{"ً":{"ٌ":371,"ٍ":"تفسير البسملة - ضمن «آثار المعلمي»","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/moalemee/07_137187s.pdf"]},"ّ":"الكتاب: تفسير البسملة\n[آثار عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (٧)]\nالمؤلف: عبد الرحمن بن يحيى المُعَلِّمي اليماني (١٣١٣ - ١٣٨٦ هـ)\nالمحقق: محمد أجمل الإصلاحي\nراجعه: عبد الرزاق بن موسى أبو البصل - علي بن محمد العمران\nالناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٤ هـ\nقدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":178,"ٕ":3,"ٖ":1780758584,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["7"],"ٚ":[{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":2},{"title":"الفصل الأول: أمور ينبغي استحضارها قبل البسملة","level":1,"page":3},{"title":"الفصل الثاني: باء الاستعانة وباء المصاحبة","level":1,"page":7},{"title":"الفصل الثالث: اسم","level":1,"page":9},{"title":"الأقوال المشهورة في معنى «الاسم» في البسملة ونقدها","level":2,"page":9},{"title":"أصل النزاع في مسألة «الاسم عين المسمى أو غيره»","level":2,"page":13},{"title":"دلالة الألفاظ على أنفسها","level":2,"page":15},{"title":"إطلاق الاسم على الصفة","level":2,"page":21},{"title":"إقحام لفظة «اسم» في الكلام","level":2,"page":22},{"title":"تتمة في الأمثلة التي يحتج بها أصحاب هذه الأقوال أو بعضهم وتحقيق معناها","level":2,"page":25},{"title":"المثال الأول: ﴿ما تعبدون من دونه إلا أسماء﴾","level":3,"page":25},{"title":"المثال الثاني: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾","level":3,"page":26},{"title":"المثال الثالث: ﴿تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام﴾","level":3,"page":29},{"title":"المثال الرابع: الدعاء النبوي: «باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء. . .»","level":3,"page":32},{"title":"المثال الخامس: الدعاء النبوي: «اللهم باسمك أحيا. . .»","level":3,"page":34},{"title":"المثال السادس: قول لبيد: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما","level":3,"page":35},{"title":"الفصل الرابع: لفظ «الله»","level":1,"page":37},{"title":"الفصل الخامس: معنى «باسم الله»","level":1,"page":38},{"title":"الفصل السادس: أسئلة والجواب عنها","level":1,"page":45},{"title":"الفصل السابع: نظرة في مواضع ذكر فيها متعلق «باسم الله»","level":1,"page":48},{"title":"مهمة: توجيه «باسم الله أوله وآخره»","level":2,"page":50},{"title":"الفصل الثامن: «الرحمن الرحيم»","level":1,"page":51},{"title":"فصول ملحقة","level":2,"page":53},{"title":"فصل: تعجرف المشركين في اسم «الرحمن» والرد على القائلين بأنهم لم يكونوا يعرفون هذه الكلمة لا علما ولا وصفا","level":3,"page":53},{"title":"فصل: اختصاص «الرحمن» بالله ﵎","level":3,"page":62},{"title":"الرحمة","level":3,"page":64},{"title":"مسألة: الخلاف في كون البسملة آية من الفاتحة","level":3,"page":67}],"ٛ":{"7,3":1,"7,5":2,"7,6":3,"7,7":4,"7,8":5,"7,9":6,"7,10":7,"7,11":8,"7,12":9,"7,13":10,"7,14":11,"7,15":12,"7,16":13,"7,17":14,"7,18":15,"7,19":16,"7,20":17,"7,21":18,"7,22":19,"7,23":20,"7,24":21,"7,25":22,"7,26":23,"7,27":24,"7,28":25,"7,29":26,"7,30":27,"7,31":28,"7,32":29,"7,33":30,"7,34":31,"7,35":32,"7,36":33,"7,37":34,"7,38":35,"7,39":36,"7,40":37,"7,41":38,"7,42":39,"7,43":40,"7,44":41,"7,45":42,"7,46":43,"7,47":44,"7,48":45,"7,49":46,"7,50":47,"7,51":48,"7,52":49,"7,53":50,"7,54":51,"7,55":52,"7,56":53,"7,57":54,"7,58":55,"7,59":56,"7,60":57,"7,61":58,"7,62":59,"7,63":60,"7,64":61,"7,65":62,"7,66":63,"7,67":64,"7,68":65,"7,69":66,"7,70":67,"7,71":68},"ٜ":{"7":[3,71]},"ٝ":["7,3","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","7,20","7,21","7,22","7,23","7,24","7,25","7,26","7,27","7,28","7,29","7,30","7,31","7,32","7,33","7,34","7,35","7,36","7,37","7,38","7,39","7,40","7,41","7,42","7,43","7,44","7,45","7,46","7,47","7,48","7,49","7,50","7,51","7,52","7,53","7,54","7,55","7,56","7,57","7,58","7,59","7,60","7,61","7,62","7,63","7,64","7,65","7,66","7,67","7,68","7,69","7,70","7,71"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2],"7":[3],"9":[4,5],"13":[6],"15":[7],"21":[8],"22":[9],"25":[10,11],"26":[12],"29":[13],"32":[14],"34":[15],"35":[16],"37":[17],"38":[18],"45":[19],"48":[20],"50":[21],"51":[22],"53":[23,24],"62":[25],"64":[26],"67":[27]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الرسالة الأولى\nفي تفسير البسملة","vol":"7","page":3},{"text":"[٤٢/أ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله رب العالمين، نحمده على أن جعلنا من عباده المسلمين، وقسم لنا حظًّا من فهم كتابه المبين، ونسأله أن يرزقنا كمال اليقين، ويجعلنا من خيار المتقين، ويثبِّت قلوبنا على دينه، ويهدينا لما اختُلِف فيه من الحق بإذنه، ويثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وينجينا من القوم الظالمين.\nوأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنَّك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنَّك حميد مجيد.\nأما بعد:\nفقد كثر الكلام على هذه الكلمة الشريفة (بِسْمِاللَّهِالرَّحْمَنِالرَّحِيمِ) وأُلِّفَتْ فيها رسائل، ولا يكاد يخلو شرح من شروح الكتب عن الكلام عليها، ولكنني مع ذلك لم أجد كلامًا عليها يقتصر على إيضاح معناها إيضاحًا تامًّا يُسَهِّل على الطالب الإحاطةَ به، ليستظهره عند ذكرها. فسَمَتْ بي الهمّةُ إلى محاولة ذلك. فإذا يسَّر الله ﵎ لي الوفاء بذلك، فمن محض فضله العظيم، وإلا فعذري القصور والتقصير، وقلة العلم الذي يتوقف عليه التحقيق، وقلة العمل المقتضي لحسن التوفيق.\nوأستغفر الله العظيم، اللهمَّ إنِّي ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم.","vol":"7","page":5},{"text":"الفصل الأول\nينبغي أن يستحضر الإنسان قبل البسملة أمورًا:\nالأول: أنه يقولها امتثالًا لأمر الله ﷿؛ لأنه ﷾ أمرنا بقولها. أمَّا في أول القراءة، فيقول ﷿: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] فإنَّ الراجح في تفسيرها أنَّ المعنى: اقرأ القرآن مُسَمِّيًا ربَّك، أي ذاكرًا اسمه، كما يأتي إن شاء الله. ثم بيَّن لنا كيف نذكر اسمه بقوله: (بِسْمِاللَّهِالرَّحْمَنِالرَّحِيمِ) وأما عند ذكاة الحيوان، فالآيات في ذلك كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [الحج: ٣٦]، وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١].\nوالأحاديث في ذلك كثيرة أيضًا.\nوفي بقية الأمور بالفهم من الآيات والأحاديث والإجماع.\nالثاني: أن (بِسْمِاللَّهِالرَّحْمَنِالرَّحِيمِ) من كلام الله ﷿، فأما استحضار ذلك عند القراءة فواضح، وأما عند التسمية على الذبيحة وغيرها فليس بشرط، ولكن يظهر أنَّ استحضار ذلك أكمل.\nالأمر الثالث: أن يعبر بها عن نفسه، كما في غيرها من الأذكار من الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ..﴾ الآية [البقرة: ٢٠١]، وفي الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا﴾. ولا","vol":"7","page":6},{"text":"منافاة بين ذلك وبين تلاوتها على أنها من القرآن، ولاسيما في البسملة، وقوله في الفاتحة\n﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ إلخ؛ لأن الله ﵎ تكلم بها وأنزلها وأمر الإنسان أن يقولها معبرًا بها عن نفسه.\nوكذلك في ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين. وقد استشكل فيها ثبوت كلمة ﴿قُلْ﴾، وجاء عن بعض الصحابة أنه قرأ بدونها، وزعم بعضهم أنه ينبغي للإنسان أن ينوي بكلمة ﴿قُلْ﴾ أمر نفسه (^١). وهو بعيد، ولا يدفع الإشكال.\nوالذي يظهر أنه ينبغي أن يستحضر عند كلمة ﴿قُلْ﴾ أنها أمر من الله تعالى له بقول ما بعدها، ثم ينوي بما بعدها التعبير عن نفسه، فكأنه يقدر ما يأتي: يقول الله تعالى: ﴿قُلْ﴾ ما يأتي، فأنا أقول ﴿أعوذ ...﴾ إلخ.\n[٤٢/ب] الأمر الرابع: أنَّ الباء في قوله: (بسم ...) حرف جرّ، وحرف الجرّ يحتاج إلى كلمة يتعلق بها، فإذا وقع في الكلام: \"من البيت\" أو \"بالقلم\" أو \"بسلاحه\" فلا يتم الكلام إلا بكلمة تدل على الأمر الواقع من البيت وبالقلم وبسلاحه.\nفإذا قيل: زيد خرج أو يخرج أو خارج من البيت، فالجارُّ والمجرور وهو قولك: \"من البيت\" متعلق بخرج، أو يخرج، أو خارج؛ لأن الواقع من البيت هو الخروج. وقس عليه: كتبت بالقلم، وخرج زيد بسلاحه.\n_________\n(^١) انظر: \"روح المعاني\" (٣٠/ ٢٧٣). ونسبت القراءة المذكورة إلى ابن مسعود وأبي بن كعب. انظر: \"إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم\" لابن خالويه (٢٢٨)، و\"الكشاف\" (٤/ ٨١٧).","vol":"7","page":7},{"text":"وكثيرًا ما يحذف المتعلق، إما لعمومه كقولهم: العَصَا من العُصَيَّة (^١)، أي كائنة؛ وإما لدلالة الحال عليه، كأن يرى رجلًا يضرب ولده بيده، فيقول: بالعصا، أي اضْرِبْه بالعصا.\nومتعلَّق (بسم الله) في القراءة محذوف لدلالة الحال عليه، وهو: \"أقرأ\". وفي غيرها يقدره الإنسان بحسب ما يسمِّي عليه. والغالب حذفه لدلالة الحال، ففي الأكل: آكل، وفي الشرب: أشرب، وفي الوضوء: أتوضأ، وهكذا. هذا هو المشهور، وسيأتي في تقرير المعنى احتمال غيره.\nهذا، والأصلُ في الكلمة التي يتعلق بها الجار والمجرور تقدُّمُها عليه، ولكن المختار في تسمية الإنسان عن نفسه تأخير المتعلق؛ لأن الحال التي تدل عليه من شأنها التأخير. فإن أراد أن يقوم فقال: \"بسم الله\" وقام، فالقيام إنما يشاهدَ بعد التسمية، فكذلك ينبغي تقدير الفعل الذي دلَّ عليه القيام، وهو \"أقُوم\".\n= ولوجوه أخرى أهمها أنَّ التأخير يبيِّن أنَّ في الكلام اختصاصًا، ومعنى الاختصاص أن يكون الكلام يدل مع ثبوت الأمر للشيء على انتفائه عن غيره، كقولك: ما جاء إلا زيدٌ، أثبتَّ المجيء لزيد، ونفيتَه عن غيره. وهذا المعنى يفيده تقدم الجار والمجرور على متعلقه، كقولك: بقلمي أكتبُ، وبسلاحي أخرج. فيكون معنى الأول: أكتب بقلمي، ولا أكتب بغيره؛\n_________\n(^١) العصا فرس جَذيمة الأبرش، والعُصَيّة أمُّها. يضرب في مناسبة الشيء أصله. انظر: \"نسب الخيل\" للكلبي (٥٤)، و\"أسماء الخيل\" للغندجاني (١٦٩)، و\"المستقصى\" (١/ ٣٣٤). وللمثل تفسير آخر ذكره الزمخشري وغيره، وهو أن الشيء الجليل يكون في بدئه حقيرًا.","vol":"7","page":8},{"text":"ومعنى\nالثاني: أخرج بسلاحي، ولا أخرج بغيره.\nوهذا المعنى مقصود في البسملة، ردًّا على الشيطان الذي يوسوس لك أن لا تذكر اسم الله، أو بأن تذكر غيره دونه أو معه، وفيه مع ذلك تعريض بمن يطيع الشيطان من المشركين وغيرهم. ولذلك فموضعه بعد تمام البسملة حيث ذكرت بتمامها، وبعد \"بسم الله\" حيث اقتصر عليها. والله أعلم.","vol":"7","page":9},{"text":"الفصل الثاني\nباء الجرِّ تأتي لعدة معاني (^١)، اقتصر الأكثر هنا على معنيين، وذكروا أن غيرها لا يأتي إلا بتعسف:\nأحدهما: الاستعانة.\nالثاني: المصاحبة.\nقالوا ــ والعبارة للصبَّان في \"رسالة البسملة\" ــ: \"وباء الاستعانة هي الداخلة على واسطة الفعل المذكور معها التي يتوقف وجوده عليها، كما في كتبت بالقلم، وتسمى باء الآلة ... وباء المصاحبة هي التي يصلح موضعها \"مع\" ويغني عنها وعن مصحوبها الحال، كما في ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾ [هود: ٤٨] أي مع سلام، أو مسلِّمًا\" (^٢).