{"ً":{"ٌ":37015,"ٍ":"شرح سنن أبي داود - الراجحي","َ":6,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: شرح سنن أبي داود\nالمؤلف: عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن الراجحي\nمصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية\nhttp://www.islamweb.net\n[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ٢٥ درسا]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":63,"ٕ":7,"ٖ":1770153821,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9","10","11","12","13","14","15","16","17","18","19","20","21","22","23","24","25"],"ٚ":[{"title":"كتاب الطهارة [١]","level":1,"page":1},{"title":"مقدمة العظيم آبادي في كتابه عون المعبود","level":2,"page":2},{"title":"مقدمة ابن القيم في حاشيته على سنن أبي داود","level":2,"page":3},{"title":"التخلي عند قضاء الحاجة","level":2,"page":4},{"title":"شرح حديث: (كان إذا ذهب المذهب أبعد)","level":3,"page":5},{"title":"شرح حديث: (كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد)","level":3,"page":6},{"title":"الرجل يتبوأ لبوله","level":2,"page":7},{"title":"شرح حديث: (إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله موضعا)","level":3,"page":8},{"title":"ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء","level":2,"page":9},{"title":"شرح حديث أنس فيما يقال عند دخول الخلاء","level":3,"page":10},{"title":"شرح حديث: (إن هذه الحشوش محتضرة)","level":3,"page":11},{"title":"كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة","level":2,"page":12},{"title":"شرح حديث سلمان: (نهانا ﷺ أن نستقبل القبلة بغائط أو بول)","level":3,"page":13},{"title":"شرح حديث: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة)","level":3,"page":14},{"title":"شرح حديث: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة)","level":3,"page":15},{"title":"شرح حديث: (نهى رسول الله أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط)","level":3,"page":16},{"title":"شرح أثر ابن عمر في استقباله القبلة من وراء الدابة عند قضاء الحاجة","level":3,"page":17},{"title":"ما جاء في الرخصة في استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة","level":2,"page":18},{"title":"شرح حديث ابن عمر في رؤيته رسول الله في البيت مستقبلا بيت المقدس لحاجته","level":3,"page":19},{"title":"شرح حديث: (نهى نبي الله أن نستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها)","level":3,"page":20},{"title":"كيفية التكشف عند الحاجة","level":2,"page":21},{"title":"شرح حديث (أن النبي كان إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض","level":3,"page":22},{"title":"كتاب الطهارة [٢]","level":1,"page":23},{"title":"كراهية الكلام عند الخلاء","level":2,"page":24},{"title":"شرح حديث: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما)","level":3,"page":25},{"title":"ما جاء في الرجل يرد السلام وهو يبول","level":2,"page":26},{"title":"شرح حديث: (مر رجل على النبي وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه)","level":3,"page":27},{"title":"شرح حديث: (إني كرهت أن أذكر الله تعالى إلا على طهر)","level":3,"page":28},{"title":"ما جاء في الرجل يذكر الله تعالى على غير طهر","level":2,"page":29},{"title":"شرح حديث: (كان رسول الله يذكر الله ﷿ على كل أحيانه)","level":3,"page":30},{"title":"ما جاء في الخاتم يكون فيه ذكر الله تعالى يدخل به الخلاء","level":2,"page":31},{"title":"شرح حديث: (كان النبي إذا دخل الخلاء وضع خاتمه)","level":3,"page":32},{"title":"الاستبراء من البول","level":2,"page":33},{"title":"شرح حديث: (مر النبي على قبرين فقال إنهما يعذبان)","level":3,"page":34},{"title":"شرح حديث: استتار رسول الله بدرقة في بوله","level":3,"page":35},{"title":"ما جاء في البول قائما","level":2,"page":36},{"title":"شرح حديث: (أتى رسول الله سباطة قوم فبال قائما)","level":3,"page":37},{"title":"ما جاء في الرجل يبول بالليل في الإناء ثم يضعه عنده","level":2,"page":38},{"title":"شرح حديث (كان للنبي قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه بالليل)","level":3,"page":39},{"title":"كتاب الطهارة [٣]","level":1,"page":40},{"title":"المواضع التي نهي عن البول فيها","level":2,"page":41},{"title":"شرح حديث: (اتقوا اللاعنين)","level":3,"page":42},{"title":"شرح حديث: (اتقوا الملاعن الثلاثة)","level":3,"page":43},{"title":"ما جاء في البول في المستحم","level":2,"page":44},{"title":"شرح حديث: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه)","level":3,"page":45},{"title":"شرح حديث: (نهى رسول الله أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله)","level":3,"page":46},{"title":"النهي عن البول في الجحر","level":2,"page":47},{"title":"شرح حديث النهي عن البول في الجحر","level":3,"page":48},{"title":"ما يقول الرجل إذا خرج من الخلاء","level":2,"page":49},{"title":"شرح حديث: (كان إذا خرج من الغائط قال غفرانك)","level":3,"page":50},{"title":"كراهية مس الذكر باليمين في الاستبراء","level":2,"page":51},{"title":"شرح حديث: (إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه)","level":3,"page":52},{"title":"شرح حديث: (أن النبي كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه)","level":3,"page":53},{"title":"شرح حديث: (كانت يد رسول الله اليمنى لطهوره وطعامه)","level":3,"page":54},{"title":"ما جاء في الاستتار في الخلاء","level":2,"page":55},{"title":"ذكر ما جاء فيما ينهى عنه أن يستنجى به","level":2,"page":56},{"title":"شرح حديث رويفع في النهي عن الاستنجاء بالرجيع والعظم","level":3,"page":57},{"title":"شرح حديث جابر في النهي عن التمسح بالعظم والبعر","level":3,"page":58},{"title":"شرح حديث طلب الجن من رسول الله أن ينهر أمته عن أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حممة","level":3,"page":59},{"title":"ما جاء في الاستنجاء بالأحجار","level":2,"page":60},{"title":"ما جاء في الاستبراء من البول","level":2,"page":61},{"title":"ما جاء في الاستنجاء بالماء","level":2,"page":62},{"title":"ما جاء من أن الرجل يدلك يده بالأرض إذا استنجى","level":2,"page":63},{"title":"كتاب الطهارة [٤]","level":1,"page":64},{"title":"ما جاء في السواك","level":2,"page":65},{"title":"شرح حديث: (لولا أن أشق على المؤمنين لأمرتهم بتأخير العشاء)","level":3,"page":66},{"title":"شرح حديث: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)","level":3,"page":67},{"title":"شرح حديث أمر الله رسوله بالوضوء لكل صلاة طاهرا وغير طاهر","level":3,"page":68},{"title":"ما جاء في كيفية الاستياك","level":2,"page":69},{"title":"شرح حديث: (أتينا رسول الله نستحمله فرأيته يستاك على لسانه)","level":3,"page":70},{"title":"حكم الرجل يستاك بسواك غيره","level":2,"page":71},{"title":"شرح حديث: (كان رسول الله يستن وعنده رجلان)","level":3,"page":72},{"title":"ما جاء في غسل السواك","level":2,"page":73},{"title":"شرح حديث عائشة: (كان نبي الله يستاك فيعطيني السواك لأغسله)","level":3,"page":74},{"title":"السواك من الفطرة","level":2,"page":75},{"title":"شرح حديث: (عشر من الفطرة)","level":3,"page":76},{"title":"شرح حديث: (إن من الفطرة المضمضة والاستنشاق)","level":3,"page":77},{"title":"أسانيد أخرى لحديث: (عشر من الفطرة)","level":3,"page":78},{"title":"ما جاء في السواك لمن قام من الليل","level":2,"page":79},{"title":"شرح حديث: (كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك)","level":3,"page":80},{"title":"شرح حديث: (كان يوضع له وضوؤه وسواكه)","level":3,"page":81},{"title":"شرح حديث مداومته على الاستياك حال القيام من النوم","level":3,"page":82},{"title":"شرح حديث ابن عباس: (بت ليلة عند النبي فلما استيقظ من منامه أتى طهوره)","level":3,"page":83},{"title":"شرح حديث عائشة في أن رسول الله كان إذا دخل بيته يبدأ بالسواك","level":3,"page":84},{"title":"كتاب الطهارة [٦]","level":1,"page":86},{"title":"ما جاء في الوضوء بفضل المرأة","level":2,"page":87},{"title":"شرح حديث عائشة: (كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد ونحن جنبان)","level":3,"page":88},{"title":"شرح حديث أم صبية: (اختلفت يدي ويد رسول الله في الوضوء من إناء واحد)","level":3,"page":89},{"title":"شرح حديث: (كان الرجال والنساء يتوضئون في زمان رسول الله من الإناء الواحد جميعا)","level":3,"page":90},{"title":"شرح حديث ابن عمر: (كنا نتوضأ نحن والنساء على عهد رسول الله)","level":3,"page":91},{"title":"النهي عن اغتسال الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل","level":2,"page":92},{"title":"شرح حديث: (نهى رسول الله أن تغتسل المرأة بفضل الرجل)","level":3,"page":93},{"title":"شرح حديث: (نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة)","level":3,"page":94},{"title":"الوضوء بماء البحر","level":2,"page":95},{"title":"شرح حديث: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)","level":3,"page":96},{"title":"الوضوء بالنبيذ","level":2,"page":97},{"title":"شرح حديث ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ","level":3,"page":98},{"title":"شرح الآثار الواردة في تحريم الوضوء بالنبيذ","level":3,"page":99},{"title":"صلاة الرجل وهو حاقن أو حاقل","level":2,"page":100},{"title":"شرح حديث: (إذا أراد أحدكم أن يذهب الخلاء وقامت الصلاة فليبدأ بالخلاء)","level":3,"page":101},{"title":"شرح حديث: (لا يصلى بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان)","level":3,"page":102},{"title":"شرح حديث: (ثلاث لا يحل لأحد أن يفعلهن)","level":3,"page":103},{"title":"شرح حديث (لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصلي وهو حقن)","level":3,"page":104},{"title":"كتاب الطهارة [٧]","level":1,"page":105},{"title":"ما يجزئ من الماء في الوضوء","level":2,"page":106},{"title":"الإسراف في الوضوء","level":2,"page":107},{"title":"إسباغ الوضوء","level":2,"page":108},{"title":"الوضوء في آنية الصفر","level":2,"page":109},{"title":"التسمية على الوضوء","level":2,"page":110},{"title":"إدخال الرجل يده في الإناء قبل أن يغسلها","level":2,"page":111},{"title":"كتاب الطهارة [٨]","level":1,"page":112},{"title":"صفة وضوء النبي ﷺ","level":2,"page":113},{"title":"شرح حديث عثمان في صفة وضوء النبي ﷺ","level":3,"page":114},{"title":"شرح حديث علي في صفة وضوء النبي ﷺ","level":3,"page":115},{"title":"بيان صفة الوضوء من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي","level":3,"page":116},{"title":"بيان صفة الوضوء من رواية أبي حية عن علي","level":3,"page":117},{"title":"بيان صفة الوضوء من رواية ابن عباس عن علي","level":3,"page":118},{"title":"بيان صفة الوضوء من رواية يحيى المازني عن عبد الله بن زيد","level":3,"page":119},{"title":"بيان صفة المضمضة والاستنشاق من رواية المازني عن عبد الله بن زيد","level":3,"page":120},{"title":"بيان مسح الرأس وغسل القدمين من حديث واسع عن عبد الله بن زيد","level":3,"page":121},{"title":"بيان صفة الوضوء من رواية عبد الرحمن الحضرمي عن المقداد","level":3,"page":122},{"title":"بيان كيفية مسح الرأس من رواية عبد الرحمن الحضرمي عن المقداد بن معد يكرب","level":3,"page":123},{"title":"بيان كيفية مسح الأذنين من رواية الحضرمي عن المقداد","level":3,"page":124},{"title":"بيان كيفية مسح الرأس من رواية يزيد بن أبي مالك عن معاوية","level":3,"page":125},{"title":"بيان صفة الوضوء من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ","level":3,"page":126},{"title":"بيان كيفية مسح الرأس من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ","level":3,"page":127},{"title":"بيان عدد مرات مسح الرأس وكيفيته من رواية طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده","level":3,"page":128},{"title":"بيان الوضوء ثلاثا من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس","level":3,"page":129},{"title":"بيان حكم مسح المأقين والأذنين من رواية شهر بن حوشب عن أبي أمامة","level":3,"page":130},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":131},{"title":"مراد البخاري بقوله في التبويب ولا يمسح على النعلين","level":3,"page":132},{"title":"كتاب الطهارة [٩]","level":1,"page":133},{"title":"الوضوء ثلاثا ثلاثا","level":2,"page":134},{"title":"شرح حديث عبد الله بن عمرو في صفة وضوء النبي","level":3,"page":135},{"title":"الوضوء مرتين","level":2,"page":136},{"title":"شرح حديث أبي هريرة: (أن رسول الله توضأ مرتين مرتين)","level":3,"page":137},{"title":"شرح حديث ابن عباس في صفة وضوء رسول الله","level":3,"page":138},{"title":"الوضوء مرة مرة","level":2,"page":139},{"title":"شرح حديث ابن عباس: (ألا أخبركم بوضوء رسول الله؟)","level":3,"page":140},{"title":"الفرق بين المضمضة والاستنشاق","level":2,"page":141},{"title":"شرح حديث فصل رسول الله المضمضة والاستنشاق","level":3,"page":142},{"title":"حكم الاستنثار","level":2,"page":143},{"title":"شرح حديث: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر)","level":3,"page":144},{"title":"شرح حديث: (استنثروا مرتين بالغتين، أو ثلاثا)","level":3,"page":145},{"title":"شرح حديث: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما)","level":3,"page":146},{"title":"إسناد آخر لحديث: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما)","level":3,"page":147},{"title":"شرح حديث: (إذا توضأت فمضمض)","level":3,"page":148},{"title":"تخليل اللحية","level":2,"page":149},{"title":"شرح حديث: (فخلل به لحيته وقال: هكذا أمرني ربي ﷿)","level":3,"page":150},{"title":"المسح على العمامة","level":2,"page":151},{"title":"شرح حديث: (فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين)","level":3,"page":152},{"title":"شرح حديث: (فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة)","level":3,"page":153},{"title":"غسل الرجل","level":2,"page":154},{"title":"شرح حديث: (رأيت رسول الله إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره)","level":3,"page":155},{"title":"كتاب الطهارة [١٠]","level":1,"page":156},{"title":"المسح على الخفين","level":2,"page":157},{"title":"شرح حديث المغيرة في مسح رسول الله على خفيه","level":3,"page":158},{"title":"شرح حديث مسح رسول الله على الخفين والناصية والعمامة","level":3,"page":159},{"title":"شرح حديث (دع الخفين، فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان)","level":3,"page":160},{"title":"إسناد آخر لحديث: (دع الخفين فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان)","level":3,"page":161},{"title":"حكم سجدتي السهو لمدرك الفرد من الصلاة","level":3,"page":162},{"title":"شرح حديث بلال في مسح النبي ﷺ على عمامته وموقيه","level":3,"page":163},{"title":"شرح حديث جرير في المسح على الخفين","level":3,"page":164},{"title":"شرح حديث مسحه ﷺ على خفين أسودين","level":3,"page":165},{"title":"شرح حديث المغيرة: (أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين)","level":3,"page":166},{"title":"التوقيت في المسح","level":2,"page":167},{"title":"شرح حديث: (المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام)","level":3,"page":168},{"title":"شرح حديث إجازته ﷺ المسح على الخفين فوق ثلاث","level":3,"page":169},{"title":"المسح على الجوربين","level":2,"page":170},{"title":"شرح حديث المغيرة في مسح رسول الله على الجوربين والنعلين","level":3,"page":171},{"title":"ذكر الصحابة المروي عنهم المسح على الجوربين","level":3,"page":172},{"title":"المسح على النعلين","level":2,"page":173},{"title":"شرح حديث أوس بن أبي أوس أن رسول الله توضأ ومسح على نعليه وقدميه","level":3,"page":174},{"title":"كيفية المسح","level":2,"page":175},{"title":"شرح حديث المغيرة في مسح رسول الله على ظهر الخفين","level":3,"page":176},{"title":"شرح حديث علي (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه)","level":3,"page":177},{"title":"إسناد آخر لحديث علي: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه)","level":3,"page":178},{"title":"إسناد آخر لحديث علي: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه)","level":3,"page":179},{"title":"شرح حديث المغيرة (وضأت النبي في غزوة تبوك فمسح أعلى الخفين وأسفلهما)","level":3,"page":180},{"title":"كتاب الطهارة [١١]","level":1,"page":181},{"title":"حكم الانتضاح","level":2,"page":182},{"title":"شرح حديث: (كان رسول الله ﷺ إذا بال يتوضأ وينتضح)","level":3,"page":183},{"title":"شرح حديث نضح رسول الله فرجه بعد بوله","level":3,"page":184},{"title":"شرح حديث: (نضح رسول الله فرجه بعد بوله ووضوئه)","level":3,"page":185},{"title":"ما يقول الرجل إذا توضأ","level":2,"page":186},{"title":"شرح حديث عقبة بن عامر في فضل الدعاء عقب الوضوء","level":3,"page":187},{"title":"إسناد آخر لحديث عقبة بن عامر في فضل الدعاء عقب الوضوء","level":3,"page":188},{"title":"الرجل يصلي الصلوات بوضوء واحد","level":2,"page":189},{"title":"شرح حديث: (كان النبي يتوضأ لكل صلاة، وكنا نصلي الصلوات بوضوء واحد)","level":3,"page":190},{"title":"شرح حديث: (صلى رسول الله يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد)","level":3,"page":191},{"title":"تفريق الوضوء","level":2,"page":192},{"title":"شرح حديث أنس في أمر رسول الله رجلا ترك في رجله لمعة بإحسان الوضوء","level":3,"page":193},{"title":"شرح حديث أمر النبي تارك قدر اللمعة من قدمه بإعادة الوضوء والصلاة","level":3,"page":194},{"title":"الشك في الحدث","level":2,"page":195},{"title":"شرح حديث: (شكي إلى النبي الرجل يجد الشيء في الصلاة)","level":3,"page":196},{"title":"الوضوء من القبلة","level":2,"page":197},{"title":"شرح حديث عائشة في أن النبي قبلها ولم يتوضأ","level":3,"page":198},{"title":"شرح حديث عائشة في أن النبي قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ","level":3,"page":199},{"title":"شرح حديث عائشة: (أن النبي قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ) من طريق ثانية","level":3,"page":200},{"title":"كتاب الطهارة [١٢]","level":1,"page":201},{"title":"حكم الوضوء من مس الذكر","level":2,"page":202},{"title":"شرح حديث: (من مس ذكره فليتوضأ)","level":3,"page":203},{"title":"ما جاء في عدم الوضوء من مس الذكر","level":2,"page":204},{"title":"شرح حديث طلق بن علي في عدم الوضوء من مس الذكر","level":3,"page":205},{"title":"الوضوء من لحوم الإبل","level":2,"page":206},{"title":"شرح حديث: (سئل رسول الله عن الوضوء من لحوم الإبل فقال: توضئوا منها)","level":3,"page":207},{"title":"الوضوء من مس اللحم النيئ وغسله","level":2,"page":208},{"title":"شرح حديث أبي سعيد في سلخ النبي لجلد الشاة ثم ذهابه إلى الصلاة من غير وضوء","level":3,"page":209},{"title":"ترك الوضوء من مس الميتة","level":2,"page":210},{"title":"شرح حديث تناول رسول الله الجدي الأسك الميت","level":3,"page":211},{"title":"ترك الوضوء مما مست النار","level":2,"page":212},{"title":"شرح حديث ابن عباس في أكل رسول الله كتف شاة وصلاته بدون وضوء بعده","level":3,"page":213},{"title":"شرح حديث المغيرة في ترك الوضوء مما مست النار","level":3,"page":214},{"title":"شرح حديث ابن عباس في صلاة رسول الله بعد أكله من كتف دون وضوء","level":3,"page":215},{"title":"شرح حديث ابن عباس: (أن رسول الله انتهش من كتف ثم صلى ولم يتوضأ)","level":3,"page":216},{"title":"شرح حديث جابر في صلاة رسول الله بعد أكله الخبز واللحم","level":3,"page":217},{"title":"شرح حديث: (كان آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء مما غيرت النار)","level":3,"page":218},{"title":"شرح حديث عبد الله بن الحارث في صلاة رسول الله بعد مضغه بضعة لحم","level":3,"page":219},{"title":"ما جاء في التشديد في الوضوء مما مست النار","level":2,"page":220},{"title":"شرح حديث: (الوضوء مما أنضجت النار)","level":3,"page":221},{"title":"كتاب الطهارة [١٣]","level":1,"page":222},{"title":"الوضوء من شرب اللبن","level":2,"page":223},{"title":"شرح حديث: (توضئوا مما غيرت النار)","level":3,"page":224},{"title":"الرخصة في ترك الوضوء والمضمضة من شرب اللبن","level":2,"page":225},{"title":"شرح حديث شرب رسول الله اللبن وصلاته بعده بغير وضوء ولا مضمضة","level":3,"page":226},{"title":"الوضوء من الدم","level":2,"page":227},{"title":"شرح حديث جابر في قصة رمي الذي كان يحرسهم في صلاتهد","level":3,"page":228},{"title":"الوضوء من النوم","level":2,"page":229},{"title":"شرح حديث ابن عمر: (في رقدتهم لانتظار الصلاة)","level":3,"page":230},{"title":"شرح حديث: (كان أصحاب رسول الله ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رءوسهم)","level":3,"page":231},{"title":"شرح حديث ابن عباس في الوضوء من النوم حال الاضطجاع","level":3,"page":232},{"title":"شرح حديث: (العينان وكاء السه، فمن نام فليتوضأ)","level":3,"page":233},{"title":"ما جاء فيمن يطأ الأذى برجله","level":2,"page":234},{"title":"شرح حديث: (كنا لا نتوضأ من موطئ)","level":3,"page":235},{"title":"ما جاء فيمن أحدث في الصلاة","level":2,"page":236},{"title":"شرح حديث: (إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف)","level":3,"page":237},{"title":"ما جاء في المذي","level":2,"page":238},{"title":"شرح حديث علي في المذي","level":3,"page":239},{"title":"إسناد آخر لحديث علي في المذي","level":3,"page":240},{"title":"شرح حديث علي في غسل الذكر والخصيتين","level":3,"page":241},{"title":"شرح حديث سهل بن حنيف في نضح المذي بالماء","level":3,"page":242},{"title":"شرح حديث عبد الله بن سعد الأنصاري في غسل الذكر والخصيتين من المذي","level":3,"page":243},{"title":"شرح حديث عبد الله بن سعد في استمتاع الرجل من امرأته الحائض","level":3,"page":244},{"title":"شرح حديث معاذ في جواز إتيان الحائض فيما فوق الإزار","level":3,"page":245},{"title":"كتاب الطهارة [١٤]","level":1,"page":246},{"title":"ما جاء في الإكسال","level":2,"page":247},{"title":"شرح حديث: (الماء من الماء)","level":3,"page":248},{"title":"شرح حديث التقاء الختانين","level":3,"page":249},{"title":"شرح حديث أبي سعيد في كون الماء من الماء","level":3,"page":250},{"title":"ما جاء في الجنب يعود في الجماع","level":2,"page":251},{"title":"شرح حديث طواف رسول الله على نسائه بغسل واحد","level":3,"page":252},{"title":"ما جاء في الوضوء لمن أراد أن يعود في الجماع مرة أخرى","level":2,"page":253},{"title":"شرح حديث أبي رافع في الغسل لمن أراد العود في الجماع","level":3,"page":254},{"title":"شرح حديث أبي سعيد في استحباب الوضوء لمعاودة الوطء","level":3,"page":255},{"title":"ما جاء في الجنب ينام","level":2,"page":256},{"title":"شرح حديث عبد الله بن عمر في نوم الجنب","level":3,"page":257},{"title":"ما جاء في الجنب يأكل","level":2,"page":258},{"title":"شرح حديث عائشة في غسل الجنب يديه للأكل","level":3,"page":259},{"title":"ما جاء في وضوء الجنب","level":2,"page":260},{"title":"شرح حديث: (كان إذا أراد أن يأكل أو ينام توضأ)","level":3,"page":261},{"title":"شرح حديث عمار بن ياسر في ترخيص رسول الله للجنب إذا أكل أو شرب أو نام أن يتوضأ","level":3,"page":262},{"title":"ما جاء في الجنب يؤخر الغسل","level":2,"page":263},{"title":"شرح حديث عائشة في اغتسال رسول الله من الجنابة في أول الليل وآخره","level":3,"page":264},{"title":"تراجم رجال إسناد حديث عائشة في اغتسال رسول الله من الجنابة في أول الليل وآخره","level":3,"page":265},{"title":"شرح حديث: (لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة)","level":3,"page":266},{"title":"شرح حديث: (كان رسول الله ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء)","level":3,"page":267},{"title":"قراءة القرآن للجنب","level":2,"page":268},{"title":"شرح حديث: (ولم يكن يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة)","level":3,"page":269},{"title":"كتاب الطهارة [١٥]","level":1,"page":270},{"title":"حكم مصافحة الجنب","level":2,"page":271},{"title":"شرح حديث حذيفة وأبي هريرة في عدم نجاسة المسلم الجنب","level":3,"page":272},{"title":"حكم دخول الجنب المسجد","level":2,"page":273},{"title":"شرح حديث: (لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)","level":3,"page":274},{"title":"ما جاء في الجنب يصلي بالناس وهو ناس","level":2,"page":275},{"title":"حكم الرجل يجد البلة في منامه","level":2,"page":276},{"title":"حكم المرأة إذا رأت ما يرى الرجل","level":2,"page":277},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":278},{"title":"حكم أطفال الأنابيب","level":3,"page":279},{"title":"حال حديث: (لا حياء في الدين)","level":3,"page":280},{"title":"احتلام نساء النبي ﵊","level":3,"page":281},{"title":"كتاب الطهارة [١٦]","level":1,"page":282},{"title":"المقدار الذي يجزئ في الغسل","level":2,"page":283},{"title":"شرح حديث اغتسال رسول الله من الفرق للجنابة","level":3,"page":284},{"title":"الغسل من الجنابة","level":2,"page":285},{"title":"شرح الأحاديث الواردة في صفة غسل الجنابة","level":3,"page":286},{"title":"شرح حديث: (كانت الصلاة خمسين والغسل من الجنابة سبع مرار)","level":3,"page":287},{"title":"شرح حديث: (إن تحت كل شعرة جنابة)","level":3,"page":288},{"title":"شرح حديث: (من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فعل به كذا وكذا من النار)","level":3,"page":289},{"title":"الوضوء بعد الغسل","level":2,"page":290},{"title":"ما جاء في نقض المرأة شعرها عند الغسل","level":2,"page":291},{"title":"ما جاء في الجنب يغسل رأسه بالخطمي","level":2,"page":292},{"title":"ما جاء فيما يفيض بين الرجل والمرأة من الماء","level":2,"page":293},{"title":"كتاب الطهارة [١٧]","level":1,"page":294},{"title":"حرمة وطء الحائض وجواز مؤاكلتها ومباشرتها في غير محل الوطء","level":2,"page":295},{"title":"مخالفة اليهود مقصودة شرعا","level":3,"page":296},{"title":"كرامات بعض الصحابة","level":3,"page":297},{"title":"مؤانسة الأهل عموما وخصوصا الحائض","level":2,"page":298},{"title":"طهارة بدن الحائض وثيابها","level":2,"page":299},{"title":"جواز المرور من المسجد للحائض","level":2,"page":300},{"title":"وجوب قضاء الصوم للحائض دون الصلاة","level":2,"page":301},{"title":"القول في الخوارج وآرائهم","level":3,"page":302},{"title":"ما يجب على الحائض إن حاضت بعد دخول وقت الصلاة","level":2,"page":303},{"title":"أقوال أهل العلم فيما يجب على من جامع زوجته وهي حائض","level":2,"page":304},{"title":"جواز مباشرة الحائض من خلف الإزار","level":2,"page":305},{"title":"جواز المبيت مع الحائض في ثوب واحد","level":2,"page":306},{"title":"استحباب وضع الثوب على فرج الحائض عند مضاجعتها","level":2,"page":307},{"title":"كتاب الطهارة [١٨]","level":1,"page":308},{"title":"المرأة تستحاض ومن قال: تدع الصلاة في عدة الأيام التي كانت تحيض","level":2,"page":309},{"title":"لا يجب الغسل على الحائض إلا بعد دخول وقت الصلاة","level":2,"page":310},{"title":"المستحاضة تتوضأ لكل صلاة إذا ذهبت عادتها","level":2,"page":311},{"title":"أقوال العلماء في تفسير القرء وما انبنى عليه","level":2,"page":312},{"title":"الحائض تعمل بالعادة وهو مقدم على التمييز","level":2,"page":313},{"title":"ما جاء فيمن روى أن الحيضة إذا أدبرت لا تدع الصلاة","level":2,"page":314},{"title":"ما جاء فيمن قال: إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة","level":2,"page":315},{"title":"شرح حديث: (إن هذه ليست بالحيضة)","level":3,"page":316},{"title":"الكلام على بعض روايات الحديث","level":3,"page":317},{"title":"صفة دم الحيض","level":3,"page":318},{"title":"ما جاء عن الصحابة والسلف في ترك الصلاة أيام الحيض","level":3,"page":319},{"title":"حديث حمنة بنت جحش في الاستحاضة","level":3,"page":320},{"title":"كتاب الطهارة [١٩]","level":1,"page":321},{"title":"ما جاء فيمن روى أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة","level":2,"page":322},{"title":"شرح الأحاديث الواردة في استحاضة أم حبيبة بنت جحش","level":3,"page":323},{"title":"شرح الأحاديث الواردة في استحاضة زينب بنت جحش","level":3,"page":324},{"title":"شرح الأحاديث الواردة في اغتسال المستحاضة لكل صلاة","level":3,"page":325},{"title":"ما جاء فيمن قال تجمع بين الصلاتين وتغتسل لهما غسلا","level":2,"page":326},{"title":"شرح حديث: (استحيضت امرأة على عهد رسول الله)","level":3,"page":327},{"title":"شرح حديث عائشة: (أن سهلة بنت سهيل استحيضت)","level":3,"page":328},{"title":"شرح حديث أسماء بنت عميس في استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش","level":3,"page":329},{"title":"ما جاء فيمن قال تغتسل المستحاضة من طهر إلى طهر","level":2,"page":330},{"title":"ما جاء فيمن قال المستحاضة تغتسل من ظهر إلى ظهر","level":2,"page":331},{"title":"ما جاء في غسل المستحاضة كل يوم","level":2,"page":332},{"title":"ما جاء في غسل المستحاضة بين أيام عادتها","level":2,"page":333},{"title":"ما جاء في وضوء المستحاضة لكل صلاة","level":2,"page":334},{"title":"ما جاء في وضوء المستحاضة عند الحدث","level":2,"page":335},{"title":"ما جاء فيما إذا رأت الحائض الصفرة والكدرة بعد الطهر","level":2,"page":336},{"title":"اختلاف الفقهاء في الصفرة والكدرة بعد الطهر والنقاء","level":3,"page":337},{"title":"ما جاء في جماع المستحاضة","level":2,"page":338},{"title":"كتاب الطهارة [٢٠]","level":1,"page":339},{"title":"أحكام النفاس","level":2,"page":340},{"title":"مدة النفاس","level":3,"page":341},{"title":"حكم قضاء الحائض والنفساء الصلاة","level":3,"page":342},{"title":"أحكام الحيض","level":2,"page":343},{"title":"حكم ركوب المرأة وحدها في سيارة الأجرة","level":3,"page":344},{"title":"كيفية الغسل من الحيض","level":3,"page":345},{"title":"عدم الحياء في الدين","level":3,"page":346},{"title":"كتاب الطهارة [٢١]","level":1,"page":347},{"title":"ما جاء في التيمم","level":2,"page":348},{"title":"سبب نزول آية التيمم","level":3,"page":349},{"title":"تعريف التيمم لغة واصطلاحا","level":3,"page":350},{"title":"الراجح في كيفية التيمم","level":3,"page":351},{"title":"تعريف الحديث المضطرب","level":3,"page":352},{"title":"ما جاء في مناقشة أبي موسى لعبد الله بن مسعود في التيمم","level":3,"page":353},{"title":"ما جاء في مناقشة عمر بن الخطاب لعمار بن ياسر في التيمم","level":3,"page":354},{"title":"شرح حديث عمار في صفة التيمم","level":3,"page":355},{"title":"أسانيد أخرى لحديث عمار في صفة التيمم","level":3,"page":356},{"title":"شرح حديث عمار: (سألت النبي عن التيمم فأمرني بضربة واحدة)","level":3,"page":357},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":358},{"title":"المرأة تشهد في الرضاع","level":3,"page":359},{"title":"كتاب الطهارة [٢٢]","level":1,"page":360},{"title":"التيمم في الحضر","level":2,"page":361},{"title":"شرح حديث: (أقبل رسول الله من نحو بئر جمل، فلقيه رجل)","level":3,"page":362},{"title":"شرح حديث: (مر رجل على رسول الله في سكة من السكك)","level":3,"page":363},{"title":"شرح حديث: (أقبل رسول الله من الغائط فلقيه رجل عند بئر جمل)","level":3,"page":364},{"title":"الجنب يتيمم","level":2,"page":365},{"title":"شرح حديث (الصعيد الطيب وضوء المسلم)","level":3,"page":366},{"title":"الأشياء التي يتيمم بها المتيمم","level":3,"page":367},{"title":"أثر خروج الوقت على التيمم","level":3,"page":368},{"title":"إذا خاف الجنب البرد يتيمم","level":2,"page":369},{"title":"شرح حديث عمرو بن العاص: (احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل)","level":3,"page":370},{"title":"أسانيد أخرى لحديث احتلام عمرو بن العاص","level":3,"page":371},{"title":"المجروح يتيمم","level":2,"page":372},{"title":"شرح حديث قصة صاحب الشجة","level":3,"page":373},{"title":"شرح حديث: (أصاب رجلا جرح في عهد رسول الله)","level":3,"page":374},{"title":"المتيمم يجد الماء بعد ما يصلي في الوقت","level":2,"page":375},{"title":"شرح حديث: (خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء)","level":3,"page":376},{"title":"كتاب الطهارة [٢٣]","level":1,"page":377},{"title":"غسل الجمعة","level":2,"page":378},{"title":"شرح حديث: (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل)","level":3,"page":379},{"title":"شرح حديث: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)","level":3,"page":380},{"title":"شرح حديث: (على كل محتلم رواح الجمعة)","level":3,"page":381},{"title":"ابتداء وقت غسل الجمعة","level":3,"page":382},{"title":"شرح حديث: (من اغتسل يوم الجمعة ولبس من أحسن ثيابه)","level":3,"page":383},{"title":"شرح حديث: (الغسل يوم الجمعة على كل محتلم)","level":3,"page":384},{"title":"شرح حديث: (من غسل يوم الجمعة واغتسل)","level":3,"page":385},{"title":"شرح حديث: (من غسل رأسه يوم الجمعة واغتسل)","level":3,"page":386},{"title":"شرح حديث: (من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب امرأته)","level":3,"page":387},{"title":"شرح حديث اغتساله ﷺ","level":3,"page":388},{"title":"بيان معنى: (غسل واغتسل)","level":3,"page":389},{"title":"شرح حديث: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة)","level":3,"page":390},{"title":"الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة","level":2,"page":391},{"title":"شرح حديث: (كان الناس مهان أنفسهم، فيروحون إلى الجمعة بهيئتهم)","level":3,"page":392},{"title":"شرح حديث سؤال أهل العراق ابن عباس عن وجوب الغسل يوم الجمعة","level":3,"page":393},{"title":"شرح حديث: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت)","level":3,"page":394},{"title":"الرجل يسلم فيؤمر بالغسل","level":2,"page":395},{"title":"شرح حديث قيس بن عاصم: (أتيت النبي ﷺ أريد الإسلام فأمرني أن أغتسل)","level":3,"page":396},{"title":"شرح حديث (ألق عنك شعر الكفر)","level":3,"page":397},{"title":"كتاب الطهارة [٢٤]","level":1,"page":398},{"title":"المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها","level":2,"page":399},{"title":"شرح حديث سؤال معاذة عائشة عن الحائض يصيب ثوبها الدم","level":3,"page":400},{"title":"شرح حديث عائشة: (ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه)","level":3,"page":401},{"title":"شرح حديث أم سلمة: (قد كان يصيبنا الحيض على عهد رسول الله ﷺ)","level":3,"page":402},{"title":"شرح حديث صلاة المرأة في ثوب حيضها","level":3,"page":403},{"title":"شرح حديث: (إذا أصاب إحداكن الدم من الحيض فلتقرصه ثم لتنضحه بالماء)","level":3,"page":404},{"title":"شرح حديث: (حكيه بضلع واغسليه بماء وسدر)","level":3,"page":405},{"title":"شرح حديث عائشة: (قد كان يكون لإحدانا الدرع فيه تحيض)","level":3,"page":406},{"title":"شرح حديث سؤال خولة بنت يسار رسول الله عما تصنعه بثوبها إذا حاضت فيه","level":3,"page":407},{"title":"الصلاة في الثوب الذي يصيب فيه الرجل أهله","level":2,"page":408},{"title":"شرح حديث أم حبيبة في صلاته في الثوب الذي يجامع فيه","level":3,"page":409},{"title":"الصلاة في شعر النساء","level":2,"page":410},{"title":"شرح حديث: (كان رسول الله ﷺ لا يصلي في شعرنا)","level":3,"page":411},{"title":"شرح حديث عائشة: (أن النبي ﷺ كان لا يصلي في ملاحفنا)","level":3,"page":412},{"title":"الرخصة في الصلاة في شعر النساء وملاحفهن","level":2,"page":413},{"title":"شرح حديث صلاته ﷺ وعليه مرط وعلى بعض أزواجه منه وهي حائض","level":3,"page":414},{"title":"شرح حديث عائشة: (كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل وأنا إلى جنبه)","level":3,"page":415},{"title":"المني يصيب الثوب","level":2,"page":416},{"title":"شرح حديث عائشة: (لقد رأيتني وأنا أفركه من ثوب رسول الله ﷺ)","level":3,"page":417},{"title":"شرح حديث: (كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ فيصلي فيه)","level":3,"page":418},{"title":"شرح حديث عائشة في غسلها المني من ثوب رسول الله ﷺ","level":3,"page":419},{"title":"بول الصبي يصيب الثوب","level":2,"page":420},{"title":"شرح حديث أم قيس بنت محصن في بول ابنها في حجر رسول الله","level":3,"page":421},{"title":"شرح حديث: (إنما يغسل من بول الأنثى وينضح من بول الذكر)","level":3,"page":422},{"title":"شرح حديث: (يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام)","level":3,"page":423},{"title":"بيان قول الحسن: (الأبوال كلها سواء)","level":3,"page":424},{"title":"شرح حديث: (يغسل من بول الجارية وينضح من بول الغلام ما لم يطعم)","level":3,"page":425},{"title":"إسناد آخر لحديث (يغسل من بول الجارية) وبيان رفعه وزيادته","level":3,"page":426},{"title":"شرح حديث صب أم سلمة الماء على بول الغلام ما لم يطعم","level":3,"page":427},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":428},{"title":"حكم صلاة من رأى بعد صلاته نجاسة في ثوبه","level":3,"page":429},{"title":"كتاب الطهارة [٢٥]","level":1,"page":430},{"title":"الأرض يصيبها البول","level":2,"page":431},{"title":"شرح حديث الأعرابي الذي بال في المسجد","level":3,"page":432},{"title":"ما جاء في طهور الأرض إذا يبست","level":2,"page":433},{"title":"ذكر ما جاء في الأذى يصيب الذيل","level":2,"page":434},{"title":"ما جاء في الأذى يصيب النعل","level":2,"page":435},{"title":"ما جاء في الإعادة من النجاسة تكون في الثوب","level":2,"page":436},{"title":"البصاق يصيب الثوب","level":2,"page":437},{"title":"شرح حديث: (بزق رسول الله في ثوبه وحك بعضه ببعض)","level":3,"page":438}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"2,1":23,"2,2":24,"2,3":25,"2,4":26,"2,5":27,"2,6":28,"2,7":29,"2,8":30,"2,9":31,"2,10":32,"2,11":33,"2,12":34,"2,13":35,"2,14":36,"2,15":37,"2,16":38,"2,17":39,"3,1":40,"3,2":41,"3,3":42,"3,4":43,"3,5":44,"3,6":45,"3,7":46,"3,8":47,"3,9":48,"3,10":49,"3,11":50,"3,12":51,"3,13":52,"3,14":53,"3,15":54,"3,16":55,"3,17":56,"3,18":57,"3,19":58,"3,20":59,"3,21":60,"3,22":61,"3,23":62,"3,24":63,"4,1":64,"4,2":65,"4,3":66,"4,4":67,"4,5":68,"4,6":69,"4,7":70,"4,8":71,"4,9":72,"4,10":73,"4,11":74,"4,12":75,"4,13":76,"4,14":77,"4,15":78,"4,16":79,"4,17":80,"4,18":81,"4,19":82,"4,20":83,"4,21":84,"5,1":85,"6,1":86,"6,2":87,"6,3":88,"6,4":89,"6,5":90,"6,6":91,"6,7":92,"6,8":93,"6,9":94,"6,10":95,"6,11":96,"6,12":97,"6,13":98,"6,14":99,"6,15":100,"6,16":101,"6,17":102,"6,18":103,"6,19":104,"7,1":105,"7,2":106,"7,3":107,"7,4":108,"7,5":109,"7,6":110,"7,7":111,"8,1":112,"8,2":113,"8,3":114,"8,4":115,"8,5":116,"8,6":117,"8,7":118,"8,8":119,"8,9":120,"8,10":121,"8,11":122,"8,12":123,"8,13":124,"8,14":125,"8,15":126,"8,16":127,"8,17":128,"8,18":129,"8,19":130,"8,20":131,"8,21":132,"9,1":133,"9,2":134,"9,3":135,"9,4":136,"9,5":137,"9,6":138,"9,7":139,"9,8":140,"9,9":141,"9,10":142,"9,11":143,"9,12":144,"9,13":145,"9,14":146,"9,15":147,"9,16":148,"9,17":149,"9,18":150,"9,19":151,"9,20":152,"9,21":153,"9,22":154,"9,23":155,"10,1":156,"10,2":157,"10,3":158,"10,4":159,"10,5":160,"10,6":161,"10,7":162,"10,8":163,"10,9":164,"10,10":165,"10,11":166,"10,12":167,"10,13":168,"10,14":169,"10,15":170,"10,16":171,"10,17":172,"10,18":173,"10,19":174,"10,20":175,"10,21":176,"10,22":177,"10,23":178,"10,24":179,"10,25":180,"11,1":181,"11,2":182,"11,3":183,"11,4":184,"11,5":185,"11,6":186,"11,7":187,"11,8":188,"11,9":189,"11,10":190,"11,11":191,"11,12":192,"11,13":193,"11,14":194,"11,15":195,"11,16":196,"11,17":197,"11,18":198,"11,19":199,"11,20":200,"12,1":201,"12,2":202,"12,3":203,"12,4":204,"12,5":205,"12,6":206,"12,7":207,"12,8":208,"12,9":209,"12,10":210,"12,11":211,"12,12":212,"12,13":213,"12,14":214,"12,15":215,"12,16":216,"12,17":217,"12,18":218,"12,19":219,"12,20":220,"12,21":221,"13,1":222,"13,2":223,"13,3":224,"13,4":225,"13,5":226,"13,6":227,"13,7":228,"13,8":229,"13,9":230,"13,10":231,"13,11":232,"13,12":233,"13,13":234,"13,14":235,"13,15":236,"13,16":237,"13,17":238,"13,18":239,"13,19":240,"13,20":241,"13,21":242,"13,22":243,"13,23":244,"13,24":245,"14,1":246,"14,2":247,"14,3":248,"14,4":249,"14,5":250,"14,6":251,"14,7":252,"14,8":253,"14,9":254,"14,10":255,"14,11":256,"14,12":257,"14,13":258,"14,14":259,"14,15":260,"14,16":261,"14,17":262,"14,18":263,"14,19":264,"14,20":265,"14,21":266,"14,22":267,"14,23":268,"14,24":269,"15,1":270,"15,2":271,"15,3":272,"15,4":273,"15,5":274,"15,6":275,"15,7":276,"15,8":277,"15,9":278,"15,10":279,"15,11":280,"15,12":281,"16,1":282,"16,2":283,"16,3":284,"16,4":285,"16,5":286,"16,6":287,"16,7":288,"16,8":289,"16,9":290,"16,10":291,"16,11":292,"16,12":293,"17,1":294,"17,2":295,"17,3":296,"17,4":297,"17,5":298,"17,6":299,"17,7":300,"17,8":301,"17,9":302,"17,10":303,"17,11":304,"17,12":305,"17,13":306,"17,14":307,"18,1":308,"18,2":309,"18,3":310,"18,4":311,"18,5":312,"18,6":313,"18,7":314,"18,8":315,"18,9":316,"18,10":317,"18,11":318,"18,12":319,"18,13":320,"19,1":321,"19,2":322,"19,3":323,"19,4":324,"19,5":325,"19,6":326,"19,7":327,"19,8":328,"19,9":329,"19,10":330,"19,11":331,"19,12":332,"19,13":333,"19,14":334,"19,15":335,"19,16":336,"19,17":337,"19,18":338,"20,1":339,"20,2":340,"20,3":341,"20,4":342,"20,5":343,"20,6":344,"20,7":345,"20,8":346,"21,1":347,"21,2":348,"21,3":349,"21,4":350,"21,5":351,"21,6":352,"21,7":353,"21,8":354,"21,9":355,"21,10":356,"21,11":357,"21,12":358,"21,13":359,"22,1":360,"22,2":361,"22,3":362,"22,4":363,"22,5":364,"22,6":365,"22,7":366,"22,8":367,"22,9":368,"22,10":369,"22,11":370,"22,12":371,"22,13":372,"22,14":373,"22,15":374,"22,16":375,"22,17":376,"23,1":377,"23,2":378,"23,3":379,"23,4":380,"23,5":381,"23,6":382,"23,7":383,"23,8":384,"23,9":385,"23,10":386,"23,11":387,"23,12":388,"23,13":389,"23,14":390,"23,15":391,"23,16":392,"23,17":393,"23,18":394,"23,19":395,"23,20":396,"23,21":397,"24,1":398,"24,2":399,"24,3":400,"24,4":401,"24,5":402,"24,6":403,"24,7":404,"24,8":405,"24,9":406,"24,10":407,"24,11":408,"24,12":409,"24,13":410,"24,14":411,"24,15":412,"24,16":413,"24,17":414,"24,18":415,"24,19":416,"24,20":417,"24,21":418,"24,22":419,"24,23":420,"24,24":421,"24,25":422,"24,26":423,"24,27":424,"24,28":425,"24,29":426,"24,30":427,"24,31":428,"24,32":429,"25,1":430,"25,2":431,"25,3":432,"25,4":433,"25,5":434,"25,6":435,"25,7":436,"25,8":437,"25,9":438},"ٜ":{"1":[1,22],"2":[1,17],"3":[1,24],"4":[1,21],"5":[1,1],"6":[1,19],"7":[1,7],"8":[1,21],"9":[1,23],"10":[1,25],"11":[1,20],"12":[1,21],"13":[1,24],"14":[1,24],"15":[1,12],"16":[1,12],"17":[1,14],"18":[1,13],"19":[1,18],"20":[1,8],"21":[1,13],"22":[1,17],"23":[1,21],"24":[1,32],"25":[1,9]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","5,1","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","7,7","8,1","8,2","8,3","8,4","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","8,13","8,14","8,15","8,16","8,17","8,18","8,19","8,20","8,21","9,1","9,2","9,3","9,4","9,5","9,6","9,7","9,8","9,9","9,10","9,11","9,12","9,13","9,14","9,15","9,16","9,17","9,18","9,19","9,20","9,21","9,22","9,23","10,1","10,2","10,3","10,4","10,5","10,6","10,7","10,8","10,9","10,10","10,11","10,12","10,13","10,14","10,15","10,16","10,17","10,18","10,19","10,20","10,21","10,22","10,23","10,24","10,25","11,1","11,2","11,3","11,4","11,5","11,6","11,7","11,8","11,9","11,10","11,11","11,12","11,13","11,14","11,15","11,16","11,17","11,18","11,19","11,20","12,1","12,2","12,3","12,4","12,5","12,6","12,7","12,8","12,9","12,10","12,11","12,12","12,13","12,14","12,15","12,16","12,17","12,18","12,19","12,20","12,21","13,1","13,2","13,3","13,4","13,5","13,6","13,7","13,8","13,9","13,10","13,11","13,12","13,13","13,14","13,15","13,16","13,17","13,18","13,19","13,20","13,21","13,22","13,23","13,24","14,1","14,2","14,3","14,4","14,5","14,6","14,7","14,8","14,9","14,10","14,11","14,12","14,13","14,14","14,15","14,16","14,17","14,18","14,19","14,20","14,21","14,22","14,23","14,24","15,1","15,2","15,3","15,4","15,5","15,6","15,7","15,8","15,9","15,10","15,11","15,12","16,1","16,2","16,3","16,4","16,5","16,6","16,7","16,8","16,9","16,10","16,11","16,12","17,1","17,2","17,3","17,4","17,5","17,6","17,7","17,8","17,9","17,10","17,11","17,12","17,13","17,14","18,1","18,2","18,3","18,4","18,5","18,6","18,7","18,8","18,9","18,10","18,11","18,12","18,13","19,1","19,2","19,3","19,4","19,5","19,6","19,7","19,8","19,9","19,10","19,11","19,12","19,13","19,14","19,15","19,16","19,17","19,18","20,1","20,2","20,3","20,4","20,5","20,6","20,7","20,8","21,1","21,2","21,3","21,4","21,5","21,6","21,7","21,8","21,9","21,10","21,11","21,12","21,13","22,1","22,2","22,3","22,4","22,5","22,6","22,7","22,8","22,9","22,10","22,11","22,12","22,13","22,14","22,15","22,16","22,17","23,1","23,2","23,3","23,4","23,5","23,6","23,7","23,8","23,9","23,10","23,11","23,12","23,13","23,14","23,15","23,16","23,17","23,18","23,19","23,20","23,21","24,1","24,2","24,3","24,4","24,5","24,6","24,7","24,8","24,9","24,10","24,11","24,12","24,13","24,14","24,15","24,16","24,17","24,18","24,19","24,20","24,21","24,22","24,23","24,24","24,25","24,26","24,27","24,28","24,29","24,30","24,31","24,32","25,1","25,2","25,3","25,4","25,5","25,6","25,7","25,8","25,9"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"4":[4],"5":[5],"6":[6],"7":[7],"8":[8],"9":[9],"10":[10],"11":[11],"12":[12],"13":[13],"14":[14],"15":[15],"16":[16],"17":[17],"18":[18],"19":[19],"20":[20],"21":[21],"22":[22],"23":[23],"24":[24],"25":[25],"26":[26],"27":[27],"28":[28],"29":[29],"30":[30],"31":[31],"32":[32],"33":[33],"34":[34],"35":[35],"36":[36],"37":[37],"38":[38],"39":[39],"40":[40],"41":[41],"42":[42],"43":[43],"44":[44],"45":[45],"46":[46],"47":[47],"48":[48],"49":[49],"50":[50],"51":[51],"52":[52],"53":[53],"54":[54],"55":[55],"56":[56],"57":[57],"58":[58],"59":[59],"60":[60],"61":[61],"62":[62],"63":[63],"64":[64],"65":[65],"66":[66],"67":[67],"68":[68],"69":[69],"70":[70],"71":[71],"72":[72],"73":[73],"74":[74],"75":[75],"76":[76],"77":[77],"78":[78],"79":[79],"80":[80],"81":[81],"82":[82],"83":[83],"84":[84],"86":[85],"87":[86],"88":[87],"89":[88],"90":[89],"91":[90],"92":[91],"93":[92],"94":[93],"95":[94],"96":[95],"97":[96],"98":[97],"99":[98],"100":[99],"101":[100],"102":[101],"103":[102],"104":[103],"105":[104],"106":[105],"107":[106],"108":[107],"109":[108],"110":[109],"111":[110],"112":[111],"113":[112],"114":[113],"115":[114],"116":[115],"117":[116],"118":[117],"119":[118],"120":[119],"121":[120],"122":[121],"123":[122],"124":[123],"125":[124],"126":[125],"127":[126],"128":[127],"129":[128],"130":[129],"131":[130],"132":[131],"133":[132],"134":[133],"135":[134],"136":[135],"137":[136],"138":[137],"139":[138],"140":[139],"141":[140],"142":[141],"143":[142],"144":[143],"145":[144],"146":[145],"147":[146],"148":[147],"149":[148],"150":[149],"151":[150],"152":[151],"153":[152],"154":[153],"155":[154],"156":[155],"157":[156],"158":[157],"159":[158],"160":[159],"161":[160],"162":[161],"163":[162],"164":[163],"165":[164],"166":[165],"167":[166],"168":[167],"169":[168],"170":[169],"171":[170],"172":[171],"173":[172],"174":[173],"175":[174],"176":[175],"177":[176],"178":[177],"179":[178],"180":[179],"181":[180],"182":[181],"183":[182],"184":[183],"185":[184],"186":[185],"187":[186],"188":[187],"189":[188],"190":[189],"191":[190],"192":[191],"193":[192],"194":[193],"195":[194],"196":[195],"197":[196],"198":[197],"199":[198],"200":[199],"201":[200],"202":[201],"203":[202],"204":[203],"205":[204],"206":[205],"207":[206],"208":[207],"209":[208],"210":[209],"211":[210],"212":[211],"213":[212],"214":[213],"215":[214],"216":[215],"217":[216],"218":[217],"219":[218],"220":[219],"221":[220],"222":[221],"223":[222],"224":[223],"225":[224],"226":[225],"227":[226],"228":[227],"229":[228],"230":[229],"231":[230],"232":[231],"233":[232],"234":[233],"235":[234],"236":[235],"237":[236],"238":[237],"239":[238],"240":[239],"241":[240],"242":[241],"243":[242],"244":[243],"245":[244],"246":[245],"247":[246],"248":[247],"249":[248],"250":[249],"251":[250],"252":[251],"253":[252],"254":[253],"255":[254],"256":[255],"257":[256],"258":[257],"259":[258],"260":[259],"261":[260],"262":[261],"263":[262],"264":[263],"265":[264],"266":[265],"267":[266],"268":[267],"269":[268],"270":[269],"271":[270],"272":[271],"273":[272],"274":[273],"275":[274],"276":[275],"277":[276],"278":[277],"279":[278],"280":[279],"281":[280],"282":[281],"283":[282],"284":[283],"285":[284],"286":[285],"287":[286],"288":[287],"289":[288],"290":[289],"291":[290],"292":[291],"293":[292],"294":[293],"295":[294],"296":[295],"297":[296],"298":[297],"299":[298],"300":[299],"301":[300],"302":[301],"303":[302],"304":[303],"305":[304],"306":[305],"307":[306],"308":[307],"309":[308],"310":[309],"311":[310],"312":[311],"313":[312],"314":[313],"315":[314],"316":[315],"317":[316],"318":[317],"319":[318],"320":[319],"321":[320],"322":[321],"323":[322],"324":[323],"325":[324],"326":[325],"327":[326],"328":[327],"329":[328],"330":[329],"331":[330],"332":[331],"333":[332],"334":[333],"335":[334],"336":[335],"337":[336],"338":[337],"339":[338],"340":[339],"341":[340],"342":[341],"343":[342],"344":[343],"345":[344],"346":[345],"347":[346],"348":[347],"349":[348],"350":[349],"351":[350],"352":[351],"353":[352],"354":[353],"355":[354],"356":[355],"357":[356],"358":[357],"359":[358],"360":[359],"361":[360],"362":[361],"363":[362],"364":[363],"365":[364],"366":[365],"367":[366],"368":[367],"369":[368],"370":[369],"371":[370],"372":[371],"373":[372],"374":[373],"375":[374],"376":[375],"377":[376],"378":[377],"379":[378],"380":[379],"381":[380],"382":[381],"383":[382],"384":[383],"385":[384],"386":[385],"387":[386],"388":[387],"389":[388],"390":[389],"391":[390],"392":[391],"393":[392],"394":[393],"395":[394],"396":[395],"397":[396],"398":[397],"399":[398],"400":[399],"401":[400],"402":[401],"403":[402],"404":[403],"405":[404],"406":[405],"407":[406],"408":[407],"409":[408],"410":[409],"411":[410],"412":[411],"413":[412],"414":[413],"415":[414],"416":[415],"417":[416],"418":[417],"419":[418],"420":[419],"421":[420],"422":[421],"423":[422],"424":[423],"425":[424],"426":[425],"427":[426],"428":[427],"429":[428],"430":[429],"431":[430],"432":[431],"433":[432],"434":[433],"435":[434],"436":[435],"437":[436],"438":[437]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"شرح سنن أبي داود_<span data-type=\"title\" id=toc-1>كتاب الطهارة [١]</span>\nحرص الإسلام على الآداب العامة وبين أهمية العمل بها، ومن هذه الآداب التي اهتم بها الشرع آداب التنزه وقضاء الحاجة، فبين الطريقة الصحيحة للتنزه من النجاسة بعد قضاء الحاجة، كما بين الطريقة الصحيحة لقضاء الحاجة وما يلحق ذلك من استقبال القبلة أو استدبارها عند ذلك.","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة العظيم آبادي في كتابه عون المعبود</span>\nالحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله تعالى على رسوله محمد الذي جعل اتباعه سببًا لكفارة السيئات، وعلى آله وأزواجه وسائر أصحابه الذين نالوا به المنازل الرفيعة والدرجات.\nأما بعد: فيقول العبد الفقير إلى الله تعالى أبو عبد الرحمن شرف الحق الشهير بـ محمد أشرف بن أمير بن علي بن حيدر الصديقي العظيم آبادي غفر الله لهم وستر عيوبهم: [إن هذه الفوائد المتفرقة والحواشي النافعة على أحاديث سنن الإمام الهمام المجتهد المطلق أبي داود سليمان بن أشعث السجستاني رضي الله تعالى عنه جمعتها من كتب أئمة هذا الشأن رحمهم الله تعالى، مقتصرًا على حمل بعض المطالب العالية، وكشف بعض اللغات المغلقة، وتراكيب بعض العبارات، مجتنبًا عن الإطالة والتطويل، إلا ما شاء الله تعالى، وسميتها بـ (عون المعبود على سنن أبي داود) تقبل الله مني].\nقوله: (عون المعبود على سنن أبي داود) المعبود: هو الله ﷾، وهذا شرح من أمثل الشروح الموجودة المطبوعة الآن، وإن كان فيه بعض النقص؛ لكن مع ضمه إلى تهذيب السنن لـ ابن القيم ومع مراجعة كتب الرجال تحصل الفائدة إن شاء الله.\nقال ﵀: [والمقصود من هذه الحاشية المباركة الوقوف على معنى أحاديث الكتاب فقط من غير بحث؛ لترجيح الأحاديث بعضها على بعض، إلا على سبيل الإيجاز والاختصار، ومن غير ذكر أدلة المذاهب المتبوعة على وجه الاستيعاب، إلا في المواضع التي دعت إليها الحاجة.\nأعان الله تعالى وتبارك على إتمام هذه الحواشي، ونفع بها إخواننا أهل العلم وإياي خاصة.\nوأما الجامع لهذه المهمات المذكورة من الترجيح والتحقيق، وبيان أدلة المذاهب والتحقيقات الشريفة وغير ذلك من الفوائد الحديثية في المتون والأسانيد وعللها الشرح الكبير لأخينا العلامة الأعظم الأكرم أبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي المسمى بـ (غاية المقصود في حل سنن أبي داود)، وفقه الله تعالى لإتمامه كما وفقه لابتدائه، وهو شرح كبير جليل عظيم الشأن، وشارحه العلامة صرف همته إلى إتمامه، والمشغول فيه بحسب الإمكان، جزاه الله ﵎ وتقبل منه وجعله خير العقبى.\nوإني استفدت كثيرًا من هذا الشرح المبارك، وقد أعانني شارحه في هذه الحاشية في جل من المواضع، وأمدني بكثير من المواقع، فكيف يكفر شكره؟! والباعث على تأييد هذه الحاشية المباركة أن أخانا الأعظم الأمجد أبا الطيب شارح السنن ذكر غير مرة في مجلس العلم والذكر أن شرحي: (غاية المقصود) يطول شرحه إلى غير النهاية، لا أدري كم تطول المدة في إتمامه، والله يعينني.\nوالآن لا نرضى بالاختصار؛ لكن الحبيب المكرم الشفيق المعظم جامع الفضائل والكمالات خادم سنن سيد الكونين الحاج تطلف حسين العظيم آبادي (ت ١٣٣هـ) مصر على تأليف الشرح الصغير سوى غاية المقصود، فكيف أرد كلامه؟! فأمرني أخونا العلامة الأعظم الأكرم أبو الطيب أدام الله مجده لإبرام هذا المرام فاعتذرت كثيرًا، لكن ما قبل عذري، وقال: لا بد عليك هذا الأمر، وإني أعينك بقدر الإمكان والاستطاعة، فشرعت متوكلًا على الله في إتمام هذه الحاشية، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، استغفر الله ربي من كل ذنب وأتوب إليه].","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>مقدمة ابن القيم في حاشيته على سنن أبي داود</span>\nقال الشيخ الإمام العلامة شمس الدين أبو بكر محمد بن القيم الجوزية الحنبلي غفر الله له: [الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب العالمين، وإله المرسلين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، وحجة على جميع المكلفين، فرق الله برسالته بين الهدى والضلال، والغي والرشاد، والشك واليقين، فهو الميزان الراجح الذي على أقواله وأعماله وأخلاقه توزن الأخلاق والأعمال والأقوال، وبمتابعته والاقتداء به يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، أرسله على حين فترة من الرسل فهدى به إلى أقوم الطرق، وأوضح السبل، وافترض على العباد طاعته ومحبته وتأزيره وتوقيره والقيام بحقوقه، وأغلق دون جنته الأبواب، وسد إليها الطرق، فلم يفتح إلا من طريقه، فشرح له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه وزره].\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.\nأما بعد: هذا فيه بيان أنه ليس هناك طريق يوصل إلى الله ﷿ إلا من طريق الرسول ﵊، ومن تعبد الله بغير الشريعة التي جاء بها الرسول ﵊ فعبادته باطلة، فقد سدت الطرق التي توصل إلى الله إلا من طريق الرسول ﵊؛ فالرسول ﵊ هو الواسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ الرسالة، ولكن ليس هناك واسطة بين الله وبين خلقه في دعائه وعبادته والتضرع إليه؛ لكن الرسول ﵊ واسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ الكتاب والرسالة.\nقال ابن القيم ﵀: [وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، هدى به من الضلالة، وعلم به من الجهالة، وأرشد به من الغي، وفتح به أعينًا عميًا وآذانا صمًا وقلوبًا غلفًا، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق الجهاد، لا يرده عنه راد، ولا يصده عنه صاد؛ حتى سارت دعوته مسير الشمس في الأقطار، وبلغ دينه ما بلغ الليل والنهار؛ فصلى الله عليه وعلى آله الطيبين صلاة دائمة على تعاقب الأوقات والسنين، وسلم تسليمًا كثيرًا.\nأما بعد: فإن أولى ما صرفت إليه العناية، وجرى المتسابقون في ميدانه إلى أفضل غاية، وتنافس المتنافسون فيه، وشمر إليه العاملون: العلم الموروث عن خاتم المرسلين ورسول رب العالمين، الذي لا نجاة لأحد إلا به، ولا فلاح له في داره إلا بالتعلق بسببه، الذي من ظفر به فقد فاز وغنم، ومن صرف عنه فقد خسر وحرم؛ لأنه قطب السعادة الذي مدارها عليه، وآخية الإيمان الذي مرجعه إليه، فالوصول إلى الله وإلى رضوانه بدونه محال، وطلب الهدى من غيره هو عين الضلال، وكيف يوصل إلى الله من غير الطريق التي جعلها هو سبحانه موصلة إليه، ودالة لمن سلك فيها عليه، بعث رسوله بها مناديًا، وأقامه على أعلامها داعيًا وإليها هاديًا، فالباب عن السالك في غيرها مسدود، وهو عن طريق هداه وسعادته مصدود، بل كلما ازداد كدحًا واجتهادًا ازداد من الله طردًا وإبعادًا؛ ذلك بأنه صد عن الصراط المستقيم، وأعرض عن المنهج القويم، ووقف مع آراء الرجال، ورضي لنفسه بكثرة القيل والقال، وأخلد إلى أرض التقليد، وقنع أن يكون عيالًا على أمثاله من العبيد، لم يسلك من سبل العلم منهاجها، ولم يرتق في درجاته معارجها، ولا تألقت في خلده أنوار بوارقه، ولا بات قلبه يتقلب بين رياضه وحدائقه، لكنه ارتضع من ثدي من لم تطهر بالعصمة لبانه، وورد مشربًا آجنًا طالما كدره قلب الوارد ولسانه].\nالماء الآجن هو: الماء المتغير.\nقال ﵀: [تضج منه الفروج والدماء والأموال إلى من حل الحلال وحرم الحرام، وتعج منه الحقوق إلى منزل الشرائع والأحكام].\nيتكلم الشيخ ﵀ عن هؤلاء المنحرفين الذين أحلوا ما حرم الله، وحرموا ما أحل الله.\nقال ﵀: [فحق على من كان في سعادة نفسه ساعيًا، وكان قلبه حيًا واعيًا، أن يرغب بنفسه عن أن يجعل كده وسعيه في نصرة من لا يملك له ضرًا ولا نفعًا، وألا ينزلها في منازل الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا؛ فإن لله يومًا يخسر فيه المبطلون، ويربح فيه المحقون: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٢٧] ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [الإسراء:٧١]، فما ظن من اتخذ غير الرسول إمامًا، ونبذ سنته وراء ظهره، وجعل خواطر الرجال وآراءها بين عينيه وأمامه، فسيعلم يوم العرض أي بضاعة أضاع، وعند الوزن ماذا أحضر من الجواهر أو خرثي المتاع].\nيعني: هل أحضر شيئًا نفيسًا، أو شيئًا سافلًا تافهًا؟! قال ﵀: [فصل: ولما كان كتاب السنن لـ أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني ﵀، من الإسلام بالموضع الذي خصه الله به؛ بحيث صار حكمًا بين أهل الإسلام، وفصلًا في موارد النزاع والخصام، فإليه يتحاكم المنصفون، وبحكمه يرضى المحققون، فإنه جمع شمل أحاديث الأحكام ورتبها أحسن ترتيب، ونظمها أحسن نظام مع انتقائها أحسن انتقاء واطراحه منها أحاديث المجروحين والضعفاء.\nوكان الإمام العلامة الحافظ تقي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري رحمه الله تعالى قد أحسن في اختصاره وتهذيبه، وعزو أحاديثه وإيضاح علله وتقريبه، فأحسن حتى لم يكد يدع للإحسان موضعًا، وسبق حتى جاء من خلفه له تبعًا، جعلت كتابه من أفضل الزاد، واتخذته ذخيرة ليوم المعاد، فهذبته نحو ما هذب هو به الأصل، وزدت عليه من الكلام على علل سكت عنها أو لم يكملها، والتعرض إلى تصحيح أحاديث لم يصححها، والكلام على متون مشكلة لم يفتح مقفلها، وزيادة أحاديث صالحة في الباب لم يشر إليها، وبسطت الكلام على مواضع جليلة؛ لعل الناظر المجتهد لا يجدها في كتاب سواه، فهي جديرة بأن تثنى عليها الخناصر، ويعض عليها بالنواجذ، وإلى الله الرغبة أن يجعله خالصًا لوجهه، موجبًا لمغفرته، وأن ينفع به من كتبه أو قرأه أو نظر فيه أو استفاد منه، فأنا أبرأ إلى الله من التعصب والحمية، وجعل سنة رسول الله ﷺ تابعة لآراء الرجال، منزلة عليها مسوقة إليها، كما أبرأ إليه من الخطأ والزور والسهو، والله سبحانه عند لسان كل قائم وقلبه، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب].","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>التخلي عند قضاء الحاجة</span>","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>شرح حديث: (كان إذا ذهب المذهب أبعد)</span>\nقال المؤلف ﵀: [كتاب الطهارة.\nباب التخلي عند قضاء الحاجة.\nحدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي قال: حدثنا عبد العزيز -يعني: ابن محمد - عن محمد -يعني: ابن عمرو - عن أبي سلمة عن المغيرة بن شعبة: (أن النبي ﷺ كان إذا ذهب المذهب أبعد)].\nوهذا فيه بيان استحباب البعد عند قضاء الحاجة، وقد كان النبي ﷺ إذا ذهب لقضاء الحاجة أبعد؛ حتى لا تراه العيون ولا يسمع له صوت، ولهذا لما كان يوم تبوك تأخر النبي ﷺ وذهب معه المغيرة وقضى حاجته، ثم جعل المغيرة يصب عليه الماء، وتأخر عن الصحابة في صلاة الفجر، فقدموا عبد الرحمن بن عوف وصلى بهم ركعة ثم جاء النبي ﷺ والمغيرة.\nوهذا يدل على أنه ﵊ أبعد المذهب، فالسنة أن الإنسان أذا أراد قضاء حاجته في البرية أو الصحراء أنه يبعد ويتوارى عن الناس؛ حتى لا ترى له عورة ولا يسمع له صوت.\nوالحديث لا بأس بسنده، وهو في الصحيح.\nفإن قال قائل: هل هناك فرق بين البول والغائط، فيبعد في الغائط ولا يبعد في البول؟ أقول: لا شك أن الغائط أولى بالاستتار من غيره، والمهم أن يكون الإنسان عنده شيء يتقي به ويستتر به.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>شرح حديث: (كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد بن مسرهد أخبرنا عيسى بن يونس، حدثنا إسماعيل بن عبد الملك عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله ﵄: (أن النبي ﷺ كان إذا أراد البراز انطلق؛ حتى لا يراه أحد)].\nالبراز بالفتح المراد به: الخلاء، يعني: قضاء الحاجة، وأصله اسم للصحراء البارزة، ثم أطلق على قضاء الحاجة، وأما البراز بالكسر: فهو من المبارزة.\nقال الخطابي: البراز مفتوحة الباء: اسم للفضاء الواسع من الأرض، كنوا به عن حاجة الإنسان كما كنوا بالخلاء عنه، يقال: تبرز الرجل إذا تغوط، وهو أن يخرج إلى البراز، كما قيل: تخلى إذا سار إلى الخلاء، وأكثر الرواة يقولون: البراز بكسر الباء وهو غلط، إنما البراز مصدر: بارزت الرجل في الحرب مبارزة وبرازًا.\nوالحديث فيه عنعنة أبي الزبير وهو مدلس، لكن الحديث له شواهد.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>الرجل يتبوأ لبوله</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الرجل يتبوأ لبوله].\nيعني: يختار لبوله مكانًا رخوًا كما سيأتي، فلا يبول في أي مكان؛ لأنه إذا بال في أرض صلبة يرتد عليه البول أو شيء من رشاش البول، فلا بد أن يتبوأ ويرتاد لبوله مكانًا رخوًا؛ حتى لا يرتد إليه البول أو يصيبه شيء من رشاش البول.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>شرح حديث: (إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله موضعًا)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل أخبرنا حماد أخبرنا أبو التياح حدثني شيخ قال: لما قدم عبد الله بن عباس البصرة فكان يحدث عن أبي موسى فكتب عبد الله إلى أبي موسى يسأله عن أشياء، فكتب إليه أبو موسى: (إني كنت مع رسول الله ﷺ ذات يوم فأراد أن يبول، فأتى دمثًا في أصل جدار فبال، ثم قال ﷺ: إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله موضعًا)].\nهذا الحديث ضعيف فيه مبهم، وهو الشيخ الذي يروي عن ابن عباس، لكن معناه صحيح.\nوالإنسان يرتاد لبوله مكانًا دمثًا، يعني: لا يبول على شيء صلب؛ لأنه إذا بال على شيء صلب جاءه شيء من رشاش البول، وكذلك أيضًا إذا بال في مكان مرتفع ارتد إليه البول، وإنما يرتاد مكانًا منخفضًا أو أرضًا مستوية ليست صلبة، والحديث رجاله كلهم ثقات ما عدا الشيخ المبهم، فـ موسى بن إسماعيل ثقة، وحماد: هو ابن سلمة، وأبو التياح: روى له البخاري.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء</span>","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>شرح حديث أنس فيما يقال عند دخول الخلاء</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء.\nحدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا حماد بن زيد وعبد الوارث عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال: (كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء قال -عن حماد - قال: اللهم إني أعوذ بك -وقال عن عبد الوارث - قال أعوذ بالله من الخبث والخبائث).\nقال أبو داود: رواه شعبة عن عبد العزيز: (اللهم إني أعوذ بك)، وقال مرة: (أعوذ بالله)، وقال وهيب: (فليتعوذ بالله)].\nهذا الحديث فيه استحباب قول هذا الذكر عند دخول الخلاء، وهو قول: (اللهم أني أعوذ بك من الخبث والخبائث) وهذا الحديث رواه الشيخان وغيرهما، ويقال خُبُث وخُبْث بضم الباء وبإسكانها والخُبْثُ والخبائث: ذكران الشياطين وإناثهم، وهذا الذكر فيه تعوذ من ذكران الجن والشياطين وإناثهم، قال: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث).\nقوله: (إذا دخل الخلاء) يعني: إذا أراد دخول الخلاء كما في قوله ﷿: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]، يعني: إذا أردت قراءة القرآن، وهنا إذا دخل الخلاء، يعني: إذا أراد دخول الخلاء قال هذا الدعاء؛ لأنه حال قضاء الحاجة لا يذكر الله، وأما قول: باسم الله فهذه جاءت في حديث ضعيف، ولكن أخذًا بالأدلة العامة فلا بأس، فالمرء يقول: باسم الله عند دخول البيت، وعند الخروج منه، وعند دخول المسجد، وقولك عند دخول الخلاء: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) استعاذة بالله، أعوذ يعني: ألوذ وألتجئ وأعتصم بك يا ألله من الخبث -ذكران الشياطين- والخبائث -إناثهم-.\nوقال الحافظ: وقد روى العمري من طريق عبد العزيز بن مختار عن عبد العزيز بن صهيب بلفظ الأمر قال: (إذا دخلتم الخلاء فقولوا: باسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث) إسناده على شرط مسلم.\nإذًا: قول باسم الله عند دخول الخلاء مشروعة.\nقال: [حدثنا الحسن بن عمرو -يعني: السدوسي - قال: حدثنا وكيع عن شعبة عن عبد العزيز -هو ابن صهيب - عن أنس بهذا الحديث قال: (اللهم إني أعوذ بك) وقال شعبة وقال مرة: (أعوذ بالله).","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>شرح حديث: (إن هذه الحشوش محتضرة)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عمرو بن مرزوق أخبرنا شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم عن رسول الله ﷺ قال: (إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث)].\nوهذا فيه بيان الحكمة من شرعية هذا الدعاء: أن هذه الحشوش محتضرة، والحشوش: جمع حش، وهو مكان قضاء الحاجة، (محتضرة) يعني: تحضرها الشياطين: (فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله الخبث والخبائث) يعني: أعوذ وألوذ وألتجئ وأعتصم بك يا ألله من الخبث والخبائث، من ذكران الشياطين وإناثهم.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة</span>","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>شرح حديث سلمان: (نهانا ﷺ أن نستقبل القبلة بغائط أو بول)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة.\nحدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان قال: قيل له: (لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة؟ قال: أجل، لقد نهانا ﷺ أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، وألا نستنجي باليمين، وألا يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو عظم)].\nوهذه الترجمة فيها كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، والمراد بالكراهية: التحريم؛ لأنه يحرم استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، وهذا في غير البنيان، وأما في البنيان فإنه جائز في أصح أقوال أهل العلم جمعًا بين النصوص، وذهب بعض العلماء إلى المنع حتى في البنيان، والمسألة فيها خلاف لأهل العلم: منهم من أجاز الاستقبال بإطلاق، ومنهم منعها بإطلاق، ومنهم من فصل، ومنهم من أجاز الاستدبار دون الاستقبال، والصواب: المنع في الصحراء والفضاء، والجواز في البنيان جمعًا بين النصوص؛ لأنه ثبت في حديث ابن عمر أنه رأى النبي ﷺ يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة.\nوفي هذا الحديث حديث سلمان أنه قال: (نهانا النبي ﷺ أن نستقبل القبلة بغائط أو بول) النهي يفيد التحريم، فدل على تحريم استقبال القبلة بغائط أو بول في الصحاري والفضاء، وقوله: (وألا نستنجي باليمين) يفيد تحريم الاستنجاء باليمين، وقوله: (وألا يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار) يعني: إذا أراد أن يكتفي بالأحجار دون الماء فلا بد أن تكون ثلاثة أحجار، فلا يكفي حجر ولا حجران، ولا بد أن تكون منقية، أي: لا يبقى إلا أثر يسير لا يزيله إلا الماء فيعفى عنه، ولكن إذا لم ينق بالثلاث فيزيد رابعة، وإذا أنقى بالرابعة فالأفضل أن يزيد الخامسة حتى ينقي على وتر، فإذا لم ينق بالخامسة زاد السادسة فإن أنقى بالسادسة فالأفضل أن يزيد السابعة حتى ينقي على وتر، فالتنقية على وتر مستحبة، وكذلك يشترط ألا يتجاوز الخارج موضع العادة، فإن تجاوز الخارج موضع العادة فلا ينقي إلا الماء، وقوله: (أو أن نستنجي برجيع أو عظم) فهذه أمور في هذا الحديث نهى عنها النبي: استقبال القبلة بغائط أو بول، وهو حرام إلا في البنيان، الثاني: الاستنجاء باليمين؛ لأن اليمين للتكريم، وإنما يكون الاستنجاء باليسار، والثالث: (ألا يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار) إذا أراد أن يكتفي بها عن الماء.\nالرابع: (أو أن نستنجي برجيع أو عظم) والرجيع: هو رجيع الدابة، ورجيع الدابة لا يستنجى به، وكذلك العظم؛ لأن العظم زاد إخواننا من الجن، والرجيع والبعرة علف لدوابهم، لأنه ثبت أن وفدًا من الجن جاءوا إلى النبي ﷺ فسألوه الزاد فقال: (لكم كل عظم يذكر اسم الله عليه، يعود أوفر ما كان عليه لحمه، وكل بعرة علف لدوابكم) قال النبي ﷺ: (فلا تستنجوا بالعظام ولا بالروث فإنها زاد إخوانكم من الجن).","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>شرح حديث: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا ابن المبارك عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ولا يستطب بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث والرمة)].\nوهذا الحديث فيه دليل على تحريم استقبال القبلة بغائط أو بول، قال النبي: (إنما أن لكم بمنزلة الوالد) فلا شك أنه ﵊ بمنزلة الوالد بل إن حقه أعظم من حق الوالد ﵊، ومحبته ينبغي أن تكون أعظم من محبة الوالدين والنفس ﵊؛ لأن محبة النبي تابعة لمحبة الله؛ لأنه ﵊ هو السبب في إنقاذ الأمة من الهلاك، والسبب في النجاة وهو الواسطة بين الله وبين عباده في تبليغ الشرع والدين، وكل خير نالته الأمة بسببه وكل شر دفعه يكون بسببه ﵊، قال: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها - يعني: في الصحراء- ولا يستطب بيمينه) يعني: لا يستنج، يسمى الاستنجاء استطابة لما فيه من دلك النجاسة وتطهير موضعها، (وكان يأمر بثلاثة أحجار)، يعني: في الاستجمار، هذا إذا أراد أن يكتفي به عن الماء.\nقوله: (وينهى عن الروث والرمة) ينهى عن الروث يعني: الاستنجاء بالروث، والرمة: العظام البالية، يعني: لا يستنجى بالروث ولا بالعظام؛ لأنها زاد إخواننا من الجن كما سبق.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>شرح حديث: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا سفيان عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب رواية قال: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولكن شرقوا أو غربوا، فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل القبلة فكنا ننحرف عنها ونستغفر الله)].\nوهذا الحديث -وهو حديث أبي أيوب رواه الشيخان وغيرهما- فيه النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول، يعني: في الصحراء، وقال النبي ﷺ: (ولكن شرقوا أو غربوا) هذا خطاب لأهل المدينة؛ لأن قبلة أهل المدينة جنوب، والشمال دبر القبلة، فيشرقون أو يغربون، أما غيرهم فيختلف، فصاحب نجد مثلًا يقال له: يشمل أو يجنب؛ لأن قبلته غرب، وهذا خطاب لأهل المدينة.\nوفيه دليل على جواز استقبال النيرين وهما الشمس والقمر، وأنه لا كراهة في استقبالهما، وهو خلاف قول بعض الفقهاء من الحنابلة وغيرهم أنه يكره استقبال النيرين.\nقال أبو أيوب ﵁: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، فكنا ننحرف عنها ونستغفر الله.\nهذا يدل على أن أبا أيوب ﵁ يرى المنع من استقبال القبلة حتى في البنيان، ولهذا قال: فكنا ننحرف عنها -يعني: في البنيان- ونستغفر الله ﷿.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>شرح حديث: (نهى رسول الله أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا عمرو بن يحيى عن أبي زيد عن معقل بن أبي معقل الأسدي ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط) قال أبو داود: وأبو زيد هو مولى بني ثعلبة].\nوهذ الحديث ضعيف، أراد بالقبلتين الكعبة وبيت المقدس، وأبو زيد هذا هو الوليد مولى بني ثعلبة، قال ابن حجر ﵀ في التهذيب: قيل: اسمه الوليد روى عن معقل بن أبي معقل الأسدي في النهي عن استقبال القبلتين، وعنه عمرو بن يحيى بن عمارة، قال ابن المديني: ليس بمعروف.\nوعلى هذا فيكون الحديث ضعيفًا، فلا حجة فيما دل عليه من النهي عن استقبال القبلتين، والقبلة المنسوخة -أي: بيت المقدس- لا حرج في استقبالها، وإنما نهي عن استقبال الكعبة.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>شرح أثر ابن عمر في استقباله القبلة من وراء الدابة عند قضاء الحاجة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا صفوان بن عيسى، عن الحسن بن ذكوان عن مروان الأصفر قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قد نهي عن هذا؟ قال: بلى، إنما نهي عن ذلك في الفضاء فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس].\nوهذا الحديث فيه أن ابن عمر ﵄ يرى أنه لا بأس باستقبال القبلة إذا كان بينه وبينها حائل، جمعًا بين النصوص؛ لأنه روى أنه لما صعد سطح بيت له رأى النبي ﷺ يقضي حاجته على لبنتين مستقبل الشام مستدبر الكعبة، فلهذا كان يفتي بهذا ويرى أنه لا بأس في أن يستقبل القبلة عند قضاء الحاجة إذا كان بينه وبينها حائل؛ فلهذا أناخ راحلته وجعلها بينه وبين القبلة، ثم جلس يقضي حاجته ﵁، وهذا هو الصواب، واختاره البخاري ﵀ وجماعة، ولهذا بوب البخاري باب استقبال القبلة في البنيان أو قريبًا من هذا، فدل على أنه في البنيان يجوز، وفي الفضاء لا يجوز جمعًا بين النصوص.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>ما جاء في الرخصة في استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة</span>","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>شرح حديث ابن عمر في رؤيته رسول الله في البيت مستقبلًا بيت المقدس لحاجته</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة في ذلك حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن عبد الله بن عمر قال: (لقد ارتقيت على ظهر البيت فرأيت رسول الله ﷺ على لبنتين مستقبل بيت المقدس لحاجته)].\nوهذا الحديث أخرجه البخاري في الوضوء: باب من تبرز على لبنتين، ومسلم أيضًا في الطهارة، وابن ماجة والنسائي.\nوفيه الرخصة في استقبال القبلة عند قضاء الحاجة واستدبارها؛ ولهذا بوب أبو داود ﵀، قال: باب الرخصة في ذلك.\nيعني: في الاستقبال والاستدبار عند قضاء الحاجة، أخذًا بهذا الحديث، حديث ابن عمر فيكون قوله ﷺ: (لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول) خصصه حديث ابن عمر وأنه لا بأس بالاستقبال في البنيان.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>شرح حديث: (نهى نبي الله أن نستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن بشار حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي قال: سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن أبان بن صالح عن مجاهد عن جابر بن عبد الله قال: (نهى نبي الله ﷺ أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها)].\nهذا الحديث رواه الترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.\nوقد أخذ به بعض العلماء وقالوا: إنه لا بأس بالاستقبال.\nقال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى بعد قول الحافظ زكي الدين: وقال الترمذي: حديث غريب، وقال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: حديث صحيح، وقد أعل ابن حزم حديث جابر بأنه عن أبان بن صالح وهو مجهول ولا يحتج برواية مجهول، قال ابن المفوز: أبان بن صالح مشهور ثقة صاحب حديث وهو أبان بن صالح بن عمير أبو محمد القرشي مولى لهم المكي، روى عنه ابن جريج وابن عجلان وابن إسحاق وعبيد الله بن أبي جعفر، واستشهد بروايته البخاري في صحيحه عن مجاهد والحكم بن مسلم وعطاء، وثقه يحيى بن معين، وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان والنسائي وهو والد محمد بن أبان بن صالح بن عمير الكوفي الذي روى عنه أبو الوليد وأبو داود الطيالسي وحسين الجعفي وغيرهم، وجد أبي عبد الرحمن مشكدانة شيخ مسلم وكان حافظًا، وأما الحديث فإنه انفرد به محمد بن إسحاق وليس هو ممن يحتج به في الأحكام، فكيف نعارض بحديثه الأحاديث الصحاح، أو ينسخ به السنن الثابتة مع أن التأويل في حديثه ممكن، والمخرج منه معرض.\nتم كلامه.\nوهو لو صح حكاية فعل لا عموم لها ولا يعلم هل كان في فضاء أو بنيان؟ وهل كان لعذر من ضيق مكان ونحوه أو اختيارًا؟ فكيف يقدم على النصوص الصحيحة الصريحة بالمنع، فإن قيل: فهب أن هذا الحديث معلول فما يقولون في حديث عراك عن عائشة: (ذكر عند رسول الله ﷺ أن ناسًا يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة، فقال رسول الله ﷺ: أوقد فعلوها؟ استقبلوا بمقاعدكم القبلة)؟ ف\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أن هذا الحديث لا يصح وإنما هو موقوف على عائشة حكاه الترمذي في كتاب العلل عن البخاري.\nوقال بعض الحفاظ: هذا حديث لا يصح وله علة لا يدركها إلا المعتنون بالصناعة، وذلك أن خالد بن أبي الصلت لم يحفظ متنه ولا أقام إسناده، خالفه فيه الثقة الثبت صاحب عراك بن مالك المختص به، الضابط لحديثه: جعفر بن ربيعة الفقيه، فرواه عن عراك عن عروة عن عائشة ﵂ أنها كانت تنكر ذلك، فبين أن الحديث لـ عراك عن عروة ولم يرفعه ولا يجاوز به عائشة، وجعفر بن ربيعة هو الحجة في عراك بن مالك مع صحة الأحاديث عن النبي ﷺ وشهرتها بخلاف ذلك، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب المراسيل عن الأثرم: سمعت أبا عبد الله وذكر حديث خالد بن أبي الصلت عن عراك بن مالك عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ هذا الحديث، فقال: مرسل، فقلت له: عراك بن مالك قال: سمعت عائشة فأنكره، وقال عراك بن مالك: من أين سمع عائشة؟ ما له ولـ عائشة؟ إنما يروونه عن عروة هذا خطأ، قال لي: من روى هذا؟ قلت: محمد بن سلمة عن خالد الحذاء قال: رواه غير واحد عن خالد الحذاء، وليس فيه سمعت، وقال غير واحد أيضًا عن حماد بن سلمة: ليس فيه سمعت.\nوهذا الحديث تفرد به محمد بن إسحاق، فيكون شاذًا مخالفًا للأحاديث الصحيحة والشاذ ضعيف، ولو صح قد يكون محتملًا ونقول: قوله: (رأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها) محتمل أن يكون يستقبلها في البنيان، ثم أيضًا هو حكاية فعل فلا يعارض به الأقوال الصريحة، وعلى كل حال هذا محتمل مجمل مشتبه، والقاعدة عند أهل العلم: أن المجمل لا يعارض به المحكم الواضح، وإنما يرد إلى المحكم ويفسر به، ولا يتعلق بالمشتبه والمجمل إلا الضعفاء من أهل البصيرة، والمقصود أن العمدة على الأحاديث الصحيحة: النهي عن استقبال القبلة، أما هذا فقد تفرد به محمد بن إسحاق، ولو صح فهو محتمل أن يكون في البنيان أو في الصحراء، ثم أيضًا هو حكاية فعل.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>كيفية التكشف عند الحاجة</span>","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>شرح حديث (أن النبي كان إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب كيف التكشف عند الحاجة؟ حدثنا زهير بن حرب حدثنا وكيع عن الأعمش عن رجل عن ابن عمر ﵄: (أن النبي ﷺ كان إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض).\nقال أبو داود: رواه عبد السلام بن حرب عن الأعمش عن أنس بن مالك ﵁، وهو ضعيف].\nهذه الترجمة أوردها المؤلف ﵀ في بيان كيفية التكشف عند قضاء الحاجة، يعني: متى يرفع ثوبه؟! ثم ذكر هذا الحديث، وهو ضعيف فيه هذا الرجل المبهم، والثاني كذلك قال: رواه عبد السلام عن أنس.\nولكن من المعلوم أن من الأدلة العامة أنه لا يجوز كشف العورة إلا عند الحاجة، والحاجة إلى ذلك تكون في موضعين: إذا أراد الإنسان أن يقضي حاجته، وإذا أراد أن يغتسل وليس عنده أحد فإنه يخلع ثوبه، وهنا عند قضاء الحاجة إذا قرب من الأرض ودنا منها، ويكشف قدر الحاجة، أما هذا الحديث ففيه ضعف.\nقال السيوطي رحمه الله تعالى: ليس المراد هو تضعيف عبد السلام؛ لأنه ثقة حافظ من رجال الصحيحين، بل تضعيف من قال: عن أنس؛ لأن الأعمش لم يسمع من أنس.","vol":"1","page":22},{"text":"شرح سنن أبي داود_<span data-type=\"title\" id=toc-23>كتاب الطهارة [٢]</span>\nنهى الشارع الحكيم عن الكلام أثناء قضاء الحاجة وكذلك رد السلام، كما أمر بالتستر عند قضاء الحاجة والتنزه من البول والاستتار عند ذلك، وقد جاء الوعيد الشديد لمن أهمل التنزه من البول.","vol":"2","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>كراهية الكلام عند الخلاء</span>","vol":"2","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>شرح حديث: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب كراهية الكلام عند الخلاء.\nحدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة حدثنا ابن مهدي حدثنا عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن عياض قال: حدثني أبو سعيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان؛ فإن الله ﷿ يمقت على ذلك).\nقال أبو داود: هذا لم يسنده إلا عكرمة بن عمار].\nهذا الحديث أخرجه ابن ماجة وأحمد والبيهقي والحاكم وابن خزيمة في صحيحه وابن حبان، قال ابن حبان في الثقات: عكرمة بن عمار روايته عن يحيى بن أبي كثير فيها اضطراب.\nقال الذهبي في الميزان: عياض بن هلال أو هلال بن عياض عن أبي سعيد لا يعرف، ما علمت روى عنه سوى يحيى بن أبي كثير.\nوقال أبو داود: لم يذكره إلا عكرمة بن عمار، يعني: أنه موقوف على أبي سعيد، ولكن مثل هذا لا يقال من جهة الرأي، وفيه إثبات صفة المقت لله ﷿، وإذا صح الحديث يؤخذ منه صفة المقت لله، وصفة المقت ثابتة في القرآن الكريم، والمقت هو: أشد البغض، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر:١٠]، ولكن ما دل عليه الحديث صحيح أيضًا؛ فإن كشف من يتخلى عند حاجته عن عورته أو كون الاثنين يقضيان حاجتهما ويكشفان عوراتهما هذا ممنوع ولا يجوز، وهكذا حين يتحدثان أيضًا، فإن هذا ليس مكانًا للحديث، فمكان قضاء الحاجة ليس مكانًا للحديث إلا للضرورة، كأن يتكلم مع إنسان كفيف يريد أن يسقط في حفرة أو ما أشبه ذلك، أما ما عدا ذلك فلا يتكلم؛ لأنه ليس محلًا للكلام.\nوعليه فإن كشف الإنسان عن عورته أو الرجلين عن عورتهما وحديثهما عند قضاء الحاجة كل هذا ممنوع.","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>ما جاء في الرجل يرد السلام وهو يبول</span>","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>شرح حديث: (مر رجل على النبي وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في الرجل يرد السلام وهو يبول.\nحدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة قالا: حدثنا عمر بن سعد عن سفيان عن الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: (مر رجل على النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه فلم يرد عليه).\nقال أبو داود: وروي عن ابن عمر ﵄ وغيره: (أن النبي ﷺ تيمم ثم رد على الرجل السلام)].\nوهذا فيه أنه لا يسلم على من يبول ومن يقضي حاجته، وإذا سلم عليه أحد وكان موجودًا وأمكنه السلام عليه بعد ذلك فلا بأس، والتيمم هنا هو من باب الاستحباب؛ لأن النبي ﷺ كان يذكر الله في كل أحواله، والسلام اسم من أسماء الله.\nوقد جاء في الحديث الآخر أنه سلم عليه وهو ليس على حاجته، ولم يكن على طهر، فتيمم ورد ﵇.\nوفي الحديث الآخر أنه لم يجد ماءً أو لم يكن قريبًا من البلد فحك الجدار وتيمم ورد ﵇ وقال: (كرهت أن أذكر الله إلا على طهر)، هذا إذا أمكن رد السلام عليه، فإذا سلم إنسان على آخر وهو يبول ولم يذهب فله أن يرد ﵇ بعد ذلك إذا تيمم، وإذا كان الماء موجودًا يتوضأ؛ لأن السلام على طهارة أفضل.\nقال الشارح: فلم يرد عليه الجواب، وفي هذا دلالة على أن المسلم في هذا الحال لا يستحق جوابًا، وهكذا في رواية مسلم وأصحاب السنن من طريق الضحاك عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: (مر رجل على النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه)، وكذا في ابن ماجة من حديث أبي هريرة وجابر بن عبد الله ﵄.\nوأما في رواية محمد بن ثابت العبدي وابن الهاد كلاهما عن نافع عن ابن عمر ﵄ التي أخرجها المؤلف في باب التيمم ففيها أن السلام كان بعد البول.\nوفي رواية مسلم: (أنه سلم عليه وهو يبول ولم يرد عليه)، فإذا سلم عليه وهو يقضي حاجته لا يرد عليه، وأما إذا كان ليس في قضاء الحاجة فإنه يجب رد السلام، لكن إن رده وهو على طهارة فهو أفضل، وإلا فلا يجب التطهر؛ لأن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحواله.\nوأما ما جاء في الحديث الآخر أن النبي ﷺ حك الجدار لما سلم عليه الرجل وتيمم وقال: (كرهت أن أذكر الله إلا على طهر) فهذا من باب الاستحباب، فالأفضل للإنسان إذا أراد أن يذكر الله أن يكون على طهارة، والسلام من ذكر الله، ولكن لا بأس بذكر الله ولو لم يكن على طهور، وأعلى ذكر الله قراءة القرآن، وأفضل الذكر قراءة القرآن، فيجوز للإنسان أن يقرأ القرآن عن ظهر قلب إذا لم يمس المصحف، إلا إذا كان عليه جنابة، كما في حديث علي: (فأما الجنب فلا ولا آية) فالجنب لا يقرأ ولا عن ظهر قلب، وأما غير الجنب فله أن يقرأ من غير مس المصحف، ولكن الأفضل أن يكون على طهارة.","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>شرح حديث: (إني كرهت أن أذكر الله تعالى إلا على طهر)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن عن حضين بن المنذر أبي ساسان عن المهاجر بن قنفذ ﵁: (أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال: إني كرهت أن أذكر الله تعالى إلا على طهر، أو قال: على طهارة)].\nمحمد بن المثنى قال فيه ابن حجر: ثقة ثبت.\nوعبد الأعلى: ثقة.\nوسعيد، هو سعيد بن أبي عروبة مهران اليشكري، ثقة حافظ، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة.\nوالحسن ثقة فقيه قاض مشهور، وكان يرسل كثيرًا ويدلس.\nوحضين بن المنذر أبي ساسان ثقة.\nولا شك أن ذكر الله على طهارة أفضل، فإذا لم يكن الإنسان على طهارة يؤخر رد السلام حتى يتوضأ، هذا إذا لم يخش ذهاب الوقت، أما إذا خشي فالأولى في مثل هذه الحالة أن يرد عليه في الحال؛ لأن ذكر الله على غير طهارة لا بأس به، كما في حديث عائشة: (كان النبي ﷺ يذكر الله في كل أحيانه)، وقد يتأثر المسلِّم ويقع في نفسه شيء إذا أخر رد السلام عليه حتى يتوضأ؛ لأنه قد يتأخر وقتًا طويلًا، والحديث فيه الحسن يدلس ويرسل، وفيه سعيد بن أبي عروبة كثير التدليس، فلو صح فهو محمول على ما إذا لم يتأثر المسلِّم ولم يقع في نفسه شيء، أو أخبره وقال: إني سأتوضأ، وإلا فالأولى في مثل هذه الحالة أن يرد ﵇ في الحال.\nونقل الخطابي أن الرجل إذا خاف خروج الوقت يتيمم من غير مرض ولا حرج، قال: وإلى هذا ذهب الأوزاعي وقال: يتيمم ويصلي قبل فوات الوقت.\nوهذا ليس بصحيح، فقول الأوزاعي هذا ليس بشيء، والصواب: أنه لا يجوز له أن يتيمم مع وجود الماء، فهذا كلام مصادم لقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣]، فإن وجد ماءً فلا يتيمم ولو خاف طلوع الشمس، ولو كان نائمًا نومًا يعذر فيه فوقت الصلاة من حين يستيقظ، يقول النبي ﷺ: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك) فإذا استيقظ قرب طلوع الشمس فوقتها حين يستيقظ، وهو معذور إذا كان نومًا يعذر فيه، أو يسخن الماء إذا كان في الشتاء ويغتسل ولو طلعت الشمس ثم يصلي، أما أن يصلي بالتيمم فهذا باطل ولا يجوز إلا عند عدم الماء أو العجز عن استعماله.\nأما رد السلام فالتطهر له من باب الاستحباب، فقد جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ لما سلم عليه رجل وهو في مكان يقال له: بئر جمل وكان قريبًا من البلد حك الجدار وتيمم، ثم رد ﵇ وقال: (كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة) فيحتمل هنا أن الماء كان بعيدًا عنه أو أنه تيمم؛ لأن هذا من باب الاستحباب وليس لأداء فريضة، أما الفريضة فلا بد لها من الوضوء إذا كان يجد الماء ويستطيع استعماله.\nوأما حديث ابن عمر: (أن رجلًا مر على النبي ﷺ وهو يبول فلم يرد عليه) فتمامه: (أن رجلًا مر بالنبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه حتى فرغ من حاجته، ثم رمى يده على الجدار ثم تيمم، فرد عليه)، ومعناه: أن النبي ﷺ تيمم لذكر الله، وذكر الله على طهارة أفضل، ولا سيما إذا كان دعاءً، وقد كان مالك لا يقرأ عليه حديث رسول الله ﷺ حتى يتوضأ.","vol":"2","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>ما جاء في الرجل يذكر الله تعالى على غير طهر</span>","vol":"2","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>شرح حديث: (كان رسول الله يذكر الله ﷿ على كل أحيانه)</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الرجل يذكر الله تعالى على غير طهر.\nحدثنا محمد بن العلاء حدثنا ابن أبي زائدة عن أبيه عن خالد بن سلمة -يعني: الفأفاء - عن البهي عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يذكر الله ﷿ على كل أحيانه)].\nوهذا الحديث أخرجه مسلم في الصحيح، وفيه جواز الذكر في جميع الأحيان، سواء كان الإنسان متوضئًا أو غير متوضئ، حتى ولو كان عليه جنابة فله أن يذكر الله ويسبح ويقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ويقرأ القرآن عن ظهر قلب إلا إذا كان عليه جنابة فلا يقرأ القرآن؛ لما جاء في حديث علي (فأما الجنب فلا ولا آية) فالجنب لا يقرأ شيئًا من القرآن حتى يغتسل، أما إذا لم يكن عليه جنابة فإنه يذكر الله، وأعلى الذكر تلاوة القرآن، وله أن يسبح ويهلل ويكبر ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدعو إلى الله وهو على غير طهارة، لكن الأفضل أن يكون على طهارة.","vol":"2","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>ما جاء في الخاتم يكون فيه ذكر الله تعالى يدخل به الخلاء</span>","vol":"2","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>شرح حديث: (كان النبي إذا دخل الخلاء وضع خاتمه)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الخاتم يكون فيه ذكر الله تعالى يدخل به الخلاء.\nحدثنا نصر بن علي عن أبي علي الحنفي عن همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس ﵁: (كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه).\nقال أبو داود: هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس ﵁ قال: (إن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من ورق ثم ألقاه) والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام].\nوهمام ثقة، ولكنه خالف الثقات.\nوأبو داود يرى أن ابن جريج دلس عن الزهري، وأنه أسقط زياد بن سعد.\nوقال آخرون: إنه جاء ما يتابعه ويؤيده، وأبو داود يقول: إن هذا إنما هو في إلقاء الخاتم.\nوجاء في حديث آخر: (أن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من ذهب؛ فاتخذ الناس خواتم من ذهب، ثم نزعه وألقاه) كان في أول الأمر التختم بالذهب مباحًا، ثم جاء النهي، فاتخذ النبي خاتمًا من ورق، يعني: من فضة، ثم ألقاه.\nقال الشارح: وقال السخاوي في فتح المغيث: وكذا قال النسائي: إنه غير محفوظ.\nانتهى.\nوهمام ثقة احتج به أهل الصحيح، ولكنه خالف الناس، ولم يوافق أبو داود على الحكم عليه بالنكارة؛ فقد قال موسى بن هارون: لا أدفع أن يكونا حديثين.\nومال إليه ابن حبان فصححهما معًا، ويشهد له أن ابن سعد أخرج بهذا السند: (أن أنسًا نقش بخاتمه: محمدًا رسول الله، قال: فكان إذا أراد الخلاء وضعه) لا سيما وهمام لم ينفرد به، بل تابعه عليه يحيى بن المتوكل عن ابن جريج.\nوصححه الحاكم على شرط الشيخين، ولكنه متعقب؛ فإنهما لم يخرجا لكل منهما على انفراده.\nوقول الترمذي: إنه حسن صحيح غريب فيه نظر.\nوبالجملة فقد قال شيخنا: إنه لا علة له عندي إلا تدليس ابن جريج؛ فإن وجد عنه التصريح بالسماع فلا مانع من الحكم بصحته في نقدي.\nانتهى.\nولم يذكر أنه صرح بالسماع، وعلى كل حال لا شك أنه ينبغي للإنسان ألا يدخل الخلاء بشيء فيه ذكر الله، سواء كان خاتمًا أو غيره ما أمكن، فإذا كان الخاتم فيه ذكر الله فإنه يخلع، إلا إذا كان يخشى عليه من الضياع، وكذلك إذا كان معه أوراق فيها ذكر الله لا يدخل بها، إلا إذا خاف عليها أن تضيع أو ينساها أو تؤخذ فيكون معذورًا في هذه الحالة، فلا بأس، وإلا فالأولى عدم دخول الخلاء بشيء فيه ذكر الله.\nوهذا الحديث قال عنه الدارقطني في كتاب العلل: رواه سعيد بن عامر وهدبة بن خالد عن همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس به، وخالفهم عمرو بن عاصم فرواه عن همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس: (أنه كان إذا دخل الخلاء نزع خاتمه) موقوفًا ولم يتابع عليه، ورواه يحيى بن المتوكل بن الضرير عن ابن جريج عن الزهري عن أنس نحو قول سعيد بن عامر ومن تابعه عن همام.\nورواه عبد الله بن حارث المخزومي وأبو عاصم وهشام بن سليمان وموسى بن طارق عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس: (أنه رأى في يد النبي ﷺ خاتمًا من ذهب، فاضطرب الناس الخواتيم، فرمى به النبي ﷺ وقال: لا ألبسه أبدًا) وهذا هو المحفوظ والصحيح عن ابن جريج.\nانتهى.\nوهو خاتم من الذهب، فنزعه وقال: (لا ألبسه أبدًا) وهذا بعد أن جاءه الوحي، وكان في أول الأمر مباحًا، وقد كان النبي ﷺ قد اتخذ خواتم من ذهب فاتخذ الناس خواتمًا من ذهب، ثم نزعه النبي فنزع الناس خواتيمهم، فاتخذ النبي ﷺ الخاتم لما جاءه الوحي من ورق، أي: من فضة.","vol":"2","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>الاستبراء من البول</span>","vol":"2","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>شرح حديث: (مر النبي على قبرين فقال إنهما يعذبان)</span>\nالملقي: [باب الاستبراء من البول.\nحدثنا زهير بن حرب وهناد بن السري قالا: حدثنا وكيع حدثنا الأعمش قال: سمعت مجاهدًا يحدث عن طاوس عن ابن عباس ﵄ قال (مر رسول الله ﷺ على قبرين فقال: إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أما هذا فكان لا يستنزه من البول، وأما هذا فكان يمشي بالنميمة، ثم دعا بعسيب رطب فشقه باثنين ثم غرس على هذا واحدًا، وعلى هذا واحدًا وقال: لعله يخفف عنها ما لم ييبسا).\nقال هناد: (يستتر) مكان (يستنزه)].\nوهذا الحديث أخرجه الشيخان، وفيه وجوب الاستنزاه والاستبراء من البول، ووجوب اجتناب النميمة، وفيه: أن عدم الاستبراء من البول والوقوع في النميمة من أسباب عذاب القبر.\nقوله: (لا يستنزه من البول) (ال) هنا عهدية، يعني: البول المعهود، وهو بول الآدمي كما جاء في اللفظ الآخر: (من بوله) واحتج بهذا بعض علماء الشافعية على أن بول ما يؤكل لحمه نجس، والصواب: أنه طاهر ليس بنجس، وأن المراد بالبول هنا البول المعهود وهو بول الآدمي، ويدل على هذا رواية: (من بوله)، فـ (أل) عوض عن (الهاء).\nوأما بول الإبل فهو طاهر، وكذلك الغنم والبقر وما يؤكل لحمه روثه وبوله طاهر، والدليل على هذا أن النبي ﷺ أمر العرنيين الذين استوخموا المدينة أن يلحقوا بإبل الصدقة، ويشربوا من أبوالها وألبانها، ولم يأمرهم بغسل أفواههم، ولم يقل: (اغسلوا أفواهكم لأنها نجسة، فدل هذا على أن أبوالها طاهرة، وإنما المراد هنا بالبول المعهود بول الآدمي.\nفينبغي للإنسان أن يستنزه ويستبرئ من البول.\nوكذلك يحذر النميمة؛ لأنهما من أسباب عذاب القبر.\nقال الشارح: (يستتر) مكان (يستنزه) كذا في أكثر الروايات بمثناتين من فوق الأولى مفتوحة والثانية مكسورة وفي رواية ابن عساكر (يستبرئ) بموحدة ساكنة من الاستبراء، فعلى رواية الأكثر معنى الاستتار: أنه لا يجعل بينه وبين بوله سترة، يعني: لا يتحفظ منه، فتوافق رواية (لا يستنزه)؛ لأنها من التنزه وهو الإبعاد.\nووقع عند أبي نعيم عن الأعمش: (كان لا يتوقى) وهي مفسرة للمراد.\nوأجراه بعضهم على ظاهره فقال: معناه لا يستر عورته، فقلت: لو حمل الاستتار على حقيقته للزم أن مجرد كشف العورة كان سبب العذاب المذكور.\nوسياق الحديث يدل على أن للبول بالنسبة لعذاب القبر خصوصية، ويؤيده ما أخرجه ابن خزيمة من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: (أكثر عذاب القبر من البول) أي: بسبب ترك التحرز منه، وعند أحمد وابن ماجة من حديث أبي بكرة: (أما أحدهما فيعذب في البول) ومثله للطبراني عن أنس.\nيعني: أنه ينبغي للإنسان أن يستبرئ من البول ويتوقى ويتحفظ ويتحرز من النجاسة.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ بمعناه قال: (كان لا يستتر من بوله) وقال أبو معاوية: (يستنزه)].\nقوله: (من بوله) هذه مفسرة لقوله: (كان لا يستنزه من البول) وأن المراد به بول الآدمي وليس بول الحيوانات.","vol":"2","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>شرح حديث: استتار رسول الله بدرقة في بوله</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن حسنة ﵁ قال: (انطلقت أنا وعمرو بن العاص ﵁ إلى النبي ﷺ، فخرج ومعه درقة، ثم استتر بها، ثم بال، فقلنا: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة، فسمع ذلك فقال: ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول منهم؛ فنهاهم فعذب في قبره) قال أبو داود: قال منصور عن أبي وائل عن أبي موسى ﵁ في هذا الحديث قال: (جلد أحدهم).\nوقال عاصم عن أبي وائل عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: (جسد أحدهم)].\nوهذا الحديث أخرجه النسائي وابن ماجة وأحمد.\nوهذا الحديث فيه أنهم أنكروا على النبي ﷺ كونه يستتر، وقد كان من عادة العرب أن الواحد منهم يبول قائمًا، وينكرون على من بال جالسًا ويقولون: هذا من خصائص النساء، ولذا قالوا: (انظروا إليه يبول كما تبول المرأة).\nوسيأتي أن البول قائمًا يجوز للحاجة وأن البول جالسًا هو الأفضل.\nففي هذا الحديث أن النبي استتر، فلما أنكروا عليه أنكر عليهم عليه الصلاة السلام، وبين لهم أن بني إسرائيل شدد عليهم في هذا، وكان الواحد منهم إذا أصابه البول يقرض مكان البول ولا يزيله بالغسل، فلما نهاهم إنسان عذب في قبره؛ لأنه نهاهم عن أمر واجب، فالنبي ﷺ أنكر عليهم وقال: كيف تنكرون علي استتاري من البول وصاحب بني إسرائيل لما أنكر عليهم عذب في قبره؟! فقد كان الواحد منهم إذا أصاب أحدهم البول قرض مكانه بالمقراض ولا يجزئه الغسل، وهذا من الآصار التي كانت عليهم، وأما في شريعتنا -والحمد لله- فإنه يطهره الغسل بالماء.","vol":"2","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>ما جاء في البول قائمًا</span>","vol":"2","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>شرح حديث: (أتى رسول الله سباطة قوم فبال قائمًا)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب البول قائمًا.\nحدثنا حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم قالا: حدثنا شعبة ح وحدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة -وهذا لفظ حفص عن سليمان عن أبي وائل عن حذيفة ﵁ قال: (أتى رسول الله ﷺ سباطة قوم فبال قائمًا، ثم دعا بماءٍ فمسح على خفيه).\nقال أبو داود: قال مسدد: فذهبت أتباعد فدعاني حتى كنت عند عقبه].\nهذا الحديث أخرجه الشيخان، وهو دليل على جواز البول قائمًا عند الحاجة إلى ذلك مع التستر والأمن من نظر أحد إلى عورة الرجل، وهو مباح عند الحاجة، ولكن الأفضل البول قاعدًا وهذا هو الأكثر من فعله ﷺ، ولهذا روت عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ ما كان يبول إلا قاعدًا)؛ لأنها علمت هذا من فعله في البيوت، وحذيفة رآه خارج البيوت، وحديثه مقدم على حديث عائشة؛ لأن عائشة قالت: (من حدثكم أن النبي ﷺ بال قائمًا فلا تصدقوه؛ ما كان رسول الله يبول إلا قاعدًا) وهذا على حسب علمها، وحديثه مقدم على حديث عائشة؛ لأن حذيفة مثبت وعائشة نافية؛ والمثبت مقدم على النافي.\nوالسباطة هي: القمامة التي يلقى فيها الكناسة وما أشبهها.\nفالنبي ﷺ بال قائمًا لحاجة دعت إلى ذلك؛ لأن المكان غير مناسب للجلوس، أو لأن الأرض صلبة ولا يأمن من ارتداد رشاش البول، أو لأن الأرض وسخة، والصواب أنه فعله للحاجة، وليس لمرض كما زعمه بعضهم، فقد قال بعضهم: إنه فعل هذا لوجع في مأبضه، وهو باطن الركبة، أو لوجع في صلبه، وهذا ليس بصحيح، والصواب: أنه فعله لبيان الجواز.\nوكان أهل هراة يرونه سنة، وكان أحدهم يبول قائمًا في السنة مرة، والصواب: أن الأفضل البول قاعدًا، لكن إذا دعت الحاجة للبول قائمًا فلا بأس مع التستر، ولهذا أمر النبي ﷺ حذيفة أن يدنو حتى يستره، وولاه ظهره، والقمامة تستره من الجهة الثانية، ويحتمل أن هناك جدارًا أيضًا من الجهة الأخرى.\nوفيه دليل على مشروعية مسح الخفين من الحدث الأصغر؛ لأن النبي مسح على خفيه، وحديث مسح الخفين من الأحاديث المتواترة رواه عن النبي ﷺ ما يقارب سبعين صحابيًا.","vol":"2","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>ما جاء في الرجل يبول بالليل في الإناء ثم يضعه عنده</span>","vol":"2","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>شرح حديث (كان للنبي قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه بالليل)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في الرجل يبول بالليل في الإناء ثم يضعه عنده.\nحدثنا محمد بن عيسى حدثنا حجاج عن ابن جريج عن حكيمة بنت أميمة بنت رقيقة عن أمها أنها قالت: (كان للنبي ﷺ قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه بالليل)].\nأميمة صحابية، لكن حكيمة مجهولة، وعلى هذا فالحديث ضعيف فلا يحتج به.\nلكن قد يخشى أن ينكفئ الإناء فيتنجس المحل، إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، كأن يكون الإنسان مريضًا أو كبير السن يشق عليه الخروج، وما أشبه ذلك؛ فإنه يضعه ثم يؤخذ ويوضع في مكانه، أما عند عدم الحاجة فلا ينبغي؛ لأن هذا الحديث ضعيف؛ فـ حكيمة هذه مجهولة، قال عنها في التقريب: لا تعرف، أي: مجهولة، وعلى هذا يكون الحديث ضعيفًا.","vol":"2","page":17},{"text":"شرح سنن أبي داود_<span data-type=\"title\" id=toc-40>كتاب الطهارة [٣]</span>\nجاء الإسلام بكل ما فيه منفعة المسلم، وحذر من كل ما يضر به، ومن ذلك ما يتعلق بآداب قضاء الحاجة، فنهى عن التخلي في الظل والطريق والموارد، ونهى عن التخلي في الخلاء دون سترة، ونهى كذلك عن استعمال اليمين عند التنزه، أو التنزه بالرجيع والعظم.","vol":"3","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>المواضع التي نهي عن البول فيها</span>","vol":"3","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>شرح حديث: (اتقوا اللاعنين)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب المواضع التي نهي عن البول فيها.\nحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اتقوا اللاعنين! قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟! قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم)].\nوهذا فيه تحريم التخلي في طريق الناس أو في ظلهم، والتخلي يعني: قضاء الحاجة من البول والغائط.\nوقوله: (اتقوا اللاعنين) يعني: اللذين يجلبان اللعن؛ لأن الناس عادة يلعنون من رأوه يفعل ذلك، فإذا رأوا من يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم لعنوه.\nفالمعنى: اتقوا ما يجلب لكم اللعن، وفي الحديث تحريم التخلي وقضاء الحاجة في طريق الناس أو في ظلهم؛ لما فيه من إفساد المحل على الناس بتنجيسه وإبعاد الناس وحرمانهم من مكان الظل والطريق الذي يمرون به.\nواللعن لا يجوز، ولكن هذا إخبار عن الواقع، فقد يقال: إن من آذى الناس يقتصون منه، ولكن المراد أن الناس عادة يلعنون من يفعل ذلك، هذا هو المراد.\nوالله أعلم.","vol":"3","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>شرح حديث: (اتقوا الملاعن الثلاثة)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا إسحاق بن سويد الرملي وعمر بن الخطاب أبو حفص وحديثه أتم أن سعيد بن الحكم حدثهم قال: أخبرنا نافع بن يزيد قال: حدثني حيوة بن شريح أن أبا سعيد الحميري حدثه عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل)].\nوهذا فيه تحريم قضاء الحاجة في هذه المواضع الثلاثة.\nوقوله: (اتقوا الملاعن الثلاثة) أي: التي تجلب اللعن.\nوقوله: (البراز في الموارد) يعني: طريق الناس إلى الماء، و(البراز) بفتح الباء يعني: قضاء الحاجة، أما (البراز) بكسر الباء الموحدة فتعني: المبارزة في الحرب.\nوقوله: (وقارعة الطريق) يعني: طريق الناس، سميت قارعة الطريق؛ لأنها تقرعها الأقدام، والمعنى: الطريق التي تقرعها الأقدام، وهذا من إضافة الصفة إلى الموصوف، يعني: الطريق التي تقرعها الأقدام.\nوقوله: (وفي ظل الناس) الظل الذي يستظل به الناس، مثل ظل الشجرة، وظل الجدار، ومثله المشمس في الشتاء، وهو المكان الذي يجلس فيه الناس في الشمس في الشتاء، لما فيه من إفساده عليهم وتنجيسه.\nوالملاعن الثلاثة يعني: التي يلعن الناس عادة من فعلها، والمراد: اتقوا ما يجلب اللعن.\nوكل هذه الأماكن لا يجوز للإنسان أن يقضي حاجته فيها؛ لما في ذلك من إفسادها على الناس وتنجيسها وإيذاء الناس.\nوالحديث أخرجه ابن ماجة والحاكم والبيهقي من طريق أبي سعيد الحميري عن معاذ به.\nوقال الحاكم: صحيح، ووافقه الذهبي، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب.\nوأبو سعيد الحميري لم يدرك معاذًا قال عنه ابن حجر في التقريب: مجهول من الثالثة، وروايته عن معاذ مرسلة.\nيقول أبو داود: وهذا الحديث مرسل.\nأي: منقطع، وهذا استعمال مشهور في كلام المتقدمين ويرد كثيرًا في كلام أبي داود.\nوالمشهور أن المرسل هو ما سقط منه الصحابي.\nولكن المعنى الذي دل عليه الحديث صحيح، ويستدل له بقوله في الحديث السابق (الذي يتخلى في طريق الناس وظلهم) فذكر الطريق والظل، والموارد كذلك هي في معناها.\nهو الظل الذي ينتفع به الناس، أما الظل الذي لا ينتفع به الناس كأن يكون في البرية فلا يدخله التحريم.","vol":"3","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>ما جاء في البول في المستحم</span>","vol":"3","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>شرح حديث: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في البول في المستحم.\nحدثنا أحمد بن محمد بن حنبل والحسن بن علي قالا: حدثنا عبد الرزاق قال أحمد: حدثنا معمر أخبرني أشعث وقال الحسن: عن أشعث بن عبد الله عن الحسن عن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه).\nقال أحمد: (ثم يتوضأ فيه؛ فإن عامة الوسواس منه)].\nوهذا في رواية أبي داود عن أحمد بن حنبل، فإن من شيوخه الإمام أحمد بن حنبل، وفي الحديث النهي عن البول في المستحم، يعني: مكان الاستحمام، ثم يتوضأ أو يغتسل منه؛ فإن عامة الوسواس منه؛ لأنه قد يصب الماء على البول فيصيبه من رشاشه أو يقع في قلبه شيء، وهذا إذا كانت الأرض لينة يبقى فيها البول، أما إذا كانت الأرض صلبة مبلطة يصب عليها الماء أو كان له طريق ينفذ منه كالبالوعة وما أشبهها، فهذا لا محذور فيه.\nلكن الحديث فيه الحسن عن عبد الله بن مغفل لا أدري هل أدرك الحسن عبد الله بن المغفل؟! والحسن بن أبي الحسن البصري -واسم أبيه يسار - الأنصاري مولاهم، ثقة فقيه فاضل مشهور، وكان يرسل كثيرًا ويدلس.\nقال البزار: كان يروي عن جماعة لم يسمع منهم، فيتجوز ويقول: حدثنا وخطبنا -يعني: قومه الذين حدثوا وخطبوا بالبصرة- هو رأس أهل الطبقة الثالثة، مات سنة مائة وعشرة هجرية.\nوعبد الله بن مغفل مات سنة خمس وسبعون هجرية، وعلى هذا تكون ولادة الحسن سنة عشرين هجرية، فيكون عمره عند وفاة عبد الله بن مغفل سبعًا وثلاثين سنة.\nلكن الحسن يدلس ويرسل، والأصل في كلامه السلامة إلا إذا وجد ما يستنكر منه، ويشهد له الرواية الأخرى.","vol":"3","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>شرح حديث: (نهى رسول الله أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير عن داود بن عبد الله عن حميد الحميري -وهو: ابن عبد الرحمن - قال: (لقيت رجلًا صحب النبي ﷺ كما صحبه أبو هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله)].\nوهذا الحديث أخرجه النسائي وأحمد في مسنده.\nوالنهي عن الامتشاط كل يوم إنما هو لما فيه من الترفة والتنعم، وينبغي أن يكون الامتشاط يومًا بعد يوم، ويكون هذا النهي للتنزيه، والبول في المستحم يحمل النهي عنه على ما إذا كانت الأرض لينة، أما إذا كانت الأرض صلبة يزول عنها البول ويمكن أن يعقبه الماء فلا محذور فيه، كما سبق، ويشهد عليه الحديث السابق.","vol":"3","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>النهي عن البول في الجحر</span>","vol":"3","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>شرح حديث النهي عن البول في الجحر</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن البول في الجحر.\nحدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي عن قتادة عن عبد الله بن سرجس: (أن النبي ﷺ نهى أن يبال في الجحر).\nقال: قالوا لـ قتادة: ما يكره من البول في الجحر؟ قال: كان يقال: إنها مساكن الجن].\nوهذا الحديث في سنده قتادة وهو يدلس، ولكن الأصل السلامة، وفي هذا الحديث النهي عن البول في الجحر؛ وعلل ذلك: بأنها مساكن الجن والهوام والحشرات فقد يخرج عليه شيء من الهوام والحشرات فيؤذيه، وقد تكون مساكن للجن فيتضرر من ذلك، لهذا لا ينبغي للإنسان أن يبول في الجحر، والجحر هو: الشق في الأرض.\nوقصة سعد بن عبادة مشهورة في ذلك، فقد جاء أنه بال في جحر فمات، فسمع قائل يقول: نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ورميناه بسهمين فلم نخطئ فؤاده وهذه القصة مشهورة، لكنها تحتاج إلى نظر في إسنادها.\nفالمقصود: أنه ينبغي للإنسان ألا يبول في الجحر؛ لما يخشى عليه من الضرر.","vol":"3","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>ما يقول الرجل إذا خرج من الخلاء</span>","vol":"3","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>شرح حديث: (كان إذا خرج من الغائط قال غفرانك)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما يقول الرجل إذا خرج من الخلاء.\nحدثنا عمرو بن محمد الناقد حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة عن أبيه حدثتني عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان إذا خرج من الغائط قال: غفرانك)].\nقوله: (غفرانك) أي: رب أسألك غفرانك.\nوالحكمة في سؤاله المغفرة قيل: لتقصيره في الذكر حال قضاء الحاجة؛ لأنه ممنوع من الذكر في ذلك الوقت، فسأل ربه المغفرة على هذا التقصير.\nوقيل: المعنى: أسألك غفرانك من التقصير في شكر النعمة، حيث إن الله أنعم على الإنسان بنعمة الطعام، وأبقى فيه لذته، وأخرج منه الفضلة بسهولة، وكأنه يقول: يا ألله! أنا عاجز عن شكرك، فأسألك غفرانك على التقصير في شكر النعمة التي أنعمت بها علي، وسهلت خروج الخارج.\nوهذا الحديث أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة، وأخرجه أيضًا ابن ماجة والدارمي وأحمد وابن خزيمة والنسائي في (عمل اليوم والليلة) والحاكم وقال: صحيح، ووافقه الذهبي، وقال النووي في شرح المهذب: وهو حديث حسن صحيح، وغرابته لانفراد إسرائيل به، وإسرائيل ثقة حجة.\nوهناك زيادة عند ابن ماجة: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني)، وهذه الزيادة ضعيفة، وأما حديث: (غفرانك)، فصحيح.","vol":"3","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>كراهية مس الذكر باليمين في الاستبراء</span>","vol":"3","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>شرح حديث: (إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب كراهية مس الذكر باليمين في الاستبراء.\nحدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل قالا: حدثنا أبان حدثنا يحيى عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه، وإذا أتى الخلاء فلا يتمسح بيمينه، وإذا شرب فلا يشرب نفسًا واحدًا)].\nهذا الحديث ثابت في الصحيحين وغيرهما، وفيه تحريم هذه الأشياء الثلاثة: مس الذكر باليمين حال البول، والتمسح من الخلاء بيمينه، أي: الاستجمار والاستنجاء باليمين؛ لأنه قد تصيبه النجاسة إذا مس ذكره بيمينه، واليمين إنما تكون للتكريم.\nقوله: (وإذا شرب فلا يشرب نفسًا واحدًا) معناه: أن يزيل القدح عن فمه.\nوالنهي عن الأمرين الأولين في هذا الحديث للتحريم، وهو ثابت في الصحيحين، وقد حمل جمهور العلماء النهي عن الشرب نفسًا واحدًا على التنزيه، لكن النبي ﷺ جمع هذه الأمور الثلاثة وحكم عليها حكمًا واحدًا، والأصل في النهي أنه للتحريم، ولا يصرف عن ذلك إلا بصارف.\nقال الشارح: والأفعال الثلاثة إما مجزومة على النهي، أو مرفوعة على النفي.\nوالمؤلف ﵀ بوب على ذلك فقال: باب كراهة مس الذكر باليمين في الاستبراء، والمراد بالكراهة كراهة التحريم، فهذا هو الذي يظهر، ولكن المؤلف لم يجزم، فحمله بعضهم على التنزيه، والصواب أن النهي يحمل على التحريم.\nإلا إذا ورد صارف يصرفه من التحريم إلى الكراهة مثل أن يثبت أن النبي نهى عن شيء ثم فعله فهنا يكون النهي للتنزيه، وذلك كما نهى عن الشرب قائمًا ثم شرب قائمًا.","vol":"3","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>شرح حديث: (أن النبي كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن آدم بن سليمان المصيصي أخبرنا ابن أبي زائدة أخبرنا أبو أيوب -يعني: الإفريقي - عن عاصم عن المسيب بن رافع ومعبد عن حارثة بن وهب الخزاعي ﵁ قال: حدثتني حفصة ﵂ زوج النبي ﷺ: (أن النبي ﷺ كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه ويجعل شماله لما سوى ذلك)].\nوهذا الأمر ثابت كما في حديث عائشة: (كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله)، فاليمين تكون للأمور التي فيها التكريم، كالأخذ والإعطاء والسلام والأكل والشرب، والشمال لما سوى ذلك.","vol":"3","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>شرح حديث: (كانت يد رسول الله اليمنى لطهوره وطعامه)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع أخبرنا عيسى بن يونس عن ابن أبي عروبة عن أبي معشر عن إبراهيم عن عائشة ﵂ قالت: (كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى)].\nهذا الحديث منقطع؛ لأن إبراهيم لم يدرك عائشة، لكن يشهد له الحديث السابق، ويشهد له حديث عائشة في الصحيحين: (كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله)، وهو من رواية مسروق عن عائشة.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن حاتم بن بزيع حدثنا عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد عن أبي معشر عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ بمعناه].\nوالحديث الثاني في الباب أخرجه أحمد والحاكم في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وتعقبه الذهبي بقوله: في سنده مجهول.\nوقال المنذري: في إسناده أبو أيوب الإفريقي وعبد الله بن علي وفيه مقال.\nوالحديث الذي بعده أخرجه أحمد والبيهقي والبغوي في السنة، وأورده ابن حجر في (تلخيص الحبير) ونسبه إلى الطبراني.\nقال المنذري: إبراهيم لم يسمع من عائشة فهو منقطع، وأخرجه من حديث الأسود عن عائشة ﵂ بمعناه، وأخرجه في اللباس من حديث مسروق عن عائشة ﵂، ومن ذلك الوجه أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة.\nانتهى كلامه.\nقلت: وفي الصحيحين من حديث مسروق عن عائشة: (أن النبي كان يعجبه التيمن في تنعله) يعني: في لبس النعل، (وترجله) يعني: ترجيل الشعر، (وطهوره وفي شأنه كله)، والحديثان السابقان وإن كان في كل منهما مقال إلا أنه يشهد لهما حديث عائشة، وهو يدل على أنه يشرع للمسلم أن يقدم اليمين في الأمور التي فيها تكريم مثل: دخول المسجد، ولبس الثوب والنعل والأخذ والإعطاء والسلام والأكل، فكل ذلك تقدم فيه اليمين، واليسار للعكس من ذلك: للخروج من المسجد والاستنجاء والامتخاط وما أشبه ذلك.","vol":"3","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>ما جاء في الاستتار في الخلاء</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الاستتار في الخلاء: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي أخبرنا عيسى بن يونس عن ثور عن الحصين الحبراني عن أبي سعيد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج، ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج، ومن أكل فما تخلل فليلفظ، وما لاك بلسانه فليبتلع، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج، ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبًا من رمل فليستدبره فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج).\nقال أبو داود: رواه أبو عاصم عن ثور، قال: حصين الحميري ورواه عبد الملك بن الصباح عن ثور فقال: أبو سعيد الخير.\nقال أبو داود: أبو سعيد الخير من أصحاب النبي ﷺ].\nهذا الحديث فيه هذه الأوامر وهي قوله: (من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج) فالاكتحال سنة مستحبة ويستحب أن يوتر بأن يكتحل في كل عين ميلًا أو ثلاثة أميال، وهذا من باب الاستحباب، وكذلك: (من استجمر فليوتر) وهذا من باب الاستحباب، وإلا فلو لم يوتر فلا حرج، لكن لا بد من ثلاثة أحجار فأكثر إذا كان يريد أن يكتفي بها عن الماء، وكذلك: (من أكل فما تخلل فليلفظ وما لاك بلسانه فليبتلع) هذا من باب الاستحباب أيضًا، (ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبًا من رمل فليستدبره) فالاستتار واجب (فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج) وهذا فيه نظر؛ ولهذا فإن هذا الحديث في سنده أبو سعيد وهو مجهول.\nقال أبو داود: [أبو سعيد الخير من أصحاب النبي ﷺ] وغرض المؤلف من إيراد هذه الجملة: أن في رواية إبراهيم بن موسى أبا سعيد بغير إضافة لفظ الخير لا يعد في الصحابة، بل هو مجهول، وإنما يعد في الصحابة أبو سعيد الخير، قال المنذري: وأخرجه ابن ماجة في إسناده أبو سعيد الخير حمصي، فهو الذي رواه عن أبي هريرة، قال أبو زرعة الرازي: لا أعرفه، قلت: لقي أبا هريرة؟ قال: على هذا يرضى.\nانتهى.\nوهذا الحديث فيه نكارة وهي قوله: (من فعل أحسن ومن لا فلا حرج) يدل على أنه إذا لم يستتر فلا حرج، وهذا فيه نكارة، ومر في سنن ابن ماجة أنه منكر وفيه الحصين الحبراني، قال ابن حجر حسين الحميري ثم الحبراني بضم المهملة وسكون الموحدة مجهول، وعلى هذا يكون الحديث ضعيفًا، بسبب جهالة أبي سعيد وهذه اللفظة فيها نكارة، قوله: (من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج) يدل على أنه إذا لم يستتر فلا حرج عليه، والاستتار في الخلاء واجب، أما هذا الحديث: (فمن فعل فقد أحسن) فهذه اللفظة غير صحيحة، والحديث في سنده هذا المجهول فيكون ضعيفًا؛ لأن النصوص دلت على أن الاستتار واجب، فلا بد أن يستتر.","vol":"3","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>ذكر ما جاء فيما ينهى عنه أن يستنجى به</span>","vol":"3","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>شرح حديث رويفع في النهي عن الاستنجاء بالرجيع والعظم</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما ينهى عنه أن يستنجى به.\nحدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني حدثنا المفضل -يعني: ابن فضالة المصري - عن عياش بن عباس القتباني أن شييم بن بيتان أخبره عن شيبان القتباني أن مسلمة بن مخلد استعمل رويفع بن ثابت على أسفل الأرض، قال شيبان: فسرنا معه من كوم شريك إلى علقماء أو من علقماء إلى كوم شريك يريد علقام فقال رويفع: إن كان أحدنا في زمان رسول الله ﷺ ليأخذ نضو أخيه على أن له النصف مما يغنم ولنا النصف، وإن كان أحدنا ليطير له النصل والريش وللآخر القدح، ثم قال: قال لي رسول الله ﷺ: (يا رويفع لعل الحياة ستطول بك بعدي، فأخبر الناس أنه من عقد لحيته أو تقلد وترًا أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدًا ﷺ منه بريء)].\nوهذا الحديث رواه الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتاب التوحيد: باب الرقى والتمائم، والشاهد: قوله: (أخبر الناس أنه من عقد لحيته أو تقلد وترًا) وهذا الحديث فيه أن مسلمة بن مخلد استعمل رويفعًا على الأرض، وأن رويفعًا قال له: كان الواحد منا في زمن النبي ﷺ يأخذ نضو أخيه يعني: البعير المهزول على أن له من مثل ما يغنم، وهذه شركة، وله النصف، يعني: أحدهما منه العمل، والثاني منه الدابة، وهذا يشبه المضاربة، يعطيه بعيره ويغنم عليه ويكون النصف بينهما، وإن كان أحدنا ليطير له النصل والريش وللآخر القدح من خشب السهم قبل أن يراش ويركب فيه النصل ثم قال: قال لي رسول الله: (يا رويفع لعل الحياة ستطول بك بعدي)، وهذا فيه علم من أعلام النبوة، فالحياة قد طالت بـ رويفع.\nوقوله: (فأخبر الناس أن من عقد لحيته) على طريقة الأعاجم يتركونها تتجعد تكبرًا أو خيلاء، وكانوا في وقت الجاهلية في الحروب يعقدون لحاهم، وهذا من زي الأعاجم حيث كانوا يرسلونها ويعقدونها، وقيل المعنى: أنهم يعالجون الشعر ليتعقد ويتجعد، ويكون من فعل أهل التخنث والتأنيث، فنهي عنه، وعقد اللحى على وجهين: إما أنهم يعقدون لحاهم ويفتلونها تشبهًا بالأعاجم، أو يعالجون الشعر بحيث يتجعد ويتعقد تشبهًا بأهل التخنث والتأنيث.\nفمن فعل ذلك فقد ارتكب كبيرة، (من عقد لحيته أو تقلد وترًا) الوتر هو: ما يقلد الدواب لقصد دفع العين كالتميمة، أما إذا قلده لأجل الزينة والجمال فلا يدخل في هذا.\nقال: (أو استنجى برجيع دابة) وهذا هو الشاهد، واستنجى يعني: استجمر (برجيع الدابة) يعني: بعر الدابة البقر أو الغنم (أو عظم، فإن محمدًا بريء منه) لأنه أفسده على الجن؛ لأن العظام يعود إليها لحمها الذي أكل منها، والرجيع يعود إليه حبه الذي أكل، والشاهد من الحديث تحريم الاستنجاء بالعظام والروث.\nقال: [حدثنا يزيد بن خالد حدثنا مفضل عن عياش أن شييم بن بيتان أخبره بهذا الحديث أيضًا عن أبي سالم الجيشاني عن عبد الله بن عمرو يذكر ذلك وهو معه مرابط بحصن باب أليون.\nقال أبو داود: حصن أليون على جبل بالفسطاط، قال أبو داود: وهو شيبان بن أمية يكنى أبا حذيفة.","vol":"3","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>شرح حديث جابر في النهي عن التمسح بالعظم والبعر</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، حدثنا روح بن عبادة حدثنا زكريا بن إسحاق حدثنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يقول: (نهانا رسول الله ﷺ أن نتمسح بعظم أو بعر)].\nوهذا أيضًا فيه النهي عن التمسح يعني: الاستجمار بعظم أو بعر، لما في ذلك من إفسادها على الجن، فالعظم لأنه يعود إليه لحمه الذي أكل فيفسده على الجن إذا استجمر به، والبعر يفسده على دواب الجن؛ لأنه يعود إليه حبه الذي أكل، والحديث أخرجه مسلم في الطهارة، وفيه تحريم الاستجمار بالعظم والبعر؛ لأن النهي يفيد التحريم.","vol":"3","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>شرح حديث طلب الجن من رسول الله أن ينهر أمته عن أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حممة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا حيوة بن شريح الحمصي حدثنا ابن عياش عن يحيى بن أبي عمرو السيباني عن عبد الله بن الديلمي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (قدم وفد الجن على النبي ﷺ فقالوا: يا محمد! انهَ أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حُمَمَة، فإن الله ﷿ جعل لنا فيها رزقًا، قال: فنهى النبي ﷺ عن ذلك)].\nوالسيباني هذا بالسين المهملة، كأن فيه سقط وتحريف، والحديث في إسناده إسماعيل بن عياش فيه مقال، في روايته عن الحجازيين، وإنما روايته تكون صحيحة إذا كانت عن الشاميين، وأذكر أن فيه سقطًا وتحريفًا، ففي السند عبد الله بن الديلمي عن عبد الله بن مسعود وفيه -لو صح- دليل على النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث، فالحديث السابق حديث رويفع كما سبق علم من أعلام النبوة، حيث طال عمر رويفع قال: (إن الحياة ستطول بك) وفيه أن تقليد الحيوان الوتر من العين من الكبائر، وكذا الاستجمار بالعظم والروث لقوله: (فإن محمدًا بريء منه) فإذا جاء في فعل أن النبي برئ منه -كحديث أن النبي ﷺ برئ من الحالقة والصالقة- فهو دليلٌ على أنه من كبائر الذنوب، فيكون تقليد الحيوان الوتر من العين من الكبائر، وكذا الاستجمار بالعظم والروث من الكبائر؛ لأن النبي ﷺ تبرأ ممن فعل ذلك فدل على أنه من الكبائر.","vol":"3","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>ما جاء في الاستنجاء بالأحجار</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الاستنجاء بالأحجار.\nحدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد قالا: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم عن مسلم بن قرط عن عروة عن عائشة قالت: إن رسول الله ﷺ قال: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن فإنها تجزئ عنه)].\nوهذا أخرجه النسائي في الطهارة والدارقطني وفيه: أنه ينبغي للإنسان أن يستجمر بثلاثة أحجار، فإنها تجزئ عن الماء، إذا لم يتجاوز الخارج موضع العادة وكانت الثلاثة منقية فإنها تكفي عن الماء.\nقال: [حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن عمرو بن خزيمة عن عمارة بن خزيمة عن خزيمة بن ثابت قال: (سئل النبي ﷺ عن الاستطابة فقال: بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع).\nقال أبو داود: وكذا رواه أبو أسامة وابن نمير عن هشام].\nقوله: عن هشام يعني: ابن عروة وهذا أخرجه ابن ماجة في الطهارة، وفيه أن الاستطابة تكون بثلاثة أحجار إذا أراد أن يكتفي بها (ليس فيها رجيع) وهو روث الدابة، وكذلك العظم.","vol":"3","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>ما جاء في الاستبراء من البول</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في الاستبراء.\nحدثنا قتيبة بن سعيد وخلف بن هشام المقرئ قالا: أخبرنا عبد الله بن يحيى التوأم ح وأخبرنا عمرو بن عون قال: أخبرنا أبو يعقوب التوأم عن عبد الله بن أبي مليكة عن أمه عن عائشة قالت: (بال رسول الله ﷺ فقام عمر خلفه بكوز من ماء فقال: ما هذا يا عمر؟ فقال: هذا ماء تتوضأ به، قال: ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ ولو فعلت لكانت سنة)].\nوهذا أخرجه ابن ماجة، والحديث في سنده عبد الله بن يحيى التوأم، ضعيف والكوز: ما له عروة من الأواني، قوله: في الاستبراء، أي: الاستنقاء من البول، والاستبراء: هو أن يمكث حتى يستنقي من البول، أما ما جاء عن بعض الفقهاء أو جاء في بعض الحديث أن ينتر ذكره فهذا ضعيف.\nوفي هذا الحديث قوله: (ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ ولو فعلت لكانت سنة) ويعارضه حديث بلال: أن النبي ﷺ سمع خشخشته أمامه في الجنة، فسأله فقال: كلما توضأت صليت ركعتين، لكن قد يقال: إن هذا فيمن توضأ وصلى ركعتين، لكن لو توضأ كلما قضى حاجته فهو حسن، وإن تيسر له وصلى ركعتين فهو حسن.","vol":"3","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>ما جاء في الاستنجاء بالماء</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في الاستنجاء بالماء.\nحدثنا وهب بن بقية عن خالد -يعني الواسطي - عن خالد -يعني: الحذاء - عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس بن مالك: (أن رسول الله ﷺ دخل حائطًا ومعه غلام معه ميضأة وهو أصغرنا فوضعها عند السدرة فقضى حاجته فخرج علينا وقد استنجى بالماء)].\nهذا الحديث فيه مشروعية الاستنجاء بالماء، والحديث أخرجه الشيخان، وفيه أن النبي ﷺ استنجى بالماء، والاستنجاء بالماء أبلغ من الاستجمار بالحجارة، فإذا استجمر بالحجارة واكتفى بها وكانت ثلاثة فأكثر منقية ولم يتجاوز الخارج موضع العادة كفى، والاستنجاء بالماء أفضل؛ لأنه أكمل في النقاء، والميضأة: المطهرة.\nقال: [حدثنا محمد بن العلاء قال: أخبرنا معاوية بن هشام، عن يونس بن الحارث، عن إبراهيم بن أبي ميمونة عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (نزلت هذه الآية في أهل قباء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة:١٠٨] قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية)].\nوهذ الحديث أخرجه الترمذي في الطهارة وابن ماجة في الطهارة، وهو حديث ضعيف، فيه إبراهيم بن أبي ميمونة مجهول، وعلى هذا فلا يصح أن نزلت فيهم هذه الآية فتكون الآية عامة، فقوله: نزلت في أهل قباء هذا ضعيف، لكن الاستنجاء بالماء لا شك أنه أنقى من الاستجمار بالحجارة.","vol":"3","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>ما جاء من أن الرجل يدلك يده بالأرض إذا استنجى</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الرجل يدلك يده بالأرض إذا استنجى.\nحدثنا إبراهيم بن خالد حدثنا أسود بن عامر حدثنا شريك وهذا لفظه، ح وحدثنا محمد بن عبد الله -يعني: المخرمي - حدثنا وكيع عن شريك عن إبراهيم بن جرير عن المغيرة عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: (كان النبي ﷺ إذا أتى الخلاء أتيته بماء في تور، أو ركوة فاستنجى ثم مسح يده على الأرض، ثم أتيته بإناء آخر فتوضأ)، قال أبو داود: في حديث وكيع: (ثم مسح يده على الأرض، ثم أتيته بإناء آخر فتوضأ) قال أبو داود: وحديث الأسود بن عامر أتم].\nوهذا الحديث فيه شريك صدوق يخطئ كثيرًا، وفيه إبراهيم بن جرير قال عنه: صدوق، إلا أنه لم يسمع من أبيه، وقد روى عنه بالعنعنة، وجاءت روايته بصريح التحديث لكن الحديث فيه ضعف في الدلك في الأرض، لكن الدلك ثابت من حديث عائشة في الصحيح: (أن النبي كان إذا استنجى ضرب بيده الحائط مرتين أو ثلاثًا).\nقال في الشرح: لم يذكر في جميع الأسانيد المغيرة، إنما هو عن إبراهيم بن جرير عن أبي زرعة.\nفيكون الحديث منقطعًا، وعلى ذلك يكون ضعيفًا.","vol":"3","page":24},{"text":"شرح سنن أبي داود_<span data-type=\"title\" id=toc-64>كتاب الطهارة [٤]</span>\nدين الإسلام هو دين النظافة، فلم يترك بابًا فيه دعوة إلى نظافة المسلم في نفسه إلا وحثه عليه، ومن ذلك الحض على السواك في سائر الأوقات وعلى وجه الخصوص عند القيام من النوم ودخول البيت وعند الوضوء.","vol":"4","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>ما جاء في السواك</span>","vol":"4","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>شرح حديث: (لولا أن أشق على المؤمنين لأمرتهم بتأخير العشاء)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: السواك.\nحدثنا قتيبة بن سعيد عن سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ يرفعه قال: (لولا أن أشق على المؤمنين لأمرتهم بتأخير العشاء وبالسواك عند كل صلاة)].\nقوله ﷺ: (لولا أن أشق على المؤمنين) الأمر بالسواك على الاستحباب، ويندب عند كل صلاة وعند الوضوء، وعند دخول البيت، وعند تغير الفم.\nوللسواك فوائد عظيمة، حتى أوصلها بعض العلماء إلى أكثر من مائة فائدة، ومنها: أن المواظب عليه يذكر الشهادة عند الموت، وفي الحديث: (السواك مطهرة للفهم مرضاة للرب).\nوالحديث أخرجه البخاري وليس فيه تأخير العشاء، ومسلم مقتصرًا على السواك.\nوتأخير العشاء ثبت في حديث مستقل في الصحيحين وهو: (أن النبي ﷺ أخر العشاء يومًا حتى ذهب ثلث الليل أو نصف الليل، فجاء عمر فقال: يا رسول الله، نام النساء والصبيان، قال: إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي).","vol":"4","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>شرح حديث: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا عيسى بن يونس أخبرنا محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن زيد بن خالد الجهني قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، قال أبو سلمة: فرأيت زيدًا يجلس في المسجد وإن السواك من أذنه موضع القلم من أذن الكاتب، فكلما قام إلى الصلاة استاك)].\nكما سبق الحديث ثابت، وهذا الحديث فيه عنعنة محمد بن إسحاق وهو ثقة.","vol":"4","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>شرح حديث أمر الله رسوله بالوضوء لكل صلاة طاهرًا وغير طاهر</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عوف الطائي حدثنا أحمد بن خالد قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عبد الله بن عبد الله بن عمر قال: قلت: (أرأيت توضؤ ابن عمر لكل صلاة طاهرًا وغير طاهر عم ذاك؟ فقال: حدثتنيه أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر حدثها أن رسول الله ﷺ أُمر بالوضوء لكل صلاة طاهرًا وغير طاهر، فلما شق ذلك عليه أُمر بالسواك لكل صلاة، فكان ابن عمر يرى أن به قوة، فكان لا يدع الوضوء لكل صلاة).\nقال أبو داود: إبراهيم بن سعد رواه عن محمد بن إسحاق، قال عبيد الله بن عبد الله].\nالوضوء عند كل صلاة مستحب وليس بواجب.\nوالحديث أخرجه الدارمي وأحمد وابن خزيمة والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\nقوله: (قال: قلت: أرأيت توضؤ ابن عمر لكل صلاة طاهرًا وغير طاهر عمَّ ذاك؟ فقال: حدثتنيه أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر حدثها: أن رسول الله ﷺ أُمر بالوضوء لكل صلاة طاهرًا وغير طاهر، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك لكل صلاة، فكان ابن عمر يرى أن به قوة فكان لا يدع الوضوء لكل صلاة).\nيعني: أُمِرَ أَمْرَ استحباب، وقد ثبت أن النبي ﷺ في يوم الفتح صلى خمس صلوات بوضوء واحد، وقيل: ست صلوات، فسأله عمر، قال: (عمدًا فعلته يا عمر).\nقوله: (أُمر) بضم الهمزة على البناء للمجهول.\nقوله: (فلما شق ذلك عليه) أي: شق الوضوء لكل صلاة على النبي ﷺ، وهذا الأمر يحتمل كونه خاصًا به ﷺ أو شاملًا لأمته، وهو يحتمل كونه شاملًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة:٦] بأن تكون الآية على ظاهرها.\nوهكذا فهم علي ﵁ من هذه الآية، فقد أخرج الدارمي في مسنده قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا شعبة حدثنا مسعود بن علي عن عكرمة (أن سعدًا كان يصلي الصلاة كلها بوضوء واحد، وأن عليًا كان يتوضأ لكل صلاة).\nوهو مثل ما سبق فيه عنعنة محمد بن إسحاق، لكن إن صح الحديث فإنه يحمل على أن الأمر أمر استحباب، أو أن الأمر كان أولًا ثم بعد ذلك نسخ الوجوب وبقي الاستحباب؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ في يوم الفتح صلى خمس صلوات بوضوء واحد، ولما سأله عمر قال: (عمدًا فعلته يا عمر)، وكقوله ﵊ في الحديث السابق: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك) يعني: لأمرتهم أمر إيجاب، وهو قد أمرهم أمر ندب واستحباب.\nيقول الخطابي: يحتج بهذا الحديث من يرى أن المتيمم لا يجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد، وأن عليه أن يتيمم لكل صلاة فريضة.\nقال: وذلك لأن الطهارة بالماء كانت مفروضة عليه لكل صلاة، وكان معلومًا أن حكم التيمم الذي جعل بدلًا عنها مثلها في الوجوب، فلما وقع التخفيف بالعفو عن الأصل ولم يذكر سقوط التيمم كان باقيًا على حكمه الأول، وهو قول علي بن أبي طالب وابن عمر ﵄ والنخعي وقتادة، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، فإن سئل على هذا فقيل: فهلا كان التيمم تبعًا له في السقوط كهو في الوجوب؟ قيل: الأصل أن الشيء إذا ثبت وصار شرعًا لم يزل عن محله إلا بيقين نسخ، وليس مع من أسقطه إلا معنى يحتمل ما ادعاه ويحتمل غيره.","vol":"4","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>ما جاء في كيفية الاستياك</span>","vol":"4","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>شرح حديث: (أتينا رسول الله نستحمله فرأيته يستاك على لسانه)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب كيف يستاك.\nحدثنا مسدد وسليمان بن داود العتكي قالا: حدثنا حماد بن زيد عن غيلان بن جرير عن أبي بردة عن أبيه، قال مسدد: قال: (أتينا رسول الله ﷺ نستحمله فرأيته يستاك على لسانه، وقال سليمان: قال: دخلت على النبي ﷺ وهو يستاك وقد وضع السواك على طرف لسانه وهو يقول: أه أه، يعني: يتهوع).\nقال أبو داود: قال مسدد: كان حديثًا طويلًا ولكني اختصرته].\nهذا حديث أبي موسى الأشعري ﵁ وفيه أنه جاء مع نفر من الأشعريين يستحملون النبي ﷺ، يعني: يطلبونه أن يحملهم وأن يعطيهم راحلة للجهاد، فحلف ألا يحملهم قال لهم: (ليس عندي شيء أحملكم والله لا أحملكم، ثم أتي النبي ﷺ بذود من الإبل من الغنيمة فقال: أين النفر الأشعريون؟ فجاءوا فأعطاهم، فلما ذهبوا قالوا: تغفلنا رسول الله ﷺ يمينه، قد حلف ألا يعطينا وقد حملنا والله لا نفلح أبدًا، فرجعنا إليه فقلنا: يا رسول الله، إنك حلفت ألا تحملنا ثم حملتنا، فقال: إني لست أنا حملتكم ولكن الله حملكم، قال: وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير).\nوفي هذا الحديث أنه رآه يستاك على طرف لسانه، فيكون الأفضل إذا استاك على اللسان أن يستاك طولًا وفي الأسنان عرضًا؛ لأنه إذا استاك بأسنانه طولًا قد يجرح اللثة، وإذا استاك عرضًا يكون هذا أسلم.\nوالحديث متفق عليه.","vol":"4","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>حكم الرجل يستاك بسواك غيره</span>","vol":"4","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>شرح حديث: (كان رسول الله يستن وعنده رجلان)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في الرجل يستاك بسواك غيره.\nحدثنا محمد بن عيسى أخبرنا عنبسة بن عبد الواحد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يستن وعنده رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فأوحى الله إليه في فضل السواك أن كبر، أعط السواك أكبرهما)].\nهذا فيه تقديم الأكبر في السواك، وفيه فضل السواك، فالداخل الذي معه طعام أو شراب أو سواك يعطي الأكبر ثم الأكبر وقيل: من على يمينه؛ لما ثبت في الصحيح: (أن النبي ﷺ كان جالسًا وعن يمينه ابن عباس وعن يساره أشياخ، فأتي بشراب لبن فقال النبي ﷺ للغلام وهو ابن عباس: أتأذن أن أعطي الأشياخ وكانوا عن يساره، قال: لا والله يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحدًا، فتله النبي ﷺ في يده).\nأيضًا في الكلام يقدم الأكبر كما في قصة عبد الرحمن بن سهل لما قتل أخوه وجاء معه ابنا عمه وأراد الأصغر منهما أن يتكلم، فقال النبي ﷺ: (كبر كبر).\nوفي السواك إذا أراد أن يدفعه إلى أحد يعطيه الأكبر، وكذلك الطعام والشراب يعطيه الأكبر، ثم إذا بقي فضل فالأكبر يعطي من على يمينه.\nنعم.\nوكذلك البخور يعطى الأكبر ثم هو يعطيه من على يمينه.\nقال المنذري: وأخرج مسلم الحديث بمعناه من حديث ابن عمر مسندًا، وأخرجه البخاري تعليقًا.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أحمد بن حزم -هو ابن حزم -: قال لنا أبو سعيد -هو ابن الأعرابي -: هذا مما تفرد به أهل المدينة].","vol":"4","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>ما جاء في غسل السواك</span>","vol":"4","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>شرح حديث عائشة: (كان نبي الله يستاك فيعطيني السواك لأغسله)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب غسل السواك.\nحدثنا محمد بن بشار أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري أخبرنا عنبسة بن سعيد الكوفي الحاسب أخبرنا كثير عن عائشة أنها قالت: (كان نبي الله ﷺ يستاك فيعطيني السواك لأغسله فأبدأ به فأستاك، ثم أغسله وأدفعه إليه)].\nأي: أنها كانت تعطيه السواك ليستاك به حتى تنال البركة من النبي ﷺ، وهذا خاص بالنبي ﷺ لا يخص به غيره، فإذا أعطاها السواك استاكت به ثم غسلته ثم دفعته إليه، وفيه غسل السواك للتنظيف، وإذا أراد أن يستاك به اثنان يغسل حتى لا يكون هناك نفرة للثاني، فإذا غسل أخذه الثاني من باب النظافة وإلا فلو لم يغسله فلا حرج.\nأخرجه البغوي في مشكاة المصابيح.\nوقال ابن حجر: عنبسة بن سعيد الكوفي الحاسب ثقة، وكثير مقبول، والمقبول إذا توبع يكون حسنًا لغيره.","vol":"4","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>السواك من الفطرة</span>","vol":"4","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>شرح حديث: (عشر من الفطرة)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب السواك من الفطرة حدثنا يحيى بن معين أخبرنا وكيع عن زكريا بن أبي زائدة عن مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيب عن ابن الزبير عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: (عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، والاستنشاق بالماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء - يعني الاستنجاء بالماء -.\nقال زكريا: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة)].\nقوله: (عشر من الفطرة) يعني: من الدين، جاء بها الإسلام، وهذه العشر منها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب، فإعفاء اللحية واجب، وكذلك قص الشارب ونتف الإبط وحلق العانة كل هذه مؤقتة لا يجوز تأخيرها عن الوقت المحدد لها، كما في صحيح مسلم (أنه وقت في هذه الأشياء ألا تزيد عن أربعين يومًا) تأخيرها مكروه كراهة شديدة، فلا تؤخر حلق العانة ونتف الإبط، وقص الشارب، وقص الأظفار كذلك، وأما السواك فهو مستحب.\nقوله: (وغسل البراجم) يعني المفاصل.\nقال زكريا: (ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة) والمضمضة فرض في الوضوء وفي الغسل على الصحيح، والنسيان كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه:١١٥].\nوالحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد في مسنده.","vol":"4","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>شرح حديث: (إن من الفطرة المضمضة والاستنشاق)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب قالا: أخبرنا حماد عن علي بن زيد عن سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال موسى: عن أبيه، وقال داود: عن عمار بن ياسر أن رسول الله ﷺ قال: (إن من الفطرة المضمضة والاستنشاق، فذكر نحوه ولم يذكر إعفاء اللحية، وزاد: والختان، قال: والانتضاح، ولم يذكر انتقاص الماء، يعني: الاستنجاء)].\nأخرجه ابن ماجة وأحمد من طريق حماد عن علي بن زيد، وفيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف وسلمة بن محمد بن عمار بن ياسر مجهول.\nفيكون فيه ضعيف ومجهول، لكن الحديث معناه صحيح، كما سبق في الحديث السابق أن ذكرت هذه الأشياء ومنها: المضمضة والاستنشاق وهما فرضان معروفان، والاستنجاء كذلك معروف.","vol":"4","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>أسانيد أخرى لحديث: (عشر من الفطرة)</span>\n[قال أبو داود: وروي نحوه عن ابن عباس وقال: خمس كلها في الرأس، وذكر فيه الفرق ولم يذكر إعفاء اللحية].\nوالفرق يعني: فرق الرأس، إذا كان للإنسان شعر يفرقه فرقتين في الوسط.\n[قال أبو داود: وروي نحو حديث حماد عن طلق بن حبيب ومجاهد وعن بكر بن عبد الله المزني قولهم ولم يذكروا إعفاء اللحية].\nيعني: من قوله.\nقال: [وفي حديث محمد بن عبد الله بن أبي مريم عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ فيه: (وإعفاء اللحية).\nوعن إبراهيم النخعي نحوه وذكر إعفاء اللحية والختان].","vol":"4","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>ما جاء في السواك لمن قام من الليل</span>","vol":"4","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>شرح حديث: (كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب السواك لمن قام من الليل.\nحدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن منصور وحصين عن أبي وائل عن حذيفة قال: (إن رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك)].\nهذا حديث صحيح رواه مسلم، وفيه: (أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك) يعني: يدلك فاه بالسواك، وفيه مشروعية الشواص بالسواك عند الصلاة سواء كان في قيام الليل أو غيره، وفيه مشروعية الاستياك عند القيام من الليل؛ لما فيه من النظافة ولما فيه من رضا الرب ﷾، ولأن الإنسان عند الاستيقاظ من النوم يتغير فمه، فيستحب للمسلم إذا تغيرت رائحة فمه أن ينظفه بالسواك، كذلك عند الصلاة مشروع له أن يستاك؛ وذلك لقول النبي ﷺ في الحديث: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة).","vol":"4","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>شرح حديث: (كان يوضع له وضوؤه وسواكه)</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد أخبرنا بهز بن حكيم عن زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة: (أن النبي ﷺ كان يوضع له وضوءه وسواكه، فإذا قام من الليل تخلى ثم استاك)].\n(وضوءه) بالفتح وهو الماء، هذا الحديث يدل على ما دل عليه الحديث السابق، باب السواك عند القيام من الليل، وفي سنده بهز بن حكيم وهو صدوق، فيكون الحديث حسنًا.","vol":"4","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>شرح حديث مداومته على الاستياك حال القيام من النوم</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا همام عن علي بن زيد عن أم محمد عن عائشة: (أن النبي ﷺ كان لا يرقد من ليل ولا نهار فيستيقظ إلا تسوك قبل أن يتوضأ)].\nهذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، وفيه أم محمد وهي مجهولة.\nولا شك أن السواك مشروع في كل وقت.","vol":"4","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>شرح حديث ابن عباس: (بت ليلة عند النبي فلما استيقظ من منامه أتى طهوره)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عيسى أخبرنا هشيم أخبرنا حصين عن حبيب بن أبي ثابت عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده عبد الله بن عباس ﵄ قال: (بت ليلة عند النبي ﷺ فلما استيقظ من منامه أتى طهوره فأخذ السواك فاستاك، ثم تلا هذه الآيات: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] حتى قارب أن يختم السورة أو ختمها، ثم توضأ فأتى مصلاه فصلى ركعتين، ثم رجع إلى فراشه فنام ما شاء الله ثم استيقظ ففعل مثل ذلك، ثم رجع إلى فراشه فنام، ثم استيقظ ففعل مثل ذلك، كل ذلك يستاك ويصلي ركعتين، ثم أوتر)].\nهذا الحديث رواه مسلم مطولًا، وفيه: أن النبي ﷺ كان إذا استيقظ استاك ثم توضأ، وقرأ الآيات من خواتيم سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] إلى آخر السورة، فيشرع في قراءتها عند الاستيقاظ من النوم.\n[قال أبو داود: رواه محمد بن فضيل الضبي عن حصين قال: (فتسوك وتوضأ وهو يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٩٠] حتى ختم السورة)].\nوالحديث رواه الشيخان أيضًا، وفيه شرعية السواك عند الوضوء وعند الصلاة وعند الاستيقاظ من النوم.","vol":"4","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>شرح حديث عائشة في أن رسول الله كان إذا دخل بيته يبدأ بالسواك</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي حدثنا عيسى حدثنا مسعر عن المقدام بن شريح عن أبيه قال: قلت لـ عائشة ﵂: (بأي شيء كان يبدأ رسول الله ﷺ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك)].\nفيه مشروعية السواك عند دخول البيت، والسواك مشروع في كل وقت، ويتأكد عند دخول البيت وعند الوضوء وعند الصلاة وعند تغير رائحة الفم، وفي الحديث: (السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب).\nوالحديث أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجة مختصرًا.","vol":"4","page":21},{"text":"(شرح سنن أبي داود_كتاب الطهارة [٥]) للشيخ: (عبد العزيز بن عبد الله الراجحي)\n(عدد القراء ٥٠٩)","vol":"5","page":1},{"text":"شرح سنن أبي داود_<span data-type=\"title\" id=toc-85>كتاب الطهارة [٦]</span>\nذكر الشارع الحكيم جواز الوضوء والاغتسال من ماء البحر، وبين أنه الطهور ماؤه الحل ميتته، كما بين الشارع حكم الوضوء بفضل الغير من الماء ووضوء الرجال مع النساء في إناء واحد، كما نهى عن إتيان الصلاة لمن كان يدافعه الأخبثان.","vol":"6","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>ما جاء في الوضوء بفضل المرأة</span>","vol":"6","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>شرح حديث عائشة: (كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد ونحن جنبان)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء بفضل المرأة.\nحدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان حدثني منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد ونحن جنبان)].\nوهذا رواه النسائي ومسلم، وفيه دليل على أنه لا بأس بالوضوء من فضل المرأة.\nوفيه: جواز اغتسال الرجل وزوجته جميعًا من إناء واحد، ويشمل ما إذا توضأت أو اغتسلت وبقي في الإناء شيء ثم توضأ بعدها، وهو دليل على أنه لا بأس بفضل وضوء المرأة.\nوأما الحديث الآخر الذي سيأتي أن النبي ﷺ نهى عن فضل وضوء المرأة فهو محمول على التنزيه على الصحيح.","vol":"6","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>شرح حديث أم صبية: (اختلفت يدي ويد رسول الله في الوضوء من إناء واحد)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا وكيع عن أسامة بن زيد عن ابن خربوذ عن أم صبية الجهنية قالت: (اختلفت يدي ويد رسول الله ﷺ في الوضوء من إناء واحد)].\nأخرجه ابن ماجة.\nوالذي قبله قال: أخرجه البخاري والنسائي وأحمد ومسلم.\nوأم صبية الجهنية لم يبين المؤلف ﵀ هل بينها وبين النبي ﷺ محرمية؟ والحديث محمول على أنه كان بينها وبين النبي ﷺ محرمية من جهة الرضاعة ومن جهة الصهر، أو أن هذا كان قبل الحجاب؛ لأنه لا يمكن أن تتوضأ وهي كاشفة أمام النبي ﷺ إلا إذا كان بينهما محرمية؛ لأن هذا يقتضي أن تبدي وجهها ويديها ورجليها.\nفإما أن يكون قبل الحجاب، أو أن النبي ﷺ بينه وبينها محرمية من جهة الرضاع أو الصهر.\nهنا قال: وفيها -يعني: النسخة الهندية التي بين أيدينا- ورد هذا الحديث عن عائشة ﵂ بدلًا من الاقتصار على أم صبية في هذا الكتاب، قال: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا وكيع بن الجراح عن أسامة بن زيد عن ابن خربوذ، عن أم صبية الجهنية عن عائشة ﵂ قالت وسندت الرواية إلى رسول الله ﷺ بالوضوء من إناء واحد.","vol":"6","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>شرح حديث: (كان الرجال والنساء يتوضئون في زمان رسول الله من الإناء الواحد جميعًا)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك ح وحدثنا مسدد قال: حدثنا حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: (كان الرجال والنساء يتوضئون في زمان رسول الله ﷺقال مسدد - من الإناء الواحد جميعًا)].\nوهذا كان قبل الحجاب، أما بعد الحجاب فكان يختص بالمحارم والزوجات.\nوالمراد بالوضوء: غسل الأطراف، واستعمال الماء في الأعضاء الأربعة: الوجه، واليدين، والرأس، والرجلين، هذا الوضوء، أما الاستنجاء فمعروف أن كل واحد يستنجي على حدة.\nوقوله: (يغترفون من الإناء جميعًا) فيه دليل على أنه لا بأس بالوضوء من فضل المرأة؛ لأنه بعد اغترافها يكون فضلًا.","vol":"6","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>شرح حديث ابن عمر: (كنا نتوضأ نحن والنساء على عهد رسول الله)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى عن عبيد الله: حدثني نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (كنا نتوضأ نحن والنساء على عهد رسول الله ﷺ من إناء واحد ندلي فيه أيدينا)].\nقوله: (ندلي فيه أيدينا) يعني: إذا أدلت المرأة يدها ثم أدلى يده بعدها صار فضلًا، ففضل المرأة يشمل ما إذا كان يغترف من الإناء وتغترف هي وما إذا توضأت ثم توضأ بعدها مما بقي في الإناء.\nوالحديث السابق أخرجه البخاري والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وأحمد، وهذا الحديث أخرجه أحمد وابن خزيمة.","vol":"6","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>النهي عن اغتسال الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل</span>","vol":"6","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>شرح حديث: (نهى رسول الله أن تغتسل المرأة بفضل الرجل)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن ذلك.\nحدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير عن داود بن عبد الله ح وحدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن داود بن عبد الله عن حميد الحميري قال: لقيت رجلًا صحب النبي ﷺ أربع سنين كما صحبه أبو هريرة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل أو يغتسل الرجل بفضل المرأة) زاد مسدد: (وليغترفًا جميعًا)].\nأخرجه النسائي وأورده ابن حجر في الفتح، وقال: رجاله ثقات، ولم أقف لمن أعله على حجة قوية، ودعوى البيهقي: أنه في معنى المرسل مردودة؛ لأن إبهام الصحابي لا يضر، وقد صرح التابعي بأنه لقيه، ثم قال: وتحمل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء، والجواز على ما بقي من الماء، وبذلك جمع الخطابي، أو يحمل النهي على التنزيه جمعًا بين الأدلة.\nوالحديث فيه النهي عن الوضوء بفضل المرأة، لكنه محمول على التنزيه؛ بدليل الأحاديث السابقة، ومنها: (أن النبي ﷺ كان يغتسل هو وبعض أزواجه من إناء واحد يغترفان جميعًا)؛ ولما سيأتي: (أن النبي ﷺ توضأ بفضل طهور ميمونة).\nفأحاديث النهي تحمل على التنزيه، والذي صرفها عن التحريم إلى التنزيه الأحاديث التي فيها: (أن النبي ﷺ توضأ بفضل طهور ميمونة)، وحديث: (أن النبي ﷺ كان يغتسل هو وبعض أزواجه يغترفان جميعًا) هذا هو الصواب.\nوذهب الجمهور إلى أن النهي منسوخ بأحاديث الجواز، لكن الصواب أنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع، فإذا أمكن الجمع فإنه مقدم؛ لأن فيه عملًا بالأحاديث من الجانبين.\nأما إذا لم يمكن الجمع فإنه يصار إلى النسخ إذا عرف التاريخ، وهنا أمكن الجمع، فيحمل النهي على التنزيه، فإن وجد غير فضل طهور المرأة فإن الأولى والأفضل أن يتوضأ بغيره، وإن لم يجد غيره زالت الكراهية، والكراهة كراهة تنزيه، ولو توضأ بفضل طهور المرأة مع وجود غيره فلا حرج.\nوالرسول ﷺ فعله، وفعله يقتضي صرف النهي من التحريم إلى التنزيه.","vol":"6","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>شرح حديث: (نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا ابن بشار حدثنا أبو داود -يعني: الطيالسي - حدثنا شعبة عن عاصم عن أبي حاجب عن الحكم بن عمرو -وهو الأقرع - ﵁: (أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة)].\nقال أخرجه النسائي والترمذي وابن ماجة وأحمد، وقال الكندي: قال في شرح السنة: لم يصحح محمد بن إسماعيل حديث الحكم بن عمرو، وإن ثبت فمنسوخ.\nقال الخطابي: وجه الجمع بين الحديثين -إن ثبت حديث الأقرع -: أن النهي إنما وقع عن التطهر بفضل ما تستعمله المرأة من الماء، وهو ما سال وفضل عن أعضائها عند التطهر به، دون الفضل الذي تسؤره في الإناء.\nلكن إن صح الحديث فهو محمول على التنزيه.\nقال الترمذي في كتاب العلل: سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث -يعني: حديث أبي حاجب عن الحكم بن عمرو - فقال: ليس بصحيح.\nقال: وحديث عبد الله بن سرجس في هذا الباب الصحيح أنه موقوف، ومن رفعه فهو خطأ.\nتم كلامه.\nوحديث عبد الله بن سرجس رواه أبو عبيد في كتاب الطهور فقال: حدثنا علي بن معبد عن عبيد الله بن عمرو عن معمر عن عاصم بن سليمان عن عبد الله بن سرجس ﵁ أنه قال: أترون هذا الشيخ؟ يعني: نفسه، فإنه قد رأى نبيكم ﷺ وأكل معه، قال عاصم: فسمعته يقول: لا بأس بأن يغتسل الرجل والمرأة من الجنابة من الإناء الواحد، فإن خلت به فلا تقربه، فهذا هو الذي رجحه البخاري.\nوحديث النهي عن الاغتسال بفضل وضوء الرجل والمرأة أخرجه ابن ماجة ولفظه عن عبد الله بن سرجس قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يغتسل الرجل بفضل وضوء المرأة، والمرأة من فضل وضوء الرجل، ولكن يشرعان جميعًا).\nوقوله: (نهى أن يغتسل الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل)، كأنه رواه بالمعنى، وعلى كل حال كأن البخاري لم يصحح الحديث، لكن حديث عبد الله بن سرجس وكذا حديث ميمونة: (أن النبي توضأ بفضل ميمونة) يجعل النهي محمولًا على التنزيه، وتركه أولى إن وجد غيره.\nوالحكم بن عمرو الغفاري ويقال له: الحكم بن الأقرع صحابي نزل البصرة ومات بمرو.\nوأبو حاجب هو سوادة بن عاصم العنزي بالنون والزاي أبو حاجب البصري صدوق، يقال: إن مسلمًا أخرج له.\nوهذا الحديث -وعلى كل حال- سواء صح أو لم يصح فحديث عبد الله بن سرجس يكفي في حمل النهى على التنزيه.","vol":"6","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>الوضوء بماء البحر</span>","vol":"6","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>شرح حديث: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء بماء البحر.\nحدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق قال: إن المغيرة بن أبي بردة -وهو من بني عبد الدار- أخبره: أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: (سأل رجل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ: هو الطهور ماؤه الحل ميتته)].\nوهذا الحديث رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة، وسأل الترمذي البخاري ﵀ فقال: إنه صحيح، وهو دليل على طهورية ماء البحر وحل ميتته، ومياه البحار والأنهار الأصل فيها الطهارة، وكذلك مياه الأمطار والغدران والثلوج إذا ذابت كلها طاهرة، والبحر طهور ماؤه وحل ميتته.\nوالنبي ﷺ زاد السائل عن سؤاله وفيه دليل على أن المفتي إذا سأله سائل ورأى أنه يحتاج إلى شيء ملابس لسؤاله فإنه يفتيه به ويزيده خيرًا؛ فالسائل سأل النبي ﷺ عن الوضوء بماء البحر، فقال: (هو الطهور ماؤه)، ولما كان الإنسان الذي يركب البحر قد يحتاج إلى معرفة حكم أكل ميتته بين له النبي ﷺ ذلك فقال: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، هذا من الزيادة على السؤال؛ فإنه سأله عن طهورية ماء البحر أو حكم الوضوء بماء البحر فأفتاه بأن ماء البحر طهور، وزاده خيرًا فأخبره أن ميتته حلال، وفي الحديث الآخر: (أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالجراد والسمك) وهو دليل على أن ما يموت في البحر هو حلال، قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة:٩٦].","vol":"6","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>الوضوء بالنبيذ</span>","vol":"6","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>شرح حديث ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء بالنبيذ.\nحدثنا هناد وسليمان بن داود العتكي قالا: حدثنا شريك عن أبي فزارة عن أبي زيد عن عبد الله بن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال له ليلة الجن: (ما في إداوتك؟ قال: نبيذ.\nقال: تمرة طيبة وماء طهور)].\nوفي رواية الترمذي: (فتوضأ منه)، وفي رواية أحمد: (فتوضأ منه وصلى به).\nوالنبيذ يطلق على عصير العنب وغيره؛ كأن يجعل في الماء زبيبًا فيكون نبيذًا، أو يجعل فيه تمرًا فيكون نبيذًا، أو يجعل فيه شعيرًا ونحو ذلك، وهذا الحديث فيه: أن النبي ﷺ قال لـ ابن مسعود: (تمرة طيبة وماء طهور)، وفي رواية الترمذي: (فتوضأ منه)، وفي رواية أحمد: (فتوضأ منه وصلى به).\nلكن هذا الحديث ضعيف فيه علل متعددة، منها: أن شريكًا سيئ الحفظ، ساء حفظه لما تولى القضاء.\nومنها: الاختلاف في أبي فزارة؛ اختلف في اسمه.\nومنها: جهالة أبي زيد.\nوالعلة الرابعة: أن ابن مسعود لم يحضر ليلة الجن، فلا يحتج به بما دل عليه من الوضوء بالنبيذ؛ لأن النبيذ ليس ماءً مطلقًا، فلا يقال له: ماء، والله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء:٤٣] فهو ماء مقيد وليس ماءً مطلقًا، فماء النبيذ وماء الزعفران وماء المرق لا يقال له: ماء، ولو قال إنسان لإنسان: ائتني بماء ثم جاءه بزعفران أو جاءه بمرق أو جاءه بنبيذ لم يكن منفذًا لطلبه، وعلى ذلك فلا يصح الوضوء بالنبيذ؛ لأنه ليس ماءً مطلقًا لهذه العلل فالحديث غير صحيح، وإنما يتوضأ بالماء المطلق، أما الماء الذي يعصر من الأشجار فلا يسمى ماءً، بل هو ماء مقيد: عصير برتقال أو يجعل في الماء تمر فيسمى نبيذًا، أو أن يجعل فيه زبيب فيكون نبيذًا، أو يجعل فيه زعفران أو حبر فلا يسمى ماءً، فالمرق أو عصير البرتقال أو عصير التفاح لا يتوضأ به؛ لأن هذا ليس ماء مطلق، وإنما هو ماء مقيد.\nوهذا الحديث ليس بصحيح.\nقال في تخريجه: أخرجه الترمذي وابن ماجة وأحمد.\nوقال في الزوائد: مدار الحديث على أبي زيد وهو مجهول عند أهل الحديث، كما ذكره الترمذي وغيره، وضعف إسناده أحمد شاكر والألباني رحمهما الله تعالى.\nفالحديث ليس بصحيح لعدة علل: جهالة أبي زيد، وضعف شريك، وكذلك الاختلاف في أبي فزارة، وكذلك في كون ابن مسعود لم يحضر ليلة الجن، كما سيأتي في الرواية بعد هذه.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال سليمان بن داود: عن أبي زيد أو زيد، كذا قال شريك، ولم يذكر هناد ليلة الجن.\nحدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب عن داود عن عامر عن علقمة قال: قلت لـ عبد الله بن مسعود ﵁: من كان منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ فقال: ما كان معه منا أحد].\nوهذا يدل على أن قوله في الحديث السابق: إن ابن مسعود كان مع النبي ﷺ ليلة الجن ليس بصحيح؛ لأنه ﵊ ما كان معه أحد، وإنما ابن مسعود وغيره لما سار الجن ذهب بهم النبي ﷺ وأراهم آثارهم وآثار نيرانهم.","vol":"6","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>شرح الآثار الواردة في تحريم الوضوء بالنبيذ</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا بشر بن منصور عن ابن جريج عن عطاء قال: إنه كره الوضوء باللبن والنبيذ، وقال: إن التيمم أعجب إلي منه].\nاللبن والنبيذ ليسا بماء، فلا يتوضأ بهما، فإذا لم يجد إلا لبنًا أو نبيذًا تيمم؛ لأنه ليس ماءً مطلقًا، ولعل الكراهة كراهة تحريم فلا يجوز الوضوء بهما.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا أبو خلدة قال: سألت أبا العالية عن رجل أصابته جنابة وليس عنده ماء وعنده نبيذ أيغتسل به؟ قال: لا].\nيعني: لا يغتسل به؛ لأنه ليس ماءً.\nوالكراهة هنا تحمل على كراهة التحريم وأنه ممنوع لا يتوضأ به.","vol":"6","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>صلاة الرجل وهو حاقن أو حاقل</span>","vol":"6","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>شرح حديث: (إذا أراد أحدكم أن يذهب الخلاء وقامت الصلاة فليبدأ بالخلاء)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب أيصلي الرجل وهو حاقن؟ حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الأرقم ﵁: أنه خرج حاجًا أو معتمرًا ومعه الناس وهو يؤمهم، فلما كان ذات يوم أقام الصلاة صلاة الصبح، ثم قال: ليتقدم أحدكم وذهب الخلاء، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا أراد أحدكم أن يذهب الخلاء وقامت الصلاة فليبدأ بالخلاء).\nقال أبو داود: روى وهيب بن خالد وشعيب بن إسحاق وأبو ضمرة هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه عن رجل حدثه عن عبد الله بن أرقم، والأكثر الذين رووه عن هشام قالوا كما قال زهير].\nيعني: أن هذا الحديث بعضهم زاد فيه رجلًا، وبعضهم رواه عن عبد الله بن الأرقم، فيحتمل أنه روي عنه بواسطة وبدون واسطة.\nقال في تخريجه: قال المنذري: أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة.\nوالحديث فيه دليل على تقديم الخلاء على الصلاة، والخلاء: أصله الفضاء والصحراء، والمراد: قضاء الحاجة، فإذا كان الإنسان يريد أن يقضي حاجته من بول أو غائط بأن كان حاقنًا أو حاقلًا فيقدم ذلك على الصلاة، والحاقن هو: الذي يدافع البول، والحاقل هو: الذي يدافع الغائط، فإذا حضرت الصلاة وهو يدافعه الأخبثان فإن عليه أن يقدم قضاء الحاجة على الصلاة؛ زاد في حديث مسلم: (لا صلاة بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان).\nوالمؤلف ﵀ ما جزم بالحكم، وإنما قال: باب: أيصلي الرجل وهو حاقن؟ والمسألة فيها اختلاف بين أهل العلم: هل تصح صلاة من صلى وهو حاقن أو لا تصح؟ فالجمهور على أنها تصح مع الكراهة.\nوذهب الظاهرية إلى أنها لا تصح، وقالوا: إن النهي والنفي بقول: لا صلاة، ولا يصل الرجل، هو للتحريم، والجمهور يرون أن النهي للتنزيه.\nوقال بعضهم: إذا ضاق الوقت فله أن يصلي على حاله، وقال آخرون: لا يصلي حتى ولو ضاق الوقت، بل عليه أن يقضي حاجته، وكذلك إذا كان بحضرة الطعام ونفسه تتوق إليه فيأكل ثم يصلي ويتطهر ولو بعد خروج الوقت.\nوذهب الظاهرية إلى أنها لا تصح صلاة الحاقن والحاقل، وقالوا: إنه لا صلاة بحضرة الطعام، وهذا نفي لوجود الصحة، فقوله: (لا صلاة) نفي للصحة، يعني: لا تصح الصلاة ولا وجود للصلاة الشرعية.\nوالجمهور على أن النفي نفي للكمال.