{"ً":{"ٌ":37009,"ٍ":"شرح صحيح ابن حبان - الراجحي","َ":6,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: شرح صحيح ابن حبان\nالمؤلف: عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن الراجحي\nمصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية\nhttp://www.islamweb.net\n[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ١١ درسا]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":63,"ٕ":7,"ٖ":1770153821,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9","10","11"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":1},{"title":"ذكر الأخبار الواردة في الابتداء بحمد الله","level":2,"page":2},{"title":"ما جاء في الاعتصام بالسنة وما يتعلق بها","level":2,"page":3},{"title":"وصف الفرقة الناجية","level":3,"page":4},{"title":"ذكر الأحاديث الدالة على وجوب لزوم السنة","level":3,"page":5},{"title":"إن المحب لمن يحب مطيع","level":3,"page":6},{"title":"حكم ترك الإنسان لما أباح الله له","level":3,"page":7},{"title":"الأمر بتحري السنة واجتناب البدعة","level":3,"page":8},{"title":"فلاح من كانت شرته إلى السنة","level":3,"page":9},{"title":"سنن المصطفى كلها متلقاة عن الله","level":3,"page":10},{"title":"الزجر عن الرغبة عن سنة المصطفى بغرض زيادة ما ليس فيها","level":3,"page":11},{"title":"أمر رسول الله أمته بما يحتاجون إليه من أمر دينهم","level":3,"page":12},{"title":"بطلان قول من زعم أن أمر النبي لا يجوز إلا أن يكون مفسرا يعقل من ظاهر خطابه","level":3,"page":13},{"title":"وجوب الجنة لمن أطاع الله ورسوله فيما أمر به ونهى عنه","level":3,"page":14},{"title":"وجوب اجتناب المنهيات وإتيان الأوامر بقدر الاستطاعة","level":3,"page":15},{"title":"النواهي سبيلها الحتم والإيجاب إلا أن تقوم الدلالة على ندبيتها","level":3,"page":16},{"title":"وجوب تنفيذ أوامر الرسول المتعلقة بالدين","level":3,"page":17},{"title":"انتفاء الإيمان عمن لم يخضع لسنن الرسول الكريم","level":3,"page":18},{"title":"بدعية من لم ينقد لسنن رسول الله ومن اعترض عليها","level":3,"page":19},{"title":"النهي عن الحدث في الدين","level":3,"page":20},{"title":"عدم قبول أي عمل لم يكن مرجعه الكتاب والسنة","level":3,"page":21},{"title":"استحقاق دخول النار لمن نسب شيئا إلى الرسول دون علمه بصحته","level":3,"page":22},{"title":"استحقاق دخول النار لمن تعمد الكذب على النبي ﷺ","level":3,"page":23},{"title":"الكذب على النبي ﷺ من أفرى الفرى","level":3,"page":24},{"title":"كتاب الوحي","level":1,"page":25},{"title":"ذكر الأخبار الواردة في الوحي وما يتعلق به","level":2,"page":26},{"title":"ذكر خبر يوهم مضاده خبر عائشة","level":3,"page":27},{"title":"ذكر الزمن الذي جاور فيه رسول الله بحراء","level":3,"page":28},{"title":"وصف الملائكة عند نزول الوحي على نبيه","level":3,"page":29},{"title":"وصف أهل السماوات عند نزول الوحي","level":2,"page":30},{"title":"وصف نزول الوحي على رسول الله","level":2,"page":31},{"title":"استعجال المصطفى عند نزول الوحي","level":2,"page":32},{"title":"ذكر الخبر المدحض لقول من زعم أن الله لم ينزل آية واحدة إلا بكمالها","level":2,"page":33},{"title":"ما جاء في الخبر المدحض لقول من زعم أن أبا إسحاق لم يسمع خبر نزول جزء من آية من البراء","level":2,"page":34},{"title":"ذكر ما كان يأمر النبي بكتابة القرآن عند نزول الآية بعد الآية","level":2,"page":35},{"title":"ذكر البيان بأن الوحي لم ينقطع عن صفي الله إلى أن أخرجه من الدنيا إلى جنته","level":2,"page":36},{"title":"كتاب الإسراء","level":1,"page":37},{"title":"ذكر ركوب المصطفى البراق وإتيانه عليه بيت المقدس من مكة في بعض الليل","level":2,"page":38},{"title":"ذكر استصعاب البراق عند إرادة ركوب النبي عليه","level":2,"page":39},{"title":"ذكر البيان بأن جبريل شد البراق بالصخرة عند إرادة الإسراء","level":2,"page":40},{"title":"ذكر وصف الإسراء برسول الله من بيت المقدس","level":2,"page":41},{"title":"ذكر خبر أوهم عالما من الناس أنه مضاد لخبر ابن صعصعة في قصة المعراج","level":2,"page":42},{"title":"ذكر الموضع الذي رأى فيه المصطفى موسى يصلي في قبره","level":2,"page":43},{"title":"ذكر شد البراق بالصخرة في خبر بريدة ورؤيته موسى يصلي في قبره","level":2,"page":44},{"title":"ذكر وصف المصطفى موسى وعيسى وإبراهيم حيث رآهم ليلة أسري به","level":2,"page":45},{"title":"ذكر البيان بأن قوله: (فقيل: هديت الفطرة) أراد به أن جبريل قال له ذلك","level":2,"page":46},{"title":"ذكر وصف الخطباء الذين يتكلون على القول دون العمل حيث رآهم ليلة أسري به","level":2,"page":47},{"title":"ذكر وصف المصطفى قصر عمر في الجنة","level":2,"page":48},{"title":"ذكر البيان بأن الله أرى بيت المقدس لنبيه لينظر إليه ويصفه لقريش","level":2,"page":49},{"title":"ذكر البيان بأن الإسراء كان برؤية عين لا برؤية منام","level":2,"page":50},{"title":"ذكر الإخبار عن رؤية المصطفى ربه","level":2,"page":51},{"title":"ذكر الخبر الدال على رؤية النبي ربه بعين قلبه","level":2,"page":52},{"title":"ذكر خبر أوهم من لم يحكم صناعة العلم أنه مضاد للقول برؤية النبي ربه بعين قلبه","level":2,"page":53},{"title":"ذكر تعداد عائشة قول ابن عباس في رؤية النبي لربه من أعظم الفرية","level":2,"page":54},{"title":"كتاب العلم [١]","level":1,"page":55},{"title":"فضل العلم وإثبات النصرة لأصحاب الحديث","level":2,"page":56},{"title":"ذكر الإخبار عن سماع المسلمين السنن خلفا عن سلف","level":2,"page":57},{"title":"ذكر الإخبار عما يستحب للمرء كثرة سماع العلم ثم الاقتفاء والتسليم","level":2,"page":58},{"title":"ما جاء في الزجر عن كتبة المرء السنن مخافة أن يتكل عليها دون الحفظ لها","level":2,"page":59},{"title":"ذكر دعاء المصطفى لمن أدى من أمته حديثا سمعه","level":2,"page":60},{"title":"ذكر رحمة الله من بلغ أمة المصطفى حديثا صحيحا عنه","level":2,"page":61},{"title":"ذكر البيان بأن هذا الفضل إنما يكون لمن أدى حديث المصطفى كما سمعه سواء","level":2,"page":62},{"title":"ذكر إثبات نضارة الوجه في القيامة من بلغ للمصطفى سنة صحيحة كما سمعها","level":2,"page":63},{"title":"ذكر عدد الأشياء التي استأثر الله تعالى بعلمها دون خلقه","level":2,"page":64},{"title":"ذكر خبر ثان يصرح بالأشياء التي استأثر الله تعالى بعلمها","level":2,"page":65},{"title":"ما جاء في الزجر عن العلم بأمر الدنيا مع الانهماك فيها والجهل بأمر الآخرة","level":2,"page":66},{"title":"ما جاء في الزجر عن تتبع المتشابه من القرآن للمرء المسلم","level":2,"page":67},{"title":"شرح حديث: (أنزل القرآن على سبعة أحرف)","level":3,"page":68},{"title":"ما جاء في ذكر العلة التي من أجلها قال النبي: (وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه)","level":2,"page":69},{"title":"ما جاء في الزجر عن مجادلة الناس في كتاب الله مع الأمر بمجانبة من يفعل ذلك","level":2,"page":70},{"title":"ما جاء في وصف العلم الذي يتوقع دخول النار في القيامة لمن طلبه","level":2,"page":71},{"title":"شرح حديث: (من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله)","level":3,"page":72},{"title":"ما جاء في الزجر عن مجالسة أهل الكلام والقدر ومفاتحتهم بالنظر والجدال","level":2,"page":73},{"title":"ما جاء في أن النبي كان يتخوف على أمته جدال المنافق","level":2,"page":74},{"title":"ما جاء في أن الواجب على المرء أن يسأل العلم النافع","level":2,"page":75},{"title":"ما يستحب للمرء أن يقرن في التعوذ مع العلم الذي لا ينفع من أشياء معلومة","level":2,"page":76},{"title":"ما جاء في تسهيل الله طريق الجنة على من يسلك طريقا فيه علم","level":2,"page":77},{"title":"ما جاء في بسط الملائكة أجنحتها لطلبة العلم رضا بصنيعهم ذلك","level":2,"page":78},{"title":"ما جاء في أمان الله من النار من أوى إلى مجلس علم ونيته فيه صحيحة","level":2,"page":79},{"title":"ما جاء في التسوية بين طالب العلم ومعلمه وبين المجاهد في سبيل الله","level":2,"page":80},{"title":"ما جاء في وصف العلماء الذين لهم الفضل المذكور في الأحاديث","level":2,"page":81},{"title":"كتاب العلم [٢]","level":1,"page":82},{"title":"ما جاء في إرادة الله خير الدارين بمن تفقه في الدين","level":2,"page":83},{"title":"ما جاء في إباحة الحسد لمن أوتي الحكمة وعلمها الناس","level":2,"page":84},{"title":"ما جاء في أن من خيار الناس من حسن خلقه في فقهه","level":2,"page":85},{"title":"ما جاء في أن خيار المشركين هم الخيار في الإسلام إذا فقهوا","level":2,"page":86},{"title":"ما جاء في أن العلم من خير ما يخلف المرء بعده","level":2,"page":87},{"title":"ما جاء في الأمر بإقالة زلات أهل العلم والدين","level":2,"page":88},{"title":"ما جاء في إيجاب العقوبة في القيامة على الكاتم العلم الذي يحتاج إليه في أمور المسلمين","level":2,"page":89},{"title":"ما جاء من التصريح بصحة الوعيد لمن كتم علما يحتاج إليه","level":2,"page":90},{"title":"ما جاء في إباحة كتمان العالم بعض ما يعلم من العلم للمصلحة","level":2,"page":91},{"title":"ما جاء في أن الأعمش لم ينفرد في سماع خبر سؤال اليهود عن الروح من عبد الله بن مرة","level":2,"page":92},{"title":"ما جاء في صحة سؤال اليهود للرسول عن الروح","level":2,"page":93},{"title":"ما جاء في استحباب ترك المرء لسرد الأحاديث حذر قلة التعظيم والتوقير لها","level":2,"page":94},{"title":"ما جاء في إباحة جواب المرء بالكناية عما يسأل","level":2,"page":95},{"title":"ما جاء في أن على العالم ترك التصلف بعلمه ولزوم الافتقار إلى الله","level":2,"page":96},{"title":"ما جاء في إباحة إجابة العالم السائل بالأجوبة على سبيل التشبيه والمقايسة","level":2,"page":97},{"title":"ما جاء في إباحة إعفاء المسئول عن العلم عن إجابة السائل على الفور","level":2,"page":98},{"title":"ما جاء في الإباحة للعالم إذا سئل عن الشيء أن يغضي عن الإجابة ثم يجيب","level":2,"page":99},{"title":"ما جاء في إباحة إلقاء العالم على تلاميذه المسائل","level":2,"page":100},{"title":"ما جاء في أن المصطفى قد كان يعرض له الأحوال لإعلام أمته الحكم فيها لو حدثت بعده","level":2,"page":101},{"title":"ما جاء في إباحة اعتراض المتعلم على العالم فيما يعلمه من العلم","level":2,"page":102},{"title":"ما جاء في إباحة أن يسأل المرأ عن الشيء وهو خبير به من غير استهزاء","level":2,"page":103},{"title":"ما جاء فيما يجب على المرء من ترك التكلف في دين الله","level":2,"page":104},{"title":"ذكر الخبر الدال على إباحة إظهار المرء بعض ما يحسن من العلم إذا صحت نيته في إظهاره","level":2,"page":105},{"title":"كتاب العلم [٣]","level":1,"page":106},{"title":"الحكم فيمن دعا إلى هدى أو ضلالة فاتبع عليه","level":2,"page":107},{"title":"بيان أن على العالم ألا يقنط عباد الله عن رحمة الله","level":2,"page":108},{"title":"إباحة تأليف العالم كتب الله جل وعلا","level":2,"page":109},{"title":"الحث على تعليم كتاب الله وإن لم يتعلم الإنسان بالتمام","level":2,"page":110},{"title":"الإخبار عما يجب على المرء من تعلم كتاب الله","level":2,"page":111},{"title":"ذكر بيان بأن من خير الناس من تعلم القرآن وعلمه","level":2,"page":112},{"title":"ذكر الأمر باقتناء القرآن مع تعليمه","level":2,"page":113},{"title":"ذكر الزجر عن أن لا يستغني المرء بما أوتي من كتاب الله","level":2,"page":114},{"title":"وصف من أعطي القرآن والإيمان أو أعطي أحدهما دون الآخر","level":2,"page":115},{"title":"نفي الضلال عن الآخذ بالقرآن","level":2,"page":116},{"title":"ذكر إثبات الهدى لمن اتبع القرآن والضلالة لمن تركه","level":2,"page":117},{"title":"ذكر البيان بأن القرآن من جعله أمامه بالعمل قاده إلى الجنة","level":2,"page":118},{"title":"ذكر إباحة الحسد لمن أوتي كتاب الله","level":2,"page":119},{"title":"ذكر البيان بأن قوله: (فهو ينفق منه) أراد به فهو يتصدق به","level":2,"page":120},{"title":"ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن الخلفاء الراشدين وكبار الصحابة لا يجوز أن يخفى عليهم بعض أحكام الوضوء والصلاة","level":2,"page":121},{"title":"كتاب الإيمان [١]","level":1,"page":122},{"title":"كتاب الإيمان","level":2,"page":123},{"title":"ذكر إثبات الألف بين الأشياء الثلاثة التي ذكرت في حديث الفطرة","level":2,"page":124},{"title":"ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن حديث الفطرة تفرد به حميد بن عبد الرحمن","level":2,"page":125},{"title":"ذكر خبر قد يوهم عالما من الناس أنه مضاد لحديث الفطرة","level":2,"page":126},{"title":"ذكر خبر أوهم من لم يحكم صناعة الحديث أنه مضاد لحديث أبي هريرة في مآل ذراري المشركين","level":2,"page":127},{"title":"ذكر الخبر المصرح بأن قوله: (الله أعلم بما كانوا عاملين) كان بعد قوله: (كل مولود يولد على الفطرة)","level":2,"page":128},{"title":"ذكر العلة التي من أجلها قال: (أوليس خياركم أولاد المشركين)","level":2,"page":129},{"title":"ذكر خبر أوهم من لم يحسن طلب العلم من مظانة أنه مضاد لما ورد في مآل ذراري المشركين","level":2,"page":130},{"title":"ذكر الخبر المصرح بأن نهي النبي عن قتل الذراري كان بعد قوله: (هم منهم)","level":2,"page":131},{"title":"ذكر خبر قد أوهم من أغضى عن علم السنن أن أطفال المسلمين يخاف عليهم النار","level":2,"page":132},{"title":"كتاب الإيمان [٢]","level":1,"page":133},{"title":"باب التكليف","level":2,"page":134},{"title":"ذكر الإخبار عن الحالة التي من أجلها أنزل الله: (لا إكراه في الدين)","level":2,"page":135},{"title":"ذكر البيان بأن الفرض الذي جعله الله نفلا جائز أن يفرض ثانيا","level":2,"page":136},{"title":"ذكر الإخبار عن العلة التي من أجلها إذا عدمت رفعت الأقلام عن الناس","level":2,"page":137},{"title":"ذكر خبر ثان يصرح بصحة ما سبق ذكره في رفع القلم عن فئات من الناس","level":2,"page":138},{"title":"صحة حج الصبي ومن في حكمه، وحصول الأجر للمتسبب في حجه","level":2,"page":139},{"title":"مدافعة الوساوس في ذات الله صريح الإيمان","level":2,"page":140},{"title":"مدافعة الوساوس صريح الإيمان لا ذاتها","level":2,"page":141},{"title":"بيان أن المرء غير مؤاخذ بما حدث به نفسه إن لم يتكلم","level":2,"page":142},{"title":"ذكر البيان بأن حكم الواجد في نفسه الوساوس والمحدث إياها به سيان ما لم ينطق به لسانه","level":2,"page":143},{"title":"ما ينبغي للمرء أن يقوله عند الوسوسة","level":2,"page":144},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":145},{"title":"حكم من انتشرت في بلاده القبور","level":3,"page":146},{"title":"تقديم الصحابة في الحب على النفس","level":3,"page":147},{"title":"حكم الثناء على الله والصلاة على النبي قبل الدعاء في السجود","level":3,"page":148},{"title":"المشير في الصلاة","level":3,"page":149},{"title":"حكم من أقسم على آخر ألا يتكلم","level":3,"page":150},{"title":"حكم قصد محطات الوقود للهدية","level":3,"page":151},{"title":"حكم تكرار الاستخارة","level":3,"page":152},{"title":"كتاب الإيمان [٣]","level":1,"page":153},{"title":"فضل الإيمان","level":2,"page":154},{"title":"الإيمان أفضل الأعمال","level":3,"page":155},{"title":"بيان أن من اقتصر على الواجبات وترك المحرمات دخل الجنة","level":2,"page":156},{"title":"الحث على التدرج في الدعوة والابتداء بالمهم فالأهم","level":2,"page":157},{"title":"بيان أن الإيمان قول وعمل","level":2,"page":158},{"title":"الفرق بين مسمى الإيمان والإسلام","level":2,"page":159},{"title":"ذكر أقوال العلماء في تأويل قوله ﵊: (الكافر يأكل في ستة أمعاء)","level":2,"page":160},{"title":"يعصم دم الكافر بنطقه للشهادة","level":2,"page":161},{"title":"كتاب الإيمان [٤]","level":1,"page":162},{"title":"بيان أن من قال الشهادتين مؤمن وإثبات صفة العلو لله تعالى","level":2,"page":163},{"title":"الإيمان شعب وأجزاء لها أعلى ولها أدنى","level":2,"page":164},{"title":"التحقق في قوله: بضع وستون أو بضع وسبعون","level":2,"page":165},{"title":"الأخبار عن وصف الإسلام والإيمان بذكر جوامع شعبهما","level":2,"page":166},{"title":"ذكر خبر أوهم أن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط دون العمل بالجوارح","level":2,"page":167},{"title":"ذكر الخبر المدحض لمن زعم أن حديث: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة) كان بمكة قبل نزول الأحكام","level":2,"page":168},{"title":"ذكر الخبر الموهم بأن الإيمان هو الإقرار بالله وحده دون جعل الطاعات من شعبه","level":2,"page":169},{"title":"ما جاء في أن الإيمان شعب وأجزاء","level":2,"page":170},{"title":"ما جاء في أن الإيمان بكل ما جاء به المصطفى من الإيمان","level":2,"page":171},{"title":"ما جاء في أن الإيمان بكل ما أتى به النبي من الإيمان مع العمل به","level":2,"page":172},{"title":"ما جاء في إطلاق اسم الإيمان على من أتى ببعض أجزائه","level":2,"page":173},{"title":"ما جاء في إطلاق اسم الإيمان على من أتى جزءا من بعض أجزائه","level":2,"page":174},{"title":"ما جاء في إطلاق اسم الإيمان على من أتى بجزء من أجزاء شعب الإقرار","level":2,"page":175},{"title":"ما جاء في إطلاق اسم الإيمان على من أتى بجزء من أجزاء الشعبة التي هي المعرفة","level":2,"page":176},{"title":"ما جاء في إطلاق اسم الإيمان على من أمنه الناس على أنفسهم وأملاكهم","level":2,"page":177},{"title":"ما جاء في الرد على من زعم أن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص","level":2,"page":178},{"title":"ما جاء في الرد على من زعم أن إيمان المسلمين واحد","level":2,"page":179},{"title":"ما جاء في أن إخراج من كان في قلبه قدر قيراط من إيمان كان قبل إخراج من في قلبه حبة خردل من إيمان","level":2,"page":180},{"title":"ما جاء في أن من يخرجون من النار يرش أهل الجنة عليهم الماء","level":2,"page":181},{"title":"ما جاء في الرد على من زعم أن الإيمان لم يزل على حالة واحدة","level":2,"page":182},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":183},{"title":"الدعاء بجمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم لا ينافي حكمة الله في تفرقهم","level":3,"page":184},{"title":"وجه عموم حديث: (لعن الله اليهود والنصارى) وحمله على الدعاء عليهم بالهلاك العام","level":3,"page":185},{"title":"حكم ما أخذه المرء من حقوق الناس قبل إسلامه","level":3,"page":186},{"title":"ما جاء في صلاة الإشراق","level":3,"page":187},{"title":"حكم البطاقة الشخصية للنساء","level":3,"page":188},{"title":"كتاب الإيمان [٥]","level":1,"page":189},{"title":"ما جاء في نفي اسم الإيمان والمراد به الإيمان الكامل","level":2,"page":190},{"title":"ذكر ما جاء في إضافة العرب الاسم إلى الشيء للقرب من التمام ونفيها عنه للنقص عن الكمال","level":2,"page":191},{"title":"ذكر ما جاء في إطلاق اسم الإيمان على جزئه","level":2,"page":192},{"title":"بيان أن وصف الجارية بالإيمان يراد به بعض أجزائه وشعبه","level":2,"page":193},{"title":"بيان أن المقصود بالأبواب في الإيمان الشعب","level":2,"page":194},{"title":"ذكر نفي اسم الإيمان عمن أتى ببعض الخصال التي تنقص إيمانه","level":2,"page":195},{"title":"ذكر خبر يدل على صحة نفي كمال الإيمان بفعل المعاصي","level":2,"page":196},{"title":"ذكر خبر يدل على أن المراد بنفي الإيمان من باب نفي الأمر عن الشيء للنقص عن الكمال","level":2,"page":197},{"title":"ذكر الخبر الدال على نفي الاسم عن الشيء للنقص عن الكمال وإضافتها الاسم إلى الشيء للقرب من التمام","level":2,"page":198},{"title":"ذكر إثبات الإسلام لمن سلم المسلمون من لسانه ويده","level":2,"page":199},{"title":"ذكر البيان بأن من سلم المسلمون من لسانه ويده كان من أسلمهم إسلاما","level":2,"page":200},{"title":"ذكر إيجاب دخول الجنة لمن مات لم يشرك بالله شيئا وتعرى عن الدين والغلول","level":2,"page":201},{"title":"ذكر إيجاب الجنة لمن شهد لله بالوحدانية مع تحريم النار عليه به","level":2,"page":202},{"title":"ذكر البيان بأن الجنة إنما تجب لمن شهد لله بالوحدانية وكان ذلك عن يقين من قلبه","level":2,"page":203},{"title":"ذكر البيان بأن الجنة إنما تجب لمن أتى بالوحدانية عن يقين من قلبه ثم مات عليه","level":2,"page":204},{"title":"ذكر البيان بأن الجنة إنما تجب لمن شهد لله بالوحدانية وقرن ذلك بالشهادة للمصطفى بالرسالة","level":2,"page":205},{"title":"ذكر البيان بأن الجنة إنما تجب لمن شهد لله بالوحدانية ولنبيه بالرسالة وكان ذلك عن يقين منه","level":2,"page":206},{"title":"ذكر البيان بأن الجنة إنما تجب لمن شهد بالشهادتين عن يقين منه ثم مات على ذلك","level":2,"page":207},{"title":"ذكر إعطاء الله نور الصحيفة لمن قال الشهادتين عند الموت","level":2,"page":208},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":209},{"title":"حكم سجود السهو لمن ترك التشهد الأول ثم رجع له قبل أن يستتم قائما","level":3,"page":210}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"2,1":25,"2,2":26,"2,3":27,"2,4":28,"2,5":29,"2,6":30,"2,7":31,"2,8":32,"2,9":33,"2,10":34,"2,11":35,"2,12":36,"3,1":37,"3,2":38,"3,3":39,"3,4":40,"3,5":41,"3,6":42,"3,7":43,"3,8":44,"3,9":45,"3,10":46,"3,11":47,"3,12":48,"3,13":49,"3,14":50,"3,15":51,"3,16":52,"3,17":53,"3,18":54,"4,1":55,"4,2":56,"4,3":57,"4,4":58,"4,5":59,"4,6":60,"4,7":61,"4,8":62,"4,9":63,"4,10":64,"4,11":65,"4,12":66,"4,13":67,"4,14":68,"4,15":69,"4,16":70,"4,17":71,"4,18":72,"4,19":73,"4,20":74,"4,21":75,"4,22":76,"4,23":77,"4,24":78,"4,25":79,"4,26":80,"4,27":81,"5,1":82,"5,2":83,"5,3":84,"5,4":85,"5,5":86,"5,6":87,"5,7":88,"5,8":89,"5,9":90,"5,10":91,"5,11":92,"5,12":93,"5,13":94,"5,14":95,"5,15":96,"5,16":97,"5,17":98,"5,18":99,"5,19":100,"5,20":101,"5,21":102,"5,22":103,"5,23":104,"5,24":105,"6,1":106,"6,2":107,"6,3":108,"6,4":109,"6,5":110,"6,6":111,"6,7":112,"6,8":113,"6,9":114,"6,10":115,"6,11":116,"6,12":117,"6,13":118,"6,14":119,"6,15":120,"6,16":121,"7,1":122,"7,2":123,"7,3":124,"7,4":125,"7,5":126,"7,6":127,"7,7":128,"7,8":129,"7,9":130,"7,10":131,"7,11":132,"8,1":133,"8,2":134,"8,3":135,"8,4":136,"8,5":137,"8,6":138,"8,7":139,"8,8":140,"8,9":141,"8,10":142,"8,11":143,"8,12":144,"8,13":145,"8,14":146,"8,15":147,"8,16":148,"8,17":149,"8,18":150,"8,19":151,"8,20":152,"9,1":153,"9,2":154,"9,3":155,"9,4":156,"9,5":157,"9,6":158,"9,7":159,"9,8":160,"9,9":161,"10,1":162,"10,2":163,"10,3":164,"10,4":165,"10,5":166,"10,6":167,"10,7":168,"10,8":169,"10,9":170,"10,10":171,"10,11":172,"10,12":173,"10,13":174,"10,14":175,"10,15":176,"10,16":177,"10,17":178,"10,18":179,"10,19":180,"10,20":181,"10,21":182,"10,22":183,"10,23":184,"10,24":185,"10,25":186,"10,26":187,"10,27":188,"11,1":189,"11,2":190,"11,3":191,"11,4":192,"11,5":193,"11,6":194,"11,7":195,"11,8":196,"11,9":197,"11,10":198,"11,11":199,"11,12":200,"11,13":201,"11,14":202,"11,15":203,"11,16":204,"11,17":205,"11,18":206,"11,19":207,"11,20":208,"11,21":209,"11,22":210},"ٜ":{"1":[1,24],"2":[1,12],"3":[1,18],"4":[1,27],"5":[1,24],"6":[1,16],"7":[1,11],"8":[1,20],"9":[1,9],"10":[1,27],"11":[1,22]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","8,1","8,2","8,3","8,4","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","8,13","8,14","8,15","8,16","8,17","8,18","8,19","8,20","9,1","9,2","9,3","9,4","9,5","9,6","9,7","9,8","9,9","10,1","10,2","10,3","10,4","10,5","10,6","10,7","10,8","10,9","10,10","10,11","10,12","10,13","10,14","10,15","10,16","10,17","10,18","10,19","10,20","10,21","10,22","10,23","10,24","10,25","10,26","10,27","11,1","11,2","11,3","11,4","11,5","11,6","11,7","11,8","11,9","11,10","11,11","11,12","11,13","11,14","11,15","11,16","11,17","11,18","11,19","11,20","11,21","11,22"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"4":[4],"5":[5],"6":[6],"7":[7],"8":[8],"9":[9],"10":[10],"11":[11],"12":[12],"13":[13],"14":[14],"15":[15],"16":[16],"17":[17],"18":[18],"19":[19],"20":[20],"21":[21],"22":[22],"23":[23],"24":[24],"25":[25],"26":[26],"27":[27],"28":[28],"29":[29],"30":[30],"31":[31],"32":[32],"33":[33],"34":[34],"35":[35],"36":[36],"37":[37],"38":[38],"39":[39],"40":[40],"41":[41],"42":[42],"43":[43],"44":[44],"45":[45],"46":[46],"47":[47],"48":[48],"49":[49],"50":[50],"51":[51],"52":[52],"53":[53],"54":[54],"55":[55],"56":[56],"57":[57],"58":[58],"59":[59],"60":[60],"61":[61],"62":[62],"63":[63],"64":[64],"65":[65],"66":[66],"67":[67],"68":[68],"69":[69],"70":[70],"71":[71],"72":[72],"73":[73],"74":[74],"75":[75],"76":[76],"77":[77],"78":[78],"79":[79],"80":[80],"81":[81],"82":[82],"83":[83],"84":[84],"85":[85],"86":[86],"87":[87],"88":[88],"89":[89],"90":[90],"91":[91],"92":[92],"93":[93],"94":[94],"95":[95],"96":[96],"97":[97],"98":[98],"99":[99],"100":[100],"101":[101],"102":[102],"103":[103],"104":[104],"105":[105],"106":[106],"107":[107],"108":[108],"109":[109],"110":[110],"111":[111],"112":[112],"113":[113],"114":[114],"115":[115],"116":[116],"117":[117],"118":[118],"119":[119],"120":[120],"121":[121],"122":[122],"123":[123],"124":[124],"125":[125],"126":[126],"127":[127],"128":[128],"129":[129],"130":[130],"131":[131],"132":[132],"133":[133],"134":[134],"135":[135],"136":[136],"137":[137],"138":[138],"139":[139],"140":[140],"141":[141],"142":[142],"143":[143],"144":[144],"145":[145],"146":[146],"147":[147],"148":[148],"149":[149],"150":[150],"151":[151],"152":[152],"153":[153],"154":[154],"155":[155],"156":[156],"157":[157],"158":[158],"159":[159],"160":[160],"161":[161],"162":[162],"163":[163],"164":[164],"165":[165],"166":[166],"167":[167],"168":[168],"169":[169],"170":[170],"171":[171],"172":[172],"173":[173],"174":[174],"175":[175],"176":[176],"177":[177],"178":[178],"179":[179],"180":[180],"181":[181],"182":[182],"183":[183],"184":[184],"185":[185],"186":[186],"187":[187],"188":[188],"189":[189],"190":[190],"191":[191],"192":[192],"193":[193],"194":[194],"195":[195],"196":[196],"197":[197],"198":[198],"199":[199],"200":[200],"201":[201],"202":[202],"203":[203],"204":[204],"205":[205],"206":[206],"207":[207],"208":[208],"209":[209],"210":[210]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"شرح صحيح ابن حبان_<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nليس هناك سبيل أسلم من التمسك بكتاب الله والاعتصام بسنة النبي ﷺ، فهما طريق النجاة، ولما كانت سنة النبي ﷺ بهذه المنزلة كان من اهتم بها وتعلمها وعلمها من أعظم الناس أجرًا عند الله، وفي المقابل من أهملها بأن حدث عن النبي ﷺ بأحاديث لا يعلم صحتها أو يعلم أنها مكذوبة عليه فهو داخل في الوعيد الشديد.","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>ذكر الأخبار الواردة في الابتداء بحمد الله</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في الابتداء بحمد الله تعالى.\nذكر الإخبار عما يجب على المرء من ابتداء الحمد لله جل وعلا في أوائل كلامه عند بغية مقاصده.\nأخبرنا الحسين بن عبد الله القطان: قال: حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا عبد الحميد بن أبي العشرين قال: حدثنا الأوزاعي عن قرة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله، فهو أقطع)].\nقال شعيب الأرنؤوط: [قال إسناده ضعيف؛ لضعف قرة -وهو ابن عبد الرحمن ابن حويئل المعافري المصري ضعفه ابن معين وأحمد وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وأخرجه أحمد من طريق عبد الله المبارك والنسائي في عمل اليوم والليلة، وأبو داود في الأدب.\nضعف قرة في الحديث ليس شرطًا لضعف الحديث لكن له طرق متعددة، وقد يكون له شواهد، وقد يشهد له ما بعده.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الأمر للمرء أن تكون فواتح أسبابه بحمد الله جل وعلا لئلا تكون أسبابه بترا.\nأخبرنا الحسين بن عبد الله بن يزيد القطان أبو علي بالرقة قال: حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا شعيب ابن إسحاق عن الأوزاعي عن قرة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (كل أمرٍ ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع)].\nقال شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيف، وهو مكرر ما قبله.\nأي: أن إسناده ضعيف لـ قرة كذلك.","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>ما جاء في الاعتصام بالسنة وما يتعلق بها</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الاعتصام بالسنة وما يتعلق بها نقلا وأمرا وزجرا.\nأخبرنا أبو يعلى حدثنا أبو كريب حدثنا أبو أسامة حدثنا بريد عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: (إن مثلي ومثل ما بعثني الله به، كمثل رجل أتى قومه، فقال: يا قوم! إني رأيت الجيش، وإني أنا النذير، فأطاعه طائفة من قومه، فانطلقوا على مهلهم فنجو وكذبه طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش وأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثلي ومثل من أطاعني واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق)].\nقال شعيب الأرنؤوط: [إسناده صحيح على شرط الشيخين.\nوفي لفظ (أنا النذير العريان) والنذير العريان هو الرجل البعيد عن قومه، وقد رأى جيش العدو يجتاح قومه فأراد أن يخبرهم بأمر الجيش فجعل يلوح بيده، وخلع ثوبه من شدة المبالغة، ولهذا قال النبي ﷺ: (أنا النذير العريان) فشبه نفسه ﵊ بالنذير الناصح، كالرجل الذي خلع ثوبه وصار عريانًا من شدة نصحه وتحذيره لقومه، فهذا المثل يبين ضرورة الاعتصام بالسنة وبالكتاب وأن من تمسك بها فقد نجا، ومن ترك السنة والكتاب فقد هلك.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ﷺ: (إن مثل ما آتاني الله من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت ذلك، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وأمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها، وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعمل ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به).\nوقد رواه البخاري من حديث أبي موسى بلفظ: (فعلم وعلم).\nفطائفة كالأرض الطيبة التي تقبل الماء فتنبت الكلأ والعشب، قال العلماء: وهذا مثل العلماء الذين تعلموا وتفقهوا وفجروا ينابيع النصوص وحفظوا الأحاديث فانتفعوا في أنفسهم ونفعوا، وقد شبههم الرسول الكريم بالأرض التي تمسك الماء فيأتي الناس وينتفعون بها.\nوالطائفة الثانية: وصفها الرسول ﵊ بقيعان لا تمسك الماء ولا تنبت الكلأ فلا تستفيد لنفسها ولا تفيد غيرها، وكذلك مثل من لم يستفد ولم يقبل هدى الله وأحاديث الرسول ﵊.\nوالرسول ﷺ شبه الإنسان في قبوله الحق بالأرض، وهي ثلاثة أنواع فصلها ﵊ في الحديث الذي رواه البخاري: (مثل ما بعثني الله به من العلم كمثل غيث أصاب أرضًا فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الماء والعشب الكثير، وأصاب طائفة أخرى إنما هي قيعان أمسكت الماء فشرب الناس وسقوا وزرعوا وأصاب منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً) ومعناه أن الأرض ثلاثة أنواع وكذلك الناس، فالنوع الأول من الأرض ينتفع بالمطر فيحيا بعد أن كان ميتًا، وينبت الكلأ، فتنتفع بها الناس والدواب وغيرها، وكذا النوع الأول من الناس فيبلغه الهدى والعلم فيحفظه فيحيا قلبه، ويحيا به، ويعلمه غيره، بعد أن يعمل به، فينتفع وينفع.\nوالنوع الثاني من الأرض هو ما لا يقبل أن ينفع نفسه ولكنه ينفع الناس والدواب وغيرهما بأن يحفظ لهما الماء على سطحه، وهذا مثل أهل القلوب الحافظة، لكن ليس لهم أفهام ثاقبة، فيحفظون الأحاديث ليأتي بعد ذلك طالب متعطش لما عندهم من الحفظ فيستخرج فوائده، وينتفع به.\nوالنوع الثالث هي الأرض الجدباء لا تنبت فهي لا تنتفع بالماء ولا تملكه لينتفع به غيرها، وهذا مثل من يسمع العلم فلا ينتفع به، ولا يحفظه لغيره.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>وصف الفرقة الناجية</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر وصف الفرقة الناجية من بين الفرق التي تفترق عليها أمة المصطفى ﷺ.\nأخبرنا أحمد بن مكرم بن خالد البرتي حدثنا علي بن المديني حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا ثور بن يزيد حدثني خالد بن معدان حدثني عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر الكلاعي قالا: أتينا العرباض بن سارية - وهو ممن نزل فيه ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة:٩٢]- فسلمنا وقلنا: أتيناك زائرين ومقتبسين، فقال العرباض: (صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح ذات يوم، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله! كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبدًا حبشيًا مجدعًا فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)].\nهذا الحديث يحث على لزوم الكتاب والسنة وفيه السمع والطاعة لولاة الأمور في طاعة الله وفي الأمور المباحة أما المعاصي فلا طاعة لهم فيها، وهذا مقيد في حديث آخر وهو قوله ﵊: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنما الطاعة بالمعروف) وإن كان عبدًا حبشيًا فيجب السمع والطاعة له مادام ولي الأمر قد ثبتت له البيعة بالانتخاب أو بولاية العهد أو بالغلبة والقوة؛ لأن هذا فيه استتباب الأمن، واجتماع الكلمة، أما الخروج على ولاة الأمور فهو مدعاة للفوضى والاضطراب، وإراقة الدماء، وتربص العدو بالبلاد ولهذا كان الخروج عليه من كبائر الذنوب، إلا إذا كفر كفرًا صريحًا واضحًا، ووجد البرهان على ذلك، ووجد البديل واستطاع الناس أن يغيروه فهذا جائز.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو حاتم: في قوله ﷺ: (فعليكم بسنتي) عند ذكر الاختلاف الذي يكون في أمته بيان واضح أن من واظب على السنن، قال بها، ولم يعرج على غيرها من الآراء من الفرق الناجية في القيامة، جعلنا الله منهم بمنه].","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>ذكر الأحاديث الدالة على وجوب لزوم السنة</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الإخبار عما يجب على المرء من لزوم سنن المصطفى ﷺ، وحفظ نفسه عن كل من يأباها من أهل البدع وإن حسنوا ذلك في عينه وزينوه.\nأخبرنا إبراهيم بن علي بن عبد العزيز العمري بالموصل حدثنا معلى بن مهدي حدثنا حماد بن زيد عن عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: (خط لنا رسول الله ﷺ خطًا فقال: هذا سبيل الله ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم تلا ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام:١٥٣] إلى آخر الآية).\nقال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن ومعلى بن مهدي هو الموصلي، قال فيه أبو حاتم في الجرح والتعديل: شيخ يحدث أحيانًا بالحديث المنكر.\nوفي هذا الحديث دليل على أن الإنسان يجب أن يستقيم على صراط الله وهو الحق، وأن يلزم ما جاء به الرسول ﷺ وهو دين الله الإسلام، وما جاء في الإسلام وهو الطريق المستقيم فمن استقام عليه استقام على الصراط الحسي يوم القيامة وعبر الصراط، والخطوط المتعرجة عن اليمين وعن الشمال التي خطها ﵊ هي سبل الضلال.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر ما يجب على المرء من ترك تتبع السبل دون لزوم الطريق، الذي هو الصراط المستقيم.\nأخبرنا علي بن حسين بن سليمان المعدل بالفسطاط قال: حدثنا الحارث بن مسكين حدثنا ابن وهب حدثني حماد بن زيد عن عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود ﵁ قال: (خط لنا رسول الله ﷺ خطوطًا عن يمينه وعن شماله، وقال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو له، ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣] الآية كلها)].","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>إن المحب لمن يحب مطيع</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن من أحب الله جل وعلا، وصفيه ﷺ، بإيثار أمرهما وابتغاء مرضاتهما على رضى من سواهما يكون في الجنة مع المصطفى ﷺ].\nإن من آثر محبة الله ومحبة صفيه -أي: النبي ﵊- العمل بأوامر الله ورسوله والانتهاء عما نهى الله أو نها عنه رسوله، هذا هو دليل المحبة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] ومن أحب الله ورسوله امتثل لأوامرهما.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن أنس بن مالك: (أن أعرابيًا سأل النبي ﷺوكانوا هم أجدر أن يسألوه من أصحابه- فقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: وما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها إلا أني أحب الله ورسوله، قال: فإنك مع من أحببت) قال أنس: فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام أشد من فرحهم بقوله].\nوهذا حديث صحيح، وفيه بشارة لكل مؤمن يحب الله ورسوله، والمحب الصادق في محبته هو الذي يجتهد في العمل الذي كان يعمل به محبوبه حتى يلحق به، فإذا حصل تقصير فإن المحبة تجبر هذا النقص، أما من يدعي المحبة ولا يعمل فليس صادقًا في محبته، وإنما الصادق في محبته هو الذي يبذل وسعه ويجتهد بأن يقتدي بمن يحبه ويعمل به، فالصادق في محبة النبي ﷺ هو الذي يقتدي به ويتأسى به في أقواله وأفعاله، فإذا حصل نقص جبرت المحبة هذا النقص لكنه يبذل وسعه في العمل واللحاق بمحبوبه.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>حكم ترك الإنسان لما أباح الله له</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الإخبار عما يجب على المرء من لزوم هدي المصطفى ﷺ بترك الانزعاج عما أبيح من هذه الدنيا بإغضائه.\nأخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة قال: حدثنا ابن أبي السري قال: حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: دخلت امرأة عثمان بن مظعون -واسمها خولة بنت حكيم - على عائشة ﵂ وهي بذة الهيئة فسألتها عائشة: ما شأنك؟ فقالت: زوجي يقوم الليل، ويصوم النهار، فدخل النبي ﷺ فذكرت عائشة ذلك له، فلقي النبي ﷺ عثمان بن مظعون فقال: (يا عثمان! إن الرهبانية لم تكتب علينا، أما لك فيّ أسوة حسنة؟! فو الله! إني لأخشاكم لله وأحفظكم لحدوده) ﷺ] ينبغي للإنسان ألا يترك ما أباح الله له من المباحات، وهذا مثل حديث الرهط الذين سألوا عن عبادة النبي ﷺ، فكأنهم استقلوها، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي ولا أنام، وقال الثاني: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الثالث: فأما أنا فلا أتزوج النساء، فلما علم النبي ﵊ بأمرهم قال: (ما بال رجال يقولون كذا وكذا؟! والله إني أخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) فينبغي للإنسان أن يلزم هدي النبي ﷺ، وألا يترك ما أباح الله له فينفذ نوع من العبادة بتكلف ويقصر في الأنواع الأخرى؛ لأن الإنسان إذا انصرف مثلًا إلى صلاة الليل وبالغ فيها أخل بالواجبات الأخرى كالكسب له ولأولاده والتقصير في حق أهله، والضيوف، ولهذا قال النبي ﵊ لـ سلمان لما زار أبا الدرداء وقد آخى بينه وبين أبا الدرداء، فكانت أم الدرداء متبذلة فسألها أخاها سلمان فقالت: إن أخاك أبا الدرداء ليس له حاجة في الدنيا فزار أبو الدرداء سلمان، فقدم له طعام، قال أبو الدرداء: كل فإني صائم، فقال: لا آكل حتى تأكل فأصر عليه حتى أكل ثم نام من أول الليل، فلما أراد أبو الدرداء أن يقوم قال له سلمان: نم فلما كان ثلث الليل أراد أن يقوم، فقال له سلمان: نم، فلما مضى نصف الليل أراد أبو الدرداء أن يقوم، فقال له سلمان: نم، فلما كان آخر الليل قال: قم الآن، فقاما فصليا، ثم قال له سلمان: إن لنفسك عليك حقًا، وإن لأهلك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا، فاعط كل ذي حق حقه، فلما ذهب أبو الدرداء إلى النبي ﷺ صدق سلمان.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>الأمر بتحري السنة واجتناب البدعة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الإخبار عما يجب على المرء من تحري استعمال السنن في أفعاله، ومجانبة كل بدعة تباينها وتضادها.\nأخبرنا أحمد بن علي بن المثنى قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال: حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا خطب أحمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه نذير جيش يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين يفرق بين السبابة والوسطى ويقول: أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، ثم يقول: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضيعة، فإلي وعليَّ)].\nوهذا من أصح الأحاديث وفيه أن النبي ﷺ كان إذا خطب ألقى الخطبة بشجاعة وحماس، ولا يلقيها بتماوت مثل بعض الخطباء الذين إذا ألقى الخطبة فإنه يلقيها وكأنه ميت، فالخطبة تحتاج إلى شجاعة وحماس، فكان ﵊ إذا خطب أحمر وجهه وعلا صوته، كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم؛ وبهذا يكون كلامه أوقع في نفوس السامعين.\nوكان يقول في خطبة الجمعة: (أما بعد: -وهو أولى من قول بعضهم وبعد- فإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة) والشاهد في الحديث أنه ينبغي لزوم هدي النبي ﷺ، وأن خير الهدي هدي النبي ﷺ، وفيه تحريم البدع وأنها كلها ظلالات، وما قاله بعض العلماء من تقسيم البدع إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة ليس بجيد، بل الصواب أن البدع كلها سيئة، وكلها ضلالة، ولا يوجد في البدع شيء حسن.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>فلاح من كانت شرته إلى السنة</span>\nالملقي: [ذكر إثبات الفلاح لمن كانت شِرَّته إلى سنة المصطفى ﷺ.\nأخبرنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا أبو خيثمة حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا شعبة عن حصين بن عبد الرحمن عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: (إن لكل عمل شرة وإن لكل شرة فترة، فمن كانت شرته إلى سنتي، فقد أفلح، ومن كانت شرته إلى غير ذلك فقد هلك).\nقال في شعيب الأرنؤوط: إسناده الصحيح على شرطهما] ومعنى (شرة) أي: قوة ونشاطًا، وقد يعتري هذا النشاط فترة أي: خمول، وهذا فيه حث على لزوم السنن وأنه ينبغي أن يجعل النشاط والقوة في العمل بالسنة.