{"ً":{"ٌ":372,"ٍ":"تفسير سورة الفاتحة - ضمن «آثار المعلمي»","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/moalemee/07_137187s.pdf"]},"ّ":"الكتاب: تفسير سورة الفاتحة\n[آثار عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (٧)]\nالمؤلف: عبد الرحمن بن يحيى المُعَلِّمي اليماني (١٣١٣ - ١٣٨٦ هـ)\nالمحقق: محمد أجمل الإصلاحي\nراجعه: عبد الرزاق بن موسى أبو البصل - علي بن محمد العمران\nالناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٤ هـ\nقدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":178,"ٕ":3,"ٖ":1780758584,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["7"],"ٚ":[{"title":"﴿الحمد لله﴾","level":1,"page":2},{"title":"استشكال ثبوت «قل» في أول الإخلاص والمعوذتين","level":2,"page":2},{"title":"الألف واللام في «الحمد»","level":2,"page":3},{"title":"معنى الحمد","level":2,"page":4},{"title":"اللام في «لله» للاستحقاق","level":2,"page":6},{"title":"﴿رب العالمين﴾","level":1,"page":6},{"title":"معنى «الرب»","level":2,"page":6},{"title":"معنى «العالمين»","level":2,"page":7},{"title":"إشكالات في الثناء على المخلوق، والجواب عنها","level":2,"page":7},{"title":"﴿رب العالمين﴾ رد على المشركين الزاعمين أن لمعبوداتهم تدبيرا غيبيا فوضه الله تعالى إليها","level":2,"page":15},{"title":"﴿الرحمن الرحيم﴾","level":1,"page":19},{"title":"﴿مالك يوم الدين﴾","level":1,"page":21},{"title":"من فوائد هذه الصفة","level":2,"page":21},{"title":"تحقيق معنى «العبادة»","level":2,"page":23},{"title":"أمور يجب استحضارها","level":2,"page":30},{"title":"﴿وإياك نستعين﴾","level":1,"page":37},{"title":"﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾","level":1,"page":40},{"title":"معنى الهداية ووجوهها","level":2,"page":41},{"title":"الصراط المستقيم","level":2,"page":44},{"title":"إعراب «صراط الذين»","level":2,"page":48},{"title":"من المنعم عليهم؟","level":2,"page":49},{"title":"﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾","level":1,"page":51},{"title":"مسألة: صفة الغضب لله","level":2,"page":56}],"ٛ":{"7,73":1,"7,75":2,"7,76":3,"7,77":4,"7,78":5,"7,79":6,"7,80":7,"7,81":8,"7,82":9,"7,83":10,"7,84":11,"7,85":12,"7,86":13,"7,87":14,"7,88":15,"7,89":16,"7,90":17,"7,91":18,"7,92":19,"7,93":20,"7,94":21,"7,95":22,"7,96":23,"7,97":24,"7,98":25,"7,99":26,"7,100":27,"7,101":28,"7,102":29,"7,103":30,"7,104":31,"7,105":32,"7,106":33,"7,107":34,"7,108":35,"7,109":36,"7,110":37,"7,111":38,"7,112":39,"7,113":40,"7,114":41,"7,115":42,"7,116":43,"7,117":44,"7,118":45,"7,119":46,"7,120":47,"7,121":48,"7,122":49,"7,123":50,"7,124":51,"7,125":52,"7,126":53,"7,127":54,"7,128":55,"7,129":56,"7,130":57},"ٜ":{"7":[73,130]},"ٝ":["7,73","7,75","7,76","7,77","7,78","7,79","7,80","7,81","7,82","7,83","7,84","7,85","7,86","7,87","7,88","7,89","7,90","7,91","7,92","7,93","7,94","7,95","7,96","7,97","7,98","7,99","7,100","7,101","7,102","7,103","7,104","7,105","7,106","7,107","7,108","7,109","7,110","7,111","7,112","7,113","7,114","7,115","7,116","7,117","7,118","7,119","7,120","7,121","7,122","7,123","7,124","7,125","7,126","7,127","7,128","7,129","7,130"],"ٞ":{"2":[1,2],"3":[3],"4":[4],"6":[5,6,7],"7":[8,9],"15":[10],"19":[11],"21":[12,13],"23":[14],"30":[15],"37":[16],"40":[17],"41":[18],"44":[19],"48":[20],"49":[21],"51":[22],"56":[23]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الرسالة الثانية\nفي تفسير سورة الفاتحة","vol":"7","page":73},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\" [ل ٥٧/أ] <span data-type=\"title\" id=toc-1>﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾</span>\n\nذكر ابن جرير وغيره (^١) أن هذا تعليم من الله تعالى لعباده، فكأنه قيل: قولوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. فعلى المسلم إذا تلا الفاتحة أن يستحضر أنه مع تلاوته كلامَ الله ﷿ متكلمٌ عن نفسه، كما علَّم اللهُ نبيَّه بقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، فكان - ﵌ - يقول: \"رب زدني علمًا\" (^٢). وينوي بضمير المتكلم نفسه. وإذا قالها غيره نوى بضمير المتكلم نفسه.\nولا خلاف بين أهل العلم في هذا. وإنما استشكل بعضهم ثبوت كلمة \"قل\" في أول الإخلاص والمعوِّذتين في القراءات المتواترة، إذ قد جاء عن بعض الصحابة تركُها، فكانوا يقرؤون: \"بسم الله الرحمن الرحيم، هو الله أحد\" (^٣).\nوأجاب الماتريدي بأنَّ \"قل\" في ذلك أمرٌ لكل أحد (^٤)، وعلى هذا فينبغي للتالي أن يستحضر أن كلمة \"قل\" أمرٌ من الله ﷿ له بقول ما يأتي، ثم يقول: \"أعوذ برب الفلق\" إلى آخرها عن نفسه.\n_________\n(^١) \"تفسير الطبري\" ــ شاكر (١/ ١٣٩). وانظر: \"معاني القرآن\" للنحاس (١/ ٢٣)، و\"تفسير البغوي\" (١/ ٤) و\"القرطبي\" (١/ ٢٠٩).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢٥١) والترمذي (٣٥٩٩) من حديث أبي هريرة.\n(^٣) انظر ما سبق في أول رسالة البسملة.\n(^٤) ومصدر المؤلف: \"روح المعاني\" للآلوسي (١٥/ ٥١١).","vol":"7","page":75},{"text":"وقيل: بل ينبغي أن يستحضر أنه مأمور بأن يقول: \"قل أعوذ\" أي قل\nلنفسك: قل. فيستحضر بقوله: \"قل\" أنه يأمر نفسه (^١).\nوهذا بعيد، والأول هو الظاهر. ويؤيده ما صحّ عن أُبي بن كعب أنه سُئل عن المعوذتين، فقال: \"سألت النبي - ﵌ - فقال: \"قيل لي، فقلت\". فنحن نقول كما قال رسول الله - ﷺ - \". كذا أخرجه البخاري في تفسير سورة الفلق (^٢). وقد أخرجه الإمام أحمد وغيره (^٣). وفي بعض الروايات: \"قيل لي: قل، فقلت، فقولوا. فنحن نقول\" إلخ (^٤).\nوواضح أن التقدير: \"قيل لي: قل أعوذ إلخ، فقلت: أعوذ إلخ، فقولوا، أي فليقل كل أحد منكم: أعوذ إلخ. والجمع بين هذا وبين قراءة \"قل\" هو ما قدَّمت، والله أعلم. فأما الفاتحة، فلا إشكال فيها.\n\nقال ابن جرير (^٥): \"لدخول<span data-type=\"title\" id=toc-3> الألف واللام في \"الحمد</span>\" معنًى لا يؤديه قول القائل: \"حمدًا\" بإسقاط الألف واللام. وذلك أن دخولها (^٦) في \"الحمد\" مبني على (^٧) أن معناه: جميع المحامد\".\n_________\n(^١) \"روح المعاني\" (١٥/ ٥١١).\n(^٢) برقم (٤٩٧٧)\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" (٢١١٨٩) والنسائي في \"الكبرى\" (١١٦٥٣) وابن حبان (٤٤٢٩) وغيرهم.\n(^٤) \"الدر المنثور\" (١٥/ ٧٨٤) والمصنف صادر عن \"روح المعاني\" (١٥/ ٥١٧).\n(^٥) في \"تفسيره\" ــ شاكر (١/ ١٣٨).\n(^٦) في الأصل: \"دخولهم\" سبق القلم.\n(^٧) كذا في مطبوعة التفسير التي كانت بين يدي المصنف. والصواب: \"منبئ عن\" كما أثبته الأستاذ محمود شاكر.","vol":"7","page":76},{"text":"وهذا معنى ما يقوله النحاة وغيرهم أن \"أل\" للاستغراق وأنها هي التي يصلح محلَّها \"كُلّ\"، كما في قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، أي خُلِق كلُّ إنسان. ولذلك يصح الاستثناء من مدخولها (^١)، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ٢ ــ ٣].\nفالمعنى إذن: كلُّ حمدٍ. وقد روي عن ... (^٢).\nوالحمد: مصدر حمِد يحمَد. ويأتي في اللغة نفسيًّا وقوليًّا. أمَّا النفسي، فكقولك لمن أهدى إليك عسلًا: طعمتُ من عسلك، فحمدتُه؛ ولمن أعطاك دواءً: استعملتُ دواءك، فحمدتُه. وتقول: جالستُ فلانًا، فحمدته. وقال الراجز (^٣):\nعند الصباح يحمد القومُ السُّرَى\nوأهل اللغة يفسرون هذا بالرضا والموافقة ونحو ذلك، وذلك تقريب. ولم أظفر بكلمة تؤدي معناه، ولكني أقول: إن معنى \"حمدتُ العسل\": رضيتْه نفسي، واستلذَّتْه، واستطابته، واستجادته.\nثم في كل شيء بحسبه، إلا أنَّ هنا فرقًا لطيفًا، وهو أنّ الظاهر أن المزكوم إذا شَمَّ الوردَ الجيَّد فضَرَّه، والمريضَ إذا ذاق الطعامَ الجيِّدَ\n_________\n(^١) في الأصل: \"مدخولهم\"، سهو.\n(^٢) في الأصل بياض بقدر ثلاثة أسطر تقريبًا.\n(^٣) قال المفضل: إن أول من قال ذلك خالد بن الوليد. وذكر الخبر. انظر: \"مجمع الأمثال\" (٢/ ٣١٨) وذكر أبو عبيد أن المثل للأغلب العجلي. وقيل: للجليح الثعلبي. انظر: \"فصل المقال\" (٢٥٤، ٣٣٤). و\"ديوان الشماخ\" (٣٨٤).","vol":"7","page":77},{"text":"فتكرَّهه؛ لا يحسن به\nأن يقول: شممتُ الوردَ، فلم أحمده؛ ولا ذقت ذاك الطعام، فلم أحمده. فكأنه يشرط مع رضا النفس واستلذاذها واستطابتها واستجادتها أن يكون ذاك الشيء في نفسه أهلًا لذلك. فإذا انتفى أحد الأمرين لم يحسن أن يُطلق الحمدُ، فتدَّبرْ. فكأنَّك إذا قلت: طعمتُ من ذاك العسل، فحمدتُه؛ تقول: رضيته نفسي، واستطابته، وهو حقيق بالرضا والاستطابة عند النفوس السليمة.\nوأما القوليُّ، فمنهم من يفسِّره بالشكر وبالثناء وبالمدح. وأكثر المتأخرين يقول: إنه يوافق كلًّا من هذه في شيء، ويفارقه في شيء. وأطالوا في ذلك.\nوالذي نختاره أنَّ حمدَك لزيد مثلًا هو ثناؤك عليه (^١) بذكر صفة له أو فعل تحمده القلوب السليمة والعقول المستقيمة. فالحمد النفسي واللساني مرتبطان، وكأنَّ الأصل هو النفسي، والمراد هنا إن كان ما يشملهما فذاك، وإن كان أحدهما فالآخر لازم له، لأن المعتَدَّ به من الحمد القولي هو ما طابق النفسيَّ. فإذا كان النفسيُّ كلُّه لله لزم أن يكون القولي كذلك. والحمد النفسي قد عُبِّر عن الكثير منه بالقول، وباقيه معرض لذلك، فإذا كان القوليُّ كلُّه لله لزم أن يكون النفسيُّ كذلك.\nعلى أنه إن كان المرادُ القوليَّ، فالمراد به ما كان، وما يكون، وما يمكن أن يكون. فيدخل في ذلك ما هو مقدر من الحمد على ما لم يعلمه الخلق، ولو علموه لحمدوه رضًا وقولًا، والحمد المقدر بما لم يعلموه [ل ٣/ب]، ولو علموه لحمدوا به.\n_________\n(^١) في الأصل: \"عليك\"، سهو.","vol":"7","page":78},{"text":"وأيًّا ما كان، فإنه يستلزم الحمد الفعلي، وهو فعل يقوم في الدلالة على\nالحمد النفسي مقامَ الحمد القولي كالتعظيم. ويستلزم أيضًا الحمدَ الحاليَّ، وهو كون الشيء على حال تدل على الحمد. وما من موجود إلا وهو على حال تنبئ عن حمد الله تعالى. وقد قيل: إن هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]. وسيأتي تمام هذا إن شاء الله تعالى.