\nأقول: أما باء الاستعانة، فظاهر عباراتهم اختصاصها بالدخول على الآلات، نحو كتبتُ بالقلم، ونَجَرتُ بالقَدُوم، وخِطْتُ بالإبرة؛ ولكن قد يُنَزَّل ما ليس بآلة منزلةَ الآلة. وفي ذلك نظر ليس هذا موضعه، وربما يأتي شيء منه عند تقرير المعنى، إن شاء الله تعالى.\nوأما المصاحبة، فهو معنى واضح، ولكن الأولى في تفسير ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾ أن يقال: اهبط معك سلام؛ [٤٣/أ] فإنَّ كلمة \"مع\" تُشعر بأنَّ ما تضاف إليه متبوع، تقول: حج الخادم مع سيَّده، ولا يحسن أن يقال: حجَّ\n_________\n(^١) كذا في الأصل بثبوت الياء.\n(^٢) \"الرسالة الكبرى\" للصبان (٨ - ٩).","vol":"7","page":10},{"text":"السيِّدُ مع خادمه، بل يقال: ومعه خادمه. والمراد: التبعية في المعنى المقصود، وقد يكون التابع أشرف، كما في قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ [طه: ٤٦] فإنَّ الإنسان هو الأصل في التنقل والتحول، وعلمُ الله تعالى وحفظُه تبع له في ذلك، يعني: أنهما تصحبانه حيثما توجَّهَ.\nوأما باء المصاحبة، فعلى عكس ذلك، تقول: خرج زيد بسلاحه، فيحسن أن يقدَّر: معه سلاحه، ومع ذلك فإنما يحصل الاتفاق في أصل المعنى كما لا يخفى.\nوأما قوله: \"ويغني عنها وعن مصحوبها الحال\"، فالمراد كما يوضحُه المثال: حال مشتقة من المجرور. ولكن قد لا يتأتى ذلك، إما بأن لا يمكن الاشتقاق، كما في قولك: خرج العالم بكتبه، أو يمكن ولكن يتغير المعنى، كأن تقول: خرج بعمامته في يده؛ ففي هاتين الصورتين يحتاج إلى تقدير حال تغني عن الباء فقط. والأكثر أن تشتق من لفظ الصحبة، كأن يقال: مستصحبًا كتبه، ومستصحبًا عمامته.\nإذا علمت ذلك فحقُّ تقدير الحال في التسمية أن يقال: \"مسميًا\"، إلا أن يتغير المعنى. وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.","vol":"7","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الفصل الثالث\n\"اسم</span>\"\nلفظ \"اسم\" في المعروف المتواتر من اللغة: هو اسم للفظ الدالِّ على المسمَّى. وأقرب ما يضبط به أنه اللفظ الذي يصلح جوابًا مطابقًا للسؤال عن اسم الشيء، كأن يقال: ما اسم هذا الرجل؟ فيقال: زيد. أي لفظ \"زيد\". وما اسم الإنسان في بطن أمه؟ فيقال: جنين. وما اسم الواحد من بني آدم؟ فيقال: إنسان. وما اسم الواحد من هذه التي تلمع في السماء؟ فيقال: نجم أو كوكب. وما اسم هذا الفعل؟ فيقال: قيام. وقس على ذلك.\nوتقول: كتبت اسم محمد، تريد كتبت هذا اللفظ \"محمد\".\nواسم الله هو هذه الكلمة \"الله\"، وله سبحانه الأسماء الحسنى، كالرحمن والرحيم وغيرهما.\nوهاهنا أقوال مشهورة، لا بأس بذكرها:\nالأول: زعم ابن جرير أنَّ كلمة \"اسم\" هنا بمعنى التسمية، كما يطلق \"عطاء\" بمعنى إعطاء، و\"كلام\" بمعنى تكليم (^١). وهذا قول لا حجة عليه، ولا حاجة إليه.\nالثاني: زعم ابن عبد السلام (^٢) أن لفظ \"اسم\" قد يطلق بمعنى \"مسمى\"\n_________\n(^١) \"تفسير ابن جرير\" (شاكر ١/ ١١٥ - ١١٨). وقد نصر قوله الأستاذ محمود شاكر.\n(^٢) لم أجده في موضعه من كتابه \"مجاز القرآن\". نعم ذكر أمثلة للتعبير بالمصدر عن المفعول في موضع آخر، وأولها قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] أي مخلوق الله (ص ١١٦) ولم يذكر آية الإسراء.","vol":"7","page":12},{"text":"كما يطلق \"خَلْق\" بمعنى \"مخلوق\"، كقول الله ﷿: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٠ - ٥١]. واحتج على ذلك بأمور سنعقد لها فصلًا، ونبين إن شاء الله تعالى أنه لا حجة فيها.\nويردُّ قولَه هذا أمور:\nمنها: أن كلمة \"اسم\" ليست بمصدر.\nومنها: أن اسم المفعول وما في معناه أكثر ما يضاف إلى الفاعل، مثل: خلق الله، بمعنى مخلوقه. وقد يضاف إلى غير ذلك، ولكن إضافة لفظ \"مسمَّى\" إلى الاسم الدالِّ على المسمَّى لا أراها تصح.\nنعم، استعمل المولدون قولهم: \"مسمَّى زيد\" يريدون مسمَّى هذا الاسم. وهذا مع أني لا أُثبِتُ صحته لا يأتي في نحو \"بسم الله\"؛ لظهور أنه ليس المراد هنا بلفظ الجلالة نفس اللفظ، بل المراد مدلولها، وهو الربّ ﷿.\nوجعل ابن عبد السلام (^١) من هذا قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] قال: \"معناه: سبح ربك الأعلى\". وكذلك صنع في أمثلة بحذف لفظ \"مسمى\" (^٢)، كأنه رأى أن الكلام يسمح بالتصريح به.\nالثالث: قال البغوي في أوائل تفسيره في الكلام على البسملة: \"والاسم هو المسمَّى وعينُه وذاتُه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ [مريم: ٧] ثم نادى الاسم فقال: ﴿يَايَحْيَى﴾ [مريم: ٨]. وقال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ\n_________\n(^١) \"مجاز القرآن\" ــ طبعة طرابلس (١٩٧).\n(^٢) كذا في الأصل.","vol":"7","page":13},{"text":"إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [يوسف: ٤٠] وأراد الأشخاص المعبودة؛ لأنهم كانوا يعبدون المسمَّيات. وقال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] و﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ١٨]. ثم يقال للتسمية أيضًا: اسم، فاستعماله في التسمية أكثر من المسمَّى\" (^١).\n[٤٣/ب] أقول: ينبغي أن يحقَّق أولًا المراد بقولهم: \"الاسم عين المسمى\"، هل المراد لفظ \"اسم\" أو مدلوله في كل كلمة دالة على مسمًّى مثل زيد ورجل ونخلة وفهم؟\nفإن كان الأول، فما المراد بلفظ \"مسمَّى\"؟ أهذا اللفظ على نحو ما مرَّ عن ابن عبد السلام، وهذا الوجه الأول. أو ذاته صاحب الاسم، فيكون لفظ \"اسم\" بمعنى ذات، وهو الثاني. أو الاسم الخاص، بأن يقال: إن لفظ \"اسم\" في قولنا: اسم الله، هو لفظ الله. وهذا الثالث. أو صاحب الاسم عينه، فيقال: إن لفظ \"اسم\" في قولنا: اسم الله، هو الربُّ ﷿. وهذا الرابع.\nأما الأول: فقد مرَّ ما فيه، ولا حجة عليه في قوله تعالى: ﴿يَايَحْيَى﴾ [مريم: ٨]؛ لأن لفظ \"يحيى\" ليس بمصدر، ولا بينه وبين ذات الرجل اشتقاق، كما بين لفظي \"خَلْق\"، و\"مخلوق\". وعجيب من ابن عبد السلام أنه قرَّر التجوَّز على هذا الوجه على ما مر عنه، ثم قال: \"واستدل بعضهم على ذلك بقوله تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ...﴾ [مريم: ٨] \".\nوأما الثاني، فلا دليل عليه، والأمثلة التي ذكرها هو وغيره سيأتي الكلام عليها، إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) \"معالم التنزيل\" (١/ ١ - ٢).","vol":"7","page":14},{"text":"وأما الثالث، فبطلانه واضح؛ لأنه إذا كان لفظ \"اسم\" بمعنى الله، فكيف أضيف إلى الله؟ إلا أن يريد أن مدلول اسم الله هو هذه الكلمة \"الله\"، فهذا لا نزاع فيه، وليس مراده؛ لأنه يقول في ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]: إنَّ المعنى سَبِّحْ رَبَّكَ. ولو كان ذاك مراده، لكان المعنى: سبح اللفظ الذي هو اسم ربك، مثل لفظ \"الله\"، ولفظ \"الرحمن\"، وهو لا يقول ذلك.\nوأما الرابع، فبطلانه واضح.\nوإن كان الثاني، أي أن المراد بالاسم مدلوله من كل لفظ دالٍّ على مسمًّى، مثل زيد ورجل ونخلة وفهم، فهذا حقٌّ، فإن من قال: بايعت زيدًا، إنما يريد بقوله: \"زيد\" الرجلَ عينَه، وكذلك الباقي.\nهذا هو الحقيقة، وقد يطلق الاسم ويراد به نفسه، كقولك: كتبت \"زيد\"، وقوله تعالى: ﴿اسْمُهُ يَحْيَى﴾ [مريم: ٨]، وغير ذلك.\nفإذا كان المعنى الثاني هو مراد من قال: الاسم عين المسمى، فمراده أن ذلك هو الحقيقة. وهذا حق لا ريب فيه، ولكنه لا دليل فيه على أن لفظ \"اسم\" في قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] أريد به الرب تعالى؛ لأن لفظ \"اسم\" هو في نفسه فرد من أفراد الاسم، فإنك تقول: ما اسم اللفظ الذي يوضع للشخص ليعرف به؟ فيقال: اسم.\nومقتضى القاعدة أن لفظ \"اسم\" حيث يطلق فالمراد به مدلوله إذا كان الكلام على حقيقته، ومدلول لفظ \"اسم\" هو اللفظ الموضوع للشيء ليعرف به، وهذا حق، فإننا نقول لزيد: كتبنا اسمك، أي كتبنا لفظ: \"زيد\".","vol":"7","page":15},{"text":"فقضية القاعدة أن لفظ \"اسم\" في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] أريد به اللفظ الذي تسمى به الله ﷿، كلفظ الله، ولفظ الرحمن. وهذا عكس مراده.\nوإيضاح هذا أن للفظ \"اسم\" مسمًّى هو لفظ يحيى مثلًا، وللفظ \"يحيى\" مسمًّى هو الرجل، فإذا أريد بالقاعدة أن لفظ يحيى إذا أطلق على وجه الحقيقة، فالمراد به الرجل، فقضية ذلك أن لفظ \"اسم\" إذا أطلق على وجه الحقيقة، فالمراد به لفظ \"يحيى\" مثلًا، فأما إطلاق لفظ \"اسم\" على الرجل، فلو أريد لقيل: الاسم هو المسمى بالمسمى به؛ فتدبَّرْ هذا، فإنّ فيه شبه غموض.\nومن العجب أن في كلام ابن عبد السلام (^١) ما يظهر منه أن إطلاق الاسم وإرادة مدلوله، كقوله تعالى: ﴿يَايَحْيَى﴾ وقوله: ﴿يَازَكَرِيَّا﴾، وقولك: ركبت الفرس، بل وقولنا: عبدت الله= مجاز غالب، وإنما الحقيقة هي أن يراد بالكلمة نفسها كيحيى في قوله تعالى: ﴿اسْمُهُ يَحْيَى﴾ [مريم: ٨]، وقولك: كتبت \"جعفر\"، تريد كتبت هذا اللفظ؛ ونحو ذلك.\nلكنه مع ذلك عاد فقال: إن إطلاق الأسماء على الألفاظ المسمى بها حقيقة. وكأن ذلك منه مبني على أصل الوهم، وهو أن وزان لفظ \"اسم\" إلى الرجل، كوزان لفظ \"يحيى\" إلى الرجل.\nوبالجملة، ففي كلامه تخليط، ولكن هذا القول ــ أعني أن إطلاق الاسم مثل \"يحيى\" مرادًا به مدلوله مجاز ــ قد يفسر لنا أصل النزاع في\n_________\n(^١) الإشارة إلى الإيجاز، طبعة دار الكتب العلمية (٤٩).","vol":"7","page":16},{"text":"الاسم والمسمى، فإنه اشتهر أنَّ مذهب أهل السنة أنَّ الاسم عين المسمى، ومذهب المعتزلة\nوالخوارج ــ كما قال الأشعري في كتاب المقالات ــ أن الاسم غير المسمى (^١).\nوقد تحير المتأخرون في معنى الخلاف. قالوا: لأنه إن أريد بالاسم لفظه، فهو غير المسمى قطعًا، ولا يقول عاقل ــ فضلًا عن أهل السنة ــ إنه عينه. وإن أريد مدلوله فهو عين المسمى، ولا يخالف في ذلك المعتزلة ولا الخوارج.\nأقول: لا يبعد أن يكون أول الأمر زعم بعض المبتدعة أنَّ الدلالة الحقيقية للألفاظ إنما هي على أنفسها، كما في قوله تعالى: ﴿اسْمُهُ يَحْيَى﴾ [مريم: ٨]، وأما دلالتها على المسمى فإنما هي مجاز، وروَّج ذلك بأن دلالة الشيء على نفسه أسبق وأوضح من دلالته على غيره، فالدخان مثلًا يدل على نفسه ثم على النار، ودلالته على نفسه أسبق وأوضح. [٤٤/أ] ثم عبَّر عن ذلك بقوله: \"الاسم غير المسمى\" أي هو غيره في نفس الأمر، فإن لفظ \"يحيى\" غير ذات الرجل قطعًا، أي فينبغي أن يكون كذلك في حقيقة الدلالة.\nوكأن غرض ذلك المبتدع أن يوصل بهذا القول إلى ترويج تأويلاتهم لنصوص الكتاب والسنة قائلًا: المعاني التي تحملون عليها النصوص ــ معشر أهل الحديث ــ كلها مجازات، والتي نحملها نحن عليها هي أيضًا مجازات، فلا مزية لكم علينا من هذا الوجه.\n_________\n(^١) حكى الأشعري في \"المقالات\" من جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة \"أن أسماء الله لا يقال إنها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج\" (٢٩٠) وأنهم \"يقولون: أسماء الله هي الله\" (٢٩٣). وانظر: \"روح المعاني\" (١/ ٥٢).","vol":"7","page":17},{"text":"ثم يقول: لا ريب أنه لا يمكن تركيب جملة واحدة مفيدة سالمة عن المجاز، فثبت بذلك أنَّ جميع نصوص الكتاب والسنة مجاز، ووجوه المجاز\nكثيرة، فقد يمكن احتمال عدة مجازات في الكلمة الواحدة، بعضها ينقض بعضًا. غاية الأمر أن مجازًا أقرب من مجاز، وهذا رجحان ظني، إنما يكفي فيما يكفي فيه الظن من فروع الأحكام. فأما ما يطلب فيه القطع ــ وهو العقائد ــ فلا، فدعوا نصوصكم، وهلموا إلى العقل.\nفأجاب أهل السنة بقولهم: \"الاسم عين المسمى\" أي أن دلالته الحقيقية التي لا يجوز العدول عنها إلا بقرينة واضحة، هي دلالته على عين المسمى، أي والمعاني التي تحمل عليها النصوص هي حقائقها، وما يزعمه المبتدعة من قرينة العقل باطلة كما هو مبين في موضعه.