\nقال الطحاوي: فوقفنا بذلك على أن هذه الشدة في الأمور التي يريدها المسلمون من أنفسهم في أعمالهم التي يتقربون بها إلى ربهم ﷿، وأن رسول الله ﷺ أحب منهم فيها ما دون الشدة التي لابد من القصر عنها والخروج منها إلى غيرها، وأمرهم بالتمسك من الأعمال الصالحة بما قد يجوز دوامهم عليه ولزومهم إياه حتى يلقوا ربهم.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>سنن المصطفى كلها متلقاة عن الله</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر المصرح بأن سنن المصطفى ﷺ كلها عن الله لا من تلقاء نفسه.\nأخبرنا محمد بن عبيد الله بن الفضل الكلاعي بحمص حدثنا كثير بن عبيد المذحجي حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي عن مروان بن رؤبة عن ابن أبي عوف عن المقداد بن معد يكرب عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إني أوتيت الكتاب وما يعدله، يوشك شعبان على أريكته أن يقول: بيني وبينكم هذا الكتاب فما كان فيه من حلال أحللناه، وما كان فيه من حرام حرمناه، ألا وإنه ليس كذلك)].\nوهذا فيه بيان بأن السنة وحي من الله ﷿، وأنه لابد من الأخذ بالسنة، ومن لم يأخذ بالسنة فهو كافر، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، وفي رواية أن النبي ﷺ قال: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه) وهي السنة، يوشك شعبان متكئ على أريكته أي: على سريره، وينكر السنة ويقول بيننا وبينكم كتاب الله، ما وجدنا فيه من حلال أحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، أي: ولا يعمل بالسنة وبقول الرسول ﵊.\nوالحديث إسناده قوي، أخرجه الترمذي وابن ماجة وأحمد والطبراني والبيهقي.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن سهم قال: حدثنا أبو إسحاق الفزاري عن مالك بن أنس عن سالم أبي النضر عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبي رافع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا أعرفن الرجل يأتيه الأمر من أمري، إما أمرت به، وإما نهيت عنه، فيقول: ما ندري ما هذا، عندنا كتاب الله ليس هذا فيه)].\nوهذا تحذير من رد كلام الرسول ﵊ بحجة أنه لا يوجد في كتاب الله وهذا خطأ، فالسنة وحي من الله من أنكرها كفر.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>الزجر عن الرغبة عن سنة المصطفى بغرض زيادة ما ليس فيها</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الزجر عن الرغبة عن سنة المصطفى ﷺ في أقواله وأفعاله جميعًا.\nأخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة قال: حدثنا محمد بن أبي صفوان الثقفي حدثنا بهز بن أسد قال: حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك ﵁: أن نفرًا من أصحاب النبي ﷺ، سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: (ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)].\nرواه الشيخان في الحث على لزوم السنة والعمل بها، وأن السنة وهدي النبي ﷺ هو أكمل الهدي وأن ما يفعله بعض الناس من زعم أحدهم أنه يعمل عملًا زائدًا عن السنة فهذا ضلال، لكن هؤلاء الصحابة دفعهم باب الاجتهاد فزجرهم النبي ﷺ.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>أمر رسول الله أمته بما يحتاجون إليه من أمر دينهم</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل ذكر البيان بأن المصطفى ﷺ كان يأمر أمته بما يحتاجون إليه من أمر دينهم قولًا وفعلًا معًا.\nأخبرنا محمد بن عبد الرحمن الدغولي حدثنا محمد بن يحيى الذهلي حدثنا ابن أبي مريم حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير حدثني إبراهيم بن عقبة عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ رأى خاتمًا من ذهب في يد رجل، فنزعه فطرحه، فقال: (يعمد أحدهم إلى جمرة من النار، فيجعلها في يده) فقيل للرجل بعدما ذهب خذ خاتمك، فانتفع به، فقال: لا والله، لا آخذه أبدًا وقد طرحه رسول الله ﷺ].\nوهذا فيه تحريم الذهب على الرجال فلا يجوز للرجل أن يلبس الذهب، لكن يجوز له أن يتختم بخاتم من الفضة، فقد ثبت أن النبي ﷺ في أول الأمر كان يلبس خاتمًا من ذهب والصحابة كذلك ثم جاء النهي فنزعه النبي ﷺ، ونزع الصحابة خواتمهم، وحرم بذلك الذهب على الرجال.\nوقد نهى ﵊ هذا الرجل عن التختم بالذهب، وهو نهي للأمة كلها؛ لأن الشريعة عامة.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>بطلان قول من زعم أن أمر النبي لا يجوز إلا أن يكون مفسرًا يعقل من ظاهر خطابه</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن أمر النبي ﷺ بالشيء لا يجوز إلا أن يكون مفسرًا يعقل من ظاهر خطابه.\nأخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن يحيى بن أبي كثير حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إذا نودي بالأذان أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع الأذان، فإذا قضي الأذان، أقبل فإذا ثوِّب بها أدبر، فإذا قضي التثويب، أقبل يخطر بين المرء ونفسه: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر)].\nوهذا فيه حرص الشيطان على افساد عبادة ابن آدم، وفيه أن ذكر الله يضايق الشيطان وأنه لا يطيقه، فإذا نودي بالأذان أدبرُ له ضراط حتى يشوش على نفسه فلا يسمع الأذان، ثم يقبل، فإذا سمع التثويب وهو الإقامة -وقيل بأن التثويب: رجوع إلى الإقامة- هرب ثم يقبل فيوحي للإنسان ويقول له: اذكر كذا اذكر كذا، فلا يزال يذكره حتى لا يدري كم صلى.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [(حتى يظل الرجل إن يدري كم صلى، فإذا لم يدر كم صلى، فليسجد سجدتين وهو جالس)].\nإذا شك في صلاته فيسجد سجود سهو وطالما أن عنده غالب الظن فإنه يسجد سجدتين قبل السلام، فإن لم يغلب عليه الظن فإنه يتم صلاته ثم يسجد سجدتين ثم يسلم، وجاء هذا في حديث ابن مسعود.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو حاتم ﵁: أمره ﷺ لمن شك في صلاته، فلم يدر كم صلى، فليسجد سجدتين وهو جالس أمر مجمل تفسيره أفعاله التي ذكرناها، لا يجوز لأحد أن يأخذ الأخبار التي فيها ذكر سجدتي السهو قبل السلام، فيستعمله بكل الأحوال، ويترك سائر الأخبار التي فيها ذكره بعد السلام، وكذلك لا يجوز لأحد أن يأخذ الأخبار التي فيها ذكر سجدتي السهو بعد السلام، فيستعمله في كل الأحوال، ويترك الأخبار الأخر التي فيها ذكره قبل السلام].\nأي: لابد من ضم الأدلة بعضها إلى بعض.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ونحن نقول: إن هذه أخبار أربع يجب أن تستعمل، ولا يترك شيء منها، فيفعل في كل حالة مثلما وردت السنة فيها سواء، فإن سلم من الاثنتين أو الثلاث من صلاته ساهيًا، أتم صلاته، وسجد سجدتي السهو بعد السلام، على خبر أبي هريرة وعمران بن حصين اللذين ذكرناهما، وإن قام من اثنتين ولم يجلس، أتم صلاته، وسجد سجدتي السهو قبل السلام، على خبر ابن بحينة وإن شك في الثلاث أو الأربع يبني على اليقين على ما وصفنا، وسجد سجدتي السهو قبل السلام، على خبر أبي سعيد الخدري وعبد الرحمن بن عوف وإن شك ولم يدر كم صلى أصلًا، تحرى على الأغلب عنده، وأتم صلاته، وسجد سجدتي السهو بعد السلام، على خبر ابن مسعود الذي ذكرناه حتى يكون مستعملًا للأخبار التي وصفناها كلها، فإن وردت عليه حالة غير هذه الأربع في صلاته، ردها إلى ما يشبهها من الأحوال الأربع التي ذكرناها].","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>وجوب الجنة لمن أطاع الله ورسوله فيما أمر به ونهى عنه</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر إيجاب الجنة لمن أطاع الله ورسوله فيما أمر ونهى.\nأخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل ببست ومحمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف بنيسابور قال: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا خلف بن خليفة عن العلاء بن المسيب عن أبيه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (والذي نفسي بيده! لتدخلن الجنة كلكم إلا من أبى وشرد على الله كشراد البعير قالوا: يا رسول الله! ومن يأبى أن يدخل الجنة؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) قال أبو حاتم: طاعة رسول الله ﷺ هي الانقياد لسنته بترك الكيفية والكمية فيها، مع رفض قول كل من قال شيئًا في دين الله جل وعلا بخلاف سنته، دون الاحتيال في دفع السنن بالتأويلات المضمحلة، والمخترعات الداحضة].\nأي: أن الإنسان عندما يتلى عليه آيات الله وأحاديث رسوله المحتوية على الأوامر والنواهي فعليه أن يقبل الأوامر والنواهي ولا يتأول تأويلات باطلة.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>وجوب اجتناب المنهيات وإتيان الأوامر بقدر الاستطاعة</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن المناهي عن المصطفى ﷺ والأوامر فرض على حسب الطاقة على أمته، لا يسعهم التخلف عنها.\nأخبرنا الفضل بن الحباب الجمحي حدثنا إبراهيم بن بشار حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وسفيان عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، ما نهيتكم عنه فانتهوا، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)].\nوهذا دليل على أن النواهي يجب تركها، وأما الأوامر فيفعل ما يستطيع يقول الله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، ولقول النبي ﷺ: (صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب).\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [قال ابن عجلان فحدثت به أبان بن صالح فقال لي: ما أجود هذه الكلمة قوله (فأتوا منه ما استطعتم!)] قال شعيب الأرنؤوط: [إسناده صحيح رجاله رجال الشيخين ما عدا إبراهيم بن بشار الرمادي وهو حافظ ثقة، أبو الزناد هو: عبد الله بن ذكوان والأعرج هو: عبد الرحمن بن هرمز والطريق الثاني سنده حسن وأخرجه مسلم في الفضائل.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>النواهي سبيلها الحتم والإيجاب إلا أن تقوم الدلالة على ندبيتها</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن النواهي سبيلها الحتم والإيجاب إلا أن تقوم الدلالة على ندبيتها.\nحدثنا عمر بن محمد الهمداني حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري حدثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)].\nالأصل في النواهي المنع هذا هو الأصل إلا إذا وجد صارف يصرفها، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن الشرب قائمًا ثم شرب قائمًا في زمزم عندما جاء وهم يسقون، فصرف النهي عن التحريم إلى التنزيه فصار الشرب قائمًا جائز، والشرب قاعدًا أفضل وإلا فالأصل أن النهي للتحريم.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن حسن بن قتيبة قال: حدثنا ابن أبي السري قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ: (ما نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وما أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)].\nأخرجه أحمد ومسلم.\nوهذا دليل على أن المناهي تترك، أما الأوامر فيفعل الإنسان منها ما يستطيع كما رواه ابن ماجة في التخريجة.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>وجوب تنفيذ أوامر الرسول المتعلقة بالدين</span>\nقال المؤلف: [ذكر البيان بأن قوله ﷺ: (وإذا أمرتكم بشيء) أراد به من أمور الدين، لا من أمور الدنيا.\nأخبرنا أبو يعلى حدثنا عبد الأعلى بن حماد حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وثابت عن أنس بن مالك: (أن النبي ﷺ سمع أصواتًا فقال: ما هذه الأصوات؟ قالوا: النخل يأبرونه، قال: لو لم يفعلوا لصلح ذلك، فأمسكوا، فلم يأبروا عامته، فصار شيصًا فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: إذا كان شيء من أمر دنياكم فشأنكم وإذا كان شيء من أمر دينكم فإليّ)].\nهذا فيه دليل على أن النبي ﵊ إذا أمر بأمر من أمور الدنيا كتلقيح النخل أو غيرها فلك أن تأخذه ولك ألا تأخذه، أما الأمر الديني فهو واجب التنفيذ.\nقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم وأخرجه أحمد ومسلم.\nقال المصنف ﵀: [ذكر البيان بأن قوله ﷺ (فما أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) أراد به: ما أمرتكم بشيء من أمر الدين، لا من أمر الدنيا.\nأخبرنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار قال: حدثنا عبد الله بن الرومي حدثنا النضر بن محمد حدثنا عكرمة بن عمار حدثني أبو النجاشي حدثني رافع بن خديج قال: (قدم نبي الله ﷺ المدينة وهم يؤبرون النخل -يقول: يلقحون- قال: فقال: ما تصنعون؟ فقالوا: شيئًا كانوا يصنعونه، فقال: لو لم تفعلوا لكان خيرًا، فتركوها فنفرت أو نقصت، فذكروا ذلك له، فقال رسول الله ﷺ: إنما أنا بشر، إذا حدثتكم بشيء من أمر دينكم، فخذوا به، وإذا حدثتكم بشيء من أمر دنياكم فإنما أنا بشر) قال عكرمة: هذا أو نحوه.\nأبو النجاشي مولى رافع، اسمه عطاء بن صهيب.\nوالتأبير هو التلقيح، وهو أن يأخذ شيئًا من طلع ذكر النخل الذكر ويجعله في همتك أنثى النخل.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>انتفاء الإيمان عمن لم يخضع لسنن الرسول الكريم</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر نفي الإيمان عمن لم يخضع لسنن رسول الله ﷺ أو اعترض عليها بالمقايسات المقلوبة، والمخترعات الداحضة.\nأخبرنا أبو خليفة حدثنا أبو الوليد حدثنا ليث بن سعد عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن عبد الله بن الزبير ﵃ حدثه أن رجلًا من الأنصار خاصم الزبير عند رسول الله ﷺ في شراج الحرة التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرِّح الماء يمر، فأبى عليه الزبير، فقال رسول الله ﷺ: (اسق يا زبير! ثم أرسل إلى جارك، فغضب الأنصاري وقال: يا رسول! الله أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله ﷺ، ثم قال رسول الله ﷺ: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر)، قال الزبير: فو الله لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] الآية].\nوهذا رواه مسلم في الصحيح، وفيه أن الأنصاري اختصم مع الزبير في شراج الحرة، والشراج أي: مسيل الماء من المطر، فيسقون من ماء المطر فالأعلى يكون هو الأول ثم من بعده ثم من بعده وهكذا، فجاء السيل وكان الزبير الأعلى والأنصاري بعده فلما مر ماء المطر على الزبير وهو يسقي قال الأنصاري: سرح الماء، أي: اجعل الماء يمر على حديقتي أو بستاني، فأبى عليه الزبير حتى يرتوي، ثم يرسل الماء فشكاه إلى النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ للزبير: (اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك) فغضب الأنصاري وقال: أن كان ابن عمتك، أي: جعلته يسقي ويبلغ الماء الأرض مجاملة له، فتلون وجه النبي ﷺ لما أغضبه الأنصاري، واستوفى النبي ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم، ففي الحكم الأول أشار عليه بالصلح قال: (اسق ثم سرح الماء إلى جارك) فلما أغضبه الأنصاري أعطاه الحكم الصريح قال: (اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يصل إلى الجدر ثم أرسل الماء إلى جارك) والجدر مرتفع بمقدار ما يغطي الرجل، ثم يرسل إلى جاره فيحبس الماء حتى يغطي الرجل، ثم يرسل إلى جاره، فالنبي ﷺ أعطاه الصلح وقال للزبير: (اسق يا زبير ثم ارسل الماء إلى جارك) والزبير لم يستوف حاجته من الماء، فكيف يرسله فلما أغضبه الأنصاري استوفى النبي ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم.\nقال الزبير: فأنا أحسب أن هذه الآية نزلت في هذا الرجل: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] هذا الرجل يحسب أنه منافق من المنافقين، ويحسب أنه من شدة الغضب تغير وتكدر ولم يتبين ما في هذه الكلمة، والمؤلف ابن حبان حمله على أنه منفي عنه الإيمان وأنه منافق؛ لهذا ترجم للحديث بقوله: ذكر نفي الإيمان عمن لم يخضع لسنن رسول الله ﷺ أو اعترض عليها بالمقايسات المقلوبة والمخترعات الداحضة.\nوقد ابتلي النبي ﷺ بهذا الرجل وأمثاله الذين يعترضون عليه، ومنهم من قال: اعدل يا محمد! فإنك لم تعدل، وأن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فإذا كان النبي ﷺ وهو أشرف الخلق يعترض عليه بهذا فكيف يرجو المسلم أن يسلم من الناس.\nقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين، أخرجه أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة ومسلم.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>بدعية من لم ينقد لسنن رسول الله ومن اعترض عليها</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على أن من اعترض على السنن بالتأويلات المضمحلة ولم ينقد لقبولها كان من أهل البدع.\nأخبرنا أبو يعلى حدثنا أبو خيثمة حدثنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد الخدري قال: (بعث علي إلى رسول الله ﷺ من اليمن بذهب في أدم، فقسمها رسول الله ﷺ بين زيد الخيل والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وعلقمة بن علاثة فقال أناس من المهاجرين والأنصار: نحن أحق بهذا، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فشق عليه، وقال: ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر من في السماء صباحًا ومساء؟ فقام إليه ناتيء العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الوجه، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا رسول الله! اتق الله، فقال النبي ﷺ: أو لست بأحق أهل الأرض بأن أتقي الله، ثم أدبر فقام عليه خالد سيف الله، فقال: يا رسول الله! ألا أضرب عنقه، فقال: لا، إنه لعله يصلي، قال: إنه رب مصلٍ يقول بلسانه ما ليس في قلبه.\nقال: إني لم أومر أن أشق قلوب الناس، ولا أن أشق بطونهم، فنظر إليه ﷺ وهو مقفٍ، فقال: إنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية -قال عمارة: فحسبت أنه قال-: لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود)].\nوأخرجه مسلم والبخاري].\nأخرجه البخاري لكن كأن فيه جمع بين حديثين: حديث: (لم أومر أن أشق بطون الناس ولا أن أنقب) ثم قال: (ألا تراه يصلي) هذا حديث آخر غير حديث الذهيبة، فهذا حديث وذاك حديث.\nقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين: أبو خيثمة هو زهير بن حرب وجرير هو ابن عبد الحميد وأخرجه مسلم في الزكاة: باب وصف الخوارج وصفاتهم، من طريق عثمان بن أبي شيبة.\nوفيه أن هذا الرجل مبتدع وهذا على القول بأن الخوارج مبتدعة، وهو الذي رسى عليه الصحابة وشجعوه وهذا الرجل هو أصل الخوارج، ومن العلماء من كفرهم كالإمام أحمد لقول النبي: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية).","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>النهي عن الحدث في الدين</span>\nقال المصنف ﵀: [ذكر الزجر عن أن يحدث المرء في أمور المسلمين ما لم يأذن به الله ولا رسوله.\nأخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه: أن رجلًا أوصى بوصايا أبرها في ماله، فذهبت إلى القاسم بن محمد أستشيره، فقال القاسم: سمعت عائشة تقول: قال رسول الله ﷺ: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)].\nوهذا رواه الشيخان في التحذير من البدع والمحدثات في الدين، فالواجب على الإنسان أن يعمل بالسنن وألا يتبع البدع، وفي لفظ لـ مسلم: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد).","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>عدم قبول أي عمل لم يكن مرجعه الكتاب والسنة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن كل من أحدث في دين الله حكمًا ليس مرجعه إلى الكتاب والسنة فهو مردود غير مقبول.\nأخبرنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا محمد بن الصباح الدولابي حدثنا إبراهيم بن سعد حدثنا أبي عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)].","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>استحقاق دخول النار لمن نسب شيئًا إلى الرسول دون علمه بصحته</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل ذكر إيجاب دخول النار لمن نسب الشيء إلى المصطفى ﷺ وهو غير عالم بصحته.\nأخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبدة بن سليمان حدثنا محمد بن عمرو حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (من قال عليّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار)].\nوهذا رواه الشيخان، وهو من الأحاديث المتواترة، وفيه الوعيد الشديد على من كذب على النبي ﷺ، وأنه متوعد بالنار، وبالغ بعض العلماء حتى قالوا بكفر من تعمد الكذب على النبي ﷺ.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على صحة ما أومأنا إليه في الباب المتقدم.\nأخبرنا عمران بن موسى السخستياني حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع حدثنا شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ: (من حدث حديثًا وهو يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين)].\n(يرى) بمعنى يظن، (ويرى) بمعنى يعلم أيضًا، و(أحد الكذبة أو الكاذبين) أي: الذي كذب والذي رواه.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر ثان يدل على صحة ما ذهبنا إليه.\nأخبرنا زهير بن بتستر حدثنا محمد بن الحسين بن إشكاب حدثنا علي بن حفص المدائني حدثنا شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع)].\nأخرجه مسلم في مقدمة صحيحه وأبو داود والحاكم.","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>استحقاق دخول النار لمن تعمد الكذب على النبي ﷺ</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر إيجاب دخول النار لمتعمد الكذب على رسول الله ﷺ.\nأخبرنا أبو خليفة قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا ليث بن سعد عن الزهري عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: (من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)].\nوهذا فيه وعيد شديد يوجب الحذر من القول عن النبي ﷺ ما لم يقل، فإذا شك في نص الحديث فليقل أو بمعناه.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>الكذب على النبي ﷺ من أفرى الفرى</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن الكذب على المصطفى ﷺ من أفرى الفرى.\nأخبرنا ابن قتيبة قال: حدثنا حرملة بن يحيى قال: حدثنا ابن وهب قال: حدثني معاوية بن صالح عن ربيع بن يزيد عن واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن من أعظم الفرية ثلاثًا أن يفري الرجل على نفسه، يقول: رأيت، ولم ير شيئًا في المنام، أو يتقول الرجل على والديه، فيدعى إلى غير أبيه، أو يقول: سمع مني ولم يسمع مني)].\nأخرجه البخاري في المناقب وأحمد والطبراني.","vol":"1","page":24},{"text":"شرح صحيح ابن حبان_<span data-type=\"title\" id=toc-25>كتاب الوحي</span>\nكان رسول الله ﷺ تاركًا لعبادة الأوثان، وكان يذهب إلى الغار يتعبد لله ﷿، وبينما هو كذلك إذ أتاه جبريل بالنبوة، وأنزل عليه سورة العلق، ثم انقطع عنه ثم أتاه بالرسالة، وأنزل عليه سورة المدثر، فنبئ بإقرأ، وأرسل بالمدثر.","vol":"2","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>ذكر الأخبار الواردة في الوحي وما يتعلق به</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الوحي.\nأخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة حدثنا ابن أبي السري حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري قال أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة قالت: (أول ما بدئ برسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة يراها في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يأتي حراء فيتحنث فيه -وهو التعبد الليالي ذوات العدة- ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فتزوده لمثلها حتى فجأه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فيه، فقال: اقرأ، قال رسول الله ﷺ: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني، فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال لي: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] حتى بلغ: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:٥] قال فرجع بها ترجف بوادره، حتى دخل على خديجة فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع.\nثم قال: يا خديجة! مالي؟ وأخبرها الخبر، وقال: قد خشيته عليّ، فقالت: كلا أبشر، فوالله! لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقرئ الضيف، وتعين على نوائب الحق، ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل، وكان أخا أبيها، وكان امرءًا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: أي عم! اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة: ابن أخي ما ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني أكون فيها جذعا أكون حيا حين يخرجك قومك.\nفقال رسول الله ﷺ: أمخرجي هم؟! قال: نعم، لم يأت أحد قط بما جئت به إلا عودي وأوذي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي حتى حزن رسول الله ﷺ فيما بلغنا حزنًا غدا منه مرارًا لكي يتردى من رءوس شواهق، الجبال فكلما أوفى بذروة جبل كي يلقي نفسه منها، تبدى له جبريل وقال له: يا محمد! إنك رسول الله حقًا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه، فيرجع فإذا طال عليه فترة الوحي، غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة الجبل تبدى له جبريل فيقول له مثل ذلك)].\nوهذا رواه البخاري في صحيحه في كتاب الوحي، وأما قول النبي ﷺ: ما أنا بقارئ فليس امتناعًا وإنما معناه لست قارئًا ولم أتعلم القراءة، وأما في آخر القصة أنه تبدى له أنه يريد أن يتردى من الجبل فهذه نقاط منقطعة من قول الزهري وليست مسندة، وهذا ضعيف.\nوورقة هو أول من آمن من هذه الأمة ولعله ابن عم خديجة.\nحيث قالت له: يا ابن عم! اسمع من ابن أخيك.\nالقائل: فيما بلغنا هو الزهري ومعنى الكلام: أنه من ضمن ما وصل إلينا من خبر رسول الله ﷺ في هذه القصة، وهو من بلاغات الزهري وليس موصولًا، ومعلوم أن بلاغات الزهري واهية.\nضعيف منقطع، وهو من بلاغات الإمام مالك.","vol":"2","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>ذكر خبر يوهم مضاده خبر عائشة</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر أوهم من لم يحكم صناعة الحديث أنه يضاد خبر عائشة الذي تقدم ذكرنا له.\nأخبرنا أحمد بن علي بن مثنى حدثنا هدبة بن خالد حدثنا أبان بن يزيد العطار حدثنا يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة: أي القرآن أنزل أول؟ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١] قلت: إني نبئت أن أول سورة أنزلت من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] قال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله: أي القرآن أنزل أول؟ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١] فقلت له: إني نبئت أن أول سورة أنزلت من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ قال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله ﷺ، قال: (جاورت في حراء، فلما قضيت جواري، نزلت فاستبطنت الوادي، فنوديت، فنظرت أمامي، وخلفي، وعن يميني، وعن شمالي، فلم أر شيئًا، فنوديت، فنظرت فوقي، فإذا أنا به على عرش بين السماء والأرض، فجئثت منه، فانطلقت إلى خديجة، فقلت: دثروني دثروني، وصبوا علي ماء باردًا، فأنزلت عليّ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر:١ - ٣])].\nوهذا يعارض الخبر السابق وهذا الخبر استدل به بعضهم على أنه يعارض الخبر الأصل، والصحيح أنه لا يعارضه فسورة المدثر نزلت بعد نزول اقرأ.\n[قال أبو حاتم في خبر جابر هذا: إن أول ما أنزل من القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١] وفي خبر عائشة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق:١] وليس بين الخبرين تضاد إذ الله ﷿ أنزل على رسوله ﷺ اقرأ باسم ربك وهو في الغار بحراء، فلما رجع إلى بيته دثرته خديجة وصبت عليه الماء البارد، وأنزل عليه في بيت خديجة: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١] من غير أن يكون بين الخبرين تهاتر أو تضاد].","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>ذكر الزمن الذي جاور فيه رسول الله بحراء</span>\nقال في الحاشية: [إسناده صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه مسلم في الإيمان].\nأي: أول، ما نزل هو اقرأ، ثم بعد ذلك لما ذهب إلى خديجة ودثر نزلت المدثر.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر القدر الذي جاور المصطفى ﷺ بحراء عند نزول الوحي عليه.\nأخبرنا عبد الله بن محمد بن سلم حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا الوليد بن مسلم حدثني الأوزاعي حدثنا يحيى بن أبي كثير سألت أبا سلمة أي القرآن أنزل أول؟ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١] قلت: أو اقرأ؟ فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذلك، فقال: يا أيها المدثر، فقلت: أو اقرأ؟ فقال: إني أحدثكم ما حدثنا رسول الله ﷺ، قال: (جاورت بحراء شهرًا، فلما قضيت جواري، نزلت فاستبطنت الوادي، فنوديت، فنظرت أمامي، وخلفي، وعن يميني، وعن شمالي، فلم أر أحدًا ثم نوديت، فنظرت إلى السماء فإذا هو على العرش في الهواء فأخذتني رجفة شديدة، فأتيت إلى خديجة فأمرتهم فدثروني، ثم صبوا علي الماء، وأنزل الله عليّ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:١ - ٤])].","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>وصف الملائكة عند نزول الوحي على نبيه</span>\nقال المصنف ﵀: [ذكر وصف الملائكة عند نزول الوحي على صفيه ﷺ.\nأخبرنا أبو خليفة حدثنا إبراهيم بن بشار حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان، حتى إذا فُزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ فيقولون: قال الحق وهو السميع العليم.\nفيستمعها مسترق السمع، فربما أدركه الشهاب قبل أن يرمي بها إلى الذي هو أسفل منه وربما لم يدركه الشهاب حتى يرمي بها إلى الذي هو أسفل منه.\nقال: وهم هكذا بعضهم أسفل من بعض -ووصف ذلك سفيان بيده- فيرمي بها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى تصل إلى الأرض، فتلقى إلى فم الكافر والساحر، فيكذب معها مائة كذبة، فيُصَّدق، ويقال: أليس قد قال في يوم كذا وكذا، كذا وكذا فصدق)].\nوهذا من الأحاديث التي ذكرها الشيخ محمد ﵀ في كتاب التوحيد، وفيه أن الملائكة لا يصلحون أن يُعبدوا؛ لأنهم يصعقون ويصيبهم الصعق وهو دليل على ضعفهم، وفيه أن الشياطين تسترق السمع وأنه غير متواتر فيه، وفيه أن الشهب تلاحقهم، وفيه أنها قد تصل إلى الساحر فيكذب معها مائة كذبة فيصدقه الناس بهذا الكذب فينزل على الناس الشر والمرض.","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>وصف أهل السماوات عند نزول الوحي</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر وصف أهل السماوات عند نزول الوحي.\nأخبرنا محمد بن المسيب بن إسحاق حدثنا علي بن الحسين بن إشكاب حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا، فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، فإذا جاءهم فزع عن قلوبهم، فيقولون: يا جبريل! ماذا قال ربك؟ فيقول: الحق.\nفينادون: الحق الحق)].\nفيه إثبات صفة الكلام لله ﷿، وأنه لا يستثنى كلام الله وهو رد على من أنكر.\nوفيه ذكر وصف أهل السماوات عند نزول الوحي وأنه يصيبهم الصعق والغشي، وهذا يدل على أنهم لا يستحقون العبادة إذ تصيبهم الغاشية والموت والنعاس، فلا يستحقون العبادة لضعفهم.","vol":"2","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>وصف نزول الوحي على رسول الله</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر وصف نزول الوحي على رسول الله ﷺ.\nأخبرنا عمر بن سعيد بن سنان أخبرنا أحمد بن أبي بكر عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله! كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ: (أحيانًا يأتيني في مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليّ، فينفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول، قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشاتي الشديد البرد فينفصم عنه وإن جبينه لينفصد عرقًا)].\nوهذا فيه أن الوحي أنواع: النوع الأول: يأتي على هيئة صوت الجرس، وهذا أشده على الرسول فينفصم عنه وقد وعى ما قال، والنوع الثاني: أنه يتمثل ملك له على هيئة رجل فيكلمه في صورة رجل، والنوع الثالث: أنه يلقي في روعه - أي: في قلبه-، ومن الأنواع أن يكلمه الله من وراء حجاب كما كلم موسى ﷺ، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٥١] ومن الأنواع كذلك الرؤيا فإن رؤيا الأنبياء وحي.\nقال في الحاشية: [إسناده صحيح على شرط الشيخين وأخرجه أحمد والبخاري والترمذي].","vol":"2","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>استعجال المصطفى عند نزول الوحي</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر استعجال المصطفى ﷺ في تلقف الوحي عند نزوله عليه.\nأخبرنا محمد بن عبد الله بن الجنيد حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو عوانة عن موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة:١٦] قال: كان النبي ﷺ يعالج من التنزيل شدة، كان يحرك شفتيه، فقال ابن عباس: أنا أحركهما كما كان رسول الله ﷺ يحركهما فأنزل الله: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٦ - ١٧] قال: جمعه في صدرك، ثم تقرأه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٨] قال: فاستمع له وأنصت ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٩] ثم إن علينا أن تقرأه.\nقال: فكان رسول الله ﷺ إذا أتاه جبريل، استمع، فإذا انطلق جبريل، قرأه النبي ﷺ كما كان أقرأه].\nقال في الحاشية: [أخرجه البخاري في التوحيد، ومسلم والنسائي].\nكان النبي ﷺ من حرصه يحرك لسانه إذا قرأ جبريل خشية أن ينساه، فوعده الله تعالى بأن يجمعه في صدره، وأمر بأن يستمع لقراءة جبريل إذا قرأه، والله تعالى وعد بأن يجمعه في صدره ولهذا قال الله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٧] يعني: جمعه في صدرك «فَإِذَا قَرَأْنَاهُ» أي: قرأه جبريل ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٨ - ١٩] وهذا من حفظ الله تعالى وإحسانه أن جمعه للنبي في صدره، فكان ﵊ عندما ينزل عليه يستمع وينصت ولا يحرك لسانه، فإذا انتهى جبريل قرأه.","vol":"2","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>ذكر الخبر المدحض لقول من زعم أن الله لم ينزل آية واحدة إلا بكمالها</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن الله جل وعلا لم ينزل آية واحدة إلا بكمالها.\nأخبرنا النضر بن محمد بن المبارك الهروي حدثنا محمد بن عثمان العجلي حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء قال: لما نزلت ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:٩٥] قال رسول الله ﷺ: (ادع لي زيدًا ويجيء معه باللوح والدواة، أو بالكتف والدواه ثم قال: اكتب: لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدين في سبيل الله، قال: وخلف ظهر النبي ﷺ عبد الله بن أم مكتوم الأعمى قال: يا رسول الله! فما تأمرني فإني رجل ضرير البصر؟ قال البراء: فأنزلت مكانها ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥])].\nفالآية قد ينزل بعضها حيث نزلت آية: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) فقال عبد الله بن أم مكتوم: يا رسول الله! أنا أعمى وأريد أن أجاهد لكني لا أستطيع، أفلا يكون لي أجر؟! فأنزل الله ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] دل على أن الآية قد ينزل بعضها ومن ثم ينزل بعضها الآخر، وفي هذا رد على من قال إن الآية لا تنزل إلا بكمالها.\nوقد جاء في الحديث أن اسم الرجل الأعمى عمرو بن أم مكتوم، وقيل عبد الله.\nوقد روي عن ابن عباس أن القرآن أنزل مرة واحدة إلى السماء الدنيا، فيحتمل أنه أخذه عن بني إسرائيل، ولو صح أنه أنزل مرة واحدة فلا يمنع من أن ينزل منجمًا، فالذي جاء عن ابن عباس أن بيت العزة في السماء الدنيا.\nوالبيت المعمور في السماء السابعة، بيت الكعبة السماوية، وهو حيال الكعبة المشرفة يدخلها كل يوم سبعون ألف ملك للعبادة والطواف ولا يرجعون إلى آخر الدهر.\nقال: [أخبرنا محمد بن عمر بن يوسف بنسا قال: حدثنا نصر بن علي الجهضمي قال: أخبرنا معتمر بن سليمان عن أبيه عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب: أن رسول الله ﷺ قال: (إيتوني بالكتف أو اللوح فكتب: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:٩٥]، وعمرو بن أم مكتوم خلف ظهره فقال: هل لي من رخصة؟ فنزلت: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥])].","vol":"2","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>ما جاء في الخبر المدحض لقول من زعم أن أبا إسحاق لم يسمع خبر نزول جزء من آية من البراء</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن أبا إسحاق السبيعي لم يسمع هذا الخبر من البراء.\nأخبرنا أبو خليفة قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت البراء يقول: (لما نزلت هذه الآية: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:٩٥]، دعا رسول الله ﷺ زيدًا فجاء بكتف فكتبها فيه، فشكا ابن أم مكتوم ضرارته، فنزلت: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥])].\nيعني: أبو إسحاق السبيعي سمعه من البراء؛ لأنه قال: سمعت فصرح بالسماع.","vol":"2","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>ذكر ما كان يأمر النبي بكتابة القرآن عند نزول الآية بعد الآية</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ذكر ما كان يأمر النبي ﷺ بكتبة القرآن عند نزول الآية بعد الآية: أخبرنا أبو خليفة حدثنا عثمان بن الهيثم المؤذن حدثنا عوف بن أبي جميلة عن يزيد الفارسي قال: قال ابن عباس: ﵄ (قلت لـ عثمان بن عفان: ما حملكم على أن قرنتم بين الأنفال وبراءة، وبراءة من المئين والأنفال من المثاني، فقرنتم بينهما؟! فقال عثمان: كان إذا نزلت من القرآن الآية دعا النبي ﷺ بعض من يكتب، فيقول له: ضع في السورة التي يذكر فيها كذا، وأنزلت الأنفال بالمدينة، وبراءة بالمدينة من آخر القرآن، فتوفي رسول الله ﷺ، ولم يخبرنا أين نضعها فوجدت قصتها شبيهة بقصة الأنفال، فقرنت بينهما ولم نكتب بينهما سطر «بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ» فوضعتها في السبع الطوال)].\nوالحق هو ما فعله الصحابة؛ لأن القرآن محفوظ.\nومعلوم أن ترتيب الآيات بالنص، أما ترتيب السورة ففيه خلاف بين العلماء فمنهم من قال بالاجتهاد، ومنهم من قال بالنص، والأقرب أنه بالاجتهاد، وعكس القراءة في السور مكروه والأولى أن يقرأ السور بالترتيب.","vol":"2","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>ذكر البيان بأن الوحي لم ينقطع عن صفي الله إلى أن أخرجه من الدنيا إلى جنته</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن الوحي لم ينقطع عن صفي الله ﷺ إلى أن أخرجه الله تعالى من الدنيا إلى جنته: حدثنا أبو يعلى حدثنا وهب بن بقية أخبرنا خالد عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري قال: أتاه رجل وأنا أسمع فقال: يا أبا بكر! كم انقطع الوحي عن نبي الله ﷺ قبل موته؟ فقال: ما سألني عن هذا أحد منذ وعيتها عن أنس بن مالك، قال أنس بن مالك: لقد قبض من الدنيا، وهو أكثر مما كان].\nترتيب السور مختلف فيه وبعض العلماء يرى أنه توقيف، وخروجًا من الخلاف نرتب في القراءة، فلو قرأ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] في الركعة الأولى، ثم قرأ في الثانية سبح، نقول: ترك هذا أولى سواء في الصلاة، أو في القراءة.","vol":"2","page":12},{"text":"شرح صحيح ابن حبان_<span data-type=\"title\" id=toc-37>كتاب الإسراء</span>\nإن رسول الله أكرم الخلق على الله، ولقد شرفه ربه وأكرمه بالإسراء والمعراج، فقد صلى بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعرج به إلى سدرة المنتهى، وهناك كلمه ربه ﷿ بدون واسطة.","vol":"3","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>ذكر ركوب المصطفى البراق وإتيانه عليه بيت المقدس من مكة في بعض الليل</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [كتاب الإسراء.\nذكر ركوب المصطفى ﷺ البراق، وإتيانه عليه بيت المقدس من مكة في بعض الليل.\nأخبرنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا خلف بن هشام البزار حدثنا حماد بن زيد عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال: أتيت حذيفة ﵁ فقال: من أنت يا أصلع؟ قلت: أنا زر بن حبيش حدثني بصلاة رسول الله ﷺ في بيت المقدس حين أسري به، قال: من أخبرك به يا أصلع؟ قلت: القرآن، قال: القرآن؟ فقرأت: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ مِنْ الليل﴾ [الإسراء:١] وهكذا هي قراءة عبد الله إلى قوله: ﴿إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١]، فقال: هل ترى صلى فيه؟ قلت: لا، قال: (إنه أتي بدابة - قال حماد: وصفها عاصم لا أحفظ صفتها - قال: فحمله عليها جبريل أحدهما رديف صاحبه)].\nوقد جاء في وصفها في الأحاديث: أنها دابة دون البغل وفوق الحمار، بيضاء خطوتها الواحدة مد البصر لكن هنا يقول: نسيت وصفها.\nقال: [(أحدهما رديف صاحبه، فانطلق معه من ليلته حتى أتى بيت المقدس، فأرى ما في السماوات وما في الأرض، ثم رجعا عودهما على بدئهما فلم يصل فيه، ولو صلى لكانت سنة)].\nقال: إسناده حسن، وأخرجه أحمد والترمذي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nجاء في بعض الروايات أنه ربط الدابة بحلقة الباب، وجاء في بعضها أنه صلى بالأنبياء إمامًا، قيل: إنه صلى بهم في بيت المقدس، وقيل إنه صلى بهم في السماء.\nوالصلاة بالأنبياء ثابتة، وفيه بيان فضله ﵊، وقد قدمه جبرائيل.","vol":"3","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>ذكر استصعاب البراق عند إرادة ركوب النبي عليه</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ذكر استصعاب البراق عند إرادة ركوب النبي ﷺ إياه].\nاستصعب يعني: امتنع.\n[أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن العباس السامي حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن قتادة عن أنس بن مالك (أن النبي ﷺ أتي بالبراق ليلة أسري به مسرجًا ملجمًا ليركبه فاستصعب عليه، فقال له جبريل: ما يحملك على هذا، فو الله ما ركبك أحد أكرم على الله منه؟ قال: فارفض عرقًا)].\nفارفض يعني: خرج العرق من البراق.\nقال: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه أحمد والترمذي والبيهقي في دلائل النبوة.\nوهل البراق من دواب الملائكة؟ الله أعلم، وهل الملائكة لهم دواب؟ الملائكة يعرجون وقد أعطاهم الله قدرة على ذلك وهذه دابة، لكن دابة فوق الحمار ودون البغل خطوها مد البصر.","vol":"3","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>ذكر البيان بأن جبريل شد البراق بالصخرة عند إرادة الإسراء</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن جبريل شد البراق بالصخرة عند إرادة الإسراء.\nأخبرنا أبو يعلى حدثنا عبد الرحمن بن المتوكل المقرئ حدثنا يحيى بن واضح حدثنا الزبير بن جنادة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه: قال رسول الله ﷺ: (لما كان ليلة أسري بي انتهيت إلى بيت المقدس، فخرق جبريل الصخرة بإصبعه وشد بها البرا)].