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-5>اللام في ﴿لِلَّهِ﴾ للاستحقاق</span>، والجملة تفيد القصر، كما تقرر في علم المعاني. والتقدير: الحمد أي كل حمد أو جميع المحامد مستحَقٌّ لله دون غيره. وعبارة ابن جرير (^١): \" ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي الشكر خالصًا لله جل ثناؤه، دون سائر ما يُعبد من دونه، ودون كل ما يرى (لعله: برأ) (^٢) من خلقه\".\nوالحاصل أن الجملة مع إثباتها استحقاقَ الحمد لله ﷿ تنفي أن يكون لغيره دونه أو معه.\nثم أقام الله تعالى الحجة على ذلك بقوله:\n\n\" <span data-type=\"title\" id=toc-6>﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾</span>\nو\"الرَّبُّ\" هنا بمعنى المالك المدبِّر التدبيرَ التامَّ، لا كما يرى أحدنا شجرةً يغرسها أو سَخْلةً ينتجها، فإنَّ أحدنا عاجز عن تمام التربية، إذ لا يعلم بكل ما يصلح للتربية، ولا يقدر على كل ما يعلم. والله ﷿ هو اللطيف الخبير الملك القدير.\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (١/ ١٣٥).\n(^٢) هو الصواب، و\"يرى\" تصحيف.","vol":"7","page":79},{"text":"و\"العالمين\": جمع أو اسم جمع لِعالَم (^١). وجاء عن بعض السلف أنَّ المراد بهم الإنس، على أنَّ كل صنف منهم عالَم، وكل قَرْن منهم عالَم.\nوعن جماعة من السلف قالوا: الجنُّ والإنس، على نحو ما تقدَّم.\nوقال غيرهم: الجنّ والإنس والملائكة.\nوقال آخرون: بل كلُّ صنفٍ من أصناف الخلق.\nأخرج ابن جريرُ (^٢) عن ابن عباس قال: \"الحمد لله الذي له الخلقُ كلُّه: السماواتُ كلهن ومن فيهن، والأرض كلهن ومن فيهن، وما بينهنَّ مما يُعلَم ومما لا يُعلم\".\nوهذا هو الظاهر المناسب للسياق، كما لا يخفى.\nوإذ كان ﷾ هو ربَّ العالمين، فإنَّ كل حمد يقع في العالمين فهو ﷾ المستحقُّ له. فإذا كان مثلًا يُحمد العسلُ لحلاوتِه ونفعِه وغير ذلك، فالمستحقُّ للحمد هو الذي خلَقَه وهيَّأه وأقدرَه ويسَّرَه.\nوهاهنا إشكالان (^٣):\nالأول: أن يقال: قد أثنى الله ﵎ على بعض خلقه، وأمرهم بالثناء على بعضهم، وكان الأنبياءُ يثنون على بعض الخلق؛ فإذا كان لا\n_________\n(^١) \"روح المعاني\" (١/ ٨١).\n(^٢) في \"تفسيره\" (١/ ١٤٤) وانظر الأقوال السابقة فيه، وفي \"زاد المسير\" (١/ ١٢) وغيرهما.\n(^٣) وسيذكر إشكالًا ثالثًا ويجيب عنه.","vol":"7","page":80},{"text":"يستحقُّ شيئًا من الحمد إلا اللهُ ﷿ لزم أن يكون ذلك الثناءُ باطلًا؛ لأنه حمدٌ لمن\nلا يستحقُّه.\nوقد ظهر لي جوابان:\nالأول: أن يقال: إن الثناء على المخلوق هو في الحقيقة ثناء على الخالق، كما أنَّ الثناء على العسل بالحلاوة والنفع ونحو ذلك هو في الحقيقة ثناءٌ على الخالق الذي جعله كذلك. أو لا ترى أنَّ الثناء على الخط بالحسن والإتقان إنما هو ثناء على كاتبه؟ فكذلك الثناء على الكاتب إنما هو ثناء على ربِّه الذي خلقه ويسَّره وعلَّمه وأقدَره.\nهذا حكم الثناء في ذاته. فأما الأجر والثواب فإنه يتوقف على النية وموافقة الشرع. فلا يُعَدُّ الثناءُ على الكاتب بحسن الخطِّ وجودته ثناءً على الله ﷿ باعتبار الأجر والثواب إلا أن ينوي المُثْني ذلك ويشير إليه. فلا يُشكِلْ عليك هذا!\nوقد قال بعض المدققين: إن عبادة المشركين لآلهتهم هي في الحقيقة عبادة لله. ووجهه ما سمعت، فإنَّ العبادة داخلة في الحمد، وليس المراد أن حكمها حكم عبادة الله، بل هي في الحكم عبادةٌ لغير الله وشركٌ، فلا تغفلْ.\nهذا، والتحقيق في عبادة غير الله ﷿ الاكتفاءُ بأنها حمدٌ لغير مستحقه، فهي باطلة البتة. ولا حاجة للتعمق، فإنَّ معنى \"الحمدُ لله\": الحمد مستحَقٌّ لله، لا أنه لا يقع إلا لله.\nالجواب الثاني: أن المراد بالاستحقاق الاستحقاق الذاتي. فالذي يستحق أن يُحمَد استحقاقًا ذاتيًّا هو الله ﷿ وحده، ولكنه سبحانه","vol":"7","page":81},{"text":"وتعالى قد يجعل لبعض خلقه حقًّا في أن يُحمَد، فيُثني هو سبحانه عليه أو يأمر بحمده أو\nيأذَن فيه.\nفإن قيل: فهل يجعل الله ﵎ الحقَّ لغير المستحق؟\nقلت: أما على إثبات الحكمة، فالجواب أن الله ﵎ إنما يجعل لبعض خلقه حقًّا في أن يُحمد إذا اقتضت حكمته ﷾ أن يجعل له ذلك، واقتضاء الحكمة لا أسمِّيه استحقاقًا.\nفإن أبيتَ إلا أن تسمِّيه فهو استحقاق لأن يجعل له حقًّا أن يُحمد. وليس ذلك باستحقاق لأن يُحمد، وإنما يستحق أن يُحمد بجعل الله ﷿ له حقًّا؛ على أنَّ الاقتضاءَ التامَّ لا يتخلَّف عن الجعل.\nوهذا كما تقول في التحريم مثلًا: إن الله ﵎ إنما حرَّم لحم الخنزير لاقتضاء حكمته تحريمَه، وإن اقتضاء الحكمة ليس هو نفسُه موجِبًا للحرمة، وإنما هو مقتضٍ لأن يحرِّمه الله، فلا يكون حرامًا حتى يحرِّمه الله ﷿. ثم تقول: إنه إذا تمَّ اقتضاءُ الحكمة للتحريم، فلابد أن يقع التحريم.\nثم اختلف القائلون بهذا، فزعم بعض الناس أن الإنسان قد يدرك بعقله تمامَ اقتضاء الحكمة لتحريم شيء مثلًا، فيَعلم بذلك حكمَ الله تعالى بتحريمه، فيكون حرامًا عليه، لا لمجرد اقتضاء الحكمة، بل لقيام البرهان على أن الله تعالى حرَّمه.\nوأهل الحق على خلاف هذا القول، لقول الله ﷿: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وغيرها من الأدلة. ووجه ذلك أن العقل البشري لا يتهيأ له إدراكُ تمامِ اقتضاء الحكمة، ولكننا نقول: إذا تمَّ","vol":"7","page":82},{"text":"اقتضاءُ الحكمة لتحريم شيء، فإن الله ﵎ يحرِّمه بواسطة رسوله، وقدرةُ الله\n﵎ محيطة، وتدبيرُه شامل. فلمَّا تمَّ اقتضاءُ الحكمة لتحريم الخمر حرَّمها الله تعالى بما أنزل على محمد - ﵌ -.\nواختلفت الحكمة باختلاف الناس، فمن كان من الناس بحضرة النبي - ﵌ - فقد تمَّ اقتضاءُ الحكمة تحريمَها عليهم حين إنزال التحريم. ومن كان في بيته فإنما تمَّ اقتضاءُ التحريم عليه حين يسَّر الله تعالى بلوغَ الخبر إليه، وهكذا.\nفإن قلتَ: فالأحكام التي لا يُعذَر بجهلها؟\nقلتُ: الذي لا يُعذَر بالجهل لابدّ أن يكون مقصِّرًا، فتعلقُ الأحكام به يكون عند ثبوت تقصيره؛ على أن التحقيق أن عقوبته إنما هي على تقصيره وإن اعتبرت بغيرها. كما أقوله في السكران إذا أُخِذ بمعاصي ارتكبها حالَ زوالِ عقله بسكره: أن مؤاخذته بذلك هي في الحقيقة عقوبةٌ على تناوله المسكِر. فإنَّ عقوبةَ الذنب تزداد بازدياد ما ترتَّب عليه من الفساد. ولإيضاح هذا موضع آخر، والله أعلم.\nالإشكال الثاني: أن يقال: نفيُ استحقاقِ المخلوق للحمد الذاتي البتة إنما يتخرَّج على قول المجبرة الذين يقولون: ليس للإنسان فعل ولا اختيار، وإنما الله تعالى هو الذي يحرِّكه ويسكِّنه ويتصرَّف فيه كما يشاء، لا فرق بينه وبين الجماد في ذلك.\nوالجواب ــ بعون الله وله الحمد ــ: أنَّ الله ﵎ إنما خلق الخلقَ لعبادته. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وهم","vol":"7","page":83},{"text":"وأجسامهم وقواهم وأموالهم وكل شيء لهم مِلكُه. ووجودهم وأجسامهم وأرواحهم وعقولهم وأسماعهم وأبصارهم وغير ذلك نعمةٌ عليهم منه سبحانه\nوتعالى. وكذلك هدايتُه لهم وتيسيرُه إياهم للخير وغيرُ ذلك نعمةٌ منه عليهم. قال تعالى: [ل ٥٧/ب] ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨].\nثم وعدهم سبحانه من الثواب بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وتوعَّدهم من العقاب بما لا يكاد أحدهم يقوَى على تصوُّرِ وصفه، فضلًا عن مشاهدته، فكيف بالوقوع فيه، فكيف بالخلود.\nفلما كانوا مِلكًا له، وإنما خلقهم لعبادته، فالمحمود من أعمالهم هو ما كان عبادةً لربِّهم ﷿. وعبادتُهم لربهم لا تفي بأداء ما عليهم من شكر نعمه، ومع ذلك فإنهم يعملونها راجين عليها الثوابَ، خائفين من العقاب أو النقصان. ولا تلتفِتْ إلى تنطُّعاتِ بعض المتصوفة!\nوإذا كان الأمر كذلك، فالمؤدِّي ما عليه طامعًا بالثواب العظيم على فعله، خائفًا من العقاب أو النقصان إن لم يفعله= لا يستحقُّ استحقاقًا ذاتيًّا أن يُحمد، ولكن الله تبارك كما تفضَّل على الخلق بخلقهم، وتفضَّل عليهم بما لا يُحصَى من النعم التي منها: هدايةُ من هداه منهم، وتوفيقه وتيسيره للعمل الصالح؛ تفضَّلَ عليهم بأن أثنى عليهم، وأمر أو أذِن بحمدهم. فله الحمد في الأولى والآخرة.\nالإشكال الثالث: أن يقال: إذا كان كلُّ شيءٍ محمودٍ في العالم إنما يستحقُّ الحمدَ عليه استحقاقًا ذاتيًّا اللهُ ﷿؛ لأنه ربُّ العالمين ومالكُهم ومدبِّرُهم، فإنَّ الشيطان يلقي في أنفسنا السؤال عن الذمِّ، فهل عندك من بيانٍ دامغٍ لوسوسته؟","vol":"7","page":84},{"text":"والجواب بتوفيق الله ﵎: أنَّ الله ﵎ ربُّ العالمين، وهو العليّ القدير الحكيم العليم، فلا يقع في العالم حركةٌ ولا سكون إلا والحكمةُ اقتضت أن يقع، حتى الفواحش التي يبغضها الله ﷿ ويعذِّب عليها، لولا أن الحكمة اقتضت أن تقع لما وقعَتْ. وقد أوضحتُ هذا في (الفرائد) (^١).\nولْنقرِّبْ ذلك بمثال، فنقول: إذا علم الحاكم من إنسان أنه خائن، ثم أراد أن يجازيه بما يستحقُّ، ولم تكن قد ظهرت خيانته ظهورًا يقف عليه الأشهاد فيعرفوا استحقاقه العقوبةَ، فرأى الحاكم أن يقيم شهودًا من حيث لا يعلم الرجل، ويأتمنه على شيء يريد لذلك أن يخون، فتظهر خيانته، ويعرف الأشهاد استحقاقَه للعقاب. ألا ترى فعل الحاكم هذا، وهو تعريضُه الرجلَ للخيانة وتمكينه له منها فعلًا تقتضيه الحكمة؟ أَوَلا ترى أنَّ وقوعَ الخيانة من الرجل أوفقُ لمقتضى الحكمة، وأنَّ ذلك لا ينافي أن تكون تلك الخيانةُ بالنظر إلى ذلك الخائن قبيحةً يستحقُّ أن يعاقب عليها؟\nفتدبَّرْ وأمعِنْ النظرَ يتبيَّنْ لك إن شاء الله أنَّ جميع الحركات والسكنات التي تقع في العالم إنما تقع على مقتضى الحكمة، فهي بالنظر إلى تعلُّقِها بخلق الله ﷿ وتمكينِه وقضائه وقدرِه محمودةٌ لا يلصق بها الذمُّ البتة، وإنما يعلَق الذمُّ ما يعلَقه منها من جهة الخلق. ولا بدع أن يخفى على الإنسان وجهُ الحكمة في أمور كثيرة، فأين علمه من علمِ عالمِ الغيب والشهادة اللطيفِ الخبير! وأين حكمته من حكمة أحكمِ الحاكمين!\n_________\n(^١) قوله: \"وقد أوضحت ... الفرائد\" أضافه المؤلف فيما بعد، ولكن لم نجد في المخطوط شيئًا من الفرائد التي أحال عليها.","vol":"7","page":85},{"text":"وبهذا يتبيَّن أنَّ لله الحمدَ على كلِّ شيء، وفي كلِّ حال. وأنَّ المسلم إذا أصابته مصيبة، فقال: الحمد لله على كل حال، فليس ذلك من باب قول العامة: \"يدٌ ما تقدِرُ على كسرها قبِّلْها\" (^١)، وإنما هو من باب العلم أن كل ما يقع فعلى مقتضى حكمة الله تعالى وَقَع، وأنه من تلك الجهة محمودٌ ينبغي حمدُ الله تعالى عليه. وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤].\nوقال بعضُ السلف في حق الكفار: \"إنهم يدخلون النار وحمدُ الله في قلوبهم\"، وذلك لأنه انكشف لهم أنَّ دخولهم النار هو الذي تقتضيه الحكمة والعدل المحض. ولولا الطمع في الرحمة وعدم الصبر على الألم لرضُوا بمقامهم في النار.