\nثم كأن المبتدعة رأوا أنَّ دعواهم تلك واضحة البطلان، فحولوا العبارة إلى معنى آخر، وهو قولهم: إن المراد بالاسم هو الصفة التي يدل عليها بعض الأسماء كالعليم والقدير، فقالوا: مرادنا أن العلم والقدرة ونحوهما مما تثبتونه لربكم ﷿ هي غيره سبحانه، وأنتم تقولون: إنها قديمة، فقد أثبتم عدة قدماء غير الله تعالى. فأجابهم أهل السنة بالتفصيل المعروف.\nهذا، والقول بأن الألفاظ إنما تدل حقيقة على أنفسها مختلٌّ كما مر، وقد ظهر من كلام ابن عبد السلام القول به، فلا بأس بأن نبين الحجة على بطلانه، فأقول:\nقد تقرر أن الحقيقة هي الكلمة المستعملة فيما وُضِعت له، والمجاز بخلافها، وقد وجدنا الألفاظ تستعمل للدلالة على معانيها، كقوله تعالى ﴿يا يَحْيَى﴾ وللدلالة على أنفسها، كقوله سبحانه ﴿اسْمُهُ يَحْيَى﴾. فحاصل القول","vol":"7","page":18},{"text":"المتقدم أن الواضع إنما وضع الألفاظ للدلالة على أنفسها، وأنها إنما استعملت للدلالة على معانيها على سبيل المجاز. فيقال لمن يلتزم ذلك القول: حاصل\nقولك أن الواضع بدأ فركب الألفاظ ورتّبها، ثم استعملت في المعاني تجوُّزًا. وقد علمنا أن المجاز يعتمد العلاقة الواضحة، فأي علاقة بين المعاني وبين الألفاظ التي لا معاني لها إلا دلالتها على أنفسها.\nوافرض أن أحدنا ركَّب ألف لفظ مخترع، ثم أراد أن يستعملها في المعاني تجوزًا، فأنّى ذلك، وما العلاقة؟\nفإن تشبث بما يذكره المدققون في بعض الألفاظ الدالة على الأصوات، أو على ما يُفهم الصوت، من أنها مناسبة لتلك الأصوات، كما في: صرَّ، وصرصر، ودقَّ، وجرَّ؛ وفي بعض الألفاظ من مناسبة بين صفات حروفها من الشدة والهمس وغيرهما، وبين معانيها.\nقيل له: إن الألفاظ التي يُدَّعى فيها ذلك قليلة جدًّا بالنسبة إلى غيرها، وتلك المناسبات تعتمد في الغالب التوهم والتخيل، وذلك مما يختلف باختلاف الناس، وأجمع الناس على أنه لا يجوز اعتماد هذه المناسبة في إثبات اللغة بدون سماع.\nفإن قال: من أصلي في المعقولات أنه يستحيل الترجيح بدون مرجح، فإن لم تسلموا ذلك فناظروني فيه. وإنْ سلمتم، فمن قولكم إن الواضع إنما كان يتصور المعنى، ثم يضع له لفظًا، فيلزمكم أن تقولوا: إنه إنما رجح لفظًا على آخر لمرجِّح، فأنا أقول: إن ذلك المرجح هو العلاقة.\nقلنا: إنه يمكن أحدنا أن يعمد إلى المعاني ويضع لها ألفاظًا مخترعة، فيجمع مائة لفظ لمائة معنى، أو يبدأ فيركب مائة لفظ مخترع ثم يعين لكل","vol":"7","page":19},{"text":"لفظ معنى، ولعله يقضي عمله هذا في بضع دقائق، كل هذا بدون تصور مرجِّح في غالب تلك الألفاظ.\nبل لو فكر بعد ذلك العمل أيامًا ليبين لكل لفظ من تلك الألفاظ مرجحًا لما أمكنه ذلك، والذي يمكنه من ذلك يغلب فيه التعسف بحيث يعلم قطعًا أنه عند التعيين لم يستحضر ذلك المرجح، وهذا أمر يمكنك أن تجربه إن شككت فيه، فماذا ترى في تفسير ذلك؟\n[٤٤/ب] فإن قال: لابد من مرجح، إلا أنه في مثل هذا يكفي المرجح العارض والوهمي الذي يؤثر أثره في النفس بدون أن يثبته العقل.\nقلنا: فلا علينا إن نسلم لك هذا، ثم نقول: إن هذه هي حال الواضع إذا كان من البشر في وضع الألفاظ للمعاني، ولا يمكنك أن تجعل ذلك علاقة للمجاز، لأنها غير معلومة ولا مستقرة. فلو اقتصر الواضع على تركيب الألفاظ وتعيينها، ثم قال للناس: يجوز لكم أن تستعملوها في المعاني للمناسبات، لما أمكنهم أن يعتمدوا ذاك المعنى في المناسبة لعدم العلم، وعدم استقراره، وغلبة الاختلاف فيه.\nوبيان ذلك: أننا لو عيَّنَّا معنى، ثم قلنا لمائة رجل: ليضع كل منكم لهذا المعنى لفظًا مخترعًا لاختلفوا، حتى لقد يندر أن يتفق ثلاثة منهم على لفظ.\nوكذلك لو اخترعنا لفظًا، ثم قلنا لهم: ليضعه كل منكم لمعنى.\nفإن قال: أنا أقول إن الواضع لم يَكِلْ هذا التجوز إلى الناس، بل نص عليه، وقال: هذا اللفظ يصح أن يُتجوَّز به عن هذا المعنى، وهذا عن هذا، وهكذا.","vol":"7","page":20},{"text":"قلنا: فإذا فعل الواضع هذا، فهذا وضع، لا تجوُّز.\nفإن قال: لكني أسمِّيه تجوّزًا.\nقلنا: سمِّه ما شئت، فقد ثبت وضع الألفاظ للمعاني، ولم يبق إلا دعواك أن الواضع بدأ فوضع الألفاظ لأنفسها، فنسألك: ما فائدة وضع الألفاظ لأنفسها، والناس لا يحتاجون إلى ذلك، وإنما احتاجوا إليه في الجملة بعد أن وضعت الألفاظ للمعاني؟ فإنه بعد أن تقرر أن لكل شجرة اسمها دعت الحاجة إلى أن يقال: ما اسم هذه الشجرة؟ فيقال: نخلة، وغير ذلك، فأما قبل أن تعرف علاقة ما بين الألفاظ والمعاني فأي حاجة بالإنسان إلى أن يقول لصاحبه: \"نخلة\"، ليعرف صاحبه أن لفظ \"نخلة\" يدل على هذا اللفظ \"نخلة\"؟\nأولا ترانا لا نكاد نحتاج إلى ذكر الألفاظ المهملة؟ وهل تذكر أنك نطقت، أو سمعت من نطق بلفظ: \"ضصقح\"؟\nولهذا لما احتاج علماء اللغة إلى ذكر الألفاظ المهملة استعانوا بالمستعملة، فمثلّوها بقولهم: \"ديز\" مقلوب \"زيد\".\nثم أي حاجة بالألفاظ في دلالتها على نفسها إلى الوضع؟ فإن المقصود من الوضع إنما هو أن يعرف العلاقة بين الشيئين، حتى إذا أريد إحضار أحدهما في ذهن المخاطب توصل إلى ذلك بإحضار الآخر. وهذا إنما هو في وضع الألفاظ للمعاني، مثاله: أن الإنسان قد يحتاج إلى أن يخاطب صاحبه بشيء يتعلق بهذا الطائر الأسود، ولا يستطيع في كل وقت إحضار الطائر نفسه والإشارة إليه، فوضع له لفظ \"غراب\"، حتى إذا عرف ذلك كفاك أن تقول: \"غراب\" فيحضر ذاك الطائر في ذهن صاحبك.","vol":"7","page":21},{"text":"فأما اللفظ نفسه، فإنه يكفيك أن تنطق به، فيحضر في ذهن صاحبك. وها\nنحن نحضر الألفاظ المهملة بذلك كما نقول: \"ضصقح لفظ مهمل\".\nفإن قال: إنما أريد بوضع الألفاظ لأنفسها أولًا أن الواضع بدأ فانتقى الألفاظ، وركَّبها، وجمعها.\nقلنا: فهذا ليس بوضع (^١)، فكيف يقتضي أن دلالتها على أنفسها هي الحقيقة؟ ثم ما الحاجة إلى أن يبدأ الواضع بجمع الألفاظ وهي عرضة له، يمكنه أن يكتفي بعمل واحد، هو أن يتصور المعنى، ثم يقتطع له لفظًا، وهكذا.\nفإن قال: دعوا هذا، ولكني أقول: إن دلالة الألفاظ على أنفسها طبيعية، بمعنى أن الإنسان إذا نطق باللفظ حضر ذاك اللفظ في ذهن صاحبه بدون حاجة إلى شيء آخر. وهذه الدلالة مقدمة على الدلالة الوضعية، فأنا أسمي الدلالة الطبيعية حقيقة، والوضعية مجازًا.\nقلنا: هذا خلاف ما عليه الناس في تعريف الحقيقة والمجاز. ثم قد بينَّا أن حاجة الناس إلى الألفاظ إنما هي من جهة دلالتها على المعاني، وأنه إنما احتيج إليها للدلالة على أنفسها للاستعانة بذلك على معرفة الدلالة على المعاني، كما في قوله تعالى: ﴿اسْمُهُ يَحْيَى﴾. وإذا كان الأمر كذلك علم أن المعتمد في فهم كلام الناس وفهم دلالات الألفاظ إنما هو دلالتها على المعاني.\nومثال ذلك: المرايا، فإن المرآة تدل على نفسها، بمعنى أن الإنسان إذا\n_________\n(^١) في الأصل: \"يوضع\".","vol":"7","page":22},{"text":"رآها علم أنها مرآة، ولكن هل تجد أحدًا يشتري مرآة لتكون عنده فقط، أو إنما يشتري الناس المرايا ليروا فيها صورهم؟\nوإنما نزاعنا معك في فهم الألفاظ في كلام الناس، وقد عُلِم مما مرَّ أن الأصل في ذلك هو أن يفهم منها معانيها، فلا يضرُّها بعد ذلك أن تسميها مجازًا.\n[٤٥/أ] واعلم أن المحققين من علماء الوضع اتفقوا على أن الواضع إنما قصد وضع الألفاظ للمعاني، ولكنهم اختلفوا في دلالة الألفاظ على أنفسها حيث وقعت في الكلام، كقول النحاة: \"قام\" فعل ماض، و\"من\" حرف جر، وأشباه ذلك، فقال السعد التفتازاني وجماعة: إنها دلالة وضعية وضعًا تبعيًّا. وأنكر السيد الشريف الجرجاني وجماعة ذلك، وقالوا: لا يدل صحة استعمالها في الكلام على الوضع لأنه يصح استعمال المهمل، كأن يقال: \"ديز\" مقلوب \"زيد\"، وأشباه ذلك.\nوالذي أراه أن الخلاف صوري، والتحقيق مع السعد، وذلك أن الواضع لما وضع الألفاظ للمعاني دعت الحاجة إلى استعمالها في الدلالة على أنفسها، فأقرَّها الواضع، ونطق بها العرب كذلك حيث احتاجوا إليها، فكان هذا وضعًا تبعيًّا.\nأَوَلا ترى أن الإنسان إذا نطق باللفظ المستعمل كان متكلّمًا بالعربية، سواء أراد به معناه أم لفظه، كقول القائل: طلع القمر، وقوله: كتبت \"قمر\"؛ وأنه إذا نطق باللفظ الأعجمي كان خارجًا عن العربية، كقولك: طلعتْ \"جانْدْ\" (^١) (اسم للقمر بالفارسية)، وكتبت \"جاند\"؟\n_________\n(^١) كلمة \"جانْدْ\" بالجيم الفارسية وإخفاء النون: كلمة هندية تستعمل باللغة الأردية. أما اللغة الفارسية فيقال للقمر فيها: \"ماه\". ولا أدري لماذا أنَّث الفعل \"طلعتْ\"، فإن الاسم المذكور مذكر.","vol":"7","page":23},{"text":"وإنما يستثنى من هذا الألفاظ الأعجمية التي تقبلها العرب، فصارت في حكم العربية، فلفظ \"قمر\" له علاقة بالوضع العربي، سواء أعُبِّر به للدلالة على معناه أم على نفسه، ولفظ \" جاند\" لا علاقة له بالوضع العربي.\nالقول الرابع: زعم بعضهم أن لفظ \"اسم\" قد يأتي بمعنى الصفة كما مرَّ عن المتكلمين. وذكر ابن عبد السلام (^١) قوله - ﵌ -: \"إن لله تسعةً وتسعين اسمًا\" (^٢)، وقوله تعالى: ﴿فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١] وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] ثم قال: \"ويجوز أن يراد بالأسماء الحسنى الصفات، فيكون تعبيرًا بالأسماء عن المسميات، فإنّ الحسن والشرف إنما يتحقق في المسميات دون التسميات، لأنها ألفاظ، ولا تتصف الألفاظ بالحسن إلا إذا كانت خفيفة على اللسان، فصيحةً في البيان. وكذلك لا تتصف الأجرام بالشرف والحسن، إلا إذا قامت بها الصفات الشراف الحسان\".\nأقول: لم يقم دليل على صحة إطلاق الاسم بمعنى الصفة.\nوقوله: \"تعبيرًا بالأسماء عن المسميات\" قد مرَّ ما فيه.\nوقوله: \"إن الألفاظ لا تتصف بالحسن إلا لخفة على اللسان، وفصاحة في البيان\" من عثراته التي لا تقال، فإن الألفاظ تكتسب الحسن والشرف من\n_________\n(^١) \"مجاز القرآن\" (١٩٩).\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الشروط، باب ما يجوز من الأشراط ... (٢٧٣٦) ومسلم في كتاب الذكر، باب في أسماء الله تعالى (٢٦٧٧) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"7","page":24},{"text":"معانيها ومدلولاتها والمتكلم بها، وعلى التنزُّل فيمكن أن يقال: إن حسنها باعتبار معانيها، فكأنه قيل: \"الحسنى معانيها\".\nولو فرضنا أن الاسم قد يطلق بمعنى الصفة، فسياق الحديث والآيات يأبى هذا المعنى، ولا حاجة للإطالة ببيان ذلك. والله المستعان.\nالقول الخامس: إن لفظ \"اسم\" قد يقحم في الكلام، فيكون زائدًا. وقد حكى ابن جرير هذا عن بعضهم، وردَّه (^١). والبصريون من النحاة يمنعون زيادة الأسماء. وقد ذكر ابن هشام ذلك في \"المغني\" في الكلام على \"مَنْ\" بفتح الميم (^٢). وقال في الكلام على \"ماذا\": \"التحقيق أن الأسماء لا تزاد\" (^٣).\nوقد أنكر بعض أهل العلم أن يكون في القرآن لفظ زائد حرفًا أو غيره. وأجاب المحققون بأنَّ المراد الزيادة بحسب صناعة الإعراب، وأما في المعنى فما من لفظ يقال بزيادته إلا ولذكره معنى وفائدة لا تحصل بدونه.\nوأقول: إن ثبت ما زعمه بعضهم من جواز زيادة الأسماء، فذاك في أسماء تُشبه الحروف مثل \"مَنْ\". ولو ثبت في غيرها فليس في فصيح\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير ابن جرير\" (١/ ١١٩ - ١٢٠). والذي ردّ عليه ابن جرير هو أبو عبيدة معمر بن المثنى الذي قال في \"المجاز\" (١/ ١٦): \" (بسم الله) إنما هو الله، لأن اسم الشيء هو الشيء بعينه\". ونقل اللالكائي عن الأصمعي وأبي عبيدة قولهما: \"إذا رأيت الرجل يقول: الاسم غير المسمى، فاشهد عليه بالزندقة\". \"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة\" (٢/ ٢٠٧).\n(^٢) \"المغني\" (٤٣٣).\n(^٣) \"المغني\" (٣٩٧).","vol":"7","page":25},{"text":"الكلام، ولو ثبت في فصيح الكلام فليس مما يقاس عليه. وحملُ القرآن على ما لم يثبت لا يجوز، ما دام يحتمل غيره.\nوسنبيِّن إن شاء الله تعالى أن الآيات التي زعموا زيادة لفظ \"اسم\" فيها لا\nحاجة بها إلى ذلك.