\nقال: أخرجه الترمذي في التفسير، والحاكم بهذا الإسناد، وقال الترمذي: حديث حسن غريب، وهو كما قال، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.","vol":"3","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>ذكر وصف الإسراء برسول الله من بيت المقدس</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ذكر وصف الإسراء برسول الله ﷺ من بيت المقدس: أخبرنا الحسن بن سفيان الشيباني حدثنا هدبة بن خالد القيسي حدثنا همام بن يحيى عن قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة ﵃ أن النبي الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به قال: (بينما أنا في الحطيم - وربما قال: في الحجر- إذ أتاني آت فشق ما بين هذه إلى هذه -فقلت: للجارود وهو إلى جنبي: ما يعني به؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته- فاستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب مملوءً إيمانًا وحكمة؛ فغسل قلبي، ثم حشي، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض -فقال له الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ قال أنس: نعم يقع خطوه عند أقصى طرفه- فحملت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت إذا فيها آدم، فقال: هذا أبوك آدم فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما فسلمت فردا ثم قالا: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت إذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلم عليه، فسلمت عليه فرد، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء ففتح، فلما خلصت إذا إدريس، قال: هذا إدريس فسلم عليه، فسلمت عليه فرد، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت إذا هارون، قال: هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء ففتح، فلما خلصت إذا موسى، قال: هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح)].\nالله أكبر! عبر وآيات عظيمة في الإسراء والمعراج، وفوائد وحكم وفيه قدرة الله العظيمة، وأن الله على كل شيء قدير ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، وفيه الرد على استبعاد بعض العقلانيين الذين يقولون: إنه لا يمكن أن تصعد الأجسام البشرية؛ بسبب الثقل.\nقال: [(فلما تجاوزت بكى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلامًا بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي، ثم صعد بي حتى أتى السماء السابعة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت إذا إبراهيم، قال: هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات، ثم رفع لي البيت المعمور -قال قتادة: وحدثنا الحسن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه رأى البيت المعمور، ويدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون فيه)].\nوالحسن لم يسمع من أبي هريرة فهو منقطع، لكن جاء في اللفظ الآخر: (أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك) والبيت المعمور في السماء السابعة، وظاهره هنا أنه فوق سدرة المنتهى، وفي الأحاديث الصحيحة: أنه في السماء السابعة، وأن إبراهيم ﵇ مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، هو الكعبة السماوية، محاذٍ للكعبة الأرضية، ويدخله كل يوم سبعون ألف ملك للصلاة والطواف ثم لا يعودون إليه لكثرة الملائكة، وهو في السماء السابعة وليس فوق سدرة المنتهى، أما هذه الرواية التي فيها أنه فوق سدرة المنتهى، فهي رواية الحسن عن أبي هريرة وهي منقطعة.\nقال: [ثم رجع إلى حديث أنس: (ثم أتيت بإناء من خمر، وإناء من لبن، وإناء من عسل، فأخذت اللبن، فقال: هذه الفطرة أنت عليها وأمتك، ثم فرضت علي الصلاة خمسين صلاة في كل يوم، فرجعت فمررت على موسى، فقال: بم أمرت؟ قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم)].\nوفي رواية أخرى أنه في كل مرة يضع عنه خمسًا، وفي هذه الرواية أنه كان يضع كل مرة عشرًا.\nقال: [(فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت قال: أمرت بخمس صلوات كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم وإني قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال: قلت: سألت ربي حتى استحييت لكني أرضى وأسلم، فلما جاوزت ناداني مناد: أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي)].\nوهذا الحديث ثابت في الصحيحين وفي غيرهما والإسراء ثابت في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١]، ومن أنكر الإسراء كفر، والمعراج ثابت في السنة في الأحاديث الصحيحة الثابتة، وفيه: أن النبي ﷺ رأى في كل سماء ملائكة وسلم عليهم، رأى في السماء الأولى أباه آدم، وفي الثانية يحيى وعيسى ابني الخالة، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم، وكل واحد كان يقول: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، إلا آدم قال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح؛ لأنه أبو البشر، وكذلك إبراهيم قال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح؛ لأنه أباه بالنبوة ﵊، والباقي إخوة.\nوفيه أيضًا دليل على أن السماوات لها حراس، وأن جبريل يستفتح في كل مرة.\nويدل أيضًا على أن السماوات ليست شفافة؛ لأنها لو كانت شفافة لرآهم، لكن قال: (من هذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟) لأنه لم يره، يقول: من هذا؟ يدل على أنها ليست شفافة، وأنه لا يرى من روائها، والظاهر كما قال شيخ الإسلام: أن الأرواح تأخذ شكل الأجساد.\nوفي الرواية الأخرى: أنه مر بموسى وهو قائم يصلي في قبره في الإسراء، ورآه لما عرج به في السماء السادسة، فهذا يدل على أن الأرواح لها شأن، والأرواح سريعة الذهاب؛ لأن من طبيعتها الخفة، فرآه يصلي في قبره، ورآه في السماء السادسة، وكل الأنبياء ماتوا ما عدا عيسى.\nوإبراهيم يلي نبينا في الفضل، ثم موسى وأما عيسى فالله أعلم وهو من أولي العزم، ويوسف كذلك هو من أولي العزم الخمسة.","vol":"3","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>ذكر خبر أوهم عالمًا من الناس أنه مضاد لخبر ابن صعصعة في قصة المعراج</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر أوهم عالمًا من الناس أنه مضاد لخبر مالك بن صعصعة الذي ذكرناه أخبرنا أبو خليفة حدثنا مسدد حدثنا عيسى بن يونس عن سليمان التيمي عن أنس بن مالك ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ: (مررت ليلة أسري بي على موسى ﵇ يصلي في قبره)].\nالروح لها شأن غير الأجسام، وهو ﵊ معلوم أنه مات ودفن، ورآه النبي ﷺ يصلي في قبره ليلة الإسراء، والتقى به في السماء السادسة لكن الأرواح لها شأن فليست كالأجساد، فلها صفات ولها حركة وصعود في طبقات الجو ليست كالأجساد، وهي تأخذ شكل الجسد.\nومعلوم أن العبادة انقطعت عن الجسد عند موته، لكنه شيء خاص الله أعلم به.","vol":"3","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>ذكر الموضع الذي رأى فيه المصطفى موسى يصلي في قبره</span>\nقال: [ذكر الموضع الذي فيه رأى المصطفى ﷺ موسى ﷺ يصلي في قبره: أخبرنا أبو يعلى حدثنا هدبة وشيبان قالا: حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: (مررت بموسى ليلة أسري بي وهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر)].\nهذا فيه تحديد المكان.\nقال: أبو حاتم ﵀: [الله جل وعلا قادر على ما يشاء، ربما يعد الشيء لوقت معلوم، ثم يقضي كون بعض ذلك الشيء قبل مجيء ذلك الوقت، كوعده إحياء الموتى يوم القيامة وجعله محدودًا، ثم قضى كون مثله في بعض الأحوال، مثل من ذكره الله وجعله الله جل وعلا في كتابه حيث يقول: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ [البقرة:٢٥٩]، إلى آخر الآية، وكإحياء الله جل وعلا لعيسى ابن مريم صلوات الله عليه بعض الأموات].\nإذًا: هذا خاص ومستثنى، فهو على أنه قام يصلي بجسمه وروحه، لكن الأقرب والله أعلم: أنها روح أخذت شكل الجسد، كما أنه رآه في المعراج، وأن هذا ليس فيه بعثًا للجسد، يعني: فهم ابن حبان أن هذا بعث للجسد والروح؛ وأن الله وعد البعث يوم القيامة، وهذا وعد خاص، مثلما بعث الرجل الذي مر على قرية، ومثلما بعث الأموات لعيسى، لكن ظاهر الحديث: أن هذا شيء خاص، وأنه رآه قائمًا يصلي في قبره، وأن هذا للروح، وليس بعثًا للجسد.\nقال: [فلما صح وجود كون هذه الحالة في البشر إذا أراد الله جل وعلا قبل يوم القيامة لم ينكر أن الله جل وعلا أحيا موسى في قبره حتى مر عليه المصطفى ﷺ ليلة أسري به، وذاك أن قبر موسى بمدين بين المدينة وبين بيت المقدس].\nلأن النبي ﷺ أسري به من مكة، لكن كأنه مر على المدينة.\nقال: [فرآه ﷺ يدعو في قبره - إذ الصلاة دعاء - فلما دخل ﷺ بيت المقدس وأسري به، أسري بموسى حتى رآه في السماء السادسة].\nرآه يدعو هذا تأويل، وحمل للصلاة على المعنى اللغوي، والصلاة إذا أطلقها الشارع فالمراد بها الصلاة الشرعية، وأما الصلاة فمعناها في اللغة الدعاء، فهو تأويل بغير دليل، وظاهر الحديث أنه رآه يصلي الصلاة المعروفة، لكن الروح أخذت شكل الجسد، أما تأويل ابن حبان بأنه يدعو فهذا خلاف الظاهر.\nقال: [وجرى بينه وبينه من الكلام ما تقدم ذكرنا له، وكذلك رؤيته سائر الأنبياء الذين في خبر مالك بن صعصعة].\nكأنه يرى أنهم بعثوا بأجسامهم، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إنهم بأرواحهم وأن الروح أخذت شكل الجسد إلا عيسى فإنه بروحه وجسده؛ لأنه لم يمت.\nقال: [فأما قوله ﷺ في خبر مالك بن صعصعة (بينما أنا في الحطيم إذ أتاني آت فشق ما بين هذه إلى هذه)، فكان ذلك له فضيلة فضل بها على غيره، وأنه من معجزات النبوة، إذ البشر إذا شق عن موضع القلب منهم ثم استخرج القلب فإنهم يموتون].\nوهذا صحيح، وهو من علامات ومن دلائل نبوته، وهو دليل على أن الله على كل شيء قدير، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، وهو الذي خلق الإنسان وأوجده، فهو قادر على أن يحييه، وأن يكون شق صدره وإخراج قلبه لا يؤثر عليه.\nقال: [وقوله: (ثم حشي) يريد: أن الله جل وعلا حشا قلبه اليقين والمعرفة الذي كان استقراره في طست الذهب فنقل إلى قلبه، ثم أتي بدابة يقال لها: البراق فحمل عليه من الحطيم أو الحجر وهما جميعًا في المسجد الحرام، فانطلق به جبريل حتى أتى به على قبر موسى على حسب ما وصفناه].\nالحجر والحطيم يسمى حجر؛ لأنه متحجر، ويسمى: حطيم؛ لأنه حطم من الكعبة وأخرج منها.\nقال: [فانطلق ثم دخل مسجد بيت المقدس فخرق جبريل الصخرة بأصبعه، وشد بها البراق، ثم صعد به إلى السماء].\nأما ما يقال من أن إسماعيل هو من حطم الحطيم فلا نعرف لهذا أصلًا؛ لأن إبراهيم وإسماعيل لما بنيا الكعبة لم يكن فيها حجر، وكان بناء الكعبة كاملًا، لكن قريشًا لما أرادت بناء الكعبة كاملًا، من جديد، وجمعوا أموالًا لبنائها، وقالوا: لا نريد أن نجمع إلا مالًا حلالًا، لم يجدوا مالًا حلالًا يكفي، فالمال الحرام كان موجودًا، لكنهم عجزوا أن يجدوا مالًا حلالًا يكفيهم لبناء الكعبة كاملة، فأخذوا الحطيم، وحطموا من الكعبة الحجر؛ لأن ما عندهم من مال لا يفي بالبناء؛ لذا أخرجوا الحجر وحطموه من الكعبة، فكيف ينسب إلى إسماعيل؟ وهم إنما بنوها في عهد النبي ﷺ، وكان عمر النبي ﷺ حينها خمسة وثلاثون عامًا، وأما حين بنى البيت إبراهيم وإسماعيل فلم يكن هناك حجر في ذلك الوقت.\nومن صلى في الحجر فكأنما صلى في الكعبة، والمعروف عند العلماء أن الفريضة لا تصح داخل الكعبة؛ لأنه لم يستقبل جميع جهاتها، وكذلك فوق الكعبة لا تصح الفريضة، وإنما تصح النافلة عندهم، ولو قيل بالجواز لكان له وجه، لكن الجمهور يقولون: لا تصح لأنه لم يستقبل الكعبة، وإنما يستقبل هواء الكعبة؛ لأن هناك ستة أذرع ونصف تقريبًا كلها من الحجر، والحجر تابع للكعبة.\nوإذا صلى النافلة يكون مستقبلًا هواء الكعبة، وإن لم يكن جدار؛ لأن الجدار زائد عن حد الكعبة على قواعد إبراهيم؛ ولهذا لما هدمت قريش الكعبة وأرادوا بناءها، ووصلوا إلى حجارة خضر فيها القواعد، ويقال: أنهم لما حركوا بعض القواعد زلزلت مكة فتركوا الأساس، وكان الحجر داخل الكعبة على ما هي عليه، والكعبة لها أركان أربعة؛ ولهذا لما هدمها ابن الزبير وأدخل الحجر صار ابن الزبير يستلم الأركان الأربعة كلها؛ لأنها صارت على قواعد إبراهيم، وكان النبي ﷺ لا يستلم إلا الركنان اليمانيان لأنهما على قواعد إبراهيم، أما ركن الشام والعراق فليسا على قواعد إبراهيم؛ فلهذا لم يستلمهما.","vol":"3","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>ذكر شد البراق بالصخرة في خبر بريدة ورؤيته موسى يصلي في قبره</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر شد البراق بالصخرة في خبر بريدة ورؤيته موسى ﷺ يصلي في قبره ليسا جميعًا في خبر مالك بن صعصعة: (فلما صعد به إلى السماء الدنيا استفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ، قيل: وقد أرسل إليه) ليسرى به إلى السماء لا أنهم لم يعلموا برسالته إلى ذلك الوقت؛ لأن الإسراء كان بعد نزول الوحي بسبع سنين، فلما فتح له فرأى آدم على حسب ما وصفناه قبل، وكذلك رؤيته في السماء الثانية يحيى بن زكريا وعيسى بن مريم، وفي السماء الثالثة يوسف بن يعقوب، وفي السماء الرابعة إدريس، ثم في السماء الخامسة هارون، ثم في السماء السادسة موسى].\nقوله: بعد نزول الوحي بسبع سنين، هذا زمن وقوع الإسراء على أحد الأقوال، وقيل: قبل الهجرة بسنة، فليس متفقًا عليه، وقد يكون له وجه، وقد تأول المؤلف (قد أرسل إليه) أي: ليسرى به، وليس المراد أنهم لم يعلموا رسالته.\nيقول المؤلف: أن المراد وقد أرسل إليه لأجل أن يسرى به.\nقال: [ثم في السماء السابعة إبراهيم؛ إذ جائز أن الله جل وعلا أحياهم؛ لأن يراهم المصطفى ﷺ في تلك الليلة؛ فيكون ذلك آية معجزة يستدل بها على نبوته على حسب ما أصلناه قبل].\nهذا ما ذهب إليه المؤلف أن الله أحياهم، يعني: بأرواحهم وأجسادهم، لكن شيخ الإسلام ﵀ قرر في مجموعة الفتاوي: أن النبي ﷺ رآهم بأرواحهم، وأن الروح أخذت شكل الجسد.\nقال: [ثم رفع إلى سدرة المنتهى فرآه على الحالة التي وصف، ثم فرض عليه خمسون صلاة، وهذا أمر ابتلاء أراد الله جل وعلا ابتلاء صفيه محمد ﷺ حيث فرض عليه خمسين صلاة، إذ كان في علم الله السابق أنه لا يفرض على أمته إلا خمس صلوات فقط، فأمره بخمسين صلاة أمر ابتلاء، وهذا كما نقول: إن الله جل وعلا قد يأمر بالأمر يريد أن يأتي المأمور به إلى أمره من غير أن يريد وجود كونه، كما أمر الله جل وعلا خليله إبراهيم بذبج ابنه، أمره بهذا الأمر أراد به الانتهاء إلى أمره دون وجود كونه].\nوفيه جواز النسخ قبل التمكن من الفعل، فالله تعالى أمر بخمسين صلاة ثم نسخها قبل أن يتمكن العباد منها.\nقال: [﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣]، فداه بالذبح العظيم، إذ لو أراد الله جل وعلا كون ما أمر لوجد ابنه مذبوحًا، فكذلك فرض الصلاة خمسين أراد بها الانتهاء إلى أمره دون وجود كونه، فلما رجع إلى موسى وأخبره أنه أمر بخمسين صلاة كل يوم، ألهم الله موسى أن يسأل محمدًا صلى الله عليهما بسؤال ربه التخفيف لأمته، فجعل جل وعلا قول موسى ﵇ له سببًا لبيان الوجود لصحة ما قلنا].\nوهو فضل من الله وإلى الله، هو الذي ألهم موسى، وهو الذي أيضًا حرك قلب نبيه ﷺ لقبول قوله.\nقال: [إن الفرض من الله على عباده أراد إتيانه خمسًا لا خمسين، فرجع إلى الله جل وعلا فسأله فوضع عنه عشرًا، وهذا أيضًا أمر ابتلاء أريد به الانتهاء إليه دون وجود كونه، ثم جعل موسى ﵇ إياه سببًا لنفاذ قضاء الله جل وعلا في سابق علمه، أن الصلاة تفرض على هذه الأمة خمسًا لا خمسين حتى رجع في التخفيف إلى خمس صلوات، ثم ألهم الله جل وعلا صفيه ﷺ حينئذ حتى قال لموسى: (قد سألت ربي حتى استحييت لكني أرضى وأسلم، فلما جاوز ناداه مناد: أمضيت فريضتي -أراد بها الخمس صلوات- وخففت عن عبادي) يريد: عن عبادي من أمر الابتلاء الذي أمرتهم به من خمسين صلاة التي ذكرناها.\nوجملة هذه الأشياء في الإسراء رآها ﷺ بجسمه عيانًا دون أن يكون ذلك رؤيا أو تصويرًا صور له].\nيعني: أنه شاهده بعينه، وليست رؤيا في النوم، ولا تمثيل أو تصوير، بل رآها بعينه حقيقة، وقد أسري بروحه وجسده، قال الله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١]، والعبد يشمل الروح والجسد، خلافًا لمن قال: إن الإسراء كان بروحه فقط، وهو ما روي عن أبي إسحاق وعائشة، وفيه رد على من قال إن الإسراء كان منامًا أو مرارًا، والصواب أنه مرة واحدة بروحه وجسده، يقظة لا منامًا.\nقال: [إذ لو كان ليلة الإسراء وما رأى فيها نومًا دون اليقظة لاستحال ذلك؛ لأن البشر قد يرون في المنام السماوات والملائكة والأنبياء والجنة والنار وما أشبه هذه الأشياء].\nولا يستغرب، ولو كان الإسراء منامًا لما كذبته قريش؛ لأنهم لا يكذبون بالرؤيا.\nقال: [فلو كان رؤية المصطفى ﷺ ما وصف في ليلة الإسراء في النوم دون اليقظة لكانت هذه حالة يستوي فيها معه البشر، إذ هم يرون في مناماتهم مثلها، واستحال فضله، ولم تكن تلك حالة معجزة يفضل بها على غيره].\nضد قول من أبطل هذه الأخبار، وأنكر قدرة الله جل وعلا، وإمضاء حكمه لما يحب كما يحب جل ربنا وتعالى عن مثل هذا وأشباهه].\nقصده من هذا الرد على من قال: إن الإسراء كان منامًا.","vol":"3","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>ذكر وصف المصطفى موسى وعيسى وإبراهيم حيث رآهم ليلة أسري به</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر وصف المصطفى ﷺ موسى وعيسى وإبراهيم صلوات الله عليهم حيث رآهم ليلة أسري به أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي حدثنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (ليلة أسري بي لقيت موسى رجل الرأس، كأنه من رجال شنوءة، ولقيت عيسى فإذا رجل أحمر كأنه خرج من ديماس - يعني من حمام - ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به، فأتيت بإناءين: أحدهما خمر والآخر لبن، فقيل لي: خذ أيهما شئت، فأخذت اللبن فقيل لي: هديت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك)].\nوهذه الهيئة التي رآهم النبي ﷺ عليها هي هيئة أرواحهم قد أخذت شكل الأجساد فقد رأى موسى على هيئة رجل طوال كأنه من رجال شنوءة، يعني: من بلاد غامد، ورأى إبراهيم وقال: فأنا أشبهكم به ﵊، وأما عيسى فإنه رآه لأنه رفع بروحه وجسده ﵊، ولم يتوفاه الله بعد وسينزل في آخر الزمان ويحكم بشريعة نبينا محمد ﷺ ثم يتوفاه الله، الموتة التي كتبها الله عليه، وأما موسى وإبراهيم فإنه رأى أرواحهما؛ لأنهما ماتا ودفنا عليهما الصلاة والسلام، والروح تأخذ شكل الجسد.\nكما صرح بذلك أبو العباس ابن تيمية ﵀ وغيره.","vol":"3","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>ذكر البيان بأن قوله: (فقيل: هديت الفطرة) أراد به أن جبريل قال له ذلك</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن قوله ﷺ: (فقيل هديت الفطرة) أراد به: أن جبريل قال له ذلك: أخبرنا محمد بن عبيد الله بن الفضل الكلاعي بحمص حدثنا كثير بن عبيد المذحجي حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري عن سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة يقول: (أتي رسول الله ﷺ ليلة أسري به بقدحين من خمر ولبن فنظر إليهما، ثم أخذ اللبن فقال له جبريل ﵇: هديت الفطرة، ولو أخذت الخمر غوت أمتك)].\nقال: إسناده صحيح.\nأخرجه البخاري في باب الأشربة، باب قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة:٩٠] والبيهقي في السنن عن أبي اليمان عن شعيب بن أبي حمزة، والنسائي في الأشربة باب منزلة الخمر، والبيهقي في دلائل النبوة].\nوفيه أن اللبن دليل على الفطرة، والفطرة الإسلام، وفيه دليل على أن الإسلام دين الفطرة، ومن ولد على الفطرة وترك ونفسه من غير مؤثرات خارجية إلى الخير ولا إلى الشر فإنه يميل إلى الخير؛ ولهذا فإن النبي ﷺ أخذ اللبن، فقيل له: (هديت إلى الفطرة).","vol":"3","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>ذكر وصف الخطباء الذين يتكلون على القول دون العمل حيث رآهم ليلة أسري به</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ذكر وصف الخطباء الذين يتكلون على القول دون العمل حيث رآهم ﷺ ليلة أسري به.\nأخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا محمد بن المنهال الضرير حدثنا يزيد بن زريع حدثنا هشام الدستوائي حدثنا المغيرة ختن مالك بن دينار عن مالك بن دينار عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: (رأيت ليلة أسري بي رجالًا تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: الخطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون).\nقال الشيخ: روى هذا الخبر أبو عتاب الدلال عن هشام عن المغيرة عن مالك بن دينار عن ثمامة عن أنس ووهم فيه؛ لأن يزيد بن زريع أتقن من مائتين من مثل أبي عتاب وذويه].\nوهذا فيه الوعيد الشديد على من كان يقول الخير ويأمر به ولا يفعله، وقوله: (تقرض شفاههم بمقاريض من نار) هذا وعيد شديد يدل على أن هذا من الكبائر، والله تعالى نهى من يقول ولا يفعل قال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤]، أنكر على اليهود كونهم يأمرون الناس بالخير وينسون أنفسهم، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣].\nوقال سبحانه عن نبيه شعيب: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود:٨٨]، وجاء في الحديث: (أنه يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه، فيدور كما يدور الحمار في الرحى، فيجتمع عليه أهل النار، فيقولون له: ما لك يا فلان؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟! فيقول: بلى كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وكنت أنهاكم عن المنكر وآتيه)، وهذا يدل على الوعيد الشديد، وأن من يأمر بالخير وينسى نفسه ويخالف قوله فعله فإن عليه هذا الوعيد الشديد، وقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب.","vol":"3","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>ذكر وصف المصطفى قصر عمر في الجنة</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ذكر وصف المصطفى ﷺ قصر عمر بن الخطاب ﵁ في الجنة حيث رآه ليلة أسري به: أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا أبو نصر التمار حدثنا حماد بن سلمة عن أبي عمران الجوني عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لفتى من قريش؛ فظننت أنه لي، قلت: من هو؟ قيل: عمر بن الخطاب يا أبا حفص! لولا ما أعلم من غيرتك لدخلته، فقال: يا رسول الله! من كنت أغار عليه، فإني لم أكن أغار عليك)].\nوفي لفظ: أن عمر ﵁ بكى، والحديث أخرجه البخاري، وإسناده صحيح على شرط مسلم.\nوأبو نصر التمار هو عبد الملك بن عبد العزيز وأخرجه الطحاوي في مشكل الآثار بهذا الإسناد، وأخرجه أحمد في المسند، وأخرجه ابن أبي شيبة.\nوأخرجه البخاري في فضائل الصحابة: باب مناقب عمر بن الخطاب.\nوالحديث فيه فضل عمر ﵁، وهو منقبة له، وفي لفظ: أنه بكى عمر ﵁، وقال: أعليك أغار؟ بأبي أنت وأمي أعليك أغار؟! وفيه إثبات الجنة وأنها موجودة، وفيه الرد على المعتزلة القائلين بأن الجنة والنار معدومتان الآن، وإنما تخلقان يوم القيامة؛ لأن وجودهما الآن ولا جزاء عبث، والعبث محال على الله، وهذا من ضلالهم وجهلهم، والله تعالى قال عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقال عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤]، والمؤمن يفتح له باب إلى الجنة وهو في قبره يأتيه من روحها وطيبها، والكافر يفتح له باب إلى النار يأتيه من حرها وسمومها، وأرواح المؤمنين تنعم في الجنة.","vol":"3","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>ذكر البيان بأن الله أرى بيت المقدس لنبيه لينظر إليه ويصفه لقريش</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن الله جل وعلا أرى بيت المقدس صفيه ﷺ لينظر إليه ويصفه لقريش لما كذبته بالإسراء: أخبرنا ابن قتيبة حدثنا حرملة بن يحيى حدثنا ابن وهب أنبأنا يونس عن ابن شهاب حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: سمعت جابر بن عبد الله ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لما كذبتني قريش قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر)].\nوهذا أيضًا رواه البخاري في الصحيح، وهو من تأييد الله تعالى لنبيه ﵊، فقد كشف الله له المسجد مع بعد المسافة، فجعل يصف بيت المقدس وقريش يسألونه، تأييدًا من الله تعالى لنبيه ﵊.","vol":"3","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>ذكر البيان بأن الإسراء كان برؤية عين لا برؤية منام</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن الإسراء كان ذلك برؤية عين لا رؤية نوم.\nأخبرنا محمد بن المنذر بن سعيد أنبأنا علي بن حرب الطائي أنبأنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: (﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء:٦٠]، قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به)].\nلا شك أن الإسراء كان بروحه وجسده ﵊، وأنه يقظة لا منامًا، هذا هو الصواب الذي تدل عليه النصوص، والذي عليه المحققون: أن الإسراء والمعراج في ليلة واحدة لا في ليلتين، وأن الإسراء بروحه وجسده، وأن الإسراء يقظة لا منامًا.\nقال بعض العلماء: إن الإسراء كان منامًا، وقال آخرون: إن الإسراء كان بروحه دون جسده، وقال آخرون: إن الإسراء كان مرارًا، وقيل: الإسراء في ليلة، والمعراج في ليلة.\nوكل هذه أقوال ضعيفة، والصواب: أن الإسراء والمعراج في ليلة واحدة، أسري به ﵊ من مكة إلى بيت المقدس على البراق مع جبرائيل، وربط البراق بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، وصلى بالأنبياء إمامًا، ثم أتي بالمعراج وهو كهيئة الدرج، وعرج بالنبي ﷺ إلى السماء حتى جاوز السبع الطباق في ليلة واحدة بروحه وجسده يقظة لا منامًا، هذا هو الصواب الذي تدل عليه النصوص قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء:١]، فالعبد يشمل مجموع الروح والجسد.","vol":"3","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>ذكر الإخبار عن رؤية المصطفى ربه</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ذكر الإخبار عن رؤية المصطفى ﷺ ربه جل وعلا.\nأخبرنا أحمد بن عمرو المعدل بواسط حدثنا أحمد بن سنان القطان حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن ابن عباس قال: قد رأى محمد ﷺ ربه، قال أبو حاتم: معنى قول ابن عباس ﵄: قد رأى محمد ﷺ ربه، أراد به بقلبه في الموضع الذي لم يصعده أحد من البشر ارتفاعًا في الشرف].\nوهذا هو الصواب الذي قاله المؤلف ابن حبان: أن النبي رأى ربه بقلبه، ولم يره بعين رأسه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١]، وما كان لبشر عام؛ ولقول النبي ﷺ لما سئل: (هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه) وفي لفظ: (رأيت نورًا).\nوفي حديث أبي موسى الأشعري عند مسلم أيضًا: (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور - وفي لفظ: النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، فالنبي ﷺ داخل في الخلق، فلا يستطيع أن يرى الله في الدنيا وإنما رؤيته كانت بالقلب.\nوما جاء من الآثار: (أن النبي ﷺ رأى ربه)، فهو محمول على رؤية القلب، وما جاء في الآثار: (أنه لم ير ربه) محمول على رؤية البصر، وبهذا تجتمع الأخبار، كما حقق ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره من المحققين.","vol":"3","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>ذكر الخبر الدال على رؤية النبي ربه بعين قلبه</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على صحة ما ذكرناه: أخبرنا أبو يعلى حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري حدثنا معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: قلت لـ أبي ذر: (لو رأيت رسول الله ﷺ لسألته عن كل شيء فقال: عن أي شيء كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله هل رأيت ربك؟ فقال: سألته فقال: رأيت نورًا)].\nقال أبو حاتم: معناه: أنه لم ير ربه، ولكن رأى نورًا علويًا من الأنوار المخلوقة].\nوهذا صحيح، وهذا رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر: (هل رأيت ربك؟ قال: رأيت نورًا).","vol":"3","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>ذكر خبر أوهم من لم يحكم صناعة العلم أنه مضاد للقول برؤية النبي ربه بعين قلبه</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ذكر خبر أوهم من لم يحكم صناعة العلم أنه مضاد للخبر الذي ذكرناه: قال أخبرنا محمد بن صالح بن ذريح بعكبرا].\nعكبرا مدينة، ومنها: أبو حفص العكبري.\n[حدثنا مسروق بن المرزبان حدثنا ابن أبي زائدة حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١]، قال: (قد رأى رسول الله ﷺ جبريل في حلة من ياقوت قد ملأ ما بين السماء والأرض)].\nنعم هذه رؤية جبريل.\n[قال أبو حاتم: قد أمر الله تعالى جبريل ليلة الإسراء: أن يعلم محمدًا ﷺ ما يجب أن يعلمه كما قال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى﴾ [النجم:٥ - ٧]، يريد به جبريل ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم:٨]، يريد به جبريل ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٩]، يريد به جبريل].\n(فكان) يعني: جبريل ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ [النجم:٩]، يعني: من النبي ﷺ.\nقال: [﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠]، جبريل ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١]، يريد به ربه بقلبه في ذلك الموضع الشريف، ورأى جبريل في حلة من ياقوت قد ملأ ما بين السماء والأرض على ما في خبر ابن مسعود الذي ذكرناه.","vol":"3","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>ذكر تعداد عائشة قول ابن عباس في رؤية النبي لربه من أعظم الفرية</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ذكر تعداد عائشة قول ابن عباس الذي ذكرناه من أعظم الفرية.\nأخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد بن مخلد حدثنا أبو الربيع حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن عبد ربه بن سعيد أن داود بن أبي هند عن عامر الشعبي عن مسروق بن الأجدع أنه سمع عائشة تقول: إن أعظم الفرية على الله من قال: إن محمدًا ﷺ رأى ربه، وإن محمدًا ﷺ كتم شيئًا من الوحي، وإن محمدًا ﷺ يعلم ما في غد، قيل: يا أم المؤمنين وما رآه؟ قالت: لا، إنما ذلك جبريل رآه مرتين في صورته: مرة ملأ الأفق، ومرة ساد أفق السماء].\nهذا هو الصواب، رأى جبريل مرتين: مرة في الأرض، ومرة في السماء، مرة في الوحي في الأرض عند البعثة، ومرة في السماء ليلة المعراج.\nقال أبو حاتم: [قد يتوهم من لم يحكم صناعة الحديث أن هذين الخبرين متضادان وليسا كذلك، إذ الله جل وعلا فضل رسوله ﷺ على غيره من الأنبياء حتى كان جبريل من ربه أدنى من قاب قوسين، ومحمد ﷺ يعلمه جبريل حينئذ].\nكان جبريل من ربه ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ [النجم:٩]، والآية في سورة النجم ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٨ - ٩]، (ثم دنا) جبريل (فتدلى) يعني: من النبي ﷺ، حتى كان جبريل من النبي ﷺ قاب قوسين أو أدنى، وفي حديث الإسراء كذلك أنه دنا جبريل، وهذا هو الذي عليه أكثر الأحاديث، وما جاء في الحديث الآخر الذي رواه شريك بن أبي نمر: فدنا الله تعالى من نبيه فكان قاب قوسين أو أدنى، قيل: إن هذا من أوهام شريك، ولكن ذكر ابن القيم ﵀: أن الدنو والتدلي في حديث الإسراء غير الدنو والتدلي في سورة النجم، فالدنو والتدلي الذي في سورة النجم دنو جبريل وتدليه، والدنو الذي في حديث الإسراء دنو الرب وتدليه ومر معنا هذا في البخاري وشرحناه في كتاب التوحيد، وذكر العلماء: أن هذا من أوهام شريك، وينظر إذا كان شريك تابعه أحد أم لا؟ فإن لم يتابعه أحد فيكون من أوهامه وأغلاطه، وإن تابعه أحد فيكون هذا يؤيد ما قاله ابن القيم ﵀.\nوجبريل رآه النبي بصورته الحقيقة التي خلق عليها في السماء مرة وفي الأرض عند البعثة.\n(حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) وجبريل من خلقه وبينه وبينه حجب عظيمة، فقد احتجب الله من جبريل وغيره، جاء في بعض الآثار التي فيها ضعف ذكر حجب كثيرة، وجاء في بعضها وفيها ضعف: أن جبريل سئل: هل رأيت ربك؟ قال: إن بيني وبينه سبعين حجابًا أو نحوه.\nفالله لا يره أحد في الدنيا، ولما سأله موسى الرؤية قال: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣]، إذا كان الجبل اندك ولم يثبت بتجلي الله، فالمخلوق من باب أولى، لأن المخلوق أضعف.\nوكان جبريل يستفتح أبواب السماء وهو معه في الإسراء والمعراج.\nقال: [فرآه ﷺ بقلبه كما شاء].\nوقوله: إن جبريل قد دنى من ربه قدر قاب قوسين يحتاج إلى دليل.\nقال: [وخبر عائشة وتأويلها أنه لا يدركه: تريد به في النوم ولا في اليقظة، وقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]].\nوهذا ليس بصحيح فرؤية الله في المنام ليس هناك مانع منها وشيخ الإسلام ﵀ قرر بأن جميع الطوائف قالت برؤية الله في المنام إلا الجهمية، ولكن لا يلزم من ذلك كشف الحجب، ويقول: إن الإنسان يرى ربه على حسب اعتقاده، فإن كان اعتقاده صحيحًا رأى ربه في صورة حسنة، وإلا رآه على حسب اعتقاده، ولما كان النبي ﷺ أصح الناس اعتقادًا قال: (رأيت ربي في أحسن صورة)، وهو حديث اختصام الملأ الأعلى.\nقال: [وقوله: لا تدركه].\nوابن حبان ﵀ له ملحوظات في العقيدة تخالف معتقد أهل السنة والجماعة، سيأتي الكلام عليها.\nقال: [قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فإنما معناه: لا تدركه الأبصار يرى في القيامة، ولا تدركه الأبصار إذا رأته؛ لأن الإدراك هو الإحاطة، والرؤية هي النظر].\nوالإحاطة قدر زائد على الرؤية، فالله يرى ولا يحاط به رؤيا، كما أنه يعلم ولا يحاط به علمًا؛ لكمال عظمته، وكونه أكبر من كل شيء، وإذا كانت بعض المخلوقات يراها الإنسان ولا يحيط بها رؤيا، فأنت ترى السماء كلها من جميع الجهات، أو ترى جزءًا منها؟ وهي مخلوقة، والإنسان في المدينة يرى المدينة ولا يحيط بها رؤيا، ويرى الجبل ولا يحيط به رؤيا فالله أعلى وأجل وأعظم.\nقال: [والله يرى ولا يدرك كنهه؛ لأن الإدراك يقع على المخلوقين، والنظر يكون من العبد ربه، وخبر عائشة أنه لا تدركه الأبصار، قيل: معناه لا تدركه الأبصار في الدنيا وفي الآخرة إلا من يتفضل عليه من عباده].\nهذا قوله: (إلا من يتفضل عليه من عباده) الله تعالى يراه المؤمنون في الآخرة، وهذا ليس فيه أشكال.\nقال: [بأن يجعل أهلًا لذلك، واسم الدنيا قد يقع على الأرضين والسماوات وما بينهما؛ لأن هذه الأشياء بدايات خلقها الله جل وعلا لتكتسب فيها الطاعات للآخرة التي بعد هذه البداية، فالنبي ﷺ رأى ربه في الموضع الذي لا يطلق عليه اسم الدنيا؛ لأنه كان منه أدنى من قاب قوسين، حتى يكون خبر عائشة أنه لم يره ﷺ في الدنيا من غير أن يكون بين الخبرين تضاد أو تهاتر].\nيعني: ظاهره: أن ابن حبان يثبت الرؤية، وأنه قاب قوسين يعني: من الرب؛ وهذا هو الذي جاء في حديث شريك وقال العلماء: إنه وهم من شريك، قوله: قاب قوسين: أن هذا الرب، وإنما هذا جبريل، وفي كلام ابن حبان إيهام.","vol":"3","page":18},{"text":"شرح صحيح ابن حبان_<span data-type=\"title\" id=toc-55>كتاب العلم [١]</span>\nإن من أجل القربات وأعظم الطاعات طلب العلم وتعلمه وتعليمه للناس، وهذا إذا ابتغى به صاحبه وجه الله والدار الآخرة، وترك الجدال والمراء بالباطل، وخشي الله واتقاه وعمل بالعلم الذي تعلمه.","vol":"4","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>فضل العلم وإثبات النصرة لأصحاب الحديث</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب العلم.\nذكر إثبات النصرة لأصحاب الحديث إلى قيام الساعة.\nأخبرنا عمر بن محمد الهمداني].\nالهمداني نسبة إلى قبيلة همدان، أما بالذال: همذان فهو نسبة إلى بلدة الشرق همذان.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم خذلان من خذلهم حتى تقوم الساعة)].\nوهذا رواه مسلم في صحيحه: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله).\nقوله في الترجمة: [ذكر إثبات النصرة لأصحاب الحديث إلى قيام الساعة]، قيل للإمام أحمد: من هم الطائفة المنصورة؟ قال: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم، وقوله: (لا تزال طائفة من أمتي)، المعنى: أن الطائفة المنصورة هم المستقيمون على طاعة الله، المؤدون لفرائض الله، وفي مقدمتهم العلماء والمحدثون، وقد يكونوا مجتمعين وقد يكونوا متفرقين، منهم المزارع والنجار.\nوالصحابة في المقدمة، والتابعون والمحدثون والعلماء ثم أشباههم كلهم داخل في عموم هذا الطائفة المنصورة.\nوالفرقة الناجية والطائفة المنصورة واحدة.\nوالحديث أخرجه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي.","vol":"4","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>ذكر الإخبار عن سماع المسلمين السنن خلفًا عن سلف</span>\nقال المصنف ﵀: [ذكر الإخبار عن سماع المسلمين السنن خلفًا عن سلف أخبرنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا عبد الله بن جعفر البرمكي قال: حدثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن يسمع منكم) عبد الله بن عبد الله الرازي ثقة كوفي].\nهذا الحديث إسناده صحيح، أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي وأحمد.\nوفيه الحث على سماع السنن، وأنه ينبغي للعلماء أن يحدثوا، وأن يسمع منهم من بعدهم، ومن بعدهم يسمعوه إلى من بعدهم.","vol":"4","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>ذكر الإخبار عما يستحب للمرء كثرة سماع العلم ثم الاقتفاء والتسليم</span>\nقال ﵀: [ذكر الإخبار عما يستحب للمرء كثرة سماع العلم ثم الاقتفاء والتسليم: أخبرنا أبو يعلى قال: حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا أبو عامر العقدي قال: حدثنا سليمان بن بلال عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الملك بن سعيد بن سويد عن أبي حميد وأبي أسيد ﵃ أن النبي ﷺ قال: (إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم قريب، فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم، وتنفر عنه أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم بعيد، فأنا أبعدكم منه)].\nلعله: (وتُرون) يعني: تظنون، أما (تَرون) بالفتح تعلمون.\nقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه أحمد والبزار، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح.\nهذا الحديث يحتاج إلى تأمل في صحة هذا المعنى؛ لأن فيه فتح باب أن الإنسان يقول: هذا الحديث مناسب، لكن لو صح فهو محمول على أهل العلم والفقه.","vol":"4","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>ما جاء في الزجر عن كتبة المرء السنن مخافة أن يتكل عليها دون الحفظ لها</span>\nقال رحمه الله تعالى: [باب الزجر عن كتبة المرء السنن مخافة أن يتكل عليها دون الحفظ لها: أخبرنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا كثير بن يحيى صاحب البصري قال: حدثنا همام عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي لله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تكتبوا عني إلا القرآن؛ فمن كتب عني شيئًا فليمحه).\nقال أبو حاتم ﵁: زجره ﷺ عن الكتبة عنه سوى القرآن أراد به الحث على حفظ السنن دون الاتكال على كتبتها وترك حفظها والتفقه فيها، والدليل على صحة هذا إباحته ﷺ لـ أبي شاه كتب الخطبة التي سمعها من رسول الله ﷺ، وإذنه ﷺ لـ عبد الله بن عمرو بالكتبة].\nهذا ما ذهب إليه المصنف ﵀، ولكن جاء ما يدل على أن النهي إنما كان لأجل ألا يختلط بالقرآن غيره، فلما استقر الأمر وزال الإشكال أمر النبي ﷺ بالكتابة، وأذن ﷺ بالكتابة؛ فلهذا قال: (اكتبوا لـ أبي شاه)، كان عبد الله بن عمرو يكتب، قال أبو هريرة: إني من أكثر الناس حديثًا إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه يكتب ولا أكتب، المقصود أن النهي عن الكتابة لئلا يختلط بالقرآن غيره، لا لأجل أن يتكلوا على الكتابة، والمعنى الذي ذكره ابن حبان ﵀ فيه نظر، بل جاء ما يدل على أن النهي إنما هو لئلا يختلط بالقرآن في أول الأمر، ثم رخص بعد ذلك.\nوهذا الحديث إسناده قوي، وأخرجه أحمد ومسلم والدارمي والنسائي في فضل القرآن.\nوورد النهي في حديث النسائي أنه خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره، والنهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد، والإذن في تفريقهما، أو النهي متقدم والأذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس وهو أقربها مع أنه لا ينافيها، وقيل: النهي خاص بمن خشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن أمن منه ذلك، ومنهم من أعل حديث أبي سعيد، وقال الصواب: وقفه على أبي سعيد.\nالأقرب أنه خشية الالتباس بالقرآن كما سبق.\nقال رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحسين بن أحمد بن بسطام بالأبلة حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد حدثنا سفيان عن فطر عن أبي الطفيل عن أبي ذر ﵁ قال: (تركنا رسول الله ﷺ وما طائر يطير بجناحيه إلا عندنا منه علم).\nقال أبو حاتم: معنى (عندنا منه) يعني: بأوامره ونواهيه وأخباره وأفعاله وإباحاته ﷺ.","vol":"4","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>ذكر دعاء المصطفى لمن أدى من أمته حديثًا سمعه</span>\nقال المؤلف ﵀: [ذكر دعاء المصطفى ﷺ لمن أدى من أمته حديثًا سمعه: أخبرنا محمد بن عمر بن يوسف قال: حدثنا نصر بن علي الجهضمي قال: حدثنا عبد الله بن داود عن علي بن صالح عن سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: (نضر الله امرأً سمع منا حديثًا فبلغه كما سمعه؛ فرب مبلغ أوعى من سامع)].\nيعني: دعا له بالنضارة، وأن يجعل الله وجهه نضرًا (فرب مُبلغ) الذي يبلغه الحديث (أوعى له من سامع)، وفي اللفظ الآخر: (ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه)، فقد يكون الذي بلغ ليس بفقيه، والذي يبلغه فقيه يستنبط منه أحكامه وفوائده.\nوالحديث إسناده حسن من أجل سماك بن حرب، قال الحافظ في التقريب: صدوق، وقد تغير بآخره، فكان ربما تلقن، فمثله لا يرقى حديثه إلى الصحة، وأخرجه أبو نعيم وأحمد والترمذي وابن ماجة.","vol":"4","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>ذكر رحمة الله من بلغ أمة المصطفى حديثًا صحيحًا عنه</span>\nقال المؤلف ﵀: [ذكر رحمة الله جل وعلا من بلغ أمة المصطفى ﷺ حديثًا صحيحًا عنه: أخبرنا أبو خليفة قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة قال: حدثني عمر بن سليمان - هو ابن عاصم بن عمر بن الخطاب - عن عبد الرحمن بن أبان -هو ابن عثمان بن عفان -عن أبيه قال: خرج زيد بن ثابت عند مروان قريبًا من نصف النهار، فقلت: ما بعث إليه إلا لشيء سأله، فقمت إليه فسألته، فقال: أجل سألنا عن أشياء سمعناها من رسول الله ﷺ: (رحم الله امرأ سمع مني حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه، ثلاث خصال لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم)].\nوالحديث إسناده صحيح أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة والطبراني.\nوفيه بيان مشروعية التبليغ عن النبي ﷺ، فمن علم شيئًا وتأكد منه عليه أن يبلغه.\nومعنى: (لا يغل عليهن قلب مسلم): الغلول: هو الإخفاء، يعني: لا يخفي هذا ويترك هذا الشيء وإنما يلزم الجماعة، وينصح ولاة الأمور ويحب الخير لهم.\nوإخلاص العمل لله، يعني: أن يعتقد الإخلاص، ويصرف عمله لله، وكذلك أيضًا ينصح لولاة الأمور.\nوقوله: (يغل) بتشديد اللام، قال ابن الأثير: معنى الغل وهو الحقد والشحناء، أي: لا يدخله حقد يزيله عن الحق، وروي: يغل بالتخفيف من الوغول الدخول في الشر، ويروى بضم الياء من الإغلال وهو الخيانة، والمعنى: أن هذه الخلال الثلاث تستصلح بها القلوب، فمن تمسك بها طهر قلبه من الخيانة والدغل والشر، انظر النهاية].","vol":"4","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>ذكر البيان بأن هذا الفضل إنما يكون لمن أدى حديث المصطفى كما سمعه سواء</span>\nقال ﵀: [ذكر البيان بأن هذا الفضل إنما يكون لمن أدى ما وصفنا كما سمعه سواء من غير تغيير ولا تبديل فيه].\nيعني: تبليغ الحديث لابد أن يكون من غير زيادة ولا نقصان.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا صفوان بن صالح قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا شيبان قال: حدثني سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: (رحم الله من سمع مني حديثًا فبلغه كما سمعه؛ فرب مبلغ أوعى له من سامع)].