\nولولا انكشافُ الحقيقة لأهل الجنة لما طاب لهم عيش، وأقاربُهم في النار، بل ولا غيرُ أقاربهم؛ فإنَّ نفوسَ أهل الجنة بغاية الطهارة، فما بالهم كما قال الله ﷿: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٤ ــ ٣٦]. إنما ذلك لأنه انكشف لهم حقيقة الأمر، وهي أنَّ تعذيبَ الكفار هو الأمر المطابق للحكمة، الموافق للعدل، الذي تفرح النفوس الطاهرة بوقوعه.\nوقد يقع شيء من ذلك في الدنيا، فإنك لو رأيت أخاك وأحبَّ الناس إليك أخذ يتعدَّى على الضعفاء والأرامل والأيتام، وأكثر من ذلك، ولم يُصغِ إلى لوم لائم، حتى تعدَّى على بعض الضعفاء [ل ٥٨/أ] فاغتصبَه حليلتَه،\n_________\n(^١) ورد في \"الأمثال المولدة\" للخوارزمي (١٢٤) بلفظ: \"يدٌ لا يمكنك قطعُها قبِّلْها\".","vol":"7","page":86},{"text":"وعلى بعض اليتامى فذبحه كما تُذبح الشاة، وغير ذلك من القبائح التي\nتعقل النفوس قبحَها، ثم رأيت بعد ذلك كلِّه الحاكمَ قد أخذ أخاك، وأمر بعقوبته= فإنك إن كان في قلبك حبٌّ للحق وفرحٌ بالخير تفرَحْ بعقاب أخيك، وتلتذَّ به.\nهذا مع تراكمِ الحجب في الدنيا، وخفاءِ الحقائق، ودنسِ النفوس. فما بالك بأهل الجنة الذين هُذِّبوا ونُقُّوا! والظاهر أن تمام الطهارة وانكشاف الحقائق إنما يقع بعد دخول الجنة. وعلى هذا فمن فضل الله تعالى ورحمته أن أذن للمؤمنين في الشفاعة قبل دخولهم الجنة كما في الأحاديث الصحيحة المفسرة.\nوانظر الحديث الصحيح: \"يَلقَى إبراهيمُ أباه، فيقول: يا ربِّ إنَّك وعدتَني أن لا تُخزيني يومَ يُبعثون، وأيُّ خزيٍ أخزَى من أبي الأبعد؟ فيقول الله: إني حرَّمتُ الجنة على الكافرين. ثم يقال لإبراهيم: ما تحت رجليك؟ انظر. فينظر، فإذا هو بذِيخٍ مُتلطِّخٍ، فيؤخَذ بقوائمه، فيُلْقَى في النار\".\nهكذا في \"صحيح البخاري\" (^١). وثبت في الروايات الصحاح عند غيره: \"فينظر، فإذا ذيخٌ متلطخٌ في نتنه\" (^٢).\nوفي أخرى: \"فيمسخ الله أباه ضبعًا، فيأخذ بأنفه، فيقول: يا عبدي، أبوك هو؟ فيقول: لا، وعزَّتك! \".\n_________\n(^١) برقم (٣٣٥٠).\n(^٢) كذا في الأصل. ومصدر المؤلف: فتح الباري، كما سيأتي. وفيه: \"فإذا ذيخ يتمرَّغ في نتنه\". وهو ما ورد في \"السنن الكبرى\" للنسائي (١١٣٧٥). وانظر: \"تغليق التعليق\" (٤/ ٢٧٤).","vol":"7","page":87},{"text":"وفي أخرى: \"فإذا رآه كذا تبرَّأ منه، قال: لست أبي\".\nراجع \"فتح الباري\" في تفسير سورة الشعراء، باب ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧] (^١).\nوتأويل الحديث أنَّ الله ﵎ يكشف لخليله إبراهيم ﵇ عن حقيقة حال آزر، فإذا انكشفت له علِمَ أنه لا يصلح إلا للنار، ولا يصلح لإبراهيم إلا أن يرضى له بها ويبالغ في البراءة منه.\nوقول إبراهيم ــ وقد قيل: أبوك هو؟ ــ: \"لا وعزتك\"، وفي الرواية الأخرى: \"لستَ أبي\"= إنما هو ــ والله أعلم ــ مبالغة في البراءة منه، كما يقول الرجل لابنه الذي أكثَرَ من مخالفته وعصيانه: لستَ ابني. والله أعلم.\nوبقية الكلام على هذا الحديث لها موضع آخر.\nوفي قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ردٌّ على المشركين الذين يزعمون أنَّ لمعبوداتهم تدبيرًا غيبيًّا فوَّضه الله تعالى إليها. فبيَّن سبحانه أن الربوبية والتدبير له وحده.\nوبيان ذلك أن التصرفات التي تقع في الكون على وجهين:\nالأول: ما يكون بمجرد أمر الله ﷿.\nالثاني: ما يكون على يد مخلوق من خلقه.\nوانفرادُه سبحانه بالأول ظاهر. وأما الثاني فهو إما غيبي، وإما عادي.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٠٠).","vol":"7","page":88},{"text":"والمراد بالغيبي ما هو خارج عن الحسِّ والمشاهدة، ومنه: تصرُّف الملائكة.\nوقد بيَّن الله ﷿ بآيات أخر أنه بيده، وأن الملائكة إنما يتصرفون بأمره، فلا شأن لهواهم وإرادتهم فيه، على أنَّ هواهم وإرادتهم طاعةُ خالقهم وتنفيذُ أمره ومحبتُه وتعظيمُه ومحبةُ من يوحِّده، وبغضُ من يدعو غيره حتى من يدعوهم وعبادتهم.\nقال تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ ــ ٢٩].\nوقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ﴾ الآية من باب الفرض؛ كقوله تعالى لرسوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٤ ــ ٦٥].\nوقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٩ ــ ٥٠].\nوأكثر المشركين يتوهمون أن حال الملائكة كحال البشر في تصرُّفهم باختيارهم ظاهرًا وبهواهم ورغبتهم، ولذلك يزعمون أنه يقع منهم الطاعة والعصيان، وأنهم يتغالبون ويتحاربون، ويتسالبون ويتناهبون وغير ذلك. ثم","vol":"7","page":89},{"text":"يبنُون على هذا أنه كما أنَّ للناس أن يستعين بعضها بعضًا، ويسأل بعضهم\nبعضًا، ويعظِّم بعضهم بعضًا، لأجل ما أوتوه من الاختيار في النفع والضرّ؛ فدعاؤهم الملائكة سائغ من باب أولى؛ لأنهم على كل حال أعلى من البشر وأعظم قدرة.\nوقد أبطل الله تعالى ذلك بما مضى وبقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] على ما حققته في \"رسالة العبادة\" (^١).\nوالفرق بين البشر والملائكة واضح. وهو أنَّ البشر في دور الابتلاء ليظهر من يطيع منهم ممن يعصي. وذلك يتوقف على التمكين والاختيار، فلذلك جعله الله تعالى لهم. والملائكة في دور الطاعة المحضة والعبادة الخالصة، إلى غير ذلك من الفروق، كما أوضحته في \"رسالة العبادة\" (^٢).\nأما مشركو العرب فكانوا يعترفون بأنَّ التدبير الغيبي لله وحده. وإنما يثبتون للملائكة الشفاعة ويعبدونهم لأجلها. قال الله ﷿: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣١ ــ ٣٢].\nوقال سبحانه: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ\n_________\n(^١) رسالة \"العبادة\" (ص ٣٤٨ - ٣٦١، ٥١٨ - ٥٢١).\n(^٢) رسالة \"العبادة\" (ص ٥٢٠، ٧٨٩ - ٧٩٤).","vol":"7","page":90},{"text":"الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ\nشَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ ــ ٨٩].\nفي آيات أخر قد ذكرتُ طائفةً منها، ونبَّهتُ على الباقي في \"رسالة العبادة\" (^١). وبعد اعترافهم بما ذكر كانوا يفرُّون إلى ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فأبطل الله تعالى ما يتوهَّمونه من الشفاعة، وبيَّن أنَّ ما هو حقٌّ منها لا يقتضي أن يدعوا من دونه، وتمام هذا في \"رسالة العبادة\" (^٢).\nومنه: تصرُّفُ الجن، وقد بسطت الكلام عليه في \"رسالة العبادة\" (^٣)، وحاصله: أن الجن وإن كانوا في دور الابتلاء كالإنس، إلا أن تصرُّفهم لا يتعدى إلى الإنس، وإنما سلَّطهم الله تعالى على الوسوسة، ثم شرع لنا ما ندفعها به. فأما تسليطهم على الإيذاء فإنه نادر، ويكون بتسليطٍ خاصٍّ من الله تعالى عقوبةً لمن يستحقه من الإنس، ثم شرع له ما يتمكن به من دفع ذلك من التوبة والاستغفار والتعوذ. فتصرُّفُهم المتعلِّقُ بالإنس في غير الوسوسة شبيهٌ بتصُّرف الملائكة، وإنما يخالفه في أنه قد يكون معصية، وإنما أذن لهم فيها إذنَ تسليطٍ كما يسلِّط الله تعالى الظالمَ من الإنس على الظالم.\nومنه: تصرُّفُ أرواح الصالحين الموتى، وهذا إن قام برهان على ثبوت\n_________\n(^١) رسالة \"العبادة\" (ص ٧١٥ - ٧٢٤).\n(^٢) رسالة \"العبادة\" (ص ٣٤٨ - ٣٦١، ٨٥١ وما بعدها).\n(^٣) رسالة \"العبادة\" (ص ٨١٧ - ٨٢٠، ٨٧٧ - ٨٧٨).","vol":"7","page":91},{"text":"بعض الجزئيات منه، فحالهم كحال الملائكة، بل أولى بالتوقف على أمر الله ﷿، كما أوضحته في \"رسالة العبادة\" (^١).\nومنه: [تصرُّفُ] (^٢) أرواحِ الأحياء بالسحر ونحوه. وقد قال تعالى في السحر: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، يريد والله [أعلم] (^٣) الإذنَ الخاصَّ، وهو التسليطُ الخاصُّ لحكمةٍ تقتضي ذلك.\nوبالجملة فالتصرُّفُ الغيبيُّ كلُّه بيد الله. وسيأتي لهذا مزيد إن شاء الله تعالى (^٤).\n\n\" <span data-type=\"title\" id=toc-11>﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾</span>\nفي الإتيان بهما زيادةُ إيضاحٍ لاستحقاقه ﷾ الحمدَ، وبيانُ أنَّ عظمتَه التي دلَّ عليها قولُه: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لا تنافي رحمتَه، وأنَّ تدبيرَه للعالمين قائمٌ على الرحمة العامة، وإن اقتضت السخطَ في بعض الأشياء.\nوفي الحديث القدسي: \"إن رحمتي سبقت غضبي\". وفي رواية: \"غلبت غضبي\". والحديث في الصحيحين (^٥).\n_________\n(^١) رسالة \"العبادة\" (ص ٨١٦، ٨٧٨).\n(^٢) زيادة يقتضيها السياق.\n(^٣) زيادة يقتضيها السياق.\n(^٤) لم أجد هذا المزيد في الأصل.\n(^٥) البخاري (٧٥٥٣) ومسلم (٢٧٥١) من رواية أبي هريرة.","vol":"7","page":92},{"text":"وفيه ردٌّ لبعض شبهات المشركين الذين يشركون بالله، فيجعلوا (^١)\nبعض الحمد المختص به لغيره بدون إذنه.\nقال بعضهم كقدماء المصريين: إن ربَّ العالمين في نهاية العظمة والجلالة والكبرياء، والناسُ في غاية الحقارة، فلا ينبغي لهم أن يتعرضوا لأن يعبدوه، بل ولا أن يذكروا اسمه؛ لأن ذلك إخلالٌ بحقِّ عظمته، وإنما قصاراهم أن يعبدوا الملائكة، ثم الملائكة يعبدون الله (^٢).\nوقال بعضهم: إننا لكثرة ذنوبنا وخطايانا لا نطمع في أن يجيب الله تعالى دعاءنا، فدعَوا الملائكة وغيرهم ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]. وتمام هذا في رسالة \"العبادة\" (^٣).\nهذا، وقد زعم بعضهم ــ كما تقدم في الكلام على البسملة (^٤) ــ أن \"الرحمن الرحيم\" مؤخران عن تقديم، وأن التقدير: \"الحمد لله الرحمن الرحيم رب العالمين\". ولا أدري ما الباعث على هذا إلا أن يكونوا رأوا اسمي الرحمة متصلين بالجلالة في البسملة، فتوهَّموا أنه يلزم اتصالهما بها هنا أيضًا. وهذا وهمٌ تكفي حكايتُه عن ردِّه!\nومناسبة اسمه \"الرحمن\" لاسم \"الرب\" واضحة، وقد قال تعالى: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ﴾ [النبأ: ٣٦ ــ ٣٧].\n_________\n(^١) كذا في الأصل.\n(^٢) رسالة \"العبادة\" (ص ٦٨٨ وما بعدها).\n(^٣) (ص ٨٥١ وما بعدها).\n(^٤) انظر (ص ٧١).","vol":"7","page":93},{"text":"\" <span data-type=\"title\" id=toc-12>﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾</span>\nفي \"مالك\" عدة قراءات فصَّلها في \"روح المعاني\" (^١). والذي في السبع منها: \"مَلِك\" بفتح، فكسر، وبالجرِّ، و\"مالك\" بإثبات الألف والجرِّ أيضًا (^٢). وكلا الوصفين ثابت لله ﵎.\nويوم الدين هو يوم القيامة، كما فسّره القرآن في آخر سورة الانفطار وغيرها. والدين هنا: المجازاة. وشواهده من الكتاب والسنة والآثار وكلام العرب كثيرة.\nأخرج ابن جرير (^٣) عن ابن عباس: \"يوم الدين\" قال: يوم حساب الخلائق، وهو يوم القيامة، يدينهم بأعمالهم، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ، إلا من عفا عنه، فالأمرُ أمرُه. ثم قال: ﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] (١/ ٥١) (^٤).