\n[٤٥/ب] القول السادس: إن لفظ \"اسم\" في نحو ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] بمنزلة المجلس والحضرة في قولهم: سلام على المجلس العالي، والحضرة الشريفة (^١).\nأقول: هاتان الكلمتان من تنطعات المولَّدين تبعًا للأعاجم. ونظير ذلك أو أقرب منه قول بعضهم (^٢) في قوله ﷿: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] واحتجاجه ببيت الشماخ:\nذعرتُ به القطا ونفيتُ عنه ... مقامَ الذئبِ كالرجلِ اللَّعينِ (^٣)\nوليس بشيء، فقد فسّر السلف ومن يقرب منهم ﴿مَقَامَ رَبِّهِ﴾ بما يليق به.\nوأما بيت الشماخ، فـ \"مقام\" فيه بمعنى \"قيام\"، يريد: أزلت عنه قيام الذئب، أي وقوفه.\nوأما المولدون، فيستعملون \"المقام\" بمعنى مكان الإقامة، ثم يقولون: سلام على ذلك المقام، ونحو ذلك. والعارف منهم يشبه هذا بقول\n_________\n(^١) وهو قول أبي حامد الغزالي في كتابه \"المقصد الأسنى\" (٣٨).\n(^٢) انظر: \"روح المعاني\" (٢٥/ ٤) و(٢٧/ ١١٦).\n(^٣) \"ديوان الشمَّاخ\" (٣٢١).","vol":"7","page":26},{"text":"العربي (^١):\nإنَّ السَّماحةَ والمروءةَ والندى ... في قُبَّةٍ ضُرِبتْ على ابنِ الحَشْرَج\nويقول: إذا سلَّمتُ على المحلّة التي يقيم فيها، فكأني قد غمرتُه بالسلام من جميع جوانبه.\nهذا، ولا يتجه نحو هذا في لفظ \"اسم\"، وأقرب ما يُدَّعى فيه مما يقرب من هذا أن يقال: إن في الكلام كناية، كما يقول الرجل: إني أحبُّ اسم علي، يكني بذلك عن حبه لعلي بن أبي طالب ﵇. ومن شأن الكناية أنه يصلح معها إرادة المعنى الحقيقي بأن يكون هذا الرجل لشدة حبه لعلي ﵇ قد أحبَّ هذا الاسم لأنه يذكر به.\nوهذا يلاقي المعنى المختار في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، كما يأتي إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) هو زياد الأعجم، وممدوحه عبد الله بن الحشرج كان سيِّدًا من سادات قيس. انظر: \"الأغاني\" (١٢/ ٢٠) و(١٥/ ٣١٢).","vol":"7","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>تتمة\nفي الأمثلة التي يحتج بها أصحاب هذه الأقوال أو بعضهم\nوتحقيق معناها</span>\nالأول: قوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً﴾ [يوسف: ٤٠].\nوهذه الآية من جملة ما قصه الله تعالى من محاورة يوسف ﵇ لصاحبي السجن، وهما من المصريين، والقوم ــ كما دللت عليه في رسالة \"العبادة\" (^١) ــ كانوا يعتقدون وجود ذوات علوية، ينعتونها بنعوت غير نعوت الملائكة، ثم سمَّوها بأسماء اخترعوها، وكانوا يدعونها بتلك الأسماء، ويتضرَّعون إليها.\nفبيَّن يوسف ﵇ أنَّ ما توهموه من وجود ذواتٍ بالصفة التي يزعمون لا حقيقة له، وأنه لا يوجد من تلك الذوات إلا أسماؤها التي اخترعوها، كما نقول نحن في العَنْقاء: إنه اسم بلا مسمًّى وإنه لا يوجد منها إلا اسمها، وفي الأثر في حال آخر الزمان: أنه لا يبقى من الدين إلا اسمه (^٢).\nولمَّا كانوا إنما يعبدون من تلك الذوات ما هو في ظنّهم موجود، والموجود منها أسماؤها فقط، وهم مع ذلك يعلِّقون العبادة بالأسماء= قيل لهم: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً﴾ [يوسف: ٤٠].\n_________\n(^١) (ص ٦٢٥، ٦٨٧ وما بعدها).\n(^٢) أخرجه البيهقي في \"الشعب\" عن علي موقوفًا (١٩١٠)، وعنه مرفوعًا (١٩٠٨، ١٩٠٩).","vol":"7","page":28},{"text":"فحملُ الأسماءِ هنا على المسمَّيات أو الأشخاص نقيض قصد القرآن. والذي أوقع هؤلاء فيه إنما هو عدم تدبر القرآن، والجهل بما عليه المشركون.\nونظير هذه قوله تعالى فيما قصَّه عن هود ﵇: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [الأعراف: ٧١]، وقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [النجم: ٢٣]. وقد أوضحتُ ذلك بأدلته في رسالة \"العبادة\" (^١).\nوقد ذهب بعض المفسرين إلى نحو هذا، ولكنَّه توهم أنّ المراد أسماء الأصنام، وأنّ ذواتِ الأصنام نُزِّلَتْ منزلةَ العدم. وقد عرفتَ ــ بحمد الله تعالى ــ الحقيقة.\nالمثال الثاني: قوله ﷿: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]. قالوا: وقد أخرج الإمام أحمد وغيره عن ابن عباس: \"أن النبي - ﵌ - كان إذا قرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: سبحان ربي الأعلى\" (^٢).\nوعن عقبة بن عامر: أنها لما نزلت قال النبي - ﵌ -: \"اجعلوها في سجودكم\" (^٣). ومعلوم أنه يقال في السجود: سبحان ربي الأعلى.\n_________\n(^١) إيضاح ذلك في القسم المفقود من رسالة العبادة. وانظر (ص ٦٨٥) منها.\n(^٢) \"المسند\" برقم ٢٠٦٦ (٣/ ٤٩٥). وأخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب الدعاء في الصلاة (٨٨٣) وقال: \"خولف وكيع في هذا الحديث. رواه أبو وكيع وشعبة عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفًا\".\n(^٣) أخرجه أحمد في \"المسند\" برقم ١٧٤١٤ (٢٨/ ٦٣٠) وأبو داود في كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده (٨٦٩) وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة باب التسبيح في الركوع والسجود (٨٨٧).","vol":"7","page":29},{"text":"وعن علي ﵁: أنه قرأها في الصلاة، فقال: سبحان ربي الأعلى. فقيل له في ذلك، فقال: إنما أمرنا بشيء (^١).\nوروي نحو هذا عن غيره (^٢).\nقالوا: ومعقول أن التسبيح هو قول \"سبحان\". والمعروف في الشريعة \"سبحان الله\" [٤٦/أ] ونحوه، ولا يعرف فيها \"سبحان اسم الله\"، أو نحوه.\nأقول: أصل التسبيح في اللغة: التنزيه، ثم كثر استعماله في النطق بـ \"سبحان\". وجاء هاهنا على أصله بقرينة أنه لم يعرف: \"سبحان اسم الله\"، كما قلتم.\nوتنزيه أسماء الله ﷿ حق لا ريب فيه، ومنه أن لا يسمى غيره بما اختص به أو غلب، كلفظ الله والرحمن والقدوس والحكيم العليم، وغير ذلك، وأن لا تذكر أسماؤه في الهزل واللعب، ولا تذكر عند ملامسة القاذورات، إلى غير ذلك.\nوالأمر بتنزيه الاسم يدل بفحواه على الأمر بتنزيه المسمَّى؛ لأن تنزيهه سبحانه أوجب وأولى، فقد دلت الآية على كلا الأمرين.\nفأما تنزيه الرب ﷿ فإنه يكون بالقول، وقد جعل له الشارع علمًا، وهو لفظ \"سبحان\". وأما تنزيه الاسم فإنه يكون بالعمل، كما تقدم.\nفكان النبي - ﵌ - ثم أصحابه يمتثلون الأمر الثابت بالأولى بقول\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٨/ ٤٨٣) إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وغيرهم.\n(^٢) انظر المصدر السابق.","vol":"7","page":30},{"text":"\"سبحان ربي الأعلى\"، ويمتثلون الأمر بتنزيه الاسم بعملهم، كما نهي النبي - ﵌ - عن أن يقال لإنسان: \"ملك الأملاك\" (^١). وغيَّر كنية من كان يكنى \"أبا الحكم\"، وقال: \"الحَكَم الله\" (^٢). وغيَّر اسم من كان يسمَّى \"عزيزًا\" (^٣). بل جاء عنه أنه جاءه رجل، فذكر له أنه طبيب، فقال النبي - ﵌ -: \"أنت رفيق، والله هو الطبيب\" (^٤). وأن قومًا جاؤوه، وقالوا: أنت سيدنا، فقال: \"السيد الله\" (^٥).\nوتبعه أصحابه ﵃، بل جاء عن عمر أنه كره التسمِّي بأسماء الملائكة والأنبياء (^٦).\n_________\n(^١) يشير إلى حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري في الأدب، باب أبغض الأسماء إلى الله (٦٢٠٦) ومسلم في الأدب، باب تحريم التسمّي بملك الأملاك (٢١٤٣).\n(^٢) وكناه أبا شريح. أخرجه أبو داود في الأدب، باب تغيير الأسماء (٤٩٥٥) والنسائي في آداب القضاة، باب إذا حكّموا رجلًا فقضى بينهم (٥٤٠٢) بإسناد صحيح.\n(^٣) ذكره أبو داود في باب تغيير الاسم القبيح (٤٩٥٦) مع أسماء أخرى غيّرها النبي - ﷺ - وترك أسانيدها للاختصار.\n(^٤) أخرجه أبو داود في كتاب الترجل، باب الخضاب (٤٢٠٧) بإسناد صحيح.\n(^٥) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب في الرفق (٤٨٠٨) بإسناد صحيح.\n(^٦) أخرج إسحاق بن راهويه في \"مسنده\" (كما في \"المطالب العالية\": ١٢/ ١٣١، و\"إتحاف المهرة\": ٦/ ٤٣) عن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه قال: إن عمر بن الخطاب ﵁ جمع كل غلام اسمه اسم نبي، فأدخلهم دارًا، وأراد أن يغيِّر أسماءهم، فشهد آباؤهم أن رسول الله - ﷺ - سماهم ... وإسناده حسن.\nوأخرج ابن سعد (٥/ ٦) أن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام كان اسمه إبراهيم، فدخل على عمر في ولايته حين أراد أن يغيِّر اسم مَن تسمَّى بأسماء الأنبياء، فغيَّر اسمه، فسمَّاه \"عبد الرحمن\"، فثبت اسمه إلى اليوم.\nوأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ (العظمة: ٤/ ١٤٨٠) وغيرهم عن عمر أنه سمع رجلًا ينادي بمنى: يا ذا القرنين. فقال له عمر: اللهم غفرًا! ها أنتم قد سميتم بأسماء الأنبياء، فما بالكم وأسماء الملائكة!\nوانظر: \"الروض الأنف\": (٢/ ٦٦)، و\"تحفة المودود\" (١٨٥).","vol":"7","page":31},{"text":"وفي هذا كفاية لمن يفهم.\nالمثال الثالث: قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨]. وقد قرأ ابن عامر وأهل الشام: \"ذو\" (^١).\nقالوا: ولفظ \"تبارك\" يجيء في الغالب مسندًا إلى الله ﷿، كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] وغير ذلك. وكذلك في السنَّة، كما في حديث: \"تباركت ربنا وتعاليت\" (^٢).\nوالجواب: أن إسناده إلى الاسم نفسه قد جاء في الكتاب، كهذه الآية وغيرها، وفي السنّة كما في الدعاء الآخر: \"تبارك اسمك وتعالى جدُّك\" (^٣).\n_________\n(^١) الإقناع في القراءات السبع (٧٧٩).\n(^٢) أخرجه أحمد برقم ١٧١٨ (٣/ ٢٤٥) وأبو داود في الصلاة، باب القنوت في الوتر (١٤٢٥) والترمذي في أبواب الوتر، باب ما جاء في القنوت في الوتر (٤٦٣) والنسائي في قيام الليل، باب الدعاء في الوتر (١٧٤٥) من حديث الحسن بن علي ﵄.\n(^٣) أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن أبي سعيد الخدري وعائشة وغيرهما.\nانظر الترمذي في أبواب الصلاة، باب ما يقول عند افتتاح الصلاة (٢٤٢، ٢٤٣)، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب من رأى الاستفتاح بسبحانك (٧٧٥، ٧٧٦) والنسائي في الافتتاح، باب القراءة في العشاء الآخرة بالشمس وضحاها (٨٩٨)، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب افتتاح الصلاة (٨٠٤).","vol":"7","page":32},{"text":"ولا\nداعي إلى تأويله؛ لأن معنى \"تبارك\": تكاثرت بركته أي خيرُه.\nوأسماء الله ﵎ كثيرة البركة، فبها تستفاد الخيرات، إذ بها يدعى سبحانه فيجيب، ويُستعان فيعين، ويُستغاث فيغيث، ويُستغفر فيغفر، وبه يُوحَّد ويُمجَّد ويُحمَد ويُسبَّح، إلى غير ذلك.\nوقد قال ابن الأنباري: \"تبارك الله: أي يتبرك باسمه في كل شيء\". ذكره صاحب لسان العرب وغيره (^١).\nفإن قيل: لكن السورة من أولها إنما عددت نعم الرب وبركاته وخيراته ﷿، ولا يظهر فيها ما يتعلق بالاسم.\nقلت: هذا سؤال قوي، وجوابه بحمد الله ﷿ سهل، وهو أن تلك النعم تتعلق باسمين من أسمائه سبحانه، أحدهما: الرحمن، والثاني: الربّ.\nودلّ على ذلك بناؤه السورة على الأول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤) ...﴾. ثم عقب تفصيلها بعنوان الثاني، وذلك قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.\nومعنى الرحمن والرب موافق لذلك، فقد يكون أحد هذين أو كلاهما هو المراد بالاسم.\nفإن قلت: إن النعم لا تتعلق بالاسم نفسه، وإنما تتعلق بالصفة التي دلَّ\n_________\n(^١) \"اللسان\" (برك ١٠/ ٣٩٦). ونص كلامه في \"الزاهر\" (١/ ١٤٧ - ١٤٨): \" وقولهم (تبارك اسمك وتعالى جدك) فيه قولان: معنى تبارك: تقدس أي تطهر ... وقال قوم: معنى تبارك اسمك، تفاعل من البركة، أي البركة تكتسب وتنال بذكر اسمك\".","vol":"7","page":33},{"text":"عليها، وهي الرحمانية والربوبية.\nقلت: لا مانع من أن يقال: تبارَكَ الاسم الدالُّ على تلك الصفة.\nهذا، وإذا أسند التبارك إلى الاسم، فثبوته للصفة من باب أولى، وللربِّ ﷿ أولى وأولى.\nوهذا معنى مقصود فيه زيادة في الحمد والثناء والتعظيم. والخروج عن الظاهر بالقول بزيادة لفظ \"اسم\"، أو بما يصير في معنى الزائد، يلزمه نقص في ذلك المعنى العظيم.