\nإسناده حسن.","vol":"4","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>ذكر إثبات نضارة الوجه في القيامة من بلغ للمصطفى سنة صحيحة كما سمعها</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ذكر إثبات نضارة الوجه في القيامة من بلغ للمصطفى ﷺ سنة صحيحة كما سمعها.\nأخبرنا ابن خزيمة قال: حدثنا محمد بن عثمان العجلي قال: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (نضر الله امرأ سمع منا حديثًا فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع)].\nقوله: (نضر الله) هذا خبر بمعنى الدعاء، والمعنى: دعاء له بالنضارة، والنضارة الحسن والبهاء والبهجة، وهذا يكون سببه السرور؛ لأن الله ينعمه يوم القيامة، فهو دعاء بأن ينعمه الله في الجنة حتى تحصل له النضارة والبهجة والسرور.","vol":"4","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>ذكر عدد الأشياء التي استأثر الله تعالى بعلمها دون خلقه</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ذكر عدد الأشياء التي استأثر الله تعالى بعلمها دون خلقه.\nأخبرنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف حدثنا أبو عمر الدوري حفص بن عمر حدثنا إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: (مفاتيح الغيب خمس: لا يعلم ما تضع الأرحام أحد إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة)].\nوهذه مفاتيح الغيب ذكرها الله تعالى في آخر سورة لقمان: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤]، ففي الآية: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لقمان:٣٤]، وفي الحديث يقول: (لا يدري متى تضع).\nوهو حديث صحيح أخرجه البخاري في التفسير من طريق مالك، وأخرجه أحمد في المسند.\nلكن بهذا اللفظ (متى تضع) الآن الأطباء يعلمون الأجنة بعد أن تخلق، لكن قبل أن تخلق لا يعلمها إلا الله، ولهذا يقول الملك: (يا رب ذكر أو أنثى؟ أشقي أم سعيد).","vol":"4","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>ذكر خبر ثان يصرح بالأشياء التي استأثر الله تعالى بعلمها</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ذكر خبر ثان يصرح بصحة ما ذكرناه.\nأخبرنا محمد بن عبد الرحمن السامي حدثنا يحيى بن أيوب المقابري حدثنا إسماعيل بن جعفر قال: وأخبرني عبد الله بن دينار أنه سمع ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ: (مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما تغيض الأرحام أحد إلا الله، ولا ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة أحد إلا الله).","vol":"4","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>ما جاء في الزجر عن العلم بأمر الدنيا مع الانهماك فيها والجهل بأمر الآخرة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الزجر عن العلم بأمر الدنيا مع الانهماك فيها والجهل بأمر الآخرة، ومجانبة أسبابها.\nأخبرنا أحمد بن محمد بن الحسن حدثنا أحمد بن يوسف السلمي أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله يبغض كل جعظري جواظ سخاب بالأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة)].\nقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه البيهقي في السنن من طريق أبي بكر القطان عن أحمد بن يوسف السلمي بهذا الإسناد.\nوالجواظ قيل: هو القصير البطين، وقيل: هو كثير اللحم المختال في مشيته، وقيل: الأكول، ويقال: الفاجر.\nوالسخاب بالأسواق هو الذي يكثر الصياح واللجاج مع غيره عند البيع والشراء.\nقوله: (جيفة بالليل) يعني: ينام أكثر الليل أو الليل كله، ولا يقوم لصلاة الصبح؛ لأنه أرهق نفسه بالأعمال المتعبة.\nوقوله: (حمار النهار) يعني: يعمل للدنيا.\nوقوله: (عالم بأمر الدنيا) يعني: تجده في أمور الدنيا خبيرًا بما يجلب له الخير، ويدفع عنه الضر.\nقوله: (جاهل بأمور الآخرة): يعني: أنه لم يتفقه في دينه مما يجب عليه أن يعلمه؛ لأنه شغل نفسه بأمور الدنيا، فجعل الدنيا أكبر همه، ومبلغ علمه.","vol":"4","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>ما جاء في الزجر عن تتبع المتشابه من القرآن للمرء المسلم</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الزجر عن تتبع المتشابه من القرآن للمرء المسلم.\nأخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا حبان أخبرنا عبد الله حدثنا يزيد بن إبراهيم التستري حدثني ابن أبي مليكة عن القاسم بن محمد عن عائشة: (أن رسول الله ﷺ تلا قول الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران:٧] إلى آخرها، فقال: إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاعلموا أنهم الذين عنى الله فاحذروهم)].\nيعني: هؤلاء يتبعون المتشابه، قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧] والزيغ: هو ميل عن الشيء، ومنه زاغت الشمس: إذا مالت عن وسط السماء إلى الغروب، فالزيغ هو الميل عن الحق وعن الاستقامة، فالذي يصفه بأنه زائغ فهو من يتبع المتشابه.\nقوله: (ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ) يعني: طلبًا لفتنة الناس، والتلبيس عليهم في دينهم، وإفسادًا فيما بينهم.\nوأما الراسخون في العلم فيقولون: آمنا بالله، أما هؤلاء الزائغون فقال النبي ﷺ: (إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) يعني: الذين سمى الله في هذه الآية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٧] وهذا فيه التحذير من اتباع المتشابه، وهي حقائق الأسماء والصفات، وحقائق ما يكون في اليوم الآخر، فلا يعلمها إلا الله.","vol":"4","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>شرح حديث: (أنزل القرآن على سبعة أحرف)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا أبو خيثمة حدثنا أنس بن عياض عن أبي حازم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (أنزل القرآن على سبعة أحرف، والمراء في القرآن كفر ثلاثًا؛ ما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتهم منه فردوه إلى عالمه).\nقال أبو حاتم ﵁: قوله ﷺ: (ما عرفتم منه فاعملوا به) أضمر فيه الاستطاعة، يريد: اعملوا بما عرفتم من الكتاب ما استطعتم.\nوقوله: (وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه) فيه الزجر عن ضد هذا الأمر، وهو ألا يسألوا من لا يعلم].\nاختلف العلماء في المقصود بالسبعة الأحرف، هل هي سبع لغات أو سبع معاني؟ وجاء أنها سبعة أوجه من المعاني على حسب لغات القبائل.\nثم بعد ذلك لما اختلف الصحابة زمن عثمان في القراءات جمعهم على القراءات الثابتة عن رسول الله ﷺ وفق العرضة الأخيرة، لا أنه ألغى الأحرف السبعة كما يظن البعض.","vol":"4","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>ما جاء في ذكر العلة التي من أجلها قال النبي: (وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر العلة التي من أجلها قال النبي ﷺ: (وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه).\nأخبرنا عمر بن محمد الهمداني حدثنا إسحاق بن سويد الرملي حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن محمد بن عجلان عن أبي إسحاق الهمداني عن أبي الأحوص عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل آية منها ظهر وبطن)].\nوهذا الحديث إسناده حسن.\nقوله: (وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه).\nيعني: الخفي ردوه إلى عالمه.\nقال شعيب الأرنؤوط: وعلق عليه الشيخ محمود شاكر حفظه الله ورعاه، فقال: الظاهر: هو ما تعرفه العرب من كلامها، وما لا يعرض أحد بجهالته من حلال وحرام، والباطن: هو التفسير الذي يعلمه العلماء بالاستنباط والفقه، ولم يرد الطبري ما تفعله الطائفة الصوفية وأشباههم في التلاعب بكتاب الله تعالى وسنة رسوله، والعبث بدلالات ألفاظ القرآن وادعائهم أن لألفاظه ظاهرًا هو الذي يعلمه علماء المسلمين، وباطنًا يعلمه أهل الحقيقة فيما يزعمون، وانظر كلام البغوي في شرح السنة (١/ ٢٦٣).\nيعني: الظاهر ما يعلمه كل أحد، والباطن ما يعلمه العلماء، قال ابن عباس ﵀: التفسير على أربعة أنحاء: تفسير لا يعذر أحد بجهله، وتفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله.","vol":"4","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>ما جاء في الزجر عن مجادلة الناس في كتاب الله مع الأمر بمجانبة من يفعل ذلك</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الزجر عن مجادلة الناس في كتاب الله مع الأمر بمجانبة من يفعل ذلك.\nأخبرنا الحسن بن سفيان الشيباني حدثنا عاصم بن النضر الأحول حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت أيوب يحدث عن ابن أبي مليكة عن عائشة أنها قالت: (قرأ نبي الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧] إلى قوله: ﴿أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧] قالت: فقال رسول الله ﷺ: إذا رأيتم الذين يجادلون فيه، فهم الذين عنى الله فاحذروهم.\nقال مطر: حفظت أنه قال: لا تجالسوهم فهم الذين عنى الله فاحذروهم).\nقال أبو حاتم: سمع هذا الخبر أيوب عن مطر الوراق وابن أبي مليكة جميعًا].\nقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه الطبري في جامع البيان من طريق المعتمر بن سليمان بهذا الإسناد.\nوقول أبي حاتم: (سمع هذا الخبر أيوب عن مطر الوراق وابن أبي مليكة): هذا خطأ، وصواب العبارة: سمع هذا الخبر أيوب ومطر الوراق عن ابن أبي مليكة جميعًا.","vol":"4","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>ما جاء في وصف العلم الذي يتوقع دخول النار في القيامة لمن طلبه</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر وصف العلم الذي يتوقع دخول النار في القيامة لمن طلبه.\nأخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد المروزي بالبصرة حدثنا محمد بن سهل بن عسكر حدثنا ابن أبي مريم عن يحيى بن أيوب عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا تماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار)].\nقال شعيب الأرنؤوط: رجاله ثقات رجال الصحيح.\nوأخرجه ابن ماجة، وقال البوصيري في زوائده: هذا إسناد رجاله ثقات على شرط مسلم.","vol":"4","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>شرح حديث: (من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن يحيى بن محمد بن مخلد حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود حدثنا ابن وهب قال: أخبرني أبو يحيى بن سليمان الخزاعي عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا، لم يجد عَرْفَ الجنة يوم القيامة).\n].\nوهذا وعيد شديد، والواجب على الإنسان أن يجاهد نفسه وأن يطلب العلم لله؛ لأن طلب العلم من أجلِّ القربات وأفضل الطاعات، والعبادة لا بد فيها من أن تكون خالصة لله، وموافقة للشرع.\nقال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:٦] فجاهد نفسك حتى يكون العمل خالصًا لوجه الله، قال بعض السلف: طلبنا العلم لغير الله فأبى إلا أن يكون لله، يعني: في أول الأمر طلب العلم لأجل الدنيا، ثم بعد ذلك لما ذاق حلاوة العلم حسنت نيته.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأخبرنا عمر بن محمد بن بجير حدثنا أبو الطاهر بن السرح أنبأنا ابن وهب بإسناده مثله].","vol":"4","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>ما جاء في الزجر عن مجالسة أهل الكلام والقدر ومفاتحتهم بالنظر والجدال</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الزجر عن مجالسة أهل الكلام والقدر ومفاتحتهم بالنظر والجدال.\nأخبرنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا أبو خيثمة وهارون بن معروف قالا: حدثنا المقرئ حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن عطاء بن دينار عن حكيم بن شريك عن يحيى بن ميمون الحضرمي عن ربيعة الجرشي عن أبي هريرة عن عمر بن الخطاب أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تجالسوا أهل القدر، ولا تفاتحوهم)].\nهذا الحديث فيه ضعف.\nقال شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيف لجهالة حكيم بن شريك الهذلي كما قال أبو حاتم.\nلكن أهل القدر هم من المبتدعة، ولا ينبغي أن يجالس المرء أهل البدع، إلا إذا أراد أن يرد عليهم وينكر عليهم، ويدعوهم إلى الله، ويبين باطلهم.","vol":"4","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>ما جاء في أن النبي كان يتخوف على أمته جدال المنافق</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر ما كان يتخوف ﷺ على أمته جدال المنافق.\nأخبرنا أبو يعلى حدثنا خليفة بن خياط حدثنا خالد بن الحارث حدثنا حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ: (أخوف ما أخاف عليكم جدال المنافق عليم اللسان)].\nقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط البخاري، وأخرجه البزار عن محمد بن عبد الملك عن خالد بن الحارث بهذا الإسناد، وقال: لا نحفظه إلا عن عمر، وإسناد عمر صالح فأخرجناه عنه، وأعدناه عن عمران لحسن إسناده.\nوفيه النهي عن جدال المنافق عليم اللسان، وفي هذا الزمن المنافقون يتكلمون في الصحف والفضائيات، وهم زنادقة، يضلون الناس عن الحق، ويجادلون بالباطل ويدافعون عن السفور والمجون، ويطعنون في الأحاديث التي فيها الأمر بالحجاب، والمنافقون عندهم فصاحة وعندهم شبه، فينبغي للمسلم أن يحذرهم ويحذر منهم.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا محمد بن مرزوق حدثنا محمد بن بكر عن الصلت بن بهرام حدثنا الحسن عن جندب البجلي في هذا المسجد: أن حذيفة حدثه قال: قال رسول الله ﷺ: (إن ما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن، حتى إذا رئيت بهجته عليه وكان ردئًا للإسلام غيّره إلى ما شاء الله، فانسلخ منه ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف، ورماه بالشرك، قال: قلت: يا نبي الله، أيهما أولى بالشرك، المرمي أم الرامي؟ قال: بل الرامي)].\nقال شعيب الأرنؤوط: أخرجه البزار عن محمد بن مرزوق والحسن بن أبي كبشة كلاهما عن محمد بن بكر البرساني بهذا الإسناد، وقال: لا نعلمه يروى إلا عن حذيفة، وإسناده حسن.","vol":"4","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>ما جاء في أن الواجب على المرء أن يسأل العلم النافع</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر ما يجب على المرء أن يسأل الله جل وعلا العلم النافع، رزقنا الله إياه وكل مسلم.\nأخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن أسامة بن زيد عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، وأعوذ بك من علم لا ينفع)].\nقال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن، رجاله رجال مسلم، أسامة بن زيد وهو الليثي مولاهم أبو زيد المدني، صدوق يهم، فهو حسن الحديث.","vol":"4","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>ما يستحب للمرء أن يقرن في التعوذ مع العلم الذي لا ينفع من أشياء معلومة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر ما يستحب للمرء أن يقرن إلى ما ذكرنا في التعوذ منها أشياء معلومة.\nأخبرنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي حدثنا أبو نصر التمار حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وعمل لا يرفع، وقلب لا يخشع، وقول لا يسمع)].\nقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، أبو نصر التمار هو عبد الملك بن عبد العزيز القشيري النسائي.\nوأخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله.","vol":"4","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>ما جاء في تسهيل الله طريق الجنة على من يسلك طريقًا فيه علم</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر تسهيل الله جل وعلا طريق الجنة على من يسلك في الدنيا طريقًا يطلب فيه علمًا.\nأخبرنا إبراهيم بن إسحاق الأنماطي الزاهد حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا محمد بن خازم عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (من سلك طريقًا يطلب فيه علمًاَ سهل الله له به طريقًا من طرق الجنة، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه)].\nقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرطهما، وأخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود في العلم.\nقوله: (من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه) أيضًا هذا في الصحيح.","vol":"4","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>ما جاء في بسط الملائكة أجنحتها لطلبة العلم رضًا بصنيعهم ذلك</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر بسط الملائكة أجنحتها لطلبة العلم رضًا بصنيعهم ذلك.\nأخبرنا ابن خزيمة حدثنا محمد بن يحيى ومحمد بن رافع قالا: حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن عاصم عن زر قال: (أتيت صفوان بن عسال المرادي قال: ما جاء بك؟ قال: جئت أنبط العلم، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من خارج يخرج من بيته يطلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها؛ رضًا بما يصنع)].\nهذا فيه فضل طلب العلم، والمراد بالعلم إذا أطلق العلم الشرعي من الكتاب والسنة، أما غيره من العلوم فينبغي أن يقيد ويقال: علم الطب، علم الصيدلة، علم الفلك، علم الزراعة، علم النجارة، علم الحدادة، وهكذا.\nحتى إنهم يقولون: العالم، عالم الفضاء، يطلقون العالم على من يعلم العلوم الشرعية، أما غيره فيقيدون ويقولون: عالم الفضاء، عالم الطب.\nقال شعيب الأرنؤوط: يقال: أنبط الحفار إذا بلغ الماء في البئر، ونبط الماء إذا نبع، والاستنباط: الاستخراج، واستنبط الفقيه إذا استخرج الفقه الباطن باجتهاده وفهمه.\nثم قال: إسناده حسن من أجل عاصم وهو ابن أبي النجود، وهو في مصنف عبد الرزاق، ومن طريقه أخرجه أحمد وابن ماجة والطبراني والنسائي وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.","vol":"4","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>ما جاء في أمان الله من النار من أوى إلى مجلس علم ونيته فيه صحيحة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر أمان الله جل وعلا من النار من أوى إلى مجلس علم ونيته فيه صحيحة.\nأخبرنا عمر بن سعيد بن سنان حدثنا أحمد بن أبي بكر عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أن أبا مرة مولى عقيل بن أبي طالب أخبره عن أبي واقد الليثي: (أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد، والناس معه، إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ، وذهب واحد، فلما وقفا على رسول الله ﷺ سلما، فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبًا، فلما فرغ رسول الله ﷺ، قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه)].\nهذا رواه البخاري في الصحيح.\nوفيه فضل العلم ومن أوى إليه ودخل في الحلقة.\nقوله في الترجمة: (ذكر أمان الله جل وعلا من النار، من أوى إلى مجلس علم ونيته فيه صحيحة).\nوجاء في الحديث أن الملائكة تقول: (يا رب، إن فيهم عبدك فلانًا جاء وليس منهم وجلس معهم، قال: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) فهذا أوضح في بيان الترجمة وموافقتها.","vol":"4","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>ما جاء في التسوية بين طالب العلم ومعلمه وبين المجاهد في سبيل الله</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر التسوية بين طالب العلم ومعلمه، وبين المجاهد في سبيل الله.\nأخبرنا أبو يعلى حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا المقرئ أنبأنا حيوة قال: حدثني أبو صخر أن سعيدًا المقبري أخبره: أنه سمع أبا هريرة يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (من دخل مسجدنا هذا ليتعلم خيرًا أو يعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله، ومن دخله لغير ذلك كان كالناظر إلى ما ليس له)].\nقال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن، وأبو صخر هو حميد بن زياد الخراط، ويقال: حميد بن صخر أبو مودود الخراط، قال الحافظ في التقريب: صدوق يهم.\nوسعيد المقبري ثقة، أخرج حديثه الجماعة، ورمي بالاختلاط قبل موته، لكن لم يأخذ عنه أحد في اختلاطه فيما قاله الإمام الذهبي في الميزان.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ بهذا الإسناد، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجا بجميع رواته، ثم لم يخرجاه، ولم أعلم له علة، فقال البوصيري: وقد أعله الدارقطني في علله بأن اختلف فيه على سعيد المقبري، فرواه حميد عنه هكذا، وخالفه عبيد الله بن عمر فرواه عن المقبري عن عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث عن كعب قوله.\nورواه ابن عجلان عن المقبري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن كعب قوله.\nوقول عبيد الله بن عمر أشبه بالصواب.\nوقول الحاكم: إن الشيخين احتجا بجميع رواته فيه نظر.\nقوله: (ومن دخل لغير ذلك كان كالناظر إلى ما ليس له) يعني: إذا دخل المسجد لا يتعلم.\nقال شعيب الأرنؤوط: وأخرجه ابن أبي شيبة، ومن طريقه ابن ماجة في المقدمة: باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، عن حاتم بن إسماعيل عن حميد بن صخر به، قال البوصيري في الزوائد: هذا إسناد صحيح، احتج مسلم بجميع رواته.","vol":"4","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>ما جاء في وصف العلماء الذين لهم الفضل المذكور في الأحاديث</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر وصف العلماء الذين لهم الفضل الذي ذكرنا قبل.\nأخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي حدثنا عبد الأعلى بن حماد حدثنا عبد الله بن داود الخريبي قال: سمعت عاصم بن رجاء بن حيوة عن داود بن جميل عن كثير بن قيس قال: (كنت جالسًا مع أبي الدرداء في مسجد دمشق، فأتاه رجل فقال: يا أبا الدرداء، إني أتيتك من مدينة الرسول في حديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله ﷺ، فقال أبو الدرداء: أما جئت لحاجة؟ أما جئت لتجارة؟ أما جئت إلا لهذا الحديث؟ قال: نعم.\nقال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سلك الله به طريقًا من طرق الجنة، والملائكة تضع أجنحتها رضًا لطالب العلم، وإن العالم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وأورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر).\nقال أبو حاتم ﵁: في هذا الحديث بيان واضح أن العلماء الذين لهم الفضل الذي ذكرنا، هم الذين يعلمون علم النبي ﷺ دون غيره من سائر العلوم.\nألا تراه يقول: (العلماء ورثة الأنبياء) والأنبياء لم يورثوا إلا العلم، وعلم نبينا ﷺ سنته، فمن تعرى عن معرفتها لم يكن من ورثة الأنبياء].\nقال شعيب الأرنؤوط: حديث حسن، إسناده ضعيف؛ لضعف داود بن جميل، ويقال: الوليد بن جميل، وكثير بن قيس، ويقال: قيس بن كثير، والأول أكثر.\nوأخرجه أبو داود في أو كتاب العلم، وابن ماجة في المقدمة.\nوأخرجه أبو داود من طريق محمد بن الوزير الدمشقي حدثنا الوليد قال: لقيت شبيب بن شيبة فحدثني عن عثمان بن أبي سودة عن أبي الدرداء وهذا سند حسن في الشواهد فيتقوى الحديث به.\nوعبارة: (وإن العلماء هم ورثة الأنبياء ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر، ومن سلك طريقًا يطلب به علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة) أورده البخاري في صحيحه في كتاب العلم، ضمن عنوان باب العلم قبل القول والعمل.\nقال الحافظ في الفتح: هذا طرف من حديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم مصححًا من حديث أبي الدرداء.","vol":"4","page":27},{"text":"شرح صحيح ابن حبان_<span data-type=\"title\" id=toc-82>كتاب العلم [٢]</span>\nمن توفيق الله للعبد وإرادته الخير له أن يفقهه في الدين، ومن فقهه الله في الدين فيجوز أن يغبطه الإنسان ويتمنى أن يعلمه الله كما علم ذاك الرجل.\nومن فقهه الله في الدين فلا ينبغي له أن يكتم العلم إلا لحاجة شرعية، كما أن عليه ألا يفتخر على الناس بعلمه، وأن يتواضع لمن سأله عن هذا العلم.","vol":"5","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>ما جاء في إرادة الله خير الدارين بمن تفقه في الدين</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر إرادة الله جل وعلا خير الدارين بمن تفقه في الدين.\nأخبرنا ابن قتيبة حدثنا حرملة بن يحيى حدثنا ابن وهب أخبرنا يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين)].\nهذا الحديث فيه أن من فقهه الله في الدين فقد أراد به خيرًا، أما من لم يفقهه الله في الدين لم يرد به خيرًا.\nوالحديث أخرجه البخاري.","vol":"5","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>ما جاء في إباحة الحسد لمن أوتي الحكمة وعلمها الناس</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر إباحة الحسد لمن أوتي الحكمة وعلمها الناس.\nأخبرنا محمد بن يحيى بن خالد أنبأنا محمد بن رافع حدثنا مصعب بن المقدام حدثنا داود الطائي عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت ابن مسعود يقول: قال رسول الله ﷺ: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها)].\nالحديث رواه الشيخان، والحسد هنا هو الغبطة، والحكمة هي العلم النافع، وجاء في الحديث الآخر: (رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار، ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الله وآناء النهار).\nوالحكمة هي العلم النافع، وهي مأخوذة من القرآن والسنة، والغبطة مشروعة، وهي أن يتمنى المرء أن يكون مثل فلان في أعمال الخير، مع عدم تمني زوال النعمة عن الغير.","vol":"5","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>ما جاء في أن من خيار الناس من حسن خلقه في فقهه</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن من خيار الناس من حسن خلقه في فقهه.\nأخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع حدثنا هدبة بن خالد القيسي حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: (خيركم أحاسنكم أخلاقًا، إذا فقهوا)].\nهذا عام، لكن إذا اجتمع الفقه مع حسن الخلق فيكون أفضل، وحسن الخلق هو بسط الوجه وكف الأذى وبذل المعروف.","vol":"5","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>ما جاء في أن خيار المشركين هم الخيار في الإسلام إذا فقهوا</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر بيان بأن خيار المشركين هم الخيار في الإسلام إذا فقهوا.\nأخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا النضر بن شميل حدثنا هشام عن محمد عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (الناس معادن في الخير والشر، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)].\nفهذا عمر بن الخطاب ﵁ كان من الخيار في الجاهلية، وكان من الخيار في الإسلام، وغيره من الصحابة.\nيعني: كانوا قبل إسلامهم عندهم شجاعة وإكرام للضيف فهم أخيار، ويعملون الأعمال الخيرة، فلما أسلموا استمروا على تلك الصفات الحميدة فصاروا خيارًا.","vol":"5","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>ما جاء في أن العلم من خير ما يخلف المرء بعده</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن العلم من خير ما يخلف المرء بعده.\nأخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة هو الحراني حدثنا محمد بن سلمة عن أبي عبد الرحيم عن زيد بن أبي أنيسة عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خير ما يخلف الرجل بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة تجري يبلغه أجرها، وعلم ينتفع به من بعده)].\nهذا الحديث رواه الإمام مسلم بمعناه من حديث أبي هريرة: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).\n[قال أبو حاتم ﵁: قد بقي من هذا النوع أكثر من مائة حديث بددناها في سائر الأنواع من هذا الكتاب، لأن تلك المواضع بها أشبه].\nيعني: هناك أكثر من مائة حديث تتعلق بهذا الموضوع، قد ذكرها المؤلف في كتابه في أبواب متفرقة.","vol":"5","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>ما جاء في الأمر بإقالة زلات أهل العلم والدين</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الأمر بإقالة زلات أهل العلم والدين.\nأخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا سعيد بن عبد الجبار ومحمد بن الصباح وقتيبة بن سعيد قالوا: حدثنا أبو بكر بن نافع العمري عن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: (أقيلوا ذوي الهيئات زلاتهم)].\nوفي رواية: (أقيلوا ذوي العثرات) يعني: الرجال المعروفين الذين لهم مكانة في المجتمع، وهم متسترون ثم تحصل لهم زلة أو غلطة فإنهم يقالون ويستر عليهم؛ لأنهم ليسوا معروفين بالسوابق، بخلاف الإنسان المعروف بالسوابق، فهذا لا ينبغي أن يقال، بل يقام عليه الحد.\nقال شعيب الأرنؤوط: أبو بكر بن نافع مولى زيد بن الخطاب ضعيف، وهو من رجال التهذيب، وبقية رجاله ثقات، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد، والخطيب في تاريخه، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان، وسنده حسن في الشواهد.","vol":"5","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>ما جاء في إيجاب العقوبة في القيامة على الكاتم العلم الذي يحتاج إليه في أمور المسلمين</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر إيجاب العقوبة في القيامة على الكاتم العلم الذي يحتاج إليه في أمور المسلمين.\nأخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا النضر بن شميل حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن الحكم البناني عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (من كتم علمًا تلجَّم بلجِام من نار يوم القيامة)].\nرواه ابن ماجة في السنن وفيه حماد بن سلمة وهو ممن اختلط.\nقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الصحيح، وأخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وفي الباب عن عبد الله بن عمرو في الحديث الذي بعده.\nوالحديث رواه ابن ماجة في السنن ضعيف: (من كتم علمًا ألجمه الله بلجام من نار) لكن النصوص من كتاب الله تؤيد ذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠].\nوقال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران:١٨٧].\nوالنصوص من كتاب الله واضحة فيه.","vol":"5","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>ما جاء من التصريح بصحة الوعيد لمن كتم علمًا يحتاج إليه</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر ثان يصرح بصحة ما ذكرناه.\nأخبرنا عمر بن محمد الهمداني حدثنا أبو الطاهر بن السرح حدثنا ابن وهب قال: حدثني عبد الله بن عياش بن عباس عن أبيه عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من كتم علمًا ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار)].\nقال المحقق: إسناده حسن في الشواهد، وأخرجه الحاكم وصححه.\nووافقه الذهبي.\nأقول: سنده ضعيف عند ابن ماجة، قد تكلم على رواته.","vol":"5","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>ما جاء في إباحة كتمان العالم بعض ما يعلم من العلم للمصلحة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على إباحة كتمان العالم بعض ما يعلم من العلم؛ إذا علم أن قلوب المستمعين له لا تحتمله.\nأخبرنا الحسين بن أحمد بن بسطام بالأبلة حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي حدثنا ابن إدريس عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله قال: (بينما النبي ﷺ في بعض حيطان المدينة متوكئًا على عسيب، إذ جاءته اليهود، فسألته عن الروح، فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥])].\nوجه الدلالة أن الله تعالى أنزل هذه الآية عن الروح ولم يخبرهم عنه؛ لأنه لا مصلحة لهم في ذلك.","vol":"5","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>ما جاء في أن الأعمش لم ينفرد في سماع خبر سؤال اليهود عن الروح من عبد الله بن مرة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن الأعمش لم يكن بالمنفرد في سماع هذا الخبر من عبد الله بن مرة دون غيره.\nأخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عيسى بن يونس حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: (كنت أمشي مع رسول الله ﷺ في حرث بالمدينة، وهو متكئ على عسيب، فمر بنفر من اليهود، فقال: بعضهم لبعض: لو سألتموه، فقال بعضهم: لا تسألوه فيسمعكم ما تكرهون، فقالوا: يا أبا القاسم، أخبرنا عن الروح، فقام ساعة ينتظر الوحي، فعرفت أنه يوحى عليه، فتأخرت عنه حتى صعد الوحي، ثم قرأ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥])].\nهذا الحديث رواه البخاري في الصحيح، وعبد الله هو عبد الله بن مسعود ﵁.\nقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه مسلم والبخاري.","vol":"5","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>ما جاء في صحة سؤال اليهود للرسول عن الروح</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر ثان يصرح بصحة ما ذكرناه.\nأخبرنا أبو يعلى حدثنا مسروق بن المرزبان حدثنا ابن أبي زائدة قال: حدثني داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: (قالت قريش لليهود: أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥] فقالوا: لم نؤت من العلم نحن إلا قليلًا، وقد أوتينا التوراة، ومن يؤت التوراة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، فنزلت ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [الكهف:١٠٩])].\nقال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن، ومسروق بن المرزبان صدوق له أوهام.\nيحتمل أن قريشًا سألوا اليهود أن يعطوهم أسئلة يسألون بها النبي ﷺ يعلمون بها صدق نبوته.","vol":"5","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>ما جاء في استحباب ترك المرء لسرد الأحاديث حذر قلة التعظيم والتوقير لها</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر ما يستحب للمرء من ترك سرد الأحاديث حذر قلة التعظيم والتوقير لها.\nأخبرنا عمر بن محمد الهمداني حدثنا أبو الطاهر بن السرح حدثنا ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب أن عروة بن الزبير حدثه أن عائشة قالت: (ألا يعجبك أبو هريرة جاء فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله ﷺ يسمعني ذلك وكنت أسبح، فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه، إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم)].\nيعني: كانت تصلي صلاة السبحة وهي النافلة.\nقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه مسلم في الصحيح.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو حاتم ﵁: قول عائشة: (لرددت عليه) أرادت به سرد الحديث لا الحديث نفسه].\nيعني: أنكرت عليه سرد الحديث لا أصل التحديث، وإلا فـ أبو هريرة قد روى أحاديث كثيرة.","vol":"5","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>ما جاء في إباحة جواب المرء بالكناية عما يسأل</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الإخبار عن إباحة جواب المرء بالكناية عما يسأل، وإن كان في تلك الحالة مدحه.\nأخبرنا أبو خليفة حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا قرة بن خالد عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: (بينما النبي ﷺ يقسم غنيمة بالجعرانة، إذ قال له رجل: اعدل، فقال النبي ﷺ: يا ويلي لقد شقيت إن لم أعدل)].\nهنا قال: (يا ويلي) وفي لفظ آخر قال: (ويلك، فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله).\nقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.\nوفي بعض روايات مسلم: (لقد خبت وخسرت).\nقال النووي: روي بفتح التاء وبضمها، ومعنى الضم ظاهر، وتقدير لا أعدل؛ لكونك تابعًا ومقتديًا بمن لا يعدل، والفتح أشهر، والله أعلم.","vol":"5","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>ما جاء في أن على العالم ترك التصلف بعلمه ولزوم الافتقار إلى الله</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على أن العالم عليه ترك التصلف بعلمه، ولزوم الافتقار إلى الله جل وعلا في كل حاله].\nالتصلف من الصلف وهو الشدة، أو أن يمدح نفسه، فينبغي للعالم أن يتواضع، وأن يلزم الافتقار إلى الله.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا ابن قتيبة حدثنا حرملة بن يحيى حدثنا ابن وهب أخبرنا يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس: (أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى، فقال ابن عباس: هو الخضر، فمر بهما أبي بن كعب فدعاه ابن عباس فقال: يا أبا الطفيل، هلم إلينا فإني قد تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إلى لقيِّه، فهل سمعت رسول الله ﷺ يقول فيه شيئًا؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل فقال له: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ فقال موسى: لا، فأوحى الله إلى موسى: بل عبدنا الخضر، فسأل موسى السبيل إلى لقيِّه، فجعل الله له الحوت آية، وقيل له: إذا فقدت الحوت فارجع فإنك تلقاه، فسار موسى ما شاء الله أن يسير، ثم قال لفتاه: آتنا غداءنا، فقال لموسى حين سأله الغداء: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف:٦٣] وقال موسى لفتاه: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف:٦٤]، فوجدا خضرًا، وكان من شأنهما ما قص الله في كتابه)].\nقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه في صحيحه، والبخاري وغيرهما.\nوجاء في البخاري: (هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ قال: لا.\nفعتب الله إذ لم ينسب العلم إليه، قال: بلى عبدنا خضر، قال: أين أجده يا رب؟ قال: في مجمع البحرين) فموسى لما سئل: من أعلم الناس؟ قال: أنا، وهذا ليس بجيد، ولذلك عتب الله عليه.","vol":"5","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>ما جاء في إباحة إجابة العالمِ السائلَ بالأجوبة على سبيل التشبيه والمقايسة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على إباحة إجابة العالم السائل بالأجوبة على سبيل التشبيه والمقايسة دون الفصل في القصة.\nأخبرنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أخبرنا المخزومي حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا عبيد الله بن عبد الله الأصم حدثنا يزيد بن الأصم عن أبي هريرة قال: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، أرأيت جنة عرضها السماوات والأرض فأين النار؟ فقال النبي ﷺ: أرأيت هذا الليل قد كان ثم ليس شيء أين جعل؟ قال: الله أعلم، قال: فإن الله يفعل ما يشاء)].\nقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه البزار والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي.\nفيه: أن النبي ﷺ ضرب لهم مثالًا عن القيامة.\nوالجنة أعلى وسقفها عرش الرحمن، والنار أسفل وأعلاها جهنم وأسفلها سقر فهي دركات.\nوهذا الحديث فيه دليل على القياس.","vol":"5","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>ما جاء في إباحة إعفاء المسئول عن العلم عن إجابة السائل على الفور</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على إباحة إعفاء المسئول عن العلم عن إجابة السائل على الفور.\nأخبرنا عمر بن محمد الهمداني حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عثمان بن عمر حدثنا فليح عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: (بينما رسول الله ﷺ يحدث القوم جاءه أعرابي، فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال وكره ما قال.\nوقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال: أين السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا ذا.\nقال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: فما إضاعتها؟ قال: إذا اشتد الأمر فانتظر الساعة)].\nهذا الحديث رواه البخاري في الصحيح.\nوفيه أن النبي ﷺ أخر الجواب، وأن التأخير بالجواب لا بأس به إذا كان هناك تعليم ضرورة تعرف في الحال.\nقال: (إذا اشتد الأمر فانتظر الساعة) والمحفوظ في رواية البخاري: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله).","vol":"5","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>ما جاء في الإباحة للعالم إذا سئل عن الشيء أن يغضي عن الإجابة ثم يجيب</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الإباحة للعالم إذا سئل عن الشيء أن يغضي عن الإجابة مدة، ثم يجيب ابتداء منه.\nأخبرنا محمد بن أحمد بن أبي عون حدثنا الحسين بن الحسن المروزي حدثنا المعتمر بن سليمان حدثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، متى قيام الساعة؟ فقام النبي ﷺ إلى الصلاة، فلما قضى الصلاة، قال: أين السائل عن ساعته؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله، قال: ما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كبير شيء ولا صلاة ولا صيام، أو قال: ما أعددت لها كبير عمل إلا أني أحب الله ورسوله، فقال النبي ﷺ: المرء مع من أحب، أو قال: أنت مع من أحببت، قال أنس: فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام مثل فرحهم بهذا)].\nهذا نفس الحديث السابق، والترجمة تختلف قليلًا عما قبلها، قال في الترجمة السابقة: (ذكر الإباحة للعالم إذا سئل عن الشيء أن يغضي عن الإجابة مدة ثم يجيب ابتداء منه).\nوالتي قبلها قال: (ذكر الخبر الدال على إباحة إعفاء المسئول عن العلم عن إجابة السائل على الفور).","vol":"5","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>ما جاء في إباحة إلقاء العالم على تلاميذه المسائل</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على إباحة إلقاء العالم على تلاميذه المسائل التي يريد أن يعلمهم إياها ابتداءً، وحثه إياهم على مثلها.\nأخبرنا ابن قتيبة حدثنا حرملة بن يحيى حدثنا ابن وهب أخبرنا يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني أنس بن مالك: (أن رسول الله ﷺ خرج حين زاغت الشمس فصلى لهم صلاة الظهر، فلما سلم قام على المنبر فذكر الساعة، وذكر أن قبلها أمورًا عظامًا، ثم قال: من أحب أن يسألني عن شيء فليسألني عنه، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا حدثتكم به ما دمت في مقامي، قال أنس بن مالك: فأكثر الناس البكاء حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ، وأكثر رسول الله ﷺ أن يقول: سلوني سلوني، فقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبي يا رسول الله؟ قال: أبوك حذافة، فلما أكثر رسول الله ﷺ من أن يقول: سلوني، برك عمر بن الخطاب على ركبتيه، قال: يا رسول الله، رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولًا، قال: فسكت رسول الله ﷺ حين قال عمر ذلك، ثم قال رسول الله ﷺ: والذي نفسي بيده، لقد عرض علي الجنة والنار آنفًا في عرض هذا الحائط فلم أر كاليوم في الخير والشر)].\nهذا الحديث فيه أن النبي ﷺ إنما قال هذا مغضبًا ﵊، أغضبه بعض الناس وأراد أن يسأله على سبيل التعجيل، فصعد المنبر وقال: (لا تسألوني في مقامي هذا عن شيء إلا حدثتكم به) وقال هذا بوحي من الله، وجعل يقول: (سلوني سلوني) فقام رجل يدعى عبد الله بن حذافة السهمي وكانوا قد شكوا في نسبه، وكان إذا تخاصم هو وغيره عيره بنسبه وأنه ليس بمعروف، فأراد أن يعرف، فقال للرسول: (من أبي؟ قال: أبوك حذافة) يعني: ثبت نسبه.\nقال: أبوك حذافة السهمي.\nويقال: إن أمه قالت له: ما رأيت ابنًا عاقًا مثلك، ألا تخشى أن تكون أمك قد اقترفت ما يقترفه الجاهلية فتفضحها سائر الدهر؟ يعني: ما تخشى أن يكون يعني: أبوك غير معروف بسبب ما تفعل أمك من فعل أهل الجاهلية، فقال: لا، أنا أريد أن أعرف نفسي، والله لو ألحقني بكذا للحقت به فلما رأى عمر ﵁ غضبه ﵊ قال: رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا حتى سكن غضبه ﵊.\nوقول النبي ﷺ: (لقد عرض علي الجنة والنار) يعني: في تلك الحال عرضت عليه الجنة وعرضت النار فقال: (لم أر كاليوم في الخير والشر) فقد عرضت عليه الجنة والنار في وقت واحد.\nقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم وهو في صحيحه، وأخرجه عبد الرزق ومن طريقه أخرجه أحمد والبخاري في الاعتصام.","vol":"5","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>ما جاء في أن المصطفى قد كان يعرض له الأحوال لإعلام أمته الحكم فيها لو حدثت بعده</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على أن المصطفى ﷺ قد كان يعرض له الأحوال في بعض الأحايين، يريد بها إعلام أمته الحكم فيها لو حدث بعده ﷺ.\nأخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا عبدة وأبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: (كان النبي ﷺ يسمع قراءة رجل في المسجد، فقال: يرحمه الله، لقد أذكرني آية كنت أنسيتها)].\nيعني: أنه ﷺ كان ينسى؛ لأنه بشر ﵊، وكان ﵊ يسهو في الصلاة؛ لأنه بشر ﵊، والله تعالى لا يلحق به نسيان؛ لكماله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢].\nهذا الحديث أخرجه مسلم والبخاري.","vol":"5","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>ما جاء في إباحة اعتراض المتعلم على العالم فيما يعلمه من العلم</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على إباحة اعتراض المتعلم على العالم فيما يعلمه من العلم.\nأخبرنا محمد بن الحسن بن خليل حدثنا هشام بن عمار حدثنا أنس بن عياض حدثنا الأوزاعي عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال: سمع أبا هريرة يقول: (قال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله، نعمل في شيء نأتنفه، أم في شيء قد فرغ منه؟ قال: بل في شيء قد فرغ منه، قال: ففيم العمل؟ قال: يا عمر، لا يدرك ذاك إلا بالعمل، قال: إذًا نجتهد يا رسول الله)].\nقوله: (ففيم العمل؟) هذا سؤال استرشاد وسؤال تعليم، ولم يكن ﵁ يسأل للرياء ولا لإظهار المكانة، فإذا سأل المرء من باب الاستفسار فهذا جائز ولا بأس به.","vol":"5","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>ما جاء في إباحة أن يسأل المرأ عن الشيء وهو خبير به من غير استهزاء</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الإباحة للمرء أن يسأل عن الشيء وهو خبير به، من غير أن يكون ذاك به استهزاء].\nيعني: قد يسأل من يعلم من أجل أن يتكلم ويجيب المعلم عن هذه المسألة فيفهم الحاضرون إجابة السؤال الذي لم يكونوا يعلمون جوابه، كما حصل من سؤال جبريل للنبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان، من أجل تعليم الصحابة.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو يعلى حدثنا حوثرة بن أشرس حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك قال: (كان رسول الله ﷺ يدخل علينا، ولي أخ صغير يكنى أبا عمير، فدخل علينا رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: أبا عمير، ما فعل النغير؟)].\nهذا من إيناسه ﷺ لهذا الصبي لأهله.\nقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح، وحوثرة بن أشرس العدوي أبو عامر روى عن جمع، وروى عنه غير واحد وذكره المؤلف في (الثقات)، وأخرجه أحمد وأبو داود والبخاري في الأدب المفرد.","vol":"5","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>ما جاء فيما يجب على المرء من ترك التكلف في دين الله</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الإخبار عما يجب على المرء من ترك التكلف في دين الله بما تنكب عنه وأغضي عن إبدائه.\nأخبرنا ابن سلم حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا بشر بن بكر عن الأوزاعي عن الزهري قال: أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: (إن أعظم الناس في المسلمين جرمًا من سأل عن مسألة لم تحرم، فحرم على المسلمين من أجل مسألته)].\nقد جاء في القرآن النهي عن المسألة فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١].\nقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط البخاري، وأخرجه الشافعي، وأخرجه أيضًا مسلم.\nوالحديث يحمل على أشياء تقدمت في هذه المسألة.\nومن ذلك أن النبي ﷺ لما سئل في حجة الوداع قال: (إن الله كتب عليكم الحج فحجوا، فقام رجل فقال: يا رسول الله، أكل عام؟ فسكت النبي ﷺ فقال: لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم).\nفلا ينبغي مثل هذا السؤال، لكن كونه يسأل عن أشياء ليس فيها إشكال لا بأس.\nإذًا: السؤال المقصود بالنهي عنه هو الذي فيه الحرج، والذي في التعنت، فمثل هذه الأسئلة ينبغي تركها والإعراض عنها.","vol":"5","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>ذكر الخبر الدال على إباحة إظهار المرء بعض ما يحسن من العلم إذا صحت نيته في إظهاره</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على إباحة إظهار المرء بعض ما يحسن من العلم إذا صحت نيته في إظهاره.\nأخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة قال: حدثنا حرملة بن يحيى قال: حدثنا ابن وهب قال: أخبرنا يونس عن ابن شهاب أن عبيد الله بن عبد الله أخبره أن ابن عباس كان يحدث: (أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل، وإذا الناس يتكففون منها بأيديهم فالمستكثر والمستقل، وأرى سببًا واصلًا من السماء إلى الأرض، فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل من بعدك فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع به، ثم وصل له فعلا، قال أبو بكر: يا رسول الله! بأبي أنت والله لتدعني فلأعبره، فقال النبي ﷺ: عبر، قال أبو بكر: أما الظلة فظلة الإسلام، وأما الذي ينطف من السمن والعسل فالقرآن وحلاوته ولينه، وأما ما يتكفف الناس في ذلك، فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه، أخذته فيعليك الله، ثم يأخذ به رجل من بعدك فيعلو به)].\nوهو أبو بكر.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [(ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به)].\nوهو عمر.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [(ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع به)].\nهو عثمان حينما قتل، وهذه من الأشياء التي فيها كشف عن المستقبل.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [(ثم يوصل له فيعلو، فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت أصبت أم أخطأت؟ قال رسول الله ﷺ: أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا، قال: والله يا رسول الله لتخبرني بالذي أخطأت، قال: لا تقسم)].\nوهذا أخرجه البخاري في صحيحه، وفيه دليل على أن الرؤيا ليس كما عبرت وقعت، وهو يدل على ضعف حديث: (الرؤيا على جناح طائر، فإن عبرت وقعت)، يرده هذا الحديث.\nقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم وهو في صحيحه في الرؤيا، وأخرجه البخاري في التعبير.\nوتعلق الرجل بـ أبي بكر زيادة لاأظنها في البخاري.\nقال الحافظ ابن حجر: قال ابن التين: فيه أن الأمر بإبرار القسم خاص بما يجوز الاطلاع عليه، ومن ثَم لم يبر قسم أبي بكر؛ لكونه سأل ما لا يجوز الاطلاع عليه لكل أحد، قلت: فيحتمل أن يكون منعه ذلك لما سأله جهارًا، وأن يكون أعلمه بذلك سرًا.","vol":"5","page":24},{"text":"شرح صحيح ابن حبان_<span data-type=\"title\" id=toc-106>كتاب العلم [٣]</span>\nفضل العلم عظيم، ودرجة صاحبه عالية، وأفضل العلم كتاب الله، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وخير الناس من تعلم القرآن وعلمه.","vol":"6","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>الحكم فيمن دعا إلى هدى أو ضلالة فاتبع عليه</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الحكم فيمن دعا إلى هدى أو ضلالة فاتبع عليه.\nقال أخبرنا أبو يعلى حدثنا يحيى بن أيوب المقابري حدثنا إسماعيل بن جعفر أخبرني العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص من أجورهم شيء، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا)].\nهذا حديث صحيح، وفيه فضل من دعا إلى الخير، وأن من دعا إلى الخير فله مثل أجور أتباعه، وفيه إثم من دعا إلى ضلالة: (فإن عليه أوزار من تبعه)، نسأل الله السلامة والعافية، كما قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:٢٥].","vol":"6","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>بيان أن على العالم ألا يقنط عباد الله عن رحمة الله</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن على العالم ألا يقنط عباد الله عن رحمة الله.\nسمعت أبا خليفة يقول: سمعت عبد الرحمن بن بكر بن الربيع بن مسلم يقول: سمعت الربيع بن مسلم يقول: سمعت محمدًا يقول: سمعت أبا هريرة يقول: (مر رسول الله ﷺ على رهط من أصحابه وهم يضحكون، فقال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، فأتاه جبريل فقال: إن الله يقول لك: لم تقنط عبادي؟ قال: فرجع إليهم، فقال: سددوا، وقاربوا، وأبشروا)].\nقال في تخريجه: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد.\nقال الله في الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦]، وقال: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]، لا ينبغي للإنسان أن يقنط أو ييئس، بل هذا كبيرة من الكبائر، والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله مقدمة إلى الكفر.\nوقوله: [(ولو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا)].\nاليائس المتشائم مسيء للظن بالله ﷿، يرى أنه هالك، وفي ضمن ذلك إنكاره للتوبة ويرى أنه هالك، وأن التوبة لا تفيد.\nقوله: (لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا) في البخاري في الأيمان والنذور.\nقال أبو حاتم ﵁: (سددوا) يريد به: كونوا مسددين، والتسديد: لزوم طريقة النبي ﷺ واتباع سنته، وقوله: (وقاربوا) يريد به: لا تحملوا على الأنفس من التشديد ما لا تطيقون، (وأبشروا) فإن لكم الجنة إذا لزمتم طريقتي في التسديد، وقاربتم في الأعمال].\n(سددوا) يعني: حاولوا أن تصلوا إلى الصواب والسداد، فإن لم تقدروا فقاربوا السداد.","vol":"6","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>إباحة تأليف العالم كتب الله جل وعلا</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر إباحة تأليف العالم كتب الله جل وعلا.\nأخبرنا أبو يعلى حدثنا عبد الأعلى حدثنا وهب بن جرير حدثني أبي قال: سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن شماسة عن زيد بن ثابت قال: (كنا عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع)].\nكان الأفضل أن يقول: كتاب الله.","vol":"6","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>الحث على تعليم كتاب الله وإن لم يتعلم الإنسان بالتمام</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الحث على تعليم كتاب الله، وإن لم يتعلم الإنسان بالتمام.\nأخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا حبان أنبأنا عبد الله عن موسى بن علي بن رباح قال: سمعت أبي يقول: سمعت عقبة بن عامر الجهني يقول: (خرج رسول الله ﷺ ونحن في الصفة فقال: أيكم يحب أن يغدو إلى بطحان أو العقيق، فيأتي كل يوم بناقتين كوماوين زهراوين يأخذهما في غير إثم ولا قطيعة رحم؟ قالوا: كلنا يا رسول الله يحب ذلك، فقال رسول الله ﷺ: فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير من ثلاث، وأربع خير من عدادهن من الإبل)].\nهذا أخرجه مسلم في صحيحه، وبطحان واد في المدينة (أيحب أحدكم أن يغدو إلى بطحان فيحصل على ناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطيعة رحم)، وفي مسلم: (قالوا: كلنا يحب ذلك، فقال: والذي نفسي بيده! لأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، ومن أعدادهن).\nقال في تخريجه: أخرجه مسلم وأبو داود.\n[قال أبو حاتم: هذا الخبر أُضمر فيه كلمة، وهي: لو تصدق بها، يريد بقوله: (فيتعلم آيتين من كتاب الله خير من ناقتين وثلاث) لو تصدق بها؛ لأن فضل تعلم آيتين من كتاب الله أكبر من فضل ناقتين وثلاث وعدادهن من الإبل لو تصدق بها؛ إذ محال أن يشبه من تعلم آيتين من كتاب الله في الأجر بمن نال بعض حطام الدنيا، وصح بما وصفت صحة ما ذكرت].\nهذا فيه نظر، وهو خلاف ظاهر الحديث؛ لأنه لو تصدق بهن صار من أعمال الآخرة، وقد قال فيه: (بغير إثم أو قطيعة رحم) يعني: حصل عليها وتملكه في الدنيا؛ لأن هذا يرغب الله فيه، مثل أن تقول: لأن تغدو إلى المسجد فتعلم آيتين خير لك من أن تحصل على سيارتين، وثلاث خير من ثلاث ومن أعدادهن.\nوالحافظ ﵀ له تأويلات، لكن هذه في الفروع وستأتي تأويلات في الاعتقاد.\nقوله: (لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم) يعني: خير لك من أن تتصدق بها من جنسه، خير لك من أن تحصل على الإبل التي هي الحمر التي هي أنفس أموال العرب.\nوقوله: [ذكر الحث على تعليم كتاب الله وإن لم يتعلم الإنسان بالتمام].\nيعني: لو لم يتعلم تعلمًا كاملًا، ولو كان يحفظ بعض الآيات.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الفضل بن حباب الجمحي حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن جده عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: (تعلموا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، وعليكم بالزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو فرقان من طير تحاجان عن أصحابهما، وعليكم بسورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة)].\nالبطلة هم السحرة: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي شفيعًا يوم القيامة لأصحابه) هذا أخرجه مسلم في صحيحه، قال في تخريجه: حديث صحيح رجاله ثقات رجال مسلم، ويحيى بن أبي كثير وإن رواه بالعنعنة توبع عليه، وأخرجه الطبراني وذكره، وأخرجه مسلم في صلاة المسافرين باب: فضل قراءة القرآن.","vol":"6","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>الإخبار عما يجب على المرء من تعلم كتاب الله</span>\nقال ابن حبان رحمه الله تعالى في صحيحه: [ذكر الإخبار عما يجب على المرء من تعلم كتاب الله جل وعلا، واتباع ما فيه عند وقوع الفتن خاصة.\nأخبرنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير بن عبد الحميد عن مسعر بن كدام عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الصامت عن حذيفة قال: (قلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الخير الذي نحن فيه من شر نحذره؟ قال: يا حذيفة! عليك بكتاب الله فتعلمه واتبع ما فيه خيرًا لك)].\nحديث حذيفة هذا غير الحديث الطويل الذي رواه البخاري.\nقال في التخريج: إسناده صحيح على شرط الشيخين، سوى عبد الله بن الصامت فإنه من رجال مسلم، وأخرجه أحمد عن عبد الصمد عن حماد عن علي بن زيد اليشكري عن حذيفة، وعلي بن زيد بن جدعان ضعيف، وأخرجه مطولًا أحمد وأبو داود في الفتن، وأخرجه النسائي في فضائل القرآن.\nقوله: (قلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الخير الذي نحن فيه من شر نحذره؟ قال: يا حذيفة! عليك بكتاب الله فتعلمه واتبع ما فيه خيرًا لك).\nفيه تعلم الكتاب عند الفتن، والرجوع إلى كتاب الله والعمل بكتاب الله عند الفتن.\nوقوله في الترجمة: [ذكر الإخبار عما يجب على المرء من تعلم كتاب الله جل وعلا، واتباع ما فيه عند وقوع الفتن خاصة].\nيعني: كتاب الله هو المخرج من الفتن، والعلم يضيء للإنسان الطريق، وماذا يعمل إذا حضرت الفتن وهو لا يشعر، ومن ذلك أنه إذا كثرت الفتن، وخاف الإنسان على نفسه في آخر الزمان، ونزع الخير من المدن؛ فإنه يذهب إلى الصحراء يتعبد الله، ويفر بدينه من الفتن، أما إذا كانت المدن فيها خير وفيها صلوات ومساجد، وهناك من يقبل النصيحة فلا يخرج إلى الصحراء.","vol":"6","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>ذكر بيان بأن من خير الناس من تعلم القرآن وعلمه</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر بيان بأن من خير الناس من تعلم القرآن وعلمه.\nأخبرنا الفضل بن حباب الجمحي حدثنا عبد الله بن رجاء الغداني أخبرنا شعبة عن علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان قال: قال رسول الله ﷺ: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)].\nهذا رواه البخاري في الصحيح، وفيه: أن أهل القرآن هم خير الناس سواء الذين يعلمون القرآن أو يتعلمون.\nوالمراد: أن من تعلمه وعمل بما فيه هم خير الناس، فالأفضلية إنما تحصل بالعلم والعمل، أما من تعلم ولم يعمل بما فيه أو علمه وهو لا يعمل بما فيه فهذا ليس من خير الناس؛ لأنه ما عمل بكتاب الله وقد قامت عليه الحجة، فهو من شر الناس، فيكون من المغضوب عليهم الذي يعلمون ولا يعملون، نسأل الله العافية.\nفالمراد المتعلمون والمعلمون الذين يعملون بالقرآن، وهم أهل الله وخاصته، وفي صحيح مسلم عن النواس بن سمعان أن النبي ﷺ قال: (يؤتى بالقرآن وأهله الذي كانوا يعملون به تقدمهم سورة البقرة وآل عمران يحاجان عن صاحبهما يوم القيامة)، فلابد من العمل.\n[قال أبو عبد الرحمن: هذا الذي أقعدني هذا المقعد].\nهو أبو عبد الرحمن السلمي، وقد جلس للقرآن أربعين سنة لما بلغه هذا الحديث، وصار يعلم القرآن أربعين سنة!","vol":"6","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>ذكر الأمر باقتناء القرآن مع تعليمه</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الأمر باقتناء القرآن مع تعليمه: أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا زيد بن حباب عن موسى بن علية قال: سمعت أبي يقول: سمعت عقبة بن عامر يقول: قال رسول الله ﷺ: (تعلموا القرآن واقتنوه فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيًاَ من المخاض في العقل)].\nمن المخاض يعني الإبل.\nيقال: موسى بن علية ويقال: موسى بن علي أظنه تابعيًا.\nقال: [(تعلموا القرآن واقتنوه، فوالذي نفسي بيده! لهو أشد تفصيًا من المخاض في العقل) وفي الحديث الآخر: (تعاهدوا هذا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتًا أو تفصيًا من الإبل في عقلها).\nقال في التخريج: إسناده صحيح على شرط مسلم، وهو في المصنف لـ ابن أبي شيبة، وأخرجه أحمد والدارمي والنسائي.\nلا شك أن الإنسان عندما يقتني المصحف يحصل على خير عظيم، واقتناؤه وسيلة للقراءة والحفظ والاستفادة والتدبر.\nوحديث: (تعاهدوا هذا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتًا من الإبل في عقلها) رواه مسلم بهذا اللفظ.\nوفي الباب عن ابن مسعود سيذكره المؤلف، وقال: أخرجه مسلم.\nوموسى بن علية بضم أوله.","vol":"6","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>ذكر الزجر عن أن لا يستغني المرء بما أوتي من كتاب الله</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الزجر عن ألا يستغني المرء بما أوتي من كتاب الله عز وجلا.\nأخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة حدثنا يزيد بن موهب حدثنا الليث عن ابن أبي مليكة عن عبيد الله بن نهيك عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله ﷺ قال: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن)].\nاختلف في معنى (يتغن بالقرآن) قيل: يحسن صوته، وقيل: يستغني به.\nففي الترجمة: [ذكر الزجر عن ألا يستغني المرء بما أوتي من كتاب الله جل وعلا].\nومتن الحديث: [(ليس منا من لم يتغن بالقرآن).\nقال الشارح: تفسير التغني الوارد في الحديث بمعنى الاستغناء ذهب إليه سفيان بن عيينة كما نقل عنه ذلك البخاري عقب الحديث في فضائل القرآن، والجمهور أن معنى (يتغنى به): يجهر به ويحسن صوته به.\n[قال أبو حاتم: معنى قوله ﷺ: (ليس منا) في هذا الخبر يريد به: ليس مثلنا في استعمال هذا الفعل].\nهذا تأويل، وينبغي ألا يفسر هكذا، فهذا من باب الوعيد، وهذا التحذير لا يفسر ويترك على الزجر.\nقال: [لأننا نفعله، فمن فعل ذلك فليس مثلنا].\nكل هذا تأويل، ويقول مثل هذا النووي.\nقال الشارح: [قال الحافظ: وذكر الطبري عن الشافعي أنه سئل عن تأويل ابن عيينة التغني بالاستغناء فلم يرتضه، وقال: لو أراد الاستغناء لقال: لم يستغن، وإنما أراد تحسين الصوت، وقال الحافظ: ويؤيده رواية عبد الرزاق عن معمر: (ما أذن لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به)].\nهذا التأويل مشهور عن سفيان بن عيينة قال: (يتغنى) أي يستغني به، ولو كان معناه يستغني لقال: ليس منا من لم يستغن، والأقرب الذي ذهب إليه الجمهور بأن معنى: (يتغنى) يعني: يحسن صوته، ولهذا قال في اللفظ الآخر: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن يجهر به)، وفي اللفظ الآخر: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به)، والجمهور على أن معنى يتغنى، يعني: يحسن الصوت، وأما سفيان بن عيينة فيفسره بـ: يستغني به، وهذا قول فيه بُعد يخرج من اللفظ، والأقرب قول الجمهور: يحسن صوته.\nوذكر الشارح الأقوال نقلًا من الفتح فقال: [اختلف في معنى قوله: (يتغنى) على أربعة أقوال: أحدها تحسين الصوت، والثاني: الاستغناء، والثالث: التحزن قاله الشافعي، والرابع: التشاغل به، تقول العرب: تغنى بالمكان أقام به].\nوالمشهور القول الأول.","vol":"6","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>وصف من أعطي القرآن والإيمان أو أعطي أحدهما دون الآخر</span>\nقال المصنف ﵀: [ذكر وصف من أعطي القرآن والإيمان، أو أعطي أحدهما دون الآخر.\nأخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع حدثنا العباس بن الوليد النرسي حدثنا معتمر بن سليمان قال: سمعت عوفًا يقول: سمعت قسامة -هو ابن زهير - يحدث عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: (مثل من أعطي القرآن والإيمان كمثل أترجة طيب الطعم طيب الريح، ومثل من لم يعط القرآن ولم يعط الإيمان كمثل الحنظلة مرة الطعم لا ريح لها، ومثل من أعطي الإيمان ولم يعط القرآن كمثل التمرة طيبة الطعم ولا ريح لها، ومثل من أعطي القرآن ولم يعط الإيمان كمثل الريحانة مرة الطعم طيبة الريح)].\nهذا رواه الشيخان عن أبي موسى الأشعري ﵁، وفيه ترتيب غير الترتيب بهذا اللفظ: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الحنظلة لا ريح لها وطعمها مر)، المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب.\nهذا القرآن، وطعمها طيب: هذا الإيمان، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها؛ لأنه ليس معه قرآن، وطعمها حلو.\nهذا الإيمان، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب؛ لأن معه القرآن، وطعمها مر؛ لأن معه النفاق والكفر والعياذ بالله، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة لا ريح لها؛ لأنه ليس معه قرآن، وطعمها مر؛ لأن معه النفاق والعياذ بالله.","vol":"6","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>نفي الضلال عن الآخذ بالقرآن</span>\nقال ابن حبان رحمه الله تعالى في صحيحه: [ذكر نفي الضلال عن الآخذ بالقرآن.\nأخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو خالد الأحمر عن حميد بن جعفر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الخزاعي ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: (أبشروا وأبشروا، أليس تشهدون أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ قالوا: نعم، قال: فإن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا)].\nوهذا حق بلا شك، فإن من تمسك بالقرآن فإنه لا يضل، وأما من أعرض عن كتاب الله وسنة رسوله فهو الضال: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤].\nوالمراد أيضًا السنة؛ لأن السنة موضحة للقرآن وشارحة له، وهي وحي ثان.\nقال في التخريج: إسناده حسن على شرط مسلم، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، وقال الهيثمي في المجمع: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح.\nويستدل على هذا بالآية الكريمة، أن من اتبع القرآن فلن يضل ولا يشقى.","vol":"6","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>ذكر إثبات الهدى لمن اتبع القرآن والضلالة لمن تركه</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر إثبات الهدى لمن اتبع القرآن، والضلالة لمن تركه.\nأخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عفان حدثنا حسان بن إبراهيم عن سعيد بن مسروق عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم قال: (دخلنا عليه فقلنا له: لقد رأيت خيرًا، صحبت رسول الله ﷺ وصليت خلفه؟ فقال: نعم، وإنه ﷺ خطبنا فقال: إني تارك فيكم كتاب الله، هو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة)].\nكما قال الله: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤].\nقال: أخرجه مسلم في فضائل الصحابة.","vol":"6","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>ذكر البيان بأن القرآن من جعله أمامه بالعمل قاده إلى الجنة</span>\nقال رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن القرآن من جعله أمامه بالعمل قاده إلى الجنة، ومن جعله وراء ظهره بترك العمل ساقه إلى النار.\nأخبرنا الحسين بن محمد بن أبي معشر بحران حدثنا محمد بن العلاء بن كريب حدثنا عبد الله بن الأجلح عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي ﷺ قال: (القرآن مشفع وماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار)].\nمن جعل القرآن أمامه مقتديًا به، يمتثل الأوامر ويجتنب النواهي قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه لا يعمل به ساقه إلى النار والعياذ بالله.\nقال في التخريج: إسناده جيد، رجاله رجال الشيخين غير عبد الله بن أجلح فإنه لم يخرجا له ولا أحدهما، وهو صدوق، وأبو سفيان هو طلحة بن نافع، قال ابن عدي: أحاديث الأعمش عنه مستقيمة، وأخرجه البزار عن أبي كريب محمد بن العلاء بهذا الإسناد، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رجاله ثقات.\nقال أبو حاتم: [هذا خبر يوهم لفظه من جهل صناعة العلم أن القرآن مجعول مربوب، وليس كذلك، لكن لفظه مما نقول في كتبنا: إن العرب في لغتها تطلق اسم الشيء على سببه، كما تطلق اسم السبب على الشيء، فلما كان العمل بالقرآن قاد صاحبه إلى الجنة أطلق اسم ذلك الشيء الذي هو العمل بالقرآن على سببه الذي هو القرآن لا أن القرآن يكون مخلوقًا].\nهذا فيه إشكال، فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة المعنى: أنه يمتثل الأوامر ويجتنب النواهي، وكلمة جعل ما ثبت أنها تدل على الخلق، ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل:٩١]، وسيأتي أن ابن حبان ﵀ ليس عنده تحقيق في مسألة العقيدة وله أغلاط ﵀، وهذا مما أشكل عليه.\nوالحديث ليس فيه إشكال كما قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾، ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر:٩١] هذا لا يشكل، وهذه اللغة واضحة ما فيها إشكال.\nوقصد أبو حاتم الرد على المعتزلة الذين يقولون: القرآن مخلوق، ويستدلون بقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:٣]، ويقولون: جعل بمعنى خلق، وهذا باطل؛ لأن جعل إذا تعدت إلى مفعولين لا تكون بمعنى خلق، إنما إذا تعدت إلى مفعول واحد، يقول الله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠] بمعنى خلق، أما إذا تعدت إلى مفعولين فلا: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:٣] أي: صيرناه، يقول: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل:٩١]، ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر:٩١] كل هذا ليس بمعنى الخلق، فقصده أن يرد على المعتزلة الذين يقولون: إن القرآن مخلوق، ويفسرون جعل بمعنى خلق.","vol":"6","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>ذكر إباحة الحسد لمن أوتي كتاب الله</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر إباحة الحسد لمن أوتي كتاب الله تعالى فقام به آناء الليل والنهار.\nأخبرنا محمد بن أحمد بن أبي عون حدثنا ابن أبي عمر العدني حدثنا سفيان عن الزهري عن سلمان عن أبيه أن النبي ﷺ قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار)].\nوهذا رواه الشيخان البخاري ومسلم، والمراد بالحسد الغبطة: (لا حسد إلا في اثنتين) أي: في خصلتين، والحسد حسدان: حسد يتمنى صاحبه أن تزول النعمة وهذا حرام، وهذا يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، والحسد الثاني هو الغبطة، بمعنى أنك تتمنى أن تكون مثله من غير أن تذهب النعمة عنه.\n(رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار) يعني: يعمل به، (ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار) يكثر من مشاريع الخير.\nوفي لفظ آخر: (رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها، ورجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق) يعني: أنفقه في مشاريع الخير وفي الحق: (ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها) يدعو الناس إلى العمل الصالح.\nقال في تخريجه: رواه البخاري في التوحيد ومسلم.","vol":"6","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>ذكر البيان بأن قوله: (فهو ينفق منه) أراد به فهو يتصدق به</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن قوله ﷺ: (فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار) أراد به فهو يتصدق به.\nأخبرنا ابن قتيبة حدثنا حرملة حدثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني سالم بن عبد الله عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: (لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الله هذا الكتاب فقام به آناء الليل والنهار، ورجل أعطاه الله مالًا فتصدق به آناء الليل وآناء النهار)].\n(ينفق آناء الليل والنهار) يعني: يتصدق به وينفقه في المشاريع الخيرية.","vol":"6","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن الخلفاء الراشدين وكبار الصحابة لا يجوز أن يخفى عليهم بعض أحكام الوضوء والصلاة</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن الخلفاء الراشدين والكبار من الصحابة غير جائز أن يخفى عليهم بعض أحكام الوضوء والصلاة].\nيعني: قد يخفى عليهم شيء ولو كانوا كبارًا، وقد يخفى على العالم شيء ويدركه غيره ممن هو أقل منه.\n[أخبرنا عمر بن محمد الهمداني حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: سمعت أبي قال: حدثنا حسين المعلم أن يحيى بن أبي كثير حدثه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عطاء بن يسار عن زيد بن خالد الجهني أنه سأل عثمان بن عفان عن الرجل إذا جامع ولم ينزل؟ قال: فليس عليه شيء، ثم قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ، قال: سألت بعد ذلك علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأبي بن كعب ﵁ فقالوا مثل ذلك، قال أبو سلمة: وحدثني عروة بن الزبير أنه سأل أبا أيوب الأنصاري فقال مثل ذلك عن النبي ﷺ.\n].\nكان في أول الإسلام إذا جامع الإنسان ولم ينزل فإنه يغسل ذكره ويتوضأ، ثم نسخ ذلك بوجوب الغسل، وهذا كان على الأمر الأول، وقد خفي عليهم الناسخ، وكان الأولى أن يذكر بعده الناسخ.","vol":"6","page":16},{"text":"شرح صحيح ابن حبان_<span data-type=\"title\" id=toc-122>كتاب الإيمان [١]</span>\nاختلف العلماء في حكم أطفال المشركين، فمنهم من قال: إنهم في الجنة واستدل بحديث: (كل مولود يولد على الفطرة) وحديث النهي عن قتلهم، ومنهم من قال: هم في النار تبعًا لآبائهم واستدل بحديث: (هم منهم)، ومنهم من توقف واستدل بحديث: (الله أعلم بما كانوا عاملين).","vol":"7","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>كتاب الإيمان</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحسين بن عبد الله بن يزيد القطان حدثنا موسى بن مروان الرقي حدثنا مبشر بن إسماعيل عن الأوزاعي عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه)].\nهذا الحديث أخرجه الشيخان البخاري ومسلم رحمهما الله، والفطرة هي الإسلام، يعني: أنه مفطور على معرفة الله، مفطور على إفراد الله بالربوبية، ولو ترك ونفسه من غير المؤثرات الخارجية لمال إلى الخير ولقبل الخير؛ لأنه مفطور على معرفة الله ووحدانيته فيميل إلى الخير.\nوفيه: أنه مولود على الإسلام، وهذا لفظ عام، ولهذا قال النبي ﷺ: (كل مولود يولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه أوينصرانه أويمجسانه)، ينقلانه إلى الكتابية أو النصرانية أو المجوسية، ولم يقل: يمسلمانه، فدل على أن الفطرة هي الإسلام.","vol":"7","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>ذكر إثبات الألف بين الأشياء الثلاثة التي ذكرت في حديث الفطرة</span>\nقال المصنف ﵀: [ذكر إثبات الألف بين الأشياء الثلاثة التي ذكرناها.\nأخبرنا عمر بن محمد الهمداني حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (كل مولود يولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)].\nأو بدون الألف، قال: إسناده صحيح على شرط مسلم.\nقال أبو حاتم: [قوله ﷺ: (كل مولود يولد على الفطرة) أراد به: على الفطرة التي فطره الله عليها جل وعلا يوم أخرجهم من صلب آدم؛ لقوله جل وعلا: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠] يقول: لا تبديل لتلك الخلقة التي خلقهم لها، إما لجنة وإما لنار، حيث أخرجهم من صلب آدم، فقال: هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار، ألا ترى أن غلام الخضر قال ﷺ: (طبعه الله يوم طبعه كافرًا) وهو بين أبوين مؤمنين، فأعلم الله ذلك عبده الخضر، ولم يعلم ذلك كليمه موسى ﷺ، على ما ذكرنا في غير موضع من كتبنا].\nوهذا دليل على أن الخضر نبي أوحي إليه على الصحيح، خلافًا للجمهور القائلين بأنه عبد صالح، والصواب أنه نبي؛ لأنه قال: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢] بل عن أمر الله.\nلكن موسى أفضل منه؛ لأنه من أولي العزم.","vol":"7","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن حديث الفطرة تفرد به حميد بن عبد الرحمن</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر تفرد به حميد بن عبد الرحمن.\nأخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (كل مولود يولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتجون إبلكم هذه، هل تحسون فيها من جدعاء؟)].\n(كما تنتجون)، تنتج على الوقت الذي هو محدد لها.\n[(ثم يقول أبو هريرة ﵁: فاقرءوا إن شئتم: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠]).\nقال أبو حاتم: قوله ﷺ: (فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) مما نقول في كتبنا: إن العرب تضيف الفعل إلى الآمر كما تضيفه إلى الفاعل، فأطلق ﷺ التهود والتنصر والتمجس على من أمر ولده بشيء منها بلفظ الفعل؛ لا أن المشركين هم الذين يهودون أولادهم أو ينصرونهم أو يمجسونهم دون قضاء الله ﷿ في سابق علمه في عبيده].\nالمراد: أنهم بتعليمهم إياهم يتسببون في انتقالهم إلى اليهودية والنصرانية والمجوسية، وإلا فالله هو المقدر، ولا يوجد شيء إلا بقضاء الله وقدره.\nأي: أن الله تعالى هو الهادي والمضل، يهدي من يشاء ويضل من يشاء، يهدي من يشاء بفضله ورحمته، ويضل من يشاء بعدله وحكمته.\nأحد الأقوال وهو رواية عن الإمام أحمد أن الفطرة الخلقة التي خلق عليها، والقول الثاني: أن الفطرة هي الإسلام، وقيل: الفطرة هي الدين، لكن ليس معنى ذلك أن الإنسان يعرف الشريعة بالفطرة ولا حاجة إلى الرسل، بل المعنى أنه يقر بوجود الله ويعرف ربه، ويقبل الحق ممن جاء به إلا إذا غير، وإلا لو كان معنى الفطرة: أنه يولد ويعرف كل شيء لم يكن هناك حاجة إلى الرسل، بل المعنى: أنه يقبل ما جاءت به الرسل إلا إذا جاءته مؤثرات خارجية.\nقال: [على ما أمر ولده بشيء منها بلفظ الفعل، لا أن المشركين هم الذين يهودون أولادهم أو ينصرونهم أو يمجسونهم دون قضاء الله ﷿ في سابق علمه في عبيده، وعلى حسب ما ذكرنا في غير موضع من كتبنا، وهذا كقول ابن عمر ﵁: (إن النبي ﷺ حلق رأسه في حجته) يريد به: أن الحالق فعل ذلك به ﷺ لا نفسه، وهذا كقوله ﷺ: (من حين يخرج أحدكم من بيته إلى الصلاة فخطوتاه إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة) يريد: أن الله يأمر بذلك، لا أن الخطوة تحط الخطيئة أو ترفع الدرجة، وهذا كقول الناس: الأمير ضرب فلانًا ألف سوط، يريدون: أنه أمر بذلك لا أنه فعل بنفسه].","vol":"7","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>ذكر خبر قد يوهم عالمًا من الناس أنه مضاد لحديث الفطرة</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر قد يوهم عالمًا من الناس أنه مضاد للخبرين اللذين ذكرناهما قبل.\nأخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة حدثنا حرملة بن يحيى حدثنا ابن وهب أنبأنا يونس عن ابن شهاب أن عطاء بن يزيد أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: (سئل رسول الله ﷺ عن ذراري المشركين، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين)].\nهذا في الصحيحين، أخرجه البخاري في الجنائز ومسلم.\nقال: [ذكر خبر قد يوهم عالمًا من الناس أنه مضاد للخبرين اللذين ذكرناهما قبل].\nهذا قاله النبي ﷺ لما سألته عائشة قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، وهذا لا ينافي قول: الله أعلم بما كانوا عاملين، وبما يصيرون إليه، وإن كانوا يولدون على الفطرة ومحبة الخير، لكن الله أعلم بما يصيرون إليه.","vol":"7","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>ذكر خبر أوهم من لم يحكم صناعة الحديث أنه مضاد لحديث أبي هريرة في مآل ذراري المشركين</span>\nقال المصنف ﵀: [ذكر خبر أوهم من لم يحكم صناعة الحديث أنه مضاد لخبر أبي هريرة الذي ذكرناه.\nأخبرنا الفضل بن حباب الجمحي حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا السري بن يحيى أبو الهيثم -وكان عاقلًا- حدثنا الحسن عن الأسود بن سريع - وكان شاعرًا، وكان أول من قص في هذا المسجد- قال: أفضى بهم القتل إلى أن قتلوا الذرية، فبلغ النبي ﷺ فقال: (أوليس خياركم أولاد المشركين؟ ما من مولود يولد إلا على فطرة الإسلام حتى يعرب، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه)].\nقال أبو حاتم في خبر الأسود بن سريع هذا: (ما من مولود يولد إلا على فطرة الإسلام) أراد به الفطرة التي يعتقدها أهل الإسلام التي ذكرناها قبل، حيث أخرج الخلق من صلب آدم، فإقرار المرء بتلك الفطرة من الإسلام، فنسب الفطرة إلى الإسلام عند الاعتقاد على سبيل المجاورة].\nقال في التخريج: رجاله ثقات، وأخرجه الطبراني في الكبير عن الفضل بن حباب بهذا الإسناد، وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير والصغير عن مسلم بن إبراهيم بهذا الإسناد.\nقال: [عن الأسود بن سريع وكان شاعرًا، وكان أول من قص في هذا المسجد قال: أفضى بهم القتل إلى أن قتلوا الذرية، فبلغ النبي ﷺ فقال: (أوليس خياركم أولاد المشركين؟ ما من مولود يولد إلا على فطرة الإسلام)].\nلا شك أن الصحابة كلهم كانوا بعد الإسلام خيارًا، وكان آباء كثير منهم على الشرك، وهذا لا يمنع أن يكونوا قد ولدوا على الفطرة.\nقال المحشي: [وقوله: (حتى يعرب) أي: يفصح ويتكلم، وفي رواية ابن أبي شيبة: حتى يبلغ فيعبر عن نفسه].\nهو مولود على الفطرة حتى يبلغ، ثم بعد ذلك يختار.","vol":"7","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>ذكر الخبر المصرح بأن قوله: (الله أعلم بما كانوا عاملين) كان بعد قوله: (كل مولود يولد على الفطرة)</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر المصرح بأن قوله ﷺ: (الله أعلم بما كانوا عاملين) كان بعد قوله: (كل مولود يولد على الفطرة): أخبرنا عمر بن سعيد الطائي بمنبج أخبرنا أحمد بن أبي بكر الزهري عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه كما تناتج الإبل من بهيمة)].\nتنتج على اللفظ المبني للمجهول، وهو مروي للمعلوم عنه الشيء الملازم تناتج، والمعروف تنتج، يراجع هذا.\n[(كما تناتج الإبل من بهيمة جمعاء، هل تحس من جدعاء؟ قالوا: يا رسول الله! أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين).\nفقوله: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، هو بعد قوله: (كل مولود يولد على الفطرة)، استدل به المؤلف ﵀ فقال: (كل مولود يولد على الفطرة) قال: الفطرة هي الإسلام، ثم قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين).","vol":"7","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>ذكر العلة التي من أجلها قال: (أوليس خياركم أولاد المشركين)</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر العلة التي من أجلها قال ﷺ: (أوليس خياركم أولاد المشركين).\nسمعت أبا خليفة يقول: سمعت عبد الرحمن بن بكر بن الربيع بن مسلم يقول: سمعت الربيع بن مسلم يقول: سمعت محمد بن زياد يقول: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: (عجب ربنا من أقوام يقادون إلى الجنة في السلاسل)].\nإسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه أحمد والبخاري.\nقال: [(عجب ربنا من أقوام يقادون إلى الجنة في السلاسل)].\nفيه إثبات العجب لله ﷿، وقوله: (بالسلاسل) يعني: بالجهاد، يقاتلون ثم يسلمون فيدخلون في الإسلام، يعني: يقاتلهم المسلمون، ثم يمن الله عليهم بالإسلام، فبالقوة يدخلون إلى الإسلام، ويقادون إلى الجنة بالسلاسل.\n[قال أبو حاتم: قوله ﷺ: (عجب ربنا) من ألفاظ التعارف التي لا يتهيأ علم المخاطب بما يخاطب به في القصد إلا بهذه الألفاظ التي استعملها الناس فيما بينهم، والقصد في هذا الخبر: السبي الذي يسبيهم المسلمون].\nهذا غلط من أبي حاتم فقد أنكر صفة العجب، وله أغلاط أخرى في العقيدة، قوله: من الألفاظ التي يتعارف عليها، يعني: يقصد إنكار العجب، والصواب: أن هذا فيه صفة العجب لله ﷿، وفي الحديث الآخر: (عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره)، (يعجب ربكم من شاب ليست له صبوة)، وفي قراءة: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات:١٢] (بل عجبتُ ويسخرون)، على هذا فيه إثبات العجب لله، «بَلْ عَجِبْتُ» على إحدى القراءتين، قراءة حفص: «بَلْ عَجِبْتَ» الخطاب للرسول، وقراءة (بل عجبتُ) فيه إثبات العجب لله، فـ أبو حاتم ﵀ له تأويل في الصفات، قال أبو حاتم: هذا من الألفاظ التي نتعارف عليها، وليس المقصود إثبات العجب.\nهكذا! من الألفاظ المتعارف عليها يخاطب الناس بما يعرفون، فأنكر بذلك صفة العجب لله.\nفمعنى: (عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل) يعني: يجاهدهم ويقاتلهم المسلمون ويسبونهم ويكتفونهم، ثم يدخلون الإسلام ويدخلون الجنة.\nقال: [والقصد في هذا الخبر السبي الذي يسبيهم المسلمون من دار الشرك مكتفين بالسلاسل يقادون بها إلى دور الإسلام حتى يسلموا فيدخلون الجنة، ولهذا المعنى أراد ﷺ بقوله في خبر الأسود بن سريع: (أوليس خياركم أولاد المشركين)، وهذه اللفظة أطلقت أيضًا بحذف (من) عنها، يريد: أو ليس من خياركم].\nيعني: أن الصحابة كان آباؤهم مشركين.","vol":"7","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>ذكر خبر أوهم من لم يحسن طلب العلم من مظانة أنه مضاد لما ورد في مآل ذراري المشركين</span>\nقال المصنف ﵀: [ذكر خبر أوهم من لم يحسن طلب العلم من مظانه أنه مضاد للأخبار التي تقدم ذكرنا لها].\nالذي لا يهتم بالعلم وأخذه من مصادره يغلط.\nقال: [ذكر خبر أوهم من لم يحسن طلب العلم من مظانه أنه مضاد للأخبار التي تقدم ذكرنا لها.\nأخبرنا عمر بن سعيد بن سنان أنبأنا أحمد بن أبي بكر عن مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄ (أن رسول الله ﷺ رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة فأنكر ذلك ونهى عن قتل النساء والصبيان).\nقوله: [ذكر خبر أوهم من لم يحسن طلب العلم من مظانه أنه مضاد للأخبار التي ذكرنا لها].