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-13>من فوائد هذه الصفة:</span> تقريرُ استحقاقِ الربِّ ﷿ للحمد واختصاصِه به، فإنَّ ظهورَ الفضل والعدل يومئذ أتمُّ، واختصاصَه بالرب تعالى أظهر، كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ\n_________\n(^١) (١/ ٨٥).\n(^٢) وهي قراءة عاصم والكسائي. وقرأ الباقون: \"مَلِك\". انظر: كتاب \"الإقناع\" لابن الباذش (٥٩٥) وغيره.\n(^٣) في \"تفسيره\" (١/ ١٥٦).\n(^٤) أحال على نسخة التفسير التي كانت عنده.","vol":"7","page":94},{"text":"لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩]، فإنَّ الخلق في الدنيا (^١) متمكنون من كثير من الأعمال التي\nيُحمدون عليها، وإن كان في الحمد ما تقدم، وتكون منهم باختيارهم؛ فأما يوم القيامة فليس فيه شيء من ذلك. وإنما فيه الشفاعة، وهي نفسها لله ﷿. قال سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]. ولا تكون إلا بعد إذنه ورضاه. قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]. [ل ٥٨/ب] وقال تعالى في الملائكة: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨].\nوالآيات في ذلك كثيرة، والأحاديث الصحيحة في الشفاعة مبيِّنة لذلك.\nومن فوائدها: تقريرُ ربوبيته ﷿، فإنَّ ظهورَ مُلكه بالضم ومِلكه بالكسر واختصاصَه بهما وظهورَ تدبيرِه المتقَن يكون يوم القيامة أوضحَ وأظهَر.\nومنها: تقريرُ رحمته ﷿. وفي \"الصحيحين\" (^٢) عن النبي - ﵌ - قال: \"إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمةً واحدةً بين الجن والإنس والبهائم والهوامِّ، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطِف الوحشُ على ولدها. وأخَّر الله تسعًا وتسعين رحمةً يرحم بها عبادَه يوم القيامة\".\nومنها: تقريرُ توحيده، والردُّ على المشركين الذين يعبدون الملائكة وغيرهم لينفعوهم يوم القيامة. فمنهم من يقول: إن معبوده يأخذ يوم القيامة\n_________\n(^١) في الأصل: \"الدين\"، من سبق القلم.\n(^٢) من حديث أبي هريرة. وهذا لفظ مسلم (٢٧٥٢). وانظر: البخاري (٦٠٠٠).","vol":"7","page":95},{"text":"بيده ويُدخله الجنة. ومنهم من يقول: إنه يشفع له، ولا بدَّ، على معنى أنه يشفع لمن شاء وهوِي، وأنه يهوى من كان يدعوه ويلتجئ إليه ويعظِّمه، وأنَّ شفاعته\nمقبولة حتمًا، سواء في ذلك أكان المشفوع له مستحقًّا في حكم الله أن يشفع له أم لا. ولهم في هذا تخاليط وأغاليط قد سرى كثير منها إلى المسلمين. والله المستعان.\nوتمام الكلام على هذا في \"رسالة العبادة\".\n[ل ٥٩/أ] والعبادة: اختلفت عباراتهم في تفسيرها.\nفقيل: الطاعة. وقيل: الخضوع والتذلُّل. وقيل: الطاعة والخضوع مع المحبة.\nوهذه العبارات صالحة لتفسير عبادة الله ﷿، فأما العبادة المطلقة، فلا؛ لأنَّ الخادم مثلًا يطيع مخدومه، ويخضع له، ويتذلَّل، وهو مع ذلك يحبُّه، ولا يكون ذلك عبادةً منه لمخدومه اتفاقًا.\nوقيل: أقصى درجات الخضوع. وكاد المتأخرون يطبقون عليه، مع أنه لا يفسِّر لنا العبادة المطلقة. أما أولًا فلأنَّ للخضوع درجات، فما المراد بالأقصى منها؟ وأما ثانيًا فلأنه إن أريد الخضوع الحسِّي فنحن نرى بعض درجاته عبادة، ثم نرى أبلغ منها بكثير ليس بعبادة. فالطائف بالبيت راكبًا إذا مرَّ على الحجر الأسود، فوضع مِحجَنَه عليه، ثم استلم طرفَ المِحجن؛ كان ذلك عبادة لله. والفقير إذا أخذ نعلَ الغني، فقبَّل ظاهرها، ووضعها على عينيه ورأسه؛ لا يكون ذلك عبادة.","vol":"7","page":96},{"text":"وإن أريد الخضوع النفسي، فإن أريد به الخشوعُ وجمعُ الهمة، فحاله كحال الحسِّي؛ فإنا نجد كثيرًا من الناس يدخل على الأمير الكبير، فيقف أو يجلس\nخاشعًا جامعًا نفسه على استماع كلام الأمير والإقبال عليه، لا يكاد يخطر له خاطر إلا في الإقبال عليه. ونجد كثيرًا من الناس يقوم في صلاته مناجيًا ربَّه، ولا يخشع ذلك الخشوع. والخشوع في الصلاة عبادة وإن قلَّ، وكذلك إذا وقع في الاعتكاف والذكر وغيرها. والخشوعُ للأمير ليس بعبادة.\nوإن أريد ما يجمع الحسِّي والنفسي بالمعنى المذكور، فحاله كما تقدم والمثال السابق آتٍ فيه. وإن أُريد أمر آخر، فما هو؟\nوقيل: العبادة: التأليه، فمن اتخذ شيئًا إلهًا فقد عبَدَه. وهذه أقرب عباراتهم، ولكن كلمة \"إله\" غير مكشوفة المعنى، وقد اختلفت العبارات في تفسيرها. وفيها نحو ما في هذه العبارات التي في تفسير العبادة. وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.\nوأقرب العبارات وأشهرها في تفسير \"الإله\" هو: المعبود، أو المعبود بحق. فكلٌّ من العبادة والإله غيرُ بيِّنِ المعنى. ثم فسَّروا كلًّا منهما بما يتوقَّف على معرفة الآخر.\nوقد اعتنيتُ بهذه المسألة، وجمعتُ فيها \"رسالة العبادة\"، ونظرتُ في مواقع هاتين الكلمتين وما يُقصد بهما في الكتاب والسنة، وتتبعتُ ما تيسر من معرفة أحوال من حكم الله عليه بالشرك، وفتَّشتُ عما كانوا عليه اعتقادًا وقولًا وعملًا، وتلخصت في تفسير هاتين الكلمتين.","vol":"7","page":97},{"text":"ثم وقفتُ على عبارة لبعض (^١) المشاهير من المعاصرين (^٢)، وهي أن\nالعبادة هي: \"كلُّ تعظيمٍ وتقرُّبٍ قوليٍّ أو عمليٍّ لصاحب السلطان العلوي والقدرة الغيبية\". وذكر أن هذا تحقيقٌ لمعنى \"العبادة\" أو حدٌّ لها. وكلُّ ما قيل غيره في تعريفها فهو رسم (^٣).\nوذكر في موضع آخر سبب تسمية مشركي العرب دعاء الأصنام وغيرها \"عبادة\"، وتسميتها \"آلهة\". قال: \"وهو أنهم كانوا أهل اللغة، وكلُّ ما يُدعى ويُعتقد أنَّ له سلطةً وتأثيرًا وراء الأسباب المشتركة بين جميع المخلوقات، فاسمه في لغتهم إله ... وهذا الدعاءُ وكلُّ تعظيمٍ وعملٍ يُوجَّه إلى من يُعتقد فيه ما ذُكر، فاسمه في لغتهم عبادة\" (^٤).\nثم قال بعد كلام: \"وينفرد اسم الإله بإطلاقه على ما عبد ولم يُعتقَد أنَّ له تأثيرًا في الخلق والتدبير كأصنام جاهلية قريش وغيرها؛ فإنهم لم يتخذوهم أربابًا، وإنما عبدوهم بالدعاء والذبائح ونحو ذلك، ليقرِّبوهم إلى الله تعالى ويشفعوا لهم عنده\".\nثم قال بعد قليل: \"فشرك الإلهية هو: كل دعاء وتعظيم وعمل باعثُه اعتقادُ تأثيرِ المعظَّمِ الموقَّرِ عند الله تعالى بحمله على جلب نفع أو دفع ضر، لولاه لم يفعله تعالى بمحض إرادته، فيكون له اشتراكٌ في حصول ذلك\n_________\n(^١) في الأصل: \"وقفت لعبارة على بعض\" من سبق القلم.\n(^٢) الظاهر أنه السيد رشيد رضا صاحب المنار.\n(^٣) انظر: \"تفسير المنار\" (١١/ ٢٠١) و\"الوحي المحمدي\" (ص ١٧٤).\n(^٤) لم أجد هذه العبارة والعبارة الآتية في \"تفسير المنار\" و\"الوحي المحمدي\".","vol":"7","page":98},{"text":"بتأثيره في إرادة الله، تعالى الله عن تأثير المؤثرات الحادثة\".\nفتحصَّل من عبارته الثانية أن قوله في الأولى: \"لصاحب السلطان العلوي والقدرة الغيبية\" المراد بها أن يكون كذلك في ادعاء واعتقاد الذي يدعوه ويتقرب إليه، سواء أكان في نفس الأمر [٥٩/ب] كذلك أم لا. وبهذا يندفع بعض الاعتراض على عبارته، ولكنه يبقى عدة اعتراضات. منها: أنه إن أراد بالسلطان العلوي والقدرة الغيبية مطلق القدرة على التصرف الغيبي ورَدَ عليه أن الملائكة والجن لهم قدرة يتصرفون بها، وليسوا بآلهة اتفاقًا، ولا اعتقاد ذلك فيهم قولًا بأنهم آلهة. وإن أراد القدرة الذاتية أي التي ليست بموهوبة ورَدَ عليه أنَّ المشركين لم يعتقدوا في أصنامهم بل ولا في الملائكة ذلك. وإن أراد القدرة التي يصرفها صاحبها باختياره ورَدَ عليه أن الجن كذلك في الجملة. وإن أراد التي يصرفها صاحبها باختياره، وليس غيره مهيمنًا عليه، ورَدَ عليه أنَّ المشركين لم يعتقدوا في معبوداتهم ذلك. وقد تقدمت الآيات في ذلك.\nفإن قيل: قد تقدم عنه أنهم اعتقدوا أنَّ معبوداتهم لها سلطة بشفاعة تَحْمِل بها اللهَ ﷿ على جلب نفع أو دفع ضر، لولا شفاعتهم لم يفعله تعالى بمحض إرادته.\nقلت: الظاهر أنه يريد ما اشتهر عن المشركين من العرب في شأن شفاعة الملائكة، فإن أراد أنهم (^١) كانوا يزعمون أنَّ الملائكة يُكرهون الله تعالى على قبول شفاعتهم، أو لا يُكرهونه، ولكنه لقربهم منه يقبل شفاعتهم،\n_________\n(^١) في الأصل: \"أنها\" سبق قلم.","vol":"7","page":99},{"text":"وإن لم يسبق في علمه وإرادته ذلك، فيكون في ذلك اعتقاد البَداء. وهو أنه سبحانه قد\nيكون يريد شيئًا، ثم يبدو له شيء لم يكن يعلمه قبل، فيدعه؛ أو أنه لا ذا ولا ذاك، ولكنه قد علم أنه في أصل إرادته يريد شيئًا، وأن الملائكة يشفعون بخلافه، وأنه لابد حينئذ من قبول شفاعتهم؛ فليس في اعتقاد مشركي العرب شيء (^١) من هذا، كما دلَّت الآيات السابقة وغيرها، ممّا سُقتُه في \"رسالة العبادة\" (^٢).\nوالذي يتحصَّل مما كانوا يقفون عنده في شفاعة الملائكة أنهم مقرَّبون عند الله ﷿، وأنه إن لم يأذن لهم بالشفاعة في شيء أذِن لهم في غيره، وإذا لم يقبل شفاعتهم في شيء قَبِلها في غيره، وأنَّ شفاعتهم من جملة الأسباب التي اعتدَّت بها الشرائع، كدعاء الله ﷿ والتضرع إليه وطاعته، فإنَّ ذلك كلَّه مما يُرجى به رضوانُ الله وعفوُه وغيرُ ذلك من تفضُّلٍ بنفعٍ أو دفعِ ضرٍّ. ومعلومٌ أنَّ اعتقادَ ذلك لا يلزم منه القولُ بالبداء، ولا إنكارُ سبقِ علم الله ﷿ بكل ما يكون. وكيف يلزم ذلك، وبه بعثت الرسل ونزلت الكتب وشرعت الشرائع؟\nوإنما كان يبقى عند المشركين أنهم يزعمون أنَّ ذلك القدر الباقي للملائكة من الشفاعة مسوِّغ لأن يدعوهم الإنسان ويعظِّمهم ويسأل منهم الشفاعة وأن الله تعالى يرضى ذلك، وأن الملائكة يشفعون لمن فعل ذلك. وجاء الإسلام بأنَّ ذلك القدر لا يسوِّغ ما ذُكِر، وأنَّ الله لا يرضاه ولا يأذن فيه، وأنَّ الملائكة أنفسهم يتبرؤون ممن فعله، ويبغضونه ويعادونه.\n_________\n(^١) في الأصل: \"شيئًا\"، سهو.\n(^٢) انظر (ص ٧١٤ وما بعدها).","vol":"7","page":100},{"text":"ثم يَرِد عليه أيضًا أنَّ المشركين لم يكونوا يعتقدون للأصنام قدرةً ما ولا تأثيرًا، وإنما هي عندهم تماثيل للملائكة، فيقولون: إنَّ الصنم إذا جُعل تمثالًا للملَك ورمزًا له صار له علقةٌ معنويةٌ بالملك، بحيث يكون تعظيمُ الصنم تعظيمًا لذلك الملك، كما جرت به العادة في احترام تماثيل البشر العظماء أنه معدود عند الناس احترامًا لصاحب التمثال، ومع ذلك سميت الأصنام آلهة، وتعظيمها عبادة.\nوقد بقي وجوه أخرى لا أطيل بها.\nوالذي تلخَّص لي في \"رسالة العبادة\" (^١) بعد النظر في النصوص القرآنية ومقابلة بعضها ببعض، والنظر في أحوال المشركين من الأمم المختلفة وغير ذلك= أن العبادة هي: خضوعٌ يُطلَب به نفعٌ غيبيٌّ. وأردت بالخضوع ما يشمل الطاعة والتعظيم، وبالنفع الغيبي ما هو وراء الأسباب العادية.