\nفأما قراءة ابن عامر وأهل الشام، فإن استكثرت على اسم الله ﷿ أن يوصف بأنه ذو الجلال والإكرام، فاجعل قوله: ﴿ذُو﴾ خبرًا لمبتدأ محذوف، تقديره: هو، أي الرب، وبهذا توافق هذه القراءة معنى قراءة الجمهور.\nوإن شئت فاجعل ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ بيانًا للاسم، أي تبارك هذا الاسم، وهو \"ذو الجلال والإكرام\" لدلالته على ما تضمنته السورة من عظم جلال الله ﷿، وكثرة إكرامه بالنعم.\nوهذا اسم عظيم الشأن، حتى قيل: إنه الاسم الأعظم. وفي حديث رواه أهل السنن وصححه الحاكم على شرط مسلم (^١): \"أن النبي - ﵌ - سمع\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في الدعوات (٣٧٧٦) وأبو داود في الصلاة باب الدعاء (١٤٩٥) والنسائي في السهو، باب الدعاء بعد الذكر (١٢٩٩) وابن ماجه في الدعاء، باب اسم الله الأعظم (٣٨٥٨)، والحاكم في المستدرك (١٨٥٦) من حديث أنس ﵁. وأخرجه أحمد في \"المسند\" (١٢٦١١) وقال محققه: إن الحاكم قد وهم في تصحيحه على شرط مسلم، فإن حفصًا لم يخرِّج له مسلم شيئًا (٢٠/ ٦٣). ولم أجد لفظ \"الحنّان\" في السنن والمستدرك، ولعل المؤلف نقل الحديث من \"المشكاة\" (٢٢٩٠) وفيه: \"الحنان المنان\".","vol":"7","page":34},{"text":"رجلًا:\n\"اللهم إني أسألك بأنَّ لك الحمد، لا إله إلا أنت الحنَّان المنَّان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم\". فقال النبي - ﵌ -: \"دعا الله باسمه الأعظم ... \" الحديث.\nوفي حديث صححه الحاكم أيضًا (^١): \"ألِظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام\".\nوالإلظاظ: اللزوم والمثابرة. والله أعلم.\nالمثال الرابع: في الدعاء النبوي: \"باسم الله الذي لا يضرُّ مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم\" (^٢).\nقالوا: إنما المعنى: \"لا يضرُّ معه\" أي مع الله ﷿، لأنَّ هذا هو الواقع، وذلك أنه ﷾ هو المدبِّر للسماوات والأرض، [٤٦/ب] فما لم يقدِّر الضرر لم يقع، فهو الضار النافع. وأما الاسم نفسه، فأنى له ذلك! ومعية الاسم أظهر ما يتحقق بذكره، وكثيرًا ما يذكر الإنسان اسم الله تعالى، ومع ذلك يصيبه الضرر.\n_________\n(^١) \"المستدرك\" (١٨٣٦، ١٨٣٧) من حديث ربيعة بن عامر وأبي هريرة ﵄.\n(^٢) أخرجه أحمد في \"المسند\" (٤٤٦) والترمذي في الدعوات، باب ما جاء في الدعاء إذا أصبح وإذا أمسى (٣٦١٢) وأبو داود في الأدب، باب ما يقول إذا أصبح (٥٠٨٨) وابن ماجه في الدعاء، باب ما يدعو به الرجل إذا أصبح وإذا أمسى (٣٨٦٩) من حديث عثمان بن عفان ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.","vol":"7","page":35},{"text":"والجواب: أنَّ المعنى على قولكم يصير حاصله: أنه لا ضارَّ إلا أنت يا ربنا. ولا يخفى ما فيه، وبعده عن الأدعية النبوية التي منها: \"الخير كله بيديك، والشر ليس إليك\" (^١).\nوقال بعض [أهل] (^٢) العلم: المعنى: \"لا يضر مع ذكر اسمه شيء\" (^٣). ويجاب عما تقدم: بأن المراد الذكر الكامل، وهو ما كان على وفق المشروع، مع صدق خشوع وقوة يقين. وقد يشهد لهذا تمامُ الحديث وقصته، ففي المشكاة (^٤): \" [فكان أبان (راوي الحديث عن أبيه عثمان) قد أصابه طرفُ فالجٍ، فجعل الرجل (الذي سمع الحديث من أبان) ينظر إليه، فقال له أبان: ما تنظر إلي؟ أمَا، إنَّ الحديث كما حدَّثتك، ولكنِّي لم أقُله يومئذ ليُمضي الله عليَّ قدرَه] \".\nولعل الأولى أن يكون المراد: لا يضرُّ مع بركة اسمه شيء، وذلك أنَّ من ذكر اسم الله تعالى على وفق المشروع، مع صدق الخشوع وقوة اليقين، استحقَّ أن يحُفَّه الله تعالى ببركة لا يضرُّه معها شيء ما دامت معه. ولما كانت تلك البركة مسبَّبةً عن ذكر الاسم نُسِبت إليه، ثم نزلت معيتها منزلة معية الاسم نفسه.\nوأرى هذا تحقيقًا بالغًا. والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل (٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.\n(^٢) ساقط من الأصل سهوًا.\n(^٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ٢٥٩).\n(^٤) \"مشكاة المصابيح\" (٢٣٩١). وقد ترك المؤلف بعده بياضًا نحو سطرين مع وضع علامة التنصيص، لينقل القصة فيما بعد، فنقلناها.","vol":"7","page":36},{"text":"المثال الخامس: في الدعاء النبوي: \"اللهم باسمك أحيا، وباسمك أموت\". ذكره ابن عبد السلام، وقال: \"معناه: اللهم بك أحيا، وبك أموت، أي: بقدرتك\" (^١).\nأقول: هذا الدعاء كان النبي - ﵌ -[يقوله] (^٢) عند اضطجاعه للنوم كما في \"صحيح مسلم\" عن البراء (^٣): أن النبي - ﵌ - كان إذا أخذ مضجعه قال: \"اللهم باسمك أحيا وباسمك أموت\"، وإذا استيقظ قال: \"الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا، وإليه النشور\".\nفالحياة والموت فيه بمعنى اليقظة والنوم، والإنسان عند أخذ مضجعه بين يقظة حاضرة ونوم منتظر عن قرب، فكان - ﵌ - يذكر اسم الله تعالى على الأمرين معًا.\nوقد فسّره صاحب \"فتح الباري\" بقوله: \"بذكر اسمك أحيا، وعليه أموت\" (^٤).\nوأقول: هذا، وقوله في المثال السابق: \"بسم الله\" وأمثلة أخرى ذكروها كلها من أفراد التسمية، كقول من بدأ الأكل: بسم الله.\nوسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) \"مجاز القرآن\" (١٩٨).\n(^٢) زيادة يقتضيها السياق.\n(^٣) في كتاب الذكر والدعاء، باب ما يقول عند النوم (٢٧١١). وأخرجه البخاري في الدعوات، باب ما يقول إذا نام (٦٣١٢) من حديث حذيفة ﵁.\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ١١٣).","vol":"7","page":37},{"text":"المثال السادس: البيت المنسوب إلى لبيد (^١):\nإلى الحول ثم اسمُ السلامِ عليكما ... ومَن يبكِ حولًا كاملًا فقدِ اعْتَذَرْ\nأقول: هذا البيت في قطعة ذكرها صاحب الأغاني (١٤/ ٩٨) (^٢) في قصة ذكر فيها أن لبيدًا لما حضره الموت جرى له كيت وكيت، وفيها ذكر قصيدة طويلة. والقطعة التي فيها هذا البيت زعم الراوي أنَّ لبيدًا قالها في تلك الحال. وفي رجال السند من لم أعرفه (^٣).\nوالمشهور أنَّ لبيدًا لم يقل شعرًا بعد إسلامه، وقد ذكر صاحب الأغاني ذلك عن أبي عبيدة، إلا أنه استثنى بيتًا واحدًا، وهو:\nالحمد لله إذ لم يأتني أجلي ... حتى اكتسيتُ من الإسلام سربالًا (^٤)\n_________\n(^١) ديوانه (٢١٤).\n(^٢) يعني: طبعة بولاق. وانظر: طبعة الثقافة (١٥/ ٣٠٥ - ٣٠٦).\n(^٣) رواها أبو الفرج عن أحمد بن عبد العزيز عن عمر بن شبة عن عبد الله بن محمد بن حكيم عن خالد بن سعيد. ولعل الذي ذكر المؤلف أنه لم يعرفه هو عبد الله بن محمد بن حكيم الطائي البصري. وقد ذكره ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٧٢٨) ولكن لم يزد على أنه روى عن خالد بن سعيد عن عمرو بن سعيد بن العاص وأنه روى عنه عمر بن شبة. وكذلك ذكره في \"تهذيب الكمال\" في ترجمة خالد (٦١٨) ممن روى عنه.\n(^٤) \"الأغاني\" طبعة الثقافة (١٥/ ٢٩) ورجح ابن عبد البر في \"الاستيعاب\" (٣/ ٣٠٧) أن البيت المذكور لقَرَدة بن نُفَاثة السَّلولي، وهو ثالث أبيات ثلاثة له ذكرها ابن عبد البر في ترجمته (٣/ ٢٦٠). هذا، ويرى إحسان عباس أن أكثر من عشر قصائد قالها لبيد في الإسلام. انظر: مقدمته لديوان لبيد (٢٧).","vol":"7","page":38},{"text":"وفي كتاب \"الشعر والشعراء\" لابن قتيبة (^١): \" [ولم يقل في الإسلام إلا بيتًا واحدًا. واختُلِف في البيت، قال أبو اليقظان: هو ... \" وذكر البيت السابق، ثم قال: \"وقال غيره: بل هو قوله:\nما عاتَبَ المرءَ الكريمَ كنفسِه ... والمرءُ يُصلِحُه الجليسُ الصالحُ\nوقال له عمر بن الخطاب ﵁: أنشدْني (من شعرك) فقرأ سورة البقرة، وقال: ما كنت لأقول شعرًا بعد إذ علّمني الله (سورة) البقرة وآل عمران ...] \".\nوهَبْ أن نسبة هذا البيت: \"إلى الحول ... \" إلخ صحت إلى لبيد، أو إلى غيره ممن يحتج بكلامه، فقد حمله ابن جرير على أن قوله: \"السلام\" أراد به الاسم المعروف من أسماء الله ﷿، ثم يقول: إما أن يكون أراد: ثم عليكما اسم السلام، أي: ثم الزما اسم الله. يريد: الزما ذكر اسم الله، ودعا ذكري. وإما أن يكون أراد التبريك عليهما، أي: ثم بركة اسم الله عليكما (^٢).\nوأقول: لو فرضنا أنه لم يكن له وجه إلا ما حملوه عليه من الزيادة، فهو شذوذ وضرورة، فلا يجوز حمل كلام الله ﷿ عليه.\nوهب أن ذلك صحيح فصيح غير ضرورة، فلا شك أنه خلاف الأصل.\nوقد ذكرنا الأمثلة التي ذكروها من الكتاب والسنة، وظهر أنه لا حاجة\nبها إلى الحمل على هذا. والله أعلم.\n_________\n(^١) (١/ ٢٧٥ - ٢٧٦). وقد وضع المؤلف ﵀ علامة التنصيص وترك بعدها بياضًا لنقل كلام ابن قتيبة فأوردناه.\n(^٢) \"تفسير الطبري\" (شاكر ١/ ١٢٠ - ١٢١).","vol":"7","page":39},{"text":"[٤٧/أ]<span data-type=\"title\" id=toc-17> الفصل الرابع\nلفظ \"الله</span>\"\nهذا اللفظ اسم لربنا ﷿، وهو عَلَم، وقد اختلفوا في علميته: أبالوضع، أم بالغلبة التقديرية؟ وفي كونه مشتقًّا أم لا، وعلى الاشتقاق، فمن أي مادة؟\nولا أرى ضرورةً هنا إلى تفصيل ذلك، فإنه لا يتوقف عليه معرفة المعنى.\nوظاهر أن المراد من هذا اللفظ بالتسمية مدلوله، فمعنى: \"باسم الله\": باسم رب العالمين ﵎.\nوزعم بعضهم أنه يحتمل أن يكون المراد به لفظه، وتكون الإضافة بيانية، أي: باسمٍ هو هذا اللفظ: \"الله\". وليس هذا القول بشيء.\nنعم، مدلول \"اسم الله\" إما لفظ \"الله\"، لأنه هو اسم الله؛ وإما جميع أسماء الله ﷿، لأن المفرد المضاف قد يعمُّ، تقول (^١): ابن آدم ضعيف. أي: كل أحد من بني آدم. وستعلم المختار من هذين في الفصل الآتي إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) في الأصل: \"يقول\"، وهو سبق قلم.","vol":"7","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>الفصل الخامس\nمعنى \"باسم الله</span>\"\nقد عرفت أن المنصور عند المتأخرين في الباء قولان:\nأحدهما: أنها للاستعانة.\nوالآخر: أنها للمصاحبة.\nفأما على الاستعانة، فقالوا في تسمية الآكل مثلًا: إن التقدير: باسم الله آكل، وإنها على وزان: \"بالقلم أكتب\". فاسم الله بمنزلة القلم، أي أنه يتوقف وجود الأكل عليه، كما يتوقف وجود الكتابة على القلم.\nقالوا: والمتوقف في الحقيقة هو سلامة الأكل عن النقصان، على ما في الحديث: \"كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم، فهو أجذم\" (^١). ومعنى \"أجذم\": ناقص البركة، ولكن نُزِّل الأجذمُ منزلةَ المعدوم، فأقيم توقف سلامة الفعل من النقصان مقام توقف وجوده.\nوفيه: أن إفادة السلامة ليس (^٢) هي أثرًا من آثار الاسم من حيث هو، بل هي أثر بركة يجعلها الله ﷿ لذاكره إذا شاء.\n_________\n(^١) بهذا اللفظ أخرجه الخطيب في \"الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع\" (١٢١٩) مرفوعًا من حديث أبي هريرة. وهو ضعيف، والمحفوظ لفظ: \"كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله ... \" مع كونه مرسلًا. انظر: \"تخريج الكشاف\" للزيلعي (١/ ٢٤) و\"التحجيل\" للطريفي (ص ٣).\n(^٢) كذا في الأصل.","vol":"7","page":41},{"text":"فإن قيل: وكذلك الكتابة ليست أثرًا للقلم من حيث هو، وإنما توجد بأخذه باليد وغمسه في المداد، ثم إمراره على الكاغد مثلًا على الوجه المخصوص، فكما لا يقدح هذا هناك، فلا يقدح ما ذكرتم هنا.\nقلنا: الفرق واضح، وهو أن الفعل في \"كتبت بالقلم\" ينبئ عن بقية الأمور، بخلاف الفعل في قوله: \"باسم الله آكل\".\nولو سلم ما ذكرتم لم يغن عن الاحتياج إلى توضيح المعنى، فإن المعنى في قولك: \"كتبت بالقلم\" واضح، ولا كذلك في \"باسم الله آكل\". فلا بد لتوضيح المعنى من أن يقال: أصل الكلام: ببركة ذكر اسم الله التي أرجو أن يمنَّ الله عليَّ بها أدفع النقصان عن أكلي.\nوأما على المصاحبة، فقد عرفت قولهم: \"إن باء المصاحبة هي التي يصلح موضعها \"مع\"، ويغني عنها وعن مصحوبها الحال\".\nفيقال في \"باسم الله آكل\": مع اسم الله آكل، ومسمِّيًا اللهَ آكل. ولكن لما كانت التسمية تطلق على وضع الاسم، وعلى ذكره، والمقصود هنا الثاني، كان الواضح أن يقال في تقدير الحال: ذاكرًا اسم الله آكل.