\nوأما المريض الذي يحتاج إلى قضاء الحاجة باستمرار فإذا كان يتشوش فالحكم واحد ينتظر؛ لأن الحكمة من النهي هي أن يتفرغ للصلاة، ولا تجوز صلاته وقلبه مشوش، لكن إذا كانت المدافعة يسيرة فأرجو ألا يكون عليه حرج في المدافعة، أما إذا كانت المدافعة شديدة فلا ينبغي، بل ينبغي أن يستفرغ ثم يصلي.","vol":"6","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>شرح حديث: (لا يصلى بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل وحدثنا مسدد ومحمد بن عيسى المعنى قالوا: حدثنا يحيى بن سعيد عن أبي حزرة حدثنا عبد الله بن محمد -قال ابن عيسى في حديثه: ابن أبي بكر ثم اتفقوا- أخو القاسم بن محمد قال: كنا عند عائشة ﵂ فجيء بطعامها فقام القاسم يصلي، فقالت ﵂: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يصلى بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان)].\nوفي رواية مسلم: (لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان).\nوقوله: (لا يصلى بحضرة الطعام) لا يصلى أو لا يصلي، محتمل، يعني: لا يصلي الرجل، أو لا يصلى، فرواية: (لا يصلى) نفي، مثل رواية: (لا صلاة بحضرة الطعام)، وإن كانت: (لا يصلي) -يعني: الرجل- فتكون للنهي، ويكون النهي للتحريم عند الظاهرية، فعندهم أن النفي نفي لوجود الصلاة، فقوله: (لا صلاة) أي: لا صلاة شرعية، ولا وجود للصلاة، ولا تصح الصلاة عند حضرة الطعام.\nوالجمهور على أن النهي للتنزيه، والنفي نفي الكمال، يعني: لا صلاة كاملة بحضرة الطعام.\nوعلى كل حال لا شك أن الأولى هو أن يستفرغ الإنسان.\nأما صلاة من يدافعه الأخبثان أو من كان بحضرة الطعام فهي إما باطلة وإما مكروهة، لكن إذا كانت مدافعة يسيرة ليست شديدة فأرجو ألا يكون حرج، وأما إذا كانت المدافعة شديدة فلا ينبغي، وهذا عذر في ترك الجماعة، ولو فاتته الجماعة، فمن كان بحضرة طعام ونفسه تتوق إليه فيقدم الطعام فهو أحق، وهذا عذر، وقد كان ابن عمر يتعشى وهو يسمع قراءة الإمام، وهذا من فقهه ﵁.\nوكذلك إذا كان يدافعه الأخبثان هذا عذر في ترك الجماعة، فيستفرغ لو فرط في الجماعة؛ لأنه إذا صلى في هذه الحالة يكون قلبه مشوشًا، فإذا استفرغ أقبل على صلاته، فهذا من الأعذار في ترك الجماعة، فمن كان يدافعه الأخبثان ومن كان بحضرة طعام يشتهيه ونفسه تتوق إليه هذا معذور في ترك الجماعة.\nأما إذا كان لا تتوق نفسه إليه فالأمر في هذا واسع، وإذا قدم الطعام فإنه يأخذ نهمته ولو بعد الأذان، لكن لا ينبغي للإنسان أن يعتاد تقديم الطعام بعد الأذان، فإذا سمع النداء قال: هاتوا الطعام، فإن هذا معناه التعمد لترك الجماعة، لكن إذا قدم بدون طلب وكان بحاجة، فيأخذ نهمته.\nفإذا كان الإنسان جائعًا ونفسه تتوق وحضر الطعام فإنه في هذه الحالة يقدم الطعام ولو فاتته الجماعة، ويكون هذا عذرًا له، كما أن من أكل كراثًا أو ثومًا أو بصلًا فهذا عذر له في ترك الجماعة، وليس له أن يأتي المسجد، ولا أن يصلي مع الناس وله رائحة كريهة، ويكون هذا عذر في ترك الجماعة، لكن إذا تعمد أكل الكراث والثوم والبصل لترك الجماعة صار آثمًا، لكن لو أكل بدون تعمد أو أكل محتاجًا لعلاج فهذا عذر، وكذلك الطعام إذا كان نفسه تتوق إليه عذر، وكذلك إذا كان يدافعه الأخبثان.\nأما إذا كانت المدافعة ليست شديدة فأرجو ألا يكون حرج، وبكل حال فالصلاة إما مكروهة وإما باطلة، إما مكروهة مع الصحة وهو قول الجمهور، وإما باطلة كما يراه الظاهرية، والقول: ببطلانها قول قوي.\nوأما الجمعة فوقتها واسع، يستطيع الإنسان أن يتهيأ لها قبل ذلك، فيحاول بقدر الإمكان أن يتقدم.\nلكن لو اضطر إلى هذا بأن دافعه الأخبثان أو أصابه إسهال فهذا عذر له ولو فاتته الجمعة أو الجماعة، فإذا أحس في بطنه شيئًا يخرج وهذا عذر له.","vol":"6","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>شرح حديث: (ثلاث لا يحل لأحد أن يفعلهن)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عيسى قال: حدثنا ابن عياش عن حبيب بن صالح عن يزيد بن شريح الحضرمي عن أبي حي المؤذن عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ثلاث لا يحل لأحد أن يفعلهن: لا يؤم رجل قومًا فيخص نفسه بالدعاء دونهم، فإن فعل فقد خانهم، ولا ينظر في قعر بيت قبل أن يستأذن فإن فعل فقد دخل، ولا يصلي وهو حقن حتى يتخفف)].\nقال المنذري: أخرجه الترمذي وابن ماجة.\nوقال الألباني: أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن، قلت: في إسناده اضطراب وجهالة، وقال ابن خزيمة في الطرف الأول منه: إنه موضوع، وأما بقية الحديث فله شواهد.\nيعني: في سنده اضطراب، وأما قوله: (لا يصل وهو حاقن) فهذا له شواهد كما سبق.\nوقوله في النهي عن النظر في بيت بغير إذنهم: (لا ينظر في قعر بيت قبل أن يستأذن) يعني: ليس له أن ينظر في بيت إلا بإذنهم، وهذا جاء النهي عنه في حديث آخر، وهو قوله ﷺ: (لو اطلع أحد على بيتك فخذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح)، وهذا حديث ثابت.\nوقوله: (فقد دخل) يعني: من اطلع من غير إذن فقد دخل، يعني: حكمه حكم من دخل البيت.\nوقوله: (من أم قومًا بغير إذنهم ثم خص نفسه بالدعاء فقد خانهم) يعني: في الدعاء الذي يؤمَّن عليه، كدعاء القنوت وغيره، أما الدعاء الخاص كالدعاء بين السجدتين في التشهد فهذا يخص نفسه به كما هو معروف، لكن فيما يؤمن عليه الناس مما يجهر فيه الإمام ويؤمن عليه الناس فلا يخص نفسه به، وعلى كل حال النهي عن نظر الإنسان في بيت غيره هذا جاءت له شواهد في غيره من الأحاديث إلا قوله: (فقد دخل).\nوكذلك أيضًا النهي عن الصلاة وهو حاقن.\nوقوله: (ثلاث) مبتدأ نكرة، والنكرة لا يجوز الابتداء بها إلا إذا أفادت، ولهذا يقول ابن مالك: ولا يجوز الابتداء بالنكره ما لم تفد كعند زيد نمره","vol":"6","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>شرح حديث (لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصلي وهو حقن)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمود بن خالد السلمي حدثنا أحمد بن علي حدثنا ثور عن يزيد بن شريح الحضرمي عن أبي حي المؤذن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصلي وهو حقن حتى يتخفف) ثم ساق نحوه على هذا اللفظ قال: (ولا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤم قومًا إلا بإذنهم، ولا يختص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم)].\nقوله: (وهو حقن) يعني: وهو حاقن، والحاقن هو الذي يدافعه البول، فليس له أن يصلي وهو حقن كما سبق الخلاف.\nوقوله: (ولا يؤم قومًا وهم له كارهون) يعني: إذا كانوا يكرهونه بحق، أما إذا كانوا يكرهونه بغير حق فكراهتهم له بغير حق لا تؤثر، فإن كانوا فساقًا أو عصاة ويكرهونه لاستقامته فكراهتهم ليست بحق، وأما إذا كانوا يكرهونه بحق فهذا هو الذي لا ينبغي.\nوكذلك إذا خص نفسه بالدعاء، هذا إن ثبت هذا الحديث؛ فإنه كما سبق فيه اضطراب.\nيعني: إذا كان يخص نفسه بدعوة لنفسه دون المأمومين وهم يؤمنون، وأما النهي عن الصلاة وهو حقن، والنهي عن الاطلاع على بيت قوم دون إذنهم فهذا له شواهد.\n[قال أبو داود: هذا من سنن أهل الشام لم يشركهم فيها أحد].\nلم يشركهم يعني: الرواة الشاميون.","vol":"6","page":19},{"text":"شرح سنن أبي داود_<span data-type=\"title\" id=toc-104>كتاب الطهارة [٧]</span>\nبين النبي ﷺ هديين من فعله وقوله يتعلق بهما وضوء المؤمن: الهدي الأول: الاقتصاد في الوضوء، وعدم التبذير بالماء.\nالهدي الثاني: غسل الكفين ثلاثًا عند الشروع في الوضوء، وهذا أمر إرشادي يتعلق بالنظافة والطهارة قد تتبين لنا حكمته وقد لا تتبين، فعلى المسلم السمع والطاعة.","vol":"7","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>ما يجزئ من الماء في الوضوء</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما يجزئ من الماء في الوضوء.\nحدثنا محمد بن كثير حدثنا همام عن قتادة عن صفية بنت شيبة عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد).\nقال أبو داود: رواه أبان عن قتادة قال: سمعت صفية].\nهذا ثابت في الصحيحين من حديث أنس بلفظ: (كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد)، وهذا فيه مشروعية الاقتصاد في الماء.\nوالمد: ملء كفي الرجل المتوسط اليدين خلقة إذا مد يديه؛ ولهذا تسمى مد، يملؤه ثم يمد يديه، والصاع أربعة أمداد، فالمد حفنة، والصاع أربع حفنات، كل حفنة ملء كفي الرجل المتوسط.\nوالصاع أربعمائة وثمانون مثقالًا، والمثقال اثنتان وسبعون حبة شعير، هكذا قدرت، فالضابط: أن الصاع أربع حفنات، كل حفنة ملء كفي الرجل المتوسط، (كان النبي ﷺ يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع، إلى خمسة أمداد).\nوجاء: أنه ﵊ توضأ بثلث المد كما سيأتي، واغتسل هو وبعض أزواجه في إناء يسع ثلاثة آصع.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل حدثنا هشيم قال: أخبرنا يزيد بن أبي زياد عن سالم بن أبي الجعد عن جابر ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالمد)].\nوهذا الحديث ضعيف؛ لأن يزيد بن أبي زياد هذا ضعيف، لكن الحديث ثابت رواه الشيخان وغيرهما بلفظ: (كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع، إلى خمسة أمداد).\nقال في التقريب: يزيد بن أبي زياد ضعيف، كبر فتغير، وصار يتلقن، وكان شيعيًا.\nفهو ضعيف، لكن الحديث له شواهد في الصحيحين وغيرهما.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا ابن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن حبيب الأنصاري قال: سمعت عباد بن تميم عن جدته وهي أم عمارة ﵂: (أن النبي ﷺ توضأ، فأتي بإناء فيه ماء قدر ثلثي المد)].\nوهذا أقل ما ثبت عن النبي ﷺ أنه توضأ به، ثلثي المد، والمد: ملء كفي الرجل المتوسط، وهذا فيه مشروعية الاقتصاد بالماء، وعدم الإسراف والإكثار، وأنه يتوضأ بالمد وبثلثي المد فإنه مع التبليغ يكفي.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن الصباح البزاز حدثنا شريك عن عبد الله بن عيسى عن عبد الله بن جبر عن أنس ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يتوضأ بإناء يسع رطلين، ويغتسل بالصاع).\nقال أبو داود: ورواه شعبة قال: حدثني عبد الله بن عبد الله بن جبر سمعت أنسًا إلا أنه قال: (يتوضأ بمكوك) ولم يذكر (رطلين)].\nوالمكوك: هو المد، فكان ﵊ يتوضأ بالمد إلى خمسة أمداد، يعني: يغتسل بخمسة مكاكيك.\nقال في ضبط المكوك: بفتح الميم وضم الكاف الأولى وتشديدها، جمعه مكاكيك ومكاكي، ولعل المراد بالمكوك هاهنا: المد، قاله النووي.\nوقال ابن الأثير: أراد بالمكوك: المد، وقيل: الصاع، والأول أشبه، وجمعه: المكاكي، بإبدال الياء من الكاف الأخيرة، والمكوك: اسم من المكيال، ويختلف مقداره باختلاف الاصطلاح في البلاد.\nانتهى.\nقلت: المراد بالمكوك هاهنا: المد لا غير؛ لأنه جاء في حديث آخر مفسرًا بالمد.\nقال القرطبي: الصحيح: أن المراد به هاهنا المد؛ بدليل الرواية الأخرى.\nوقال الشيخ وليد بن عراقي في صحيح ابن حبان في آخر الحديث: قال أبو خيثمة: المكوك: المد.\nوزاد النسائي: (كان الرسول ﷺ يتوضأ بمكوك، ويغتسل إلى خمس أمداد)، وفي الحديث الذي رواه مسلم: (كان رسول الله ﷺ يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بمكوك).\nوهذا ثابت في الصحيحين: (كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد)، والمكوك: هو المد.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو داود: ورواه يحيى بن آدم عن شريك قال: عن ابن جبر بن عتيك قال: ورواه سفيان عن عبد الله بن عيسى قال: حدثني جبر بن عبد الله.\nقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الصاع: خمسة أرطال.\nقال أبو داود: وهو صاع ابن أبي ذئب، وهو صاع النبي ﷺ.","vol":"7","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>الإسراف في الوضوء</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: الإسراف في الوضوء.\nحدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا سعيد الجريري عن أبي نعامة: أن عبد الله بن مغفل ﵁ سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: أي بني! سل الله الجنة، وتعوذ به من النار؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء)].\nوالاعتداء في الدعاء: أن يكون السؤال فيه تعنت، وسؤال ما لا يليق به أن يسأله، والسؤال بإثم أو قطيعة رحم، أو كأن يسأل منازل الأنبياء، هذا من الاعتداء، قال ﷿: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥]، وهذا من الاعتداء، وكقوله: اللهم إني أسألك القصر الأبيض إذا دخلت الجنة، هذا أيضًا من الاعتداء؛ ولهذا أنكر عليه عبد الله بن مغفل ﵁، وقال: (سل الله الجنة، واستعذ به من النار)، وإذا دخلت الجنة حصلت على كل خير، فمن دخل الجنة فله الكرامة وله النعيم.\nفلا ينبغي للإنسان أن يعتدي فيقول: أسألك كذا وكذا، أو أسألك منازل الأنبياء، هذا اعتداء وعدوان، أو يدعو بإثم أو قطيعة رحم، هذا من العدوان.\nوكذلك الاعتداء في الطهور في الإسراف، ومجاوزة الثلاث في غسل الأعضاء، أو الإكثار من صب الماء.\nقال في تخريجه: صحيح أخرجه ابن ماجة وأحمد وابن حبان في صحيحه.\nوله شواهده من القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥].\nفلا ينبغي للإنسان أن يعتدي، وإنما يسأل الله الجنة، ويستعيذ به من النار، ولا يتجاوز الحد، ولا يدع على غير من ظلمه، ولا يدع بإثم ولا بقطيعة رحم، ولا يسأل شيئًا لا يليق به أن يسأله.","vol":"7","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>إسباغ الوضوء</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في إسباغ الوضوء.\nحدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان حدثني منصور عن هلال بن يساف عن أبي يحيى عن عبد الله بن عمرو ﵄: (أن رسول الله ﷺ رأى قومًا وأعقابهم تلوح فقال: ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء)].\nوهذا فيه الوعيد على من لم يسبغ أعضاء الوضوء.\nوجاء في الرواية الأخرى: (أن الصحابة أرهقتهم الصلاة فتأخروا، فجعلوا يسرعون في الوضوء، فجاء إليهم النبي ﷺ ورأى أعقابهم تلوح، فنادى بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار) وفي لفظ: (ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار، أسبغوا الوضوء).\nوإسباغ الوضوء يعني: إكماله وإبلاغه، وإيصال الماء إلى الأعضاء من دون إسراف.\nوهذا الحديث رواه الشيخان بسند آخر.\nقال المنذري في هذا الحديث: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة، واتفق البخاري ومسلم على إخراجه عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو بنحوه.\nو(ويل) قيل: إنه وادٍ في جهنم، لكن هذا قول ضعيف، والصواب: أنه شدة العذاب والهلاك، وقيل: إنه وادٍ في جهنم بعيد قعره، خبيث طعمه، هذا جاء لكنه لا يثبت.\nولا شك أنه لا يجوز المسح على النعلين إلا إذا كان على وضوء، وثبت عن علي ﵁: أنه مسح على نعليه وقال: هذا وضوء من لم يحدث.\nفإذا كان على وضوء ولم يحدث يجدد الوضوء ويمسح على النعلين.\nوهذا الوعيد الذي مر مثل: (ما أسفل من الكعبين ففي النار)، يعني: أنه يعاقب في هذا الموضع، لكن المعلوم أن الإنسان يتألم، كما في الحديث الآخر: (كمثل الجسد الواحد إذا تألم عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).\nفإذا أصيب شيء من جسم الإنسان فإنه يتألم بقية الجسم.","vol":"7","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>الوضوء في آنية الصفر</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء في آنية الصفر.\nحدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرني صاحب لي عن هشام بن عروة: أن عائشة ﵂ قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ في تور من شبه)].\nالتور: آنية مثل الطست أو أقل من الطست، والشبه: الصفر، سمي (شبه) لأنه يشبه الذهب في البريق واللمعان، والحديث منقطع؛ لأن هشام بن عروة لم يسمع من عائشة، وكذلك فيه رجل مبهم.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن العلاء أن إسحاق بن منصور حدثهم عن حماد بن سلمة عن رجل عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ بنحوه].\nوهذا متصل؛ لأن هشام بن عروة رواه عن أبيه، لكن بقي فيه رجل مبهم، قيل: إن هذا الرجل المبهم هو شعبة، وعلى هذا فلا إشكال، والحديث متصل.\nوهذا يدل على أن جواز الوضوء في إناء النحاس، ومثله الإناء من الزجاج أو من حجر أو من معدن أو من حديد، إلا الذهب والفضة فإنه لا يجوز للمسلم أن يتوضأ بها رجلًا كان أو امرأة، أما المرأة فإنها تتحلى بالذهب والفضة، تتحلى في يديها وفي رجليها وفي أصابعها، وما عدا ذلك فالرجل والمرأة سواء، لا يجوز للرجل والمرأة أن يشربا من آنية الفضة، ولا أن يتوضأ أحدهما بهما، ولا أن يجعلا مكحلًا من ذهب أو فضة، أو نظارة من الذهب أو الفضة، والرجل لا يستعمل الذهب، والمرأة لا بأس أن تستعمل الذهب؛ لأن هذا من باب التحلي.\nوالمقصود: أنه لا بأس بالوضوء من أي إناء سواء كان من النحاس، كما في هذا الحديث، فإنه ﵊ توضأ في إناء من شبه الصفر، وسمي شبه لأنه يشبه الذهب في اللون، فلا بأس أن يتوضأ الإنسان ويشرب من إناء صفر أو حديد أو معدن أو زجاج أو حجر أو خشب إلا الذهب والفضة.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن علي حدثنا أبو الوليد وسهل بن حماد قالا: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد ﵁ قال: (جاءنا رسول الله ﷺ فأخرجنا له ماءً في تور من صفر فتوضأ)].\nوالصفر: النحاس، استدل بهذا على أنه لا بأس بالوضوء من إناء النحاس.\nقال في تخريجه: أخرجه البخاري وابن ماجة وأحمد.","vol":"7","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>التسمية على الوضوء</span>\n[باب في التسمية على الوضوء.\nحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا محمد بن موسى عن يعقوب بن سلمة عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)].\nوهذا الحديث ضعيف؛ لأن يعقوب بن سلمة هذا فيه كلام، ولم يسمع من أبيه، وكذلك أبوه لم يسمع من أبي هريرة، وكذلك الأحاديث التي في التسمية في الوضوء كلها ضعيفة؛ ولهذا ذهب جمهور العلماء إلى أن التسمية مستحبة.\nوذهب الإمام أحمد ﵀ إلى وجوب التسمية عند الوضوء، ورأى أن أحاديث التسمية وإن كانت ضعيفة إلا أنها يشد بعضها بعضًا، ويقوي بعضها بعضًا، فتكون من باب الحسن لغيره، وذهب إلى هذا الحافظ ابن كثير ﵀ أيضًا في كتاب الإرشاد، وفي كتاب التفسير، وكذلك الحافظ ابن حجر وابن الصلاح قالوا: إن الأحاديث يقوي بعضها بعضًا، وقالوا: وإن كان كل فرد منها ضعيفًا إلا أنه يقوي بعضها بعضًا؛ ولهذا ذهب الإمام أحمد إلى أن التسمية واجبة مع الذكر، وإذا نسي فلا حرج، لكن مع التذكر يجب عليه أن يسمي.\nوالجمهور على أن التسمية مستحبة؛ لأن الأحاديث فيها ضعيفة، وهذا الحديث ضعيف؛ لأن يعقوب هذا فيه كلام، ولم يسمع من أبيه، وكذلك أبوه لم يسمع من أبي هريرة.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح حدثنا ابن وهب عن الدراوردي قال: وذكر ربيعة: أن تفسير حديث النبي ﷺ: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه): أنه الذي يتوضأ ويغتسل ولا ينوي وضوءًا للصلاة ولا غسلًا للجنابة].\nوتأويل ربيعة هذا ضعيف مخالف لظاهر الحديث، فقوله: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) فسره ربيعة بأن الذي لا ينوي الوضوء لا وضوء له، والذي لا ينوي الغسل لا غسل له، وهذا صحيح، لكن ليس هذا معنى الحديث، فتفسير التسمية بالنية من ربيعة هذا تفسير ضعيف مخالف لظاهر الحديث، فالحديث فيه التسمية؛ فإنه قال: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله) أي: لا وضوء لمن لم يسم.\nأما تأويله التسمية بأنها من النية، وأن المعنى: لا وضوء لمن لم ينو الوضوء، ولا غسل لمن لم ينو الغسل، فليس بظاهر، وكونه إذا اغتسل ونوى التبرد ولم ينو الوضوء لا غسل له، وإذا غسل أعضاءه ولو كان مرتين وهو لم ينو الوضوء لا وضوء له، نعم هذا صحيح، ودليله قول النبي ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، لكن تفسير التسمية بالنية في هذا الحديث ليس بظاهر.\nوربيعة المذكور هنا هو ربيعة بن أبي عبد الرحمن، المشهور بربيعة الرأي.\nقال في تخريجه: هو ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ المعروف بـ ربيعة الرأي، وثقه العجلي وأبو حاتم والنسائي، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت، أحد مفتي المدينة.\nوقال مصعب بن الزبير: أدرك بعض الصحابة والأكابر من التابعين، وكان صاحب الفتوى في المدينة، وكان يجلس إليه وجوه الناس في المدينة، وكان يحصى في مجلسه أربعون معتمًا، قال مطرف: سمعت مالكًا يقول: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة.\nوقال عبد العزيز بن أبي سلمة: يا أهل العراق! تقولون: ربيعة الرأي! والله! ما رأيت أحدًا أحفظ للسنة منه.\nمات سنة مائة وست وثلاثين في المدينة أو في الأنبار.\nوهو الشيخ الإمام ابن مالك ﵀، لكن تأويله هذا ليس بوجيه.","vol":"7","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>إدخال الرجل يده في الإناء قبل أن يغسلها</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في الرجل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها.\nحدثنا مسدد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي رزين بن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا قام أحدكم من الليل فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات، فإنه لا يدري أين باتت يده)].\nوهذا رواه الإمام مسلم في صحيحه، وفيه النهي عن غسل اليد في الإناء من القائم من نوم الليل، والنهي للتنزيه عند الجمهور، وعند غيرهم للتحريم؛ لأن هذا هو الأصل، ولا يصرف عن التحريم إلا بدليل، أما الجمهور فإنهم حملوه على التنزيه، وهذا خاص بالقائم من نوم الليل؛ لقوله: (لا يدري أين باتت يده)؛ لأن البيتوتة إنما تكون في الليل.\nأما من استيقظ من نوم النهار وكذلك غير النائم فلا ينهى عنه، لكن يستحب له أن يغسلها ثلاثًا قبل أن يدخلها في الإناء، كما جاء في حديث عمران وغيره عن النبي ﷺ: (أنه غسل يديه ثلاث مرات)، لكن من نوم الليل، فيجب عليه أن يغسلها ثلاثًا على الصحيح، ويحرم أن يدخلها في الإناء قبل غسلها ثلاثًا، وإن كان الجمهور يرون أنه للتنزيه، وأن الأمر للاستحباب.\nوإذا غمس يده في الإناء فلا ينجس الماء على الصحيح، وقيل: ينجس.\nوالصواب: أنه لا ينجس، ولا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه، فإذا كانت في يده نجاسة وتغير أحد أوصافه ينجس، وإلا فلا ينجس؛ لحديث أبي سعيد عن النبي ﷺ: (إن الماء الطهور لا ينجسه شيء).\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺيعني: بهذا الحديث- قال: (مرتين أو ثلاثًا) ولم يذكر أبا رزين].\nيعني: يغسل يده مرتين أو ثلاثًا، والصواب: أنه يغسلها ثلاثًا.\nقال في تخريجه: رواه أحمد، والبخاري في الوضوء باب الاستجمار وترًا، ومسلم في الطهارة، وابن ماجة والترمذي والنسائي.\nوكونه يغسلها ثلاثًا ثم يتوضأ هذا يستحب في كل وضوء ثلاثًا، لكن يتأكد عند الاستيقاظ من نوم الليل.\nفالغسل هذا مستحب، فقبل أن يتوضأ يغسلها ثلاثًا حتى ولو من غير نوم الليل، لكن في نوم الليل الأفضل أن يغسلها ثلاثًا، يعني: الغسل المطلوب، حتى لو لم يكن يريد أن يغسلهما؛ لأنه قد يحتمل أن يكون فيهما أذى، فلو لم يغسلهما وتوضأ وفيهما بعض الأذى فقد يكون فيهما نجاسة، وقد يكون أصابه دم من بعض الحشرات، قال بعضهم عن أهل الحجاز: إنهم يستجمرون والبلاد حارة، وربما أصابت يده دبره، المقصود: أنه يغسلها ثلاثًا حتى ولو لم يرد؛ لتنظيفها.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح ومحمد بن سلمة المرادي قالا: حدثنا ابن وهب عن معاوية بن صالح عن أبي مريم قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده، أو أين كانت تطوف يده)].\nوالبيتوتة إنما تكون في الليل.\nقال في تخريجه: إسناده صحيح.","vol":"7","page":7},{"text":"شرح سنن أبي داود_<span data-type=\"title\" id=toc-111>كتاب الطهارة [٨]</span>\nلقد أمر الله بالطهارة إذا قام العبد المؤمن إلى الصلاة، ومما يدل على أهمية الطهارة والوضوء للصلاة أن كثيرًا من الصحابة رووا وضوء النبي ﷺ في أحاديث كثيرة جمة متواترة، ومما رووه في الوضوء صفته وكيفيته وما يجب ويسن فيه.","vol":"8","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>صفة وضوء النبي ﷺ</span>","vol":"8","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>شرح حديث عثمان في صفة وضوء النبي ﷺ</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: صفة وضوء النبي ﷺ.\nحدثنا الحسن بن علي الحلواني حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان قال: (رأيت عثمان بن عفان ﵁ توضأ فأفرغ على يديه ثلاثًا فغسلهما، ثم تمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثًا، وغسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثًا، ثم اليسرى مثل ذلك، ثم مسح رأسه، ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثًا، ثم اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ مثل وضوئي هذا، ثم قال: من توضأ مثل وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه)].\nوهذا فيه: بيان كيفية الوضوء، وأن الغسل يكون ثلاثًا، وإذا كان قام من نوم الليل يغسلهما قبل الوضوء ثلاثًا، سواء كان من الإناء أو من الصنبور أو من غيره، سواء استيقظ من نوم الليل أو لم يستيقظ السنة أن يغسلهما ثلاثًا، وأكمل الوضوء غسل كل عضو ثلاثًا، أولًا: غسل يديه ثلاثًا، ثم تمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وغسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثًا، واليسرى ثلاثًا، ومسح برأسه وغسل رجله اليمنى ثلاثًا، وغسل رجله اليسرى ثلاثًا.\nهذا أكمل الوضوء، وهو التثليث في كل عضو ما عدا الرأس.\nويجوز أن يغسلهما مرتين مرتين: الوجه مرتين، واليد مرتين، وأذنه مرتين، ورجله مرتين.\nويجوز أن يغسلهما مرة: الوجه مرة، واليد مرة، والرجل مرة.\nويجوز أن يكون مخالفًا، فيغسل بعض الأعضاء ثلاثًا، وبعضها مرتين، وبعضها مرة، كل هذا جاءت به السنة.\nوفيه: أن المسلم إذا توضأ وصلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه بشيء فإن هذا من أسباب المغفرة، وفي اللفظ الآخر: (إذا توضأ فأسبغ الوضوء، وصلى ركعتين يقبل فيهما بقلبه ووجهه على الله، ولا يحدث نفسه بشيء -من الوساوس- غفر الله له ما تقدم من ذنبه)، والمراد: الصغائر إذا اجتنب الكبائر، أما إذا لم يجتنب الكبائر فإنها تبقى عليه الصغائر والكبائر؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر).\nوفي لفظ: (ما لم تغش الكبائر)، وفي لفظ: (ما لم تغش كبيرة)، وفي لفظ: (ما لم تصب المقتلة).\nهذه الركعتان سنة الوضوء، وسنة الوضوء تكون بعد كل وضوء، فإذا صلى مثلًا سنة الضحى دخلت سنة الوضوء فيه، وإذا دخل المسجد وصلى السنة الراتبة أو الظهر أو الفجر دخلت فيها سنة الوضوء.\nوإذا صلى صارت سنة الوضوء، ولو ما نوى، فإذا توضأ وصلى وإن نواها سنة راتبة أو الضحى أو استفتاح صلاة الليل دخلت سنة الوضوء فيها.\nكذلك الفريضة إذا جاء ودخل في الفريضة دخلت سنة الوضوء في الفريضة.\nوهذه الركعتان يستحب صلاتهما حتى ولو كان وقت النهي؛ لأنها سبب، والجمهور يرون أنها لا تفعل صلاة ذوات الأسباب في وقت النهي، ويقولون: إن أحاديث النهي أصح وأكثر، لكن الأرجح أنها تفعل ولو في وقت النهي.\nوهذه السنة تعد من إقراره ﷺ ومن قوله، فإنه أقر بلالًا حين قال: (ما توضأت وضوءًا في ليل أو نهارٍ إلا وصليت به ركعتين).\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن المثنى حدثنا الضحاك بن مخلد حدثنا عبد الرحمن بن وردان حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن حدثني حمران قال: رأيت عثمان بن عفان ﵁ توضأ فذكر نحوه، ولم يذكر المضمضة والاستنشاق، وقال فيه: ومسح رأسه ثلاثًا، ثم غسل رجليه ثلاثًا، ثم قال: (رأيت رسول الله ﷺ توضأ هكذا، وقال: من توضأ دون هذا كفاه) ولم يذكر أمر الصلاة].\nوهذا الحديث ضعيف؛ في سنده عبد الرحمن بن وردان ضعيف، ولا حجة في زيادته: (ومسح الرأس ثلاثًا)، فإن الرأس لا يثلث، ورواية عبد الرحمن هذه ضعيفة مخالفة لرواية الثقات، والحديث السابق ليس فيه مسح الرأس ثلاثًا، وإنما فيه مرة، وكذلك أيضًا أسقط المضمضة والاستنشاق وهو ثابت في الأحاديث.\nوعبد الرحمن بن وردان هذا ضعيف، ولا سيما إذا خالف الثقات، فلا يعمل بروايته في تثليث مسح الرأس؛ فإن الرأس لا يثلث؛ وإنما يمسح مرة واحدة.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن داود الإسكندراني حدثنا زياد بن يونس قال: حدثني سعيد بن زياد المؤذن عن عثمان بن عبد الرحمن التيمي قال: سئل ابن أبي مليكة عن الوضوء فقال: (رأيت عثمان بن عفان ﵁ سئل عن الوضوء؛ فدعا بماء، فأتي بميضأة فأصغاها على يده اليمنى، ثم أدخلها في الماء فتمضمض ثلاثًا، واستنثر ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يده اليمنى ثلاثًا، وغسل يده اليسرى ثلاثًا، ثم أدخل يده فأخذ ماءً فمسح برأسه وأذنيه، فغسل بطونهما وظهورهما مرة واحدة، ثم غسل رجليه، ثم قال: أين السائلون عن الوضوء؟ هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ)].\nفهذا الحديث أكمل ما ورد في الوضوء، وذلك أن فيه التثليث في جميع الأعضاء ما عدا الرأس؛ لأنه تمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وغسل يده اليمنى ثلاثًا، وغسل يده اليسرى ثلاثًا، وغسل رجليه ثلاثًا، هذا أكمل ما ورد في الوضوء.\nوفيه: أن الرأس لم يثلث، وإنما يمسح مرة واحدة.\nوفيه: أن مسح الأذنين تابع للرأس، ولا يحتاج أن يأخذ لهما ماءً جديدًا، بل يأخذ ماءً للرأس، ولا يصب الماء على الرأس وإنما يمسح به مسحًا، ثم يمسح أذنيه بالرطوبة الباقية من يديه، يمسح باطنهما وظاهرهما، باطنهما بالسباحتين وظاهرهما مما يلي الرأس بالإبهامين.\nوقوله: (فغسل بطونهما وظاهرهما) المراد: المبالغة في المسح، وليس المراد الغسل، وإنما المراد المسح، والغسل يطلق على المسح، والمسح يطلق على الغسل.\nوفيه أن الرأس لم يثلث، خلافًا لمن استحب من العلماء تثليث المسح، وهو مروي عن الشافعي ﵀؛ استدلالًا بالحديث: (أن النبي ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا) لكن هذا مجمل بينته الأحاديث الصحيحة الأخرى.\nوفيه: مشروعية غسل اليدين ثلاثًا قبل الوضوء إلى الكوعين، والكوع: هو العظم المقابل للإبهام، والكرسوع: هو العظم المقابل للخنصر، والرسغ: ما بين الكف والساعد، والساعد: من نهاية الكف إلى المرفق، والمرفق: هو العضد في آخر الساق.\nفاليدان تغسلان من رءوس الأصابع حتى يتجاوز المرفقين ويشرع في العضد.\nوغسلهما قبل الوضوء ثلاثًا هذا مستحب وليس بواجب، إلا إذا استيقظ من نوم الليل؛ فإنه يتأكد، والجمهور على الاستحباب.\nوالقول الثاني: الوجوب، وهو قول قوي، يقول النبي ﷺ: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده).\nوالواجب تعميم كل عضو بالغسل مرة واحدة، والمراد بالغسل ما يعمم به الإنسان العضو، فإذا عمم أصل العضو مرة واحدة فهذا يعتبر غسلًا سواء كان بغرفة أو بغرفتين، فيعمم بغرفة وتعتبر مرة، ويجزئ هذا، فإذا تمضمض مرة واستنشق مرة، وغسل وجهه مرة، وغسل يده اليمنى مرة، وغسل يده اليسرى مرة، ومسح برأسه وأذنيه، وغسل رجله اليمنى مرة، وغسل رجله اليسرى مرة فإن هذا الوضوء يجزئ، وإن غسلهما مرتين مرتين فهذا أفضل، وإن غسلهما ثلاثًا ثلاثًا فهذا هو الأفضل والأكمل، وإن غسلهما مخالفًا: فغسل بعض أعضائه ثلاثًا، وبعضها مرتين، وبعضها مرة فلا حرج، كل هذا ثبت عن النبي ﷺ.\nقال في تخريجه: حديث صحيح تفرد به أبو داود.\nكل الأحاديث في الوضوء ثابتة: حديث حمران عن عثمان، وحديث زيد بن عبد ربه وغيره، كلها صحيحة وثابتة في الصحيحين وفي غيرهما.\nفمرة واحدة هذا هو الغسل الواجب، وهو يجزئ، والمرة الثانية مستحبة، والثالثة مستحبة، والأكمل ثلاثًا ثلاثًا، ولا يزيد على ثلاث.\nوكون المسح مرة ثابت في الأحاديث الصحيحة، وستأتي الأحاديث التي تنص على أنه واحدة.\n[قال أبو داود: أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على مسح الرأس أنه مرة، فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثًا، وقالوا فيها: (ومسح رأسه) ولم يذكروا عددًا كما ذكروا في غيره].\nوهذا كما قال أبو داود ﵀: الأحاديث الصحيحة كلها ليس فيها: أن الرأس يثلث، وإنما فيها أن الرأس يمسح مرة، وهذا يدل على ضعف رواية عبد الرحمن بن وردان في الحديث السابق الذي فيه ذكر تثليث المسح، وعبد الرحمن بن وردان تكلموا فيه وقالوا: خالف الحفاظ، وفيه ضعف ما ذهب إليه الشافعي ﵀ من تثليث المسح وغيره؛ استدلالًا بالحديث: (أن النبي ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا) وهذا مجمل في كل الأعضاء ما عدا الرأس، أما الرأس فلا يثلث، كما في الأحاديث الصحيحة.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا عيسى حدثنا عبيد الله -يعني: ابن أبي زياد - عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبي علقمة: (أن عثمان ﵁ دعا بماء، فتوضأ فأفرغ بيده اليمنى على اليسرى، ثم غسلهما إلى الكوعين، قال: ثم مضمض واستنشق ثلاثًا، وذكر الوضوء ثلاثًا، قال: ومسح برأسه، ثم غسل رجليه، وقال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ مثل ما رأيتموني توضأ","vol":"8","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>شرح حديث علي في صفة وضوء النبي ﷺ</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد قال: حدثنا أبو عوانة عن خالد بن علقمة عن عبد خير قال: (أتانا علي ﵁ وقد صلى، فدعا بطهور فقلنا: ما يصنع بالطهور وقد صلى؟ ما يريد إلا ليعلمنا، فأتي بإناء فيه ماء وطست، فأفرغ من الإناء على يمينه فغسل يديه ثلاثًا، ثم تمضمض واستنثر ثلاثًا، فمضمض ونثر من الكف الذي يأخذ فيه، ثم غسل وجهه ثلاثًا، وغسل يده اليمنى ثلاثًا، وغسل يده الشمال ثلاثًا، ثم جعل يده في الإناء فمسح برأسه مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثًا ورجله اليسرى ثلاثًا، ثم قال: من سره أن يعلم وضوء رسول الله ﷺ فهو هذا)].\nوهذا فيه عن عبد خير وهو من أصحاب علي، وفيه النص على أنه مسح رأسه مرة واحدة؛ لأنه قيدها بقوله: (مرة واحدة).\nوفيه: المضمضة والاستنشاق من كف واحدة، فإنه مضمض واستنشق واستنثر من كف واحدة، وهذا هو الأفضل، فالأفضل أن يأخذ كفًا من ماء، ثم يتمضمض ويستنشق، فبعض الكف يتمضمضه، وبعضه يستنشقه، ويستنثر بيده الأخرى، يفعل هذا ثلاثًا.\nوإن تمضمض بكف واستنشق بكف فلا بأس، لكن الثابت في الأحاديث في وضوء النبي ﷺ: أنه تمضمض واستنشق من كف واحدة.\nقال في تخريجه: عبد خير بن يزيد الهمداني أبو عمارة الكوفي مخضرم أدرك الجاهلية.\nقال عثمان الدارمي عن يحيى بن معين: ثقة، وقال ابن أبي شيبة عن يحيى جاهلي.\nوقال العجلي: كوفي تابعي ثقة.\nقلت: وقال أبو جعفر محمد بن الحسين البغدادي: سألت أحمد بن حنبل عن الثبت في علي ﵁ فذكر عبد خير فيهم.\nوقال الخطيب: يقال: اسم عبد خير عبد الرحمن وذكره مسلم في الطبقة الأولى طويلًا، قال عبد الملك بن سلع: قلت لـ عبد خير: كم أتى عليك؟ قال: عشرون ومائة سنة.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن علي الحلواني حدثنا الحسين بن علي الجعفي عن زائدة حدثنا خالد بن علقمة الهمداني عن عبد خير قال: (صلى علي ﵁ الغداة، ثم دخل الرحبة فدعا بماء، فأتاه الغلام بإناء فيه ماء وطست، قال: فأخذ الإناء بيده اليمنى، فأفرغ على يده اليسرى وغسل كفيه ثلاثًا، ثم أدخل يده اليمنى في الإناء فمضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا، ثم ساق قريبًا من حديث أبي عوانة -ثم مسح رأسه مقدمه ومؤخره)، ثم ساق الحديث نحوه].\nوهذا كما سبق فيه: أنه تمضمض ثلاثًا، وغسل كفيه ثلاثًا، ومسح رأسه مقدمه ومؤخره، ويصح مسحه كيفما فعل، لكن الأفضل جاء في حديث حمران وغيره: (أن النبي ﷺ بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه).\nفيأخذ كفًا للمضمضة والاستنشاق، ثم يأخذ ماءً ويغسل وجهه.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن المثنى حدثني محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال: سمعت مالك بن عرفطة قال: سمعت عبد خير قال: (رأيت عليًا ﵁ أتي بكرسي فقعد عليه، ثم أتي بكوز من ماء فغسل يده ثلاثًا، ثم تمضمض مع الاستنشاق بماء واحد) وذكر الحديث].\nوفيه: أنه لا بأس بالوضوء للتعليم، فيتوضأ للتعليم وينوي الوضوء ورفع الحدث.\nفإذا توضأ للتعليم ونوى به الوضوء ورفع الحدث فإنه يكون وضوءًا، كما ثبت أن النبي ﷺ صلى على المنبر وركع، ثم لما أراد السجود نزل القهقرى وسجد في الأرض، ثم لما قام صعد على المنبر وركع، ولما أراد السجود نزل القهقرى وسجد في الأرض وقال: (إنما فعلت هذا لتعلموا صلاتي) فالصلاة للتعليم أو الوضوء للتعليم ما عليه بأس، وهو عبادة.\nوقول المؤلف: (مالك بن عرفطة)، بعضهم قال: إنه خالد بن علقمة.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا ربيعة الكناني عن المنهال بن عمرو عن زر بن حبيش أنه سمع عليًا وسئل عن وضوء رسول الله ﷺ فذكر الحديث وقال: (ومسح رأسه حتى لما يقطر، وغسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله صلى الله عليه وسل)].\nالمنهال بن عمرو بعضهم تكلم فيه، فقد تكلم فيه ابن حزم ﵀، لكنه لا بأس به، وفيه زر بن حبيش وهو من أصحاب علي وابن مسعود.\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى: حديث زر عن علي هذا: فيه المنهال بن عمرو كان ابن حزم يقول: لا يقبل في باقة بقل، ومن روايته حديث البراء الطويل في عذاب القبر، والمنهال قد وثقه يحيى بن معين وغيره، والذي غر ابن حزم شيئان: أحدهما: قول عبد الله بن أحمد عن أبيه، تركه شعبة على عمد.\nوالثاني: أنه سمع من داره صوت طنبور، وقد صرح شعبة بهذه العلة، فقال العقيلي عن وهيب: قال: سمعت شعبة يقول: أتيت المنهال بن عمرو فسمعت عنده صوت طنبور، فرجعت ولم أسأله، قيل: فهلا سألته فعسى كان لا يعلم به؟ والمنهال بكسر الميم وسكون النون ابن عمرو الأسدي مولاهم الكوفي، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال العجلي: كوفي ثقة، وتركه شعبة؛ لأنه سمع في منزله صوت طنبور.\nوشذ شعبة ﵀ في هذا.\nتركه هذا يعني: طعن فيه، وهذا يحتاج إلى سؤال، فإن كان عالمًا وأقره فهو طعن فيه، وإن كان لم يعلم، أو غلب على أمره فيكون معذورًا في هذا.\nوالمقصود: أن الجرح لا بد أن يكون مفسرًا، وأن يكون عن علم بهذا، وإلا فالأصل أنه ثقة.\nقوله: (حتى لما يقطر) هذه زيادة تشير إلى أن المسح كان مرة واحدة؛ لأنه لو كان ثلاثًا لقطر الماء عن رأسه بعد المسح.\nقال صاحب عون المعبود: [لما: بفتح اللام وتشديد الميم بمعنى: لم، وهي على ثلاثة أوجه: أحدهما: أن يختص بالمضارع فتجزمه وتنفيه وتقلبه ماضيًا مثل لم، إلا أنها تفارقه في أمور.\nوثانيها: أنها تختص بالماضي، فتقتضي جملتين وجدت ثانيتهما عند وجود أولاهما.\nوثالثها: أن تكون حرف استثناء، فتدخل على الجملة الإسمية، وهاهنا للوجه الأول].\nوالمراد الوجه الأول (حتى لم يقطر)، يعني: أنه مرة واحدة.","vol":"8","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>بيان صفة الوضوء من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا زياد بن أيوب الطوسي قال: حدثنا عبيد الله بن موسى قال: حدثنا فطر عن أبي فروة عن أبي عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: (رأيت عليًا ﵁ توضأ فغسل وجهه ثلاثًا، وغسل ذراعيه ثلاثًا، ومسح برأسه واحدة، ثم قال: هكذا توضأ رسول الله ﷺ)].\nهذا الحديث فيه النص على أن مسح الرأس مرة واحدة.","vol":"8","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>بيان صفة الوضوء من رواية أبي حية عن علي</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد وأبو توبة قالا: حدثنا أبو الأحوص ح وحدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي حية قال: (رأيت عليًا ﵁ توضأ فذكر وضوءه كله ثلاثًا ثلاثًا، قال: ثم مسح رأسه، ثم غسل رجليه إلى الكعبين، ثم قال: إنما أحببت أن أريكم طهور رسول الله ﷺ)].\nقوله: (أبو حية).\nهو أبو حية بن قيس الوادعي الخارفي نسبة إلى خارف، وهي بطن من همدان، نزل الكوفة، واختلف في اسمه، وقال أبو أحمد الحاكم وغيره: لا يعرف اسمه.\nوقال أبو زرعة: لا يسمى.\nوقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو الوليد بن الفرضي: مجهول، وقال ابن المديني، وقال ابن القطان: وثقه بعضهم، وصحح حديثه ابن السكن وغيره.\nيقول في التقريب: قال: مقبول، والحديث له متابعات وشواهد.","vol":"8","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>بيان صفة الوضوء من رواية ابن عباس عن علي</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني قال: حدثنا محمد يعني: ابن سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة عن عبيد الله الخولاني عن ابن عباس ﵄ قال: (دخل عليَّ علي ﵁ - يعني: ابن أبي طالب - وقد أهراق الماء، فدعا بوضوء، فأتيناه بتور فيه ماء حتى وضعناه بين يديه، فقال: يا ابن عباس! ألا أريك كيف كان يتوضأ رسول الله ﷺ؟ قلت: بلى، قال: فأفضى الإناء على يده فغسلها، ثم أدخل يده اليمنى فأفرغ بها على الأخرى، ثم غسل كفيه، ثم تمضمض واستنثر، ثم أدخل يديه في الإناء جميعًا فأخذ بهما حفنة من ماء فضرب بها على وجهه، ثم ألقم إبهاميه ما أقبل من أذنيه، ثم الثانية، ثم الثالثة مثل ذلك، ثم أخذ بكفيه اليمني قبضة من ماء فصبها على ناصيته فتركها تستن على وجهه، ثم غسل ذراعيه إلى المرفقين ثلاثًا ثلاثًا، ثم مسح رأسه وظهور أذنيه، ثم أدخل يديه جميعًا فأخذ حفنة من ماء فضرب بها على رجله وفيها النعل فغسلها بها، ثم الأخرى مثل ذلك، قال: قلت: وفي النعلين، قال: وفي النعلين، قال: قلت: وفي النعلين قال: وفي النعلين)].\nهذا الحديث ضعيف، ضعفه البخاري والشافعي وفيه نكارة من وجهين: الوجه الأول: أنه صب الماء على ناصيته بعد غسل يديه ثلاثًا.\nالوجه الثاني: أنه غسل رجليه وفيهم النعلان، وهذا فيه إفساد لهما، وقد جاءت النصوص بعدم إضاعة المال، إلا أن يقال: إنهما نعلان لا يضرهما الماء، فلا يؤثر فيهما الماء، لكن المعروف أن النعلين كانتا من جلد؛ فيؤثر عليهما الماء.\nقوله: (محمد بن إسحاق) صاحب المغازي، وهو ثقة لكنه مدلس ﵀.\nقوله: (ابن ركانة): بضم الراء، محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة القرشي المطلبي، وثقه ابن معين وأبو داود وذكره ابن حبان في الثقات، مات في أول خلافة هشام بن عبد الملك بالمدينة.\nقال الخطابي: وأما هذا الحديث فقد تكلم الناس فيه.\nقال أبو عيسى: سألت محمد بن إسماعيل عنه فضعفه.\nوقال: ما أدري ما هذا، وقد يحتمل - إن ثبت الحديث - أن تكون تلك الحفنة من الماء قد وصلت إلى ظاهر القدم وباطنه، وإن كان في النعل، ويدل على ذلك قوله: ففتلها بها.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو داود: وحديث ابن جريج عن شيبة يشبه حديث علي لأنه قال فيه حجاج بن محمد عن ابن جريج: ومسح برأسه مرة واحدة.\nوقال ابن وهب فيه عن ابن جريج: ومسح برأسه ثلاثًا].\nحديث (غسل قدميه في نعله) ثبت عن علي وقال: هذا وضوء من لم يحدث.\nقال ابن القيم: [فإن البخاري روى في صحيحه حديث ابن عباس ﵄ كما سيأتي، وقال في آخره: (ثم أخذ غرفة من ماء فرش بها على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها -يعني: رجله اليسرى- ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ)] وقد حسنه الألباني.","vol":"8","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>بيان صفة الوضوء من رواية يحيى المازني عن عبد الله بن زيد</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أنه قال لـ عبد الله بن زيد بن عاصم وهو جد عمرو بن يحيى: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد ﵁: نعم، فدعا بوضوء فأفرغ على يديه فغسل يديه، ثم تمضمض واستنثر ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه].\nحديث عبد الله بن زيد ثابت في الصحيحين وغيرهما، وفيه: أنه غسل وجهه ثلاثًا وغسل يديه مرتين مخالفة.","vol":"8","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>بيان صفة المضمضة والاستنشاق من رواية المازني عن عبد الله بن زيد</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد قال: حدثنا خالد عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ بهذا الحديث وقال: فمضمض واستنشق من كف واحدة يفعل ذلك ثلاثًا.\nثم ذكر نحوه].\nفيه المضمضة والاستنشاق من كف واحدة، وأنه كررها ثلاثًا.","vol":"8","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>بيان مسح الرأس وغسل القدمين من حديث واسع عن عبد الله بن زيد</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال: حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث أن حبان بن واسع حدثه أن أباه حدثه أنه سمع عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ الله عنه يذكر أنه رأى رسول الله ﷺ فذكر وضوءه، قال: (ومسح رأسه بماء غير فضل يديه، وغسل رجليه حتى أنقاهما)].\nفيه: أنه يأخذ ماءً جديدًا للرأس غير ماء اليدين، لكن لا يصب الماء على الرأس وإنما يمسح.","vol":"8","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>بيان صفة الوضوء من رواية عبد الرحمن الحضرمي عن المقداد</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل حدثنا أبو المغيرة حدثنا حريز حدثني عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي قال: سمعت المقدام بن معدي كرب الكندي ﵁ قال: (أتي رسول الله ﷺ بوضوء فتوضأ فغسل كفيه ثلاثًا)].\nوَضوء بفتح الواو أفصح، ويعني: بالماء، والفعل يقال بضم الواو، فهو أفصح، وإلا يجوز أن يطلق هذا على هذا، وهذا على هذا.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: (أتي رسول الله ﷺ بوضوَء فتوضأ فغسل كفيه ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ثم تمضمض واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما)].\nهذا الحديث في سنده حريز وهو متهم برأي الخوارج، وهو من رجال البخاري، أما عبد الرحمن الحضرمي فهو ضعيف، قال فيه الحافظ: مقبول، وقد خالف الثقات هنا، فقوله: (ثم تمضمض واستنشق) بعد غسل اليدين منكر؛ لأنه أتى بكلمة (ثم) التي تفيد الترتيب، وهذا مخالف للأحاديث الصحيحة؛ فيكون شاذًا، فلا حجة فيما رواه عبد الرحمن الحضرمي؛ لأنه مقبول، وقد خالف الثقات، والصواب: أن المضمضة والاستنشاق تكون مع غسل الوجه وقبل غسل اليدين، وهو الذي دل عليه حديث عبد الله بن زيد، وحديث حمران، كلها تذكر المضمضة والاستنشاق مع غسل الوجه، وليس فيها أن المضمضة تكون بعد غسل اليدين، وإنما هذا في رواية أبي داود عن الإمام أحمد بن حنبل من شيوخه.","vol":"8","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>بيان كيفية مسح الرأس من رواية عبد الرحمن الحضرمي عن المقداد بن معد يكرب</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمود بن خالد ويعقوب بن كعب الأنطاكي لفظه: قالا: حدثنا الوليد بن مسلم عن حريز بن عثمان عن عبد الرحمن بن ميسرة عن المقدام بن معدي كرب ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ توضأ، فلما بلغ مسح رأسه وضع كفيه على مقدم رأسه، فأمرهما حتى بلغ القفا، ثم ردهما إلى المكان الذي منه بدأ).\nقال محمود: قال: أخبرني حريز].\nهذا فيه كيفية مسح الرأس، وهي على هذه الكيفية إذا عمم أجزأه، لكن الأفضل ما جاء في الأحاديث الصحيحة في أنه يبدأ من مقدم رأسه إلى قفاه، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه، وهنا فيه أن وضعه هنا كان على قصة رأسه، ثم أمرها، وهذا لا بأس به، لكن الأفضل أن يبدأ بمقدم رأسه، ثم يذهب بهما إلى قفاه، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه.","vol":"8","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>بيان كيفية مسح الأذنين من رواية الحضرمي عن المقداد</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمود بن خالد وهشام بن خالد المعنى قالا: حدثنا الوليد بهذا الإسناد، قال: (ومسح بأذنيه ظاهرهما وباطنهما).\nزاد هشام: (وأدخل أصابعه في صماخ أذنيه)].\nالوليد بن مسلم مدلس، لكنه صرح هنا بالسماع، وفيه: أن مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما، باطنهما: بالسبابتين في صماخ الأذنين، وظاهرهما: بإبهامه مما يلي الرأس.\nوهذا في رواية عبد الرحمن الحضرمي لكنه وافق الأحاديث الصحيحة، ووافق الثقات.","vol":"8","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>بيان كيفية مسح الرأس من رواية يزيد بن أبي مالك عن معاوية</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا عبد الله بن العلاء حدثنا أبو الأزهر المغيرة بن فروة ويزيد بن أبي مالك: (أن معاوية ﵁ توضأ للناس كما رأى رسول الله ﷺ يتوضأ، فلما بلغ رأسه غرف غرفة من ماء فتلقاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه، حتى قطر الماء أو كاد يقطر، ثم مسح من مقدمه إلى مؤخره، ومن مؤخره إلى مقدمه)].\nهذا الحديث صحيح أخرجه أحمد من طريق الوليد بن مسلم.\nوفيه: أنه صب الماء على رأسه، حيث أخذ غرفة بيده اليمنى ثم جعلها وسط رأسه حتى قطر الماء، وهذا فيه نكارة؛ لأنه ورد في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ مسح رأسه، وليس فيه أنه أخذ الماء وصبه حتى قطر الماء، ثم مسح رأسه، فالرأس لا يغسل وإنما يمسح، فالمغسولات وهي: الوجه، واليدين، والرجلين، والعضو الرابع يمسح.\nوالوليد بن مسلم مدلس، لكنه صرح بالسماع هنا.\nالمغيرة بن فروة الثقفي أبو الأزهر الدمشقي، ومنهم من قلبه، وهو مشهور بكنيته، مقبول.\nويزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك الهمداني بالسكون الدمشقي القاضي، صدوق ربما وهم.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمود بن خالد حدثنا الوليد بهذا الإسناد قال: (فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، وغسل رجليه بغير عدد)].\nلكن العدد ثابت في الأحاديث الأخرى.","vol":"8","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>بيان صفة الوضوء من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا بشر بن المفضل حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ بن عفراء ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يأتينا، فحدثتنا أنه قال: اسكبي لي وضوءًا، فذكرت وضوء رسول الله ﷺ وقالت فيه: فغسل كفيه ثلاثًا، ووضأ وجهه ثلاثًا، ومضمض واستنشق مرة، ووضأ يديه ثلاثًا ثلاثًا، ومسح برأسه مرتين، يبدأ بمؤخر رأسه ثم بمقدمه، وبأذنيه كلتيهما ظهورهما وبطونهما، ووضأ رجليه ثلاثًا ثلاثًا) قال أبو داود: وهذا معنى حديث مسدد].\nهذا الحديث ضعيف؛ لأن في سنده عبد الله بن محمد بن عقيل وهو سيئ الحفظ، وفيه نكارة، حيث يقول: مسح برأسه مرتين، فإن كان مقصوده بمرتين أنه بدأ بمقدم رأسه واعتبرها مرة، ثم ردهما المكان الذي بدأ منه مرة فهذا لا يعتبر، وإن كان مقصوده أنه كرر المسح فهذا مخالف للأحاديث الصحيحة، والصواب: أن الرأس لا يمسح إلا مرة واحدة، وليبدأ بمقدم رأسه ثم يردهما إلى المكان الذي رجع منه وتعتبر مرة؛ لأنه حين يرده المرة الأخرى يمسح أطراف الشعر الذي ما أصابه في المسحة الأولى، والمرأة مثل الرجل في هذا، ولا يجب عليها مسح الظفائر.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا سفيان عن ابن عقيل بهذا الحديث، يغير بعض معاني بشر قال فيه: (وتمضمض واستنثر ثلاثًا)].\nيعني: غير معنى حديث بشر بن المفضل.\nيقول الألباني: الحديث السابق، حديث الربيع أخرجه ابن ماجة في الطهارة، والترمذي وقال: حديث حسن، وحديث عبد الله بن زيد أصح من هذا وأجود إسنادًا.\nقال الشيخ شاكر في تعليقه على هذا الحديث: وحديث الربيع صحيح، وإنما اقتصر الترمذي على تحسينه ذهابًا منه إلى أنه يعارض حديث عبد الله بن زيد، ولكنهما عن حادثتين مختلفتين، فلا تعارض بينهما حتى يحتاج إلى ترجيح، فكان النبي ﷺ يبدأ بمقدم الرأس، وكان يبدأ بمؤخره، وكل جائز.","vol":"8","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>بيان كيفية مسح الرأس من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد ويزيد بن خالد الهمداني قالا: حدثنا الليث عن ابن عجلان عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ بن عفراء ﵂: (أن رسول الله ﷺ توضأ عندها، فمسح الرأس كله من قرن الشعر، كل ناحية لمنصب الشعر، ولا يحرك الشعر عن هيئته)].\nهذا الحديث في المسح على أي كيفية، لكن الأفضل أن يبدأ بمقدم رأسه، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه كما جاء في الأحاديث، وهذا الحديث فيه عبد الله بن محمد بن عقيل، أما الليث: فهو الليث بن سعد ثقة إمام معروف.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا بكر - يعني: ابن مضر - عن ابن عجلان عن عبد الله بن محمد بن عقيل أن ربيع بنت معوذ بن عفراء ﵂ أخبرته قالت: (رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ قالت: فمسح رأسه، ومسح ما أقبل منه وما أدبر، وصدغيه، وأذنيه، مرة واحدة)].\nهذا الحديث ضعيف، في سنده عبد الله بن محمد بن عقيل وهو ضعيف في الحفظ وفيه نكارة مسح الصدغين، والصدغان لا يمسحان.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا عبد الله بن داود عن سفيان بن سعيد عن ابن عقيل عن الربيع ﵂: (أن النبي ﷺ مسح برأسه من فضل ماء كان في يده)].\nهذا الحديث ضعيف، ففيه: عبد الله بن محمد بن عقيل قال البخاري: شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة، أي: الأحاديث الصحيحة في أنه يمسح رأسه بماء جديد، لا من فضل يده، بل يأخذ ماء ويغسل وجهه، ثم يأخذ ماءً ويغسل يده اليمنى، ثم يأخذ ماءً ويمسح رأسه، وإنما الأذنان يمسحان تبعًا للرأس؛ لأنهما من الرأس.\nأما الرأس واليدان فعضوان مستقلان، فيأخذ ماءً جديدًا لهما.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا إبراهيم بن سعيد حدثنا وكيع حدثنا الحسن بن صالح عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ ﵂: (أن النبي ﷺ توضأ فأدخل إصبعيه في حجري أذنيه)].\nقوله: (في حجري أذنيه) يعني: في صماخ الأذنين، المسبحة في الصماخ، والإبهامين يمسح بهما ظاهر أذنيه مما يلي الرأس.","vol":"8","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>بيان عدد مرات مسح الرأس وكيفيته من رواية طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عيسى ومسدد قالا: حدثنا عبد الوارث عن ليث عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال: (رأيت رسول الله ﷺ يمسح رأسه مرة واحدة؛ حتى بلغ القذال وهو أول القفا).\nوقال مسدد: مسح رأسه من مقدمه إلى مؤخره، حتى أخرج يديه من تحت أذنيه].\nهذا الحديث ضعيف أيضًا؛ لأن في إسناده ليث بن أبي سليم، وكذلك مصرف والد طلحة مجهول، وجده عمرو كذلك، وليس له صحبة، وفيه نكارة، وهو قوله: مسح الرقبة إلى القذال، وقوله: أخرج يديه من تحت أذنيه، فكل هذا فيه نكارة؛ لأنه مخالف للأحاديث الصحيحة.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو داود: قال مسدد: فحدثت به يحيى فأنكره.\nوقال أبو داود: وسمعت أحمد يقول: إن ابن عيينة زعموا أنه كان ينكره ويقول: إيش هذا طلحة عن أبيه عن جده؟].\nقوله: (إيش) كلمة استفهام كأي شيء هذا، يعني: مختصرة منحوتة من أي شيء، وهي مثل: الحوقلة، والبسملة، والحمدلة.\nوهي استفهام إنكار، فقوله: (إيش هذا طلحة بن مصرف) يدل على أن هذا فيه نكارة؛ يعني: استنكر ما رواه طلحة بن مصرف من مسح الرقبة.\nوهذا الحديث فيه أن أبا داود كان شيخه أحمد بن حنبل.\nوقوله: (زعموا) يعني: قالوا، (فزعم) تطلق على مجرد القول، وتطلق على الادعاء الكاذب، فقوله: إيش طلحة؟ يعني: غير معروف طلحة هذا، ومصرف والده غير معروف، فـ طلحة ضعيف، وما رواه فيه نكارة.","vol":"8","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>بيان الوضوء ثلاثًا من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن علي حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا عباد بن منصور عن عكرمة بن خالد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: (رأى رسول الله ﷺ يتوضأ.\nفذكر الحديث كله ثلاثًا ثلاثًا، قال: ومسح برأسه وأذنيه مسحة واحدة)].\nهذه هي السنة، حيث إن الرأس والأذنين تمسحان مسحة واحدة.","vol":"8","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>بيان حكم مسح المأقين والأذنين من رواية شهر بن حوشب عن أبي أمامة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد ح وحدثنا مسدد وقتيبة عن حماد بن زيد عن سنان بن ربيعة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة ﵁ ذكر وضوء النبي ﷺ: (كان رسول الله ﷺ يمسح المأقين قال: وقال: الأذنان من الرأس).\nقال سليمان بن حرب: يقولها أبو أمامة قال قتيبة: قال حماد: لا أدري هو من قول النبي ﷺ أو من أبي أمامة ﵁ - يعني: قصة الأذنين -.\nقال قتيبة عن سنان أبي ربيعة.\nقال أبو داود: وابن ربيعة كنيته أبو ربيعة].\nلا شك أن الأذنين من الرأس، وسواء كان هذا كلام النبي ﷺ أو من كلام أبي أمامة.\nوالمأقين: ما تحت العينين.\nوهذا الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة وأحمد في مسنده.\nأما شهر بن حوشب فهذا تكلم فيه وله أوهام، منهم من ضعفه، ومنهم من وثقه، وإذا خالف الثقات فلا عبرة حينئذٍ.\nوقال صاحب عون المعبود: المأقين تثنية مأق بالفتح وسكون الهمزة، أي: يدلكهما، في القاموس: موق العين: مجرى الدمع منها أو مقدمها أو مؤخرها.\nقوله: (يمسح المأقين) إن كان مقصوده يمسح تبعًا للرأس فلا يكون إشكال، وإن كان المقصود أن الدلك يكون للوجه والمسح يكون للمأقين، فتخصيص المأقين بالمسح ليس له وجه.\nوأما قوله: (الأذنان من الرأس)، فهذا حق، وسواء كان هذا من قول النبي ﷺ أو قول أبي أمامة فالأذنان من الرأس تابعان له؛ فلا يؤخذ لهما ماء جديد على الصحيح، بل يمسحان بما بقي في اليد.\nقال الخطابي: وقوله: الأذنان من الرأس، فيه بيان أنهما ليستا من الوجه كما ذهب إليه الزهري، وأنه ليس باطنهما من الوجه، وظاهرهما من الرأس، كما ذهب إليه الشعبي، وممن ذهب إلى أنهما من الرأس المسيب وعطاء والحسن وابن سيرين وسعيد بن جبير والنخعي وهو قول الثوري وأصحاب الرأي، ومالك وأحمد بن حنبل وقال الشافعي: هما سنة على حيالهما، ليستا من الوجه ولا من الرأس، وتأول أصحابه الحديث على وجهين: أحدهما: أنهما يمسحان مع الرأس تبعًا له.\nوالآخر: أنهما يمسحان كما يمسح الرأس، ولا يغسلان كالوجه، وإضافتهما إلى الرأس إضافة تشبيه وتقريب لا إضافة تحقيق، وإنما هو في معنى دون معنى، كقوله: مولى القوم منهم، أي: في حكم النصرة والموالاة دون حكم النسب واستحقاق الإرث، ولو أوصى رجل لبني هاشم لم يعط مواليهم، ومولى اليهودي لا يؤخذ بالجزية، وفائدة الكلام ومعناه عندهم: إبانة الأذن عن الوجه في حكم الغسل، وقطع الشبهة فيهما، لما بينهما من الشبه في الصورة، وذلك أنهما وجدتا في أصل الخلقة بلا شعر، وجعلتا محلًا لحاسة من الحواس، ومعظم الحواس محل الوجه، فقيل: (الأذنان من الرأس) ليعلم أنهما ليستا من الوجه.\nوالصواب: أنهما من الرأس.\nوالقول بأنهما مستقلتان، أو أن ظاهرهما أي: ما ظهر من الوجه، وما كان من جهة الرأس من الرأس قول ضعيف، والدليل على هذا: أن النبي ﷺ مسحهما بعد مسح الرأس؛ مما يدل على أنهما من الرأس باطنهما وظاهرهما.\nوقال الحافظ: حديث (الأذنان من الرأس) رواه ثمانية أنفس من الصحابة.\nفالحديث إذا كان ثابتًا عن النبي ﷺ فلا إشكال فيه، لكن شهر بن حوشب الذي روى هذا الحديث فيه كلام، وإذا خالف الثقات فلا حجة فيما رواه.","vol":"8","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>الأسئلة</span>","vol":"8","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>مراد البخاري بقوله في التبويب ولا يمسح على النعلين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  تبويب البخاري: باب غسل الرجلين في النعلين ولا يمسح على النعلين، كأنه يرد حديث علي هذا فما توجيهكم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هو رد مذهب الرافضة الذين يرون المسح، لكن حديث علي هذا قال: (هذا وضوء من لم يحدث)، بمعنى: أنه إذا كان على ضوء فلا بأس، وأخرج البخاري هذا الحديث بدون: (هذا وضوء من لم يحدث).","vol":"8","page":21},{"text":"شرح سنن أبي داود_<span data-type=\"title\" id=toc-132>كتاب الطهارة [٩]</span>\nللوضوء أحكام بينتها السنة، فمن ذلك: مشروعية الوضوء مرة مرة، والوضوء مرتين مرتين، والوضوء ثلاثًا ثلاثًا، ومشروعية المضمضة والاستنشاق والاستنثار، ومشروعية تخليل اللحية، وغير ذلك من الأحكام.","vol":"9","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>الوضوء ثلاثًا ثلاثًا</span>","vol":"9","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>شرح حديث عبد الله بن عمرو في صفة وضوء النبي</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا.\nحدثنا مسدد قال: حدثنا أبو عوانة عن موسى بن أبي عائشة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: (إن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! كيف الطهور؟ فدعا بماء في الإناء فغسل كفيه ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا، ثم مسح برأسه وأدخل أصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم، أو ظلم وأساء)].\nهذه الترجمة معقودة لبيان الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، والوضوء ثلاثًا ثلاثًا هو أكثر الوضوء وأكمله، بمعنى: أنه يغسل أعضاء الوضوء كل عضو ثلاثًا ثلاثًا، فيتمضمض ثلاثًا، ويستنشق ثلاثًا، ويغسل وجهه ثلاثًا، ويغسل يده اليمنى ثلاثًا، ويغسل يده اليسرى ثلاثًا، ويغسل رجله اليمنى ثلاثًا، ويغسل رجله اليسرى ثلاثًا، وأما الرأس فإنه لا يكرر بل يمسح مرة واحدة، فهذا هو أكثر ما ورد عن النبي ﷺ.\nوثبت عنه ﵊ أنه توضأ مرتين مرتين، أي: يغسل كل عضو مرتين، وثبت أنه توضأ مرة مرة، فكل عضو يغسله مرة، وثبت أنه توضأ مخالفًا فيغسل بعض الأعضاء مرة، وبعضها مرتين، وبعضها ثلاثًا، وهذا كله ثابت عن النبي ﷺ، فهناك أربع صور في الوضوء: ثلاثًا ثلاثًا، ومرتين مرتين، ومرة مرة، ومخالفة، فلا يزيد على ثلاث.\nوهذا الحديث فيه قوله: (فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء).\nوكلمة: (أو نقص) وهم من بعض الرواة، قيل: إنه وهم من أبي عوانة؛ لأن النقص من ثلاثٍ لا بأس به كما سبق، وإنما الممنوع الزيادة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة: من حديث عبد الله بن زيد، وحديث حمران مولى عثمان وغيرهما.\nوقال الألباني عن هذا الحديث: حسن صحيح دون قوله: (أو نقص) فإنه شاذ، والحديث أخرجه النسائي وابن ماجة.","vol":"9","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>الوضوء مرتين</span>","vol":"9","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>شرح حديث أبي هريرة: (أن رسول الله توضأ مرتين مرتين)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء مرتين.\nحدثنا محمد بن العلاء قال: حدثنا زيد -يعني: ابن الحباب - قال: حدثنا عبد الرحمن بن ثوبان قال: حدثنا عبد الله بن الفضل الهاشمي عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ توضأ مرتين مرتين)].\nهذا الحديث ثابت في الصحيحين، أي: أنه غسل كل عضو مرتين مرتين، والمراد بالمرة تعميم العضو بالماء، فإن هذا يعتبر مرة سواء كان بغرفة أو بغرفتين، إذ لا عبرة بالغرفات، وإنما العبرة بتعميم العضو، فإذا عمم وجهه بالماء من شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولًا، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا، فهذه تعتبر مرة واحدة، وكذلك إذا عمم غسل يده من رءوس الأصابع حتى يشرع في العضد، فهذه تعتبر مرة واحدة.","vol":"9","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>شرح حديث ابن عباس في صفة وضوء رسول الله</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا محمد بن بشر قال: حدثنا هشام بن سعد قال: حدثنا زيد عن عطاء بن يسار قال: قال لنا ابن عباس ﵄: (أتحبون أن أريكم كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فدعا بإناء فيه ماء فاغترف غرفة بيده اليمنى، فتمضمض واستنشق، ثم أخذ أخرى فجمع بها يديه، ثم غسل وجهه، ثم أخذ أخرى فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ أخرى فغسل بها يده اليسرى، ثم قبض قبضة من الماء، ثم نفض يده، ثم مسح بها رأسه وأذنيه، ثم قبض قبضة أخرى من الماء فرش على رجله اليمنى وفيها النعل، ثم مسحها بيديه: يد فوق القدم ويد تحت النعل، ثم صنع باليسرى مثل ذلك)].\nهذا الحديث فيه بعض الوهم، فقوله: (فأخذ غرفة فرش بها رجله) في رواية البخاري: (فرش بها رجله فغسلها).\nقوله: (وفيها النعل) يحتمل أنه توضأ وهو على طهارة، فيكون هذا وضوء من لم يحدث، ولهذا رش بها نعليه كما ثبت عن علي ﵁.\nوكذلك قوله: (ثم مسحها بيديه: يد فوق القدم ويد تحت النعل) هذا أيضًا قيل: إنه من أوهام هشام بن سعد؛ لأنه إن وضع يده تحت النعل للوث يده، فالمراد إذًا وضع يد فوق القدم ويد تحت القدم.\nوالمقصود أن وضوء النبي ﷺ ثابت في الأحاديث الصحيحة.\nقال: وأما قوله: (تحت النعل) فشاذ، وراويها هشام بن سعد لا يحتج بما انفرد به، فكيف إذا خالف؟! وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأنه حديث ضعيف، ولو صح فهذا مخالف لسائر الروايات.\nوالحافظ يقول: لعله أراد التجوز، ومقصوده تحت النعل، يعني: تحت القدم، لكن هذا فيه بعد.","vol":"9","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>الوضوء مرة مرة</span>","vol":"9","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>شرح حديث ابن عباس: (ألا أخبركم بوضوء رسول الله</span>؟)\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء مرة مرة.\nحدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى عن سفيان قال: حدثني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس ﵄ قال: (ألا أخبركم بوضوء رسول الله ﷺ؟ فتوضأ مرة مرة)].\nهذا الحديث ثابت في الصحيح: (أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة)، وهذا أقل الواجب، فأقل الواجب أن يتوضأ الإنسان مرة مرة، بمعنى: أنه يغسل كل عضو مرة يعممها بالماء.","vol":"9","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>الفرق بين المضمضة والاستنشاق</span>","vol":"9","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>شرح حديث فصل رسول الله المضمضة والاستنشاق</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في الفرق بين المضمضة والاستنشاق.\nحدثنا حميد بن مسعدة قال: حدثنا معتمر قال: سمعت ليثًا يذكر عن طلحة عن أبيه عن جده ﵁ قال: (دخلت -يعني: على النبي ﷺ- وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق)].\nهذا الحديث ضعيف، في سنده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف متكلم فيه.\nوفيه أيضًا مصرف والد طلحة هو مجهول، وما دل عليه الحديث من الفصل بين المضمضة والاستنشاق ضعيف، والمعروف في الأحاديث الصحيحة من حديث عبد الله بن زيد، وحديث حمران عدم الفصل بين المضمضة والاستنشاق، بل كان يأخذ غرفة واحدة من كف واحدة يتمضمض منه ويستنشق، ولا يفصل بينهما.","vol":"9","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>حكم الاستنثار</span>","vol":"9","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>شرح حديث: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في الاستنثار.\nحدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر)].\nهذا الحديث لا بأس بسنده، وفيه مشروعية الاستنثار، فقيل: إنه للوجوب؛ لأن الأوامر أصلها للوجوب، ومعنى الاستنثار: هو أن يخرج الماء الذي في أنفه، والاستنشاق: أن يجذب الماء بأنفه، والمضمضة والاستنشاق فيهما خلاف في وجوبهما، فقيل: إنهما واجبتان في الوضوء والغسل.\nوقيل: واجبتان في الوضوء دون الغسل.\nوقيل: يجب الاستنشاق ولا تجب المضمضة، والصواب: وجوبهما؛ لهذا الحديث وغيره، والاستنثار واجب أيضًا، فيجب أن يستنشق ويستنثر.","vol":"9","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>شرح حديث: (استنثروا مرتين بالغتين، أو ثلاثًا)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا إبراهيم بن موسى قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا ابن أبي ذئب عن قارظ عن أبي غطفان عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثًا)].\nهذا الحديث فيه أبو غطفان وهو ضعيف.\nوفيه الأمر بالاستنثار مرتين وهذا ليس بواجب، وإنما الواجب مرة؛ لأن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، فيكون الأمر بقوله: (استنثروا مرتين بالغتين) من باب التنظيف، لكن الواجب مرة، والحديث أخرجه ابن ماجة.\nوإني أعجب ممن قال عن هذا الحديث صحيح؛ إذ كيف يكون صحيحًا وفيه الأمر بالاستنثار مرتين، وأن الواجب مرة.","vol":"9","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>شرح حديث: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد في آخرين قالوا: حدثنا يحيى بن سليم عن إسماعيل بن كثير عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه لقيط بن صبرة ﵁ قال: (كنت وافد بني المنتفق أو في وفد بني المنتفق إلى رسول الله ﷺ، قال: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ فلم نصادفه في منزله، وصادفنا عائشة أم المؤمنين ﵂، قال: فأمرت لنا بخزيرة فصنعت لنا، قال: وأتينا بقناع - ولم يقل قتيبة القناع - والقناع: الطبق فيه تمر، ثم جاء رسول الله ﷺ فقال: هل أصبتم شيئًا أو أمر لكم بشيء؟ قال: قلنا: نعم يا رسول الله، قال: فبينا نحن مع رسول الله ﷺ جلوس إذ دفع الراعي غنمه إلى المراح ومعه سخلة تيعر، فقال: ما ولدت يا فلان؟ قال: بهمة، قال: فاذبح لنا مكانها شاة، ثم قال: لا تحسِبن - ولم يقل لا تحسَبن - أنا من أجلك ذبحناها، لنا غنم مائة لا نريد أن تزيد، فإذا ولد الراعي بهمة ذبحنا مكانها شاة قال: قلت: يا رسول الله! إن لي امرأة وإن في لسانها شيئًا -يعني: البذاء-، قال: فطلقها إذًا، قال: قلت: يا رسول الله! إن لها صحبة ولي منها ولد، قال: فمرها - يقول عظها -، فإن يك فيها خير فستفعل، ولا تضرب ظعينتك كضربك أميتك.\nفقلت: يا رسول الله! أخبرني عن الوضوء؟ قال: أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما)].\nهذا الحديث رواه أحمد وأهل السنن ولا بأس بسنده، وهو حديث فيه فوائد وأحكام، والشاهد من الحديث قوله: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا) إذ فيه دليل على مشروعية الاستنشاق ووجوبه.\nوفيه: أن الصائم لا يبالغ في الاستنشاق.\nوفيه دليل على أن الأنف منفذ بخلاف العين والأذن، فإذا قطر الصائم في العين أو الأذن فلا يفطر على الصحيح كما حقق ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، ولو وجد طعمًا في حلقه؛ لأن العين والأذن ليستا منفذين، لكن إذا قضى من باب الاحتياط وخروجًا من الخلاف فحسن، وأما الأنف فإنه منفذ، ولهذا قال النبي ﷺ: (بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا)، فدل على أن الأنف منفذ مثل الفم، فإذا استعط -أي: جعل السعوط في أنفه- ووصل إلى حلقه فإنه يفطر؛ لأن الأنف منفذ.\nوالحديث فيه فوائد أخرى منها: مشروعية إكرام الضيف، وأن الضيف إذا جاء ورب الدار ليس موجودًا فإن من في البيت من زوجة وخادم يقوم بواجب الضيافة؛ ولهذا قدمت عائشة ﵂ لهم واجب الضيافة قبل أن يأتي النبي ﷺ، حيث قدمت لهم خزيرة، والخزيرة بالخاء العصيدة فيها قطعة من اللحم، فإن لم يكن فيها لحم سميت حزيرة بالحاء.\nوفيه: عدم التكلف للضيف؛ حتى لا يكون ذلك سببًا في نفرة الضيف، ولهذا فإنهم قدموا لهم ما تيسر وذبحوا لهم، وقال لهم: لا تحسبن أنا ذبحناها من أجلكم، بل عندما مائة لا نحب أن تزيد، فإذا ولد الراعي واحدة ذبحنا مكانها فلا نتكلف، فإذا لم يتكلف للضيف صار هذا سببًا في مجيء الضيوف، وأما إذا تكلف صار هذا سببًا في بعد الضيوف وعدم مجيئهم؛ خوفًا من التكلف.\nقوله: (إن لي امرأة بذيئة اللسان، قال: طلقها إذًا، قال: ولي منها ولد، فأمره أن يعظها)، وهنا ينظر في المصلحة، فإن كانت الزوجة بذيئة اللسان وليس له منها ولد ورأى المصلحة في تطليقها طلقها، وإن كان له ولد فإنه ينظر ويتأمل ويعظها ولا يعجل.\nوقوله: (فلم نصادفه) فيه دليل على جواز قول الإنسان لأخيه: لقيت فلانًا صدفة؛ لأن المقصود صدفة بالنسبة لي ولك، وأما بالنسبة لله ﷿ فلا يقال هذا، فالله تعالى علم الأشياء وكتبها في اللوح المحفوظ، فمن قال -بالنسبة لله-: إنه صدفة فقد كفر وارتد؛ لأنه نسب الله للجهل وأنكر القدر، لكن قوله: لقيت فلانًا صدفة يعني بالنسبة لي أنا وهو، فهي صدفة، يعني: من غير ميعاد، ولهذا قال: فلم نصادفه، وصادفنا عائشة.\nوقوله: (فأمرت لنا بخزيرة فصنعت لنا) فيه عناية النبي ﷺ بالضيف، وكرم عائشة ﵂، ونبل أخلاقها.\nوقوله: (وأوتينا بقناع قال: -ولم قتيبة القناع- والقناع: الطبق فيه تمر ثم جاء رسول الله ﷺ).\nيعني: قدمت لهم خزيرة وهي عصيدة، وقدمت لهم طبقًا من تمر، ثم جاء النبي ﷺ وسأل أيضًا -وهذا من عنايته بالضيف- هل أمر لكم بشيء؟ فقالوا: نعم، يعني: هل أمر لكم بحق الضيافة؟ فقال رسول الله ﷺ: (هل أصبتم شيئًا أو أمر لكم بشيء؟ قال: قلنا: نعم يا رسول الله! قال: فبينا نحن مع رسول الله ﷺ جلوس إذ دفع الراعي غنمه إلى المراح ومعه سخلة تيعر).\nتيعر أي: تصيح، وصوت الغنم يقال له: تيعر، والبقر يقال له: خوار، والإبل له: رغاء، كما في حديث الغلول من الغنيمة: (لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر).\nوقوله: (فقال: ما ولدت يا فلان؟! قال: بهمة، قال: فاذبح لنا مكانها شاة، ثم قال: لا تحسِبن - ولم يقل لا تحسَبن - أنا من أجلك ذبحناها).\nقوله: (لا تحسبن) بكسر السين كأنها لغة، قال النووي في شرحه: مراد الراوي أنه ﷺ نطق هاهنا مكسورة السين ولم ينطق بها بفتحها، فلا يظن الظان أني رويتها بالمعنى على اللغة الأخرى، أو شككت فيها، أو غلطت أو نحو ذلك، بل أنا متيقن بنطقه ﷺ بالكسر وعدم نطقه بالفتح.\nوهي بالكسر لغة من اللغات، وقد تكلم بها النبي ﷺ كما تكلم ببعض لغات أهل اليمن فقال: ليس من أمبر امصيام في امسفر والمعنى: ليس من البر الصيام في السفر.\nوقوله: (قال: لا تحسبن - ولم يقل: لا تحسبن - أنا من أجلك ذبحناها، لنا غنم مائة لا نريد أن تزيد، فإذا ولد الراعي بهمة ذبحنا مكانها شاة، قال: قلت: يا رسول الله! إن لي امرأة وإن في لسانها شيئًا يعني: البذاء، قال: فطلقها إذًا، قال: قلت: يا رسول الله! إن لها صحبة ولي منها ولد، قال: فمرها - يقول: عظها -، إن يكن فيها خير فستفعل، ولا تضرب ظعينتك كضربك أميتك).\nقوله: (ظعينتك) يعني: زوجتك، وأصل الظعينة المرأة تكون في الهودج على البعير، وكان يطلق على الهودج اسم ضعينة، ثم اطلق على المرأة.\nوقوله: (لا تضرب ظعينتك كضربك أميتك) أميتك: تصغير أمة، يعني: لا تضرب الزوجة مثل ضرب الأمة والخادم، فهذه لا تباع وتشترى، فإن الأمة تضرب وتتأدب، وأما الزوجة فلا، لأن الضرب قد يؤذيها، وقد يسيء العشرة، والواجب أن يعمل مع المرأة كما قال الله ﷿، فأولًا: يعظها إذا خاف النشوز، ثم يهجرها في المضجع، ثم يضربها ضربًا غير مبرح، فآخر الطب الكي، والضرب آخر شيء، قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤]، ولكن الضرب يكون ضرب تأديب، فلا يكسر عظمًا، ولا يجرح جسدًا، بل يكون كضرب الصبي الصغير الذي لم يبلغ، كما قال النبي ﵌: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر) أي: ضرب تأديب.\nوقوله: (فقلت: يا رسول الله! أخبرني عن الوضوء، قال: أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا).\nفيه: إسباغ الوضوء، وهو إكماله وإبلاغه.\nوفيه: مشروعية التخليل بين الأصابع؛ لأنه قد ينبو عنه الماء.\nفإن قيل: يستلزم من إكرام عائشة للضيف في غياب النبي ﵌ الخلوة معها.\nقلنا: لا يستلزم ذلك، بل هو محمول على أنه كان أكثر من ضيف، أو أن عند عائشة خدم في البيت فلا تكون الخلوة.\nوالمراد بالأمة والخادمة في الحديث: التي تباع وتشترى، إذ كان هذا هو المعروف عندهم، فالخدم سابقًا كانوا يؤخذون من أرض الجهاد، كان المسلمون يقاتلون الأعداء ويجاهدون ويسترقون، فيصير هناك رق بسبب الجهاد، وأما الخادمة في زمننا فهي مستأجرة وليست خادمة، ويقال لها: خادم، وخادم أفصح من خادمة، يقال للذكر والأنثى، وكذلك الزوج أفصح من الزوجة.","vol":"9","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>إسناد آخر لحديث: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عقبة بن مكرم حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا ابن جريج حدثني إسماعيل بن كثير عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه ﵁ وافد بني المنتفق: (أنه أتى عائشة فذكر معناه، قال: فلم ينشب أن جاء رسول الله ﷺ يتقلع أو يتكفأ، وقال: عصيدة مكان خزيرة)].\nقوله: (يتقلع أو يتكفأ) يعني: يمشي مشيًا قويًا كأنما ينحط من صبب، فلا يمشي مشيًا متثاقلًا متماوتًا.","vol":"9","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>شرح حديث: (إذا توضأت فمضمض)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن يحيى بن فارس قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا ابن جريج بهذا الحديث قال فيه: (إذا توضأت فمضمض)].\nقوله: (فمضمض) هذا أمر استدل به على وجوب المضمضة.","vol":"9","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>تخليل اللحية</span>","vol":"9","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>شرح حديث: (فخلل به لحيته وقال: هكذا أمرني ربي ﷿)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: تخليل اللحية.\nحدثنا أبو توبة -يعني: ربيعة بن نافع - حدثنا أبو المليح عن الوليد بن زوران عن أنس بن مالك ﵁: (أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفًا من ماء فأدخله تحت حنكه، فخلل به لحيته وقال: هكذا أمرني ربي ﷿).\nقال أبو داود: والوليد بن زوران روى عنه حجاج بن حجاح وأبو المليح الرقي].\nهذا الباب عقده المصنف ﵀ لبيان حكم تخليل اللحية، والمراد تخليل اللحية الكثيفة التي تستر البشرة، وأما اللحية الخفيفة التي لا تستر البشرة فيجب إيصال الماء إلى البشرة، وغسل الشعر الخفيف، أما اللحية الكثيفة التي تستر البشرة فهذا هو محل البحث فيها.\nوفي هذا الحديث أن النبي ﷺ كان يأخذ كفًا من ماء فيخلل لحيته، لكن الحديث فيه الوليد بن زوران، وقد تكلم فيه ابن حزم وقال: إنه مجهول، وكذلك ابن القطان، وأما ابن القيم ﵀ فيقول: الجهالة مرتفعة عنه؛ لأنه روى عنه من هو معروف، فتزول به الجهالة، وبكل حال فالأحاديث في تخليل اللحية في مجموعها تدل على سنية التخليل.\nوقد اختلف العلماء في وجوب تخليل اللحية أو سنيتها، وهل يجب تخليلها في الغسل دون الوضوء أم لا؟ والأقرب: أنه سنة مستحبة في الوضوء، وأما في الغسل فإنه يجب إيصال الماء إلى البشرة، ولهذا جاء: (أَنْقِ البشرة)، وجاء في حديث وإن كان فيه ضعف: (تحت كل شعرة جنابة)، فيجب إيصال الماء في الجنابة إلى أصول شعر الرأس وشعر اللحية.\nقال شمس الدين بن القيم: قال أبو محمد بن حزم: لا يصح حديث أنس هذا؛ لأنه من طريق الوليد بن زوران وهو مجهول، وكذلك أعله ابن القطان بأن الوليد هذا مجهول الحال، وفي هذا التعليل نظر، فإن الوليد هذا روى عنه جعفر بن برقان وحجاج بن منهال وأبو المليح الحسن بن عمر الرقي وغيرهم.\nيعني: روى عنه ثلاثة فارتفعت عنه الجهالة.\nقال ابن القيم: (ولم يعلم فيه جرح، وقد روى محمد بن يحيى الذهلي في كتاب علل حديث الزهري فقال: حدثنا محمد بن عبد الله بن خالد الصفار من أصله وكان صدوقًا، حدثنا محمد بن حرب حدثنا الزبيدي عن الزهري عن أنس بن مالك ﵁: (أن رسول الله ﷺ توضأ فأدخل أصابعه تحت لحيته، فخللها بأصابعه، ثم قال: هكذا أمرني ربي ﷿)، وهذا إسناد صحيح.\nوفي الباب حديث عثمان: (أن رسول الله ﷺ كان يخلل لحيته) رواه الترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حسن صحيح).\nالمقصود أن أحاديث التخليل في مجموعها تدل على الاستحباب.\nوقال الخطابي: وأوجب بعض العلماء تخليل اللحية وقال: إذا تركه عامدًا أعاد الصلاة، وهو قول إسحاق بن راهويه وأبي ثور، وذهب عامة العلماء إلى أن الأمر به استحباب وليس بإيجاب، ويشبه أن يكون المأمور بتخليله من اللحى على سبيل الوجوب ما رق من الشعر منها فتراءى ما تحتها من البشرة.\nيعني: الشعر الخفيف الذي لا يستر البشرة يجب إيصال الماء إلى البشرة، أما غيره فالصواب أنه مستحب وليس بواجب في الوضوء.","vol":"9","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>المسح على العمامة</span>","vol":"9","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>شرح حديث: (فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب المسح على العمامة.\nحدثنا أحمد بن محمد بن حنبل حدثنا يحيى بن سعيد عن ثور عن راشد بن سعد عن ثوبان ﵁ قال: (بعث رسول الله ﷺ سرية فأصابهم البرد، فلما قدموا على رسول الله ﷺ أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين)].\nالمراد بالعصائب: العمائم، والتساخين: الخفاف.\nأما المسح على الخفين فالأحاديث فيه متواترة، وقد أنكرها الرافضة مع أنها متواترة، والعلماء ذكروا مسح الخفين في كتب العقائد فقالوا: ونرى المسح على الخفين.\nوأرادوا من ذلك الرد على الرافضة الذين أنكروا هذه السنة مع تواترها.\nوفي الحديث مشروعية المسح على العمائم والخفين بشرط أن تكون العمامة محنكة، وهي التي يدار منها لفة أو لفتين تحت الحنك؛ لأنه يشق نزعها، ولهذا يقول الحنابلة: له المسح على العمامة إذا كانت محنكة أو ذات ذؤابة، يعني: كلها أطراف من الخلف، وهذا فيه نظر؛ لأن الذؤابة لا يشق نزعها، لكن العمامة المحنكة إذا كانت مدارة على الحنك فهذه يشق نزعها، فيشرع للإنسان إذا لبسها على طهارة أن يمسح عليها يومًا وليلة، فإن ظهر شيء من الرأس مسحه مع العمامة كما جاء في حديث المغيرة (أن النبي ﷺ مسح على ناصيته وعلى العمامة).\nوكذلك خمار المرأة إذا كان مدارًا تحت حلقها فلها أن تمسح عليه.\nقال الترمذي في جامعه: وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم: أبو بكر وعمر وأنس، وبه يقول الأوزاعي وأحمد وإسحاق، قالوا: يمسح على العمامة.\nقال: وسمعت الجاورد بن معاذ يقول: سمعت وكيع بن الجراح يقول: إن مسح على العمامة يجزئه للأثر.\nتفرد به أبو داود.","vol":"9","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>شرح حديث: (فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب حدثني معاوية بن صالح عن عبد العزيز بن مسلم عن أبي معقل عن أنس بن مالك ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة)].\nهذا الحديث ضعيف؛ لأن أبا معقل هذا ضعيف، فلا حجة فيما دل عليه من عدم مسح العمامة، ولو صح فهو محمول على أنه لم يمسح على العمامة هنا، وإنما مسح على رأسه، ولكن لا يدل على عدم المسح على العمامة؛ لأن النصوص الأخرى دلت على مشروعية المسح على العمامة.\nقوله: (قطرية) يعني: نسبة إلى قطر، فبالنسبة يقال: قطري، والعمامة يقال قطرية، وثوب قطري بكسر القاف.\nوفي إحدى النسخ أنه قال في المتن: (فمسح مقدم رأسه لم ينقض العمامة) وفي البعض الآخر بدون: (مقدم رأسه).","vol":"9","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>غسل الرجل</span>","vol":"9","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>شرح حديث: (رأيت رسول الله إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب غسل الرجل.\nحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن عمرو عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن المستورد بن شداد ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره)].\nهذا الحديث ضعيف أيضًا؛ لأن فيه ابن لهيعة، وابن لهيعة احترقت كتبه فساء حفظه، لكن الحديث له شواهد.\nوفيه: مشروعية غسل الرجل وتخليل أصابع الرجلين؛ لأنه قد يتطاير عنها الماء فلا يصل إليها، فالحديث ثابت من غير طريق ابن لهيعة.","vol":"9","page":23},{"text":"شرح سنن أبي داود_<span data-type=\"title\" id=toc-155>كتاب الطهارة [١٠]</span>\nمن رخص الشرع للعبد المؤمن أن يجوز له المسح على الخفين في السفر ثلاثة أيام بلياليهن، وفي الإقامة يومًا وليلة؛ وذلك لرفع المشقة، وكذلك يجوز له مسح العمامة في الوضوء إذا كانت ممكنة يشق نزعها.","vol":"10","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>المسح على الخفين</span>","vol":"10","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>شرح حديث المغيرة في مسح رسول الله على خفيه</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب المسح على الخفين.\nحدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب حدثني عباد بن زياد أن عروة بن المغيرة بن شعبة أخبره أنه سمع المغيرة ﵁ يقول: (عدل رسول الله ﷺ وأنا معه في غزوة تبوك قبل الفجر فعدلت معه، فأناخ النبي ﷺ فتبرز، ثم جاء فسكبت على يده من الإداوة فغسل كفيه، ثم غسل وجهه، ثم حسر عن ذراعيه فضاق كُمَّا جبته فأدخل يديه فأخرجهما من تحت الجبة، فغسلهما إلى المرفق، ومسح برأسه، ثم توضأ على خفيه ثم ركب)].\nيعني: توضأ وعليه خفان ولم يخلعهما، قال صاحب عون المعبود: أي: مسح على خفيه كما في عامة الروايات.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [(فأقبلنا نسير حتى نجد الناس في الصلاة قد قدموا عبد الرحمن بن عوف، فصلى بهم حين كان وقت الصلاة، ووجدنا عبد الرحمن وقد ركع بهم ركعة من صلاة الفجر، فقام رسول الله ﷺ فصف مع المسلمين فصلى وراء عبد الرحمن بن عوف الركعة الثانية، ثم سلم عبد الرحمن، فقام رسول الله ﷺ في صلاته، ففزع المسلمون فأكثروا التسبيح؛ لأنهم سبقوا النبي ﷺ بالصلاة، فلما سلم رسول الله ﷺ قال لهم: قد أصبتم أو قد أحسنتم)].