\nثم إن كان ذلك الخضوع مأذونًا فيه من الله تعالى بسلطان بيِّن وبرهان واضح، فلا يكون إلا عبادةً له ﷾، سواء أكان في الصورة له كالالتجاء والتضرع إليه، أم كان في الصورة لغيره كالطواف بالكعبة وتقبيل الحجر الأسود ووضع الجبهة عليه، وكلِّ ما كان عليه برهان من الله وسلطان منه، من الثناء على الملائكة والصلاة عليهم، والثناء على الأنبياء والصالحين واحترامهم وغير ذلك. وإن لم يكن به برهانٌ من الله ﷿ ولا سلطانٌ منه، فهو عبادةٌ لغيره، ولا يكون شيء [ل ٦٠/أ] من هذا إلا وفيه خضوع لغير الله ﷿. ومن ذلك: الأحبار والرهبان والرؤساء والآباء والشيطان والهوى.\n_________\n(^١) رسالة \"العبادة\" (ص ٧٣٣).","vol":"7","page":101},{"text":"ولا فرق في كون الخضوع طلبًا للنفع الغيبي عبادةً بين أن يكون النفع مطلوبًا من المخضوع له نفسه، أم من غيره بواسطة شفاعته، أم من غيره بسبب الخضوع له.\nفمن الحقِّ في الصورة الأولى: التضرُّعُ إلى الله ﷿ طلبًا للنفع منه. ومنه في الثانية: القدرُ الذي عليه سلطانٌ من الله ﷿ من احترام الأنبياء والصالحين. ومنه في الثالثة: القدرُ الذي عليه سلطان من احترام الكعبة والحجر الأسود.\nومن الباطل في الصورة الأولى: التضرعُ إلى الملائكة لينفعوا، على زعم أنهم يفعلون (^١) ما يشاؤون. ومنه في الثانية: التضرعُ إليهم ليشفعوا كما كان مشركو العرب يصنعونه. ومنه في الثالثة: تعظيم الأصنام.\nوكل ما ادُّعِي له أو اعتُقِد أنه يستحق أن يُعبد، فقد ادُّعِي له أو اعتُقِد أنه إله. فالإله هو الذي يستحق أنَ يُعبَد. فإن كان استحقاقه حقًّا فهو إله حق. وهو الله وحده لا شريك له. وإن كان استحقاقه باطلًا، فهو إله باطل.\nوكلُّ مَن عبد شيئًا من دون الله، أي خضع له طلبًا لنفع غيبي بدون سلطان من الله ﵎، فقد اتخذه إلهًا وسوَّاه بربِّ العالمين في استحقاق أن يُعبَد. وذلك أنَّ العقولَ والفِطَر كافيةٌ في العلم بأنَّ الله ﵎ مستحقٌّ أن يُخضع له طلبًا للنفع الغيبي، فمن ادَّعى لغيره ذلك بغير سلطان من الله تعالى، فلابدَّ أن يكون مستندًا إلى الكذب على العقل، ولو بواسطة أو وسائط. فكأنه يقول: إن العقل كافٍ في العلم بأنَّ هذا الروح أو\n_________\n(^١) في الأصل: \"ما يفعلون\"، سهو.","vol":"7","page":102},{"text":"غيره مستحق أن يخضع\nله طلبًا للنفع الغيبي، فتلك تسويةٌ له بربِّ العالمين، فاعلم ذلك.\nوقد أقمت ــ بحمد الله ﵎ ــ البراهين على هذا التفصيل في \"رسالة العبادة\" (^١). وإذا يسَّر الله ﵎ فسيأتيك كثير منه في مواضعه.\n\nوهذه<span data-type=\"title\" id=toc-15> أمور يجب استحضارها:</span>\nالأمر الأول: أن هذا المعنى كان بيِّنًا في الجملة عند العرب الذين خوطبوا بالقرآن، إلا أنَّ هناك دقائقَ قد كان يخفى على كثير منهم أنها عبادة وتأليه.\nفمن ذلك: الخضوع بالطاعة. فقد روى ابن جرير وغيره (^٢) عن عدي بن حاتم أنه لما سمع قول الله تعالى في أهل الكتاب: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، قال عدي: قلت: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم. فقال: \"أليس يُحرِّمون ما أحلَّ الله فتحرِّمونه، ويُحِلُّون ما حرَّم الله فتُحِلُّونه؟ \" قال: قلت: بلى. قال: \"فتلك عبادتهم\".\nوقد ذكرتُ هذا الحديث والكلام عليه وشواهده من كلام الصحابة\n_________\n(^١) رسالة \"العبادة\" (ص ٧٣١ وما بعدها).\n(^٢) \"تفسير الطبري\" (١٤/ ٢١٠). وأخرجه الترمذي (٣٠٩٥) وقال: \"حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث\". وحسَّنه الألباني.","vol":"7","page":103},{"text":"والتابعين في \"رسالة العبادة\" (^١). فالقوم أطاعوا أحبارهم ورهبانهم في\nالتحريم والتحليل، وعدُّوا ذلك دينًا ينفعهم الله تعالى به ويجازيهم بحسبه. فتلك الطاعةُ خضوعٌ يُطلَب به نفعٌ غيبي، ولم ينزل الله تعالى به سلطانًا، فهو عبادة لغيره.\nوقد خفي هذا المعنى على عدي بن حاتم ﵁ حتى فسَّره له النبي - ﵌ -. ثم خفي هذا المعنى على بعض رواة هذا الحديث نفسه حسبما رواه الترمذي (^٢) بلفظ: \"أما، إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلُّوا لهم شيئًا استحلُّوه، وإذا حرَّموا عليهم شيئًا حرَّموه\".\nوأخبر الله تعالى عن المشركين بأنهم يعبدون الشيطان. ولذلك وجهان.\nفأما الوجه الأول، فهو طاعتهم إياه فيما يوسوس لهم به من شرع الدين، واتخاذهم ذلك دينًا يرجون به النفع من الله ﷿. وتلك عبادة، ولا سلطان لهم، فهي عبادة لغير الله تعالى.\nوقد خفي هذا عن الخوارج، فتوهموا أنَّ طاعة الشيطان شرك مطلقًا، فحكموا على عصاة المسلمين بأنهم مشركون، مع أنَّ عصاة المسلمين وإن أطاعوا الشيطان فلم يتخذوا ما وسوس لهم به دينًا، وإنما أطاعوا لهوى أنفسهم عالمين معترفين بأن ذلك معصية لله ﷿ يخافون عقابه عليها، فلم يطلبوا بتلك الطاعة نفعًا غيبيًّا.\nوخفي كذلك على أكثر المفسِّرين، فقالوا: إنَّ ما جاء في القرآن من ذكر\n_________\n(^١) رسالة \"العبادة\" (ص ٦٥٤ وما بعدها).\n(^٢) برقم (٣٠٩٥).","vol":"7","page":104},{"text":"عبادة الشيطان والشرك به ليس على حقيقته، وإنما المراد بذلك مطلق الطاعة المذمومة التي لا تكون عبادةً ولا شركًا على الحقيقة.\nأما الوجه الثاني، فقد بينته في \"رسالة العبادة\" (^١)، ولعله يأتي في موضع آخر إن شاء الله تعالى.\nونحو (^٢) هذا وقع فيما جاء في القرآن من ذكر تأليه الهوى.\nومما كان يخفى على بعض منهم أنه عبادة أو قد يكون عبادة: القسَم بغير الله، والطِّيَرة، وقولهم: ما شاء الله وشاء فلان، والتمائم، والتِّوَلة، وغيرها. وقد بسطت الكلام على ذلك في \"رسالة العبادة\" (^٣) والحمد لله. وقد كان النبي - ﵌ - يعذرهم فيما يخفى عليهم، ويبيِّنه لهم. وهكذا أصحابه ﵃.\nوالحاصل أنَّ الخفاء قد يكون في كون الفعل خضوعًا، وقد يكون في كونه يُطلَب به نفع، وقد يكون في كون النفع غيبيًّا، وقد يكون في كونه لا سلطان عليه.\nولهذا جاء عن النبي - ﵌ - أنه قال: \"الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل\" (^٤). وقد ذكرت هذا الحديث في \"رسالة العبادة\" بطرقه وشواهده،\n_________\n(^١) رسالة \"العبادة\" (ص ٧١٤ وما بعدها).\n(^٢) في الأصل: \"ونحوه\"، سبق قلم.\n(^٣) رسالة \"العبادة\" (ص ٩٤٧ وما بعدها).\n(^٤) أخرجه أحمد (٤/ ٤٠٣) والطبراني في \"الكبير\" (١٥٦٧) و\"الأوسط\" (٣٤٧٩) من حديث أبي موسى الأشعري. وأخرجه أبو بكر المروزي في \"مسند أبي بكر\" (١٨) والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٧١٦) وأبو يعلى (٥٨ - ٦٠) من حديث أبي بكر الصديق. وله شواهد أخرى. وانظر \"المسند\" (١٩٦٠٦) للكلام عليه.","vol":"7","page":105},{"text":"والدليل على أنه أراد به الشرك الحقيقي لا مجرد الرياء (^١).\n[٦٠/ب] الأمر الثاني: أنه لا يلزم من كون الفعل في نفسه عبادةً لغير الله وشركًا أن يكون الفاعل مشركًا. بل لا يُحكَم بشركه حتى يُعلم أنه ليس له عذر، وأنَّ الحجة قد قامت عليه. وقد بسطتُ هذا حقَّ البسط في \"رسالة العبادة\" (^٢)، ودلَّلت عليه بالكتاب والسنة وأقوال السلف ومَن بعدهم من أهل العلم. وبيَّنتُ أنه قد يكون الفعل في نفسه شركًا، والفاعلُ من خيار عباد الله تعالى وأوليائه، لعذره في ذلك الفعل وصلاحه في نفسه.\nالأمر الثالث: أنَّ البدع في الدين كلها تؤول إلى عبادة غير الله، ولولا العذرُ لكان كلُّ مبتدع مشركًا. وقد بسطتُ هذا في موضعه، ولله الحمد.\nالأمر الرابع: أنَّ السلطانَ المذكورَ في تعريف العبادة: المرادُ به البرهانُ المفيدُ للقطع، إما بنفسه، وإما بأصله. فالذي بنفسه فكصريح القرآن والسنة القطعية. وأما بأصله فكالدلائل الظنية التي قام البرهان القطعي على وجوب العمل بجنسها. وذلك كدلالة ظنية من الكتاب، فإنَّ كونَ ظواهِر الكتاب حجةً ثابتٌ قطعًا، وكونَه يلزم العالم العمل بما ظهر له من الكتاب بعد النظر والاجتهاد ثابتٌ قطعًا.\nالأمر الخامس: أنَّ هذا التفسير الذي فسرتُ به العبادةَ مقتبَس من نصوص لا تحصى من الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم. ومن أقوالهم ما هو\n_________\n(^١) (ص ١٤٣ وما بعدها).\n(^٢) رسالة \"العبادة\" (ص ٩١٤ وما بعدها).","vol":"7","page":106},{"text":"صريح فيه أو مستلزم (^١) له حتمًا؛ ولكنها خبايا في الزوايا، وشذَرات في\nالفلَوات، قد التقطتُ ما عثرتُ عليه منها في \"رسالة العبادة\" (^٢).\nالأمر السادس: أنني أعترف بأنَّ العقل يستبعد بل يكاد يُحيل أن يكون هذا الأمر الذي هو أسُّ الإسلام وجوهرُه وهو معنى عقد أنه لا إله إلا الله غفل عنه أكثر العلماء، إن لم نقل: كلُّهم، حتى آل إلى ما نراه من الخفاء، فصارت تفسيراتهم للإله والعبادة على ما سمعت، وصار الكلام في التفاسير وشروح الحديث وكتب الفقه على ما يعرفه من طالعها. ولكني لما قام عندي من البراهين مع ما التقطتُه من خبايا الزوايا من كلام العلماء لا أجبُنُ عن إظهار هذا الأمر.\nوقد بان لي السببُ المؤدِّي إلى تلك الغفلة. وهي أنَّ السلف من الصحابة وعلماء التابعين كانوا يرون أنَّ معنى الإله والعبادة واضح، فقد كان المشركون أنفسهم يعرفونه. وما خفي من دقائقه يُعذَر مَن جَهِله حتى يبيَّن له.\nثم إنَّ العلماء اصطدموا بالكلام فيما يتعلق بالعقائد في صفات الله تعالى وغيرها من جهة، وبتقديم الرأي والقياس على السنة من جهة أخرى؛ فانصرفت وجوههم إلى دفع ذلك.\nولما حدثت البدع التي هي في نفسها شرك كانوا ربما يفرغون للشيء بعد الشيء منها، فيزجروا عنه ويبيِّنوا (^٣) أنه بدعة، ويرون أن صاحبه لا يُعدُّ مشركًا لعذره.\n_________\n(^١) في الأصل: \"مستلزمًا\"، سهو.\n(^٢) رسالة \"العبادة\" (ص ٧٣٧ وما بعدها).\n(^٣) كذا ورد الفعلان في الأصل بحذف النون.","vol":"7","page":107},{"text":"ثم انفردت طائفة منهم لحفظ العقائد، وطائفة للفقه، وطائفة لحفظ\nالحديث، إلى غير ذلك، فاقتصر أهل العقائد على ما اشتهر فيه الخلاف، فذكروا التوحيد في كتبهم، يعنون أنه ليس مع الله ربٌّ غيره قديم، وأهملوا مسألة العبادة لعدم اشتهار الخلاف فيها. وصرَّح بعضهم كالسعد التفتازاني بأنها مسألة شرعية (^١)، يعني وهُم إنما يبحثون بالعقليات، فاتَّكلوا فيها على الفقهاء. والفقهاء يقولون: هذه أساس العقائد ورأس الإسلام، فيتَّكلون على علماء العقائد. وأما علماء التفسير وشُرَّاح الحديث فاتكالُهم أظهر.\nوبعد هذا الاتكال صار من يبحث عن معنى لا إله إلا الله يراجع كتب العقائد، فيجد فيها الكلام على توحيد الربوبية، أي أنه ليس مع الله تعالى ربٌّ قديمٌ غيره. وقد عبَّروا عنها بقولهم: \"الإله واحد، هو الله ﷿، ويمتنع وجود إلهين أو أكثر\"، أو نحو ذلك. فيظن هذا المسكين أنَّ معنى (لا إله إلا الله): لا واجب الوجود إلا الله، ثم يظن أن العبادة هي الخضوع والطاعة لمن يعتقد أنه واجب الوجود، إلى أمور أخرى قد شرحتُ بعضها في \"رسالة العبادة\" (^٢).\nوالحاصل أنَّ ذلك الاستبعاد العقلي [ل ٦١/أ] في محلِّه، ولكن الغفلة واقعة يقينًا. وأظهر شواهدها: عباراتهم في تفسير العبادة، وقد رأيتها، ومن نظر وتدبَّر ازداد يقينًا. والشأن إنما هو في تحقيق ما غفل عنه، وقد ذكرتُ هنا ما تيسَّر، وإذا أذن الله تعالى فسترى كثيرًا من ذلك في مواضعه. وقد استوعبتُ أكثر ذلك في \"رسالة العبادة\" (^٣)، أسأل الله تعالى من فضله تيسير\n_________\n(^١) انظر: \"شرح المقاصد\" (١/ ١٠).