\nالأخبار السابقة هل فيها الأمر بالقتل: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، يعني: (خياركم أولاد المشركين)، ونهى عن قتل النساء والصبيان؟! هذا من محاسن الإسلام؛ لأن النساء والصبيان ليسوا من أهل السلاح ولا يحملون السلاح فلا يقتلون، وكونه نهى عن قتل النساء والصبيان فهذه أحكام، وهم لهم أحكامهم في الدنيا ولهم أحكام في الآخرة، وأحكامهم في الدنيا أنهم لا يقتلون وحدهم، لكن إذا بيت المسلمون المشركين قتلوا معهم، لكن أولاد المشركين الصواب أنهم في الجنة إذا ماتوا قبل البلوغ.","vol":"7","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>ذكر الخبر المصرح بأن نهي النبي عن قتل الذراري كان بعد قوله: (هم منهم)</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر المصرح بأن نهيه ﷺ عن قتل الذراري من المشركين كان بعد قوله ﷺ: (هم منهم).\nأخبرنا جعفر بن سنان القطان بواسط حدثنا العباس بن محمد بن حاتم حدثنا محمد بن عبيد حدثنا محمد بن عمرو عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا حمى إلا لله ورسوله، وسألته عن أولاد المشركين أنقتلهم معهم؟ قال: نعم فإنهم منهم)، ثم نهى عن قتلهم يوم حنين].\nالنهي إذا تميزوا، وإذا اختلطوا يقتلون.","vol":"7","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>ذكر خبر قد أوهم من أغضى عن علم السنن أن أطفال المسلمين يخاف عليهم النار</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر قد أوهم من أغضى عن علم السنن واشتغل بضدها أنه مضاد للأخبار التي ذكرناها قبل].\nالتراجم يدخل بعضها في بعض، وإذا أردت أن تربط عناوين الكتاب فانظر الفهرس.\nقال: [ذكر خبر قد أوهم من أغضى عن علم السنن واشتغل بضدها أنه مضاد للأخبار التي ذكرناها قبل.\nأخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير بن عبد الحميد عن العلاء بن المسيب عن فضيل بن عمرو عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: (توفي صبي، فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال النبي ﷺ: أولا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار، فخلق لهذه أهلًا ولهذه أهلًا؟)].\nقال في التخريج: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه مسلم في القدر.\nقال ابن حاتم: [أراد النبي ﷺ بقول هذا ترك التزكية لأحد مات على الإسلام، ولئلا يشهد بالجنة لأحد، وإن عرف منه إتيان الطاعات، والانتهاء عن المزجورات].\nالمراد ألا يشهد لأحد بعينه بخصوصه لما قالت: (طوبى له عصفور من عصافير الجنة)، ولهذا قال: (أو غير ذلك)، وإلا أولاد المؤمنين في الجنة ولا شك في هذا، لكن لما خصصت شخصًا بعينه أنكر عليها النبي ﷺ الشهادة له بخصوصه لما في ذلك من التزكية.\nقال أبو حاتم: [أراد النبي ﷺ بقوله هذا ترك التزكية لأحد مات على الإسلام، ولئلا يشهد بالجنة لأحد، وإن عرف منه إتيان الطاعات، والانتهاء عن المزجورات؛ ليكون القوم أحرص على الخير، وأخوف من الرب، لا أن الصبي الطفل من المسلمين يخاف عليه النار، وهذه مسألة طويلة قد أمليناها بفصولها والجمع بين هذه الأخبار في كتاب فصول السنن، وسنمليها إن شاء الله تعالى بعد هذا الكتاب في كتاب الجمع بين الأخبار ونفي التضاد عن الآثار، إن يسر الله تعالى ذلك وشاء].","vol":"7","page":11},{"text":"شرح صحيح ابن حبان_<span data-type=\"title\" id=toc-133>كتاب الإيمان [٢]</span>\nلا يكلف العباد إلا بما يطيقون، ولا إكراه في الدين فإنه موافق للفطرة، فلا يمتنع من الدخول فيه بعد تبين الرشد له إلا من أعمى الله بصيرته وختم على سمعه وقلبه، والواجب على الإنسان أن يقبل دين الفطرة ويدفع الوساوس التي يلقيها الشيطان على قلبه.","vol":"8","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>باب التكليف</span>\nقال ابن حبان رحمه الله تعالى: [باب التكليف.\nذكر الإخبار عن نفي تكليف الله عباده ما لا يطيقون].\nهذه الترجمة أنكرها شيخ الإسلام ابن تيمية، فلا يرى أنها تكليف؛ وإنما هذا حق الله تعالى لكن لا يسمى تكليفًا؛ لأن ليس فيه كلفة ولا مشقة، وإن كان أصل الكلفة موجودًا، لكن لا يسمى كلفة.\nقال: [أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا محمد بن منهال الضرير حدثنا يزيد بن زريع حدثنا روح بن القاسم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: (لما نزلت على النبي ﷺ هذه الآية: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٨٤]، أتوا النبي ﷺ فجثوا على الركب، وقالوا: لا نطيق، لا نستطيع، كلفنا من العمل ما لا نطيق ولا نستطيع، فأنزل الله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٢٨٥] إلى قوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]، فقال النبي ﷺ: لا تقولون كما قال أهل الكتاب من قبلكم: سمعنا وعصينا، بل قولوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]، فأنزل الله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] قال: نعم، ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] قال: نعم، ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٨٦] قال: نعم)].\nوهذا رواه مسلم في الصحيح، وفيه: أن الله تعالى نسخ الآية الأولى بالآية التي بعدها.\nفي مسلم: أن الصحابة جاءوا إلى النبي وجثوا على الركب، وقالوا: يا رسول الله! كلفنا من الأعمال ما نطيق؛ الصلاة والصيام وأنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ﴾ [البقرة:٢٨٤] من يستطيع أن يزيل ما في نفسه؟ لا أحد يستطيع ذلك، فقال النبي: (أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة:٩٣]، بل قولوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥]، فقالوا: «سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا»، فلما قرأها القوم وذلت لها أنفسهم وألسنتهم أنزل الله في إثرها: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]).\nرواه مسلم في الصحيح.\nيعني: أن الصحابة سموا هذا تكليفًا، وقالوا: كلفنا، ولم ينكر عليهم النبي ﷺ، وشيخ الإسلام يعارض في تسميتها تكليفًا، وقد يقال: إن الصحابة قالوا للنبي: (كلفنا يا رسول الله من العمل ما نطيق)، ولم ينكر قول: كلفنا، نعم الله كلف العباد وألزمهم بأن يعبدوه ويسجدوا له؛ لأن العباد مخلوقون لهذا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].\nقال: أخرجه مسلم في صحيحه في باب الإيمان.","vol":"8","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>ذكر الإخبار عن الحالة التي من أجلها أنزل الله: (لا إكراه في الدين)</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الإخبار عن الحالة التي من أجلها أنزل جل وعلا: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦].\nأخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل ببست قال: حدثنا حسن بن علي الحلواني حدثنا وهب بن جرير حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]، قال: كانت المرأة من الأنصار لا يكاد يعيش لها ولد؛ فتحلف لئن عاش لها ولد لتهودنه، فلما أجليت بنو النضير إذا فيهم ناس من أبناء الأنصار، فقالت الأنصار: يا رسول الله! أبناؤنا؛ فأنزل الله هذه الآية: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦].\nقال سعيد بن جبير: فمن شاء لحق بهم، ومن شاء دخل في الإسلام].\nهذا موقوف على ابن عباس، قال في تخريجه: إسناده صحيح على شرطهما وأبو بشر هو جعفر بن إياس بن أبي وحشية، وأخرجه أبو داود والبيهقي.\nهذا موقوف على ابن عباس، قال: كانت المرأة من الأنصار لا يأتي لها ولد، فتنذر أو تحلف لئن عاش لتهودنه، فلما أجليت بنو النضير، قالوا: أبناؤنا الذين نذروا وحلفوا ليهودونهم معهم، فأنزل الله: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦].","vol":"8","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>ذكر البيان بأن الفرض الذي جعله الله نفلًا جائز أن يفرض ثانيًا</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن الفرض الذي جعله الله جل وعلا نفلًا جائز أن يفرض ثانيًا، فيكون ذلك الفعل الذي كان فرضًا في البداية فرضًا ثانيًا في النهاية].\nأي: إذا كان الأمر فرضًا ثم خفف فصار نفلًا قد يفرض مرة أخرى.\n[أخبرنا عمر بن سعيد بن سنان الطائي بمنبج قال: حدثنا سعيد بن حفص النفيلي قال: قرأنا على معقل بن عبيد الله عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها أخبرته: (أن رسول الله ﷺ خرج ليلة في رمضان فصلى في المسجد، فصلى رجال وراءه بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا بذلك، فاجتمع أكثر منهم، فخرج رسول الله ﷺ الثانية فصلوا بصلاته فأصبح الناس فتحدثوا بذلك، فاجتمع أهل المسجد الليلة الثالثة، فخرج رسول الله ﷺ فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ إلا لصلاة الفجر، فلما قضيت صلاة الفجر أقبل على الناس فتشهد، ثم قال: أما بعد: فإنه لم يخف علي مكانكم، ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتقعدوا عنها، وكان رسول الله ﷺ يرغبهم في قيام شهر رمضان من غير أن يأمرهم بقضاء أمر فيه، يقول: من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)].\nوكان هذا في رمضان، صلى بهم ثلاث ليال، ثم ترك خشية أن يفرض عليه، وبقيت صلاة الناس أوزاعًا في خلافة أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر، يصلي الرجل وحده، ويصلي الرجل ومعه الرجلان، ثم جمعهم عمر على إمام واحد.\nقال أبو حاتم: [فخرج رسول الله ﷺ والأمر على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر رضوان الله عليهم أجمعين].\nالتخريج: إسناده حسن، معقل بن عبيد الله حديثه لا يرقى إلى الصحة، وأخرجه مسلم في صلاة المسافرين.\nوجه الدلالة: أن الأمر الذي كان واجبًا، ثم كان مستحبًا، قد يكون فرضًا، يعني: أنه كان يخشى أن تفرض عليهم صلاة الليل، وكأن المؤلف ﵀ رأى أن قيام الليل كان واجبًا على الأمة، ثم نسخ فصار نفلًا، ثم يمكن أن يكون فرضًا آخر، ولهذا خشي النبي ﷺ أن يفرض عليهم قيام الليل مرة ثانية، فلهذا ترك القيام معهم، وهذا على القول بأن قيام الليل كان واجبًا في أول الإسلام على النبي ﷺ وعلى الأمة، ثم نسخ فصار نفلًا في حق الأمة، ويمكن أن يعود الفرض مرة أخرى، ولهذا خاف النبي ﷺ عليهم فلم يخرج في الليلة الرابعة لئلا يفرض عليهم مرة أخرى.\nقال: [ذكر البيان بأن الفرض الذي جعله الله جل وعلا نفلًا].\nيعني قيام الليل صار نفلًا بعد أن كان فرضًا.\nقال: [جائز أن يفرض ثانيًا].\nفيكون واجبًا مرة ثانية.","vol":"8","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>ذكر الإخبار عن العلة التي من أجلها إذا عدمت رفعت الأقلام عن الناس</span>\nقال ابن حبان رحمه الله تعالى في صحيحه: [ذكر الإخبار عن العلة التي من أجلها إذا عدمت رفعت الأقلام عن الناس في كتبة الشيء عليهم.\nأخبرنا أبو يعلى حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا حماد بن سلمة عن حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الغلام حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق)].\nحتى يحتلم يعني: يبلغ، فإنه يرفع عنه القلم، (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصغير حتى يبلغ).\nقال: إسناده صحيح على شرط مسلم، وحماد هو ابن أبي سليمان الأشعري مولاهم أبو إسماعيل الكوفي الإمام الثقة المجتهد، وأخرجه أحمد والدارمي وأبو داود والنسائي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\n[ذكر الإخبار عن العلة التي من أجلها إذا عدمت رفعت الأقلام عن الناس في كتبة الشيء عليهم].\nالكلام الآن على التكليف ورفع قلم التكليف، والنائم رفع عنه القلم، فلو انقلب على شخص وقتله لا يأثم، لكن عليه الدية؛ أو أتلف شيئًا وهو نائم فعليه أن يغرم لكن لا يأثم؛ لأنه ليس بوعيه، لكن المتلفات لابد من عزمها، ومثل ذلك المرأة لو انقلبت على طفلها فمات لا تأثم، لكن عليها الدية والكفارة، وكذلك المجنون لو قتل شخصًا لا يأثم؛ لأنه لا عقل له، لكن عاقلته تلزمهم الدية، وكذلك الصبي الصغير لو قتل شخصًا أو أتلف شيئًا لا يأثم؛ لأنه رفع عنه القلم، لكن يغرم ما أتلفه من ماله أو من عاقلته، وعلى العاقلة دية المقتول، وهكذا الصبي لو قتل شخصًا أو أتلف شيئًا لا يأثم؛ لأنه مرفوع عنه القلم لكن يغرم ما أتلفه من ماله أو من عاقلته، وكذا لو كان المرء في غيبوبة فإنه مرفوع عنه القلم في غيبوبته وليس عليه تكليف.\nوللزوج أن يتنازل عن دية الطفل الذي مات بسبب أمه، لكن لا تسقط عنها الكفارة، وإن لم تستطع فتبقى في ذمتها حتى تستطيع.","vol":"8","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>ذكر خبر ثان يصرح بصحة ما سبق ذكره في رفع القلم عن فئات من الناس</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [قال ذكر خبر ثان يصرح بصحة ما ذكرناه.\nأخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب أخبرني جرير بن حازم عن سليمان بن مهران عن أبي ظبيان عن ابن عباس ﵄ قال: مر علي بن أبي طالب ﵁ بمجنونة بني فلان قد زنت أمر عمر برجمها، فردها علي وقال لـ عمر: يا أمير المؤمنين! أترجم هذه؟ قال: نعم.\nقال: أو ما تذكر أن رسول الله ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب عن عقله، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم)؟ قال: صدقت.\nفخلى عنها].\nقال في تخريجه: رجاله ثقات رجال مسلم، وأبو ظبيان هو حصين بن جندب بن الحارث الجنبي بفتح الجيم أبو ظبيان الكوفي حدث عن حذيفة وسلمان وعلي وطائفة، وعنه ابنه قابوس بن حصين وسماك وعطاء.\nوثقه ابن معين توفي سنة تسعين وقيل: سنة خمس أو ست وتسعين.\nوالحديث أيضًا في صحيح ابن خزيمة، وأخرجه أبو داود والنسائي، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وأخرجه النسائي من طريق إسرائيل عن أبي حصين عن أبي ظبيان عن علي موقوفًا عليه.\nوأخرجه الترمذي والنسائي في الرجم كما في التحفة، وأحمد والبيهقي من طريقين عن الحسن البصري عن علي مرفوعًا.\nوهذه القصة موافقة للحديث فالمجنون مرفوع عنه القلم.","vol":"8","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>صحة حج الصبي ومن في حكمه، وحصول الأجر للمتسبب في حجه</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على صحة ما تأولنا الخبرين الأولين اللذين ذكرناهما، بأن القلم رفع عن الأقوام الذين ذكرناهم في كتبة الشر عليهم دون كتبة الخير لهم].\nأي أن الخير يكتب لهم والشر لا يكتب عليهم.\n[أخبرنا عمر بن محمد الهمداني حدثنا عبد الجبار بن العلاء حدثنا سفيان قال: سمعت إبراهيم بن عقبة قال: سمعت كريبًا يخبر عن ابن عباس ﵄ (أن النبي ﷺ صدر من مكة -أي: خرج - فلما كان بالروحاء، استقبله ركب فسلم عليهم، فقال: من القوم؟ قالوا: المسلمون، فمن أنت؟ قال: رسول الله ﷺ، ففزعت امرأة منهم، فرفعت صبيًا لها من محفة وأخذت بعضلته فقالت: يا رسول الله! هل لهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر)].\nالحديث رواه مسلم في صحيحه، وفيه دليل على صحة حج الصبي ولو كان طفلًا في المهد، فإنه إذا عمل الخير يكتب له، قوله: (ألهذا حج؟ قال: نعم له حج ولك أجر) أي: لها أجر المعونة والسبب، وهذا يدل على أن الصبي إذا فعل الخير يكون الأجر له، ونسمع عن بعض العامة أنهم يقولون: إذا حج الصبي يكون حجه لأبيه، أو لأمه، أو لجده، أو لجدته، وهذا لا أصل له، بل يكون الأجر له، وللمتسبب على المعونة، إذ إن التسبب له أجر آخر، غير أجر الحج، وعلى وليه أن يكشف رأسه عند أداء النسك إن كان ذكرًا ويلبسه إزارًا ورداءً ويطوف به وينوي عنه ولو كان في المهد، ويطوف به ويسعى ثم يقصر عنه، وإذا لم يتم الحج يلزم وليه أن يتمه ولا يجزئه ذلك عن حجة الإسلام، بل عليه إذا بلغ أن يحج، وكذلك العبد إذا أذن له سيده يصح حجه، ولا يكفيه عن الفرض كما جاء في الحديث: (أيما صبي حج ثم بلغ الحلم فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى)، ويقاس على الصبي المجنون؛ لأن كلًا منهما مرفوع عنه القلم، فحكمهما واحد.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [قال إبراهيم: فحدثت بهذا الحديث ابن المنكدر فحج بأهله أجمعين]، وإنما فعل ذلك حتى يستفيدوا ويؤجروا، والحديث رواه مسلم في باب صحة حج الصبي.\nمسألة: المرأة إذا قتلت ابنها وهي نائمة؛ فإن الدية على العاقلة وعليها الكفارة.\nوإذا مات القاتل ولم يكمل الكفارة، فإنه يلزم وليه أن يكملها.","vol":"8","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>مدافعة الوساوس في ذات الله صريح الإيمان</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الإخبار عما وضع الله من الحرج عن الواجد في نفسه ما لا يحل له أن ينطق به].\nأي: الوساوس التي تكون في نفس الإنسان، فإذا وجد في نفسه الوساوس فليس عليه إثم، لكن عليه أن يدافعها وإذا كانت وساوسًا تمر ولا تستقر فلا ينظر إليها، لكن عليه أن يدافعها ويحاربها ولا ينطق بها فإن فعل فلن تضره.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو يعلى حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن بشر حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رجل: (يا رسول الله! إنا لنجد في أنفسنا أشياء ما نحب أن نتكلم بها وإن لنا ما طلعت عليه الشمس، فقال ﷺ: قد وجدتم ذلك؟ قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان)].\nأي أن كتم الوسوسة، ودفعها ومحاربتها صريح الإيمان، وفي اللفظ الآخر: أنهم قالوا: (يا رسول الله! إنا لنجد في أنفسنا ما لأن يخر الإنسان من السماء خير له أن ينطق به) وفي لفظ: (ما لأن يكون حممة -يعني فحمة- خير له من أن يتكلم به، قال وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان)، أي أن كتم الوسوسة، ومحاربتها، ومدافعتها، واستعظام التكلم بها صريح الإيمان، وليس المعنى أن الوسوسة هي صريح الإيمان؛ لأنهم قد قالوا: يتمنى الواحد أن يسقط من السماء ولا يتكلم أو يكون حممة، أي: فحمة ولا يتكلم بالوساوس، وفي اللفظ الآخر أن النبي ﷺ قال: (الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة) يريد الشيطان، وقد يسأل سائل: هل تكون هذه من الابتلاءات التي تكفر الذنوب؟\nو\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه وساوس لا تكفر الذنوب، ومن الواضح أن الصحابة خافوا أن تكون ذنوبًا يؤاخذون عليها، ولذا قصاراه أنها تكون معفوًا عنها.\nوالحديث إسناده حسن، ومحمد بن عمرو هو ابن علقمة بن وقاص الليثي المدني حسن الحديث، وأخرجه أحمد بهذا الإسناد.","vol":"8","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>مدافعة الوساوس صريح الإيمان لا ذاتها</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر أوهم من لم يتفقه في صحيح الآثار ولا أمعن في معاني الأخبار أن وجود ما ذكرناه هو محض الإيمان.\nأخبرنا أبو عروبة بحران قال: حدثنا محمد بن بشار حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ أنهم قالوا: (يا رسول الله! إنا لنجد في أنفسنا شيئًا لأن يكون أحدنا حممة أحب إليه من أن يتكلم به، قال: ذلك محض الإيمان).\nقال أبو حاتم ﵁: إذا وجد المسلم في قلبه أو خطر بباله من الأشياء التي لا يحل له النطق بها، من كيفية الباري جل وعلا، أو ما يشبه هذا فرد ذلك على قلبه بالإيمان الصحيح، وترك العزم على شيء منها، كان رده إياها من الإيمان، بل هو من صريح الإيمان لا أن خطرات مثلها من الإيمان].\nقوله: صريح الإيمان، أي: محض الإيمان، والمعنى أن الوساوس ليست من الإيمان، بل المراد كتمها ومحاربتها ودفعها.\nوقوله: [قال أبو حاتم ﵁: إذا وجد المسلم في قلبه أو خطر بباله من الأشياء] أي: من الوساوس.\nوقوله: [التي لا يحل له النطق بها من كيفية الباري جل وعلا، أو ما يشبه هذا، فرد ذلك على قلبه بالإيمان الصحيح، وترك العزم على شيء منها، كان رده إياها من الإيمان، بل هو من صريح الإيمان لا أن خطرات مثلها من الإيمان].\nالمعنى: ليس المراد الوساوس إنما المراد دفع هذه الوساوس.","vol":"8","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>بيان أن المرء غير مؤاخذ بما حدث به نفسه إن لم يتكلم</span>\nقال المصنف ﵀: [ذكر الإباحة للمرء أن يعرض بقلبه شيء من وساوس الشيطان، بعد أن يردها من غير اعتقاد القلب على ما وسوس إليه الشيطان.\nأخبرنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا جرير عن منصور عن ذر عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! إن أحدنا ليجد في نفسه الشيء لأن يكون حممة أحب إليه من أن يتكلم به، فقال ﷺ: الله أكبر، الحمد لله الذي رد أمره إلى الوسوسة)].\nالحديث إسناده صحيح على شرطهما، وذر هو ابن عبد الله المرهبي وأخرجه الطيالسي وأحمد وأبو داود.\nوفيه أنهم قالوا: (يا رسول الله! يجد أحدنا في نفسه ما لأن يكون حممة)، والمعنى: أنه إن ردها بعد أن عرضت عليه فلا تضره؛ لأن النبي ﷺ قال: (الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة).\nوقوله: حممة، أي فحمة، فيحترق ويصير فحمًا.","vol":"8","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>ذكر البيان بأن حكم الواجد في نفسه الوساوس والمحدث إياها به سيان ما لم ينطق به لسانه</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن حكم الواجد في نفسه ما وصفنا، وحكم المحدث إياها به سيان، ما لم ينطق به لسانه].\nأي: لا فرق بين أن يقول: وجدت في نفسي، أو: حدث نفسه، فما دام أنه لم يتكلم فالحكم واحد، وهو أن ذلك معفو عنه، سواءً وجد في نفسه أو حدث نفسه.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو خليفة حدثنا مسدد حدثنا خالد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قالوا: (يا رسول الله! إن أحدنا ليحدث نفسه بالشيء يعظم على أحدنا أن يتكلم به قال: أو قد وجدتموه؟! ذاك صريح الإيمان)].\nأي: دفعه ومحاربته وكتمه صريح الإيمان.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر ثان يصرح بصحة ما ذكرناه.\nأخبرنا محمد بن عبد الرحمن الدغولي ومحمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري بمكة وعدة قالوا: حدثنا محمد بن عبد الوهاب الفراء قال: سمعت علي بن عثام يقول: أتيت سعير بن الخمس أسأله عن حديث الوسوسة فلم يحدثني؛ فأدبرت أبكي ثم لقيني فقال: تعال حدثنا المغيرة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: (سألنا رسول الله ﷺ عن الرجل يجد الشيء لو خر من السماء فتخطفه الطير كان أحب إليه من أن يتكلم قال: ذاك صريح الإيمان)].\nالحديث إسناده صحيح على شرط الصحيح.","vol":"8","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>ما ينبغي للمرء أن يقوله عند الوسوسة</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الأمر للمرء بالإقرار لله جل وعلا بالوحدانية، ولصفيه ﷺ بالرسالة عند وسوسة الشيطان إياه.\nأخبرنا العباس بن أحمد بن حسان السامي بالبصرة قال: حدثنا كثير بن عبيد المذحجي حدثنا مروان بن معاوية أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: (قال رسول الله ﷺ: لن يدع الشيطان أن يأتي أحدكم فيقول: من خلق السماوات والأرض؟ فيقول: الله، فيقول: فمن خلقك؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الله؟ فإذا حس أحدكم بذلك فليقل: آمنت بالله وبرسله)]، وفي الحديث مشروعية القول: (آمنت بالله ورسله)، وجاء في اللفظ الآخر يقول: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]، وفي اللفظ الآخر يقول: (آمنت بالله، ولينته) أي: ليقطع التفكير.\nوالحديث إسناده صحيح، وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد والبخاري.","vol":"8","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>الأسئلة</span>","vol":"8","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>حكم من انتشرت في بلاده القبور</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من كان في بلده عدد كبير من القبور التي تزار ويطاف بها، فما موقفه منها؟ وهل يقطع صلته بكل من يفعل هذه الأفعال الشركية عند القبور؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، بل يناصحهم، (الدين النصيحة)، ويبين لهم، وينقل لهم فتاوى العلماء والأشرطة المفيدة لعل الله أن يهديهم، وهؤلاء الناس إن لم يستمعوا له فلا يخالطهم ولا يجالسهم، وإنما يزورهم ويحسن إليهم، كما قال تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]، فالإحسان الدنيوي مطلوب.","vol":"8","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>تقديم الصحابة في الحب على النفس</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يحب الصحابة فوق محبة النفس؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا جاء في حق النبي ﷺ حين قال لـ عمر: (حتى أكون أحب إليك من نفسك).","vol":"8","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>حكم الثناء على الله والصلاة على النبي قبل الدعاء في السجود</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يبدأ بحمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي ﷺ في كل دعاء حتى في أدعية السجود وآخر الصلاة وأذكار النهار؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، وذلك موجود في الصلاة، وهي شيء واحد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، في الفاتحة موجود الحمد والثناء، وفي الدعاء يقول: سبحان ربي الأعلى، وأما الثناء فيكتفي بالفاتحة.","vol":"8","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>المشير في الصلاة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل عائشة ﵂ هي التي أشارت إلى أسماء أو أسماء هي التي أشارت لها في صلاة الكسوف؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  عائشة كانت تصلي، وأسماء جاءت سألتها، كما في البخاري.","vol":"8","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>حكم من أقسم على آخر ألا يتكلم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أقسمت على صديق لي ألا يتكلم في موضوع معين، وامتثل ثلاثة أيام، فهل له أن يعود للكلام أم أن علي كفارة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا أقسمت ألا يتكلم مطلقًا فتكلم بعد ثلاثة أيام عليك كفارة.","vol":"8","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>حكم قصد محطات الوقود للهدية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز قصد محطات البنزين للتعبئة من أجل الهدية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كانت شيئًا يسيرًا، ولا يسبب إيهامًا ولا انصراف الناس عن المحطات الأخرى فأرجو ألا يكون في الأمر حرج.","vol":"8","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>حكم تكرار الاستخارة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز تكرار الاستخارة؟ وما الدليل على ذلك؟ الشيخ: الدليل الأحاديث التي فيها الاستخارة؛ فإن مقتضاها أن الإنسان إذا لم يتبين له يستخير مرة أخرى وثانية.","vol":"8","page":20},{"text":"شرح صحيح ابن حبان_<span data-type=\"title\" id=toc-153>كتاب الإيمان [٣]</span>\nجاءت الأخبار الكثيرة عن النبي ﷺ مبينة فضل الإيمان، وأنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، والإيمان ليس قولًا باللسان أو اعتقادًا بالقلب فحسب؛ بل هو قول واعتقاد وعمل كما دلت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة.","vol":"9","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>فضل الإيمان</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فضل الإيمان: أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحي قال: حدثنا حفص بن عمر الحوضي قال: حدثنا محرر بن قعنب الباهلي قال: حدثنا رياح بن عبيدة عن ذكوان السمان عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (بعثني رسول الله ﷺ فقال: ناد في الناس من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، فخرج فلقيه عمر في الطريق، فقال: أين تريد؟ قلت: بعثني رسول الله ﷺ بكذا وكذا، قال: ارجع، فأبيت، فلهزني لهزة في صدري ألمها -أي: آلمته وأوجعته- قال: فرجعت ولم أجد بدًا، قال: يا رسول الله! بعثت هذا بكذا وكذا؟ قال: نعم، قال: يا رسول الله! إن الناس قد طمعوا وخشوا، فقال ﷺ: اقعد)].\nالحديث أصله في الصحيح: (أن النبي ﷺ أعطاه نعليه وقال: اذهب فمن وجدت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فبشره بالجنة، فلقيه عمر فسأله فقال: إن النبي ﷺ أخبرني بذلك، فلهزه لهزة أوجعته -ضربه في صدره- فرجع إلى النبي ﷺ وهو يجيش بالبكاء من عمر، فلحقه عمر فقال: يا رسول الله! أبعثت هذا بنعليك يقول كذا وكذا؟ قال: نعم، قال: لا تفعل فيتكلوا، أو قال: فإذًا يتكلوا).\nوفي الباب عن أبي هريرة عند مسلم.\nومحرر بن قعنب وثقه أبو زرعة كما في الجرح والتعديل، وفي الحديث فضل التوحيد، ومن مات على التوحيد فهو من أهل الجنة عاجلًا أو آجلًا، لكن من مات على توحيد سالم من الشرك والبدع والكبائر دخل الجنة من أول وهلة، وإلا فهو على خطر إذا فعل الكبائر من غير توبة.\nواللهز: هو الضرب بجمع الكف في الصدر.","vol":"9","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>الإيمان أفضل الأعمال</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن أفضل الأعمال هو الإيمان بالله.\nأخبرنا الحسين بن إدريس الأنصاري قال: حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني قال: حدثنا سفيان والدراوردي عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي مراوح الغفاري عن أبي ذر ﵁ قال: قلت: (يا رسول الله! أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله، وجهاد في سبيله)].\nهذا الحديث فيه فضل الإيمان بالله ورسوله، وفيه تسمية الإيمان عملًا؛ لأن الإيمان: تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح، والإيمان إذا أطلق يشمل الأقوال والأعمال، والاعتقاد يشمل من الأعمال أعمال القلوب، وأعمال الجوارح، ويشمل تصديق القلب وإقراره، ويشمل قول اللسان، ويشمل عمل القلب مثل: النية والإخلاص، والصدق، والمحبة، فكلها من أعمال القلوب، وكلها داخلة في الإيمان، وفيه أنها أفضل الأعمال بدليل قوله في الحديث: (يا رسول الله! أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله)، فجعله من العمل، وفيه الرد على المرجئة الذين يقولون: الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان؛ لأن النبي ﷺ سمى الإيمان عملًا، بل جعله والجهاد أفضل الأعمال، وفي اللفظ الآخر: أن النبي ﷺ سئل: (أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الصلاة على وقتها، قيل: ثم ماذا؟ قال: بر الوالدين، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله) وفي بعضها قدم الجهاد على الوالدين.\nوالحديث السابق إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه البخاري ومسلم والدارمي.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن الواو الذي في خبر أبي ذر الذي ذكرناه ليس بواو وصل وإنما هو واو بمعنى (ثم)].\nيريد الواو في قوله: (إيمان بالله وجهاد في سبيله)، إذ الواو فيه معناه (ثم)؛ لأنه جاء في الحديث الآخر: (أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله.\nقال: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله)، فجعل (ثم) محل الواو، فدل على أن الواو ليس للعطف والجمع وإنما هي بمعنى ثم، كما فسرتها الأحاديث الأخرى.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة اللخمي بعسقلان قال: حدثنا ابن أبي السري قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: (يا رسول الله! أي العمل أفضل؟ قال: الإيمان بالله.\nقال: ثم ماذا؟ قال: ثم الجهاد في سبيل الله، قال: ثم ماذا؟ قال: ثم حج مبرور)].\nوهذا الحديث رواه البخاري في الصحيح.\nوذكره أيضًا أحمد ومسلم.\nوفيه أن الجهاد بعد الإيمان بالله ورسله ثم الحج المبرور.","vol":"9","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>بيان أن من اقتصر على الواجبات وترك المحرمات دخل الجنة</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فرض الإيمان.\nأخبرنا عمر بن محمد الهمداني قال: حدثنا عيسى بن حماد قال: حدثنا الليث بن سعد عن سعيد المقبري عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: (بينما نحن جلوس في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ ورسول الله ﷺ متكىء بين ظهرانيهم، قال: فقلنا له: هذا الأبيض المتكىء، فقال له الرجل: يا ابن عبد المطلب! فقال له رسول الله ﷺ: قد أجبتك، فقال الرجل: يا محمد! إني سائلك فمشتد عليك في المسألة فلا تجدن علي في نفسك، فقال رسول الله ﷺ: سل ما بدا لك، فقال الرجل: نشدتك بربك ورب من قبلك آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال رسول الله ﷺ: اللهم نعم، قال: فأنشدك الله آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ فقال رسول الله ﷺ: اللهم نعم.\nقال: فأنشدك الله آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال رسول الله ﷺ: اللهم نعم.\nقال: فأنشدك الله آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال رسول الله ﷺ: اللهم نعم.\nفقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر)].\nهذا الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما، وهو حديث عظيم فيه من الفوائد: أن من أدى الفرائض وترك المحرمات فهو من أهل الجنة يدخل الجنة من أول وهلة؛ لأنه أدى ما عليه ولو لم يأت بالنوافل، ويكون من المقتصدين، وهم أصحاب اليمين الذين يقتصرون على الفرائص والواجبات، لكن السابقين أفضل منهم، وهم الذين يتقربون إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، وقد أقر ضمام بن ثعلبة أنه سيصوم الشهر، ويؤدي الصلاة، ويزكي، ولا يزيد، بدليل قوله: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وفي اللفظ الآخر أنه قال: (لا أزيد على هذا ولا أنقص).\nوفيه من الفوائد: أن النبي لم يكن متميزًا عن أصحابه، ولهذا يأتي الغريب فلا يعرفه حتى يسأل: أين محمد؟ فيجيبه الصحابة -كما في هذا الحديث-: هذا الرجل الأبيض المتكئ، ولو كان متميزًا بلباسٍ أو بشيء آخر كما يتميز الملوك لعرفه من سأل عنه ﵊.\nوفيه أن الجد أب، ونسبة الإنسان إلى جده نسبة إلى أبيه، وهذا يستفاد من قوله: يا ابن عبد المطلب لأن عبد المطلب كان مشهورًا بخلاف عبد الله والد النبي فإنه مات شابًا، فلما كان عبد المطلب رئيسًا في قومه، مشهورًا عند العرب اسمه؛ نسب النبي إليه، والجد أب.\nوفيه عناية ضمام بن ثعلبة واعتذاره حيث قال: إني سائلك فمشتد عليك في المسألة، ثم قال: آلله أرسلك؟ آلله أمرك أن نصلي خمس صلوات؟ آلله أمرك أن نصوم؟ آلله أمرك أن نؤدي الصدقة؟ يستحلفه فيها، وهذا مبالغة في التأكيد، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يهابون النبي ﷺ، ويجلونه؛ حتى إنهم لا يطيقون النظر إليه إجلالًا له واحترامًا وتوقيرًا، ويعجبهم الرجل يأتي من البادية لا يستحي أن يسأل عن دينه فيستفيدون بما أجابه النبي ﷺ؛ وذلك لأن الصحابة ما كانوا يجرءون على أن يسألوا بهذه الأشياء، أما الأعرابي فإنه بما عنده من جفاء وغلظة يجرؤ على أن يسأل النبي ﷺ، والنبي ﷺ يجيب، فيتعلمون مما علمه.\nوالمقتصد هو من أصحاب اليمن، الذين اقتصدوا أي: اقتصروا على الواجبات، وليس المعنى: قاصد أي: المريد للشيء، ولا القاسط بالسين؛ إذ القاسط هو الجائر الظالم، والمقتصد هو العادل وفرق بينهما، والقاسط مشتق من الثلاثي قسط التي تعني: جار وظلم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن:١٥] أي: الظالمون الجائرون، وأما المقتسط فهو اسم فاعل من أقسط الرباعي وفي الحديث: (المقسطون على منابر من نور).\nوالمقسطون من أقسط بمعنى عدل والفرق بينهما الهمزة.\nوالحديث أخرجه أحمد والبخاري.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى قال: حدثنا محمد بن الخطاب البلدي قال: حدثنا عبد الملك بن إبراهيم الجدي قال: حدثنا سليمان بن المغيرة قال: حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كنا نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يأتيه الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع، فأتاه رجل منهم، فقال: يا محمد! أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: صدق، قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله، قال: فمن نصب هذه الجبال؟ قال: الله، قال: فمن جعل فيها هذه المنافع؟ قال: الله، قال: فبالذي خلق السماء والأرض ونصب الجبال: وجعل فيها هذه المنافع آلله أرسلك؟ قال: نعم.\nقال: زعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: زعم رسولك أن علينا صدقة في أموالنا؟ قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: زعم رسولك أن علينا صوم شهر في سنتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: زعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلًا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن شيئًا، فلما قفى قال رسول الله ﷺ: لئن صدق ليدخلن الجنة)].\nوفيه أن المقتصد من اقتصر على الفرائض، وهو معنى قوله: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، وقد دل الحديث على أن المقتصد يدخل الجنة من أول وهلة، وأنه من أصحاب اليمين، ولكنهم ليسوا الأفضل بل السابقون بالخيرات أفضل منهم، وهم الذين يؤدون النوافل بعد الفرائض، أما الظالمون لأنفسهم فهم الذين يقصرون في الواجبات، ويفعلون بعض المحرمات، وفيه توكيد الأسئلة، وأنها مؤكدة مشددة لعظم ما تتناوله، وقوله: (زعم رسولك)، الزعم يطلق ويراد به الادعاء الكاذب، ويطلق ويراد به مجرد القول، ومعنى: زعم رسولك، أي: قال لنا رسولك كذا وكذا، وليس المراد أنه ادعى كذبًا كما في قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن:٧]، أي: زعموا زعمًا كاذبًا، بل زعم في الحديث بمعنى قال.\nوالحديث أخرجه مسلم.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو حاتم ﵁: هذا النوع مثل: الوضوء والتيمم والاغتسال من الجنابة والصلوات الخمس والصوم الفرض وما أشبه هذه الأشياء التي هي فرض على المخاطبين في بعض الأحوال لا الكل].\nوالمقصود أنه في بعض الأحيان تختلف أحوال الناس فيها على حسب الأدلة، فمن أصابته الجنابة يجب عليه الغسل، ومن لم تصبه الجنابة لا يجب عليه الغسل، كذلك من فقد الماء يتيمم ومن لم يفقد الماء لا يتيمم، ومن كان قادرًا على الصوم يصوم ومن لا يقدر على الصوم لا يصوم، بل يطعم إذا كان عاجزًا أو يفطر ويقضي إذا كان مسافرًا أو مريضًا.","vol":"9","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>الحث على التدرج في الدعوة والابتداء بالمهم فالأهم</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحسن بن سفيان الشيباني قال: حدثنا أمية بن بسطام قال: حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا روح بن القاسم عن إسماعيل بن أمية عن يحيى بن عبد الله بن صيفي عن أبي معبد عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال: (إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، وإذا فعلوها فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم فترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بهذا فخذ منهم، وتوق كرائم أموال الناس)].\nحديث معاذ مشهور رواه الشيخان، وفيه أن الداعية يبدأ بالأهم فالأهم، فيبدأ بالتوحيد، وهو معنى قوله: (فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله)، وفي لفظ: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) واختلاف الروايات في الألفاظ يدل على أن المراد من الشهادتين توحيد الله وليس المراد النطق باللسان فقط، بدليل قوله في الرواية الأخرى: (فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله)، أي: توحيد الله، وفي اللفظ الآخر: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله)، وليس المراد قولها باللسان، بل واعتقاد معناها كما في الحديث الآخر: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله)، وفي لفظ: (إلى أن يوحدوا الله)، فذلك معناها.\nوفيه أن الداعية يتدرج في الدعوة إن كان المخاطبون كفارًا، فيدعوهم إلى التوحيد، ثم يدعوهم إلى الصلاة، فإذا استجابوا دعاهم إلى الزكاة، وكان أهل اليمن في ذلك الزمن أهل كتاب كما في الحديث الآخر: (إنك تأتي قومًا أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله)، أي: استعد لمناظرتهم؛ لأنهم أهل علم فليسوا كالمشركين الذين ليس عندهم علم، بل هم أهل كتاب.\nوفيه أن الداعية ينبغي أن يعرف حال المدعوين حتى تكون الدعوة مناسبة، ولهذا أخبره النبي بحالهم وأنهم أهل كتاب، ثم وجهه إلى ما يبدأ به معهم فقال: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله)، وفيه قال عن الزكاة: (تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)، والجمهور على أن الضمير في قوله: أغنيائهم وفقرائهم، يعود إلى أهل اليمن ولذا قالوا: فلا تنقل الزكاة إلى بلد آخر، وقال البخاري والأحناف: بل الضمير في قوله: (تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) يعود إلى المسلمين، وعلى هذا فلا بأس بنقل الزكاة إلى بلد آخر، وقد توسط آخرون كشيخ الإسلام ابن تيمية فقالوا: لا تنقل الزكاة من بلد المال إلا إذا كان لمصلحة راجحة، كما إذا كان هناك قريب أو فقير أشد حاجة من فقراء البلد فإنها تنقل، وإلا فإنها تصرف في بلد المال، وقد بوب البخاري فقال: (تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم أينما كانوا) يريد في أي بلد، وهو مذهب الأحناف.\nوفيه قوله: (اتق دعوة المظلوم) وأنه ينبغي للإنسان أن يحذر دعوة المظلوم، فلا يأخذ الزكاة من أنفس المال وإنما يأخذ من الوسط، وفي اللفظ الآخر: (وتوق كرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم)، أي: ستظلم إذا أخذت النفيس من الزكاة، فاحذر دعوة المظلوم فليس لك إلا أن تأخذ من وسط المال فلا تأخذ من شراره ولا من خياره.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو حاتم ﵁: هذا النوع مثل الحج والزكاة وما أشبههما من الفرائض التي فرضت على بعض العاقلين البالغين في بعض الأحوال لا الكل].\nيريد أن الزكاة لا تجب على كل أحد، وإنما تجب على من عنده مال.","vol":"9","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>بيان أن الإيمان قول وعمل</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي قال: حدثنا عباد بن عباد قال: حدثنا أبو جمرة عن ابن عباس ﵄ قال: (قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! إنا هذا الحي من ربيعة حالت بيننا وبينك كفار مضر، ولا نخلص إليك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر نعمل به، وندعو من وراءنا، قال: آمركم بأربع: الإيمان بالله، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم، وأنهاكم عن الدباء والحنتم، والنقير والمقير)].\nهذا الحديث -حديث وفد عبد القيس- حديث مشهور رواه الشيخان وغيرهما، وفيه أنه فسر الإيمان بالأعمال فقال: (آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟) ثم فسر فقال: (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم) فدل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وهذا من أفصح الأدلة في الرد على المرجئة الذين يقولون: إن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان.\nوقوله: (وأنهاكم عن أربع: الدباء والحنتم والنقير والمقير)، أي: لا تنبذوا النبيذ في هذه الأشياء الأربعة الصلبة؛ لأنهم كانوا ينتبذون بها، والنقير: جذع النخل ينقر ثم يجعل فيه العصير، والمقير: المطلي بالقار، والحنتم: هي الجرار الخضر وهي تشبه صلبة الزير، والدباء: هو ما يعرف بالقرع، يؤخذ منه اللب ثم يُيَبس ويجعل فيه العصير المأخوذ من التمر أو من العنب أو من غيرها، فإذا مكث العصير في هذه الأشياء يومين أو ثلاثة فإنه يتخمر من شدة الحر، ثم يشربونه وهو خمر، فنهاهم النبي ﷺ عن أن ينتبذوا في هذه الأشياء الصلبة؛ لأنه قد يتخمر وهم لا يشعرون، وإنما أمرهم أن ينتبذوا في الأسقية في الجلد؛ لأنها إذا وضع فيها العصير وتخمر تشققت وقذفت الزبد وحينها تعرف أنها خمر، أما هذه الأشياء الصلبة فإن العصير يتخمر فيها وهم لا يعلمون؛ فلهذا نهاهم، وهذا في أول الإسلام قبل أن تستقر الشريعة ويعلم الناس الحكم، فلما استقرت الشريعة وعرف الناس الحكم نسخ ذلك، وأباح لهم النبي ﷺ أن ينتبذوا في كل الأوعية وقال: (انتبذوا في كل وعاء، ولا تشربوا الخمر)، وإنما نهاهم في أول الإسلام أن ينتبذوا في هذه الأشياء الصلبة؛ لئلا يتخمر وهم لا يشعرون، وأباح لهم أن ينتبذوا في الأشياء الرقيقة التي تتشقق كالجلود والأسقية.