\nوقد قالوا في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤١]: \"الباء للملابسة، والملابسة هي المصاحبة، ولما كانت ملابسة اسم الله عز اسمه بذكره، قالوا: المعنى: اركبوا مسمِّين الله\" (^١).\nلكن يتراءى هنا فرق ما بين قولنا: \"مع اسم اللهَ آكل\"، وقولنا: \"مسمِّيًا الله آكل\"، أو \"ذاكرًا اسم الله آكل\". وقد يوفَّق بينهما بأن المراد بمعية اسم الله\n_________\n(^١) \"روح المعاني\" (١٢/ ٥٦).","vol":"7","page":42},{"text":"معيَّةُ ذكره، كما تقدم عنهم، فالمعنى: \"مع ذكر اسم الله آكل\".\nلكنهم عدلوا عن هذا، وقالوا: المعنى: \"مع اسم الله آكل\"، أو \"مصاحبًا اسمَ الله آكل\". فيقال لهم: وما معنى معية اسم الله ومصاحبته؟\nفإن قالوا: بذكره، كما قالوه في ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤١] فقد عاد الأمر إلى: \"مع ذكر اسم الله\"، أو \"ذاكرًا اسم الله\". وهو الموافق لقولهم في باء المصاحبة: يغني عنها وعن مصحوبها الحال.\nوإن قالوا: معية بركته ومصاحبتها.\nقلنا: إن أردتم البركة الموعود بها في حديث: \"كل أمر ذي بال ... \" ونحوه، فهي بركة يجعلها الله تعالى إذا شاء لمن ذكر اسمه.\nوعلى هذا، فينبغي أن يتركوا التقدير على أصله: ذاكرًا اسم الله آكل، [٤٧/ب] ويقولوا: المعنى: ذاكرًا اسمَ الله رجاءَ البركة الموعود بها. أو يقولوا: المعنى: مستصحبًا بركة ذكر اسم الله آكل، ومعنى \"مستصحبًا\": سائلًا الصحبة، فكأنه يقول: سائلًا الله تعالى أن تصحبني بركة ذكر اسمه.\nوقد قدَّر ابن عبد السلام التسمية بقوله: \"أتبرك بذكر اسم الله\" (^١)، وهو يلاقي ما ذكرنا.\nوزعم ابن جرير أن الاسم هنا بمعنى التسمية، وأن المعنى: أقرأ بتسمية الله (^٢). وقد عرفت أن المراد من التسمية ذكر الاسم، فيصير التقدير: أقرأ\n_________\n(^١) \"مجاز القرآن\" (١٩٧).\n(^٢) \"تفسير الطبري\" (شاكر ١/ ١١٥ - ١١٨).","vol":"7","page":43},{"text":"بذكر اسم الله، وهو يقارب ما ذكرنا. وزعم أن ذلك معنى ما رواه عن ابن عباس (^١)، والمقصود هنا: إنما هو الموافقة على تقدير \"ذكر\".\nوإن أردتم بركة اسم الله مطلقًا، وقلتم: إنَّ لأسماء الله ﷿ بركةً يمنُّ اللهُ بها على من يشاء، ممن ذكر الأسماء اسمًا اسمًا، وممن لم يذكرها، فيصح أن يقول الداعي: اللهم أصحِبْني بركةَ أسمائك.\nقلنا: هذا يحتاج إلى إثبات من الشريعة، والذي نعرفه أن بركة أسماء الله ﷿ إنما يُتوسَّلُ إلى حصولها بذكر الأسماء على الوجه المشروع. فإن ثبت ما قلتم، بقي التقدير على هذا المعنى: \"مستصحِبًا بركةَ اسم الله\"، أي سائلًا الله أن يصحبني بركة أسمائه.\nثم نقول لهم: ما الذي اضطركم إلى العدول عن تقدير المعنى بأن تقولوا: \"مسمِّيًا اللهَ آكل\"، أي: \"ذاكرًا اسمَ الله آكل\" على ما هو الأصل في باء المصاحبة، وقد قلتم به في قوله تعالى: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ﴾ (^٢) [هود: ٤١]؟\nوعسى أن يكون جوابكم أن المعنى يختل بذلك.\nأولًا: لأن المسمِّي عن نفسه يقول: \"باسم الله\" على سبيل الدعاء والتبرك، وتقدير: \"مسمِّيًا الله آكل\"، أو \"ذاكرًا اسم الله آكل\"، ليس فيه إلا الإخبار عن نفسه بأنه يأكل ذاكرًا اسم الله.\n_________\n(^١) وهو قوله: \"اقرأ بذكر الله ربك، وقم واقعد بذكر الله\".\n(^٢) \"فيها\" ساقط من الأصل سهوًا.","vol":"7","page":44},{"text":"ثانيًا: بأنه لا يعرف في الأدعية والأذكار الشرعية نظير لهذا، وعامة الأدعية والأذكار الشرعية كل منها يكون لفظه بنفسه وحده، أو مع ما تدلُّ القرائن على تقديره دالًّا على التعظيم أو السؤال.\nوقد قال بعض الأجِلَّة (^١): إن ذكر كلمة الجلالة أو تكرارها ليس بذكر شرعي، لأن الاسم وحده لا يفيد معنىً.\nثالثًا: هذا الخبر ــ وهو \"ذاكرًا اسم الله\" ــ يحتاج إلى ما يصدق عليه، والغالب أن المسمّي يقتصر من ذكر الله على قوله \"باسم الله\"، فإذا جعلناها خبرًا فأين المخبَر عنه. وإيضاحه: أن قول القائل: \"ذاكرًا (^٢) اسم الله آكل\" إنما يكون صادقًا إذا وقع منه حال أكله ذكر لاسم الله غير هذه الجملة، إذ لا يمكن أن يكون الجملة الواحدة مخبرًا بها عن نفسها، أي هي الخبر، وهي المخبر عنه.\n[٤٨/أ] والجواب عن الأمر الأول: أن \"باسم الله\" على معنى \"ذاكرًا اسم الله\" أقيمت عند الشروع في الأمور مقام جميع الأذكار والأدعية التي تناسب الحال.\nونوضح ذلك بمثال: وهو أن يجتمع أربعة، ويقدَّم لكل منهم طعامه، فأما أحدهم فنصراني شرع يذكر اسم يسوع، شاكرًا له على أن رزقه الطعام بزعمه، ويتضرع إليه أن يهنئه أكله، وأن يبارك له فيه، وأن يصرف عنه ضرَّه، وأن ينفعه به، إلى غير ذلك من المطالب.\n_________\n(^١) لعل المقصود شيخ الإسلام ابن تيمية. انظر كلامه في \"مجموع الفتاوى\" (١٠/ ٢٢٦)، وانظر: \"طريق الهجرتين\" لابن القيم (٧٣٩).\n(^٢) في الأصل: \"ذاكر\".","vol":"7","page":45},{"text":"وأما الثاني، فشرع يذكر اسم الله، واسم غيره، بنحو ذلك.\nوأما الثالث، فشرع يأكل بدون ذكر.\nوأما الرابع، فموحِّد قد رأى وسمع صنيع أولئك الثلاثة، وحضر طعامه،\nوهو على عجل، فقال: باسم الله، أي: ذاكرًا اسم الله آكل، أي: أذكر اسم الله لهذه المطالب التي تقدمت ونحوها، ولا آكل بغير ذكر اسمه، ولا بذكر اسم غيره، ولا دونه ولا معه.\nغاية الأمر أنك قد تتردد في قوله: \"أذكر اسم الله لجميع المطالب المناسبة للحال\"، هل يقوم هذا مقام التفصيل، كأن يقول: اللهم لك الحمد على ما رزقتني، اللهم أعذني من الشيطان، اللهم هنئني طعامي، اللهم بارك لي فيه، اللهم اصرف عني ضرره، اللهم انفعني به، اللهم ... اللهم ...\nفنقول: لا بدع في أن يرحم الله عباده، ويخفف عنهم، فيقيم تلك الكلمة مقام تلك الكلمات كلها، وهذا هو الواقع، ولكن بلفظ \"باسم الله\".\nوبهذا عرف الجواب عن الأمر الثاني، فقد عرف من قرائن الحال، وقصد الشارع، وما ينويه المسلم= ما يتم به الكلام، كما تقولون أنتم: إن تقدير المعنى: مصاحبًا اسم الله، وإن القرينة تدل على التبرك.\nوأما الأمر الثالث؛ فقد علمت أنّ قولنا: \"ذاكرًا اسم الله\" قد صار من حيث الدلالة على الدعاء شبيهًا بقولهم: \"متبرِّكًا باسم الله\"، بل أوضح منه في ذلك وأجمع.\nوقد اعترض على تقديرهم بنحو ما ذكر في الوجه الثالث، فأجاب بعضهم بأنَّ ذلك خبر عن نفسه \"قياسًا على ما قيل في قولك: أتكلم أنه يجوز أن يكون خبرًا عن تكلم حاصل بهذا القول\".","vol":"7","page":46},{"text":"والذي ارتضاه الصبَّان، وقرره البناني في \"حواشيه على شرح جمع الجوامع\" (^١): أن قوله: \"باسم الله أو متبركًا باسم الله\" إنشاءٌ. قال البناني:\n\"لصدق حد الإنشاء عليه، هو ما يتحقق مدلوله بذكر دالِّه فقط ... والتبرك لا يتحقق مدلوله بدون ذكر اللفظ الدال عليه\".\nوقد نظر فيه بعضهم بما اشتهر أن الحال لا تكون إنشاء.\nوالجواب: أنّ ذلك في الجملة الحالية، والإنشاء اللفظي، أي: أنَّ الجملة الحالية لا تكون إنشائية لفظًا، فلا يقع فعل الأمر مثلًا، أو الفعل المنقول إلى الإنشاء لإيقاع العقود مثل بعت وطلَّقت حالًا.\nفأما الإنشاء المعنوي فقط، فلا مانع من وقوعه حالًا مفردة، كقوله تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ [غافر: ١٤]، وجملة كقوله: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢].\nومن الأول قوله تعالى: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤١]، وقد قدروه: \"مسمِّين الله\"، كما علمت، والمعنى: أمرهم بالتسمية عند الركوب.\nوأمثلة ذلك أكثر من أن تحصى.\n_________\n(^١) طبعة دار الفكر (١/ ٣).","vol":"7","page":47},{"text":"[٤٨/ب] الفصل السادس\nإن قيل: لا يزال في النفس من كلمة \"اسم\" شيء، إذ قد يقال: فلو قيل: \"بالله\" على معنى \"ذاكرًا الله\"، لكان أخصر.\nوالجواب: أنه لو قيل: \"بالله\" لما ظهر ذاك المعنى، بل يكون الظاهر حينئذٍ أن المعنى: بقدرة الله آكل.\nفإن قيل: قد يدعى دلالة القرائن على أن المعنى: \"بذكر الله\".\nقلت: ليست القرائن بغاية القوة حتى تكفي لدفع ذاك المعنى الظاهر: \"بقدرة الله آكل\"، وإنما كانت كافية في \"باسم الله\" بتقدير (^١) احتمال ذاك المعنى، أعني بتقدير القدرة.\nفإن قيل: فلم لم يقل: \"بذكر الله\"؟\nقلت: لو قيل ذلك لكان على تقدير: \"بذكر اسم الله\"، لأن الذكر هنا هو اللساني، وما دام على أصله، فإنما يقع على الاسم، إلا أنه كثيرًا ما يحذف الاسم لظهور المعنى، أو يضمن الذكر معنى المدح والتعظيم، كما في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، أو الذم ونحوه كما في قوله تعالى فيما قصه عن قوم إبراهيم: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠] أي: يذكر الأصنام، أي: يتوعدها أو يذمّها.\nوقد جاء في القرآن الإثبات وعدمه، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ\n_________\n(^١) في الأصل: \"تقدير\".","vol":"7","page":48},{"text":"تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]. ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٥]. وقال ﷿: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ٤١]. ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].\nفإن قيل: فكلٌّ من لفظ \"ذكر\"، ولفظ \"اسم\" إذا اقتصر عليه، اقتضى تقدير الآخر، فلماذا أوثر \"باسم الله\" على \"بذكر الله\" هنا، وعكس في مواضع مثل قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]؟\nقلت: لكل مقام مقال، فقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ المراد بالذكر: الصلاة والخطبة، من إطلاق الجزء وإرادة الكل، والجزء هو الذكر، لا نفس الاسم.\nوالمقصود في التسمية على الأكل ونحوه: هو أن يقع من الإنسان كلام هو في نفسه ذكر، و\"باسم الله\" أدلُّ على ذلك من \"بذكر الله\"، ولأنه دار الأمر بين أن يترك لفظ \"ذكر\" أو أن يترك لفظ \"اسم\"، والأولى في مثل هذا حذف \"ذكر\".\nأما أولًا: فلأن الأصل \"ذكر اسم الله\" والمعروف في الحذف هو حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه. وعليه، يبقى لفظ الجلالة على أصله. ولو قيل: \"بذكر الله\" لكان المعنى أن لفظ \"اسم\" حذف، وأقيم لفظ الجلالة مقامه، والتنازع إنما كان بين لفظي ذكر واسم؛ فلأن يحذف أحدهما ويقام الآخر مقامه أولى من أن يحذف أحدهما ويقام لفظ ثالث مقامه.\nوأما ثانيًا: فلأن ذكر الاسم ينحل إلى شيء من الإنسان، وهو الذكر، وشيء لله ﷿، وهو الاسم، فاطراح الأول أولى.","vol":"7","page":49},{"text":"وأما ثالثًا: فلأن باء المصاحبة في \"باسم الله\" بمنزلة العوض عن لفظ \"ذكر\"، لما مر أن التقدير يكون: \"مسميًا الله\"، والتسمية هنا هي ذكر الاسم، فيكون التقدير: \"ذاكرًا اسم الله\".\nولو قيل: \"بذكر الله\" لما كان هناك ما يكون بمنزلة العوض عن لفظ \"اسم\".\nوأما رابعًا: فلأنه ــ كما تقدم ــ يقصد بالتسمية الرد على المشركين، فلو قيل: \"بذكر الله\" لكان المتبادر الرد على من يذكر غير الله تعالى، أي من الذوات، فلا يظهر منه الرد على من يذكر من المشركين أسماء لا مسمى لها، كما تقدم، بخلاف \"باسم الله\" فإن فيها إشارة إلى ذلك.\nولنكتف بهذا القدر، فإن أمثال هذه الأسئلة لا نهاية لها، ولا ينبغي التشاغل بها إلا بما هو كالأنموذج مما يكون إيراده ظاهرًا. والله أعلم.","vol":"7","page":50},{"text":"[٤٩/أ] الفصل السابع\nقد ينطق بالمتعلق، فمن ذلك ما جاء في صحيح مسلم (^١) من حديث أبي سعيد: أن جبريل (^٢) أتى النبي - ﵌ - فقال: \"يا محمد اشتكيت؟ فقال: نعم. قال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، بسم الله أرقيك\".\nوالأولى في هذا الموضع أن تكون الباء للإلصاق، على تضمين \"أرقيك\" معنى \"أستشفي لي (^٣) \"، فكأنه قال: أسأل الله باسمه أن يشفيك.\nوسؤال الله تعالى باسمه وارد كما في الدعاء النبوي: \"اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سمَّيت به نفسك ... \" (^٤).