\n(^٢) رسالة \"العبادة\" (ص ٣٣٢ وما بعدها).\n(^٣) انظر رسالة \"العبادة\" (ص ٧٣١ وما بعدها).","vol":"7","page":108},{"text":"إتمامها ونشرها. والحمد لله أولًا وآخرًا.\n[ل ٦١/ب] وإذ قد اتضح إن شاء الله معنى العبادة، فليتمَّمْ تفسيرُ الجملة. فاعلم أنَّ فيها احتمالات، الصحيح منها أنها إنشائية، أريد بها إنشاء معنى يوجد (^١) بهذه العبارة، وذاك حقيقة الإنشاء. وذلك أن المؤمن إذا تلا من أول السورة إلى هنا متدبِّرًا حق التدبر امتلأ قلبُه بتعظيم ربِّه ﷿، واستغرق في ذلك حتى كأنه يرى الأمر مشاهدةً، وانجلى له حقَّ الانجلاء أنه لا يستحق العبادة غيره تعالى، فيقبل (^٢) القلب إلى الربِّ ﷿ مصدِّقًا ما قام بالقلب وسرى إلى الجوارح، فينشئها بهذه الجملة. فتدل هذه الجملة أولًا وبالذات على العبادة المنشأة بها، ثم تدلُّ بمعونة ما تقدم على العبادة القائمة بالقلب ثم بالجوارح، وتدلُّ بواسطةِ أن المقتضي لما ذكر هو ما تقدَّم من أول السورة إلى هنا، وهي حقائق ثابتة لا تحول ولا تزول، ولا تتغيَّر ولا تتبدَّل= على التزام التالي أن يعبد الله تعالى دون غيره في بقية عمره.\nوبعد ما كتبتُ ما تقدَّم، أردتُ أن أنظر في وجه التعبير بلفظ الجمع، فرأيتُ ما قدَّمتُه هنا يرشد إلى نكتة لا بأس بذكرها. وهي أنه ــ كما تقدَّم ــ ورد الخضوعُ أولًا على القلب، ثم سرى إلى الجوارح، ثم تلاها اللسان، فأشير إلى ذلك بصيغة الجمع، حتى كأنَّ اللسان عبَّر عن نفسه وعن القلب والجوارح.\nونكتة أخرى، وهي أنَّ مِن شأن الإنسان المتواضع الذي يعرف قدر نفسه أنه إذا اتفق له ظهورٌ بمظهر يدلُّ على العظمة زاده ذلك خضوعًا في\n_________\n(^١) تكررت في الأصل.\n(^٢) قبل هذه الكلمة: \"أن تعبد الله كأنك تراه\". وقد نسي المؤلف ﵀ أن يضرب عليها ضمن العبارة المضروب عليها.","vol":"7","page":109},{"text":"نفسه وتمسكنًا، كما روي أن النبي - ﵌ - لما دخل [مكة] يوم فتحها دخل وذقنُه على\nرحله متخشِّعًا (^١). فالتالي الممتلئ خضوعًا وتذللًا إذا جاء إلى قوله: ﴿نَعْبُدُ﴾ ورأى ما في ظاهر الكلمة من مظهر العظمة زاده ذلك خضوعًا وتخشُّعًا، كأنه يقول في نفسه: ومَنْ أنا! ومَنْ أكون!\nوهذه وكثير من أمثالها من مُلَح العلم، والذي ينبغي اعتماده أن السورة تعليم من الله ﷿ لعباده، فكأنه قال لهم: قولوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إلخ، كما مرَّ عن ابن جرير، فجاء \"نعبد ونستعين\" على حسب ذلك.\nوإذا قال العبد مع ما صار فيه من حال الخضوع والخشوع: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وقد سبق أنها بمعونة المقام تدلُّ على التزام العبادة لله تعالى دون غيره في المستقبل، علِمَ ما هو عليه من الضعف والعجز والظلم والجهل، فاضطُرَّ إلى أن يقول:\n\n\" <span data-type=\"title\" id=toc-16>﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾</span>\nفينشئ بهذه الجملة استعانة بربه دون غيره على ما التزمه من العبادة.\nوفي \"الكشاف\" (^٢): \"والأحسن أن يراد الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادة، ويكون قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا﴾ بيانًا للمطلوب من المعونة، كأنه قيل: كيف أعينكم؟ فقالوا: اهدنا الصراط المستقيم، وإنما كان أحسنَ لتلاؤمِ\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٤٣٦٥) ومن طريقه البيهقي في \"دلائل النبوة\" (٥/ ٦٨ - ٦٩) من حديث أنس، وقال: \"صحيح على شرط مسلم\"، وسكت عنه الذهبي. وأصله في \"صحيح البخاري\" (١٨٤٦).\n(^٢) (١/ ١٥).","vol":"7","page":110},{"text":"الكلام وأخذِ بعضِه بحجزةِ بعض\".\nحكاه في \"روح المعاني\" (^١)، ثم قال: \"ووجه التخصيص حينئذ كمالُ احتياج العبادة إلى طلب الإعانة، لكونها على خلاف مقتضى النفس. ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣]. [ل ٦٢/أ] والقرينة مقارنة العبادة، ولا خفاء في وضوحها\".\nثم قال: \"والإنصاف عندي أنَّ الحمل على العموم أولى ... \".\nوالحاصل أنه اختار العموم، ثم اختار أن الصراط عامٌّ، فقال: \"فإنه أعمُّ من العبادات والاعتقادات والأخلاق والسياسات والمعاملات والمناكحات وغير ذلك من الأمور الدينية، والنجاة من شدائد القبر والبرزخ والحشر والصراط والميزان، ومن عذاب النار، والوصول إلى دار القرار والفوز بالدرجات العُلى. وكلُّها مفتقِرٌ إلى إعانة الله تعالى وفضله. وأيضًا طرقُ الضلالات التي يستعاذ منها بغير المغضوب عليهم ولا الضالِّين لا نهاية لها ... \".\nقال عبد الرحمن: لا خفاءَ أنَّ المقام إنما يقتضي الاستعانة على العبادة التي التزموها. وكلُّ الصيد في جوف الفَرا (^٢). فإنَّ الاعتقادات الدينية ترجع إلى العبادة، فإنَّ في اعتقاد الحق طاعةً لله وخضوعًا له إذا خالف الهوى، وذلك عبادة. والأخلاق المحمودة مع حسن النية عبادة، والأحاديث في فضائل حسن الخلق معروفة. والسياسات المحمود منها ما كان المقصودُ منه إقامةَ الحق والعدل وتنفيذَ أحكام الله ﷿، وما قُصِد به ذلك كان عبادة. والمعاملات\n_________\n(^١) (١/ ٩٣).\n(^٢) الفَرا: الحمار الوحشي. وانظر المثل في \"مجمع الأمثال\" (٣/ ١١).","vol":"7","page":111},{"text":"إذا التُزِم فيها الأخذُ بالحلال، واجتنابُ الحرام والشبهات، والقيامُ بمصالح المسلمين،\nوالاستعانةُ على طاعة الله ﷿= كانت عبادة. وكذلك المناكحات. وفي الحديث: \"وفي بُضْعِ أحدكم أجرٌ\" (^١).\nوعلى هذا القياس. على أنَّ مِن لازمِ الإعانة على العبادة تيسيرَ المعيشة والأمن وغير ذلك، فإنَّ مَن نكِدَ عيشُه انشغل قلبُه عن العبادة، كما هو معروف. وأما الأمور الأخروية فتبعُها للعبادة واضح.\nوكأنه غلب على أبي الثناء (^٢) ما جرى به العرفُ الحادثُ من اختصاص العبادات بما يذكر في صدور كتب الفقه، وهو الصلاة والزكاة والصيام والحج. وهو وهْمٌ حتمًا، وقد عرفت حقيقة العبادة.\nهذا، وكثير من الناس يستشكل ما اقتضته الآية من نفي الاستعانة بغير الله ﷿، ويقولون: إنَّ مصالح الدنيا وكثيرًا من مصالح الدين إنما تقوم بتعاون الناس، وما من أحدٍ إلا وهو يحتاج إلى أن يستعين غيره من الناس، حتى على العبادة.\nوهذا مبني على أن الجملة خبر، والمضارع للاستمرار، أي أن من عادتنا المستمرَّة أن لا نستعين إلا بك؛ أو عن الحال، والاستقبال، أي لا نستعين ولن نستعين إلا بك؛ أو عن المستقبل فقط.\nوليس الأمر كذلك. وإنما هي إنشائية لطلب المعونة، والطلب يُوجَد بنفس الجملة، كما لا يخفى على من عرف الفرق بين الخبر والإنشاء.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٠٠٦) من حديث أبي ذر. وفيه: \"صدقة\" مكان \"أجر\".\n(^٢) يعني صاحب \"روح المعاني\".","vol":"7","page":112},{"text":"والنفي إنما هو بحسب ذلك. فكأنهم قالوا: استعانتنا هذه بك، وليست بغيرك. وحَسُنَ\nذلك لأن تلك الاستعانة نفسها طلب للنفع الغيبي، فهي عبادة، فناسب أن تُقصَر، كما قُصِرت العبادة، تقريرًا للتوحيد الذي بنيت عليه السورة.\nوثَمَّ مناسبات أخرى لا أطيل بذكرها، فتدبَّرْ. ونسأل الله التوفيق والهداية.\n\n\" <span data-type=\"title\" id=toc-17>﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾</span>\nتقدم عن صاحب الكشاف ــ وتبعوه في توجيه ترك العطف إذ لم يقل: \"واهدنا\" مع أن الجملتين إنشائيتان متناسبتان، كما لا يخفى ــ أن هذه الجملة استئناف بياني. ومعناه أن تكون الجملة الثانية جواب سؤالٍ من شأن مَن يسمع الأولى أن يسأله. فقال كما مرَّ: \"كأنه قال: كيف أعينكم؟ فقالوا: اهدنا\". وفي النفس من هذا، فإنَّ وجه الحسن في الاستئناف البياني على ما ذكروه إنما يتحقق في خطاب الناس. فالأولى أن تكون هذه الجملة بدلًا من الأولى.\nوفي \"مغني اللبيب\": [الجملة السابعة: التابعةُ لجملةٍ لها محلٌّ. ويقع ذلك في بابي النسق والبدل خاصة ... والثاني شرطُه كونُ الثانيةِ أوفى من الأولى بتأدية المعنى المراد نحو ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٣٢ ــ ١٣٤]، فإنَّ دلالةَ الثانيةِ على نعم الله مفصَّلةٌ بخلاف الأولى، وقوله:","vol":"7","page":113},{"text":"أقولُ لَه ارْحَلْ لا تُقيمنَّ عندَنا (^١)\nفإنَّ دلالة الثانية على ما أراده من إظهار الكراهية لإقامته بالمطابقة، بخلاف الأولى (^٢)] (^٣).\nولا خفاء أنَّ هذا الشرط مُتحقِّق هنا. وفي البدلية هنا نكتة لطيفة، فإنه اشتهر أن المبدَل منه على نية الطرح. وهذا مناسب هنا لأن مِن لازمِ طلب الإعانة إثباتَ قدرة للنفس. وذاك وإن كان حقًّا في الجملة، ولكنَّ المقامَ مقامُ خضوع وتذلُّل، وهو يستدعي إظهار تمام العجز. وهذا تُعبِّر عنه هذه الجملة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، فتأمَّلْ! والله أعلم.\n[ل ٦٢/ب] والهداية: من هداية الطريق. وقد جاء عن العرب إطلاقُ الهُدَى على الطريق (^٤). فإما أن يكون هذا هو الأصل، وإن كاد يُنسَى، والهداية مشتقَّة منه وإن اشتهرت؛ وإما العكس، والله أعلم.\nوهداية الطريق في الجملة: الإرشاد إليها، ولكنها تكون على أوجه:\nفافْرِضْ أنه رأيتَ عبدًا تائهًا في فلاةٍ فيها سُبُل، وتعلم أنَّ خيره وصلاحه\n_________\n(^١) عجزه:\nوإلَّا فكُنْ في السِّرِّ والجَهرِ مُسْلِما\nقال البغدادي في \"شرح أبيات المغني\" (٦/ ٣٠١) إنه لم يقف على قائله.\n(^٢) \"مغني اللبيب\" (٥٥٧).\n(^٣) ترك المصنف هنا بياضًا، ولعل المقصود ما أثبتناه بين الحاصرتين.\n(^٤) ومنه قول الشمَّاخ يصف أتانًا:\nقد وَكَّلَتْ بالهُدَى إنسانَ صادقةٍ ... كأنه من تمام الظِّمْءِ مسمولُ\nانظر: \"ديوانه\" (٢٨١).","vol":"7","page":114},{"text":"في الذهاب إلى سيِّده، فقد تكتفي بأن تدلَّه على رأس الطريق التي ينبغي له سلوكُها لِيصلَ إلى بيت سيده، فتقول له: هذه أو تلك هي الطريق التي توصلك. فهذا الوجه الأول.\nوقد يكون العبد أحمق يستكبر عن قبول إرشادك، أو يكون هناك من يريد به الشرَّ، يشير له إلى طريق أخرى، فيميل إليه، فتأخذ بيد العبد، وتجرُّه إلى الطريق الموصلة إلى بيت سيِّده، وتقيمه عليها، وتحمله على سلوكها، ثم لا تزال تلطُف به مرة وتشتدُّ عليه أخرى، حتى يذعن أخيرًا لسلوكها. فهذا الوجه الثاني.\nثم بعد قيامه أو إقامتك إياه على رأس الطريق قد تنعتُ له الطريق من هناك إلى بيت سيِّده. فهذا الوجه الثالث.\nوقد تتقدَّمه، وتسير معه، تدلُّه على الطريق، تاركًا الخيرة له في كل موضع. فإن استمرَّ على موافقتك لم تفارقه حتى توصله إلى بيت سيِّده. وإن أدركه الحمق في بعض الطريق، فأبى إلا الخروج منها، تركتَه وشأنَه. فهذا هو الوجه الرابع.