\nووفد عبد القيس هم أهل جواثا، حيث كانت ثاني جمعة جمعت فيها بعد مسجد النبي ﷺ، وهذه المنطقة في الأحساء، وكل المنطقة التي تطل على الخليج كانت تسمى البحرين، وآثار جواثا موجودة إلى الآن في الأحساء في منطقة محمية.\nقال المصنف ﵀: [قال أبو حاتم: روى هذا الخبر قتادة عن سعيد بن المسيب وعكرمة عن ابن عباس وأبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ﵁].","vol":"9","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>الفرق بين مسمى الإيمان والإسلام</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن الإيمان والإسلام اسمان لمعنىً واحد أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: أخبرنا وكيع عن حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعت عكرمة يحدث طاوسًا أن رجلًا قال لـ ابن عمر: ألا تغزو؟ فقال عبد الله بن عمر: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت)].\nهذا الحديث رواه الشيخان البخاري ومسلم رحمهما الله، وفيه أن الإسلام بني على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وقد استدل به المصنف على أن الإيمان والإسلام شيء واحد.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو حاتم: هذان خبران خرج خطابهما على حسب الحال؛ لأنه ﷺ ذكر الإيمان ثم عده أربع خصال، ثم ذكر الإسلام وعده خمس خصال، وهذا ما نقول في كتبنا: بأن العرب تذكر الشيء في لغتها بعدد معلوم ولا تريد بذكرها ذلك العدد نفيًا عما وراءه، ولم يرد بقوله ﷺ: إن الإيمان لا يكون إلا ما عد في خبر ابن عباس؛ لأنه ذكر ﷺ في غير خبر أشياء كثيرة من الإيمان ليست في خبر ابن عمر ولا ابن عباس اللذين ذكرناهما].\nيستدل المصنف بهذين الحديثين على أن الإيمان والإسلام شيء واحد، ففي حديث وفد عبد القيس وهو في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (آمركم بأربع وأنها كم عن أربع: الإيمان بالله)، ثم فسر الإيمان بالشهادتين فقال: (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة)، وفي لفظ: (وصوم رمضان وأن تؤدوا الخمس)، وفي حديث ابن عمر قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت)، فالإسلام فسر بالشهادتين والصلاة والزكاة والصوم والحج، وفسر الإيمان في حديث وفد عبد القيس بالشهادتين والصلاة والزكاة وفي لفظ والصوم، فاحتج المؤلف بهذين الحديثين على أن الإيمان والإسلام شيء واحد، وهذا اختيار البخاري في صحيحه وهو قول لبعض أهل العلم.\nوالقول الثاني وهو قول الجمهور: أن الإيمان والإسلام ليسا شيئًا واحد، وإنما يختلفان بالاجتماع والافتراق، فإذا ذكر أحدهما وحده دخل فيه الآخر، وإذا اجتمعا صار لكل واحد منهما معنى، وهذا هو الصواب الذي عليه الجماهير، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، والدليل على ذلك أن الله تعالى فرق بين الإيمان والإسلام فقال: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، وفي حديث سعد بن أبي وقاص: (ما لك عن فلان إني لأراه مؤمنًا، فقال: أو مسلمًا)، وأما في حديث وفد عبد القيس فقد ذكر الإيمان وحده فدخل فيه الإسلام، وفي حديث جبريل سأله عن الإيمان وعن الإسلام ففرق بينهما، فلما سأله عن الإسلام فسره بالأركان الخمسة، ولما سأله عن الإيمان فسره بالأعمال الباطنة، فقال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره)، فالإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا، أي: إذا ذكر الإسلام وحده دخل فيه الإيمان، وإذا ذكر الإيمان وحده دخل فيه الإسلام، وإذا اجتمعا فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة وفسر الإيمان بالأعمال الباطنة كما في حديث جبريل، وهذا هو الصواب، وقول ابن حبان ﵀ مرجوح وهو قول لبعض أهل العلم كما تقدم.\nوالقول بأنهما يختلفان بالاقتران والافتراق، فإذا ذكر أحدهما دخل فيه الآخر، وإذا اجتمعا فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة والإيمان بالأعمال الباطنة كما في حديث جبريل له نظائر، منها: الفقير والمسكين، فإنه إذا أطلق الفقير وحده دخل فيه المسكين، والمسكين إذا أطلق وحده دخل فيه الفقير، وإذا اجتمعا صار الفقير في الحال والمسكين في المآل، ومثل ذلك: الربوبية والألوهية، فإن الرب إذا أطلق يدخل فيه الإله؛ لأن الرب هو الإله، وإذا اجتمعا صار الرب له معنى والإله له معنى آخر، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:١ - ٣]، فإله الناس معبودهم، ورب الناس مربيهم، وغير ذلك من النظائر.\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦] لأن البيت -وهم لوط وابنتاه- اتصفوا بالإسلام والإيمان.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على أن الإيمان والإسلام اسمان بمعنى واحد.\nأخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا جرير عن أبي حيان التيمي عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يوما بارزًا للناس، إذ أتاه رجل يمشي، فقال: يا محمد! ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته ورسله ولقائه وتؤمن بالبعث الآخر، قال: يا رسول الله! فما الإسلام؟ قال: لا تشرك بالله شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، قال: يا محمد! ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: يا محمد! فمتى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، وسأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربتها، ورأيت العراة الحفاة رءوس الناس، في خمس لا يعلمهن إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَة﴾ [لقمان:٣٤] الآية، ثم انصرف الرجل، فالتمسوه فلم يجدوه فقال: ذاك جبريل جاء ليعلم الناس دينهم)].\nهذا حديث من رواية أبي هريرة، وقد رواه مختصرًا، وقد رواه أيضًا عمر رواية أقوى من حديث أبي هريرة خرجها الشيخان، وحديث عمر الطويل في بيان الإسلام والإيمان انفرد به مسلم.\nقوله: (كان رسول الله ﷺ يومًا بارزًا للناس، إذ أتاه رجل يمشي، فقال: يا محمد! ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته ورسله ولقائه، وتؤمن بالبعث الآخر، قال: يا رسول الله! فما الإسلام؟ قال: لا تشرك بالله شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان)، فيه حجة على المؤلف؛ لأن الحديث فرق بين الإسلام والإيمان، فقد فسر الإيمان بالأعمال الباطنة، وهي قوله: (تؤمن بالله وملائكته ولقائه والبعث الآخر)، وفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة فقال: (أن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة).\nوقوله: (وسأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربتها ورأيت العراة الحفاة رءوس الناس).\nربة الأمة أي: سيدتها، كأن يأسر الملك أمة ثم يتسرى بها فتلد بنتًا، فتكون سيدة على أمها؛ لأنها بنت الملك، وكذلك الابن يكون ربها؛ لأنه ابن الملك، فسيكون سيدًا على أمه، وقد جاء في رواية (إذا ولدت الأمة ربها-) أي: سيدها.\nقوله: (في خمس لا يعلمهن إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان:٣٤] الآية)، هذه مفاتيح الغيب وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤].\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على أن الإسلام والإيمان اسمان بمعنى واحد يشتمل ذلك المعنى على الأقوال والأفعال معًا.\nأخبرنا أحمد بن علي بن المثنى قال: حدثنا إبراهيم بن الحجاج السامي قال: حدثنا حماد بن سلمة عن أبي قزعة عن حكيم بن معاوية عن أبيه أنه قال: (يا رسول الله! والذي بعثك بالحق ما أتيتك حتى حلفت عدد أصابعي هذه ألا آتيك فما الذي بعثك به؟ قال: الإسلام، قال: وما الإسلام؟ قال: أن تسلم قلبك لله، وأن توجه وجهك لله، وأن تصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، أخوان نصيران لا يقبل الله من عبد توبة أشرك بعد إسلامه)].\nالحديث إسناده صحيح وأبو قزعة هو سويد بن حجير البصري ومعاوية هو ابن حيدة بن معاوية بن كعب القشيري صحابي نزل البصرة، وقد أخرجه أحمد والطبراني من طريق أسد بن موسى كلاهما عن حماد بن سلمة بهذا الإسناد.\nوعلى كل ليس فيه حجة للمؤلف على أن الإسلام والإيمان شيء واحد، فقد فسر الإسلام بالأعمال فقال: أن تسلم قلبك وأن تبتعد عن الشرك، وكل هذه أعمال.","vol":"9","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>ذكر أقوال العلماء في تأويل قوله ﵊: (الكافر يأكل في ستة أمعاء)</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على أن الإيمان والإسلام اسمان بمعنى واحد.\nأخبرنا الحسين بن إدريس الأنصاري أنبأنا أحمد بن أبي بكر عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (المسلم يأكل في معى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء)].\nالحديث سنده صحيح على شرط الشيخين، ومن طريقه أخرجه مالك والبخاري.\nولفظ البخاري (المؤمن) بدلًا من المسلم، واستدل به ابن حبان على أن الإيمان والإسلام شيء واحد، وهذا قول لبعض العلماء، وهو اختيار البخاري، والقول الثاني: أن الإسلام والإيمان ليسا اسمًا لمسمى واحد، بل يتفقان ويفترقان، فإذا ذكر أحدهما دخل فيه الآخر، وإذا اجتمعا أريد بالإسلام الأعمال الظاهرة، وأريد بالإيمان الأعمال الباطنة، كما في حديث جبريل، فقد فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة والإيمان بالأعمال الباطنة حين اجتمعا، أما إذا جاء أحدهما وحده كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، فإنه يشمل الإيمان والإسلام، وقوله ﷺ: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)، لفظ (المؤمن) يشمل المؤمن والمسلم، هذا هو الصواب وهو الذي عليه الجمهور، وهو اختيار المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية.\nوللحديث سابق الذكر قصة، وهي أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ وكان كافرًا، فَحُلِبت له سبع شياه فشرب لبنها كله، ثم لما أسلم حلبت له شاة واحدة فشربها ولم يستطع شرب الثانية.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على أن هذا الخطاب مخرجه مخرج العموم والقصد فيه الخصوص أراد به بعض الناس لا الكل].\nوكأنه يريد أن الحديث السابق عن الكفار وأكلهم خاص ببعضهم لا كل الناس.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمر ين سعيد بن سنان الطائي بمنبج، قال: أنبأنا أحمد بن أبي بكر عن مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁: (أن رسول الله ﷺ ضافه ضيف كافر، فأمر له رسول الله ﷺ بشاة، فشرب حلابها، ثم أخرى فشرب حلابها، حتى شرب حلاب سبع شياه، ثم إنه أصبح فأسلم، فأمر له رسول الله ﷺ بشاة فحلبت فشرب حلابها، ثم أمر له بأخرى فلم يستتمها، فقال رسول الله ﷺ: إن المؤمن يشرب في معى واحد والكافر يشرب في سبعة أمعاء)].\nقوله: (إن المؤمن) يعني: إن المسلم، وهذا هو الذي استدل به على أن الإيمان هو الإسلام.\nوالحديث إسناده صحيح على شرط مسلم، وهو في الموطأ ومن طريق مالك وقد أخرجه أحمد ومسلم.\nوما ذهب إليه ابن حبان من أن الحديث ورد في كافر مخصوص قاله أبو عبيدة معمر بن المثنى، وأبو جعفر الطحاوي، وجزم به ابن عبد البر، فقال: لا سبيل إلى حمله على العموم؛ لأن المشاهدة تدفعه، فكم من كافر يكون أقل أكلًا من مؤمن وعكسه، وكم من كافر أسلم فلم يتغير مقدار أكله، وقال غيرهم: ليس المراد ظاهره، وإنما هو مثل ضرب للمؤمن وزهده في الدنيا والكافر وحرصه عليها، فكأن المؤمن لتقلله من الدنيا يأكل في معى واحد، والكافر لشدة رغبته فيها واستكثاره منها يأكل في سبعة أمعاء، فليس المراد حقيقة الأمعاء ولا خصوص الأكل، وإنما المراد التقلل من الدنيا.\nوالأصل أن يحمل النص على ظاهره، والقول بأنه الكافر المعين لا يعدل إليه إلا إذا وجد الدليل على أن المراد الكافر المعين، وحينها يكون قول ابن حبان أقرب، أما مع عدم وجود دليل فالأصل حمل الحديث على ظاهره، فالحديث صريح أن الكافر يأكل في سبعة أمعاء، وفيه أن العلة: الكفر، وأن المؤمن يأكل في معى واحد والعلة: الإيمان.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر أوهم عالمًا من الناس أن الإسلام والإيمان بينهما فرقان.\nأخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة قال: حدثنا ابن أبي السري قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه ﵁: (أن النبي ﷺ أعطى رجالًا ولم يعط رجلًا منهم شيئًا، فقلت: يا رسول الله! أعطيت فلانًا وفلانًا ولم تعط فلانًا شيئًا وهو مؤمن! فقال رسول الله ﷺ: أو مسلم؟ قالها ثلاثا) قال الزهري: نرى أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل].\nقول الزهري: الإسلام الكلمة، أي: النطق بالشهادتين (والإيمان العمل)، ليس المقصود أن الإسلام لا يكون إلا بالكلمة وحسب، بل مقصوده أن الكافر إذا نطق بالشهادتين حكم بإسلامه، ومراد ابن حبان أن هذا الدليل استدل به بعضهم على أن الإسلام والإيمان شيئان؛ لأن سعد بن أبي وقاص قال للنبي ﷺ لما أعطى رجلًا: ما لك عن فلان فو الله إنا لنراه مؤمنًا، فقال: (أو مسلمًا)، أي: ما بلغ الإيمان، وكررها ثلاثًا، فدل على أن الإيمان والإسلام شيئان، وهذا دليل من أدلة الجمهور على أن الإيمان غير الإسلام وأنهما يجتمعان ويفترقان.","vol":"9","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>يعصم دم الكافر بنطقه للشهادة</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر أوهم بعض المستمعين ممن لم يطلب العلم من مظانه أنه مضاد للخبرين اللذين ذكرناهما.\nأخبرنا ابن قتيبة قال: حدثنا يزيد بن موهب قال: حدثني الليث بن سعد عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي عن عبيد الله بن عدي بن الخيار عن المقداد بن الأسود ﵁ أنه أخبره أنه قال: (يا رسول الله! أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار فقاتلني، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة وقال: أسلمت لله، أفأقتله بعد أن قالها؟ فقال رسول الله ﷺ: لا تقتله، قلت: يا رسول الله! إنه قد قطع يدي، ثم قال ذلك بعد أن قطعها أفأقتله؟ فقال رسول الله ﷺ: لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال)].\nومعنى قوله: إذا قتلته تكون بمنزلته قبل أن تقتله، أي: تكون مهدر الدم، وهو بمنزلتك قبل أن تقتله، أي: معصوم الدم؛ لأنه قال: لا إله إلا الله، وأنت إذا قتلته تصير مهدر الدم؛ لأنك قتلت مسلمًا معصوم الدم فأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته مهدر الدم، وهو بمنزلتك بعد أن قالها معصوم الدم، وليس المراد أنه يكون كافرًا.\nوالحديث أخرجه مسلم والبخاري في المغازي.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو حاتم ﵁: قوله ﷺ: (فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله) يريد به أنك تقتل قودًا - أي: قصاصًا - لأنه كان قبل أن أسلم حلال الدم، وإذا قتلته بعد إسلامه صرت بحالة تقتل مثله قودًا به، لا أن قتل المسلم يوجب كفرًا يخرج من الملة إذ الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨]].\nالمراد بالخبرين في الترجمة: الخبر الذي قبل هذا والخبر الذي ترجمه بالخبر الدال على أن الإيمان والإسلام اسمان بمعنى واحد يشتمل ذلك المعنى على الأقوال والأفعال قبل هذا الخبر بثلاثة أحاديث.","vol":"9","page":9},{"text":"شرح صحيح ابن حبان_<span data-type=\"title\" id=toc-162>كتاب الإيمان [٤]</span>\nإن دخول الإسلام يكون بنطق الشهادتين والعمل بما تضمنتاه، والإيمان يزيد وينقص، وتضعفه المعاصي لكنها لا تزيله، وإنما يزيله ويقضي عليه الشرك الأكبر، والنفاق الأكبر، والكفر الأكبر، ومن زعم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص وأن الأعمال لا تؤثر عليه فقد أخطأ ووافق أهل البدع.","vol":"10","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>بيان أن من قال الشهادتين مؤمن وإثبات صفة العلو لله تعالى</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر إثبات الإيمان للمقر بالشهادتين معا.\nأخبرنا الفضل بن الحباب قال: حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا ابن أبي عدي عن حجاج الصواف قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي قال: (كانت لي غنيمة ترعاها جارية لي في قبل أحد والجوانية، فاطلعت عليها ذات يوم وقد ذهب الذئب منها بشاة، وأنا من بني آدم آسف كما يأسفون، فصككتها صكة، فعظم ذلك علي، فأتيت رسول الله ﷺ، فقلت: أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها، فأتيته بها فقال: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟، قالت: أنت رسول الله ﷺ، قال: اعتقها فإنها مؤمنة)].\nهذا الحديث فيه دليل على أن المقر بالشهادتين يكون مؤمنًا، وقد رواه مسلم في صحيحه، وفيه أن جارية أعجمية كانت لـ معاوية بن الحكم السلمي ترعى الغنم خلف أحد، فاطلع عليها وهي ترعى، فرأى الذئب أخذ شاة فأكلها فغضب عليها، قال: كيف تتركين الذئب يأكل الشاة؟! فصكها صكة ثم عظم عليه ذلك؛ لأنها مسكينة وليس لها حيلة في أن تخلصها من الذئب، فعظم ذلك عليه وذهب إلى النبي ﷺ، وقال يا رسول الله! أنا صككت الجارية، أفأعتقها فقال: (ائتني بها) أي: لأختبرها هل هي مؤمنة، ثم سألها النبي ﷺ فقال: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: اعتقها فإنها مؤمنة) وقد احتج به أهل العلم على إثبات العلو وأن الله فوق العرش في السماء، وفيه رد على المعطلة الذين يقولون: لا يسأل عن الله بـ (أين)، ولا ترفع أصبعك إلى السماء، فإنك لو رفعت أصبعك عند الجهمي قطع الصلاة، فاحذر أن ترفع أصبعك عند الجهمي، فهو يعتقد أن هذا تنقص لله؛ لأنك بزعمه تجعل الله في مكان معين وهو في كل مكان! تعالى الله عما يقولون، ويعترضون على النبي ﷺ بسؤاله للجارية: (أين الله) ويقولون: إن سؤاله فاسد، وإنما سأل بهذا السؤال؛ لأن هذه جارية أعجمية فسألها سؤالًا فاسدًا يناسب عقلها، وأقرها على الجواب الفاسد، فاتهموا الرسول ﵊ بالرضى على الجواب الفاسد من الجارية، ويقولون: مقصود الرسول في سؤاله: (من الله) وليس مقصوده: أين الله؟ لكن قال: أين الله؛ لأجل أن الجارية أعجمية لا تفهم إلا هذا، وإنه لعجب أن الرسول لا يستطيع أن يقول: من الله! والرسول أفصح الناس ﷺ، فهؤلاء والعياذ بالله بلغت بهم الحال إلى أن يتهموا النبي ﵊ لا لشيء إلا لأنه ثبت عنه قولًا يناقض مذهبهم، فهم يقولون: لا يصح أن يقال: إن الله في السماء؛ لأن هذا تحيز وتنقص لله فإن قولنا: إن الله في مكان يعني أنه متحيز، وهذا تنقص ولذا فلا يصح أن يقال: عن الله أنه في مكان، وأين يسأل بها عن المكان؛ فلهذا اتهموا الرسول ﵊ وقالوا: إنه سألها سؤالًا فاسدًا لا يناسب معناه لكنه اضطر إلى هذا السؤال؛ لأن الجارية أعجمية لا تفهم إلا هذا، وقد أقرها لما قالت: (في السماء) على جوابها الفاسد؛ لأن هذا هو الذي فهمته.\nوهنا يقول المؤلف: من أقر بالشهادتين فهو مؤمن، لكن هل ذكر فيه الشهادتان الآن، قالت: الله في السماء يعني شهدت لله بالعلو، فأثبتت وحدانية الله.\nوالحديث أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم في المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة.\nقوله: الجوانية بفتح أوله وتشديد ثانيه وكسر النون وياء مشددة موضع قرب المدينة، وقوله: وآسف: أي: أغضب، وصككتها: أي: لطمت وجهها.","vol":"10","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>الإيمان شعب وأجزاء لها أعلى ولها أدنى</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن الإيمان أجزاء وشعب لها أعلى وأدنى.\nأخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: حدثنا جرير قال: حدثنا سهيل بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (الإيمان بضع وستون شعبة، أو بضع وسبعون شعبة، فأرفعها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)].\nوهذا الحديث رواه الشيخان، ورواية البخاري: (الإيمان بعض وستون شعبة)، ورواية مسلم: (الإيمان بضع وسبعون)، وفيه دليل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، فهو رد على المرجئة الذين يقولون: إن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان، فقوله: (بضع وسبعون شعبة) بيان أن كلها داخلة في مسمى الإيمان، حتى أن البيهقي ﵀ تتبع هذه الشعب وألف كتابًا سماه شعب الإيمان، وقد أوصلها إلى تسع وسبعين شعبة، والبضع من الثلاثة إلى التسعة، فجعلها أعلى البضع، وقد تتبعها من النصوص، وتقدم قريبًا أن في هذا ردًا على المرجئة الذين يقولون: إن الأعمال تصديق بالقلب فقط، يريدون أعمال القلوب فحسب أما أعمال الجوارح فهي عندهم ليست داخلة في مسمى الإيمان، ومثل هذا الحديث حديث وفد عبد القيس المتقدم وفيه: (آمركم بالإيمان بالله وحده: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأداء الخمس)، فقد أدخل الأعمال في مسمى الإيمان، وهذا الحديث رواه الشيخان، وحديث وفد عبد القيس رواه الشيخان.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو حاتم: أشار النبي ﷺ في هذا الخبر إلى الشيء الذي هو فرض على المخاطبين في جميع الأحوال، فجعله أعلى الإيمان].\nفذكر أن أعلاها: قول لا إله إلا الله، وذلك قوله ﷺ: (الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول: لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى) ثم بين أن بين الأعلى والأدنى شعبًا متفاوتة، منها ما يقرب من شعبة الشهادة ومنها ما يقرب من شعبة الإماطة، فالصلاة شعبة، والزكاة شعبة، والصوم شعبة، وأعلى تلك الشعب على الإطلاق هي كلمة التوحيد، وأدنى تلك الشعب أن تميط الأذى، (والحياء شعبة من الإيمان)، وهو عمل قلبي.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم أشار إلى الشيء الذي هو نفل للمخاطبين في كل الأوقات، فجعله أدنى الإيمان - وهو الإماطة - فدل ذلك على أن كل شيء فُرض على المخاطبين في كل الأحوال، وكل شيء فُرض على بعض المخاطبين في بعض الأحوال، وكل شيء هو نفل للمخاطبين في كل الأحوال كله من الإيمان -كالفرائض والنوافل فإنها كلها من الإيمان- وأما الشك في أحد العددين فهو من سهيل بن أبي صالح في الخبر كذلك قاله معمر عن سهيل -يعني: بضع وستون أو بضع وسبعون- وقد رواه سليمان بن بلال عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح مرفوعًا وقال: (الإيمان بضع وستون شعبة) -وهذه رواية البخاري - ولم يشك وإنما تنكبنا خبر سليمان بن بلال - أي تركناه وملنا عنه- في هذا الموضع واقتصرنا على خبر سهيل بن أبي صالح؛ لنبين أن الشك في الخبر ليس من كلام رسول الله ﷺ وإنما هو كلام سهيل بن أبي صالح كما ذكرناه].\nوهذا الخبر رد على بعض الأحناف المتعصبين للمرجئة فيما يرون من أن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان، حيث يقولون: الحديث فيه شك؛ لأن بعض رواياته تقول: بضع وسبعون، وبعضها بضع وستون وعلى هذا فلا يعتمد دليلًا على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، كل ذلك نصرة لمذهبهم: أن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان، وهذا كلام باطل، فإن الرسول ﷺ لم يشك، وإنما الشك من الراوي.","vol":"10","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>التحقق في قوله: بضع وستون أو بضع وسبعون</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر تفرد به سهيل بن أبي صالح: أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي قال: حدثنا أبو قدامة عبيد الله بن سعيد قال: حدثنا أبو عامر العقدي قال: حدثنا سليمان بن بلال عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان)].\nفذكر أنها بضع وستون شعبة ولم يرد في هذه الرواية شك.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو حاتم: اختصر سليمان بن بلال هذا الخبر فلم يذكر ذكر الأعلى والأدنى من الشعب، واقتصر على ذكر الستين دون السبعين، والخبر في بضع وسبعين خبر متقصى صحيح لا ارتياب في ثبوته، وخبر سليمان بن بلال خبر مختصر غير متقصى، وأما البضع فهو اسم يقع على أحد أجزاء الأعداد؛ لأن الحساب بناؤه على ثلاثة أشياء: على الأعداد والفصول والتركيب، فالأعداد من الواحد إلى التسعة والفصول: هي العشرات، والمئون، والألوف، والتركيب: ما عدا ما ذكرنا.\nوقد تتبعت معنى الخبر مدة، وذلك أن مذهبنا أن النبي ﷺ لم يتكلم قط إلا بفائدة، ولا من سننه شيء لا يعلم معناه فجعلت أعد الطاعات من الإيمان، فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئًا كثيرا، فرجعت إلى السنن، فعددت كل طاعة عدها رسول الله ﷺ من الإيمان، فإذا هي تنقص من البضع والسبعين، فرجعت إلى ما بين الدفتين من كلام ربنا وتلوته آية آية بالتدبر، وعددت كل طاعة عدها الله جل وعلا من الإيمان فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فضممت الكتاب إلى السنن وأسقطت المعاد منها، فإذا كل شيء عده الله جل وعلا من الإيمان في كتابه وكل طاعة جعلها رسول الله ﷺ من الإيمان في سننه تسع وسبعون شعبة لا يزيد عليها ولا ينقص منها شيء].\nوابن حبان ﵀ أبدى عناية في هذا الحديث فذكر أن الرسول قال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة)، والبضع من ثلاثة إلى تسعة، وعلى ذلك فيمكن أن يصل العدد إلى تسع وسبعين، فأخذت أعد كل طاعة أعدها الله من الإيمان فوجدتها تنقص على البضع والسبعين، فرجعت إلى السنة فعددت كل طاعة جعلها الرسول من الإيمان فوجدتها تنقص، ثم رجعت مرة أخرى فتدبرت القرآن آية آية ثم ضممت ما في السنة إلى ما في الكتاب وأسقطت المكرر فوصلت إلى تسعة وسبعين شعبة.\nوهو في صنيعه هذا قد وافق البيهقي، فقد عدها البيهقي في كتابه شعب الإيمان، فأوصلها إلى تسع وسبعين شعبة.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [فعلمت أن مراد النبي ﷺ كان في الخبر أن الإيمان بضع وسبعون شعبة في الكتاب والسنن، فذكرت هذه المسألة بكمالها بذكر شعبه في كتاب: وصف الإيمان وشعبه.\n].\nقال القاضي عياض فيما نقله الحافظ في الفتح: تكلف جماعة حصر هذه الشعب بطريق الاجتهاد، وفي الحكم بكون ذلك هو المراد صعوبة.\nولا يقدح عدم معرفة ذلك على التفصيل في الإيمان، قال الحافظ: وأقربها إلى الصواب طريقة ابن حبان، لكن لم نقف على بيانها من كلامه، وقد لخصت مما أوردوه ما أذكره وهو ثم سردها الشيخ قوله: مما أوردوه يعني: ما أورده العلماء اجتهادًا منهم.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [فذكرت هذه المسألة بكمالها بذكر شعبه في كتاب: (وصف الإيمان وشعبه)، بما أرجو أن فيه الغنية للمتأمل إذا تأملها فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب، والدليل على أن الإيمان أجزاء بشعب أن النبي ﷺ قال في خبر عبد الله بن دينار: (الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله) فذكر جزءًا من أجزاء شعبه هي كلها فرض على المخاطبين في جميع الأحوال؛ لأنه ﷺ لم يقل: وأني رسول الله والإيمان بملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار وما يشبه هذا من أجزاء هذه الشعبة].\nلأن ذلك داخل في كلمة التوحيد، فإذا أطلقت إحدى الشهادتين تدخل فيها الأخرى.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [واقتصر على ذكر جزء واحد منها حيث قال: (أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله)، فدل هذا على أن سائر الأجزاء من هذه الشعبة كلها من الإيمان، ثم عطف فقال: (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، فذكر جزءًا من أجزاء شعبه هي نفل كلها للمخاطبين في كل الأوقات، فدل ذلك على أن سائر الأجزاء التي هي من هذه الشعبة وكل جزء من أجزاء الشعب التي هي من بين الجزأين المذكورين في هذا الخبر اللذين هما من أعلى الإيمان وأدناه كله من الإيمان].\nأي: ذكر أعلاها وأدناها وترك ما بينهما من الشعب.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما قوله ﷺ: (الحياء شعبة من الإيمان)، فهو لفظة أطلقت على شيء بكناية سببه، وذلك أن الحياء جبلة في الإنسان، فمن الناس من يكثر فيه، ومنهم من يقل ذلك فيه، وهذا دليل صحيح على زيادة الإيمان ونقصانه؛ لأن الناس ليسوا كلهم على مرتبة واحدة في الحياء، فلما استحال استواؤهم على مرتبة واحدة فيه، صح أن من وجد فيه أكثر كان إيمانه أزيد، ومن وجد فيه منه أقل كان إيمانه أنقص، والحياء في نفسه: هو الشيء الحائل بين المرء وبين ما يباعده من ربه عن المحظورات، فكأنه ﷺ جعل ترك المحظورات شعبة من الإيمان بإطلاق اسم الحياء عليه على ما ذكرناه].","vol":"10","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>الأخبار عن وصف الإسلام والإيمان بذكر جوامع شعبهما</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الإخبار عن وصف الإسلام والإيمان بذكر جوامع شعبهما: قال: أخبرنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا محمد بن المنهال الضرير قال: حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: خرجت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميرى حاجين أو معتمرين وقلنا: لعلنا لقينا رجلًا من أصحاب النبي ﷺ].\nوفي اللفظ: لو وفق أحد من أصحاب النبي ﷺ.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [فنسأله عن القدر فلقينا ابن عمر فظننت أنه يكل الكلام إلي فقلنا: يا أبا عبد الرحمن قد ظهر عندنا أناس يقرءون القرآن يتقفرون العلم تقفرا].\nقوله: يتقفرون العلم: أي: يطلبون العلم ويقرءون القرآن، أي: أن في البصرة أناسًا يقرءون القرآن ويطلبون العلم، ولكنهم يعتقدون هذه العقيدة الخبيثة وهي نفي القدر.\nقول المصنف ﵀: [يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف].\nأي: ينفون القدر، ويقولون: لا قدر، أولم يقدر الله الأشياء، قوله: وأن الأمر أنف، أي: مستأنف وجديد، فلا يعلم به الله حتى يقع، فإذا وقع علمه الله، وهؤلاء كفرة، وهم القدرية الأولى، الذين أنكروا علم الله، ونسبوا الله للجهل، وقد انقرضوا، ثم بقي عامة القدرية الذين يثبتون العلم والكتابة لكن ينفون عموم الإرادة وعموم الخلق.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [قال: فإن لقيتهم فأعلمهم أني منهم بريء وهم مني برآء والذي يحلف به ابن عمر: لو أن أحدهم أنفق مثل أحد ذهبًا ثم لم يؤمن بالقدر لم يقبل منه، ثم قال: حدثني عمر بن الخطاب ﵁ قال: (بينما رسول الله ﷺ ذات يوم جالسًا، إذ جاء رجل شديد سواد اللحية، شديد بياض الثياب، فوضع ركبته على ركبة النبي ﷺ وقال: يا محمد! ما الإسلام؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت)].\nويقصد بهذه الأركان الإسلام الظاهر.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [(قال: صدقت قال: فعجبنا من سؤاله إياه وتصديقه إياه، قال: فأخبرني: ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت والقدر خيره وشره حلوه ومره.\nقال: صدقت قال: فعجبنا من سؤاله إياه وتصديقه إياه)].\nوهذه خصال الإيمان، إذ الإيمان: أمور باطنة، فجميع هذه الخصال باطنة.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [(قال: فأخبرني: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني متى الساعة؟ قال: ما المسئول بأعلم من السائل، قال: فما أمارتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، قال: فتولى وذهب فقال عمر: فلقيني النبي ﷺ بعد ثالثة، فقال: يا عمر! أتدري من الرجل؟ قلت: لا، قال: ذاك جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)].\nوهذا الحديث رواه البيهقي في صحيحه مطولًا، ورواه الشيخان من حديث أبي هريرة مختصرًا، وفي الحديث بيان خصال الإسلام، وخصال الإيمان، وفي آخر الحديث قال: (أتاكم جبريل يعلمكم دينكم -وفي لفظ- أمر دينكم)، فدل على أن الدين له مراتب ثلاث: الإسلام، والإيمان، والإحسان، وقد أتى به المؤلف ليبين خصال الإسلام وخصال الإيمان.\nوقد ترجم له كما تقدم ذكر الإخبار عن وصف الإسلام والإيمان بذكر جوامع شعبهما.\nوعند المحققين من أهل العلم أن الإسلام والإيمان يختلف معناهما بالاقتران والافتراق، فإذا اقترنا كما في هذا الحديث فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، وفسر الإيمان بالأعمال الباطنة.\nوإذا جاء أحدهما وحده وأطلق دخل فيه الآخر، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] فالإسلام هنا يشمل الأعمال الباطنة والظاهرة كذلك، الإيمان إذا أطلق وحده دخل فيه الإسلام والإيمان، هذا هو الصواب، أما إذا اجتمعا فيكون لكل واحد منهما معنى.","vol":"10","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>ذكر خبر أوهم أن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط دون العمل بالجوارح</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر ثان أوهم من لم يحكم صناعة الحديث أن الإيمان بكماله هو الإقرار باللسان دون أن يقرنه الأعمال بالأعضاء.\nأخبرنا أحمد بن يحيى بن زهير حدثنا إبراهيم بن بسطام حدثنا أبو داود حدثنا شعبة عن الأعمش وحبيب بن أبي ثابت وعبد العزيز بن رفيع عن زيد بن وهب عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق)].\nوهذا الحديث رواه الشيخان: البخاري ومسلم.\nوفيه دليل على أن الموحد من أهل الجنة ولو فعل الكبائر إذا مات على التوحيد لا بد أن يدخل الجنة إن عاجلًا أو آجلًا، لكن إن مات على توبة نصوح من الكبائر دخل الجنة من أول وهلة، وأما من مات على الكبائر: كالزنا والسرقة، وشرب الخمر، فهو على خطر من دخول النار، قد يعذب وقد يعفى عنه، ولهذا قال: (وإن زنى وإن سرق) يعني: لا بد أن يدخل الجنة؛ لأنه موحد، وحتى قال: في بعض الروايات: (وإن زنى وإن سرق؟! كررها ثلاثًا، قال في الثالثة: وإن رغم أنف أبي ذر).\nولهذا الحديث قد يظن بعض الناس أن الإيمان هو الإقرار فقط، وأن من قال: لا إله الله دخل الجنة، وهذا كما ذكر المؤلف ﵀ ليس بصحيح، فلا بد من العمل؛ ولا بد من أداء الواجبات إذا تمكن، والصلاة لا بد منها، ومن لم يصل وتمكن من الصلاة لا ينفعه قول: لا إله إلا الله؛ لأن ترك الصلاة يخل بصحة لا إله إلا الله، وإذا قال: لا إله إلا الله وامتنع عن الصلاة، سقط التوحيد والعياذ بالله.\nوقوله في الترجمة: (ذكر خبر ثان أوهم من لم يحكم صناعة الحديث أن الإيمان بكماله هو الإقرار باللسان دون أن يقرنه الأعمال بالأعضاء).\nإذًا النصوص يُضم بعضها إلى بعض؛ لحديث: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياة شعبة من الإيمان)، وهنا قال: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) يعني: قالها عن إخلاص وصدق، عن إخلاص فلم يدخل في عمل الشرك، وعن صدق فلم يكن منافقًا، وقال عن يقين، ومن قال ذلك عن إخلاص وصدق ويقين فلابد أن يعبد الله بجوارحه، فإذا لم يعبد دل على أنه غير مخلص وغير صادق، فهذا الحديث قد يحتج به بعض الجهلة على أن الإيمان مجرد إقرار باللسان وهذا باطل، فإن الذي يقول: لا إله إلا الله عن إخلاص وصدق لابد أن يعمل، فإذا لم يعمل دل على أنه لم يقلها عن إخلاص وصدق فلا تنفع، ولهذا قيدت كما في الحديث: (من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه -وفي رواية- مخلصًا دخل الجنة).","vol":"10","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>ذكر الخبر المدحض لمن زعم أن حديث: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة) كان بمكة قبل نزول الأحكام</span>\n[ذكر الخبر المدحض قول من زعم من أئمتنا أن هذا الخبر كان بمكة في أول الإسلام قبل نزول الأحكام].\nيعني: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، قالوا: إن هذا كان في أول الإسلام، وهذا ليس بصحيح.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحسين بن عبد الله بن يزيد القطان بالرقة حدثنا هشام بن عمار حدثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن زيد بن وهب قال: أشهد لسمعت أبا ذر بالربذة يقول: (كنت أمشي مع رسول الله ﷺ بحرة المدينة، فاستقبلنا أحد، فقال: يا أبا ذر! ما يسرني أن أحدًا لي ذهبًا أمسي وعندي منه دينار إلا أصرفه لدين، ثم مشى ومشيت معه، فقال: يا أبا ذر! قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك! فقال: إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، ثم قال: يا أبا ذر! لا تبرح حتى آتيك، ثم انطلق حتى توارى، فسمعت صوتًا فقلت: أنطلق)].\nيعني: خاف على النبي ﷺ، فأراد أن يذهب ليطمئن عليه، لكن ذكر قوله: (لا تبرح المكان) فمكث في مكانه.\nقال: [(ثم ذكرت قول النبي ﷺ لي، فلبثت حتى جاء، فقلت: يا رسول الله! إني سمعت صوتًا، فأردت أن أدركك، فذكرت قولك لي، فقال: ذاك جبريل أتاني فأخبرني: أنه من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، قلت: يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق).\nقال: أخبرنا القطان بالرقة حدثنا هشام بن عمار حدثنا عيسى بن يونس حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ مثله].\nوفيه: أن النبي ﷺ أمر بأن تتصدق مما أعطاك الله؛ لأن الأكثرين من أهل الأموال هم الأقلون يوم القيامة.\nوهذا الحديث رواه الشيخان.","vol":"10","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>ذكر الخبر الموهم بأن الإيمان هو الإقرار بالله وحده دون جعل الطاعات من شعبه</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر أوهم عالمًا من الناس أن الإيمان هو الإقرار بالله وحده دون أن تكون الطاعات من شعبه.\nأخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو خالد الأحمر عن أبي مالك الأشجعي قال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من وحد الله وكفر بما يعبد من دونه، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله)].\nهذا الحديث فيه دليل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وأن من وحد الله لابد وأن يأتي بالعمل؛ لأن من شروط التوحيد الصلاة، والبعد عن الشرك.\nقوله: [من وحد الله وكفر بما يعبد من دونه، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله].\nأي: أن من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله، فلابد أن يعبد الله، وتوحيد الله لابد فيه من أداء الشروط، ومنها: أن يكون عمله خالصًا، وأن يؤدي ما أوجب الله عليه من شروط الإيمان ومقتضيات الإيمان، من الابتعاد عن الشرك بجميع أنواعه.\nوهذا الحديث أخرجه مسلم.\nإذًا: هذا الحديث فيه دليل على أنه لابد من شيئين: إيمان بالله، وكفر بالطاغوت، فالإيمان بالله هو أن يوحد الله، والكفر بالطاغوت هو أن يكفر بما يعبد من دون الله، قال ﷾: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦].\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر وصف قوله ﷺ: (وحد الله وكفر بما يعبد من دونه).\nأخبرنا عمر بن محمد الهمداني حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي جمرة قال: (كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس، فأتته امرأة تسأله عن نبيذ الجر، فقال: إن وفد عبد القيس أتوا رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: من الوفد أو من القوم؟ قالوا: ربيعة، قال: مرحبًا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى، قالوا: يا رسول الله! إنا نأتيك من شقة بعيدة، إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر نخبر به من وراءنا، وندخل به الجنة، قال: فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده، وقال: هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم، ونهاهم عن الدباء والحنتم والمزفت -قال شعبة: وربما قال: والنقير، وربما قال: المقير- وقال: احفظوه وأخبروه من وراءكم)].\nيعني: هذا الحديث يفسر الحديث السابق: (من وحد الله) فهنا فسر الإيمان بالأعمال، قال: (آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان) فإذًا: في هذا الحديث فسر الإيمان بهذه الأعمال، فالمؤلف يقول: هذا الحديث يفسر الحديث السابق: (من وحد الله) أي: من توحيد الله: الصلاة والزكاة والصوم وأداء الخمس.\nوهذا الحديث رواه الشيخان: البخاري ومسلم.","vol":"10","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>ما جاء في أن الإيمان شعب وأجزاء</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن الإيمان والإسلام شعب وأجزاء، غير ما ذكرنا في خبر ابن عباس وابن عمر بحكم الأمينين: محمد وجبريل ﵉.\nأخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة حدثنا يوسف بن واضح الهاشمي قال: حدثنا معتمر بن سليمان عن أبيه عن يحيى بن يعمر قلت: يا أبا عبد الرحمن -يعني ابن عمر - إن أقوامًا يزعمون أن ليس قدر، قال: هل عندنا منهم أحد؟ قلت: لا.\nقال: فأبلغهم عني إذا لقيتهم: أن ابن عمر يبرأ إلى الله منكم وأنتم برآء منه، حدثنا عمر بن الخطاب قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ في أناس، إذ جاءه رجل ليس عليه سحناء سفر، وليس من أهل البلد، يتخطى حتى ورك، فجلس بين يدي رسول الله ﷺ فقال: يا محمد! ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وأن تتم الوضوء، وتصوم رمضان.\nقال: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال: نعم.\nقال: صدقت، قال: يا محمد! ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وتؤمن بالجنة والنار، والميزان، وتؤمن بالبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن؟ قال: نعم، قال: صدقت، قال: يا محمد! ما الإحسان؟ قال: الإحسان: أن تعمل لله كأنك تراه، فإنك إن لا تراه فإنه يراك، قال: فإذا فعلت هذا فأنا محسن؟ قال: نعم، قال: صدقت.\nقال: فمتى الساعة؟ قال: سبحان الله! ما المسئول عنها بأعلم من السائل، ولكن إن شئت نبأتك عن أشراطها، قال: أجل، قال: إذا رأيت العالة الحفاة العراة يتطاولون في البنيان وكانوا ملوكًا.\nقال: ما العالة الحفاة العراة؟ قال: العُرَيْبُ، قال: وإذا رأيت الأمة تلد ربتها، فذلك من أشراط الساعة، قال: صدقت، ثم نهض، فولى، فقال رسول الله ﷺ: علي بالرجل، فطلبناه كل مطلب، فلم نقدر عليه، فقال رسول الله ﷺ: هل تدرون من هذا؟ هذا جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم، خذوا عنه، والذي نفسي بيده ما شُبِّهَ علي منذ أتاني قبل مرتي هذه، وما عرفته حتى ولى).\nقال أبو حاتم: تفرد سليمان التيمي بقوله: (خذوا عنه)، وبقوله: (تعتمر وتغتسل وتتم الوضوء)].\nوتفرد سليمان التيمي بقوله: (خذوا عنه) وبقوله: (تعتمر وتغتسل وتتم الوضوء) لا تكون شاذة؛ لأنه ثقة، وزيادة الثقة مقبولة.\nوهذا حديث جبريل المشهور الطويل في بيان الإسلام والإيمان والإحسان وأشراط الساعة، ثم قال: (أتاكم يعلمكم دينكم)، فدل على أن الدين ثلاث مراتب: الإسلام والإيمان والإحسان، والإسلام إذا اجتمع مع الإيمان فيفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بأعمال القلوب.\nقوله: (ما شبه علي) يعني: ما عرفه، حتى ولى، فلما ولى عرفه.\nقال: (فلبث مليًا) جاء في بعض الروايات: (ثلاثة أيام) وفي بعضها (ثلاث ليال).\nواحتج بهذا الحديث على وجوب العمرة، وبعضهم طعن في هذه الزيادة وقال: إن هذه الزيادة شاذة.\nوسليمان التيمي قال عنه في التقريب: صدوق يخطئ، لكن كان قليل الخطأ، والنسائي وغيره من المتقدمين يرون التفرد شذوذًا ويرى المتأخرون أن التفرد إذا كان من ثقة فلا يعتبر شذوذًا؛ لأن زيادة الثقة مقبولة.","vol":"10","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>ما جاء في أن الإيمان بكل ما جاء به المصطفى من الإيمان</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن الإيمان بكل ما جاء به المصطفى ﷺ من الإيمان.\nأخبرنا الفضل بن الحباب الجمحي بالبصرة حدثنا القعنبي حدثنا عبد العزيز بن محمد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وآمنوا بي وبما جئت به، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله) تفرد به الدراوردي قاله الشيخ].\nقوله: (ذكر البيان بأن الإيمان بكل ما جاء به المصطفى ﷺ من الإيمان).\nهذا واجب.\nوقوله: (تفرد به الدراوردي قاله الشيخ) قال في الحاشية: (هذا وهم من ابن حبان فقد تابعه عليه روح بن القاسم وسعيد بن سلمة بن أبي الحسام كما تقدم في التخريج).