\nهذا الحديث رواه الشيخان: البخاري ومسلم رحمهما الله، والترمذي والنسائي.\nوفيه: أنه مسح على خفيه، ولم يقل: توضأ على خفيه، وليس فيه أنه سبح الناس.\nوالحديث فيه فوائد كثيرة أهمها: مشروعية المسح على الخفين، وأن المسح على الخفين سنة، وفيه: الرد على الرافضة الذين يمنعون المسح على الخفين، فإن الرافضة لا يرون المسح على الخفين، بل يجب عندهم خلع الخفين ومسح ظهور القدمين، وإذا كانت الرجلان مكشوفتين فإنه يمسح ظاهر القدمين كما يمسح الرأس، فيبل يده ويمسح القدمين، وهذا من أبطل الباطل؛ لأن الأحاديث متواترة، والصحابة الذين رووا وضوء النبي ﷺ وغسله ومسحه أكثر عددًا من الذين نقلوا نص الآية وهي آية المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة:٦]، فالأحاديث متواترة في ذلك.\nقال الإمام أحمد: رواها عن النبي ﷺ سبعون صحابيًا.\nومع ذلك أنكرت الرافضة هذه السنة المتواترة، ولهذا يذكرها العلماء في كتب العقائد، فيقولون: ونرى المسح على الخفين، ويقصدون من هذا الرد على الرافضة الذين أصبحت مسألة منع المسح على الخفين عقيدة عندهم، وإلا فإن المسح على الخفين مسألة فرعية تذكر في كتب الفروع، لكن يذكرها العلماء في كتب العقائد من أجل الرد على الرافضة الذين صارت لهم عقيدة، فهم يعتقدون أنه لا يجوز المسح على الخفين، وأنه يجب خلعهما ومسح ظهور القدمين، يعني: يجب مسح ظهور القدمين على كل حال، فإن كانت الرجلان مكشوفتين مسحوا ظهور القدمين، وإن كانت الرجلان فيهما خفان وجب خلع الخفين ومسح ظهور القدمين، هكذا عند الرافضة، والرافضة فرقة ضالة، نسأل الله السلامة والعافية.\nوالحديث فيه من الفوائد أن النبي ﷺ بشر ليس ربًا ولا إلهًا، فيصيبه ما يصيب البشر، ويأكل ويشرب، ويبول ويتغوط، ولهذا ذهب النبي ﷺ لحاجته يتبرز، وليس هو نورًا كما يقول بعض الناس، بل هو لحم ودم، مخلوق من ذكر وأنثى، فاسم أبيه عبد الله، واسم أمه آمنة بنت وهب، خلافًا للغلاة الذين غالوا فيه وعبدوه وجعلوه إلهًا، حتى قال بعضهم: إنه خلق من نور! وفيه جواز الإعانة في الوضوء، فلا بأس أن يعينك أحد في الوضوء فيصب عليك وأنت تتوضأ.\nوالإعانة في الوضوء على حالتين: الحالة الأولى: أن يأتي غيرك ويصب عليك الماء، وهذا لا بأس به.\nالحالة الثانية: أن يأتي غيرك فيغسل الأعضاء، وهذا سائغ في حالة ما إذا كان الإنسان مريضًا، فلا بأس بأن ينوي هو ويأتي إنسان صحيح ويغسل وجهه إلخ، فالنية من المريض، والغسل من الصحيح، فيغسل يده ووجهه ورجليه.\nوفي الحديث من الفوائد أن الإمام إذا تأخر فإن الناس يقدمون أحدهم يصلي بهم ولا يعطلون الجماعة، ولهذا لما تأخر النبي ﷺ لقضاء حاجته قدم الصحابة عبد الرحمن بن عوف، فصلى بهم صلاة الفجر، فجاء النبي ﷺ والمغيرة وقد صلى عبد الرحمن ركعة، فصف هو والمغيرة خلف عبد الرحمن بن عوف ولم ينكر عليهم.\nوفيه أن الإمام إذا تأخر لا ينبغي أن يشق على الناس أو أن يشدد على الناس بأن يأمرهم بإعادة الصلاة ونحو ذلك، وجاء في قصة أخرى أن النبي ﷺ ذهب يصلح بين بني عوف، فجاء بلال إلى أبي بكر ليصلي بالناس وقال: إن النبي ﷺ حبس، أي: تأخر في بني عوف، فقال: نعم إن شئت.\nفتقدم، ثم جاء النبي ﷺ بعد ذلك يشق الصفوف، فتأخر أبو بكر وتقدم النبي ﷺ، وفي قصة عبد الرحمن لم يتقدم؛ لأن أبا بكر لم يصل ركعة، وعبد الرحمن كان قد صلى ركعة، فدل ذلك على أن الإمام بالخيار، فإن شاء تقدم إلى المحراب، وإن شاء صلى مع الناس، لكن الأولى إذا كان الإمام في أول صلاته أن يتقدم، وإن فاته شيء من الصلاة فالأولى ألا يتقدم؛ حتى لا يشوش على الناس، وإن تقدم فلا حرج، وحينئذٍ يصلي بهم، ثم ينتظرونه حتى يأتي بالركعة التي فاتته، ثم يسلم بهم.\nوفيه -أيضًا- من الفوائد أن الاثنين إذا جاءا فصليا مع الإمام وقد فاتهما شيء من الصلاة فإن كل واحد منهما يقضي لنفسه ولا يقتدي أحدهما بالآخر، ولهذا قام النبي ﷺ يقضي الركعة التي فاتته هو والمغيرة، ولم يقتد المغيرة بالنبي ﵊، وإن اقتدى به فلا حرج، لكن الأولى ألا يقتدي أحدهما بالآخر.\nوفيه -أيضًا- من الفوائد جواز لبس الضيق من الثياب كالضيقة الكمين، ولهذا لما أراد أن يغسل يديه ضاق عليه كم الجبة، فأخذها من تحتها، فدل على أنه لا بأس بأن يلبس الضيق، وفيه دليل على جواز لبس الثياب التي أتت من الكفار؛ لأن هذه جبة شامية من بلاد الروم، فلا بأس أن يلبس الإنسان الثياب التي جاءت من الكفار، فالأصل فيها الحل والطهارة.\nوفيه دليل على اشتراط الطهارة في لبس الخفين؛ إذ جاء في اللفظ الآخر أن المغيرة: قال (فأهويت لأنزع الخفين، فقال: دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين، ثم مسح عليهما) ففيه دليل على اشتراط الطهارة للمسح على الخفين، وأنه لابد من الطهارة، فإن لبسهما على غير طهارة فلابد من نزعهما.","vol":"10","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>شرح حديث مسح رسول الله على الخفين والناصية والعمامة</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا يحيى -يعني ابن سعيد -، ح: وحدثنا مسدد حدثنا المعتمر عن التيمي حدثنا بكر عن الحسن عن ابن المغيرة بن شعبة عن المغيرة بن شعبة ﵁: (أن رسول الله ﷺ توضأ، ومسح ناصيته، وذكر فوق العمامة).\nقال عن المعتمر: سمعت أبي يحدث عن بكر بن عبد الله عن الحسن عن ابن المغيرة بن شعبة عن المغيرة (أن نبي الله ﷺ كان يمسح على الخفين، وعلى ناصيته، وعلى عمامته)، قال بكر: وقد سمعته من ابن المغيرة].\nهذا الحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي، وفيه مشروعية المسح على الخفين، ومشروعية المسح على العمامة، وأنه إذا كانت العمامة غير ساترة للرأس فيمسح على الناصية وعلى العمامة، وإن كانت ساترة فيكتفى بالمسح على العمامة، وإن بدا شيء من الرأس مسحه مع العمامة.","vol":"10","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>شرح حديث (دع الخفين، فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان)</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا عيسى بن يونس حدثني أبي عن الشعبي قال: سمعت عروة بن المغيرة بن شعبة يذكر عن أبيه ﵁ قال: (كنا مع رسول الله ﷺ في ركبه ومعي إداوة فخرج لحاجته، ثم أقبل فتلقيته بالإداوة، فأفرغت عليه، فغسل كفيه ووجهه، ثم أراد أن يخرج ذراعيه وعليه جبة من صوف من جباب الروم ضيقة الكمين فضاقت، فادرعهما ادراعًا، ثم أهويت إلى الخفين لأنزعهما، فقال لي: دع الخفين؛ فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان، فمسح عليهما).\nقال أبي: قال الشعبي: شهد لي عروة عن أبيه، وشهد أبوه على رسول الله ﷺ].\nهذا الحديث فيه اشتراط الطهارة قبل لبس الخفين للمسح عليهما بعد ذلك، وفيه جواز لبس الصوف أو القطن أو الكتان، وأن جميع أنواع اللباس جائز، إلا الحرير والمغصوب والنجس في وقت الصلاة، وما عدا ذلك فهو حلال اللبس، سواء أكان من الصوف، أم من القطن أم من غيرهما.","vol":"10","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>إسناد آخر لحديث: (دع الخفين فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان)</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هدبة بن خالد حدثنا همام عن قتادة عن الحسن وعن زرارة بن أوفى أن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: (تخلف رسول الله ﷺ) فذكر هذه القصة، قال: (فأتينا الناس وعبد الرحمن بن عوف يصلي بهم الصبح، فلما رأى النبي ﷺ أراد أن يتأخر، فأومأ إليه أن يمضي، قال: فصليت أنا والنبي ﷺ خلفه ركعة، فلما سلم قام النبي ﷺ فصلى الركعة التي سبق بها، ولم يزد عليها شيئًا).\nقال أبو داود: أبو سعيد الخدري وابن الزبير وابن عمر يقولون: من أدرك الفرد من الصلاة عليه سجدتا السهو].","vol":"10","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>حكم سجدتي السهو لمدرك الفرد من الصلاة</span>\nقوله: [قال أبو داود: أبو سعيد الخدري وابن الزبير وابن عمر ﵃ يقولون: من أدرك الفرد من الصلاة عليه سجدتا السهو].\nأي أن من أدرك وترًا من صلاة إمامه فعليه أن يسجد للسهو؛ لأنه يجلس للتشهد مع الإمام في غير موضع الجلوس، ففيه مخالفة للإمام، وبه قال جماعة من أهل العلم، منهم: عطاء وطاوس ومجاهد وإسحاق، وهذا قول مرجوح، والصواب أنه لا يسجد، لأن النبي ﷺ جلس خلف عبد الرحمن ولم يسجد، ولا أمر به المغيرة، وأيضًا: ليس السجود إلا للسهو، ولا سهو هاهنا، ثم إن متابعة الإمام واجبة، فلا يسجد لفعلها كسائر الواجبات والله أعلم، وهذا إن صح عن الصحابة فهو اجتهاد منهم ﵃.","vol":"10","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>شرح حديث بلال في مسح النبي ﷺ على عمامته وموقيه</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن أبي بكر -يعني ابن حفص بن عمر بن سعد - سمع أبا عبد الله عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه شهد عبد الرحمن بن عوف يسأل بلالًا عن وضوء رسول الله ﷺ فقال: (كان يخرج يقضي حاجته فآتيه بالماء فيتوضأ ويمسح على عمامته وموقيه).\nقال أبو داود: هو أبو عبد الله مولى بني تميم بن مرة].\nالموق هو الخف أو الجورب، وفي الحديث مشروعية المسح على الخفين، وعلى الجوربين، وعلى العمامة.","vol":"10","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>شرح حديث جرير في المسح على الخفين</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن الحسين الدرهمي حدثنا ابن داود عن بكير بن عامر عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير: (أن جريرًا ﵁ بال، ثم توضأ فمسح على الخفين، وقال: ما يمنعني أن أمسح وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح، قالوا: إنما كان ذلك قبل نزول المائدة، قال: ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة)].\nالحديث دليل على مشروعية المسح على الخفين، وكان العلماء يعجبهم هذا الحديث؛ لما فيه من الرد على من يقول: إن المسح على الخفين منسوخ بآية الوضوء، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦]، ولما قيل لـ جرير بن عبد الله: إن المسح كان قبل نزول المائدة قال: ما أسلمت إلا بعد المائدة.\nقال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث همام بن الحارث النخعي عن جرير، -وهو ابن عبد الله البجلي - ﵁.\nوعلي بن الحسين الدرهمي هو علي بن الحسين بن مطر الدرهمي نسبة إلى درهم، وهو البصري، قال الحافظ: قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة، وقال في موضع آخر: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة، مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين.\nوقال في موضع آخر: لا بأس به، مات سنة مائتين وثلاث وخمسين.\nوأما بكير بن عامر فقد قال عنه في التقريب: إنه ضعيف، لكن الحديث ثابت في الصحيحين.","vol":"10","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>شرح حديث مسحه ﷺ على خفين أسودين</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد وأحمد بن أبي شعيب الحراني قالا: حدثنا وكيع حدثنا دلهم بن صالح عن حجير بن عبد الله عن ابن بريدة عن أبيه ﵁: (أن النجاشي أهدى إلى رسول الله ﷺ خفين أسودين ساذجين، فلبسهما ثم توضأ ومسح عليهما).\nقال مسدد: عن دلهم بن صالح، قال أبو داود: هذا مما تفرد به أهل البصرة].\nقوله: (ساذجين) أي: ليس فيهما نقوش.\nودلهم بن صالح قال عنه في التقريب: ضعيف، وحجير قال عنه: مقبول.\nوعلى كل فالحديث ضعيف، لكن المسح على الخفين ثابت بالأحاديث المتواترة.","vol":"10","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>شرح حديث المغيرة: (أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين)</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن يونس حدثنا ابن حي هو الحسن بن صالح عن بكير بن عامر البجلي عن عبد الرحمن بن أبي نعم عن المغيرة بن شعبة ﵁: (أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين، فقلت: يا رسول الله! أنسيت؟ قال: بل أنت نسيت، بهذا أمرني ربي ﷿)].\nعبد الرحمن بن أبي نعم -بسكون المهملة- البجلي هو أبو الحكم الكوفي، ذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان من عباد الكوفة ممن يصبر على الجوع الدائم.\nوثقه ابن سعد والنسائي، وقال ابن أبي حيثمة عن ابن معين: ضعيف.\nوبكير تقدم أنه ضعيف.\nفالحديث ضعيف، ولكن المسح ثابت بأحاديث متواترة.","vol":"10","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>التوقيت في المسح</span>","vol":"10","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>شرح حديث: (المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام)</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: التوقيت في المسح.\nحدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن الحكم وحماد عن إبراهيم عن أبي عبد الله الجدلي عن خزيمة بن ثابت ﵁ عن النبي ﷺ قال: (المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يوم وليلة)].\nعقد المؤلف ﵀ هذا الباب لبيان هذا الحكم، وهو التوقيت في المسح على الخفين، وذكر هذا الحديث، وفيه أن المسح للمسافر ثلاثة أيام بلياليها، وللمقيم يوم وليلة، وهذا الحديث ضعيف تكلم فيه ابن حزم في سنده، ورد عليه العلامة ابن القيم ﵀ وقال: سنده لا بأس به، وكلام ابن حزم في عبد الله الجدلي لا وجه له، ثم إن التوقيت قد ثبت في صحيح مسلم من حديث علي ﵁، وفيه أن المسافر يمسح ثلاثة أيام بلياليها، والمقيم يومًا وليلة، وعلى هذا أكثر أهل العلم، وذهب الإمام مالك ﵀ وجماعة إلى أنه لا توقيت في المسح، وأن من لبس الخفين فإنه يمسح متى شاء حتى يخلع خفيه، وهذا قول مرجوح ضعيف، والقائلون به محجوجون بالأحاديث الصحيحة، فالصواب ما عليه جمهور العلماء، وهو ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة من توقيت المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام بلياليها، وللمقيم يومًا وليلة، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [رواه منصور بن المعتمر عن إبراهيم التيمي بإسناده، قال فيه: ولو استزدناه لزادنا].\nهذه رواية ضعيفة، وليست بصحيحة، فالراوي ظن أن النبي ﷺ لو استزاده الصحابة عن التوقيت لزادهم، وهذا وهم منه لا وجه له، فالأحاديث صريحة في التوقيت.","vol":"10","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>شرح حديث إجازته ﷺ المسح على الخفين فوق ثلاث</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن معين حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق أخبرنا يحيى بن أيوب عن عبد الرحمن بن رزين عن محمد بن يزيد عن أيوب بن قطن عن أبي بن عمارة، -قال يحيى بن أيوب: وكان قد صلى مع رسول الله ﷺ القبلتين- أنه قال: (يا رسول الله! أمسح على الخفين؟ قال: نعم، قال يومًا؟ قال: يومًا، قال: ويومين؟ قال: ويومين، قال: وثلاثة؟ قال: نعم، وما شئت)].\nوهذا الحديث ضعيف عند أهل العلم، فرواته مجهولون، فلا حجة فيما دل عليه من عدم التوقيت؛ إذ فيه عدة مجاهيل لا يعرفون كما بين ذلك النقاد.\nومحمد بن يزيد متروك، وكذلك أيوب بن قطب تكلم عليه ابن حجر في التهذيب.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [رواه ابن أبي مريم المصري عن يحيى بن أيوب عن عبد الرحمن بن رزين عن محمد بن يزيد بن أبي زياد عن عبادة بن نسي عن أبي بن عمارة ﵁ قال فيه: (حتى بلغ سبعًا، قال: رسول الله ﷺ: نعم، ما بدا لك).\nهذا الحديث جاء مضطربًا سندًا ومتنًا، وفي إسناده عبادة بن نسي، وفي متنه روايات، فبعضها إلى ثلاث، وبعضها إلى سبع، فهو مضطرب سندًا ومتنًا مع جهالة بعض الرواة.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد اختلف في إسناده، وليس هو بالقوي، ورواه ابن أبي مريم، ويحيى بن إسحاق - السيلحيني - عن يحيى بن أيوب، وقد اختلف في إسناده].","vol":"10","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>المسح على الجوربين</span>","vol":"10","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>شرح حديث المغيرة في مسح رسول الله على الجوربين والنعلين</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: المسح على الجوربين.\nحدثنا عثمان بن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان الثوري عن أبي قيس الأودي -هو عبد الرحمن بن ثروان - عن هزيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة ﵁: (أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين).\nقال أبو داود: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث؛ لأن المعروف عن المغيرة: (أن النبي ﷺ مسح على الخفين)].\nهذا الحديث في المسح على الجوربين، ومن العلماء من تكلم في هذا الحديث وقال: إن الأودي وهزيلًا تفردا بها، وإن كان الأودي من رجال الصحيح لكنه تفرد، والمعروف عن المغيرة أنه روى المسح على الخفين لا على الجوربين، وفي هذه الرواية روى المسح على الجوربين، قالوا: فهذا يدل على أنهما تفردا بهذا الرواية، وإنما هي المسح على الخفين؛ لأن هذا هو المعروف من حديث المغيرة.\nواختلف في الجوربين ما هما، فقيل: إنهما من جلد، وقيل: من قطن، وقيل: من صوف.\nولما ذكر من تفرد الأودي وهزيل ذهب العلماء إلى تضعيف هذا الحديث، وممن ذهب إلى تضعيفه الإمام أحمد ﵀، ولكنه قال بالمسح على الجوربين، وقال به أكثر أهل العلم، مستدلين برواية ذلك عن المغيرة بن شعبة، وقالوا: إن الأودي وهزيلًا رويا عن المغيرة بن شعبة ﵁ المسح على الخفين فقد يرويان عنه المسح على الجوربين، ثم إن الجوربين من ناحية المعنى كالخفين، فيدخل كل منهما الرجل فيمنع البرد والحر والأذى، ويدل على جواز المسح عليهما فعل الصحابة رضوان الله عليهم، ولهذا ذهب الإمام أحمد ﵀ إلى القول بالمسح على الجوربين غير مستدل بهذا الحديث، وإنما اعتمد في ذلك على القياس وفتاوى الصحابة.\nومن العلماء من منع المسح على الجوربين، وقال: إن الثابت إنما هو المسح على الخفين دون الجوربين.\nقال ابن قيم الجوزية: وقال النسائي: ما نعلم أن أحدًا تابع هزيلًا على هذه الرواية، فالصحيح عن المغيرة (أن النبي ﷺ مسح على الخفين).\nوقال البيهقي: قال أبو محمد -يعني يحيى بن منصور -: رأيت مسلم بن الحجاج ضعف هذا الحديث.\nفالإمام مسلم ضعف هذا الخبر من أجل التفرد، ورأى أنه شاذ، وهزيل والأودي وإن كانا ثقتين إلا أنهما تفردا بهذه الرواية، والقاعدة عند أهل العلم أن الثقة إذا خالف من هو أوثق منه يكون حديثه شاذًا، ومن العلماء من قال: إن هذه الزيادة من الثقة مقبولة وحسن هذا الحديث الإمام الألباني، وعلى كل حال فإنه إذا لم يصح الحديث فالعمدة على القياس وفتاوى الصحابة.\nقال رحمه الله تعالى: [وروي هذا -أيضًا- عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ (أنه مسح على الجوربين)، وليس بالمتصل ولا بالقوي].\nأي: أن هذه الزيادة عن أبي موسى منقطعة.","vol":"10","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>ذكر الصحابة المروي عنهم المسح على الجوربين</span>\n[قال أبو داود: ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب وابن مسعود والبراء بن عازب وأنس بن مالك وأبو أمامة وسهل بن سعد وعمرو بن حريث ﵃، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس ﵃].\nأي أن تسعة من الصحابة ثبت عنهم المسح على الجوربين، ولهذا ذهب الإمام أحمد ﵀ إلى المسح على الجوربين، والعمدة فيه على فتاوى الصحابة، وقياس الجوربين على الخفين؛ لأن المعنى واحد، إذ شرع المسح على الخفين لأن الخف يستر الرجل من الحر والبرد ويقيها الأذى، والجورب كذلك، فالمعنى واحد.","vol":"10","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>المسح على النعلين</span>","vol":"10","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>شرح حديث أوس بن أبي أوس أن رسول الله توضأ ومسح على نعليه وقدميه</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: حدثنا مسدد وعباد بن موسى قالا: أخبرنا هشيم عن يعلى بن عطاء عن أبيه، قال عباد بن موسى: قال أخبرني أوس بن أبي أوس الثقفي ﵁: (أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على نعليه وقدميه وقال عباد: رأيت رسول الله ﷺ أتى على كظامة قوم -يعني: الميضأة-، ولم يذكر مسدد الميضأة والكظامة، -ثم اتفقا- فتوضأ ومسح على نعليه وقدميه)].\nهذا الحديث ضعيف عند أهل العلم؛ لأن هشيمًا مدلس وقد عنعن، ووالد يعلى ضعيف، فلا حجة فيما دل عليه من المسح على القدمين والنعلين، ولو صح فهو محمول على أن المراد بالمسح الغسل الخفيف، أو أن المراد المسح على القدمين اللتين عليهما الجوربان، ليوافق الأحاديث الكثيرة التي دلت على أنه لابد من غسل الرجلين مكشوفتين.\nأما أن يكون المراد المسح على القدمين مكشوفتين فهذا باطل؛ لأن الأحاديث الكثيرة المتواترة عن النبي ﷺ دلت على أنه غسل رجليه، والصحابة نقلوا وضوء النبي ﷺ غسلًا ومسحًا، فلم يذكروا مسحه رجليه مكشوفتين، بل ذكروا غسلهما والمسح على الخفين.","vol":"10","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>كيفية المسح</span>","vol":"10","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>شرح حديث المغيرة في مسح رسول الله على ظهر الخفين</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: كيف المسح.\nحدثنا محمد بن الصباح البزاز حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد قال: ذكره أبي عن عروة بن الزبير عن المغيرة بن شعبة ﵁: (أن رسول الله ﷺ كان يمسح على الخفين)، وقال غير محمد: مسح على ظهر الخفين].\nهذا هو المعروف في الأحاديث، وهو أن يكون المسح على ظهر الخفين.\nقال الألباني عن هذا الحديث: حسن صحيح.","vol":"10","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>شرح حديث علي (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه)</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن العلاء حدثنا حفص -يعني ابن غياث - عن الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد خير عن علي ﵁ قال: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه)].\nالحديث لا بأس بسنده، وفيه أن عليًا ﵁ قال: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه)؛ لأن أسفل الخف هو الذي يباشر المشي على الأرض، لكن عند التأمل يجد الإنسان أن ما فعله النبي ﷺ موافق للعقل؛ لأن العقل الصحيح يوافق النقل الصريح؛ لأنه إذا مسح أسفل الخف اتسخت يده واحتاج إلى غسلها.","vol":"10","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>إسناد آخر لحديث علي: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه)</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن رافع حدثنا يحيى بن آدم قال: حدثنا يزيد بن عبد العزيز عن الأعمش بإسناده بهذا الحديث، قال: (ما كنت أرى باطن القدمين إلا أحق بالغسل حتى رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهر خفيه)].\nهذا فيه دليل على أن النبي ﷺ إنما كان يمسح على ظاهر خفيه، وهذه هي كيفية المسح الذي بوب له أبو داود بقوله: [باب كيفية المسح]، وهي أن يمسح على الخف من الأصابع إلى أول الساق.","vol":"10","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>إسناد آخر لحديث علي: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه)</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن العلاء حدثنا حفص بن غياث عن الأعمش بهذا الحديث، قال: (لو كان الدين بالرأي لكان باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، وقد مسح النبي ﷺ على ظهر خفيه).\nورواه وكيع عن الأعمش بإسناده، قال: (كنت أرى أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول الله ﷺ يمسح ظاهرهما).\nقال وكيع: يعني: الخفين.\nورواه عيسى بن يونس عن الأعمش كما رواه وكيع، ورواه أبو السوداء عن ابن عبد خير عن أبيه قال: (رأيت عليًا توضأ فغسل ظاهر قدميه، وقال: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يفعله) وساق الحديث].\nعبد خير المذكور مخضرم، وهو تابعي.","vol":"10","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>شرح حديث المغيرة (وضأت النبي في غزوة تبوك فمسح أعلى الخفين وأسفلهما)</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن مروان ومحمود بن خالد الدمشقي -المعنى- قالا: حدثنا الوليد، قال محمود: أخبرنا ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة بن شعبة عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: (وضأت النبي ﷺ في غزوة تبوك فمسح أعلى الخفين وأسفلهما).\nقال أبو داود: وبلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء بن حيوة].\nهذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه عدة علل: الأولى: تدليس الوليد بن مسلم.\nالثانية: أن ثور بن يزيد لم يسمع من رجاء.\nالثالثة: أن الحديث مرسل.\nالرابعة: أن كاتب المغيرة مجهول.\nفلا عبرة بما دل عليه هذا الحديث من مسح أسفل الخف وأعلاه؛ لمخالفته الأحاديث الصحيحة.","vol":"10","page":25},{"text":"شرح سنن أبي داود_<span data-type=\"title\" id=toc-180>كتاب الطهارة [١١]</span>\nمن الأحكام والمسائل المتعلقة بالوضوء: حكم نضح الفرج بعد الوضوء، وفضل الدعاء بعد الوضوء، وأن الأصل في وضوئه ﷺ أنه كان يتوضأ لكل صلاة، وأحيانًا يصلي الصلوات بوضوء واحد، وحكم الشك في خروج شيء حال الصلاة.","vol":"11","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>حكم الانتضاح</span>","vol":"11","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>شرح حديث: (كان رسول الله ﷺ إذا بال يتوضأ وينتضح)</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: في الانتضاح.\nحدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان -هو الثوري - عن منصور عن مجاهد عن سفيان بن الحكم الثقفي -أو الحكم بن سفيان الثقفي - قال: (كان رسول الله ﷺ إذا بال يتوضأ وينتضح).\nقال أبو داود: وافق سفيان جماعة على هذا الإسناد، وقال بعضهم: الحكم أو ابن الحكم].\nهذه الترجمة معقودة لبيان الانتضاح، والمراد بالانتضاح الاستنجاء، وقيل: المراد به رش ما حول الفرج من الثياب لقطع الوساوس التي ترد على الإنسان؛ حتى لا يشك، فإذا أحس ببلل يعتبره من هذا الماء الذي نضح به فرجه، وهذا الحديث فيه مقال عند أهل العلم، فمن العلماء من صححه، ومنهم من لم يصححه وقال: إن فيه اضطرابًا في تسمية الحكم بن سفيان أو سفيان بن الحكم، فلا يشرع الانتضاح؛ لأن في صحة الحديث نظرًا.\nومن صححه احتج به على أنه يشرع لمن كان عنده بعض الخواطر أو الوساوس إذا استنجى أن يرش ما حول الفرج بالماء؛ حتى يقطع الوساوس، وأما من لم يكن عنده وساوس فلا حاجة إلى ذلك.\nوالحديث أخرجه النسائي وابن ماجة وأحمد.","vol":"11","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>شرح حديث نضح رسول الله فرجه بعد بوله</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا إسحق بن إسماعيل حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن رجل من ثقيف عن أبيه قال: (رأيت رسول الله ﷺ بال ثم نضح فرجه)].\nهذا الحديث فيه رجل مبهم، فهو ضعيف، وفيه أنه ﷺ بال ثم نضح فرجه، أي: الثوب.","vol":"11","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>شرح حديث: (نضح رسول الله فرجه بعد بوله ووضوئه)</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا نصر بن المهاجر حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا زائدة عن منصور عن مجاهد عن الحكم -أو ابن الحكم - عن أبيه: (أن النبي الله ﷺ بال ثم توضأ ونضح فرجه)].\nفي صحة هذا الحديث نظر، والأقرب أنه لا يستحب النضح، وذلك لأن النبي ﷺ لم يكن عنده وساوس، إلا إن قيل: إن هذا من باب التشريع لمن حصل له شيء من ذلك، وعلى كل حال فالمبتلى بالوساوس الذي يخيل إليه أن في ثوبه بللًا إن نضحه بالماء فلا بأس بذلك، وهو من باب قطع الوساوس، وهذا بغض النظر عن صحة الحديث.\nوهذا الحديث أخرجه النسائي في الطهارة، وابن ماجة في الطهارة، وأخرج ابن ماجة والترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (جاءني جبريل فقال يا محمد: إذا توضأت فانتضح).\nوذكر الترمذي أن في الباب عن أبي الحكم بن سفيان وغيره، وقال: وقال بعضهم: سفيان بن الحكم أو الحكم بن سفيان، واضطربوا في هذا الحديث.\nوقال بعضهم: إن الحديث حسن.\nوذكر الشيخ شاكر في شرح الترمذي أن الصحيح هو الحكم بن سفيان، وأنه ليست له صحبة كما في الإصابة، فالحديث منقطع، والحديث عند الترمذي وابن ماجة من حديث الحسن بن علي الهاشمي عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة ﵁، وحديث الهاشمي هذا ضعيف.\nفكل الأحاديث الدالة على الانتضاح في صحتها نظر.","vol":"11","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>ما يقول الرجل إذا توضأ</span>","vol":"11","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>شرح حديث عقبة بن عامر في فضل الدعاء عقب الوضوء</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما يقول الرجل إذا توضأ.\nحدثنا أحمد بن سعيد الهمداني حدثنا ابن وهب سمعت معاوية -يعني ابن صالح - يحدث عن أبي عثمان عن جبير بن نفير عن عقبة بن عامر ﵁ قال: (كنا مع رسول الله ﷺ خدام أنفسنا نتناوب الرعاية رعاية إبلنا، فكانت علي رعاية الإبل، فروحتها بالعشي، فأدركت رسول الله ﷺ يخطب الناس، فسمعته يقول: ما منكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يقوم فيركع ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا قد أوجب.\nفقلت: بخ بخ، ما أجود هذه! فقال رجل من بين يدي: التي قبلها -يا عقبة - أجود منها، فنظرت فإذا هو عمر بن الخطاب ﵁، قلت: ما هي يا أبا حفص؟ قال: إنه قال آنفًا قبل أن تجيء: ما منكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يقول حين يفرغ من وضوئه: أشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء).\nقال معاوية: وحدثني ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس عن عقبة بن عامر].\nوهذا الحديث صحيح، وهو في صحيح مسلم بزيادة: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له)، وفيه أن الصحابة كانوا يخدمون أنفسهم؛ لأنهم لم تفتح عليهم الدنيا.\nوأما نحن فعندنا اليوم خدام، وقد وجدت الشرور مع الخدم والخادمات، ووجدت بلاءات ومصائب الآن، حتى سمعنا أن كثيرًا من الناس يتذمرون، فهناك من يقول: إنه ولد له ولد يشبه الخادم أو يشبه قائد السيارة، وذلك بسبب الاختلاط بهؤلاء الخدم والخادمات، وهناك من يخلو بالخادمة، وقد اتصلت بي امرأة بالهاتف تقول: إنها تدرس في المساء وتترك الخادمة مع زوجها.\nفالصحابة رضوان الله عليهم كانوا خدام أنفسهم، كما قال عقبة ﵁، وكانوا يتناوبون رعاية الإبل، وكان عقبة في يوم هو صاحب النوبة، فجاء فسمع النبي ﷺ يحدث بهذا الحديث: [(من توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى ركعتين يقبل فيهما بقلبه وجهه؛ إلا قد أوجب)] أي: أوجب الله له الجنة.\nففي الحديث أن من أسباب دخول الجنة أن يحسن المرء الوضوء، ثم يصلي ركعتين يقبل عليهما بوجهه وقلبه، بباطنه وظاهره، وفي اللفظ الآخر: (لا يحدث بهما نفسه بشيء) أي: أنه يتوضأ، ويصلي الركعتين من دون وساوس، مع كونه مقبل الوجه والقلب، فلا ترد الوساوس عليه، فهو خاشع في باطنه وظاهره.\nفلما سمع ذلك عقبة ﵁ قال: (بخ بخ) أي: هذا شيء عظيم.\nوأعجبه أن هذا شيء عظيم في عمل يسير.\nفقال: (يخ بخ؛ ما أجود هذه!) فقال له رجل: (التي قبلها أجود منها)، فالتفت فإذا هو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فذكر له أن النبي ﷺ قال: (ما منكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء -وفي لفظ: فيبلغ الوضوء- ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء).\nوهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه، وفيه فضل هذا الذكر بعد الوضوء، وأنه يشرع للمسلم هذا الذكر، وأنه من أسباب دخول الجنة، وهو شهادة لله تعالى بالوحدانية، ولنبيه ﷺ بالرسالة، وذلك بعد الوضوء.\nوزاد الترمذي في سند لا بأس به: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) وهذا ثابت، وزاد النسائي: (يقول: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك) لكن هذه الرواية ضعيفة في سندها مجهول، وهذا هو ذكر كفارة المجلس، وجاء -أيضًا- رفع البصر إلى السماء كما سيذكره المؤلف، وفي سنده مجهول ضعيف.\nوعلى كل حال فإنه ليس هناك أذكار ثابتة عن رسول الله في الوضوء إلا التسمية عند البدء في الوضوء، والتشهد في آخره، وما يذكره بعضهم من أن النبي ﷺ كان إذا غسل وجهه قال: (اللهم بيض وجهي يوم تسود الوجوه، وإذا غسل يده قال: اللهم أعطني كتابي بيميني) كل هذا لا يثبت عن النبي ﷺ.","vol":"11","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>إسناد آخر لحديث عقبة بن عامر في فضل الدعاء عقب الوضوء</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسين بن عيسى حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ عن حيوة بن شريح عن أبي عقيل عن ابن عمه عن عقبة بن عامر الجهني ﵁ عن النبي ﷺ نحوه، ولم يذكر أمر الرعاية، قال عند قوله: (فأحسن الوضوء ثم رفع بصره إلى السماء، فقال) وساق الحديث بمعنى حديث معاوية].\nهذا الحديث ضعيف فيه مبهم، فلا يصح دليلًا على رفع البصر إلى السماء بعد الانتهاء من الوضوء.","vol":"11","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>الرجل يصلي الصلوات بوضوء واحد</span>","vol":"11","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>شرح حديث: (كان النبي يتوضأ لكل صلاة، وكنا نصلي الصلوات بوضوء واحد)</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: الرجل يصلي الصلوات بوضوء واحد.\nحدثنا محمد بن عيسى حدثنا شريك عن عمرو بن عامر البجلي، قال محمد بن عيسى -هو أبو أسد بن عمرو - قال: (سألت أنس بن مالك ﵁ عن الوضوء، فقال: كان النبي ﷺ يتوضأ لكل صلاة، وكنا نصلي الصلوات بوضوء واحد)].\nهذا الحديث متفق على صحته، وقد رواه الشيخان، وفيه جواز الصلوات المتعددة بوضوء واحد، وكان النبي ﷺ يتوضأ لكل صلاة طلبًا للأفضل، وصلى الصلوات الخمس بوضوء واحد يوم الفتح ﵊.\nفصلاة الرجل الصلوات الخمس بوضوء واحد لا حرج فيها، وعلى هذا عامة العلماء، وحكي عن بعض العلماء أنه يجب الوضوء لكل صلاة وإن لم يكن محدثًا، قال النووي: ولا أظن هذا يثبت عن حد، ولعل مقصودهم استحباب تجديد الوضوء، فقد ثبت أن النبي ﷺ صلى الصلوات بوضوء واحد، وكان النبي يتوضأ لكل صلاة، وذلك لفضيلة الوضوء، ومسألة تجديد الوضوء روي فيها حديث ضعيف عند أبي داود والبيهقي: (من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات) ولكن إن طال الفصل بين الصلوات وتوضأ ليجدد النشاط فذلك حسن.","vol":"11","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>شرح حديث: (صلى رسول الله يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد)</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان حدثني علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: (صلى رسول الله ﷺ يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال له عمر ﵁: إني رأيتك صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه! قال: عمدًا صنعته)].\nهذا الحديث رواه الإمام مسلم، وفيه أن النبي ﷺ جمع الصلوات بوضوء واحد، فلو جمع خمس صلوات أو ست صلوات بوضوء واحد فلا حرج.","vol":"11","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>تفريق الوضوء</span>","vol":"11","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>شرح حديث أنس في أمر رسول الله رجلًا ترك في رجله لمعة بإحسان الوضوء</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: تفريق الوضوء.\nحدثنا هارون بن معروف حدثنا ابن وهب عن جرير بن حازم أنه سمع قتادة بن دعامة حدثنا أنس ﵁: (أن رجلًا جاء إلى رسول ﷺ وقد توضأ وترك على قدمه مثل موضع الظفر، فقال له رسول الله ﷺ: ارجع فأحسن وضوءك).\nقال أبو داود: هذا الحديث ليس بمعروف عن جرير بن حازم، ولم يروه إلا ابن وهب وحده، وقد روي عن معقل بن عبيد الله الجزري عن أبي الزبير عن جابر ﵁ عن عمر ﵁ عن النبي ﷺ نحوه، قال: (ارجع فأحسن وضوءك)].\nحديث أنس هذا أخرجه ابن ماجة، وقال فيه أبو داود: تفرد به ابن وهب، واعتبر هذا التفرد ضعفًا، لكن حديث عمر الذي بعده رواه مسلم.\nوقد اختلف العلماء في معنى قوله: (أحسن وضوءك) وذلك: أن هذا الرجل ترك لمعة لم يصبها الماء، فقال له النبي ﷺ: (ارجع فأحسن وضوءك)، فقال بعضهم: الحديث دليل على عدم وجوب الموالاة؛ لأن النبي ﷺ لم يقل: ارجع فأعد الوضوء.\nبل قال: (ارجع فأحسن وضوءك)، ومراده: اغسل موضع اللمعة فقط.\nفدل على أن الموالاة بين أعضاء الوضوء ليست واجبة، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وجماعة.\nوقال آخرون: بل هو دليل على وجوب الموالاة؛ لأنه لم يقل: اذهب فاغسل الموضع الذي تركته، وإنما قال: [(ارجع فأحسن وضوءك)] فدل على أن المراد هو إعادة الوضوء، وهذا هو الأقرب، ويدل على ذلك الحديث الذي بعده، وهو صريح في الأمر بإعادة الوضوء.\nوالحديث دليل على وجوب الموالاة بين أعضاء الوضوء، فلا يفرق بين الأعضاء، كأن يتوضأ فيغسل وجهه ويديه ثم يتركهما حتى يجفا، ثم يكمل وضوءه، ولهذا أمر النبي ﷺ هذا الرجل بأن يحسن الوضوء، وفي الحديث الآخر أنه أمره أن يعيد الوضوء.\nوللعلماء في وجوب الموالاة أقوال: فمنهم من قال: إن الموالاة تجب.\nومنهم من قال: لا تجب، ومنهم من قال: تجب إذا لم يجف العضو الذي قبله، والبخاري ﵀ بوب لذلك فقال: [باب التفريق في الوضوء والغسل] وذكر أثر ابن عمر أنه غسل يديه بعد أن جفت قدماه، وظاهره أنه لا يرى وجوب الموالاة، والصواب وجوب الموالاة بين أعضاء الوضوء.","vol":"11","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>شرح حديث أمر النبي تارك قدر اللمعة من قدمه بإعادة الوضوء والصلاة</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا يونس وحميد عن الحسن عن النبي ﷺ بمعنى قتادة.\nحدثنا حيوة بن شريح حدثنا بقية عن بجير -هو ابن سعد - عن خالد عن بعض أصحاب النبي ﷺ: (أن النبي ﷺ رأى رجلًا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة)].\nهذا الحديث فيه كلام لأهل العلم، قال المنذري: إن الحديث فيه مقال.\nوهو أن بقية بن الوليد مدلس وقد عنعن، وكذلك أعله ابن حزم بالرواية عن مجهول، إذ فيه: عن بعض أصحاب النبي ﷺ، وأجاب ابن القيم ﵀ عن العلتين فقال: أما العلة الأولى -وهي تدليس بقية بن الوليد - فقد صرح بالسماع كما عند أحمد، وفي رواية الحاكم في المستدرك، فزال ما يشكل من تدليسه، وأما جهالة الصحابي فإن الصحابة كلهم عدول، وهذا معروف عند جميع العلماء حتى ابن حزم.\nوبهذا يصح الحديث، ويكون فيه دليل على وجوب الموالاة؛ لأن النبي ﷺ أمر هذا الرجل أن يعيد الوضوء والصلاة؛ لأنه ترك لمعة في قدمه وقد طال تركها، ولو كانت الموالاة غير واجبة لأمره بأن يغسل اللمعة في رجله دون أن يعيد الوضوء، فكونه أمر بإعادة الوضوء دليل على أن الموالاة واجبة بين أعضاء الوضوء، فإن جف العضو الأول قبل الثاني أعاد الوضوء، إلا إذا كانت الريح شديدة، وهذا القول هو الصواب.","vol":"11","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>الشك في الحدث</span>","vol":"11","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>شرح حديث: (شكي إلى النبي الرجل يجد الشيء في الصلاة)</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: إذا شك في الحدث.\nحدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن أحمد بن أبي بن خلف قالا: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب وعباد بن تميم عن عمه ﵁ قال: (شكي إلى النبي ﷺ الرجل يجد الشيء في الصلاة حتى يخيل إليه، فقال: لا ينفتل حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا).\nحدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد قال أخبرنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد حركة في دبره أحدث أو لم يحدث فأشكل عليه فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا)].\nهذا الباب عقده المؤلف ﵀ فيمن شك في الحدث ماذا يعمل، وذكر الحديث الأول -وقد رواه الشيخان- أنه شكي إلى النبي ﷺ أن الرجل يجد في بطنه شيئًا، وهذا كناية عن الحدث، فقال: [(لا ينفتل حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا)] أي: لا يخرج من الصلاة حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا، أي: حتى يسمع صوت الحدث، وهو الضراط، أو يجد ريحًا، وهو شم الفساء، والمراد أن يتيقن الحدث، ومثل الأول إذا وجد رطوبة في دبره.\nوهذا الحديث حديث عظيم، وهو أصل من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعد الفقه، وهذه القاعدة هي أن الأشياء يحكم ببقائها على أصلها حتى يتيقن خلاف ذلك، وأن الشك لا عبرة به، فمن شك في الحدث فإنه لا يخرج من صلاته بالشك؛ لأن الطهارة متيقنة والحدث مشكوك، فيبقى على الطهارة حتى يتيقن الحدث، ولهذا قال: [(حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا)] أي: حتى يعلم الحدث، وكذلك أيضًا إن تيقن الحدث وشك في الطهارة، فإنه يبقى على الأصل، فيكون محدثًا حتى يتيقن أنه توضأ، وبهذا القول تقطع الوساوس التي ترد على الإنسان، فكثير من الناس يخيل إليه أنه أحدث، ويخيل إليه أنه خرج من ذكره شيء وهو قد تيقن الطهارة، فلا يخرج بهذا الشك حتى يتيقن يقينًا أنه أحدث، وقد عبر عن ذلك النبي ﷺ بقوله: (حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا)، أي: أن يسمع صوت الحدث، أو يجد ريح الحدث.","vol":"11","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>الوضوء من القبلة</span>","vol":"11","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>شرح حديث عائشة في أن النبي قبلها ولم يتوضأ</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: الوضوء من القبلة.\nحدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى وعبد الرحمن قالا: حدثنا سفيان عن أبي روق عن إبراهيم التيمي عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ قبلها ولم يتوضأ).\nقال أبو داود: كذا رواه الفريابي وغيره.\nقال أبو داود: وهو مرسل، إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة شيئًا.\nقال أبو داود: مات إبراهيم التيمي ولم يبلغ أربعين، وكان يكنى أبا أسماء].\nهذا الحديث في بيان حكم القبلة، والقبلة تكون بالفم، فإذا قبل الرجل زوجته فهل ينتقض وضوؤه؟ ومثله إذا مس الرجل المرأة باليد بدون حائل فهل ينتقض الوضوء أو لا ينتقض؟ هذه المسألة خلافية بين أهل العلم، وهذا الحديث فيه أن النبي ﷺ قبل عائشة ولم يتوضأ، لكن الحديث ضعيف؛ لأنه منقطع؛ لأن إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة، فيكون الحديث مرسلًا، والمرسل عند أهل العلم يطلق على ما سقط منه الصحابي، ويطلق على ما سقط من سنده واحد، فالمنقطع يسمى مرسلًا عند بعض أهل الحديث، وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا إلا أن له شاهدًا في الحديث الذي بعده، وأحاديث أخرى كثيرة تجبر هذا الضعف، وتدل على أن مس المرأة بدون حائل وتقبيلها لا ينقض الوضوء، وهذا هو الصواب من أقوال أهل العلم سواء أكان بشهوة أو بغير شهوة، إلا إذا خرج منه شيء كأن يخرج المذي من ذكره، فإن خرج فقد انتقض وضوؤه وبطل، وأما إذا لم يخرج المذي فلا ينتقض وضوؤه.\nومس المرأة فيه ثلاثة أقوال لأهل العلم: الأول: أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقًا.\nالثاني: أنه ينقض مطلقًا، وهذا مذهب الشافعية وجماعة، سواء أكان بشهوة أم بغير شهوة.\nالثالث: أن مس المرأة بشهوة ينقض الوضوء، ومسها بغير شهوة لا ينقض الوضوء، وهذا هو مذهب الحنابلة، ولهذا ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في نواقض الوضوء الثمانية مس المرأة بشهوة، واستدل بعضهم على هذا القول بقوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣] فقالوا: إن المراد بالملامسة هنا الجماع، فالمس واللمس يراد بهما الجماع، وبذلك تكون الآية شاملة للحدثين الأصغر والأكبر، حيث يقول تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة:٦]، فقوله تعالى: «أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ» هذا هو الحدث الأصغر، وقوله تعالى: «أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ» هذا هو الحدث الأكبر.\nوالصواب أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقًا، والشافعية يشددون في هذا ويقولون: إن مس المرأة مطلقًا ينقض الوضوء، ولهذا يقول بعض المتأخرين: ليحرص الإنسان إذا توضأ وهو في المسجد الحرام ألا تمس يده يد امرأة؛ حتى لا ينتقض وضوؤه؛ لأن الوضوء شرط في صحة الطواف والصلاة.\nوهذا متعذر في هذا الزمن لشدة الزحام في الأبواب وأثناء الطواف، وهذا فيه حرج على الناس.","vol":"11","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>شرح حديث عائشة في أن النبي قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن حبيب عن عروة عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، قال عروة: فقلت لها: من هي إلا أنت؟ فضحكت).\nقال أبو داود: هكذا رواه زائدة وعبد الحميد الحماني عن سليمان الأعمش].\nهذا الحديث يشهد للحديث السابق، واختلف في عروة هذا هل هو عروة بن الزبير أو عروة المزني؟ وكذلك اختلف في سماع حبيب من عروة، فذهب الأئمة سعيد القطان ويحيى بن معين والثوري والبخاري إلى أنه لم يسمع من عائشة، فيكون الحديث منقطعًا، وذهب ابن عبد البر وأبو داود إلى أنه سمع منها.\nوهذا الضعف ينجبر بالروايات الأخرى، فقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على أن مس المرأة لا ينقض الوضوء، وهي تجبر هذا الضعف، فمرسل مع مرسل يشد بعضهما بعضًا.","vol":"11","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>شرح حديث عائشة: (أن النبي قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ) من طريق ثانية</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا إبراهيم بن مخلد الطالقاني، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء حدثنا الأعمش حدثنا أصحاب لنا عن عروة المزني عن عائشة ﵂ بهذا الحديث].\nهذا الحديث من رواية عبد الرحمن بن مغراء وهو ضعيف.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: قال يحيى بن سعيد القطان لرجل: احكِ عني أن هذين -يعني: حديث الأعمش هذا عن حبيب، وحديثه بهذا الإسناد في المستحاضة أنها تتوضأ لكل صلاة- قال يحيى: احكِ عني أنهما شبه لا شيء].\nيعني: أن هذين الحديثين ضعيفان، وهما حديث الأعمش في: (أن النبي ﷺ قبل امرأة ولم يتوضأ)، وحديث المستحاضة الذي فيه: (الوضوء لكل صلاة).\nوقصده بذلك أنه يضعف هذا الحديث.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروي عن الثوري قال: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني -يعني: لم يحدثهم عن عروة بن الزبير بشيء].\nأي: أن الثوري ويحيى بن سعيد القطان وجماعة كلهم يرون أن هذا الحديث ما روى عن عروة بن الزبير وإنما روى عن عروة المزني.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد روى حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ حديثًا صحيحًا].\nأي: أن أبا داود يختار أنه سمع من عروة بن الزبير، ويقول: قد روى حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير حديثًا صحيحًا، فـ أبو داود يثبت رواية حبيب عن عروة بن الزبير، وسفيان الثوري ويحيى بن سعيد ويحيى بن معين والبخاري يرون أنه ما سمع من عروة بن الزبير، وإنما سمع من عروة المزني.\nوعلى كل حال فالأئمة كـ الثوري والبخاري وجماعة يرون أن حبيب بن أبي ثابت ما سمع من عروة بن الزبير فيكون السند منقطعًا، لكنه يجبر بالروايات المتعددة، وأبو داود وابن عبد البر يريان أنه سمع فيكون متصلًا.","vol":"11","page":20},{"text":"شرح سنن أبي داود_<span data-type=\"title\" id=toc-200>كتاب الطهارة [١٢]</span>\nمن الأحكام الخاصة بالوضوء: حكم الوضوء من مس الذكر، والوضوء من أكل لحوم الإبل، وكذلك لحوم الغنم، وكذلك حكم الوضوء من أكل ما مسته النار.","vol":"12","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>حكم الوضوء من مس الذكر</span>","vol":"12","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>شرح حديث: (من مس ذكره فليتوضأ)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: الوضوء من مس الذكر.\nحدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر أنه سمع عروة يقول: دخلت على مروان بن الحكم فذكرنا ما يكون منه الوضوء، فقال مروان: ومن مس الذكر، فقال عروة: ما علمت ذلك، فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من مس ذكره فليتوضأ)].\nحديث بسرة بنت صفوان هذا فيه الوضوء من مس الذكر، وهو حديث لا بأس بسنده، رواه أصحاب السنن: مالك والشافعي وأحمد والدارقطني وجماعة، قال البخاري: هو أصح شيء في هذا الباب.\nوالحديث فيه أن من مس ذكره فليتوضأ، يعني: إن مسه بدون حائل، كأن مسه بيده بباطن الكف أو ظاهره.\nوهو أصح من حديث طلق بن علي الذي فيه: (أن النبي ﷺ سئل عن مس الذكر فقال: هو بضعة منك)، وقد ذكر العلامة ابن القيم ﵀ وغيره: أن حديث بسرة مقدم على حديث طلق؛ لأنه أصح من حديث طلق، ولأنه ناقل عن الأصل، وحديث طلق مبق على الأصل، والشريعة ناقلة، فحديث طلق إما أنه منسوخ بحديث بسرة، أو أن حديث بسرة أرجح وأصح، فهو مقدم عليه من جهة الصحة، ومن جهة التأخر أيضًا.","vol":"12","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>ما جاء في عدم الوضوء من مس الذكر</span>","vol":"12","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>شرح حديث طلق بن علي في عدم الوضوء من مس الذكر</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: الرخصة في ذلك.\nحدثنا مسدد حدثنا ملازم بن عمرو الحنفي حدثنا عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق عن أبيه ﵁ قال: (قدمنا على نبي الله ﷺ فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا نبي الله! ما ترى في مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ؟ فقال ﷺ: هل هو إلا مضغة منه أو بضعة منه)].\nيعني: إنه لا ينقض الوضوء، لكن الحديث هذا قاله النبي ﷺ عندما سئل قديمًا في أول الهجرة، إذ أن طلقًا قدم على النبي ﷺ في أول هجرته وكان بمسجده في السنة الأولى، وأما حديث بسرة فهو متأخر؛ ولهذا قال جمع من أهل العلم: إنه منسوخ بحديث بسرة.\nوقال آخرون: إن حديث بسرة أصح وأرجح فيقدم، ويؤيد هذا أن حديث بسرة ناقل عن الأصل، وحديث طلق مبق على الأصل، والناقل مقدم على المبقي؛ لأن الشريعة ناقلة وليست مبقية على الأصل، فيكون الأرجح، ويكون العمل على هذا هو الصواب، وهو الذي عليه الفتوى: أن مس الذكر ينقض الوضوء إذا كان بظاهر الكف أو باطنه بدون حائل، وأما إذا مسه برجله أو بمرفقه أو بذراعه فلا يؤثر.\nفمن العلماء من عمل بحديث بسرة، ومنهم من عمل بحديث طلق وقال: إنه لا ينقض مطلقًا، ومنهم من فصل وقال: إذا مسه بشهوة انتقض وضوؤه، وإذا مسه بغير شهوة لم ينتقض، وذهب إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.\nفإن قيل: وهل تدخل المرأة في هذا؟ قلنا: الصواب أنه عام، فقد جاء في بعض الروايات: (من مس الذكر) مطلقًا، صغيرًا أو كبيرًا إذا كان بدون حائل وكان المس بالكف، والكف إلى الرسغ بالباطن أو الظاهر.\nأما قول من قال بالتفصيل وأن حديث بسرة يحمل على الشهوة فلابد من دليل على هذا التفصيل.\nواختار الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ قول شيخ الإسلام ابن تيمية أنه بشهوة، والصواب القول الأول الذي عليه الجماهير وهو أنه ينقض مطلقًا بشهوة أو بغير شهوة إذا مس اللحم ببطن الكف أو ظاهره.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [رواه هشام بن حسان وسفيان الثوري وشعبة وابن عيينة وجرير الرازي عن محمد بن جابر عن قيس بن طلق.\nحدثنا مسدد حدثنا محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه ﵁ بإسناده ومعناه، وقال: (في الصلاة)].\nقوله: (في الصلاة) أي: ما ترى رجلًا مس ذكره في الصلاة، والحاصل أن عبد الله بن بدر رواه عن قيس بلفظ: ما ترى في مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ، ولم يذكر فيه لفظ (في الصلاة).\nوروى مسدد وهشام بن حسان والثوري وشعبة وابن عيينة وجرير الرازي هؤلاء كلهم عن محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه بلفظ (في الصلاة) أي: يمس الرجل حال كونه في الصلاة.\nقال الخطابي: (إنهم تأولوا خبر طلق أيضًا على أنه أراد به المس ودونه الحائل، واستدلوا على ذلك برواية الثوري وشعبة وابن عيينة أنه سأله عن مسه في الصلاة، والمصلى لا يمس فرجه من غير حائل بينه وبينه قلت: ولا يخفى بعد هذا التأويل).\nوقال الشيخ شمس الدين ابن القيم: (نقض الوضوء من مس الذكر فيه حديث بسرة، قال الدارقطني: قد صح سماع عروة من بسرة هذا الحديث، وبسرة هذه من الصحابيات الفضليات، قال مالك: أتدرون من بسرة بنت صفوان؟ هي جدة عبد الملك بن مروان، لأمه فاعرفوها.\nوقال مصعب الزبيري: هي بنت صفوان بن نوفل من المبايعات، وو ورقة بن نوفل عمها، وقد ظلم من تكلم في بسرة وتعدى، وفي الموطأ في حديثها من رواية ابن بكير: (إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ وضوءه للصلاة)، وفيه حديث أبي هريرة يرفعه: (إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليس بينه وبينه شيء فليتوضأ».\nيعني: أنه قد جاءت أحاديث كثيرة تؤيد حديث بسرة: وهو أنه إذا أفضى بيده من غيره حائل فليتوضأ.\nثم قال ابن القيم بعد ذلك: وفي الباب حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يرفعه: (أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ).\nقال الحازمي: هذا إسناد صحيح؛ لأن الحافظ ابن راهويه رواه في مسنده: حدثنا بقية بن الوليد حدثنا الزبيدي حدثنا عمرو فذكره.\nوبقية ثقة في نفسه، وإذا روى عن المعروفين فمحتج به، وقد احتج به مسلم ومن بعده من أصحاب الصحيح).\nوقال: وأما حديث طلق فقد رجِّح حديث بسرة وغيره عليه من وجوه: أحدها: ضعفه -أي: ضعف حديث طلق-.\nوالثاني: أن طلقًا قد اختلف عنه، فروي عنه: (هل هو إلا بضعة منك؟) يعني: اختلاف الحديث هل: بضعة أو مضغة؟ يدل على اضطرابه.\nالثالث: أن حديث طلق لو صح لكان حديث أبي هريرة ومن معه مقدمًا عليه؛ لأن طلقًا قدم المدينة وهم يبنون المسجد فذكر الحديث وفيه قصة مس الذكر، وأبو هريرة أسلم عام خيبر بعد ذلك بست سنين، وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمره ﷺ.\nالرابع أن حديث طلق مبق على الأصل، وحديث بسرة ناقل، والناقل مقدم؛ لأن أحكام الشارع ناقلة عما كانوا عليه.\nالخامس: أن رواة النقل أكثر وأحاديثه أشهر، فإنه من رواية بسرة وأم حبيبة وأبي هريرة وأبي أيوب وزيد بن خالد ﵃.\nالسادس: أنه قد ثبت الفرق بين الذكر وسائر الجسد في النظر والحس، فثبت عن رسول الله ﷺ: (أنه نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه».","vol":"12","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>الوضوء من لحوم الإبل</span>","vol":"12","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>شرح حديث: (سئل رسول الله عن الوضوء من لحوم الإبل فقال: توضئوا منها)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: الوضوء من لحوم الإبل.\nحدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب ﵁ قال: (سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: توضأوا منها.\nوسئل عن لحوم الغنم، فقال: لا توضئوا منها.\nوسئل عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال: لا تصلوا في مبارك الإبل؛ فإنها من الشياطين.\nوسئل عن الصلاة في مرابض الغنم، فقال: صلوا فيها؛ فإنها بركة)].\nهذا الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة وأحمد وابن خزيمة.\nوهذا الباب معقود للوضوء من أكل لحوم الإبل، وفيه حديث البراء أن النبي ﷺ: (سئل عن الوضوء من لحم الإبل، فقال: توضئوا من لحوم الإبل.\nوسئل عن الوضوء من لحوم الغنم؟ فقال: لا تتوضئوا من لحوم الغنم).\nوفي حديث جابر بن سمرة ﵁: (توضئوا من لحوم الإبل ولا تتوضئوا من لحوم الغنم)، وهما حديثان صحيحان كما قال الإمام أحمد ﵀.\nولهذا ذهب الإمام أحمد ﵀ وجماعة من أهل الحديث إلى وجوب الوضوء من أكل لحوم الإبل، وقد ذهب إلى هذا ابن خزيمة ﵀، وابن المنذر وطائفة من أهل الحديث، وذهب الجمهور والأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأبي حنيفة إلى أنه لا يجب الوضوء من أكل لحوم الإبل.\nواستدلوا بحديث جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ عدم الوضوء مما مست النار)، ولكن حديث جابر ﵁ هذا عام، وحديث البراء خاص، والقاعدة عند أهل العلم: أن الخاص يقدم على العام.\nولهذا عدل الإمام ابن القيم ﵀ عن الاحتجاج بحديث جابر على عدم وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل، وقال: إن هذا عام وهذا خاص، وكانوا في أول الإسلام يتوضئون من أكل كل شيء مسته النار: إذا شرب مرقًا مسته النار، أو أكل سويقًا أو طعامًا توضأ، ثم نسخ ذلك أو بقي على الاستحباب، وأما لحوم الإبل ففيها دليل خاص، ولأن الوضوء من أكل لحوم الإبل عام يشمل النيئ والمطبوخ والمشوي بخلاف عدم الوضوء مما مسته النار.\nولهذا قال النووي ﵀: إن القول بالوضوء من أكل لحم الإبل أصح دليلًا، وإن كان الجمهور على خلافه.\nوقال: ليس عندي إشكال في حديث جابر بن سمرة: (توضئوا من لحوم الإبل، ولا تتوضأوا من لحوم الغنم)، وحديث البراء: (أنه لما سئل أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم، وقيل: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: لا)، فالوضوء من أكل لحوم الغنم عام يدخل فيه حديث جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ عدم الوضوء مما مست النار).\nواختلف العلماء كما سيأتي في الوضوء مما مست النار هل هو منسوخ أو بقي على الاستحباب؟ والراجح: أنه بقي الاستحباب.\nودل حديث جابر أيضًا على النهي عن الصلاة في مبارك الإبل، وأنها لا تصح الصلاة؛ لأن النهي للفساد.\nوالعلة في النهي أنها مأوى للشياطين، وهو المكان الذي تقيم فيه عند المراح، وتقيم فيه المدة الطويلة، وأما المكان العارض الذي يكون فيه البعير ثم يذهب فهذا لا يعتبر مبركًا؛ لأن المبرك: هو المكان الذي يطيل فيه الجلوس، ويكون فيه المراح.\nوأما مكان الغنم فلا بأس بالصلاة فيه.\nوفيه دليل على طهارة أبوال ما يؤكل لحمه؛ لأن النبي ﷺ أباح الصلاة في مبارك الغم، ولا تخلو مباركها من البعر والبول، لكنها طاهرة في أصح أقوال العلماء، فجميع ما يؤكل لحمه طاهر حتى الفضلات كالأرواث والأبوال.\nوذهب الشافعية إلى أن أبوال ما يؤكل لحمه نجسة.\nوذهب آخرون من أهل العلم إلى أن جميع الأبوال طاهرة ما عدا بول الآدمي وعذرته، والصواب: القول الأول، وهو الذي تجرى عليه النصوص، فأما ما يؤكل لحمه فروثه ومنيه طاهر، وأما ما لا يؤكل لحمه كالأسد والنمر والكلب والثعلب وغيرها، ففضلاتها نجسة؛ لأنها ليست طاهرة كالآدمي، أما ما يؤكل لحمه فإنه طاهر حتى فضلاته خلافًا للشافعية الذين يقولون: إن أبوال الإبل والبقر والغنم نجسة، واستدلوا بالأحاديث التي فيها العموم في النهي عن البول ووجوب تنقية البول، لكن يقال: هذه عامة وهذه خاصة، والدليل على طهارة أبوال الإبل: أن النبي ﷺ أمر العرنيين لما اجتووا المدينة أن يلحقوا بإبل الصدقة ويشربوا من أبوالها وألبانها، ولم يقل لهم: اغسلوا أفواهكم فإنها نجسة، ففعلوا وشربوا من أبوالها وألبانها حتى صحوا، فلو كانت نجسة لأمرهم أن يغسلوا أفواههم، وهذا ثابت في الصحيحين، وهذا هو الصواب الذي لا إشكال فيه: أن بول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه وجميع فضلاته طاهرة، وأما ما لا يؤكل لحمه فهو نجس من الحيوانات ومن الآدمي.\nومن الأدلة على طهارتها: أن النبي ﷺ رخص في الصلاة في مبارك الغنم، ومن المعلوم أن مبارك الغنم لابد فيها من الروث والبول، ولم يقل: توقوا أو افرشوا شيئًا حائلًا بينكم وبين الأرض، مما دل على أنها طاهرة.\nهذا في مبارك الإبل والغنم الباقية على حالها، وأما إذا كانت مبارك الإبل مهجورة حيث نقلت الإبل إلى موقع آخر فالأقرب والله أعلم أنه انتقل حكمها، كما لو نقل المسجد إلى مكان آخر فإن حكم المسجد ينتقل، والعلة كما بين النبي أنها من الشياطين؛ لما فيها من الشيطنة والعتو والتمرد، وقد تأتي إلى الإنسان وهو يصلي وتؤذيه مثلًا، فالبعير إذا اعتاد على مكان فإنه لا يغير مكانه، ولهذا نهي المصلون عن الإيطان كإيطان البعير، كأن يصلي في مكان ولا يغيره.\nفالمقصود: أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة في مبارك الإبل، والنهي يقتضي الفساد، وهي من إحدى الأماكن التي تمنع الصلاة فيها، وهي: المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، ومبارك الإبل.\nوذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره الحكمة في الوضوء من لحم الإبل، فقال: إن النبي ﷺ أخبر أن هذه من الشياطين، والشيطان مخلوق من نار، والنار تطفأ بالماء، فلهذا وجب الوضوء من أكل لحم الإبل.\nوعلى كل حال فهذا استنباطه وإلا فإن النبي ﷺ أمر بالوضوء من أكل لحوم الإبل، ونهى عن الصلاة في مبارك الإبل وقال: إنها من الشياطين.\nأو هي من الشيطنة، وسواء كانت هذه هي الحكمة أو غيرها، فنحن عبيد مأمورون بأن نقول: سمعنا وأطعنا إذا أمر الله على لسان نبيه ﷺ بشيء أو نهانا عن شيء.","vol":"12","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>الوضوء من مس اللحم النيئ وغسله</span>","vol":"12","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>شرح حديث أبي سعيد في سلخ النبي لجلد الشاة ثم ذهابه إلى الصلاة من غير وضوء</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: الوضوء من مس اللحم النيئ وغسله.\nحدثنا محمد بن العلاء وأيوب بن محمد الرقي وعمرو بن عثمان الحمصي المعنى، قالوا: حدثنا مروان بن معاوية أخبرنا هلال بن ميمون الجهني عن عطاء بن يزيد الليثي، قال هلال: لا أعلمه إلا عن أبي سعيد، وقال أيوب وعمرو: وأراه عن أبي سعيد ﵁: (أن النبي ﷺ مر بغلام يسلخ شاة فقال له رسول الله ﷺ: تنح حتى أريك، فأدخل يده بين الجلد واللحم فدحس بها حتى توارت إلى الإبط، ثم مضى فصلى للناس ولم يتوضأ).\nزاد عمرو في حديثه -يعني: لم يمس ماء-، وقال: عن هلال بن ميمون الرملي.\nقال أبو داود رواه عبد الواحد بن زياد وأبو معاوية عن هلال عن عطاء عن النبي ﷺ مرسلًا، لم يذكر أبا سعيد].\nهذا الحديث فيه هلال بن ميمون الجهني، قال أبو المغيرة: تكلم فيه بعضهم.\nوفيه أنه لا يجب الوضوء من مس اللحم النيئ أو المطبوخ، ولا حتى غسل يده، بل يستحب فقط؛ لئلا يكون فيها شيء من الدهونة، وكذلك لو شرب مرقًا أو لبنًا فلا يجب الوضوء من ذلك حتى لو كان مرق إبل أو لبنها؛ لأن الوجوب الوارد في الحديث خص الأكل من لحمها لا غيره.\nواختلف العلماء: هل يجب الوضوء من جميع أجزاء اللحم، أو من اللحم خاصة وهو ما يسمى بالهبر؟ فذهب الحنابلة وجماعة إلى أنه لا يجب الوضوء إلا من اللحم فقط، وأما لو أكل من لحم الرأس أو الكرش أو المصران أو الكبد أو العصب فلا يجب الوضوء.\nوالقول الثاني: أنه يجب الوضوء من جميع أجزاء اللحم، سواء أكان اللحم الأحمر، أو الكرش، أو لحم الرأس، أو المصران أو غيره، وهذا هو الصواب؛ لأن الله ﷾ حرم لحم الخنزير بقوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾ [البقرة:١٧٣]، فقال: (ولحم الخنزير) ولم يقل أحد: إنه يجوز أكل غير اللحم في الخنزير، كأكل لحم الرأس أو العصب أو الكبد، بل هو عام في جميع أجزائه، فكذلك الوضوء من أكل لحم الإبل الصواب أنه عام.\nوأما إذا شرب لبن الإبل أو مرقها وليس فيه لحم فلا يوجب الوضوء، وكذلك أيضًا إذا مس اللحم، أو ذبح الذبيحة، أو قطع اللحم، أو مس اللحم النيئ أو المطبوخ أو غسله، فلا يوجب الوضوء، وإنما يجب الوضوء من الأكل فقط.\nوفي الحديث أيضًا: حسن خلق النبي ﷺ حيث علم هذا الغلام، وقال له: (تنحّ حتى أعلمك، ثم أدخل يده بين الجلد واللحم).\nوهلال بن ميمون الجهني أو الهذلي أبو علي الفلسطيني روى عن سعيد بن المسيب ويعلى بن شداد وجماعة، وعنه ثور بن يزيد وأبو معاوية ووكيع، وثقه ابن معين، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، يكتب حديثه.\nوالصحيح أنه مختلف فيه، والأقرب أنه لا بأس بحاله.\nوما دل عليه الحديث من أنه لا يجب الوضوء من غسل اللحم سواء كان نيئًا أو مطبوخًا أو مسه هو صحيح.\nوإذا كان في يد شخص دمًا فإنه يغسل الدم ولا يجب عليه الوضوء.\nوالدم نوعان: مسفوح، وهذا نجس، والمسفوح هو الذي يخرج حينما تذبح الذبيحة ويسفح منها، وأما الدم الذي يبقى في العروق أو اللحم فهو طاهر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام:١٤٥]، والدم المسفوح يكون عند الذبح.\nالغنم يعني: لما فيها من السكينة والدعة، بخلاف الإبل فإن فيها قوة وقسوة، ولهذا تؤثر الغنم على الرعاة، وتؤثر الإبل على الرعاة، قال النبي ﷺ: (الفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والدعة في أصحاب الغنم)، وأنت تجد الذين يرعون الإبل فيهم الخيلاء والفخر، بخلاف أهل الغنم فإن فيهم الدعة والسكينة والهدوء؛ لأن ملابسة الشيء تؤثر في ملابسها، وهؤلاء لابسوا الإبل فأثرت فيهم؛ لأن الإبل فيها قوة وشيطنة، فأثرت عليهم بالفخر والخيلاء، والغنم فيها دعة وسكينة فأثرت على أصحابها بالتواضع والهدوء.","vol":"12","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>ترك الوضوء من مس الميتة</span>","vol":"12","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>شرح حديث تناول رسول الله الجدي الأسك الميت</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: ترك الوضوء من مس الميتة.\nحدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا سليمان -يعني: ابن بلال - عن جعفر عن أبيه عن جابر ﵁: (أن رسول الله ﷺ مر بالسوق داخلًا من بعض العالية والناس كنفتيه، فمر بجدي أسك ميت فتناوله فأخذ بإذنه، ثم قال: أيكم يحب أن هذا له؟) وساق الحديث].\nهذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه، وتمامه: (أن النبي ﷺ مر بجدي) والجدي: هو ولد المعز الصغير، إذ يقال له جدي ذكر إذا مضى عليه أربعة أشهر أو قريبًا منها، وأما إذا كانت أنثى فتسمى سخلة أو عناقًا.\nقال: (مر النبي ﷺ بجدي أسك) يعني: صغير الأذن، أو مقطوع الأذن، (ميت فأخذ بأذنه فقال للصحابة: أيكم يحب أن يكون له هذا بدرهم؟ فقالوا: يا رسول الله! ما نحب أنه لنا بشيء، وماذا نصنع به؟! فقال: أتحبون أن يكون لكم هذا؟ قالوا: والله! لا نريده، إنه لو كان حيًا لكان معيبًا)، أي: لو كان حيًا لكان به عيب وهو أنه صغير الأذن، فقال النبي ﷺ: (للدنيا أهون عند الله من هذا عليكم)، مما يدل على أن الدنيا لا تساوي عند الله شيئًا.\nوفي حديث آخر: (لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء)، فالدنيا لا تساوي شيئًا عند الله، ولهذا يأكل منها البر والفاجر، وفيها اختلاط وامتزاج الأبرار بالفجار، والأخيار بالأشرار، والمؤمنون بالكفار، بخلاف الآخرة ففيها يحصل التميز والانفصال، فيتميز المؤمنون من الكفار، والأشرار من الأخيار، وأما هذه الدنيا فهي دار اختبار، ودار امتزاج واختلاط الخبيث بالطيب، والمؤمن بالكافر؛ فلهذا ليس لها عند الله قيمة، وهي هينة على الله، فهي أهون على الله من هوان هذا التيس الميت مقطوع الأذن على الناس.\nوالحديث فيه دليل على أن مس النجاسة اليابسة لا يؤثر على الإنسان، ولا يوجب غسل اليد ولا الوضوء.\nوالنجاسة نوعان: غضة ويابسة، فإذا كانت يابسة فلا يؤثر مسها على اليد، ولا يوجب الوضوء ولا غسل اليد، أما إذا كانت رطبة فلابد من غسل اليد، ولا يوجب فيها الوضوء كما يظن بعض الناس؛ لأنك لم تفعل ناقضًا من نواقض الوضوء، ومثله ما لو مس إنسان بيده يد كلب يابس فليس عليه شيء، أما إن كانت يده رطبة أو الكلب رطب فعليه أن يغسل يده.","vol":"12","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>ترك الوضوء مما مست النار</span>","vol":"12","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>شرح حديث ابن عباس في أكل رسول الله كتف شاة وصلاته بدون وضوء بعده</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: في ترك الوضوء مما مست النار.\nحدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ)].\nهذا الحديث أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم رحمهما الله.\nوفيه دليل على أنه لا يجب الوضوء من أكل لحوم الغنم، وإنما يجب الوضوء من أكل لحوم الإبل.\nوفيه ترك الوضوء مما مست النار، وكانوا في أول الإسلام يتوضئون من أكل أي شيء مسته النار، سواء كان لحمًا، أو طعامًا، أو شرب سويقًا، ثم نسخ ذلك، ولهذا فلما أكل النبي كتف شاة صلى ولم يتوضأ، وفي الحديث الآخر: (أنه ﵊ دعي إلى الصلاة وهو يجتز من لحم شاة بالسكين، فقام وترك السكين على اللحم ولم يتوضأ)، وجاء في الحديث الآخر ما يدل على الاستحباب، وفعل النبي ﷺ هذا يدل على الجواز، لكن إذا توضأ فهو أفضل وإن لم يتوضأ فلا حرج.","vol":"12","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>شرح حديث المغيرة في ترك الوضوء مما مست النار</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن سليمان الأنباري المعنى، قالا: حدثنا وكيع عن مسعر عن أبي صخرة جامع بن شداد عن المغيرة بن عبد الله عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: (ضفت النبي ﷺ ذات ليلة، فأمر بجنب فشوي، وأخذ الشفرة فجعل يحز لي بها منه، قال: فجاء بلال فآذنه بالصلاة، قال: فألقى الشفرة وقال: ماله تربت يداه؟! وقام يصلي).\nزاد الأنباري: (وكان شاربي وفى فقصه لي على سواك) أو قال: (أقصه لك على سواك)].\nهذا الحديث فيه دليل على أنه لا يجب الوضوء من أكل لحم الغنم سواء كان مطبوخًا أو مشويًا، وإنما يجب الوضوء في أكل لحوم الإبل خاصة.\nوفيه: جواز القطع بالسكين خلافًا لمن كره ذلك.\nوفيه: أن بلال آذنه بالصلاة فقام وترك الأكل، فاحتج به بعض العلماء على أن الإمام مستثنى من الحديث الآخر: (إذا حضرت الصلاة وقدم العشاء فابدءوا بالعشاء)، قالوا: فالحديث هذا عام، وحديث الباب خاص، فيدل على أن الإمام مستثنى وعليه أن يقوم؛ لأن النبي ﷺ قام وترك الطعام، وكأنه كان محتاجًا إليه؛ ولهذا قال: (ماله تربت يداه؟!) أي: ما له استعجل؟ فهذا خاص بالإمام، وأما غير الإمام فإذا قدم العشاء فيبدأ بالعشاء كما في الحديث الآخر: (إذا حضرت الصلاة وقدم العشاء فابدءوا بالعشاء).\nوجمع الخطابي ﵀ بينهما فقال: إن هذا الحديث فيه دليل على أن الإنسان إذا قدم له الطعام وكان متماسكًا ولا تزعجه الحاجة إلى الأكل، ولا يؤثر عليه في الإتيان بالصلاة بحقوقها ومكملاتها فإنه لا بأس، وأما إذا كان صائمًا واشتد عليه الجوع فإنه يقدم العشاء.\nوقول الخطابي له وجاهة، يعني: إذا كانت نفسه تتوق إلى الطعام وتتعلق به ويحصل له تشوش، فعليه أن يأخذ نهمته ثم يذهب إلى الصلاة، حتى ولو فاتته الجماعة، يقول: فهذا عذر من الأعذار في ترك الجماعة، فهذا إذا قدم له العشاء، لكن لا ينبغي له إذا سمع الأذان أن يطلب تقديم العشاء؛ لأن هذا تعمد لترك الصلاة، وذلك لا يجوز.\nوفي الحديث أيضًا: أن النبي ﷺ قص شاربه على السواك، حيث طال شعر شاربه فوضع السواك ثم قصه عليه، ووضع السواك حتى لا يصيب المقص شيئًا من الجلد، فجعل السواك وقاية، ثم قص ما زاد فوق السواك من الشعر.\nوفيه: مشروعية قص الشارب.\nوفيه: المبادرة إلى ذلك.\nوفيه: حسن خلق النبي ﷺ؛ حيث إن النبي قص شاربه ولم يوكل ذلك إلى أحد من أصحابه.\nوجاء عند مسلم من حديث أنس: (أن النبي ﷺ وقّت في قص الشارب وحلق العانة وتقليم الأظفار ونتف الإبط ألا يترك ذلك فوق أربعين ليلة)، أما المغيرة فطال شاربه؛ لأنه انشغل عنه بالجهاد وأعماله الأخرى، فلما رآه النبي ﷺ قصه ولم تلهه المبادرة في وضع السواك عليه؛ حتى يكون وقاية له، فاجتمع فيه الأمران: كونه يأمن أن يصيب القص شيئًا من الجلد، وأن يقص ما زاد وما طال فوق السواك.\nوأما طريقة ذلك فهي أن يضع السواك على الشفه، والشعر فوق السواك، ثم يقص ما كان فوق السواك، وأبقى بقية وهو ما تحت السواك.\nوينكر على الشخص إذا أطال شاربه فوق أربعين ليلة؛ للوعيد في ذلك، حيث جاء في الحديث قوله: (من لم يأخذ من شاربه فليس منا)، وقوله: (احفوا الشوارب، وأرخوا اللحى؛ خالفوا المشركين).\nقوله: (وكان شاربي) ظاهره يعود إلى المغيرة راوي الحديث، وأما بلال فمجيئه عارض.\nلكن قد جاء الحديث من رواية الترمذي في الشمائل بلفظ: (وكان شاربه) أي: كان شارب بلال قد طال، وهذا هو ظاهر هذه الرواية، فينظر كيف يأتي الجمع بين الروايتين، وأيهما أصح: شاربه أو شاربي؟ وفيه: أن النبي ﷺ بادر بامتثال الأمر وقام إلى الصلاة.\nوالحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة وأحمد والنسائي في الكبرى.","vol":"12","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>شرح حديث ابن عباس في صلاة رسول الله بعد أكله من كتف دون وضوء</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا أبو الأحوص حدثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: (أكل رسول الله ﷺ كتفًا ثم مسح يده بمسح كان تحته، ثم قام فصلى)].\nهذا فيه دليل على أنه لا يجب الوضوء من أكل لحم الغنم.\nوفيه: جواز مسح اليد بعد الطعام، وأنه لا يجب الغسل وإنما يستحب، فإذا مسح بالمنديل كفى، وإن غسلها فهو أكمل وأفضل.\nوالحديث أصله في الصحيحين: (أن النبي ﷺ أكل كتفًا ثم قام فصلى ولم يتوضأ).\nوقوله في حديث المغيرة السابق: (تربت يداه) يعني: لصقت يداه بالتراب من شدة الفقر، وهذا هو الأصل، لكن هذه من الكلمات التي تجري على اللسان ولا يراد بها معناها، ومن ذلك قوله ﵊: (فاظفر بذات الدين تربت يداك)، فهو من باب الحث على الشيء أو تأكيد الشيء، وليس المقصود الدعاء عليه.\nومثل ذلك ما جاء في الحديث: (عقرى حلقى، أحابستنا هي؟) وذلك لما أمر النبي ﷺ بالرحيل من حجة الوداع، فقالوا: إن صفية حاضت، قال: (عقرى حلقى أحابستنا هي؟! قالوا: إنها أفاضت، قال: أيسروا إذن).\nفقوله: (عقرى) أصلها دعاء بالعقر، و(حلقى) بالحلق، ولكن ليس هذا المراد بها هنا، وإنما هذه كلمات أصبحت تجري على اللسان من غير قصد، فهي على عادة العرب.","vol":"12","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>شرح حديث ابن عباس: (أن رسول الله انتهش من كتف ثم صلى ولم يتوضأ)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا حفص بن عمر النمري، حدثنا همام عن قتادة عن يحيى بن يعمر عن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ انتهش من كتف ثم صلى ولم يتوضأ)].\nوهذا كما سبق في الصحيحين، ويدل على عدم الوضوء من لحم الغنم.","vol":"12","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>شرح حديث جابر في صلاة رسول الله بعد أكله الخبز واللحم</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا إبراهيم بن الحسن الخثعمي حدثنا حجاج قال ابن جريج: أخبرني محمد بن المنكدر قال: سمعت جابر بن عبد الله ﵄ يقول: (قربت للنبي ﷺ خبزًا ولحمًا، فأكل ثم دعا بوضوء فتوضأ به، ثم صلى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه فأكل، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ)].\nالحديث فيه أنه توضأ لصلاة الظهر ولم يتوضأ لصلاة العصر وقد أكل طعامًا، فدل على التوسعة في أن الإنسان مخير إذا أكل طعامًا أو شيئًا مسته النار أو لحم غنم فهو مخير بين الوضوء كما فعل النبي ﷺ في صلاة الظهر، وبين عدم الوضوء.\nويدل عليه حديث: (لما سئل أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت.\nقيل: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم).","vol":"12","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>شرح حديث: (كان آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء مما غيرت النار)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن سهل أبو عمران الرملي حدثنا علي بن عياش حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر عن جابر ﵁ قال: (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار)].\nهذا الحديث هو الذي احتج به الجمهور على أن لحم الإبل لا ينقض الوضوء، لكنه حديث عام، وحديث الوضوء من لحم الإبل خاص.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا اختصار من الحديث الأول.","vol":"12","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>شرح حديث عبد الله بن الحارث في صلاة رسول الله بعد مضغه بضعة لحم</span>\nقال المؤلف ﵀: [حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح حدثنا عبد الملك بن أبي كريمة قال ابن السرح: ابن أبي كريمة من خيار المسلمين.\nقال: حدثني عبيد بن ثمامة المرادي قال: قدم علينا مصر عبد الله بن الحارث بن جزء ﵁ من أصحاب رسول الله ﷺ، فسمعته يحدث في مسجد مصر قال: (لقد رأيتني سابع سبعة أو سادس ستة مع رسول الله ﷺ في دار رجل، فمر بلال ﵁ فناداه بالصلاة فخرجنا، فمررنا برجل وبرمته على النار، فقال له رسول الله ﷺ: أطابت برمتك؟ قال نعم بأبي أنت وأمي! فتناول منها بضعة فلم يزل يعلكها حتى أحرم بالصلاة، وأنا أنظر إليه)].\nهذا الحديث قال فيه الألباني: حديث ضعيف.\nأما أحمد بن عمرو بن السرح فهو ثقة.\nوعبد الملك بن أبي كريمة صدوق صالح.\nقال ابن السرح: ابن أبي كريمة من خيار المسلمين.\nوعبيد بن ثمامة مقبول، أي: إذا توبع وإلا فضعيف.\nويقال: عتبة، وبه جزم ابن يونس، ورجح هذا صاحب بذل المجهود.\nوهذا الحديث له شاهد عند ابن ماجة وابن حبان في صحيحه، فيرتقي من درجة الضعيف إلى درجة الحسن لغيره.\nوقوله: (بأبي أنت وأمي) يعني: أفديك بأبي وأمي.\nوفي الحديث دليل على أن من أكل من لحم غير الإبل فلا يجب عليه الوضوء، والحديث وإن كان فيه ضعف لكن له شاهد يرتقي به إلى درجة الحسن، وكونه ﷺ تناول من البضعة جبرًا للخاطر ففيه حسن خلق النبي ﷺ، وأنه لا بأس للإنسان إذا أكل لحمًا أو طعامًا أن يصلي ولو لم يتمضمض، ولم يغسل يده، لكن كونه يغسل يده ويتمضمض حتى يزول ما في فمه من فضلات الطعام فهو أفضل، وفعل النبي ﷺ إنما هو لبيان الجواز.","vol":"12","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>ما جاء في التشديد في الوضوء مما مست النار</span>","vol":"12","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>شرح حديث: (الوضوء مما أنضجت النار)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: التشديد في ذلك.\nحدثنا مسدد حدثنا يحيى عن شعبة حدثني أبو بكر بن حفص عن الأغر عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (الوضوء مما أنضجت النار).\nحدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا أبان عن يحيى -يعني ابن أبي كثير - عن أبي سلمة أن أبا سفيان بن سعيد بن المغيرة حدثه: (أنه دخل على أم حبيبة ﵂ فسقته قدحًا من سويق، فدعا بماء فمضمض، قالت: يا ابن أختي! ألا توضأ؟ إن النبي ﷺ قال: توضئوا مما غيرت النار، أو قال: مما مست النار).\nقال أبو داود: في حديث الزهري: يا ابن أخي!].\nهذا الأثر محمول على أن أم حبيبة ﵂ لم تبلغها رخصة عدم الوضوء، وهو حديث جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ عدم الوضوء مما مست النار)، ويظهر أنها أمرت بعد وفاة النبي ﷺ].\nأما حديث أبي هريرة فهذا كان أولًا، ثم نسخ.\nوحديث أبي هريرة هذا أخرجه أحمد ومسلم في كتاب الحيض من طريق إبراهيم بن قارظ عن أبي هريرة بلفظ: (توضئوا مما مست النار)، والنسائي وقد أخرجه النسائي وأحمد جميعًا عن أبي سفيان.\nوقد أجاب بعض العلماء على حديث أم حبيبة بجوابين: الأول: أنه منسوخ بحديث جابر.\nالثاني: أن المراد بالوضوء غسل الفم والكفين.\nقال النووي: ثم إن هذا الخلاف الذي حكيناه كان في الصدر الأول، ثم أجمع العلماء بعد ذلك على أنه لا يجب الوضوء من أكل ما مسته النار.\nواعترض الشوكاني على الجواب الأول: بأن الجواب الأول إنما يتم بعد تسليم أن فعله ﷺ يعارض القول الخاص وينسخه، والمتقرر في الأصول خلافه.\nوقال النووي عن حديث أم حبيبة: (هذا بعد وفاة النبي ﷺ وأنه لم يبلغها النهي).\nوالظاهر من كلام أم حبيبة أنها أوجبت، إذ قالت: (ألا تتوضأ؟ فإن رسول الله ﷺ أمرنا بالوضوء مما غيرت النار)، والأمر للوجوب.\nأما قول أبي داود في حديث الزهري: يا ابن أخي، فهو وهم؛ لأن أم حبيبة خالة أبو سفيان، ويمكن أن يكون محمولًا على المجاز.","vol":"12","page":21},{"text":"شرح سنن أبي داود_<span data-type=\"title\" id=toc-221>كتاب الطهارة [١٣]</span>\nتستحب المضمضة من شرب اللبن؛ لأن له دسمًا، ولا بأس بترك ذلك.\nواختلف الفقهاء في النوم هو ناقض للوضوء أو لا، وفي خروج الدم كذلك، وخروج المذي ناقض للوضوء بالإجماع.","vol":"13","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>الوضوء من شرب اللبن</span>","vol":"13","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>شرح حديث: (توضئوا مما غيرت النار)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: الوضوء من اللبن.\nحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن عقيل عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ شرب لبنًا فدعا بماء فتمضمض، ثم قال: إن له دسمًا)].\nهذا الحديث رواه الشيخان والترمذي والنسائي، وفيه دليل على استحباب المضمضة من شرب اللبن.\nولقد بين النبي ﷺ العلة فقال: (إن له دسمًا)، فيستحب للمسلم إذا شرب لبنًا أن يتمضمض إن أراد الصلاة؛ حتى يذهب الدسم وتزول البقايا التي في الفم.","vol":"13","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>الرخصة في ترك الوضوء والمضمضة من شرب اللبن</span>","vol":"13","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>شرح حديث شرب رسول الله اللبن وصلاته بعده بغير وضوء ولا مضمضة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: الرخصة في ذلك.\nحدثنا عثمان بن أبي شيبة عن زيد بن الحباب عن مطيع بن راشد عن توبة العنبري أنه سمع أنس بن مالك ﵁: (أن رسول الله ﷺ شرب لبنًا فلم يمضمض ولم يتوضأ، وصلى).\nقال زيد: دلني شعبة على هذا الشيخ].\nشعبة دله عليه؛ لأنه ثقة عنده.\nوهذا فيه دليل على جواز ترك المضمضة من شرب اللبن، وأنه ليس بأمر حتم ولا بواجب، وإنما هو مستحب، فإن تمضمض فحسن، وإن ترك فلا حرج، ولا يعتبر هذا الحديث ناسخ للحديث السابق كما زعمه بعضهم، بل فعله ﵊ يحمل على الاستحباب، وتركه يحمل على الجواز أحيانًا.","vol":"13","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>الوضوء من الدم</span>","vol":"13","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>شرح حديث جابر في قصة رمي الذي كان يحرسهم في صلاتهد</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: الوضوء من الدم.\nحدثنا أبو توبة الربيع بن نافع حدثنا ابن المبارك عن محمد بن إسحاق حدثني صدقة بن يسار عن عقيل بن جابر عن جابر ﵁ قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺيعني في غزوة ذات الرقاع- فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين، فحلف ألا أنتهي حتى أهريق دمًا في أصحاب محمد ﷺ، فخرج يتبع أثر النبي ﷺ، فنزل النبي ﷺ منزلًا فقال: من رجل يكلؤنا؟ فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فقال: كونا بفم الشعب، قال: فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب اضطجع المهاجري وقام الأنصاري يصلي، وأتى الرجل فلما رأى شخصه عرف أنه ربيئة للقوم، فرماه بسهم فوضعه فيه، فنزعه حتى رماه بثلاثة أسهم، ثم ركع وسجد، ثم انتبه صاحبه، فلما عرف أنهم قد نذروا به هرب، فلما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال: سبحان الله! ألا أنبهتني أول ما رمى، قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها!)].\nالحديث من رواية صدقة بن يسار عن عقيل بن جابر، وعقيل بن جابر مجهول، ولم يرو عنه إلا صدقة بن يسار، ورواه محمد بن إسحاق في المغازي، ورواه أيضًا أحمد والدارقطني، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.\nوليس في هذا الحديث دلالة على الوضوء من الدم على فرض صحته، وإنما فيه الاستمرار في الصلاة، والإنسان إذا خرج منه دم أثناء صلاته وكان مستمرًا فإنه يستمر في صلاته، ويكون حكمه حكم المستحاضة التي لا ينقطع عنها دمها؛ لأنه لو قطع الصلاة فلن يفيده ذلك؛ لأن الدماء مستمرة، وكذا الإنسان إذا كان به جرح سيال فإنه يستمر في صلاته، وكذا من فيه سلسل البول، ولأن الاستمرار في الصلاة غير ابتدائها، لأنه قبل أن يبتدئ الصلاة سيعالج هذه الدماء حتى ينقطع الدم عنه، ولهذا استمر عمر ﵁ في صلاته لما طعن وجرحه يثعب دمًا، وإن كان قد أناب عبد الرحمن بن عوف في الصلاة، إلا أن ظاهره أنه استمر في صلاته، ويمكن التعليل أيضًا بأن الجراحات التي تصيب الغزاة والمجاهدين في الأسفار والغزوات معفو عنها من أجل المشقة، إذ قد لا يتمكن من غسلها، وليس هناك دليل واضح على نجاسة الدم، لكن جاء في قصة المستحاضة أن النبي ﷺ قال: (اغسلي عنك الدم وتوضئي وصلي)، فخصه بعضهم بالدم الخارج من الفرج، أما كون الوضوء من الدم واجبًا فليس هناك دليل واضح على ذلك، وينبغي التفريق بين كون الدم نجسًا أو غير نجس، وبين هل هو ناقض أم لا؟ فالدم المسفوح الذي يخرج من الذبيحة نجس لقوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام:١٤٥]، وكذلك الدم الذي يخرج من الفرج كدم الاستحاضة، وقد نقل النووي الإجماع على ذلك، أما خروج الدم هل هو من نواقض الوضوء؟ فبعض العلماء كالحافظ ابن حجر وغيره يرى أن خروج الشيء الفاحش النجس كالدماء وغيرها من النواقض، وليس هناك دليل واضح يدل على الوجوب، لكن إن توضأ الشخص فهو مستحب؛ إذ فيه الخروج من خلاف من أوجب، لاسيما إذا كان الدم كثيرًا.\nوفيه: دليل على مشروعية فعل الأسباب، فإن النبي ﷺ قال: (من يكلؤنا)، وهو رسول الله، وهو سيد المتوكلين، ومع ذلك قال: (من يكلؤنا) أي: من يحفظنا؟ أو من يحرسنا؟ فانتدب المهاجري والأنصاري.","vol":"13","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>الوضوء من النوم</span>","vol":"13","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>شرح حديث ابن عمر: (في رقدتهم لانتظار الصلاة)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في الوضوء من النوم.\nحدثنا أحمد بن محمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق أنبأنا -وفي رواية- حدثنا ابن جريج أخبرني نافع حدثني عبد الله بن عمر ﵄: (أن رسول الله ﷺ شُغل عنها ليلة فأخرها حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا ثم رقدنا، ثم استيقظنا ثم رقدنا، ثم خرج علينا فقال: ليس أحد ينتظر الصلاة غيركم)].\nهذا الحديث رواه الشيخان.\nوقوله: (رقدنا ثم استيقظنا) يعني: نعسنا، فالمراد برقدنا النعاس، وفيه دليل على أن النعاس لا ينقض الوضوء، وكذلك خفقان الرأس، وإنما الذي ينقضه النوم المستغرق الذي يزول معه الإحساس، كما في حديث صفوان بن عسال: (أمرنا أن لا ننزع أخفافنا ثلاثة أيام إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم)، فقوله: (ولكن من غائط وبول ونوم) يعني: النوم المستغرق، وهذا هو الجمع بين الحديثين، فهذا الحديث فيه النوم والمراد به النعاس، وحديث صفوان فيه النوم والمراد به النوم المستغرق الذي يزول معه الإحساس.\nوقال الألباني عن حديث ابن عمر: حديث حسن.\nوقد صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.\nكذلك أيضًا أخرجه محمد بن إسحاق في المغازي.","vol":"13","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>شرح حديث: (كان أصحاب رسول الله ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رءوسهم)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا شاذ بن فياض حدثنا هشام الدستوائي عن قتادة عن أنس ﵁ قال: (كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رءوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون)].\nوهذا يبين الحديث السابق وأن المراد بالنوم هو خفقان الرأس والنعاس.\nوهذا الحديث رواه مسلم.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وزاد فيه شعبة عن قتادة قال: كنا نخفق على عهد رسول الله ﷺ، ورواه ابن أبي عروبة عن قتادة بلفظ آخر.\nحدثنا موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب، قالا: حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني أن أنس بن مالك ﵁ قال: (أقيمت صلاة العشاء فقام رجل فقال: يا رسول الله! إن لي حاجة، فقام يناجيه حتى نعس القوم أو بعض القوم، ثم صلى بهم ولم يذكر وضوءًا)].\nهذا الحديث رواه مسلم، ولم يذكر وضوءًا، ورواه أيضًا الشيخان عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس، وفيه: أن الصحابة كانوا ينعسون وهم ينتظرون الصلاة فيصلون ولا يتوضئون، وأقرهم النبي ﷺ على ذلك، مما دل على أن النعاس لا يوجب الوضوء، بل لا يوجب الوضوء إلا النوم المستغرق الذي يزول معه الإحساس.\nوفيه: جواز مناجاة الواحد إذا كان عنده جماعة، والمناجاة يعني: التكلم معه بخفاء وإسرار، وإنما المنهي أن يتناجى اثنان ويكون معهم ثالث فيتركونه، أو يتناجى ثلاثة معهم رابع وهكذا، وأما إذا تناجى اثنان وهناك اثنان أو ثلاثة أو أربعة فلا حرج، والعلة في المناجاة المنهي عنها أن ذلك الأمر يحزنه، كما جاء في الحديث: (إذا تناجى اثنان ومعهم ثالث فإن ذلك يحزنه) ولأنه قد يتصور أنهم يتكلمون فيه.\nوفيه: أنه إذا أقيمت الصلاة وأطال الفصل فلا تعاد الإقامة، ولهذا أقيمت الصلاة وناجى النبي ﷺ هذا الرجل، ثم صلى ولم يعد الإقامة، وهذا الرجل قيل: إنه رجل له شأن في الإسلام، والله أعلم.\nوفيه: حسن خلق النبي ﷺ لمناجاة هذا الرجل.\nوفيه: تقديم المهمات والأمور المهمة، وأن هذا لا يؤثر ولو كان بعد إقامة الصلاة.","vol":"13","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>شرح حديث ابن عباس في الوضوء من النوم حال الاضطجاع</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن معين وهناد بن السري وعثمان بن أبي شيبة عن عبد السلام بن حرب، وهذا لفظ حديث يحيى: عن أبي خالد الدالاني عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ كان يسجد وينام وينفخ ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ، فقلت له: صليت ولم تتوضأ وقد نمت، فقال: إنما الوضوء على من نام مضطجعًا)].\nهذا الحديث أوله ثابت في الصحيحين أن النبي ﷺ كان ينام وينفخ ويصلي ولا يتوضأ؛ لأن نومه ﷺ لا ينقض وضوءه، ولهذا قال ﵊: (إنما تنام عيناي ولا ينام قلبي).\nوهذا من خصائصه ﵊.\nأما قوله: (إنما الوضوء على من كان مضطجعًا) هذه لفظة منكرة؛ لأنها من طريق أبي خالد الدالاني، وأبو خالد الدالاني هذا ضعيف يروي المناكير، وهذه اللفظة منكرة، والمنكر: هو مخالفة الضعيف للثقات.\nوالبخاري لما روى هذا الحديث عن ابن عباس لم يذكر هذه اللفظة؛ لأنها منكرة.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [زاد عثمان وهناد: فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله.\nقال أبو داود: قوله: (الوضوء على من نام مضطجعًا) هو حديث منكر لم يروه إلا يزيد أبو خالد الدالاني عن قتادة، وروى أوله جماعة عن ابن عباس ﵄ ولم يذكروا شيئًا من هذا].\nوهذا الحديث فيه تدليس قتادة، وفيه ضعف أبي خالد الدالاني ومخالفة الثقات.\nأما عبد السلام بن حرب فهو ثقة حافظ له مناكير، وهذا من مناكيره.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال: كان النبي ﷺ محفوظًا.\nوقالت عائشة ﵂: قال النبي ﷺ: (تنام عيناي ولا ينام قلبي)، وقال شعبة: إنما سمع قتادة من أبي العالية أربعة أحاديث: حديث يونس بن متى، وحديث ابن عمر ﵄ في الصلاة، وحديث: القضاة ثلاثة، وحديث ابن عباس ﵄: حدثني رجال مرضيون منهم عمر، وأرضاهم عندي عمر ﵃].\nيعني: أن شعبة إنما روى عنه قتادة عن أبي العالية أربعة أحاديث وهذا الحديث ليس منها: (إنما الوضوء على من كان مضطجعًا)، فيكون منقطعًا غير ثابت.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وذكرت حديث يزيد الدالاني لـ أحمد بن حنبل فانتهرني استعظامًا له].\nأي: لأنه منكر، وكأنه يقول له: لا تذكر هذا الحديث على أنه صحيح، إنما هو ضعيف.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقال: ما لـ يزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة؟ ولم يعبأ بالحديث].\nقوله: (ولم يعبأ بالحديث) يعني: بزيادة (الوضوء على من كان مضطجعًا).\nوقوله: (يدخل على أصحاب قتادة) يعني: على شيوخه، فدل على أن هذه اللفظة منكرة لا يعول عليها.\nوأخذ بعضهم بهذا وقال: إن الوضوء لا يجب إلا على من كان مضطجعًا، والنوم فيه خلاف طويل، فقال بعضهم: الوضوء مطلقًا لا ينقض، وبعضهم قال: ينقض مطلقًا حتى النعاس، وبعضهم قال: لا ينقض الوضوء إلا إذا كان راكعًا أو ساجدًا، وبعضهم يقول: إذا كان مضطجعًا.\nوالصواب: أن النوم المستغرق الذي يزول معه الإحساس هو الذي ينقض الوضوء، وأما النعاس وخفقان الرأس فهذا لا يؤثر، وبهذا تجتمع الأدلة كما في حديث صفوان بن عسال: (ولكن من غائط وبول ونوم) قال: فالنوم ينقض الوضوء، والأحاديث الصحيحة تذكر أن الصحابة كانوا يجلسون وتخفق رءوسهم وهم ينتظرون الصلاة، ثم يقومون للصلاة ولا يتوضئون، فدل على أنه يجمع بين الحديثين بهذا.\nوإذا كانت في النوم رؤيا فهو مستغرق.","vol":"13","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>شرح حديث: (العينان وكاء السه، فمن نام فليتوضأ)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا حيوة بن شريح الحمصي في آخرين قالوا: حدثنا بقية عن الوضين بن عطاء عن محفوظ بن علقمة عن عبد الرحمن بن عائذ عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (وكاء السه العينان فمن نام فليتوضأ)].\nهذا الحديث رواه ابن ماجة، والسه: الدبر، والوكاء: هو الرباط، والمعنى: أن العينين رباط للحدث ورباط للدبر، فمن كان مستيقظًا فإنه يعلم بخروج الحدث ويمنع نفسه، وأما إذا نام فإن الحدث يخرج وهو لا يشعر.\nوالحديث فيه بقية بن الوليد وهو كثير التدليس، وفيه الوضين بن عطاء وهو متكلم فيه، فقد وثقه أحمد وابن معين وضعفه بعضهم.\nقال ابن حجر ﵀ في التلخيص الحبير: وحسن المنذري وابن الصلاح والنووي حديث علي هذا.\nوالحديث أخرجه ابن ماجة والبيهقي من طريق بقية به، وأحمد والدارقطني.\nوقال: وهم -يقصد من ذكر عبد الرحمن بن عائذ من الصحابة- قال: ووهم من من ذكره من الصحابة.\nوالحديث أخرجه ابن ماجة والبيهقي من طريق بقية وأحمد والدارقطني، وحسن المنذري وابن الصلاح والنووي حديث علي هذا، وقال أبو زرعة: لم يسمع من علي، وقال ابن حجر في التلخيص: وفي هذا النفي نظر؛ لأنه يروي عن عمر كما جزم به البخاري.\nومعنى قوله: (وكاء السه العينان، فمن نام فليتوضأ) أي: أن الإنسان إذا كان مستيقظًا فإنه سيعلم بخروج الحدث، وسيمنع نفسه من ذلك، وأما إذا كان نائمًا فإن الحدث سيخرج منه، فالاستغراق في النوم ناقض للوضوء.","vol":"13","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>ما جاء فيمن يطأ الأذى برجله</span>","vol":"13","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>شرح حديث: (كنا لا نتوضأ من موطئ)</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الرجل يطأ الأذى برجله.\nحدثنا هناد بن السري وإبراهيم بن أبي معاوية عن أبي معاوية ح وحدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثني شريك وجرير وابن إدريس عن الأعمش عن شقيق قال: قال عبد الله: (كنا لا نتوضأ من موطئ، ولا نكف شعرًا ولا ثوبًا)].\nهذا الحديث أخرجه ابن ماجة والبيهقي وابن خزيمة، وقال: هذا الخبر له علة لم يسمعه الأعمش من شقيق.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\nوقال الألباني: حديث صحيح.\nوقد ذكر أبو داود الاختلاف في هذا السند هل هو بصيغة التحديث أم بصيغة العنعنة؟ قال ﵀: قال إبراهيم بن أبي معاوية فيه: عن الأعمش عن شقيق عن مسروق، أو حدثه عنه قال: قال عبد الله، وقال هناد عن شقيق أو حدثه عنه قال: قال عبد الله.\nوهذا اختلاف فإذا ثبت أن الأعمش لم يسمع من شقيق صار وطأ الأذى بالرجل فيه تفصيل: فإن وطأ نجاسة رطبة فلابد من غسل رجله، وأما إذا وطأ نجاسة يابسة فلا يضره ذلك، ولا يجب عليه الوضوء.\nوقوله: (ولا نكف شعرًا ولا ثوبًا) هذا ثابت في صحيح مسلم، والمعنى: أن المسلم إذا سجد فإنه يسجد على شعره وثوبه ولا يكفهما؛ لحديث: (نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، وألا أكف شعرًا ولا ثوبًا) رواه مسلم في صحيحه.\nفإذا مشى في الأرض فالأصل فيها الطهارة إلا إذا علم أنها متنجسة فيغسل رجله ولا يعيد الوضوء، قوله: (كنا لا نتوضأ من موطأ ولا نكف شعرًا ولا ثوبًا) الوطء لا يتوضأ منه، وإنما تغسل الرجل إذا وطئت نجاسة رطبة، وإن وطئت يابسة فلا تغسل.\nوأبو معاوية هو محمد بن خازم، ذكر الحافظ ﵀ في التقريب بأنه ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره.\nوهو في الأعمش من أوثق الناس وأحفظهم لحديثه.\nوكف الثياب معلوم مثل من يشمر ذراعه أو ذراعيه، لأن النبي نهى أن يكف المصلي ثيابه وشعره، وقد رأى ابن عباس رجلًا معصوب الشعر فحل شعره، وأنكر عليه ذلك.\nوعقد الشعر معناه منعه من إصابة الأرض، ففي حالة الركوع يتركه، إلا إذا كان ينسدل في حالة السجود فيصيب من حوله فلا يتركه، وكذلك إذا كان يمنعه من أن يباشر الأرض بجبهته.","vol":"13","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>ما جاء فيمن أحدث في الصلاة</span>","vol":"13","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>شرح حديث: (إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب فيمن يحدث في الصلاة.\nحدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير بن عبد الحميد عن عاصم الأحول عن عيسى بن حطان عن مسلم بن سلام عن علي بن طلق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف فليتوضأ وليعد الصلاة)].\nهذا الحديث فيه أن خروج الريح يبطل الصلاة والوضوء، وعليه أن يعيد الوضوء والصلاة.\nوالحديث صححه أحمد والترمذي والنسائي والدارمي وابن حبان من طريق عاصم الأحول.\nوقال أبو عيسى: حديث علي بن طلق حديث حسن.\nوقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح.\nقلت: هذا الحديث لا بأس به، وهو أصح من حديث عائشة الذي فيه: (إذا خرج من أحدكم مذي أو دم أو قلس فلينصرف وليتوضأ، وليبن على صلاته ولا يتكلم)، فهو حديث ضعيف، وقد أخذ به بعض العلماء كـ مالك وأبي حنيفة وغيرهما وقالوا: إذا أحدث الإنسان وهو في الصلاة فإنه ينصرف ويتوضأ ولا يتكلم، وليبنِ على صلاته السابقة.\nوقد ذكرنا أن حديث عائشة حديث ضعيف فلا يعارض حديث علي بن طلق؛ لأنه حديث صحيح، وعليه العمل، وهذا إذا كان في الصلاة، وإن كان خارج الصلاة بطل الوضوء وعليه أن يتوضأ من جديد.\nومثله إذا كان يطوف وخرج منه الحدث فإنه يبطل الطواف، وعليه أن يتوضأ ويعيد الطواف من جديد، وهذا هو الصواب وهو الذي عليه الفتوى، وعليه جمهور العلماء.\nوبعض العلماء يرى الطهارة ليست شرطًا للطواف، وهو ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة، وقال الإمام أبو حنيفة وغير إنه يجبره بجمع، والصواب الذي عليه الجمهور وهو أن الطواف من غير طهارة باطل.","vol":"13","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>ما جاء في المذي</span>","vol":"13","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>شرح حديث علي في المذي</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في المذي.\nحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبيدة بن حميد الحذاء عن الركين بن الربيع عن حصين بن قبيصة عن علي ﵁ قال: (كنت رجلًا مذاء فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري، فذكرت ذلك للنبي ﷺ أو ذكر له فقال رسول الله ﷺ: لا تفعل، إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة، فإذا فضخت الماء فاغتسل)].\nهذا الباب فيه بيان حكم المذي، والمذي: هو ماء أبيض رقيق لزج يخرج عند الملاعبة وعند اشتداد الشهوة وتذكر الجماع، وقد لا يحس الإنسان بخروجه، فلهذا جاء الشرع بتخفيف حكمه، فنجاسته نجاسة مخففة.\nوحديث علي ﵁ هذا أخرجه النسائي، وأخرجه الشيخان من حديث محمد بن علي وهو: ابن الحنفية عن أبيه بنحوه مختصرًا، وفيه دليل على أن خروج المذي لا يوجب الغسل، وإنما يوجب الوضوء، وهذا هو الصواب الذي عليه الجماهير خلافًا لمن قال: إنه يوجب الغسل، وهو قول شاذ.\nوفي هذا الحديث: أن عليًا ﵁ قال: كنت رجلًا مذاء، ومذاء صيغة مبالغة، أي: أنه كان كثير المذي، قال: فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري، أي: أصابه تشقق بسبب كثرة الاغتسال في الشتاء، فبين له النبي ﷺ أنه لا يوجب الغسل وإنما يوجب الوضوء، ولهذا قال الرسول ﷺ: (لا تفعل، إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة)، فدل هذا على أن المذي إنما يوجب الوضوء لا الغسل، وهو يدل على وجوب غسل الذكر كله من المذي، فقد قال له: (فاغسل ذكرك) وتأوله بعضهم أن المراد غسل ما أصابه المذي، والصواب أن المراد غسل جميع الذكر، وهذا بخلاف البول فإنه يغسل رأس الذكر فقط، وأما المذي فإنه يغسل الذكر كله، وكذا يغسل أنثييه من المذي، فقد جاء في بعض الروايات: (اغسل ذكرك وأنثييك)، ولعل الحكمة في ذلك والله أعلم: أن غسل الذكر والأنثيين يتقلصان بسبب الماء.\nقوله: (فإذا فضخت الماء فاغتسل) أي: إذا صببته بشدة فاغتسل، والمراد بالماء هنا المني، فهذا يدل على أن المني يوجب الغسل، وهو الذي يخرج بقوة وبلذة، وأما إذا خرج بغير شهوة كما يخرج من المريض فحكمه حكم البول، فقد يصاب الإنسان بمرض يسمى الإبردة، فإذا أصيب بهذا المرض خرج منه المني من غير شهوة، وهذا لا يوجب الغسل وإنما يوجب الوضوء، فالذي يوجب الغسل هو الذي يخرج دفقًا بلذة وبقوة؛ بسبب الشهوة.\nوكذلك إذا خرج منه المني في النوم ولو لم يذكر احتلامًا فإنه يجب عليه الغسل؛ لقول النبي ﷺ: (إنما الماء من الماء)، وهذا الحديث حكمه باقٍ في خروج المني في النوم، فإذا رأى المني في ثوبه أو فخذيه فإن عليه أن يغتسل ولو لم يذكر احتلامًا.\nوأما إذا احتلم في النوم ولم يجد بللًا في ثوبه فلا يجب الغسل؛ لأنه العبرة بخروج المني، وأما في اليقظة فإنه يجب عليه الغسل بخروج المني، وبالجماع ولو لم يخرج المني كما سيأتي في الأحاديث.\nوإذا خرج منه المني بعد الغسل فبعض العلماء يقولون: إنه لا غسل عليه، لكن ينبغي للإنسان ألا يعجل وألا يبادر بالاغتسال حتى يتأكد من خروج المني، ولو اغتسل بعد أن يقضي حاجته من البول فهذا يكون أولى.","vol":"13","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>إسناد آخر لحديث علي في المذي</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن أبي النضر عن سليمان بن يسار عن المقداد بن الأسود: (أن علي بن أبي طالب ﵁ أمره أن يسأل له رسول الله ﷺ عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه؟ فإن عندي ابنته وأنا أستحيي أن أسأله، قال المقداد: فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه، وليتوضأ وضوءه للصلاة)].\nفي هذا الحديث أن عليًا أمر المقداد أن يسأل له، وفي حديث آخر أنه أمر عمارًا بذلك، وفي رواية أخرى أنه سأل بنفسه، وقد جمع ابن حبان بين هذه الأحاديث: بأن عليًا أمر عمارًا أن يسأل، ثم أمر المقداد، ثم سأل بنفسه، وهذا الحافظ ﵀ يقول: إنه جمع بيّن إلا أن قوله في بعض الروايات إنه استحى من السؤال بنفسه لا ينافي قوله إنه سأله بنفسه، فهذا يحمل على المجاز، أي: يحمل قوله: سأله بنفسه أنه هو الآمر، ومن أمر فكأنما سأل.\nوهذا الحديث فيه أن المذي فيه الوضوء وليس فيه غسل، وأن المني يوجب الغسل، ولهذا قال: (إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه، وليتوضأ وضوءه للصلاة)، والمراد بالنضح هنا تمام الغسل لا الرش.\nوقوله: (إذا دنا من أهله فخرج منه المذي) أي: ماذا عليه أن يفعل؟ والمذي هو ما يخرج من الإنسان عند اشتداد الشهوة.\nوهذا الحديث أخرجه النسائي وابن ماجة، وهو منقطع؛ لأن سليمان بن يسار لم يسمع من المقداد بن الأسود، لكن يشهد له ما قبله.\nقال الشارح: وقد رواه بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار عن ابن عباس في قصة علي والمقداد موصولًا.\nأي: من رواية أخرى.\nوأما هذه الرواية فهي منقطعة.\nوسليمان بن يسار المدني هو أحد الفقهاء السبعة، روى عن زيد بن ثابت وعائشة وأبي هريرة وميمونة مولاته.\nوأما روايته عن المقداد فالظاهر أنها منقطعة، لكن الحديث شاهد لما قبله، وروي موصولًا من طريق أخرى كما رواه بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار عن ابن عباس، وهي موصولة، وهو يشهد لما قبله، ويدل على أن المذي يوجب غسل الفرج والوضوء فقط دون الغسل.\nوالمراد بالنضح ليس مجرد الرش كما ينضح بول الصبي الذي لم يأكل الطعام بالماء، فنجاسته مخففة، فإذا أصاب الثوب يكفيه الرش، لكن خروج المذي من الذكر فيه الغسل ولا يكفي الرش.\nوعلى كل حال فإن هذه الرواية ثابتة من طريق أخرى، ويشهد لها الحديث الذي قبله.","vol":"13","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>شرح حديث علي في غسل الذكر والخصيتين</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير عن هشام بن عروة عن عروة أن علي بن أبي طالب قال للمقداد، وذكر نحو هذا، قال: فسأله المقداد، فقال رسول الله ﷺ: ليغسل ذكره وأنثييه.\nقال أبو داود: ورواه الثوري وجماعة عن هشام عن أبيه عن المقداد عن علي ﵁ عن النبي ﷺ.\nحدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي قال: حدثنا أبي عن هشام بن عروة عن أبيه عن حديث حدثه عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قلت للمقداد ﵁ فذكر معناه.\nقال أبو داود: رواه المفضل بن فضالة وجماعة والثوري وابن عيينة عن هشام عن أبيه عن علي بن أبي طالب، ورواه ابن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن المقداد عن النبي ﷺ ولم يذكر أنثييه].\nهذا الحديث ذكر فيه المؤلف ﵀ هذه الروايات المعلقة؛ ليبين الاختلاف في رواية غسل الذكر والأنثيين، ولهذا اختلف العلماء في غسل الأنثيين تبعًا لثبوت هذه الرواية أو عدم ثبوتها، ولكن الحديث الأول وهو حديث هشام بن عروة عن عروة فيه غسل الذكر والأنثيين، والمراد بالأنثيين الخصيتين، فهي ثابتة من رواية عروة بن الزبير عن علي، وعروة معاصر لـ علي ﵁، وكان ابن عشرين سنة لما ذهب علي إلى الكوفة.\nوكذلك غسل الأنثيين ثابت من رواية أبي عوانة الإسفرائيني في صحيحه من حديث سليمان بن حيان عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني عن علي بن أبي طالب ﵁، ذكر ذلك العلامة ابن القيم ﵀، وفيه يغسل ذكره وأنثيية، فتثبت رواية الغسل وعليه فيجب غسل الذكر والأنثيين -أي: الخصيتين- من المذي، وكأن الحكمة والله أعلم حتى يتقلص الإحليل وهذا خاص بالمذي، وأما البول فلا تغسل الأنثيان وإنما يغسل رأس الذكر فقط.\nوقد أراد المؤلف أن رواية غسل الأنثيين غير واردة من وجه صحيح؛ لأن حديث زهير عن هشام بن عروة فيه انقطاع؛ فـ زهير لم يسمع منه، وأما رواية عروة فثابتة، وكذلك رواية أبي عوانة الإسفرائيني ثابتة ذكرها ابن القيم ﵀، فرواية أبي عوانة عن علي ثابتة.\nلكن رواية زهير عن هشام إن كانت ثابتة فتكون كل من الروايتين تعضد الأخرى، وإن لم تثبت كان المنقطع يعضد المتصل.\nقال في الحاشية: وإسناد هذا الحديث واضح.\nوهذا كأنه يرى سماع زهير وهو زهير بن حرب بن شداد الحرشي بفتح المهملتين بعدهما معجمة مولاهم أبو خيثمة النسائي الحافظ، روى عن جماعة منهم ابن عيينة وحفص بن غياث، روى عنه البخاري ومسلم وغيرهما.\nولم يذكر روايته عن هشام فيحتاج إلى تأمل.\nوالصواب أن عروة سمع من علي بن أبي طالب، فقد كان ابن عشرين عامًا عندما ذهب معه إلى الكوفة.","vol":"13","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>شرح حديث سهل بن حنيف في نضح المذي بالماء</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد قال: حدثنا إسماعيل -يعني ابن إبراهيم - أخبرنا محمد بن إسحاق حدثني سعيد بن عبيد بن السباق عن أبيه عن سهل بن حنيف قال: (كنت ألقى من المذي شدة، وكنت أكثر من الاغتسال، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: إنما يجزيك من ذلك الوضوء، قلت: يا رسول الله! فكيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: يكفيك بأن تأخذ كفًا من ماء فتنضح بها من ثوبك حيث ترى أنه أصابه)].\nهذا الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة وفيه أن المذي يوجب الوضوء ولا يوجب الغسل، ولهذا قال: (إنما يجزيك من ذلك الوضوء).\nوفيه أن المذي إذا أصاب الثوب فإنه يكفيه النضح وهو الرش بدون غسل؛ لأن نجاسته مخففة كبول الغلام الذي لم يأكل الطعام، وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه؛ لأن الإنسان قد يبتلى به كثيرًا ولاسيما الشاب، فالله تعالى خفف في حكمه بأن جعل نجاسته مخففة يكفيها الرش مثل بول الغلام الرضيع، وأما بول الجارية فلابد من غسله، ولهذا قال: (يكفيك أن تأخذ كفًا من ماء فتنضح بها من ثوبك)، تنضح: بمعنى ترش، (حيث ترى) أي تبصر فيه، أو حيث ترى -بالضم- أي: تظن.\nوالنضح بالنسبة للذكر المراد به الغسل، وبالنسبة لما أصابه من الثوب فالمراد به الرش، فالنضح يأتي لهذا ولهذا.\nوالمذي المعروف عنه أنه نجس، ونجاسته مخففة، ولا يجب فيه الغسل بل الوضوء.\nوالمني الذي هو أصل الإنسان طاهر.","vol":"13","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>شرح حديث عبد الله بن سعد الأنصاري في غسل الذكر والخصيتين من المذي</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا عبد الله بن وهب حدثنا معاوية -يعني ابن صالح - عن العلاء بن الحارث عن حرام بن حكيم].\nحرام بن حكيم بالحاء والراء المهملتين المفتوحتين هو الأنصاري العبدلي، وأما المهاجرون ففيهم حزام بالزاي، وهو حزام بن حكيم.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [عن حرام بن حكيم عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري قال: (سألت رسول الله ﷺ عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء، فقال: المذي، وكل فحل يمذي، فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة)].\nوهذا الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة وهو حديث لا بأس بسنده، وفيه دليل بين على غسل الذكر والأنثيين، وعلى أن المذي يوجب الوضوء ولا يوجب الغسل، وأن المذي يكون عقب البول متصلًا به.\nومذى يمذي مثل مضى يمضي، ومن الرباعي أَمذى يُمذي.\nوكل فحل يمذي، وهذا عام في جميع الفحول.","vol":"13","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>شرح حديث عبد الله بن سعد في استمتاع الرجل من امرأته الحائض</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا هارون بن محمد بن بكار حدثنا مروان -يعني ابن محمد - حدثنا الهيثم بن حميد حدثنا العلاء بن الحارث عن حرام بن حكيم عن عمه: (أنه سأل رسول الله ﷺ ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: لك ما فوق الإزار، وذكر مؤاكلة الحائض أيضًا)، وساق الحديث].\nهذا الحديث فيه دليل على جواز استمتاع الرجل من امرأته الحائض بما فوق السرة؛ لقوله: (لك ما فوق الإزار)، والإزار يكون من السرة إلى الركبة، وقد دل هذا الحديث على أنه يستمتع بما فوق السرة وهذا هو الأفضل، وأن يأمرها أن تضع إزارًا إذا أراد أن يستمتع بها، ولكن لا بأس في الاستمتاع بما تحت الإزار أيضًا بشرط اجتناب الفرج، ويدل على هذا حديث أنس عند مسلم: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) أي: إلا الجماع، فدل على أن قوله: (لك ما فوق الإزار) محمول على الاستحباب، فالأفضل أن يباشر ما فوق الإزار وأن يأمرها أن تضع إزارًا من السرة إلى الركبة، هذا هو الأفضل، ولكن لا بأس بالاستمتاع بما تحت الإزار مع اجتناب الجماع.\nويدل هذا الحديث على مؤاكلة الحائض، وفيه الرد على اليهود الذين لا يؤاكلون الحائض ولا يجالسونها ولا يجامعونها، بل يهجرونها في البيوت، فقال النبي ﷺ: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح).\nولما قال رسول الله ﷺ ذلك سأله بعض الصحابة: أفلا نجامعها؟ فسكت النبي ﷺ حتى ظن أنه غضب عليه، والسائل هو أسيد بن حضير ثم جاءه بعد ذلك بلبن فسقاه، فعلم أنه لم يغضب عليه.\nوالحديث أخرجه غيره مطولًا عن معاوية يعني: ابن صالح عن العلاء بن الحارث عن حرام بن حكيم عن عمه عبد الله بن ثابت أنه سأل رسول الله ﷺ عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء، وعن الصلاة في البيت؟ وكأن الشيخ اختصره، أو من ساق الحديث اختصره، وذكر أن رواية هذا الحديث ثابتة، وأن رواية حرام بن حكيم عن عمه ثابتة، فذكر الآن ما يتعلق بالاستمتاع من الحائض، ولم يذكر حكم الماء من الماء؛ اكتفاء بذكره الحديث السابق.\nلكن في الحديث الذي بعده كذلك ذكر الاستمتاع، وكأن المؤلف ﵀ أدخل حديث الاستمتاع، ووجه المناسبة أنه عند الاستمتاع تشتد الشهوة ويخرج المذي، فلهذا ذكره.\nوحديث عبد الله بن سعد فيه الأمر بالاستمتاع من الحائض بما فوق الإزار، وحديث معاذ الذي سيأتي فيه أن التعفف عن ذلك أفضل، وصرح المؤلف بأن حديث معاذ ضعيف.","vol":"13","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>شرح حديث معاذ في جواز إتيان الحائض فيما فوق الإزار</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا هشام بن عبد الملك اليزني حدثنا بقية بن الوليد عن سعد الأغطش وهو ابن عبد الله عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي قال هشام: وهو ابن قرط أمير حمص، عن معاذ بن جبل قال: (سألت رسول الله ﷺ عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ قال: فقال: ما فوق الإزار، والتعفف عن ذلك أفضل).\nقال أبو داود: وليس هو -يعني الحديث- بالقوي].\nهذا الحديث ضعيف وقد ضعفه أبو داود ﵀، وفيه أربع علل إحداها: عنعنة بقية بن الوليد وهو مدلس.\nوالثانية: ضعف سعد الأغطش.\nوالثالثة: الانقطاع فإن عبد الرحمن بن عائذ لم يسمع من معاذ.\nوالرابعة: في متنه نكارة، وهي زيادة قوله: (والتعفف من ذلك أفضل)، وثبت أن النبي ﷺ كان يستمتع بما فوق الإزار، وكان إذا أراد أن يستمتع من أهله أمرها بأن تضع الإزار فيستمتع بها، فكيف يكون التعفف أفضل، وهو فعل النبي ﷺ، فهذا الحديث ضعيف.","vol":"13","page":24},{"text":"شرح سنن أبي داود_<span data-type=\"title\" id=toc-245>كتاب الطهارة [١٤]</span>\nلقد بين الإسلام كل ما يحتاجه المسلم في حياته، ومن ذلك حث الجنب إذا أراد أن ينام أو يأكل أو يشرب على الوضوء إن كان يريد تأخير الغسل، ومن أراد أن يعاود جماع أهله فقد حثه أيضًا على الوضوء لما له من أثر على نشاطه.","vol":"14","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>ما جاء في الإكسال</span>","vol":"14","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>شرح حديث: (الماء من الماء)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في الإكسال.\nحدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو -يعني ابن الحارث - عن ابن شهاب حدثني بعض من أرضى أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن أبي بن كعب أخبره (أن رسول الله ﷺ إنما جعل ذلك رخصة للناس في أول الإسلام لقلة الثياب، ثم أمر بالغسل ونهى عن ذلك).\nقال أبو داود: يعني الماء من الماء].\nالإكسال معناه: الضعف والفتور، وهو: أن يجامع فلا ينزل فمن جامع وغيب الحشفة في الفرج وجب عليه الغسل ولو لم ينزل، وكان في أول الإسلام إذا جامع الإنسان ولم ينزل، غسل ذكره وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم نسخ ذلك، وأوجب الله ﷾ الغسل بالجماع.\nوهذا الحديث فيه مجهول، لأنه قال: حدثني بعض من أرضى أن سهل بن سعد، فهذا مبهم لا بد من تسميته؛ لأنه قد يرضاه هو ولا يرضاه غيره، لعلة قادحة فيه، ولكن له شواهد في الصحيحين وغيرهما في أن الإنسان إذا جامع ولم ينزل فإنه يجب عليه الغسل.\nوأبي بن كعب أخبر أن رسول الله ﷺ إنما جعل عدم الاغتسال من الجماع بغير إنزال رخصة للناس في أول الإسلام؛ لقلة الثياب، ثم أمر بالغسل ونهى عن ذلك، هذا ثابت بالأحاديث الصحيحة، وإن كان هذا الحديث فيه انقطاع.\nوقوله: (الماء من الماء) الماء الأول ماء الغسل، والماء الثاني ماء المني، أي: لا يجب الغسل إلا إذا خرج المني، وهذا كان في أول الإسلام ثم نسخ وبقي حكم ذلك في النائم فلا يجب عليه الغسل إلا إذا رأى المني.\nقوله: (حدثني بعض من أرضى)، قال ابن حبان: تتبعت طرق هذا الخبر على أن أجد أحدًا رواه عن سهل بن سعد فلم أجد في الدنيا أحدًا إلا أبا حازم، فيشبه أن يكون الرجل الذي قال الزهري: حدثني بعض من أرضى عن سهل بن سعد هو أبو حازم.\nوعلى هذا فيكون الحديث متصلًا، لكن هو بهذا السند منقطع.\nوسيأتي في الحديث الذي بعده، أن قليلًا من الصحابة والتابعين ذهبوا إلى أنه لا غسل إلا من الإنزال.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن مهران البزاز الرازي حدثنا مبشر الحلبي عن محمد أبي غسان عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: حدثني أبي بن كعب: (أن الفتيا التي كانوا يفتون أن الماء من الماء كانت رخصة رخصها رسول الله ﷺ في بدء الإسلام ثم أمر بالاغتسال بعد)].\nهذا الحديث فيه ذكر أبو حازم الساقط في الحديث السابق، الذي يروي عن سهل بن سعد.\nوهذا الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوسهل بن سعد يقول: حدثني أبي بن كعب: (أن الفتيا التي كانوا يفتون أن الماء من الماء كانت رخصة رخصها رسول الله ﷺ في بدء الإسلام ثم أمر بالاغتسال بعد) والذين يفتون بذلك جماعة من الصحابة منهم: علي وعثمان والزبير وطلحة وأبو أيوب، كما أخرج الشيخان في صحيحيهما (أن هؤلاء الصحابة كانوا يفتون أن الماء من الماء) يعني: أنه لا يجب الغسل إلا من خروج المني، فإذا جامع ولم ينزل فلا يجب الغسل، وهذا كان رخصة في أول الإسلام رخصها رسول الله ﷺ ثم أمر بالاغتسال بعد ذلك، وهذا صريح بأن هذا الحكم منسوخ، وهو ثابت في الصحيحين وفي غيرهما.","vol":"14","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>شرح حديث التقاء الختانين</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، حدثنا هشام وشعبة عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا قعد بين شعبها الأربع وألزق الختان بالختان فقد وجب الغسل)].\nهذا الحديث رواه الشيخان بدون لفظ: (وألزق الختان بالختان)، والمراد بشعبها الأربع هي: اليدان والرجلان هذا هو الأقرب، وقيل: الرجلان والفخذان وقيل: الفخذان والختان.\nففي رواية البخاري (إذا قعد بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل) وفي لفظ: (وإن لم ينزل) جهدها يعني: شدها بحركته وإن لم ينزل، وهذا الحديث فيه دليل على أنه يجب الغسل بمجرد الإيلاج فإذا أولج الذكر في الفرج، ومس الختان الختان؛ فإنه يجب الغسل.\nوالمراد من قوله: (ألزق الختان بالختان) أي: ألزق ختان الرجل بختان المرأة، والمراد تلاقي موضع القطع من الذكر مع موضعه من فرج الأنثى، وذلك لا يكون إلا إذا كان الذكر في الفرج، وليس المراد حصول مس الحشفة وهي رأس الذكر في الفرج، فلا يلاقي الختان الختان إلا إذا غيب الحشفة.\nوقد أجمع العلماء على أنه لو وضع ذكره على ختانها ولم يغيب الحشفة لم يجب الغسل لا عليه ولا عليها، وإنما يجب الغسل بتغييب الحشفة في الفرج أو قدرها إذا كانت مقطوعة فإذا غيب الحشفة وهي رأس الذكر في الفرج فحينئذ يلتقي الختان بالختان؛ لأن الختان في المرأة في أعلى الفرج، فإذا غيب الحشفة في الفرج التقى الختان بالختان وليس المراد مس الختان بالختان.\nفدل على أن قوله: (إنما الماء من الماء) منسوخ، وبقي حكم الماء من الماء في الاحتلام، فإن المحتلم لا يغتسل حتى يخرج منه الماء وهو المني، فإذا احتلم ولم يخرج منه شيء فلا غسل عليه، بخلاف المجامع فإنه إذا أولج ومس الختان الختان وغيب الحشفة في الفرج، فإنه يجب عليه الغسل.","vol":"14","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>شرح حديث أبي سعيد في كون الماء من الماء</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: (الماء من الماء).\nوكان أبو سلمة يفعل ذلك].\nهذا الحديث منسوخ بحديث: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جاهدها فقد وجب الغسل) أخرجه الشيخان، وفي لفظ لـ مسلم: وإن لم ينزل)، لكن بقي حكم هذا في النوم فلا يجب الغسل إلا إذا أخرج الماء وهو المني، هذا هو الصواب، وقد بقي بعض الصحابة، وبعض التابعين على المذهب الأول، وكأنه لم يبلغهم النسخ، ولهذا قال الشارح: واعلم أن قليلًا من الصحابة والتابعين ذهبوا إلى أنه لا غسل إلا من الإنزال وهو مذهب داود الظاهري، وهو قول ضعيف مرجوح.\nوالصواب الذي عليه الجماهير أنه يجب الغسل بمجرد التقاء الختانين بعد غيبوبة الحشفة في الفرج وهذا لا ينبغي العدول عنه، وأحاديث الباب كلها تدل على ذلك.\nكذلك إذا قطعت الحشفة ثم غيب مقدارها في الفرج وجب الغسل.","vol":"14","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>ما جاء في الجنب يعود في الجماع</span>","vol":"14","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>شرح حديث طواف رسول الله على نسائه بغسل واحد</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في الجنب يعود.\nحدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا إسماعيل حدثنا حميد الطويل عن أنس: (أن رسول الله ﷺ طاف ذات يوم على نسائه في غسل واحد).\nقال أبو داود: وهكذا رواه هشام بن زيد عن أنس ومعمر عن قتادة عن أنس وصالح بن أبي الأخضر عن الزهري كلهم عن أنس عن النبي ﷺ].\nهذا الحديث أخرجه الشيخان رحمهما الله، وهو دليل على أن الغسل لا يجب بين الجماعين، وأن الإنسان إذا جامع زوجته ثم أراد أن يجامع مرة أخرى فلا يجب عليه الغسل وإنما يستحب له أن يتوضأ بينهما، وكذلك إذا جامع عددًا من زوجاته فلا يجب عليه الغسل بينهن، لكن الغسل أفضل، وإن اقتصر على الوضوء فلا حرج.\nومقصود المؤلف ﵀ من إيراد التعاليق في قوله: (وهكذا رواه هشام بن زيد عن أنس ومعمر عن قتادة عن أنس وصالح بن أبي الأخضر عن الزهري كلهم عن أنس) أن الزيادة في قول أنس (إن رسول الله ﷺ طاف ذات يوم على نسائة في غسل واحد) أي: في غسل واحد هي زيادة محفوظة، وإن لم يذكرها بعض الرواة عن أنس.\nوقد استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن القسم بين الزوجات ليس واجبًا على النبي ﷺ حيث أنه طاف على نسائه بغسل واحد، وهذا يدل على أن القسم ليس بواجب على غير النبي؛ لأن وطء المرأة في غير نوبتها غير ممنوع، وذهب إلى هذا طائفة من أهل العلم، لكن ذهب الأكثرون إلى وجوب القسم بين الزوجات وأجابوا عن هذا الحديث بأجوبة منها: أن هذا كان برضا صاحبة النوبة، ومنها: أن هذا كان عند استيفاء القسمة، ثم يستأنف قسمة جديدة، ومنها: أن هذا كان عند السفر؛ لأنه كان إذا سافر أقرع بين نسائه فلم يقسم بينهن، فإذا أقام أقسم بينهن، ومنها: أن هذا كان قبل وجوب القسم، والأقرب أن هذا لا يخل بالقسم إذا كان في وقت واحد.\nوفي هذا الحديث دليل على ما أعطيه النبي ﷺ من القوة في الجماع، ولهذا قال أنس: (كنا نحدث أنه أعطي قوة ثلاثين رجلًا في الجماع) ﵊.\nوقد ذكر العلماء في تعدد الزوجات للنبي ﷺ من الحكم أنهن ينقلن بعض الأحكام التي لا يطلع عليها الرجال، ومن الحكم أيضًا ما يحصل من التآلف بين عدد من القبائل التي تزوج منهم النبي ﷺ، فيكون ذلك عونًا له على القيام بالدعوة ونشر الإسلام.","vol":"14","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>ما جاء في الوضوء لمن أراد أن يعود في الجماع مرة أخرى</span>","vol":"14","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>شرح حديث أبي رافع في الغسل لمن أراد العود في الجماع</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء لمن أراد أن يعود.\nحدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد عن عبد الرحمن بن أبي رافع عن عمته سلمى عن أبي رافع: (أن النبي ﷺ طاف ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه قال: فقلت له: يا رسول الله، ألا تجعله غسلًا واحدًا؟ قال: هذا أزكى وأطيب وأطهر).\nقال أبو داود: وحديث أنس أصح من هذا].\nهذا الحديث أخرجه النسائي وابن ماجة.\nوالكلام على عبد الرحمن بن أبي رافع وعمته سلمى وهما مقبولان.\nوقد روت عن أبي رافع مولى النبي ﷺ وعنها عبد الرحمن بن أبي رافع وغيره، وذكرها ابن حبان في الثقات، وقال ابن القطان: لا تعرف.\nفالحديث ليس بالقوي، لكن له شواهد أخرى وقد حسنه الألباني.\nوقال في التقريب: عبد الرحمن بن أبي رافع مقبول من الرابعة، وعمته مقبولة، والمقبول إذا توبع ارتفع إلى درجة الاحتجاج.\nوقال أبو داود: حديث أنس أصح من هذا لا شك؛ لأن حديث أنس السابق في الصحيحين وفيه أنه ترك الاغتسال، وفي هذا الحديث أنه اغتسل، ويحمل هذا على استحباب الغسل قبل المعاودة، وحديث أنس على جواز ترك الغسل، ولهذا لما سأل أبو رافع النبي ﷺ قال: (ألا تجعله غسلًا واحدًا؟ قال: هذا أزكى وأطيب وأطهر) فالغسل أفضل قبل معاودة الوطء، وإن تركه واكتفى بالوضوء فلا حرج.","vol":"14","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>شرح حديث أبي سعيد في استحباب الوضوء لمعاودة الوطء</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عمرو بن عون، حدثنا حفص بن غياث عن عاصم الأحول عن أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: (إذا أتى أحدكم أهله ثم بدا له أن يعاود فليتوضأ بينهما وضوءًا)].\nهذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه والترمذي والنسائي وابن ماجة، وفيه استحباب الوضوء قبل معاودة الوطء، وقيل: إن الوضوء واجب، وذهب إلى هذا الظاهرية وجماعة، وذهب الجمهور على أنه مستحب وحملوا الأمر على الاستحباب، وقال الجمهور: إن الذي صرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب قوله كما في رواية أحمد بن حنبل وابن حبان والحاكم (فإنه أنشط للعود) فهذا يدل على الاستحباب، وأما الظاهرية وابن حنبل ومالك فقد ذهبوا إلى أنه للوجوب؛ لأن الأصل في الأوامر أنها للوجوب.\nوبعض أهل العلم حمله على الوضوء اللغوي وهو غسل الفرج فقط، لكن ابن خزيمة ﵀ رد هذا؛ لما رواه من طريق ابن عيينة عن عاصم في هذا الحديث فقال: (فليتوضأ وضوءه للصلاة).\nوالأصل أن الشارع تحمل ألفاظه على الاصطلاحات الشرعية والحقائق الشرعية، لكن هل هو للوجوب أو للاستحباب؟ قول الظاهرية قول قوي في الوجوب والجمهور حمله على الاستحباب لقوله في الرواية الأخرى: (فإنه أنشط للعود)، إذًا: يكون الوضوء بين الجماعين مستحب متأكد أو واجب، أما الغسل فإنه مستحب وليس بواجب كما في حديث أنس.\nوحديث أبي رافع يحمل على استحباب الغسل، وحديث أنس السابق يدل على أنه لا يجب الغسل.\nوحديث أبي سعيد هذا يدل على تأكد الوضوء بين الجماعين.","vol":"14","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>ما جاء في الجنب ينام</span>","vol":"14","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>شرح حديث عبد الله بن عمر في نوم الجنب</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في لجنب ينام.\nحدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أنه قال: (ذكر عمر بن الخطاب لرسول الله ﷺ أنه تصيبه الجنابة من الليل، فقال له رسول الله ﷺ: توضأ واغسل ذكرك ثم نم)].\nهذا الحديث أخرجه الشيخان والنسائي، والحديث فيه دليل على أمر الجنب بالوضوء إذا أراد أن ينام وهو للاستحباب، وذهبت الظاهرية إلى أن الجنب إذا أراد أن ينام فإنه عند الظاهرية للوجوب، وهو قول قوي؛ لأن الأصل في الأوامر أنها للوجوب فلا تصرف عن الوجوب إلا بصارف.\nقوله: (توضأ واغسل ذكرك ثم نم) يعني: أنه يغسل ذكره أولًا ثم يتوضأ.\nووضوء الجنب للنوم متأكد جدًا، ثم يليه الوضوء للأكل، ثم يليه الوضوء للشرب، وآكدها الوضوء للنوم.\nقوله: (ثم نم) من نام ينام ومن خاف يخاف، والأمر منهما نم وخف.","vol":"14","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>ما جاء في الجنب يأكل</span>","vol":"14","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>شرح حديث عائشة في غسل الجنب يديه للأكل</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الجنب يأكل.\nحدثنا مسدد وقتيبة بن سعيد قالا: حدثنا سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة: (أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة).\nحدثنا محمد بن الصباح البزاز حدثنا ابن المبارك عن يونس عن الزهري بإسناده ومعناه، زاد: (وإذا أراد أن يأكل وهو جنب غسل يديه).\nقال أبو داود: ورواه ابن وهب عن يونس فجعل قصة الأكل قول عائشة مقصورًا، ورواه صالح بن أبي الأخضر عن الزهري كما قال ابن المبارك، إلا أنه قال: عن عروة أو أبي سلمة، ورواه الأوزاعي عن يونس عن الزهري عن النبي ﷺ كما قال ابن المبارك].\nالحديث الأول قد سبق الكلام عليه، لكن حديث محمد بن الصباح فيه زيادة: (وإذا أراد أن يأكل وهو جنب غسل يديه) فدل على أن الجنب له أن يأكل ويشرب من غير وضوء، ويأتي في الباب الذي بعده أنه يستحب له الوضوء، فالجمع بينهما أنه يجوز له أن يأكل من دون وضوء ولكن الوضوء أفضل.\nوحديث عائشة: (أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة)، أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة وأحمد وابن خزيمة.","vol":"14","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>ما جاء في وضوء الجنب</span>","vol":"14","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>شرح حديث: (كان إذا أراد أن يأكل أو ينام توضأ)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب من قال: يتوضأ الجنب.\nحدثنا مسدد حدثنا يحيى حدثنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة: (أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يأكل أو ينام توضأ) تعني وهو جنب].\nفي هذا الحديث أن الجنب يتوضأ ثم يأكل أو يشرب أو ينام، وهذا الوضوء للاستحباب كما سبق عند الجمهور، وهو للوجوب عند الظاهرية إذا أراد أن ينام.\nوالحديث أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة.","vol":"14","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>شرح حديث عمار بن ياسر في ترخيص رسول الله للجنب إذا أكل أو شرب أو نام أن يتوضأ</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى يعني ابن إسماعيل حدثنا حماد يعني ابن سلمة أخبرنا عطاء الخراساني عن يحيى بن يعمر عن عمار بن ياسر: (أن النبي ﷺ رخص للجنب إذا أكل أو شرب أو نام أن يتوضأ).\nقال أبو داود: بين يحيى بن يعمر وعمار بن ياسر في هذا الحديث رجل، وقال علي بن أبي طالب وابن عمر وعبد الله بن عمرو: (الجنب إذا أراد أن يأكل توضأ)].\nهذا الحديث ضعيف لانقطاعه، كما قال أبو داود: بين يحيى بن يعمر وعمار بن ياسر رجل فيكون منقطعًا، وهو ضعيف، لكن يشهد له الحديث الذي قبله، وهو يدل على مشروعية الوضوء للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام.\nويؤيد هذا قول علي بن أبي طالب وابن عمر وعبد الله بن عمرو (أن الجنب إذا أراد أن يأكل توضأ وهذا أخذ من الأحاديث).","vol":"14","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>ما جاء في الجنب يؤخر الغسل</span>","vol":"14","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>شرح حديث عائشة في اغتسال رسول الله من الجنابة في أول الليل وآخره</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في الجنب يؤخر الغسل.\nحدثنا مسدد حدثنا معتمر ح وحدثنا أحمد بن حنبل حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قالا: حدثنا برد بن سنان عن عبادة بن نسي عن غضيف بن الحارث، قال: (قلت لـ عائشة أرأيت رسول الله ﷺ كان يغتسل من الجنابة في أول الليل أم في آخره؟ قالت: ربما اغتسل في أول الليل، وربما اغتسل في آخره، قلت: الله أكبر الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، قلت: أرأيت رسول الله ﷺ كان يوتر أول الليل أم في آخره؟ قالت: ربما أوتر في أول الليل وربما أوتر في آخره، قلت: الله أكبر! الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، قلت: أرأيت رسول الله ﷺ كان يجهر بالقرآن أم يخفت به؟ قالت: ربما جهر به وربما خفت، قلت: الله أكبر!! الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة)].\nهذا الحديث فيه أنه لا بأس بتأخير الجنب للغسل إلى آخر الليل، لكن يتوضأ قبل النوم كما ثبت في الصحيحين وغيرهما، من حديث عمر، ويكره في حقه كراهة شديدة ترك الوضوء، حتى قال الظاهرية: بأن الوضوء واجب، وهو قول قوي؛ لأن الأصل في الأوامر أنها للوجوب.\nوأما ما ذكر من أن النبي ﷺ كان يوتر في أول الليل، ويوتر آخره فقد جاء في الصحيح عن عائشة أنها قالت: (من كل الليل أوتر رسول الله ﷺ).\nوكذلك قراءة القرآن، كان يتلو على حسب الحال، إن كان عنده من يتأذى بالجهر كالنائم فإنه يخفت بها، وإن لم يكن عنده من يتأذى جهر.","vol":"14","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-264>تراجم رجال إسناد حديث عائشة في اغتسال رسول الله من الجنابة في أول الليل وآخره</span>\nغضيف بن الحارث السكوني روى عن عمر وبلال وروى عنه مكحول وعبادة بن نسي ويقال: الثمالي أبو أسماء الحمصي مختلف في صحبته، ومنهم من فرق بين غضيف بن الحارث وغطيف بن الحارث، قال ابن أبي حاتم: قال أبي وأبو زرعة: غضيف بن الحارث له صحبه.\nومن قال: إن اسمه الحارث بن غضيف فقد وهم وإنما هو غضيف وقد بقي إلى زمن عبد الملك بن مروان، وقال العجلي: غضيف بن الحارث تابعي ثقة، وقال الدارقطني: ثقة من أهل الشام.\nوعبادة بن نسي الكندي أبو عمروا الأردني ثقة من الثالثة، قاضي طبرية روى عن أبي الدرداء وأبي موسى وشداد بن أوس وغضيف بن الحارث وخباب بن الأرت وخلق كثير، وعنه برد بن سنان والمغيرة بن زياد وطائفة، وثقه ابن معين، مات سنة ثمانية عشرة.\nوالحديث ثابت، وما دل عليه الحديث له شواهد كثيرة في الصحيحين وفي غيرهما، أن النبي ﷺ كان ربما أخر الاغتسال إلى آخر الليل، وكذلك أيضًا الإيتار كان يوتر أول الليل وكان يوتر آخره.","vol":"14","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>شرح حديث: (لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا حفص بن عمر النمري حدثنا شعبة، عن علي بن مدرك، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن عبد الله بن نجي، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب ﵁، عن النبي ﷺ قال: (لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب ولا جنب)].\nهذا الحديث سبق وأن أخرجه النسائي، والحديث في صحته نظر، من أجل الكلام في عبد الله بن نجي وفي أبيه، قال البخاري ﵀: عبد الله بن نجي فيه نظر وأبوه نجي أيضًا فيه كلام.\nوقال الحافظ: مقبول وفي حديثه كلام.\nوالعلماء اختلفوا في صحة حديثه منهم من صحح حديثه، ومنهم من لم يصحح حديثه، ولو صح فهو محمول على ما إذا لم يتوضأ، كما بوب النسائي ﵀ باب الجنب إذا لم يتوضأ وساق هذا الحديث وكما بوب البخاري ﵀ باب كينونة الجنب في البيت إذا توضأ قبل أن يغتسل.\nوسبق الكلام على أن قوله: (لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة ولا كلب) هذا الحديث مخرج في الصحيحين، والمراد بالكلب غير كلب الصيد والزرع والغنم، والمراد بالصورة صور ذوات الأرواح ويستثنى من هذا الصور الصور الممتهنة، وكذلك صور غير ذوات الأرواح.\nوسبق أن النبي ﷺ رخص للجنب أن ينام إذا توضأ، وربما أخر النبي ﷺ الغسل إلى آخر الليل، فقوله: (لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة ولا كلب ولا جنب) هذا الحديث فيه ضعف.\nولهذا اختلف العلماء في صحته، والأقرب أن هذه الرواية لا تصح، وإن صحت فهي محمولة على ما إذا لم يتوضأ كما سبق.\nوالصورة مطلقًا لا تجوز إلا للضرورة، وصور ذوات الأرواح لا تجوز إلا إذا أزيل الرأس والوجه.","vol":"14","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>شرح حديث: (كان رسول الله ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء).\nقال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي الواسطي، قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: هذا الحديث وهم، يعني حديث أبي إسحاق].\nأبو إسحاق السبيعي متكلم فيه، وهذا الحديث فيه كلام كثير للعلماء، والمستنكر منه قوله: (من غير أن يمس ماء) فإن هذا مخالف للأحاديث الصحيحة التي فيها أن النبي ﷺ رخص للجنب أن ينام إذا توضأ، وربما أخر الغسل إلى آخر الليل.\nوقد اختلف العلماء في ثبوت هذه اللفظة: (من غير أن يمس ماء) فقد نقل أبو داود عن الحسن بن علي الواسطي قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: هذا الحديث وهم، يعني: حديث أبي إسحاق.\nونقل ابن القيم ﵀ كلامًا للعلماء في هذا ورجح أن هذه اللفظة وهم، والصواب ما قاله ابن القيم أن هذه اللفظة وهم وغلط من أبي إسحاق السبيعي، وعليه فلا يصح الحديث وعلى هذا لو صح هذا الحديث فله جوابان كما قال النووي ﵀.\nالجواب الأول: أن المراد أنه لا يمس ماء للغسل، لكنه يمس ماءً للوضوء.\nوالثاني: أنه كان في بعض الأوقات لا يمس ماء أصلًا؛ لبيان الجواز.\nوالصواب أن هذه اللفظة غير صحيحة وهذا الحديث غير صحيح.\nوأبو إسحاق ﵀ مدلس، فيحتمل أنه دلسه عن غيره؛ لأن الأحاديث كثيرة كما في رواية الأسود عن عائشة ﵂ في إثبات الوضوء، فيحتمل أنه دلس عن غير الأسود.\nوقد جاء عند البيهقي التصريح بالسماع في هذه الرواية، ولو ثبت هذا فهو شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة، أو أنه ترك الوضوء في هذه المرة لبيان الجواز.","vol":"14","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-267>قراءة القرآن للجنب</span>","vol":"14","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>شرح حديث: (ولم يكن يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة)</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الجنب يقرأ القرآن.\nحدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة قال: (دخلت على علي ﵁ أنا ورجلان: رجل منا، ورجل من بني أسد أحسب، فبعثهما علي وجهًا وقال: إنكما علجان فعالجا عن دينكما، ثم قام فدخل المخرج، ثم خرج فدعا بماء فأخذ منه حفنة فتمسح بها، ثم جعل يقرأ القرآن؛ فأنكروا عليه ذلك، فقال: إن رسول الله ﷺ كان يخرج من الخلاء فيقرؤنا القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه أو قال: يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة)].\nهذا الحديث في هذه الترجمة لبيان حكم قراءة الجنب للقرآن، وفيه قصة عبد الله بن سلمة قال: (دخلت على علي أنا ورجلان رجل منا من بني مراد، ورجل من بني أسد، فبعثهما علي وجهًا -أي: في جهة ولاية- وقال: إنكما علجان فعالجا عن دينكما.\nقال: ثم قام فدخل المخرج، -وهو بيت الخلاء- ثم خرج فدعا بماء فتمسح منه ولم يتوضأ، ثم جعل يقرأ القرآن فأنكروا ذلك، فأخبرهم أن النبي ﷺ كان يخرج من الخلاء فيقرأ القرآن، ويأكل اللحم، ولا يمنعه شيء من القرآن إلا الجنابة، أو لا يحجُبُه أو يحجِبه -من باب نصر ينصر، أو من باب ضرب يضرب- أو قال: لا يحجزه من القرآن شيء ليس الجنابة) يعني: إلا الجنابة.\nوهذا الحديث أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة، وهو حديث ضعيف؛ لأن فيه عبد الله بن سلمة المرادي، وأنكر من حديثه، ولا يتابع عليه، ولكن ورد في الباب أحاديث يقوي بعضها بعضًا فتصلح للاحتجاج، ولهذا ذهب الجمهور من العلماء إلى أن الجنب لا يقرأ شيئًا من القرآن ولو كان عن ظهر قلب، وهذا الحديث -وإن كان ضعيفًا- لكن له شواهد يتقوى بها، وجاء في الحديث الآخر: (فأما الجنب فلا ولا آية)، ومراده عن ظهر قلب.\nوأما إذا كان حدثه أصغر، فإنه يجوز له أن يقرأ القرآن عن ظهر قلب لكن لا يمس المصحف حتى يتوضأ، ومن كان يدرس طلابًا مميزين، فعليه أن يأمرهم بالوضوء قبل أن يمسوا القرآن الكريم.\nواختلف العلماء في الحائض والنفساء هل يقرأان القرآن؟ على قولين: فذهب الجمهور إلى أنهما لا يقرأان، وقالوا: إن حدثهما أغلظ من الجنب، واستدلوا بحديث ضعيف في ذلك، وذهب إلى هذا كثير من الفقهاء كالحنابلة وغيرهم.\nوالقول الثاني: أنهما يقرأان، ولا يقاسان على الجنب كما قال الجمهور؛ لأنه قياس مع الفارق، فالجنابة مدتها قصيرة، والحيض والنفاس مدتهما طويلة، فقد تنسى الحائض والنفساء القرآن إذا كانتا حافظتين له، فتضطران إلى قراءته، وليس هناك دليل يمنعهما من قراءة القرآن، والقياس هنا قياس مع الفارق.\nوالصواب أن الحائض والنفساء لا بأس أن يقرأان القرآن عن ظهر قلب؛ لأنه ليس هناك دليل يمنعهما، وقياسهما على الجنب قياس مع الفارق.\nوهل يقرأ الجنب إذا خشي أن يضيع القرآن عليه؟ فيه خلاف أيضًا، والأحاديث فيها ضعف، لكن يقوي بعضها بعضًا، وهناك رسالة للشيخ سليمان العلوان في الجنب لم أتمكن من قراءتها، وقد ذهب فيها إلى أن الجنب يقرأ القرآن، والمعروف عند جمهور العلماء أن الجنب لا يقرأ القرآن، والأحاديث -وإن كان فيها ضعف- يشد بعضها بعضًا.","vol":"14","page":24},{"text":"شرح سنن أبي داود_<span data-type=\"title\" id=toc-269>كتاب الطهارة [١٥]</span>\nإن المؤمن طاهر لا ينجس، وإن أصابته جنابة فإنها لا تمنعه من مصافحة إخوانه المؤمنين ومجالستهم، ولما كانت المساجد بيوت الله في الأرض كان على المؤمن أن لا يمكث فيها إلا وهو طاهر من الجنابة.","vol":"15","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>حكم مصافحة الجنب</span>","vol":"15","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>شرح حديث حذيفة وأبي هريرة في عدم نجاسة المسلم الجنب</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الجنب يصافح.\nحدثنا مسدد حدثنا يحيى عن مسعر عن واصل عن أبي وائل عن حذيفة ﵁: (أن النبي ﷺ لقيه فأهوى إليه، فقال: إني جنب.\nفقال: إن المسلم ليس بنجس).\nحدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى وبشر عن حميد عن بكر عن أبي رافع عن أبي هريرة ﵁ قال: (لقيني رسول الله ﷺ في طريق من طرق المدينة وأنا جنب، فاختنست فذهبت فاغتسلت ثم جئت، فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟! قال: قلت: إني كنت جنبًا فكرهت أن أجالسك على غير طهارة.\nقال: سبحان الله! إن المسلم لا ينجس).\nقال: وفي حديث بشر قال: حدثنا حميد قال: حدثني بكر].\nهذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه والنسائي وابن ماجة، وهو دليل على أن المسلم طاهر الأعضاء والجسم والعرق واللعاب والثياب، وهذا الحديث أصل في طهارة المسلم حيًا وميتًا.\nوالكافر نجاسته معنوية لا حسية؛ ولهذا يجوز للمسلم أن يتزوج الكتابية اليهودية أو النصرانية كما قال الله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة:٥] يعني: حل لكم، ومعلوم أنه إذا تزوجها فإنه سيمسها أو يصيبه عرق منها، ولا يجب عليه أن يغسل يديه منها.\nفي هذا الحديث دليل على جواز تأخير الغسل، وهذا يدل على ضعف ما حسنه بعض العلماء في الحديث السابق: (لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة ولا كلب ولا جنب)، وحمله بعضهم على المتهاون في الاغتسال، والواجب أنه إذا جاء وقت الصلاة يغتسل، فـ أبو هريرة وحذيفة أخرا غسل الجنابة ولم ينكر عليهما النبي ﷺ، فدل على أنه لا بأس بتأخير الغسل.\nوقوله: [وفي حديث بشر قال: حدثنا حميد قال: حدثني بكر] مقصوده أنه صرح حميد بالتحديث هنا، وقد عنعن في السند السابق، فمقصود المؤلف أن يبين تصريح حميد وبشر بالتحديث.\nوهذا الحديث فيه دليل على أنه لا بأس بمصافحة الجنب كما بوب المؤلف ﵀، فمصافحته ومماسته والسلام عليه لا بأس بها.","vol":"15","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>حكم دخول الجنب المسجد</span>","vol":"15","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>شرح حديث: (لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الجنب يدخل المسجد.\nحدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا أفلت بن خليفة حدثتني جسرة بنت دجاجة قالت: سمعت عائشة ﵂ تقول: (جاء رسول الله ﷺ ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد، ثم دخل النبي ﷺ ولم يصنع القوم شيئًا؛ رجاء أن ينزل فيهم رخصة، فخرج إليهم بعدُ فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد؛ فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب).\nقال أبو داود: هو فليت العامري].\nهذا الباب عقده المؤلف ﵀ لبيان حكم دخول الجنب المسجد، ومثله الحائض والنفساء؛ لأنهما في معناه.\nذكر في هذا الحديث حديث عائشة ﵂ وفي سنده جسرة بنت دجاجة قال عنها في التقريب: مقبولة، يعني إذا توبع حديثها كان حسنًا لغيره.\nوفليت العامري لا بأس به، وقد تكلم فيه بعضهم ولا بأس به.\nوالحديث فيه أن النبي ﷺ أمر أن توجه البيوت الشارعة في المسجد، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يفتحون أبوابًا صغارًا يسمى الواحد منها الخوخة على المسجد؛ ولذلك قال ﵊ في آخر حياته: (لا تبقى خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر ﵁)؛ وفي هذا الحديث دليل على أنه هو الخليفة بعد النبي ﷺ، وقد استدل به الصحابة على ذلك.\nومن الأدلة أيضًا أن النبي ﷺ استخلفه على الصلاة في مرض موته ﵊.\nوكأن هذه البيوت كانت موجهة إلى المسجد، وكأنها هي الأبواب الرئيسية التي كانوا يخرجون منها إلى المسجد، ويكون المسجد طريقًا؛ ولهذا أمر النبي ﷺ أن تصرف إلى جهة أخرى.\nوالحديث فيه أن النبي ﷺ قال: (لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)، والحديث وإن كان في سنده بعض الشيء إلا أن الآية الكريمة واضحة في هذا، وهي قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣]، فدلت الآية الكريمة على أنه لا يجوز للجنب أن يدخل المسجد إلا إذا كان عابر سبيل، ومثله الحائض والنفساء، فكلاهما ليس لها أن تمكث في المسجد، والجنب كذلك ليس له أن يمكث في المسجد، وإنما يجوز العبور، فيعبر المسجد ويخرج من باب ويدخل من باب، وكذلك المرأة الحائض تأخذ شيئًا إذا أمنت من تلويث المسجد كما قال النبي ﷺ لـ عائشة كما سبق: (ناوليني الخمرة، قالت: إني حائض! قال: حيضتك ليست في يدك).\nوالعلماء اختلفوا في هذه المسألة، فمن العلماء من ذهب إلى ما دل عليه الحديث مع الآية الكريمة، وقال: لا يجوز للجنب أن يمكث في المسجد وكذلك الحائض والنفساء إلا إذا كان ذلك عبورًا، ومن العلماء جماعة أجازوه مطلقًا، ومن العلماء من قال: لا يجوز إلا ألا يجد بدًا منه، والصواب ما دلت عليه الآية الكريمة والحديث، وهو أنه لا يجوز للجنب أن يمكث في المسجد إلا إذا كان عابرًا، وكذلك الحائض والنفساء كأن تأخذ وتتناول منه شيئًا.\nواختلف العلماء فيما إذا توضأ الجنب هل يجوز له أن يمكث في المسجد أو ليس له ذلك؟ من العلماء من منع من ذلك، وذهب الإمام أحمد وجماعة إلى جواز المكث في المسجد للجنب إذا توضأ؛ لما رواه سعيد بن منصور في سننه عن عطاء بن يسار أن رجالًا من أصحاب النبي ﷺ كانوا يجلسون في المسجد وهم جنب إذا توضئوا وضوء الصلاة، قال الحافظ ابن كثير: إسناده صحيح على شرط مسلم؛ ولهذا ذهب الإمام أحمد وجماعة إلى أنه لا بأس حينئذٍ بالمكث؛ لأنه إذا توضأ خفت جنابته، ويجوز في حقه أحكام ليست للجنب الذي لم يتوضأ، من ذلك: أن الجنب إذا توضأ فإنه يأكل ويشرب وينام بلا كراهة، ففي حديث عمر ﵁ في البخاري وغيره أنه قال: (يا رسول الله! أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ)، فإذا توضأ خفت الجنابة، وجاز له الوضوء، وجاز له النوم، وجاز له الأكل والشرب، وكذلك المكث في المسجد؛ بلا كراهة لهذه الآثار عن الصحابة، والصحابة أعلم الناس بسنة رسول الله ﷺ، وهي آثار جيدة لا بأس بها.\nوجسرة بنت دجاجة بكسر الدال، روت عن أبي ذر وعلي وعائشة وأم سلمة، وهي معدودة في أهل الكوفة، روى عنها: غيلان بن عبد الله العامري وأفلت بن خليفة، قال العجلي: ثقة، لكن توثيقه لا يعتبر، وقد ورد ما يدل على أن لحديثها شواهد، فأخرج ابن مندة بسند عال عن خزامة عن جسرة قالت: أتانا آت يوم وفاة النبي ﷺ، فأشرف على الجبل فقال: يا أهل الوادي انحرف الدين (ثلاث مرات)، وعلى كل حال حديثها هذا يوافق ما دلت عليه الآية.\nوالآثار السابقة جاءت في الجنب لا الحائض؛ لأن الحائض يخشى أن تلوث المسجد، فيقتصر على ما جاء في الآثار.\nوالطواف يعتبر لبثًا طويلًا، فقد يطوف الإنسان في الزحام لمدة ساعة أو ساعتين.","vol":"15","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>ما جاء في الجنب يصلي بالناس وهو ناس</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الجنب يصلي بالقوم وهو ناس.\nحدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن زياد الأعلم عن الحسن عن أبي بكرة ﵁: (أن رسول الله ﷺ دخل في صلاة الفجر فأومأ بيده: أن مكانكم، ثم جاء ورأسه يقطر فصلى بهم).\nحدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حماد بن سلمة بإسناده ومعناه، وقال في أوله: (فكبر)، وقال في آخره: (فلما قضى الصلاة قال: إنما أنا بشر، وإني كنت جنبًا).\nقال أبو داود: رواه الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: (فلما قام في مصلاه وانتظرناه أن يكبر انصرف ثم قال: كما أنتم).\nورواه أيوب وابن عون وهشام عن محمد -يعني ابن سيرين - مرسلًا عن النبي ﷺ قال: (فكبر ثم أومأ بيده إلى القوم أن اجلسوا، فذهب فاغتسل).\nوكذلك رواه مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم عن عطاء بن يسار قال: (إن رسول الله ﷺ كبر في صلاة).\nقال أبو داود: وكذلك حدثناه مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا أبان عن يحيى عن الربيع بن محمد عن النبي ﷺ أنه كبر.\nحدثنا عمرو بن عثمان الحمصي حدثنا محمد بن حرب حدثنا الزبيدي ح وحدثنا عياش بن الأزرق أخبرنا ابن وهب عن يونس ح وحدثنا مخلد بن خالد حدثنا إبراهيم بن خالد إمام مسجد صنعاء حدثنا رباح عن معمر ح وحدثنا مؤمل بن الفضل حدثنا الوليد عن الأوزاعي؛ كلهم عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: (أقيمت الصلاة وصف الناس صفوفهم، فخرج رسول الله ﷺ حتى إذا قام في مقامه ذكر أنه لم يغتسل، فقال للناس: مكانكم، ثم رجع إلى بيته فخرج علينا ينطف رأسه قد اغتسل ونحن صفوف)، وهذا لفظ ابن حرب.\nوقال عياش في حديثه: (فلم نزل قيامًا ننتظره حتى خرج علينا وقد اغتسل)].\nهذه الترجمة معقودة للجنب إذا صلى بالناس وهو ناس للجنابة، والحديث المسند الأخير أخرجه الشيخان والنسائي، وهو صريح في أن النبي ﷺ لم يدخل في الصلاة، وإنما أراد أن يكبر ثم تذكر، فذهب واغتسل، ورجع وصلى بالناس.\nأما الحديث الأول حديث أبي بكرة ففيه: (أنه ﷺ دخل في الصلاة وكبر ثم تذكر ثم أومأ إليهم وقال: مكانكم)، ثم ذهب، واغتسل، وجاء، وأكمل بهم الصلاة، وهم قيام ينتظرونه، وذكر المؤلف ﵀ رواية محمد بن سيرين وعطاء بن يسار والربيع بن محمد وكلها مرسلة تؤيد حديث أبي بكرة في أنه ﷺ انصرف بعدما دخل في الصلاة وكبر، واختلف العلماء هل هما قصتان أو قصة واحدة؟ فمن العلماء من ذهب إلى أنهما قصة واحدة، وتأول حديث أبي بكرة في قوله: كبر، يعني كاد أن يكبر، وكذلك الأحاديث المرسلة تأولها على أنه كاد أن يكبر لتوافق الأحاديث الصحيحة؛ لأنها لو لم تتأول لكانت معارضة للأحاديث الصحيحة، والأحاديث الصحيحة المسندة مقدمة عليها.\nومن العلماء من قال: إنهما قصتان، وذهب إلى هذا النووي وقال: إنه الأظهر، وجزم بذلك ابن حبان وقال: إنهما واقعتان، وإذا كانا كذلك فلا إشكال، وإن كانت قصة واحدة فالتأويل بأن كاد أن يكبر فيه نوع تعسف، والعمدة على الحديث الصحيح.\nإن الإمام إذا تذكر أن عليه جنابة فإن كان قبل أن يصلي بالناس فإنه يذهب ويغتسل، وهم ينتظرونه إن لم يشق عليهم، وإن شق عليهم قدموا من يصلي بهم، أما إذا كان قد دخل في الصلاة ثم تذكر، فهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، فمن العلماء من قال: إن صلاة المأمومين صحيحة وهم معذورون، وعلى هذا يدل حديث أبي بكرة والروايات المرسلة التي فيها أنه كبر وقال: (كما أنتم وأشار إليهم)، ثم ذهب واغتسل وصلى بهم، وأكملوا الصلاة، ولم يأمرهم بإعادة أول الصلاة، فدل على أن صلاة الجنب إذا صلى بالناس، أو صلى الإمام بالناس وهو على غير طهارة، ثم تذكر؛ فإن صلاتهم صحيحة ولا يعيدون، وإنما الإمام يغتسل أو يتوضأ ويعيد الصلاة وحده، ويؤيد هذا حديث أبي هريرة في صحيح البخاري: (يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم).\nويؤيد هذا ما ثبت عن عمر ﵁ أنه صلى بالناس الصبح، ثم غدا إلى أرضه في الجرف، فوجد في ثوبه احتلامًا.\nفقال: إنا لما أصبنا الودك لانت العروق، فاغتسل وغسل الاحتلام من ثوبه، وأعاد صلاته، ولم يأمرهم بإعادة الصلاة، وكذلك ثبت أيضًا عن عثمان ﵁ أنه صلى بالناس وهو جنب، فأعاد الصلاة، ولم يأمرهم بإعادة الصلاة؛ فدل هذا على أن الإمام إذا صلى بالناس وهو على غير طهارة، ثم تذكر بعد ذلك فإنه يعيد الصلاة، ولا يعيدون.\nوذهب آخرون من أهل العلم إلى أنهم يعيدون، قال أبو حنيفة وجماعة: يجب عليهم الإعادة، واستدلوا بحديث: (الإمام ضامن)، وقالوا: إن هذه الأحاديث مرسلة لا تقوم بها حجة.\nوإذا تذكر في أثناء الصلاة فقد اختلف العلماء أيضًا في هذه المسألة، على قولين: القول الأول: ذهب الحنابلة وجماعة إلى أنه يفرق بين ما إذا سبقه الحدث، وما إذا لم يسبقه الحدث، فإن تذكر وهو في أثناء الصلاة أنه على غير طهارة أو أحدث فإنه في هذه الحالة يقطع الصلاة، ويستأنفون صلاتهم من جديد.\nأما إذا حس بأنه لا يستطيع الاستمرار، وهو على طهارة، فإنه يتأخر، ويقدم من يتم بهم الصلاة.\nوالقول الثاني لأهل العلم: أنه لا فرق بين الصورتين، وأن الإمام إذا تذكر أنه على غير طهارة، ولو سبقه الحدث؛ فإنه يقدم من يتم بهم الصلاة، ويكون معذورًا في هذا، والدليل على هذا حديث الحسن عن أبي بكرة، والحديث الأول الذي ذكره المؤلف ﵀، والآثار التي وردت في هذا، ففيها دليل على أن النبي ﷺ بعدما كبر، ذهب واغتسل، ثم جاء وأتم بهم الصلاة، ولم يأمرهم بإعادة بقية الصلاة، ويؤيد هذا حديث البخاري: (يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم)، والأرجح أنه لا فرق بين الصورتين، وأن الإمام يستخلف من يتم بهم الصلاة سواء سبقه الحدث أو لم يسبقه.\nوالحديث الأول الذي ذكره المؤلف فيه رواية الحسن عن أبي بكرة، وهو قد سمع منه، فهو حجة، وهو دليل على أن الإمام إذا صلى وهو جنب أو عليه حدث ولم يعلم إلا بعد انتهاء الصلاة، فإن صلاة المأمومين صحيحة، وإنما على الإمام أن يتوضأ أو يغتسل ويعيد الصلاة وحده.","vol":"15","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>حكم الرجل يجد البلة في منامه</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: في الرجل يجد البلة في منامه.\nحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حماد بن خالد الخياط حدثنا عبد الله العمري عن عبيد الله عن القاسم عن عائشة ﵂ قالت: (سئل النبي ﷺ عن الرجل يجد البلل، ولا يذكر احتلامًا؟ قال: يغتسل، وعن الرجل يرى أن قد احتلم ولا يجد البلل؟ قال: لا غسل عليه، فقالت أم سليم ﵂: المرأة ترى ذلك أعليها غسل؟ قال: نعم، إنما النساء شقائق الرجال)].\nهذا الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة، وفي سنده عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم العمري ضعفه يحيى بن سعيد من قبل حفظه، قال في التقريب: ضعيف عابد من السابعة، روى عن أخيه عبيد الله بالتصغير، وهو أحفظ من أخيه عبد الله المكبر.\nوالحديث فيه: أن النائم إذا وجد بللًا بعد اليقظة من النوم ولم يذكر احتلامًا فإنه يغتسل، أما إذا رأى أنه يجامع في الليل ولكنه لم ير احتلامًا فإنه لا يغتسل.\nوالحديث وإن كان فيه عبد الله بن عمر العمري إلا أنه يؤيده الحديث الآخر: (إنما الماء من الماء)، ويؤيده حديث أم سليم في الصحيحين أنها قالت: (يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق)، وهو الحديث الذي أتى به المؤلف ﵀ بعد هذا، وفيه: قالت: (المرأة ترى ما يرى الرجل أعليها غسل؟ قال: نعم، إذا رأت الماء)، فإذا رأى الرجل في ثوبه بلة، وتحقق أنه احتلام، فإنه يجب عليه أن يغتسل، وكذلك المرأة إذا رأت الماء، فإنها تغتسل، أما إذا لم ير بللًا، فإنه لا يجب عليه الغسل، ولو رأى في النوم أنه يجامع، وكذلك المرأة إذا رأت أنها تجامع ولم تر بللًا، فلا يجب عليها الاغتسال، فالحكم معلق بوجود الماء.\nقال في ترجمة الراوي: عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم العمري روى عن أخيه عبيد الله، وزيد بن أسلم وعنه ابنه عبد الرحمن وابن وهب ووكيع، قال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق في حديثه اضطراب، وضعفه النسائي، وقال ابن عدي: لا بأس به.\nتوفي سنة إحدى وسبعين ومائة.\nوقوله: (إنما النساء شقائق الرجال) يعني: إن المرأة مثل الرجل في هذا، والأصل: أن النساء مثل الرجال في الأحكام إلا ما دل الدليل على الخصوصية.\nوشقيق الرجل: هو أخوه لأبيه وأمه، والإخوة من الأب والأم يقال لهم: أشقاء، ويقال لهم: إخوة أعيان، وأما إذا كان أبو الإخوة واحدًا وأمهاتهم شتى فيقال عنهم: إخوة علات كما قال النبي ﷺ: (إنا معاشر الأنبياء إخوة لعلات، ديننا واحد وأمهاتنا شتى)، وإذا كانت الأم واحدة والآباء متعددون يقال عنهم: إخوة أخياف.\nوفي هذا الحديث من الفوائد: إثبات القياس، وإلحاق حكم النظير بالنظير؛ فإن النبي ﷺ قاس الرجال على النساء.\nوفيه الرد على من أنكر القياس، كالظاهرية ومنهم ابن حزم وجماعة أنكروا القياس.","vol":"15","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>حكم المرأة إذا رأت ما يرى الرجل</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في المرأة ترى ما يرى الرجل.\nحدثنا أحمد بن صالح حدثنا عنبسة حدثنا يونس عن ابن شهاب قال: قال عروة: عن عائشة ﵂: (أن أم سليم الأنصارية وهي أم أنس بن مالك ﵄ قالت: يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق، أرأيت المرأة إذا رأت في النوم ما يرى الرجل أتغتسل أم لا؟ قالت عائشة ﵂: قال النبي ﷺ: نعم، فلتغتسل إذا وجدت الماء.\nقالت عائشة ﵂: أقبلت عليها فقلت: أف لك وهل ترى ذلك المرأة؟! فأقبل علي رسول الله ﷺ فقال: تربت يمينك يا عائشة! ومن أين يكون الشبه؟!).\nقال أبو داود: وكذا روى الزبيدي وعقيل ويونس وابن أخي الزهري عن الزهري وابن أبي الوزير عن مالك عن الزهري، ووافق الزهري مسافع الحجبي قال: عن عروة عن عائشة ﵂، وأما هشام بن عروة فقال: عن عروة عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة أن أم سليم جاءت إلى رسول الله ﷺ].\nالحديث أخرجه الشيخان البخاري ومسلم من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة، والمؤلف ﵀ رجح رواية الزهري عن عروة عن عائشة، فتكون عائشة هي التي قالت هذا.\nوالشيخان رويا هذا الحديث من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة، أم سلمة هي التي قالت ذلك، وجمع النووي بينهما في شرح مسلم بأن عائشة وأم سلمة أنكرتا على أم سليم، وأنه لا مانع من أن تكون كلاهما حاضر، وتكون أم سلمة وعائشة كلاهما أنكرتا على أم سليم.\nقال الحافظ ابن حجر: وهو جمع جيد.\nواستحسن هذا.\nوعلى كل حال فالحديث ثابت، وفيه إثبات الحياء لله ﷿ كما يليق بجلاله وعظمته خلافًا لمن تأوله مثل النووي والحافظ، يقول الحافظ: المراد بالحياء هنا معناه اللغوي، والحياء الشرعي خير كله، وقد تقدم أن الحياء تغير وانكسار، وهو مستحيل في حق الله تعالى، فيحمل على أن المراد أن الله لا يأمر بالحياء في الحق أو لا يمنع منه في الحق، وهذا تأويل ليس بصحيح، والصواب إثبات الحياء لله ﷿ كما يليق بجلاله وعظمته، والله تعالى له صفات لا تماثل صفات المخلوق ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فالحياء والعلم والكلام والسمع والبصر والاستواء صفات الذات، وصفات الذات كلها تثبت لله كما يليق بجلاله وعظمته، وحياء المخلوق هو الذي يكون فيه ضعف، أما حياء الخالق فهو كما يليق به ﷾، قال ﷿ في كتابه المبين: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب:٥٣].\nوفي هذا الحديث أن أم سلمة وعائشة أنكرتا على أم سليم الاحتلام، وقالتا: هل المرأة تحتلم؟! والنبي ﷺ قد صدق أم سليم، وبين أن المرأة تحتلم، لكن إنكار عائشة وأم سلمة يدل على أن الاحتلام في النساء قليل، ولهذا قال ابن عبد البر: فيه دليل على أنه ليس كل إنسان يحتلم، قال: وقد يوجد من لا يحتلم من الرجال، إلا أن ذلك في النساء أكثر، فالنساء أقل احتلامًا من الرجال؛ ولهذا أنكرت عائشة وأم سلمة على أم سليم ذلك لقلة وقوع الاحتلام من النساء؛ ولهذا قال النبي ﷺ: (تربت يمينك ومن أين يكون الشبه؟!) يعني: أن الولد يتولد من ماء الرجل وماء المرأة، قال تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق:٥ - ٧] أي: من صلب الرجل وترائب المرأة، والترائب: عظام في الصدر، فإذا اجتمع الماءان خلق الله الإنسان منهما، فهو مخلوق من ماء الرجل ومن وماء المرأة، وكأن هذه الآية خفيت على عائشة وأم سلمة أو أنها لم تنزل إلا بعد ذلك؛ لأن الآية واضحة.\nوالشبه قد يكون للرجل، وقد يكون للمرأة، وأيهما غلب كان الشبه له، كما جاء في الحديث الآخر: (أيهما غلب أو سبق كان الشبه له).\nوفيه دليل على أن المرأة إذا احتلمت ورأت الماء -وهو المني- وجب عليها الغسل كالرجل، وهذا يؤيد الحديث السابق حديث عبد الله العمري ويعضده ويشهد له، فإذا رأى المحتلم الماء فإنه يغتسل، سواء كان رجلًا أو امرأة، إذا احتلم في الليل، ثم رأى الماء فإنه يجب عليه الغسل.\nوقول النبي: (تربت يمينك) مثل قوله: (عقرى حلقى)، أصلها تربت يمينك يعني: لصقت يدك بالتراب من شدة الفقر، ومثله: عقرى حلقى، أي: عقرك الله وحلق شعرك، ومثل قوله: قاتله الله، وهذه كلمات تجري على اللسان وليس المقصود منها الدعاء على الصحيح، وإنما المقصود منها الزجر أو الحث على الفعل، ومنه قوله ﵊: (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك)، فهو من باب الحث، وليس المقصود الدعاء عليه بالفقر، فهي كلمة كانت تجري على ألسنة العرب والمقصود بها الحث على فعل الشيء أو الزجر عنه.","vol":"15","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>الأسئلة</span>","vol":"15","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>حكم أطفال الأنابيب</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم التلقيح الصناعي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه المسألة تعرف بطفل الأنابيب، والمجمع الفقهي له بحث مطول في هذا، والأصل المنع منه؛ لأن فيه وسيلة لاختلاط الأنساب، فيمنع منه إلا في حدود ضيقة بشروط معروفة؛ لأنه يخشى أن يؤتى بمني رجل أجنبي ويحقن في امرأة أجنبية، فتختلط الأنساب.","vol":"15","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>حال حديث: (لا حياء في الدين)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  مقولة: (لا حياء في الدين) هل هي حديث؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه المقولة ليست حديثًا عن النبي ﷺ، وإنما قالت أم سليم: (إن الله لا يستحيي من الحق).","vol":"15","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>احتلام نساء النبي ﵊</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل نساء النبي ﷺ لا يحتلمن لأنه من الشيطان؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس هذا ببعيد، لكن حتى غير نساء النبي قد لا يحتلمن، فاحتلام النساء قليل؛ ولهذا أنكرت ذلك أم سلمة وعائشة.","vol":"15","page":12},{"text":"شرح سنن أبي داود_<span data-type=\"title\" id=toc-281>كتاب الطهارة [١٦]</span>\nغسل الجنابة واجب على المسلم تعبدًا لله وامتثالًا لأمره، وقد علمنا النبي ﷺ كيفية الغسل وما الذي يجب فيه وما يستحب.","vol":"16","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>المقدار الذي يجزئ في الغسل</span>","vol":"16","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>شرح حديث اغتسال رسول الله من الفرق للجنابة</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب مقدار الماء الذي يجزئ به الغسل.\nحدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ كان يغتسل من إناء واحد هو الفرق من الجنابة).\nقال أبو داود: قال معمر عن الزهري في هذا الحديث، قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، فيه قدر الفرق).\nقال أبو داود: وروى ابن عيينة نحو حديث مالك.\nقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الفرق ستة عشر رطلًا، وسمعته يقول: صاع ابن أبي ذئب خمسة أرطال وثلث.\nقال: فمن قال: ثمانية أرطال؟ قال: ليس ذلك بمحفوظ.\nقال: وسمعت أحمد يقول: من أعطى في صدقة الفطر برطلنا هذا خمسة أرطال وثلثًا فقد أوفى.\nقيل: الصيحاني ثقيل؟ قال: الصيحاني أطيب.\nقال: لا أدري].\nهذ الترجمة في بيان مقدار الماء الذي يجزئ في الغسل، وذكر فيه حديث عائشة أن النبي ﷺ كان يغتسل من إناء هو الفرق، والفرق مكيال مقدار ثلاثة آصع، هذا أصح ما قيل فيه.\nوفي رواية الزهري قالت عائشة: (كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد فيه قدر الفرق) يعني: -مقدار الآصع- وفي اللفظ الآخر: (تختلف أيدينا)، وفي اللفظ الآخر: (حتى أقول: دع لي، ويقول: دعي لي) وفيه دليل على جواز اغتسال الرجل وزوجته من إناء واحد، وأنه لا بأس أن ينظر الرجل إلى عورة امرأته وتنظر إلى عورته؛ لأنها حل له وهو حل لها، وأما حديث: (ما رأيت منه ولا رأى مني) يعني: العورة فهو حديث ضعيف لا يقاوم الأحاديث الصحيحة.\nوفي هذا الحديث أن أبا داود سأل الإمام أحمد ﵀ عن الفرق؟ فقال: ستة عشر رطلًا، وهو ثلاثة آصع، بصاع النبي ﷺ؛ لأن الصاع خمسة أرطال وثلث؛ ولهذا قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: صاع ابن أبي ذئب خمسة أرطال وثلث، فيكون الفرق ستة عشر رطلًا، وهو ثلاثة آصع، فسأل أبو داود الإمام أحمد عمن قال: ثمانية أرطال؟ فقال: ليس ذلك بمحفوظ، وهذا هو ما ذهب إليه الأحناف، فقد ذهبوا إلى أن الصاع ثمانية أرطال، ولم ير هذا أحمد وقال: ليس ذلك بمحفوظ.\nقال أبو داود: وسمعت أحمد يقول: من أعطى في صدقة الفطر برطلنا هذا خمسة أرطال وثلثًا فقد أوفى، يعني: أن الصاع في الماء وفي صدقة الفطر خمسة أرطال وثلث.\nوقوله: الصيحاني ثقيل، الصيحاني تمر معروف في المدينة.\nوقوله: الصيحاني أطيب.\nقال: لا أدري.\nهذه اللفظة فيها اختلاف، والأصل أن الصاع أربعة أمدد، والمد ملء كفي الرجل المتوسط، والصاع أربع حفنات كل حفنة ملء كفي الرجل المتوسط الذي ليست يداه كبيرتين ولا صغيرتين، وهذا هو صاع النبي ﷺ.\nوأبو حنيفة ذهب إلى أن الصاع ثمانية أرطال، وكان أبو يوسف الصاحب الأول يذهب إلى قول أبي حنيفة، ثم بعد أن ذهب إلى الحجاز وأروه الصاع النبوي ذهب إلى أن الصاع خمسة أرطال وثلث، وترك قول أبي حنيفة، وقد روى البيهقي عن الحسين بن الوليد القرشي قال: قدم علينا أبو يوسف من الحج، فقال: إني أريد أن أفتح لكم بابًا من العلم أهمني، ففحصت عنه فقدمت المدينة فسألتهم عن الصاع، فقالوا: صاعنا هذا صاع رسول الله ﷺ، فقلت لهم: ما حجتكم في ذلك؟ قالوا: نأتيك بالحجة غدًا، فلما أصبحت أتاني نحو خمسين شيخًا من أبناء المهاجرين والأنصار مع كل رجل منهم الصاع تحت ردائه، كل رجل منهم يخبر عن أبيه وأهل بيته أن هذا صاع رسول الله ﷺ، وكلها سواء، خمسة أرطال وثلث، فرأيت أمرًا قويًا فتركت قول أبي حنيفة في الصاع، وأخذت بقول أهل المدينة.\nوالمراد هنا بيان أن النبي ﷺ كان يغتسل في الغالب بالصاع، ويتوضأ بالمد، وربما توضأ بثلثي المد، وربما اغتسل بأقل من الصاع، وكان يغتسل هو وزوجته بثلاث آصع في الغالب، وقد يزيد يسيرًا، وليس المراد التحديد، وقد ذكر الشارح كلامًا جيدًا في هذا، قال: واعلم أنه ليس الغسل بالصاع أو الفرق للتحديد والتقدير، بل كان رسول الله ﷺ ربما اقتصر على الصاع، وربما زاد عليه، والقدر المجزئ من الغسل ما يحصل به تعميم البدن على الوجه المعتبر سواء كان صاعًا أو أقل أو أكثر ما لم يبلغ في النقصان إلى مقدار لا يسمى مستعمله مغتسلًا، أو إلى مقدار في الزيادة يدخل فاعله في حد الإسراف.\nإذًا: ليس هناك تحديد، لكن النبي ﷺ كان يغتسل بالصاع، فإذا اغتسل الإنسان بالصاع أو أكثر فلا حرج، أو أقل فلا حرج، المهم أن يعمم البدن على الوجه المعتاد وعلى الوجه المعتبر، فإذا عمم بدنه بالماء سواء كان صاعًا أو أقل أو أكثر فلا حرج ما لم يبلغ في النقصان إلى مقدار لا يسمى مستعمله مغتسلًا، فلو أتى بمد أو بنص مد واغتسل به فهذا لا يصل إلى حد يسمى صاحبه مغتسلًا، بل هذا مسح، وليس المقصود أن يمسح بدنه، بل المقصود أن يغسل بدنه ويعمه بالماء.\nوهذا الحديث أخرجه الشيخان وله ألفاظ.","vol":"16","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>الغسل من الجنابة</span>","vol":"16","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>شرح الأحاديث الواردة في صفة غسل الجنابة</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الغسل من الجنابة.\nحدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال: حدثنا زهير قال: حدثنا أبو إسحاق قال: حدثني سليمان بن صرد عن جبير بن مطعم ﵁: (أنهم ذكروا عند رسول الله ﷺ الغسل من الجنابة، فقال رسول الله ﷺ: أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثًا وأشار بيديه كلتيهما)].\nهذا الباب معقود لبيان كيفية الاغتسال، وذكر في حديث جبير بن مطعم ﵁، والحديث أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة.\nوفيه استحباب إفاضة الماء على الرأس ثلاثًا، ولهذا قال النبي ﷺ: (أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثًا وأشار بيده كلتيهما)، ولم يذكر بقية الغسل؛ لأنه جاء في الأحاديث الأخرى، وإنما فيه بيان إفاضة الماء على الرأس ثلاثًا، وهذا هو المستحب، والواجب في الغسل إيصال الماء إلى أصول الشعر، لكن كونه يفيض الماء على رأسه ثلاثًا فهذا مستحب، وهو الأفضل.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن المثنى حدثنا أبو عاصم عن حنظلة عن القاسم عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء من نحو الحلاب، فأخذ بكفيه، فبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه)].\nهذا الحديث أخرجه الشيخان والنسائي، وفيه استحباب البداءة بالميامن في التطهر، ولهذا قال: (فبدأ بشق رأسه الأيمن).\nوفيه أنه أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه.\nوقوله: (من نحو الحلاب) ذكر الخطابي أن الحلاب إناء يسع قدر حلب الناقة.\nوالبخاري ﵀ في صحيحه تأول هذا على استعمال الطيب في الطهور، قال الخطابي: هذا من البخاري وهم، وليس الحلاب من الطيب في شيء، وإنما هو ما فسرت لك.\nوفي هذا الحديث أنه بدأ بشقه الأيمن، وهذا هو الأفضل، ولم يذكر بقية الغسل، فيؤخذ من الأحاديث الأخرى.\nوفيه استحباب البداءة بالميامن، يبدأ بشقه الأيمن، وإن لم يبدأ فلا حرج، وإذا عمم بدنه بالماء كفى سواء بدأ بالأيمن أو بالأيسر، لكن الأفضل أن يبدأ بالشق الأيمن من الرأس وكذلك أيضًا يبدأ بشقه الأيمن من الجسد.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا عبد الرحمن -يعني ابن مهدي - عن زائدة بن قدامة عن صدقة قال: حدثنا جميع بن عمير أحد بني تيم الله بن ثعلبة قال: (دخلت مع أمي وخالتي على عائشة ﵂، فسألتها إحداهما: كيف كنتم تصنعون عند الغسل؟ فقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يفيض على رأسه ثلاث مرار، ونحن نفيض على رءوسنا خمسًا من أجل الظفر)].\nهذا الحديث أخرجه النسائي وابن ماجة، وفي سنده جميع بن عمير، قال بعضهم: لا يحتج بحديثه، وقال في التقريب: صدوق يخطئ ويتشيع.\nوقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفاض بالماء على رأسه ثلاث مرار، لكن المستنكر هنا قوله: (ونحن نفيض على رءوسنا خمسًا من أجل الظفر)، ففيه أن عائشة خالفت فعل النبي ﷺ، فالنبي ﷺ كان يفيض على رأسه ثلاثًا، وهي تفيض على رأسها خمسًا من أجل الظَّفْر وهو شد الشعر أو من أجل الظُفُرْ وهي الخصلة من الشعر، وهو معارض لحديث أم سلمة الآتي: (يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضين على سائر جسدك)، وهذا هو المعتمد، ولعل هذا من أوهام جميع بن عمير، ففي ترجمته: جميع بن عمير التميمي: أبو الأسود كوفي شيعي.\nعن عائشة وابن عمرو وعوام بن حوشب والأعمش، قال البخاري: فيه نظر.\nقال ابن أبي حاتم: صادق الحديث.\nالبخاري لطيف العبارة في التجريح، فإذا قال: فيه نظر، فمعناه: لا يحتج به، فلعل قوله: (ونحن نفيض على رءوسنا خمسًا من أجل الظفر) من أوهام جميع، ولا يمكن أن عائشة تخالف فعل النبي ﷺ، ولاسيما أن النبي ﷺ قال في حديث أم سلمة الآتي: (يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات).\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا سليمان بن حرب الواشحي ح وحدثنا مسدد قالا: أخبرنا حماد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: - (كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة -قال سليمان: يبدأ فيفرغ بيمينه على شماله، وقال مسدد: غسل يديه يصب الإناء على يده اليمنى، ثم اتفقا- فيغسل فرجه -وقال مسدد: يفرغ على شماله- وربما كنّت عن الفرج ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يدخل يده في الإناء فيخلل شعره حتى إذا رأى أنه قد أصاب البشرة أو أنقى البشرة أفرغ على رأسه ثلاثًا، فإذا فضل فضلة صبها عليه)].\nهذا الحديث أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي، وفيه أن النبي ﷺ كان يبدأ أولًا بغسل فرجه وما حوله، ثم يفيض بيمينه على شماله، فيغسل يده.\nوقوله: وربما كنّت عن الفرج، الكناية هي أن يعبر عن الشيء بما يفيد المعنى بعبارة ليس فيها ما يستنكرها الإنسان، فيعبر عن الشيء الذي يستحى منه بلفظ يفهم منه المعنى.\nوقد جاء في الحديث الآخر: أنه كان يضرب بيده الأرض أو الحائط مرتين أو ثلاثًا لإزالة ما علق بها من الرائحة، وكانت الجدران من طين، فإذا ضرب يده في الجدار علق به الطين ثم صب عليه الماء فتزول الرائحة، والآن لا يجد الإنسان التراب لا في الجدار ولا في الأرض، ولكن يغني عن ذلك الصابون أو ما ينوب عنه، وإذا لم يجد صابونًا وصب عليه الماء يكفي، لكن من باب النظافة إذا أصاب شيئًا من الصابون أو ضرب يده بالأرض أو الحائط كما فعل النبي ﷺ لإزالة الرائحة فهو أفضل.\nوفيه أن النبي ﷺ كان يبدأ فيغسل فرجه وما حوله، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم بعد ذلك يخلل شعره ويصب على رأسه ثلاثًا، وهذا هو الأفضل، والواجب إيصال الماء إلى أصول الشعر ولو مرة واحدة، فإذا فضلت فضلة صبها عليه.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عمرو بن علي الباهلي حدثنا محمد بن أبي عدي حدثنا سعيد عن أبي معشر عن النخعي عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يغتسل من الجنابة بدأ بكفيه فغسلهما، ثم غسل مرافغه، وأفاض عليه الماء، فإذا أنقاهما أهوى بهما إلى حائط، ثم يستقبل الوضوء، ويفيض الماء على رأسه)].\nهذا الحديث فيه اختصار، وفيه بيان كيفية الغسل من الجنابة، وهو أنه يبدأ بكفيه -كما جاء في عدة أحاديث- فيغسلهما ثلاثًا، وقد جاء في حديث عائشة وفي حديث ميمونة أن المسلم إذا أراد أن يغتسل من الجنابة يبدأ بغسل كفيه، وقبل ذلك يجب عليه أن ينوي، فإن انغمس في الماء ناويًا التبرد لا يرتفع عنه الحدث؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) فلا بد من النية، ثم يسمي، والتسمية في الوضوء وفي الغسل مستحبة عند جمهور العلماء، وأوجبها طائفة من أهل العلم، وهم الحنابلة وجماعة، قالوا: والأحاديث وإن كانت ضعيفة إلا أنه يشد بعضها بعضًا، فتكون من باب الحسن لغيره، وقد ساق الحافظ ابن كثير ﵀ الآثار في آية الوضوء التي جاءت في سورة المائدة، وهي كثيرة وقال: إنه يشد بعضها بعضًا.\nقوله: (ثم غسل مرافغه) المراد بالمرافغ: المغابن والآباط وأصول الفخذين، وهو كناية عن غسل الفرج، وكنت عائشة ﵂ عن غسل الفرج بغسل المرافغ كما جاء في بعض الروايات: (إذا التقى الرفغان وجب الغسل)، يريد التقاء الختانين، فكنى عنه بالتقاء أصول الفخذين، ذكر هذا في النهاية وفي غيره.\nوفيه أنه إذا استنجى يغسل يده بعد ذلك، وقد جاء هذا أيضًا في أحاديث وفيها أنه ﵊ كان إذا استنجى ضرب بيده الحائط، لتنقية اليد مما علق بها من الرائحة، وإذا غسلها بالصابون فإنه ينوب مناب الحائط؛ لأن الحائط في ذلك الزمان من طين فيعلق الطين ويغسله أما الآن فالحائط أملس، وكذلك الأرض ملساء، فينوب عنه الصابون، وإن اكتفى بالماء كفى، وليس الصابون بلازم، لكن هذا من باب النظافة، ثم يتوضأ، ثم يفيض الماء على رأسه.\nومتن هذا الحديث فيه اختصار وتقديم وتأخير، ولعل ذلك من بعض الرواة والله تعالى أعلم.\nوفي سند هذا الحديث سعيد بن أبي عروبة قال في التقريب: ثقة حافظ له تصانيف كثير التدليس واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة أهـ.\nومحمد بن أبي عدي روى عنه بعد الاختلاط؛ ولهذا نجد في هذا الحديث بعض المخالفة للأحاديث الأخرى.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن شوكر قال: حدثنا هشيم عن عروة الهمداني قال: حدثنا","vol":"16","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>شرح حديث: (كانت الصلاة خمسين والغسل من الجنابة سبع مرار)</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد قال: أخبرنا أيوب بن جابر عن عبد الله بن عصم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (كانت الصلاة خمسين والغسل من الجنابة سبع مرار، وغسل البول من الثوب سبع مرار، فلم يزل رسول الله ﷺ يسأل حتى جعلت الصلاة خمسًا والغسل من الجنابة مرة، وغسل البول من الثوب مرة)].\nوهذا الحديث أيضًا ضعيف؛ لأن فيه ضعيفين: أيوب بن جابر وعبد الله بن عصم، كلاهما ضعيف، فلا حجة فيه فيما دل عليه من غسل الجنابة سبع مرار، وغسل البول أيضًا سبع مرار، ومن النكارة في الحديث قوله: لم يزل النبي ﷺ يسأل ربه - يعني ليلة المعراج - حتى جعلت الصلاة خمسًا، والغسل من الجنابة مرة، وغسل البول من الثوب مرة، فهذا مخالف للأحاديث الصحيحة؛ فإن النبي ﷺ سأل في ليلة المعراج تخفيف الصلاة، فحسب ولم يرد في الأحاديث الصحيحة ذكر غسل الجنابة ولا غسل البول، كما أن المحفوظ أنه ﵊ لما اغتسل من الجنابة أفاض على جسده ثلاثًا، ولم يرد غسل البول وإنما يكون بغلبة الظن، أي: حتى يغلب على الظن أنه قد طهر.\nولو صح هذا الحديث فإنه منسوخ كما دل عليه آخر الحديث، أما الصلاة فإنها فرضت خمسين ثم نسخت إلى خمس قبل التمكن من الفعل، وبعض الأحناف ذكر أن النجاسة تغسل ثلاثًا، وجاء في الحديث أيضًا: أمرنا بغسل الأنجاس سبعًا لكنه حديث ضعيف، والصواب أنه ليس هناك تحديد، وقد ذكر بعضهم أن النجاسة ضربان: مرئية وغير مرئية، فما كان منها مرئية فطهارتها بأن تزول عينها فإذا زالت عينها ثم زادها غسلة بعد ذلك زالت النجاسة وبذلك تكون طاهرة، أما غير المرئية فطهارتها أن يغسلها حتى يغلب على ظنه أنها قد طهرت، أما هذا الحديث فهو ضعيف، وليس بحجة.","vol":"16","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>شرح حديث: (إن تحت كل شعرة جنابة)</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا نصر بن علي قال: حدثني حارث بن وجيه قال: أخبرنا مالك بن دينار عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر).\nقال أبو داود: الحارث بن وجيه حديثه منكر وهو ضعيف].\nوهذا الحديث أخرجه قد الترمذي وابن ماجة وهو ضعيف بل منكر كما قال المؤلف لضعف الحارث بن وجيه، فلا حجة فيه، لقوله: إن تحت كل شعرة جنابة؛ لأنه يقتضي نقض القرون والضفائر خلافًا للجمهور وقد أخذ بهذا الحديث إبراهيم النخعي، وقال إنه يجب نقض القرون والضفائر، والصواب أنه لا يجب، بل يكفيه إيصال الماء إلى أصول الشعر وإن لم ينقض شعره، كما هو قول عامة أهل العلم، وكما جاء في حديث أم سلمة بعد الباب، أنه لا يجب النقض، وإنما الواجب إدخال الماء إلى أصول الشعر ولو لم ينقض، وأما هذا الحديث: (إن تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر)، فهو ضعيف.","vol":"16","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-288>شرح حديث: (من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فعل به كذا وكذا من النار)</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل قال: أخبرنا حماد أخبرنا عطاء بن السائب عن زاذان عن علي ﵁ قال: أن رسول الله ﷺ قال: (من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فعل به كذا وكذا من النار، قال علي ﵁: فمن ثم عاديت رأسي ثلاثًا وكان يجز شعره، ﵁)].\nوهذا أخرجه ابن ماجة وهو ضعيف أيضًا؛ لأن فيه عطاء بن السائب، وقد اختلط في آخر عمره فمن روى عنه قبل الاختلاط فروايته صحيحه كـ البخاري، فهو ممن روى عنه قبل الاختلاط، أما من روى عنه بعد الاختلاط فهو غير مقبول، وممن روى عنه بعد الاختلاط حماد بن سلمة، فهو كحديث أبي هريرة السابق في ضعفه، فلا يدل على وجوب غسل البشرة التي تحت الشعر الكثيف، بل يكتفي بغسل ظاهر الشعر؛ لأنه بمثابة البشرة، أما الشعر الخفيف فيجب غسله وغسل البشرة التي تحته.\nوقد دل حديث أم سلمة الآتي على أنه لا ينقض شعر الرأس المشدود، بل تحثي على رأسها ثلاث حثيات، لكن أيضًا دل الحديث على أن النقض أفضل.\nأما جز الشعر وهو حلقه بالنسبة للرجل فلا بأس به، وهو مباح، وقال بعضهم: مكروه، وقد ثبت أن النبي ﷺ رأى صبيًا حلق بعض رأسه، فقال: (أحلقه كله أو اتركه كله)، فلا بأس في حلق شعر الرأس، فإذا كان في إبقاء الشعر تشبه ببعض أهل البدع فلا يبقيه، لكن لو أبقاه إتباعًا للسنة فهذا حسن، ولهذا قال الإمام أحمد ﵀ إن إبقاء الشعر سنة، ولو نقوى عليه لاتخذناه، لكن له كلفة ومشقة، بل يحتاج إلى غسل ودهن وتسريح ففيه مشقة، ومن كان يقوى على هذا فهو حسن.","vol":"16","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>الوضوء بعد الغسل</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء بعد الغسل: حدثنا عبد الله محمد النفيلي قال: أخبرنا زهير قال: أخبرنا أبو إسحاق عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يغتسل ويصلي الركعتين وصلاة الغداة ولا أراه يحدث وضوءًا بعد الغسل].\nأخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، والنسائي وابن ماجة وأحمد جميعًا من طريق أبي إسحاق به.\nفالحديث ظاهره أن لا بأس بسنده، فـ أبو إسحاق السبيعي تدليسه قليل، والحديث دليل على أنه لا يتوضأ بعد الغسل، وفيه اكتفاء النبي ﷺ بوضوئه قبل الغسل، هكذا عادته ﵊، كان يستنجي ثم يتوضأ، ثم يصب الماء على رأسه، ثم يغسل شقه الأيمن ثم يغسل شقه الأيسر، وعلى هذا فلا يتوضأ بعد الغسل، إلا إذا أحدث في أثناء الغسل بأن مس فرجه أو خرج منه ريح أو بول، فلا بد من الوضوء، أما إذا استنجى أولًا ثم توضأ فلا يعيد الغسل بعد ذلك.\nوقد يذكر البعض بأنه إذا اغتسل كفاه عن الوضوء وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه إذا نوى رفع الحدثين دخل الأصغر في الأكبر، لكن المعروف من غسل النبي ﷺ أنه كان يتوضأ أولًا، ولا يكتفي بالغسل، وهذا هو الغسل الكامل، وفيه يستنجي ثم يتوضأ، ثم يفيض الماء على رأسه ثلاثًا، ثم يغسل شقه الأيمن ثم يغسل شقه الأيسر، وهو المشهور من فعله ﵊.\nأما الغسل فهو أن ينوي ثم يسمي ثم يعمم بدنه بالماء، لكن الأكمل هو الغسل الكامل، وهو الذي كان يفعله ﵊.\nثم يصلي ركعتين، يعني ركعتي الفجر، وصلاة الغداة صلاة الفجر.","vol":"16","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>ما جاء في نقض المرأة شعرها عند الغسل</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب المرأة هل تنقض شعرها عند الغسل: حدثنا زهير بن حرب وابن السرح قالا: أخبرنا سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن سعيد بن أبي سعيد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة ﵂ عن أم سلمة ﵂ قالت: إن امرأة من المسلمين وقال زهير: إنها قالت: يا رسول الله! إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه للجنابة؟ قال: (إنما يكفيك أن تحفني عليه ثلاثًا، - وقال زهير: تحثي عليه ثلاث حثيات من ماء، ثم تفيضي على سائر جسدك فإذا أنت قد طهرت -)].\nوهذا الحديث أخرجه مسلم، والترمذي، وابن ماجة، وهو دليل على أن المرأة لا تنقض شعرها في غسل الجنابة، ولهذا قالت: إني امرأة أحب ضفر رأسي، والضفر فوق الظهر، وهي العمائم، تسمى العمائم وتسمى القرون، وتسمى (الجزائل) عند بعض العامة، أفأنقضه للجنابة، قال: لا، إنما يكفيك أن تحفني عليه ثلاثًا، في الرواية الأخرى: وقال زهير: تحثي عليه ثلاث حثيات من ماء، فإذا صبت الماء على رأسها وروت أصول الشعر كفى، من دون حاجة إلى النقض، ثم تفيض على سائر الجسد.\nوفي وراية: أفأنقضه للجنابة والحيضة، قال: لا، فدل على أنه لا يجب النقض، لا لغسل الجنابة ولا للحيض، لكن نقضه لغسل الحيض أفضل؛ لأن الحيض مدته تطول وكذلك النفاس، وقد تتجمع فيه أوساخ، بخلاف الجنابة، فإنها تتكرر في اليوم، فيكون في النقض مشقة، والمشقة تجلب التيسير، كلما حصلت مشقة كانت سببًا للتخفيف.\nوقد اختلف العلماء في هذه المسألة فمنهم من أوجب نقض الشعر للجنابة وللحيض، ومنهم من لم يوجبها، لا للجنابة ولا للحيض، ومنهم من أوجب النقض في الحيض دون الجنابة، ومنهم ابن القيم ﵀، فقد اختار أنه يجب على المرأة أن تنقض شعرها في الحيض، دون الجنابة فقال: إن حديث أم سلمة يدل على أنه ليس على المرأة أن تنقض شعر لغسل الجنابة، وهذا اتفاق من أهل العلم، ثم تكلم في غسل الحيض، فقال: إن المنصوص عن أحمد أنها تنقضه، فنقل كلامًا وخلص إلى أنه يجب على المرأة أن تنقض شعرها في غسل الحيض دون الجنابة، والصواب أنه لا يجب النقض لا في الحيض ولا في الجنابة، ولكن الأفضل أن تنقض شعرها لغسل الحيض والنفاس، لأن مدتها تطول وقد تتجمع الأوساخ، بخلاف الجنابة.\nوقد ذكرنا أن في بعض الروايات الحديث زيادة (والحيضة) ومعلوم أن الزيادة إذا كانت مخالفة وانفرد بها بعض الرواة دون الآخرين يرى بعض العلم التشابه في هذه الحالة.\nابن القيم ﵀ يقول: حديث أم سلمة على الصحيح فيه الاقتصار على ذكر الجنابة دون الحيض، وليس لفظ الحيضة فيه محفوظ.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال: حدثنا ابن نافع - يعني الصائغ - عن أسامة عن المقبري عن أم سلمة ﵂ قالت: أن امرأة جاءت إلى أم سلمة بهذا الحديث، قالت فسألت لها النبي ﷺ بمعناه قال فيه: (واغمزي قرونك عند كل حفنة)].\nاغمزي أي: أبصري والقرون الضفائر وسماها بعضهم العمائم، وسماها بعضهم الجدائل، فإذا غمزتها وروتها بماء كفى من دون نقض.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: أخبرنا يحيى بن أبي بكير قال: أخبرنا إبراهيم بن نافع عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة عن عائشة ﵂ قالت: كانت إحدانا إذا أصابتها جنابة أخذت ثلاث حفنات هكذا تعني بكفيها جميعًا، فتصب على رأسها وأخذت بيد واحدة فصبتها على هذا الشق، والأخرى على الشق الآخر].\nوهذا الحديث روى البخاري قريبًا منه، وفيه أن أزواج النبي ﷺ لا ينقضن ضفائر رؤوسهن عند الاغتسال من الجنابة، وإنما تأخذ الواحدة منهن ثلاث حفنات فتصبها على رأسها، فدل على أن النقض ليس بواجب.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا نصر بن علي قال: أخبرنا عبد الله بن داود عن عمر بن سويد عن عائشة بنت طلحة عن عائشة ﵂ قالت: كنا نغتسل وعلينا الضماد ونحن مع رسول الله ﷺ محلات ومحرمات].\nالحديث ظاهره أن إسناده لا بأس به فلعله حسن.\nنصر بن علي ثبت، وعبد الله بن داود وابن عامر ثقة عابد، وعمر بن سويد بن غيلان ثقة وعائشة بنت طلحة ثقة.\nورد في الحديث الضماد، والضماد ما يوضع على الشعر مما يلبده من طيب، أو صمغ أو خطم، والحديث دال على أنه لا يجوز إزالة الضماد، وأن المرأة إذا كان على رأسها ضماد فإنها تصب الماء على رأسها فدل على جواز الاغتسال وعلى رأسها ضماد من طيب وخطمي، وأنه لا يجوز نقض الضفائر، بل يكتفى بصب الماء على الرأس وإيصاله إلى أصول الشعر محلات ومحرمات، سواء كانت المرأة محلة أو محرمة.\nومن جنس الضماد أيضًا الحناء.\nكما أن الضماد قد يكون من قماش، وقد يكون من غيره، لكن ليس المراد القماش هنا، وإنما المراد الخطم والحناء مثلًا وما أشبه ذلك.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عوف قال: قرأت في أصل إسماعيل بن عياش قال ابن عوف: وأخبرنا محمد بن إسماعيل عن أبيه قال: حدثني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد قال: أفتاني جبير بن نفير عن الغسل من الجنابة أن ثوبان ﵁، حدثهم أنهم استفتوا النبي ﷺ عن ذلك فقال: (أما الرجل فلينشر رأسه فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضه لتغرف على رأسها ثلاث غرفات بكفيها).\nوهذا الحديث في إسناده محمد بن إسماعيل بن عياش وأبوه إسماعيل بن عياش وفيهما مقال، لكن محمد بن إسماعيل بن عياش في راويته عن الشاميين وهم أهل بلده تكون روايته جيدة، أما روايته عن الحجازيين فهي ضعيفه، فإذا روى عن أهل بلده فالرواية جيدة، ولهذا قال ابن القيم ﵀، هذا إسناد شامل، وحديث إسماعيل بن عياش عن الشاميين صحيح، وعلى كل حال فالحديث فيه كلام.\nوهناك ملحوظة إسنادية في الحديث ففي قوله: قرأت في أصل إسماعيل بن عياش، تكون طريقة التحمل وجادة كذا روى ابن عوف، ثم قال: قال ابن عوف: وأخبرنا محمد بن إسماعيل عن أبيه، كأنه قرأ في أصل إسماعيل وسمعه من محمد بن إسماعيل، ومحمد بن إسماعيل فيه كلام.\nوفي الحديث أن الرجل ينشر رأسه فيغسله حتى يبلغ أصول الشعر، ومعناه أنه يصب الماء على رأسه وهو التفريغ، ثم يغسل شعر رأسه حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فأنها لا تنقضه بل تصبه على رأسها ثلاث غرفات بكفيها، وهذا موافق للأحاديث الأخرى.\nكما أن قوله عن محمد بن إسماعيل عن أبيه، قال أبو حاتم لم يسمع من أبيه شيئًا، حملوه على أن يحدث فحدث، وفي إسناده أيضًا ضمضم بن زرعة وهو صدوق يهم وقد ضعفه أبو حاتم.\nوشريح بن عبيد، ثقة وكان يرسل كثيرًا وقد وثقه النسائي وغيره.\nوبناءً على هذا فيكون الحديث منقطعًا لأنه لم يسمع من أبيه، لكن ما دل عليه من أنه لا يجب نقض الشعر موافق للأحاديث الصحيحة السابقة فالمرأة، لا تنقض شعرها، والرجل كذلك إذا كان له شعر، وإنما يصب الماء عليه.\nقوله: فلينشر رأسه، أي: يفرغ ما يحتاج تفريغ، حتى يبلغ الماء أصول الشعر، ولا يجب عليه أن يحلق رأسه.","vol":"16","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>ما جاء في الجنب يغسل رأسه بالخطمي</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الجنب يغسل رأسه بالخطمي: حدثنا محمد بن جعفر بن زياد: قال: أخبرنا شريك عن قيس بن وهب عن رجل من بني سواءة بن عامر عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ: أنه كان يغسل رأسه بالخطمي وهو جنب يجتزىء بذلك ولا يصب عليه الماء].\nوالحديث بهذا السند ضعيف؛ لأن فيه رجلًا مبهمًا وهو مجهول، قال: رجل من بني سوادة، روى عنه قيس بن وهب، والمؤلف ذكره ولم يتكلم عليه لأنه معروف عند أهل الحديث، ومعرفة الحديث الضعيف علم، كما أن معرفة الصحيح علم، وقد يذكر أهل العلم الحديث الضعيف من أجل أن يُبحث عنه فلعل الباحثين يجدوا له متابعة وشواهدًا، وهو لو صح فهو محمول على أنه غسل رأسه أولًا بالماء كما ورد في الأحاديث الصحيحة.\nوقد يُسأل هل كل ما سكت عنه أبو داود فهو صالح بناءً على قوله ذكرت فيه الحسن وما يقاربه، وما سكت عنه فهو صالح؟ والجواب أن هذا هو الغالب، لكن قد يسكت أحيانًا عن الحديث ويكون من غير الغالب فالقاعدة ليست مطردة فقد ذكر هذا الحديث، وهو ضعيف فيه مجهول.\nولعله اكتفى بأنه معروف عند أهل الحديث، وأهل هذا الشأن، يريد قوله عن رجل من بني سواءة معروف، فإذا قرأه من له إلمام بالحديث عرف أنه ضعيف لوجود المبهم.\nوالخطمي شيء يوضع على الرأس، مثل الأشتان، وهو من جنس الضماد وقد مثل الصمغ وما أشبهه.","vol":"16","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-292>ما جاء فيما يفيض بين الرجل والمرأة من الماء</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فيما يفيض بين الرجل والمرأة من الماء: حدثنا محمد بن رافع قال: أخبرنا يحيى بن آدم قال: أخبرنا شريك عن قيس بن وهب عن رجل من بني سواءة بن عامر عن عائشة ﵂ فيما يفيض بين الرجل والمرأة من الماء قالت: كان رسول الله ﷺ يأخذ كفًا من ماءٍ يصب علي الماء، ثم يأخذ كفًا من ماء ثم يصبه عليه].\nوسند هذا الحديث كسند الحديث السابق، فيه رجل مجهول، وهو من بني سواءه الذي أبهمه قيس بن وهب فهو ضعيف في هذا السند، وقوله فيما يفيض بين الرجل والمرأة من الماء يعني: من المني، قال: كان يأخذ كفًا من ماء، فيصبه على الماء، يعني يصبه على المني لتطهيره، والمعروف في الأحاديث الصحيحة أن المني طاهر يحك يابسه ويغسل رطبه من باب النظافة، كما ثبت عن عائشة ﵂ قالت: كنت أغسل المني في ثوب النبي ﷺ فيخرج إلى الصلاة وإني أرى أثر بقع الماء على ثوبه، وفي الحديث الآخر، كنت أفركه يابسًا بظفري، فالمني طاهر يفرك يابسه ويغسل رطبه من باب النظافة، وإما المذي فهو نجس يغسل، وأما هذا الحديث فهو ضعيف فلا حجة فيه، ولا ما دل عليه من غسلها المني، ومن شواهد ضعفه أن فيه أن النبي ﷺ هو الذي يغسل، وأنه كان يأخذ كفًا من ماء فيصبه عليه، وهو طاهر فهو أصل الإنسان، والمعروف أن عائشة هي التي كانت تنظفه، فتغسل رطبه وتحك يابسه.","vol":"16","page":12},{"text":"شرح سنن أبي داود_<span data-type=\"title\" id=toc-293>كتاب الطهارة [١٧]</span>\nلقد خالف الإسلام اليهود الذين كانوا إذا حاضت المرأة فيهم اعتزلوها فلم يؤاكلوها ولم يساكنوها ولم يشاربوها، فجاء الإسلام وأمر بمؤاكلة الحائض والنفساء ومساكنتها بل وأجاز مباشرتها في غير الفرج.","vol":"17","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-294>حرمة وطء الحائض وجواز مؤاكلتها ومباشرتها في غير محل الوطء</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في مؤاكلة الحائض ومجامعتها: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: أخبرنا حماد قال: أخبرنا ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁ قال: إن اليهود كانت إذا حاضت منهم المرأة أخرجوها من البيت، ولم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيت، فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]، إلى آخر الآية، فقال رسول الله ﷺ: (جامعوهن في البيوت، واصنعوا كل شيء غير النكاح، فقالت اليهود: ما يريد هذا الرجل أن يدع شيئًا من أمرنا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر ﵄ إلى النبي ﷺ فقالا: يا رسول الله! إن اليهود تقول كذا وكذا أفلا ننكحهن في المحيض؟ فتمعر وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا فاستقبلتهما هدية من لبن إلى رسول الله ﷺ فبعث في آثارهما فسقاهما فظننا أنه لم يجد عليهما)].\nهذا الحديث أخرجه مسلم ﵀ والترمذي والنسائي وابن ماجة، وحماد هو ابن سلمة وهو شيخ موسى بن إسماعيل وهو أثبت الناس في الرواية، وهذا الباب ذكره المؤلف ﵀ ليبين حكم مؤاكلة الحائض، ومباشرتها، والأكل معها والشرب معها، وأن هذا لا بأس به كما دلت عليه الأحاديث.\nوفي هذا الحديث أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة اعتزلوها، وجعلوها في غرفة مستقلة، ولم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، فسئل النبي ﷺ عن ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]، فلم يأمر الله ﷾ إلا اعتزالها في المحيض يعني في محل الحيض وهو الجماع، فقال رسول الله ﷺ: (جامعوهن في البيوت)، أي: اجتمعوا معهن، واجلسوا معهن، وآكلوهن وشاربوهن مخالفة لليهود، قال: (جامعوهن في البيوت واصنعوا كل شيء إلا النكاح) والمراد بالنكاح الجماع، والنكاح يطلق على العقد ويطلق على الوطء، والمراد هنا الوطء، فلما قال النبي ﷺ ذلك، قالت اليهود: ما يريد هذا الرجل -أي: النبي ﷺ- أن يدع شيئًا من أمرنا إلا خالفنا فيه، فمخالفة اليهود مقصودة للشارع، ولهذا جاء في الحديث الآخر: (إن اليهود لا يصلون في نعالهم فصلوا في نعالكم)، (إن اليهود لا يصبغون فخالفوهم).","vol":"17","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-295>مخالفة اليهود مقصودة شرعًا</span>\nاعلم أن مخالفة اليهود مقصودة للشارع، ومن ذلك أن اليهود كانوا من تشددهم يعتزلون المرأة إذا حاضت، يهجرونها فيجعلونها في غرفة مستقلة لا تؤآكل ولا تشارب، ولا تمس ولا تطبخ ولا تغسل، والحائض ومعلوم أن بدنها طاهر وعرقها طاهر ولعابها طاهر وثيابها طاهرة، إنما النجاسة في الدم، فلا حرج أن يؤكل معها، ويشرب معها، وتصنع الطعام، وتغسل الثياب، فكل شيء من يدها لا بأس به إلا أن زوجها لا يجامعها؛ لأن الجماع منهي عنه، خلافًا للمباشرة إذ لا بأس بها، وقد سبق في الأحاديث أن النبي ﷺ كان إذا شربت عائشة من إناء وضع فمه في المكان الذي وضعت فمها فيه، وأنها تتعرق العظم وهو عرموش اللحم، فيأخذه النبي ﷺ فيضع فاه مكان فمها.\nوفي هذا مخالفة لليهود قبحهم الله، ولما قال النبي ﷺ هذا، جاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر إلى النبي ﷺ فقالا: يا رسول الله! إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا ننكحهن في المحيض؟ -يعني أفلا نجامعهن- فتمعر وجه رسول الله ﷺأي: تغير وجهه ﵊؛ لأن الله ﷾ قال: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]- قال: حتى ظننا أن قد وجد عليهما، -أي: فظنوا أنه غضب عليهما، فوجد بمعنى غضب- فخرجا فاستقبلتهما هدية من لبن إلى رسول الله ﷺ فبعث في آثارهما فسقاهما، فظننا أنه لم يجد عليهما، -وكأنه لما قاما من عنده جاءت هدية من لبن في وقت قيامهما من عند النبي ﷺ - فأرسل إليهما فجاءا فسقاهما من اللبن فعلم الصحابة أنه لم يغضب عليهما.","vol":"17","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-296>كرامات بعض الصحابة</span>\nوأسيد بن حضير وعباد بن بشر هما اللذان حصلت لهما الكرامة وأضاء لهما سوطهما لما خرجا من عند النبي ﷺ في ليلة مظلمة، فلما افترقا أضاء لكل واحد منهما السوط حتى وصل إلى أهله وهذا من كرامات الأولياء.\nوكما حصل لبعض الصحابة كـ الطفيل بن عمرو لما أرسله النبي ﷺ إلى قومه، سأله أن يدعو الله أن يجعل له آية أي: علامة، ليعلموا بها صدقه فلما جاءهم أضاء لهم مثل السراج في جبهته، فقال يا رب! في غير هذا الموضع، فكانت في سوطه، فأسلم قومه.\nوإن كانت موجودة في الصحابة ولكنها ليست كثيرة، إنما كثرت في التابعين.\nوفي الحديث جواز الاستمتاع من الزوجة الحائض في غير الوطئ، مؤآكلة ومجالسة ومباشرة في غير الحرث، وفي هذا الحديث الغضب إذا انتهكت محارم الله.","vol":"17","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>مؤانسة الأهل عمومًا وخصوصًا الحائض</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد قال: حدثنا عبد الله بن داود عن مسعر عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: كنت أتعرق العظم وأنا حائض فأعطيه النبي ﷺ فيضع فمه في الموضع الذي فيه وضعته، وأشرب الشراب فأناوله فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب منه].\nوهذا الحديث أيضًا أخرجه مسلم ﵀، والنسائي، وابن ماجة، وتعرق العظم، تتبع اللحم فيه، وفي اللفظ تعرق العظم، وهو العظم الذي فيه بقية من لحم، والمعنى: أن عائشة كانت تأخذ العظم فيه شيء من اللحم فتعرش منه، ثم تعطيه للنبي ﷺ، فيضع فاه مكان فمها، وهذا من حسن خلقه ﵊ ومؤانسته لأهله، وفيه دليل على أن فم الحائض طاهر، وكذلك عرقها وثيابها ولذلك كان النبي ﷺ ينام مع الحائض ويضاجعها، وفيه أن النجاسة مختصة في الدم.\nبل قال ﵊: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)، وهذا أقرب إلى القبول والاستجابة والتآلف، من التعذيب والشدة والغلظة، فيما عدا اليسير منه لمعالجة بعض المخالفات مع النصيحة باللين الذي لا يؤدي إلى الطلاق، والمعنى كونه يعاشرها ويحسن عشرته معها هذا أقرب إلى المودة وأقرب إلى الاحتفاظ بالحال، بخلاف ما إذا عبس وأغلظ فإن هذا قد يؤدي إلى الطلاق.","vol":"17","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-298>طهارة بدن الحائض وثيابها</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا سفيان عن منصور بن عبد الرحمن عن صفية عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يضع رأسه في حجري فيقرأ وأنا حائض].\nوهذا أخرجه الشيخان، والنسائي، وابن ماجة، وفيه طهارة بدن الحائض، وثيابها، وأن النجاسة مختصة بالدم، ولهذا كان النبي ﷺ يضع رأسه في حجر عائشة ويقرأ القرآن وهي حائض ولا حرج في ذلك.","vol":"17","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-299>جواز المرور من المسجد للحائض</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الحائض تناول من المسجد: حدثنا مسدد بن مسرهد قال: أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن ثابت بن عبيد عن القاسم عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ: (ناوليني الخمرة من المسجد، قلت إني حائض، فقال رسول الله ﷺ: إن حيضتك ليست في يدك)].\nوهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، من حديث عبد الله البري، والخمرة سجادة من حصير صغيرة بقدر الوجه والكفين، سميت خمرة؛ لأنها تخمر وجه المصلي عن الأرض، وفيه دليل على أن الحائض يجوز لها أن تمر من المسجد لحاجة ويستدل لجواز ذلك للجنب بقوله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣]، فالجنب يجوز له أن يمر في المسجد، لكن لا يجوز له المكث وكذلك الحائض تمر مرورًا، أما المكث فلا، إلا إذا توضأ الجنب، فإنه ورد عن الصحابة ما يدل على أنه لا بأس بذلك لأنها حينئذ تخف الجنابة، كما سبق.\nوالنبي ﷺ قال في هذا الحديث لـ عائشة: (ناوليني الخمرة - يعني السجادة - فقالت: إني حائض فقال النبي ﷺ: إن حيضتك ليست في يدك)، فبين لها ﵊ أنه لا بأس بالمرور.\nوفيه أنه عند القيض فلا بأس أن يصلي المرء على ما يمنع أذى حرارة الأرض أو برودتها وحصاها من سجادةٍ أو شيءٍ آخر لكن إذا كانت الأرض مفروشة فلا داعي لمثل ذلك.","vol":"17","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>وجوب قضاء الصوم للحائض دون الصلاة</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الحائض لا تقضي الصلاة: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: أخبرنا وهيب قال: أخبرنا أيوب عن أبي قلابة عن معاذة قالت: إن امرأة سألت عائشة ﵂ أتقضي الحائض الصلاة؟ فقالت أحرورية أنت؟ لقد كنا نحيض عند رسول الله ﷺ فلا نقضي ولا نؤمر بالقضاء].\nوهذا الحديث أخرجه الشيخان، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وفيه دليل على أن الحائض لا تقضي الصلاة، ولكنها تقضي الصوم، وهذا من حكمة الله تعالى ورحمته بالمرأة، فإن الحيض يتكرر في كل شهر مرة، فلو كلفت بقضاء الصلاة لشق عليها ذلك، أما الصوم فإنه لا يكون إلا في السنة مرة، فلهذا تؤمر بقضاء الصوم، وفي اللفظ الآخر أن عائشة قالت لها: كنا نحيض على عهد النبي ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة كما سيأتي في الحديث الذي بعده.\nوقولها: أحرورية أنت، أي: هل أنت من الخوارج الذين سكنوا بلدة حرورى، وهي بلدة في العراق تجمع فيها الخوارج، فسموا حرورية، لسكناهم هذه البلدة ولما أنها لم تحسن السؤال، ظنت عائشة ﵂ أنها معترضة، - أي: تعترض على الشرع - فقالت لها: أحرورية أنت، وكان سؤالها في اللفظ الآخر: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، فقالت: أحرورية أنت، تريد أتعترضين قالت: لست بحرورية ولكني أسأل.","vol":"17","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-301>القول في الخوارج وآرائهم</span>\nومعلوم أن الخوارج مبتدعة وهم الذين خرجوا في زمن علي ﵁ ومثلهم غلاة السبئية الذين ينتسبون لـ عبد الله بن سبأ اليهودي الحميري الذي دخل في الإسلام نفاقًا لإفساد دين الإسلام، وكان علي ﵁ خد لهم الأخاديد في لأرض وأضرمها نارًا، ثم ألقاهم فيها من شدة غضبه وغيضه عليهم، قال: لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا أججت ناري ودعوت قنبرا ومن أصولهم أنهم يعملون بالقرآن ولا يعملون بالسنة بزعمهم، ولما كان هذا الحكم، وهو أن الحائض لا تقضي الصلاة بالسنة فلا يعملون به.\nوقد اختلف فيهم فالجمهور على أنهم مبتدعة، وكان عليه الصحابة حيث عاملوهم معاملة المبتدعة؛ لأنهم متأولون، كما استدل الجمهور بقول علي ﵁، لما سئل عنهم أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا.\nوالقول الثاني: أنهم كفار، ويروى عن الإمام أحمد وهو ظاهر الأحاديث الكثيرة أن النبي ﷺ قال: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، وفي لفظ: (يمرقون من الدين ثم لا يعودون إليه)، وفي اللفظ الآخر: (لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد)، شبههم بعاد وهم قوم كفار، وفي اللفظ الآخر: (فمن لقيهم فليقتلهم، فإن في قتلهم أجر لمن قتلهم عند الله)، وهذه النصوص تدل على كفرهم.","vol":"17","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-302>ما يجب على الحائض إن حاضت بعد دخول وقت الصلاة</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن عمرو قال: أخبرنا سفيان - يعني ابن عبد الملك - عن ابن المبارك عن معمر عن أيوب عن معاذة العدوية عن عائشة ﵂ بهذا الحديث، وزاد فيه: فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة].\nفيه أن الله ﷾ سامح المرأة الحائض من قضاء الصلاة لمشقة ذلك عليها بخلاف الصوم، فإنه لا يكون إلا في العام مرة، فلهذا تؤمر به، واختلف العلماء في الصلاة التي دخل وقتها، وهي طاهر ثم حاضت، هل تقضيها أو لا تقضيها، فقال كثير من الفقهاء الحنابلة وغيرهم تقضيها، وقال آخرون: لا تقضيها، فإن قضت احتياطًا فهو حسن.","vol":"17","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>أقوال أهل العلم فيما يجب على من جامع زوجته وهي حائض</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في إتيان الحائض: حدثنا مسدد قال: أخبرنا يحيى عن شعبة قال: حدثني الحكم عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن مقسم عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: (يتصدق بدينار أو نصف دينار).\nقال أبو داود هكذا الرواية الصحيحة قال: دينار أو نصف دينار، وربما لم يرفع شعبة].\nوهذا السند لا بأس به، وهو سند جيد، والحديث روي موصولًا وموقوفًا ورواه الحاكم وابن القطان موصولًا وهما ثقتان، ومن العلماء من قدم الموقوف وهم الجمهور وقد أعلوه بالاضطراب في سنده وفي متنه، وقالوا إن هذا الحديث لا يعمل به؛ لأنه مضطرب سندًا ومتنًا، كما سيذكر المؤلف ﵀ روايات في هذا الحديث بعده، وقالوا: ليس عليه شيء إذا جامع امرأته وإنما عليه أن يستغفر الله، وقالوا: إن الذمة بريئة إلا أن تقوم الحجة بشغلها، وهذا الحديث فيه اضطراب في السند، واضطراب في المتن، أما في السند فقد روي موصولًا وموقوفًا، وأما في المتن فقد روي دينار وروي نصف دينار، كما روي يتصدق بدينار فإن لم يجد فبنصف دينار، وروي التفرقة بين أن يجامع مع جري الدم أو بعد انقطاع الدم، وروي أيضًا يتصدق بخمسي دينار، وروي بنصف دينار، وروي إذا كان دمًا أحمرًا فدينار، وإن كان دمًا أصفرًا فنصف دينار، وروي إن كان الدم عبيطًا فيتصدق بدينار، وإن كان كدرة فنصف دينار.\nولذلك قالوا: ليس عليه شيء إذا جامع زوجته وإنما يستغفر الله؛ لأن هذا الحديث لا يصح.\nوقال آخرون: الصواب أن هذا الحديث ثابت فقد روي موصولًا وموقوفًا فـ الحاكم وابن القطان رووه موصولًا وهما ثقتان، ورواه بعضهم موقوفًا، فيقدم مرة وهو موصولًا على مرات موقوفًا، إذا كان الواصل ثقة؛ لأن الواصل معه زيادة علم، خفيت على من قطع، وكذلك من رفع معه زيادة علم خفيت على من وقف.\nوعلى هذا فإنه يعمل بهذا الحديث فيكون على من جامع زوجته وهي حائض التوبة والاستغفار وعليه كفارة دينار أو نصف دينار، والدينار مثقال من الذهب، وهو يعادل أربعة أسباع الجنيه السعودي، فإذا كان الجنيه السعودي صرفه مثلًا سبع مائه، فعلى من جامع أربعمائة أو مائتين، وإذا كان صرف الجنيه سبعين ريالًا يكون عليه أربعين ريالًا، أو عشرين ريالًا يتصدق بها بالخيار، وأما كونه مخيرًا فهذا لا بأس به، ففي كفارة اليمين تخيير، وفي كفارة الأذى في الحج تخيير: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]، وأبو داود ﵀ رجح تفسيرها، قال أبو داود: هكذا الرواية الصحيحة، وصححه ابن القيم ﵀، وقال: إن عبد الحميد بن زيد الخطاب أخرج له صاحب الصحيح ووثقه النسائي، وهو حديث لا بأس بسنده.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد السلام بن مطهر قال: أخبرنا جعفر يعني ابن سليمان عن علي بن الحكم البناني عن أبي الحسن الجزري عن مقسم عن ابن عباس ﵄ قال: إذا أصابها في أول الدم فدينار، وإذا أصابها في انقطاع الدم فنصف دينار.\nقال أبو داود: وكذلك قال ابن جريج عن عبد الكريم عن مقسم.\nحدثنا محمد بن الصباح البزاز قال: أخبرنا شريك عن خصيف عن مقسم عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: (إذا وقع الرجل بأهله وهي حائض فليتصدق بنصف دينار).\nقال أبو داود: وكذا قال علي بن بديمة عن مقسم عن النبي ﷺ مرسلًا، وروى الأوزاعي عن يزيد بن أبي مالك عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن النبي ﷺ قال: (أمره أن يتصدق بخمسي دينار)، وهذا معضل].\nالشيخ: وإنما كان معضلًا لسقوط راويين في الإسناد فيكون ضعيفًا، وكذلك الأول حديث محمد بن الصباح عن شريك عن خصيف، وخصيف هذا ضعيف قيل عنه: صدوق في الحفظ، خلط بآخره.\nوقال الحافظ في ترجمة خصيف: هو ابن عبد الرحمن الجزري صدوق سيء الحفظ خلط بآخره.\nوهو الراوي لأحاديث الحج أن النبي ﷺ لبى في مصلاه وهو ضعيف، والصواب أنه لبى بعدما ركب راحلته.\nوالرواية الثانية عن علي بن بديمة معضلة فكل هذه الروايات ضعيفة.\nوكذلك ما قبله الذي رواه ابن سليمان عن علي بن الحكم البناني قال عنه بعضهم: ثقة ضعفه الأزدي بلا حجة وقال آخرون: حديثه لين وهو راوي التفصيل في الفرق بين أول الدم وآخره فيكون الحديث ضعيفًا، كل هذه ضعيفة كونه يتصدق بنصف دينار أو بخمسي دينار لا تخلو من مصائب، والصواب ما دل عليه الحديث الأول وهو حديث ابن عباس في حديث عبد الحميد بن عبد الرحمن قال الحافظ عنه في التقريب: ثقة مقبول أنه تصدق بدينار أو بنصف دينار، أما هذه الروايات فهي لا تخلو من مقالة في سندها ومتنها وكل ذلك ضعيف.","vol":"17","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>جواز مباشرة الحائض من خلف الإزار</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع: حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الرملي قال: حدثنا الليث بن سعد عن ابن شهاب عن حبيب مولى عروة عن ندبة مولاة ميمونة عن ميمونة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ كان يباشر المرأة من نسائه وهي حائض إذا كان عليها إزار إلى أنصاف الفخذين أو الركبتين تحتجز به].\nالشيخ: وهذا الحديث أخرجه النسائي كما سبق، والحديث في سنده ندبة ويقال: ندبه والراوي عنه حبيب مولى عروة وفيه كلام، ولكن الحديث له شواهد ومتابعات يرتقي بها إلى درجة الاحتجاج كما قال العلامة ابن القيم ﵀، وسيأتي بعده من الأحاديث ما يشهد له، وهو يدل على أنه لا بأس بمباشرة الحائض فيما دون الفرج، وكونه من وراء الإزار أفضل وأبعد عن الخطر، لكن لو نزع الإزار فلا بأس وفي حديث أنس عند مسلم (يصنع كل شيء إلا النكاح)، أي: الجماع.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: أخبرنا شعبة عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يأمر إحدانا إذا كانت حائضًا أن تتزر ثم يضاجعها زوجها، وقال مرة (يباشره)].\nالشيخ: وهذا الحديث أخرجه الشيخان، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وهو يشهد للحديث الذي قبله، ويدل على أنه لا بأس بمباشرة الحائض من وراء إزار وأن هذا الأفضل.","vol":"17","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>جواز المبيت مع الحائض في ثوب واحد</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد قال: أخبرنا يحيى عن جابر بن صبح قال: سمعت خلاسًا الهجري قال: سمعت عائشة ﵂ تقول: كنت أنا ورسول الله ﷺ نبيت في الشعار الواحد وأنا حائض طامث فإن أصابه مني شيء غسل مكانه ولم يعده ثم صلى فيه، وإن أصاب تعني ثوبه منه شيء غسل مكانه ولم يعده ثم صلى فيه].\nالشيخ: وهذا الحديث سنده حسن لا بأس به، قد وأخرجه النسائي كما سبق، والشعار هو الثوب الذي يلي الجسد، وفيه دليل على جواز مباشرة الحائض والاضطجاع معها في الثوب الواحد وهو الشعار.\nوفيه أن الإنسان إذا أصابه شيء من الدم يغسل ثوبه أو جسده ولا يتجاوز مكانه ولا يتكلف، كما يفعل بعض العامة إذا أصابه شيء من بعض النجاسة كالبول غسل الثوب كله، أو إذا أصاب جسمه شيء اغتسل، هذا من التكلف الذي لا وجه له، إنما يغسل مكان النجاسة فقط، فإن كان متوضئًا وأصابته نجاسه جاز أن يغسل مكان النجاسة والوضوء أحسن.\nوقولها: لم يعده، أي: لم يجاوز موضع الدم.\nوالطامث هي الحائض.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: أخبرنا عبد الله يعني ابن عمر بن غانم عن عبد الرحمن يعني ابن زياد عن عمارة بن غراب قال: إن عمة له حدثته أنها سألت عائشة ﵂ قالت: إحدانا تحيض وليس لها ولزوجها إلا فراش واحد، قالت: أخبرك بما صنع رسول الله ﷺ؟ دخل فمضى إلى مسجده، قال أبو داود: - تعني مسجد بيته - فلم ينصرف حتى غلبتني عيني وأوجعه البرد فقال: (ادني مني، فقلت: إني حائض فقال: وإن اكشفي عن فخذيك)].\nالشيخ: وإن، أي: وإن كنت حائض.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [(فقال: وإن اكشفي عن فخذيك فكشفت فخذي، فوضع خده وصدره على فخذي، وحنيت عليه حتى دفىء ونام)].\nالشيخ: هذا الحديث فيه علل، وآفات متعددة، ومن العجب سكوت أبي داود عليه، وهو ﵀ قال: ما سكت عنه فهو حسن، فـ عبد الله بن عمر بن غانم هذا ضعيف، وعبد الرحمن بن زياد ضعيف أيضًا، وعمارة بن غراب أيضًا ضعيف، وعمته مجهولة أيضًا كل هؤلاء لا يحتج بحديثهم فتلك أربع علل، ويزاد عليها النكارة في المتن أيضًا، وهو أن وضع الرأس على الفخذين ليس فيه دفئ، وإنما الدفئ أن يضع رأسه على ثوبٍ أو شيءٍ يكون حائلًا بينه وبين اللحم.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا سعيد بن عبد الجبار قال: أخبرنا عبد العزيز - يعني ابن محمد - عن أبي اليمان عن أم ذرة عن عائشة ﵂ أنها قالت: كنت إذا حضت نزلت عن المثال على الحصير فلم نقرب رسول الله ﷺ ولم ندن منه حتى نطهر].\nالشيخ: عن المثال يعني: عن الفراش والحديث في سنده أبو اليمان وهو ليس بمشهور وفي سنده أم ذرة ويقال: درة بالدال أو الذال وهي مجهولة فيسقط الاحتجاج بهذا الحديث، ومع ذلك أيضًا سكت عليه أبو داود ﵀، ولو استقام سنده وصح فهو شاذ، لا يعمل بشذوذه ومخالفته للأحاديث الصحيحة التي تدل على أن النبي ﷺ يباشر الحائض ويلمسها ويشرب من موضع فمها ويتعرق العظم من موضع فمها، وقد جاء في حديث أنس: (تصنع كل شيء إلا النكاح)، أي الجماع كما سبق.\nوهذا فيه أنها تقول: (لم نقرب الرسول ﷺ ولم ندن منه حتى نطهر)، فهو شاذ إذا صح سنده لكن لا يصح.","vol":"17","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>استحباب وضع الثوب على فرج الحائض عند مضاجعتها</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل قال: أخبرنا حماد عن أيوب عن عكرمة عن بعض أزواج النبي ﷺ قالت: إن النبي ﷺ كان إذا أراد من الحائض شيئًا ألقى على فرجها ثوبًا].\nالشيخ: وهذا الحديث لا بأس به، قال الحافظ في الفتح سنده قوي، وهذا كونه يلقي على فرجها ثوبًا من باب الحيطة ويستحب أن يشد الزرائر خشية أن يلمس الفرج، وإلا فيجوز له المباشرة من دون إزار على الصحيح، كما دلت على ذلك الأحاديث الأخرى كحديث أنس: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح)، ولم يذكر الإزار.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: أخبرنا جرير عن الشيباني عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يأمرنا في فوح حيضتنا أن نتزر ثم يباشرنا وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله ﷺ يملك إربه].\nالشيخ: قولهها في فوح حيضتها: أي في أوله ومعظمه، والإرب: المراد العضو، وروي يملك إربة يعني العضو، وروي: يملك إربه، يعني حاجته، للوطء والمعنى أن النبي ﷺ كان أملك الناس لأمره، فلا يخشى عليه ما يخشى على غيره من أن يحوم حول الحمى، ومع ذلك كان يباشر فوق الإزار تشجيعًا للأمة، فالإزار أفضل وأولى.\nوقد اختلف العلماء في مسألة المباشرة من فوق السرة وتحت الركبة، أما المباشرة بالجماع فهذا حرام بالاتفاق، أما كونه يباشر فيما فوق السرة وتحت الركبة فهذا جائز بالاتفاق، وأما المباشرة فيما بين السرة والركبة من وراء إزار فهذا أيضًا جائز، بالاتفاق وأما بدون إزار فهذا فيه خلاف، والصواب أنه لا بأس به لحديث أنس المتقدم: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح).","vol":"17","page":14},{"text":"شرح سنن أبي داود_<span data-type=\"title\" id=toc-307>كتاب الطهارة [١٨]</span>\nلقد بين الإسلام كل شيء ومن ذلك أن المرأة التي تصيبها الاستحاضة عليها أن تدع الصلاة في عدة الأيام التي كانت تحيضها، فإن لم تكن لها عادة فبالتمييز حيث إن دم الحيض أسود غليظ منتن فإذا رأته تركت الصلاة فإذا ذهب اغتسلت واستثفرت وصلت، وإن لم تكن مميزة تحيضت في علم الله ستة أو سبعة أيام من الشهر ثم تغتسل وتصلي وتصوم.","vol":"18","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-308>المرأة تستحاض ومن قال: تدع الصلاة في عدة الأيام التي كانت تحيض</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في المرأة تستحاض ومن قال: تدع الصلاة في عدة الأيام التي كانت تحيض: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع عن سليمان بن يسار عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: إن امرأة كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله ﷺ، فاستفتت لها أم سلمة ﵂ رسول الله ﷺ فقال: (لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر بثوب ثم لتصل فيه)].\nوهذا الحديث سنده جيد لولا ما يخشى من أن سليمان بن يسار لم يسمع من أم سلمة ﵂ لأن الأحاديث التي تلت هذا الحديث فيها أن سليمان بن يسار جعل بينه وبين أم سلمة واسطة.\nوابن المنذر يقول: إسناده حسن.\nومعلوم أن سليمان بن يسار مولى ميمونة المدني وهو معدود من الفقهاء السبعة، وقد روى عن زيد بن ثابت وعائشة وأبي هريرة ومولاته ميمونة وأرسل للجماعة، روى عنه قتادة والزهري وعمرو بن شعيب، قال أبو زرعة، ثقة مأمون.\n[أما أم سلمة فقد كانت ثقة عالمة رفيعة فقهية.\nفلا إشكال في توثيقه لكن الكلام في سماعه من أم سلمة ومع ذلك فالحديث له شواهد، ولهذا حسنه المنذري فقال: إسناده حسن وفيه دليل على أن المستحاضة تجلس عدد الأيام التي كانت تحيضها قبل مرور الدم، فإذا انقضت هذه الأيام اغتسلت ثم استترت بثوبين، أو تتحفظ فقد وجدت الآن حفائظ، وتتوضأ لكل صلاة وتصلي.\nوفيه دليل على أن العادة مقدمة على التمييز، فالمستحاضة تعمل بعادتها أولًا، فإن لم يكن لها عادة ونسيت العادة عملت بالتمييز، فإن لم يكن لها تمييز، جلست في أول كل شهر هلالي ستة أيام أو سبعة أيام على حسب عادة النساء كما دلت على ذلك الأحاديث، ولهذا قال النبي ﷺ [لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك]، وهذا دليل على أنها تعمل بالعادة، وأن العادة مقدمة، فإذا كانت يصيبها الدم من أول كل شهر سبعة أيام ثم استمر الدم عليها وأطبق فإنها تجلس السبعة الأيام التي كانت تجلسها قبل استمرار الدم.\nوإذا كانت تجلسها من منتصف الشهر تجلسها من منتصف الشهر وهكذا، أما إذا لم يكن لها عادة ونسيت العادة تعمل بالتمييز كما سيأتي، فدم الحيض معروف أسود منتن غليظ، فالأيام التي يكون فيها غليظ منتن لا تصلي، والأيام التي يكون فيها أحمر رقيق تصلي.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد ويزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب قالا: حدثنا الليث عن نافع عن سليمان بن يسار: أن رجلًا أخبره عن أم سلمة ﵂، أن امرأة كانت تهراق الدم فذكر معناه قال: فإذا خلفت ذلك وحضرت الصلاة فلتغتسل، بمعناه].\nوهذا الحديث أخرجه النسائي، وابن ماجة، وفي هذه الرواية مجهول مبهم وذلك في قوله أن رجلًا أخبر عن أم سلمة، فـ سليمان بن يسار راوي الحديث السابق جعل بينه وبين أم سلمة رجل.\nفتكون هذه الرواية ضعيفة.","vol":"18","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>لا يجب الغسل على الحائض إلا بعد دخول وقت الصلاة</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: حدثنا أنس - يعني ابن عياض - عن عبيد الله عن نافع عن سليمان بن يسار عن رجل من الأنصار: أن امرأة كانت تهراق، الدماء فذكر معنى حديث الليث قال: فإذا خلفتهن وحضرت الصلاة فلتغتسل، وساق الحديث بمعناه].\nوهذا فيه قوله: عن رجل من الأنصار، والصحابة كلهم عدول، فإذا كان المقصود أنه صحابي فكلهم عدول، وإن كان رجلًا من الأنصار من غير الصحابة فيكون فيه مجهول.\nوفيه أن الغسل لا يجب إلا إذا حان وقت الصلاة، وأنه لا يجب عليها أن تغتسل قبل وقت الصلاة، وهو الصحيح فلا يكون الغسل واجبًا على الفور.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال: أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي قال: أخبرنا صخر بن جويرية عن نافع بإسناد الليث ومعناه قال: فلتترك الصلاة قدر ذلك، ثم إذا حضرت الصلاة فلتغتسل، ولتستذفر بثوب ثم تصلي].\nوهذا كسابقه فما دل عليه.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل قال: أخبرنا وهيب قال: أخبرنا أيوب عن سليمان بن يسار عن أم سلمة ﵂ بهذه القصة قال فيه: تدع الصلاة وتغتسل فيما سوى ذلك وتستذفر بثوب وتصلي].\nقال أبو داود: وسمى المرأة التي كانت استحيضت حماد بن زيد عن أيوب في هذا الحديث قال: فاطمة بنت أبي حبيش].\nوقد صرح في غير أبي داود أنها فاطمة بنت أبي حبيش وأنها كانت قد استحيضت فأمرها أن ترجع إلى عادتها.","vol":"18","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>المستحاضة تتوضأ لكل صلاة إذا ذهبت عادتها</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد قال: أخبرنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن جعفر عن عراك عن عروة عن عائشة أنها قالت: إن أم حبيبة سألت النبي ﷺ عن الدم، فقالت عائشة ﵂، فرأيت مركنها ملآن دمًا، فقال لها رسول الله ﷺ: (امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي).\nقال أبو داود: ورواه قتيبة].\nالحديث أخرجه مسلم، والنسائي، وهذا يشهد لحديث أم سلمة السابق، وأنها تجلس قدر عادتها ثم تغتسل، والمركن إناء واسع تغسل فيه الثياب، وهو ما يشبه ما يسمى اليوم بحوض الغسيل أو إدانة وهي لفظة فارسية وقوله: ملآن على وزن عطشان لا ينقلب على وزن فعلان، وفيه دليل على أن المرأة الحائض المستحاضة تجلس عدد الأيام التي كانت تحيضها قبل ذلك ثم تغتسل، ثم تتلجم وتتحفظ بثوب وتصلي، وتتوضأ في وقت كل صلاة.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو داود: ورواه قتيبة: بين أضعاف حديث جعفر بن ربيعة في آخرها، ورواه علي بن عياش ويونس بن محمد عن الليث فقالا جعفر بن ربيعة].\nقوله: بين أضعاف الأضعاف هي الأثناء ويريد في أثناء الحديث، والمعنى أن قتيبة روى هذا الحديث بلفظ جعفر فقط من غير نسبة لأبيه.","vol":"18","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-311>أقوال العلماء في تفسير القرء وما انبنى عليه</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عيسى بن حماد قال: أخبرنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن بكير بن عبد الله عن المنذر بن المغيرة عن عروة بن الزبير قال: إن فاطمة بنت أبي حبيش حدثته أنها سألت رسول الله ﷺ فشكت إليه الدم، فقال لها رسول الله ﷺ: (إنما ذلك عرق، فانظري إذا أتى قرؤك فلا تصلي، فإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء)].\nوهذا الحديث في إسناده المنذر بن المغيرة وهو مجهول.\nقال أبو حاتم: مجهول ليس بمشهور وذكره ابن حبان في الثقات.\nومع ذلك فالحديث له شواهد ومنها ما سبق، وفيه دليل على أن المستحاضة تجلس أيام عادتها ثم تتلجم وتصلي، وفيه دليل على أن دم الاستحاضة دم عرق وهو يسمى نزف وفيه أن المرأة تصلي من القرء إلى القرء، والقرء يطلق على الطهر ويطلق على الحيض، وقد اختلف العلماء هل المراد بالقرء الطهر، أو الحيض.\nقال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]، فمن قال: إن القروء الحيض، قال المرأة تعتبر في الحيض إذا كانت تحيض ثلاثة حيض، ومن قال: إن المراد به الطهر قال: تحتجز ثلاثة أطهار ذهب إلى الأول الحنابلة وذهب إلى الثاني الشافعية والجماعة.\nوالصواب أن المراد به الحيض، وهو الذي تدل عليه النصوص، وتدل عليه اللغة أيضًا، وهو يطلق على الطهر، ولكن المراد به هنا الحيض، ثلاثة قروء: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]، أي: ثلاث حيضات، ولهذا في هذا الحديث إنما ذلك عرق يعني دم الاستحاضة، فانظري فإذا أتى قرؤك فلا تصلي، يريد الحيض، ولو كان المراد به الطهر لم يقل: فلا تصلي، فقوله: إذا أتى قرؤك أي: وقت حيضك فلا تصلي، فإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي، فما بين القرء إلى القرء، ما بين الحيض إلى الحيض، وبهذا يتضح أن المراد به الحيض.\nفهذا الحديث، وحديث سليمان بن يسار يشد بعضهما بعضًا، فيكونا حجة.\nفحديث سليمان بن يسار فيه انقطاع وهذا فيه جهالة فيشد بعضهما الآخر ويشهد لهما أيضًا حديث مسلم السابق من حديث عائشة.","vol":"18","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>الحائض تعمل بالعادة وهو مقدم على التمييز</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يوسف بن موسى قال: أخبرنا جرير عن سهيل - يعني ابن أبي صالح - عن الزهري عن عروة بن الزبير قال: حدثتني فاطمة بنت أبي حبيش أنها أمرت أسماء أو أسماء حدثتني أنها أمرتها فاطمة بنت أبي حبيش أن تسأل رسول الله ﷺ، فأمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد ثم تغتسل].\nهذا الحديث لا بأس بسنده فهو حسن كما قال المنذري، وفيه أن النبي ﷺ أمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد ثم تغتسل، واستدل به بعضهم على أن الاعتبار للعادة لا للتمييز واستدلوا بحديث فاطمة بنت أبي حبيش، وحديث عائشة السابق في قصة أم حبيبة، كل منهما فيه دليل على أنها تعمل بالعادة، فالعادة مقدمة على التمييز، ولهذا قال: أمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد، قبل أن يأتيها الدم.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو داود: ورواه قتادة عن عروة بن الزبير عن زينب بنت أم سلمة أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت فأمرها النبي ﷺ أن تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي].\nوالحديث فيه قتادة وهو مدلس وقد عنعن.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو داود: لم يسمع قتادة من عروة شيئًا].\nوبتدليس قتادة يكون الحديث منقطعًا، ولكن يشهد له ما سبق من أحاديث، وهو أنها تعمل بالعادة، فتجلس أيام عادتها ثم تغتسل وتصلي.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وزاد ابن عيينة في حديث الزهري عن عمرة عن عائشة ﵂ قالت: إن أم حبيبة ﵂ كانت تستحاض فسألت النبي ﷺ فأمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها.\nقال أبو داود: وهذا وهم من ابن عيينة ليس هذا في حديث الحفاظ عن الزهري إلا ما ذكر سهيل بن أبي صالح].\nذكر هنا أن ابن عيينة زاد في حديث الزهري عن عمرة عن عائشة، وأن هذا وهم من ابن عيينة فليس في حديث الحفاظ عن الزهري إذًا ابن عيينة فقد وهم في قوله: عن عمرة عن عائشة، وإنما هو عن سهيل بن أبي صالح كما في الحديث الأول.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد روى الحميدي هذا الحديث عن ابن عيينة لم يذكر فيه: تدع الصلاة أيام أقرائها.\nوروت قمير بنت عمرو زوج مسروق عن عائشة ﵂].\nقمير بفتح القاف، امرأة مسروق وهنا سكت عنها وفيها جهالة وقد قال العجلي: بأنها تابعية ثقة وهو متساهل في هذا ﵀.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وروت قمير بنت عمرو زوج مسروق عن عائشة ﵂: (المستحاضة تترك الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل).\nوقال عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه: إن النبي ﷺ أمرها أن تترك الصلاة قدر أقرائها.\nوروى أبو بشر جعفر بن أبي وحشية عن عكرمة عن النبي ﷺ قال: إن أم حبيبة بنت جحش استحيضت فذكر مثله.\nوروى شريك عن أبي اليقظان عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: (المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي).\nوروى العلاء بن المسيب عن الحكم عن أبي جعفر قال: إن سودة استحيضت فأمرها النبي ﷺ إذا مضت أيامها اغتسلت وصلت.\nوروى سعيد بن جبير عن علي وابن عباس ﵃: (المستحاضة تجلس أيام قرئها).\nوكذلك رواه عمار مولى بني هاشم وطلق بن حبيب عن ابن عباس ﵄، وكذلك رواه معقل الخثعمي عن علي ﵁، وكذلك روى الشعبي عن قمير امرأة مسروق عن عائشة ﵂.\nقال أبو داود: وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب وعطاء ومكحول وإبراهيم وسالم والقاسم: أن المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها].\nوكل هذه الآثار والمراسيل التي ذكرها المؤلف تدل على ما دلت عليه الأحاديث من أن: المستحاضة تجلس أيام عادتها، وتعمل بعادتها ثم تغتسل وتتلجم وتصلي.\nفالمؤلف ﵀ أتى بهذه الآثار والمراسيل كلها لتؤيد ما دلت عليه الأحاديث وتقويها.\nوذكر أيضًا ﵀: أن هذا القول وهو: أنها تجلس أيام عادتها ثم تغتسل، قول الحسن وسعيد بن المسيب وعطاء ومكحول وإبراهيم وسالم والقاسم.\nفكل هؤلاء العلماء ذهبوا إلى ما دلت عليه الأحاديث من أن: المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها.\nيعني: أيام حيضها، ثم تغتسل وتتلجم وتصلي.","vol":"18","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>ما جاء فيمن روى أن الحيضة إذا أدبرت لا تدع الصلاة</span>\nقال المؤلف ﵀: [حدثنا أحمد بن يونس وعبد الله بن محمد النفيلي قالا: حدثنا زهير حدثنا هشام بن عروة عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: (إن فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ جاءت رسول الله ﷺ فقالت: إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال: إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي)].\nوهذا أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة.\nوفيه: أن فاطمة قالت: (يا رسول الله! إني امرأة أستحاض فلا أطهر -يعني: يستمر الدم معها، وظنت أنها لا تطهر- أفأدع الصلاة؟ قال: إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي).\nفقوله: (أقبلت الحيضة)، احتج به بعضهم على أن المراد به: العمل بالتمييز.\nويحتمل أن المراد: ردها إلى العادة، كما دلت الأحاديث السابقة من أنها تعمل بالعادة ولا شك أن العادة مقدمة، فإن لم تعلم العادة عملت بالتمييز.\nفيحتمل أن المراد: ردها إلى العادة، أو: إلى الحالة التي تكون للحيض، من قوة الدم في اللون.\nوهو محتمل.\nوعلى كل حال فالعادة مقدمة، فإذا كان لها عادة عملت بها، كما دلت على ذلك الأحاديث السابقة، مثل: حديث أم سلمة وحديث عائشة وغيرهما من أنها تعمل بالعادة، فإذا لم يكن لها عادة عملت بالتمييز.\nقال المؤلف ﵀: [حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن هشام بإسناد زهير ومعناه قال: (فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي الدم عنك وصلي)].\nوهذا هو الحديث السابق بسند زهير، وفيه أنه قال: (فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي الدم عنك وصلي)، وفي الحديث الأول: (فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي)، فقوله: (فإذا ذهب قدرها فاغسلي الدم عنك وصلي)، أي: إذا ذهب قدرها من الأيام، أو قدرها من العادة، وهذه الرواية ترجح أن المراد بها العادة، ولا شك أن العادة مقدمة.","vol":"18","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-314>ما جاء فيمن قال: إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة.\nحدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبو عقيل عن بهية قالت: (سمعت امرأة تسأل عائشة ﵂ عن امرأة فسد حيضها وأهريقت دمًا، فأمرني رسول الله ﷺ أن آمرها فلتنظر قدر ما كانت تحيض في كل شهر وحيضها مستقيم، فلتعتد بقدر ذلك من الأيام، ثم لتدع الصلاة فيهن أو بقدرهن، ثم لتغتسل ثم لتستثفر بثوب ثم لتصلي)].\nهذا الحديث ذكره المؤلف ﵀ في إقبال الحيضة، وقد استدل به على أن المرأة إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة، وإقبال الحيضة يحتمل إقبالها بالتمييز؛ لأنها تعرف بالتمييز، أو إقبالها بالعادة التي كانت تعرفها من الشهر وعدد الأيام التي تعرفها وتعرف مكانها من الشهر، وهذا الحديث سنده ضعيف؛ لأن فيه أبا عقيل وهو ضعيف، وكذلك بهية ضعيفة، وأما المرأة التي تسأل عائشة ﵂ فلا يضر جهالتها؛ لأن بهية قد سمعت الحديث من عائشة وقد قالت: سمعت عائشة، فلم تنقل عن المرأة المجهولة وإنما نقلت عن عائشة ومعنى الحديث: صحيح، وقد دل على معناه الأحاديث الصحيحة، فقد دلت على أن المرأة تجلس أيام عادتها إذا كان لها عادة تعرفها في الشهر، فإن لم يكن لها عادة عملت بالتمييز، والحديث وإن كان ضعيفًا لكن له شواهد ترتقي به إلى درجة الحسن، فالحديث حسن بشواهده، وهو دليل على أن المرأة إذا كان لها عادة فإنها تجلس قدر عادتها ثم تغتسل، وتستثفر بثوب ثم تصلي، فإن لم يكن لها عادة عملت بالتمييز.","vol":"18","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-315>شرح حديث: (إن هذه ليست بالحيضة)</span>\nقال المؤلف ﵀: [حدثنا ابن أبي عقيل ومحمد بن سلمة المصريان قالا: أخبرنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير وعمرة عن عائشة ﵂ قالت: (إن أم حبيبة بنت جحش ﵂ ختنة رسول الله ﷺ وتحت عبد الرحمن بن عوف استحيضت سبع سنين، فاستفتت رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق، فاغتسلي وصلي)].\nوهذا الحديث أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة، وقوله: ختنة رسول الله ﷺ الأختان: هم أقارب زوجة الرجل، يقال لهم: أختانًا، وأقارب الزوج يقال لهم: أحماء، والجميع يسمون أصهارًا.\nوالمعنى: أن أم حبيبة بنت جحش ختنة رسول الله ﷺ، أي: قريبة من زوجته؛ لأنها أخت زوجته، فهي أخت زينب، وقد كانت أم حبيبة ﵂ معتادة، ويحتمل أنها مميزة؛ لأن النبي ﷺ قال لها: (إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق فاغتسلي وصلي).\nوالأصل: أن العادة مقدمة إذا كانت معروفة للمرأة، فإن كانت المرأة لا تعرف العادة ونسيتها فإنها تعمل بالتمييز، فإذا كان الدم أسود ثخينًا له رائحة جلست، وإذا كان أصفر أو أحمر رقيقًا فإن هذا دم الاستحاضة.\nقال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: زاد سالأوزاعي في هذا الحديث عن الزهري عن عروة وعمرة عن عائشة ﵂ قالت: (استحيضت أم حبيبة بنت جحش ﵂وهي تحت عبد الرحمن بن عوف ﵁- سبع سنين فأمرها النبي ﷺ قال: إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي)].","vol":"18","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-316>الكلام على بعض روايات الحديث</span>\nقال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: ولم يذكر هذا الكلام أحد من أصحاب الزهري غير الأوزاعي، ورواه عن الزهري عمرو بن الحارث والليث ويونس وابن أبي ذئب ومعمر وإبراهيم بن سعد وسليمان بن كثير وابن إسحاق وسفيان بن عيينة ولم يذكروا هذا الكلام].\nيعني: أنه ذكر تسعة عن الزهري بخلاف رواية الأوزاعي، فـ الأوزاعي خالف تسعة من تلاميذ الزهري، وهم: عمرو بن الحارث والليث ويونس وابن أبي ذئب ومعمر وإبراهيم بن سعد وسليمان بن كثير وابن إسحاق وسفيان بن عيينة، فكلهم خالفوا الأوزاعي ولم يذكروا هذ الكلام، أي: جملة: (إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي الدم وصلي) ولم يذكرها إلا الأوزاعي من تلاميذ الزهري.\nقال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: وإنما هذا لفظ حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂].\nيعني: وليس من لفظ حديث الزهري عن عروة، وإنما هذا لفظ حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، والمؤلف يريد بهذا ترجيح رواية الأكثرين.\nوبيان أن الأوزاعي خالف تلاميذ الزهري على طريقة المتقدمين في تقديم رواية الأكثر على رواية الأقل.\nوأما المتأخرون فإنهم يقولون: إن الزيادة من الثقة مقبولة، كالحافظ ابن حجر والعراقي والخطيب البغدادي، وهو أول من تكلم في هذا، فيقبلون رواية الثقة إذا كانت روايته غير منافية لرواية الأكثر، فإنها مقبولة، ولهذا يقول العراقي: واحكم بقول ثقة في الأظهر.\nوقال الحافظ ابن حجر في النخبة: وزيادة راويهما -أي: الصحيح والحسن- زيادة مقبولة ما لم تقع منافية لمن هو أوثق، وأما المتقدمون كـ النسائي وأبي داود وجماعة فإنهم يقدمون رواية الأكثر، فلهذا المؤلف ﵀ قدم رواية الأكثر وقال: إن هذه الرواية انفرد بها الأوزاعي عن الزهري، وخالف فيها تسعة من أصحاب الزهري.\nقال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: وزاد ابن عيينة فيه أيضًا: (أمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها)، وهو وهم من ابن عيينة].\nيعني: زاد سفيان بن عيينة أيضًا في هذا الحديث: (أمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها)، يعني: أيام حيضها.\nوفيه دليل لمن قال: إن الأقراء هي الحيض، ولكن قال المؤلف: إن هذه الزيادة: (أمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها)، وهم من ابن عيينة؛ لأنه انفرد بها.\nقال المؤلف ﵀: [وحديث محمد بن عمرو عن الزهري فيه شيء، ويقرب من الذي زاد الأوزاعي في حديثه].\nيعني: حديث محمد بن عمرو عن الزهري فيه وهم، وهو الحديث الذي سيأتي، ويقرب من زيادة الأوزاعي في حديثه، فكما أن الأوزاعي زاد: (فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي)، ووهم فيها فكذلك أيضًا حديث محمد بن عمرو عن الزهري فيه شيء من الوهم.\nوعلى هذا تكون زيادة ابن عيينة وزيادة الأوزاعي وحديث محمد بن عمرو وهم، وكل منهم تفرد بما لم يذكره أحد سواه، فتكون ضعيفة، وهذا على طريقة المتقدمين، فوهم الأوزاعي في زيادته، ووهم ابن عيينة، ووهم محمد بن عمرو.","vol":"18","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-317>صفة دم الحيض</span>\nقال المؤلف ﵀: [حدثنا محمد بن المثنى قال: أخبرنا محمد بن أبي عدي عن محمد يعني: ابن عمرو قال: حدثني ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن فاطمة بنت أبي حبيش ﵂: (أنها كانت تستحاض فقال لها النبي ﷺ: إذا كان دم الحيضة فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما هو عرق)].\nوهذا الحديث أخرجه النسائي بإسناد حسن كمال قال المنذري، وفيه: بيان الفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة، فدم الحيض دم أسود يعرف، ويعرف تروى بالوجهان: يعرَف، بفتح الراء على البناء للمجهول، أي: تعرفه النساء، وروي يعرِف بالكسر، أي: له عرف ورائحة، وفيه: أن النبي ﷺ فصل الحكم، فقال: (إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف، فإذا كان ذلك)، وهذا الخطاب للمرأة، يعني: في وقت زمن الحيض، (فأمسكي عليك الصلاة، فإذا كان الآخر، فتوضئي)، أي: فهو دم الاستحاضة (فتوضئي وصلي فإنما هو عرق) أي: دم عرق، وقد كانت مميزة.\nففيه العمل بالتمييز.\nويحتمل: أنها معتادة، ولكن الأظهر: أنها مميزة، فدل على أن: المرأة إذا كانت مميزة ولم تعلم عادتها فإنها تعمل بالتمييز.\nوهذا الحديث سبق أن المؤلف ﵀ قال: إنه فيه شيء من الوهم؛ لأنه تفرد به محمد بن عمرو عن الزهري.\nقال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: وقال ابن المثنى: حدثنا به ابن أبي عدي من كتابه هكذا، ثم حدثنا به بعد حفظًا قال: حدثنا محمد بن عمرو عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ (أن فاطمة كانت تستحاض) فذكر معناه].\nأي: أن ابن أبي عدي حدث به مرة من كتابة، وحدث به مرة أخرى من حفظه.\nفلما حدث به من كتابة قال محمد بن أبي عدي: عن محمد يعني: ابن عمرو قال: حدثني ابن شهاب، ولما حدث به من حفظة قال: حدثنا محمد بن عمرو عن الزهري عن عروة عن عائشة فذكره من كتابه عن عروة عن فاطمة بنت أبي حبيش، وجعله من حفظه من مسند عائشة: ولهذا تكلم العلماء في هذا الحديث.\nوذكر ابن القيم ﵀: أن ابن القطان قال: إن الحديث منقطع؛ لأنه انفرد به محمد بن عمرو عن الزهري عن عروة، ورواه عن محمد بن عمرو محمد بن أبي عدي مرتين: إحداهما من كتابة، والثانية من حفظه.\nوالمؤلف ﵀ رد هذا الحديث أيضًا.\nوقال ابن القيم ﵀: إن الحديث متصل.\nفقد حدث به محمد بن عمرو من كتابة منقطعًا، وحدث به من حفظه متصلًا، فزاد عائشة، وهذا فيه نظر، ورد ابن حزم هذا الحديث.\nوالمقصود: أن هذا الحديث فيه كلام، فالمؤلف يرى أن فيه وهمًا، وقال ابن القطان: إن فيه انقطاعًا، وابن القيم يرى أن الحديث لا بأس به، وأن عروة بن الزبير يمكن أن يرويه عن فاطمة ويرويه عن عائشة، ولا محذور في هذا، ولا يعتبر هذا وهمًا، وقال المؤلف ﵀: إن فيه وهمًا من وهم الأوزاعي؛ لأن محمد بن عمرو تفرد فيه عن الزهري بما لم يذكره سواه.","vol":"18","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-318>ما جاء عن الصحابة والسلف في ترك الصلاة أيام الحيض</span>\nقال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: وروى أنس بن سيرين عن ابن عباس ﵄ في المستحاضة قال: (إذا رأت الدم البحراني فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة فلتغتسل وتصلي)].\nوالدم البحراني يعني: الدم الكثيف الغليظ الواسع يخرج من قعر الرحم، نسبة إلى البحر لكثرته وسعته، والبحر هو: التوسع والانبساط في الشيء، ومنه: قول النبي ﷺ لما ركب فرسًا عاليًا وكان يقال: إنه يتأخر في المشي، فأسرع: (إن وجدناه لبحرًا)، يعني: واسع الجري، فقال هنا: إذا رأت الدم الكثير الغليظ فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة فلتغتسل وتصلي.\nقال المؤلف ﵀: [وقال مكحول: إن النساء لا تخفى عليهن الحيضة، إن دمها أسود غليظ، فإذا ذهب ذلك وصارت صفرة رقيقة فإنها مستحاضة، فلتغتسل ولتصلي].\nأي أن النساء لا تخفى عليهن الحيضة، بل يعرفنه بالتمييز، فدم الحيض دم أسود غليظ، منتن كريه الرائحة، فإذا ذهب هذا الدم الغليظ المنتن وجاء الدم الأصفر الرقيق فإنها تغتسل وتصلي.\nقال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: وروى حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن القعقاع بن حكيم عن سعيد بن المسيب في المستحاضة: (إذا أقبلت الحيضة تركت الصلاة، وإذا أدبرت اغتسلت وصلت)].\nوإقبالها يكون بالعادة إن كان لها عادة، فإن لم يكن لها عادة بالتمييز، فإذا أدبرت اغتسلت وصلت.\nقال المؤلف ﵀: [وروى سمي وغيره عن سعيد بن المسيب (تجلس أيام أقرائها)].\nيعني: أيام حيضها.\nقال المؤلف ﵀: [وكذلك رواه حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد].\nيعني: كما سبق، أنها تجلس في أيام عادتها.\nقال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: وروى يونس عن الحسن: (الحائض إذا مد بها الدم تمسك بعد حيضتها يومًا أو يومين فهي مستحاضة)].\nيعني: إذا استمر بها الدم بعد انقضاء مدته المعلومة، فإنها تمسك عن الصلاة يومًا أو يومين، ثم بعد ذلك هي مستحاضة.\nقال المؤلف ﵀: [وقال التيمي عن قتادة: إذا زاد على أيام حيضها خمسة أيام فلتصل، قال التيمي: فجعلت أنقص حتى بلغت يومين].\nيعني: أنقص الأيام التي زادت على أيام حيضها.\nقال المؤلف ﵀: [فجعلت أنقص حتى بلغت يومين فقال: إذا كان يومين فهو من حيضها، وسئل ابن سيرين عنه فقال: النساء أعلم بذلك].\nيعني: النساء تعرف هذا، وقوله: إنها تجلس بعده يومًا أو يومين ليس بوجيه، وإنما تجلس أيام أقرائها كما سبق.\nولا تزيد يومًا أو يومين إلا إذا كان فيه وصف دم العادة، وأما إذا انتهى الدم الغليظ فلا تجلس يومًا أو يومين، فقول الحسن تجلس يومًا أو يومين إذا مد بها الحيض ليس بجيد، وكذلك قول التيمي: فجعلت أنقص حتى بلغت يومين، وأما قول ابن سيرين: النساء أعلم، فهو أصح من قول الحسن، والمؤلف ﵀ أكثر النقول عن السلف؛ لأن باب الاستحاضة باب عويص.\nوالمستحاضة لها ثلاث حالات: أحدها: أن يكون لها عادة معلومة من الشهر، فتجلس فيها، ثم تغتسل وتصلي.\nالثانية: ألا يكون لها عادة، كأن تكون مبتدئة أو لها عادة ونسيتها فتعمل على التمييز، فتجلس إذا كان الدم أسود أو ثخينًا أو منتنًا أو أحمر شديد الحمرة، فإذا ذهب اغتسلت وصلت.\nالثالثة: ألا يكون لها تمييز ولا عادة، وهذه تسمى متحيرة، فتحيض في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام ثم تغتسل وتصلي.\nوهذا على حسب عادة نسائها، ممن يشابهنها سمنًا وخلقة من نسائها وأبناء جنسها، فإن كن يجلسن سبعة أيام جلست سبعًا، وأن كن يجلسن ستة جلست ستًا.","vol":"18","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>حديث حمنة بنت جحش في الاستحاضة</span>\nقال المؤلف ﵀: [حدثنا زهير بن حرب وغيره قالا: حدثنا عبد الملك بن عمرو حدثنا زهير بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عمه عمران بن طلحة عن أمه حمنة بنت جحش ﵂ قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت رسول الله ﷺ أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش ﵂ فقلت: (يا رسول الله! إني امرأة أستحاض حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيها؟ قد منعتني الصلاة والصوم؟ فقال: أنعت لك الكرسف فإنه يذهب الدم، قالت: هو أكثر من ذلك.\nقال: فاتخذي ثوبًا، فقالت: هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجًا.\nقال رسول الله ﷺ: سآمرك بأمرين أيهما فعلت أجزأ عنك من الآخر، فإن قويت عليهما فأنت أعلم.\nقال لها: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله تعالى، ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي ثلاثًا وعشرين ليلة أو أربعًا وعشرين ليلة وأيامها، وصومي، فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن، ميقات حيضهن وطهرهن، فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي، وصومي إن قدرت على ذلك، قال رسول الله ﷺ: وهذا أعجب الأمرين إلي).\nقال أبو داود: ورواه عمرو بن ثابت عن ابن عقيل].\nوحديث حمنة هذا حديث مشهور، وحمنة بنت جحش كانت تحت طلحة بن عبيد الله، وأم حبيبة تحت عبد الرحمن بن عوف، وزينب أم المؤمنين، وكل بنات جحش مستحاضات الثلاث.\nوهذا الحديث فيه: بيان أن المتحيرة تتحير في علم الله؛ لأن ظاهرها أنها متحيرة، فتتحير في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام.\nوالحديث فيه: عبد الله بن محمد بن عقيل، اختلف في توثيقه وضبطه، وهو عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، قيل: في حفظه بعض الشيء، والراجح: أنه ثقة مقبول إذا وافق الثقات، والحديث رواه الترمذي وغيره، وهذا الحديث مما وافق فيه الثقات، وكما قال ابن القيم ﵀: مداره على ابن عقيل، وهو عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو ثقة صدوق، لم يتكلم فيه بجرح أصلًا، وكان الإمام أحمد وعبد الله بن الزبير الحميدي وإسحاق بن راهويه يحتجون بحديثه، وكان الترمذي يصحح له، وإنما يخشى من حفظه إذا اضطرب على الثقات أو خالفهم، أما إذا لم يخالف الثقات ولم ينفرد فيما ينكر عليه فهو حجة.\nوقال البخاري في هذا الحديث: هو حديث حسن، وقال الإمام أحمد: هو حديث صحيح، وأما ابن خزيمة فإنه أعله، وقال: لا يصح؛ لأن ابن جريج لم يسمعه من ابن عقيل، فالحديث مداره على عبد الله بن محمد بن عقيل، في حفظه بعض الشيء، ولكن إذا وافق الثقات فلا إشكال فيه، وإنما الأشكال إذا خالف الثقات، وهو هنا قد وافق الثقات، وهو ثقة صدوق، وفيه: أن حمنة ﵂ قالت: (يا رسول الله! إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيها؟ قد منعتني الصلاة والصوم، فقال النبي ﷺ: أنعت لك الكرسف)، يعني: أصف لك الكرسف، وهو القطن تحتشي به، قال: (فإنه يذهب الدم)، أي: يخفف الدم (فقالت: هو أكثر من ذلك، قال: فاتخذي ثوبًا.\nفقالت: هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجًا.\nفقال: رسول الله ﷺ: سآمرك بأمرين أيهما فعلت أجزأ عنك من الآخر، فإن قويت عليهما فأنت أعلم.\nقال لها: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان) والركضة: ضرب الأرض بالرجل حال المشي.\nوالمراد: أن الشيطان ركض، أو: وجد طريقًا إلى التلبيس عليها في أمر دينها وصلاتها، حتى أنساها حاجتها.\nفهي ركضة من ركضات الشيطان.\nوالأصل أن يحمل على الحقيقة.\nوبعضهم تأوله بأن المراد: أن الشيطان قد وجد طريقة إلى التلبيس عليها، أي: أنه ليس ركضًا حسيًا.\nوالصواب: أن الأصل الحقيقة.\nالشيطان له مدخل للإنسان، فالشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.\nوالنبي ﷺ ذكر لها أمرين، فقال: (سآمرك بأمرين أيهما فعلت أجزأ عنك من الآخر، فإن قويت عليهما فأنت أعلم.\nقال لها: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله تعالى، ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي ثلاثًا وعشرين ليلة أو أربعًا وعشرين ليلة وأيامها).\nوهذا هو الأمر الأول أنها تتوضأ لكل صلاة، وتصلي كل صلاة في وقتها.\nوتتحيض في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام على حسب عادة نسائها، ومن يوافقها سنًا من نسائها؛ لأنها متحيرة؛ وليس لها تمييز ولا عادة فهي متحيرة.\nفأمرها النبي ﷺ أن تتحير في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام على عادة نسائها، فتجلس من الشهر ستة أيام أو سبعة أيام، ثم تصلي بقية الشهر وتصوم ثلاثًا وعشرين أو أربعًا وعشرين يومًا من الشهر.\nوهذه الستة الأيام أو السبعة تجلسها على عادة نسائها إن عرفت أول مجيء الحيض لها، وإلا جلست من أول كل شهر هلالي، ثم بعد ذلك تتحفظ وتتلجم وتصلي، وتفعل هذا في كل شهر.\nولذلك قال لها النبي: (وكذلك فافعلي كل شهر كما تحيض النساء، وكما يطهرن، ميقات حيضهن) والأمر الثاني قال: (فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر).\nأي: أنها تجمع جمعًا صوريًا.\nوتغتسل في كل يوم ثلاث مرات.\nفتجمع الظهر والعصر وتغتسل لهما، وتجمع المغرب والعشاء وتغتسل لهما، وتغتسل للفجر.\nفالأمر الأول: أنها تتحيض ستة أيام أو سبعة أيام ثم تغتسل، وتتوضأ لكل صلاة.\nوالأمر الثاني: أنها تغتسل في كل يوم ثلاث مرات، وتجمع جمعًا صوريًا.\nفتؤخر الظهر إلى آخر وقتها وتعجل العصر في أول وقتها وتغتسل لهما وتصليهما معًا.\nوتؤخر المغرب إلى آخر وقتها وتعجل العشاء في أول وقتها وتغتسل لهما وتصليهما معًا.\nوتغتسل للفجر.\nقال النبي ﷺ: (وهذا أعجب الأمرين إلي).\nيعني: الاغتسال ثلاث مرات.\nوهذا من باب الاستحباب.\nقال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: ورواه عمرو بن ثابت عن ابن عقيل فقال: فقالت حمنة: فقلت: (هذا أعجب الأمرين إلي)، فلم يجعله قول النبي ﷺ، وجعله كلام حمنة].\nففي رواية عمرو بن ثابت قوله: (هذا أعجب الأمرين إلي)، لم يجعله من قول النبي ﷺ، وإنما جعله من كلام حمنة.\nوأما الرواية الأولى: فإنها رواية زهير بن محمد وعبد الله بن عقيل وفيها: أن قوله: (هذا أعجب الأمرين إلي) من كلام النبي.\nقال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: كان عمرو بن ثابت رافضيًا، رجل سوء، ولكنه كان صدوقًا في الحديث].\nفقول أبي داود: كان عمرو بن ثابت رافضيًا، يعني: فلا يعول على قوله: قالت حمنة: (هذا أعجب الأمرين إلي).\nوالصواب أنه من كلام النبي ﷺ؛ لأن الصواب رواية زهير بن محمد عن ابن عقيل.\nوقد رفع هذه الجملة إلى النبي ﷺ.\nفالصواب: أنه من كلام النبي ﷺ.\nوقول أبي داود: أن عمرو بن ثابت كان رافضيًا ذكره عن يحيى بن معين.\nقال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: حديث ابن عقيل في نفسي منه شيء].\nوذلك لأن ابن عقيل فيه كلام، ففي حفظه بعض الشيء.\nونقل عن الإمام أحمد خلاف ذلك أيضًا، فقد روى عنه: أنه لا بأس به.\nكما نقل ذلك ابن القيم ﵀.\nفقد قال: كان الإمام أحمد وعبد الله بن الزبير الحميدي وإسحاق يحتجون بحديثه.\nوقال الإمام أحمد: هو حديث صحيح.\nوفي هذه الرواية قال: في نفسي منه شيء، وذلك من جهة حفظه؛ لأن في حفظه بعض الشيء.\nولهذا قال الترمذي: حديث حمنة حسن صحيح.","vol":"18","page":13},{"text":"شرح سنن أبي داود_<span data-type=\"title\" id=toc-320>كتاب الطهارة [١٩]</span>\nإن دم الاستحاضة يختلف عن دم الحيض، ولذلك كانت أحكامه تختلف عن حكم دم الحيض، فالمستحاضة تصلي وتصوم بخلاف الحائض فإنها تترك الصلاة والصوم حتى ينقضي حيضها ثم تقضي الصوم.","vol":"19","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-321>ما جاء فيمن روى أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة</span>","vol":"19","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-322>شرح الأحاديث الواردة في استحاضة أم حبيبة بنت جحش</span>\nقال المؤلف ﵀: [باب: من روى أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة.\nحدثنا ابن أبي عقيل ومحمد بن سلمة المرادي قالا: حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: (إن أم حبيبة بنت جحش ﵂ ختنة رسول الله ﷺ وتحت عبد الرحمن بن عوف استحيضت سبع سنين، فاستفتت رسول الله ﷺ في ذلك، فقال رسول الله ﷺ: إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق فاغتسلي وصلي.\nقالت عائشة ﵂: فكانت تغتسل في مركن في حجرة أختها زينب بنت جحش حتى تعلو حمرة الدم الماء)].\nوهذا الحديث أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة.\nوفيه: أن النبي ﷺ قال: (إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق فاغتسلي وصلي).\nقالت عائشة: فكانت تغتسل في حجرة أختها زينب وكانت بنات جحش كلهن مستحاضات - أم حبيبة وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وحمنة وكانت تحت طلحة بن عبيد الله، وزينب أم المؤمنين- فكانت تجلس في مركن.\nوالمركن: يشبه الإناء الذي يغسل فيها الثياب، ويشبه الطست.\nوالحكمة من كونها تجلس فيه: أنها إذا علت حمرة الدم الماء عرفت أنه دم استحاضة، فتخرج منه وتغتسل.\nوليس معناه: أنها تغتسل في هذا المكان الذي فيه الماء.\nوأما إذا لم تعلو حمرة الدم الماء فتعرف أنه دم حيض ولم يذكر هنا أنها تغتسل لكل صلاة، وسيأتي في الحديث الذي بعده.\nقال المؤلف ﵀: [حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عنبسة حدثنا يونس عن ابن شهاب أخبرتني عمرة بنت عبد الرحمن عن أم حبيبة ﵂ بهذا الحديث، قالت عائشة ﵂: فكانت تغتسل لكل صلاة].\nوهذا هو الشاهد للترجمة بقوله: باب: ما روي أنها تغتسل لكل صلاة.\nففي الحديث: أنها كانت تغتسل لكل صلاة.\nولكن هذا اجتهاد منها.\nولم يأمرها به النبي ﷺ، وإنما الواجب عليها أن تغتسل مرة واحدة عند انقطاع دم الحيض، فإذا انقطع دم الحيض اغتسلت.\nأو إذا كان لها تمييز أو انتهت العادة فإنها تغتسل مرة واحدة.\nهذا هو الواجب عليها.\nوأما اغتسالها لكل صلاة فقد فعلته هي تطوعًا، ولم يأمرها به النبي ﷺ، والذي أمرها به هو أنها تغتسل عند انقطاع دم الحيض.\nوأما كونها تغتسل لكل صلاة فهذا اجتهاد منها، وليس بواجب.\nوعنبسة هذا الأقرب أنه عنبسة بن خالد.\nوما جاء في بعض الروايات من الأمر بالغسل لكل صلاة فهو محمول على الاستحباب كما سيأتي.\nقال المؤلف ﵀: [حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني حدثني الليث بن سعد عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ﵂ بهذا الحديث.\nقال فيه: فكانت تغتسل لكل صلاة].\nوهذا الإسناد لا بأس به.\nوفيه: أنها هي التي كانت تغتسل لكل صلاة.\nففيه دليل على: أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة، وهذا من باب الاستحباب.\nفإن أحبت هي من نفسها فعلته، وإلا فليس بواجب عليها أن تغتسل لكل صلاة؛ لأن فيه مشقة عليها.\nقال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: رواه القاسم بن مبرور عن يونس عن ابن شهاب عن عمرة عن عائشة ﵂ عن أم حبيبة بنت جحش ﵂] يعني: جعل يزيد عروة مكان مكان عمرة، والقاسم بن مبرور جعل عمرة مكان عروة، فقال: عن عمرة عن عائشة، فقد اختلفا في عروة وعمرة وكلاهما ثقة، وعنبسة جعله عن الزهري.\nوالقاسم جعله من مسند أم حبيبة لا من مسند عائشة، فهذا هو وجه كون المؤلف ذكر الاختلاف في هذا وبينه.\nقال المؤلف ﵀: [وكذلك رواه معمر عن الزهري عن عمرة عن عائشة ﵂، وربما قال معمر: عن عمرة عن أم حبيبة ﵂، بمعناه].\nيعني: أن معمرًا ربما حذف عائشة ﵂.\nقال المؤلف ﵀: [وكذلك رواه إبراهيم بن سعد وابن عيينة عن الزهري عن عمرة عن عائشة ﵂].\nيعني: جعله من مسند الزهري عن عمرة عن عائشة.\nوروايته الأولى عن عروة عن عائشة.