم الجمعة، فيرى ربه سبحانه، وينظر إلى وجه الله ﷿، نسأل الله ﷿ أن يجعلنا من أكثرهم رؤية لوجهه الكريم يوم القيامة في جنات النعيم.\nقال جرير: قال النبي ﷺ: (فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا)، أي: إذا كنتم تريدون أن تدخلوا الجنة فلا تضيعوا صلاة الصبح، ولا صلاة العصر أبدًا، وإذا كان الإنسان مريضًا مرضًا يمنعه من الخروج إلى المسجد فليصل في بيته ولا تلزمه الصلاة في المسجد، ولكن لا يبرر لنفسه أن يضيع الصلاة بسبب المرض، وينبغي على الإنسان أن يحرص على الصلاة في كل وقت، في صحته وعافيته، وأن يؤديها جماعة حيث يسمع النداء وحين يسمع النداء، وإذا كان مريضًا معذورًا صلى في بيته الصلاة في وقتها ولا يضيعها.","vol":"98","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1056>التحذير من ترك صلاة العصر</span>\nوروى البخاري عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله)، أي: أتى وقت الصلاة وأذن للصلاة ولم يصل بل تشاغل عنها إلى أن خرج وقتها، فهذا إذا ترك هذه الصلاة إلى أن خرج وقتها عامدًا ذاكرًا، أما إذا كان ناسيًا أو مكرهًا فإن النبي ﷺ يقول (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، فإذا تركها خطأً أو نسيانًا أو إكراهًا فهو معذور، لكن إذا كان متعمدًا ينشغل ويلعب إلى أن خرج وقت الصلاة فقد حبط منه عمل يومه، فإذا استمر على ذلك حبط العمل كله.\nهذه الأحاديث جاء فيها الحث على صلاة الفجر وصلاة العصر، وجاءت أحاديث أخرى عن النبي ﷺ في الحث على صلاة الفجر والعشاء؛ كقوله ﷺ: (لو يعلم المنافقون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا)، وقال: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)، وهذا في الفجر والعشاء، أما الظهر فقد ذكر فيها التهجير، وأما المغرب فقد قال فيها النبي ﷺ: (بادروا بصلاة المغرب قبل طلوع النجوم)، قوله: (بادروا)، أي: حافظوا على صلاة المغرب إلى أن يدخل وقت صلاة العشاء.\nفكل صلاة أمرنا النبي ﷺ بالمحافظة عليها وذكر لنا شيئًا من فضيلتها.\nفعلى المؤمن ألا تفوته الصلاة إلا لعذر، كأن يكون مسافرًا فله أن يقصر ويجمع بين الصلاتين، أو مريضًا فاحتاج إلى أن يصلي في بيته فله ذلك، أما إذا لم يكن معذورًا فعليه أن يحرص على الصلاة حيث ينادى بها وفي بيت الله ﷾؛ فإن تعذر عليه ذلك فلا يضيع الصلاة أو يؤخرها، قال الله سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥]، وليس معنى (ساهون) تاركون، فلو تركوها لكفروا، وإنما يريد أنهم أخروا الصلاة حتى خرج وقتها، فقال الله عنهم: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤]، إذًا: غير المصلين مصيبتهم أعظم، فاحرص على الصلاة حيث ينادى بها، واحرص على ذكر الله.\nنسأل الله ﷿ أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"98","page":11}]}