\nقوله: (قاله الشيخ) يرجع لمقدمة ابن حبان ليعلم مراده بذلك.","vol":"10","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>ما جاء في أن الإيمان بكل ما أتى به النبي من الإيمان مع العمل به</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن الإيمان بكل ما أتى به النبي ﷺ من الإيمان مع العمل به.\nأخبرنا أحمد بن علي بن المثنى بالموصل حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة حدثنا حرمي بن عمارة حدثنا شعبة عن واقد بن محمد عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله).\nقال أبو حاتم: تفرد به شعبة.\nوفي هذا الخبر بيان واضح: بأن الإيمان أجزاء وشعب تتباين أحوال المخاطبين فيها؛ لأنه ﷺ ذكر في هذا الخبر: (حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)، فهذا هو الإشارة إلى الشعبة التي هي فرض على المخاطبين في جميع الأحوال.\nثم قال: (ويقيموا الصلاة) فذكر الشيء الذي هو فرض على المخاطبين في بعض الأحوال.\nثم قال: (ويؤتوا الزكاة) فذكر الشيء الذي هو فرض على المخاطبين في بعض الأحوال، فدل ذلك على أن كل شيء من الطاعات التي تشبه الأشياء الثلاثة التي ذكرها في هذا الخبر من الإيمان].\nيعني: ذكر ما يجب على كل أحد، أو ما يجب في بعض الأحيان من البعض.","vol":"10","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>ما جاء في إطلاق اسم الإيمان على من أتى ببعض أجزائه</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر إطلاق اسم الإيمان على من أتى ببعض أجزائه.\nأخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا إسماعيل بن علية عن هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن جده عن أبي أمامة ﵁ قال: (قال رجل: يا رسول الله! ما الإيمان؟ قال: إذا سرتك حسناتك وساءتك سيئاتك فأنت مؤمن، قال: يا رسول الله! فما الإثم؟ قال: إذا حاك في قلبك شيء فدعه)].\nقال في الحاشية: (إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه أحمد والطبراني، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي) وهذا يدل على إطلاق الإيمان على بعض الإيمان، (وساءتك سيئاتك فأنت مؤمن) فهنا أطلق الإيمان على جزء الإيمان.","vol":"10","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>ما جاء في إطلاق اسم الإيمان على من أتى جزءًا من بعض أجزائه</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر إطلاق اسم الإيمان على من أتى جزءًا من بعض أجزائه.\nأخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع حدثنا عبيد الله بن معاذ بن معاذ حدثنا أبي حدثنا عاصم بن محمد عن عامر بن السمط عن معاوية بن إسحاق بن طلحة، قال: حدثني ثم استكتمني أن أحدث به ما عاش معاوية، فذكر عامر قال: سمعته وهو يقول: حدثني عطاء بن يسار وهو قاضي المدينة، قال: سمعت ابن مسعود وهو يقول: قال رسول الله ﷺ: (سيكون أمراء من بعدي يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، لا إيمان بعده).\nقال عطاء: فحين سمعت الحديث منه انطلقت به إلى عبد الله بن عمر فأخبرته، فقال: أنت سمعت ابن مسعود يقول هذا؟ كالمدخل عليه في حديثه، قال عطاء: فقلت: هو مريض فما يمنعك أن تعوده؟ قال: فانطلق بنا إليه، فانطلق وانطلقت معه، فسأله عن شكواه، ثم سأله عن الحديث قال: فخرج ابن عمر وهو يقلب كفه، وهو يقول: ما كان ابن أم عبد يكذب على رسول الله ﷺ].\nنعم، هذا رواه الإمام مسلم في صحيحة بدون: (لا إيمان بعده).\nوفيه: أن من الإيمان مجاهدة الأمراء باللسان وباليد، وأن إنكار المنكر من الإيمان.","vol":"10","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>ما جاء في إطلاق اسم الإيمان على من أتى بجزء من أجزاء شعب الإقرار</span>\nقال المؤلف ﵀: [ذكر إطلاق اسم الإيمان على من أتى بجزء من أجزاء شعب الإقرار.\nأخبرنا الفضل بن الحباب حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن منصور عن ربعي عن علي عن النبي ﷺ قال: (لا يؤمن العبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر)].\nهذا الحديث أخرجه الحاكم والطيالسي ومن طريقه الترمذي، وأخرجه أحمد.\nوالإقرار من الإيمان يعني: أن يقر فهذا من شعب الإيمان، والتصديق شعبة من شعب الإيمان.","vol":"10","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>ما جاء في إطلاق اسم الإيمان على من أتى بجزء من أجزاء الشعبة التي هي المعرفة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر إطلاق اسم الإيمان على من أتى بجزء من أجزاء الشعبة التي هي المعرفة.\nأخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا عبيد الله بن معاذ بن معاذ حدثنا أبي عن شعبة عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)].\nيعني: لا يؤمن الإيمان الكامل، حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين، فإذا قدم محبة الولد والوالد والوالدة على محبة الرسول ﷺ فإن إيمانه يكون ناقصًا.\nقوله في الترجمة: (ذكر إطلاق اسم الإيمان على من أتى بجزء من أجزاء الشعبة التي هي المعرفة).\nيعني: المعرفة كونه يعرف هذا الشيء بقلبه، والإقرار يعني: أن يصدق بقلبه، فالمعرفة أعم والإقرار أخص.\nوالحديث فيه أنك إذا صرت تشتغل وقت الصلاة والناس يصلون ولم تصل إلا بعد ما فاتت الجماعة، فقد قدمت الآن محبة العمل على محبة الله ومحبة الرسول ﷺ، وهذا إيمانه ناقص ضعيف، ولو كنت صاحب إيمان كامل فإنك إذا سمعت الأذان تسرع إلى المسجد وتترك العمل.\nإذًا: الذي يحب الرسول ﵊ لا يقدم العمل على طاعته ﷺ.","vol":"10","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>ما جاء في إطلاق اسم الإيمان على من أمنه الناس على أنفسهم وأملاكهم</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر إطلاق اسم الإيمان على من أمنه الناس على أنفسهم وأملاكهم.\nأخبرنا إسماعيل بن داود بن وردان بمصر حدثنا عيسى بن حماد أخبرنا الليث عن ابن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم)].\nيعني: المسلم الكامل من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن الكامل من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، والذي لا يسلم الناس من لسانه هو مسلم، لكنه مسلم ناقص، والذي لا يأمنه الناس على دمائهم وأموالهم مؤمن لكنه ضعيف الإيمان.","vol":"10","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>ما جاء في الرد على من زعم أن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص].\nهذا فيه رد على المرجئة.\nقال: [أخبرنا الحسين بن محمد بن مصعب بخبر غريب، حدثنا أبو داود السنجي سليمان بن معبد حدثنا ابن أبي مريم حدثنا يحيى بن أيوب عن ابن الهاد عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (الإيمان سبعون أو اثنان وسبعون بابًا، أرفعه لا إله إلا الله، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)].\nوهذا الحديث فيه دليل على أن الإيمان شعب متعددة، وكلما نقصت شعبة نقص الإيمان، والإيمان بضع وسبعون شعبة (أعلاها: قول لا إله إلا الله هذه شعبة قولية، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق هذه شعبة عملية، والحياء شعبة من الإيمان، هذه شعبة قلبية، فمن قال: الإيمان شيء واحد فقد خالف النص، وهذا الحديث رواه الشيخان، رواه مسلم بلفظ: (بضع وسبعون)، ورواه البخاري بلفظ: (بضع وستون).\nوقوله: (أخبرنا الحسين بن محمد بن مصعب بخبر غريب غريب).\nيحتمل أنه غريب من حيث السند، مثل حديث: (إنما الأعمال بالنيات) فهو غريب، وهنا صح الحديث، قال في الحاشية: (إسناده صحيح على شرطهما، ابن أبي مريم هو سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الجمحي بالولاء، أبو محمد المصري ثقة ثبت، ويحيى بن أيوب هو الغافقي أخرج حديثه الجماعة، قال الحافظ في التقريب: صدوق ربما أخطأ، وابن الهاد هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي أبو عبد الله المدني روى له الجماعة، وأخرجه ابن مندة في الإيمان).\n[قال أبو حاتم: الاقتصار في هذا الخبر على هذا العدد المذكور في خبر ابن الهاد مما نقول في كتبنا: إن العرب تذكر العدد للشيء، ولا تريد بذكرها ذلك العدد نفيًا عما وراءه، ولهذا نظائر نوعنا لهذا أنواعًا، سنذكرها بفصولها فيما بعد إن شاء الله تعالى].\nيعني: ليس المقصود من هذا الحصر، وإنما هذا يجري على عادة العرب ولا يقصدون به الحصر لكن البيهقي ألف كتابًا اسمه: (شعب الإيمان) وأوصلها إلى بضع وسبعين شعبة، والبضع من ثلاثة إلى تسعة.","vol":"10","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>ما جاء في الرد على من زعم أن إيمان المسلمين واحد</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن إيمان المسلمين واحد، من غير أن يكون فيه زيادة أو نقصان.\nأخبرنا الفضل بن الحباب الجمحي حدثنا علي بن المديني حدثنا معن بن عيسى حدثنا مالك بن أنس عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: (يدخل الله أهل الجنة الجنة، يدخل من يشاء برحمته، ويدخل أهل النار النار، ثم يقول: أخرجوا من كان في قلبه حبة خردل من إيمان، فيخرجون منها حممًا، فيلقون في نهر في الجنة، فينبتون كما تنبت حبة في جانب السيل، ألم ترها صفراء ملتوية؟)].\nهذا الحديث أصله في صحيح البخاري وقوله: (أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان) فيه دليل على أن الإيمان يتفاوت، وفيه رد على المرجئة الذين يقولون: إن الإيمان واحد، وقولهم: هذا باطل، فإن الناس يتفاوتون في الإيمان تفاوتًا عظيمًا، وفيه دليل على أن الإيمان يضعف حتى لا يبقى منه إلا مثقال حبة من خردل.","vol":"10","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>ما جاء في أن إخراج من كان في قلبه قدر قيراط من إيمان كان قبل إخراج من في قلبه حبة خردل من إيمان</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن قوله ﷺ: (أخرجوا من كان في قلبه حبة خردل من إيمان) أراد به بعد إخراج من كان في قلبه قدر قيراط من إيمان].\nأي: أنهم أخرجوا أولًا من كان في قلبه أكثر من حبة خردل من إيمان، ثم الذين أقل منهم إيمانًا.\nقال: [أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا يحيى بن أبي رجاء بن أبي عبيدة الحراني حدثنا زهير بن معاوية عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ قال: (إذا مُيِّزَ أهل الجنة وأهل النار، يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، قامت الرسل فشفعوا، فيقال: اذهبوا فمن عرفتم في قلبه مثقال قيراط من إيمان فأخرجوه، فيخرجون بشرًا كثيرًا، ثم يقال: اذهبوا فمن عرفتم في قلبه مثقال خردلة من إيمان فأخرجوه، فيخرجون بشرًا كثيرًا، ثم يقول جل وعلا: أنا الآن أخرج بنعمتي وبرحمتي، فيخرج أضعاف ما أخرجوا، وأضعافهم قد امتحشوا وصاروا فحمًا، فيلقون في نهر، أو في نهر من أنهار الجنة، فتسقط محاشهم على حافة ذلك النهر)].\nيعني: ما أكلت النار منهم، فيزال أثر الاحتراق بماء النهر.\nقال: [(فيعودون بيضًا مثل الثعارير، فيكتب في رقابهم: عتقاء الله، ويسمون فيها الجهنميين).\nقال: الثعارير: القثاء الصغار، قاله الشيخ].\nوالحديث أخرجه مختصرًا مسلم من طريق يزيد الفقير عن جابر بنحوه، باب: أدنى أهل الجنة منزلة.\nوهذا الحديث فيه الرد على الخوارج والمعتزلة الذين يقولون بخلود العصاة في النار، ففيه دليل على أن العصاة يخرجون من النار ولا يبقون فيها إذا كانوا موحدين.\nوفيه أنه من في قلبه قيراط أخرج، ثم من في قلبه مثقال حبة من خردل، وقد ثبت أن النبي ﷺ يقول: (يشفع الله شفاعات كل مرة يحد الله لهم حدًا، في بعضها: أخرجوا من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، وفي المرة التي بعدها: أخرجوا من في قلبه أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان، وفي المرة التي بعدها: أخرجوا من في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان).\nوفيه دليل على أن الإيمان يضعف حتى لا يبقى منه إلا قليل؛ لأن المعاصي إذا كثرت تضعف الإيمان، لكن لا تقضي عليه فإنه لا يقضي عليه إلا الكفر الأكبر، والنفاق الأكبر، والشرك الأكبر، أما المعاصي وإن عظمت فإنها لا تقضي على الإيمان، وإنما تضعفه حتى لا يبقى إلا مثقال حبة من خردل من إيمان، فيبقى معهم أصل التوحيد وبه يخرجون من النار فضلًا من الله سبحانه، أما الكفرة فلا يخرجون من النار؛ لأن الجنة حرام عليهم نسأل الله العافية.\nوتارك الصلاة ليس معه شيء من الإيمان؛ لأن الصلاة شرط في صحة الإيمان، مثل الوضوء شرط لصحة الصلاة، فهل تصح الصلاة بدون وضوء؟! كذلك لا يصح الإيمان بدون صلاة.","vol":"10","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>ما جاء في أن من يخرجون من النار يرش أهل الجنة عليهم الماء</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الإخبار بأنهم يعودون بيضًا بعد أن كانوا فحمًا يرش أهل الجنة عليهم الماء.\nأخبرنا محمد بن عمر بن يوسف بن حمزة حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا بشر بن المفضل عن أبي مسلمة عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: (أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون)].\nأي: الكفرة هم أهلها ولا يخرجون منها، أما المؤمن فدخوله عارض؛ بسبب المعاصي.\nقال: [(ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم -أو قال: بخطاياهم-، حتى إذا كانوا فحمًا أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثوا على أهل الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة! أفيضوا عليهم، قال: فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل)].\nيعني: يحمله السيل، كما يحمل العيدان والحبة في طرف الوادي تنبت سريعة.\nقال: [(فقال رجل من القوم: كأنه كان رسول الله ﷺ بالبادية)].\nيعني: كأن رسول الله ﷺ يشاهد هذا.","vol":"10","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>ما جاء في الرد على من زعم أن الإيمان لم يزل على حالة واحدة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن الإيمان لم يزل على حالة واحدة من غير أن يدخله نقص أو كمال.\nأخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد الله بن إدريس عن أبيه عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: (قال يهودي لـ عمر: لو علمنا معشر اليهود متى نزلت هذه الآية لاتخذناه عيدًا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]، ولو نعلم اليوم الذي نزلت فيه لاتخذناه عيدًا، فقال عمر ﵁: قد علمت اليوم الذي أنزلت فيه والليلة التي أنزلت يوم الجمعة، ونحن مع رسول الله ﷺ بعرفات)].\nقوله: (ولو علمنا معشر اليهود متى نزلت هذه الآية لاتخذناه عيدًا) هذا فيه نظر واليهود لا يتخذونه عيدًا؛ لأنهم باقون على يهوديتهم، لكن القول المعروف أنه قال: (لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا يومها عيدًا) وهذا الحديث أخرجه النسائي في الحج، ومسلم في التفسير.","vol":"10","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>الأسئلة</span>","vol":"10","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>الدعاء بجمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم لا ينافي حكمة الله في تفرقهم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الدعاء للمسلمين بأن يوحدهم الله ويجمع كلمتهم يكون مخالفًا لحكمة الله في تفرقهم شيعًا وأحزابًا كما أخبر الله جل وعلا بذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، هذا مطلوب، نسأل الله أن يجمع كلمة المسلمين، وأن يوحد صفوفهم، والدعاء لجمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم ينبغي لكل مسلم أن يدعو به.","vol":"10","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>وجه عموم حديث: (لعن الله اليهود والنصارى) وحمله على الدعاء عليهم بالهلاك العام</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  حديث رسول الله ﷺ: (لعن الله اليهود والنصارى) أليس يدل على الدعاء عليهم بالعموم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الحديث يفيد الدعاء بالعموم، لكن ليس هو الدعاء عليهم بالهلاك العام بحيث لا يبقى منهم أحد، وإنما لأنهم ما داموا على كفرهم وعنادهم فهم مطرودون من رحمة الله، لكن هم باقون في الدنيا.","vol":"10","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>حكم ما أخذه المرء من حقوق الناس قبل إسلامه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا سرق الشخص قبل إسلامه فهل يجب عليه رد ما سرق؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان يعرف صاحبه رده إليه؛ لأن الحقوق لا بد من أدائها، والإسلام يجب ما قبله فيما بينه وبين الله، لكن حقوق الناس لا بد أن يؤديها.","vol":"10","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>ما جاء في صلاة الإشراق</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل هناك ركعتان خاصة بالإشراق؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  جاء في الحديث: (أن من جلس في مصلاه بعد صلاة الفجر، ثم صلى ركعتين كان كحجة وعمرة) هذا الحديث فيه ضعف، لكن له طرق وشواهد يقوي بعضها بعضًا، وجاء في صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ كان يجلس حتى تكون الشمس حسناء)، وأول صلاة الضحى تبدأ من ارتفاع الشمس قدر رمح إلى وقت الزوال، وبعض الناس يسميها سنة الإشراق.","vol":"10","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>حكم البطاقة الشخصية للنساء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم البطاقة للنساء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  البطاقة للنساء هذا ليس إلينا، ونسأل الله أن يصلح الأحوال، والعلماء قد بذلوا الجهود في هذا، نسأل الله أن يوفقهم لما فيه الخير.","vol":"10","page":27},{"text":"شرح صحيح ابن حبان_<span data-type=\"title\" id=toc-189>كتاب الإيمان [٥]</span>\nيتعلق بتوحيد المرء جملة من الأمور المهمة، وأهمها ثبات اسم الإيمان له بتوحيده ما لم يأت بناقض يخرج به عن الملة، فإن استوفى القيام بالأوامر وترك النواهي ثبت له كمال الإيمان، وإن انتقص فأتى المحرم أو قصر في الواجب انتفى كمال إيمانه مع بقاء أصله، وإن مات على توحيد خالص حجزه عن الكبائر والتقصير في أداء الفرائض استحق دخول الجنة من أول وهلة، فإن أخل فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.","vol":"11","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>ما جاء في نفي اسم الإيمان والمراد به الإيمان الكامل</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر ثان يصرح بإطلاق لفظة مرادها نفي الاسم عن الشيء للنقص عن الكمال لا الحكم على ظاهره.\nأخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن الزهري قال: حدثني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام كلهم يحدثون عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع المسلمون إليها أبصارهم وهو حين ينتهبها مؤمن) فقلت للزهري: ما هذا؟! فقال: على رسول الله ﷺ البلاغ وعلينا التسليم].\nهذا الحديث فيه نفي الإيمان، والمراد به نفي كمال الإيمان لا أصله؛ لأن المؤمن لا يزني حين يزني وهو مؤمن، ففيه نفي الاسم ويراد به نفي الكمال، فهو عنده أصل الإيمان، هو مؤمن بالله ورسوله وليس كافرًا، لكنه نفي عنه كمال الإيمان، مثل قوله: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، وإخباره بأنه لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه، فهذا نفي الكمال، يعني: لا يؤمن الإيمان الكامل، فهو ضعيف الإيمان وناقص الإيمان.\nوقوله في الترجمة: (ذكر خبر ثان يصرح بإطلاق لفظة مرادها نفي الاسم عن الشيء للنقص عن الكمال لا الحكم على ظاهره).\nأي أن المراد نقص الكمال، بدليل أن الزاني والسارق والناهب يعامل معاملة المسلمين، فيغسل ويصلى عليه إذا مات ويرث ويورث، ولو كان كافرًا ليس بمؤمن فإنه يقتل، ولا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يرث ولا يورث.\nفإن قيل: هل وقت فعل الزنا أو شرب الخمر ينتفي الإيمان عن الفاعل بالكلية؟ ف\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا ينتفي؛ لأن عنده أصل الإيمان، فلو سألته: هل أنت مؤمن بالله ورسوله؟ لقال: نعم أنا مؤمن بالله ورسوله.\nفعنده أصل الإيمان، لكنه ضعيف الإيمان وناقص الإيمان.\nوقد جاء في الحديث أنه يرتفع الإيمان فوق رأسه كأنه ظلة، ثم إذا تاب رجع قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر ثالث يصرح بالمعنى الذي ذكرناه.\nأخبرنا أبو خليفة حدثنا أبو الوليد وابن كثير حدثنا شعبة واقد بن عبد الله أخبرني عن أبيه أنه سمع ابن عمر يحدث عن النبي ﷺ قال: (لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض)].\nوالمراد هنا الكفر المنافي لكمال الإيمان؛ لأنهم ليسوا كفارًا، وذلك إذا لم يستحلوه، فهذا هو الكفر الأصغر الذي يضعف معه الإيمان.","vol":"11","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>ذكر ما جاء في إضافة العرب الاسم إلى الشيء للقرب من التمام ونفيها عنه للنقص عن الكمال</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن العرب في لغتها تضيف الاسم إلى الشيء للقرب من التمام، وتنفي الاسم عن الشيء للنقص عن الكمال.\nأخبرنا عمر بن سعيد بن سنان أخبرنا أحمد بن أبي بكر عن مالك عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: (صلى لنا رسول الله صلى عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.\nقال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله وبرحمته؛ فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا؛ فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب)].\nقوله: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر) يعني الكافر كفرًا أصغر لا يخرج من الملة، ولكن قوله: (من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا) فيه تفصيل، فإن أراد أن نوء النجم له تأثير في إنزال المطر؛ فقوله هو الشرك الأكبر في الربوبية، وإن أراد أن النوء هو سبب، فقوله شرك أصغر؛ لأن الله لم يجعله سببًا.\nوهذا الحديث إسناده صحيح على شرط الشيخين، وهو في الموطأ، ومن طريق مالك أخرجه أحمد والبخاري.\nوقال في الحا شية: (وأورد الحافظ ما قيل في شرح هذا الحديث، ثم قال: وأعلى ما وقفت عليه من ذلك كلام الشافعي، قال: (مطرنا بنوء كذا وكذا) على ما كان في بعض أهل الشرك يعنون من إضافة المطر، إلا أنه أمطره نوء كذا، فذلك كفر؛ لأن النوء وقت، والوقت مخلوق لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئًا، ومن قال: مطرنا بنوء كذا على معنى: مطرنا في وقت كذا؛ فلا يكون كفرًا، وغير ذلك من الكلام.\nقوله: (لأن النوء وقت) يعني أن المعنى سيكون: مطرنا في وقت كذا، والمعروف أن النوء هو النجم، وقد يطلق النوء على الوقت، فإذا أريد به الوقت فلا حرج، كأن يقول: مطرنا في وقت كذا، أما إذا قال: مطرنا بنوء كذا -يعني: بنجم كذا- مع اعتقاد أن للنجم تأثيرًا عند المطر فهذا شرك أكبر، وإذا قال: مطرنا بنوء كذا مع اعتقاد أنه سبب فهو شرك أصغر، وإذا قال: مطرنا في نوء كذا يعني: في وقت كذا، فهذا لا بأس به.","vol":"11","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>ذكر ما جاء في إطلاق اسم الإيمان على جزئه</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر آخر يصرح بصحة ما ذكرنا أن العرب تذكر في لغتها الشيء الواحد الذي هو من أجزاء شيء باسم ذلك الشيء نفسه.\nأخبرنا أبو خليفة حدثنا أبو الوليد حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن الشريد بن سويد الثقفي قال: (قلت: يا رسول الله! إن أمي أوصت أن نعتق عنها رقبة، وعندي جارية سوداء، قال: ادع بها، فجاءت، فقال: من ربك؟ قالت: الله، قال: من أنا؟ قالت: رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة)].\nهذا مثل حديث معاوية بن الحكم السلمي.\nوهذا الحديث إسناده حسن من أجل محمد بن عمرو، وأخرجه الطبراني والبيهقي وأحمد وأبو داود والنسائي.\nوفيه بيان أن هذه الجارية عندها أصل الإسلام، فسألها الرسول ﷺ عن ربها وعن دينها وعن نبيها، وهذا أصل الإيمان، ولذلك قال الرسول ﷺ: (أعتقها فإنها مؤمنة)، وهي إنما نطقت بالشهادتين.\nوهذا فيه الرد على المبتدعة الذين ينكرون العلو ويقولون: إنه ليس له مكان.\nوتراجم ابن حبان بعضها يتصل ببعض.","vol":"11","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>بيان أن وصف الجارية بالإيمان يراد به بعض أجزائه وشعبه</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن قوله ﷺ: (فإنها مؤمنة) من الألفاظ التي ذكرنا أن العرب إذا كان الشيء له أجزاء وشعب تطلق اسم ذلك الشيء بكليته على بعض أجزائه وشعبه، وإن لم يكن ذلك الجزء وتلك الشعبة ذلك الشيء بكماله].\nقوله (فإنها مؤمنة) يعني: عندها أصل الإيمان، وقد ينقصها بعض صفات المؤمنين، لكن أطلق عليها اسم الإيمان.\nقال: [أخبرنا حبان بن إسحاق بالبصرة حدثنا الفضل بن يعقوب الرخامي حدثنا أبو عامر العقدي حدثنا سليمان بن بلال عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (الإيمان بضع وسبعون بابًا، والحياء من الإيمان)].\nالشاهد أن الإيمان شعب متعددة، والحياء شعبة منها، ومع ذلك أطلق على الجارية أنها مؤمنة، وإن كانت لم تكتمل فيها جميع الشعب.","vol":"11","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>بيان أن المقصود بالأبواب في الإيمان الشعب</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن قوله ﷺ: (الإيمان بضع وسبعون بابًا) أراد به: بضع وسبعون شعبة.\nأخبرنا الحسين بن بسطام بالأبلة أخبرنا عمرو بن علي حدثنا حسين بن حفص حدثنا سفيان الثوري عن سهيل بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)].\nقوله: (الإيمان بضع وسبعون) هذه رواية مسلم ﵀ في صحيحه، ورواية البخاري: (الإيمان بضع وستون شعبة).\nوالمراد بالشعب هنا الأبواب.","vol":"11","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>ذكر نفي اسم الإيمان عمن أتى ببعض الخصال التي تنقص إيمانه</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر نفي اسم الإيمان عمن أتى ببعض الخصال التي تنقص بإتيانه إيمانه.\nأخبرنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا محمد بن يزيد الرفاعي أبو هشام حدثنا أبو بكر بن عياش قال: حدثنا الحسن بن عمرو الفقيمي عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا البذيء ولا الفاحش)].\nقوله: (ليس المؤمن بالطعان) يعني: ليس كالمؤمن كامل الإيمان، بل هو ناقص الإيمان، فالطعان واللعان والفاحش والبذيء ناقص الإيمان، مثل قوله ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، وقوله: (لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه) يعني: ليس عنده كمال الإيمان الواجب، بل هو ناقص الإيمان.","vol":"11","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>ذكر خبر يدل على صحة نفي كمال الإيمان بفعل المعاصي</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر يدل على صحة ما تأولنا لهذه الأخبار.\nأخبرنا ابن قتيبة حدثنا يزيد بن موهب وموهب بن يزيد حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرنا عمرو بن الحارث أن دراجًا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: (لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة) قال موهب: قال لي أحمد بن حنبل: أيش كتبت بالشام؟ قال: فذكرت له هذا الحديث، قال: لو لم تسمع إلا هذا لم تذهب رحلتك].\nهذا الحديث إسناده ضعيف لضعف دراج في روايته عن أبي الهيثم، وقال ابن الجوزي: تفرد به دراج، وقد قال أحمد: أحاديثه مناكير.\nقوله: (لا حليم إلا ذو عثرة) يعني أن الحليم لابد من أن تحصل له عثرة.\nوقوله: (ولا حكيم إلا ذو تجربة) يعني: لا يأخذ الحكمة ويضع الأمور في موضعها إلا بعد التجارب، فهو بعدما تمر عليه التجارب ويصل إلى الحكمة، وكذلك الحليم بعد أن تحصل له هفوات يصل إلى الحلم.\nوهذا الحديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد موقوفًا على أبي سعيد ﵁، وهو أصح.\nقوله: (قال موهب: قال لي أحمد بن حنبل: أيش كتبت بالشام؟ فذكرت له هذا الحديث قال: لو لم تسمع إلا هذا لم تذهب رحلتك)، هذا لو صح، لكنه لا يصح.","vol":"11","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>ذكر خبر يدل على أن المراد بنفي الإيمان من باب نفي الأمر عن الشيء للنقص عن الكمال</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر يدل على أن المراد بنفي هذه الأخبار نفي الأمر عن الشيء للنقص عن الكمال.\nأخبرنا أبو يعلى حدثنا الحسن بن الصباح البزار حدثنا مؤمل بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك قال: (خطبنا رسول الله ﷺ فقال في الخطبة: لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)] هذا الحديث حسن بشواهده.\nقوله: (لا إيمان لمن لا أمانة له) يعني: لا إيمان كامل؛ لأن الإيمان الكامل لمن أدى الواجبات وترك المحرمات، ومن ذلك أداء العهود، ومن لا يلتزم بالعهود فإيمانه ضعيف، فنفي الأمر عن الشيء نفي للكمال.\nوقوله: (ذكر خبر يدل على أن المراد بنفي هذه الأخبار نفي الأمر عن الشيء للنقص عن الكمال).\nلو قال: نفي الشيء فهو أحسن، والمراد نفي الكمال، فقوله: (نفي الأمر عن الشيء) يعني: نفي الإيمان.\nوقوله ﷺ: (لا إيمان) يريد نفي الكمال.\nوكذلك: (لا دين لمن لا عهد له) يعني: لا دين كامل لمن لا عهد له، وإلا فعنده دين، لكن ليس عنده الدين الكامل.\nوهذا الحديث أخرجه أحمد وابن أبي شيبة في المصنف، وحسنه البغوي في شرح السنة.","vol":"11","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>ذكر الخبر الدال على نفي الاسم عن الشيء للنقص عن الكمال وإضافتها الاسم إلى الشيء للقرب من التمام</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على صحة ما ذكرنا، أن معاني هذه الأخبار ما قلنا: إن العرب تنفي الاسم عن الشيء للنقص عن الكمال، وتضيف الاسم إلى الشيء للقرب من التمام.\nأخبرنا أبو خليفة حدثنا مسلم بن إبراهيم عن هشام بن أبي عبد الله حدثنا حماد بن أبي سليمان عن زيد بن وهب عن أبي ذر قال: (انطلق النبي ﷺ نحو بقيع الغرقد، فانطلقت خلفه، فقال: يا أبا ذر! فقلت: لبيك ثم سعديك وأنا فداؤك، فقال: المكثرون هم المقلون يوم القيامة، إلا من قال بالمال هكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله، قالها ثلاثًا، ثم عرض لنا أحد، فقال: يا أبا ذر! ما يسرني أنه لآل محمد ذهبًا يمسي معهم دينار أو مثقال، فقلت: الله ورسوله أعلم، ثم عرض لنا واد فاستبطنه النبي ﷺ ونزل فيه، وجلست على شفيره، فظننت أن له حاجة، فأبطأ علي، وساء ظني، فسمعت مناجاة، فقال: ذلك جبريل يخبرني لأمتي من شهد منهم أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله دخل الجنة، فقلت: يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق)].\nوهذا الحديث رواه الشيخان، وفيه دليل على أن من مات على التوحيد فإن مصيره إلى الجنة والسلامة، ولو فعل المعاصي والكبائر، وإذا مات على توحيد الخالق وتاب من الكبائر والصغائر دخل الجنة من أول وهلة، وإن مات على الزنا أو السرقة أو الخمر أو عقوق الوالدين، فإنه يستحق دخول النار، لكنه تحت مشيئته سبحانه، فقد يعفى عنه وقد يعذب، ولهذا قال: (من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة) وإن كان إيمانه ناقصًا.\nقوله: (ذكر الخبر الدال على صحة ما ذكرنا أن معاني هذه الأخبار ما قلنا: إن العرب تنفي الاسم عن الشيء للنقص عن الكمال، وتضيف الاسم إلى الشيء للقرب من التمام).\nشاهده أن هذا شهد أن لا إله إلا الله، وإن كان عنده نقص في الشهادة، فهو من أهل الإيمان.","vol":"11","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>ذكر إثبات الإسلام لمن سلم المسلمون من لسانه ويده</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر إثبات الإسلام لمن سلم المسلمون من لسانه ويده.\nأخبرنا أحمد بن يحيى بن زهير الحافظ بتستر حدثنا محمد بن العلاء بن كريب حدثنا أبو معاوية حدثنا داود بن أبي هند عن الشعبي قال: سمعت عبد الله بن عمرو ورب هذه البنية -يعني: الكعبة- يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (المهاجر من هجر السيئات، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)].\nيعني: من هجر السيئات بالهجرة من بلد الكفار إلى بلد الإسلام؛ لأن البقاء في بلد الكفار من السيئات، لكن المهاجر الكامل هو الذي يهجر السيئات كلها.\nقوله: (والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) يعني: المسلم الكامل، لكن من لا يسلم المسلمون من لسانه ويده فهذا مسلم ناقص الإسلام، فهنا المراد الإسلام الكامل والمهاجر الكامل، ومن نقص شيئًا من ذلك نقص إيمانه.","vol":"11","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>ذكر البيان بأن من سلم المسلمون من لسانه ويده كان من أسلمهم إسلامًا</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن من سلم المسلمون من لسانه ويده كان من أسلمهم إسلامًا.\nأخبرنا عبدان حدثنا محمد بن معمر حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أسلم المسلمين إسلامًا من سلم المسلمون من لسانه ويده)].\nيعني: هذا أسلم الناس، أما من لم يسلم المسلمون من لسانه ويده فهو مسلم إذا كان موحدًا، لكنه ناقص الإسلام.","vol":"11","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>ذكر إيجاب دخول الجنة لمن مات لم يشرك بالله شيئًا وتعرى عن الدين والغلول</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر إيجاب دخول الجنة لمن مات لم يشرك بالله شيئًا، وتعرى عن الدين والغلول].\nيعني: من مات لم يشرك بالله شيئًا وليس عليه دين ولا غلول دخل الجنة.\nقال: [أخبرنا أبو يعلى حدثنا محمد بن المنهال الضرير وأمية بن بسطام قالا: حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن ثوبان عن رسول الله ﷺ قال: (من جاء يوم القيامة بريئًا من ثلاث دخل الجنة: الكبر، والغلول، والدين)].\nقوله: (الكبر والغلول والدين) يعني: مع التوحيد والإيمان.\nوالحديث إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه النسائي والدارمي وأحمد والترمذي.\nقوله: (من جاء يوم القيامة بريئًا من ثلاث دخل الجنة: الكبر والغلول والدين) الكبر: هو بطر الحق ورده وغمط الناس.\nوالغلول: هو الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها، ومثله: الأخذ من صدقات الجمعيات أو من الأوقاف، كل هذا داخل في الغلول.","vol":"11","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>ذكر إيجاب الجنة لمن شهد لله بالوحدانية مع تحريم النار عليه به</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر إيجاب الجنة لمن شهد لله جل وعلا بالوحدانية مع تحريم النار عليه به.\nأخبرنا ابن قتيبة حدثنا حرملة حدثنا ابن وهب أخبرني حيوة حدثنا ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن سعيد بن الصلت عن سهيل بن بيضاء من بني عبد الدار قال: (بينما نحن في سفر مع رسول الله ﷺ، فجلس من كان بين يديه ولحقه من كان خلفه، حتى إذا اجتمعوا قال رسول الله ﷺ: إنه من شهد أن لا إله إلا الله حرمه الله على النار وأوجب له الجنة) قال أبو حاتم ﵁: هذا خبر خرج خطابه على حسب الحال، وهو من الضرب الذي ذكرت في كتاب (فصول السنن) أن الخبر إذا كان خطابه على حسب الحال لم يجز أن يحكم به في كل الأحوال، وكل خطاب كان من النبي ﷺ على حسب الحال فهو على ضربين: أحدهما: وجود حالة من أجلها ذكر ما ذكر، لم تذكر تلك الحالة مع ذلك الخبر.\nوالثاني: أسئلة سئل عنها النبي ﷺ، فأجاب عنها بأجوبة، فرويت عنه تلك الأجوبة من غير تلك الأسئلة، فلا يجوز أن يحكم بالخبر إذا كان هذا نعته في كل الأحوال، دون أن يضم مجمله إلى مفسره، ومختصره إلى متقصاه].\nيعني أن الأحاديث المطلقة تقيد بالأدلة الأخرى المقيدة، فقوله: (من شهد أن لا إله إلا الله حرمه الله على النار وأوجب الله له الجنة) يعني: إذا وحد الله، ولم يفعل ناقضة من نواقض الإسلام، وأدى الواجبات وترك المحرمات دخل الجنة من أول وهلة، جمعًا بين النصوص، فإن مات وقد نقض هذا التوحيد بالشرك فلا يعفى عنه، وإن مات على التوحيد ولكن أضعفه بالمعاصي والكبائر فهذا على خطر، وهو متوعد بالنار، وقد يعفى عنه وقد لا يعفى عنه.\nفالنصوص يضم بعضها إلى بعض.","vol":"11","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>ذكر البيان بأن الجنة إنما تجب لمن شهد لله بالوحدانية وكان ذلك عن يقين من قلبه</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن الجنة إنما تجب لمن شهد لله جل وعلا بالوحدانية، وكان ذلك عن يقين من قلبه، لا أن الإقرار بالشهادة يوجب الجنة للمقر بها دون أن يقر بها بالإخلاص.\nأخبرنا علي بن الحسين العسكري بالرقة حدثنا عبدان بن محمد الوكيل حدثنا ابن أبي زائدة عن سفيان عن عمرو بن دينار عن جابر: (أن معاذًا لما حضرته الوفاة قال: اكشفوا عني سجف القبة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: من شهد أن لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه دخل الجنة)].\nهذا الحديث فيه شرط الإخلاص، وأنه لابد منه، فإن وقع الشرك ذهب الإخلاص، لقوله: (من قال لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه)، فلابد من الإخلاص، وهو شرط، فدل على أن المشرك ليس كذلك.\n[قال أبو حاتم ﵁: قوله ﷺ: (دخل الجنة) يريد به جنة دون جنة؛ لأنها جنان كثيرة، فمن أتى بالإقرار الذي هو أعلى شعب الإيمان، ولم يدرك العمل، ثم مات أدخل الجنة، ومن أتى بعد الإقرار من الأعمال قل أو كثر أدخل الجنة، جنة فوق تلك الجنة؛ لأن من كثر عمله عَلَتْ درجاته وارتفعت جنته].\nيعني أن الجنة درجات، كما في الحديث: (في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله).\nقال: [لا أن الكل من المسلمين يدخلون جنة واحدة وإن تفاوتت أعمالهم وتباينت؛ لأنها جنان كثيرة لا جنة واحدة].","vol":"11","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>ذكر البيان بأن الجنة إنما تجب لمن أتى بالوحدانية عن يقين من قلبه ثم مات عليه</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن الجنة إنما تجب لمن أتى بما وصفنا عن يقين من قلبه ثم مات عليه.\nأخبرنا محمد بن عمر بن يوسف حدثنا نصر بن علي الحهضمي حدثنا بشر بن المفضل حدثنا خالد الحذاء عن الوليد بن مسلم أبي بشر سمعت حمران بن أبان يقول: سمعت عثمان بن عفان يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة)].\nهذا الحديث فيه اشتراط اليقين، وأنه لابد من اليقين، والعلم هو اليقين، وقوله: (وهو يعلم أن لا إله إلا الله) يعني: يعتقد أنه لا معبود بحق إلا الله، ويسلم بذلك، فهذا يدخل الجنة.","vol":"11","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>ذكر البيان بأن الجنة إنما تجب لمن شهد لله بالوحدانية وقرن ذلك بالشهادة للمصطفى بالرسالة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن الجنة إنما تجب لمن شهد لله جل وعلا بالوحدانية وقرن ذلك بالشهادة للمصطفى ﷺ بالرسالة.\nأخبرنا إسماعيل بن داود بن وردان بالفسطاط حدثنا عيسى بن حماد أخبرنا الليث عن ابن عجلان عن محمد بن يحيى بن حبان عن ابن محيريز عن الصنابحي قال: (دخلت على عبادة بن الصامت وهو في الموت فبكيت، فقال لي: مه، لم تبكي؟ فوالله لئن استشهدت لأشهدن لك، ولئن شفعت لأشفعن لك، ولئن استطعت لأنفعنك، ثم قال: والله ما من حديث سمعته من رسول الله ﷺ لكم فيه خير إلا حدثتكموه، إلا حديثًا واحدًا وسوف أحدثكموه اليوم، وقد أحيط بنفسي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله حرمه الله على النار)].\nيعني: لابد من الشهادتين، فمن شهد أنه لا إله إلا الله ولم يشهد أن محمدًا رسول الله لم يقبل منه، ومن شهد أن محمدًا رسول الله ولم يشهد أن لا إله إلا الله لم يقبل منه.","vol":"11","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>ذكر البيان بأن الجنة إنما تجب لمن شهد لله بالوحدانية ولنبيه بالرسالة وكان ذلك عن يقين منه</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن الجنة إنما تجب لمن شهد لله بالوحدانية ولنبيه ﷺ بالرسالة وكان ذلك عن يقين منه.\nأخبرنا الفضل بن الحباب الجمحي حدثنا مسدد بن مسرهد عن ابن أبي عدي حدثنا حجاج الصواف أخبرني حميد بن هلال حدثني هصان بن كاهل قال: (جلست مجلسًا فيه عبد الرحمن بن سمرة ولا أعرفه فقال: حدثنا معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: ما على الأرض نفس تموت لا تشرك بالله شيئًا، وتشهد أني رسول الله يرجع ذلك إلى قلب موقن إلا غفر لها.\nقلت: أنت سمعته من معاذ؟ قال: فعنفني القوم، فقال: دعوه فإنه لم يسيء القول، نعم سمعته من معاذ زعم أنه سمعه من رسول الله ﷺ)].\n(زعم) هنا بمعنى (قال)، وتطلق في الرد على الكاذب، مثل قوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن:٧]، وتطلق على الادعاء: (زعم رسولك أن الله أوجب علينا خمس صلوات في اليوم والليلة) وتطلق على مجرد القول، وهذا الحديث فيه أنه لابد من اليقين بالشهادتين.\nوهصان بن كاهل -باللام- العدوي ذكره المؤلف في الثقات.\nوالحديث أخرجه أحمد في المسند والنسائي في عمل اليوم والليلة.","vol":"11","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>ذكر البيان بأن الجنة إنما تجب لمن شهد بالشهادتين عن يقين منه ثم مات على ذلك</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن الجنة إنما تجب لمن شهد بما وصفنا عن يقين منه ثم مات على ذلك.\nأخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة حدثنا محمد بن يحيى الأزدي حدثنا عبد الوهاب بن عطاء حدثنا سعيد عن قتادة عن مسلم بن يسار عن حمران بن أبان عن عثمان بن عفان عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ: (إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقًا من قلبه فيموت على ذلك إلا حرمه الله على النار: لا إله إلا الله)].\nيعني: إذا قالها عن يقين وصدق وإخلاص؛ لأن النصوص يضم بعضها إلى بعض، فمن قالها عن يقين فلابد من أن يعمل، فإذا لم يعمل دل ذلك على أنه ضعيف اليقين.\nإذًا: لابد من الصدق واليقين والإخلاص، والنصوص يضم بعضها إلى بعض، وقد جاء في لفظ: (من قال: لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه) وفي لفظ: (من قال: لا إله إلا الله صادقًا) وفي لفظ: (من قالها صدقًا دخل الجنة)، وفي لفظ: (من قال لا إله إلا الله وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة)، وفي لفظ: (من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله دخل الجنة) فهذه النصوص يضم بعضها إلى بعض.","vol":"11","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>ذكر إعطاء الله نور الصحيفة لمن قال الشهادتين عند الموت</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر إعطاء الله جل وعلا نور الصحيفة من قال عند الموت ما وصفناه.\nأخبرنا عبد الله بن محمد بن سلم حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني حدثنا محمد بن الوهاب عن مسعر بن كدام عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن يحيى بن طلحة عن أمه سعدى المرية قالت: (مر عمر بن الخطاب بـ طلحة بعد وفاة رسول الله ﷺ فقال: مالك مكتئبًا؟ أساءتك إمرة ابن عمك؟! قال: لا، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند موته إلا كانت له نورًا لصحيفته، وإن جسده وروحه ليجدان لها روحًا عند الموت.\nفقُبض ولم أسأله، فقال: ما أعلمه إلا التي أراد عليها عمه، ولو علم أن شيئًا أنجى له منها لأمره)].","vol":"11","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>الأسئلة</span>","vol":"11","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>حكم سجود السهو لمن ترك التشهد الأول ثم رجع له قبل أن يستتم قائمًا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يسجد سجود السهو من ترك التشهد الأول ثم رجع له قبل أن يستتم قائمًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم يسجد للسهو؛ لأن كونه قام ثم رجع زيادة.","vol":"11","page":22}]}