\nقال المؤلف ﵀: [وقال ابن عيينة في حديثه: ولم يقل: إن النبي ﷺ أمرها أن تغتسل لكل صلاة].\nأي: قال سفيان بن عيينة في حديثه: ولم يقل -أي: الزهري - إن النبي ﷺ أمرها أن تغتسل.\nوعنبسة بن خالد هو أبو عثمان مولى بني أمية عن عمه يونس وابن جريج، وعنه: ابن وهب وأحمد بن صالح.\nوقال: صدوق.\nقال أبو داود: هو أحب إلينا من الليث.\nوقال أبو حاتم: كان على خراج مصر، وكان يعلق النساء بثديهن.\nقال ابن القطان: كفى هذا في تجريحه.\nقال النسوي سمعت يحيى بن بكير يقول: إنما يحدث عن عنبسة مجنون أحمق، لم يكن موضعًا للكتابة عنه.\nكذا في الميزان والتهذيب.\nقال ابن يونس: توفي سنة ثمان وتسعين ومائة، قاله البخاري.\nوعلى كل حال يحتاج هذا الكلام إلى توثيق.\nيعني: هذا اختلاف في توثيقه، ويحتاج إلى مراجعة خلاف النقاد.\nقال المؤلف ﵀: [وذكر أبو داود ﵀ قال حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن جعفر عن عراك عن عروة عن عائشة أنها قالت: (إن أم حبيبة سألت النبي ﷺ الله عليه وسلم، عن الدم؟ فقالت عائشة: فرأيت مركنها ملآن دمًا، فقال رسول الله ﷺ: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي).\nقال أبو داود: ورواه قتيبة بين أضعاف حديث جعفر بن ربيعة في آخرها.\nرواه علي بن عياش ويونس بن محمد عن الليث فقالا: جعفر بن ربيعة].\nقال المؤلف ﵀: [حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي حدثنى أبي عن ابن أبي ذئب عن ابن شهاب عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة: (أن أم حبيبة ﵂ استحيضت سبع سنين، فأمرها رسول الله ﷺ أن تغتسل فكانت تغتسل لكل صلاة).\nوكذلك رواه الأوزاعي أيضًا.\nقالت عائشة: فكانت تغتسل لكل صلاة].\nوهذا هو الصواب، أنها هي التي كانت تغتسل، ولم يأمرها النبي ﷺ بذلك.\nقال المؤلف ﵀: [حدثنا هناد بن السري عن عبدة عن ابن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة: (أن أم حبيبة بنت جحش ﵂ استحيضت في عهد رسول الله ﷺ، فأمرها بالغسل لكل صلاة).\nوساق الحديث].\nوهذا ضعيف؛ لأن في إسناده محمد بن إسحاق وهو مدلس، وقد عنعن ولم يصرح بالتحديث.\nوفيه: أن النبي هو الذي أمرها بالغسل لكل صلاة.\nوهذا ضعيف.\nوالصواب: ما سبق من أنها هي التي كانت تغتسل.\nوأما هذا الحديث الذي فيه: أن النبي هو الذي أمرها بالغسل لكل صلاة فمن رواية محمد بن إسحاق، وهو ثقة، ولكنه مدلس.\nفلهذا لا حجة في ما دل عليه: من أن النبي هو الذي أمرها بالغسل.\nوإنما هي التي كانت تغتسل كما دلت عليه الروايات السابقة الكثيرة.","vol":"19","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>شرح الأحاديث الواردة في استحاضة زينب بنت جحش</span>\nقال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: ورواه أبو الوليد الطيالسي ولم أسمعه منه عن سليمان بن كثير عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: (استحيضت زينب بنت جحش فقال لها النبي ﷺ: اغتسلي لكل صلاة).\nوساق الحديث].\nوهذا منقطع، كما قال: إن بينه وبين أبي الوليد واسطة.\nوفيه: أن النبي أمرها بالاغتسال.\nوهذا غير صحيح؛ لأنه لم يصح الأمر بالغسل، وإنما هي التي كانت تغتسل.\nولم يسمع المؤلف هذا الحديث من أبي الوليد الطيالسي مع كونه من تلامذته.\nوقد قال المؤلف: إن بينهما واسطة، ولم يذكرها.\nفالحديث منقطع ضعيف.\nوالثابت أنها هي التي كانت تغتسل، كما في الأحاديث الصحيحة.\nقال المحقق في الحاشية: [وليست كل امرأة مستحاضة يجب عليها الاغتسال لكل صلاة، وإنما هي فيمن تبتلى وهي لا تميز دمها، أو كانت لها أيام فنسيتها، فهي لا تعرف موضعها ولا عادتها ولا وقت انقطاع الدم عنها].\nوهذه هي المتحيرة، ولكن لا يجب عليها الغسل.\nوأما الغسل لكل صلاة فمستحب، إذا فعلته من نفسها.\nولم يأمر به النبي ﷺ، ولو ثبت الأمر منه فهو محمول على الاستحباب؛ لأن النبي لم يأمر المستحاضات بالغسل لكل صلاة؛ لأن فيه مشقة.\nقال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: ورواه عبد الصمد عن سليمان بن كثير قال: (توضئي لكل صلاة).\nقال أبو داود: وهذا وهم من عبد الصمد، والقول فيه قول أبي الوليد].\nوهذا هو الصواب.\nولكن أبو داود وجماعة يجعلون رواية عبد الصمد عن سليمان بن كثير: (توضئي لكل صلاة)، وهمًا؛ لأنه انفرد بها.\nوأما رواية أبي الوليد الطيالسي عن سليمان بن كثير التي فيها الغسل لكل صلاة المنقطعة فيصححها أبو داود؛ لأنه يوثق الواسطة بينه وبين أبي الوليد، ويرجح قول أبي الوليد على قول عبد الصمد؛ لأنه أقوى في الحفظ.\nوالصواب: أن عبد الصمد لم يهم؛ لموافقته النصوص التي فيها الأمر بالوضوء فقط.\nوإن كان أبو الوليد أقوى حفظًا.","vol":"19","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>شرح الأحاديث الواردة في اغتسال المستحاضة لكل صلاة</span>\nقال المؤلف ﵀: [حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر حدثنا عبد الوارث عن الحسين عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة قال: أخبرتني زينب بنت أبي سلمة: (أن امرأة كانت تهرق الدم، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أمرها أن تغتسل عند كل صلاة وتصلي)].\nوحديث أبي سلمة هذا إسناده: حسن، وليس فيه علة.\nوقال ابن القيم ﵀: أعل ابن القطان هذا الحديث بأنه مرسل؛ لأن زينب بنت أبي سلمة ربيبة النبي ﷺ معدودة في التابعيات.\nفيكون الحديث مرسلًا، والمرسل ضعيف.\nقال ابن القيم: وهذا التعليل تعليل فاسد، فإنها معروفة الرواية عن النبي ﷺ وعن أمها وعن أم حبيبة، فلا يكون مرسلًا، وإنما هو حسن.\nوقد اعتمد هذا الشارح، وعلى هذا فيكون النبي هو الذي أمرها أن تغتسل، فيكون الأمر محمولًا على الاستحباب، جمعًا بين الروايتين.\nقال المؤلف ﵀: [وأخبرني أن أم بكر أخبرته أن عائشة قالت: إن رسول الله ﷺ قال: (في المرأة ترى ما يريبها بعد الطهر إنما هي أو قال: إنما هو عرق، أو قال: عروق)].\nيعني: دم استحاضة.\nفلا تترك له الصلاة، لأنه دم عرق، يعني: دم يخرج من انفجار العروق، ولا يخرج من الرحم.\nوعلى هذا فإذا رأت المستحاضة هذا الدم بعد الطهر، فإنها تغتسل وتتلجم وتتحفظ وتصلي.\nقال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: في حديث ابن عقيل: الأمران جميعًا.\nوقال: (إن قويت فاغتسلي لكل صلاة، وإلا فاجمعي)].\nأي: بين الصلاتين.\nيعني: بغسل واحد.\nقال: [كما قال القاسم في حديثه].\nوهذا الغسل من باب الاستحباب وحديث القاسم سيأتي في الباب الذي بعده.\nقال: [وقد روي هذا القول عن سعيد بن جبير عن علي وابن عباس ﵃].\nأي: أنها تغتسل لكل صلاة، أو تجمع بين الصلاتين بغسل واحد.","vol":"19","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-325>ما جاء فيمن قال تجمع بين الصلاتين وتغتسل لهما غسلًا</span>","vol":"19","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>شرح حديث: (استحيضت امرأة على عهد رسول الله)</span>\nقال المؤلف ﵀: [باب من قال تجمع بين الصلاتين وتغتسل لهما غسلًا].\nقال المؤلف ﵀: [حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثني أبي عن شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: (استحيضت امرأة على عهد رسول الله ﷺ، فأمرت أن تعجل العصر وتؤخر الظهر وتغتسل لهما غسلًا، وأن تؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلا، وتغتسل لصلاة الصبح غسلًا) فقلت لـ عبد الرحمن: عن النبي ﷺ؟ فقال: لا أحدثك بشيء إلا عن النبي ﷺ].\nوهذا الأمر على سبيل الاستحباب لا الوجوب، بدليل قوله في حديث حمنة لما ذكر الغسل والوضوء في كل صلاة: (وهو أعجب الأمرين إلي) فهذا القول منه يدل على: أنه ليس للوجوب.\nفيكون الغسل هذا من باب الاستحباب، وأما كونها تجمع بين الصلاتين فلأن الاستحاضة نوع من المرض، فتجمع إذا كان يشق عليها أن تصلي كل صلاة في وقتها.\nوأما الغسل فهو مستحب.\nوإذا اغتسلت فهو أفضل وأقوى، وهو يزيد النشاط والقوة، وإلا فالوضوء يكفيها، وتغتسل إذا انتهى دم الحيض أو انقطع دم الحيض، أو انتهت أيام عادتها أو التمييز.\nوالحديث أخرجه النسائي.\nوقوله: يقول -أي: شعبة - لـ عبد الرحمن: عن النبي ﷺ؟ يعني: هذا الحديث.\nقال: لا أحدثك بشيء إلا عن النبي ﷺ.\nفقوله: بشيء متعلقة بأحدثك.\nففيها تقديم وتأخير، يعني: أن الحديث مرفوع.\nوأن الآمر لها النبي ﷺ، ولكنه محمول على الاستحباب.\nوفي بعض النسخ: (لا أحدث عن النبي ﷺ بشيء).\nوالأقرب الاستثناء، وأنه لابد منه.","vol":"19","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>شرح حديث عائشة: (أن سهلة بنت سهيل استحيضت)</span>\nقال المؤلف ﵀: [حدثنا عبد العزيز بن يحيى حدثنا محمد -يعني: ابن سلمة - عن محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة: (أن سهلة بنت سهيل استحيضت، فأتت النبي ﷺ فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة.\nفلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل، وتغتسل للصبح)].\nوهذا السند فيه محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وقد عنعن، ولو صح فإن الأمر بالغسل محمول على الاستحباب.\nقال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: ورواه ابن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه: أن امرأة استحيضت فسألت النبي ﷺ فأمرها بمعناه].\nوهذا فيه متابعة من ابن عيينة لـ محمد بن إسحاق، فـ محمد بن إسحاق مدلس فيشده متابعة ابن عيينة له، ويكون الأمر ثابتًا عن النبي ﷺ، ويكون الأمر للاستحباب ليس للوجوب.","vol":"19","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-328>شرح حديث أسماء بنت عميس في استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش</span>\nقال المؤلف ﵀: [حدثنا وهب بن بقية قال: أخبرنا خالد عن وسهيل -يعني: ابن أبي صالح - عن الزهري عن عروة بن الزبير عن أسماء بنت عميس قالت: قلت: (يا رسول الله! إن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت منذ كذا وكذا فلم تصل، فقال رسول الله ﷺ: سبحان الله! إن هذا من الشيطان، لتجلس في مركن فإذا رأت صفرة فوق الماء فلتغتسل للظهر والعصر غسلًا واحدًا، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلًا واحدًا، وتغتسل للفجر غسلًا واحدًا، وتتوضأ فيما بين ذلك)].\nوهذا الحديث قال المنذري: إسناده حسن، وفيه: أن النبي ﷺ أمرها بالغسل، ولكنه محمول على الاستحباب.\nوقوله: (لتجلس في مركن فإذا رأت صفرة فوق الماء)، يعني: إذا رأت صفرة فوق الماء الذي تقعد فيه فلتغتسل، وفائدة القعود لتميز دم الاستحاضة من غيره، فإنه إذا علا الدم الأصفر فوق الماء فهي مستحاضة، وإن لم يعلو على الماء فهو حيض، وأما الغسل فيكون خارج المركن، والمركن هو: الإناء الواسع الذي يغسل فيه الثياب، ويسمى عندنا الآن الطست، واللجان.\n[قال أبو داود: رواه مجاهد عن ابن عباس: (لما اشتد عليها الغسل، أمرها أن تجمع بين الصلاتين)].\nيعني: لما اشتد عليها الغسل لكل الصلاة، وقد سبق أنها هي التي فعلت هذا بنفسها، ولم يأمرها به النبي ﷺ، وقوله: (لما اشتد عليها الغسل أمرها أن تجمع بين الصلاتين)، هذه رواية ابن عباس.\n[قال: أبو داود: ورواه إبراهيم عن ابن عباس وهو قول إبراهيم النخعي وعبد الله بن شداد].\nلأن الاستحاضة نوع من المرض فتجمع بن الصلاتين، وهذا هو الصواب: أنها تجمع.\nوإذا لم تصل المرأة وهي في دم الاستحاضة، فإنها تقضي الصلاة، فإن قيل: إن النبي ﷺ لم يأمر فاطمة هنا بالإعادة؛ وهو دم استحاضة، قيل: هذا مسكوت.","vol":"19","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-329>ما جاء فيمن قال تغتسل المستحاضة من طهر إلى طهر</span>\nقال المؤلف ﵀: [باب: من قال: تغتسل من طهر إلى طهر.\nحدثنا محمد بن جعفر بن زياد وحدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا شريك عن أبي اليقظان عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ: (في المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي، والوضوء عند كل صلاة)].\nوالاغتسال من طهر إلى طهر هو الواجب، وهو الذي عليه الجمهور، وهو الصواب: أنها لا يجب عليها أن تغتسل إلا من طهر إلى طهر، والغسل عند كل صلاة محمول على الاستحباب، وهذا الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة، وهو ضعيف؛ لأن في سنده شريك القاضي، وهو سيئ الحفظ، وفي سنده أيضًا أبو اليقظان لا يحتج بحديثه، وجد عدي بن ثابت مجهول، ففيه ثلاث علل: شريك القاضي فإنه لما تولى القضاء ساء حفظه، وأبو اليقظان لا يحتج بحديثه، وجد عدي بن ثابت مجهول عن أبيه عن جده، ولكن الحديث له شواهد كثيرة، تدل على أن: المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة، وما دل عليه الحديث ثابت في أنها تدع الصلاة أيام أقرائها، يعني: الحيض، ثم تغتسل، يعني: بعد الطهر وتصلي.\nقال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: زاد عثمان: (وتصوم وتصلي)].\nالشيخ: يعني: الرواية الأولى: (تغتسل وتصلي)، وهنا زاد عثمان: (وتصوم وتصلي) وعثمان هو ابن أبي شيبة.\nقال المؤلف ﵀: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ إلى النبي ﷺ فذكر خبرها وقال: (ثم اغتسلي، ثم توضئي لكل صلاة وصلي)].\nوهذا الحديث فيه عنعنة حبيب بن أبي ثابت وعنعنة الأعمش أيضًا، والأعمش وحبيب بن ثابت كلاهما مدلسان -كما سيبين المؤلف ﵀- وفي هذا قال: (ثم اغتسلي، ثم توضئي لكل صلاة)، فالوضوء لكل صلاة هو الذي ذهب إليه كثير من العلماء، وبعض العلماء يرى: أنها لا تتوضأ؛ لأن هذا دم مستمر.\nقال المؤلف ﵀: [حدثنا أحمد بن سنان القطان الواسطي حدثنا يزيد عن أيوب بن أبي مسكين عن الحجاج عن أم كلثوم عن عائشة في المستحاضة: تغتسل -تعني: مرة واحدة- ثم توضأ إلى أيام أقرائها].\nوهذا هو الواجب عليها، أنها تغتسل مرة واحدة عند انتهاء مدة الحيض، ثم تتوضأ حتى يأتيها الحيض مرة أخرى.\nقال المؤلف ﵀: [حدثنا أحمد بن سنان القطان الواسطي حدثنا يزيد عن أيوب أبي العلاء عن ابن شبرمة عن امرأة مسروق عن عائشة عن النبي ﷺ مثله].\nيعني: أنها تغتسل مرة واحدة، ثم تتوضأ إلى أيام أقرائها.\nقال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: وحديث عدي بن ثابت والأعمش عن حبيب وأيوب أبي العلاء كلها ضعيفة لا تصح].\nيعني: الأحاديث التي سبقت، فالحديث الأول: حديث عدي بن ثابت عن أبيه عن جده في المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها، والثاني: حديث الأعمش، وهو حديث عثمان بن أبي شيبة عن وكيع عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت كذلك، والثالث: حديث أيوب بن أبي مسكين عن الحجاج وهذه الأحاديث الثلاثة التي سبقت كلها ضعيفة، فأما الأول: فكما سبق أن فيه ثلاث علل، وأما الثاني: ففيه عنعنة الأعمش وعنعنة حبيب، وأما الثالث: ففيه الحجاج، وكأنه الحجاج بن أرطأة.\nفأما الحديث الأول فقد قصد المؤلف ﵀ أن يضعف القول بالوضوء لكل صلاة، وأنها لا يجب عليها الوضوء لكل صلاة وحديث عدي له شواهد.\nوأيوب بن أبي مسكين صدوق له أوهام.\nقال المؤلف ﵀: [ودل على ضعف حديث الأعمش عن حبيب هذا الحديث].\nوحديث الأعمش هو الثاني من أحاديث الباب، وهو عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت.\nقال: [أوقفه حفص بن غياث عن الأعمش].\nيعني: أن حفص بن غياث رواه عن الأعمش وأوقفه على عائشة، وأنكر أن يكون مرفوعًا.\nقال: [وأنكر حفص بن غياث أن يكون حديث حبيب مرفوعًا].\nبل جعله موقوفًا على عائشة.\nقال: [وأوقفه أيضًا أسباط عن الأعمش موقوفًا عن عائشة].\nوأيوب بن أبي المسكين هو التميمي أبو العلاء الواسطي، روى عن: قتادة وسعيد المقبري، وروى عنه: هشيم وإسحاق بن يوسف الأزرق ويزيد بن حرام، ووثقه أحمد والنسائي، وقال أبو حاتم: لا بأس به، ولا يحتج به، وقد ضعفه المؤلف.\nقال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: ورواه ابن داود عن الأعمش مرفوعًا أوله، وأنكر أن يكون فيه الوضوء عند كل صلاة].\nأي: رواه ابن داود عن الأعمش مرفوعًا أوله وآخره ليس بمرفوع، وهو قوله: (والوضوء لكل صلاة).\nقال: [ودل على ضعف حديث حبيب هذا أن رواية الزهري عن عروة عن عائشة قالت: فكانت تغتسل لكل صلاة، في حديث المستحاضة].\nوهذا هو الحديث الثاني، حديث الأعمش وحبيب بن أبي ثابت وقد خالفته رواية الزهري، ففي رواية حبيب بن أبي ثابت أمرها النبي أن تغتسل، فقال: (ثم اغتسلي لكل صلاة)، وفي رواية الزهري: أن الغسل من فعلها هي، وأنها هي التي كانت تغتسل لكل صلاة، وهذا يدل على ضعفه، والمؤلف قصده من هذا أن يضعف رواية: (والوضوء لكل صلاة) وجعلها شاذة وغير ثابتة.\nقال المؤلف ﵀: [وروى أبو اليقظان عن عدي بن ثابت عن أبيه عن علي وعمار مولى بني هاشم عن ابن عباس].\nوفي الأول أنه رفعه إلى النبي ﷺ.\nقال المؤلف ﵀: [وروى عبد الملك بن ميسرة وبيان والمغيرة وفراس ومجالد عن الشعبي حديث قمير عن عائشة: (توضئي لكل صلاة)].\nومجالد هذا ضعيف وقمير هي امرأة مسروق، وهي مقبولة عن عائشة، وهذا موقوف على عائشة، وليس مرفوعًا إلى النبي ﷺ.\nقال المؤلف ﵀: [ورواية داود وعاصم عن الشعبي عن قمير عن عائشة: (تغتسل كل يوم مرة).\nوروى هشام بن عروة عن أبيه: (المستحاضة تتوضأ لكل صلاة)، وهذه الأحاديث كلها ضعيفة].\nوقد قصد المؤلف ﵀: أن يضعف الوضوء لكل صلاة.\nقال المؤلف ﵀: [وهذه الأحاديث كلها ضعيفة إلا حديث قمير، وحديث عمار مولى بني هاشم، وحديث هشام بن عروة عن أبيه، والمعروف عن ابن عباس الغسل].\nوهكذا المؤلف ﵀ ضعف هذه الآثار، وقال: كلها ضعيفة، إلا حديث قمير فمقبول، وحديث عمار مولى بني هاشم، الذي قال فيه: وروى أبو اليقظان عن عدي بن ثابت عن أبيه عن علي وعمار مولى بني هاشم عن ابن عباس، وكذلك حديث هشام بن عروة، قال: والمعروف عن ابن عباس الغسل.\nوالمؤلف ﵀ يريد بهذا أن يضعف رواية الوضوء، وأن كل ما في الباب من الروايات ضعيفة إلا ثلاثة آثار، أثر قمير وأثر عمار وأثر هشام بن عروة، وقمير امرأة مسروق مقبولة.\nفالمؤلف ﵀ يرى أن رواية الوضوء لكل صلاة غير ثابتة، وعلى هذا يجوز للمرأة المستحاضة أن تصلي الصلاتين بوضوء واحد، ولو كان الدم ينزل عليها، إلا إذا أحدثت بغير الدم، مثل الريح أو بشيء آخر؛ لأن هذا حدث مستقل، ومثلها أيضًا من به سلس البول، أو حدث دائم، فهذا لا يوجب الوضوء، وإنما يوجب الوضوء حدث آخر، وأما هذا فلا لأنه مستديم ولا حيلة فيه، وفيه مشقة، والوضوء لكل صلاة ليس ثابتًا.\nوالقول المشهور عن جمهور العلماء: أنه يجب عليها الوضوء لكل صلاة، عملًا بهذا الحديث، وقد قال النسائي في حديث: (تتوضأ لكل صلاة)، أن هذا انفرد به حماد بن زيد، وهو ثقة، والذي عليه الفتوى الآن وعليه الجماهير: أنها تت","vol":"19","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-330>ما جاء فيمن قال المستحاضة تغتسل من ظهر إلى ظهر</span>\nقال المؤلف ﵀: [باب من قال: المستحاضة تغتسل من ظهر إلى ظهر].\nمن ظهر بالظاء المعجمة، والفرق بينها وبين الترجمة السابقة: أن الترجمة السابقة: من طهر إلى طهر، وهذه من ظهر إلى ظهر، وفيها خلاف أيضًا في الترجمة: هل هي بالطهر؟ بعضهم رواها بالطهر، وبعضهم رواها بالظهر.\nقال المؤلف ﵀: [حدثنا القعنبي عن مالك عن سمي مولى أبي بكر أن القعقاع وزيد بن أسلم أرسلاه إلى سعيد بن المسيب يسأله: كيف تغتسل المستحاضة؟ فقال: تغتسل من ظهر إلى ظهر، وتتوضأ لكل صلاة، فإن غلبها الدم استثفرت بثوب].\nوهذا من مراسيل سعيد بن المسيب، وفيه: أنها تغتسل من ظهر إلى ظهر، يعني: كل يوم مرة، وتتوضأ لكل صلاة، ولكن هذه الترجمة فيها كلام للشراح ولغيرهم، فبعضهم قال: إن قوله: من ظهر إلى ظهر خطأ، والصواب: أنها من طهر إلى طهر.\nقال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: وروي عن ابن عمر وأنس بن مالك: تغتسل من ظهر إلى ظهر.\nوكذلك روى داود وعاصم عن الشعبي عن امرأته عن قمير عن عائشة إلا أن داود قال: كل يوم، وفي حديث عاصم: عند الظهر، وهو قول سالم بن عبد الله والحسن وعطاء].\nيعني: كلهم يرون أنها تغتسل مرة واحدة، من ظهر إلى ظهر.\nقال: [قال أبو داود: قال مالك: إني لأظن حديث ابن المسيب من ظهر إلى ظهر قال فيه: إنما هو من طهر إلى طهر، ولكن الوهم دخل فيه، فقلبها الناس فقالوا: من ظهر إلى ظهر، ورواه مسور بن عبد الملك بن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع قال فيه: من طهر إلى طهر، فقلبها الناس: من ظهر إلى ظهر].\nوهذا هو الأقرب، فالأقرب أنه لا يجب إلا من طهر إلى طهر، وأنه لا يجب عليها أن تغتسل كل يوم، وهذا هو الذي تدل عليه الأحاديث، أن النبي ﷺ أمرها أن تغتسل عند الطهر، وأما هذا فمن مراسيل سعيد بن المسيب، وقد دخل فيه الوهم.","vol":"19","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-331>ما جاء في غسل المستحاضة كل يوم</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب من قال تغتسل كل يوم مرة ولم يقل عند الظهر مرة.\nحدثنا أحمد بن حنبل أخبرنا عبد الله بن نمير عن محمد بن أبي إسماعيل - وهو محمد بن راشد - عن معقل الخثعمي عن علي ﵁ قال: المستحاضة إذا انقضى حيضها اغتسلت كل يوم واتخذت صوفة فيها سمن أو زيت].\nوهذا الحديث ضعيف لأنَّ فيه معقل الخثعمي، وهو أيضًا موقوف على علي، ولهذا قال المنذري: غريب.\nوالفرق بين هذه الترجمة والترجمة السابقة تحديد الوقت، فالترجمة السابقة أنها تغتسل من الظهر إلى الظهر، أي: تغتسل كل يوم قبل الظهر، وهذا الترجمة فيها أن الوقت غير محدد، فتغتسل كل يوم مرة، سواءً كان الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء أو الفجر.\nوقوله: واتخذت صوفة يعني: تتخذ المستحاضة صوفة مدهونة بالسمن أو الزيت تتلجم به في فرجها؛ لتقطع جريان الدم، وتسترخي تشنج العروق الذي هو سبب لسيلان الدم، لكن هذا ضعيف، والصواب كما سبق أنها لا تغتسل إلا مرة واحدة عند الطهر، أيْ: إذا طهرت من الحيضة.\nومحمد بن أبي إسماعيل وثقه ابن حبان، وعلى كل حال ابن حبان متساهل ﵀.","vol":"19","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-332>ما جاء في غسل المستحاضة بين أيام عادتها</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب من قال تغتسل بين الأيام.\nحدثنا القعنبي أخبرنا عبد العزيز - يعني ابن محمد - عن محمد بن عثمان: أنه سأل القاسم بن محمد عن المستحاضة قال: تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل فتصلي ثم تغتسل في الأيام].\nوهذا موقوف على القاسم بن محمد بن أبي بكر، وهو قول له، ولا يظهر توجيهه، أيْ: هذا القول ليس له وجه أنها تغتسل في الأيام، وإنما الواجب كما سبق أن تغتسل مرة واحدة عند الطهر.","vol":"19","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-333>ما جاء في وضوء المستحاضة لكل صلاة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب من قال توضأ لكل صلاة.\nحدثنا محمد بن المثنى أخبرنا ابن أبي عدي عن محمد - يعني ابن عمرو - قال: حدثني ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن فاطمة بنت أبي حبيش ﵂: أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ: (إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي)].\nقال أبو داود: قال ابن المثنى: وحدثنا به ابن أبي عدي حفظًا، فقال: عن عروة عن عائشة ﵂، أن فاطمة].\nوهذا الحديث ليس فيه إنها تتوضأ لكل صلاة.\nوفي السند الأول حدث ابن أبي عدي من كتابه فقال عن محمد حدثني ابن شهاب عن عروة عن فاطمة.\nوفي السند الثاني قال: عن عروة عن عائشة.\nفالحديث الأول جعله من مسند فاطمة لما حدث به من كتابه، ولما حدث من حفظه قال عن عروة عن عائشة.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو داود: وروي عن العلاء بن المسيب وشعبة عن الحكم عن أبي جعفر قال العلاء عن النبي ﷺ وأوقفه شعبة على أبي جعفر: توضأ لكل صلاة].\nهذا الحديث قال فيه أبو داود: وروي عن العلاء - بالبناء للمجهول - وشعبة فكلاهما رويا هذا الحديث عن الحكم عن أبي جعفر، فهو مرفوع في رواية العلاء، وأما في رواية شعبة فهو موقوف على أبي جعفر.\nوالأقرب أنها مرفوعة وأنها ثابتة، وأنه يجب على المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة.","vol":"19","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-334>ما جاء في وضوء المستحاضة عند الحدث</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب من لم يذكر الوضوء إلا عند الحدث.\nحدثنا زياد بن أيوب أخبرنا هشيم أخبرنا أبو بشر عن عكرمة قال (إن أم حبيبة بنت جحش ﵂ استحيضت فأمرها النبي ﷺ أن تنتظر أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي، فإن رأت شيئًا من ذلك توضأت وصلت)].\nوالحديث ضعيف لأنه مرسل ومنقطع؛ لأن عكرمة لم يسمع من أم حبيبة، وعلى هذا فالمراد بقوله: (فإن رأت شيئًا من ذلك توضأت وصلت) أيْ: رأت غير الدم؛ لأنه لا يجب الوضوء من الدم الخارج؛ لأن الدم لا يفارقها.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الملك بن شعيب حدثني عبد الله بن وهب حدثني الليث عن ربيعة أنه كان لا يرى على المستحاضة وضوءًا عند كل صلاة إلا أن يصيبها حدث غير الدم فتوضأ].\nقول ربيعة يوافقه بعض العلماء من أنها ليس عليها وضوء إلا أن يصيبها حدث غير الدم؛ لأن الدم مستمر.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو داود: هذا قول مالك - يعني ابن أنس].\nأي: هذا قول مالك بن أنس، وقول الخطابي وقول ربيعة شاذان، وليس عليه العمل، وبعض العلماء تكلم فيما قاله الخطابي فقال: فيه نظر؛ لأن، مالك بن أنس وافق على هذا.","vol":"19","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-335>ما جاء فيما إذا رأت الحائض الصفرة والكدرة بعد الطهر</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في المرأة ترى الصفرة والكدرة بعد الطهر:].\nفهذه الأحاديث وهذه الأبواب مرتبط بعضها ببعض، ولا ينفصل بعضها عن بعض.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل أخبرنا حماد عن قتادة عن أم الهذيل عن أم عطية ﵂ - وكانت بايعت النبي ﷺ - قالت: كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا].\nوهذا الحديث أخرجه البخاري والنسائي، لكن بدون قولها: (بعد الطهر)، وهذا الحديث صحيح وهو المعتمد، وفيه دليل على أن المرأة إذا رأت الطهر، ثم رأت بعده الكدرة أو الصفرة فإنها لا تعدها شيئًا، بل تتلجم وتتحفظ وتصوم وتصلي، فإذا رأت القصة البيضاء أو الجفاف، ثم بعد ذلك جاءها الكدرة والصفرة فلا بأس، لكن الكدرة والصفرة في زمن العادة تعتبر من الحيض، ولهذا يقول العلماء: والصفرة والكدرة في زمن العادة حيض، لكن بعد العادة وانتهائها فلا تعتبر حيضًا.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد أخبرنا إسماعيل أخبرنا أيوب عن محمد بن سيرين عن أم عطية بمثله].","vol":"19","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-336>اختلاف الفقهاء في الصفرة والكدرة بعد الطهر والنقاء</span>\nوهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، روي عن علي ﵁ أنه قال: ليس ذلك بمحيض، ولا تمتنع عن الصلاة وهذا هو الصواب.\nوروي عن سعيد بن المسيب أنها إذا رأت ذلك اغتسلت وصلت.\nوعن أبي حنيفة إذا رأت بعد الحيض وبعد انقطاع الدم صفرة أو كدرة يومًا أو يومين ما لم يجاوز العشر فهو من حيضها.\nوكذلك أيضًا المشهور عن الشافعي أنها إذا رأت الصفرة أو الكدرة بعد انقطاع دم العادة ما لم تجاوز خمسة عشر يومًا، فإنها حيض، وهذا هو الصواب لدلالة الحديث عليه.","vol":"19","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-337>ما جاء في جماع المستحاضة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب المستحاضة يغشاها زوجها حدثنا إبراهيم بن خالد أخبرنا معلى بن منصور عن علي بن مسهر عن الشيباني عن عكرمة قال: كانت أم حبيبة تستحاض فكان زوجها يغشاها].\nوهذا هو الباب الأخير الذي يتعلق بأحكام المستحاضة.\nومعنى يغشاها أي: يجامعها، وذلك لأن الاستحاضة دم فساد كالبول والغائط، والحديث مرسل منقطع لأنَّ عكرمة لم يسمع من أم حبيبة كما قال المنذري.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو داود: قال يحيى بن معين: معلى ثقة، وكان أحمد بن حنبل لا يروي عنه؛ لأنه كان ينظر في الرأي].\nأيْ: أنَّه كان يعمل بالاجتهاد والنظر ويترك النصوص فاعتبره أحمد قدحًا، ولم يعتبره غيره قادحًا، ويقال لأهل الكوفة والأحناف بأنهم أهل الرأي، ومن كبار أهل الرأي سفيان الثوري وهو إمام جليل حافظ، وهو يعادل شعبة، لكن الإمام أحمد ﵀ لا يروي عنه؛ لأنه لا يعمل بالنصوص وإنما يعمل بالرأي.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن أبي سريج الرازي أخبرنا عبد الله بن الجهم أخبرنا عمرو بن أبي قيس عن عاصم عن عكرمة عن حمنة بنت جحش ﵂: أنها كانت مستحاضة وكان زوجها يجامعها].\nوهذا الحديث منقطع أيضًا، لأن عكرمة لم يسمع من حمنة كما قال المنذري، وكون زوجها يجامعها؛ لأنها كانت تصلي، وكما قال بعضهم لما سئل: هل يغشاها زوجها، قال: نعم؛ لأنَّ الصلاة أعظم، لكن هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف كلها منقطعة، لكن الحكم هذا معروف، لأن النبي أمرها بالغسل للصلاة، فإذا كانت تصلي فلا مانع من جماعها، والله تعالى يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]، ودم المستحاضة ليس بمحيض.\nوأبو داود ﵀ له عناية بأحاديث الاستحاضة وبيانها والآثار المنقطعة وغيرها، وهو يشبه البخاري في هذا؛ لأن البخاري يذكر الأحاديث المعلقة في الترجمة وأبو داود يذكرها بعد الحديث.","vol":"19","page":18},{"text":"شرح سنن أبي داود_<span data-type=\"title\" id=toc-338>كتاب الطهارة [٢٠]</span>\nلقد ثبت بالدليل أن مدة النفاس أربعون يومًا، ومن قال أن أكثره خمسون يومًا أو ستون يومًا ليس لهم دليل على ذلك، وعلى النساء أن يسألن عن أمر دينهن ولا يستحيين من ذلك.","vol":"20","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-339>أحكام النفاس</span>","vol":"20","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-340>مدة النفاس</span>\nقال الإمام أبي داود رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في وقت النفساء: حدثنا أحمد بن يونس أخبرنا زهير أخبرنا علي بن عبد الأعلى عن أبي سهل عن مسة عن أم سلمة ﵂ قالت: كانت النفساء على عهد رسول الله ﷺ تقعد بعد نفاسها أربعين يومًا أو أربعين ليلة، وكنا نطلي على وجوهنا الورس، تعني من الكلف].\nفهذا الحديث يدل على مدة النفاس، وفي سنده مسة وهي أم بسة، قال فيها في التقريب: مقبولة الأزدية الثالثة، قال الحافظ في البلوغ: الحديث رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الحاكم، وقال الخطابي حديث مسة أثنى عليه البخاري، وقال النووي في المجموع: إنه حديث حسن، ثم قال بعد ذلك: الحديث جيد، وقال ابن القيم ﵀: روى عنها، أي مسة: أبو سهل كثير بن زيد والحكم بن عتيبة ومحمد بن عبد الله العرزمي وزيد بن علي بن الحسين.\nوقال الحاكم عن هذا الحديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، فالحديث حسن، وهو دليل على أن النفساء تجلس أربعين يومًا، فإن استمر الدم بعدها فهو دم فساد، فتغتسل بعد الأربعين وتصلي وتصوم، إلا إذا وافق عادتها قبل النفاس فإنها تجلس عادتها.\nوالنفاس: جمع نفس، بفتح الفاء المعجمة، ودم النفاس دم حيض، احتبس في وقت الحمل، لكن لو انقطع الدم لعشرة أيام أو خمسة أيام أو أقل أو أكثر فإنها حينها تغتسل وتصلي، وقد ذكر الفقهاء شيئًا نادرًا فقالوا: لو ولدت بدون دم فما الحكم؟ فالمقصود أن دم النفاس نهايته أربعين يومًا كما دل عليه هذا الحديث وهو حديث حسن، ولو انقطع قبل ذلك فإنها تغتسل وتصوم وتصلي، فإن عاد الدم في الأربعين، فإنها تجلس عادتها.\nقال بعض العلماء: أكثر مدة النفاس خمسين يومًا، وقال بعضهم: ستين يومًا، والصواب ما دل عليه الحديث أن أكثر مدة النفاس أربعين يومًا.\nوقولها: (كنا نطلي على وجوهنا الورس) الورس: نبت أصفر يكون في اليمن، وورس الثوب، أو التوريس يعني: صبغه، (بالكلف) يعني: من أجل الكلف، وهو لون يعلو الوجه من السواد إلى الحمرة، أو تكون حمرة وكدرة تعلو الوجه.\nوالحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة.\nفإن قيل: ما حكم دم المرأة النفاس بعد الأربعين يوما؟ دم النفاس إن وافق عادتها بعد الأربعين اليوم فهو حيض، وإلا فهو دم استحاضة فتتلجم وتتحفظ وتصوم وتصلي.","vol":"20","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-341>حكم قضاء الحائض والنفساء الصلاة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن يحيى أخبرنا محمد بن حاتم - يعني حبي - أخبرنا عبد الله بن المبارك عن يونس بن نافع عن كثير بن زياد قال: حدثتني الأزدية - يعني مسة - قالت: حججت فدخلت على أم سلمة ﵂ فقلت: يا أم المؤمنين! إن سمرة بن جندب ﵁ يأمر النساء يقضين صلاة المحيض، فقالت: لا يقضين، كانت المرأة من نساء النبي ﷺ تقعد في النفاس أربعين ليلة لا يأمرها النبي ﷺ بقضاء صلاة النفاس.\nقال محمد يعني ابن حاتم: واسمها مسة تكنى أم بسة.\nقال أبو داود: كثير بن زياد كنيته أبو سهل].\nالصواب أن النفساء والحائض لا يقضيان الصلاة، وهذا بإجماع أهل العلم خالف في ذلك الخوارج، وقالوا: إنها تقضي الصلاة وهذا باطل.\nولهذا لما جاءت امرأة تستفتي عائشة ﵂ ولم تحسن السؤال، فقالت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: كنا على عهد رسول الله نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة، والخوارج يرون أنه لا فرق بين الصلاة وبين الصوم؛ لأنهم لا يعملون بالسنة.","vol":"20","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-342>أحكام الحيض</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الاغتسال من الحيض: حدثنا محمد بن عمرو الرازي حدثنا سلمة - يعني ابن الفضل - أخبرنا محمد - يعني ابن إسحاق - عن سليمان بن سحيم عن أمية بنت أبي الصلت عن امرأة من بني غفار قد سماها لي قالت: (أردفني رسول الله ﷺ على حقيبة رحله، قالت: فوالله لم يزل رسول الله ﷺ إلى الصبح فأناخ ونزلت عن حقيبة رحله فإذا بها دم مني، وكانت أول حيضة حضتها، قالت: فتقبضت إلى الناقة واستحييت، فلما رأى رسول الله ﷺ ما بي ورأى الدم قال: ما لك لعلك نفست؟ قلت: نعم، قال: فأصلحي من نفسك ثم خذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحًا، ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم، ثم عودي لمركبك، قالت: فلما فتح رسول الله ﷺ خيبر رضخ لنا من الفيء، قالت: وكانت لا تطهر من حيضة إلا جعلت في طهورها ملحًا، وأوصت به أن يجعل في غسلها حين ماتت)].\nوهذا الحديث ضعيف، لأنَّ في سنده محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن، وفي سنده أيضًا أمية بنت أبي الصلت وهي مجهولة لا تعرف.","vol":"20","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-343>حكم ركوب المرأة وحدها في سيارة الأجرة</span>\nوأما قوله: (عن امرأة من بني غفار) فلا تضر جهالتها؛ لأنها صحابية، قيل: إنها امرأة أبي ذر واسمها ليلى، لكن هذا الحديث لا يصح، وقد يقال: إن في متنه نكارة، وهو أنَّ النبي ﷺ أردفها خلفه، فهو دليل على جواز إركاب المرأة وإردافها خلف الرجل على الدابة مع الركب المسافرين، وأنه لا يعتبر خلوة، لكنه لا يصح، وهذا بخلاف إركاب المرأة وحدها في السيارة، فإن فيه خلوة؛ لأن سائق السيارة يذهب بها إلى حيث شاء، لكن إن كان معهما رجل أو امرأة تؤمن فتنتهما؛ فإنها تزول بذلك الخلوة، أما سفر المرأة وهي على البعير مع المسافرين، وهم عن يمينها وعن شمالها وعن خلفها فلا يكون ذلك خلوة.\nولو صح لكان فيه أن الملح إذا وضع مع الماء فإنه يزيل الدم، وقد يزيله، وكذلك إذا وضع في البالوعة، فإنه يشقق الصفا والحجر حتى يبتلع الماء ويدخل فيه، والملح ليس طعامًا.","vol":"20","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-344>كيفية الغسل من الحيض</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة أخبرنا سلام بن سليم عن إبراهيم بن مهاجر عن صفية بنت شيبة عن عائشة ﵂ قالت: دخلت أسماء ﵂ على رسول الله ﷺ فقالت: (يا رسول الله! كيف تغتسل إحدانا إذا طهرت من المحيض؟ قال: تأخذ سدرها وماءها فتوضأ ثم تغسل رأسها وتدلكه حتى يبلغ الماء أصول شعرها، ثم تفيض على جسدها ثم تأخذ فرصتها فتطهر بها، قالت: يا رسول الله! كيف أتطهر بها؟ قالت عائشة ﵂: فعرفت الذي يكني عنه رسول الله ﷺ، فقلت لها: تتبعين آثار الدم)].\nهذا الحديث أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة وفيه بيان كيفية اغتسال المرأة من الحيض.\nوقوله ﷺ: (تأخذ سدرها وماءها فتوضأ ثم تغسل رأسها)، استعمال السدر من باب النظافة، وإلا فالماء كاف؛ فالسدر وسيلة تنظيف، ومثله استعمال الصابون.\nوقوله: (حتى يبلغ الماء أصول شعرها)، يعني: حتى يبلغ الماء البشرة.\nوقوله: (ثم تفيض على جسدها، ثم تأخذ خرقة تتطهر بها) يعني: تأخذ قطعة من القطن وتطليها بالمسك، وتتبع بها أثر الدم لإزالة ما يكون من الروائح، وهذا من باب النظافة وإلا فالواجب هو الغسل.\nقوله: (تغسل رأسها وتدلكه حتى يبلغ الماء أصول شعرها) المهم أنَّ الماء يبلغ أصول الشعر، ومعلوم أن نقض شعر المرأة لغسل الجنابة والحيض هو من باب الاستحباب، ولا يلزم نقض الشعر.\nوالخرقة: قطعة من القماش أو من القطن مطلية بالمسك، ولما لم تعرف أسماء كيف تطهر بالخرقة، وتتبع بها أثر الدم، قالت لها عائشة: تتبعي أثر الدم في الخرقة المطلية بالمسك.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد بن مسرهد أخبرنا أبو عوانة عن إبراهيم بن مهاجر عن صفية بنت شيبة عن عائشة ﵂: أنها ذكرت نساء الأنصار فأثنت عليهن وقالت لهن معروفًا.\nوقالت: دخلت امرأة منهن على رسول الله ﷺ، فذكر معناه، إلا أنه قال: (فرصة ممسكة).\nقال مسدد كان أبو عوانة يقول: فرصة، وكان أبو الأحوص يقول: قرصة].\nإبراهيم بن مهاجر هو ابن جابر البجلي، صدوق لين الحفظ، قال فيه ابن القطان: ليس بالقوي، وقال أحمد: لا بأس به.\nوقوله ﷺ: (قِرصة أو فِرصة) أيْ: قطعة من القماش، والقرصة هي التي تؤخذ بطرف الأصبعين، يقال: قرصة ويقال فرصة، أي: قطعة من الصوف، أو من القطن، أو من القماش، يكون فيها شيء من الطيب يتتبع بها أثر الدم.","vol":"20","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-345>عدم الحياء في الدين</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبيد الله بن معاذ أخبرنا أبي أخبرنا شعبة عن إبراهيم - يعني ابن مهاجر - عن صفية بنت شيبة عن عائشة ﵂، أن أسماء ﵂ سألت النبي ﷺ بمعناه قال: (فرصة ممسكة، فقالت كيف أتطهر بها؟ قال: سبحان الله! تطهري بها، واستتَرَ بثوب، وزاد: وسألته عن الغسل من الجنابة، قال: تأخذين ماءك فتطهرين أحسن الطهور وأبلغه، ثم تصبين على رأسك الماء، ثم تدلكينه حتى يبلغ شئون رأسك، ثم تفيضين عليك الماء).\nوقالت عائشة ﵂: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يسألن عن الدين وأن يتفقهن فيه].\nوكذلك ينبغي ألا يمنع الحياءُ أو الكبرُ الإنسانَ من التفقه في دينه والسؤال عما أشكل عليه، ولذلك بوب البخاري ﵀ وقال: باب لا ينال العلم مستح ولا مستكبر، فالمستحي لا ينال العلم بل يبقى على جهله، وكذلك الذي يتكبر ولا يجلس مع طلبة العلم، أو يشمخ بأنفه ولا يسأل أهل العلم، ومن لم يذل لطلب العلم، تجرع مرارة الجهل طول الحياة، ولا ينال العلم مستح ولا مستكبر.\nولهذا أثنت عائشة ﵂ على نساء الأنصار، فقالت: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يسألن عن الدين وأن يتفقهن فيه.\nصفية بنت شيبة قيل: إن لها رؤية، وقيل: إنها صحابية، وقيل: ليست صحابية، وهذا الحديث فيه: أن هذا من باب الكمال، وهو أن تأخذ فرصة ممسكة وتتطهر بها، وفيه: أنها تصب على رأسها الماء، وتدلكه حتى تبلغ شئون رأسها حتى تبلل، أما نقض الشعر فلا يجوز، لكن يستحب لها أن تنقض شعرها؛ لأن مدة النفاس تطول بخلاف الجنابة.\nوالحديث كما سبق أخرجه الشيخان.","vol":"20","page":8},{"text":"شرح سنن أبي داود_<span data-type=\"title\" id=toc-346>كتاب الطهارة [٢١]</span>\nإن من يسر الدين وسماحته أنه من لم يجد الماء فليتيمم، والتيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، كما في حديث عمار بن ياسر.","vol":"21","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-347>ما جاء في التيمم</span>","vol":"21","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>سبب نزول آية التيمم</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب التيمم: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي أخبرنا أبو معاوية ح وحدثنا عثمان بن أبي شيبة أخبرنا عبدة - المعنى واحد - عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: (بعث رسول الله ﷺ أسيد بن حضير ﵁ وأناسًا معه في طلب قلادة أضلتها عائشة ﵂، فحضرت الصلاة فصلوا بغير وضوء، فأتوا النبي ﷺ فذكروا ذلك له، فأنزلت آية التيمم).\nزاد ابن نفيل فقال لها أسيد ﵁: (يرحمك الله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلمين ولك فيه فرجًا)].","vol":"21","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-349>تعريف التيمم لغة واصطلاحًا</span>\nالتيمم في اللغة: هو القصد، وفي الشرع: القصد إلى الصعيد لمسح الوجه واليدين بينة استباحة الصلاة وغيرها مما يشرع له الوضوء.\nوالتيمم ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، وهو خصيصة خص الله تعالى به هذه الأمة، كما قال النبي ﷺ: (أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، وذكر منها: وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل)، وهذا الحديث أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة.\nوالنبي ﷺ كان يريد أن يرتحل، ولكنه أقام لأجل التماس قلادة عائشة فبعث رجالًا يطلبونه ويبحثون عنه.\nوفيه: دليل على أن الإمام يراعي الرعية ويلاحظ حوائجهم، وفيه: أن المال لا يضاع؛ لأن المال عصب الحياة، وتقوم به مصالح الدنيا والآخرة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء:٥]، ولهذا فقد أقام النبي ﷺ لالتماس عقد عائشة، وأرسل رجالًا يطلبونه فلم يجدوه، وحضرت الصلاة فصلوا بغير وضوء، وذلك قبل أن يشرع التيمم، وأقرهم النبي ﷺ، فدل هذا على أن من فقد الماء والتراب فإنه يصلي على حسب حاله، وصلاته صحيحه في أصح أقوال أهل العلم؛ لأن النبي ﷺ لم يأمرهم بإعادة الصلاة وقد صلوا بغير ماء ولا تيمم.\nفمن لم يجد الماء ولا التراب، فإنه يصلي وصلاته صحيحه، كالمحبوس في مكان ليس فيه تراب ولا ماء، والمصلوب على الخشبة، والمريض في المستشفى ليس عنده أحد ويخشى خروج الوقت فإنه يصلي على حسب حاله؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].\nثم إنَّ الصحابة الذين بحثوا عن العقد لم يجدوه، ثم بعد ذلك لما أقاموا البعير وجدوا العقد تحته، فدل على أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، ولو كان يعلم الغيب ما أرسل جماعة يبحثون عنه وهو تحت البعير.\nوفيه أن أسيد قال: (يرحمك الله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلين ولك فيه فرجًا) وفي لفظ البخاري: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، ففيه دليل على جواز القول لشخص: هذا من بركتك، أي: من البركة التي جعلها الله فيك، خاصة إذا كان شخصية مباركة، مثل آل أبي بكر فإنهم مباركون، أو مثلما يقول بعضهم: كلك بركة، أي: إذا كان الشخص معروف، وكان فيه خير ينفع الناس بشفاعته أو بماله أو ببدنه أو بتوجيهه.","vol":"21","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-350>الراجح في كيفية التيمم</span>\nوأحاديث التيمم كلها تدور على حديث عمار وأنه ضربة واحدة للوجه والكفين.\nأما ما ورد في التيمم من أنه ضربتان كما سيأتي، وأنه تمسح بإحدهما اليدان إلى الآباط أو المرافق فهذا محمول على أنه اجتهاد من الصحابة، أو أن ذلك كان في أول الأمر، ثم نسخ بحديث عمار وأمثاله الدال على أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن صالح أخبرنا عبد الله بن وهب حدثني يونس عن ابن شهاب قال: إن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة حدثه عن عمار بن ياسر ﵁: (أنه كان يحدث أنهم تمسحوا وهم مع رسول الله ﷺ بالصعيد لصلاة الفجر، فضربوا بأكفهم الصعيد ثم مسحوا بوجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى، فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط، من بطون أيديهم)].\nهذا الحديث أصله في الصحيحين كما سبق في حديث عمار، أما كونهم مسحوا أيديهم إلى المناكب والآباط، وكونهم أيضًا ضربوا ضربتين ضربة للوجه وضربة للكفين، فهذا محمول على أنه من اجتهادهم، وقياسهم في أول الأمر، فلما بين لهم النبي ﷺ كيفية التيمم عملوا بها.\nأو أنه مسوخ بحديث عمار في الصحيحين أن التيمم ضربة واحدة تمسح بها الوجه والكفين فقط، أما الصحابة الذين صلوا بغير وضوء، فالصواب أنه لا يجب عليهم إعادة الصلاة، وقال بعض أهل العلم: تجب عليهم إعادة الصلاة مرة أخرى.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا سليمان بن داود المهري وعبد الملك بن شعيب عن ابن وهب نحو هذا الحديث قال: قام المسلمون فضربوا بأكفهم التراب، ولم يقبضوا من التراب شيئًا، فذكر نحوه ولم يذكر المناكب والآباط.\nقال ابن الليث: إلى ما فوق المرفقين].\nهذا حديث منقطع؛ لأن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة لم يدرك عمار بن ياسر، لكن أخرجه النسائي وابن ماجة مختصرًا من حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبيه عن عمار، فهو حديث موصول.\nوعلى هذا فيكون لو صح حديث الضربتين فإنه من فعلهم.\nوكذلك أيضًا قول ابن الليث: إلى ما فوق المرفقين.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن أحمد بن أبي خلف ومحمد بن يحيى النيسابوري في آخرين قالوا: أخبرنا يعقوب أخبرنا أبي عن صالح عن ابن شهاب حدثني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمار بن ياسر ﵃: (أن رسول الله ﷺ عرس بأولات الجيش ومعه عائشة ﵂، فانقطع عقد لها من جزع ظفار: فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر وليس مع الناس ماء، فتغيظ عليها أبو بكر ﵁ وقال: حبستِ الناس وليس معهم ماء، فأنزل الله تعالى ذكره على رسوله ﷺ رخصة التطهر بالصعيد الطيب، فقام المسلمون مع رسول الله ﷺ، فضربوا بأيديهم إلى الأرض، ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئًا، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب ومن بطون أيديهم إلى الآباط).\nزاد ابن يحيى في حديثه: قال ابن شهاب في حديثه: ولا يعتبر بهذا الناس].\nوهذا الحديث ثابت وأصله في الصحيحين بدون زيادة مسح إلى المناكب والآباط.\nوالتعريس هو نزول المسافر آخر الليل للاستراحة، والعقد الذي لـ عائشة من جزع ظفار، وهو خرز فيه سواد وبياض، وظفار بلدة في سواحل اليمن تأتي منها هذه الخرزات.\nوفي هذا الحديث أن الله تعالى أنزل آية التيمم في هذه القصة، والتيمم التطهر بالصعيد، فقام المسلمون مع رسول الله ﷺ فضربوا بأيديهم إلى الأرض ثم رفعوا أيديهم ولم يأخذوا من التراب شيئًا؛ لأن المقصود ما يعلق باليدين من التراب، أما كونهم مسحوا وجوههم وأيديهم إلى المناكب وإلى الآباط من بطون الأيدي، فهذا كما سبق إما من اجتهادهم، ثم بين لهم النبي ﷺ، أو أنه منسوخ، ولهذا قال ابن يحيى قال ابن شهاب في حديثه: لا يعتبر بهذا الناس، أيْ: لا يعتبرون بهذا الحديث ولا يأخذون به، ولم يذهب أحد إلى أنَّ التيمم إلى الآباط والمناكب؛ فلا يعمل بالتيمم إلى الآباط والمناكب.","vol":"21","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-351>تعريف الحديث المضطرب</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو داود: وكذلك رواه ابن إسحاق، قال فيه عن ابن عباس ﵄: وذكر ضربتين كما ذكر يونس، ورواه معمر عن الزهري ضربتين.\nوقال مالك عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عن عمار.\nوكذلك قال أبو أويس عن الزهري.\nوشك فيه ابن عيينة قال مرة: عن عبيد الله عن أبيه، أو عن عبيد الله عن ابن عباس ﵄، مرة قال: عن أبيه، ومرة قال: عن ابن عباس، اضطرب ابن عيينة فيه وفي سماعه من الزهري ولم يذكر أحد منهم في هذا الحديث الضربتين إلا من سميت].\nوالحديث المضطرب في اصطلاح المحدثين: هو الذي يروى على أوجه مختلفة متقاربة من راو واحد مرتين أو أكثر، أو من راويين أو من رواة، قد يقع الاضطراب تارة في الإسناد وتارة في المتن، ويقع في الإسناد والمتن معًا من راو واحد أو من راويين أو جماعة.\nوالاضطراب موجب لضعف الحديث، لإشعاره بعدم الضبط، ولهذا اضطرب ابن عيينة فمرة قال: عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عن عمار، ومرة قال: عن عبيد الله عن ابن عباس.\nقال أبو داود: اضطرب ابن عيينة فيه وفي سماعه من الزهري، فدل على أن حديث الضربتين لا يصح عن النبي ﷺ وكذلك المسح إلى المناكب والآباط، ولو صح فهو محمول على أن هذا من فعلهم، ولم يأمرهم به النبي ﷺ.","vol":"21","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-352>ما جاء في مناقشة أبي موسى لعبد الله بن مسعود في التيمم</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن سليمان الأنباري أخبرنا أبو معاوية الضرير عن الأعمش عن شقيق قال: كنت جالسًا بين عبد الله وأبي موسى ﵄، فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن! أرأيت لو أن رجلًا أجنب فلم يجد الماء شهرًا أما كان يتيمم؟ قال: لا، وإن لم يجد الماء شهرًا.\nفقال أبو موسى ﵁: فكيف تصنعون بهذه الآية التي في سورة المائدة: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣]؟ فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد.\nفقال له أبو موسى: وإنما كرهتم هذا لهذا؟ قال: نعم، فقال له أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لـ عمر ﵄: (بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت، فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال: إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بيده على الأرض فنفضها، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفين ثم مسح وجهه، فقال له عبد الله: أفلم تر عمر لم يقنع بقول عمار)].\nوهذا الحديث أخرجه الشيخان والنسائي، وهذه القصة التي حصلت بين عبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري ﵄ في الصحيحين، وفيها أن أبا موسى ﵁ يرى أن الإنسان إذا لم يجد الماء فإنه يتيمم، وأن عبد الله بن مسعود يرى أنه لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهرًا، وهذا من العجائب فـ عبد الله بن مسعود من كبار الصحابة وفضلائهم وخفيت عليه هذه الآية ولم يتذكرها، وهي قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣]، مع أن أبا موسى ذكره بها فقال: فكيف تصنعون بهذه الآية؟ التي في سورة المائدة: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣]، فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد.\nأي: لو رخص للناس حصل تساهل، فلو برد الماء تيمموا، ولهذا قال أبو موسى: إنما كرهتم هذا لهذا، قال: نعم، ثم ذكره بحديث عمار أيضًا، فقال له أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لـ عمر: بعثني رسول الله ﷺ لحاجة فأجنبت فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة وهذا قياس من عمار للتيمم على غسل الجنابة أي: كما أن الجنب يعمم جسده بالماء، ظن عمار ﵁ أنه يجب تعميم البدن أيضًا بالتراب، فلهذا نزع ثيابه وتمرغ كما تتمرغ الدابة.\nأما عمر فإنه جلس ولم يتيمم ولم يصل، ثم قال عمار: (ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال: إنما يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بيديه الأرض ثم مسح وجهه وكفيه)، وهذا هو الأصل في التيمم، لكن مع ذلك قال عبد الله بن مسعود: ألم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟! ولا زال الأمر مشكلًا على عبد الله بن مسعود ﵁، وهذا يدل على أن العالم الكبير قد يشكل عليه بعض المسائل، وقد يخفى عليه بعض العلم، وهو دليل على أن العالم ليس معصومًا، فقد يخطئ وقد يغلط، وإذا أخطأ العالم أو غيره فلا حجة في قوله، فالحجة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.\nوهذه الرواية فيها: أنه ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله ثم مسح وجهه، وفيها: أنه أخر مسح الوجه، لكن حرف (ثم) فيه نظر، والمعروف في حديث عمار وفي الأحاديث الأخرى تقديم مسح الوجه على الكفين، والترتيب في بعض الروايات: (فمسح وجهه ثم مسح يديه) فيحتمل أن هذه اللفظة وهم من بعض الرواة؛ لأن ثم تفيد الترتيب، والمعروف في الأحاديث الصحيحة تقديم مسح الوجه على الكفين.\nوهذا الحديث فيه دليل على أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، وفيه أنه يقتصر على الكفين، والكفان إلى الرسغ وهو مفصل ما بين الكف والساعد، وهذه هي اليد إذا أطلقت فهي التي تقطع في السرقة، أما مسح المرفقين إلى الآباط أو إلى المنكبين فهذا لم يصح عن النبي ﷺ، وإنما فعله بعض الصحابة اجتهادًا منهم، وفي سنده اضطراب، وكذلك ما جاء في الضربتين فإنَّ فيه اضطراب، فلا يصح.\nوباطن الكف وظاهره يطلق عليهما كف.","vol":"21","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-353>ما جاء في مناقشة عمر بن الخطاب لعمار بن ياسر في التيمم</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن كثير العبدي أخبرنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي مالك عن عبد الرحمن بن أبزى قال: (كنت عند عمر ﵁، فجاءه رجل فقال: إنا نكون بالمكان الشهر والشهرين، فقال عمر ﵁: أما أنا فلم أكن أصلي حتى أجد الماء.\nقال: فقال عمار ﵁: يا أمير المؤمنين! أما تذكر إذ كنت أنا وأنت في الإبل فأصابتنا جنابة، فأما أنا فتمعكت، فأتينا النبي ﷺ، فذكرت ذلك له، فقال: إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، وضرب بيديه إلى الأرض، ثم نفخهما ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نصف الذراع.\nقال عمر ﵁: يا عمار! اتق الله، فقال: يا أمير المؤمنين! إن شئت والله لم أذكره أبدًا، فقال عمر ﵁: كلا والله لنولينك من ذلك ما توليت)].\nوهذا الحديث أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة مختصرًا ومطولًا، لكن بدون إلى نصف الذراع، وإنما فيه مسح وجهه وكفيه، وهذه القصة التي حصلت مع عمار وعمر كالقصة التي حصلت مع عبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري، وأشكل الأمر على عمر بن الخطاب ﵁ مع جلالة قدره وفضله وطول باعه في العلم والفضل ولكن الكمال لله ﷿.\nوقوله ﷺ: (إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، وضرب بيديه الأرض ثم نفخهما)، أي: نفخهما لتخفيف الغبار؛ لأنه ليس المقصود التلطيخ بالغبار، إنما المقصود الامتثال، ولا بد أن يمسح بيديه وجهه وكفيه، لقوله ﷺ: (ثم مسح بهما وجهه ويديه).\nوقوله: (إلى نصف الذراع) هذه الزيادة ليست في الصحيحين، ولكن عمر نسي وذكره عمار ولم يتذكر واستمر على نسيانه؛ ولهذا قال له: يا عمار اتق الله، فقال: يا أمير المؤمنين إن شئت والله لا أذكره أبدًا.\nوفي الصحيح: (إن شئت تركته ولا أحدث به الناس) وفيه دلالة على طاعة ولي الأمر؛ لأن عمر هو ولي الأمر وهو أمير المؤمنين، وفيه دليل على طاعة ولي الأمر في غير معصية الله وليس في هذا كتمان العلم؛ لأن هذه السنة ثابتة وقد حدث بها عمار وحدث بها غيره.\nفقال: يا أمير المؤمنين إن شئت والله لم أذكره، أي: أتركه ولم أحدث به؛ لأن طاعتك واجبه، وأصل تبليغ هذه السنة قد حصل، ولكن عمر لم يوافقه على الكتمان، فقال عمر: كلا والله، وفي رواية قال: نوليك من ذلك ما توليت، أي: نرد إليك وننسب إليك ما رضيت به لنفسك ما دام وأنت متثبت من هذا الشيء، فهذا موكول إليك، وأنت مسئول عنه.\nوعمر نسي واستمر في نسيانه بينما عمار حفظ ولم ينس، ففيه دليل على أن من حفظ حجة على من لم يحفظ، وأن من تذكر مقدم على من نسي، ومن جهل شيئًا من العلم، فإنه يقدم عليه من بلغه هذا العلم.\nوفيه دليل على أن التيمم من الجنابة ضربة واحدة للوجه والكفين، وأن التيمم للحدث الأكبر وللحدث الأصغر واحد وهو ضربة واحدة يمسح بها وجهه وكفيه، لقوله: (ثم مسح بهما وجهه ويديه)، والواو قد تكون للترتيب، لكن الوجه مقدم، وجاء في بعض الروايات أنه مسح وجهه ثم يديه، والله تعالى يقول: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء:٤٣]، وقدم الوجه على اليدين.","vol":"21","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-354>شرح حديث عمار في صفة التيمم</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن بشار أخبرنا محمد -يعني: ابن جعفر - أخبرنا شعبة عن سلمة عن ذر عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن عمار بهذه القصة، فقال: (إنما كان يكفيك، وضرب النبي ﷺ بيده إلى الأرض، ثم نفخ فيها ومسح بها وجهه وكفيه، شك سلمة قال: لا أدري فيه (إلى المرفقين) يعني أو (إلى الكفين»].\nوالصواب: إلى الكفين، كما بينت الأحاديث أنه إلى الكفين.\nوفيه هنا: ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه، فمرة يروي عن عمار ومرة يروي عن أبيه، فيروي عن عمار في الحديث الأول، وهنا يروي عن أبيه، ولا محظور في ذلك، فله شيخان: أبوه، وعمار.","vol":"21","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-355>أسانيد أخرى لحديث عمار في صفة التيمم</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن سهل الرملي أخبرنا حجاج -يعني: الأعور - حدثني شعبة بإسناده بهذا الحديث قال: (ثم نفخ فيها ومسح بها وجهه وكفيه إلى المرفقين أو الذراعين) قال شعبة: كان سلمة يقول: الكفين والوجه والذراعين، وقال له منصور ذات يوم: انظر ما تقول؛ فإنه لا يذكر الذراعين غيرك].\nيعني: أنت منفرد من بين أصحابك في ذكر الذراعين، وهذا يدل على أنها وهم منه، فـ شعبة يقول: كان سلمة يقول: الكفين والوجه والذراعين، فقال له منصور ذات يوم: انظر ما تقول؛ لأنه لا يذكر الذراعين غيرك، فأنت المنفرد بذكرها من بين أصحابك فدل على أنه وهم؛ لأن أصحاب ذر لم يذكروا الذراعين.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن شعبة حدثني الحكم عن ذر عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن عمار في هذا الحديث قال: فقال: -يعني: النبي ﷺ-: (إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك إلى الأرض وتمسح بها وجهك وكفيك) وساق الحديث].\nوقوله: (تمسح بوجهك وكفيك) هذا هو الثابت.\n[قال أبو داود: ورواه شعبة عن حصين عن أبي مالك قال: سمعت عمارًا يخطب بمثله إلا أنه قال: (لم ينفخ)، وذكر حسين بن محمد عن شعبة عن الحكم في هذا الحديث قال: (فضرب بكفيه إلى الأرض ونفخ)].\nوالنفخ إذا كان التراب كثيرًا فلا بأس.","vol":"21","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-356>شرح حديث عمار: (سألت النبي عن التيمم فأمرني بضربة واحدة)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن المنهال أخبرنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن عمار بن ياسر ﵁ قال: (سألت النبي ﷺ عن التيمم، فأمرني ضربة واحدة للوجه والكفين)].\nوهذا فيه دليل صريح على الاقتصار في التيمم على الوجه والكفين، وأنه ضربة واحدة، وأن ما زاد على الكعبين ليس مشروعًا، ولهذا ذهب المحققون من أهل العلم إلى الاكتفاء بضربة واحدة للوجه والكفين، وذهب بعض العلماء إلى أن التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين.\nقد ورد في بعض الأحاديث ذكر الضربتين، وأخذ بهذا بعض أهل العلم، إلا أن المعتمد هو حديث عمار؛ لأنه في الصحيحين، وهو أقوى سندًا من غيره.\nمعروف حد الوجه طولًا من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من الذقن واللحية، يعني: كل ما يظهر أمام الإنسان وعرضًا من الأذن إلى الأذن.\nما أقبل من الوجه وما ظهر كما هو الحال في الوضوء.\nوالصعيد هو: وجه الأرض، وقوله تعالى: ﴿َتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣]، اختلف العلماء في المراد بالصعيد: فمن العلماء من قال: إنه خاص بالتراب.\nومنهم من قال: إنه عام.\nوسيأتي في الحديث الآتي والذي بعده، وقد تكلم الشارح على الصعيد.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل أخبرنا أبان قال: سئل قتادة عن التيمم في السفر؟ فقال: حدثني محدث عن الشعبي عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمار بن ياسر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إلى المرفقين)].\nوهذا ضعيف؛ في إسناده رجل مجهول، فلا يصح لفظ (إلى المرفقين)، فرواية: (إلى المرافقين) غير ثابتة؛ لأن هذا الحديث فيه مجهول.","vol":"21","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-357>الأسئلة</span>","vol":"21","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-358>المرأة تشهد في الرضاع</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يكفي أن تشهد في الرضاع امرأة واحدة أو امرأتان؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الشهادة في الرضاع تصح بواحدة إذا كانت ثقة، والله تعالى يقول: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة:٢٨٢]، أي: إذا نسيت إحداهما تذكرها الأخرى؛ وهذا في غير شهادة الرضاع.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن العلاء أخبرنا حفص أخبرنا الأعمش عن سلمة بن كهيل عن ابن أبزى عن عمار بن ياسر ﵁ في هذا الحديث فقال: (يا عمار! إنما كان يكفيك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض، ثم ضرب إحداهما على الأخرى ثم مسح وجهه والذراعين إلى نصف الساعدين ولم يبلغ المرفقين ضربة واحدة)].\nقوله: (ثم مسح وجهه والذراعين إلى نصف الساعدين ولم يبلغ المرفقين) هذا ليس من أمر النبي ﷺ وإنما هو من فعل بعض الصحابة، أو أنه وهم، والثابت في الصحيحين وغيرهما أنها ضربة واحدة يمسح بها الوجه والكفين.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو داود: ورواه وكيع عن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن عبد الرحمن بن أبزى.\nورواه جرير عن الأعمش عن سلمة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى يعني عن أبيه].\nأي: رواية وكيع عن سلمة بن كهيل عن عبد الرحمن بن أبزى فقط، ورواية جرير عن الأعمش عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه، ولعل عبد الرحمن بن أبزى سمع من أبيه وسمع من عمار.\nوهذه الرواية فيها اضطراب كما قال المؤلف: اضطرب ابن عيينة فيه، وفيه سماعه من الزهري: ولم يذكر أحد منهم في هذا الحديث الضربتين، وكذلك أيضًا قال المؤلف: ذكر الضربتين كما ذكر يونس، ورواه معمر عن الزهري ضربتين، وقال مالك عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عن عمار، وكذلك قال أبو أويس: عن الزهري: وشك فيه ابن عيينة قال مرة: عن عبيد الله عن أبيه، ومرة عن عبيد الله عن ابن عباس، ومرة عن أبيه، ومرة قال ابن عباس فهذا اضطراب.\nوما صح فهو محمول على أن هذا من فعل الصحابة فعلوا ذلك من أنفسهم اجتهادًا منهم، ثم بين لهم النبي ﷺ بعد ذلك.","vol":"21","page":13},{"text":"شرح سنن أبي داود_<span data-type=\"title\" id=toc-359>كتاب الطهارة [٢٢]</span>\nالتيمم في الحضر لذكر الله دون الصلاة جائز كما دل عليه حديث أبي الجهيم، ومن لم يستطع استعمال الماء فقد أنزله النبي ﷺ في منزلة من فقد الماء كما في حديث عمرو بن العاص.","vol":"22","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-360>التيمم في الحضر</span>","vol":"22","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-361>شرح حديث: (أقبل رسول الله من نحو بئر جمل، فلقيه رجل)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: التيمم في الحضر.\nحدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث حدثني أبي عن جدي عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن عمير مولى ابن عباس أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة ﵂ زوج النبي ﷺ، حتى دخلنا على أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري ﵁ فقال أبو جهيم: (أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد رسول الله ﷺ، حتى أتى على جدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇)].\nوهذا الحديث أخرجه البخاري والنسائي، وأخرجه مسلم منقطعًا، وحديث أبي جهيم هذا وحديث عمار هما أصح ما ورد في التيمم.\nقوله: (بئر جمل) موضعها، موضع الدخول بالمدينة.\nقال أبو جهيم: (أقبل الرسول ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد ﵇، حتى أتى على جدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇)؛ لأن السلام اسم من أسماء الله، وهو ذكر، فالنبي ﷺ كره أن يذكر الله إلا على طهر؛ ولما كان الماء بعيدًا عنه تيمم؛ لأجل أن يذكر الله، وإلا فإنه يجوز أن يرد السلام وليس على وضوء ولا حرج؛ لحديث عائشة في صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه)، لكن هذا التطهر هو من باب الاستحبابـ والتيمم على الجدار جائز إذا كان فيه غبار.\nقال النووي ﵀: إن حديث أبي جهيم هذا محمول على أن النبي ﷺ كان عادمًا للماء حال التيمم، أي: ليس عنده ماء؛ فلهذا تيمم على الجدار، ووافقه الحافظ ابن حجر قال: إن هذا مقتضى صنيع البخاري.\nوالنووي استدل بهذا على جواز التيمم في الحضر إذا كان عادمًا للماء، لكن الحافظ ابن حجر تعقبه وقال: إنه ورد على سبب، وهو إرادة ذكر الله، ولم يجزه استباحة الصلاة، ما أراد استباحة الصلاة وإنما أراد به ذكر الله حتى يكون على طهر، وهذا من باب الاستحباب.\nلكن بعضهم أجابوا وأخذوا من هذا أنه لما كان التيمم في الحضر لرد السلام مع جوازه، فإن من خشي فوات الصلاة في الحضر جاز له التيمم من طريق أولى، لكن هذا ليس بشيء، وفيه نظر، والذي يظهر أنه لابد من الوضوء في الحضر للصلاة، فإذا كان واجدًا للماء فلابد أن يتوضأ، ولابد أن يأتي بشرط الطهارة، ولو خشي فوات الوقت ما دام الماء موجود؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣]، هذا هو الصواب، والنبي ﷺ إنما تيمم لا ليصلي وإنما ليذكر الله، فلا يقاس عليه التيمم للصلاة؛ لأن التيمم للأمر المستحب أقل من التيمم للأمر الواجب، فلا يقاس عليه التيمم لأجل الصلاة، لكن إذا قيل: إن الماء بعيد، وإنه عادمًا للماء في هذه الحالة فلا إشكال، فلو كان يريد الصلاة لتأخر حتى يصل إلى الماء ويتوضأ، لكنه ﵊ تيمم لأجل رد السلام؛ لأن هذا يفوت، والتيمم في الحضر لو فقد الماء لا مانع منه؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣].\nوالمؤلف ﵀ استدل بهذه القصة على التيمم في الحضر، والتيمم في الحضر لا بأس به للصلاة، إذا عدم الماء، قال ﷿: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] فيتيمم ولو في الحضر، لكن الغالب أن فقد الماء يكون في غير الحضر.\nأما الاستدلال بهذا الحديث على أنه يتيمم الإنسان لخوف فوات الفريضة، أو لخوف صلاة الجماعة، أو لخوف فوات الجمعة، كما استدل به بعضهم فليس بجيد، والصواب: أنه لا يتيمم في الحضر، إذا خشي فوات صلاة الجمعة أو الجماعة أو الجنازة أو خوف فوات الوقت ما دام الماء موجودًا، لكن لو فقد الماء بالمرة وليس في المكان ماء فيتيمم؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣].","vol":"22","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-362>شرح حديث: (مر رجل على رسول الله في سكة من السكك)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي أبو علي أخبرنا محمد بن ثابت العبدي أخبرنا نافع قال: انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس، فقضى ابن عمر حاجته، فكان من حديثه يومئذٍ أن قال: (مر رجل على رسول الله ﷺ في سكة من السكك وقد خرج من غائط أو بول، فسلم عليه فلم يرد عليه، حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة فضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه، ثم رد على الرجل السلام وقال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على طهر)].\nالسكة هي: الشارع الصغير، ويسمى زقاقًا.\nوهذا الحديث فيه أن النبي ﷺ كان في سكة من السكك، وقد خرج لقضاء الحاجة في البلد في شارع من الشوارع، فسلم عليه هذا الرجل فلم يرد عليه، فلما كاد أن يتوارى تيمم النبي ﷺ وضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى ومسح ذراعيه ورد ﵇.\nوفيه أنه ضرب ضربتان في هذا وأنه في البلد.\nلكن هذا الحديث ضعيف جدًا لا يحتج به؛ فيه محمد بن ثابت العبدي ضعيف.\nفلا يحتج بهذا الحديث على التيمم في الحضر مع وجود الماء، ولا يصح رفع الضربتين، بل الثقات الحفاظ رووه من فعل ابن عمر.\nقال الذهبي: ينكر عليه حديث ابن عمر في التيمم لا غير؛ لأنه ﵊ تيمم لرد السلام، والصواب: أنه موقوف على ابن عمر.\nوكذلك قوله: (ضرب ضربتين) فالتيمم في الحضر مع وجود الماء لا يجوز.\nأما الحديث السابق فإنه عادم للماء؛ لأنه أقبل من نحو بئر جمل، وبئر جمل مكان ليس بقرب المدينة، بل خارج المدينة، إذًا: ليس عنده ماء، فتيمم لرد السلام، أما هذا فكان في وسط البلد في سكة من سكك المدينة، فلا يصح هذا الحديث، ولا يصح لفظ (الضربتين).\n[قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: روى محمد بن ثابت حديثًا منكرًا في التيمم].\nأبو داود يقول: سمعت أحمد بن حنبل ﵀ يقول: روى محمد بن ثابت حديثًا منكرًا في التيمم، وهو هذا الحديث والنكارة فيه من جهتين: من جهة تيممه مع وجود الماء، ومن جهة كون التيمم ضربتين.\nوإنما هذا من فعل ابن عمر.\n[قال ابن داسة: قال أبو داود: لم يتابع محمد بن ثابت في هذه القصة على ضربتين عن النبي ﷺ، ورووه فعل ابن عمر].\nأبو داود يقول: لم يتابع محمد بن ثابت في هذه القصة على ضربتين، بل تفرد بذكر الضربتين مع كونه ضعيفًا لا يحتج بحديثه، ورووه -يعني: الثقات- من فعل ابن عمر لا من فعل النبي ﷺ، فالصواب أنه موقوف على ابن عمر.\nويكون هذا اجتهاد منه ﵁.","vol":"22","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-363>شرح حديث: (أقبل رسول الله من الغائط فلقيه رجل عند بئر جمل)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا جعفر بن مسافر أخبرنا عبد الله بن يحيى البرلسي أخبرنا حيوة بن شريح عن ابن الهادي أن نافعًا حدثه عن ابن عمر ﵁ قال: (أقبل رسول الله ﷺ من الغائط، فلقيه رجل عند بئر جمل فسلم عليه، فلم يرد عليه رسول الله ﷺ، حتى أقبل على الحائط، فوضع يده على الحائط، ثم مسح وجهه ويديه، ثم رد رسول الله ﷺ على الرجل السلام)].\nوهذا الحديث حسن لا بأس بسنده، ومعناه معنى الحديث السابق، وفيه أن النبي ﷺ لقيه رجل عند بئر جمل، وهو مكان قرب المدينة ما عنده ماء، فسلم عليه الرجل فلم يرد النبي ﷺ، ﵇ حتى تيمم على الجدار ثم رد ﵇.\nوفي لفظ قال: (كرهت أن أذكر الله إلا على طهر)، فهنا تيمم لرد السلام وليس عنده ماء، وليس فيه أنه تيمم للصلاة.\nفلا بأس بالتيمم في الحضر إذا فقد الماء.\nنعم.","vol":"22","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-364>الجنب يتيمم</span>","vol":"22","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-365>شرح حديث (الصعيد الطيب وضوء المسلم)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: الجنب يتيمم.\nحدثنا عمرو بن عون أخبرنا خالد ح وحدثنا مسدد أخبرنا خالد -يعني: ابن عبد الله الواسطي - عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن عمرو بن بجدان عن أبي ذر ﵁ قال: (اجتمعت غنيمة عند رسول الله ﷺ فقال: يا أبا ذر! ابد فيها، فبدوت إلى الربذة، فكانت تصيبني الجنابة فأمكث الخمس والست، فأتيت النبي ﷺ فقال: أبو ذر؟ فسكت، فقال: ثكلتك أمك أبا ذر! لأمك الويل، فدعا لي بجارية سوداء، فجاءت بعس فيه ماء، فسترتني بثوب واستترت بالراحلة واغتسلت، فكأني ألقيت عني جبلًا، فقال: الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك؛ فإن ذلك خير) وقال: مسدد: (غنيمة من الصدقة).\nقال أبو داود: حديث عمرو أتم].\nوهذا الحديث لا بأس بسنده، أخرجه النسائي والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، قال الإمام ابن القيم ﵀: صححه الدارقطني، وقال ابن القطان: في الباب أحاديث أسانيدها صحاح.\nوقول أبي ذر: (اجتمعت غنيمة عند رسول الله ﷺ فقال: يا أبا ذر! ابد فيها -يعني: اخرج إلى البادية- فبدوت إلى الربذة) يعني: خرجت إلى الربذة، وهو حوالي ثلاثة أميال من المدينة قرية.\nقال أبو ذر: (فكانت تصيبني الجنابة، فأمسكت الخمس والست، فأتيت النبي ﷺ فقال: أبو ذر؟ فسكت، فقال: ثكلتك أمك يا أبا ذر! لأمك الويل)، هذه الكلمات تجري على اللسان عند العرب، ولا يقصد بها حقيقتها، وقوله: (ثكلتك أمك) يعني: فقدتك أمك، وقوله: (لأمك الويل) يعني: لفقدك، والمراد بها هنا: الحث والعناية بطلب الماء.\nقال: (فدعا لي بجارية سوداء فجاءت بعس -القدح- فسترتني بثوب واستترت بالراحلة واغتسلت)، وفيه أن النبي ﷺ قال: (الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك؛ فإن ذلك خير)، قال مسدد: (وغنيمة من الصدقة) أي: زاد (من الصدقة) وحديث عمرو أتم، يعني: أتم من حديث مسدد.\nوالصعيد اختلف العلماء فيه على أقوال كثيرة، وقد ذكر الشارح أقوال متعددة، منها: الصعيد: المرتفع من الأرض.\nوقيل: الأرض المرتفع.\nوقيل: الأرض المنخفضة.\nوقيل: ما لم يخالطه رمل ولا سبخة.\nوقيل: وجه الأرض.\nوقيل: الصعيد الأرض.\nوقيل: الأرض الطيبة.\nوقيل: هي كل تراب طيب.\nوقيل: الأرض المستوية.\nوقال الشافعي: الصعيد لا يقع إلا على التراب له غبار.","vol":"22","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-366>الأشياء التي يتيمم بها المتيمم</span>\nاختلف العلماء بسبب اختلافهم في معنى الصعيد، ما الذي يتيمم عليه؟ فذهب بعض العلماء إلى أنه لا يتمم إلا على التراب الذي له غبار.\nوذهب آخرون من أهل العلم إلى أنه يجزئ التيمم إذا تيمم بما صعد على وجه الأرض.\nوالصواب: أنه يتيمم بالتراب، فإذا وجد التراب الذي له غبار فإنه يجب عليه أن يتيمم به؛ لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة:٦]، كلمة: (منه) يتيمم بالتراب الذي له غبار، مثل تراب الحرث والزرع، فإن لم يجد تيمم على ما تصعد على وجه الأرض، فإذا كانت الأرض ما فيها إلا رمل يتيمم على الرمل، أولم يجد إلا على أرض صخرية تيمم عليها؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣]، لكن إذا وجد ترابًا له غبار فإنه يتيمم على التراب الذي له غبار، فإن لم يجد تيمم على ما صعد على وجه الأرض.\nقال الشارح: قلت: التحقيق في هذه المسألة: أن التراب هو المتعين لمن وجد التراب ولا يجوز بغيره؛ لأن الصعيد هو التراب فقط عند بعض أئمة اللغة، فالتيمم عليه جائزًا اتفاقًا، فكيف يترك المتيقن بالمحتمل؟ ومن لم يجد التراب فيتيمم على الرمال والأحجار ويصلي؛ لأنه مدلول الصعيد لغة عند بعض أئمة اللغة، ومن لم يجد الرمال والأحجار فيتيمم على كل ما ذكر آنفًا في تفسير الصعيد، ولا يصلي بغير التيمم، ومن لم يجد هذه كلها فيصلي بغير طهارة، والله أعلم.\nوهذا كلام جيد، وهو أنه يتيمم على التراب الذي له غبار إذا وجده، فإن لم يجد إلا أرضًا رملية تيمم، فإذا وجد الأرض صخرية تيمم عليها؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، فإن لم يجد ترابًا ولا ماءً صلى على حسب حاله كما حصل من الصحابة الذين صلوا بغير ماء ولا تراب قبل أن يشرع التيمم، فأقرهم النبي ﷺ.\nوقوله: (ولو إلى عشر سنين)، المراد: التكثير لا التحديد، والمعنى: أنه يتيمم حتى يجد الماء، وإن بلغت مدة عدم الماء عشر سنين، وليس معنى ذلك: أن التيمم يكفي لعشر سنين، بل المراد أنه يتيمم ويستمر حتى يجد الماء.","vol":"22","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-367>أثر خروج الوقت على التيمم</span>\nهل خروج الوقت يبطل به التيمم أو لا يبطل؟ الجمهور من الفقهاء على أنه يبطل، وأنه لا يصلي بالتيمم إلا فرضًا واحدًا، فيصلي بالتيمم ما شاء من فروض ونوافل، فإذا خرج الوقت بطل التيمم.\nوقال آخرون من أهل العلم: التيمم بالتراب قائم مقام الماء، واستدلوا بقوله في هذا الحديث: (الصعيد الطيب وضوء المسلم) فسماه وضوءًا.\nوذهب المحققون من أهل العلم: إلى أن الإنسان له أن يصلي بالتيمم فرضين أو ثلاثة أو أربعة ما لم يحدث أو يجد الماء، فإذا وجد الماء بطل التيمم ولو في الصلاة؛ لأن النبي ﷺ سماه وضوءًا، فقال: (الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين)، فقالوا: لا يبطل التيمم إلا إذا أحدث أو وجد الماء.\nوالحائط إذا كان له غبار لا بأس بالتيمم به، وسبق أن الحائط إذا كان من الطين فله غبار.\nوإذا وجد بعض الماء ولا يكفي يتيمم؛ فإذا كان الماء قليلًا لا يكفي فغسل وجهه وكفيه ويديه وانتهى الماء ولم يبق شيء لرجليه فإنه يتيمم، وكذلك إذا كان عليه جنابة ووجد ماءً قليلًا لا يكفي، فيستنجي ويتوضأ وضوءه للصلاة وإن بقي شيء غسل رأسه، وإن بقي شيء غسل شقه الأيمن، وإن لم يبق شيء تيمم للباقي.\n[حدثنا موسى بن إسماعيل أخبرنا حماد عن أيوب عن أبي قلابة عن رجل من بني عامر قال: (دخلت في الإسلام فأهمني ديني، فأتيت أبا ذر ﵁، فقال أبو ذر: إني اجتويت المدينة، فأمر لي رسول الله ﷺ بذود وبغنم، فقال لي: اشرب من ألبانها -قال: حماد: وأشك في (أبوالها) - فقال أبو ذر ﵁: فكنت أعزب عن الماء ومعي أهلي، فتصيبني الجنابة فأصلي بغير طهور، فأتيت رسول الله ﷺ بنصف النهار، وهو في رهط من أصحابه وهو في ظل المسجد، فقال ﷺ: أبو ذر؟ فقلت: نعم، هلكت يا رسول الله! قال: وما أهلكك؟ قلت: إني كنت أعزب عن الماء ومعي أهلي فتصيبني الجنابة فأصلي بغير طهور، فأمر لي رسول الله ﷺ بماء، فجاءت به جارية سوداء بعس يتخضخض؛ ما هو بملآن، فتسترت إلى بعيري فاغتسلت، ثم جئت، فقال رسول الله ﷺ: يا أبا ذر! إن الصعيد الطيب طهور وإن لم تجد الماء إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك).\nقال أبو داود: رواه حماد بن زيد عن أيوب لم يذكر: (أبوالها).\nقال أبو داود: هذا ليس بصحيح، وليس في (أبوالها) إلا حديث أنس تفرد به أهل البصرة].\nوهذا هو الصواب، بأن ذكر الأبوال لم يثبت، وإنما قال: (اشرب من ألبانها)؛ ولهذا قال: وأشك في (أبوالها)، قال أبو داود: رواه حماد بن زيد عن أيوب لم يذكر: (أبوالها)، أي: أنه ليس في الحديث ذكر (أبوالها) ولم تذكر إلا في حديث أنس، تفرد به أهل البصرة في قصة العرنيين، وفيه أنهم لما جاءوا النبي ﷺ اجتووا المدينة فأمرهم أن يلحقوا بإبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها.\nأما حديث أبي ذر فلا يثبت فيه أنه أمره بالشرب من أبوالها، وإنما قال: (اشرب من ألبانها).\nوفيه دليل على أن أبا ذر كان يصلي بغير طهور، ولم يأمره النبي ﷺ بالإعادة، فدل على أن صلاته صحيحة وأنه معذور؛ لأنه لم يبلغه الحكم، فلما أبلغه الحكم وجب عليه أن يتيمم، فدل على أن الإنسان إذا لم يعلم وكان جاهلًا فهو معذور.\nوفي ذلك قصة الأعرابي الذي جاء وصلى عند النبي ﷺ ولم يتم الركوع ولا السجود، وفيها أنه قال: (والذي بعثك بالحق! لا أحسن غير هذا فعلمني)، فعلمه وأمره أن يعيد الصلاة الحاضرة، ولم يأمره بإعادة الصلوات الماضية؛ لجهله.\nوالحديث فيه: أن النبي ﷺ أمره بالتيمم، فقال له: (يا أبا ذر! إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك)، وسماه طهورًا؛ فدل على أنه قائم مقام الماء، وقد احتج به المحققون على أنه لا يبطل التيمم بخروج الوقت؛ لأنه سماه طهورًا، وفي اللفظ الآخر سماه وضوءًا.","vol":"22","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-368>إذا خاف الجنب البرد يتيمم</span>","vol":"22","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-369>شرح حديث عمرو بن العاص: (احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: إذا خاف الجنب البرد أيتيمم؟ حدثنا ابن المثنى أخبرنا وهب بن جرير أخبرنا أبي قال: سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس عن عبد الرحمن بن جبير عن عمرو بن العاص قال: (احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت أن أغتسل فأهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: يا عمرو! صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٩]، فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا).\nقال أبو داود: عبد الرحمن بن جبير مصري مولى خارجة بن حذافة وليس هو ابن جبير بن نفير].\nوحديث عمرو بن العاص هذا لا بأس بسنده.\nوفيه دليل على أن الجنب يتيمم ويصلي إذا خاف من البرد وخاف الهلاك أو خاف المرض؛ لأنه معذور في هذه الحالة، فإذا لم يكن عنده شيء يسخن به الماء ويتقي به البرد وخاف خروج الوقت فإنه يتيمم ويصلي وصلاته صحيحة.\nوهذا هو الذي ذهب إليه أكثر الصحابة.\nوخالف في ذلك عمر ﵁ وابن مسعود وقال: يبقى الجنب حتى يجد الماء ولا يتيمم.\nفهنا إذا وجد الماء لكنه لا يستطيع استعماله من شدة البرد، فيكون حكمه حكم فاقد الماء في هذه الحالة، والنبي ﷺ أقره على جواز التيمم من جهتين: من جهة التبسم والضحك.\nوالثاني: عدم الإنكار، والنبي ﷺ لا يقر على باطل؛ ولهذا قال الخطابي ﵀: في هذا الحديث من الفقه: أنه ﷺ جعل عدم إمكان استعمال الماء كعدم عين الماء، يعني: جعل كونه لا يستطيع استعمال الماء لشدة البرد؛ لأنه يخشى الموت أو يخشى المرض، كأنه فاقد للماء، وجعله في منزلة من يخاف العطش ومعه الماء، فأبقاه ليشربه ويتيمم.\nلكن كما قال بعضهم: من أمكنه أن يسخن الماء أو يستعمله على وجهه أو على درجة يأمن منها الضرر، كأن يغسل عضوًا ويستره، وكلما غسل عضوًا ستره ودفاه، فإنه في هذه الحالة عليه أن يستعمل الماء، كما قال بعض الشراح: إنه إذا أمكن أن يستعمل الماء كأن يغسل عضوًا ثم يدفئه ثم يغسل عضوًا ثم يدفئه، أو يجد ما يسخنه به ويتقي، فهذا يجب عليه الغسل، أما إذا ضاقت به الحيل ولم يجد شيئًا وخاف خروج الوقت فإنه يصلي وصلاته صحيحة، وهذا هو الذي عليه الجمهور، وخالف في هذا بعض العلماء وقالوا: إنه لا يتيمم في هذه الحالة، روي عن الحسن وعطاء قالا: يغتسل وإن مات، ولم يجعلوا له عذرًا، وهذا قول لا وجه له؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، ولهذا استدل بهذه الآية عمرو بن العاص فقال: ذكرت قول الله ﷿: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩].\nقال أبو داود: عبد الرحمن بن جبير مصري مولى خارجة بن حذافة، وليس هو ابن جبير بن نفير.","vol":"22","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-370>أسانيد أخرى لحديث احتلام عمرو بن العاص</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن سلمة أخبرنا ابن وهب عن ابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس عن عبد الرحمن بن جبير عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص: (أن عمرو بن العاص ﵁ كان على سرية -وذكر الحديث نحوه- قال: فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم صلى بهم) فذكر نحوه ولم يذكر التيمم.\nقال أبو داود: وروى هذه القصة عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال فيه: (فتيمم)].\nوهذا الحديث كما قال المنذري: حسن.\nوفيه: أن الجنب إذا خاف من البرد ولم يجد ما يسخن به الماء فإنه يستنجي ويغسل مغابنه وما استطاع من جسده، ويتوضأ تخفيفًا للجنابة، ثم يتيمم، كما في هذه القصة: أنه غسل مغابنة وتوضأ وضوءه للصلاة.\nوروى الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: (فتيمم) من حفظ حجة على من لم يحفظ، فبعض الرواة ما حفظ شيئًا، وبعضهم حفظ.","vol":"22","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-371>المجروح يتيمم</span>","vol":"22","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-372>شرح حديث قصة صاحب الشجة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: المجروح يتيمم.\nحدثنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي حدثنا محمد بن سلمة عن الزبير بن خريق عن عطاء عن جابر ﵁ قال: (خرجنا في سفر فأصاب رجلًا منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك فقال: قتلوه! قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنما شفاء العي السؤال؟ إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب -شك موسى - على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده)].\nوهذا الحديث ضعيف في سنده الزبير بن خريق ضعيف، قال في التقريب: لين الحديث.\nوهذا الحديث مشهور عند الفقهاء ولكنه ضعيف.\nوفيه: (أن هذا الرجل أصابته شجة ثم احتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة؟ فقالوا: لا نجد لك رخصة، فاغتسل فمات، فلما قدم على النبي ﷺ قال: قتلوه! قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنما شفاء العي السؤال؟ إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب -شك موسى - على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده).\nوهذه اللفظة: (إنما كان يكفيه أن يتيمم) لم يثبتها الحفاظ؛ لأن هذا الحديث فيه: أنه يجمع بين التيمم وبين المسح، فلم يثبتها الحفاظ، فعلى هذا لا يجمع بين التيمم والمسح، بل يمسح على العصابة إن كانت بقدر الجرح وما يحتاج إليها في الشد، ولا يتيمم، فإن لم يقدر على وضع عصابة أو جبيرة فإنه يتيمم.\nأما هذا الحديث لأنه يجمع بين التيمم وبين المسح فهو ضعيف؛ ولهذا كلمة: (إنما يكفيه أن يتيمم) لم يثبتها الحفاظ، بل إذا كان يستطيع المسح فيكفي، لكن تكون العصابة بقدر الجرح وما يحتاج إليه، أما ما زاد فيزيله، والمسح على الجبيرة سيأتي، والجبيرة يمسح عليها للضرورة، وهي أولى من الخف، فإذا كان الخف يمسح عليه للترفه فالجبيرة أولى بالمسح؛ لأنها ضرورة.\nففي هذا الحديث -وإن كان ضعيفًا- المسح على الجبيرة، لكن الجبيرة يمسح عليها للضرورة؛ لأنها أولى من الخف، والمسح على الخفين ثابت متواتر، فإذا كان الخف يمسح عليه للترفه فالجبيرة أولى؛ لأنها ضرورة.