\nوقد تتقدَّمه، وتسير معه أيضًا عازمًا أن تُوصِلَه ولابدّ، فأنت تأخذه بالوعد والوعيد، وتُبعد عنه ما من شأنه أن يحمله على المخالفة، وتحرُسُه ممن يريد أن يُضِلَّه، وتَصرِفه عن المخالفة بالإكراه أو قريبٍ منه في بعض الأوقات. وهكذا حتى تُوصلَه. وهذا هو الوجه الخامس.\nوالهداية إلى صراط الحق جارية على نحو هذا. فالوجه الأول يقع من الله ﷿ بإرساله الرسل، ومن الرسل ثم من أتباعهم بالدعوة.","vol":"7","page":115},{"text":"قال تعالى لرسوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢ ــ ٥٣].\nوقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا\nيُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٣ ــ ٧٤].\nوالوجه الثاني لا يكون إلا من الله ﷾ بتصريفه قلبَ مَن يريد حتى يُدخله في الدين. ولو تركه واختيارَه لما فعَل. وهذا المعنى هو المراد في قول الله ﷿: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] وآيات أخر.\nوالوجه الثالث من الله ﵎ بما أوحى إلى رسوله من البيِّنات في العقائد والأحكام، ومِن رسله، ثم من أتباعهم، بالبيان.\nوالوجه الرابع إن كان فإنما يكون من الله ﵎ في حقِّ العبد الذي يكثر خلافه. والله أعلم.\nوالوجه الخامس: إنما يكون من الله ﵎ فيمن أراد به الخير، ولا يكاد يرجى ذلك إلا لمن يكون الغالب عليه الخير، وإنما تقع منه الفلتة بعد الفلتة.\nوالمؤمنون يسألون ربهم الهداية التامَّة، وهي الوجه الخامس، وهي المرادة هنا.\nولذلك أخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس أنه قال في تفسيرها: يقول: ألْهِمْنا الطريق الهادي (^١).\n_________\n(^١) \"تفسير الطبري\" (١/ ١٦٦).","vol":"7","page":116},{"text":"والإلهام هو الإلقاء في القلب. ومعلومٌ أنَّ تصرفاتِ الإنسان كلها تبعٌ لما يقع في قلبه. فإذا كان الله تعالى يلهمه في كلِّ شيء حبَّ الحق والرغبةَ فيه، وبغضَ الباطل والنفرةَ عنه، جرت أعمالُه كلُّها على الحق. وذلك هو غاية\nالهداية على الوجه الخامس.\nوقد تكون بإلقاء خاطر آخر كخوفٍ من الناس وحياءٍ منهم وتذكيرٍ لأمر آخر، أو بإنساء موعد، أو بإقامة مانعٍ يصرف الله تعالى بذلك عن المعاصي، وقد تكون بغير ذلك؛ فإنَّ التدبير بيده ﷿، فلا يمكن إحصاءُ الأسباب. التي يهدي بها مَن أحبَّ هدايتَه.\n\n[ل ٦٤/أ] (^١) و<span data-type=\"title\" id=toc-19>الصراط المستقيم:</span> قال ابن جرير (^٢): \"أجمعت الحجة من أهل التأويل جميعًا على أنَّ الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه\".\nوقد اختلفت عبارات السلف في المراد به هنا (^٣).\nفعن علي وابن مسعود أنه كتاب الله. وجاء هذا مرفوعًا عن النبي - ﵌ -.\nورُوي عن جابر وابن عباس وغيرهما، قالوا: هو الإسلام.\nوعن أبي العالية والحسن: هو رسول الله - ﵌ - وصاحباه من بعده أبو بكر وعمر.\nفي عبارات أخر لا اختلاف بينها بحمد الله ﷿، فإنَّ امتثال ما في كتاب الله تعالى هو الإسلام، والذي كان عليه رسول الله - ﵌ - وصاحباه هو\n_________\n(^١) اللوحة (٦٣) مكررة.\n(^٢) في \"تفسيره\" (١/ ١٧٠).\n(^٣) انظر الأقوال الآتية في \"تفسير الطبري\" (١/ ١٧١ ــ ١٧٦).","vol":"7","page":117},{"text":"الإسلام.\nهذا، وقد عُرِفَ أن لكل إنسان سيرة يسيرها في عمره في اعتقاده وأخلاقه\nوآدابه وأعماله وأقواله (^١)، فهي طريقُه. فمن اتبع في ذلك كلِّه كتابَ الله وسنةَ رسوله والسلف الصالح فهو على الصراط المستقيم. ومن أخلَّ في شيء من ذلك كان في طريقه من العِوج بمقدار إخلاله.\nويمكنك أن تتصَّور الصراطَ العامَّ الذي هو الإسلام، وتتصوَّر وسطه طريقًا للتقوى العامة، وتتصوَّر عن يمين طريق التقوى وشمالها طريقين للتقصير في الفضائل دون ما بعده، وعن يمين ذلك وشماله طريقين لارتكاب المكروهات، وعن يمين ذلك وشماله طريقين لارتكاب الصغائر دون ما بعده، وعن يمين ذلك وشماله طريقين لارتكاب الكبائر دون البدع، وعن يمين ذلك وشماله طريقين للبدع. وذلك حدُّ السِّراط (^٢) يَمنةً ويَسرةً، وليس بعده إلا الكفر.\nوتمام الكلام على هذا يطول، فله موضع آخر. وعسى أن أبسطه في الفرائد إن شاء الله تعالى (^٣).\nهذا، والدعاءُ نفسه عملٌ ينبغي أن يكون على الصراط المستقيم. وذلك بأن يكون عن يقينٍ صادقٍ وافتقارٍ وخضوعٍ إلى غير ذلك. والذي يجب التنبيه عليه ههنا أن يكون الداعي باذلًا جهدَه في حصول ما يدعو به ساعيًا\n_________\n(^١) في الأصل: \"واقو\" لم يكمل كتابة الكلمة.\n(^٢) كذا كتب بعض الأحيان بالسين.\n(^٣) لم أجد \"الفرائد\" المشار إليها في الأصل.","vol":"7","page":118},{"text":"في تحصيل أسبابه العادية جهده. فقارئ الفاتحة إذا كان بغاية الحرص على تعرُّف الصراط المستقيم لازمًا جهدَه ما عرف منه، متباعدًا عن خلافه، مؤثِرًا له على هواه؛\nوسلطانُ الهوى شديدٌ، ومسالكُه كثير= فبشِّرُه بالإجابة إذا قال: اهدنا السراط المستقيم.\nوأرى أنَّ الله ﵎ نبَّهنا على هذا، وأجاب هذا الدعاء في الجملة، فهدانا نوعًا عظيمًا من الهداية بقوله سبحانه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. فإنَّ هذا وإن كان من تتمة الدعاء، ولكن هذه سنَّة معروفة للأذكار والأدعية الواردة في الكتاب والسنة، كما في دعاء الاستغفار الثابت في الصحيح: \"سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك\" (^١). فلابدَّ أن يعرف الإنسان معاني هذه الكلمات، ويتحقق بها؛ وإلا كان كاذبًا. مثلًا إذا لم يعزم التوبة، فكيف يقول: \"وأتوب إليك\"!\nوكذلك في الحديث الآخر في \"صحيح البخاري\" عن النبي - ﵌ -: \"سيِّدُ الاستغفار أن تقول: اللهمَّ أنتَ ربِّي [لا إله إلا أنت] خلقتَني وأنا عبدُك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعتُ\" (^٢). فإذا كان الداعي لهذا مخِلًّا بما يستطيعه مما عاهد عليه ربَّه، ووعد من نفسه من الطاعة والاتباع؛ فكيف يقول هذا!\nوكذلك إذا تلا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٤٣٣) عن أبي هريرة، وأبو داود (٤٨٥٩) عن عبد الله بن عمرو بن العاص، والنسائي (١٣٤٤) عن عائشة.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٣٠٦) من حديث شدَّاد بن أوس.","vol":"7","page":119},{"text":"رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] أو دعا بها في الافتتاح مع أنَّ الظاهر أن المعنى: لله أصلِّي، ولله أنسُكُ، ولله أحيا، ولله أموت= فمن كان يحيا ليأكل ويشرب ويلهو ويلعب في معصية الربِّ، فكيف يقول هذا! وكذلك من كان يكره أن\nيموت في سبيل الله، وله هوى أو عصبية أو غير ذلك، ولا يكره أن يموت في الدفع عنها.\nفهذه الأذكار والأدعية وأمثالها، فيها تنبيهٌ للعبد وحملٌ له على أن يُجهد نفسَه أولًا على التحقُّق بما فيها، وعلى الأقلِّ يعقدُ عزمَه وهمتَه، ويُخلِصَ نيتَه للتحقُّقِ بذلك في الحال والتزامِه في الاستقبال، ثم يقولُها.\nففي قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ تنبيهٌ لنا أنَّ على المسلم أن يكون حريصًا على اتِّباعِ المنعَمِ عليهم ومخالفةِ المغضوبِ عليهم والضالِّين. فإذا كان ذلك وتلا الفاتحة، وذكر ما فيها من الدعاء، كان شرطُه ــ وهو بذلُ [ل ٦٤/ب] وسعِه فيما يستطيعه مما دعا به ــ حاصلًا، فيستحقُّ الإجابة. وإلَّا كان بمنزلة من يرى حريقًا في جانب البلد، وهو يقدر على أن يباعدَ نفسه عنه، فلا يفعل، بل يقتصر على الدعاء؛ فكيف إذا كان يسعى إلى الحريق، ويدنو منه، ويقول مع ذلك: اللهمَّ باعِدْني عن الحريق!\nوأما ما في قوله: ﴿سِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (^١) إلخ من الهداية، فهو الدلالة على أنَّ الصراط المستقيم هو سراطُ هؤلاء دون أولئك. وهذا أصل عظيم، ولاسيما بعد القرن الأول؛ فإنَّ البدع والضلالات انتشرت وأُلصِقت بالدين، وأصبح كثير منها عند كثيرٍ من الناس، أو أكثرِهم، حتى كثيرٍ من\n_________\n(^١) كذا كتب هنا \"سراط\" بالسين، وهي قراءة قنبل. انظر: \"الإقناع\" لابن الباذش (٥٩٥).","vol":"7","page":120},{"text":"المشهورين بالعلم والولاية= هو من نفس الدين، بل من صلبه! بل عند جماعة منهم هو الدين! وتمييزُ هذا بمجرد العقل والاستحسان، أو بالنظر في كتب المتأخرين، أو بسؤال أكثرهم= لا مطمع فيه. وإنما يتميَّز ذلك بالرجوع إلى صراط المنعَم عليهم. وكذلك مناظرةُ أصحاب البدع لا تكاد تغني شيئًا إلا بالرجوع إلى هذا الأصل.\nوبما ذكرته من التنبيه والهداية يندفع إشكالٌ (^١) ليس بالهيِّن. وهو أن يقال: إن المتبادر إلى الفهم أنَّ مثل هذا التركيب إنما يُقصَد به بيانُ الصراط المستقيم وتمييزُه حتى يتبيَّن للمخاطب ولا يشتبه عليه. وهذا محال هنا (^٢)، لأن الله ﵎ عالم الغيب والشهادة، فإذا دعاه العبد بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فهو سبحانه أعلم به. فما الحاجة إلى البيان والتمييز؟\nوقد علمتَ بحمد الله أنَّ الأمر هنا بالعكس، وإنَّما هذا في المعنى بيان من الله ﷿، أراد أن يُبيِّن للتالي ويُميِّز له ما هو الصراط المستقيم، فتدبَّرْ.\nوقد ذكروا في إعراب \"صراطَ\" أنه بدل من \"الصراطَ\" قالوا، والعبارة للبيضاوي (^٣): \"وهو في حكم تكرير العامل من حيث إنه المقصود بالنسبة. وفائدته: التوكيد والتنصيص على أنَّ طريقَ المسلمين هو المشهودُ عليه\n_________\n(^١) وقفت بأخرة في مكتبة الحرم المكي الشريف على دفتر صغير ضمن أوراق متفرقة للمؤلف ﵀، تكلم فيه (ص ٥ - ٨) على هذا الإشكال، وأجاب بنحو جوابه هذا.\n(^٢) في الأصل: \"هذا\" سبق القلم.\n(^٣) في \"تفسيره\" (١/ ٧٣).","vol":"7","page":121},{"text":"بالاستقامة، على آكدِ وجهٍ وأبلَغِه، لأنه جُعِل كالتفسير والبيان له ... \".\nقال الشيخ زاده (^١): \" ... وأنه علم في الاتصاف بها، لأنه لو لم يكن كذلك لما صحَّ جعلُه كالتفسير والبيان للصراط المستقيم، وكالمزيل لما فيه من\nالإجمال والإبهام\".\nأقول: أما النكتة الأولى، فقد يعارضها ما اشتهر عندهم أن البدل على نية الطرح والرمي. وأما الثانية، فيقال لهم: وما فائدة هذا التنصيص هنا؟\nوالحاصل أنَّ القوم عرفوا أنَّ الظاهرَ هو التفسير والبيان وإزالةُ الإجمال والإبهام، ولكنهم رأوا أن هذا لا يصح في خطاب الله ﷿، فتكلَّفوا ما سمعتَ. وقد علمتَ ما عندي، والله يتولَّى هداك!\nهذا، وقد اختلفت عبارات السلف (^٢) في بيان مَن هم المنعَم عليهم.\nفعن ابن عباس: أنهم الملائكة والنبيُّون والصدِّيقون والشهداء والصالحون.\nوهذا مأخوذ من قول الله ﷿: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٦ ــ ٦٩].\nوعن ابن عباس أيضًا: أنهم المؤمنون.\n_________\n(^١) في \"حاشيته\" على البيضاوي (١/ ٤٧).\n(^٢) انظر الأقوال الآتية في \"تفسير الطبري\" (١/ ١٧٨ ــ ١٧٩).","vol":"7","page":122},{"text":"وعن الربيع: النبيون.\nوعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أنهم النبي - ﵌ - ومَنْ معه.