\nويجوز أن تكون للاستعانة، على معنى: أرقيك بذكر اسم الله، فإن الرقية تكون بالكلام، كما تقول: أرقيك بـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ...﴾. وتقرأ السورة.\nوفي \"صحيح مسلم\" (^٥) أيضًا من حديث عائشة قالت: \"كان إذا اشتكى رسول الله - ﷺ - رقاه جبريل، قال: بسم الله يبريك، ومن كل داء يشفيك، ومن\n_________\n(^١) في كتاب السلام، باب الطب والمرض والرقى (٢١٨٦).\n(^٢) في الأصل: \"جبر\".\n(^٣) كذا في الأصل، ولعل المقصود: لك.\n(^٤) أخرجه أحمد (٦/ ٢٤٦) برقم ٣٧١٢ وغيره. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ١٣٦): رجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان.\n(^٥) في كتاب السلام، باب الطب والمرض والرقى (٢١٨٥).","vol":"7","page":51},{"text":"شر حاسد إذا حسد، وشر كل ذي عين\".\nوسند حديث أبي سعيد أثبت.\nوقوله في هذا: \"بسم الله يبريك\" يحتمل أن المتعلق محذوف، والتقدير: \"باسم الله أرقيك، هو يبريك\" ليوافق الرواية الأولى. ويحتمل غير ذلك.\nوقد تقدم في الفصل الثالث دعاء النبي - ﵌ - عند النوم: \"اللهم باسمك أحيا، وباسمك أموت\" (^١).\nوتقدم أن المراد بالحياة والموت فيه: اليقظة والنوم، ومعنى الباء المصاحبة، على ما قدمناه، أي: ذاكرًا اسمك أُتِمّ يقظتي، وذاكرًا اسمك أنام، أي: أذكر اسمك لكل ما يهمني في يقظتي ونومي.\nوفي حديث آخر: \"باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه\" (^٢). والمعنى أيضًا: ذاكرًا اسمَك ربِّي وضعتُ جنبي.\nوأما قوله: \"وبك أرفعه\" فالمعنى ــ والله أعلم ــ: وبمشيئتك أرفعه.\nوقد جاء في رواية: \"بك وضعت جنبي\" وهو من تصرف الرواة.\nوبقيت أحاديث غير هذه، فينبغي أن يفسَّر كلٌّ منها بما هو الظاهر فيه، ولا ملجئ إلى تكلف جعل الجميع على وتيرة واحدة.\n_________\n(^١) سبق في (ص ٣٧).\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الدعوات، بعد باب التعوذ والقراءة عند المنام (٦٣٢٠) ومسلم في كتاب الذكر والدعاء، باب ما يقول عند النوم (٢٧١٤) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"7","page":52},{"text":"مهمة\nجاء من حديث عائشة وغيرها فيمن نسي أن يسمِّي أول طعامه أنه ينبغي له أن يقول حين يذكر: \"باسم الله أوله وآخره\" (^١).\nولم أر من تعرض لتوجيهه، والذي يظهر لي أن \"بسم الله\" على أصلها، والمعنى: ذاكرًا اسم الله آكل. وقوله: \"أوله وآخره\" ظرف، والتقدير: أقولها أوله وآخره، أي: قضاءً لقولها أوله، وأداءً لقولها آخره. والله أعلم.\n_________\n(^١) حديث عائشة أخرجه الترمذي (١٩٢٠) وأبو داود (٣٧٦٧) وابن ماجه (٣٢٦٤) كلهم في كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.","vol":"7","page":53},{"text":"[٤٩/ب]<span data-type=\"title\" id=toc-22> الفصل الثامن\n﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾</span>\nهما اسمان مشتقان من الرحمة، وقد كثر الكلام فيهما، والذي يتلخص لي أنهما اسمان مشتقان من الرحمة، يدلَّان على المبالغة، إلا أن \"الرحمن\" اشتق من (رحم) معتبرًا فيه اللزوم، حملًا له على ضدِّه: \"خشي\".\nقال سيبويه: وأما خشيتُه، فأنا خاشٍ، والقياس خشٍ، فالأصل أيضًا: خشيت منه، فحمل على رحِمْتُه، حملَ الضدِّ على الضدِّ. ولهذا جاء الفاعل منه على خاشٍ والقياس: خشٍ، لأن قياس صفة اللازم من هذا الباب \"فَعِل\". وكذا كان قياس مصدره \"خَشىً\"، فقيل: خشية، حملًا على رحمة (^١).\nأقول: وقد عرف من عادتهم أنهم إذا حملوا لفظًا على آخر في شيء عادوا فحملوا الآخر عليه في شيء آخر. فلما حملوا \"خشي\" على \"رحم\" في تعديته بنفسه، وفي صيغة الصفة منه، والمصدر = عادوا فحملوا \"رحم\" على \"خشي\" في اعتباراته كأنه لازم حتى اشتقوا منه صيغة فعلان، فقالوا: رحمان، كما قالوا: رجل خشيان. ولا يلزم من حمل اللفظ على اللفظ حمله عليه في كل شيء.\n_________\n(^١) هذا النص منقول من \"شرح شافية ابن الحاجب\" للرضي (١/ ٧٣).\nولفظ سيبويه في \"كتابه\" (٤/ ١٩): \"وقالوا: خشيتُه خَشْيةً وهو خاشٍ، كما قالوا: رحِمَ وهو راحِم، فلم يجيئوا باللفظ كلفظ ما معناه كمعناه، ولكن جاؤوا بالمصدر والاسم على ما بناءُ فعله كبناء فعله\".","vol":"7","page":54},{"text":"هذا، وصيغة \"فعلان\" فيها مبالغة، فإن من مواقعها عندهم أن تكون من\nالمواد التي تدل على الامتلاء، مثل شبعان، وريّان. ثم قد يعتبرون الامتلاء المعنوي، فتجيء المبالغة، وذلك في قولهم: غضبان، وقد قالوا: غضب كفرح. ومن قواعدهم أن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى، فغضبان أبلغ من غَضِب.\nوقال الصغاني: \"امرأة خشيانة: تخشى كل شيء\" (^١). وذاك هو المبالغة.\n_________\n(^١) \"التكملة والذيل والصلة\" (٦/ ٤٠٨).","vol":"7","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>فصول ملحقة </span>(^١)\n[ل ٥٥/أ] فصل\n[تعجرُف المشركين في اسم \"الرحمن\"]\nوقع من مشركي قريش تعجرُفٌ في شأن الاسم الكريم \"الرحمن\". قال الله ﵎: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠].\nأخرج ابنُ جرير وغيره (^٢) عن ابن عباس قال: صلَّى [رسولُ] (^٣) الله - ﵌ - بمكة ذات يوم، فدعا الله تعالى، فقال في دعائه: يا اللهُ، يا رحمنُ، فقال المشركون: انظروا إلى هذا الصابئ! ينهانا أن ندعو إلهين، وهو يدعو إلهين!\nوفي \"الصحيحين\" وغيرهما (^٤) عنه قال: نزلت ورسول الله - ﵌ - مختفٍ بمكة، فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن. فإذا سمع ذلك\n_________\n(^١) الفصول الآتية مأخوذة من مسودة أخرى للمصنف في تفسير البسملة. انظر: مقدمة التحقيق.\n(^٢) عزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٩/ ٤٦١) إلى ابن جرير وابن مردويه. والمصنف صادر عن \"روح المعاني\" (٨/ ١٨٠). وانظر \"تفسير الطبري\" (١٥/ ١٢٣).\n(^٣) زيادة لازمة.\n(^٤) البخاري (٤٧٢٢)، ومسلم (٤٤٦).","vol":"7","page":56},{"text":"المشركون\nسبُّوا القرآن، ومَن أنزله، ومَنْ جاء به. فقال الله لنبيه - ﵌ -: ﴿وَلَا تَجْهَرْ﴾.\nوفي بعض الآثار: كان النبي - ﵌ - يرفع صوته ببسم الله الرحمن الرحيم، وكان مسيلمة قد تسمَّى الرحمنَ، فكان المشركون إذا سمعوا ذلك من النبي - ﵌ - قالوا: قد ذكر مسيلمة [إله اليمامة، ثم عارضوه بالمكاء والتصدية والصفير، فأنزل الله تعالى هذه الآية] (^١) أخرجه ابن أبي شيبة كما في \"روح المعاني\" (^٢).\nوقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠].\nفي \"روح المعاني\" (٤/ ١٨٥) (^٣): \"وعن قتادة وابن جريج [ومقاتل أن الآية نزلت في مشركي مكة لما رأوا كتاب الصلح يوم الحديبية. وقد كتب فيه عليٌّ كرَّم الله تعالى وجهه: \"بسم الله الرحمن الرحيم\"، فقال سهيل بن عمرو: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة] (^٤).\n_________\n(^١) ما بين الحاصرتين مكانه في الأصل نقاط، ولعل المصنف أجَّل تكملة كتابة الأثر لحين التبييض.\n(^٢) \"روح المعاني\" (٨/ ١٨٣). وقد أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" عن سعيد (١٨٨٤).\n(^٣) طبعة دار الكتب العلمية (٧/ ١٤٥).\n(^٤) ترك المصنف هنا بياضًا في الأصل فأكملناه من مصدره. وانظر الأثر في \"تفسير البغوي\" (٢/ ٥٣١).","vol":"7","page":57},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٦].\nوفي \"روح المعاني\" (٥/ ٣٥٨) (^١): \"وقيل: المراد بذكر الرحمن: ذكرُه - ﷺ - هذا اللفظَ وإطلاقه عليه، والمراد بكفرهم به قولهم: ما نعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة ... \".\nوفي \"صحيح البخاري\" في كتاب الشروط ــ باب الشروط في الجهاد إلخ (^٢): \" ... فدعا النبي - ﷺ - الكاتب، فقال النبي - ﷺ -: \"اكتب بسم الله الرحمن الرحيم\" فقال سهيل (أي ابن عمرو، وكان يومئذ مشركًا، وهو سفير المشركين للصلح): أما الرحمن فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب: باسمك اللهم، كما كنت تكتب .... \".\nوقد أشكل وجهُ هذا التعجرف، فقيل: إن القوم لم يكونوا يعرفون هذه الكلمة لا عَلمًا ولا وصفًا.\nوهذا مردود بأمور:\nالأول: أنَّ الله ﷿ قد أخبر عنهم بقوله في شأن عبادتهم الملائكة: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]. كما أخبر عنهم بقوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾\n_________\n(^١) طبعة العلمية (٩/ ٤٦).\n(^٢) برقمي (٢٧٣١، ٢٧٣٢).","vol":"7","page":58},{"text":"[الأنعام: ١٤٨] (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦].\nوفي \"صحيح مسلم\" وغيره (^٢) في قصة غزوة ذي قَرَد: أنَّ عبد الرحمن الفزاري أغار على إبل النبي - ﵌ -، وأنَّه قتَل بعضَ الفرسان من الصحابة، ثم قتله أبو قتادة. فهذا الرجل كان مشركًا، والغالب أن يكون ولد قبل المبعث ثم قُتل مشركًا.\n[ل ٥٥/ب] قال ابن جرير (^٣): وقد أُنشِد لبعض الجاهلية الجهلاء (^٤):\nألا ضربت تلك الفتاةُ هجينَها ... ألا قضَب الرحمنُ ربِّي يمينَها\nقال: وقال سلامة بن جَندل الطُّهَوي (^٥):\nعجِلتم علينا عجلتَينا عليكم ... وما يشأ الرحمنُ يعقِدْ ويُطلق\nالثاني: أنَّ النبي - ﵌ - لا يجوز أن يخاطبهم بما لا يعرفون بنحو:\n_________\n(^١) تخريج الآية من المصنف.\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (١٨٠٧) وأخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" (١٦٥١٨) وأبو داود (٢٧٥٤) وابن حبان (٧١٧٣) وغيرهم. وانظر: \"مفردات القرآن\" للفراهي (١٨٧).\n(^٣) في \"تفسيره\" (١/ ١٣١).\n(^٤) البيت للشنفرى. انظر: \"الاشتقاق\" لابن دريد (٥٩) وروايته في \"ديوانه\" (٤٠) خالية من الشاهد.\n(^٥) انظر: \"ديوانه\" (١٨٤) و\"الأصمعيات\" (١٥٢). وانظر شواهد أخرى في \"مفردات القرآن\" للفراهي (١٨٦ ــ ١٨٩).","vol":"7","page":59},{"text":"﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٠].\nالثالث: أنَّ الله تعالى ذمَّهم على قولهم: \"وما الرحمن\". ولو كانوا غير عارفين معناه ما استحقُّوا الذمَّ.\nوقال الأكثر: إنَّ تعجرفهم من تعنُّتهم. وهذا هو الظاهر، ولكنه يحتاج إلى بيان.\nفأقول: قد أخبر الله ﵎ عنهم بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]. فبان بهذا أنَّ القوم لم يكونوا يراعون في معارضة النبي - ﵌ - الإنصافَ ولا ما يقرب منه، بل إن تيسَّرت لهم شبهة قد ينخدع بها من لم يسمع كلام النبي - ﵌ - بتمامه طاروا بها فرحًا، ورقصوا لها طربًا. وإن لم يتيسَّر لهم ذلك تشبثوا بمغالطة يعرفون بطلانها كأن يحملوا كلامه على ما يعرفون أنه غير مراده، ثم يلغَون بذلك، ويشنِّعون به، ويبنُون عليه.\nوكان يلذُّ لهم ذلك لعلمهم أنَّ ذلك يُحزن النبي - ﵌ - حتى يكاد يبخَع نفسَه ــ بأبي هو وأمي ــ لأنَّ الناصح الشفيق لا يُحزنه أن يعارضه المنصوح بشبهة قد يظنها المنصوح حقًّا، كما يُحزنه أن يشغب عليه بمغالطة يعرف الشاغبُ نفسه بطلانها، ولاسيما إذا نسب إلى الناصح ما ينافي نصحه، ولكن القوم ــ كما هو متواتر عنهم ــ لم يبلغوا في الوقاحة إلى درجة المكابرة المكشوفة أو الكذب المكشوف.\nإذا تقرر هذا، فالظاهر أنَّ بعض سفهائهم سمع النبي - ﷺ - يقول: \"يا الله،\nيا رحمن\"، كما في الأثر السابق أو نحو ذلك، فأوحى الشيطان إلى ذلك","vol":"7","page":60},{"text":"السفيه أن يشغب بأنَّ معنى ما سمعه من النبي - ﷺ - إنما هو إثباتُ أنَّ الرحمن إله آخر غيرُ الله ﷿، فأخذها منه السفهاء ولَغَوا بها. وأكثرهم يعلم حقيقة الحال، ولكنَّ مقصودَهم الغلَبُ بأيِّ وجه كان، كما أخبر الله تعالى عنهم لما قيل لهم: ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ بنوا على ذلك الشغب المتقدم، فقالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ زاعمين أنه قد عُرِف عن النبي - ﵌ - أنه يعني بالرحمن إلهًا غير الله، وأنهم لا يدرون ما ذلك الإله. ثم صاروا يشغبون ويستهزئون كلَّما سمعوا من النبي - ﵌ - كلمة \"الرحمن\" زاعمين أنه قد عُرِف عنه أنه يعني بها غير الله.