\nوالجبيرة تخالف الخف: فالخف: وقت له للمقيم يوم وليلة، والمسافر ثلاثة أيام بلياليها، والجبيرة: غير مؤقتة، فيمسح عليها حتى يبرأ الجرح.\nوالخف: يشترط أن يمسح على طهارة، والجبيرة: لا يشترط؛ لأن الإنسان قد يصيبه جرح أو كسر وهو على غير طهارة، فالإنسان جرحه ليس باختياره، فلا تشترط لها الطهارة.\nوقوله: (إنما شفاء العي السؤال) المعنى: أن الجهل داء، والسؤال هو العلم.\nواستنبط الخطابي من هذا الحديث: أن الذي أعابهم، الفتوى بغير علم، وألحق بهم الوعيد، لكن إنما هذا على فرض صحته، ولكن المعنى صحيح، فالفتوى بغير علم منهي عنها.\nأما الأمر بالجمع بين التيمم والمسح فكما سبق لا يثبت، لكن فيه أنه أمر بالجمع بين التيمم وغسل سائر جسده بالماء، فيغسل سائر جسده ويتيمم ويمسح على الجرح، فإن لم يستطع تيمم.\nوأحاديث المسح على الجبائر كلها أحاديث ضعيفة، كما قال ابن القيم ﵀، وفيه حديث علي أنه: (انكسرت إحدى زنديه فأمره النبي ﷺ أن يمسح على الجبائر) لكن الحديث في سنده عمرو بن خالد وهو متروك، وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين رمياه بالكذب.\nوذكر ابن عدي عن وكيع قال: كان عمرو بن خالد في جوارنا يضع الحديث، فلما فطن له تحول إلى واسط، وقد سرقه عمر بن موسى، فرواه عن زينب بنت علي مثله.\nوعمرو هذا متروك منسوب إلى الوضع.\nوالمقصود: أن أحاديث الجبائر كلها ضعيفة، وهذا الحديث وحديث علي كلها ضعيفة، لكن يجوز المسح على الجبيرة للضرورة، وهو أولى من المسح على الخف، فإذا جاز المسح على الخف وهو للترفه فالمسح على الجبيرة من باب أولى.","vol":"22","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-373>شرح حديث: (أصاب رجلًا جرح في عهد رسول الله)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا نصر بن عاصم الأنطاكي حدثنا محمد بن شعيب أخبرني الأوزاعي أنه بلغه عن عطاء بن أبي رباح أنه سمع عبد الله بن عباس ﵄ قال: (أصاب رجلًا جرح في عهد رسول الله ﷺ، ثم احتلم، فأمر بالاغتسال، فاغتسل فمات، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: قتلوه! قتلهم الله، ألم يكن شفاء العي السؤال؟)].\nوهذا ضعيف؛ لأنه رواه الأوزاعي بلاغًا، قال الأوزاعي: (أنه بلغه عن عطاء) فهذا الذي رواه عنه الأوزاعي مجهول، فيكون الحديث ضعيفًا.\nوإذا أمكن المسح لا يتيمم إلا إذا كان يضره المسح، فإذا كان لا يستطيع المسح ينتقل إلى التيمم، أما الجمع بين التيمم والمسح فالحديث ضعيف.\nإذا كان الجرح في الظهر ويمر عليه الماء يكفي، فإن لم يمر عليه الماء مسح، وإن كان لا يشق نزع الجبيرة ينزعها إذا أصابته الجنابة ثم يغتسل ثم يعيدها، وإذا مر عليه الماء كفى؛ لأن مرور الماء أبلغ من المسح، فإن لم يمر عليها مسح عليها، فإن شق عليه المسح يتيمم.\nإذا مر الماء على الجرح يكفي فلا مسح ولا تيمم، وهذا إذا لم يضره الماء، فإن كان يضره الغسل بالماء مسح، فإن كان المسح على الجرح يضر فإنه يتيمم عن هذا الموضع الذي لم يصله الماء، ويغسل سائر جسده.","vol":"22","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-374>المتيمم يجد الماء بعد ما يصلي في الوقت</span>","vol":"22","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-375>شرح حديث: (خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: المتيمم يجد الماء بعدما يصلي في الوقت.\nحدثنا محمد بن إسحاق المسيبي أخبرنا عبد الله بن نافع عن الليث بن سعد عن بكر بن سوادة عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيدًا طيبًا، فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له فقال للذي لم يعد: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للذي توضأ وأعاد: لك الأجر مرتين).\nقال أبو داود: وغير ابن نافع يرويه عن الليث عن عميرة بن أبي ناجية عن بكر بن سوادة عن عطاء بن يسار عن النبي ﷺ.\nقال أبو داود: ذكر أبي سعيد الخدري في هذا الحديث ليس بمحفوظ؛ هو مرسل].\nيعني: أن الحديث مرسل عن عطاء بن يسار، وهذا الحديث أخرجه النسائي مسندًا ومرسلًا عن عميرة.\nوالحديث فيه دليل على أنه من صلى في الوقت بعد أن بحث عن الماء ولم يجد الماء فإن صلاته صحيحة، فإذا بحث عن الماء ولم يجد الماء ثم تيمم ووجد الماء في الوقت والوقت باقٍ فصلاته صحيحة.\nوفي هذا الحديث أن هذين الرجلين أحدهما لم يعد الصلاة لما وجد الماء، والآخر أعاد، فقال النبي ﷺ للذي لم يعد: (أصبت السنة وأجزأتك صلاتك)، وقال للذي أعاد وتوضأ: (لك الأجر مرتين)؛ لأنه اجتهد فله الأجر مرتان باجتهاده، لكن الذي أصاب السنة أفضل.\nففيه دليل على أن من صلى بالتيمم ثم وجد الماء في الوقت فلا يعيد، أما إذا وجد الماء وهو يصلي فإنه يعيد.\nوقد اختلف العلماء في هذه المسألة: فذهب بعض العلماء كـ أبي حنيفة وروي عن الإمام أحمد: أنه إن كان في موضع لا يرجى فيه وجود الماء في أول وقت الصلاة فإنه يتيمم ويصلي ولو في أول وقت الصلاة.\nوقال آخرون: يتيمم ويصلي، وينبغي له أن يؤخر التيمم إلى آخر الوقت؛ ولهذا قال الحنابلة: والتيمم آخر الوقت لراجي الماء أولى.\nوبعض العلماء قال: يصلي في أول الوقت، وقال بعضهم: يصلي آخر الوقت، إذا كان يرجو الماء، فإذا كان يرجو الماء يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت، وإذا كان لا يرجو فإنه يصلي ولو في أول الوقت.\nوهل يعيد إذا وجد الماء في الوقت؟ ذهب بعض العلماء إلى أنه يعيد.\nوقال آخرون: لا يعيد.\nوالصواب: أنه لا يعيد كما دل عليه الحديث.\nوالحديث روي مسندًا ومرسلًا، وقد يقال: إن المرسل لا يعارض المسند، لكن أبا داود ﵀ قال: إن ذكر أبي سعيد في هذا الحديث ليس بمحفوظ، وعلى هذا يكون الحديث مرسلًا، والمرسل ضعيف إلا إذا وجد له مرسل آخر يشده، ويحتاج إلى مراجعة كلام الحفاظ في هذا؛ فينظر هل الذين أرسلوه هم الحفاظ وهم الأكثر، أو على قاعدة المتأخرين كالحافظ ابن حجر والعراقي الخطيب البغدادي وغيرهم: أنه إذا كان الذي وصله ثقة فإنه يقبل قوله ويقدم؛ لأن معه زيادة علم، والنسائي وجماعة يقدمون قول الأحفظ أو الأكثر.\nإذا كان الإنسان يرجو حصول الماء فإنه يتأخر إلى آخر الوقت، كما قال الحنابلة وغيرهم؛ قالوا: التيمم آخر الوقت لراجي الماء أولى، أما إذا كان لا يرجو فله أن يصلي في أول الوقت.\nوقوله: (حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: حدثنا ابن لهيعة عن بكر بن سوادة عن أبي عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد عن عطاء بن يسار: (أن رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ بمعناه» هذا ضعيف من جهتين: من جهة: أنه مرسل.\nومن جهة: أن في سنده ابن لهيعة وهو ضعيف.\nوالحديث مداره على عطاء بن يسار عن أبي سعيد.\nوفي هذا أن بكر بن سوادة رواه عن أبي عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد عن عطاء بن يسار، وفي الأول عن بكر بن سوادة عن عطاء بن يسار، من غير واسطة.\nفيحتاج إلى تأمل ومراجعة؛ لأن الحديث الأول قال فيه أبو داود: المحفوظ أنه مرسل، وليس فيه ذكر أبي سعيد، يعني: ليس مرفوعًا عن النبي ﷺ.\nوالسند الثاني مداره على بكر بن سوادة عن عطاء بن يسار أيضًا.\nفيحتاج إلى تأمل ومراجعة في سنده وكلام العلماء عليه؛ لأن الحكم هذا مهم، وهو وجود الماء بعدما يصلي في الوقت بالتيمم، وهذا ينبني على صحة الحديث، فإذا صح الحديث فإن المتيمم إذا وجد الماء في الوقت فلا يعيد.\nوالمسألة فيها خلاف بين أهل العلم، فمن العلماء من قال: إذا تيمم ووجد الماء في الوقت يعيد، ومنهم من قال: لا يعيد، وهذا مبني على صحة الحديث وعدم صحته، فلو صح الحديث فإنه لا يعيد، ويؤيد هذا أيضًا قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، ولأن هذا هو الواجب على الإنسان، لأن الله تعالى لم يوجب الصلاة مرتين، وهذا هو الذي يستطيعه، فإنه بحث عن الماء ولم يجده، فكيف يقال له: أعد الصلاة؟! أما إذا وجد الماء وهو في الصلاة فهذا تبطل صلاته على الصحيح، فإذا جاء الماء وهو في أثناء الصلاة فالصواب أنها تبطل الصلاة في هذه الحالة، فيقطع الصلاة ثم يتوضأ ويستأنف الصلاة من جديد.\nوهكذا إذا لم يجد إلا ثوبًا نجسًا وليس عنده ماء يغسله فإنه يصلي فيه، إلا إذا كان يرجو وجود ثوب آخر.\nولهذا يلغز بعض العلماء فيقولون: نهق حمار فبطل صلاة المصلي، كيف ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  حمار ذهب للإتيان بالماء، فجاء الحمار وعلى ظهره قرب للماء، فنهق، فعلم المصلي أنه وجد الماء، فبطلت صلاته؛ لوجود الماء.","vol":"22","page":17},{"text":"شرح سنن أبي داود_<span data-type=\"title\" id=toc-376>كتاب الطهارة [٢٣]</span>\nإن أصحاب رسول الله كانوا أصحاب مهن، فربما أدركتهم الجمعة فلم يغتسلوا، فحثهم النبي ﷺ على الغسل في هذا اليوم المبارك وندبهم إليه، كما حث من أسلم أن يغتسل.","vol":"23","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-377>غسل الجمعة</span>","vol":"23","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-378>شرح حديث: (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في غسل الجمعة: حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع أخبرنا معاوية عن يحيى أخبرنا أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة -﵁- أخبره: (أن عمر بن الخطاب -﵁- بينا هو يخطب يوم الجمعة إذ دخل رجل فقال عمر: أتحتبسون عن الصلاة؟ فقال الرجل: ما هو إلا أن سمعت النداء فتوضأت.\nفقال عمر ﵁: والوضوء أيضًا أو لم تسمعوا رسول الله ﷺ يقول: إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل؟)].\nقول المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في غسل الجمعة] يعني: ما حكمه؟ وهل هو واجب أو مستحب؟ والمؤلف ﵀ لم يجزم بالحكم؛ لأنها مسألة مختلف فيها بين أهل العلم، فقد اختلف العلماء في غسل الجمعة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه واجب، فكل من ذهب إلى الجمعة عليه أن يغتسل، واستدلوا بحديث: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم)، وهو قول قوي، وعلى هذا فإن من لم يغتسل يوم الجمعة فإنه آثم وصلاته صحيحة، ويكون الغسل من طلوع الفجر يوم الجمعة، وأما قبل طلوع الفجر فلا يعتبر؛ لأن اليوم إنما يدخل بطلوع الفجر.\nوالقول الثاني -وهو قول جمهور العلماء-: أن الغسل مستحب وليس بواجب، وستأتي أدلتهم، وعلى هذا فالإنسان إن ترك الغسل يأثم ويكون تاركًا لمستحبًا.\nالقول الثالث: أنه يجب على أهل المهن والعمال الذين تنبعث منهم الروائح الكريهة، وأما من عداهم فلا يجب عليه، وعلى هذا فإن من كان من أهل المهن ولم يغتسل يأثم، وإن لم يكن من أهل المهن ولم يغتسل لا يأثم، وسيأتي في حديث عائشة أن الناس كانوا مهان أنفسهم -أي: خدام أنفسهم- وكانت تنبعث منهم الروائح فقال ﷺ: (لو اغتسلتم)، ولهذا لم يجزم المؤلف ﵀ بحكم، وإنما قال: [باب في غسل الجمعة]، يعني: هل هو مستحب كما قال الجمهور، أو واجب كما قال به فريق من العلماء، أو واجب على أهل المهن؟ وهذا الحديث فيه أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يخطب في الناس الجمعة، وكان الأمراء والخلفاء هم الذين يتولون الخطابة في الجمعة والعيدين، فبينما هو يخطب ﵁ إذ دخل رجل من السابقين الأولين، وهو عثمان ﵁، فأنكر عليه عمر ﵁ وقال: أي ساعة هذه يا عثمان؟! يعني: لماذا تأخرت؟! وهذا فيه دليل على أنه ينبغي التبكير إلى الجمعة، ولا سيما للأكابر وأهل الفضل، فقال عثمان ﵁: ما هو إلا أن سمعت النداء فما زدت على أن توضأت.\nفأنكر عليه إنكارًا آخر فقال: [والوضوء أيضًا!] يعني: لماذا لم تغتسل؟ ثم قال: [أو لم تسمعوا رسول الله ﷺ يقول: (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل)] ولعل عثمان ﵁ انشغل في هذه المرة وتأخر.\nوفي الحديث بيان بعد عثمان ﵁ عن الرياء، فإنه قال: [ما هو إلا أن سمعت النداء فتوضأت].\nوهذا الحديث أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم وأخرجه الترمذي والنسائي من رواية عبد الله بن عمر عن أبيه.\nوهذا الحديث فيه دليل على أنه ينبغي لأهل العلم والفضل أن يبكروا في المجيء إلى صلاة الجمعة؛ لأنهم قدوة للناس، وفيه أن من تأخر عنها فإنه ينكر عليه، وقد اُستدل به على أن الغسل واجب؛ لأن عمر أنكر على عثمان ﵁، ولقوله ﷺ: (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) والأصل أن الأمر للوجوب.\nويحتمل أنه ليس بواجب كما قال الجمهور، ويكون قد أنكر عليه لترك السنن والمستحبات، ولا سيما إذا كان المرء من أهل الفضل ومن أهل العلم كـ عثمان ﵁، والحديث من أدلة من قال: بوجوب الغسل؛ لأن الأمر الأصل فيه أنه للوجوب والجمهور صرفوا هذا الأمر عن الوجوب إلى الاستحباب لأحاديث أخرى، منها: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) ولكن هذا الحديث فيه ضعف، وهناك أدلة أخرى.","vol":"23","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-379>شرح حديث: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)].\nأورد المؤلف حديث أبي سعيد هذا، وهو: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم) وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم، وأخرجه -أيضًا- النسائي وابن ماجة، وهو من أصح الأحاديث، وهو من أدلة من قال بوجوب الغسل، وهو قول قوي.\nوقوله: [على كل محتلم] المراد به: البالغ، يعني: من بلغ سن الاحتلام، وهو الذي تجب عليه الجمعة، أما من لم يبلغ سن الاحتلام فإنه يكون صبيًا، والصبي لا تجب عليه الصلاة، فقوله: [محتلم] يعني: من بلغ سن الاحتلام، وليس المراد من احتلم في النوم وأنزل، فهذا يجب عليه الغسل على كل حال.\nوهذا الحديث -كما ذكرنا- من أدلة من قال بوجوب الغسل، وأما الجمهور فإنهم صرفوا هذا الأمر، وتأولوا هذا الحديث بأن المراد بقوله: [واجب] أن غسل الجمعة متأكد ومستحب، كما تقول العرب: حقك واجب علي، أي: متأكد.\nولا شك في أن القول بالوجوب قول قوي، فينبغي للمسلم ألا يخل بالغسل.","vol":"23","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-380>شرح حديث: (على كل محتلم رواح الجمعة)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا يزيد بن خالد الرملي أخبرنا المفضل -يعني ابن فضالة - عن عياش بن عباس عن بكير عن نافع عن ابن عمر -﵄- عن حفصة -﵂- عن النبي ﷺ قال: (على كل محتلم رواح الجمعة، وعلى كل من راح إلى الجمعة الغسل)].\nهذا الحديث حسن، وأخرجه النسائي، وهو من أدلة من قال بوجوب الغسل، وفيه أن النبي ﷺ قال: (على كل محتلم رواح الجمعة، وعلى كل من راح إلى الجمعة الغسل) يعني: إن بلغ سن الاحتلام فعليه الرواح إلى الجمعة، أي: يلزمه أن يصلي الجمعة، فالرواح هو الذهاب إلى الجمعة، قال: (وعلى كل من راح إلى الجمعة الغسل).\nوالجمهور تأولوا هذا الحديث بأن المراد به: تأكد الاستحباب.","vol":"23","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-381>ابتداء وقت غسل الجمعة</span>\n[قال أبو داود: إذا اغتسل الرجل بعد طلوع الفجر أجزأه من غسل الجمعة، وإن أجنب].\nهذا هو الصواب، وهو أن الاغتسال يكون بعد طلوع الفجر، فإذا اغتسل الإنسان بعد طلوع الفجر أجزأه، أما إذا اغتسل قبل طلوع الفجر فهذا لا يجزئه؛ لأن النهار لم يدخل بعد، فالنهار يكون بعد طلوع الفجر، فإذا اغتسل بعد طلوع الفجر أجزأه عن غسل الجمعة وإن أجنب، يعني: ولو كان عليه جنابة، فإذا كان عليه جنابة واغتسل بعد طلوع الفجر كفاه ذلك عن غسل الجمعة، إذ الغسلان يتداخلان، فيكفي غسل الجنابة عن غسل الجمعة.\nأما إذا اغتسل قبل طلوع الفجر فلا يكفيه ذلك، بل لابد من أن يغتسل بعد طلوع الفجر، وكلما تأخر فهو أفضل، فإذا تأخر وكان غسله عند الذهاب إلى الجمعة فهو أفضل.","vol":"23","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-382>شرح حديث: (من اغتسل يوم الجمعة ولبس من أحسن ثيابه)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب الرملي الهمداني، ح: وحدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني قالا: حدثنا محمد بن سلمة، ح: وحدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد -وهذا حديث محمد بن سلمة - عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال أبو داود: قال يزيد وعبد العزيز في حديثهما عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي أمامة بن سهل عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ: (من اغتسل يوم الجمعة ولبس من أحسن ثيابه ومس من طيب إن كان عنده ثم أتى الجمعة فلم يتخط أعناق الناس، ثم صلى ما كتب الله له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها).\nقال: ويقول أبو هريرة: (وزيادة ثلاثة أيام)، ويقول: إن الحسنة بعشر أمثالها].\nهذا الحديث في سنده محمد بن إسحاق، وهو ثقة لكنه مدلس، فلا يقبل حديثه إذا لم يصرح بالسماع، لكن الحديث له شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن.\nوهذا الحديث أخرجه مسلم مختصرًا من حديث أبي صالح عن أبي هريرة، وهو من أدلة الجمهور القائلين بعدم وجوب الغسل؛ لأنه ليس فيه الأمر بالغسل، وإنما فيه فضل الغسل؛ فإنه قال: (من اغتسل يوم الجمعة)، وفيه فضل الذهاب إلى الجمعة والإتيان بهذه الأمور المذكورة في الحديث، وكل هذه الأمور دلت عليها أحاديث أخرى صحيحة وقوله: [(كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها).\nويقول أبو هريرة: (وزيادة ثلاثة أيام)؛ ويقول: (الحسنة بعشر أمثالها) فيه أنه إذا أتى بهذه الأمور فاغتسل، ولبس أحسن ثيابه، وتطيب، ولم يتخط رقاب الناس، وصلى ما قدر له، ثم أنصت للخطبة فإن هذه الأمور كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها وزيادة ثلاثة أيام.\nقال المنذري: إن أبا هريرة أدرج في الحديث [وزيادة ثلاثة أيام]، لكن هذا ليس بجيد؛ لأن الحديث من رواية أبي هريرة وأبي سعيد، وإنما أبو هريرة انفرد عن أبي سعيد برواية: (وزيادة ثلاثة أيام).\nأما قول المنذري: أنها مدرجة من كلام أبي هريرة فليس بجيد.\nثم إن الآية دلت على هذا أيضًا، وهي قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام:١٦٠].\n[قال أبو داود: وحديث محمد بن سلمة أتم، ولم يذكر حماد كلام أبي هريرة].\nوهو قوله: [(وزيادة ثلاثة أيام)].","vol":"23","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-383>شرح حديث: (الغسل يوم الجمعة على كل محتلم)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن سلمة المرادي حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث أن سعيد بن أبي هلال وبكير بن عبد الله بن الأشج حدثاه عن أبي بكر بن المنكدر عن عمرو بن سليم الزرقي عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه -﵁- أن رسول الله ﷺ قال: (الغسل يوم الجمعة على كل محتلم، والسواك، ويمس من الطيب ما قدر له).\nإلا أن بكيرًا لم يذكر عبد الرحمن، وقال في الطيب: (ولو من طيب المرأة)].\nوهذا الحديث استدل به من قال: إن غسل الجمعة مستحب، قالوا: لأنه قرنه بالسواك والطيب، والسواك والطيب مستحبان وليسا بواجبين.\nوالحديث أخرجه مسلم والنسائي، وأخرج البخاري أيضًا من رواية عمرو بن سليم الزرقي عن أبي سعيد بنحوه.\nومثله الحديث الذي سيأتي وهو قوله ﷺ: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) لكنه من رواية الحسن عن سمرة، وقد اختلفوا في سماعه من سمرة كما سيأتي، وعلى كل حال فالأولى والذي ينبغي للمسلم هو أن يغتسل للجمعة خروجًا من الخلاف، وعملًا بالأحاديث، ورغبة في الفضل والأجر.","vol":"23","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-384>شرح حديث: (من غسل يوم الجمعة واغتسل)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن حاتم الجرجرائي حبي حدثنا ابن المبارك عن الأوزاعي حدثني حسان بن عطية حدثني أبو الأشعث الصنعاني حدثني أوس بن أوس الثقفي -﵁- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من غسل يوم الجمعة واغتسل، ثم بكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها)].\nهذا الحديث أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن.\nوالحديث سنده لا بأس به، وهذا الفضل العظيم في قوله: (له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها)؛ لأن هذه الأعمال عظيمة، وفيها جهد ومشقة، وقل من تجتمع فيه، وقد قيل: إن المراد من اللفظتين في قوله: (بكر وابتكر) التأكيد، مثل: (مشى ولم يركب) فمعناهما واحد، وكذلك (غسل واغتسل) فهو تأكيد، وقيل: (غسل) أي: غسل رأسه (واغتسل) أي: غسل جسده، وقيل: (غسل) أي: غسل غيره بأن جامع زوجته وتسبب في اغتسالها فاغتسلا جميعًا ليكون أملك لنفسه، وأحفظ لبصره، ومن هذا قول العرب: فحل غسله: إذا أكثر الضراب، فقد قالوا له: غسله بصيغة المبالغة.\nفإذا حقق هذه الأوصاف بأن غسل واغتسل، وبكر ابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، واستمع للخطبة ولم يلغ حصل له هذا الأجر العظيم، وهو قوله: (له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها) فضلًا من الله تعالى وإحسانًا، والحديث سنده لا بأس، وحبي: هو لقب محمد بن حاتم الجرجرائي.","vol":"23","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-385>شرح حديث: (من غسل رأسه يوم الجمعة واغتسل)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن عبادة بن نسي عن أوس الثقفي -﵁- عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من غسل رأسه يوم الجمعة واغتسل) ثم ساق نحوه].\nهذا يدل على أن قوله: (من غسل) في حديث أبي الأشعث السابق المراد به.\nمن غسل رأسه؛ لأن حديث أوس هذا فسره، فالمراد: غسل رأسه؛ لأنه قال: [(من غسل رأسه واغتسل)].","vol":"23","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-386>شرح حديث: (من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب امرأته)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا ابن أبي عقيل ومحمد بن سلمة المصريان قالا: حدثنا ابن وهب -قال ابن أبي عقيل: أخبرني أسامة، يعني ابن زيد - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال: (من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب امرأته إن كان لها، ولبس من صالح ثيابه، ثم لم يتخط رقاب الناس، ولم يلغ عند الموعظة كانت كفارة لما بينهما، ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظُهرا)].\nهذا الحديث من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه، وهو عمرو بن شعيب بن عبد الله بن عمرو بن العاص، فأبوه شعيب وجده عبد الله بن عمرو بن العاص، ورواية عمرو لا بأس بها، وهي من قسم الحسن، لكن هذا الحديث في سنده أسامة بن زيد، وأسامة هذا إن كان أسامة بن زيد الليثي فالحديث لا بأس به، لأن أسامة بن زيد الليثي -كما في التقريب- صدوق يهم، وإن كان أسامة بن زيد بن أسلم فهو ضعيف؛ لأن زيد بن أسلم له ثلاثة أولاد كلهم ضعفاء: أسامة وعبد الله وعبد الرحمن، وأحسنهم عبد الله، فـ أسامة بن زيد بن أسلم ضعيف.\nوعلى كل حال فالحديث فيه هذا الفضل لمن أتى بهذه الأمور يوم الجمعة، بأن اغتسل، ومس من طيب امرأته -ولعله إذا لم يكن عنده طيب وكان لامرأته طيب- ولبس من صالح ثيابه، ثم لم يتخط رقاب الناس، ولم يلغ عند الموعظة كان كفارة لما بينهما.\nقوله: [(ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرًا)] يعني: فاتته الجمعة وكانت له ظهرًا، وهذا يدل على التحذير من اللغو والتخطي لرقاب الناس، وذلك أن الواجب الإنصات والاستماع للخطبة، ولو سمع موعظة من خارج المسجد لكان عليه أن يستمع فلعله يستفيد، فكيف وهو في المسجد وهو يسمع خطبة الجمعة وهي موعظة الأسبوع؟! ولهذا لما سمعت أم سلمة ﵂ النبي ﷺ يخطب ويقول: (أيها الناس) وهو في المسجد وكان عندها ماشطة تمشط شعرها فأرادت أن تستمع لمقالته قالت الماشطة: إنه يقول: (يا أيها الناس) فقالت: كفي! فأنا من الناس.\nوقوله: (كانت له ظهرًا) يعني: مثل صلاة الظهر، وهذا إذا فاتته الجمعة، وفيه التحذير من تخطي رقاب الناس وإيذائهم واللغو إذا تكلم الإمام.","vol":"23","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-387>شرح حديث اغتساله ﷺ</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا محمد بن بشر حدثنا زكريا حدثنا مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيب العنزي عن عبد الله بن الزبير عن عائشة أنها حدثته (أن النبي ﷺ كان يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت)].\nهذا الحديث ضعيف، لأن في سنده مصعب بن شيبة، وهو ضعيف، ولكن الغسل من الجنابة معروف أنه واجب، وكان ﷺ يغتسل يوم الجمعة، أما الغسل من الحجامة، ومن غسل الميت فليس هناك دليل يدل عليه.\nوالمنذري: أخرجه في الجنائز، وقال: هذا منسوخ.\nوقال البخاري: حديث عائشة في هذا الباب ليس بصحيح.\nوقال الإمام أحمد وعلي بن المديني: لا يصح في هذا الباب شيء.\nوقال محمد بن يحيى: لا أعلم فيمن غسل ميتًا أن يغتسل حديثًا ثابتًا.\nوعلى هذا فالحديث ضعيف؛ لأنه ليس هناك دليل واضح على وجوب الغسل على من غسل الميت، ولا من الحجامة، أما غسل الجنابة فمعروف حكمه من الأدلة، وكذلك غسل يوم الجمعة.","vol":"23","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-388>بيان معنى: (غسل واغتسل)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمود بن خالد الدمشقي أخبرنا مروان أخبرنا علي بن حوشب قال: سألت مكحولًا عن هذا القول: (غسل واغتسل) فقال: غسل رأسه وغسل جسده].\nوهذا تفسير لقوله: (غسل واغتسل) أي: غسل رأسه وجسده، وهذا يفسر ما سبق في حديث: (غسل واغتسل) بأن (غسل) بمعنى: غسل رأسه، (واغتسل) غسل جسده، خلافًا لمن قال: إن قوله: (غسل) يعني: غسل زوجته بأن تسبب في غسلها إذا جامعها.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن الوليد الدمشقي حدثنا أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز في: (غسل واغتسل) قال: قال سعيد: غسل رأسه وغسل جسده].","vol":"23","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-389>شرح حديث: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن سمي عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر)].\nهذا الحديث صحيح أخرجه الشيخان البخاري ومسلم رحمهما الله، وأخرجه الترمذي والنسائي من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بنحوه، وفي الحديث: تفاوت الناس في الأجر على حسب تقدمهم إلى الجمعة، وفيه أن ساعات الجمعة خمس ساعات، وأن الإمام يخرج في الساعة السادسة، والمراد بالساعة جزء من الزمن قد يزيد على الساعة المعروفة وقد ينقص، فهي في الصيف أطول وفي الشتاء أقل، وهي خمس ساعات من طلوع الفجر أو من طلوع الشمس إلى خروج الإمام، وفي الشتاء قد تكون تلك الساعة أقل من ساعة، وفي الصيف قد تكون ساعة وربعًا أو ساعة ونصفًا؛ لأن النهار طويل في الصيف وقصير في الشتاء.\nوفيه (أن من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة) أي: بعيرًا، (ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة) يعني: تقرب بها إلى الله وتصدق بها، (ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن) أي: ذا قرنين؛ لأنه أفضل من غيره، (ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة)، ثم يخرج الإمام في الساعة السادسة، (فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر) أي: يستمعون الخطبة.\nوجاء في الحديث الآخر أن الملائكة يقفون على الأبواب يكتبون الأول فالأول، فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ليستمعوا الخطبة والذكر.\nوقد مر معنا في رواية النسائي زيادة عصفور بعد الدجاجة، حيث قال: (فكأنما قرب عصفورًا)، وفي بعضها زاد بطة فقال: (فكأنما قرب بطة).\nوهذا الساعات هي جزء من الزمن تكون بعد طلوع الشمس أو بعد الفجر، خلافًا للإمام مالك ﵀، فإنه قال: إن هذه الساعات لحظات تكون بعد الزوال، قال: لأن الرواح إنما يكون بعد الزوال، فقال: إنها خمس لحظات تبدأ من زوال الشمس.\nوهذا قول ضعيف لا وجه له، والرواح يطلق على النهار كله لا سيما أول النهار.","vol":"23","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-390>الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة</span>","vol":"23","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-391>شرح حديث: (كان الناس مهان أنفسهم، فيروحون إلى الجمعة بهيئتهم)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة: حدثنا مسدد حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة ﵂ قالت: (كان الناس مهان أنفسهم، فيروحون إلى الجمعة بهيئتهم، فقيل له: لو اغتسلتم)].\nوهذا الحديث أخرجه البخاري وأخرجه مسلم بنحوه، وقد بوب المؤلف عليه بقوله: [باب الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة] فدل على أن الغسل ليس بواجب، وهذا من أدلة من قال: إن الغسل إنما هو واجب على أهل المهن والعمال الذين تخرج منهم الروائح، وفي لفظ البخاري: (كان الناس مهان أنفسهم -أي: خدام أنفسهم- فيروحون إلى الجمعة بهيئتهم -وفي لفظ آخر: تخرج منهم الريح- فقيل له: لو اغتسلتم).\nفقوله: (لو اغتسلتم) هو للتمني، وليس فيه إيجاب، فدل على أنه ليس بواجب، وقد استدل به المؤلف على الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة.","vol":"23","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-392>شرح حديث سؤال أهل العراق ابن عباس عن وجوب الغسل يوم الجمعة</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: أخبرنا عبد العزيز يعني: ابن محمد عن عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة أن أناسًا من أهل العراق جاءوا فقالوا: يا ابن عباس! أترى الغسل يوم الجمعة واجبًا؟ قال: لا، ولكنه أطهر وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدء الغسل: (كان الناس مجهودين، يلبسون الصوف، ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقًا مقارب السقف إنما هو عريش، فخرج رسول الله ﷺ في يوم حار، وعرق الناس في ذلك الصوف، حتى ثارت منهم رياح آذى بذلك بعضهم بعضًا، فلما وجد رسول الله ﷺ تلك الريح قال: أيها الناس! إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا، وليمس أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه).\nقال ابن عباس: ثم جاء الله بالخير ولبسوا غير الصوف، وكفوا العمل، ووسع مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضًا من العرق].\nهذا حديث عكرمة عن ابن عباس، وفيه أن ابن عباس ﵁ يرى أن الغسل ليس بواجب في الجمعة، وأن سبب الوجوب أولًا أن الناس كانوا مجهودين يلبسون الصوف، وكان مسجدهم ضيقًا مقارب السقف، وأن الناس كانوا يأتون في اليوم الحار فيعرقون فتخرج منهم الريح ويؤذي بعضهم بعضًا، فلما وجد النبي ﷺ ذلك أمرهم بالغسل، وأما بعد فإن الناس صاروا يلبسون غير الصوف، ووسعت المساجد -ويقال في هذا الزمان: ووجدت المكيفات- وكفوا العمل، فهم لا يعملون أيضًا، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضًا من العرق فصار ليس بواجب، فهذا قول ابن عباس، ولكن الأحاديث الصحيحة واضحة في وجوب الغسل، ومنها قوله ﷺ: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) وقد تقدم هذا، ولكن هذا اختيار ابن عباس ﵁.\nوقد أخرجه أحمد بن خزيمة من طريق عمرو بن أبي عمرو.\nوفي هذا الحديث قال: (أيها الناس) ولم يقل: أيها المسلمون، وذلك ليشمل المنافقين الموجودين في المسجد؛ لأنه قد يكون في المسجد منافقون، وقد يسمعه من هو خارج المسجد، وقد يقال: إن قوله: (أيها المسلمون) يشمل المنافقين؛ لأن أحكام الإسلام تجري عليهم؛ لأنهم ملتزمون بالإسلام ظاهرًا.\nوعبد العزيز بن محمد صدوق.","vol":"23","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-393>شرح حديث: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو الوليد الطيالسي أخبرنا همام عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل)].\nهذا الحديث أخرجه الترمذي.\nقوله: [(ومن اغتسل فالغسل أفضل)] فيه دليل على استدلال الجمهور على أن الغسل ليس بواجب، لكن الحديث ضعيف؛ لأنه من رواية الحسن عن سمرة، وقد اختلف في سماع الحسن عن سمرة، فقيل: إنه لم يسمع منه شيئًا، وقيل: إنه سمع حديث العقيقة، ولكن الأولى أنه سمع منه غير حديث العقيقة؛ لأن كلًا منهما كان في البصرة، فيبعد ألا يسمع منه غيره، وفيه -أيضًا- عنعنة قتادة، وهو وإن كان مدلسًا ولم يصرح بالسماع إلا أن تدليسه قليل يحمل على السماع.\nوقوله في الحديث: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت) من أدلة الجمهور.\nويصدق هذا حديث في صحيح مسلم، فيه الاكتفاء بالوضوء يوم الجمعة، واستدل به على أن الغسل مستحب، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء، ولكنه متأكد.","vol":"23","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-394>الرجل يسلم فيؤمر بالغسل</span>","vol":"23","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-395>شرح حديث قيس بن عاصم: (أتيت النبي ﷺ أريد الإسلام فأمرني أن أغتسل)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في الرجل يسلم فيؤمر بالغسل: حدثنا محمد بن كثير العبدي أخبرنا سفيان حدثنا الأغر عن خليفة بن حصين عن جده قيس بن عاصم -﵁- قال: (أتيت النبي ﷺ أريد الإسلام فأمرني أن أغتسل بماء وسدر)].\nحديث قيس بن عاصم هذا أخرجه الترمذي والنسائي، وفيه أمر الكافر بالغسل إذا أسلم، والأصل في الأمر الوجوب، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم كالإمام أحمد وأبي ثور، وذهب جمهور العلماء إلى أن الأمر للاستحباب، وأنه صرف عن الوجوب إلى الاستحباب، فقد أسلم في عام الفتح جم غفير ولم يأمرهم النبي ﷺ بالاغتسال، ولا أمر مناديًا ينادي بذلك، فدل على أن الأمر للاستحباب.","vol":"23","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-396>شرح حديث (ألق عنك شعر الكفر)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مخلد بن خالد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج قال: أخبرت عن عثيم بن كليب عن أبيه عن جده (أنه جاء إلى النبي ﷺ فقال: قد أسلمت.\nفقال له النبي ﷺ: ألق عنك شعر الكفر.\nيقول: احلق).\nقال: وأخبرني آخر أن النبي ﷺ قال لآخر معه: (ألق عنك شعر الكفر واختتن)].\nهذا الحديث فيه علتان: إحداهما: قول ابن جريج: [أخبرت عن عثيم] ففيه جهالة الرجل الذي أخبر ابن جريج.\nوالعلة الثانية: أن عثيمًا اختلف فيه، فقيل عنه -كما في التقريب-: عثيم بن كليب، وقيل: ابن كثير، فالحديث ضعيف بهذا، فلا دلالة فيه على وجوب حلق شعر الكفر.\nأما الاختتان ففيه اختلاف، فقيل: سنة، وقيل: واجب، ولكن الأولى أن من أسلم لا يؤمر بالاختتان في الحال لئلا ينفر عن الإسلام على القول بوجوبه، لكن إذا استقر الإسلام في قلبه بعد ذلك يؤمر بالاختتان، وقد ثبت أن إبراهيم ﵇ اختتن وهو ابن ثمانين، وهو واجب عند البلوغ، لكن الأولى أن يختتن قبل ذلك.","vol":"23","page":21},{"text":"شرح سنن أبي داود_<span data-type=\"title\" id=toc-397>كتاب الطهارة [٢٤]</span>\nإن من تخفيف الله على عباده، وتيسيره عليهم، أن الحائض تصلي في الثوب الذي حاضت فيه، فإن رأت فيه دمًا قرصته وغسلته، وإن لم تر صلت فيه، ولم يكلفها الإسلام أن تغسل الثوب كاملًا بل تغسل مكان الدم فقط.","vol":"24","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-398>المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها</span>","vol":"24","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-399>شرح حديث سؤال معاذة عائشة عن الحائض يصيب ثوبها الدم</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها: حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثني أبي قال: حدثتني أم الحسن يعني جدة أبي بكر العدوي -عن معاذة قالت: (سألت عائشة ﵂ عن الحائض يصيب ثوبها الدم؟ قالت: تغسله، فإن لم يذهب أثره فلتغيره بشيء من صفرة، قالت: ولقد كنت أحيض عند رسول الله ﷺ ثلاث حيض جميعًا لا أغسل لي ثوبًا)].\nهذا الحديث فيه أم الحسن، وهي غير معروفة كما في التقريب، فهي مجهولة، والحديث ضعيف، لكن له شواهد تؤيده.\nوفيه أن دم الحيض إذا أصاب الثوب فإنه يغسل، فإن لم يذهب أثره فلا يضر، وإذا غير بشيء من الصفرة فلا بأس.\nوفيه قول عائشة: (ولقد كنت أحيض عند رسول الله ﷺ ثلاث حيض جميعًا لا أغسل لي ثوبًا) ويبعد أن عائشة تحيض ثلاث حيض في ثلاثة أشهر لا تغسل لها ثوبًا، والأحاديث تدل على أن عرق الحائض وريقها طاهر، وإنما تكون النجاسة في الدم، وأن الدم يغسل، فإن لم يذهب الأثر فلا يضر.","vol":"24","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-400>شرح حديث عائشة: (ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن كثير العبدي أخبرنا إبراهيم بن نافع قال: سمعت الحسن -يعني ابن مسلم يذكر عن مجاهد قال: قالت عائشة: (ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإن أصابه شيء من دم بلته بريقها ثم قصعته بريقها)].\nومعنى (قصعته) أي: دلكته بريقها، فهي تبله أولًا ثم تدلكه حتى يزول الأثر ثم تغسله بالماء.","vol":"24","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-401>شرح حديث أم سلمة: (قد كان يصيبنا الحيض على عهد رسول الله ﷺ)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا عبد الرحمن -يعني ابن مهدي - قال: حدثنا بكار بن يحيى قال: حدثتني جدتي قالت: (دخلت على أم سلمة -﵂- فسألتها امرأة من قريش عن الصلاة في ثوب الحائض؟ فقالت أم سلمة: قد كان يصيبنا الحيض على عهد رسول الله ﷺ فتلبث إحدانا أيام حيضها ثم تطهر فتنظر الثوب الذي كانت تقلب فيه فإن أصابه دم غسلناه وصلينا فيه، وإن لم يكن أصابه شيء تركناه ولم يمنعنا ذلك من أن نصلي فيه، وأما الممتشطة فكانت إحدانا تكون ممتشطة، فإذا اغتسلت لم تنقض ذلك ولكنها تحفن على رأسها ثلاث حفنات، فإذا رأت البلل في أصول الشعر دلكته ثم أفاضت على سائر جسدها)].\nوهذا الحديث ضعيف؛ لأن بكار بن يحيى وجدته مجهولان كما في التقريب، لكن معنى الحديث صحيح، وهو أن الحائض إذا أصاب ثوبها شيء من الدم فإنها تغسله وتصلي فيه، وإن لم يكن أصابه شيء صلت فيه.\nوأما الممتشطة فإنها لا يجب عليها نقض الشعر في الحيض، لكن إذا نقضته فهو أفضل.\nوقد جاء حديث أم سلمة عند الترمذي بلفظ: (أتنقضه بغسل الجنابة -وفي لفظ: والحيضة-؟ قال: لا).\nوالصواب أنه لا يجب النقض وإنما يستحب، وقال بعض العلماء بوجوب النقض، لكن الصواب أنه لا يجب، ولكنه يستحب ويتأكد في الحيض والنفاس؛ لأن مدته تطول، بخلاف الجنابة فإنها تتكرر فلا تحتاج إلى نقض.\nوفيه مشروعية الحفن على الرأس ثلاث حفنات.\nومعنى (ممتشطة) أي: مضفور شعر رأسها، ولا يلزم من ذلك أن يكون فيه حناء أو غير ذلك.","vol":"24","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-402>شرح حديث صلاة المرأة في ثوب حيضها</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر -﵄- قالت: (سمعت امرأة تسأل رسول الله ﷺ: كيف تصنع إحدانا بثوبها إذا رأت الطهر؟ أتصلي فيه؟ قال: تنظر: فإن رأت فيه دمًا فلتقرصه بشيء من ماء، ولتنضح ما لم تر، ولتصل فيه)].\nفاطمة بنت المنذر هذه هي حفيدة أسماء؛ لأن منذرًا هذا هو ابن عبد الله بن الزبير، فهي حفيدة أسماء.\nوفي هذا الحديث أن المرأة إذا رأت الطهر تصلي في ثوبها ولو كان عليها أيام الحيض، وإن رأت فيه دمًا تغسله؛ لقوله: [(فلتقرصه بشيء من ماء) يعني: تدلكه بأصابعها بشيء من الماء، وقوله: [(ولتنضح ما لم تر)] يعني: ما شكت فيه تنضحه وترشه بماء، وإن رأته تدلكه بأصابعها وتغسله، ولا يصر بقاء أثره.","vol":"24","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-403>شرح حديث: (إذا أصاب إحداكن الدم من الحيض فلتقرصه ثم لتنضحه بالماء)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر -﵂- أنها قالت: (سألت امرأة رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة كيف تصنع؟ قال: إذا أصاب إحداكن الدم من الحيض فلتقرصه ثم لتنضحه بالماء ثم لتصل)].\nقوله: [(فلتقرصه)] هو من باب (ضرب يضرب)، ويصح (تقرُصه) من باب: (نصر ينصر)، فيصح (تقرُصه) و(تقرِصه)، والقرص معناه: الدلك بالأصابع، يعني: تدلكه بالأصابع حتى تزيل أثر الدم في الثوب، وقوله: [(ثم تنضحه بالماء)] يعني: تغسله بالماء.\nوهذا الحديث أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة.\nوفيه أن المرأة إذا أصابها الدم من الحيض فإنها تغسل الدم، فتدلكه أولًا بأصابعها، أو تحكه بعود كما سيأتي، أو بضلع، ثم تغسله وتصلي فيه، ولا يُحتاج إلى غسل الثوب كله، ولا تغييره، بل تصلي فيه.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا حماد، ح: وحدثنا مسدد حدثنا عيسى بن يونس، ح: وحدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد -يعني ابن سلمة - عن هشام بهذا المعنى، قال: (حتيه ثم اقرصيه بالماء ثم انضحيه)].\nقوله: [(حتيه)] يعني: حكيه، فتحكه بأصابعها، أو بعود حتى يزول الجرم، ثم تقرصه وتغسله بالماء، ثم تنضحه وترشه بالماء زيادة في التنظيف، فأولًا: تحكه، ثم تغسله بالماء، ثم ترشه زيادة في التنظيف.\nوفيه دليل على أن النجاسة إنما تزال بالماء دون غيره من المائعات، وهذا قول الجماهير.\nوذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أنه يجوز تطهير النجاسة بكل مائع، كماء الورد، أو ماء الشجر، أو ماء الزعفران، والصواب أن النجاسة إنما تزال بالماء خاصة دون غيره من المائعات، ولهذا أفتى النبي ﷺ من أصاب ثوبها دم الحيض بأن تغسله بالماء، فقال: (فلتقرصه بشيء من ماء).","vol":"24","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-404>شرح حديث: (حكيه بضلع واغسليه بماء وسدر)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا يحيى يعني ابن سعيد القطان عن سفيان قال: حدثني ثابت الحداد قال: حدثني عدي بن دينار قال: (سمعت أم قيس بنت محصن تقول: سألت النبي ﷺ عن دم الحيض يكون في الثوب، قال: حكيه بضلع واغسليه بماء وسدر)].\nقوله: [(حكيه بضلْع)]-ويقال: بضلَع- أي: بعود، وإنما تحكه بضلع حتى تزيل جرم الدم، ثم تغسله بماء وسدر، والغسل بالسدر زيادة في التنظيف، وإلا فإن الماء يكفي.\nوالحديث أخرجه النسائي وابن ماجة، وفيه أنها تحكه بضلع، وفي الأحاديث السابقة (تدلكه بأصابعها) وهذا معناه أنها تزيل جرم الدم فتحكه بأصابعها، أو بعود، ثم تغسله بالماء، وأما ما جاء في هذه الرواية -وهو قوله: (بماء وسدر) فمن باب زيادة التنظيف، مثل الصابون، فإذا غسلت الدم بالصابون فهو من باب زيادة التنظيف، وإلا فإن الماء كافٍ.","vol":"24","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-405>شرح حديث عائشة: (قد كان يكون لإحدانا الدرع فيه تحيض)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا النفيلي حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن عائشة -﵂- قالت: (قد كان يكون لإحدانا الدرع فيه تحيض، وفيه تصيبها الجنابة، ثم ترى فيه قطرة من دم فتقصعه بريقها)].\nالدرع: هو الثوب، ففيه كانت تحيض المرأة، وفيه تصيبها الجنابة، ثم إذا رأت فيه قطرة من دم فإنها تقصعه بريقها أي: تدلكه وتزيله، ثم تغسله بالماء، ولا حاجة إلى تغيير الثوب أو غسله كله.\nوإذا لم تعلم الدم وصلت فيه فالصلاة صحيحة، فإذا صلى الإنسان في ثوب به نجاسة نسيها أو لم يعلم بها إلا بعد الصلاة فالصلاة صحيحة ولا تعاد، بخلاف ما إذا صلاها بغير وضوء ثم علم بعد الصلاة، فإنه يتوضأ ويعيد الصلاة؛ لأن هذا من باب الترك للشرط، والوضوء شرط في صحة الصلاة.","vol":"24","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-406>شرح حديث سؤال خولة بنت يسار رسول الله عما تصنعه بثوبها إذا حاضت فيه</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة -﵁-: (أن خولة بنت يسار أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إنه ليس لي إلا ثوب واحد وأنا أحيض فيه، فكيف أصنع؟ قال: إذا طهرت فاغسليه ثم صلي فيه.\nفقالت: فإن لم يخرج الدم؟ قال: يكفيك غسل الدم ولا يضرك أثره)].\nهذا الحديث فيه ضعف؛ لأن فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف كما هو معروف، لكن له شاهد مرسل ذكره البيهقي فيكون حسنًا، وهو يدل على ما دلت عليه الأحاديث السابقة؛ بأن المرأة إذا كان عليها ثوب تحيض فيه وتصلي فيه، فإنها إن رأت فيه دمًا فإنها تغسله، فإن لم يزل أثره فلا يضر.","vol":"24","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-407>الصلاة في الثوب الذي يصيب فيه الرجل أهله</span>","vol":"24","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-408>شرح حديث أم حبيبة في صلاته في الثوب الذي يجامع فيه</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الصلاة في الثوب الذي يصيب أهله فيه: حدثنا عيسى بن حماد المصري أخبرنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن سويد بن قيس عن معاوية بن حديج عن معاوية بن أبي سفيان -﵄-: (أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبي ﷺ: هل كان رسول الله ﷺ يصلي في الثوب الذي يجامعها فيه؟ فقالت: نعم، إذا لم ير فيه أذى)].\nأخرجه النسائي وابن ماجة، وبه استدل بعضهم على نجاسة المني، والصواب أنه طاهر، كما جاء في الأحاديث الصحيحة أن المني يغسل رطبًا ويحك اليابس منه، وهذا من باب النظافة، وهو طاهر لأنه أصل الإنسان، خلافًا لمن قال بنجاسته، فلو كان نجسًا لما بقي في ثوب النبي ﷺ يابسًا ثم تحكه عائشة بظفرها ويصلي فيه.\nومعاوية هو ابن حديج بضم الحاء المهملة، وأما رافع بن خديج فهو صحابي جليل، ومعاوية بن حديج هو الكندي التجيبي المصري الأمير، قال البخاري: شهد فتح مصر، وذهبت عينه يوم دنقلة في بلاد مصر.\nفعلى قول البخاري يكون صحابيًا صغيرًا، روى عن أبي أذر، وعنه ابنه عبد الرحمن وعلي بن رباح.\nقال ابن يونس: مات سنة اثنتين وخمسين.\nوكنيته أبو عبد الرحمن، وقد ذكره يعقوب بن سفيان في التابعين، وهناك معاوية بن حديج آخر متأخر، وهو كوفي جعفي، وهو والد أبي خيثمة وأخويه.\nفالحديث دالٌ على جواز الصلاة في الثوب الذي يجامع فيه الرجل أهله، وأنه لا حرج في ذلك، وهذا دليل على طهارة المني، فلو أصابه شيء من المني فهو طاهر، وإذا رأى فيه شيئًا غسله من باب النظافة.\nوكذلك يدل على أن الجماع يكون بالثياب، وأما العري فمنهي عنه.","vol":"24","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-409>الصلاة في شعر النساء</span>","vol":"24","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-410>شرح حديث: (كان رسول الله ﷺ لا يصلي في شعرنا)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الصلاة في شُعُر النساء: حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا الأشعث عن محمد بن سيرين عن عبد الله بن شقيق عن عائشة -﵂- قالت: (كان رسول الله ﷺ لا يصلي في شعرنا أو في لحفنا) قال عبيد الله: شك أبي].\nوالشعر: جمع شعار، وهو الثوب الذي يلي الجسد، ويطلق على ما يلتحف به، ومنه قوله ﷺ: (الأنصار شعار والناس دثار)، فالشعار هو الثوب الذي يلبس، والدثار هو الثوب الذي فوقه، فجعل للأنصار خاصية.\nقولها: [(كان رسول الله ﷺ لا يصلي في شعرنا أو لحفنا)] هذا من باب الاحتياط، خشية أن يكون أصابه شيء من النجاسة، لكن الأصل السلامة كما في حديث أم حبيبة السابق، وكما في الأحاديث السابقة التي فيها أن المرأة تصلي في الثوب التي تحيض فيه.","vol":"24","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-411>شرح حديث عائشة: (أن النبي ﷺ كان لا يصلي في ملاحفنا)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن علي حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد عن هشام عن ابن سيرين عن عائشة -﵂-: (أن النبي ﷺ كان لا يصلي في ملاحفنا)].\nهذا من باب الاحتياط، والملاحف: جمع ملحفة.\nوتطلق على اللباس الذي فوق اللباس، ويطلق أيضًا على ما يلتحف به.\nوما ذكر هنا هو من باب الاحتياط خشية أن يكون أصابه شيء من النجاسة.\n[قال حماد: وسمعت سعيد بن أبي صدقة قال: سألت محمدًا عنه فلم يحدثني، وقال: سمعته منذ زمان، ولا أدري ممن سمعته، ولا أدري أسمعته من ثبت أو لا؟ فسلوا عنه].\nأي أن حمادًا يقول: سمعت ابن أبي صدقة قال: سألت محمدًا -يعني ابن سيرين - عن هذا الحديث فلم يحدثني، أي أنه اعتذر وقال: سمعته منذ زمان، ولا أدري ممن سمعته، ولا أدري أسمعته من ثبت -يعني: من عدل ضابط- أو لا، فسلوا عنه.\nيعني: سلوا عن هذا الحديث غيري من العلماء.","vol":"24","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-412>الرخصة في الصلاة في شعر النساء وملاحفهن</span>","vol":"24","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-413>شرح حديث صلاته ﷺ وعليه مرط وعلى بعض أزواجه منه وهي حائض</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في الرخصة في ذلك].\nيعني: باب الرخصة في الصلاة في شعر النساء وملاحفهن، فالباب الأول في أنه لا يُصلى في شعرهن من باب الاحتياط، وهذا الباب الثاني في بيان الرخصة في الصلاة في شعر النساء وملاحفهن.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان حدثنا سفيان عن أبي إسحاق الشيباني سمعه من عبد الله بن شداد يحدثه عن ميمونة -﵂-: (أن النبي ﷺ صلى وعليه مرط وعلى بعض أزواجه منه وهي حائض وهو يصلي وهو عليه)].\nهذا محمول على أن الأصل الطهارة ما لم تعلم النجاسة، وأحاديث الباب السابقة محمولة على الاحتياط خشية أن يكون فيها شيء.","vol":"24","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-414>شرح حديث عائشة: (كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل وأنا إلى جنبه)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع بن الجراح حدثنا طلحة بن يحيى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة -﵂- قالت: (كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل وأنا إلى جنبه وأنا حائض وعلي مرط لي وعليه بعضه)].\nهذا الحديث أخرجه ابن ماجة ومسلم بمعناه، وفيه أن بدن الحائض وثوبها طاهر ما عدا الدم وموضعه، وفيه أنه لا بأس بأن يصلي الإنسان وإلى جنبه حائض، أو يكون عليه ثوب بعضه عليه وبعضه على زوجته وهي حائض، والصلاة صحيحة.","vol":"24","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-415>المني يصيب الثوب</span>","vol":"24","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-416>شرح حديث عائشة: (لقد رأيتني وأنا أفركه من ثوب رسول الله ﷺ)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب المني يصيب الثوب: حدثنا حفص بن عمر عن شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن همام بن الحارث أنه كان عند عائشة ﵂ فاحتلم فأبصرته جارية لـ عائشة ﵂ وهو يغسل أثر الجنابة من ثوبه أو يغسل ثوبه، فأخبرت عائشة فقالت: (لقد رأيتني وأنا أفركه من ثوب رسول الله ﷺ) ورواه الأعمش كما رواه الحكم].\nهذا الحديث أخرجه مسلم، وفيه دليل على طهارة المني وأنه ليس بنجس، بدليل أن عائشة كانت تفركه، ولو كان نجسًا لما فركته وهو يابس، ولوجب غسله، ولكن يستحب غسل الرطب، وفرك اليابس من باب النظافة، وإلا فالمني طاهر، خلافًا لمن قال بأنه نجس من أهل العلم.","vol":"24","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-417>شرح حديث: (كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ فيصلي فيه)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة عن حماد عن إبراهيم عن الأسود أن عائشة -﵂- قالت: (كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ فيصلي فيه)].\nهذا الحديث أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة، وهو يدل على طهارة المني.\n[قال أبو داود: وافقه مغيرة وأبو معشر وواصل].\nيعني: وافق حمادًا هؤلاء الثلاثة.","vol":"24","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-418>شرح حديث عائشة في غسلها المني من ثوب رسول الله ﷺ</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا زهير، ح.\nوحدثنا محمد بن عبيد بن حساب البصري حدثنا سليم -يعني ابن أخضر والإخبار في حديث سليم - قالا: أخبرنا عمرو بن ميمون بن مهران قال: سمعت سليمان بن يسار يقول: سمعت عائشة -﵂- تقول: (إنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله ﷺ، قالت: ثم أرى فيه بقعة أو بقعًا)].\nهذا الحديث أخرجه الشيخان وأصحاب السنن، وفيه: دليل على طهارة المني، وأن عائشة كانت تغسله من ثوب رسول الله ﷺ من باب النظافة ثم ترى أثر البقع فيه، أي: في موضع الغسل، فلم تكن تغسل الثوب كله، بل تغسل المكان الذي فيه البقع فقط.\nوسبق في الحديث السابق أنها كانت تفرك اليابس، وتغسل الرطب من باب النظافة.\nوقوله: [والإخبار في حديث سليم] يعني: قال سليم: أخبرنا، وقال زهير: حدثنا.","vol":"24","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-419>بول الصبي يصيب الثوب</span>","vol":"24","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-420>شرح حديث أم قيس بنت محصن في بول ابنها في حجر رسول الله</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب بول الصبي يصيب الثوب: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أم قيس بنت محصن -﵂-: (أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ، فأجلسه رسول الله ﷺ في حجره فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله)].\nهذه الترجمة معقودة لحكم بول الصبي الذي لم يأكل الطعام إذا أصاب الثوب فيكفي فيه الرش والنضح، وهذا الحديث أخرجه مالك والشيخان والترمذي وابن ماجة والطحاوي.\nوفي هذا قصة، وهي أن أم قيس بنت محصن -وهي أخت عكاشة بن محصن - أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى النبي ﷺ فبال في حجره، والحجر مثلث الحاء، فيجوز فيه الفتح والضم والكسر، فيقال: حَجر وحِجر وحُجر، فلما بال على ثوبه دعا بماء فنضحه ولم يغسله، أي: رشه، فدل هذا على أن الصبي الذكر إذا لم يأكل الطعام وبال على ثوب فإنه يكفي فيه النضح والرش من غير غسل ولا قرص.","vol":"24","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-421>شرح حديث: (إنما يغسل من بول الأنثى وينضح من بول الذكر)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد بن مسرهد والربيع بن نافع أبو توبة قالا: حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن قابوس عن لبابة بنت الحارث قالت: (كان الحسين بن علي ﵁ في حجر رسول الله ﷺ فبال عليه، فقلت: البس ثوبًا وأعطني إزارك حتى أغسله، قال: إنما يغسل من بول الأنثى وينضح من بول الذكر)].\nهذا الحديث صحيح أخرجه ابن ماجة وأحمد وابن خزيمة والحاكم والبيهقي من وجوه كثيرة، والحديث صريح في الفرق بين بول الغلام والجارية، أي: الأنثى، ففيه أن بول الغلام إذا لم يأكل الطعام يكفي فيه الرش، وأما الجارية -وهي الأنثى- فلا يكفي في بولها النضح، بل لابد من الغسل، وهذا إذا لم يأكل الصبي الطعام، أما إذا أكل الطعام فالحكم واحد، فإذا أكل الطعام واستغنى به فإنه يغسل من بوله ولا يكفي فيه النضح.\nفإذا كان الصبي والصبية لا يأكلان الطعام وإنما يستغنيان بالحليب فقط، ففي هذه الحالة يفرق بين بول الغلام وبين بول الجارية، والحديث صريح في هذا، وهذا هو قول الجماهير، وهو الصواب.\nوقال بعض العلماء: يغسل بول الغلام والجارية، وإلى هذا ذهب الإمام أبو حنيفة والنخعي وسفيان الثوري.\nوالصواب أنه يفرق بين بول الغلام وبول الجارية كما دل عليه الحديث.\nوقد اختلف العلماء في حكمة الفرق بين بول الأنثى وبول الذكر، فقال بعض العلماء؛ لأن حواء خلقت من ضلع آدم، والذكر خلق من طين، وقال بعض العلماء: الحكمة في ذلك أن بول الأنثى يجتمع في مكان واحد، وبول الذكر ينتشر، وقال آخرون: لأن الذكر يكثر حمله من أبويه وأقاربه لمحبته والأنثى يقل حملها، والله أعلم بالحكمة، والأقرب أن الحكمة قد تكون هذه الأمور كلها مجتمعة، ويحتمل أن تكون الحكمة غير ذلك، والله تعالى حكيم عليم، وقد شرع أن يفرق بين بول الغلام وبول الأنثى، فإن عرفنا الحكمة فبها ونعمت، وإن لم نعرف الحكمة فنحن عبيد لله مأمورون بالامتثال لأوامر الله وأوامر رسوله، واجتناب ما نهى الله عنه وما نهى عنه رسوله ﷺ، مع قطعنا بأن الشرع حكيم، وأنه لا يجمع بين مختلفين، ولا يفرق بين متماثلين.","vol":"24","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-422>شرح حديث: (يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مجاهد بن موسى وعباس بن عبد العظيم العنبري قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثني يحيى بن الوليد حدثني محل بن خليفة حدثني أبو السمح -﵁- قال: (كنت أخدم النبي ﷺ، فكان إذا أراد أن يغتسل قال: ولني قفاك، فأوليه قفاي فأستره به، فأتي بـ حسن أو حسين ﵄ فبال على صدره، فجئت أغسله فقال: يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام)].\nهذا الحديث أخرجه النسائي والبزار وابن ماجة وابن خزيمة والحاكم، ولا بأس بسند الحديث، وقال البخاري: إنه حديث حسن.\nوفيه أن أبا السمح كان يخدم النبي ﷺ، فكان إذا أراد أن يغتسل قال: ولني قفاك، فيوليه قفاه فيستره، ولعل هذا كان في السفر، وإلا فستر النبي ﵊ كان في المدينة عند أهله، والحديث صريح في الفرق بين بول الصبي والصبية، وأنه يكفي في بول الصبي الرش وأما بول الجارية فلابد من أن يغسل، وهذا محمول على أنه لم يأكل الطعام، كما سبق في حديث أم قيس بنت محصن.","vol":"24","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-423>بيان قول الحسن: (الأبوال كلها سواء)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال العباس: حدثنا يحيى بن الوليد -قال أبو داود: وهو أبو الزعراء - قال هارون بن تميم عن الحسن قال: الأبوال كلها سواء].\nقوله: [قال عباس] هو عباس بن عبد العظيم العنبري، قال: [حدثنا يحيى بن الوليد -قال أبو داود: هو أبو الزعراء] يعني أن كنية يحيى بن الوليد هي: أبو الزعراء [عن هارون بن تميم عن الحسن البصري أنه قال: الأبوال كلها سواء].\nيعني أن الأبوال كلها سواء في النجاسة، فلا فرق بين الصبي والصبية والصغير والكبير، أو أن الأبوال كلها حكمها واحد -سواء ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه- في النجاسة، وهذا ليس بصحيح، وهو قول باطل لا وجه له، وهذا من أوهامه، وإن كان الحسن البصري ﵀ من العلماء ومن الأتقياء، لكن هذا القول ترده الآثار والأحاديث الصحيحة؛ فقد فرق الشارع بين الأبوال، وأمر ﷺ العربيين لما اجتووا المدينة أن يلحقوا بإبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، ولم يأمرهم بالغسل، فدل على طهارتها.\nوإن كان المراد أنه لا فرق بين بول الصبي والصبية فقد فرق الشارع بينهما.\nولعل المؤلف أورد ذلك عن الحسن ليدل على بطلانه لوضوح مخالفته للحديث.","vol":"24","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-424>شرح حديث: (يغسل من بول الجارية وينضح من بول الغلام ما لم يطعم)</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه عن علي ﵁ قال: (يغسل من بول الجارية وينضح من بول الغلام ما لم يطعم)].\nهذا الحديث موقوف على علي ﵁، وهو موافق للأحاديث السابقة، لكن هناك فرق بين بول الجارية وبول الغلام، وفيه التقييد بأنه [ما لم يطعم] يعني: ما لم يستغن بأكل الطعام، فإذا استغنى بالطعام واكتفى به عن الحليب فإنه يصدق عليه أنه يطعم.","vol":"24","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-425>إسناد آخر لحديث (يغسل من بول الجارية) وبيان رفعه وزيادته</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا ابن المثنى حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قال، فذكر معناه ولم يذكر: ما لم يطعم.\nزاد: قال قتادة: هذا ما لم يطعما الطعام، فإذا طعما غسلا جميعًا].\nهذه الرواية مرفوعة عن علي بن أبي طالب، بخلاف الرواية الأخرى فهي موقوفة عليه، ولهذا قال: [إن النبي ﷺ قال، فذكر معناه] يعني معنى الحديث الموقوف السابق في التفرقة بين بول الجارية وبول الغلام، وقوله: [ولم يذكر: ما لم يطعم] يعني: لم يذكر هشام ما ذكره سعيد بن أبي عروبة من قوله: [ما لم يطعم].\nوزاد هشام في روايته: [قال قتادة: هذا ما لم يطعما الطعام، فإذا طعما غسلا جميعًا].\nوهذا هو الصواب، وهذا الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن.","vol":"24","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-426>شرح حديث صب أم سلمة الماء على بول الغلام ما لم يطعم</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر حدثنا عبد الوارث عن يونس عن الحسن عن أمه: أنها أبصرت أم سلمة ﵂ تصب الماء على بول الغلام ما لم يطعم، فإذا طعم غسلته، وكانت تغسل بول الجارية].\nهذه الرواية موقوفة على أم سلمة، وقال الحافظ في التفسير: سنده صحيح، وأم الحسن اسمها خيرة، وهي مولاة لـ أم سلمة، فـ الحسن يروي عن أمه خيرة أنها أبصرت أم سلمة تصب الماء على بول الغلام ما لم يطعم، فإذا طعم غسلته، وكانت تغسل بول الجارية، أي: تفرق بين بول الصبي والصبية، فالصبي يكتفى فيه بالرش والنضح والصبية يغسل من بولها، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة في ذلك.","vol":"24","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-427>الأسئلة</span>","vol":"24","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-428>حكم صلاة من رأى بعد صلاته نجاسة في ثوبه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم من رأى بعد صلاته نجاسة في ثوبه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الصواب أن الصلاة صحيحة، لكن إذا علم وهو في الصلاة فإن استطاع أن يلقي الثوب الذي فيه نجاسة، كما لو كانت النجاسة في عمامته أو في المنديل فصلاته صحيحة، وإن كانت في الثوب الذي يلي الجسد، أو في ثوب لا يستطيع نزعه فإنه يقطع الصلاة ثم ينزعه ويعيد الصلاة.","vol":"24","page":32},{"text":"شرح سنن أبي داود_<span data-type=\"title\" id=toc-429>كتاب الطهارة [٢٥]</span>\nلقد كان رسول الله أرحم بالناس من أنفسهم، فالأعرابي حين بال في المسجد وهم الصحابة بضربه نهاهم عن ذلك وعلم الأعرابي بعد أن فرغ من بوله أن هذا المكان ليس للقاذروات، وأمر أصحابه أن يصبوا على بول الأعرابي ذنوبًا من ماء.","vol":"25","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-430>الأرض يصيبها البول</span>","vol":"25","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-431>شرح حديث الأعرابي الذي بال في المسجد</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الأرض يصيبها البول: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح وابن عبدة في آخرين -وهذا لفظ ابن عبدة - قال: أخبرنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة (أن أعرابيًا دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس فصلى -قال ابن عبدة: ركعتين- ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا.\nفقال النبي ﷺ: لقد تحجرت واسعًا، ثم لم يلبث أن بال في ناحية المسجد، فأسرع الناس إليه، فنهاهم النبي ﷺ وقال: إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين، صبوا عليه سجلًا من ماء.\nأو قال: ذنوبًا من ماء)].\nوهذا الحديث أخرجه الترمذي والنسائي، وأخرجه ابن ماجة من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، وأخرجه الشيخان من حديث أنس بن مالك، وهو معروف عند أهل العلم بحديث الأعرابي، والأعرابي: من الأعراب، وهم سكان البادية.\nوفيه أن هذا الأعرابي قال: [اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا] ثم بال، وجاء في الأحاديث الأخرى أن بوله سابق على قوله أولًا، ثم بعد ذلك لما زجره الصحابة، وعلمه النبي ﷺ، ورفق به قال: [اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا]؛ لأنه لما رأى خلق النبي ﷺ ومعاملته، ورأى شدة بعض الصحابة عليه فقال: [اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا].\nفقال له النبي ﷺ: [(لقد تحجرت واسعًا)] ثم لم يلبث أن بال في ناحية المسجد، وقوله: [يلبث] هو من لبث يلبث، من باب فرح يفرح، فالأقرب أنه بال أولًا، ثم لما رأى معاملة النبي ﷺ قال: [اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا].\nفقال له النبي ﷺ: [(لقد تحجرت واسعًا) فرحمة الله واسعة.\nوفي هذا الحديث من الفوائد: رفق النبي ﷺ بالأمة، وأنه ينبغي الرفق بالجاهل وتعليمه، ولهذا قال النبي: [(إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين)] يعني: إنما بعث الله نبيكم ﷺ الذي تأتمون به وتتأسون به إنما بعث بالتيسير لا بالتعسير، وجاء في رواية أخرى أن النبي قال: (دعوه -وفي لفظ قال: لا تزرموه- حتى قضى بوله ثم أمر بسجل من ماء فصب عليه)، وهذه هي الحكمة، لأنه لما زجره الصحابة لو تركهم النبي ﷺ يزجرونه لحصل مضار على المسجد وعلى البائل: أولًا: يقطع عليه بوله، وهذا يؤثر عليه صحيًا.\nثانيًا: يقوم ثم يلطخ بوله ثيابه، وتكون بقع البول في نواح متعددة من المسجد، وكل هذه مفاسد، أما إذا ترك يبول في مكان واحد سلم من الضرر الصحي، وسلم جسمه من البول، وسلمت ثيابه من البول، وسلمت الأماكن الأخرى من البول، ثم يؤتى ويصب عليه الماء وتنتهي المسألة؛ ولهذا ينبغي للإنسان المسلم أنه إذا أراد أن ينكر منكرًا أن يتأمل، وأن يحيط بالعواقب والآثام قبل أن ينهى، وينظر ما يترتب على هذا المنكر، ولهذا ما سلكه النبي ﷺ هو عين الحكمة والمصلحة، قال: (دعوه لا تزرموه، حتى قضى بوله، ثم أمر بسجل من ماء وصب عليه، ثم أتى الأعرابي وقال: له يا فلان! إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من القذر والبول، إنما هي لذكر الله والصلاة) أو كما قال ﵊.\nوفيه دليل على أنه ينبغي الرفق بالجاهل وعدم العنف، وكذا المتعمد، إذا كان يترتب على التغليظ عليه مفسدة، فلا يغلظ عليه؛ لأنه يترتب على زجره وقيامه من البول مفاسد كما سمعنا.\nوفيه دليل على أن البول إذا كان في الأرض، يكاثر بالماء ولا يحجر بالتراب ولا ينقل ترابه، فالبول إذا كان في الأرض يصب عليها الماء ويكاثر، ولهذا أمر النبي ﷺ بأن يصب عليه سجل من ماء، ولم ينقل ترابه، أما ما جاء أنه نقل ترابه كما سيأتي فلا يصح، فلم يأمر بنقل ترابه ولا بتحديد التراب، فإذا كان البول في غير الأرض فإنه يغسل، وإذا كان في بسط أو فرش كبيرة فإنه يقلب أو يثقل كما قال أهل العلم.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا جرير -يعني: ابن حازم - قال: سمعت عبد الملك -يعني ابن عمير - يحدث عن عبد الله بن معقل بن مقرن قال: (صلى أعرابي مع النبي ﷺ بهذه القصة -قال فيه وقال يعني: النبي ﷺ-: خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه وأهريقوا على مكانه ماءً) قال أبو داود: هو مرسل؛ ابن معقل لم يدرك النبي ﷺ].\nهذا الحديث كما قال أبو داود ﵀ مرسل، ابن معقل بن مقرن لم يدرك النبي ﷺ والمرسل ضعيف، فلا حجة فيما دل عليه من أخذ التراب وإلقائه، والصواب: ما دل عليه الحديث المرفوع من صب الماء على التراب من دون أخذ التراب وإلقائه.","vol":"25","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-432>ما جاء في طهور الأرض إذا يبست</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في طهور الأرض إذا يبست.\nحدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب حدثني حمزة بن عبد الله بن عمر قال ابن عمر ﵄ (كنت أبيت في المسجد في عهد رسول الله ﷺ، وكنت فتى شابًا عزبًا، وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد، فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك)].\nوهذه الترجمة في حكم طهور الأرض إذا يبست، يعني: إذا أصاب الأرض بول مثلًا أو نجاسة ثم يبست بالشمس أو بالهواء، فهل تطهر أو لا تطهر؟ نقول: إذا كانت النجاسة لها جرم فلا بد أن ينقل الجرم، فإذا كانت عذرة أو قطع فنقله لا بد منه، لكن إذا كان بولًا ثم يبست الأرض بالشمس أو بالريح، فظاهر ترجمة المؤلف ﵀ واختياره أنها إن جفت بالشمس أو بالريح فإنها تطهر، وهذا هو اختيار الأحناف، وما وروي عن أبي قلابة، واختيار شارح عون المعبود: أبي الطيب محمد شمس الدين، يقول: إذا أصابت الأرض نجاسة فلها وجهان في التطهير: الوجه الأول: صب الماء عليها، والثاني: جفافها ويبسها بالشمس أو بالهواء، وكأن ظاهر اختيار أبي داود في الترجمة هو هذا، وذهب جمهور العلماء إلى أنه لا بد من الماء وأنها لا تطهر، وأجابوا عن هذا الحديث أولًا: بأن النجاسة محتملة وليست ظاهرة، والأصل الطهارة، وكون الكلاب تقبل وتدبر في المسجد فهذا محتمل أن يكون فيه نجاسة وليست ظاهرة، ولو رأوها لما تركوها هذا محتمل، وفي رواية أبي داود هنا: كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد؛ لأن مسجد النبي ﷺ لم يكن عليه أبواب، لكن حديثًا رواه البخاري لفظة: كانت الكلاب تقبل وتدبر في المسجد، في زمان رسول الله ﷺ، وليس في رواية البخاري: لفطة: تبول، فلم يكونوا يرشون شيئًا، إذ أن الأصل الطهارة، وهم لم يروا شيئًا، ولو رأوا شيئًا لغسلوه، وكونها تمر لا يدل على أنها تنجس المسجد ولا سيما إذا كانت يابسة، وهذا لا يوجب غسله والأصل الطهارة، ولم يكونوا يروا شيئًا، ولو رأوا شيئًا لغسلوه، فليس فيه حجة في أن النجاسة إذا يبست بالشمس أو بالهواء يكفي بدون الماء، وليس في رواية البخاري: تبول، إنما في روايته تقبل وتدبر؛ لأن المساجد ليس فيها أبواب، والصواب: ما علمته من العلماء أن النجاسة لا يكفي في تطهيرها الجفاف بالشمس أو بالهواء، بل لا بد من غسلها بالماء، والغسل لا يحتاج إلى نية، فلو جاء المطر وصب عليها لكفى وطهرت؛ لأنها ليست كالعبادة التي تحتاج إلى نية.\nإذا اندثر على النجاسة التي في الأرض من الثرى طبقة كبيرة فهي طاهرة، لكن إذا علم النجاسة فلا بد من صب الماء علهيا كما في حديث الأعرابي، وهذا هو الأصل، فلو كانت الشمس والريح تكفي لقالوا: اتركوه حتى تيبس الأرض وتجف، فلما لم يشهد النبي ﷺ للجفاف، وأمر بأن يصب سجل من ماء على بول الأعرابي، فدل على أنه لا بد من الماء، ولو كان يكفي لقال: اتركوه يجف وييبس ويطهر.\nوالنجاسة إذا مسستها بيدك وهي يابسة لا يضر، لكن إذا كانت يدك رطبة أو النجاسة رطبة فلا بد حينئذ من الغسل.\nوما ورد في رواية أبي داود لم يرد في لفظ البخاري يعني قوله تبول، وقوله: (تقبل وتدبر): هذا يحتمل أنها قد تبول، لكن هذا شيء غير محقق، والصحابة لم يروا شيئًا، ولو رأوا النجاسة لغسلوها كما في حديث الأعرابي.","vol":"25","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-433>ذكر ما جاء في الأذى يصيب الذيل</span>\n[باب في الأذى يصيب الذيل.\nحدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم عن محمد بن إبراهيم عن أم ولد لـ إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنها سألت أم سلمة زوج النبي ﷺ فقالت: (إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر فقالت أم سلمة ﵂ قال رسول الله ﷺ: يطهره ما بعده)].\nوهذه الترجمة معقودة لبيان حكم النجاسة تصيب الذيل، والذيل: طرف الثوب الذي إلى الأرض، فقد كانت المرأة سابقًا تطيل الثوب حتى يغطي ظهور قدميها؛ ولهذا لما نهى النبي ﷺ عن إرخاء الثوب، قيل: ما تفعل النساء، تنكشف أقدامهن، قال: (يرخينه شبرًا فقالت أم سلمة: إذًا تنكشف أقدامهن قال: فيرخينه ذراعًا) فكان النساء يطلن الثياب، والآن انعكست القضية، فقد صار النساء الآن يرفعن الثياب، وصار الرجل هو الذي يرخي الثياب، فيتجاوز القدمين، وهذا من الانتكاسة، حيث أن الرجل يتستر والمرأة تتكشف، وفي هذا الحديث: أن أم ولد لإبراهيم سألت أم سلمة ﵂ قالت: إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر، يعني: النجس، فقالت أم سلمة: (يطهره ما بعده) وهذا الحديث أخرجه مالك والترمذي وابن ماجة والدارمي لكن الحديث في سنده أم ولد إبراهيم وهي مقبولة، لكن الذي بعده أصح.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي وأحمد بن يونس قالا: حدثنا زهير حدثنا عبد الله بن عيسى عن موسى بن عبد الله بن يزيد عن امرأة من بني عبد الأشهل قالت (قلت: يا رسول الله، إن لنا طريقًا إلى المسجد منتنة فكيف نفعل إذا مطرنا؟ قال: أليس بعدها طريق هي أطيب منها؟ قالت: قلت: بلى، قال: فهذه بهذ)].\nيعني: هذه تطهر هذه، فهذان الحديثان في طهارة ذيل المرأة، ولا بأس بسند الحديثين، فالحديث الأول مقبول، ويسانده الحديث الثاني، والثاني أصح من الأول؛ لأن الأول فيه أم ولد إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وهي مقبولة كما في التقريب، وفي هذا يكون درجة الحديث في القوة والصحة أقل من الثاني، وهما يدلان على طهارة ذيل المرأة إذا مرت بطريق فيها نجاسة، ثم مرت بأخرى طيبة، وزالت عين النجاسة عند اختلاطها بالطين والتراب ويبست وتناثرت أو كانت يابسة فلا يضر، أما إذا بقيت فلا بد من تطهير النجاسة في الثوب بغسله، ويكون الحكم السابق من باب التخفيف، دفعًا للمشقة، كالنعلان كما سيأتي فإنهما يطهران بالدلك والحك.","vol":"25","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-434>ما جاء في الأذى يصيب النعل</span>\n[باب في الأذى يصيب النعل.\nحدثنا أحمد بن حنبل حدثنا أبو المغيرة ح وحدثنا عباس بن الوليد بن مزيد أخبرني أبي، ح وحدثنا محمود بن خالد، حدثنا عمر -يعني ابن عبد الواحد -عن الأوزاعي: قال أنبئت أن سعيد بن أبي سعيد المقبري حدث عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال (إذا وطىء أحدكم بنعله الأذى، فإن التراب له طهور)].\nوهذا الحديث فيه حكم الأذى والنجاسة تصيب النعل، وفيه أن التراب له طهور ويكفي، لكن الحديث هذا ضعيف؛ لأن فيه مجهول وهو من أخبر الأوزاعي بهذا الحديث، لكن الحديث الذي بعده يشهد له.\nقال: [حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثني محمد بن كثير -يعني الصنعاني - عن الأوزاعي، عن ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بمعناه، قال: (إذا وطىء الأذى بخفيه فطهورهما التراب)].\nوهذا الحديث رواه ابن حبان والحاكم، قال النووي: رواه أبو داود بسند صحيح، والحديث وإن كان في سنده محمد بن كثير وهو ضعيف، لكن تابعه أبو المغيرة والوليد بن مزيد وعمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي فيكون الحديث دليلًا على طهارة النعل بالدلك والتراب، دفعًا للمشقة ويؤيد هذا الحديث، ما أخرجه المؤلف أبو داود في باب الصلاة في النعال من حديث أبي سعيد مرفوعًا: (وفيه إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه وليصل فيهم)، وهذا إسناد صحيح ويكون هذا من باب دفع المشقة، فالنعل والخف إذا دلكهما كفى، كما أن ذيل المرأة إذا مر في أرض نجسة ثم مر بأرض أخرى طيبة، ودُلك عند المشي بالتراب وأزيلت عين النجاسة صار طاهرًا دفعًا للمشقة.\nقال: [حدثنا محمود بن خالد حدثنا محمد -يعني ابن عائذ - حدثني يحيى -يعني ابن حمزة - عن الأوزاعي عن محمد بن الوليد أخبرني أيضًا سعيد بن أبي سعيد، عن القعقاع بن حكيم عن عائشة عن رسول الله ﷺ بمعناه].\nبمعناه يعني: إذا وطئ الأذى بخفيه يدلكهما بالتراب ويطهرهما به.","vol":"25","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-435>ما جاء في الإعادة من النجاسة تكون في الثوب</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الإعادة من النجاسة تكون في الثوب.\nحدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثتنا أم يونس بنت شداد قالت: حدثتني حماتي أم جحدر العامرية: (أنها سألت عائشة ﵂ عن دم الحيض يصيب الثوب فقالت: كنت مع رسول الله ﷺ وعلينا شعارنا، وقد ألقينا فوقه كساء، فلما أصبح رسول الله ﷺ أخذ الكساء فلبسه، ثم خرج فصلى الغداة، ثم جلس فقال رجل: يا رسول الله! هذه لمعة من دم، فقبض رسول الله ﷺ على ما يليها، فبعث بها إلي مصرورة في يد الغلام، فقال: اغسلي هذه وأجفيها ثم أرسلي بها إلي، فدعوت بقصعتي فغسلتُها، ثم أجففتها، فأحرتها إليه، فجاء رسول الله ﷺ بنصف النهار وهي عليه)].\nوهذه الترجمة يقول المؤلف ﵀: باب الإعادة من النجاسة تكون في الثوب.\nفإذا قيل: هل تعاد الصلاة؟ ف\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كانت النجاسة في الثوب، فظاهر ترجمة المؤلف أنه إذا صلى في ثوب فيه نجاسة فإنه يعيد الصلاة، لكن الحديث الذي ذكره هنا ضعيف، أولًا: فيه مجهولان: أم يونس بنت شداد مجهولة، وأم جحدر العامرية مجهولة.\nثم أيضًا ليس في هذا الحديث أن النبي ﷺ أعاد الصلاة من النجاسة، فيه أن أم جحدر العامرية سألت عائشة عن دم الحيض يصيب الثوب، فقالت: (كنت مع رسول الله ﷺ وعلينا شعارنا) الشعار هو الثوب الذي يلي الجسد (وقد ألقينا فوقه كساء فلما أصبح رسول الله ﷺ أخذ الكساء فلبسه، ثم خرج فصلى الغداة -أي: الصبح- ثم جلس فقال رجل: يا رسول الله! هذه لمعة من دم، فقبض رسول الله على ما يليها -ما يلي اللمعة يعني: البقعة- فبعث بها إلي مصرورة -تقول عائشة - في يد الغلام فقال: اغسلي هذه وأجفيها ثم أرسلي بها إلي، فدعوت بقصعتي فغسلتها ثم أجففتها- يعني: أيبستها- فأحرتها إليه، فجاء رسول الله ﷺ بنصف النهار وهي عليه) فهل في هذا الحديث أنه أعاد الصلاة؟ لا ليس فيه أنه أعاد الصلاة، فترجمة أبي داود قال: باب الإعادة من النجاسة تكون في الثوب، فيه أن النبي صلى الغداة ووجد بقعة من دم على كسائه وغسلها، وليس فيه أنه أعادها؛ ولهذا قال المنذري: والحديث ليس فيه أن النبي أعاد الصلاة التي صلى في ذلك الثوب، فكيف يكون استدلال المؤلف من الحديث؟ وإذا صلى الإنسان في ثوب فيه نجاسة أو في بدنه أو البقعة التي يصلي فيها ثم لم يعلم إلا بعد الصلاة، فالصواب: أنه لا يعيد، وصلاته صحيحة، ومن الأدلة على هذا: حديث أبي سعيد في صلاة النبي ﷺ بنعاله وخلعها في أثناء الصلاة لما أخبره جبريل أن بها أذى ولم يعد ما مضى من الصلاة، فدل على أنه لا يعيد الصلاة إذا لم يعلم إلا بعد فراغه.\nوقال بعض أهل العلم: يعيد الصلاة، كما قال أبو داود هنا، والصواب: أنه لا يعيد، أما إذا علم في أثناء الصلاة، فإن كان يستطيع أن يلقي ما فيه نجاسة فعل واستمر في صلاته، كأن تكون النجاسة في منديل أو عمامة أو كوفية فإنه يلقيها ويستمر في صلاته، وإن لم يستطع فإنه يقطع صلاته، ويزيل النجاسة ثم يستأنف الصلاة، كما لو كانت في ثوبه فتنكشف عورته، أو كانت على بدنه وهذا بخلاف الحدث، فإن النجاسة في الثوب تختلف عن الحدث، فإنه إذا صلى وهو محدث ثم علم بعد الصلاة فإنه يعيد الصلاة مطلقًا؛ لأن الوضوء شرط في صحة الصلاة وهو من باب الإيجاد فلا بد من إيجاده، بخلاف النجاسة فإنها من باب الترك أما الوضوء فلا بد منه، لكن إن كان إمامًا، فإنه يعيد وحده، وقد حصل لـ عمر ﵁ أنه صلى بالناس، ثم رأى أثر الاحتلام في الضحى فأعاد وحده الصلاة أما إذا كان الحدث في أثناء الصلاة فإنه يستأنف الصلاة مطلقًا، لكن إن كان إمامًا فإنه يستنيب من يتم بهم الصلاة وقيل: إن نائبه يستأنف بهم الصلاة ويبتدئ الصلاة من جديد، والأول أصح، وقول من فرق بين سبق الحدث في الإمام وعدم سبقه، فيستأنف بهم الصلاة إذا سبقه ويتم بهم إذا لم يسبقه كما هو مذهب الحنابلة فهو قول ضعيف، وقد سبق لنا في أبي داود أن الصواب أنه يستنيب من يتم بهم الصلاة ولو سبقه الحدث، أما الحنابلة فإنهم يفرقون بين ما إذا سبقه الحدث فإن النائب يستأنف بهم الصلاة، أما إذا لم يسبقه الحدث فإنه يتم بهم الصلاة، ولهذا يقول الحنابلة: وتبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة إمامه، فلا استخلاف، يعني: فلا يستخلف، وعن الإمام أحمد لا تبطل وهو الصواب والأئمة الثلاثة على أنها لا تبطل، فإن عمر استخلف بعد أن سبقه الحدث، وأما هذا الحديث فهو ضعيف، كذلك ليس فيه أن النبي ﷺ أعاد الصلاة، وقد يقال: إن أبا داود لم يجزم بالحكم، وإنما قال: باب الإعادة من النجاسة تكون في الثوب، يعني: هل تعاد أو لا تعاد؟ لكن ظاهره: أنه يعيد، والصواب: أنه لا يعيد كما سبق، وإن قال به بعض العلماء.","vol":"25","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-436>البصاق يصيب الثوب</span>\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الإعادة من النجاسة تكون في الثوب.\nحدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثتنا أم يونس بنت شداد قالت: حدثتني حماتي أم جحدر العامرية: (أنها سألت عائشة ﵂ عن دم الحيض يصيب الثوب فقالت: كنت مع رسول الله ﷺ وعلينا شعارنا، وقد ألقينا فوقه كساء، فلما أصبح رسول الله ﷺ أخذ الكساء فلبسه، ثم خرج فصلى الغداة، ثم جلس فقال رجل: يا رسول الله! هذه لمعة من دم، فقبض رسول الله ﷺ على ما يليها، فبعث بها إلي مصرورة في يد الغلام، فقال: اغسلي هذه وأجفيها ثم أرسلي بها إلي، فدعوت بقصعتي فغسلتُها، ثم أجففتها، فأحرتها إليه، فجاء رسول الله ﷺ بنصف النهار وهي عليه)].\nوهذه الترجمة يقول المؤلف ﵀: باب الإعادة من النجاسة تكون في الثوب.\nفإذا قيل: هل تعاد الصلاة؟ ف\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كانت النجاسة في الثوب، فظاهر ترجمة المؤلف أنه إذا صلى في ثوب فيه نجاسة فإنه يعيد الصلاة، لكن الحديث الذي ذكره هنا ضعيف، أولًا: فيه مجهولان: أم يونس بنت شداد مجهولة، وأم جحدر العامرية مجهولة.\nثم أيضًا ليس في هذا الحديث أن النبي ﷺ أعاد الصلاة من النجاسة، فيه أن أم جحدر العامرية سألت عائشة عن دم الحيض يصيب الثوب، فقالت: (كنت مع رسول الله ﷺ وعلينا شعارنا) الشعار هو الثوب الذي يلي الجسد (وقد ألقينا فوقه كساء فلما أصبح رسول الله ﷺ أخذ الكساء فلبسه، ثم خرج فصلى الغداة -أي: الصبح- ثم جلس فقال رجل: يا رسول الله! هذه لمعة من دم، فقبض رسول الله على ما يليها -ما يلي اللمعة يعني: البقعة- فبعث بها إلي مصرورة -تقول عائشة - في يد الغلام فقال: اغسلي هذه وأجفيها ثم أرسلي بها إلي، فدعوت بقصعتي فغسلتها ثم أجففتها- يعني: أيبستها- فأحرتها إليه، فجاء رسول الله ﷺ بنصف النهار وهي عليه) فهل في هذا الحديث أنه أعاد الصلاة؟ لا ليس فيه أنه أعاد الصلاة، فترجمة أبي داود قال: باب الإعادة من النجاسة تكون في الثوب، فيه أن النبي صلى الغداة ووجد بقعة من دم على كسائه وغسلها، وليس فيه أنه أعادها؛ ولهذا قال المنذري: والحديث ليس فيه أن النبي أعاد الصلاة التي صلى في ذلك الثوب، فكيف يكون استدلال المؤلف من الحديث؟ وإذا صلى الإنسان في ثوب فيه نجاسة أو في بدنه أو البقعة التي يصلي فيها ثم لم يعلم إلا بعد الصلاة، فالصواب: أنه لا يعيد، وصلاته صحيحة، ومن الأدلة على هذا: حديث أبي سعيد في صلاة النبي ﷺ بنعاله وخلعها في أثناء الصلاة لما أخبره جبريل أن بها أذى ولم يعد ما مضى من الصلاة، فدل على أنه لا يعيد الصلاة إذا لم يعلم إلا بعد فراغه.\nوقال بعض أهل العلم: يعيد الصلاة، كما قال أبو داود هنا، والصواب: أنه لا يعيد، أما إذا علم في أثناء الصلاة، فإن كان يستطيع أن يلقي ما فيه نجاسة فعل واستمر في صلاته، كأن تكون النجاسة في منديل أو عمامة أو كوفية فإنه يلقيها ويستمر في صلاته، وإن لم يستطع فإنه يقطع صلاته، ويزيل النجاسة ثم يستأنف الصلاة، كما لو كانت في ثوبه فتنكشف عورته، أو كانت على بدنه وهذا بخلاف الحدث، فإن النجاسة في الثوب تختلف عن الحدث، فإنه إذا صلى وهو محدث ثم علم بعد الصلاة فإنه يعيد الصلاة مطلقًا؛ لأن الوضوء شرط في صحة الصلاة وهو من باب الإيجاد فلا بد من إيجاده، بخلاف النجاسة فإنها من باب الترك أما الوضوء فلا بد منه، لكن إن كان إمامًا، فإنه يعيد وحده، وقد حصل لـ عمر ﵁ أنه صلى بالناس، ثم رأى أثر الاحتلام في الضحى فأعاد وحده الصلاة أما إذا كان الحدث في أثناء الصلاة فإنه يستأنف الصلاة مطلقًا، لكن إن كان إمامًا فإنه يستنيب من يتم بهم الصلاة وقيل: إن نائبه يستأنف بهم الصلاة ويبتدئ الصلاة من جديد، والأول أصح، وقول من فرق بين سبق الحدث في الإمام وعدم سبقه، فيستأنف بهم الصلاة إذا سبقه ويتم بهم إذا لم يسبقه كما هو مذهب الحنابلة فهو قول ضعيف، وقد سبق لنا في أبي داود أن الصواب أنه يستنيب من يتم بهم الصلاة ولو سبقه الحدث، أما الحنابلة فإنهم يفرقون بين ما إذا سبقه الحدث فإن النائب يستأنف بهم الصلاة، أما إذا لم يسبقه الحدث فإنه يتم بهم الصلاة، ولهذا يقول الحنابلة: وتبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة إمامه، فلا استخلاف، يعني: فلا يستخلف، وعن الإمام أحمد لا تبطل وهو الصواب والأئمة الثلاثة على أنها لا تبطل، فإن عمر استخلف بعد أن سبقه الحدث، وأما هذا الحديث فهو ضعيف، كذلك ليس فيه أن النبي ﷺ أعاد الصلاة، وقد يقال: إن أبا داود لم يجزم بالحكم، وإنما قال: باب الإعادة من النجاسة تكون في الثوب، يعني: هل تعاد أو لا تعاد؟ لكن ظاهره: أنه يعيد، والصواب: أنه لا يعيد كما سبق، وإن قال به بعض العلماء.","vol":"25","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-437>شرح حديث: (بزق رسول الله في ثوبه وحك بعضه ببعض)</span>\n[باب البصاق يصيب الثوب.\nحدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا ثابت البناني عن أبي نضرة قال (بزق رسول الله ﷺ في ثوبه وحك بعضه ببعض).\nحدثنا موسى بن إسماعيل قال: أخبرنا حماد عن حميد عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ بمثله].\nالحديث الأول مرسل عن أبي نضرة وهو ضعيف، لكن الحديث الثاني الذي بعده مسند وهو دليل على طهارة البزاق، وكذا النخامة والمخاط، وإذا بصق في الصلاة فلا تفسد صلاته، كذلك إذا بصق في منديل أو في ثوبه، ويرد بعضه على بعض، وإذا كان في الصحراء خارج المسجد فلا بأس أن يبصق عن يساره في الأرض، أما إذا كان في الصلاة فإنه يبصق في ثوبه أو في منديل، وفي الصحراء يبصق عن يساره أو تحت قدمه، وإذا أصاب البصاق الثوب فإنه طاهر والبزاق هو البصاق، بضم الباء، أما البزاق ففيه ثلاث لغات: بُزاق، بَزاق، بِزاق، أو بصاق وبساق بالصاد وبالسين، وهذا الحديث فيه أن النبي ﷺ بزق في ثوبه وحك بعضه على بعض، فدل على أن البزاق طاهر، والحديث الأول وإن كان مرسلًا إلا أن الحديث الثاني يسانده.","vol":"25","page":9}]}