\nوقد مرَّ عن أبي العالية والحسن ما يفيد أنهم النبي - ﵌ - وأبو بكر وعمر.\nأقول: لا تخالُفَ بحمد الله بين هذه الأقوال. فأما في مقام الدعاء، فهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، وكلُّهم مؤمنون مسلمون لربِّهم ﷿. ومن قال: النبيون، فلأنهم الأصل.\nوأما في مقام التنبيه على الاتباع والبيان، فعلى التالي أن ينظر من يعرف بسيرتهم من المنعَم عليهم قطعًا، فيتأثرها. فإنه إذا علم أنَّ فلانًا من المنعَم عليهم قطعًا، فلابدَّ أن يكون صراطُه هو صراطَ جميعهِم، وهو الصراط المستقيم. [ل ٦٥/أ] فقد سمَّى الله تعالى لنبيِّه جماعةً ممن قبله من الأنبياء، ثم قال: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].\nوأما أصحابه - ﵌ -، ورضي عنهم، فقد علموا أنَّ النبي - ﵌ - منعَم عليه قطعًا، وأنَّ صراطَه هو صراطُ المنعَم عليهم، وأنه الصراط المستقيم، فكان التنبيه في حقهم والدلالة على اتباعه.\nوهكذا من جاء بعدهم. ويزاد في حقِّهم بعد النبي - ﵌ - أصحابُه الذين تحقَّق أنهم منعَم عليهم. فإذا لم يُعرَف الحكم أو السنة أو الأدب أو نحو ذلك من الكتاب والسنة نُظِرَ في إجماع الصحابة. ولذلك خصَّ أبو العالية (^١) أبا بكر وعمر لِتيسُّر معرفةِ إجماع الصحابة في عهدهما. وإذا لم\n_________\n(^١) في الأصل: \"أبا العالية\"، سهو، وقد سبق قوله.","vol":"7","page":123},{"text":"يكن إجماعٌ فقولُ الواحد من الصحابة، فقولُ الصحابي أولى من غيره، ولاسيَّما من قامت الحجة على أنه بخصوصه من المنعَم عليهم كالخلفاء الأربعة وغيرهم. وقِسْ على هذا.\nومن إجماعهم: تركُهم لكثير من الأمور التي انتشرت بين المسلمين بعدَهم على أنها من الدين. فنقول: هذا الفعل بدعة؛ لأنه لم يكن في عهد النبي - ﵌ -\nوأصحابه. ولو كان من الدين لما اتَّفقوا على تركه. والله أعلم.\n\n\" <span data-type=\"title\" id=toc-22>﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾</span>\nقال أهل العربيّة: إن كلمة \"غير\" لا تتعرف بالإضافة إلى المعرفة لتوغُّلها في الإبهام. واستثنى جماعة من محققيهم (^١) ما إذا وقعت بين متضادين معرفتين، وذلك لزوال الإبهام؛ وهي ههنا كذلك.\nفمن قال: لا تتعرَّف، حمَلَها في هذا الموضع على أنها بدل من \"الذين\". وإبدالُ النكرة من المعرفة جائز عند البصريين بشرط حصول الفائدة.\nوقال الكوفيون: لا يجوز إلا إذا اتَّحد اللفظُ ونُعِتت النكرةُ (^٢)، كما في\n_________\n(^١) ومنهم ابن السرَّاج والسيرافي. انظر: \"توضيح المقاصد\" (٧٩١) و\"حاشية الصبان\" (١/ ٣٦٦).\n(^٢) الشرط الأول وهو اتحاد اللفظ نقله ابن مالك عن الكوفيين في \"شرح التسهيل\" (٣/ ٣٣١). ولكن إعرابَ الكسائي والفراء لكلمة \"قتال\" في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] بأنَّ خفضه على نية \"عن\" مضمرة= لا يؤيد ما نقله. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (١/ ١٤١) و\"إعراب القرآن\" للنحاس (١/ ١٠٧). ونبَّه على ذلك أبو حيان في \"ارتشاف الضرب\" (١٩٦٢) وقال: \"ونسب بعض أصحابنا ما نقله ابن مالك عن الكوفيين إلى نحاة بغداد لا إلى نحاة الكوفة\".","vol":"7","page":124},{"text":"قوله تعالى: ﴿بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ﴾ [العلق: ١٥ ــ ١٦].\nوقال جماعة ــ وعليه جرى ابن جرير (^١) ــ: إن الموصول مع صلته يضعف تعريفه، فيصح إبدالُ النكرة منه.\nوقال بعضهم: هي نعت لِـ\"الذين\"، إما بأن تكون هي معرفة لوقوعها بين متضادَّين معرفتين، وإما لضعف تعريف الموصول.\nوالذي يظهر أنه على فرض أن \"غير\" لا تتعرف بوقوعها بين متضادين معرفتين، فعلى الأقل تقرب من المعرفة. فهي قريبة من المعرفة، و\"الذين\" بصلته قريب من النكرة، فالتقيا، فيصح البدل والنعت (^٢).\nهذا، والأولى هنا البدل، لأن البصريين ــ والاعتماد عليهم ــ لم يشترطوا له إلا حصول الفائدة. وصحته هنا قائمةٌ الحجةُ بها على الكوفيين بما ذكرنا.\nهذا، والفائدة على نحو ما تقدم. أي أنَّ في هذا تنبيهًا للمؤمنين على أخذ أنفسهم باجتناب ما عليه المغضوب عليهم والضالُّون. وفيه هدايةٌ لهم بأنَّ المغضوب عليهم والضالِّين وإن كانوا في الأصل أو بزعمهم متَّبِعين صراطَ الأنبياء المنعمَ عليهم، فهم أنفسُهم غيرُ منعَم عليهم، فطريقُهم مخالفٌ لصراط المنعَم عليهم، فهو مخالفٌ للصراط المستقيم.\n_________\n(^١) الذي جرى عليه ابن جرير في \"تفسيره\" (١/ ١٨٠) هو أن \"غير\" صفة للاسم الموصول. وهو الوجه الثاني من القول التالي.\n(^٢) انظر: \"التبيان في إعراب القرآن\" للعكبري (١/ ١٠).","vol":"7","page":125},{"text":"وقوله: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ كان الظاهر أن يقال: الذين غضبتَ عليهم. ومن الحكمة ــ والله أعلم ــ في العدول عن ذلك هنا أنَّ الفاتحَة سورةُ رحمةٍ مكرَّرةٍ وحمدٍ وثناءٍ، والتصريحُ بنسبة الغضب [إلى] (^١) الله تعالى لا يساعد ذلك في بادي النظر، وإن كان غضبُ الله على من غضِبَ عليه هو من لوازم الرحمة العامَّة، وهو مقتضٍ لحمد الله تعالى عليه؛ لأنه مع صرف النظر عن\nالرحمة العامَّة مقتضى الحكمة البالغة.\nومن الحكمة في ذلك ــ والله أعلم ــ تنبيهُ المتدبِّر على أنَّ المدار على الرحمة، وأنَّ الغضب كالعارض. ولذلك اشتَقَّ اللهُ لنفسه أسماءً من الرحمة والرأفة ونحوها، ولم يشتقَّ لنفسه اسمًا من الغضب. وفي \"الصحيحين\" في الحديث القدسي: \"إنَّ رحمتي سبقت غضبي\" (^٢).\nومن الحكمة ــ والله أعلم ــ تعليمُ العبادِ حسنَ الأدب مع ربِّهم ﷿، فلا ينسبون إليه تصريحًا ما قد يُوهِم.\nومنها ــ والله أعلم ــ تأنيسُ المؤمن؛ لأنه إذا تلا هذه السورة متدِّبرًا حقَّ التدبُّر، فقد صار على حالٍ عظيمةٍ من الخضوع والتعظيم لربِّه ﷿ والتوحيدِ والحرصِ على الاهتداء واتباعِ الصراط المستقيم وصدقِ الإقبال على ربه ﷿ وغير ذلك، فاستحقَّ إيناسَه بأن لا يقع بعد ذلك كلِّه تصريحٌ بنسبة الغضب إلى ربِّه ﷿. فإنْ تدبَّر وعرَفَ أنَّ المعنى على ذلك آنسه العدولُ عن التصريح لما فيه من التنبيه على الحِكَم المذكورة.\n_________\n(^١) زيادة يقتضيها السياق.\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"7","page":126},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ أي وغيرِ الضالِّين. والضلالُ خلاف الاهتداء. فالمعنى: وغيرِ الذين ضلُّوا عن سبيل الحق.\nولم يقل: \"ولا الذين أضللتَ\"، لنحو ما تقدَّم، وللتنبيه على أنَّ أصلَ الضلال إنما يجيء من العبد نفسه، فأما إضلالُ الربِّ ﷿ لمن شاء، فإنما يقع عقوبةً لمن اختار الضلال لنفسه وأصرَّ عليه. قال تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]. وسيأتي ــ إن شاء الله تعالى ــ الكلام على ذلك (^١).\nهذا وقد جاء عن النبي - ﵌ - وعن جماعة ممن بعده من الصحابة والتابعين أنَّ المراد بالمغضوب عليهم: اليهود، وبالضالِّين: النصارى (^٢). وفي القرآن ما يشهد لذلك. وهو الذي يقتضيه السياق، لأنه قد تقدَّم ذكرُ الذين أنعم الله عليهم، وبيَّن أنَّ رؤوسهم الأنبياء ثم أتباعهم. وقد عُرف أنَّ اليهودَ كان أوائلُهم من أتباع الأنبياء كموسى وهارون، وكان فيهم بعد ذلك عدد من الأنبياء، وأنَّ النصارى من أتباع عيسى مع اتباعهم لموسى وهارون ومَن بعدهما، وأواخر الأمتين يزعمون أنهم كأوائلهم ومعروفون بين الناس أنهم في الجملة من أتباع الأنبياء= فقد يُتوهَّم دخولُ اليهود والنصارى في المنعَم عليهم، فربَّما يحمل ذلك على اتباعهم في بعض الأشياء توهُّمًا من الصراط المستقيم. هذا مع كثرة ملابسة المسلمين لهاتين الأمتين.\n_________\n(^١) لم أجده في الأصل.\n(^٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (١/ ١٨٥ ــ ١٨٨)، (١/ ١٩٣ ــ ١٩٥).","vol":"7","page":127},{"text":"[ل ٦٥/ب] فاقتضت الحكمةُ أن يبيِّن الله ﷿ لعباده خروجَ اليهود والنصارى عن المنعَم عليهم، وبيِّنٌ سببُ ذلك، وهو أنَّ اليهود خرجوا في الواقع عن الصراط المستقيم الذي كان عليه موسى وهارون ومَن بعدهما من الأنبياء خروجًا أوجَبَ عليهم الغضبَ، وأنَّ النصارى خرجوا عن الصراط المستقيم الذي كان عليه عيسى والأنبياء من قبله، وضلُّوا الضلالَ البعيدَ. فعُلِمَ بذلك أنَّ ما هم عليه مخالفٌ للصراط المستقيم وأنَّ ما بأيديهم من\nالكتب لا يوثق بها.\nوزعم جماعة من المتأخرين (^١) أن الأَولى حملُ المغضوب عليهم والضالين على العموم، أي كُلِّ مغضوب عليه وكلِّ ضالٍّ.\nوأقول: لا حاجة إلى هذا؛ لأنه مع مخالفته للمأثور، ومخالفته للسياق، وإخلاله ببعض الفوائد المتقدمة، ليس فيه فائدة. على أنَّ حاصله حاصلٌ أيضًا مع التفسير المأثور، فإنه إذا عُلِمَ أنَّ اليهودَ مغضوبٌ عليهم، لا منعَم عليهم، فصراطُهم مخالفٌ للصراط المستقيم، فعلى المسلم الحذرُ مما هم عليه؛ وأنَّ النصارى ضالُّون غيرُ منعَم عليهم، فكذلك كان في ذلك تنبيه (^٢) على أنَّ كلَّ من تحقَّق أنه مغضوب عليه أو ضالٌّ، فالحال فيه كذلك. والله الموفق، لا إله إلا هو.\n* * * *\n_________\n(^١) في الأصل: \"المتأخرون\"، سهو.\n(^٢) في الأصل: \"تنبيهًا\"، سهو.","vol":"7","page":128},{"text":"مسألة\nقال ابن جرير (^١): \"اختُلِف في صفة الغضب من الله جلَّ ذكرهُ، فقال بعضهم: غضبُ الله على من غضِبَ عليه من خلقه إحلالُ عقوبته بمن غضِبَ عليه ... وقال بعضهم: غضبُ الله على من غَضِب عليه من عباده ذمٌّ منه لهم [ولأفعالهم] (^٢) وشتمٌ منه لهم بالقول. وقال بعضهم: الغضب معنى مفهوم كالذي يُعرف من معاني الغضب، غيرَ أنه وإن كان كذلك من جهة الإثبات، فمخالفٌ معناه [منه] معنى ما يكون مِن غضب [الآدميين] الذين يُزعجهم ويُحرِّكهم ويَشُقُّ عليهم ويؤذيهم، لأنَّ الله جلَّ ثناؤه لا تحلُّ ذاتَه الآفاتُ، ولكنه له صفة، كما العلمُ له صفةٌ، والقدرة له صفة، على ما يُعقَل من جهة الإثبات، وإن خالفتْ معاني ذلك معانيَ علوم العباد، التي هي معارف القلوب وقواهم التي تُوجَد مع وجود الأفعال وتُعدَم مع عدمها\".\nأقول: القولان الأولان كأنهما لبعض معاصريه أو متقدِّميه قليلًا ممن خاض في هذه الأشياء. فأمَّا السلفُ فلم يشتبه عليهم الأمر، لأنَّ معنى الغضب في حدِّ ذاته معنى مكشوف، والعرب تفهمه مطلقًا، ثم تنسبُه وتفهم نسبتَه إلى من اتصف به على حسب ما يليق به. وقد علموا أنَّ الربَّ ﷿ ليس من جنس خلقه، فلا يفهمون من نسبة الغضب إليه سبحانه أنَّ غضبه كغضب الإنسان من كل وجه، حتى يلزمَه كلُّ ما يلزم غضبَ الإنسان.\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (١/ ١٨٨ ــ ١٨٩).\n(^٢) ما بين الحاصرتين هنا وفيما يأتي زدته من \"تفسير الطبري\".","vol":"7","page":129},{"text":"ومَن تأمَّل المواقع التي نُسب الغضبُ فيها إلى الربِّ ﷿ في الكتاب والسنَّة علم أنَّ غالبها لا يحتمل التأويل. والله الهادي إلى سواء السبيل.","vol":"7","page":130}]}