\nوكان مما يغيظهم من هذا الاسم وقوعُه في البسملة المخالفة لتسميتهم. فإنهم كانوا يقولون في أوائل كتبهم ونحوها: \"باسمك اللهم\"، فخالفهم النبي - ﵌ -، وقال: \"بسم الله الرحمن الرحيم\"، فيقولون في أنفسهم: إنَّ هذا الرجل إنما يريد خلافنا، هَبْه اضطُرَّ إلى مخالفتنا في عبادة غير الله تعالى لأنه يراها باطلًا، فما باله يخالفنا في هذه الكلمة التي مضى عليها سلفُنا، وليس في معناها شيء ينكره محمد، وهي: \"باسمك اللهم\"! فمخالفته لنا ولسلفنا فيها دليل ظاهر على أنه يحبُّ خلافَنا وهدمَ كلِّ ما نحن عليه، وإن كان يعلم أنه حقٌّ.\nوهذه شبهة من شبههم تؤثِّر على من لم يكثُر منهم سماعُ القرآن أو سماعُ كلام النبي - ﵌ -. فأمر الله ﵎ رسوله أن لا يجهر في صلاته بأصحابه بقراءته، ولاسيما ما كان فيه ذكرُ الرحمن، ولاسيما البسملة التي يشتدُّ إنكار المشركين بها. وذلك لئلا يسمعوه، فيلغَوا، وينغِّصوا عليه وعلى أصحابه صلاتهم.","vol":"7","page":61},{"text":"ويظهر أنَّ هذا أصلُ مشروعية الإسرار بالبسملة في الصلاة، بقيتْ على رأي من يقول بذلك، كما بقي الرمل والاضطباع في الطواف وغيره من الأعمال التي شُرعت لمعنًى، ثم زال ذلك المعنى، وبقيت لحِكَمٍ أخرى، منها: تذكير المسلمين بما كان عليه أول هذا الدين.\n[ل ٥٦/أ] وأما ما في \"الصحيح\" من كلام سهيل بن عمرو، فقد اختلفت الروايات في حكاية قوله. والذي عند ابن إسحاق عن الزهري في هذه القصة: \"ثم دعا رسول الله - ﵌ - علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، فقال: اكتب \"بسم الله الرحمن الرحيم\". قال: فقال سهيل: لا أعرف هذا. ولكن اكتب \"باسمك اللهم\" (^١).\nفظاهر هذا مع ما تقدَّم أنَّ سهيلًا إنما أنكر البسملة لمخالفتها ما مضوا عليه من قولهم: \"باسمك اللهم\". وقوله: \"لا أعرف هذا\" يعني أنَّ السنة التي نعرفها هي: \"باسمك اللهم\". و\"بسم الله الرحمن الرحيم\" غير معروفة عندهم، أي غير معروف الابتداء بها.\nفأما ما وقع في \"الصحيح\" من قوله: \"أما الرحمن فوالله ما أدري ما هي\" (^٢) ربما يكون من الرواية بالمعنى، كأنَّ بعض الرواة فهم أنَّ إنكار سهيل\n_________\n(^١) \"سيرة ابن هشام\" (٢/ ٣١٧). وقد وضع المصنف تخرجة بعد كلمة \"هذا\" وكتب في الحاشية: \"وصله في مسند أحمد (٤/ ٣٢٥) \". وهو برقم (١٨٩١٠) في طبعة الرسالة. أخرجه من طريق يزيد بن هارون عن ابن إسحاق عن الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم.\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٣١).","vol":"7","page":62},{"text":"لـ \"بسم الله الرحمن الرحيم\" إنما هو لما عُرِف عنهم من الشغب في هذا الاسم الشريف \"الرحمن\".\nويحتمل أن يكون من إطلاق الجزء وإرادة الكل. أُطلق \"الرحمن\"، وأُريد البسملة كلها. وقد يشهد له قوله: \"ما هي\" كما في أكثر روايات \"الصحيح\" وأوثقها.\nوما وقع في بعض الروايات \"ما هو\" من تصرُّف الرواة (^١). ظنَّ أنَّ الضمير [عائد] على الاسم \"الرحمن\" بمعناه الحقيقي.\nوالحديث في \"الصحيح\" من رواية عبد الله بن محمد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري. وقد رواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق، فوقع في نسخة المسند المطبوعة (٤/ ٣٣٠) (^٢): \"فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو. وقال ابن المبارك: ما هو\". كذا، والظاهر أن الأولى: \"ما هي\". وهي [رواية] (^٣) عبد الرزاق عن معمر. وتكون رواية ابن المبارك عن معمر: \"ما هو\". ورواية عبد الرزاق أثبت؛ لأنه لزم معمرًا، وسمع من كتبه. وسماعُ [ابن] (^٤) المبارك من معمر كان من حفظه كما يعرف من ترجمة معمر.\nوقوله: \"فوالله لا أدري ما هي\" ــ يريد والله أعلم البسملة ــ محملُه: أنه لا يدري أينبغي أن يصدَّر بها الكتب أم لا، أو أحقٌّ هي أم باطل.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٥٠٢).\n(^٢) وكذا في طبعة مؤسسة الرسالة (٣١/ ٢٤٩) برقم (١٨٩٢٨).\n(^٣) زيادة لازمة.\n(^٤) ساقط من الأصل.","vol":"7","page":63},{"text":"وبالجملة، فالظاهر أنَّ سهيلًا إنما أنكر البسملة، والله أعلم.\nوأما ما في بعض الآثار أنهم كانوا يقولون: لا نعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة (^١)، فإن صحَّ فمرادهم: لا نعرف الرحمن الذي هو غير الله.\n_________\n(^١) رُوي ذلك عن مجاهد عند ابن المنذر ــ كما في \"الدر المنثور\" (٩/ ٥١٤ - ٥١٥) ــ، وعن عطاء عند ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٨/ ٢٧١٥).","vol":"7","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>فصل\n[اختصاص \"الرحمن\" بالله ﵎]</span>\nاشتهر بين أهل العلم أنَّ \"الرحمن\" مختصٌّ بالله ﵎، فاعتُرض بإطلاق أهل اليمامة على مسيلمة، فأجيب بأنَّ ذاك من تعنُّتهم في كفرهم، فتوهَّم بعضُ الناس أنَّ معنى الاختصاص أنَّ الله تعالى منع بقدرته التسمِّيَ فلا يستطاع أن يسمَّى به غيرُه، كما قيل به في \"الله\".\nوتوهَّم غيرُه أنَّ المعنى أنه لم يُطلَق في لغة العرب على غيره، فاعترضوا ذاك الجواب وطوَّلوا. وإنما معنى الاختصاص ما قاله ابن جرير (^١): \"لله جلَّ ذِكرُه أسماءٌ قد حرَّم على خلقه أن يتسمَّوا بها، خصَّ بها نفسه دونهم، وذلك مثل الله والرحمن والخالق. وأسماءٌ أباح لهم أن يسمِّي بعضهم بعضًا بها، وذلك كالرحيم والسميع والبصير ... \".\nوقد كان ذلك محرَّمًا قبل بعثة محمد - ﵌ - بما قام على الناس من الحجة وبلغهم من شرائع الأنبياء من وجوب تعظيم الربِّ ﷿ والتأدُّب مع أسمائه وصفاته. فقد علم أهل اليمامة أنَّ \"الرحمن\" اسم لله ﷿، وأنه لم يتسمَّ به غيرُه ممن سبق، فصار بذلك مختصًّا به. فإقدامُهم مع ذلك على التسمية به مخالفٌ لما قامت عليهم الحجةُ به من وجوب تعظيم الله ﷿. فذاك معنى التعنُّت في كفرهم.\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (١/ ١٣٣).","vol":"7","page":65},{"text":"وأما المنع، فقال ابن جرير (^١): \" ... ثم ثنَّى باسمه الذي هو الرحمن، إذ كان قد منع أيضًا خلقَه التسمِّي به ... \".\n_________\n(^١) المصدر السابق.","vol":"7","page":66},{"text":"[ل ٥٦/ب]<span data-type=\"title\" id=toc-26> الرحمة</span>\nالعرب بلسانها وفطرتها تعرف معنى الرحمة، وتصف بها الخالق ﷿ مع علمها بأنه سبحانه ليس من جنس البشر ولا غيرهم من الخلق. وجاء الكتاب والسنة مملوئين بوصف الرب تعالى بالرحمة. وجاء أول كتابه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وسمَّى نفسه: الرحمن، الرحيم، الرؤوف، أرحم الراحمين.\nولم يشتبه معنى ذلك على أحد من العرب، ولا شكَّ فيه أو تأوَّله أحد من الصحابة والتابعين، فثبت أنَّ وصفَ الله ﵎ بالرحمة على ما يفهمه الناس بفِطَرهم حتى لا يجوز أن يرتاب فيه مؤمن بالله وكتبه ورسوله.\nولكن كثيرًا من الناس أبوا ذلك، وقالوا: \"الرحمة\" لغةً: رقَّة القلب، كما فسَّرها بذلك أهل اللغة، وهذا مستحيل في حقِّ الله ﵎. والمتكلمون يعرِّفونها تعريفًا يُعلم منه أنها مستحيلة في حق الله ﵎، فلابد من تأويل الرحمة إذا وُصِف بها الرب ﷿ بالإحسان أو إرادته.\nفيقال لهم: أما تفسيرها برقة القلب فهو تفسير غير محقَّق، وإنما رقة القلب كناية عن الرحمة. وإنما فسَّرها بذلك المتكلِّفون من أهل اللغة وغيرهم، فإنَّ معنى الرحمة أظهر من أن يحتاج إلى تفسير. ولذلك لم يتعرَّضْ لها الأوائل كابن جرير وغيره. وهذه الألفاظ الواضحة المعنى إذا تكلَّف الإنسان تفسيرَها وقع غالبًا في التخليط؛ على أننا نعلم أنَّ أهلَ اللغة ولاسيما المتأخرين منهم يتسامحون كثيرًا في تفسير الألفاظ.","vol":"7","page":67},{"text":"ونحن نجد من بقي على الفطرة من العرب يصفون الرجل بالرحمة مع ذهولهم عن القلب ورقَّته، ويصفون الربَّ ﷿ بالرحمة ولا يتصورون له قلبًا ولا رقَّةَ قلب.\nوأما تفسير المتكلمين إياها، فينظر فيه، فإن كان ظاهر الاختصاص بالمخلوق فهو تفسير لرحمة المخلوق فقط. والمعنى المطلق إذا فُسِّر باعتبار تقيُّده كان التفسير مقيَّدًا. ولا ينافي ذلك ثبوتَ الرحمة لله ﷿ بغير ذاك التفسير المقيَّد. وإن كان تفسيرًا مطابقًا للرحمة المطلقة على الحقيقة فلابد أن يكون ثابتًا لله ﵎.\nوأما تأويلكم إياها بالإحسان أو إرادته، فمردودٌ عليكم. فإننا نعلم أنَّ العرب الذي سمعوا القرآنَ وصحبوا النبيَّ - ﵌ - كانوا يفهمون من رحمة الله ﷿ معنًى وراء ذلك. فإن قلتم: وما هو؟ قلنا: هو الرحمة.\nفإن قلتم: وما هي الرحمة؟ قلنا: إن كنتم تعرفون العربية حقَّ معرفتها، فسؤالُكم تعنُّت؛ وإلا فأخبرونا: أيَّ لسانٍ تتقنونه حتى ننظر من يترجم لكم به!\nفإن قلتم: نحن نعرف اللسان المنطقي الذي يفسِّر بالحدِّ المبني على الجنس والفصل، كقولنا في الإنسان: حيوان ناطق.\nقلنا: قولكم هذا رأس مالكم في الحدود، وليس هو عندكم حدًّا صحيحًا، وقد ملأتم الكتب بالاعتراضات عليه والأجوبة! ومع ذلك فهو بألفاظ عربية، والعربي يفهم المقصود بالإنسان أوضحَ مما يُفهِم قولُكم: \"حيوان ناطق\".","vol":"7","page":68},{"text":"فكذلك الرحمة المطلقة، لو حاولنا أن نحُدَّها بمنطقكم فقد لا يتأتَّى، وإن تأتَّى فقد يحتمل المناقشات. ولو سلِمَ لكان أخفى في الدلالة على المعنى من لفظ الرحمة!\nوأنتم تسمُّون الحدَّ: \"القول الشارح\"، والشرح إنما يُحتاج إليه فيما ليس بالواضح، وإنما يكون بأوضح من المشروح، ومعنى الرحمة بيِّن بنفسه.\nفإن أبيتم وقلتم: قلوبُنا غُلْف عن فهم الرحمة حتى تحدُّوها لنا حدًّا منطقيًّا. قلنا: فدعوها لأهلها، وهم المؤمنون بها!\nوهذا آخر الكلام معكم هنا. والله المستعان.","vol":"7","page":69},{"text":"مسألة\nاختلف الناس في البسملة، فقال بعضهم: هي آية من الفاتحة. وقال بعضهم: ليست من نفس السورة، وإنما هي آية نزلت للفصل بين السور.\nوتفصيلُ الأقوال وحججها (^١) وبيانُ الراجح منها، له موضع آخر. وإنما أذكر هنا الحجج التي من نفس النظم الكريم، فأقول:\nمما احتج به النفاة على أنها ليست آية من الفاتحة بأنها لو كانت منها لكان الظاهر أن يقال: \"والحمد لله رب العالمين\" بالعطف؛ وبأن فيها \"الرحمن الرحيم\"، ثم جاء هذان الاسمان في الفاتحة. ومثل هذا التكرار إنما يقع في السورة الواحدة بعد فصلٍ بكلام تكون فيه مناسبة لذلك.\nفأما الحجة الأولى فليست بقائمة؛ لأنَّ للوصل شروطًا لم تجتمع هنا، واذكر قول الله ﷿: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المؤمن: ٦٥] (^٢)، وقوله فيما أخبر به من دعاء إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي﴾ الآية [سورة إبراهيم: ٣٨ ــ ٣٩] (^٣)، وقوله تعالى فيما أخبر به عن بلقيس: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٢٩ ــ ٣١].\n_________\n(^١) في الأصل: \"حجاجها\"، وكذلك فيما بعد: \"الحجاج التي\". وهو من سبق القلم.\n(^٢) تخريج الآية من المصنف. والمقصود سورة غافر، وكذا اسمها في المصاحف الهندية.\n(^٣) هذا التخريج أيضًا من المصنف.","vol":"7","page":70},{"text":"وأما الحجة الثانية، فإن ابن جرير مع أنه يرى أن البسملة ليست من الفاتحة حكاها متبرِّئًا منها (^١). وهي أيضًا غير سديدة، إذ قد يقال: إن الاسمين الكريمين ذُكِرا في البسملة تقريرًا لاستحقاق الله ﷿ البداءةَ باسمه، وإشارةً إلى حصول مطالب المبتدئ التي تقدمت الإشارة إليها. وذُكرا بعد الحمد لما يأتي.\nوقد حكى ابن جرير عن المحتجين أنهم يزعمون أن أصل التركيب: الحمد لله الرحمن الرحيم رب العالمين، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله (^٢). ولو صح لما أفادهم؛ لأن الاسمين الكريمين بعد الحمد لله على كل حال.\n_________\n(^١) \"تفسير الطبري\" (١/ ١٤٦).\n(^٢) انظر ما يأتي في تفسير سورة الفاتحة (ص ٩٣).","vol":"7","page":71}]}